PageV01P001 [المجلد الاول] المكتوبات للإمام العَالم الربّاني المجدد للألف الثاني أحمد الفَاروقي السّرهَندي PageV01P003 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) الجزء الأول من معرب المكتوبات الشريفة الموسوم بالدرر المكنونات النفيسة للفقير المحتاج الي لطف رب العباد محمد مراد المنزلوى تودا المكى توطنا عربتها رجاء ان ينتفع بها اخوان طريقتنا الذين لا معرفة لهم باللغة الفارسية التى هى أصلها والتركية التى هى ترجمتها وأسأل الله سبحانه ان يجعل خالصا لوجهه الكريم وأن يجيرنى به من العذاب الأليم انه رؤوف رحيم حليم للمؤلف المعرب اللاشئ أموت ويبلى اعظمى في المقابر * وسوف أرى ما قد حوته دفاترى فرمت ادخارا بعد موتى من الدعاء * فأبقيت تذكارا انتاج خواطرى في أخر الكتاب (ترجمة أحوال الأمام الرباني للمغرب المذكور ويليه كتاب الرحمة الهابطة في تحقيق الرابطة للشيخ حسين الدوسرى رحمه الله) PageV01P005 [المقدمة] بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الّذي عجزت العقول عن إدراك كنه ذاته * وتحيّرت فهوم الفحول في معرفة صفاته * أبدع العالم وأجلى عجائب صنعه في مجالي مصنوعاته * وخلق نوع الإنسان وأودع فيه جميع ما في مكوّناته * وشرّفه وكرّمه بخلافته وفضّله على سائر بريّاته * وصيّرها سببا لنجاته * وإنجاح حاجاته ورفع درجاته * وسلّما لعروجاته * إلى أوج القرب وأقصى غاياته. ولآلئ الصّلوات وجواهر التّسليمات وفوائد التّحيّات على أشرف مخلوقاته * وأكرم موجوداته * والمظهر الأتمّ لظهوراته * سيّدنا ومولانا محمّد، المراد من خلق الكونين والعلّة الغائيّة لإفاضة فيوضاته * وبثّ بركاته * وعلى آله وأصحابه الّذين حازوا نعمة صحباته * وفازوا بالتّطفّل في سائر كمالاته * وعلى جميع أولياء أمّته الّذين بذلوا جهدهم في إحياء ملّته واتّباع سنّته واقتفاء سيرته في جميع حالاته * فأباح الله لهم موائد نعمه * وقلّدهم لطائف مننه * وزيّن ظواهرهم وبواطنهم بمكارم شيمه * ونوّر قلوبهم من لواقح الأنوار * وملأ أسرارهم بفصوص الحكم وجواهر الأسرار * وكحل أبصار بصائرهم بكحل العناية والاستبصار * وأشمّهم عوارف المعارف ومنحهم قوت القلوب وأطلعهم من العلم على مكنوناته * أمّا بعد: فهذه درر مكنونات منيفة * برزت من أصداف عبارات المكتوبات الشّريفة * للإمام الرّبّانىّ * والغوث الصّمداني * والقطب السّبحانىّ * والعارف الرّحمانىّ * نقطة دائرة الإرشاد * رحلة الأبدال والأوتاد * قدوة الكملاء الأفراد * واقف الأسرار الإلهيّة * كاشف دقائق المتشابهات القرآنيّة * برهان الولاية الخاصّة المحمّديّة * سمىّ سيّد المرسلين وأفضل البريّة * بالاسم الّذي بشّر به المسيح على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام والتّحيّة * سيّدنا وسندنا ومولانا ووسيلتنا إلى الله القديم الكريم الأحد الأبديّ * الشّيخ أحمد بن الشّيخ عبد الأحد السّرهندىّ * محتدا * الفاروقىّ نسبا * النّقشبنديّ مشربا * الحنفىّ مذهبا * الشّهير عند الأقاصي والأداني * بمجدّد الألف الثّانى * قدّس الله سرّه وروّح روحه ونوّر ضريحه وأفاض علينا من بركاته * وجعل لنا نصيبا وافرا من جميع مقاماته * بحرمة أشرف العباد وآله الأمجاد * وكانت تلك الجواهر تصدر من لجج مكشوفاته ومعلوماته قدّس سرّه شيئا فشيئا على مرور الأوقات والحجج مدّة حياته * من بداية كماله إلى حين مماته * على مقدار استعداد كلّ من أرسل إليه * حسب ما يظهر من عالم الغيب لديه * بعضها في ذمّ الدّنيا الدّنيّة * وبعضها في الحثّ والتّحريض على ما ينفع في الآخرة ودرجاتها العليّة * وبعضها في النّصائح والمواعظ البهيّة وللقبول حريّة * وبعضها في التّرغيب في ترويج أحكام الشّريعة المصطفويّة * وأكثرها في بيان أسرار الشّريعة المحمّديّة * وتحقيق حقائقها * وحلّ رموز الطّريقة النّقشبنديّة الأحمديّة وكشف دقائقها * مقتبسة من أنوار متابعة السّنّة السّنيّة * مقتطفة من أشجار اقتفاء السّيرة المصطفويّة * وملتقطة من موائد فوائد التأدّب بالآداب النّبويّة * مصداق قوله صلّى الله PageV01P006 عليه وسلّم: «إنّ من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلّا أهل المعرفة بالله»، وفى رواية «إلّا العلماء بالله فإذا قالوه»، وفي رواية: «تكلّموا»، وفى رواية: «نطقوا به لا ينكره إلّا أهل الغرّة بالله» (1). وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل بما علم ورّثه الله تعالى علم ما لم يعلم» (2) يعنى: من غير تعلّم من أحد ولا أخذ من الكتاب * بل بمجرّد فتح الباب * من طرف حكيم عليم وهّاب * وهو علم الوراثة المحمّديّة الّذي ورثه الأولياء من باطنيّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم بأسانيد الإلهام * ونقلة الكشف التّامّ * وصفاء السّريرة وصدق المعاملة مع الله تعالى دون غيرهم لحديث رواه القسطلانيّ في المواهب اللّدنيّة * وغيره في كتب الأحاديث النّبويّة * من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وسألني ربّى فلم أستطع أن أجيبه فوضع يده بين كتفىّ بلا تكييف ولا تحديد فوجدت بردها فأورثني علم الأوّلين والآخرين وعلّمني علوما شتّى فعلم أخذ على كتمانه؛ إذ علم أنّه لا يقدر على حمله أحد غيرى وعلم خيّرني فيه، وعلّمني القرآن فكان جبريل يذكّرني به وعلم أمرني بتبليغه إلى الخاصّ والعامّ» (3) اهـ * PageV01P007 فتبيّن من هذا الحديث: أنّ وراء العلم الّذي أمر بتبليغه إلى الخاصّ والعامّ الّذي هو علم الشّرائع والأحكام علمين آخرين، بل علوما شتّى كما قال صلّى الله عليه وسلّم كلّها حقّ: أمّا العلم المأمور بكتمانه فهو علم النّبوّة إذ لا يعلمه ولا يقدر على حمله غير النّبىّ ولا نبىّ بعده وأمّا العلم الّذي خيّر فيه صلّى الله عليه وسلّم فهو علم الولاية وهو علم باطن الشّريعة وحقيقتها وأسرارها المخزونة المكنونة الّتى أسرّها النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم لخواص أصحابه كما خصّ بإعلام المنافقين حذيفة (1) رضى الله عنه وهم أسرّوها إلى خواصّ أصحابهم وهلمّ جرّا لأنّها إنّما تؤخذ وتتلقّى بالأحوال الصّادقة والعقيدة الرّاسخة والاعمال الصّالحة المصحوبة بالإخلاص والنّيّة الخالصة وملازمة الذّكر ومداومة الفكر ومراقبة الحضور مع الله تعالى كذا قال خاتمة المحقّقين العارف بالله الشّيخ عبد الغنيّ النّابلسيّ (2) قدّس سرّه. وقال أبو هريرة (3) رضى الله عنه فيما رواه البخاريّ (4) في صحيحه: «حفظت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعائين: أمّا أحدهما: فبثثته، PageV01P008 وأمّا الآخر: فلو بثثته قطع هذا البلعوم» (2). يعني: لقتلوني لحكمهم بكفري حيث لم يفهموا ما أشير إليه في كلامي من حقائق المعاني وأسرار الشّريعة المطهّرة، كما وقع للإمام حجّة الإسلام أبى حامد PageV01P009 الغزاليّ (1) حين أظهر بعض أسرار معاملة الدّين حيث رموه بالزّندقة والخروج من الدّين، فلا بدّ من كتمانه من غير أهله إلى أن يجيء وقت ظهوره بإذن الله تعالى فإنّ الأمور مرهونة بأوقاتها. (شعر) وللمرء أحوال وللحال فرصة ... وللدّهر أوقات وللوقت حادث كما قال صلّى الله عليه وسلّم لعائشة (2) رضى الله عنها على ما رواه الشّيخان: «لو لا أنّ قومك حديثوا عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابا شرقيّا وبابا غربيّا وزدت فيها ستّة أذرع من الحجر فإنّ قريشا استقصرتها حين بنت الكعبة فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمّي لأريك ما تركوا منه» (3) الحديث. فانظر: كيف ترك النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم أمرا مشروعا مخافة الفتنة في زمنه، وأشار إلى جواز فعل غيره ذلك الأمر في وقت آخر لعدم توقّع الفتنة، فلاح من هذا وجه بثّ المتأخّرين علوم الأسرار بالتّآليف والتّصانيف مع ستر المتقدّمين وكتمهم إيّاها، على أنّ قصدهم في ذلك إفادة أهلها دون غيرهم، ولهم في ذلك مقاصد أخرى حسنة يعلم بعضها من بعض هذه المكتوبات، (ع) فيالها قصّة في شرحها طول * و لمّا كثرت تلك المكاتيب وانتشرت وفى أقطار الأرض انتثرت * قام بجمعها ثلاثة من كبار أصحابه حسب الإشارة والأمر * فجمعوها في ثلاثة مجلّدات وأودعوها في دولاب الدّهر * فبقيت على PageV01P010 ما كانت عليه من العبارة الفارسيّة زمانا طويلا * فأمّا الّذين هم من أهل لسانها فكانوا يشربون من يد خرائدها شرابا سلسبيلا * ويزيّنون بفرائدها تيجانا وأكاليلا * ويداوون بعقاقرها من سقط مريضا وعليلا * وأمّا الّذين خالفتها لغاتهم فلم يكادوا يهتدون إليه سبيلا * ولم يجدوا في وصالها عليهم دليلا * ولا من يكون عليه عويلا * فطالما امتدّت إليه أعناق الأشواق * واشتدّ صدودها على العشّاق * وهي محجّبة بأسنّة أبطال العبارات الفارسيّة * والإقدام عليها أشدّ وأصعب من اقتحام وقعة القادسيّة * ولمّا رأيت كثرة تطلاب المشتاقين إيّاها * وتطوّف العاشقين حول حماها * وسقوط الهائمين بها صرعى ما بين رباها * ورأيت الميدان عن فرسان هذا الشّأن خاليا * والزّمان ماضيا * وهي على صدودها كما هيا * اختلج في صدري أن ألقي لإصلاح ذات البين في حدود بحرها الفارسيّ المراسيا * وأقطع في جزيرة العرب مهامه ورواسيا * لما بينى وبينها من المعرفة والألفة من صغر السّنّ * إلى أن ناهز العمر الآن الثّلثين * ولكن امتنعت عن ذلك لعدم الاستطاعة وقلّة البضاعة في العلوم العربيّة * وقصور الباع وقلّة الاطّلاع على الفنون الأدبيّة * وعيّرت نفسي أشدّ تعيّر * قائلا: أنّى لك هذا؛ فإنّك لست في العير ولا في النّفير * وهب أنّ بينك وبينها معرفة ما ولكن أين فيك حلاوة التّعبير * فإنّك لم تلدك يعرب واياد * ولم تنشأ في كوفة ولا بغداد * مع أنّ رجال هذا الشّأن قد لعبت بهم أيدي النّوائب فركبوا غارب الاغتراب * وصاح على أوطانهم البوم والغراب * وتوجّهوا نحو إقليم الزّوال والأفول * وسحب الذّلّ والمهانة على بقاياهم الذّيول * فحملوا حمولهم على زوايا الاستتار والخمول * فكلّ من جاء حول خيامهم يجول * يقوم راهب ديرهم ويقول: (شعر) إنّ الخيام الّتى قد جئت تطلبها ... بالأمس كانوا هنا والآن قد رحلوا فيرجع باكيا مشبّكا عشره على رأسه ومنشدا: لا والّذي حجّت قريش بيته ... مستقبلين الرّكن من بطحائها ما أبصرت عيني خيام قبيلة ... إلّا بكيت أحبّتي بفنائها أمّا الخيام فإنّها كخيامهم ... وأرى نساء الحيّ غير نسائها ثمّ بعد مدّة من ذلك تأكّد ما هجس في الخاطر الفاتر هنالك بوقوع الإشارة * ممّن إشارته مشتملة على أنواع اللّطف والبشارة * فاستخرت الله سبحانه بعد هذه الإشارة * وكرّرت الاستخارة * فانشرح صدري * لما قصدته من أمري * وعلمت أنّ الله إذا أراد شيئا فلا بدّ وأن يقع حسبما أراد * ولكنّ مرور الأزمان من شروط ظهور المراد * فتوجّهت مترجّلا تلقاء مدين المآرب * راجيا من الله سبحانه أن أكون PageV01P011 رابعهم (1) كلبهم بتطفّلهم في تلك الأذواق والمشارب * وسلكت في النّقل من طريقي التّرجمة المسلك الثّاني * أعني رعاية جانب المعاني لكونه أجود، مع رعاية الأوّل، أعنى: رعاية جانب اللّفظ مهما أمكن فإنّه أبعد عن الشّبهة وأحمد * فإن أتيت ببعض ألفاظ ليس في المنقول عنه ما يرادفها من نحو إظهار المضمر وتفسير المجمل وتبديل الجمع بالمفرد وعكسه وتغيير الغيبة إلى الخطاب والتّكلّم وعكسه، وأمثال ذلك فهو من لوازم هذا المسلك فإنّ تغاير اللّغتين وتباين الاصطلاحين مقتضيان لذلك وما أظنّك تجده إلّا قليلا * فيما لم أجد إلى العدول عنه سبيلا * ومع ذلك هو أيضا مقتبس من ذلك النّبراس * لإزاحة الالتباس * ودفع الوسواس * لا أخذ بالتّخمين والقياس * والتزمت إيراد جميعها، وإن وقع مكرّرا فإنّ ذلك أسلم وأفيد * والمرجوّ من النّاظرين أهل الإنصاف * المتباعدين عن الاعتساف * إغضاؤهم عمّا وقع فيه من الزّلل * وإصلاحهم ما ظهر لهم فيه من الخلل * فإنّ الله سبحانه أبى أن يصحّ إلّا كتابه. (شعر) ومن ذا الّذي يرضى سجاياه كلّها ... كفى المرأ نبلا أن تعدّ معائبه وعدم الاستعجال * بإطلاق سهام الملام ونبال المقال * فإنّ الاشتغال برؤية عيوب الرّجال من عادة السّفلة وديدن الأرذال. وكم من عائب قولا صحيحا ... ومنشأه من الفهم السّقيم خصوصا إذا انجرّ ذلك إلى طعن الأكابر وسوء الظّنّ فيهم الحذر الحذر من ذلك فإنّ سهمهم صائب ولحمهم مسموم * ومعارضهم مشئوم * وقتيلهم لا يحيى وصريعهم لا يقوم. (شعر) دخلت غاب أسود غاب عنك حجى ... وأنت تحسبها دهناء غزلان فإن حصلت لك القناعة بما فيه وانتفعت به فيبارك فيك * وإلّا: «فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك (2) وسلّم الأمر إلى أهله؛ فإنّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إلى أَهْلِها (3). (شعر) إذا لم تستطع أمرا فدعه ... وجانبه إلى ما تستطيع فإنّ لكلّ ميدان رجالا * ولكلّ رجال مقالا وأحوالا * " السّيف للضّارب " مثل مشهور ولله درّ القائل. PageV01P012 ومن سمع الغناء بغير قلب ... ولم يطرب فلا يلم المغنّي وعليك الاتّعاظ بما وعظك به الشّيخ عبد الغنيّ النّابلسيّ روّح الله روحه ونوّر ضريحه حيث قال: " وأحذر من الطّعن في أحد منهم واعتقاد مخالفته لما علمت من الكتاب والسّنّة؛ فإنّهم أعلم منك بهما * وأكثر فهما منك ومن أمثالك لمعانيهما * لتنوّر عقولهم بنور معرفة الله وزيادة الاطّلاع على سنّة رسول الله واتّصافهم بالإخلاص واليقين». وأنت أيّها الفقير المسكين تعرف حصّة من كيفيّة الأعمال الشّرعيّة استخلصت معرفتها من بين يدي اشتغالك بشهوات بطنك وفرجك فأنت فرحان بها تظنّ أنّك بسببها صرت من العلماء الكبار * وساويت المتقدّمين أولي الأبصار والاستبصار * فاعمل بما بدا لك إن أردت النّصيحة، ولا تدخل في أعمال من هو أعلى منك من أولى الهمم الصّحيحة، " ومن أين للعصفور أن يأكل من مأكل النّسور " فإنّ حوصلته المعتادة على الحبّات الصّغار لا تشابه حوصلة النّسور الّتى لا يقيتها غير اللّقم الكبار: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ (1) يعنى عذوبة وأجاجا " و: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومِنْهاجًا (2). انتهى ملخّصا وجلّ المقصود من ارتكاب هذا الأمر الجسيم والخطب العظيم أداء بعض خدمة عتبة من طوّقني قلائد منح جزيلة * وأنعم عليّ بجلائل نعم جميلة * مرشد السّالكين * ومربّى الطّالبين * وقدوة الواصلين * وزبدة العارفين * شيخ الحرمين الشّريفين * وإمام المقامين المنيفين * حامي مهجة الطّريقة النّقشبنديّة * وحافظ النّسبة الأحمديّة المجدّديّة * سيّدنا ومولانا ومرشدنا ووسيلتنا إلى الله سيّدي الشّيخ الجليل * والسّيّد النّبيل * أبي عبد الله محمّد صالح بن عبد الرّحمن الزّواويّ * عامله الله تعالى بفضله العميم ولطفه الحاوي * آمين، بحرمة جدّه الّذي نزل إليه الرّوح الأمين. وليكن هذا أوان الشّروع في المقصود * مستعينا بمفيض الخير والجود. قال جامع المكاتيب رحمه الله بعد ما تيمّن ببسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين أضعاف ما حمده جميع خلقه كما يحبّ ربّنا ويرضى * والصّلاة والسّلام على من أرسله رحمة للعالمين كلّما ذكره الذّاكرون وكلّما عفل عن ذكره الغافلون كما ينبغي له ويحرى * وعلى آله وأصحابه البررة النّقىّ التّقىّ. أمّا بعد: فإنّ هذا المجلّد الأوّل من المكتوبات القدسيّة لحضرة غوث المحقّقين * قطب العارفين * برهان الولاية المحمّديّة * حجّة الشّريعة المصطفويّة * شيخ الإسلام والمسلمين شيخنا وإمامنا الشّيخ أحمد الفاروقيّ النّقشبنديّ سلّمه الله سبحانه وأبقاه. جمعه هذا الحقير قليل البضاعة أقلّ القاعدين على PageV01P013 تراب أعتاب تلك الخيمة المقدّسة يار محمّد الجديد البدخشيّ الطّالقانيّ وأورده في قيد التّحرير رجاء وصول النّفع منه إلى طالبي انحقّ جلّ وعلا والمسئول من الله سبحانه العصمة والتّوفيق: (1) المكتوب الأوّل في بيان الأحوال الّتي لها مناسبة بالاسم الظّاهر وبيان ظهور القسم الخاصّ من التّوحيد وبيان العروجات الواقعة فوق المحدّد وانكشاف درجات الجنّة وظهور مراتب بعض أهل الله كتبه إلى شيخه المعظّم وهو الشّيخ الكامل المكمّل الواصل إلى درجات الولاية الهادي إلى طريق اندراج النّهاية في البداية مؤيّد الدّين الرّضيّ شيخنا وإمامنا الشّيخ محمّد الباقي النّقشبنديّ الأحراريّ قدّس الله سرّه الأقدس وبلّغه إلى أقصى ما يتمنّاه عريضة أقلّ العبيد أحمد إلى ذروة العرض يعرض أحواله المتفرّقة اجتراء منه حسب الأمر الشّريف: قد تشرّفت في أثناء الطّريق بتجلّي الاسم الظّاهر تجلّيا كلّيا بحيث ظهر لي في جميع الأشياء بتجلّ خاصّ على حدة على حدة وعلى لخصوص في كسوة النّساء بل في أجزائهنّ على حدة على حدة، فصرت منقادا لتلك الطّائفة على وجه لا أقدر على عرضه وكنت مضطرّا في ذلك الانقياد. وهذا الظّهور الّذي حصل في هذا المحلّ لم يكن في محلّ آخر، وما أريت من خصوصيّات اللّطائف ومحسّنات العجائب في هذا اللّباس لم يظهر في مظهر ما أصلا، قد ذبت بالتّمام وجريت كالماء بين أيديهنّ. وكذلك تجلّى لي في كلّ طعام وشراب وكسوة على حدة على حدة وما كان من اللّطافة والحسن في الطّعام الّلذيذ المتكلّف فيه لم يكن في غيره، وكان ذلك التّفاوت بين الماء العذب والملح بل كان في كلّ شيء حلو شيء من خصوصيّات الكمال على تفاوت الدّرجات على حدة على حدة ولا يمكن عرض خصوصيّات هذا التّجلّي بالتّحرير، فإن كنت في الملازمة العليّة لعرضتها * ولكن كنت في أثناء هذه التّجلّيّات مشتاقا إلى الرّفيق الأعلى ولم ألتفت إلى ما سواه مهما أمكن بيد أنّى لمّا صرت مغلوبا لم أجد بدّا من الالتفات، وفي ذلك الأثناء صار معلوما لي أنّ هذا التّجلّي لا ينافى تلك النّسبة التّنزيهيّة؛ فإنّ الباطن متعلّق بتلك النّسبة، لا التفات له إلى الظّاهر أصلا وإنّما المتشرّف بهذا التّجلّي هو الظّاهر الّذي هو خال ومعطّل عن تلك النّسبة، والحقّ أنّي وجدت الباطن غير مبتلّى بزيغ البصر، بل هو معرض عن جميع المعلومات والظّهورات ولمّا كان الظّاهر متوجّها إلى الكثرة والإثنينيّة استسعد بهذا التّجلّى * ثمّ أخذت هذه التّجلّيات في الاختفاء والاستتار بعد زمان وبقيت نسبة الحيرة والجهالة بحالها وصارت تلك التّجلّيات كأن لم يكن شيئا مذكورا. ثمّ عرض بعد ذلك شيء من الفناء الخاصّ وكان ذلك التّعيّن العلميّ الّذي ظهر بعد عود التّعيّن انعدم في هذا الفناء * ولم يبق أثر من مظانّ أنا * وفي هذا الوقت شرع آثار الإسلام وعلامة انهدام معالم الشّرك الخفىّ في الظّهور وكذلك رؤية القصور في الأعمال والفتور واتّهام النّيّات PageV01P014 والخواطر والخطور، وبالجملة ظهر بعض أمارات العبوديّة والاضمحلال. بلّغنا الله سبحانه وتعالى ببركة توجّهكم مقام حقيقة العبوديّة والعروجات إلى ما فوق المحدّد تقع كثيرا. (ولمّا وقع) العروج في المرتبة الأولى ووصلت إلى ما فوق المحدّد بعد طيّ المسافة وصار الخلد مع ما تحته مشهودا خطر في ذلك الوقت في الخاطر أن أشاهد هنالك مقامات بعض الرّجال. ولمّا توجّهت وقع النّظر على مقاماتهم ورأيت هؤلاء الأشخاص في تلك المحالّ على تفاوت درجاتهم مكانا ومكانة وذوقا وشوقا. ثمّ وقع العروج في مرتبة ثانية وصارت مقامات المشايخ العظام وأئمّة أهل البيت الكرام والخلفاء الرّاشدين المرشدين للأنام * والمقام الخاصّ بنبيّنا عليه الصّلاة والسّلام * وكذلك مقامات سائر الأنبياء والرّسل الفخام * على التّفاوت، ومقامات الملائكة الملأ الأعلى مشهودة فوق المحدّد. ووقع من العروج فوق المحدّد مقدار ما بين مركز الأرض والمحدّد أو أقلّ من ذلك بيسير إلى أن انتهى إلى مقام حضرة الخواجه بهاء الدّين النّقشبند (1) قدّس الله سرّه وكان فوق ذلك المقام عدّة من المشائخ العظام، بل في نفس ذلك المقام بفوقيّة يسيرة مثل الشّيخ معروف الكرخيّ (2) والشّيخ أبي سعيد الخرّاز (3) ومقامات المشايخ الباقين بعضها فيما تحته وبعضها في نفس ذلك المقام. فأمّا الّذين في المقام التّحتانيّ فمثل الشّيخ علاء الدّولة السّمنانيّ (4) والشّيخ نجم الدّين الكبرى (5)، والّذين هم في المقام الفوقانيّ فأئمّة أهل البيت وما PageV01P015 وما فوقه الخلفاء الرّاشدون رضوان الله عليهم أجمعين، ومقامات سائر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام كانت على طرف من مقام نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم وكذلك مقامات الملائكة العلويّين كانت على طرف آخر من ذلك المقام وكان لمقام نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام فوقيّة وأصالة بالنّسبة على جميع المقامات والله سبحانه أعلم بحقائق الأمور كلّها. (ويقع العروج) بعناية الله سبحانه كلّما أردته، ويقع في بعض الأوقات من غير إرادة ويشاهد أشياء أخر وتترتّب الآثار أيضا في بعض العروجات ويكون أكثرها منسيّا، وكلّما أريد أن أكتب بعض الحالات لأتذكّر وقت العرض لا يتيسّر ذلك فإنّه يرى حقيرا في النّظر بل هو حقيق بأن يستغفر منه فضلا عن أن أكتبه، وكان بعض منها في الخاطر في أثناء إملاء العريضة ولكنّه ما وفى أخيرا أن أكتبه. والزّيادة على ذلك إساءة الأدب وحال ملّا قاسم علي أحسن قد غلب عليه الاستهلاك والاستغراق وجاوز جميع مقامات الجذبة ووضع قدمه فوقها وكان أوّلا يرى الصّفات من الأصل والآن يرى تلك الصّفات مع وجودها مباينة لنفسه ويجد نفسه خاليا محضا، بل يرى النّور الّذي قامت به الصّفات مباينا لنفسه أيضا، ويجد نفسه في طرف من ذلك النّور، وأحوال الأصحاب الباقين في التّرقّي يوما فيوما أريد أن أعرضها بالتّفصيل في عريضة أخرى إن شاء الله العزيز. (2) المكتوب الثّانى في بيان حصول التّرقّيات والمباهات بعنايات الحقّ جلّ سلطانه كتبه إلى شيخه المعظّم قدّس سرّه عريضة أقلّ العبيد أحمد على ذروة العرض أنّ مولانا شاه محمّد بلّغ الأمر بالاستخارة متصّلا بشهر رمضان المبارك فلم أجد فرصة أن أتشرّف باستلام العتبة العليّة إلى شهر رمضان فلا جرم سلّيت نفسي PageV01P016 بمضيّ الشّهر المذكور بالضّرورة وماذا أعرض على حضرتكم من عنايات الحقّ جلّ وعلا الّتي تفاض وتصبّ على التّواتر والتّوالي ببركة توجّهاتكم العليّة (شعر) كأنّي روضة فيها سحاب ال ... رّبيع ممطر ماء زلالا فلو لي ألف السنة وأثني ... بها ما ازددت إلّا انفعالا وإن كان إظهار هذا القسم من الأحوال موهما للجراءة وترك الأدب ومشعرا بالافتخار والمباهات. (شعر) ولكن سيّدي أعلى مقامي ... ففقت به نجوما والهلالا ابتدا الشّروع في عالم الصّحو والبقاء من أواخر ربيع الآخر. وأتشرّف إلى الآن في كلّ مدّة ببقاء خاصّ يجاء بي أوّلا من التّجلّي الذّاتيّ المنسوب إلى الشّيخ محيى الدّين قدّس سرّه إلى الصّحو ثمّ يذهب بي إلى السّكر ويحصل وقت العروج والنّزول علوم غريبة ومعارف عجيبة وأتشرّف من الإحسان والشّهود الخاصّ في كلّ مرتبة بما يناسب لبقاء ذلك المقام وقد شرّفت في سادس شهر رمضان ببقاء وإحسان لا أقدر على عرضه وأظنّ أنّ نهاية الاستعداد لا تتجاوز ذلك وتيسّر هنا الوصل المناسب للحال وتمّت الآن جهة الجذبة بالتّمام ووقع الشّروع في السّير في الله الّذي هو مناسب لمقام الجذبة وكلّما كان الفناء أتمّ يكون البقاء المترتّب عليه أكمل وكلّما كان البقاء أكمل كان الصّحو أكثر وكلّما كان الصّحو أكثر تقع العلوم موافقة للشّريعة الغرّاء؛ فإنّ كمال الصّحو للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والمعارف الّتي ظهرت منهم هي الشّرائع والعقائد الّتي بيّنوها في الّذات والصّفات، ومخالفة ظاهرها إنّما هي من بقيّة سكر الحال والمعارف الّتي تفاض على هذا الفقير أكثرها تفصيل المعارف الشّرعيّة وبيانها يصيّر العلم الاستدلاليّ كشفيّا وضروريّا والمجمل مفصّلا (ع) يطول إذا حرّرت تفصيل شرحه * وإنّي خائف ووجل من أن ينجرّ الأمر إلى إساءة الأدب. (3) المكتوب الثّالث في بيان توقّف الأصحاب في مقام مخصوص وما يتعلّق بذلك كتبه إلى شيخه المعظّم المعروض: أنّ الأصحاب الكائنين هنا وكذلك الأصحاب السّاكنون هناك كلّ منهم محبوس في مقام، وإخراجهم من ذلك المقام متعسّر. ولا أرى في نفسي من القدرة ما يناسب لذلك المقام ويوافيه، رزقنا الله سبحانه التّرقّي ببركة توجّهاتكم العليّة. وقد جاوز واحد من أقربائي ذلك المقام ووصل إلى مقدّمات التّجلّيات الذّاتيّة، وحاله حسن جدّا يضع قدمه على قدم الفقير. وأرجو ذلك في حقّ الآخرين أيضا وبعض الإخوان ليس لهم مناسبة بطريق المقرّبين، بل الموافق لحالهم طريق الأبرار وما حصّلوه من اليقين في الجملة فهو أيضا غنيمة، ينبغي أن نأمرهم بذلك الطّريق، (ع) لكلّ من الإنسان شأن يخصّه * PageV01P017 ولم أجترئ بتفصيل أساميهم؛ فإنّهم لا يخفون عليكم والزّيادة على ذلك خروج عن طور الأدب ورأى المير السّيّد شاه حسين يوم تحرير العرض في مشغوليّته كأنّه وصل إلى باب عظيم، ويقال له إنّ هذا باب الحيرة، وقال: «لمّا نظرت إلى داخله رأيت فيه حضرة الشّيخ وأنت معه وكلّما أردت أن أرمي نفسي هناك لا تساعدني رجلي " (4) المكتوب الرّابع في بيان فضائل شهر رمضان المبارك وبيان الحقيقة المحمّديّة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة. كتبه أيضا إلى شيخه المعظّم عريضة أحقر الخدّام: أنّه قد طالت المدّة ولم أطّلع على أحوال خدمة العتبة العليّة من طريق المفاوضة الشّريفة والمراسلة المنيفة وننتظر الآن قدوم شهر رمضان المبارك ولهذا الشّهر مناسبة تامّة بالقرآن المجيد الحاوي لجميع الكمالات الذّاتيّة والشّئونيّة الدّاخل في دائرة الأصل بحيث لم يتطرّق إليه الظّلّيّة أصلا والقابليّة الأولى ظلّه. وبهذه المناسبة وقع نزوله في هذا الشّهر قوله تعالى شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (1) مصدّق لهذا القول وبهذه المناسبة كان هذا الشّهر جامعا لجميع الخيرات والبركات. وكلّ بركة وخير يصل إلى كلّ أحد من أيّ وجه كان في تمام السّنة إنّما هو قطرة من بحر بركات هذا الشّهر العظيم القدر الّذي لا نهاية له، والجمعيّة في هذا الشّهر سبب للجمعيّة في جميع السّنة، والتّفرقة فيه سبب للتّفرقة في كلّ السّنة، فطوبى لمن مضى عليه هذا الشّهر المبارك وهو راض عنه وويل لمن هو ساخط عليه، فمنع من البركات وحرم المبرّات والخيرات (وأيضا) يمكن أن يكون وجه سنّيّة ختم القرآن بواسطة تحصيل جميع الكمالات الأصليّة والبركات الظّلّيّة، فمن جمع بينهما يرجى أن لا يحرم بركاته ولا يمنع من خيراته، وانّ البركات المتعلّقة بأيّام هذا الشّهر لا تشابه غيرها، والخيرات المتعلّقة بلياليه لا يقاس عليها غيرها ولعلّ سرّ الحكم بأولويّة تعجيل الإفطار وتأخير السّحور من هذه الجهة ليحصل تمام الامتياز بين أجزاء الوقتين، والقابليّة الأولى الّتي ذكرت آنفا، والحقيقة المحمّديّة على مظهرها الصّلاة والسّلام والتّحيّة عبارة عنها ليست هي قابليّة الذّات للاتّصاف بجميع الصّفات كما حكم بها البعض، بل هي قابليّة الذّات عزّ سلطانها للاعتبار العلميّ الّذي هو متعلّق بجميع الكمالات الذّاتيّة والشّئونيّة، وهو حاصل حقيقة القرآن المجيد. وقابليّة الاتّصاف الّتي هي مناسبة لموطن الصّفات وبرزخ بين الذّات والصّفات هي حقائق سائر الأنبياء على نبيّنا وعليهم الصّلوات والتّسليمات. وتلك القابليّة مع ملاحظة الاعتبارات المندرجة فيها صارت حقايق متعدّدة. والقابليّة الّتي هي الحقيقة المحمّديّة وإن كانت فيها ظلّيّة لكن لم يمتزج بها لون الصّفات ولم يحصل في البين حائل أصلا. PageV01P018 وحقائق جماعة محمّديّى المشرب قابليّات الذّات للاعتبار العلميّ الّذي يتعلّق ببعض تلك الكمالات. والقابليّة المحمّديّة برزخ بين الذّات وبين هذه القابليّات المتعدّدة. وإنّما حكم ذلك البعض بما ذكر بواسطة أنّ لها موضع قدم فقط في موطن الصّفات. ونهاية عروج ذلك الموطن إلى تلك القابليّة فلا جرم نسبها إليه صلّى الله عليه وسلّم. ولمّا كانت قابليّة الاتّصاف غير مرتفعة أصلا حكم ذلك البعض بالضّرورة بأنّ الحقيقة المحمّديّة حائلة دائما وإلّا فالحقيقة المحمّديّة على مظهرها الصّلاة والتّحيّة الّتي هي مجرّد اعتبار في الذّات يمكن ارتفاعها عن النّظر بل هو واقع. وقابليّة الاتّصاف وإن كانت اعتباريّة أيضا لكنّها أخذت لون الصّفات، ووصفها بواسطة البرزخيّة. والصّفات موجودة في الخارج بوجود زائد، وارتفاعها خارج عن دائرة الإمكان، فلا جرم حكم بوجود ذلك الحائل دائما. وأمثال هذه العلوم الّتي منشأها الجامعيّة بين الأصالة والظّلّيّة واردة كثيرا، وأكثرها أكتبه في الأوراق. ومقام القطبيّة منشأ دقائق علوم مقام الظّلّيّة ومرتبة الفرديّة واسطة ورود معارف دائرة الأصل، والإمتياز بين الظّلّ والأصل لا يتيسّر بدون اجتماع هاتين الدّولتين، ولهذا لم يقل بعض المشائخ بزيادة القابليّة الأولى الّتي يقال لها التّعيّن الأوّل على الذّات، وزعموا شهود تلك القابليّة تجلّيا ذاتيّا. والحقّ ما حقّقت والأمر ما أوضحت والله سبحانه يحقّ الحقّ وهو يهدى السّبيل. والرّسالة الّتي كنت مأمورا بتسويدها لم أوفّق إلى الآن لإتمامها بل بقيت مسوّدة كما هي ولم أدر في هذا التّوقّف ما الحكمة الإلهيّة. وزيادة الجراءة بعيدة عن الأدب. (5) المكتوب الخامس في تفويض الخواجه برهان الّذي هو واحد من المخلصين مع بيان بعض أحواله كتبه إلى شيخه المعظّم عريضة أحقر الخدّام انّى قد كتبت رسالة في بيان طريقة خواجكان قدّس الله أسرارهم وأرسلتها نحو الجناب العالي لعلّها تكون منظورة بالنّظر المبارك ولكنّها مسودّة فقط لم أجد فرصة لنقلها إلى البياض بسبب عجلة الخواجه برهان في التّوجّه، ولاحتمال أن يلحق بها علوم أخر. ولمّا وقع نظري يوما من الأيّام على رسالة سلسلة الأحرار خطر في الخاطر الفاتر أن أعرض عليكم لتكتبوا شيئا في بيان بعض علومها، أو تأمروا الفقير لأكتب شيئا فيها وقوي هذا الخاطر وبينا أنا في هذا الخاطر إذ فاضت علوم هذه المسودّة فكتبتها وبيّنت بعض علوم تلك الرّسالة في ضمن ما كتبت في هذه المسودّة في الجملة. فإن جعلت هذه المسودّة تكملة لتلك الرّسالة فبها، وإلّا فإن انتخب بعض العلوم المناسبة لها منها، والحق بها فله وجه. وزيادة الإنبساط خروج عن الأدب والخواجه برهان فعل في هذه المدّة فعلا حسنا وأمرا مستحسنا ونال نصيبا من السّير الثّالث الّذي هو مناسب لمقام الجذبة وصار الآن بواسطة مهمّ مدد معاش PageV01P019 صوبة المألوه مشوّش الحال ومشتّت البال، وقد توجّه نحو الجناب المعلّى وكلّ شيء أمروه به يكون مباركا. (6) المكتوب السّادس في بيان حصول الجذبة والسّلوك وتحصيل التّربية بصفتي الجلال والجمال وبيان الفناء والبقاء وبيان علوّ نسبة النّقشبنديّة كتبه إلى شيخه المحترم عريضة أقلّ العبيد أحمد: أنّه قد أكرمني المرشد على الإطلاق جلّ شأنه ببركة التّوجّه العالي بتربية طريقي الجذبة والسّلوك وربّاني بصفتي الجمال والجلال، والآن صار الجلال عين الجمال، والجمال عين الجلال، وقد حرّفوا هذه العبارة في بعض حواشي الرّسالة القدسيّة عن مفهومها الصّريح، وحملوها على المفهوم الموهوم. والحال أنّ العبارة محمولة على ظاهرها غير قابلة للتّحريف والتّأويل، وعلامة هذه التّربية التّحقّق بالمحبّة الذّاتيّة، ولا إمكان لحصولها بدون التّحقّق بها. والمحبّة الذّاتيّة علامة الفناء، والفناء عبارة عن نسيان ما سوى الله تعالى. فمتى لم تزل العلوم عن ساحة الصّدر بالتّمام ولم يحصل التّحقّق بالجهل المطلق لا نصيب من الفناء أصلا وهذا الجهل دائميّ لا إمكان لزواله لا أنّه يحصل أحيانا ويزول أخرى. غاية ما في الباب أنّه قبل البقاء جهالة محضة، وبعد البقاء يجتمع الجهالة والعلم معا. ففي عين الجهالة شعور، وفى عين الحيرة حضور. وهذا موطن حقّ اليقين الّذي لا يكون فيه كلّ من العلم والعين حجابا للآخر، والعلم الحاصل قبل مثل هذه الجهالة خارج من حيّز الإعتبار مع أنّه إن كان هناك علم ففي النّفس، وإن كان شهود ففي النّفس، وإن معرفة أو حيرة ففي النّفس أيضا. وما دام النّظر في الخارج لا حاصل فيه وإن كان النّظر في النّفس يعني في الجملة بل اللّائق أن ينقطع النّظر عن الخارج بالكلّيّة، قال الخواجه النّقشبند قدّس سرّه: «وكلّ ما يراه أهل الله بعد الفناء والبقاء يرونه في أنفسهم وكلّ ما يعرفون يعرفونه في أنفسهم وحيرتهم تكون في وجود أنفسهم». وفهم من ذلك أيضا صريحا أنّ الشّهود والمعرفة والحيرة في النّفس فحسب، ليس في الخارج شيء منها وما دام واحد منها، في الخارج لا حظّ من الفناء ولا نصيب، وإن كان بعض منها في الخارج فأين البقاء بعد. ونهاية المراتب في الفناء والبقاء هي هذه وهذا هو الفناء المطلق، ومطلق الفناء أعمّ منه ومن غيره والبقاء إنّما هو على مقدار الفناء ولهذا يكون لبعض أهل الله شهود في الخارج بعد التّحقّق بالفناء والبقاء ولكنّ نسبة هؤلاء الأعزّة يعنى: النّقشبنديّين فوق جميع النّسب. (شعر) وهيهات ما كلّ النّسيم حجازيّا ... وما كلّ مصقول الحديد يمانيّا PageV01P020 فإذا تشرّف واحد أو اثنان من أكابر هذه السّلسلة بعد قرون كثيرة بهذه النّسبة فماذا يقولون في سلاسل أخر وهذه نسبة خواجه عبد الخالق الغجدوانيّ (1) قدّس سرّه ومتمّمها ومكمّلها شيخ الشّيوخ، أعني: حضرة الخواجه بهاء الدّين المعروف بالنّقشبند قدّس سرّه وتشرّف بهذه الدّولة من خلفائه الخواجه علاء الدّين العطّار قدّس سرّه، (ع): وتلك سعادات تكون نصيب من! والعجب من هذا الأمر حيث كان كلّ بلاء ومصيبة واقعة باعثة على السّرور والفرح أوّلا وكنت أقول: هل من مزيد، وكلّما فاتني شيء من متاع الدّنيا كان يطيب به قلبي، وكنت أتمنّى مثله ولمّا أنزلت الآن إلى عالم الأسباب ووقع نظري على عجزي وافتقاري صار يحصل لي نوع حزن بحصول ضرر يسير في أوّل وهلة، وإن زال بسرعة ولم يبق أصلا وكذا إذا دعوت الله سبحانه لدفع بلاء أو مصيبة ما كان المقصود منه رفع تلك المصيبة بل لأجل الإمتثال لأمر: «ادعوا». والآن صار المقصود من الدّعاء رفع المصائب والبلاء وقد رجع الخوف والحزن اللّذان قد زالا. من قبل وصار معلوما لي أنّ ذلك كان من السّكر. وأمّا في الصّحو فكلّ ما هو موجود في عوامّ النّاس من العجز والإفتقار والخوف والحزن والغمّ والفرح موجود في صاحب الصّحو وفي الإبتداء، وإن لم يكن المقصود من الدّعاء رفع البلاء ولكن ما كان قلبي يطيب بهذا المعنى إلّا أنّ الحال كان غالبا عليّ. وكان أوّلا يخطر في البال أن دعوات الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات ليست من قبيل استدعاء حصول المراد. ولمّا شرّفت الآن بتلك الحالة صارت حقيقة الأمر واضحة، وعلمت أنّ دعوات الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات كانت على وجه العجز والإفتقار والخوف والإنكسار، لا لمجرّد امتثال الأمر. وتصدر الجراءة أحيانا بعرض بعض الأمور الواقعة حسب الأمر. (7) المكتوب السّابع في بيان بعض أحواله الغريبة مع بعض استفساراته الضّروريّة كتبه إلى شيخه المكرّم عريضة أقلّ العبيد أحمد: انّ المقام الّذي كان فوق المحدّد وجدت روحي هناك بطريق العروج، وكان لهذا المقام اختصاص بحضرة الخواجه النّقشبند قدّس سرّه الأقدس ثمّ وجدت بدني العنصريّ هناك PageV01P021 بعد زمان، وخيّل لي في ذلك الوقت أنّ هذا العالم بتمامه من العنصريّات والفلكيّات نازل إلى التّحت، ولم يبق منه اسم ولا رسم، ولمّا لم يكن في ذلك المقام إلّا بعض الأولياء الكبار، والآن أجد تمام العالم شريكا لي في المحلّ والمقام. حصلت الحيرة بأنّه مع وجود الأجنبيّة التّامّة أرى نفسي معهم. والحاصل: تظهر أحيانا حالة لا أبقى فيها أنا ولا العالم ولا يظهر شيء لا في النّظر ولا في العلم، وتلك الحالة مستمرّة إلى الآن ووجود العالم محتجب عن النّظر والعلم، ثمّ ظهر في ذلك المقام قصر عال قد وضع فيه سلالم فطلعت فيه ثمّ تنزّل ذلك المقام أيضا بالتّدريج مثل العالم ووجدتني صاعدا ساعة فساعة فصلّيت اتّفاقا ركعتي شكر الوضوء، فظهر مقام عال جدّا، فرأيت فيه الأكابر الأربعة (1) النّقشبنديّين قدّس الله أسرارهم وكان فيه أيضا مشايخ آخرون مثل سيّد الطّائفة وغيره، وكان بعض من المشائخ فوق ذلك المقام، ولكن كانوا قاعدين آخذين بقوائمه وكان بعضهم تحته على تفاوت درجاتهم، ووجدت نفسي بعيدا عن ذلك المقام جدّا، بل لم أر في نفسي مناسبة بهذا المقام. فحصل لي من هذه الواقعة اضطراب تامّ حتّى كدت أكون مجنونا ويخرج روحي من بدني من فرط الحزن والأسف فمرّت على هذه النّهج أوقات، ثمّ رأيت نفسي أخيرا مناسبا لذلك المقام بتوجّهاتكم العليّة. ووجدت رأسي أوّلا محاذيا لذلك المقام، ثمّ صعدت تدريجا وقعدت فوقه، ثمّ خطر في بالى بعد التّوجّه أنّ ذلك المقام مقام التّكميل التّامّ يوصّل إليه بعد تمام السّلوك ولا حظّ من ذلك المقام لمجذوب لم يتمّ السّلوك، وخيّل لي في ذلك الوقت أنّ الوصول إلى ذلك المقام من نتائج تلك الواقعة الّتي كنت رأيتها حين كوني في ملازمتكم، وهي أنّي رأيت سيّدنا عليّا كرّم الله وجهه قد جاء وقال: " جئتك لأعلّمك علم السّموات " إلخ. ولمّا أمعنت النّظر وجدت ذلك المقام مخصوصا بسيّدنا عليّ (2) كرّم الله وجهه من بين سائر الخلفاء الرّاشدين رضي الله عنهم أجمعين والله سبحانه وتعالى أعلم. والمعروض ثانيا: أنّه يظهر لي أنّ الأخلاق السّيئة ترتفع ساعة فساعة بعضها يخرج من البدن مثل الخيط وبعضها مثل الدّود، ويخيّل في بعض الأوقات أنّ كلّها قد زالت ثمّ يظهر في وقت آخر. وثالثا: أنّ التّوجّه لدفع بعض الأمراض والشّدائد هل هو مشروط بأن يعلم رضا الحقّ سبحانه أوّلا أو لا؟ والظّاهر من عبارة الرّشحات المنقولة عن حضرة الخواجه يعنى: عبيد الله أحرار قدّس الله سرّه الأقدس أنّ هذا ليس بشرط فبماذا تحكمون في هذا الباب، مع أنّ التّوجّه غير مستحسن يعنى: عنده. ورابعا: أنّ بعد تحقّق PageV01P022 الحضور في الطّالبين، هل يلزم المنع من الذّكر والأمر بالمحافظة على الحضور أو لا؟ ثمّ أيّ مرتبة من الحضور لا ذكر فيها مع أنّ البعض لم يترك الذّكر من الأوّل إلى الآخر ولم يمتنع من الذّكر أصلا حتّى أنهى الأمر إلى النّهاية. فما حقيقة الأمر فيه؟ وبماذا تأمرون؟ وخامسا: أنّ حضرة الخواجه، يعني: عبيد الله أحرار، قال في الفقرات: «ويأمرون أخيرا بالذّكر فإنّ بعض المقاصد لا يتيسّر إلّا به وما هذه المقاصد فعيّنوه. وسادسا: أنّ بعض الطّالبين يطلبون تعليم الطّريقة إيّاهم ولكنّهم لا يحتاطون في اللّقمة، ومع عدم الإحتياط قد حصّلوا حضورا ونحوا من الإستغراق، فإن أكّدنا عليهم بالإحتياط في اللّقمة يتركون الكلّ، يعنى: يختارون ترك الطّريقة بالكلّيّة من ضعف الطّلب. فما الحكم في هذا الباب؟ والبعض الآخر يطلبون مجرّد الإتّصال بهذه السّلسلة الشّريفة بطريق الإرادة من غير طلب تعليم الذّكر وهل يجوز ذلك أو لا؟ فإن كان يجوز فما طريقه وزيادة الإنبساط خروج من الأدب. (8) المكتوب الثّامن في بيان الأحوال المتعلّقة بمرتبة البقاء والصّحو كتبه أيضا إلى شيخه المعظّم عريضة أقلّ العبيد أحمد: أنّى لمّا أخرجت إلى الصّحو وشرّفت بالبقاء أخذ تظهر العلوم الغريبة والمعارف غير المتعارفة وتفاض على التّواتر والتّوالي وأكثرها لا يوافق بيان القوم واصطلاحهم المتداول. وكلّ ما بيّنوه في مسألة وحدة الوجود وقالوا به قد شرّفت به في أوائل الحال وتيسّر شهود الوحدة في الكثرة، ثمّ ترقّبت من ذلك المقام بعناية الملك العلّام إلى ما فوقه بدرجات كثيرة، وفاض عليّ في ضمن ذلك أنواع العلوم ولكن لا يوجد في كلام القوم مصداق تلك المقامات، ومصداق هاتيك المعارف والمقالات صريحا. وفي كلام بعض الأكابر إشارات ورموز إجماليّة فيها، ولكنّ الشّاهد العدل لصحّتها موافقتها لظاهر الشّريعة وإجماع علماء أهل السّنّة بحيث لا تخالف ظاهر الشّريعة الغرّاء في شيء ولا توافق أقوال الفلاسفة وأصولهم المعقولة، بل لا توافق أصول طائفة من العلماء الإسلاميّين لهم مخالفة لأهل السّنّة. وقد انكشف أنّ الإستطاعة مع الفعل وأن لا قدرة قبل الفعل، بل تحصل القدرة مقارنا بالفعل، والتّكليف مستند إلى سلامة الأسباب والأعضاء كما قرّره علماء أهل السّنّة وأجدني في هذا المقام على قدم الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه؛ فإنّه كان في هذا المقام وكان لحضرة الخواجه علاء الدّين العطّار نصيب أيضا من هذا المقام ومن أكابر هذه السّلسلة العليّة حضرة الخواجه عبد الخالق الغجدوانيّ قدّس الله تعالى سرّه الأقدس ومن المتقدّمين الشّيخ معروف الكرخيّ وداود الطّائيّ والحسن البصريّ وحبيب العجميّ قدّس الله أسرارهم المقدّسة. وحاصل هذه كلّها كمال البعد والوحشة وقد جاوز الأمر المعالجة وما دامت الحجب مسدولة كان للسّعي والإهتمام لرفعها مجال، والآن كانت عظمة الأمر PageV01P023 حجابا له (ع) فلا طبيب لها ولا راق * وكأنّهم سمّوا كمال الوحشة وعدم المناسبة وصلا واتّصالا هيهات هيهات! وهذا البيت موافق للحال. (شعر) إيّاك يا صاح ودعوى وصاله ... أين الحضيض من السّماك الأعزل أين الشّهود، ومن الشّاهد وما المشهود، (ع) * ومتى يرى للخلق نور جماله * ما للتّراب وربّ الأرباب وإنّما للعبد أن يعلم نفسه مخلوقا غير قادر، وكذلك له أن يعتقد جميع العالم كذلك، وأن يذعن أنّ الخالق والقادر هو الحقّ عزّ وجلّ لا يثبت نسبة غير هذا أصلا. فأين العينيّة والمرآتيّة؟ (ع) وبأىّ مرآة غدا متصوّرا؟ وعلماء الظّاهر من أهل السّنّة والجماعة وإن كانوا مقصّرين في بعض الأعمال، ولكن يظهر في النّظر أنّ لجمال صحّة عقائدهم من النّورانيّة ما يضمحلّ فيه تقصيراتهم وتتلاشى. ولا يوجد ذلك في بعض المتصوّفة لعدم كمال صحّة عقيدتهم في الذّات والصّفات، مع وجود الرّياضات والمجاهدات. وقد حصلت لي محبّة كثيرة في حقّ العلماء وطلبة العلوم وتستحسن لي سيرتهم، وأتمنّى أن أكون في زمرتهم، ونتذاكر مع طلبة العلوم " التّوضيح والتّلويح " من المقدّمات الأربع ونباحث معهم ونقرأ " الهداية " أيضا من الفقه. وأشارك العلماء أيضا في القول بالإحاطة والمعيّة العلميّتين. وكذلك أعلم أنّ الحقّ سبحانه ليس عين العالم ولا متصّلا به ولا منفصلا عنه، ولا مع العالم ولا مفارقا عنه ولا محيطا به ولا ساريا فيه، وأعلم أنّ الذّوات والصّفات كلّها مخلوقة له تعالى، لا أنّ صفات المخلوقات صفات له تعالى وأفعالها أفعاله سبحانه، بل أعلم أنّ المؤثّر في الأفعال إنّما هو قدرته تعالى لا تأثير لقدرة المخلوق كما هو مذهب علماء المتكلّمين. وكذلك أعلم أنّ الصّفات السّبع موجودة، وأعلم أنّ الحقّ سبحانه مريد، وأتصوّر القدرة بمعنى صحّة الفعل والتّرك بيقين، لا بمعنى إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، ولا أقول إنّ الشّرطيّة الثّانية ممتنعة الوقوع كما قال به الحكماء، يعني الفلاسفة السّفهاء وبعض الصّوفيّة؛ فإنّ هذا ينجرّ إلى القول بالإيجاب ويوافق أصول الحكماء وأعتقد مسألة القضاء والقدر على طور العلماء فإنّ للمالك أن يتصرّف في ملكه كيف يشاء، ولا أرى للقابليّة والإستعداد دخلا أصلا؛ فإنّه ينجرّ إلى الإيجاب، وهو سبحانه مختار فعّال لما يريد، وعلى هذا القياس. ولمّا كان عرض الأحوال من جملة الضّروريّات اجترأنا بعرضها بالضّرورة (ع) على المرء أن لا يجهل الدّهر طوره * (9) المكتوب التّاسع في بيان الأحوال المناسبة لمقام النّزول كتبه أيضا إلى شيخه المكرّم PageV01P024 عريضة المدبّر الأسود الوجه المقصّر سيّئ الخلق مغرور الوقت والحال الكامل الإجتهاد في مخالفة المولى * العامل بترك العزيمة والأولى * مزيّن موقع نظر الخلق * ومخرّب محلّ نظر الحقّ * تعالى وتقدّس مقصور الهمّة في تزيين الظّاهر * منحرف الباطن من هذه الجهة نحو الأغيار قاله مناف لحاله * وحاله مبنيّ على خياله * فماذا يحصل من هذا المنام والخيال * وماذا ينكشف من هذا القال والحال * نقد الوقت الادبار والخسارة * والبضاعة الغباوة والضّلالة * ونفسه مبدأ الشّرّ والفساد * ومنشأ الظّلم ومعصية ربّ العباد * وبالجملة أنّه ذنوب مجسّمة * وعيوب مجتمعة * خيراته لائقة باللّعن والرّدّ * وحسناته مستحقة للطّعن والطّرد * " ربّ قارئ القرآن والقرآن يلعنه» (1) شاهد عدل في حقّه " وكم (2) من صائم ليس له من صيامه إلّا الظّمأ والجوع» (3) شاهد صدق في شأنه * فويل لمن كان هذا حاله ومنزلته وكماله ودرجته * استغفاره ذنب كسائر الذّنوب بل أشدّ * وتوبته معصية كسائر المعاصي بل أقبح * كلّ ما يفعله القبيح قبيح، مصداق هذا القول (ع) من يزرع الشّوك لم يحصد به عنبا * مرضه ذاتيّ لا يقبل العلاج وداؤه أصليّ لا ينفعه الدّواء كفاسد المزاج ما بالذّات لا ينفكّ عن الذّات، (شعر): أنّى يزول من الحبوش سوادها ... إنّ السّواد بأصله هو لونها ماذا نصنع: وما ظَلَمَهُمُ الله ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (4) نعم الخير المحض يستدعي شريرا محضا; لتظهر حقيقة الخيريّة, الاشياء إنّما تتبيّن بضدّها فالخير والكمال إذا كانا مهيّأين يلزمهما الشّرّ والنّقص فإنّ الحسن والجمال لا بدّ لهما من المرآة والمرآة لا تكون إلّا في مقابلة شيء فلا جرم PageV01P025 كان الشّرّ مرآة للخير والنّقص مرآة للكمال. فما زاد فيه النّقص والشّرّ يكون الكمال فيه أزيد والخير أوفر والعجب أنّ هذا الذّمّ كشف عن وجه معنى المدح وصار الشّرّ والنّقصان محلّا للخير والكمال. فلا جرم يكون مقام العبديّة فوق جميع المقامات فإنّ هذا المعنى أتمّ وأكمل في مقام العبديّة وإنّما يتشرّف بهذا المقام المحبوبون وتلذّذ المحبّين إنّما هو بذوق الشّهود والإلتذاذ بالعبديّة والانس بها مختصّان بالمحبوبين. أنس المحبّين في مشاهدة المحبوب وأنس المحبوبين في عبوديّة المحبوب. فهم يتشرّفون في هذا الانس بتلك الدّولة والنّعمة. وفارس هذا الميدان على الإطلاق هو سند الدّنيا والدّين وسيّد الأوّلين والآخرين وحبيب ربّ العالمين عليه من الصّلوات أتمّها ومن التّحيّات أكملها. فإن أريد إيصال شخص إلى هذه الدّولة بمحض الفضل يجعل أوّلا متحقّقا بكمال متابعته عليه الصّلاة والسّلام، ثمّ يرفع بتلك المتابعة إلى ذروة العلا ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (1). والمراد من الشّرّ والنّقص العلم الذّوقيّ بهما لا الإتّصاف بهما، وصاحب هذا العلم متخلّق بأخلاق الله تعالى شأنه وتقدّس وهذا العلم من جملة ثمرات ذلك التّخلّق. فكيف يكون للشّرّ والنّقص مجال في ذلك الموطن سوى تعلّق العلم بهما. وهذا العلم إنّما هو بواسطة الشّهود التّامّ للخير المحض الّذي يرى الكلّ في جنبه شرّا. وهذا الشّهود بعد نزول النّفس المطمئنّة إلى مقامها ولذلك ما دام العبد لم يسقط حظّ نفسه ولم يضرب به الأرض ولم يبلغ أمره هذه المرتبة لا نصيب له من كمال مولاه جلّ شأنه فكيف إذا اعتقد نفسه أنّه عين مولاه وصفاته صفاته تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا وهذا الإعتقاد إلحاد في الأسماء والصّفات وأربابه داخلون في زمرة مصداق قوله تعالى وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ (2) وليس كلّ من تقدّمت جذبته على سلوكه من المحبوبين ولكنّ تقدّم الجذبة شرط في المحبوبيّة نعم في كلّ جذبة نوع من معنى المحبوبيّة. فإنّ الجذب لا يكون بدونه وذلك المعنى حصل فيهم بسبب عارض من العوارض لا ذاتيّ، والذّاتيّ غير معلّل بشيء من الأشياء ألا ترى أنّ كلّ منته تتيسّر له الجذبة أخيرا مع كونه داخلا في زمرة المحبّين ظهر فيه معنى المحبوبيّة بواسطة عارض وهو لا يكفي فيه يعني «حصول هذا المعنى لا يكفي في كون السّالك محبوبا»، وذلك العارض هو التّزكية والتّصفية، ويكون الباعث على حصول هذا المعنى لبعض المبتدئين في الجملة اتّباع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولو في الجملة بل الباعث عليه في المنتهى أيضا هو الاتّباع فقط، وظهور ذلك المعنى الذّاتيّ والفضليّ في المحبوبين أيضا منوط باتّباعه صلّى الله عليه وسلّم بل أقول: إنّ ذلك المعنى الذّاتيّ بواسطة المناسبة الذّاتيّة للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم والاسم الّذي هو ربّه واقع مناسبا للاسم الّذي هو ربّه صلّى الله عليه وسلّم في حقّ تلك الخصوصيّة PageV01P026 وبهذا السّبب اكتسب هذه السّعادة والله أعلم بالصّواب وإليه المرجع والمآب والله يحقّ الحقّ وهو يهدي السّبيل. (10) المكتوب العاشر في حصول القرب والبعد والفرق والوصل بمعان غير متعارفة مع بعض العلوم المناسب لذلك المقام كتبه أيضا إلى شيخه المعظّم عريضة أحقر الخدمة: أنّه قد طالت المدّة ولا اطّلاع لي على أحوال خدمة تلك العتبة العليّة مع كثرة الانتظار، (شعر): ولا عجب ان عاد روحي إذا أتى ... سلام من الخلّ الوفيّ المفارق (غيره) علمت بأنّي غير لا حق ركبه ... فيكفي سماعي من وراه ندائه وأعجب بأمر حيث سمّوا نهاية البعد قربا وغاية الفراق وصلا وكأنّهم أشاروا في ضمن ذلك إلى نفي القرب والوصال، (شعر): كيف الوصول إلى سعاد ودونها ... قلل الجبال ودونهنّ خيوف فلا جرم كان الحزن الابديّ والفكر الدّائمي ممدّا ومعينا، ولا بدّ أن يكون المراد في آخر الأمر مريدا أيضا بإرادته والمحبوب محبّا ومبتلى بمحبّة المحبوب. وهذا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مع وجود مقام المراديّة والمحبوبيّة صار مريدا ومحبّا فلا جرم أخبروا عن حاله " بأنّه كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم متواصل الحزن دائم الفكر» (1) وقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت» (2). والمحبّون هم المتحملون لثقل المحبّة، وحمل هذا الثّقل عسير على المحبوبين. (ع) فيا لها قصّة في شرحها طول (ع) وقصّة العشق ممّا لا انفصام له. PageV01P027 وحامل العريضة الشّيخ اله بخش قد حصل له نوع من الجذب والمحبّة وقد صار باعثا على كتابة كلمات إلى خدمتكم بالابرام. وحاصل المرام أنّه أظهر شوق الملازمة وتوجّه نحو تلك الحدود وقد كان أوّلا أظهر بعض الارادات ولمّا فهم من هذا الفقير تقاعدا فيه وتأخّرا عن إنجاحه رضي بمجرّد الملاقاة فكتبنا لاجل ذلك هذه الكلمات وزيادة الانبساط بعيدة عن طور الادب. (11) المكتوب الحادي عشر في بيان بعض الكشوف وحصول مقام رؤية قصور نفسه واتّهامها في جميع الأحوال وظهور معنى الكلمات الثّلاث للشّيخ أبي سعيد أبي الخير وسرّها وبيان أحوال بعض أصحابه كتبه إلى شيخه المكرّم أيضا عريضة أقلّ العبيد أحمد: انّ المقام الّذي كنت رأيتني فيه سابقا وقع النّظر على عبور الخلفاء الثّلاثة منه بعد الملاحظة حسب الامر الشّريف، ولمّا لم يكن لي فيه مقام واستقرار لم أرهم فيه في أوّل وهلة كما أنّه لا استقرار فيه ولا ثبات لاحد من أئمّة أهل البيت غير الإمامين (1) والإمام زين العابدين (2) رضي الله عنهم أجمعين ولكن وقع لهم العبور منه ويمكن إدراكه بدقّة النّظر. وأمّا وجه رؤية نفسي أوّلا غير مناسب لهذا المقام فعدم المناسبة على نوعين: أحدهما عدم ظهور طريق من الطّرق فلو أريت الطّريق لزال عدم المناسبة. وثانيهما عدم مناسبة مطلقا. وهذا لا يقبل الزّوال بوجه من الوجوه. والطّريق الموصّل لذلك المقام اثنان لا ثالث لهما، أعني أنّه لا يظهر في النّظر طريق غير هذين الطّريقين: أحدهما رؤية. النّقص والقصور واتّهام النّيّات في الخيرات مع قوّة الجذب. وثانيهما صحبة مكمّل مجذوب قد أتمّ السّلوك. وقد رزقني الله سبحانه الطّريق الأوّل على قدر الاستعداد بيمن عنايتكم العليّة، فإنّه لا يصدر عنّي من أعمال الخير إلّا أتّهم فيه نفسي بل لا أستريح ولا يستقرّ قلبي إلى أن أتّهم فيه نفسي، وأراني كأنّه لم PageV01P028 يصدر عنّي عمل قابل لكتابة ملك اليمين، وأعتقد أنّ صحيفة يميني خالية عن أعمال الخير كتبتها معطّلون من الكتابة فكيف أكون مستحقّا لقبول الحقّ جلّ وعلا. واعلم أنّ جميع من في العالم من كفّار الافرنج والزّنادقة والملاحدة أفضل منّي بوجوه، وشر الجميع أنا. وجهة الجذبة وإن تمّت بتمام السّير إلى الله ولكن كان بعض لوازمه وتوابعه باقيا وتمّ الآن ذلك الباقي أيضا في ضمن الفناء الّذي وقع في مركز مقام السّير في الله وكنت كتبت أحوال ذلك الفناء في العريضة السّابقة بالتّمام، ولعلّ المراد بالفناء الواقع في كلام الخواجه عبيد الله أحرار (1) قدّس سرّه حيث قال: «قال الاكابر: نهاية هذا الأمر الفناء " هو ذلك الفناء الّذي يتحقّق بعد التّجلّي الذّاتيّ والتّحقّق بالسّير في الله وفناء الإرادة من جملة شعب ذلك الفناء، (شعر): ومن لم يكن في حبّ مولاه فانيا ... فليس له في كبرياه سبيل والّذين لا مناسبة لهم بهذا المقام فهم في النّظر طائفتان طائفة متوجّهون إليه وطالبون لطريق الوصول إليه. وطائفة أخرى لا التفات لهم إليه ولا توجّه فيهم نحوه. وتوجّه الحضرة يعني شيخه أشدّ ظهورا من الطّريق الثّاني من طريقي الوصول إليه وتظهر مناسبته لهذا الطّريق، وحيث كنت مأمورا من جانب حضرتكم نتجاسر بأمثال هذه الأمور امتثالا للامر وإلّا فأنا ذاك أحمد الأمس لم أتغيّر أصلا. (والمعروض ثانيا) أنّه قد ظهر في أثناء ملاحظة ذلك المقام مرّة ثانية مقامات أخر بعضها فوق بعض ولمّا وصلت إلى المقام الّذي فوق المقام السّابق بعد التّوجّه بعد التّوجّه بالإنكسار وإظهار الإفتقار تبيّن لي أنّه مقام حضرة ذي النّورين (2) رضي الله عنه. وللخلفاء الباقين عبور من ذلك المقام. وهذا المقام مقام التّكميل والإرشاد أيضا في هذه المرتبة، وكذلك المقامان اللّذان يذكران بعد. ثمّ وقع النّظر على مقام فوقه ولمّا وصلت إليه تبيّن لي أنّه مقام حضرة الفاروق (3) رضي الله عنه وللخلفاء الباقين عبور من ذلك المقام. ثمّ ظهر فوقه مقام الصّدّيق الأكبر (4) رضي الله عنه ووصلت إليه أيضا ووجدت الخواجه بهاء الدّين النّقشبند (5) قدّس سرّه رفيقا لي PageV01P029 من بين المشايخ في جميع المقامات ولسائر الخلفاء عبور من هذا المقام. لا تفاوت إلّا في العبور والمقام والمرور والثّبات. ولا يرى فوقه مقام أصلا إلّا مقام خاتم النّبيّين والمرسلين عليه من الصّلوات أكملها ومن التّحيّات أتمّها وظهر في محاذاة مقام الصّدّيق الأكبر رضي الله