غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية لابن عباد النفزي الرندي تاليف الشيخ أبي عبد الله محمد ابن إبراهيم ابن عباد النفزي الرندي المتوفى سنة 792 ه 5 «أ» بسم الله الرحمن الرحيم ترجمة الشارح « 1 » 0 شيخ مشايخ الإسلام » وكعبة القاصدين من الأنام . حجة الله الولي الكامل » والشيخ الفيه العامل » المصنف السالك العارف » المحقق الربّاني » والقطب الفرد الصمداني » ذو العلوم الباهرة » والمحاسن المتظاهرة » سليل الخطباء » ونتيجة العلماء » البليغ الوجيه » النسيب الحسيب . سيدنا ومولانا شيخ الشيوخ » وملاذ أهل التمكين والرسوخ » الشارب من صافي الشراب » والآتي من الحقائق ما أبهر العقول والألباب . وليّ الله الأكبر » وغوث الله الأشهر » مولانا سيدي الشيخ الفقيه الخطيب الخاشع الخاشي » الأستاذ العارف باللّه » مولانا سيدي محمد بن مولانا سيدي عبد الله بن مولانا سيدي مالك بن مولانا سيدي أبي إسحاق إبراهيم بن مولانا سيدي يحيى بن مولانا سيدي النفزي نسبا » الرندي مولدا » الشاذلي طريقة ومشربا » الفاسي مزارا ودارا » الشهير بابن عبّاد » الصوفي الزاهد الولي . ولد - رضي الله عنه وأرضاه - ببلدته رندة « 2 » سبعمائة وثلاثة وثلاثين ( 733 ) ه وكان والده - قدّس سره العالي - من الأولياء » ومن الخطباء » وبها نشأ وحفظ القرآن الكريم » وهو ابن سبع سنوات » فأخذ في تحصيل العلوم ؛ فأخذ علوم أسرار القرآن - من تفسير وقراءة - عن والده » وقرأ عليه كتاب : « قوت القلوب » لأبي طالب المكي » وأجازه بما فيه . وأخذ علم العربية عن خاله » ثم أخذ في طريق التصوف » بعد (1 ) عن كتاب : « طبقات الشاذلية » باختصار . (2 ) وهي مدينة في جنوبي إسبانيا » بالقرب من وادي اللبن » تنتج الغلة والزيت والجلود » كانت من أمنع حصون الأندلس » استولى عليها الأسبان 1485 م » ونشبت ثورة المسلمين ضدهم 1501 م . بها آثار إسلامية رائعة . 2 ب أن امتلاً من العلوم الشرعية ٠‏ فأخذ في المباحثة على الأسرار الإلهية » حتى أشير إليه » وتكلم في علوم الأصول والمقامات » والعلل والآفات » فحل كثيرا من المشكلات وألف تآليف عجيبة » وتصانيف بديعة غريبة وكان - رضي الله عنه - الغالب عليه الحياء من الله تعالى » والتنزل بين يدي عظمته » وتنزيله نفسه منزلة الحشرات » لا يرى لنفسه مزيّة على مخلوق ؛ لما غلب عليه من هيئة الجلال » وعظمة المالك » وشهود المنة . . . وكان مع ذلك آية في التحقق » وكان ذا صمت وسمت » وتجمل وزهد » وتواضع وعفاف » معوّلا في حل المشكلات على فتح العلام العليم » كثير الوقار والحياء » جميل اللقاء » حسن الخلق والخلق » عالي الهمة متواضعا » معظما عند الخاصة والعامة . قال الإمام القسطيني : « كنت إذا طلبته للدعاء احمرٌ وجهه واستحيى كثيرا ويدعو لي ٠»‏ وكان أكثر تمتعه من الدنيا بالطيب والبخور الكثير » ويتولى خدمة نفسه وكان الذي طلبه في وضع الشرح على الحكم العطائية : سيدي أبو زكريا السراج » فلم تسعه مخالفته . وقد قرّب بها - رضي الله عنه - حقائق الشاذلية » كما قرب ابن رشد مذهب الإمام مالك . قال سيدي أحمد بن زرّوق : « شرحت الحكم ستة وثلاثين شرحا » فأبى الله إلا ابن عباد في الظهور والاستعمال » . ورحل رضي الله عنه إلى طنجة وفاس « 1 » وتلمسان « 2 » وقدم إلى سلا فلقي بها الشيخ الحاج الصالح السني الزاهد الورع سيدي أبا العباس أحمد بن عمر بن محمد بن عاشر » الولي المشهور » فأقام معه وصحبه سنين مديدة » وأخذ عنه طريقة الشاذلي » وانقطع إليه ولازم خدمته إلى أن توفي - وكانت وفاته - رضي الله عنه ونفع به - عام : سبعمائة وسبعة وسبعين » ( 777 ) ه فرحل سيدي ابن عباد بعد وفاته إلى حضرة فاس ؛ حرسها الله من كل بأس . وتولى الإمامة والخطابة بمسجد القرويين من حضرة فاس » ومكث بها خمسة عشر عاما : يدرس ويخطب ويعظ الناس » وله خطب مدونة بالمغرب مشهورة بأيدي الناس » يقرءونها فيما يتعلق بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - بين يدي , السلطان تبركا » وله - رضي الله عنه - تلامذة أخيار مباركون . وكان - رضي الله عنه - مما منّ الله به عليه : تألف قلوب الصغار » فهم يحبونه محبة تفوق محبتهم لآبائهم وأمهاتهم » وينتظرون خروجه للصلاة » وهم عدد كثير » يأتون من كل درب ومن المكاتب البعيدة » فإذا رأوه : ازدحموا على تقبيل يديه » وكذا كان ملوك زمانه يزدحمون عليه » ويتذللون بين يديه » وكان إذا خطب في الناس أبكاهم (1 ) إحدى مدن المملكة المغربية . كانت عاصمة المغرب بها جامعة القرويين المشهورة . اح كدا التر ا « ج » وصغيرا ء وكثيرا ما كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة "إذا جاءً نَصْرٌ الَّهِ وَالَْنَحُ " سورة النصر ء وكان يجتمع عموم أهل المغرب يوم الجمعة للصلاة وراءه حتى السلطان وحاشيته وأتباعه » حتى لم يبق بالمسجد مكان خال من الناس » ورفع بعض أهل المغرب تظلما من الوالي » فخطب بحضرة الوالي والشهود : فقال : « من الأمور المستحسنة أن لا يبقى لوالى سنة » فكان كما قال . وكان شيخه - رحمه الله - يقول : « ابن عباد أمة وحده » » ويشير إليه » وكان - رحمه الله - يشيد بذكره ويقدمه على سائر أصحابه » ويأمرهم بالأخذ عليه والانتفاع به » والتسليم له ويكرر قوله : « ابن عباد أمة وحده » . ولا شك أنه كذلك , , . وخ رحد سدح اهن ددن بدكة رمام الشافقي مضيو شرفي د روه شقلا بد يانه العصر يوم الجمعة بداره » في الرابع من شهر رجب سنة سبعماتة واثنين وتسعين ( 792 ) ه بكدية البراطل » من داخل باب الفتوح » ولما احتضر جعل رأسه في حجر أبي القاسم من أصحابه » وأخذ يقرأ آية الكرسي ء إلى أن وصل إلى « الحيّ القيوم » » فصار يكررها » فلقنه بعض الحاضرين بقية الآية الشريفة : ظنا منه أنه غير قادر على إتمامها » فقال رضي الله عنه بلسان فصيح : ما عودوني أحبّائي مقاطعة ....... بل عودوني إن قاطعتهم وصلوا . وكان هذا آخر كلامه - رضي الله عنه - وأمدتا بأسراره . وحضر جنازته السلطان أمير المسلمين » أبو العباس أحمد » وخواص أتباعه » و « فاس العتيق » التي هي محل الأعلام من الخاص والعام » و « فاس الجديد » التي هي محل الأمراء والأعيان » وأرباب المناصب وذوي الشأن . وبعد أن دفنوه - رضي الله عنه - همت العامة بكسر نعشه : تبرّكا به . ومقامه من الأماكن التي يستجاب فيها الدعاء » وعليه قبة مبنية معقودة » وضريح يزوره الكبير والصغير » ويتوسل إلى الله به الغني والفقير » وذو الحاجة والعليل وها استكار به احد إلا أجاره , وله - رضي الله عنه - كلام في التصوف عال » فمن أراد الوقوف عليه فليراجع تآليفه » وقد ترجم له ضضم 72777707077077 : الإمام سيدي أحمد بن زرّوق » ألف كتابا مستقلا في مناقبه وفضائله . وما ذكرنا إلا نقطة من بغر مثلاطم الأمواج:» نفحائله لا تحصى وسافيه لا نتقصي © فهو بعر محيط لا ساحل له . « د » اللهمّ إنَا نسألك بسرّه لديك » ومكانته عندك » يا الله يا الله : أن تمدنا بأسراره » وتنفحنا بأنواره » وتميتنا على حبّه وحب أوليائك وأحبّائك . يا الله » اللهمّ إنا قد رفعنا حوائجنا إليك يا الله » فبسره لا تردّنا خائبين ٠‏ واجعلنا من الذين تجري من تحتهم الأنهار » في جناب النعيم » واجعل آخر دعوانا : أن الحمد لله رب العالمين » امين أمين . لا أرضى بواحدة حتى أقول ألف أمين » . :.« 03 » بسم الله الرحمن الرحيم [ مقدمة المؤلف ]. . قال العبد الفقير إلى الله تعالى » المعتمد في غفران ذنوبه على الله » محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم بن عبّاد النفزي الرندي » لطف الله به : الحمذ لله المتقرد بالعظمة والجلال ٠‏ المتوحة باستحقاق توت الكمال » المنز عن الشركاء والنظراء والأمثال ؛ المقدّس عن سمات الحدث من التغير والانتقال والاتصال والانفصال » عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال » والصلاة والسلام على سيدنا محمد الهادي من الضلال » وعلى آله وأصحابه الذين خلصت لهم الأعمال » وصفت لهم الأحوال » وعلى جميع من اتّبعهم فيما لهم من محامد الصفات ومحاسن الخلال » وسلّم تسليما كثيرا . أما يعد - فإنا لما رأينا كتاب « الحكم » المنسوب إلى الشيخ الإمام المحقق العارف المكاشف الوليّ الرباني أبي الفضل تاج الدين أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري » رضى الله عنه ونفعنا به » من أفضل ما صنف في علم التوحيد » وأجلّ ما اعتمده بالتفهّم والتحفظ كلّ سالك ومريد . لكونه صغير الجرم » عظيم العلم » ذا عبارات رائقة » ومعان حسنة فائقة » قصد فيها إلى إيضاح طريق العارفين والموحدين » وإبانة مناهج السالكين والمتجردين » أخذنا في وضع تنبيه يكون كالشرح لبعض معانيه الظاهرة » وكالكشف للمعة بسيرة من أنواره الباهرة » ولا قدرة لنا على استيفاء جميع ما اشتمل عليه الكتاب » وما تضمنه من لباب اللباب ؛ لأن كلام الأولياء والعلماء باللّه منطو على أسرار مصونة » وجواهر حكم مكنونة » لا يكفشها إلا هم » ولا تتبين حقائقها إلا بالتلقي عنهم . ونحن في هذه الكلمات التي نوردها » والمناحي التي نعتمدها غير مدّعين لشرح كلام المؤلف » ولا أنّ ما نذكره فيه هو حقيقة مرادهم حسبما يفعله كل مصنف ء فإنا إن ادعينا ذلك كان منا إساءة أدب ٠»‏ تئول بنا » والعياذ بالله » إلى العطب , وكنا قد تعرضنا للخطر والضرر » في تعاطي ما لا يليق بنا من شرح كلام السادة من أهل الله تعالى من غير خوف ولا حذر » وإنما نورد ذلك على حسب ما فهمناه من كلامهم » وما انتهى إلينا » 04 « علمه من مذاهبهم ؛ فإن وافقنا فيه حقيقة الأمر» وعثرنا على مكنون السر » كان ذلك من النعم التي لا نحصى لها شكرا » ولا نقدّر لها قدرا » وإن خالفنا ذلك ولم نهتد إلى تلك المسالك » أحلناه على نقصنا وجهلنا » وانتفى عنا التغرير بقولنا وفعلنا » واقتصر الأمر في ذلك علينا » وكانوا هم مبرّئين مما قلنا ونوينا » فلا جرم إذ كان هذا مقصدنا لوجود السلامة التي جعلناها معتمدنا ؛ فينبغي لنا أن نقدم أولا كلام المؤلف » رحمه الله تعالى » مستوفى » ثم نتبعه كلامنا بصيغة الخبر والدعوى ٠‏ فنأتي فيه بعبارة أبسط من عبارته » وإشارة أجلى من إشارته » ليفهم بذلك ما عندنا في تفسير ما ذكره » لا أنه تفسيره حقيقة مقررة » ونذكر في أثنائه كثيرا مما ناسب عندي من الكلام المنبه عليه ؛ لتتم بذلك الفائدة في الغرض المتوجه إليه » وما ظهر لنا في كلامه من تكرار معان » وتداخل فروع ومبان رأينا التنبيه عليه كالفرض » وأحلنا بعضه على بعض . وعلى الناسخ لهذا المجموع أن يتّبع فيه ما رسمناه » ويكتب نصّ كلام المؤلف يصبغ يخالف لونه لون ما يكتب به سواه » أو يكتبهما بقلمين مختلفين في الغلظ والرقة » ويوفى في ذلك كلا منهم حفه » ليكون ذلك أقرب إلى حصول المرام في استخراج فائدة ترتيب الكلام » والله الموفق لا ربّ عرد ولا عير جره , والذي حملني على وضعه » وتكلف تصنيفه وجمعه » بعد تقدّم إرادة الله تعالى التي لا تغلب » وتقديره الذي ليس للعبد منه منجى ولا مهرب ٠‏ ثم الرأي الذي رأيناه من المطالب والمقاصد المعظمة » ونبهنا عليه في صدر هذه المقدمة » إلحاح بعض الأصحاب في ذلك عليّ » وتردادهم بالمسألة إليّ ؛ لكونهم على اعتقاد صحيح في هذه الطريقة » ومحبّة خالصة لأهل الحقيقة . فأسعفتهم بما طلبوه » وحققت لهم الأمل فيما رغبوه » كما شاء الله تعالى وحكم » وقضى به علينا وحتم » نفعنا الله وإيّاهم بما يجري منه على يدينا » ولا جعله حجّة عليهم ولا علينا » ونحن نستغفر الله تعالى مما تعاطيناه من الأمر العظيم » واقتحمناه من الخطر الجسيم » ونستعيذ به من الوقوع في حبائل العدوٌ الرجيم » ونسأله توفيقا يقف بنا على جادّة الاستقامة » ويصرفنا عن العمل بما يعقب ملامة أو ندامة » ونرجوه مع هذا إذ منّ علينا بالانتماء إلى مذاهبهم » والانتساب إلى كريم مناسبهم , والتعلّق بأذيالهم » ومحاولة النسج على منوالهم » ورزقنا شيئا من تعظيمهم وحبّهم » وقسطا من تكريمهم وبرّهم » أن لا يحرمنا من شفاعتهم ولا يخرجنا من كنف ولا يتهم ؛ » 05 « اللهم إنا نتوسل إليك بحبّهم » فإنهم أحبّوك . ولم يحبوك حتى أحببتهم » فبحبّك إِيَاهم وصلوا إلى حبّك » ونحن لم نصل إلى حبهم فيك إِلّا بحظنا منك » فتمم لنا ذلك حتى نلقاك يا أرحم الراحمين » وصلى الله على سيدنا محمد ومولانا محمد خاتم النبيين » وعلى آله الطيبين الطاهرين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم عليهم تسليما كثيرا . وهذا حين ابتدائي وباللّه التوفيق » ومنه الهداية إلى سواء الطريق .[ من علامة الاعتماد على 1 - قال المؤلف قدّس الله سرّه : ( من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل .) أقول ٠‏ الاعتماد على الله تعالى نعت العارفين الموحكدين ٠»‏ والاعثماد على غيره وصفه الجاهلين الغافلين كائنا ما كان ذلك الغير حتى علومهم وأعمالهم وأحوالهم . أما العارفون الموحّدون فإنهم على بساط القرب والمشاهدة ناظرون إلى ربهم » فانون عن أنفسهم ؛ فإذا وقعوا في زلّة أو أصابتهم غفلة » شهدوا تصريف الحقّ تعالى لهم » وجريان قضائه عليهم كما أنهم إذا صدرت عنهم طاعة » أو لاح عليهم لائح من يقظة » لم يشهدوا في ذلك أنفسهم » ولم يروا فيها حولهم ولا قوّتهم ؛ لأن السابق إلى قلوبهم ذكر ربّهم » فأنفسهم مطمئنة تحت جريان أقداره » وقلوبهم ساكنة بما لاح لها من أنواره » ولا فرق عندهم بين الحالين ؛ لأنهم غرقى في بحار التوحيد » قد استوى خوفهم ورجاؤهم » فلا ينقص من خوفهم ما يجتنبونه من العصيان ١‏ ولا يزيد في رجائهم ما ياتون به من الإحسان . قال « شارح المجالس » : « العارفون قائمون باللّه قد تولى الله أمرهم » فإذا ظهرت منهم طاعة لم يرجوا عليها ثوابا ؛ لأنهم لم يروا أنفسهم عمّالا لها » وإن ظهرت منهم زلّة فالدية على العاقل »لم يشاهدوا غيره في الشدة والرخاء قيامهم بالله ونظرهم إليه » وخوفهم : هيبته » ورجاؤهم : الأنس به »اه . وأما غيرهم فبقوا مع نفوسهم في نسبة الأعمال والأفعال إليها » وطلب الحظّ لها وعليها ؛ فاعتمدوا على أعمالهم وسكنوا إلى أحوالهم » فإذا وقعوا في زلّة نقص بذلك رجاؤهم » كما أنهم إذا عملوا طاعة جعلوها من أعظم عددهم » وأقوى معتمدهم » فتعلّقوا بالأسباب » وحجبوا بتصرّفهم بها عن رب الأرباب ؛ فمن وجد هذه العلامة في نفسه فليعرف منزلته وقدره » ولا يتعدّ طوره » فيدّعي مقامات الخاصة من المقرّبين » وإنما هو من عامّة أصحاب اليمين . وستأتي إشارات إلى هذا المعتى في مواضع من كلام المؤلف" » قذس اللداسراه . . » 06 « وقد ذكر الشيخ « أبو عبد الرحمن ن السلمى « 1 » » و « الحافظ أبو نعيم الأصبهاني « 2 » » عن « يوسف بن الحسين الرازي « 3 » » رضى الَّه عنهم أنه قال : « عارضني بعض الناس في كلام وقال لي : لا تستدرك مرادك من عملك إلا أن تتوب » فقلت مجيبا : لو أنّ التوبة تطرق بابي ما أذنت لها » على أني أنجو بها من ربّي » ولو أن الصدق والإخلاص كانا عبدين لي لبعتهما زهدا مني فيهما ؛ لأني إن كنث عند الله في علم الغيب سعيدا مقبولا لم أتخلف باقتراف الذنوب والمآثم » وإن كنت عنده شقيا مخذولا لم تسعدني توبتي ولا إخلاصي وصدقي ء وإن الله خلقني إنسانا بلا عمل ولا شفيع كان لي إليه وهداني لدينه الذي ارتضاه لنفسه » فقال تعالى :ِوَمَنْ يَبْنَعْ غَيْرَ الإْلام ديناً قن يُقبْلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةٍ مِنَ الْخَاسِرِينَ[ آل عمران : 85 ] . فاعتمادي على فضله وكرمه أولى به إن كنت حرا عاقلا من اعتمادي على أفعالي المدخولة « 4 » وصفاتي المعلولة ؛ لأن مقابلة فضله وكرمه بأفعالنا من قلَّة معرفتنا بالكريم المتفضل » . قلت : وهذه الحكاية وأمثالها ربما تقرع سمع من لا حقيقة عنده من طريق القوم » فينكر معناها ولا يعتقده أو يسلمه ويدّعيه مقاما لنفسه » وكلتا الحالتين مؤدّية بصاحبها إلى ضرر وخطر » فليتق الله تعالى عبد ليس له بصر في هذه الطريقة أن ينكر ما ذكرناه فبقع في الاعتراض على السادة والأولياء » وفي ذلك بعده عن الله تعالى » أو يدّعيه مقاما لنفسه من غير أن يستظهر عليها ويتوثق منها » ويزنها بالمعيار الذي نبهنا عليه . ومحال وجود ذلك (1 ) محمد بن الحسين بن محمد بن موسى الأزدي السلمي النيسابوري ؛ أبو عبد الرحمن » من علماء المتصوفة » كان يضع الأحاديث للصوفية . بلغت تصانيفه مئة أو أكثر منها « حقائق التفسير » مختصر . و « مناهج العارفين » و « رسالة الملاقية » وغير ذلك » مولده ووفاته في نيسابور . ( 325 - 412 ه - 936 - 1021 م ) . ( الأعلام 6/ 99) . (2 ) أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد الأصبهاني ( 336 - 430 ه - 948 - 1038 م ) أبو نعيم : حافظ » مؤرخ من الثقات في الحفظ والرواية . ولد ومات في أصبهان . من تصانيفه « حلية الأولياء وطبقات الأصفياء » و« معرفة الصحابة » وغيرهما . ( الأعلام 1 / 157 » ولسان الميزان 1 / 201 » ووفيات الأعيان 1 / 91 - 92 » وكشف الظنون 2 / 689 ) . جا ا بل ع 1 وا رس نير و و عه مه صوفي من العلماء الأدباء » كثير السياحة . كان شيخ الري والرجال في وقته » وفيهم من يصفه بالزندقة وهو من أقران ذي النون المصري . ( الأعلام 8 / 227 » وطبقات الشعراني 1 / 105 » والرسالة القشيرية ص 414 ) . ( 4 ) دخل فلان : أصابه الفساد في عقله أو جسمه » 07 « ممن لم يصحح مقام الفناء عن النفس » فيرتكب حينئذ مساخط الله تعالى ويتعدى حدوده » ويجعل ذلك ححة لانفسه غلطا وجهلا ,و هذا باب من الز ندقة و العياذ يالل سبحانه وتعالى : 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: [ إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية » وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية . ] الأسباب هاهنا » عبارة : عمًا يتوصّل به إلى غرض ٠.‏ مما ينال في الدنيا . والتجريد » عبارة : عن عدم تشاغله بتلك الأسباب [ الدنيوية ] ؛ لأجل ذلك . فمن أقامه الحق تعالى في الأسباب » وأراد هو الخروج منها » فذلك من شهوته الخفيّة » وإنما كانت من الشهوة لعدم وقوفه مع مراد الله تعالى به وإرادته هو خلاف ذلك . وإنما كانت خفية » لأنه لم يقصد بذلك نيل حظ عاجل . وإنما قصد بذلك التقرّب إلى الله تعالى بكونه على حال هي أعلى بزعمه » لكن فاته الأدب بعدم وقوفه مع مراد الله تعالى من إقامته إيّاه فيما أقامه فيه » وتطلّعه إلى مقام رفيع لا يليق به في الوقت . وعلامة إقامته إِيّاه في الأسباب أن يدوم له ذلك [ أي : التفاته وطلبه ] وإن تحصل له ثمرته ونتيجته » وذلك بأن يجد عند تشاغله بالأسباب سلامة في دينه » وقطعا لطمعه عن غيره » وحسن نيّة في صلة رحم » أو إعانة فقير معدم » إلى غير ذلك من فوائد المال المتعلّقة بالدين . ومن أقامه الحقّ تعالى في التجريد وأراد هو الخروج منه إلى الأسباب » فذلك انحطاط همّته وسوء أدبه » وكان واقفا مع شهوته الجليّة ؛ لأن التجريد مقام رفيع أقام الحقّ تعالى فيه خواصّ عباده من الموحّدين والعارفين » فإذا أقامه الحقّ تعالى مقام الخواصّ فلم ينحط عن رتبتهم إلى منازل أهل الانتقاص ؟ ! قال الشيخ « أبو عبد الله القرشي » رضي الله عنه : « من لم يأنف من مشاركة الأنداد في الأسباب فهو خسيس الهمّة » وعلامة إقامته إِيّاه في التجريد ما ذكرناه من الدوام ووجدان الثمرة “قسن تتراث ذلك طيتب رفت التكدر د وصفاء فلية )رووهدان ب لكنةمن كائهه الفلق ومخالطتهم . والهمة : حالة للقلب » وهي : قوة إرادة » وغلبة انبعاث إلى نيل مقصود ما ء وتكون عالية » إن تعلّقت بمعالي الأمور ؛ وسافلة » إن تعلّقت بأدانيها » قال الشاعر وأجاد : وقائلة لم علتك الهموم .... وأمرك ممتثل في الأمم فقلت : ذريني على حالي ..... فإن الهموم بقدر الهمم » 08 « وقال الآخر : إذا عطشتك أكفت اللثام ...كفتك القتاعة قتعا وريا فكن رجلا رجله في الثرى ..... وهامة همته في الثريًّا « 1 » فإ إراقة ماء الحياة ع لفون إن اقشكاء المكذا وما ذكرته من معاني الإقامة في نوعي الأسباب والتجريد هو شيء فهمته مما يقوله بعد هذا ( من علامة إقامة الحقّ لك في الشيء إدامته إِيّاك فيه مع حصول النتائج ) واللّه أعلم . وقد ذكر في « التنوير » « 2 » هذه المسألة بنصّها حاكيا عن هذا الكتاب » وقال بأثره : « وافهم - رحمك الله - أن من شأن العدوٌ أن يأتيك فيما أنت فيه مما أقامك الله فيه فيحقرّه عندك لتطلب غير ما أقامك الله فيه » فيشوّش عليك قلبك ٠‏ ويكدّر وقتك ؛ وذلك أنه يأتي للمتسببين . فيقول لهم : لو تركتم الأسباب وتجردتم لأشرقت لكم الأنوار » ولصفت منكم القلوب والأسرار » وقائلا أيضا : وكذلك صنع فلان وفلان » ويكون هذا العبد ليس مقصودا بالتجريد » ولا طاقة له به » إنما صلاحه في الأسباب » فيتركها » فيتزلزل إيمانه » ويذهب إيقانه » ويتوجّه إلى الطلب من الخلق » وإلى الاهتمام بأمر الرزق فيرمى في بحر القطيعة » وذلك قصد العدوٌ منه » لأنه إنما يأتيك في صورة ناصح كما أتى أبويك فيما أخبر الله تعالى عنه » وقال. زما نَهاكُما رَبّكُما عَنْ هذِهٍ التدّجرَةٍ إِلّا أن تَكُونا مَلَكَيْنِ أو تَكُونا مِنَ الْخَالِدِينَ » وَقاسَمَهُما إِنَي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ[ الأعراف : 1 ] كما تقدّم بيانه . وكذلك يأتي المتجردين » ويقول لهم : إلى متى تتركون الأسباب ؟ ! ألم تعلموا أن ترك الأسباب تتطلّع معه القلوب إلى ما في أيدي الناس ويفتح باب الطمع » ولا يمكنكم الإسعاف والإيثار » ولا القيام بالحقوق وعوض ما تكون منتظرا ما يفتح الله به عليك من الخلق » فلو دخلت في الأسباب بقي غيرك منتظرا ما يفتح الله به عليك منك إلى غير ذلك . ويكون هذا العبد قد طاب وقته » وانبسط نوره ووجد الراحة بالانقطاع عن الخلق » فلا يزال به حتى يعود إلى الأسباب » فتصيبه كدورتها » وتغشاه ظلمتها » ويعود الدائم في (1 ) الثرى : التراب أو الندي منه . الثريا : مجموعة من النجوم أو المصابيح . (2 ) كتاب « التنوير في إسقاط التدبير » أوله الحمد لَه المنفرد بالخلق والتدبير . . . إلخ ذكر أنه ألفه بمكة المكرمة ثم استدرك عليه بدمشق وزاد فيه فوائد ولم يرتب وإنما هو كلمات من حيث الورود . قال : إذا طالعه المريد الصادق عرف أن المتلوث لا يصلح للحضرة القدسية . ( كشف الظنون 1 / 502 ) . » 09 « سببه أحسن حالا منه ؛ لأن ذلك ما سلك طريقا » ثم رجع عنها » ولا قصد مقصدا ثم انعطف عنه « 1 » » فافهم » واعتصم باللّه » ومن يعتصم باللّه فقد هدى إلى صراط مستقيم . وإنما قصد الشيطان بذلك أن يمنع العباد الرضى عن الله تعالى فيما هم فيه » وأن يخرجهم عن مختار الله لهم إلى مختارهم لأنفسهم » وما أدخلك الله فيه تولى إعانتك عليه » وما دخلت فيه بنفسك وكلك إليك وَل رَبٌ أَدَخِلَنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ؛ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدْنكَ سُلطاناً تصيراً[ الإسراء : 80 ]. فالمدخل الصدق : أن تدخل فيه [ بربّك ] » لا بنفسك » والمخرج الصدق أيضا كذلك » فافهم . والذي يرتضيه الحقٌّ أمنك أن تمكث حيث أقامك » حتى يكون الحق سبحانه هو الذي يتولى إخراجك كما تولى إدخالك » وليس الشأن أن تترك السبب ؛ بل الشأن أن يتركك السبب . قال بعضهم : « تركت السبب كذا كذا مرة » فعدت إليه » ثم تركني السبب » » فلم أعد إليه » . ودخلت على الشيخ - رضي الله عنه - وفي نفسي العزم على التجريد قائلا » في نفسي » إن الوصول إلى الله تعالى على هذه الحال بعيد من الاشتغال بالعلوم الظاهرة ووجود المخالطة للناس ؛ فقال من غير أن أسأله : صحبني إنسان مشتغل بالعلوم الظاهرة ومتصدّر فيها فذاق من هذه الطريقة شيئا » فجاء إليّ » فقال يا سيدي أخرج عما أنا فيه وأتفرغ لصحتبك ؟ فقلت له : ليس الشأن ذا » ولكن امكث فيما أنت فيه وما قسم الله لك على أيدينا فهو إليك واصل » ثم قال الشيخ ونظر إليّ : وهكذا شأن الصديقين لا يخرجون من شيء حتى يكون الحق سبحانه هو الذي يتولى إخراجهم فخرجت من عنده » وقد غسل الله تلك الخواطر من قلبي . ووجدت الراحة في التسليم إلى الله تعالى ؛ ولكنهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هم القوم لا يشقى بهم جليسهم » « 2 » انتهى كلامه في التنوير في هذا المعنى » وهو كلام حسن ٠‏ وإنما أثبتناه هاهنا على طوله » لأنه تولى فيه بيان مسألته التي ذكرها في هذا الكتاب بنفسه بيانا شافيا » فنقلناه بلفظه » ووددنا لو أن جميع مسائله تكون هكذا . (1 ) انعطف : مال وانحنى وانثنى . (2 ) أخرجه البخاري ( دعوات » 66 ) » والترمذي ( دعوات » 129 ) . 10 » 10 « 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : [ سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار ] الهمم السوابق » هي : قوى النفس التي تنفعل بها بعض الموجودات بإذن الله تعالى » وتسميها الصوفية « همّة » فيقولون : أحال فلان همّته على أمر ما فانفعل له ذلك » وهذه الهمم السابقة لا تنفعل الأشياء عنها إلا بالقضاء والقدر » وهو معنى قولنا بإذن الله تعالى : فهي على حال سبقيتها ونفوذها لا تخرق أسواء الأقدار ولا تنفذها . وهذه الهمم قد تكون للأولياء كرامات » وقد تكون لغيرهم استدراجا ومكرا . كما تكون للعائن « 1 » والساحر . قد ثبت أن العين حق » والسحر حق ٠‏ ومعناه ما ذكرناه . وحاصل ذلك أنه يجب أن يعتقد أنها أسباب لا تأثير لها ولا فاعلية » وأن الفاعل هو الله وحده [ وجد الفعل ] عندها لا بها . وكأن المؤلف رحمه الله إنما أورد هذه المسألة بين يدي كلامه في « التدبير » ليعرفك بذلك أن وجود التدبير لا جدوى له ولا فائدة ؛ لأن الهمة الفعّالة إذا لم تفد في خرق أسوار الأقدار شيئا فكيف يفيد في ذلك التدبير ؟ وما لا فائدة فيه فضول لا ينبغي أن يتشاغل به » ويتعب به ذوو العقول ؛ 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : تدبير الخلق لأمور دنياهم على الوجه الذي نقوله مذموم » لأن الله تعالى قد تكفل لهم بذلك » وقام به عنهم » وطلب منهم أن يفرغوا قلوبهم منه » ويقوموا بحق عبوديته ووظائف تكليفاته فقط , وهو أن يقدر العبد لنفسه شؤونا يكون عليها من أمر دنياه على ما تقتضيه شهوته وهواه » ويدبر ولعل أكثر ما يقدره لا يقع ؛ فيخيب ظنه » ويبطل سعيه » ثم فيه من ترك العبودية ومضادة أحكام الربوبية ومنازعة القدر » وإضاعة العمر ما يحمل العاقل على تركه واجتنابه وقطع مواده وأسبابه . قال سهل بن عبد الله « 2 » رضي الله عنه : « ذروا التدبير والاختيار فإنهما يكدران على الناس عيشهم » . قال سيدي أبو الحسن الشاذلي : « إن كان ولا بد من التدبير فدبروا أن لا تدبروا » : وهذه المسألة أساس طريق القوم » بل هي جملته وكليته » والكلام فيها طويل (1 ) العائن : الذي يصيب بالعين . (2 ) سهل بن عبد الله بن يونس التستري ( 200 - 283 ه - 815 - 896 م ) أبو محمد أحد أئمة الصوفية وعلمائهم والمتكلمين في علوم الإخلاص والرياضيات وعيون الأفعال . له كتاب في « تفسير القرآن » مختصر وكتاب « رقائق المحبين » وغير ذلك . ( الأعلام 3 / 143 » وطبقات الشعراني 1 / 66 » وحلية الأولياء 10 / 189 » ووفيات الأعيان 2 / 429 - 430 »؛ وتهذيب الكمال 13 / 330 » والرسالة القشيرية ص 400 ) . 11 » 11 « عريكن ؛ وإئما اتتصدرنا فيها على هذا القدن اليسير من الشنيد» لأن المؤلفه : راحفة الله ؛ أفرة في هذا المعنى كتابا سماه « التنوير في إسقاط التدبير » أحسن فيه غاية الإحسان » وقرب الأمر فيه بحيث يستغنى به عما صنف في هذه الطريقة من ديوان » فتحصيله متعيّن على كل مريد ٠. . ها« اه‎ 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: ( اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس البصيرة منك ) . الشيء المضمون للعبد هو رزقه الذي يحصل له به قوام وجوده في دنياه . ومعنى كونه مضمونا : أن الله تعالى تكفّل بذلك وفرّغ العباد عنه » ولم يطلب منهم الاجتهاد في السعي فيه ولا الاهتمام له . | والشيء المطلوب من العبد : هو العمل الذي يتوصل به إلى سعادة الآخرة » والقرب من الله تعالى من عبادات وطاعات . ومعنى كونه مطلوبا أنه موكول إلى اكتساب العبد له واجتهاده فيه » ومراعاة شروطه وأسبابه وأوقاته » بهذا جرت سنة الله في عباده » قال الله عر وجل في المعنى الأول الذي ضمنه للعبد وَكََيْنْ مِنْ دَابَةٍ لا تَحْمِلُ رِرْقَهَا اللَهُ يَرْرْفْها وَإِيَاكْمٍْ العنكبوت : 60 ] . وقال تعالى في المعنى الثاني الذي طلبه منه :ِوَأَنْ لَيْسَ للإنسان إِلّا ما سَعى[ النجم : 39 ] وقد روى في بعض الاثار : أن الله تعالى يقول ل ل بصلحك » . وذكر في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « « 1 » ما بال أقوام يشرّفون المترفين » ويستخفون بالعابدين » ويعملون بالقرآن ما وافق أهواءهم » وما خالف أهواءهم تركوه » فعند ذلك يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض » يسعون فيما يدرك بغير سعي من القدر المقدور والأجل المكتوب والرزق المقسوم » ولا يسعون فيما لا يدرك إلا بالسعي من الجزاء الموفور » والسعي المشكور », والتجارة التي لا تبور . وقال « إبراهيم الخواص » « 2 » : « العلم كله في كلمتين : لا تتكلف ما كفيت » ولا (1 ) أخرجه الطبراني في ( المعجم الكبير 10 / 238 ) ٠‏ والهيثمي في ( مجمع الزوائد 10 / 9 » 234 ) والمتقي الهندي في ( كنز العمال 999 ) » والشجري في ( الأمالي 2 / 206 ) » والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداة 313/26 ) » والسيوطي في ( اللآلىء المصنوعة 2 / 3)ء والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 266 ) » وابن عراق في ( تنزيه الشريعة 2 / 4) ء والشوكاني في ( الفوائد المجموعة 420 ) » وابن الجوزي في ( الموضوعات 3 / 0) »ء وأخرجه صاحب ( ميزان الاعتدال 6248 ) ٠»‏ وابن حجر في ( لسان الميزان 4 / 7 ) وابن أبي حاتم الرازي في ( علل الحديث 1856 ) » وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 5 / 1711 ) . 12 ا بن أحمد بن إسماعيل ( توفي 291 ه - 904 م ) أبو إسحاق الخواص ؛ كان أوحد المشايخ في وقته » من أقران الجنيد » ولد في سر من رأى ومات في جامع الري . له كتب مصنفة ( الأعلام - ش 13 » 12 « ص تضيع ماا ستكفيت » » فمن قام بهذا الأمر على ما ينبغي له من الوجه الذي ذكرناه : من الاجتهاد في الأمر المطلوب منه » وتفريغ القلب من الأمر المضمون له » فقد انفتحت بصيرته » وأشرق ومن عكس هذا الأمر فهو مطموس البصيرة » أعمى القلب » وفعله دليل على ذلك . والبصيرة : ناظر القلب » كما أن البصر : ناظر العين . وناظر القلب إنما ينظر إلى العاقبة » والعاقبة للمتقين » فالتقوى هي التي يجب على العبد أن يجتهد فيها ولا يتوانى » ويقصر عما يمنع منها . ل ل ا اي ور ل اقترن به تقصير فيما أمر به » قال في « التنوير » في قوله تعالى وَأَمُرْ أَهْلَكَ بالصّلاةٍ وَاصْطْبر عَلَيْها لا َسْتَلكَ رِزقاً نخنُ نَرْرُقُكَ[ طه : 132 ] . أي : قم بخدمتنا » ونحن نقوم لك بقسمتنا » وهما شيئان : شيء ضمنه الله لك فلا تهتم به » وشيء طلبه منك فلا تهمله . فمن اشتغل بما ضمن له عما طلب منه فقد عظم جهله واتسعت غفلته » وقلَ أن يتنبه لمن يوقظه »ين حتيق على العيد أن:يشتكل يما اطلك نه عما حنمن لد إذا كان الله سيحانه وتعالئ قد.ر رق أهل الجحود » فكيف لا يرزق أهل الشهود ؟ وإذا كان سبحانه قد أجرى رزقه على أهل الكفران » كيف لا يجري رزقه على أهل الإيمان ؟ فقد علمت أيها العبد أن الدنيا مضمونة لك » 3 العامة : العمل لها » لقوله سبحانه وتعالى :َوَتَرَوَدُوا فَإِنّ خَيْرَ الرَّادٍ اللَفُوى [ البقرة : 197 ] ل كاكار وهر ررب نل مي و لل لع لد أمر الآخرة ؟ ! حتى قال بعضهم : « إن الله تعالى ضمن لنا الدنيا وطلب منا الآخرة » فليته ضمن لنا الآخرة وطلب منا الدنيا » . 6 - لذلك قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك فهو الذي ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك . لا فيما تختاره لنفسك . وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد ). حكم العبد أن لا يختار شيئا على مولاه » ولا يجزم بصلاحية حال من الأحوال له » - 1 / 28 وطبقات الشعراني 1 / 83 وسماه إبراهيم بن إسماعيل » والرسالة القشيرية ص 411 ). 14 » 13 « لأنه جاهل من كل وجه » قد يكره الشيء وهو خير له » ويحب الشيء وهو شر به . قال سيدي أبو الحسن الشاذلي « 1 » رضي الله عنه : « لا تختر من أمرك شيئا » واختر أن لا تختار » وفرّ من ذلك المختار » ومن فرارك ؛ ومن كل شيء إلى الله عز وجل « وربك يخلق ما يشاء ويختار » . ودخل رجل على سيدي أبي العباس المرسي « 2 » » رضي الله عنه » وهو يتألم لما به » فقال ذلك الرجل : عافاك الله يا سيدي . فسكت ولم يجاوبه » ثم سكت ذلك الرجل ساعة » ثم قال : الله يعافيك يا سيدي . فقال له الشيخ أبو العباس : « وأنا ما سألت الله العافية ؟ ! فقد سألته العافية » والذي أنا فيه هو العافية » هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سأل الله العافية وقد قال : ما زالت أكلة خيبر تعاودني » والآن قد قطعت أبهري ٠‏ وهذا سيدنا عمر » رضي الله عنه » سأل الله تعالى العافية » وبعد ذلك مات مطعونا » وسيدنا عثمان رضي الله عنه » سأل الله تعالى العافية وبعد ذلك مات مذور ها »سيدا على رضي انه عقه بال اله العافية ويعة ذلك مالف" مق 5 ) فإذا عالت ابن العافية فاساله العافية من حيت يعلمها لك انها عافية » . اه فعلى العبد أن يسلم نفسه إلى مولاه » ويعتقد أن الخيرة له في جميع ما به يتولاه » وإن خالف ذلك مراده وهواه » فإذا دعا وطلب من مولاه شيئا يرى أن له فيه مصلحة أيقن بالإجابة لا محالة ؛ قال الله عز وجل :وَقال رَبّكُمْ اذَعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُدْ[ِ غافر : 60 ]. وقال تعالى :وَإذا سَأَلَكَ عِبِادِي عَنْي فَإِنّي قَرِيبٌ حت دَعْوَة ةَ الذّاع إذا دعان[ البقرة 0 وعن جابر « 3 » رضي الله عنه قال اتسمعث رسول الله صلى الله علية وسلم يفول + , ما من أحد يدعو (1 ) هو علي بن الشريف عبد الله بن عبد الجبار المغربي نور الدين أبو الحسن المالكي رئيس الطريقة القاذارة المنو فى سقة يك ويخسوين وملمانة “مق تصانيقة الاختص اضن من الفد اند القرآنية والخواص » وغيره . ( هدية العارفين 5 / 709 » والأعلام 4 / 305 » وطبقات الشعراني 2 / 4 ) . (2 ) هو أحمد بن عمر المرسي ( توفي سنة 686 / 1287 م ) أبو العباس شهاب الدين فقيه متصوف من أهل الإسكندرية » لأهلها فيه اعتقاد كبير إلى اليوم . أصله من مرسية في الأندلس . ( الأعلام 1 / 186 ) . ( 3 ) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري ي السلمي » صحابي من المكثرين فى الرواية عن:النين صلى الله عليه وسلم #وروى عنةاجماعة من الصحاية ٠‏ غز اسع غشرة غزوة » وكانت له في أواخر أيامه حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم . روى له البخاري ومسلم وغيرهما 1540 حديثا » وله « مسند » مما رواه عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل . - 15 "1" بدعاء إلا آتاه الله ما سأل أو كف عنه من السوء مثله مثله » ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم » « 1 » . وعن أنس « 2 » رضي الله عنه » عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما من داع يدعو إلا استجاب الله له دعوته » أو صرف عنه مثلها سوءا أو حط من ذنوبه بقدرها » ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم » . فإذن » الإجابة المطلقة حاصلة لكل داع بحق حسبما ورد الوعد الصدق ٠‏ إلا أن الإجابة أمرها إلى الله تعالى يعجلها متى يشاء » وقد يكون المنع وتأخير العطاء إجابة وعطاء لمن فهم عن الله تعالى في ذلك » فلم ييأس العبد من فضل الله تعالى إذا رأى منعا أو تأخيرا » وإن ألحّ في دعائه وسؤاله » وقد يكون تأخير ذلك إلى الآخرة خيرا له » فقد جاء في بعض الأخبار : « يبعث عبد »2 فيقول الله تعالى : ألم آمرك برفع حوائجك إليّ ؛ فيقول : بلى « 3 » ٠»‏ وقد رفعتها إليك » فيقول اللّه تعالى : ما سألت شيا إلا أجبتك فيه » ولكن أنجزت لك البعض في الدنيا » وما لم أنجزه في الدنيا فهو مدّخر لك ». فخذه الآن » حتى يقول ذلك العبد : ليته لم يقض لي حاجة في الدنيا » . وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى النهي عن الاستعجال في إجابة الدعاء في قوله : « يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل فيقول : قد دعوت فلم يستجب لي » « 4 » . وقد دعا موسى وهارون عليهما السلام على فرعون » فيما أخبر الله به عنهما حيث قالا ديكا اطمِدن عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُْدْ عَلى قُلُوبِهِمْ » فلا يُؤْمِنُوا حَنََى يَرَوْا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ يونس : 88 ] . ثم أخبر أنه أجاب دعاءهما في قوله سبحانه وتعالى ف جوت دَعْوَثُكُما , فادنتقيما ولا تتبِعانٌ سبي الْذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ يونس : 89 ] . قالوا : وكان بين قول الله تعالى لهما قد أجيبت دعوتكما وهلاك فرعون أربعون سنة . قال سيدى ابو الحديق الشاذلي 4 رهبي الله حنة» في قرله 'تعالى < فاشقيما أى - ( الأعلام 2 / 104 » والإصابة 1 / 213 » وتهذيب الكمال 3 / 291 ) . (1 ) أخرجه الترمذي في ( السنن 3381 ) » والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 2236 ) » والسوطي فى ر لش لسرن 11 / 196 ., (2 ) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم النجاري الخزرجي الأنصاري ( 10 قه - 93 ه - 2 - 712 م ) أبو ثمامة أو أبو حمزة » صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه . روى عنه رجال الحديث 2286 حديثا » مولده بالمدينة وأسلم صغيرا وخدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قبض . ثم رحل إلى دمشق » ومنها إلى البصرة فمات فيها . وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة . الاعت 2( جم وطقات انس 7 1017 وتيف القدال :3001/3 )1 (3 ) بلى : حرف جواب يأتي بعد النفي فيجعله إثباتا . (4) أخرجه ابن ماجة ( دعاء » 7 ) » ومسلم ( ذكر » 90 ٠‏ 91 ) » والموطأ ( القرآن » 29 ) والترمذي ( دعوات » 114 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 ٠‏ 396 » 3 » 193 »؛ 210 ) . 16 17 "5005 على عدم استعجال ما طلبتما » ولا تَتّبعانٌ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ : وهم الذين يستعجلون الإجابة . وناهيك شرفا وحظا ما يحصل له » بسبب مداومة الدعاء » من الظفر بمحبة الله تعالى » وموافقة رضاه ؛ فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن الله يحب الملحين في الدعاء » «1». وقد جاء في الحديث : « قال جبريل عليه السلام : يا رب عبدك فلان إقض له حاجته » فيقول : دعوا عبدي ؛ فإني أحبّ أن أسمع صوته » رواه أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه لشم ومقتشى هذا أن من القاين من يعندل الله له :نو ال اكاجنة لكر اهة ضيبو قد وقد زوق هذا العغتى أيضنا منضوضا ؛.فليكن اليد خاننا من ذلك عند تعجيل احاية دعاته: قال أبو محمد عبد العزيز المهدوي » رضي الله عنه : « كل من لم يكن في دعائه تاركا لاختياره وراضيا باختيار الحق فهو مستدرج » وهو ممن قيل له : اقضوا حاجته فإني أكره أن أسمع صوته » فإذا كان في دعائه مع اختيار الحق تعالى » لا مع اختيار نفسه » كان مجابا وإن لم يعط » والأعمال بخواتيمها » اه . لعا جد ب اقيم 1 امور ا جم 20 29 وذلك ملل وجود. الاخطرار 4 ذال اله تعاتى : دن يُحِيًا المصنطر إذا ذعاة ز النم ١‏ 62 ] فر الإجابة على وجود الاضطرار . وقال بعض العارفين : « إذا أراد الله أن يستجيب دعاء عبد رزقه الاضطرار في الدعاء » . والاضطرار لا يتحققه العبد من نفسه في جميع حالاته » قال بعضهم : « المضطر الذي إذا رفع إلى الله يده لم ير لنفسه عملا » وهذا حال شريف » ومقام منيف ٠‏ يعزّ على أكثر الناس الوصول إليه » فكيف يتحقق مما ينبني عليه » وفي المسألة التي تأتي بأثر هذا تنبيه على هذا المعنى : 7 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: (لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود , وإن تعين زمنه لئلا يكون ذلك قدحا في (1 ) أخرجه ابن حجر في ( فتح الباري 11 / 95 ) » والألباني في ( إرواء الغليل 3 / 143 ) ؛ والسيوطي في ( جمع الجوامع 5208 ) » وابن حجر في ( تلخيص الحبير 12 / 95 ) » والسيوطي في ( الدر المنثور 5 / 356 ) » والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 287 ) » وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 7 / 2621 ) » والسيوطي الحلبي في ( الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة 46 ) » والألباني في ( السلسلة الضعيفة 637 ) . 18 6 1 بصيرتك , وإخمادا لنور سريرتك) . الحق سبحانه لا يخلف الميعاد » فمن وعده مولاه شيئا » وإن كان معيّن الزمن » ثم لم يقع ذلك الموعود فلا ينبغي أن يشككه ذلك في صدق وعد ربه ؛ ويجوز أن يكون وقوع ذلك الوعد معلقا على امدق شو رق اسدنى الك نعلي لطي ذون القد قعل الج أن كدر من قدوين وجو نادي مع ربّه » ويسكن إليه فيما وعده به ويطمئن إليه ولا يتشكك في ذلك ولا يتزلزل اعتقاده فيه » فمن كان على هذا الوصف فهو عارف بالله تعالى سالم البصيرة » منور السريرة » وإلا فعلى العكس . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : : ( إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها إن قل عملك . فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك . ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك , والأعمال أنت مهديها إليه » وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك ). معرفة الله تعالى هى غاية المطالب ونهاية الآمال والمآرب <ز 1 » ؛ فإذا واجه الله تعالى عبده ببعض أسبابها » وفتح له باب التعرّف له منها » وأوجد له سكينة وطمأنينة فيها » فذلك من النعم الجزيلة عليه » فينبغي أن لا يكترث بما يفوته بسبب ذلك من أعمال البر » وما يترتب عليها من جزيل الأجر » وليعلم أنه سلك يه مسلك الخاصة المقربين » المؤدى إلى حقائق التوحيد واليقين : من غير اكتساب من العبد » ولا بعمل . والأعمال التي من شأنه أن يتلبس بها هي باكتسابه وبعمله » فلا تسلم من دخول الآفات عليها والمطالبة بوجود الإخلاص فيها وقد لا يحصل له ما ومثالة :ها ياب ينه الإنسان مح البلايا والقذائة: الت تتقطن ير 42> عليه لذات الذنيا:» و تمتعه من تكثير أعمال البر » فإنّ مراده أن يستمر بقاؤه في دنياه » طيب العيش ناعم البال » ويكون حاله في طلب سعادة الآخرة حال المترفين المتورعين ؛ فلا تسخو نفسه إلا بالأعمال الظاهرة التي لا كبير مؤنة عليه فيها » ولا مشقة » ولا تقطع عليه لذته ولا تفوته شهوته . ومراد الله منه : أن يطهره من أخلاقه اللئيمة » ويحول بينه وبين صفاته الذميمة » ويخرجه من أسر وجوده إلى متسع شهوده ؛ ولا سبيل له إلى الوصول إلى هذا المقام على غاية الكمال والتمام »؛ إلا بما يضادٌ مراده » ويشوش عليه معتادة » ويكون حاله حينئذ المعاملة بالباطن » ولا مناسبة بينها وبين الأعمال الظاهرة . (1 ) المآرب : ( ج ) المأرب : الأرب والبغية . 19 د فإذا فهم هذا علم أن اختيار الله له ومراده منه خير له من اختياره لنفسه ومراده لها . وقد روى أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه : أنزلت بعبدي بلائي فدعاني » فما طلته بالإجابة وفي حديث أبي هريرة « 1 » رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال الله تبارك وتعالى : إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عوّاد أنشطته من عقالي » وأبدلته لحما خيرا من لحمه » ودما خيرا من دمه » ويستأنف العمل » « 2 » . وروى عن سعيد المقبري قال : سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال الله تبارك وتعالى : ذ إني ابتلى عدي المؤمن »فإذا لم يشكتي إلى عز اده حللك هذه عفدي ويالنه لهعا خير | من لحمه » ودما خيرا من دمه » ثم قلت له : استأنف العمل » " 3 " . قال أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي « 4 » رضي الله عنه : « ولقد مرضت في سالف أيامي مرضة ء فلما شفاني الله تعالى منها مثلت في نفسي ما دبر الله تعالى من هذه العلة في مقدار هذه المدة وبين عبادة الثقلين في قدر أيام علتي » » فقلت : لو خيرت بين هذه العلة وبين أن تكون لي عبادة الثقلين في مقدار مدتها إلى أيهما يميل اختياري ؟ فصحّ عزمي ؛ ودام يقيني » ووقفت بصيرتي ي أن مختار الله تعالى أكثر شرفا » وأعظم خطرا » وأنفع عاقبة » وهي العلّة التي دبرها لي ولا شوب فيه إذ كان فعله » فشتان بين فعله بك لتنجو به وبين فعلك لتنجو به » فلما رأيت ذلك دق في عيني عبادة الثقلين في مقدار تلك المدة في جنب ما أتاني » فصارت العلة عندي نعمة » وصارت النعمة منة وصارت المّنة أملا » وصار الأمل عطفا » فقلت في نفسي : بهذا كانوا يستمرون في البلاء على طيب النفوس مع الحق لهذا الذي كسكس بض للد ور فهذه هي وجهة التعرف التي فتحها الله تعالى له » وحصلت له الغبطة بها » وآثرها (1 ) أبو هريرة : عبد الرحمن بن صخر الدوسي ( 21 ق ه 59 ه / 602 ه - 679 م ) صحابي يتيم . أسلم سنة ( 7 ه ) » ولازم النبي صلى الله عليه وسلم فروى عنه ( 5374 ) حديثا . ولي إمرة المدينة ثم البحرين . ( الرسالة القشيرية ص 101 » والأعلام 3 / 308 » وحلية الأولياء 1 / 376 ) . (2 ) أخرجه البخاري ( إجارة » 16 ) » ( طب » 39 ) وأبو داود ( بيوع » 37 ) » ( طب » 9 )»ء وأحمد بن حنبل ( 4 » 367 » 5 ٠‏ 211 ) . (3 ) أخرجه الدارمي ( مقدمة » 1 ) . (4 ) محمد بن علي بن الحسن بن بشر أبو عبد الله » الحكيم الترمذي ( توفي نحو 320 ٠‏ / 2م ) باحث » صوفي », عالم بالحديث وأصول الدين من أهل « ترمذ » نفي منها بسبب تصنيفه كتابا خالف فيه ما عليه أهلها . له من الكتب « نوادر الأصول في أحاديث الرسول » و « الفروق » وغيرهما . 20 ( الأعلام 6 / 272 ؛ وكشف الظنون 2 / 938 » والرسالة القشيرية ص 400 ) . 21 "1" على عباده الثقلين واللّه اعلم » فإذا أنزل الله تعالى على العبد سينا من البلايا فليستسعر ما ذكرناه » وليجعله نصب عينيه » وليجدّد تذكاره على نفسه حتى يحصل له من السكون والطمأنينة ما يحمل عنه أثقال ذلك » ويزيل عنه مرارته » ويوجد حلاوته وعند ذلك يكون حاله في بلائه حال الشاكرين » من الفرح والاغتباط به » فيرى من حقّ شكره أن يأني بما يمكنه من أعمال بره ؛ واعتبر جميع ما قلناه في هذه المسألة بالحكاية التي ذكرها « أبو العباس ابن العريف » « 1 »» رحمه الله » في كتابه « مفتاح السعادة ومنهاج سلوك طريق الإرادة » قال فيه : « كان بالمغرب - عمره الله بالإسلام - رجل يدعى « أبا الخيّار » رحمه الله ونفعنا بذكره . أصله من « صقلية » « 2 » » وموطنه بغداد » وجاوز سنه التسعين وهو في الرّق « 3 » لم يعتقه مولاه » وذلك منه عن قصد واختيار » وعمّ جسده الجذام » ورائحة المسك توجد منه على مسافة بعيدة . قال الذي حذثني : رأيته يصلّي على الماء » ثم لقيت بعده « محمدا الإسفنجي » فإذا هو الأبرص ء فقلت : يا سيدي ٠‏ كأن الله تعالى لم يجد للبلاء محلا من أعدائه حتى أنزله بكم وأنتم خاصة أوليائه ! ! قال : فقال لي : اسكت ! ! لا تقل ذلك ؛ إِنْه لمّا أشرفنا على خزائن العطاء لم نجد عند الله شيئا أشرف ولا أقرب إليه من البلاء » فسألناه إِيَاه » فكيف بك لو رأيت سيّد الزهاد » وقطب العباد , وإمام الأولياء الأوتاد » في غار في أرض « طرسوس » « 4 » وجبالها لحمه يتناثر وجلده يسيل قيحا وصديدا « 5 » » وقد أحاط به الذباب والنمل » فإذا كان الليل لم يقنع بذكر الله وشكره على ما أعطاء من الرحمة وما أسكن جسده من العافية حتى يشدّ نفسه بالحديد » ويستقبل القبلة عامّة ليله حتى يطلع الفجر » انتهى . (1 ) أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي الأندلسي المري ( 481 - 526 ه - 1088 - 1 م ) أبو العباس » فاضل شهير بالصلاح . له شعر ومشاركة في العلوم » وصنف كتاب « محاسن المجالس » على طريق القوم » نسبته إلى المرية ووفاته بمراكش ( الأعلام 1 / 215 » ووفيات الأعيان 1 / 168 - 169 ) . (2 ) صقلية : من جزائر بحر المغرب مقابلة أفريقية » وهي مثلثة الشكل بين كل زاوية والأخرى مسيرة سبعة أيام . ( معجم البلدان 3 / 416 ) . (3 )الرّق : العبودية . ( 4 ) طرسوس : مدينة في تركيا ( قيليقيا ) كانت من العواصم . فتحها المأمون 788 م وفيها 5 ( معجم البلدان 4 / 28 ) . ( 5 ) الصديد : الدم المختلط بالقيح في الجرح . 22 "10" وسيأتي شيء من كلام المؤلف » رحمه الله » في هذا المعنى » والتنبيه عليه » واللّه ولي التوفيق . 9 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: ( تنوعت أجناس الأعمال لتنوع واردات الأحوال» و الأعمال صور قائمة؛ و أرواحها وجود الإخلاص فيها ) . واردات الأحوال » هي : ما يرد على القلوب من المعارف الربّانية والأسرار الروحية » وهي توجب لها أحوالا حميدة ؛ فمنها وارد يوجب هيبة » ومنها وارد يوجب أنسا » ومنها وارد يوجب قبضا » ومنها وارد يوجب بسطا » إلى غير ذلك من مختلفات الأحوال . ولمّا كانت هذه الواردات متنوعة كانت أجناس الأعمال التى تقتضيها هذه الواردات أيضا متنوعة » والأعمال الظاهرة أبدا تبع لأحوال القلوب الباطنة » كما سيقول المؤلف بعد هذا » في قوله : « حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال » . الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سرّ الإخلاص فيها . إخلاص كل عبد في أعماله على حسب رتبته ومقامه ؛ فأمّا من كان منهم من الأبرار فمنتهى ذوجة الخلاصية أن تكون أغعاله سالفة هن الرياة التجلي و الشفى وقصية موافقة أهواء النفين طليا لما وعد الله تعالى به المخلصين من جزيل الثواب » وحسن المآب » وهربا عما أوعد به المخلطين من أليم العذاب وسوء الحساب » وهذا من التحقق بمعنى قوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبْدُ أي : لا نعبد إلا إياك ولا نشرك في عبادتنا غيرك . وحاصل أمره إخراج الخلق عن نظره في أعمال برّه » مع بقاء رؤيته لنفسه في النسبة إليها . والاعتماد عليها » وأمّا من كان منهم من المقرّبين فقد جاوز هذا إلى عدم رؤيته لنفسه في عمله » فإخلاصه إنما هو في شهود انفراد الحق تعالى بتحريكه وتسكينه من غير أن يرى لنفسه في ذلك حولا ولا قوة » ويعبّر عن هذا المقام بالصدق الذي يصح به مقام الإخلاص » وصاحب هذا مسلوك به سبيل التوحيد واليقين » وهو من التحقق بمعنى قوله تعالى : وَإِيَاكَ نَسْتعِينُ [ الفاتحة : 5 . أي : لا نستعين إِلّا بك لا بأنفسنا وحولنا وقوّتنا » فعمل الأول هو العمل لله تعالى » وعمل الثاني هو العمل بالله ؛ فالعمل لله يوجب المثوبة » والعمل بالله يوجب القربة » والعمل اله يوجب تحقيق العبادة » والعمل باللّه يوجب تصحيح الإرادة » والعمل لله نعت كل عابد » والعمل باللّه نعت كل قاصد » والعمل لله قيام بأحكام الظواهر » والعمل باللّهِ قيام بالضمائر . وهذه العبارات للإمام أبي القاسم القشيري « 1 » رضي الله عنه . (1 ) عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري القشيري ( 376 - 465 ٠‏ - 6 -- 23 20 وبهذا يتبيّن الفرق بين المقامين » وتباينهما في الشرف والجلالة ؛ فإخلاص كل عبد هو روح أعماله ؛ فيوجد ذلك تكون حياتها وصلاحيتها للتقرّب بها » ويكون فيها أهلية وجود القبول لها . وبعدم ذلك يكون موتها وسقوطها عن درجة الاعتبار » وتكون إذ ذاك أشباحا بلا أرواح » وصورا بلا معان . قال بعض المشايخ : « صحّح عملك بالإخلاص » وصحّح إخلاصك بالتبرّي من الحول والقوة ».2 , ثم ذكر المؤلف » رحمه اللَّه » الحالة التي إذا كان العبد عليها كان مخلصا ء 0 ثم فقال الشيخ رضي الله عنه : ( ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه ). لا شيء أضرّ على المريد من الشهرة وانتشار الصيت ؛ لأن ذلك من أعظم حظوظه التي هو مأمور بتركها » ومجاهدة النفس فيها » وقد تسمح نفس المريد بترك ما سوى هذا من الحظوظ محبّة » والجاه وإيثار الاشتهار مناقض للعبودية التي هو مطالب بها . قال إبراهيم بن أدهم « 1 » » رضى الله عنه : « ما صدق الله من أحبّ الشهرة " . وقال بعضهم : « طريقتنا هذه لا تصلح إلا لأقوام كنست أرواحهم المزابل " . وقال أيوب السجستاني « 2 » » رضي الله عنه : « واللّه ما صدق الله عبد إِلّا سرّه أن لا يشعر بمكانه » . وقال رجل لبشر بن الحارث « 3 » » رضى الله عنه : « أوصني . فقال : أخمل ذكرك » وأطب مطمعك » , - 1072 م ) من بني قشير بن كعب , أبو القاسم » زين الإسلام » شيخ خراسان في عصره » زهدا وعلما بالدين . كانت إقامته بنيسابور وتوفي فيها . وكان السلطان ألب أرسلان يقدمه ويكرمه . من كتبه « الرسالة القشيرية » و « التيسير في التفسير » وغيرهما . ( الأعلام 4 / 57 » وكشف الظنون 1 / 520 » والرسالة القشيرية ص 5 ) . (1 ) إبراهيم بن أدهم بن منصور التيمي البلخي أبو إسحاق ( توفي سنة 161 «٠‏ / 778 م ) زاهد مشهور . ٠‏ تفقه ورحل إلى بغداد » وجال في العراق والشام والحجاز وأخذ الكثير منها . ترك له والده أموالا كثيرة لكنه لم يعبا بمال أبيه . يصوم في السفر والإقامة وينطق بالعربية الفصحى لا يلحن » أخباره كثيرة وفيها اضطراب واختلاف في مسكنه ومتوفاه . ( الأعلام 1 / 31 » وحلية الأولياء 7 / 367 ٠‏ 8 / 3 » والرسالة القشيرية ص 391 ) . (2 ) أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري ( 66 - 131 ٠ه‏ - 685 - 748 م ) أبو بكر سيد فقهاء عصره » تابعي من النساك الزهاد » من حفاظ الحديث . كان تبتا ثقة روي عنه نحو 800 حديث . ( الأعلام 2 / 38 » وحلية الأولياء 3 / 3 » وتهذيب الكمال 2 / 404 ) . (3) بشر بن الحارث بن علي بن عبد الرحمن المروزي » أبو نصر المعروف بالحافي ( 150 - 227 ه - 767 - 841 م ) من كبار الصالحين . له في الزهد والورع أخبار » وهو من ثقات رجال الحديث » من أهل « مرو » سكن بغداد وتوفي بها . 24 ) الأعلا 1 ا0 ف إأمه اك | م 2 / 54 ٠‏ وطبقات الشعراني 1 / 62 » والرسالة القشيرية » ووفيات 0 و لقشيرية ص 404 » ووفي 25 يلا 221 وقال بشر » رضي الله عنه : « ما أعرف رجلا أحبّ أن يعرف إِلّا ذهب دينه وافتضح » . وقال أيضا : « لا يجد حلاوة الآخرة من أحبٌ أن يعرفه الناس " . امد ا : « بلغني أن الله عر وجل يقول في بعض ما يمن به على ه : ألم أنعم عليك » ألم أسترك » ألم أخمل ذكرك " . ثم إن تلك الأشياء الراجعة إلى محبّة الاشتهار والاستعلاء مما يقدح في إخلاص العبد على اختلاف مراتبه ؛ لأنه إِمّا سقوط الناس عن النظر إليهم » أو سقوط النفس عن النظر إليها » ولا يتبت للمريد جميع ذلك إلا بالخمول وسقوط المنزلة عند نفسه وعند الناس ؛ لأنه إن لم يكن بهذه المثابة لم ينفك عن الأغراض التي تبعثه على استمالة قلوب الخلق لما يرى لنفسه عليهم من الحق » فتدعوه نفسه إلى ذلك دعاء خفيّا » فينصبغ عمله بالرياء انصباغا لا يتفطّن له كما سيأتي عند قوله : « ربما دخل الرياء عليك حيث لا ينظر الخلق إليك » وبقدر تحققك وبهذا يتبين لك إفلاس جميع الناس إِلّا من رحم الله تعالى » وأن الإخلاص في غاية الصعوبة على النفس » وأنه أعز الأشياء في الوجود . وقيل لسهل بن عبد الله ؛ رضى الله عنه : " أي شيء أشدّ على النفس ؟ قال : الإخلاص ؛ لأنه وقال يوسف بن الحسين » رضي الله عنه : " أعزٌ شيء في الدنيا الإخلاص » وكم اجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت فيه على لون آخر " . قال الشيخ أبو طالب المكّي « 2 » ٠‏ رضي الله عنه : « والإخلاص عند المخلصين إخراج الخلق من معاملة الخالق » وأول الخلق النفس » والإخلاص عند المحبّين : أن (1 ) الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي ( 105 - 187 ه - 723 - 803 م ) أبو علي شيخ الحرم المكي » من أكابر العباد الصلحاء . كان ثقة في الحديث . أخذ عنه خلق منهم الإمام الشافعي . ولد في سمرقند » ونشأ بأبيورد » ودخل الكوفة وهو كبير وأصله منها ثم سكن مكة وتوفي بها . من كلامه « من عرف الناس استراح » . ( الأعلام 5 / 153 ٠‏ وتذكرة الحفاظ 1 / 225 ٠‏ وحلية الأولياء 8 / 84 » والرسالة القشيرية ص 424 » ووفيات الأعيان 4 / 47 - 50 ) . (2 ) هو محمد بن علي بن عطية الحارثي واعظ زاهد فقيه من أهل الجبل ونشأ واشتهر بمكة ورحل إلى البصرة فاتهم بالاعتزال وسكن بغداد فوعظ فيها وتوفي ببغداد سنة 386 ه - 996 م . له « قوت القلوب » وغيره . ( الأعلام 6 / 274 » وكشف الظنون 2 / 1361 ٠‏ ووفيات الأعيان 4 / 303 - 304 ) . 26 27 "202" لا يعمل عملا لأجل النفس » وإِلّا دخل عليه مطالبة العوض أو تشوّف إلى حظ طبع » والإخلاص عند الموحّدين : خروج الخلق من النظر إليهم في الأفعال » وترك السكون والاستراحة بهم في الأحوال » انتهى . فإذا أخمل العبد نفسه » وألزمها التواضع والمذلّة » واستمر على ذلك حتى صار له خلقا « 1 » وجبلة بحيث لا يجد لضعته ألما » ولا لمذلته طعما فحينئذ تتزكىّ نفسه » ويستنير بنور الإخلاص قلبه » وينال من ربّه أعلى درجات الخصوصية » ويحصل على أوفر نصيب من المحبّة الحقيقية "نت قال الشيخ أبو طالب : « ومتى ذل في نفسه » واتضع عند نفسه » فلم يجد لذلّته طعما » ولا لضعته حسّا » فقد صار الذلّ والتواضع كونه ؛ فهذا لا يكره الذمّ من الخلق لوجود النقص في نفسه » ولا يحب المدح منهم ؛ لفقد القدر والمنزلة في نفسه » فصارت الذلة والضعة صفة له لا تفارقه » لازمة لزوم الزبالة لزبّال » والكساحة للكساح » وهما صنعتان له كسائر الصنائع . وربما فخر بهما لعدم النظر إلى نقصهما » فهذه ولاية عظيمة له من ربّه قد ولاه على نفسه » وملّكه عليها فقهرها بعزه » وهذا مقام محمود محبوب » وبعده مقام المكاشفات بأسرار الغيوب . ثم قال أبو طالب : ومن كان حاله مع الله تعالى الذلَ طلبه واستحلاه » كما يطلب المتكبّر العر ويستحليه إذا وجده » فإن فارق ذلك الذلَ ساعة تغيّر قلبه لفراق حاله » كما أنْ المتعزز إذا فارق العز ساعة تكدّر عليه عيشه ؛ لأن ذلك عيش نفسه » انتهى . فإذا » لا بدّ للمريد من إسقاط جاهه » وإخمال ذكره » وفراره عن مواضع اشتهاره » وتعاطيه أمورا مباحة تسقطه من أعين الناس » كقصة السائح الذي سمع به ملك زمانه » فجاء إليه » فلما علم بذلك السائح استدعى بقلا " 2 " وجعل يأكله أكلا عنيفا بمرأى من الملك » فلما رآه على تلك الحالة استحقره واستصغره وانصرف عنه ذامًا له . . . وسيأتى نص هذه القصّة بعد هذا عند قوله : « ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك " . وقد بالغ بعض أئمة الصوفية » رضي الله عنهم » في مداواة علّة الجاه الذي علق بالقلوب حتى استعملوا في ذلك أشياء منكرة في ظاهر الشرع » ورأوا ذلك جائزا لهم أن يفعلوه » ويأمروا به . وذلك مثل قصة الرجل الذي دخل الحمام ولبس من فاخر ثياب الناس تحت ثيابه بحيث تظهر » ومشى بذلك متحيّرا بحيث يرى ويظنّ به السرقة » فلما رآه (1 ) الجبلّة : الخلقة أو الأمة ( ج ) جبلات . (2 ) البقل : العشب عامة والخضراوات خاصة . 28 22" الناس أخذوه وصفعوه » ونزعوا الثياب عنه » واشتهر عندهم بالسرقة » حتى كان يعرف عندهم ب « لص الحمام » » فحينئذ وجد قلبه . ومثله ما يروى عن « أبي يزيد » رضي الله عنه » في قصّة الشاهد الذي أمره بحلق رأسه ولحيته وتعليق مخلاة الجوز في عنقه » وإعطائه [ من ذلك ] لمن يصفعه من الصبيان » وطوافه على الحالة في المحافل والمحاضر . والحكايتان مشهورتان » ذكرهما الإمام أبو حامد الغزالي » رضي الله عنه » وغيره . وقال يخض المصدفين : « وإذا جاز لمن غص بلقمة من طعام حلال أن يسيغها بجرعة من الخمر إذا لم يجد غيره » مع أن تحريمه مقطوع به » ولا يفوته إِلّا حياة فانية » فلئن يجوز مثل هذا إذا فسن اول إن تدر ده يذلك الهياة البافية ؛ والكويه من ال تحالت., فإذا التزم العبد هذه الطرق من الرياضات ماتت نفسه » وحيى قلبه » وقرب من حضرة ربه » واجتنى ثمرة غرسه عل غاية الكمال والتمام » وتلك الثمرة أخلاق الإيمان التي تكيّفت بها نفسه وصارت كصفات ذاتية له » وهي نتيجة الحكمة التي أنبتها الله في قلوب عباده المتواضعين وَمَنْ يُوْتَ الْحِكْمَة فَقَد أوتِي خَيْراً كَِيراً [ البقرة : 269 ]. قال عيسى ؛ عليه الصلاة والسلام » لأصحابه : أين تنبت الحبّة ؟ قالوا : في الأرض » فقال عيسى » عليه الصلاة والسلام : كذلك الحكمة لا تنبت إِلَّا في قلب مثل الأرض . قلت : وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في مدح الخمول وذم الشهرة أحاديث كثيرة » منها ل » إنْ أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ 41> » ذو حظ من الصلاة » أحسن عيادة ريه » وأطاعه في السر . وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع » وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك ؛ ثم نفض يده » فقال : عجّلت منيّته » قلت بواكيه » قل تراثه " ا وفي حديث أبي هريرة » رضي الله عنه » قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رب أشعث « 3 » أغبر ذي طمرين «4» تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبرّه " 5 " " . وروى معاذ بن جبل « 6 » رضي الله عنه » عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن يسيرا من الرياء (1 ) الخفيف الحاذ : خفيف الظهر . .) 5 (3 ) الشعث : التلبد أو التغبّر . (4) الطّمر : الثوب الخلق البالي ( ج ) أطمار . ( 5 ) أخرجه الترمذي ( مناقب » 54 ) . 29 ( 6 ) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي ( 20 ق ٠ه‏ - 18 ٠ه‏ - 603 - 639 م)- 30 » 24 « شوك اوات.من عادى أولياء الله فقد يار الله بالمحارية 6 وان الله يكب الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا » وإذا حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا » قلوبهم مصابيح الهدى » يخرجون من كل غبراء مظلمة » « 1 » . وروى أبو هريرة » رضي الله عنه » عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي فوّه فيه باسم « أويس القرني » « 2 » وأشاد بذكره ونبّه على عظيم أمره » رضي الله عنه » أنه قال « بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلقة من أصحابه إذ قال : « ليصلين معكم غدا رجل من أهل الجنة » « 3 » قال أبو هريرة : فطمعت أن أكون ذلك الرجل » فغدوت فصليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم » فأقمت في المسجد حتى انصرف الناس » فبقيت أنا وهو صلى الله عليه وسلم » فبينما نحن كذلك إذا أقبل رجل [ أسود ] متّزر « 4 » بخرقة مرتد بمرقعة » فجاء حتى وضع يده في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم » . ثم قال : يا نبي الله » ادع الله لي بالشهادة » فدعا النبي صلى الله عليه وسلم له بالشهادة » وإنا لنجد منه ريح المسك الأذفر « 5 » » فقلت يا رسول الله : أهو هو ؟ قال : نعم » إنه لمملوك بني فلان ؛ قلت : أفلا تشتريه فتعتقه يا نبى الله ؟ فقال : وأنَى لي بذلك » إن كان الله تعالى يريد أن يجعله من ملوك الجنة وساداتهم يا أبا هريرة » إنّ لأهل الجنة ملوكا وسادة » وإن هذا الأسود أصبح من ملوك الجنة وساداتهم يا أبا هريرة » إن الله عز وجل » يحب من خلقه الأصفياء الأخفياء الأبرياء الأتقياء الشعثة رؤوسهم » المغبرة تعن ضوم ١‏ - أبو عبد الرحمن » صحابي جليل ؛ كان أعلم الأمة بالحلال والحرام » وهو أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم . أسلم وهو فتى » وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين جعفر بن أبي طالب . وشهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق » وبعثه رسول الله بعد غزوة تبوك قاضيا ومرشدا لأهل اليمن وبعث معه كتابا . فبقي في اليمن إلى أن توفي النبيّ صلى الله عليه وسلم فعاد إلى المدينة . ثم كان مع أبي عبيدة بن الجراح في غزو الشام ولما أصيب أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف معاذا » وأقره عمر فمات في ذلك العام . ( الأعلام 7 / 258 » وحيلة الألياء 1 / 228 ٠»‏ وتهذيب الكمال 18 / 163 ) . (1 ) أخرجه ابن ماجة ( فتن » 16 ) . (2 ) أويس بن عامر بن جزء بن مالك القرني ( توفي 37 ه - 657 م ) من بني قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد » أحد النساك العباد المقدمين » من سادات التابعين أصله من اليمن » يسكن القفار والرمال » وأدرك حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره » فوفد على عمر بن الخطاب ثم سكن الكوفة » وشهد وقعة صفين مع عليّ ويرجح الكثيرون أنه قتل فيها . ( الأعلام 2 / 32 ٠»‏ وحلية الأولياء 2 / 79 وفيه مات في غزوة أذربيجان أيام عمر » وميزان الاعتدال 129 ) . ( 3 ) أخرجه أبو نعيم في ( حلية الأولياء » 2 / 81 ) . ( 4 ) متّزر : لابس الإزار والإزار كساء يغطي النصف الأسفل من البدن . 31 32 »25 « الخمصة « 1 » بطونهم من كسب الحلال » الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم » وإن خطبوا المتنعمات لم ينكحوا » وإن غابوا لم يفتقدوا » وإن حضروا لم يدعوا » وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم » وإن مرضوا لم يعادوا » وإن ماتوا لم يشهدوا . قالوا : يا رسول الله » كيف لنا برجل منهم ؟ قال : « ذلك أويس القرني » قالوا : وما أويس القرني ؟ قال : أشهل « 2 » ذو صهوبة « 3 » » بعيد ما بين المنكبين « 4 » » معتدل القامة » آدم شديد الأدمة « 5 » » ضارب بذقنه إلى صدره » رام بنظره إلى موضع سجوده ؛ واضع يمينه على شماله » يتلو القرآن » يبكي على نفسه » ذو طمرين » لا يؤبه له » متزر إزار صوف ورداء صوف ؛. مجهول في أهل الآأرض » معروف في أهل السماء » لو أقسم على الله لأبرّ قسمه » ألا وإن تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء » أ وإنه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد ادخلوا الجنة » ويقال لأويس القرني : قف فاشفع » فيشفعه الله في مثل عدد ربيعة ومضر »ء يا عمر » ويا علي إذا إنتما لقيتماه فاطلبا إليه يستغفر لكما يغفر اله لكما . . . ) « 6 » وذكر باقي الحديث . وفي حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يكون في أمتي رجل يقال له : « أويس القرني » يدخل في شفاعته عدد ربيعة ومضر , لو أقسم على الله لابرّه ؛ فمن لقيه بعدي فليقرئه مني السلام » ثم سئل عن علامته » فقال : هو رجل أصهب ,ء أشهل » ذو طمرين أبيضين » له أمّ » وقد كان به بياض ء فدعا الله عز وجل فأذهبه عنه إلا مقدار الدينار أو الدرهم ؛ لا يؤبه له ؛ مجهول في الأرض معروف في السماء » وكان قد بلغ من شدة خموله ونهاية ضعفه أن الناس كانوا يسخرون منه ويستهزئون به » ويؤذونه » ويرون فيه أهلية الخداع والتللصص » وينسبونه إلى ذلك . فقد روى في ذلك ٠‏ أنه دفع إليه بعض فقهاء الكوفة ثوبين وكان يجالسه فانقطع عن مجالسته لأجل العرى ٠»‏ فردهما عليه بعد أن أخذهما منه » وقال : إن الناس يقولون : من أين له هذان الثوبان » ترى من خدع عليهما » وكان في ذلك يجالس الفقهاء ويظهر للناس » وذلك قبل أن يعرف برفعة القدر » وجلالة الخطر » وتنويه عمر رضي الله عنه به على المنبر » فلما رأى أن الناس عرفوا حاله » هرب عنهم » واستخفى منهم » ولبّس أمره عليهم برعاية الإبل » وغير ذلك 4 . (1 ) خمص البطن : خلا وضمر . (2 ) الأشهل : من كان في عينه شهلة والشهلة : أن يشوب البؤبؤ حمرة أو زرقة . (3 ) الصّهبة : حمرة أو شقرة في شعر الرأس . (4 ) المنكب : مجتمع رأس الكتف والعضد ء أو ما بين الكتف والعنق ( ج ) مناكب . ( 5) الأدمة : السمرة . ( 6 ) أخرجه ابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 3 / 166 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 8 / 124 ) . 33 » 26 « وقيل لعمر » رضي الله عنه » لما سأل عنه قومه : ما فينا أخمل منه ذكرا » فلما لقيه » هو وعلي رضي الله عنهما » وسأله من هو ؟ فقال له : راعي غنم » وأجير قوم » وستر ذكر « أويس » فلما سأله عن اسمه قال له : عبد الله » فلما سأله عن اسمه الذي سمَته به أمه » امتنع أن يجيبه عن ذلك » فلما أخبراه بوصف النبي صلى الله عليه وسلم وأنهما عرفاه بذلك » قال لهما : عسى أن يكون ذلك غيري » فلما قالا له : أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحت منكبك الأيسر لمعة بيضاء » وطلبا منه أن يوضحها لهما » لم يجد بدا « 1 » من أن يوضحها لهما » وذلك ٠‏ والله أعلم » ليريهما رؤية عين صحة قول النبي صلى الله عليه وسلم , وصدقه في إخباره بالغيب » وذلك أمر واجب عليه » وإلا فلعله كان يتعلل لهما كما فعله في كل شي ستل هذه لم يعن ذلك لنااواله عمن » ريكبي الماضنة ‏ أن يتلق معه #ويجكدل ذلك الموضع ميعادا بينه وبينه » قال : يا أمير المؤمنين » لا ميعاد بيني وبينك » ولا أعرفك ولا تعرفني بعد اليوم » ثم دفع الإبل إلى أصحابها وخلّى عن الرعاية . وكذلك فعل مع هرم بن حيان « 2 » » رضي الله عنه » لما لقيه بشاطىء الفرات ووقع بينهما التعرّف »؛ قال له : حدثني بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم احفظه عنك . فقال له : لآ اعت ان اننع »هذا اباب على نسي » لا أحة أن اكدن محاذا » ولا منتياء ولا فاضييا.. فلما فرغا من الكلام الذي كان بصدده سأله مداومة الاجتماع به » فأبى » وامتنع » وقال له : د أراك بعد اليوم تطلبني ٠‏ ولا تسال عدي + انطلق » أنث هاهنا حتى أنطاق أنا هاهنا » ثم بعد ذلك اجتهد في طلبه والبحث عنه فلم يقع له على خبر . ومن تنحيية أهره أن حق الله تعالى له هذا الحال من التخفي والتستر » وأتمّه له بعد موته مع ما أظهر بسببه من الآيات والعبر » حينئذ قال عبد الله بن مسلمة « 3 » : غزونا (1 ) البدّ : يقال : لا بد أن يكون كذا أي لا مفر ولا محالة . ( 2 ) هرم بن حيان العبدي الأزدي ( توفي بعد 26 ٠ه‏ - بعد 647 م ) من بني عبد القيس . قائد فاتح من كبار النساك . من التابعين » كان أمير بني عبد القيس في الفتوح » وولي بعض الحروب بأرض فاس وحاصر « بوشهر » سنة 18 ودخلها » وكان من سكان البصرة » وولاه عمر على الخيل فغضب يوما على رجل فأمر به فوجئت عنقه وندم » وبعثه عثمان بن أبي العاص إلى قلعة بجرة فافتتحها عنوة ومات في إحدى غزواته . ( الأعلام 8 / 82 » وأسد الغابة 5 / 57 ) . ( 3 ) عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي ( توفي 221 ه - 835 م ) من رجال الحديث الثقات » من أهل المدينة » سكن البصرة » وتوفي فيها أو بطريق مكة . روى عنه البخاري 123 حديثا ومسلم 70 حديثا . ( الأعلام 4 / 137 » وتهذيب الكمال 10 / 540 » ووفيات الأعيان 3 / 40 ) . 34 » 2/7 « « أذربيجان « 1 » » زمن عمر بن الخطاب « 2 » رضي الله عنه ومعنا « أويس القرني » رضي الله عنه » فلما رجعنا مرض » فمات فنزلنا » فإذا قبر محفور » وماء مسكوب » وكفن وحنوط « 3 » » فغسلناه وكفنّاه » وصلينا عليه ودفنّاه » فقال بعضنا لبعض : لو رجعنا فعلّمنا قبره » فرجعنا فإذا لا قبر ولا أثر . قلت : والحكايات والآثار في مدح الخمول وذم الاشتهار أكثر من أن يأتي عليها انحصار . وقد أورد كثيرا منها الأئمة المصنفون في هذا العلم » فليطالع ذلك المريد مستمدا من الله تعالى حسن التوفيق والتأييد . وتعبير المؤلف . رحمه الله تعالى » هاهنا بالدفن والأرض والنبات والنتاج من ملح الاستعارات . 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: ( ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة). مداواة أمراض القلب واجبة على المريد » وأمراضه إنما تكون من غلبة أحكام الطبع عليه من صحبته للأضداد » ووقوفه مع المعتاد » وانقياده إلى هوى النفس » وأنسه بعالم الحسٌ . وعذاواة بهذا المز سن تت هن وبدوة كترة عرو ابلقها في لقنو اتنعها :1 الدزالة هن التاين المصحوبة بالفكرة » فالبعزلة يتقيّد الظاهر عن مخالطة من لا تصلح مخالطته » ومن لا يأمن من دخول الاقالت عليه يصيحيت» 4 اليتخاصن يدلك المعترل يمن المعاصي الني يعر كن لها بالمخلطة : مثل : الغيبة » والمداهنة » والرياء » والتصنّع » ويتحصّل له بذلك السلامة من مسارقة الطباع الرديئة » والأخلاق الدنيئة » ويستفيد بذلك أيضا صيانة دينه ونفسه عن التعرّض للخصومات وأنواع الشرور والفتن ؛ فإن للنفس تولّعا وتسارعا إلى الخوض في مثل هذا . فواجب على المعتزل أن يكف لسانه عن السؤال عن أخبار الناس » وما هم مشغولون به » ومنهمكون فيه » ومنكبّون عليه » ويصون سمعه عن الإصغاء إلى (1 ) أذربيجان : حدها من برذعة مشرقا إلى أرزنجان مغربا » ويتصل حدها من جهة الشمال ببلاد الديلم والجيل والطرم » وهو إقليم واسع . ( معجم البلدان 1 / 128 ) . (2 ) عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي ( 40 ق ٠ه‏ - 23 ٠‏ - 584 - 644 م ) أبو حفص ثاني الخلفاء الراشدين » صحابي جليل » صاحب فتوحات » عادل » بطل » أسلم قبل الهجرة وشهد الوقائع . قتله أبو لؤلؤة فيروز الفارسي غيلة . ( الأعلام 5 / 45 » وحيلة الأولياء 1 / 38 ) . (3 ) الحنوط : كل طيب يخلط للميت . 35 « 28 » أراجيف « 1 » البلدان » وما اشتملت عليه من الأحوال التي ذكرناها » وليحرص على أن لا يغشاه في خلوته وعزلته من شأنه التطلع لذلك والبحث عنه » وليتجنب صحبة من لا يتورّع في منطقه ولا يضبط لسانه عن الاسترسال في دقائق الغيبة والوقيعة والتعريض بالطعن على الناس ؛ والقدح فيهم ؛ فإن ذلك مما يكذر صفاء القلب » ويؤدي إلى ارتكاب مساخط الربٌ » فليهجره المعتزل وليفر منه فراره من الأسد » ولا يجتمع معه في مكان ألبتّة » وليتنكّر إلى كل من يتعرف له ممن هذا شأنه من المنسوبين إلى الدين » فضلا عن غيرهم » كما قال بعضهم : « أنكر من تعرف ولا تتعرّف إلى من لا تعرف » . وفي الخبر : « مثل الجليس السوء كمثل الكير « 2 » إن لم يحرقك بشرره علق بك من ريحه » « 3 » . رقيها سكير السلفة إن اده كسد أنهي الى موسي عه الح وي اين جد 3 تسن ء وارتد لنفسك إخوانا » وكلّ أخ أو صاحب لا يؤازرك على مبرّتي فهو لك عدوٌ » . وأوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام فقال له : «ا يا داود مالي أراك منتبذا وحدانيا ؟ فقال : إلهي + قليث « 4 » الخلق من أجلك . فقال : يا داود كن يقظانا وارتد لنفسك أخداناء وكلٌ خدن « 5 » لا يوافقك على مبرّتي فلا تصحبه فإنه لك عدو » ويقسى قلبك ويباعدك مني » . وما أحسن قول أبي إسحاق إبراهيم بن مسعود الأكبيريّ فى هذا الس نكف أبذاء جنيك و اقذن مني ©*** كنا تخنى الخير ا خم و السنينتا 652 » وتخالطهم وز ايليع حذاز ١‏ *** وك #السامري إذا لمسننا وبالعزلة أيضا يجتمع همّه » ويقوى في ذات الله عزمه » بخلاف الخلطة ؛ فإنها تفرّق الهم . وتضعف العزم » وقد قيل : « إن العبد ليعقد في خلوته على خصال من الخير يعملها » فإذا خرج إلى الناس حلّوا عليه ذلك عقدة عقدة حتى يرجع إلى بيته وقد انحلت العقد كلّها » . وروى عن عيسى عليه السلام : « لا تجالسوا الموتى فتموت قلوبكم . قيل : ومن الموتى ؟ قال : المحبّون للدنيا الراغبون فيها » . (1 ) الأراجيف : ( ج ) الإرجاف : وهو الخبر الكاذب المثير للفتن والاضطراب . (2 ) الكير : جهاز من جلد أو نحوه يستخدمه الحداد وغيره للنفخ في النار لإشعالها ( ج ) أكيار لاه ( 3 ) أخرجه المنذري في ( الترغيب والترهيب 2 / 348 ) . ( 4) قليت : أبغضت وكرهت . ( 5 ) الخدن : الصديق الذي يكون معك ظاهرا وباطنا في كل أمر ( ج ) أخدان . 0 : الأسود الضارية الشديدة . : النمر ويشبه أن يكون سمي به لجرأته » وقيل : السبنتى : ١‏ 36 » 29 « وفي الخبر المرويّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أخوف ما أخاف على أمّتي ضعف اليقين » « 1 » . وضعف اليقين إنما يكون من رؤية أهل الغفلة » ومخالطة أرباب البطالة و الفسوة + قال أبو طالب المكي رضي الله عنه : « وأضرٌ ما ابتلي العبد به وأدخله وأعمله في هلاكه . وأشدّه لحجبه وإبعاده » ضعف يقينه لما وعد من الغيب وتوعّد عليه بالشهادة » وقوة اليقين أصل كل عمل صالح » . وقال بعض هذه الطائفة : قلت لبعض الأبدال « 2 » المنقطعين إلى الله : كيف الطريق إلى التحقيق والوصول إلى الحق ؟ قال : لا تنظر إلى الخلق » فإن النظر إليهم ظلمة . قلت : لا بد لي منهم ! ! قال : فلا تسمع كلامهم » فإن كلامهم قسوة قلب . قلت : لا بذ لي منهم ! إقال : فلا تعاملهم » فإنٌ معاملتهم خسران ووحشة وحسرة . قلت : أنا بين أظهرهم ولا بد لي من معاملتهم ! ! قال : فلا تسكن إليهم » فإنَ السكون إليهم هلكة . قلت : هذا لعله ! ! قال : يا هذا ؛ أتنظر إلى اللاعبين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين وتسكن إلى الهالكين » وتريد أن تجد حلاوة الطاعة وقلبك مع غير الله عز وجل . . هيهات هذا لا يكون أبدا . وبالعزلة أيضا ينكفت بصره عن النظر إلى زينة الدنيا وزهرتها » وينصرف خاطره عن الاستحسان إلى ما ذمّه الله تعالى من زخرفها » فتمتنع بذلك النفس عن التطّع إليها والاستشراف لها ومنافسة أهلها فيها ٠‏ قال اللّه تعالى :ولا تَمُدّنّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتّعْنا به أزواجاً مِنْهُمْ . .[ طه : .] 1 ولا ينبغي لأحد أن يستحقر هذا ؛ فإنه يؤدي إلى أمراض عظيمة في القلب » ومن اعتزل الناس سلم بإذن الله تعالى منها . قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله عنه : « فأرباب المجاهدات إذا أرادوا صون قلوبهم عن الخواطر الرديئة لم ينظروا إلى المستحسنات » قال : وهذا أصل كبير لهم في المجاهدات في أحوال الرياضيات » انتهى . وقال محمد بن سيرين « 3 » رضي الله عنه : « إيّاك وفضول النظر » فإنه يؤدي إلى (1 ) أخرجه الترمذي ( حدود ٠ ) 24 ٠‏ ( فتن » 59 ) ( زهد ء 21 ) » وابن ماجة ( حدود . 2 ر رفظ 1)21+ و احم ين يحقل 4402211 230173 4-0382 :126 . 429 » 428 »5 (2 ) الأبدال : قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم » فإذا مات واحد أبدل الله تعالى مكانه آخر ( 3 ) محمد بن سيرين البصري ء الأنصاري بالولاء ( 33 - 110 ه - 653 - 729 م ) أبو بكر إمام وقته في علوم الدين بالبصرة ٠‏ تابعي من أشراف الكتّاب » مولده ووفاته في البصرة نشأ بزازا في أذنه - 37 « 30 » فضول الشهوة » . وقال بعض الأدباء : « من كثرت لحظاته دامت حسراته » . وقالوا : « إن العين سبب الحين » ومن أرسل طرفه « 1 » اقتنص حتفه « 2 » » وإن النظر إلى الأشياء بالبصر يوجب تفرقة القلب » وقد أنشدوا في هذا المعنى :وإنك إن أرسلت طرفك رائدا * لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كلّه أنت قادر *** عليه » ولا عن بعضه أنت صابر وبذلك ينقطع طمعه عن الناس ويحصل له منهم الإياس » وذلك من أعظم فوائد العزلة عند العقلاء الأكياس » ولا تتم له منفعة العزلة إلا باشتغال القلب بالفكرة » وهي المقصودة هاهنا » وكانت العزلة مقدمة لها » ومعينة عليها » وذلك بعد تقديم ما يحتاج إليه من علوم الشرع الظاهرة » والقيام بمراعاة آدابه الباطنة . وقد ذكر منها الشيخ أبو حامد الغزالي جملة شافية في كتاب « العزلة من الإحياء » فلينظر هناك وقد جاء في الخبر : « تفكّر ساعة خير من عبادة سبعين سنة » « 3 » وكذا هو ء واللّه أعلم . وكان عيسى بن مريم عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام يقول : « طوبى « 4 » لمن كان قوله ذكرا وصمته فكرا ونظره عبرة » إنّ أكيس الناس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت » «ا» - صمم » وتفقه وروى الحديث » واشتهر بالورع وتعبير الرؤيا » واستكتبه أنس بن مالك بفارس » وكان أبوه مولى لأنس . ينسب له كتاب « تعبير الرؤيا » . ( الأعلام 6 / 154 » وحلية الأولياء 2 / 263 ٠»‏ ووفيات الأعيان 4 / 181 - 183 » وتهذيب الكمال 16 / 345 ) . (1 ) الطرف : العين . (2 ) الحتف : الموت . ( 3 ) حديث « تفكر ساعة خير من عبادة سنة » . أخرجه القرطبي في ( تفسيره 4 / 314 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 1 / 161 » والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 3 / 409 ) » وعلي القاري في ( الأسرار المرفوعة 2 ) » والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 370 ) » والشوكاني في ( الفوائد المجموعة 251 ) » والفتني في ( تذكرة الموضوعات 188 ) . ( 4 ) الطوبى : الحسنى » والخير » وكل مستطاب في الجنة من بقاء بلا فناء » وعز بلا زوال » وغنى بلا فقر . (5) أخرجه الترمذي ( قيامة » 25 ) » وابن ماجة ( زهد » 31 ) » وأحمد بن حنبل 4 / 124 38 » 31 « وقال كعب الأحبار : « من أراد شرف الآخرة فليكثر التفكّر » . وقيل لأم الدرداء : « ما كان أفضل عمل أبي الدرداء ؟ قالت التفكر » وذلك لأنه يصل به إلى معرفة حقائق الأشياء وتبين الحق من الباطل » والنافع من الضارٌ » ويطلع به أيضا على خفايا آفات النفس ومكايد العدوّ وغرور الدنيا ويتعرّف به وجوه الحيل في التحرز عنها والطهارة منها قال الحسن البصري « 1 » رضي الله عنه : « الفكر مرآة تريك حسنك من قبيحك ٠‏ ويطلع بها [ الإنسان ] أيضا على عظمة الله تعالى وجلاله إذا تفكّر في آياته ومصنوعاته » ويطلع بها أيضا على آلائه الجليّة والخفية » فيستفيد بذلك أحوالا سنية » يزول بها مرض قلبه » ويستقيم بسببها على طاعة ربه » . قلت : والعزلة التي ذكرها المؤلف » رحمه الله تعالى » تتضمن وجود الخلوة » وهي أحد الأركان وم رجه سام الهم سور ١‏ الناس إِلَا بالخلوة والعزلة . فإن أضاف إليها المريد الركنين الباقيين . وهما : الجوع . والسهر . فقد حصل على كلية الدواء » والتحق بزمرة الأولياء والبدلاء . قال سهل بن عبد الله »ء رضي الله عنه : « اجتمع الخير كله في هذه الأربع خصال ؛ وبها صار الأبدال أبدالا : إخماص البطون والصمت ,. والخلوة » والسهر 4 وقال الشاعر وجمعها في نظمه : يا من يروم منازل الأبدال *** من غير قصد منه للأعمال لا تطمعن فيها فلست من أهلها *** إن لم تزاحمهم على الأحوال بيت الولاية قسّمت أركانه *** ساداتنا فيه من الأبدال ما بين صمت واعتزال دائم *** والجوع والسهر النزيه الغالي 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: ( كيف يشرق قلب صورة الأكوان منطبعة في مرآته . أم كيف يرحل إلى الله ٠‏ وهو مكبل بشهواته . أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته ؟ (1 ) هو الحسن بن يسار البصري » أبو سعيد ( 21 - 110 ه - 642 - 728 م ) إمام أهل البصرة وحبر الأمة فى زمنه وهو أحد العلماء الفصحاء الشجعان النساك . ولد بالمدينة وشب فى كنف علي بن أبي طالب واستكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية له كتاب « ١‏ فضائل مكة » ٠»‏ توفي بالبصرة . ( الأعلام 2 / 226 » ووفيات الأعيان 2 / 69 - 73 ) . 39 « 32 » أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته ؟) . الجمع بين الضدّين محال » كاجتماع الحركة والسكون والنور والظلمة . وهذه الأشياء التي ذكرها المؤلف . رحمه الله تعالى » أضداد لا تجتمع » فإن إشراق القلب بنور الإيمان واليقين مضادّ للظلم التي استولت عليه من ركونه إلى الأغيار والأكوان واعتماده عليها . والمسير إلى الله تعالى بقطع عقبات النفس مضاد للاعتقال في حبس الهوى والشهوات » ودخول حضيرة الله المقتكضية لظهارة الذاخل وانز احثه مضاد لما هو عليه فن عدابة غفلاقه الت منتضياها الإقصاء والإبعاد . وفهم دقائق الأسرار المستفاد من التقوى مضاد للإصرار على المعاصي والهفوات » ا / وإليه الإشارة بقوله عز من قائل : وَانَقُوا اله وَيُعَلَمُكُمُ الله [ البقرة : 282 ] ولما روي في بعض الأخبار ( من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم ) . قال يحيى بن معين « 1 » رحمه الله تعالى ٠‏ « التقى أحمد بن حنبل << 2 » ٠»‏ وأحمد بن أبي الحواري » فقال ابن حنبل لابن أبي الحواري : يا أحمد » حدّثنا بحكاية سمعتها من أستاذك أبي سليمان . ْ فقال : يا أحمد » قل سبحان الله بلا عجب . فقال ابن حنبل : سبحان الله وطوّلها بلا عجب . فقال ابن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان يقول : « إذا اعتقدت النفوس على ترك الآثام جالت في الملكوت . وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة من غير أن يؤدَّي إليها عالم علما . وقال : ما سمعت في الإسلام بحكاية أعجب (1 ) يحيى بن معين بن عون بن زياد المري بالولاء » البغدادي ( 158 - 233 ٠‏ - 775 - 8م) أبو زكريا من أئمة الحديث ومؤرخي رجاله . نعته الذهبي بسيد الحفاظ . له كتاب « التاريخ والعلل » و « معرفة الرجال » وغيرهما . أصله من سرخس ومولده بقرية « نقيا » وعاش ببغداد » وتوفي بالمدينة حاجا وصلى عليه أميرها . ( الأعلام 8 / 172 - 173 » وتهذيب الكمال 20 / 220 ٠»‏ ووفيات الأعيان 6 / 139 - 143 3 (2 ) أحمد بن محمد بن حنبل » أبو عبد الله » الشيباني الوائلي ( 164 - 241 ٠ه‏ - 780 - 855 م ) » إمام المذهب الحنبلي » وأحد الأئمة الأربعة . أصله من مرو . وولد ببغداد » فنشأ منكبا على طلب العلم » وسافر في سبيله أسفارا كبيرة » صنف « المسند » ستة مجلدات » وكتاب « الناسخ والمنسوخ » وغيرهما . ( الأعلام 1 / 203 » وحلية الأولياء 9 / 161 » ووفيات الأعيان 1 / 63 - 65 ) . 40 « 33 » إلىّ مين هذه:, شال 772720272770007 ثم قال لأحمد بن أبي الحواري - صدقت يا أحمد » وصدق شيخك . ركد كر سد سال اعداك عش سن عم ررحم | يد طم سه لماعي رفن طمع في نيل عزانت الرجال مع كرنه على افج الخلدل : 3 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: (الكون كله ظلمة ٠‏ وإنما أناره ظهور الحق فيه . . فمن رأى الكون » ولم يشهده فيه » أو عنده ٠‏ أو قبله » أو بعده . فقد أعوزه وجود الأنوار » وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار) . العدم ظلمة » والوجود نور » فالكون بالنظر إلى ذاته عدم مظلم » وباعتبار تجلّي نور الحق عليه وظهوره فيه وجود مستنير » ثم اختلف أحوال الناس هاهنا : فمنهم من لم يشاهد إلا الأكوان » ومنهم من لم يحجب بالأكوان عن المكوّن » ثم هم في مشاهدتهم إياء فرق فمنهم : من شاهد المكوّن قبل الأكوان » وهؤلاء هم الذين يستدلون بالمؤثر على الآثار ايت بعد الأكوان وهؤلاء هم الذين يستدلون بالآثار على المؤثر . ومنهم من شاهده مع الأكوان ؛ ا ل الأكوان » وهذه الظروف المذكورة ليست بزمانية ولا مكانية » لأن الزمان والمكان من جملة الأكوان » والاتصال والانفصال المذكوران ليسا على ما يفهم من معانيهما » فإنهما أيضا من جملة الأكوان . ومعرفة تفصيل هذه الأمور والتفرقة بين هذه الحقائق على ما هي عليه موكول إلى أربابه . فلنقتصر على ما ذكرناه » فهاهنا زلت أقدام كثير من الناس فتكلموا بكلمات موهمة » وعبروا بعبارات منكرة فى في الشرع فكفروا بذلك » وبدّعوا فاعتقد كمال التنزيه وبطلان التشبيه » وتمسّك بقوله عز وجل لسن كيلله سىة ء وخر لشي التصير [ الشرري 11 1ل إله غير ه:. 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: ( مما يدلك على وجود قهره سبحانه» أن حجبك عنه بما ليس بموجب معه. كيف يتصور أن يحجبه شيء و هو الذي أظهر كل شيءء كيف يتصور أن يحجبه شيء و هو الذي ظهر بكل شيءء كيف يتصور أن يحجبه شيء و هو الذي ظهر في كل شيءء, كيف يتصور أن يحجبه شيء و هو الذي ظهر لكل شيءء كيف يتصور أن يحجبه شيء و هو الظاهر قبل كل شيء. كيف اتصور أن يحجبه شى ء او هو أظهر اهن كل شي ع كيف بتصور أن يكجبه شى عاو لولاد ما كان وجود كل شي .. يا عجبا كيف يظهر الوجود في العدمء أم كيف يثد يتبت الحادث مع من له وصف في القدم. ). 41 اتفقت مقالات العارفين والمحققين وإشاراتهم ومواجيدهم على ما ذكرناه قبيل هذا من أن ما سوى الله تعالى عدم محض » من حيث ذاته » لا يوصق بوجود مع الله سبحانه وتعالى » إذ لو وصف به لكان ذلك شركة وإثنينية » وهو مناقض لإخلاص التوحيد . قال 02 » 34 « اله تعالى : كُُ اا 0 : 88]؛ قال بعض العارفين : أبى المحققون أن يشهدوا غير الله » لما حققهم به من مشهود القيومية وإحاطة الديمومية » « 1 » . وقال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : « إننا لننظر إلى الله ببصر الإيمان والإيقان فأغنانا ذلك عن الدليل والبرهان » ونستدل به على الخلق هل في الوجود شيء سوى الواحد الحق » فلا نراهم وإن كان ولا بد فنراهم كالهباء في الهواء » إن فتشتهم لم تجدهم شيئا » وقال أيضا رضي الله عنه : قوى عليّ الشهود مرة فسألته أن يستر ذلك عني » فقيل لي : لو سألته بما سأله موسى كليمه « 2 » وعيسى روحه ومحمد صفيه صلوات الله عليهم أجمعين لم يفعل » ولكن سله أن يقوّيك » فسألته فقوّاني » . قال « ابن عطاء » في « التنوير » : « فما سوى الله تعالى عند أهل المعرفة لا يوصف بوجد ولا فقد » إذ لا يوجد معه غيره لثبوت أحديته » ولا فقد لغيره ؛ لأنه لا يفقد إلا ما وجد » ولو انهتك حجاب الوهم لوقع العيان على فقد الأعيان » ولأشرق نور الإيقان فغطى وجود الأكوان » . وهذا الكلام هو بسط ما ذكره في هذا الكتاب . ٠‏ وقال بعضهم : « لو تكلفت أن أرى غيره لم أستطع ؛ فإنه لا غير معه حتى أشهده معه » وقال الشاعر ٠‏ مذ عرفت الإله لم أر غيرا * وكذا الغير عندنا ممنوع مذ تجمعت ما خشيت افتراقا * وأنا اليوم واصل مجموع وقال آخر : ش25 واعلم بأتك والعوالم كلها * لولاه في محو وفي اضمحلال « 3 » من لا وجود لذاته من ذاته * فوجوده لولاه عين محال فالعارفون فنوا بآن لم يشهدوا * شيا سوى المتكر المتعالي ورأوا سواه على الحقيقة هالكا * في الحال والماضي والاستقبال (1 )دام الشيء : ثبت وطال زمانه . (2 ) الكليم : لقب النبيّ موسى عليه السلام » لأنّ الله كلمه . (3)اض 0 5 ٠.‏ 43 » 35 « وقد صنفوا في بيان هذا الأمر تصانيف وتفننوا في الكلام في هذا المعنى نظما ونثرا » وكلٌ عبّر على حسب شربه « 1 » وذوقه » جزاهم الله عنا خيرا . فإذا تقرّر هذا » ووجدنا أكثر الناس قد حجبوا عن الله تعالى بشهواتهم الدنيوية ودرجاتهم الأخروية ومقاماتهم العلوية » فكل ذلك من الأغيار العدمية والوجودات الوهمية » علمنا بذلك وجود قهره ؛ إذ من أسمائه تعالى « القهّار » » ولو ارتفع الحجاب عنهم لفنوا عن أنفسهم وإرادتهم » وبقوا بريّهم » وكانوا عبادا لله حقًا . وقد سئل أبو سعيد بن الأعرابيّ رضي الله عنه » عن الفناء » فقال : « الفناء أن تبدو العظمة والكلل على العبد فتنضية الدنيا و الالكرة و الأخوال: و الذر جات و المقامات ,: والأذكار تفنيه عن كل شيء وعن نفسه وعن فنائه عن الفناء ؛ لأنه يفرق في التعظيم عقله » 0 قالوا : والفناء على ثلاثة أوجه : فناء في الأفعال : ومنه قولهم > ل فاعل إل الله وفناء في الصفات : أي لا حيّ » ولا عالم » ولا قادر » ولا مريد » ولا سميع » ولا بصير » ولا متكلّم على الحقيقة إِلّا الله . وفناء في الذات : أي لا موجود على الإطلاق » إلا الله تعالى » وأنشدوا في ذلك : فيفنى ثم يفنى ثم يفنى * فكان فناؤه عين البقاء وقال سيدي محيي الدين : « من شهد الخلق لا فعل لهم فقد فاز » ومن شهدهم لا حياة لهم فقد حاز » ومن شهدهم عين العدم فقد وصل » . وأنشدوا في هذا المعنى : من أبصر الخلق كالسراب * فقد ترقّى عن الحجاب « 2 » إلى وجود يراه رتقا * بلا ابتعاد ولا اقتراب « 3 » ولم يشاهد به سواه * هناك يهدى إلى الصواب فلا خطاب به إليه * ولا مشير إلى الخطاب كيف يتصور أن يحجبه شيء » وهو الذي أظهر كل شيء بما أشرق عليه من نور الوجود ء وقد كان في ظلمة العدم » كما تقدّم . (1 ) الشرب : النصيب من الشراب . (2 ) السراب : ما يرى في نصف النهار من اشتداد الحر كالماء يلصق بالأآرض » ويضرب به المثل في الكذب والخداع . والسراب : ما لا حقيقة له . ( 3 ) رتق الفتق : سدّه ولأمه . وفتق القوم : أصلح بينهم . 44 » 36 « وكيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء حتى استدلّ عليه المشتدلون بالأشياء كما قال تعالى 'سَنْرِيهِمْ آياتنا في الآفاقٍ وَفِي أَنْفْسِهِمْ[ فصلت 53]: وكيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر في كل شيء إذ هو المتجلي فيها بمحاسن صفاته وأسمائه .كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر لكل شيء في طور ذلك الشيء » ولذلك كان ساجدا له ومسبّحا بحمده » ولكن لا نفقه ذلك .كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل وجود كل شيء لتحفق هذا الاسم له أزلا وأبدا . كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء لأن الوجود أظهر من العدم في كل حال . كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الواحد الذي ليس معه شيء إذكل ما سواه عدم لا وجود له على التحقيق . [ كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء . . . الخ ] كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء لثبوت إحاطته بك » ووجود قيُوميّته عليك . كيف يتصور أن يحجبه شيء ولولاه ما كان وجود كل شيء كتى استيل يه الشداهذوق على الأشياء ) كنا قال الله قعالى أ وَلَمْ يكف بِرَبّكَ أَنْهُ على كُلّ شيْءٍ شَهيد[ فصلت : 53 ] . يا عجبا » كيف يظهر الوجود في العدم . لآن العدم ظلمة » والوجود نور » وهما ضدّان لا يجتمعان . لأن الباطل لا يثبت مع ظهور الحق ٠‏ كما قال تعالى :وَقُلْ جاءً الْحَقُ وَرَهَقَ الْباطِل » إِنَّ الْباطِلَ كانَ رَهُوقاً الإسراء : 1 ]| . وقال عزّ من قائل :بل نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْباطِلٍ فَيَدْمَعْهُ فإذا هُوَ زاحِقٌ[ الأنبياء : 18 ] , قلت : وهذا الفصل من قوله : « الكون كلّه ظلمة . . . إلى هنا ) أبدع فيه المؤلف 45 » 3/7 « غاية الإبداع » وأتى فيه بما تقرّ به الأعين وتلذّ به الأسماع ؛ فإنه رضي الله عنه ذكر جميع متعلّقات الظهور . وأبطل حجابية كل ظلام ونور » وأراك فيه الحقّ رؤية عيان وبرهان » ورفعك من مقام الإيمان إلى أعلى مراتب الإحسان . كل ذلك في أوجز لفظ . وأفصح عبارة » وأتمّ تصريح وألطف إشارة » فلو لم يكن في هذا الكتاب إِلّا هذا الفصل لكان كافيا شافيا » فجزاه الله عذا خيرا . 15 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: (ما ترك من الجهل شينئا من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه) . إذا أقام تعالى العبد في حال من الأحوال التي لا يذمّها الشرع » فليتزم حسن الأدب في اختيار بقائه عليها ورضاه بها » وليراقب الله تعالى في مراعاة آدابها » وليوافق مراد الله تعالى في ذلك حتى يكون هو الذي ينقله عنها . قال أبو عثمان » رضي الله عنه : « منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته ٠‏ ولا نقلني إلى غيره فسخطته » . وقد تقدّمت حكاية المؤلف » رحمه الله تعالى » مع شيخه أبي العباس المرسي حين عزم على « التجرّد » وترك ما كان عليه من الاشتغال بالعلم الظاهر » وما أجابه الشيخ رضي الله تعالى عنه . وهذا من نتائج العلم بالله تعالى ومعرفة ربوبيته ؛ فإن سخط تلك الحال وتشوّف إلى الانتقال عنها بنفسه » وأراد أن يحدث غير ما أظهره الله تعالى » فقد بلغ غاية الجهل بربّه » وأساء الأدب في حضرة مولاه عز وجل » وهذا من معارضته حكم الوقت الذي تشير إليه الصوفية » وهو عندهم من أعظم ذنوب الخاصة ؛ فالواجب على العبد الاستسلام لحكم الله تعالى في ذلك الوقت ؛ فهو أدب العبوديّة ومقت مقتضى العلم بالله تعالى . وهذا هو أحد معاني لفظ « الوقت » في اصطلاحهم . قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله عنه « 1 » : « وقد يريدون بالوقت : ما يصادفهم من تصريف الحقّ لهم » دون ما يختارونه لأنفسهم » ويقولون : « فلان بحكم الوقت » أي : إنه مستسلم لما يبدو له من الغيب من غير اختيار له . وهذا فيما ليس للّه تعالى عليهم فيه أمر أو اقتضاء بحق شرع » إذ التضييع لما أمرت به » وإحالة الأمر فيه على التقدير وترك المبالاة بما يحصل منك من التقصير : خروج عن الدين . (1 ) انظر الرسالة القشيرية ص 55 . 46 » 38 « ومن كلامهم : الوقت سيف , أي : كما أن السيف قاطع فالوقت بما يمضيه الحق ويجريه غالب . وقيل : السيف ليّن مسّه » قاطع حده ؛ فمن لاينه سلم » ومن خاشنة اصطلم « 1 » » كذلك الوقت : من استسلم لحكمه نجا » ومن عارضه بترك الرضا انتكس وتردى « 2 » . وأنشدوا في ذلك :- وكالسيف إن لا ينته لان مسّه * وحدّاه إن خاشنته خشنان ومن ساعده الوقت : فالوقت له وقت . ومن ناكده الوقت : فالوقت عليه مقت » « 3 » . هذا كلام الإمام أبي القاسم » وهو موافق لما كر «يساكت الكاف ٠‏ ران المرة و 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: (إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس ) . إذا كان العبد متلبّسا بحال من أحوال دنياه » وكان له فيها شغل يمنعه من العلم بالأعمال الصالحة وأحال ذلك العمل على فراغه من تلك الأشغال وقال : « إذا تفرغت عملت » فذلك من رعونة والرعونة : ضرب من الحماقة » وحماقته من وجوه : الأول : إيثاره الدنيا على الآخرة » وليين هذا من شان :عقاذه. المؤمتين وهو خلاف ها طلب الله تن ا تاي :ل ار رن السية الشبار اح ل كر رلفى | على 117 والثاني : تسويفه بالعمل إلى أوان فراغه » وقد لا يجد مهلة » بل يختطفه الموت قبل ذلك » أو يزداد شغله ؛ لأن أشغال الدنيا يتداعى بعضها إلى بعض » كما قيل : فما قضى أحد منها لبانته * ولا انتهى أرب إلا إلى أرب « 4 » والثالث : أن يفرغ منها إلى الذي لا يرضيه من تبذّل عزمه وضعف نيّته » ثم فيه من دعوى الاستقلال ورؤية الحول والقوة في جميع الأحوال ما يستحقر في جنبه جميع هذا » بل الواجب عليه أن يبادر إلى الأعمال على أي حال كان » وأن ينتهز فرصة الإمكان قبل مفاجأة الموت وحلول الفوت » وأن يتوكّل على اللّه تعالى في تيسّرها عليه » وصرف الموانع (1 ) اصطلم : استؤصل . (2 ) انتكس : وقع على رأسه . تردى : وقع في الهلاك . (3) المقت : أشد البغض . ( 4) اللّبانة : الحاجة » وما يطلبه المرء عن رغبة وشهوة ( ج ) لبانات ولبان . 47 » 39 « الحاثلة بينها وبينه » وما أحسن قول « ابن الفارض » « 1 » فى هذا المعنى : وعد من قريب فاستجب واجتنب غدا * وشمّر عن الساق اجتهادا بنهضة وكن صارما كالوقت فالمقت في « عسى » * وإيّاك « مهلا » فهي أخطر علَّة وسر « زمنا » وانهض كسيرا فحظ * ك البطالة ما أخَرت عزما لصحّة « 2 » وجذّ بسيف العزم « سوف » فإن تجد * تجد نفسا فالنفس إن جدت جدّت 7 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: (لا تطلب منه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها ء فلو أرادك لاستعملك من غير إخراج .) كما أنه إذا كان المرء على حالة لا توافق غرضه كانت متعلقة بالدين أو بالدنيا لا ينبغي له أن يروم الخروج منها بنفسه ويعارض حكم وقته » فيحدث فيه غير ما أظهر الله فيه » كما تقدّم في قوله « ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه » مع الشرط المتقدم وهو أن لا يكون في ذلك مخالفة أمر أو ارتكاب نهى . فينبغي له أيضا أن لا يعارض حكم الوقت ويطلب من مولاه أن يخرجه منها ويستعمله فيما سواها ؛ لأن هذا من التخيير على الله تعالى » ولا خيرة له في ذلك » بل ينبغي له حسن الأدب معه وإيثار مراده به على اختياره هو » وحينتذ يتحقق بحال يتعرف فيها محبّة الله تعالى وإرادته له فيستعمله استعمالا محبوبا عنده مع بقائه على حالته التي هو عليها » فيكون إذ ذاك بمراد الله تعالى له » لا بمراده لنفسه » وهو خير له مما اختاره . قال في « التنوير » : « يحكى عن بعضهم أنه كان يقول : « وددت لو أنني تركت كل الأسباب وأعطيب كل يوم رغيفين » يريد بذلك أن يستريح من تعب الأسباب » ففكرت يوما في أمري » فقيل لي : إنك طلبت منا كل يوم رغيفين ولم تطلب منا العافية ؛ ذاعطيياك 4 حلي » «امككذرك امن ذلك الذنت ريمعت إلى انه تجالين هقانا بدا السندة يقرع » فتخّلصت وخرجت . قال فيه : فتأدب أيها المؤمن » ولا تطلب أن يخرجك من أمر » ويدخلك فيما (1 ) عمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي الأصل » المصري المولد والدار والوفاة ( 576 - 632 ه - 1181 - 1235 م ) أبو حفص وأبو القاسم » شرف الدين ابن الفارض ٠‏ أشعر المتصوفين يلقب بسلطان العاشقين . في شعره فلسفة تتصل بما يسمى « وحدة الوجود » نشأ بمصر ء ولما شب اشتغل بفقه الشافعية وأخذ الحديث عن ابن عساكر » ثم حبب إليه سلوك طريق ( الأعلام 5 / 55 » وشذرات الذهب 5 / 149 » ووفيات الأعيان 3 / 454 - 456 ) . 48 (2 ) زمن : مرض مرضا يدوم زمانا طويلا » وضعف بكبر سن أو مطاولة علة 49 » 40 « سواه إذا كان ما أنت فيه مما يوافق لسان العلم » فإن ذلك من سوء الأدب مع الله تعالى » فاصبر لئلا تطلب الخروج بنفسك » فتعطى ما طلبت وتمنع الراحة فيه » فربٌ تارك شيئا وداخل في غيره ليجد الثروة والراحة فيتعب . وقوبل بوجود التعسير عقوبة لوجود الاختيار » . انتهى كلامه في التنوير » وهو كالتفسير لما ذكره هنا ء» فلذلك أوردته . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: ( ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة : الذي تطلب أمامك » ولا تبرحت ظواهر المكونات إلا ونادتك حقائقها إنما نحن فتنة فلا تكفر ) . الشائر: إلى الله تعالج :تتكلى لذافى أنذاء سار كه إنوار «انبدى له أسوان 4 فإن أر اذات هده ان تقفت عندها كتف لياس ذلك ؛ لاعتقاده أنه وضل إلى الغاية القضوى والنهاية من المعررفة خائته هواتف الحقيقة : المطلوب الذي تطلبه أمامك فجدٌ في السير ولا تقف » فإن تبرّجت « 1 » له ظواهر المكونات بزينتها فمال إلى حسنها وجمالها نادته حقائقها الباطنة ( إنما نحن فتنة فلا تكفر ) وغمّض عينيك عن ذلك ولا تلتفت إليه » ودم على سلوكك وسيرك » واعلم أنه ما دامت لك همّة « وإرادة » فأنت بعيد في الطريق لم تصل », فلو فنيت عنها لوصلت ؛ وما أحسن قول الشيخ أبي حسن الششتري في هذا المعنى : ولا تلتفت فى السير غيرا فكلّ ما * سوى الله غير فاتخة ذكره حصنا وكلّ مقام لا تقم فيه إِنّهِ * حجاب » فجدّ السير » واستنجد العونا ومهما ترى كل المراتب تجتلى * عليك فحل عنها » فعن مثلها حلنا وقل : ليس لي في غير ذاتك مطلب * فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنا « 2 » وقد رأيت لسيدي أبي الحسن الشاذلي » رضي الله عنه » كلاما حسنا مناسبا لما ذكره المؤلف » رحمه الله » هنا من الترقّي في الأحوال وظهور النقص في رؤية الكمال » فرأيت أن أذكره هاهنا ينصدة ؛ لننا فيه هه سنقى الفو اند و قيريف المقاصية قال رركي اللم هاه امك نكا ريت ان ب اللسصيب قدا ديا 1ه على تسرك ور قن انان موف ين ذلك علي الله تعاليع بإشارة كبادقة و إغمال ثابتة لا 'ينقضتها كتانه ولا سنة + واغر هن عن الدننا بالكلية » ولا تكن ممن يعرض عنها ليعطى شيا على ذلك ؛ بل كن في ذلك عبدا لله أمرك أن ترفض عدوه ؛ فإن أتيت بهاتين الخصلتين : الإعراض عن الناس ٠»‏ والزهد في الدنيا فأقم مع اللّه بالمراقبة والتزام التوبة بالرعاية » والاستغفار والإنابة والخضوع للأحكام بالاستقامة . (1 ) تبرجت السماء : تزينت بالكواكب . (2 ) الطّرفة : النادرة والملحة ( ج ) طرف . 50 51 » 41 « وتفسير هذه الوجوه الأربعة : أن تقوم عبدا لله فيما تأتي وما تذر » وتراقب قلبك أن لا يرى قلبك فى المملكة شيئا لغيره ؛ فإن أتيت بهذا نادتك هواتف الحق من أنوار العزّ أنك قد عميت عن طريق الرشد » من أين لك القيام مع الله تعالى بالمراقبة وأنت تسمع قوله :وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلّ شَيْءٍ رَقِيباً الأحزاب : 52 ] فهنالك يدركك من الحياء ما يحملك على التوبة مما ظننت أنه قريب » فالتزم التوبة بالرعاية لقلبك أن لآ تشهد ذلك منك يكال فتعوى الى ما حررحت عنه + ذإن حتحت هذ كنك ذلاتك الووائف أيضنا من قبل الحق سبحانه : التوبة منه بدت » والإنابة منة تتبعها واشتغالك بما هو وصف لك حجاب عن مرادك » فهناك تظهر أوصافك فتستعيذ باللّه منها وتأخد في الاستغفار والإنابة . والاستغفار : طلب الستر من أوصافك بالرجوع إلى أوصافه ؛ فإن كنت بهذه الصفة » أعني : الاستغفار والإنابة ناداك من قريب : اخضع لأحكامي ودع عنك منازعتي » واستقم مع إرادتي برفض إرادتك » وإنما هي ربوبيّة تولت عبودية » وكن عبدا مملوكا لا تقدر على شيء » فمتى رأيت منك قدرة وكلتك إليها وأنا بكل شيء عليم فإن صمّ لك هذا الباب ولزمته أشرفت من هنالك على أسرار لا تكاد تسمع أحد من العالمين . 9 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( طلبك منه اتهام له وطلبك له غيبة منك عنه » وطلبك لغيره لقلة حيائك منه » وطلبك من غيره لوجود بعدك عنه ) . 00 الطلب الذي يتصوّر من العبد على أربعة أوجه » وكلها مدخولة معلولة : طلبه من الله » وطلبه له » وطلبه لغيره » وطلبه من غيره . فطلبه من الله تهمة له » إذ لو وثق بها في إيصال منافعه إليه من غير سؤال لما طلب منه شيئا . وطلبه له غيبة عنه » إذ الحاضر لا يطلب . وطلبه لغيره قلّة حياء منه » إذ لو استحيا منه انقبض عمّا يكرهه له من طلبه لغيره » ومن حقّ الحياء منه أن لا يذكر معه غيره » ولا يؤثر عليه سواه . وطلبه من غيره لوجود بعده عنه » إذ لو كان قريبا منه لكان غيره بعيدا عنه فلا يطلب منه فالطلت كله عنذا المر خدية العار فين معلول؟»"سواء كا الطلدي متعلقا بالحق: أن بالخلق ؛ إلا نا كان من الطلب على وجه التأدب والتعبّد واتباع الأمر » وإظهار الفاقة والفقر ء فحينئذ تزول العلّة عنه 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه: (ما من نفس تبديه إلا وله فيك قدر يمضيه ) . الأنفاس : أزمنه دقيقة تتعاقب على العبد ما دام حيّا » فكل نفس يبدو منه ظروف لقدر من أقدار الحق تعالى ينفذ فيه كائنا ما كان » فإذا كانت جزئيات العبد ودقائقه قد 52 » 42 « م ا را ا د يي حم ريم 50 هد له ين 31 داك مدل لسوين: امور تادرولا مكل لمثا ب سير وا 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لا تترقب فروغ الأغيار » فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له فيما هو مقيمك فيه ) . إذا أقام الله تعالى عبدا في سبب من الأسباب فالواجب عليه أو يوفيه حقه ويلتزم فيه الأدب ولا يترقب وقتا ثانيا يكون فيه فارغا منه ؛ فإن تأميله للوقت الثاني يمنعه من القيام بحق الوقت الأول فيما أقيم فيه وتوفيته ما يجب له » وهو خلاف الأمر المطلوب منه » فليجتنب ذلك المريد . قال أبو حفص . رضي الله عنه : « الفقير الصادق هو الذي يكون في كل وقت بحكمه ؛ فإذا ورد عليه وارد يشغله عن حكم وقته يستوحش منه ويتّقيه » . وقال سهل بن عبد الله » رضي الله عنه : « إذا جِنْك الليل فلا تؤمل النهار حتى تسلم ليلتك تلك وتؤدّي حقّ الله تعالى فيها » وتنصح فيها لنفسك » وإذا أصبحت فكذلك » . وسئل سهل » رضي الله عنه : « متى يستريح الفقير ؟ فقال : إذا لم ير وقتا غير الوقت الذي هو فيه » . [قاك ستوب في شموره عدائرلة لعل ورتاوك لتر راكوا لسن : 35] : الشدة والرخاء » والصحة والسقم » والغنى والفقر . وقيل : بما تحبون وتكرهون » لننظر شكركم فيما تحبون » وصبركم فيما تكرهون ] . 22 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لات تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار ؛ فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها ) . جعل الله الدنيا دار ذا فتنة وابتلاء ؛ ليعمل كل أحد فيها على مقتضى ما سبق له » ويوفى جزاءه في الدار الآخرة » قال الله تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بالشّرٌ وَالْخَيْرٍ فِثَنَةَ [ الأنبياء :00 وهيل كرو لكداقيها رفك وى مهاد شور الك لقية هار بير نشي عرو لك ١‏ معالة يود هين وجود محبوب أو مكروه بفعل أو بترك » فمن ضروريات الدنيا وجدان المكاره والمشاق فيها . فتقع الأكدار بسبب ذلك » وأيضا » فحاصل في الدنيا أمور وهمية انقادت طباع الناس إليها » وهي لا تفي بجميع مطالبهم لضيقها وقلّتها وسرعة تقضّيها وتقلّبها » فتجاذبوها بينهم » فتكدّر عيشهم ولم يحصلوا على كلية أغراضهم» كما قيل في المعنى : 53 « 43 » أرى أشقياء الناس لا يسأمونها * على أنها فيها عراة وجوّع أراها » وإن كانت تحب » كأنها * سحابة صيف عن قريب تقشع « 1 » فلا تستغرب رفوع أمذال بهذا فنه ها ظيرمنها الاها هو مستدى كينها وراحب تكنها من وجدان المكاره التي هي ذاتية لها . قال بعض الحكماء : « لولا أن الدنيا مبنية على المكاره لجعلت منفعة الأهليلج « 2 » في اللوزينج « 3 » » وسيأتي التنبيه على الحكمة في هذا عند قوله [ إنما جعلها محلا للأغيار ومعدنا لوجود الأكدار ] تزهيدا لك فيها . وفي بعض الحكايات المنقولة عن جعفر الصادق « 4 » ٠‏ رضي الله تعالى عنه » أنه قال : من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق » فقيل له : وما ذاك ؟ قال ل لك معناه أنشدوا ٠‏ تطلب الرلحة فى دار العتاء * كلب من يطلب خينا لا بكرن وقال بعض البلغاء : « ملتمس السلامة في دار المتالف والمعاطب كالمتمرّغ « 5 » على مزاحق الحيّات ومداب العقارب » . وقال ابن مسعود «6» رضي الله عنه : « الدنيا كلّها غموم فما كان منها في سرور فهو ربح». (1 ) انقشع السحاب : زال وانكشف . ( 2 ) الإهليلج : جنس شجر هندي ء من أنواعه ما يسمى الإهليلج الهندي في مصر » والهندي الشعيري في الشام والأملج في شبه الجزيرة العربية تستعمل ثماره لتنظيف جهاز الهضم ( مع ) فارسية . (3 ) اللُوزينج : حلواء شبه القطائف تؤدم بدهن اللوز ( مع ) . ( 4 ) جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين د بن الحسين السبط ( 80 - 148 ه - 699 - 5م ) الهاشمي القرشي » أبو عبد الله الملقب بالصادق » سادس الأئمة الاثني عشر عند الإمامية » كان من أجلاء التابعين » وله منزلة رفيعة في العلم . أخذ عنه جماعة منهم الإمامان أبو حنيفة ومالك » ولقب بالصادق لأنه لم يعرف عنه الكذب قط ء له أخبار مع الخلفاء من بني العباس » وكان جريئا عليهم صداعا بالحق . له « رسائل » مجموعة في كتاب . مولده ووفاته بالمدينة . ( الأعلام 2 / 126 » وحلية الأولياء 3 / 192 ٠»‏ ووفيات الأعيان 1 / 327 » وتهذيب الكمال 3 / 418). (5) شرع : تلب ( 6 ) عيد للدين مسدود ين عافن ون بحيب الهذلي (اترفى 32 3د 65م ) برعي الرحدن » صحابي من أكابرهم » فضلا وعقلا وقربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أهل مكة . ومن السابقين إلى الإسلام وأول من من جهر بقراءة القرآن بمكة » وكان خادم رسول الله الأمين وصاحب سره ورفيقه في حله وتر حاله وغزواته . ولي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيت مال الكوفة » ثم قدم المدينة في خلافة عثمان فتوفي فيها عن نحو ستين عاما . له ( 848 ) حديثا 54 ( الأعلام 4 / 137 » وحلية الأولياء 1 / 124 ٠»‏ وتهذيب الكمال 10 / 532 ) . 55 « 44 » وقال الإمام الجنيد « 1 » » رضي الله عنه : « لست أستبشع ما يرد عليّ من العالم لأني قد أصلت أصلا وهو أن الدنيا دار هم » وغمّ » وبلاء » وفتنة » وأن العالم كلّهِ شر » ومن حكمه أن يتلقاني بكلٌ ما أكره ؛ فإن تلقّاني بكل ما أحبّ فهو فضل ٠ء‏ وإِلّا فالأصل هو الأول » . وقال أبو تراب « 2 » رضي الله عنه : « يا أيها الناس أنتم تحبون ثلاثة أشياء » وليست هي لكم : تحبون النفس » وهي لله » وتحبون الروح » والروح لله » وتحبون المال » والمال للورثة » وتطلبون اثنين ولا تجدونهما : الراحة والفرح » وهما في الجنة » . فالواجب على العبد أن لا يوطن على الراحة في الدنيا نفسه » ولا يركن فيها إلى ما يقتضي فرحا وأنسا » وأن يعمل على قول النبي صلى الله عليه وسلم » فيما روى عنه أبو هريرة رضي الله عنه : « الدنيا سجن المؤمن « 3 » » فتوطين العبد على المحن في دنياه يهؤن عليه ما يلقاه . ويجد السلوان عند فقدان ما يهواه » كما قيل في المعنى : يمثل ذو اللب في لبه *** شدائده قبل أن تنزلا فإن نزلت بغتة لم ترعه *** لما كان في نفسه مثّلا راى الآمر يفضي إلى آخر *** فصبر آخره أولا وذو الجهل يأمن أيامه *** وينسى مصارع من قد خلا فإن دهمته صروف الزمان *** ببعض مصائبه أعولا ولو قدّم الحزم في نفسه *** لعلّمه الصبر عند البلا فليتلق المريد ما يرد عليه من ذلك بالصبر والرضا والاستسلام عند جريان القضاء (1 ) الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز ( توفي سنة 297 ه - 910 م ) أبو القاسم , صوفي من العلماء بالدين مولده ومنشأه ووفاته ببغداد » وهو أول من تكلم في علم التوحيد ببغداد . من كلامه : « طريقنا مضبوط بالكتاب والسنة » من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث » ولم يتفقه لا يقتدى به له « دواء الأرواح » رسالة صغيرة وغيرها . ( الأعلام 2 / 141 ٠‏ وطبقات الشعراني 1 / 72 وهو فيه « الزجاج » وقيل : توفي سنة 298 ه » والرسالة القشيرية ص 430 » ووفيات الأعيان 1 / 373 ) . (2 ) أبو تراب النخشبي ( توفي سنة 245 ٠ه‏ - 859 م ) عسكر بن الحصين ( أو ابن محمد بن الحسين ) النخشبي » أبو تراب » شيخ عصره في الزهد والتصوف . اشتهر بكنيته حتى لا يكاد يعرف إلا بها » وهو من بلاد نخشب من بلاد ما وراء النهر . كتب كثيرا من الحديث » وأخذ عنه الإمام أحمد بن حنبل وآخرون . وقف ( 55 ) وقفة بعرفة » ومات بالبادية . قيل : نهشته السباع ( الأعلام 4 / 233 » والرسالة القشيرية ص 463 . بن حنبل ( 2 » 197 » 323 » 389 ٠»‏ 485 ) . 56 » 45 « فعن قريب إن شاء الله ينجلي الأمر ويستوجب من الله تعالى جزيل الأجر ء واللّه تعالى وليّ التوفيق . قال أحمد بن أبي الحواري « 1 » » رضي الله عنه : قال لي أبو سليمان الداراني « 2 » : جوع قليل » وعرى قليل » وذل قليل » وصبر قليل » وقد انقضت عنك أيام الدنيا » . واعلم أن ما ذكرناه من الصبر هو جماع كلّ فضيلة » وملاك كل فائدة جزيلة ومكرمة نبيلة » قال الله تعالى : وَنَمّْتْ كَلِمَتْ رَبّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بما صَبَرُوا [ الأعراف : 137 ] وقال الله تعالى : وَجَعَلَنا مِنْهُمْ أَئِمّة يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا [ السجدة 1047 وقال عز من قائل : إنما يُوَفَى الصّابِرُونَ أَخْرَهُمْ بِغَيْرٍ حاب [ الزمر : 10 ] » وفي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما : « وإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل » وإن لم تستطع فاصبر » فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا » واعلم أن النصر مع الصبر . والفرج مع الكرب » واليسر مع العسر «< 3 »». وقال عمر بن الخطاب » رضي الله عنه » لرجل : « إن صبرت مضى أمر الله وكنت مأجورا » وإن جزعت مضى أمر الله وكنت مأزورا » وقال علي رضي الله عنه : « الصبر مطيّة لا تكبو » وسيف لا ينبو » . وقال ان عباس رضي اند هنيفا “رو أفضل الغذة امير عن الشذة *:. وفي بعض الأخبار : انتظار الفرح بالصبر عبادة » وقد قال الشاعر : إن الأمور إذا انسدّت مسالكها *** فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا « 4 » لا تيأسنَّ » وإن طالت مطالبة *** إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا (1 ) أحمد بن أبي الخواري ( توفي 230 ه / 845 م ) أبو الحسين من أهل دمشق ٠‏ صحب أبا سليمان الداراني وغيره . من كلامه « ما ابتلى الله عبدا بشيء أشد من الغفلة والقسوة » . ( الرسالة القشيرية ص 410 ) . (2 ) أبو سليمان الداراني ( توفي سنة 215 ٠ه‏ - 830 م ) عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي المذحجي ٠‏ أبو سليمان . زاهد مشهور من أهل داريا . رحل إلى بغداد » وأقام بها مدة . ثم عاد إلى دمشق وتوفي في بلده . كان من كبار المتصوفين . له أخبار في الزهد . من كلامه : « خير السخاء ما وافق الحاجة » . ( الأعلام 3 / 293 ٠»‏ وحلية الأولياء 9 / 254 » ووفيات الأعيان 131/3 ) . (3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 1 » 307 ) . ( 4 ) أرتج الباب : أغلقه إغلاقا وثيقا . 57 « 46 » أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا « 1 » فمن جعل الصبر معتمده في نوازله » واعتده من أعظم عدده ووسائله » فهو مصيب في رأيه » منجح في سعيه » ومن جزع من المصائب واضطرب عند وقوع النوائب كان عاملا فيما يزيده ضرا ء ويكسبه وزرا ء ويفوّته أجرا » وناهيك به خسرا » كما قيل : وإذا تصبك مصيبة فاصبر لها *** عظمت مصيبة مبتلى لا يصبر وكما قيل أيضا : 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ما توقف مطلب أنت طالبه بربك » ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك ). من أنزل حوائجه باللّه تعالى والتجأ إليه » وتوكل في أمره كله عليه » كفاه كل مؤنة » وقرّب عليه كل بعيد » ويسّر عليه كل عسير » ومن سكن إلى علمه » وعقله » واعتمد على قوّته وحوله . وكله الله إلى نفسه » وخذله وحرمه توفيقه وأهمله فلم تنجح مطالبه » ولم تتيسّر مآربه » وهذا معلوم على القطع من نصوص الشريعة وأنواع التجارب . قلت : وكلام المؤلف ٠‏ رحمه الله تعالى » في هذه المسألة عام يتناول كلّ مطلب من المطالب الدينية والدنيوية التي مآل أمرها إلى الدين » وأشرف تلك المطالب وأكثرها قواطع ومعاطب » أخذ المريد في سلوك سبيل التوحيد , ففيه التعلّق باللّه تعالى أحقّ وأصوب ٠‏ وفي جميع جزئياته الرجوع إلى الله تعالى أولى وأوجب » فلا جرم كان من الرأي السديد والأمر الأكيد أن يخصصه من ذلك العام » وأن يفرده عقيب هذه المسألة بمزيد من الكلام فلذلك 4 - قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه :. ( من علامات النجح في النهايات الرجوع إلى الله تعالى في البدايات ). للمريد بداية ونهاية » فبدايته حال سلوكه » ونهايته حال وصوله ؛ فمن صحح بدايته بالرجوع إلى 3 5 1 0 5 ّ 000 نت نيالته : 5 الله تعا وا كل عليه والاستعا : كما نا أذ ونجح في ١‏ وكان وصوله ١‏ قال بعض إلمشايخ : « ما رجع من رجع إلا من الطريق » ولو وصلوا ما رجعوا » . ومن لم يصحح ذلك بما ذكرناه من تعلقه بالحق وفراره إليه من نفسه والخلق » انقطع ورجع من حيث جاء . (1 ) أخلق به : أجدر به . 58 59 » 47 « قال بعض العلماء : « من ظن أنه يصل إلى اللّه تعالى بغير الله قطع به » ومن استعان على عبادة الله تعالى بنفسه » وكّل إلى نفسه » . فعلى العبد السالك أن يجعل معتمد أمره الاستعانة باللّه تعالى على ما هو بسبيله » ولا يرى حول نفسه ولا قوّتها في كثير من عمله ولا قليله » فهذا هو أساس السلوك الذي ينبني عليه قواعده . 5 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من أشرقت بدايته أشرقت نهايته ). : هذه عبارة أخرى موافقة لمعنى ما تقدّم ؛ فإشراق بداية المريد برجوعه إلى الله تعالى في مهماته وثقته به في ملماته » وإشراق نهايته الوصول إلى قربته » والحصول في حضرته . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي اله عنه : ( ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر ) . هذا بيان علامة تعرف بها حال المريد السالك » وما انغمر به باطنه من المزيد المتدارك ؛ لأن الظاهر مرآة الباطن » كما قيل « الأسرّة تدل على السريرة « 1 » » وما خامر القلوب فعلى الوجوه يلوح أثره » فما استودعه الله القلوب والأسرار من المعارف والأنوار لا بدّ وأن تظهر آثار ذلك على الجوارح » فيستدلَ بشاهد العبد على غائبه من أراد صحبته » والوصلة به » وما أشبه ذلك من الأغراض والمقاصد . قال أبو حفص « 2 » » رضي الله عنه : « حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن . فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه » « 3 » . وقيل : لمّا ورد أبو حفص العراق جاء إليها الجنيد » فرأى أصحاب أبي حفص وقوفا على رأسه يأتمرون بأمره لا يخطئ أحد منهم » فقال : يا أبا حفص أدّبت أصحابك أدب الملوك ! ! فقال : لا يا أبا القاسم » ولكن حسن الأدب الظاهر عنوان أدب الباطن . قلت : وآكد من ذلك أن يعرف المريد نفسه » ويكون من أمرها على بصيرة ولا (1 ) السريرة : السر الذي يكتم ( ج ) وللإنسان : ما أسره من أمره خيرا وقيل شرا . والأسرّة : ( ج ) السرير : الملك والنعمة وخفض العيش . (2 ) هو أبو حفص عمر بن مسلمة الحداد ( توفي حوالي 260 ٠ه‏ / 874 م ) من قرية يقال لها : كورداباذ . كان أحد الأئمة والسادة . من أقواله : « المعاصي بريد الكفر » كما أن الحمى بريد الموت » . ( الرسالة القتشيرية ص 406 ) . ( 3 ) أخرجه البيهقي في ( السنن الكبرى 2 / 289 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 3 / 23 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 5891 ) ٠‏ والألباني في ( إرواء الغليل 2 / 92 ) » 060 61 » 48 « ينخدع بما يتوهمه من صلاح سريرته دون علانيته » فمن ادّعى بقلبه معرفة الله تعالى ومحبته . ولم تظهر على ظاهره ثمرات ذلك وآثاره من اللّهج بذكره والمسارعة إلى اتّباع أمره » والاغتباط بوجوده والاستبشار عند يقين شهوده والفرار من القواطع الشاغلة عنه » والإضراب عن الوسائط المبعدة منه » فهو كذاب في دعواه » متخذ آلهة هواه » فإن كان موصوفا بأضداد هذه الخصال » ومنحرفا بظاهره عن جادة الاعتدال » » فهو في دعواه أكذب » وحاله للنفاق والشرك أقرب . قال الشيخ أبو طالب المكّي رضي الله عنه : « قد جعل الله تعالى وصف الكافرين أنهم إذا ذكر الله وحده في شيء انقبضت قلوبهم » وإذا ذكر غيره في شيء فرحوا » وجعل من نعوتهم أنهم إذا ذكر الله تعالى بتوحيده وإفراده بشيء غمطوا ذلك وكرهوه » وإذا أشرك غيره في ذلك صدقوا به فقال تعالى : وَإِذا ذْكِرَ الله وَحْدَهُ اشَمَأَرتْ قُلُوبُ الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَة » وَإِذا ذَكِرَ الّذِينَ مِنْ ذُونِهِ إذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [ الزمر : 45]. وقال أيضا : ذلِكُمْ بأَنَهُ إذا ذُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْنُمْ وَإِنْ يُشْرَكَ به تؤْمِنُوا [ غافر 12 والكفر : التغطية » والشرك : الخلط . أي أنه يخلط بذكره ذكر سواه » ثم قال : فالْخكُم بل العلِيّ الْكَبيرٍ [ غافر : 12 ] . يعنى : لا يشركه خلق فى حكمه ؛ لأنه العلى فى عظمته » الكبير فى سلطانه » لا شريك له فى ملكه وغطائه » ولا نظير له من عباده » ففي دليل هذا الكلام وفهمه من الخطاب : أن المؤمنين إذا ذكر الله بالتوحيد والإفراد في شيء انشرحت صدورهم » واتسعت قلوبهم واستبشروا بذكره وتوحيده » وإذا ذكرت الوسائط والأسباب التي دونه كرهوا ذلك واشمأزت قلوبهم » وهذه علامة صحيحة فاعرفها من قلبك ومن قلب غيرك » لتستدل بها على حقيقة التوحيد في القلب » أو وجود خفي الشرك في السرّ إن كنت عارفا » انتهى . 1 قلت : وهذه المسألة التي تضمنها كلام الشيخ أبي طالب المكّي رضي الله عنه من أعظم المسائل على صدق الصادق وكذب الكاذب » ومن أوضح الدلائل . ولما كان قصدنا في هذا التنبيه استغنام ذكر الفوائد العجيبة والحرص على رسم المقاصد الغريبة لغربة الدين في هذا الزمان الرذل راسيلاء القزة والجيل على المسير يي ن إلى العلم والفضل حسن منّا إبراد هذه الكلمات على وجه حدرت الملل و الاكتفاء لتيل ور 1 » عن العلل ير 2 » انعم + بمقتضى ذلك مريد سالك ولينتهج من مناصحة ربّه في دينه وقلبه أوضح المسالك . واحمل على هذا الأسلوب كل كلام لم تظهر لك مطابقته » ولم تتم في نظرك مناسبته » لتسلم بذلك من الأغراض » وتعلو همّتك عمّا تولع به أصحاب القلوب المراض عافانا الله بمنه وفضله . (1 ) النهل : الشرب الأول حتى الارتواء . (2 ) العلل : الشرب الثاني . 62 » 49 « 7 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( شتان بين من يستدل به أو يستدل عليه . المستدل به عرف الحق لأهله فأثبت الأمر من وجود أصله والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه , وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه » ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه ). د 00 ل 0 موسومون بالجهل وعدم العلم م و ا ا 0 الذي يحقق لهم النسبة ويوجب لهم الزلفى « 1 » والقربة المشار إلى ذلك بقوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَشكُرُونَ وجعلهم على قسمين : مرادين ومريدين » وإن شئت قلت : مجذوبين وسالكين » وكلاهما مراذ ومجذوب على التحقيق ٠‏ قال الله تعالن : اللّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [ الشورى : 13 ] . فالمريدون السالكون إلى الله تعالى في حال سلوكهم محجوبون عن ربّهم برؤية الأغيار فالآثار والأكوان ظاهرة لهم وموجودة لديهم » والحق تعالى غيب عنهم فلم يروه » فهم يستدلون بها عليه في حال ترقيهم » والمرادون المجذوبون واجههم الحق تعالى بوجهه الكريم الأكرم » وتعرّف إليهم فعرفوه به » فلما عرفوه على هذا الوجه انحجبت الأغيار عنهم فلم يروها » فهم يستدلون به عليها في حال تدليهم . فهذا هو حال الفريقين » وشتان ما بينهما ١‏ أي : بعد ما بينهما ؛ وذلك أن المستدل به على غيره عرف الحق الذي هو الوجود الواجب لأهله » وهو المختص بوصف القدم » وأثبت الأمر المشار به إلى الآثار العدمية من وجود أصله المشار به إلى المؤثر المتحقق وجوده والمستدل بغيره عليه » على عكس ما ذكرناه ؛ لأنه استدلٌ بالمجهول على المعلوم » وبالمعدوم على الموجود » وبالأمر الخفيّ على الظاهر الجليّ » وذلك لوجود الحجاب » ووقوفه مع الأسباب » وعدم احتظائه بالوصول والاقتراب » وإِلّا فمتى غاب حتى يستدل عليه بالأشياء الحاضرة » ومتى ببعد حتى تكون الآثار القريبة هي التي توصّل إليه » أو فقد » حتى تكون الآثار الموجودة هي التي تدل عليه » وأنشدوا : عجبت لمن يبغي عليك شهادة *** وأنت الذي أشهدته كلّ مشهد قال في « لطائف المنن » « 2 » : « واعلم أن الأدلّة إنما تنتصب لمن يطلب الحق لا لمن (1 )الزلفى : المنزلة والدرجة والقربة . ( 2 ) كتاب « لطائف المنن » في مناقب الشيخ أبي العباس وشيخه أبي الحسن في مجلد ذكر فيه جملا من فضائل الشيخ أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن الشاذلي » ورتبه على مقدمة وعشرة أبواب وخاتمة المقدمة في تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم على جميع بني آدم وذكر أقسام الولاية . - 063 64 » 50 « يشهده ؛ لأن الشاهد غنيّ بوضوح الشهود عن أن يحتاج إلى دليل » فتكون المعرفة باعتبار توصيل الوسائل إليها كسبية » ثم تعود إلى نهايتها ضرورية وإذا كان من الكائنات ما هو غني بوضوحه عن إقامة دليل فالمكوّن أولى بغناه عن الدليل منها » ثم قال : « ومن أعجب العجب أن تكون الكائنات موصلة إليه » فليت شعري هل لها وجود معه حتى توصل إليه ؟ أو هل لها من الوضوح ما ليس له حتى تكون هي المظهرة له ؟ وإن كانت الكائنات موصلة إليه فليس ذلك من حيث ذاتها » لكن هو الذي ولاها رتبة التوصيل فوصلت إليه فما وصّل إليه غير إلهيّته ولكن الحكيم هو واضع الأسباب » وهي لمن وقف عندها ولم تنفذ قدرته عين الحجاب » . 8 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لينفق ذو سعة من سعته : الواصلون إليه » ومن فدر عليه رزقه السائرون إليه ). هذه إشارة مليحة إلى حال الفريقين » فالواصلون إلى الله تعالى لنا خرجوا من سجن رؤية الأغيار عوالمهم كيف شاءوا ٠‏ والسالكون إليه مقدور عليهم في أرزاق العلوم والفهوم » محبوسون في مضيق الخيالات والرسوم » ينفقون مما آتاهم الله من الرزق المعلوم المقذر المضيّق . 9 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه ٠‏ والواصلون لهم أنوار المواجهة , فالأولون للأنوار . وهؤلاء الأنوار لهم ؛ لأنهم لله » لا لشيء دونه قَلٍ الله ثْمّ دذَرْهُمْ في خَوْضِهمْ يَلعَبُونَ ). أنوار التوجّه : هو ما صدر منهم إلى الله تعالى من عبادات ومعاملات ومكابدات ومجاهدات . وأنوار المواجهة : هو ما صدر من الله لهم من تعرّف وتقرّب وتودّد وتحبّب فالأولون عبيد الأنوار » لوجود حاجتهم إليها في الوصول إلى مقصودهم . ا ؛ لوجود غناهم عنها بربّهم » فهم لله لا لشيء دونه » وسيأتي هذا المعنى عند قوله : « أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكوّن ٠‏ فإذا شهدته كانت الأكوان معك » . قال الله تعالى : قُلِ الَهُ ثم ذَرْهُمْ في خَوْضِهمْ يَلْعَبُونَ [ الأنعام : 91 ]. أفراد التوحيد بعدم ملاحظة الأغيار هو حق اليقين ورؤية ما سوى الله خوض ولعب ٠‏ وهما من صفات الكاذبين والمنافقين » قال الله عرّ وجل إخبارا عنهم : وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ - ( كشف الظنون 2 / 1554 ) . 65 « 51 » الْخَائْضِينَ[ المدثر : 45 ] » وقال الله تعالى :بَلْ هُمْ فِي شك يَلْعَبُونَ[ٍ الدخان : 9 ] » 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب ) . حكم المريد أن يتشوّف إلى معرفة ما غاب عنه من معايب نفسه ويتطلّبها » ويبحث عنها ؛ فإن ذلك هو حق الحق تعالى منه » فينبغي أن يحرص عليه » ويصرف عنان « 1 » اعتنائه إليه ؛ ليحصل له صفاء أعماله من الآفات ء ونقاء أحواله من الكدورات ء وينتفي عنه الجهل والغرور » وتنقطع عن باطنه مواد الشرور . وقد ذكر الشيخ أبو حامد الغزالي » رضي الله عنه » في كتابه : « رياضة النفس » فصلا في طروت اند وار ود حرو روي لا الوك جنر ود اراد جا اكوا ارو ارا » 0ض والثاني : مصاحبة صديق صدوق يجعله رقيبا على أحواله وأعماله » لينبّهه على ما يخفى عليه من مذامٌ خلاله . والثالث : أن يستفيد معرفة عيوبه من أعدائه » إذ لا بدّ من جريان ذلك على ألسنتهم عند ثلبهم والرابع : أن يستفيد ذلك من مخالطة الناس إذ يطّلع بذلك على مساويهم » فإذا اطّلع عليها منهم وعلم أنه لا ينفك هو عن شيء منها ؛ لأن الطباع البشرية في ذلك متقاربة » وقد يظهر له في نفسه ما هو أعظم مما يراه في غيره فيطالب نفسه حينئذ بالتطهّر منها ٠‏ والتنزّه عنها فهذا تلخيص ما ذكره . ثم قال > < وهذه كلها حيل من فقد شيخا غارفا ذكيا بصيرا بعيوب النفس > مشفقا » ناصحا في الدين + فارغا من تهذيب نفسه + مشغولا بتهنيب عياد الله » ناصحا لهم » فمن وجد :الطبيب فليلازمه » فهو الذي يخلصه من مرضه » وينجيه من الهلاك الذي هو بصدده » . انتهى . واما طلده لش المخيرية عه عن حاي الحذر رن 402 ١‏ و نظائف الخير ‏ فنه حلط نفب 77 حن عليه فيه الى تعالى + فليطب عنها ننسا ولا يشبكل بها علا ولا حنا ؛ وما (1 ) العنان : سير اللجام الذي تمسك به الدابة . (2 ) القدر : القضاء الذي يقضي به الله على عباده ( ج ) أقدار . 66 « 52 » ظهر له منها لا يسكن إليه ولا يعوّل عليه ؛ فإن ذلك من المعايب القادحة في عبوديته » ولهذا قالرا : ,ك5 طابا اتستقامة : ولا تكن طالبا للكر امة ؛ فإ نفيك تحر ك وتطلب الكرامة ومولاك يطالبك بالاستقامة » ولأن تكون بحقّ مولاك أولى بك من أن تكون بحظّ نفسك » . ومن الحكايات في هذا المعنى الذي ذكرناه ما روى في الإسرائيليات عن « وهب بن منبّه » « 1 » رضي الله تعالى عنه : « أن رجلا من بني إسرائيل صام سبعين سنة يفطر في كل سنة ستة أيام » فسأل الله تبارك وتعالى أن يريه كيف تقوى الشياطين على الناس » فلما طال ذلك عليه ولم قال : لو اطّلعت على خطيئتي وذنبي بيني وبين ربّي لكان خيرا لي من هذا الأمر الذي طلبته فأرسل الله ملكا فقال له : إن الله تعالى أرسلني إليك وهو يقول لك إن كلامك هذا الذي تكلّمت به أحبّ إليّ مما مضى من عبادتك » وقد فتح الله بصرك فانظر » فإذا جنود إبليس قد أحاطت بالأرض ٠‏ وإذا ليس أحد من الناس إلا والشياطين حوله كالذباب » فقال : أي ربي من ينجو من هذا ؟ قال : الورع الليّن » . وسيأتي بيان أن الكرامات غير مطلوبة التحصيل ولا مغتبط بوجودها لدى كل عالم نبيل ؛ عند قوله : ( ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه ) . 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الحق ليس بمحجوب , وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه » إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر . وكل حاصر لشيء فهو له قاهر وهو القاهر فوق عباده ) . لحك ل 0 فيه » والحجاب على العبد واجب من حيث ذاته ؛ إذ هو عدم كما تقدّم » ولا نسبة بين العدم والوجود » فإن أراد الله تعالى رفع هذا الحجاب عمّن شاء كيف شاء متى شاء رأى من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير » وهذا مما يجب اعتقاد . 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك لتكون لنداء الحق مجيبا » ومن حضرته قريبا ) . (1 ) وهب بن منبّه الأنباري الصنعاني الذماري ( 34 - 144 ٠‏ - 654 - 732 م ) أبو عبد لله مؤرخ » كثير الإخبار عن الكتب القديمة » عالم بأساطين الأولين ولا سيما الإسرائيليات يعد في التابعين . أصله من أبناء الفرس الذي بعث بهم كسرى إلى اليمن . ولد ومات في صنعاء وولاه عمر بن ا لوا ا عر ا صر ست ل ل ارت لي كير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم » وله « قصص الأنبياء » وغير ذلك . 67 68 » 53 « أوضاف البشرية المتعلقة بأمر الدين نوعان : أحدهما : ما يتعلّق بظاهر العبد وجوارحه وهي الأعمال . والثاني : ما يتعلّق بباطنه وقلبه » وهي العقود . فأمًا ما يتعّق بظاهره وجوارحه فينقسم قسمين : أحدهما : ما وافق الأمر » ويسمى « طاعة » . والثاني : ما خالفه » ويسمى « معصية » . وأخايها يسنان كته وق يشم يضما إن فيسين:: أحدهما : ما وافق الحقيقة » ويسمى « إيمانا » وعلما . والثاني : ما خالفها » ويسمى « نفاقا » وجهلادا . والنظر فيما يتعلّق بظاهر العبد يسمى في الاصطلاح « تفقّها » » والنظر فيما يتعلّق بباطنه . يسمى في الاصطلاح « تصوفا » . فهذان الأمران هما كلّية العبد » وظاهره تابع لباطنه بالضرورة ء لأن القلب هو الملك » والجوارح جنوده ورعيته » ومن شأن الرعية طاعة الملك فيما يأمر به وينهى عنه . وقد نبّه على هذا المعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : « إِنْ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه » وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب » «1». وصلاح القلب إنما يكون بطهارته عن الصفات المذمومة كلها دقيقها وجليلها » وهذه هي الصفات المتافحية للحيونية من أوضاف البشرية القن أشار إليها المؤلف»» رحعه اند تعالى "4 و هى القن تسم صاحبها بسمة النفاق والفسوق »0 ا وهي كثيرة » مثل : الكبرء والعجب » والرياء » والسمعة » والحقد » والحسد » وحب المال والجاه » ويتفرع عن هذه الأصول فروع خبيثة من العداوة والبغضاء » والتذلل للأغنياء » واستحقار الفقراء » وترك الثقة بمجيء الرزق » وخوف سقوط المنزلة من قلوب الخلق » والشح والبخل » وطول الأمل » والأشر والبطر « 2 » ٠»‏ والغلٌ والغثنٌ » والمباهاة والتصنع » والمداهنة والقسوة » والفظاظة والغلظة والغفلة والجفاء والطيش والعجلة » والحدّة والحمية » وضيق الصدر » وقلّة الرحمة » وقلّة الحياء وترك القناعة » وحبٌ الرياسة وطلب العلوٌ والانتصار (1 ) أخرجه البخاري ( إيمان » 39 ) » ومسلم ( مساقاة » 107 ) » وابن ماجة ( فتن » 14 ) » والدارمي ( بيوع 1١‏ ) . ْ (2 ) الأشر : البطر ء البطر : النشاط أو قلة احتمال النعمة والطغيان بها وشدة المرح . 69 » 54 « للنفس إذا نالها الذلّ وذهاب ملك النفس إذا رذ عليه قوله . . . إلى غير ذلك من النعوت الذميمة والأخلاق اللئيمة » وأصل فروعها وعنصر ينابيعها » إنما هو رؤية النفس والرضا عنها وتعظيم قدرها وترفيع أمرها » فبهذه الأمور كفر من كفر ونافق من نافق » وعصى من عصى » وبها خلع من عنقه ربقة « 1 » العبودية لربّه عز وجل من خلع حسبما يقوله المؤلف رحمه الله باثر هذا ور وشان الصوفي إننا هو النظر فيما يطهرها ويزكيها من أنواع الرياضبات و التجاهذات » وقد بيّنوا طرق ذلك في كتبهم » قال الشيخ أبو طالب » رضي الله عنه : « فلا يكون المريد بدلا حتى يبدل بمعاني صفات الربوبية صفات العبودية » وأخلاق الشياطين بأوصاف المؤمنين » وطبائع البهائم بأوصاف الروحانيين من الأذكار والعلوم » فعندها يكون بدلا مقرّبا » . قال : « والطريق إلى هذا بأن يملك نفسه » فبملكها تسخّر له ويسلّط عليها ؛ إن أردت أن تملك نفسك فلا تملكها » وضيّق عليها ولا توسّع لها » فإن ملّكتها ملكتك » وإن لم تضيّق عليها اتسعت عليك ٠‏ وإذا أردت الظفر بها فلا تعرّضها لهواها » واحبسها عن معتاد ملائمها » فإن لم تمسكها انطلقت بك » وإن أردت أن تقوى عليها فاضعفها بقطع أسبابها وحبس موادّها وإِلّا قويت عليك فصرعتك » انتهى . فإذا قام بذلك المريد على الوجه الذي رسموه له » والتزم الوظائف التي أمروه بها طهر قلبه وتزكّت نفسه » واتصفت بمحاسن الصفات التي تزيّنه بين العباد » وينال بها من قرب ربّه غاية المراد » فيظهر حينئذ عليه آثار حميدة من التواضع لله والخشوع بين يديه » والتعظيم لأمره , والحفظ لحدوده » والهيبة له » والخوف منه » والتذلل لربوبيته » والإخلاص في عبوديته ٠‏ والرضا بقضائه » ورؤية المنّة له عليه في منعه وإعطائه » ويتصف فيما بين خلقه بالرأفة و الرحمة و اللين و الرفق وسبعة الخد » والكلم » والاحتمال + والحيانة »و التراهة > وانامانة : والققةة والعطفه 6« الكلنى .و الوقال »© و السشا + والحرد »و الحياء :2 البشاشة » و النضيحة + وسلامة الصدر » إلى غير ذلك من أخلاق الإيمان التي ينال بها العبد غاية السعادة والحسنى والزيادة . ْ قلت : وهذان المعنيان هما اللذان يعبّر عنهما أئمة الصوفية » رضي الله عنهم » بالتخلّي والتحلّي ٠‏ أي : التخلّي عن الصفات المذمومة » والتحلي بالصفات المحمودة » ويعبّرون عنهما أيضا ب « التزكية والتحلية » وهما حقيقة السلوك الذي يعبّرون عنه أيضا ء وستأتي الإشارة إلى كيفية ذلك عند قوله ( لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ) . فإذا صحّ للمريد هذا السفر وانقلب منه إلى أفضل مستقر تحققت عبوديته لربّه (1 ) الرّبقة : العروة . يقال : حل ربقته أي فرّجٍ كربته . 00 » 55 « عز وجل فلم يملكه غيره » ولم يسترقه سواه » وارتقى في القرب من ربه إلى أشرف محل فيكون هناك منزله ومثواه » فيكون حينئذ كما قال المؤلف . رحمه الله تعالى » لنداء الحق مجيبا » لأنه إذا ذاك يناديه باسم العبد » فيقول له : يا عبدي » فيجيب حينئذ مولاه باسم الربٌ ٠‏ فيقول له : لبيك يا رب فيكون صادقا في إجابته متحققا في نسبته » ويكون أيضا من حضرته قريبا لوجود بعده عن نفسه التي من شأنها النفور عنها والفرار منها » فإذا أقامه الحق تعالى مقام العبودية وحاز مرتبة القرب من حضرة الربوبية كان محفوظا من اقتحام الأوزار » ميسرا عليه أعمال الأخيار » متحليا في الظاهر والباطن بأشرف الحلى محتظيا بفضيلة التشبه بالملا الأعلى . قال الله ع وجل : وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبرُونَ عَنْ عِبِادَتَهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ » يُسَبّحُونَ اللَيْلَ وَالَهِارَ لا يَفْدْرُونَ [ الأنبياء 7 20]؛ وقد قال اللّه تعالى : إِنَّ الّذِينَ عِنْدَ رَبْكَ لا يَسْتَكْبرُونَ عَنْ عِبِادَتِهِ وَيُسَبْحُونَهُ وَلَهُ يَسْجدُونَ [ الأعراف : 206 ] » ”0 َ وقال عز من قائل : لا يَعصونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَيَفعَلونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 9 ] . فمرتبة العبودية أنالتهم هذه الخصوصية » وكذلك من تشبّه بهم في محاسن صفاتهم من الصفوة الصوفية . إِلَا أنّ هؤلاء محفوظون ؛ لا معصومون ؛ على ما اصطلحوا عليه من الفرق بين الحفظ والعصمة ٠‏ والفرق بينهما هو ما قاله الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله عنه : أن المعصوم ل يلم بذنب البتة » والمحفوظ قد تحصل منه همات » وقد يكون له في الندرة زلات » ولكن لا يكون له إصرار » أولتك الذين يتوبون إلى الله من قريب . وقد وصف الله تعالى عباده ذوي التخصيص أولي التطهير والتمحيص في آيات كريمة بصفات جليلة عظيمة » وأعدّ لهم على ذلك خيرات جسيمة » فقال تعالى : وَعِبِادُ الرّحْمن الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضٍ هَوناً وَإِذا خاطَّبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً . . . إلى قوله : خَالِدِينَ فيها حَسُنَتْ مُسْتَفَرًا وَمُقاماً [ الفرقان : 76 ] . وعليكك النظر فيما قاله فيها أهل التفسين ».وما استنيطه متها ارياب الأقنار اتاو التذكير: » ولمًا من عدا هؤلاء فهم عبيد نفوسهم الشهوانية » ومسترقو حظوظهم الدنيوية . قال الله تعالى : أ فَرَأَيْتَ مَنِ انّخَدَ إِلهَهُ واه [ الجاثية : 23 ] » وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه : « تعس عبد الدينار . . . تعس عبد الدرهم . لحك ع وحرد ع ف ون عي افد المتتير بقوله عرّ وجل : إنْ كُلُ مَنْ فِي السّماوات وَالْأَرْضٍ إِلَّا آتِي الرَّحْمنٍ عَبْداً لََذ أَخصاهُم وَعَذَّهُمْ عَذَا وَكُلْهُمْ آنيه يَوْمَ الْقِيامَةِ ردأ [ مريم : 94 ]. (1 ) أخرجه البخاري ( جهاد ء 70 ) » ( رقاق » 10 ) » وابن ماجة ( زهد » 8 ) . /1 » 56 « واعلم أنه لا يتهيّأ هذا السلوك إلى حضرة ملك الملوك إلا لمن وفقه الله تعالى لمعرفة نفسه » وما ركبت عليه من مذام الصفات » ومن عرف ذلك من نفسه لا يزال متهما لها مسيئا ظنه بها » آخذا حذره منها » وإِلّا وقع في المعاصي والذنوب من حيث لا يشعر » وقد نبّه المؤلف » رحمه الله تعالى » على هذا بقوله ٠‏ 3 - قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس , وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها ). الرضا عن النفس أصل جميع الصفات المذمومة » وعدم الرضا عنها أصل الصفات المحمودة . وقد اتفق على هذا جميع العارفين وأرباب القلوب ؛ وذلك لأن الرضا عن النفس يوجب تغطية عيوبها ومساويها » ويصير قبيحها حسنا » كما قيل : وعين الرضا عن كل عيب كليلة وعدم الرضا عن النفس على عكس هذا ؛ لأن العبد إذ ذاك يتّهم نفسه » ويتطلب عيوبها » ولا يغتر بما يظهر من الطاعة والانقياد » كما قيل في الشطر الأخير : كه أن بقن الستفط دق السسناونا ْ شن رصي : نان ننيكة المتكيق كانها وتكن لبها ريمن استكيين يكال فنمة وين بها ادر لت عليه العفرة 6 وب الغفلة يتضيررف قلبه عن التنقد. و المراعاة لخر اطرة؛ فتترو هينتة ذواهئ الشدهوة على العبد » وليس عنده من المراقبة والتذكير ما يدفعها به ويقهرها » فتصير الشهوة غالبة له بسبب ذلك » ومن غلبته شهوته وقع في المعاصي لا محالة » وأصل ذلك كله رضاه عن نفسه » ومن لم يرض عن نفسه لم يستحسن حالها ولم يسكن إليها » ومن كان بهذا الوصف كان متيقّظا متنبها للطوارق والعوارض ٠‏ وبالتيقظ والتنبه يتمكن من تفقد خواطره ومراعاتها » وعند ذلك تخمد نيران الشهوة فلا يكون لها عليه غلبة ولا قوة » فيتصف العبد حينئذ بصفة العفّة ؛ فإذا صار عفيفا كان مجتنبا لكل ما نهاه الله عنه » محافظا على جميع ما أمره به » وهذا هو معنى الطاعة لله عر وجل » وأصل هذا كله عدم رضاه عن نفسه . فإذن لا شيء أوجب على العبد من معرفة نفسه » ويلزم من ذلك عدم الرضا عنها » وبقدر تحقق العبد في معرفة نفسه يصلح له حاله ويعلو مقامه ‏ وقد ورد عن الكبار والأئمة الأخيار من الكلمات المتضمنة لعيبهم لنفوسهم » والتهمة منهم لها » وعدم رضاهم عنها أكثر من أن يحصى . 12 » 5/7 « ولذلك قال أبو حفص . رضي الله عنه : « من لم ينّهم نفسه على دوام الأوقات » ولم يخالفها في جميع الأحوال » ولم يجرّها إلى مكروهها في سائر أيامه كان مغرورا » ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها » وكيف يصح لعاقل الرضا عن نفسه , والكريم ابن الكريم ابن الكريم يقول : ( وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ) » . وقال أيضا أبو حفص » رضي الله عنه رف بل مد ماني فى لفسسي ناه يعر رك نظر السخط وأعمالى تدل ذلك » . وقال الجنيد رضي الله تعالى عنه : « لا تسكن إلى نفسك وإن دامت طاعتها لك في طاعة ربك » وقال أبو سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه : « ما رضيت عن نفسي طرفة عين » . ويحكى عن سريّ السقطي « 1 » » رضي الله عنه » أنه قال : « إني لأنظر إلى وجهي في اليوم كذا كذا مرة مخافة أن يكون قد اسودٌ لما أخافه من العقوبة » . وقال أيضا : « من الناس ناس لو مات نصف أحدهم ما انزجر النصف الآخر » ولا أحسبني إلا منهم » . إلى غير هذا من العبارات الصادرة من المشايخ رضي الله عنهم في هذا المعنى . وقد ألّف الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي » رضي الله تعالى عنه جزءا صغير الجرم » عظيم الفوائد في عيوب النفس وكيفية مداواتها » فلينظر فيه المريد . وكذلك ألّف قبله الإمام أبو عبد الله الحارث المحاسبي « 2 » كتابا سماه « النصائح » جمع فيه من معايب النفس وخدعها » وغرورها وشرورها » جملة شافية » ونبّه فيه على سنن دراسة عافية » مما كان عليه سلفنا الصالح » رضوان الله تعالى عليهم » من التفتيش (1 ) السريّ السقطي ( توفي سنة 253 ه - 867 م ) سري بن المفلس السقطي » أبو الحسن من كبار المتصوفة بغدادي المولد والوفاة » وهو أول من تكلم في بغداد بلسان التوحيد وأحوال الصوفية » وكان إمام البغداديين وشيخهم في وقته » وهو خال الجنيد وأستاذه » من كلامه « من عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز » . ( الأعلام 3 / 82 » الرسالة القشيرية ص 7» وطبقات الشعراني 1 / 63 » وحلية الأولياء 10 / 116 » ووفيات الأعيان 2 / 357 - 9 ). (2 ) الحارث بن أسد المحاسبي أبو عبد الله من أكابر الصوفية ( توفي 243 ٠ه‏ - 857 م ) كان عالما بالأصول والمعاملات واعظا مبكيا » ولد ونشأ بالبصرة ومات ببغداد من كتبه ( آداب النفوس ) وغيره ء ( الأعلام 2 / 153 » وفيات الأعيان 2 / 57 - 58 ) » تهذيب الكمال 4 / 8 » والرسالة القشيرية ص 429 . /3 » 58 « والتفقّد والنظر فيما يصلح به أعمالهم وأحوالهم وأنفسهم » والمحافظة على تطهير الأسرار والقلوب » والمبالغة في الحذر من محقرات الذنوب . وقد نقل الإمام أبو حامد الغزالي » قدّس الله سره » منه فصلا في كتابه » واعتمد فيه ذكره بلفظه اا ل ا ا « والمحاسبي . رحمه الله تعالى » حبر « 1 » الأمة في علم المعاملة » وله السبق على جميع الباحثين عن عيوب النفس وآفات الأعمال وأغوار العبادات » . وكلامه جدير بأن يحكى على وجهه » ثم ذكره » وقد كان أوحد زمانه علما وعبادة » ونخبة أوانه ورعا وزهادة » سيدي الحاج أبو العباس بن عامر » رحمة الله تعالى عليه ورضوانه » يكثر من السمرفس. !حل شيط الج زلف نكن نمزو العمل مهلا اتحعد ادن دق وك أ © د طقن سوفته ذات يوم يقول : لا يعمل بما فيه إِلّا وليّ » أو كلاما هذا معناه ! فليتخذ المريد مطالعته وردا » وليحرص على العمل بما تضمنه » مستعينا بالله تعالى » وسائلا منه توفيقا ورشدا » لينصح لمولاه في مراعاة إصلاح باطنه » والقيام على قدم التصديق في مواطنه » وليجعل هجيراه « 2 » مطالعة كتب التصوّف وموالاة أهله بالتألف والتعرّف ٠‏ فبذلك تتقوى أنوار إيمانه ويقينه » وتنتفي عنه الغرّة في عمله بوظائف دينه » ولا يقدّم على ذلك إلا فرض العين وما يستجمّ به نفسه من مكابدة التعب والأين « 3 » » ولا يشغل نفسه بعلم يغبّر على وجه مقصوده » ويوجب له انتكاث « 4 » مواثيقه وعهوده وهو ما أكبّ الناس عليه اليوم » وحادوا به عن سنن القوم حتى تطرق لهم سيف ذلك من رذائل الصيناك: + ويعظاتم الآفاث ما صان يهم الى الهلاك والشفاء.» و أعنيهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم اللقاء » وسجّل عليهم بالكذب في دعواهم أنهم قاصدون بعلمهم رضا مولاهم » فإياك وإياهم . وأنشد * لفك أسمحعت إذ انيت حرا * ولكن' لا حياة لمن اننادي لذلك قال المؤلف : 4 - قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ولآن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه » فأي لفك ل ع ليد 0 وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه ؟ (1 ) الحبر : العالم الصالح ( ج ) أحبار . (2 ) هجيراه : أي دابه وعادته وما يولع بذكره . (3)الأين : الكد والتعب . ( 4 ) انتكث العهد : بطل أو أخل به ولم يعمل بموجبه . /4 » 59 « فائدة الصحبة إنما هي الزيادة في الحال وعدم النقصان فيها » حسبما يأتي الكلام عليه عند قوله : ( لا تصحب من لا ينهضك حاله » ولا يدلك على الله مقاله ) . فصحبة من يرضى عن نفسه » وإن كان عالما » شر محض » ولا فائدة فيها » لأن علمه غير نافع له » وجهله الذي أوجب رضاه عن نفسه صار غاية الضرر » وكأنه إذ فاته هذا العلم الذي يريد عيبه حتى لا يرضى عن نفسه لا علم عنده . وصحبة من لا يرضى عن نفسه » وإن كان جاهلا » خير محض »ء وفيه كل الفائدة » لأن جهله غير ضار » وعلمه الذي أوجب له عدم رضاه عن نفسه نافع غاية النفع » وكأنه إذا حصل له هذا العلم لا جهل عنده . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( شعاع البصيرة يشهدك قربه منك . وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده » وحق البصيرة يشهدك وجوده لا عدمك ولا وجودك ) . شعاع البصيرة نور العقل » وعين البصيرة نور العلم » وحق البصيرة نور الحق . فالطادء نور ريه شهدر ا التسهم و ندا هدوا رسيم قينا نيه ان بلطم و الإحاطة] والعلماء بنور علمهم شهدوا أنفسهم عدما في وجود ربهم » والمتحققون بنور الحق شاهدوا الحق ولم يشاهدوا معه سواه . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه ( كان الله ولا شيء معه . وهو الآن على ما عليه كان ). الأزمنة هاهنا أمور وهمية لا وجود لها على التحقيق ٠‏ والمقصود أن الله لا شيء معه ؛ لثبوت أحديته . فلم يبق إلا الحق لم يبق كائن *** فما ثمَ موصول وما ثمّ بائن بذا جاء برهان العيان فما أرى *** بعيني إلا عينه إذ أعاين وسيأتي من كلام المؤلف رحمه الله تعالى : ( الأكوان ثابتة بإثباته ممحوّة بأحدية ذاته ) . 0 7 - قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا تتعد نية همتك إلى غيره » فالكريم لا تتخطاه الآمال » و لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك؛ فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعاء من كان لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه فكيف يكون لها عن غيره رافعا ). الهمّة العلية تأذف من رفع حوائجها إلى غير كريم » ولا كريم على الحقيقة سوى الله تعالى » قال الجنيد رضي الله تعالى عنه : « الكريم الذي لا يحوجك إلى مسألة » . 795 /6 » 60 « وقيل : « الكريم الذي لا يخيّب رجاء المؤمّلين » وأجمع العبارات في معنى وصف الكريم ما تبن ١‏ ند لكريم الذي ذا قد لعفا 111 وعد فى ؛ وذ اعطلى اذ على التي الرحا ا يي كم أعطى » ولا لمن أعطى » وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى » وإذا جفي عاتب وما استقصى » ولا يضيع من لاذبه والتجأ » ويغنيه عن الوسائل والشفعا » فإذا كانت هذه الصفات لا يستحقها أحد سوى الله تعالى فينبغي إذن أن لا تتخطاه آمال المؤمّلين إلى غيره » كما قال يعضهم ١‏ حرام على من وحّد الله ربّه *** وأفرده أن يجتدى أحدا رفدا « 1 » ويا صاحبي قف بي مع الحق وقفة *** أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا « 2 » وقل لملوك الأرض تجهد جهدها *** فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك » فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعا » من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعا ؟ ! ١‏ إذا أورد الله تعالى عليك حاجة أو أنزل بك نازلة » فاعلم أنه لا رافع لها سواه » إذ يستحيل أن يرفع غيره ما كان هو له واضعا لثبوت توحيده في أن لا فاعل سواه ؛ إذ هو غالب على أمره » لا يغالبه أحد . ويستحيل أيضا أن يرفعها عن نفسه لو نزلت به لثبوت عجزه وضعفه » ومن المحال تعلّقك في حاجتك بمن هو محتاج مثلك . قال بعضهم : « من اعتمد على غير الله فهو في غرور مما لا يدوم » ولا يدوم شيء سواه » وهو الدائم القديم الذي لم يزل ولا يزال » وعطاؤه وفضله دائمان » فلا تعتمد إلا على من يدوم عليك منه الفضل والعطاء في كل نفس وحين وأوان وزمان » . قال عطاء الخراساني « 3 » » رضي الله عنه : « لقيت وهب بن منبه في الطريق » فقلت : حدّثني حديثا أحفظه عنك في مقامي وأوجز ء قال : أوحى الله تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام : يا داود أما وعزتي وجلالي لا يستنصر بي عبد من عبادي دون خلقي أعلم ذلك من نيّته » فتكيده السماوات السبع ومن فيهن » والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له منهن فرجا ومخرجا ء أما وعزتي وجلالي وعظمتي لا يستعصم عبد من عبادي بمخلوق دوني أعلم ذلك من نيّته إلا قطعت أسباب السماوات السبع من يده وأسخت الأرض من (1 ) اجتدى فلانا : طلب جدواه أي الفناء والنقع والعطاء . والرفد : العطاء والصلة . (2 ) الوجد : الحب الشديد . ( 3 ) عطاء بن مسلم بن ميسرة الخراساني ( 50 - 135 ٠ه‏ - 6/70 - 752 م ) نزيل بيت المقدس . مفسر كان يغزو ويكثر من التهجد في الليل . من تصنيفه « التفسير » و « الناسخ والمنسوخ » وغيرهما . ( الأعلام 4 / 235 » وشذرات الذهب 1 / 192 ). 77 « 61 » تحته » ولا أبالي في أيّ واد هلك » . قال محمد بن الحسين بن حمدان : « كنت في مجلس يزيد بن هارون » وكان إلى جانبي رجل قلت له : ما اسمك ؟ فقال : سعيد » فقلت : ما كنيتك ؟ قال : أبو عثمان » فسألته عن قصّته وخبره » فقال : نفدت نفقتى ! ! فقلت : ومن تؤمّل لما قد نزل بك ؟ ْ فقال : يزيد » فقلت : إذن لا يسعفك بحاجتك ولا ينجح طلبك ولا يبلغك أملك ! ! فال + وها علمك بهذا حبك ار ؟ ١‏ قلت : إني قرأت في بعض الكتب أن الله عرّ وجل يقول : وعزتي وجلالي وجودي وكرمي وارتفاعي فوق عرشي في علوٌ مكاني لأقطعن أمل كل مؤمّل لغيري بالإياس » ولاكسونه ثوب المذلة عند الناس » ولانحينه من قربي ولاقطعنه من وصلي » أيؤمّل غيري في النوائب والشدائد بيدي ء وأنا أبخي ويرجّي غيري » وتطرق الفكر أبواب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب » وهي مغلقة » وبابي مفتوح لمن دعاني » فمن ذا الذي أمّلني لنائبة فقطعت به دونها » ومن ذا الذي رجاني لعظيم جرمه فقطعت رجاءه مني ! ! من ذا الذي قرع فلم أفتحه له » جعلت آمال خلقي بيني وبينهم متصلة » فتعلّقت بغيري وجعلت رجاءهم مدخّرا لهم عندي » فلم يرضوا بحفظي ؛ وملأت سماواتي ممن لا يملّون تسبيحي من ملائكتي » وأمرتهم أن لا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي فلمن يثقوا بقولي » ألم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحد غيري » فما لي أراه بآماله معرضا عني » وما لي أراه لاهيا بسواي ٠‏ أعطيته بجودي ما لم يسألني » ثم انتزعته منه فلم يسألني ردّه » وسأل غيري » أفتراني أبدأ بالعطية قبل المسألة ثم أسأل فلا أجيب سائلي ! ! أبخيل أنا فيبخّلني عبدي » أليس الدنيا والآخرة لي ٠‏ أوليس الرحمة والفضل بيدي » أوليس الجود والكرم لي » أوليس أنا محل الآمال » فمن ذا الذي يقطعها دوني » وما عسى أن يؤمّل المؤمّلون لو قلت لأهل سماواتي وأهل أرضي أمّلوني ثم أعطيت كل واحد منهم من الفكر مثل ما أعطيت الجميع ما نقص ذلك من ملكي عضو ذرّة » كيف ينقص ملك كامل أنا قيمه » فيا بؤس القانطين من رحمتي » ويا بؤس من عصاني ولم يراقبني » وثبت على محارمي ولم يستح مني » . قال : رحمك الله أمل هذا الحديث عليّ » فكتبته ثم قال : واللّه لا أكتب حديثا بعده . قلت : والأصل الذي ينبني عليه هذا المعنى هو تحقّق العبد في مقام حسن الظن باللّه تعالى ؛ ولذلك أخذ المؤلف رحمه الله تعالى في ذكره بأثره فقال : 8 - قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إن لم تحسن ظنك به لأجل حسن وصفه فحسن ظنك به لوجود معاملته معك فهل عودك إلا /8 » 62 « حنتن الظن زان :قدالي: اك مقامات اليقيق 6و النايى فية على تسفين #"نقاضة #وعافنة ؛ فالخاضة حننوا الخ يه لما هر :عليه م التعو تك السنية + و الضذاتك العلية ؛ و العامة حسنوا الظن يه لها ار 0 ا الود 1 ادي اليقين » به اطمأنت قلوبهم وسكنت نفوسهم فلم يبق فيهم متسع لوجود تهمة ولا مجال لسوء ظن . وأرباب المقام الثاني لم يرتقوا عن نظرهم إلى الأفعال » وهي متلوّنة عليهم في كل حال » وعند وقوع بعض ما لا يلائمهم منها » فهم ربما تضعف عن تحمل مكارهها قوى قلوبهم » فلا تحصل لهم البراءة من خواطر سوء الظنّ بالله تعالى وتحدّث النفس بما يقتضى وجود هلع وجزع . » فليكن العبد عند ذلك مشاهدا معنى قوله عر وجل وَعَسى أن نَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة : 216 ] وما أشبهه » وليقس النادر على الغالب . قال أبو محمد عبد العزيز المهدوي » رضي الله عنه : « حسن الظنّ عبارة عن قطع الوهم أن يكون أو لا يكون ؛ لآن الوهم قاتل وهو لوقت ثان » فمتى أعطيت أذنك للوهم هلكت وحدك . وكذّلك الأضغاء بالآذن إلى الشيطان والثفين حنس واحد »> انتمى.. قلت : وحسن الظن يطلب من العبد في أمر دنياه وفي أمر آخرته ؛ أمّا أمر دنياه : فأن يكون واثقا باللّه تعالى في إيصال المنافع والمرافق إليه من غير كدّ ولا سعى فيها » أو سعي خفيف مأذون فيه ومأجور عليه بحيث لا يفوّته ذلك شيئا من نفل ولا فرض » فيوجب له ذلك سكونا وراحة في قلبه وبدنه » فلا يستفزه طلب ولا يزعجه سبب . أما أمر آخرته : فأن يكون قويّ الرجاء في قبول أعماله الصالحة وتوفية أجوره عليها في دار الثواب والجزاء » فيوجب له ذلك المبادرة لامتثال الأمر والتكثير في أعمال البرّ بوجود حلاوة واغتباط » ولذاذة » ونشاط . وقد قال يحيى بن معاذ « 2 » رضي الله عنه : « أوثق الرجاء رجاء العبد لربّه » وأصدق الظنون حسن الظن باللّه تعالى » . (1 ) الحظوة : المكانة والمنزلة عند الناس . (2 ) يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي ( توفي سنة 258 ه - 872 م ) أبو زكريا » واعظ ‏ سائرة منها : « من خان الله في السر » هتك الله ستره في العلانية » . ( الأعلام 8 / 172 » والرسالة القشيرية ص 414 » ووفيات الأعيان 6 / 165 - 168 ) . /9 « 63 » ومن مواطن حسن الظن باللّه تعالى التي لا ينبغي للعبد أن يفارقه فيها : أوقات الشدائد والمحن » وحلول المصائب في الأهل والمال والبدن ٠‏ لئلا يقع بسبب عدم ذلك في الجزع والسخط . وسيأتي هذا المعنى في كلام المؤلف » رحمه الله » وهو قوله : « من ظنّ انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره » . ومن أعظم مواطن حسن الظن بالله تعالى حالة الموت ٠‏ وقد جاء في الخبر : « لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظنّ باللّه تعالى » « 1 » وفي حديث جابر « من استطاع منكم أن لا يموت إلا وهو يحسن الظنٌ باللَّه تعالى فليفعل » ثم تلا هذه الآية : وَذَلِكُمْ ظَنْكُمْ الذي ظَبَنْتُمْ بِرَبَكُمْ أَزداكُم [ فصلت : 23 ] ولأنه تعالى قال فيما روى عنه : ( أنا عن ظنّ عبدي بي » فليظنَ بي ما شاء ) « 2 » قال أبو طالب المكيّ رضي الله عنه : « وكان ابن مسعود يحلف بالله ما أحسن عبد ظنه بالله تعالى إلا أعظاء اله عر وجل ذلك ؛ لأن الخين كله بيده قاذ! أعظاه حيين :الطن يه فق أعطاءءها يظنه؟ لأن الذي حسّن ظنه به هو الذي أراد أن يحققه له » انتهى . وقد روى عن أبي النضر بن حيان قال : « خرجت عائدا ليزيد بن الأسود فلقيت « واثلة بن الأسقع » « 3 » وهو يريد عيادته » فدخلنا عليه وهو في فراشه » فلما رأى واثلة بسط يده وطفق يشير إليه » فأقبل واثلة حتى جلس على الفراش ٠‏ وأخذ يزيد بن الأسود بكفيّ واثلة حتى جعلهما على وجهه » فقال له واثلة : أسألك عن شيء تخبرينه ؟ قال ؛ لآ تسالتى عن شيع أعلمة الآ أخبرتك يه :قال لدو اثلة ؟ كيف ظنك باهر ,وحل ؟ قال : ظني والله بالله حسن , قال : فأبشر ؛ فإني سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول : « قال الله تبارك وتعالى ( أنا عند ظن عبدي بي إن ظنْ بي خيرا وإن ظن بي شرا ) » « 4 » . (1 ) أخرجه مسلم بن الحجاج في ( صحيح مسلم 2205 ٠‏ 2206 ) » وأحمد بن حنبل في ( المسند 1 / 325 » 330 ٠‏ 3 / 293 ) » وابن كثير في ( البداية والنهاية 5 / 238 ٠‏ 334 » 0 ) »ء وابن أبي الدنيا في ( حسن الظن 1 » 3 » 4 ) . (2 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 9 / 169 ٠ ) 277 / 10 ٠ 221 ٠‏ وابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 5 / 22 ) . ( 3 ) واثلة بن الأسقع بن عبد العزى بن عبد ياليل الليثي الكناني ( 22 ق ه - 83 ه - 601 - 2 م ) صحابي من أهل الصفّة » كان قبل إسلامه ينزل ناحية المدينة ودخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح فرآه وسأله حاجته فقال له : أريد أن أبايع وحصل ذلك فشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك » وقيل : خدم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين . وشهد فتح دمشق ثم تحول إلى بيت المقدس فأقام » وكف بصره وعاش ( 105 ) سنين وقيل : 8 وهو آخر الصحابة موتا في دمشق له ( 76 ) حديثا » ووفاته بالقدس أو بدمشق . ( الأعلام 8 .» وأنسد الغابة 5 / 77 ) . 60 ( 4 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 315 ٠»‏ 4 / 106 ) » والمنذري في ( الترغيب والترهيب 2 / 393 ٠» 477 ٠‏ 4 / 269 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 5 - 6 » 7 681 » 64 « وروى عن أبي سعيد الخدري » 1 » رضي الله عنه قال : « عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم مريضا ء فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف ظنْك بربك ؟ قال : يا رسول الله حسن الظنّ . قال : فظنّ به ما شئت ؛ فإن الله تبارك وتعالى عند ظنّ المؤمن به » . ل 1 وروى أبو هريرة رضي الله عنه » أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إِنَ حسن الظن بالله من حسن عبادة الله » « 2 » . قلت : والأخبار والآثار في الرجاء وحسن الظن باللّه وسعة رحمته أكثر من أن تحصى » ومطالعتها مما يزيد المريد قوة في هذا المقام » فمن أراد الشفاء في ذلك فعليه بمطالعة كتاب « الرجاء » من قوت القلوب » وكتاب « الإحياء » قال بعضهم : ما زلت أرجو الله حتى كأنني * أرى بجميل الصنع ما هو صانع ثم بيّن رحمه الله تعالى الحالة التي بمنازلتها يتحقق العبد في مقام حسن الظن باللّه تعالى » وهو : عكوف العبد بباب الله وتعلّق قلبه بوحدانيته » وأشار إلى أن ذلك هو غاية النعيم » ومنتهى الأماني هذا من عمى القلب ومما يستحق أن يتعجب منه كل ذي لب فقال : 9 - قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه » ويطلب ما لا بقاء له معه ‏ فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور ). هرب العبد من مولاه بإقباله على شهواته ومتابعة هواه » وذلك نتيجة عمى قلبه ووجود جهله بربه ؛ لأنه استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير » وآثر الفاني الذي لا بقاء له على الباقي الذي لا انفكاك له عنه » ولو كانت له بصيرة لآثر الباقي على الفاني » ولفعل ما فعله سحرة فرعون لما آمنوا بربّهم إذ لم يحفلوا بما وعدهم به فرعون من الإحسان والإنعام والتقريب والإكرام » ولم يكترثوا بما توعّدهم به من العذاب والقتل والصلب على - 9 / 169 - 221 ء 10 / 277 ) » وابن أبي الدنيا في ( حسن الظن ٠‏ 3 ) » والبيهقي ( الأسماء والصفات 208 ) » والسهمي في ( تاريخ جرجان 506 ) . (1 ) أبو سعيد الخدري ( 10 ق ه - 74 /٠‏ 613 - 693 م ) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي صحابي » من ملازمي الرسول صلى الله عليه وسلم » غزا اثنتي عشرة غزوة » وله ( 1170 ) حديثا » توفي في المدينة المنورة . ( الرسالة القشيرية ص 97 - 98 » وتهذيب الكمال 7 / 103 » والأعلام 3 / 87 » وحلية الأولياء 1 / 369 ) . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( أدب ٠‏ 81 ) والترمذي ( دعوات ٠‏ 115 ) وأحمد بن حنبل ( 2 » ١: 407 ١ 359 » 304 »7‏ 491 ) . 02 03 « 65 » جذوع النخل » بل قالوا : لَنْ نُوُئْرَكَ عَلى ما جاتنا مِنَ الْبَيّناتِ » وَالَّذِي فَطَرَنا . . [ طه : 72 ] الآية 7 ثم قالوا : وَالنَهُ حَيْرٌ وَأَبْقَى فهؤلاء استنارت قلوبهم » وشاهدوا محبوبهم فكان منهم ما كان . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحى « 1 » يسير والمكان الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه؛ ولكن ارحل من الأكوان إلى المكوّن » وإن إلى ربك المنتهى . وانظر إلى قوله صلى الله عليه و سلم فمن كانت هجرته إلى الله و رسوله فهجرته إلى الله ورسوله؛ ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» وافهم قوله صلى الله عليه و سلمء وتأمل هذا الأمر إن كنت ذا فهم. ) . العمل على طالب الجزاء والدرجات أو نيل الرتب العلية والمقامات نقصان في الحال » وشوب في إخلاص الأعمال » وهو معنى الرحيل من كون إلى كون وسبب ذلك بقاء اعتبار النفس في أن تحصل لها رتبة أو تنال بسعيها موهبة » وهذه كلها من الأكوان والأكوان كلها متساوية في كونها أغيارا ؛ .وان كان بعضها أنوار! , وتمثيله بحمار الرحى مبالغة في تقبيح حال العاملين على رؤية الأغيار » وتلطف في دعائهم إلى حسن الأدب بين يدي الواحد القهار حتى يتحققوا بمعنى قوله تعالى : وَأنّ إلى رَبْكَ الْمُنْتَهى [ النجم : 42 ] فيكون انتهاء سيرهم إليه وعكوف قلوبهم عليه » وتكون أعمالهم إذ ذاك وفاء بمقتضى العبودية وام بح الربويية فق . من غير التكات إلى التق على أي حالة تكون » قينا هواتحترق الإخلاض الكائن عن مشاهدة التوحيد الخاص + جغلنا الله من أخله يمنة وفضله انه على كل شىء 0 : وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم : « فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله » ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه « 2 » فافهم قوله عليه الصلاة والسلام وتأمل هذا الأمر إن كنت ذا فهم . في هذا الحديث النبوي تنبيه على المعنى الذي ذكره » وموضع الاعتبار والتأمل هو ء واللّه أعلم , قوله في القسم الثاني « فهرجته إلى ما هاجر إليه » أي : فلا نصيب له من الوصول والقرب الذي حظى به من هاجر إلى الله ورسوله » وهو قوله : « فهجرته إلى الله ورسوله » ٠‏ وهذا من باب حصر المبتدأ في الخبر : كما تقول : زيد صديقي ‏ أي لا صديق لي غيري » وكأنه صلى لله عليه وسلم نبّه في القسم الثاني بالدنيا التي يريد أن يصيبها والمرأة التي يريد أن يتزوجها على خطرظ النشس و الوقرف معها والعمل علييا كائدة بها كانت » وإن كان (1 ) الرحى : الأداة التي يطحن بها » أو حجرها المستدير . (2 ) أخرجه البخاري ( بدء الوحي » 1 ) ٠»‏ ( إيمان » 41 ) » ( عتق » 6 ) » ( مناقب الأنصار (١ ) 45 ٠‏ نكاح ء 5 ) » ( أيمان » 23 ) » ( حيل » 1 ) » ومسلم ( إمارة » 155 ) » وأبو داود 54 055 « 66 » ظافرها طلك انك 51501 نقورلة ؛ رز فيكرته إلى الأدار رشونها» كرافنة الارتحال كن الأكوان إلى المكوّن » وهو المطلوب من العبد » وهو مصرّح به غاية التصريح وقوله : « فهجرته إلى ما هاجر إليه » هو البقاء مع الأكوان والتنقل فيها » وهو الذي نهى عنه » وهو مشاربه غير مصرّح .ء فليكن المريد عالي الهمة والنية حتى لا يكون له التفات إلى غير ولا كون البتة » ولقد احسن الشاعر في قوله : وكلّ ما قد خلق الله ولم يخلق * محتقر في همّتي كشعرة في مفرقي « 1 » قال رجل لأبي يزيد » رضي الله عنه : « أوصني ء فقال : إن أعطاك من العرش إلى الفرش فقل له : لاء أنت أريد » . وقال أبو سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه : « لو خيرت بين ركعتين ودخول الفردوس لاخترت رععتين ؛ لأني في الفردوس بحظي وفي الركعتين بربي » . وقال الشبلي رضي الله تعالى عنه » « احذر مكره ولو في قوله كلوا واشربوا » يريد : لا تستغرق في الحظ ء ولتكن في كل شيء به لا بنفسك , فقوله تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا * [ البقرة : 00 ]| وإن كان ظاهره إكراما وإنعاما » فإن في باطنه ابتلاء واختبارا حتى ينظر من هو معه » ومن هو مع الحظ » قال رضي الله تعالى عنه : 1 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه. ( لا تصحب من لا ينهضك حاله . ولا يدلك على الله مقاله » ربما كنت مسيئا فأراك الإحسان استمر عليها شأنهم قديما وحديثا » وقد نبّه المؤلف رحمه الله على فائدتها في قوله : ( لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقالة ) فإنهاض الحال ودلالة المقال على الله تعالى هو قائدة الضحية ؛ معني الخال المنيضية غاهنا ؛ كر : أن تكرن هدقه متخلقة باه تعالى ا عر تففة عن المخلوقين » لا يلجأ في حوائجه إلا إلى الله تعالى » ولا يتوكل في أموره إِلّا على الله . قد سقط اعتبار الناس من عينه فلا يرى منهم ضرًا ولا نفعا » وسقطت نفسه من عينه فلا يشاهد لها فعلا » ولا يقتضي لها حظا ٠‏ ويكون في أعماله كلها جرايا على مقتضى الشرع من غير إفراط ولا تفريط » وهذه صفة العارفين الموحدين » فصحبة من هذه حاله وإن قلت عباداته ونوافله مأمونة الغائلة « 2 » » محمودة العاقبة » جالبة لكل فائدة دينية ودنيوية ؛ لأن الطبع يسرق من الطبع » والنفس مجبولة على حب الاقتداء بمن تستحسن حاله » ولا يشترط في المصحوب اتصافه بتلك الصفات على غاية الكمال والتمام ؛ فإن ذلك متعذر » وإنما يشترط فيه أن يتصف منها بما يفوق صاحبه به فقط بحيث يكون أعلى منه حالا » وأصوب منه مقالا » ومن لم يكن على هذا الوصف (1 ) المفرق : موضع انفراق الشعر . 566 587 » 67 « وكان شأنه المعاملة بالظاهر لا غير » فليس له فائدة في صحبته » بل ربما زادته شرا » لأن خلطته تدعوه إلى التصنع والتزيّن له » ويؤديه ذلك إلى كبائر معاصي القلوب » وهي أشدّ عليه من معاصي الجوارح بكثير . 1 قال يوسف بن حسين الرازي » رضي الله تعالى عنه : « لآن القى الله بجميع المعاصي أحب إلي من أن ألقاه بذرّة من التصنع » » فيدخل بذلك عليه النقص في حاله من حيث رجاء الزيادة فيها . قال بعض الصوفية : « لا تعاشر من الناس إلا من لا تزيد عنده ببرّ » ولا تنقص عنده بإثم يكون ذلك لك وعليك وأنت عنده سواه » وقال بعضهم : « كن مع أبناء الدنيا بالأدب » ومع أبناء الآخرة بالعلم » ومع العارفين كن كيف شئت » . وقيل لبعض الصالحين : « إن فلانا يحبّك ويكثر ذكرك ٠‏ فقال : إنه لحبيب إليّ » وأجلّه ؛ وأعرف قدره » ولكن يهون علي أن ألقى الشيطان ألف مرة ولا ألقاه مرة واحدة ! ! فقيل له : وكيف ذلك ؟ ! قال : أخشى أن أتزيّن له أو يتزين لي . قال الشيخ أبو طالب المسكي » رضي الله تعالى عنه : « وكانت هذه الطائفة من الصوفية لا يصطحبون إلا على استواء أربعة معان » لا يترجح بعضها على بعض » ولا يكون فيها اعتراض من بعض على بعض » إن أكل صاحبه الدهر كله لم يقل له صاحبه « صم » » وإن صام الدهر كله لم يقل له صاحبه « أفطر » وإن نام الليل كله لم يقل له صاحبه « قم فصل » وإن صلى الليل كله لم يقل له صاحبه « نم بعضه » » وتستوي أحواله عنده » فلا مزيد لأجل صيامه وقيامه » ولا نقصان لأجل إفطاره ونومه » قالوا : وإذا كان يزيد عنده بالعلم وينقص بترك العمل فالفرقة أسلم للدين وأبعد من المراءاة من قبل أنّ النفس مجبولة على حب المدح وكراهة الذم » ومبتلاة بأن يرى حالها التي عرفت به » وأن تظهر أحسن ما يحسن عند الناس منها » وأن تجتلب ما يوجب المدح منهم » وتجتنب ما يوقع الذم عندهم » فإذا صحب من يعمل معه هذا فليس ذلك طريق الصادقين ولا بغية المخلصين » فمجانية هزلاء الداس أصلح للقلوب وأملم للدين ٠‏ رفي معائرة أمدالهم يناد القلب رنفيان الإيمان وضعف اليقين ؛ لأن هذه أسباب الرياء » وفي الرياء حبط الأعمال وخسران رأس المال » والسقوط من عين ذي الجلال . وكان الثوري » رضي الله عنه يقول : « من عاشر الناس داراهم ومن داراهم راءاهم » ومن راءاهم وقع فيما وقعوا فيه فيهلك كما هلكوا » وكان بعض الحكماء يقول : « لا تؤاخ من الناس من يتغير عليك في أربع : عند غضبه ورضاه ؛ وعند طمعه وهواه ؛ لأن هذه المعاني تتغير لها الطباع لدخول الضرر منها على النفس وفقد الانتفاع . 58 » 68 « وقال في موضع آخر : « من كان ناظرا في أخوّة أخيه » أو في صحبته لكثرة أعماله » أو واقفا مع أكمل أحواله دل على جهله بهذه الطريق التي تنفذ إلى التحقيق لأنها تحول » وإنما العمل على حقائق القلوب لأنها ثابتة في الأصول » فإن اقترن إلى جهله نقص معرفة الأخوة دخل عليه التزيّن له والتصنّع عنده » لتعلوا منزلته ويحسن عنده أثره فيدخله ذلك في الشرك ويخرجه الشرك عن حقيقة التوحيد » فتزلٌ قدم بعد ثبوتها » ويسقط من عين مولاه فلا يتولاه » لأن النفس ميتلاة بحت النداء والمدح وإتبات المنزلة بإظهان الوضف ؛ فيكون هذا الصاحب حينلد من أسأم الناس عليه وأضرهم له » ويصير أحدهما بلاء على صابحه » فليفارقه حينئذ لأنه جاهل فلا يصحبه . لأنه يجد النقصان بصحبته » وتدخل عليه الآفات بمقارنته ولينفرد بنفسه ويصدق في حاله عالية كانت أو دنيئة » وضيعة كانت أو رفيعة من غير مقاربة أحد ولا مباينته فهو خير له وأحمد عاقبة » انتهى . ويدل على إرادة صاحب الكتاب لهذا المعنى الذي ذكرناه في التنبيه على قوله « لا تصحب من لا ينهضك حاله » ما أعقبه به من قوله : « ولا يدلك على الله مقاله » » فيكون الحال والمقال متناسبين في كون كل واحد منهما متعلّقا باللّه تعالى عبودية ودلالة . قال سهل بن عبد الله رضم الله غنه ١‏ «« احذر صحبة قلآقة أصتاف من الناس * الجبايرة الغافلين ؛ والقراء المذاهنين » والمتصوفة الجاهلين » وقال يوسف. بن الحسين الرازي » رحمه الله تعالى » قلت لذي النون المصري « 1 » رضي الله تعالى عنه : « من أصحب ؟ فقال : 0 2 له نا ييا ضيه ا مك 04 وقال « حمدون القصّار « 2 » » رضي الله تعالى عنه : « أصحب الصوفية ؛ فإنّ للقبيح عندهم وجوها من المعاذير » وليس للحسن عندهم كبير موقع يعظّمونك به » إشارة إلى أن العجب بالعمل منفيٌ عندهم في صحبتهم . (1 ) ذو النون المصري ( توفي سنة 245 ٠ه‏ - 859 م ) ثوبان بن إبراهيم الإخيمي المصري » أبو الفياض أو أبو الفيض . أحد الزهاد العباد المشهورين من أهل مصر . نوبي الأاصل من الموالي كانت له فصاحة وحكمة وشعر » وهو أول من تكلم بمصر في ( ترتيب الأحوال ومقامات أهل. الولاية واتهمه المتوكل العباسي بالزندقة فاستحضره إليه وسمع كلامه ‏ تم !أظلقة فعاد إلى مصر . وتوفي بجيزتها . ( الأعلام 2 / 102 » وطبقات الشعراني 1 / 59 » وميزان الاعتدال 1 / 331 » ووفيات الأعيان 1 / 315 - 318 » والرسالة القشيرية ص 433 ) . (2 ) حمدون بن أحمد بن عمارة القصار النيسابوري ( توفي سنة 271 - 884 م ) أبو صالح » صوفي ٠‏ كان شيخ أهل الملامة بنيسابور ومنه انتشر مذهب الملامة » وكان عالما فقيها يذهب مذهب الثوري وله طريقة اختص بها . ( الأعلام 2 / 274 » والرسالة القشيرية ص 426 ) . 09 00 « 69 » وقال الجنيد رضي الله تعالى عنه : « إذا أراد الله بالمريد خيرا أرفقه إلى الصوفية ومنعه صحبة القرّاء » . وقال علي رضي الله تعالى عنه : « شر الأصدقاء من أحوجك إلى المداراة » وألجأك إلى الاعتذار » . وقال مرّة : « شرّ الأصدقاء من تتكلف له » وأنشدوا ليوسف بن الحسين الرازي » رضي الله تعالى عنه : أحث من الإخوان كل مواقى * وكل غضيض الطرف عن عثراتي يوافقني في كل أمر أحبه * ويحفظني حيّا وبعد مماتي فمن لي بهذا » ليتني قد وجدته * فقاسمته مالي من الحسنات والحاصل من هذا : أن صحبة الصوفية هي التي يحصل بها كمال الانتفاع للصاحب دون من عداهم من المنسوبين إلى الدين والعلم » لأنهم خصّوا من حقائق التوحيد والمعرفة بخصائص لم وسريان ذلك من الصاحب إلى المصحوب هو غلية الأمل والمطلوب » فقد قيل : من تحقق بحالة لم يخل حاضروه منها ؛ فمن جلس عند دكّان العطار لم يفقد الرائحة الطيبة . هذا في الحضور والمجالسة فما ظنّك في الصحبة والمؤانسة » وقد وصفهم بعض العلماء » فقال : الصوفيّ من لا يعرف في الدارين أحدا غير الله » ولا يشهد مع الله سوى الله » قد سخّر له كل شيء » ولم يسخّر هو لشي » وسلط على كلّ شيء ولم يسلّط عليه شيء » يأخذ النصيب من كل شيء » ولا يأخذ النصيب منه شيء » يصفو به كدر كل شيء ولا يكدّر صفوه شيء » قد شغله واحد عن كل شيء وكفاه واحد عن كلّ شيء » فانظر رحمك الله هذه الصفات ما أعظمها وأجلّها » وما أشرف حال من انّصف بها وما أعزّه في هذا الوجود » نفعنا الله بهم » ورزقنا من المجاهدات وأنواع المكابدات حتى يبلغ من ذلك إلى أمر لا يسعه عقل عاقل ولا يحيط به علم عامل ناقل . قال سيدي أبو العباس المرسي رضي اله عنه : « ماذا أصنع بالكيمياء » واللّه لقد صحبت أقواما يعبر أحدهم على الشجرة اليابسة فيشير إليها ذ الا فتثمر رمانا للوقت » فمن صحب مثل هؤلاء الرجال ماذا يصنع بالكيمياء » وقال أيضا رضي الل تعالى عنه : « وله ما سار الأولياء والأبدال من قاف إلى قاف إلا حتى يلقوا واحدا مثلنا فإذا لقوه كان بغيتهم » . وقال أيضا رضي الله تعالى عنه: «واللّه ما بيني وبين الرجل إلا أن انظر إليه نظرة وقد أغنيته». وفيه يقول شيخه أبو الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه : « أبو العباس هو الرجل الكامل والله ؛ إنْه ليأتيه البدوي يبول على ساقيه فلا يمسى عليه المساء إلا وقد أوصله إلى الله » وسيأتي طرف من ذكر حال المؤلف رحمه الله تعالى في صحبته » وما أوصله إليه ببركة رؤيته عند قوله 01 52 « 70 » هذه أعظم آفة تدخل على من خالف ما ذكره » وصحب من هو دونه في الحال » وهو استحسانه لما هو غليه فيؤديه ذلك إلى رضداه عن نفسه ؛ ورؤيته لإحسانها » وهو أصل كَل شير كما تقدم , 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي اله عنه : ( ماقل عمل برز من قلب زاهد » ولا كثر عمل برز من قلب راغب ) . مقادير الأعمال على حسب قلوب العمّال » فما صدر عن الزاهدين في الدنيا من عمل على طاعة ٠‏ إن كان قلباد في الحسن فهو كتير على التحقيق + وما حدر عن الراغيين فيها من عمسن بر وإن كان كثيرا في الحسنّ » فهو قليل على التحقيق ٠‏ وذلك لأن الزاهدين سلموا من الآفات التي تقدح في إخلاص أعمالهم من مراءاة الناس والتصنّع لهم » وطلب الأغراض الدنيوية عليها منهم ؛ لأنهم زهدوا فيها » فيتحصّل لهم قبول أعمالهم فيتوفر قليلها بسبب ذلك ويكثر . والراغبون تعتريهم الآفات المبطلة لأعمالهم القادحة في إخلاصهم بسبب رغبتهم في الدنيا فلا تقبل منهم » فيقلَ الكثير من أعمالهم لوجود النقصان فيها » وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : « كونوا لقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل » فإنه لا يقبل عمل مع التقوى » وكيف يقل عمل يتقبّل » . وقد وصف الله تعالى ذكر المؤمنين بالكثرة لما تضمنه من وجود الإخلاص وعدم رياء الناس ؛ فقيل في قوله تعالى :يا أَيُهَا الَذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذكراً كير[ الأحزاب : 41 ] قيل يعني ؛ خالصا . فسمّى الخالص كثيرا » وهو ما خلصت فيه النية لوجه اله العظيم . ووصف ذكر المنافقين بالقلة ؛ لما اشتمل عليه من عدم الإخلاص ووجود رياء الناس ١‏ فقال تعالى :َيُرَاوٌنَ النَّاسنَ ولا يَدْكْرُونَ الله إلا ليلا[ النساء : 143 ] يعني غير خالص ؛ وروى عن عبد الله بن مسعود » رضي الله عنه أنه قال : « ركعتان من زاهد عالم خير من عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبدا سرمدا « 1 » » . وقال بعض الصحابة لصدر التابعين : « أنتم أكثر أعمالا واجتهادا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم » وهم كانوا خيرا منكم . قيل : ولم ذلك ؟ قال : كانوا أزهد منكم في الدنيا » . وعن بعض الصحابة أيضا قال : « تابعنا الأعمال كلها فلم نر في أمر الدنيا والآخرة (1 ) السرمد : الدائم الذي لا ينقطع . 03 « 7/1 » أبلغ من الزهد في الدنيا » . وقال أبو سليمان الداراني رضي الله تعالى عنه : « سألت معروفا الكرخي « 1 » رضي الله تعالى عنه » عن الطائعين للّه بأي شيء قدروا على الطاعة ؟ فقال : بإخراج الدنيا من قلوبهم » ولو كان شيء منها في قلوبهم ما صحّت لهم سجدة . وقال الشيخ أبو عبد الله القرشي » رضي اله تعالى عنه : « شكا بعض الناس لرجل من الصالحين أنه يعمل أعمال البرّ ولا يجد حلاوة في قلبه » فقال : لأن عندك بنت إبليس وهي الدنيا »ولا بد للآب أن يزور ابنته في بيتها وهو قلبك » ولا يؤثر دخوله إلا فسادا ا وكان أبو محمد بن سهل رضي الله تعالى عنه يقول :يع الزاه نرف 17 يقسم على المؤمنين ثواب أعماله » قال : ولا يرى في القيامة أحد أفضل من ذي زهد عالم ورع 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال » وحسن الأحوال من التحقق في مقامات الأنزال ). حدس الأخمال نوفيا بها بحب لها من شر رط اداه عردية له تال ١‏ لا لطت حل ملك ولا لثواب آجل . وحسن الأحوال : أن تكون سالمة من العلل والدعاوي موسومة بسمة الصدق . والتحقق فى مقامات الأنرال.: هو ارتواء القلب يما ينزله الحق, تعالى فيه من 1529775733 والمعارف » بحيث ينتفي عنه كلّ شك وريب . وهذه الثلاثة المذكورة مرتب بعضها على بعض » وهو بمعنى ما يقوله الإمام أبو حامد رضي الله تعالى عنه : « لا بد في كل مقام من مقامات اليقين من علم وحال وعمل ؛ فالعلم ينتج الحال ؛ و الخال ينتع العمل ». ويهذا الكلام الذي ذكرة المؤلف رحمه انه تعالى نوع استدلال على ما انا في الزاهد والراغب . 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه » لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره » أشد من غفلتك في وجود ذكره؛ فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة؛ و من ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضورء و من ذكر مع وجود حظور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكورء و ما ذلك على الله بعزيز). » فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة » ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حصور » ومن ذكر مع وجود حضور (1 ) معروف بن فيروز الكرخي ( توفي 200 ه - 815 م ) أبو محفوظ أحد أعلام الزهاد والمتصوفين كان من موالي الإمام علي الرضي بن موسى الكاظم » ولد في كرخ بغداد » ونشأ وتوفي ببغداد . اشتهر بالصلاح وقصده الناس للتبرك به . 04 05 « 72 » إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور » وما ذلك على الله بعزيز . الذكر : أقرب الطرق إلى الله تعالى » وهو علم على وجود ولايته كما قيل : « الذكر منشور « 1 » الولاية » ذ فمن وفّق للذكر أعطي المنشور » ومن سلب الذكر فقد عزل » قال الشاعر : والذكر أعظم باب أنت داخله * لله » فاجعل له الأنفاس حرّاسا قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « الذكر عنوان الولاية » ومنار الوصلة » وتحقيق الإرادة » وعلامة صحبه البداية » ودلالة صفاء النهاية » فليس وراء الذكر شيء » وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر » ومنشؤها عن الذكر » وفضائل الذكر أكثر من أن تحصى » ولو لم يرد فيه إِلَا قوله تعالى في كتابه العزيز ( فاذكروني أذكركم ) وقوله عز وجل فيما يرويه عنه رسول اله صلى الله عليه وسلم : « أنا عند ظن عبدي بي » وأنا معه حين يذكرني » إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منه » وإن تقرّب إلي شبرا تقربت منه ذراعا » وإن تقرّب إليَ ذراعا تقربت منه باعا » وإن أتاني يمشي أتيته هرولة » « 2 » لكان في ذلك اكتفاء وغنية : وهذا الحديث متفق على صحته . فانرا ع اناي 1ه غير لوقك براقت ,فنا من رك إلا رائكية مطلريك 25 لجا ركريا : وإما ندبا » بخلاف غيره من الطاعات » وقال ابن عباس » رضي الله تعالى عنهما : « لم يفرض الله تعالى على عباده فريضة إِلّا جعل ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله » . وأمرهم بذكره في الأحوال كلها » فقال عزّ من قائل : فَاذْكُرُوا اللَّهَ قياماً وَفُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ [ النساء : 103 ] . وقال تعالى : يا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا انْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كثيراً [ الأحزاب : 41 ] » أي بالليل والنهار وفي البر والبحر والسفر والحضر والغنى والفقر وفي الصحة والسقم والسرٌّ والعلانية وعلى كل حال . وقال مجاهد » رضي اللّه تعالى عنه : « الذكر الكثير أن لا تنساه أبدا » » وروى عن (1 ) المنشور : بيان بأمر من الأمور يذاع بين الناس ليعلموه . ( 2 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 315 ٠»‏ 4 / 106 ) » والمنذري في ( الترغيب والترهيب 2 / 393 - 477 ٠»‏ 4 / 103 ) » وابن حجر في ( فتح الباري 3 / 384 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 5 - 6 - 7 - 40 ) ٠»‏ والسيوطي في ( الحاوي للفتاوي 2 24 ) » وابن الجوزي في ( زاد المسير 8 / 226 ) » وابن أبي الدنيا في ( حسن الظن » 3 ) » والسيوطي في ( الدر المنثور 1 / 149 - 195 ) » والبيهقي في ( الأسماء والصفات 209 - 284 ) . 06 » 7/3 « رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أكثروا ذكر الله حتى يقولوا : مجنون » « 1 » . فينبغي للعبد أن يستكثر منه في كل حالاته » ويستغرق فيه جميع أوقاته » ولا يغفل عنه » وليس له أن يتركه لوجود غفلته فيه » فإن تركه له وغفلته عنه أشدّ من غفلته فيه ٠‏ فعليه أن يذكر الله تعالى بلسانه وإن كان غافلا فيه » فلعل ذكره مع وجود الغفلة يرفعه إلى الذكر مع وجود اليقظة ٠‏ وهذا نعت العقلاء » ولعل ذكره مع وجود اليقظة يرفعه إلى الذكر مع وجود الحضور » وهذه صفة العلماء » ولعل ذكره مع وجود الحضور يرفعه إلى الذكر مع وجود الغيبة عما سوى المذكور وهي مرتبة العارفين المحققين من الأولياء ؛ قال اللَّه تعالى : وَاذْكُرْ رَبّكَ إذا نَسِيتَ [ الكهف : 42]. أي : إذا نسيت ما دون الله » عند ذلك تكون ذاكرا الله » وفي هذا المقام ينقطع ذكر اللسان ويكون العبد محوا في وجود العيان » وفي هذا المعنى أنشدوا : ما إن ذكرتك » إِلّا همّ يقلّقني * سرّي » وقلبي » وروحي عند ذكراك حتى كأنّ رقيبا منك يهتف بى * إيّاك ويحك والتذكار إيّاك امات ى الح قد بحت تراه * رامل العو 2 وقال الواسطي « 2 » مشيرا إلى هذا المقام : الذاكرون في ذكره أكثر غفلة من الناسين لذكره ‏ لآن ذكره سواه وقال أبو العباس بن البنا - في كلام ذكره على مقدمة كتاب أبي العز تقي الدين بن المظفر الشافعي » وهو كتاب : « الأسرار العقلية في الكلمات النبوية » ورأيت هذا الكلام بخطه رحمه الله - « ومن أحسن الذكر ما هاج عن خاطر وارد من المذكور » جل ذكره » » وهذا هو الذكر الخفيّ عند المتصوّفة على الاستهتار والتمكن في الأسرار . وأما قولهم : حتى يتمكن الذاكر إلى حالة يستغرق بها عن الذكر فليس ذلك تمكن حلول ولا اتحاد بل حكمة » وقدرة من عزيز حكيم » وبيان ذلك أن يكون القلب عند الذكر في الذكر فارغا من الكل » فلا يبقى فيه غير الله جلَ ذكره » فيصير القلب بيت (1 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 3 / 68 - 71 ) » والحاكم في ( المستدرك 1 / 499 ) » والهيثمي في ( مجمع الزوائد 10 / 75 ) » والمنذري في ( الترغيب والترهيب 2 / 399 ) » وابن كثير في ( التفسير ( 6 / 427 ) » وابن المبارك في ( الزهد » 362 ) » وأحمد بن حنبل في ( الزهد 108 ) » والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 187 - 188 ) » والألباني في ( السلسلة الضعيفة 516 ) » وابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 5 / 224 ) » وابن السني في ( عمل اليوم والليلة 4 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 1753 ٠ 1836 ٠ 1754 ٠‏ 1847 21118). (2 ) محمد بن موسى الواسطي ( توفي سنة 331 ه - 942 م ) أبو بكر . متصوف من كبار أتباع الجنيد فرغاني الأصل . من أهل واسط ء دخل خراسان » وأقام بمرو فمات بها . قالوا : لم يتكلم أحد مثله في أصول التصوف . 57 08 « 74 » ربج ب نان الذي ينطق به » فإن بطش هذا الذاكر كان يده التي يبطش بها » وإن سمع كان سمعه الذي يسمع به » قد استولى المذكور العلي على الفؤاد فامتلكه » وعلى الجوارح فصرفها فيما يرضيه , وعلى الصفات من هذا العبد فقلبها كيف شاء في مرضاته » فلذلك يخرج الذكر من غير تكلف , وتنبعث الأعمال بالطاعات نشاطا ولذّة من غير كلال ذلِكَ فضل اله يُوْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَهُ ذو الْفَضْلٍ الْعَظِيم [ الجمعة 14 إنَّ الله مَعَ الَذِينَ انََوَا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [ النحل : 128 1» وقد وصف الله قلب أم موسى عليه السلام » بمعنى ذلك , » في قوله الحق ا 0 فارِغاً [ القصص : 10 ] . أي فارغا من كل شيء » إلا من ذكر موسى » فكادت أن تبدي به من غير قصد منها لذكره ولا تتجير ».بل كان تركها للتصريع بذكره صببر ا بما ريط اله .على فليها لتكون من المؤمنين يها بحي انها نل قد في شان موس يانه من الدر سين ١‏ ريلك ينداف الاتكان الذي نكر ايلا العز » ووصفه بالعظم » وهو اجتماع الضدين في بادىء الرأي » وهما : الذكر والغفلة عن الذكر . وهذه المعالم والمراقي لا يعرف حقائقها إلا السالكون وجدانا والعلماء إيمانا وتصديقا » فإيّاك والتكذيب بآيات الله فتكون من الصم البكم في الظلمات . ولمًا كان المذكور لا يجوز عليه وصف الفقد والعدم ولا يمنعه حجاب » ولا يحويه مكان » ولا يشتمل عليه زمان ولا يجوز عليه الغيبة بوجه » ولا يتصف بحوادث المحدثين » ولا يجري عليه صفات المخلوقين » فهو حاضر عينا ومعنى + وشاهد سرًا ونجوى ء إذ هو القريب من كل شيء ؛ وأقرب إلى الذاكر له من نفسه من حيث الإيجاد له » والعلم به » والمشيئة فيه » والقدرة والتدبير له » والقيام عليه » خلق الخليقة فلا تلحقه أوصافها » وأوجد الأعداد فلا تحصره معانيها » وهو العلى الكبير » . انتهى كلام الشيخ أبي العباس رحمه الله تعالى في معنى المقام الثالث من مقامات الذكر » وهو في يه ل ال ل ل ل الك امن ير اع ل لطر 0 فلا ينبغي أن يستبعد العبد الوصول إلى هذا المقام الكريم » فليس ذلك بعزيز على الفتاح العليم » فعلى العبد القيام بحق الأسباب » ومن الله تعالى رفع الحجاب . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلات ). القلب إذا كان حيّا بالإيمان حزن على ما فاته من الطاعات » وندم على ما فعله من الزلات » ومقتضى هذا وجود الفرح بما يستعمل فيه من الطاعات ٠»‏ ويوفق له من اجتناب المعاصي والسيئات . 59 100 » 7/5 « وقد جاء في الخبر : « من سرّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن » « 1 » . فإذا لم يكن العبد بهذا الوصف »ء وعدم الحزن على ما فاته » والندم على ما أتاه فهو ميّت القلب ! | وإنكا كان ذلك عن 3103 اعمال الفية الكنة والفيية لاكنتان على هركا ان ين عن العبد وسخطه عليه » فإذا وق الله تعالى عبده للصالحات سرّه ذلك ؛ لأنه علامة على رضاه عنه » وغلب حينئذ رجاؤه » وإذا خذله ولم يعصمه فعمل بالمعاصي ساءه ذلك وأحزنه » لأنه علامة على سخطه عليه » وغلب عليه حينئذ خوفه . والرجاء يبعث على الاجتهاد في الطاعات » وليس من مقتضاه تركها وعدم الحزن على ما فاته منها إمنا واغترارا » والخوف يبعث على المبالغة في اجتناب المعاصي والسيئات » وليس من مقتضاه فعلها » وترك الندم عليها إياسا وقنوطا » وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ آتاه آت » فلما حاذانا ورأى جماعتنا أناخ « 2 » راحلته » ثم مشى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أوضعت 3 » راحلتي من مسيرة تسع فسيّرتها إليك ستا » وأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وأنضيت « 4 » راحلتي لأسألك عن اثنتين أسهرتاني . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : من أنت ؟ قال : زيد الخيل « 5 » . قال : بل أنت زيد الخير » سل فربّ معضلة قد سألت عنها » قال جئت لأسألك عن علامة الله فيمن يريد » وعلامته فيمن لا يريد . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بخ بخ « 6 » » كيف أصبحت يا زيد ؟ قال : أصبحت أحب الخير وأهله وأحب أن يعمل به » وإذا فاتني حننت إليه » وإذا عملت عملا قل أو كثر أيقنت بثوابه . قال : هي هي بعينها يا زيد » ولو أرادك الله للأخرى هيّأك لها ثم لا يبالي في أي واد هلكت . (1 ) أخرجه الترمذي ( فتن » 7 ) ٠‏ وأحمد بن حنبل ( 1 » 18 » 26 ٠‏ 446 ؛ 15 2 251 » مك فك 1 (2 ) أناخ : أبرك . (3) أوضع : أسرع . (4 ) أنضى دابته : هزلها بكثرة السير وأضعفها . ( 5 ) زيد الخيل ( توفي سنة 9 ه - 630 م ) زيد بن مهلهل بن منهب بن عبد رضا من طيء . كنيته أبو مكنف من أبطال الجاهلية لقب « زيد الخيل » لكثرة خيله أو لكثرة طراده بها . كان طويلا جسيما » وكان شاعرا محسنا وخطيبا لسنا » موصوفا بالكرم . أدرك الإسلام وأسلم وسرٌ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه « زيد الخير » وأقطعه أرض بنجد فمكث بالمدينة سبعة أيام وأصابته حمى شديدة فخرج عاتدا إلى نجد فمات في الطريق . ( الأعلام 61/3 » وحسن الصحابة 284 ) . ( 6 ) بخ : كلمة تقال في المدح والرضا بالشيء » وتكرر للمبالغة فإن وصلت كسرت ونونت ( بخ بخ ) . 101 « 76 » فال زيد : حسبي ؛ حسبي. .الثم ارتحل ولم يتبت << 1 »> . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله تعالى ؛ فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه ). عظمة الذنب عند مرتكبه على وجهين : أولهما : أن يعظم عنده عظمة تحمله على التوبة منه والإقلاع عنه » وصدق العزم » على أن لا يعود إلى مثله » فهذه عظمة محمودة » وهى من علامات إيمان العبد » كما قلنا . قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه : « إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه » وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه قال به هكذا فأطاره » » ويقال : رد إن الطاعة كلما استخكر ت كرت غند اند و إن المعحية كلما امتتطيظ كرت عند الله تعالى » . والثاني : أن تعظم عنده عظمة توقعه في اليأس والقنوط » وتؤديه إلى سوء الظن باللّه تعالى : فهذه عظمة مذمومة قادحة في الإيمان » وهي شر عليه من ذنوبه » وسبب ذلك وجود جهله بصفات مولاه المحسن الجواد الكريم » ووقوفه مع نفسه وقياسه بعقله وحدسه « 2 » » ولو كان عارفا باللّه حق المعرفة لاستحقر ذنوبه في جنب كرمه وفضله » فأيّ قدر للعبد أو قيمة حتى يقع في ذنب لا يسعه عفو ربّه » ويكبر عليه أن يغفره . قال في « التنوير » : « واعلم أنه لا بدّ في مملكته من عباد هم نصب الحلم » ومحل ظهور الرحمة والمغفرة ووقوع الشفاعة » » وافهم قوله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لو لم تذهبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون اله تعالى فيغفر لهم » « 3 » . وقوله صلى الله عليه وسلم : « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » « 4 ». وجاء رجل إلى الأستاذ أبي الحسن » قدّس الله سره العزيز » فقال : يا سيدي » كان (1 ) أخرجه ابن الجوزي في ( زاد المسير 7 / 29 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 9 ) ء والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 9 / 168 ) » وابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق ( 6 / 37 ) » وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 4 / 109 ) » والهيثمي في ( مجمع الزوائد 7 / 194 ) . (2 ) الحدس : الظن والتخمين . ( 3 ) أخرجه مسلم ( توبة » 11 » 9 ) » والترمذي ( جنة » 2 ) » ( دعوات » 98 ) » وأحمد بن حنبل (1 ١ 5 ١» 309 ٠» 305 ١ 2 » 289 ١‏ 414 ) . ( 4 ) أخرجه أبو داود ( سنة » 21 ) والترمذي ( قيامة » 11 ) » وابن ماجة ( زهد ؛ 37 ) » وأحمد بن حنبل ( 3 / 213 ) . 102 103 « 7/7 » البارحة بجوارنا من المنكرات كيت . . وكيت « 1 » ٠‏ وظهر من ذلك الرجل استغراب أن يكون هذا ء فقال : يا هذا كأنك تريد أن لا يعصى الله تعالى في مملكته ! ! صل الله عليه وسلم : وإن عصى عالما ! ! انتهى . فلا ينبغي للعبد أن يستعظم ذنبه استعظاما يؤديه إلى أن يلقي بيديه إياسا من روحه » وقنوطا من رحمته » وسوء ظن به » بل عليه أن يتوب إلى ربّه منه » ويرجع إليه عنه » ويعلم حكمة الله تعالى في تسليطه عليه وتخليته بينه وبينه » وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لولا أن الذنب خير للمؤمن من العجب ما خلى الله تعالى بين مؤمن وبين ذنب أبدا » فنبهك الله بهذا على أن الذنب مانع من وجود العجب الذي هو أعظم حجاب بين العبد وبين مولاه » لأن صاحبه ناظر إلى نفسه » لا إلى ربه » مستعظم لطاعته وعبادته » ملاحظ لذلك » وساكن إليه » بخلاف ذلك الذنب » لأنه يوجب له الخوف والحذر والملجأ إلى الله تعالى والفرار إليه عن نفسه » والعجب يصرف العبد عن اللَّه تعالى ؛ والذنب يصرفه إليه » والعجب يقبل به على ربّه » والعجب يؤديه إلى الاستغناء والذنب يؤديه إلى الافتقار » وأحت أوصاف العيد إلى الله عز وجل افتقاره إلى 'مولاه + وأشرف أحوال المؤمن ما يرذه إليه » ويقبل به عليه . 7 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لا صغيرة إذا قابلك عدله » ولا كبيرة إذا واجهك فضله ) . إذا ظهرت الصفات العليّة بطلت أعمال العاملين ؛ فإذا ظهرت صفة العدل على من أبغضه ومقته ل بطلت حسناته وعادت صغائره كبائر » وإذا ظهر و صف الكرم والفضل على من أحبّه اضمحلت سيئاته ورجعت كبائره صغائر . قال يحيى بن معاذ » رضي الله تعالى عنه : « إن وضع عليهم عدله لم تبق لهم حسنة » وإن نالهم فضله لم تبق لهم سيئة » . ومن دعائه » رضي الله عنه : « إلهي . . إن أحببتني غفرت سيئاتي . . وإن مقتّني لم تقبل حسناتي . . » . وما أحسن قول سيدي أبي الحسن الشاذلي » رضي الله تعالى عنه » في دعائه ومناجاته : « . . البغض منك ؛ والإساءة لا تضر مع الحب منك » . 104 105 » 7/8 « وسيأتي من مناجاة المؤلف رحمه الله في مثل هذا المعنى قوله : « إلهي كم من طاعة بنيتها . . . وحالة شيدتها هدم اعتمادي عليها عدلك » بل أقالني منها فضلك » . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه (لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده » ويحتقر عندك وجوده ). [لا عمل أرجى للقلوب من عمل يغيب عنك شهوده و يحتقر عندك وجوده.] في النسخ الموجودة بأيدينا « لا عمل أرجى للقلوب » ٠‏ ومعناه على هذا الوجه : إن العمل الموصوف بهذه الصفة لا يلتفت إليه القلب ولا يعتبره » وفي عدم التفاته واعتباره صلاحه وتحرره من رقّ رؤيته » فيبقى حينئذ مع ربه لا مع عمله » ويكون ذلك على حذف مضاف تقديره : لا عمل أرجى لصلاح القلوب » أو ما في معناه . وسيأتي من كلام المؤلف ما يناسب هذا المعنى » وهو قوله : « قطع السائرين له والواصلين إليه عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم . . . الخ » . والقاك على الطن أن الذى قكللة: المؤلف ؛ راحمه الناققاك ١‏ وذكره انما هو لفظ زر القبول » وتفريزه على هذا الوحه أن تقول : بسلامة العمل من الآذات قراط 3 قرولة ؛ أن ساك مق ال تعالى ؛ وقد قال » عرّ من قائل :إِنّما ينبل اللَّهُ مِنَ الْمتَقِينَ[ المائدة : 27 ] . وإنما يسلم العمل من الآفات باتهام النفس في القيام بحقه ورؤية تقصيره فيه » فيغيب عنه إذ ذاك شهوده ويحتقر عنده وجوده » فلا يساكنه ولا يعتمد عليه » فإن لم يكن على هذا الوصف بل كان ناظرا إليه مستعظما له » غائبا عن شهود منّة الله تعالى عليه فى توفيقه له أوقعه ذلك فى العجب تخبط للك عبله ر خاب مكيهه : 1 قال أبو سليمان الدارانى رضى الله عنه : « ما استحسنت من نفسيى عملا فاحتسبته » وقل على بن الحسين + رحن الله تغالى عنه : رز كل شىء من أفعالك ذا انصلت ب 95377 فذلك دليل على أنه لم يقبل منك ٠‏ لأن القبول مرفوع مغيّب عنك » وما انقطعت رؤيتك فذلك دليل على القبول » . وقد سئل بعض العارفين : « ما علامة قبول العمل ؟ 7 قال : نسيانك ياه وانقطاع نظرك عنه بالكلية » بدلالة قوله تعالى :إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمْ الطَيّبْ وَالْعَمَلْ الصَالِحٌ يَرْفَعْهُ [ فاطر : 10 ] قال : فعلامة رفع الحق تعالى ذلك العمل أن لا يبقى عندك منه شيء » فإنه إذا بقي في نظرك منه شيء ولم يرتفع لبينونة بين عنديّتك وعنديّته » فينبغي للعبد إذا عمل عملا أن يكون عنده نسيا منسيا بما ذكرناه من اتهام النفس ورؤية التقصير حتى يحصل له قبوله . 9 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 106 107 » 7/9 « الوارد عبارة عما يرد على القلب عن المعارف الربانية واللطائف الروحانية ليطهره بذلك ويزكّيه حتى يصلح بذلك للورود عليه والدخول إلى حضرته ؛ لأن الحضرة منزّهة عن كل قلب متكدّر بالآثار متلوّث بأقذار الأغيار » فإذن إنما أورده عليك لتكون به عليه واردا . أورد عليك الوارد ليتسلمك من يد الأغيار » وليحررك من رق الآثار . الإ اي ل قل قلق لور يك 0 ل ل فإنما أورد عليك الوارد ليتسلمك من يد من غصبك ؛ وليحررك من ملكية من استرقك » والإشارة إلى هذا المعنى بما ضرب الله تعالى من المثل للكافر في قوله :ضَرَب الله مَتَلَّا رَجُلّا فيه شرَكاءً مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلَا سَلَما ِرَجُلٍ » هَل يَسْتَّوِيانِ متلا[ الزمر : 29 ] فمن سلم من يد الأغيار » وحرّر من رق الآثار لا يكون لمخلوق فيه نصيب ولا شركة » وكان سلما رن ]1 © تعر جل 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك ). سجن وجوده هو شهرةة شه ودرا ساته لحكلة فضي شيرةء : أن يغيب عن ذلك بشهوده عظمة الله تعالى وجلاله ورؤية قيام حركاته وسكناته به . قال أبو القاسم النصراباذي « 2 » » رضي الله تعالى عنه : « سجنك نفسك إذا خرجت منها وقعت في راحة الابد » لس وسوس الغيوب مسجون بمحيطاته ومحصور في هيكل ذاته ) . 51 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الآنوار مطايا القلوب. و الأسرار و النور جند القلبء, كما أن الظلمة جند النفسء فإذا أراد أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار و قطع عنه مدد الظلم و الأغيار). أنوار الإيمان واليقين مطايا حاملة لأسرار القلوب إلى حضرة علام الغيوب » وتلك هي الواردات المذكورات .النور حند القلب ؛ كما أن الظلمة حند النفس » فاذا أراذ. الله أن ينضصر عيذه أمذه بجنود الأنوار وقطع عنه مدد الظلم والأغيار . نور التوحيد واليقين » وظلمة الشرك والشك جندان للقلب والنفس » والحرب (1 ) السّلم : الاستسلام والخضوع . ( 2 ) هو أبو القاسم إبراهيم بن محمد النصر آباذي ( توفي 369 ه / 979 م ) 108 109 » 80 « بينهما سجال « 1 » » فإذا أراد الله نصر عبده أمدّ قلبه بجنوده » وقطع عن نفسه مدد جنودها » وإذا أراد خذلان عبده فعلى العكس ٠‏ فإذا مال القلب إلى العمل بأمر محمود مؤلم في الحال ملتذ به في المآل ومالت النفس إلى العمل بأمر مذموم ملت به في الحال مؤلم في المآل » وتنازعا وتقاتلا سارع النور الذي هو من أمر الله تعالى ورحمته إلى نصرة القلب » وبادرت الظلمة التي هي من وساوس الشيطان وملّته إلى نصرة النفس » وقام صف القتال بينهما ؛ فإن سبقت للعبد من لله سابقة السعادة اهتدى القلب بنور الله تعالى واستهان بالعاجلة ورغب في الآجلة » وعمل بما مال إليه القلب وإن آلمه في الحال لما يرجوه من التنعٌم به في المآل » وإن سبقت له من الله الشقاوة » والعياذ بالله » ذهل القلب عن النور » وأعمته الظلمة عن منفعة الآجل » واغترٌ بلذة العاجل » وعمل بما مالت إليه نفسه » وإن آلمه في المآل لما يحصل لها من لذة الحال . وعند التقاء الصفين والتحام القتال بين الجندين لا سبيل للعبد إِلّا فزعه إلى الله تعالى » ولياذه به » وكثرة ذكره له وصدق توكله عليه » واستعاذته به من الشيطان الرجيم . وهذه العبارات الخمس من قوله : ( إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه واردا ) إلى هنا تفنن فيها صاحب الكتاب » وكررها بألفاظ مختلفة والمعاني فيها متقاربة » وهذه عادته في مواضع كثيرة من هذا الكتاب » رضي الله تعالى عنه . 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( النور له الكشف . والبصيرة لها الحكم . والقلب له الإقبال والإدبار) . هذه ألفاظ مختلفة لمعان متغايرة ؛ فالنور يفيد كشف المعاني المغيّبات حتى تتّضح وتشاهد » والبصبرة التي هي تأطر القلب لقي الحكم ء وهو صحة ما شاهدته » والقلب له لقيال كما بمقتضى ما شاهدته البصيرة » وله أيضا الإدبار تركا للعمل د أ بمقتضى ما شاهدته البصيرة . 53 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لا تفرحك الطاعة لأنها برزت منك , وافرح بها لأنها برزت من اللّه إليك ؛ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) . الفرح بالطاعة على وجهين : ' طلب من العبد » وذلك هو مقتضى شكرها . وفرح بها من حيث ظهورها من العبد باختياره وإرادته » وحوله وقوته » فهذا هو 110 111 « 81 » هذا الوجه فرح بلا شيء » وسيأتي في آخر الكتاب أنواع الفرح بالنعم وما يحمد منها وما يذمّ تامة مستوفاة . 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( قطع السائرين له والواصلين إليه عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم : أما السائرون , فلآنهم لم يتحققوا الصدق مع الله فيها » وأما الواصلون . فلأنه غيبهم بشهوده عنها). فقد أسبغ الله نعمته على الفريقين ؛ حيث فعل معهم ذلك » لأنه أبقاهم معه » ولم يدّعهم لسواه ؛ فالواصلون فعل ذلك بهم طوعا منهم » والسالكون فعل ذلك بهم كرها : وَلِلَهِ يَسْجُّدُ مَنْ في السّماوات وَالْأَرْضٍ طعا وَكَرْهاً [ الرعد 5 فالواصلون ن قطعهم عن ذلك بشهودهم له في حضرة قربه » ومن شاهده لم يشهد معه غيره ؛ إذ محال أن يراه ويشهد معه سواه . والسالكون قطعهم عن ذلك عدم تحققهم بالصدق أو البراءة من الدعوى » فهم أبدا متتهمون لأنفسهم في توفية أعمالهم وتصفية أحوالهم . قال النهرجوري « 1 » رضي الله تعالى عنه : « من علامات من تولاه الله في أحواله أن يشهد التقصير في إخلاصه والغفلة في أذكاره . والنقصان في صدقه » والفتور في مجاهداته » وقلّة المراعاة في فقره » فتكون جميع أحواله عنده غير مرضيّة ويزداد فقرا إلى الله في قصده وسيره حتى يفنى عن كل ما دونه » . وقال أبو عمرو إسماعيل بن نجيد « 2 » رضي الله عنه : « لا يصفو لأحد قدم ة في العبودية حتى تكون أفعاله عنده كلها رياء وأحواله كلّها عنده دعاوى » . وقال أبو يزيد رضي الله تعالى عنه : « لو صفت لي تهليلة واحدة ما باليت بعدها بشيء 1 وإلى هذين المقامين تشير الحكاية التي تروي عن الواسطي رضي الله تعالى عنه وذلك : أنه لما دخل نيسابور سأل أصحاب أبي عثمان رضي اله عنه : بماذا كان يأمركم شيخكم ؟ فقالوا : كان يأمرنا بالتزام الطاعات ورؤية التقصير فيها » فقال : أمركم (1 ) إسحاق بن محمد النهرجوري ( توفي سنة 330 ٠ه‏ - 941 م ) أبو يعقوب من علماء الصوفية نسبته إلى نهرجور . رحل إلى الحجاز » وأقام مجاورا بالحرم سنين كثيرة ومات بمكة من كلامه : الصدق موافقة الحق في السر والعلانية » وحقيقة الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة . ( الأعلام 1 / 296 » والرسالة القشيية ص 438 ) . ( 2 ) إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف السلمي النيسابوري ( توفي سنة 366 ه - 977 م ) أبو عمرو ء زاهد عابد » له « جزء » في الحديث » كان ثقة وكان شيخ الصوفية في نيسابور » 112 113 « 82 » بالمجوسية « 1 » المحضة ! ! هلا أمركم بالغيبة عنها بشهود مجريها ومنشتها » . قال الأستاذ أبو القاسم القشيري ءرضصي الله تعالى عنه : « وإنما أراد الواسطي بهذا صيانتهم 0 محل الإعجاب » لا تعريجا في أوطان التقصير » أو تجويزا للإخلال بأدب من الآداب « 2 » , 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ما بسقت أغصان ذل إِلّا على بذر طمع ) . البسوق : الطول » يقال : بسقت النخلة بسوقا إذا طالت » قال الله تعالى : وَالنَخْلَ بابقاتٍ [ ق : 10]. والآأغصان : جمع غصن » وهو ما تشغب عن سوق الشجر » ويجمع أيضا على غصون . والبذر : الحبٌ الذي يزرع وهذه كلها استعارات مليحة . محض تعلّق بالناس ٠‏ والتجاء إليهم » واعتماد عليهم » وعبودية لهم . وفي ذلك من المذلّة والمهانة ما لا مزيد عليه » ولا يحل للمؤمن أن يذل نفسه . والطمع مضاد لحقيقة الإيمان الذي يقتضي وجود العزة » والعزة التي اتصف بها المؤمنون إنما تكون برفع هممهم إلى مولاهم » وطمأنينة قلوبهم إليه » وثقتهم به دون من سواه » فهذه هى العزة التي منحها الله عبده المؤمن » قال الله تعالى :وَيِلَهِ الْعِرّةُ وَلِرَسُوَلِهِ وَلِلْمُوْمِنِينَ[ٍ المناقون : 8 ] . وكما أن العزّة من صفات المؤمنين كذلك الذلّة من أخلاق الكافرين والمنافقين ٠‏ قال الله تعالى :إِنَّ الذين بحاذون الدْدَ وَرَسُوَلَهُ أوليْكَ فِي الْأذَلِينَ[ المجادلة 20 ]. قال أبو بكر الورّاق الحكيم « 3 » رضي الله عنه : « لو قيل للطمع من أبوك ؟ قال : الشك في المقدور ء ولو قيل له : ما حرفتك ؟ قال : اكتساب الذلّ » ولو قيل : ما غايتك ؟ قال : الحرمان » . (1 ) المجوس : معرب عن ( منج كوش ) بالفارسية » ومعناها : صفير الأذنين » وهم أمة يعبدون الشمس أو النار » وواحدهم مجوسي . (2 ) انظر الرسالة القشيرية ص /5 . (3 ) هو أبو بكر محمد بن عمر الوراق الترمذي » أقام ببلخ » وصحب أحمد بن خضرويه وغيره . له تصانيف في الرياضة » قال : من أرض الجوارح بالشهوات » غرس في قلبه شجر الندامات . ( الرسالة القشيرية ص 440 ) . 114 » 83 « وقال أبو الحسن الورّاق النيسابوري » رضي الله عنه : « من أشعر في نفسه محبة شيء من الدنيا فقد قتلها بسيف الطمع » ومن طمع في شيء ذل » وبذّله هلك » وقد قيل في ذلك : أتطمع في ليلى وتعلم أنما * تقطع أعناق الرجال المطامع فالطامع لا محالة فاسد الدين » مفلس من أنوار اليقين . قال في التذوير : « وتفقد وجود الورع من نفسك أكثر مما تتفقد ما سواه » وتطهّر من الطمع في الخلق . » فلو تطهّر الطامع فيهم بسبعة أبحر ما طهّره إِلّا اليأس منهم » ورفع الهمّة عنهم » . قال : وقدم علي بن أبي طالب « 1 » » رضي الله تعالى عنه » البصرة » فدخل جامعها » فوجد 3 6 31 5 00 فأقامهم ١‏ حتى جاء إلى الحسن البصري » رضي الله تعالى عنه » فقال : يا فتى إني سائلك عن أمر فإن أجبتني عنه أبقيتك ٠‏ وإلا أقمتك كما أقمت أصحابك - وكان قد رأى عليه سمتا « 2 » وهديا « 3 - فقال الحسن : سل عما شئت قال : ما ملاك « 4 » الدين ؟ قال : الورع » قال : فما فساد الدين ؟ قال : الطمع . قال : اجلس فمثلك من يتكلم على الناس . قال : وسمعت شيخنا » رضي الله عنه » يقول : كنت في ابتداء أمري بثغر الإسكندرية جئنت إلى بعض من يعرفني فاشتريت منه حاجة بنصف درهم » ثم قلت في نفسي : لعله لا يأخذه مني » فهتف بي هاتف : السلامة في الدين بترك الطمع في المخلوقين . قال : وسمعته يقول : صاحب الطمع لا يشبع أبدا » ألا ترى أنّ حروفه كلّها مجوّفة : الطاء : والميم » والعين . ثم قال بعد هذا : فعليك أيها المريد برفع همتك عن الخلق » ولا تذلٌ لهم » فقد سبقت قسمته وجودك » وتقدّم ثبوته ظهورك (1 ) علي بن أبي طالب ( 23 ق ه - 40 ه ( 600 - 661 م ) هاشمي قرشي . رابع الخلفاء الراشدين وأول العشرة المبشرين » وابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصهره » ومن أكابر الخطباء والعلماء بالقضاء » وأول الرجال إسلاما » ولد بمكة . ( الأعلام 4 / 295 » والرسالة القشيرية ص 108 » وتهذيب الكمال 13 / 293 ) . (2 ) السمت : الطريق والمذهب أو هيئة أهل الخير . (3 ) الهدى : الرشاد . (4 ) ملاك الأمر : قوامه وخلاصته أو عنصره الجوهري . 115 » 84 « واسمع ما قاله بعض المشايخ : « أيها الرجل ؛ ما قدر لما ضغيك أن يمضغاه » فلا بدّ أن يمضغاه » فكله - ويحك - بعز » ولا تأكله بذلٌ » . قلت : تقدّم الآن من كلامه في « التنوير » ذكر الورع في مقابلة الطمع » وكذلك في جواب الحسن لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما لمّا سأله مستخبرا له عن صلاح الدين وفساده في الكلام الذي حكاه عنهما » ولا شك أنّ الورع الظاهر لعامة الناس » وهو ترك الشبهات والتحرّج من اقتحام المشكلات لا يقابل الطمع كل المقابلة » وقد ذكرنا الطمع ما هو » وإنما يقابله ورع الخاصة » وهو عندهم : صحة اليقين وكمال التعلق برب العالمين » ووجود السكون إليه » وعكوف الهمم عليه » وطمأنينة القلب به » ولا يكون له ركون إلى غير ء ولا انتساب إلى خلق ولا كون » فهذا هو الورع الذي يقابل الطمع المفسد » وبه يصلح كل عمل مقرّب وحال مسعد . قال يحيى بن معاذ » رضي الله تعالى عنه : « الورع على وجهين : ورع في الظاهر » وهو : ألا تتحرك إلا لله » وورع في الباطن » وهو : أن لا يدخل قلبك إلا الله » . ذكر أن بعضهم كان حريصا على أن يرى أحدا ممن هذه صفته » فجعل يجتهد في طلبه » ويحتال ويقول لمن يعطيه منهم حين المناولة : خذ لا لك » فكانوا يأخذون ولا يسمع من أحد منهم جوابا مطابقا لما أراده بكلامه » إلى أن ظفر ذات يوم ببغيته وحصل على مقصوده ومنيته » وذلك أنه قال لأحدهم : خذ لا لك » فقال له : آخذه لا منك . فإن كان للعبد استشراف « 1 » إلى خلق ,٠‏ أو سبقية نظر إليهم قبل مجيء الرزق أو بعده فمقتضى هذا الورع » والواجب في حق الأدب » أن لا ينيل نفسه شيئا مما يأتيه على هذه الحال عقوبة لنفسه في نظره إلى أبناء جنسه » كقصّة أيوب الحمّال مع أحمد بن حنبل » رضي الله عنهم » وهي معروفة » وكما روي عن الشيخ أبي مدين » رضي الله عنه » أنه أتاه حمّال بقمح فنازعته نفسه وقالت له : يا ترى » من أين هذا ؟ فقال لها : أنا أعرف من أي هو يا عدوّة الله » وأمر بعض أصحابه أن يدفعه لبعض الفقراء ؛ عقوبة لها . لكونها رأت الخلق قبل رؤية الحق تعالى . وقد قيل : « أحلّ الحلال ما لم يخطر لك على بال » ولا سألت فيه أحدا من النساء والرجال » . (1 ) استشرف الشيء : رفع بصره ناظرا إليه . 116 » 85 « وقد صرّح بهذا المعنى الذي ذكرناه وأوضح الغرض الذي قصدناه شيخ الطريقة وإمام أهل الحقيقة من المتأخرين أبو محمد عبد العزيز المهدوي رضي الله عنه » فإنه قال : « اعلم أن الورع أن لا يكون بينك وبين الخلق نسبة في أخذ أو إعطاء أو قبول أو ردّ » وأن يكون السبق لله تعالى » وهو أن تأتي إليه طاهرا من جميع الأشياء والعلم والعمل , كما قال تعالى :وَلَقَدْ حِنثمُونا فرادى كما حَلَقْناكُمْ أَوّلَ مَرَةِ[ الأنعام : 94 ] » . وقال أيضا : « الورع : أن لا تتحرك ولا تسكن إِلَا وترى الله في الحركة والسكون » فإذا رأى الله ذهبت الحركة والسكون وبقي مع الله » فالحركة ظرف لما فيها . كما قال بعضهم : « ما رأيت شينا إلا رأيت الله فيه » فإذا رأى اللّه ذهبت الأشياء . وقال أيضا : « أجمع العلماء على أن الحلال المطلق ما أخذ من يد الله بسقوط الوسائط » وهذا مقام التوكل ؛ ولهذا قال بعضهم : « الحلال هو الذي لا ينسى الله فيه » » إلى غير هذا من العبارات التي عبّر بها في هذا المعنى . وقال بعض هذه الطائفة : « العبيد كلهم يأكلون أرزاقهم » ثم يفترقون في المشاهدات » فمنهم : من يأكل رزقه بذلَ » ومنهم : من يأكل رزقه بامتهان » ومنهم : من يأكل رزقه بانتظار » ومنهم : من يأكل رزقه بعز بلا مهانة ولا انتظار ولا ذلة » فأمًا الذي يأكلون أرزاقهم بذل » فالسؤال يشهدون أيدي الخلق فيذلون لهم » وأما الذين يأكلون أرزاقهم بامتهان فالصناع يأكل أحدهم رزقه بمهنته وكدّه » وأما الذين يأكلون أرزاقهم بانتظار فالتجار ينتظر أحدهم على نفاق سلعته » فهو متعوب القلب معذب بانتظاره ٠‏ وأما الذين يأكلون أرزاقهم بعر من غير مهنة ولا انتظار ولا ذل ٠‏ فالصوفية يشهدون العزيز فيأخذون قسمتهم من يده بعزة » . قال سهل بن عبد الله » رضي الله تعالى عنه تر لسن مع الإيمان أسباب » إنما الأسباب مع الإسلام » قال الشيخ أبو طالب رضي الله عنه » معناه : ليس في حقيقة الإيمان رؤية الأسباب والسكون إليها » إنما رؤيتها والطمع في الخلق يوجد في مقام الإسلام . وقد عقد المؤلف رحمه الله في « لطائف المنن » فصلا في هذا المعنى وجعله لجميع وظائف الآداب الدينية أصلا ومبنى » فرأينا نقله في هذا الموضع من صواب العمل المتكفّل إن شاء الله بنجاح الأمل » قال رضي الله عنه : « اعلم - رحمك الله - أن ورع الخصوص لا يفهم إلا قليل » فإن من جملة ورعهم تورّعهم عن أن يسكنوا لغيره أو يميلوا بالحب لغيره » أو تمتد أطماعهم بالطمع في غير فضله وخيره ومن ورعهم ورعهم عن الوقوف مع الوسائط والأسباب » وخلع الأنداد والأرباب , كك[ ل9#ا9ا9اةا406ا00060 إلى أنوار 117 » 86 « ورعهم ورعهم عن أن تفتنهم الدنيا أو ترفعهم الآخرة » تورّعوا عن الدنيا وفاء » وعن الوقوف مع الآخرة صفاء » قال الشيخ عثمان بن عاشوراء : « خرجت من بغداد أريد الموصل فأنا أسير » وإذا أنا بالدنيا قد عرضت لي بعزها وجاهها ورفعتها ومراكبها وملابسها ومزيّناتها ومشتهياتها فأعرضت عنها » فعرضت علي الجنة بحورها وقصورها وأنهارها وثمارها فلم اشتغل بها » فقيل لي : يا عثمان » لو وقفت مع الأولى لحجبناك عن الثانية » ولو وقفت مع الثانية لحجبناك عنا » فها نحن لك » وقسطك « 1 » من الدارين يأتيك » . وقال الشيخ عبد الرحمن المغربي » وكان مقيما بشرقي الإسكندرية : « حججت سنة من السنين » فلما قضيت الحج عزمت على الرجوع إلى الإسكندرية » فإذا عليّ قائل يقول لي : إنك في العام القابل عندنا » فقلت في نفسي : إذا كنت بالعام القادم هاهنا فلا أعود إلى الإسكندرية » فخطر لي الذهاب إلى اليمن فأتيت إلى عدن فإنا يوما على ساحلها » وإذا بالتجار قد أخرجوا بضائعهم ومتاجرهم » ثم نظرت فإذا رجل فرش سجادته على البحر ومشى على الماء » فقلت في نفسي : لم أصلح للدنيا ولا للآخرة » فإذا العلىّ يقول لي : من لم يصلح للدنيا ولا للآخرة يصلح لنا » . وقال الشيخ أبو الحسن » رضي الله تعالى عنه : « الورع نعم الطريق لمن عجّل ميراثه وأجّل ثوابه » فقد انتهى بهم الورع إلى الأخذ من الله وعن الله » والقول بالله » والعمل لله وبالله وعلى البينة الواضحة والبصيرة الفائقة « 2 » » فهم في عموم أوقاتهم وسائر أحوالهم لا يدبّرون ولا يختارون » ولا يريدون ولا يتفكرون » ولا ينظرون ولا ينطقون » ولا يبطشون ولا يمشون ولا يتحركون إلا باللّه » وله من حيث يعلمون » هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فهم مجموعون في عيد الجمع لا يتفرقون فيما هو أعلى ولا فيما هو أدنى . 