عنه مقام آخر نورانيّ عال جدّا لم ار مثله قطّ، وكان له ارتفاع يسير من ذلك المقام كما إذا رفعوا اللّوح من الأرض وتبيّن لي أنّه مقام المحبوبيّة وكان ذلك المقام مزيّنا ومنقّشا فوجدت نفسي أيضا مزيّنا ومنقّشا من انعكاسه ثمّ وجدت نفسي بعد ذلك لطيفا في تلك الكيفيّة ورأيتني منتشرا في الآفاق مثل الهواء وقطعة السّحاب حتّى استوعبت بعض الأطراف، وحضرة الخواجه النّقشبند في مقام الصّدّيق وأجدني في المقام المحاذي له بكيفيّة معروضة. (والمعروض ثالثا) أنّه لا يرى ترك الإشتغال بهذا العمل مرضيّا كيف والعالم على شرف الغرق في لجّة الضّلالة ومن وجد في نفسه قوّة الإخراج من تلك اللّجّة كيف يسوغ له أن يسامح نفسه وإن كان له أمر آخر أمامه، ولكنّ الإشتغال بهذا العمل ضروريّ ومرضيّ بشرط التزام الاستغفار من بعض الوساوس والهواجس الّذي يحصل في أثناء هذا العمل وبهذا الشّرط يكون داخلا تخت الرّضا وأمّا بدون ملاحظة هذا الشّرط فلا، بل يبقى أدون. وأمّا الخواجه النّقشبند والخواجه علاء الدّين العطّار (2) قدّس سرّهما فهذا العمل مرضيّ منهما من غير ملاحظة هذا الشّرط. وأمّا عمل هذا الفقير فأحيانا داخل في الرّضا من غير ملاحظة هذا الشّرط وأحيانا يبقى أدون. (ورابعا) أنّه ذكر في النّفحات أنّ الشّيخ أبا سعيد أبا الخير قال: «إذا لم يبق العين فأين يبقى الأثر لا تبقى ولا تذر " وقد أشكل عليّ هذا الكلام في أوّل النّظر فإنّ الشّيخ محيي الدّين (3) وأتباعه ذاهبون إلى أنّ زوال العين الّذي هو معلوم من معلومات الله تعالى محال، وإلّا لانقلب العلم جهلا. فإذا لم يزل العين أين PageV01P030 يذهب الأثر؟! وقد كان هذا الكلام متمكّنا في الذّهن بهذا الوجه فلم ينحلّ كلام الشّيخ أبي سعيد قطّ. ثمّ كشف الله سبحانه عن وجه سرّ هذا الكلام بعد التّوجّه التّامّ وتحقّق أنّه لا يبقى العين ولا الأثر. ووجدت هذا المعنى في نفسي أيضا فلم يبق الإشكال أصلا. وقد وقع النّظر على مقام هذه المعرفة أيضا رأيته عاليا جدّا فوق المقام الّذي بيّنه الشّيخ وأتباعه ولا تنافي بين هذين المبحثين; فإنّ أحدهما من مقام والآخر من مقام آخر. وتفصيله في العريضة موجب للتّطويل والملال. (وقد ظهر) أيضا ما قاله الشّيخ يعني أبا سعيد أبا الخير من دوام هذا الحديث (1) وأنّ الحديث عبارة عن ماذا ودوامه ماذا، ووجدت هذا الحديث في نفسي دائما ولو كان من النّوادر. (وأيضا) لا يميل قلبي إلى مطالعة الكتب ولا يطيب به إلّا ما كان فيه ذكر مناقب المشايخ الكبار العالية وأحوالهم السّامية الواقعة في المقامات فيستحسن لي مطالعة أمثال ذلك. وأحوال المشايخ المتقدّمين أكثر رغبة فيها. ولا أقدر على مطالعة كتب الحقائق والمعارف خصوصا كلمات توحيد الوجود وتنزّلات المراتب، واراني في هذا الباب كثير المناسبة للشّيخ علاء الدّولة (2) ومتّفقا معه في الذّوق والحال في هذه المسألة ولكنّ العلم السّابق لا يتركني (3) لإنكارها والتّشديد على أربابها يعني كما صدر من الشّيخ علاء الدّولة. (وأيضا) قد وقع التّوجّه لدفع بعض الأمراض مرّات وظهر أثره، وكذلك ظهرت أحوال بعض الموتى الّتي هي من عالم البرزخ، ووقع التّوجّه أيضا لدفع الآلام والشّدائد عنهم. ولكن لم تبق الآن قدرة التّوجّه فإنّي لا أقدر أن أجمع نفسي بشيء من الأشياء بسبب أنّه قد صدر بعض المصادرات والظّلم والجور في حقّ الفقير من بعض النّاس، وحملوا علىّ الشّدائد وظلموا جمعا كثيرا من متعلّقي هذا الجانب وجلّوهم عن الوطن بغير حقّ. ومع ذلك لم يقع الغبار على الخاطر ولم يتطرّق الكلفة والتّضجّر إلى القلب أصلا فضلا عن صدور قصد الإساءة إليهم. واكتسب بعض الأصحاب شهودا ومعرفة في مقام الجذبة ولم يضعوا إلى الآن قدما في منازل السّلوك. وأنا أذكر نبذة من أحوالهم وأعرضها على حضرتكم عسى الله سبحانه أن يشرّفهم بدولة السّلوك بعد تمام جهة الجذبة فأقول: إنّ الشّيخ نورا مربوط ومحبوس في ذلك المقام ولم يصل بعد إلى نقطة فوقانيّة من مقام الجذبة فإنّه يؤذي في الحركات والسّكنات ولا يميّز PageV01P031 الطّيّبات من القبائح فوقع أمره في التّوقّف بلا اختيار، وكذلك وقع التّوقّف في أمور أكثر الأصحاب بواسطة عدم رعاية الآداب. وأنا حيران في هذا الباب فإنّه لا إرادة للتّوقّف من هذا الطّرف بل الإرادة لترقّيهم، ويقع المكث في أمورهم بلا اختيار وإلّا فالطّريق أقرب. ونزل مولانا المعهود إلى النّقطة الأخيرة وأتمّ أمر الجذبة ووصل إلى برزخيّة ذلك المقام وأوصل الفرق من وجهه إلى النّهاية قد رأى الصّفات أوّلا بل النّور القائمة به الصّفات مفارقا عن نفسه، ووجد نفسه شبحا خاليا، ثمّ رأى الصّفات منفكّة عن الذّات ووصل بهذه الرّؤية من مقام الجذبة إلى الاحديّة والآن قد ذهل عن العالم وعن نفسه بحيث لا يقول بالإحاطة ولا بالمعيّة وتوجّهه إلى أبطن البطون بحيث لا حاصل له غير الحيرة والجهالة. ووصل السّيّد شاه حسين أيضا إلى قرب النّقطة الأخيرة من مقام الجذبة على وجه وصل رأسه إلى النّقطة وكذلك وجد الصّفات منفكّة عن الذّات ولكن يجد الذّات الأحد في كلّ محلّ ويحتظّ بالظّاهر. وكذلك ميان جعفر وصل إلى قرب النّقطة الأخيرة وكثيرا ما يظهر بالشّوق والوله وقريب من الشّاه حسين. ويظهر التّفاوت أيضا في بقيّة الأصحاب. وقد وصل ميان شيخن والشّيخ عيسى والشّيخ كمال إلى النّقطة الفوقانيّة من مقام الجذبة والشّيخ كمال أيضا متوجّه إلى النّزول ووصل الشّيخ ناكورىّ تحت النّقطة الفوقانيّة ولكنّ أمامه مسافة كثيرة وبلغ من الأصحاب الكائنين هنا ثمانية أو تسعة بل عشرة أشخاص تحت النّقطة الفوقانيّة وبلغ بعضهم النّقطة وبعضهم تهيّأ للنّزول وبعضهم قريب منها وبعضهم بعيد عنها. ويجد الشّيخ ميان مزّمّل نفسه معدوما ويرى الصّفات من الأصل ويجد المطلق في كلّ محلّ ويرى الأشياء كالسّراب عديم الإعتبار بل لا يرى شيئا. ويظهر: مولانا المعهود في هذا الباب على وجه يكون إجازته لتعليم الطّالبين من المرضيّات لكن إجازة مناسبة للجذبة، وإن بقي بعض الأمور اللازمة الإستفادة ولكنّه استعجل في الذّهاب ولم يتوقّف فإذا وصل إلى الحضور الأقدس تأمرونه بما فيه صلاح أمره. وما هو في علم الفقير فقد عرضته عليكم والحكم عندكم. وكان الخواجه ضياء الدّين محمّد هنا أيّاما واكتسب الحضور والجمعيّة في الجملة ثمّ لم يقدر آخر الأمر أن يجمع خاطره من قلّة أسباب المعيشة فتوّجه نحو العسكر، وولد مولانا شير محمّد متوجّه نحوكم للملازمة وله حضور وجمعيّة في الجملة ولم يترقّ كما ينبغي بواسطة بعض الموانع. وزيادة الإنبساط بعيدة عن الأدب، (ع) على المرء أن لا يجهل الدّهر طوره * ثمّ عرضت بعد تحرير العريضة كيفيّة وحالة لا يمكن بيانها بالتّحرير، وتحقّق في هذا المحلّ فناء الإرادة كما أنّ تعلّق الإرادة بالمرادات انعدم سابقا وبقي أصل الأرادة كما عرضته في العريضة. والآن انقطع عرق الأرادة بالكلّيّة فحينئذ لا مراد ولا ارادة وظهرت صورة هذا الفناء أيضا في النّظر وفاض بعض العلوم المناسب لهذا المقام PageV01P032 ولمّا كان في تحرير تلك العلوم تعسّر بواسطة ضيق الوقت وغموض العلوم لا جرم صرفنا عنان القلم عن تحريرها وحين التّحقّق بهذا الفناء وفيضان العلوم وقع نظر خاصّ على ما وراء الوحدة وان كان عدم النّظر إلى ما وراء الوحدة امرا مقرّرا بل لا نسبة فيه أصلا لكن كلّما أجده أعرضه ولا أتجاسر بكتابته إلى أن يبلغ مرتبة اليقين وأرى صورة ذلك المقام في ما وراء الوحدة كآكرة وراء دهلى. ولم يتطرّق إليه شبهة قطّ وإن لم تكن في النّظر وحدة ولا ما وراءها ولا مقام آخر أعرفه بعنوان الحقّيّة أو أعرف أنّ الحقّ وراءه والحيرة والجهالة على صرافتهما ولم تتفاوتا بسبب هذه الرّؤية فلا أدري ماذا أعرض فإنّ الكلّ تناقض في تناقض لا يمكن أن يورد في قيد القال وإن كان الحال متحقّقا بلا شبهة. أستغفر الله وأتوب إلى الله من جميع ما كره الله قولا وفعلا خاطرا وناظرا. وأيضا تبيّن في هذا الوقت أنّ ما ظننته سابقا من فناء الصّفات كان في الحقيقة فناء خصوصيّات الصّفات وما به امتيازها لمّا اندرجت الصّفات في ضمن الوحدة ارتفعت الخصوصيّات وتوهّم من ذلك فناءها. والآن قد اضمحلّ أصل الصّفات وانمحى ولم يبق منها شيء ولو على سبيل الإندماج والإندراج ولم يترك قهر الاحديّة شيئا قطّ، ولم يبق التّمييز الّذي حصل من مرتبة العلم الإجماليّ أو التّفصيليّ، وصار النّظر إلى الخارج بالتّمام كان الله ولم يكن معه شيء وهو الآن - كما كان - مطابق للحال في هذا الوقت، وكان سابقا العلم بمضمون هذا الحديث دون الحال والمرجوّ حصول التّنبيه على الصّحّة والسّقم. وقد يرى لمولانا القاسم على نصيب من مقام التّكميل، وكذلك يرى من هذا المقام نصيب لبعض الأصحاب والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. (12) المكتوب الثّاني عشر في بيان حصول الفناء والبقاء وظهور الوجه الخاصّ في كلّ شيء وحقيقة السّير في الله والتّجلّي الذّاتيّ البرقيّ وغير ذلك كتبه إلى شيخه المعظّم أيضا عريضة أقلّ العبيد أحمد ينهى إلى ذروة العرض أنّه ما يدرى ماذا يعرض من تقصيراته ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم. العلوم الّتي تتعلّق بمقام الفناء في الله والبقاء بالله كشف عنها الحقّ سبحانه بعنايته وتبيّن أنّه ما الوجه الخاصّ في كلّ شيء وما معنى السّير في الله وما التّجلّي الذّاتيّ البرقيّ ومن محمّديّ المشرب وما أشبه ذلك يقع الإطّلاع في كلّ مقام على لوازم ذلك المقام وضروريّاته ثمّ يقع العبور عنه، ولم يبق شيء ممّا أخبر عنه أولياء الله تعالى غير نبذة يسيرة إلّا وقد أريته وأعلمته قبل من قبل بلا علّة، وكذلك أرى ذوات الأشياء مجعولة وأرى أصل القابليّات والإستعدادات مجعولة ومصنوعة والله سبحانه ليس بمحكوم القابليّات؛ فإنّه لا ينبغي أن يحكم عليه بشيء ولنترك زيادة الإنبساط، (ع) على المرء أن لا يجهل الدّهر طوره * PageV01P033 (13) المكتوب الثّالث عشر في بيان عدم نهاية الطّريق ومطابقة علوم الحقيقة بعلوم الشّريعة كتبه إلى شيخه المعظّم المعروض من أقلّ العبيد أحمد آهـ ألف آهـ من عدم نهاية هذا الطّريق مع هذه السّرعة في السّير وكثرة الإرادات والعنايات ومن ههنا قال المشايخ: «إنّ السّير إلى الله مسافة خمسين ألف سنة " وكان في قوله تعالى تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (1) إيماء إلى هذا المعنى ولمّا انجرّ الأمر إلى اليأس وانقطع الرّجاء لزم الإستمساك بقوله تعالى وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ (2) وكان قد وقع السّير في الأشياء منذ أيّام ولمّا غال المسترشدون وألحّوا ثانيا شرعت في أمورهم في الجملة ولكن لا أجد نفسي قابلا لذلك المقام. ولكن أعلّمهم شيئا على مقتضى المروءة والحياء لإكثارهم في الإلحاح والإبرام، وقد كنت في مسألة توحيد الوجود متوقّفا سابقا كما حرّرته مكرّرا وكنت أنسب الأفعال والصّفات إلى الأصل ولمّا صار حقيقة الأمر معلوما تركت التّوقّف ووجدت القول بأنّ الكلّ منه أحسن ورأيت الكمال فيه أزيد منه في القول بأنّ الكلّ هو، وعلمت الأفعال والصّفات بلون آخر يعني بوجه آخر وأريت الكلّ واحدا واحدا وجوزى بي إلى الفوق ولم يبق ريب ولا شبهة أصلا، وجاءت الكشفيّات كلّها مطابقة للشّريعة لا مخالفة فيها لظاهر الشّريعة مقدار شعرة وما بيّنه بعض الصّوفيّة من الكشفيّات المخالفة لظاهر الشّريعة فهو إمّا من السّهو أو من السّكر، وإلّا فلا مخالفة بين الباطن والظّاهر. والمخالفة إنّما تعرض للنّظر في أثناء الطّريق فيحتاج إلى التّوجّه والجمع، وأمّا المنتهى الحقيقيّ فإنّه يجد الباطن موافقا لظاهر الشّرعيّة. والفرق بين معرفة العلماء ومعرفة المشايخ الكرام هو أنّ العلماء يعرفون بالإستدلال والعلم والمشايخ بالكشف والذّوق وأيّ دليل أدلّ على صحّة حالهم من هذه المطابقة: يَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي (3) نقد الوقت ولا أدري ماذا أعرض وقد كنت موفّقا لتسويد بعض الأحوال ولا يمكن تحريره في العرائض ولعلّ في ذلك حكمة والمسئول أن لا تحرموا هذا المحروم المهجور من التّوجّه الّذي هو للغرباء مبذول وأن لا تتركوه في الطّريق، (شعر): وأنت لهذا القول قد كنت مبدأ ... فإن فيه إطناب فمنك مسبّب وزيادة الإنبساط جراءة، (ع) على المرء أن لا يجهل الدّهر طوره * PageV01P034 (14) المكتوب الرّابع عشر في بيان حصول الوقائع الّتي عرضت في أثناء الطّريق وبيان أحوال بعض المسترشدين كتبه إلى شيخه المعظّم أيضا عريضة أقلّ العبيد أحمد انّ التّجلّيات الّتي ظهرت في مراتب الأكوان وقد كنت عرضت بعضها في العريضة السّابقة ظهرت بعدها مرتبة الوجوب الّتي هي جامعة للصّفات الكلّيّة، وتمثّلت في صورة امرأة دميمة مسودّة اللّون ثمّ تجلّت بعد ذلك مرتبة الأحديّة في صورة رجل طويل قائم على جدار رقيق غير مرتفع. وظهر كلّ واحد من هذين التّجلّيين بعنوان الحقّانيّة بخلاف التّحلّيات السّابقة فإنّها ما كانت بهذا العنوان. وعرض لي في ذلك الأثناء تمنّي الموت وخيّل لي كأنّي قائم على ساحل البحر المحيط لأرمي فيه نفسي ولكنّي مربوط بالحبل على ورائي فلا يمكن الدّخول في البحر، وصار معلوما لي أنّ ذلك الحبل عبارة عن التّعلّق بالبدن، فتمنّيت انقطاع ذلك التّعلّق. ثمّ عرضت كيفيّة خاصّة فوجدت في ذلك الوقت بطريق الذّوق أنّه لم يبق في القلب مقتضى غير الحقّ سبحانه، ثمّ وقع النّظر على الصّفات الكلّيّة الوجوبيّة الّتي اكتسبت الخصوصيّات باعتبار المحالّ والمظاهر، ثمّ سقطت الخصوصيّات عنها بعد ذلك بالتّمام ولم تبق الصّفات إلّا بعنوان الكلّيّة الوجوديّة، ووقع النّظر أيضا على صورة تجرّدها عن الخصوصيّات. وحينئذ صار معلوما أنّ الصّفات قد أعطيت الآن للأصل حقيقة وقبل تجرّدها عن الخصوصيّات لم يكن معنى لإعطائها الأصل اللهمّ إلّا إن كان على طريق التّجوّز كما هو حال أرباب التّجلّي الصّوريّ. وتحقّق الفناء الحقيقيّ في هذا الوقت وبعد التّحقّق بهذه الحالة وجدت الصّفات الّتي فيّ وفي غيري على نهج واحد وارتفع إمتياز المحالّ، وتيسّر في ذلك الوقت التّخلّص عن بعض دقائق أنواع الشّرك الخفيّ فلم يبق حينئذ العرش ولا الفرش ولا المكان ولا الزّمان ولا الجهات ولا الحدود. فإن تفكّرت فرضا سنين لا يحصل العلم بأنّ ذرّة من العالم مخلوقة. ثمّ وقع النّظر على تعيّن نفسي والوجه الخاصّ الّذي فيّ وكان التّعيّن في صورة ثوب بال متمزّق ملبوس لشخص وعلمت أنّ هذا الشّخص هو الوجه الخاصّ لكن لم يتصوّر ذلك بعنوان الحقّانيّة، ثمّ تعلّق النّظر بعد ذلك بجلد رقيق فوق ذلك الشّخص متّصلا به، ثمّ وجدت نفسي عين ذلك الجلد ورأيت ذلك الثّوب الّذي هو التّعيّن أجنبيّا لنفسي يعني مفارقا ومنفكّا عنه ووقع النّظر على نور في الجلد ثمّ غاب ذلك النّور بعد ساعة عن النّظر وارتفع الجلد والثّوب أيضا عن النّظر وبقيت تلك الجهالة السّابقة. ولنعرض تعبير صورة هذه الواقعة المذكورة على ما بلغه علمي ليعلم صحّته وسقمه وهو أنّ الصّورة المذكورة عبارة عن العين الثّابت كالبرزخ بين الوجوب والإمكان حيث افترق كلّ واحد من طرفيه عن الآخر وتحقّق بكمال الفرق والجلد الّذي وقع بين الثّوب والنّور برزخ بين PageV01P035 الوجود والعدم ووجدان نفسي عين ذلك الجلد أخيرا إشارة إلى وصولي إلى البرزخيّة، وقد كنت وجدتني سابقا في الوقائع برزخا بين الوجود والعدم، والظّاهر أنّ ذلك كان بالنّسبة إلى الآفاق وهذا بالنّظر إلى النّفس وقد ظهر في ذلك فرق آخر أيضا، ولكنّي نسيته وقت الكتابة هذا وما هو الحاصل دائما هو النّكارة والجهالة ويظهر أحيانا مثل هذه الشّعبذة ثمّ ينعدم وتبقى معرفته. وأعجز عن تعبير بعض الوقائع والّذي يقع في الخاطر من تعبيره لا أعتمد عليه. وبهذا السّبب أتجاسر في العرائض رجاء حصول اليقين بتنبيه الحضرة. والمرجوّ تيسّر النّجاة عن التّعلّقات الدّنيّة بتوجّهاتكم العليّة وإلّا فالأمر مشكل جدّا، (شعر): من لم يعنه مهيمن وخواصّه ... لا سودّ صفحته ولو هو من ملك والشّيخ طه ابن الشّيخ عبد الله النّيازيّ الّذي هو من مشاهير مشايخ سرهند وبينه وبين الحاجّ عبد العزيز مودّة تامّة استدعى تقبيل الأقدام المباركة وفيه داعية الإنابة والدّخول في هذه الطّريقة العليّة الشّريفة، والتجأ إليّ بالصّدق والإنكسار فأمرته بالإستخارة وله مناسبة في الظّاهر والأصحاب الّذين أخذوا الذّكر هنا مشتغلون بطريق الرّابطة في الأكثر يجيء بعضهم بأخذ الرّابطة بالرّؤية في الواقعات. وكان لبعضهم رابطة قبل المجيء من دهلى يذهبون أوّلا بالحضور والإستغراق وبعض منهم يعطى الصّفات الأصل يعني يراها منه وبعضهم لا. ولكن لا يذهب منهم أحد على طريق توحيد الوجود والأنوار والكشوف ووصل المنلا قاسم علي والمنلا مودود محمّد وعبد المؤمن ظاهر إلى نقطة فوقانيّة من مقام الجذبة ولكنّ المنلا قاسم متوجّه إلى النّزول. ونزول الباقين ليس بمعلوم والشّيخ نور (1) أيضا قريب من النّقطة ولم يصل إليها بعد والمنلا عبد الرّحمن أيضا قريب من النّقطة ولكن في البين مسافة قليلة، وحصل للمنلا عبد الهادي فيه حضور مع الإستغراق وهو يقول: «أشاهد المطلق المنزّه جلّ شأنه في الأشياء بصفة التّنزيه وأرى الأفعال أيضا منه تعالى، وما يفاض على الطّالبين والمستعدّين فإنّما هو من دولتكم وليس لهذا الفقير نصيب في إفاضته. (ع) أنا ذاك أحمد لم أكن متغيّرا * وقد قلتم يوما فيما بين واقعة من الوقائع انّه لو لم يكن فيه معنى المحبوبيّة لوقع توقّف كثير في الوصول إلى المقصد، وبيّنتم المحبوبيّة أيضا بعنايتكم. ولي من ذلك الكلام رجاء تامّ، وهذه الجراءة كلّها من ذلك. (15) المكتوب الخامس عشر في بيان الأحوال الّتي لها مناسبة لمقام الهبوط والنّزول مع بعض الأسرار المكنونة كتبه إلى شيخه المعظّم أيضا PageV01P036 عريضة الحاضر الغائب الواجد الفاقد المقبل المعرض أنّه طلبه مدّة مديدة فوجد نفسه ثمّ انجرّ أمره إلى مرتبة لو طلب نفسه وجده والآن فقده ووجد نفسه ومع فقدانه وغيبته لا يطلبه ولا يستخبر عنه. فمن حيث العلم حاضر وواجد ومقبل ومن جهة الذّوق غائب وفاقد ومعرض. ظاهره بقاء وباطنه فناء ففي عين البقاء فان، وفي عين الفناء باق، ولكنّ الفناء علميّ والبقاء ذوقيّ. وتقرّر أمره على الهبوط والنّزول وامتنع عن الصّعود والعروج فكما رفعوه عن القلب إلى مقلّب القلب كذلك أنزلوه من مقلّب القلب إلى مقام القلب. ومع تخلّص الرّوح عن النّفس وخروج النّفس بعد الإطمئنان من غلبات أنوار الرّوح جعلوه جامعا لجهتي الرّوح والنّفس وشرّفوه ببرزخيّة هاتين الجهتين وأعطوه الإستفادة من فوق والإفادة إلى سفل معا بسبب هذه البرزخيّة، ففى عين الإستفادة مفيد وفي عين الإفادة مستفيد، (شعر): فيا لها قصّة في شرحها طول ... وكم يراع إذا حرّرت ينكسر ثمّ المعروض: انّ اليد اليسرى عبارة عن مقام القلب الحاصل قبل العروج إلى مقلّب القلوب وأمّا مقام القلب الّذي يكون النّزول إليه بعد الهبوط من فوق فهو مقام آخر فإنّه برزخ بين الشّمال واليمين كما هو الظّاهر لاربابه والمجذوبون الّذين ليس لهم سلوك من أرباب القلوب والوصول إلى مقلّب القلوب مربوط بالسّلوك وتعلّق مقام بشخص كناية عن حصول شأن خاصّ له في ذلك المقام وله امتياز على حدة من أرباب ذلك المقام ومن جملة ذلك الإمتياز سبقة الإنجذاب فيما نحن فيه والبقاء الخاصّ الّذي كان منشأ للعلوم والمعارف المناسبة لذلك المقام وتحقيق علوم مقام القلب وحقيقة الجذبة والسّلوك والفناء والبقاء وأمثال ذلك مكتوبة في الرّسالة الموعودة بالتّفصيل وتوجّه السّيّد شاه حسين بالإضطراب والعجلة فلم تكن فرصة لنقلها إلى البياض ونتشرّف إن شاء الله تعالى على الفور بمطالعتكم والعزيز المتوقّف نزل من فوق من مقام الجذبة ولكن ليس وجهه إلى العالم بل توجّهه إلى جهة الفوق ولمّا كان عروجه إلى الجهة الفوقانيّة بالقسر كانت له مناسبة بالطّبع للجذبة واستصحب معه شيئا يسيرا وقت نزوله من فوق وبضاعة نسبته الّتي كانت من توجّه القاسر وكان العروج إثر ذلك التّوجّه باقية إلى الآن في نسبة الجذبة كالرّوح في الجسد وكالنّور في الظّلمة ولكنّ هذه الجذبة غير جذبة خواجكان قدّس الله أسرارهم بل هي جذبة وصلت إلى الخواجه عبيد الله أحرار (1) قدّس سرّه من آبائه الكرام (2) وكان الشّأن الخاصّ لهم في ذلك المقام وقد رأى بعض الطّالبين في الواقعة أنّ ذلك العزيز المتوقّف أكل الخواجه يعني المذكور آنفا بالتّمام وظهور أثر هذه الواقعة إنّما يكون في هذا المقام وليس لهذه الجذبة مناسبة لمقام الإفادة فإنّ التّوجّه في مقام هذه الجذبة إلى جهة الفوق دائما والسّكر الدّائميّ لازمه وبعض مقامات الجذبة منافية PageV01P037 للسّلوك بعد الدّخول فيه وبعض آخر ليس بمناف له بل يتوجّهون لاجل السّلوك بعد الدّخول فيه وهذه الجذبة منافية للسّلوك بعد الدّخول فيه وقد توجّهت إلى ذلك المقام وقت تحرير العريضة وظهر بعض دقائقه ولا يتيسّر التّوجّه من غير باعث والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال وقد نزل ذلك العزيز منذ أشهر ولكنّه لم يكن داخلا في مقام الجذبة المذكورة بالتّمام والمانع عدم العلم بشأن ذلك المقام مع التّوجّهات المواجبة للتّفرقة وتشتّت البال وعسى أن يتيسّر الدّخول فيه بالتّمام وقت مطالعة هذه الكلمات غير المرتبطة ولعلّه ينزل بعد ذلك حضرة الخواجه بالتّمام. (16) المكتوب السّادس عشر في بيان أحوال العروج والنّزول وغيرها كتبه إلى شيخه المعظّم أيضا عريضة احقر الطّلبة انّ مولانا علاء الدّين قد بلّغ المكتوب المشتمل للالتفات وقد جعلت في كشف كلّ من المقدّمات المذكورة مسودّة على مقتضى الوقت وكان بعض متمّمات تلك العلوم المسطورة ومكمّلاتها محظورا أيضا، ولكن لم توجد فرصة لتحريره لتوجّه حامل العريضة نرسله إن شاء الله تعالى إلى خدمتكم سريعا. وقد أرسلت الآن رسالة أخرى قد نقلت إلى البياض، وكنت جمعتها بالتماس بعض الأصحاب. فإنّهم التمسوا منّي أن أكتب لهم نصائح تكون نافعة في الطّريقة ويعملون بمضمونها. والحقّ أنّها رسالة عديمة النّظير كثيرة البركة وكان بعد تحريره معلوما أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد حضر مع جمع كثير من مشايخ أمّته وفي يده المباركة هذه الرّسالة وهو عليه الصّلاة والسّلام يقبّلها من كمال كرمه ويريها المشايخ ويقول: ينبغي أن يحصل مثل هذه المعتقدات، والجماعة الّذين استسعدوا بهذه العلوم نورانيّون وممتازون وعزيز والوجود قائمون في مقابلته عليه الصّلاة والسّلام والحاصل أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمر هذا الفقير بإشاعة هذه الواقعة وإظهارها في ذلك المجلس، (ع) لا عسر في أمر مع الكرام * وحين جئت من الملازمة لم تكن فيّ مناسبة كثيرة لمقام الإرشاد بواسطة وجود الميل إلى جهة الفوق فأردت أن أقعد في زاوية أوقاتا. وظهر النّاس في النّظر مثل النّمر والأسد وكان عزم العزلة والإنزواء مصمّما، ولكن لم تقع الإستخارة موافقة للمطلوب، والعروج إلى غاية غايات مدارج القرب وإن لم تكن لها غاية قد تيسّر، ولا يزال يتيسّر، والأحوال في التّقلّب دائما " كلّ يوم هو في شأن»، وجوزي بي مقامات جميع المشايخ إلّا ما شاء الله (شعر): وتداولت أيدي الكرام وردة ... حتّى إلى العالي الجناب ترقّت PageV01P038 فإن عددت توسّط روحانيّة المشايخ في ذلك ينجرّ إلى الإطناب والتّطويل. وبالجملة قد جوزي بي من جميع مقامات الأصل كمجاوزتي مقامات الظّلّ، فماذا أبيّن من العنايات العديمة الغايات قبل من قبل بلا علّة وعرض عليّ من وجوه الولايات وكمالاتها ما لا يمكن تحريره. وأنزلت في ذي الحجّة إلى مقام القلب من مدارج النّزول وهذا المقام مقام التّكميل والإرشاد، ولكن لا بدّ من أشياء لتتميم هذا المقام وتكميله ومتى يتيسّر ذلك والأمر ليس بسهل ومع وجود المراديّة يقطع من المنازل ما لو أعطي المريدون عمر نوح لا يعلم تيسّره بل هذه الوجوه مخصوصة للمرادين ولا محلّ هنا للمريدين، ونهاية عروج الأفراد إلى بداية مقام الأصل فحسب، ولا مجاوزة للأفراد منها؛ ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) وهذا هو وجه التّوقّف في مراتب التّكميل والإرشاد وعدم النّورانيّة، إنّما هو بواسطة ظهور نور ظلمة الغيب لا شيء آخر، وقد يعجن النّاس في متخيّلاتهم أشياء لا ينبغي اعتبارها، (شعر) كيف يدري الأغبيا حال الكرام ... فاقصر الأقوال واسكت والسّلام واحتمال الضّرر غالب في تخيّل مثل هذه الظّنون. فينبغي أمر هؤلاء الجماعة بإغماض نظر خيالاتهم عن أحوال هذا المكسور البال فإنّ مثل هذا النّظر له مجال في محالّ أخرى كثيرة، (شعر): من كم شده أم مرا مجوييد ... با كم شدكان سخن مكوييد (ترجمة): كفّوا الملام عن الّذي أفنى وجو ... ده في الاله واحذروا من بأسه ينبغي التّفكّر في غيرة الحقّ جلّ سلطانه فإنّ التّكلّم والتّقوّل في تنقيص أمر يريد الحقّ سبحانه كماله غير مناسب جدّا بل هو في الحقيقة معارضته تعالى. والنّزول في مقام القلب المارّ ذكره آنفا نزول في مقام الفرق في الحقيقة الّذي هو مقام الإرشاد. والفرق في هذا الموطن عبارة عن امتياز النّفس عن الرّوح والرّوح عن النّفس بعد دخول النّفس في نور الرّوح الّذي هو الجمع وما فهم من الجمع والفرق قبل ذلك فهو من السّكر فإنّ رؤية الحقّ مفارقا ومنفكّا عن الخلق الّتي يزعمونها مقام الفرق لا حقيقة لها بل يزعمون الرّوح المذكورة حقّا ويزعمون رؤية مفارقتها وامتيازها عن النّفس رؤية مفارقة الحقّ وامتيازه تعالى وتقدّس عن الخلق. وعلى هذا القياس أكثر علوم أرباب السّكر فإنّ حقيقة الأمر مفقودة ثمّة والأمر PageV01P039 عند الله سبحانه. وقد حرّرت علوم أرباب الجذبة والسّلوك وحقيقة كلّ من هذين المقامين بالتّفصيل في رسالة أخرى. وستشرّف بوقوع النّظر الشّريف عليها إن شاء الله تعالى. (17) المكتوب السّابع عشر في الأحوال المتعلّقة بالعروج والنّزول كتبه إلى شيخه المكرّم أيضا عريضة أحقر الخدمة انّ العزيز الّذي كان متوقّفا منذ أوقات ظهر يوم التّحرير أنّه عرج من ذلك المقام بنحو من العروج ونزل التّحت ولكنّه ما نزل بالتّمام. والبقايا الّذين كانوا تحت هذا المقام عرجوا أيضا وتوجّهوا نحو النّزول من طريق ذلك المقام الفوقانيّ. وكلّ كيفيّة تظهر بعد هذا نعرضها فإن كتب صاحب المعاملة شيئا بعد انكشاف حاله لكان أقرب إلى الصّواب. ولمّا كان حدوث قضيّة هذا النّزول قويّا ودفعيّا، وقد طرأ على الفقير ضعف بواسطة تناول الجلّاب لم أشتغل بأمر هذا النّزول ولم أنظر إلى مآله وسيظهر إن شاء الله تعالى. (18) المكتوب الثّامن عشر في التّمكين الّذي يحصل بعد التّلوين وبيان مراتب الولايات الثّلاث وبيان أنّ وجود الواجب تعالى زائد على ذاته تعالى وغير ذلك كتبه إلى شيخه المكرّم أيضا عريضة أقلّ العبيد ذي التّقصير أحمد بن عبد الأحد أنّه ما دامت الأحوال واردة كنّا نتجاسر بعرضها ولمّا حرّر الحقّ سبحانه من رقّيّة الأحوال ببركة توجّهاتكم العليّة، وشرّف بالتّمكين بعد التّخليص من التّلوين ما بقي في اليد حاصل الأمر غير الحيرة والعجز، وما حصل من الوصل سوى الهجر والفصل، ومن القرب غير البعد، ولم يزد من المعرفة غير النّكرة ومن العلم غير الجهل، فلا جرم وقع التّوقّف في تقديم العرائض. ولم أتجاسر بمجرّد عرض أحوال أيّام الفراق ومع ذلك قد استولت البرودة على القلب على نهج لا ميل فىّ إلى أمر ما أصلا ولا شوق ولا أقدر على الإشتغال بعمل كما هو ديدن أرباب البطالة، (شعر) وإنّي لا شيء ومن ذاك أنقص ... ومن هو لا شيء يكون معطّلا ولنرجع إلى أصل المقصود ونقول: والعجب أنّ الحقّ سبحانه قد شرّفني الآن بمقام حقّ اليقين الّذي ليس العلم والعين فيه بعضه حجابا عن بعض. والفناء والبقاء مجتمعان فيه وفي عين الحيرة وفقدان الأمارة علم وشعور، وفي نفس الغيبة أنس وحضور، ومع وجود العلم والمعرفة لا يحصل سوى ازدياد الجهل والنّكرة، PageV01P040 (ع) ألا فاعجبوا من واصل متحيّر * وقد رزق الله تعالى بمحض عنايته الّتي ليست لها نهاية في مدارج القرب والكمالات ترقّيات بلا نهاية ففوق مقام الولاية مقام الشّهادة. ونسبة الولاية إلى الشّهادة كنسبة التّجلّي الصّوريّ إلى التّجلّي الذّاتيّ، بل بعد ما بينهما أكثر من بعد ما بين هذين التّجلّيين كذا مرّة. وفوق مقام الشّهادة مقام الصّدّيقيّة. والتّفاوت فيما بين هذين المقامين أجلّ من أن يعبّر عنه بعبارة وأعظم من أن يشار إليه بإشارة وليس فوقه مقام إلّا مقام النّبوّة على أهلها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. ولا ينبغي أن يكون مقام بين الصّدّيقيّة والنّبوّة بل هو محال. وهذا الحكم أعني الحكم بالإستحالة علم بكشف صريح صحيح، وما أثبته بعض أهل الله من الواسطة بين هذين المقامين وسمّوها بمقام القرب قد شرّفت به أيضا، واطّلعت على حقيقته بعد توجّه كثير وتضرّع غزير ظهر أوّلا على طور بيّنه بعض الأكابر، ثمّ صارت حقيقة الأمر معلومة. نعم إنّ حصول هذا المقام إنّما هو بعد حصول مقام الصّدّيقيّة وقت العروج. ولكنّ كونه واسطة محلّ تأمّل. وسنعرض حقيقة الأمر بالتّفصيل بعد حصول الملازمة الصّوريّة إن شاء الله تعالى. وذلك المقام عال جدّا ولا يعلم في منازل العروج مقام فوقه ويظهر في هذا المقام زيادة الوجود على ذات الله عزّ وجلّ كما هو المقرّر عند علماء أهل الحقّ شكر الله تعالى سعيهم ويبقى الوجود هنا أيضا في الطّريق ويقع العروج فوقه كما قال الشّيخ أبو المكارم ركن الدّين علاء الدّولة في بعض مصنّفاته: "وفوق عالم الوجود عالم الملك الودود " ومقام الصّدّيقيّة من مقامات البقاء الّتي هي ناظرة إلى العالم وأسفل (1) منه مقام النّبوّة، وفي الحقيقة هو أعلى منه وهو مقام كمال الصّحو والبقاء، وليس لمقام القرب لياقة البرزخيّة بين هذين المقامين فإنّه ناظر إلى التّنزيه الصّرف، وتمام العروج شتّان ما بينهما، (شعر): قد أمسكوني وراء المرئىّ كدرّتهم ... أقول ما قال لي أستاذي الأزليّ وقد صارت العلوم الشّرعيّة النّظريّة الإستدلاليّة ضروريّة كشفيّة لا مخالفة بينها وبين أصول علماء الشّريعة مقدار شعرة، وإنّما جعلت تلك العلوم الإجماليّة تفصيليّة وأخرجت من النّظريّة إلى الضّروريّة. سئل الخواجه الأعظم يعني بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه أنّه ما المقصود من السّلوك؟ فقال: «المقصود منه كون المعرفة الإجماليّة تفصيليّة والإستدلاليّة كشفيّة " ولم يقل حصول علوم سواها نعم يظهر في الطّريق علوم كثيرة ومعارف غزيرة ولكن ينبغي أن يجاوزها، وما دام السّالك لم يصل إلى نهاية النّهايات الّتي هي مقام الصّدّيقيّة لا يكون له نصيب من هذه العلوم الحقيقيّة والمعارف اليقينيّة. فيا ليت شعري إنّ PageV01P041 من أهل الله القائلين بحصول هذا المقام الشّريف لأنفسهم وليس لهم مناسبة بعلوم هذا المقام ومعارفه فما وجهه: وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (1). واطّلعت أيضا على سرّ مسألة القضاء والقدر وعلمتها على نهج لا تقع المخالفة بينها وبين أصول ظاهر الشّريعة الغرّاء بوجه من الوجوه مبرّأة ومنزّهة عن نقص الإيجاب وشائبة الجبر وفي الظّهور كالقمر ليلة البدر، والعجب ما وجه إخفائها مع عدم مخالفتها أصول الشّريعة فلو كانت فيها شائبة المخالفة لكان للسّتر والإخفاء شيء من المناسبة: لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ (2)، (شعر) ومن الّذي في فعله يتكلّم ... دون الرّضا يا صاح والتّسليم وتفاض العلوم والمعارف مثل فيضان المطر من سحاب الرّبيع بحيث تعجز القوّة المدركة عن تحمّلها وإطلاق القوّة المدركة مجرّد تعبير وإلّا فلا يحمل عطايا الملك إلّا مطاياه وقد كان في الأوائل شوق قيد هذه العلوم الغريبة بالكتابة ولكنّي لم أوفّق لذلك وكان لي تحرّج وثقل من هذه الجهة فسلّيت آخر الأمر بأنّ المقصود من إفاضة هذه العلوم حصول الملكة لا حفظها كما أنّ طلبة العلوم يحصّلون العلوم لينالوا ملكة المولويّة لا أنّهم يحصّلونها لأجل حفظ أصول الصّرف والنّحو وغيرهما ولنعرض بعض العلوم المذكورة قال الله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (3) أوّل هذا الكلام إثبات التّنزيه المحض كما هو الظّاهر وقوله سبحانه وتعالى وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (4) متمّم ومكمّل للتّنزيه. وبيانه أنّ ثبوت السّمع والبصر للمخلوق لمّا كان موهما لثبوت المماثلة ولو في الجملة نفى الله سبحانه عنهم السّمع والبصر لدفع هذا الوهم يعني أنّ السّميع والبصير هو تعالى ليس إلّا والسّمع والبصر الموجودتان في المخلوقات ليس لهما مدخل في السّماع والرّؤية فكما أنّ الحقّ سبحانه خلق السّمع والبصر كذلك يخلق السّماع والرّؤية بعد خلق هاتين الصّفتين بطريق جري العادة من غير تأثير لصفاتهم ولو قلنا بالتّأثير فالتّأثير فيها أيضا مخلوق فكما أنّ ذواتهم جماد محض كذلك صفاتهم أيضا جماد محض مثلا إذا خلق القادر بمحض قدرته كلاما في الحجر لا يقال إنّ الحجر متكلّم في الحقيقة وإنّ له صفة الكلام وفي هذه الصّورة كما أنّ الحجر جماد كذلك هذه الصّفة لو فرض أنّها موجودة فيه أيضا جماد لا مدخل له أصلا في ظهور الحرف والصّوت وجميع الصّفات من هذا القبيل. غاية ما في الباب أنّ هاتين الصّفتين لمّا كانت أظهر من غيرهما خصّهما الله تعالى بنفيهما ويكون لزوم نفي البواقي منها بالطّريق الأولى. وخلق الله سبحانه يعني في PageV01P042 المخلوق أوّلا صفة العلم ثمّ خلق توجّهه نحو المعلوم ثمّ خلق تعلّقها به ثمّ جعل ذلك المعلوم منكشفا له ثمّ خلق الإنكشاف فيه بعد خلق صفة العلم بمجرّد جري العادة فعلم أن لا مدخل للعلم في الإنكشاف وكذلك خلق فيه أوّلا صفة السّمع ثمّ خلق الإصغاء والتّوجّه إلى المسموع ثمّ خلق السّماع ثمّ خلق إدراك المسموع وكذلك خلق فيه البصر أوّلا ثمّ تقليب الحدقة والتّوجّه نحو المرئيّ ثمّ الرّؤية ثمّ إدراك المرئيّ وعلى هذا القياس سائر الصّفات والسّميع والبصير إنّما هو من يكون مبدأ سماعه ورؤيته هاتين الصّفتين، ومن ليس كذلك فليس بسميع ولا بصير. فتحقّق أنّ صفات المخلوقين جمادات كذواتهم. فالمقصود من آخر الكلام نفي الصّفات عنهم رأسا لا أنّ لهم صفات. وتلك الصّفات ثابتة له سبحانه حتّى يكون جمعا بين التّنزيه والتّشبيه بل تمام الآية الكريمة لإثبات التّنزيه ونفي المماثلة رأسا. والعلم الأوّل، أعني إثبات صفات هؤلاء للحقّ سبحانه واعتقاد ذواتهم جمادا محضا وزعمها في ظهور هذه الصّفات منهم مثل الدّنّ والكوز في ظهور الماء منهما من العلوم المناسبة لمقام الولاية. والعلم الثّاني، أعني وجدان صفات هؤلاء مثل الجمادات واعتقاداتهم لا شعور لهم كالأموات كما قال الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (1) من العلوم المناسبة لمقام الشّهادة. ومن هنا أيضا يعلم التّفاوت بين هذين المقامين. القليل يدلّ على الكثير والقطرة تنبئ عن الغدير (ع) وعام الرّخص يعلم من ربيع * وكذلك يجد أرباب هذا المقام العالي أفعال المخلوقات كالميّت والجماد لا أنّهم ينسبون أفعالهم إلى الحقّ سبحانه ويقولون إنّ فاعل هذه الأفعال هو الله تعالى عن ذلك علوّا كبيرا مثلا إذا حرّك شخص حجرا لا يقال إنّ هذا الشّخص متحرّك بل هو موجد للحركة في الحجر والمتحرّك إنّما هو الحجر وكما أنّ الحجر جماد محض كذلك حركته جماد صرف فإن هلك بتلك الحركة فرضا شخص لا يقال إنّه قتله حجر بل يقال قتله ذلك الشّخص الّذي حرّك الحجر. وقول علماء الشّريعة شكر الله تعالى سعيهم، موافق لهذا العلم فإنّهم يقولون: إنّ مفعول المخلوقات مصنوع الحقّ سبحانه مع وجود صدور الأفعال عنهم بالإرادة والإختيار ولا مدخل لإفعالهم في مصنوعيّته وأفعالهم عبارة عن حركات شتّى من غير أن يكون لها تأثير في مجعوليّة المعمول (فان قيل) فعلى هذا يكون جعل افعالهم مناطا للثّواب والعقاب غير معقول ويكون كتكليف حجر بامر وترتيب ذمّ ومدح على فعله (قلت) فرّق بين الحجر والمكلّفين فانّ مناط التّكليف القدرة والارادة والحجر لا قدرة فيه ولا ارادة بخلاف المكلّفين فانّ فيهم ارادة ولكن لمّا كانت ارادتهم أيضا مخلوقة للحقّ سبحانه من غير تأثير لها في حصول المراد، كانت تلك الإرادة أيضا كالميّت وفائدتها إنّما هي كون المراد مخلوقا بعد تحقّقها بطريق جري العادة. ولو قيل إنّ قدرة المخلوق مؤثّرة ولو في الجملة كما ذهب إليه علماء ما وراء النّهر. فذلك التّأثير أيضا مخلوق فيها كما هي مخلوقة PageV01P043 بنفسها ففي تأثيرها لا اختيار له أصلا فيكون تأثيرها أيضا كالجماد. مثلا إذا رأى شخص حجرا نازلا من فوق بتحريك محرّك وأهلك حيوانا فكما أنّ ذلك الشّخص يعتقد أنّ هذا الحجر جماد كذلك يعتقد أنّ فعله الّذي هو حركته جماد ويعتقد أنّ الأثر المترتّب لذلك الفعل أعني الهلاك أيضا جماد. فالذّوات والصّفات والأفعال كلّها جمادات محضة وأموات صرفة. فهو الحيّ القيّوم وهو السّميع البصير وهو العليم الخبير وهو الفعّال لما يريد قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (1) وقد كثرت إساءة الأدب وجاوز الأنبساط الحدّ فماذا أصنع فإنّ جمال الكلام الّذي هو من الجميل المطلق أوردني مورد ان يظنّ أنّ الكلام كلّما يطول يزداد حسنا وكلّما يقال حاكيا عنه يكون من اللّذّة والحلاوة في المقام الأسني، مع أنّي لا أجد في نفسي مناسبة لأن أتكلّم من ذلك الجناب أو أتفوّه باسمه، (شعر): غسلت بماء الورد والمسك الف مـ ... ـرّة فيّ بعد لست أهلا لذكره (ع) على المرء أن لا يجهل الدّهر طوره * والمرجوّ بذل التّوجّه والعناية وماذا أعرض من سوء أحوالي وكلّ ما أجد في نفسي فهو من عنايات مبدأ ذلك التّوجّه العالي وإلّا (ع) أنا ذاك أحمد لم أكن متغيّرا * وظهر للميان شاه حسين طريق التّوحيد فهو الآن محظوظ به ويخطر في البال إخراجه منه ليبلغ الحيرة فإنّها مقصودة. ومحمّد صادق لا يقدر أن يضبط نفسه لصغره فإن كان رفيقا في السّفر ينال ترقّيات كثيرة. وقد كان في سير سفح الجبل رفيقا فنال ترقّيا كثيرا وتجرّع من بحر الحيرة فله مناسبة تامّة للفقير في الحيرة. والشّيخ نور أيضا في ذلك المقام وقد ترقّى ترقّيا كثيرا. ومن أقرباء هذا الفقير غلام له حال عال جدّا قريب من التّجلّيات البرقيّة بل مستسعد بها. (19) المكتوب التّاسع عشر في تفويض بعض أرباب الحوائج كتبه إلى شيخه المكرّم أيضا عريضة أحقر الخدمة أنّه جاء شخص من العسكر وأخبر أنّ مبلغ أرباب وظائف فقراء دهلى وسرهند يعني وظائفهم قد منع وأحيل على ملازمي العتبة العليّة من أجل مادّة فصل الخريف المارّ ليوصّلوا إلى المستحقّين بعد التّحقيق الحقيق فبناء على ذلك صدر الجراءة فإن كان هذا الخبر صدقا يحال على حامل العريضة الف درهم فصلانة باسم الشّيخ الحافظ أبي الحسن وهو من أهل العلم والف درهم فصلانة PageV01P044 باسم الشّيخ الحافظ شاه محمّد من وكلاء الشّيخ نواب المقرّرة وهما حيّان قائمان ليس فيهما شائبة الإشتباه وقد أرسل كلّ منهما وكيله المعتمد والمشار إليهما في سرهند. (20) المكتوب العشرون في تفويض بعض أرباب الحوائج كتبه إلى شيخه المعظّم أيضا عريضة أحقر الخدمة أنّه قد صدر منّا تشويش أوقات خادمي العتبة العليّة مكرّرا في باب وظائف والدة حبيب الله السّرهنديّ ومنكوحته ومخاديم أخرى ممّن ذكروا في ضمن العريضة. فإن كان مبلغ وظائف المشار إليهم في دهلى فأمروا مولانا عليّا بتسليمه إليهم وقد جاء بعضهم بطريق الوكالة وبعضهم بطريق الأصالة. فإن لم يكن مبلغهم في دهلى فالمشار إليهم أحياء قائمون يلتمسون تصحيح حصصهم والزّيادة على ذلك انبساط. (21) المكتوب الحادي والعشرون في بيان درجات الولاية لا سيّما الولاية المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة ومدح الطّريقة النّقشبنديّة العليّة قدّس الله أسرار أهلها وعلوّ نسبتهم وفضلها على نسب سائر الطّرق أرسله إلى الشّيخ محمّد المكّيّ ابن الحاجّ موسى القاري اللّاهوريّ وصل المكتوب الشّريف اللّطيف إلى العبد الضّعيف النّحيف. عظّم الله سبحانه أجركم ويسّر أمركم وتقبّل عذركم، بحرمة سيّد البشر المطهّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها. (اعلموا إخواني) أنّ الموت الّذي قبل الموت المعبّر عنه بالفناء عند بالفناء عند أهل الله ما لم يتحقّق لم يتيسّر الوصول إلى جناب القدس بل لم يمكن النّجاة عن عبادة المعبودات الباطلة الآفاقيّة والآلهة الهوائيّة الأنفسيّة فلم يتحقّق حقيقة الإسلام ولم يتيسّر كمال الإيمان فكيف يحصل الدّخول في زمرة العبّاد والوصول إلى درجة الأوتاد مع أنّ هذا الفناء قدم أوّل يوضع في أطوار الولاية وكمال أسبق يحصل في البداية. فينبغي أن يقاس من أوّل الولاية حال آخرها ومن بدايتها درجة نهايتها ولنعم ما قيل. (ع) وقس من حال بستاني ربيعي *. وغيره * وعام الرّخص يعلم من ربيع *. وللولاية درجات بعضها فوق بعض. إذ على قدم كلّ نبيّ ولاية خاصّة به وأقصى درجاتها هي الّتي على قدم نبيّنا عليه وعلى جميع إخوانه من الصّلوات أتمّها ومن التّحيّات أيمنها إذ التّجلّي الذّاتيّ الّذي حينئذ لا اعتبار فيه للأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات لا بالإيجاب ولا بالسّلب مخصوص بولايته صلّى الله عليه وسلّم. وخرق PageV01P045 جميع الحجب الوجوديّة والإعتباريّة علما وعينا يتحقّق في هذا المقام فحينئذ يحصل الوصل عريانا ويتحقّق الوجد حقيقة لا حسبانا. وللكمّل من متابعيه عليه الصّلاة والتّحيّة نصيب كامل وحظّ وافر من هذا المقام العزيز وجوده. فعليكم باتّباعه صلّى الله عليه وسلّم إن كنتم متوجّهين إلى تحصيل هذه الولاية القصوى وتكميل هذه الدّرجة العليا وهذا التّجلّي الذّاتيّ برقيّ عند أكثر المشايخ رحمهم الله تعالى يعني أنّ خرق الحجب عن حضرة الذّات جلّ سلطانه يكون في زمان يسير كالبرق ثمّ تسدل حجب الأسماء والصّفات ويستر سطوات أنوار الذّات تعالى فيكون الحضور الذّاتيّ لمحة كالبرق، والغيبة الذّاتيّة كثيرة جدّا. وعند أكابر المشايخ النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم هذا الحضور الذّاتيّ دائميّ. ولا عبرة عندهم للحضور الزّائل المتبدّل بالغيبة فيكون كمال هؤلاء الأكابر فوق جميع الكمالات ونسبتهم فوق جميع النّسب كما وقع في عباراتهم: «إنّ نسبتنا فوق جميع النّسب " وأرادوا بالنّسبة الحضور الذّاتيّ الدّائميّ. وأعجب من ذلك أنّ النّهاية في طريقة هؤلاء الكمّل مندرجة في البداية واقتداؤهم في ذلك بصحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبارك وكرّم فإنّهم في أوّل صحبة النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام نالوا ما يتيسّر في النّهاية وذلك باندراج النّهاية في البداية، فكما كانت ولاية محمّد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فوق ولايات جميع الأنبياء والرّسل عليهم الصّلوات والتّسليمات كذلك كانت ولاية هؤلاء الأكابر فوق جميع ولايات الأولياء قدّس الله تعالى أسرارهم كيف وإنّ ولايتهم منسوبة إلى الصّدّيق الأكبر نعم لأفراد من كمّل المشائخ قد حصلت هذه النّسبة لكن باقتباس من الصّدّيق الأكبر رضي الله تعالى عنه كما أخبر أبو سعيد عن دوام هذا الحديث وقد وصلت جبّة الصّديق الأكبر رضي الله عنه إلى هذا الشّيخ أبي سعيد كما نقل صاحب النّفحات. والغرض من إظهار بعض كمالات هذه الطّريقة العليّة النّقشبنديّة ترغيب الطّلّاب في هذه الطّريقة وإلّا فما لي ولشرح كمالاتها قال المولوىّ في المثنوىّ، (شعر): لم يناسب شرحه للخلق بل ... حقّ أن يخفى كعشق في المثل غير أنّي صفته كي يرغبوا ... فيه قبل الفوت كيلا يحزنوا والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى (1). (22) المكتوب الثّاني والعشرون أرسل إلى الشّيخ عبد المجيد بن الشّيخ محمّد المفتي اللّاهورىّ في بيان وجه التّعلّق بين الرّوح والنّفس وبيان عروجهما ونزولهما وبيان الفناء الجسديّ والرّوحيّ وبقائهما وبيان مقام الدّعوة والفرق بين المستهلكين من الأولياء والرّاجعين إلى الدّعوة PageV01P046 سبحان من جمع بين النّور والظّلمة وقرن اللّامكانيّ المتبرّي عن الجهة مع المكانيّ الحاصل في الجهة فحبّبت الظّلمة إلى النّور فعشق بها وامتزج معها بكمال المحبّة ليزداد بهذا التّعلّق جلاؤه ويكمل بمجاورة الظّلمة صفاؤه كالمرآة إذا أريد صقالتها وقصد ظهور لطافتها ترّبت أوّلا ليظهر بمجاورة الظّلمة التّرابيّة صفاؤها ويزداد بتعلّق الكثافة الطّينيّة بهاؤها فنسي ذلك النّور ما حصل له أوّلا من شهوده القدسيّ بل جهل نفسه وتوابعه الوجوديّة لإستغراقه في شهود معشوقه الظّلمانيّ وتعلّقه بالهيكل الهيولانىّ فصار من أصحاب المشأمة في مصاحبته وضاع من كرامات الميمنة في مجاورته فإن بقي في مضيق هذا الإستغراق ولم يتخلّص إلى فضاء الإطلاق فالويل له كلّ الويل لما لم يتيسّر له ما هو المقصود منه وضاع جوهر استعداده فضلّ ضلالا بعيدا وإن سبقت له الحسنى وأدركته العناية القصوى رفع رأسه وتذكّر ما ضلّ عنه فرجع القهقرى قائلا (شعر): إليك يا منيتي حجّي ومعتمري ... إن حجّ قوم على ترب وأحجار وإن حصل له الإستغراق ثانيا في شهود المطلوب الأقدس على أحسن طرق وتيسّر له التّوجّه إلى الجناب المقدّس بأكمل وجوه تبعه الظّلمة ح واندرجت في غلبات أنواره، فإذا بلغ هذا الإستغراق إلى أن نسي المتعلّق الظّلمانيّ رأسا وجهل نفسه وتوابع وجوده كلّيّة فاستهلك في مشاهدة نور الأنوار، وحصل له حضور المطلوب وراء الأستار، شرّف بالفناء الجسديّ والرّوحيّ وإن حصل له البقاء بذلك المشهود أيضا بعد الفناء فيه فقد تمّت له جهتا الفناء والبقاء وصحّ ح إطلاق اسم الولاية عليه. فحينئذ لا يخلو حاله من أمرين: إمّا الإستغراق في المشهود بالكلّيّة والإستهلاك فيه على الدّوام. وإمّا الرّجوع إلى دعوة الخلق إلى الحقّ عزّ سلطانه بأن يصير باطنه مع الله سبحانه وظاهره مع الخلق فيتخلّص النّور حينئذ من الظّلمة المندرجة فيه المتوجّهة إلى المطلوب، ويصير بهذا التّخلّص من أصحاب اليمين، وهو وإن لم يكن له في الحقيقة يمين ولا شمال لكنّ اليمين أولى بحاله وأنسب لكماله، لجامعيّته الجهة الخيريّة مع اشتراكهما في اليمن والبركة كما وقع في شأنه عزّ شأنه كلتا يديه يمين (1) وتنزل تلك الظّلمة من ذلك النّور في مقام العبادة وأداء الطّاعة. ونعني بالنّور اللّامكانيّ الرّوح بل خلاصته وبالظّلمة المقيّدة بالجهة النّفس. وكذا المراد بالظّاهر والباطن (فإن قال قائل): إنّ للأولياء المستهلكين أيضا شعورا بالعالم وتوجّها إليه واختلاطا مع بني نوعهم فما معنى الإستهلاك والتّوجّه على الدّوام؟ وما الفرق بينهم وبين المرجوعين إلى العالم للدّعوة؟ (قلنا) إنّ الإستهلاك والتّوجّه بالكلّيّة عبارة عن توجّه الرّوح والنّفس معا بعد اندراج النّفس في أنوار الرّوح كما مرّت الإشارة إليه. والشّعور بالعالم ونحوه إنّما يكون بالحواسّ والقوى والجوارح الّتي هي PageV01P047 كالتّفاصيل للنّفس، فالمجمل الملخّص مستهلك في ضمن أنوار الرّوح في مطالعة المشهود وتفصيله باق على الشّعور السّابق من غير تطرّق فتور إليه، بخلاف المرجوع إلى العالم فإنّ نفسه بعد كونها مطمئنّة تخرج من تلك الأنوار للدّعوة وتحصل له المناسبة حينئذ مع العالم فتقع الدّعوة بتلك المناسبة في معرض الإجابة. (وأمّا) بيان أنّ النّفس مجملة والحواسّ ونحوها تفاصيلها; فلأنّ النّفس لها تعلّق بالقلب الصّنوبريّ، وهو له تعلّق بالرّوح بتوسّط الحقيقة الجامعيّة القلبيّة والفيوض الواردة من الرّوح ترد إجمالا أوّلا عليها ثمّ بتوسّطها إلى سائر القوى والجوارح تفصيلا فخلاصتها موجودة في النّفس إجمالا فظهر الفرق بين الفريقين. وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ الطّائفة الأولى من أرباب السّكر، والثّانية من أرباب الصّحو. والشّرافة للأولى والفضيلة للأخرى. والمقام الأوّل مناسب للولاية والثّاني للنّبوّة. شرّفنا الله تعالى بكرامات الأولياء وثبّتنا على كمال متابعة الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه على نبيّنا وعليهم وعلى جميع إخوانه من الملائكة المقرّبين والعباد الصّالحين إلى يوم الدّين آمين. المحرّر الدّاعي وإن لم يحسن العربيّة لعجميّته لكن لمّا كان مكتوبهم الشّريف محرّرا بالكلمات العربيّة أملى القرطاس على نحو إملائهم والسّلام ختام الكلام. (23) المكتوب الثّالث والعشرون أرسل إلى عبد الرّحيم المشتهر بخان خانان (1) في جواب كتابه في المنع عن أخذ الطّريق من النّاقص وبيان مضرّته والمنع عن الألقاب الشّبيهة بأهل الكفر نجّانا الله سبحانه وإيّاكم عن المقال * الخالي عن الحال * والعلم المعرّى عن الأعمال * بحرمة سيّد البشر * المبعوث إلى الأسود والأحمر * عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها * ويرحم الله عبدا قال آمينا * بلّغ رسالتكم الأخ الصّالح الصّادق تبليغا * وحكى عن جنابكم بلسان التّرجمان ما حكى * فأنشدت (شعر) أهلا لسعدي والرّسول وحبّذا ... وجه الرّسول لحبّ وجه المرسل (اعلم) أيّها الأخ القابل لظهور الكمالات أظهر الله سبحانه فعلكم من القوّة: انّ الدّنيا مزرعة الآخرة فويل لمن لم يزرع فيها وعطّل أرض الإستعداد وأضاع بذر الأعمال. وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ إضاعة الأرض وتعطيلها إمّا بأن لا يزرع فيها شيئا، أو أن يلقي فيها بذرا خبيثا فاسدا وهذا القسم من PageV01P048 الإضاعة أشدّ مضرّة وأكثر فسادا من القسم الأوّل، كما لا يخفى وخبث البذر وفساده بأن يأخذ الطّريق من السّالك النّاقص ويسلك مسلكه لأنّ النّاقص صاحب هوى متّبع وما يشوب بالهوى لا يؤثّر وإن أثّر أعان على الهوى، فيحصل ظلمة على ظلمة لأنّ النّاقص لا يميّز بين الطّرق الموصّلة إلى الله سبحانه وبين الطّرق الّتي لا توصّل إليه سبحانه إذ هو غير واصل قطّ، وكذا لا يميّز بين الإستعدادات المختلفة للطّلبة وإذا لم يميّز طرق الجذبة عن طرق السّلوك فربّما يكون استعداد الطّالب مناسبا لطريق الجذبة غير مناسب لطريق السّلوك ابتداء والنّاقص لعدم تمييزه بين الطّرق وبين الإستعدادات المختلفة يسلكه طريق السّلوك ابتداء فأضلّ عن الطّريق كما ضلّ. فالشّيخ الكامل المكمّل إذا أراد تربية هذا الطّالب وتسليكه احتاج أوّلا إلى إزالة ما أصاب من السّالك النّاقص وإصلاح ما فسد بسببه، ثمّ ألقى البذر الصّالح المناسب لإستعداده في أرض الإستعداد فينبت نباتا حسنا ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (1)، ومثل كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها فِي السَّماءِ (2) فصحبة الشّيخ الكامل المكمّل كبريت أحمر، نظره دواء وكلماته شفاء، وبدونها خرط القتاد وثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام والتّحيّة إذ هو ملاك الأمر ومدار النّجاة ومناط السّعادة ولنعم ما قيل بالفارسيّة، (شعر): محمد عربي كابروى هرد وسراست ... كسيكه خاك درش نيست خاك بر سر او (ترجمته) محمّد سيّد الكونين من عرب ... تعسا لمن لم يكن في بابه التّربا ولنختم المقالة على صلوات سيّد المرسلين وتسليماته وتحيّاته وبركاته (التّتمّة) والعجب كلّ العجب أنّ الأخ الصّادق قد نقل أنّ من جلسائهم من الشّعراء الفضلاء من يلقّب في الشّعر بالكفرىّ والحال أنّه من السّادات العظام والنّقباء الكرام. فياليت شعري ما حمله على اختيار هذا الإسم الشّنيع البيّن شناعته. والمسلم ينبغي له أن يفرّ من هذا الإسم زيادة ما يفرّ من الأسد المهلك، ويكرهه كلّ الكراهة لأنّ هذا الإسم ومسمّاه مبغوضان على الله تعالى ورسوله عليه الصّلاة والسّلام والمسلمون مأمورون بعداوة أهل الكفر والغلظة عليهم فالتّحاشي عن مثل هذا الإسم القبيح واجب، وما وقع في عبارات (3) بعض المشائخ قدّس سرّهم في غلبات السّكر من مدح الكفر والتّرغيب في شدّ الزّنّار وأمثال ذلك، فمصروف عن الظّاهر ومحمول على التّأويل. فإنّ كلام السّكارى يحمل ويصرف عن الظّاهر المتبادر فإنّهم معذورون بغلبة السّكر في ارتكاب هذه المحظورات، مع أنّ كفر الحقيقة أنقص بالنّسبة إلى إسلام الحقيقة عند أكابر هؤلاء القوم، وغير السّكارى غير معذور في تقليدهم لا عندهم ولا عند أهل الشّرع لأنّ لكلّ شيء موسما ووقتا خاصّا صلح ذلك الشّيء في ذلك الموسم وقبح في موسم آخر، والعاقل لا PageV01P049 يقيس أحدهما على الآخر فالتمسوه من قبلى أن يغيّر هذا الإسم ويبدّله باسم خير منه ويلقّب بالإسلاميّ، فإنّه موافق لحال المسلم ومقاله، وانتساب إلى الإسلام الّذي هو الدّين المرضيّ عند الله سبحانه وعند الرّسول عليه الصّلاة والسّلام واجتناب عن التّهمة الّتي أمرنا باتّقائها " اتّقوا مواضع التّهم». كلام صادق لا غبار عليه قال سبحانه: ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ (1) والسّلام على من اتّبع الهدى. (24) المكتوب الرّابع والعشرون أرسل إلى محمّد قلي? خان في بيان أنّ الصّوفيّ كائن بائن وأنّ تعلّق القلب لا يكون بأكثر من واحد وأنّ ظهور المحبّة الذّاتيّة يستلزم استواء الإيلام والإنعام من المحبوب والفرق بين عبادة المقرّبين وعبادة الأبرار وكذا بين الأولياء المستهلكين وبين الأولياء المرجوعين إلى دعوة الخلق سلّمكم الله سبحانه وعافاكم بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات: «المرء مع من أحبّ» (2) فطوبى لمن لم يبق لقلبه حبّا إلّا مع الله سبحانه ولم يرد إلّا وجهه تعالى وتقدّس فيكون هو مع الله جلّ سلطانه وإن كان في ظاهره مع الخلق واشتغل بهم صورة. وهو شأن الصّوفيّ الكائن البائن أي الكائن مع الله سبحانه والبائن من الخلق حقيقة، أو المراد الكائن مع الخلق صورة والبائن منهم حقيقة والقلب لا تتعلّق محبّته بأكثر من واحد فما لم يزل التّعلّق الحبّيّ بذلك الواحد لم يتعلّق بما سواه محبّته وما يرى من كثرة مراداته وتعلّق محبّته بالأشياء المتكثّرة كالمال والولد والرّياسة والمدح والرّفعة عند النّاس، فثمّة أيضا لا يكون محبوبه إلّا واحدا وهو نفسه ومحبّة هؤلاء فرع محبّته لنفسه. فإنّ هذه الأشياء لا يريدها إلّا لنفسه لا لأنفسهم. فإذا زالت محبّته لنفسه زالت محبّتهم بالتّبعيّة أيضا، فلهذا قيل: إنّ الحجاب بين العبد والرّبّ هو نفس العبد لا العالم، فإنّ العالم في نفسه غير مراد للعبد حتّى يكون حجابا PageV01P050 وإنّما مراد العبد هو نفسه فلا جرم يكون الحجاب هو العبد لا غير. فما لم يخل العبد عن مراد نفسه كلّيّة لا يكون الرّبّ مراده ولا يسع قلبه محبّته سبحانه وتعالى. وهذه الدّولة القصوى لا تتحقّق إلّا بعد الفناء المطلق المنوط بالتّجلّي الذّاتيّ، فإنّ رفع الظّلمات رأسا لا يتصوّر إلّا بطلوع الشّمس بازغة. فإذا حصلت تلك المحبّة المعبّر عنها بالمحبّة الذّاتيّة استوى عند المحبّ إنعام المحبوب وإيلامه فحينئذ حصل الإخلاص فلا يعبد ربّه إلّا له لا لإجل نفسه من طلب الإنعام ودفع الإيلام لأنّهما عنده سواء. وهذه مرتبة المقرّبين فإنّ الأبرار إنّما يعبدون الله خوفا وطمعا وهما راجعان إلى نفسهم لعدم فوزهم بسعادة المحبّة الذّاتيّة فلا جرم يكون حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين فحسنات الأبرار حسنات من وجه وسيّئات من وجه وحسنات المقرّبين حسنات محضة نعم من المقرّبين من يعبد الله خوفا وطمعا أيضا بعد تحقّقهم بالبقاء الأكمل وتنزّلهم بعالم الأسباب لكنّ خوفهم وطمعهم غير راجعين إلى أنفسهم بل إنّما يعبدون طمعا في رضائه سبحانه وخوفا من سخطه تعالى. وكذا إنّما يطلبون الجنّة لأنّها محلّ رضائه تعالى لا لحظوظ أنفسهم، وإنّما يستعيذون من النّار لأنّها محلّ سخطه تعالى لا لدفع الإيلام عن أنفسهم لأنّ هؤلاء الأكابر محرّزون عن رقّيّة الأنفس وصاروا خالصين لله سبحانه. وهذه الرّتبة أعلى من بين رتب المقرّبين ولصاحب هذه المرتبة نصيب تامّ من كمالات مقام النّبوّة بعد تحقّقه بمرتبة الولاية الخاصّة. ومن لم ينزل إلى عالم الأسباب فهو من الأولياء المستهلكين، فلا نصيب له من كمالات مقام النّبوّة فلا يكون أهلا للتّكميل بخلاف الأوّل. رزقنا الله سبحانه محبّة هؤلاء الأكابر بحرمة سيّد البشر عليه وعلى آله وأتباعه من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها فإنّ المرء مع من أحبّ. (25) المكتوب الخامس والعشرون أرسل إلى خواجه جهان في التّحريض على متابعة سيّد المرسلين ومتابعة الخلفاء الرّاشدين عليه وعليهم من الصّلوات أكملها ومن التّسليمات أتمّها سلّم الله تعالى قلبكم وشرح صدوركم وزكّى أنفسكم وألان جلدكم كلّ ذلك بل جميع كمالات الرّوح والسّرّ والخفىّ والأخفى منوط بمتابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها فعليكم بمتابعته ومتابعة خلفائه الرّاشدين الهادين المهديّين من بعده، فإنّهم نجوم الهداية وشموس الولاية، فمن شرّف بمتابعتهم فقد فاز فوزا عظيما ومن جبل على مخالفتهم فقد ضلّ ضلالا بعيدا. البقيّة من المقصود إظهار الإضطرار وضيق المعيشة لابنى المرحوم الشّيخ سلطان فالملتمس PageV01P051 من جنابكم مددهم وإعانتهم فإنّكم حريّون بذلك، بل موفّقون لقضاء حوائج النّاس طرّا زاد الله تعالى توفيقكم وجعل الخير رفيقكم. والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى (1). (26) المكتوب السّادس والعشرون أرسل إلى الشّيخ العالم مولانا الحاجّ محمّد اللّاهوريّ (2) في بيان أنّ الشّوق يكون للأبرار دون المقرّبين مع علوم تناسب هذا المقام ثبّتنا الله تعالى وإيّاكم على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. ورد في الحديث القدسيّ " ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إليهم لأشدّ شوقا» (3). أثبت الله سبحانه الشّوق للأبرار لأنّ المقرّبين الواصلين لا شوق لهم، لأنّ الشّوق يقتضي الفقد والفقد في حقّهم مفقود، ألا يرى أنّ الشّخص لا يشتاق إلى نفسه مع إفراطه في حبّه لعدم تحقّق الفقد في حقّه فالمقرّب الواصل الباقي بالله سبحانه الفاني عن نفسه حكمه كحال الشّخص مع نفسه. فلا جرم لا يكون المشتاق إلّا الأبرار لأنّه محبّ فاقد. ونعني بالأبرار غير المقرّب الواصل سواء كان في الإبتداء أو في الوسط، ولو بقي منه مقدار خردلة ولنعم ما قيل في الشّعر الفارسيّ: فراق دوست اكراند كست اندك نيست ... درون ديده اكر نيم موست بسيارست (يعني) ما قلّ هجران الحبيب وإن غدا ... قليلا ونصف الشّعر في العين ضائر نقل عن الصّدّيق الأكبر رضي الله عنه أنّه رأى قارئا يقرأ القرآن ويبكي فقال: هكذا كنّا نفعل ولكن قست قلوبنا. هذا من قبيل المدح بما يشبه الذّمّ. وسمعت شيخي قدّس سرّه يقول: إنّ المنتهى الواصل ربّما يتمنّى الشّوق والطّلب الّذي كان له في الإبتداء. ولرفع الشّوق مقام آخر أكمل من الأوّل وأتمّ وهو مقام اليأس والعجز عن الإدراك فإنّ الشّوق يتصوّر في المتوقّع، فحيث لا توقّع لا شوق. وإذا رجع هذا PageV01P052 الكامل البالغ نهاية الكمال إلى العالم رجوع القهقرى لا يعود إليه الشّوق أيضا مع وجود الفقد بالرّجوع لأنّ زوال شوقه ما كان لزوال الفقد بل لحصول اليأس، وهو موجود بعد الرّجوع أيضا بخلاف الكامل الأوّل فإنّه يعود إليه الشّوق برجوعه إلى العالم لحصول الفقد الّذي زال من قبل. فحين وجد الفقد بالرّجوع حصل الشّوق الّذي زال بزواله. (لا يقال) إنّ مراتب الوصول لا تنقطع أبد الآبدين فيتوقّع بعد تلك المراتب فيتصوّر الشّوق؛ (لأنّا نقول) عدم انقطاع مراتب الوصول مبنيّ على السّير التّفصيليّ الواقع في الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات. وهذا السّالك لا يتصوّر في حقّه نهاية ولا يزول عنه الشّوق أبدا. وما نحن بصدده هو المنتهى الواصل الّذي قطع تلك المراتب بطريق الإجمال، وانتهى إلى ما لا يمكن التّعبير عنه بعبارة ولا يشار إليه بإشارة. فلا يتصوّر تمّة توقّع أصلا، فلا جرم يزول عنه الشّوق والطّلب. وهذا حال الخواصّ من الأولياء لأنّهم هم الّذين عرجوا عن ضيق الصّفات ووصلوا إلى حضرة الذّات تعالت وتقدّست، بخلاف السّالكين في الصّفات مفصّلا والسّائرين في الشّئونات مرتّبا فإنّهم محبوسون في التّجلّيات الصّفاتيّة أبد الآبدين. ومراتب الوصول في حقّهم ليست إلّا الوصول إلى الصّفات. والعروج إلى حضرة الذّات لا يتصوّر إلّا بالسّير الإجماليّ في الصّفات والإعتبارات. ومن وقع سيره في الأسماء بالتّفصيل حبس في الصّفات والإعتبارات ولم يزل منه الشّوق والطّلب ولم يفارق عنه الوجد والتّواجد فأصحاب الشّوق والتّواجد ليسوا إلّا أصحاب التّجلّيات الصّفاتيّة وليس من التّجلّيات الذّاتيّة لهم نصيب ما داموا في الشّوق والوجد. (فإن قال) قائل: ما معنى الشّوق من الله سبحانه وليس منه سبحانه مفقود شيئا؟ قلت: ذكر الشّوق ههنا يحتمل أن يكون من قبيل صنعة المشاكلة وذكر الشّدّة فيه باعتبار أنّ كلّ ما ينسب إلى العزيز الجبّار فهو شديد وغالب على ما ينسب إلى العبد الضّعيف. هذا الجواب على طريقة العلماء. وللعبد الضّعيف في جوابه وجوه أخر تناسب طريقة الصّوفيّة. ولكنّ تلك الأجوبة تقتضي نحوا من السّكر وبدون السّكر لا تستحسن بل لا تجوز، لأنّ السّكارى معذورون وأرباب الصّحو مسئولون. وحالي الآن الصّحو الصّرف فلا يليق بحالي ذكرها هذا. الحمد لله أوّلا وآخرا والصّلاة والسّلام على نبيّه دائما وسرمدا. (27) المكتوب السّابع والعشرون إلى خواجه عمك في بيان مدح الطّريقة النّقشبنديّة وعلوّ نسبة هؤلاء الأكابر قدّس الله أسرارهم الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى ورد مكتوبكم المرسل إلى هذا المخلص على وجه الكرم وصار باعثا على الإبتهاج والسّرور، والمرجوّ سلامتكم ولا أريد أن أصدّعكم بغير مدح هذه السّلسلة العليّة النّقشبنديّة. PageV01P053 (أيّها المخدوم المكرّم)، قد وقع في عبارات أكابر هذه السّلسلة العليّة قدّس الله أسرارهم " أنّ نسبتنا فوق جميع النّسب " وأرادوا بتلك النّسبة الحضور والشّعور. والحضور المعتبر عندهم إنّما هو حضور بلا غيبة. وقد عبّروا عنه بيادداشت. فتكون نسبة هؤلاء الأعزّة عبارة عن يادداشت ويادداشت الّذي تقرّر في فهم هذا الفقير القاصر مبنيّ على هذا التّفصيل، وهو أنّ التّجلّي الذّاتيّ عبارة عن ظهور حضرة الذّات تعالت وتقدّست. وحضوره تعالى بلا ملاحظة الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات. وقالوا لهذا التّجلّي تجلّيا برقيّا، يعني يتحقّق ارتفاع الشّئون والإعتبارات لمحة يسيرة ثمّ تسدل حجب الشّئون والإعتبارات وتتوارى حضرة الذّات. فعلى هذا التّقدير لا يتصوّر حضور بلا غيبة بل الحضور لمحة يسيرة والغيبة دائمة وكائنة في أغلب الأوقات فلا تكون هذه النّسبة معتبرة عند هؤلاء الأعزّة، والحال قد قال مشائخ السّلاسل الأخر لهذا التّجلّي نهاية النّهاية، فإذا دام هذا الحضور ولم يقبل الإحتجاب والإستتار أصلا، وتجلّي الحقّ سبحانه بلا حجب الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات دائما كان حضورا بلا غيبة. فينبغي أن يعلم تفاوت ما بين نسبة هؤلاء الأكابر ونسب الآخرين بهذا القياس، وأن يعتقدها فوق الكلّ بلا تحاش وهذا القسم من الحضور وإن كان مستبعدا عند أكثر النّاس ولكن لا بعد فيها عند أربابها، (شعر): هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها ... وللعاشق المسكين ما يتجرّع وقد عرضت لهذه النّسبة غرابة على نهج لو حكيتها فرضا عند أرباب هذه السّلسلة العظيمة الشّأن يحتمل أن يكون أكثرهم في مقام الإنكار ولا يصدّقوها، والنّسبة الّتي كانت متعارفة الآن عند أرباب هذه السّلسلة عبارة عن حضور الحقّ سبحانه وشهوده تعالى على وجه يكون منزّها عن وصف الشّاهديّة والمشهوديّة وعن التّوجّه المعرّى عن الجهات السّتّ المتعارفة وإن توهّمت جهة الفوق وظنّ دوامها بحسب الظّاهر. وهذه النّسبة يعني المذكورة المتعارفة الآن تتحقّق أيضا في مقام الجذبة فقط ولا يظهر وجه كونها فائقة لنسب سائر الطّرق بخلاف يادداشت بالمعنى السّابق، فإنّ حصولها إنّما هو بعد تمام جهة الجذبة ومقامات السّلوك، وعلوّ درجتها لا يخفى على أحد. فإن كان خفاء فإنّما هو في حصولها فقط فإن أنكر حاسد بسبب حسده وجحد ناقص لنقصانه فهو معذور، (شعر): إن عابهم قاصر طعنا بهم سفها ... برأت ساحتهم من أفحش الكلم هل يقطع الثّعلب المحتال سلسلة ... قيّدت بها أسد الدّنيا بأسرهم. والسّلام أوّلا وآخرا. (28) المكتوب الثّامن والعشرون أرسل أيضا إلى خواجه عمك في بيان علوّ الحال لكن بعبارة موهمة للتّنزّل والتّباعد PageV01P054 قد ابتهجت بورود مكتوبكم المرسل إلى هذا المخلص على وجه الكرم، وتشرّفت بمطالعته، فما أعظم نعمة تذكّر الأحرار المأسورين وما أجلّ دولة اهتمام الواصلين بحال المهجورين، والمهجور العاجز لمّا لم يجد نفسه أهلا للوصال اختار الخمولة في زاوية الهجران بالضّرورة وهرب من القرب واطمئنّ بالبعد وسكن إلى الإنفصال عن الإتّصال ولمّا رأى أسرا في اختيار الحرّيّة اختار الأسر بالممنونيّة، (شعر): ?ون طمع خواهد ز من سلطان دين ... خاك بر فرق قناعت بعدا زين (يعني) إذا ما أراد الطّمع منّي مالكي ... لقلت على رأس القناعة أحجار وبماذا أصدّعكم بأزيد من ذلك بعبارات غير مرتبطة وإشارات غير منتظمة. ثبّتنا الله تعالى وإيّاكم على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها. (29) المكتوب التّاسع والعشرون صدر إلى الشّيخ نظام الدّين التّانيسرىّ في التّرغيب في أداء الفرائض ورعاية السّنن والآداب وعدم المبالات في أداء النّافلة في جنب الفرائض والمنع عن أداء العشاء في النّصف الأخير من اللّيل والمنع عن تجويز شرب الماء المستعمل في الوضوء والمنع عن تجويز سجدة المريدين يعني لشيخهم أو غيره عصمنا الله سبحانه وإيّاكم عن التّعصّب والتّعسّف ونجّانا وإيّاكم عن التّلهّف والتّأسّف بحرمة سيّد البشر المنفيّ عنه زيغ البصر عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها. (واعلم) أنّ مقرّبات الأعمال إمّا فرائض وإمّا نوافل فالنّوافل لا اعتبار لها في جنب الفرائض أصلا، فإنّ أداء فرض من الفرائض في وقت من الأوقات أفضل من أداء النّوافل ألف سنة وإن ادّيت بنيّة خالصة أيّ نفل كان من الصّلاة والصّوم والذّكر والفكر وأمثال ذلك بل أقول: إنّ رعاية سنّة من السّنن وأدب من الآداب حين أداء الفرائض لها ذلك الحكم أيضا (1). نقل أنّ سيّدنا عمر رضي الله عنه صلّى يوما صلاة الصّبح بجماعة ثمّ نظر إلى القوم وتفقّدهم فلم ير فيهم شخصا من أصحابه فقال: ألم يحضر الفلان الجماعة؟ فقيل: إنّه يسهر أكثر اللّيل فيحتمل أن يكون قد غلبه النّوم في هذا الوقت. فقال: «لو نام تمام اللّيل وصلّى صلاة الصّبح مع الجماعة لكان أولى وأفضل» (2). فرعاية الأولى والإجتناب عن المكروه وإن كان تنزيهيّا أولى من الذّكر والفكر والمراقبة والتّوجّه بمراتب كثيرة فكيف إذا كان المكروه تحريميّا نعم إن جمع هذه الأمور مع هذه الرّعاية والإجتناب فقد فاز فوزا عظيما وبدونه خرط القتاد. فكما أنّ تصدّق دانق مثلا في حساب الزّكاة أفضل من تصدّق مقدار جبال عظام من ذهب بطريق النّفل بمراتب، كذلك رعاية أدب في PageV01P055 تصدّق ذلك الدّانق كان يعطيه إلى فقير مستحقّ أفضل منه أيضا بمراتب، فتأخير صلاة العشاء إلى النّصف الأخير من اللّيل وجعل ذلك التّأخير وسيلة إلى قيام اللّيل مستنكر جدّا; فإنّ أداء العشاء في ذلك الوقت مكروه عند علماء الحنفيّة رضي الله عنهم والظّاهر أنّهم أرادوا بهذه الكراهة الكراهة التّحريميّة فإنّهم أباحوا أداء العشاء إلى نصف اللّيل وبعد نصف اللّيل قالوا بكراهته والمكروه المقابل للمباح مكروه تحريميّ. وعند الشّافعيّة لا يجوز في ذلك الوقت أداء العشاء رأسا. فارتكاب هذا الأمر بواسطة قيام اللّيل وحصول الأذواق والجمعيّة في ذلك الوقت مستكره جدّا، ويكفي لهذا الغرض تأخير الوتر أيضا وذلك التّأخير مستحبّ فيؤدّي الوتر في وقت مستحبّ ويتيسّر الغرض من قيام اللّيل والسّهر، فينبغي ترك هذا العمل وقضاء الصّلوات الفائتة فإنّ الإمام الأعظم أبا حنيفة (1) الكوفيّ رضي الله تعالى عنه قضى صلاة أربعين سنة بواسطة ترك أدب من آداب الوضوء. (وأيضا) لا يجوز شرب الماء المستعمل لإزالة الحدث أو بنيّة القربة. فإنّ ذلك الماء نجس مغلّظ عند الإمام الأعظم ومنع الفقهاء من شرب ذلك الماء وكرهوه. نعم قالوا: «إنّ شرب بقيّة الوضوء شفاء " فإن طلب شخص ذلك بالإعتقاد الصّحيح فأعط من ذلك وقد وقع للفقير مثل هذا الإبتلاء في دهلى في هذه النّوبة بسبب أنّ بعض الأصحاب قد رأى في الواقعة أنّه ينبغي أن يشرب الماء المستعمل في وضوء هذا الفقير وإلّا يلحقه ضرر عظيم، وكلّما دفعته لم ينفع ولم يمتنع، فراجعت الكتب الفقهيّة فوجدت مخلصا من ذلك حيث قالوا: «إنّ المتوضّئ لو لم ينو القربة بعد تثليث الغسل لا يكون الماء مستعملا في المرتبة الرّابعة " فكنت أعطيه ما أغسل به في المرتبة الرّابعة بلا نيّة القربة ليشربه تجويزا له بهذه الحيلة. (وأيضا) قد نقل رجل معتمد أنّ مريدي بعض خلفائكم يسجدون له ولا يكتفون بتقبيل الأرض. وشناعة هذا الفعل أظهر من الشّمس فامنعوه من ذلك بالتّأكيد، فإنّ الإجتناب. من أمثال هذا الفعل مطلوب من كلّ أحد خصوصا ممّن تصدّى لإقتداء الخلق به فإنّ الإجتناب له من أمثال هذا الفعل من أشدّ الضّروريّات لأنّ المقلّدين يقتدون به في أعماله فيقعون في بلاء وابتلاء وأيضا إنّ علوم هذه الطّائفة علوم الأحوال والأحوال مواريث الأعمال فيكون الميراث من علوم الأحوال لشخص قد صحّح الأعمال وقام بحقّها في كلّ حال. وتصحيح الأعمال إنّما يتيسّر إذا عرف الأعمال وعلم كيفيّة كلّ منها بلا إهمال، وذلك علم أحكام الشّرع من الصّلاة والصّوم وسائر الفرائض، وعلم المعاملات كالنّكاح والطّلاق والمبايعات، وعلم كلّ شيء أوجبه الحقّ سبحانه على المكلّف ودعاه إليه. وهذه العلوم اكتسابيّة لا بدّ من تعلّمها لكلّ أحد والعلم بين المجاهدتين إحداهما في طلبه قبل حصوله، وثانيتهما المجاهدة في PageV01P056 استعماله بعد حصوله فكما أنّه يذكر في مجلسه الشّريف من كتب التّصوّف، كذلك ينبغي أن يذكر فيه من الكتب الفقهيّة. والكتب الفقهيّة بالعبارة الفارسيّة كثيرة مثل مجموعة خانى وعمدة الإسلام والكنز الفارسيّ، بل لا ضرر أصلا إن لم يذكر من كتب التّصوّف فإنّه يتعلّق بالأحوال لا دخل له في القال. وعدم مذاكرة الكتب الفقهيّة محتمل للضّرر، وزيادة الإطناب موجبة للملال. القليل يدلّ على الكثير. وبثثت عندك من خفىّ ضمائر ... نبذا وخفت سآمة من كثرة رزقنا الله سبحانه وإيّاكم كمال متابعة حبيبه صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم. (30) المكتوب الثّلاثون في بيان الشّهود الآفاقيّ والأنفسيّ وفرق ما بين الشّهود الأنفسيّ والتّجلّي الصّوريّ وبيان علوّ شأن مقام العبوديّة ومطابقة علوم ذلك المقام بالعلوم الشّرعيّة وما يناسب ذلك قال الملّا محمّد صدّيق (1) من جملة خدمته المتقدّمين: إنّ هذا المكتوب أيضا أرسل إلى الشّيخ نظام الدّين التّانيسريّ. شرّفكم الله بكمال الإتّباع المحمّديّ وزيّنكم بزيّ النّبيّ المصطفويّ عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّحيّات أكملها. ما أدري ماذا أكتب فإن تكلّمت من جناب قدس مولاي تعالى وتقدّس يكون كذبا صريحا وافتراء محضا فإنّ جناب كبريائه أجلّ من أن يتكلّم فيه مثلي فإنّ المكتنف بالكيف كيف يقول ويتكلّم ممّن تنزّه عن الكيف وماذا يريد وأيّ شيء يدرك المحدث من القديم، وإلى متى يجري المكانيّ ويعدو في لا مكان مسكين، لا خبر له عمّا في خارج نفسه ولا ممرّ له فيما ورائه، (شعر): ذره كربس نيك ور بس بديود ... كر ?ه عمرى تك زند در خود بود (يعني) ولو سعت ذرّة في عمرها طلبا ... خيرا وشرّا تنل في نفسها اكتمانا وهذا المعنى أيضا يتيسّر في السّير الأنفسيّ الّذي يتيسّر في نهاية الأمر. قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه: إنّ أهل الله كلّما يرون بعد الفناء والبقاء يرونه في أنفسهم وكلّما يعرفونه يعرفونه في أنفسهم وحيرتهم إنّما تكون في وجودهم: وفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا PageV01P057 تُبْصِرُونَ (1) وكلّ سير قبل ذلك داخل في السّير الآفاقيّ الّذي حاصله ممّا لا حاصل فيه وإطلاق لفظ لا حاصل إنّما هو بالنّسبة إلى أصل المطلب وإلّا فهو أيضا من جملة الشّرائط والمعدّات. (ولا يتوهّمنّ) أحد من الشّهود الأنفسيّ أنّه مثل التّجلّي الصّوريّ الّذي في نفس المتجلّى له ولا يتخيّل ذلك حاشا وكلّا فإنّ التّجلّي الصّوريّ داخل في السّير الآفاقيّ بجميع أقسامه وحاصل في مرتبة علم اليقين، والشّهود الأنفسيّ كائن في مرتبة حقّ اليقين الّذي هو نهاية مراتب الكمال. وإطلاق لفظ الشّهود في هذا المقام من ضيق ميدان العبارة، وإلّا فكما أنّ مطلبهم منزّه عن الكيف والكيفيّة، كذلك نسبتهم إلى ذلك المطلب منزّهة عن الكيف والكيفيّة فإنّه لا سبيل للمتكيّف إلى المنزّه عن الكيف قال في المثنويّ، (شعر): هست رب الناس را با جان ناس ... اتصالى بى تكيف بى قياس ليك كفتم ناس را نسناس نه ... ناس غير از جان جان اسناس نه يعني: إنّ للرّحمن مع أرواح ناس ... اتّصالا دون كيف وقياس قلت ناسا دون نسناس الفلا ... ليس ناس غير روح في الملا ومنشأ توهّم اتّحاد الشّهود الأنفسيّ بالتّجلّي الصّوريّ المذكور، هو حصول بقاء شخص في كلا المقامين. فإنّ التّجلّي الصّوريّ ليس بمفن يعني للمتجلّى له وهو وإن رفع قيدا من القيود، ولكنّه لا يوصّل إلى حدّ الفناء ففيه بقيّة من وجود السّالك، والسّير الأنفسيّ إنّما هو بعد الفناء الأتمّ والبقاء الأكمل، فلا جرم يصعب تفرقة ما بين هذين البقاءين لقلّة المعرفة. فيحكمون بالأتّحاد بالضّرورة، فإن علموا أنّ البقاء الثّاني معبّر عندهم بالبقاء بالله وأنّ ذلك الوجود يقال له الوجود الموهوب الحقّانيّ فعسى أن يتخلّصوا من ذلك التّوهّم. (ولا يقال) هنا إنّ البقاء بالله عبارة عن وجدان السّالك نفسه عين الحقّ تعالى وتقدّس فإنّ الأمر ليس كذلك. فإن استفيد هذا المعنى من بعض عبارات القوم. أجيب عن ذلك: أنّ هذا البقاء يتيسّر للبعض في مقام الجذبة بعد الإستهلاك والإضمحلال المتشابه بالفناء. وأكابر النّقشبنديّة يعبّرون عن ذلك بوجود العدم، وهذا قبل حصول الفناء ويتصوّر له الزّوال، بل هو واقع; فإنّه ربّما يؤخذ السّالك عن نفسه ويغيب ثمّ يرجع إلى نفسه أحيانا يعني ترتفع عنه الصّفات البشريّة ثمّ يعطاها ثانيا والبقاء الّذي بعد الفناء الأتمّ مصون عن الزّوال ومحفوظ من الخلل. وفناء أرباب هذا البقاء فناء دائميّ فهم فانون في عين البقاء وباقون في عين الفناء. فإنّ الفناء والبقاء اللّذين يتطرّق PageV01P058 إليهما الزّوال من جملة تلوينات الأوقات والأحوال، ولا كذلك فيما نحن بصدد بيانه. قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه " إنّ وجود العدم يعود إلى وجود البشريّة وأمّا وجود الفناء فلا يعود إلى وجود البشريّة». فلا جرم يكون وقتهم دائميّا وحالهم سرمديّا البتّة بل لا وقت لهم ولا حال, شغلهم مع موقّت الأوقات ومعاملتهم مع محوّل الأحوال، فصار قبول الزّوال مخصوصا بالوقت والحال ومن تخلّص عن الوقت والحال فقد صار ما يعرض له محفوظا من الزّوال ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1). (ولا يزعم) الزّاعم: أنّ إطلاقهم دوام الوقت، وقولهم به إنّما هو باعتبار بقاء أثر ذلك الوقت ودوامه من التّعيّن وغيره. فإنّ الأمر ليس كذلك، بل الدّوام لنفس الوقت والإستمرار لعين الحال إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (2). بل نقول: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (3). (قد طال) الكلام، فلنرجع إلى أصل المرام ونقول: إذا لم يكن في فضاء قدسه تعالى مجال للكلام فلنتكلّم في مقام عبوديّتنا وذلّنا وانكسارنا. إنّ المقصود من الخلقة الإنسانيّة إنّما هو أداء وظائف العبوديّة. ومن أعطى العشق والمحبّة في الوسط والإبتداء فالمقصود منه قطع التّعلّق من غير جناب قدسه جلّ شأنه. وليس العشق والمحبّة من المقاصد بل هو لحصول مقام العبوديّة فإنّ السّالك إنّما يكون عبد الله تعالى إذا تخلّص عن أسر غيره تعالى وعبوديّته بالتّمام، وليس فائدة العشق سوى أن يكون وسيلة الإنقطاع عن غيره سبحانه; ولهذا كانت نهاية مراتب الولاية مقام العبديّة، وليس في درجات الولاية مقام فوق مقام العبديّة ولا يجد السّالك في هذا المقام مناسبة بينه وبين مولاه تعالى إلّا الإحتياج من جانبه والإستغناء الأتمّ ذاتا وصفة من جانب المولى تعالى وتقدّس لا انّه يجد ذاته مناسبا لذاته وصفاته لصفاته وأفعاله لأفعاله عزّ سلطانه ولو بوجه من الوجوه حتّى انّه يتنزّه ويتبرّأ عن إطلاق الظّلّيّة لكونها من جملة المناسبات، بل يعتقد أنّه سبحانه خالقه وهو مخلوق له تعالى ولا يجترئ بغير ذلك بشيء. والتّوحيد الفعليّ الّذي يظهر لجمع في أثناء الطّريق بأن لا يجدوا فاعلا غير الحقّ سبحانه يقول هؤلاء الأكابر ويعتقدون أنّ خالق هذه الأفعال واحد لا أنّ مباشرها واحد، فإنّ هذا الكلام يكاد يوصل قائله إلى الزّندقة. PageV01P059 ولنوضّح ذلك بمثال وهو أنّ العارف بالشّعبذة إذا قعد وراء الحجاب وحرّك بشعبذته صور جمادات متعدّدة وأظهر منها أفعالا عجيبة غريبة فالّذين فيهم حدّة البصر يعرفون أنّ جاعل هذه الأفعال في تلك الصّور هو ذلك الشّخص القاعد وراء الحجاب ولكن مباشر هذه الأفعال هو هذه الصّور. ولهذا يقال: إنّ الصّورة متحرّكة دون أن يقال: إنّ صاحب الشّعبذة متحرّك. وهم محقّون في ذلك الحكم في نفس الأمر، وشرائع الأنبياء ناطقة بذلك، والحكم بوحدة الفاعل من جملة السّكريّات، بل الحقّ الصّريح أنّ الفاعل متعدّد وخالق الأفعال واحد، وهكذا العلوم الّتي بيّنوها في توحيد الوجود مبناها على السّكر وغلبة الحال وعلامة صحّة العلوم اللّدنيّة مطابقتها لصريح العلوم الشّرعيّة فإن جاوزها مقدار شعرة وخالفها في مثقال ذرّة فهو من السّكر والحقّ ما حقّقه العلماء من أهل السّنّة والجماعة وما سوى ذلك يعني ممّا يخالفه إمّا زندقة وإلحاد، أو سكر وقت وغلبة حال مفضية إلى القول بالإتّحاد. وهذه المطابقة على وجه الكمال والتّمام إنّما تتيسّر في مقام العبديّة، وفي ما وراء ذلك يتحقّق فيه نحو من السّكر. (ع) فيا لها قصّة في شرحها طول. * سئل الخواجه بهاء الدّين قدّس سرّه أنّه ما المقصود من السّلوك؟ فقال لتصير المعرفة الإجماليّة تفصيليّة والإستدلاليّة كشفيّة ضروريّة ولم يقل ليحصل معرفة زائدة على معارف شرعيّة وإن حصل في الطّريق أمور زائدة. لكن إذا بلغ الأمر نهايته تكون تلك الأمور هباء منثورا وتصير المعارف الشّرعيّة معلومة على وجه التّفصيل وتخرج من مضيق الإستدلال إلى فضاء إطلاق الكشف. يعني كما أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يأخذ هذه العلوم من الوحي كذلك هؤلاء الأكابر يأخذونها بطريق الإلهام من الأصل. والعلماء بيّنوا هذه العلوم أخذا لها من الدّلائل الشّرعيّة بطريق الإجمال. فكما أنّ هذه العلوم كانت حاصلة للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام تفصيلا، كذلك تكون تلك العلوم حاصلة لهم كشفا على هذا النّهج. والأصالة والتّبعيّة قائمتان في البين، وإنّما ينتخب لمثل هذا القسم من الكمال بعض من كمّل الأولياء بعد قرون متطاولة وأزمنة متباعدة. وقد كان في الخاطر أن أكتب مسألة إجماليّة واستدلاليّة على وجه التّفصيل لكن تمّت الصّحيفة ولم يبق محلّ لكتابتها ولعلّ في ذلك حكمة الحقّ سبحانه وتعالى والسّلام. (31) المكتوب الحادي والثّلاثون في بيان ظهور حقيقة التّوحيد الوجوديّ وقربه تعالى ومعيّته الذّاتيّين ومجاوزة ذلك المقام مع بعض الأسئلة والأجوبة المتعلّقة بهذا المقام أرسله إلى الشّيخ صوفيّ PageV01P060 ثبّتنا الله سبحانه وتعالى على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله وعليهم من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها: قد نقل من كان في مجلسكم الشّريف أنّ شخصا من مريدي الشّيخ ميان نظام الدّين التّانيسرىّ ذكر هذا الفقير وقال إنّه ينكر وحدة الوجود، والتمس ناقل هذا الكلام من هذا الفقير أن أكتب إلى خدّامكم ما هو الحقيقة في هذا الباب لئلّا يقع النّاس من هذا الكلام في سوء الظّنّ فإنّ بعض الظّنّ إثم. فتجرّأت على تصديعكم بكلمات إجابة لمسئوله (أيّها المخدوم المكرّم): إنّ معتقد الفقير من الصّغر كان مشرب أهل التّوحيد يعني توحيد الوجود وكان والد الفقير قدّس سرّه في ذلك المشرب بحسب الظّاهر وكان مشغولا بهذا الطّريق على سبيل الدّوام مع وجود حصول التّوجّه التّامّ بحسب الباطن إلى جانب المرتبة اللّاكيفيّة. وبحكم " ابن الفقيه نصف الفقه " كان للفقير أيضا حظّ وافر من هذا المشرب بحسب العلم وحصلت لي منه لذّة عظيمة إلى أن أوصلني الله بمحض كرمه إلى جناب حضرة معدن الإرشاد مظهر الحقائق والمعارف مؤيّد الدّين الرّضيّ شيخنا ومولانا وقبلتنا محمّد الباقي قدّسنا الله تعالى بسرّه. فعلّم الفقير الطّريقة النّقشبنديّة وبذل التّوجّه البليغ في حقّ هذا المسكين، فانكشف التّوحيد الوجوديّ في مدّة يسيرة بعد ممارسة هذه الطّريقة العليّة، وعرض لي غلوّ في هذا الكشف، وظهر شيء وافر من علوم هذا المقام ومعارفه ولم تبق دقيقة من دقائق هذه المرتبة غير منكشفة، ولاحت دقائق علوم الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ ومعارفه، وشرّفت بالتّجلّي الذّاتيّ الّذي بيّنه صاحب الفصوص (1) واعتقد أنّه نهاية العروج، وقال في حقّه: «وما بعد هذا إلّا العدم المحض " وحصل لي علوم ذلك التّجلّي ومعارفه الّتي قال الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ انّها مخصوصة بخاتم الولاية بالتّفصيل، وبلغ سكر الوقت وغلبة الحال في هذا التّوحيد حدّا كتبت إلى حضرة الخواجه يعني شيخه في بعض العرائض هذين البيتين المملوّين بألفاظ السّكر، (شعر): أى دريغا كاين شريعت ملت أعماءيست ... ملت ما كافرى وآلة ترساءيست PageV01P061 كفر إيمان زلف وروى آن ?رى زيبايست ... كفر وإيمان هر دو اندر راه ما يكتأيست (يعني) الا انّ هذا الشّرع ملّة من عمي ... وملّتنا كفر وملّة جاحد ذوائب من أهواه كفر ووجه ... انقيادهما عندي على حدّ واحد وامتدّ هذا الحال إلى مدّة مديدة وانجرّ الأمر من الشّهور إلى سنين عديدة ثمّ برزت عناية الحقّ سبحانه الّتي لا غاية لها من كوّة الغيب وجاءت إلى عرصة الظّهور وانسدل نقاب اللّاكيفيّ واللّاكيفيّة على وجه المطلوب المذكور وتوجّهت العلوم السّابقة الّتي كانت منبئة عن الإتّحاد ووحدة الوجود نحو الزّوال والفتور واستترت الإحاطة والسّريان والقرب والمعيّة الذّاتيّات الّتي كانت منكشفة في ذلك المقام المسطور وصار معلوما بيقين يقين أنّ هذه النّسب المذكورة ليست بثابتة للصّانع جلّ شأنه مع العالم بل إحاطته وقربه تعالى بحسب العلم كما هو مقرّر عند أهل الحقّ شكر الله سعيهم وهو تعالى ليس بمتّحد بشيء من الأشياء. هو هو تعالى وتقدّس والعالم عالم، وهو تعالى منزّه عن الكيف والكيفيّات والعالم متّسم بميسم الكيف من الفرق إلى القدم. ولا يمكن أن يقال: إنّ المنزّه عن الكيف عين المكيّف بالكيف وانّ الواجب عين الممكن ولا يكون القديم عين الحادث وممتنع العدم عين جائز العدم أصلا. فإنّ انقلاب الحقائق محال عقلا وشرعا وصحّة حمل أحدهما على الآخر مفقودة لكونه ممتنعا أصلا ورأسا. والعجب من الشّيخ محيي الدّين وتابعيه حيث يقولون لذات الواجب مجهولة مطلقة، وإنّها ليست بمحكومة بحكم من الأحكام قطعا. ومع ذلك يثبتون الإحاطة والقرب والمعيّة الذّاتيّات وما هذا إلّا حكم على الذّات تعالت وتقدّست فالصّواب ما قاله العلماء من القرب والإحاطة العلميّين. وكان للفقير اضطراب تامّ وقت حصول العلوم والمعارف المنافية لمشرب التّوحيد الوجوديّ لظنّي بأن ليس وراء هذا التّوحيد أمر آخر عال وكنت أدعو الله سبحانه وتعالى بالتّضرّع والإنكسار أن لا يزيل الله سبحانه عنّي هذه المعرفة يعني معرفة التّوحيد الوجوديّ إلى أن ارتفعت الحجب عن وجه الأمر بالتّمام وانكشف حقيقة الحال وجليّة المرام كما يقتضيه المقام، وصار معلوما أنّ العالم وإن كان مرايا للكمالات الصّفاتيّة ومجالى للظّهورات الأسمائيّة، ولكنّ المظهر ليس عين الظّاهر والظّلّ ليس نفس الأصل كما هو مذهب أهل التّوحيد الوجوديّ. (ولنوضّح) هذا المبحث بمثال: وهو أنّ عالما ذا فنون أراد أن يخرج كمالاته المتنوّعة إلى عرصة الظّهور وأن يورد خفاياها المستحسنة في معرض الإيضاح لأهل الشّعور فأوجد الحروف والأصوات يعني بالتّكلّم وأظهر كمالاته المخفيّة في مرايا تلك الحروف والأصوات. ففي هذه الصّورة لا يقال: إنّ هذه الحروف والأصوات الّتي كانت مجالى ومرايا لتلك الكمالات أنّها عين تلك الكمالات أو محيطة بتلك الكمالات بالذّات أو قريبة منها كذلك بالذّات أو لها معيّة بها كذلك بل بينهما نسبة الدّالّيّة والمدلوليّة PageV01P062 فقط، وليس لتلك الحروف والأصوات نصيب ووظيفة سوى الدّلالة على تلك الكمالات، وأمّا تلك الكمالات فعلى صرافة إطلاقها. وتلك النّسبة الّتي ظهرت إنّما هي في الأوهام والخيالات وإلّا فلا شيء منها ثابت في الحقيقة، ولكن لمّا تحقّقت بين تلك الكمالات والحروف والأصوات مناسبة الظّاهريّة والمظهريّة والدّالّيّة والمدلوليّة صارت هذه المناسبة باعثة على توهّم حصول تلك النّسب الوهميّة للبعض بواسطة بعض العوارض، وإلّا فتلك الكمالات معرّاة ومبرّأة عن جميع النّسب في نفس الأمر، وفيما نحن فيه لا شيء سوى علاقة الدّالّيّة والمدلوليّة والظّاهريّة والمظهريّة أيضا فإنّ العالم علم لصانعه تعالى وتقدّس ومظهر لظهور كمالاته الأسمائيّة والصّفاتيّة. وهذه العلاقة ربّما تكون باعثة على إثبات بعض الأحكام الوهميّة بالنّسبة إلى البعض بواسطة بعض العوارض. (وقد يورد) البعض إلى هذا المورد يعني مورد إثبات هذه الأحكام كثرة مراقبة التّوحيد والأحديّة لإنتقاش صورة تلك المراقبات في القوّة المتخيّلة. ويورث البعض نحوا من ذوق هذه الأحكام ممارسة علم التّوحيد وتكراره وهذان القسمان من التّوحيد يعني الوجوديّ معلولان وداخلان في دائرة العلم لا مساس لهما بالحال. ويكون منشأ توهّم هذه الأحكام في البعض الآخر غلبة المحبّة; فإنّه كثيرا ما يستتر عن نظر المحبّ غير محبوبه بواسطة استيلاء حبّ محبوبه عليه فلا يرى غير محبوبه لا إنّه ليس في نفس الأمر غير محبوبه فإنّه مخالف لحكم الحسّ والعقل والشّرع، وتصير هذه المحبّة أحيانا باعثة على الحكم بالإحاطة والقرب الذّاتيّين، (وهذا القسم) من التّوحيد أعلى من القسمين السّابقين وداخل في دائرة الحال وإن لم يكن مطابقا لنفس الأمر وموافقا للشّريعة وتطبيقه على الشّريعة، ونفس الأمر تكلّف محض مثل التّكلّفات الفلسفيّة الباردة، حيث انّ إسلاميّهم يريدون تطبيق أصولهم الفاسدة على قوانين الشّريعة، وكتاب " إخوان الصّفا " وغيره من هذا القبيل. غاية ما في الباب أنّ للخطأ الكشفيّ حكم الخطأ الإجتهاديّ في ارتفاع الملام والعتاب عن صاحبه، بل تتحقّق فيه درجة من درجات الصّواب وإنّما التّفاوت بينهما أنّ لمقلّدي المجتهد حكم المجتهد ولهم درجة من درجات الصّواب على تقدير الخطأ بخلاف مقلّدي أهل الكشف فإنّهم ليسوا بمعذورين، بل هم محرومون عن نيل درجة الصّواب على تقدير الخطأ، فإنّ كلّا من الإلهام والكشف ليس بحجّة للغير، وقول المجتهد حجّة للغير، فتقليد الأوّل لا يجوز على تقدير احتمال الخطأ وتقليد الثّاني جائز على تقدير احتمال الخطأ أيضا بل واجب. PageV01P063 (وشهود) بعض السّالكين الّذي هو في مرايا التّعيّنات الكونيّة أيضا من قبيل الأحكام السّابقة ويسمّون هذا الشّهود شهود الوحدة وشهود الأحديّة في الكثرة فإنّ (1) الواجب تعالى وتقدّس منزّه عن الكيف والكيفيّات لا تسعه مرايا المكيّف أصلا ولا مجالى المنكمّ قطعا لا يحصل اللّامكانيّ في المكان ينبغي أن يطلب المنزّه عن الكيف في خارج دائرة المكيّف، وأن يبتغي اللّامكانيّ فيما وراء المكان. وكلّما يشاهده في الآفاق والأنفس فهو من آياته سبحانه وتعالى وتقدّس. قال قطب دائرة الولاية يعني حضرة الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس الله تعالى سرّه: كلّما كان مشهودا أو مسموعا أو معلوما فهو غيره تعالى ينبغي نفيه في الحقيقة بكلمة لا، (شعر): در تنكناى صورت معنى كونه ?كنجد ... در كلبهء كدايان سلطان ?ه كار دارد صورت ?رست غافل معنى جه داند آخر ... كويا جمال جانان ?نهان جه كار دارد فإن قيل: قد وقع في عبارات كثير من مشائخ النّقشبنديّة وغيرهم صريحا وحدة الوجود والقرب الذّاتيّ والمعيّة الذّاتيّة وشهود الوحدة والأحديّة في الكثرة. أجيب: انّ تلك الأحوال إنّما حصلت لهم في توسّط الأحوال، ثمّ ترقّوا بعد ذلك عن ذلك المقام، كما كتب هذا الفقير عن أحواله فيما تقدّم. (وجواب آخر) أنّ جمعا من السّالكين مع وجود التّوجّه التّامّ فيهم إلى جانب الأحديّة الصّرفة بباطنهم تتشرّف ظواهرهم الّتي هي مشاهدة للكثرة بتلك الأحكام والشّهود فهم بحسب الباطن متوجّهون إلى الأحديّة وفي الظّاهر مشاهدون للمطلوب في الكثرة، كما أخبرت عن حال والدي في أوائل هذا المكتوب. وتفصيل تحقيق هذا الجواب مسطور في الرّسالة المؤلّفة في تحقيق مراتب وحدة الوجود، ولا يتحمّل هذا المقام زيادة على ذلك. (لا يقال): إذا كان في نفس الأمر وجودات متعدّدة ولم يكن قرب ذاتيّ وإحاطة ذاتيّة ولم يكن شهود الوحدة في الكثرة مطابقا للواقع يكون حكم هؤلاء الأكابر كاذبا; لكونه غير مطابق للواقع ونفس الأمر (لأنّا نقول): إنّ هؤلاء الأكابر إنّما حكموا على مقدار شهودهم مثل من يحكم برؤية صورة زيد في المرآة، وهذا الحكم مع كونه غير مطابق للواقع فإنّه لم ير في المرآة صورة زيد أصلا لأنّه لا صورة في المرآة قطعا حتّى ترى، لا يقال لهذا الشّخص في العرف إنّه كاذب فيه، وإن لم يكن مطابقا لنفس الأمر فهو معذور في هذا الحكم، وعلامة الكذب مرتفعة عنه كما مرّ سابقا. والمقصود من إظهار الأحوال اللّازمة الإخفاء والسّتر هو الإيذان والإعلام بأنّه لو كان منّا قبول وحدة الوجود فهو من طريق الكشف لا على وجه التّقليد، وإن وجد منّا إنكار فهو أيضا من الإلهام. فلا مجال إذا للإنكار يعني على هذا الإنكار وإن لم يكن الإلهام حجّة على الغير. PageV01P064 (وجواب) آخر لدفع شبهة الكذب: انّ لأفراد العالم اشتراكا مع بعضهم في بعض الأمور وامتيازا في بعض آخر، وهكذا اشتراك الممكن مع الواجب تعالى وتقدّس في بعض الأمور العرفيّة يعني في مجرّد الإسم والصّورة وإن كانا ممتازين بالذّات امتيازا كلّيّا، فربّما يختفي ما به الإمتياز عن نظر السّالك على تقدير غلبة المحبّة عليه، ويظهر ما به الإشتراك لنظره فعلى هذه الصّورة لو حكموا بعينيّة أحدهما بالآخر لكان مطابقا للواقع، فلا يبقى مجال للكذب أصلا. فينبغي أن يقيس الإحاطة الذّاتيّة ونظائرها على ذلك والسّلام. (32) المكتوب الثّاني والثّلاثون أرسل إلى المرزا حسام الدّين أحمد في بيان الكمال المخصوص بالأصحاب الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وأنّه قد تشرّف به قليل من الأولياء وما يناسب ذلك قد ورد مكتوبكم المرسل على وجه الإلتفات. لله سبحانه الحمد والمنّة على ما لم يصر المهجورون منسيّين بل ذكروا مع المذكورين ولو استطراديّا (ع) دعونا نسلّي بالأمانيّ قلوبنا * قد اندرج في كتابكم الشّكاية من فقدان نسبة حضرة شيخنا عليه الرّحمة الخاصّة به وعدم وجدانها والإستفسار عن سببه. أيّها المخدوم: إنّ شرح أمثال هذه الكلمات بطريق التّحرير بل بالتّقرير غير مناسب فإنّه لا يدرى ماذا يحصل في فهم إنسان، وماذا يأخذ منه بل اللّازم الحضور بشرط حسن الظّنّ أو طول الصّحبة على أيّ نهج كان وبدونه خرط القتاد، (شعر): أريد صفو ليال مع ضيا قمر ... حتّى أحدّث أنواع الحكايات ولكن بحكم: لكلّ سؤال جواب أظهر هذا القدر أنّ لكلّ مقام علوما ومعارف على حدة وأحوالا ومواجيد متمايزة ففي مقام يناسب الذّكر والتّوجّه وفي مقام يناسب تلاوة القرآن والصّلاة ومقام مخصوص بالجذبة ومقام بالسّلوك ومقام ممتزج بهاتين الدّولتين ومقام خال عن جهتي الجذبة والسّلوك بحيث لا مساس له بالجذبة ولا تعلّق له بالسّلوك وهذا المقام عال جدّا وأصحاب النّبيّ عليه وعلى آله وعليهم من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها ممتازون بهذا المقام ومشرّفون بهذه الدّولة العظمى من بين الأنام ولصاحب هذا المقام امتياز تامّ عن أرباب المقامات الأخر والمشابهة بين أرباب هذا المقام قليلة بخلاف أرباب مقامات أخر فإنّ لهم مشابهة بعضهم ببعض ولو بوجه دون وجه وهذه النّسبة تظهر بعد الصّحابة رضوان الله عليهم أجمعين في المهديّ عليه السّلام على الوجه الأتمّ إن شاء الله تعالى وقلّ من أخبر عن هذا المقام من مشائخ الطّبقات فكيف التّكلّم من علومه ومعارفه ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ PageV01P065 يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) غاية ما في الباب أنّ هذه النّسبة العزيزة الوجود كانت تظهر في الصّحابة في أوّل القدم، ثمّ تبلغ مرتبة الكمال بمرور الزّمان، وأمّا غير الصّحابة فإن أريد تشريفه بهذه الدّولة وترتّبه على قدم نسبة الصّحابة إنّما يستسعد بها بعد قطع منازل الجذبة ومراتب السّلوك وطيّ علوم هذين المقامين ومعارفهما. وظهور هذه النّسبة الشّريفة في الإبتداء كان مخصوصا ببركة صحبة سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّحيّات والبركات والتّسليمات ولكن يمكن أن يتشرّف بهذه البركة بعض متابعيه صلّى الله عليه وسلّم فتكون صحبته أيضا سببا لظهور هذه النّسبة العليّة في الإبتداء يعني في ابتداء الحال قبل قطع منازل الجذبة والسّلوك، (شعر): لو كان من فيض روح القدس من مدد ... لغير عيسى ليصنع مثل ما صنعا وفي هذا الوقت يتحقّق في هذه النّسبة اندراج النّهاية في البداية أيضا كما هو متحقّق في صورة تقدّم الجذبة على السّلوك ولا مساعدة للزّيادة على هذا، (شعر): ومن بعد هذا ما يدقّ بيانه ... وما كتمه أحظى لديّ وأجمل (فإن وقعت) الملاقاة بعد ذلك وأحسّت مظنّة حسن الإستماع من جانب المستمعين، ترد نبذة من هذا المقام في معرض الظّهور إن شاء الله تعالى وهو سبحانه الموفّق. (وقد حرّرتم) كلمات في حقّ بعض الأصحاب فالفقير قد عفوت زلّاتهم يغفر الله لهم وهو أرحم الرّاحمين. ولكن ينبغي نصيحة الأصحاب لئلّا يكونوا في مقام الإيذاء في الحضور والغيبة ولا يغيّروا أوضاعهم: إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وإِذا أَرادَ الله بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (2). وكتبتم في حقّ الشّيخ الهداد خصوصا لا مضايقة في حقّ الفقير أصلا، ولكنّ النّدامة على تغيّر الوضع لازمة للمشار إليه: «النّدم توبة والإستشفاع فرع النّدامة» (3). والفقير على كلّ حال في مقام العفو والتّجاوز من قبل نفسه وجانبه، وأمّا الجانب الآخر فهو أعلم بذلك وما يلزم فيما هنالك. (وأيضا) ينبغي لكم أن تتصوّروا سرهند منزل أنفسكم فإنّ علاقة المحبّة ونسبة أخوّة الطّريقة ليست ممّا ينقطع بسبب أمور عارضيّة. وماذا أزيد على ذلك. ونخصّ المخاديم وسائر أهل البيت بالدّعاء وبعد تسويد هذه الرّقيمة وقع في الخاطر أن أكتب في باب زلّات الإخوان والعفو عنهم كلاما أوضح من الأوّل فإنّ في الإجمال إبهاما. وماذا يفهم منه. PageV01P066 (فاعلم) أيّها المخدوم: انّ العفو إنّما يتصوّر ويطلب على تقدير اعتراف هؤلاء الجماعة بسوء تلك الأوضاع والنّدامة على فعلها، وإلّا فلا مساغ للعفو. وكتبتم أيضا أنّ حضرة شيخنا فوّض هذا المقام إلى الشّيخ الهداد بشهادة هؤلاء الجماعة، وهذا الكلام يستدعي بيانا. فإن كان التّفويض بمعنى أنّه يخدم الفقراء والواردين والصّادرين ويكون مستخبرا عمّا يحتاجون إليه من الأكل والشّرب، فذلك مسلّم لا نزاع فيه لأحد. وإن كان بمعنى أنّه يربّي جماعة من الطّالبين ويجلس في مقام المشيخة فممنوع. فإنّ حضرة شيخنا قال للفقير في آخر ملاقاتنا: ما تقول في الشّيخ الهداد لو علّم بعض الطّالبين المشغوليّة من جانبنا وبلّغ أحوال بعضهم إلينا فإنّه لا طاقة لي الآن بإحضارهم وتعليم المشغوليّة والسّؤال عن أحوالهم. فكان الفقير متوقّفا في هذا الباب أيضا، ولكن لمّا اقتضت الضّرورة ذلك جوّزت هذا القدر فيما هنالك، ولا شكّ في أنّ هذا القسم من التّبليغ من جنس السّفارة المحضة خصوصا إذا كانت مبنيّة على الضّرورة، والضّرورة تقدّر بقدرها، فتكون تلك السّفارة مخصوصة بزمن حياة شيخنا ويكون تعليم المشغوليّة للطّالبين وسؤال أحوالهم بعد ارتحاله داخلا في الخيانة. (وكتبتم) أيضا: أنّ نسبة حضرة شيخنا تكون باقية البتّة يعني لا تقبل الزّيادة والنّقصان بمرور الدّهور والأزمان. (اعلم) أيّها المخدوم أنّ تكميل الصّناعة إنّما يكون بتلاحق الأفكار. ألا ترى أنّ علم النّحو الّذي وضعه سيبويه (1) زادته أفكار المتأخّرين عشرة أمثالها. فإنّ بقاء الشّيء على صرافته عين النّقص. فإنّ النّسبة الّتي كانت لخواجه النّقشبند ما كانت في زمن الخواجه عبد الخالق الغجدوانىّ قدّس سرّهما وعلى هذا القياس يعني «سائر الأحوال " وعلى الخصوص كان حضرة شيخنا في صدد تكميل هذه النّسبة وكان غير قائل بتماميّتها فإن وفته حياته زادها بإرادة الله تعالى إلى ما شاء الله سبحانه. فالسّعي في عدم زيادتها ليس بمناسب وهذا الفقير ما يدري على أيّ وجه يكون بقاؤها فإنّ لك نسبة على حدة لا مساس لها بنسبة الآخرين، وكان هذا الكلام مشخّصا يعني معيّنا في حضوره مكرّرا، والشّيخ الهداد المسكين من أين يعرف أنّ النّسبة ما هي وإنّما له نحو من حضور القلب. ومعلوم للآخرين أنّ الحالة ما هي، ومن قيّم تلك النّسبة ومربّيها أخبروني عنه حتّى أكون ممدّا ومعاونا له. ولا ينبغي اعتبار الواقعة والإعتماد عليها فإنّها خياليّة غير صادقة. والشّيطان عدوّ قويّ والأمن من تسويلاته متعسّر إلّا لمن عصمه الله تعالى. (وكتبتم) أيضا في حقّ سلب النّسبة المكتسبة فاعلم أيّها PageV01P067 المخدوم أنّ ذلك السّلب لا يكون إلّا بالإختيار كما ذكر في الحضور. والآن هذا السّلب بحالة ومن الخيال تصوّر زواله. والصّوت المسموع من القلب لا تعلّق له بتلك الحالة، ألا ترى أنّ الرّماد الّذي زالت عنه النّار وصار باردا يصدر عنه صوت بعد صبّ الماء فيه، ولا يقال إنّ النّار مكنونة فيه بعد، ولا اعتبار للوقائع فإن كان هذا الكلام مخفيّا اليوم يظهر صدقه غدا إن شاء الله تعالى. ولمّا كان كتابكم مشتملا على المبالغة صدر في جوابه كلمات وإلّا لا يتيسّر الكلام بلا داع. (33) المكتوب الثّالث والثّلاثون صدر إلى الحاجّ الملّا محمّد اللّاهوريّ في بيان مذمّة علماء السّوء الّذين هم في أسر محبّة الدّنيا ومدح العلماء الزّهّاد الّذين يرغبون عن الدّنيا إنّ محبّة الدّنيا من العلماء ورغبتهم فيها كلف على وجه جمالهم وإن كان يحصل منهم فوائد للخلائق لكن لا يكون علمهم نافعا في حقّهم. وإن كان تأييد الشّريعة وتقوية الملّة مرتّبا عليهم لكن لا اعتبار على ذلك، فإنّ التّأييد والتّقوية يحصل من أهل الفجور وأرباب الفتور أحيانا كما أخبر (1) سيّد الأنبياء عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات عن تأييد الفاجر حيث قال: «إنّ الله ليؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر» (2) وهم كحجر الفارس حيث انّ كلّما يلصق به من الشّيء الأملس والحديد يكون ذهبا وهو باق على حجريّته وكالنّار المودعة في الحجر والشّجر فإنّه يحصل منها منافع للعالم ولكن لا نصيب للحجر والشّجر من تلك النّار المودعة في باطنهما بل أقول إنّ ذلك العلم مضرّ في حقّهم لأنّه به تمّت الحجّة PageV01P068 عليهم كما قال النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام «إنّ (1) أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه» (2) فكيف لا يكون مضرّا فإنّ العلم الّذي هو أعزّ الأشياء عند الله تعالى وأشرف الموجودات جعلوه وسيلة لجمع حطام الدّنيا الدّنيّة من المال والجاه والأحباب، والحال أنّ الدّنيا ذليلة عند الله تعالى وحقيرة وأبغض المخلوقات عند الله وإذلال ما هو عزيز عند الله وإعزاز ما هو ذليل عنده في غاية القباحة، بل هو معارضة مع الحقّ سبحانه في الحقيقة. والتّدريس والإفتاء إنّما يكونان نافعين إذا كانا خالصين لوجه الله تعالى وخاليين من شائبة حبّ الجاه والرّياسة وطمع حصول المال والرّفعة. وعلامة خلوّهما عن تلك المذكورات الزّهد في الدّنيا وعدم الرّغبة فيها. فالعلماء الّذين هم مبتلون بهذا البلاء ومأسورون في أسر محبّة الدّنيا فهم من علماء الدّنيا وهم علماء السّوء وشرار النّاس ولصوص الدّين، والحال أنّهم يعتقدون أنفسهم مقتدى بهم في الدّين وأفضل الخلائق أجمعين ويحسبون أنّهم على شيء إلّا أنّهم هم الكاذبون اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ الله أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (3) رأى واحد من الاكابر الشّيطان قاعدا فارغ البال عن الإغواء والإضلال. فسأله عن سرّ قعوده بفراغ البال. فقال اللّعين: إنّ علماء السّوء في هذا الوقت قد أمدّوني في أمري مددا عظيما وتكفّلوا لي بالإضلال حتّى جعلوني فارغ البال والحقّ أنّ كلّ ضعف ووهن وقع في أمور الشّريعة في هذا الزّمان وكلّ فتور ظهر في ترويج الملّة وتقوية الدّين إنّما هو من شؤم علماء السّوء وفساد نيّاتهم. نعم إن كان العلماء راغبين عن الدّنيا ومحرّرين من أسر حبّ الجاه والرّياسة وطمع المال والرّفعة فهم من علماء الآخرة وورثة الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات وهم أفضل الخلائق وهم الّذين يوزن (4) مدادهم يوم القيامة بدم الشّهداء في PageV01P069 سبيل الله فيترجّح مدادهم» (1). «ونوم العالم عبادة» (2) متحقّق في حقّهم وهم الّذين استحسن في نظرهم جمال الآخرة ونضارتها وظهرت قباحة الدّنيا وشناعتها، فنظروا إلى الآخرة بنظر البقاء ورأوا الدّنيا متّسمة بسمة الزّوال والفناء; فلا جرم هربوا من الفاني وأقبلوا على الباقي. وشهود عظمة الآخرة إنّما هو ثمرة شهود الجلال اليزاليّ، وإذلال الدّنيا وتحقير ما فيها من لوازم شهود عظمة الآخرة; لأنّ (3) الدّنيا والآخرة ضرّتان إن رضيت إحداهما سخطت الأخرى. فإن كانت الدّنيا عزيزة فالآخرة حقيرة وإن كانت الدّنيا حقيرة فالآخرة عزيزة، وجمع هذين الأمرين من قبيل جمع الأضداد (ع) ما أحسن الدّين والدّنيا لو اجتمعا * نعم قد اختار جمع من المشائخ الّذين تخلّصوا عن أسر نفوسهم ومقتضيات طبائعهم بالكلّيّة صورة أهل الدّنيا بواسطة نيّات حقّانيّة تراهم في الظّاهر راغبين فيها ولكن لا علاقة لهم بها في الحقيقة أصلا، بل هم فارغون عن الكلّ ومتخلّصون عن الجميع رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله (4) فلا يمنعهم البيع والشّراء عن ذكر الله، فهم في عين التّعلّق بهذه الأمور غير متعلّقين بشيء. قال PageV01P070 الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه " رأيت في سوق منى تاجرا اتّجر بمقدار خمسين ألف دينار تقريبا ولم يغفل قلبه عن الحقّ سبحانه لحظة». (34) المكتوب الرّابع والثّلاثون أرسل إلى الحاجّ محمّد اللّاهوريّ أيضا في بيان الجواهر الخمسة الأمريّة بطريق البسط والتّفصيل مهما أمكن اعلم: أنّ نقد سعادة الدّارين مربوط باتّباع سيّد الكونين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها. ولمّا لم تكن عين بصيرة الفلسفيّ مكحّلة بكحل متابعة صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة صارت في عماية عن حقيقة عالم الأمر، فضلا عن أن يكون له شعور عن مرتبة الوجوب تعالى وتقدّس ونظره القاصر مقصور على عالم الخلق وليس بتامّ فيه أيضا. وما أثبتوه من الجواهر الخمسة كلّها في عالم الخلق. ومن جهالتهم عدّوا العقل والنّفس من المجرّدات فإنّ النّفس النّاطقة هي النّفس الأمّارة المحتاجة إلى التّزكية وهمّتها بالذّات في السّفالة والدّناءة، فما المناسبة بينها وبين عالم الأمر، وأيّ نسبة له بالتّجرّد، والعقل لا يدرك من المعقولات إلّا الأمور الّتي لها مناسبة بالمحسوسات بل لا يدرك إلّا ما له حكم المحسوسات وأمّا الأمور الّتي لا مناسبة لها بالمحسوسات وليس لها شبه ومثال في المشاهدات، فلا سبيل لإدراك العقل إليها ولا يفتح بمفتاح العقل مغلقاتها. ولهذا كان نظره قاصرا في أحكام اللّاكيفيّ وضالّا محضا عن الطّريق في إدراك الغيب وذلك علامة كونه من عالم الخلق. وميل عالم الأمر إلى اللّاكيفيّ وتوجّهه إلى ما تنزّه عن الكيفيّة وابتداء عالم الأمر من مرتبة القلب وفوق القلب الرّوح وفوق الرّوح السّرّ وفوق السّرّ الخفيّ وفوق الخفيّ الأخفى. فإن قيل: لهذه الخمسة الأمريّة جواهر خمسة فله وجه. ومن قصور نظرهم التقطوا عدّة من قطعات الخذف وظنّوها جواهر. وإدراك هذه الجواهر الخمسة الأمريّة والاطّلاع على حقائقها إنّما هو نصيب كمّل تابعي النّبيّ صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم ولمّا كان ما في العالم الصّغير الّذي هو الإنسان أنموذجا ممّا في العالم الكبير، كان أصول هذه الجواهر الخمسة أيضا في العالم الكبير، فالعرش المجيد مبدأ هذه الجواهر في العالم الكبير كالقلب في العالم الصّغير، وبهذه المناسبة يقال للقلب عرش الله تعالى أيضا. والمراتب الباقية من جواهر العالم الكبير الخمسة فوق العرش، والعرش برزخ بين عالم الخلق وعالم الأمر في العالم الكبير بمثابة قلب الإنسان حيث انّه برزخ بين عالم الخلق وعالم الأمر في العالم الصّغير. والقلب والعرش وإن كانا ظاهرين في عالم الخلق لكنّهما من عالم الأمر ولهما نصيب من اللّاكيفيّ واللّاكمّيّ. والإطّلاع على حقيقة هذه الجواهر الخمسة مسلّم لكمّل أفراد أولياء الله الّذين أتمّوا مراتب السّلوك بالتّفصيل وبلغوا نهاية النّهايات. شعر: PageV01P071 هر كداى مرد ميدان كى شود ... ?