9 11«|«[|[ |[ زذزذز1ذز1 1 1*1 2231# لعلمه وعمله ميزان فهو محجوب بدنيا » أو مصروف بدعوى ء وميراثه التعزر « 3 » لخلقه السك على مكلة» والدلالة على اله يعمله قهذا هر الكبير ان المبين ١‏ و العياذ كاله العظي م ذلك . والأكياس يتورّعون عن هذا الورع ويستعيذون باللّه منه » ومن لم يزدد بعلمه وعمله احتقارا لنفسه » وافتقارا لربّه » وتواضعا لخلقه فهو هالك » فسبحان من قطع كثيرا من الصالحين بصلاحهم عن مصلحهم » كما قطع كثيرا من المفسدين بفسادهم عن موجدهم » فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم » . قال : فانظر - 1 تسطك «نصيرك حصتك . (2 ) الفائق : الجيد من كل شيء والممتاز على غيره من الناس ( ج ) فوقة ((3 ) تعزز : صار عزيزا » وتقوى بعد ذلة . 118 » 8/ « فهّمك الله سبيل أوليائه ؛ ومن عليك بمتابعة أحبائه - هذا الورع الذي ذكره الشيخ رضي الله عنه هل كان يصل فهمك إلى مثل هذا النوع من الورع ؟ , 07 ألا ترى قوله : « قد انتهى بهم الورع إلى الأخذ من الله وعن الله » والقول بالله » والعمل لله وبالله على البينة الواضحة والبصيرة الفائقة » فهذا هو ورع الأبدال والصدّيقين لا ورع المنقطعين الذي ينشأ عن سوء الظن وغلبة الوهم » انتهى . وإنما أوردنا هذه المعاني هاهنا تتميما للفائدة المتعلقة بكلام صاحب « التنوير » من كون الورع يي الي ا يي ل ل ل « لا تمد يدك إلى الإخذ من الخلائق ق . . . إلخ ) » فانظره فيه . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ما قادك شيء مثل الوهم ) . الوهم : أمر عدمي . وهو ضد الحقيقة الوجودية » والنفس الناقصة انقيادها إلى الأمور الوهمية الباطلة أشد من انقيادها إلى الحقائق الثابتة ؛ لوجود المناسبة بينهما . والطمع في الناس انقياد إلى الأوهام الباطلة » لأن الطمع تصديق الظنّ الكاذب » والطمع فيهم طمع في غير مطمع » وأرباب الحقائق بمعزل عن هذا فلا تتعلّق هممهم إلا بالله » ولا يتوكلون إلا عليه » ولا يثقون إلا به » قد سقط اعتبار الأوهام والخيالات التي هي متعلّقة بالأغيار عن قلوبهم » فزال عنهم الطمع فاتصفوا بصفة القناعة والورع » فكانت لهم الحياة الطيبة والعيشة الراضية . والقناعة مقام عظيم من مقامات اليقين » وهي من بدايات أحوال الراضين . قال بعض العارفين : « لا يكون العبد قانعا حتى لو جاء إلى باب منزله جميع ما يرغب فيه أهل الدنيا من الاتساع والنعمة فعرض عليه لم ينظر إلى ذلك ولم يفتح له بابه قناعة منه بحاله » وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في معنى قوله تعالى : فَلَنْحْبيَنَهُ حَياةَ طَيّبّة [ النحل : 97] قال : هي القناعة . 7 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( أنت حر مما أنت عنه آيس . وعبد لما أنت فيه طامع ) . ا من الشيء دليل على فراغ القلب منه وغناه عنه » وذلك حريّة منه » فالطامع عبد » واليائس حر ؟ ولهذا قيل : الح ىا ووه ته ناكم ولا نطبم نا 386 حو قن م 19 10 « 88 » العقاب « 1 » يطير في فضاء عزه بحيث لا يرتقي طرف إلى مطاره » ولا تسمو همّة إلى الورضول إليه ؛ فيرى قطعة لحم معلفة على شبكة فير له الطيع من مطاره : فبداق بالشيكة 8135 » فيصيده صبيّ يلعب به » . وقيل : إن فتحا الموصلّى رضي الله تعالى عنه » كان قاعدا فسئل عمن تابع الشهوات كيف صفته ؛ وكان بقربه صبيّان مع أحدهما خبز بلا إدام » ومع الآخر خبز مع كامخ « 2 » » فقال الذي لم يكن معه كامخ لصاحبه : أطعمني من الكامخ » فقال له : بشرط أن تكون كلبي » فقال : نعم » فجعل في رقبته خيطا » وجعل يجرّه كما يقاد الكلب ٠‏ فقال فتح للسائل : أما إنه لو رضى بخبزه ولم يطمع في كامخ صاحبه لم يصر كلبا لصاحبه . وحكى عن بعضهم أنه دخل على تلميذ له فقدّم التلميذ إليه خبزا قفارا « 3 » » ولم يكن له إدام » فأخذ يتمنى بقلبه أن ليت كان له إدام يقدّمه إلى أستاذه » فقام الأستاذ وقال : تعالى معي ٠‏ فحمله إلى باب السجن فرأى الناس : يضرب واحد » ويقطع آخر » ويعذب كلّ واحد بأنواع العذاب » فقال الأستاذ للتلميذ : ترى هؤلاء ؛ هم الذين لم يصبروا على الخبز القفار » . وقيل : إن رجلا أخرج من السجن وفي رجله قيد وهو يسأل الناس » فقال لإنسان : أعطني كسرة ء فقال : لو قنعت بالكسرة لما وضع القيد في رجلك . ورأى رجل رجلا من الحكماء يأكل ما تساقط من البقل على رأس الماء » فقال : لو خدمت السلطان لم تحتج إلى أكل هذاء تقال الحكيم «.وانت لو تنعت بهذا لم تحتج إلى خدمة السلطان.. وقد أردت أن أذكر هنا حكاية مناسبة لما نحن فيه ليتعرّف بها كيف تكون الهمّة السنية والآداب المرضية في إخذ البلغ « 4 » من الدنيا والقناعة باليسير من الأشياء ورؤية منّة الله تعالى في تيسير القليل والشكر له على ذلك » قال بعضهم : « خرجنا من المدينة حجاجا » فلما كنا بالزاوية نزلنا » فوقف بنا رجل عليه ثياب رثّة » وله منظر وهيبة وصورة حسنة ومروءة فقال : من يبغي خادما ؟ من يبغي ساقيا ؟ فقلت : دونك هذه القربة » فأخذها وانطلق » ولم يلبث إِلَّا يسيرا حتى أقبل وقد امتلأت أثوابه طينا وأثّرت القربة في كتفيه فوضعها وهو كالمسرور الضاحك » ثم قال : ألكم غيرها ؟ قلنا : لا » وأطعمناه قرصا باردا فأخذه وحمد الله سبحانه وشكره شكرا كثيرا » ثم اعتزل » وقعد يأكله أكل جائع . (1 ) العقاب : طائر من كواسر الطير قوي المخالب » حادّ البصر » له منقار قصير أعقف ( ج ) عقبان . (2 ) الكافح : ما يؤتدم به أو المخللات المشهية ( ج ) كوافح . ( 3 ) القفار : الخبز غير المأدوم . 21 122 « 89 » فأدركتني عليه الشفقة فقمت إليه بطعام طيّب كان معنا » وأكثرت له منه » فقلت له : قد علمت أنه لم يقع منك القرص بموقع فدونك هذا الطعام »؛ فنظر في وجهي وتبسم وقال : يا عبد الله إنَما هي فورة جوع فلا أبالي بأي شيء رددتها عني ! ! فرجعت عنه ء» فقال لي رجل إلى جنبي : أتعرفه ؟ قلت : لا ! ! قال : إنه رجل من بني هاشم من ولد العباس بن عبد المطلب « 1 » » هذا من ولد سليمان بن أبي جعفر المنصور » كان يسكن البصرة فتاب » فخرج منها » ففقد » فما عرف له أثر وقلت له : يا فتى ٠‏ أنا رجل من إخوانك » وقد بلغني موضعك فأحببت الاتصال بك فهل لك أن وقال : لو أردت هذا لكان لي معدا » ثم أنس إليّ » وجعل يحدثني فقال : أنا رجل من ولد العباس ؛ كنت أسكن البصرة » وكنت ذا كبر شديد وتجبّر وبذخ وإني أمرت خادما أن تحشو لي فراشا من حرير » ومخذة بورد نثير » فبينما نائم إذا بقمع وردة قد غفلت عنه الخادمة » فقمت إليها فأوجعتها ضربا » ثم عدت إلى مضجعي بعد إخراج القمع من المخدّة » فأتاني آت في منامي في صورة فظيعة » فهزني » وقال لي : أفق من غشيتك » وأبصر من حيرتك » ثم أنشأ يقول : يا خدّ إنك إن توسّد ليّنا * وسدّت بعد الموت صمّ الجندل « 2 » فامهد لنفسك صالحا تسعد به * فلتند من غدا إذا لم تفعل قال : فانتبهت فزعا فخرجت من ساعتي إلى ربي هاربا . فهذا خبري . قال الراوي : فلما قضى حديثه هذا انخنس عني » ومضى . 8 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ومن لم يقبل على الله بملاطفات الإحسان قيد إليه بسلاسل الامتحان ) . النفوس الكريمة تقبل على الله بملاطفات إحسانه » وموالاة فضله وامتنانه والنفوس اللئيمة لا تنقاد إلا بسلاسل الامتحان ووقوع المصائب في الأموال والأبدان . والقود بالسسلاسل استعارة حسنة . قال سيدي أبو مدين رضي الله تعالى عنه : د سنة اشدعر وجل استدعاء العياد لعيادته يبعة الأرراف وذوا م المعافاة ليرجعوا إليه بنعمته » فإن لم يفعلوا ابتلاهم بالسراء والضراء لعلهم ان مراده عز وجل » رجوع العبد إليه طوعا أو كرها » . (1 ) العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ( 51 ق ه - 32 ه - 573 - 653 م ) أبو الفضل من أكابر فريش في الجاهلية والإسلام ؛ وحِذ الخلفاء العياسيين , قال رسول الله حلى الله عليه وسلم في وصفه : العقل » مولعا بإعتاق العبيد » كار ها للرق » وكانت له سقاية الحاج وعمارة المسيجد الحرام . أسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه » شهد وقعة حنين وفتح مكة » وعمي في آخر عمره . ( الأعلام 2 / 262 م » وتهديب الكمال 9 / 464 ) . 123 124 « 90 » 9 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ومن لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها » ومن شكرها قيدها بعقالها ). شكر النعم موجب لبقائها والزيادة منها » وكفرانها وعدم شكرها موجب لزوالها وانفصالها قال الله تعالى ِلَيْنْ شكَرْتُمْ لَأزِيدَتَكُم[ إبراهيم : 7] . وقال الله تعالى :إِنَّ الله لا يُغَيْرُ ما بهم حَتّى يُغَيرُوا ما بِأَنْْسِهمْ[ الرعد : 11 ] لف ذا غتروا مايه من الطاعات وه شك الندم عر انه تداك ها مه 237727 الكرم و حتفت كنا اندر و الفحء على ا اللفظة فقوا : الشكر قي الل ' وقالوا : « الشكر قيد للموجود وصيد للمفقود » وكان يقال : « النعم إذا روعيت بالشكر فهي أطواق » وإذا روعيت بالكفر فهي أغلال » . والشكر على ثلاثة أوجه : شكر بالقلب » وشكر باللسان » وشكر بسائر الجوارح . فشكر القلب : أن يعلم أن النعم كلها من الله تعالى » قال الله تعالى :وما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ الله [ النحل : 53] . وشكر اللسان : الثناء على الل تعالى » وكثرة الحمد والمدح له » ويدخل فيه التحدث بالنعم وإظهارها ونشرها قال الله تعالى :وَأمًا ينفمّة رَئِكَ فَحَدّتْ [ الضحى :11 ] , وقال عمر بن عبد العزيز « 1 » رضي الله تعالى عنه : « تذكّروا النعم » فإن تذكٌرها شكر » « 2». ومن شكر اللسان أيضا شكر الوسائط بالثناء عليهم والدعاء لهم : وفي حديث النعمان بن بشير « 3 » رضي الله تعالى عنه : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من لم يشكر القليل لم (1 ) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي ( 61 - 101 ه - 681 - 0م ) أبو حفص الخليفة الصالح + والملك العلدل » وك ونشا بالمدينة . ولى الخلافة يعيداكق سليمان فبويع في مسجد دمشق ٠؛‏ وسكن الناس في أيامه » فمنع سب عليّ بن أبي طالب ولم تطل مدته حيث دس له السم فمات . وكان يدعى « أشج بني أمية » » وربما قيل له خامس الخلفاء الراشدين تشبيها له بهم . ( الأعلام 5 / 50 » وشذرات الذهب 1 / 119 » وتهذيب الكمال 14 / 115 ) . (2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 4 » 278 ٠»‏ 375 ) . ( 3 ) النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري ( 2 - 65 ه - 623 - 684 م ) أبو عبد الله , الى معطب 73317 ل ل 10 معاوية وولي القضاء بدمشق » وولي اليمن لمعاوية » ثم استعمله على الكوفة تسعة أشهر , وعزله وولاه حمص », واستمر فيها إلى أن مات يزيد بن معاوية فبايع النعمان لابن الزبير » وتمرد أهل حمص » فخرج هاربا » فأتبعه خالد بن خلّي فقتله . ( الأعلام 8 / 36 » وأسد الغابة 5 / 22 » وتهذيب الكمال 19 / 98 ) . 125 » 91 « يشكر الكثير » ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله » « 1». وعن أسامة بن زيد « 2 » » رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أشكر الناس لله أشكرهم للنّاس » « 3 » » وسيأتي الكلام على هذا المعنى في آخر الكتاب إن شاء الله عند كلام المؤلف عليه . وشكر سائر الجوارح : أن تعمل بها العمل الصالح » قال الله تعالى :ِاغْمَلُوا آلَ داودَ شكْراً [ سبأ : 3 ] ؛ فجعل العمل شكرا . وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام حتى انتفخت قدماه » فقيل له : يا رسول الله أتفعل هذا » وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال « أفلا أكون عبدا شكورا » « 4 » . وسأل رجل أبا حازم رضي الله تعالى عنه » فقال : « ما شكر العينين ؟ قال : اذا رأيت يهما خيرا أعلنته » وإذا رأيث يهما شرا سترته . قال : فما شكرا الأذنين ؟ قال : إذا سمعت بهما خيرا وعيته » وإذا سمعت بهما شرا دفنته » قال : فما شكر اليدين ؟ قال : لا تأخذ بهما ما ليس لك , ولا تمنع حقًا هو لله فيهما ذل نما شكر البطر ؟ قال : أن يكون أسفله صبرا وأعلاه علما . قال : فما شكرٍ الفرج ؟ قال : كما قال الله تعالى : وَالَّذِينَ كُمْ لِفْرُوجِهِمْ حافِظونَ إِلّا عَلى أَرُواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنْهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *[ المؤمنون : 6 ] . قال ؛ نما شكر الرجلين ؟ قال + إن ر اياقا نينا 12ت الل ني 11 ايك قينا بد كففتهما عن عمله وأنت شاكر لله تعالى » فأما من شكر بلسانه » ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه » فلم ينفعه ذلك من الحرّ والبرد والثلج والمطر » . وأجمع العبارات للشكر قول من قال : «الشكر معرفة الجنان» وذكر باللسان» وعمل بالأركان». (1 ) أخرجه أبو داود ( أدب ٠‏ 11 ) » والترمذي ( برّء 35 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 » 258 » ١ 5 ١» 3/5 ٠» 2/8 » 4 ١» 82 » 74 »3 » 402 » 461 ١» 388 » 303 » 5‏ 211 » . 2 (2 ) أسامة بن زيد بن حارثة ( 7 ق ه - 54 ه - 615 - 674 م ) من كنانة عوف » أبو محمد » صحابي جليل . ولد بمكة » ونشأ على الإسلام » وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبا جما وينظر إليه نظره إلى سبطيه الحسن والحسين » وهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة » وأمرّه رسول اله قبل أن يبلغ العشرين من عمره » مات في الجرف في آخر خلافة معاوية . له في كتب الحديث ( 128 ) حديثا . ( الأعلام 1 / 291 » والإصابة 1 / 29 » وتهذيب الكمال 1 / 514 ) . (3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 » 212 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري ( تهجد ء 6 ) » تفسير سورة 48 » 2 ) ٠»‏ ومسلم ( منافقين 79 ٠‏ 81 ) » والنسائي ( قيام الليل » 17 ) » والترمذي ( صلاة » 187 ) » وابن ماجة ( إقامة » 200 ) » وأحمد بن حنبل ( 4 ٠» 251 ٠‏ 255 »؛ 6 ؛ 115 ) . 126 « 92 » والقدر اللازم من شكر المنعم ما قاله الجنيد رضي الله تعالى عنه » حين سأله السرّي » رضي الله تعالى عنه قال الجنيد رضي الله عنه : كنت بين يدي السرّي » رضي الله عنه » وأنا ابن سبع سنين وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي : يا غلام » ما الشكر ؟ فقلت : « أن لا يعصى الله بنعمه . فقال : يوشك أن يكون حظك من الله لسانك » » فلا أزال أبكي على هذه الكلمة . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( خف من وجود إحسانه إليك ودوام إساءتك معه . أن يكون ذلك استدراجا لك : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثْ لا يَعْلَمُونَ ) . الخوف من الاستدراج بالنعم من صفات المؤمنين » وعدم الخوف منه مع الدوام على الإساءة من صفات الكافرين » يقول : من أمارات الاستدراج ركوب السيئة والاغترار بزمن المهلة » وحمل ا ل م ل ل أي لا يشعرون بذلك » وهو أن يلقي في أوهامهم أنهم على شيء ٠‏ وليسوا كذلك » ليستدرجهم شيئا فشيئا حتى يأخذهم بغتة » كما قال تعالى : فَلَمّا نَسُوا ما ذُكُرُوا بِهِ . . * [ الأنعام : 44 والقلم ] 44 : إشارة إلى مخالفتهم وعصيانهم فَتَحْنا عَلَيْهمْ أْواتٍ كُلَّ شَيْءٍ » أي : فتحنا عليهم أسباب العافية وأبواب الرفاهية حَتّى إذا قَرِحُوا بما أوتُوا من الحظوظ الدنيوية » ولم يشكروا عليها برجوعهم منها إلينا أخذدائم بثنة , أي : فجأة فإذا هم منلينون أي : أيسون قانطون من الرحمة . قال سهل بن عبد الله » رضي الله تعالى عنه » في قوله تعالى : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْتْ لا يَعْلَمُونَ * شن ل رسيي الشكر شيها : قإذا كدر إلى النقمة رحد اع المي اخنوا »4 وقال ابن عطاء الله : « كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة » وأنسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة » . : ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه‎ )1 ( من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه ١‏ فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد وأوجب الإبعاد » فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ء ولو لم يكن إلا منع المزيد وقد يقام مقام البعد وهو لا يدري » ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد) . 27 128 » 93 « بالعذاب لأهل الخطايا والذنوب » والعقوبة بالحجاب لأهل إساءة الأدب بين يدي علام الغيوب . وقد تكون العقوبة الخفية والمؤجّلة أشد على المريد من العقوبة الجلية المعجلة ؛ ومثال تلك العقوبة الخفية ما ذكره من قطع المدد عنه وإقامته في مقام البعد عنه , وهذا هو مبدأ وقوع الحجاب الذي ذكرناه » فإذا ابتلي به المريد ولم تتداركه رحمة من الله تعالى في الحال العتيد « 1 » » كان ذلك موجبا لسقوطه من عين الله ووقوع الحجاب على قلبه » وتبدّل الأنس بالوحشة » وانتساخ الضياء بالظلمة » ولم يمكنه بعد ذلك معاودة الحال الأولى » لأنه إذ ذاك تنقطع عنه الإمدادات المتصلة » والواردات المتحصلة ؛ فتنكسف عنه حينئذ شمس العرفان » وتتستر عنه الكشوفات والبيان » وهذه جنود الله تعالى في قلب العبد » فإذا فقد النصرة من الله تعالى بذلك وقع في الخذلان » واستحوذ عليه الشيطان » فأنساه الذكر وحاق به سئ المكر » ورجع إلى متابعة هوى نفسه الأمّارة » وخرج من دائرة الصفوة المختارة » فنعود باللّه من سوء المقدر وعدم التوفيق إلى مراعاة أوائل الأمور » وما احتج به المريد لنفسه من الكلام الذي ذكره المؤلف رحمه الله ؛ يقتضي توجّه هذه العقوبة إليه ضربة لازب « 2 » » لأن قوله : ( لو كان سوء أدب . . إلخ ) دليل على رضاه بحاله واستحسانه لأعماله » وهذا هو الموجب له عدم المزيد الذي اقتضاه قطع المدد عنه » ولو كان المدد متواصلا إليه لازداد عندما يقع منه سوء الأدب تواضعا لربّه وافتقارا إليه وخوفا من مكره » ولم يستحسن حال نفسه ولم يرضها . ١‏ قال سيدي أبو العباس » رضي الله تعالى عنه : « كل سوء أدب يثمر لك أدبا مع الله تعالى فهو أدب » » وهو الذي أوجب له أيضا التخلية بينه وبين ما يريد الذي اقتضى له إقامته مقام البعد» إذلو كان مقاما في القرب لبعد عن رؤية نفسه وكان متهما لها في إرادتها » وكان واقفا مع مراد الله به » فإن أقدم على أمر بإرادته وشهوته تداركه الله تعالى بالعصمة » وعوّق عليه ما أراده » وسدّ عليه مسالكه ؛ ولم يخله وما أراد من ذلك . ويقال من علامات التوفيق ثلاث : دخول أعمال البرّ عليك من غير قصد منك إليها ؛ وصرف المعاصي عنك مع السعي فيها » فتح باب اللجاء والافتقار إلى الله تعالى في كل الأحوال . الهرب منها » وغلق باب اللجاء إلى الله وترك الدعاء في الأحوال . (1 ) العتيد : المهيأ والحاضر والمعدٌ . (2 ) اللازب : اللازم الثابت » يقال : صار الأمر ضربة لازب أي صار لازما ثابتا شديد اللزوم 129 » 94 « والأدب له موقع عظيم في التصوّف ؛ ولذلك قال ابو حفص ؛ رحس اله عد « التصوّف كله آداب : لكل وقت أدب » ولكل حال أدب ٠‏ ولكل مقام أدب » فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال » ومن ضيّع الآداب فهو بعيد من حيث يظن القرب » ومردود من حيث بيظن القبول » . وقال أبو عبد الله بن خفيف « 1 » : « قال لي « رويم » « 2 » : يا بني اجعل عملك ملحا » وأدبك دقيقا » . وقال بعضهم : « الزم الأدب ظاهرا وباطنا » فما أساء أحد الأدب ظاهرا إلا عوقب ظاهرا » وما أساء أحد الأدب باطنا إلا عوقب باطنا » . وقال ذو النون المصري رضي الله تعالى عنه : « إذا خرج المريد عن حدّ الأدب فإنه يرجع من حيث جاء » . وقال الثوري » رضي الله عنه : « من لم يتأدب لوقت فوقته مقت » . وقال ابن المبارك » رضي الله عنه : «نحن إلى قليل من الأدبء أحوج منًا إلى كثير من العلم». وقيل لبعضهم : «يا سئ الأدب !! فقال : لست بسيء الأدب » فقيل له : ومن أدّبك ؟ فقال: والآداب اللازمة للمريد عامة في ظاهره وباطنه » وآداب الظاهر تبع لآداب الباطن » وآداب الباطن هي التحلّي بمحاسن الأخلاق كلها » وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أدبني ربّي فأحسن تأديبي » ثم أمرني بمكارم الأخلاق » « 3 » » فقال :خُذِ الْعَفََ وَأَمُرْ بِالْعْرْفٍ وَأَعْرِضن عَنِ الْجِاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] . (1 ) محمد بن خفيف ( 276 - 371 ه - 890 - 982 م ) أبو عبد الله الشيرازي » صوفي شافعي » كان شيخ إقليم فارس » وهو من أولاد الأمراء » تزهد وسافر في سياحات كثيرة وصنف كتبا » من كلامه : « ليس شيء أضر بالمريد » من مسامحة النفس في ركوب الرخص » . ( الأعلام 6 / 114 » وشذرات الذهب 3 / 76 » والرسالة القشيرية ص 420 ) . (2 ) رويم بن أحمد بن يزيد بن رويم ( توفي سنة 330 ه - 941 م ) صوفي شهير » من جلة مشايخ بغداد . من كلامه « الصبر ترك الشكوى » والرضى استلذاذ البلوى » . ( الأعلام 3 / 37 ) » والرسالة القشيرية ص 420 ) . ( 3 ) أخرجه العجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 72 ) » والشوكاني في ( الفوائد المجموعة 327 ) والفتني في ( تذكرة الموضوعات 87 ) » والألباني في ( السلسلة الضعيفة 72 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 31895 ) . 130 » 95 « ولا يحصل له ذلك » بعد توفيق الله وتأييده » إِلّا بالرياضة والمجاهدة . قال ابن غطاء الله ركب الله غنه : د« النفس محبولة على سوء الأدي ) و الكة لامر يملا زبية الأدب » فالنفس تجري بطبعها في ميدان المخالفة » والعبد يردّها بجهده عن سوء المطالبة » ممن أطلق عنانها فهو شريكها في فسادها » . ويختلف ما ذكرناه من المجاهدة والرياضة باختلاف الأشخاص » فربَ شخص ذكيّ الفطرة « 1 » كريم السجيّة « 2 » سهل المقادة » لا يحتاج في ذلك إلى كثير معاناة ولا تعب » ورب شخص يكون حاله على عكس هذا » فلا جرم « 3 » يحتاج إلى زيادة تعب وقوّة ممارسة وشدة مجاهدة لرداءة فطرته ونقصان غريزته » وبين هذين درجات لا تحصى , ولهذا كله يحتاج المريد إلى صحبة المشايخ والتأدب بآدابهم واتّباع أوامرهم ونواهيهم . لأنه إن لم تجر أفعاله على مراد غيره لا يصح له الانتقال عن الهوى ». ولو بلغ في الرياضة والمجاهدة كل مبلغ » وذلك لكثافة حجاب نفسه » . وقد سئل الدّقاق » رضي الله تعالى عنه : « بما ذا يقوّم الرجل إعوجاجه ؟ فقال : بالتأتب بإمام » فإن لم يتأدب بإمام بقي بطّالا » فإذا دام العبد على ذلك تزكّت نفسه » وطهر لبه : ونيايت أخلاقه : وظهر على ظاهرء انوار ذلك ؛ فتكرن حر كات ظاهرة وياطنة مزمومة بزمام الأدب حتى تنتهي به إلى المحافظة على تجنب أمور غير مستنكرة » في ظاهر العلم ؛ ريكون ترك محافظته عليها ننبا من مثله » وقد يعاتب عليه وقد يعاقب من أجله . قال السري » رضي الله عنه : « صلّيت العشاء واشتغلت بوردي « 4 » ليلة من الليالي ؛ ومددت رجلي في المحراب « 5 » » فنوديت : يا سري » هكذا تجالس الملوك ؟ ! فضممت رجلي » ثم قلت : وعزتك وجلالك لا مددت رجلي أبدا » . م د ل ل له مامه رجحل يك ل تيار وقال أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « كان الأستاذ أبو عليّ الدقاق » رضي الله عنه ٠‏ لا يستند إلى شيء » فكان يوما جالسا في مجمع » فأردت أن أضع وسادة خلف ظهره لأني رأيته غير مستند » فتنحّى عن الوسادة قليلا » فتوهمت أنه توقى الوسادة » (1 ) الفطرة : الخلقة التي خلق عليها المولود في أول خلقه . (2 ) السجية : الخلق والغريزة والطبيعة ( ج ) سجيات وسجايا . (3 )لا جرم : لا بد ولا محالة . (4) الورد : النصيب من القرآن أو الذكر . (5) المحراب : صدر البيت » وأكرم موضع فيه . ( ج ) محاريب . 131 » 96 « لأنه لم يكن عليها خرقة ولا سجّادة » فقال : لا أريد الاستناد . فتأملت بعد ذلك فعلمت أنه لا يستند إلى شيء أبدا » . وقال أبو القاسم الجنيد » رضي الله تعالى عنه : « كنت جالسا في مسجد « الشونزية » « 1 » أنتظر جنازة أصلّي عليها » وأهل بغداد » على طبقاتهم , ؛ جلوس ينتظرون الجنازة » فرأيت فقيرا عليه أثر النسك « 2 » يسأل الناس » فقلت في نفسي : لو عمل هذا عملا يصون به نفسه لكان أجمل به » فلما انصرفت إلى منزلي » وكان لي شيء من الورد بالليل من البكاء والصلاة وغير ذلك ٠»‏ فثقل عليّ جميع أورادي » فسهرت وأنا قاعد » فغلبتني عيني فرأيت ذلك الفقير جاؤوا به على خوان « 3 » ممدود وقالوا لي : كل لحمه » فقد اغتبته ! ! وكشف لي عن الحال » فقلت : ما اغتبته وإنما قلت في نفسي شيئا ! ! فقيل لي : ما أنت مما يرضى منك بمثله » اذهب واستحله » فأصبحت ولم أزل أتردد حتى رأيته في موضع يلتقط من الماء عند تراد الماء أوراقا من البقل مما تساقط من غسل البقل » فسلّمت عليه » فقال أتعود يا أبا القاسم ؟! فقلت : لا » فقال : غفر الله لنا ولك » . . . إلى غير ذلك من آدابهم » رضي الله عنهم أجمعين . والظاهر أن مراد المؤلف » رحمه الله » بإساءة الأدب ما كان فيه نوع من الرعونة وإظهار الدعوى واتصاف العبد بصفة المولى » وانبساطه وإذلاله في موقف الهيبة والحياء وما أشبه ذلك مما يخاف على صاحبه وقوع الاستدراج والمكر به » ولكن ينبغي للمريد أن لا يتهاون بشيء من الآداب ولا يستحقرها ؛ فإنّ التهاون بذلك والاستحقار له من مخامرة الجهل وعدم المعرفة باللّه تعالى » وهذا أقبح أنواع سوء الأدب . فإن وقعت منه إساءة أدب فليكن خائفا من ذلك مستعظما للامر فيه » وليبادر إلى التوبة والاعتذار والتنصّل منها خشية أن توجّه إليه العقوبة من حيث لا يشعر . وآكد ما ينبغي أن يجتنبه المريد من مقتضيات هذه الجملة التي ظهر لنا أنها مراد المؤلف » رحمه لله تعالى رمن انواء سرع لهب ) أن بر طن خاطرةه على تىء من الاعتر اضن على الله تعالى وتعاطي التدبير معه » والتبرّم بأحكامه المؤلمة في نفسه أو غيره » وأن يسرح لسانه بالشكوى إلى الخلق » والعيب لما لا يوافق هواه » أو نقض في نظره مما يراه من الحق » فإن خطر بباله أو جرى على لسانه شيء من ذلك فليبادر إلى الاستغفار منه والتفصّي عنه > وليعلم أن تشاغله يذلك من أعظم الحسنات وأفضل ْ (1 ) الشونزية : مقبرة بغداد في جانبها الغربي . ( معجم البلدان 3 / 34 ) . (2 ) النسك.: حق اله تعالى , دك الرجل : أخلص نقيه للادة والطاعة ل و :7385 (5 ) الخوان . ها يوضع عليه الطعام ليؤكل فإذا وضع عليه الطعام فهر مائدة راع ) لكَركةً وخون . 132 133 » 9/7 « القربات » وذلك يدخله في مقامات الرضا ويوصّله إلى غاية النعيم والعطاء » كما أن توطينه عليه وتهاونه به من أعظم خطاياه وأكبر ذنوبه » ويؤديه ذلك إلى تسخط الأقدار والوقوع في دركات الذار ‏ نكو يانه كن ذلك . ضاع لبعض الصوفية ولد صغير ؛ فلم يعرف له خبرا ثلاثة أيام ال رن عليك » فقال : اعتراضي عليه فيما قضى أشْدّ عليّ من ذهاب ولدي . وقال بعض السادة أذنبت ذنبا » فأن أبكي عليه منذ ستين سنة ٠‏ وكان قد اجتهد في العبادة لأجل التوبة من ذلك الذنب » فقيل له : وما ذلك الذنب ؟ قال : قلت مرّة لشيء ليته كان ! ! » . وقال بعض السلف : « لو قرض جسمي بالمقاريض « 1 » كان أحببٌ إليّ من أن أقول لشيء قضاه ليته لم يقضه » . وقال بعضهم : « مرض الجنيد » رضي الله تعالى عنه » فقال : اللهم عافني » فسمع هاتفا يقول : مالك والدخول بيني وبين ملكي » . ومن مقتضياتها أيضا : أن يعلق بقلبه شيء من الاعتراض على المشايخ والأولياء » وأن يترك تعظيمهم واحترامهم » وأن لا يقبل إشاراتهم فيما يشيرون به عليه » فقد قالوا : عقوق « 2 » الأستاذين لا توبة له . وقالوا أيضا : من قال لأستاذه لم ؟ لا يفلح . وقال أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « من صحب شيخا من الشيوخ » ثم اعترض عليه بقلبه فقد نقض عهد الصحبة ووجبت عليه التوبة » . وإن بقي من أهل السلوك قاصد لم يصل إلى مقصوده فليعلم أن موجب حجبه اعتراض خامر قلبه على بعض شيوخه في بعض أوقاته ؛ فإن الشيوخ بمنزلة السفراء « 3 » للمريدين » قال وفي الخبر : إن الشيخ في أهله كالنبيّ في أمّته » وكذلك من سوء أدبه تصدّره للتعليم والهداية ؛ وتصدّيه للآمر والولاية » ومحبته للاستتباع والرياسة وتربيته للجاه والحشمة والقبول بين الناس » واستدعاؤه بسرّه أن يكرم ويعظم ويتبرّك به وتقبّل يده ويسارع في قضاء حوائجه » وذلك من ضر الأشياء به » وهو نتيجة استحسانه لما هو عليه » وعدم تفقّده لعيوبه » واتهام نفسه في كل 1 ) المقاريص: رج )متراض»: المقص وهورما برض :به الثوب أو خيرة , (2 ) عق الولد أياه : عصاه وسق عنصا طاعته » وقطعه وترك الإحمان إليه . (3 ) السفراء ( ج ) سفير : المصلح بين القوم . 134 » 98 « كما قال أبو عثمان » رضي اللّه تعالى عنه : « لا يرى أحد عيب نفسه وهو يستحسن من نفسه شيئا » وإنما يرى عيوب نفسه من يتهمها في جميع الأحوال » وقال أبو عبد الله السجزي « 1 » » رضي الله تعالى عنه » « من استحسن شيئا من أحواله في حال إرادته فسدت عليه إرادته إلا أن يرجع إلى ابتدائه ويروؤض نفسه ثانيا » . وقال أبو عبد الرحمن السلمي » رضي الله تعالى عنه : « سمعت جدّي يقول : « آفة العبد رضاه عن نفسه بما هو فيه » . فإن استشعر المريد من نفسه شيئا مما ذكرناه فليبادر إلى قطع مواده واستئصال « 2 » عروقه من قبل أن يستحكم ذلك فيه ويرسخ فيه » فبدايات الأمور هي التي ينبغي أن تراعى كثيرا . يمن أنوات سوه أايه المريد النقضي إلى خطيه زر وله حل مقتاضيات الحتيقة إلى رخض 1973301 لد عدوا يدا الات السظيمة الس 2 لانعطاط الرقة الس ع مكل الفرية وليدا قالوا : « إذا رأيت المريد انحط عن رتبة الحقيقة إلى رخص الشريعة فاعلم أنه قد نقض عهده مع الله وفسخ عقده بينه وبين الله » . وقال ابن خفيف . رضي الله تعالى عنه : « الإرادة استدامة الكدّ وترك الراحة وليس شيء أضرٌ على المريدين من مسامحة النفس في قبول الرخص والتأويلات » . وقال يوسف بن الحسين » رضي الله عنه : « إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص فاعلم أنه لا يجيء منه شيء » . وقال أبو إسحاق إبراهيم بن شيبان : « من أراد أن يتعطل ويتبطل فليلزم الرخص » . ويعني بالرخصة هاهنا » ما كان مضادًا لحال المريد من تناول الشهوات واللذات والميل إلى ل م ا ا ا إمام الكرامية » من فرق الابتداع في الإسلام » ولد ابن كرام في سجستان وجاور بمكة خمس سنين » وورد نيسابور » فحبسه طاهر بن عبد الله » ثم انصرف إلى الشام وعاد إلى نيسابور فحبسه محمد بن طاهر وخرج منها إلى المقدس فمات فيها . ( الأعلام 7 / 14 » ولسان الميزان 5 / 353 ) . 135 » 99 « وكان إبراهيم الخوّاص » رضي الله تعالى عنه يقول : « إلا إنَ هذه الشهوات التي أظلمت قلوب المتعبدين بعد صفاء نورها » وفترت أبدانهم بعد اجتهادها » وحجبت قلوبهم بعد قربها » وأطالت أمالهم بعد قصرها » وأنسوا بالمخلوقين بعد الهرب منهم » وتوطئوا الفرش بعد الترك لها فسقتهم الدنيا بكأس سمّها » فنظروا إلى ظاهرها بعد باطنها فناموا بعد السهر » وشبعوا بعد 6 ؛ واكتسوا بعد العرى » . وقال أبو سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه : « أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام إِنْي إنما خلقت الشهوات لضعفاء خلقي فإياك أن تعلّق قلبك منها بشيء » فأيسر ما أعاقبك به أن أنسخ حلاوة حبي من قلبك » وفي أخبار داود عليه السلام : « يا داود تمسك بكلامي » وخذ من نفسك لنفسك لا تؤتينٌ منها فأحجب محبّتي عنك » اقطع شهوتك إليّ ؛ فإني إنما أبحت الشهوات لضعفاء خلقي , ما بال الأقوياء أن ينالوا الشهوات فإنها تنقص حلاوة مناجاتي » فإني لم أرض الدنيا لحبيبي » ونزهته عنها ‏ يا داود لا تجعل بيني وبينك عالما سكران بحبها بسكره عن محبتي » أولئك قطاع الطريق على عبادي المريدين » استعن على ترك الشهوات بإدمان الصوم », يا داود » تحبب إليّ بمعاداة نفسك وامنعها الشهوات ٠‏ أنظر إليك وترى الحجب بيني وبينك مرفوعة » . وقال إبراهيم بن أدهم » رضي اله تعالى عنه : « لن ينال الوجل درجة الصالحين حتى يجوز يلت غفيات ”* أولاها : أن يغلق باب العز ء ويفتح باب الذلّ . والثانية : أن يغلق باب النعمة » ويفتح باب الشدّة . والثالثة : أن يغلق باب الراحة ويفتح باب الجهد . والرابعة : أن يغلق باب النوم ويفتح باب السهر. والخامسة : أن يغلق باب الغنى ويفتح باب الفقر . والسادسة : أن يغلق باب الأمل ويفتح باب الاستعداد للموت . وقال إبراهيم الخواص » رضي الله تعالى عنه : « كنت في جبل « لكام » « 1 » فرأيت رمَّانا ( فاشتهيته » فدنوت منه فأخذت واحدة فشققتها » فوجدتها حامضة فمضيت وتركت (1 ) جبل اللكام : الجبل المشرف على أنطاكية وبلاد ابن ليون والمصيصة وطرسوس ( معجم البلدان 5 / 22 ) . 136 « 100 » الرمان » فرأيت رجلا مطروحا قد اجتمعت عليه الزنابير « 1 » فقلت : السلام عليك » فقال : وعليك السلام يا إبراهيم » فقلت : كيف عرفتني ؟ فقال : من عرف الله لم يخف عليه شيء » فقلت : أرى لك حالا مع الله تعالى » فلو سألته أن يحميك ويقيك من هذه الزنابير ! ! 8 0 فقال : وأرى لك حالا مع الله تعالى » فلو سألته أن يحميك ويقيك من شهوة الرمّان » فإنّ لذغ [ 3 9 شهوة ] الرمّان يجد الإنسان ألمه في الآخرة » ولدغ الزنابير يجد ألمه في الدنيا » . وقال السري رضي الله تعالى عنه : « إن نفسي تطالبني منذ ثلاثين سنة أو أربعين سنة أن أاغمس جزرة في دبس « 2 » فما ا طعمتها » » فلما كان ترك الشهوات والتنعمات من شأن قال جعفر بن نصير « 3 » » رضي الله تعالى عنه : « دفع إليّ الجنيد درهما وقال اشتر به التين الوزيري ٠»‏ فاشتريته » فلما أفطر أخذ واحدة ووضعها في فيه ثم ألقاها » وبكى » وقال : احمله ! ! فقلت له في ذلك ٠»‏ فقال : هتف بي هاتف أما تستحي شهوة تركتها من أجله ثم تعود إليها ! . وعن شقيق بن إبراهيم « 4 » قال : « لقيت إبراهيم بن أدهم » رضي الله تعالى عنه » بمكة في سوق الليل عند مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ناحية من الطريق يبكي ٠‏ فعدلت إليه » وجلست عنده » وقلت له : أي شيء هذا البكاء يا أبا إسحاق ؟ فقال : خير وعافية » فعاودته مرّة » واثنتين » وثلاثة » فلما أكثرت عليه قال : يا شقيق استر علىّ فقلت : يا أخي قل ما شئت . قال : اشتهت نفسي « سكباجا » « 5 » فمنعتها جهدي » فلما كان البارحة كنت جالسا وقد غلبني النعاس ٠‏ فإذا أنا بفتى شاب بيده قدح أخضر يعلو منه بخار ورائحة سكباج قال فاجتمعت همتي عليه فقرب مني وقال : يا إبراهيم كل » فقلت : (1 ) الزنابير ( ج ) زنبور : جنس حشرات من فصيلة الزنبوريات ٠»‏ أنواعه عديدة منها الزنبور الكبير ( الدبور ) وهو كبير القد واسع الانتشار » يلسع الإنسان إن ضايقه ولسعته مؤلمة مؤذية . (2 ) الدبس : رب التمر والزبيب وعصارتهما » وما تحلّب منهما . (3) ربما يكون جعفر بن محمد بن نصر »ء أبو محمد ( 253 - 348 ه - 867 - 959 م ) ولد ونشأ في بغداد » صحب الجنيد وانتمى إليه » مات ببغداد . ( الرسالة القشيرية ص 437 ) . ( 4 ) شقيق بن إبراهيم بن علي الأزدي البلخي ( توفي سنة 194 ه - 810 م ) أبو علي زاهد صوفي من مشاهير المشايخ في خراسان . ولعله أول من تكلم في علوم الأحوال ( الصوفية ) بكور خراسان وكان من كبار المجاهدين » استشهد في غزوة كولان . ( الأعلام 171/3 » وطبقات الشعراني 1 / 65 » وميزان الاعتدال 1 / 449 » ووفيات الأعيان 2 / 475 وفيه وفاته سنة ( 153 ) » والرسالة القشيرية ص /39 . 137 138 » 101 « ما آكل شيئا قد تركته لله تعالى » فقال لي : فإذا أطعمك الله تأكل ؟ فما كان لي جواب إلا أن بكيت ٠‏ فقال لي : يرحمك الله » كل . قال إبراهيم فقلت له : قد أمرنا أن لا نطرح في وعائنا شيئا إلا من حيث نعلم » فقال لي : كل » يرحمك الله فإنما أعطيته » وقد قيل لي : يا خضر اذهب بهذا وأطعم نفس إبراهيم بن أدهم » فقد رحمها الله من طول صبرها على ما يحمّلها من منعها ٠‏ فاعلم يا ل ا م ٠‏ فقلت , 5ك الا ىاة ل ب ات وت او ا م قال شقيق رضي الله تعالى عنه : فقلت : أرني كفك » فأخذت كفه بكفي فقبلتها وقلت : يا من يطعم الجياع الشهوات إذا صححوا المنع » يا من يقدح في الضمير اليقين » يا من سقى قلوبهم من محبته أترى لشقيق عندك حالا » ثم رفعت يد إبراهيم إلى السماء » فقلت : إلهي بقدر هذه الكفّ . وبقدر صاحبها » وبالجود الذي وجده منك » جد على عبدك الفقير إلى فضلك وإحسانك ورحمتك وإن لم يستحق ذلك » قال : فقام إبراهيم رضي الله تعالى عنه » ومشى حتى دخل المسجد الحرام » . وقال عتبة الغلام لعبد الواحد بن زيد رضي الله تعالى عنهما : إن فلانا يصف من قلبه منزلة ما أعرفها , قال : لأنك تأكل مع خبزك تمرا وهو لا يزيد على الخبز شيئا » فقلت : إن كنت تركت أكل التمر عرفت تلك المنزلة ؟ قال : نعم وغيرها . فأخذ يبكي » فقال له بعض أصحابه : لا أبكى الله عينيك » أعلى التمر تبكى ؟ فقال عبد الواحد : دعه فإن نفسه قد عرفت صدق عزمه فى الترك » هو إذا ترك شيئا لم يعاود فيه أبدا » . ْ وقال أحمد بن أبي الحواري : « اشتهى أبو سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه » رغيفا حارا بملح فجئت به إليه » فعض منه عضة » ثم طرح الرغيف ٠‏ وقال : عجلت إليّ شهوتي بعد إطالة جهدي وشقوتي » قد عزمت على التوبة فاقبلني » قال أحمد : فما رأيته أكل الملح حتى لقى الله تعالى » . وقال أبو بكر بن الجللاء » رضي الله تعالى عنه : « أعرف إنسانا تقول له نفسه : أنا أصبر لك على طي عشرة أيام » وأطعمني بعد ذلك شهوة أشتهيها » فيقول لها : لا أريد أن أطوي عشرة أيام ولكن اتركي هذه الشهوة » . وقال أبو سليمان » رضي الله تعالى عنه : « ترك شهوة من شهوات النفس أنفع للقلب من صيام سنة وقيامها » . ا 0 139 » 102 « تعالى عنهم » من تناول لذائذ الأطعمة وتمرين النفس عليها » ورأوا أن ذلك علامة الشقاوة » ورأوا أنّ منع الله منه غاية السعادة » حتى روى أن وهب بن منبّه رضي الله تعالى عنه » قال : التقى ملكان في السماء الرابعة » فقال أحدهما للآخر : من أين ؟ فقال : أمرت بسوق حوت من البحر اشتهاه فلان اليهودي . وقال الآخر : أمرت باهراق زيف أننتياه فلان العلية وقال : و هذا تنبية على أن نيسير الشهوات ليس من علامات الخير . قال الشيخ أبو حامد الغزالي » رضي الله تعالى عنه : « والأصل المهمّ في المجاهدة الوفاء بالعزم ؛ فإذا عزم على ترك شهوة فقد تيسرت له أسباب ذلك » ويكون ذلك من الله ابتلاء واختبارا ؛ فينبغي أن يصبر ويستمر فإنه إن عوّد نفسه كسر العزم ألفت ذلك وفسدت », وإذا اتفق منه كسر عزم فينبغي أن يلزم نفسه عقوبة عليه » كما ذكرناه في معاقبة النفس من كتاب « المراقبة » فإذا لم يخوّف النفس بعقوبة غلبته وحسّنت عنده تناول الشهوة » وتفسد الرياضة عليه بالكلية » . هذا كلام أبي حامد » وهو حسن » ومعناه صحيح مجرب » فلتعتمد عليه أيها المريد . وقد يعجّل الله تعالى لبعض هؤلاء العقوبة رحمة له » ومئة عليه . قال أبو تراب النخشبي رضي الله تعالى عنه : « ما تمنْت نفسي شهوة من الشهوات إلا مرة واحدة » تمنت خبزا وبيضا وأنا في سفر » فعدلت إلى قرية » فقام واحد وتعلّق بي وقال : هذا كان مع اللصوص » فضربوني سبعين درّة « 1 » » ثم عرفني رجل منهم » فقال : هذا أبو تراب النخشبى » فاعتذروا إليّ » فحملني رجل منهم إلى منزله » وقدّم لي خبزا وبيضا » فقلت في نفسي : كلي » بعد سبعين درّة » . وقال بعضهم : اشتهى أبو الخير العسقلاني » رضي الله تعالى عنه » السمك سنين ثم ظهر له ذلك ا » فلما مدّ يده إليه ليأكل دخلت شوكة من عظامه أصبعه » فذهبت في ذلك يده » فقال : « يا رب » هذا لمن مد يده بشهوة إلى حلال فكيف بمن مذ يده بشهوة إلى حرام » ؟ . وقال إبراهيم الخواص » رضي الله تعالى عنه : « كنت جائعا في الطريق فوافيت « الريّ » « 22 فخطر ببالي أن لي بها معارف » فإذا دخلتها أضافوني وأطعموني » فلما دخلت (1 ) الدرّة : السوط يضرب به ( ج ) درر... (2 ) الريّ : مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن » وهي محط الحاج على طريق يوه 100 « 103 » من أين أصابني هذا الضرب على جوعي ! ! فنوديت في سرّي : إنما أصابك ذلك » لأنك سكنت إلى معارفك بقلبك . وقلت : إنهم يطعموني إذا دخلت البلد » . وحكى عن إبراهيم بن شيبان » رضي الله تعالى عنه » أنه قال : « كنت بحلب » واشتهيت شبعة من الخبز والعدس » فاتفق ذلك فأكلت حتى شبعت » فرأيت على باب المسجد قوارير « 1 » معلّقة شبه إنموذجات ٠‏ فتوهمتها خلا » فقال لي قائل : أما تنظر إليها إنها خمر ! ! فقلت : لزمني فرض » فدخلت الحانوت فلم أزل أصب دنا دنا « 2 » حتى أتيت على الجميع : فأخذوني وضربوني مائة خشبة وطرحوني في السجن أربعة أشهر حتى دخل أستاذي أبو عبد الله المغربي البلدة فسمع بحالي فشفع لي » فلمًا وقع بصره عليّ » قال : ما شأنك ؟ قلت : شبعة خبز وعدس » وضربت مائة خشبة » وسجنت أربعة أشهر » فقال لي : نجوت مجانا » أي : وردت عقوبة هذه الأكلة على ظاهرك ولم تقدح فيما كنت فيه من سرائركء فكان ذلك رفقا من الله بك». قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « وما أصدق ما قال ؛ فإنّ من أنّب في دنياه فيما يتعاطاه من متابعة هواه؛ فقد خف عنه في عقباه » بل طهر بالتأتب جوهره ومعناه . وحكاية « خير النساج « « 3 » رضي الله تعالى عنه » المشهورة من معنى ما ذكرناه » فانظرها » ففيها عبرة للمعتبرين . قال الحافظ أبو نعيم » رضي الله تعالى عنه : « حدّثني جعفر بن محمد بن نصير في كتابه قال : سألت خيرا النساج : أكان النسج حرفتك ؟ قال : لا » قلت : فمن أين سمّيت به ؟ قال : عاهدت الله ؛ وعقدت أن لا آكل الرطب أبدا » فغلبتني نفسي يوما فأخذت نصف رطل . فلما أكلت واحدة إذا برجل نظر إليّ وقال : يا خير » أين هربت مني ؟ وكان له غلام اسمه « خير » فوقع عليّ شبهه وصورته . فخنقني » واجتمع الناس فقالوا : واللّه هذا غلامك خير » فبقيت متحيّرا » وعلمت بماذا أخذت . وعرفت جنايتي » فحملني إلى حانوته - بلاد الجبال » بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخا . ( معجم البلدان 3 / 116 ) . (1 ) القوارير : ( ج ) قارورة : وعاء من الزجاج تحفظ فيه السوائل . (2 ) الذن : الجرة الضخمة للخمر والزيت والخل وغيرهما ( ج ) دنان . ( 3 ) خير بن عبد اللَّهِ النساج ( 202 - 322 ه - 817 - 934 م ) متصوف معمر » من كبار الزهاد . أصله من سر من رأى . نزل ببغداد وصحب الجنيد والخوص وكثيرين » ثم كان أستاذ الجماعة » أخباره كثيرة وله كلمات مأثورة . ( الأعلام 2 / 326 » والرسالة القشيرية ص 437 ) . 101 « 104 » الذي كان ينسج فيه غلمانه » فقالوا : يا عبد السّوء » أتهرب من مولاك ؟ ! ادخل واعمل عملك الذي كنت تعمل فيه » وأمرني بعمل « الكرباس » « 1 » ٠‏ فدلّيت رجلي على أن أعمل . فأخذت بيدي آلته » فكأني كنت أعمل من سنين » فبقيت معه شهرا أنسج له فقمت ليلة فنسجت » وقمت إلى صلاة الغداة » فسجدت » وقلت في سجودي : إلهي لا أعود إلى ما فعلت » فأصبحت فإذا الشّبه قد ذهب عنّي وعدت إلى صورتي التي كنت عليها فأطلقت » فثبت عليّ هذا الاسم , فكان سبب النسج اتّباعي شهوة عاهدت الله تعالى على ألا آكلها » فعاقبني بما سمعت » . وفي بعض الأخبار عن الله تعالى « إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبّتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي » » وستأتي إن شاء الله تعالى كيفية مجاهدة النفس عند قوله ( ولولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ) ولهذا المعنى كرهوا التزويج من غير ضرورة محققة » لأنه إنما يقصد بذلك قضاء شهوته وبلوغ نهمته » وذلك في الضرر به بمنزلة السمّ القاتل . وقد قالوا : « من وافق شهوته عدم صفوته » . وقال بعضهم : « من همٌّ بشيء مما أباحه العلم تلذذا عوقب بتضييع العمر » وقسوة القلب » وتعب الهمٌ بالدنيا » . وقال أبو سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه : « ثلاث من طلبهنٌ فقد ركن إلى الدنيا : من طلب معاشا ء أو تزوّج امرأة » أو كتب الحديث » . وقال : « ما رأيت أحدا من أصحابنا تزوّج فثبت على مرتبته » . وكان إبراهيم بن أدهم » رضي الله تعالى عنه » يقول : « من تعوّد أفخاذ النساء لا يفلح » . وقيل لبعضهم : « لم لا تتزوّج ؟! فقال : المرأة لا تصلح إِلّا للرجال» وأنا ما بلغت مبلغ الرجال». ثم فيه من مكابدة أمر غيره » ومن مراعاة توفية حقوقه » ومعاناة أخلاقه » واتّباع مرضاته ما يشوّش على المريد حاله » ويكدّر عليه وقته » وقد كان له في معاناة أمر نفسه أعظم شاغل عن أن تضاف إلى نفسه نفس أخرى ؛ مع ما يتسلّط على باطنه من خوف من الفقر » ومحبة الجمع والمنع » وما يرتكبه بسبب ذلك من التأويلات والرّخص ؛ وذلك كلّه مضادّة لحال المريد . 1 ) الكرياين : كلمة مدرية رهى الارب الحنن , 102 « 105 » وقد قالوا : « إذا تزوّج الصوفي فقد ركب السفينة » فإذا ولد له فقد غرقت السفينة » . وكان بشر الحافيّ » رضي الله تعالى عنه » يقول : « لو كنت أعول دجاجة خفت أن أكون « جلوازا « 1 » » على الجسر » . وفي الخبر في « فتن آخر الزمان » قال النبي عليه الصلاة والسلام : « وفي ذلك الوقت حلّت العزبة « 2 » » فقيل : وكيف ؟ قال : يعيّرونه بالفقر فيتكلف ما لا يطيق فيورده موارد الهلكة » وفي الخبر عن رسول الل صلى الله عليه وسلم : « خيركم بعد المائتين رجل خفيف الحا . قيل : يا رسول الله وما خفيف الحاذ ؟ الذي لا أهل له ولا ولد « 3 »». وقال سهل بن عبد الله رضي الله تعالى عنه : « إياكم والاستمتاع بالنساء » والميل إليهن ! ! فإن النساء مبعدات من الحكمة قريبات من الشيطان وهنْ مصايده وحظه من بني آدم ؟؛ فمن عطف البين يكليته ققد عطف على حظ الشييطان > ومن حاد. عنهن ينس عند وما مال الشيلاة إلى أحد كميله إلى من استرق بالنساء » وأن الشرّ معهنّ حيث كنّ » فإذا رأيتم في وقتكم من قد ركن إليهنّ » فايأسوا منه » قيل له : فحديث النبي صلى الله عليه وسلم : « حبب إليّ من دنياكم ثلاث « 4 » » فذكر النساء ؟ ! فقال : « النبيَ صلى الله عليه وسلم معصوم » وقد بلّغكم ما كان فيه معهن هي عدوّة الرجل ظاهرا وباطنا » إن أظهرت له المحبة أهلكته » وإن أضمرتها له أغوته » وأن الله عز وجل جعلهن فتنة » فنعوذ باللّه من فتنهن » انتهى كلام سهل رضي الله عنه » وقال حذيفة المرعشي » رضي الله تعالى عنه : « كان ينبغي للرجل لو خير بين أن يضرب عنقه وبين أن يتزوج امرأة في الفتنة لاختار ضرب العنق على تزويج امرأة في الفتنة » وإنما قال ذلك ؛ لما يؤول إليه أمر المتزوج من اكتساب الحرام » وارتكاب الآثام في زمن الفتنة » وضرب العنق أحسن حالا وأحمد عاقبة من التعررّض لارتكاب شيء من (1 ) الجلواز : الشرطي ( ج ) جلاوزة . (2 ) العزوبة : يقال : فلان عزبة : أي كان لا زوج له . (3 ) أخرجه ابن كثير في ( البداية النهاية 7 / 285 ) . ( 4 ) أخرجه الحاكم في ( المستدرك 2 / 160 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 3 / ٠117/8٠ 311/5138 - 131- 2‏ 552/9 ) » والقاضي عياض في ( الشفا 1 / 4 - 277 ) وابن حجر في ( تلخيص الجير 3 / 116 ) » والمتقى الهندي في ( كنز العمال 3 )»ء والكمال في ( الأحكام النبوية في الصناعة الطبية 2 / 16 - 18 » والذهبي في ( الطب النبوي 20 » 67 ) » والسيوطي في الدر المنثور 2 / 10 ) وابن حجر في ( الكاف الشاف في تخرج أحاديث الكشاف 5 / 456 ) » والقرطبي في ( التفسير 2 / 14 » 10 / 56 ) ؛ والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 2 / 3 - 358 » 3 / 214 4٠‏ / 289 ) » والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 405 ) » وعلي القاري في ( الأسرار المرفوعة 176 ) » 13 144 » 106 « معاصي الله عر وجل » فإن قارف شيئا من ذلك المريد فهو داء عضال في حقّه فقد قالوا : « زلّة بعد الإرادة أقبح من سبعين زلّة قبل الإرادة » وفي المثل « من عرف بالخيانة لا يعتمد عليه فى الأمانة » . وقال بعض الأنبياء في مناجاته لرّبه « لو عفوت عن فلان ذنوبه بعد عظيم نعمتك » فأوحى الله إليه : ليس الذنب في القرب كالذنب في البعد » . وسئل بعضهم : « هل يجد العاصي حلاوة الطاعة ؟ فقال : لا » ولا من همّ بالمعصية » . ومن عظيم سوء أدب المريد أن يميل إلى أهل الدنيا » وأن يتقرّب منهم » أو أن يصاحبهم . وقال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « ومن شأن المريد التباعد عن أبناء الدنيا » فإنَ صحبتهم سم مجرّب ٠‏ لأنهم ينتفعون به » وهو ينتقص بهم » قال الله تعالى :ولا تُطِعْ مَنْ أَغْقَلّنا قَلَبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ َواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطأَ[ الكهف : 28 ] . وقد تقدّم من كلام المؤلف » رحمه الله ( لا تصحب من لا ينهضك حاله ) » ومن ذلك أيضا معاشرته للأحداث والشبان » وقبول إرفاق النسوان » فإن تعرّض لاستجلاب ذلك منهن » فهو أشدّ » قال يوسف بن الحسين الرازي رضي الله تعالى عنه : « رأيت آفات الصوفية في صحبة الأحداث ومعاشرة الأضداد » ورفق النسوان » . ْ قال الإمام أبو القاسم القشيري : « ومن أصعب الآفات في هذه الطريق : صحبة الأحداث » ومن ابتلاه الله بشيء من ذلك فبإجماع من الشيوخ أن ذلك عبد أهانه الله عرّ وجل » وخذله » بل عن نفسه شغله » ولو بألف ألف كرامة أله » . . . ثم قال بعد كلام كثير : « فليحذر المريد من مجالسة الأحداث ومخالطتهم » فإن اليسير منه فتح باب الخذلان وبدء حال الهجران » ونعوذ بالله من قضاء السوء » . وآداب المريد كثيرة » وإنما نبهنا هاهنا على بعض ما يعظم فيه الخطر والضرر مما حذّر منه أئمتنا » رضي الله عنهم » وبالغوا ة في التوصية به والنهي عنه » وجميع ذلك محتمل لأن يكون مراد المؤلف » رحمه الله تعالى في قوله : « من جهل المريد أن يسئ الأدب » فرأينا أن لا يخلو هذا الموضع من هذا التنبيه » لأن ذلك يقع للمريدين كثيرا » والله وليّ التوفيق . 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إذا رأيت عبدا أقامه الله تعالى بوجود الأوراد وأدامه عليها مع طول الإمداد فلا تستحقرن ما منحه مولاه لأنك لم تر عليه سيما العارفين فين » ولا بهجة المحبين » ؛ فلو لا وارد ما كان ورد ). 145 » 107 « عباد اللّه المخصوصون ينقسمون إلى قسمين : مقربين » وأبرار . فالمقرّبون : هم الذين أخذوا عن حظوظهم وإرادتهم واستعملوا في القيام بحقوق ربّهم عبودية له وطلبا لمرضاته » وهؤلاء هم العارفون والمحبّون . . ٠‏ والأبرار : هم الذين يقوا مع حظوظيو وإر اداتهم ,7117733 قي رفيع الدرجات في الجنات وهؤلاء هم الزاهدون والعابدون . وكل واحد منهم ممدود في مقامه الذي هو فيه بمدد إلهي اقتضى منهم القيام بحقوق مقاماتهم على اختلافها » فإذا رأيت عبدا لله أقامه الله تعالى فى أعمال البر الظاهرة ومواصلة الأوراذ المتواترة ؛ وأمدّه في ذلك بالمعونة والتيسير فذلك من اختيار الله تعالى له » فلا تحتقرن ذلك لأجل أنك لم تر عليه سيماء العارفين من ترك الاختيار والبراءة من الحظوظ والإرادات بين يدي المريد المختار » ولا بهجة المحبين من الشغف بمرضاة محبوبهم » والانبساط والإذلال بين يدي حبيبهم » فلو لا الوراد الإلهي الذي أورده الله تعالى عليه ما استقام على عمله وورده » فهو لم يخرج عن دائرة عنايته وحفظه ورعايته » فلا تستحقر خطير ما منحه » وتستقل كثير ما ربحه » إلا من وجود جهلك ونقصان عقلك . وسيأتي من كلام المؤلف رحمه اللَّه تعالى : « لا يستحقرن الوارد إلا جهول » . 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( قوم أقامهم الحق لخدمته » وقوم اختصهم بمحبته » كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك . وما كان عطاء ربك محظورا). الحق - تعالى - له الاختيار التام والمشيئة النافذة لا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ[َ الأنبياء : 23 ] ا ا ا 00 وطائفة اختصّهم بمحبته حتى صلحوا لقربه والدخول إلى حضرته » وهم العارفون والعلماء . قال يحيى بن معاذ » رضي الله تعالى عنه : « الزاهد صيد الحق من الدنيا » والعارف صيد الحق من الجنة » : فد بد ال وسلم الأمر لمن بيده التدبير والاختيار . قال أبو يزيد » رضي الله تعالى عنه : « اطّلع الله تعالى على قلوب أوليائه » فمنهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا فشغلهم بالعبادة » . وذكر الحافظ أبو نعيم في كتابه « حلية الأولياء » « 1 » عن سهل بن عبد الله رضي الله تعالى عنه » أنه قال : « إن الله تعالى يطلع 146 147 » 108 « على أهل قرية أو بلدة فيريد أن يقسم لهم من نفسه قسما فلا يجد في قلوب العباد » ولا في قلوب الزهاد موضعا لتلك القسمة من نفسه » فيمنّ عليهم أن يشغلهم بالتعبّد عن نفسه » . وقال أبو العباس الدينوري » رضي الله عنه : « إن لله عبادا لم يستصلحهم لمعرفته » فشغلهم بخدمته » وله عباد لم يستصلحهم لخدمته ٠‏ فأقلهم لمعرفته » والإشارة بالآية الكريمة التي ذكرها 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه ( قلما تكون الواردات الإلهية إلا بغتة » لئلا يدعيها العباد بوجود الاستعداد ) . الواردات الإلهية هدايا من الله تعالى » وتحف » وكرامات يكرم الله بها عباده » فلا تكون في الغالب إِلّا بغتة » أي : فجأة ؛ لثلا يدّعوها » ويروا أنفسهم أهلا لها بوجود استعدادهم وتهيئهم . ا ا 1 ل ل ا 2 و وهداب عن ان بأمر » ومنزهة عن أن تقابل بأعمال بر بل هي محض كرم وفضل من الكريم المتفضّل . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من رأيته مجيبا عن كل ما سئل » ومعبرا عن كل ما علم » فاستدل بذلك على وجود جهله). الإجابة عن كلّ سؤال » والتعبير بكل مشهود , والذكر لكل معلوم أمارات على وجود جهل من اتصف بها » كما قال ؛ أما الإجابة عن كل سؤل فلاقتضائها منه الإحاطة بجميع المعلومات , وذلك محال في حقّه » قال الله تعالى :وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْم إلا فيلا[ الإسراء : 855 ] فكيف يتصوّر منه - مع هذا - الإجابة عن كل سؤال لولا وجود جهله » وأيضا فإنه يجب عليه أن يراعي حال السائل من وجود الأهلية فيه لما سأل عنه » فيمتنع عن إجابة من لا أهلية فيه لذلك : ويفعل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه مع السائل الذي جاء يسأله أن يعلّمه من غرائب العلم فإنه استفصله . وقال له : « ما فعلت في رأس العلم » وفي كذا » وفي كذا . . . ؟ فأجابه السائل » فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : « اذهب » فأحكم ما هنالك ثم تعال حتى أعلمك من غرائب العلم » « 1 » . - وكلامهم وصدر ذكر الخلفاء إلى تمام العشرة في الترتيب ثم جعل من سواهم إرسالا لثلا يستفاد منه تقديم فرد على فرد لكنه أطال فيه بالأسانيد وتكرير كثير من الحكايات وأمور أخرى منافية لموضوعه . ( كشف الظنون 2 / 689 ) . (1 ) أخرجه أبو نعيم في ( حلية الأولياء 1 / 24 ) ٠‏ وابن عراق في ( تنزيه الشريعة 1 / 77 . 148 149 « 109 » وكما أخذ الله تعالى على العلماء أن لا يكتموا العلم عن أهله » كذلك أخذ عليهم أن يصونوه عن غير أغله . فمن لا يسلك هذا المسلك فهو حاهل . وقد قالوا : « في قلوب الأحرار قبور الأسرار » والسر أمانة الله تعالى عند العبد ؛ فإفشاؤه بالتعبير عنه خيانة » والله تعالى لا يحب الخائنين » وأيضا » فإن الأمور المشهودة لا يستعمل فيها الإشارة والإيماء « 1 » » واستعمال العبارات فيها إفصاح بها وإشهار لها » وفي ذلك ابتذالها وإذاعتها » ثم إن العبارة عنها لا تزيدها إِلّا غموضا وانغلاقا » لأن الأمور الذوقيّة يستحيل إدراك حقائقها بالعبارات النطقية » فيؤدي ذلك إلى الإنكار والقدح في علوم السادة الأخيار » قال أبو علي الروذباري « 2 » » رضي الله تعالى عنه » « علمنا هذا إشارة فإذا صار عبارة خفي » وأما الذكر لكل معلوم فلعدم تفريقه بين المعلومات » وقد يكون له علم يختص به » فإذا ذكره لغيره استغربه وإن كان ينتفع به هو ؛ فعدم تفريقه بين المعلومات في ذكرها من وجود جهله . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إنما جعل الدار الآخرة محلا لجزاء عباده المؤمنين لأن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيهم . ولأنه أجل أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها) . إنما جعل ثواب المؤمنين في الدار الآخرة فيما ظهر لنا لوجهين : أحدهما : أن الدنيا لا تسع ما يريد أن يعطيهم من أنواع النعيم 71132077 5311 الدنيا متدانية المسافات » ضيّقة الأقطار » ويعطي الله تعالى لآحاد المؤمنين في الدار الآخرة في ملك واحد منهم - كم ورد في الخبر - مسيرة خمسمائة عام » فما ظنْك بخواصهم » فتضيق لا محالة مسافة الدنيا عن كلية جزائهم » وأما المعنى » فلأن الدنيا موسومة بالدناءة والنقص , والخساسة والحقارة والأشياء التي يتنعّم بها أهل الجنة أمور شريفة رفيعة ‏ كما جاء في الأخبار : إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها » وإن نور سوار حوراء يطمس نور الشمس . وما أشبه هذا » ويكفي في ذلك قوله عز من قائل :فلا تَعْلَمْ نَفنٌ ما أَخْفِيّ لَهُمْ مِنْ قُرّةٍ أغْيْنِ [ السجدة : 17 ] وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عزّ وجل : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » « 3 » . (1 )الإيماء : الإشارة . (2 ) هو أبو علي أحمد بن محمد الروذباري ( توفي 322 ٠ه‏ / 934 م ) بغدادي أقام بمصر ومات فيها . صحب الجنيد والنوري وابن الجلاء والطبقة » وكان أعلم المشايخ في الطريقة . ( الرسالة القشيرية ص 416 ) . 100 21 « 110 » والثاني : أن اللّه تعالى أجل أقدار عباده المؤمنين » فلم يجعل لهم الجزاء على طاعتهم في دار فانية » نقضية » منصرمة » لأن كل ما يفنى وإن طالت مدته كلا شيء » بل أعطاهم الخلود في النعيم » والبقاء الدائم في الملك المقيم » وناهيك به شرفا بتسميته إياهم بإسمه الكريم وهو « الحي الذي لا يموت » » جاء في تفسير قوله تعالى :وَمَلكا كبيرا [ الإنسان : 20 ] أنه يرسل الله تعالى الملك إلى وليّه » ويقول له : استأذن على عبدي » فإن أذن لك فادخل , وإلا فارجع فيستأذن عليه من سبعين حجابا » ثم يدخل عليه ومعه كتاب من الله عرّ وجل عنوانه : « من الحي الذي لا يموت إلى الحي الذي لا يموت » فإذا فتح الكتاب وجد مكتوبا فيه : عبدي ٠‏ اشتقت إليك فزرني » فيقول : هل جئت بالبراق « 1 » ؟ فيقول : نعم » فيركب البراق ٠‏ فيغلب الشوق على قلبه » فيحمله شوقه » ويبقى البراق إلى أن صل إلى بسباط اللقاء . 7 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من وجد ثمرة عمله عاجلا ؛ فهو دليل على وجود القبول آجلا ) . ثمرة العمل : وجدان الحلاوة فيه والنعيم به » ويتصور ذلك في أكثر الأعمال بالمواظبة عليه على حال تكرّه واستثقال له » هذا هو غالب الأمر ء قال بعض العارفين : « ليس شيء من البر إلا ودونه عقبة يحتاج إلى الصبر فيها » فمن صبر على شدتها أفضى إلى الراحة والسهولة » وإنما هي مجاهدة النفس » ثم مخالفة الهوى » ثم مكابدة في ترك الدنيا » ثم اللذة والتنعم » . وقال عتبة الغلام » رضي الله تعالى عنه : « كابدت الليل عشرين سنة ثم تنعمت به عشرين سنة »4 . وقال ثابت البثاني « 2 » » رضي الله تعالى عنه : « كابدت القرآن عشرين سنة » وتنعمت به عشرين سنة » . 282033 القند ”رو كفك اق القرزات فلك جد نه حذكوة حت تلرقة 1 ال ل لش صلى الله عليه وسلم يتلوه على أصحابه رضي اله تعالى عنهم » ثم رفعت إلى مقام فوقه وكنت أتلوه كأني أسمعه من جبريل عليه السلام يلقيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم » ثم تصدق الله تعالى بمنزلة أخرى فأنا الآن كأني أسمعه من المتكلم به » فعندها وجدت له لذة ونعيما لا أصبر عنه » . - الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 131 ) » والحميدي في ( المسند 1133 ) » والسيطوي في ( الدر المنثور 5 / 176 ) » والبيهقي في ( الأسماء والصفات 208 ) . (1 ) البراق : ( في حديث المعراج ) دابة ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء . (2 ) انظر ترجمته في تهذيب الكمال 3 / 223 . 1052 » 111 « وما ذكرناه » من : الحلاوة » والنعيم » إنما هو ثمرة الأعمال الصحيحة المستقيمة السالمة من الرياء والدعوى . قال أبو تراب » رضي الله عنه : « إذا صدق العبد في العمل وجد حلاوته قبل أن يعمله » وإذا ا شاك اللَّه تعالى . ورد في الخبر : ( لا يقبل الله من مستمع ولا مراء ) دليل خطابه أن العمل السالم من الرياء والسمعة مقبول من قوله عزّ من قائل :إنّما يَتَقبّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَقِينَ[ المائدة : 27 ] قوق انه تان نسل انعد ماه به دورمن وليه المفكل ؟ كنا يقول المؤلق يكذ اهذا > « وذلك علامة على وجود الجزاء عليه في الدار الآخرة حسبما يأتي في قوله : ( وجدان ثمرات الطاعات عاجلا بشائر العاملين بوجود الجزاء عليها آجلا ) » . وقال أبو سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه : « كل عمل ليس له ثواب في الدنيا ليس له جزاء فى الآخرة » فحصل من هذا أن وجدان الحلاوة علامة على وجود القبول المقتضى لوجود الرها و لكراءة ولذلك قال الحدن 227 انه تال 5032 رز تفقا رن ةزاف تلكك نك اكذتمر كا فأبشررا وامضوا لقصدكم » وإن لم تجدوها فاعلموا أن الباب مغلق : عند تلاوة القرآن » وعند الذكر وعند السجود » وزاد غيره ( وعند الصدقة » وبالأسحار ) . وقيل في قوله تعالى :ِوَلِمَنْ خاف مَقامَ رَبِّهِ جَنتان [ الرحمن : 46 ] ذال : حنة منكلة . وى حلار: الطاعة ولذاة المناجاة و لاسا 1005237 مؤجّلة » هي فنون المثوبات » وعلوٌ الدرجات . فقلت : وهذه الحلاوة المذكورة لا تكون إِلّا في مقام المعرفة الخاصة » وهي التي تنافيها المعصية قيل لبعضهم : هل تعرف الله ؟ فغضب على السائل » وقال : أتراني أعبد من لا أعرفه ؟ ! فقال له : أو تعصى من تعرفه ! ! وقيل لبعضهم : بم تعرف أنك عرفته ؟ فقال : لم أقصد مخالفته إلا ورد على قلبي استحياء منه . وقال إسماعيل بن نجيد » رضي الله تعالى عنه : التهاون بالأمر من قلة المعرفة بالآمر ء فإنَ العصيان في حال العرفان بعيد » فإن وقعت منه زلّة أو هفوة بحكم - وكان 103 » 112 « أمر الله قدرا مقدورا - وجد » لا محالة » لذلك مرارة وألما في قلبه . فوجدان هذه المرارة » والألم في المعصية علامة على صحة ما وجد من الحلاوة والنعيم في الطاعة » فهذه هي الحلاوة التي هي الميزان للأعمال المقبولة وغير المقبولة كما ذكرناه . وأما الحلاوة التي يجدها من دون أهل هذه المقام في بعض العبادات فمدخولة معلولة إِلّا ما فيها من تنشيط العباد للمواظبة على العبادة . والحلاوة على الإطلاق إذا وجدها المعامل في العمل لا ينبغي له أن يقف معها ولا يفرح بها ولا يسكن إليها » وكذلك أيضا لا ينبغي له أن يقصد بعمله إلى نيلها لما له فيها من اللذة والحظ » فإن ذلك مما يقدح في إخلاص عبادته وصدق إرادته » وليكن اعتناؤه بحصولها لتكون ميزانا لأعماله » ومحكا لأحواله فقط . قال الواسطي » رضي الله تعالى عنه : « استحلاء الطاعات سموم قاتلة » . قال في « لطائف المنن » : وصدق الواسطي ؛ فأقل ما في ذلك أنك إذا فتح لك باب حلاوة الطاعة تصير قائما فيها متطلبا لحلاوتها فيفوتك صدق الإخلاص في نهوضك لها » وتحبٌ دوامها » لا قياما بالوفاء بها ولكن لما وجدت من الحلاوة والمتعة » فتكون في الظاهر قائما لَه » وفي الباطن إنما قمت لحظ نفسك » ويخشى عليك أن تكون حلاوة الطاعة جزاء تعجلته في الدنيا فتأتي يوم القيامة ولا جزاء لك » 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إذا أرادت أن تعرف قدرك عنده فانظر في ماذا يقيمك ) . هذا ميزان صحيح » وقد روي عن رسول اله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من أراد أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله تعالى من قلبه فإن الله عز وجل ينزل العبد عنده حيث أنزله العبد من نفسه » . هذا لزان التتكرر لسري إلى انع كو ل الكقانة اللتكر 5 :820137 ففل له على قال الفضيل بن عياض » رضي الله تعالى عنه : « إنما يطيع العبد ربّه على قدر منزلته منه » . قال الشيخ أبو طالب المكي » رضي الله تعالى عنه : « فإذا كان العبد لنظر مولاه مكرما : لخر مانه معظما ؛ و إلى محبورية ومرضاته مسارها كان الدع رجن له في الآخر: ١‏ لوج مكرها ١‏ و شاه متنا : و إلى رده تن التعيد اليم مار غ1 و إذا كان اليد تحن بولا 104 1055 » 113 « وقال وهب بن منبّه » رضي الله تعالى عنه : « قرأت في د بعض الكتب : يا ابن آدم أطعني فيما أمرتك » ولا تعلمني بما يصلحك إِنّي عالم بخلقي إنما أكرم من أكرمني وأهن من هان عليه أمري » لست بناظر في حق عبدي حتى ينظر عبدي في حقي » . 9 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي اله عنه : ( متى رزقك الطاعة والغنى به عنها فاعلم أنه قد أسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة ). المطلوب من العبد شيئان : إقامة الأمر في الظاهر ٠‏ والتعلّق باللّه في الباطن وهو الاستغناء به عن غيره ؛ فإذا رزق الله تعالى العبد هذين الأمرين فقد أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة » وأوصله إلى غاية الأمل فى الدنيا والآخرة » سبحانه جل وعلا » وقال رضي الله تعالى عنه :خير ما تطلبه ننام طلدمنك. ْ إن كان لا بدّ من الطلب منه فاطلب ما هو طالبه منك » من الاستقامة على سبيل العبودية له فذلك خير لك من طلبك لحظوظك ومراداتك ؛ لأنك حينئذ تكون به وله » ويسعفك بمطلوبك عاجلا من وأمّا إن طلبت منه حظّ نفسك ونيل مرادك فقد يحصل في ذلك تأخير ومنع » مع ما يفوتك حينئذ من حسن الأدب في الطلب » يحكى عن أبي الحسين الديلمي « 1 » » رضي الله تعالى عنه » أنه قال : « وصف لي ب « أنطاكية » « 2 » إنسان أسود يتكلم على القلوب » وقلت له : بكم تبيع هذا ؟ فنظر إليّ ثم قال : اقعد » فإنك جائع منذ يومين حتى إذا بعنا هذا نعطيك قال : فمضيت إلى غيره » وتغافلت كأني لم أسمع ما قال » وساومت غيره ما كان بين يديه » ثم رجعت إليه وقلت له : بكم تبيع هذا ؟ فنظر إلىّ وقال : اقعد » فإنك جائع منذ يومين حتى إذا بعنا هذا نعطيك من ثمنه شيئا . قال : فوقع في قلبي منه هيبة » فلما باع ذلك أعطاني شيئا ومضى » قال : فمضيت خلفه لعلي أستفيد منه شيئا . (1 ) ربما يكون مهيار بن مرزويه الديلمي ( انظر الأعلام 7 / 317 ) . ( 2 ) أنطاكيا : مدينة في تركيا بناها سلوقوس ( 300 ق . م ) ثم أصبحت ثالثة مدن الإمبراطورية الرومانية بعد روما والإسكندرية » دمّرها الفرس 540 م » وأجهزت عليها الزلازل في القرن السادس الميلادي فتحها العرب المسلمون 638 م واستعمرها الصليبيون 8 ودخلها السلطان بيبرس 1268 م ثم الأتراك . 1056 157 » 114 « قال : فالتفت إليّ وقال : « إذا عرضت لك حاجة فأنزلها باللّه » إلّا أن يكون لك فيها حظ فتحجب بها عن الله تعالى » . ومن دعاء أبي القاسم الجنيد » رضي الله تعالى عنه : « اللهم وكلّ سؤال سألتك فعن أمرك لي بالسؤال » فاجعل سؤالي إليك سؤال محابّك » ولا تجعلني ممن يتعمّد بسؤاله مواضع الحظوظ . بل يسأل القيام بواجب حقّك » . ومن دعائه أيضا : « اللهم إني أسألك منك ما هو لك » وأستعيذك من كل أمر يسخطك » اللهمَّ ولا تشغلني بشغل من شغله عنك ما أراده منك » إِلّا أن يكون لك اللي معدي ممن رذكر لك ذكر هنا لا يريد بذكره منك إِلّا ما هو لك » اللهم اجعل غاية قصدي إليك ما هو لك » ولا تجعل قصدي إليك ما أطلبه منك » . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامات الاغترار ). هذا هو الحزن الكاذب . الذي يكون معه البكاء الكاذب ؛ كما قالوا : كم من عين جارية وقلب قاس وهو من مكر الله تعالى الخفىّ » حيث منعه ما ينفعه » وأعطاه ما يغترٌ به من الحزن والبكاء سمعت رابعة العدوية » رضي اله تعالى عنها » رجلا يقول : وا حزناه ! ! فقالت : « بل قل واقلّة حزناه » لو كنت محزونا لم يتهيأ لك أن تتنفس » . وأما الحزن الصادق فبخلاف هذا » وهو مقام من مقامات السالكين » وهو يبعث على الانكماش في الأعمال والنهوض إلى الطاعات على كل حال » كما قال الشيخ أبو علي الدقاق » رضي الله تعالى عنه : « صاحب الحزن يقطع من طريق الله عز وجل في شهر ما لا يقطعه من فقد حزنه في سنين » وفي الخبر : « إن الله يحب كل قلب حزين » « 1 » وفي التوراة : « إن الله إذا أحبّ عبدا نصب في قلبه نائحة » وإذا أبغض عبدا نصب في قلبه مزمارا » . وكان رسول الله صلَى الله عليه وسلم متواصل الأحزان » دائم الفكر » وقيل : « الحزن إذا فقد من القلب خرب » ومن لم يذق طعم الحزن لم يذق لذة العبادة » ؛ فإذن الحزن الذي يجده (1 ) أخرجه الحاكم في ( المستدرك 4 / 315 ) » والهيثمي في ( مجمع الزوائد 10 / 309 ) ؛ وابن حجر في ( المطالب العالية 3229 ) » والسيوطي في ( جمع الجوامع 5220 ) » والسيوطي في ( الدر المنثور 5 / 137 ) » وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 6 / 90 ) » والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 287 ) والسيوطي الحلبي في ( الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة » 5 ) » والألباني في ( السلسلة الضعيفة 483 ) » والشهاب في ( المسند » 1075 ) . 108 « 115 » العبد من نفسه إن لم يبعثه على النهوض والانكماش والاجتهاد فذلك من علامات الاغترار ؛ وليس بمقام السالكين الأبرار . 1 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته ٠‏ بل العارف من لا إشارة له » لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده ). الإشارة ألطف من العبارة » وهي كناية وتلويح » وإيماء لا تصريح » وهي التي يستعملها أهل هذه الطريقة فيما بينهم عند ذكرهم لأسرار التوحيد » كما تقدم عند قوله : ِ « من رأيته مجيبا عن كل ما سئل » ومعبرا عن كل ما شهد » فالمشير إلى الله تعالى الملاحظ لإشارته » وإن وجد الله تعالى أقرب إليه من إشارته غير عارف على التحقيق » لأنه بوصف التفرقة بشهوده للأغيار » بل العارف الفاني في وجوده » المنطوي في شهوده » الذي غاب عن الإشارة والمشير والمشار به 0 ْ سئل الشيخ أبو علي الدقاق » رضي الله تعالى عنه » عن المريد » فقال : « حقيقة المريد أن يشير إلى الله تعالى فيجد الله مع نفس الإشارة » قيل له : فالذي يستوعب حاله ؟ قال : هو الذي يجد اللَّه بإسقاط الإشارة » . وسئل أبو علي الرّوذباريٌ » رضي الله تعالى عنه » عن الإشارة ‏ فقال - << الإشارة : الإبانة عمًا يتضمنه الوجد من المشار إليه لا غير »77 وفي الحقيقة : إن الإشارة تصحبها العلل » والعلل بعيدة من عين الحقائق . وقال الشبلي « 1 » » رضي الله تعالى عنه : « وكل إشارة أشار بها الخلق إلى الحقّ فهي مردودة عليهم » حتى يشيروا إلى الحق بالحق وليس لهم إلى ذلك طريق » ٠‏ قال أبو يزيد البسطامي « 2 » رضي الله تعالى عنه : « أبعدهم من الله أكثرهم إشارة إليه » . (1 ) الشبلي ( 247 - 334 ه - 861 - 946 ) هو دلف بن جحدر الشبلي » ناسك كان في مبدأ أمره واليا على دنباوند » وولي الحجابة للموفق العباسي ٠‏ وكان أبوه حاجب الحجاب » ثم ترك الولاية وعكف على العبادة » فاشتهر بالصلاح » له شعر جيد سلك به مسلك المتصوفة » أصله من خراسان » ونسبته إلى قرية « شبلة » ومولده بسر من رأى » ووفاته ببغداد » اشتهر بكنيته » واختلف في اسمه ونسبه . ( الأعلام 2 / 341 » وحلية الأولياء 10 / 366 ٠»‏ ووفيات الأعيان 2 / 273 - 276 والرسالة القشيرية ص 419 . (2 ) أبو يزيد البسطامي ( 188 - 261 ه - 804 - 875 م ) طيفور بن عيسى البسطامي أبو يزيد » زاهد مشهور له أخبار كثيرة » نسبته إلى بسطام ووفاته فيها وفي المستشرقين من يرى أنه كان يقول بوحدة الوجود » وأنه ربما كان أول قائل بمذهب الفناء » ويعرف أتباعه 1589 160 « 133 » 2 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الرجاء « 1 » ما قارنه عمل » وإلا فهو أمنية ) . الرجاء مقام شريف من مقامات اليقين » وهو يبعث على الاجتهاد في الأعمال » كما ذكرناه في الحزن » لأن من رجا شيئا طلبه » ومن خاف من شيء هرب منه . وأما الرجاء الكاذب الذي يفتر صاحبه عن العمل ؛ ويجرّئه على المعاصي والذنوب » فليس هذا ررجاء عد العلماء ٠‏ , لكتدامية وا رار يانه فغالى . رق د الله قوها كدر | مدل ها راصضروا على حب الدنيا والرضا بها » وتمنوا المغفرة : على ذلك فسماهم « خلفا » والخلف : الرديء من الناس ؛ فقال عز من قائل 'فَخَلَف مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفَ وَرِنُوا الكتاب يَأَخُدُونَ عَرَضَ هذا الأذنى وَيَقُولُونَ سَيْعْفَرُ لنا [ الأعراف : 169 ] . قال معروف الكرخي رضي الله تعالى عنه : « طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب » وارتجاء الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور » وارتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق » . [ وقال معروف الكرخي ء أيضا : « رجاؤك الرحمة ممن لا تطيعه خذلان وحمق 2 واعلم أنه ليس في أفعال الحق سبحانه وتعالى ما يوجب أن يؤمن عقابه » إنما في أفعاله ما يمنع اليأس من رحمته : وكما لا يحسن أن لا يظهر من لطفه في خلقه لا يحسن الطمع في جانبه ويؤمن أخذه وانتقامه » فإن من قطع أشرف عضو بربع الدينار لا يؤمن أن يكون عذابه غدا هكذا 5 وقد قالوا : « من زعم أن الرجاء مع الإصرار صحيح فليزعم أن طلب الربح في الفقر وقدح الذار في البخر صصحيخ » . وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت » والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني » « 2». (1 ) الرجاء : الأمل ( نقيض اليأس ) . (2 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 4 / 24 ) » والبيهقي في ( السنن الكبرى 3 / 369 ) والحاكم في ( المستدرك » 1 / 57 » 4 / 251 ) » والطبراني في ( المعجم الكبير 7 / 338 - 1 ) ء والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 7 / 44 » 8 / 428 ٠‏ 441 » 9 / 18 » 39 » 6 :»؛ 10 / 221٠151٠93‏ ) » والبغوي في ( شرح السنة 14 / 308 - 309 ) ٠‏ والطبراني في ( المعجم الصغير 2 / 36 ) » و ( بغوي 2 / 305 ) » والقرطبي في ( التفسير ١ 144 / 1‏ 167/6 ) » والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 5289 ) » وابن حجر في ( فتح الباري 9 / 342 ) » والمنذري في ( الترغيب والترهيب 4 / 252 ) » وأبو نعيم في حلية الأولياء 1 / 267 » 8 / 174 ) » والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 12 / 50 ) » وابن المبارك في الزهد 56 ) » والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 2 / 326 ٠‏ 3 / 368 ) » والعجلوني في ( كشف الخفاء 2 / 196 ) » وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 2 / 472 ) » 1061 162 « 117» وقال الحسن « 1 » » رضي الله تعالى عنه : « إن قوما ألهتهم أمانيّ المغفرة حتى خرجوا من الدنيا وليس لهم حسنة » يقول أحدهم ب م ا لأحسن العمل » وتلا قوله عز وجل : وَدَلِكُمْ ظنْكُمْ الَذِي طَنَدتُمْ بِرَيِكُمْ أزداكُم فَأَصْبَحْتمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ فصلت ]| وكان يقول » رضي الله عنه : عباد الله اتقوا هذه الأماني » فإنها أودية الهلكة يحلون فيها » والله ما آتى الله عبدا بأمانيه خيرا في الدنيا ولا في الآخرة » . وكتب أبو عمير المنصوري إلى بعض إخوانه : « أما بعد ء فإنك قد أصبحت تؤمل بطول عمرك » وتتمنى على الله الأماني بسوء فعلك » وإنما تضرب حديدا باردا » . 3 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( مطلب العارفين من الله تعالى الصدق في العبودية ٠‏ والقيام بحقوق الربوبية ) . مطلب العارفين من ربهم أعلى من مطالب غيرهم » سواء كانوا عبّادا » أو زهادا » أو علماء » لأن مطلب العارفين من ربهم إنما هو الصدق في العبودية والقيام بحقوق الربوبية فقط » من غير مراعاة حظ ء ولا بقاء مع نفس » وكل من عداهم لم يفارقوا الحظوظ والأغراض في مطالبهم , وقد تقدم من كلام المؤلف رحمه الله تعالى « خير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك » . قال سيدي أبو مدين « 2 » » رضي الله تعالى عنه : « شتان بين من همّته الحور والقصور ء وبين من همته رفع الستور ودوام الحضور » : 4 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( بسطك ؛ كي لا يبقيك مع القبض . وقبضك ؛ كي لا يتركك مع البسط . وأخرجك عنهما » كي لا تكون لشيء دونه ) . القبض والبسط من الحالات التي يتلؤن بها العارفون » وهما بمنزلة الخوف والرجاء للمريدين المبتدئين » وسببهما الواردات التي ترد على باطن العبد وقوتهما وضعفهما بحسب قوة الواردات وضعفها . ش والمقصود هاهنا » أنهما وصفان ناقصان بالنسبة إلى ما فوقهما » فإنهما يقتضيان - ( الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة » 127 ) . (1 ) الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي ( 3 - 50 ه / 624 - 670 م ) سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وله بالمدينة المنورة » وأمه فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم » وكان فصيحا » أثر حقن الدماء يوم المحنة والفتنة . ( الأعلام 2 / 199 » والرسالة القشيرية ص 304 ) . 163 1604 5 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي اله عنه : (العارفون إذا بسطوا أخوف منهم إذا قبضوا . ولا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل) . إنما اشتد خوف العارفين في البسط ما لا يشتد في القبض من قبل ملاءمته لهوى أنفسهم بخلاف القبض ؛ كما سيقوله المؤلف » فيخافون حينئذ من رجوعهم إليه » وذوقهم لطعم نفوسهم » وفي ذلك الطرد والبعد » وقد كتب يوسف بن الحسين الرازي » إلى الجنيد » رضي الله تعالى عنهما ' « لا أذاقك الله طعم نفسك » فإنك إن ذقتها لا تذوق بعدها خيرا أبدا » ومن ثم يتأكد عليهم في ذلك ملازمة الأدب ودوام الانقباض والانكسار » وذلك أمر عسير في هذا الحال » ولذلك لا يقف على حدود الأدب فى البسط إلا قليل » كما قال المؤلف » رحمه الله تعالى » وقد قيل : « قف على البساط وإياك والانبساط » . وقال رجل لأبي محمد الجريري « 2 » » رضي الله عنه : « كنت على بساط الأنس » وفتح علي طريق البسط . فزللت زلّة فحجبت عن مقامي فكيف السبيل إليه ؟ دلّني على الوصول إلى ماكنت عليه ! ! » . فبكى أبو محمد وقال : يا أخي » الكل في قهر هذه الخطيئة » لكني أنشدك أبياتا (1 )انظر ( كشف الظنون 1177/2 ). (2 ) هو أبو محمد أحمد بن محمد بن الحسين الجريري من كبار أصحاب الجنيد » وقد صحب سهل بن عبد الله وكان عالما بعلوم هذه الطائفة ( الرسالة القشيرية ص 402 ) . 165 « 119 » لبعضهم » وأنشأ يقول : قف بالديار » فهذه آثارهم *** تبكي الأحبّة حسرة وتشوّقا كم قد وقفت بربعها مستخبرا *** عن أهلها » أو سائلا أو مشفقا « 1« فأجابني داعي الهوى في رسمها *** فارقت من تهوى فعز الملتقى « 2 » وسئل بعض المشايخ عن هذه الزلّة » فقال : « انبساط مع الحق بغير أدب » . قال الأستاذ أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « ومن هذا خشي الأكابر والسادة » . قال في « لطائف المنن » : « البسط مزلّة أقدام الرجال » فهو موجب لمزيد حذرهم » وكثرة لجئهم » والقبض أقرب إلى وجود السلامة ؛ لأنه وطن العبد » إذ هو في أسر قبضة الله وإحاطة الحق محيطة به » ومن أين يكون للعبد البسط وهذا شأنه » والبسط حروج عن حكم وقته ‏ والقبض هو اللائق بهذه الدار » إذ هي وطن التكليف وإبهام الخاتمة وعدم العلم بالسابقة والمطالبة بحقوق الله تعالى » . قال : وأخبرني بعض الصوفية قال : « رأى شيخنا شيخه في المنام بعد موته مقبوضا ؟! فقال له : يا بني » القبض والبسط مقامان من لم يوفهما في الدنيا وفاهما في الآخرة » قال وكان هذا الشيخ الغالب عليه في حياته البسط » انتهى . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( البسط تأخذ النفس منه حظها بوجود الفرح ١‏ والقبض لاحظ للنفس فيه ) . في هذا إشارة إلى ما تقدّم » من : أن مراعاة الأدب في البسط أمر عسير » وذلك أنّ في البسط وجود حظ النفس , يي ل وكان الأستاذ أبو علي الدّقاق » رضي الله تعالى عنه يقول : « القبض حقّ الحق منك » والبسط حقّ العبد منه » ولأن تكون بحقّه منك أتمّ سآن كر بحطك ينهي وأما آداب القبض والبسط فلا أعلم الآن من استوفى الكلام فيهما من علماء الصوفية ومصتفيهم » وإنما وجدنا لهم من ذلك إشارات إلى أمور جملية ؛ كقول الإمام أبي القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه » بعد أن تكلم على لفظتي : « القبض » والبسط » وتبيين معانيهما » إلى أن قال : « وقد يكون قبض يشكل على صاحبه سببه : يجد في قلبه قبضا لا يدري ما موجبه ولا سببه » فسبيل صاحب هذا القبض التسليم حتى (1 )الرّبع : الدار . (2 ) الرّسم : رسم الدار : ما كان من آثارها لاصقا بالأرض . 166 167 » 120 « يمضي ذلك الوقت ؛ لأنه لو تكلّف نفيه » أو استقبل الوقت قبل هجومه عليه باختياره زاد في قبضه » ولعله يعد ذلك منه سوء أدب » وإذا استسلم لحكم الوقت فعن قريب يزول القبض ؛ فإن اله محادقالن : وَاللَّهُ يَفِبِضُ وَيَبْسُطْ وَإِلَنْهِ تُرْجَعُونَ [ البقرة : 245 ]. وقد يكون بسط يرد بغتة » ويصادف صاحبه فلتة لا يعرف له سببا يهز صاحبه ويستفزه » فسبيل صاحبه : السكون ومراعاة الأدب ؛ فإن في هذا الوقت له خطر عظيم فليحذر صاحبه مكرا خفيا » كما قال بعضهم : « فتح عليّ باب من البسط فزللت زلة فحجبت عن مقامي » . انتهى كلام وقد رأيت كلاما مبسوطا مستوفى في آداب القبض والبسط لسيدي أبي الحسن الشاذلي » رضي اللَّه تعالى عنه » فأحببت أن أذكره هاهنا ؛ لتتم به الفائدة التي تعرّض لها المؤلف » رحمه الله . تعالى » وإن كان كلام الشيخ أبي الحسن في ذلك أعم مما هو عند غيره من أئمة الصوفية » قال رضي اله عنه : « القبض والبسط قلّما يخلو العبد منهما » وهما يتعاقبان كتعاقب الليل والنهار . والحق سبحانه وتعالى يرتضي منك العبودية فيهما ؛ فمن كان وقته القبض فلا يخلو من أن يعلم سببه » أو لا يعلم . وأسباب القبض ثلاث : أو ظالم يؤذيك في نفسك أو في عرضك » أو ينسبك لغير دين أو غير ذلك . فإذا ورد عليك القبض من أحد هذه الأسباب » فالعبودية تقتضي أن ترجع إلى العلم مستعملا له كما أمرك الله تعالى » أما فى الذنب فبالتوبة والإنابة وطلب الإقالة . وأما فيما ذهب عنك من الدنيا أو نقص فبالتسليم والرضبا والاجتسابا وأما فيما يؤذيك به ظالم فبالصبر والاحتمال . واحذر أن تظلم نفسك فيجتمع عليك ظلمان : ظلم غيرك لك » وظلمك لنفسك . فإن فعلت ما التزمت به من الصبر والاحتمال أثابك سعة الصدر حتى تعفو وتصفح » وربما أثابك من نور الرضا ما ترحم به من ظلمك فتدعو له فتجاب فيه دعوتك » وما أحسن ذلك إذا رحم الله بك من ظلمك ؛ فتلك درجات الصذيقين الرحماء ٠‏ وتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين . وأمّا إذا ورد عليك القبض ولم تعلم له سببا فالوقت وقتان : ليل ونهار » فالقبض أشبه شيء بالليل » والبسط أشبه بالنهار ٠‏ فإذا ورد عليك القبض بغير سبب تعلمه » فالواجب عليك السكون » والسكون عن ثلاثة أشياء : عن الأقوال » والحركات »؛ والإرادات ؛ فإن فعلت ذلك فعن قريب يذهب عنك الليل بطلوع شمس نهارك أو ببدوؤ 168 » 120 « نجم تهتدي به » أو قمر تستضيء به » أو شمس تتبصر بها » والنجوم نجوم العلم » والقمر قمر التوحيد والشمس شمس المعرفة . وإن تحركت في ظلمة ليلك فقلما تسلم من الهلاك ٠‏ واعتبر بقوله تعالى :وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَيْلَ وَالنَهارَ لِتَسْكُنُوا فيه وَلِتَبْتَعْوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَكُمْ تشكُرُونَ[ القصص : 73 ] . فهذا حكم العبودية في القبضين جميعا . وأما من كان وقته البسط فلا يخلو من أن يعلم له سببا أو لا » والأسباب ثلاثة : الأول : زيادة في الطاعة » أو نوال من المطاع كالعلم والمعرفة . الثاني : زيادة من دنيا بكسب , أو كرامة » أو هبة » أو صلة . الثالث : بالمدح والثناء من الناس وإقبالهم عليك بطلب الدعاء منك وتقبيل يديك . فإذا ورد عليك البسط من أحد هذه الأسباب فالعبودية تقتضي أن ترى النعمة والمنّة من الله تعالى عليك ؛ واحذر أن ترى شيئا من ذلك لنفسك وحصْنها أن لا يلازمها خوف السلب مما به أنعم عليك فتكون ممقوتا . هذا في جانب الطاعة والنوال من الله تعالى . وأما الزيادة من الدنيا » فهي نعمة أيضا كالأولى » وخف مما بطن من آفاتها ! ! وأما مدح الناس لك وثناؤهم عليك فالعبودية تقتضي شكر النعمة بما ستره عليك » وخف من الله تعالى أن يظهر ذرّة مما بطن منك ؛ فيمقتك أقرب الناس إليك . فهذه آداب القبض والبسط في العبودية . وأما البسط الذي لا تعلم له سببا فحقّ العبودية فيه ترك السؤال والإدلال » والصولة على النساء والرجال » اللهم إِلَا أن تقول : سلّم . . سلم . . إلى الممات . فهذه آداب القبض والبسط جميعا إن عقلت . والسلام "نت انتهى ما ذكره الشيخ أبو الحسن . وكلامه في ذلك حسن » والحمد للَّه الذي بيده سوابغ المنن . 169 » 122 « منعه » فاختر الترك على الأخذ » . فالواجب على العبد أن يترك التدبير والاختيار لمن بيده ذلك فلن يعدم منه خيرا .متى فتح لك باب الفهم في المنع » عاد المنع عين العطاء . سيأتي بيان هذا من كلام المؤلف رحمه الله في قوله : [ متى أعطاك أشهدك بره ومتى منعك أشهدك قهره ] إلى آخره . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الأكوان ظاهرها غرّة ٠‏ وباطنها عبرة ٠‏ فالنفس تنظر إلى ظاهر غرتها ء والقلب ينظر إلى باطن عبرتها ) . الأكوان - هاهنا - : كلّ ما يمكن أن يكون للنفس فيه حظ من متاع الدنيا وزهرتها » وهي رائقة الظاهر قبيحة الباطن » كما قيل : على وجه مي مسحة من ملاحة * وتحت الثياب العار لو كان باديا فهي من حيث ظاهرها محبوبة حلوة خضرة » وبالنظر إلى باطنها جيفة « 1 » قذرة » فالنفس تنظر إلى زينتها الظاهرة فتغترٌ بها » فتهلك صاحبها » والقلب ينظر إلى قبائحها الباطنية » فيعتبر بهاء فيسلم من شرها. ‏ , : وقد روى في الكتب السالفة أن الحواريين « 2 » قالوا لعيسى عليه السلام : يا روح الله صف لنا أولياء الله تعالى الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون » فقال عليه السلام : هم الذين بهم نطق الكتاب » وبه نطقوا » وبهم علم الكتاب » وبه علموا » وبهم قام الكتاب » وبه قاموا » نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها » وعاينوا آجل الدنيا حين عاين الناس عاجلها فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم » وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم » فصار ذكرهم فيها قوتا » وفرحهم فيها حزنا » ما عارضهم منها رفضوه » وما أشرف لهم منها بغير الحق وضعوه » خلقت الدنيا عندهم فلم يجددوها وخربت فيما بينهم فلم يعمروها ء وماتت في صدورهم فلم يحيوها بعد موتها » [ هدموها ] » وبنوا بها آخرتهم » أحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة » يحبون الله ويحبون ذكره » ويستضيئون بنوره » ويضيئون به » لهم الخير العجيب ». وعندهم الخير العجيب » . وكان بعض الأولياء يقول : « ما سطع لي زينة من زخرف الدنيا إلا كشف له عن باطنه فظهر لي عزوف عنها » . ( 1 ) الجيفة : جثة الميت إذا أنتنت ( ج ) جيف ( جج ) أجياف . ( 2 ) الحواريون : ( في القرآن الكريم ) : أنصار عيسى عليه السلام . 100 » 123 « قال أبو طالب المكّي : « فهذه عناية من الله لمن وليه من أوليائه المقرّبين منه ؛ فمن شهد الدنيا بأول وصفها لم يغتر بآخره » وعن عرفها بباطن حقيقتها لم يعجب بظاهرها » ومن كوشف له بعاقبتها لم يستهوه زخرفها » . وكان عيسى عليه السلام يقول : ويلكم علماء السوء مثلكم مثل قناة حش « 1 » ظاهرها جص « 2 وباطنها نتن ! ! 9 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى فلا تستعزن بعز يفنى ) . العرّ الذي لا يفنى : هو الغني عن الأسباب كلها بوجود مسببها ؛ لأنه باق لا يفنى ؛ فالتعأّق به غر د شى, والعز الذي يفنى : هو الغني بالأسباب مع الغيبة عن مسببها ؛ لأنها فانية » فالتعلق بها عز فان لا بين ل ل ا ال ا ا كارت لد الباقي باللّه تعالى لم يقدر أحد أن يذلك . يحكى أن رجلا أمر بالمعروف لهارون الرشيد « 3 » » فحرد « 4 » عليه هارون الرشيد » وكانت له بغلة سيئة الخلق ١‏ فقال : اربطوه معها تقتله برمحها » ففعلوا ذلك فلم تضرّه » فقال : أطرحوه في بيت وطيّنوا عليه الباب » ففعلوا ذلك فرؤي في بستان وباب البيت مسدود » فأخبر هارون الرشيد بذلك » فأتي للرجل فقال : من أخرجك من البيت ؟ ١‏ فقال : الذي أدخلني البستان . فقال : ومن أدخلك البستان ؟ فقال : الذي أخرجني من البيت . فقال : أركبوه دابة وطوفوا به في البلد وليقل قائل : « ألا إن هارون قد أراد أن يذل عبدا أعزه الله فلم يقدر !! » . وإن اخترت العز بالأسباب خذلتك وأسلمتك أحوج ما تكون إليها » وكنت في غاية (1 ) الحثنّ : مكان قضاء الحاجة . (2 ) الجصّ : طلاء . ( 3 ) هارون الرشيد ( 149 - 193 ه - 766 - 809 م ) بن محمد ( المهدي ) بن المنصور العباسي أبو جعفر » خامس خلفاء الدولة العباسية في العراق وأشهرهم . ولد بالريّ » ونشأ في دار الخلافة ببغداد » وولاه أبوه غزو الروم في القسطنطينية فصالحته الملكة إيريني » وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادي سنة 170 ه »ء وازدهرت الدولة في أيامه » وكان عالما بالأدب وأخبار العرب والحديث والفقه وله شعر » حازما شجاعا كريما . توفي في سناباذ . ( الأعلام 8 / 62 » والبداية والنهاية 10 / 213 ) . ((4) حرد : غضب . 1/1 1/2 « 124 » الذل والهوان » حكى بعضهم أنه قال : رأيت رجلا في الطواف وبين يديه « شاكرية » يطردون الناس » فبعد ذلك بمدة رأيت إنسانا يتكفف الناس على الجسر ويسأل شيئا ؛ قال : فنظرت إليه وشبهته بذلك الرجل » فقال : لأي شيء تنظر ؟ فقلت : أشبهك برجل رأيته في الطواف من شأنه كذا . . . وكذا فقال : أنا ذلك الرجل ؛ تكبرت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني الله في موضع يترقّع فيه الناس !! ْ قال في « التنوير » : فإن اعتززت بالله دام عزك » وإن اعتززت بغيره فلا بقاء لمن أنت به | ال ال اجعل بربّك شأن عزك *** يستقرٌ ويثبت فإن اعتززت بمن يموت *** فإنّ عزك ميّت قال : ودخل إنسان على بعض العارفين وهو يبكي » فقال : ما شأنك ؟ قال :عات استاذى | !ا ١‏ فقال له ذلك العارف : ولم جعلت أستاذك من يموت !! ويقال ذلك : إذا اعتززت بغير الله تعالى فقدته » واستندت إلى غيره فعدمته ( وانظر إلى الهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في أليم نسفا إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما ) . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الطيّ الحقيقي أن تطوى مسافة الدنيا عنك حتى ترى الآخرة أقرب إليك منك ) . طيّ مسافة الدنيا إنما يتصوّر من العبد إذا أشرق نور اليقين في قلبه فحينئذ تنعدم الدنيا في نظره وتنطوي في اعتباره » ويرى الآخرة حاضرة لديه موجودة عنده » بل يراها أقرب إليه منه » إذ داد قاية قري بهذا انا عبار .فم كانت هده اهدده ١‏ ضور قله جد الفلب الذانى وهرا الدنيا » وإستبداله بالحاضر الباقي وهو الآخرة » ولذلك كان أصل الرغبة في الدنيا وإيثارها على الآخرة ضعف اليقين » فمن لم يشرق في قلبه نور اليقين لم يشاهد الملك الكبير » ومن لم يشاهده أحب الدنيا » وهي لا شيء » فلم تكن قيمته عند الله تعالى شيئا » فهذا هو الطي الحقيقي لمسافة الدنيا الذي يكرم الحقّ به أولياءه وبه تتحقق عبوديتهم لربّهم عز وجل » لا طيّ مسافة تارك الذي ريه يكرن امسر اجا ومكو اه ولا طني اللبالى واالأياء «الووبال لصوام و73 الشراب والطعام إذا لم يتمحض طاعة وبرا . وسيأتي من كلام المؤلف - رحمه الله تعالى : « لو أشرق نور اليقين لرأيت الآخرة أقرب إليك 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( العطاء من الخلق حرمان والمنع من الله إحسان ). 1/3 1/4 » 125 « ومنع الله لك إحسان ؛ لأنه ألزمك الوقوف ببابه » وعافاك من وجود حجابه . وإن شئت قلت : العطاء من الخلق حرمان لما فيه من وجود محبتك لهم على ذلك » وتقلّد منتهم والمنع من الله إحسان لأنه حبيبك وكلّ ما يفعله الحبيب محبوب » فلا ألبس النعمى وغيرك ملبسى *** ولا أقبل الدنيا وغيرك واهب وفي وصية عليّ رضي الله عنه : لا تجعل بينك وبين الله منعما » وأعدد نعمة غيره عليك مغرما وقال بعض الحكماء : حمل المنن أثقل من الصبر على العدم . وقال اخر : عز النزاهة أشرف من سرور الفائدة . 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (جل ربنا أن يعامله العبد نقدا فيجازيه نسيئة « 1 » ٠‏ كفى من جزائه إياك على الطاعة أن رضيك لها أهلاء و كفى العاملين جزاء ما هو فاتحه على قلوبهم في طاعته؛ و ما هو مورده عليهم من وجود مؤانسته.). جزاء المعاملة لا يختص بالدار الآخرة ٠‏ بل ربما أظهر الحق تعالى منه لبعض أوليائه في الدنيا أنموذجا يحملهم على الاجتهاد في الأعمال ويتحققون به وجود قبولها في كل الأحوال » وذلك لعظيم كرمه وعميم فضله » جل وعلا .كفى من جزائه إياك على الطاعة أن رضيك لها أهلا . أن يكونوا أهلا لأن يكلفهم القيام بطاعته » ويمدهم فيها بتيسيره ومعونته » فسباهم حينئذ حبّه , واستولى عليهم قربه » فانخدست « 2 » إذ ذاك نفوسهم واضمحل وجودهم » وذهب بهم الحياء كل مذهب . وهذا هو غاية الجزاء » ونهاية العطاء عند العلماء العارفين الذين يمنعهم وجدانه من التطلع إلى غيره من الحظوظ الآجلة .كفى العاملين جزاء ما هو فاتحه على قلوبهم في طاعته » وما هو مورده عليهم من وجود مؤانسته . هذا بيان آخر لما يكرمهم به من الجزاء المعجّل » وهو : أن العاملين لرّبهم يفتح لهم من المعارف » ويورد على قلوبهم من أنواع اللطائف ما يتنسمون منه روح الآنس » ويتنعمون به في حضرة ل يقول : التملّق للحبيب » والمناجاة للقريب في (1 ) النسيئة : مؤجل الثمن . 1/5 1/6 « 126 » الدنيا ليس من الدنيا » هو من الجنة أظهر لأهل الله تعالى في الدنيا لا بعرفه إلا هم » ولا يجد سواهم روحا لقلوبهم . وقال بعض العلماء : ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة . وقال أحمد بن أبي الحواري » رضي الله عنه : دخلت على أبي سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه » يوما وهو يبكي » فقلت له : وما يبكيك ؟ فقال : يا أحمد ء ولما لا أبكي : إنه إذ جنّ الليل . . . ونامت العيون . . . وخلا كلّ حبيب بحبيبه . . . وافترش أهل المحبة أقدامهم . . . وجرت دموعهم على خدودهم » وتقطرت في محاربيهم . أشرف الجليل سبحانه » فنادى : يا جبريل » بعيني من تلذذ بكلامي واستراح إلى ذكرى » وإني لمطلع عليهم في خلواتهم : أسمع أنينهم » وأرى بكاءهم » فلم لا تنادي فيهم ؟ , ! يا جبريل » ما هذا البكاء » هل رأيتم حبيبا يعذب أحبابه » أم كيف يجمل بي أن آخذ قوما إذا جنّهم الليل تملقوا لي » فبي حلفت إذا وردوا على القيامة لأكشفنَ لهم عن وجهي الكريم حتى ينظروا إلي » وأنظر لهم . 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (من عبده لشيء يرجوه منه أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه فما قام بحق أوصافه » متى أعطاك أشهدك بره. و متى منعك أشهدك قهره. فهو في كل ذلك متعرف إليكء و مقبل بوجود لطفه عليكء إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه). عمل العاملين لأجل حصول الجزاء » أو فرارا من عقوبة المولى مدخول معلول ليس من شأن الحاذقين « 1 » المحققين ؛ لأن قيام العبد بحق أوصاف مولاه يقتضي أن لا يعمل لأجل حظه من جلب ثواب أو دفع عقاب ؛ لأنه عبد يستحق عليه مولاه كلّ شيء ولا يستحق هو عليه شيئا ؛ وهذا من أعلى المحبة لله تعالى » لأن المحبّ مجتمع الهم بأمر محبوبه لا مراد له إلا ما أراد ‏ فعلى العبد أن يعمل لربه عز وجل لأجل جلاله وعظمته وما هو عليه من محامد صفاته التي لا يشارك فيها » فإن خالف هذا أو عمل على طلب حظّه لم يقم بحق صفات مولاه » وكان ذلك نتيجة جهله وغفلته وعدم حبّه لربه ومعرفته . قال سهل بن عبد الله التستري » رضي الله عنه : « ما طلعت شمس ولا غربت على أحد على وجه الأرض ألا وهم جهّال باللّه تعالى » إلا من يؤثر الله تعالى على نفسه وروحه ودنياه وآخرته ٠ »‏ وفي أخبار دواد عليه السلام : أن الله تعالى أوحى إليه إن أود الأودّاء إليّ من عبدني لغير نوال » لكي يعطى الربوبية حقها . وفيما نقل وهب بن منبّه من الزبور « 2 » : ومن أظلم ممن عبدني لجنة أو لنار » لو لم أخلق جنة ولا نارا ألم أكن أهلا لأن أطاع ؟! أو كما قال عز وجل . (1 ) الحاذقين : ( ج ) حاذق : الماهر بالعمل . 177 1/8 » 127 « وفي أخبار عيسى عليه السلام : إذا رأيت التقىّ مشغوفا في طلب الرّبٌ فقد ألهاه ذلك عما سواه . ومر عيسى عليه السلام على طائفة من العباد قد احترقوا من العبادة كأنهم الشنان « 1 » البالية , فقال : من أنتم ؟ فقالوا : نحن عباد الله تعالى . فقال : ولأي شيء تعبدتم ؟ ل سيا اط ع ل الو اله ٠‏ فمرّ بآخرين أشْدّ عبادة منهم » فقال : لأي شيء تعبدتم ؟ قالوا ' شرّقنا الله إلى الجنان وما أعدٌ فيها لأوليائه » فنحن ترجوها » فقال : حقٌّ على الله أن يعطيكم ما رجوتم » ثم جاوزهم » ومر بآخرين يتعبدون فقال : ما أنتم ؟ قالوا : المحبون لله عز وجل لم نعبده خوفا من ناره » ولا شوقا إلى جنته » ولكن حبا له » وتعظيما لجلاله . فقال : أنتم أولياء الله حقا » معكم أمرت أن أقيم » فأقام د بين أظهرهم . وفي لفظ آخر أنه قال للأولين : مخلوقا خفتم: رارقا اح لر ولو قال الشيخ أبو طالب المكي » رضي الله عنه : وممن روي عنه هذا القول وأقيم في هذا المقام جماعة من التابعين . منهم : أبو حازم المدني كان يقول : إني لأستحي من ربي أن أعبده خوفا من العذاب فأكون مثل عبد السوء إن لم يخف لم يعمل . واستحى أن أعبده لأجل الثواب فأكون كالأجير السوء إن لم يعط أجر عمله لم يعمل » ولكن أعبده محبة له . قال الشيخ أبو طالب المكي : وقد روينا معنى هذا الكلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يكن أحدكم كالعبد السوء إن خاف عمل ولا كالأجير السوء إن لم يعط الأجر لم يعمل » . وقال بعض إخوان معروف رضي الله عنه له : أخبرني عنك يا أبا محفوظ » أي شيء أهاجك على العبادة والانقطاع عن الخلق ؟ فسكت . فقلت : ذكرت الموت ؟ ١‏ فقال : وأيّ شيء الموت !! قلت : فذكرت القبر ؟ قال : وأيّ شيء القبر !! فقلت : خوف النار ورجاء الجنّة ؟ فقال : وأيّ شيء هذان من ملك هذا كلّه بيده إن أحببته أنساك جميع هذا » وإن كان بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا . قال أبو طالب : وحدّثوا عن علي بن الموفق قال : « رأيت في النوم كأني أدخلت الجنة فرأيت رجلا قاعدا على مائدة وملكان عن يمينه وشماله يلقمانه من جميع الطّيبات وهو يأكل » ورأيت رجلا قائما على باب الجنة يتصفّح وجوه قوم فيدخل بعضهم الجنة ويردّ آخرين » قال : ثم جاوزتهما إلى حظيرة القدس » (1 ) الشنان : ( ج ) الشنّ : القربة الخلق الصغيرة يكون الماء فيها أبرد من غيرها . 1/9 « 128 » فرأيت في سرادقات « 1 » العرش رجلا قد أشخص ببصره ينظر إلى الله تعالى لا يطرف » فقلت لرضوان : من هذا ؟ فقال : هو معروف الكرخي عبد الله لا خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنّته » بل حبًا له » فقد أباحه النظر إليه إلى يوم القيامة » وذكر أن الآخرين : بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما . قال أبو طالب المكيّ : « وروينا عن رابعة العدوية « 2 » ٠‏ وكانت إحدى المحبّين » وكان سفيان الثوري « 3 » يجلس بين يديها ويقول : علمينا مما أفادك الله من طرائف الحكمة . وكانت غول 1 يعم الرول أنث زولا أيك تحدت لديا . وكان يعت الها ويس قولها . وكان عالما زاهدا إلا أنه كان يؤثر كتب الحديث والإقبال على الناس » وهي أبواب الدنيا » وقال لها الثوري يوما : لكل عبد شريطة » ولكل إيمان حقيقة » فما حقيقة إيمانك ؟ فقالت : ما عبدت الله خوفا من النار فأكون كالعبد السوء إن خاف عمل ٠‏ ولا حبّا للجنة فأكون كالأجير السوء إن أعطى عمل » ولكن عبدته حبّا له وشوقا إليه » . والآثار والحكايات فى هذا المعنى كثيرة لا تنحصر . فإذا عمل المريد على ما ذكرناه كان عيدا لله حنا + 17139 ا فإنما يطلبه أو يستعيذ به انتجازا لوعد ربّه » وفرارا من دعوى رؤية حظه » واتباعا لما أحبه منه ؛ وأذن له فيه من طلبه لفضله وإحسانه وكرمه وامتنانه وهذا وما أشبهه هو المعنيّ بالحديث المرويّ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لرجل « 4 » : « ما تقول فى الصلاة ؟ قال : أتشهّد » ثم أقول : اللهمّ إني أسألك الجنة » وأعوذ بك من النار » أما واللّه ما أحسن دندنتك » ولا دندنة معاذ . فقال : حولها ندندن . لا أن يكون رجاؤه لحصول ذلك وخوفه من فقده باعثا له على القيام بطاعته وملازمة عبادته » فيكون عمله إذ ذاك مدخولا معلولا . هذا هو مذهب العارفين والمحققين . 5 وعليه تنبني قواعد التصوف كلّها . (1 ) السرادقات : ( ج ) سرادق : ما يمد فوق صحن الدار وهو ستر الدار . أو هو الخيمة الرحة” (2 ) انظر ترجمتها في الأعلام 3 / 10 ٠»‏ وفي وفيات الأعيان 2 / 285 - 288 . ( 3 ) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ( 97 - 161 ه - 716 - 778 م ) من بني ثور بن عبد مناة » من مضر » أبو عبد الله » أمير المؤمنين في الحديث » كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى ولد ونشأ في الكوفة » وراوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم فأبى » وخرج من الكوفة فسكن مكة والمدينة » ثم طلبه المهدي فتوارى » وانتقل إلى البصرة فمات فيها . له من الكتب : « الجامع الكبير » والصغير » و « الفرائض » . ( الأعلام 3 / 104 » وحلية الأولياء 6 / 356 ثم 7 / 3 ٠»‏ وتهذيب الكمال 7 / 353 » ووفيات الأعيان 2 / 386 - 391 ) . 130 151 » 129 « متى أعطاك أشهدك برّه » ومتى منعك أشهدك قهره » فهو في كل ذلك متعرف إليك » ومقبل بوجود لطفه عليك . ْ المطلوب من العباد أن يعرفوا مولاهم بما هو عليه من الصفات العلية والأسماء الحسنى . ولا سبيل لهم إلى معرفته إِلّا بتعرّفه لهم » وتعرّفه لهم إنما يكون : بما ينزله بهم من النوازل » ويورده عليهم من الأحكام . ثم هو على قسمين : ما وافق الهوى والطمع » ويسمى ذلك « عطاء ومنحا » وما خالفهما » ويسمى « منعا » . فبوجود العطاء تشهد صفاته « البريّة » من : الجود » والكرم » والإحسان » واللطف . والعطف » وغير ذلك . وبوجود المنع تشهد صفاته « القهرية » من : الحبر + والكبرياء ء والعزّة + والاستكناء ‏ فينبغي لك أيها العبد أن لا تففّق بينهما إن أردت معرفة ربك ولم يستغرقك حب حظك . نسدد بك عل على التحد نر فى قنذا الدالك الت لك را ب 2 9 وهذا هو بيان ما تقدّم من قوله : « متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع هو عين العطاء . .> وال أعلم . قال سفيان الثوري » رضي الله عنه : « أتيت أبا حبيب البدريّ أسلم عليه » ولم أكن رأيته » فقال ل : أنت سفيان الثوري الذي يقال ؟ قال : فقلت نعم » فنسأل الله عر وجل بركة ما يقال . فقال لي : يا سفيان » ما رأينا خيرا قط إِلّا من ربنا . قلت : أجل . قال : فما لنا نكره لقاء من لم نر حبرا اليه ]ا ثم قال : يا سفيان منع الله إِيَّاك عطاء منه لك ؛ وذلك أنه لم يمنعك من بخل ولا عدم » وإنما منعه نظر منه واختبار يا سفيان إنّ فيك لأنسا » ومعك شغلا . ثم أقبل على غيمته وتركني .إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن اللّه فيه . إذا كان منع الله سبحانه وتعالى وعطاؤه نعمتين عظيمتين » كما ذكرناه الآن » فينبغي أن يكون في كلتيهما قرّة عين المريد ؛ فإن تألّم بأحدهما وهو المنع وتلذذ بالآخر وهو 1562 » 130 « العطاء » فذلك لعدم فهمه وقصور علمه . وإنما الأكمل والأفضل له أن يألم بالعطاء ويلذْ بالمنع كما قال إبراهيم الخؤاص رضي الله عنه : لا يصح الفقر للفقير حتى يكون فيه خصلتان : إحداهما : الثقة بالله تعالى . والأخرى : الشكر لله فيما روى غنة هما ابقل ابه غير ه من الذنيا 8 يكمل الفقير الكقى ايكون نظر الله له في المنع أفضل من نظره له في العطاء . وعلامة صدقه في ذلك : أن يجد للمنع من الحلاوة ما لا يجد للعطاء ولا يعرفه غير باريه الذي خصه بمعرفته وأياديه » فهو لا يرى سوى مليكه » ولا يملك إِلّا ما كان من تمليكه » وكلّ شيء له تابع » وكلّ له خاضع » ١‏ ه . 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول » وربما قضى عليك بالذنب فكان سببا في الوصول فمعصية أورثت ذلا و افتقارا خير من طاعة أورثت نت عزا واستكبارا ). ينبغي أن لا ينظر العبد إلى صور الأشياء » ولينظر إلى حقائقها » فصور الطاعات لا تقتنضي لحرو اك لياه » لما قد تضمنه من الآفات القادحة في الإخلاص فيها » وذلك مانع من وجود القبول لها » ووجود صورة الذنب ألا تقتضي الإبعاد والطرد » بل ربّما يكون ذلك سببا في وصوله إلى ربّه » وحصوله في حضرة قربه ١‏ كما قيل : « رب ذنب أدخل صاحبه الجنة » . وقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه » عن رسول الله صلى الله عليه وسلم » أنه قال : « والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم » « 1 » . وذلك أنه يصحبه عند عمله بالطاعة أن يعجب بها ويعتمد عليها ويتكبر بفعلها . ويصحبه عند وقوعه في الذنب اللجاء إلى الله تعالى والاعتذار إليه منه » واستصغار نفسه وتعظيم من لم يفعله ؛ قال أبو حازم + رضي الله عنه : « إن العيد ليعمل الحسنة تسيره حين يعملها » وما خلق الله له مر ل وإن العبد ليعمل السيئة تسوؤه حين يعملها » وما خلق الله له من حسنة أنفع له منها ؛ وذلك أن العبد حين يعمل الحسنة تسرّه » فيمتنٌ بها . ويرى أن له فضلا على غيره . ولعل الله أن يحبطها ويحبط معها عملا كثيرا » وإن العبد ليعمل السيئة تسوؤه حين يعملها ٠‏ ولعل الله أن يحدث له بها وجلا حتى يلقى الله تعالى » وإن خوفها في جوفه لباق » . ثم بين المؤلف رحمه الله هذا المعنى بقوله : (1 ) أخرجه مسلم ( توبة » 11 ) ٠»‏ وأحمد بن حنبل ( 2 ٠‏ 309 ) . 153 154 » 131 « الذل والافتقار من صفات العبودبة ؛ والعرٌ والاستكبار مناقضان لهما ء لأنهما من صفات الربوبية . ولا خير في الطاعة إذا لزم عنها شيء مما يناقض صفات العبودية » لأنها تحبطها وتبطلها » كما لا مبالاة بالمعصية إذا لزمتها صفات العبودية » لأنها أيضا تمحوها وتزيلها . قال سيدي أبو مدين رضي الله عنه : « انكسار العاصي خير من صولة المطيع » . وكان سيدي أبو العباس المرسي رضي الله عنه كثير الرجاء لعباد الله » الغالب عليه شهود وسع الرحمة » وكان يكرم الناس على قدر رتبتهم عند الله تعالى حتى أنه ربّما دخل عليه مطيع فلا يعبأ به » وربما دخل عليه عاص فأكرمه . لأن ذلك الطائع أتى وهو متكبر بعمله ناظر لفعله » وذلك العاصي دخل عليه بكثرة معاصيه وذلة مخالفته . وقد تقدّم مثل هذا عند قوله : « لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدّك عن حسن الظن باللّه تعالى » فمن هذا المعنى ما روى عن « أبان بن عياش » أنه قال : « خرجت يوما من عند أنس بن مالك رضي الله عنهما بالبصرة » فرأيت جنازة يحملها أربعة من الزنج ولم يكن معهم رجل آخر », فقلت : سبحان الله بسوق البصرة وجنازة مسلم لا يشيعها أحد ! ! فلأكوننٌ خامسهم . فمضيت معهم » فلما وضعوها بالمصلى قالوا لي : تقدّم . فقلت : أنتم أولى به » فقالوا : كلنا سواء » فتقدمت » فصليت عليه » وقلت لهم : ما القصّة ؟ فقالوا : اكترتنا « 1 » تلك المرأة » . قال : فقعدت حتى دفنوه . فلما كان بعد ساعة انصرفت تلك المرأة وهي تضحك ؛ فدخل قلبي شيء » فقلت لا ينجيك إِلّا الصدق ٠‏ أخبريني ما القصة ؟ فقالت : إن هذا ابني ما ترك شيئا من المعاصي إلا فعله فمرض منذ ثلاثة أيام فقال : يا أَمّاه » إذا مث فلا تخبري بوفاتي جيراني » فإنهم لا يحضرون جنازتي ويشمتون بموتي » واكتبي على خاتمي هذا « لا إله إلا الله ء محمد رسول الله » واجعليه على كفني فلعل الله يرحمني به رخدي رجلك على حذي وقولي 00 الست بلسان فصيح : انصرفي يا أمَّاهِ » فقد قدمت على ربّ كريم رحيم » غير غضبان علي » فإنما ومن المعنى الآخر ما روى أن رجلا من بني إسرائيل أتى عابدا من بني إسرائيل فوطىء على رفنة ره ساخة »تقال له العالد ؛ ارقم ؛ قر الله لا يخير اله لك ؛ فأوحي الله (1 ) اكترتنا : استأجرتنا . 155 156 « 132 » عزّ وجل إليه : أيها المتألي علي » بل أنت لا يغفر الله لك ! ! . قال الحارث المحاسبي » رضي الله عنه : لأنه إنما تألى على الله عرّ وجل أن لا يغفر الله له لعظم قدر نفسه عنده » وأن الإساءة إليه عند الله ع وجل عظيمة لا يغفرها الله تعالى لموضع عبادته وسجوده », لأنه عد نفسه عظيم القدر عند الله عز وجل فجمع بين عجب وكبر واغترار بالله عز رجحل . ومن المعنيين جميعا ما روى أن عيسى عليه الصلاة والسلام خرج ومعه صالح من صالحي بني وتعالى وقال : اللهمّ اغفر لي . / عليه الصلاة والسلام إني قد استجبت دعاءهما جميعا : رددت ذلك الصالح » وغفرت لذلك وروي عن الشعبي « 1 » » وروي أيضا عن الخليل بن أيوب : أنْ رجلا كان في بني إسرائيل يقال له « خليع « 2 » بني إسرائيل » لكثرة فساده » مرّ برجل آخر من بني إسرائيل يقال له « عابد بني إسرائيل » وعلى رأس العابد غمامة تظله » فقال الخليع في نفسه : أنا خليع بني إسرائيل وهذا عابد بني إسرائيل فلو جلست إليه لعل الله عر وجل أن يرحمني به فجلس إليه . فقال العابد في نفسه : أنا عابد بني إسرائيل وهذا خليع بني إسرائيل يجلس إليّ ! ! فأنف منه ‏ وقال : قم عني فأوحى الله عز وجل إلى نبيّ ذلك الزمن مرهما فليستأنفا العمل فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد . وفي حديث آخر فتحوّلت الغمامة على رأس الخليع . قال الحارث المحاسبي : « وإنما أراد الله عر وجل من عباده قلوبهم لتكون جوارحهم تبعا لقلوبهم » فإذا تكبّر العالم أو العابد » وأنف وتواضع الجاهل أو العاصي وذلَ هيبة لله عر وجل وفرقا منه فهو أطوع لله عر وجل من العابد أو العالم بقلبه » . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( نعمتان ما خرج موجود منهماء و لا بد لكل مكون منهما نعمة الإيجاد و نعمة الإمداد, أنعم عليك أولا بالإيجادء و ثانيا بتوالي الإمدادء ففاقتك لك ذاتية» و ورود الأسباب مذكرات لك بما خفي عليك منهاء و الفاقة الذاتية لا ترفعها العوارضء فخير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك. و ترد فيه إلى وجود ذاتك ). (1 ) الشعبي ( 19 ٠‏ 103 ه - 640 - 721 م ) عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشعبي الحميري أبو عمرو »ء راوية من التابعين » يضرب المثل بحفظه » ولد ونشأ ومات فجأة بالكوفة . اتصل بعبد الملك بن مروان فكان نديمه وسميره ورسوله إلى ملك الروم » وكان ضئيلا نحيفا . استقضاء عمر بن عبد العزيز » وكان فقيها شاعرا . ( الأعلام 3 / 251 » وحلية الأولياء 4 / 0 » ووفيات الأعيان 3 / 12 ٠‏ 15 » وتهذيب الكمال 9 / 349 ) . 157 158 » 133 « نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد نعمتان لازمتان لكل مكوّن موجود » لأنه في ذاته معدوم متلاش » فنعمة الإيجاد أزالت العدم السابق » ولولا ذلك لم يزل معدوما » ونعمة الإمداد أزالت العدم اللاحق . ولولا ذلك لتالاشى وفنى . قال سيدي أبو مدين : « الحق تعالى ممد ؛ والوجود مستمد » والمادة من عين الوجود فلو انقطعت المادة انهدم الوجود » وهذا توطئة لما يريد بيانه من الفقر الذاتي للعبد . أنعم عليك أولا بالإيجاد » وثانيا بتوالي الإمداد . هذا أحد جزيئات الكليّة المتقدمة » وهو جودك ودوام وجودك » ومما لا ينبغي أن يتغافل عنه من نوات هذا لجنس تع حا ايسان ومحدة الطاعة فى اقليك ١‏ وام ان فنا ؛ وكذلك قر اهة لكر والمعصية » فإن ذلك من النعم العظيمة التي لا مدخل للعبد فيها ولا له وسيلة إليها » ولولا توالى الله تعالى له بتينك النعمتين في القسمين لتاه في ظلمات الضلالات وغرق في بحار الجهالات . قال عر من كل ولكن لحب يكم الإيمان وريد في لُوبكُم وكوة ليم لكر والشنوق وَالْعِصيانَ أَوليِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ » فضْلا مِنَ الله وَنِعْمَةَ [ الحجرات 77 ]. قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله عنه : « إن من فكر في صنوف الضلال » وكثرة طرق المحال ٠‏ وشدّة أغاليط الناس في البدع والأهواء » وما يتشعب بكل قوم مختلفي النحل والآراء » ثمّ فكر في ضعفه ونقصان عقله وكثرة تحيره في الأمور وشدة جهله » وتناقض تدبيره في أحواله » وشدّة حاجته إلى الاستعانة بأشكاله في أعماله » ثم رأى خالص يقينه . وقوة استبصاره في دينه ونقاء وجه توجيده عن غبرة الشرك » وصفاء عين عرفانه عن رهج « 1 » الشرك . علم أنّ ذلك ليس من طاقته » ولا بجهده وكده وسعيه وجده » بل بفضل ربه » وسابغ طوله « 2 » » قال الله تعالى ذكره :وَأَسْبَعٌ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَبِاطِنَةَ[َ لقمان : 20 ] فهو الظاهر بنعمائه وآثار نعمه عليك متظاهرة » والباطن بآلائه وزوائد كرمه لديك متواترة » اه . فعلى العبد أن يعرف قدر هذه النعمة ويتوكل على مولاه في بقائها وحفظها عليه » ولا يعتمد في ذلك على عقله وعلمه . (1 ) أرهج : آثار الفتنة . (2 ) الطّول : انحن و القططاء قداو القارة” 159 » 134 « قال بعض العارفين : « من نظر في توحيده إلى عقله لم ينجه توحيده من النار » . وعن ذي النون المصري رضي الله عنه » ما هو قريب من هذا : « من كان في توحيده ناظرا إلى نفسه لم ينجه توحيده من النار حتى يكون نظره إليه في توحيده إيّاه عز وجل » فهذا هو شكر هذه النعمة العظيمة » . قال الشيخ أبو طالب المكيّ » بعد أن ذكر ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : » أحيّوا الله لما أسدى إليكم من نعمه ولما يغذوكم به أيضا » » 1 > فمن افضل ما خدانا به نعدة الإيمان به والمعرفة له » وغذاؤه لنا منه دوام ذلك ومدده بروح منه وتثبيتنا عليه في تصريف الأحوال ؛ إذ هو أصل الأعمال التى هى مكان النوال » فلو قلّب قلوبنا عن التوحيد كما يقلب جوارحنا في الذنوب » ولو قلّب قلوبنا في الشك والضلال » كما يقلب نياتنا في الأعمال أيّ شيء كنا نصنع ؟ وعلى أي شيء كنا نعوّل ؟ وبأي شيء كنا نطمئن ونرجو ؟ فهذا من أعظم النعم ومعرفته هو شكر نعمة الإيمان » والجهل بهذا غفلة عن نعمة الإيمان توجب العقوبة . وادعاء الإيمان أنه عن كسب معقول أو استطاعة بقوة وحول هو كفر نعمة الإيمان . وأخاف على من توقم ذلك أن يسلب الإيمان » لأنه بدّل شكر نعمة الله كفرا » انتهى كلام الشيخ أبي طالب » وهو حسن في هذا المعنى .فاقتك لك ذاتية » وورود الأسباب مذكرات لك بما خفي عليك منها والفاقة الذاتية لا ترفعها العوارض . إذا ثبت أن نعمتي الايجاد » والإمداد لازمتان لك وأنك في ذاتك عدم لولاهما » فالفاقة إذن ذاتية وإنما أورد عليك الأسباب التي تضادٌّ وجودك أو بقاء وجودك ليذكرك بذلك ما خفي عليك من وجود الفاقة الذاتية لك والاضطرار اللازم لوجودك . فتلازم مركزك وتقوم بحقٌّ عبوديتك ولا تجاوز حدك وطورك . قال بعضهم : « إنما حمل فرعون على قوله : ( أنا ربكم الأعلى ) طول العافية والغنى ؛ لبث أربعماتة سنة لم يتصدح رأسه ولا حد جسده ولم يضرب عليه عرق + فادّعى الربوبية » ولو أخذته الشقيقة « 2 » ساعة واحدة ء أو المليلة « 3 » كلّ يوم لشغله ذلك عن دعوى الربوبية » . (1 ) أخرجه الترمذي ( مناقب » 31 ) . (2 ) الشقيقة : ألم يأخذ في نصف الرأس والوجه . ( 3 ) الملال : فتور يعرض للإنسان من كثرة مزاولة شيء » فيوجب الكلال والإعراض عنه . 110 » 135 « قال في لطائف المنن : « الاضطرار تعطيه حقيقة العبد » إذ هو ممكن » وكل ممكن مضطر إلى ممد يمدّه ومدد يمده » وكما أن الحق سبحانه هو الغنى أبدا فالعبد مضطر إليه أبدا » ولا يزايل العبد هذا الاضطرار لا في الدنيا ولا في الآخرة . ولو دخل في الجنّة فهو محتاج إلى الله تعالى فيها » غير أنه غمس اضطراره في المنة التي أفرغت عليه ملابسها » وهذا هو حكم الحقائق » إذ لا يختلف حكمها لا في الغيب » ولا في الشهادة » ولا في الدنيا ؛ ولا في الآخرة ؛ فالعلم صفته الكشف , أيّ علم كان » في أيّ وقت كان » والإرادة صفتها التخصيص ., أيّ إرادة كانت » في أي وقت كانت . ومن اتسعت أنواره لم يتوقف اضطراره وقد عاتب الله أقواما اضطروا إليه عند وجود أسباب ألجأتهم إلى الاضطرار » فلما زالت زال اضطرارهم . قال سبحانه :وَإذا مَسَّكُمُ اضر ف في الْبَخْرٍ ضَلّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إَِاهُ . .[ الإسراء : 67 ] الآية ؛ وقال :قل مَنْ يُنَجّيكُمْ مِنْ ظُلُماتٍ الْبَرَ وَالَبَحْرِ . .[ الأنعام : 63 ] الآيتين . إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى . ولمّا لم تصل عقول العوام إلى ما تعطيه حقائق وجوداتهم سلّط الحق عليهم الأسباب المثيرة للاضطرار ليعرفوا قهر ربوبيته وعظمة إلهيته » .خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك » وترد فيه إلى وجود ذلتك . إنما كان ذلك خير الأوقات لوجود حضورك فيها مع ربّك » وانقطاع نظرك عن الوسائط والأسباب الموجبة لبعدك وحجبك ؛ فهى لا محالة خير أوقاتك » وهى مواسمك وأعيادك حسبما يدنه اسراف حة اك بع لاا ْ حكي عن عطاء السلمي » رضي الله تعالى عنه » أنه بقي سبعة أيام لم يذق شيئا من الطعام ولم يقدر على شيء فسرٌ قلبه بذلك غاية السرور ء فقال : « يا رب إن لم تطعمني ثلاثة أيام أخر لأصلَّينَ لك ألف ركعة » . وقيل : « إن فتحا الموصلي » رضي الله تعالى عنه » رجع ليلة إلى بيته فلم يجد عشاء ولا سراجا ولا حطبا » فأخذ يحمد الله تعالى ويتضرّع إليه ويقول : « إلهي لأيَ سبب وبأيّ وسيلة واستحقاق عاملتني بما عاملت به أولياءك » . وقال بشر الحافي رضي الله تعالى عنه : « بلغني أن بنتا لفتح الموصلي عريت ؛» فقيل له : ألا تطلب من يكسوها ؟ فقال : لا أكسوها حتى يرى الله عريها وصبري عليها » قال : وإذا كان ليالي الشتاء جمع عياله ومال بكسائه عليهم ثم قال : اللهم أفقرتني وأفقرت عيالي » وجوّعتني وجوّعت عيالي ٠‏ وأعريتني وأعريت عيالي » بأيّ وسيلة توسلت إليك وإنما تفعل هذا بأوليائك وأحبابك » فهل أنا منهم حتى أفرح ؟ » . 111 » 136 « وقيل : إن الفضيل بن عياض رضي الله تعالى عنه بكى في ليلة قرّة « 1 » ثم قال : إلهي أجعتني وأجعت عيالي » وأعريتني وأعريت عيالي » وأقعدتني وأقعدت عيالي في بيت ليس فيه مصباح » وقديما تفعل هذا بأوليائك وأهل طاعتك , إلهي » فبأيّ عمل أستحق هذا منك حتى أداوم لك عليه » . وقيل للربيع بن خيثم « 2 » » رضي الله تعالى عنه : قد غلا السعر ! ! فقال : نحن أهون على الله من أن يجيعنا » إنما يجيع أولياءه . 6 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( متى أوحشك من خلقه فاعلم أنه يريد أن يفتح لك باب الانس به » و متى أطلق لسانك بالطلب فاعلم أنه يريد أن يعطيك, و العارف لا يزول اضطراره و لا يكون مع غير الله قراره ). فتح باب الأنس باللّه تعالى هو : الاستيحاش من الناس ٠‏ ولذلك قيل : « الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس » . فإذا فتح لك هذا الباب استوحشت من الأغيار كلّها » وتحققت في أنسك بربك » ومعنى الوحشة هنا أن تشمتز بقلبك منهم » وتنقبض عنهم بسرّك », ولا يكون للأشياء وقع عندك , ولا تجد فيها مقنعا لك » كما جاء عن أبي يزيد البسطامي رضي الله تعالى عنه حين اطلع على أنواع من العجائب » ووجه بسني الرغائب » وكشف له عن الملكوت الأعلى » فقيل له : هل استحسنت منها فقال : لم أر شيئا أستحسنه ! ! فقيل له : أنت عبد الله حقا . فإذا كان العبد على هذا الوصف كان ذلك علامة على تحققه بمقام الأنس ٠»‏ ونزوله في حضرة القدس » وسيأتي هذا المعنى في قوله في مناجاته : ( أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم ) . متى أطلق لسانك بالطلب فاعلم أنه يريد أن يعطيك . إطلاق اللسان بالطلب هو أن يحل عنه عقدة الصمت الذي أوجبه الاستغناء بالأغيار » وعدم رؤية الفاقة والافتقار + فإذا حل عنه هذه العقدة بشهود فقره وفاقته + و أظلق لسانه بالطلب ؛ كان إذ ذاك داغيا بلسان الاخطرار ؛ وكان مواب الذعرة لصدق الو عد باحاية ذعوة النخطر + و هالا يخلف الميعاد » وأنشدوا :لو لم ترد نيل ما أرجوه من طلب * من فيض جودك ما ألهمتني الطلبا (1 ) ليلة مرة : باردة . (2 ) انظر ترجمته في تهذيب الكمال 6 / 130 . 102 « 137 » وفي الحديث عن عبد الله بن عمر « 1 » ٠‏ رضي الله تعالى عنهما » عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من أذن له في الدعاء منكم فتحت له أبواب الرحمة » وما يسأل الله شيئا قط أحبّ إليه من أن يسأل العفو والعافية في الدنيا والآخرة » « 42 وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من أعطى الدعاء لم يحرم الإجابة » . ذلك ما فتح له باب الدعاء » . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه » قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا أحب الله عبدا صب عليه البلاء صبًا » وسخه « 3 » عليه سحا » فإذا دعا قالت الملائكة : اصوت معروف وقال جبريل : يا رب عبدك فلان اقض حاجته » فيقول الله : دعوا عبدي » فإني أحبّ أن أسمع صوته ء فإذا قال : يا رب » قال الله تعالى : لبيك عبدي وسعديك » لا تدعوني بشيء إلا استجبت لك . ولا تسألني شيئا إلا أعطيتك . إما أن أعجّل لك ما سألت . وإما أن أدخر لك عندي أفضل منه » وإما أن أدفع عنك به من البلاء ما هو أعظم من ذلك » « 4 » .العارف لا يزول اضطراره ولا يكون مع غير الله قراره . معرفة العارفين هي معرفتهم بأنفسهم » وبما هي عليه من الفاقة والافتقار إلى العزيز الجبّار » وبقدر ما يتحققون بذلك من أنفسهم تكون معرفتهم بالله عز وجل كما جاء في الخبر : « من عرف نفسه عرف ربّه » فلذلك كان العارف لا يفارقه الاضطرار . قال سيدي أبو العباس المرسي رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى :أَمّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَّرَ إذا دَعاه[ النحل : 62 ] « الوليّ لا يزال مضطرا » . (1 ) عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي ( 10 ق ه - 73 ه - 613 - 692 م ) أبو عبد الرحمن » صحابي من أعز بيوتات قريش في الجاهلية » كان جريئا جهيرا » نشأ في الإسلام , وهاجر إلى المدينة مع أبيه وشهد فتح مكة ومولده ووفاته فيها » أفتى الناس في الإسلام ستين سنة » ولما قتل عثمان عرضت عليه الخلافة فأبى » وغزا أفريقية مرتين » وكف بصره في آخر حياته » وهو آخر من توفي بمكة من الصحابة . له في كتب الحديث ( 2630 حديثا ) . ( الأعلام 4 / 108 » وحلية الأولياء 1 / 292 » وتهذيب الكمال 10 / 356 » ووفيات الأعيان 3 -31). (2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( ١3‏ 127 ) . (3 )سح الماء : صبه صبا متتابعا كثيرا . ( 4 ) أخرجه الحاكم في ( المستدرك 1 / 340 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 8» 9 / 144 » 10 / 273 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 6811 ) » والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 1 / 308 ) . 13 » 138 « قال الأستاذ تاج الدين بن عطاء » قدّس الله سرّه : « معنى كلام الشيخ هذا أن العامة اضطرارهم بمثيرات الأسباب » فإذا زالت زال اضطرارهم ٠‏ وذلك لغلبة دائرة الحم على مشهدهم ؛ فلو شهدوا قبضة الله تعالى الشاملة المحيطة لعلموا أن اضطرارهم إلى الله تعالى دائم » وإنما لم يكن له مع غير الله قرار لوجود وحشته من الأشياء ونفوره بقلبه عنها » كما تقدّم » وكأنه د رحمة انه - قصد بهذا أن يعلمك أن ما تقدم له من الاستيحاش من الخلق وانطلاق اللسان بالطلب من الحق نعتان من نعوت العارفين . 7 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( أنار الظواهر بأنوار آثاره » وأنار السرائر بأنوار أوصافه . . لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر . ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر ء ولذلك قيل : إن شمس النهار تغرب بالليل *** وشمس القلوب ليس تغيب ) أنزار الكو اهر الى بها أنار ها انكو اتعات ل 7ف الكذر كاف (٠:‏ اكقتانات ) رالحرقات التى انتصق يها ظافر اليد . ا وأنوار السرائر التي بها أنارها الحق تعالى » هي : المعارف » والعلوم » ولطائف الإدراكات والفهوم التي اشتمل عليها باطنه وسرّه » فأنوار الظواهر متعلقة بأنوار الآثار الحادثات » وأنوارها معانيها ولطائفها المستكنة فيها . وأنوار السرائر متعلقة بأنوار الصفات الأزليات » ولأجل اختلاف التعلقين في الحدوث والقدم » والخنى والفقر » و الفتاء و البقاءء كان ما ذكره المؤلف رحمه الله من أفول أنوار منا تعاق بالحادث الفاني وعدم أفول أنوار ما تعلق بالقديم الباقي . ثم أنشد المؤلف البيت المذكور مستشهدا به على ما ذكره » ومعناه بيّن ؛ وقبله : طلعت شمس من أحث يليل *** فاستضنباءت » فما لها من غروب وفي هذا تنبيه على أن الأمور الباقية هي التي ينبغي أن يغتبط بها ويفرح بحصولها » ويعتني بتربيتها » ومراعاة حالها بخلاف الأمور الفانية الآفلة » وحينئذ يكون العبد على ملّة إبراهيم عليه السلام حيث قال “لا أَحِبُ الْآفِلِينَ [ الأنعام 67 ]. ويروى أن رجلا سأل سهل بن عبد الله » رضي الله تعالى عنه » عن : القوت » فقال * هو الحيّ الذي لا يموت . فقال : إنما سألتك عن القوام ! ! فقال : القوام هو العلم » فقال : إنما سالتك عن الغذاء 1 فقال : الغذاء هو الذكر » فقال : إنما سألتك عن طعم الجسد ! ! فقال : مالك وللجسد » دع من تولاه ألا يثو لاه آخرا ؛ [ذا دحلث عليه غلة ذرذه إلى ضائعه ؛ أما رايت الصنعة إذا غييت ركنا إلى صانعها حتى يصلحها ؟ وفي معناه أنشدوا :كمّل حقيقتك التي لم تكمل * والجسم دعه في الحضيض الأسفل « 1 » 105 » 139 « أتكمّل الفاني وتترك باقيا *** هملا » وأنت بأمره لم تحفل فالجسم للنفس النفيسة آلة *** ما لم تحصله بها لم يحمصل يفنى » وتبقى دائما فى غبطة *** أو شقوة وندامة لا تنجلى أ خطيت كدييك ادها فحديذه +54 انملك المتخول رق الا شرك كثيف أنت في أحباله *** ما دام يمكنك الخلاص فعجّل من يستطع بلوغ أعلى منزل *** ما باله يرضى بأدنى منزل !! وقيل في هذا المعنى أيضا : يا خادم الجسم كم تشقى لخدمته *** وتطلب الربح فيما فيه خسران أقبل على النفس فاستكمل فضائلها *** فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ليخفف ألم البلاء عليك علمك بأنه سبحانه هو المبلى لك . فالذي واجهتك منه الأقدار . هو الذي عودك حسن الاختيار » فالذي واجهتك منه الأقدار هو الذي عودك حسن الاختيار» و من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره ). إذا علم العبد أن الله تعالى رحيم به » ومتعطف عليه » وناظر إليه » فكل ما يورده عليه من أنواع البلايا والرزايا « 1 » ينبغي له أن لا يكترث بذلك ٠‏ ولا يباليه فإنه لم يتعوّد منه إلا خيرا له » فليحسن به ظنه » وليعتقد أن ذلك اختيار له » وأنّ له في ذلك مصالح خفيّة لا يعلمها إلا هو كما قال تعالى :وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شِيْئاً وَهُوَ خَيْرْ لَُمْ [ البقرة : 216 ] . قال أبو طالب المكّي في هذه الآية : « فالعبد يكره العيلة والفقر والخمول والضرّ وهو خير له في الآخرة » وقد يحب الغنى والعافية والشهرة وهو شرّ له عند الله تعالى وأسوأ عاقبة . وفي معنى ذلك قوله تعالى :وَأَسْبَعٌ عَلَيْكُمْ ِعَمَهُ ظاهِرَةً وَبِاطِنَةَ [ لقمان : 20]. قيل : ظاهرة : العوافي » وباطنة : البلايا ؛ لأنها نعمة في الآخرة . فإذن كل ما يصيب المؤمن فهو نعمة كائنا ما كان » فله الحمد على نعمه » قال في « التنوير » : 2 إنما يقوّيهم على حمل أقداره شهود حسن اختياره » وأنشد فيه لنفسه بقوله ٠‏ وخفّف عني ما إلاقي من العنا *** بأنك أنت المبتلى والمقدّر ومالا مرىء عما قضى الله معدل *** وليس له منه الذي يتخيّر وكان الأستاذ أبو عليّ الدقاق » رضي الله عنه » يقول : « جربت مرّة وكنت في صورة وحشة من ذلك » فدخلت الحمّام ففتح على قلبي بشيء من الرضا فكنت ألثم كلّ واحدة من تلك القروح فخرجت ولم يبق منها أثر » . (1 ) الرزايا : ( ج ) رزية : المصيبة . 116 157 » 140 « وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري » رضي الله عنه : سمعت الأستاذ أبا عليّ الدقّاق يقول في آخر عمره » وقد اشتدّت به العلّة : « من أمارات التأييد حفظ التوحيد في أوقات الحكم » » ثم قال كالمفسّر لقوله مشيرا إلى ما كان فيه من حاله « هو أن يقرضك بمقاريض القدرة في إمضاء الأحكام قطعة قطعة وأنت ساكن خامد » . وقال الجنيد » رضي الله عنه : « كنت نائما عند سري السقطي » رضي الله عنه فنبّهني وقال لي : يا جنيد رأيت كأني قد وقفت بين يديه فقال : يا سرّي خلقت الخلق فكلّهم ادّعوا محبّتي » فخلقت العشر » وبقي معي عشر العشر » وخلقت النار فهرب مني تسعة أعشار عشر العشر فسلطت عليهم ذرّة من البلاء فهرب مني تسعة أعشار عشر عشر العشر »ء فقلت للباقين معي : لا الدنيا قالوا : إِننك تعلم ما نريد . فقلت لهم : إني أسلّط عليكم من البلاء بعدد أنفاسكم ما لا تقوم له الجبال .من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره . قصور النظر في عدم رؤية اللطف في القدر إنما هو من ضعف اليقين وقلّة حسن الظنّ بالمقدّر الحكيم » ولو كمل نظر العبد وقوى بصره لرأى في ذلك من الفوائد والمصالح ما لا يحصى وما غاب عنه أكثر » ولكان كما روى بعض الصالحين والعارفين أنه قال : « لقد مرضت مرضة فأحببت أن لا تزول » » وكان عمران بن الحصين « 2 » رضي الله عنه قد استسقى « 3 » ببطنه » فلبث ملقى على ظهره سطيحا ثلاثين سنة لا يقوم ولا يقعد , قد نقب له على سرير من جريد « 4 » » وكان تحته نقب لغائطه وبوله » فدخل عليه مطرف أو أخوه « العلاء بن الشخير » فجعل يبكي لما رأى من حاله . فقال له : لم تبكي ؟ قال : : لأني أراك على هذه الحالة العظيمة . قال : لا تبك فإني أحبّ ما أحبه الله تعالى إليّ . ثم (1 )الرواسي : الجبال الشوامخ . (2 ) عمران بن الحصين بن عبيد ( توفي سنة 52 ه - 672 م ) أبو نجيد الخزاعي » من علماء الصحابة أسلم عام خيبر » وكانت معه راية خزاعة يوم فتح مكة » وبعثه عمر إلى أهل البصرة ليفقههم » وولاه زياد قضاءها » وتوفي بها » وهو ممن اعتزل حرب صفين . له في كتب الحديث ( 130 حديثا ) . ( الأعلام 5 / 70 » وتذكرة الحفاظ 1 / 28 » وتهذيب الكمال 14 / 381 ) . ( 3 ) سقي بطنه : اجتمع في تجويفه البريتوني سائل مصلي لا يكاد يبرأ منه . ( 4 ) الجريدة : من النخل كالقضيب من الشجرة وهي السعفة نزع عنها خوصها . 108 » 141 « قال : أحدّئك بشيء لعل الله تعالى ينفعك به واكتم عليّ حتى أموت : إن الملائكة تزورني فآنس بها وتسلّم علي فأسمع تسليمها . وقال بعضهم : دخلنا على « سويد بن شعبة » نعوده » فرأينا ثوبا ملقى فما ظننا أن تحته شيئا حتى كشف » فقالت له امرأته : أهلى فداؤك » ما نطعمك وما نسقيك ؟ فقال : لانت الضحدة تالحر فيان 1 » » وأصبحت نضوا « 2 » ما أطعم طعاما ولا أسيغ شرابا منذ كذا . فذكر أياما » ثم قال : ما يسّرني أني نقصت من هذا قلامة « 3 » ظفر » . فهؤلاء شاهدوا في بلاياه عطاياه » وفي محنه مننه » وفي عنفه لطفه » فأوجب لهم ذلك من الرضا بما هم فيه والتنعم به والتلأذ ما حملهم على أن لا يحبّوا زوال ذلك عنهم ولا نقصانه . ووجوه الألطاف والمنن في البلايا لا تحصى » ولكنا نذكر منها هاهنا ما يزداد المريد به قوة . وحسن ظنّ بربه عز وجل » ويحمله ذلك على القيام بواجبها ؛ فنقول : البلايا التي يبتلي الله بها عباده مناقضة لإرادتهم ومنقّصة لشهواتهم وكل ما أزعج النفس ونقّصها وآلمها فهو محمود العاقبة من قبل أن ذلك راد له إلى الله تعالى وملازمة بابه بصدق اللجاء والافتقار » وهذا هو أعظم فوائد البلايا ويجد ذلك من نفسه كل من نزلت به بلية أو أصابته رزيّة ؛ وفيها أيضا ضعف النفس وذهاب قوتها وبطلان صفاتها ؛ إذ بوجود ذلك يقع العبد في الذنوب والمعاصي » وتتأكد منه الرغبة في الدنيا » والحرص على اتباع الهوى . وقد قيل : « لا يخلو المؤمن من علة أو عيلة » أو ذلّة أو قلّة » . وفي الخبر عن اللَّه تعالى : « الفقر سجني » والمرض قيدي أحبس بذلك من أحببت من عبادي » . وفيها أيضا تحصل له طاعات القلوب وأعمالها » وذرّة منها خير من أمثال الجبال من أعمال الجوارح » وذلك مثل : الصبر » والرضا » والزهد » والتوكل » وحبّ لقاء الله تعالى . قيل لبعد الواحد بن زيد » رضي الله عنه : « هاهنا رجل قد تعبّد خمسين سنة فقصده فقال : أخبرني عنك » هل قنعت به ؟ قال : لا . قال : فهل أنست به ؟ قال : لا . قال : فهل رضيت عنه ؟ قال : لا . قال.: فإنما مزيدك منه الصلاة والصايم ؟ قال :.نعم . قال : لولا أني أستحي منك لأخبرتك أن معاملتك له خمسين سنة مدخولة ! ! » . قال أبو طالب المكّي » رضي الله عنه : أراد بذلك أنه لم يرفعك بأعمالك إلى (1 ) الحراقيف ( ج ) حرقفة : عظم رأس الورك . دبرت : ذهبت وولدت بمعنى هنا تلاشت . (2 ) النضو : المهزول من الحيوان . (3 ) القلامة : ما قطع من طرف الظفر » وقلامة الظفر مثل في القلة والحقارة . 159 « 142 » مقامات المقرّبين فيوجدك مواجد العارفين فيكون مزيدك منه أعمال القلوب التي يستعمل بها كل محبوب مطلوب » لأن القناعة به حال الموقن » والأنس به مقام المحبّ » والرضا وصف المتوكل » أي : إنما أنت عنده في طبقة أصحاب اليمين فمزيدك منه مزيد العموم من أعمال الجوارح . وهذه إشارة إلى ما قلناه من أفضلية أعمال القلوب على أعمال الجوارح ء فمن وققه اله تعالى إلى منازلة هذه المقامات وتوفية حقوقها في البلايا النازلة به فقد حصل على كنوز البر . وذكر أبو إبراهيم إسحاق د بن إبراهيم التجيبي القرطبي المالكي » رحمه الله » في كتاب « النصائح » له : « أن عروة بن الزبير « 1 » » رضي الله عنه » امتحن بقرحة « 2 » في ساقه بلغت به إلى نشر عظم ساقه في الموضع الصحيح منها » فقال له الأطباء : ألا نسقيك مرقدا « 3 » فلا تحسّ بما نصنع بك ؟ فقال : لا » ولكن شأنكم بها . فنشرت الساق » ثم حموها بالنار » فما حرّك عضوا ء ولا أنكروا منه » حتى مسّته النار » فما راذا على أن قال ' وأصيب حينئذ ابنه محمد » وكان من أحبّ ولده إليه » فلما رأى القدم بيد بعضهم قال : أما إن الله تعالى يعلم أني لم أمش بها إلى معصية قط . ثم قال : يا غلام » اغسلها وكقّنها وادفنها في مقبرة المسلمين . ثم جعل يقول : لئن أفنيت لقد أبقيت » ولئن ابتليت لقد عافيت » ولئن أخذت لطالما وذكر « ابن قتيبة » « 4 » في « عيون الأخبار » « 5 » له عن « المدائني » قال : « قدم رجل من (1 ) عروة بن الزبير ( 22 - 93 ه - 643 - 712 م ) بن العوام الأسدي القرشي أبو عبد الله وانتقل إلى البصرة » ثم إلى مصر فتزوج وأقام بها سبع سنين » وعاد إلى المدينة فتوفي فيها . ( الأعلام 4 / 226 » وحلية الأولياء 2 / 176 » وتهذيب الكمال 13 / 7 » ووفيات الأعيان 3 / 5 ). ( 2 ) القرحة : الجرح المتقادم الذي فسد واجتمع فيه القيح ( ج ) قرح وقروح . (3) مرقدا : شيء يشرب فينوم من سربه ويرقده . ( 4 ) ابن قتيبة ( 213 - 276 ه - 828 - 889 م ) عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري » أبو محمد . من أئمة الأدب » ومن المصنفين المكثرين » ولد ببغداد وسكن الكوفة » ثم ولي قضاء الدينور مدة » فنسب إليها » وتوفي ببغداد . من كتبه « عيون الأخبار » و « الإمامة والسياسة » وغيرهما . ( الأعلام 4 / 137 » ووفيات الأعيان 3 / 42 - 44 ) . ال ار ل ل ل ا ل ل ف ل ار صنفه في الأدب والمحاضرات دالا على معالي الأمور مرشد الكريم الأخلاق » زاجرا عن الدناءة والقبح » باعثا على الصواب والتدبير ورفق السياسة . والكتاب لقاح عقول العلماء ونتائج أفكار الحكماء والمتخير من كلام البلغاء وفطن الشعراء وسير الملوك وآثار السلف . 200 201 » 143 « « عبس » ضرير محطوم الوجه على الوليد » فسأله عن سبب ضرّه » فقال : بت ليلة في بطن وادي ولا أعلم على وجه الأرض « عبسيّا » يزيد ماله على مالي ؛ فطرقنا « 1 » سيل أذهب ما كان لي من مال وأهل وولد إلا صبيًّا رضيعا » وبعيرا صعبا ؛ فند « 2 » البعير والصبي معي » فوضعته » وأتبعت البعير لأحبسه » فما جاوزت إلا ورأس الولد في بطن الذئب قد أكله » فتركته » واتبعت البعير » فاستدار » فرمحني رمحة حطّم بها وجهي وأذهب عينيّ » فأصبحت لا ذا مال » ولا ذا أهل » ولا ذا ولد ء ولا ذا بدن . فقال الوليد : اذهبوا به إلى « عروة » ليعلم أنْ في الناس من هو أعظم بلاء منه » . وروي عن عبد الواحد بن زيد رضي الله تعالى عنه » أنه خرج مع بعض إخوانه إلى ناحية من نواحي البصرة » فأواهم السير إلى كهف جبل » فإذا فيه عبد مقطّع بالجذام « 3 » » ؛ بسيل جسده قيحا وصديدا » فقالوا له : يا هذا » لو دخلت البصرة فتعالجت من هذا الذي بك » فرفع طرفه إلى السماء وقال : يا سيدي » بأيّ ذنب سلّطت علي هؤلاء ليسخطوني عليك ويكرّهونك إليّ » سيدي لك العتبى من ذلك الذنب » وأستغفرك منه ولا أعود فيه أبدا . قال : ثم أعرض عنًا بوجهه » فانصرفنا » وتركناه . وروي عن بشر بن الحارث الحافي » رضي الله تعالى عنه » أنه قال : « رأيت ب « عبادان » رجلا قد قطعه البلاء وقد سالت حدقتاه على خديه وهو مع ذلك كثير الذكر عظيم الشكر لله تعالى قال : وإذا هو قد صرع من جنة « 4 » به » قال : فوضعت رأسه في حجري « 5 » وجعلت فقال : من هذا الفضوليّ الذي يدخل بين وبين ربّي ويعترض عليه في نعمته علي !! ونحّى رأسه من حجري .. . ٠‏ 1 قال بشر : فعاقدت الله تعالى أن لا أعترض على عبد في نعمة أراها عليه من البلاء . وقد روى في بعض الأخبار : أن يونس وجبريل عليهما الصلاة والسلام التقيا » فقال يونس لجبريل : دلّني على أعبد أهل الأرض » فأتى به على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه . قال : وإذا هو يقول : « متعتني بهما حيث شئت » وسلبتنيهما حيث شئت » وأبقيت لي فيك الأمل يا برّيا وصول . فقال يونس : يا جبريل » إنما سألتك أن تريني صواما قوّاما !! قال : إن هذا كان قبل البلاء هكذا » وقد أمرت أن أسلبه بصره » فأشار إلى (1 ) الطارق : الآتي ليلا . (2 ) ند الجمل : نفر وشرد . ( 3 ) الجذام : علة تتآكل منها الأعضاء وتتساقط . ( 4 ) الجنة : الجنون أي زوال العقل أو فساد فيه . ( 5 ) الحجر من الإنسان : حضنه وكنفه . 202 » 142 « ا ا ل 1ك بويا وصول . ش فقال جبريل : هلم تدعو وندعو معك أن يرد الله عليك يديك » ورجليك » وبصرك » فتعود إلى العبادة التي كنت فيها . فقال : ما أحبٌ ذلك . قال : ولم ؟ قال : إذا كانت محبّته في هذا فمحبّته أحبّ إليّ من ذلك . قال يونس : يا جبريل » واللّه ما رأيت أحدا أعبد من هذا . قال جبريل : يا يونس » إن هذا طريق ليس يتوصّل إلى رضاه بشيء أفضل منه » . وفي الخبر : « إذا أحبّ الله عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن رضي اصطفاه » « 1 » . وفيها أيضا يحصل له كفارة الذنوب والخطايا » ويستوجب من الله جزيل الهبات والعطايا » ولا سبيل له إلى ذلك إِلَّا بما يرد عليه من أنواع البلايا ؛ لأن العبد قد يعجز عن القيام بوظائف الطاعات » ويتكاسل عن المواظبتة على نوافل « 2 » الخيرات » فيكون حينئذ محروما من ثوابها غير حاصل له تكفير سيئاته بها » وإن قدر عليها ولم يتكاسل عنها لم يأمن تخليصها من فليسحن العبد ظنه بمولاه » وليعلم أن ما اختاره له خير له مما يختاره لنفسه بشهواته وهواه . فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للرجل الذي قال له : أوصني ٠»‏ قال : « لا تنّهم الله في شيء قضاه عليك » « 3 » . وذكر مسلم « 4 » » رحمه الله » من حديث صهيب « 5 » » رضي الله عنه » قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « عجبا لأمر المؤمن : إن أمره كلّهِ خير » وليس ذلك لأحد إِلّا للمؤمن ؛ إن (1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 38 ٠ 524 ٠ 277 / 9 ١»‏ 650 ) . والفتني في ( تذكرة الموضوعات 193 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 30793 ٠‏ 6771 (2 ) النوافل : ( ج ) نافلة : وهي ما زاد على النصيب أو الحق أو الفرض » والنافلة : الهبة . (3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 » 319 ) . ( 4 ) مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري ( 204 - 261 ه - 820 - 875 م ) أبو الحسين حافظ من أئمة المحدثين . ولد بنيسابور . ورحل إلى الحجاز ومصر والشام والعراق » وتوفي بظاهر نيسابور » أشهر كتبه « صحيح مسلم » و « المسند الكبير » وغيرهما . ( الأعلام 7 / 221 ٠»‏ وتذكرة الحفاظ 2 / 150 » وتهذيب الكمال 18 / 68 » ووفيات الأعيان 5 / 14 - 196 ). (5 ) صهيب بن سنان بن مالك ( 32 ق ه - 38 ه - 592 - 659 م ) من بني النمر بن قاسط . صحابي » من أرمن العرب سهما » وله بأس ٠‏ وهو أحد السابقين إلى الإسلام » فلما أزمع المسلمون الهجرة إلى المدينة » كان صهيب قد ربح أموالا وفيرة من تجارته » فمنعه مشركو قريش لكنه تخلى عن هذا المال مقابل إخلاء سبيله » وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها . له ( 307 203 204 « 145 » أصابه خيرا له » وإن أصابه ضر فصبر كان خيرا له » «1 » . وذكر البخاريّ ومسلم في صحيحهما من حديث أبي هريرة » وأبي سعيد الخدري » رضي الله عنهما » أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب « 2 » ولا سقم ولا حزن حتى الهمَّ يهمّه إلّا كفر اللّه به من سيئاته » « 3 » . وذكر أيضا من حديث عبد الله بن مسعود » رضي الله عنهما » قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إِلَّا حطّ الله تعالى عنه به سيئاته كما تحط الشجرة أوراقها » « 4 » . وذكر البخاري ومسلم من حديث عائشة » رضي الله عنها » قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها إلا كتبت له درجة ومحيت عنه بها خطيئة » « 5 "نا . وذكر البخاري أيضا عن أبي هريرة » رضي الله عنه » قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من يرد الله به خيرا يصب منه » « 6 » . وفي حديث أنس بن مالك » رضي الله تعالى عنه » قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مثل المريض إذا برئ وصحّ من مرضه كمثل البردة « 7 » » تقع من السماء في صفائها ولونها » « 8 ». وروى عن عيسى عليه السلام » أنه قال : « لا يكون عالما من لا يفرح بدخول (1 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 1 182٠177 ٠» 173 ٠»‏ ) . (2 ) الوصب : الوجع والمرض أو التعب والفتور في البدن . النصب : التعب . (3 ) أخرجه البخاري ( مرضى » 1 ) » ومسلم ( برَّء 52 ) » والترمذي ( جنائز » 1 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 24٠18 » 4٠23 » 335 » 303 ٠»‏ » 38 » 48 81:61). (4) أخرجه البخاري ( مرضى » 3 » 16 ) ٠»‏ ومسلم ( برّء 45 ) » وابن ماجة ( أدب » 56 ) ٠‏ والدارمي ( رقاق » 57 ) ٠»‏ وأحمد بن حنبل ( 1 ٠ 441 ١ 381 ٠‏ 455 ) . (5 ) أخرجه البخاري ( مرضى » 3 ) ومسلم ( بوّء 46 » 47 ١»‏ 48 ) » والترمذي ( جنائز » 1 ) والموطأ ( عين » 6 ) » وأحمد بن حنبل ( 1 » 441 » 3 ٠ 39 » 6 » 56 » 4 » 23 ٠»‏ 42 ١ 27/8 ١» 257 ٠» 255 » 215 ٠» 203 ١» 185 ١17/5 2» 173 » 160 » ٠‏ 2/9 . ( 6 ) أخرجه البخاري ( علم » 10 ٠ ) 13 ٠‏ ( خمس » 7 ) » ( فضائل الصحابة » 5 ) ؛ ( مرضى » 1 ) ( اعتصام » 10 ) » ومسلم ( إمارة » 175 ) » والترمذي ( علم » 1 ) » ( قدر . 8) زهدء 57 ) » والنسائي ( بيعة » 33 ) » وابن ماجة ( مقدمة » 17 ) » والموطأ ( قدر 85)ء(عين» /). (7 ) البردة : واحدة البرد : ما يتساقط من ماء الغمام متجمدا على شكل حبات كروية » ويسمى حب الغمام وحب المزن . 205 206 » 146 « المصائب والأمراض على جسده وماله » لما يرجو بذلك من كفارة خطاياه » . وروى عن نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام أخبار كثيرة في الحمّى والعمى وغير ذلك . وروى البزّار من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه : « أنه دخل على رسول لله صلى اله عليه وسلم » فوضع يده عليه » وعليه حمّى » فوجد حرّها من فوق اللحاف ٠‏ فقال : ما أشدّها عليك يا رسول الله ! ! قال : « إِنَا كذلك يشتد علينا البلاء ليضاعف لنا الأجر » » قال : يا رسول الله : أيّ الناس أشدّ بلاء ؟ قال : « الأنبياء » ثم الصالحون : أن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إِلّا عباءة يحويها » وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله » وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء » « 1 » . وقيل في معنى قوله تعالى :فِيهِ رجالٌ يُحِبُونَ أنْ يَتَطَهُرُوا وَاللَهُ يْحِبُ الْمُطْهّرِينَ[ التوبة : 108 ] أي : من الآثام والذنوب بالحمّى والأمراض » كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنه للحمّى : « اذهبي إلى أهل قباء » « 2 » وقد روى في بعد الأخبار بدلا من أهل قباء « الأنصار » ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم « رأى يوما شخصا أسود ء فقال : من أنت ؟ فقالت : أم ملدم » آكل اللحم وأشرب الدم وحرّى من فيح جهنم : صورة الحمّى . فقال عليه السلام « اذهبي إلى الأنصار فإنَ لهم علينا حقوقا » فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم فلم ير أحدا من الأنصار حضر الصلاة » فطلبهم » فقيل : أخذتهم الحمّى : فقال : فقوموا بنا نعودهم . وقال لهم : الحمى طهارة وكفارة . فقالوا : يا رسول اله » ادع الله حتى يزيدنا منها » « 3 » وذكر مسلم » رحمه الله » من حديث جابر رضي الله عنه » « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم السائب [ أو أمّ المسيّب ] فقال : ما لك يا أمّ السائب [ أو يا أم المسيّب ] ترفرفين ؟ قالت : الحمّى » لا بارك الله فيها ! ! فقال : لا تسبّي الحمّى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد » « 4 » . وذكر البخاري من حديث أنس بن مالك » رضي الله عنه » قال : سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول : إن اللّه - عر وجل - قال : إذا ابتليت عبدي المؤمن بحبيبتيه » ثم (1) أخرجه الترمذي ( زهد » 57 ) » والبخاري ( مرضى ؛ 3 ) » وابن ماجة ( فتن » 23 ) » والدارمي ( رقاق » 67 ) » وأحمد بن حنبل ( 1 » 172 ١ 94 ٠ 3 » 185 ٠» 180 ٠ 174 ٠»‏ 6 3269٠‏ ). (2 ) أخرجه الطبراني في ( المعجم الكبير 6 / 302 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 9 527 ) » وابن كثير في ( البداية والنهاية 6 / 183 ) . ( 3 ) أخرجه ابن كثير في ( البداية والنهاية 6 / 183 ) . ( 4 ) أخرجه ابن ماجة ( طب »؛ 18 ) . 207 « 147 » صبر » عوضئته منهما الجنة » « 1 » يريد : عينيه . كذا قال في آخر الحديث من قول أحد الرواة والحبيبتان » هما العينان » وهما الكريمتان أيضا . وروى أن أنس بن مالك » وأبا ظلال » رضي الله عنهما » كانا في بيت « ثابت البنانيّ » فقال أنس : يا أبا ظلال » متى فقدت بصرك ؟ قال : وأنا صبيّ لا أعقل . فقال : ألا أحدّثك حديثا بك وجل » « قال : يا جبريل » ما جزاء من سلبت كريمتيه . قال : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا قال : جزاؤه الخلود في داري والنظر إلى وجهي » . ومن طريق هلال بن سويد » وهو أبو ظلال المذكور » أنه سمع أنسا » رضي الله عنه » يقول : « مر بنا ابن أم مكتوم » فسلّم » فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا أحدّثكم بما حدّثني به جبريل عليه السلام عن هذا وأضرابه الذين ذهبت أبصارهم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حدّثني جبريل أن الله عزّ وجل يقول : حقّ عليّ : من أخذت كريمتيه ليس له جزاء إِلّا الجنة » « 2 ». وفي حديث بريدة « 3 » عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما أصيب عبد بعد دينه بأشدّ من ذهاب بصره » وما ذهب بصر عبد فصبر إلا لقي الله ولا حساب عليه » « 4 » . وذكر البخاريّ ومسلم » رحمهما الله تعالى » من حديث ابن عباس « 5 » » رضي الله عنهما . » أن امرأة سوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إنّي أصرع « 6 » » وإنّي انكشف » فادع اللّه لي . قال إن شنت حيرت ولك الحنة » وإن شنت دعوت انه أن (1 ) أخرجه البخاري ( مرضى » 7 ) ٠‏ وأحمد بن حنبل ( 3 ٠‏ 144 ) . ( 2 ) أخرجه الترمذي ( زهد ء 58 ) ٠‏ وأحمد بن حنبل ( 5 » 258 ) . (3 ) بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي ( توفي سنة 63 ه - 683 م ) من أكابر الصحابة » أسلم قبل بدر ؛ ولم يشهدها ء وشهد خيبر وفتح مكة » واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات قومه » وسكن المدينة » وانتقل إلى البصرة ثم إلى مرو فمات بها له 7 حديثا . ( الأعلام 2 / 50 » وتهذيب الكمال 3 / 30 . ( 4 ) أخرجه المتقي الهندي في ( كنز العمال 6527 ) » والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 1 / 304). ( 5 ) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ( 3 ق ه - 68 ه - 619 - 687 م ), أبو العباس ٠‏ حبر الأمة الصحابي الجليل » ولد بمكة ونشأ في بدء عصر النبوة » فلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عنه الأحاديث الصحيحة » وشهد مع عليّ الجمل وصفين » وكف بصره في آخر عمره ؛ فسكن الطائف وتوفي بها . له في الصحيحين وغيرهما ( 1660 ) حديثا . ( الأعلام 4 / 95 ٠»‏ وحلية الأولياء 1 / 314 » وتهذيب الكمال 10 / 250 » ووفيات الأعيان 3 208 209 » 148 « يعافيك . قالت : اصبر . ثم قالت : فإِني أنكشف » فادع الله أن لا أنكشف . فدعا لها » « 1 » إلى غير ذلك مما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الباب مما لا يحصى كثرة . وفيها أيضا يحصل له تحدي التوية واداء الحفورق و التبعات والظاامات وكترة الامتغفار 1 التذكار » وكثرة ذكر الموت ؛ إذ ذاك أبلغ ما يذكر به » فقد قيل : « الحمى بريد الموت » . وقد قيل في قوله تعالى :أولا يَرَوْنَ أَنّْهُمْ يفتَنُونَ فِي كُلَ عام مَرَةٌ أو مرا نه لا ران ولا هُمْ يَدْكّرُونَ[ التوبة : 126 ] أي : يختبرون بها . وفي حديث عائشة « 2 » وأنس رضي الله عنهما « قيل : يا رسول اللّه » هل يكون مع الشهداء يوم القيامة غيرهم ؟ قال : نعم » من ذكر الموت كل يوم عشرين مرة » وفي لفظ الحديث الآخر : ( من يذكر ذنوبه فتحزنه ) . وقد كان السلف ؛. رضي الله عنهم » يستوحشون « 3 » إذا خرج عنهم عام لم يصابوا فيه بنقص من نفس أو مال . ويقال : « لا يخلو المؤمن في كل أربعين يوما أن يراع [ يرع ] بروعة » أو يصاب بنكبة » » وكانوا يكرهون فقد ذلك في هذا العدد من غير أن يصابوا فيه بشيء . وفيها أيضا يقع له خلف ما يفوته من الطاعات ونوافل العبادات فيكتب له في مرضه مثل ما كان يعمل من ذلك في صحته » وذلك أبلغ له في الوصول إلى غرضه ء لأنه من اختيار الله تعالى له ؛ وهو خير مما اختاره لنفسه » وفي الخبر : يقول الله تعالى لملائكته اكتبوا لعبدي صالح ما كان يعمله في صحته » فإنه في وثاقي » إن أطلقته أبدلته لحما خيرا من لحمه » ودما خيرا من دمه » وإن توفيته توفيته إلى رحمتي » . وفي الحديث الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري « 4 » ٠‏ رضي الله عنه » قال : (1 ) أخرجه البخاري ( مرضى » 6 ) » ومسلم ( برَّء 54 ) » وأحمد بن حنبل ( ٠3‏ 211 ) . ( 2 ) عائشة بنت أبي بكر الصديق ( توفيت 58 ه - 678 م ) أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين . كانت زوجة الرسول وأحب نسائه إليه » وأكثرهن رواية للحديث . ( الأعلام 3 / 240 » والرسالة القشيرية ص 128 » وتهذيب الكمال 22 / 3/2 ) . (3 ) استوحش : وجد وحشة . ( 4 ) عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب ( 21 ق ه - 44 ه - 602 - 665 م ) أبو موسى من بني الأشعر من قحطان » صحابي من الشجعان الولاة الفاتحين » وأحد الحكمين اللذين رضي بهما عليّ ومعاوية بعد حرب صفين . ولد في زبيد باليمن وقدم مكة فأسلم وهاجر إلى أرض الحبشة » ثم استعمله الرسول صلى الله عليه وسلم على زبيد وعدن ٠‏ وولاه عمر البصرة فافتتح أصبهان والأهواز وولي عليها ثم عزل » فانتقل للكوفة فولي عليها وبعد وفاة عثمان أقره علي لكن عندما أرسل عليّ يدعو أهل الكوفة لينصروه فأمرهم أبو موسى بالقعود فعزله علي ؛ 210 2011 » 149 « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعلم مقيما صحيحا » « 1 » إلى غير ذلك من الألطاف التي لا نعلمها » وإنما ذكرنا هذه المعاني هاهنا ؛ لأنها لائقة بكلام المؤلف » رحمه الله » وكأنها مفسّرة له . وأيضا فإن العبد محتاج إليها غاية الاحتجاج ؛ لأنه في حال نزول البلايا يتسخط » ويجزع » ويضطرب إيمانه » ويتزلزل إيقانه » فيحتاج إلى مذكّر يذكّره بأمثال هذه المعاني » ليحصل له بذلك من الرضا وحسن الظنّ بالله تعالى والمحتّة له ما يرجى له يذلك إن مات من فوره حسين الخائمة وحن لقاء الله تعالى _ و الأعمال بخواتيمها . | | وهذا الغرض هو الذي أوجب لنا في هذا الفصل الإكثار من الحكايات وإظهار نسبة أكثر الأحاديث فيه الى رواتها الثقات ؛ لتطمئن قلوب أهل البلاء يذلك وتسلك إلى الله واضحلتة كلك المسالك . واللّه وليّ التوفيق . 9 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لا يخاف عليك أن تلتبس الطرق عليك وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك ) الطريق إلى الله تعالى واضحة لائحة ؛ لأنّ الحق تعالى هو الذي تولّى ذلك » وبه أنزل الكتب وأرسل الرسل ونصب عليه الأدلّة والبراهين » فلا يخاف على العبد من التباسها عليه » وإنما يخاف من غلبة الهوى عليه حتى يعميه ذلك عن ربّه . قال أحمد بن خضرويه البلخي « 2 » رضي الله عنه : « الطريق واضح » والحقّ لائح » والداعي قد أسمع » فما التحيّر بعد هذا إلا من العمى » . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور البشرية ؛ وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ). سرّ الخصوصية » هو : حقيقة المعرفة التي اختصّ بها أهل ولاية الله تعالى بحيث لا يبقى معها وجود لغير ولا كون . : وذلك لما جعله فيهم من التهيؤ والقابلية ؛ فمن لطيف حكمة الله تعالى أن ستر ذلك بما أظهره من البشرية التي من لوازمها وجود الغير والكون . ولولا هذا الستر لكان سر الله مبتذلا غير مضمون كما قال في « لطائف المنن » : « ولا بدّ للشمس من سحاب » وللحسناء من نقاب » « 3 » . ثم إنَ من حقيقة ظهور البشرية الاتصاف بصفة الافتقار (1 ) أخرجه الترمذي ( دعاء » 36 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 » 203 ) . ( 2 ) هو أبو حامد أحمد بن خضرويه البلخي ( توفي 240 ٠‏ / 854 م ) من كبار مشايخ خراسان وكان كبيرا في الفتوة » صحب أبا تراب النخشبي » قدم نيسابور وزار أبا حفص » وخرج إلى بسطام في زيارة أبي يزيد البسطامي ( الرسالة القشيرية ص 410 ) . 212 213 « 150 » والاحتياج وغير ذلك من أوصاف الحدوث . وذلك هو حقيقة التألّة والتعبّد » فظهر لنا من ذلك لزوم وجود إله معبود . وهذه هي عظمة الربوبية التي ظهرت لنا من وراء حجاب العبودية » واولا ذلك لكان ياطنا لا يظير كما قال سيدي أبو الحسن الشلالي رحبي اله عنه : «ر العيردية جوهرة أظهرتها الربوبية » فسبحان اللطيف الخبير » ومن هو على كل شيء قدير . والتسبيح الذي ذكره المؤلف هاهنا في غاية المناسبة لما ذكره من المعنى . 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا تطالب ربك بتأخر مطلبك . ولكن طالب نفسك بتأخر أدبك ) . رلك 37 37ج بو السهكب زا تقتين نك اكجكية تحجن 7ه زه انام بالك قرن بدن عا تنا رلا يبال عقا بدح رلك الال لله لكر اريك :فيا 61 للمطالبة . وسوء أدبها من وجوه : عبوديتك » وسيأتي هذا المعنى عند قوله : « لا يكن طلبك سببا إلى العطاء منه » فيقلٌ فهمك عنه ؛ وليكن طلبك لإظهار العبودية وقياما بأحكام الربوبية » . والثاني : اعتقادك أنه لم يستجب لك ؛ إذ ظهر لك عدم الإجابة منه » وليس من شرط الإجابة أن تظهر لك ؛ بل له أن يخفيها عنك لما في ذلك من المصالح ٠‏ والإجابة إليه أمرها يجعلها ما شاء مما تعلمه أو تجهله . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : ( لايكن تأخير أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك فهو ضمن لك الإجابة؛ فيما يختاره لك؛ لا فيما تختاره لنفسك؛ وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الي 1 ْ والثالث : وهو أشدّ : اعتراضك على ربك في حكمه ومطالبتك له إذا تأخرت إجابته عليك . م ذكر المؤلف- رحمه الل تعاني - الحالة إلي يكون عليها العيد قائما بحق الأدب + وواصلة قل غاية الأرب » فقال : 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 00 (متى جعلك في الظاهر ممتثلا لأمره ورزقك في الباطن الاستسلام لقهره فقد أعظم المنة عليك). هذان الأمران اللذان يلزمانك في إقامة العبودية لربك لا غير » فمتى يسّرهما الله تعالى لك وأقامك في مراعاة أحكامهما ووفقك لذلك فقد أعظم المئة عليك » فلماذا تتشوف ؟ ! وما الذي تلتمس بعدهما إن كنت عبدا حقيقيا ؟ ! 214 215 » 151 « فنحن كذلك وإذا بشيخ على باب المغارة يستأذن » فأذنا له » فدخل » فسلم » ووقف » فقلنا له : من أنت ؟ فقال : عبد الملك . فعلمنا منه أنه من أولياء الله » فقلنا له : كيف حالك ؟ فقال : كيف حالك . . . [ كيف حالك . . . ] يردّها كالمنكر علينا . . . ثم قال : كيف حال من يقول لنفسه في هذه الجمعة أكون وليّا . . . في هذا الشهر أكون وليّا . فلا ولاية » ولا فلاح » ولا دنيا » ولا آخرة » يا نفس ألا تعبدين الله تعالى كما أمرك مخلصة لوجهه كما أمرك » قال الله تعالى :وَما خَلَفْتْ الْجِنّ وَالْإنْسَ إِلّا لِيَعبْدُونِ [ الذاريات : 56 ] ثم انصرف عنا فانتبهنا لغلطتنا » وتيقظنا : من أين دخل علينا ؟! وعلمنا أن الله تعالى رحمنا به » فرجعت على نفسي باللوم والتوبيخ » وقلت لها : يا نفس !! من أنت ؟ وما عملك ؟ وما خطرك ؟! أنت لا شيء . وتبنا واستغفرنا الله تعالى . قال : ففتح الله علينا بجوده وفضله . 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : [ ليس كل من نبت تخصيصه كمل تخليصه ع( ( لا يستحقر يستحقر الورد إلا جهولء الوارد يوجد في الدار الآخرة,. و الورد ينطوي بانطواء هذه الدارء و أولى ما يعتنى به ما لا يخلف وجوده. و الورد هو طالبه منك. و الوارد أنت تطلبه منه» و أين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه ). التخصيص هاهنا ١‏ »؛ هو : أن يظهر الحق تعالى على بعض عباده أثرته » وعنايته » وتولية لطفه 7ه “د 5ٍ4ظهض>+آ«|+|+ | 93هسه4ه3 ومنهم من يوقفه عن بلوغ ذروة الكمال ويريه في حاله بما يليق به من علوم وأعمال » وهؤلاء عامة المقرّبين وخاصة أصحاب اليمين العبّاد الزهاد » وأهل المجاهدة والأوراد » وهؤلاء وإن شاركوا الأوّلين فيما يتحفهم الحق تعالى من لطائف الكرامات » وفيما يمنحهم إِيِّاه من القيام بوظائف الطاعات والعبادات فلم يتخلصوا من رؤية نفوسهم » ولم ينفكوا عن مراعاة حظوظهم » جاه شمر إلى الماح صر لوجر اسداس اناري ررسسعها الارلان 0 اللبيا: الا لع ا ل والقوة والتمكين » كما قال صاحب كتاب « عوارف المعارف » . وقد يكون من لا يكاشف بشيء من معاني القدر أفضل مما يكاشف بها إذا كاشفه الله تعالى بصرف المعرفة » فالقدرة أثر القادر » ومن أهَل لقرب القادر لا يستغرب ولا يستكثر شيئا من القدرة » ويرى القدرة تتجلى له من سجف « 1 » أجزاء عالم الحكمة . وسئل الشبلي رضي الله عنه » وقيل له : إن أبا تراب ذكر أنه جاع في البادية فرأى البادية كلها طعاما . فقال : عبد رفق به ولو بلغ إلى محل التحقيق لكان كمن قال : إني أبيت عند ربّي فيطعمني ويسقيني . 217 » 152 « قال في « لطائف المنن » : « واعلم أن الكرامات تارة تظهر للولي نفسه » وتارة تظهر منه لغيره » فإن ظهرت للوليّ في نفسه فالمراد تعريفه بقدرة الله » وفرديته » وأحديته » وأن قدرته لا تتوقف على الأسباب » وأن العوائد هو حاكم عليها ليست هي حاكمة عليه » وإنما جعل العوائد والوسائط والأسباب حجب قدرته » وسحب شمس أحديته » فالواقف عندها مخذول » والنافذ منها إليه من هو بالعناية موصول قال : وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : « فائدة الكرامة تعريف اليقين من الله تعالى بالعلم يي ل ل ل ع ا ا ا ار اند بات فى بداراتيم ) رنكدها أهل ا 62 أهل النهايات من الرسوخ في اليقين والقوة والتمكين لا يحتاجون معه إلى مثبت . وهكذا كان السلف رضي الله عنهم لم يحوجهم الحقٌّ سبحانه وتعالى إلى ظهور الكرامات الحسية لما أعطاهم من المعارف الغيبية والعلوم الإشهادية ولا يحتاج الجبل إلى مرساة » فالكرامة رافعة لزلزلة الشك في المنة ومعرّفة بفضل الله تعالى فيمن ظهرت عليه وشاهدة له بالاستقامة مع الله سبحانه . والناس في الكرامات على ثلاثة أقسام : قوم يجعلونها غاية الأمرء فإن وجدوها عظّموا من ظهرت عليه » وإن فقدوها لم يتوجّهوا بالتعظيم إليه . وقسم قالوا : وما هي الكرامات ؟ إنما هي خدع يخدع بها أهل الإرادة ليقفوا بها على حدودهم حتى لا يلحقوا مقاما ليس هو لهم ء حتى قال أبو تراب النخشبي لأبي العبّاس الرقي : ما يقول أصحابك في هذه الأمور التي تكرّم الله بها على عباده ؟ فقال : ما رأيت أحدا إلا وهو مؤمن بها فقال أبو تراب : من لم يؤمن بها فقد كفر » إنما سألتك من طريق الأحوال . فقال : ما أعرف لهم قولا . فقال أبو تراب : بل قل زعم أصحابك أنها خدع من الحق » وليس الأمر كذلك » إنما الخدع في حال السكون إليها » فأمّا من لم يفرح بها ولم يساكنها فتلك مرتبة الربانيين . وكان هذا من أبي تراب رضي الله عنه بعد أن عطش القوم وهم أصحابه » فضرب بيده الأرض فنبع الماء » فقال فتى : إني أريد أن أشربه في قدح » فضرب بيده الأرض فناوله قدحا من زجاج أبيض فشرب وسقانا » قال أبو العباس الرقّي : وما زال القدح معنا إلى مكة . قال الشيخ أبو الحسن : « والقول الفصل في ذلك : أنه لا ينبغي أن تطلب , أدبا مع الله تعالى ؛ ومن ظهرت عليه عظّم لأنها شاهدة له بالاستقامة مع الله سبحانه وتعالى 6 218 » 153 « قال : « والقسم الثالث : وهو أن تظهر الكرامات في الوليّ لغيره » والمراد بذلك تعريف ذلك العبد الذي شهدها بصحة طريق هذا الولي الذي ظهرت عليه الكرامة إمّا أن يكون جاحدا فيرجع إلى الاعتراف », أو كافرا فيعود إلى الإيمان » أو شاكًا فى خصوصية هذا العبد فأظهرت عليه ليعرّفك اللَّه بما فيه من ودائع الإحسان » انتهى كلامه . . قال أبو النصر السراج « 1 » : « سألت أبا الحسن بن سالم فقلت له ما معنى الكرامات وهم قد أكرموا حتى تركوا الدنيا اختيارا » وكيف أكرموا بأن تجعل لهم الحجارة ذهبا » فما وجه ذلك ؟ فقال : لا يعطيهم ذلك لقذرها » ولكن يغطيهم ذلك حتى يحتجوا بذلك على نفوسهم عند اضطرابها وجزعها من فوت الرزق الذي قسم الله لهم » فيقولون : الذي يقدر على أن يصيّر لك الحجارة ذهبا كما هو ذا تنظرين إليه قادر على أن يسوق إليك رزقك من حيث لا تحتسبين » فيحتجوا بذلك على تصحيح نفوسهم عند فوت الرزق ويقطعوا بذلك حجج نفوسهم » فيكون ذلك سببا لرياضة نفوسهم وتأديبا لها . قال أبو نصر : « وقد حكى لنا ابن سالم في معنى ذلك حكاية عن سهل بن عبد اللّه رضي الله عنه أنه قال : كان رجل بالبصرة يقال له « إسحق بن أحمد » وكان من أبناء الدنيا فخرج من الدنيا » أعني من جميع ماله » وتاب » وصحب سهلا فقال يوما لسهل : يا أبا محمد » إن نفسي هذه ليست اه الطران . لطتان تت انر ري سن ا ين لد صن تريس رتك أن يصيره لف طعاما تأكله »فقال له : ومن مام فى ذلك تحت أقعل © فقال : إمامك إبراهيم عليه السلام حيث قال : ( رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) المعنى في ذلك : أنّ النفس لا تطمئن إلا برؤية العين ؛ لآن من جبلتها الشكَ » فقال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى حتى تطمئن نفسي فإني مؤمن بذلك » والنفس لا تطمئن إلا برؤية العين قال : فكذلك الأولياء يظهر الله لهم الكرامات تأديبا لنفوسهم وتهذيبا لها » وزيادة لهم » انتهى وقال بعض العلماء : ما رأيت هذه الكرامات إِلّا على أيدي البله من الصادقين . وكان رجل يصحب سهل بن عبد الله » رضي الله عنه » فقال له يوما : ربّما أتوضأ للصلاة فيسيل الماء من بين يديّ قضبان ذهب وقضبان فضّة . فقال سهل أما علمت أن (1 ) أبو نصر السراج ( توفي سنة 378 ه - 988 م ) عبد الله بن علي الطوسي » أبو نصر السراج » زاهد » كان شيخ الصوفية » على طريقة السنة . له كتاب « اللمع » في التصوف . ( الأعلام 4 / 104 » وشذرات الذهب 3 / 91 ٠»‏ وكشف الظنون 2 / 1562 ) . 9ًغ20ظ 200 « 154 » الصبيان إذا بكوا أعطوا « خشخاشة » « 1 » ليشتغلوا بها . وحكى جعفر الخالدي « 2 » عن الجنيد » رضي الله تعالى عنه قال : جاءني أبو حفص النيسابوري مرّة ومعه « عبد الله الرباطي » وجماعة » وكان فيهم رجل أصلع قليل الكلام » فقال يوما لأبي حفص : قد كان فيمن مضى لهم الآيات الظاهرة ( يعني بها الكرامات ) وليس لك شيء من ذلك ! ! فقال أبو حفص » رضي الله عنه : تعال » فجاء به إلى سوق الحدّادين إلى كير عظيم » فأحمى فيه حديدة عظيمة » فأدخل يده فى الكير فأخذ الحديدة المحماة : فأخرجها فبردت في يده » فقال له : يجزيك هذا ! ! فسئل بعضهم عن معنى إظهار ذلك من نفسه فقال : كان مشرفا على حاله فخشي على حاله أن يتغير عليه إن لم يظهر له ذلك » فخصّه بذلك شفقة عليه وصيانة لحاله ٠‏ وزيادة لإيمانه » بل ربما ينفر عنها العارفون » ويخاف منها المحققون . قال بعض السلف : ألطف ما يخادع به الأولياء الكرامات والمعونات . وذكر عن حفص ء, أو غيره » أنه كان جالسا وحوله أصحابه فنزل ظبي من الجبل فبرك عندهم » قال : فبكى أبو حفص فسئل عن بكائه فقال : كنتم حولي فوقع في قلبي أن لو كان لي شاة لذبحت فأجراه معه » فبكيت وسألته الإقالة مما تمنيت وأطلقت الظبي . ويحكى أن بعض الأبدال قال لتلميذ من تلامذة الشيخ أبي مدين » رضي الله عنه : ما بالنا لا يعتاص علينا شيء » وهو يعتاص عليه أقل الأمور مع أنا نتمنى مقامه وهو لا يتمنى مقامنا فيلخ ذلك الشنيخ أبا مدين ء فقال:: قل يه تركنا مرادنا لمراده . وعن بعضهم أنه كان يسير في البادية فانتهى إلى بئر فإذا الماء ارتفع إلى رأس البئر فقال : أنا أعلم أنك قادر على هذا » ولكن لا أطيقه » فلو قيضت لي بعض الأعراب ليصفعني صفعات ويسقيني شربة ماء كان أسلم لي . ثم إني أعلم أن ذلك الرفق ليس من جهته . (1 ) الخشخاش : جنس نباتات عشبية من الفصيلة الخشخاشية فيه أنواع برية وأخرى تزرع لزهرها » وفيه النوع الذي يستخرج الأفيون من ثماره . (2 ) جعفر بن محمد بن نصير ( 253 - 348 ه - 867 - 959 م ) أبو محمد الخلدي » شيخ الصوفية في أيامه ببغداد » وأعلمهم بالحديث . كان خوّاصا ء» نسبته إلى قصر الخلد ببغداد ولم يكن منه وإنما دعاه الجنيد بالخلدي , فلزمه . حج 56 حجة . مولده ووفاته ببغداد . 221 » 155 « قال يحيى بن معاذ الرازي » رضي اله تعالى عنه : إذا رأيت الرجل يشير إلى الآيات والكرامات فطريقه طريق الأبدال » وإذا رأيته يشير إلى الآلاء والنعماء فطريقه طريق المحبة » وهو أعلى من الذي قبله » وإذا رأيته يشير إلى الذكر ويكون قلبه معلّقا بالذكر الذي ذكر فطريقه طريق العارفين » وهو أعلى درجة من جميع الأحوال . وقال أبو يزيد » رضي الله عنه : كنت في بدايتي يريني الحقّ تعالى الآيات والكرامات فلم ألتفت إليها » فلما رآني كذلك جعل لي إلى معرفته سبيلا .لا يستحقر الورد إلا جهول . [ لا يستحقر الورد إلا جهول» الوارد يوجد في الدار الآخرة» و الورد ينطوي بانطواء هذه الدار» وأولى ما يعتنى به ما لا يخلف وجوده. و الورد هو طالبه منكء و الوارد أنت تطلبه منه» و أين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه ] الوارد يوجد في الدار الآخرة » والورد ينطوي بانطواء هذه الدار » وأولى ما يعتنى به ما لا يخلف وجوده .الورد هو طالبه منك » والوارد أنت تطلبه منه ؛ وأين ما هو طالبه منك مما هو الورد : عبارة عما يقع بكسب العبد من عبادة ظاهرة أو باطنة . والوارد : هو الذي يرد على باطن العبد من لطائف وأنوار فينشرح بها صدره » ويستنير بها قلبه وسره . فالورد : ما من العبد للحقٌّ تعالى من معاملة وعبودية . والوارد : ما من الحق سبحانه وتعالى للعبد من لطف وكرامة . والورد أحقّ ما يعتني به العبد ويراعيه من الوارد » لوجهين : أحدهما : أن الورد مختصّ بهذه الدار لا يقع إِلّا فيها ؛ فهو منقطع بانقطاعها وفان بفنائها . فينبغي للعبد أن يستكثر من الأوراد قبل فواتها ؛ إذ لا يمكنه خلف ما فات منها . والثاني : أن الورد هو حقّ الحق منك » والوارد هو حظك منه . وقيامك بحقوقه عليك أولى وأليق بالعبودية من طلب حظوظك ووقوفك معها » فإذا ثبتت مزية الورد على الوارد باعتبار العبد كان استحقاره من نهاية الجهل » وكان مستحقره جهولا » كما قال في « لطائف المنن » : « واعلموا أن الله تعالى أودع أنوار الملكوت في أصناف الطاعات » فإن من فاته من الطاعات صنف , أو أعوزه من الموافقة جنس فقد من النور بمقدار ذلك فلا تهملوا شيئا من الطاعات » ولا تستغنوا عن الأوراد بالواردات ٠‏ ولا ترضوا لأنفسكم بما رضي به المذّعون من جرى الحقائق على ألسنتهم وفقد أنوارها من قلوبهم ؛ لأن الحق بحكمته جعل الطاعة الجارية على العباد مستقرعة لباب الغيب » فمن قام بالطاعة 202 » 156 « والمعاملة بشرط الأدب لم يحتجب الغيب عنه » وإنما حجاب الغيوب وجود العيوب ٠»‏ والتطهر من العيب يفتح لك باب الغيب , ولا تكن ممن يطلب الله لنفسه ولا يطالب نفسه لله ؛ فذلك حال الجاهلين الذين لم يفهموا عن الله » ولا واجههم المدد من الله » والمؤمن ليس كذلك ؛ بل المؤمن من يطالب نفسه لربّه ولا يطالب ربّه لنفسه ؛ فإن توقف عليه الوقت استبطأ أدبه ولا يستبطىء مطلبه » . ثم ذكر كلاما كثيرا » وفي كلامه » رحمه الله تعالى » تنبيه على تأكّد أمر الأوراد وعظم موقعها من الدين وأن مراعاتها من أحسن سمات العارفين »؛ وقد رؤى الجنيد » رضي الله تعالى عنه » وفي يده سبحة « 1 » » فقيل له : أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة ! !. فقال : نعم » سبب وصلنا به إلى ما وصلنا لا نتركه أبدا . وكان يدخل كل يوم حانوته » ويسبل الستر » ويصلي أربعمائة ركعة ثم يعود إلى بيته » ورؤي بعد وفاته في المنام فقيل له : ما فعل اللَّه بك ؟ فقال : طاحت تلك الإشارات وفنيت تلك العبارات لي وحكى أبو محمد الحريري رضي الله تعالى عنه » قال : كنت عند الجنيد » رضي الله عنه » في حال نزعه » وكان يوم جمعة » ويوم نيروز « 2 » » وهو يقرأ القرآن فختم » في هذه الحالة يا أبا القاسم ؟ ! فقال : ومن أولى مني بذلك وهو ذا يطوى صحيفتي ! ! وقال أبو الحسن السّراج » رضي الله عنه : ذكر عند الجنيد أهل المعرفة بالله تعالى » وما يراعونه من الأوراد والعبادات بعد ما لاطفهم الله به من الكرامات » فقال الجنيد : العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رؤوس الملوك . وقال أبو بكر العطّار : حضرت الجنيد عند الموت في جماعة من أصحابنا فرأيناه قاعدا يصلّي ويثني رجله إذا أراد أن يسجد » فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجليه » فثقلت عليه حركتهما » فمدّ رجليه » فرآه بعض أصدقائه ممن حضر ذلك الوقت » وكانت رجلا أبي القاسم قد تورّمتا » فقال : ما هذا يا أبا القاسم ؟ فقال : هذه نعم الله » الله أكبر » فلما فرغ من صلاته قال له فقال : يا أبا محمد » هذا وقت وجود منة الله » الله أكبر » فلم يزل ذلك حاله حتى مات » رحمه الله 2 ) الايرور + بالفارسية : الوم الجنيد وهو اول بوع من اراء الدسنة الشمسية 89997731 22 223 224 » 157 « وقال الحصري . رضي الله عنه : « الناس يقولون : الحصريّ لا يقول بالنوافل وعليّ أوراد من حال الشباب لو تركت منها ركعة لعوتبت » . وقال محمد بن ثابت البناني « 1 » رضي الله عنهما : « لما حضرت أبي الوفاة جعلت ألقنه الشهادة » فقال لي : يا بنيّ دعني » فإني في وردي السابع » . قال أبو طالب المكّي » رضي الله عنه : « ومداومة الأوراد من أخلاق المؤمنين وطريق العابدين » وهي مزيد الإيمان » وعلامة الإيقان » . كك - أن عائشة » رضي الله تعالى عنها » سئلت عن عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم » فقالت : كان عمله ديمة » وفي لفظ آخر : « كان إذا عمل عملا أتقنه وأثبته » « 2»., وفي الخبر المشهور : « أحبّ الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل » « 3 » . وجاء في الأثر كلام تارة يروى عن الحسن بن علي » وتارة يروى عن الحسن البصري » ومرة : « من استوى يوماه فهو مغبون » ومن كان يومه شرًا من أمسه فهو محروم » ومن لم يكن في مزيد فهو في نقصان » ومن كان في نقصان » فالموت خير له » . وقد يكون استحقار الورد من المكر والاستدراج للعبد » ويكون مبدأ ذلك أن تلوح له خيالات » رتظير له ضور كرافات توحب نه استحسان حالته راحتار بطالده ؛ رفي ذلك رفص العردية بالكلية » وهو أمارة لوجود الطرد والبعد » والعياذ باللَّه ء وصاحب هذا عظيم الجهالة » شديد العارة ر الحبلالة؛ وقد قال الجنيد » رضي الله تعالى عنه » لرجل ذكر المعرفة » فقال الرجل : أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك [ تلك ] الحركات من باب البرّ والتقرّب إلى الله تعالى . فقال (1 ) انظر ترجمته في تهذيب الكمال 16 / 151 . (2 ) أخرجه مسلم بن الحجاج في ( صحيح مسلم صلاة المسافرين ب 18 رقم 141 ) » وأبو داود في ( السنن . تطوع ب 28 - ) » والمجتبى في ( سنن النسائي القبلة ب 13 ) » والبيهقي في ( السنن الكبرى 2 485 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 18380 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 178 ) » والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 1 / 356 ) » وابن كثير في ( التفسير 3 / 526 ٠»‏ 8 / 254 ) . ( 3 ) أخرجه النسائي ( قبلة » 13 ) » والبخاري ( إيمان » 32 ) » ( رقاق » 18 ) » ومسلم ( مسافرين » 216 » 218 ) » منافقين » 78 ) » وأبو داود ( تطوع . 27 ) ٠»‏ والنسائي ( قيام الليل » 19 ) » وابن ماجة ( زهد » 28 ) وأحمد بن حنبل ( 2 » 350 ٠ 6 » 219 » 5 ٠»‏ 40 » ٠ 273 ٠ 268 ٠ 241 ١ 180 ٠ 176 ٠» 165 ٠» 125 »1‏ 322 ) . 225 206 » 158 « الجنيد : إنّ هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال » وهذه عندي عظيمة » والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا » وإن العارفين باللّه أخذوا الأعمال عن الله » وإليه راجعون فيها . ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرّة إلا أن يحال بي دونها » وإنه لأوكد لي معرفتي » وأقوى في حالي . قال السّهروردي « 1 » رضي الله عنه في كتاب : « عوارف المعارف » : « فأما من تعوّق بخيال » أو قنع بمحال » ولم يحكم أساس خلوته بالإخلاص فيدخل الخلوة بالزّور » ويخرج بالغرور » فيرفض العبادات ويستحقرها » ويسلبه الله تعالى لذة المعاملة » ويذهب عن قلبه هيبة الشريعة » ويفتضح في الدنيا والآخرة » فيعلم الصادق أنّ المقصود من الخلوة » التقرب إلى الله تعالى بعمارة الأوقات ؛ وكف الجوارح عن المكروهات » فيصلح لقوم من أرباب الخلوة مداومة الأوراد » وتوزيعها على الأوقات » ويصلح لقوم دوام المراقبة » ويصلح لقوم ملازمة ذكر واحد ؛ ويصل لقوم الانتقال من الذكر إلى الأوراد » ولقوم الانتقال من الأوراد إلى الذكر 2 انتهى ما يتعلق بغرضنا من كلام السهروردي » رضي الله عنه وهو مناسب لما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى » وليس من هذا المعنى ما روي عن أبي سليمان الداراني » وأحمد بن عاصم الأنطاكي « 2 » ٠‏ رضي الله عنهما » أنهما قالا : « إذا صارت المعاملة إلى القلوب استراحت الجوارح » وإن كان ظاهره موهما له » فإنَ أبا نصر السّراج » رضي الله عنه » فسّره بعد أن حكاه عن أبي سليمان الداراني فقال : « وهذا الذي قاله أبو سليمان يحتمل معنيين : أحدهما : أنه أراد بذلك استراحة الجوارح من المجاهدات والمكابدات من الأعمال إذا اشتغل يحنظ فلية ١‏ ومراعاة سه من الخراطر. المشيغلة ؛ , العوائق الماهومة الثى تشكل عن ذكر انر تعالى قلبه ؛ / ويحتمل أيضا أنه أراد بذلك أن يتمكن من المجاهدات والأعمال » والعبادات » وتصير وطنه » ويستلذ بها بقلبه » ويجد حلاوتها » ويسقط عنه التعب ووجود الآلام التي كان يجدها قبل ذلك » » انتهى كلام أبي نصر » ومعناه صحيح » واللّه أعلم وبه التوفيق . (1 ) السّهروردي ( 539 - 632 ه - 1145 - 1234 م ) عمر بن محمد بن عبد الله بن عموية أبو حفص » شهاب الدين القرشي التيمي البكري السهروردي » فقيه شافعي مفسر » واعظ من كبار الصوفية . مولده في سهرورد ووفاته في بغداد » كان شيخ شيوخ ببغداد » وأوفده الخليفة إلى عدة جهات رسولا » وأقعد في آخر عمره . له من الكتب « عوارف المعارف » و « السير والطير » وغيرهما . ( الأعلام 5 / 62 » وشذرات الذهب 5 / 153 » ووفيات الأعيان 3 / 446 - 448 ) . (2 ) هو أبو علي أحمد بن عاصم الأنطاكي » من أقران بشر بن الحارث وسري السقطي . وكان يسمى « جاسوس القلوب » لحدة فراسته » من كلامه « إذا طلبت صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ لسانك » . 227 228 » 159 « 4 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي اله عنه : (ورود الإمداد بحسب الاستعداد » وشروق الأنوار على حسب صفاء الأسرار ) وروة الموارد الإمذادية من الله على قلب عبذه بحسب القوة الاستعذادية المجعولة فيه . وشروق الأنوار اليقينية على حسب صفاء سرّه من كدر التعلق بالآثار » والركون إلى الأغيار . 95 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الغافل إذا أصبح ينظر ماذا يفعل ٠‏ والعاقل ينظر ماذا يفعل الله به ). أول خاطر يرد على العبد هو ميزان توحيده » فالغافل إذا أصبح أول خاطر يرد عليه نسبة الفعل إلى نفسه » فيقول : ماذا أفعل اليوم » فهو مشتغل بتدبير نفسه ؛ مصروف عن النظر إلى مولاه » وذلك لوجود غفلته عنه » فهو حقيق بأن يكله الله تعالى إلى نفسه » فيتشتت عليه قلبه » وينغخص عليه مراده » والعاقل أول خاطر يرد عليه نسبة الفعل إلى الله تعالى فيقول : ماذا يفعل الله بي . فهو ناظر إلى الله تعالى » وإلى ما يرد عليه منه » وذلك لوجود عقله » ودوام يقظته . فلا جرم أن يكفيه الله تعالى تعلقات الآمال » ويفرغه من جميع الأشغال » ويرضيه » ويقرّ عينه بما يقيمه فيه من اخمال ١‏ او يور ده غلية من أحرال ؛ و هذه لنعادة عظيية , ومنة من الله تعالى لمن وليه من عباده جسيمة . قال عمر بن عبد العزيز : « أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع القدر » . وقال أبو عثمان رضي الله تعالى عنه : « منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته » ولا نقلني إلى غيره فسخطته » . ومن أملح ما رأيت في هذا المعنى الذي ذكره المؤلف » رحمه الله تعالى » وما يجب أن يحذو على مثاله كلّ عالم متصوف ما ذكره الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن الصقلى « 1 » » رضي الله تعالى عنه » في كتابه « صفة الأولياء ومراتب أحوال الأصفياء » بسنده إلى « أيوب بن بشر الطالقاني » قال : « حدثنا رجل من أصحابنا » قال : رأيت رجلا في مرج الديباج « 2 » ليس معه شيء » فدنوت منه » فسأمت عليه » فردّ عليّ السلام » فقلت : يرحمك الله أين تريد ؟ قال : ما أدري ! ! قلت : هل رأيت أحدا يريد مكانا (1 ) عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه ( توفي نحو 380 ه - 990 م ) أبو القاسم » عماد الدين البكري الصقلي » متصوف » من علماء المالكية . له كتب منها « الأنوار في علم الأسرار » . ( الأعلام 3 / 325 ) . (2 ) مرج الديباج : واد عجيب المنظر نزه بين الجبال » بينه وبين المصيصة عشرة أميال . ( معجم البلدان 5 / 101 ) . 229 » 160 « لا يدري أين يذهب ؟ ! فقال : نعم [ أنا واحد . فقلت : فأين تنوي ؟ قال : إلى مكة . قلت : تنوي مكّة ولا تدري أين تذهب ؟ قال : نعم ] » وذلك أني كم مرة أردت أن أذهب إلى مكّة فيردّني إلى « طرسوس » » وكم مرة أردت أن أذهب إلى « طرسوس » فيردّني إلى « عبادان » » فنيتي إلى مكّة ولا أدري . قلت : فمن أين المعاش ؟ قال : لا أدري . قلت : أخبرني بأسباب ذلك . قال : من حيث يريد يجيعني مرّة » ويشبعني مرّة » ويكرمني مرّة » ويهينني مرّة » ومرّة يقول لي : ما على وجه الأرض أزهد منك » ومرّة يقول لي : أنت لصّ » ومرة ينؤمني على الفراش ويطعمني الطيب ويدهن راسي ويكحل عيني » ومرّة يطردني الطرد العنيف ولا ينومني إلا عند « النواويس » « 1 » . ذلك ير حمك الله ان ينعل ذلك كا" قال : الله عر وجل . قال : فألقاني في بحر . قلت : فسّر لي يرحمك الله » كيف هذا ؟ قال : أنا رجل أسير نهاري فأينما جنّ الليل بت » فربما يأويني الليل إلى قرية فإذا نظر إليّ أهلها قال بعضهم لبعض : هذا لص » لا تتركوا هذا يأوي الليلة في هذه القرية » فإذا صليت العشاء الآخرة يدخل المسجد رجل فيقول : يا نائم » فأقول . لبيك فيقول لي بالعنف : قم من هنا ليس لك هاهنا موضع ! ! فأقول له : حبّا وكرامة فأين أبيت الليلة ؟ فيقول : خارج القرية عند « النواويس » . فأقول : نعم وكرامة » لا يكون لي مأوى إلا عند « النواويس » تلك الليلة » فإذا أصبحت سرت فيأويني الليل إلى قرية فإذا رآني أهلها قال بعضهم لبعض : قد ورد عليكم الليلة رجل زاهد خير فاضل . فيقول هذا : عندي يبيت » ويقول هذا : عندي يبيت » فإذا صليت العشاء الآخرة » فيقول رجل منهم : قم بنا إلى البيت » فأقول : نعم حبّا وكرامة . 7 معه إلى المنزل » فيأتيني بالطعام الطّيب » ويدهن رأسي ويكحل عيني » ويأتيني » فقلت : رحمك الله » متى قدّر لك أن تدخل بغداد فإنّ منزلي في موضع كذا وكذا . قال : فأنا يوما قاعد في منزلي وإذا بإنسان يدقّ الباب فخرجت فإذا أنا بصاحبي ؛ فسلّمت عليه شديدا وقال لي : يا لص . ثم أراني ظهره فإذا أثر الضرب عليه » فقلت : وما القصّة ؟ قال : كان أجاعني جوعا شديدا » فلما بلغت الانبار جئت إلى « مقثأة » « 2 » قد نبذ منها « المدود » و « المرّ » » فقعدت مقعدا آكل منه » فنظرني صاحب « المقثأة » فأقبل إلى (1 ) النواويس : ( ج ) ناووس : مقبرة النصارى أو ما كان ينحته الأقدمون في حجر على هيئة لسر سي ا ل لوسرلل عر صرت ري سسا (2 ) المقثأة : موضع القثاء » يزرع فيه وينبت . والقثاء : نبات عشبي حولي » ذو ساق زاحفة زراعي من فصيلة القرعيات » وثماره تشبه الخيار لكنها أطول . 230 » 161 « بعصاه » فجعل يضرب ظهري ويقول : يا لص » ما أخرب مقثأتي غيرك » مذ كم « أرصدك » حتى وقعت عليك » وإذا أنا بفارس قد أقبل مسرعا إليه فضربه بالسوط في رأسه وقال : اها تخاف انه : تعنت إلى ر حل راق فتصير يه !1 أو يقال لمنل هذا يا كن ١+‏ قال : فما كان بأسرع من أن كنت عنده لصا فصرت زاهدا كما حدثتك قال : فأخذ بيدي صاحب المقثأة » فذهب بي إلى منزله ٠‏ فما أبقى من الكرامة شيئا » واستحلني فخرجت من عنده وجنت إليك » . ْ ٍ وقد يكون من معنى نظره إلى ما يفعل الله به أن ينظر ما يرد على قلبه من الإشارات من قبله ؛ فيكون إقدامه وإحجامه بوجود بصيرة وحسن توفيق . وهذا ميزان شريف اقتضاء دوام التجائه وصدق افتقاره . قال سيدي أبو مدين » رضي الله عنه : « احرص من أن تصبح وتمسى إِلَّا مفوّضا مستسلما لعله أن ينظر إليك فيرحمك » . وقال بعضهم : من اهتدى إلى الحق لم يهتد إلى نفسه » ومن اهتدى إلى نفسه لم يهتد إلى الله » فانظر إذا استقبلك شغل » فإن عاد قلبك في أوّل وهلة إلى حولك وقوتك فأنت المنقطع عنه » وإن عاد قلبك إلى الله فأنت الواصل إلى الله وكل العالم في قبضته . وتخصيص أهل الوصلة بأنهم في كنف إيوائه » ولا يكلهم إلى غيره واعتبر هذا المعنى بعمرة الحديبية » وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا صدّه المشركون فيها عن مكة » ومنعوه » من أن يتمّ بين أظهرهم نسكه رجع في الحال عن تلك العمرة ولم يتعرّض لهم بما يحصل له به في الظاهر عزة أو نصرة بعد ما كان دعا إليه من بيعة « الرضوان » تحت الشجرة وما عزم عليه من مناجزة « 1 » من حادّة من الكفرة » وعمل في ذلك على ما أظهره الله له من آياته العظام عند بروك ناقته لمّا أراد توجيهها إلى البيت الحرام » وقال حينئذ مظهرا لما قصده ومقررا لما اعتمده « إنما حبسها حابس الفيل لا تدعوني اليوم قريش إلى خطة فيها صلة رحم إِلّا أجبتهم إليها » . فكان كما قال صلى الله عليه وسلم وشرّف وكرّم : « صالحهم على وضع الحرب فيما بينهم عششر سنين لينقلبوا في الآرض أمنين « 2 » » فلما استتبّ بينهم الصلح وأنزل اله تعالى سورة الفتح ظهرت الفوائد التي تضمنها ذلك التدبير الحسن وقرّت أعين الصحابة رضي الله تعالى عنهم بما أبرزه الله إليهم من ألطاف ومنن » وقد صح بالمعنى جميع ما قلناه في الخبر ونقله إلينا علماء الحديث والسير . ( 1 ) ناجزه : نازله وقاتله . (2 ) أخرجه أبو داود ( جهاد » 156 ) . 231 « 162 » وليكن من دعاء صاحب هذا المقام ومناجاته ليوافق عقده قوله في جميع تصرفاته : اللهم إني أصبحت لا أملك لنفسي ضرًا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا . د لس ان ع يا تس را ري الب ب لس القول والعمل في طاعتك , إنك ذو الفضل العظيم . وليقل أيضا ما رأيته لسيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه : اللهم إن الأمر عندك وهو محجوب عنْي ولا أعلم أمرا اختاره لنفسي » فكنت أنت المختار لي » واحملني في أجمل الأمور عندك وأحمدها عاقبة في الدين والدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير . 06 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إنما يستوحش العباد والزهاد من كل شيء لغيبتهم عن الله في كل شيء . فلو شهدوه في كل شيء لم يستوحشوا من شيء ). العباد الزهاد في حجبهم عن ربهم ينظرون لنفوسهم ومراعاة حظوظهم » فهم يفرّون من الأشياء ويستوحشون منها » لأنها موجودة في نظرهم ء والزهد في المزهود شاهد له بالوجود » كما قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : واللّه لقد عظمّتها إذ زهدت فيها ‏ ؛ فهم يخافون منها أن تعوق عليهم أغراضهم وتفوتهم عن مقاصدهم بميلهم إليها وافتتانهم د بها » ولو كانوا من أهل العلم باللّه والمحبة لله لرأوه ظاهرا في الأشياء كلّها ولكان لهم في ذلك من قرّة أعينهم ما يشغلهم عن رؤيتهم لأنفسهم » فلا يكون لهم من الأشياء وحشة ولا يخشون منها فتنة ؛ لأنها فانية متلاشية نهدا الاعبار . 7 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (أمرك في هذه الدار بالنظر في مكؤناته » وسيكشف لك في تلك الدار عن كمال ذاته) . رؤية العبّاد لربّهم عر وجل على حسب تجليه لهم , » ففي هذه الدار يرونه ظاهرا ذ في المكونات بأنوار بصائرهم لما تجلّى لهم من وراء حجابها ؛ ولذلك أمرهم بالنظر فيها . وفي الدار الآخرة يرونه معاينة بأنوار أبصارهم من غير حجاب ولا مانع » وهذا غاية الظهور والكشف . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( علم منك أنك لا تصبر عنه فأشهدك ما برز منه ) . عدم الصبر عن الله تعالى من وجود الاحتظاء بمعرفته » وهو حال شريف يقتضي دوام وجود المعية الاختصاصية » والمعية الاختصاصية تقتضي دوام المشاهدة والحضور » والمشاهدة الحقيقية غير متصورة في هذه الدار لما هي عليه من الدناءة والنقص والفناء والذهاب » فأكرم الله تعالى عبده لعلمه بعدم صبره عنه بأن أشهده ما برز عنه من الاثار 232 2053 » 163 « والأكوان تسلية له بالأثر عن النظر » فحصلت له حينئذ المعيّة الاختصاصية اللائقة بحاله حتى إذا أقعده في مقعد الصدق وحصلت له عندية الحق خلع عليه خلع التقريب والتكريم » وواجهه بوجهه الكريم » فحصلت له حينئذ المعيّة الحقيقية والمشاهدة السرمدية » وما ذلك على الله بعزيز لما علم الحق منك وجود الزلل لون لك الطاعات » وعلم ما فيك من وجود الشره فحجرها عليك في بعض الأوقات ؛ ليكون همك إقامة الصلاة لا وجود الصلاة » فما كلّ مصل مقيم . تلوّن الطاعات لوجود الملل » وتحجرّها في الأوقات لوجود الشره . نعمتان عظيمتان أنعم الله بهما على عبده ؛ فإن الملل والشره فتنتان عظيمتان قاطعتان على العبد سبيل عبوديته . والملل تكرّه يعرض للإنسان من عمل يلحقه فيه مشقة فيصبر عليه ويتحمل التعب فيه حتى يضجر ويسأم » فيترك ذلك العمل ويرفضه استثقالا له » وهو شيء يعرض للطبع بعد إيثاره للشيء ومحبته له . والشره : مجاوزة الحدّ في التسارع إلى العمل والحرص عليه والذي يوجب وجود الملل المداومة على نمط واحد من العبادات فتسأمها النفس وتستثقلها » فإذا لوّنت عليها | 3 5 وا 0 0 وقد قال بعض الشعراء : لا يصلح النفس إذ كانت مدبرة *** إِلّا التندّل من حال إلى حال والموجب لوجود الشره صلاحية الأوقات كلها لإيقاع العبادات فيها مع شدة الحرص عليها .وعند وقوع الشره يقع النقص والتقصير فيها ؛ فلذلك عيّن لها أوقاتا تقع فيها » وأوقاتا لا تقع فيها . وذلك هو معنى « تحجيرها » في الأوقات ؛ فإن كان الملل والشره واقعين في الصلاة لم يكن الاتي بها مقيما لها ؛ لوقوع التقصير منه فيها » ولم يؤمر إلا بإقامة الصلاة » لا بوجود صورة الصلاة . قال سيدي أبو العباس المرسي » رضي الله تعالى عنه : « كل موضع ذكر فيه المصلون في معرض المدح » فإنه إنما جاء لمن أقام الصلاة , إمّا بلفظ الإقامة » أو بمعنى يرجع إليها » قال الله سبحانه :الَذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْعَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاة[ البقرة 5] وقال الله تعالى :رَبٌ اجْعَلَنِي مُقِيمَ الصّلاةٍ وَمِنْ ذْرَيّتِي[ إبراهيم : 40 ] » وقال لله عز وجل :أقم الصّلاة “وأقام الصّلاةً “والمُقيمي ا 0 ار سرس #الإقامة ل ار 5 صلاته صورة في ملكوته راكعة ساجدة إلى يوم 234 » 164 « القيامة » وثواب ذلك لصاحب الصلاة » وإقامة الصلاة حفظ حدودها ظاهرا وباطنا . قال ابن عطاء الله » رضي الله عنه : « إقامة الصلاة حفظ حدودها ظاهرا وباطنا مع حفظ السر مع الله عز وجل ٠‏ لا يختلج بسرّك سواه » . وقال الإمام أبو القاسم القتشيري » رضي الله تعالى عنه : « هو القيام بأركانها وسننها » ثم الغيبة عن شهودها برؤية من يصلى له » . إلى القبلة وقلوبهم مستقرة في حقائق الوصلة . وتمثيل المؤلف . رحمه الله تعالى » بالصلاة دون سائر العبادات حسن ؛ لأن ذلك أكثر ما يقع بها » وقد يكون ذلك استطرادا للكلام على الصلاة » حسبما يقوله بأثر هذا . 9 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الصلاة طهرة للقلوب من أدناس الذنوب » و استفتاح لباب الغيوب.) . كما روي في الحديث الصحيح ء» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : « إِنْما مثل الصلاة كمثل نهر عذب يمر بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات ؛ فما ترون ذلك ؛ أيبقى من درنه شيئا » « 1 » .واستفتاح لباب الغيوب . لأن القلوب إذا طهرت وتزكّت رفع عنها الحجب والأستار فرأت ما غاب عنها من الأسرار . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (الصلاة محل المناجاة » و معدن المصفاة. تتسع فيها ميادين الأسرارء و تشرق فيها شوارق الأنوارء علم وجود الضعف منك فقلل أعدادهاء و علم احتياجك إلى فضله فكثر إمدادها.). لأن فيه يكون الثناء والدعاء له ء» والمتاحاة : مخاطبة الأسرار عند حفاء الأذكار للملك الحبار .ومعدن المصافاة ً وهي زوال الأكدار الكونية بينك وبين ربك » حتى يصفو قلبك وسرك فيصفو لك حينئذ شهوده ويمحو ذاتك وجوده .تتسع فيها ميادين الأسرار . (1 ) أخرجه الموطأ ( سفرء 91 ) » وأحمد بن حنبل ( 1 » 177 ) . 2355 « 165 » فيكون في قلبك نور على نور . وهذه العبارات الست معانيها متقاربة . ل ار الل ترق تنلا ا ا 1 زان الك منها إنما هو تحصيلها كان ذكر المؤلف لها كالدليل على ما قاله من أن المأمور به إنما هو إقامة الصلاة لا وجود الصلاة ؛ فأنْ الصلاة المعتبرة إنما هي صلاة الخاشعين » لا صلاة الغافلين التي لا تنهض لبلوغ هذه المقاصد السنيّة » ولذلك كانت الصلاة « أمَّ العبادات » وأساس الخيرات 1 وعماد الدين » قال الله تعالى :أَقِم الصّلاةً لِذِكْرِي [ طه : 14 ] » فأخبر أنّ المراد من الصلاة الذكر . وقد روى معنى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إنما فرضت الصلاة » وأمر بالحج والطواف » وأشعرت المناسك لإقامة ذكر الله » « 1 ». ولذا كانت قرّة عين حبيب الله صلى الله عليه وسلم » على ما سيأتي الكلام عليه حيث تعرّض م وفي بعض الأخبار : « أن العبد إذا قام إلى الصلاة رفع الله الحجاب بينه وبينه » وواجهه بوجهه ؛ وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى السماء يصلون بصلاته ويؤمّنون على دعائه » وإن المصلي لينشر عليه البر من عنان السماء الى مفرق رأسهء ويناديه منادي : « لو يعلم المناجي من يناجي ما انفتل » وإن أبواب السماء تفتح للمصلي » وإن الله تعالى يباهي ملائكته بصفوف المصلّين » «2». وفي التوراة : « يا بن آدم لا تعجز أن تقوم بين يديّ مصليّا باكيا فأنا الله الذي اقتربت من قلبك » وبالغيب رأيت نوري » . وكانوا يرون أن تلك الرقة والبكاء وذلك الفتوح الذي يجده المصلّي في قلبه من دنوٌ الربٌ من الخلك ' وقال محمد بن علي الترمذي » رضي الله عنه : « دعا الله تعالى الموحّدين إلى هذه الصلوات الخمس رحمة منه عليهم » وهيّأ لهم فيها ألوان الضيافات لينال العبد من كل فعل وقول شيئا من عطاياه » فالأفعال كالأطعمة » والأقوال كالأشربة » وهي عرس الموحّدين هيّأها رب العالمين لأهل رحمته في كل يوم خمس مرات حتى لا يبقى عليهم دنس الأغيار » . (1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 3 / 22 ٠‏ 114 ) » والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 1 / 150 ) . (2 ) أخرجه صاحب ( الإتحافات السنية 153 ) » والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 1 / اا 2036 237 » 165 « قال ابواطالك المكى ؛ رح الله تقال عه 7 ررحدنتك أن الموين إذا توعنا للشاذة قاعدت عذه الشياطين في أقطار الأرض خوفا منه ؛ لأنه تأهب للدخول على الملك » فإذا كبّر حجب عنه إبليس وضرب بينه وبينه سرادق لا ينظر إليه وواجهه الجبار بوجهه الكريم . فإذا قال : اللّه أكبر » اطَّلع الملك على قلبه » فإذا كان ليس في قلبه أكبر من الله فيقول الملك : صدقت.: الله أكبر فى قليك كما تقول ؛ قال : فيتشعشع من قلبه نور يلحق بملكوت العرش فينكشف له بذلك النور ملكوت السماوات والأرض » ويكتب له حشو ذلك النور حسنات قال : وإن الغافل الجاهل إذا قام إلى الوضوء احتوشته الشياطين كما يحتوش الذباب نقطة العسل ‏ فإذا كبر اطلع الملك على قلبه » فإذا كلّ شيء في قلبه أكبر من الله عنده فيقول الملك : كذبت ؛ ليس الله أكبر في قلبك كما تقول . قال : فيثور من قلبه دخان يلحق بعنان السماء فيكون حجابا لقلبه عن الملكوت » فيردّ ذلك الحجاب صلاته وتلتقم الشياطين قلبه » فلا تزال تنفخ فيه » وتنفث » وتوسوس إليه » وتزيّن له » حنىئ طوف امن عدلانه لا يعذلاها كان فيه . ا نه و ا التو انه قي قلقت زر ونا 113 ١‏ الله رم الثوفيق برحمتة ,علم.وحود الضعف منك فقلل أعدادها » وغلم احنياجك إلى فضله فكشر أمدادةا1؟! فهذا من فضل الله تعالى الذي عوده عبده » فتقليل أعدادها : بأن جعل الخمسين خمسا » وذلك تخفيف منه لما علم من وجود ضعفه . وتكثير أمدادها : بأن جعل للخمس ثواب الخمسين » وذلك فضل منه عليه ؛ إذ كان محتاجا إليه . فله الحمدا والشكر” على ذلك !. وهذه المعاني مذكورة في حديث الإسراء . 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( متى طلبت عوضا علي عمل طولبت بوجود الصدق فيه » ويكفي المريب وجدان السلامة ). تقدّم أن العمل لأجل حصول الجزاء مدخول معلول » وحكينا هنالك من الآثار والحكايات عن العارفين وأرباب القلوب ما فيه مقنع » وقد كرر المؤلف رحمه الله تعالى » هذا المعنى في مواضع متفرقة من هذا الكتاب » وما ذكره هاهنا تقبيح لحال طالب الجزاء على العمل . ومعنى ما ذكره » أن : العمل على هذا الوجه معرّض للبطلان ؛ لأنه إذا طالب ربّه بالجزاء على عمله طالبه ربّه بوجود الصدق فيه . والصدق فيه الوفاء بحقّه في العمل » وأنى له توفية ذلك ! ! مع كونه طالبا للحظ من ربه » فهو - لا محالة - مريب » فيكفيه 2038 « 167 » وجدان السلامة من غير مزيد عليها . وقال الواسطي » رضي الله عنه : « العبادات إلى طلب العفو عنها أقرب منها إلى طلب الأعراض عليها » . وقريب من هذا قول النُصراباذي : « العبادات إلى طلب العفو والصفح عن تقصيرها أقرب منها إلى طلب الأعواض والجزاء عليها » . وقال خير النسّاج رضي الله عنه : « ميزان أعمالك ما يليق بأفعالك » فاطلب ميزان فضله فإنه أتمّ وأحسن . قال الله تعالى :كل بِفَضْل الله وَبِرَحْمَتِهِ » فبذلِك فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعْونَ[ يونس : 58 ] . 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لا تطلب عوضا على عمل لست له فاعلا » يكفي من الجزاء لك على العمل أن كان له قابلا ). المنفرد يخلق أفعال العباد واختراعها هو الله عر وجل © فكيق يطلب الغيد الجزاء على عل لا مدخل له فيه على الحقيقة ؟ ! . ومعنى كون القبول جزاء قد تقدم . 3 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إذ أراد أن يظهر فضله عليك خلق ونسب إليك ٠‏ لا نهاية لمذامك إن أرجعك إليكء و لا تفرغ مدائحك إن أظهر جوده عليك. فكن بأوصاف ربوبيته متعلقا و بأوصاف عبوديتك متحققا ) . فضل اله تعالى عظيم » فإذا أراد أن يظهره عليك خلق لك الطاعة » وحلاك بها » ونسبها إليك » وقال لك : يا عبدي أنت مطيع » ومتق » ومجتهد » وعامل وسأثيبك على ذلك . اكه الج 38 الفكيل الحكي 377 هيه اتفجل اليا يق بين لكر كلاق ناته في هذه الحالة بالدعاء والسؤال » وقال : يا رب كما تفضلت علىّ بخلق الطاعة لي ٠‏ وحليتني بها ؛ ووصفتني بصفات حميدة أنا خليّ عنها في الحقيقة » ووعدتني مع ذلك جزيل الثواب والنجاة فحق العبد أن لا ينسب إلى نفسه شيئا من محامد الصفات » ومحاسن الأعمال حقيقة ولا أدبا ؛ إذ لا أهلية فيه لذلك . وأمّا مذام الصفات والأعمال ومساوثهما فمقتضى الأدب أن يضيف ذلك إلى نفسه » وأن يعترف بأن ذلك من ظلمه وجهله . قال سهل ين عيذ الله ؛ ررضى اله تعالن عنه ؟ << ]ذا غمل العبد حسنة وقال ' يارب أنت يفضلك المتعمات ووانت أغنتى وانك طيلك ؛ ذكز ان كعال ) لدذلك : قر بل نس ركان أن عشكر ان فلي + 0259512187 أعرض الله تعالى عنه » وقال : يا عبدي » أنا وفقت » وأنا أعنت » وأنا سهلت . 2039 210 » 168 « غضب المولى عليه وقال له : يا عبدي بل أنت أسأت » وأنت جهلت » وأنت عصيت . وإذ قال : يارب أنا ظلمت نفسي وأن أسأت » وأنا جهلت » » وقال : يا عبدي » أنا قدرت وقد غفرت » وحكمت .لا نهاية لمذامك إن أرجعك إليك » ولا تفرغ مدائحك إن أظهر جوده عليك . من أرجعه الحق إلى نفسه » ووكله إلى عقله وحسه » فقد طرده عن بابه وأبعده عن جنابه » وكانت أحواله مدخولة معلولة » وأعماله مستقبحة مرذولة » ومن آواه إليه وأظهر جوده عليه فقد اضنطنعة لنفسة ورفعة إلى حضرة قدسه؛:وكاتت أحوالة كسنة حميلة + وأعماله كلها ممدوحة مقبولة كما قيل : لمّا أنتسبت إلى حماك تعرّفت *** ذاتي فصرت أنا وإلا من أنا كن بأوصاف ربوبيته متعلقا *** وبأوصاف عبوديتك متلحققا . منك » وإنما هي عوار عندك ؛ فلا ترى وجودك إلا بوجوده » ولا بقاءك إلا ببقائه » ولا عزّتك إلا بعرّته » ولا قدرتك إلا بقدرته » ولا غناك إِلّا بغناه . إلى غير ذلك من الأوصاف , ولا يتم لك ذلك إِلّا بأن تتحقق بأوصاف عبوديتك من : عدمك » وفقرك , وذلّك » وعجزك والتعلق والتحقق المذكوران متلازمان » بل هما شيء واحد لا تعدّد فيهما على التحقيق . 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين ٠‏ أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين ) . [منعك الا تدعي ما ليس لك من المخلوقين» أفببيج لك أن تدعي وضفة وهو رب العالمين] 8 كيل كن انا كر نا :مو آنه :37 حل انعد م فاك 316 |51 تعلق بجا نكر ٠‏ وأنٌ اذّعاء شيء منها من كبائر معاصي القلب ومن مشاركة المربوب للربٌ » ومن مقتضى الغيرة التي اتصف بها وأعلمنا بشأنها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : « لا أحد أغير من الله تعالى » « 1 » ومن غيرته أنه حرّم الفواحش وما ظهر منها وما بطن [ تحريم ذلك على العبد والتسجيل عليه باستحقاق الطرد والبعد ] » ومن أفحش الفواحش عند العارفين وجود شيء من الشركة في قلب العبد باّعاء شيء من أوصاف الربوبيّة لنفسه عقدا أو قولا » لأن ذلك منازعة له وتكبر عليه . (1 ) أخرجه البخاري ( كسوف » 2 ) » ( توحيد » 15 ٠»‏ 20 ) » ( نكاح » 107 ) » ( تفسير سورة 6 » 7 ٠»‏ 187 ) » ومسلم ( توبة » 32 ١ 35 ٠ 34 » 33 ٠‏ 36 ) » ( كسوف ؛ 1 ) والترمذي ( دعوات » 95 ) » والنسائي ( كسوف » 11 ) » والدارمي ( نكاح » 37 ) والموطأ ( كسوف » 1 ) » وأحمد بن حنبل ( 1 ٠‏ 381 » 426 » 436 ؛ 6 ١ 348 ١ 164 ١‏ 352 ) . 201 202 » 169 « وفي حديث ابن عباس رضي اله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله عز وجل : « الكبرياء ردائي » والعظمة إزاري » فمن نازعني في واحدة منهما ألقيته في النار » « 1 ». ومعنى المنازعة : الدعوى قولا وعبارة » والإضمار فعلا وإشارة . ومعنى الغيرة في حقّه تعالى : أن لا يرضى بمشاركة غيره له فيما اختص به من صفات الربوبية »؛ وفيما هو حق له من الأعمال الدينية . ل 1 2 ال ين الأموال » ومسميا ذلك ظلما وعدوانا » فكيف يبيح لك أن تدّعي وصفه وهو رب العالمين » لا شريك له في ذلك ولا أنت:ولا غيرك !! فهو إذق من أغظم الظلماء وأشة العدو ان 12777قانا 0ه 32 نلق | قلت : وهذا المعنى الذي ضمّنه المؤلف » رحمه الله تعالى » في هذه المسألة هو الغرض الأقصى الذي هو مرمى نظر الصوفية » وكلّ ما صنفوه ودوّنوه » ونهوا عنه من أفعال وأقوال وأحوال إنما هي وسائل إلى هذا المقصد الشريف .» والمقام المنيف . فشأنهم أبدا إنما هو العمل على موت نفوسهم وإسقاط حظوظها بالكلية » كما قيل : الصوفي دمه هدر » وملكه مباح . وليس ذلك هو المقصود لهم بالذات » وإنما غرضهم من ذلك ما يلزم عنه من انفراد الله تعالى عندهم بالوجود ولوازم الوجود انفردا لا يشاركونه في شيء منها البتة » كما ذكرناه آنفا . وهذا هو « كيمياء السعادة » الذي أعوز أكثر الناس ٠»‏ ولم يحظوا منه إلا بالإفلاس ؛ إذ بذلك يستحق المرء عبودية الله عر وجل الذي لا مقام للعبد أشرف منه » كما قال الشاعر ٠:‏ الست لي خلقا مني » كفى شرفا *** فما وراءك لي قصد ومطلوب ولهذا المعنى كانت عندهم دقائق خطرات الحظوظ وخفيّات هواجس « 2 » الهوى . (1 ) أخرجه البخاري ( تفسير سورة » 55 ١‏ 1 » 2 ) » ( توحيد ؛ 24 ) » ومسلم ( إيمان » 6 ) ء والترمذي ( جنة » 3 ) ٠‏ وابن ماجة ( مقدمة 13 ) ٠»‏ والدارمي ( رقاق 101 ) » وأحمد بن حنبل ( 4 » 411 ؛ 416 ) . (2 ) الهواجس : (ج ) هاجين : الخاض . 203 » 1/70 « عظيمة » وأخلاقا ذميمة لئيمة قادحة في صدق العبودية والإخلاص للربوبية . يتوبون من جميع ذلك إلى ربّهم » ويتعؤذون به من شرّه » ويخافون من مساكنته وملاحظته غاية البعد » نهاية المكر والطرد » كما قيل :إذ قلت * ذكر أنه كان لبعض الملوك عبد يقدّمه على أشكاله وأقرانه » فشكا أهل إقليم عاملهم إلى الملك » فقال : تخيّروا من شتتم أولّيه عليكم فاختاروا ذلك العبد لمَّا رأوا ميل الملك إليه » فقال الملك : راجعوه ء فإن اختار الولاية وليّته عليكم . فرغب الغلام في الولاية » فأمر بكتب المنشور » وأمر باستقباله إذا وافى محل ولايته » والمبالغة في إلطاقه بأنواع المكرّمات والمبارٌ » [ وأمر يضيع جميع الإكرام معه ] ودس من يرش عليه ماء ورد فيه سمّ » ثم أمر من يقول إذا أشرف على الموت : هذا جزاء من اختار الولاية على خدمة مولاه . ففي هذا عبرة لآولي الأبصار » وتبصرة لأرباب الاعتبار » وإلى هذا المعنى الجليل المؤدي إلى سواء السبيل تشير الحكاية المشهورة ». المرويّة عن أبي يزيد البسطامي » رضي الله تعالى عنه : حذث يحي بن معاد رض انه تدان غندء أنه ران قي ل 133133 3 2 52 طلوع الفجر مستوفزا « 1 » على صدور قدميه » رافعا أخمصيهما « 2 » مع عقبيه « 3 » عن الأرض » ضاربا بذقنه على صدره » شاخصا بعينيه لا يطرف , قال : ثم سجد عند السّحر فرضوا بذلك » وإني أعوذ بك من ذلك . وإن قوما طلبوك فأعطيتهم طيّ الأرض . فرضوا بذلك ٠‏ وإني أعوذ بك من ذلك . وإن قوما طلبوك فأعطيتهم كنوز الأرض » فانقلبت لهم الأعيان » فرضوا بذلك » وإني أعوذ بك من ذلك . وإن قوما طلبوك فأعطيتهم عبدك خضرا » فرضوا بذلك وإني أعوذ بك من ذلك . حتى عد نيفا وعشرين مقاما من كرامات الأولياء » ثم التفت إليّ فرآني » فقال : يحيى !! قلت : نعم » قال : منذ متى أنت هنا ؟ قلت : منذ حين . فسكت »2 فقلت : يا سيدئ » حذثني بشيء . فقال : أحدّثك بشيء يصلح لك » أدخلني في الفلك الأسود » فدوّرني في الملكوت السفلى » فأراني الأرضين وما تحتها إلى الثرى » ثم أدخلني في الفلك العلويّ » فطوّف بي في السماوات » وأراني ما فيها من الجنات إلى العرش » ثم ) استوفز : نهض على ركبتيه وتهيأ للوثوب أو المضيّ فهو متسوفز . ) الأخمص : باطن القدم الذي يرتفع عن الأرض ( ج ) أخامص . ) العقبا : عظم مؤخر القدم وهو أكبر عظامها . ح ذم دن ساح ساح سه 244 » 171 « أوقفني بين يديه فقال : سلني أيّ شيء رأيت حتى أهبه لك . فقلت : يا سيدي » ما رأيت شيئا أستحسنته فأسألك إيّاهِ . فقال : أنت عبدي حقا ؛ تعبدني لأجلي صدقا ء لأفعلن بك . . . وذكر فياف ل بق إن بعل فوالح بلك ما بد ابر سحي ل لل بو 11ل تشألة المعرفة يه إذ قال لك ملك الملوك تتلتى ما شنت ؟ ! قال : فصاح به صيحة وقال : ويلك » اسكت . وتلك غيرة عليه مني » لا أحبّ أن يعرفه سواه . قال الشيخ أبو طالب المي » رضي الله عنه » بعد أن ذكر هذه الحكاية : فهذا حال عبد فان عن نفسه مأخوذا : إذ كان رته » غز وحل ؛ له موحودا وأطال مقامه فى المقامات » فقصرت عن كنك الصقاف ٠:‏ ويدن .له إذا نظر إلى الحوين الى بحينفا المكانن كلها هن جيه وانائنق الزينات جميعها بعد النظر إلى زينته » وشهد الجمال الذي تجمّل الجمال والمتجمّلون بجماله أن لا يستحسن سواه » وكيف يحبّ غير ما استحسن أو يزيّن في عينه إلا إِيّاه ؟! أم كيف يطلب غير ما أحبّ » أو يصبر مع غير ما طلب ؟! بل كيف يتهمّ بغير ما طلب ؟! فهذا نعت عبد مطلوب بعين ما طلب » ووصف شخص محبوب بعين ما أحبٌ : اللّهُ يَصْطَّفِي مِنّ الْمَلائِكَةِ رُسْلا وَمِنَ النّاسِ [ الحج : 57 ] . وفي الإشارات عن الله سبحانه وتعالى : يا عبدي اعزل نفسك ينعزل معها الملك والملكوت . فتلحق الدارين بالملك » وتلحق العلوم بالملكوت » فتكون عندي من وراء ما أبدي » فلا يستطيعك ما أبدي ؛ لأنك عندي » وإذا كنت عندي كنت عبدي حقا » وإذا كنت عبدي كان عليك نوري فلا يستطيعك ما أبدي وإن أرسلته إليك ؛ لأن نوري عليك وليس نوري عليه ؛ فإذا جاءك لم يطقك فأوذنك: بد فتأذن أفك اله . والعبارات عنهم في هذا المعنى خارجة عن الحصر ء. وفيما رسمناه منها كفاية . وإنما ذكرنا هذه المعاني » وإن كانت في الظاهر أعلى من أن يتناولها كلام المؤلف ٠‏ رحمه الله تعالى » لأن مرجع أمره إليها إذا دققنا في النظر » وتصرّفنا فيه بوجوه العبر » فكان باطنه هو المقصود المعتبر . وكلام الصوفية » رضي الله تعالى عنهم » كثيرا ما يجري هذا المجرى », واللّه تعالى يجزيهم عنّا خيرا » ويمنّ علينا بالفهم عنهم » وحسن القبول منهم » ويفتح أسماعنا للاصغاء إليهم » ويشرح صدورنا باستحسان ما يرد منهم » أو يبدو عنهم » بمنه وفضله . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( كيف تخرق لك العوائد » وأنت لم تخرق من نفسك العوائد) . 205 216 » 172 « ظهر له ما صورته صورة الكرامة فينبغي له أن يخاف عند ذلك من الاستدراج والمكر ؛ حيث لا يحبٌ ذلك ولا يطلبه . فإن أحبّه أو طلبه فهو دليل على بقائه مع إرادته وحظوظه وعاداته » فكيف تخرق العوائد لمن هذه صفته على سبيل الكرامة ؟ وهل هذا إلا محال لا يستقيم . قال الشيخ أبو طالب المكي » رضي الله عنه : « وجميع الأنوار من الغيوب التي وراء الحجب والأستار » لا يظهر عليها إلا مطلوب . والمطلوب لا يكون محجوبا » وهو عن نفسه مسلوب » فمتى بقيت عليه من نفسه بقية ونظر إلى حركته وسكونه بعينه نظرة خفية فيسترها عليه رحمة له لأنه لو كوشف بها لهلك في حيرة الهوى وغرق في بحار الدنيا ونفس حبه وعين طلبه إياها هو حجابه عنها » واستتارها عنه حتى يكون كارها لظهورها كراهيته ظهور الخلق على معصيته » وخائفا منها كخوفه على نفسه في تظاهرها عليه بهلكته » فهنالك حين يبتلي بها ويختبر يظهر كيف يعمل « وكذا الشيخ أبو عبد الله القرشي رضي الله عنه قال : « من لم يكن كارها لظهور الآيات وخوارق العادات منه كراهية الخلق لظهور المعاصي فهي في حقّه حجاب » وسترها عليه رحمة » فإذن من خرق عوائد نفسه لا يريد ظهور شيء من الآيات وخوارق العادات له » بل تكون نفسه عنده أقلَ وأحقر من ذلك » فإذا فنى عن إرادته جملة فكان له تحقق في رؤية نفسه بعين الحقارة والذلّة حصلت له أهلية ورود الألطاف ووجود الإسعاف , وسلك إلى مرتبة المهيع « 1 » الناهج « 2 » » وضرب مع أهل الإرادة بقدح الفالج « 3 » » . قال الشيخ أبو العباس بن العريف : « أصبحت يوما مهموما » فقلت للشيخ أبي القاسم بن روبيل : حدثني بحكاية عسى اللّه أن يفرّج ما بي . فقال : نعم » وصف لي رجل ببعض السواحل يعرف ب « أبي الخيّار » فقصدته » فوجدته على ساحل البحر » » فسلّمت عليه وجلست فلم يتكلم ولم أكلمه » حتى إذا كان وقت الصلاة أقبل نفر من بعض الأودية متفرقون » فاجتمعوا إليه » وتقدّمهم واحد منهم فصلّى بهم ثم افترقوا ولم يكلّم أحد منهم أحدا » وجلس الشيخ مكانه » وجلست عنده ا ا ا الا قرب اصفرار الشمس ., ثم تفرّقوا » واجتمعوا للمغرب » ثم تفرقوا » فجلست عندهم ثلاثة أيام وهم على ذلك » ثم وقع في نفسي أن أسأله عن مسألة أستفيدها ؛ فتقدّمت إليه فقلت : أيها الشيخ » ( 1 ) المهيع : الطريق الواسع البيّن ( ج ) مهايع . (2 ) النهج : الطريق المستقيم الواضح (3 ) الفالج : مكيال ضخم معروف » وقيل : هو القفيز » وأصله بالسريانية فالفاء فعرّب . 217 « 173 » يعلم المريد أنه مريد ؟ قال : فأعرض عني ولم يجبني ! ! فخفت أن أكون قد أغضبته » فقمت عنه » فلما كان في اليوم الثاني » قلت لا بدَّ أن أسأله » وعزمت على ذلك : فتقدّمت إليه وقلت : أيها الشيخ » متى يعلم المريد أنه مريد فأعرض عنْي كالأولى ولم يجاوبني » فقمت ؛ وعدت في الثالثة فسألته عن المسألة بعينها ؛ فاجتمع وقال : لا تقل هكذا ! ! أظنك تريد أن تسأل عن أوّل قدم يضعه المريد في الإرادة ؟ فقلت : نعم . قال لي : إذا اجتمع فيه أربع خصال : إحداها : أن تطوى له الأرض وتكون عنده كقدم واحد » وأن يمشي على الماء » وأن يأكل من الكون متى أراد » وأن لا ترد له دعوة . فعند ذلك يضع أوّل قدمه في الإرادة » وأمّا متى ما علم المريد عندنا أنه مريد سقط من حدّ الإرادة !! قال الشيخ أبو العباس بن العريف رضي الله عنه : فصحت صيحة كادت نفسي تذهب معها » ثم قلت له : آيستنا من الإرادة يا أبا القاسم . وتعجّبت من علوٌ همّة هذا الشيخ » انتهى . واعلم أنه أول ما يخرق له من العادة تسميته باسم « المريد » مع كونه مسلوب الإرادة » وما خم اها دل الشاع ”: تكون مريدا ثم فيك إرادة *** إذا لم ترد شيئا فأنت مريد 0 0111 1010ظ ل ا ا رار يصحٌ أن يشتق منه اسم لمن قام به ذلك الأمر »ء لا أنه سمى بذلك لأجل ما سلب عنه من الإرادة المجازية المتعلقة بحظوظه . لكن لمّا كان سلب إحداهما يقتضي وجود الأخرى كاقتضاء الواجب صحّ لذلك الشاعر أن يطلق اسم الإرادة على من سلبت منه » ويحجزه عمن وجدت فيه رشاقة ومالاحة ونعمة . وبهذا تبيّن لك صحة كلام أبي يزيد » واستقامته حيث قيل له : ما تريد ؟ فقال : أريد أن لا أريد . وإنه ليس بمختل » ولا متناقض كما توم بعضهم . قال في التنوير : « واعلم أنه قال بعضهم : إن أبا يزيد لما أراد أن لا يريد فقد أراد . هذا قول من لآ معرقة عنذه 11! وذلك ؟ أن آيا يزيد إنها آراة أن ا بريدت أن الله تداك أخقار له وللعباد أجمع عدم الإرادة معه » فهو لا يختار معه شيئا ولا يريده » فهو في إرادته أن لا يريد مواافق الإرادة الله لد / ولذلك قال الشيخ أبو الحسن : « فكل مختارات الشرع وترتيباته هو مختار للَّه » ليس لك منه 208 « 174 » علم الحقيقة المأخوذ عن الله » . قال : فأبان الشيخ بهذا الكلام 000 القراع 9 يتاقفسن اختبار مقا العبودية ليقي على ترك الاختيار لئلا ينخدع عقل قاصر عن درك الحقيقة بذلك فيظن أن الوظائف والإرادات ورواتب السنن إرادتها يخرج بها العبد عن صريح العبودية ؛ لأنه قد اختار . فبيّن الشيخ أن كل مختارات الشرع وترتيباته ليس لك منه شيء وإنما أنت مخاطب أن تخرج عن تدبيرك لنفييك واختيارك لها لآ عن تدبير الله تعالي)ورشوله لك + قافهم . قال : فقد علمت أن أبا يزيد ما أراد أن لا يريد » إِلّا لأن الله أراد منه ذلك » فلم تخرجه هذه الإرادة عن العبودية المقتضاة منه » انتهى . وقد طال الكلام بنا في هذا المعنى حتى آل إلى بعد المناسبة بينه وبين المسألة المنبّه عليها من الكتاب » والحديث شجون « 1 » » يجرّ بعضه إلى بعض ., لكن لما كان قصدنا في هذا التنبيه استغنام ذكر الفوائد في مواضعها ومظائها ؛ لتقرع مسائل هذا الفن الغريب أسماع من أر اذ الله تعالى توفيقه ممن بينه وبينه بعد المشرقين صحّ منا ذلك وكنا سائرين فيها على أوضح المسالك » وبالله التوفيق . 6 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ما الشأن وجود الطلب . إنما الشأن أن ترزق حسن الأدب ) . م بما يجب عليه من حقّ الربوبية ؛ فليس ذلك بالشأن المعتبر عند المحققين » وإنما الشأن أن يتأدذّب العبد بين يدي مولاه أدبا حسنا بأن يفوّض أمره إليه » ويرضى بما قسم له » ولا يطلب منه ما لبس ل كما سيقول المؤلف رحمه اللّه بعد هذا » ويطلب عبودية له » لا لقصد نيل حظه » فبهذين الوجهين يحسن أدبه » ويصحّ سؤاله وطلبه » وذلك هو الوفاء على التحقيق . 7 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ما طلب لك شيء مثل الاضطرار » ولا أسرع بالمواهب إليك مثل الذلة والافتقار ) . اضطرار العبد هو أخصّ أوصاف عبوديته » ولذلك لم يطلب من العبد شيء أجل منه » قال أبو محمد عبد الله بن منازل « 2 » رضي الله عنه : « العبودية الرجوع في كل شيء إلى الله عر وجل على حدّ الاضطرار » . وفيه أيضا خاصية إجابة الدعاء » قال الله (1 ) الحديث ذو شجون : أي متشعب ذو فنون وأغراض . عا لصا سرلا ف يس ومو ا لوي مشايخ نيسابور . له طريقة تفرد بها » وكان عالما بعلوم الظاهر . كتب الحديث الكثير ورواه ومات بنيسابور . 209 2050 » 1/5 « عزّ وجل :أمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطْرٌ إذا دّعاه'[ النمل : 62 ] » والاضطرار المطلوب منه : أن لا يتوم العبد من نفسه شيئا من الحول والقوة » ولا يرى لنفسه سببا من الأسباب يعتمد عليه أو يستند إليه » ويكون بمنزلة الغريق في البحر » أو الظالٌ في التيه « 1 » القفر » لا يرى لغيائه إلا مولاه ؛ ولا يرجو لنجاته من هلكته أحدا سواه . وقال بعض العارفين : « المضطر الذي يقف بين يدي مولاه » فيرفع يديه إليه بالمسألة » فلا بر سه د عن اانه كلطه لفح ساسا تررك مد ا ل يه »4 . والذلّة والافتقار أمران لا زمان له » وهما موجبان لإسراع مواهب الحق تعالى إلى العبد المتصّف بهما » وإليه الإشارة بقوله تعالى :وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُم أَذِلَمَرٍ آل عمران 0 » فذلّتهم أوجبت لهم عزتهم ونصرهم » كما قيل : وإذا تذللت الرقاب تقرّبا *** منها إليك فعزها في ذلها وقيل : حيث أسلمتني إلى « الذال واللام » تلقيتني بعين وزاي . قال في لطائف المنن : « والجالب للتوفيق علامة صدق الرّجعى إلى الله في أول كل فعل وترك تحقيق الفقر والفاقة إليه والانغماس في بحر الذلّة والمسكنة بين يديه » واستصحاب ذلك إلى الفراغ من ذلك أبدا » وقد قال الله سبحانه :وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله ِبَدْرِ وَأَنْتُمْ أَذِلَهَ وقال تعالى :إِنَمَا الصَّدَقاتُ لِلْفْقَرَاءٍ وَالْمَساكِينِ [ التوبة : 60 ] » فلا تدخل جنة عملك وعلمك » وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذل فأخبر الله عنه بقوله وَدَخَلَ جَنْتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ ِنَفسِهِ قال ما أَظْنُّ أَنْ تَبيدَ هذه أَبَدً[ الكهف 55 ولكن أدخلها كما بيّن لك » وقل كما رضي لك :ولو لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ ما شاءً الله لا قُوَةَ إن الله الكهف : 39 ] » وافهم هاهنا قوله صلى الله عليه وسلم : « لا حول ولا قوة إلا باللّه كنز من كنوز الجنة » 1 ؛ وفي رواية أخرى : « كنز من كنوز تحت العرش » « 3 » ٠»‏ فالترجمة ظاهر الكنز . والمكنوز فيها صدق التبرّي من الحول والقوة والرجوع إلى حول اللّه تعالى وقوته . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لو أنك لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك ومحو دعاويك لم تصل إليه أبدا » ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه ٠»‏ غطى وصفك بوصفه ونعتك بنعته» فوصلك إليه بما منه إليك لا بما منك إليه ). (1 ) التيه : المفازة لا علامة فيها يهتدى بها . (2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 » 156 ) . ( 3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 » 151 » 180 » 383 ) . 2051 » 176 « الوصول إلى الله تعالى لا يكون إلا بمحو صفات النفس » وقطع علاقات الطلب » وشيء من ذلك لا يتصوّر من العبد من حيث هو ؛ لأن ذلك طبعه وجبلّته » ولو لم يكن إلا إرادته وعمله في تحصيل هذا الغرض بنفسه » فهما من جملة المساوي والدعاوى المحتاج إلى محوها . قال سيدي أبو العباس المرسي » رضي الله تعالى عنه : « لن يصل الوليّ إلى الله حتى تنقطع عنه شهوة الوصول إلى الله » يعني : انقطاع أدب لا انقطاع ملل . وقال سيدي أبو الحسن » رضي الله عنه : « ولن يصل الوليّ إلى الله ومعه شهوة من شهواته . أو تدبير من تدبيراته » أو اختيار من اختياراته » فلو خلّى الله تعالى عبده وذلك » لم يصل إليه أبدا , ولكن إذا أراد الله تعالى أن يوصل عبده إليه تولّى ذلك له بأن يظهر له من صفاته العلية » ونعوته القدسية ما يغيب بذلك صفات عبده ونعوته عنه » ويكون ذلك علامة على محبته » كما أشار إليه بقوله في الحديث القدسي : « فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به » ويده التي يبطش بها + ورجله التي يمشي بها » < 1 »> . وعند ذلك لا تكون له إرادة ولآ اختيار إلا ما اختاره له.مولاه وأراده + فيكون حينئذ واصلا إلى الله بما من الله إليه من الفضل والكرم ء لا بما من العبد إليه من الاجتهاد والعمل . فسبحان المتفضل على من شاء بما شاء . 9 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي اله عنه : ( لولا جميل ستره لم يكن عمل أهلا للقبول؛ أنت إلى حلمه إذا أطعته أحوج منك إلى حلمه إذا عصيته ) . العبد مبتلّى بنظره إلى نفسه » وفرحه بعمله من حيث نسبته إليه . وشهود حوله وقوّته عليه . وهذا لا محيص له عنه . إلا بما شاء ربه . وقد يكثف حجابه فيرائى به ؛ ويطلب حمد الناس له ؛ وهذا كله من الشرك الخفيّ القادح في الإخلاص الحقيقي والإخلاص شرط في قبول العمل كما تقم . قال يحيى بن معاذ رضي الله تعالى عنه : « مسكين ابن آدم » جسم معيب ؛ وقلب معيب » يريد أن يخرج من معيبين عملا بلا عيب » . فعمل العبد لما كان بهذه المثابة لم يكن فيه أهلية لوجود القبول لولا جميل ستر الله تعالى وعظيم حلمه وبرّه . سيد الدرب هن تمل اه حا رعق لا علد ل 51 قال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي » رضي الله تعالى عنه : « إذا طالبهم بالإخلاص تلاشت أعمالهم ؛ وإذا تلاشت أعمالهم زاد فقرهم وفاقتهم فتبرّءوا عن كل شيء ومن كل شيء لهم ومنهم » . (1 ) أخرجه البخاري ( رقاق » 38 ) . 252 203 « 177 » أنت إلى حلمة إِذَآآأطعته أحوج منك إلى حلمه إذاا عصيتة شرف العبد ورفعة قدره إنما تكون بنظره إلى ربه عز وجل » وإقباله عليه » وسكونه إليه » واعتماده عليه . ودناءته وخسّته » وسقوطه من عين الله تعالى إنما تكون بنظره إلى نفسه ٠‏ وإقباله على غيره : واستناده إلى سواه » فالعبد عند عمله بالطاعة معرّض لهذه الأخطار من نظره إلى نفسه » والتصنع . بخلاف المعصية في جميع هذه الأشياء » فإنها تحمله على الحذر » والخوف من ربه » وتوجب له الاستكانة « 1 » » والخضوع » وشةة الافتقار إليه . فلذلك كان العبد إلى حلم الله - إذا أطاعه - أحوج منه إلى حلمه إذا عصاه . وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء : « قل لعبادي الصدّيقين : لا تغتروا : فإني إن أقمت عليهم عدلي وقسطي أعذبهم غير ظالم لهم . وقل لعبادي الخاطتين : لا تيأسوا من رحمتي ٠‏ فإني لا يكبر عليّ ذنب أغفره » « 2 » . ولهذا المعنى قال أبو زيد رضي ال عنه : « توبة المعصية واحدة » وتوبة الطاعة ألف توبة » . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (الستر على قسمين ستر عن المعصية و ستر فيهاء فالعامة يطلبون من الله الستر فيهاء خشية سقوط مرتبتهم عند الخلق: و الخاصة يطلبون الستر عنها خشية سقوطهم من نظر الملك الحق ). العامة يغلب عليهم شهود الخلق ٠‏ والتصنّع والتزيّن لهم » ومحبة حمدهم » وكراهية ذمّهم ؟ فهم حلط ئئععْحينيبحمُب7 000064449 : في حال كونهم عاملين بها » لثلا يراهم الخلق فيسقطوا من وفي أمثالهم قال الله عز وجل 70002 لاَيَرْضَس مِنَّ الْقَلٍ [ النساء ‏ 108 ]. قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله عنه » في هذه الآية : « الغالب على قلوبهم رؤية الخلق » ولا يشعرون أنّ الحقّ مطلع عليهم » أولئك الذين وسم الله قلوبهم بوسم الفرقة » . (1 ) الاستكانة : الخضوع . (2 ) أخرجه البخاري ( رقاق » 8 ) » وابن ماجة ( طهارة » 6 ) » وأحمد بن حنبل ( 1 ٠‏ 66 1 204 » 1/8 « روى عدي بن حاتم « 1 » » رضي الله عنه » عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « بعر قرع القسامة قادن رون انين ) إلى |لحفة حدى رذ حو مده و اردور ليها ولسطتشترا ولد وما أعدّ الله لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها فلا نصيب لهم فيها . فيرجعون بحسرة ما رجع الأؤلون بمثلها » فيقولون : يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لآوليائك كان أهون علينا . قال : ذلك أردت بكم : كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم » وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين تراءون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم ٠‏ هبتم الناس ولم تهابوني ٠‏ وأجللتم الناس ولم تجلوني وركنتم إلى الناس ولم تركنوا إليّ فاليوم أذيقكم أليم العذاب مع ما حرمتم من الثواب ». زفي بعض الكتب المنزلة : إن لم تعلموا أني أراكم فالخلل في إيمانكم » وإن علمتم أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم . وقال ابن عباس » رضي الله عنهما » في قوله تعالى :ِيَعْلَمُ خائِنة الْأعْيْنِ وَما تُخْفِي الصّدُورُ [ غافر : 19 ] : هو الرجل تمر به المرأة في القوم فيريهم أنه يغضَ بصره عنها » ويودٌ أنه يطّلع على عورتها » ويقدر عليها . وقال في رواية أخرى : « هو الرجل يكون في القوم فتمرٌ بهم المرأة فيريهم أنه يغضّ بصره عنها » فإذا رأى من القوم غفلة لحظ إليها ونظر » فإذا خاف أن يفطنوا غضنّ بصره عنها فقد اطلع الله عرّ وجل على قلبه أنه يود لو نظر إلى عورتها » . وهذا كلّه شأن المرائين الذين يستخفون بنظر الجبّار » ويهابون الناس أن يطلعوا عليهم فيما يرتكبونه من الاوزار » . اا لا ا الل ا لك م ولا ذماء وهمّتهم مصروفة عن النظر إليهم والاعتماد عليهم في نفع » أو دفع ضرٌ . ١‏ وحالهم إنما هو القناعة بعلم الله تعالى » ومراقبة نظره » فهم يطلبون الستر من الله عنها في أن يغْيّبها عن نظرهم ولا يخطرها بقلوبهم فتميل إليها أنفسهم فيعملون بها » فيقعون في مخالفة ربّهم والتعرّض لسخطه والسقوط من عينه » وشتان ما بين الحالين . وإلى هذا المعنى أشار سيدي أبو الحسن الشاذلي » رضي الله عنه » في دعائه بقوله : (1 ) عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي » ( توفي سنة 68 ه - 687 م ) أبو وهب وأبو طريف . أمير » صحابي من الأجواد العقلاء » كان رئيس طيء في الجاهلية والإسلام وكان إسلامه سنة 9 ه » وشهد فتح العراق » ثم سكن الكوفة وشهد الجمل وصفين والنهروان مع علي . وفقئت عينه يوم صفين . ومات بالكوفة . روى عنه المحدثون 66 حديثا . 255 206 72 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا تصحب إلاامن صحبك وهو بعيبك عليم » وليس ذلك إلا مولاك الكريم . خير من تصحب من يطلبك . لا لشيء يعود منك إليه ) . [ما صحبك إلا من صحبك وهو بعيبك عليم] الصاحب على الحقيقة هو : من بذل إحسانه إليك » وأسبغ نعمه عليك » ولم يمنعه من ذلك ما يعلمه من عيوبك التي يكرهها منك ٠‏ وليس ذلك إلا مولاك . أيضا إلا مولاك فاتخذه صاحبا » ودع الناس جانبا . 3 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لو أشرق لك نور اليقين لرأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها ولرأيت محاسن الدنيا قد ظهرت كسفة الفناء عليها ). نور اليقين تتراءى به حقائق الأمور على ما هي عليه فيحق به الحقّ ويبطل به الباطل » والآخرة حق ٠‏ والدنيا باطل ؛ فإذا أشرى نور اليقين فى تلب العيد أيصر يه الآخر: التى كانت غانية عذه حاضرة لديه » حتى كأنها لم تزل » فكانت أقرب إليه من أن يرحل إليها » فحقّ بذلك حقها عنده , وأبصر الدنيا الحاضرة لديه قد انكسف نورها وأسرع إليها الفناء والذهاب » فغابت عن نظره بعد أن كانت حاضرة فظهر له بطلانها حتى كأنها لم تكن » فيوجب له هذا النظر اليقيني الزهادة في الدنيا والتجافي عن زهرتها » والإقبال على الآخرة » والتهيؤ لنزول حضرتها . ووجدان العبد لهذا هو علامة انشراح صدره بذلك النور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إن النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفتح . قيل : يا رسول اللّه » هل لذلك من علامة 257 2058 « 180 » ل ل ا ادك قبل نروله » « 1 » » أو كما قال صلى الله عليه وسلم » وعند ذلك تموت شهواته » وتذهب دواعى نفسه » فلا تأمره بسوء . ولا تطالبه بارتكاب منهيى » ولا يكون همّه إلا المسارعة إلى الخيرات » والمبادرة إلى اغتنام الساعات والأوقات » وذلك لاستشعاره حلول الأجل وفوات صالح العمل . وإلى هذا المعنى الإشارة بحديثي : حارثة » ومعاذ » رضي الله تعالى عنهما : روى أنس بن مالك رضي اله عنه قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي إذا استقبله شاب من الأنصار » فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : « كيف أصبحت يا حارثة » ؟ فقال حبحت اناك حذا فال : « انظر ما تقول » فإن لكل قول حقيقة » » فقال : يا رسول الله » عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي » وأظمأت نهاري »؛ فكأني بعرش ربّي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها فقال : « أبصرت » فالزم » عبد نوّر الله الإيمان في قلبه » . قال : يا رسول الله » ادع الله لي بالشهادة فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم » » فنودذي يوما في الخيل : يا خيل الله اركبي » فكان أول فارس ركب »؛ وأول فارس استشهد ء فبلغ أمّه ذلك » فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له : يا رسول الله » أخبرني عن ابني حارثة » فإن يك في الجنة فلن أبكي ولن فقال صلى الله عليه وسلم : « يا أم حارثة » إنها ليست بجنة » ولكنها جنة في جنات » وحارثة في الفردوس الأعلى » « 2 » فرجعت وهي تضحك وتقول : بخ بخ لك يا حارثة . وروى أنس أيضا : أن معاذ بن جبل دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي » فقال له : « كيف أصبحت يا معاذ » قال : أصبحت بالله مؤمنا قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إن كل تون اسان لكر حو احتية كا لان تر 4 » قال : يا نبي الله » ما أصبحت صباحا قط إِلّا ظننت أن لا أمسي » وما أمسيت مساء قط إِلّا ظننت ألا أصبح . ولا خطوت خطوة قط إلا ظننت أن لا أتبعها أخرى » وكأني أنظر إلى كل أمّة جاثية تدعى إلى كتابها » معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون الله » وكأني أنظر إلى عقوبة أهل الدار » وثواب أهل الجنة » قال صلى الله عليه وسلم : « عرفت فالزم » « 3 ». (1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 9 / 327 ) . (2 ) أخرجه ابن ماجة ( أدب ٠‏ 18 ) . (3 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 2 / 238 ) » والسيوطي في ( الدر المنثور 3 / 163 ) » وابن أبي شيبة في ( الإيمان 114 - 115 ) » والشجري في ( الأمالي 1 / 32 ) » 09ذشظ2 2060 » 181 « فهذان الرجلان الفاضلان : حارثة بن سراقة » ومعاذ بن جبل الأنصاريان » رضي الله تعالى عنهما » لما أشرف عليهما نور اليقين وتمكن من قلبيهما أي تمكين صدر منهما ما صدر مما ذكراه من فنون العبر » وشاهدا أمر الدارين بمنزلة رأي العين » فسلمت أعمالهما من العيوب والآفات » وحفظا من الهفوات والسيئات » وطهرت منهما الأسرار والقلوب » وسارعا في كل مر حبرب : وطارت ار واحيها اشنياقا إلى لذاء الو لحك الث » وطايت انيما بالموت حنى صار عندهما أحلى من الشهد « حبيب جاء على فاقة » لا أفلح من ندم » وكذلك غيرهما من الصحابة » وكبار التابعين » وأئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين : ولقد أجاب معبّر عن حالهم *** فاسمع مقالا صادقا مقبولا إن الألى ماتوا على دين الهدى *** وجدوا المنية منهلا معسولا وروى أنس بن مالك رضي الله عنه : أن حرام بن ملحان » رضي الله عنه » وهو خال أنس » طعن يوم « بئر معونة » « 1 » في رأسه ء فتلقى دمه بكفه » ثم نضحه على رأسه ووجهه . وقال : فزت ورب الكعبة . وكان « حيان بن سلمى » فيمن حضر بئر معونة مع عامر بن الطفيل « 2 » » ثم أسلم بعد ذلك فكان يقول : مما دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلا منهم فسمعته يقول ارش رن فقلت في نفسي : واللَّه ما فاز » أليس قتلته !! حتى سألت بعد ذلك عن قوله » فقالوا : الشهادة . فقلت : فاز لعمر الله ( والمطعون هاهنا » واللّه أعلم » هو : عامر بن فهيرة ) . وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في شأن الأمراء الثلاثة يوم مؤتة « 3 » أخذ الراية زيد فأصيب , ثم أخذها جعفر فأصيب , ثم أخذها ابن رواحة فأصيب ؛ ثم أخذها خالد بن الوليد « 4 » عن (1 ) بئر معونة : بين أرض عامر وحرّة بني سليم . ( معجم البلدان 5 / 159 ) . (2 ) عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر العامري ( 7/0 ق ٠ه‏ - 11 ه - 554 - 632 م ) من بني عامر بن صعصعة » فارس قومه » وأحد فتاك العرب وشعرائهم وساداتهم في الجاهلية » أبو علي » ولد ونشأ بنجد » وأدرك الإسلام شيخا » فوفد على رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو في المدينة بعد فتح مكة يريد الغدر به فلم يجرؤ عليه » فدعاه إلى الإسلام » فاشترط أن يجعل له يصف ثمار المدينة وأن ب يجعله ولي الأمر من بعده » فرده » فعاد حنقا » فمات في طريقة قبل أن ل ل ا ع ا ( 3 ) مؤتة : قرية من قرى البلقاء في حدود الشام » وقيل : قرية من مشارف الشام ( معجم البلدان 22075 ). 8 ( 4 ) خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي ( توفي 21 ه - 642 م ) القرشي سيف الله الفاتح الكبير الصحابي » كان من أشراف قريش في الجاهلية » أسلم قبل فتح مكة فسرٌ به رسول الله 2061 262 » 182 « غير إمرة ففتح الله عليه » أظنه قال صلّى الله عليه وسلّم : واللّه « 1 » ما يسروا أنهم عندنا أو ما يسرهم إنهم عندنا » وعيناه تذرفان دموعا » فلله درّهم ؛ لقد حازوا مرتبة شريفة ومنزلة عالية منيفة وتبّا لأمثالنا الذين عميت بصائرهم وأظلمت سرائرهم » فحجبت عنا شموس المعارف » وأوقعتنا في أودية المهالك والمتالف واغتررنا بهذه الدار الغرّارة » الفتانة السحارة » فتشبثت مخالبنا بشباكها » وارتبكنا في مصايدها وأشراكها » من غير شعور منا بحالها » وتزوير محالها , فكنا في قصدنا إليها وتعويلنا عليها بمنزلة ظمآن لاح له سراب حسبه ماء ؛ فلما جاءه لم يجد فيه هناء ولا غناء ! ! ثم مع هذا كله ينتسب إلى الدين » ويدعى كمال المعرفة واليقين » والدخول في بحار أولياء الله المتقين » مع أن أحدنا لو خيّر بين حلول الحين » أو البقاء في الدنيا معلّقا بأشفار العين » لاختار البقاء فيها على هذه الحال » مع كونه لا يحذث نفسه في طاعة بازدياد ؛ ولا عن معصية بانتقال » وهذه كلها أخلاق يهودية ٠‏ لا تليق بمن ينتسب إلى هذه الملّة المحمدية . قال الله عزّ وجل مخيرا عن حال اليهود » وكاشفا لأسرارهم » وهاتكا لأسفارهم : وَلَتَجِدَنْهُمْ أخرّص النَّاسٍ عَلى حَياةٍ » وَمِنَ الَذِينَ أشرَكُوا يَوَدْ أَحَدْهُمْ لو يُعَمَّرُ ألف سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُرَحْرْحِهِ مِنَ الْعَذابِ أنْ يُعَمّرَ وَالَهُ بَصِيرٌ بما يَعْمَلُونَ[َ البقرة : 96 ] . فلو لم ينه العاقل عن محبته البقاء في هذه الدار » ويأمره بإيثار دار القرار إلا تشبهه باليهود الناقضين للعهود 2 المتهاونين بأوامر المعبود » لكان ذلك أبلغ ناه وآمر ؛» فضالاد عما ورد في ذلك من مواعظ وزواجر » نزع الله عن قلوبنا حجاب الغفلة والغرور . وحمانا عن مشابهة كل ظلوم وكفور » وحبّب إلينا لقاءه » ورزقنا ما ررق أولياءه واصفياءه وأحباءه بمنه وكرمه . 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ما حجبك عن الله وجود موجود معه . ولكن حجبك عنه توهم موجود معه). تقدّم : أن لا موجود سوى الله تعالى على التحقيق . إن وجود ما سواه إنما هو وهم مجرّد ؛ فلا حاجب لك من الله تعالى إلا توم وجود ما سواه لا غير . والتوقمات باطلة . فلا حاجب لك عن الله تعالى إذن . وقد استوفى المؤلف رحمه الله تعالى ذكر جميع أنواع الاعتبارات في هذا المعنى - عظيما منه » وحوله إلى الشام وجعله أمير من فيها من الأمراء » ثم عزله عمر لكن ذلك لم يثنيه عن القتال فظل يقاتل بين يدي أبي عبيدة إلى أن تم لهما الفتح ( سنة 14 ه ) فرحل إلى المدينة فدعاه عمر ليوليه فأبى » ومات بحمص وقيل : بالمدينة . ( الأعلام 2 / 300 » وتهذيب الكمال 5 / 422 ) . (1 ) أخرجه البخاري ( فضائل الصحابة » 25 ) » ( جنائز 4 » 43 ) » ( جهاد ء 7 ) » مناقب (١)‏ مغازي » 44 ) ؛ ( تفسير سورة » 4 » 9 ) » ( فضائل القرآن 33 » 35 ) » 2063 2064 « 183 » قبل هذا » قال في « لطائف المنن » : « وأشبه شيء بوجود الكائنات إذا نظرت إليها بعين البصيرة وجود الظلال » والظل لا موجود ». باعتبار جميع مراتب الوجود . ولا معدوم باعتبار جميع مراتب العدم » وإذا ثبتت ظلية الآثار لم تنسخ أحدية المؤثر ؛ لآنّ الشيء إنما يشفع بمثله » ويضم إلى شكله » كذلك أيضا من شهد ظلية الآثار لم تعقه عن الله تعالى ؛ فإن ظلال الأشجار في الأنهار لا تعوق السفن عن التسيار . ومن هاهنا يتبين لك أيضا أن الحجاب ليس أمرا وجوديا بينك وبين الله » ولو كان بينك ك وبينه حجاب وجودي للزم أن يكون أقرب إليك منه » ولا شيء أقرب إليك من الله غ فرجعت حقيقة الحجاب إلى توقم الحجاب » فما حجبك عن الله وجود موجود معه » وذلك كرجل بات في مكان وأراد البراز فسمع صوت الرياح من « كوّة » « 1 » هناك فظنه زئير « 2 » أسد فمنعه ذلك عن البراز » فلما أصبح لم يجد هناك أسدا » وإنما هو الريح انضغط في تلك الكوّة » فما حجبه وجود أسد » وإنما حجبه توهّم الأسد . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لولا ظهوره في المكونات ما وقع عليها وجود أبصار . لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته ) ظهور الحق تعالى من وراء حجاب المكوّنات هو الذي أوجب ظهورها ووقوع الأبصار عليها . ولولا وجود حجابيتها لم يقع عليها أبصار » ولتلاشت ٠‏ لوجود التجلّي الحقيقي كما قال : « لو ظهرت صذاته اصمحات مكرداته ) يل لم يكن هناك بصي ولا يسبل ولااميصر ؛ كنا جاه 3 الحديث : « حجابه النار » وفي رواية « النور » لو كشف عنها لأحرقت سبحات وجهه كلّ شيء أدركه بصره » « 3 » . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( أظهر كلّ شيء لأنه الباطن » وطوى وجود كل شيء ؛ لأنه الظاهر ). من أسمائه تعالى : الظاهر ٠‏ والباطن ٠‏ فاسمه الظاهر يقتضي بطون كل شيء حتى لا ظاهر معه فينطوي حينئذ وجود كل شيء » واسمه الباطن يقتضي ظهور كل شيء حتى لا باطن معه » فيظهر إذ ذاك وجود كل شيء » فالحق تعالى هو الموجود بكل اعتبار والحمد لله . 7 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( أباح لك أن تنظر ما في المكونات . وما أذن لك أن تقف مع ذوات المكونات . و ما أذن لك أن تقف مع ذوات المكوناتء قل انظروا ماذا في السماوات و الأرضء و لم يقل انظروا السماوات و الأرضء. لئلا يدلك على وجود الأجرام ). [ أباح لك أن تنظر إلى المكونات ] قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ولم يقل انظروا السماوات والأرض . فتح لك باب (1 ) الكوة : خرق في الجدار يدخل منه الهواء والضوء ( ج ) كوى . (2 ) الزئير : صوت الأسد . 2065 2066 » 184 « الأجرام « 1 » . أمر الله تعالى بالنظر في المكوّنات ليس لذاتها ؛ لأن في ذلك البعد عن الله تعالى بالنظر إلى ما سواه » ولم يبح هذا » وإنما أمرهم بذلك ليتوصّلوا بنظرهم فيها إليه ؛ » لوجود ظهوره فيها . والإشارة إلى هذا المعنى ب « في » في قوله تعالى اقل انْظْرُوا ما ذا فِي السّماوات وَالْأَرْضٍ[ يوننن :111 فالمعنى المقصود : في وجود الظرفية ومنها يستفاد » وهو معنى قوله : [ فتح لك باب الأفهام ] » فلو أسقطها وقال : انظروا السماوات لكان فيه دلالة على جود الأجرام » وهي أغيار له » وفيها البعد عنه فكيف يدل على ذلك وهو لم يأذن فيه ؟! قال في « لطائف المنن » : « فما نصبت لك الكائنات لتراها » ولكن لترى فيها مولاها » فمراد الحق منك أن تراها بعين من لا يراها » تراها من حيث ظهوره فيها » ولا تراها من حيث كونيتها ؛ قال : ولنا فى هذا المعنى : ما أبينت لك العوالم إِلّا *** لتراها بعين من لا يراها فارق عنها رقي من ليس يرضى *** حالة دون أن يرى مولاها 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الأكوان ثابتة بإثباته وممحؤة بأحدية ذاته ). ْ الأكوان من ذاتها العدم المحض ؛ كما تقدّم » وإنما حصل لها وصف الثبوت بإثبات الله تعالى لها ؛ وجعلها أكوانا فالثبوت لها أمر عرضي ء والحقّ اللازم هو وجود أحدية الله عرّ وجل : ا اذا كانت الوحدة بحيث لا يمكن أن يكرن أنذ ١‏ لا أكمل منها » فمن مقتضى حقيقتها محّو الأكوان وبطلانها » بحيث لا توجد إذ لو وجدت لم تكن أحدية » ولكان فى ذلك تعدد واثنينية » كما قيل : ' رب وعبد ونفي وضد *** قلت له ليس ذاك عندي فقال : ما عندكم ؟ فقلنا *** وجود فقد وفقد وجد توحيد حقٌّ بترك خلق *** وليس حقّ سواي وحدي وأنشدوا أيضا : سرٌ سرى من جناب القدس أفناني *** لكن بذاك الفنا عني قد أحياني وردّني للبقا حتى أعبّر عن *** جمال حضرته لكل هيمان وطرت في ملكوت من عجائبه *** لم ألق غير وجود ماله ثاني وأنشد المؤلف - رحمه الله تعالى - لنفسه في « لطائف المنن » يوصي رجلا من 267 2068 « 185 » إخوانه اسمه « حسن » فقال : حسن بأن تدع الوجود بأسره *** حسن فلا يشغلك عنه شاغل ولئن فهمت لتعلمنٌ بأنه *** لا ترك إلا للذي هو حاصل ومتى شهدت سواه فاعلم أنه *** من وهمك الأدنى وقلبك ذاهل كسب الآله شبهوده اوحوده *** والله يعلم ها يقول القائل ولقد أشرت إلى الصريح من الهدى *** دلت عليه - إن فهمت - دلائل وحديث كان وليس شيء غيره *** يقضي به الآن اللبيب العاقل لا غرو إلا نسبة مثبوتة *** ليذم ذو ترك » ويحمد فاعل 9 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (الناس يمدحونك لما يظنونه فيك فلتكن أنت ذاما لنفسك ؛ لما تعلمه منها ). [الناس يمدحونك بما يظنونه فيك؛ فكن أنت ذاما لنفسك لما تعلمه منها.] ذم العبد لنفسه واحتقارها لما يحققه من عيوبها وآفاتها مطلوب منه ؛ لأن ذلك يؤدّيه إلى الحذر من غرورها وشرورها . فتصلح بسبب ذلك أعماله وتصدق أحواله » وإلّا فسدت عليه واعتلت ؛ لدخول الآفات عليها » ولا يصدنه عن ذلك ثناء الناس عليه ومدحهم له ؛ لأنه يعلم من عيوب نفسه مما لا يعلمه غيره ثم إنهم لما قاموا بحقّ ما يجب عليهم من المدح له وحسن الظن به فينبغي أيضا أن يقوم هو بحق ما يجب عليه من اتهام نفسه وسوء اعتقاده فيها . قال بعضهم : « من فرح بمدح نفسه » فقد أمكن الشيطان أن يدخل في بطنه » . وقال آخره : « إذا قيل لك نعم الرجل أنت ؛ فكان أحبّ إليك من أن يقال بئس الرجل أنت » فأنت واللّه ببس الرجل » . / / وقيل لبعض الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم : « لن يزال الناس بخير ما أبقاك الله فيهم » فغضب » وقال : إني لأحسبك عراقيا » . ردك ممعي لا عع ١‏ ا 1 7132 وقال آخر : « اللهم اجعلنا خيرا مما يظنون » ولا تؤاخذنا بما يقولون واغفر لنا ما لا يعلمون » . ل ل ل اه 0 الخلائق ؛ لأن الممدوح هو المقرّب عند الله تعالى » والمذموم على الحقيقة هو المبعد عند الله تعالى ٠‏ الملقى في النار مع الأشرار . فهذا الممدوح إن كان عند الله تعالى من أهل النار فما أعظم جهله إذ فرح بمدح غيره » وإن كان ل ا جد المرح و لتكل بها ينه من أمر كيه > ا ا 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 2069 200 » 186 « المؤمن الحقيقي هو الذي لا يشهد من نفسه صفة محمودة يستحق بها أن يمدح أو يثنى عليه . وإنما بشهد ذلك من رئه عر وجل . فإذا أنتى الداس عليه ؛ وذكروا محاسنه استحيا من الله تعانى استحياء تعظيم وإجلال أن يثنى عليه بصفة ليست فيه فيزداد بذلك مقتا لنفسه واستحقارا لها ونفورا عنها » ويقوى عنده رؤية إحسان الله تعالى إليه » وشهود فضله في إظهار المحاسن عليه » وهذا هو الشكر الذي ينال به المزيد مع سلامته مع السكون إلى ثناء العبيد .أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس . الاغترار بمدح الناس وثنائهم غاية في الجهل والغباوة » وذلك من علامات المقت ؛ لأن المغترٌ بذلك ترك يقينه بنفسه لظن غيره به » وهو على كل حال أعلم بنفسه . وقد شبّه الحارث المحاسبي رضي الله عنه الراضي بالمدح من الناس بالباطل بمن يهزأ به » ويقال له إن العذرة « 1 » التي تخرج من جوفك لها رائحة المسك » وهو يفرح بذلك ويرضى بالسخرية به ! ! قلت : ولا شك أن الذنوب والعيوب التي يعلمها العبد من نفسه أنتن وأقذر من العذرة التي تخرج من جوفه » ولا فرق بين الحالين » إِلَّا أنه في حال المدح يعلم أن المادح لم يشاركه في معرفة ذنوبه وعيوبه مشاركة ذلك المستهزىء للمستهزأ به في معرفة حال ما يخرج من جوفه » فهو بجهله وغباوته قد رضي بأن يكون له في قلوب العباد الجاهلين بحاله قدر وجاه من غير مبالاته بسقوطه من عين مولاه الذي يعلم من حاله ما لا يعلمه هو ولا غيره من حيث رضي بالمدحة وفرح بها ولم يقابل ذلك بالإباء والكراهية . ل ل ل بمدحهم والفرح به . قال يحيى بن معاذ الرازي رضي الله عنه : « تزكية الأشرار هجنة « 2 » بك » وحبّهم لك عيب عليك » . وقيل لبعض الحكماء : إن العامة يثنون عليك . فأظهر الوحشة من ذلك وقال : « لعلهم رأوا مني شيئا أعجبهم » ولا خير في شيء يسرّهم ويعجبهم » . ويروى عن بعض الحكماء أنه مدحه بعض العوام » فبكى » فقال له تلميذه : أتبكي وقد مدحك ؟ ! فقال له : إنه لم يمدحني حتى وافق بعض خلقي خلقه ؛ فلذلك بكيت . (1 ) العذرة : الغائط . (2 ) هجن الكلام وغيره : صار معيبا مرذولا . 2/11 « 187/7 » فانظر هذا ؛ فقد نبهك هذا الحكيم على العلة في ذلك . 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إذا أطلق الثناء عليك ولست بأهل فائن عليه بما هو أهله ) . [إذا أطاق عليك الثناء ولست يأهل» فلن عليه يما هو له أهل .] المؤمن هو الذي لا يرى نفسه أهلا لأن يمدح أو يثنى عليه ؛ لأن موجبات ذلك ليس له منها شيء ؛ كما تقدّم . فإذا أطلق الله تعالى ألسنة الناس بالثناء عليه » ولا أهليته فيه لذلك فينبغى أن يعرف الحق لأهله فيستعمل نفسه بالثناء على الله تعالى بما هو أهله ؛ ليكون ذلك شكرا لنعمة إطلاق الألسنة بالثناء عليه من غير استحقاق لذلك ولا لثبوت أهلية . 2 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الزهاد إذا مدحوا انقبضوا , لشهودهم الثناء من الخلق والعارفون إذا مدحوا انبسطوا . لشهودهم ذلك من الملك الحق ) . تقدم أن الزهاد في غيبة عن الله تعالى » فهم لا يشاهدون إِلّا الخلق ؛ فإذا مدحوا وأثني عليهم شهدوا ذلك من الخلق فانقبضوا عند ذلك لأنهم يخافون فوات نصيبهم من ربّهم لأجل ما يتوقعون من الاغترار بذلك . والعارفون حاضرون مع ربهم » فهم لا يشاهدون معه غيره فإذا مدحوا شهدوا الثناء من ربهم فانبسطوا لذلك » وكان ذلك مزيدا في حالهم ومقامهم لغيبتهم عن أنفسهم . فقال : وما عليّ من ذلك ولست أغلط في نفسي » بل لست في البين والمجزي والمثنى هو الله عز وجل » . وقيل : هذا المعنى في الخبر المرويّ : « إذا مدح المؤمن في وجهه ربا الإيمان في قلبه» «1» قال أبو طالب المكيّ » رضي الله تعالى عنه : « وفيه طريق للعارفين بأن يعلو الإيمان العليّ إلى المولى الأعلى » فيفرح بذلك لمولاه ويضيفه إلى سيده الذي تولّاه » فير الصنعة إلى صانعها » ويشهد من الفطرة فاطرها » فيكون ذلك مدحا للصانع » ووصفا للفاطر لا ينظر إلى وصفه », ولا يعجب بنفسه » انتهى . قلت : وللمؤلف - رحمه الله تعالى - قصائد في مدح شيخه أبي العباس المرسي » رضي الله تعالى عنه » وكان ينشدها كثيرا بين يديه ويقع ذلك منه موقعا عظيما » وكان يستعيد منه بعضها » ويقول له في بعضها : أيّدك الله بروح القدس . نحو ما كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لشاعره « حسان بن ثابت » « 2 » مع أن حب المدح عندهم من الرذائل التي (1 ) أخرجه الهيثمي في ( مجمع الزوائد » 8 / 119 ) . 272 203 « 188 » تشبه الفضائل . وبهذا النظر والشهود الجمعي استقام لهم من مدحهم لأنفسهم وثنائهم عليها ما لم يستقم لغيرهم » كما وقع لجماعة منهم » وقد روى في ذلك عن سيدي عبد القادر الجيلاني « 1 » » وسيدي أبي معدود عندهم من الصدق القبيح » وما ذلك إلا لما ذكرناه » ولا يتأؤل ما وقع لهم من ذلك بما تأوّل به علماء الظاهر مدح يوسف عليه الصلاة والسلام لنفسه وثناءه عليها بغاية الحفظ والعلم لعدم الحاجة إليه في هذا المقام » واللّه تعالى أعلم . وعلامة الصادق في حب المدح » وإن كان صاحب هذا المقام لا يحتاج إلى علامة » أن لا يكره ذمّ الناس له من حيث نسبة ذلك إليهم ؛ لأنهم مصرفون في قبضة القدرة فيسمح لهم ويصفح عنهم ولا يجد في قلبه عليهم ولا يصل بشيء من الأذى إليه كما قيل : رب رام لي بأحجار الأذى *** لم أجد بدا من العطف عليه فعسى يطلع الله على *** فرح القوم فيدنيني إليه 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( متى كنت إذا أعطيت بسطك العطاء . وإذا منعت قبضك المنع فاستدل بذلك على ثبوت طفوليتك وعدم صدقك في عبوديتك ). للعبودية عند العارفين » فمن وجد ذلك فليعرف به عدم صدقه في عبوديته » وأنه طفيلي بين أهل الله تعالى في ادّعائه مقاماتهم » وهو لم يؤهّل لها . والطفيلي : هو الذي يأتي الولائم والضيافت فيدخل مع أهلها من غير دعوة » وهو منسوب إلى رجل من أهل الكوفة من بني عبد الله بن غطفان كان يقال له « طفيل الأعراس » و « طفيل العرائس » وكان يأتي الولائم من غير أن يدعى إليها » فشبّه صاحب الكتاب هذا به . - قبيل وفاته » لم يشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم مشهدا » لعلة أصابته وكانت له ناصية يسد لها بين عينيه » وكان يضرب بلسانه روثة أنفه من طوله . ( الأعلام 2 / 175 » وتهذيب الكمال 24). (1 ) عبد القادر بن موسى بن عبد الله بن جنكي دوست الحسني ( 471 - 561 ه - 1078 - 6م ) أبو محمد محيي الدين الجيلاني » أو الكيلاني » الإربلي » مؤسس الطريقة القادرية ؛ من كبار الزهاد والمتصوفين » ولد في جيلان » وانتقل إلى بغداد شابا » فاتصل بشيوخ العلم والتصوف وبرع في أساليب الوعظ ء, وتفقه » وسمع الحديث » وقرأ الأدب واشتهر . له كتب منها « الفتح الرباني » و « فتوح الغيب » وغيرهما . ( الأعلام 4 / 47 » وطبقات الشعراني 1 / 8 - 114 » وشذرات الذهب 4 / 198 وهو فيه « عبد القادر بن عبد الله » ) . 2/4 215 « 189 » قال الشيخ عبد الرحمن السلمي » رضي الله عنه : « أكثر الخلق مع الله تعالى في أحوالهم وإرادتهم على الظنون ما تحقق منهم له إلا القليل » ألا تراه تعالى يقول : وما يَتَبِعُ أَكْتَرْهُمْ إِلّا ظَنَا يونس : 36 ]2 ْ ْ ْ فمن تحقق في حاله مع الله تعالى غاب عن كل ما منه وله من الأحوال والأقوال والأفعال ؛ نظرا إلى ما إليه من رعاية الحق وحياطته وتوليه » وكان للحق من حيث الحق له » لا من حيث هو ولكن أكثر العبيد يشيرون إليه بالمعرفة » ويظهرون حالة المحبّة » فإذا ورد عليهم وارد بلاء أو حدر دادر جد لوس إل كد سو ديار مياه يا لعا الخو اسه وس الآ إليه » ولو كانوا للحق من حيث الاستحقاق لنسوا في جنب ما أشار إليه جميع الموارد ساء أم سرّ لأن من حصل في ميدان الوصول لا يعترض عليه عارض خلافه » وأذهله حاله عما سواه . 4 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (إذا وقع منك ذنب فلا يكن سببا ليأسك من حصول الاستقامة مع ربك » فقد يكون ذلك آخر ذنب قدر عليك ). الاستقامة على العبودية لا يناقضها فعل الذنب على سبيل الفلتة والهفوة إذا جرى القدر عليه بذلك ؛ وإنما يناقضها الإصرار عليه ؛ فإذا وقع من العبد ذنب فينبغي له أن يبادر إلى التوبة منه » ولا ييأس بسبب وقوعه فيه من الاستقامة مع ربّه » ويرى أنه طرده وأبعده عن رؤية توجب له القنوط « 1 » من رحمة الله تعالى واليأس من روح الله تعالى » لأنه قد يكون ذلك الذنب آخر ذنب قدّر عليه . وقد وقع ذلك وفرغ منه . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إذا أردت أن يفتح لك باب الرجاء فاشهد ما منه إليك وإذا أردت أن يفتح لك باب الخوف فاشهد ما منك إليه ) . الرجاء والخوف حالان عن مشاهدتين » فمن أراد أن يفتح له باب الرجاء فليشهد ما من الله له من الفضل والكرم والإسعاف والألطاف فسيغلب عليه حينئذ حال الرجاء . ومن أراد أن يفتح له باب الخوف » فليشهد ما منه إلى الله تعالى من المخالفة والعصيان وسوء الأدب بين يديه » فسيغلب عليه حينئذ حال الخوف . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط . لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا). تقدّم أن القبض يؤثره العارفون على البسط ؛ لما فيه من عدم حظ النفس ووجود 206 277 » 190 « قدرتهم على الوفاء بآدابه دون البسط » وقد ينفتح لهم فيه من أبواب المعارف ما لا ينفتح لهم في البسط » فينبغي للعبد أن يعرف نعمة الله تعالى عليه في ليل القبض » كما يعرفها في إشراق نهار البسط ؛ لما يعلم أن في الليل من المنافع ما ليس في النهار فليكل علم ذلك إلى ربّه وليحسن ظنَّه به » فإنه لا يدري أيهما أقرب إليه نفعا » كما أشار إليه بالآية الكريمة . وتشبيه القبض بالليل » والبسط بالنهار مجاز بديع » وقد تقدّم نحوه في كلام الأستاذ سيدي أبي الحسن » رضي الله تعالى عنه . 7 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( مطالع الانوار القلوب والأسرار نور مستودع في القلوب. مدده من النور الوارد من خزائن الغيوب.) . نجوم العلم » وأقمار المعرفة » وشموس التوحيد مطالعها » وموضع شروقها قلوب العارفين وأسرارهم » وهذه هي الأنوار الحقيقية من المطالع الروحانية بخلاف الأنوار الحسّية . قال في « لطائف المنن » : « واعلم أن الله سبحانه وتعالى إذا تولّى وليّا صان قلبه من الأغيار » وحرسه بدوام الأنوار » حتى لقد قال بعض العارفين : « إذا كان الله سبحانه وتعالى قد حرس السماء بالكواكب والشهب كيلا يسترق السمع منها فقلب المؤمن أولى بذلك » ووسعني قلب عبدي المؤمن » « 1 » فانظر رحمك الله هذا الأمر الأكبر الذي أعطيه هذا القلب حتى صار لهذه الرتبة أهلا » » ولهذا قال الشيخ أبو الحسن » رضي الله عنه : « لو كشف عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض فما ظنك بنور المؤمن المطيع » . ولق شعت شفيكنا آنا العان + رمس انه عه يقول” ارزالو كشك اعن حتيفة الول لغية )ان أوصافه من أوصافه » ونعوته من نعوته » . قال : ولقد أخبرني بعض المريدين قال : صليت خلف شيخي صلاة فشهدت ما بهر عقلي » وذلك أني شهدت بدن الشيخ وقد ملأته الأنوار » وانبثت الأنوار من وجوده حتى أني لم أستطع النظر إليه » . قال : فلو كشف الحق تعالى عن مشرفات أنوار قلوب أوليائه لانطوى نور الشمس والقمر من مشرقات أنوار قلوبهم » وأين نور الشمس والقمر من مشرقات أنوارهم ؟ الشمس يطرأ عليها الكسوف « 2 » والغروب » وأنوار قلوب أولياء الله تعالى لا كسوف لها ولا غروب ؛» كذلك قال قائلهم : (1 ) أخرجه الفتني في ( تذكرة الموضوعات » 30 ) . 2/18 20ظ 00 201 « 193 » بسم الله الرحمن الرحيم 1 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( سبحان من لم يجعل الدليل علي أوليائه إلا من حيث جعل الدليل عليه » ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه ). لا دليل على الله سواه » ولا وصول إليه بغيره » وكذلك أولياؤه . ولمّا كان الوصول إلى الله تعالى ٠‏ لا يكون إلا بالعناية والخصوصية » ويستحيل أن يكون بطلب أو سبب كان أولياؤه المخصصون بالقرب منه » كذلك لما خلع عليهم الخلع العظيمة » وتولاهم بمننه الجسيمة » فاصطفاهم لنفسه » واختصّهم بمحبته وأنسه » وطهّر أسرارهم من أنجاس الأغيار » وصان قلوبهم بما أودع فيها من الآنوار والآسرار » فكانوا لذلك صفوته في عباده » وخباياه في بلاده » كما قال في بعض الإشارات عنه سبحانه : « أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم أحد غيري » وهذا من غيرته عليهم ؛ لأن الحق تعالى أغير على أوليائه من أن يظهرهم إلى من لا يعرفهم » فلم يجعل لاحد دليلا عليهم إلا من حيث الدليل عليه » ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه » لأنه يلبسهم لباس التلبيس بين الأنام » ويظهرهم بما يحقّرهم في أعين الخواص والعوام » فلم يكن لأحد دليل عليهم أو وصول [ بسبب ] إليهم . قال في « لطائف المنن » : « فأولياء الله أهل كهف الإيواء ؛ فقليل من يعرفهم » . قال : وقد سمعته يقول ( يعني شيخه أبا العباس المرسي رضي الله عنه ) : « معرفة الوليّ أصعب من معرفة الله » فإن الله معروف بكماله وجماله » وحتى متى تعرف مخلوقا مثلك يأكل كما تأكل » ويشرب كما تشرب ؟ » ثم قال : وإذا أراد الله أن يعرّفك بوليّ من أوليائه طوى عنك وجود بشريته » وأشهدك وجود وقال صاحب كتاب « أنوار القلوب » « 1 » : « لله سبحانه وتعالى عباد ضنّ بهم على (1 ) كتاب « أنوار القلوب » تركي منظوم ليحيى بن الحاج مصطفى البرسوي نظمه في الخلفاء الراشدين وأهل البيت » وفرغ في جمادىء الآخرة سنة ثمان وتسعين وثمانمائة ( كشف الظنون 1 / 195 ) . 203 » 194 « العامة وأظهرهم للخاصة » فلا يعرفهم إلا شكل مثلهم » أو محبّ لهم » ولله تعالى عباد ضنّ بهم على الخاصة والعامة وعباد أظهرهم للخاصة والعامة ولله تعالى عباد يظهرهم في البداية ويسترهم في النهاية » وللّه عباد يظهرهم في النهاية ويسترهم في البداية » وللّه عباد لا يظهر على حقيقة ما بينه وبينهم إلا الحفظة مما سواه حتى يلقونه بما أودعهم منه في قلوبهم وهم « شهداء الملكوت الأعلى والصفح الأيمن من العرش الذين يتولى الله قبض أرواحهم بيده » فتطيب أجسادهم به » فلا يعدو عليها الثرى حتى يبعثوا بها مشرقة بنور البقاء المجعول فيهم ببقاء الأبد مع الباقي الأحد عز وجل » . انتهى ال ا ا 0 وأما غيرهم فلا » وهم مخدّرون « 1 » عنده في حجال « 2 » الأنس لا يراهم أحد في الدنيا ولاافئ الآخرة © وقال أبو علي الجوزجاني « 3 » » رضي الله عنه : « الوليّ هو الفاني في حاله » الباقي في مشاهدة الحق » تولى الله سبحانه سياسته فتوالت عليه أنوار التولي » لم يكن له عن نفسه إخبار » ولا مع غير الله عز وجل قرار » . فهم منزهون بتنزيه الحق تعالى لهم من أن يوصل إليهم بغيره » ولذلك صدّر المؤلف كلامه 132 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ربما أطلعك على غيب ملكوته وحجب عنك الاستشر شراف على أسرار العباد ). من لطف الله تعالى إخفاء أسرار الناس بعضهم عن بعض » لا سيما سرّ يقتضي وجود عيب . وهو ظاهر ما ذكره المؤلف هنا بدليل الكلام الذي عقبه به » وقد يظهر لبعض الناس ما سوى ذلك من الأسرار الملكوتية » ووجه الفرق بينهما ما ذكره المؤلف الآن » ويحتمل أن يريد ما هو أعم مما ذكرناه » ويدخل في ذلك أسرار الولاية ؛ إذا اختص الله بها بعض عباده ويكون في ذلك تنبيه على العلّة الموجبة لخفاء الولي حسبما ذكره المؤلف في المسألة التي فرغنا منها حتى يمتنع الوصول إليه بطلب أو سبب وإخفاء ذلك أيضا عن عامة المؤمنين من النعم العظيمة ؛ إذ لو ظهرت أسرار الولاية على أحد لأوجبت على من ظهرت له حقوقا لا يقدر على القيام بها » فإن فرّط في ذلك وترك القيام بتلك الحقوق رأسا وقع بسبب ذلك في محذورات لا يقوم لها شيء . وقد فهمتث هذا المعنى (:01) الخدر" : الدسسر», (2 ) حجال : ( ج ) حجلة : ساتر كالقبة يتخذ للعروس » يزين بالثياب والستور والأسرّة . 2064 20565 « 195 » من كلام سهل بن عبد الله » وقد سأله بعض تلاميذه : كيف تعرف أولياء الله تعالى ؟ فقال : إن الله تعالى لا يعرّفهم إلا لأشكالهم أو من أراد أن ينفعه بهم » ولو أظهرهم حتى يعرفهم الناس لكانوا حجة عليهم » ومن خالفهم بعد علمه بهم كفر » ومن قعد عنهم خرج ٠‏ ولكن الله تعالى جعل اختياره تغطية أمورهم ؛ رحمة منه لخلقه ورأفة » ولكن اللَّه تعالى قد أخبر بكرامتهم فقال عرّ وجل :اللَّهُ وَلِيُ الَّذِينَ آمَنُوا[ البقرة : 257 ] وَالَّهُ وَل الْمُوْمِنِينَ آل عمران : 68 ] فأفردهم به » ولو أظهرهم حتى يبرزهم لكان في النظر إليهم حجة » وكان الاستماع لحديثهم فرضا » انتهى . والمعنى الذي ذكرته في هذه المسألة فهمته من الكلام الذي ذكره الشيخ أبو طالب رضي الله عنه في كتاب « الشكر » قال فيه : « ثم بعد ذلك من لطائف المنعم شمول ستره لهم » بعضهم من بعض » ونشرهم عند العلماء والصالحين منهم » ولولا ذلك لما نظروا إليهم » ثم حجب الصالحين عنهم » ولو أظهر عليهم آيات يعرفون بها حتى يكون الجاهلون على يقين من دلالة الله تعالى لهم » وقربه منهم لبطل ثواب المحسنين إليهم » ولحرم قبول إحسانهم عليهم » ولحبطت أعمال المسيئين إليهم » ففي حجب ذلك وستره ما يحمل العاملين في الخير والشر على الرجال وحسن الظن من وراء حجاب اليقين » وتأخرت عقوبات المؤذين لهم عن المعاجلة لما ستر عليهم من عظيم شأنهم عند الله عز وجل وجليل قدرهم ؛ ففي ستر هذا نعم عظيمة على الصالحين في نفوسهم من سلامة دينهم وقلة فتنتهم » ونعم جليلة على المنتهكين لحرمتهم المصعّرين لشعائر الله من أجلهم » إذ كانوا أساءوا إليهم من وراء حجاب » فهذا هو لطف خفيّ من لطف المنعم الوهاب » كما جاء في الخبر : « من آذى لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة » ثم أنا الثائر لولي » « 1 » . فقد يكون مثل ذلك : « من آذى نبيا » وهو لا يعلم بنبوّته قبل أن يخبر أنه رسول الله » وأن الله عز وجل نبأه » فلا يكون وزره وزر من انتهك حرمة من كان أعلمه أنه نبيّ عز وجل لعظيم خرف الس ع تنيت ما كر د الشي ادو ايا و الرايكة درل الى شك تدر ير مع اكيم المولتك :واه كعالى اكلم . 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من اطلع على أسرار العباد ولم يتخلق بالرحمة الإلهية كان اطلاعه فتنة عليه » وسببا لجر الوبال « 2 » إليه ) . [وسببا في جر الوبال عليه ] [ْ المطلع على السرائر التي تقتضي وجوب العيب إذا لم يتخلق صاحبه بالرحمة (1 ) أخرجه ابن ماجة ( فتن » 16 ) . (2 ) الوبال : الضرر والمكروه يلحق المرء . 206 « 195 » الإلهية فيرحم المذنبين ويحلم على الظالمين ويصفح عن الجاهلين » ويحسن إلى المسيئين ٠‏ ويرآف بعباد الله أجمعين ؛ فإنه يكون ذلك الاطلاع فتنة عليه ؛ لأن ذلك يؤديه إلى رؤية نفسه راستكظاء امريها » رالسحب يعقلهر التكتر عل غير > وهذا هو أعظه الفتنة ٠‏ ويكون ذلك ملكا إلى جرّ الوبال إليه : من ادّعائه لصفات ربّه » ومنازعته لكبريائه وعظمته » وهذا هو أعظم الوبال » وغاية الخزي « 1 » والنكال « 2 » . وفي بعض الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما نزعت الرحمة إِلّا من قلب شقي » « 3 » . وفي حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص « 4 » ء رضي الله عنهما » عن رسول اله صلى الله السماء » « 5 » . وفي الإشارات عن الله تعالى أنه قال : « عبدي » إن استخلفتك شققت لك من الرحمة شقًا فكنت أرحم بالمرء من نفسه » . وقد أدّب الله تعالى خليله « 6 » إبراهيم عليه السلام في بعض مواطنه العظيمة المقدار » وعلّمه كيف يتخلق بهذا الخلق الكريم عند اطلاعه على الأسرار . روى عن قسامة بن زهير « 7 » رضي الله عنه أنه قال : « بلغني أن إبراهيم عليه السلام حدّث نفسه أنه أرحم الخلق . قال : فرفعه الله تعالى حتى أشرف على أهل الأرض فأبصر أعمالهم وما (1 ) الخزي : الذل والهوان والفصيحة . (2 ) النكال : العقاب أو النازلة . ( 3 ) أخرجه أبو داود ( أدب » 58 ) » والترمذي ( برّء 16 ) وأحمد بن حنبل ( 2 » 301 » 2 461 ). ( 4 ) عبد الله بن عمرو بن العاص » من قريش ( / ق ه - 65 ه - 616 - 684 م ) صحابي » من النساك من أهل مكة . كان يكتب في الجاهلية ويحسن السريانية » وأسلم قبل أبيه » فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يكتب ما يسمع منه فأذن له . وكان كثير العبادة » وكان يشهد الحروب والغزوات » ويضرب بسيفين » وحمل راية أبيه يوم اليرموك » وشهد صفين مع معاوية » وولاه معاوية الكوفة مدة قصيرة » وعمي في آخر حياته . له ( 700 حديث ) . ( الأعلام 4 / 111 » وحلية الأولياء 1 / 283 ٠»‏ وتهذيب الكمال 10 / 372 ) . ( 5 ) أخرجه أبو داود ( أدب » 58 ) » والترمذي ( برّء 16 ) . ( 6 ) الخليل : لقب إبراهيم ( ع ) » واسم مدينته . 267 2058 « 197/7 » يا إبراهيم » اهبط إلى الآرض فلعلهم يتوبون ويرجعون » . وعن عليّ رضي الله عنه » عن النبي صلى الله عليه وسلم » قال : « لما أرى الله إبراهيم ملكوت السماوات والأرض أشرف على رجل مختلي بمعصية من معاصي الله عرّ وجل » فدعا الله عليه » فهلك » وكذلك على آخر . . . وآخر . . . فهلكوا » فأوحى الله إليه أن يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدع على عبادي » فإنهم مني على ثلاث خصال : إمّا أن يتوب العبد منهم فأتوب عليه » وإما أن أخرج منه نسمة تسبح لي » وإمّا أن يبعث إليّ فإن شئت عفوت عنه » وإن شئت عاقبته » « 1 » . وقيل : إن سبب أمر الله له بذبح ولده وهو هذا المعنى الذي ظهر منه من غلظته على العصاة وقلّة رحمته لهم . وقد ذكر في بعض التفاسير أنه عليه السلام كان يعرج به كل ليلة إلى السماء وهو قوله تعالى : وَكَذلِكَ نْرِي إِنْراهِيمَ مَلَكُوتَ السّماوات وَالْأَرْضٍ [ الأنعام : 75 ] . فعرج به ذات ليلة فاطّلع على مذنب يفعل فاحشة » فقال : اللهم أهلكه » يأكل رزقك ويمشي على أرضك ويخالف أمرك ؟! فأهلكه الله تعالى : فاطلع على آخر فقال : اللهم أهلكه » فنودي : « كف عن عبادي رويدا رويدا فإني طالما رأيتهم عاصين » فلما هبط رأى في المنام ما ذكر اله تعالى عنه حيث يقول : إِنّي أرى فِي الْمَنام أَنّي أَدْبَحُكَ فَانَظْرْ ما ذا ترى [ الصافات : 102 ] . فلما تشمّر لذلك وأخذ السكين بيده قال : اللهم هذا ولدي وثمرة فؤادي وأحبٌ الناس إليّ » فسمع قائلا يقول : أما تذكر الليلة التي سألت فيها إهلاك عبدي ؟! أو ما تعلم أني رحيم بعبادي كما أنت شفيق بولدك » فإذا سألتني إهلاك عبدي أسألك ذبح ولدك واحدا بواحد » والبادي أظلم . 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( حظ النفس في المعصية ظاهر جلي وحظها في الطاعات باطن خفي . ومداواة ما يخفى صعب علاجه ). النفس من شأنها أبدا طلب الحظوظ والفرار من الحقوق » فهي لا تسعى إِلّا في ذلك ولو في عملها في الطاعات فضلا عن المعاصي » ومن حاسب نفسه وراقب خواطره تبين له مصداق هذا . وقد تجد من النشاط واللذة في نوع من العبادة ما لا تجده في نوع آخر وإن كان هذا النوع الآخر أتجّ فضيلة منه » وما ذاك إِلّا من أجل أن حظّها فيه أكثر من الآخر ؛ فأهل 200 » 198 « الخبرة والبصيرة يتهمون أنفسهم إذا ألفت بابا من أبواب العبادات لمعرفتهم بخدعها ومكايدها » فيشوشون ذلك عليها وينتقلون منه . وكد حفن عن أبن فحية المر تعش 1132 © : ركني اللداهقة : أنه قال : زر حححف كذا ركذا حكة على التجريد فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبا بحظي ؛ وذلك أن والدتي سألتني يوما أن أستقي لها جرّة ماء » فثقل ذلك على نفسي » فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجّات كانت بشوب وحظ من نفسي ؛ إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حقّ في الشرع » » فهذا مما يبين أن حظ النفس في الطاعة موجودة ولكنه خفيّ على العامل » فلذلك تعسر مداواته ؛ لأنه يحتاج إلى دقّة فهم ونفوذ إدراك » فليتطلب بذلك آفات نفسه » ولطائف خدعها » وخفايا حظوظهاء فيعمل على تضفية غمله من ذلك ؛ فلا جرم إذ كان ذلك متعذرا يجب عليه اتهام نفسه » ومخالفتها في كلّ ما تدعو إليه كائنا ما كان . ب و لقاقة سكن اله ا اند تاق يفول ل : 53 1 : وهذه تأمرني بالخير ! ! لا يكون هذا أبدا » ولكنها استوحشت ٠‏ فتريد لقاء الناس فتستروح به » ويتسامع الناس ايها فيستقبلوتها بالير والتعظيم و الإكرام + فقلث نها : لآ أسالك العمران ولا ندل على معرفة .| [' فأجابت » فأسأت ظني بها وقلت : والله أصدق قولا . فقلت لها : أقاتل العدوٌ حاسرا « 2 » فتكوني أوّل قتيل . واحدة فنجوت منك ويتسامع الناس فيقال : استشهد أحمد فيكون شرفا لي وذكرا في الناس . تال عدف ولم آخر ذلك العام . رودن ىج ب بربدتبتببب0ب0 00000 مسجد الشونيزية » ومات ببغداد . ( الرسالة القشيرية ص 431 ) . (2 ) الحاسر : من الجنود من لا درع له ولا خوذة . 201 » 199 « : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين » والصلاة والسلام على أفضل المرسلين » وخير الخلق أجمعين : فهكذا خدع النفس وغدرها . أعاذنا الله من شرّها » وسيأتي من كلام المؤلف [ إذا التبس عليك أمران فانظر أن الذة فاتبعه » فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقا ] . 5 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الخلق إليك ) . رياء العبد بالعمل حيث يكون بمرأى من الناس ظاهر ء لا يحتاج إلى أمارة هليه » ورياؤه بعمله حيث لا يراه أخذ امير كفن لا يعرف الأ بالامار إكاو العادمات:» بل هو أحنى عن اديب التمل ٠:‏ ومن أماراته : أن يلتمس بقلبه توقير الناس له وتعظيمه وتقديمه في المحافل والمجالس » ومسارعتهم إلى قضاء حوائجه » وإذا قصّر أحدهم في حقّه الذي يستحقه عند نفسه استبعد منه ذلك واستنكره » ويجد تفرقه بين إكرامه وإكرام غيره » وإهانته وإهانة سواه » حتى ربما يظهر بعض سخفاء العقول ذلك على ألسنتهم » فيتوعّدون من قصّر في حقهم بمعاجلة الله له بالعقوبة , وأن الله تعالى لا يدعهم حتى ينتصر لهم ويأخذ بثأرهم . فإذا وجد العبد هذه الأمارات من نفسه فليعلم أنه مراء بعمله وإن أخفاه عن أعين الناس ! ! . وقد روى عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال : « إن الله تعالى يقول يوم القيامة للفقراء : ألم تكونوا يرخص لكم في السعر . . . ألم تكونوا تبادرون بالسلام . . . ألم تقضى لكم الحوائج » » وفي الحديث الاآخر : « لا أجر لكم قد استوفيتم أجوركم » . وقال عبد اللَّه بن المبارك « 1 » : روى وهب بن منبه أن رجلا من العبّاد قال لأصحابه : (1 ) عبد اللّه بن المبارك بن واضح الحنظلي بالولاء ( 118 - 181 ه - 736 - 797 م ) والرحلات ». أفنى عمره في الأسفار حاجا ومجاهدا وتاجرا » وجمع الحديث والفقه والعربية وأيام الناس - سس 202 « 200 » إنما فارقنا الأموال والأولاد مخافة الطغيان » فنخاف أن يكون قد دخل علينا في أمرنا هذا من الطغيان أكثر مما دخل على أهل الأموال في أموالهم » إن أحدنا إذا لقى أحبّ أن يعظم لمكان دينه ؛ وإن سأل حاجة أحبٌ أن تقضى له » لمكان دينه » وإن اشترى شيئا أحبّ أن يرخص عليه » لمكان دينه » فبلغ ذلك ملكهم » فركب في موكب من الناس » فإذا السهل والجبل قد امتلأ من الناس » فقال السائح : ما هذا ؟ فقيل له : هذا الملك قد أتاك . فقال للغلام : انتني بطعام » فأتاه ببقل وزيت وقلوب « 1 » الشجرة » فأقبل يحشو شدقه « 2 » ويأكل أكلا عنيفا . . . فقال الملك أين صاحبكم ؟ قالوا : هذا . قال : كيف أنت ؟ ! ! قال : كالناس [ وفي حديث آخر : بخير ] فقال الملك : ما عند هذا من خير ! ! فانصرف عنه » فقال السائح : الحمد لله الذي صرفك عني وانث لي ذَاء , ومن هذا النوع من الرياء خاف الكبار » وعدّوا أنفسهم بسببه من الأشرار كما روى عن الفضيل بن عياض » رضي الله تعالى عنه » أنه قال : « من أراد أن ينظر إلى مراء فلينظر إليّ » وسمع مالك بن دينار « 3 » » رضي الله تعالى عنه امرأة وهي تقول له يا مرائي ! ! فقال لها : يا هذه » وجدت اسمي الذي أضلّه أهل البصرة » ودخل رجل على داود الطائي « 4 » كن اساعنة فال : ذا حاكتك ؟ ْ قال ١‏ ارك زيارفك:: فقال:: آنا أنظا ققة لك كير يق 3 351371 انكر مانا ان 1152 قيل لي : من أنت لتزار ؟ أمن الزهّاد أنت ؟ لا ء واللَّهِ » أمن العبّاد أنت ؟ لا » واللّهِ » أمن . الحدالحيق أنت ١‏ 1الا » رانه ! ثم أقبل يوبخ نفسه ويقول : كنت في الشبيبة فاسقا فلمًا كبرت صرت مرائيا » واللّه » للمرائي شر من الفاسق . . . إلى غير هذا مما روى عنهم في هذا المعنى . ولا يسلم من الرياء الخفيّ والجليّ إلا العارفون الموحّدون , لأن الله تعالى طهرهم - والشجاعة والسخاء . كان من سكان خراسان » ومات بهيت منصرفا من غزو الروم . له كتاب في « الجهاد » ( الأعلام 4 / 115 » وشذرات الذهب 1 / 295 » وتهذيب الكمال 10 466 ) . (1 ) القلب : من كل شيء : وسطه ولبّه وما في داخله . ( 2 ) الشدق : جانب الفم من باطن الخد ( ج ) أشداق . ( 3 ) مالك بن دينار البصري » أو يحيى من رواة الحديث ( توفي سنة 131 ٠ه‏ - 748 م ) كان ورعاء يأكل من كسبه » ويكتب المصاحف بالأجرة . توفي بالبصرة . ( الأعلام 5 / 260 » وحلية الأولياء 2 / 357 » ووفيات الأعيان 4 / 139 - 140 وتهذيب الكمال 17 / 396 ) . ( 4 ) داود بن نصير الطائي ( توفي سنة 165 ه - 781 م ) أبو سليمان من أئمة المتصوفين كان في أيام المهدي العباسي . أصله من خراسان » ومولده بالكوفة . رحل إلى بغداد فأخذ عن أبي حنيفة وغيره » وعاد إلى الكوفة » فاعتزل الناس ولزم العبادة إلى أن مات فيها . وله أخبار مع أمراء عصره وعلمائه . 203 204 » 201 « من دقائق الشرك » وغيّب عن نظرهم رؤية الخلق بما أشرق على قلوبهم من أنوار اليقين والمعرفة » فلم يرجو منهم حصول منفعة » ولم يخافوا من قبلهم وجود مضرّة » فأعمال هؤلاء خالصة وإن عملوها بين أظهر الناس » وبمرأى منهم . ومن لم يحظ بهذا وشاهد الخلق » وتوقع منهم حصول المنافع ودفع المضارّ فهو مراء بعمله . وإن عبد الله تعالى في قنّة « 1 » جبل بحيث لا يراه أحد ولا يسمع به . وقد تقدّم من قول يوسف بن الحسين بن الرازي رضي الله عنه : « أعزٌ شيء في الدنيا : الإخلاص » وكم اجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت فيه على لون آخر » . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إستشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك ). الخصوصية هنا : ما اختص الله تعالى به بعض عباده من علم نافع » أو عمل صالح » وصدق العبودية فيه : أن يقنع بعلم الله تعالى فيه بحاله ولا يتطلع إلى أن يعرف بذلك أحد من الخلق » فيشغله حينئذ الحياء من ربه والشكر له عن الاستشراف إلى معرفة الخلق بذلك » ويغار على حاله من رؤية الأغيار له » ولهذا فضل عمل السرّ على عمل العلانية بسبعين ضعفا كما ورد الخبر عن نبينا صلى الله عليه وسلم . وقال عيسى عليه السلام : « إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه » وليمسح شفتيه » فإذا خرج إلى الناس رأوا أنه لم صم + وإذا أعطى أخدكم فليقط ديمينه وليخفها عن ماله ؛ وإذا صلّى أحدكم فليسدل عليه ستر بابه » فإن الله تعالى يقسم الثناء كما يقسم الرزق » . وقد سئل حكيم من الحكماء عن علامة الصدق » فقال : كتمان الطاعة . وقال أحمد بن أبي الحوارى رضي الله عنه : « من أحبّ أن يعرف بشيء من الخير ويذكر به . فقد أشرك في عبادته ء لأنّ من عبد الله تعالى على المحبة لا يحب أن يرى خدمته سوى مخدومه ك0 وقال الشيخ أبو عبد الله القرشي رضي الله تعالى عنه : « كلّ من لم يقنع في أفعاله وأقواله بسمع الله ونظره دخل عليه الرياء لا محالة » . وقال بعضهم : « ما أخلص أحد قط ء إلا أحبّ أن يكون في جبّ لا يعرف » . وقال سهل بن عبد الله التستري : « من أحبّ أن يطلع الخلق على ما بينه وبين الله فهو غافل » . (1 ) القنئة : الجبل الصغير . وقلة الجبل وقنة كل شيء : أعلاه ( ج ) قنن وقنان . 205 » 201 « وقال أبو الخير الأقطع « 1 » رضي الله عنه : « من أحبّ أن يطلع الناس على عمله فهو مراء ؛ ومن أحبّ أن يطلع الناس على حاله فهو كذاب » . وقال بعضهم لمن استوصاه : « لا تحب أن تعرف », ولا تحب أن تعرف أنك ممن لا يحبّ أن يعرف » . فعلى العبد إخفاء حاله جهده » وأن يبلغ في كتمانه أقصى ما عنده . قال الحسن » رضي الله عنه : « أدركت أقواما ما من أحد منهم يستطيع أن يسرّ شيئا من عمله إلا أسرّه » وإن كان الرجل ليجلس مع القوم وإنه لفقيه وما يعلم به » حتى يقوم » ولقد أدركت أقواما يأتي أحدهم الزور فيقوم فيصلي وما يشعر به الزّور . ولقد أدركت أقواما وما من عمل يقدرون أن يعملوه لله سرا فيكون علانية أبدا » ولقد أدركت أقواما يجمع أحدهم القرآن وما يعرف به جاره » ولقد أدركت أقواما يجتهدون في الدعاء وما يسمعهم أحد » . وقال محمد بن واسع « 2 » ٠‏ رضي الله عنه : « أدركت رجالا كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة قد بِلَ ما تحت خدّه من دموعه لا تشعر به امرأته » ولقد أدركت رجالا يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خدّه ولا يشعر به الذي إلى جنبه وفي رواية عنه : إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم » فإن وقع منه إعلان وإظهار في وقت ما فليشتغل حينئذ بمراقبة قلبه وصونه عن أن يعمل فيه الفرح باطلاع الناس على حاله » ولينكر ذلك على نفسه » وليكرهه » ولا يرضه منها » وليجاهد نفسه في ذلك أشد المجاهدة ؛ فإن خالف هذا واستشرف إلى معرفة غير الله بحاله : وغفل عن مجاهدة نفسه في حال ظهور ذلك منه » ولو في لحظة خيف عليه أن يعمل الفرح في قلبه فيقع عند ذلك الفتنة ؛ فإن كان ضعيف الإرادة لم يسلم من الوقوع في الرياء الجلي والخفي ؛ لأن سببه قد استتبّ له » . وإن كان قوي الإرادة وسالكا سبيل المعرفة لم يسلم من السكون والركون » فيفقد حينئذ الغيرة على الحال :+ وينفط ذلك من ذروة الكمال 4 و لهذا كان إشقاط المترلة علد الذاين من ضنرو يرقا سالكي هذه الطريقة كما تقدم عند قوله : [ ادفن وجودك في أرض الخمول ] « 3 » فإن تحقق العبد في المعرفة ومشاهدة الوحدانية الصرفة جاز له الإخبار (1 ) هو أبو الخير الأقطع ( توفي 340 ه / 952 م ) مغربي الأصل . سكن تينات وله كرامات وفراسة حادة » وكان كبير الشأن . ( الرسالة القشيرية ص 394 ) . (2 ) محمد بن واسع بن جابر الأزدي ( توفي سنة 123 ه - 741 م ) أبو بكر فقيه ورع من الزهاد . من أهل البصرة . عرض عليه قضاؤها فأبى » وهو من ثقات أهل الحديث . ( الأعلام 7 » وتهذيب الكمال 17 / 301 ) . ( 3 ) الخامل : الساقط الذي لا نباهة له . 206 « 203 » بأعماله » والإظهار بمحاسن أحواله ؛ بناء منه على نفي الغير وأداء لواجب حقّ الشكر . كان بعض السلف يصبح فيقول : صلّيت البارحة كذا وكذا ركعة » وتلوت كذا وكذا سورة » فيقال له : أما تخشى الرياء ؟ ! فيقول : ويحكم » وهل رأيتم من يرائي يفعل غيره » . وكان آخر يفعل مثل ذلك فيقال له : لم لا تكتم ذلك ؟ فيقول : ألم يقل الله سبحانه وتعالى :وَأَما بِنِعْمَةٍ رَبّكَ فَحَدْ[ٍ الضحى : 11 ] وأنتم تقولون : لا تحدّث ! ! فإن قصد من هذا حاله إلى هداية عباد الله ودعاهم إلى الله تعالى » فأظهر أحواله وأعماله للاقتداء به » والاهتداء بهديه فهو خارج عن النمط الأوّل كلّه » وداخل في هذا المنزع الثاني » وعلانية هذا أفضل من سرّه ؛ لأنه سلم من الآفات التي تعرّض لها غيره وحصلت منه الفوائد التي تضمنها إظهاره وجهره . وقد جاء في الخبر : « السرّ أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء » . وهذا أرجح الوجوه عند العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله عن فرحه باطلاع الناس على بعض أعماله : « لك أجران * أخن السر وآحر” العلانية » 12 »وقد فختل : ما ذكرناه من إظهار الطاعة » جماعة من الصحابة والتابعين منعنا من ذكر وقائعهم خشية الإطالة ؛ وكان ذلك منهم لأجل هذا الغرض ومقام هذا العبد مقام النصحاء لعباد الله والدعاة لهم إلى الله » فلا جرم كان له الدرجات العلا عند اتاقعاك» ؛ لأند من أئمة المتقين نل + وقد أخبر الله تعالى بجزائهم وذكره عقيب دعائهم بذلك فقال عز من قائل ةا بما صَبَرُوا » وَيُلَقُونَ فيها نَحِيِّةَ وَسَلاماً خالِدِينَ فيها حَسْنَتْ مُسْتَفَرَا وَمُقاماً [ الفرقان 1767 قال في « لطائف المنن » : اعلم أن مبني أمر الوليّ على الاكتفاء بالله » والقناعة بعلمه . والاغتناء بشهوده . قال الله تعالى :وَمَنْ يَتَوَكلَ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطلاق 0] وقال سبحانه : أ لَيِسَ اللَهُ بكافف عَبْدَهُ 5[ الزمر : 36 ] وقالا لَمْ يَعلَمْ بأنَّ الله يرى ؟[ العلق : 14 ] وقال تعالى : أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَهُ على كُلّ شَيْءٍ شَهيدٌ [ فصلت 5 ] فمبنى أمرهم في بدايتهم على الفرار من الخلق » والانفراد بالملك الحقّ » وإخفاء الأعمال » وكتمان الأحوال تحقيقا لفنائهم » وتثبيتا لزهدهم » وعملا على سلامة قلوبهم » وحبّا في أخلاص وردّوا إلى وجود البقاء فهناك إن شاء الحق أظهرهم » وإن شاء سترهم » وإن شاء أظهرهم هادين لعباده إليه » وإن شاء سترهم فاقتطعهم عن كل شيء إليه . فظهور الوليّ ليس بإرادته لنفسه » ولكن بإرادة الله تعالى له » بل مطلبه - إن كان له مطلب - الخفاء لا الحلاة د كما فدات قاما لذ يكن الظور و مطلديم و أر اذ ابه حاتم 208 » 204 « إظهارهم فأظهرهم ٠‏ تولاهم في ذلك بتأييده » وواردات مزيده ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة « 1 » : « لا تطلب الإمارة ؛ فإنك أن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها من مسألة وكلت إليها » « 2 » . ومن تحقق منهم بالعبودية للّه تعالى لم يطلب ظهورا ولا خفاء » بل إرادته وقف على اختيار سيده له . وقال الشيخ أبو العباس المرسي » رضي الله تعالى عنه ؛ : « من أحبّ الظهور فهو عبد الظهور » ومن أحبّ الخفاء فهو عبد الخفاء ومن كان عبدا لله فسواء عليه أظهره أو أخفاه » . 7 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( غب عن نظر الخلق إليك بنظر الله إليك » وغب عن شهود إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك ). [غيب نظر الخلق إليك بنظر الحق إليك» وغب عن إقبالهم عليك بشهود إقباله إليك.] هذا المعنى هو حقيقة صدق عبودية العبد له تعالى الذي أشار في المسألة التي قبل هذه » وهو أن لا يكون له شعور بما من الخلق إليه » من نظر » وإقبال » ولا تشوف إليه » ولا طلب له » وإنما يكون شعوره وتشوّفه وطلبه مقصورا على ما من الله إليه من نظره إليه » وإقباله عليه » فيغيب أدنى الحالين بأعلاهما ؛ وذلك بأن يعلم أن ما من الخلق إليه أمر وهمّى باطل ينقاد إليه كلّ ذي عقل قاصر يوجب له هذا الانقياد أنواعا من الكبائر والرذائل من الانحطاط في أهواء الناس » وتحسين موقع نظرهم منه بالتصنّع والتزين لهم » وتربية الجاه والحشمة لديهم » تكبرا وتعظما عليهم » ومعاشرتهم بالنفاق والدهان وتخالف الإسرار والإعلان » وهذا عذاب أليم استعجله في دنياه ؛ إذ يفوته بذلك راحة قلبه وطيب عيشه ء ويسلبه أثواب الغنى والعزة ويلبسه لباس الطمع والذلة » فتردى بذلك همّته » وتقلٌ قيمته » ولعذاب الآخرة أكبر » قال الشاعر : من رااقف الداين ماك كينا 2 رقا باللذة الحسرر 35 © لولا منى العاشقين ماتوا ... غما وبعض المنى غرور ورأى سهل بن عبد الله » رضى الله تعالى عنه » رجلا من الفقراء بمكة » فقال له شيئا » فقال :ذا ايناد لا أقدر على هذا من أجل النان.. فالتفت سهل إلى أصحابه فقال : لا ينال العبد حقيقة من هذا الأمر حتى يكون بأحد وصفين : حتى يسقط الناس من عينه فلا يرى في (1 ) عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس القرشي ( توفي 50 ه - 670 م ) أبو سعيد » صحابي من القادة الولاة . أسلم يوم فتح مكة » وشهد غزوة مؤتة » وسكن البصرة » وافتتح سجستان وكابل وغيرهما » وولي سجتان » وغزا خراسان ففتح بها فتوحا » ثم عاد إلى البصرة فتوفي فيها . كان اسمه في الجاهلية ( عبد كلال » وسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن . له ( 14 ) حديثا . ( الأعلام 3 / 307 » وتهذيب الكمال 11 / 220 ) . (2 ) أخرجه الهيثمي في ( مجمع الزوائد 8 / 55 ) . (3 ) الغمَ : الكرب والحزن ( ج ) غموم . الجسور : المقدام . 09ظ2 300 » 205 « الدنيا إلا هو وخالقه » فإن أحدا لا يقدر أن يضرّه ولا ينفعه . أو يسقط نفسه عن قلبه فلا يبالي بأى كان يرنه :1 انم من له يحضي ل اها اراد مهم + وهر احتهم محكلفة + وطرا عي منبايقة ؛ فربما استحسن من نفسه شيئا لم يستحسنه غيره » وربما أرضى شخصا بما لا يرضى الآخر . فهو يعمل بزعمه فيما ينفعه عند الناس وهو ساع فيما يضرّه عندهم وعند الله تعالى مع مقاساة التعب والنصب في نفسه . وفي الحكاية المذكورة عن لقمان وابنه تنبيه على هذا المعنى احكر أ لقي دخل «اصاريرم السوق وهو راكب حمارا » وابنه يسوقه . فقال الناس حين رأوه : شيخ لم يشفق على صبيّ » فأرعيه خلفه ققالوا + اندان على كار » لذ اذا قالقا 11 فرك لقان ريق الرلد , فقالوا : شيخ ماش وصبيّ راكب !! فنزل الولد يمشي مع والده » وساقا الحمار جميعا فقالوا : حمار فارغ وهذان يسوقانه !! وكان غرض لقمان بهذا أن يرى ابنه شأن الناس مع من الناس من طلب ما لا يدرك . فهذا حال من انقاد إلى الأوهام من ضعفاء العقول » وسخفاء الأحلام . وأما من كان له عقل وافر ال ل ل ال لي ل ل وإقبال » وجزيل عطاء » وعظيم نوال » فهو يعلم فيما يؤدّيه إلى هذه المطالب من غير اكتراث بذمّ ذام » أو عتب عاتب » ويقول بلسان حاله : إن الذي تكرهون مني *** هو الذي يشتهيه قلبي ويقول أيضا ء ما قاله محمد بن أسلم « 1 » » رضي الله تعالى عنه : « مالي ولهذا الخلق » كنت في صلب أبي وحدي » ثم صرت في بطن أمي وحدي » ثم دخلت الدنيا وحدي » ثم تقبض روحي وحدي فأدخل قبري وحدي ٠‏ ويأتيني منكر ونكير فيسألاني وحدي فإن صرت إلى خير صرت وحدي وإن صرت إلى شرّ صرت وحدي »ء ثم أوقف بين يدي الله وحدي » ثم يوضع عملي وذنوبي في ميزاني وحدي » فإن بعثت إلى الجنة بعثت وحدي » وإن بعثت إلى النار بعثت وحدي » فمالي وللناس ! ! » . وذ سئل الكارك ين أيه الفحاسن ؛ رهن الله تخالن غذف عن غاكية العدائق تقال ؟ <١‏ الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له من قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه » ولا يحب أن يطّلع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله » ولا يكره أن يطّلع (1 ) محمد بن أسلم بن سالم بن يزيد ( توفي سنة 242 ه - 856 م ) أبو الحسن الكندي مولاهم الطوسي ؛ من حفاظ الحديث . اشتهر بالصلاح ونعته الذهبي بشيخ المشرق . له « المسند » و « الرد على الجهمية » و « الأربعون حديثا » . ( الأعلام 6 / 34 » وحلية الأولياء 9 / 238 » وشذرات الذهب 2 / 100 » وتذكرة الحفاظ 2 / 3 ). 301 2302 « 206 » ا دان لو أخلاق الصادقين » . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من عرف الحق شهده في كل شيء . ومن فنى به غاب عن كل شيء., ومن أحبه لم يؤثر عليه شيء. ) فلا يستوحش من شيء » ويستأنس به كلّ شيء . كما تقدم من نعت العارفين . ومن فني به غاب عن كل شيء . فلا يكون منه على الأشياء اعتماد » ولا له إليها استناد . ومن أحبه لم يؤثر عليه شيئا . من مراداته وشهواته . وهذه الأمور التي ذكرها المؤلف . رحمه الله » هي من علامات بلوغ هذه المقامات العليّة » وبها تصح وتكمل ؛ فمن لم يجدها في نفسه » فلا ينبغي له أن يدّعي تلك المقامات » وليعمل على مجاهدة نفسه فيما يصححها ويكملها . 9 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إنما حجب الحق عنك شدة قربه منك ١‏ و إنما احتجب لشدة ظهوره؛ و خفي عن الأبصار لشدة نوره ). شدّة القرب حجاب , كما أن شْدّة البعد حجاب ؛ لأن شدّة قربه منك موجبة لاضمحلالك وذهابك 2 والمحيكل الذاتفك لا منابية بينه ونين القايك العو حرق نكيف ات ؟ قال في « لطائف المنن » : « فعظيم القرب هو الذي غيّب عنك شهود القرب » قال الشيخ أبو الحسن : حقيقة القرب أن تغيب في القرب عن القرب لعظيم القرب » كمن يشم رائحة المسك ». فلا يزال يدنو منها » وكلما دنا منها تزاد ريحها » فلما دخل البيت الذي هو فيه انقطعت رائحته عنه » وأنشد بعض العارفين : كم ذا تموّه بالشعبين والعلم *** والأمر أوضح من نار على علم أراك تسال عن نحد وأنث يها *** وعن تهامة هذا فعل متهم إنما احتجب لشدة ظهوره » وخفي عن الأبصار لعظيم نوره : هذه غيارة تداولها الثاين » وخيريوا لمعناها مثلا تالشمدن ؛ وذلك أن الشمين نور ها أقوى من سائر الأنوار المحسوسة » وقوة نورها هي التي حجبت الأبصار الضعيفة عن إدراك كنهها » فقد صار ظهورها الذي أوجبه وجود نورها حجابا لها . وليس الحجاب على الحقيقة منها . فإن الظاهر لذاته لا يحجب من ذاته » وإنما الحجاب عليه من غيره . 303 5204 » 207 « لقد ظهرث فلا تخفى على أحد *** إِلَّا على أكمه لا يعرف القمرا « 1 » كن عاد با اطل ر اتا محتييا 118 ركيف ودر ف قن ب لقره ل وأنشدوا أيضا : بالنور يظهر ما يرى من صورة *** وبه وجود الكائنات بلا امترا « 2 » لكنه يخفى لفرط ظهوره *** حسًا ويدركه البصير من الورى « 3 » فإذا نظرت بعين قلبك لم تجد *** شيئا سواه على الذوات مصورا وإذا طلبت حقيقة من غيره *** فبذيل جهلك لا تزال معثرا 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا يكن طلبك تسببا إلى العطاء منه فيقلَ فهمك عنه . وليكن طلبك لإظهار العبودية » وقياما بحقوق الربوبية ). لم يأمر الله تعالى عباده بالطلب له والسؤال منه » إلا ليظهر افتقارهم إليه » ومثولهم بالتضرّع والخضوع بين يديه ؛ ليكون ذلك إظهارا لعبوديتهم » وقياما بحقوق ربوبيته » لا لأن يتسببوا به إلى حصول ما طلبوه ونيل ما رغبوه » مما لهم فيه منفعة وحظ . هذا هو فهم العارفين عن الله » ويدل على هذا المعنى ما يذكره المؤلف الآن . قال أبو نصر السرّاج : سألت بعض المشايخ عن الدعاء ما وجهه لأهل التسليم والتفويض ؟ فقال : تدعو الله على وجهين : أحدهما : تريد بذلك تزيين الجوارح الظاهرة بالدعاء » لأن الدعاء ضرب من الخدمة يريد أن يزين جوارحه بهذه الخدمة . والوجه الثاني : أن تدعو ائتمارا لما أمر الله تعالى من الدعاء . انتهى . وقد قيل : فائدة الدعاء إظهار الفاقة بين يديه » وإلا فالربٌ يفعل ما يشاء » ومقتضى هذا أن لا ينقطع سؤاله ولا رغبته » وإن أعطاه كلّ ما طلبه » وأنا له سؤاله وأربه » وأن لا يفرق بين العدم والوجود والمنع والإعطاء فيما يرجع إلى إظهار الفاقة والفقر » فيكون عبدا لله في الأحوال كلها . وقبيح بالعبد أن يصرف وجهه عن باب مولاه ما ينيله من شهواته وهواه . قال سيدي أبو الحسن همك مناجاة مولاك » . (1 ) الأكمه : من ولد أعمى » أو من فقد بصره . 2 )امترس في الشيء : شك فيه , 3205 306 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (كيف يكون طلبك اللاحق سببا في عطائه السابق » جل حكم الأزل أن ينظاف إلى العلل ). [كيف يكون طلبك اللاحق سببا لعطائه السابق] هذا دليل على نفي السببية المذكورة ؛ لأن ما طلبه العبد أمر سابق في الأزل تقديره » وطلبه أمر لاحق فيما لا يزال » وكيف يكون اللاحق سببا في وجود السابق » وهل السبب أبدا إلا متقدّم على العسيب ”> جل حكم الأزل أن ينضاف إلى العلل هذا دليل آخر على ما ذكره » وهو : أن حصول ما طلبه الداعي حكم من الله تعالى في الأزل » فلا يكون سببه الدعاء والسؤال » لأن أحكام الله تعالى تجل عن أن تنضاف إلى علة أو سبب من قبل أنّ له الإرادة المطلقة والمشيئة النافذة » فصنعه علة لكل شيء » ولا علة لصنعه » كما قال العارفون المحققون . 2 - 143 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( عنايته فيك لا لشيء منك . وأين كنت حين واجهتك عنايته وقابلتك رعايته ). ( لم يكن في أزله إخلاص أعمال ولا وجود أحوال ؛ بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال وعظيم النوال ) . عناية الله تعالى بك في الأزل » حين لم تكن حين لا حين غير معللة بشيء كائن منك من إخلاص أعمال أو وجود أحوال تتوسّل بجميع ذلك إليه » وأين كنت إذ ذاك وأنت عدم محض ء بل لم يكن هناك إلا محض كرمه وإفضاله وعظيم إحسانه ونواله لا غير » قال الواسطى: «رأقشام تمت وتعؤت واحكام أجزيت كيف تستجلب يحركات او نال يسعايات ؟ », 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (علم أن العباد يتشوفون إلى ظهور سر العناية فقال : يَخْتَصٌ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 5] . وعلم أنه لو خلاهم وذلك لتركوا العمل اعتمادا على الأزل فقال : إن رَحْمَتَ الله قريبٌ مِنَ المُخْسِنِينَ ) . في قوله عزّ من قائل : يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [ البقرة : 105 ] » 307 ولا هلة له هن الغية و الأحضان المسوت 308 » 209 « إليه في قوله تعالى :إِنَّ رَحْمَتَ اللَهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ الأعراف : 56 ] أمارة وعلامة على تلك العناية » وليس بعلة موجبة . وإنما أسند الرحمة إليه وعلّقها به ؛ لئلا يتكل العباد على السابقة ويتركوا العمل الذي هو مقتضى العبودية الواجبة للَّه تعالى عليهم . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إلى المشيئة يستند كل شيءء لأن وقوع ما لم يشأ الحق محالء ولا تستند هي إلى شيءء ربما دلهم الأدب على ترك الطلبء, اعتمادا على قسمته. واشتغالا بذكره عن مسألته؛ إنما يذكر من يجوز عليه الإغفال» وإنما ينبه من يمكن منه الإهمال ) . لاستحالة وجود النقص فيما يجب له من الكمال . وهذه العبارات التي ذكرها المؤلف رحمه الله من أوّل الفصل إلى هنا بلغت الغاية في الحسن » واستغنت بتردادها وتكرارها عن البيان والشرح » وفيها إشارة إلى أحكام الأزل » وفقد الأسباب والعلل » فيجب على العبد أن يبنى عليها أعماله وأحواله ؛ فيلتزم العبودية والافتقار » ويدع التدبير والاختيار لمن بيده ذلك » وهذا هو أدب التوحيد جعلنا الله من أهله بمنه وفضله وكرمه . قال أبو بكر محمد بن موسى الواسطي » رضي الله عنه : « إن الله لا يقرب فقيرا لأجل فقره ‏ ولا يبعد غنيا لآجل غناه » وليس للاعراض عنده خطر » حتى بها يصل » وبها يقطع » ولو بذلت له الدنيا والآخرة ما أوصلك إليه بهما ء ولو أخذتهما كلهما ما قطعك بهما » » قرب من قرب من غير علّة » وقطع من قطع من غير علَّة , كما قال تعالى :وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اله لَهُ ثوراً هما لَّهُ مِنْ نُورٍ[ النور : 40 ]. وقال أيضا رضي اله عنه : « ما خالفه أحد ولا وافقه وكلهم مستعملون بمشيئته وقدرته » أنَى يكون له الوفاق والخلاف وهو يقلّب الليل والنهار بما فيهما وهو قائم على الأشياء وبالأشياء في بقائها وفنائها لا يؤنسه وجد ولا يوحشه فقد » بل لا فقد ولا وجد » وإنما هي رسوم تحت الرسوم .ربما دلهم الأدب على ترك الطلب اعتمادا على قسمته واشتغالا بذكره عن مسألته . قد يكون من الأدب ترك السؤال والطلب لمن هو مستغرق في الأذكار » راض بما يجري عليه من تصاريف الأقدار » وهو أحد مذاهب القوم . قال : الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « واختلف « 1 » الناس في أيّ شيء (1 ) انظر الرسالة القشيرية ص 265 باب الدعاء . 2309 310 » 216 « السكوت والرضا ؛ فمنهم من قال الدعاء في نفسه عبادة , قال النبي صلى الله عليه وسلم : « الدعاء مخ العبادة » « 1 » فالإتيان بما هو عبادة أولى من تركها » ثم هو حقّ الحقٌّ سبحانه وتعالى » فإن لم يستجب للعبد » ولم يصل إلى حظ نفسه فلقد قام بحقّ الربوبية ؛ لأن الدعاء إظهار فاقة العبودية وقد قال أبو حازم الأعرج : « لأن أحرم الدعاء أشدّ علىّ من أن أحرم الإجابة » . وطائفة قالوا : السكوت والخمول تحت جريان الحكم أتمّ » والرضا بما سبق من اختيار الحق أولى.: ولهذا كال الواسطي : رو اختيان ما جرى لك في الأرل خير لك من معارضة الوفك 177 وقد قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم خبرا عن الله تعالى : « من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » « 2 » . وقال قوم : يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه » وصاحب رضا بقلبه ليأتي الأمرين جميعا » قال الإمام أبو القاسم : « والأولى أن يقال إن الأوقات مختلفة ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت » وهو الأدب » وفى بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء وهو الأدب » وإنما يعرف ذلك في الوقت ؛ لأن علم الوقت إنما يحصل في الوقت ؛ فإذا وجد بقلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء له أولى . وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت له أولى . ويصح أن يقال : ينبغي للعبد أن لا يكون ساهيا عن شهود ربّه تعالى في حال دعائه . ثم يجب أن يراعى حاله ؛ فإذا وجد من الدعاء زيادة بسط في وقته فالدعاء له أولى » وإن عاد إلى قلبه في وقت الدعاء شبه زجر « 3 » ومثل قبض فالأولى له ترك الدعاء في هذا الوقت » وإن لم يجد في قلبه لا زيادة بسط ولا حصول زجر فالدعاء وتركه سيّان « 4 » . وإن كان الغالب عليه في هذا الوقت العلم فالدعاء أولى لكونه عبادة » وإن كان الغالب عليه في هذا الوقت المعرفة والحال والسكوت فالسكوت أولى . ويصحّ أن يقال : ما كان للمسلمين فيه نصيب ٠‏ أو للحقّ سبحانه وتعالى فيه حقّ فالدعاء أولى . وفي الخبر المرويّ : « إن العبد ليدعو الله عرّ وجلَ وهو يحبّه » فيقول الله : يا جبريل أخّر حاجة عبدي فإني أحبّ أن أسمع صوته » وإن العبد ليدعو الله » وهو يبغضه ء فيقول الله : يا جبريل » اقض لعبدي (2 ) أخرجه الترمذي ( ثواب القرآن » 25 ) » والدارمي ( فضائل القرآن » 6 ) . ((3) الزجر : المنع والنهي . 311 312 « 211 » حاجته فإني أكره أن أسمع صوته » « 1 » انتهى كلام الإمام أبي القاسم القشيري » وهو حسن بديع » وهو أوفى مما ذكره المؤلف » رحمه الله » فلذلك أوردته هنا بكماله . 770 أورد هذا كالدليل على ما ذكره من أن ترك الطلب قد يكون من الأدب » وذلك لأن في الطلب إشعارا بتجويز الإغفال عليه فيقع بذلك التذكير له وتلويحا باحتمال وجود الإهمال منه » فيكون ذلك تنبيها له » وجميع ذلك محال على الحقّ تعالى عن ذلك علوًا كبيرا ؛ فلأجل هذه العلل كان ترك الطلب عند هؤلاء أدبا . وقد سئل الواسطي . رضي الله تعالى عنه » أن يدعو » فقال : « أخشى إن دعوت أن يقال لي : إن سألتنا ما لك عندنا فقد. اتهمتنا » وإن سألتنا ما ليس لك عندنا فقد أسآت الثناء علينا ؛ وإن رضيتنا أجرينا لك من الأمور ما قضينا لك في الدهور » . يه ا ا 0ق فاق 3 رو ار را ان ا للق رما ري ابعر لى أحد ؛ لأنه ماض علىّ ما سبق » . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ورود الفاقات أعياد المريدين ). الأعياد عبارة عن الأوقات العائدة على الناس بالمسرات والأفراح » وهم مختلفون في ذلك » ومنهم من مسرّته وفرحه بفقدان حظوظه وإعواز أمانيه وأغراضه » وهذا هو حال الخاصة من المريدين ؛ لأن مدار أمرهم إنما هو على مراعاة قلوبهم وتصفية أسرارهم من كدورات الأغيار والضرورات ؛ فتراهم يؤثرون الفقر على الغنى » والشدّة على الرخاء » والذلٌَ على العز والمرض على الصحة ؛ إذ يحصل لهم بذلك رقة وحلاوة لا يعرف قدرها إلا هم ؛ لأنها من وجودهم لقرب ربّهم ورؤيتهم له في حال فقدان حظهم » وكلما ازدادوا فاقة وبلاء » زادهم ربّهم قربة وولاء . كان بعضهم يطوف حول الكعبة الشريفة وهو يقول : مؤتزر بشملتي كما ترى *** وصبيتي باكية كما ترى « 2 » وامراتي عريانة كما ترى *** يا من يرى الذي بدا ولا يرى (1 ) أخرجه المتقي الهندي في ( كنز العمال 3264 ) ٠‏ والسيوطي في ( جمع الجوامع 5699 ) وأخرجه صاحب ( الاتحافات السنية 153 ) » وابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 2 / 007 (2 ) الشملة : ثوب يشتمل به ( ج ) شمال . 5313 314 » 212 « اما ترى ما حل بى أمااترئ *** أما ترى الذي بنا أما ترى سك قال في التنوير : « وفي البلايا والفاقات من أسرار الألطاف ما لا يفهمه إِلّا أولوا البصائر » ألم تر أن البلاء تخمد النفوس وتذهلها وتدهشها عن طلب حظوظها » ويقع مع البلايا وجدان الذلة » ومع الذلة » تكون النصرة وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَْرٍ وَأَنْتُم ذل [ آل عمران 6 قال أبو إسحاق إبراهيم الهروي « 1 » » رضي الله عنه : « من أراد أن يبلغ الشرف كل الشرف فليختر سبعا على سبع ؛ فإِنَ الصالحين اختاروها حتى بلغوا سنام « 2 » الخير : وهي أن يختار الفقر على الغنى ٠‏ والجوع على الشبع » والدون على الرفع » والذلَ على العز . والتواضع على الكبر والحزن على الفرح » والموت على الحياة . وقد تقدّم عند قول المؤلف « من ظَنّ انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره » الشفاء في هذا المعنى ؛ فواجب إذن أن يكون ورود الفاقات أعياد المريدين » كما قال المؤلف . فإذا فقدوا ذلك بمؤاتاة الأسباب استشعروا بذلك وجود الحجاب وبعدهم عن محل الاقتراب » فحزنوا لذلك وتأسّفوا وودّوا لو عاد إليهم الحال الأول » ومن هذا المعنى ما حكى عن « خيّر النساج » رضي الله تعالى عنه » قال : « دخلت بعض المساجد فإذا فيه فقير » فلما رآني تعلق بي وقال : أيها الشيخ تعطّف علىّ ؛ فإن محنتي عظيمة » فقلت : وما هي ؟ قال : فقدت البلاء وفزت بالعافية !! فنظرت ٠ء‏ فإذا هو قد فتح عليه شيء من الدنيا » . وقال بعضهم : « إنّ الفقير الصادق ليحترز من الغنى حذرا أن يدخله الغنى فيفسد عليه فقره » كما أن الغنى من الفقر حذرا أن يدخل عليه الفقر فيفسد عليه غناه . وقد تقدّم من حكايات عطاء السلمي » وفتح الموصلي » والفضيل بن عياض ٠‏ والربيع بن خيثم رضي الله عنهم ما يوافق ما ذكرناه . وأنشدوا في ذكر أعياد المريدين والعارفين » وقيل إنها لأبي عليّ الروذباري » رضي اللّه تعالى عنه : قالوا غدا العيد ماذا أنت لابسه *** فقلت خلعة ساق حبّه جرعا فقر وصبر هما ثوباي تحتهما *** قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا (1 ) هو إبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي ٠»‏ أبو إسحاق نزيل بغداد » شيخ ثقة ثبت وقيل : ضعيف روى عن بشر بن المفضل وعن غيره » وروى عنه الترمذي وابن ماجة وغيرهما . مات بسر من رأى سنة أربع وأربعين ومائتين في رمضان وقيل : في شعبان . ( تهذيب الكمال 11 315 316 « 213 » أخرى الملابس أن تلقى الحبيب به *** يوم التزاور في الثوب الذي خلعا الخ ل مان إن غيت يا على 27 و المي عا كن لى در أى ينما 7 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ربما وجدت من المزيد في الفاقات ما لا تجده في الصوم والصلاة) . ورود الفاقات يحصل بها للمريد مزيد كثير من صفاء القلب وطهارة السريرة » وقد لا يحصل له ذلك بالصوم والصلاة ؛ لأن الصوم والصلاة قد يكون له فيهما شهوة وهوى - كما تقدم - وما كان هذا سبيله لا يؤمن عليه فيه من دخول الآفات » فلا يفيده تحلية ولا تزكية » بخلاف ورود الفاقات ؛ فإنها مباينة للهوى والشهوة على كل حال ٠‏ وقد تقدّم نحو من هذا المعنى عند قوله : ( إذا فتح لك وجهة من التعرّف فلا تبال معها إن قلّ عملك . . . الخ ) . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الفاقات بسط المواهب. فإن أردت ورود المواهب عليك صحح الفقر و الفاقة لديك. إنما الصدقات للفقراء ). الفاقات تحضره مع الحقّ وتجلسه على بساط الصدق » وناهيك بما يكون في تلك المحاضرة والمجالسة من المواهب الربّانية والنفحات الرحمانية . إن أردت ورود المواهب عليك صحح الفقر والفاقة لديك » إنما الصدقات للفقراء والمساكين . هذا مثل ما ذكره الآن » وذكر الآية عقيبه إشارة بديعة » وتصحيح الفاقة والفقر هو : التحفقق بأوضاف العبودبة المذكورة فى المسالة التى تأتى باتر هذه . ومما يتعلق بظاهر الآية التى استشهد بها المرلف على طريقة القوم ما قال يعضيهم : «ر صدق الققر اجذه الصدفة ممن يخطيه ٠‏ لا ممن تقبل إليه على يده » فالحق تعالى هو المعطي على الحقيقة ؛ لأنه جعلها لهم ؛ فإن قبلها من الحقٌّ فهو الصادق في فقره لعلوٌ همته » ومن قبلها من الوسايط فهو المتوسّم بالفقر مع رداءة 9 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه . تحقق بذلك يمدك بعزه تحقق بعجزك يمدك بقدرته » تحقق بضعفك يمدّك بحوله وقوته ) . [تحقق بأوصافك يمدك بوصفهء و تحقق بذلك يمدك بعزهء وتحقق بعجزك يمدك بقدرته» وتحقق بضعفك يمدك بحوله و قوته] هذا مناسب لما ذكره من الفاقات والمواهب » وقد تقدّم التنبيه على هذا المعنى عند قوله : ( كن بأوصاف ربوبيته متعلقا » وبأوصاف عبوديتك متحققا ) . قال سيدي أبو الحسن الشاذلي » رضي الله تعالى عنه » بعد كلام ذكره : « وتصحيح العبودية لاز مة القذر و العجز و الهف و الدل نه تعالى »و أعندادها اوضات الريويية 2 فما لك ولها » فلازم أوصافك وتعلّق بأوصافه » وقل من بساط الفقر الحقيقي : يا غنيّ من للفقير غيرك ؟ 317 5318 » 214 « قادر من للعاجز غيرك ؟ ومن بساط الذلّ : يا عزيز من للذليل غيرك ', تجد الإجابة كأنها طوع يدك اسَتَعِينُوا لله وَاصْبِرُوا إن الْأَرْض بِلَّهِ يُورِتُها مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبادِهٍ وَالْعاقِبَةٌ لِلْمتَقِينَ [ الأعراف : 128 ] . انتهى كلام سيدي أبي الحسن » وهو معنى ما ذكره المؤلف هاهنا . وأكثر كلام المؤلف جار على منهاج كلام أبي الحسن رضي الله عنهما » ونفع بهما . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة ) . الكرامة الحقيقية إنما هي حصول الاستقامة » والوصول إلى كمالها . ومرجعها إلى أمرين : فالواجب على العبد أن لا يحرص إلا عليهما » ولا تكون له همّة إلا في الوصول إليهما . وأمّا الكرامة بمعنى خرق العادة » فلا عبرة بها عند المحققين ؛ إذ قد يرزق ذلك من لم تكمل له الاستقامة . قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه : « إنما هما كرامتان » جامعتان » محيطتان : كرامة الإيمان بمزيد الإيقان وشهود العيان » وكرامة العمل على الاقتداء والمتابعة ومجانبة الدعاوى والمخادعة » فمن أعطيهما ثم جعل يشتاق إلى غيرهما فهو مغترٌ كذاب ليس ذا حظ في العلم والعمل بالصواب » كمن أكرم بشهود الملك على نعت الرضا فجعل يشتاق إلى سياسة الدواب وخلع الرضا » وكلّ كرامة لا يصحبها الرضا عن الله » ومن الله » فصاحبها مستدرج مغرور » وناقص أو هالك مور ١‏ 2 9 0 7 وقال سيدي أبو العباس المرسي » رضي الله تعالى عنه : « ليس الشان من تطوى له الآأرض فإذا هو بمكة وغيرها من البلدان » إنما الشأن من تطوى عنه أوصاف نفسه فإذا هو عبد عند ربّه " . وذكر عند سهل بن عبد الله » رضي الله تعالى عنه » الكرامات فقال : « وما الآيات ! ! وما الكرامات ! ! هي شيء تنقضي لوقتها » ولكن أكبر الكرامات أن تبدّل خلقا مذموما من أخلاق .0 ك بخلقة يدا وقال بعض المشايخ : " لا تعجبوا ممن لم يضع في جيبه شيئا فيدخل يده في جيبه فيخرج منه ما يريد » ولكن تعجبوا ممن يضع في جيبه شيئا فيدخل يده في جيبه فلا يجده فلا يتغير " وقيل لأبي محمد المرتعش ٠‏ رضي الله تعالى عنه : إن فلانا يمشي على الماء . 5319 152 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من عبّر من بساط إحسانه أصمتته الإساءة . ومن عبّر من بساط إحسان الله إليه لم يمصمت إذا أساع). دقاف يمنا نشنه ر عيل يطاعة ريه انظ لنانة بالتقيكة و المر عظلة لفياة الله ١‏ فإن وفعت منه إساءة أو مخالفة انقبض عن ذلك وصمت ., لما يعتريه من الخجل والحياء » وهذه طريقة أهل « التكليف » الذين ينظرون إلى ما منهم إلى الله تعالى من عمل صالح أو طالح . ومن شاهد إحسان الله إليه ؛ وغاب عن رؤية إحسانه هو ء انبسط لسانه في الحالين من غير فرق ؛ لأن مشاهدته لوحدانية ربّه وقيوميته في الحالين أوجبت جراءته على ذلك . وقد قيل : « جراءة الجنان تنطق اللسان وتطلق العنان » . وهذه هي طريقة أهل (1 ) أخرجه الترمذي ( علم » 19 ) » وابن ماجة ( مقدمة ؛» 17 » 20 ) » والدارمي ( مقدمة 2 ) » وأحمد بن حنبل ( 5 » 196 ) . 320 2321 » 216 « « التعريف » الذين ينظرون إلى ما منّ الله تعالى إليهم . قلت : وما ذكرته هنا من لفظي : التعريف , والتكليف » وما نبهت به عليهما من الكلام اللطيف أشرت به إلى مسألة عظيمة مهمّة » ينبني عليها آداب وأحكام جمّة « 1 » » وهي مسألة اختلاف الناس في معاملاتهم لربّهم بحسب نيّاتهم في مراتب قربهم . ومن أحكامها مسألة « التعبير » التي اقتصر المؤلف عليها في هذا الفصل ,٠‏ ولم يذكر معها سواها مما ينبني على ذلك الأصل » وقد نبّه عليها في « لطائف المنن » وأتى فيها بكلام مستوعب حسن فرأينا أن ننقله هاهنا بكماله ؛ ليتبيين به مقصدنا في تفصيله وإجماله » قال فيه : " . . . وقال شيخنا ( يعني شيخه أبا العباس ) : الناس على ثلاثة أقسام : عبد هو بشهود ما منه إلى الله . وعبد هو بشهود ما منّ اللّه إليه . وعبد هو بشهود ما منّ الله إلى الله " ومعنى كلام الشيخ هذا : أن من الناس من يكون الغالب عليه شهود تقصيره وإساءته » فيقوم مقام المعتذر بين يدي الله تعالى » وتلازمه الأحزان » وتحالفه الأشجان » ويستولى عليه الكمد كلما بدت منه سيئة » أو كشف له من نفسه عن أوصاف سوء ء وعبد آخر الغالب عليه شهود ما منّ اله إليه من الفضل والإحسان والجود والامتنان » فهذا تلازمه المسرّة ة باللّه والفرح بنعمة الله » قال الله عر وجل : قل بِفَضْل الله وَبِرَحْمَتِهِ فذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ [ يونس : 58 ] ؟ فالأول حال العبّاد والزهاد » والثانى حال أهل العناية والوداد » الأول شأن أهل التكليف , والثاني شأن أهل التعريف » الأول حال أهل اليقظة » والثاني حال أهل المعرفة ؛ فلذلك قال الشيخ أبو الحسن » رضي الله تعالى عنه : « العارف من عرف شدائد , الزمان في الألطاف الجارية من الله عليه » وعرف إساءته في إحسان الله إليه فَاذْكُرُوا آلاءَ الله لَعَلَكُمْ نُفِحُونَ [ الأعراف : 69 ]. : رن رمي الدعنه : رمن لل لج التقصير من النفس " . وقال بعض أهل المعرفة : « لا يخلو شهود التقصير من الشرك في التقدير " وقال الشيخ أبو الحسن » رضي اله عنه : « قرأت ليلة من الليالي : قن أَعُودُ برب النَّاسِ إلى أن انتهيت إلى قوله تعالى : مِنْ شر الْوَسُْواسٍ الْخَنّاسِ الَّذِي يُوَسْوسُ فِي صَدُورٍ النَّاسٍ مِنَ الْجِنَةِ وَالنّاسِ [ الناس : 1 - 6 ] فقيل لي : شر الوسواس وسواس يدخل بينك وبين حبيبك ٠‏ ينسيك ألطافه الحسنة » ويذكرك ادعالك السينة ١‏ ريقلل عنداك (1 ) الجم : الكثير من كل شيء . 25302 23 » 217 « ذات اليمين » ويكثر عندك ذات الشمال الك ا ا رو الك بالله ورسوله ؛ فاحذر هذا الباب ؛ نقد أخذ منه كتير من الز ماد و العتاذ » وأهل الجة والاحتهاد ؟ ولذلك قل أن تجد الزاهد والعابد إلا مكمودا « 1 » حزينا ؛ لأنه علم أن الله تعالى طالبه بالعبودية ؛ وحمّله أعباءها ؛ وألزمه ما أشفقت السماوات والأرض والجبال من حمله » قال تعالى : إنَا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السّماوات وَالْأَرْضٍ وَالْحِبِالٍ فَأبَْنَ أن يَحْمِلْتَها وَأَشْفَفْنَ مِنْها , وَحَمَلَهَا الإنسانٌ إِنَهُ كان ظَلُوماً جَهُولَا [ الأحزاب * 72 ] فعاين الزهاد ثقل ما حمّلوا » ولم ينفذوا إلى شهود لطف الحامل للأثقال عن عباده المتوكلين عليه ؛ فلذلك لزمهم الكمد واستولى عليهم الحزن . وأهل المعرفة باللّه علموا أنهم حملوا من التكاليف أمرا عظيما » وعلموا ضعفهم عن حمله » لل ث2 و حبة |[ الطلاق 778 فرجعوا إليه بصدق اللجاء فحمل عنهم الأثقال » فساروا إلى الله محمولين في محفات المنن « 2 » » تروّح عليهم بنفحات اللطف , والآخرون ساروا إلى الله حاملين لأثقال التكاليف فتلازمهم المشفّات » وتطول بهم المسافات ٠»‏ فإن شاء أدركهم بلطفه » فأخذ بأيديهم من شهود معاملتهم إلى شهود سابق توفيقه لهم » فطابت لهم الأوقات » وأشرقت فيهم العرفات وأما القسم الثالث : وهم الذين أمدّهم الله تعالى بشهود ما منّ الله إلى الله » هؤلاء هم أهل التوحيد ‏ والداخلون في ميدان التفريد . وأما القسم الأول : وهم الذين غلب عليهم شهود ما منْهم إلى الله لم يخرجوا عن باطن الشرك » وإن خرجوا عن ظاهره » لأنهم أقبلوا على أنفسهم موبّخين لها » شاهدين لتقصيرهم وإساءتهم » تراك يشيدرا القع نيا أ ميا عا لو ير 0 التو رذ قر اتلك قال لك انعرف انديع سبق قوله : ( لا يخلو شهود التقصير من الشرك في التقدير ) . فإن قلت : إذا كان توبيخ النفس وذمّها يستلزم دقيقة الشرك » فكيف نصنع واللّهِ تعالى قد ذم النفس راعردا تر يخها ١١!‏ فرت ) رو يها فر إذا كانت كذلك ؟ فالجواب : ا ا ا ل سا 0 ل ا 2 ل ارا ”7 هي الفاعلة له . (1 ) الكمد : الحزن المكتوم » والحزن الشديد . ( 2 ) محفات : ( ج ) محفة : ما يحمل عليه المريض . المنن : ( ج ) منة : الإحسان والإنعام . 2324 5325 « 218 » وأما القسم الثاني : وهو الذي يشهد ما منّ الله إليه » فهو وإن كان خيرا من القسم الأول » لكنه ما سلم من إثبات لنفسه إذ رأى نفسه مهداة إليها هدايا الحق » فلو لا إثباته لنفسه ما شهد ذلك » فلأجل هذين المعنيين آثر أهل الله تعالى القسم الثالث » وهو أن يكون بشهود ما منّ الله إلى الله . فافهم » انتهى كلامه رحمه الله ؛ ولأجل ما تضمنه من الفوائد الجليلة والمقاصد النبيلة » دعانا قرب المناسبة إلى ذكره على ما هو عليه في هذا الموضع » واللّه الموفق ولا رب غيره . 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( تسبق أنوار الحكماء أقوالهم .» فحيث صار التنوير وصل التعبير ). الحكماء : هم العارفون باللّه تعالى » العالمون به » والأنوار المنسوبة إليهم » هي : أنوار معرفتهم » وهي قوّة يقينهم » فإن الأمور كلها بيد الله تعالى » لا شريك له فيها » فإن أرادوا إرشاد عباد الله تعالى ونصيحتهم بإذن من الله تعالى سبقت أنوار قلوبهم إلى الله تعالى باللجاء والافتقار إليه » في أن يتولى لهم أمر قلوب عباده » بأن يجعل فيها أهلية واستعدادا لقبول ما يريدون إيراده عليهم من كلام الحكمة » فيجيبهم إلى ذلك » فإذا تكلموا به تلقته قلوبهم التي وصل إليها أنوار أسرار الحكمة » كما تتلقى الأرض الميتة وابل المطر فينتفعون بذلك أتمّ انتفاع » وقد أوصى لقمان الحكيم ابنه فقال : يا بني ما بلغت من حكمتك ؟ قال : لا أتكلف ما لا يعنيني . قال : يا بني » إنه قد بقي شيء آخر : جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك ؛ فإن الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة » كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء » . وإنما قلنا : إن الحكماء هم العارفون باللّه تعالى » العالمون به » لأنهم خائفون من اللّه تعالى » وفي بعض الآثار : « رأس الحكمة مخافة الله » « 1 » . واتقوقة من قنرات تعنم ابنق!:ؤقن قال اللداتقاتى :إثنا يفت لايق عبان الفلماء [آقاطر 287 ١‏ والعلم الموجب للخشية هو العلم بالل فقط ؛ فالحكماء هم العالمون باللّه تعالى ؛ وإن كانوا ضعفاء في سائر العلوم الرسمية » كليلة ألسنتهم في البيان عنها . 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز ). 2 ٍ 5 5 » فاذ ٠.‏ 5 1 0 5 أخي 0 3 قت فيه اللسان ترجمان القلب » فإذا صفا من الأكدار ؛ وتزكى من الأغيار » وأشرقت فب (1 ) أخرجه السيوطي في ( الدرر المنثور 2 / 225 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين ١ 448 8‏ 211/9 ) ء والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 4 / 58 ) » والشهاب في ( 5326 327 » 219 « الأنوار » كانت ترجمانية لسانه على حسب ذلك ؛ فيتكلم بالكلام النوراني الذي يلج آذان السامعين اه د إذ ذاك أقفال قلوبهم 5 ويستجيبون به لنداء الحق حبيبهم ١‏ وروى الحافظ أبو نعيم » رحمه اللَّه تعالى » عن سعيد بن عاصم قال : كان قاض يجلس قريبا من مجلس محمد بن واسع فقال له يوما وهو يوبخ جلساءه : مالي أرى القلوب لا تخشع » ومالي أرى العيون لا تدمع ؛ ومالي أرى الجلود لا تقشعر ! ! فقال محمد بن واسع : يا عبد الله » ما أرى القوم أوتوا إلا من قبلك » إن الذكر إذا خرج من القلب وقع على القلب . 3لك37 ك1 التؤلق جك الددق في 381 لنت الذي ذكر 0 ومن ماري كله في هذا الكتاب » وفي غيره » وحصل له منه التأثير المحمود سلم بما قلناه » وكفى بشهادة شيخه أبي العباس المرسي » على عظيم قدره ودعائه له ؛ برهانا على ذلك . قال في « لطائف المنن » : وكنت قد قلت لبعض تلامذة الشيخ ( يعني أبا العباس ) : أريد لو نظر إليّ الشيخ برعايته وجعلني في خاطره . فقال ذلك للشيخ . فلما دخلت على الشيخ قال : لا تطالبوا الشيخ بأن تكونوا في خاطره ؛ بل طالبوا أنفسكم أن يكون الشيخ في خاطركم . فعلى مقدار ما يكون عندكم تكونون عنده . ثم قال : أي شيء تريد أن تكون ؟ والله ليكونن لك شأن عظيم . والله ليكونن لك كذا . وكذا . والله ليكونن لك كذا . . وكذا . لم أثبت منه إلا قوله : « ليكونن لك شأن عظيم » قال : فكان من فضل الله سبحانه ما لا أنكره . قال : وأخبرني سيدي جمال الدين » ولد الشيخ » قال : قلت للشيخ : هم يريدون أن يصدّروا ابن عطاء في الفقه ! ! فقال الشيخ : هم يصدرونه في الفقه وأنا أصدره في التصوّف . وقال : دخلت عليه فقال : إذا عوفي الفقيه ناصر الدين يجلسك في موضع جِدّك . ويجلس الفقيه من ناحية وأنا من ناحية وتتكلم إن شاء الله تعالى في العالمين . فكان ما أخبر به رضي الله عنه . ١‏ قال : وسمعته يقول : أريد أن أستنسخ كتاب « التهذيب » لولدي جمال الدين فذهبت أنا التهذيب » استنسخته لكم » فأخذه » فلما نهض ليقوم قال : اجعل بالك الوليّ لا يتفضل عليه أحد . تجد هذا في ميزانك إن شاء الله . فلما أتيته بالجزء الثاني لقيني بعض أصحابه عند نزولي من عنده » قال : قال الشيخ عنك واللّه لأجعلنه عينا من عيون اللَّه يقتدى به في علم الظاهر 5328 « 220 » والباطن » فلما أتيته بالجزء الثالث ونزلت من عنده لقيني بعض أصحابه وقال : طلعت عند الشيخ فوجدت عنده مجلدة حمراء » فقال : هذا الكتاب استذ ستنسخه لي ابن عطاء الله » والله ما أرضى له بجلسة جده » ولكن بزيادة التصوف . قال : وأخبرني بعض أصحابه قال : قال لي الشيخ يوما إذا جاء ابن فقيه الإسكندرية فأعلموني به » فلما أتيت الشيخ أعلمنا الشيخ بذلك فقال : تقدّم . فتقمت بين يديه » فقال : جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ملك الجبال حين كذّبته قريش فقال له : هذا ملك الجبال قد أمره الله أن يطيع أمرك في قريش », فسلّم عليه ملك الجبال ثم قال : يا محمد » إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين « 1 » فعلت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا » ولكن أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يوحّد الله تعالى » ولا يشرك به شيئا » « 2 » . فصبر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يخرج الله من أصلابهم . كذلك صبرنا على جد هذا الفقيه لأجل هذا الفقيه . قال : وخرجت يوما من عند الفقيه « المكين الأسمر » وخرج معي « أبو الحسن الحريري » » وكان من أصحاب الشيخ أبي الحسن فسلّمت عليه » وسلّم عليّ ببشاشة وإقبال » فقلت له : من أين 9" ' ظ فقال : وكيف لا أعرفك كنت يوما جالسا عند الشيخ أبي العباس » وكنت أنت عنده » فلما نزلت قلت له : يا سيدي » إنه ليعجبني هذا الشاب ؛ انقطع فلان وفلان عن الملازمة » وهذا الشاب ملازم » قال : فقال الشيخ : يا أبا الحسن لن يموت هذا الشاب حتى يكون داعيا يدعو إلى اللَّه » فكان ما قال الشيخ رحمه اللَّه تعالى . قال : وكنت كثيرا ما يطرأ عليّ الوسواس في الطهارة » فبلغ ذلك الشيخ فقال : بلغني أن بك وسواسا في الوضوء ! ! قلت : نعم . فقال رضي الله تعالى عنه : « هذه الطائفة تلعب بالشيطان لا الشيطان يلعب بهم » . ثم مكثت أياما ودخلت عليه » فقال ما حال ذلك الوسواس قلت : على حاله ! ! فقال : إن كنت لا تترك الوسوسة لا تعد تأتينا » فشقّ ذلك علي » وقطع الله ذلك الوسواس عني . هنكم وت يكلق جويد وما ذلك على اله يزيز[ ابراهيم 0 [ قال ] : وعلمت قصيدة أمدحه بها » فقال حين أنشدتها : أيّدك الله بروح القدس . (1 ) الأخشبان : جبلان يضافان تارة إلى مكة » وتارة إلى منى وهما واحد أحدهما أبو قبيس والآخر قعيقعان . ( معجم البلدان 1 / 122 ) . (2 ) أخرجه البخاري ( بدء الخلق ؛ 7 ) » ومسلم ( جهاد ء 1 ). 29 330 » 221 « [ قال ] : ثم عملت قصيدة أخرى بإشارته جوابا لقصيدة مدحه بها إنسان من بلاد 2 أخميم » 2 1 » فلما قرئت عليه قال : صحبني هذا الفقيه وبه مرضان » وقد عافاه الله منهما » ولا بد أن يجلس ويتحدث في العلمين . يشير الشيخ إلى مرض « الوسواس » . [ قال ] : فلقد انقطع عني ببركة الشيخ حتى صرت أخاف أن أكون لشْدة التوسعة التي أجدها قد تساهلت في بعض الأمر » والمرض الآخر كان بي ألم برأسي فشكوت ذلك إليه » فدعا لي فعافاني الله تعالى وشفاني . [ قال ] : وبت ليلة من الليالي مهموما » فرأيت الشيخ في المنام » فشكوت إليه ما أنا فيه فقال : أسكت واللَّه لأعلمنك علما عظيما . [ قال ] : فلما انتبهت جئت إلى الشيخ » رضي الله تعالى عنه » فقصصت عليه الرؤيا فقال : بكرن هذا إن شاء اه تعا . [ قال ] : وجاء يوما من السفر فخ رجنا للقائه » فلما سلّمت عليه قال لي : يا أحمد كان اله لك ولطف بك وسلك بك سبيل أوليائه وبهاك « 2 » بين خلقه . [ قال] : فوجدت بركة هذا الدعاء » وعلمت أنه لا يمكنني الانقطاع عن الخلق » وأنى مراد بهم لقوله : ( وبهاك بين خلقه ) . [ قال ] : وكنت أنا لأمره من المنكرين وعليه من المعترضين » لا لشي سمعته منه » ولا لشيء صمح نقله عنه » حتى جرت مقاولة بيني وبين بعض أصحابه » وذلك قبل صحبتي إِيَاه » وقلت لذلك الرجل : ليس إلا أهل العلم الظاهر » وهؤلاء القوم يدّعون أمورا عظاما » وظاهر الشرع يأباها ! ! فقال ذلك الرجل : بعد أن صحبت الشيخ : تدري ما قال لي الشيخ يوم تخاصمنا ؟ فقلت : لا . قال : دخلت عليه فأوّل ما قال لي : هؤلاء كالحجر ما أخطأك منه خير مما أصابك . ولعمري لقد صحبت الشيخ اثني عشر عاما فما سمعت منه شيئا ينكره ظاهر الشرع من الذي كان ينقله عنه من يقصد الأذى . [ قال ] : وكان سبب اجتماعي معه أن قلت في نفسي بعد أن جرت المخاصمة بيني وبين ذلك الرجل « دعني أذهب فأرى هذا الرجل » ؛ فصاحب الحقّ له أمارات لا يخفى شأنه . (1 ) إخميم : بلد قديم على شاطىء النيل بالصعيد » وفي غربيه جبل صغير . ( معجم البلدان 1 0 (2 ) بهى : حسن وجمل وصار ذا بهاء وروعة . 5331 » 222 « [ قال ] : فأتيت إلى مجلسه » فوجدته يتكلّم في الأنفاس التي أمر الشارع بها فقال : الأول : إسلام » والثاني : إيمان » والثالث : إحسان » وإن شئت قلت : الأول : عبادة ٠‏ و الثاني : عبودية » والثالث : عبودة + وإن شئت قلت : الأول : شريعة » والثاني : حقيقة » والثالث : تحقّق . . ونحو هذا » فما زال يقول وإن شئت قلت . . إلى أن بهر عقلي » وعلمت أن الرجل إنما يغرف من فيض بحر آلهيّ ومدد ربّاني فأذهب الله ما كان عندي » ثم أتيت تلك الليلة إلى المنزل فلم أجد شيئا مني يقبل الاجتماع بالأهل على عادتي ووجدت معنى غريبا ما أدري ما هو » فانفردت في مكان أنظر إلى السماء وإلى كواكبها » وما خلق الله فيها من عجائب قدرته » فحملني ذلك إلى العود إليه مرّة أخرى » فأتيت » فاستؤذن لي فلما دخلت عليه قام وتلقاني ببشاشة وإقبال حتى دهشت خجلا » واستصغرت نفسي أن أكون أهلا لذلك » فكان أول ما قلت له : يا سيدي أنا واللّه أحبّك فقال : أحبك اللّه كما أحببتني » ثم شكوت إليه ما أجده من هموم وأحزان . فقال : أحوال العبد أربعة لا خامس لها . النعمة » و البلية »و الطاعة » و المعصية ؛ فإن كنت بالذعمة فمقتضى. الحق ملك الشكر » وإن كنت بالبلية فمقتضى الحق منك الصبر » وإن كنت بالطاعة فمقتضى الحق منك شهود المنة عليك » وإن كنت بالمعصية فمقتضى الحق منك وجود الاستغفار . [ قال ] : فقمت من عنده وكأنما كانت تلك الهموم والأحزاب ثوبا نزعته . ثم سألني بعد ذلك بمدّة : كيف حالك ؟ فقلت : أفتّش على الهمّ فلا أجده . فقال « 1 » : لبلي بوحهك مشوق *** وظلامه في الناس ساري والناس في سدف الظلام *** ونحن في ضوء النهار « 2 » إلزم » فو الله إن لزمت لتكون مفتيا في المذهبين » يريد : مذهب أهل الشريعة العلم الظاهر . ومذهب أهل الحقيقة أهل العلم الباطن . انتهى ما نقلته من « لطائف المنن » . وإنما أوردت ذلك هنا » على طوله » ليعرف به قدر المؤلف ٠‏ وليدفع بواضح برهانه طعن الاح ,سيف اليا ةي لي ع للك رون ار عي ا ا علا را 5ك وعطاياه لدينا . فقد قيل : « عند ذكر الصالحين تنزّل الرحمة » مع مآ في ذلك من قرب المناسبة لمعتى مآ أورذه المؤلف من الكلام الحائز به قصب السبق بين معاصريه من الأئمة الأعلام . وأما شيخه أبو العباس » وشيخ شيخه أبو الحسن فحالهما أوضح من نار على (1 ) البيتان في الرسالة القشيرية ص 378 ) . (2 ) سدف :( ج) سدفة : الظلمة . 