شهء آخر سليمان كى شود ترجمة هل كلّ من خلت رجلا رجل معركة ... أو كلّ من صار ذا ملك سليمان فإن نفتح نظر بصيرة صاحب دولة بتفصيل مرتبة الوجوب على حسب الإمكان بمحض فضل الحقّ سبحانه وتعالى يطالع أصول هذه الجواهر أيضا في ذلك الموطن وتصير هذه الجواهر الصّغيريّة والكبيريّة في علمه كالظّلال لتلك الجواهر الحقيقيّة (ع) وهذى سعادات تكون نصيب من * ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) والمنع من إظهار حقائق عالم الأمر إنّما هو بسبب دقّة تلك المعاني المكنونة، وماذا يدرك منها قاصروا النّظر، والرّاسخون المشرّفون بشرف خطاب وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّا قَلِيلًا (2) لهم اطّلاع على ما هنالك (ع) هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها، (شعر): وليس في بثّي الأسرار مصلحة ... وإن ظهرن لنا كالشّمس في فلك والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى (3) والتزم متابعة المصطفى عليه وعليهم من الصّلوات والتّسليمات أتمّها وأدومها (وأيضا) قد وقع في الخاطر أن أحرّر نبذة من بيان الجواهر المقدّسة العليا. ينبغي أن يعلم أنّ ابتداء تلك الجواهر من الصّفات الاضافيّة الّتي هي كالبرزخ بين الوجوب والإمكان وفوقها صفات حقيقيّة، وللرّوح نصيب من تجلّياتها وللقلب تعلّق بالصّفات الإضافيّة وهو مشرّف بتجلّياتها. وبقيّة الجواهر العليا الّتي فوق الصّفات الحقيقيّة داخلة في دائرة حضرة الذّات تعالت وتقدّست، ولهذا يقال لتجلّيات هذه المراتب الثّلاثة تجلّيات ذاتيّة. ولا مصلحة في التّكلّم وراء ذلك (ع) بلغ اليراع إلى هنا فتكسّرا * (35) المكتوب الخامس والثّلاثون في بيان المحبّة الذّاتيّة الّتي يستوي في هذا المقام الإنعام والإيلام كتبه إلى الحاجّ ميان محمّد اللّاهوريّ أيضا نجّانا الله سبحانه وإيّاكم عن زيغ البصر بحرمة سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. (اعلم) أنّ المقصود من السّير والسّلوك تزكية النّفس الأمّارة وتطهيرها حتّى يتيسّر النّجاة من عبادة الآلهة PageV01P072 الباطلة النّاشئة عن الهوى النّفسانيّ ولا تبقى قبلة التّوجّه في الحقيقة غير المعبود الواحد الحقيقيّ تعالى وتقدّس، ولا يختار عليه مقصد ما أصلا سواء كان من المقاصد الدّينيّة أو من المطالب الدّنياويّة. والمقاصد الدّينيّة وإن كانت من الحسنات ولكنّها من شغل الأبرار، والمقرّبون يرونها سيّئة ولا يعدّون سوى الواحد من المقاصد. وحصول هذه الدّولة منوط بحصول الفناء وتحقّق المحبّة الذّاتيّة الّتي يستوي في ذلك المقام الإنعام والإيلام، ويحصل من الإلتذاذ من التّعذيب مثل ما يحصل من التّنعيم، فإن أرادوا الجنّة إنّما يريدونها لكونها محلّ رضائه تعالى وتقدّس وفي طلبها مرضاه سبحانه، وإن استعاذوا من النّار إنّما يستعيذون منها لكونها محلّ سخطه تعالى، لا أنّ مقصودهم من الجنّة استيفاء الحظوظ النّفسانيّة ولا فرارهم من النّار لخوف الألم والأذيّة. فإنّ كلّما يحصل من المحبوب فهو عند هؤلاء الأكابر محبوب ومرغوب وعين المطلوب، فإنّ كلّما يفعله المحبوب محبوب وههنا تتيسّر حقيقة الإخلاص ويحصل الخلاص من عبادة الآلهة الباطلة وتصحّ كلمة التّوحيد في هذا الوقت وبدونه خرط القتاد. والأمر من غير حصول المحبّة الذّاتيّة الحاصلة بلا ملاحظة الأسماء والصّفات وبلا توسّط إنعام المحبوب وإكرامه لا يخلو من الخلل، والفناء المطلق لا يحصل بدون هذه المحبّة المحرقة المبطلة للشّركة، (شعر): ما العشق إلّا شعلة قد أحرقت ... كلّ الورى غير الحبيب الباقي قد هزّ في قتل السّوى صمصام لا ... فانظر إلى ما بعد لا ما الباقي بشراك يا صاح قد احترق الورى ... لم يبق غير الهنا الخلّاق (36) المكتوب السّادس والثّلاثون في بيان أنّ الشّريعة متكفّلة بجميع السّعادات الدّينيّة والدّنيويّة والطّريقة والحقيقة خادمتان للشّريعة وما يناسب ذلك إلى الحاجّ محمّد اللّاهوريّ حقّقنا الله سبحانه وإيّاكم بحقيقة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة ويرحم الله عبدا قال آمينا. (اعلم): أنّ للشّريعة ثلاثة أجزاء: العلم والعمل والإخلاص. وما لم يتحقّق كلّ من هذه الأجزاء الثّلاثة لا تتحقّق الشّريعة، ومتى تحقّقت الشّريعة فقد تحقّق رضا الحقّ سبحانه وتعالى الّذي هو فوق جميع السّعادات الدّنيويّة والأخرويّة ورضوان من الله أكبر، فكانت الشّريعة متكفّلة بجميع السّعادات الدّنيويّة والأخرويّة، ولم يبق مطلب يقع فيه الإحتياج إلى ما وراء الشّريعة. (والطّريقة) والحقيقة اللّتان امتازت بهما الصّوفيّة خادمتان للشّريعة في تكميل جزئها الثّالث الّذي هو الإخلاص فالمقصود من تحصيل كلّ منهما تكميل الشّريعة لا أمر آخر وراء الشّريعة. والأحوال والمواجيد والعلوم والمعارف الّتي تحصل للصّوفيّة في أثناء الطّريق ليست من المقاصد بل هي أوهام وخيالات تربّى بها أطفال الطّريقة، فينبغي أن يجاوز جميع ذلك وأن يصل إلى مقام الرّضا الّذي هو نهاية مقامات السّلوك والجذبة. فإنّ المقصود من PageV01P073 طيّ منازل الطّريقة والحقيقة ليس هو شيء غير تحصيل الإخلاص المستلزم لحصول مقام الرّضا ويوصّل إلى دولة الإخلاص. ومقام الرّضا واحد من ألوف بعد العبور به من التّجلّيات الثّلاثة ومشاهدات العارفين. (والقاصرون) هم الّذين يعدّون الأحوال والمواجيد من المقاصد ويظنّون المشاهدات والتّجلّيات من المطالب فلا جرم يبقون في حبس الوهم والخيال ويحرمون كمالات الشّريعة بهذا الإعتقاد كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (1) نعم إنّ حصول مقام الإخلاص والوصول إلى مرتبة الرّضا منوط بطيّ هذه الأحوال والمواجيد ومربوط بتحقّق هذه العلوم والمعارف فتكون هذه الأشياء معدّات للمطلوب ومقدّمات للمقصود. وحقيقة هذا المعنى اتّضحت للفقير بعد الإشتغال بهذا الطّريق عشر سنين بالتّمام ببركة حبيب الله عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وانجلى شاهد الشّريعة كما ينبغي. وفيما قبل وإن لم يكن لي تعلّق بالأحوال والمواجيد ولم يكن في نظري مطلب غير التّحقّق بحقيقة الشّريعة، ولكن ظهرت حقيقة الأمر بعد عشرة كاملة ظهورا بيّنا والحمد لله على ذلك حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه مباركا عليه. وخبر موت المغفور له الشّيخ ميان جمال باعث على حزن جميع الإسلام وتفرقة خواطرهم. والملتمس تعزية أولاد المرحوم المتوفّى وقراءة الفاتحة من جانب الفقير والسّلام. (37) المكتوب السّابع والثّلاثون صدر إلى الشّيخ محمّد ال?ترىّ في التّحريض على متابعة السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة والتّرغيب في تحصيل النّسبة النّقشبنديّة العليّة قدّس سرّهم قد حصل السّرور والإبتهاج بمطالعة المكتوب الشّريف الّذي صدر على وجه الكرم، وقد اندرج فيه بيان استقامتكم وثباتكم على هذه الطّريقة النّقشبنديّة والحمد لله سبحانه على ذلك يكرمكم الله سبحانه بترقّيات غير متناهية ببركة أكابر هذه الطّريقة العليّة، وطريقهم كبريت أحمر مبنيّ على متابعة السّنّة السّنيّة على مصدرها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. ويكتب هذا الفقير بيانا لنقد وقته. وحاصله أنّ العلوم والمعارف والأحوال والمقامات قد أفيضت علىّ مدّة مديدة مثل مطر الرّبيع، وكلّما يلزم فعله فقد فعل بعناية الله تعالى والآن ما بقي تمنّ غير إحياء سنّة من السّنن المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة والأحوال والمواجيد إنّما هي منظورة لأرباب الذّوق ينبغي أن يعمّر الباطن بنسبة خواجكان قدّس الله أسرارهم وأن يحلّى الظّاهر بالكلّيّة بمتابعة السّنن الظّاهرة (ع) هذا هو الشّغل والباقي خيالات * PageV01P074 وينبغي أن تؤدّوا الصّلوات الخمس في أوّل أوقاتها غير العشاء وقت الشّتاء فإنّ تأخيرها إلى ثلث اللّيل مستحبّ. والفقير مضطرّ في هذا الأمر لا أريد تأخير أداء الصّلاة عن أوّل وقتها ولو مقدار شعرة والعجز البشريّ مستثنى. (38) المكتوب الثّامن والثّلاثون صدر أيضا إلى الشّيخ محمّد ال?نرىّ في بيان التّعلّق بالذّات البحت تعالت وتقدّست المنزّه عن اعتبار الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات وفي مذمّة النّاقصين الّذين زعموا المنزّه عن المثل مثليّا واللّاكيفيّ كيفيّا فتعلّقوا به وافتتنوا وبيان تفاوت الأقدام في الفناء المترتّب عليه تفاوت العلوم والمعارف وأمثال ذلك قد أورث المكتوب الشّريف بوصوله فرحا كثيرا جعلنا الله سبحانه وإيّاكم معه دائما ولا يتركنا بغيره لحظة، وكلّ شيء غير ذاته البحت سبحانه وتعالى معبّر عنه بالغير والسّوى وإن كان ذلك الغير أسماء وصفات، وما قاله المتكلّمون من أنّ صفاته تعالى لا هو ولا غيره له معنى آخر فإنّهم أرادوا بالغير الغير المصطلح ونفوا الغيريّة بهذا المعنى لا بالمعنى المطلق، ونفي الخاصّ لا يستلزم نفي العامّ، ولا يمكن التّعبير عن الذّات بغير السّلوب وكلّ إثبات في مرتبة الذّات إلحاد، وأفضل التّعبيرات وأجمع العبارات فيها لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (1) ومعناه بالفارسيّة: (بي ?ون وبي ?و كونه) ولا سبيل للعلم والشّهود والمعرفة إليه سبحانه، كلّ ما تراه العيون أو وعاه الآذان أو حواه الظّنون فهو غيره تعالى. والتّعلّق به تعلّق بالغير فيلزم نفيه بكلمة لا إله وإثبات الذّات المنزّهة عن المثل بكلمة إلّا الله وهذا الإثبات يكون أوّلا بالتّقليد ثمّ ينقلب أخيرا إلى التّحقيق. وقد زعم بعض أرباب السّلوك الّذين لم يبلغوا نهاية الأمر المثليّ والمكيّف عين المنزّه عن المثل والكيف وقالوا بإمكان تطرّق الشّهود والمعرفة إليه. وأرباب التّقليد أفضل من هؤلاء بمراتب، فإنّ تقليدهم مقتبس من مشكاة أنوار النّبوّة على صاحبها الصّلاة والسّلام ولا سبيل للخطأ إليه، ومقتدى هؤلاء القاصرين الكشف غير الصّحيح. (ع) وشتّان ما بين الطّريقين فانظروا * وهؤلاء الجماعة منكرون للذّات في الحقيقة، وإن أثبتوا شهود الذّات، ولم يدروا أنّ نفس الإثبات هنا هو عين الإنكار، وقد قال إمام المسلمين الإمام الأعظم الكوفيّ رضي الله تعالى عنه: «سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك ولكن عرفناك حقّ معرفتك " وعدم أداء حقّ العبادة ظاهر، وأمّا حصول حقّ المعرفة فمبنيّ على أنّ نهاية PageV01P075 المعرفة في الذّات تعالى شأنها ليست إلّا معرفتها بعنوان لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (1) ولا يظنّ الأبله من ذلك أنّ الخاصّ والعامّ والمبتدئ والمنتهي متساووا الأقدام في هذه المعرفة لعدم تمييزه بين العلم والمعرفة، فإنّ العلم للمبتدئ والمعرفة للمنتهي وهي لا تحصل بدون الفناء ولا تتيسّر هذه الدّولة لغير الفاني. قال المولوىّ في المثنوىّ. شعر: ومن لم يكن في حبّ مولاه فانيا ... فليس له في كبرياه سبيل فتكون المعرفة إذا وراء العلم. وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ وراء العلم والإدراك المتعارف أمرا يعبّر عنه بالمعرفة ويقال له الإدراك البسيط أيضا، (شعر): خليلي ما هذا بهزل وإنّما ... حديث عجيب من بديع الغرائب غيره من المثنوىّ (شعر): إنّ للرّحمن مع أرواح ناس ... اتّصالا دون كيف وقياس قلت ناسا دون نسناس الفلا ... ليس ناس غير روح في الملا ولمّا كانت الأقدام متفاوتة في الفناء لا جرم وجد التّفاوت في المعرفة بين المنتهين، فمن كان فناؤه أتمّ تكون معرفته أكمل، ومن كان دونه في الفناء يكون دونه في المعرفة. وعلى هذا القياس سبحان الله انجرّ الكلام من أين إلى أين بل كان اللّائق بحالي أن أكتب من عدم حاصلي وعدم حصول مرادي وعدم ثباتي واستقامتي وطلب المعونة والمدد من الأحباب وأيّ مناسبة لي بأمثال هذه الكلمات. شعر: من لم يكن خبر له عن نفسه ... هل يقدر الاخبار من هذا وذا ولكنّ الهمّة العالية والطّينة السّامية لا تتركني أن أقنع ببضاعة دنيّة ودعابة رديّة، فلا جرم أترقّى عن مرتبتي فإذا قلت فمنه أقول وإن كان لا شيئا، وإذا طلبت فإيّاه أطلب وإن لم أجد شيئا، وإن كان لي حاصل فهو حاصلي وإن لم يكن شيئا وإن كنت واصلا فإليه وصولي وإن لم يكن لي حصول. وما وقع في عبارات بعض الأكابر قدّس الله أسرارهم العليّة من الشّهود الذّاتيّ لا يظهر معناه لغير أرباب الكمال وفهمه محال للنّاقصين والقاصرين. شعر ليس يدرى الأغبيا حال الكرام ... فاقصر الاقوال واسكت والسّلام PageV01P076 وقد حرّر في عنوان المكتوب كلمة " هو الظّاهر هو الباطن " أيّها المخدوم إنّ هو الظّاهر هو الباطن صحيح، ولكنّ هذا الفقير لا يفهم من هذا الكلام معنى التّوحيد يعني الوجوديّ من مدّة بل أنا متّفق بالعلماء في فهم معناه وموافقهم في صحّته فإنّ صحّة كلامهم قد صارت معلومة لدىّ فوق صحّة قول أرباب التّوحيد " كلّ ميسّر لما خلق له» (1)، (ع) لكلّ من الإنسان شأن يخصّه * وما يلزم الإنسان الّذي لا بدّ له منه وهو مكلّف به امتثال الأوامر والإنتهاء عن المناهي وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا واِتَّقُوا الله (2) وإذا كان الإنسان مأمورا بالإخلاص، والإخلاص لا يتصوّر بدون الفناء والمحبّة الذّاتيّة لا جرم ينبغي أن يحصّل مقدّمات الفناء الّتي هي المقامات العشرة والفناء وإن كان نفسه موهبة محضة ولكنّ مقدّماته ومباديه متعلّقة بالكسب، وإن تشرّف البعض بحقيقة الفناء من غير تجشّم كسب منه في مقدّماته وتصفية حقيقته بالرّياضات والمجاهدات وحينئذ لا يخلو حاله من أحد الأمرين، إمّا أن يوقّف في موقف الواقفين، أو يرجع إلى العالم لتكميل النّاقصين. فعلى التّقدير الأوّل لا يقع سيره في المقامات المذكورة ولا يكون له خبر عن تفاصيل التّجلّيات الأسمائيّة والصّفاتيّة. وعلى التّقدير الثّاني يقع سيره في تفاصيل المقامات حين رجوعه إلى العالم ويتشرّف بتجلّيات غير متناهية وتكون له صورة المجاهدة، ولكن هو في كمال الذّوق واللّذّة في الحقيقة بالظّاهر في الرّياضات وبالباطن في التّنعّم واللّذّات (ع) وهذى سعادات تكون نصيب من * (لا يقال) إنّ الإخلاص إذا كان من جملة المأمورات الواجبة الإمتثال ولم تتحقّق حقيقته بدون الفناء يكون العلماء والصّلحاء والأخبار عاصين بترك الإخلاص لعدم تشرّفهم بحقيقة الفناء لأنّا نقول: إنّ PageV01P077 نفس الإخلاص حاصل لهم ولو في ضمن بعض أفراد الإخلاص، والمتوقّف على الفناء إنّما هو كمال الإخلاص الّذي يشمل جميع أفراد الإخلاص ولهذا قيل لا يحصل حقيقة الإخلاص بدون الفناء دون أن يقال نفس الإخلاص. (39) المكتوب التّاسع والثّلاثون صدر أيضا إلى الشّيخ محمّد ال?نريّ في بيان أنّ مدار الأمر على القلب وأنّه لا يفتح شيء من مجرّد الأعمال الصّوريّة والعبادات الرّسميّة وامثال ذلك رزقنا الله سبحانه الإعراض عمّا سواه والإقبال على جناب قدسه بحرمة سيّد البشر المحرّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. اعلم أنّ مدار الأمر على القلب. فإن كان القلب مفتونا ومتعلّقا بغير الحقّ سبحانه وتعالى فذلك القلب خراب وأبتر ولا يحصل شيء من مجرّد الأعمال الصّوريّة والعبادات الرّسوميّة بل لا بدّ في كلّ من سلامة القلب من الإلتفات إلى ما سواه تعالى والأعمال الصّالحة المتعلّقة بالبدن الّتي أمر الشّرع بفعلها، ودعوى سلامة القلب بدون إتيان الأعمال الصّالحة باطلة كما أنّ وجود الرّوح بلا بدن غير متصوّر في هذه النّشأة وحصول الأحوال القلبيّة من غير حصول الأعمال الصّالحة القالبيّة محال. وكثير من الملحدين يدّعون هذه الدّعوى في هذا الزّمان. نجّانا الله سبحانه عن معتقداتهم السّيّئة بحرمة حبيبه عليه الصّلاة والسّلام والتّحيّة. (40) المكتوب الأربعون صدر أيضا إلى الشّيخ محمّد ال?نريّ في بيان تحصيل الإخلاص الّذي هو جزء من الاجزاء الثّلاثة للشّريعة الغرّاء وأنّ الطّريقة والحقيقة خادمتان للشّريعة في تكميل هذا الجزء وأمثال ذلك نحمده ونصلّي على نبيّه ونسلّم. أيّها المخدوم: قد صار معلوما لي بعد طيّ منازل السّلوك وقطع مقامات الجذبة، أنّ المقصود من هذا السّير والسّلوك تحصيل مقام الإخلاص المربوط حصوله بفناء الآلهة الآفاقيّة والأنفسيّة. وهذا الإخلاص جزء من أجزاء الشّريعة فإنّ للشّريعة ثلاثة أجزاء: العلم والعمل والإخلاص. فالطّريقة والحقيقة خادمتان للشّريعة في تكميل جزء الإخلاص وهذا هو حقيقة الأمر، ولكن لا يدرك فهم كلّ أحد ذلك وأكثر خلق العالم قد اطمأنّوا بالمنام والخيال واكتفوا بالجوز والموز، فماذا يدركون من كمالات الشّريعة وأنّى يصلون إلى حقيقة الطّريقة والحقيقة، فيزعمون الشّريعة قشرا والحقيقة PageV01P078 لبّا ولا يدرون ما حقيقة المعاملة بل يغترّون بترّهات الصّوفيّة ويفتتنون بالأحوال والمقامات السّفليّة، هداهم الله سبحانه سواء الطّريق والسّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين. (41) المكتوب الحادي والأربعون إلى الشّيخ درويش في التّحريض على متابعة السّنّة السّنيّة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وبيان أنّ الطّريقة والحقيقة متمّمتان للشّريعة وما يناسب ذلك رزقنا الله سبحانه وتعالى التّحلّي والتّزيّن بمتابعة السّنّة السّنيّة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة ظاهرا وباطنا بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات إنّ محمّدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم محبوب ربّ العالمين وكلّ شيء حسن ومرغوب فهو لأجل المطلوب والمحبوب; ولهذا قال الله تعالى في كلامه المجيد إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (1) وقال تعالى وتقدّس أيضا إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (2) وقال أيضا أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ (3) فسمّى ملّته صلّى الله عليه وسلّم صراطا مستقيما وجعل ما سواها داخلا في السّبل ومنع عن اتّباعها، وقال عليه الصّلاة والسّلام إظهارا للشّكر وإعلاما للخلق وهداية لهم " خير الهدي هدي محمّد» (4) وقال عليه الصّلاة والسّلام أيضا " أدّبني ربّي فأحسن تأديبي» (5) والباطن متمّم للظّاهر ومكمّل له لا مخالفة بينهما مقدار شعرة. مثلا عدم التّكلّم بالكذب شريعة ونفي الكذب عن الخاطر طريقة وحقيقة. فإنّ ذلك النّفي لو كان بالتّعمّل والتّكلّف فطريقة وإلّا فحقيقة فكان الباطن الّذي هو الطّريقة والحقيقة متمّما ومكمّلا في الحقيقة للظّاهر الّذي هو الشّريعة، فإن ظهر لسالكي سبل الطّريقة والحقيقة في أثناء طريقهم أمور مخالفة لظاهر الشّريعة وأظهروا ذلك فهو مبنيّ على سكر الوقت وغلبة الحال، فإن جاوزوا ذلك المقام وخرجوا من مضيق السّكر إلى فضاء الصّحو، ترتفع تلك المنافاة بالكلّيّة وتكون تلك العلوم المتضادّة هباء منثورا، مثلا قالت طائفة من السّكر بالإحاطة الذّاتيّة ورأوا أنّ الحقّ محيط بالعالم بالذّات تعالى وتقدّس، وهذا الحكم مخالف لآراء علماء أهل الحقّ; فإنّهم قائلون بإحاطة علميّة، وآراء PageV01P079 العلماء أقرب إلى الصّواب في الحقيقة، وإذا قال هؤلاء الصّوفيّة بنفسهم بأنّ ذات الحقّ سبحانه وتعالى لا يحكم عليها بحكم يكون الحكم عليها بالإحاطة والسّريان مخالفا لهذا القول. والحقّ أنّ ذاته تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (1) لا سبيل لحكم من الأحكام إليها أصلا، بل في ذلك الموطن الحيرة الصّرفة والجهالة المحضة فكيف يتطرّق السّريان والإحاطة إليها ويمكن الإعتذار من جانب الصّوفيّة القائلين بهذه الأحكام بأنّ مرادهم بالذّات هو التّعيّن الأوّل فإنّهم لمّا لم يقولوا بزيادة ذلك التّعيّن على المتعيّن قالوا لذلك التّعيّن عين الذّات وذلك التّعيّن الأوّل المعبّر عنه بالواحديّة سار في جميع الممكنات فحينئذ يصحّ الحكم بالإحاطة الذّاتيّة. (وههنا) دقيقة ينبغي أن يعلم أنّ ذات الحقّ تعالى وتقدّس عند علماء أهل الحقّ منزّهة عن المثل والكيف وكلّ ما سواها زائد عليها حتّى انّ ذلك التّعيّن لو كان ثابتا عندهم لكان زائدا على الذّات وخارجا عن دائرة اللّامثليّة واللّاكيفيّة، فلا يقال لإحاطته إحاطة ذاتيّة. فكان نظر العلماء أعلى من نظر هؤلاء الصّوفيّة; فإنّ الذّات عندهم كانت داخلة فيما سواها عند العلماء. وعلى هذا القياس القرب والمعيّة الذّاتيّان وموافقة المعارف الباطنيّة لعلوم ظاهر الشّريعة بتمامها وكمالها بحيث لا يبقى مجال المخالفة في النّقير والقطمير، إنّما هي في مقام الصّدّيقيّة الّذي هو فوق مقام الولاية وفوق مقام الصّدّيقيّة مقام النّبوّة. والعلوم الحاصلة للنّبيّ بطريق الوحي منكشفة للصّدّيق بطريق الإلهام وليس بين هذين العلمين فرق سوى كون حصول أحدهما بالوحي والآخر بالإلهام، فكيف يكون للمخالفة مجال فيه وفي كلّ مقام دون مقام الصّدّيقيّة نحو من السّكر. والصّحو التّامّ إنّما هو في مقام الصّدّيقيّة فحسب وفرق آخر بين هذين العلمين أنّ في الوحي قطعا وفي الإلهام ظنّا فإنّ الوحي بتوسّط الملك والملائكة معصومون ليس فيهم احتمال الخطأ، والإلهام وإن كان له المحلّ المعلّى والمنزل الأعلى الّذي هو القلب الّذي هو من عالم الأمر لكن للقلب نحو من التّعلّق بالعقل والنّفس، والنّفس وإن صارت مطمئنّة بالتّزكية لكنّها لا ترجع عن صفاتها أصلا باطمئنانها فكان للخطأ مجال في ذلك الميدان. وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ لبقاء صفات النّفس مع وجود اطمئنانها منافع كثيرة وفوائد عديدة فإنّه لو كانت النّفس ممنوعة عن ظهور صفاتها بالكلّيّة لكان طريق التّرقّي مسدودا ولظهر في الرّوح صفة الملك بحيث تصير محبوسة في مقامها فإنّ ترقّيها إنّما هو بواسطة مخالفتها النّفس، فإن لم تبق في النّفس مخالفة فمن أين يحصل التّرقّي ولمّا رجع سيّد الكائنات عليه أفضل الصّلوات وأكمل التّسليمات من الجهاد مع الكفّار مرّة قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» (2) فقال للجهاد مع النّفس PageV01P080 " جهادا أكبر " ومخالفة النّفس في ذلك الموطن إنّما تكون بترك أدنى عزيمة بل بإرادتها ذلك التّرك مهما أمكن لعدم تصوّر تحقّق التّرك فيه. ويحصل بهذه الإرادة من النّدامة والخجالة والإلتجاء والتّضرّع إلى جناب قدسه جلّ سلطانه ما يتيسّر بها فوائد أمور سنة مثلا في ساعة لطيفة. (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونقول: كلّما يوجد فيه شمائل المحبوب وأخلاقه يكون ذلك الشّيء أيضا محبوبا بتبعيّة المحبوب وفي قوله تعالى فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله (1) بيان لهذا الرّمز فالسّعي في متابعته عليه الصّلاة والسّلام يجرّ إلى المحبوبيّة فعلى كلّ عاقل ذي لبّ السّعي في كمال اتّباع حبيبه عليه الصّلاة والسّلام ظاهرا وباطنا. وقد انجرّ الكلام إلى التّطويل والمأمول مسامحتكم وجمال الكلام إذا كان من الجميل المطلق يزداد حسنا كلّما يزداد طولا قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (2) ولننقل الكلام إلى محلّ آخر ونقول: إنّ حامل هذه الرّقيمة مولانا محمّد حافظ من أهل العلم وكثير العيال وبسبب قلّة أسباب المعيشة توجّه نحو العسكر فإن بذلتم في حقّه العناية والإلتفات وكلّمتم الرّئيس المنصور الأمير النّقيب السّيّد الشّيخ جيو لتحصيل الوظيفة أو الإمداد للمشار إليه يكون عين الكرم ولا نصدّع بأزيد من ذلك. (42) المكتوب الثّاني والأربعون إلى الشّيخ محمّد المذكور أيضا في بيان أنّ أفضل المصاقيل لإزالة صداء محبّة ما سوى الحقّ من الحقيقة الجامعة القلبيّة متابعة السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة سلّمكم الله وأبقاكم واعلم أنّ الإنسان ما دام متلوّثا بدنس التّعلّقات الشّتّى محروم ومهجور ولا بدّ من تصقيل مرآة الحقيقة الجامعة من صداء محبّة ما سواه عزّ وجلّ. وأفضل المصاقيل في إزالة ذلك الصّداء متابعة السّنّة السّنيّة المصطفويّة على مصدرها الصّلاة والسّلام والتّحيّة، ومدار ذلك على رفع العادات النّفسانيّة ودفع الرّسوم الظّلمانيّة فطوبى لمن تشرّف بهذه النّعمة العظمى وويل لمن حرم من هذه الدّولة القصوى وبقيّة المرام أنّ أخي الأعزّ ميان مظفّر ابن المرحوم الشّيخ كهورن من أعيان النّاس وأولاد PageV01P081 الأكابر وحوله من متعلّقاته جمع كثير فهو محلّ التّرحّم فبماذا نصدّع أزيد من ذلك والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى (1). (43) المكتوب الثّالث والأربعون إلى السّيّد النّقيب الشّيخ فريد البخاريّ في بيان أنّ التّوحيد على قسمين شهوديّ ووجوديّ وأنّ ما لا بدّ منه هو الشّهوديّ المربوط به الفناء وأنّه في مرتبة عين اليقين وما فوقه فهو حقّ اليقين وما يناسب ذلك من الأسئلة والأجوبة والتّمثيلات الموضّحة سلّمكم الله سبحانه وعصمكم عمّا يصمكم وصانكم عمّا شانكم واعلم أنّ التّوحيد الّذي يظهر في أثناء طريق هذه الطّائفة العليّة على قسمين: توحيد شهوديّ، وتوحيد وجوديّ. فالتّوحيد الشّهوديّ هو مشاهدة الواحد يعني لا يكون مشهود السّالك غير واحد. والتّوحيد الوجوديّ هو أن يعلم السّالك ويعتقد الموجود واحدا وأن يعتقد أو يظنّ غيره معدوما وأن يزعم الغير مع اعتقاد عدميّته مجالى ذلك الواحد ومظاهره. فكان التّوحيد الوجوديّ من قبيل علم اليقين والتّوحيد الشّهوديّ من قبيل عين اليقين وهو من ضروريّات هذا الطّريق. فإنّ الفناء لا يتحقّق بدونه ولا يتيسّر عين اليقين بلا تحقّقه، فإنّ مشاهدة الأحديّة باستيلائها مستلزمة لعدم رؤية ما سواه بخلاف التّوحيد الوجوديّ فإنّه ليس كذلك يعني أنّه ليس بضروريّ فإنّ علم اليقين حاصل بدون تلك المعرفة; لأنّ علم اليقين ليس بمستلزم لنفي ما سواه تعالى. غاية ما في الباب أنّه مستلزم لنفي علم ما سواه وقت غلبة علم ذلك الواحد واستيلائه مثلا إذا حصل لشخص يقين بوجود الشّمس فاستيلاء هذا اليقين غير مستلزم للعلم بأنّ النّجوم منتفية ومعدومة في ذلك الوقت، ولكن حين رؤيته الشّمس لا يرى النّجوم البتّة ولا يكون مشهوده غير الشّمس، وفي هذا الوقت الّذي لا يرى فيه النّجوم يعلم أنّ النّجوم ليست بمعدومة بل يعلم أنّها موجودة ولكنّها مستورة وفي تشعشع نور الشّمس مغلوبة، وهذا الشّخص في مقام الإنكار لجماعة ينفون وجود النّجوم في ذلك الوقت ويرى أنّ تلك المعرفة غير واقعيّة. فالتّوحيد الوجوديّ الّذي هو نفي ما سوى ذات واحدة تعالت وتقدّست مخالف للعقل والشّرع، بخلاف التّوحيد الشّهوديّ فإنّه لا مخالفة في مشاهدة الواحد ونفي النّجوم وقت طلوع الشّمس مثلا، والقول بأنّها معدومة مخالف للواقع، وأمّا عدم رؤية النّجوم في ذلك الوقت فلا مخالفة فيه أصلا بل هذا إنّما هو بواسطة غلبة ظهور نور الشّمس وضعف بصر الرّائي فإن اكتحل بصر الرّائي بنور الشّمس تحصل له قوّة يرى بها أنّ النّجوم ممتازة من الشّمس وهذه الرّؤية يعني رؤية النّجوم ممتازة من الشّمس في مرتبة حقّ اليقين. وأقوال بعض المشائخ الّتي ترى مخالفة لظاهر PageV01P082 الشّريعة الحقّة ونزّلها بعض النّاس إلى التّوحيد الوجوديّ مثل قول الحسين بن منصور الحلّاج (1): أنا الحقّ وقول أبي يزيد البسطاميّ (2): سبحاني ما أعظم شأني. وأمثال ذلك. فالاولى والأنسب تنزيلها إلى التّوحيد الشّهوديّ وإبعاد المخالفة عنها فإنّهم لمّا اختفى ما سوى الحقّ سبحانه عن نظرهم تكلّموا بهذه الألفاظ في غلبة ذلك الحال ولم يثبتوا غير الحقّ سبحانه. ومعنى: أنا الحقّ. أنّه الحقّ دون أنا فإنّه لمّا لم ير نفسه لم يثبته، لا أنّه رأى نفسه وقال إنّه الحقّ فإنّ هذا كفر. (لا يقال) إنّ عدم الإثبات مستلزم للنّفي وهو التّوحيد الوجوديّ بعينه لأنّا نقول: لا يلزم من عدم الإثبات النّفي، فإنّ في ذلك الموطن حيرة بحيث قد سقطت الأحكام فيه بالتّمام وفي قول: سبحاني أيضا تنزيه الحقّ لا تنزيه القائل نفسه فإنّ نفسه قد ارتفع عن نظره بالكلّيّة لا يتعلّق به حكم أصلا. وأمثال هذه الأقوال تظهر من البعض في مقام عين اليقين الّذي هو مقام الحيرة، فإذا ترقّوا من ذلك المقام وبلغوا مرتبة حقّ اليقين يتحاشون من أمثال تلك الكلمات ولا يتعدّون عن حدّ الإعتدال. وقد أشاع التّوحيد الوجوديّ في هذا الزّمان كثير من هذه الطّائفة المتزيّين بزيّ الصّوفيّة ولا يدرون أنّ الكمال فيما وراءه ويقنعون من العين بالعلم وينزلون أقوال المشائخ إلى متخيّلاتهم ويجعلونها مقتدى بها لأوقاتهم وسندا لأحوالهم ويروّجون سوقهم الكاسد بهذه التّخيّلات. ولئن وقع في عبارات بعض المشائخ المتقدّمين فرضا ألفاظ صريحة في التّوحيد الوجوديّ كان ينبغي حملها على أنّهم تكلّموا بهذه الكلمات في الإبتداء حين كونهم في مقام علم اليقين، ثمّ ترقّى حالهم من ذلك المقام وجاوزوا من العلم إلى العين أخيرا. لا يقال هنا إنّ أرباب التّوحيد الوجوديّ كما أنّهم يعلمون الواحد فقط كذلك هم لا يرون إلّا الواحد فقط فكان لهم نصيب من عين اليقين أيضا. (لأنّا نقول) إنّ أرباب هذا التّوحيد إنّما يرون صورة PageV01P083 التّوحيد الشّهوديّ المثاليّة لا إنّهم تحقّقوا بذلك التّوحيد. ولا مناسبة للتّوحيد الشّهوديّ بهذه الصّورة المثاليّة في الحقيقة لأنّ وقت حصول ذلك التّوحيد وقت حيرة لا حكم بشيء في ذلك الموطن، وصاحب التّوحيد الوجوديّ مع شهوده لصورة التّوحيد الشّهوديّ المثاليّة من أرباب العلم فإنّه ينفي ما سوى الواحد، والنّفي حكم من الأحكام وهو من مقولة العلم، والعلم لا يجتمع مع الحيرة، فثبت أنّ صاحب التّوحيد الوجوديّ لا حظّ له من مقام عين اليقين. نعم إذا وقع لصاحب التّوحيد الشّهوديّ التّرقّي من مقام الحيرة يبلغ مقام المعرفة الّتي هو مقام حقّ اليقين فيجتمع العلم في ذلك الموطن مع الحيرة والعلم الحاصل قبل الحيرة ومع الحيرة هو علم اليقين. (ويتّضح) هذا الجواب بمثال وهو أنّ شخصا رأى نفسه مثلا سلطانا في المنام بواسطة مناسبة تتعلّق بمقام السّلطنة، ووجد في نفسه لوازم السّلطنة، ومعلوم أنّ ذلك الشّخص لم يصر سلطانا بعد بهذه الرّؤية بل رأى نفسه في صورة السّلطنة المثاليّة ولا مناسبة في الحقيقة للسّلطنة بصورتها المثاليّة أصلا، إلّا أنّ هذا الشّهود ولو كان لصورة مثاليّة يؤذن بوجود الإستعداد في ذلك الشّخص للتّحقّق بحقيقة هذه الصّورة، بحيث لو اجتهد بغاية جهده وكانت عناية الحقّ جلّ شأنه شاملا حاله لبلغ مقام السّلطنة. وفرق ما بين القوّة والفعل كثير، وكم من حديد له قابليّة لأن يكون مرآة لا يصل إلى أيدي الملوك حتّى يصير مرآة بالفعل ولا يحصل له نصيب من جمالهم أين وقعت إلّا أنّي أقول: إنّ سبب تحرير هذه العلوم الغامضة هو أنّ أكثر أبناء هذا الزّمان قد تمسّك بذيل التّوحيد الوجوديّ بعضهم بالتّقليد، وبعضهم بمجرّد العلم، وبعضهم بالعلم الممزوح بالذّوق ولو في الجملة، وبعضهم بالإلحاد والزّندقة. وصاروا يرون الكلّ من الحقّ بل يرون الكلّ حقّا، وطفقوا يخرجون رقابهم بهذه الحيلة من ربقة الإسلام وتكاليف الشّريعة ويخترعون أنواع المداهنات في الأحكام الشّرعيّة، ويفرحون بهذه المعاملات الغير المرعيّة. ولئن اعترفوا بإتيان الأوامر الشّرعيّة إنّما يعترفون به بالتّبعيّة ويتخيّلون المقصود الأصليّ وراء الشّريعة العليّة حاشا وكلّا ثمّ حاشا وكلّا نعوذ بالله سبحانه من هذا الإعتقاد السّوء; فإنّ الطّريقة والشّريعة كلّ منهما عين الآخر لا مخالفة بينهما مقدار شعرة، وإنّما الفرق بينهما بالإجمال والتّفصيل والإستدلال والكشف وكلّما هو مخالف للشّريعة فهو مردود. وكلّ حقيقة ردّته الشّريعة فهو زندقة. وطلب الحقيقة مع الإستقامة في الشّريعة حال أهل الكمال من الرّجال. رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإستقامة والثّبات على متابعة سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات والتّحيّات ظاهرا وباطنا. وكان العارف بالله حضرة شيخنا وقبلتنا قدّس الله سرّه في مشرب التّوحيد الوجوديّ زمانا، وبيّنه في رسائله ومكاتيبه، ثمّ رزقه الله سبحانه التّرقّي من ذلك المقام أخيرا ووجّه نحو الطّريق الأعظم وخلّصه من مضيق هذه المعرفة. نقل الشّيخ ميان عبد الحقّ الّذي هو من جملة مخلصيه عنه أنّه قال قبل مرض موته بجمعة: إنّه قد صار لي معلوما بيقين يقين أنّ التّوحيد الوجوديّ سكّة صغيرة والطّريق الأعظم غيره، وقد كنت علمت هذا سابقا ولكنّ الآن قد حصل لي يقين آخر». وكان هذا الفقير أيضا في مشرب التّوحيد مدّة حين كنت في ملازمة شيخي وحضوره ولاحت لي مقدّمات كشفيّة في تأييد هذا الطّريق PageV01P084 وتوقيته كثيرا، ثمّ جاوزت ذلك المقام بعناية الله جلّ سلطانه وشرّفني الله سبحانه بمقام أراده لي. ولنكتف بهذا القدر فإنّ الزّيادة على ذلك موجب للإطناب. والشّيخ ميان زكريّا لا يزال يكتب في شأن منصبه ويظهر الإلتجاء إلى عتبتكم العليّة وهو في غاية الخوف من المحاسبة وجعل ملجأه ومعتصمه في عالم الحكمة جناب قدسكم وليس له ملاذ وملجأ في الظّاهر سوى توجّهاتكم العليّة، فكما سبق التفاتكم إليه كذلك يرجو أن تعينوه وتحفظوه من ذئاب الحوادث، وهو لا يتجاسر أن يعرض أحواله عليكم بنفسه لكمال رعاية الأدب معكم; ولهذا يتوسّل بالفقير إليكم في إظهار أحواله والمرجوّ أن يقترن مسئوله بالإجابة. (44) المكتوب الرّابع والأربعون إلى المذكور أيضا في مدح خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وبيان أنّ مصدّقيه من خير الأمم ومكذّبيه من أشرار بني آدم وفي التّرغيب في متابعة سنّته السّنيّة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة ورد مكتوبكم الشّريف في أعزّ الأزمنة وتشرّفت بمطالعته الحمد لله سبحانه والمنّة على ما حصّلتم من ميراث الفقر المحمّديّ عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات، ومحبّة الفقراء والإرتباط بهم من نتيجة ذلك الفقر، ولم أدر ماذا أكتب في جوابه سوى أن أحرّر فقرات بعبارة عربيّة مأثورة في فضائل جدّكم الأعظم خير العرب والعجم عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّحيّات أكملها، وأجعل هذا المكتوب وسيلة لنجاة أخرويّة لا انّي أمدح به النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام بل أمدح به مقالي، (شعر): ما إن مدحت محمّدا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمّد فأقول وبالله العصمة والتّوفيق: إنّ محمّدا رسول الله " سيّد ولد آدم» (1)، وأكثر النّاس تبعا يوم القيامة وأكرم الأوّلين والآخرين على الله (2) وأوّل من ينشقّ عنه القبر (3) وأوّل شافع وأوّل مشفّع وأوّل من يقرع باب الجنّة فيفتح الله له وحامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه (4) وهو الّذي قال عليه PageV01P085 الصّلاة والسّلام " ونحن الآخرون ونحن السّابقون يوم القيامة» (1)، " وإنّى قائل قولا غير فخر وأنا حبيب الله وأنا قائد المرسلين ولا فخر» (2)، " وأنا خاتم النّبيّين ولا فخر وأنا محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب، إنّ الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم ثمّ جعلهم فريقين فجعلني في خيرهم فرقة ثمّ جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة ثمّ جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا فأنا خيرهم بيتا وخيرهم نفسا وأنا أوّل النّاس خروجا إذا بعثوا» (3) " وأنا قائدهم إذا وفدوا وأنا خطيبهم إذا نصتوا وأنا شفيعهم إذا حبسوا وأنا مبشّرهم إذا يئسوا ولواء الكرم والمفاتيح يومئذ بيدي ولواء الحمد يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربّي يطوف عليّ ألف خادم كأنّهم بيض مكنون وإذا كان يوم القيامة كنت إمام النّبيين وخطيبهم (4) وصاحب شفاعتهم غير فخر " لولاه لما خلق الله سبحانه الخلق (5) ولما أظهر الرّبوبيّة، وكان نبيّا وآدم بين الماء والطّين (6)، (شعر): من كان هذا مقتداه بأمره ... لن يبق في قيد الذّنوب وأسره PageV01P086 فلا جرم يكون مصدّق مثل هذا الرّسول النّبيّ الكريم سيّد البشر عليه الصّلاة والسّلام خير الأمم البتّة، ويكون قوله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ (1) نقد وقتهم ووصف حالهم ويكون مكذّبوه عليه الصّلاة والسّلام شرّ بني آدم ويكون قوله تعالى الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا (2) علامة حالهم، فيا سعادة من يشرّف بدولة اتّباع سنّته السّنيّة ومتابعة شريعته المرضيّة، واليوم يقبل الأمر اليسير المقرون بتصديق حقّيّة دينه عليه الصّلاة والسّلام مكان العمل الكثير ولا غرو فيه ألا ترى أنّ أصحاب الكهف نالوا ما نالوا من الدّرجات بواسطة حسنة واحدة وهي الهجرة والفرار عن أعداء الله تعالى بسبب نور اليقين الإيمانيّ وقت استيلاء المعاندين، وهذا كما أنّ العسكر إذا صدرت عنهم حركة يسيرة حين غلبة الأعداء واستيلاء المخالفين تكون من القبول والإعتبار بمرتبة لا تبلغها أضعاف تلك الحركة وقت الأمن والإطمئنان. وأيضا أنّه صلّى الله عليه وسلّم لمّا كان محبوب ربّ العالمين لا جرم يبلغ اتباعه صلّى الله عليه وسلّم مرتبة المحبوبيّة بسبب المتابعة; فإنّ المحبّ إذا رأى شيئا من شمائل محبوبه عند شخص يحبّ ذلك الشّخص بالضّرورة لملابسته بشمائل محبوبه وأخلاقه. وقس على ذلك حال المخالفين، (شعر): رئيس جميع العالمين محمّد ... على رأس أعداه حصى وتراب فإن لم تتيسّر الهجرة الظّاهريّة ينبغي أن يراعى الهجرة الباطنيّة بكمالها، وأن يكون معهم يعني مع النّاس في الظّاهر دونهم يعني في الباطن * ولعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرا. وقد أتى موسم النّيروز ومعلوم أنّ أهل المملكة يكونون في تلك الأيّام متفرّقي البال ومتشتّتي الحال فإذا ساعدت إرادة الله سبحانه وتعالى تتيسّر الملاقاة بعد مضيّ تلك الأحوال. وزيادة الإطناب موجبة للملال. ثبّتكم الله سبحانه على جادّة آبائكم الكرام والسّلام عليكم وعليهم إلى يوم القيامة. (45) المكتوب الخامس والأربعون كتبه إلى المذكور أيضا إظهارا لشكر تقويته الظّاهريّة أمور فقراء الخانقاه بعد ارتحال شيخه وبيّن فيه أيضا كون جامعيّة الإنسان سببا لنقصانه ككونها سببا لكماله مع ذكر فضائل شهر رمضان وما يناسب ذلك ثبّتكم الله سبحانه على جادّة آبائكم الكرام وسلّمكم عن موجبات التّلهّف والتّأسّف على مرور الشّهور والأيّام، واعلم أنّ أولياء الله تعالى بحكم " المرء مع من أحبّ " مع الله تعالى وتقدّس، والتّعلّق PageV01P087 بالبدن نوع من موانع تلك المعيّة والإتّصال. وأمّا بعد الإنفصال من هذا المقرّ الهيولانىّ والمفارقة عن الهيكل الظّلمانيّ فقرب في قرب واتّصال في اتّصال، الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب بيان لهذا المعنى، وفي قوله تعالى مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لَآتٍ (1) تسلية للمشتاقين ورمز من ذلك البيان، ولكن أحوال العاجزين الّذين أخّرتهم العلائق والعوائق بلا دولة الحضور عند أكابر الدّين خراب وأبتر، والإستفاضة من روحانيّات الأكابر قدّس الله أسرارهم مشروطة بشرائط لا مجال لكلّ شخص في إيفائها، ولكنّ الحمد لله سبحانه ذي الإنعام والمنّة على أن جعل مربّي هؤلاء الفقراء العاجزين ومعينهم وقت ظهور هذه الحادثة الهائلة والواقعة الموحشة المفزعة من أهل بيت النّبوّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة، فصار سببا لإنتظام هذه السّلسلة العليّة، وواسطة لجمعيّة النّسبة النّقشبنديّة، ولا غرو في ذلك فإنّ هذه النّسبة العليّة لمّا كانت في هذه الدّيار غريبة جدّا وكان أهلها في هذه المملكة قد جاوزوا في القلّة حدّا كنسبة أهل البيت بين سائر النّسب، ناسب أن يكون مربّيها وحاميها من أهل البيت وكان تقويتها منهم أولى وأحرى؛ لئلّا يلزم تكميل تلك الدّولة العظمى بالغير، فكما أنّ شكر هذه النّعمة القصوى لازم للفقراء، كذلك شكر هذه الدّولة الأسمى (2) لازم لذمّتهم. وكما أنّه يحتاج إلى الجمعيّة الباطنيّة كذلك يحتاج إلى الجمعيّة الظّاهريّة بل هذا الإحتياج مقدّم على ذلك الإحتياج. وأحوج الخلائق هو الإنسان وشدّة احتياجه إنّما هي بواسطة جامعيّته فإنّه يلزمه وحده ما يلزم الكلّ وله تعلّق بكلّ ما يحتاج إليه فتعلّقاته أكثر من تعلّقات الكلّ، وكلّ تعلّق مستلزم للإعراض عن جناب قدسه تعالى، فكان الإنسان أشدّ الخلائق وأكثرهم حرمانا من هذه الحيثيّة، (شعر): ومرتبة الإنسان في آخر الورى ... لذلك عن عزّ الحضور تأخّرا فإن لم يعد من بعده واغترابه ... فلا شيء محروم كإنس من الورى والحال أنّ سبب أفضليّته من جميع الخلائق كان أيضا من جهة جامعيّته؛ ولهذا كان مرآته أتمّ فكلّما يظهر في مرايا جميع الخلائق فهو لائح في مرآة واحدة منه، فكان أفضل الخلائق من هذه الجهة هو الإنسان، وشرّ جميع الموجودات من تلك الجهة هو الإنسان إذ منهم محمّد عليه الصّلاة والسّلام ومنهم أبو جهل اللعين. ولا شكّ أنّكم كفيل بجمعيّة هؤلأء الفقراء في الظّاهر بتوفيق الله عزّ وجلّ، وبحكم: الولد سرّ أبيه. الرّجاء تامّ بحصول الجمعيّة الباطنيّة أيضا بسببكم. ولمّا ورد مكتوبكم الشّريف في شهر رمضان المبارك خطر في الخاطر الفاتر أن أكتب نبذة من فضائل هذا الشّهر العظيم القدر. ينبغي أن يعلم أنّ شهر رمضان شهر عظيم. وكلّ عبادة نافلة من الصّلاة والذّكر والصّدقة وأمثالها في هذا الشّهر تساوي أداء فريضة فيما سواه، ومن أدّى فريضة فيه كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه، ومن فطّر فيه PageV01P088 صائما كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النّار وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء، ومن خفّف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النّار. " وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا دخل شهر رمضان أطلق كلّ أسير وأعطى كلّ سائل» (1). ومن وفّق للخيّرات والأعمال الصّالحة في هذا الشّهر كان التّوفيق رفيقه في تمام هذه السّنة. وإذا مرّ هذا الشّهر على تفرقة يكون في جميع السّنة على تفرقة. فينبغي فيه أن يجتهد في تحصيل الجمعيّة مهما أمكن مغتنما لهذا الشّهر؛ فإنّ الله سبحانه وتعالى يعتق في كلّ ليلة من لياليها ألوفا ممّن استحقّ النّار (2). وتفتح أبواب الجنّة في هذا الشّهر وتغلّق أبواب جهنّم وتسلسل الشّياطين وتفتح أبواب الرّحمة. وتعجيل الإفطار (3) وتأخير السّحور (4) من السّنن. قد بالغ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا الباب ويشبه أن تكون مبالغة لإظهار احتياجه المناسب لمقام العبوديّة. والإفطار بالتّمر سنّة (5). ويقرأ وقت الإفطار هذا الدّعاء: «ذهب الظّماء وابتلّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى» (6). وأداء التّراويح وختم القرآن في هذا الشّهر من السّنن المؤكّدة (7) ومثمر لنتائج كثيرة. وفّقنا الله سبحانه بحرمة حبيبه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. وبقيّة الكلام أنّ الصّحيفة الشّريفة وردت في وسط شهر رمضان وإلّا ما كنت أسامح نفسي في التأخير عن امتثال الأمر، والتّكلّم ممّا بعد الشّهر المذكور حكم بالغيب، ومبنيّ على طول الأمل. وبالجملة يكون ما هو مرضاكم ولا أكون في صون نفسي بوجه من الوجوه فإنّ حقوقكم ثابتة في ذمّتنا نحن ظاهرا وباطنا. قال حضرة قبلتنا قدّس سرّه إنّ حقوق الشّيخ جيو ثابتة عليكم جميعا ومقرّرة لديكم فإنّه هو الباعث على هذه الجمعيّة وفّقنا الله. سبحانه جميعا دائما للأعمال المرضيّة بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات والزّيادة على ذلك تصديع تامّ. PageV01P089 (46) المكتوب السّادس والأربعون إلى المذكور أيضا في بيان أنّ وجود الواجب تعالى وتقدّس وكذلك وحدانيّته بل نبوّة محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورسالته وجميع ما جاء به من عند الله كلّها بديهيّ غير محتاج إلى فكر ودليل وذكر في إيضاح ذلك مقدّمات كثيرة ثبّتكم الله سبحانه على جادّة آبائكم الكرام على أوّلهم وأفضلهم أوّلا وعلى بواقيهم ثانيا الصّلاة والسّلام (واعلم) أنّ وجود الباري تعالى وتقدّس وكذلك وحدانيّته سبحانه بل نبوّة محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بل جميع ما جاء به من عند الله بديهيّ لا يحتاج إلى فكر ودليل على تقدير سلامة القوّة المدركة من الآفات الرّديّة والأمراض المعنويّة والنّظر والفكر فيها مقصور على زمن وجود العلّة وثبوت الآفة، وأمّا بعد النّجاة من المرض القلبيّ وزوال الغشاوة البصريّة فلا شيء سوى البداهة; ألا ترى أن الصّفراويّ مثلا ما دام مبتلى بعلّة الصّفراء يحتاج إثبات حلاوة السّكّر والعسل عنده إلى الدّليل، ولكن إذا تخلّص من تلك العلّة لا يحتاج إلى دليل أصلا، ولا منافاة بين احتياجه إلى الدّليل النّاشئ عن وجود الآفة وبين بداهته يعني في ذاته ألا ترى أنّ الأحول يرى الواحد اثنين ويحكم بعدم وحدته، فهو معذور في هذا الحكم. ولا يخرج حكمه هذا النّاشئ من الآفة فيه وحدة ذلك الواحد من البداهة، ولا يدخلها في النّظريّة. ومن المحقّق أنّ ميدان الإستدلال ضيّق جدّا وحصول اليقين من طريق الدّليل والنّظر والفكر متعذّر; فكان فكر إزالة المرض القلبيّ لتحصيل الإيمان اليقينيّ ضروريّا كما أنّ إزالة علّة الصّفراء في تحصيل اليقين بحلاوة السّكّر أشدّ ضرورة من إقامة الدّليل على حلاوة السّكّر، وكيف يحصل اليقين به بإقامة الدّليل عليه مع حكم وجدانه بمرارته بسبب علّة الصّفراء القائم به، وهكذا الحكم فيما نحن فيه فإنّ النّفس الأمّارة منكرة للأحكام الشّرعيّة بالذّات وحاكمة بتناقضها بالطّبع، فتحصيل اليقين بحقّيّة هذه الأحكام الصّادقة من طريق الدّليل مع وجود إنكار وجدان المستدلّ عليه عسير جدّا، فكانت تزكية النّفس ضروريّة لتعسّر حصول اليقين اللّازم الحصول بدونها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها وقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها (1) فتقرّر أنّ منكر هذه الشّريعة الباهرة والملّة الطّاهرة الظّاهرة معلول بعلّة مثل منكر حلاوة السّكّر ولكن، (شعر): ما ضرّ شمس الضّحى في الأفق طالعة ... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر فالمقصود من السّير والسّلوك وتزكية النّفس وتصفية القلب هو إزالة الآفات المعنويّة والأمراض القلبيّة المشار إليها بقوله تعالى فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (2) لتتحقّق حقيقة الإيمان، فإن وجد الإيمان مع وجود PageV01P090 هذه الآفات فإنّما هو بحسب الظّاهر فقط لأنّ وجدان النّفس الأمّارة حاكم بخلافه وهي مصرّة على كفرها، ومثل هذا الإيمان الصّوريّ مثل إيمان الصّفراويّ بحلاوة السّكّر في كون وجدانه حاكما وشاهدا بخلافه، فكما أنّ اليقين الحقيقيّ بحلاوة السّكّر إنّما يحصل بعد زوال مرض الصّفراء، كذلك حقيقة الإيمان يعني بحقّيّة الأحكام الشّرعيّة وصدقها إنّما تحصل بعد تزكية النّفس واطمئنانها، وحينئذ يصير الإيمان وجدانيّا وهذا القسم من أقسام الإيمان محفوظ من الزّوال قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ الله لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ (1) صادق في شأن صاحبه. شرّفنا الله سبحانه بشرف هذا الإيمان الكامل الحقيقيّ بحرمة النّبيّ الأمّيّ القرشيّ عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها. (47) المكتوب السّابع والأربعون إلى المذكور أيضا في الشّكاية من ضعف أهل الإسلام وغلبة الكفّار وترغيب السّلاطين في ترويج الدّين وتقوية المسلمين ثبّتكم الله سبحانه وتعالى على جادّة آبائكم الكرام على أفضلهم سيّد الكونين أوّلا وعلى بواقيهم ثانيا الصّلاة والتّحيّة والسّلام. اعلم أنّ السّلطان بالنّسبة إلى العالم بمثابة القلب بالنّسبة إلى البدن من بني آدم، فكما أنّ القلب إذا كان صالحا يكون البدن صالحا وإذا كان فاسدا يكون البدن فاسدا، كذلك صلاح السّلطان صلاح العالم وفساده فساده، ألا ترى أنّه ماذا جرى على أهل الإسلام في القرن السّابق وفي ابتداء الإسلام مع كمال غربته وعجز أهله وقلّتهم وضعفهم لم يورّث ذلك ولم يوجب شيئا سوى أن يكون المسلمون على دينهم والكفّار على كفرهم يعني لم يقدر الكفّار أن يغيّروا من أمور المسلمين شيئا وأن يجروا عليهم أحكام الكفر مع قوّتهم وشوكتهم وفي قوله تعالى لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ (2) بيان لذلك. وأمّا في القرن الماضي فقد أجرى الكفّار أحكامهم في دار الإسلام على الملأ بطريقة الغلبة والإستيلاء، حتّى عجز المسلمون عن إظهار أحكام الإسلام بحيث من أظهره قتلوه، وا ويلا ويا مصيبتا ويا حسرتا ويا حزنا على ما صار مصدّقو محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم محبوب ربّ العالمين أذلّاء حقيرين عديمي المقدار، ومنكروه في غاية العزّ والإعتبار، والمسلمون في تعزية الإسلام مع قلوب مجروحة، والمعاندون يرشّون الملح على جراحاتهم بالسّخرية والإستهزاء، وشمس الهداية مستورة تحت أفق الضّلالة ونور الحقّ منزو ومنعزل في حجب الباطل. وقد وصل الآن زوال مانع ظهور الإسلام وبشارة جلوس سلطان المسلمين على سرير السّلطنة إلى مسامع الخاصّ والعامّ. فينبغي لأهل الإسلام أن يعدّوا PageV01P091 معاونة السّلطان وإمداده لازمة لذمّتهم، وأن يدلّوه على ترويج الشّريعة وتقوية الملّة; وهذا الإمداد والتّقوية يمكن أن يكون باللّسان، وأن يكون باليد. وأسبق الإمداد باللّسان وأفضله هو تبيين المسائل الشّرعيّة وإظهار العقائد الكلاميّة على طبق الكتاب والسّنّة السّنيّة وإجماع الامّة النّبويّة لئلّا يظهر في البين ضالّ ومبتدع فيسدّ الطّريق، وينجرّ الأمر إلى الفساد. وهذا القسم من الإمداد مخصوص بعلماء أهل الحقّ المقبلين على الآخرة، فإنّ علماء الدّنيا الّذين همّتهم التّهافت على متاع الدّنيا وجمع حطامها صحبتهم سمّ قاتل وفسادهم فساد متعدّ، (شعر): إذا كان ذو علم أسيرا بنفسه ... فمن ذا الّذي ينجو به من غوايته وكلّ بلاء ظهر في القرن الماضي إنّما ظهر بسبب شآمة هؤلاء الجماعة فإنّهم هم الّذين أخرجوا السّلطان من الطّريق الحقّة، بل ليست فرقة من اثنتين وسبعين فرقة إلّا ومقتداهم في اختيار طريق الضّلالة هم العلماء السّوء وقلّ من تتعدّى ضلالته إلى الغير اختار الضّلالة غير العلماء السّوء وأكثر الجهلاء المتشبّهين بالصّوفيّة في هذا الزّمان لهم حكم العلماء السّوء أيضا، فإنّ فسادهم فسادهم متعدّ. والظّاهر أنّ كلّ من يقصر في الإمداد مع وجود الإستطاعة فيه أيّ نوع كان من الإمداد ووقع الفتور على أمور أهل الإسلام يكون معاتبا. وبناء على هذا يريد هذا الفقير أن يلقي نفسه إلى ميدان ممدّي دولة الإسلام ويجتهد فيه بقدر الإمكان فبحكم " من كثّر سواد قوم فهو منهم» (1) يحتمل أن يكون هذا العاجز عديم الإستطاعة داخلا في زمرة هؤلاء الجماعة. وإنّ مثلي مثل عجوز جاءت بغزلها في سوق مشتري يوسف على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام لتشتريه به، والمرجوّ أن أتشرّف بشرف الحضور عن قريب إن شاء الله تعالى، والمتوقّع من جناب شرفكم حيث يسّر الله سبحانه وتعالى لك الإستطاعة وقرب السّلطان على الوجه الأتمّ أن تجتهد في ترويج الشّريعة المحمّديّة عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّة، وإخراج المسلمين من الكربة، والإسلام من الغربة في خلوة وجلوة. ولحامل الرّقيمة مولانا حامد وظيفة مقرّرة من الأمير صاحب الإقبال والظّاهر أنّه أخذها في العام الماضي في حضوركم، وجاء في هذه السّنة أيضا بهذا الرّجاء. يسّر لكم الله سبحانه الدّولة الحقيقة والمجازيّة. (48) المكتوب الثّامن والأربعون إلى المذكور أيضا في التّحريض على تعظيم العلماء وطلبة العلوم الّذين هم حملة الشّريعة الغرّاء PageV01P092 نصركم الله سبحانه على الأعداء بحرمة سيّد الأنبياء عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات والتّحيّات. قد تشرّفت بمطالعة مكتوبكم الشّريف المرسل على وجه الإلتفات إلى الفقراء وحرّر مولانا محمّد قلي? موفّق في الكتاب أنّه قد أرسل شيء من الخراج لأجل طلبة العلوم والصّوفيّة وقد حسن تقديم طلبة العلوم على الصّوفيّة في نظر الهمّة جدّا، وبحكم الظّاهر عنوان الباطن نرجو أن يحصل تقديم هؤلاء الجماعة في الباطن أيضا. (ع) وكلّ إناء بالّذي فيه ينضح * وفي تقديم طلبة العلوم ترويج الشّريعة لأنّهم حملة الشّريعة النّبويّة، والملّة المصطفويّة قائمة بهم، والنّاس إنّما يسألون يوم القيامة عن الشّريعة دون التّصوّف، وكلّ من دخول الجنّة وتجنّب النّار مربوط بإتيان الشّريعة، والأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات الّذين هم أفضل الكائنات إنّما دعوا الخلق إلى الشّرائع وجعلوا مدار النّجاة عليها. والمقصود من بعثة هؤلاء الأكابر هو تبليغ الشّرائع. فأعظم الخيرات إذا هو السّعي في ترويج الشّريعة وإحياء حكم من أحكامه خصوصا في الزّمان الّذي انهدمت فيه شعائر الإسلام بحيث لو أنفق ألوفا في سبيل الله لا يساوي ذلك ترويج مسألة من المسائل الشّرعيّة فإنّ في هذا الفعل اقتداء بالأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام الّذين هم أعظم المخلوقات ومشاركة g لهؤلاء الاكابر، ومن المقرّر أنّ أكمل الحسنات مسلّم لهم وإنفاق الألوف ميسّر لغير هؤلاء الأكابر أيضا. وفي إقامة الشّريعة والعمل بأحكامها مخالفة النّفس أيضا لأنّ الشّريعة وردت على خلاف النّفس، وفي إنفاق الأموال موافقة النّفس أحيانا. نعم إن كان الإنفاق لتأييد الشّريعة وترويج الملّة فله درجة عليا وإنفاق فلس بهذه النّيّة يساوي إنفاق ألوف في سائر الأمنيّة فإن قيل: إنّ طالب علم أسير في يد نفسه فكيف يقدّم على صوفيّ تخلّص من رقّيّة نفسه؟ (أجيب) أنّ هذا القائل لم يفهم بعد حقيقة الكلام ولم يطّلع على أصل المرام، فإنّ طالب علم سبب لنجاة الخلائق مع وجود أسره في يد نفسه، فإنّ تبليغ الأحكام الشّرعيّة منوط به وإن لم ينتفع هو نفسه بها. والصّوفيّ مع وجود تخلّصه إنّما خلّص نفسه فقط لا التفات له إلى الخلائق. وأفضليّة من تعلّقت به نجاة كثير وجمّ غفير ممّن اقتصرت النّجاة عليه أمر مقرّر. نعم إذا رجع الصّوفيّ إلى العالم لدعوة الخلق بعد الفناء والبقاء والسّير عن الله وبالله وحصل له نصيب من مقام النّبوّة، فهو داخل في مبلّغي الشّريعة وله حكم العلماء الأشراف ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1). (49) المكتوب التّاسع والأربعون إلى المذكور أيضا في التّحريض على الجمع بين دولتي تحلية الظّاهر بإتيان الأحكام الشّرعيّة وتخلية الباطن عن علاقة ما سواه تعالى PageV01P093 أسعدكم الله سبحانه بدولة صوريّة وسعادة معنويّة. والدّولة الصّوريّة في الحقيقة هي كون الظّاهر محلّى بالأحكام الشّرعيّة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. والسّعادة المعنويّة هي تخلّص الباطن وخلوّه عن علاقة ما سواه والإرتباط بغيره تعالى. فيا فوز من تشرّف بهاتين الدّولتين. (ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث * والزّيادة تصديع (50) المكتوب الخمسون في مذمّة الدّنيا الدّنيّة إلى السّيّد المذكور أيضا أكرمكم الله سبحانه بالحرّيّة من رقّيّة ما سواه وجعلكم متوجّها إليه سبحانه بالتّمام ومشغوفا به على الدّوام بحرمة سيّد البشر المحرّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام اعلم: أنّ هذه الدّنيا حلو في الظّاهر ولها طراوة صوريّة، ولكنّها في الحقيقة سمّ قاتل ومتاع باطل، وليس في التّعلّق والإرتباط بها طائل، مقبولها مخذول ومفتونها مجنون، وحكمها حكم نجاسة طليت بالذّهب، ومثلها مثل سمّ مخلوط بالسّكّر، والعاقل هو الّذي لا يغترّ بمثل هذا المتاع الكاسد ولا يتعلّق بمثل هذا الشّيء الفاسد; ولهذا قال الفقهاء لو أوصى بماله للعقلاء فهو للزّهّاد لأنّهم يرغبون عن الدّنيا، ورغبتهم عنها تدلّ على كمال عقلهم وفطنتهم. والزّيادة على ذلك إطناب وبقيّة المرام أنّ الشّيخ زكريّا مبتلى بمنصب استيفاء الخراج في هذا السّنّ وأنّه مع وجود هذا الإبتلاء خائف دائما من المحاسبة العاجلة الّتي هي في غاية السّهولة بالنّسبة إلى المحاسبة الآجلة، ويرى وثيقته العظمى في عالم الأسباب توجّهكم الشّريف، ويرجو أن يكون كونه من خدمة العتبة العليّة ظاهرا في الدّيوان الجديد أيضا يعني معلوما عند أربابها، (شعر): ألا أعطني قلبا ترى من جسارة الأ ... سود وإن ألفيتني قبل ثعلبا يسّر الله سبحانه الدّولة الصّوريّة والمعنويّة بحرمة النّبيّ الأمّيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلاة والسّلام. (51) المكتوب الحادي والخمسون إلى المذكور أيضا في التّرغيب في ترويج الشّريعة الغرّاء على صاحبها الصّلاة والسّلام نسأل الله سبحانه تقوى أركان الشّريعة الغرّاء ورواج أحكام الملّة السّمحة البيضاء بتوسّل وجود سلالة العظام الشّريفة. (ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث * والنّجاة لغرباء أهل الإسلام في مثل هذه الأيّام من لجّة بحر الضّلالة إنّما ترجى من سفينة أهل بيت خير البشر معدن الرّسالة عليه وعلى آله من الصّلوات أكملها ومن التّسليمات أفضلها قال عليه الصّلاة والسّلام «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من PageV01P094 ركبها نجى ومن تخلّف عنها هلك» (1). فينبغي صرف الهمّة العليا في تحصيل هذه السّعادة العظمى. وقد تيسّر لكم بعناية الله سبحانه وتعالى الجاه والجلال والعظمة والشّوكة كلّها، فإن انضمّت هذه العلاوة إلى هذه المذكورات مع وجود الشّرف الذّاتيّ، فقد أحرزتم قصب السّبق في ميدان السّعادة على جميع الأقران وهذا الفقير متوجّه نحوكم بإرادة إظهار أمثال هذه الكلمات في تأييد الشّريعة الحقّة وترويجها. ورأوا هلال شهر رمضان في دهلى وفهم غرضي حضرة الوالدة في التّوقّف فتوقّفت بالضّرورة لإستماع ختم القرآن. والأمر عند الله سبحانه وتعالى والمرجوّ من الله حصول سعادة الدّارين. (52) المكتوب الثّاني والخمسون إلى السّيّد المذكور أيضا في مذمّة النّفس الأمّارة وبيان مرضها الذّاتيّ وبيان علاج إزالة ذلك المرض قد تشرّفت بمطالعة مكتوب الأخ المكرّم الّذي جعل هذا الدّاعي المخلص ممتازا به على وجه الشّفقة والرّأفة عظّم الله سبحانه أجركم ورفع قدركم وشرح صدركم ويسّر أمركم بحرمة جدّكم الأمجد عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها ثبّتنا الله سبحانه وتعالى على متابعته ظاهرا وباطنا ويرحم الله عبدا قال آمينا. وإنّى أردت أن أحرّر فقرات في الشّكاية من صاحب السّوء والنّديم السّيّء الخلق. فالمرجوّ الإصغاء إليه بسمع القبول فاعلم أيّها المخدوم المكرّم: أنّ النّفس الأمّارة الإنسانيّة مجبولة على حبّ الجاه والرّياسة وجميع همّتها التّرفّع على جميع الأقران، ومتمنّاها بالذّات أن يكون الخلائق كلّهم محتاجين إليها ومنقادين إلى أوامرها ونواهيها ولا تريد أن تكون هي محتاجة إلى الشّيء ومحكومة لأحد أبدا، وهذه كلّها هي دعوى الألوهيّة منها والشّركة مع خالقها المنزّه عن المثل والشّبه جلّ سلطانه، بل هي البعيدة عن السّعادة غير راضية بالشّركة بل تريد أن تكون هي الحاكمة فقط لا غير ويكون الكلّ تحت حكمها وقد ورد في الحديث القدسيّ " عاد نفسك فإنّها انتصبت لمعاداتي» (2) فتربية النّفس بإعطاء مراداتها من الجاه والرّياسة والتّرفّع والتّكبّر، إمدادها في الحقيقة لعداوة الله عزّ وجلّ وتقويتها لذلك، فينبغي أنّ يدرك شناعة هذا الأمر جدّا وقد ورد في الحديث القدسيّ " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في شيء منهما أدخلته في ناري ولا أبالي» (3) وإنّما كانت الدّنيا الدّنيّة مبغوضة عند الحقّ سبحانه وملعونة بسبب أنّ حصولها ممدّ ومعاون في حصول مرادات النّفس، فمن أمدّ PageV01P095 العدوّ لا جرم يستحقّ اللّعن والطّرد. وإنّما صار الفقر فخرا محمّديّا (1) عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّ في الفقر عدم حصول مراد النّفس وحصول عجزها. والمقصود من بعثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والحكمة في التّكليفات الشّرعيّة هو تعجيز هذه النّفس الأمّارة وتخريبها، وقد وردت الشّرائع لرفع الهوى النّفسانيّ، وكلّما يعمل شيء بمقتضى الشّريعة يزول من الهوى النّفسانيّ بقدره ولهذا كان فعل شيء من الأحكام الشّرعيّة أفضل في إزالة الهوى النّفسانيّ من رياضات ألف سنة ومجاهداتها الّتي كانت من قبل النّفس، بل هذه الرّياضات والمجاهدات الّتي لم تقع على مقتضى الشّريعة الغرّاء مؤيّدة ومقوّية للهوى النّفسانيّ. ولم تقصر البراهمة والجوكيّة في الرّياضات والمجاهدات شيئا، ولكنّها لمّا لم تكن على وفق الشّريعة لم ينتفعوا بها أصلا ولم يحصل لهم غير تقوية النّفس وتربيتها. فمن صرف مثلا دانقا بنيّة أداء الزّكاة الّتي أمر بها الشّرع فهو أنفع في تخريب النّفس من صرف ألف دينار من قبل نفسه، وكذلك أكل الطّعام يوم عيد الفطر بحكم الشّريعة أنفع في دفع الهوى من صيام سنين من قبل نفسه، وأداء ركعتي الفجر مع الجماعة الّتي هي سنّة من السّنن أفضل من قيام تمام اللّيلة بالنّافلة مع ترك الجماعة في الفجر. وبالجملة: انّ النّفس ما لم تتزكّ من خبث ماليخوليا دعوى السّيادة والرّفعة فالنّجاة محال، ففكر إزالة هذا المرض ضروريّ كيلا يفضي إلى الموت الأبديّ، وكلمة لا إله إلّا الله الّتي وضعت لنفي الآلهة الآفاقيّة والأنفسيّة أنفع في تزكية النّفس وأنسب لتطهيرها، واختار أكابر الطّريقة قدّس الله أسرارهم لتزكية النّفس هذه الكلمة الطّيّبة، (شعر): ما دمت لم تضرب بلا عنق السّوى ... في قصر إلّا الله لست بواصل وما دامت النّفس في مقام البغي والعناد ونقض العهد والفساد ينبغي أنّ يجدّد الإيمان بتكرار هذه الكلمة قال عليه الصّلاة والسّلام «جدّدوا إيمانكم بقول لا إله إلّا الله " بل لا بدّ من تكرار هذه الكلمة في جميع الأوقات، فإنّ النّفس الأمّارة في مقام الخبث دائما. وقد ورد عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في فضائل هذه الكلمة حديث «لو وضعت السّموات والأرض في كفّة الميزان وهذه الكلمة في كفّة PageV01P096 لترجّحت هذه الكفّة على الأخرى» (1) والسّلام على من اتّبع الهدى (2) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة الأكمل والسّلام الأوفى. (53) المكتوب الثّالث والخمسون إلى السّيّد المذكور أيضا في بيان أنّ اختلاف علماء السّوء موجب لفساد العالم وما يناسب ذلك ثبّتكم الله سبحانه على جادّة آبائكم الكرام. قد سمعت أنّ سلطان الإسلام والمسلمين أمر جنابكم من حسن نشأته الإسلاميّة الّتي أودعت في جبلّته أن تنتخب أربعة أنفار من العلماء المتديّنين ليلازموه ويبيّنوا له المسائل الشّرعيّة حتّى لا يقع أمر على خلاف الشّريعة. الحمد لله سبحانه على ذلك، وماذا يكون للمسلمين أحسن بشارة من ذلك وأيّ شيء يكون لأهل الماتم أشدّ تسلية ممّا هناك. ولكنّ الفقير حيث كنت متوجّها نحو جانبكم العالي بواسطة هذا الغرض كما أظهرت ذلك مكرّرا لا أسامح نفسي ولا أرخّص لها في السّكوت والقعود عن الكتابة في هذا الباب بالضّرورة، فالمرجوّ مسامحتكم إيّاي فإنّ صاحب الغرض مجنون والمعروض الآن هو أنّ العلماء المتديّنين أقلّ من القليل وهم الّذين جاوزوا حبّ الجاه والرّياسة وخلّفوه وراءهم وليس لهم مقصد ومطلب سوى ترويج الشّريعة وتأييد الملّة فإنّه إذا كان فيهم حبّ الجاه يأخذ كلّ واحد منهم طرفا ممّا يلائم مرامه ويتمسّك به ويظهر من ذلك الطّرف أفضليّته ويورد الإختلافات ويوقع الخلافيّات في البين ويجعل ذلك وسيلة لقرب السّلطان فيكون مهمّ الدّين لا محالة أبتر وأقطع، واختلافات العلماء هي الّتي ألقت العالم إلى البلاء في القرن السّابق فإذا كان هذا الدّاء مستمرّا وتلك الصّحبة دائمة من أين يرجى ترويج الشّريعة وكيف يكون المجال لتأييد الملّة; بل يكون باعثا على التّخريب والعياذ بالله سبحانه من ذلك، ومن فتنة العلماء السّوء، فإن انتخبتم لهذا الغرض عالما واحدا فهو أفضل وأحسن، فإن تيسّر ذلك من علماء الآخرة فنعمت السّعادة فإنّ صحبته كبريت أحمر، فإن لم يتيسّر فاختاروا أفضل هذا الجنس بعد التّأمّل الصّحيح ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه. ولا أدرى ماذا أكتب. فكما أنّ نجاة الخلائق مربوطة بوجود العلماء كذلك خسران العالم أيضا منوط بهم. وأفضل العلماء أفضل العالم وشرّهم شرّ الخلائق قد نيطت الهداية والضّلالة بهم رأى واحد من الأعزّة إبليس اللّعين قاعدا على الفراغ على خلاف عادته فسأله عن سرّ ذلك يعني متعجّبا فقال اللعين: إنّ علماء هذا PageV01P097 الوقت قد كفوني مؤنتي وتكفّلوا لي بالإغواء والإضلال والغرض إقدامكم على هذا الأمر وشزوعكم فيه بعد رعاية الفكر الصّحيح والتّأمّل الصّادق فإنّ الأمر إذا خرج من اليد لا يقبل العلاج. وإنّي وإن كنت مستحييا من إظهار أمثال هذه الكلمات لأرباب الفطانة الصّحيحة ولكن لمّا علمت أنّ هذا الأمر وسيلة للسّعادة العظمى كنت باعثا على التّصديع. (54) المكتوب الرّابع والخمسون إلى السّيّد المذكور أيضا في بيان أنّ الإجتناب من صحبة المبتدع لازم وانّ ضرر صحبتهم فوق ضرر صحبة الكفّار وأنّ شرّ الفرق المبتدعة الشّيعة الشّنيعة وما يناسب ذلك عظّم الله سبحانه أجركم ورفع قدركم ويسّر أمركم وشرح صدركم بحرمة سيّد البشر المطهّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله الصّلاة الأوفى والسّلام الأوفر. قد ورد أنّ من لم يشكر النّاس لم يشكر الله، فشكر إحساناتكم لازم لنا فإنّكم كنتم أوّلا سببا لجمعيّة حضرة شيخنا، فطلبنا الحقّ سبحانه ببركتكم في تلك الجمعيّة ونلنا حظّا وافرا من تلك الأمنيّة، ولمّا بلغت النّوبة هذه الطّبقة بحكم: كبرت بموت الكبراء كنتم مرّة ثانية واسطة اجتماع الفقراء وباعثا على انتظام نظام الطّالبين الغرباء فجزاكم الله سبحانه عنّا خير الجزاء، (شعر): ولو أنّ لي في كلّ منبت شعرة ... لسانا يبثّ الشّكر كنت مقصّرا والمأمول من الحقّ سبحانه أن يحفظكم عمّا لا يليق بجنابكم في الدّنيا والآخرة بحرمة جدّكم سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها. وقد بعد هذا الفقير عن صحبتكم ونأى ولا أدري أنّ أيّ قسم من النّاس في مجلسكم الشّريف ومن أنيسكم وجليسكم في محفلكم المنيف، (شعر): من مقلتي طار المنام تفكّرا ... من كان من ندمائكم وضجيعكم وأيقنوا أنّ فساد صحبة المبتدع أزيد من فساد صحبة الكافر، وأخبث جميع المبتدعين وأخسّهم طائفة يبغضون أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد قال الله تعالى في القرآن المجيد لهؤلاء الطّائفة كفّارا حيث قال سبحانه وتعالى (ليغيظ بهم الكفّار) والمبلّغون للقرآن والشّريعة هم الأصحاب، PageV01P098 فإن كان الأصحاب مطعونا فيهم يلزم الطّعن في القرآن والشّريعة، والقرآن جمعه عثمان بن عفّان (1) عليه الرّضوان فإن كان عثمان مطعونا فيه كان القرآن مطعونا فيه أعاذنا الله سبحانه ممّا يعتقده الزّنادقة والإختلاف الواقع بين الأصحاب عليهم الرّضوان وكذا الجدال والقتال ليس بمحمول على الهوى النّفسانيّ فإنّ نفوسهم قد تزكّت في صحبة خير البشر وتخلّصت من وصف الأمّاريّة، ولكنّ الّذي نعتقده أنّ الحقّ كان في طرف عليّ (2) كرّم الله وجهه والخطأ في طرف مخالفيه، ولكنّ هذا الخطأ خطأ اجتهاديّ وهو لا يبلغ حدّ الفسق بل لا مجال للملامة في مثل هذا الخطأ وللمخطئ فيه درجة واحدة من الثّواب. ويزيد البعيد عن السّعادة ليس من الأصحاب فلا كلام لأحد في كونه بعيدا عن ساحة السّعادة فإنّ الأمر الّذي فعله هو لا يفعله كفّار إفرنج، وقد توقّف بعض العلماء من أهل السّنّة في لعنه لا لكونه راضيا عنه أو بفعله بل رعاية لاحتمال رجوعه وتوبته. وينبغي أن يقرأ في المجلس الشّريف كلّ يوم شيء من كتب قطب الزّمان مخدوم العالم ليعلم أنّه كيف مدح أصحاب النّبيّ عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وبأيّ نوع من الآداب ذكرهم حتّى يكون المخالفون محجوبين ومخذولين. وقد غالى هذه الطّائفة الباغية الطّاغية في هذه الأيّام غلوّا كثيرا وعتوا عتوّا كبيرا وانتشروا في الآفاق والأكناف فكتبنا في بيان فسادهم كلمات بهذا السّبب; لئلّا تتطرّق هذه الطّائفة إلى المجلس الشّريف وكيلا يكون لهم اعتبار في ذلك المحفل المنيف. ثبّتكم الله سبحانه على الطّريقة المرضيّة. PageV01P099 (55) المكتوب الخامس والخمسون إلى السّيّد عبد الوهّاب البخاريّ (1) في إظهار المحبّة قد ظهرت في قلبي محبّة لجنابكم من مدّة مديدة غير الإرتباط الّذي تحقّق سابقا، فنحن مشغولون بدعائكم الخير من ظهر الغيب بلا اختيار. بناء على تلك المحبّة وحيث ورد من سيّد الكائنات ومفخر الموجودات عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات " من أحبّ أخاه فليعلم إيّاه» (2) رأيت أنّ إظهار حبّي أولى وأنسب، وبهذه المحبّة المتعلّقة بأقرباء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حصل في اليد حبل الرّجاء التّامّ رزقنا الله سبحانه الإستقامة على محبّتهم بحرمة سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (56) المكتوب السّادس والخمسون إلى الشّيخ عبد الوهّاب أيضا في تفويض شخص من السّادات إنّ جناب قدس السّادات كثير البركات بواسطة الجزئيّة من سيّد الأوّلين والآخرين عليه وعلى آله الصّلوات والتّحيّات أجلّ من أنّ يبيّن منقبتهم ومحمدتهم باللّسان إلّا أن نجترئ في هذا الباب ليكون مدحهم سببا لسعادتنا بل إنّما نمدح أنفسنا في ضمنه ونظهر المودّة الّتي أمرنا الله بها اللهمّ اجعلنا من محبّيهم بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. وحامل العريضة هذه السّيّد أحمد من زمرة السّادات ومن جملة طلبة العلوم ومن جماعة الصّالحين. وقد توجّه إلى تلك الحدود من جهة ضيق المعيشة، فإن كان في الباب العالي مجال فالمشار إليه لائق بالنّظر والإمداد، ومستحقّ في الغاية، وإلّا فينبغي تفويضه إلى شخص من المخلصين ليجعله مطمئنّا من جهة المعيشة، ولمّا تيقّنت أنّ لجانبكم توجّها أتمّ في أحوال الفقراء والمحتاجين وعلى الخصوص في إمداد السّادات العظام أقدمنا على تحرير كلمات والمذكور وإن لم يستسعد وقت الذّهاب بسعادة الرّخصة إلّا أنّه داخل في زمرة المخلصين. رزقنا الله سبحانه الإستقامة والإخلاص في محبّتهم. والزّيادة على ذلك انبساط. (57) المكتوب السّابع والخمسون إلى الشّيخ محمّد يوسف في النّصيحة PageV01P100 رزقكم الله سبحانه الإستقامة على جادّة آبائكم الكرام بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام (اعلم) أنّ السّؤدد والرّياسة والحشمة موروثة في جماعتكم، فينبغي أن تكون معيشتكم ومعاشرتكم على نهج يتيسّر لكم استحقاق هذه الوراثة، أعني تحلية الظّاهر بظاهر الشّريعة وتزيين الباطن بباطنها الّذي هو عبارة عن الحقيقة، فإنّ الطّريقة والحقيقة عبارتان عن حقيقة الشّريعة، والطّريقة هي نفس تلك الحقيقة لا انّ الشّريعة أمر والطّريقة والحقيقة أمران آخران مغايران لها، فإنّ اعتقاد ذلك إلحاد وزندقة. وظنّ الفقير بكم حسن جدّا واجعل بعض الوقائع شاهدا لهذا المعنى وقد أظهرت نبذة من ذلك لوالدكم الماجد وبقيّة المرام أنّ الشّيخ عبد الغنيّ رجل محلّى بالصّلاح وحسن الشّيمة، فإن راجع خدمتكم في أمر من الأمور فالمرجوّ منكم بذل الإلتفات إليه والسّلام والإكرام. (58) المكتوب الثّامن والخمسون إلى السّيّد محمود في بيان أنّ هذا الطّريق كلّه سبع خطوات وأنّ مشائخ النّقشبنديّة اختاروا ابتداء السّير من عالم الأمر بخلاف مشائخ السّلاسل الأخر وأنّ طريق هؤلاء الأكابر هو طريق الأصحاب الكرام وما يناسب ذلك قد ورد مكتوبكم الشّريف ولمّا فهمت منه شوقكم إلى استماع كلمات هؤلاء الطّائفة العليّة أردت أن أحرّر بالضّرورة كلمات إجابة للمسئول وترغيبا في المأمول. أيّها المخدوم إنّ هذا الطّريق الّذي نحن في صدد قطعه كلّه سبع أقدام بعدد اللّطائف السّبع الإنسانيّة: قدمان منها في عالم الخلق يتعلّقان بالقالب أعني البدن العنصريّ والنّفس وخمسة منها في عالم الأمر مربوطة بالقلب والرّوح والسّرّ والخفىّ والأخفى، وفي كلّ قدم من هذه الأقدام السّبع ترتفع عشرة آلاف حجاب نورانيّة كانت تلك الحجب أو ظلمانيّة " إنّ لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة» (1) ففي القدم الأولى الّتي توضع في عالم الأمر يظهر التّجلّي الأفعاليّ، وفي الثّانية التّجلّي الصّفاتيّ، ويقع الشّروع في التّجلّيات الذّاتيّة في الثّالثة ثمّ وثمّ على تفاوت درجاتها، كما لا يخفى على أربابها، وفي كلّ خطوة من الخطوات السّبع يبعد السّالك عن نفسه ويقرب من ربّه سبحانه حتّى يتمّ القرب بتمام هذه الأقدام، فحينئذ يتشرّف بالفناء والبقاء ويبلغ درجة PageV01P101 الولاية الخاصّة. واختار مشائخ النّقشبنديّة العليّة قدّس الله أسرارهم السّنيّة ابتداء هذا السّير من عالم الأمر وهم يقطعون مسافة عالم الخلق أيضا في ضمن هذا السّير، بخلاف مشائخ سلاسل أخر قدّس الله أسرارهم ولهذا كان طريق النّقشبنديّة أقرب الطّرق. فلا جرم صارت نهاية غيرهم مندرجة في بدايتهم (ع) يدلّ على حسن الزّمان ربيعه * وطريق هؤلاء الأكابر هو بعينه طريق الصّحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فإنّ ما حصل للأصحاب في أوّل صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بطريق اندراج النّهاية في البداية قلّما يحصل لكمّل الأولياء في النّهاية، ولهذا كان الوحشيّ قاتل حمزة (1) رضي الله عنه أفضل من أويس القرنيّ (2) الّذي هو خير التّابعين لنيله صحبة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرّة واحدة. سئل عبد الله بن المبارك (3): أيّهما أفضل معاوية (4) أو عمر بن عبد العزيز (1)؟ فقال: والله للغبار الّذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله صلّى PageV01P102 الله عليه وسلّم خير من عمر بن عبد العزيز كذا مرّة (2)، فينبغي أن يتأمّل في أنّه إذا كان بداية جماعة بحيث اندرجت فيها نهاية غيرهم ماذا تكون نهايتهم؟! وكيف يسعها إدراك الآخرين: وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلّا هُوَ (3) (شعر): لو عابهم قاصر طعنا بهم سفها ... برأت ساحتهم من أفحش الكلم هل يقطع الثّعلب المحتال سلسلة ... قيّدت بها اسد الدّنيا بأسرهم رزقنا الله سبحانه وإيّاكم محبّة هؤلاء الطّائفة العزيزي الوجود. والورقة وإن كانت محقّرة ولكنّها قد اندرجت فيها معارف عالية وحقائق سامية، فينبغي إعزازها يعني من أجلها. (59) المكتوب التّاسع والخمسون إلى السّيّد محمود أيضا في بيان أنّه لا بدّ في حصول النّجاة من أمور ثلاثة وأنّها لا تتصوّر بدون اتّباع أهل السّنّة والجماعة وأنّ العلم والعمل متعلّقان بالشّريعة والإخلاص منوط بسلوك طريق الصّوفيّة وما يناسب ذلك رزقنا الله سبحانه الإستقامة على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة والإقبال على جناب قدسه بالكلّيّة. وقد وردت الصّحيفة الشّريفة المشتملة على المفاوضة المنيفة فصارت موجبة للفرح، واتّضحت المقدّمات المنبئة عن محبّة الفقراء والإخلاص لهؤلاء الطّائفة الغرباء، اللهمّ زد. واندرج فيها أيضا طلب الفوائد فاعلم أيّها المخدوم. ولا بدّ للإنسان من ثلاثة أشياء حتّى تتيسّر النّجاة الأبديّة: العلم والعمل والإخلاص. والعلم على قسمين: قسم المقصود منه العمل وقد تكفّل ببيانه علم الفقه. PageV01P103 وقسم المقصود منه مجرّد الإعتقاد واليقين القلبيّ وذكر هذا القسم في علم الكلام بالتّفصيل على مقتضى آراء أهل السّنّة والجماعة الّذين هم الفرقة النّاجية. ولا إمكان للنّجاة ولا مطمع لأحد فيها بدون اتّباع هؤلاء الأكابر فإن وقعت المخالفة لهم مقدار شعرة فالأمر في خطر أيّ خطر. وهذا الكلام قد بلغ من الصّحّة مرتبة اليقين بالكشف الصّحيح والإلهام الصّريح أيضا لا احتمال فيه للتّخلّف. فطوبى لمن وفّق لمتابعتهم وتشرّف بتقليدهم وويل لمن خالفهم واعتزلهم ورفض أصولهم وخرج من زمرتهم فضلّ وأضلّ وأنكر الرّؤية والشّفاعة وخفي عليه فضيلة الصّحبة وفضل الصّحابة وحرم محبّة أهل بيت الرّسول ومودّة أولاد البتول (1) فمنع من خير كثير نالها أهل السّنّة. واتّفقت الصّحابة على أنّ أفضلهم أبو بكر قال الإمام الشّافعيّ (2) رضي الله عنه - وهو أعلم بأحوال الصّحابة -: اضطرّ النّاس بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يجدوا تحت أديم السّماء خيرا من أبي بكر فولّوه رقابهم وهذا تصريح منه بأنّ الصّحابة متّفقون على أفضليّة الصّدّيق فيكون إجماعا على أفضليّته في الصّدر الأوّل فيكون قطعيّا لا يسوغ إنكاره. وأهل بيت الرّسول مثلهم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك قال بعض العارفين إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جعل أصحابه كالنّجوم (3) وبالنّجوم هم يهتدون. وشبّه أهل بيته بسفينة نوح إشارة إلى أنّ راكب السّفينة لا بدّ له من رعاية النّجوم ليأمن من الهلاك وبدون رعاية النّجوم النّجاة ممتنعة. وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ الإنكار على بعض إنكار على جميعهم، فإنّهم في فضيلة صحبة خير البشر مشتركون، وفضيلة الصّحبة فوق جميع الفضائل والكمالات، ولهذا لم يبلغ أويس القرنيّ الّذي هو خير التّابعين مرتبة أدنى من صحبه عليه الصّلاة والسّلام فلا تعدل بفضيلة الصّحبة شيئا كائنا ما كان، فإنّ إيمانهم ببركة الصّحبة وشهود نزول الوحي صار شهوديّا. ولم يتّفق لأحد بعد الصّحابة هذه المرتبة من PageV01P104 الإيمان، والأعمال متفرّعة على الإيمان كمالها بحسب كمال الإيمان، وما جرى بينهم من المشاجرات والمنازعات فمحمول على محامل صالحة وحكم بالغة ما كانت عن هوى وجهل ولكن عن اجتهاد وعلم، فإن أخطأ بعضهم في الإجتهاد فللمخطئ أيضا درجة عند الله سبحانه. هذا هو الطّريق الوسط بين الإفراط والتّفريط الّذي اختاره أهل السّنّة والجماعة وهو الطّريق الأسلم والسّبيل الأحكم. وبالجملة انّ العلم والعمل مستفادان من الشّريعة، وتحصيل الإخلاص الّذي هو بمنزلة الرّوح للعلم والعمل مربوط بسلوك طريقة الصّوفيّة. وما لم يقطع السّالك مسافة السّير إلى الله ولم يتحقّق له السّير في الله فهو بعيد من حقيقة الإخلاص ومحروم من كمالات المخلصين أهل الإختصاص. نعم قد يتحقّق الإخلاص في بعض الأعمال لعامّة المؤمنين بالتّعمّل والتّكلّف ولو في الجملة ولكنّ الإخلاص الّذي نحن في صدد بيانه هو الإخلاص في جميع الأفعال والأقوال والحركات والسّكنات من غير تعمّل وتكلّف فيه. وحصول هذا الإخلاص منوط بانتفاء الآلهة الآفاقيّة والأنفسيّة الّذي هو مربوط بالفناء والبقاء. والوصول بالولاية الخاصّة والإخلاص الّذي يحتاج فيه إلى التّعمّل والتّكلّف لا يكون له دوام، ولا بدّ من سقوط التّكلّف في حصول الدّوام الّذي هو مرتبة حقّ اليقين. وأولياء الله تعالى كلّما يفعلونه يفعلونه لله جلّ وعلا لا لحظوظ نفوسهم فإنّ نفوسهم كانت فداء الحقّ سبحانه ولا حاجة لهم إلى تصحيح النّيّة في حصول الإخلاص فإنّ نيّتهم قد صحّت بالفناء في الله والبقاء بالله، فإنّ شخصا مثلا إذا كان أسيرا في يد نفسه فكلّما يفعله، يفعله لحظّ نفسه نوى أو لم ينو، ومتى زال تعلّقه بنفسه وتخلّص من ربقة رقّيّتها وحصل بدله التّعلّق بالحقّ جلّ وعلا فلا جرم يفعل كلّما يفعله لله نوى أو لم ينو فإنّ النّيّة إنّما يحتاج إليها في المحتمل، وأمّا المتعيّن فلا حاجة فيه إلى التّعيين ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (1). وصاحب الإخلاص الدّائم هو من المخلصين بفتح اللّام ومن لا دوام في إخلاصه بل هو في كسب الإخلاص دائما فهو من المخلصين بكسر اللّام وشتّان ما بينهما. والنّفع الّذي يحصل في العلم والعمل من طريق الصّوفيّة هو أن تكون العلوم الكلاميّة الإستدلاليّة كشفيّة، وأن يحصل اليسر التّامّ في أداء الأعمال وأن يزول الكسل النّاشئ من جانب النّفس والشّيطان. (ع) وهذي سعادات تكون نصيب من * والسّلام أوّلا وآخرا. PageV01P105 (60) المكتوب السّتّون إلى السّيّد محمود أيضا في بيان نفي الخواطر ودفع الوساوس الكلّيّة وما يناسب ذلك شرّف الله سبحانه وتعالى بدوام التّعلّق بجناب قدسه، فإنّ حقيقة الحرّيّة إنّما هي في ذلك التّحقّق، ومنع الخواطر، ودفع الوساويس حاصل في طريقة خواجكان قدّس الله أسرارهم على الوجه الاتمّ، حتّى جلس بعض مشائخ هذه الطّائفة الأربعين لملاحظة خطور الخواطر ومنعها عن ساحة صدره في هذه المدّة كلّها، قال حضرة الخواجه عبيد الله أحرار قدّس الله سرّه في هذا المقام: إنّ المراد بعدم خطور الخواطر ودفعها هي الخواطر الّتي تكون مانعة من دوام التّوجّه إلى المطلوب لا دفع الخواطر مطلقا يقول واحد من مخلصي هذه السّلسلة العليّة مخبرا عن حاله بحكم وأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (1): إنّ نفي الخواطر عن القلب يبلغ حدّا لو أعطيت عمر نوح على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام فرضا لا يخطر على قلبي شيء من الخواطر، لا أنّه متكلّف في هذا الدّفع فإنّ كلّ شيء كان حصوله بالتّكلّف فهو مؤقّت لا يقبل الدّوام بل لو تكلّف في إتيان الخواطر وإيقاعها سنين لا يتيسّر أصلا، وتعيين الأربعين ينبئ عن التّكلّف. والتّكلّف إنّما هو في مرتبة الطّريقة، وأمّا الحقيقة فهي التّخلّص من التّعمّل والتّكلّف يادكرد في الطّريقة ويادداشت في الحقيقة، فتحقّق أنّ دوام التّوجّه إلى المطلوب على تقدير تحقّق منع الخواطر المؤقّت بوقت من العشر والأربعين محال لما مرّ من أنّ التّكلّف في مرتبة الطّريقة والدّوام غير متصوّر في الطّريقة وإنّما هو في الحقيقة، وذلك لعدم مجال للتّكلّف في ذلك الموطن، فورود الخاطر وخطوره في مرتبة التّكلّف يكون مانعا من دوام التّوجّه. والّذي يحصل لقلوب مبتدئى هذه السّلسلة العليّة من دوام التّوجّه فهو أمر آخر. وما نحن بصدد بيانه فعبارة عن يادداشت الّذي هو نهاية مرتبة الكمال. قال حضرة الخواجه عبد الخالق قدّس سرّه ليس وراء يادداشت غير الأوهام والظّنون يعني ليس وراءه مرتبة أخرى والمقصود من إظهار أمثال هذه الأحوال هو ترغيب طالبي هذه الطّريقة العليّة وإن لم يزد للمنكرين غير الإنكار شيئا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا (2). قال في المثنوىّ، (شعر): خاب الّذي قد يرى ذا القبح كالحسن ... وفاز من كان فيه حدّة البصر النّيل كان دما للقبط ولبني ... يعقوب ماء وذا من أعظم العبر * والسّلام والإكرام. (61) المكتوب الحادي والسّتّون إلى السّيّد محمود أيضا في التّحريض على صحبة الشّيخ الكامل المكمّل والإجتناب عن صحبة النّاقص وما يناسب ذلك PageV01P106 رزقكم الله سبحانه الزّيادة في طلبه والإجتناب عن كلّ ما ينافي الوصول إلى المطلب بحرمة سيّد البشر المحرّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. قد شرّف مكتوبكم الشّريف بوصوله، ولمّا كان منبئا عن الطّلب والشّوق ومشعرا بوجود الهيام والظّمأ والذّوق، كان لدى النّظر مستحسنا جدّا فإنّ وجود الطّلب مبشّر بحصول المطلوب، وحصول الهيام مقدّمة الوصول إلى المقصود. وقال أحد من الأعزّة: إن طلبت تعطى وإن لم تعط تزاد فينبغي أن يعدّ حصول دولة الطّلب نعمة عظمى، وأن يحترز من كلّ ما ينافيها لئلّا يتطرّق الفتور إليها من غير شعور وكيلا تؤثّر البرودة في تلك الحرارة. ومعظم أسباب المحافظة عليها هو القيام بشكر حصول تلك الدّولة لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (1) ودوام الإلتجاء والتّضرّع إلى جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه حتّى لا يصرف وجه طلبه عن كعبة جماله اليزاليّ، فإن لم تتيسّر حقيقة الإلتجاء والتّضرّع ينبغي أن لا يقصر في صورة الإلتجاء والتّضرّع " فإن لم تبكوا فتباكوا " بيان لهذا المعنى، وهذه المحافظة إنّما هي إلى زمان الوصول إلى الشّيخ الكامل المكمّل ثمّ بعد الوصول إليه لا شيء عليه سوى تفويض جميع مراداته إليه وكونه كالميّت بين يدي الغسّال لديه. والفناء الأوّل هو الفناء في الشّيخ، ويكون هذا الفناء وسيلة الفناء في الله، (شعر): من أجل كونك في البداية أحولا ... لا بدّ من شيخ يقودك أوّلا فإنّ طريق الإفادة والإستفادة مبنيّ على وجود المناسبة بين الطّرفين. والطّالب لا بدّ له أوّلا من برزخ ذي جهتين لكونه في الإبتداء في غاية الدّناءة ونهاية الخساسة وعدم مناسبته أصلا لجناب قدسه جلّ سلطانه من هذه الحيثيّة، وذلك البرزخ هو الشّيخ الكامل المكمّل. وأقوى أسباب وقوع الفتور على طلب الطّالب هو الإنابة إلى الشّيخ النّاقص، وهو الّذي جلس على مسند المشيخة بدون إتمام أمره بالسّلوك والجذبة، فصحبته سمّ قاتل للطّالب والإنابة إليه مرض مهلك. ومثل هذه الصّحبة تورث الإنحطاط والتّنزّل للاستعداد العالي، بل ترميه من الذّروة إلى الحضيض؛ ألا ترى أنّ المريض إذا أكل مثلا دواء من طبيب ناقص في الطّبّ فلا جرم يكون ذلك سعيا واجتهادا منه في زيادة مرضه وتضييع قابليّة إزالة مرضه، وهذا الدّواء وإن أورث تسكين الوجع وتخفيف ما في أوّل وهلة ولكن في الحقيقة هو عين المضرّة، فإن وصل هذا المريض فرضا إلى طبيب حاذق يجتهد هذا الطّبيب أوّلا في إزالة تأثير ذلك الدّواء ويعالجه بالمسهّلات يعني لإخراجه ثمّ يشرع في معالجة إزالة المرض بعد زوال ذلك التّأثير. ومدار طريق هؤلاء الأكابر على الصّحبة لا يحصل فيه شيء من القيل والقال والسّماع العاري عن الأحوال بل يورث ذلك فتورا في طلب التّرقّي إلى مدارج القرب والكمال، ويحتمل أن يقع السّير إلى PageV01P107 جانب دهلى وأكره بعد أيّام فإن أوصلت نفسك هناك واستفدت بالمشافهة شيئا ثمّ رجعت بلا تأخير يكون حسنا. والزّيادة على ذلك تصديع. وأجوبة بقيّة الأسئلة أنّ الشّيخ ناجا صاحب المعارف والإبتهاج مغتنم في ذلك الطّرف فإنّه رجل محتشم وعظيم الشّأن جدّا ولكنّ استعدادك إلى طريقه قليلة جدّا، وحصول المطلوب من غير رابطة المناسبة متعسّر، والأمر مفوّض إليكم فإن كتبتم من أحوالكم شيئا في بعض الأحيان لنكتب من هذا الجانب في جوابه شيئا لكان مناسبا فإنّ تلك الحيثيّة تكون باعثة على تحريك سلسلة الإخلاص دائما. (62) المكتوب الثّاني والسّتّون إلى جناب المرزا حسام الدّين أحمد في بيان أنّ الجذبة الّتي هي قبل السّلوك ليست من المقاصد بل هي وسيلة لقطع منازل السّلوك بالسّهولة والجذبة الّتي من المقاصد إنّما هي بعد السّلوك وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى اعلم أنّ طريق الوصول مركّب من جزأين: جذبة وسلوك. وبعبارة أخرى تصفية وتزكية، والجذبة الّتي هي مقدّمة على السّلوك ليست من المقاصد، والتّصفية الّتي قبل التّزكية ليست من المطالب. والجذبة المقصودة والتّصفية المطلوبة إنّما هما الحاصلتان بعد تمام السّلوك، وحصول التّزكية الّتي. هي في السّير في الله. وفائدة الجذبة والتّصفية السّابقتين للسّلوك والتّزكية إنّما هي تسهيل مسالك السّلوك فإنّ الأمر لا يحصل بدون السّلوك، وجمال المطلوب لا يتجلّى من غير قطع المنازل. والجذبة الأولى كالصّورة للجذبة الثّانية لا مناسبة بينهما في الحقيقة يعني سوى هذا المراد باندراج النّهاية في البداية كما ورد ذلك في عبارات مشائخ هذه السّلسلة العليّة هو اندراج صورة النّهاية في البداية وإلّا فالبداية لا تسع حقيقة النّهاية ولا مناسبة بين النّهاية والبداية. وتحقيق هذا المبحث مذكور بالتّفصيل في الرّسالة الّتي حرّرتها لتحقيق حقيقة الجذبة والسّلوك وأمثالها. والحاصل أنّ العبور من الصّورة إلى الحقيقة ضروريّ والإكتفاء من الحقيقة بالصّورة مهجوريّ. حقّقنا الله سبحانه بالحقيقة الحقّة وجنّبنا عن الصّورة الباطلة بحرمة النّبيّ المختار وآله الأبرار عليه وعليهم من الصّلوات أكملها ومن التّحيّات أفضلها. (63) المكتوب الثّالث والسّتّون إلى السّيّد النّقيب الشّيخ فريد في بيان أنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام متّفقون في أصول الدّين واختلافهم إنّما هو في الفروع وبيان بعض كلماتهم المتّفقة PageV01P108 ثبّتنا الله تعالى وإيّاكم على جادّة آبائكم الكرام على أفضلهم أصالة وعلى بواقيهم متابعة الصّلاة والسّلام واعلم: أنّ الأنبياء صلوات الله تعالى وتسليماته وبركاته على جميعهم عموما وعلى أفضلهم خصوصا كلّهم رحمات من الله سبحانه استسعد العالم بتوسّط هؤلاء العظام بالنّجاة الأبديّة وتخلّصوا من البليّات السّرمديّة فلولا وجودهم الشّريف لما أخبر الحقّ سبحانه الّذي هو الغنيّ المطلق أحدا من أهل العالم عن ذاته وصفاته تعالى وتقدّس ولما دلّ عليها أحدا ولما أهدى إلى معرفته شخصا أبدا ولما كلّف عباده بامتثال أوامره والإنتهاء عن مناهيه سرمدا اللّذين كلّفهم بهما بمحض كرمه لنفعهم ولما امتازت مرضيّاته تعالى من غير مرضيّاته، فشكر هذه النّعمة العظمى بأيّ لسان يؤدّي ولمن يكون مجال الخروج عن عهدته، الحمد لله الّذي أنعم علينا وهدانا إلى الإسلام وجعلنا من مصدّقي الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وهؤلاء العظام متّفقون في الأصول وكلمتهم متّحدة في ذات الحقّ وصفاته تعالى وتقدّس وفي الحشر والنّشر وإرسال الرّسل ونزول الملك وورود الوحي ونعيم الجنّة وعذاب الجحيم بطريق الخلود والتّأبيد، واختلافهم إنّما هو في بعض الأحكام المتعلّقة بفروع الدّين وذلك لأنّ الحقّ سبحانه أرسل في كلّ زمان إلى أنبياء ذلك الزّمان بعض الأحكام المناسبة لذلك الزّمان بطريق الوحي، وكلّفهم بأحكام مخصوصة، والنّسخ والتّبديل دائران على حكم من الحقّ سبحانه ومصالح وكثيرا ما وردت إلى نبيّ صاحب شريعة يعني مستقلّة أحكام متضادّة في أوقات مختلفة بطريق النّسخ والتّبديل. ومن كلماتهم المتّحدة وعباراتهم المتّفقة نفي عبادة غير الحقّ سبحانه ومنع الإشتراك معه تعالى وتقدّس ومنع المخلوقات عن اتّخاذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله. وهذا الحكم مخصوص بالأنبياء ولم يشرّف بهذه الدّولة غير متابعيهم ولم يتكلّم بهذا الكلام أحد غير الأنبياء. والّذين ينكرون الأنبياء وإن أقرّوا بوحدانيّة الحقّ سبحانه ولكنّ خالهم غير خال عن أحد أمرين: إمّا تقليد أهل الإسلام، وإمّا التّوحيد في وجوب الوجود فقط دون استحقاق العبادة بخلاف أهل الإسلام يعني اتباع الأنبياء الكرام فإنّهم يوحّدونه سبحانه في وجوب الوجود وفي استحقاق العبادة، فإنّ المراد بنطق كلمة: لا إله إلّا الله نفي الآلهة الباطلة وإثبات المعبود بالحقّ، وممّا يختصّ بهؤلاء العظام اعتقاد أنفسهم بشرا مثل سائر النّاس واعتقاد أنّ الإله المعبود هو الحقّ سبحانه ودعوة النّاس إليه تعالى وتنزيهه جلّ شأنه عن الحلول والإتّحاد. ومنكرو النّبوّة ليسوا كذلك بل رؤساؤهم يدّعون الألوهيّة ويثبتون حلول الحقّ في أنفسهم ولا يتحاشون من دعوى استحقاق العبادة وإطلاق اسم الألوهيّة على أنفسهم. فلا جرم أنّهم لا يزالون يخلعون ربقة العبوديّة عن رقابهم ويقعون في منكرات الأفعال ومستقبحات الأعمال ويسلكون سبيل الإباحة ويزعمون أنّ الله غير ممنوع من شيء أصلا وكلّما يقولونه يحسبونه صوابا وكلّما يفعلون يزعمونه مباحا ضلّوا فأضلّوا فويل لهم ولأتباعهم ولأشياعهم. وممّا اتّفق عليه الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وحرمه منكروهم وصاروا لا نصيب لهم من هذه الدّولة أنّهم عليهم الصّلاة والسّلام قائلون بنزول الملائكة الكرام الّذين هم معصومون مطلقا من الآثام وليس فيهم تلوّث وتعلّق بالأنام ومعتقدون أنّهم أمناء الوحي وحملة كلام الله تعالى وتقدّس يعني إلى الأنبياء العظام فكلّ ما يقوله هؤلاء الأكابر يقولونه من الحقّ سبحانه وكلّما يبلّغون يبلّغونه منه تعالى، PageV01P109 وأحكامهم الإجتهاديّة أيضا مؤيّدة بالوحي فإن وقعت منهم زلّة فرضا تداركها الله سبحانه في الحال بالوحي القاطع. ورؤساء المنكرين الّذين يدّعون الألوهيّة كلّ ما يقولون يقولونه من قبل أنفسهم ويحسبونه صوابا بواسطة زعم الألوهيّة، فينبغي الإنصاف لو أنّ شخصا زعم نفسه من كمال قلّة العقل إلها مستحقّا للعبادة وبهذا الزّعم الفاسد يرتكب أفعالا قبيحة، أيّ اعتبار يكون في كلامه وما الباعث والمدار على اتّباعه (ع) وكلّ إناء بالّذي فيه ينضح * وإيراد أمثال هذه الكلمات إنّما هو لزيادة الإيضاح، وإلّا فالحقّ ممتاز عن الباطل والنّور مباين ومغاير للظّلمة جاءَ الْحَقُّ وزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا (1) اللهمّ ثبّتنا على متابعة هؤلاء الأكابر عليهم الصّلاة والسّلام أوّلا وآخرا. وبقيّة المقصود أنّ جنابكم أعلم بالسّيّد ميان ?ير كمال فما الحاجة إلى الكتابة في هذا الباب ولكن نكتب هذا القدر أنّ الفقير محظوظ بمودّته من مدّة أزمان وفيه اشتياق تقبيل العتبة العليّة من مدّة مديدة ولكن الآن طرأ عليه الضّعف بحسب الأبدان حتّى صار صاحب فراش منذ أزمان، وبعد القيام يتوجّه نحو ذلك الجانب العالي راجيا العناية من حضرتكم محطّ الآمال والأمانيّ. (64) المكتوب الرّابع والسّتّون إلى السّيّد النّقيب الشّيخ فريد في بيان اللّذّة والألم الجسمانيّين والرّوحانيّين والتّحريض على تحمّل المصائب والآلام الجسمانيّة وما يناسب ذلك سلّمكم الله سبحانه وعافاكم في الدّارين بحرمة سيّد الثّقلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات واعلم: أنّ لذّة الدّنيا وألمها على قسمين: جسمانيّ وروحانيّ، وكّل شيء فيه لذّة للجسم فيه ألم للرّوح وكلّ شيء فيه ألم للجسم فيه التذاذ للرّوح، فالرّوح والجسم ضدّان، وفي هذه النّشأة الّتي تنزّلت الرّوح فيها إلى مقام الجسم وتعلّقت به اكتسبت حكم الجسم فصارت تتلذّذ بتلذّذه وتتألّم بتألّمه، وهذا هو مرتبة العوامّ كالأنعام وقوله تعالى ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (2) صادق في شأنهم فآها ألف آه لو لم تتخلّص الرّوح من هذا التّعلّق ولم ترجع إلى وطنها الأصليّ، (شعر): ومرتبة الإنسان في آخر الورى ... لذلك من عزّ الحضور تأخّرا فلو لم يعد من بعده واغترابه ... فلا شيء محروم كأنس من الورى PageV01P110 والرّوح من مرضها تزعم ألمها لذّة وتظنّ لذّتها ألما ومثلها مثل الصّفراويّ حيث يجد الحلو بواسطة علّة الصّفراء مرّا، فالفكر في إزالة هذا المرض لازم للعقلاء حتّى يغشاهم الفرح والسّرور في الآلام والمصائب الجسمانيّتين (شعر): من أجل هذا العيش والمعيشة ... لا بدّ من شقّ المرائر يا فتى فإن لوحظ ملاحظة جيّدة لتبيّن أنّه لو لم يكن الألم والمصيبة والمرض في الدّنيا لما تساوى بشعيرة فإنّ الوقائع والحوادث هي الّتي تزيل ظلمتها، ومرارة الحوادث مثل مرارة الدّواء النّافع المزيل للمرض. وكان محسوسا للفقير أنّ كثيرا من النّاس يهيّئون الطّعام لدعوة عامّة ولا يقدرون أن يصحّحوا النّيّة وأن يخلّصوها عن شائبة الرّياء والسّمعة، فيشرع في ذلك الأثناء طائفة من الحاضرين في ذلك المجمع والآكلين من ذلك الطّعام في ذمّ صاحب الطّعام ومنقصته ومنقصة طعامه، فيحصل لصاحب الطّعام انكسار القلب من هذه الجهة، وبهذا الإنكسار ترتفع ظلمة الطّعام الّتي طرأت عليه من عدم خلوص النّيّة، ويقع في معرض القبول. فإن لم يكن شكوى هؤلاء الجماعة وذمّهم ولم يحصل لصاحب الطّعام انكسار القلب بسببه لكان الطّعام مملوءا بالظّلمة والكدورة، فكيف المساغ لإحتمال القبول في هذه الصّورة. فكان مدار الأمر إذا على الإنكسار والعجز والإفتقار. والأمر مشكل على أمثالنا أرباب التّربية وطالبي العيش الحسن والتّنعّم وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ (1) نصّ قاطع. والعبادة عبارة عن التّذلّل والإنكسار فالمقصود من خلق الإنسان هو التّذلّل خصوصا المسلمين والمتدّينين، فإنّ الدّنيا سجنهم وطلب العيش الحسن في السّجن بعيد من طور العقل، فلا بدّ إذا للإنسان من تحمّل المشقّة والمحنة، ولا مندوحة له في ذلك التّحمّل. أكرمنا الله سبحانه بالإستقامة على هذا المعنى بحرمة جدّكم الأمجد عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّحيّات أيمنها. (65) المكتوب الخامس والسّتّون إلى الخان الأعظم في التّأسّف والتّلهّف على ضعف الإسلام وعجز المسلمين والتّحريض على تقوية أهل الإسلام والإغراء على إجراء أحكام الدّين PageV01P111 أيّدكم الله سبحانه ونصركم على أعداء الإسلام في إعلاء الأحكام قال المخبر الصّادق عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها (1): «الاسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء " وقد بلغت غربة الإسلام حدّا يطعن الكفّار في الإسلام بين ملء ويذمّون المسلمين ويجرون أحكام الكفر بلا تحاش ويمدحون أهله في الأزقّة والأسواق والمسلمون عاجزون ممنوعون من إجراء أحكام الإسلام ومطعون فيهم في إتيان أحكام الشّرائع عند هؤلاء الكفرة اللّئام، (شعر): مليح عديم المثل مرميّ وضدّه ... يقبّل منه الخدّ والعين والفم سبحان الله وبحمده وقد قيل: الشّرع تحت السّيف وجعل رونق الشّرع الشّريف مربوطا بالملوك والسّلاطين، والآن قد انعكست القضيّة وانقلبت المعاملة في هذا الزّمان وا حسرتا وا ندامتا وا وايلتا. ونحن اليوم نعدّ وجودكم الشّريف مغتنما ولا ندري من المبارز في هذه المعركة الضّعيفة المنكسرة غيركم، والله سبحانه يكون مؤيّدكم وناصركم بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات والتّحيّات والبركات. وقد ورد في الخبر (2) " لن يؤمن أحدكم حتّى يقال إنّه مجنون " وهذا الجنون الّذي مبناه على فرط غيرة الإسلام محسوس في شيمتكم في ذلك الوقت والحمد لله على ذلك. وهذا اليوم يوم يقبل فيه عمل قليل بالإعتبار التّامّ على أجر جزيل ولا يعلم وقوع عمل من أصحاب الكهف سوى هجرتهم وفرارهم من الكفّار، مع هذا الإعتبار فيهم والإشتهار ألا ترى أنّ العساكر إذا صدرت عنهم خدمة يسيرة وإقدام قليل وقت غلبة الأعداء ينالون بها اعتبارات كثيرة وإنعامات جزيلة، بخلاف وقت الأمن وسكون الأعداء. وهذا الجهاد القوليّ الّذي تيسّر لكم اليوم ينبغي أن تغتنمه وتقول هل من مزيد معتقدا أنّ هذا الجهاد القوليّ أفضل من جهاد القتل، وأمثالنا العاجزون المقعدون مقطوعو اليدين والرّجلين محرومون من هذه الدّولة، (شعر): هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها ... وللعاشق المسكين ما يتجرّع (آخر) وأبديت من كنز المرام علامة ... وأرجوك أن تحظى به ان تحاول قال حضرة الخواجه عبيد الله أحرار قدّس الله سرّه: ولو كنت في مقام المشيخة والإرشاد لما وجد شيخ من شيوخ العالم مريدا ولكن أمرت يعني من عالم الغيب بأمر آخر وهو ترويج الشّريعة وتأييد الملّة PageV01P112 فلا جرم اختار صحبة السّلاطين وجعلهم منقادين إليه بتصرّفه وروّج الشّريعة بواسطتهم وقد جعل الله سبحانه كلامكم مؤثّرا وأودع فيه تأثيرا ببركة محبّتكم لأكابر هذه الطّائفة قدّس الله أسرارهم وظهرت عظمة إسلاميّتكم في نظر الأقران، فالملتمس سعيكم في هذا الباب ولو لهدم أكبر أحكام الكفر الّذي له شيوع تامّ بين أهل الإسلام حتّى يكون أهل الإسلام محفوظين من تلك المنكرات جزاكم الله عنّا وعن سائر المسلمين خير الجزاء. وقد فهم العناد للدّين المصطفويّ عليه الصّلاة والسّلام في السّلطنة الأولى وليس هذا العناد ظاهرا في هذه السّلطنة، فإن كان فمبنيّ على عدم العلم، ونحن في خوف من أن ينجرّ الأمر هنا أيضا إلى العناد فتصير المعاملة ضيّقة على المسلمين. (ع) وما خوفي لشيء غير ديني * ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. والفقير قد جئت هنا بسبب من الأسباب ولم أستصوب أن لا أطلعكم على مجيئى وأن لا أكتب بعض كلمات نافعة وأن لا أخبر عن محبّة متعلّقة بواحد من الأعزّة بحسب المناسبة الفطريّة قال عليه الصّلاة والسّلام «من أحبّ أخاه فليعلم إيّاه " والسّلام عليكم وعلى جميع من اتّبع الهدى. (66) المكتوب السّادس والسّتّون إلى المذكور أيضا في مدح الطّريقة العليّة النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم وبيان مناسبة هذا الطّريق بطريق الأصحاب الكرام وبيان فضيلة الأصحاب العظام على غيرهم ولو كان ذلك الغير أويسا القرنيّ أو عمر بن عبد العزيز المروانيّ الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى اعلم: أنّ طريق حضرات خواجكان قدّس الله أسرارهم مبنيّ على اندراج النّهاية قال حضرة الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس الله سرّه: نحن ندرج النّهاية في البداية وهذا الطّريق هو طريق الأصحاب الكرام بعينه فإنّه كان يتيسّر لهم في أوّل صحبة النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام ما يتيسّر لسائر أولياء الأمّة نبذة منه في نهاية النّهاية، ولهذا كان وحشيّ قاتل حمزة رضي الله عنه أفضل من أويس القرنيّ الّذي هو خير التّابعين وذلك لتشرّفه بشرف صحبة سيّد الأوّلين والآخرين في بداية إسلامه مرّة واحدة، وما حصل لوحشيّ في أوّل صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام لم يتيسّر لأويس القرنيّ في الإنتهاء بتلك الخصوصيّة، فلا جرم كان خير القرون قرن الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين، وأخّرت كلمة ثمّ أمر الآخرين وأشارت إلي بعد ما بيّن الدّرجتين. سئل عبد الله بن المبارك أيّهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ قال: الغبار الّذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خير من عمر بن عبد العزيز كذا مرّة. فلا جرم كانت سلسلة هؤلاء الأكابر سلسلة الذّهب. PageV01P113 وكون مزيّة هذا الطّريق العالي على سائر الطّرق كمزيّة قرن الأصحاب على سائر القرون صار مبرهنا، والإطّلاع على حقيقة جماعة ذاقوا في أوّل شرب من ذلك الجام من كمال الفضل والكرم متعذّر من غيرهم، فإنّ نهايتهم فوق نهاية الآخرين. (ع) وعام الرّخص يعلم من ربيع * ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1). قال حضرة الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه: نحن المفضّلون جعلنا الله سبحانه وإيّاكم من محبّي هؤلاء الأكابر ومتابعي آثارهم بحرمة النّبيّ القرشيّ عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّحيّات أكملها. (67) المكتوب السّابع والسّتّون إلى خان خانان في تفويض محتاج ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات ظاهرا وباطنا ويرحم الله عبدا قال آمينا قد اضطّرني إلى تصديعكم أمران أهمّان: أحدهما إظهار رفع مظنّة الأذى بل إظهار حصول المودّة والإخلاص، وثانيهما: الإيماء إلى احتياج محتاج متحلّي بالفضيلة والصّلاح ومتزيّن بالمعرفة، والشّهود كريم من جهة النّسب شريف من جهة الحسب. أيّها المخدوم: إنّ في إظهار الحقّ نوعا من المرارة وإن كانت متفاوتة بحسب الشّدّة والضّعف. فيا سعادة من يأكل هذه المرارة مثل العسل ويقول: هل من مزيد. وتلوينات الأحوال من لوازم صفة الإمكان، حتّى انّ طائفّة بلغوا مرتبة التّمكين لم يتخلّصوا من التّلوين فإنّ الممكن المسكين لا يخلو إمّا أن يكون مغلوب سلطان الصّفات الجلاليّة أو يكون مغلوب الصّفات الجماليّة، أو يكون وقتا محلّا للقبض ووقتا موطنا للبسط، ولكلّ موسم أحكام على حدة كان بالأمس ذلك واليوم هذا " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن يقلّبها كيف يشاء» (2) والسّلام. (68) المكتوب الثّامن والسّتّون إلى المذكور أيضا في بيان أنّ التّواضع يستحسن من أرباب الغنى والإستغناء من أصحاب الفقر وما يناسب ذلك الخير فيما صنع الله أيّها المخدوم. شعر: PageV01P114 وما هو من شرط البلاغ أقوله ... فخذ منه نصحا ناصحا أو ملالة التّواضع مستحسن من أرباب الغنى والإستغناء من أصحاب الفقر، لأنّ المعالجة إنّما تكون بالأضداد، ولم يفهم من مكاتيبكم الثّلاثة شيء غير الإستغناء وإن كان مقصودكم التّواضع وكان في المكتوب الأخير مسطورا بعد الحمد والصّلاة فليعلم إلخ: ينبغي أن يلاحظ في هذه العبارة ملاحظة جيّدة حتّى يظهر أنّها إلى أين يكتب وإلى من ترسل. نعم، قد خدمتم الفقراء كثيرا، ولكنّ رعاية الأدب أيضا ضروريّة لتترتّب الثّمرة عليها وبدونها خرط القتاد. نعم إنّ أتقياء أمّته صلّى الله عليه وسلّم بريئون من التّكلّف ولكنّ التّكبّر مع المتكّبرين صدقة. قال شخص لحضرة الخواجه إنّه متكبّر فقال في جوابه: إنّ تكبّري من كبريائه تعالى لا ينبغي لأحد أن يظنّ هذه الطّائفة ذليلين حقيرين " ربّ أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه» (1) حديث نبويّ عليه الصّلاة والسّلام، شعر: بثثت قليلا من همومي وخفت أن ... تملّوا وإلّا فالكلام كثير وينبغي لمحبّيكم الأعزّة ومخلصيكم الأجلّة أن يكونوا من أصحاب الملاحظة المطابقة لنفس الأمر، وأن يبلّغوا إليك كلّ ما هو واقع في نفس الأمر، وأن ينظروا في كلّ مشورة إلى ما فيه صلاحكم لا إلى ما فيه صلاح أنفسهم فإنّه خيانة، ولقد كان من العلل الغائيّة لهذا السّفر إفادة ما فيه بعض منافعكم ولكن محبّوكم لم يتركوني لأن ألاقيكم فلا تنسبوا التّقصير إلى هذا الطّرف. وهذه المقدّمات وإن كانت مرّا في الظّاهر ولكنّ من يمدحكم ويستميلكم كثير، فاكتفوا بهم. والمقصود من مودّة الفقراء ومحبّتهم الإطّلاع على العيوب المكنونة وظهور الرّذائل المخزونة، ولكن ينبغي أن يعلم أنّ إظهار أمثال هذه الكلمات ليس على وجه الإيذاء بل على وجه النّصيحة وحرقة القلب. وأيقن أنّ الخواجه محمّد صدّيق لو تقدّم يوما واحدا لاوصل هذا الفقير نفسه إليكم على كلّ حال ولكنّه لقي في أثناء طريق سرهند فالمأمول مسامحتكم. الخير فيما صنع الله سبحانه. (69) المكتوب التّاسع والسّتّون إلى المذكور أيضا في بيان أنّ التّواضع موجب للرّفعة في الدّارين وأنّ النّجاة مربوطة بمتابعة أهل السّنّة والجماعة الّذين هم الفرقة النّاجية الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله. وصل مكتوبكم الشّريف صحبة الأخ مولانا محمّد صدّيق وقد أكرمتم جزاكم الله سبحانه عنّا خير الجزاء، وحيث انّكم راعيتم الأدب مع الفقراء وسقتم PageV01P115 الكلام بالتّواضع نرجو أن يكون هذا التّنزّل بحكم " من تواضع لله رفعه الله» (1) موجبا للرّفعة الدّينيّة والدّنيويّة بل كان كذلك بشرى لكم، وحيث أوردتم الكلام في البين من الإنابة والمراجعة فتصوّر أنّ هذه الإنابة قد وقعت على يد درويش من الدّراويش، وكن مترصّدا لنتائجه وثمراته ولكن ينبغي لك أن تراعي حقوقه مهما أمكن وايش نكتب من الوصايا والنّصائح وماذا نبيّن من العلوم والمعارف، فإنّ العلماء المجتهدين والصّوفيّة المحقّقين شكر الله سعيهم لم يقصّروا في بسط الكلام وتفصيله. وأظنّ أنّ بعض الأصحاب أوصل بعض مسودّات هذا الفقير قليل البضاعة إلى خدمتكم ولعلّ نظركم الشّريف وقع عليه. وبالجملة: انّ طريق النّجاة هو متابعة أهل السّنّة والجماعة كثّرهم الله سبحانه في الأفعال والأقوال وفي الفروع والأصول; فإنّهم هم الفرقة النّاجية وما سواهم من الفرق فإنّهم في معرض الزّوال وشرف الهلاك علمه اليوم واحد أو لم يعلم، وأمّا غدا فيعلمه كلّ أحد ولا ينفع. اللهمّ نبّهنا قبل أن ينبّهنا الموت. والسّيّد إبراهيم منسوب إلى تلك العتبة العليّة من قديم الأيّام ومنتظم في سلك الدّعاة، فاللّازم لذمّة الكرام أن يعينوه ويأخذوا بيده حتّى يخلّصوه وأهله من الفقر والعجز ليحصل له فراغ الخاطر ويشتغل بدعاء سلامة الدّارين والسّلام. (70) المكتوب السّبعون إلى المذكور أيضا في بيان أنّ جامعيّة الإنسان سبب لبعده كما أنّها سبب لقربه وما يناسب ذلك ثبّتكم الله سبحانه على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة رحم الله عبدا قال آمينا اعلم: أنّ جامعيّة الإنسان كما أنّها سبب لقربه وتكريمه وتفضيله كذلك هي سبب أيضا لبعده وتجهيله وتضليله، أمّا قربه فبواسطة أتمّيّة مرآته وقابليّته لظهور جميع الأسماء والصّفات بل للتّجلّيات الذّاتيّة، وما ورد من الحديث القدسيّ " لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن» (2) رمز من هذا البيان. PageV01P116 وأمّا بعده فبسبب احتياجه إلى كلّ شيء من جزئيّات العالم " فإنّ له احتياجا إلى كلّ ما في العالم خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا (1) فبواسطة هذا الإحتياج له تعلّق بجميع الأشياء وهذا التّعلّق هو الّذي صار سببا لبعده وضلاله، (شعر): ومرتبة الإنسان في آخر الورى ... لذلك عن عزّ الحضور تأخّرا فإن لم يعد من بعده واغترابه ... فلا شيء محروم كأنس من الورى فكان الإنسان أشرف الموجودات وشرّ الكائنات أيضا إذ منه محمّد حبيب ربّ العالمين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات والتّحيّات ومنه أبو جهل اللّعين عدوّ ربّ الأرضين والسّموات، فلا جرم كان الأمر مشكلا جدّا ما لم يتيسّر النّجاة من جميع التّعلّقات الشّتّى ولم يحصل تعلّق بواحد منزّه عن الوحدة أيضا ولكن بمقتضى " ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه " ينبغي أن يلتزم كون المعاملة والمعيشة في أيّام قليلة على وفق السّنّة واتّباع صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّة، فإنّ التّخلّص من عذاب الآخرة والفوز بالتّنعّمات السّرمديّة مربوطة بسعادة هذا الإتّباع، فينبغي أداء الزّكاة من الأموال النّامية والأنعام السّائمة كما هو حقّها وأن يجعل ذلك وسيلة لقطع التّعلّق عن الأموال والأنعام، وينبغي أن لا يكون حظّ النّفس ملحوظا ومنظورا إليه في أكل الأطعمة اللّذيذة ولبس الألبسة النّفيسة، بل اللّائق في استعمال الأطعمة والأشربة أن لا ينوي شيئا غير حصول القوّة لأداء الطّاعات. وفي لبس الثّوب النّفيس ينبغي أن ينوي التّزيّن المأمور بقوله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (2) أي عند كلّ صلاة، وأن لا يشوبه نيّة أخرى. فإن لم تتيسّر حقيقة النّيّة ينبغي أن يتكلّف فيها " فإن لم تبكوا فتباكوا " وأن يلتجئ ويتضرّع إلى الله سبحانه دائما لتتيسّر حقيقة النّيّة وليتخلّص من التّكلّف. ولعلّ يقبل دمعي المتقاطر ... من كان يخلق لؤلؤا من قطرة وعلى هذا القياس ينبغي أن يعامل في جميع الأمور بمقتضى فتاوى العلماء المتديّنين الّذين اختاروا العزيمة واجتنبوا الرّخصة، وأن يعتقد ذلك وسيلة للنّجاة الأبديّة ما يَفْعَلُ الله بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وآمَنْتُمْ (3). (71) المكتوب الحادي والسّبعون إلى الميرزا داراب بن خان خانان في بيان أنّ شكر المنعم واجب على المنعم عليه وحصول الشّكر إنّما هو PageV01P117 بإتيان أحكام الشّريعة لا غير أيّدكم الله سبحانه ونصركم اعلم أنّ شكر المنعم واجب على المنعم عليه عقلا وشرعا ومن المعلوم أنّ وجوب الشّكر على قدر وصول النّعمة، فكلّما كان وصول النّعمة أكثر كان وجوب الشّكر أزيد وأوفر، فكان الشّكر على الأغنياء على تفاوت درجاتهم بأضعاف ما يجب على الفقراء، ولهذا ورد في الخبر " إنّ فقراء هذه الأمّة يدخلون الجنّة قبل الأغنياء بخمسمائة عام» (1) والشّكر لله المنعم تعالى وتقدّس إنّما يكون بتصحيح العقائد أوّلا على مقتضى آراء الفرقة النّاجية أهل السّنّة والجماعة، وإتيان الأحكام الشّرعيّة العمليّة ثانيا على وفق بيان مجتهدي هذه الفرقة العليّة، والتّصفية والتّزكية ثالثا على طبق سلوك الصّوفيّة العليّة من هذه الفرقة النّاجية السّنيّة، ووجوب هذه الرّكن الأخير استحسانيّ بخلاف الرّكنين السّابقين. فإنّ أصل الإسلام مربوط بذينك الرّكنين وإنّما المنوط بالرّكن الأخير هو كمال الإسلام لا أصله، والعمل المخالف لهذه الأركان الثّلاثة ولو كان من جنس الرّياضات الشّاقّة والمجاهدة الشّديدة فهو داخل في المعصية والبغي والطّغيان على المنعم جلّ سلطانه. ولم يقصّر براهمة الهند وفلاسفة اليونان في الرّياضات والمجاهدات شيئا ولم يفوّتوا فيها دقيقة، ولكن لمّا لم تكن تلك الرّياضات والمجاهدات على وفق شرائع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام كانوا مردودين وصاروا من النّصيب الأخرويّ محرومين، فعليكم بمتابعة سيّدنا ومولانا وشفيع ذنوبنا وطبيب قلوبنا محمّد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم ومتابعة خلفائه الرّاشدين المهديّين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. (72) المكتوب الثّاني والسّبعون إلى الخواجه جهان في بيان أنّ جمع الدّين مع الدّنيا متعسّر وما يناسب ذلك سلّمكم الله سبحانه وعافاكم (ع) ما أحسن الدّين والدّنيا لو اجتمعا * والجمع بين الدّين والدّنيا من قبيل الجمع بين الأضداد، فلا بدّ إذا لطالب الآخرة من ترك الدّنيا. وحيث كان تركها حقيقة متعسّرا في هذه الأوان ينبغي أن يلتزم تركها حكما بالضّرورة. والتّرك الحكميّ عبارة عن أن يكون محكوما بمقتضى حكم الشّريعة الغرّاء في الأمور الدّينيّة، وأن يراعي حدود الشّرع في المطاعم والمشارب والمساكن غير مجوّز لمجاوزتها، وأن يؤدّي الزّكاة المفروضة في الأموال النّامية والأنعام السّائمة. فإذا PageV01P118 تيسّر التّحلّي بالأحكام الشّرعيّة فقد حصلت النّجاة من مضرّة الدّنيا واجتمعت الدّنيا حينئذ بالآخرة، ومن لم يتيسّر له هذا القسم أيضا من التّرك فهو خارج من المبحث وحكمه حكم المنافق وصورة الإيمان الّتي فيه لا تنفعه في الآخرة وإنّما نتيجتها عصمة الدّماء والأموال في الدّنيا، (شعر): وما هو من شرط البلاغ أقوله ... فخذ منه نصحا نافعا أو ملالة وأيّ صاحب دولة يسمع الكلمة الحقّة بسمع القبول مع هذه الزّمزمة الدّنياويّة والخدم والحشم والأطعمة اللّذيذة والألبسة الفاخرة، (شعر): فى أذنه من أنّتى صمم فلا ... يرضى سماع نصيحتي وبكائيا وفّقنا الله سبحانه وإيّاكم لمتابعة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وبقيّة المرام: أنّ الشّيخ ميان زكريّا كان سابقا مستوفي الخراج وهو عالم وفاضل وقد مضت مدّة مديدة وهو محبوس في السّجن بشؤم أعماله، وقد عجز الآن بواسطة ضعف الهرم وضيق المعيشة وتمادت مدّة حبسه. وقد كتب إلى الفقير يطلب حضوري في العسكر فأسعى في تخليصه، ولكنّ كثرة مسافة الطّريق كانت مانعة من ذلك. ولمّا أراد أخي الخواجه محمّد صادق التّوجّه إلى خدمتكم كنت سببا للتّصديع بتحرير كلمات بالضّرورة فالمرجوّ رعاية التّوجّه العالي في حقّ ذلك الضّعيف فإنّه عالم وشيخ كبير والسّلام أوّلا وآخرا. (73) المكتوب الثّالث والسّبعون إلى قلي? الله ابن قلي? خان في مذمّة الدّنيا وأبنائها وترك تحصيل العلوم الغير النّافعة والإجتناب عن فضول المباحات والتّحريض على الخيرات والأعمال الصّالحة وما يناسب ذلك رزقنا الله سبحانه الإستقامة على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة الأبديّة السّرمديّة أيّها الولد انّ الدّنيا محلّ الإمتحان والإبتلاء ظاهرها مموّه ومزيّن بأنواع المزخرفات وصورتها منقّشة وملوّنة بالخيلان والخطوط والذّوائب والخدود الموهومة حلوة في بادي النّظر متخيّلة بالطّراوة والنّضارة في البصر ولكنّها في الحقيقة جيفة مرشوش عليها العطر ومزبلة ملآنة بالذّباب والدّود، سراب يرى كالشّراب وسمّ في صورة سكّر باطنها خراب وأبتر ومعاملتها مع أبنائها مع وجود هذه الذّمامة والوقاحة شرّ من جميع ما يقال ويذكر، عاشقها سفيه ومسحور ومفتونها مجنون ومخدوع، كلّ من افتتن بظاهرها فقد اتّسم بسيمة الخسارة الأبديّة، وكلّ من نظر إلى حلاوتها وطراوتها كان نصيبه PageV01P119 النّدامة السّرمديّة. قال سيّد الكائنات حبيب ربّ العالمين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " ما (1) الدّنيا والآخرة إلّا ضرّتان إن رضيت إحداهما سخطت الأخرى فمن أرضى الدّنيا فقط أسخط الآخرة على نفسه " فلا جرم لا يكون له نصيب من الآخرة أعاذنا الله سبحانه وإيّاكم من محبّتها ومحبّة أهلها. (أيّها الولد) هل تدري ما الدّنيا، كلّ ما يعوّقك ويحجبك عن الحقّ سبحانه وتعالى من النّساء والأولاد والأموال والجاه والرّياسة واللهو واللّعب والإشتغال بما لا يعني فهو داخل في الدّنيا، والعلوم الّتي لا دخل لها في أمور الآخرة فهى أيضا من الدّنيا، فلو نفع تحصيل علم النّجوم والمنطق والهندسة والحساب وأمثالها من العلوم الّتي لا طائل فيها لكانت الفلاسفة من أهل النّجاة قال النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام «علامة إعراضه تعالى عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه» (2)، (شعر): من كان في قلبه مقدار خردلة ... سوى هوى الحقّ فاعلم أنّه مرض وما قالوا من أنّ معرفة علم النّجوم لازمة لمعرفة أوقات الصّلاة ليس معناه أنّ معرفة أوقات الصّلاة لا تمكن إلّا بمعرفة علم النّجوم، بل بمعنى أنّ علم النّجوم أحد طرق معرفة الأوقات وكثير من النّاس لا خبر لهم من علم النّجوم ومع ذلك يعرفون أوقات الصّلاة أزيد من علماء علم النّجوم، وقريب من ذلك الوجوه الّتي ذكروها في تحصيل المنطق والحساب وأمثالهما من العلوم الّتي لها دخل في الجملة في بعض العلوم الشّرعيّة. وبالجملة لا يظهر وجه جواز الإشتغال بهذه العلوم إلّا بعد تمحّلات كثيرة، وذلك أيضا بشرط أن لا يكون المقصود منها غير معرفة الأحكام الشّرعيّة وتقوية الأدلّة الكلاميّة، وإلّا فلا يجوز الإشتغال بها أصلا. ينبغي الإنصاف أنّ الأمر المباح إذا كان الإشتغال به مستلزما لفوات أمر واجب هل يخرج من الإباحة أو لا، ولا شكّ أنّ الإشتغال بهذه العلوم مستلزم لفوات الإشتغال بالعلوم الشّرعيّة الضّروريّة. (أيّها الولد) إنّ الحقّ سبحانه قد رزقك من كمال عنايته الّتي لا غاية لها التّوفيق للتّوبة في عنفوان الشّباب ووفّقك للإنابة على يد واحد من دراويش السّلسلة النّقشبنديّة العليّة قدّس الله أسرار أهلها ولا أدري هل لك على تلك التّوبة ثبات أو أغوتك عنها النّفس بأنواع المزخرفات، وأرى الإستقامة عليها مشكلة، فإنّ الموسم عنفوان الشّباب ومتاع الدّنيا متيسّر الأسباب وأكثر القرناء غير مناسب في هذا الباب. PageV01P120 (أيّها الولد) إنّ الأمر والحزم هو الإجتناب عن فضول المباحات والإكتفاء بقدر الضّرورة، وأن يكون هو أيضا بنيّة حصول القوّة والجمعيّة لأداء وظائف العبوديّة، فإنّ المقصود من الأكل مثلا هو حصول القوّة على أداء الطّاعة ومن لبس اللّباس ستر العورة ودفع الحرّ والبرد، وعلى هذا القياس سائر المباحات الضّروريّة. واختار أكابر النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم العليّة العمل بالعزيمة واجتنبوا من الرّخصة مهما أمكن ومن جملة العزائم الإكتفاء بقدر الضّرورة فإن لم تتيسّر هذه الدّولة ينبغي أن لا يخرج من دائرة المباحات إلى حدّ المشتبهات والمحرّمات، ولقد أباح الله سبحانه بكمال كرمه تنعّمات كثيرة على الوجه الأتمّ وجعل دائرة هذه التّنعّمات واسعة جدّا، ومع قطع النّظر عن هذه التّنعّمات أيّ عيش يساوي رضا مولى العبد بأفعاله وأيّ جفاء يشبه بسخط سيّده على أعماله رضاء الله في الجنّة خير من الجنّة وسخط الله في النّار شرّ من النّار والإنسان عبد محكوم بحكم لم يجعله المولى ولده ولم يتركه سدى حتّى يتهافت على كلّ ما يشاء فينبغي التّفكّر وإعمال القلب، ولا يحصل غدا شيء غير النّدامة والخسارة، وقت العمل إنّما هو عهد الشّباب، والعاقل من لا يضيّع هذا الوقت ويغتنم الفرصة فإنّ الأمر مبهم فعساه أن لا يبقى إلى زمن الشّيخوخة ولئن بقي فلعلّه لا تتيسّر له الجمعيّة ولئن تيسّرت فلعلّه لا يقدر على العمل في أوان استيلاء الضّعف والعجز. والحال أنّ أسباب الجمعيّة كلّها متيسّرة الآن ووجود الوالدين أيضا من إنعامات الحقّ سبحانه فإنّ همّ معيشتك على ذمّتهم والموسم موسم الفرصة وزمان القوّة والإستطاعة فبأيّ عذر يمكن أن يؤخّر شغل اليوم إلى غد ويختار التّسويف قال عليه الصّلاة والسّلام: «هلك (1) المسوّفون " نعم إذا أخّرت المهمّات الدّنيويّة الدّنيّة إلى غد لأجل الإشتغال بأمور الآخرة في اليوم يكون مستحسنا جدّا كما أنّ عكسه مستقبح جدّا، وفي هذا الوقت الّذي هو عنفوان الشّباب ووقت استيلاء أعداء الدّين من النّفس والشّيطان لعمل قليل من الإعتبار ما ليس ذلك في غير هذا الوقت لأضعاف مضاعفة، كما أنّ في القاعدة العسكريّة للعساكر " الشّجعان أقوياء الجنان " اعتبار زائد وقت استيلاء الأعداء حتّى يعتبر منهم في ذلك الوقت عمل يسير وثبات قليل ويكون ذلك منظورا، ولا يكون مثل هذا الإعتبار وقت الأمن من شرّ الأعداء. (أيّها الولد) إنّ المقصود من خلق الإنسان الّذي هو خلاصة الموجودات ليس هو اللهو واللّعب ولا الأكل والنّوم، وإنّما المقصود منه أداء وظائف العبوديّة والذّلّ والإنكسار والعجز والإفتقار ودوام الإلتجاء والتّضرّع إلى جناب قدس الغفّار جلّ سلطانه والعبادات الّتي الشّرع المحمّديّ ناطق بها المقصود من أدائها منافع العباد ومصالحهم ولا يعود منها شيء إلى جناب قدسه عزّ شأنه، فينبغي إذا أداؤها بغاية PageV01P121 الممنونيّة وأن يسعى ويجتهد في انقياد الأوامر وامتثالها والإنتهاء عن المناهي وامتناعها وقد أكرم الله سبحانه عباده بالأوامر والنّواهي مع وجود غناه المطلق، فينبغي لنا أن نشكر على هذه النّعمة على الوجه الأتمّ وأن نجتهد في امتثال أحكامها بكمال الممنونيّة. (اعلم) أيّها الولد، لو أنّ واحدا من أبناء الدّنيا الّذين تحقّقوا بشوكة ظاهريّة وجاه صوريّ أنعم على واحد من متعلّقيه بخدمة يرجع منها نفع للآمر بها أيضا كيف يعدّها عزيزة ويقول إنّ شخصا عظيم القدر أمرني بهذه الخدمة فينبغي لي القيام بها بغاية الممنونيّة، فأيّ بلاء نزل وأيّ مصيبة أصابت. هل كانت عظمة الحقّ جلّ شأنه في النّظر أقلّ من عظمة هذا الشّخص حيث لا يجتهد في امتثال أحكام الحقّ جلّت عظمته ينبغي أن يستحي وأن يتنبّه من نوم الأرنب. وعدم امتثال أوامر الله جلّ سلطانه لا يخلو من أمرين: إمّا أن يكذّب الإخبارات الشّرعيّة، وإمّا أن تكون عظمة أمر الحقّ تعالى وتقدّس أحقر من عظمة أمر أبناء الدّنيا، فينبغي أن يلاحظ شناعة هذين الأمرين. (أيّها الولد) لو أنّ شخصا قد جرّب كذبه مرارا، أخبر بأنّ الأعداء في صدد الهجوم باللّيل لإستيلاء تامّ على قوم كذا لاجتهد عقلاء ذلك القوم في المحافظة وفكر دفع تلك البليّة مع علمهم بأنّ ذلك المخبر متّهم بالكذب لكون الإحتراز عمّا يتوهّم فيه الخطر لازما. وقد أخبر المخبر الصّادق عليه الصّلاة والسّلام بتمام المبالغة عن عذاب الآخرة ومع ذلك لم يتأثّروا منه أصلا، فإنّهم إن تأثّروا لا نزعجوا وتفكّروا في دفعه والحال أنّهم عرفوا علاج دفعه ببيان المخبر الصّادق عليه الصّلاة والسّلام، فبئس الإيمان الّذي لا يكون لخبر المخبر الصّادق اعتبار عند صاحبه مثل اعتبار خبر الكاذب. وصورة الإسلام لا تنفع من النّجاة شيئا بل لا بدّ لحصول النّجاة من تحصيل اليقين وأين اليقين بل لا ظنّ ولا وهم أيضا فإنّ العقلاء يعتبرون الوهم في أمور فيها خطر وخوف وكذلك قال الله تعالى في كتابه المجيد (والله بصير بما تعملون) ومع ذلك أنّهم يعملون هذه الأعمال القبيحة والحال أنّهم لو أحسّوا اطّلاع شخص حقير على أعمالهم لما عملوا حينئذ عملا شنيعا أصلا. فحال هؤلاء لا يخلو عن أحد الحالين: إمّا أن يكذّبوا خبر الحقّ سبحانه، وإمّا أن لا يعتبروا اطّلاعه تعالى. فمثل هذا العمل هل هو من الإيمان أو من الكفر فيلزم لذلك الولد ان يجدّد الإيمان قال عليه الصّلاة والسّلام «جدّدوا إيمانكم بقول لا إله إلّا الله» (1) وأن يعيد توبة نصوحا من أمور لا يرضى بها الله سبحانه وأن يجتنب عن أمور محرّمة منهيّة عنها وأن يؤدّي الصّلوات الخمس مع الجماعة فإن تيسّر قيام اللّيل وصلاة التّهجّد فنعمت السّعادة، وأداء زكاة الأموال أيضا من أركان الإسلام فلا بدّ من أدائها البتّة. وأسهل طرق أدائها أن يعزل حقّ الفقراء من المال في كلّ سنة بنيّة الزّكاة فيحفظه عنده ويصرفه في مصارف الزّكاة في تمام السّنة، فعلى هذا التّقدير لا يلزم تجديد PageV01P122 نيّة أداء الزّكاة في كلّ مرّة بل تكفي النّيّة وقت العزل مرّة واحدة. ومن المعلوم أنّه كم يصرف إلى الفقراء والمستحقّين في جميع السّنة ولكن لمّا لم يكن بنيّة أداء الزّكاة لم يكن محسوبا منها، وفي الصّورة المذكورة تسقط الزّكاة من الذّمّة ويحصل التّخلّص أيضا من الخرج من غير مضايقة، فإن لم يصرف للفقراء في تمام السّنة مقدار الزّكاة بل بقيت منها بقيّة ينبغي أن يحفظها كذلك معزولة عن سائر الأموال، فإنّ مثل هذا العمل يحتاج إليه في كلّ عام، ومتى كان مال الفقراء ممتازا ومعزولا فعسى أن يحصل التّوفيق لإنفاقه غدا وإن لم يحصل اليوم. أيّها الولد، إنّ النّفس بخيلة بالذّات وهاربة من امتثال الأحكام الإلهيّة جلّ سلطانه فلا جرم يصدر الكلام بالرّفق واللّين وإلّا فالأموال والأملاك كلّها حقّ الله تعالى، فأين المجال للعبد في المكث والتّوقّف فيه بل ينبغي أداؤها بالممنونيّة التّامّة، وكذلك ينبغي أن لا يتساهل في أداء العبادات باتّباع هوى النّفس وأن يسعى في أداء حقوق العباد سعيا بليغا وأن يبذل الجهد فيه حتّى لا يبقى لأحد حقّ في الذّمّة فإنّ أداء الحقّ هنا يعني في الدّنيا سهل بحيث يمكن تحصيله بالملايمة والتّملّق، وأمّا في الآخرة فالأمر مشكل غير قابل للعلاج. (وينبغي) الإستفسار عن الأحكام الشّرعيّة والإستفتاء فيها من علماء الآخرة فإنّ لكلامهم تأثيرا فعسى أن يحصل التّوفيق للعمل بها ببركة أنفاسهم. وينبغي الإجتناب عن علماء الدّنيا الّذين جعلوا العلم وسيلة للجاه إلّا أن لا يوجد العلماء المتّقون فيرجع إليهم بالضّرورة بقدر الضّرورة. والحاجّ ميان محمّد الأترة من العلماء المتديّنين هناك والشّيخ عليّ الأترة من أحبابكم وكلّ من هذين الشّخصين مغتنم في تلك النّواحي والرّجوع إليهما في تحقيق المسائل الشّرعيّة أنسب. (أيّها الولد) ما لنا ولأبناء الدّنيا وأيّة مناسبة بيننا وبينهم حتّى نتكلّم في خيرهم وشرّهم، وقد وردت النّصائح الشّرعيّة في هذا الباب على الوجه الأتمّ والأكمل فلله الحجّة البالغة. ولكن لمّا كان ذلك الولد راجعا إلى الفقراء ومنسوبا إليهم من طريق الإنابة كان للقلب توجّه في أكثر الأوقات إلى أحواله، وكان هذا التّوجّه باعثا على القيل والقال. (واعلم) أنّ أكثر هذه النّصائح والمسائل قد بلغه وقرع سمعه ولكنّ المقصود هو العمل لا مجرّد العلم، ألا ترى أنّ مريضا إذا كان عالما بداء مرضه لا ينفعه علمه بذلك الدّواء ولا يحصل الشّفاء بدون أكل الدّواء. وكلّ هذا الإبرام والمبالغة لأجل العمل فإنّ العلم العاري عن العمل يقيم الحجّة على صاحبه قال عليه الصّلاة والسّلام «أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه». وليعلم ذلك الولد انّ الإنابة السّابقة وإن لم تثمر بواسطة قلّة صحبة أرباب الجمعيّة ولكنّها تنبئ عن نفاسة جوهر استعداده. والمرجوّ أن يوفّقه الله سبحانه لمرضيّاته ببركة تلك الإنابة وأن يجعله من أهل النّجاة. وعلى كلّ حال ينبغي أن لا يفلت حبل محبّة هذه الطّائفة، وأن يجعل الإلتجاء والتّضرّع إلى هؤلاء PageV01P123 القوم شعارا وأن ينتظر تشريف الحقّ سبحانه بمحبّته بسبب محبّة هذه الطّائفة وجذبه إليه بالتّمام وتخليصه من الأدناس والأوساخ بالكلّيّة، (شعر): ما العشق إلّا شعلة قد أحرقت ... كلّ الورى إلّا الحبيب الباقي (74) المكتوب الرّابع والسّبعون إلى المرزا بديع الزّمان في التّحريض على محبّة الفقراء والتّوجّه إليهم وعلى اتّباع صاحب الشّريعة عليه الصّلاة والسّلام قد وردت الرّقعة الشّريفة والنّميقة اللّطيفة حمدا لله سبحانه حيث يفهم من فحواه محبّة الفقراء والتّوجّه إلى الدّراويش الّتي هي رأس مال السّعادة لأنّهم جلساء الله سبحانه وهم (1) قوم لا يشقى جليسهم، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستفتح (2) بصعاليك المهاجرين، وقال عليه الصّلاة والسّلام في شأنهم " ربّ أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لابرّه " وقد اندرجت في الصّحيفة الشّريفة فقرة خديو النّشأتين وهذه لغة مخصوص إطلاقها بحضرة واجب الوجود جلّ سلطانه وكيف يسوغ لعبد مملوك لا يقدر على شيء أن يبتغي المشاركة بالله جلّ شأنه بوجه من الوجوه، وأن يسعى ويعدو في طريق الإستقلال خصوصا في النّشأة الأخرويّة الّتي تختصّ فيها المالكيّة والملكيّة سواء كانت بطريق الحقيقة أو بطريق المجاز بمالك يوم الدّين، ويومئذ ينادي الحقّ سبحانه ويقول " لمن الملك اليوم " يقول في جوابه بنفسه " لله الواحد القهّار»، وليس للعباد في ذلك اليوم شيء سوى الهول والدّهشة والنّدم والحسرة وقد أخبر الله سبحانه في القرآن المجيد عن شدّة ذلك اليوم وغاية اضطراب الخلائق حيث قال تبارك وتعالى " إنّ زلزلة السّاعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت وتضع كلّ ذات حمل حملها وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد» (شعر) عن الفعل لا قول بذا اليوم تسأل ... قلوب ذوي الألباب تشوى وتذبل ويدهش فيه الأنبياء جميعهم ... فما عذر ذنب فيك أم كيف تفعل وبقيّة النّصح أنّه لا بدّ من اتّباع صاحب الشّريعة عليه الصّلاة والسّلام والتّحيّة فإنّ النّجاة بدونه محال. وينبغي أن لا يلتفت إلى زخارف الدّنيا وأن لا يعتنى بوجودها وعدمها فإنّ الدّنيا مبغوضة الله سبحانه لا قدر لها عنده تعالى، فينبغي أن يكون عدمها خيرا من وجودها عند العباد. وعدم وفائها وسرعة PageV01P124 زوالها مشهورة بل مشهودة، فاعتبروا بأبنائها الّذين مضوا من قبل. وفّقنا الله وإيّاكم لمتابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (75) المكتوب الخامس والسّبعون إلى المرزا بديع الزّمان أيضا في التّحريض على متابعة سيّد الكونين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بتصحيح العقائد أوّلا وتعلّم الأحكام الفقهيّة الضّروريّة ثانيا وما يناسبه سلّمكم الله سبحانه وعافاكم اعلم أنّ نقد سعادة الدّارين منوط بمتابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات على نهج بيّنه علماء أهل السّنّة شكر الله سعيهم وذلك بتصحيح الإعتقاد أوّلا على مقتضى آراء هؤلاء الأكابر، وبتحصيل علم الحلال والحرام والفرض والواجب والسّنّة والمندوب والمباح والمشتبه ثانيا. ولا بدّ من العمل بمقتضى هذا العلم. وبعد حصول هذين الجناحين الاعتقاديّ والعمليّ إذا سبقت العناية الأزليّة بحصول السّعادة السّرمديّة يتيسّر الطّيران نحو عالم القدس، وبدونها خرط القتاد. والدّنيا الدّنيّة ليست ممّا يخفى فعلها حتّى تعدّ من المطالب، ويظنّ حصول آمالها وجاهها من المقاصد. ينبغي أن يكون عالي الهمّة، فإنّ الإنسان كلّما يجد من الله سبحانه إنّما يجده بالوسيلة، فينبغي إذا طلب الوسيلة إليه تعالى. (ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث * وحيث طلبت الهمّة من كمال الإلتفات فبشرى لك ترجع سالما وغانما، لكن لا بدّ من أن تراعي شرطا واحدا وهو توحيد قبلة التّوجّه، فإنّ جعل قبلة التّوجّه متعدّدة إلقاء السّالك نفسه إلى التّفرقة. ومن الأمثال المشهورة أنّ المقيم في محلّ في كلّ محلّ، والمتردّد بين المحالّ ليس في محلّ أصلا. رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإستقامة على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. والسّلام على من اتّبع الهدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. (76) المكتوب السّادس والسّبعون إلى قلي? خان في بيان أن التّرقّي مربوط بالورع والتّقوى وفي التّحريض على ترك فضول المباحات وما يناسب ذلك عصمكم الله سبحانه عمّا يصمكم وصانكم عمّا شانكم بحرمة سيّد البشر المنفىّ عنه زيغ البصر عليه وعلى آله من الصّلوات أكملها ومن التّسليمات أفضلها. قال الله تعالى " وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " فكان مدار النّجاة على جزأين: امتثال الأوامر، والإنتهاء عن المناهي. ومعظم هذين الجزأين هو الجزء الأخير المعبّر عنه بالورع والتّقوى. ذكر رجل عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم PageV01P125 بعبادة واجتهاد فيها وذكر آخر برعة فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا تعدل بالرّعة (1) شيئا " يعني الورع وقال أيضا عليه من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها: «ملاك (2) دينكم الورع " وفضيلة الإنسان على الملك إنّما هي بسبب هذا الجزء، والتّرقّي في مدارج القرب أيضا من هذا الجزء، فإنّ الملائكة أيضا متشاركون في الجزء الأوّل والتّرقّي مفقود فيهم. فكانت رعاية جزء الورع والتّقوى من أهمّ مهامّ الإسلام وأشدّ ضروريّات الدّين، ورعاية هذا الجزء الّذي مداره على الإجتناب من المحارم إنّما تتيسّر على وجه الكمال إذا حصل الإجتناب عن فضول المباحات واكتفى منها بقدر الضّرورة فإنّ إرخاء عنان النّفس في ارتكاب المباحات يجرّ إلى المشتبهات، والمشتبه قريب من المحرّم ومن (3) حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فلا بدّ إذا في حصول كمال الورع والتّقوى من الإكتفاء بقدر الضّرورة من المباحات، وهو أيضا مشروط بنيّة تحصيل القوّة على أداء وظائف العبوديّة، وإلّا فهذا القدر أيضا وبال ولقليله حكم الكثير. ولمّا كان الإجتناب عن فضول المباحات بالكلّيّة في جميع الأوقات خصوصا في هذا الزّمان متعسّرا وعزيز الوجود، لزم الإجتناب عن المحرّمات وتضييق دائرة ارتكاب فضول المباحات مهما أمكن، وأن يكون نادما على هذا الإرتكاب ومستغفرا منه دائما، وأن يلتجئ ويتضرّع إلى الله تعالى في جميع الأوقات معتقدا أنّ هذا الإرتكاب لفضول المباحات فتح باب الدّخول حوالي المحرّمات. فعسى أن تقوم هذه النّدامة والإستغفار والإلتجاء والتّضرّع مقام الإجتناب عن فضول المباحات، وأن تسدّ مسدّه، وأن تدفع آفاتها وتحفظ عنها. قال واحد من أعزّة الأكابر: انكسار العاصين أحبّ إلى الله تعالى من صولة المطيعين. والإجتناب عن المحرّمات على قسمين: قسم يتعلّق بحقوق الله سبحانه وتعالى، وقسم يتعلّق بحقوق العباد. ورعاية القسم الثّاني أهمّ من رعاية القسم الأوّل، فإنّ الحقّ سبحانه غنيّ على الإطلاق وأرحم الرّاحمين، والعباد فقراء محتاجون وبخلاء ولئام بالذّات. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " من (4) كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلّله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم وإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيّئات صاحبه فحمل عليه " وقال أيضا صلّى الله عليه وسلّم: «أتدرون (5) من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع! فقال: إنّ المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك PageV01P126 دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النّار " صدق رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم. (ونقول) إظهارا لمحمدتكم وشكرا على صنيعكم: إنّ كثيرا من الأحكام الشّرعيّة صار مروّجا في بلدة لا هور بوجودكم في مثل هذا الزّمان وحصلت تقوية الدّين وترويج الملّة في تلك البقعة وهذه البلدة عند الفقير بالنّسبة إلى سائر بلاد الهند كقطب الإرشاد بالنّسبة إلى سائر النّاس، وخير هذه البلدة وبركاتها سار في جميع بلاد الهند فإذا حصل هناك ترويج يتحقّق نحو من التّرويج في كلّ محلّ كان الله سبحانه مؤيّدكم وناصركم. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يزال (1) طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم حتّى يأتي أمر الله وهم على ذلك». ولمّا كان حبل ارتباطكم الحبّيّ بحضرة معدن المعارف شيخنا وقبلتنا قدّس سرّه محكما قويّا، كنت باعثا على تحريك ذلك الإرتباط الحبّيّ بتسويد الأوراق وتحرير بعض الكلمات، والزّيادة على ذلك إطناب. وحامل رقيمة الدّعاء رجل صالح ذو نسب طيّب وقد وقعت له حاجة إلى جنابكم فالمرجوّ رعاية التّوجّه الشّريف في حقّه، وإنجاح حاجته. رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الدّولة الحقيقيّة والسّعادة السّرمديّة بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات (77) المكتوب السّابع والسّبعون إلى جبّارى خان في بيان أنّ عبادة الله الّذي ليس كمثله شيء متّى تكون ميسّرة وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى (شعر): وما عبدوا غير الإله فباطل ... فيا ويل من يختار ما كان باطلا وعبادة الله الّذي ليس كمثله شيء إنّما تتيسّر إذا تخلّص العبد عن رقّيّة سواه جلّ سلطانه بالتّمام، ولم تبق قبلة التّوجّه غير الذّات الأحديّة. ومصداق هذا التّوجّه استواء إنعامه وإيلامه تعالى، بل يكون الإيلام أرغب فيه من الإنعام في ابتداء حصول هذا المقام، وإن انجرّ الأمر أخيرا إلى التّفويض وكان كلّما يصل ويحصل هو الأولى والأنسب. والعبادة الّتي منشؤها الرّغبة والرّهبة فتلك العبادة هي عبادة النّفس في الحقيقة، فإنّ المقصود منها إمّا حصول نجاة النّفس أو سرورها، (شعر): ما دمت مفتونا بنفسك يا خلي ... دعوى المحبّة منك دعوى كاذب PageV01P127 وحصول هذه الدّولة منوط بالفناء المطلق. وهذا التّوجّه من نتيجة المحبّة الذّاتيّة، ومقدّمة ظهور الولاية الخاصّة المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. وحصول هذه النّعمة العظمى موقوف على كمال اتّباع شريعته عليه من الصّلوات أتمّها ومن التّحيّات أكملها فإنّ شريعة كلّ نبيّ الّتي أعطاه الله إيّاها من طريق النّبوّة مناسبة لولايته، فإنّ التّوجّه في الولاية إلى الحقّ بالكلّيّة، فإذا نزل بإذن الله سبحانه إلى مقام النّبوّة ينزل بذلك النّور ويجمع ذلك الكمال مع التّوجّه إلى الخلق. وسبب حصول كمالات مقام النّبوّة هو ذلك النّور أيضا (ولهذا قيل) ولاية النّبيّ أفضل من نبوّته، فلا جرم تكون شريعة كلّ نبيّ مناسبة لولايته واتّباع تلك الشّريعة مستلزم للوصول إلى تلك الولاية. فإن قيل: إنّ بعض من يتبع شريعة نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام لا نصيب له من ولايته صلّى الله عليه وسلّم بل هو على قدم نبيّ آخر وله نصيب من ولايته. (أجيب) إنّ شريعة نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام جامعة لجميع الشّرائع، والكتاب الّذي أنزل إليه شامل لجميع الكتب السّماويّة. فاتّباع هذه الشّريعة كأنّه اتّباع لجميع الشّرائع، فمن له مناسبة لنبيّ من الأنبياء يأخذ نصيبا من ولايته على قدر استعداده ولا محذور فيه. بل أقول إنّ ولايته عليه الصّلاة والسّلام حاوية لولايات جميع الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات. فالوصول إلى واحدة من تلك الولايات وصول إلى جزء من أجزاء هذه الولاية الخاصّة، وسبب عدم الوصول إلى تلك الولاية القصور في كمال متابعته عليه الصّلاة والسّلام، وللقصور درجات. فلا جرم حصل التّفاوت في درجات الولاية، ولو تيسّر كمال الإتّباع لأمكن الوصول إلى تلك الولاية، والإعتراض إنّما يرد إذا حصلت الولاية المحمّديّة لمتابعي شرائع الأنبياء الأخر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات والتّحيّات وليس فليس. الحمد لله الّذي أنعم علينا وهدانا إلى الصّراط المستقيم والدّين القويم. والصّراط المستقيم عبارة عن هذا الطّريق المتين والشّرع المبين (إنّك لمن المرسلين على صراط مستقيم) دليل لهذا المعنى رزقنا الله سبحانه وإيّاكم كمال اتّباع شريعته عليه الصّلاة والسّلام بحرمة كمّل أتباعه ومعظم أوليائه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين آمين. وحامل رقيمة الدّعاء لمّا كان في صدد التّوجّه إلى تلك الحدود صار باعثا على تحريك سلسلة المحبّة بتحرير كلمات. والسّلام عليكم ورحمة الله سبحانه لديكم. (78) المكتوب الثّامن والسّبعون إلى جبّارى خان أيضا في بيان معنى السّفر في الوطن والسّير الآفاقيّ والأنفسيّ وأنّ حصول هذه الدّولة موقوف على اتّباعه صلّى الله عليه وسلّم PageV01P128 رزقنا الله سبحانه الإستقامة على جادّة الشّريعة الحقّة على مصدرها الصّلاة والتّحيّة. قد مضت مدّة من العود من سفر دهلى وأكره إلى الوطن المألوف ونقد الوقت الآن حبّ (1) الوطن من الإيمان فإن وقع السّفر بعد الوصول إلى الوطن فهو في نفس الوطن فإنّ السّفر في الوطن من الأصول المقرّرة عند أكابر الطّائفة النّقشبنديّة العليّة قدّس الله أسرارهم السّنيّة. ويحصل في هذا الطّريق ذوق من هذا السّفر في الإبتداء بطريق اندراج النّهاية في البداية، ويجعل جمع من هؤلاء الطّائفة مجذوبين سالكين إذا أريد ذلك، ويرمون أوّلا في السّير الآفاقيّ ثمّ يجذبون إلى السّير الأنفسيّ بعد تمام السّير الآفاقيّ. والسّفر في الوطن عبارة عن هذا السّير الأنفسيّ (ع) وهذي سعادات تكون نصيب من * (آخر) هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها *. والوصول إلى هذه النّعمة العظمى منوط باتّباع سيّد الأوّلين والآخرين عليه وعلى آله من الصّلوات أكملها ومن التّحيّات أفضلها. وما لم يفن السّالك نفسه في الشّريعة ولم يتحلّ بحلا امتثال الأوامر والإنتهاء عن المناهي لا تصل رائحة من هذه الدّولة إلى مشامّ روحه، فإن حصلت له الأحوال والمواجيد فرضا مع وجود مخالفة الشّريعة، ولو مقدار شعرة فهى داخلة في الإستدراج تفضحه أخيرا، ولا إمكان للخلاص بدون اتّباع محبوب ربّ العالمين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها ينبغي للعاقل أن يصرف حياة أيّام معدودة في مرضيّات الله سبحانه وتعالى، وأيّ صفاء في عيش وأيّة لذّة في معيشة إذا لم يكن مولى العبد راضيا عن أفعاله والحقّ سبحانه وتعالى مطّلع على الأحوال الكلّيّة والجزئيّة وحاضر وناظر، فينبغي أن يستحيي منه سبحانه. فإنّه لو ظنّ اطّلاع مخلوق على الغيوب والأفعال القبيحة لما صدرت حينئذ قبيحة ولا عيب قطعا ولا يراد إطّلاعه على الغيوب البتّة، فأيّ بلاء وقع فإنّ أكثر النّاس لا يتّقون ولا ينقبضون ولا يبالون مع علمهم بحضور الحقّ سبحانه واطّلاعه على الضّمائر والسّرائر فأيّ إسلام هذا حيث لا اعتبار للحقّ عندهم مثل اعتبار هذا المخلوق. نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا فبحكم: جدّدوا إيمانكم بقول لا إله إلّا الله ينبغي أن يجدّد الإيمان في كلّ آن بهذا القول العظيم الشّأن، وأن يتوب إلى الله سبحانه من جميع الأفعال المذمومة وينيب إليه تعالى، فإنّه لا يدري ربّما تكون الفرصة للتّوبة في وقت آخر هلك المسوّفون. حديث نبويّ عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. (وينبغي) أن يغتنم الفرصة ويصرفها في مرضاته تعالى والتّوفيق للتّوبة من عناية الحقّ سبحانه. فينبغي أن يطلب هذا المعنى دائما، وأن يطلب الهمّة من الدّراويش الّذين لهم قدم راسخ في الشّريعة ومعرفة تامّة من عالم الحقيقة، وأن يستمدّ منهم حتّى تظهر عناية الحقّ سبحانه من بابهم فتجذب إلى جناب قدسه تعالى بالتّمام فلا تبقى حينئذ مخالفة أصلا، فإنّه لو وجدت من مخالفة الشّريعة مقدار شعرة فالأمر في خطر، فلا بدّ من سدّ سبل المخالفة بالتّمام، (شعر): PageV01P129 ومن المحال المشي في طرق الصّفا ... يا سعد من غير اتّباع المصطفى صلوات الله سبحانه عليه وعلى آله. ولا ينبغي الإعتراض على أهل الله خصوصا إذا تحقّق في البين اسم المرشديّة والمريديّة، وكان طريق الإفادة والإستفادة مفتوحا. وينبغي أن يعتقده سمّا قاتلا. والزّيادة على ذلك إطناب. وقد حرّرت هذه الكلمات بسبب ارتباط المحبّة والإخلاص. فالمرجوّ أن لا تكون موجبة للملال ثمّ إنّ الملّا عمر وشاه حسينا كليهما من أولاد الكبار يريدان ملازمتكم، فالمرجوّ إدخالهما في زمرة الملازمين المخصوصين وجاء الشّيخ إسماعيل أيضا بهذه الإرادة ولو كان راجلا فالمأمول أن يحتظّ بما يناسب حاله. ولنكتف بهذا القدر من زيادة التّصديع والسّلام والإكرام. (79) المكتوب التّاسع والسّبعون إلى المذكور أيضا في بيان أنّ هذه الشّريعة الغرّاء جامعة للشّرائع المتقدّمة والإتيان بمقتضى هذه الشّريعة إتيان بمقتضى الشّرائع وما يناسب ذلك رزقكم الله سبحانه الثّبات والإستقامة على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وجعلكم متوجّها إلى جناب قدسه بالكلّيّة. وقد تقرّر أنّ محمّدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جامع لجميع الكمالات الأسمائيّة والصّفاتيّة ومظهر جميع الأنبياء على سبيل الإعتدال، والكتاب الّذي أنزل إليه خلاصة جميع الكتب السّماويّة المنزّلة على سائر الأنبياء على نبيّنا وعليهم الصّلوات والتّسليمات، وأيضا إنّ الشّريعة الّتي أعطيها زبدة الشّرائع المتقدّمة، والأعمال بمقتضى هذه الشّريعة الحقّة منتخبة من أعمال الشّرائع، بل من أعمال الملائكة أيضا صلوات الله على نبيّنا وعليهم أجمعين. فإنّ بعض الملائكة مأمورون بالرّكوع وبعضهم بالسّجود وبعضهم بالقيام، وكذلك الأمم السّابقة كان بعضهم مأمورين بصلاة الصّبح وبعضهم بصلاة أخرى. وورد الأمر في هذه الشّريعة بإتيان الأعمال المنتخبة من خلاصة أعمال الأمم السّابقة والملائكة المقرّبين وزبدتها. فالتّصديق بهذه الشّريعة تصديق بجميع الشّرائع والعمل بمقتضاها عمل بمقتضيات تلك الشّرائع، فلا جرم يكون مصدّقوا هذه الشّريعة خير الأمم، وكذلك تكذيب هذه الشّريعة تكذيب لجميع الشّرائع وترك العمل بموجبها ترك العمل بموجب سائر الشّرائع، وكذلك إنكار نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم إنكار لجميع الكمالات الأسمائيّة والصّفاتيّة، وتصديقه تصديق بجميع ذلك، فلا جرم يكون منكره صلّى الله عليه وسلّم ومكذّب شريعته شرّ الأمم ولهذا قال الله تعالى " الأعراب أشدّ كفرا ونفاقا»، (شعر): محمّد سيّد الكونين من عرب ... تعسا لمن لم يكن في بابه تربا PageV01P130 الحمد لله ذي الإنعام والمنّة قد صار حسن الإعتقاد وحسن الظّنّ بالشّريعة وصاحبها عليه الصّلاة والسّلام والتّحيّة مشهودا فيك بأحسن الوجوه، وكانت النّدامة على الأوضاع المذمومة ممدّتك ومعينتك دائما زادهما الله سبحانه وتعالى. ثمّ إنّ حامل رقيمة الدّعاء الشّيخ ميان مصطفى من نسل القاضي شريح وقد كانت أسلافه الأكابر من كبراء هذه الدّيار وكانت لهم وظائف كثيرة وأسباب معيشة وافرة، وقد توجّه المشار إليه إلى العسكر بسبب ضيق المعيشة ومعه إسناده ومنشوره. فالمرجوّ حصول الجمعيّة له بواسطتكم. والزّيادة على ذلك موجبة للتّصديع، وينبغي تفويض المشار إليه إلى الصّدور العظام على نهج يتيسّر له الأمر فيكون سببا لجمعيّة أرباب التّفرقة والسّلام والإكرام. (80) المكتوب الثّمانون إلى المرزا فتح الله الحكيم في بيان أنّ الفرقة النّاجية من بين الفرق الثّلاثة والسّبعين فرقة أهل السّنّة والجماعة وفي المنع من الإلتفات إلى الفرق المبتدعة والإختلاط معهم وما يناسب ذلك رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإستقامة على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة (ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث * وكلّ فرقة من الفرق الثّلاث والسّبعين يدّعون أنّهم متّبعون للشّريعة ويجزمون بكونهم ناجين " كلّ حزب بما لديهم فرحون " مصداق حالهم ونقد وقتهم، وأمّا الدّليل الّذي بيّنه النّبيّ الصّادق عليه من الصّلوات أكملها ومن التّسليمات أفضلها على تمييز فرقة ناجية من تلك الفرق المتعدّدة فهو قوله صلّى الله عليه وسلّم " الّذين (1) هم على ما أنا عليه وأصحابي " وذكر الأصحاب مع وجود الكفاية بذكر صاحب الشّريعة عليه الصّلاة والسّلام والتّحيّة في ذلك المحلّ يمكن أن يكون للإيذان بأنّ طريقي هو طريق الأصحاب، وطريق النّجاة منوط باتّباع طريقهم فحسب. كما قال الله تعالى " ومن يطع الرّسول فقد أطاع الله " فكان إطاعة الرّسول عين إطاعة الله تعالى وخلاف إطاعته صلّى الله عليه وسلّم عين معصيته تعالى وتقدّس. وقد أخبر الله سبحانه عن حال جماعة زعموا طاعته تعالى خلاف طاعة الرّسول وحكم بكفرهم حيث قال سبحانه " يريدون أن يفرّقوا بين الله ورسوله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض " الآية. فدعوى اتّباع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بدون اتّباع طريق الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين دعوى باطل، بل ذلك الإتّباع في الحقيقة عين معصية الرّسول عليه PageV01P131 الصّلاة والسّلام. فأين المجال لطمع النّجاة في ذلك الطّريق " يحسبون أنّهم على شيء ألا إنّهم هم الكاذبون " مطابقة لحالهم، ولا شكّ أنّ الفرقة الملتزمة لإتّباع أصحابه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام أهل السّنّة والجماعة شكر الله سعيهم فهم الفرقة النّاجية، فإنّ الطّاعنين في أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كالشّيعة والخوارج محرومون من اتّباعهم. وللمعتزلة مذهب على حدة محدث ورئيسهم واصل بن عطاء كان من أصحاب حسن البصرىّ ثمّ اعتزل مجلسه وصار يقول بإثبات الواسطة بين الكفر والإيمان. فقال الحسن: اعتزل عنّا وعلى هذا القياس سائر الفرق. والطّعن في الأصحاب طعن في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الحقيقة. ما آمن برسول الله صلّى الله عليه وسلّم من لم يوقّر أصحابه، فإنّ خبثهم ينجرّ إلى خبث صاحبهم نعوذ بالله من هذا الإعتقاد السّوء. (وأيضا) إنّ أحكام الشّريعة الّتي وصلت إلينا من طريق القرآن والأحاديث إنّما وصلت بتوسّط نقلهم، فإذا كان هؤلاء مطعونا فيهم يكون نقلهم أيضا مطعونا فيه. وهذا النّقل ليس مخصوصا ببعض دون بعض، بل كلّهم في العدالة والصّدق والتّبليغ سواء. فالطّعن في واحد منهم أيّ واحد كان طعنا في الدّين والعياذ بالله سبحانه منه. (فإن) قال الطّاعنون في الأصحاب: نحن أيضا نتابعهم ولكن لا يلزم في تحقّق المتابعة متابعة الجميع بل ذلك غير ممكن لتناقض آرائهم واختلاف مذاهبهم. (أجيب) انّ متابعة البعض إنّما تنفع إذا لم يوجد إنكار الباقين، ومتى تحقّق إنكار البعض لا يتحقّق متابعة البعض الآخر. فإنّ عليّا كرّم الله وجهه كان يوقّر الخلفاء الثّلاثة ويعظّمهم رضوان الله عليهم أجمعين وبايعهم عالما باستحقاقهم الإقتداء بهم. فدعوى متابعته مع وجود إنكارهم افتراء محض وادّعاء صرف، بل إنكارهم إنكار في الحقيقة لسيّدنا عليّ كرّم الله وجهه وردّ صريح لأقواله وأفعاله وتجويز احتمال التّقاة في حقّ أسد الله من غاية سخافة العقل، فإنّ العقل الصّحيح لا يجوّز إضمار بغض الخلفاء الثّلاثة لأسد الله قريبا من مدّة ثلاثين سنة، وإظهار خلافه وصحبته معهم على النّفاق أصلا. فإنّ مثل هذا النّفاق لا يتصوّر من أدنى أهل الإسلام. فينبغي التّأمّل والتّفكّر في شناعة هذا الفعل فإنّه يستلزم نسبة ضعف كبير ووهن كثير وخديعة شنيعة إلى أسد الله عليّ كرّم الله وجهه فلئن جوّزنا التّقاة في حقّ أسد الله على سبيل فرض المحال فماذا يقولون في تعظيم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للخلفاء الثّلاثة، وتوقيره إيّاهم من الإبتداء إلى الإنتهاء، فإنّه لا مساغ فيه للتّقاة، لأنّ تبليغ ما هو الحقّ واجب على الرّسول وتجويز التّقاة هناك ينجرّ إلى الزّندقة. قال الله تعالى " يا أيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك فإن لم تفعل فما بلّغت رسالته " قال الكفّار: إنّ محمّدا يظهر من الوحي ما يوافقه ويخفي منه ما يخالفه ومن المقرّر أن تقرير النّبيّ على الخطأ غير جائز وإلّا يتطرّق الخلل إلى شريعته، فإذا لم يصدر منه صلّى الله عليه وسلّم خلاف تعظيم الخلفاء الثّلاثة، ولم يظهر ما ينافي توقيرهم، علم أنّ تعظيمه وتوقيره صلّى الله عليه وسلّم إيّاهم مصون عن الخطأ ومحفوظ عن الزّوال. PageV01P132 (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونبيّن جواب اعتراضهم يعني شبهتهم أوضح ممّا سبق وأنقح فنقول: إنّ متابعة جميع الأصحاب واجبة في أصول الدّين فإنّه لا اختلاف بينهم في الأصول وإنّما اختلافهم في الفروع فقط، فالّذي يطعن في بعضهم فهو محروم من متابعة جميعهم وكلمة الأصحاب وإن كانت في نفسها متّفقة ولكنّ شؤم الإنكار لأكابر الّذين يخرجها من الإتّفاق إلى الإختلاف، بل يجرّ إنكار القائل إلى إنكار المقول، وأيضا إنّ مبلّغي الشّريعة جميع الأصحاب كما مرّ، لأنّ الأصحاب كلّهم عدول وبلغ من كلّ واحد شيء من الشّريعة إلينا، وكذلك جمعوا القرآن أخذا من كلّ واحد منهم آية فما فوقها. فإنكار البعض إنكار لمبلّغي القرآن، فلا يتحقّق الإتيان بجميع الشّريعة في حقّ المنكر، فكيف النّجاة والفلاح. قال الله تعالى " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض " الآية. مع أنّا نقول: إنّ جامع القرآن عثمان بل أبو بكر الصّدّيق وعمر الفاروق رضي الله عنهم وما جمعه عليّ كرّم الله وجهه وما حواه فهو سوى هذا القرآن. فينبغي التّأمّل والتّفكّر، فإنّ إنكار هؤلاء الأكابر ينجرّ إلى إنكار القرآن في الحقيقة عياذا بالله سبحانه منه. (سأل) شخص مجتهد أهل التّشيّع يعني في زعمهم أنّ القرآن جمعه عثمان. فما اعتقادك في حقّ هذا القرآن؟ فقال: لا أرى المصلحة في إنكاره فإنّ بإنكاره ينهدم الدّين بالتّمام وأيضا إنّ العاقل (1) لا يجوز اجتماع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أمر باطل قبل مرور يوم من رحلته صلّى الله عليه وسلّم ومن المقرّر أنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانوا يوم رحلته مقدار ثلاث وثلاثين ألفا، وبايع كلّهم الصّدّيق الأكبر بالطّوع والإختيار، واجتماع جميع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في تلك الحالة على الضّلالة من جملة المحالات. وقد قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يجتمع (2) أمّتي على الضّلالة " وتأخّر عليّ كرّم الله وجهه يعني: من البيعة في الإبتداء ليس إلّا لعدم دعوتهم إيّاه إلى المشورة كما قال بنفسه: ما غضبنا إلّا لتأخّرنا عن المشورة وإلّا لنعلم أنّ أبا بكر خير منّا إلخ وعدم دعوتهم ايّاه يمكن أن يكون مبنيّا على مصلحة كتسلية أهل البيت بقعوده عندهنّ في الصّدمة الأولى من المصيبة أو نحو ذلك. والإختلاف الواقع بين الأصحاب ليس منشأه الهوى النّفسانيّ، فإنّ نفوسهم قد تزكّت وتخلّصت من أن تكون أمّارة بالسّوء وصارت مطمئنّة وكانت أهواؤهم تابعة للشّريعة، بل كان مبناه على الإجتهاد PageV01P133 وإعلاء الحقّ، فللمخطئ منهم درجة واحدة عند الله وللمصيب عشر درجات. فينبغي إذا حفظ اللّسان من أذاهم وجفاهم وأن يذكر كلّا منهم بخير. قال الإمام الشّافعيّ رحمه الله تعالى: تلك دماء طهّر الله أيدينا عنها فلنطهّر عتها ألسنتنا. وقال أيضا: اضطرّ النّاس بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يجدوا تحت أديم السّماء خيرا من أبي بكر فولّوه رقابهم. وهذا القول تصريح منه بنفي التّقاة ورضاء عليّ كرّم الله وجهه بيعة الصّدّيق رضي الله عنه. (بقيّة) المقصود أنّ الميان سيدن ولد الشّيخ ميان أبي الخير من أولاد الكبار، وقد سافر إلى دكّن في رفاقتكم فيرجى في حقّه التفاتكم وعنايتكم وأيضا انّ مولانا محمّدا عارفا طالب علم ومن أولاد الكبار وكان أبوه عالما وقد جاء لأجل الإستمداد في أمر المعاش فيرجى التّوجّه إليه والسّلام والإكرام. (81) المكتوب الحادي والثّمانون إلى لالابك في التّحريض على ترويج الإسلام وبيان حصول الوهن والضّعف للإسلام والمسلمين واستيلاء الكفّار الأشرار وغلبتهم زادنا الله وإيّاكم حميّة الإسلام وقد بلغت غربة الإسلام منذ قرن واحد مبلغا، وغاية لا يرضى أهل الكفر بمجرّد إجراء أحكام الكفر في بلاد الإسلام، بل يريدون إزالة أحكام الإسلام ورفعها بالكلّيّة، ويجتهدون في إعدام أثر الإسلام والمسلمين، وبلغ الأمر حدّا لو أظهر مسلم شيئا من شعار الإسلام يذيقونه القتل. وذبح البقرة من أعظم شعائر الإسلام في بلاد الهند، ولعلّ الكفّار يرضون بأداء الجزية ولا يرضون بذبح البقرة أصلا. فإن حصل الرّواج والقوّة للإسلام والإعتبار للمسلمين في ابتداء السّلطنة فبها، وإلّا فالأمر مشكل في حقّ المسلمين جدّا الغياث الغياث ثمّ الغياث الغياث. ويا سعادة من يستسعد بهذه السّعادة، ويا إقبال باز يصيد هذه الدّولة ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها والسّلام. (82) المكتوب الثّاني والثّمانون إلى إسكندر خان اللّوديّ في بيان أنّ سلامة القلب لا تتصوّر بدون نسيان ما سوى الحقّ جلّ وعلا وهذا النّسيان معبّر عنه بالفناء PageV01P134 جعلكم الله سبحانه معه على الدّوام ولا يترك مع غيره من الأنام بحرمة سيّد البشر المطهّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. وما هو اللّازم لنا ولكم سلامة القلب من غير الحقّ سبحانه وهذه السّلامة إنّما تتيسّر إذا لم يبق لغير الحقّ سبحانه مرور وخطور على القلب، وعدم مرور الغير منوط بنسيان ذلك الغير المعبّر عنه بالفناء عند هذه الطّائفة العليّة. ويبلغ ذلك النّسيان مبلغا لو أرادوا إخطار الغير بالبال وإيقاعه في القلب بالتّكلّف فرضا لا يخطر أبدا ولا يقع سرمدا، وما لم يبلغ النّسيان هذه المرتبة فسلامة القلب محال. وهذه النّسبة يعني نسيان السّوى بهذه المرتبة صارت الآن كعنقاء المغرب، بل لا يصدّق بها إن أخبر عنها، (شعر): هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها ... وللعاشق المسكين ما يتجرّع وماذا نكتب أزيد من ذلك والسّلام أوّلا وآخرا. (83) المكتوب الثّالث والثّمانون إلى بهادر خان في التّحريض على الجمع بين جمعيّتي الظّاهر والباطن مع الإستقامة على الشّريعة والحقيقة رزقكم الله سبحانه النّجاة من تعلّقات شتّى وجعلكم مقبلا على جناب قدسه بالكلّيّة بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أكملها ومن التّسليمات أفضلها، (شعر): من كان في قلبه مثقال خردلة ... سوى هوى الحقّ فاعلم أنّه مرض وتحلية الظّاهر بالشّريعة الغرّاء، وربط الباطن على الدّوام بالله أمر عظيم. أيّ صاحب دولة يشرّف بهاتين النّعمتين العظيمتين والجمع بين هاتين النّسبتين في هذا الوقت، بل الإستقامة على ظاهر الشّريعة عزيز الوجود جدّا، بل أعزّ من الكبريت الأحمر. رزق الله سبحانه من كمال كرمه كرامة الإستقامة على متابعة سيّد الأوّلين والآخرين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ظاهرا وباطنا. (84) المكتوب الرّابع والثّمانون إلى السّيّد أحمد القادريّ في بيان أنّ كلّا من الشّريعة والحقيقة عين الآخر وأنّ علامة الوصول إلى مرتبة حقّ اليقين مطابقة علوم ذلك المقام ومعارفها بالعلوم الشّرعيّة ومعارفها وما يناسب ذلك رزقكم الله سبحانه الإستقامة على جادّة الشّريعة وجعل جميع همّتكم التّوجّه إلى جناب قدسه وأخذك عنده بالتّمام ويسّر لك ولنا الإعراض عمّا سواه بالكلّيّة بحرمة سيّد البشر المقدّس عن زيغ البصر عليه من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها وعلى آله وأصحابه أجمعين آمين. (ع) وأحسن ما PageV01P135 يملى حديث الأحبّة * وكلّما قيل عن الحبيب وإن لم يكن من كلامه، ولكن لمّا كان لهذا الكلام نوع مناسبة بجنابه تعالى وتقدّس نغتنم هذا المعنى المناسب ونجترئ في إطالة اللّسان في ذلك الباب المقصود: انّ كلّا من الشّريعة والحقيقة عين الآخر لا تمايز بينهما في الحقيقة غير الإجمال والتّفصيل والإستدلال والكشف والعيبة والشّهادة والتّعمّل وزواله، فإنّ الأحكام والعلوم الّتي صارت معلومة بموجب بيان الشّريعة الغرّاء تنكشف تلك العلوم والأحكام بعينها تفصيلا بعد التّحقّق بحقيقة حقّ اليقين، وتخرج من الغيبة إلى الشّهادة ويرتفع تجشّم الكسب وتمحّل العمل من البين وعلامة الوصول إلى مرتبة حقّ اليقين مطابقة علوم ذلك المقام ومعارفه بعلوم الشّريعة ومعارفها، فلو بقيت المخالفة مقدار شعرة فهو دليل على عدم الوصول إلى حقيقة الحقائق وكلّما وقع من مشائخ الطّريقة ممّا يخالف الشّريعة من علم أو عمل، فهو مبنيّ على سكر الوقت. وسكر الوقت لا يقع إلّا في أثناء الطّريق. وحال المنتهين إلى نهاية النّهاية كلّه صحو، والوقت مغلوب فعالهم والحال والمقام تابعان لكمالهم، (شعر): صوفيّ ابن الوقت آمد في المثال ... كلّ صاف فارغ عن كلّ حال فتحقّق من ذلك أنّ مخالفة الشّريعة علامة عدم الوصول إلى حقيقة الأمر. ووقع في عبارة بعض المشائخ أنّ الشّريعة قشر الحقيقة والحقيقة لبّ الشّريعة، وهذا الكلام وإن كان منبئا عن عدم استقامة قائله ولكن يمكن أن يكون مراده به أنّ المجمل حكمه بالنّسبة إلى المفصّل كحكم القشر بالنّسبة إلى اللّبّ، والإستدلال في جنب الكشف كالقشر في جنب اللّبّ. وأمّا الأكابر المستقيموا الأحوال فلا يجوّزون التّكلّم بأمثال هذه العبارة الموهمة للمخالفة، ولا يثبتون الفرق بينهما غير الإجمال والتّفصيل والإستدلال والكشف. سأل سائل الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس الله سرّه الأقدس أنّه ما المقصود من السّير والسّلوك؟ فقال: كون المعرفة الإجماليّة تفصيليّة والإستدلاليّة كشفيّة رزقنا الله سبحانه الثّبات والإستقامة على الشّريعة علما وعملا صلوات الله وسلامه على صاحبها. وبقيّة التّصديع: أنّ حامل رقيمة الدّعاء الشّيخ مصطفى الشّريحيّ من نسل القاضي شريح وكان آباؤه وأجداده من الأكابر وأصحاب وظائف وفيرة ومعائش كثيرة وقد توجّه إلى العسكر بسبب اضطراره من فقدان أسباب المعيشة، وأخذ معه إسناده ومنشوره. والمأمول التفاتكم وتوجّهكم إلى حاله على نهج يكون سببا لحصول الجمعيّة وينجو من الإضطراب والتّفرقة. ولنكتف بهذا القدر من زيادة التّصديع. (85) المكتوب الخامس والثّمانون إلى المرزا فتح الله الحكيم في التّحريض على إتيان الأعمال الصّالحة خصوصا على أداء الصّلوات بالجماعة وما يناسب ذلك PageV01P136 وفّقكم الله سبحانه لمرضيّاته واعلم: أنّ الإنسان كما أنّه لا بدّ له من تصحيح الإعتقادات، كذلك لا بدّ له من إتيان الأعمال الصّالحات. وأجمع العبادات وأقرب الطّاعات هو أداء الصّلاة كما قال عليه الصّلاة والسّلام «الصّلاة عماد الدّين فمن أقامها فقد أقام الدّين ومن تركها فقد هدم الدّين " ومن وفّق لمواظبة أداء الصّلاة فقد امتنع عن الفحشاء والمنكر وقوله تعالى " إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " مؤيّد لهذا الكلام، والصّلاة الّتي ليست بهذه المثابة يعني لم تمنع صاحبها عن الفحشاء والمنكر فهي صورة الصّلاة لا حقيقة لها ولكن ينبغي أن لا تترك الصّورة إلى أن تحصل الحقيقة فإنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه، ولا يستبعد اعتبار أكرم الأكرمين الصّورة وأن يقبلها مكان الحقيقة. فعليكم المواظبة على أداء الصّلاة مع الجماعة ومع الخشوع والخضوع فإنّها سبب النّجاة والفلاح قال الله تعالى " قد أفلح المؤمنون الّذين هم في صلاتهم خاشعون». والحاصل أنّه ينبغي أن يعمل مع وجود الخطر يعني الرّدّ ألا ترى أنّ العساكر يحصل لهم اعتبار كثير في مقابلة حركتهم اليسيرة ومناضلتهم القليلة وقت غلبة العدوّ، وإنّما يعتبر صلاح الشّبّان لأنّهم اختاروا لصلاح وكلّفوا أنفسهم عليه مع وجود غلبة الشّهوة النّفسانيّة فيهم، وقد نال أصحاب الكهف جميع تلك الحشمة والعظمة والرّتبة عند الله تعالى بسبب هجرة واحدة من مخالفي الدّين. وورد في الحديث النّبويّ عليه الصّلاة والسّلام «عبادة في الهرج كهجرة إليّ " فكان المنافي عين الباعث في الحقيقة. وماذا نكتب أزيد من ذلك. وصحبة الفقراء غير مرغوبة فيها لدى ولدي بهاء الدّين، بل ميله وانجذابه إلى أهل الثّروة والغنا وأرباب التّنعّم والإستغناء، ولا يدرى أنّ صحبتهم سمّ قاتل ولقمتهم السّمينة يعني أطعمتهم اللّذيذة زائدة في ظلمة الباطن وقساوة القلب. الحذر الحذر ثمّ الحذر الحذر منهم. وورد في الحديث الصّحيح على مصدره الصّلاة والسّلام " من تواضع للغنيّ لغناه ذهب ثلثا دينه " فويل لمن تواضعهم لغناهم والله سبحانه الموفّق. (86) المكتوب السّادس والثّمانون إلى شخص من حكّام بعض القصبة في بيان سلامة القلب عمّا سواه تعالى رزقكم الله سبحانه الإستقامة على حدّ الإعتدال ومركز العدالة بجاه سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها، وما هو اللّازم لنا ولكم سلامة القلب من التّعلّق بما سوى الحقّ تعالى. وهذه السّلامة إنّما تتحقّق على تقدير عدم بقاء خطور غيره تعالى في القلب بحيث لو امتدّت الحياة إلى ألف سنة فرضا لا يقع الغير في القلب بواسطة نسيان ما سواه تعالى الحاصل للقلب، (ع) هذا هو الأمر والباقي من الهوس * PageV01P137 وقد قلتم وقت الملاقاة على وجه الكرم إنّه إذا وقع أمر مهمّ لازم الرّجوع فيه ينبغي أن تكتبوه إلينا فبناء على ذلك اجترئ على التّصديع: انّ الشّيخ عبد الله الصّوفيّ من الصّلحاء وقد ركبه الدّين بسبب أداء بعض حوائجه فالمرجوّ حصول المدد له منكم في تخليص ذمّته والسّلام. (87) المكتوب السّابع والثّمانون إلى ?هلوان محمود في بيان سعادة من قبله أولياء الله تعالى سلّمكم الله وثبّتكم على جادّة الشّريعة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. أوّل بشارات جماعتكم قدوم الشّيخ ميان مزّمّل وماذا أبيّن من بركات صحبته، وأيّ سعادة أفضل من قبول أولياء الله عزّ وجلّ شخصا، فكيف لو امتاز بمحبّتهم وقربهم هم قوم لا يشقى جليسهم وبالجملة ينبغي اغتنام صحبتهم، حتّى تكون مؤثّرة. وماذا نكتب أزيد من ذلك والسّلام أوّلا وآخرا. (88) المكتوب الثّامن والثّمانون إلى المذكور أيضا في بيان فضيلة الشّيب في الإيمان والصّلاح ولزوم غلبة الخوف في عهد الشّباب والرّجاء في الشّيخوخة جعلكم الله سبحانه معه على الدّوام. أيّ نعمة أعظم من الشّيب في الإيمان والصّلاح وورد في الحديث النّبويّ عليه الصّلاة والسّلام «من شاب شيبة في الإسلام غفر له " ينبغي بعد الشّيب أن يرجّح جانب الرّجاء وأن يغلّب ظنّ المغفرة، فإنّ الخوف ينبغي أن يكون أزيد في عهد الشّباب، وأمّا في سنّ الشّيخوخة فلا ينبغي إلّا ترجيح الرّجاء والسّلام أوّلا وآخرا. (89) المكتوب التّاسع والثّمانون إلى المرزا علي جان في التّعزية رزقكم الله سبحانه الإستقامة على جادّة الشّريعة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة واعلم أنّه لا بدّ للإنسان من الموت تصديقا لقوله تعالى: «كلّ نفس ذائقة الموت " فطوبى لمن طال عمره وكثر عمله. والموت هو الّذي يتسلّى به المشتاقون، وجعل وسيلة لوصول الحبيب إلى الحبيب " من كان يرجو لقاء الله فإنّ أجل الله لآت " نعم إنّ أحوال العاجزين المحرومين من دولة الحضور، والوصول إلى مطلب الواصلين المجرّدين من رقّيّة السّوى خراب وأبتر. وقد كانت المرحومة وليّة نعمتكم مغتنمة لكم في هذه الآوان جدّا، واللّازم لكم الآن مكافأة الإحسان بالإحسان، والإمداد بالدّعاء والصّدقة ساعة فساعة، فإنّ الميّت كالغريق ينتظر دعوة ملحقة من أب أو أمّ أو صديق. (وأيضا) ينبغي لكم أن تعتبروا من موتها PageV01P138 وتتذكّروا موتكم وأن تقبلوا على مرضيّات الحقّ سبحانه بالكلّيّة، وأن لا تعدّوا الحياة الدّنيويّة غير متاع الغرور، فإن كان للتّمتّعات الدّنيويّة مقدار شعرة من الإعتبار لما منح بها الكفّار ولما أعطيها الأشرار. رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإعراض عمّا سوى الله سبحانه والإقبال على جناب قدسه بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها والسّلام والإكرام. (90) المكتوب التّسعون إلى الخواجه قاسم في التّحريض على التّوجّه إلى الحقّ سبحانه بالكلّيّة وبيان أنّ حصول هذه الدّولة موقوف في هذا الوقت على الإخلاص لهذه الطّائفة العليّة النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم والتّوجّه إليهم جعل الله سبحانه الدّنيا الدّنيّة حقيرة المقدار عديمة الإعتبار في نظر همّتكم، وجعل جمال الآخرة محلّى ومزيّنا في مرآة بصيرتكم بحرمة سيّد البشر المطهّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها. قد وصل مكتوبكم الشّريف المرسل على وجه الإلتفات مع الهدايا المحترمة جزاكم الله سبحانه على كرمكم خير الجزاء. والنّصيحة الّتي ينصح بها المحبّون والمخلصون هو التّرغيب في السّعي والإجتهاد في تحصيل الإقبال بالكلّيّة على جناب قدسه تعالى، والإعراض عمّا سواه عزّ شأنه. (ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث * وحصول هذه الدّولة العظمى موقوف في هذا الوقت على الإخلاص للطّائفة العليّة النّقشبنديّة والتّوجّه إليهم. فإنّ الّذي يحصل في صحبتهم الواحدة لا يتيسّر بالرّياضات الشّديدة والمجاهدات الشّاقّة في مدّة مديدة، وذلك لأنّ في طريق هؤلاء الأكابر اندراج النّهاية في البداية بحيث يعطى في أوّل صحبتهم ما يقع في يد المنتهين في نهايتهم. وطريق هؤلاء الأكابر هو طريق الأصحاب الكرام فإنّه كان يحصل لهم في أوّل صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات ما يندر حصوله لأولياء الامّة في النّهاية، وهذا طريق اندراج النّهاية في البداية فعليكم بمحبّة هؤلاء الأكابر فإنّها ملاك الأمر. والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (91) المكتوب الحادي والتّسعون إلى الشّيخ الكبير في بيان أنّ تصحيح العقائد وإتيان الأعمال الصّالحة كليهما جناحان للطّيران إلى عالم القدس وأنّ المقصود من أعمال الشّريعة وأحوال الحقيقة هو تزكية النّفس وتصفية القلب PageV01P139 رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإستقامة على متابعة السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة واعلم: أنّ الّذي لا بدّ منه هو تصحيح الإعتقاد أوّلا على وفق آراء علماء أهل السّنّة والجماعة الّذين هم الفرقة النّاجية ثمّ العمل بمقتضى الأحكام الفقهيّة ثانيا فإذا حصل هذان الجناحان الإعتقاديّ والعمليّ ينبغي أن يقصد الطّيران إلى عالم القدس (ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث * والمقصود من أعمال الشّريعة وأحوال الطّريقة والحقيقة هو تزكية النّفس وتصفية القلب وما لم تتزكّ النّفس لا تحصل السّلامة للقلب، ولا يحصل الإيمان الحقيقيّ الّذي به نيطت النّجاة. وسلامة القلب إنّما تتصوّر إذا لم يخطر ما سواه تعالى في القلب أصلا بحيث لو مضى ألف سنة مثلا لا يقع الغير في القلب ولا يمرّ عليه قطعا لأنّه قد حصل للقلب حينئذ نسيان السّوى بالكلّيّة، بحيث لو ذكّروه بالتّكليف لما يتذكّر. وهذه الحالة هي المعبّر عنها بالفناء وأوّل قدم في هذا الطّريق والسّلام أوّلا وآخرا. (92) المكتوب الثّاني والتّسعون إلى المذكور أيضا في بيان أنّ اطمئنان القلب إنّما هو بالذّكر لا بالإستدلال والنّظر ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة: أَلا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (1). وطريق اطمئنان القلب إنّما هو ذكر الله تعالى دون النّظر والإستدلال، (شعر): أقدام أرباب الحجى كالخزف ... وما الّذي تمكينه يا أسفى فإنّ في الذّكر اكتساب المناسبة بجناب قدسه تعالى وإن لم تكن مناسبة أصلا يعني في الحقيقة ما للتّراب وربّ الأرباب ولكن يحصل بين الذّاكر والمذكور نوع من الارتباط والعلاقة الموجبة للمحبّة، فإذا استولت المحبّة على الذّاكر فلا شيء بعده سوى الإطمئنان أصلا، وإذا بلغ الأمر اطمئنان القلب كانت الدّولة الأبديّة نقد الوقت، (شعر): عليكم بذكر الحقّ دواما فإنّه ... جلاء القلوب والغذاء للأرواح والسّلام أوّلا وآخرا. (93) المكتوب الثّالث والتّسعون إلى اسكندر خان اللّودىّ في التّحريض على صرف الأوقات إلى ذكر الله سبحانه وتعالى PageV01P140 ينبغي: صرف الأوقات إلى ذكر الله تعالى بعد أداء الصّلوات الخمس مع الجماعة وأداء السّنن الرّواتب، وأن لا يشتغل بغيره سواء كان وقت الأكل أو النّوم أو المشي. وقد بيّن لكم طريق الذّكر، فينبغي الإشتغال به بهذا الطّريق المعهود. فإن طرأ الفتور على الجمعيّة ينبغي البحث عن سبب ذلك الفتور وتعيينه وتشخيصه أوّلا، ثمّ التّشبّث بأسباب تلافي التّقصير ثانيا. وينبغي التّوجّه إلى الحقّ سبحانه بالإلتجاء والتّضرّع التّامّ، وأن يسأله سبحانه دفع ظلمة الفتور والتّقصير وأن يتوسّل بالشّيخ الّذي أخذ عنه الذّكر. والله سبحانه الميسّر كلّ عسير والسّلام. (94) المكتوب الرّابع والتّسعون إلى خضر خان اللّودىّ في بيان أنّه لا بدّ للإنسان من تصحيح العقائد وإتيان الأعمال الصّالحة ليطير بهذين الجناحين إلى العالم الحقيقة رزقكم الله سبحانه الإستقامة على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. والّذي لا بدّ منه للإنسان هو تصحيح العقائد أوّلا على مقتضى آراء أهل السّنّة والجماعة الصّائبة الّذين هم الفرقة النّاجية، وإتيان الأعمال الصّالحة ثانيا بموجب الأحكام الفقهيّة. فإن ساعد التّوفيق الإلهيّ بعد تعلّم أحكام الفرائض والسّنن والواجبات والمستحبّات والحلال والحرام والمشتبهات وحصول هذين الجناحين الإعتقاديّ والعمليّ، يمكن الطّيران نحو عالم الحقيقة، وبدون حصول هذين السّاعدين يستحيل الطّيران نحوها، (شعر): ومن المحال السّير في طرق الصّفا ... يا سعد من غير اتّباع المصطفى ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على متابعته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (95) المكتوب الخامس والتّسعون إلى السّيّد بجواره في بيان أنّ الإنسان نسخة جامعة وقلبه أيضا مخلوق على وصف الجامعيّة وتوجيهات أقوال بعض المشايخ الواقعة حالة السّكر وما يناسب ذلك اعلم: أنّ الإنسان نسخة جامعة، وكلّما هو موجود في جميع الكائنات متفرّقا موجود في الإنسان وحده، ولكن من عالم الإمكان بطريق الحقيقة، ومن مرتبة الوجوب بطريق الصّورة " انّ الله خلق آدم على PageV01P141 صورته» (1) وهذه الجامعيّة ثابتة لقلب الإنسان فإنّ جميع ما هو في كلّيّة الإنسان فهو موجود في القلب وحده، ولهذا يقال له الحقيقة الجامعة. ومن حيثيّة هذه الجامعيّة أخبر بعض المشائخ عن وسعة القلب بقوله: لو ألقي العرش وما فيه في زاوية قلب العارف لما أحسّ به أصلا فإنّ القلب جامع للعناصر والأفلاك والعرش والكرسيّ والعقل والنّفس وشامل للمكانيّ واللّامكانىّ فلا جرم لا يكون للعرش مقدار في جنب القلب بواسطة شموله للإمكانيّة لأنّ العرش وما فيه مع وجود الوسعة فيه داخل في دائرة الإمكان، والمكانيّ وإن كان وسيعا في حدّ ذاته لكنّه ضيّق في جنب الإمكانيّ لا مقدار له بالنّسبة إليه. ولكنّ أرباب الصّحو من المشائخ قدّس الله أسرارهم يعلمون أنّ هذا الحكم مبنيّ على السّكر ومحمول على عدم التّمييز بين حقيقة الشّيء وبين انموذجه، فإنّ العرش المجيد الّذي هو محلّ الظّهور التّامّ أجلّ وأرفع من أن يكون له حصول في القلب، والّذي يرى في القلب من العرش فهو أنموذج العرش لا حقيقته، ولا شكّ أنّه لا مقدار لهذا الأنموذج في جنب القلب، فإنّه جامع لانموذجات غير متناهية. ولا يقال للمرآة الّتي ترى فيها السّموات مع هذه الوسعة والكبر بأشياء أخر إنّها أكبر من السّموات. نعم إنّ تمثال السّموات الّذي هو في المرآة أصغر من المرآة لا حقيقة السّموات. (ولنوضّح) هذا المبحث بمثال وهو أنّ أنموذجا من عنصر كرة الأرض مكمون في بدن الإنسان، ولا يقال: إنّ بدن الإنسان أكبر وأوسع من كرة الأرض نظرا إلى جامعيّة الإنسان، بل لا مقدار لبدن الإنسان في جنب كرة الأرض أصلا. ومنشأ هذا الحكم إنّما هو توهّم الجزء الحقير للشّيء بل الانموذج الحقير للشّيء نفس ذلك الشّيء ومن هذا القبيل كلام بعض المشائخ الّذي صدر عنهم وقت غلبة السّكر كقولهم: إنّ الجمع المحمّديّ أجمع من الجمع الإلهيّ جلّ سلطانه فإنّهم لمّا زعموا أنّ محمّدا عليه الصّلاة والسّلام جامع لحقيقة الإمكان ومرتبة الوجوب حكموا بأنّ جامعيّة محمّد عليه الصّلاة والسّلام أجمع من جامعيّة الله تعالى شأنه، وهنا أيضا زعموا الصّورة حقيقة فحكموا بذلك فإنّ محمّدا عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات جامع لصورة مرتبة الوجوب دون حقيقتها، والله سبحانه وتعالى وتقدّس واجب الوجود على الحقيقة. فلو فرّقوا بين حقيقة الوجوب وصورته لما حكموا به حاشا وكلّا من أمثال هذه الأحكام السّكريّة. فإنّ محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد مخلوق متناه محدود والله سبحانه غير متناه وغير محدود. (وينبغي) أن يعلم أنّ كلّما هو من الأحكام السّكريّة فهو من مقام الولاية، وكلّما هو من أحكام الصّحو فله تعلّق بمقام النّبوّة، ولكمّل أتباع الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات نصيب من هذا المقام بواسطة الصّحو بطريقة التّبعيّة. والبسطاميّة يفضّلون السّكر على الصّحو ولهذا قال الشّيخ أبو يزيد البسطاميّ قدّس سرّه: لوائي أرفع من لواء محمّد. أراد بلوائه لواء الولاية وبلواء محمّد عليه الصّلاة والسّلام لواء النّبوّة. ويرجّح لواء الولاية الّذي هو ناظر إلى السّكر على لواء النّبوّة الّذي هو ناظر إلى الصّحو. PageV01P142 (ومن هذا القبيل) قول بعضهم: الولاية أفضل من النّبوّة وذلك لما رأوا من أنّ التّوجّه في الولاية إلى الحقّ، وفي النّبوّة إلى الخلق. ولا شكّ أنّ التّوجّه إلى الحقّ أفضل من التّوجّه إلى الخلق. وقال بعضهم في توجيه هذا الكلام: إنّ ولاية النّبيّ أفضل من نبوّته وأمثال هذه الكلمات بعيدة عن الصّواب عند هذا الفقير، فإنّ التّوجّه في النّبوّة ليس إلى الخلق فقط، بل فيها توجّه إلى الحقّ أيضا مع وجود هذا التّوجّه، فإنّ بواطنهم مع الحقّ سبحانه وظواهرهم مع الخلق. وأمّا الّذين توجّههم إلى الخلق فقط فهم من المعرضين المدبرين، والأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات أفضل جميع الموجودات، ولهم مسلّم أفضل الدّولات، والولاية جزء من النّبوّة ومندرجة فيها والنّبوّة كلّ شامل لها، فلا جرم تكون النّبوّة أفضل من الولاية سواء كانت ولاية نبيّ أو ولاية غيره. فكان الصّحو أفضل من السّكر، والسّكر مندرج في الصّحو اندراج الولاية في النّبوّة، والصّحو الخالي عن السّكر الّذي هو للعوامّ خارج عن المبحث، ولا معنى لترجيح ذلك، والصّحو المتضمّن للسّكر أفضل من السّكر البتّة. والعلوم الشّرعيّة الّتي مصدرها النّبوّة ناشئة كلّها من كمال الصّحو وما يخالفها كائنا ما كان من السّكر، وصاحب السّكر معذور. وما يستحقّ التّقليد والإستمساك به هو علوم مقام الصّحو لا علوم حالة السّكر. ثبّتنا الله سبحانه على تقليد العلوم الشّرعيّة على مصدرها الصّلاة والسّلام والتّحيّة يرحم الله عبدا قال آمينا. وما وقع في الحديث القدسيّ حيث ورد لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن فالمراد به والله سبحانه أعلم بمراده سعته صورة مرتبة الوجوب لا حقيقتها، فإنّ الحلول محال هناك كما تقدّم، فظهر أنّ شمول القلب للإمكانيّة باعتبار الصّورة لا الحقيقة حتّى لا يكون للعرش وما حواه مقدار فيه فإنّ هذا الحكم مخصوص بحقيقة اللّامكانيّة. (96) المكتوب السّادس والتّسعون إلى محمّد شريف في المنع والزّجر عن التّسويف والتّأخير وفي التّحريض على متابعة الشّريعة على صاحبها الصّلاة والتّحيّة وما يناسبه أيّها الولد: هذا الوقت الّذي هو أوان الفرصة وتيسّر أسباب الجمعيّة كلّها لا مجال فيه للتّسويف والتّأخير أصلا، ينبغي صرف أشرف الأوقات الّذي هو زمان عنفوان الشّباب في أفضل الأعمال الّذي هو طاعة الحقّ سبحانه وعبادته تعالى وتقدّس. وينبغي أيضا أن يلتزم المداومة على الصّلوات الخمس مع الجماعة مجتنبا عن المحرّمات والمشتبهات الشّرعيّة. وأداء الزّكاة على تقدير وجود النّصاب من ضروريّات الإسلام أيضا، فينبغي إذا أداؤها بكمال الرّغبة بل بقبول المنّة. وقد عيّن الحقّ سبحانه بكمال كرمه للعبادة في اليوم واللّيلة خمسة أوقات وعيّن من الأموال النّاميّة والأنعام السّائمة ربع العشر تحقيقا وتقريبا لأجل الفقراء، ووسّع ميدان تصرّف المباحات، والتّكاسل في صرف ساعة واحدة من أربع PageV01P143 وعشرين ساعة في طاعة الحقّ سبحانه، والبخل بأداء سهم واحد من أربعين سهما إلى الفقراء ووضع القدم في خارج دائرة المباح الوسيعة الفضاء البعيدة الإرجاء والوقوع في المحرّمات والمشتبهات من غاية عدم الإنصاف. وفي موسم الشّباب الّذي هو أوان غلبة سلطان النّفس الأمّارة وقهرمان الشّيطان اللّعين يعطى على عمل قليل أجر جزيل، فإذا بلغت غدا أرذل العمر وضعفت الحواسّ والقوى وتشتّتت أسباب الجمعيّة، لا يحصل غير النّدامة والتّأسّف، وربّما لا تبقى إلى غد فلا تتيسّر فرصة النّدامة والتّأسّف الّتي هي نوع توبة. والعذاب الأبديّ والعقاب السّرمديّ الّذي أخبر به النّبيّ الصّادق عليه من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها وحذّر عنه العصاة أمامنا لا يتخلّف أبدا، وفي هذا اليوم يلقي الشّيطان اللّعين في التّسويف والغرور والمداهنة بإظهار كرم الله تعالى ويأمر بالمعاصي اتّكاء بعفوه تعالى. (ينبغي) أن يتنبّه ويعلم أنّ الدّنيا الّتي هي دار المحنة والبلاء امتزج فيها الأعداء والأحبّاء واشتبه الأمر، وشملت رحمته تعالى الكلّ كما يشعر به قوله تعالى " ورحمتي وسعت كلّ شيء " وأمّا يوم القيامة الّذي هو دار الجزاء فيمتاز فيه الأعداء والأحبّاء كما أخبر الله تعالى عنه بقوله " وامتازوا اليوم أيّها المجرمون " وتخرج قرعة الرّحمة يومئذ باسم الأحباب، وتصيّر الأعداء محرومين مطلقا وملعونين محقّقا كما يشهد به قوله تعالى " فسأكتبها للّذين يتّقون ويؤتون الزّكاة والّذين هم بآياتنا يؤمنون " فخصّ الكرم والرّحمة في الآخرة بالأبرار وأهل الإسلام الأخبار. نعم إنّ لمطلق أهل الإسلام نصيبا من الرّحمة على تقدير حسن الخاتمة ونجاة من عذاب جهنّم ولو بعد أزمنة متطاولة، ولكن كيف يبقى نور الإيمان مع تراكم ظلمات المعاصي، وكيف يترك عدم المبالات بالأحكام المنزّلة من الله سبحانه أن يخرج من الدّنيا بالسّلامة، وقد قال العلماء: الإصرار على الصّغيرة يفضي إلى الكبيرة والإصرار على الكبيرة يفضى إلى الكفر عياذا بالله سبحانه، (شعر): بثثت قليلا من همومي وخفت أن ... تملّوا وإلّا فالكلام كثير وفّقنا الله سبحانه لمرضيّاته بحرمة محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وبقيّة المقصود أنّ حامل الكتاب مولانا إسحاق من أحباب الفقير ومخلصيه، وله حقّ الجوار من القديم فإن احتاج إلى الإعانة والإمداد ينبغي رعاية التّوجّه في حقّه، وله اطّلاع على فنّ الكتابة والإنشاء وممارسة فيه بقدر الوسع والسّلام. (97) المكتوب السّابع والتّسعون إلى الشّيخ درويش في بيان أنّ المقصود من العبادة هو تحصيل اليقين وما يناسبه PageV01P144 شرّف الله سبحانه أمثالنا المفلسين بحقيقة الإيمان بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها. وكما أنّ المقصود من خلق الإنسان أداء العبادة المأمور بها، كذلك المقصود من أداء العبادة تحصيل اليقين الّذي هو حقيقة الإيمان، ويمكن أن يكون في قوله تعالى: «واعبد ربّك حتّى يأتيك اليقين " رمز إلى هذا المعنى، فإنّ كلمة (حتّى) كما أنّها تكون للغاية تكون للعلّة أيضا، أي لاجل أن يأتيك وكان الإيمان المتقدّم على أداء العبادة صورة الإيمان لا حقيقته الّتي عبّر عنها باليقين قال الله عزّ شأنه: «يا أيّها الّذين آمنوا آمنوا " أي الّذين آمنوا صورة آمنوا حقيقة بأداء وظائف العبادة المأمور بها. والمقصود من الفناء والبقاء اللّذين الولاية عبارة عن حصول هاتين الدّولتين هو هذا اليقين فحسب، فإن أرادوا بالفناء في الله والبقاء بالله معنى آخر يوهم بالحالّيّة والمحلّيّة، فهو عين الإلحاد والزّندقة. ويظهر في أثناء غلبة الحال وسكر الوقت شيئا ينبغي أن يجاوزها أخيرا وأن يستغفر منها، قال إبراهيم بن شيبان الّذي هو من مشائخ الطّبقات قدّس الله أرواحهم: علم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانيّة وصحّة العبوديّة وما سوى ذلك فمغاليط وزندقة والحقّ أنّه صادق في هذا القول وقوله هذا ينبئ عن استقامته فإنّ الفناء في الله عبارة عن الفناء في مرضيّات الحقّ سبحانه. وعلى هذا القياس السّير إلى الله والسّير في الله ونحوهما. (وبقيّة المرام) أنّ الشّيخ ميان الله بخش رجل متّصف بالصّلاح والتّقوى والفضيلة، وقد ارتبط به جمع كثير، فإن احتاج إلى المعونة في مادّة من الموادّ فالمرجوّ رعاية التّوجّه الشّريف في حاله. والسّلام عليكم وعلى من اتّبع الهدى. (98) المكتوب الثّامن والتّسعون إلى عبد القادر ولد الشّيخ زكريّا في التّحريض على الرّفق وترك العنف بإيراد الأحاديث على مصدرها الصّلاة والسّلام نسأل الله الإستقامة على مركز العدالة. ولنورد أحاديث نبويّة عليه من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها الواردة في باب التّذكير والوعظ والنّصيحة يسّر الله سبحانه العمل بمقتضاها. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ الله رفيق يحبّ الرّفق ويعطي على الرّفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه. رواه مسلم. وفي رواية له قال لعائشة رضي الله عنها وعن أبويها: عليك بالرّفق وإيّاك والعنف والفحش فإنّ الرّفق لا يكون في شيء إلّا زانه ولا ينزع من شيء إلّا شانه. وقال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة PageV01P145 أيضا: من يحرم الرّفق يحرم الخير. وقال عليه الصّلاة والسّلام أيضا: إنّ من أحبّكم إليّ أحسنكم أخلاقا. وقال عليه الصّلاة والسّلام أيضا: من أعطي حظّه من الرّفق أعطي حظّه من الدّنيا والآخرة. وقال عليه الصّلاة والسّلام: الحياء من الإيمان والإيمان في الجنّة، والبذاء من الجفاء والجفاء في النّار. إنّ الله يبغض الفحشاء البذيء ألا أخبركم بمن يحرّم على النّار وبمن يحرّم النّار عليه على كلّ هيّن ليّن قريب سهل المؤمنون هيّنون ليّنون كالجمل الأنف إن قيد انقاد وإن استنيخ على صخرة استناخ من كظم غيظا وهو يقدر أن ينفّذه دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة حتّى يخيّره في أيّ الحور شاء إنّ رجلا قال للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أوصني. قال: لا تغضب فردّد مرارا. قال: لا تغضب ألا أخبركم بأهل الجنّة كلّ ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبرّه. ألا أخبركم بأهل النّار كلّ عتلّ جوّاظ مستكبر إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلّا فليضطجع إن الغضب ليفسد الإيمان كما يفسد الصّبر العسل من تواضع لله رفعه الله فهو في نفسه صغير وفي أعين النّاس عظيم ومن تكبّر وضعه الله فهو في أعين النّاس صغير وفي نفسه كبير حتّى لهو أهون عليهم من كلب وخنزير. قال موسى بن عمران على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام: يا ربّ من أعزّ عبادك؟ قال: من إذا قدر غفر وقال أيضا عليه الصّلاة والسّلام: من خزن لسانه ستر الله عورته ومن كفّ غضبه كفّ عنه الله عذابه يوم القيامة ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره. وقال أيضا: من كانت له مظلمة لاخيه من عرضه أو شيء فيتحلّل منه قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ بقدر مظلمته وإن لم يكن حسنات أخذ من سيّئات صاحبه فحمل عليه وقال عليه الصّلاة والسّلام أيضا: أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إنّ المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وأخذ مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النّار. وعن معاوية رضي الله عنه أنّه كتب إلى عائشة رضي الله عنها " أن اكتبي إليّ كتابا توصيني فيه ولا تكثري. فكتبت: سلام عليك. أمّا بعد فإنّى سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: من التمس رضا الله بسخط النّاس كفاه مؤنة النّاس ومن التمس رضا النّاس بسخط الله وكّله الله إلى النّاس والسّلام عليك " صدق رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم وبارك رزقنا الله سبحانه وإيّاكم التّوفيق للعمل بما أخبر به المخبر الصّادق والسّلام. وهذه الأحاديث وإن كتبت بدون ترجمة ولكن تفهم معانيها بالرّجوع إلى الشّيخ جيو. وينبغي السّعي والإجتهاد للعمل بمقتضاها بقاء الدّنيا قليل جدّا وعذاب الآخرة شديد في الغاية ودائم فعليكم استعمال العقل والفكر وأن لا يغترّ بطراوة الدّنيا الخالية عن الحلاوة، فإن كانت العزّة والأفضليّة PageV01P146 بسبب الدّنيا ينبغي أن تكون الكفّار الّذين لهم حظّ وافر من الدّنيا أعزّ وأفضل من الكلّ، والإنخداع بظاهر الدّنيا من عدم العقل وإنّما اللّائق بالعاقل أن يغتنم فرصة أيّام قليلة وأن يجتهد في تلك الفرصة اليسيرة في تحصيل مرضات الله تعالى والإحسان إلى خلق الله عزّ وجلّ، فإنّ التّعظيم لامر الله والشّفقة على خلق الله كليهما أصلان عظيمان لاجل النّجاة من عذاب الآخرة، وكلّ ما أخبر به المخبر الصّادق فهو مطابق لنفس الأمر ليس بالهزل ولا بالهذيان، فإلى متى يمتدّ نوم الغفلة والغرور! أليس آخره وعقباه إلى الفضيحة; والحرمان قال الله سبحانه " أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثا وأنّكم إلينا لا ترجعون " وإنّي وإن كنت أعلم أنّ وقتك لا يقتضي استماع أمثال هذه الكلمات لكونك في عنفوان الشّباب، والتّنعّمات الدّنيويّة ميسّرة والحكومة والتّسلّط على الخلق حاصلة، ولكنّ الشّفقة على أحوالك كانت باعثة على هذا القيل والقال، ولم يفت إلى الآن شيء من الفرصة، والوقت قابل للتّوبة والإنابة والشّرط البلاغ (ع) كفى الحرف لو في داخل البيت إنسان * (99) المكتوب التّاسع والتّسعون إلى الملّا حسن الكشميريّ في جواب استفساره عن كيفيّة دوام الحضور واجتماعه مع النّوم الّذي هو معدن الغفلة قد شرّف مكتوبكم الشّريف بوصوله، وما وقع فيه من الاستفسار عن كيفيّة دوام الحضور واجتماعه مع حالة النّوم الّتي هي حالة الغفلة وتعطّل القوى والإدراك من أوّلها إلى آخرها، كما أخبر بعض أكابر هذه الطّائفة العليّة بحصول هذه الدّولة العظيمة. (أيّها المخدوم): إنّ حلّ هذا المشكل مبنيّ وموقوف على تمهيد مقدّمة لا بدّ من بيانها. فأقول: إنّ طريق التّرقّي والعروج كان مسدودا للرّوح الإنسانيّة قبل تعلّقها بهذا الجسم الهيولانيّ، وكانت مقيّدة ومحبوسة في حبس: وما منّا إلّا له مقام معلوم ولكن كانت قد أودعت في طبعها جوهرة نفيسة وهي الإستعداد للعروج والتّرقّي بشرط النّزول، وكانت مزيّتها على الملك مقرّرة من هذه الجهة، فجمع الحقّ سبحانه من كمال كرمه ذلك الجوهر النّورانيّ بهذا الجسم الظّلمانيّ فسبحان من جمع بين النّور والظّلمة وقرن الأمر بالخلق. ولمّا كان كلّ من هذين الشّيئين واقعا في مقابلة الآخرة ونقيضا له في الحقيقة، أعطى الحكيم المطلق جلّ سلطانه للرّوح نسبة التّعشّق والتّعلّق بالنّفس تحقيقا لهذا الإجتماع وتقريرا لهذا الإنتظام، وجعل هذا التّعلّق سببا للانتظام. وفي قوله تعالى " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثمّ رددناه أسفل سافلين " رمز إلى هذا البيان، وهذا التّنزيل للرّوح وتعلّقها من قبيل المدح بما يشبه الذّمّ في الحقيقة، فتهافتت الرّوح إلى عالم النّفس بالتّمام وتوجّهت إليه بكلّيّتها بواسطة تلك النّسبة الحبّيّة وجعلت نفسها تابعة لها، بل نسيت نفسها مرّة واحدة وضارت تعبّر عن نفسها بالنّفس الأمّارة. وهذه لطافة أخرى للرّوح حيث أنّها تأخذ حكم كلّ شيء تتوجّه إليه من كمال لطافته، فإذا نسيت نفسها فلا جرم أنّها نسيت أيضا حضوره السّابق مع مرتبة الوجوب PageV01P147 تعالت وتقدّست بالضّرورة، وتوغّلت في الغفلة بالتّمام وأخذ حكم الظّلمة، فبعث الله من كمال كرمه وشفقته على عباده الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ودعاهم إليه سبحانه بواسطة هؤلاء الأكابر، وأمرهم بمخالفة النّفس الّتي هي معشوقة الرّوح، فمن رجع القهقرى فقد فاز فوزا عظيما، ومن لم يرفع رأسه واختار الخلود إلى الأرض فقد ضلّ ضلالا بعيدا هذا ولنرجع إلى الجواب عن الإشكال ونقول: إنّه قد فهم من هذه المقدّمة من اجتماع الرّوح بالنّفس، أنّ فناء الرّوح في النّفس وبقاءها بها فحسب، فلا جرم تكون غفلة الظّاهر عين غفلة الباطن ما دام هذا الإجتماع والإنتظام موجودا، ويكون النّوم الّذي هو غفلة الظّاهر عين غفلة الباطن. فإذا طرأ الخلل على هذا الإنتظام وأعرض الباطن عن محبّة الظّاهر وأقبل على محبّة أبطن البطون وزال الفناء والبقاء اللّذان كانا للرّوح قبل، وحصل لها الفناء في الباقي الحقيقيّ والبقاء به تعالى وتقدّس فلا تؤثّر غفلة الظّاهر حينئذ في حضور الباطن. وكيف تؤثّر؟ فإنّ الباطن قد أدبر عن الظّاهر بالتّمام وجعله خلف ظهره ولم يبق للظّاهر سبيل إلى الباطن أصلا فيجوز حينئذ أن يكون الظّاهر غافلا والباطن حاضرا ولا محذور فيه ألا ترى أنّ دهن اللّوز مثلا مادام ممتزجا باللّوز حكمه حكم اللّوز فإذا ميّز عن اللّوز ظهر التّغاير والتّمايز في الأحكام. فإذا أراد الله سبحانه إرجاع مثل صاحب هذه الدّولة إلى العالم لتخليص أهله من الظّلمات النّفسانيّة بتوسّط شريعته الّتي شرعها، ينزل إلى العالم بطريق السّير عن الله بالله فيكون توجّهه إلى العالم بالتّمام من غير تعلّق بهم لأنّه على تعلّقه السّابق يعني بجناب القدس وإنّما أورد إلى هذا العالم من غير اختيار منه، فهذا المنتهى له شركة صوريّة مع سائر المبتدئين في الإعراض عن جناب قدسه تعالى وتقدّس والإقبال على الخلق، ولكن لا مناسبة بينهما في الحقيقة، فإنّ بين التّعلّق وعدم التّعلّق تفاوتا فاحشا. (وأيضا) الإقبال على الخلق في حقّ هذا المنتهى بلا اختيار منه لا رغبة له فيه، وإنّما ذلك لكون رضاء الله تعالى في ذلك الإقبال وفي حقّ المبتدئ ذاتيّ، ومع الرّغبة له فيه وليس فيه رضا الحقّ سبحانه وتعالى. (وفرق آخر) أنّ المبتدئ يمكن له الإعراض عن الخلق والإقبال على الحقّ تعالى وتقدّس، وذلك محال في المنتهى فإنّ دوام الإقبال إلى الخلق لازم لمقامه ومرتبته. إلّا أن يتمّ أمر دعوته وارتحل من دار الفناء إلى دار البقاء، فيكون نداء اللهمّ الرّفيق الأعلى حينئذ نقد وقته. وقد اختلف مشائخ الطّريقة قدّس الله أسرارهم في تعيين مقام الدّعوة. فقال جماعة منهم: إنّه مقام الجمع بين التّوجّه إلى الخلق والتّوجّه إلى الحقّ، والإختلاف فيه مبنيّ على الإختلاف في الأحوال والمقامات. وقد أخبر كلّ شخص عن مقامه والأمر عند الله تعالى. وما قال سيّد الطّائفة جنيد رضي الله تعالى عنه من أنّ النّهاية هي الرّجوع إلى البداية موافق لمقام الدّعوة الّذي حرّر في هذه المسودّة. فإنّ الوجه والتّوجّه في البداية إلى الخلق بالتّمام. PageV01P148 (وحديث): تنام عيناي ولا ينام قلبي الّذي حرّرتموه ليس فيه إشارة إلى دوام الحضور، بل هو إخبار عن عدم الغفلة عمّا يجري عليه وعلى أمّته عليه الصّلاة والسّلام وعمّا يصدر منه صلّى الله عليه وسلّم من الأحوال; ولهذا لم يكن نومه ناقضا لوضوئه عليه الصّلاة والسّلام ولما كان النّبيّ مثل الرّاعي في حفظ أمّته لم تكن الغفلة لائقة لمنصب نبوّته. وحديث لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل يمكن أن يكون إشارة إلى التّجلّي البرقيّ الذّاتيّ على تقدير صحّته. وأيضا إنّ هذا التّجلّي ليس بمستلزم للتّوجّه إلى جناب الحقّ سبحانه، بل هو من ذلك الجانب الأقدس لا صنع فيه للمتجلّى له، بل هو من قبيل سير المعشوق في العاشق لشبع العاشق من السّير، (شعر): لا الكون في المرآة من حركاتها ... لكنّها قبلت له لصفائها وينبغي أن يعلم أنّ الحجب المرتفعة لا تعود على تقدير الرّجوع، بل مع وجود ارتفاع الحجب يكون المنتهى مشغولا بالخلق لارتباط فلاح الخلق به. ومثل هؤلاء الأكابر كمثل شخص له كمال التّقرّب من الملك بحيث ليس بينهما حائل ومانع أصلا لا صورة ولا معنى. ومع ذلك شغله الملك بقضاء حاجات أرباب الحوائج وخدماتهم، وهذا فرق آخر أيضا بين المبتدي والمنتهي المرجوع. فإنّ المبتدي محجوب بخلاف ذلك المنتهي. والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى. (100) المكتوب المائة إلى الملّا حسن الكشميريّ أيضا في جواب سؤاله عن قول الشّيخ عبد الكريم اليمنيّ: «إنّ الحقّ سبحانه ليس بعالم الغيب» قد شرّفنا المكتوب بوصوله واتّضح ما اندرج فيه بأبوابه وفصوله وفروعه وأصوله، وممّا اندرج فيه أنّ الشّيخ عبد الكريم اليمنيّ قال: إنّ الله سبحانه ليس بعالم الغيب. (أيّها المخدوم) لا طاقة للفقير باستماع أمثال هذه الكلمات أصلا، ويتحرّك عرقي الفاروقيّ من استماعها بلا اختيار، بحيث لا يبقى مجال التّأمّل وفرصة التّأويل والتّوجيه، سواء كان قائلها الشّيخ عبد الكبير اليمنيّ أو الشّيخ الأكبر الشّاميّ، وإنّما اللّازم لنا اتّباع كلام محمّد العربيّ عليه الصّلاة والسّلام دون كلام محيي الدّين بن عربيّ وصدر الدّين القونويّ (1) وعبد الرّزّاق الكاشيّ نحن نتمسّك بالنّصوص لا بالفصوص، وقد أغنانا الفتوحات PageV01P149 المدنيّة عن الفتوحات المكّيّة، وقد وصف الله سبحانه نفسه في كلامه المجيد بعالم الغيب، وأطلقه على نفسه. فنفي علم الغيب عنه تعالى مستقبح ومستكره جدّا، بل هو تكذيب للحقّ سبحانه في الحقيقة، وإرادة معنى آخر من الغيب لا يخرج هذا الكلام من الشّناعة " كبرت كلمة تخرج من أفواههم». (فيا ليت) شعري ما حملهم على التّفوّه بأمثال هذه الكلمات الصّريحة في خلاف الشّريعة. وابن المنصور معذور في قوله: أنا الحقّ وكذلك البسطاميّ (1) في قوله: «سبحاني " لكونهما مغلوبي الحال. وأمّا أمثال هذا الكلام فليس بمبنيّة على غلبة الأحوال، بل هي صادرة بعمل عن صاحبها ومستندة إلى التّأويل. فليست بقابلة للعذر، ولا يقبل في هذا المقام تأويل أصلا، وإنّما يصرف عن الظّاهر كلام السّكارى لا غير. فإن كان مقصود المتكلّم من إظهار هذا الكلام ملامة الخلق إيّاه ونفرتهم عنه، فهو أيضا مستكره ومستهجن; فإنّ طرق تحصيل ملامة الخلق كثيرة، فأيّ ضرورة تدعو إلى أن يرتكب ما يوصّل إلى حدّ الكفر. وحيث تكلّمتم في تأويل هذا الكلام واستفسرتم عنه فبحكم لكلّ سؤال جواب نتكلّم في هذا الباب بالضّرورة: وعلم الغيب عند الله سبحانه وما قيل: إنّ الغيب لا يكون إلّا معدوما والمعدوم لا يكون معلوما فإنّ العلم لا يتعلّق بالمعدوم معناه أنّ الغيب لمّا كان بالنّسبة إليه سبحانه معدوما مطلقا ولا شيئا محضا لا معنى لتعلّق العلم به، فإنّ معلوميّته تخرجه عن معدوميّته المطلقة واللّاشيئيّة المحضة. ألا ترى أنّه لا يقال: إنّ الحقّ سبحانه عالم بشريكه، فإنّ شريكه تعالى وتقدّس ليس بموجود أصلا بل هو لا شيء صرف. نعم يمكن تصوّر مفهوم الغيب والشّريك، ولكنّ الكلام ليس في مفهومهما بل في مصداقهما، ومثل هذا حال جميع المحالات، فإنّ مفهوماتها ممكنة التّصوّر ومصادقها ممتنعة التّصوّر. فإنّ المعلوميّة تخرج عن الإستحالة ولا أقلّ من إعطائها الوجود الذّهنيّ. والإعتراض الّذي أوردته على توجيه مولانا محمّد الرّوجيّ (2) صحيح فإنّ نفي النّسبة العلميّة في مرتبة الاحديّة المجرّدة مستلزم لنفي مطلق العلم، ولا PageV01P150 وجه لتخصيص النّفي بعلم الغيب. والإشكال الآخر على توجيه مولانا أنّ النّسبة العلميّة وإن كانت منتفية في مرتبة الاحديّة المجرّدة ولكنّ عالميّته تعالى قائمة على حالها، فإنّه تعالى عالم بالذّات لا بالصّفات لكون الصّفات منتفية في تلك المرتبة. ألا ترى أنّ نفاة الصّفات رأسا يقولون إنّ الحقّ سبحانه عالم مع سلبهم الصّفات عنه سبحانه وتعالى. ويقولون إنّ الإنكشاف الّذي يترتّب على الصّفات يترتّب على الذّات. وكذا هنا. والتّوجيه الّذي بيّنتموه من إرادة غيب الذّات تعالت وتقدّست بالغيب وعدم تجويز تعلّق العلم به فإن كان المراد بالعلم علم الواجب تعالى وتقدّس فهو أقرب التّوجيهات ولكن في عدم جواز تعلّق علم الواجب تعالى بذاته البحت سبحانه بحث للفقير، فإنّ الوجه الّذي بيّنوه في عدم الجواز هو اقتضاء حقيقة العلم لإحاطة المعلوم، والذّات المطلقة تعالت مقتضية لعدم الإحاطة فلا يجتمعان في هذا التّعلّق (وههنا) محلّ خدشة فإنّ هذا المعنى يعني اقتضاء حقيقة العلم لإحاطة المعلوم إنّما هو في العلم الحصوليّ لحصول صورة المعلوم فيه في القوّة العلميّة، وأمّا في العلم الحضوريّ فلا يلزم هذا المعنى أصلا. والعلم فيما نحن فيه حضوريّ لا حصوليّ فلا محذور فإنّ تعلّق علم الواجب سبحانه بذاته تعالى بطريق الحضوريّ لا بطريق الحصول. والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطّاهرين وبارك وسلّم والسّلام أوّلا وآخرا. (101) المكتوب الحادي والمائة إلى الملّا حسن الكشميريّ أيضا في الرّدّ على جماعة تعرّضوا لاهل الكمال وأطالوا اللّسان في حقّه بأنواع المقال أحسن الله سبحانه حالكم وأصلح بالكم قد أوصل مولانا محمّد صدّيق (1) المفاوضة الشّريفة حمدا لله سبحانه حيث لم تنسوا النّائين المهجورين والخطابات الّتي صدرت للنّفس بحسب الظّاهر صارت واضحة في الجملة. نعم كلّ اعتراض على النّفس مسلّم وقت كونها أمّارة، وأمّا بعد حصول الإطمئنان لها فلا مجال للاعتراض أصلا; فإنّ النّفس في ذلك الموطن راضية عن الحقّ والحقّ سبحانه راض عنها فهي إذا مرضيّة ومقبولة، ولا اعتراض على المرضيّ المقبول، وكيف فإنّ مرادها حينئذ مراد الحقّ سبحانه. فإنّ حصول هذه الدّولة إنّما هو زمن التّخلّق بأخلاق الله تعالى، وساحة قدسه أعلى وأجلّ من اعتراض أمثالنا وضيعي الفطرة وعديمي القدرة بل كلّ ما نقول عائد إلينا، (شعر): من لم يكن عن نفسه ذا خبرة ... هل يقدر الاخبار عن هذا وذا PageV01P151 ومن جاهل يتصوّر النّفس المطمئنّة من كمال جهله أمّارة ويجري أحكام الأمّارة على المطمئنّة كما زعم الكفّار الأشرار الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام مثل سائر البشر، وأنكروا كمالات النّبوّة أعاذنا الله سبحانه من إنكار هؤلاء الأكابر وإنكار متابعيهم عليه الصّلوات والتّحيّات. (102) المكتوب الثّاني والمائة إلى الملّا مظفّر في بيان أنّ المحرّم في القرض مع الفيض يعني الرّبا مجموع المبلغ لا الزّيادة فقط وما يتعلّق بذلك الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد قلتم في ذلك اليوم إنّ الرّبا في القرض بالفيض هو الفضل فقط، والمحرّم في قرض عشرة دراهم باثني عشر درهما هو الدّرهمان الزّائدان على القرض. ولمّا راجعت بعض الكتب الفقهيّة ظهر أنّ كلّ عقد فيه فضل فهو ربا في الشّريعة، فيكون هذا العقد محرّما بالضّرورة. وكلّ ما يفضي إلى تحصيل المحرّم يكون محرّما، فتكون الدّراهم العشرة أيضا محرّمة. وكان المقصود من إرسال كتاب جامع الرّموز وروايات كتاب إبراهيم الشّاهىّ إظهار هذا المعنى وبقي صورة الإحتياج (أيّها المخدوم) إنّ حرمة الرّبا ثابتة بنصّ قطعيّ شامل للمحتاج وغير المحتاج، فاستثناء المحتاج من هذا الحكم نسخ لذلك الحكم القطعيّ، ورواية القنية ليست في مرتبة تنسخ الحكم القطعيّ. وقد قال مولانا جمال اللّاهوريّ الّذي هو أعلم علماء لاهور: إنّ كثيرا من رواية القنية لا يستحقّ الإعتماد عليه لكونها مخالفة لرواية الكتب المعتبرة ولو سلم صحّة هذه الرّواية ينبغي أن ينزل الإحتياج إلى حالة الإضطرار والمخمصة ليكون مخصّص ذلك الحكم القطعيّ قوله تعالى " فمن اضطرّ في مخمصة " الآية، فإنّه مثله في القوّة (ع) وقاتل رستم أمثال رستم. * (وأيضا) لو أخذ المحتاج أعمّ ينبغي أن يكون في محلّ لا يظهر فيه حكم حرمة الرّبا; وإلّا فكلّ من يقبل إعطاء الزّيادة إنّما يقبله بعلّة الإحتياج البتّة، فإنّه لا يقدم أحد على ضرر نفسه من غير احتياج، فلا يبقى لهذا الحكم المنزّل من الحكيم الحميد مزيد فائدة، تعالى كتابه العزيز من أمثال هذا التّوهّم. ولو سلم عموم الإحتياج ولو على سبيل فرض المحال. فأقول: إنّ الإحتياج من جملة الضّرورات، والضّرورة تقدّر بقدرها، وإطعام الطّعام النّاس ممّا استقرض بالفيض ليس بداخل في الإحتياج فإنّه لا تعلّق للضّرورة به، ولهذا يستثنى من تركة الميّت ما يحتاج إليه في تجهيزه وقصروه في الكفن والدّفن. ولم يجعلوا إطعام الطّعام لروحه داخلا في الإحتياج مع أنّه أحوج إلى الصّدقة يعني من الدّفن والكفن فينبغي الملاحظة في الصّورة المتنازع فيها هل المستقرضون بالفيض محتاجون أو لا، وعلى تقدير الإحتياج هل يحلّ لغيرهم الأكل من الطّعام الّذي يطبخونه لهم من ذلك المبلغ أو لا، وجعل الضّيافة وإجراء الرّسم والعادة حيلة الإحتياج والقرض بالفيض بهذه العلّة، واعتقاد ذلك جائزا وحلالا بعيد عن التّديّن والدّيانة. ينبغي رعاية الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ومنع جماعة PageV01P152 ابتلوا بهذا البلاء وتنبيههم على عدم صدق هذه الحيلة وعدم جوازها، وكيف ينبغي للإنسان اختيار هذا القسم من الابتلاء بارتكاب محظور. فإنّ أسباب المعاش كثيرة ليست بمحصورة على شيء واحد. وحيث انّكم من أهل الصّلاح والتّقوى أرسلنا لكم رواية الطّيّب في الأكل. وكتبتم أنّ الخالي عن الشّبهة لا يوجد في هذا الزّمان، فهذا الكلام صحيح ولكن ينبغي الإحتراز من الشّبهة مهما أمكن، وقد قيل إنّ الزّراعة بلا طهارة منافية للطّيب، والإجتناب عن ذلك غير ممكن في بلاد الهند " لا يكلّف الله نفسا إلّا وسعها " ولكنّ ترك أكل طعام الرّبا في غاية السّهولة، واعتقاد الحلال حلالا والحرام حراما إنّما هو في الحلال والحرام القطعيّين اللّذين يكفّر جاحدهما، وفي الظّنيّات ليس كذلك. وكم من أمور مباحة عند الحنفيّة غير مباحة عند الشّافعيّة وبالعكس. ففيما نحن فيه إذا توقّف شخص في حلّيّة القرض بالفيض لمن يشكّ في احتياجه لكونه مخالفا في الظّاهر حكم النّصّ القطعيّ لا ينبغي تضليله وتكليفه باعتقاد حلّيّته، بل الرّاجح أنّ الصّواب في جانبه، بل هذا متيقّن ومخالفه في خطر. (ونقل) بعض أصحابكم أنّ مولانا عبد الفتّاح قال يوما في حضوركم: لو وجد قرض بلا فيض فهو حسن فلماذا يستقرض الإنسان بالفيض فزجرتموه قائلا لا تنكر الحلال. (أيّها المخدوم)، إنّ امثال هذه الكلمات لها مساغ ومجال في الحلال القطعيّ، وأمّا إن كان مشكوكا في حلّيّته فلا شكّ أنّ تركه أولى. وأهل الورع لا يأمرون بالرّخصة بل يدلّون على العزيمة، وقد أفتى علماء لاهور بالحلّيّة بعلّة الإحتياج وذيل الإحتياج واسع بحيث لو مدّ لا يبقى ربا أصلا، ويكون الحكم القطعيّ بحرمة الرّبا عبثا كما سبق آنفا، وكان ينبغي لهم ملاحظة أنّ إطعام الغير أيّ قسم هو من احتياج المستقرض بالفيض، ورواية القنية مجوّزة للاستقراض بالفيض بعد اللّتيّا، والّتي في حقّ المحتاج نفسه فقط لا في حقّ الغير. فإن قيل: يجوز أن يطبخ المحتاج هذا الطّعام للإطعام بنيّة كفّارة اليمين أو الظّهار أو غيرهما ولا شكّ أنّه محتاج إلى أداء هذه الكفّارات. (أقول): إذا لم يكن فيه استطاعة الإطعام يصوم لها لا إنّه يستقرض بالفيض ويكفّر عنها. وكلّ ما يظهر من أقسام الإحتياج من هذا القبيل يندفع بأدنى تأمّل وتوجّه ببركة التّقوى " ومن يتّق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " والزّيادة على ذلك إطناب والسّلام عليكم وعلى من اتّبع الهدى. (103) المكتوب الثّالث والمائة إلى السّيّد فريد في بيان معنى العافية وطلب القاضي لبلد سرهند PageV01P153 رزقنا الله سبحانه وإيّاكم العافية والمراد بالعافية المطلوبة ما كان واحد من الأعزّة يدعو الله سبحانه دائما ويتمنّى منه عزّ وجلّ عافية يوم واحد. فسأله شخص أنّ جميع هذه الأوقات الّتي تمرّ عليك اليست تمرّ عليك على عافية؟ قال بل أريد أن يمرّ عليّ يوم لا أرتكب فيه معصية من معاصي الله تعالى من الفجر إلى المغرب وقد مضت مدّة وليس في سرهند قاض ويقع إجراء بعض الأحكام الشّرعيّة بهذا السّبب في التّوقّف مثلا أنّ لي ابن أخ وبقي له ميراث من أبويه وليس له وصيّ والتّصرّف في ذلك المال بلا إذن شرعيّ غير جائز فإن كان هنا قاض لأمكن التّصرّف فيه بإذنه. (104) المكتوب الرّابع والمائة إلى قضاة بعض القصبة في التّعزية اعلموا أنّ مصيبة فوت المغفور له وإن كانت شديدة جدّا ومستصعبة ولكن لا بدّ للعبد من الرّضا بفعل الحقّ سبحانه وتعالى. فإنّا لم نخلق للبقاء في الدّنيا بل للعمل فينبغي السّعي في العمل، فإن ذهب المرحوم بعمله لا ضير فيه بل هو ملك الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب ثابت في شأنه ليست المصيبة للفوت بل لحال القادم إلى الحبيب أنّه كيف يعامل به، فينبغي الإمداد بالدّعاء والإستغفار والتّصدّق قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما الميّت إلّا كالغريق المتغوّث ينتظر دعوة تلحقه من أب أو أمّ أو أخ أو صديق فإذا لحقته كان أحبّ إليه من الدّنيا وما فيها وإنّ الله تعالى ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال من الرّحمة وإنّ هديّة الأحياء إلى الأموات استغفار لهم. وبلغ المكتوب الشّريف والهواء البارد شديد على الفقراء جدّا وإلّا ما كنت أتأخّر وكتب التّفويض مؤكّدا ينفع إن شاء الله تعالى. والزّيادة على ذلك تصديع والدّعوات الكثيرة مبذولة للقاضي حسن وسائر الأعزّة وليكونوا راضين بفعل الحقّ سبحانه وشاكرين عليه تعالى في جميع الأمور. (105) المكتوب الخامس والمائة إلى الحكيم عبد القادر في بيان أنّ المريض ما لم يصحّ ولم يبرأ لا ينفعه غذاء أصلا وما يناسبه قد تقرّر عند الحكماء أنّ المريض ما دام مريضا لا ينفعه غذاء أصلا ولو كان من أعزّ الأكل وأحسنه، بل هو مقوّ لمرضه (ع) ألا كلّ ما نال العليل عليل * فيشتغلون أوّلا بفكر إزالة مرضه ثمّ يجتهدون في تحصيل القوّة بأغذية مناسبة لمزاجه وحاله بالتّدريج، فكذلك الإنسان ما دام مبتلى بمرض القلب كما قال تعالى " في قلوبهم مرض " لا تنفعه عبادة وطاعة أصلا بل هي مضرّة له " ربّ تال للقرآن والقرآن يلعنه " حديث معروف " وربّ صائم ليس من PageV01P154 صيامه الّا الجوع والظّمأ " خبر صحيح فأطبّاء القلوب أيضا يأمرون أوّلا بإزالة المرض وذلك المرض عبارة عن تعلّق القلب بغير الحقّ سبحانه وتعالى بل هو تعلّق الإنسان بنفسه، فإنّ الإنسان كلّما يحبّه ويطلبه إنّما يحبّه ويطلبه لنفسه، فإن أحبّ أولاده يحبّهم لنفسه وكذلك الأموال والرّياسة والجاه، فمعبوده في الحقيقة هو نفسه. فما دام الإنسان لم يتخلّص من هذا التّعلّق والإرتباط لا وجه لرجاء النّجاة ففكر إزالة هذا المرض لازم للعلماء أولي الألباب والحكماء ذوي الأبصار (ع) ويكفي من له فهم إشارة * (106) المكتوب السّادس والمائة إلى محمّد صادق الكشميريّ في بيان أنّ محبّة هذه الطّائفة المتفرّعة على معرفتهم من أجل نعم الله جلّ شأنه قد وصل المكتوب المرغوب المنبئ عن فرط المحبّة وكمال المودّة لله سبحانه المنّة على ذلك فإنّ محبّة هذه الطّائفة الّتي هي متفرّعة على معرفتهم من أجل نعم الله سبحانه، ويا سعادة من يتشرّف بها. قال شيخ الإسلام الهرويّ قدّس سرّه: إلهي ما هذا الّذي جعلت أولياءك على وجه: من عرفهم وجدك وما لم يجدك لم يعرفهم، وبغض هذه الطّائفة سمّ قاتل والطّعن فيهم موجب للحرمان الأبديّ. نجّانا الله سبحانه وإيّاكم من هذا الإبتلاء. وقال شيخ الإسلام أيضا: إلهي كلّ من أردت سقوطه فأسقطه علينا يعني أوقعه بغيبتنا وملامتنا (شعر) ومن لم يعنه مهيمن وخواصّه ... الأمر في خطر ولو هو من ملك وهذه الإنابة الّتي أنعم الله عليك بتجديدها، ينبغي لك أن تعتقدها نعمة عظيمة وأن تسأل الله سبحانه الإستقامة عليها. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. (107) المكتوب السّابع والمائة إلى محمّد صادق الكشميريّ أيضا في أجوبة أسئلته الّتي كتبها إليه وفيه فوائد ضروريّة نافعة في التّسليم لهذه الطّائفة أسعدنا الله سبحانه بسعادة الإيمان بهذه الطّائفة. قد وصل الكتاب الّذي أرسلته مشتملا على أسئلة، والسّؤال الّذي فيه رائحة التّعنّت والتّعصّب وإن كان لا يستحقّ الجواب ولكن نتصدّى على جوابه على PageV01P155 سبيل التّنزّل فإن لم ينفع شخصا لعلّه ينفع آخر. (السّؤال الأوّل) ما السّبب في كثرة ظهور الكرامات وخوارق العادات من الأولياء المتقدّمين وقلّة ظهورها من أكابر هذا الزّمان؟ فإن كان المقصود من هذا السّؤال نفي أكابر هذا الزّمان بواسطة قلّة ظهور الخوارق منهم، كما هو المفهوم من فحوى العبارة فالعياذ بالله سبحانه من تسويلات الشّيطان. فإنّ ظهور الخوارق ليس من أركان الولاية ولا من شرائطها بخلاف المعجزة من النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام فإنّها من شرائط مقام النّبوّة، ومع ذلك انّ ظهور الخوارق من أولياء الله تعالى شائع ذائع قلّما يتخلّف عنهم. ولكنّ كثرة ظهور الخوارق لا تدلّ على الأفضليّة، فإنّ التّفاضل هناك باعتبار درجات القرب الإلهيّ جلّ سلطانه، بل يمكن أن يكون ظهور الخوارق من الوليّ الأقرب أقلّ ومن الأبعد أكثر. ألا ترى أنّ الخوارق الّتي ظهرت من بعض أولياء هذه الأمّة لم يظهر عشر عشيره من الأصحاب الكرام رضوان الله عليهم أجمعين مع أنّ أفضل الأولياء لا يبلغ مرتبة أدنى الصّحابة. فالنّظر إلى ظهور الخوارق من قصور النّظر ودليل على قصور الإستعداد التّقليديّ، والمستحقّ لقبول فيوض النّبوّة والولأية جماعة غلّب فيهم الإستعداد التّقليديّ على قوّتهم النّظريّة والصّدّيق الأكبر رضي الله عنه بواسطة قوّة استعداده التّقليديّ لم يحتج في تصديق النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام إلى قول " لم " أصلا وأبو جهل اللّعين بواسطة قصور هذا الاستعداد فيه لم يتشرّف بتصديق النّبوّة مع وجود ظهور آيات باهرة ومعجزات قاهرة وقال الله في شأن هؤلاء المنكرين المحرومين " وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها حتّى إذا جاؤك يجادلونك يقول الّذين كفروا إن هذا الّا أساطير الأوّلين " على أنّا نقول: إنّ ظهور الخوارق لم ينقل من أكثر المتقدّمين في طول عمرهم أزيد من خمسة أو ستّة خوارق حتّى أنّ الجنيد سيّد هذه الطّائفة لم يدر هل نقل عنه عشرة خوارق أو لا، ولقد أخبر الله سبحانه عن حال كليمه على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام بقوله عزّ من قائل " ولقد آتينا موسى تسع آيات بيّنات " ومن أين يعلم عدم ظهور أمثال هذه الخوارق من مشائخ هذا الوقت بل لأولياء الله تعالى متقدّميهم ومتأخّريهم في كلّ ساعة ظهور خوارق يعرفها المدّعي أم لا، (شعر): ما ضرّ شمس الضّحى في الافق طالعة ... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر (والثّاني) أنّه هل يكون لالقاء الشّيطان دخل في كشف الطّالبين الصّادقين وشهودهم فإن كان فيماذا يعلم ويتّضح أنّه كشف شيطانيّ وإن لم يكن فما السّبب في وجود الغلط في بعض الامور الملهمة (والجواب) الله أعلم بالصّواب لا أحد محفوظ من القاء الشّيطان كيف وإذا كان ذلك متصوّرا في الأنبياء بل متحقّقا فبالطّريق الأولى أن يكون في الأولياء ومن هو الطّالب الصّادق بعد. (غاية) ما في الباب أنّ الأنبياء ينبّهون على هذا الإلقاء ويميّز الباطل من الحقّ قوله تعالى (فينسخ الله ما يلقى الشّيطان ثمّ يحكم الله آياته) تنبيه دالّ على هذا المعنى وليس هذا التّنبيه بلازم في الأولياء فإنّهم تابعون للنّبيّ فكلّما وجدوه PageV01P156 على خلاف ما جاء به النّبيّ يردّونه ويرون بطلانه وأمّا في صورة سكتت عنها الشّريعة ولم تحكم بإثباتها ونفيها فامتياز الحقّ عن الباطل فيها بطريق القطع مشكل فإنّ الإلهام ظنّيّ ولكن لا يتطرّق القصور إلى الولاية بسبب عدم ذلك الإمتياز أصلا فإنّ إتيان أحكام الشّريعة ومتابعة النّبيّ متكفّل بنجاة الدّارين والأمر المسكوت عنه زائد على الشّريعة ونحن لم نكلّف بالامور الزّائدة. وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ الغلط في الكشف غير منحصر في إلقاء شيطانيّ فإنّه ربّما يتخيّل أحكام غير صادقة في القوّة المتخيّلة لا مدخل للشّيطان فيها أصلا ومن هذا القبيل رؤية النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في المنام والاخذ عنه بعض الأحكام ممّا الحق في الحقيقة خلاف تلك الأحكام والحال أنّ إلقاء الشّيطان غير متصوّر في تلك الصّورة فإنّ مختار العلماء أنّ الشّيطان لا يتمثّل بصورة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام على أيّ صورة يرى فليس في تلك الصّورة إلّا تصرّف المتخيّلة بإلقاء غير الواقعيّ واقعيّا (والثّالث) أنّ التّصرّف بطريق الكرامة والتّصرّف بطريق الإستدراج متساويان في بادي النّظر فكيف يعرف المبتدي أنّ هذا وليّ صاحب كرامة وذاك مدّع كذّاب صاحب استدراج (الجواب) والله أعلم بالصّواب أنّ الدّليل في هذه التّفرقة واضح للطّالب المبتدي وهو وجدانه الصّحيح فإنّه إن وجد قلبه مائلا ومنجذبا إلى الحقّ سبحانه وحاضرا معه تعالى في صحبته فليعلم أنّه وليّ صاحب كرامة وإن وجد خلاف ذلك فليتيقّن أنّه مدّع كذّاب صاحب استدراج فإن كان في ذلك خفاء فإنّما هو النّسبة إلى العوامّ كالأنعام دون الطّالبين والخفاء على العوامّ ساقط عن حيّز الإعتبار عند الخواصّ فإنّ منشأه مرض القلب وغشاوة البصر. وكم من شيء خفيت على العوامّ علمها أشدّ ضرورة من إدراك هذه التّفرقة (ولنختم) هذا المكتوب ببعض المعارف الّذي ينفعك في إزالة مثل هذه الشّكوك والشّبهات (اعلم) أنّ التّخلّق بأخلاق الله الّذي هو مأخوذ في الولاية يعني داخلا فيها هو أن يحصل للأولياء صفات مناسبة لصفات الواجب تعالى ولكن تكون المناسبة في الإسم والمشاركة في عموم الصّفات لا في خواصّ المعاني فإنّ ذلك محال ومستلزم لقلب الحقائق (قال) الخواجه محمّد ?ارسا قدّس سرّه في تحقيقاته في مقام بيان " تخلّقوا بأخلاق الله ": (والصّفة الاخرى) الملك ويعني الملك المتصرّف في الكلّ والسّالك، وإن كان متصرّفا في نفسه وقادرا على قهرها وكان تصرّفه نافذا في القلوب يكون موصوفا بهذه الصّفة (والصّفة الاخرى) السّميع فإن سمع السّالك الكلام الحقّ وقبله من كلّ أحد من غير استنكاف وفهم الأسرار الغيبيّة والحقائق اللّارّيبيّة بسمع روحه يكون موصوفا بهذه الصّفة (والصّفة الاخرى) البصير فإن كان بصر بصيرة سالك الطّريق بصيرا ورأى جميع عيوب نفسه بنور الفراسة وشاهد كمال غيره يعني اعتقد أنّ كلّ أحد أفضل منه وكان كون الحقّ سبحانه بصيرا منظورا في نظره بحيث يعمل كلّما يعمله على وجه يكون موجبا لقبول الحقّ سبحانه يكون موصوفا بهذه الصّفة (والصّفة الاخرى) المحيي فإن قام سالك الطّريق بإحياء السّنّة المتروكة يكون موصوفا بهذه الصّفة (والصّفة الاخرى) المميت فإن منع السّالك البدعات الّتي استعملوها مكان السّنّة PageV01P157 يكون موصوفا بهذه الصّفة وعلى هذا القياس سائر الصّفات. وفهم العوامّ في معنى " تخلّقوا بأخلاق الله " شيئا آخر فلا جرم وقعوا في تيه الضّلالة وزعموا أنّ الولىّ لا بدّ له من إحياء الجسد الميّت وأن ينكشف له أكثر المغيّبات وأمثال ذلك وهو كما ترى من الظّنون الفاسدة انّ بعض الظّنّ إثم (وأيضا) انّ الخوارق غير منحصرة في الإحياء والإماتة فإنّ العلوم والمعارف الإلهاميّة من أعظم الآيات وأرفع الخوارق ولهذا كان معجز القرآن العظيم أقوى وأبقى في سائر المعجزات (ينبغي) أن يمعن النّظر من أين تحصل هذه العلوم والمعارف الّتي تفاض كمطر الرّبيع وهذه العلوم مع كثرتها موافقة للعلوم الشّرعيّة بالتّمام لا مخالفة بينهما مقدار شعرة وهذه الخصوصيّة علامة صحّة العلوم وقد كتب حضرة شيخنا قدّس سرّه أنّ علومك كلّها صحيحة ولكن ما الفائدة فإنّ كلام حضرة شيخنا لا يكون حجّة عليكم وإن زعمتم أنّكم منقادون إلى الشّيخ وماذا نكتب أزيد من ذلك وأسئلتك هذه وإن كانت ثقيلة أوّلا ولكن لمّا كانت باعثة على ظهور هذه العلوم والمعارف كانت حسنة في الآخر، (شعر): هي? زشتى نيست كورا خوبئى همراه نيست ... زنكى شب رنك را دندان ?