332 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من أذن له في التعبير فهمت في مسامع الخلق عبارته ٠‏ وجليت إليهم إشارته ). المأذون له في التعبير هو الذي يتكلم لله وبالله وفي الله » ولذلك كان كلامه صوابا . ل الود لك لسعم الماك لطر > ان سوا وا م3 قله 00 وجليت إليهم إشارته فلم يحتاجوا معها إلى إطناب ولا إكثار بخلاف غير المأذون له في ذلك . قيل لحمدون بن أحمد بن عمارة القصّار رضي الله تعالى عنه : « ما بال كلام السلف أنفع من 0 : لأنهم تكلموا لعز الإسلام » ونجاة النفوس ورضا الرحمن » ونحن نتكلم لعز 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ربما بزرت الحقائق مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار ) . من لم يستكمل الأوصاف المذكورة لم يؤذن له في إظهار شيء من الحقائق الربانية » فإن أظهرها وانكرتها قلوبهم . وعلامة استكمال الأوصاف المذكورة أن يفتح له باب التعبير مع وجود السلامة من آفات المنطق قال في « لطائف المنن » : « إنّ من أجل مواهب الله لأوليائه وجود العبارة . [ قال ] واسعفك شيكنا آبا العياس تقول : الولى يكرق مهرد بالعلوى و المعار 103 117 نيا مشهودة حتى إذا أعطي العبارة كان كالإذن من الله له في الكلام . قال وسمعت شيخنا أبا العباس يقول : كلام المأذون له يخرج وعليه كسوة وطلاوة « 2 » » وكلام الذي لم يؤذن له يخرج مكسوف الأنوار حتى أن الرجلين ليتكلمان بالحقيقة الواحدة فتقبل ) مجّتها : لفظتها . يقال : مجّه السمع : أي لم يقبله . ) الطلاوة : الحسن والبهجة والقبول . ح وم اشلياا سسب 233 334 « 224 » 7 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( عباراتهم إما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد , فالأول حال السالكين ٠‏ والثاني حال أرباب الممكنة والمحققين ). إنما يقع التعبير منهم عمّا يطالعون به من الأمور الغيبية والعلوم الإشهادية لأحد معنيين : إما حال غلبة الوجد عليهم وفيضانه » وهم معذورون في ذلك لوجود الغلبة » وهذا حال السالكين من أهل الهداية » وإمّا لقصد هداية مريد فيلزمهم ذلك لما فيه من فائدة الإرشاد والهداية . وهذا حال أهل التمكين والمحققين من أهل النهاية ؛ فإن عبّر السالك لا عن غلبة وجد كان في ذلك نوع من الدعوى وإن عبر المتمكن من غير قصد هداية مريد كان في ذلك إفشاء سر لم يؤذن له فيه » وأيضا فحاله يقتضي وجود الصمت وعدم النطق ؛ لأنه في حضرة الحق تعالى يتلقى ما يرد على سمع قلبه من عجائب العلوم وغرائب الفهوم فكيف يصدر منهم نطق أو تعبير على غير الوجه المذكور . والصمت من آداب الحضرة ء قال الله عرّ وجل :وَخَشعَتِ الْأَصْواتُ لِلرّحْمنٍ فلا تَسْمَعٌ إِلّا همسأ[ 51 ]1 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (العبارات قوت لعائلة المستمعين . وليس لك إلا ما أنت له آكل ). المستمعون موسومون بالفقر والحاجة إلى معنى ما يستمعون إليه من المواعظ والحكم » وهو أبدانهم » وكما أن أقوات هؤلاء مختلفة فلا يصلح لواحد من هؤلاء ما يصلح للآخر من الأطعمة والأشربة لاختلاف طبائعهم وأمزجتهم فكذلك أقوات الآخرين مختلفة » فلا يصلح لواحد منهم من فإذا سمعت عبارة من عالم أو عارف أو أحد من أهل هذا الطريق ولم تحظ منها بشيء فاعلم أنها لا تصلح لقوتك وغذائك وهي صالحة لقوم آخرين . ومما ينتظم في هذا السلك أن تقرع أسماع بعض الناس العبارة من بعض الأشخاص فيفهم منها معنى لم يقصده المتكلم ويتأثر باطنه بذلك تأثرا عجيبا » وقد يقع ذلك لجملة من الناس فيفهم كل واحد منهم ما لا يفهمه الآخر » ويحصل لهم بذلك التأثر مع أن المتكلّم لم يرد شيئا من ذلك » وربما كان ذلك مضادا له » وقد يسمع أرباب القلوب من الجمادات ويستعدون به لسنيّ الحالات » قال في « لطائف المنن » : « وربما فهم من اللفظ ضدّ ما قصد واضعه كما أخبرنا الشيخ الإمام مفتي الأنام تقيّ الدين محمد 523305 330 « 225 » إذ العشرون من شعبان ولت *** فواصل شرب ليلك بالنهار ولا تشرب بأقداح صغار *** فإن الوقت ضاق عن الصغار فخرج هائما على وجهه إلى مكة « 1 » ولم يزل مجاورا بها حتى مات ٠‏ [ قال ] وقرىء على الشيخ « مكين الدين الأسمر » قول القائل : لو كان لي مسعد بالراح يسعدني *** لما انتظرت لشرب الراح إفطارا « 2 » الراح شيء شريف أنت شاربه *** فاشرب ولو حمّلتك الراح أوزارا ياامن يلوم على صهباء صافية *** خذ الجنان ودعني أسكن النارا فقال إنسان : هناك لا تجوز قراءة هذه الأبيات ! ! فقال الشيخ مكين الدين الأسمر للقارئ : اقرأ » هذا رجل محجوب ! ! والشيخ مكين الدين الأسمر هذا هو الذي شهد له الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه بأنه من السبعة الأبدال . [ قال ] ويكفيك في هذا أن ثلاثة سمعوا مناديا ينادي « يا سعتر برّي » ففهم كلّ واحد منهم مخاطبة عن الله ء خوطب بها في سرّه ؛ فسمع الواحد : « اسع تر برّي » وسمع الآخر : « الساعة ترى برّي » وسمع الآخر : « ما أوسع برّي » فالمسموع واحد واختلفت أفهام السامعين » كما قال الله سبحانه يُسْقَى بماءٍ واحِدٍ وَنْفَضَّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأكُلٍ [ الرعد 0" وقال سبحانه :قد عَلِمَ كُلُ أناسٍ مَشْرَبَهُمْ * [ البقرة : 60 ] . فأمّا الذي سمع : اسع تر برّي فمريد دل على الله تعالى بالنهوض إلى الله بالأعمال » ؛ فيستقبل الطريق بالجد » فقيل له اسع إلينا بصدق المعاملة تر برّنا بوجود المواصلة . وأما الثاني » فكان واصلا إلى الله تعالى » طاولته الأوقات فخاف أن تفوته المواصلة فقيل له ترويحا على قلبه لمّا أحرقته نار الشغف : الساعة ترى برّي . ما اوسع برَي . [ قال ] وقال الشيخ محيي الدين بن العربي » رحمه الله تعالى : « دعانا بعض الفقراء إلى وليمة بزقاق القناديل بمصر « 3 » » فاجتمع بها جماعة من المشايخ » فقدّم الطعام » (1 ) مكة : مدينة في المملكة العربية السعودية . أحد الحرمين . كانت في الجاهلية محطة هامة لتجارة القوافل بين اليمن والشام وفيها الكعبة المعظمة » وغدت في الإسلام مركز الحج وقبلة المعلرن. ( معجم البلدان 5 / 181 - 188 ) . (2)الراح: الخمر . 33/7 5330 « 226 » وعمروا الأوعية » وهناك وعاء زجاج قد اتخذ للبول ولم يستعمل فقرّب فيه رب المنزل الطعام » فالجماعة يأكلون ٠‏ وإذا الوعاء يقول : مذ أكرمني الله بأكل هؤلاء السادة مني لا أرضى لنفسي أن أكون بعد ذلك اليوم محلا للأذى » ثم انكسر نصفين . فقال الشيخ محيي الدين : فقلت للجميع : سمعتم ما قال الوعاء ؟ فقالوا : نعم [ قال ] فقلت : ما سمعتم !! فأعادوا القول الذي تقدّم . قال . فقلت ٠‏ قال قولا غير ذلك . قالوا : وما هو ؟ قلت : قال كذلك قلوبكم قد أكرمها اللّه بالإيمان » فلا ترضوا بعد ذلك أن تكون محلا لنجاسة المعصية » وحبٌ الدنيا » . جعلنا الله وإياكم من أولى الفهم عنه والتلقّن منه . قلت : وهذه المنازع كلّها مما يستملح ويستظرف ., وتتأثر بها القلوب السليمة » وتنقاد لها النفوس الكريمة » وقد جرت عادة أئمة هذه الطريق باستعمالها وإيرادها في محالها » فلا حرج علينا إذن في ذكر بعض ذلك , إذا كانت له مناسبة تامة » ووجدت فيها فائدة خاصة أو عامة . وبالله التوفيق لا رب غيره . 9 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ربما عبّر عن المقام من استشرف عليه . وربما عبر عنه من وصل إليه » وذلك ملتبس إلا على صاحب بصيرة ). كما أن الواصل إلى مقام من مقامات اليقين يعبّر عنه . كذلك يعبّر عنه من استشرف عليه ولم يتحقق فيه بالمنازلة والمواصلة والتباس ذلك على من ليس له بصيرة ظاهرة . وأما ذو البصيرة فلا يخفى عليه ذلك ٠‏ لأنه يرى في الكلام صورة المتكلّم الباطنة وما هو عليه كمال أو نقص . وقد قيل : « تكلموا تعرفوا » . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا ينبغي للسالك أن يعبّر عن وارداته فإن ذلك يقل عملها في قلبه » ويمنعه وجود الصدق مع ربه ) . ٠‏ الواردات الإلهية لا ينبغي للسالك أن يعبّر عنها اختيارا منه » بل يخفيها ويصونها ولا يطلع أحدا عليها » إلا شيخا مرشدا ؛ لأن نفسه تجد في ذلك لذة وانشراحا » فتقوى به صفاتها » فيقلٌ بسبب ذلك عمل الوائزاث فخ قليه من التأيز المحسرة:. ولأجل غلبة أحكام نفسه وإيثار حظه يمنعه ذلك من وجود صدقه مع ربّه . وقد تقدّم هذا المعنى في قوله [ استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك ] . 1 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لا تمدن يدك إلى الأخذ من الخلائق إلا أن ترى أن المعطي فيهم مولاك . فإذا كنت كذلك فخذ ما وافقك العلم ) . هذه قاعدة عظيمة يحتاج إليها السالكون المتجرّدون ؛ ليبنوا عليها أحوالهم فيما يصل إليهم من الرفق على أيدي الخلق » وقد ذكرها المؤلف ٠‏ رحمه الله تعالى بعبارات 239 340 » 227 « بديعة محمودة موجزة » جمع فيها جملة المعاني التي يحتاج إليها من ذكرناه » فلنسبط كلامه في ذلك على حسب عادتنا معه » على الوجه الذي ذكرناه في مقدمة هذا التنبيه » وهذا قصدنا في جميع ما تكلّمنا عليه من مسائل كتابه . ونقول على حسب ذلك : أرزاق العباد المعتادة لهم تنقسم إلى قسمين : أحدهما : رزق يصلون إليه بأسباب وأعمال وتصرّفات كالتجارات والصناعات وغيرهما » وهذا حال أهل الأسباب . والثاني : رزق يصل إليهم على أيدي الخلق من غير عمل ولا سعى » وهذا حال أرباب التجريد . فأحكام القسم الأول وآدابه لم يتعررّض لها المؤلف رحمه الله تعالى » وهي مذكورة في فنّ « الفقه » وغيره » فواجب على كلّ من دخل في شيء من الأسباب تحصيل علمه وطلبه من حيث هو . وأحكام القسم الثاني وآدابه هي التي تعرّض لها المصنف . وأجمل د رحفة الله تعالى - جميع ذلك في مراعاة شرطين وجعلهما من شروط صحة الأخذ : الشرط الأول حال بتري العطاء ا عن هر باه هر و كل , وهذا هو الأصل . وإنما اشترطه على الأخذ ؛ لأنه مقتضى حاله من تحقيق التوحيد » وتخليص التجريد » وبه يصحّ له مقام القناعة والتوكل » ويسقط من قلبه همّ الرزق » وتزول به عنه عادقات انان يوان لم يكن على هذا الو ضنف كان نقيدا للذاين » ور لها تله بيجع يكذ 8333 فيهم » ورغبته فيما في أيديهم » واستشرافه إليهم » فيقع بسبب ذلك في كبائر الذنوب » من معاطس القلجاو الحراريض؛ مثل : المداهنة « 1 » » والنفاق » والرياء » والتصنع ‏ والتلبيس » والغش » وعدم النصيحة » وكلة القففة : غير ذلك من الصفات المنفومة المتاقحية للعيودية تداغر وحل . قال يحيى بن معاذ » رضي الله تعالى عنه : « من استفتح باب المعاش من غير مفاتيح الأقدار وكل إلى المخلوقين » . ولا يكفي في تلك الرؤية المذكورة أن تكون علما وإيمانا فقط ء بل لا بدّ أن تكون : ها رار (1 ) المداهنة : المصانعة . 341 » 228 « دعا بعض الناس شقيقا البلخي » رضي الله تعالى عنه » وكان في طبقته من أصحابه نحو خمسين رجلا » فوضع الرجل طعاما واسعا وأنفق نفقة كثيرة » فلما قعدوا قال لهم شقيق : إن هذا الرجل يقول من لم يرني صنعت هذا الطعام وأني أقدّمه إليه فطعامي عليه حرام . فقاموا كلّهم وخرجوا إِلّا شابا كان فيهم نقصت مشاهدته عنهم » فقال صاحب المنزل لشقيق : قال : أردت أن أختبر توحيد أصحابي : أي كلهم لا يرونه فيما صنع » ولا ينظرون إليه فيما قدّم الا ذلك الز حل واكده ؛ وإنما اشترطنا في رؤية العطاء من الله تعالى أن يكون حالا وذوقا ؛ لأن ذلك هو اللائق بحال المتجرّد » كما ذكرناه ؛ لأن التجريد حال شريف لا يدخل فيه بالاختيار والتعمد ؛ لأن ذلك من اتباع هوى النفس وطلب الحظ والراحة . وإنما يقيم الحقّ تعالى فيه من أراده به من أهل التقوى والمراقبة بعد كمال شغله باللّه تعالى ؛ وجذه في الهرب عن كل ما يقطعه عن الله تعالى » فحينئذ يسلبه الحق من تدبيره واختياره » ويكاشفه بوحدانيته في إيراده وإصداره » ويكون تركه للأسباب بحكم الوقت وإشارة الحال . كما ارروق أن أبا خض النريدا بور رصبي انه عله كان هادا : وكان شلذية يون رتل3 » فأدخل الشيخ يوما يده في النار وأخرج الحديدة من النار » فغشي على غلامه » وترك أبو حفص الحانوت وأقبل على أمره وكان يقول رضي الله عنه : « تركت العمل فرجعت إليه : وتركني العمل فلم أرجع إليه » . وقال إبراهيم الخواص ؛ رضي الله تعالى عنه : « لا ينبغي للصوفيّ أن يتعرض للقعود عن الكسب , إلا أن يكون رجلا مغلوبا قد أغنته الحال عن المكاسب » وأما من كانت الحاجة به قائمة ؛ ولم يقع له عزوف يحول بينه وبين التكلف فالعمل أولى به والكسب بسعي أحل له وأبلغ ؛ لأن القعود لا يصلح لمن لم يستغن عن التكلف » . قد قال الشيخ أبنو عبد الله القرك » رركي الله تعال عنة ' زو ما ذامت الأسيات. قائمة بالنة 9 0 ددى . زر كدي فالاكتساب أولى » . المعاش ؟ فهتف بي هاتف : « لا أراه » تنقطع إليّ وتتهمني في رزقي » عليّ أن أخدمك وليا من 2302 » 229 « وقد اشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحة قبول العطاء عدم الاستشراف إلى الناس » ولا يكاد يحصل هذا الشرط لمن ذكرناه من أهل التجريد إلا بهذه الرؤية المذكورة » روى زيد عن خالد الجهني « 1 » ٠‏ رضي الله عنه » قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من جاءه معروف من أخيه من غير مسألة ولا استشراف نفس فليقبله فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه » « 2 » وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من وجّه إليه شيء من هذا الرزق من غير مسألة ولا استشراف فليأخذه وليوسع في رزقه فإن كان عنده غنى فليدفعه إلى من هو أحوج منه » « 3 » »ء وقال عمر بن الخطاب » رضي الله عنه » « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول له : أعطه يا رسول الله من هو أفقر إليه مني » فقال صلى الله عليه وسلم : خذه » فتموّله » أو تصدّق به » « 4 » . وما جاءك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه » ومالا » فلا تتبعه نفسك » قال سالم : « فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدا شيئا » ولا يرد شيئا أعطيه » . فالاستشراف إلى الناس مذموم قادح في التوحيد » فلا ينبغي أن يأخذ المريد عطاء على هذا الوجه » روي أن أحمد بن حنبل رضي الله عنه خرج ذات يوم إلى شارع باب الشام » فاشترى دقيقا ولم يكن في الموضع من يحمله ؛ فوافى أيوب الحمال فحمله » ودفع إليه أحمد أجرته » فلما دخل الدار بعد إذنه له اتفق أنّ أهل الدار قد خبزوا ما كان عندهم من الدقيق وتركوا الخبز على السرير ينشف ٠‏ فرآه أيوب وكان يصوم الدهر » فقال أحمد لابنه صالح : ادفع إلى أيوب من الخبز » فدفع له رغيفين » فردّهما » فقال أحمد : أحمد : أعجبت من رده وأخذه ؟ قال : نعم . قال : هذا رجل صالح » لما رأى الخبز استشرفت نفسه إليه » فلما أعطيناه مع الاستشراف رده » ثم أيس » فرددناه إليه بعد الإياس فقبله . (1 ) هو خالد بن زيد » ويقال : ابن يزيد الجهني . روى عن عقبة بن عامر الجهني » وروى عنه أبو سلام الحبشي . ( تهذيب الكمال 5 / 353 ) . (2 ) أخرجه أحمددبن حنيل ( 2 + 2292 323 4 ١221-4 378 » 311:3 ٠490‏ 6 ٠ 259 » 77 /‏ 367 ) » وأبو داود ( أطعمة . 46 ) » والنسائي ( صيد » 38 ) » والموطأ ( صدقة » 9 ) . ( 3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 » 65 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري ( أحكام » 17 ) » ومسلم ( زكاة » 111 ) » والنسائي ( زكاة » 94 ) » وأحمد بن حنبل ( 1 » 2262117 » 99 » 5 » 195 ؛ 6 ٠‏ 452 ) . 533 » 230 « وأما الاستشراف إلى الرزق مع قطع نظره عن الخلق » فلا يضرّه ذلك ؛ لأنه خلق ضعيف ذو فاقة » ورزقه معلوم لا بد منه » فاستشرافه إلى الرزق في الحقيقة استشراف إلى الرازق » ولا ينافي ذلك حقيقة العبودية » ولكن إن كثر منها الاستشراف إلى الرزق وشغلت صاحبها عن دوام المحاضرة والمناجاة مع الحق فليصرفها عن ذلك صرفا جميلا » ولينهج لها من التعلّق والتوثق بالله سبيلا : قال الشيخ أبو عبد العزيز المهدوي » رضي الله تعالى عنه : « كنت في بدايتي واقفا بين قلت لها : وعليك السلام » قالت العشاء ! ! فأدهتني بداهية » فتوقفت , ثم ألهمني الله تعالى أن قلت لها : أقدرين دفو ضها ؟ قالت” ل« . قلت لها : أتدري أي شيء هو ومتى هو ؟ قالت : اط . قلت لها > أنا رب أو غبد ؟ ! قالت : عبد » قلت لها : فالعبد يقدر على شيء ؟ ! ما هذا الكفر والشرك اللذان أتيتني بهما ؛ اهربي إلى خالقك فاطلبي منه العشاء ؛ لأنه خالقك والقادر على كل شيء فيعطيك ويجيب لك ما طلبت » فتطعمي وتأكلي فمالك وإياي » وما هذه الحيرة ؟ قال اي ددر ا ا م اح ع ارم مس ا تحناح دمن رلك رجي م قراح الفقر والإرادة ٠‏ فرأينا ذكرها في هذا الموضع من الواجب المتيقين ليتحقق في العمل بها كل من يقف عليها من مريد مبتدىء » قال رضي الله عنه : « إعلم أن الفقير لا يخلو ء إمّا أن يكون جالسا أو ماشيا . أمّا قاعدة الجالس لدوجلات قرفت البنده وهر مكالدر ماه طر م اسكادته زا لتكذاف والايكرن الشفانة وكين ولا إلى سبب معلوم » لأنه لا يدري الأوقات ما هي » ولا يجدها » ولا يدري متى هي » ولا وقتها ٠‏ ويعلم أن جميع الأشياء تطلبه » وتحتاج إليه » لأنها خلقت من أجله وهو خليفة فيها » وقد فرغ ن حمك 1 اسقط و الال ناذا | بل يكون هدفا للأقدار تجري عليه ولا كسب له ولا سبب في التحصيل . ثم قال : وأما الماشي من الفقير الذي يكون في سفر أو غيره فلا تجاوز همّته خطوته . مثاله : أن يكون ماشيا فخطر له التغيّر والالتفات إليه من بلد أو شخص أو مطعم » أو مشرب » فيهلك » ويظفر به العدوّ » وتزلٌ قدمه ؛ فإن تمادى في التعلّق بشيء من هذه القواطع والشواغل ومشى إلى شيء منها وفقده » ومات مات قاتل نفسه ؛ وذلك أنه يكون في يوم صائف ووهج » وقد أصابه العطش الشديد » فيعرض له خيال ماء » فيجيء العدرٌ فيروّجٍ عليه أنّ أسرع تلحق ذلك الماء فتشرب منه فيزول عطشك » فإن مشى راكنا إلى هذا الخاطر يجيء للموضع فيجده سرابا » فهناك يظفر به ويقول له : الآن تموت » فيقتله من ساعته » فيموت قاتل نفسه ؛ إذ كان جاهلا بربّه وآياته » ولم يعرف 344 » 231 « دواءه من دائه » ولا تعلّم العلم » ولا سأل العلماء لبقائه مع نفسه قال : فحكمه إذا جاءه هذا ا ويقول إن الله تعالى : يمكن أن ددح فك 53ر13 روه كلووا ل ولد ويسلمه احول له اكد وان زر حلي اند علد وتلا « من مشى إلى طمع فليمشي رويدا » وقال « هن تانى أصاب أو كاد » ومن تعخل أخطأ أو كاد . والعجلة من الشيطان » « 1 » . ومن هذا كثير فلا يشك شاك أنه كما يحتج للنفس والشيطان بهذه القواعد من العلم أنهم ينقطعون ولا حجة عندهم بعد الاستعانة باللّه تعالى والتعلق به » ثم يقول له أيضا : أتنكر أن الله تعالى قادر على أن يطعمني ويسقيني إن شاء الله تعالى ينبع لي عينا الساعة قبل وصولي لذلك الماء ؟ فيقول له الشيطان بالضرورة : نعم . فإذا كان هذا كذلك فاللّه سبحانه أعلم بمصالحي ومنافعي من كل مخلوق . ا ال ا ال ا ا 15 إلى ما خطر أوّلا أو رآه من بعد ولم يجد ما تعلّق به خاطره أولا من صاحب أو طعام بقي على أصله لا تغيّر عنده ولا تردّد » فظفر بالعدو وقتله » كما فعل أيضا الشيطان بغيره الشيء أو ضدّه "نا . هذا ما أردنا ذكره من كلام هذا الإمام » وهو عندي من أنفس الكلام المقرّب غاية المرام ؛ تضمنه من المعاني البديعة والأنفاس الرفيعة » ولما فيه من تجريد التوحيد » والآداب المرضيّة من العبيد » فهو جدير بأن يكتب ويرسم » ويكمل به الغرض الذي تقدّم » واللّه تعالى أعلم . وحكم الشرط الثاني : أن لا يأخذ إِلّا ما يوافق العلم » وهذا شرط لازم للمتجرّد أيضا قال الشيخ أبو طالب المكي رضي الله تعالى عنه : « وينبغي لمن لا معلوم عنده من الأسباب أن بتورّع في أخذها ء ويتخير المعطي لها كما يتخير أهل المكاسب في الاكتساب ؛ لأن لله تعالى في كل شيء حكما » والقعود عن المكاسب لا يسقط أحكامها » والقاعد عن الطالب لا يسقط أحكام المطالب . ولأن ترك العمل عمل يحتاج إلى علم » ولم تكن سيرة القرّاء الصادقين أن يأخذوا من ا ا ا كر اتيس ار ار لا يخرجونه إلى غيرهم » . ١‏ (1 ) أخرجه الترمذي ( برّء 66 ) . 5345 « 232 » فموافقة العلم التي ذكرها المؤلف على قسمين : موافقة العلم الظاهر » وموافقة العلم الباطن » أمّا موافقة العلم الظاهر فبأن لا يأخذ إلا من يد بالغ عاقل تقي » وقد جاء في الحديث : « لا تأكل إِلّا طعام تقىّ ولا يأكل طعامك إلا تقي » « 1 » . فلا تأخذ من يد ظالم ولا عامل بالربا » ولا جاهل بما يحل ويحرم من وجوه المكاسب » ولا تأخذ من يد صبي » ولا عبد غير مأذون له » ولا معتوه . وأمّا موافقة العلم الباطن فبأن لا يأخذ إِلّا ما كان على وجه الرفق والمعونة فلا يأخذ إِلّا ما هو مفتقر إليه في الحال ولا غنى له عنه من ضرورياته وحاجاته من غير إسراف ولا إقتار» ولا بأس أن يأخذ ما يزيد على ذلك بأن كان في خلقه سخاء وبذل وإيثاء وتخلّق بمحاسن الأخلاق ؛ لا ليتوصل به إلى حظّ عاجل من جاه أو رئاسة » أو قبول عند الناس » ولا يأخذ ما يعطاه على جهة الابتلاء والاختبار » أمّا الابتلاء فأن يأتيه قبل وقته » أو زائدا على حاجته » فإن أخذه فليخرجه في السر ليأمن بذلك من آفة الإظهار . أها التخقار فأن ١7‏ رخذ ينا كذ وى تركة لم تعالى من شيرة كان مل نيا قذ ملكنه ور أشرقة ومنعته القيام بحقوق ربّه » فليوف بعهد الله تعالى » وليدفع ذلك عن نفسه إن خاف انحلال عزمه ؛ وفساد نيته » فإن لم يخف على ذلك فليأخذه وليخرجه إلى غيره . وهذا أشدّ شيء على النفس » وهو من أعظم درجات الزهد . ولا يأخذ من منان » ولا فخور », ولا مظهر لعطيته » ولا يأخذ ممن يثقل على قلبه قبول عطيته ؛ فقد قيل : لا تأكل إِلّا طعام من يرى لك الفضل عليه في أكله » ولا تأكل إلا طعام من يرى أنه وديعة عنده » ولا تأكل إلا طعام زاهد » لأنه يسرّ بأكلك » ولا تأكل إِلّا طعاما يراك صاحبه أفضل من الطعام . وقد روى أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سمن وأقط « 2 » ٠‏ وكبش » فقبل السمن والأقط , وردٌ الكبش . وكان يقبل من بعض الناس ويردّ على بعض . وقال : « لقد هممت أن لا أقبل إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي » أو دوسيّ » « 3 » قال أبو طالب المكي : « وفعل هذا جماعة من التابعين » . جاءت إلى « فتح الموصلي » رضي الله تعالى عنه (1 ) أخرجه أبو داود ( أدب » 16 ) » والترمذي ( زهد » 56 ) » والدارمي ( أطعمة » 23 ) » وأحمد بن حنبل ( 3 » 38 ) . (2 ) الأقط : لبن محمض يجفف ثم يطبخ » أو يطبخ به . أو هو الجبن . ( 3 ) أخرجه المجتبى في ( سنن النسائي 6 / 280 ) » وأحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 292 ) » والحاكم في ( المستدرك 2 / 63 ) » والهيثمي في ( موارد الظمآن 1145 » 1146 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 9 / 297 ) » وابن كثير في التفسير ( 4 / 141 ) وعبد الرزاق في المصنف ( 19920 ) والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 4 / 202 ) . 346 347 » 233 « من آتاه الله رزقا من غير مسألة فردّه فإنما يردّه على الله عز وجل « 2 » » ثم فتح الصرّة وأخذ منها درهما ورد سائرها . وكان الحسن يروي هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم » وحدّثنا عنه : أن رجلا أهدى إليه كيسا فيه ألوف » ورزمة « 3 » فيها من رقيق « خراسان » « 4 » فردّ ذلك » فقال لعن محا يه فين للق نذا لك 2 مر كلد مان متا قدا 2 أو كن من الداسن قينا ول هذا لقي الله تعالى يوم القيامة وماله عند الله من خلاق « 5 » . وكان الحسن » رضي الله تعالى عنه : يقبل من أصحابه . وكان إبراهيم التيمي يسأل أصحابه الدرهم والدرهمين » ويعرض عليه غيرهم المئين فلا يأخذ . وكان بعض العبّاد إذا دفع إليه بعض أهل الدنيا الشىء » قال : ضعه عندك وأعرض على قلبك حالى كيف أنا عندك بعد الأخذ أفضل » أو دون ذلك ؟ وأصدقني . فإن قال : أنت عندي الآن أفضل منك قبل ذلك » أو قال له أنت عندي بعد الأخذ مثل ما كنت قبل ذلك » قبل منه . وإن أخبره بنقصانه في قلبه لم يقبل منه . وكان بعضهم يردّ على أكثر الناس صلاتهم » فعوتب في ذلك » فقال : ما أردّ عليهم إِلّا إشفاقا عليهم » ونصحا لهم يذكرون ذلك ويحبون أن يعلم به » فتذهب أموالهم وتحبط أجورهم . ويروى عن الأعمش « 6 » أنه قال : « جاء شاب من العرب إلى إبراهيم التيمي بألفي درهم . فقال يا أبا عمران » خذ هذه الدراهم والله ما هي من ذي سلطان » ولا من كذا » ولا من كذا . فقال له إبراهيم : بارك الله لك » وجزاك خيرا . فلما ولَّى » قلت : يا أبا عمران » ما منعك أن تأخد ها ٠‏ والنداها لأمر انك قميضن 1 |:فقال مدقت يا أما سليعان : (1 ) الصّرة : ما يجمع في الشيء ويشد . (2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 » 65 ) . (3) الرزمة : ما يجمع في شيء واحد . ْ ْ ( 4 ) خراسان : بلاد واسعة أول حدودها مما يلي العراق أزاذوار قصبة جوين وبيهق » وأخر حدودها مما يلي الهند طخارستان وغزنة وسجستان وكرمان . ( معجم البلدان 2 / 350 ) . (5) الخلاق : الحظ والنصيب الوافر من الخير والصلاح . ( 6 ) سليمان بن مهران الأسدي بالولاء ( 61 - 148 ه - 681 - 765 م ) الملقب بالأعمش تابعي مشهور » أصله من بلاد الري » ومنشأه ووفاته في الكوفة . كان عالما بالقرآن والحديث والفرائض . يروي نحو ( 1300 ) حديث . ( الأعلام 3 / 135 » ووفيات الأعيان 2 / 400 - 403 ٠»‏ وتهذيب الكمال 8 / 106 ) . 5348 309 « 234 » ولكن هذا شاب من العرب لم يحنكه « 1 » السنّ ولم تحنكه الآداب فكرهت أن يجلس في حيّه فيقول : أعطيت إبراهيم ألفي درهم » فيحبط الله أجره وتذهب دراهمه » . وممن ذهب إلى هذا سفيان الثوري رضي الله عنه كان يشترط على بعض من كان يأخذ منه أن لا يذكره » لإشفاقه عليه ٠لا‏ من أجله ؛ بل من ذهاب أجره » لأنه قيل في معنى قوله تعالى :لا تُبطِنُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنْ وَالْأَدَى[ البقرة : 264 ] . م للضم سور اه لاا ”0 هذا ! ! فقال له الجنيد : بل وأنا أؤمّل أن أعيش حتى آكل هذا ! ! فقال : إِنْي لم أقل لك أنفقه في الخل واليقل » وإنما قلت أنفقه في" الطيياك والوان الخلاوات: وكلما نقه اسرع كان اح إلى . فقال الجنيد : ومثلك لا يحل أن يرد عليه . فقبله » فقال الرجل ل ا ا ا ا 50000007 كان مثلك » . وكان السريّ السقطي يوصّل إلى أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهما الشيء فيرده » فقال له سرّي : يا أحمد » احذر آفة الردّ فإنها أشدّ من آفة الأخذ ! فقال أحمد : أعد عليّ ما قلت . فأعاده , فقال له أحمد : « ما رددت عليك إِلّا وعندي قوت شهر » فاحبسه لي عندك » فإذا كان بعد شهر فأنفذه إليّ » . وعلى الجملة » فلا ينبغي أن يأخذ إلا من يد زاهد عارف فبذلك يسلم من الآفات ويكفي من جميع المئونات . وقال أبو بكر الدقّاق : منذ أربعين سنة أصحب هؤلاء فما رأيت رفقا لأصحابنا إِلّا من بعضهم لبعض » أو ممن يحبّهم ومن لم تصحبه التقوى والورع في هذا الأمر أكل الحرام الصرف ! ! وإن أراد أن يسأل أمثال هؤلاء فليفعل . قال أبو طالب المكي رضي الله تعالى عنه : كان بشر بن الحارث » رضي الله تعالى عنه » لا يقبل من الناس شيئا » وكان بعضهم يقول : أحب أن أعلم من أين يأكل ؟ فقال له من يخبر أمره : أنا أدري من أين يأكل ! كان له صديق عاقل » يعني نظيره في العقل والدين ! لأن بعضهم كان لا يقبل إِلّا من النظراء ولا يقبل من الأتباع . وهذا الصديق العاقل الذي كان يقوم بكفايته ولم يكن يظهر أمره ولا يلتقي معه هو السري بن مغلّس السقطي رضي الله عنه . قال بشر » رضي الله عنه : « ما سألت أحدا قطّ شيئا من الدنيا ؛ إلا سريا السقطي » لأنه قد صم عندي زهده في الدنيا فهو يفرح بخروج (1 ) حنكه الدهر : هذبته تجاربه . 300 351 » 235 « الشيء من يده ويتبرّم ببقائه عنده » فأكون قد أعنته على ما يحب » . وكان سري ٠‏ رضي الله عنه » يوجّه إلى أحمد بن حنبل في حاجاته فيقبل منه » وكان إذا ذكر عند أحمد ين حنبل رش انه الى عند يفول ١‏ ذلكا الفتى المعر وت يطيت القذاء إنه ليفكيتي 0 : : وإن بلغت به الحاجات كل مبلغ وأشرف على الضعف , وتحققت الضرورة وسأل مولاه فلم يقدّر له بشيء ووقته يضيق عن الكسب » لشغله بحاله » فعند ذلك يقرع باب السبب » ويسأل من دون هؤلاء ممن جهل حاله . جاء في الأثر : « من جاع » فلم يسأل » فمات دخل النار » . وقد سأل الناس عند الحاجة » والفاقة نبي الله تعالى موسى والخضر عليهما السلام » لقوله تعالى :استطعما أفلها[ الكهف : 7/7 ] . ش وكان أبو جعفر الحداد » وهو شيخ الجنيد » رضي الله تعالى عنهما يسأل من باب أو بابين » بين العشاءين » ويكون ذلك معلومه عند حاجته من يوم أو يومين وكان له مقام في الزهد والتوكل » قال أبو طالب : « ولم يعب هذا عليه عموم ولا خصوص » . ونقل عن أبي سعيد الخراز » رضي الله تعالى عنه » أنه كان يمد يده عند الفاقة ويقول : ثمّ شيء ونقل عن إبراهيم بن أدهم » رضي الله تعالى عنه » أنه كان معتكفا بجامع البصرة مدة » وكان يفطر في كل ثلاثة أيام ليلة » وليلة إفطاره يطلب من الأبواب . وكان الثوري يسأل في البوادي من الحجاز إلى صنعاء اليمن . قال : كنت أذكر لهم حديثا في الضيافة . قال : فيخرجون إلىّ طعاما » فأتناول حاجتي وأترك ما وليجتنب المريد الأكل بالدين وإرفاق النسوان . فإن قيل : كيف يرد ما يعطاه في الوجوه التي حكمتم عليه بعدم الأخذ فيها » وهو إنما يأخذ من يد ربّه » كما تقدم ؟ وهل الرادّ لذلك إِلّا راد على الله تعالى » فكيف يستقيم ذلك ؟ فالجواب : أن القيام بحقّ الشريعة والطريقة لا بد منه » والتوحيد لا ينافي ذلك . وقد قيل : « الكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه » » وكل باطن من العلم يخالف ظاهرا من الحكم فهو مردود . ووجه صحة الردّ للعطاء عند مشاهدة التوحيد ظاهر ؛ إذ لا فرق في ذلك بين يد المعط :ويد الأكذ ) فكما ينهذ الآأخذ بد الله كقالى فن العطاء. عند يذ المعطى' نياخة ها يعطاه عند موافقة العلم اتّباعا لإذن الله تعالى : ْ ْ وأمره يشهد يد الله تعالى في المنع عند يد نفسه بالرد عند مخالفة العلم فلا يأخذه ولا يقبله اتباعا لنهى الله 202 » 226 « تعالى عن ذلك وعدم إذنه [ فيه ] كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكبش الذي أهدي إليه مع السمن والأقط , وكما فعله فتح الموصلي » والحسن البصري رضي الله عنهما مع روايتهما للحديث الذي ذكر فيه أن رد الهدية ردّ على الله تعالى . وقد تقدم ذكره بلفظه ء» فبهذا يندفع ذلك الخيال » واللّه تعالى الموفق لصالح الأعمال . وإنما أطلت الكلام في هذه المسألة » لأن الحاجة ماسّة إليها » وليعلم من ذلك أنّ جميع تفاريعها ومسائلها داخل في كلام المؤلف » رحمه الله تعالى » على حكم الإيجاز والاختصار . وكلامه فيها من بديع الكلام ومستحسنه . ولشيخه أبي العباس المرسي رضي الله تعالى عنه » في معنى ما ذكره كلام بديع مختصر منتزع من كفاب الله عر وك » نقله عنه في « لطائف المنن » قال رضي اللّه عنه : « للناس أسباب » وسببنا نحن : الإيمان والتقوى » قال الله سبحانه ول أن أغل القرى مرا وَانَقََا لَفتَحْنا عَلَيِْمْ بَرَكاتٍ مِنَ السّماءٍ وَالْأرْضٍ[ الأعراف : 69 ]. وقد جود المؤلف ربكنية الله - صياغته وأحسن سياقته في مقصد الإرشاد والهداية » واللّه أعلم . 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ربما استحيا العارف أن يرفع حاجته إلى مولاه لاكتفائه بمشيئته فكيف لا يستحي أن يرفعها إلى خليقته ) . [ربما استحيى العارف أن يرفع حاجته إلى مولاه اكتفاء بمشيئته فكيف لا يستحيي أن يرفعها إلى قد تقدّم أن من الأدب ترك الطلب » والسؤال من الله تعالى اكتفاء ب تمشيكده :و رهبا يسائق قبمكه + وأن العارفين المحققين يستحيون من الله تعالى في ذلك » فكيف لا يستحيون من مولاهم عز وجل عند سؤالهم للمخلوقين ؟ وهل أدبهم في ذلك واستحياؤهم من ربهم إلا واجب عليهم » فلا يسألون منهم شيئا ولا يرفعون إليهم حاجة » لأنهم فقراء محتاجون ومولاهم هو الغني الحميد » وقد تقدم هذا المعنى عند قوله : [ لا تتعد نيّة همتك إلى غيره » فالكريم لا تتخطاه الآمال ] . قال سهل بن عبد الله التستري - رضي اله عنه - : « ما من نفس ولا قلب إلا واللّه مطّلع عليه في ساعات الليل والنيل » فأَيّما نفس أو قلب رأى فيه حاجة إلى سواه سلّط عليه إبليس » . وقال الأستاذ أبو علي الدقاق - رضي الله تعالى عنه - : رامن علامات المعرفة أن ل قيال حوائجك قلّت أو كثرت إلا من الله سبحانه وتعالى » مثل موسى عليه السلام اشتاق إلى الرؤية فقال :رب أَرِنِي أَنْظر إِلَيِكَ [ الأعراف : 143 ] واحتاج مرة إلى رغيف فقال رب إِنْي لما أَنْرَأْتَ إِلَيّ مِنْ خَيْرٍ فقِيرُ[ القصص 26 وذكر الإمام أبو القاسم القشيري - رضي الله تعالى عنه - أن بعض الفقراء كان 203 204 » 227 « يأتي كل يوم ويقف بحذاء الكعبة بعد ما يطوف ما شاء الله تعالى ويخرج من جيبه رقعة ينظر فيها , ؛ فلما كان بعد أيام فعل مثل ذلك » ثم تباعد » ومات . فجاء بعض من يرمقه ونظر في الرقعة فإذا فيها :وَاصْبرُ لِحُكْم رَبْكَ فَإِنْكَ بِأَيُنِنا [ الطور : 48 ] . قال : فكان الرجل أصابته الفآقة » فصبر » ولم يظهر حاله لمخلوق حتى مات . وقال أبو بكر الجوهري - رحمه الله تعالى - : كنت ب « عسقلان » « 1 » على برج أحرس ». فمرّ بي رجل عليه جبّة « 2 » صوف متخرقة » فقمت إليه مسلّما » وعانقته وأجلسته » وجاريت معه في فنون من العلم » وكان قدماه حافيتين » فقلت له : لم لا تسأل أصحابك في نعل تقيك من الحفاء ؟ ! فقال : يا أخي لردّ أمسي بالحبال » وحبس عين الشمس بالعقال « 3 » » ونقل ماء البحر بالغربال أهون عليّ من موقف السؤال » درتام ون لخر فين النوان ,ل اخر حي ين داب الكدية 4 فاشيي كك إن عدر لفون ا ار ا ا ا ا قال في « التنوير » : « واعلم - رحمك الله - أن رفع الهمّة لسالكي طريق الآخرة عن الخلق » وعدم التعرض لهم أزين لهم من الحلّى للعروس , وهم أحوج إليه من الماء لحياة النفوس » ومن خلعت عليه خلعة الملك فحفظها وصانها فحرّى بأن تدام له ولا تسلب عنه » والمدنس لخلع المواهب حرّى أن لا تترك له . فلا تدنس » أيها الأخ » إيمانك بطمعك في المخلوقين » ولا تجعلن اعتمادك إلا على رب العالمين . وكن ؛ أيها الأخ « إبراهيميا » ٠‏ فقد قال أبوك إبراهيم عليه الخخلاة والسلام لا احث الأفلين[ الأنعام : 76 ] : وما سوى الله آفل » إما وجودا وإما إمكانا » وقد قال سبحانه :مله أبيكُم إنراهيم[ الحج : 78 ] » أي > البعوا فلقة :فاخب علق الدرمن أن يليه مله إدر اهيد ومن ملذة رفع الهمة كن الخاق , 14 يوم زجٌ به في المنجنيق « 4 » تعرّض له جبريل عليه السلام فقال له : ألك حاجة ؟ فقال له : ان الك قاد وله ان ا سك فلى : ذل - فلياله قال : حسبي من سؤالي علمه بحالي . فانظر كيف رفع همته عن الخلق ؛ ووجهها إلى الملك الحق » » فلم يستغث بجبريل » ولا احتال على السؤال من ربه . بل رأى ربه أقرب إليه من جبريل عليه السلام » ومن سؤاله . فلذلك سلمه من « نمروذ » ونكاله » وأنعم عليه (1 ) عسقلان : وهي مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزة وبيت جبرين ( معجم البلدان 4 / 122 ) . (2 ) الجبّة : ثوب طويل وآسع الكمين » مسقوق المقدم ينبس قوق الثياب , والجِبّة ؛ الدرع . ( 3 ) العقال : حبل يربط به البعير في وسط ذراعه . ( 4 ) المنجنيق : آلة قديمة من آلات الحرب وحصار المدن » كانت ترمى بها الحجارة على الأسوار فتهدمها ( ج ) منجنيقات ومجانئق ومجانيق . 205 5306 » 238 « بنواله وأفضاله » وخصّه بوجود إقباله . ومن ملة إبراهيم معاداة كلّ ما شغل عن الله وصرف الهمّة بالرد إلى الله لقوله تعالى :فَإِنْهُمْ عَدُوَ لي إِلّا رَبّ الْعالَمِينَ [ الشعراء 077 والغنى :2 إن أر ذف الدلالة عليه ة فيو : الياكن من لقاب لك دن سي ان الحو رقي إن عد لت را 2257222 غيري لنفسي » ورجوت الله لغيري فكيف لا أرجوه لنفسي . وهذا هو الكيمياء والأكسير « 1 » الذي من حصل له يحصل له غنى لا فاقة بعده » وعرّ لا ذل معه » وإنفاق لا نفاد له » وهو كيمياء أهل الفهم عن الله . قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : « صحبني إنسان وكان ثقيلا علي » فبسطته يوما » فانبسط » فقلت له : يا ولدي ٠‏ ما حاجتك ولم صحبتني ؟ فقال : يا سيدي ؛ قيل لي إنك تحسن الكيمياء فصحبتك لأتعلم منك ذلك . فقلت له : صدقت وصدق من حدّثك , ولكني إخالك لا تقبل ! ! فقال : بل أقبل , فقلت له : نظرت إلى الخلق فوجدتهم على قسمينٍ : أعداء وأحبّاء » فنظرت إلى الأعداء فعلمت أنهم لا يستطيعون أن يشوكوني بشوكة لم يردني الله به . فقطعت نظري عنهم » ثم تعلّقت بالأحبّاء فوجدتهم لا يستطيعون أن ينفعوني بشيء لم يردني الله به » فقطعت نظري عنهم وتعلّقت باللّه تعالى » فقيل لي : إنك لا تصل إلى حقيقة هذا الأمر حتى تقطع يأسك منا كما قطعته من غيرنا أن نعطيك غير ما قسمناه لك في الأزل . وقال مرة أخرى لما سئل عن الكيمياء : « أخرج الخلق من قلبك » واقطع يأسك من ربّك أن يعطيك غير ما قسم لك » . قال : وليس يدل على فهم العبد كثرة عمله » ولا مداومته على ورده » وإنما يدل على نوره وفهمه غناه بربّه » وانحياشه إليه بقلبه » وتحرره من رق الطمع وتحليه بحلية الورع » وبذلك تحسن الأعمال » وتزكو الأحوال ٠‏ قال اللّه تعالى :نا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضٍ زيئَةً لَها لِتَبلَوَهُمْ أَيْهُمْ أَحْسَنُ عملا[ الكيف :71 ]. فحسن الأعمال إنما هو بالفهم عن الله » والفهم هو ما ذكرناه من الاغتناء باللّه » والاكتفاء به , والاعتماد عليه » ورفع الحوائج إليه » والدوام بين يديه » وكل ذلك من ثمرة الفهم عن الله تعالى » . انتهى ما يتعلق بغرضنا من كلام صاحب التنوير وهو من الكلام النفيس الخطير » وأنت - رحمك الله - إذا تأملته بعين بصيرتك ٠‏ ناصحا لربك في علانيتك وسريرتك » علمت (1 ) الإكسير : شراب في زعمهم يطيل الحياة . وهو أيضا مادة كان الأقدمون يزعمون أنها تحول المعدن الرخيص إلى ذهب . 357 5208 » 239 « منه أن ما تضمنه عظيم الموقع » وأنه مستحسن منا إيراده في هذا الموضع » إذ هو منوط بالإيمان والتوحيد » محتاج إليه كلّ سالك ومريد » فمن رعاه حق رعايته » وصر ف إلى العمل بمقتضاه عنان عنايته » فقد تحقّق بمحاسن الإيمان » وكان من ولاية الله تعالى بمكان » ومن أهمله وضيّعه » وجهل قدره وموضعه » خيف عليه من الوقوع في الشرك الخفيّ والجليّ » واستحق بذلك أن يطرد عن باب مولاه العليّ » فيقوى طمعه في الخلق » ويضيق عليه متسعات أبواب الرزق » كما قال بعض العارفين المكاشفين قيل لي في نوم كاليقظة » أو يقظة كالنوم . لا تبدين فاقة إلى غيري فأضاعفها عليك » مكافأة لسوء أدبك » وخروجك عن حدّك في عبوديتك ؛ إنما ابتليتك بالفاقة لتفزع منها إليّ وتتضرّع بها لدى » وتتوكل فيها عليّ » سبكتك بالفاقة لتصير ذهبا خالصا فلا تزيفنٌ بعد السبك . جع و بك انو عي هك ل 2 قطعت عنك مواد معونتي وحسمت أسبابك من أسبابي » طردا لك عن بابي » فمن وكلته إليّ ملك » ومن وكلته إليه هلك » . انتهى . ومنهم من يأنف من قبول الرفق على أيدي الخلق وترتفع همته عن ذلك وإن لم يكن سؤال ولا طلب » يحكى عن حماد بن سلمة « 1 » رحمه الله تعالى أنه قال : كان في جواري امرأة أرملة لها أيتام . . وكانت ليلة ذات مطر ء فسمعت صوتها تقول : يا رفيق ارفق . فخطر ببالي أنها أصابتها فاقة »ء فصبرت حتى احتبس المطر . فحملت معي عشرة دنانير » ودققت عليها الباب فقالت : حماد بن سلمة ؟ فقلت : نعم » كيف الحال ؟ فقالت ٠‏ بخير وعافية » احتبس المطر ودفىء الصبيان . فقلت : خذي هذه الدنائير وأصلحي بها بعض شأنك . [ قال ] : فصاحت بنية لها خماسية : أتريد يا حماد أن تكون بيننا وبين معبودنا [ واسطة ] ؟ ثم قالت لأمها : لما رفعت صوتك بإظهار السرّ علمت أن الله يؤدبنا بأظهار الرفق على يد مخلوق ! ! » . وذكر الشيخ عبد الرحمن السلمي » عن ابن عباس بن دهقان قال : كنت عند بشر بن الحارث . رضي الله تعالى عنه » وهو يتكلم في الرضا والتسليم فإذا هو برجل من المتصوفة » فقال له : يا أبا نصر » انقطعت عن أخذ البرّ من أيدي الخلق لإقامة الجاه » فإن (1 ) حماد بن سلمة بن دينار البصري الربعي بالولاء ( توفي سنة 167 ه - 784 م ) أبو سلمة مفتي البصرة » وأحد رجال الحديث » ومن النحاة . كان حافظا ثقة مأمونا » إلا أنه لما كبر ساء حفظه فتركه البخاري » وأما مسلم فاجتهد وأخذ من حديثه بعض ما سمع منه قبل تغيره . ( الأعلام 2 / 272 » وميزان الاعتدال 1 / 277 ٠»‏ وحلية الأولياء 6 / 249 ٠»‏ وتهذيب الكمال 5 ةك 209 300 » 240 « كنت متحققا بالزهد منصرفا عن الدنيا فخذ من أيديهم لينمحي جاهك عندهم » واخرج بما يعطونك ل دراك ع كن اكد 1 ف الس :شق لف على اكاب فقال بشر : اسمع أيها الرجل الجواب : الفقراء ثلاثة » فقير لا يسأل وإن أعطى لا يأخذ فذلك من الروحانيين إذا سأل الله تعالى أعطاه وإن أقسم على الله أبرٌ قسمه » وفقير لا يسأل وإن أعطى قبل ؛ فذلك من أوسط القوم عقده التوكل والسكون إلى الله تعالى » ؛ فهو ممن توضع له الموائد في حظيرة القدس » وفقير اعتقد الصبر وموافقة الوقت » فإذا طرقته الحاجة خرج إلى عبيد اللّه وقلبه إلى انه بالسة ال + فكفارة اله ضدقه:. قال الرحل : ركيت »رفن اله عنك ‏ 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إذا التبس عليك أمران فانظر أثقلهما على النفس فاتبعه ١‏ فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقا ). هذا ميزان صحيح باعتبار غالب الأنفس » لأنها مجبولة على الجهل والشره » فشأنها أبدا إنما هو طلب الحظوظ والفرار من الحقوق كما تقدم عند قوله : « حظ النفس في المعصية ظاهر جلي وحظها في الطاعة باطن خفي » . فاذا وحد المريد من نفسه ميلا وخفة عند يعحن الأعمال دون البغض اتهمها » وترك ها مالت اليه وخف عليها » وعمل بما استثقلته . قال بعض العارفين : « منذ عشرين سنة ما سكن قلبي إلى نفسي ساعة » . وسكون القلب إلى النفس » هو : اتباعه للأخف عليها دون الأثقل » وهو معدود عندهم من نفاق القلب . ومن بقي عليه شيء من دواعي الهوى » وإن قل » لا يؤمن عليه من مثل هذا . فخفة العقل على" النفس إنما تكون الأجل موافقة اهواها » وهواها لا يميل إلا إلى الباطل + فإذا القبدر] عليك أمران » واجبان أو مندوبان » ولم تعلم أيهما أوجب أو أفضل لتقدّمه على الآخر » فانظر أثقلهما على نفسك فاعمل يق.. وإنما قلنا « باعتبار غالب الأنفس » ؛ لأن النفس المطمئنة لا توصف بالجهل ولا بالشره » فقد يخف العمل عليها ولا يدل ذلك على أنه باطل » فليكن نظر العبد حينئذ إلى ما هو أكثر فائدة وأعظم مزية فليقدّمه على غيره . وقد ذكر الشيخ « أبو طالب المكي » رضي الله تعالى عنه » حكاية عجيبة في شره النفس وكونها لا تميل إِلَّا إلى الباطل قال : « حدثني بعض إخواني عن بعض هذه الطائفة قال : قدم علينا بعض 5301 2302 » 241 « أنتم ! ! فإنه قد عرض لي عارض منعني من الأكل . فقلنا لا نأكل إن لم تأكل ! ! فقال : أنتم أعلم ؛ أما أنا فغير آكل ! ! ثم انصرف . [ قال ] فكرهنا أن نأكل دونه » فقلنا لو دعونا الشوّاء فسألناه عن أصل هذا الحمل فلعلٌ له سببا مكروها ء فدعوناه » فلم نزل به نسأله حتى أقرّ أنه كان ميتة » وأن نفسه شرهت إلى بيعه حرصا على ثمنه » فشواه » ووافق أنكم اشتريتموه ! ! [ قال ] فرميناه للكلاب . [ قال ] ثم إن لقيت الرجل بعد وقت فسألته : لأيّ معنى تركت أكله ؟ وبأيَّ عارض ؟ فقال أخبرك : ما شرهت نفسي إلى طعام منذ عشرين سنة للرياضة التي ريضتها بها » فلما قدّمتم إلى هذا شرهت نفسي إليه شرها ما عهدته قبل ذلك » فعلمت أن في الطعام علة » فكرهت أكله لأجل شدة شره النفس إليه » . قال الشيخ أبو طالب : فانظر - رحمك الله - كيف اتفقا في شره النفس على قصة واحدة » ثم اختلفا بالتوفيق والخذلان فعصم العالم بالورع والمحاسبة » وترك الجاهل مع شره النفس بالحرص وترك المراقبة » أعني : البائع للحمل . وعصم الآخرون للتوفيق بحسن الأدب » وهو : قمع شره النفس عن الأكل بعد صاحبهم » ثم تدارك البائع بعد وقوعه بصدق المشتري وحسن نيته » انتهى . وثمٌ ميزان آخر [ أصلح ] » وأكثر تحقيقا من الأول » وهو أن يقدّر نزول الموت به » فأيّ عمل سرّه أن يكون مشغولا به إذ ذاك فهو حق وما عداه باطل . قال فى « لطائف المنن » : « والموت ميزان على الأفعال والأحوال كما هو ميزان فى دائرة الوقث:. ْ أما الرتب فكما تقدم يعني : أنه علامة صحة مرتبة الولاية » وأما الأفعال والأحوال فإذا التبس لي ل اص كا ] تقدير ورود الموت : د علي رن سيرع فين يكن اتوك بحانه روعي عه شرت لي بال ل لقوله تعالى بل نقذ بِالْحَقَ على الباطل فَيَذمَعُةُ قإذا هُوَ زاهق [ الأنبياء : 18 ] فل إِنَّ رَبّي يَعْذِفُ بِالْحَقَ عَلَامُ الْغيُوبِ [ سبأ : 48 ] وَكُلْ جاءً الْحَقُ وَرَهَقَ الْباطِلٌ إِنّ الْباطِلَ كان رَهُوقاً [ الإسراء : 81 ] . وما كنت فيه قائما بحقٌّ » لم يهزمه الموت » إذ هو حق » والموت حق » والحق لا يهزم الحق . قال : وتجاذبت الكلام أنا وبعض من يشتغل بالعلم في أنه ينبغي أخلاص النيّة فيه » وأنه لا يشتغل به إِلَا لله تعالى فقلت له : الذي يقرأ العلم لله » هو الذي إذا قلت له تموت غدا » لا يضع الكتاب من يده » انتهى . 5303 » 242 « قلت : وهذا هو فصل الخطاب » ونهاية الصواب ؛ فإن العبد في هذه الحالة لا يصدر منه إلا العلم الصالح الخالص في شوائب الرياء وممازجة حظ النفس واتباع الهوى » فهذا هو المطلوب من العبد » ولا يستتم له ذلك إلا أن يتحقق بما يقدره من حلول الموت وحصول الفوت . وهذا هو معنى « قصر الأمل » الذي هو أصل حسن العمل » وهو أن لا يقدّر لنفسه وقتا ثانيا يكون فيه حيا » وعند ذلك يخلص عمله من الآفات » ويتطهّر من أنواع الرعونات « 1 » ؛ لأن توقع الموت في كل نفس ولحظة يهدم عليه جميع ذلك » كما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى »؛ وكل عمل استرسل فيه صاحبه غافلا عن تقدير وقوع ذلك إن لم يكن متحققا به » لم يسلم مما تكرناة , فإذن بعيد من الإخلاص من يأخذ في علم غير متعيّن عليه الأخذ فيه » لا يجتنى ثمرته إلا في ثاني حال » ويكون في الحالة الراهنة متمكنا من إيقاع طاعة تزيد مصلحتها على مصلحة ما أخذ فيه من العلم فيفوز بثوابها » ويتنجز له حصول التقرّب بها ؛ لأن في ذلك قوت النفس ٠‏ ووفارة د وآية ذلك : أنه قد يعرض له في حال أخذه فيه غرض دنيوي يكون احتظاء نفسه به أكثر فيقدمه على ما كان آخذا فيه . ويتشاغل به من غير مبالاة بما يفوته من ذلك . وإنما عبّرنا بلفظ « الأخذ » ليدخل فيه تعلّم المتعلّم » وتعليم المعلم ؛ فإن الأمر فيهما واحد » وكل عمل لا إخلاص فيه ليس بالله ولا لله مردود على صاحبه » مضروب به وجهه . وبهذا يتبيّن لك غرور أكثر الخلق في علومهم وأعمالهم إلا من رحم الله تعالى . ولهذا نشاهد أكثر الناس عند نزول الموت بهم يندمون على ما أسلفوه من عمل » ويودّون أن لو أنسىء لهم في الأجل » وهيهات « 2 » هيهات . . !! ! فنعوذ باللّه من الغفلة في زمان المهلة ؛ فإنها مبدأ كل عمل فاسد ومنشأ وجود الغرة والجهالة لكل عالم وعابد . وما ذكرنا من معرفة اختلاف درجات الصالح ليقدم الفاضل فيها على المفضول لا يصلح إلا لمن يده الله بنور اليقين » وجبله على النصيحة في الدين » وكان له حظ وافر من الخوف والحذر » وموافقة مولاه في كل ورد وصدر . ولا شك أن هذه المرتبة عزيزة المنال » متعذر إدراكها إلا من الآحاد من الرجال . وسبيل من لم يصل إليها ممن ذكرناه إذا كان منصفا أن يستعين بنظر من هو أصح منه 2304 « 243 » حالا » وأصوب مقالا وفعالا » ويفقؤض جميع أموره إليه » ويعتمد إشارته في كل ما يشير به عليه وعلامة إنصافه : وجود اتهامه لنفسه » وعدم اعتماده على عقله وحدسه » ومن لم يكن منصفا فالكلام معه هذيان فاسد » وضرب في حديد بارد » وسيأتي مزيد تنبيه على غرور الآخذين في الخد فى رهم البق فزن عدا 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (من علامات اتباع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات ٠‏ والتكاسل عن القيام بالواجبات) . هذه من الصور التي يتبين بها خفّة الباطل وثقل الحقّ على النفس . وما ذكره هو حال أكثر الناس ؛ فترى الواحد منهم إذا عقد التوبة لا همّة له إلا في نوافل الصيام والقيام » وتكرار المشي إلى بيت الله الحرام » وما أشبه ذلك من النوافل . وهو مع ذلك غير متدارك لما فرّط فيه من الواجبات » ولا متحمل لما لزم ذمته من الظلامات والتبعات » وما ذاك إلا لأنهم لم يشتغلوا برياضة نفوسهم التي خدّعهم » ولم يحلفوا بمجاهدة أهوائهم التي استرقتهم وملكتهم » ولو أخذوا في ذلك لكان لهم فيه أعظم شغل » ولم يجدوا فسحة لشيء من التطوّعات والنفل قال بعض العلماء : « من كانت الفضائل أهمٌّ إليه من أداء الفرائنض فهو مخدوع » . وقال محمد بن أبي الورد » رضي الله عنه : « هلاك الناس في حرفتين : اشتغال بنافلة وتضييع فريضة » وعمل بالجوارح بلا مواطأة القلب عليه » وإنما حرموا الوصول بتضييعهم الأصول ». وقال الخوّاص » رضي الله عنه : « انقطع الخلق عن الله بخصلتين ؛ إحداهما : أنهم طلبوا النوافل وضيّعوا الفرائض ٠ء‏ والثانية : أنهم عملوا أعمالا بالظاهر » ولم يأخذوا أنفسهم بالصدق فيها والنصح لها » وأبى الله أن يقبل من عامل عملا إِلّا بالصدق وإصابة الحق » . قال الشيخ أبو طالب المكي » رضي الله عنه : « فأفضل شيء للعبد معرفته بنفسه » ووقوفه على حدّه » وإحكامه لحالته التي أقيم فيها ‏ وابتداؤه بالعمل بما افترص عليه بعد اجتنابه لما نهى عنه بعلم يرشده في جميع ذلك » وورع يحجزه عن الهوى في ذلك » ولا يشتغل بطلب نفل حتى يفرغ من فرض ؛ لان النفل لا يصح إلا بعد حوز السلامة » كما لا يخلص الربح للتاجر إلا بعد حوز زان الغال فت سارت هليه الساحكة كان ين لفن بعد و إلى الاغتر ازا اقرب © اهدر 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( قيد الطاعات بأعيان الأوقات كي لا يمنعك عنها وجود التسويف « 1 » » ووسع عليك 5305 306 « 244 » الوقت كي تبقى لك حصة الاختيار ). أنعم الله عليك فيما أمرك به من الطاعات المؤقتة بالأوقات بنعمتين عظيمتين ؛ إحداهما : تقييدها لك بأعيان الأوقات لتوقعها فيها » فتفوز بثوابها ولو لم يفعل هذا لسوّفت بها ولم تعمل بها حتى تفوت فيفوتك ثوابها . ْ والنعمة الثانية : توسيع أوقاتها عليك ليبقى لك نصيب من الاختيار حتى تأتي بالطاعات في حال سكون وتمهل من غير حرج ولا ضيق . ولله الحمد على نعمه . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( علم قلة نهوض العباد إلى معاملته فأوجب عليهم وجود طاعته فساقهم إليها بسلاسل الإيجاب ا ا ا 1 الربوبية في حال طواعية منهم » إذ في ذلك قرّة أعينهم » وغاية نعيمهم أوجب عليهم وجود طاعته على حال كراهية منهم لأجل ما خوّفهم به إن لم يفعلوا » فساقهم بسلاسل تخويفه وتحذيره إليه » واستدرجهم بذلك إلى ما فيه نعيمهم مما لا علم لهم به ٠‏ وفعل بهم ما يفعل بالصبي ألا تراه كيف يؤدّب ويضرب على استرساله على مقتضى طبعه وجبلته » ويلزم أمورا شاقة عليه فيفعلها وهو كاره لذلك . والغرض إنما هو حصوله على منافعه التي هو جاهل بها » فإذا كبر وعقل عرف ذلك عيانا . 7 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (وقد عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل ) كما فعل بأسارى الكفار حين يراد منهم الدخول في الإسلام فيقادون إلى الجنة بالسلاسل في رقابهم . د - وهذا حديث يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا : « عجب الله من أقوام يقادون إلى الجنة بالسلاسل » « 1 »5 .‏ قلت : وتعبير المؤلف ؛. رحمه الله » بالسلاسل » والسوق بها » واستعماله ذلك فى التكاليف الواجبة التي ألزم العباد القيام بها من بديع الاستعارات » 1 كما قال الشاعر » وهو أبو خراش الهذلي « 2 » : وليس كعهد الدار يا أم مالك *** ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل وكذلك تمثيله بالحديث المذكور فيه ذلك والإشارة به إلى مقصوده في غاية الحسن . (1 ) أخرجه البخاري ( جهاد » 144 ) » وأبو داود ( جهاد ؛ 114 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 » 2 406 ؛ 448 : 457 : 5 : 249 ) . (2 ) أبو خراش الهذلي ( توفي نحو 15 ٠ه‏ - نحو 636 م ) خويلد بن مرة » من بني هذيل من مضر شاعر مخضرم وفارس فاتك . أدرك الجاهلية والإسلام » واشتهر بالعدو فكان يسبق الخيل 307 5308 » 245 « قال بعض العلماء : يجوز أنه يكون معنى التعجب المنسوب إلى الله تعالى فيه إظهار عجب هذا الأمر لخلقه ؛ لأنه بديع الشأن » وهو أن الجنة التي أخبر الله تعالى بما فيها من النعيم المقيم . والعيش الدائم » والخلود فيها الذي من حكم من سمع به من ذوي العقول أن يسارع إليها ويبذل مجهوده في الوصول إليها ويتحمل المكاره والمشقات لينالها » هؤلاء يمتنعون عنها ويرغبون عنها » ويزهدون فيها حتى يقادوا إليها بالسلاسل كما يقاد إلى المكروه العظيم الذي تنفر منه الطباع وتألم منه الأبدان وتكرهه النفوس . وقد قرأ جماعة من القراء « بل عجبت ويسخرون » بضم التاء . « لقد عجب الله من فلان وفلانة في قصة الأنصاري الذي قال لامرأته « أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم » « 1 » وهو حديث صحيح مشهور . فالعجب منسوب إلى الله تعالى » وقد ورد في الكتاب والسنة . فهو إذن من الصفات السمعية . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( أوجب عليك وجود خدمته وما أوجب عليك إلا دخول جنته ). هذه عبارة حسنة موافقة لمعنى ما تقدّم » والمقصود من هذا كلّه الإعلام بأن الله تعالى غنّى عن خلقه لا تنفعه طاعتهم ولا تضرّه معصيتهم » وأن التكاليف كلّها إنما أوجبها عليهم لما يرجع إليهم قلت : وما ذكره المؤلف » رحمه الله » هو حال عامة الناس الذين من شأنهم التأنيّ وعدم الانقياد للأوامر والنواهي » ولذلك احتاجوا إلى التخويف والتحذير والموالاة للحضّ والمبالغة في النكير . وأمّا الخاصة منهم فلم يحتاجوا إلى شيء من ذلك ؛ لأن الله تعالى شرح صدورهم ونوّر بصائرهم » وكتب في قلوبهم الإيمان وحبّب إليهم الطاعة وبعغض إليهم العصيان » فلم يقتصروا على ما اقتصر عليه المذكورون من فعل الواجبات واجتناب المحظورات فقط , بل أضافوا إلى ذلك المبادرة إلى أعمال الطاعات » والمسارعة إلى نوافل الخيرات » وبالجملة صارت أعمالهم كلّها قربات » وذلك لتمام حريتهم وصحة عبوديتهم « نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه » « 2 4 (1 ) أخرجه البخاري ( تفسير سورة » 6 » 59 ) . ( 2 ) أخرجه علي القاري في ( الأسرار المرفوعة 172 ٠ ) 373 ٠‏ والشوكاني في ( الفوائد المجموعة 409 ) » والعجلوني في ( كشف الخفاء 2 / 446 ) » والفتني في ( تذكرة الموضوعات 101 ) والسيوطي الحلبي في ( الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة » 165 ) . 5309 3/0 » 246 « قال فى < التنوير » : « إنما جعل الحق » سبحانه » الإيجاب على العباد علما منه بما هم عليه من وجود الضعف , وبما نفوسهم متصفة به من وجود الكسل فأوجب عليهم ما أوجبه لأنه لو خيّرهم فيما أوجب عليهم لم يكونوا به قائمين إلا قليلا » « وقليل ما هم » فأوجب عليهم وجود وفي التحقيق ما أوجب عليهم إِلّا دخول جنته فساقهم إلى الجنّة بسلاسل الإيجاب : عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل « 1 » . قال : واعلم » رحمك اللّه » أنا تلمحنا الواجبات فرأينا الحق » سبحانه » جعل في كلّ ما أوجبه تطوّعا من جنسه في أيّ الأنواع كان ليكون ذلك التطوّع من ذلك الجنس جابرا لما عساه أن يقع من الخلل في قيام العبد بالواجبات » وكذلك جاء في الحديث : « إنه ينظر في مفروض صلاة العبد فإن نقص منها شيء كمل من النوافل » فافهم » رحمك الله » هذا ولا تكن مقتصرا على ما فرض الله عليك » بل لتكن فيك ناهضة حب توجب إكبابك على معاملة الله تعالى فيما لم يوجبه عليك » ولو كان العباد لا يجدون في موازينهم إِلّا فعل الواجبات وثواب ترك المحرمات لفاتهم من الخير والمنة ما لا يحصره حاصر ء ولا يحرزه حارز » فسبحان الله الفاتح للعباد باب المعاملة » والمهيىء لهم أسباب المواصلة . قال : واعلم أن الحق - سبحانه - علم أن عباده ضعفاء وأقوياء » فأوجب الواجبات وبيّن امد عاك ١‏ الشيفد ا اضر و كد السام بها أر خم ار شرك الف ادر وو ل 2 سلطان الحب ووجود الشغف ما يحملهم على المعاملة من غير إيجاب ٠‏ فمثلهم مثل العبد يعلم السيد منه أنه إن لم يخارجه « 2 » لم يهد إليه شيئا : فلذلك وقت سبحانه الأوراد » ووظف وظائف العبودية » وعرف ذلك بالطالع والغارب والزوال وصيرورة ظل كلّ شيء مثله في الصلاة » وبالحول في الأموال النامية العين والماشية » وبوقت حصول المنفعة في الزرع : وَآنُوا حَقَهُ يَوْمَ حَصادهٍ [ الأنعام : 141 ] » وبعشر ذي الحجة في الحج » وبشهر رمضان في الصيام » فوظف الوظائف وقتها وجعل للنفوس فيها فسحة الحظوظ والسعي في الاسباب . وأهل الله هم أهل الفهم عنه جعلوا الأوقات كلّها وقتا واحدا » والعمر كله نهجا إلى الله تعالى قاصدا » فعلموا أن الوقت كله له » فلم يجعلوا شيئا منه لغيره ؛ ولذلك قال (1 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 2 » 302 ٠‏ 406 ؛ 448 ؛ 457 ؛ 5 » 249 ) » والبخاري ( جهاد » 144 ) » وأبو داود ( جهاد » 114 ) . (2 ) تخارج المسافرون : اقتسموا النفقة بينهم . 3/1 512 ل سه 9 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من استغرب أن ينقذه الله من شهوته » وأن يخرجه من وجود غفلته فقد استعجز القدرة الإلهية وكان الله على كل شيء مقتدرا). من استرقته الشهوة » واستولت عليه الغفلة فلا ينبغي له أن يستغرب أن ينقذه الله من أسر شهوته » وآن يخرجه من وجود غفلته لما يشاهد من استحكام ذلك فيه ؛ فإنْ في ذلك نسبة العجز إلى القدرة الإلهية » والله تعالى متصف بالاقتدار على كلّ شىء » وهذا من الأشياء . وليعلم العبد أن قلوب العباد ونواصيهم « 1 » بيده ؛ فلا يقنط » ولا ييأس » وليقصد باب مولاه ام ار ا ل ل ل ير ل اي للك على الله بعزيز . وليعتبر هذا المعنى بالحكايات التي تروى عن الصالحين الذين تقدّمت لهم في بدايتهم الزلات » ووقعت منهم قبل توبتهم الهفوات « 2 » » فتداركهم الله تعالى بلطفه » واستنقذهم بجوده وعطفه » فأصلح أعمالهم » وصفى أحوالهم » وأبدل سيئاتهم حسنات ٠‏ ورفعهم من أسفل سافلين إلى أعلى الدرجات »؛ كلّ ذلك في أقرب زمان » وأقصر مدّة وأوان . والحكايات في هذا المعنى عن الشيوخ » مثل سيدي « الفضيل بن عياض » و « عبد الله بن المبارك » و « أبي عقال بن علوان » وغيرهم » رضي الله تعالى عنهم » معروفة مشهورة . ومن أغرب ما رأيته في هذا المعنى ما رواه عبد الصمد بن مغفل » عن عمه وهب بن منبه » رضي اله عنهما : أن رجلا قتل نفسا فجاء إلى سائح من سائحي بني إسرائيل » فسأله عن ذلك قال : فرفع له السائح من الأرض عرجونا أبيض قديما حائلا » (1 ) الناصية . ما يبرز من الشعر في مقدم الرأس يكون حذاء الجبهة . وهي كذلك مقدم الرأس يقال : أخذ فلان بناصية الأمر : أي تمكن منه . 32/3 3/4 « 248 » ثم قال له : إذا اخضرّ هذا العرجون قبلت توبتك . وأراد السائح بذلك أن يؤيسه من التوبة لعظم ذنبه . فأخذ الرجل العرجون وهو يطمع في التوبة ويعزم » فتاب » وجعل يعبد الله زمانا » ويدعو حتى اخصير: ذلك الرحون دائن اذه عاك وقدركه, وأغرب من هذا وأعجب ما خرّجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعبد أهل الأرض » فدلَ على راهب » فأتاه فقال : قتلت تسعة وتسعين نفسا » فهل لي من توبة ؟ ! فقال : لا ! ! فقتله فكمل به المائة » ثم سأل عن أعلم أهل الأرض ء فدلَ على رجل عالم فقال : إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة ؟ فقال : نعم » ومن يحول بينه وبين التوبة ؟ ! انطلق إلى أرض كذا » وكذا ؛ فإنّ بها أناسا يعبدون اللّه عر وجل فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك ؛ فإنها أرض سوء » فانطلق حتى إذا أتى نصف الطريق أتاه [ ملك ] الموت » فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ؛ فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله تعالى . وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا قطّ ! ! فأتاهم ملك في صورة آدميّ » فجعله حكما بينهم » فقال : قيسوا ما بين الأرضين ٠»‏ فإلى أيتهما كان أدنى فهو له » فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد » فقبضته ملائكة الرحمة ) «1». قال قتادة « 2 » » قال الحسن : ذكر لنا أنه لما أتاه ملك الموت نأي بصدره . وقال عيسى بن دينار « 3 » : « كان يقال : ما وفق الله عبدا لعمل إلا وهو يريد أن يقبله منه » ولا وفق الله عبدا لنزوع عن ذنب إلا وهو يريد أن يغفره له » . وقد ذكر القاضي يونس بن عبد الله المعروف ب « ابن الصفار » « 4 » رحمه اللَّه في كتاب (1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 8 / 853 ) » والمنذري في ( الترغيب والترهيب 4 / 101 ) . (2 ) انظر ترجمته في الأعلام 5 / 189 . ( 3 ) عيسى بن دينار بن واقد الغافقي ( توفي سنة 212 ٠ه‏ - 827 م ) أبو عبد الله فقيه الأندذلس في عصره ء وأحد علمائها المشهورين . أصله من طليطلة » سكن قرطبة » وقام برحلة في طلب الحديث وعاد » فكانت الفتيا تدور عليه بالأندلس لا يتقدمه أحد » وكان ورعا عابدا . توفي بطليطلة . ( الأعلام 5 / 102 » وبغية الملتمس 389 ) . ( 4 ) يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث ( 338 ٠‏ 429 ه - 950 - 1038 م ) أبو الوليد المعروف بابن الصفار » قاضي أندلسي من أهل قرطبة » من متصوفة العلماء بالحديث » كان قاضيا ببطليوس - ا 53/5 306 » 249 « » التيسير لصالح العمل » : أنه أخبره ثقة من أهل العلم قال : كان رجل من أهل الأدب له أصحاب تجمعه بهم مجالس مكروهة » فدعوه ذات يوم فلم يجبهم » فقالوا له : ما يمنعك من إجابتنا ؟ فقال : دخلت البارحة في الأربعين » وأنا أستحي من سني ! ! ثم لزم الخير والعبادة . قال : وروى عن عمر بن عبد العزيز » رضي اللّه عنه » أنه قال : « وجبت حجّة الله على ابن الأربعين » . وذكر فيه أيضا عن مغيث بن سميّ « 1 » قال : كان رجل من بني إسرائيل يعمل بالخطايا ؛ فبينما هو يسير ذات يوم ذكر ما سلف من عمله فقال : اللهم غفرائك , فمات على ذلك الحال » 50 وذكر فيه أيضا عن رجل من العلماء أنه رأى فى منامه شيخا وجماعة من الشعراء قد أحدقوا به يسألونه » قال : فقلت له : أيها الشيخ أخبرني بأحكم بيت قالته العرب . صبام 50 6م33 قال : فو الله لقد نفعني الله عزّ وجل بهذا البيت ما ذكرته بعد ذلك عند شهوة أو خطيئة إلا ارتدعت عنها » وأرجو أن لا يفارقني الانتفاع به ما بقيت إن شاء الله تعالى . وفي الكتاب المذكور حكايات مستحسنات في هذا المعنى » فطالع ذلك فيه واللّه المستعان لا رب غيره . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ربما وردت الظلم عليك ليعرفك قدر ما أنعم به عليك ). الظلم : أضداد الأنوار » فما من نور إِلّا وفي مقابلته ظلمة . وكلّ ظلمة على قدر نورها » والشيء يعرف بضذه » كما قيل : وبضدّها تتبين الأشياء ررد عب ع لي كه راعليها ؛ فخطييا يجاب الز شراء “مع خطة التورى : وقلده الليفة بو ب 1 القضباء بقرطية مع الوزارة :ثم اقنضر على القضباء إلى أن مات صلقف كنبا منها رد الموعب » وفضائل المتهجدين » وغيرهما . ( الأعلام 8 / 262 » وبغية الملتمس 498 ) . (1 ) هو مغيث بن سميّ الأوزاعي » أبو أيوب الشامي » ثقة . روى عن عبد الله بن الزبير وعن عمر بن الخطاب وغيرهما » وروى عنه جبلة بن سحيم وعاصم بن بهدلة وغيرهما ( تهذيب الكمال 18 / 294 ) . 3/7 3/8 « 250 » ليعرّفك قدر ما منّ عليك من أنوار التجليّ والحضور في نهاية القربة والوصلة فجميع ذلك نعم 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من لم يعرف قدر النعم بوجدانها عرفها بوجود فقدانها ). أكثر الناس لا يعرفون قدر النعم إِلّا إذا فقدوها » وذلك لأجل غلبة الغفلة عليهم حين وجودها عندهم . قال سريّ السقطيّ » رضي الله عنه : « من لم يعرف قدر النعم سلبها من حيث لا يعلم » . وقال الفضيل » رضي الله عنه : « عليكم بمداومة الشكر على النعم ؛ فقلَ نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم » . وال حر 835131 ل الي الل قم له كيه وقال آخر : « شكر النعمة عصمة من حول النقمة » . وفي معنى هذا قيل : « إنما يعرف قدر الماء من بلي بالعطش في البادية » لا من كان على شاطىء الأنهار الجارية » . وقيل أيضا : « الولد العاقّ المصرّ على تأبّيه إنما يعرف قدر الآباء يوم وفاة أبيه » . وقيل : « نعم اللَّه مجهولة » وتعرف إذا فقدت » . ومن دعاء بعض الصالحين : « اللهم عرّفنا نعمتك بدوامها » ولا تعرّفها لنا بزوالها » . قلت : ولأجل غلبة الجهل بالنعم إِلّا عند الفقد وتضييع الشكر عليها من العبد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى من هو أسفل منًا » لئلا نذدري نعمة الله علينا » والسعيد من وعظ بغيره » قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه أبو هريرة » رضي الله عنه : « ١‏ انظروا إلى من هو أسفل منكم » ولا تنظروا إلى من هو فوقكم » فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم » « 1 » . وروى أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه » « 2 » . قال الشيخ أبو حامد رضي الله عنه : « . . كان بعض الصوفية وظف على نفسه كلّ يوم أن أرباب الجنايات » ومحنهم » في التعرض لإقامة العقوبات » ويحضر المقابر فيشاهد أصحاب العزاء وتأسّفهم على ما لا ينفع مع اشتغال الموتى بما هم فيه . 29 300 » 251 « وكان يعود إلى بيته » ويشتغل بالشكر طول النهار على نعم الله عليه في تخليصه من تلك البلايا » اها وكان الربيع بن خيثم » رضي الله عنه » حفر في داره قبرا » وكان يضع في عنقه غلا » وينام في لحده « 1 » » ثم يقول :رَبٌ ارْجِعُونٍ لعَلي أغمَّلٌ صالحا فيما ترّكت[ المؤمنون : 99 ] ثم يقوم ويقول : يا ربيع » قد أعطيت ما سألت . ْ ١‏ الحديثين المذكورين » ولا طريق للعبد الغافل إلى تعرّف النعم الموجودة لديه أبلغ منه ؛ فإذا عرف نعم الله تعالى عليه اشتغل بالشكر عليها من قبل أن تزال عنه » فلا يكون له سبيل إليها . وقد تقدّم من كلام المؤلف رحمه الله : [ من لم يشكر النعم فقد تعرّض لزوالها » ومن شكرها فقد قيّدها بعقالها ] . 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا تدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكرك ؛ فإنّ ذلك مما يحط من وجود قدرك ) . إذا ترادفت نعم الله تعالى عليك فلا ينبغي أن تدهشك عن القيام بشكرها من حيث ترى عجز نفسك عن توفية ذلك » وأن لا قبل لك به فتتركه » فإن الله تعالى رفع قدرك وأعلى أمرك وجعل القليل منك كثيرا » وأشهدك من حسن توليه لك » ونسبة أفعالك إليه ما يؤذن بعظم سيادتك ورفعة قدرك » فلم تبخس نفسك حقها عن قدرها فتراها عاجزة عن الشكر والقيام بمقتضى الأمر ء لا على وجه الأدب والإتيان من الشكر بما وجب كأن الأمر في ذلك إليها . ا ا ل و ا اق :0ن ١‏ اننظ الى ألهم الله بها الحمد أفضل من الأولى ؛ لأن بالشكر يستوجب المزيد » » وفي أخبار داود عليه السلام : « إلهي » ابن آدم » ليس فيه شعرة إلا وتحتها نعمة وفوقها نعمة فمن أين يكافئك ؟ ! » فأوحى الله تعالى إليه : يا داود ني أعطي الكثير وأرضى باليسير » وإنّ شكر ذلك أن تعلم أنّ ما بك من نعمة فمني » . وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه » إليه : إنِي بأرض قد كثرت فيها النعم حتى أشفقت عليّ من قبل ضعف الشكر » »2 فكتب إليه عمر : إني كنت أراك أنك أعلم باللّه مما أنت إنّ الله تعالى لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها إِلّا كان حمده أفضل من نعمته لو كنت لا تعرف ذلك إِلّا في كتاب اللّه المنزل » قال الله :وَلَقَدْ آتينا (1 ) اللحد : شق يكون في جدار القبر» يوضع فيه الميت . 5301 302 « 252 » داوؤد وَسُلَيْمانَ عِلماً وقالا الحَمْدُ بل الَذِي فَضَلّنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادهِ الْمُوْمِنِيَ [ النمل: 15] ؛ وقال تعالى : وَسِيق الَّذِينَ الَقَوا رَبَهُمْ هُمْ إِلَى الْجَنَةِ زْمَراً حَنّى إذا جاوٌها وَفْتِحَتْ أَبْوابّها وَقالَ لَهُمْ خَرَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خَالِدِينَ » وَقالُوا الْحَمْدُ بِلَهِ الذي صَدَقَنا وَعْدَهُ . [ الزمر: 73 ] الآيات » وأيّ نعمة أعظم من دخول الجنة ؟ 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( تمكّن حلاوة الهوى من القلب هو الداء العضال ) " 1 " . القلب محل الإيمان والمعرفة واليقين » وهذه هي الأدوية لأمراضه التي أوجبها وجود الهوى والشهوة ؛ فإذا تمكّن الداء من القلب لم يبق للدواء محل » «فلذلك أعصصل أمره ؛ تعذر يرؤه.. 4 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لا يخرج الشهوة من القلب إلا خوف مزعج », او شوق مقلق ). الشهوة المتمكنة من القلب لا يخرجها إلا وارد قوي قاهر غلاب يرد عليه » وذلك : إِمّا خوف مزعج » أو شوق مقلق » وما عدا هذين الأمرين لا استقلال له بذلك . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( كما لا يحب العمل المشترك كذلك لا يحب القلب المشترك . العمل المشترك لا يقبله والقلب المشترك لا يقبل عليه .) العمل المشترك هو المشوب بالرياء والتصنّع » والقلب المشترك هو الذي فيه محبة غير الله تعالى والسكون إليه والاعتماد عليه ؛ فالعمل المشترك معتل بنظر صاحبه إلى الناس »؛ والقلب المشترك من بطر ماحد فى نه . دلجم المنسرك 3 به ول يشله :و يبا علد ١‏ لفق الإخلاص منه » والقلب المشترك لا يحبّه » ولا يقبل عليه ولا يرضى عنه ؛ لعدم وجود الصدق فيه » فمن صحّح أعماله بالإخلاص وأحواله بالصدق كان محبوبا لله تعالى » مثابا » مرضيا عنه ؟ وإلا فلا . وقال رضي الله عنه : 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( أنوار أذن لها في الوصول ٠‏ وأنوار أذن لها في الدخول .) الأنوار الواردة على القلوب من خزائن الغيوب 3 تنقسم إلى قسمين : أنوار أذن لها في الوصول إلى ظاهر القلب فقط 5 وأنوار أذن لها في الدخول إلى صميم القلب وسويدائه . فالأنوار الواصلة إلى ظاهر القلب يشاهد العبد معها نفسه وربّه » ودنياه وآخرته » فيكون تارة مع نفسه وتارة مع ربّه » وطورا يسعى في العمل لاخرته » وطورا يعمل في أمور دنياه . 304 « 253 » والأنوار الداخلة إلى صميم القلب وسويدائه لا يظهر فيها إِلّا وجود الله عز وجل ؛ فلذلك لا يحب سواه ولا يعبد إِلّا إِيّاه . قال بعض العارفين : « إذا كان الإيمان في ظاهر القلب كان العبد محبًا للآخرة والدنيا » وكان مزة مغ الله تعالى ومرّة مع نفسه :.فإذا دخل الإيمان ياطن القلب أبغض العيد دنياء هجر هوا 0 متوسطا ء فإذا دخل الإيمان في باطن القلب » وكان في سويدائه » أحبه الحب البالغ » . قال الشيخ أبو طالب المكي : « ومحبة العبد ذلك : أن ينظر » فإن كان يؤثر الله تعالى على جميع هواه ويغلّب محبته على هواه حتى تصير محبّة الله هي محبّة العبد من كل شيء فهو محب لله تعالى حقا » كما أنه مؤمن به حقا » وإن رأيت قبلك دون ذلك فلك من المحبة بقدر ذلك » . وقال بعض العلماء : « ظاهر القلب محل الإسلام وباطنه مكان الإيمان » فمن هاهنا يتفاوت المحبّون في المحبة ؛ لفضل الإيمان على الإسلام وفضل الباطن على الظاهر . [ فرغ قلبك من الأغيار يملؤها بالمعارف والأسرار » ] 7 - 178 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ربّما وردت عليك الأنوار فوجدت القلب محشوا بصور الآثار فارتحلت من حيث نزلت ). ( فرّغ قلبك من الأغيار يملؤه بالمعارف والأسرار ) . الأنوار الإلهية قد ترد على القلب فلا تجد فيه موضعا لاستقرارها ؛ لما غلب عليه من رعونات البشرية واستحكم فيه من صور الآثار الكونية » فترتحل من حيث تنزل لأنها مقدّسة مطهّرة ؛ فإذا أردت حلول الأنوار ة فيه وتجلى المعارف والأسرار له ففرّغه من الأغيار » وامح عنه صور الآثار » قال الله تعالى رانترن حاضو و انر بطسا رن لله شه المحسين | السك : 69 0 مرآته ) . 9 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( فلا تستبطىء منه النوال » ولكن استبطىء من نفسك وجود الإقبال) . تقدّم التنبيه على هذا المعنى عند قوله : [ لا تطالب ربّك بتأخير مطلب ؛ ولكن طالب نفسك بتأخير أدبك ] » والعبارتان متفقتان معنى وإن اختلفتا لفظا . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( حقوق في الأوقات يمكن قضاؤها . وحقوق الأوقات لا يمكن قضاؤوها 5305 5306 « 254 » وقت يرد إلا ولله عليك فيه حق جديد وأمر أكيد » فكيف تقضى فيه حق غيره وأنت لم تقض حق الله فيه ). الحقوق الكائنة في الأوقات هي وظائف العبادات الظاهرة » من : صلاة » وصيام » وغيرهما ؛ فمن فاته شيء منها في وقته المعين أمكنه قضاؤه في وقت آخر ؛ إذ قد جعل في ذلك مجال رحب فيستدرك فيه ما يفوته من تلك الحقوق . الو 2 ا ل ل ا 0 1 ا المتلونة عليه » ووقت كل عبد ما هو عليه من ذلك . فالعبد مطالب بحقوق جميع ذلك عند وروده عليه ؛ إذ لله تعالى على كل عبد عند كلّ حال يحلّ به أو وراد يرد عليه حق جديد وأمر أكيد » ولا يسعه إلا أن يوفيه إذ ذاك ٠‏ فإن فاته لم يجد مجالا لقضائه » ولا يمكنه ذلك . فعلى العبد أن يكون مراقبا لقلبه حتى يقوم بمراعاة تلك الحقوق التي لا يمكنه قضاؤها إن فاتت . قال سيدي أبو العباس المرسي . رضي الله عنه : « أوقات العبد أربعة لا خامس لها : النعمة » والبلية » والطاعة » والمعصية » وللّه تعالى عليك في كل وقت منها سهم من العبودية يقتضيه الحق منكم بحكم الربوبية » فمن كان وقته الطاعة فسبيله شهود المنة من الله عليه أن هداه لها ووفقه للقيام بها . ومن كان وقته النعمة فسبيله الشكر وهو فرح القلب بالله . ومن كان وقته البليّة فسبيله الرضا بالقضاء والصبر » والرضا رضا النفس عن الله » والصبر مشتق من الإصبار » وهو : نصب الغرض « 1 » للسهام . وكذلك الصابر ينصب نفسه غرضا لسهام القضاء » فإذا ثبت لها فهو صابر . والصبر ثبات القلب بين يدي الربٌ » وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أعطى فشكر وابتلى فصبر وظلم فغفر وظلم فاستغفر » ثم سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقالوا : ماذا له يا رسول الله ؟ فقال : « أولئك لهم الآمن وهم مهتدون » « 2 » أي لهم الآأمن في الآخرة وهم المهتدون في الدنيا . (1 ) الغرض : الهدف الذي ينصب فيرمى إليه . ( 2 ) أخرجه البخاري ( أذان » 32 ) » ( مساقاة » 9 ) » ( مظالم » 23 » 28 ) » ( أدب » 27 ) ومسلم ( إمارة » 164 ) » ( سلام » 153 ) » برّء 127 ) » وأبو داود ( جهاد , 44 ) . والترمذي ( برّء 38 ) ٠‏ والموطأ ( صفة النبي » 23 ) ٠‏ وأحمد بن حنبل ( 2 » 375 ٠»‏ 517 ) 307 53038 « 255 » 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( مافات من عمرك لا عوض له . وما حصل لك منه لا قيمة له ). عمر العبد ميدان لأعماله الصالحة المقرّبة له من الله تعالى والموجبة له جزيل الثواب في الدار الشكرة وهذه هي السعادة التي لها يكدح العبد ويسعى من أجلها » وليس له منها إِلّا ما سعى » كما قال تعالى : وَأنْ لَيِسَ للإنسانٍ إلا ما سَعى [ النجم : 39 ] فكلّ جزء يفوته من العمر خاليا من عمل صالح يفوته من السعادة بقدره » ولا عوض له منه . قال الجنيد » رضي الله عنه : « الوقت إذا فات لا يستدرك وليس شيء أعرّ من الوقت » وكلٌ جزء يحصل له من العمر غير خال من ذلك يتوصل به إلى ملك كبير لا يفنى » ولا قيمة لما يوصل إلى ذلك ؛ لأنه في غاية الشرف والنفاسة ولأجل هذا عظمت مراعاة السلف الصالح رضي الله عنهم لأنفاسهم ولحظاتهم » وبادروا إلى اغتنام ساعاتهم وأوقاتهم ولم يضيعوا أعمارهم في البطالة والتقصير » ولم يقنعوا من أنفسهم لمولاهم إلا بالجد والتشمير . وقد قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : « بقية عمر المرء مالها ثمن يدرك فيها ما فات ويحيى ما أمات » . وقد نظم بعض الشعراء في المعنى » رحمه الله وأرضاه » فقال : بقية العمر عندي مالها ثمن *** وإِنْ غدا غير محسوب من الزمن يستدرك المرء فيها كل فائته *** من الزمن ويمحو السوء بالحسن وقال رجل لعامر بن عبد اللّه بن قيس « 1 » رضي الله عنه » وهو يريد « الجمعة » : « قف حتى أكلمك » فقال له : لولا أني أبادر لوقفت لك . قال له : وما تبادر ؟ قال : أبادر خروج روحي » . 1 وقال الحسن البصري رضي الله عنه : « أدركت أقواما كانوا على ساعاتهم أشفق منكم على دنانيركم ودراهمكم » . ساعة من أعمارهم إلا فيما يعود عليهم نفعه . وقال السرى السقطي رضي الله عنه : « خرجت من « بغداد » أريد (1 ) عامر بن عبد الله » المعروف بابن عبد قيس العنبري ( توفي نحو 55 ه - نحو 675 م ) تابعي من بني العنبر » وهو اول من عرف بالنسك من عباد التابعين بالبصرة » هاجر إليها وتلقن القران من أبي موسى الاأشعري . ( الأعلام 3 / 252 » وحلية الأولياء 2 / 8/7 ) . 5309 » 256 « الرباط « 1 » » إلى « عبادان » لأصوم بها رجب وشعبان . فاتفق لي في طريقي « عليّ الجرجاني » وكان من الزقاد الكبار . فدنا وقت إفطاري » وكان معي ملح مدقوق وأقراص . فقال : ملحك مدقوق ومعك ألوان من الطعام لن تفلح ولن تدخل في سنن المحبين ! ! فنظرت إلى مزود « 2 » كان معه فيه سويق « 3 » الشعير » فسفٌ منه » فقلت : ما دعاك إلى هذا ؟ قال : إني حسبت ما بين المضغ والسف سبعين تسبيحة فما مضغت الخبز منذ أربعين سنة . وفي الخبر : « ما من ساعة تأتي على العبد لا يذكر الله تعالى فيها إِلّا كانت عليه حسرة » « 4 » . ويقال : إن العبد تعرض عليه ساعاته في اليوم والليلة فيراها خزائن مصفوفة أربعا وعشرين خزانة » فيرى في كل خزانة نعيما ولذة وعطاء وجزاء ؛ لما كان أودع خزائنه مم ساعاته في الدنيا من الحسنات فيسّره ذلك ويغتبط به » فإذا مرّت به في الدنيا ساعاته التي لم يذكر اللَّه فيها رآها في الآخرة خزائن فارغة لا عطاء فيها جزاء عليها » فيسؤوه ذلك ويتحسّر عليه كيف فاته » حيث لم يدّخر فيها شيئا فيرى جزاءه مدخورا » ثم يلقى في نفسه الرضا والسكون » . وجاء فى الخير << 5 » : « إن أهل الجنة بينما هم في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوق أضاءت منه منازلهم كما يضئ الشمس والقمر لأهل الدنيا فينظرون إلى رجال من فوقهم أهل علَيين يرونهم كما يرون الكوكب الدرىّ « 6 » في أفق السماء وقد فضلوا عليهم في الأنوار والجمال والنعيم المقيم كما فضّل القمر على سائر النجوم فينظرون إليهم يطيرون على نجب تسرح بهم في الهواء يزورون ذا الجلال والإكرام » فينادونهم هؤلاء : يا إخواننا ما أنصفتمونا !! كنا نصلّي كما تصلّون » ونصوم كما تصومون ء فما هذا الذي فضلتم به علينا ؟ فإذا النداء من قبل الله تعالى : إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون » ويعطشون حين تروون » ويعرون حين تكتسون » ويذكرون حين تسكتون » ويبكون حين تضحكون » ويقومون حين تنامون » ويخافون حين تأمنون ؛ فلذلك فضّلوا عليكم اليوم . فذلك قوله تعالى :قلا نَعْلَمُ نَفنُ ما َخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَةٍ أَعْيّنِ جَرَاءَ بما كانوا يَعْمَلُونَ[ السجدة : 17]. (1) الرباط : عاصمة المغرب . (2 ) المزود : وعاء الزاد ( ج ) مزاود . (3 ) السويق : طعام يتخذ من دقيق الحنطة أو الشعير ( ج ) أسوقة . ( 4 ) أخرجه الهيثمي في ( مجمع الزوائد 10 / 8 ) » والسيوطي في ( الدر المنثور 1 / 150 ) » والمنذدري في ( الترغيب والترهيب 2 / 401 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 1819 ) » وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 5 / 362 ) . ( 5 ) أخرجه ابن الجوزي في ( الموضوعات 3 / 261 ) ٠‏ والعقيلي في ( الضعفاء 2 / 274 ). ( 6 ) الكوكب الدريّ : المضيء المتلألىء ( ج ) دراري . 300 23031 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ما أحببت شيئا إلا كنت له عبدا » وهو لا يحب أن تكون لغيره عبدا ). المحبة للشيء تقتضي الانقياد له وشدّة العلاقة به » وأن لا يبغى به بدلا كما قيل : « حبّك للشيء يعمى ويصمّ » . 1 وذلك معنى استعباده للمحبّ له » فمن أحبّ غير الله عزّ وجل فقد استعبده ذلك الغير كائنا ما كان ؛ واللّه لا يحب أن تكون لغيره عبدا » ولا يرضى بذلك ( تعس عبد الدينار » تعس عبد الدرهم والخميصة . والقطيفة « 1 » والزوجة « 2 » ) . وقال محمد بن السماك : « كتب إليّ أخ : إن استطعت أن لا تكون لغير الله عبدا ما وجدت من العبودية بدا فافعل » . وقال الجنيد » رضي الله تعالى عنه : « إنك لن تكون على الحقيقة له عبدا وشيء مما دونه لك مسترقٌ ٠‏ وإنك لن تصل إلى صريح الحرية » وعليك من حقوق عبوديتك بقية » . وسئل عمن لم يبق عليه من الدنيا إلا مقدار مص نواة فقال : « المكاتب عبد ما تبقى عليه درهم 0-6 ومن الحكايات في هذا المعنى ما ذكر عن أبي عبد الله الرازي » رضي الله عنه » نزيل « نيسابور » « 3 » » قال : « كساني ابن الأنباري صوفا » ورأيت على رأس الشبلي (1 ) القطيفة : كساء له خمل أو دثار مخمل أو نسيج من الحرير أو القطن صفيق أو بر تتخذ منه ثياب وفرش . (2 ) أخرجه ابن ماجة في ( السنن 4135 ٠»‏ 4136 ) » والبيهقي في ( السنن الكبرى 9 / 9 » 10 / 245 ) » والهيثمي في ( مجمع الزوائد 10 / 248 ٠‏ 264 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 356 » 8 / 152 ٠‏ 10 / 75 ) » والمنذري في ( الترغيب والترهيب 2 247 وابن كثير في ( التفسير 2 / 176 ٠‏ 7 / 293 ) » والقرطبي في ( التفسير 16 / 3» 141/18 ) والسيوطي في ( الدر المنثور 2 / 115 ) » وابن حجر العسقلاني في ( تغليق التعليق 952 ) وابن حجر في ( فتح الباري 11 / 253 ٠»‏ 254 ) » والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 5161 ) والشجري في ( الأمالي 2 / 154 ) » والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 2 / 46 ٠‏ 3 / 230 » 4 / 376 ) » والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 8 / 58). ( 3 ) نيسابور : مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة » من الري إلى نيسابور مائة وستون فرسخا » ومنها إلى - 2302 203 » 258 « قلنسوة « 1 » ظريفة تليق بذلك الصوف »2 فتمنيت في نفسي أن يكونا < جميعا لي ؛ فلما قام الشبلي من مجلسه التفت إليّ » فتبعته » وكان من عاداته إذا أراد أن أتبعه أن يلتفت إلى . فلما دخل داره دخلت , فقال : انزع الصوف ., فنزعته » فلقه » وطرح عليه القلنسوة » ودعا بنار فأحرقهما » . ومثل هذا » مما كان ينكره عليه من لم يعرف مقصوده في ذلك » شيء كثير ورد عنه . 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لا تنفعه طاعتك ولا تضرّه معصيتك . وإنما أمرك بهذه ونهاك عن هذه لما يعود عليك ). الحق تعالى غنيّ عن أعمال العاملين ؛ لأنه منزّه عن الأعواض والأغراض ٠‏ فلا تنفعه طاعتك ولا تضرّه معصيتك . وإنما أمرك ونهاك لما يعود عليك من المصالح والمنافع في الدارين لا غير . وذلك على سبيل التفضّل منه من غير إيجاب عليه » وقد تقدّم التنبيه على هذا المعنى عند قوله : [ عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل ] . قال في « لطائف المنن » : « اعلم رحمك الله أن الله لم يأمر العباد بشيء وجوبا » أو يقتضيه منهم ندبا إِلّا والمصلحة لهم في فعل ذلك الأمر » ولم يقتض منهم ترك شيء تحريما أو كراهة إِلّا والمصلحة لهم في ترك ما أمرهم بتركه وجوبا أو ندبا » ولسنا نقول كما قال من عدل به عن طريق الهدى « إنه يجب على الله رعاية مصالح عباده » ٠‏ بل إنما نقول : ذلك عادة الحق وشرعته المستمرٌ فعلها على عباده على سبيل التفضّل . فليت شعري إذا قالوا يجب على الله رعاية مصالح عباده » فمن هو الموجب عليه ؟ ثم إذا نظرنا فرأينا كلّ ما هو واجب أو مندوب إليه يستلزم الجمع على الله » وكلّ منهى عنه أو مكروه يتضمن التفرقة عنه » فإذا مطلوب الله من عباده وجود الجمع عليه » لكن الطاعات هي أسباب الجمع ووسائله ؛ فلذلك أمر بها » والمعصية هي أسباب التفرقة ووسائلها فلذلك نهى عنها » .اها. 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي اله عنه : ( لا يزيد في عزه إقبال من أقبل عليه ولا ينقص من عزه إدبار من أدبر عنه ). عزّة الله تعالى صفة من صفات ذاته » وصفاته في غاية الكمال والتمام » فهي منزّهة عن الزيادة والنقصان وسببية العلل . - سرخس أربعون فرسخا » ومن سرخس إلى مرو الشاهجان ثلاثون فرسخا . ( معجم البلدان 5 331 ). 2304 2305 « 259 » 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به وإلا فجل ربنا أن يتصل به شيء أو يتصل هو بشيء ). الوصول إلى الله تعالى الذي يشير إليه أهل هذه الطريقة هو الوصول إلى العلم الحقيقي بالله تعالى . وهذا هو غاية السالكين » ومنتهى سير السائرين . وأما الوصول المفهوم بين الذوات متعال عنه . ونظير » هيهات ! ! هذا ظن عجيب إلا بما لطف اللطيف من حيث لا درك ولا وهم » ولا إحاطة إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان » . قال الشيخ أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي » صاحب كتاب « عوارف المعارف » رحمه الله تعالى : « واعلم أن الاتصال والمواصلة أشار إليهما الشيوخ وكلّ من وصل إلى. صفو اليقين بطريق الذوق والوجدان » فهو رتبة في الوصول , ثم يتفاوتون ؛ فمنهم من يجد الله بطريق الأفعال » وهو رتبة في « التجلّي » فيفنى فعله وفعل غيره لوقوفه مع فعل الله تعالى : ويخرج في هذه الحالة عن التدبير والاختيار » وهذه رتبة في « الوصول » . ومنهم من يقف في مقام الهيبة والأنس بما يكاشفه قلبه من مطالعة الجمال والجلال » وهذا تجلّ بطريق الصفات وهو رتبة في « الوصول » ومنهم من يرتقي إلى مقام « الفناء » مشتملا باطنه أنوار اليقين والمشاهدة معمّى في شهوده عن وجوده » وهذا ضرب من تجلى الذات لخواصٌ المقرّبين . وهذه رتبة في « الوصول » . وفوق هذا رتبة « حق اليقين » ويكون من ذلك في الدنيا « لمح » وهو سريان نور المشاهدة في كلية العبد حتى تحظى بها روحه وقلبه وهذا من « أعلى مراتب الوصول » . فإذا تحققت الحقائق بعلم العبد مع هذه الأحوال الشريفة أنه في أوّل المنزل فأين الوصول ؟ هيهات ! ! منازل طريق الوصول لا تنقطع أبد الآباد في عمر الآخرة الأبديّ » فكيف بالعمر القصير الدنيوي 1 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( قربك منه أن تكون مشاهدا لقربه » وإلا فمن أين أنت ووجود قربه ). القرب الحقيقي قرب الله منك ٠‏ قال الله تعالي وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنْي فَإِنّي قَرِيبٌ [ البقرة :186 ] قآال تعلق : وَنَحْنُ أفرَبْ إِلَيْهِ مِنَكُمْ وَلكِنْ لا نُنِصِرُونَ [ الواقعة : 85 ] وقال عر من قائل : وَنَحْنُ أَْرَبْ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلٍ الْوَرِيدٍ [ق : 16 ] . 5306 307 « 260 » رحمه الله تعالى بعد هذا [ إلهي ما أقربك مني وما أبعدني عنك ] . 7 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الحقائق ترد في حال التجلي مجملة وبعد الوعي يكون البيان ٠»‏ فإذا قرأناه فاتبع قرآنه » ثم إن علينا بيانه ). « 1 » حقائق العلوم اللدنيّة يقذفها الحقّ تعالى في أسرار العارفين عند براءتهم من الدعوى » وتحررهم من رق الأشياء » وتعرّضهم باللجاء والافتقار لما يفتح عليهم المولى » يكرمهم الحق تعالى بها تحقيقا لوعده لهم من غير تعلم ولا دراسة . وعند ورودها عليهم » وتجليها لهم ؛ » تكون مجملة : لا تتبين لهم معانيها » ولا يدركون جهات م ا 11 بأيديهم من العلوم العقلية والنقلية من غير مخالفة » حتى أن بعضهم ربّما يجري على لسانه وبنانه كلام كثير من غير أن يلقي له بالا » فإذا فرغ من ذكره أو رسمه يتصفحه ويتأمله فيجده صحيحا مستقيما . وقد أخبرني بنحو ذلك من له قدم صدق في هذا الطريق عن نفسه » قال الإمام أبو القاسم القشيري رضي الله عنه : « وأصحاب الحقائق يجري بحكم التصرف عليهم شيء لا علم لهم به على التفصيل . وبعد ذلك يكشف لهم وجهه » فربما يجري على لسانهم شيء لا يدرون وجهه » ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهان ما قالوه من شواهد العلم ؛ إذ تحقيق ذلك بجريان الحال في ثاني الوقت » . انتهى كلام الإمام أبي القاسم » وهو موافق لما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى » واللّه أعلم . وكأنهما أشارا بذلك إلى المسألة المتعارفة بينهم من موافقة الحقيقة للشريعة » وقد عيّروا عن ذلك بعبارات ؛ فقد سئل عبد الله بن طاهر الأبهري « 2 » رضي الله عنه » عن الحقيقة » فقال : الحقيقة كلها علم . ْ فسئل عن العلم فقال : العلم كله حقيقة . وقال الشبلي » رضي الله عنه : « الألسنة ثلاثة : لسان علم » ولسان حقيقة » ولسان حق . فلسان العلم : ما تأدّى إلينا بالوسائط . ولشان الحنيفة :ا أوطلة انه إل اسار 30 ولمظلة ‏ ولسان الحق » ليس إليه طريق » . (1 ) الحقيقة : الشيء الثابت يقينا . وحقيقة الشيء خالصه وكنهه . ( 2 ) عبد الله بن طاهر الأبهري أبو بكر ( توفي حوالي 330 ٠‏ / 942 م ) من أقران دلف الشبلي » ومن مشايخ الجبل » عالم ورع » صحب يوسف بن الحسين وغيره . ( الرسالة القشيرية ص 390 ) . 53038 « 2/70 » وقال « رويم » رضي الله عنه : « أصح الحقائق ما قارن العلم » . وقال أبو بكر الوراق رضي الله عنه : « كنت في تيه « 1 » بني إسرائيل » فوقع في قلبي أن علم الحقيقة بخلاف علم الشريعة » فإذا شخص تحت شجرة أم غيلان صاح بي وقال : يا أبا بكر » كل حقيقة تخالف الشريعة فهي كفر » . وإشارة المؤلف رحمه الَّه » بالآية التي ذكرها إلى هذا المعنى بيّنة . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي اله عنه : ( متى وردت الواردات الإلهية عليك هدمت العوائد عليك - وإن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها عظيمة على ذلك ؛ فإذا وردت على قلب مشجون بأنواع الخبائث والرذائل أزالت عنه ذلك بمرّة » وأنشد سيدي أبو العباس » رضي الله تعالى عنه » في هذا المعنى : لو عاينت عيناك حتى تزلزلت *** أرض النفوس ودكت الأجبال لرأيت شمس الحقّ يسطع نورها *** حين التزلزل والرجال رجال الأرض : أرض النفوس ٠‏ والجبال : جبال العقل » والشمس : شمس المعرفة والإشارة بالآية الكريمة إلى هذا المعنى بيّنة . 9 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الوارد يأتي من حضرة قهار ؛ لأجل ذلك لا يصادمه شيء إلا دمغه - بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) . الوارد موسوم بسمة القهر والغلبة لوروده من حضرة القهّار الغالب على أمره ؛ لأجل ذلك لا يصادمه شيء من رعونات البشرية إِلَّا دمغه وأزاله » وهو أيضا حق ورد على باطل » والباطل لا ثبات له مع الحق ٠‏ والإشارة بالآية الكريمة إلى هذا المعنى بيّنة . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( كيف يحتجب الحق بشيء والذي يحتجب به هو فيه ظاهر وموجود حاضر ). قد أشبع المؤلف رحمه الله تعالى الكلام على هذا المعنى في أول الكتاب + وأتى فيه بالعجب العجاب . وقد نبهنا عليه هناك . 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا تياس من قبول عمل لم تجد فيه وجود الحضور , فربما قبل من العمل ما لم تدرك ثمرته عاجلا ). 209 000 « 262 » العمل الذي لا يجد صاحبه حضورا فيه ينبغي له أن لا ييأس من قبوله فإن ذلك إلى الله تعالى ؛ فقد يقبل من العمل ما لم تدرك ثمرته عاجلا من وجدان حضور أو حلاوة أو غير ذلك » ولو لم يكن إِلّا قصد التقرب به وسقوطه عن نظره وقد تقذم الشبية على هذا المعني عند قله + 5815717 ايك القارك)”: 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي اله عنه : ( لا تزكين واردا لا تعلم ثمرته » فليس المراد من السحابة الإمطار . وإنما المراد منها وجود الإثمار ). الوارد مراد لثمرته » لا لوجدان حظ نفسك منه » كما أن السحابة مرادة لوجدان الإثمار الذي اقتضاه وجود إمطارها , لا لمجرد وجود إمطارها . وثمرة الوارد إنما هي تأثر القلب به » وتبّل صفاته المذمومة د بصفات محمودة كما تقدّم . راتكداك كيذه اشير افك عل يار ين 102 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لا تطلبن بقاء الواردات بعد أن بسطت أنوارها وأودعت أسرارها فتلك فلك في الله غنى عن كل شيء وليس يغنيك عنه شيء ) . أنوار الواردات المنبسطة على العبد هي : تكيّف ظاهره وباطنه بكيفيات العبودية وأسرارها المودعة فيه بما لاح له من عظمة الربوبية » فإذا أفادك الوارد هذه الفوائد فلا تطلبن بقاءه في حال كونه » ولا تأس على فقده إذا فقدته ؛ فإن لك في الله غنى عنه وعن غيره » وليس لك غنى عن انه تحالى فى ءامن الأشياء كم كان الشاعن :2 لكل شيء إذا فارقته عرض *** وليس لله إن فارقت من عوض قال أبو عبد الله بن عطاء الله » رضي الله عنه : « إياك أن تلاحظ مخلوقا وأنت تجد إلى ملاحظة الحق سبيلا » . ويدخل في هذا المعنى الذي ذكره ابن عطاء الله » رضي الله عنه جميع الأغيار » والأنوار ‏ الفقامات :و الأحرال »و الكنيا :: الاكرة + و التق الداطنة والظاهر ة , فلا تلاحظ شيئا من ذلك ولا تركنن إليه » ولا تعتمد عليه » بقي أو ذهب ؛ فإن ذلك قادح في إخلاص التوحيد . قال في « التنوير » : « واعلم أن الباري - سبحانه - إنما يدخلك في الحال لتأخذ منها » لا لتأخذ منك » وإنما جاءت تحمل هدية التعريف من الله إليك فيها » فتوجّه إليها باسمه « المبدىء » 0101 002 « 263 » فرسالته » ولا أمين » بعد أن بلغ أمانته » وإنما يفتضح المدّعون بزوال الأحوال وبعزلهم عن مراتب الأنزال » هناك يبدو العوار » وتنتهك الأستار » فكم من مدّعي الغنى بالله وإنما غناه بطاعته أو بنوره » أو فتحه » وكم من مدّعي العزّ بالله وإنما اعتزازه بمنزلته وصولته على الخلق » معتمدا على ما ثبت عندهم من معرفته . فكن عبدا لله » لا عبد العلل » وكما كان الله لك ربا ولا علة » فكن عبدا له ولا علة » لتكون له كما كان لك » اه . ا 2 : « عبد هو في الحال بالحال وعبد هو في الحال بالمحوؤل » فالذي هو في الحال بالحال عبد الحال » والذي هو في الحال بالمحول عبد المحوّل » وأمارة من هو في الحال بالحال أن يأسى عليها إذا فقدها » ويفرح بها إذا وجدها والذي هو في الحال بالمحوّل » لا يفرح بها إذا وجدت » ولا يحزن عليها إذا فقدت , وفي الإشارات عن الله سبحانه « لا تركن إلى شيء دوننا فإنه وبال عليك » وقاتل لك » فإن ركنت إلى العلم تتبعناه عليك وإن أويت إلى العمل رددناه عليك » وإن وقفت بالحال وقفناك معه » إن أنست بالوجد استدرجناك فيه » وإن لحظت إلى الخلق وكلناك إليهم » وإن اغتررت بالمعرفة نكرناها عليك » فأيّ حيلة لك ؟! وأيّ قوة معك فارضنا لك ربا » حتى نرضاك لنا عبدا » . 4 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( تطلعك إلى بقاء غيره دليل على عدم وجدانك له واستيحاشك لفقدان ما سواه دليل على عدم وصلتك به ). وجدان العبد لربّه ووصوله إليه هو غاية مطالبه ومنتهى آماله ومآربه » وبه يفوز بالنعيم ؛ ويحظى بالملك العظيم » وعند ذلك ينسى كل محبوب » ويلهى به عن كل مفروح به ومرغوب . وهذه هى صفة أهل « التفريد » الذين استتروا فى ذكر الله المجيد » كما روى عن أبي عبد الله البسري » رضي الله عنه قال : سألت رجلا ب « اللكام » ما الذي أخلسك :فى هذا الموطه :5 فال لى:: وها سو الك عن تشتقء رلته لم ندر عه و اررق لكندةل 35 عليه ؟ ! قلت : تخبرني ما هو . قال : علمي بأن مجالسة الله تستغرق نعيم الجنان » ثم قال : أواه ! ! قد كنت أظن أن نفسي ظفرت ء ومن الخلق هربت » فإذا أنا كذّاب في مقالتي » لو كنت محبًا لله صادقا ما اطّلع علي أحد ! ! فقلت : أما علمت أن المحبين خلفاء الله في أرضه » مستأنسين بخلقه يبعثونهم على طاعته ! ! فصاح صيحة وقال لي : يا مخدوع » + لو شممت رائحة الحب وغاين قليك.ها وراء ذلك هن القرت ما احتحت أن ترى فوق ما رأيت ٠‏ ثم قال : يا سماء » ويا أرض ٠‏ اشهدا أني ما خطر على قلبي ذكر الجنة والنار قط » إن كنت صادقا فأمتني » فو الله ما سمعت له كلاما بعدها » وخفت أن يسبق إليّ الظنّ من الناس من قتله فتركته ومضيت فبينما أنا على ذلك » وإذا أنا بجماعة » فقالوا : ما فعل الفتى ؟ تخبتا عن دم 003 1404 « 264 » عليه » فقلت لهم من هذا الرجل ؟ ومن أنتم ؟ قالوا : ويحك ! ! هذا رجل به كان يمطر المطر » قلبه على قلب إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام » أما رأيته يخبر عن نفسه أنّ ذكر الجنة والنار ما خطر على قلبه فهل كان أحد كذا إلا إبراهيم الخليل » عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ؟ فقلت : من أنتم ؟ قالوا : نحن السبعة المخصوصون من الأبدال . قلت : علموني شيئا » قالوا : لا تحب أن تعرف . ولا تحب أن يعرف أنك ممن يحب أن لا يعرف وفاياك هذا الكان انهدرا - كانت لعلو امو ا دوي 1 لك فصار يحسدني من كنت أحسده *** وصرت مولى الورث مذ صرت مولائي تركت للناس دنياهم ودينهم *** شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي ١‏ وقد سئل أبو سليمان الداراني » رضي الله عنه » عن أقرب ما يتقرّب به العبد إلى اللّه تبارك وتعالى » فقال : « أقرب ما يتقرب به إليه أن يطلع الله على قلبه وهو لا يريد من الدنيا والآخرة غيره » . فين ا 77 ل م 5 بشيء من الأغيار المحبوبة فتطلع إلى بقائها » أو استوحش لفقدانها فذلك دليل على عدم تحققه بذلك فليعرف منزلته وحذه » وليعمل في تصحيح هذا المقام جهده » 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( النعيم » وإن تنوعت مظاهره . إنما هو لشهوده واقترابه والعذاب » وإن تنوعت مظاهره ١‏ إنما هو لوجود حجابه » فسبب العذاب وجود الحجاب , وإتمام النعيم بالنظر إلى وجهه الكريم ). مظاهر النعيم المتنوعة هي ما ورد من أنواع الثواب في الدار الآخرة من الحور » والقصور ء. ومظاهر العذاب المتنوعة » هي : ما ورد من أنواع العقاب فيها من : الجحيم والحميم » والزقوم وليس وجود النعيم والعذاب بسبب وجود هذه الأشياء ومباشرتها للمنعُم والمعذب » وإنما ذلك لما تضمنته وظهر فيها من وجود قرب الله تعالى وشهوده للمنعم أو 005 ل 000 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ما تجده القلوب من الهموم والأحزان فلأجل ما منعت من وجود العيان ). وجود الهموم والأحزان الدنيوية والأخروية من نتائج رؤية النفس واعتبارها وبقاء حظها » وهو الذي منع العبد من وجود العيان » فلو قد فنى عن رؤية نفسه وذهب عن مراعاة حظه » لظفر بوجود العيان » ولم يكن له همّ ولا حزن البتة » بل يكون متصل الحبور » دائم الفرح والسرور » كما قال تعالدلا تحزن إِنّ الله مَعَنا[ التوبة : 40 ] فالمعية المذكورة لا يجتمع معها حزن وهم » وهي ما قلناه من وجود العيان » والعيان » واللّه أعلم »؛ درجة فوق درجة اليقين كما قال الشاعر : كبر العيان علي حتى أنه *** صار اليقين من العيان توهما قال الشبلي » رضي الله عنه : « من عرف الله لا يكون له غم أبدا 07 وقيل : أوحى الله سبحانه » إلى داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : يا داود إن محبتي في خلقي أن يكونوا روحانيين وللروحانيين علم » هو أن لا يغتموا وأنا مصباح قلوبهم » يا داود ؛ لا يمزج اللهمٌّ قلبك فينقص ميراث حلاوة الروحانيين » وسيأتي في كلام المؤلف رحمه الله ( أوحى الله إلى داود عليه السلام : بي » فافرح » وبذكري فتنعم ) . فباستنارة القلب بنور المعرفة » واحتظاته بوجود العيان والرؤية يخرج منه اللهم » ويحلى محلّه الروحانية . على أنّ في وجود الهموم والأحزان لمن لم يبلغ هذا المقام » إذا لم يقدر على دفعها عن نفسه » فوائد جزيلة لا ينبغي أن تستحضر من قبل إنها موجبة لخمود النفس وصفاء القلب » وزوال الأشر والبطر » والفرح بالدنيا . ثم هي كفارات إن كانت في الأمور الدنيوية » ودرجات إن كانت في الأمور الأخروية . والهمّ متعلق بما يكون في المستقبل *** والحزن متعلق بما كان في الماضي 7 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من تمام النعمة عليك أن يرزقك ما يكفيك ويمنعك ما يطغيك ). وجدان الكفاية من الرزق وعدم الزيادة عليها والنقصان منها من نعم الله تعالى التامة الكاملة على العبد ؛ لما له في ذلك من حصول جميع المصالح الدينية والدنيوية » أما مصالح الدين في .عدم الزيادة على الكفاية فظاهر ؛ إذ لو وحدها ريما أوحب له ذلك طفيانا + 006 407 » 266 « فالا ا 223111 الكفاية 3 شيب الطفياة كنكل منمية الداع رحل . وقصة ثعلبة بن حاطب » حين طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرزقه مالا » وما آل إليه أمره أمر « مشهور » . وقال سعد بن أبي وقاص « 1 » » رضي الله عنه : « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي » « 2 » . وفي حديث أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ما طلعت شمس ولا غربت إلا بجنبها ملكان يناديان يسمعان الخلائق غير الثقلين : يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ؛ فإن ماقل وكفى خير مما كثر وألهى » « 3 » . وأمّا مصالح الدنيا عند وجود الكفاية وعدم النقصان منها فمن أجل توصله بذلك إلى الاستعانة بها على طاعة الله تعالى ولأجل ذلك عظمت النعمة بها على العبد قال الله تعالى وَابْنَْ فيما آتاكَ الله الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا نَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذّنيا [ القصص 77] أي : لا تنس نصيبك في الآخرة أن تتوصّل إليه بما آتاك الله من الدنيا . ل ا ال ا ل رك القلب والبدن وصيانة الوجه عن ذل المسألة عند وجود الحاجة والفاقة . فعلى العبد أن يشكر الله تعالى على هذه النعمة العظيمة » ويقنع بما أباح له من هذه المنّة الجسيمة . فيستعجل بذلك راحة نفسه » والاستغناء عن بني جنسه » ويحصل له بذلك حلاوة الزهد في الأمور العاجلة » وتجافي القلب عن زهراتها فإن طلب الزيادة من الدنيا ولم يقنع بما قسم له منها خيف عليه من اقتحام المهالك ؛ إذ يجره الحرص والطمع إلى ذلك . قال بعض العارفين : « كلّ من لا يعرف قدر ما روي عنه من الدنيا ابتلى بأحد (1 ) سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف القرشي الزهري ( 23 ق ه - 55 - 0 - 675 م ) أبو إسحاق الصحابي الأمير » فاتح العراق » ومدائن كسرى ؛ وأحد الستة الذين عينهم عمر للخلافة وأول من رمى بسهم في سبيل الله » وأحد العشرة المبشرين بالجنة » ويقال له : فارس الإسلام » أسلم وهو ابن 17 سنة » وشهد بدرا وافتح القادسية » ونزل أرض الكوفة فجعلها خططا لقبائل العرب وظل واليا عليها مدة عمر بن الخطاب فعاد إلى المدينة وفقد بصره » ومات في قصره بالعقيق . له ( 271 ) حديثا . ( الأعلام 3 / 87 » وحلية الأولياء 1 / 2 » وتهذيب الكمال 7 / 112 ) . (2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 1 » 172 ٠ 180 ٠»‏ 187 ) . (3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 » 197 ) . 008 009 » 267 « وجهين : إِمّا بحرص مع فقر يتقطع به حسرات » أو رغبة في غنى تنسيه شكر ما أنعم به عليه » وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ليس الغنى عن كثرة العرض .» وإنما الغنى غنى النفس « 1 » » . وغنى النفس عن الدنيا شرف الأولياء المختارين » وعزٌ أهل التقوى من المؤمنين المحسنين » ولقد صدق الشاعر في قوله : غنى النفس ما يكفيك من سد 1023:5155 فإن زنك قينا 12 اذك القت ققرا يحكى عن بنان الحمّال » رضي الله عنه » أنه قال : « كنت مطروحا طاويا على باب « بني شيبة » سبعة أيام لم أذق شيئا » فنوديت في سرّي إِنّ من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أعمى الله عيني قلبه » . وقال عبد الواحد بن زيد » رضي الله عنه : « ذكر لي أنّ في خراب « الأبّلة » « 3 » جارية مجنونة تنطق بالحكمة » فلم أزل أطلبها حتى وجدتها في خربة جالسة على حجر وعليها جبة صوف » وهي محلوقة الرأس » فلما نظرت إلىّ قالت من غير أن أكلمها : مرحبا بك يا عبد الواحد . فقلت لها : رحّب الله بك . ْ وعجبت من معرفتها بي » ولم ترني قبل ذلك فقالت : ما الذي جاء بك هاهنا ؟ قلت : جئت لتعظيني . 1 قالت : وا عجبا لواعظ يوعظ . ثم قالت : يا عبد الواحد » إعلم أنّ العبد إذا كان في كفاية » ثم مال الى الذيا ليه انه كانه و تعالى كلذو انرق فيطل حيران رانها ؛ فال كن له عد الله حيبي عاتبه وحيا في سره ٠‏ فقال : عبدي أردت أن أرفع قدرك عند ملائكتي وحملة عرشي ؛ وأجعلك دليلا لأوليائي وأهل طاعتي في أرضي » فملت إلى عرض من أعراض الدنيا وتركتني فورّئتك بذلك الوحشة بعد الأنس ٠‏ والذلَ بعد العرّ » والفقر بعد الغنى » عبدي ارجع إلى ما كنت عليه ارجع عليك ما كنت تعرفه من نفسك » . قال : ثم تركتني وولت عنّي ؛ فانصرفت وبقلبي حسرة منها .| . وفي بعض الكتب : « إِنْ أهون ما أصنع بالعالم إذا مال إلى الدنيا أن أسلبه حلاوة مناجاتي » . (1 ) أخرجه البخاري ( رقاق » 15 ) » ومسلم ( زكاة » 120 ) » والترمذي ( زهد . 40 ) وابن ماجة ( زهد , 9 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 » 243 ٠ 438 ٠ 390 ٠» 315 » 261 ٠‏ 443 ٠‏ 539 540 ) . (2 ) الخلة : الفقر والحاجة . 4110 411 « 268 » وذكر أبو إبراهيم إسحق بن إبراهيم النجيبي القرطبي المالكي » رحمه الله » في كتاب « النصائح » له عن ابن عبد ربّه الشامي ثم الدمشقي , أنه كان أكثر أهل دمشق مالا » فخرج مسافرا » فأمسى إلى جانب نهر ومرعى » فنزل به . قال : فسمعت صوتا يكثر حمد الله تعالى في ناحية « المرج » فاتبعته » فوافيت رجلا ملفوفا في فقال : رجل من المسلمين . فقلت : فما حالك هذه ؟ قال : حال نعمة يجب عليّ حمد الله عليها . فقلت : وكيف » وإنما أنت في حصير ؟ قال : ومالي لا أحمد الله تعالى وقد خلقني فأحسن خلقي » وجعل منشيء ومولدي في الإسلام : وألبسني العافية في أركاني وستر عليّ ما أكره ذكره ونشره » فمن أعظم نعمة ممن أمسى في 5 قال ولوأ قلت : لتصيب من الطعام ونعطيك ما يغنيك عن لبس الحصير ! ! قال : ما لي حاجة . فراودته « 1 » على أن يتبعني » فأبى » فانصرفت وقد تقاصرت في نفسي » ومقنّها إذلم أخلف بدمشق رجلا يكاثرني في غنى وأنا ألتمس الزيادة ! ! 0001 فقلت : اللهم إني أتوب إليك من سوء ما أنا فيه . فبت لا يعلم إخواني ما أجمعت عليه » فلما كان من السحر رحلوا كنحو ارحلتهم فيما مضى ء وقدّموا إليّ دابتي فصرفتها إلى دمشق » وقلت : ما انا بصادق في التوبة إن مضيت إلى متجري . لساك ممت رم بده عق لل ع مد وجدوا عنده إلا قدر ثمن الكفن . زاد غير أبي إبراهيم : وكان يقول - يعني ابن عبد ربّه المذكور - واللّه » لو أنّ نهركم - يعني نهر « دمشق » - سال ذهبا ما خرجت إليه » ولا أخذت شيئا منه » ولو قيل لي : من من هذا العمود عات لثمت إليه و عائققه شوقا إلى الله ورسوله . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ليقل ما تفرح به يقل ما تحزن عليه ) . درء المفاسد عن العقلاء أهمّ من جلب المصالح ؛ فمن زوى الله عنه فضول الدنيا فرضى بذلك وقنع منها باليسير ولم يتطلّع إلى زيادة من مال أو جاه فهو كامل العقل حسن النظر لنفسه » لأنه دفع عن نفسه وجود الحزن بتركه لما يفيد حصول مصلحة الفرح الذي يزول عن قرب » واعتاض من ذلك الرائحة الدائمة » كما قيل : ومن سرّه أن لا يرى ما يسوؤه *** فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا فإن صلاح المرء يرجع كله *** فسادا إذا الإنسان جاز به الحدّا 412 413 » 269 « وقيل لبعضهم : لم لا تغتمٌ ؟ فقال : لأني لا أقتني ما يغمني فقده ؛ فالمفروح به هو المحزون عليه إن قليلا فقليل » وإن كثيرا فكثير » كما قيل : على قدر ما أولعت بالشيء حزنه *** ويصعب نزع السهم مهما تمكّنا يحكى أنّ رجلا حمل إلى بعض الملوك قدحا من « فيروزج » « 1 » مرصعا بالجواهر ء لم ير له نظير » ففرح الملك به فرحا شديدا . فقال لبعض الحكماء عنده : كيف ترى هذا ؟ قال : أراه مصيبة وفقرا ! ! قال : وكيف ذلك ؟ قال : إن انكسر كان مصيبة لا جبر لها » وإن سرق صرت فقيرا إليه ولم تجد مثله » وكنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة والفقر . فاتّفق أن انكسر القدح يوما » فعظمت مصيبة الملك فيه » وقال : صدق الحكيم ٠‏ ليته لم يحمل إلينا ١|‏ وأمثال هذه المصيبة وأعظم منها نازلة بكل من له علاقة بشيء من أسباب الدنيا » فإنها إن لم تؤخذ مه بغصب أو سرقة أو جائحة « 2 » نازلة فلا بِدَ له أن يؤخذ هو عنها بالموت الهازم لللذات » المنخص للشهوات »؛.فإن كان له ألف محبوب مثلا نزل به عند الموت ألف:مصيبة فى وقت واحد ؛ لأنه كان يحبها كلها وقد سلبت منه في كرة واحدة » ولذلك كان الزهد في الدنيا من قضايا العقل. . قال سهل بن عبد الله » رضي الله تعالى عنه : « للعقل ألف اسم » ولكل اسم منها ألف اسم » وأوّل كل اسم منها ( ترك الدنيا ) » . قال الحسن » رضي الله تعالى عنه : « كيف يسمى عاقلا من يمسى ويصبح في الدنيا » ومباهاة أهلها في المطاعم والمشارب والملابس والمراكب أولئك هم الخاسرون » و 2 أولئك هم الغافلون » و « أولئك هم الجاهلون » . وانتدوا* أيها المرء إِنّ دنياك بحر *** طافح موجه فلا تأمننها وسبيل النجاة فيها بيّن *** وهو أخذ الكفاف والقوت منها وقال أبو عليّ الثقفي » رضي الله عنه : « أفّ من أشغال الدنيا إذا أقبلت » وأفّ من حسراتها إذا أدبرت » والعاقل من لا يركن إلى شيء إذا أقبل كان شغلا » وإذا أدبر كان حسرة وقد قيل معناه : ومن يحمد الدنيا لشيء يسرّه *** فسوف لعمري عن قليل يلومها (1 ) الفيروزج : حجر كريم غير شفاف » أزرق اللون بلون السماء أو أميل إلى الخضرة يتحلى به( مع). 2١‏ الحدقة 31 ااي 7ه ات الل م 414 « 2/70 » إذا أدبرت كانت على المرء حسرة *** وإن أقبلت كانت كثيرا همومها وقيل لأبي القاسم الجنيد » رضي الله عنه : « متى يكون الرجل موصوفا بالعقل ؟ فقال : إذا كان للأمور مميّزا » ولها متصفحا » وعمًا يوجبه عليه العقل باحثا » يلتمس بذلك طلب الذي هو أولى ليعمل به ويؤثره على ما سواه . فإذا كان كذلك فمن صفته ركوب الفضل في كلّ أحواله بعد إحكام العمل بما فرض الله عليه وليس من صفة العقلاء إغفال النظر عمّا هو أحقّ وأولى » ولا من صفتهم الرضا بالنقص والتقصير » فمن كانت هذه صنته رعذ إحكامه لما يجب عليه من عمذه ؛ وترك التشاغل بما يزول وترك العمل بما يفنى وينقضى وذلك صفة لكل ما احتوت عليه الدنيا كذلك لا يرضى أن يشغل نفسه بقليل زائل ويسير حائل يصده التشاغل به والعمل له عن أمور الآخرة التي يدوم نعيمها ونفعها » ويتأبدٌ سرورها » ويتصل بقاؤها . ولك أن الحن يدو فده :و يني على العامل له اح رما وري لق لج الأمور بعقله والأخذ منها بأوفرها . قناقن تك الزية بتكبقر القو قيكقرق الشتكة رليك التيق اهداق الله اراتك هد أولوا الألباب[ الزمر : 8 ]| 8 بذلك وصفهم الله تعالى . وذوو الألباب هم ذوو العقول » وإنما وقع الثناء عليهم بما وصفهم الله به للأخذ بأحسن الأمور عند استماعها . وأحسن الأمور هو أفضلها وأبقاها على أهلها نفعا في العاجل والآجل » وإلى ذلك ندب الله عزٌ وجل من عقل في كتابه » انتهى كلام الجنيد » رضي الله عنه » وهو في غاية الحسن ونهاية وفيه مناسبة لما كنا بصدده من التنبيه على كلام المؤلف رحمه الله تعالى فرأيت ذكره هاهنا لائقا » واللّه تعالى الموفقٌ للعمل بمنّه وكرمه .وإن أردت أن لا تعزل فلا تتول ولاية لا تدوم لك . هذه من أمثلة ما تقدّم ؛ لأن الولاية مآلها إلى الحزن ؛ بسبب وقوع العزل عنها . ومقتضى نظر العقل ترك الولاية المفروح بها لئلا يقع في العزل المحزون به . 1 1599 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( إن رغبتك البدايات زهدتك النهايات » إن دعاك إليها ظاهر نهاك عنها باطن ) . بدايات الأمور وظواهرها ترغْب الجاهل فيها ؛ وتدعوه إليها ؛ لأنها رائقة الحسن » مليحة الظاهر فيغترٌ الجاهل بذلك فتقوده إلى ما فيه ضرره وهلاكه . 415 416 » 2/1 « ظاهرها غرة وباطنها عبرة ) . قال وهب بن منبّه » رضي الله تعالى عنه : « صحب رجل بعض الرهبان سبعة أيام ليستفيد منه شيئا » فوجده مشغولا عنه بذكر الله تعالى » والفكر » لا يفترٌ » ثم التفت له في اليوم السابع فقال : يا هذا » قد علمت ما تريد : حبّ الدنيا رأس كل خطيئة » والزهد فيها رأس كل خير » والتوفيق نجاح كل برّء فاحذر رأس كلّ خطيئة » وارغب في رأس كل خير ؛ وتضوّع إلى ربك أن يهب لك نجاح كل بن . قال : وكيف أعرف ذلك ؟ قال : كان جدّي رجلا من الحكماء قد شبّه الدنيا بسبعة أشياء ؛ شبهها بالماء المالح يغرّ ولا يروى ويضرٌ ولا ينفع » وبظلَ الغمام يغرٌ ويخذل . ل بنضرته ثم يصفر فتراه هشيما « 2 » » وبأحلام النائم يرى السرور في منامه فإذا استيقظ لم يجد سا ل ل يي ار للد ةي سرك فتدبرت هذه الأحرف السبعة سبعين سنة ثم زدت فيها حرفا واحدا فشبهتها بالغول « 4 » التي تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها . فرأيت جدّي في المنام فقال لي : يا بنيّ أنت مني وأنا منك فقلت له : فبأيّ شيء يكون الزهد في الدنيا ؟ قال : باليقين » واليقين بالصبر » والصبر بالعبر » والعبر بالفكر . ثم وقف الراهب وقال : خذها ولا أراك خلفي إِلّا متجرّدا بفعل دون قول » فكان ذلك آخر العهد به وقال محمد بن علي الترمذي » رضي الله عنه لوك ال عابيو اس لبج تي العقلاء منهم » وطالبوها مهانون عند الحكماء الماضين » وما قام داع في أمة إلا وقد حذر من متابعة الدنيا وجمعها والحبٌ لها » ألا ترى مؤمن آل فرعون كيف قال :انبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشْادٍ [ غافر : 38 ] » وقال :إنّما هذهٍ الحياة الدنيا مَتاعٌ [ غافر : 39 ] أي : لن تصل إلى سبيل الرشاد وفي قلبك محبة الدنيا وطلب لها . والحكايات والآثار في أحوال الدنيا » وغرورها » وشرورها أكثر من أن تحصى ء ولا شيء أبين في ذلك من قول الله تعالى في صفتها :اغلَمُوا أَنّمَا الحياةُ الدِّيا لَجبٌ وَلَهْوُ وَِيِنَةٌ وَتَفاخْرٌ بَيْنَكُم وتكائرٌ في الْأَمُوالٍ وَالْأَولادٍ كَمَتلِ غَيِثٍ أَغجَبَ الكُفَارَ نباثه نُمَ هيج قتراةُ مُصْفْرًا ثم يَكُونُ خطاماً وَفِي الْآخِرَةٍ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ الله وَرِضْوانٌ » وَمَا (1 ) البرق الخلب : أي البرق الكاذب لا مطر فيه ( ج ) بروق . ( 2 ) الهشيم : النبت اليابس المتكسر . (3 ) السم الزعاف : سريع القتل . ( 4 ) الغول : الهلكة أو حيوان وهمي لا وجود له ( ج ) غيلان . 417 418 » 2/2 « الْحَياةٌ الدنيا إِلّا مَتاحٌ الْغْرُورِ[ الحديد : 20 ] . إنما جعلها محلا للأغيار ومعدنا للأكدار تزهيدا لك فيها . ورود الأغيار والأكدار الدنيوية على العبد نعم من الله تعالى عليه ؛ لأن ذلك - لا محالة - يدعوه إلى الزهادة في الدنيا والتجافي عنها » ويصرف عنه وجود الغباوة والجهالة لأجل تمسكه بالخيال » وما يستضرٌ به في الحال والمآل ؛ لأن الموجب لرغبته فيها وحرصه على نيلها إنما هو ما يتوهمه فيها من الحصول على منيته وبغيته وقضاء غرضه من شهوته ونهمته من غير مكذّر ولا منغص » ولو تصوّر له حصوله على هذه الأشياء على حسب ما يحبه ويهواه كان ينبغي له أن يرغب عنها عوضا عن الرغبة فيها إن كان عاقلا ؛ لأن مآل أمرها إلى الفناء والزوال »؛ والافتقار والانقضاء والارتحال » وقد قالوا : « شر لا يدوم خير من خير لا يدوم » . وقال الشاعر : أرئ الدنيا على من كان فيها:*** تدور فلا تديم. عليه حال ثم هي مانعة له من سعادة الآخرة » والقرب من الله عر وجلّ » الذي هو غاية طلب الطالبين ونهاية رغبة الراغبين » فكيف وهو معرّض فيها لأنواع المصائب والفجائع » ووقوع الأغيار والأكدار » فما من أحد فيها إلا وهو في كل حال ووقت غرض لاسهم ثلاثة : سهم بليّة » وسهم رزيّة » وسهم منيّة » فإذا نزل به ذلك عادت النعمة نقمة » وانقلبت الحبرة « 1 » عبرة » وصارت الفرحة ترحة « 2 » ٠»‏ وهكذا شأن الدنيا أبدا » فلا يفي مرجوّها بمخوّفها » ولا يقوم خيرها بشرّها » ولقد صدق الشاعر في قوله : إن الليالي لم تحسن إلى أحد *** إلا أساءث إليه بعد إحسان وصدق أيضا من قال : ماقام خيرك يا زمان بشرّه *** أولى بنا ما قل منك وما كفى زمن إذا أعطى استردّ عطاءه *** وإذا استقام بدا له فتحرّفا وقد كتب عليّ بن أبي طالب إلى سلمان » رضي الله عنهما : « إنما مثل الدنيا كمثل الحيّة ليّن ملمسها » قاتل سمّها » فأعرض عنها وعمًا يعجبك منها » لقلة ما يصحبك منها » ودع عنك همومها لما تيقنت من فراقها » وكن أسرٌّ ما تكون فيها أحذر ما تكون منها » فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخص « 3 » منها إلى مكروه » . (1 ) الحبر : السرور والنعمة وسعة العيش . (2 ) الترحة : المرة الواحدة من الترح وهو الهم وضد الفرح . (3 ) أشخص فلان : حان سيره وذهابه . 419 « 2/3 » وقال بعض البلغاء : « دار الدنيا كأحلام المنام » وسرورها كظل الغمام » وأحداثها كصوائب السهام » وشهواتها كشرب السمام » وفتنتها كالأمواج الطوام » . وقال أبو العتاهية « 1 » : هي الدار دار الأذى والقذى *** ودار الفناء ودار الغير « 2 » ولو نلتها بحذافيرها *** لمث ولم تقض منها الوطر « 3 » أيا من يؤمّل طول البقاء *** وطول الخلود عليه ضرر إذا ما كبرت وفات الشباب *** فلا خير في العيش بعد الكبر وأنشد أبو منصور الثعالبي « 4 » ٠»‏ رحمه اللّه » في ذمّ الدنيا : تنح عن الدنيا فلا تخطبتها *** ولا تخطبن قتّالة من تناكح فليس يفي مرجوّها بمخوفها *** ومكروهها إن تأمّلت راجح لقد قال فيها الواصفون وأكثروا *** وعندي لها وصف لعمريّ صالح سلاف قصارها زعاف ومركب *** شهيّ إذا استلذذته فهو جامح « 5 » وشخص جميل يؤنس الناس حسنه *** ولكن له أسرار سوء قبائح فإذا علم العبد هذا كلّه علم اليقين » وتمكّن من قلبه غاية التمكين » لم يتصوّر منه مع ذلك وجود رغبة البتة ؛ لأنه إذ ذاك يجمع بين خيبتين وخسارتين » ويأتيه الموت وهو صفر « 6 » اليدين من منافع الدارين وذلك هو الخسران المبين . (1 ) أبو العتاهية ( 130 - 211 ه - 748 - 826 م ) إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني العنزي بالولاء » أبو إسحاق الشهير بأبي العتاهية » شاعر مكثر » سريع الخاطر » في شعره إبداع وهو يعد من مقدمي المولدين » كان جيد القول في الزهد والمديح وأكثر أنواع الشعر في عصره ء ولد في « عين التمر » ونشأ في الكوفة » وسكن بغداد » كان يبيع الجرار ثم اتصل بالخلفاء فعلت مكانته . توفي في بغداد . ( الأعلام 1 / 321 » ولسان الميزان 1 / 426 » ووفيات الأعيان 1 / 219 - 226 ) . (2 ) القذى : يقال هو يفضي على القذى أي يسكت على الذل والضيم ولا يشكو الغير : غير الدهر : أحداثه وأحواله المتغيرة من الصلاح إلى الفساد . (3 ) الوطر : الحاجة والبغية ( ج ) أوطار » حذافير الشيء : جوانبه وأعاليه ونواحيه . ( 4 ) أبو منصور الثعالبي ( 350 - 429 ه - 961 - 1038 م ) عبد الملك بن محمد بن إسماعيل » من أئمة اللغة والأدب من أهل نيسابور . كان فرّاءا يخيط جلود الثعالب فنسب إلى صناعته » واشتغل بالأدب والتاريخ فنبغ . صنف الكتب الكثيرة منها « يتيمة الدهر » و « فقه اللغة » وغيرهما . ( الأعلام 4 / 163 » وشذرات الذهب 3 / 246 » ووفيات الأعيان 3 / 8 . 00 ( 5 ) السلاف : الخمر أول ما تعصر . وما سال وما تحلّب من عصير العنب قبل العصر ء وأخلص الخمر وأفضلها . القصارى : الجهد والغاية . ( 6 ) صفر اليدين : أي ليس في يده شيء . : « 274 » قال أبو هاشم الزاهد » رضي الله عنه : « إن الله وسم الدنيا بالوحشية ؛ ليكون أنس المريدين به دونها » وليقبل المطيعون إليه بالإعراض عنها » وأهل المعرفة باللّه من الدنيا مستوحشون » وإلى الآخرة مشتاقون » وقيل : أوحى الله تعالى إلى الدنيا تضيّقي وتشددي على أوليائي » وترفهي وتوسعي على أعدائي : تضيّقي على أوليائي حتى لا يتعرفوا بك عني » وتوسعي على أعدائي حتى يشتغلوا بك عني » فلا يتفرغوا لذكري . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( علم أنك لا تقبل النصح المجرد فذؤقك من ذواقها ما يسهّل عليك وجود فراقها ). النصح المجرّد لا يقبله إلا من لم يستحكم فيه حب العاجلة والأنس بلذاتها الفانية » وكان كريم الطبع سهل القياد وأمّا من رسخت فيه تلك الخبائث » وتمكنت من باطنه » وكان لثيم السجيّة صعب المقادة » فلا بد في قصد هدايته وإرشاده من زيادة على النصح والوعظ » وهو : وجود ما يقهره ويجبره » وليس ذلك إلا ما ذكرناه » فاعرف قدر النعمة عليك بذلك » واعمل بمقتضاها » وسلّم لربك في حكمته وقدرته وحسن ظنَّك به . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : ( من لم يقبل على الله بملاطفة الإحسان قيّد إليه بسلاسل الامتحان 1 1 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( العلم النافع هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه . وينكشف به عن القلب قناعه ). العلم النافع هو العلم باللّه تعالى وصفاته وأسمائه » والعلم بكيفية التعبّد له والتأدب بين يديه » فهذا عنه الشكوك والأوهام . وفي حكمة داود » عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام » « العلم في الصدر كالمصباح في البيت 4 وقال محمد بن علي الترمذي » رضي الله عنه : « العلم النافع هو الذي تمكن في الصدور وتصور » وذلك أن النور إذا أشرق في الصدور تصوّرت الأمور حسنها وسيئها » ووقع بذلك ظل في الصدور فهو صورة الأمور فيأتي حسنها ويجتنب سيئها » فذلك العلم النافع من نور القلب خرجت تلك العلائم إلى الصدور ٠‏ وهي علامات الهدى . ا ا ا ا ا قد أطاحت به وأذهبت بظلمتها ضوءه . 0101 002 « 2/75 » وقال مالك بن أنس « 1 » رضي الله عنه : « ليس العلم بكثرة الرواية » وإنما هو نور يقذفه الله تعالى في القلوب » . وإنما منفعة العلم أن يقرّب العبد من ربه » ويبعده عن رؤية نفسه » وذلك غاية سعادته ومنتهى 5500 قال الجنيد » رضي الله تعالى عنه : « العلم : أن تعرف ربّك » ولا تعدو قدرك » . وهذه عبارة مختصرة وجيزة » جمع فيها - رحمه الله - مقصود علوم الصوفية » وهي : معرفة الله تعالى ء وحسن الأدب بين يديه وهذه هي العلوم التي ينبغي للإنسان أن يستغرق فيها عمره الطويل » ولا يقنع منها بكثير ولا قليل . وقد قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : من لم يتغلغل في هذه العلوم - يعني علوم الصوفية - مات مصرًا على الكبائر وهو لا يعلم وما سوى هذه العلوم قد لا يحتاج إليها » وربما أضرّ بصاحبها مداومته عليها » وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر المشهور عنه « من علم لا ينفع » . ثم ذكر المؤلف » رحمه الله تعالى » عبارة أخرى في بيان العلم النافع وتعريفه بلازمه ‏ 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( خير العلم ما كانت الخشية معه ). خير العلوم ما يلزم وجود الخشية لله تعالى ؛ لأن الله تعالى أثنى على العلماء بذلك » قار عر فين قال :إنّما يَحْشَى اللَّهَ مِنْ عِبِادِهِ الْعْلَماءُ فاطر : 28 ] فكل علم لا خشية معه فلا خير فيه » بل لا يسمى صاحبه عالما على الحقيقة . قال الربيع بن أنس « 2 » » رحمه الله » في قوله تعالى :نما يَحْشَى الله مِنْ عِبِادِهٍ الْعْلَماءُ من ليخد الله فلي بعالم » الا ترى أن داوة - علية و على نينا الفيااة والسلاء - قال + 3لكا بأنك جعلت العلم خشيتك والحكمة الإيمان بك فما علم من لم (1 ) مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري ( 93 - 179 ه - 712 - 795 م ) أبو عبد الله إمام دار الهجرة . وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة » وإليه تنسب المالكية » مولده ووفاته بالمدينة » كان صلبا في دينه » بعيدا عن الأمراء والملوك . صنف « الموطأ » وله رسالة « الوعظ » وغيرهما . ( الأعلام 5 / 257 » وحلية الأولياء 6 / 316 » ووفيات الأعيان 4 / 5 - 139 » وتهذيب الكمال 17 / 381 ) . (2 ) الربيع بن أنس البكري , البصري ثم الخراساني » ثقة » صدوق » روى عن أبيه وعن جده ؛ وروى عنه فليح بن سليمان ومصعب بن الأسقع وغيرهما . مات في خلافة أبي جعفر المنصور وقيل : مات في سجن مرو . وذكر الذهبي أنه توفي سنة ( 139 ) أو ( 140 ) ( تهذيب الكمال 6 / 125 ) . 013 1014 « 276 » يخشك » ولا حكمة لمن لم يؤمن بك ! » . : ' قال في « لطائف المنن » : « فشاهد العلم الذي هو مطلوب الله الخشية لله تعالى » وشاهد الخشية موافقة الأمر أما علم تكون معه الرغبة في الدنيا والتملق لأربابها » وصرف الهمّة لاكتسابها . والجمع والادخار والمباهاة والاستكثار وطول الأمل ونسيان الآخرة » فما أبعد من هذا العلم علمه من أن يكون من ورثة الأنبياء ؛ وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها عند الموروث عنه ؟ ١ش ١‏ ومل من هذه الاورحاتك اانه 1 نلعتل الف ل فلن عر 1 لكر 1 انننتا!. جعل الله العلم الذي علمه من هذا وصفه حجة عليه وسببا في تكثير العقوبة لديه » اه . كان سيل ب عدا رصن ا عي ينون 200 تدرا اع عن امو اليو 70 بمشررة العلماء تحمدوا العاقبة نع الله تعالن : فيل باذأبا محف : من العلماء © قال : الذين يؤثرون الآخرة على الدنيا » ويؤثرون الله تعالى على نفوسهم » . وقد قال عمر بن الخطاب » رضي الله تعالى عنه » في وصيته : « وشاور في أمرك الذين يخشون الله تعالى » . وقال الواسطي » رضي الله تعالى عنه : « أرحم الناس العلماء ؛ لخشيتهم من الله تعالى وإشفاقهم مما علّمهم الله عرٍّ وجل » ا 5 : « طلب العلم تكفل الله له برزقه » 0 العلم حيث ما تكرر في الكتاب العزيز أو في السنة إنما المراد به العلم النافع الذي تقارنه الخشية وتكتنفه المخافة قال الله سبحانه :إِنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهٍ الْعُلَماءُ فاطر : 8 ] فبيّن أن الخشية تلازم العلم . وفهم من هذا أن العلماء إنما هم أهل الخشية » وكذلك قول الله تعالى :قال الَّذِينَ أوتُوا الْعلَم *[ القصص : 80 ] وَكُلْ رَبّ زِدْنِي عِلْمأَرَطه 4 ] وَالرَّاسِحُونَ فِي الْعِلْم [ آل عمران 7] وقوله صلى الله عليه وسلم : « إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم » « 1 » وقوله : « العلماء ورثة الأنبياء » « 2 » وقوله هنا : « طالب العلم تكفل اللّه برزقه » إنما المراد بالعلم في هذه المواطن : العلم النافع القاهر للهوى » القامع للشهوة ؛ وذلك متعيّن ارو ل قا ا رلا لل ارا لي ار ل 2 وقد بينا ذلك في غير هذا الكتاب - والعلم النافع هو الذي يستعان به على (1 ) أخرجه أبو داود ( علم » 1 ) والترمذي ( علم » 9 ) » والنسائي ( طهارة » 112 ) » وابن ماجة ( مقدمة » 17 ) » وأحمد بن حنبل ( 4 » 239 ٠ 5 » 241 ٠ 240 ٠‏ 196 ) . (2 ) أخرجه البخاري ( علم » 10 ) [ في الترجمة ] » وأبو داود ( علم » 1 ) وابن ماجة ( مقدمة » 17 ) والدارمي ( مقدمة » 32 ) » وأحمد بن حنبل ( 5 ٠‏ 196 ) . 4025 « 2/7/7 » طاعة الله عزّ وجل » ويلزمك المخافة من الله تعالى » والوقوف على حدود الله » وهو علم المعرفة باللّه » ويشمل العلم النافع العلم باللّه والعلم بما أمر الله به إذا كان تعلّمه لله تعالى » اه . وقد تقدّم المعيار الصادق على صحة دعوى التعلّم وال” لتعليم لله عند قوله ( إذا التبس عليك أمران ) وقال الشيخ أبو عبد الرحمن 70 لال 0 : « كل علم لا يورث صاحبه الخشية والتواضع والنصيحة للخلق والشفقة عليهم » ولا يحمله على حسن معاملة الله تعالى ودوام مراقبته وطلب الحلال وحفظ الجوارح وأداء الأمانة ومخالفة النفس ومباينة الشهوات فذلك العلم الذي لا ب و الى انس يه اي على اه عليه رسلم نور" » أعوذ بك من علم لا ينفع » « 1 » ووصف الله تعالى العلماء بَالخشية فقال : « إنما يخشى الله من عباده العلماء » . وقال رجل للشعبي : أيها العالم » فقال : اسكت » العالم من يخشى الله تعالى . وقال بعض السلف : « من ازداد علما فليزدد خشوعا » . وقال رجل للجنيد » رضي الله عنه : أيّ العلم أنفع ؟ قال : « ما دلّك على الله تعالى » وأبعدك عن نفسك » . قال : والعلم النافع : ما يدل صاحبه على التواضع » ودوام المجاهدة » ورعاية السرّ » ومراقبة الظاهر » والخوف من اله » والإعراض عن الدنيا وعن طالبيها » والتقلل منها » ومجانبة أربابها » وترك ما فيها على من فيها من أهلها » والنصيحة للخلق » وحسن الخلق معهم » ومجالسة الفقراء » وتعظيم أولياء الله تعالى » والإقبال على ما يعنيه » فإن العالم إذا أحب الدنيا وأهلها وجمع منها فوق الكفاية يغفل عن الآخرة وعن طاعة الله تعالى بقدر ذلك » وقد قال الله عر وجل يَعْلَمُونَ ظاهراً مِنَ الْحَياةٍ الذَّنِياوَهُمْ عَنِ الْآخِرَةٍ هُمْ غافِلُونَ [ الروم 7 وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته ومن أحبّ أخرته أضرٌ بدنياه ؛ ألا فآثروا ما يبقى على ما يفنى » « 2 » . وقال الفضيل بن عياض » رضي الله تعالى عنه : « العالم طبيب الدّين وحبٌ الدنيا داء الدين ؛ انا كن اليك بكر الذاء إلى تيه فى بوره غيره 76 (1 ) أخرجه صاحب ( ميزان الاعتدال 4119 )‏ والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 1 / 007 (2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 4 » 412 ) . 006 » 2/8 « فإذا وفّق الله العالم من العلماء للإقبال على الله وعلى أوامره » والإعراض عن الدنيا وما فيها اه 1 1 فأوّل ما يلزمه أن يعرف نعم الله عليه في ذلك ويقوم بواجب الشكر » ويزيد تواضعا واجتهادا ؛ ويعلم أنه محمول على ذلك » وأن ذلك بتوفيق من الله تعالى » لا بمجاهدة منه ؛ فإن مجاهدته أيضا ومعرفته لنعم الله عليه بزيادة توفيق الله . فإذا كان العامل بهذا المحل من الدين كان إماما يقتدى به في أحكام الظاهر وأحوال الباطن » يهتدي بنوره كل من صحبه » ويستضيء بعلمه كلّ من اتّبعه ويكون حجّة لله على عباده » وبركة فى بلاده . ومن قاده علمه إلى طالب الدنيا وطلب العلوٌ فيها » وطلب اتّباع الرياسة واستتباع الخلق فهو العلم الذي هو غير النافع » وهو المغترٌ به » ولا حسرة أعظم من أن يهلك العالم بما يرجو به نجاته . ونحن نعود بالله من الخذلان » انتهى ‏ ثم عبّر المؤلف » رحمه الله تعالى » بعبارة أخرى من معنى ما تقدّم فقال :العلم إن قارنته الخشية فلك وإلا فعليك . العلم الذي تلازمه الخشية لك ؛ لأنك تنتفع به في دنياك وآخرتك . وليس ذلك إلا ما ذكرناه . والعلم الذي لا خشية فيه عليك » لأنك تستضرّ به فيهما . وهذا هو الفرق بين علماء الآخرة وعلماء الدنيا » من حيث إن علماء الآخرة موصوفون بالخشية والرهبة » وعلماء الدنيا موسومون بالأمن والغرّة . وقد بيّن علماؤنا » رضي الله عنهم » حال الفريقين وأوضحوا أمرهم بالنعوت والعلامات » وأطالوا في ذلك النفس » لما شاهدوا من انتشار الفساد في الأرض بسبب جهل الناس بالعلم النافع أي شيء هو ! ! فمن أراد الشفاء في ذلك واستيفاء الكلام عليه » وما في ذلك من الأخبار والآثار فعليه بالنظر في كتاب « العلم » من كتاب « إحياء علوم الدين » « 1 » لأبي حامد الغزالي » رضي الله تعالى عنه » ولباب ذلك ما ذكره المؤلف ٠»‏ رحمه الله » هاهنا . وقد قال الفضيل بن عياض . رضي الله عنه : « كان العلماء ربيع الناس إذا نظر إليهم (1 ) كتاب « إحياء علوم الدين » من أجل كتب المواعظ وأعظمها » وهو مرتب على أربعة أقسام ربع العبادات وربع العادات المهلكات وربع المنجيات في كل منها عشرة كتب ( كشف الخنون 2307/21). 107 4018 » 2/9 « المريض لم يسرّه أن يكون صحيحا , وإذا نظر إليهم الفقير لم يودّ أن يكون غنيا » وقد صاروا اليوم فتنة على الناس » . قال هذا في زمانه الصالح » فكيف لو أدرك زماننا هذا ؟ ! فإنًا لله وإنا إليه راجعون . واعلم أنه قد ورد في الكتاب والسنة من فضل العلم والعلماء ما لا يحصى كثرة » ولا يرجى حصول ذلك إلا لمن صحّت فيه نيّته وصحّة نيّته في ذلك أن يكون غرضه فيه طلب مرضة الله تعالى واستعماله فيما ينفع عنده » وإيثاره الخروج عن ظلمة الجهل إلى نور العلم » فهذه هي النية الصحيحة التي تحمد عاقبتها آجلا » وتجتنى ثمرتها في طاعة الله عاجلا . وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « كلّ يوم لا ازداد فيه علما يقرّبني من الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم » « 1 » . وقال الحسن » رضي الله تعالى عنه : « كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه ولباسه وبصره ولسانه وصلاته وهديه وزهده » وإن كان الرجل ليصيب الباب من أبواب العلم فيعمل به فيكون خيرا له من الدنيا بما فيها لو كانت له ليضعفها في الآخرة وليأتين على الناس زمان يشتبه فيه الحق والباطل » فإذا كان ذلك لم ينفع فيه إلا دعاء كدعاء الغريق » . وقال سفيان الثوري » رضي الله عنه : « إنما يتعلم العلم ليتقي به الله » وإنما فضل العلم على غيره ؛ لأنه يتقي الله به » . فإن اختل هذا المقصد . وفسدت نية طالبه : بأآن يستشعر به التوصل إلى منال دنيوي » من مال أو جاه » فقد بطل أجره » وحبط عمله » وخسر خسرانا مبينا . قال الله عر وجل »مَنْ كان يُرِيدُ حَرْتَ الْآخِرَةٍ نَزِذ لَهُ في حَرْيِهِ ٠‏ وَمَنْ كان يُرِيدُ حَرْتَ الذُنِيا نُوْتِه مِنها وَما لَهُ فِي الآخِرَةٍ مِنْ نصِيي[ الشورى : 20 ] . م مما يبتغي به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة » يعني : ريحها . وكان الحسن » رضي الله عنه » يقول : « واللّه ما طلب هذا العلم أحد إلا كان حظّه منه ما أراد به » . (1 ) أخرجه العجلوني في ( كشف الخفاء 2 / 183 ) » والفتني في ( تذكرة الموضوعات 22 ). 4029 0030 « 280 » وقال الحسن : « عقوبة العالم موت القلب فقيل له : وما موت القلب ؟ قال : طلب الدنيا بعمل الآخرة » . فإذا انضاف إلى هذا الغرض أن يتصدّى به إلى تولّي الأعمال السلطانية كائنة ما كانت » أو يتوصّل به إلى اكتساب مال من حرام أو شبهة » فقد تعرّض لغضب الله تعالى وسخطه وباء بإثمه وآثام المقتدين به » وكان الجهل إذ ذاك خيرا له من العلم وأحمد عاقبة . وقال أبو عمر بن عبد البرّء رحمه الله تعالى : « . . وروينا عن الأوزاعي « 1 » » رضي الله عنه » قال : شكت النواويس إلى الله عرّ وجل » ما تجد من نتن جيف الكفار » فأوحى الله تعالى إليها : « بطون علماء السوء أنتن مما أنتم فيه » قال : وروينا عن الفضيل بن عياض ٠‏ وأسد بن الفرات « 2 » » قال : بلغني أن الفسقة من العلماء ومن حملة القرآن يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الأوثان « 3 » » قال الفضيل بن عياض ٠»‏ رضي الله عنه : لأن من علم ليس كمن لم يعلم » . قلت : والغالب على طلبة العلم في هذه الأعصار هذا الوصف المذموم ؛ لأن حب الدنيا قد ولذلك أمارات وعلامات لا تحصى ولا تخفى » وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « يخرج في آخر الزمان رجال يختلسون الدنيا بالدين » يلبسون للناس جلود الضأن من اللين » ألسنتهم أحلى من العسل » وقلوبهم قلوب الذئاب » يقول الله تَعالى : أبي تغترّون » أم علي تجترئون » فبي حلفت لأبعثنَ على أولئك فتنة تدع الحليم منهم حيران » « 4 » رواه أبو هريرة رضي الله عنه . وروى أبو الدرداء » رضي الله تعالى عنه » عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أنزل (10 )الأدراغي (880- 157 ه - 774-707 ) عبد الرحمن بن عمرو بن يَكَند الأوزاعي ٠‏ أبو عمرو إمام الديار الشامية في الفقه والزهد » وأحد الكتاب المترسلين » ولد في بعلبك ونشأ في البقاع وسكن بيروت وتوفي بها . وعرض عليه القضاء فامتنع » له كتاب « السنن » في الفقه . ( الأعلام 3 / 320 ٠‏ وشذرات الذهب 1 / 241 ٠‏ ووفيات الأعيان 3 / ااة (2 ) أسد بن الفرات ( 142 - 213 ه - 759 - 828 م ) بن سنان مولى بني سليم ‏ أبو عبد الله قاضي القيروان وأحد القادة الفاتحين . أصله من خراسان . ولد بحرّان » ونشأ بالقيروان ثم بتونس » ورحل إلى المشرق في طلب الحديث » ثم ولي قضاء القيروان » وكان شجاعا حازما صاحب رأي . فتح جزيرة صقلية » وهو مصنف « الأسدية » في فقه المالكية . ( الأعلام 1 / ل 5" (3) الوثن 10 01031 002 » 281 « تعالى في بعض الكتب - أو أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة ويلبسون للناس مسوك « 1 » الكباش وقلوبهم كقلوب الذئاب السنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمرّ من الصبر إِيَاي يخادعون وبي يستهزئون لاتيحنّ لهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران » « 2 » . وفي بعض الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يأتي على الناس زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه » ولا من الإسلام إلا اسمه » قلوبهم خربة من الهدى » ومساجدهم عامرة من أبدانهم » شر من تظل السماء يومئذ علماؤهم » منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود "0 واعلم أنّ العلم النافع المتفق عليه فيما سلف وخلف إنما هو العلم الذي يؤدي بصاحبه إلى الخوف والخشية » وملازمة التواضع والذلة » والتخلّق بأخلاق الإيمان » وتوافق الإسرار والإعلان » إلى ما يتبع ذلك من بغض الدنيا والزهادة فيها » وإيثار الآخرة عليها » والموالاة في الله » والمعاداة فيه » والحرص على التفطن للأسباب الباعثة له على الاستقامة » ولزوم الأدب بين يدي الله تعالى فيراعيها حفظا وطلبا » ومعرفة الأسباب المضادة له عن ذلك فيرفضها رفضا وهربا » إلى غير ذلك من الصفات العلية والمناجي السنيّة » فبهذا كلّه يحصل له فوائد العلم وثمراته الدنيوية والأخروية . فإذا خلا طالب العلم عنها » أو عن بعضها » فإن كان ما يطلبه علما حقيقيا كان حجة عليه » وإن كان رسميا كان وبالا واصلا إليه . والعياذ بالله من ذلك . قال في « لطائف المنن » : « ربما غرّ الغافل من طلبة العلم من قال : طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا الله » وليس في قول هذا القائل ما يستروح إليه من طلب العلم للرياسة والمنافسة به وإنما أخبر هذا القائل عن أمر منّ به عليه . وفتنة سلّمه الله منها » لا يلزم أن يقاس عليه فيها غيره » وذلك بمثابة من به مرض مزمن في المعى أعيا علاجه الأطباء وضاق عليه خلقه » فأخذ خنجرا وضرب به مراق بطنه ليقتل نفسه . فصادف ذلك المعى فقطعه . فخرج الداء منه » فهذا لا يستصوب العقلاء فعله » وأنه نجحت عاقبته » وليست سلامة العواقب رافعة للعتب عن الملقين أنفسهم للتهلكة : (1 ) المسك : الجلد ( ج ) مسك ومسوك . (2 ) أخرجه البخاري ( علم » 16 ٠ ) 44 ٠» 19 ٠‏ ( بدء الخلق 16 ) » ( أنبياء » 54 ) ٠‏ ( تفسير سورة » 18 »2 » 4 » 33 » 8 ) » ( توحيد » 31 ) » ومسلم ( سلام » 17 » 149 » 0 )| توبةء 49 ) » وأبو داود ( أدب » 164 ) » والترمذي ( تفسير سورة » 11 » 7 ٠‏ 18 2١» 85 » ٠‏ )»ء والنسائي ( صيد » 38 ) » نساء » 3 ) » وابن ماجة ( صيد » 10 ) ( أنبياء » 7 ( فتن 33) ؛ واحمد بن حنيل (:2: 170 347-313 ١3-١403‏ 178 5: 6 11251101186 0013 » 282 « وقال في موضع آخر : « . . . ولا يغرّنك أن يكون به انتفاع للبادي والحاضر , فقد قال صلى الله عليه وسلم : « إن الله تعالى يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر » « 1 » . ومثل من تعلّم العلم لاكتساب الدنيا وتحصيل الرفعة فيها كمثل من رفع العذرة بملعقة من الياقوت » فما أشرف الوسيلة وما أخس المتوسّل إليه ! ! ومثل من قطع الأوقات في طلب العلم فمكث أربعين سنة أو خمسين سنة يتعلّم العلم ولا يعمل به كمثل من قعد هذه المذة يتطهّر ويجدد الطهارة فلم يصلّ صلاة واحدة ! ! إذ المقصود العلم العمل » كما أنّ المقصود بالطهارة وجود الصلاة . ولقد سأل رجل الحسن البصري عن مسألة فأفتاه فيها » فقال الرجل للحسن : قد خالفك الفقهاء ! ! فزجره الحسن وقال : ويحك ! ! وهل رأيت فقيها ؟ ! إنما الفقيه الذي فقه عن الله أمره ونهيه . قال : وسمعت شيخنا أبا العباس يقول : « الفقيه من انفتق الحجاب عن عين قلبه » والرجل الذي سأل الحسن البصري هو « فرقد | لسنجيّ » » والله أعلم . وقد روي عنه في صفة الفقهاء كلام أتمّ مما ذكره صاحب كتاب « لطائف المنن » . قال فرقد السنجي : « سألت الحسن عن مسألة فأجابني عنها » فقلت له : إن الفقهاء يخالفونك ! ! فقال لي : ثكلتك أمَّك فريقد ! ! وهل رأيت فقيها بعينك ؟ ! إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة . البصير بدينه المداوم على عبادة ربّه » الورع الكافت نفسه عن أعراض المسلمين » العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم » المجتهد في العبادة دونه » ولا يأخذ على علم علّمه الله له حطاما » . قلت : وعلى المعلم أن يتفقد أحوال من يتعلم منه . فلا يبذل علمه إلا لمن يتوسم فيه الخير والصلاح ؛ إذ بذلك تستقيم له النيات والمقاصد التي ذكرناها » ولا يبذله لمن سوى هذا ممن علم حاله أو جهله . قال رجل لسفيان الثوري » رضي الله عنه : « إنك إن نشرت ما معك من العلم (1 ) أخرجه البخاري ( جهاد ؛ء 182 ) ٠‏ ( مغازي 38 ) » ( قدر »ء 5 ) » ومسلم ( إيمان . 8) وابن ماجة ( فتن » 35 ) » والدارمي ( سير » 73 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 » 309 » 5 0 114 » 283 « رجوت أن ينفع به الله بعض عباده وتؤجر على ذلك . فقال سفيان الثوري : واللّه لو أعلم بالذي يطلب هذا العلم لا يريد به إلا ما عند الله لكنت أنا الذي آتيه في منزله ؛ فأحدّئه بما عندي ممن أرجو أن ينفعه اللَّه به » . وقد سئل بعض العلماء عن شيء فلم يجب » فقال له السائل : أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من كتم علما نافعا جاء يوم القيامة ملجما بلجام من النار « 1 » ؟ ! فقال له : اترك اللجام واذهب » فإن جاء من يستحقه وكتمته فليلجمني به » . وفي قوله عرّ من قائل :ولا تُؤتُوا السّفَهاءَ أَمُوَالَكُمُ[ النساء : 5 ] تنبيه على أن حفظ العلم ممن يفسده ويستضرٌ به أولى » كما قيل : ومن منح الجهّال علما أضاعه *** ومن منع المستوجبين فقد ظلم وقد حكى عن بعض الأمم السابقة أنهم كانوا يختبرون المتعلّم مدة في أخلاقه ؛ فإن وجدوا فيه خلقا رديئا منعوه من العلم أشدّ المنع » وقالوا : إنه يستعين بالعلم على مقتضى الخلق الرديء فيصير العلم آلة شرّ في حقّه . وقد قالت الحكماء : « زيادة العلم في الرجل السوء كزيادة الماء في أصول الحنظل 5002 كلما ازداد ريا ازداد مرارة » . وهذا كلّه صحيح مجرّب ء فينبغي إذن للعالم أن لا يهمله بل يراعيه ٠‏ ويمتثله » ولا اعتبار بما يتوهمه في تعليمهم من وجود المصالح على تقدير حصول توفيق الله تعالى لهم لأن يعملوا ببعض فإنّ المفاسد التي تقع بسبب ذلك لهم في خاصة أنفسهم » والمفاسد التي تتعدى منهم إلى غيرهم أكثر » ودرء المفاسد أهمّ عند العقلاء من جلب المصالح » أمّا المفاسد التي تختصْ بهم فهي تقوية صفاتهم الذميمة وأخلاقهم اللثيمة بما يطلبونه من العلم » لأنهم يستشعرون بذلك التوصل إلى جميع مطالبهم الدنيوية على غاية الكمال والتمام : فإذا استشعروا بذلك توجهوا بهممهم إليه » وعكفوا بالجدّ والاجتهاد عليه » ولولا هذا الاستشعار لم المذكورة فرحوا بذلك واغتبطوا به » » لأن ذلك متعلق بأسباب الدنيا » وهي بمنزلة السمّ القاتل الذي يوجب موت قلوبهم وقسوتها وبعدها عن (1 ) أخرجه ابن ماجة ( مقدمة » 24 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 ٠ 499 ٠ 296 ٠‏ 508 ) . (2 ) الحنظل : نبات عشبي بري حولي معترش من فصيلة القرعيات ثمرته في حجم البرتقالة ولونها فيها لب شديد المرارة » كان ولا يزال يستعمل في الطب ويزرع في الحدائق الطبية . 005 006 » 284 « التأثر بالمواعظ والحكم » كما قيل : إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة * كالأرض إن سبخت لم ينفع المطر « 1« وعند ذلك تنتعش نفوسهم » وتتقوى صفاتها » وتظهر آثار ذلك على ظواهرهم من التكالب على الدنيا » والركون إلى من هي عنده من أبنائها المترفين » وليس لهم ما يتوسلون به إليهم سوى علمهم » فيحتالون على تحصيل إقبالهم عليهم » وصرف وجوههم إليهم بالتفنن عندهم بأنواع من الحيل ؛» ولا يسلمون في ذلك من الرياء والتصنع والنفاق والدهان » ويجزهم ذلك إلى أنواع من المحظورات وضروب من العصيان مع ما يحل بهم في ذلك من الذل والهوان » فإذا نالوا ذلك أو بعضه حصل لهم مقصود نفوسهم » وتمكنوا من جميع حظوظهم » فخرجوا من الحرية إلى امتساد الاخيار : واستبداوا بالجيل السافع العله الحكار ‏ وقد قال الفضيل بن عياض : « لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وشحًّوا على دينهم » وأعزوا العلم » وصانوه » وأنزلوه حيث أنزله الله لخضعت لهم رقاب الجبابرة » وانقاد لهم الناس » وكانوا لهم تبعاء وعرّ الإسلام وأهله » ولكنهم أذْلُوا أنفسهم » ولم يبالوا بما نقص من دينهم إذ سلمت لهم دنياهم » فبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا بذلك ما في أيدي الناس ٠‏ فذلّوا وهانوا على الناس » لشفي وله جر الشباعره رحده انه : حيط برل : ١ ٠ , : يقولون لي‎ فيك انقباض وإنما *** راوا رجلا عن موقف الذل أحجما ‏ . إذا قيل هذا مورد قلت : قد أرى *** ولكن نفس الحرٌ تحتمل الظما قاع برق لاع ل لور 228 رض كن اهن بار مل رجا ا ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي *** لأخدم من لاقيت إلا لأخدما أأغرسه عزا وأجنيه ذلّة *** إذن فاتّباع الجهل قد كان أحزما .. ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم *** ولو عظموه في النفوس لعظّما ولكن أهانوه فهانوا » ودنّسوا *** محيّاه بالأطماع حتى تجهّما وقال وهب بن منبه رضي الله عنه » لعطاء الخراساني : « كان العلماء قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم » وكانوا لا يلتفتون إلى دنيا غيرهم » وكان أهل الدنيا يبذلون لهم دنياهم رغبة في علمهم » فأصبح أهل العلم فيها اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في دنياهم » فأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم » . وقال ذو النون المصري » رضي الله عنه : « كان الرجل من أهل العلم يزداد بعلمه بغضا للدنيا » وتركا لها » فاليوم يزداد الرجل بعلمه للدنيا حبّا » ولها طلبا » وكان الرجل ينفق ماله على علمه ويكسب الرجل اليوم بعلمه مالا » وكان يرى على طالب العلم زيادة (1 ) سبخت الأرض : كان ذات سباخ فهي سبخة » والسبخة أرض ذات نز وملح لا تكاد تنبت . 4137 » 285 « في باطنه وظاهره » فاليوم يرى على كثير من أهل العلم فساد في الباطن والظاهر » . فانظر - رحمك الله - إلى ما ذكره هؤلاء الفضلاء تجده لازما لطلبة هذا الزمان » « وليس الخبر كالعيان » . ثم بعد وقوع هذه المفاسد بهم » وتوغلهم بها في سوء أدبهم يتعذر عليهم بعد ذلك سلوك طريق الحق لما استحكم في قلوبهم من علامات سوء الخلق ؛ فقد قيل : التعمق في الباطل قطع لآمال الرجوع عنه » فكلما كان بعد المسافة من الحق أتم كان اليأس من الرجعة أوجب .٠‏ وأعظم الوبال عليهم اغترارهم بحالهم » واستحسانهم لسيء أعمالهم . واعتقادهم أنهم سالكون سبيل النجاة في الدار الآخرة ونيل الثواب فيها ‏ وأنهم هم الذين حازوا الرتب الشريفة » والمناقب المنيفة » التي اختص بنيلها العلماء الذين هم ورثة الأنبياء » وليس عندهم من المعرفة وعلوم التحقيق ما يخرجون به من هذا الغرور ؛ لأنهم لم يسلكوا طريق ذلك » ولم يهتدوا لما هنالك ٠‏ فهذا هو الفساد الذي يختص بهم ولا يشاركون غيرهم فيه . وأمّا الفساد الذي يتعدّى إلى غيرهم فأظهر من كل ظاهر » وناهيك بمن ملكته نفسه أشدّ ملك » واستعبدته أشدّ استعباد هل يبقى عليه شيء من الشر أو نوع من أنواع الفساد إِلّا ويقع فيه إذا 5 00 ومن دقيق ما يسري عنهم من الفساد من غير قصد منهم لذلك وقوع الاغترار للجهلة والأغمار بمشاهدة حالهم » فإنهم يشاهدونهم قد حازوا من رتب الدنيا ما أرادوه ويتوهمون انهم نالوا شرف الآخرة بما أفادوه واستفادوه » فيحملهم ذلك على الاقتداء بهم في طلب العلم إن كانوا ممن فيه قابلية لذلك » فيقعوا فيما وقعوا فيه من المهالك ٠‏ أو يؤدّيهم ذلك إلى محبتهم » وموالاتهم » واتخاذهم أربابا يسمعون منهم ويطيعونهم في أوامرهم ونواهيهم » ثم يخرج بهم استحسان حالهم إلى الداء الدفين « 1 » » وهو مسارقة طباعهم الدنيئة وأخلاقهم الرديئة فإن نفوس العامة قابلة لذلك » ومهيّأة له » بمنزلة الصبي الذي ترسخ فيه أخلاق آيائه » ومنازعهم » ومذاهبهم » وعند ذلك يبطل في حقهم ما هو مقصود من بعثة الرسل من التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة » وحبٌ الفقر والمسكنة » وإيثار التواضع والذلة ؛ ٠ ١‏ والتخلّق بأخلاق الإيمان والإسلام » وشدة الحذر من ارتكاب المناهي والآثام : ثم يؤول بهم ذلك إلى الشرك الخفيّ والجليّ » ثم يحيق بهم المكر السيء » والعياذ باللّه تعالى . ويكون وبال جميع ذلك راجعا إلى العالم لتيسير أسباب ذلك على يديه » ولقد صدق ابن المبارك رحمه الله حيث يقول : (1 ) الداء الدفين : لا يعلم به . 01038 0019 « 292 » وهل أفسد الدين إلا الملوك *** وأحبار سوء ورهبانها فباعوا النفوس ولم يربحوا *** ولم تغل في البيع أثمانها لقد رتع القوم في جيفة *** يبين لذي العقل أنتانها وروى عن حذيفة بن اليمان « 1 » ٠‏ رضي الله تعالى عنه : « أنه أخذ حصاة بيضاء فوضعها في كفّه » ثم قال : إن الدين قد استضاء إضاءة هذه » ثم أخذ كفًا من تراب » فجعل يذره على الحصاة حتى واراها « 2 » » ثم قال : والذي نفسي بيده ليجيئن أقوام يدفنون الدين هكذا كما دفنت هذه الحصاة » ولتسلكنٌ سبيل الذين كانوا من قبلكم حذو القدم بالقدم والنعل بالنعل » . قلت : ومنشأ وجود هذه المفاسد خراب بواطنهم » وظلمة قلوبهم بسبب فقد اليقين منها » وانكساف أنوار الإيمان فيها » وإفلاسهم من حقائق ذلك » وعدم اختصاصهم بشيء منه » فصاروا بذلك مأسورين لأهوائهم » منقادين لأغراضهم وآرائهم » ففسدت بذلك نياتهم ومقاصدهم ٠‏ « والأعمال بالنيات » « 3 » ؛ فإذا كانت النيات صالحة كانت الأعمال صالحة » وترتب عليها آثار الصلاح » وانعطف من ذلك على القلوب مزيد إشراق وحميد أخلاق يؤذن ذلك بوجود القرب من الله » ونيل درجة الحبّ منه » وإذا كانت النيّات فاسدة كانت الأعمال أيضا فاسدة » وترتب عليها آثار فاسدة وانعطف من ذلك على القلوب زيادة ظلمة ورداءة همّة تقتضي البعد من الله تعالى وحصول المقت منه . وطلب العلم عمل من الأعمال » معرّض للصحة والاعتلال ؛ وليت شعري : هؤلاء الذين استغرقوا أعمارهم في طلب العلم والأثر » وأتعبوا أنفسهم بالدراسة والنظر ء وقطعوا أيامهم ولياليهم بالجوع والسهر » وسمحت نفوسهم بفراق ملذوذاتها والبعد عن جميع مألوفاتها » هل بعثهم على ذلك باعث الدين أو باعث الهوى ٠‏ ولا شكَ أن باعث الدين غير متصور منهم » بل هو (1 ) حذيفة بن حسل بن جابر العبسي ( توفي سنة 36 ه - 656 م ) أبو عبد الله » واليمان لقب حسل . صحابي من الولاة الشجعان الفاتحين » كان صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين لم يعلمهم أحد غيره . وولاه عمر المدائن بفارس وأقام بينهم وأصلح بلادهم » وهاجم نهاوند سنة ( 22 ه ) فصالحه صاحبها على مال يؤديه في كل سنة » وغزا الدينور وماه سندان » فافتتحها عنوة ثم غزا همذان الري فافتتحهما عنوة . توفي بالمدائن » له في كتب الحديث ( 225 حديثا ) » ( الأعلام 2 / 171 » وحلية الأولياء 1 / 270 ٠»‏ وتهذيب الكمال 4 / 191 . (2 ) ذرّ الشيء : بدده وفرقه ونثره . وأراها : سترها وأخفاها . ( 3 ) أخرجه البخاري ( بدء الوحي » 1 ) ٠‏ ( إيمان » 41 ) إكراه [ في الترجمة ] » ( نكاح » 5 ) ( طلاق :11 ) » مناقب الأنصار » 45 ) ٠‏ ( عتق » 6 ) » ( أيمان » 23 ) » ( حيل » 1 ) ومسلم ( إمارة » 155 ) » وأبو داود ( طلاق ٠‏ 11 ) » والترمذي ( فضائل الجهاد . 16 ) والنسائي طهارة » 59 ) » ( طلاق » 24 ) » ( أيمان » 19 ) ٠»‏ وابن ماجة ( زهد . 26 ) وأحمد 440 101 » 287/7 « محال في حقّهم ؛ لما قدّمناه من خراب البواطن وظلمة القلوب » وكيف يتصوّر ذلك منهم وهم لم يعملوا على تخلّصهم من التكاليف الواجبة عليهم في ظواهرهم وبواطنهم » بل لم يعرفوا ذلك البتة ٠‏ وإن ادّعوا أنهم على أحوال لا يجب عليهم فيها حكم يحتاجون إلى تعرّفه والقيام به فهم مخدوعون » ومن أين لهم ذلك » والعلم به لا يحمصل ضرورة » فلا بد لهم من استفادته » ولا عناية لهم بهذا أيضا » وإنما كان يتصوّر منهم باعث الدين لو توفرت أغراضهم كلها عليه , ووصلوا إلى ما يمكنهم الوصول إليه من شهواتهم ولذاتهم بسبب ما » من أسباب الدنيا » ثم يصرفون ما فضل من أوقاتهم عن محاولة هذه المطالب ونيلها إلى طلب العلم عوضا عن البطالة « 1 » التي يتبرّم « 2 » بها صاحبها » ويدعوه فراغه من أشغال دنياه إلى قطع ذلك الوقت بلهو ولعب » أو ارتكاب معصية وذنب , لا البطالة التي يكون فيها استراحة لنفسه » واستجمام « 3 » لعقله وحسّه » ففي هذه الحال قد يصحّ باعث الدين من أمثال هؤلاء . وأمال الحال التي وصفناها فلا يتصوّر عليها باعث إِلَّا الدنيا المجرّدة الجاوزة للحدّ في الذم ل ل ات ل ا 0 فيما يوصله إلى ذلك وإن كان فيه هلاكه : فتراه يرتكب الأخطار » ويخوض لجج « 4 » البحار » ويجوب البراري والقفار » ويهون عليه - في جنب ما يأمله - كلّ مشقّة تصيبه وبليّة تنزل به . ولو لم يفعل هذا لم يحصل إِلَّا على سدّ الرمق « 5 » ٠‏ والاقتصار على التبلّغ والعلق « 6 » . فكذلك هؤلاء الذين كلامنا فيهم » لو لم يتصوّروا في خواطرهم الحصول على كليات أغراضهم : يبلغوا ذلك المبلغ في الاجتهاد » ولاقتصروا على بعضه . ا 500 2 : وص ا ل يي ع دك ل 1 نار ان الرمق : بقية ا وبقية الروح أو القليل من العيش الذي يحفظ الحياة . اد (2) (3) (4)لجج اس : الماء الكثير تصطخب أمواجه . ولحج البحر : عرضه . (5) ( 6 ) العليق : ما تعلفه الدابة من شعير ونحوه . 002 113 » 288 « قبل الحق » ثم يرجعون في سائر أوقاتهم إلى مألوفاتهم ومعتاداتهم . وإنما المانع لهم من ذلك انفراد الله تعالى بالمشيئة والقدرة » واستئثاره بالخذلان والنصرة ؛ فإذا أراد الله تعالى أن يضلٌ عبدا من عباده لم ينصره عقل » ولم ينفعه علم » قال الله عر وجل وَمَنْ يَرِدٍ لله فنَتَتَهُ كن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيّْئاة[ المائدة : 41 ] . وفي مثل هذا الموطن تبطل أحكام الأسباب » ويتحقق أرباب الحقائق العظمة والجلال » والعزة الكل نرت الأريات , فليعتبر بما ذكرناه أرباب الأبصار » وليسلموا أحكام الواحد القهّار ؛ لعلهم بذلك يهتدون إلى منهج التحقيق حين يضل غيرهم عن سواء الطريق :مصائب قوم عند قوم فوائد وليقل العبد المؤمن إذا نظر إليهم » واعتبر بما جرى من سوء القضاء عليهم : « الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاهم به » وفضلني عليهم تفضيلا » « 1 » » فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من رأى مبتلى فقال : الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به هذا » وفضلني عليه وعلى كثير ممن خلق تفضيلا عافاه الله من ذلك البلاء كائنا ما كان » « 2 » . فعلى المعلّم الناصح لنفسه » السالم في عقله وحدسه ؛ العامل على تصحيح أعماله وهممه » المشفق على دينه الذي هو منوط « 3 » بلحمه ودمه » أن يتأمل هذه المفاسد » ويقيس بها ما توهمه من المصالح الناشئة عن تعليمه بزعمه » ويدقق النظر في ذلك كما يدققه في أكثر المسائل التي لا يحتاج إليها » ولا يقدم على التعليم في هذه الأزمنة ذوات العلل المزمنة حتى يقطع بوجوب ذلك عليه من غير تردد ولا تجويز وقوع خطأ في نظر . ولا سبيل له إلى هذا ولا يسعه خلاف ذلك إن كان منصفا . قال بعضهم : « رأيت سفيان الثوري حزينا ؟ فسألته عن ذلك ٠»‏ فقال : وهو برم » ما صرنا إلا متجرا لأبناء الدنيا » ! ! قلت : وكيف ذلك ؟ قال : يلزمنا أحدهم إذا عرف بنا » وحمل عنا » وجعل عاملا أو حاجبا » أو قهرمانا « 4 » أو جابيا « 5 » » يقول حدثنا سفيان الثوري ! ! . (1 ) أخرجه ابن ماجة ( دعاء » 22 ) ٠»‏ والترمذي ( دعوات 20 ٠»‏ 37 ) . (2 ) أخرجه ابن ماجة ( دعاء » 22 ) » والترمذي ( دعوات 37 ) . ( 3 ) المناط : مناط الشيء : موضع تعليقه أو ربطه . ( 4 ) القهرمان : فارسي معرب وهو المسيطر الحفيظ على من تحت يديه أو هو كالخازن والوكيل الحافظ لما تحت يده والقائم بأمور الرجل بلغة الفرس . (5) الحي: ‏ الدى ينوم اتح السير اد والخر اج 444 445 « 289 » وعليه أيضا أن يحرص على مخالفة نفسه فيما تدعوه إليه من التعليم ؛ لأن كلّ ما تستحليه النفس ويوافق غرضها مصحوب بالآفات والعلل التي تقدح في إخلاص الأعمال » وإخلاص الأعمال شرط في وجوب القبول » وعند ذلك يذهب عمله باطلا » ولا ينال بسعيه طائلا » وقد تقدم من كلام علي بن أبي طالب » رضي الله عنه ( كونوا لقبول العمل أشدّ اهتماما منكم للعمل ) عند قوله [ ما قل عمل برز من قلب زاهد ] . وتقدّم أيضا الكلام على اتهام النفس في دعائها إلى ما ظاهره خير عند قوله [ إذا التبس عليك امران [ : ٍ وليتعلم الجزم في ذلك من بشر بن الحارث الحافي » رضي الله عنه » كان يقول : » أنا أشتهي أن أحدّث » ولو ذهبت عني شهوة الحديث لحدّثت » . وكان سبب تركه طلب الحديث أنه سمع أبا داود الطيالسي 1 » يحدّث عن شعبة « 2 » » أنه كان يقول : الإكثار من الحديث يصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون !! فلما سمعه منه قال : انتهينا . . انتهينا » ثم ترك الرحلة في طلب الحديث وأقبل على العبادة . وروى أيضا مثل هذا الكلام عن مسعر بن كدام « 3 » . فإذا كان الإكثار من طلب الحديث بهذه المثابة عند إمامي المحدّثين في زمانيهم مع ما فيه من الفوائد الأخروية » فما ظنَك بغيره من محدثات العلوم ومبتدعاتها ؟! ولقد ذكر الشيخ الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ » رحمه الله » بإسناده إلى عبد الله بن (1 ) هو سليمان بن داود بن الجارود مولى قريش ( 133 - 204 ٠‏ - 750 - 819 م ) أبو داود الطيالسي من كبار حفاظ الحديث » فارسي الأصل . سكن البصرة وتوفي بها كان يحدّث من له « مسند » جمعه بعض الحفاظ الخراسانيين . ( الأعلام 3 / 125 » وتاريخ بغداد 9 / 24 »2 وتهذيب الكمال 8 / 34 ) . (2 ) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي ( 82 - 160 ه - 701 - 776 م ) مولاهم » الواسطي ثم البصري ٠‏ أبو بسطام » من أئمة رجال الحديث ٠‏ ولد ونشأ بواسط » وسكن البصرة إلى أن توفي » وهو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين » وجانب الضعفاء والمتروكين . له كتاب « الغرائب » في الحديث . ( الأعلام 3 / 164 » وحلية الأولياء 7 / 144 » وتهذيب الكمال 8 / 344 . ( 3 ) مسعر بن كدام بن ظهير الهلالي العامري الرواسي ( توفي 152 ه - 769 م ) أبو سلمة من ثقات أهل الحديث » كوفي , كان يقال له « المصحف » لعظم الثقة بما يرويه » وكان مرجئا وعنده نحو ألف حديث » وخرّج له الستة » توفي بمكة . ( الأعلام 7 / 216 » وحلية الأولياء 7 ١ 209 /‏ وتهذيب الكمال 18 / 51 . 1446 117 « 290 » مسلمة العقنبي « 1 » ٠»‏ رحمه الله » قال : دخلت على مالك بن أنس » رضي الله عنه » فوجدته باكيا » فسلّمت عليه » فرد السلام » ثم سكت عنّي يبكي : ْ لدان با عد اس عا الى كاف * اق ري ل ليتني جلدت بكل كلمة تكلّمت بها في هذا الأمر بسوط » ولم يكن فرط مني ما فرط من هذا الرأي وهذه المسائل ولقد كان لي سعة فيما سبقت إليه » . قال هذا فيما كان آخذا فيه من المسائل المحققة المبنية على أصول صحيحة غير ملفقة » فما الظنٌ ا لي اليد الي عار حك اليد رفي الي ير الى لشيس وتقليد الرؤساء الجهال دينا قويما وصراطا مستقيما ؟ ! وعلى كل واحد من العالم والمتعلّم أن يشتغل بما هو عليه مما هو مأمور به ومسؤول عنه من م ل ل ل 2 ذكر ربّه » عز وجل . قال وهب بن منبّه : « ذكر طلب العلم عند مالك بن أنس » فقال : إن طلبه لحسن إذا صحّت فيه النية » ولكن انظر ماذا يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسى » ومن حين تمسى إلى حين تصبح وكان سفيان الثوري يقول لأهل العلم الظاهر : « طلب هذا ليس من زاد الآخرة » . وكان يقول : « ليس طلب الحديث من عذة الموت» لكنه غلة يتشاغل به الرحل » ؛ وكان يقول : « لولا أن للشيطان فيه حظًا ما ازدحمتم عليه » يعني العلم . ١‏ فهذه نبذة قصدت إلى بثها في الموضع اللائق بها من هذا التنبيه ليتنبه بها من سبق له من الله زوال العمى عن بصره . ١‏ ومراجعة خوفه وحذره من المعلمين والمتعلمين » وليتبين بها كلام المؤلف رحمه الله غاية التبيين » وبالله الذي لا إله سواه نستعين . 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من آلمك إقبال الناس عليك ٠‏ أو توجههم بالذم إليك فارجع إلى علم الله فيك ؛ فإن كان لا يقنعك علمه فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشدّ من مصيبتك بوجود الأذى منهم ١‏ إنما أجرى الأذى على أيديهم كي لا تكون ساكنا إليهم؛ أن أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك [متى آلمك عدم إقبال الناس عليك] العبد لا ينبغي أن يكون مطمح نظره إِلّا إلى مولاه » فلا يفرح إِلّا بإقباله عليه , (10) عبد انين مسلمة بن قعنب الحارثي ( توفي 221 ٠ه‏ - 835 م ) من رجال الحديث الثقات من أهل المدينة » سكن البصرة » وتوفي فيها أو بطريق مكة » روى عنه البخاري ( 123 ) 18 449 » 291 « ولا يحزن إِلَّا لإعراضه عنه » ولا ينظر إلى المخلوقين في إقبال ولا إعراض » ولا مدح » ولا [ غب عن نظر الخلق إليك ينظر الله إليلك » وغب عن إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك ] . فمتى آلمه عدم إقبالهم عليه » أو توجههم بالذم إليه فليرجع إلى ما بينه وبين ربه » فإن كان قانعا بعمله » راضيا بقسمته كان له في ذلك أعظم سلوان عما يفوته من جهة المخلوقين » بل لا يجد رقع فى قي امال إن بكرن مير من إقدال أن عر اكد وإ لك بكر اضياو نايا عرف سر ذلك على ما يذكره المؤلف الآن رحمه الله تعالى . قال إبراهيم التيمي » رضي الله تعالى عنه » لبعض أصحابه : ما يقول الناس فيّ ؟ فقالوا : يقولون إنك مراء . فقال : الآن طاب العمل . فقال بشر رضي الله عنه : اكتفي واللّه بعلم اله » فلم يحب أن يدخل مع علم الله علم غيره . وقال بشر الحافي : « سكون النفس إلى قبول المدح لها أشدّ عليها من المعاصي » .إنما أجرى الأذى على أيديهم كيلا تكون ساكنا إليهم . أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء . وجود أذى الناس للعبد نعمة عظيمة عليه ٠‏ لا سيما من اعتاد منه الملاطفة والإكرام » والمبرّة والاحترام ؛ لأن ذلك يفيده عدم السكون إليهم » وترك الاعتماد عليهم » وفقد الأنس بهم » فيتحقق بذلك عبوديته لربه عز وجل . قال سيدي أبو الحسن الشاذلي » رضي الله تعالى عنه : « آذاني إنسان مرّة » فضقت ذرعا بذلك ؛ فنمت فرأيت كأنني يقال لي : من علامات الصذيقية كثرة أعدائها ثم لا يبالي بهم » . تقال قفن القار قن :"رز افيف در ان سوط له يرك 2 افر 17 اكات ار 1 لا ذلك لرقد القلب في ظلّ العرّ والجاه » وهو حجاب عن الله عظيم » . وقال سيدي أبو محمد عبد السلام شيخ سيدي أبي الحسن الشاذلي » رضي الله عنهما » في دعائه : « اللهم إن قوما سألوك أن تسخْر لهم خلقك فسخرت لهم خلقك . فرضوا منك بذلك » اللهم إني أسألك اعوجاج الخلق علي حتى لا يكون لي ملجأ إلا إليك » . وقال أبو الحسن الورّاق النيسابوري » رضي الله عنه : « الأنس بالخلق وحشة » والطمأنينة إليهم حمق » والسكون إليهم عجز . والاعتماد عليهم وهن » والثقة بهم ضياع » ل أمك « 292 » وإذا أراد الله بعبد خيرا جعل أنسه به وبذكره وتوكلّه عليه » وصان سرّه عن النظر إليهم . وظاهره عن الاعتماد عليهم 5 وقد قالوا : " الزهاد يخرجون المال عن القن نكوي إلى اش ناكل العلفاء يكرحورن الخلق والمعار فا من القلب تحلقا لله عز جل "2 قال في « لطائف المنن » : 0 . اعلم أن أولياء الله تعالى حكمهم في بداياتهم أن يسلّط الخلق ل هذا الخلق باعتماد » أو يميلوا إليهم باستناد ومن آذاك فقد أعتقك ومن رقّ إحسانه » ومن أحسن إليك فقد استرقك بوجود امتنانه ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : « من أسدى إليكم معروفا فكافئوه » فإن لم تقدروا فادعوا له » كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق » وليتعلق بالملك الحق » قال : وقد قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : « اهرب من خير الناس أكثر مما تهرب من شرّهم ؛ فإن خيرهم يصيبك في قلبك » وشرّهم يصيبك في بدنك » ولأن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك » ولعدو تصل به إلى الله خير لك من حبيب يقطعك عن الله » وعدّ إقبالهم عليك ليلا وإعراضهم عنك نهارا » ألا تراهم إذا أقبلوا فتنوا » قال : وتسليط الخلق على أولياء الله في مبدأ طرقهم سنة الله في أحبابه وأصفيائه . قال الشيخ أبو الحسن » رضي الله تعالى عنه : « اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالل حتى عزوا » وحكمت عليهم بالفقد حتى وجدوا » فكل عز يمنع دونك فنسألك بدله ذلا تصحبه لطائف رحمتك ؛ وكل وجد يحجب عنك فنسألك عوضه فقدا تصحبه أنوار معرفتك " قال : ومما يدل على أن ذلك سنة الله في أحبابه وأصفيائه قوله تعالى وَرَلْزِلُوا .. . الآية [ البقرة : 214 ] وقوله حَنّى إِذَا اسْتَيآَسَ الرُسُْلُ . . . الآية [ يوسف : 110 ] وقوله تعالى وَنْرِيدُ أن نَمُنَّ عَلَى الَذِينَ اه الآيتين [ القصص :5] وقوله أَذْنَ لِلَذِينَ يُقاتلُونَ بأَنّهُمْ ظَلِمُوا . الع 397 إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى ا( وكذلك من استحلى حالا أو ساكن مقاما فمن سنة الله تعالى مع أوليائه تشويش ذلك عليهم » من غيرته على قلوبهم لئلا تستأنس بغيره » ولتلا تتقيد بسواه . قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « ومن المقاطع المشكلة السكون إلى استحلاء ما يلاقيك به من فنون تقريبك ١‏ وكأنه من خلال ما يناجيك يعاتبك » فإنه بكل لطيفة يصفك ويطربك وتحتها خدع خافية » ومن أدركته السعادة كاشفة بشهود جلاله وجماله » لا بإثباته ف احيف احراله . وها بخصنةه عر افخاله و اقداله راداء الطاعاك على رجه ارا سسهادء معدود عندهم من الشهوة الحقئة »., ومن هذا المعنى ما ذكر عن سيدي أبي الحسن الشاذلي » رضي الله عنه » لما دخل على شيخه أبي محمد عبد السلام في أول 1 ١‏ 1 0101 002 « 293 » ما لقيه وسأله عن حاله » فقال له : أشكوا إلى الله من برد الرضا والتسليم كما تشكو أنت من حرٌ التدبير والاختيار . فقال له الشيخ أبو الحسن : أما شكواي من حر التدبير والاختيار فقد ذقته وأنا الآن فيه » وأما شكواك من برد الرضا والتسليم فلم أفهمه ؟ فقال : أخاف أن تشغلنى حلاوتهما عن الله سبحانه » وقال سيدي أبو العباس المرسي ؛ رضي الله عنه : اللطف حَجاب عن اللطيف « يعني : السكون إليه والوقوف عنده وشدة الفرح به» ١‏ وكذلك قال سرى السقطي » رضي الله عنه : « لو أن رجلا دخل إلى بستان فيه من جميع ما خلق الله تعالى من الأشجار ء عليها من جميع ما خلق الله من الأطيار » فخاطبه كل طائر منها بلغته وقال : السلام عليك يا وليّ الله فسكنت نفسه إلى ذلك كان في أيديها أسيرا » . وقال بعضهم : « لا يكون الصوفيّ صوفيا حتى لا تقلّه أرض ولا تظله سماء » ولا يكون له قبول عند الخلق » ويكون مرجعه في جميع أموره إلى الحق » . وقيل : « الفقير : من لا دنيا له ولا آخرة ؛ فإن عرض على مالك قال : ليس من رجالي . وإن سلم إلى رضوان قال : لا أهتدى أليه وليس من رجالي . وإن قلت : من هو ؟ 1 » بينا أنا أدور في جبل لبنان إذ خرج شاب قد أحرقه السموم « 1 » والرياح » فلما نظر إلي ولى هاربا » فتبعته » وقلت له : عظني بكلمة . فقال : احذره ؛ لأنه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبد سواه » . ١‏ وكتب الجنيد » رضي الله تعالى عنه » إلى بعض إخوانه : من أشار إلى الله وسكن إلى غيره ابتلاه الله وحجب ذكره عن قلبه وأجراه على لسانه » فإن انتبه وانقطع ممن سكن إليه ورجع إلى ما أشار إليه كشف الله ما به من المحن والبلوى » وإن دام على سكونه نزع الله من قلوب الخلق حدصي وألبس لباس الطمع فتزداد رغبته فيهم مع فقدان الرحمة من قلوبهم فتصير حياته عجزا » وموته كمذا . ومعاده اهنا ؛ وعرة دنه من السكرن لغيرة” 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده » جعله لك عدوا ليحوشك به إليه» و حرك عليك النفس لتديم إقبالك عليه ). الشيطان عدرٌ مسلط على الإنسان » ومقتضى ذلك أن لا يوجد منه غفلة ولا فترة عن التزيين والإغواء والإضلال . قيل لبعضهم : أينام إبليس ؟ فقال : لو نام لوجدنا راحة . امت ا 0 ل 2 313 تفيل انك عدن تافايتك 21 رلته مز وك وذلك : بتحقيق عبوديتك له وتوكلك عليه . وافتقارك في كل أحوالك إليه » واستعاذتك به من شرٌ عدوّك وعدوٌه » فبذلك تخرج من سلطنته » وتنجو من غائلته » قال الله تعالى :إِنَّ 003 154 » 294 « عِبادِي لَيِسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطانٌ وَكفى بِرَبّكَ وَكِيلّا [ الإسراء : 65 ] وقال عز وجل 0 : 99 ]. فمن تحقق بهذا الصفات العليّة » ومن : الإيمان باللّه تعالى » والعبودية له » والتوكل عليه » اللجاء و الافتار اليه ء و الاستعاذة و الاستجار : يه ؛ كيفك يكون لغدر الله عليه ملطان ؟ 1 الله حبيبه وولي حفظه ونصره . ١‏ ولولا ما أمرهم الله تعالى بالاستعاذة منه ما استعاذوا منه » ومن هو حتى يستعاذ بالله منه ! ! قال سيدي أبو العباس المرسي » رضي اله تعالى عنه . فر ذرله تعالى إنَّ التتيُطان لَكُمْ عَدُوٌ فَانَخِدُوهُ عَدُوَا[ فاطر 6د قوم فهموا من هذا الخطاب أنهم أمروا بعداوة الشيطان فشغلهم ذلك عن محبة الحبيب . وقوم فهموا من ذلك أن الشيطان لكم عدوٌ أي وأنا لكم حبيب فاشتغلوا بمحبته فكفاهم من دونه. وقال أبو حازم » رضي الله تعالى عنه : ومن الشيطان حتى يهاب ؟ ! واللّه لقد أطيع فما نفع . ا ل 0| وقال بعضهم : الشيطان منديل هذه الدار » يعني : يمسح به أقذار النسب » وهي نسبة الشرور ل وهذا سر إيجاده » كما قال الله تعالى :وما أَنْسانِية إِلّا الشَئِطانُ أن أَذْكْرَهُ [ الكهف : 63 ] . وقوله تعالى :هذا مِنْ عَمَلِ الشَيْطانٍ وأما أن له حولا وقوّة يضر بها أو ينفع فلا . قال أبو سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه : ما خلق الله عرّ وجل خلقا أهون عليه من إبليس » ولولا أن الله أمرني أن أتعوّذ منه ما تعوّذت منه أبدا . وقيل لبعض العارفين : كيف مجاهدتك للشيطان ؟ فقال : « وما الشيطان ! ! نحن قوم صرفنا هممنا إليه فكفانا من دونه » وسئل بعضهم : بم تدفع إبليس فقال : لا أدفع من لا أعرف . بالوسوسة إليك . قال أهل العلم : إن لكل أحد من الناس وسواسا موكلا به » مستبطنا قلبه » واضعا رأسه [ أو قال : خرطومه ] فإذا غفل العبد وسوس » وإذا ذكر الله خنس : أي تأخرٌ واستتر . وقال يحيى بن معاذ » رضي الله تعالى عنه : « الشيطان قديم وأنت حديث » والشيطان كسير وأنت سليم الناحية » والشيطان لا ينساك وأنت لا تزال تنساه » وله من نفسك عليك عون 1 0055 » 285 « وقيل : صدر ابن آدم مسكن له » ومجراه من ابن آدم مجرى الدم . رات ار ا يمرن انيما ! وقال مالك بن دينار » رضي الله عنه : « إنّ عدوًا يراك ولا تراه لشديد المؤنة » إلا من عصمه الله » « 1 » وفيه يقول القائل : أشكو عدوًا كيده براني *** ولا أراه حيثما يراني < 2 » وعندما أنساه لا ينساني *** يا سيدي إن لم تغث سباني وقال ذو النون المصري » رضي اللّه عنه 7550 حيت 1 يرى الله فاستكن باش عليه وعن أبي سعيد الخدري » رضي الله تعالى عنه » قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « قال إبليس لربّه عز وجل بعزتك وجلالك لا أبرح أغوى بني آدم ما دامت الأرواح فيهم » قال له ربّه : وعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني » « 3 » . جعله لك عدوا ليحوشك « 4 » به إليه » وحرّك عليك النفس ليدوم إقبالك عليه . ل ل ا ار لا لم ا ل ا 1 ا ل لك وأن يبذل جهده في محاربتك ومقاتلتك بنفسه وبجنده » وبخيله وبرجله » ولا طاقة لك على مقاتلته لدت سك فض احص المدر تارك تن ل عيالة إلى اناب يه سريت القوى المتين » فيوجد منك حينئذ الالتجاء إليه والانتصار به » والتوكل عليه في دفعه عنك . فعداوة الشيطان هي التي ردّك الحمد تعالى بها إليه » وجمعك بها عليه 0000| وكذلك حركة النفس عليك بالحمل على متابعة الهوى والشهوة » بما جعل فيها من الطبع والجبلّة بعنة عطارية ايضيا : وان كات اهدي الأعداء لك ؛ ١‏ بو اسطتيها بتو صاون اليك ؛ بعر ها يعملواق فيما يعود بالضرر عليك من قبل أنك لا تقدر على مجاهدتها وقمع هواها الممتزج : بلحمك ودمك ا بمن هو أقوى منك » وليس ذلك إلا مولاك » فقد دعاك بهذا إلى دوام الإقبال عليه » والعكىوف بالهمٌ عليه . (1 ) أخرجه الترمذي ( قيامة » 21 ) . (2 ) براني : أضعفي وهزلني . ((3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 3 ٠» 29 ١»‏ 41 ) . ( 4 ) حاش القوم الصيد : جاؤوه من حواليه ليصرفوه إلى الحبالة . 006 44 « 296 » وكأن المؤلف - رحمه الله تعالى - قصد في هذه الكلمات إلى ذكر الأعداء الأربعة المذكورين في قول الشاعر : لس إبليس » والدنيا » ونفسي » والهوى*** يا رب أنت على الخلاص قدير وبيّن في كلامه وجود عداوتهم ووجوه الاحتراز منها » وتمم ذلك ببيان أن تلك العداوات » وإن عظمت ٠؛‏ من أعظم الوسائل إلى أسنى المطالب لمن أريد بذلك ووفق له . وأتى بجميع ذلك في ألفاظ بديعة مختصرة » وجيزة محرّرة » فاعرف قدر هذا الفصل ؛. واعترف لواضعه يكمال الثيل و الفضيل , 5 - ثم ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من أثبت لنفسه تواضعا فهو المتكبر حقا إذ ليس التواضع إلا عن رفعة » فمتى أثبتَ لنفسك تواضعا فأنت المتكبر حقا . ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع » ولكن المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع ). إثبات التواضع يقتضي وجود الرفعة لا محالة ؛ إذ لو كانت معدومة لكان ضدّها وهو الضّعة »؛ ثابتا موجودا ولا ينتفي عن العبد التكبر إلا بوجود الضعة » ووجود الضعة لا يحتاج إلى إثبات من العبد ؛ لأنه ثابت في نفسه » فالتواضع الذي أثبته العبد لنفسه لا ينفي عنه وجود التكبّر بالضرورة . وأيضا ء فإن لفظة « التواضع » تؤذن بذلك ؛ فإن التواضع تفاعل من « الضّعة » وأكثر باب وغير ذلك . فصيغة التواضع لا تقتضي حقيقة الضعة وعدم الرفعة » ولا يلزم من وجودها ذلك . والمطلوب من العبد إنما هو أن يتصف بذلك حقيقة لا إظهارا فقط » بأن ينتفي عنه وجود الرفعة بالكلية » وحينئذ يبرأ العبد من التكبّر ولا يكون له وجود البتة . ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع » ولكن المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع. هذا بيان آخر لما ذكره من أن العبد المتواضع حقيقة لا يثبت التواضع لنفسه حقيقة ؛ لأنه يشاهد من ضعة قدره وخمول ذكره وذلته ومهانته ما يمنعه من ذلك . وهذا هو التواضع الحقيقي » وهو : شهوده لذلك » ووجده به وظهور آثاره على ظاهره » بل شهوده لذلك ووجده به مما يقدح في حقيقة تواضعه » كما قال الشيخ أبو عبد الله القرشي » رضي الله تعالى عنه : « من وجد ذوق ذلّه في ذلّه فهو متعزز » وفيه بقية » . 008 009 « 297 » بذلك لنفسه تواضعا ؛ لأنه يرى نفسه دون ما صنع من ذلك لغلبة ذلك الشهود والوجد عليه » فإن أثبته لنفسه » ورأى أن نفسه فوق ما صنع مما يقتضي وجود صفة التواضع له بزعمه فهو متكبر ذلى عطل ذل البهرد »” وقال : « من رأى لنفسه قيمة فليس له من التواضع نصيب » . وقال أبو سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه : « لا يتواضع العبد لله حتى يعرف نفسه » . وقال أبو يزيد » رضي الله تعالى عنه : « ما دام العبد يظنّ أنّ في الخلق من هو شرّ منه فهو متكبّر » قيل : فمتى يكون متواضعا ؟ قال : إذا لم ير لنفسه مقاما ولا حالا » وتواضع كل أحد على قدر معرفته بربه وبنفسه » . وقال أبو سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه : « لو اجتمع الخلق على أن يضعوني كاتضاعي عند نفسي ما قدروا عليه » . وقال أبو يونس بن عبيد الله » رضي الله تعالى عنه » وقد انصرف من عرفات : « لم أشك في الرحمة لولا أني كنت فيهم » . وقيل لمحمد بن مقاتل :119 © > <زاادخ الله لنا". فبكى » وقال : يآ ليتني لم أكن أنا سَبب اهلاككم | | ». ومن علامات التحقق بهذا الخلق أن لا يغضب إذا عيب أو تنقص », ولا يكره أن يدم ويقذدف بالكبائر . ومن علامات تحققه به أيضا أن يشتد حرصه على أن لا يكون له جاه وقدر عند الناس ويلتزم الصدق في حاله بأن لا يرى لنفسه موضعا في قلوبهم » وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : [ ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه ] . ل ا ار ا اال ا ل م بن م ا ته مرات إلى طعامه وهو يطرده ‏ ثم يردّه فيرجع إليه بعد ذلك » حتى أدخله داره في المرّة الرابعة فقال : قد ريّضت نفسي على الذلٌ عشرين سنة حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد » ثم يدعى فيعود » ويرمى له عظم فيجيب ولو رددتني (1 ) محمد بن مقاتل ٠‏ أبو جعفر العباداني » أحد المشهورين بالصلاح والفضل والسنة » روى عن حماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك » وروى عنه موسى بن هارون الحافظ وغيره . مات ل ا ل 258117 0100 » 298 « خمسين مرة ثم دعوتني بعد ذلك لأجبتك ! ! » . قال أبو طالب المكّي » رضي الله تعالى عنه ل ا 0 وهو يأكل » فمدٌ يده وقال : إن كان ثمّ شيء لله تعالى ؟ فقال : اجلس فكل . "اعظ دراك . فأعطاه في كفه . فقعد في مكانه يأكل » فسأله عن امتناعه من الجلوس ل 00 : إن حالى مع الله الال فكرهت أن أفارق حالي ؛ قال : وكان هذا ربما مذ يده إلى الهرّاس « 1 » فيجعل فيها هريسته . ومن أغرب ما رأيت في التواضع ما ذكره صاحب كتاب « عوارف المعارف » قال : « رأيت شيخنا ضياء الدين أبا النجيب » وكنت معه في سفره إلى الشام » وقد بعث بعض أبناء الدنيا له طعاما على رؤوس الأسارى من الإفرنج وهم في قيودهم » فلما مدت السفرة والأسارى ينتظرون ا له السفرة ل ل ان 0 » وظهر لنا على وجهه ما نازل باطنه من التواضع لله تعالى والانكسار في نفسه » وانسلاخه من التكّر عليهم بإيمانه وعلمه وعمله » . وأغرب من هذا ما ذكره صاحب كتاب « بغية الطالب ومنية الراغب » أبو الحسن علي بن عتيق بن يوسف القرطبي « 2 » » رحمه اللّه تعالى » عن أبيه أنه رأى الشيخ الفقيه أبا محمد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن مفيد » وكان من الفقهاء العلماء » وهو يمشي في يوم شات كثير . الل و سسه كي ني ع الطرين الك كار عه قال : فرأيته قد لصق بالحائط وعمل للكلب طريقا ووقف ينتظره ليجوز » وحينئذ يمشي هو ء فلما قرب منه الكلب قال : فرأيته قد ترك مكانه الذي كان فيه ونزل أسفل وترك الكلب يمشي فوقه . قال : فلما جاوزه الكلب وصلت إليه فوجدته وعليه كابة ‏ فقلت له : يا سيدي » إني رأيتك صنعت الآن شيئا استغربته » كيف رميت بنفسك في الطين وتركت الكلب يمشي في الموضع النقيّ ؟ , ْ فقال لي : بعد ان عملت له طريقا تحتي تفكرت », فقلت : ترفعت على الكلب وجعلت نفسي أرفع منه » بل هو واللّه أرفع مني وأولى بالكرامة ؛ لأني عصيت اله تعالى وأنا كثير الذنوب » والكلب لا ذنب له » فنزلت له عن موضعي وتركته يمشي عليه » وأنا الآن أخاف المقت من الله إلا أن يعفو عني ؛ لأني رفعت نفسي على من هو خير مني . (1 ) الهرّاس : صانع الهريسة وبائعها والهريسة : نوع من الحلوى يصنع من الدقيق والسمن والسكر . (2 ) انظر ترجمته في الأعلام 4 / 310 . 1601 002 ا 299 » 6 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( التواضع الحقيقي هو ما كان ناشئا من شهود عظمته » وتجلي صفته ). شهود عظمة الله تعالى » وتجلّي صفته هو الذي يوجب للعبد وجود التواضع الذي ذكرناه ؛ لأ ا ا ال ا تنقلع من القلب شجرة حب الرياسة والكبر إلا به » لا بما يتكلّفه العبد ويتعاطاه بنفسه من أعمال وأحوال . 1 قال الجنيد » رضي الله تعالى عنه : « التواضع عند أهل التوحيد تكبّر » . وقال الشيخ أبو حامد الغزالي » رضي الله تعالى عنه : « ولعل مراده : أن المتواضع يثبت نفسه ثم يضعها » والموحد لا يثبت نفسه ولا يراها شيئا حتى يضعها أو يرفعها » . وقال ذو النون المصري » رضي الله تعالى عنه : « من أراد التواضع فليوجّه نفسه إلى عظمة. الله ؛ فإنها تذوب وتصغر , ومن نظر إلى سلطان الله تعالى ذهب سلطان نفسه ؛ لآن النفوس كلها حقيرة عند هيبته » ومن أشرف التواضع أن لا ينظر إلى نفسه دون الله تعالى » . وفي كتاب « عوارف المعارف » : « ا ل ا ا فك لك غش الكبر والعجب فتلين وتنطبع للحق وللخلق بمحو آثارها وسكون وهجها وغليانها . 7 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا يخرجك عن الوصف إلا شهود الوصف . المؤمن يشغله الشاغل لله عن أن يكون لنفسه شاكراء و تشغله حقوق الله عن أن يكون لحظوظه ذاكرا ). هذه عبارة مليحة موافقة لمعنى ما تقدم الآن » فالوصف المذكور أوّلا وصف العبد » والوصف المذكور ثانيا وصف الرب تبارك وتعالى . المؤمن يشغله الثناء على الله تعالى عن أن يكون لنفسه شاكرا وتشغله حقوق الله عن أن يكون لحطوطة زاكر ا , شكر النفس رؤية نسبة الأفعال الجميلة والأحوال الحميدة إليها » وذلك ثناء عليها » وهو مضادّ الشاء على الله تعالى رذكر حطها در اغتداد إن لها حذا على ما ينكله من اللاغات ؛ وهر مضا للقيام بحقوق الله تعالى . 000 قيقي لا يلتفد” إلى نفسه في نسبة شيء من المحاسن إليها » وفي طلب حظ عليه لها . بل يشغله الثناء الله تعالى والحرص على توفية حقوقه عن جميع ذلك . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 003 164 » 300 « المحبة تقتضي من المحبّ بذل كلياته وجزئياته في مرضاة محبوبه من غير طلب حظ يناله منه ؛ فهذا مما يلزم وجود المحبة » كما قيل : إن المحبّ إذا أحب حبيبه *** تلقاه يبذل فيه مالا يبذل بل يرى ما فعل من ذلك غاية الحظ . وموافقة رضا محبوبه نهاية السعادة والبخت ؛ كما قال أبو حفص عمر بن الفارض « 1 » »: رحنةاه ددالى : مالي سوى روحي ؛, وباذل روحه *** في حب من يهواه ليس بمسرف فلئن رضيت بها فقد أسعفتني *** يا خيبة المسعى إذا لم تسعف ولالك قن المحة : الإيثار » وهو أن لا يدع لمحبوبه ميسورا إلا بذله » ولا ممكنا إلا استعمله » در ا ل ل ل ل وأنشدوا ” لنن بقيت في العين مني قطرة *** فإني إذن في العاشقين ذليل وقال أبو عبد الله القرشي » رضي الله تعالى عنه : " حقيقة المحبّة أن تهب كلك لمن أحببته حتى ليد اك م لا وقال أبو يعقوب السوسي ؛ رضي !الله تعالى غن2 7" حقيقة المحتّة أن يندس العبد حظة من الله تعالى وينسى حوائجه إليه " . وقيل لبعض المحبّين » وكان قد بلغ المجهود في بذل ماله ونفسه حتى لم يبق منه بقية : ما كان و ل ل ع د 5 00 فقال له المحبوب : إن كنت تحبني فأيّ شيء تنفق عليّ ؟ فقال : يا سيدي » أملّكك ما أملك ثم أنفق عليك روحي حتى أهلك » ؛ فقلت : هذا خلق لخلق » وعبد لعبد » فكيف بخلق لخالق » وعبد لمعبود ؟ فكان هذا سببه » فهذا الذي ذكرناه من لوازم المحبّة الحقيقية . اي 100 (1 ) عمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي الأصل . المصري المولد والدار والوفاة ( 576 - 32 ه - 1181 - 1235 م ) أبو حفص وابو القاسم شرف الدين بن الفارض » أشعر المتصوفين يلقب بسلطان العاشقين » في شعره فلسفة تتصل بما يسمى « وحدة الوجود » . ( الأعلام 5 / 55 » وشذرات الذهب 5 / 149 - 153 ) . 005 « 301 » كو الم 1713 الاك : من لم يكن بك فانيا عن حظه *** وعن الهوى وعن الأنس بالأحباب فاديه بين لمر اتيب واقي **7 مال حار لحس با قال آخر : وما أنا بالباغي على الحبٌ رشوة *** ضعيف هوى يرجو عليه ثوابا قال أبو محمد رويم : " من أحبّ العوض بعْض العوض إليه محبوبه " . وقيل : أوحى الله عز وجل إلى عيسى » على نبينا وعليه الصلاة والسلام : « إني إذا اطلعت على قلب عبد فلم أجد فيه حب الدنيا والآخرة ملأته من حبّي " وقال بعض المحبين : « كوشفت بأربعين حوراء ٠‏ رأيتهنٌ يتساعين في الهواء عليهنٌ ثياب من ذهب وفضة وجوهر يتخشخشن ويتثنين » فنظرت إليهن نظرة » فعوقبت أربعين يوما » قال : ثم كوشفت بعد ذلك بثمانين حوراء فوقهنٌ في الحسن والجمال . رقفل لى : انظر إليهنّ . قال : فسجدت وغمضت عيني في سجودي لثلا أنظر إليهنّ . وقلت : أعوذ بك مما سواك لا حاجة لي بِهِنّ » فلم أزل أتضرع إلى الله تعالى حتى صر فهنٌ عني وذكر الشيخ الحافظ أبو نعيم رضي الله عنه قال : « قال « ميسرة » « 1 » الخادم غزونا في بعض الغزوات فإذا فتى إلى جانبي » وإذا هو مقنْع بالحديد » فحمل على الميمنة حتى ثناها : وعلى الميسرة « 2 » حتى ثناها » وحمل على القلب حتى ثناه » ثم أنشد يقول : أحسن بمولاك سعيد ظنا *** هذا الذي كنت له أتمنى تنح يا حور الجنان عنا *** مالك قاتلنا ولا قتلنا كن إلى سديد كن اشتقدا 8" قا لعل ال وها 1 56 قال : فحمل » فقاتل حتى قتل منهم عددا كثيرا » ثم رجع إلى مصافه فتكالب عليه العدوٌ فإذا هو قد حمل على الناس » وأنشأ يقول : قد كنت أرجو ورجاتي لم يخب *** أن لا يضيع اليوم كدي والطلب يا من ملا تلك القصور باللعب *** لولاك ما طابت ولا طاب الطرب فحمل وقاتل فقتل منهم عددا كثيرا » ثم رجع إلى مصافه فتكالب عليه العدوٌ فحمل (1 ) ميسرة بن مسروق العبسي ( توفي بعد 20 ه - بعد 641 م ) قائد من شجعان الصحابة » كان أحد التسعة الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم من بني عبس » وشهد حجة الوداع » ولما كانت الردة ثبت مع قومه » وتولى قيادة جيش عدده نحو أربعة آلاف زحف به من الشام إلى أرض الروم » فظفر وغنم » وهو أول جيش دخل بلاد الروم . ( الأعلام 7 / 339 » وأسد الغابة 4 / 426 ) . 4066 ج10 » 302 « القائقة 8 انناو اق النقنا يور ” يا كعبة الخلد قفي ثم اسمعي *** مالك قاتلنا فكفي وارجعي ثم ارجعي إلى الجنان واسرعي *** لا تطمعي لا تطمعي لااتطيني ل للا را ”! ولأجل ما ذكرناه من اقتضاء مقام المحبّة بذل كلية البذل من المحبّ لزم وقوع الابتلاآت والمطالبات به حتى يحصل له توفية حقوق هذا المقام على التمام ؛ ولهذا قال بعضهم : « أوَّل ما يقول الله عز وجل للعبد : اطلب العافية والجنة والأعمال وغير ذلك ٠‏ فإن قال : لا ما أريد إلا أنت » قال له : من دخل معي في هذا إنما يدخل بإسقاط الحظوظ . ورفع الحدوث » وثبوت القدم » وذلك يوجب له العدم . وقال بعض العلماء : " إذا رأيتك تحبّه » ورأيته يبتليك فاعلم أنه يريد أن يصافيك " . وقال بعض المريدين لأستاذه : طولعت بشيء من المحبّة : فقال له : "ايا بن » هل ابتلاك بمحبوب سواه فآثرته عليه ؟ ! فقال : 5 . قال : لا تطمع نفسك في المحبة ؛ فإنه لا يعطيها أحدا حتى يبلوه " . وقال بعض علمائنا » رضي الله عنهم : « كل أهل المقامات يرجون أن يعفو عنهم » ويسمح لهم » إلا من ادعى المعرفة ا يطلبون بكل شعرة مطالبة » وفي كل حركة وسكون ونظرة وخطوة لله » ومع الله " وقال إبراهيم بن أدهم » رضي الله تعالى عنه » وكان له مقامات في المحبة رفيعة : "قلت ذات يوم : يا رب » إن كنت أعطيت أحدا من المحبين لك ما تسكن به قلوبهم قبل لقائك فأعطني ذلك ؛ فقد أضرٌّ بي القلق . قال : فرأيت في النوم أنه أوقفني بين يديه فقال : يا إبراهيم » أما استحييت مني أن تسألني ما يسكن به قلبك قبل لقائي » وهل يسكن المشتاق دون لقاء حبيبه » أم هل يستريح المحب إلى غير معشوقه » قال : فقلت : يا رب تهت في حبك فلم أدر ما أقول فاغفر لي وعلمني كيف أقول » فقال : قل اللهم رضّني بقضائك » وصبّرني على بلائك وأوزعني شكر نعمائك » انتهى . فللمحبين دقائق خطرات » ولطائف ملاحظات يظهر لهم بذلك الشوق في صفاء حبهم » والبعد في مواطن قربهم » فهم يفرّون منها » ويخرجون عنها مخافة أن تسترقٌ بشيء من ذلك قلوبهم بأدنى ميل أو مساكنة » فموجب لهم ذلك السقوط من مقامهم الرفيع الذي أهلّ لهم وأهلّوا له ؛ للك قال ا ب لي 128 ا رت ارق 2 رو ا ناتعكر اومن معصية العامي » وهو أن يسكن إلى غير الله » أو يستأنس بسواه . 108 9 - 210 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ) (إذلا مسافة بينك وبينه حتى تطويها رحلتك ولا قطيعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك ). السير إلى الله تعالى هو قطع عقبات النفس ومحو آثارها ودواعيها » وغلبة أحكام طبيعتها وجبلتها حنى تظطهر من ذلك + وتحصل ليها أهلية القآرب من الله تعالى + , تضل إلى سعادة لقانه + ولولا معاناة هذه الأشياء لم يتحقق السير والسلوك كيف , والحق تعالى أقرب إلى العبد من نفسه » فالبعد الحسي وهو المسافة التي تطويها رحلته » والبعد المعنوي وهي القطيعة التي تمحوها وصلته محالان في حقه تعالى » لنفي المثلية في الأول » وعدم العندية في الثاني . هذه الألفاظ التي عبّر عنها المؤلف رحمه الله تعالى من : السير » والميادين » والرحلة » والوصلة معنوية تجوزوا بها عن أمور حسيّة » ومرجع جميع ذلك كله إلى علوم ومعاملات يتصف بها العبد لا غير . وهذا الكلام الذي ذكره المؤلف هاهنا وما تقدم له » ولنا » غير ما مرّة » من أن النفس هي الحجاب الأعظم للعبد عن الله تعالى » وأن بمجاهدتها وقمعها » وموتها » تنال سعادة لقاء الله قال بعضهم : ما الحياة إلا في الموت » أي : ما حياة القلب إِلّا في إماتة النفس . 0109 » 304 « وقيل : النعمة العظمى الخروج عن النفس ؛ لأن النفس أعظم حجاب بينك وبين الله تعالى . وقال سيدي أبو مدين » رضي الله تعالى عنه : « من لم يمت لم ير الحق » . وقال سيدي أبو العباس » رضي الله عنه : « لا يدخل على الله إلا من بابين : من باب الفناء الأكبر » وهو الموت الطبيعي » ومن باب الفناء الذي تعنيه هذه الطائفة » . وعن حاتم الأصمّ « 1 » » رضي الله تعالى عنه » أنه قال : من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت : موت أحمر » وموت أسود » وموت أبيض » وموت أخضر » فالموت الأبيض الجوع ؛ والموت الأسود احتمال أذى الناس » والموت الأحمر مخالفة النفس » والموت الأخضر طرح الرقاع بعضها على بعض . وقال سهل بن عبد الله ه رضي الله تعالى عنه : « للنفس سرّ ما ظهر ذلك السرّ على أحد من خلقه إلا على فرعون فقال : أنا ربّكم الأعلى » ولها سبعة حجب سماوية » وسبعة حجب أرضية ؛ فكلما يدفن العبد نفسه أرضا أرضا سما قلبه سماء سماء » فإذا دفنت النفس تحت الثرى وصل القلب إلى العرش ٠‏ يعني : إذا خالفتها وفارقتها . وسبيل المريد إلى الوصول إلى موت النفس إنما يكون بتقديم الافتقار والالتجاء والرغبة إلى مولاه في أن يعينه ويقوّيه على أمر نفسه » ويسهل عليه طريق سلوكه » ويستعمل هذا في كل حال ووقت » وليجعله عمدته فيما هو بسبيله . وقد تقدم من كلام المؤلف ٠‏ رحمه الله ( ما توقف مطلب أنت طالبه بربك ) . وقال بعض العارفين : لا يمكن الخروج من النفس بالنفس وإنما يكون الخروج من النفس بالله » ثم يشتغل بمراعاة حدود الشريعة والطريقة في ظاهره وباطنه » والتزام آدابهما . ولكل عبد عمل مخصوص يقتضى لا محالة حكما مخصوصا يقوم بحقّه » وذلك مختلف باختلاف أحرال الذاس ١‏ فشر كات العية وسكناتة فى اعمالة الظاهر: و مقصوده ١‏ و هيه رإرادته فى اأغداله الاطنة ! 1 1 وكل واحد من القسمين ينبغي أن يأخذ فيه بعزائم الأمور ويجتنب الرخص التي هي من شأن العامة والجمهور حسبما تقدم عند قوله : "من جهل المريد ان يسيء الآدب فتؤخر العقوبة عنه". (1 ) حاتم بن عنوان ( توفي سنة 237 ه - 851 م ) أبو عبد الرحمن المعروف بالأصم » زاهد » اشتهر بالورع والتقشف . له كلام مدون في الزهد والحكم » من أهل بلخ » زاد بغداد واجتمع بأحمد بن حنبل وشهد بعض معارك الفتوح . مات بواشجرد . ( الأعلام 2 / 152 » وتاريخ بغداد 8 / 241 . 40 41 » 305 « فعمل الظاهر إن كان واجبا فليبادر إلى فعله » ولا يتوان عنه » وليقم بجميع آدابه اللازمة له . ويلتحق بذلك ما كان مندوبا إليه إذا علم في أي مرتبة هو . وإنما اشترطنا هذا الشرط » لأن المندوبات التي تعترضه يحتاج فيها إلى تقديم الأولى فالأولى » والأهم فالأهم منها » فإن لم يعمل على هذا وقدم ما ليس بأهم كان متبعا للهوى » لا لموجب العلم وليأخذ في ذلك بالقصد من غير إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تقصير » وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أكلفوا من العمل ما تطيقون فإن اللّه تعالى لا يمل حتى تملوا وإن أفضل العمل أدومه وإن قل » « .»1 وعن أبي هريرة رضي الله عنه » عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الدين يسر ولن يشا الذين أحد إلا غلبه فسددوا وقاريوا وأبشروا » « 2 » . وإن كان حراما فليبادر إلى تركه واجتنابه » وليقطع عن نفسه جميع أسبابه ويلتحق بذلك ما يكون مكروها . وإن كان مباحا فهذا هو محل نظر المريد ؛ فعليه أن يأخذ بالعزيمة فيه » وليقف على حدود الضرورة منه » وليكن اجتنابه لما يشتد ميل النفس إليه » ويعظم حرصها عليه أكثر من اجتنابه لما فقد منه ذلك . ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص ؛ فربٌ شخص تميل نفسه إلى ما لا تميل إليه نفس شخص آخر . فليشتغل المريد بقطع ذلك وزوال علاقته من قلبه بالرياضة والمجاهدة ؛ وليستمر على ذلك حتى يكون وقوفه على ما لا بد منه على وجه الطاعة والقربة » لا على سبيل الهوى والشهوة . وفيما يشتدّ ميل نفوس أكثر الناس إليه ما يكون سبب تناوله واستعماله مراعاة نظر الخلق . والجرىء على عوائدهم السيئة ومراسمهم المذمومة . ومجاهدة النفس في مثل هذا عسيرة جدا » لا سيما على من ابتلي بحبّ الجاه والرياسة وقبول الخلق في ولاية حكم » أو نشر علم » أو غير ذلك فإنها أشدّ الشهوات علاقة بالقلب وأضرّها بالمريد ؛ فيجب عليه أن يعتني بذلك » ويبالغ في تطهير ظاهره وباطنه مما يتعاطاه من أعمال وأحوال . وقد نبهنا على هذا المعنى فى أوّل الكتاب عند قول المؤلف رحمه الله تعاك : ١‏ ( ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه ) . (1 ) أخرجه البخاري ( إيمان ؛ 32 ) ٠‏ ( تهجد ء 18 ) » ( صوم ء 52 ) » ( لباس » 43 ) ومسلم ( مسافرين 215 ٠‏ 221 ) » ( صيام » 177 ) » وأبو داود ( تطوع » 27 ) » والنسائي ( قبلة » 13 ) » ( قيام الليل » 17 ) ٠‏ ( إيمان » 29 ) ٠‏ وابن ماجة ( زهد : 28 ) » والموطأً ( صلاة الليل » 4 ) » وأحمد بن حنبل ( 6 » 40 ٠» 199 » 189 ٠» 122 ٠ 84 ٠» 61 ٠ 51 ٠»‏ . ) 268 ١ 250 . 244.٠ 241١233: 72 02 03 » 306 « ويتعين على المريد في رياضته ومجاهدته أن يمنع حواسه ويكف جوارحه عن التطلّع والجولان في مظان « 1 » وجدان شهواته وسيىء عاداته » وأن لا يجامعها ولا يتفق معها ؛ إن السلامة من سلمى وجارتها *** أن لا تمر - على حال - بواديها فليراقب ربّه » وليحفظ جوارحه وقلبه ؛ فإن الإنسان قد يتحرك مثلا في طلب الخير والعمل من أعمال البرّ فيتفق أن يقع بصره على شيء له فيه هوى وشهوة » فتميل نفسه إليه بالشره والمحبة ٠‏ فيتكدّر عليه وقته » ويظلم قلبه » ويختلٌ عليه في لحظة ما كابد أمرّه في سنة مثلا » وكذلك سائر حواسه . وقد شبّه العلماء رضي الله عنهم النفس في مثل هذا بدابة استعارها رجل من ربّها ومالكها ليتصرف بها في حاجاته » وكانت دابة جموحة صعبة المراس « 2 » » فجاز بها المستعير في بعض تصرفاته على دار مولاها فنزعت إلى دار سيّدها » فإنه لا محالة - يحتاج إلى صرف عنانها » فإن تقاعست « 3 » ضربها بالسوط والعصا حتى يصرفها بذلك عما نزعت إليه » وقد يكون عليه في ذلك تعب ومؤونة . وسبب ذلك إنما هو خطوره بها على دار مولاها الذي ألفته واعتادته » ولو لم يمر بها عليه لسلم » ولم يحتج إلى معاناة ولا مكابدة » فإن تغافل عنها حتى أدخلت يديها في عتبة الباب واستمكنت منها » ثم أراد منعها من الدخول لم تطعه بوجه بل ديد إل كرها اج د ا الت وسبب ذلك إنما هو تمكينها من العمل بمقتضى طبيعتها » وموافقة جبلتها » فكذلك حال النفس » قال : فالنفس إن أعطيتها هواها *** فاغرة نحو هواها فاها " 4 " فللقا كنك الخارة الدزلة كب الراحيات على 7 2 1373331313قاك تكرن براكنة هاددة قد نسيت عوائدها وفترت دواعيها » وبمداومته على ذلك يحصل له من : التزكية » والتخلية والاستقامة » والطمأنينة ما هو المقصود بالرياضة والمجاهدة » فإن اعتراه شيء مما ذكرناه اختل عليه حاله واحتاج من أجل ذلك إلى المجاهدة الشاقة والرياضة الصعبة » وأنى له مع ذلك تلافي ما فاته !! وقد قالوا « وقفة المريد شرّ من فترته " . قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : والفرق بين الوقفة والفترة أن (1 ) مظنة الشيء : موضعه ومألفه الذي يظن وجوده فيه . (2 ) صعبة المراس : أي صعبة المأخذ والمعالجة . 44 415 » 307/7 « الفترة رجوع عن الإرادة » وخروج منها . والوقفة خروج عن السير باستحلاء حالات الكسل » وكلّ مريد وقف في ابتداء إرادته لا يجيء منه شيء « انتهى كلامه رحمه الله . فبدايات الأمور هي التي يجب أن يراعيها المريد » واللّه ولي التوفيق والتسديد . ولا غنى للمريد في هذا القسم عن تحصيل ما يحتاج إليه من العلوم الشرعية على ما ينبغي . وعمل الباطن يرجع حاصله إلى أمر واحد وهو إخلاص التوحيد لله عز وجل باعتقاد العبودية له » وذلك بأن يحمل نفسه على الاستسلام لأحكام الله تعالى » وترك المنازعة والتدبير والاختيار بين يديه . وهذا المعنى هو الذي ضمّنه المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه « التنوير في إسقاط التدبير » فليستعن المريد على ذلك به ولا يقصد برياضته ومجاهدته التوصّل إلى شيء من الكرامات وخرق العوائد وأنواع الإجابات ؛ فإن ذلك فتنة وبليّة قاطعة عليه طريق العبودية . قال أبو عثمان المغربي » رضي الله عنه : « من اختار الخلوة على الصحبة ينبغي أن يكون خاليا من جميع الأذكار إلا ذكر ربّه » وخاليا من جميع الإرادات إلا رضا ربّه » وخاليا من مطالبة النفس من جميع الأسباب » وإن لم يكن بهذه الصفة فإن خلوته توقعه في فتنة أو بلية » . وقال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي » رضي الله عنه : « من عمل ليجد أو يرى لم يفتح له بشيء حتى يكون قصده تحقيق العبودية والقيام بما يجب عليه من حقوق الربوبية » . قال صاحب كتاب « عوارف المعارف » : " من دخل الخلوة معتلا في دخوله دخل عليه قال : وقد دخلت الفتنة على قوم دخلوا الخلوة بغير شروطها وأقبلوا على ذكر من الأذكار واستجمعوا نفوسهم بالعزلة عن الخلق » ومنعوا الشواغل من الحواس كفعل الرهاب » والبراهمة « 1 » » والفلاسفة والوحدة في جمع الهم لها تأثير في صفاء الباطن مطلقا » فكل ما كان من ذلك بحسن سياسة الشرع وصدق المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنتج تنوير القلب والزهد في الدنيا وحلاوة الذكر » والمعاملة لله بالإخلااص من الصلاة والتلاوة وغير ذلك . ما كان من ذلك من غير سياسة الشرع ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتج صفاء في النفس (1 ) البراهمة : قوم لا يجوّزون على الله بعثة الرسل . 46 « 308 » يستعان به على اكتساب علوم رياضية مما يعتني به الفلاسفة والدهريون ٠‏ وكلما أكثر من ذلك كثر البعد من الله تعالى . ولا يزال المقبل على ذلك يستغويه الشيطان بما يكتسب من العلوم الرياضية » أو بما قد يتراءى له من صدق الخاطر وغير ذلك حتى يركن إليه كل الركون ويظنّ أنه قد فاز بالمقصود من الخلوة . ولا يعلم أن هذا الفنٌ من الفائدة غير ممنوع من النصارى والبراهمة وليست هي المقصودة من الخلوة ؛ لقول بعضهم « الحقّ يطلب منك الاستقامة وأنت تطالبه بالكرامة » . وقد يفتح على الصادقين بشيء من خرق العادات وصدق الفراسة وتبيّن ما سيحدث في ١‏ لمستقبل الاستقامة , وما يفتح من ذلك على الصادقين يصير سبب مزيد انتفاعهم والداعي لهم إلى صدق المجاهدة والمعاملة والزهد في الدنيا والتخلق بالأخلاق الحميدة . وما يفتح من ذلك على من ليس تحت سياسة الشرع يصير سببا لمزيد بعده » وغروره » وحماقته » واستطالته على الناس » وازدرائه بالخلق ؛ ولا يزال به حتى يخلع ربقة الإسلام من عنقه » وينكر الحدود والأحكام » والحلال والحرام ؛ 567 : : ثم يتدرج من ذلك إلى الإلحاد والزندقة » نعوذ باللّه من الضلال . وقد يلوح لأقدام خيالات يظنونها وقائع ويسمّونها بوقائع المشايخ من غير علم بحقيقة ذلك » انتهى كلامه رحمه الله وهو في غاية الحسن ونهاية التحقيق ‏ فبمداومة العبد على مثل هذه الأساليب التي ذكرناها » مشاهدا لتوفيق ربّه عز وجل » وتأييده له يحصل له من الله مزيد كثير » وعند ذلك يتطهّر باطنه من جميع الآفات وخبائث الصفات » وتستنير سريرته بأنوار المكاشفات والملاطفات . وقد عبّر الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله عنه » عن طريق موت النفس بعبارات صحيحة مليحة فقال : « قتل النفس في الحقيقة : التبرري من حولها وقوتها » أو شهود شيء منها وردّ دواعيها إليها » وتشويش تدبيرها عليها » وتسليم الآمور إلى الحق سبحانه بجملتها » وانسلاخها من اختيارها وإرادتها » وانمحاء آثار بشريتها عنها . فأمّا بقاء الرسوم والهياكل فلا خطر لها ولا عبرة » انتهى . فهذه هي السبيل إلى موت النفس المفضي إلى حضرة القدس ؛ لكونه جاريا على مقتضى الشريعة ولا بد للمريد في هذه الطريقة من صحبة شيخ محقق مرشد قد فرغ من تهذيب نفسه » وتخلص من هواه » فليسلم نفسه إليه وليلتزم طاعته والانقياد إليه في كل ما يشير 47 54 « 309 » به عليه » من خ غير ارتياب ولا تأويل ولا تردد ؛ فقد قالوا : من لم يكن له شيخ فالشيطان شيخه . وقد قال أبو علي الثقفي » رضي الله تعالى عنه : لو أن رجلا جمع العلوم كلها » وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام » أو مؤدب ناصح » ومن لم يأخذ أدبه من أمر له وناه يرويه عيوب نفسه ورعونات أعماله لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات. وقال سيدي أبو مدين » رضي الله تعالى عنه : «من لم يأخذ الأدب من المتأدبين أفسد من يتبعه». وقال المؤلف - رحمه الله - في « لطائف المنن » : « إنما يكون الاقتداء بوليّ دلّك الله عليه , وأطلعك على ما أودعه من الخصوصية لديه » فطوى عنك شهود بشريته في وجود خصوصيته » فألقيت إليه القياد » فسلك بك سبيل الرشاد » يعرّفك برعونات نفسك في كمائنها ودقائقها » ويدّك على الجمع على الله » ويعلّمك الفرار عمّا سوى الله » ويسايرك في طريقك حتى تصل إلى الله » يوقفك على إساءة نفسك » ويعرّفك بإحسان الله إليك » فيفيدك معرفة إساءة نفسك الهرب عنها » وعدم الركون إليها » ويفيدك العلم بإحسان الله إليك الإقبال عليه » والقيام بالشكر إليه » والدوام على ممرّ الساعات بين يديه . قال : فإن قلت : فأين من هذا وصفه ؟ ! لقد دللتني على أغرب من عنقاء مغرب « 1 » !! فاعلم أنه لا يعوزك وجدان الدالين » وإنما يعوزك وجدان الصدق في طلبهم » جدّ صدقا تجد مرشدا » وتجد ذلك في آيتين من كتاب الله تعالى قال الله سبحانه :أَمّنْ يُجِيبْ الْمُضْطْرٌ إذا دَعاه[ النمل : 62 ] وقال سبحانه :لو صَّدَقُوا الله لكان خَيْراً لَهُمْزِ محمد 21 ] فلو اضطررت إلى من يوصلك إلى الله اضطرار الظمآن إلى الماء » والخائف إلى الأمن لوجدت ذلك أقرب إليك من وجود طلبك » ولو اضطررت إلى الله اضطرار الأم لولدها إذا فقدته لوجدت الحقّ منك قريبا » ولك مجيبا » ولوجدت الوصول غير متعذر عليك ولتوجّه الحق بتيسير ذلك عليك » انتهى . وفي كلامه رحمه اللَّه تنبيه على أن الشيخ من منح الله وهداياه للعبد المريد الصادق إذا صدق في إرادته » وبذل في منا صحة مولاه جهد استطاعته لا على ما قد يتوهمه من لا علم عنده » وعند ذلك يوفقه الله تعالى لاستعمال الأدب معه لما أشهده من عالي مرتبته ورفيع درجته . (1 ) عنقاء مغرب : طائر عظيم أغرب في طيرانه وابتعد فلم يره الناس بعد ذلك » وهو من الأساطير ومثل يضرب للشيء لا وجود له . 09 » 310 « قال سيدي أبو مدين : « الشيخ من شهدت له ذاتك بالتقديم » وسرّك بالتعظيم » الشيخ من هذبك بأخلاقه » وأدبّك بإطراقه » وأنار باطنك بإشراقه » الشيخ من جمعك في حضوره وحفظك في مغيبه » . وقال المؤلف » رحمه الله » في « لطائف المنن » : « وليس شيخك من سمعت منه » إنما شيخك شيخك من دعاك إلى الباب » إنما شيخك من رفع بينك وبينه الحجاب » وليس شيخك من واجهك مقاله إنما شيخك الذي نهض بك حاله » شيخك هو الذي أخرجك من سجن الهوى ودخل بك على المولى » فإن شيخك هو الذي ما زال يجلو مرآة قلبك حتى تحلّت فيه أنوار ربك » نهض بك إلى لله فنهضت إليه » وسار بك حتى وصلت إليه » ولا زال محاذيا لك حتى ألقاك بين يديه فزجٌ « 1 » بك في أنوار الحضرة وقال : ها أنت وربك » . انتهى . وآداب المريد مع الشيخ » والشيخ مع المريد كثرة مذكورة في كتب الأئمة الصوفية رضي الله عنهم » ومن أبلغ ذلك وأوجزه ما ذكره الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الَّه تعالى عنه » قال : « فشروط المريد أن لا يتنفس نفسا إلا بإذن شيخه » ومن خالف شيخه في نفسه سرا أو جهرا فسوف يرى غبّه « 2 » من غير ما يحبه سريعا . ومخالفة الشيوخ فيما يسرّونه منهم أشد مما يكابدونه بالجهر وأكثر » لأن هذا يلتحق بالخيانة . ومن خالف شيخه لم يشم رائحة الصدق » فإن برز منه شيء من ذلك فعليه بسرعة الاعتذار والإفضاح عنا حصل منه من المخالفة والحيانة لبهديه شيخه إلى ما فيه كثارة جرهه + ولد قي الغرامة ما يحكم به عليه » فإذا رجع المريد إلى شيخه بالصدق وجب على شيخه جبران تقصيره بهمّته ؛ فإن المريدين عيال على شيوخهم » فرض عليهم أن ينفقوا من قوت أحوالهم ما يكون جبرانا لتفصيرهم » انتهى . وقال الشيخ العارف محيي الدين أبو العباس البوني « 3 » » رحمه الله تعالى » إياك أن تحقر فعلا يخطر لك أن لا تلقيه إلى الشيخ طاعة كان أو معصية على أيّ نوع برز لك » ولو اختلف عليك ألف مرة في ساعة اختلف إليه ألف ساعة في الخاطر ليعلمك الدواء اادج ازرفى. (2 ) الغب : العاقبة . ( 3 ) هو أحمد بن علي بن يوسف ( توفي 622 ه - 1225 م ) أبو العباس البوني » صاحب المصنفات في علم « الحروف » متصوف مغربي الأصل نسبته إلى بونة . توفي بالقاهرة . له « شمس المعارف الكبرى » وغيره . ( الأعلام 1 / 174 ٠‏ وكشف الظنون 2 / 1062 » وهدية العارفين 1 / 90 ) . 0100 « 311 » الذي تزعجه به » ويحمل عنك همّة » قال « ولقد رأيت تلميذا من أصحاب شيخنا الإمام تاج العارفين أبي محمد عبد العزيز بن أبي بكر القرشيّ ّ المهدوي » رحمه الله تعالى » وكنت جالسا عنده فدخل عليه فقير وفي يده « باقلاة » فقال له : يا سيدي » إن وجدت هذه الباقلاة » فما أصنع بها ؟ فقال له : اتركها حتى نفطر عليها . فقلت : يا سيدي حتى الباقلاة يعلم بها !! قال : يا ولدي ٠‏ لو خالفني في لحظة من خطراته لم يفلح أبدا » , فإذا جوهدت النفس بهذه المجاهدات وقوتلت بهذه المقاتتلات رجعت عن جميع مألوفاتها الدنيئة وعاداتها الرديئة » وزال عنها النفور والاستكبار » ودانت لمولاها بالعبودية والافتقار » وتزكت أعمالها ء وصفت أحوالها . وهذه هي خاصيتها التي خلقت لأجلها » ومزيّتها التي شرفت من قبلها ل ل ا ال ل 2 5ك التي تزول وتفنى » حتى امتنع عليها ما خلقت لأجله من موجب سعادتها وغاية شرفها وإفادتها . فلما تعالجت بما ذكرناه عادت إلى الصحة وإلى طبعها الأصلي فألفت العبودية والتزمتها وصارت بذلك مطمئنة صالحة لأن يقال لهايا أينُهَا النَُ الْمُطْمَئِنَةَ ازجعي إلى رَبْكِ راضِيّة مَرْضِيَةَ فَادْخُلِي فِي عِبِادِي وَادْخْلِي جَنَّتِي [ الفجر : 28 ] قال الشيخ العارف أبو محمد عبد العزيز المهدوي رضي الله تعالى عنه : « النفس المطمئنة هي التي تخلصت من السوء ولم يبقى بينها وبين السوء نسبة » وكانت مبادئها في الاكتساب : الإيمان ؛ والرضا المكتسب ؛ فلما صفت وتطهرت من جهة المخلوقات وزال عنها الحجاب الذي هو صفة الخلق سمعت النداء من مكان قريب فأجابت لعدم الحجاب » فخرجت للمواهب والرضا الوضعي الوهبي الذي قال الله فيه :رَضِيّ اللَهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ[ المائدة : 119 ] فدخلت في رضا الله المطلوب الموهوب » وفي عباده » وجنّته » لا في جِنّتها بوصف كسبها وأعمالها ) انتهى وعلامة وصول المريد إلى هذا المقام الحميد أن تستوي عنده الأحوال » ولا يتأثر باطنه بما يواجه به من قبيح الأفعال والأقوال ؛ لاستغراق قلبه في مطالعة حضرة الكمال . قال أبو عثمان الحيري « 1 » » رضي الله تعالى عنه : « لا يكمل الرجل حتى يستوى قلبه في أربعة أشياء » في : المنع » والعطاء » والعز والذلٌ » وقال محمد بن حنيف » رضي الله 1 ) قر ابو عتمان سعيد ين إسماعيل الحيري [ توفي 0201072-5-298 5 21 ويقيم في نيسابور » صحب شاه الكرماني ويحيى بن معاذ الرازي » ثم ورد نيسابور مع شاه 101 002 » 312 « عنه : « قدم علينا بعض أصحابنا فاعتلٌ » وكان به علّة بالبطن » » فكنت أخدمه » وآخذ منه الطشت « 1 » طول مرضه . فغفوت مرّة » فقال لي : نمت » لعنك الله . فقيل لي : كيف وجدت نفسك عند قوله : « لعنك الله » فقلت : كقوله : « رحمك الله » . وحكى عن إبراهيم بن أدهم » رضي الله تعالى عنه » أنه قال : « ما سررت في الإسلام إِلّا مرات معدودات » كنت في مركب يوما » وكان به رجل يحكي الحكايات المضحكة » فيضحك منه الناس » وكان يقول : رأيت وقتا في معركة الترك « علجا » فقلت هكذا وكان يأخذ بلحيتي » ويمر يده على حلقي هكذا » والناس يضحكون منه » ولم يكن في ذلك المركب عنده أحد أصغر مني ولا أحقر » فسررت بذلك » وكان يوم آخر » كنت جالسا » فجاء إنسان وصفعني من غير سبب » ويوم آخر كنت جالسا فجاء إنسان « وبال عليّ » وكان في وقت حاتم الأصمّ » رضي الله عنه » رجل يسيء القول فيه , وفي أصحابه » ويواجههم كل يوم بالقبيح » فوقع عليه جذع من السقف في بعض الأيام في حال مواجهته القوم بالسبّ والشتم » فمات » فقال حاتم : الحمد لله . فقيل له : هذا خلاف ما تأمرنا به ! فقال : ما حمدت الله شماتة بموته » بل حمدت الله إذ لم أسرٌ بنكبته » . هذا وأشباهه من أحوالهم معلوم ضرورة . وأبلغ من هذا كلّه محبّة الموت وكراهية البقاء في الدنيا ؛ شوقا إلى لقاء المولى قال بعضهم : حقيقة الزوال الهوى من القلب حب لقاء الله تعالى في كل نفس من غير اختيار حالة يكون المرء عليها » فإذا وجد المريد هذه العلامات في نفسه فقد خرج من عالم حسّه ووصل إلى حضرة قدسه وكان كما قال الشاعر : فلك الدهر طوع والأنام عبيد *** فعش كل يوم من زمانك عيد وكما قال سيدي أبو العباس العريف « 2 » » رضي الله تعالى عنه في هذا المعنى : بدا لك سر طال عنك اكتتامه *** ولاح صباح كنت أنت ظلامه 2 فأنت حجاب القلب عن سرّ عيبه *** ولولاك لم يطلب عليه ختامه فإن غبت عنه حل فيه وطنبت *** على موكب الكشف المصون خيامه « 3 » (1 ) الطشت : إناء كبير مستدير من نحاس أو نحوه لغسل الأيدي . (2 ) هو أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي الأندلسي المري ( 481 - 526 ه - 1088 - 1 م) أبو العباس . له شعر ومشاركة في العلوم » وصنف كتاب « محاسن المجالس » نسبته إلى المرية ووفاته بمراكش . ( الأعلام 1 / 215 » ووفيات الأعيان 1 / 168 - 169 ) . (3) الطنب : حبل طويل تشد به الخيمة والسرادق ونحوهما . 003 « 313 » وجاء حديث لا يملّ سماعه *** شهيّ إلينا نثره ونظامه إذا سمعته النفس طاب نعيمها *** وزال القلب عن المعنىّ غرامه وأنشدوا في معناه أيضا » رضي الله عنهم أجمعين : قولي لآمالي ألا فابعدي *** قد أنجز الأحباب لي موعدي قد كنت قبل اليوم مستأنسا *** منك بخلٌ مشفق مسعد إذا نسيم الوصل من نحوهم *** هب فلي عندك ظل ندى وحيث إن لاحت لي أعلامهم *** فليس لي فقر إلى مرشدي وإن لم يجدها في نفسه فليستمر على سلوكه ومجاهداته » ولا يغتر بما قد يتراءى له من سني حالته ؛ فإنه لم يصل بعد » ولم يحصل له من هوى نفسه فقد » وليس طريق موت النفس بقطع جميع الإرفاق عنها » وردّها إلى الاجتزاء بالخشن والنخالة والمبالغة في التقشف ,٠‏ والتقأل مع قطع النظر عن أحوال القلب » وهممه » وقصوره ». وإراداته » وترك الالتفات إلى ما يحمد منها ومايدمٌ » فذلك كله غلو وبدعة » وقد غلط في ذلك طوائف من الناس عملوا عليه في رياضاتهم ومجاهداتهم » ولم يقصدوا بذلك إخلاص العبودية لربّهم » فأدذاهم ذلك إلى اختلال عقولهم » وانحلال قوى أبدانهم » ولم يحصلوا من أمرهم على فائدة » وذلك لجهلهم بالسنة وما كان عليه سلف هذه الأمة . 164 405 » 314 « المراتب السامية اللائقة به » وذلك بإخلاص العبودية لربّه عر وجل » وقطع النظر عن كل ما سواه » و ينظر فى هدارالمعنى إلى ما قاله التداهر ” ير ل ل 1 دكت من الشر المعيو رن سيره 2284 و ادر كت هد بالحففة ناكا ففيم التأني في الحضيض تثبطا *** مقيما مع الأسرى أما حان إسراكا كان الشيخ أبو العباس المرسي » رضي الله عنه » يقول : « الأكوان كلّها عبيد مسخرة لك » وأنت عبد الحضرة » . وقد ورد في بعض الكتب المنزلة : « يا ابن آدم أنا بدك اللازم فالزم بدك » . وفي بعض الآثار المرويّة عن الله عرّ وجل : « يا ابن آدم خلقت الأشياء كلها من لجلك 5 وخلقتك من أجلى » فلا تشتغل بما هو لك عن ما أنت له » . وقال الواسطي » رحمه الله تعالى » في معنى قوله تعالى :ِوَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] قال : بأن سخرنا لهم الكون وما فيه ؛ لئلا يكونوا في تسخير شيء » ويتفرغوا إلى عبادة ربّهم » .إنما وسعك الكون من حيث جسمانيتك ولم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك . ذكرناه » إنما هو باكتفائك به » وقضاء أوطارك منه » ووقوف أملك في نيل حاجاتك عليه . ولا خاصيّة لك في ذلك أيها الإنسان ؛ لأن مرتبتك أجل من ذلك . ا ا 0 التاق بالمكرن ١‏ و هده خاصيتك التى فييها يمر لك و عارك رده كارك فلم نيملها ب 523 ا قال أبو عبد اللَّه بن الجلاء « 1 » » رضي الله تعالى عنه : « من علت همته عن الأكوان وصل إلى مكونها » ومن وقف بهمته على شيء سوى الحق فاته الحق لانه أعز من أن يرضى معه 0 وسئل أحمد بن خضرويه عن أيّ الأعمال أفضل ؟ فقال : رعاية السرّ عن الالتفات إلى شيء سوى الله » . (1 ) هو أبو عبد الله أحمد بن يحيى الجلاء » بغدادي الأصل » أقام بالرملة ودمشق » وكان من أكابر مشايخ الشام » صحب أبا تراب وذو النون المصري ( الرسالة القشيرية ص 403 ) . 406 « 315 » 212 ار الله رضي الله عنه : ( الكائن في الكون ولم تفتح له ميادين الغيوب مسجون بمحيطاته ومحصور في هيكل ذاته ). فمن لازم الكون ؛ وبقي معه » وقصر همته عليه » ولم تفتح له ميادين الغيوب الملكوتية » ولا خلص سيره إلى فضاء مشاهدة الوحدانية فهو مسجون بمحيطاته » ومحصور في هيكل ذاته . وهذه هي صفات أصحاب النار كما قال الله تعالى :أحاطٌ بِهِمْ سُرادِقُها [ الكهف : 29 ] وليس في جهنم عذاب أعظم من السجن والحصر والضيق والقهر » كما قال الله تعالى :وَإذا ألْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيّقاً مُقَرَنِينَ دَعَوَا هُنالِكَ تُبُوراً[ الفرقان : 13 ] وما ذكرناه هو حال من بقي مع نفسه » وعمل على نيل حظه كائنا ما كان . وفي بعض الآثار المروية عن الله عرٍّ وجل : ( عبدي : إجعلني مكان همّك أكفك كلّ هم . ما كنت بك فأنت في محل البعد » وما كنت بي فأنت في محل القرب ؛ فاختر لنف 0055 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون فإذا شهدته كانت الأكوان معك ). فرق بين كونك وكون الأكوان معك ؛ فإن كونك مع الأكوان يقتضى تقييدك بها » وحاجتك إليها » فأنت بذلك عبد لها » ل مر وهذه حالة خسيسة يقتضيها عدم شهودك للمكوّن ٠»‏ وكون الأكوان معك يقتضي ملكك لها » ل ا ما ل ا ا ل الجمادانة و الحيوانات: وقال الشبلي » رضي اله عنه : « ليس يخطر الكون ببال من عرف المكون » . وهذه حالة نفيسة يقتضيها شهودك للمكون .. . حر » . وعن المرّين الكبير » رضي الله تعالى عنه » قال : كنت مع إبراهيم الخوّاص في بعض أسفاره » فإذا عقرب تسعى على فخذه » فقمت لأقتلها » فمنعني » وقال : دعها كل شيء مفتقر إلينا » ولسنا مفتقرين إلى شيء » . وقال محمد بن المبارك الصوفي » رحمه الله تعالى : « كنت مع إبراهيم بن أدهم في طريق بيت المقدس » فنزلنا فى وقت القائلة تحت شجرة رمان » فصلينا ركعتين » فسمعت صوتا من أصل شجرة الرّمان : يا أبا إسحق أكرمنا بأن تأكل منا شيئا . قطاصا إبر اهيمر نهنا 4107 408 » 316 « فقلت : يا أبا إسحق لقد سمعت . . فقام » فأخذ منها رمّانتين » فأكل واحدة » وناولني الأخرى » فأكلتها . وفي غير هذا الحكاية أن الشجرة كانت قصيرة » ورمانها حامض » وأنها تطعم في كل عام مرّة » فعلت . وارتفعت وحلا رمانها » وصارت تطعم في كل عام مرتين » . وكانت السباع « 1 » تجيء إلى سهل بن عبد الله رضي الله تعالى عنه » فيدخلهم بيتا عنده ؛ ويضيفهم » ويطعمهم اللحم . . وقال إبراهيم الخواص » رضي الله تعالى عنه : « كنت في البادية مرّة » فسرت في وسط النهار » فوصلت إلى شجرة » وبالقرب منها ماء فنزلت » فإذا أنا بسبع عظيم قد أقبل » فلما قرب مني إذ هو يعرج » فحمحم « 2 » » وبرك بين يديّ » ووضع يده في حجري » فنظرت فإذا يده منتفخة فيها قيح ودمّ » فأخذت خشبة وشققت الموضع الذي فيه القيح » ومسحته » وشددت على يده خرقة فمضى ؛ فإذا أنا به بعد ساعة جاء ومعه شبلان يبصبصان « 3 » لي » وحمل إليّ رغيفا » . وقال بعضهم : أشرفت على إبراهيم بن أدهم وهو في بستان يحفظه » وقد أخذه النوم » وإذا حيّة في فمها طاقة نرجس تروحه بها . وحكى عن ابن إسحاق الصعلوكي » رحمه الله تعالى » قال : خرجت مرّة إلى الحج » فبينما أنا فى النادية إد فيثك ).فلم بحن اللي على وكات ليله قمر اء : فسميعت اصيرك خفن ضعينة لوالا : يا أبا إسحق . ١‏ قد انتظرتك من الغداة فدنوت منه » فإذا هو شاب نحيف قد أشرف على الموت وحوله رياحين كثيرة » منها ما عرفته » ومنها ما لم أعرفه » فقلت : من أين أنت ؟ فقال : من مدينة « سميساط » « 4 » كنت فى عز وثروة . فطالبتني نفسي بالعزلة » فخرجت وقد أشرفت على الموت فسألت الله تعالى أن يقيَّضِ لي وليا من أوليائه » فأرجوا أنك هو . قال : فقلت له : ألك والدان ؟ قال : نعم » وإخوة وأخوات . السباع والبهائم وبكين معي وحملن إليّ هذه الرياحين » قال : فبينما أنا في تلك الحالة يرق قلبي له إذا بحية أفلك فى فمها ظافة ترزحين نقاله ‏ دح شرك هذه : (1 ) السبع : كل ما له ناب ويغدو على الناس والدواب فيفترسها كالأسد والذئب والنمر . 4 | لط ملينه عل طق ع ادر ساق طعا ف ارو لو لخر لتر ا 22157137 في شق منها يسكنها الأرمن . ( معجم البلدان 3 / 258 ) . 0109 « 317 » فإن اللّه تعالى يغار على أوليائه . قال : فغشى عليّ فما أفقت حتى خرجت نفسه » رحمة الله تعالى عليه ورضوانه » ثم وقع علىّ سنات من النوم فانتبهت وأنا على الجادة قال : فدخلت مدينة « سميساط » بعدما حججت فاستقبلتني امرأة فما رأيت أشبه بالشاب منها » فلما رأتني قالت : يا أبا إسحق كيف رأيت الشاب “فإن انتطرك بمنة قلات ' فذكرت لها الفضة إلى أن قلت ؛ قال اردت أن أشم ريحيه فصناحخك ١‏ وقالت : آه بلغ الشمٌ الشمّ . وخرجت نفسها » فخرجت أتراب « 1 » لها عليهن المرقعات والفوط » فتكفلن أمرها » وتولين شأنها . رضي الله عنهم أجمعين » . فيك يجان امن بكررن مطبي الي ار 1 يوطن نفسه على شيء من المصنوعات فيتكفل الله تعالى بأمره » ويجعل الكون خادما له بأسره . رزقنا الله تعالى وإياكم ما رزقهم » ووفقنا » كما وفقهم » بجوده وكرمه . 4 - 215 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية , إنما مثل الخصوصية كإشراق شمس النهار ظهرت في الأفق وليست منه ). ( تارة ت تشرق شموس أوصافه على ليل وجودك . وتارة يقبض ذلك عنك فيردّك إلى حدودك » فالنهار ليس منك إليك . ولكنه وارد عليك ). ثبوت الخصوصية للعبد لا يلزم منه عدم وصف البشرية » لأن الوصف البشريّ أمر ذاتي » لازم للعبد . والأمور الذاتية اللازمة يستحيل عدمها وانقلابها . وإنما اللازم من ذلك عدم غلبة أحكام ذلك الوصف على العبد فقط لأجل الوارد الغالب فإن قدّر ذهاب هذا الوارد الغالب بقي وصف البشرية غالبا قاهرا » وكان العبد في يديه أسيرا . ومثال ذلك من المحسوسات إشراق شمس النهار على الآفاق المظلمة لتزيل آثار ظلمانيتها » فتستنير بذلك وتشرق » فإذا غابت الشمس رجعت إلى حالها من الظلمة ؛ لأن النور ليس بذاتي لها ء وهو معنى قوله ( وليست منه ) ومعنى الخصوصية المذكورة هو : ما يخص الحق تعالى به أولياءه من ظهور أوصافه العلية » ونعوته القدسية عليهم ؛ ليغطي بذلك أوصاف نفوسهم الدنيئة الرديئة عنهم ؛ لثلا تظره آثار كدوراتها في صفاء أوقاتهم . كما تقدم من قوله : ( إذا أراد أن يوصلك إليه ستر وصفك بوصفه » وغطى نعتك بنعته ؛ فإذا والقربة » من غير حول منهم ولا قوّة ) وهو معنى قوله ( فالنهار ليس منك إليك ) وإن غابت القطيعة والححية كما كانوا قل ذلك . 000 0101 « 318 » والشركن من هذا : الرة عل طوائك غلطت فى" هذا الأمر و تكالت: : ور عمك أن القرف عن الل تعالى والوصول إليه إنما يكون بعدم أوصاف البشرية وزوالها بالكلية » واتصافه بصفات الربوبية بدلا منها . وفسرت بهذا ما عبّر به المشايخ من « الفناء » و « البقاء » فوقعوا من ذلك في ضلال وتزندق . نعوذ بالله من ذلك . والمعنى الصحيح من ذلك إنما هو ما ذكره المؤلف » رحمه الله تعالى » ورضى عنه » هاهنا . 6 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( دل بوجوده آثاره على وجود أسمائه » وبوجود أسمائه على ثبوت أوصافه . وبثبوت أوصافه على وجود ذات » إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه . فأرباب الجذب يكشف لهم عن كمال ذاته » ثم يردهم إلى شهود صفاته . ثم يرجعهم إلى التعلق بأسمائه » ثم يردهم إلى شهود آثاره . والسالكون على عكس هذا . نهاية السالكين بداية المجذوبين . وبداية السالكين نهاية المجذوبين . لكن لا بمعنى واحد ء فربما التقيا في الطريق هذا في ترقيه » وهذا في تدليه ). عباد الله المخصوصون بالقرب منه » والوصول إليه ينقسمون إلى قسمين : سالكين ومجذوبين . ْ ْ 58 فشأن السالكين الاستدلال بالأشياء عليه » وهم الذين يقولون ما رأينا شيئا إلا ورأينا الله بعده . وشأن المجذوبين الاستدلال به على الأشياء » وهم الذين يقولون ما رأينا شيئا إلا رأينا الله قبله . ولا شك أن الدليل أبذا أظهر من المدلول". فأما ما ظهر للسالكين الآثار » وهي الأفعال » فاستدلوا بها على الأسماء » وبالأسماء على الصفات » وبالصفات على وجود الذات » فكان حالهم الترقي والصعود من أسفل إلى أعلى . مر ا للا ل 1ت 3 امك 1ه رجعوا إلى التعلق بالأسماء ثم أنزلوا إلى شهود الآثار . فكان حالهم القدلى والتنزل من أعلى إلى أسفل.. فما بدأ به السالكون من شهود الآثار إليه انتهاء المجذوبين . 0 000 لكن لا بمعنى 002 « 319 » واحد ؛ فإن مراد السالكين شهود الأشياء لله . يمراد المتحذو بين شهوة الأتقاء يانية (الددالكرن عاملون على ظريق الذذاء و المكد؛ والمجذوبون مسلوك بهم طريق البقاء والصحو . ولما كان شأن الفريقين النزول في تلك المنازل المذكورة لزم التقاؤهما في طريق سفرهما : السالك مترقٌ » والمجذوب متدل . 7 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لا يعلم قدر أنوار القلوب والأسرار إلا في غيب الملكوت . كما لا تظهر أنوار السماء إلا في شهادة الملك ). أنوار القلوب والأسرار المشرقة عليها من سماء التوحيد والمعرفة » لا يعرف قدرها إلا في غيب الملكوت وهو : عالم الآخرة . وهناك يحصل لهم تمام هذه الأنوار » فمن آمن بالغيب كان له ذلك الحظّ الأوفر » كما أن أنوار السماء المشرقة على ظواهر الأجرام لا تظهر إلا في شهادة الملك » وعالم الدنيا ؛ وذلك لحصول المناسنة بين هذه الأشياء . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( وجد ان ثمرات الطاعات بشائر العاملين بوجود الجزاء عليها آجلا ). ما يجده العاملون بطاعة الله تعالى في أعمالهم عاجلا من مزيد الإيمان واليقين وتنسّم روح الأنس » ولذيذ القرب ولطيف الوصل بشائر من الله تعالى عاجلة بوجود الجزاء عليها في الدان الآخرة ؛ لأنها مقبولة :عند الله تعالى : وقد تقدم هذا المعنى عند قوله : ( من وجد ثمرة عمله عاجلا فهو دليل على وجود القبول ) . 9 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( كيف تطلب العوض على عمل هو متصدق به عليك , أم كيف تطلب الجزاء على صدق هو مهديه إليك ). العمل الذي يصمّ طلب العوض والجزاء عليه هو : ما عملته لينتفع به غيرك ولم يحصل لك بذلك منفعة » ولم يندفع عنك بسببه مضرة . والأعمال الدينية المطلوبة منك ظاهرا وباطنا بخلاف هذا كله ؛ إذ هى مسلوبة عنك منسوبة إلى ربك خلقها واختراعها » عائد ثمرة ذلك ومنفعته عليك في ظاهرك وباطنك » وهو غنيّ عنك وعنها . ولذلك عبّر عنها بالتصدق والإهداء تنبيها على أن ذلك لم يكن إلا لمنفعتك . فطلب العوض والجزاء إذن - على عمل هذا صفته - في غاية القبح » ولذلك صدّر المؤلف رضى الله تعالى عنه كلامه ب « كيف » ؛ ليعجّبك من ذلك الوصف . قال الواسطي ء رضي الله تعالى عنه : « مطالبة الأعواض على الطاعات من نسيان الفضل » . 003 1404 « 320 » واستعمال المؤلف » رحمه الله تعالى » لفظ « الصدقة » في الأعمال الظاهرة » ولفظ « الهدية » في الصدق وعليه مدار الأعمال الباطنة إشعار بتباينهما في الشرف ٠‏ كتباين الهدية والصدقة . 2221-0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( قوم تسبق أنوارهم أذكارهم » وقوم تسبق أذكارهم أنوارهم » وقوم لا أذكار ولا أنوار ). ( ذاكر ذكر ليستنير قلبه فكان ذاكرا » . وذاكر استنار قلبه فكان ذاكرا ٠‏ والذي استوت أذكاره وأنواره فبذكره يهتدى وبنوره يقتدى ). سبقية الأذكار للأنوار هو حال المريدين السالكين » وذلك ؛ لأن شأنهم المجاهدة والمكابدة » فهم يأتون بالأذكار في حال تكلّف منهم وتعمّل » ليحصل لهم بذلك زوائد الأنوار وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فينا لَنَهْدِيَنْهُمْ سُبْلّنا [ العنكبوت ؛ 69 وسبقية الأنوار للأذكار هو حال المريدين المجذوبين ؛ لأنهم مقامون في السهولة والخفة » فهم لما قال في « لطائف المنن » حاكيا عن شيخه أبي العباس المرسي : « . . وقال رضي الله تعالى عنه : الناس على قسمين : قوم وصلوا بكرامة الله تعالى إلى طاعة الله » وقوم وصلوا بطاعة الله إلى كرامة اللّه » اقل لامكا وحعاين اله يَْتَبِي إلَنْه مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي له مَن يِيبُ[ الشورى : 13]. ميامة 1ع للساو داك 20 > لبها + إلى إن رعييل إلى خصار ناريا 8 يصبدق على فا قري سبحانه وتعالى :وَالّذِينَ جاهَدُوا فينا لَنَهْدِينْهُْ سُبُلَنا[ العنكيوت 097 ومن الناس من فاحاقه غناية الله من عبن طلف ولا استعداد + ويشية لذلك فول تعالن :يختض بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشْاءْ[ آل عمران : 74 ]| » فالأول حال السالكين » والثاني حال المجذوبين » فمن كان مبدؤه المعاملة فنهايته المواصلة » ومن كان مبدؤه المواصلة رد إلى وجود المعاملة ؛ ولا تظنّ أن المجذوب لا طريق له » بل له طريق طوتها عناية الله تعالى » فسلكها مسرعا إلى الله تعالى عاجلا » وكثيرا ما تسمع عند مراجعة المنتسبين للطريق أن السالك أتمّ من المجذوب ؛ لأن السالك عرف طريقا بها توصّل إليه والمجذوب ليس كذلك ء وهذا بناء على أن المجذوب لا طريق له » وليس الأمر كما (1 ) المهمة : المفازة البعيدة ( ج ) مهامه (:2 ) النيداء ؟ الفلاة , 005 « 321 » زعموا ؛ فإن المجذوب طويت الطريق له ولم تطو عنه » ومن طويت له الطريق لم تفته ولم تغب عنه و إنها قاقة فتاهي كلو المدها” والمجذوب كمن طويت له الطريق إلى مكة . والسالك كالسائر إليها على أكوار « 1 » المطايا » اتقين نا دكرة فى حال الحذي و اسار كين وهو حسن قل أن يوجد لغيره » فلذلك أوردته هاهنا بكماله . 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ما كان ظاهر ذكر إلا عن باطن شهود وفكر . أشهدك من قبل أن استشهدك فنطقت بألوهيته الظواهر و تحققت ت بأحديته القلوب و السرائر ). أعمال الظاهر تكون تبعا لما يكون في الباطن وقد تقدم هذا المعنى عند قوله : ( ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر ) فالذكر الظاهر لا محالة ثمرة باطن الشهود والفكر . ثم بين هذا المعنى بقوله :أشهدك من قبل أن يستشهدك فنطقت بإلهيته الظواهر » وتحققت بأحديته القلوب والسرائر . كاشف الله تعالى القلوب والأسرار في غيب الغيب بحقائق وحدانيته وإحاطة قيوميّته » فلمًا أشهدها ذلك اضمحلت وتدكدكت وتلاشت » فتحققت بذلك الأحدية » فلما أظهرها في عالم الشهادة ملتبسة بالأجسام والهياكل طلب منها الشهادة له بالإلهية » فشهدت بلسان حالها ومقالها » فكانت الشهادة منها لما استشهدت تبعا لشهودها لما أشهدت » فالعبد من حيث سرّه وقلبه بوصف الجمع » ومن حيث ظاهره وجسمه بنعت الفرق . ولا بد في هذا الطريق من وجود الجمع والفرق . وقد قالوا : « كل جمع بلا تفرقة زندقة » وكل وقال الجنيد » رضي الله تعالى عنه في معنى الجمع والتفرقة : فتحققتك في سرّي فناجاك لساني *** فاجتمعنا لمعان وافترقنا لمعان إن يكن غيّبك التعظيم عن لحظ عياني *** فلقد صيّرك الوجد من الأحشاء داني وذهب الجنيد رضي الله عنه إلى أن قربه بالوجد جمع ٠‏ وغيبه في البشرية تفرقة . 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( أكرمك بكرامات ثلاث : جعلك ذاكرا له . ولولا فضله لم تكن أهلا لجريان ذكره عليك وجعلك مذكورا به إذ حقق نسبته لديك . وجعلك مذكورا عنده فتمم نعمته عليك ). أكرم الله تعالى عبده المؤمن بثلاث كرامات جمع له فيها كلّ المفاخر والمحامد . أولها : كونه ذاكرا له » بأن أجرى ذكره على قلبه ولسانه » ومن أين له ذلك ؟ وبأي (1 ) أكوار : ( ج ) كور : الرّحل » وهو ما يجعل على ظهر الجمل كالسّرج . 406 « 322 » | وثانيها : كونه مذكورا به » فيقال : هذا عبد الله » ووليّه » وصفيّه » ومختاره » وذلك بما أكرمه الله به من تحقيق النسبة إليه وهي إثبات الخصوصية له » وقد تقدم معنى الخصوصية . وثالثها : كونه مذكورا عنده » وهذه هي غاية الإكرام ومنتهى الفضل والإنعام » قال الله تعالى وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ[ العنكبوت 45 ْ ا ا ال 2 ا 00 غنه ؛ قال : قال لى رسول الله صلى الل عليه وسلم :. ْ ْ « أمرت أن أقرأ عليك القرآن . قال » قلت : يا رسول الله سماني لك ربك ؟ قال : نعم » فقرأ علىّ قل بِقَضْلٍ الله وَبِرَحْمَتِه فبذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعْونَ« 2 » [ يونس : 58 ] . وفي حديث أبي حيّة البدري » رضي الله تعالى عنه » قال تراك دور الم يكن انين كقزرا ين اقل الككاب ا إن احر فا قال جبريل عليه السلام : إن ربك يأمرك أن تقرئها أبيَا » فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي : إن جبريل عليه السلام أمرني أن أقرئك هذه السورة » فقال أبيّ : أو ذكرت ثم يا رسول الله ؟ قال لع فقي اح ار 7 وفي حديث أبي هريرة » رضي الله تعالى عنه » عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يقول الله تغالى : أنا عند ظن عبدي بي ؛ وأنا معه حين يذكرني : إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي » وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا » وإن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا » وإن أتاني يمشي أتيته هرولة » « 4 » . (1 ) أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد ( توفي 21 ه - 642 م ) من بني النجار » من الخزرج » أبو المنذر صحابي أنصاري » كان قبل الإسلام حبرا من أحبار اليهود » مطلعا على الكتب القديمة » يكتب ويقرأ » ولما أسلم كان من كتّاب الوحي » وشهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يفتي على عهده » وشهد مع عمر بن الخطاب وقعة الجابية » وكتب كتاب الصلح لأهل بيت المقدس ؛ وأمره عثمان بجمع القرآن فاشترك في جمعه : وله في الصحيحين وغيرهما 164 حديثا مات بالمدينة . ( الأعلام 1 / 82 ٠»‏ وحلية الأولياء 1 / 0 » وتهذيب الكمال 1 / 465 ) . (2 ) أخرجه أبو نعيم في ( حلية الأولياء 1 / 251 ) » وابن أبي شيبة في ( المصنف 12 / 1 (3 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 3 / 489 ) ٠»‏ والهيثمي في ( مجمع الزوائد 9 / 312 ) » والسيوطي في ( اللآلىء المصنوعة 1 / 1 - 25 ٠»‏ والشجري في ( الأمالي 1 / 92 ) » والسيوطي في ( الدر المنثور 6 / 377 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 36767 ) » وابن أبي شيبة في ( المصنف 10 / 521 ) . (4 ) أخرجه البخاري في ( الصحيح 9 / 147 ) » ومسلم في ( صحيح مسلم 2061 و 2068 ) » وأحمد بن حنبل في ( المسند 3 / 210 ٠»‏ 277 ) و ( بغوي 1 / 126 ) » والسهمي في ( 4 008 « 323 » وفي حديت أبئ هريرة وأبي سعيد يشهدان به على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ما جلس قوم مسلمون مجلسا يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده » « 1 » . قال يحيى بن معاذ » رضي الله عنه : « يا غفول يا جهول لو سمعت صرير القلم حين يجري في اللوح المحفوظ بذكرك لمتّ طربا » . 4 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( رب عمر اتسعت آماده وقلت أمداده » ورب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده » و رب عمر قليلة آماده كثيرة إمداده. فمن بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة و لا تلحقه الإشارة ). الإمدادات الإلهية التي يمدّ الحقّ تعالى بها عباده المؤمنين زيادة في إيمانهم » وتقوية لإيقانهم لا أثر فيها لطول العمر ولا قصره ء فلا تنقص بذلك ولا تزيد به » ولا تقل ولا تكثر » وإنما ترد عليهم من خزائن الفضل والكرم بحسب قوة استعدادهم وكمال قابليتهم » ويختلف هذا باختلاف تراكيب خلقهم ومجبول فطرهم » ولا مدخل للزمان في هذا إلا بالعرض ؛ وبهذا فضلت هذه الأمة تعالى عنه : قد غبطت بني إسرائيل . قال : بأي شيء ؟ قلت : بثمان مائة سنة حتى يصيروا كالشنان البالية » وكالحنايا « 2 » » وكالأوتار . كل لك رك حك نر ل و نيه 1ن لقا أن بيد 1 و لا راز يريد منا إلا صدق النية فيما عنده » هذا إذا صدق في عشرة أيام نال ما نال ذلك في عمره . » . من بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الإشارة . البركة في العمر أن يرزق العبد من الفطنة « 3 » ما يحمله على اغتنام أوقاته » وانتهاز فرصة إمكانه خشية فواته » فيبادر إلى الأعمال القلبية والبدنية » ويستفرغ في ذلك مجهوده - عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 4 / 388 ٠‏ 5 / 22 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 5 »؛» 1136 ٠ ) 5845 ٠‏ والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار ( 4 / 450 ) » وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 6 / 2327 ) » وابن حجر في ( فتح الباري 11 / 209 ) » وابن أبي الدنيا في ( حسن الظن 2 و 3 ) » وأخرجه صاحب ( الإتحافات السنية 70 » 76 » 8 ) » والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 2264 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 10١ 31٠5‏ /277 ) ء وابن كثير في ( التفسير 1 / 313 ٠»‏ 2 / 3 ) وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 9 / 27 ) . (1 ) أخرجه ابن ماجة ( أدب » 53 ) . 0109 5200 » 324 « بالكلية » وفي أثناء ذلك يصل إليه من المنح الإلهية » ويشرق عليه من الأنوار الربانية ما تعجز العبارة عنه » ولا تنتهي الإشارة إليه » وكل ذلك في عمر قصير وزمن يسير » فيرتفع له في شهر - مثلا - ما لا يرتفع لغيره في ألف شهر » بمنزلة ليلة القدر العمل فيها لمن صادفها خير من العمل في ألف شهر . قال بعض العلماء : « كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر » . كان سيدي أبو العباس المرسي » رضي الله عنه يقول : « أوقاتنا والحمد للَّه » كلّها ليلة القدرء فهذا هو البركة في العمر لا تطويله وزيادة مدته » . وقيل هذا المعنى في تأويل ما روى في الخبر : « البرّ يزيد في العمر » « 1 » . 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (الخذلان كل الخذلان في أن تتفرغ من الشواغل ثم لا ت تتوجه إليه » وتقل عوائقك ثم لا ترحل إليه) . 2 أن تصدّك العوائق والشواغل عن التوجّه إلى اللَّه تعالى والرحيل إليه » بل الواجب عليك أن تبادر إلى ذلك وترمي بالعوائق والشواغل خلف ظهرك . وقد قيل : « سيروا إلى الله » عزّ وجل » عرجا ومكاسير » ولا تنتظروا الصحّة ؛ فإن انتظار الصحة بطالة » قال اللَّه تعالى :انْفِرُوا خفافاً وَيِقالَا[ التوبة : 41 ] . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : [ إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس ] فإن زالت شواغلك » وقلّت عوائقك » ثم قعدت عن التوجه والرحيل فهذا هو الخذلان كل الخذلان » أعاذنا الله منه . قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « فراغ القلب من الأشغال نعمة عظيمة » فإذا كفر عبد هذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى وانجرٌ في قياد الشهوات شْوّش الله عليه نعمة قلبة » وسلبه ما كان يجد من صفاء لبْه . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي اله عنه : ( الفكرة سير القلوب في ميادين الأغيارء و الفكرة سراج القلب, فإذا ذهبت فلا إضاءة له ). الفكرة سيرة القلب في ميادين الأغيار . الفكرة التي ألزمها العبد وحضّ عليها هي : سير القلب في ميادين الأغيار فقط » وهي : مخلوقات الله ومكتوعاتة ‏ وأما الفكرة في ذات الله تعالى فلا سبيل إليها » يعتبر المتفكرون في آياته ولا يتفكرون في ماهية ذاته 501 502 » 325 « روى عن ابن عباس رضي الله عنهما : « أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبصر قوما فقال : مالكاة فقالوا : نتفكّر في الخالق . قال : تفكّروا في خلقه ولا تفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره » «1». قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله عنه : « التفٌر نعت كل طالب » وثمرته : الوصول بشرط العلم ؛ فإذا سلم الفكر من الشوائب ورّد صاحبه على مناهل التحقيق » ثم فكر الزاهدين في فناء الدنيا » وقلّة وفائها لطلابها ؟؛ فيزدادون بالفكر زهدا فيها » وفكر العابدين في جميل الثواب ؛ فيزدادون نشاطا عليه ورغبة فيه » وفكر العارفين فى الآلاء والنعماء ؛ فيزدادون محبة للخالق سبحانه وتعالى » . ْ وقال الجنيد » رضي الله تعالى عنه : « أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد » . وفي بعض النسخ : الفكرة : سير القلب في ميادين الاعتبار » ومعناه ظاهر . الفكرة سراج القلب فإذا ذهبت فلا إضاءة له . القلب الخالي من الفكرة خال من النور » مظلم بوجود الجهل والغرور » وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : [ ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها في ميادين الفكرة ] . 227 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الفكرة فكرتان : فكرة تصديق وإيمان » وفكرة شهود وعيان ؛ فالأولى لأرباب الاعتبار . والثانية لأرباب الشهود والاستبصار ). تقدّم الآن أنّ الفكرة سير القلب في ميادين الأغيار » وسيره على وجهين : صعود . ونزول ؛ فالصعود لأرباب الاعتبار » وهي فكرة ناشئة عن التصديق والإيمان . وهذا للسالكين » وهو حال ترقيهم » وهو نعت المستدلين بالآثار على المؤثر » والنزول لأرباب الشهود والاستبصار » وفكرتهم فكرة ناشئة عن الشهود والعيان . وهذا للمجذوبين وهو حال تدليهم » وهو وصف المستدلين بالمؤثر على الآثار ء وقد تقدّم هذا المعنى عند ذكر المجذوب والسالك . وقال رضي الله عنه ؛ مما كتب به لبعض إخوانه : ا ع كر + و0 ار داسو ىالا واوا مستقرّه » وذكر 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة | لمتقين 1 / 162 ) » والسيوطي في ( الدرر المنثور / 110 ) والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 4 / 410 ) . بن[ قم 503 5204 » 326 « وقد أتى - رحمه الله تعالى - في ذلك بعبارات صحيحة فصيحة » واستعارات حسنة مليحة » على طريقة وعظية , إذا سمعها السامع طرب لها قلبه » وهام فيها عقله ولبّه » وما ذاك ؛ إِلّا لما علق بها من أنوار قلب المتكلم » وقد قال فيما تقدّم : ( كلّ كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز .) أما بعد : فإن البدايات مجلات النهايات . المجلات : محل التجلّي والظهور ؛ فالسالك في ابتداء سلوكه يتجلّى له أمر نهايته .وإن من كانت باللّه بدايته كانت إليه نهايته . هذا بيان ما ذكره » ومعنى كون بدايته بالله أن تكون مجاهداته ومكابداته « 1 » وأنواع رياضته مصحوبة بالاستعانة بالله تعالى والاعتماد عليه » والانقطاع إليه » فبذلك يصح له وينفذ في توجهه وسلوكه » كما تقدّم عند قوله : ( ما توقف مطلب أنت طالبه بربك ) . وحعقى كون انتياتة إلى الل أن تكشق له اقفر اد الله قفال بالقرومية : و تو كدة بالديدو ملة :.وآنة الأول والآخر والظاهر والباظن انكشافا يظهر لهد يه غدمية ذاته وكلاشيه + وتدكدكه واكمخلاله » قال الله تعالى :بل نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْباطِلٍ فَيَدْمَعُْةُ فإذا هُوَ زاهِقٌ [ الأنبياء : 18 ] . فإذا صحت للمريد تلك البداية بما ذكرناه وصل إلى هذه النهاية . ل 1 والمشتغل به هو الذي أحببته وسارعت إليه » والمشتغل عنه هو المؤثر عليه . المشتغل به » أيها المريد السالك ٠‏ إنما هو عملك على التقرّب من ربّك عر وجل » والتوسّل إليه ذلك الشغل ؛ بل تكون به قرير العين . والمشتغل عنه : إنما هو متابعة حظوظك العاجلة » ومراداتك الزائلة » وهو الذي يستحق الإيثار عليه ؛ إذ هو فان » مضمحل ؛ لا حقيقة له » فلتطب عنه نفسا » ولا تعمل فيه عقلا ولا حسًا . وهذا الكلام تهييج للسالك » وإنعاش لقوّته » وإنهاض لهمّته » قال الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن الحتكلى »رح اد عله ٠‏ سفعت عيد انه بن إنسحاق لعافتي ينول :ها انتفعت إلا تدهاء ركلا بمكة » مررت إلى المسجد الحرام بالسحر فإذا رجل يسفٌ ) 1 ( المكابدة : كابد الأمر مكابدة : قاسى شدته وعانى مشقته . 505 » 327 « التراب » فقلت : مجهود أو مجنون ؟ ! ثم قلت له : يا هذا » أتسفّ التراب ؟ ! قال : فقال لي : أو تراب هو ء ثم ناولني . قال : فما شككت أنه سويق أو قند « 1 » أنا أشكَ أيّهما . قال : فقلت : ولي لله » وجثوت « 2 » على ركبتي وقلت : ادع الله لي . فقال لي : عرّفك الله قدر ما تطلب حتى يهون عليك ما تترك » . وإن من أيقن أن الله يطلبه صدق الطلب إليه » ومن علم أن الأمور بيد الله انجمع بالتوكل عليه . العبد مطلوب لربّه » عز وجل » بإقامة وظائف العبودية له » وذلك بما اختصه به » عز وجل » من العقل والفهم » وما رزقه من المعرفة والعلم . وثمرة ذلك الطلب عائدة إلى العبد » فلم لا يصدق العبد في طلبه واجتهاده إذا أيقن بذلك ؟ والأمور كلها بيد الله تعالى » ومن ذلك : سعيه » وكدحه ء فلم لا يتوكل عليه في ذلك فيجتمع همه ويتيسّر أمره ؟ إذا علم بذلك فالقسم الأؤل قيام بمقتضى الشريعة » والقسم الثاني وفاء بحق الحقيقة .وأنه لا بد لبناء هذا الوجود من أن تنهدم دعائمه وأن تسلب كرائمه . ذكر هذا المعنى تسلية للعبد عمًا يفوته في حال سلوكه من حظوظه وشهواته ؛ لأنه إذا علم أن هذه الأشياء لا بد أن تزال عنه » ولو بعد حين وكلّ ما هو آت قريب » لم يغتبط بما يكون مآل أمره إلى ذلك » ويكون طيب النفس بتركه » وتهديم الدعائم وسلب الكرائم من الاستعارات البديعة .فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى قد أشرق نوره وظهرت تباشيره . فرح العبد بالأشياء الفانية هو موجب للزيادة في همّه وغمّه إذا فقدها . قال سيدي سهل بن عبد الله » رضي الله عنه : « من فرح بغير مفروح به استجلب حزنا لا انقضاء له » , وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : ( ليقلَ ما تفرح به يقل ما تحزن عليه ) » فالعاقل لا يفرح بذلك ؛ ولا يحبه » بل يكرهه ويبغضه . وإنما يكون فرحه بالأمور الباقية التي لا تفنى » قد أشرق نور ذلك في قلبه » وظهرت تباشيره على وجهه . وإشراق النور » وظهور التباشير نتائج تحققه في مقام الزهد .فصدف عن هذا الدار مغضيا « 3 » وأعرض عنها موليا (1 ) القند : عصارة قصب السكر إذا جمد . 9 | الففحية: الكذدة و السنتكة] 506 507 « 328 » سكنا , فلما كان العبد على هذا الوصف صدف عن هذه الدار الدنيوية » أي : مال عنها مغضيا جفنه عن أقذائها من غير مبالاة بذلك معرضا عنها بوجه قلبه » قد ولّاها دبره من غير التفات إليها . وهذا مبالغة في نبذها واطراحها » فلم يتوطنها بظاهره على سبيل التمتع بها والاستبشار » ولم يساكنها بباطنه على جهة المحبّة لها والإيثار » بل نزلها منزلة السجن والمضيق » ووطن نفسه فيها على تحمّل ما يطيق وما لا يطيق . 3ك على تكققة راز هذ فى الأمرر القائية الك فى يفيفلة 33 فلما وفلل إلن ذلك حصل له من طهارة قلبه » وصفاء لبه ما حمله على التعلق بمولاه الباقي الدائم فجعل دنياه مخَيرآ يعبره إليه كما سيقوله المؤلف الآن .بل أنهض الهمة فيها إلى الله تعالى » وسار فيها مستعينا به في القدوم عليه . هذا ابتداء سفره بقلبه إلى الحضرة العلية » وبدأ بإنهاض الهمّة إلى ربّه » والاستعانة به في القدوم عليه » وهو أساس أمره كما تقدّم . قال الشاعر : إذا لم يعنك الله فيما تريده *** فليس لمخلوق إليه سبيل وإن هو لم يرشدك في كل مسلك *** ظللت ولو أن السّماك « 1 » دليل قال أبو محمد الجريري » رضي الله تعالى عنه : « من توم أن عملا من أعماله يوصّله إلى مأموله الأعلى أو الأدنى فقد ضلّ عن طريقه ؛ لآن النبي صَلَى الله غليه وسلم قال > < لن ينجي أحدا منكم عمله » << 2 » فما لآ ينجي من المخوف كيف يوصل إلى المأمول ؟ ومن صم اعتماده على فضل الله فذلك الذي يرجى له الوصول » . فما زالت مطية عزمه لا يقر قرارها » دائما تسيارها إلى أن أناخت بحظيرة القدس وبساط الأنس مهن المنائفة و لمر احية و المكاليية و السكانة ار المت هدو التشالكية ١‏ مهدا كا الحصد امعتن قلوبهم إليها يأوون » وفيها يسكنون . هذه استعارات مليحة استعملها في سفر القلب إلى حضرة الربٌ . وقد تقذم معنى ذلك عند قوله : ( لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ) . وحضرة القدس » وبساط الأنس هما موضع محط الرحال » وبلوغ الأوطار والآمال » من قبل أن السالك تمحى عنه رسوم بشريته » وتبطل أحكام إنيّته » وتنكشف له (1 ) السّماك : السماكان : نجمان نيران » يقال لأحدهما : السماك الرامح وللآخر السماك الاعرن:. (2 ) أخرجه البخاري ( رقاق » 18 ) » ومسلم ( منافقين » 71 ) » والدارمي ( رقاق » 24 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 » 451 » 482 » 488 ١» 514 ٠ 503 » 495 ٠»‏ 537 : 3 ؛ 362 ) . 508 509 » 329 « إذذاك أوصاف معروفة كرأي العين » ويكون سره مع الله تعالى بلا أين » فلما وصل إلى هذه الحضرة العلية » ونال هذه المنقبة السنية » قوبل بأنواع من الكرامات والألطاف ٠‏ وفنون من تحف السادات والأشراف » وهى معانى هذه الألطاف الستة التى ذكرها المؤلف » رحمه الله تعالى » ولا تعرف إلا بالذوق ٠‏ وكذلك التفرقة بين معانيها . .. فحينئذ ألقى السائرون عصا سيرهم » وحمدوا عاقبة أمرهم » وصارت حضرة محبوبهم معشش قلوبهم » ومستوطنهم في ذهابهم وإيابهم » إلى ظلها يأوون إذا صلي غيرهم بنيران هواه » وفي دار المقامة يسكنون حين يزعج سواهم عن متعة دنياه » وهاهنا حصل لهم التحقق بمقام الفناء والمحو . وهذا هو انتهاء سفرهم بمعنى الصعود والترقي . فإذا نزلوا إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ فبالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين ٠‏ فلم ينزلوا إلى الحقوق بسوء الأدب والغفلة » ولا إلى الحظوظ بالشهوة والمتعة » بل دخلوا في ذلك بالله » ولنه ومن ابن واإلى امه هذا هو سفر التدلي والنزول » وبه يتحققون بمقام البقاء والصحو ء فإذا نزلوا من سدرة منتهاهم « 1 » إلى سماء الحقوق » وهي حقوق الله عليهم مما أمرهم به أو نهاهم عنه » ليقوموا بذلك فعلا أو تركا ء أو إلى أرض الحظوظ » وهي : حظوظ نفوسهم التي تلابسهم » ويحصل لهم الارتفاع بها » فإنما يكون نزولهم إلى ذلك بالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين . ومعنى ذلك : أن يدخلوا في الأشياء بمراد الله تعالى » لا بمراد أنفسهم » ويجدون الإذن من الله تعالى لهم بما يشرق في قلوبهم من النور الذي يجعله الله علما على ذلك . وقد ذكره سيدي أبو الحسن في بعض كلامه » قال رضي الله عنه : « ومعنى الإذن للوليّ : نور ينبسط على القلب يخلقه الله فيه وعليه » فيمتد ذلك النور على الشيء الذي يريده فيدركه نور مع نور + أو ظَلمَِة تحت ذلك الثور ينبئك أن تأخذ إن شفت٠‏ أو تتزرك٠‏ أو تختار © أو تدير © أو تعطى , أو تمنع ٠‏ أو تقوم ٠‏ أو تجلس » أو تسافر » أو تقيم » هذا باب المباح المأذون فيه بالتخيير ٠‏ فإذا قارنه القول تأكّد الفعل المباح بمراد الله تعالى ؛ فإن قارنته نيّة صحيحة لفعل بر زال عنه حكم المباح وصار مندوبا . وإن ظهرت الظلمة تحت النور الممتد من القلب » فلا يخلو أن يلوح عليه لائح الغضب بانقباض القلب » فاحذر ذلك وتجنبه ؛ فإنه المحظور أو يكاد » ولا تقطع بذلك إلا ببينة من كتاب الله تعالى ؛ أو سنّة أو إجماع » أو خلاف لمقلّد قلّدته » كمالك 510 » 330 « والشافعي أو غيرهما من العلماء الراسخين » فاحكم إذن على أصل صحيح وإن تكن الظلمة شبه غيّم لا يتصدّع معه القلب » ولا يتفزع به الذهن فتباعد عنه ؛ فإنه يكاد يكون مكروها ء ولا تحكم بعقلك ورأيك ؛ فقد ضلّ من هاهنا خلق كثير » ولا تفت أحدا إن استفتاك , وأعط الورع حقّه :ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ به عِلّمٌّ [ الإسراء : 36 1 » فإن تأذبت هاهنا فعن قريب تأتيك البيّنة من ربّك والشاهد يتلوها منه » . انتهى كلام سيدي أبي الحسن » وهو مناسب لما ذكره المؤلف , إلا أنّ ما فيه من التفصيل لم يتعرض له المؤلف » بل بقي الأمر في ذلك مجملا » كما تراه وتقديره : « فإذا نزلوا إلى الحقوق واستعملوا فيها لم ينزلوا إليها بسوء أدب ولا غفلة » وهو أن شياو اتسين نامل الشييع ٠‏ ار يظليوا دراب عبيا دن جمدت رإن انز ايا لل الحكر طلم ينزلوا إليها بشهوة غالبة قاهرة لهم » ولا منفعة يقصدون إلى نيلها في دنياهم » بل دخلوا في ذلك بالله مستعينين » ولله عابدين » ومن الله آخذين , وإلى الله متوسّلين » قد تولى الله تعالى إدخالهم في الأشياء وإخراجهم منها » وأوجدهم ذلك » وعزل عنهم ملكية نفوسهم لهم » وصاروا أحرارا كراما .وقل ربٌ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ؛ ليكون نظري إلى حولك وقوتك إذا أدخلتني » واستسلامي وانقيادي إليك إذا أخرجتني . المدخل ؛ والمخرج : الإدخال والإخراج » وقد عبّر بهاتين العبارتين عن السفرين المذكورين ؛ فالمدخل : هو سفر الترقي ؛ لآنه دخول على الله عز وجل في حالة فنائه عن رؤية غيره . والمخرج : هو سفر التدلي ؛ لأنه خروج إلى الخليفة لفائدتي الإرشاد والهداية في حالة بقائه بربّه اهدي ار وإنما طلب هذا ليحصل له به ذهابه عن رؤية نفسه في النسبة والوقوف مع الحظ ؛ ففي المدخل يشاهد حول الله تعالى وقوّته » فينتفي عنه بذلك النسبة إلى نفسه » وفي المخرج يستسلم لربّه وينقاد إليه فينتفي عنه بذلك مراعاة حظه . شهود نفسي » ويغنيني عن دائرة حسي . طلب من الله تعالى النصرة له ليستقيم أمره . وطلب منه النصرة به ليكمل حاله » فالنصرة له هي باذك ار باك اللدا شوو لكي ١‏ ناب نكر نسي علي فطع جات النسر نهر دواعي الهوى والحس . 511 « 331 » والنصرة به هي مقتضى حال أرباب النهايات من المحققين ؛ لأن بذلك يحصل لهم مرتبة الأمانة ومقام الإرشاد والهداية . وكلُ واحد من القسمين نصرة على شهود النفس » وفناء عن دائرة الحس . وإخراج النصرة عليه من السؤال والطلب ؛ لأن ذلك من الخذلان وعدم التوفيق وهو غلبة أحكام نفسه وبقاؤه مع دائرة حسه . وقال رضي الله تعالى عنه مما كتب به لبعض إخوانه : إن كانت عين القلب تنظر أن الله واحد في منته » فالشريعة تقتضي أنه لا بد من شكر خليقته . إذا أوصل الحق تعالى إليك نعمة على يد إنسان » سواء كانت دينية أو دنيوية . فعليك في ذلك وظيفتان : إحداهها : أن قتنية انفر اد الله تعالى يذلك قلا تَرين التحمة إلا مند واحذه » وترى من سواه » معن أجراها على يديه » مقهورا مجبورا على ذلك , مسلّطا عليه الدواعي والبواعث حتى لم يجد انفكاكا عنه » وهذا هو حق التوحيد . والثانية : أن تشكر من وصلت إليك على يده بأن تدعو له وتثنى عليه امتثالا لأمر الله تعالى ؛ وعملا بما جاءت به الشريعة » قال الله تعالى :أن اشكْر لِي وَلِوالِدَيْكَ[َ لقمان : 14 ] . وفي حديث النعمان بن بشير » رضي الله عنه » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير » ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله » « 1 » ) . وفي حديث أسامة بن زيد » رضي الله تعالى عنه » قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أشكر الناس لله أشكرهم للناس » « 2». ولأن الله تعالى اختصّه بأن أقامه في ذلك وأهّله له . ومن أسمائه تعالى « الشكور » ؛ فليتخلّق العبد بذلك . وهذا هو حقٌ الشرع .[ وأن الناس في ذلك على ثلاثة أقسام : غافل منهمك في غفلته ل | غافل منهمك في غفلته قويت دائرة حسه وانطمست حضرة قدسه ء فنظر الإحسان من المخلوقين ولم يشهده من رب العالمين : إما (1 ) أخرجه أبو داود ( أدب » 11 ) » والترمذي ( برّء 35 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 » 258 » ١ 388 ١» 303 » 5‏ 461 » 492 »؛ 3 ١ 5 ١ 375 ١ 278 ١ 4 ١» 74 ١» 32 ١»‏ 211 : 6.02 (2 ) أخرجة احمد بن حنبل ( 15 212 ). 512 513 » 332 « اعتقادا فشركه جلي » وإما استنادا فشركه خفي . هذا هو بيان أحوال الناس بالنسبة إلى مشاهدة التوحيد » ورؤية الوسائط والعبيد . فبدأ بذكر عامة الناس » وهم الغافلون المنهمكون في غفلتهم » أصحاب الظواهر والرسوم الذين قويت دائرة حسّهم فقيّدتهم » ووقفوا معها » وانطمست حضرة قدسهم فأبعدتهم ولم يجلوا بها دعرو دعا د محري لحتو لود ركطدرا لج له لا ا ل 1711 ٠.‏ .4 واستوجهوا كر ونقمت ١‏ أحدهما : أن يعتقدوا ذلك بقلوبهم أنه منهم ومن قبلهم . وهذا هو الشّرك الجليّ الذي يخرج صاحبه من دائرة الإسلام ويوقعه في الكفر » والعياذ بالله . والثاني : أن يحصل ذلك منهم استنادا » إي اعتمادا » على غير الله » وسكونا إلى سواه » مع سلامة عقدهم وصدورهم . وهذا هو الشرك الخفي الذي يخرج صاحبه عن حقائق الإيمان ويدخله أبواب النفاق . ونعوذ بالله من الشرك جليّه وخفيّه .[ وصاحب حقيقة غاب عن الخلق بشهود الملك الحق . . . الخ ] وصاحب حقيقة غاب عن الخلق بشهود الملك الحق » وفنى عن الأسباب بشهود مسبب الأسباب غريق الأنوار مطموس الآثار قد غلب سكره على صحوه » وجمعه على فرقه » وفناؤه على بقائه ؛ وغيبته على حضوره .. هذا هو حال الخاصة من أرباب الحقائق » وهم الذين غابوا عن [ شهود ] الخلق بشهود الملك الحق » فلم يقع لهم شعور بهم ء ولا التفات إليهم » وفنوا عن الأسباب برؤية مسبب الأسباب » فلم يروا لها فعلا ولا جعلا » فهم مواجهون بحقيقة الحق ظاهر عليهم سناها » أي نورها وضياؤها » ملكو افيف لفن قن سوا على هذاه أي : وصلوا إلى غايتها ومنتهاها , إِلّا أنهم غرقوا في بحار أنوار التوحيد » مطموس عليهم آثار الوسايط والعبيد » أي : مغلق عليهم رؤية ذلك والشعور به قد غلب سكرهم » وهو : عدم إحساسهم بالأغيار » على صحوهم » وهو : وجود إحساسهم بها » وجمعهم » وهو ثبوت وجود الحق فردا » على فرقهم وهو ثبوت وجود الخلق » وفناؤهم » وهو : استهلاكهم في شهود الحق على بقائهم وهو شعورهم بالحلق » وغيبتهم وهو ذهاب أحوال الخلق عن نظرهم على حضورهم مع الخلق . ومعاني هذه الألفاظ » كما تراها » متقاربة » وهي ألفاظ تداولها الصوفية المحققون بينهم وعبّروا بها في كتبهم » ووضعوها على معان اختصوا بفهمها ؛ ليتعرّف بعضهم من 514 515 » 333 « بعض ما يتخاطبون به » ولهم ألفاظ كثيرة غيرها » وكأن المؤلف رحمه الله تعالى أردا أن لا يخلو فرقه يحجبه عن جمعه » ولا فناؤه يصده عن بقائه » ولا بقاؤه يصده عن فنائه » يعطي كل ذي اك قلط رارق اراي دق كد هذا هو حال خاصة الخاصة الذين حازوا رتب الأكملية ؛ وهم قوم شربوا كؤوس التوحيد فازداد صحوهم » وغابوا عن الأغيار فازداد حضورهم ؛ وقد ملكوا الأحوال » وتمكنوا في مقامات الرجال » فلم يغلبهم محو عن طيّ ؛ ولم يحجبهم شيء عن شيء بل وفوا حقوق جميع المراتب » وأعطوها مالها من قسط واجب » وذلك لاتساع نظرهم ؛ ونفوذ بصرهم » وهذه هي صفة الصدّيق » رضي الله تعالى عنه في القصة الذي يذكرها الآن . [ وقد قال أبو بكر الصديق . . . الخ ] وقد قال أبو بكر الصديق » رضي الله تعالى عنه » لعائشة » رضي الله تعالى عنها » لما نزلت براءتها من الإفك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة » أشكري رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : واللّه لا أشكر إلا الله دلها أبو بكر رضي الله تعالى عنه على المقام الأكمل . مقام البقاء المقتضى لإثبات الآثار وقد قال الله تعالدآن اشكُر لِي وَلِوالِدَيْكَ [ لقمان : 14 ] وقال صلى الله عليه وسلم + :زر لا يشكر الله من لا يشكر الناس ©» << 1 #6 وكانت هي في ذلك الوقت مصطلمة عن شاهدها غائبة عن الآثار فلم تشهد إلا الواحد القهار هذا مثال هذين القسمين » وقد أشبع المؤلف - رحمه الله تعالى - الكلام فيه . والمعنى في ذلك بيّن » لا حاجة بنا إلى مزيد من تنبيه عليه إِلّا قوله ( وكانت في ذلك الوقت مصطلمة ) أي : منقطعة عن شاهدها » وهو حكم بشريتها متوفاة عن إحساسها بالكلية ؛ والاصطلام نعت الحيرة » ومحل القهر وصفة الدهشة . وفي قوله ( وكانت هي في ذلك الوقت ) إشعار بأن ذلك لم يكن حالا لازما لها في جميع أوقاتها بل كان ذلك في وقت مخصوص » وواقعة مخصوصة » وذلك صحيح ؛ إذ حالها رضي الله عنها » هو حال الكمال في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم » وبعد وفاته كنحو حال أبيها ؛ رضي الله عنهما ؛ وذلك معلوم من أخبارها وسيرها رضي الله تعالى عنها . قال رضي الله عنه لما سئل عن قوله صلوات الله عليه وسلامه : « وجعلت قرّة عيني في 5166 517 » 334 « إنّ قرة « 1 » العين بالشهود على قدر المعرفة بالمشهود فالرسول صلوات الله عليه وسلامه ليس معرفة غيره كمعرفته فليس قرّة عين كفرته . ا وإنما قلنا إن قرة عينه في صلاته بشهوده جلال مشهوده ؛ لأنه قد أشار إلى ذلك بقوله « في الصلاة » ولم يقل بالصلاة ؛ إذ هو صلوات الله عليه وسلامه لا تقرّ عينه بغير ربه وكيف وهو يدل على هذا المقام ويأمر به من سواه ؛ بقوله صلوات الله عليه وسلامه « اعبد الله كأنك تراه » « 2 » ومحال أن يراه ويشهد معه سواه . فإن قال قائل : قد تكون قرّة العين بالصلاة » لأنها فضل من الله » وبارزة من عين منَة الله فكيف لا يفرح بها » وكيف لا تكون قرة العين بها وقد قال سبحانه : قل بِفَضْل الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فلَيَفْرَحُوا . . . ؟[ يونس : 58 ] اعد ان الام إرياك إل 127 فبذلك فافرح يا محمد » قل لهم فليفرحوا بالإحسان والتفضل وليكن فرحك أنت بالمتفضّل » كما قال في الآية الأخرى :كل الله ثم ذَرْهُمْ في حَوْصَنَهمْ يَلَعَيُونَ [ الأنعام كام الصلاة هي أجل ما يتحف الله به عباده » ويهديه إليهم » وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ما أوتي عبد في الدنيا خيرا من أن يؤذن له في ركعتين يصليهما » « 3 » ففيها ما يحصل لهم الخلوة معه » والانفراد والمجالسة له » والانقطاع إليه » وفيها يرتفع عن قلوبهم الحجب والأستار » ويتجلى فيها حقائق الأسرار » وتشرق فيها شوارق الأنوار » وفيها تكون المناجاة والمصافاة كما تقدم » وهي صلة بين العبد وبين ربه عز وجل » قال محمد بن علي الترمذي » رحمه الله : « الصلاة ؛ عماد الدين » وأول شيء فرضه الله على المسلمين ؛ وفي الصلاة إقبال اللّه على العبد ليقبلوا إليه في صورة العبيد تذللا وتسليما » وتبتلا » وتخضعا وترغيبا وتملقا » فالوقوف تذلل » والتكبير تسليم » والثناء والتلاوة تبتل » والركوع تخضع . والسجود تخشع » والجلوس ترعّب ٠‏ والتشهد تملق » فأقبل العبيد إلى الله بهذه الصورة ليقبل الله عليهم بالترحم والتعطف والتقبل والتكرم والتقرب فليس شيء من أمر الدين أعظم من هذه ؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الصلاة عماد الدين » « 4 » وقال في حديث آخر : « الخلاة فون :»4 رز 5 » وقال زر لا يزال اشامقيلا يوحهه (1 ) القرّة : ما قرت به العين » يقال : هو قرة العين لما يرضي ويسر . (2 ) أخرجه البخاري ( إيمان » 37 ) » ومسلم ( إيمان » 1 » 5 » 7 ) » وأبو داود ( سنة » 16 ) والترمذي ( إيمان » 4 ) » والنسائي ( إيمان 5 ٠ ) 6 ٠‏ وابن ماجة ( مقدمة » 9 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 » 107 ١»‏ 132 ). ( 3 ) أخرجه الطبراني في ( المعجم الكبير» 8 / 177 ) . (4) أخرجه ابن حجر في ( الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف » 4 ) » والسيوطي الحلبي في ( الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة » 104 ) . ( 5 ) أخرجه مسلم ( طهارة ٠ ) 1 ٠‏ والترمذي ( دعوات » 85 ) » والنسائي ( زكاة » 1 ) » وابن ماجة ( طهارة » - 518 59 » 335 « على العبد ما دام في صلاته » وإن الله لينصب إلى أحدكم وجهه ما دام مقبلا عليه » « 1 » ولأجل هذه الفوائد كانت الصلاة ة مفزع ذوي الفاقات والضرورات من أرباب القلوب » فيغنيهم وجودها عن كل مرغوب ويتسلون بها عن كل محبوب » قال لله تعالى : وَأَمّرْ أَهْلَكَ بالصّلاةٍ وَاصْطْبِرُ عَلَيْها لا نَسْتَلكَ رزقاً [طه : 132 ] . فواجب إذن أن تكون قرّة أعين عباد اللّه فيها وبها . وقرة العين عبارة عن الرّوح والراحة وكمال النعيم واللذة التي تحصل من غاية الموافقة والملائمة » إلا أنها تختلف باختلاف أحوال الناس في مراتبهم ومقاماتهم فمن عظمت منزلته » وعلت مرتبته كانت ملاءمته وموافقته في شهود التوحيد وكمال التجريد المشار إليه في قوله صلى الله عليه وسلم « أن تعبد الله كأنك تراه » « 2 » إذ محال أن يراه ويشهد معه سواه » كما قال المؤلف رحمه الله تعالى . وفيما روي عن عبد الله بن عمر » رضي الله عنهما » في قوله لعروة بن الزبير » رضي الله عنهما : « إنا كنا نتراءى الله بين أعيننا » وكان هذا لما خطب إليه عروة بن الزبير ابنته وهو في الطواف « 3 » . فلم يكلمه ابن عمر » ولم يرجع إليه بشيء » ثم اعتذر له بعد ذلك بهذا الكلاة فضاحت هذه الحال تكون قرة عيده في الصبلاة لا يها » لما تتصدمنه من التجلى الثام , والشهود الحقيقي . ومن كانت منزلته دون ذلك كانت ملاءمته وموافقته في شهود النعم ووجود الفضل والكرم » وكانت قرة عينه بها » لا فيها ؛الأنها فل من انه » وياز زة عن هنة انه كننا قال المؤ لقكاار كيه فلا شك أن معنى قرة العين في الوجه الأول ٠‏ وبه أنسب وأليق » لأن صاحبه فان عن نفسه » باق بريه ؛ وين كان على هذا ا اي ل ل ل ا ومن زالت سلطنته عنه في صلاته لم يحتج إلى مدافعته ومراجعته » وكانت صلاته ملزومة ا وعند فقدان العبد لحديث نفسه » ووسوسة عدوه يحصل له غاية النعيم واللذة » ويتحقق في حقه معنى قرة العين بخلاف الوجه الآخر ؛ فإن صاحبه لم يغن عن نفسه » فضلا عن أن يرتقى إلى درجة البقاء بربه » - 5 ) » ( زهد ء 22 ) » والدارمي ( وضوء » 2 ) » وأحمد بن حنبل ( 5 » 342 ٠‏ 344 ) . (1 ) أخرجه أبو داود ( صلاة » 161 ) » والنسائي ( سهو ؛ 10 ) » والدارمي ( صلاة » 134 ) » وأحمد بن حنبل ( 5 » 172 ) . (2 ) مر ذكره. (3) الطواف : ( شرعا ) الدوران حول الكعبة . 5220 521 « 336 » لي مانن لحر م 37 رزو ا و ين نعيمه » وتتكدر لذته » فيضعف معنى قرة العين في حقه قال الشيخ العارف أبو محمد عبد العزيز المهدوي » رضي الله تعالى عنه : « وقرة العين لا تكون لمجاهد » ولا لمن يدفع الشيطان عنه » بل هي لمن استراح من المجاهدة والدفع » . ولما كانت منزلة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عند ربه » عز وجل » أشرف المنازل » ومرتبته في المعرفة به أرفع الرتب بحيث لا يتصور أن يشاركه في ذلك غيره أو يحل به سواه كانت قرة عينه فى كبلدنه على حيرت ذلك : فمن قال إن ذلك خاص به لانفراده بالمرتبة العليا والخاصية الكبرى فقوله صحيح » وعليه يدل ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : « وجعلت قرة عيني في الصلاة » « 1 » بعد قوله : « إنما حبب إلى من الدنيا الطيب والنساء » « 2 » ولا شك أن حبه لهذين الأمرين ليس على قياس حب غيره لهما » وإنما ذلك لوجود الخاصية التى اقتضت منه ذلك », ألا ترى أنه أبيح له ما لم يبح لغيره من عدد الحرائر . ْ وأمن لأجل ذلك من وقوع مفسدة التباغض والتشاجر بسبب اجتماع الضرائر » واستعماله صلى لله عليه وسلم الطيب وحبّه له إنما هو للقائه الملائكة التي تناجيه » وإلا فهو في ذاته غنى عن الطبب و استعمالفة: كما قال انس بن مالك رك الل عنة ؛ روما مسك حريرا ولا ديياا الرن من كنك رسول الله طق الله ليه ويام رلا شمفها ررائحة قط مفكا و لا هنيرا اطيف فن رافحة ركرل الله هنل الله عليه وسلم » « 3 » . فإذا كانت حاله في هذين الأمرين على ما ذكرناه مع أنه لم يذكر فيهما سوى لفظ « الحب » وهما من لذات الدنيا فكيف يكون حاله في الأمر الثالث مع أنه عبر فيه بقرة العين وهي غاية المحبة » وهو من أعمال الآخرة . وقيل معنى قوله « من الدنيا » أي : « في الدنيا » ومن قال إن لغيره منه شربا ونصيبا على المعنى الذي يليق بهذا الخير فلذو له وحة ء وكواتب المؤافة ربحمه الله تقال محتمل لينين الوجهين : والله أعلم يما أراد منهم أو من خيرهما . فصل [ الناس في ورود المنن على ثلاثة أقسام : 5220 الخ ] روفاك الع ام شين ال قصال مقن ما كنت لكر الخوانة فرح بالمنن لا من حيث مهديها ومنشئها ولكن بوجود متعته فيها فهذا من الغافلين » (1) مر ذكره. ' (2 ) أخرجه النسائي ( عشرة النساء » 1 ) » وأحمد بن حنبل ( 3 ٠» 199 ٠ 128 ٠‏ 285 ) . 02 (3 ) أخرجه البخاري ( صوم ٠‏ 53 ) » ( مناقب » 23 ) » ومسلم ( فضائل ؛ 82 ) ؛ والدارمي ( مقدمة » 10 ) . 223 « 339 » يصدق عليه قوله تعالى 'حَتّى إذا فَرِحُوا بما أوتُوا أَحَدْناهُمْ بَعْتَةَ [ الأنعام : 44 ]. وفرح بالمنن من حيث إنه شهدها منة ممن أرسلها ونعمة ممن أوصلها يصدق عليه قوله تعالى :قل بِفَضْل الله وَبِرَحْمَتِهِ فبذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَحجْمَعْونَ [ يونس : 58 ]: وفرح بالله ما شغله من المنن ظاهر متعتها ولا باطن منتها ؛ بل شغله النظر إلى الله عما سواه والجمع عليه فلا يشهد إلا إياه يصدق عليه قوله تعالى :فل انه كك درك في حوره يلعون [ الأنعام 91 ] . تضمن هذا الفصل بيان ما يحمد من أحوال الناس » وما يذم عند ورود النعم عليهم وحصول الأرج إك ذاك لهم برسي عليه ها يكون .من ذلك شكرا لها » وها الا يدون . وقد قسمهم المؤلف ثلاثة أقسام » وجعلهم طرفين وواسطة » ؛ قسم في غاية الدناءة والخسة » وهم الذين فرحوا بالنعم » من حيث إِنّ فيها قضاء أوطار نفوسهم » ونيل أغراضهم » والتمتع بشهواتهم ولذاتهم » فأحوال هؤلاء مذمومة جدا أشبه شيء بهم الأنعام والبهائم . وهذه أحوال أهل الطرد والبعد والاستدراج والمكر حسبما أشار إليه في الآية الكريمة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا القسم . وهذا الأحوال بعيدة من الشكر منافية له . وقسم في غاية الشرف والجلالة » وهم الذين فرحوا بالمنعم فقط » ولم يلتفتوا إلى ظواهر النعم » لأجل أنّ فيها متعتهم ولذاتهم ولا إلى بواطنها من كونها دلائل على عناية الله تعالى بهم » حيث مإ بهاطيمم 00 ظ فاحوال هؤلاء محمودة جدا » لانهم غابوا عن الاغيار العدمية » وتحققوا بحقائق الوحدانية » كما أشار إليه في الآية الكريمة ألتي ذكرها المولف:رحمه الله تعالى في :هذا القسم » وحال هؤلاء هي الشكن الحقبني الخال الخالي من المزج رالشوت:» لأنَ المشاهد للمنعم فإن عن حظوظ نفسه » فهو يرى الأشياء كلها نعما » فلا تفرقة عنده بين وجود ولا عدم ولا عطاء ولا منع ولا يخاف عليه من التغير والانقلاب لتغير الأفعال والأسباب ها يناف حلى سرية نا حقو قال أبو محمد الجريري » رضي الله تعالى عنه : « من رأى النعم ولم ير المنعم فقد حجب عن الشكر » ومن رأى المنعم بغيبة النعم فقد شكر » . وقال الشيخ أبو محمد عبد العزيز المهدوي » رضي الله تعالى عنه : « كل من لم يشاهد المنعم في النعمة كانت النعمة في حقه استدراجا » لأنه يؤديه إلى أن يسكن إليها فإذا نزعت منه لزمه أن يتغير عليها » . 24 » 338 « ومنهم من حصل له نصيب من الشرف والجلالة وحظ من الدناءة والرذالة » وهم الذين فرحوا بالنعم » لكونها منة من الله تعالى عليهم ؛ فمن حيث شهودهم للمنة من ربهم شرفوا وجلت أقدارهم » وكانت أحوالهم محمودة » وهي شكر منهم لائق بهم . ومن حيث نظرهم لأنفسهم وبقاؤهم مع حظوظهم كان لهم نصيب من الدناءة والخسة فانحطوا بيدا" الوضيفة عرو دهز اقب الأعلين: تارتفو مالر حيفت الول هن الهو ناسين ففوطيو | هنا خوطب به عامة المؤمنين وأواسطهم في الآية الكريمة التي ذكرها المؤلف رحمه اله تعالى في هذا القسم . وقد ضرب الإمام أبو حامد الغزالي » رضي اله تعالى عنه » في كتاب « الشكر » لهذه الأقسام الثلاثئة مثلا » فقال : « الملك الذي يريد الخروج إلى سفر فأنعم بفرس على إنسان يتصور أن يفرح المنعم عليه بالفرس من ثلاثة أوجه : أحدها : إن يفرح بالفرس من حيث إنه فرس »٠‏ وأنه مال ينتفع به » وأنه مركوب يوافق غرضه » وأنه جواد نفيس ٠‏ وهذا فرح من لاحظ له في الملك . بل غرضه في الفرس فقط » ولو وجده في صحراء فأخذه لكان فرحه به مثل هذا الفرح . الوجه الثاني : أن يفرح به » لا من حيث إنه فرس ٠‏ بل من جهة ما يستدل به على عناية الملك به وشفقته عليه » واهتمامه بجانبه » حتى لو وجد هذا الفرس في صحراء » أو أعطاه له غير الملك لكان لا يفرح به أصلا لاستغنائه عن الفرس أصلا » ولاستحقاره له بالإضافة إلى مطلوبه من نيل المحل في قلب الملك . بخدمته رتبة القرب منه » ويرتقى إلى درجة الوزارة من حيث إنه ليس يقنع بأن يكون محله في قلب الملك محل من يعطيه فرسا ويعتني به هذا القدر من العناية » بل هو طالب لأن لا ينعم الملك بشيء من ماله على أحد إلا بواسطته » ثم إنه ليس يريد من الوزارة الوزارة نفسها » بل ( يريد ) مشاهدة الملك » والقرب منه » حتى لو خير بين القرب دون الوزارة » وبين الوزارة دون القرب لأختار القرف فهذه ثلاث درجات : فالأولى لا يدخل فيها معنى الشكر أصلا » لأن نظر صاحبها مقصور على الفرس ٠‏ ففرحه بالفرس لا بالمعطي » وهذه حال كل من فرح بنعمة من حيث إنها لذيذة وموافقة لغرضه » فهو بعيد عن معنى الشكر . والثاني داخل في معنى الشكر من حيث أنه فرح بالمنعم » ولكن لا من حيث ذاته » بل من حيث معرفة عنايته التي تستحثه على الإنعام في المستقبل وهذه حال الصالحين 525 » 339 « الذين يعبدون الله تعالى ويشكرونه خوفا من عقابه ورجاء لثوابه . وإنما الشكر التام في الفرح 1 الثالث : وهو أن يكون فرح العبد بنعم الله عز وجل من حيث إنه يقدر بها على التوصل إلى القرب منه والنزول في جواره والنظر إلى وجهه على الدوام » فهذه هي المرتبة العليا . وأماراته : أن لا يفرح من الدنيا إلا بما هو مزرعة للآخرة » ويعينه عليها » ويحزن بكل نعمة تلهيه عن ذكر الله تعالى » وتصده عن سبيله ؛ لأنه ليس يريد النعمة لأنها لذيذة » كما لم يرد صاحب الفرس [ الفرس] ؛ لأنه جواد ومهملج « 1 » بل من حيث إنه يحمله في صحبة الملك حتى تدوم مشاهدته له وقربه منه » ولذلك قال الشبلي » رضي الله عنه : « الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة » » ولذلك قال الخواص رضي الله عنه : « شكر العامة على المطعم والملبس والمشرب . وشكر الخاصة على واردات القلوب » . وهذه رتبة لا يدركها كل من انحصرت عنده اللذات في البطن والفرج ومدركات الحواس من الألوان والأصوات » وخلا عن لذة القلب » فإن القلب لا يلتذ فى حالة الصحة إلا بذكر الله تعالى ومعرفته ولقائه » وإنما يلتذ بغيره إذا مرض بسوء العادات كما يلتذ بعض الناس بأكل الطين » وكما يستبشع بعض المرضى الأشياء الحلوة ويستحلى الأشياء المرة » كما قيل :ومن يك ذا فم مرّ مريض * يجد مرًا به الماء الزّلالا « 2 »فإذن هذا هو شرط الفرح بنعمة الله عر وجل » فإن لم تكن له إيل فمعزى فإن لم يكن هذا فالدرجة الثانية . أما الأولى فخارجة عن كل حساب » فكل من فرق بين من يريد الملك للفرس ومن يريد الفرس للملك » وكم من فرق بين من يريد الله عز وجل لينعم عليه » وبين من يريد نعم الله تعالى ليصل بها إليه » انتهى كلام الإمام أبي حامد الغزالي وهو في غاية البيان والوضوح » وهو كالتفسير لما ذكره العؤلته ريحهه الله تعالى ؛ بو لدلك او رده قاهنا يكماله ,وف أوحى انه تعالى إلى 'ذاود علية السلا يا داود قل للصديقين بي فليفرحوا » وبذكري فليتنعموا . بهذا تحققت صديقيتهم » وعلا ارتفاع رتبتهم على من دونهم . قيل : إن عتبة الغلام دخل في بعض الأيام على رابعة العدوية » رضي الله عنها » وعليه قميص جديد وهو ) هملج الجواد : مشى مشية حسنة في سرعة وبخترة . ) الزلال من الماء أو الشراب : العذب البارد الصافي السهل المرور في الحلق . حد دوم سا سا 526 » 340 « كدر را » في مشيته بخلاف ما سبق من عادته » فقالت له : يا عتبة . ما هذا التيه « 2 » والعجب الذي لم أره في شمائلك قبل اليوم ؟ فقال : يا رابعة » ومن أولى بهذا التيه مني وقد وقال بعضهم : كنت مسافرا إلى مكة » فبينما أنا أمشي إذ رأيت شيخا بيده مصحف وهو ينظر فيه قوم تخللهم زهو بسيّدهم * والعبد يزهو على مقدار مولاه تاهو برؤيته عما سواه له * يا حسن رؤيتهم في حسن ما تاهوا ويجوز أن يكون المراد بقوله : ( وبذكري فليتنغمو ) أي : بذكري إِيَاهم في الأزل حيث لا وجود ا ل ا لصيس 7 واللّه تعالى يجعل فرحنا وإياكم به » وبالرضا منه » وأن يجعلنا من أهل الفهم عنه » وأن لا يجعلنا من الغافلين » وأن يسلك بنا مسالك المتقين بمنه وكرمه . هذا دعاء حسن موافق لمعنى ما تقدم » وهو بيّن لا يحتاج إلى تبيين ولا تنبيه عليه ؛ فاللّه تعالى يحقق لنا ذلك بفضله وإحسانه إنه أرحم الراحمين . الفصل الأول [ المناجاة العطائية ] ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 1 - إلهي أنا الفقير في غناي ١‏ فكيف لا أكون فقيرا في فقري ؟ إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولا في جهلي ؟ ومن ثمّ كان ما ذكره المؤلف - رحمه الله تعالى - من كونه : فقيرا في غناه » وجاهلا في علمه صبحيحا مستقيما » وكانه قفد - رصي اله عنه - بهذا الاعتراف بدوام الاضطرازاء ولروم الفاقة والافتقار » وأنه لا استغناء له عن مولاه عزّ وجل ولا ينفك من 527 » 341 « الاحتياج إليه والتعلّق به » والسؤال والطلب منه في كل حال من أحواله » كما قال بعضهم : إني إليك مدى الأنفاس محتاج *** لو كان في مفرقي الإكليل والتّاج وهذا منه دليل على تحققه في مقام العبودية التي اقتضتها عظمة الربوبية . وتقديمه لهذه المعاني بين يدي دعائه ومناجاته في غاية الحسن . قال سيدي أبو الحسن رضي الله عنه : « ما طلبت من الله شيا إلا وقدّمت إساءتي أمامي » يريد رضي الله عنه : لا يطلب من الله شيئا بوصف يستحق به العطاء » بل لا يكون طلبه وجود فضله إلا بفضله . وقال أبو عثمان » رضي الله تعالى عنه » في قوله تعالى :ادْعُوا رَبَّكُمْ نَضَرٌ عا وَخْفْيَةَ [ الأعراف 6٠قة]‏ التضرّع في الدعاء : أن لا تقدّم إليه أفعاللك وصلواتك وصيامك وقيامك وقراءتك ثم تدعو على أثره » إنما التضرّع أن تقدّم إليه افتقارك وعجزك وضرورتك وفاقتك وقلة حيلتك ثم تدعو بلا علاقة ولا سبب فيرفع دعاؤك . وقال الواسطي . رضي الله تعالى عنه : « تضرّعا » بذلَ العبودية وخلع الاستطالة » . وقال سهل بن عبد الله » رضي الله عنه : « ما أظهر عبد فقره إلى الله تعالى في وقت الدعاء في شيء يحل به إِلّا قال الله لملائكته : « لولا أنه لا يحتمل كلامي لأجبته : لبيك » . 528 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 4 - إلهي وصفت نفسك باللطف والرأفة بي قبل وجود ضعفي أفتمنعني منهما بعد وجود اللطف والرأفة « 1 » وصفان لله عزّ وجل اتصف بهما في الأزل قبل وجود ضعف العبد وفاقته وحاجته . وهما مقتضيان لوجود آثارهما فيما لا يزال بعد وجود ذات العبد وصفاته . هي إسباغ نعمه عليه » وإيصال أفضاله إليه فكيف يتصوّر إذ ذاك منعه إيَاهما . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 5 - إلهي : إن ظهرت المحاسن مني فبفضلك ولك المنة عليّ » وإن ظهرت المساوىء فبعدلك ولك الحجة علي . ظهور المحاسن على العبد وهي أنواع الطاعات والحسنات والصفات المحمودات فضل من الله تعالى والمنة له عليه لعدم استحقاقه لذلك . وظهور المساوىء منه » وهي : ضروب المعاصي ء والسيئات » والأوصاف المذمومات عدل من الله تعالى ؛ إذ له أن يفعل ما يشاء بعبده والحجة له عليه » لأنه ربّ وهو عبد . ومناجاة العبد لمولاه بهذا الكلام من أحسن المناجاة » وهي مقتضية لوجود إسعافه له » وموالاة الطافه عليه ؟ لما فيها من الثناء على الله تعالى على بتساط قريه وذكر صفاته العلية ».و التعلق بها » والاعتراف له بالنعم الظاهرة والباطنة » ولما فيها أيضا من رؤية ضعف النفس » والإقرار عليها بالنقص والقصور ء وإنزالها منزلتها من الذلّة والمهانة . وقد قال بعضهم : تعلّق شاب بأستار الكعبة وقال : ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 6 - إلهي ء لا لك شريك فيؤتى » ولا وزير لك فيرشى ء إن أطعتك فبفضلك ولك المنّة عليّ ‏ وإن عصيتك فبعدلك ولك الحجة علي . من النار » . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 7 - إلهي . كيف تكلني إلى نفسي وقد توكلت عليك . وكيف أضام وأنت الناصر لي » أم كيف الوكيل » والناصر » والحفيّ : أسماء لله عزّ وجل » وهي مقتضية لوجود آثارها من وجود الكفاية و المشعلة وو العلفن يقاية المفكيون واليقية > نكيف يتضور اننكاك ذلك عن العيد عند وهو د كاهد: ؛ كما تقدّم في اللطف والرأفة . 252289 (1 ) الرأفة : أرقّ الرحمة . ومن الله : دفع السوء . 5130 » 343 « صمضصس ص الشورى : 19 ] . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 8 - إلهى أنا أتوسل إليك بفقري إليك. وكيف أتوسل إليك بما هو محال أن يصل إليك؟ أم كيف أشكو إليك حالي وهو لا يخفى عليك؟ أم كيف أترجم لك بمقالي وهو منك برز إليك؟ أم كيف تخيب آمالي وهي قد وفدت إليك؟ أم كيف لا تحسن أحوالي وبك قامت وإليك؟ ها أنا أتوسل إليك بفقري إليك . التوسّل : التقرّب » والوسيلة : ما يتقرب به » وأعظم وسائل العبد إلى مولاه » هو تحققه بما توجبه عبوديته » وهو : فقره إليه في كل حال من أحواله » فلا يرى لنفسه حسنة يقتضى بها ثوابا »ولا يدلى بحجة يستدفع بها عن نفسه عقابا قال أبو زيد » رضي الله تعالى عنه : « نوديت في سرّي » فقيل لي : خزائننا مملوءة من الخدمة ٠‏ فإن أردتنا فعليك بالألة والافتفار . وسئل أبو حفص رضي الله عنه : « بماذا يقدم الفقير على ربّه ؟ فقال : وما للفقير أن يقدم به على ربه سوى فقره » . وكيف أتوسل إليك بما هو محال أن يصل إليك . بين المتوسل به والمتوسّل إليه نسبة تامة ووصلة حقيقية » وهي التي اقتضت له وجود التوسّل » لا نسبة ولا صلة بين الفقر الذي هو نعت العبد وبين الربّ الذي له الغنى الأكبر . وأيضا ء توسّل العبد بفقره يقتضى شهوده له » واعتداده به » واعتماده عليه » ورؤية العبد لأحواله وسكونه إليه علة فيها », الأحوال المغلوالة لآ تلق بالحضتر : الالهية »'و يا صل الى الله قال 6 بمعنى أنه لا يرضاها ولا يقبلها » فالفقر لا يصح التوسل به من هذا الوجه أيضا ء وإلى هذا المعنى يشير ما يحكى عن سيدي أبي الحسن الشاذلي حين دخل على شيخه أبي محمد عبد السلام رضي الله تعالى عنهما » فقال له : يا أبا الحسن » بماذا تلقى الله تعالى ؟ قال له : بفقري قال له الشيخ » واللَّه » لئن لقيت الله بفقرك لتلقينه بالصنم الأعظم » ولا تصح حقيقة الفقر إلا بالغيبة عن الفقر ء وإلا كنت غنيا بفقرك » انتهى فإذن لا وسيلة إلى الله بسواه .أم كيف أشكو إليك حالي وهي لا تخفى عليك . شكوى الحال لا تصح إلا لمن هي غاتبة عنه » وهو غير عالم بها , واللّه تعالى لا يخفى عليه شيء » وقد قال إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : « حسبي من سؤالي علمه بحالي » .أم كيف أترجم لك بمقالي وهو منك برز إليك . 531 الترجمة بالمقال » هي : التعبير باللسان عما في الضمير ليقع التفهيم بذلك للمترجم له ء والله تعالى هو الذي أنطق اللسان » وأطلقه بذلك » فالترجمة من الله تعالى برزت وإليه 532 « 344 » ا والعبد لا مدخل له في ذلك فكيف ينسب إليه الترجمة ؟ ونسبة ذلك إلى الله تعالى دليل على إحاطة علمه بأحوال العبد » فكيف يصح في حقه معنى الترجمة ؟أم كيف تخيب آمالي وهي قد وفدت إليك الآمال الواقدة إلى اله تعاك لا يكييها من قل أتها قارة إليهاء ومتعلقة ناه ومنقطعة عمَا سوامء واللّه سبحانه وتعالى كريم جواد متفضّل » منعم » فليثق العبد بذلك » وليكن على يقين منه » وإن لم يسأل ولم يطلب .أم كيف لا تحسن أحوالي وبك قامت وإليك . ون فحقر بالمعرفة رأى أحواله كلّها حسنة » لوجود قيامها باللّه ورجوع أمرها إليه . وهذه كلها أنواع من التعجب عجب بها المؤلف رحمه الله تعالى نفسه من نفسه فيما هو بصدده من سؤاله وطلبه بسبب ترقيه في المعرفة التي أوجبت له رؤية نقصه وتصوره في أحواله الأولى ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 9 - إلهي ما ألطفك بي مع عظيم جهلي , وما أرحمك بي مع قبيح فعلي . بالنعم فقط . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 00 - إلهي ما أقربك مني وما أبعدني عنك , وما أرأفك بي فما الذي يحجبني عنك. شهود المؤلف رحمه الله تعالى شدّة قرب الله تعالى منه لما رأى من بعد الأغيار عنه » ودفعها له إليه » كما سيأتي في قوله : ( قد دفعتني العوالم إليك ) وشهوده لبعده من الله عر وجلّ من حيث أقيم في الطلب له » والطلب للشيء دليل على فقد الطالب له وبعده عنه . فالمشاهدة الأولى أوجبت له ملازمة باب مولاه » وانقطاع طمعه عن كلّ ما سواه . والمشاهدة الثانية أوجبت له التلطّف في سؤاله « التقريب » والاستغناء عن طلب « القرب » . ومن دعاء سيّدي أبي العبّاس المرسي » رضي الله تعالى عنه : « يا قريب ٠»‏ أنت القريب وأنا البعيد » قربك آايسني من غيرك وبعدي منك ردني للطلب لك ؛. فكن لي بفضلك حتى تمحو طلبي بطلبك » يا قوي » يا عزيز » . إلهي ما أرأفك بي فما الذي يحجبني عنك . الرأفة أشدّ من الرحمة » ولمّا شاهد رأفة ربّه به غاب بهذا الشهود عن رؤية نفسه وصفتها ؛ فلذلك لم يظهر له سبب لوجود حجابه عنه . 5033 ُ « 345 » ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 1- إلهي , قد علمت باختلاف الآثار وتنقلات الأطوار أنّ مرادك مني أن تتعرف إليىّ في كل شيء حتى لا أجهلك في شيء . كأنٌ المؤلق وبحمه الله تعالى يقل : اختلاف الآثار علي » وتنقلات الأطوار بى » من : الصحة » و شرك وو لشي د اقفر ع لع وا ل سج اسن عا ا شط 20 الخداعة » ور العصهان 10 الففة وعظمتك » وجمالك » وكمالك وجلالك » بحيث لا يتصوّر مني جهل بما أنا فيه قابل لمعرفته من حميع ذلك ؛ ولو كان الأمر على خلاف هذا والرمتني خالة واحدة ارتضيها لننسى ؛ واحدارها + لكانت معرفتي ناقصة » ومشاهدتي قاصرة » فأنا الآن أتقلب في جنة معجّلة أتبوّأ منها حيث أشاء » فقد استغرقني ما أنا فيه من عظيم النوال » وشغلني ذلك عن الدعاء والسؤال . وطلب الكون على ما أرتضيه من الأحوال » فلك الحمد على نعمك الباطنة » والظاهرة » والخفيّة والجليّة . قال بعضهم : « في الدنيا جنة معجّلة من دخلها لم يشتق إلى جنة الآخرة » ولا إلى شيء » ولم يستوحش من شيء » قيل : وما هي ؟ قال : معرفة الله تعالى . وقال مالك بن دينار ؛ رضي الله تعالى عنه : « خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا أطيب الأشياء ! إقيل : وما هو ؟ قال : المعرفة . ثم قال : إنّ عرفان ذا الجلال لعز *** وضياء » وبهجة وسرور وعلى العارفين أيضا بهاء *** وعليهم من المحبّة نور فهنيئا لمن عرفك إلهي *** هو واللّه دهره مسرور وقد روي أنه رؤي صورة حكيمين من الحكماء المتعبّدين في مسجد ٠‏ وفي يد أحدهما رقعة فيها مكتوب : « إذا أحسنت كلّ شيء فلا تظنّ أنّك أحسنت شيئا حتى تعرف الله عز وجل » وفي يد الآخر « كنت قبل أن أعرف الله عر وجل أشرب وأظمأ حتى إذا عرفته رويت بلا شرب » قال في « التنوير » بعد كلام ذكره . ( وإنما قلنا إن الحالة زائلة عنك لا محالة ؛ فإنّ مراده أن ينقلك في الأطوار ٠»‏ ويخالف عليك الآثاو ؟ ليشيرن ف اليك فى كن جالة خاصة ينتكرت خاصضن ٠»‏ فإذا أردث أن يديمك على حالة واحدة فد اريت أن يسلك يك حين القدال : فكأنه يقول لك : لا تطلب مني أن أقيمك في حالة واحدة . لأني لا أفعل ذلك معك » أتريد أن تبقي ريوينتي معطلة الآثار » ٍ ولكن سلني أن أشعرك لطفي حيثما أردتك » وحيثما أقمتك حتى تكون بي » ولي » قال الله سبحانه وتعالى يسْتَلْهُ مَنْ فِي السّماوات وَالْأَرْضٍ كُلَ يَوْمِ هُوَ فِي شَأَنِ [ الرحمن : 29 ]. أي : يمنع ويعطي » ويضع 534 » 346 « ويعلي » ويقبض ويبسط ء ويعز ويذل . . إلى غير ذلك من مختلف آثاره » فكأنه سبحانه وتعالى يفول لك.: يا عيدي » لا تأس على شيء ما دمث لك ؛ ولا تفرح بشيء وأنا لست لكاء فأنا المعّض لك عمًا سواي وما سواي لا يغنيك عني » ولا تكن ممن يعبدني بالعلل فتكون من عبيد الحروف » بل أعبدني لي » فإني بكمال الغنى موصوف ., وبدوام الأفضال معروف » قال الله عر وجل :وين الناس مَن بعك الله على حرفب فإن أصاة حَزِرٌ اطمان يه و إن أصايكة ذلك ْلَب عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُنْيا [ الحج : 11 ] » لأن الذي طلبه عزلناه عنه » فما دام له » وهو ما طلبنا حتى نكون له » ومن عبده لما سواه فهو عبد ما سواه » ومن عبده لأجل جوده ونعمائه فهو عبد جوده ونعمائه » لأنَ من أحبٌ شيئا فهو عبد ما أحيّه » قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تعس عبد الدينار » تعس عبد الدرهم » تعس عبد الخميصة تعس وانتكس » وإذا شيك فلا انتقش » « 1 » . فكن عبد الله في كل شيء » عطاء ومنعا » وعرًا وذلا » وغنى وفقرا » وقبضا وبسطا » وفقدا ووجدا » وشدّة ورجاء » وفناء وبقاء » إلى غير ذلك من مختلفات الآثار وتنقلات الأغيار «« انتهى كلامه رحمه الله تعالى . وقد أحسن فيه غاية الإحسان كله » فجزاه اللّه تعالى خيرا . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 2 - إلهي كلما أخرسني لؤمي . أنطقني كرمك . وكلما آيستني أوصافي أطعمتني منتك . لؤم العبد » ومخالفته » وعصيانه يخرس لسانه عن السؤال والطلب . وكرم المولى » وفضله » وإحسانه ينطقه بذلك . وأوصاف العبد الذميمة التي اقتضتها طبيعته وجبلّته تؤيسه من حصول الاستقامة على طريق الحق » ومنن الله تعالى التي شملت البرّ والفاجر تطعمه في ذلك . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 3 - إلهي من كانت محاسنه مساوىء فكيف لا تكون مساويه مساوي ومن كانت حقائقه دعاوي فكيف لا تكون دعاويه دعاوي . هذا مثال ما تقدم » من : أن الكمال المنسوب إلى العبد نقصان على التحقيق » فما ظنك بنقصانه . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 4 - إلهي : حكمك النافذ ومشيئتك القاهرة لم يتركا لذي مقال مقالا » ولا لذي حال حالا . شهود هذا المعنى يوجب للعبد مقام الخوف والتحوّق فيه » فإذا كان ذا قول سديد (1 ) أخرجه البخاري ( جهاد ء 70 ) » ( رقاق » 10 ) » وابن ماجة ( زهد » 8 ) . 536 « 347 » حك حي د يج يذاه ملك .رم يقار بها هلك لتقو بحكم الحق تعالى وغهر مشيتتة . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 5 - إلهي : كم من طاعة بنيتها وحالة شيدتها هدم اعتمادي عليها عدلك . بل أقالني منها - 0 الطاعة : صفة ظاهر العبد . والحالة : صفة باطنه . وبناؤه للطاعة » هو : إقامتها على الوجه المأمور به من الوفاء بجميع أركانها وشرائطها » وما يتعلّق بها من حقوق وآداب . وتشييده للحالة » هو : تزيينها وتطهيرها وصيانتها عمًا يكدّر صفاءها » ويكسف ضياءها . وكأنه لمّا فعل هذين الأمرين رأى أنه تحصّن بحصن حصين » وآوى إلى ركن متين » لكن لما شاهد عدل الله تعالى هدم عليه ذلك ؛ لأن مقتضاه أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد » ولا يبالي بأعمال العاملين . فلمًا شاهد فخله وكرمه أقاله من ذلك يأن جعل له من التعلق به رالا عتماة عليه يدلا منه واعوكا عنه . ونعم البدل والعوض » فسبحان المتفضّل المنان . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 6 - إلهي : أنت تعلم وإن لم تدم الطاعة مني فعلا جزما فقد دامت محبة وعزما . جعل عزمه على الطاعة ومحبته لها - وإن لم يدم عليها فعلا - إحدى وسائله » وذلك صحيح . وكم من شخص قد طرد وأبعد لم يكن عنده عزم ولا فعل جزم . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 7 - إلهي : كيف أعزم وأنت القاهر . وكيف لا أعزم وأنت الآمر . استبعد من نفسه وقوع العزم منه » وجعل مستند ذلك شهود القهر ؛ لأن من شهد قهره بطل عزمه ؛ لأنه الغالب » واستبعد أيضا عدم العزم » وجعل مستند ذلك شهود الأمر ؛ لأن من شهد أمره بادر إلى امتثاله » وتحرّز من إغفاله وإهماله . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 8 - إلهي : ترددي في الآثار يوجب بعد المزار » فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك . شكى إلى مولاه عز وجل طول تردده في الآثار » وهي : الأكوان » وأخبر أنه يوجب له بعد المزار » وهو البعد عن شهود التوحيد وكمال المعرفة » وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : 1 لا ترحل من كون إلى كون ] . ثم سأله وطلب منه أن يختصر له طريق سلوكه » ويقرّبه عليه » ويجمعه من مفترقات الآثار بخدمة تظهر فيها عبوديته ويصل بها إلى مولاه من غير تردّد ولا طول . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 9 - إلهي : كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك . أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ؟ 537 530 « 348 » متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك . ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك. هذا تقبيح لأحوال المستدلين على ربّهم » وهم أصحاب النظر والاستدلال بالنسبة إلى أهل المقام الآخر » وهم أرباب الشهود والعيان . قال أبو بكر محمد بن علي الكتانيّ » رضي الله تعالى عنه : « وجود العطاء من الحق شهود الخلق بالحق ؛ لآن الحق دليل على كل شيء » ولا يكون شيء دونه دليلا عليه » . قال في « لطائف المنن » : « وأرباب الدليل والبرهان عوام عند أهل الشهود والعيان » قدّسوا الحقّ في ظهوره أن يحتاج إلى دليل عليه » وكيف يحتاج إلى دليل من نصب الدليل » وكيف يكون معرفا به وهو المعرّف له » . قال الشيخ أبو الحسن » رضي الله تعالى عنه : « كيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف أم كيف يعرف بشيء من سبق وجوده وجود كل شيء » . وقال مريد لشيخه : يا أستاذ » أين الله ؟ فقال له روح !ات ب ان د 1 . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : [ شتان بين من يستدلٌ به ومن يستدل عليه ] . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 0 - إلهي : عميت عين لا تراك عليها رقيبا » وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك الرقيب : الحفيظ ؛ فمن رأى الل تعالى رقيبا عليه يعلم جميع أحواله ولا يخفى عليه منها شيء امته من » ههه يراه على كا بكر هد ينه وقد قيل : « إذا عصيت مولاك فاعصه بموضع لا يراك » . 5 ومن لم يكن على هذا الوصف وغفل عن نظر الله تعالى إليه عميت عين بصيرته » فبارز الله تعالى بأنواع القبائح والفضائح من غير اكتراث ولا مبالاة . وقد سئل بعضهم : « بم يستعين الرجل على حفظ بصره من المحظورات ؟ قال : بعلمه بأن رؤية الحقّ سبحانه له تسبق نظره إلى تلك المحظورات » وقال الله عز وجل :وما تَكُونُ فِي شأَنِ وَما تَثْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلِ إِلّا كُنّا عَلَْكُمْ شهوداً إذ تُفِيضُونَ فيه [ يونس 00 قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « خوفهم بما عرّفهم من اطلاعه عليهم في جميع أحوالهم » ورؤيته لما يسلفونه من فنون أعمالهم » والعلم بأنه يراهم يوجب استحياءهم منه » . 5239 540 » 349 « هذا هو حال العرافية ؛ 3العند إذا علم يان :فولاء يراه استحيا كله ؛وترك متابيعة هرا ل يحوم حول ما نهاه عنه . وفي حديث عبادة بن الصامت « 1 » » رضي الله تعالى عنه » قال :كال سول الماضاى اه عليه وسلم : : 2 لحن ا الماك ل اسرئنة حر كر « « 2 ». كنك اله تعاك العيده كو > رحمته له وثناكه علية و إصياته إليه:, وحبٌ العبد لربّه عزّ وجل : طاعته » وموافقة أمره » وتعظيمه » والحبّ المضاف إلى الكاف في قوله : « من حبك » يحتمل أن يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول . والظاهر كونه مضافا إلى الفاعل ؛ لأنه أبلغ وأمدح » ولأن محبة الله لعبده أصل محبة العبد له » الى عه قال الله تعالى :يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُونَة. ل ل اك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام : « يا عبدي » أنا لك محبّ » فبحقّي عليك كن لي محبّا » . حكى عن بعضهم أنه قال : « اشتريت جارية فسمعتها في شطر الليل « 3 » » وهي تقول : الع ١‏ تحك ياي 1ك خرت لي فقلك ليا لا طول لمكا )ولك قر ل ب يهنن إياك . فقالت : يا سيدي » بمحبّته إياي » من عليّ بالإسلام » وأيقظني لعبادته » وكثير من عباده نيام » . قال زيد بن أسلم « 4 » » رضي الله عنه : « إن الله عرّ وجل ليحبّ العبد حتى يبلغ من (1 ) عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي ( 38 ق ه - 34 ه - 586 - 654 م ) أبو الوليد » صحابي من الموصوفين بالورع #“شهد العقية »وكان أحد النقباء » وبدرا وسائر المشاهد » ثم حضر فتح مصر »ء وهو أول من ولي القضاء بفلسطين » ومات بالرملة أو ببيت المقدس روى 181 حديثا . ( الأعلام 3 / 258 ) . ( 2 ) أخرجه المتقي الهندي في ( كنز العمال » 66 ) . ( 3 ) شطر الليل : منتصف الليل . ( 4 ) زيد بن أسلم العدوي العمري ( توفي 136 ه - 753 م ) مولاهم » أبو أسامة أو أبو عبد الله » فقيه مفسر من أهل المدينة » كان مع عمر بن عبد العزيز أيام خلافته » واستقدمه الوليد بن يزيد في جماعة - 541 2س5] « 350 » حبه له أن يقول له : اصنع ما شئت فقد غفرت لك » « 1 » . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 1 - إلهي : أمرت بالرجوع إلى الآثار فارجعني إليها بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار حتى أرجع إليك منها كما دخلت إليك منها مصون السرّ عن النظر إليها » ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها إنك على كل شيء قدير . سا ام ا ا 0 إليها على حالة شريفة مضادّة للحالة التي كان عليها قبل السلوك » وهو كونه مكسوًا بكسوة الأنوار » وهي أنور اليقين » ومؤيدا بهداية الاستبصار » وهي العلم الراسخ خ المتين . فإذا رجع العبد إلى الآثار على هذا الأسلوب والمعيار لم تؤثر فيه ولم تأخذ منه لكمال حريته عنها . وكان رجوعه إلى مولاه في مآل أمره في مثل دخوله فيها عليه في ابتداء أمر سلوكه مصون السر عن النظر إليها بعين الاستحسان » مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها في نوال أو إحسان . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : : [ فأن نزلوا إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ . . . إلخ ] . الفصل الثاني [ المناجاة العطائية ] ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 2 - ألهي : هذا ذلي ظاهر بين يد يك وهذا حالي لا يخفى عليك . أطلب الوصول إليك وبك أستدل عليك ولا بغيرك فاهدني بنورك إليك وأقمني بصدق العبودية بين يديك هذا تطارح منه على مولاه » ومبالغة في بث شكواه » وتلطف في سؤال رحماه . ويمثل هذا يرجى إجاية الدعاء »واستحفاق جرزيل العطاء. . وف قالوا : أيواب الملوك لا تفرع بالأيدي ٠‏ بل بنفس المحتاج . وقال بعضهم : قلت للنهرجوري : أجد في قلبي قسوة » وقد شاورت فلانا فأشار عليّ بالصوم » فلم تزل » وشاورت آخر فأشار عليّ بالسهر » فلم تزل » تفال النورجوري ٠‏ رحىي الله غنه : خلطا بك احضر الملترم إذا نام الذاس و تضرع ٠‏ وقل.: تحيّرت في أمري فخذ بيدي » ففعل » فزالت القسوة . وقال الشاعر : وما رست الدخوق مومس ++ كلات مكلة الغيد الاليل وأغضيت الجفون على قذاها *** وصنت النفس عن قال وقيل - من فقهاء المدينة إلى دمشق » مستفتيا في أمر » وكان ثقة كثير الحديث » له حلقة في المسجد النبوي » وله كتاب في ( التفسير ) رواه عنه ولده عبد الرحمن » ( الأعلام 3 / 56 » وتذكرة الحفاظ 1 / 124 » وتهذيب الكمال 6 / 425 ) . 543 (1 ) أخرجه مسلم ( توبة » 29 ) وأحمد بن حنبل ( 2 » 492 ) . 54 » 351 « وذل العبد للمولى غناه *** وغايته إلى العزٍّ الطويل فذل العبد لمولاه غاية العز والفخر . وقال ذو النون المصري » رضي الله عنه : « ما أعز الله عبدا بعز هو أعرّ له من أن يدله على ذل نفسه » وما أذلَ الله عبدا هو أذل له من أن يحجبه عن ذل نفسه » ينك ا طلك الورصون امقر هذه صفة العارفين المحققين : لا يسبق نظرهم إلا إلى الله » ولا يطلبون إلا منه » ولا يكون مطلبهم إلا الوضيون إليه لا غير .وبك أستدل عليك . أي : لا بغيرك ؛ لأنك الظاهر قبل وجود كل شيء ظاهر » بل بظهورك خفيت المظاهر . وَقيل لتعح العارفين : «ر يع عرفت ريك ؟ فال : عرفت ربي دربي ؛ ولولا ردي ما عرفت ردي 4 وقال أبو القاسم النصراباذي » رضي الله عنه : « الأشياء أدلة منه » ولا دليل عليه سواه » . رقال أحمة بن ابى الحواري + رضي الله عذه : "زر لا دليل على الله سواه »او إنما العلم يطلت لآداب الخدمة » .فاهدني بنورك إليك . وهو نور الإيمان واليقين .وأقمني بصدق العبودية بين يديك . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 3 - إلهي علمني من علمك المخزون » وصني بسر اسمك المصون. إضافة العلم إلى الله هنا إضافة تشريف . والعلم المخزون هو العلم اللدنّي الذي اختزنه عنده فلم يؤته إلا للمخصوصين من الأولياء » كما قال الله تعالى في شأن الخضر عليه السلام عَلمَناة عن دنا عِلْمار الكهف : 65]. | ٍ وفي حديث أبي هريرة » رضي الله تعالى عنه : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « 0 إل فل 545 » 352 « العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء باللّه تعالى » فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرّة باللّه » « 1». نل يمي : « هي أسرار الله تعالى يبديها الله إلى أنبيائه وأوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة » وهي من الأسرار التي لم يطّلع عليها أحد إلا الخواص . رذن ان كر الو سمط رصي تخالى نه في قر تاد ادر ايكون كن العلم أن حمر | : 7] : « هم الذين رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب ٠‏ وفي سرّ السرّ ء فعرّفهم ما عرّفهم . وخاضوا في بحر العلم بالفهم لطلب الزيادة » فانكشف لهم من مذخور الخزائن والمخزون تحت كل حرف وآية من الفهم وعجائب النظر بحارا فاستخرجوا الدرر والجواهر ونطقوا بالحكمة .وصني بسر اسمك المصون . الصون المطلوب : هو صيانته عن رؤية الأغيار بما يتجلى لقلبه من سر الآسرار . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 4 - إلهي : حققني بحقائق أهل القرب . واسلك بي مسالك أهل الجذب. حقائق أهل القرب هي : الفناء في التوحيد » والتحقّق بالتجريد » فتبطل في حقهم رؤية الأسباب » ويزول عن مطمح نظرهم كلّ ستر وحجاب , كما قال سيدي أبو الحسن » رضي الله تعالى عنه في « حزبه الكبير » : وأقرب مني بقدرتك قربا تمحق به عني كل حجاب محقته عن إبراهيم خليلك فلم يحتج لجبريل رسولك . ولا لسؤاله منك » وحجبته بذلك عن نار عدوك » وكيف لا يحجب عن مضرة الأعداء من غيبته عن منفعة الأحباء » كلا إني أسألك أن تغيبني بقربك مني حتى لا أرى ولا أحمن بقرب شيء ولا ببعده عني إنك على كل شيء قدير . واسلك بي مسالك أهل الجذب . أهل الجذب هم المحبوبون » ومسالكهم في غاية السهولة لا تعب عليهم فيها ولا مشقة » بل يجدون اللذة والحلاوة في أعمالهم » وذلك من قبل أنه أخرجهم من أسر نفوسهم » وتولاهم بكلاءته ور هتكن غير تمجاهدة منهد ولا امكايدة . (1 ) أخرجه العراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 1 / 21 ) » والمنذري في ( الترغيب والترهيب 1 / 103 ) » والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 1 / 166 ٠‏ 2 / 66 ) والمتقي الهندي في ( كنز العمال 28942 ) » وابن كثير في ( التفسير 6 / 357 ) » والسيوطي في ( اللآألىء المصنوعة 1 / 115 ) » والألباني في ( السلسلة الضعيفة 870 ) . 546 َ « 353 » ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 5 - إلهي أغنيتني بتدبيرك لي عن تدبيري وباختيارك لي عن اختياري وأوقفني على مراكز اضطراري 1 المنفرد بالتدبير والاختيار والمشيئة والاقتدار هو الله عرّ وجل » فمن كان له دعوى في شيء من ذلك فقد نازع لله تعالى في ربوبيته وخلع عن عنقه ربقة عبوديته » فلذلك سأله وطلب منه أن يغنيه عن تدبيره واختياره » وأن يوقفه على مراكز اضطراره ليكون متحققا بصفاته » ومتعلقا بصفات مولاه . وقد تقدّم هذا المعنى غير مرّة . والمراكز : مواضع الاستقرار والثبوت » وهي استعارة حسنة . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 6 - إلهي أخرجني من ذل نفسي . وطهرني من شكى وشركى قبل حلول رمسى. ذل النفس الذي طلب الإخراج منه هو ذلها لغير الله تعالى بالطمع والحرص . وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله [ ما بسقت « 1 » أغصان ذل إلا على بذر طمع ] وظطهرتي من شكي وشتركي قبل خلرل رحسي . الشك والشرك هما سبب وجود الطمع والحرص الموجبين لوقوع الذل والهوان وهذه الأوصاف كلها مجانية لحقائق: الإيمان :و التوحيد » عاقانا اتدعقيا » والشك : كفيق الصدر عنة إكساس النفس بأمر مكروه يصيبها » فإذا ضاق صدره بسبب ذلك أظلم قلبه وأصابه من أجله الهمّ والحزن . وطهارته منه إنما تكون بوجود ضده » وهو اليقين » فبه يتسع الصدر وينشرح » ويزول عنه الحرج والضيق . وبقدر احتظاء القلب من نور اليقين يكون انشراح الصدر واتساعه » وعند ذلك يجد القلب الرّوح والفرح بالله تعالى . وبفضله » وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله تعالى بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين وجعل الهمّ والحزن في الشك والسخط » « 2». والشرك : تعلق القلب بالأسباب عند غفلته عن المسبب ونسيانه له » تعلّق العبد بالشرك » ويكون مبدأ ذلك هيجان الشهوة عند استيلاء ظلمة الشك على القلب فيحلوله حينئذ الهوى » فيفزع إذ ذاك إلى الأسباب التي يتوصّل بها إلى بغيته إلا لا يرى غيرها فيرتبك من أجل ذلك حبائل الشرك » وطهارته منه بضدّه وهو : نور التوحيد الذي يقذفه الحق تعالى في قلبه فتطمئن بذلك نفسه وتسكن عن الشره والطيش الذي أصابها . وكلما قوى نور التوحيد في قلبه كان خلاصه من الشكر أكثر فتحمى عنه الأسباب » ويثتب فيه خالص التوحيد . (1 ) بسق النخل وغيره : طال أو تمّ ارتفاعه . (2 ) أخجره الطبراني في ( المعجم الكبير 10 / 266 ) . 5247 « 354 » اع ام اسسواة اسلا 1 لسر ست يده أخبا داود عليه و نبينا الصلاة والسلا أن الله أو إليه :"يا ذاو هل تدرى متى أو اهم : إذا طهّروا قلوبهم من الشرك ونزعوا من قلوبهم الشك » وعلموا أن لي جنة وناراء وأني أحيي وأميت» وأبعث من في القبورء وأني لم أتخذ صاحبة ولا ولداء فإن توفيتهم بيسير من الذين يرضون بحكميء وألسنتهم رطبة من ذكريء هل تدري يا داود أي المؤمنين أعظم منزلة عندي؟ الذي هو بما أعطى أشد فرحا بما حبسء» هل تدري يا داود أي الفقراء أفضل؟ الذين ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 7 - إلهي بك أستنصر فانصرنيء وعليك أتوكل فلا تكلين» وإياك أسأل فلا تخيبني؟؟ وفي فضلك أرغب فلا تحرمني؟؟ ولجنابك أنتسب فلا تبعدني؟؟ وببابك أقف فلا تطردني؟؟ تعلق باللّه تعالى في كل مطلب من هذه المطالب وأضرب عن الوسائط والأسباب » وذلك من تحققه بالتوحيد الذي سأل من مولاه أن يحققه به بتطهيره من أضداده . ومعاني هذه الكلمات قريب بعضها من بعض . قال أبو الحسن عليّ بن هند الفارسي » رضي الله تعالى عنه : اجتهد في أن لا تفارق باب سيدك بحال ؛ فإنه ملجأ الكل » فمن فارق تلك السّدة « 1 » لا يرى بعدها لقدميه قرارا ولا مقاما . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 8 - إلهي تقدّآس رضاك عن أن تكون له علة منك » فكيف تكون له علة مني » . رضا الله تعالى صفة من صفاته . وصفاته قديمة » ولذلك امتنع عليها سبقية العلل . والقديم لا يكون مسبوقا بشيء . وإذا كانت صفاته العلية منزهة عن أن يكون لها علة منه » فكيف يكون لها علة من غيره . فرضا اذه تعالى لا علة لماو لا صنت يل رز كباء! وسخطه هما سنت١ ٠‏ عمال العاملدن كهنها وسينها + رضى عن قوم فاستعملهم بأعمال أهل الرضا » وسخط على قوم فاستعملهم بأعمال أهل السخط . قال أبو بكر الواسطي » رضي الله عنه : « الرضا والسخط نعتان من نعوت الحق يجريان على الأبد بما جريا في الأذل يظهران الوسمين على المقبولين والمطرودين » فقد بانت شواهد المقبولين بضيائها عليهم » كما بانت شواهد المطرودين بظلامها عليهم ؛ فأنى تنفع من ذلك الألوان المصفرة » والأكمام المقصّرة » والأقدام المنتفخة ؟! ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 9 - أنت الغني بذاتك عن أن يصل إليك النفع منك فكيف لا تكون غنيا عني؟ . الكلاء في الغتى كالكلام في الرطنا ..وكان المولف »رحمه الله تعالن » قضبد فى عناجاة بهذة الكت ال رصاع ا راستعد ف تلت المدامدة ر لجار عن أعيالة 548 (1 ) السدة : باب الدار . 59 « 355 » المخكولة والخواله المعلولة ».وذلك عن أحسن المتاصت للداغي.. ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 0 - إلهي : إن القضاء والقدر غلبني » وإن الهوى بوثائق الشهوة أسرني , فكن أنت النصير لي حتى تنصرني وتنصر بي » وأغنني بفضلك حتى أستغني بك عن طلبي . ٠‏ [إلهي أن القضاء والقدر قد غلبني فلا حيلة لي إلا رجاء حولك وقوتك وأن الهوى بوثائق أسرني فكن أنت الناصر لي دون واسطة من غيرك حتى تنصرني على من يصدني عنك واعني بفضلك حتى أستغني بك عن طلبي] | ْ هذا اعتذار واعتراف » والله تعالى أكرم من أن يرد عذر من اعتذار إليه » أو يخيّب أمل من اعترف بذنبه وأقرّ به لديه » يقال : إن العبد يبتهل إلى الله تعالى في الاعتذار » والحق » سبحانه وتعالى يقول له : عبدي » لو لم أقبل عذرك لما وفقتك للاعتذار . وقال الكتاني » رضي الله تعالى عنه : « لم يفتح الله تعالى لسان المؤمن بالمعذرة إلا لفتح باب المغفرة » فلا جرم لما وثق بذلك » وقوى رجاؤه فيه طلب منه النصرة له على أعدائه » ولم يقتصر على ذلك » بل أضاف إليه طلب النصرة به ؛ لتكون تلك النصرة بسببه وعلى يديه . كما قال أبو الحسن » رضي الله تعالى عنه : « واجعلنا سبب الغنى لأوليائك وبرزخا بينهم وبين أعدائك » , ثم لم يقنع بذلك حتى طلب منه أن يغنيه بما يستغنى به عن الطلب منه » وهو ما يؤتيه من فضله العظيم وكرمه الجسيم » وهذه هي غاية السعادة » كما قال سيدي أبو الحسن رضي الله عنه : والسعيد حقًا » من أغنيته عن السؤال منك . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 1 - إلهى أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك» حتى عرفوك ووحدوك. وأنت الذي أزلت الأغيار من قلوب أحبابك؛ حتى لم يحبوا سواك ولم يلجنوا إلى غيرك ٠‏ أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم, وأنت الذي هديتهم حتى استبانت لهم المعالم» ماذا وجد من فقدك. وما لاي ا ا ل ل سبب إيحاش العوالم لهم ما هي عليه من الفاقة » والافتقار » والحاجة والاضطرار ف فكلٌ واحد منها جالب لنفسه » طالب لحظه من كمال نقصه » ووفاء بخسه » واللّه تعالى غنيّ حميد » عزيز مجيد » وهو مع ذلك لطيف بعباده » عطوف عليهم » متودد إليهم » رؤوف بهم » فلمًا شاهدوا هذا كله مشاهدة يقين ومعاينة باشهاده إيَاهم لم يتمالكوا أن أحبّوه » وآووا إليه » وقصروا هممهم عليه » وجعلوه معتمد أنسهم . واستغنوا به عن أبناء جنسهم » فحصلوا إذ ذاك على غاية النعيم » وفازوا بالحظ العظيم » قال ذو النون المصري . رضي الله عنه : « بينما أنا أسير في بعض البوادي إذ لقيتني امرأة . فقالت لى : ْ ١‏ ْ من أنت ؟ فقلت : رجل غريب . فقالت : وهل توجد مع الله أحزان الغربة » . وكتب « مطرف بن عبد اللّه بن الشخير » « 1 » إلى عمر بن عبد العزيز » رضي الله تعالى (1 ) مطرف بن عبد الله بن الشخير الحرشي العامري ( توفي 87 ه - 706 م ) أبو عبد الله » زاهد من كبار - 551 » 366 « عنهما : « . . . وليكن أنسك باللّه وانقطاعك إليه ؛ فإنّ لله عبادا استأنسوا باللَّه . فكانوا في وحدتهم أشدٌ استئناسا من الناس في كثرتهم » وأوحش ما يكون الناس أآنس ما يكونون » وآنس ما يكون الناس أوحش ما يكونون . وأنت الذي هديتهم حتى استبانت لهم المعالم . لما تولّى الله هدايتهم إلى طريق التوحيد والمعرفة أبان لهم علامة ذلك ودلائله » فعند نظرهم في تلك العلامات والأدلة انشرحت صدورهم بأنوار الإيمان واليقين » فلم يتداخلهم شك ٠»‏ ولم يخالجهم ريب . والمعالم : جمع « معلم » كأنه - رحمه الله تعالى - عرض في هذه الكلمات بالمطلب الذي بحصوله له يستغنى عن الطلب » وهو إشراق الأنوار في قلبه » وإزالة الأغيار عن سرّه » وإيناسه له » وهدايته إياه . وهذه الأربعة مطالب متضمنة لأسنى الرغائب . قد تقدّم » غير ما مرّة » أن ما سوى الله تعالى عدم وه ظلمة » وأن الوجود الحق والنور ا 3 لمتحقق إنما هو الله عز وجل . فإذا كان الأمر على هذا صم ما قاله المؤلف » رحمه الله تعالى » هاهنا . وكان حقًا لا مرية فيه . قال أبو علي الروذباري » رضي الله عنه : سألني أبو بكر الدقاق » رضي الله عنه » فقال لي : يا أبا عليّ » لم ترك الفقراء أخذ البلغة في وقت الحاجة ؟ ش ْ فقلت : لأنهم يستغنون بالمعطي عن العطاء . فقال : نعم » ولكن وقع لي شيء آخر . فقلت : هات أفكي بها رق لكا ققال : للنهم قرم الا يكيم الرجوة ١‏ د اند داقنهه ).ولا يحتف القاقة انم وجودهم » . وكان أبو حمزة البغدادي » رضي الله تعالى عنه » يقول في مناجاته : « اللهم إنك تعلم أنى من أفقر خلقك إليك ؛ فإن كنت تعلم أن فقري إليك بمعنى هو غيرك » فلا تسد فقري » . لقد خاب من رضي دونك بدلا » ولقد خسر من بغى عنك متحولا . 1 اك ال م ري 1 0 ع 1 الأولياء 2 / 198 200 الكمال 18 / 143 ) . 5252 « 357 » قاين »وه مض على ما نقتم الإامن الكلتى., رؤى الشبلي » رضي الله تعالى عنه » في المنام بعد وفاته » فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : لم يطالبني بالبراهين على الدعاوى ٠‏ إلا على شيء واحد ؛ قلت يوما : لا خسارة أعظم من خسارة الجنة ودخول النار . فقال : وأيّ خسارة أعظم من خسران لقائي . وفي معناه أنشدوا : سهر العيون لغير وجهك باطل *** وبكاؤهن لغير فقدك ضائع وقال بعضهم : كان عندنا رجل مكث عندنا ثلاث عشرة سنة يصلّي كل يوم وليلة ألف ركعة حتى أقعد من رجليه » فإذا صلّى العصر احتبى واستقبل القبلة » ثم قال : عجبت للخليقة كيف أرادت بك بدلا » بل عجبت للخليقة كيف استأنست بسواك » ثم يسكت إلى المغرب . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 2 - إلهي! كيف يرجى سواكء وأنت ما قطعت الإحسان؟ وكيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان» يا من أذاق أحباءه حلاوة مؤانسته؟؟ فقاموا بين يديه متملقين:؟؟ ويا من ألبس أولياءه ملابس هيبته فقاموا بعزته مستعزين»؟؟ أنت الذاكر من قبل الذاكرين؟؟ وأنت البادئ بالإحسان من قبل توجه العابدين:؟؟ وأنت الجواد بالعطاء من قبل طلب الطالبين» وأنت الوهاب؟؟ ثم أنت لما وهبتنا من المستقرضين؟؟ أي كيف يرجى سواك يا الله! وأنت ما قطعت الإحسان؟ هذا تعجيب ممن كان على هذا الوصف » وهو أعجب من كل عجيب » والمعنى في ذلك بيّن .يا من أذاق اكناعة كلذو تمد انسفة تقادوا بيرة ردم ململفيق . ا التمّق : هو التلطّف في التودّد » وترتبه على ذوقهم لحلاوة مؤانسته بيّن .ويا من ألبس أولياءه ملابس هيبته فقاموا بعزته مستعزين . استعزازهم بعزته هو رفع هممهم عن تعليقها بغير الله تعالى تيها » وتكبّرا عليها » وثقة منهم به , وذلك لما البسهم من ملابس هيبته حتى لم يهابوا معه غيره » ولم تتأله قلوبهم إلى سواه » ولذلك قالوا : المعرفة حقر الأقدار سوى قدره » ومحو الأذكار سوى ذكره . قال بعض المشايخ : « إذا عظم الربٌ في القلب صغر الخلق في العين » . وقيل في معنى قوله تعالى :تعر مَنْ نَشَاءُ[ آل عمران : 26 ] قال : بأن يكون لك بك معك بين يديك . أنت الذاكر من قبل ذكر الذاكرين » وأنت البادىء بالإحسان من قبل توجه العابدين » وأنت الجواد له الارلؤية فيسا ذكر كما كر . 5203 5254 » 358 « قال أبو يزيد » رضي الله تعالى عنه : « غلطت في ابتداء أمري في أربعة أشياء : توهّمت أني أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه » فلما انتهي رأيت ذكره سبق ذكري » ومعرفته تقدمت معرفتي » ومحبته أقدم من محبتي » وطلبه لي أول حتى طلبته » . فإذا كانت له الأولية في ذلك لم يبق للعبد وسيلة يتوسّل بها سوى فضله وكرمه . وممّا يوافق ما ذكره المؤلف » ما حكى عن الجنيد » رضي الله تعالى عنه » أنه كان يقول في مناجاته : « يا ذاكر الذاكرين بما به ذكروه » ويا بادىء العارفين بما به عرفوه » ويا موفق العابدين لصالح ما عملوه » من ذا الذي يشفع عندك إلا بإذنك » من ذا الذي يذكرك إلا بفضلك » واستقراض الربٌ من عبده ما وهبه له غاية في ترفيعه لقدره » وإبانته لشرفه » ووعده مع ذلك حريل ارا هد سيا لي كر به له ركد عبد قال د بعضهم : ملكك » ثم اشترى منك ما ملكك . ليثبت لك معه نسبة » ثم استقرض منك ما اشتراه » ثم وعدك عليه من العوض أضعافا بيّن فيه أن نعمه وعطاياه بعيدتان أن يكونا مشوبتين بالعلل . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 3 - إلهي : اطلبني برحمتك حتى أصل إليك » واجذبني بمنتك حتى أقبل عليك . لا سبيل للعبد إلى وصوله إلى الله إلا برحمته ؛ فلذلك طلب منه أن يطلبه بها ولا يتأتى له الإقبال عليه إلا بمئته » فلذلك طلب منه أن يجذبه إليه بها » وذلك لتحقق الأولوية التي ذكرناها من قبل . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 4 - إلهي إن رجائي لا ينقطع عنك وإن عصيتك , كما أن خوفي لا يزايلني إن أطعتك . الخوف والرجاء حالان يتعاقبان على قلب العبد » واعتدالهما واستواؤهما هو المطلوب » سواء كان العبد في طاعة أو في معصية » وقد مذلوا ذلك بكفتي الميزان وجناحي الطائر » وهذا من أغلئى مشاهدة الغار فين والار لياء ؛ وذلك لأن منشأهما عندهم إنما هو من شهود الصفات المخوفة والمرجوّة » وصفات الله تعالى لا تفاوت فيها » فكذلك مشاهدتها لا تفاوت فيها » فإن وقع فيها تفاوت كانت مشاهدة ناقصة » وأحوالا معلولة ؛ فلذلك يتصور وجود كمال الخوف مع عمل العبد بالطاعة » وغلبة الرجاء مع ارتكابه المعصية كما وصف به المؤلف نفسه . قال يحيى بن معاذ » رضي الله تعالى عنه : « يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال ؛ لأني أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص ؛ وكيف أحررها وأنا بالآفة معروف ؟ ! وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك . وكيف لا تغفرها وأنت 5055 » 359 « بالجود موصوف » وقد تقدّم من كلام المؤلف » رحمه الله تعالى ( من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجال عند وجود الزلل ) . ومن دعاء سيدي أبي العباس » رضي الله تعالى عنه <. ., إلهى ؛ معضيتك تادتدي بالطاعة » وطاعتك نادتني بالمعصية ل الي الحسش رن كارا إن قلت بالمعصية قابلتني بفضلك فلم تدع لي خوفا » وإن قلت بالطاعة قابلتني بعدلك فلم تدع لي رجاء » فليت شعري » كيف أرى إحساني مع إحسانك » أم كيف أجهل فضلك مع عصيانك » . ومن كلامه أيضا » رخني الله تعالى عنه : زر العامة إذا .خوّفوا خافوا » وإذا رجوا رجوا ؛ والخاصة متى خوّفوا رجوا » ومتى رجّوا خافوا » . قال في « لطائف المنن » : « ومعنى كلام الشيخ هذا : أن العامة واقفون مع ظواهر الأمر ؛ فمتى خوّفوا خافوا ؛ إذ ليس لهم نفوذ إلى ما وراء العبارة بنور الفهم كما لأهل الله » وأهل الله إذا خوّفوا رجوا » عالمين أنّ من وراء خوفهم وما به خوّفوا أوصاف المرجوٌ الذي لا ينبغي أن يقنط من رحمته » ولا أن ييأس من مئته فاحتالوا على أوصاف كرمه علما منه أنه ما خوّفهم إلا ليجمعهم عليه وليردّهم بذلك إليه » وإذا رجوا يخافون غيب مشيئته الذي هو من وراء رجائهم » وخافوا أن يكون ما أظهر من الرجاء اختبارا لعقولهم هل تقف مع ظاهر الرجاء » أو تنفذ إلى خوف ما بطن في مشيئته » فلذلك أثار الرجاء خوفهم . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 5 - إلهي : قد دفعتني العوالم إليك » وقد أوقفني علمي بكرمك عليك!!. إنها دفلفته الغو الم إليه لما اتشمنتة من الماك الموتخقة كنا كلام : ولقد أحسن من قال : « لا وحشة مع الله » ولا راحة مع غير اله » . فى هذا لمم اشوا ٠‏ يا قرّة العين سل عيني هل اكتحلت *** بمنظر حسن مذ غبت عن عيني وقد أوقفني علمي بكرمك عليك . إذ الكريم لا تتخطاه أمال المؤمّلين » ولا يتوجّه نحو سواه طلب الطالبين . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 6- إلهي : كيف أخيب وأنت أملي . أم كيف أهان وعليك متكلي . لما تعاق يال تعالدزتركل عليه انتيعه أن يفيف أمله ؛ أو يناله هوان نيؤوقه تكيلة : 5256 َ « 360 » ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 7 - إلهي : كيف أستعز وأنت في الذلة أركزتني » أم كيف لا أستعز وإليك نسبتني . أم كيف لا أفتقر وأنت الذي في الفقر أقمتني . أم كيف أفتقر وأنت الذي بجودك أغنيتني . [32 - إلهي كيف لا أفتقر إليك وأنت الذي في الفقر أقمتني أم كيف أفتقر إلى غيرك وانت الذي بجودك أغنيتني.] تلوّنه في هذه الأوصاف المتضادّة لما يغلب عليه من مشاهدة ما يوجبها . والذلة المثبتة هنا هى : ذلة الخليقة والعبودية . والنسبة التي أشار إليها هي : سر الخصوصية . والأفكار سسحتي الدلة 6و الاستق د يمد العر ةق قال بعضهم : « رأيت ذل كلّ ذي ذل فزاد ذلي على ذلهم » ونظرت عزّ كل ذي عر فزاد عزّي على غر هم هدر وقال الشبلي » رضي الله تعالى عنه : « لقد ذللت حتى عر في ذلي كل ذي ذل » وعززت حتى ما تعزز أحد إلا بي وبمن به تعززت » . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 8 - إلهي أنت الذي لا إله غيرك تعرّفت لكل شيء فما جهلك شيء وأنت الذي تعرّفت إلي في كل شيء , فرأيتك ظاهرا في كل شيء . فأنت الظاهر لكل شيء . هذا كلّه تقدّم معناه ولفظه في كلام المؤلف على غاية الكمال والتمام . والحاصل منه أنّ الظهور التام لله تعالى بكل اعتبار » ثم إنه عبّر هنا عن ذلك بعبارة لم يذكرها فيما تقدم وهو قوله : ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 9 - إلهي يا من استوى برحمانيته على عرشه فصار العرش غيبا في رحمانيته كما صارت العوالم غيبا في عرشه . محقت الآثار بالآثارء ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار. . كلما أشار بهذا إلى معنى قوله تعالى :الرّحْمنُ عَلَى الْعَرْشْيِ اسْتَوى[ طه : 5 ] » وقوله تعالى :ثم اسْتوى عَلَى الْعَرْئنٍ الرحْمنُ [ الفرقان : 59 ], ورحمانية الله : كونه رحمانا . والرحمن اسم الله تعالى يقتضى وجود كل موجود » وهو مشتق من الرحمة » والرحمة » هاهنا » هي ل لير رس شي فى قولة تعانى بمخيرا كن تكملة العردن إذ قلوا :رتنا رشقت كل شع رخمة وعلماز خافن 00 50 557 » 361 « ويفهم من معنى « الاستواء » القهر والغلبة » ومقتضاهما في حقّ الله تعالى أن لا يكون لغيره وجود مع وجوده » ولا ظهور مع ظهوره فلا جرم لما كان الحق مستويا برحمانيته على عرشه الذي العوالم كلها في طيّه كان العرش غيبا في الرحمانية مندرجا فيها والعوالم كلها غيب في العرش ؛ لأنها في طيّّه ‏ فلا ظهور إذن للعرش »ء ولا للعوالم » وإنما الظهور التامً لله عر وجل . محقت الآثار بالآثار . كما بين العوالم والعرش .ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار . كما بين العرش والرحمانية » ومحيطات أفلاك الأنوار » هي : أسماء الله الحسنى » والله تعالى أعلم . ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 0 - إلهي يا من احتجب في سرادقات عزّه عن أن تدركه الأبصار , يا من تجلى بكمال بهائه فتحققت عظمته الأسرار. كيف تخفى وأنت الظاهرء أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر؟. عزّة الله تعالى اقتضت كون كل ما سواه محجوبا عن رؤيته لله عر وجل ؛ فإن العزيز معناه المنيع الذي لا يوصل إليه » يقال : « حصن عزيز » إذا تعذر الوصول إليه . وفك :الاين الاي ذا برتقن اليه وهم طمكا فى ديرن »نوالا رسي الى سيله فيد قصلذا إلى تصويره . وقيل : العزيز : من ضلّت العقول في بحار تعظيمه » وحارت الألباب دون إدراك نعته » وكلّت الألسنة عن استيفاء مدح جلاله » ووصف جماله » قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » « 1». وذكر ‏ البار اذقاك مكنافة ل كر مدو سنمنة نيا كما معييوق ن اجن تقار كدان ناته كمال يهاتة : محاسن صفاتة وأسماته » فيظهور ذلك وتحليه تحققت عظمتة أسران العارفين .كيف تخفى وأنت الظاهر » أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر ء والّه الموفق وبه أستعين . (1 ) أخرجه مسلم ( صلاة » 222 ) » وأبو داود ( صلاة » 148 ) » ( وتر ء 5 ) » والنسائي ( قيام الليل » 51 ) » والترمذي ( دعوات ٠ 75 ٠‏ 112 ) » وابن ماجة ( دعاء » 3 ) » ( إقامة . 7)»ء والموطأ ( حسن القرآن » 31 ) » وأحمد بن حنبل ( 1 » 96 ٠»‏ 118 » 150 » 6 »2 .) 8 50508 « 363 » هذا كلّه بِيّن لا إشكال فيه » والحمد لله » وقد تقدّم معناه غير ما مرّة من كلام المؤلف » رحمه الله قال مؤلف هذا الكتاب ٠:‏ وقد نجز بحمد الله ما أردناه » وبلغنا الغرض الذي قصدناه » ولا حول لنا في ذلك ولا قوّة إلا بالله » وبذلك تبيّن ما عندي في مسائل الكتاب » واللّه تعالى الهادي للصواب . وقد تقدّم في أول هذا التنبيه أنى لم أقصد فيه إلا هذا المعنى » ولم نلتزم كون ما ذكرناه صحيح المبنى » حتى نحتاج إلى نصب الأدلة والبراهين على ما ادعيناه فيه . وإنما سقنا ذلك على سبيل حكاية مذهب من المذاهب » وللمحكيّ له ذلك أن يصححه أو يبطله » إن أحبّ » وما وقع فيه من توخي استدلال على مطلب من المطالب فأنا في ذلك متبرع ؛ فإن صم ذلك الدليل فهو المطلوب ل لي لجتر ا بي مح ا ل ا سر رد سا ا رع 0 بذلك مفتريا كذابا عليهم . ثمّ فيه من سوء الأدب معهم » والتقدم بين أيديهم ما لا يقوم له شيء » وعند ذلك يكون الخرس والبكم وذهاب الحسّ والحركة أولى به وأحمد عاقبة له » ؛ لتخلّصه بذلك من شرٌ لسانه وبنانه . ثم إن ما قصدناه من ذلك لا يمنع من حصول الفائدة لمن أراده الله تعالى بها » ووفقه لها . ؛ فعلى العبد أن يعمل على خلاص نفسه » ولا يلزمه اتباع مرضاة غيره » فقد قيل : « رضا الناس غاية لا تدرك » . ونحن نرغب إلى من وقع بين يديه هذا التأليف » وظهر له فيه خطأ أو تحريف » أن يصلح منه ما ألفاه مختلا » وأن ينتهج من الاعتذار عنه الطريقة المثلى » وإن ظهر له أن يضع في ذلك تأليفا يتضمّن تنبيها وتعريفا ؛ فذلك من المذاهب التي ترتضى » ومما لم يزل من شأن من قد مضى . ونحن نستغفر الله تعالى مما يعلمه منا من التعدي والجراءة فيما تعرضنا له من بيان كلام الأولياء » والراسخين من العلماء » وتقرير عباراتهم وإشاراتهم من غير اطلاع منا 559 » 363 « على كنهها « 1 » » ولا بصيرة فيها . ونستغفره أيضا مما أقدمناه عليه من إظهار ما ستروه » وإعلان ما أسرّوه . ونستغفره أيضا مما وقع منا فيه من ذكر أحوال الأولياء » رضي الله عنهم » ومقاماتهم . وتحريضنا على سلوك طريقهم المستقيم مع إفلاسنا من جميع ذلك » وعدم احتظائنا به . ونسأله مع ذلك أن لا يؤاخذنا بما انطوت عليه ضمائرنا » وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعايب التي يعلمها منا ولا نعلمها » أو نعلمها ولا تسمح نفوسنا بالتنقي منها » والتنزه عنها , اغترار ١‏ مهنا يحمله »و استكهانة ينظر هو علمة. , ونرغب إليه » جل وعلا » أن يمنّ علينا بتوبة تمحو عنا كلّ حوبة « 2 » حتى تنقلب أعداؤنا عنا خائبين خاسئين داخرين « 3 » صاغرين لم ينالوا من تحقق إراداتهم فينا مطلبا » ولم يبلغوا من عدم إسعافه إيانا بما طلبناه منه مأربا » وأن يشمل في ذلك معنا كل من أمّن على هذا الدعاء ممن سمعه » وممن دعا لنا بمثله من إخواننا المسلمين » ونتوسّل إليه في بلوغ الأمل والوصول إلى المبتغي الأجلّ بمن صرفنا به عن كل جحود وكفور » وأخرجنا على يديه من الظلمات إلى النور سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين » وإمام المرسلين » وحبيب رب العالمين » صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين » وأصحابه البررة الأكرمين » وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين » وسلم لما كك نو الحم نرف العلسن. (3 ) الخاسىء : الصاغر الذليل » دخر : ذل وانقاد وصغر . 500 » 364 «