و در كوهرست (ترجمة) وما من قبيح ليس فيه ملاحة ... ألم تر سنّ الزّنج كالشّهب في الدّجى والعجب أنّك أظهرت في المكتوب السّابق إخلاصا كثيرا وزعمت أنّ سببه ظهور واقعتين متعاقبتين وكتبت أنّ أثرهما يوجد في الإقامة أيضا على حدّ تحقّقت النّدامة على الوضع السّابق بالتّمام والجأت إلى التّوبة والإنابة وتجديد الإيمان ولم يمض على ذلك شهر واحد حتّى فهم منك التّغيّر عن هذا الوضع وحصل الإنتقال والتّحوّل إلى الوضع السّابق برجوع القهقرى حتّى صرت في أبدأ وجه لهاتين الواقعتين ينجرّ إلى أنّهما كانتا بإلقاء الشّيطان أو بغلط الكشف فما ذاك وما هذا، (شعر): تقول فلان يفعل الشّرّ قلت لا ... يضرّ علينا بل عليه وباله وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. (108) المكتوب الثّامن والمائة إلى السّيّد أحمد في بيان أنّ النّبوّة أفضل من الولاية على عكس ما قيل إنّ الولاية أفضل من النّبوّة ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم وجميع المسلمين على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها قال بعض المشائخ وقت السّكر: إنّ الولاية أفضل من النّبوّة وأراد بعضهم PageV01P158 بهذه الولاية ولأية النّبيّ ليرتفع وهم أفضليّة الوليّ من النّبيّ ولكنّ الأمر على العكس في الحقيقة فإنّ نبوّة نبيّ أفضل من ولايته وفي الولاية إنّما لا يمكن التّوجّه إلى الخلق من ضيق الصّدر وفي النّبوّة تمام انشراح الصّدر بحيث لا يكون التّوجّه إلى الحقّ مانعا من التّوجّه إلى الخلق ولا التّوجّه إلى الخالق مانعا من التّوجّه إلى الحقّ سبحانه وليس التّوجّه في النّبوّة إلى الخلق فقط حتّى تترجّح الولاية بسببه عليها لكون التّوجّه فيها إلى الحقّ عياذا بالله سبحانه من هذا الكلام فإنّ التّوجّه إلى الخلق وحده مرتبة العوامّ كالأنعام وشأن النّبوّة أعلى وأجلّ من ذلك وفهم هذا المعنى إن كان عسيرا فإنّما هو بالنّسبة إلى أرباب السّكر وأمّا الأكابر مستقيمو الأحوال فهم ممتازون بمعرفة ذلك (ع) هنيئا لارباب النّعيم نعيمها * وبقيّة المقصود أنّ الشّيخ ميان عبد الله ابن الشّيخ ميان عبد الرّحيم له قرابة قريبة لهذا الفقير وكان والده ملازما لبهادر خان مدّة كثيرة وله احتياج وهو معذور عاجز عن الكسب لكونه ضريرا وقد أرسل ابنه ليكون عند بهادر خان فإن صدرت من ذلك الجانب أيضا إشارة في هذا الباب لكان حسنا والسّلام. (109) المكتوب التّاسع والمائة إلى الحكيم صدر في بيان سلامة القلب ونسيانه ما دون الحقّ سبحانه اعلم: أنّ أهل الله أطبّاء الأمراض القلبيّة وإزالة العلل الباطنيّة منوطة بتوجّه هؤلاء الأكابر، كلامهم دواء ونظرهم شفاء هم قوم لا يشقى جليسهم وهم جلساء الله بهم يمطرون وبهم يرزقون ورأس الأمراض القلبيّة ورئيس العلل الباطنيّة هو تعلّق القلب وارتباطه بما دون الحقّ سبحانه وتعالى وما لم يتيسّر التّخلّص من هذا التّعلّق بالتّمام فالسّلامة محال فإنّه لا مجال للشّركة في جناب الحقّ جلّ سلطانه ألا لله الدّين الخالص فكيف إذا جعل الشريك غالبا وجعل محبّة غير الحقّ غالبة على محبّته تعالى على نهج تكون محبّته تعالى معدومة في جنبها أو مغلوبة غاية الوقاحة ونهاية عدم الحياء ولعلّ المراد من الحياء في قوله عليه السّلام " الحياء من الإيمان " هو هذا الحياء وعلامة عدم تعلّق القلب بما سواه تعالى نسيانه إيّاه بالكلّيّة وذهوله عنه جملة على وجه لو كلّف بتذكّر الأشياء لما تذكّر فكيف يكون لتعلّق القلب بالأشياء مجال في ذلك الموطن وهذه الحالة معبّرة عنها عند أهل الله بالفناء وهو أوّل قدم يوضع في الطّريقة ومبدأ ظهور أنوار القدم ومنشأ ورود المعارف والحكم وبدونها خرط القتاد. (110) المكتوب العاشر والمائة إلى الشّيخ صدر الدّين في بيان أنّ المقصود من خلق الإنسان أداء وظائف السّلوك وكمال الإقبال على جناب الحقّ سبحانه وتعالى PageV01P159 بلّغكم الله سبحانه وتعالى إلى منتهى نهاية أرباب الكمال واعلم أنّ المقصود من خلق الإنسان هو أداء وظائف العبوديّة ودوام الإقبال على جناب الحقّ سبحانه وهذا المعنى لا يتيسّر بدون التّحقّق بكمال اتّباع سيّد الأوّلين والآخرين عليه من الصّلوات أكملها ومن التّحيّات أيمنها ظاهرا وباطنا رزقنا الله سبحانه وإيّاكم كمال متابعته صلّى الله عليه وسلّم قولا وفعلا ظاهرا وباطنا عملا واعتقادا آمين يا ربّ العالمين، (شعر): وما اتّخذوا غير الإله فباطل ... فتعسا لمن يختار ما كان باطلا وكلّ ما هو مطلوب غير الحقّ سبحانه ومقصود فهو معبود وإنّما تحصل النّجاة من عبادة غير الحقّ سبحانه إذا لم يبق غير الحقّ مقصود جلّ وعلا وإن كان ذلك الغير من المقاصد الاخرويّة وتنّعمات الجنّة فإنّ المقاصد الاخرويّة وإن كانت من الحسنات لكنّها عند المقرّبين من جملة السّيّئات فإذا كان حال أمور الآخرة على هذا المنوال ما تقول في الامور الدّنياويّة فإنّ الدّنيا مبغوضة الحقّ سبحانه بحيث لم ينظر إليها منذ خلقها وحبّها رأس كلّ خطيئة وطلّابها مستحقّون للطّرد واللّعن: «الدّنيا ملعونة وملعون ما فيها الّا ذكر الله تعالى» (1) نجّانا الله تعالى من شرّها وشرّ ما فيها بحرمة حبيبه محمّد سيّد الأوّلين والآخرين عليه الصّلاة والسّلام. (111) المكتوب الحادي عشر والمائة إلى الشّيخ أحمد السّنبهليّ في بيان أنّ التّوحيد عبارة عن تخليص القلب عمّا دون الحقّ سبحانه وتعالى وما يناسبه الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى (اعلم) أنّ التّوحيد عبارة عن تخليص القلب عن التّوجّه إلى ما دون الحقّ سبحانه وما دام القلب متعلّقا بما سواه تعالى وإن كان أقلّ قليل لا يكون صاحبه من أرباب التّوحيد ومجرّد قول التّوحيد واعتقاد التّوحيد من الفضول عند أرباب الفضائل نعم لا بدّ من القول بالتّوحيد واعتقاد التّوحيد الّذي هو معتبر في التّصديق والإيمان لكنّه بمعنى آخر والفرق بين لا معبود الّا الله وبين لا موجود الّا الله بيّن وتصديق الإيمان علميّ والإدراك الوجدانيّ حالة والتّكلّم به قبل حصول الحال محظور وتكلّم طائفة من المشائخ في هذا الباب لا يخلو عن أحد أمرين إمّا أنّهم في ذلك معذورون لكونهم تحت غلبة الحال مستورين أو كان مقصودهم من كتابة الأحوال وإظهارها كونها PageV01P160 محطّا ومعيارا لأحوال غيرهم ليعرفوا بها استقامة أحوالهم واعوجاجها والّا فإنشاء الأسرار بدون حصول هذه الدّولة ممنوع جعل الله سبحانه نبذة من أحوال أرباب الكمال نصيبا لامثالنا المدبرين ورزقنا الإستقامة على متابعة السّنّة السّنيّة المصطفويّة على مصدرها الصّلاة والسّلام والتّحيّة بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات. وبقيّة التّصديع أنّ حامل رقيمة الدّعاء الشّيخ الحافظ ميان عبد الفتّاح من أولاد الكبار وكثير العيال خصوصا البنات واضطرّته قلّة أسباب المعيشة إلى أن يوصّل نفسه إلى باب الكرام والمرجوّ وصوله إلى ما قصده ورام يعني بيمن التفاتكم الخاصّ به والعامّ والزّيادة عن ذلك تصديع. (112) المكتوب الثّاني عشر والمائة إلى الشّيخ عبد الجليل في بيان أنّ المدار في التّحقيق على عقائد أهل السّنّة والجماعة إلخ حقّقنا الله سبحانه وتعالى شأنه وأمثالنا المفلسين بحقيقة معتقدات أهل الحقّ يعني أهل السّنّة والجماعة وجعل التّوفيق للأعمال المرضيّة نقد الوقت وأنعم علينا بالأحوال الّتي هي ثمرات هذه الأعمال وجذبه إلى جناب قدسه بالتّمام والكمال (ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث * فإنّ الأحوال والمواجيد الحاصلة بدون التّحقّق بمعتقدات هذه الفرقة النّاجية لا أعدّها شيئا سوى الإستدراج وما أظنّها غير الخذلان والحرمان فإن اعطينا مع دولة الإتّباع لهذه الفرقة النّاجية شيئا نكن ممنونين ونجتهد في أداء شكره وإن اعطينا هذا الإتّباع فقط ولم نعط الأحوال والمواجيد أصلا لا نغتمّ ولا نحزن بل نرضى به ونقول هذا أولى وأحسن. وما ظهر من بعض المشائخ قدّس الله أرواحهم وقت غلبة الحال والسّكر من بعض العلوم والمعارف المنافية لآراء أهل الحقّ الصّائبة لما كان منشؤها كشفا فهم معذورون في ذلك ونرجو أن لا يؤاخذوا بذلك يوم القيامة بل لهم حكم المجتهد المخطئ فيكون له أجر واحد والحقّ في جانب علماء أهل الحقّ شكر الله سعيهم فإنّ علوم العلماء مقتبسة من مشكاة النّبوّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة المؤيّدة بالوحي القطعيّ ومستند معارف الصّوفيّة الكشف والإلهام اللّذان للخطأ سبيل فيهما وعلامة صحّة الكشف والإلهام مطابقتهما بعلوم علماء أهل السّنّة والجماعة فإن وقعت المخالفة ولو مقدار شعرة فخارج من دائرة الصّواب هذا هو العلم الصّحيح والحقّ الصّريح فماذا بعد الحقّ الّا الضّلال. رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإستقامة على متابعة سيّد المرسلين ظاهرا وباطنا عملا واعتقادا عليه وعلى آله من الصّلوات أكملها ومن التّسليمات أفضلها والسّلام عليكم وعلى من اتّبع الهدى. PageV01P161 (113) المكتوب الثّالث عشر والمائة إلى جمال الدّين حسين في بيان الفرق بين جذبة المبتدئ وبين جذبة المنتهي وأنّ مشهود المجذوبين في الإبتداء ليس الّا الرّوح الّتي هي فوق مقام القلب وأنّهم يتخيّلون أنّ ذلك الشّهود شهود الحقّ سبحانه الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى اعلم أنّ الإنجذاب والإنجرار لا يكون الّا إلى مقام هو فوق مقام السّالك لا إلى ما فوق مقامه وكذا الحال في الشّهود ونحوه فليس للمجذوبين الّذين لا سلوك لهم بعد بل لهم في مقام القلب انجذاب إلى مقام الرّوح الّذي فوق مقام القلب والإنجذاب الإلهيّ إنّما هو في جذبة المنتهي الّتي لا مقام فوقها وأمّا جذبة البداية فليس المشهود فيها الّا الرّوح المنفوخ يعني في آدم عليه السّلام ولمّا كانت الرّوح مخلوقة على صورة أصله إنّ الله خلق آدم على صورته اعتقدوا شهود الرّوح شهود الحقّ تعالى وتقدّس وحيث كانت للرّوح مناسبة قليلة مع عالم الأجسام أطلقوا على ذلك الشّهود أحيانا شهود الاحديّة في الكثرة وأحيانا قالوا بالمعيّة وشهود الحقّ جلّ وعلا لا يتصوّر بدون حصول الفناء المطلق الّذي يتحقّق في نهاية السّلوك، (شعر): ومن لم يكن في حبّ مولاه فانيا ... فليس له في كبرياه سبيل وليس لهذا الشّهود مساس بالعلم أصلا والفرق بين الشّهودين أنّه لو كانت له مناسبة بالعالم بوجه من الوجوه فليس هو شهود الحقّ سبحانه فإن انتفت المناسبة أصلا فهو علامة الشّهود الإلهيّ جلّ وعلا وإطلاق الشّهود هنا إنّما هو بواسطة ضيق العبارة والّا فالنّسبة لا مثليّة ولا كيفيّة كالمنتسب إليه لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه. (114) المكتوب الرّابع عشر والمائة إلى الصّوفيّ قربان في التّحريض على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات شرّفنا الله سبحانه وأمثالنا المفلسين العاجزين المقعدين بدولة اتّباع سيّد الأوّلين والآخرين الّذي أبرز كمالاته الأسمائيّة والصّفاتيّة في طفيل محبّته إلى عرصة الظّهور وجعله أفضل جميع الكائنات عليه من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها ورزقنا الإستقامة عليه فإنّ ذرّة من هذه المتابعة المرضيّة أفضل من جميع التّلذّذات الدّنيويّة والتّنعّمات الاخرويّة بمراتب كثيرة والفضيلة منوطة بمتابعة سنّته والمزيّة مربوطة بإتيان شريعته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة والنّوم في نصف النّهار مثلا الواقع على وجه هذه المتابعة أفضل من إحياء ألوف من اللّيالي الواقع على غير وجه المتابعة PageV01P162 وكذلك الإفطار في يوم عيد الفطر الّذي أمرت الشّريعة به أفضل من صيام أبد الآباد الّذي لم يؤخذ من الشّريعة وإعطاء حبل بأمر الشّارع أفضل من إنفاق جبل من الذّهب من قبل نفسه صلّى عمر رضي الله عنه مرّة صلاة الصّبح بالجماعة ثمّ تفقّد الأصحاب رضي الله عنهم فلم ير فيهم شخصا منهم فسألهم عنه فقيل: إنّه يحيي اللّيالي كلّها ولعلّ النّوم غلب عليه في هذا الوقت. فقال: لو نام اللّيل كلّه وصلّى صلاة الصّبح بجماعة لكان أفضل ألا ترى أنّ أهل الضّلالة مع ارتكابهم الرّياضات الكثيرة والمجاهدات الشّديدة ليس لهم اعتبار أصلا بل هم أذلّاء يعني عند الله تعالى وذلك لعدم موافقة أعمالهم الشّريعة الحقّة فإن ترتّب أجر على تلك الأعمال الشّاقّة فهو مقصور على بعض المنافع الدّنيويّة وما جميع الدّنيا وكلّها حتّى يعتبر بعضها ومثلهم مثل الكنّاس رياضته أزيد من رياضة الكلّ وأجرته أقلّ من أجرة الكلّ ومثل متابعي الشّريعة مثل جماعة يعملون في الجواهر النّفيسة بالماسات لطيفة عملهم في نهاية القلّة وأجرهم في غاية الرّفعة حتّى أنّ عمل ساعتهم يساوي أجر مائة الف والسّرّ في ذلك أنّ العمل إذا وقع موافقا للشّريعة فهو مرضيّ الحقّ سبحانه وخلافها غير مرضيّه تعالى فكيف يكون غير المرضيّ محلا للثّواب بل هو موقع العقاب والشّاهد لهذا المعنى في هذا العالم المجازيّ واضح يظهر بأدنى التفات، (شعر): كلّ ما نال العليل علّة ... والّذي مال النّبيل ملّة فرأس جميع السّعادات وأصلها متابعة السّنّة وهيولى جميع الفسادات ومادّتها مخالفة الشّريعة ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات والسّلام. (115) المكتوب الخامس عشر والمائة إلى الشّيخ عبد الحقّ الدّهلويّ في بيان أنّ الطّريق الّذي نحن في صدد قطعه كلّه سبعة أقدام (ع) وأحسن ما يملى حديث الأحبّة * اعلم أنّ الطّريق الّذي نحن في صدد قطعه سبعة أقدام قدمان في عالم الخلق وخمسة أقدام في عالم الأمر ففى أوّل قدم توضع في عالم الأمر يظهر التّجلّي الأفعاليّ وفي الثّانية التّجلّي الصّفاتيّ وفي الثّالثة يقع الشّروع في التّجلّيات الذّاتيّة ثمّ وثمّ على تفاوت درجات الكمالات كما لا يخفى على أربابها كلّ ذلك منوط بمتابعة سيّد الأوّلين والآخرين عليه من الصّلوات أكملها ومن التّسليمات أفضلها وما قيل إنّ هذا الطّريق خطوتان فالمراد بهما عالم الخلق وعالم الأمر على سبيل الإجمال تسهيلا للأمر في نظر الطّالبين وحقيقة الأمر ما حقّقته بتوفيق الله سبحانه هذا. PageV01P163 (116) المكتوب السّادس عشر والمائة إلى الملّا عبد الواحد اللّاهوريّ في بيان أنّ سلامة القلب موقوفة على نسيان ما سواه تعالى وزواله من القلب بالكلّيّة وفي المنع من كثرة الإشتغال بالدّنيا الدّنيّة لئلّا تحصل الرّغبة فيها وصل مكتوبكم المرغوب واتّضح ما اندرج فيه من بيان سلامة القلب نعم إنّ سلامة القلب موقوفة على نسيان الغير وزواله من القلب على حدّ لو كلّف تذكّره لا يتذكّر فعلى هذا التّقدير لا معنى لخطور الغير وهذه الحالة معبّر عنها بفناء القلب وأوّل قدم توضع في هذا الطّريق ومبشّرة بكمالات مراتب الولاية على تفاوت درجات الإستعدادات. (ينبغي) للعاقل أن يكون عالي الهمّة وأن لا يقنع بالجوز والموز (1) إنّ الله يحبّ معالي الهمم وفي كثرة الإشتغال بأمرر دنياويّة خوف الرّغبة في هذه الامور الدّنيّة ولا تغترّ بهذا القدر من سلامة القلب فإنّ للرّجوع إمكانا فلا ينبغي الإقدام على الاشغالات الدّنيويّة مهما أمكن لئلّا تظهر الرّغبة فيها فتقع في الخسارة عياذا بالله سبحانه. الكناسة في الفقر أفضل من القعود في صدر المجلس في الغنى ينبغي صرف جميع الهمّة في أن يختار معيشة أيّام في الفقر والبأس فرّ من الغنى وأربابه اكثر ممّا تفرّ من الأسد والسّلام. (117) المكتوب السّابع عشر والمائة إلى الملّا يار محمّد البدخشىّ القديم في أنّ القلب تابع للحسّ في الإبتداء ولا تبقى تلك التّبعيّة في الإنتهاء لعلّ مولانا يار محمّد لم ينس أنّ القلب تابع للحسّ مدّة فلا جرم كلّ ما هو بعيد عن الحسّ يكون بعيدا عن القلب وحديث من لم يملك عينه فليس القلب عنده وارد في هذه المرتبة. فإذا لم تبق تبعيّة القلب للحسّ في نهاية الأمر لا يؤثّر بعد الشّيء عن الحسّ في بعده عن القلب بل يكون الشّيء قريبا بحسب القلب وإن كان بعيدا بحسب الحسّ ولهذا لم يجوّز مشائخ الطّريقة مفارقة المبتدئ والمتوسّط صحبة الشّيخ الكامل المكمّل وبالجملة بحكم ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه ينبغي أن تكون على هذا PageV01P164 الطّريق وأن تجتنب عن صحبة غير الجنس على أبلغ الوجوه وأن تغتنم صحبة الشّيخ ميان مزّمّل معتقدا قدومه مقدّمة السّعادة وكن في صحبته في أكثر الأوقات فإنّه عزيز الوجود جدّا والسّلام. (118) المكتوب الثّامن عشر والمائة إلى الملّا قاسم علي البدخشيّ في بيان خسارة جماعة يعترضون على أهل الله قد وصل الكتاب الّذي أرسله محبّنا مولانا القاسم عليّ واتّضح مضمونه قال الله تعالى (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها) وقال الخواجه عبد الله الأنصاريّ: إلهي إذا أردت أن تهلك أحدا فأطرحه علينا، (شعر): أخاف على قوم من القوم يضحكو ... ن أن يسلب الإيمان عنهم ويطردوا حفظ الله سبحانه كافّة المسلمين من إنكار الفقراء والطّعن في الدّراويش بحرمة سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (119) المكتوب التّاسع عشر والمائة إلى المير محمّد نعمان في التّرغيب في صحبة الشّيخ المقتدى به وبيان أنّ الكملاء يجيزون بعض مريديهم النّاقصين بتعليم الطّريقة أحيانا بواسطة بعض نيّات صالحة وأغراض صحيحة وصل المكتوب من جانب خدمة المير هذا الطّريق يناسب له الجنون وقد ورد في الخبر " لن يؤمن أحدكم حتّى يقال أنّه مجنون» (1) فما كانت به جنّة كان فارغا من تدبير أمور النّاس والأولاد وتيسّرت له الجمعيّة من التّفكّر في كذا وكذا وهذا الجنون مودوع في جبلّتكم ولكنّكم تدفنونه وتكتمونه بعوارض لا طائل فيها فاذا نفعل ويفهم في هذا الكسب عدم المناسبة جدّا ينبغي أن تداركه سريعا وأن ترفع البعد الصّوريّ معتقدا عدم الإستطاعة فإنّ جمعيّة هذه الطّائفة وراء جمعيّة سائر الخلق وأسباب جمعيّة الخلق باعثة على تفرقة هذه الطّائفة فينبغي التّشبّث بأسباب تفرقة الخلق حتّى تحصل الجمعيّة فإن أعطيت هذه PageV01P165 الطّائفة جمعيّة في جمعيّة سائر الخلق ينبغي أن يخاف منها وأن يلتجئ إلى جناب الحقّ سبحانه لئلّا تكون تلك الجمعيّة آفة الرّوح ولا ينبغي القياس على أحوال فلان وفلان فإنّ قبل التّمام كلّه مراتب النّقصان على تفاوت درجاتها (ع) ولا تستقلّ صاح فراق الأحبّة * وإعطاء الإجازة لتعليم الطّريقة بعض المريدين قبل بلوغ درجة الكمال من عادة مشائخ الطّريقة قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه لمولانا يعقوب ال?رخىّ بعد تعليم الطّريقة وتسليكه بعض المنازل: يا يعقوب، كلّ ما وصل منّا إليك أوصله إلى الخلق والحال أنّه قال له تكون بعدي في خدمة علاء الدّين واشتغل هو بأكثر أمره في خدمة الخواجه علاء الدّين حتّى عدّه مولانا عبد الرّحمن الجاميّ في النّفحات في عداد مريدي الخواجه علاء الدّين أوّلا ثمّ نسبه إلى الخواجه النّقشبند ثانيا وبالجملة انّ علاج هذه التّفرقة هو صحبة أرباب الجمعيّة وقد كتبوا مكرّرا ومؤكّدا وسمعنا أيضا أنّ مولانا محمّد صدّيق اختار العسكريّة وترك وضع الفقراء وطورهم الويل كلّ الويل لمن ينحطّ من أعلى علّيّين إلى أسفل سافلين وحاله لا يخلو عن أحد الأمرين إمّا أن يعطى الجمعيّة في العسكريّة أو لا فإن أعطيها فشرّ وإن لم يعط فأشدّ ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنّك أنت الوهّاب * والسّلام. (120) المكتوب العشرون والمائة إلى المير محمّد نعمان أيضا في التّحريض على صحبة أرباب الجمعيّة كأنّه طرأ النّسيان على المير حتّى لا يتذكّر بسلام وتحيّة الفرصة قليلة وصرفها إلى أهمّ المهامّ ضروريّ وهو صحبة أرباب الجمعيّة لا تعدل بالصّحبة شيئا أيّاما كان ألا ترى أنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبارك فضّلوا بالصّحبة على من عداهم سوى الأنبياء عليهم السّلام وإن كان أويسا قرنيّا أو عمر مروانيّا مع بلوغهما نهاية الدّرجات ووصولهما غاية الكمالات سوى الصّحبة فلا جرم كان خطأ معاوية خيرا من صوابهما ببركة الصّحبة وسهو عمرو بن العاص أفضل من صحوهما لما أنّ إيمان هؤلاء الكبراء صار شهوديّا برؤية الرّسول وحضور الملك وشهود الوحي ومعاينة المعجزات وما اتّفق لمن عداهم هذه الكمالات الّتي هي أصول سائر الكمالات كلّها ولو علم أويس فضيلة الصّحبة بهذه الخاصّيّة لم يمنعه مانع من الصّحبة وما آثر شيئا من الأشياء على هذه الفضيلة؛ والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1)، (شعر): سكندر را نمى نجشند آبي ... بزور وزر ميسر نيست اينكار ترجمة: وذو القرنين لم يظفر بماء ... به المحيا بمال أو بقوّة PageV01P166 اللهمّ وإن لم تخلقنا في هذه النّشأة في قرن هؤلاء الأكابر فاجعلنا في النّشأة الآخرة محشورين في زمرتهم بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلوات والتّحيّات والتّسليمات والسّلام. (121) المكتوب الحادي والعشرون والمائة إلى المير محمّد نعمان أيضا في بيان أنّ هذا الطّريق تقرّر كلّه على سبعة أقدام وأنّه قد وصل بعض أصحابه إلى القدم السّادسة ليعلم خدمة المير بعد مطالعة الدّعوات الوافرة أنّه قد مضت مدّة ولم يطّلع على أحواله ولم يستخبر عن أحوال فقراء هذه الجهة لله سبحانه الحمد والمنّة انّ الفقراء مرفّهو الأحوال ولنبيّن نبذة من أطوارهم أيّها المحبّ الصّادق إنّ هذا الطّريق تقرّر كلّه على سبعة أقدام. وقد أوصل جمع من الإخوان أمرهم إلى ستّة أقدام والبعض الآخر إلى خمسة وطائفة إلى أربعة وفرقة إلى ثلاثة على تفاوت درجاتهم وأصحاب الأقدام الثّلاث أيضا يقدّرون إفادة النّاس يعني الطّريقة فكيف جماعة لهم سبقة القدم ينبغي للعاقل أن يكون عالي الهمّة دون أن يكتفي بكلّ حقير ونقير ولم يسع الوقت الزّيادة على ذلك والسّلام. (122) المكتوب الثّاني والعشرون والمائة إلى الملّا طاهر البدخشيّ في التّحريض على علوّ الهمّة وعدم الإكتفاء بكلّما يتيسّر انّ مولانا طاهرا معذور ومولانا يار محمّد يبيّن وجه الإنتقال وحيث انّ إرادة السّفر إلى جانب الهند مصمّمة فليذهب وليستخبر عن الأهل والعيال الباقي عند التّلاقي مثل مشهور ودوام الحضور والإجتناب عن الإختلاط بالأغيار ضروريّ ينبغي أن يكون عالي الهمّة دون أن يقنع بكلّما يتيسّر، (شعر): ما از ?ي نوريكه بود مشرق أنوار ... از مغربي وكوكب ومشكاة كذشتيم ترجمة: ومن أجل نور مشرق كلّ أنور ... تجاوزت مشكاة وغربا وكوكبا وأكثر فقراء هذا الزّمان يقيمون في مقام الرّىّ والإكتفاء يعني بشيء يسير فصحبتهم سمّ قاتل فرّ منهم كما تفرّ من الأسد وكن ملازما لهذا الطّريق وليس للواقعات كثيرا اعتبار فإنّ ميدان التّأويل واسع فلا ينبغي الإنخداع بالمنام والخيال (شعر): كيف الوصول إلى سعاد ودونها ... قلل الجبال ودونهنّ خيوف. والسّلام. PageV01P167 (123) المكتوب الثّالث والعشرون والمائة إلى الملّا طاهر البدخشيّ أيضا في بيان أنّ أداء النّفل وإن كان حجّا داخل فيما لا يعني إذا استلزم فوت فرض من الفرائض قد وصل مكتوب أخي الأرشد لازال كأسه طاهرا عن دنس التّعلّقات أيّها الأخ. قد ورد في الخبر علامة إعراض الله تعالى عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه والإشتغال بنفل من النّوافل مع الإعراض عن فرض من الفرائض داخل فيما لا يعني فلزمك تفتيش أحوالك لتعلم أنّ اشتغالك بأيّ شيء بنفل أو بفرض وكم من محظور يرتكب في أداء الحجّ النّفل فينبغي أن تلاحظ ملاحظة جيّدة العاقل تكفيه الإشارة والسّلام عليكم وعلى رفقائكم. (124) المكتوب الرّابع والعشرون والمائة إلى المذكور أيضا في بيان أنّ الإستطاعة شرط لوجوب الحجّ والحجّ مع عدم الإستطاعة داخل في تضييع الأوقات بالنّسبة إلى تحصيل المطلوب قد وصل مكتوب أخي الخواجه محمّد طاهر البدخشيّ لله سبحانه الحمد والمنّة لم يتطرّق الفتور إلى إخلاصه للفقراء ومحبّتهم مع وجود تمادي أيّام المهاجرة وهذه علامة سعادة عظيمة (أيّها المحبّ) لمّا طلبت الإذن يعني لسفر الحجّ وصمّمت العزم للسّفر قد ذكرتك وقت الوداع أنّه يحتمل أن الحقكم في هذا السّفر ولكن كلّما قصدت لم توافق الإستخارات ولم يفهم التّجويز في هذا الباب فاخترت التّقاعد بالضّرورة ولم يكن في ذهابكم صلاح الفقراء من الأوّل ولكن لمّا رأيت شوقكم لم أمنع صريحا والإستطاعة شرط الدّخول في الطّريق يعني طريق الحجّ وبدون الإستطاعة تضييع للأوقات والإشتغال بأمر غير ضروريّ تاركا للأمر الأهمّ ليس بمناسب وقد كتبت إليكم هذا المضمون مكرّرا وصل إليكم أوّلا والقول هو هذا وأنتم المخيّر. (125) المكتوب الخامس والعشرون والمائة إلى المير صالح النّيسابوري في بيان أنّ العالم كبيره وصغيره مظاهر الأسماء والصّفات الإلهيّة تعالى شأنه وليس للعالم نسبة إليه تعالى أصلا سوى المخلوقيّة والمظهريّة وما يناسب ذلك اللهمّ أرنا حقائق الأشياء كما هي اعلم أنّ العالم كلّه كبيره وصغيره مظاهر الأسماء والصّفات الإلهيّة تعالى شأنه ومرايا شئوناته وكمالاته الذّاتيّة وكان عزّ سلطانه كنزا مخفيّا وسرّا مكنونا فأراد سبحانه أن يعرض كمالاته من الخلاء إلى الملاء وأن يوردها من الإجمال إلى التّفصيل فخلق الخلق على نهج يكون دالّا بذاته وصفاته على ذاته وصفاته تعالى وتقدّس فليس للعالم نسبة مع صانعه أصلا إلّا أنّه مخلوقه PageV01P168 تعالى ودالّ على أسمائه وشئوناته تعالى والحكم بالإتّحاد والعينيّة ونسبة الإحاطة والسّريان والمعيّة الذّاتيّات هناك من غلبة الحال وسكر الوقت والأكابر المستقيمو الأحوال الّذين لهم شرب من قدح الصّحو لا يثبتون للعالم نسبة مع صانعه إلّا المخلوقيّة والمظهريّة ويقولون بالإحاطة والسّريان والمعيّة العلميّات على طبق قول علماء أهل الحقّ شكر الله سعيهم والعجب من بعض الصّوفيّة حيث يثبتون بعض النّسبة الذّاتيّة كالإحاطة والمعيّة مثلا مع اعترافهم بسلب جميع النّسب عن الذّات حتّى الصّفات الذّاتيّة فهل هذا الّا تناقض وإثبات المراتب في الذّات لدفع هذا التّناقض تكلّف مثل التّدقيقات الفلسفيّة وأرباب الكشف الصّحيح لا يشهدون الذّات الّا بسيطا حقيقيّا ويعدّون ما وراءه كائنا ما كان داخلا في الأسماء، (شعر): وما قلّ هجران الحبيب وإن غدا ... قليلا ونصف الشّعر في العين ضائر ولنبيّن مثالا لتحقيق هذا المبحث أراد عالم نحرير متفنّن مثلا إظهار كمالاته المكنونة وإبرازها في عرصة الظّهور فأوجد الحروف والأصوات ليجلو كمالاته في حجاب تلك الحروف والأصوات ففى تلك الصّورة لا نسبة لتلك الحروف والأصوات الدّوالّ مع تلك المعاني المخزونة الّا أنّ هذه الحروف والأصوات مظاهر تلك المعالي المخفيّة ومرايا الكمالات المخزونة ولا معنى لان يقال إنّ الحروف والأصوات عين تلك المعاني المخفيّة وكذلك الحكم بالإحاطة والمعيّة في هذه الصّورة غير مطابق للواقع بل المعاني على صرافته المخزونة لم يتطرّق التّغيّر إليها لا في ذاتها ولا في صفاتها أصلا ولكن لمّا كان بين تلك المعاني وبين الحروف والأصوات الدّالّة نوع مناسبة من الدّاليّة والمدلوليّة يتخيّل منه بعض المعاني الزّائدة وتلك المعاني المخزونة منزّهة ومبرّأة في الحقيقة عن تلك المعاني الزّائدة وهذا هو معتقدنا في هذه المسألة وإثبات الأمر الزّائد على المظهريّة والمرآتيّة من الاتّحاد والعينيّة والإحاطة والمعيّة من السّكر وذاته تعالى في الحقيقة معرّاة عن النّسبة ومبرّأة عن المناسبة ما للتّراب وربّ الأرباب وبهذا القدر من مناسبة الظّاهريّة والمظهريّة يقال بوحدة الوجود أوّلا بل في الواقع وجودات متعدّدة لكن بطريق الأصالة والظّلّيّة والظّاهريّة والمظهريّة لا انّ (1) الموجود واحد وما سواه أوهام وخيالات فإنّ هذا المذهب بعينه مذهب السّوفسطائيّ وإثبات الحقيقة في العالم لا يخرجه من كونه أوهاما وخيالات كما هو مقصود السّوفسطائيّ، (شعر): وإذا عرفته أنت من هو أوّلا ... ونسبت نفسك نحو حضرته العلىّ وعلمت أنّك ظلّ من يا من درى ... كن فارغا حيّا وميّتا من ملا PageV01P169 (126) المكتوب السّادس والعشرون والمائة إلى المير صالح النّيسابوريّ أيضا في بيان أنّه ينبغي للطّالب الإهتمام في نفي الآلهة الباطلة آفاقيّة كانت أو أنفسيّة وإثبات المعبود على الحقّ وما يناسب ذلك أيّها السّيّد النّقيب ينبغي للطّالب الإهتمام في نفي الآلهة الباطلة آفاقيّة كانت أو أنفسيّة وكلّ ما يدخل في حوصلة الفهم وحيطة الوهم وقت إثبات المعبود بالحقّ جلّ سلطانه ينبغي أن يدخله تحت النّفي أيضا وأن يكتفى بموجوديّة المطلوب (ع) هو الموجود لا شيء سواه * وإن لم يكن مساغ للوجود في ذلك الموطن أيضا بل ينبغي أن يطلبه من ما وراء الوجود ولقد أحسن علماء أهل السّنّة شكر الله سعيهم في قولهم بزيادة وجود الواجب تعالى على ذاته سبحانه والقول بعينيّة الوجود مع الذّات وعدم إثبات شيء وراء الوجود من قصور النّظر (قال) الشّيخ علاء الدّولة فوق عالم الوجود عالم الملك الودود ولمّا ترقّى هذا الدّرويش من مرتبة الوجود كان مغلوب الحال أوقاتا ووجد نفسه على وجه الذّوق والوجدان من أرباب التّعطيل ولم يحكم بوجود الواجب فإنّه كان ترك الوجود في الطّريق ولم يجد للوجود مجالا في مرتبة الذّات وكان إسلامه في ذلك الوقت تقليديّا لا تحقيقيّا وبالجملة انّ كلّ ما يحصل في حوصلة الممكن يكون ممكنا بالطّريق الأولى فسبحان من لم يجعل للخلق إلى الله سبيلا الّا بالعجز عن معرفته ولا يظنّنّ أحد من حصول الفناء في الله والبقاء بالله انّ الممكن يصير واجبا حاشا من ذلك فإنّه محال مستلزم لقلب الحقائق فإذا لم يصر الممكن واجبا لا يكون نصيبه غير العجز، (شعر): ولا أحد يصطاد عنقاء فاطرح ... الفخاخ والّا دام فيك المتاعب وعلوّ الهمّة يطلب مطلبا لا يحصل منه شيء ولا يبدو منه اسم ولا رسم وطائفة يطلبون شيئا يجدونه عينهم ويثبتون له قربا ومعيّة (ع) لكلّ من الإنسان شأن يخصّه * والسّلام أوّلا وآخرا. (127) المكتوب السّابع والعشرون والمائة إلى الملّا صفر أحمد الرّوميّ في بيان أنّ خدمة الوالدين وإن كانت من الحسنات ولكنّها في جنب تحصيل المطلب الحقيقيّ لا شيء محض وما يناسب ذلك قد وصل المكتوب المرغوب والعذر الّذي ذكرته في باب التّوقّف صحيح ينبغي أن تفعل أزيد ممّا وقع وأن تعتقد نفسك مقصّرا قال الله تعالى (ووَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا) وقال الله سبحانه أيضا (أَنِ اُشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ) وينبغي أن تعتقد أنّ كلّ ذلك فضول محض في PageV01P170 جنب الوصول إلى المطلب الحقيقيّ بل في جنب طيّ منازل السّلوك أيضا تعطيل صرف وقد سمعت أنّ حسنات (1) الأبرار سيّئات المقرّبين، (شعر): كلّما دون هوى الحقّ ولو ... أكل قند فهو سمّ قاتل وحقّ الله سبحانه مقدّم على حقوق جميع الخلائق فإنّ أداء حقوق الخلائق إنّما هو لامتثال أمره تعالى والّا لمن يكون مجال ترك خدمته والإشتغال بخدمة غيره فخدمة الخلائق بهذا السّبب من جملة خدمات الحقّ سبحانه وتعالى ولكنّ الفرق بين خدمة وخدمة كثير ألا ترى أنّ أرباب الحرث وأصحاب الزّرع كلّهم في خدمة السّلطان ولكن لا مناسبة بين خدمتهم وخدمة المقرّبين حتّى انّ إجراء اسم الزّراعة والحراثة على اللّسان هناك معصية وأجر كلّ أمر على مقدار ذلك الأمر فأهل الحراثة يأخذون درهما واحدا على خدمة يوم كامل مع غاية المحنة والمشقّة والمقرّبون يستحقّون الالوف على ساعة خدمة الحضور ومع ذلك لا تعلّق لهم بتلك الالوف وغاية مرامهم إنّما هي قرب السّلطان فحسب شتّان ما بينهما وفرخ حسين موفّق جدّا يعني للتّرقّي والإجتهاد وليطمئنّ قلبك من طرفه ماذا أكتب أزيد من ذلك والسّلام. (128) المكتوب الثّامن والعشرون والمائة إلى الخواجه مقيم في التّرغيب في علوّ الهمّة وعدم الإكتفاء بغير المطلب الحقيقيّ إنّ الخواجه مقيم لا ينسى النّائين المهجورين بل يراهم قريبا لا بعيدا المرء مع من أحبّ المسلك في غاية الطّول والمطلب في كمال الرّفعة والهمم في نهاية النّقصان والمنازل الوسطانيّة في شبه المطلب كالسّراب عياذا بالله سبحانه من ظنّ الوسط نهاية وغير المقصد مقصدا وتصوّر المثاليّ والكيفيّ منزّها عن المثال والكيف والتّوقّف من الوصول إلى المطلب الحقيقيّ ينبغي للعاقل أن يكون عالي الهمّة وأن لا يقنع بكلّ ما يحصل ويتيسّر وأن يطلب المطلوب ممّا وراء الوراء وحصول مثل هذه الهمّة موقوف على توجّه الشّيخ المقتدى به وتوجّهه إنّما يكون على قدر إخلاص المريد المقتدى ومحبّته ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. (129) المكتوب التّاسع والعشرون والمائة إلى السّيّد نظام في بيان أنّ جامعيّة الإنسان باعثة على تفرقته كما أنّها سبب لجمعيّته كماء نيل ماء للمحبوبين PageV01P171 وبلاء للمحجوبين قد وصل المكتوب الشّريف (اعلم) أنّ الإنسان أجمع الموجودات وله تعلّق وارتباط بالموجودات المتكثّرة بواسطة كلّ جزء من أجزائه فكانت جامعيّته باعثة على زيادة بعده من جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه على بعد الكلّ وتعلّقاته المتعدّدة كانت سببا لزيادة حرمانه على حرمان ما سواه فإن جمع نفسه من هذه التّعلّقات المتشتّتة بتوفيق الله عزّ شأنه ورجع قهقرى فقد فاز فوزا عظيما والّا فقد ضلّ ضلالا بعيدا فكما أنّ الإنسان أفضل الموجودات بواسطة الجامعيّة كذلك هو شرّ المخلوقات بواسطة تلك الجامعيّة ومرآته أتمّ بواسطة تلك الجامعيّة فإن جعل وجهها نحو العالم فهي أشدّ تكدّرا من كلّ شيء وإن وجّه وجهها نحو الحقّ سبحانه فأشدّ صفاء وإراءة من كلّ شيء وكمال حرّيّة القلب من هذه التّعلّقات من خواصّ محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمّ بقيّة الأنبياء ثمّ الأولياء على تفاوت درجاتهم صلوات الله وتسليماته على نبيّنا وعليهم وعلى أتباعهم أجمعين إلى يوم الدّين رزقنا الله سبحانه وإيّاكم النّجاة من هذه التّعلّقات بحرمة النّبيّ المصطفى الممدوح بقوله تعالى (ما زاغ البصر وما طغى) عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها والزّيادة على ذلك موجبة للملال والسّلام والإكرام. (130) المكتوب الثّلاثون والمائة إلى جمال الدّين في بيان أن لا اعتبار بتلوينات الأحوال بل ينبغي تحصيل مطلب منزّه عن الشّبه والمثال ليس لتلوينات الأحوال كثير اعتبار ينبغي عدم الإلتفات إليها سواء كان ذهابا أو مجيئا أو تكلّما أو سماعا فإنّ المقصود غير ذلك وهو مبرّأ ومنزّه عن التّكلّم والسّماع والرّؤية والشّهود وإنّما يتسلّى بجوز الحال وموزه أطفال الطّريقة ينبغي للعاقل أن يكون عالي الهمّة فإنّ الأمر وراء ذلك وكلّ ذلك منام وخيال ومن رأى نفسه أنّه صار سلطانا في المنام ليس هو في نفس الأمر كذلك ولكنّ هذا المنام يورث رجاء وطمعا لصاحبه لا اعتبار للوقائع المناميّة في الطّريقة النّقشبنديّة وهذا البيت مسطور في كتبهم العليّة، (شعر): وإنّى غلام الشّمس أروي حديثها ... ومالي وللّيل فأروي حديثه فإن حصل حال من الأحوال أو زال فليس ذلك بمحلّ للسّرور ولا هذا بموجب للغمّ والإنفعال بل ينبغي أن يكون منتظرا للمقصود المنزّه عن الكيف والمثال والسّلام. PageV01P172 (131) المكتوب الحادي والثّلاثون والمائة إلى الخواجه محمّد أشرف الكابليّ في بيان علوّ شأن طريقة حضرات خواجكان قدّس الله تعالى أسرارهم والشّكاية من جماعة أحدثوا فيها إحداثات واعتقدوها تكملة لهذه الطّريقة الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله الطّاهرين وليعلم أخي الأرشد الخواجه محمّد أشرف شرّفه الله سبحانه بتشريفات أوليائه الكرام انّ طريقة حضرات خواجكان قدّس الله أسرارهم أقرب الطّرق الموصّلة ونهاية سائر المشائخ مندرجة في بداية هؤلاء الأكابر ونسبتهم فوق جميع النّسب كلّ ذلك المزايا لوجود التزام السّنّة السّنيّة في هذه الطّريقة العليّة والإجتناب عن البدعة الشّنيعة مهما أمكن فإنّهم لا يجوّزون العمل بالرّخصة وإن وجدوها نافعة لامر الباطن في الظّاهر ولا يفارقون العمل بالعزيمة وإن يرونها مضرّة في السّيرة بحسب الصّورة يجعلون الأحوال والمواجيد تابعة للأحكام الشّرعيّة ويعتقدون أنّ الأذواق والمعارف خادمة للعلوم الشّرعيّة ولا يبدّلون جواهر الشّريعة النّفيسة مثل الأطفال بجوز الوجد وموز الحال ولا يغترّون بترّهات جهلة الصّوفيّة ولا يفتتنون بأباطيلهم ولا يتركون النّصوص بالفصوص ولا يلتفتون إلى الفتوحات المكّيّة تاركين للفتوحات المدنيّة حالهم على الدّوام ووقتهم مستمرّ ومستدام والتّجلّي الذّاتيّ البرقيّ الّذي هو كالبرق لغيرهم دائم لهؤلاء الأكابر والحضور الّذي تعقبه الغيبة ساقط عن حيّز الإعتبار عند هؤلاء الأكابر (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) ولكن لا يصل فهم كلّ أحد إلى مذاق هؤلاء الأكابر بل يكاد ينكر قاصروا هذه الطّريقة على بعض كمالاتهم، (شعر): لو عابهم قاصر طعنا بهم سفها ... برأت ساحتهم عن أفحش الكلم (نعم) قد أحدث بعض متأخّري هذه الطّريقة إحداثات فيها وضيّع أصل سيرة الأكابر وزعم جمع من مريديه أنّهم كمّلوا الطّريقة بتلك المحدثات حاشا وكلّا كبرت كلمة تخرج من أفواههم بل هم سعوا في تخريبها وتضييعها يا أسفا كلّ الأسف على ما أحدثوا في هذه الطّريقة بعض بدع لا وجود له في سلاسل أخر أصلا حيث يصلّون صلاة التّهجّد بجماعة ويجتمع النّاس من الأطراف والجوانب في ذلك الوقت لصلاة التّهجّد ويؤدّونها بجمعيّة تامّة وهذا العمل مكروه كراهة تحريميّة والّذين اشترطوا التّداعي لتحقّق الكراهة من الفقهاء قيّدوا جواز التّنقّل بجماعة بأدائها في ناحية المسجد واتّفقوا على تحقّق الكراهة إن زادوا على ثلاثة (وأيضا) إنّ هؤلاء المحدثين يعتقدون التّهجّد بهذا الوضع ثلاث عشرة ركعة فيصلّون اثنتي عشرة ركعة قائمين وركعتين قاعدين زاعمين أنّ لهما حكم ركعة واحدة فتكون بها ثلاث PageV01P173 عشرة ركعة وليس الأمر كما زعموا فإنّ نبيّنا صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم كان (1) يصلّي أحيانا ثلاث عشرة ركعة وأحيانا إحدى عشرة ركعة وأحيانا تسع ركعات وأحيانا سبعا والفرديّة إنّما عرضت للتّهجّد بصلاة الوتر لا انّه أعطى لركعتي القعود حكم ركعة القيام ومنشأ أمثال هذا العلم والعمل عدم تتبّع السّنّة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة والعجب من رواج أمثال هذه المحدثات في بلاد العلماء ومأوى المجتهدين عليهم الرّضوان مع أنّ أمثالنا الفقراء يستفيضون العلوم الإسلاميّة من بركاتهم والله سبحانه الملهم للصّواب، (شعر): بثثت لديكم من همومي وخفت أن ... تملّوا والّا فالكلام كثير * والسّلام. (132) المكتوب الثّاني والثّلاثون والمائة إلى الملّا محمّد صدّيق البدخشيّ في التّحذير عن صحبة أرباب الغنى والتّرغيب في صحبة الفقراء ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنّك أنت الوهّاب. أيّها الأخ الظّاهر إنّك مللت من صحبة الفقراء واخترت صحبة الأغنياء ولبئس ما صنعت فإن كان عينك مغمضة اليوم ستنكشف غدا فلا ترى فائدة غير النّدامة، والشّرط الخبر. (أيّها المهوّس) انّ حالك لا يخلو من أحد أمرين إمّا أن تنال الجمعيّة في مجلس الأغنياء أو لا فإن تنل فشرّ والّا فأشدّ شرّا فإنّك إن تنلها فهي استدراج عياذا بالله سبحانه من ذلك وإن لم تنل فمصداق الحال خسر الدّنيا والآخرة كناسة الفقراء أفضل من قعود الأغنياء في الصّدر وهذا الكلام يكون معقولا عندك اليوم أوّلا وأمّا في الآخرة فسيصير لك معلوما ولكنّه لا يفيد وإنّما اوقعك في هذا البلاء اشتهاء الأطعمة اللّذيذة والألبسة الفاخرة ولم يفت الأمر الآن فينبغي التّفكّر في أصل الأمر والفرار من كلّ ما يكون مانعا عن الحقّ سبحانه والحذر منه معتقدا بأنّه عدوّ قوله تعالى (إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) نصّ قاطع وقد اقتضت رعاية حقوق الصّحبة أن أنصحك مرّة واحدة تعمل بها أو لا وقد كنت عرفت من أوّل الأمر حين شاهدت فضوليّاتك أنّ الإستقامة على الفقر عسيرة بهذا الوضع، (شعر): PageV01P174 قد كان ما خفت أن يكونا ... إنّا إلى الله راجعونا وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها وقد كنت متوقّعا من فطرتك واستعدادك شيئا آخر فأنت رميت الجوهر النّفيس في السّرقين إنّا لله وإنّا إليه راجعون. (133) المكتوب الثّالث والثّلاثون والمائة إلى الملّا محمّد صدّيق أيضا في بيان اغتنام الفرصة وعدم تضييع الوقت قد وصل المكتوب الّذي أرسلته ينبغي اغتنام الفرصة وعدم تضييع الوقت ولا يحصل شيء من الرّسوم والعادات ولا يزيد شيء من التّمحّل والتّعلّل غير الخسارة وقد قال المخبر الصّادق عليه من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها " هلك المسوّفون " وصرف نقد العمر المحقّق الموجود إلى الأمر الموهوم وحفظ الموهوم للموجود مستكره جدّا فإنّ نقد الوقت ينبغي أن يصرف في الأمر الأهمّ والنّسية تستدعي أن تدّخر لما لا يعني من المزخرفات رزقنا الله سبحانه ذرّة من لذّة الطّلب وعدم القرار والسّكونة حتّى تتيسّر النّجاة من السّكون إلى ما سواه تعالى ولا حاصل في القيل والقال وإنّما المطلوب سلامة القلب ينبغي الفكر في الأصل والإعراض عمّا لا يعني بالتّمام، (شعر): كلّ ما دون هوى الحقّ ولو ... أكل قند فهو سمّ قاتل وما على الرّسول الّا البلاغ (2). (134) المكتوب الرّابع والثّلاثون والمائة إلى الملّا محمّد صدّيق أيضا في المنع عن التّسويف رزقنا الله سبحانه وإيّاكم عروجات غير متناهية في مدارج قربه بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات (أيّها) المحبّ إنّ الوقت سيف قاطع ولا يدرى أنّه هل تعطى الفرصة غدا أو لا PageV01P175 فينبغي تقديم الأهمّ في هذا اليوم وتأخير غير الأهمّ إلى غد وهذا حكم العقل ومقتضاه ولا أريد بالعقل عقل المعاش بل عقل المعاد وماذا أكتب أزيد من ذلك. (135) المكتوب الخامس والثّلاثون والمائة إلى المخلص الصّديق محمّد صدّيق في بيان مراتب الولاية عامّة كانت أو خاصّة مع بعض خواصّ الخاصّة اعلم أنّ الولاية عبارة عن الفناء والبقاء وهي إمّا عامّة وإمّا خاصّة ونعنى بالعامّة مطلق الولاية وبالخاصّة الولاية المحمّديّة على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام والتّحيّة، الفناء فيها أتمّ والبقاء أكمل ومن شرّف بهذه النّعمة العظمى فقد لان جلده للطّاعة وانشرح صدره للإسلام واطمأنّت نفسه فرضيت عن مولاها ورضي مولاها عنها وسلم قلبه لمقلّبيه وتخلّصت روحه كلّيّة إلى مكاشفات حضرة صفات اللّاهوت وشاهد سرّه مع ملاحظة الشّئون والإعتبارات وفي هذا المقام شرّف بالتّجلّيات الذّاتيّة البرقيّة وتحيّر خفيّه لكمال التّنزّه والتّقدّس والكبرياء، واتّصل أخفاه اتّصالا بلا تكيّف وضرب من المثال هذا (ع) هنيئا لارباب النّعيم نعيمها * وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ الولاية الخاصّة المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة متميّزة عن سائر مراتب الولاية في طرف العروج والنّزول أمّا في طرف العروج فلأنّ فناء الأخفى وبقاءه مختصّان بتلك الولاية الخاصّة وعروج سائر الولايات إلى الخفىّ فقط مع تفاوت درجاتها يعني أنّ عروج بعض أرباب الولايات إلى مقام الرّوح وعروج البعض إلى السّرّ وعروج البعض الآخر إلى الخفىّ وهو أقصى درجات الولاية العامّة وأمّا في طرف النّزول فلأنّ لاجساد الأولياء المحمّديّة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة نصيبا من كمالات درجات تلك الولاية لما أنّه صلّى الله عليه وسلّم أسرى به ليلة المعراج بالجسد (1) إلى ما شاء الله وعرض عليه الجنّة والنّار وأوحى إليه ما أوحى وشرّف (2) ثمّة بالرّؤية البصريّة وهذا القسم من المعراج مخصوص به عليه الصّلاة والسّلام والأولياء المتابعون له كمال المتابعة السّالكون تحت قدمه لهم أيضا نصيب من هذه المرتبة المخصوصة (ع) وللأرض من كأس الكرام نصيب * PageV01P176 غاية ما في الباب أنّ وقوع الرّؤية في الدّنيا مخصوص به عليه الصّلاة والسّلام والحالة الّتي حصلت للأولياء الّذين تحت قدمه ليست برؤية والفرق بين الرّؤية وتلك الحالة كالفرق بين الأصل والفرع والشّخص والظّلّ وليس أحدهما عين الآخر. (136) المكتوب السّادس والثّلاثون والمائة إلى الملّا محمّد صدّيق أيضا في المنع عن التّسويف والتّأخير في تحصيل المطلوب الحقيقيّ وصل المكتوب المرغوب وحيث انّ القاصد وصل في أواخر العشر المتبرّك كنت بعد مضيّه مشغولا بكتابة جوابات المكاتيب وقد كتب جواب مكتوب خان خانان ومكتوب الخواجه عبد الله أيضا وأرسلا إليهما ينبغي مطالعتهما بالملاحظة وذهابك إلى العسكر في هذه النّوبة ليس بمعقول للفقير وما الحكمة فيه والأمر عند الله سبحانه ينبغي الملاحظة فإنّ الله سبحانه قد أعطاك قوت اليوم من كمال كرمه فاللّائق بك التّفكّر في أمرك مغتنما ذلك دون أن تجعله وسيلة إلى تحصيل قوت يوم آخر فإنّ الأمر ينجرّ حينئذ إلى التّسلسل وطول الأمل كفر في طريق الفقر والتّخلّص من معاملة القرض لا يدرى أنّه يحصل من طرف خواجكى أو لا فإن كان فيه اشتباه فاكتب إلى خواجكى كتابا منقّحا صريحا فإن كتب في جوابه منقّحا وفهم منه الوعد المؤكّد فاذهب بهذه النّيّة ولكن ماذا يكون علاج التّسويف والتّأخير وكلّ شيء تختاره وتفعله ينبغي لك أن تستعجل فيه فإنّ الفرصة غنيمة جدّا. (137) المكتوب السّابع والثّلاثون والمائة إلى الحاجّ خضر الأفغانيّ في بيان علوّ شأن الصّلاة المنوط كمالها بالوصول إلى نهاية النّهاية وما يناسب ذلك وصل المكتوب المرغوب واتّضح ما فيه اعلم أنّ الإلتذاذ بالعبادة وارتفاع الكلفة في أدائها من أجلّ نعم الله سبحانه وتعالى خصوصا في أداء الصّلاة فإنّه لا يتيسّر فيها لغير المنتهي خصوصا في أداء الصّلوات الفرضيّة فإنّ الإبتداء لا التذاذ فيه الّا بالنّوافل وأمّا في النّهاية فتكون تلك النّسبة منوطة بالفرائض ويرى فيها الإشتغال بالنّوافل تعطيلا والأمر العظيم للمنتهى هو أداء الفرائض فقط (ع) وهذى سعادات تكون نصيب من * وينبغي أن يعلم أنّ الإلتذاذ الّذي يحصل حين أداء الصّلاة لا حظّ للنّفس فيه أصلا بل هي عين ذلك الإلتذاذ في البكاء والحزن سبحان الله أيّ رتبة هذا (ع) هنيئا لارباب النّعيم نعيمها * والتّكلّم بمثل هذا الكلام وسماعنا إيّاه أيضا غنيمة لامثالنا المهوّسين (ع) دعونا نسلّي بالأمانيّ قلوبنا (واعلم) أيضا أنّ رتبة PageV01P177 الصّلاة مثل رتبة الرّؤية في الآخرة فنهاية القرب في الدّنيا إنّما هي في الصّلاة ونهاية القرب في الآخرة في عين الرّؤية وأيضا إنّ سائر العبادات وسائل للصّلاة والصّلاة من المقاصد والسّلام والإكرام. (138) المكتوب الثّامن والثّلاثون والمائة إلى الشّيخ بهاء الدّين السّرهنديّ في مذمّة الدّنيا والتّحذير من صحبة أربابها لا يكوننّ ولد الأرشد مغرورا ومسرورا بهذه الدّنيّة المبغوض عليها ولا يضيّعنّ بضاعة الإقبال إلى جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه ينبغي التّفكّر أيّ شيء يباع وأيّ شيء يشترى تبديل الآخرة بالدّنيا والإمتناع من طلب الحقّ بالخلق من السّفاهة والجهالة والجمع بين الدّنيا والآخرة من قبيل الجمع بين الأضداد (ع) ما أحسن الدّين والدّنيا لو اجتمعا * فاختر أيا شئت من هذين الضّدّين وبع نفسك من أيّهما شئت، عذاب الآخرة أبديّ ومتاع الدّنيا قليل والدّنيا مبغوض عليها عند الحقّ سبحانه والآخرة مرضيّة له تعالى وتقدّس، (شعر): عش ما شئت فإنّك ميّت ... والزم ما شئت فإنّك مفارق ولا بدّ من ترك العيال والأولاد أخيرا وتفويضهم إلى الحقّ سبحانه فينبغي لك أن تحسب نفسك اليوم ميّتا وأن تفوّضهم إلى الله تعالى إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوّا لكم نصّ قاطع وقد سمعت مكرّرا أنّ نوم الأرنب يعني الغفلة والغرور إلى متى يمتدّ فلا بدّ من التّنبّه والتّيقّظ واعلم أنّ صحبة أهل الدّنيا والإختلاط بهم سمّ قاتل وقتيل هذا السّمّ ميّت بالموت الأبديّ العاقل تكفيه الإشارة فكيف التّصريح مع هذه المبالغة والتّأكيد وطعام الملوك وإن كان لذيذا ولكنّه يزيد مرض القلب فكيف يرجى الفلاح والنّجاة الحذر الحذر الحذر، (شعر): وما هو من شرط البلاغ أقوله ... فخذ منه نصحا خالصا أو ملالة فرّ من صحبتهم أكثر ممّا تفرّ من الأسد فإنّ الفرار منهم وإن أوجب الموت الدّنيويّ ولكنّه قد يفيد في الآخرة واختلاط الملوك يوجب الهلاك الأبديّ والخسار السّرمديّ فإيّاك وصحبتهم وإيّاك ولقمتهم وإيّاك ومحبّتهم وإيّاك ورؤيتهم وقد ورد في الخبر الصّحيح " من تواضع لغنيّ لغناه ذهب ثلثا دينه " ينبغي لك الملاحظة أنّ كلّ ذلك التّواضع والملاينة هل هو من جهة غناهم أو من جهة شيء آخر ولا شكّ في أنّه من جهة غناهم ونتيجته ذهاب ثلثي الدّين فأين أنت من الإسلام وأين أنت من النّجاة وكلّ هذه المبالغة والإبرام ليعلم ولدي أنّ لقمة غير الجنس وصحبتهم محجّب قلبه عن تذكّر المواعظ وتعقّل النّصائح فلا يكاد يتأثّر من الكلمة والكلام فالحذر الحذر من صحبتهم والحذر الحذر من رؤيتهم والله سبحانه الموفّق PageV01P178 نجّانا الله وإيّاكم عمّا لا يرضى عنه ربّنا المتعالي بحرمة سيّد البشر الممدوح بما زاغ البصر عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها والسّلام. (139) المكتوب التّاسع والثّلاثون والمائة إلى جعفر بك التّهانيّ في بيان جواز هجو جماعة السّفهاء الّذين يطعنون في أهل الله وفي استحسان ذمّهم قد شرّف المكتوب الشّريف بوروده سلّمكم الله سبحانه وتعالى حيث تتفقّدون أحوال الفقراء وتعتقدون أنّ الحضور والغيبة سيّان أيّها المخدوم إنّ كفّار قريش لمّا بالغوا في هجو أهل الإسلام وسبّهم من غاية خذلانهم وكمال حرمانهم عن السّعادة أمر النّبيّ (1) عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بعض الشّعراء الإسلاميّة بهجو الكفّار الأشرار فكان الشّاعر المأمور يصعد المنبر في حضور النّبيّ عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها ويهجو الكفّار في ملاء بإنشاد الأشعار وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول " إنّ روح القدس معه ما دام يهجو الكفّار " واعلم أنّ الملامة وإيذاء الخلق من مغتنمات أرباب العشق اللهمّ اجعلنا منهم بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. (140) المكتوب الأربعون والمائة إلى الملّا محمّد معصوم الكابليّ في بيان أنّ الألم والمحنة من لوازم المحبّة أيّها المحبّ إنّ الألم والمحنة من لوازم المحبّة ولا بدّ من الألم والغمّ لمن اختار الفقر، (شعر): ألّا إنّ قصدي من هواك التّألّم ... والّا فأسباب التّنعّم وافرة والمحبوب يريد وله المحبّ به وعدم سكونه إلى من سواه ليحصل الإنقطاع عن غيره بالكّلّية والإطمئنان هنا في عدم الإطمئنان واللّذّة في الحرقة والقرار في عدم القرار والرّاحة في الجراحة وطلب الفراغة في هذا المقام إلقاء نفسك إلى الفتنة ينبغي تفويض نفسك إلى المحبوب بالتّمام وأن يرضى بكلّ PageV01P179 ما يجيء منه وأن يقبله من غير إعراض واعتراض وهذا الوضع هو طريق المعيشة وعليك بالإجتهاد في تحصيل الإستقامة بقدر الوسع والطّاقة والّا فالفتور في القفا وقد كان اشتغالك جيّدا ولكنّها ضعفت قبل حصول القوّة ولكن لا بأس فيه ولا هو ممّا يغتمّ به فإنّك لو تشبّثت بأسباب الجمعيّة من هذه التّردّدات يكون أحسن من الأوّل ينبغي لك أن تعتقد أنّ أسباب هذه التّفرقة هي عين أسباب الجمعيّة حتّى تقدر أن تعمل شيئا والسّلام. (141) المكتوب الحادي والأربعون والمائة إلى الملّا محمّد قلي? في بيان أنّ العمدة في هذا الأمر المحبّة والإخلاص أنعم الله سبحانه وتعالى علينا وعليكم بالتّرقّيات بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات أيّها المحبّ إنّك لا تكتب من أحوال القلب شيئا في بعض الأحيان حتّى نطّلع على كيفيّته ولا بدّ لك من كتابة شيء من هذا الباب أيضا البتّة فإنّه موجب للتّوجّه الغائبيّ وعمدة هذا الأمر هي المحبّة والإخلاص ولا غمّ إن لم يفهم التّرقّي فإنّه إذا بقيت الإستقامة على الإخلاص تيسّر أمور سنين في ساعات والسّلام. (142) المكتوب الثّاني والأربعون والمائة إلى الملّا عبد الغفور السّمرقنديّ في بيان استكثار قليل من نسبة الأكابر وصل المكتوب الشّريف الّذي أرسلته على وجه الإلتفات ينبغي أن يعدّ محبّة الفقراء من أجلّ نعم الله تعالى والمسئول من الحقّ سبحانه والمرجوّ منه تعالى الإستقامة عليه ووصلت الهديّة المرسلة إلى الفقراء أيضا وقرأ فاتحة السّلامة والطّريقة الّتي أخذتها ووصلت منها نسبة كثيرة لم يذكر شيء من هذه المقولة معاذ الله من تطرّق الفتور إليها. (شعر) خياله طرفة العين لدى نظري ... قد فاق وصل الغواني مدّة العمر فإن حصل شيء من نسبة هؤلاء الأكابر ينبغي أن تستكثره فإنّه ليس بقليل لأنّ نهاية الآخرين مندرجة في بدايتهم (ع) وقس من حال بستاني ربيعي * ولكن ينبغي أن لا تغتمّ من هذا الفتور إذا كانت محبّة جملة هذه النّسبة قويّة وقد أرسل الثّوب الّذي كان ملبوسا مكرّرا فالبسه أحيانا واحفظه بكمال الأدب فإنّه يتوقّع منه فوائد كثيرة وكلّما تلبسه تلبسه على الوضوء وتشتغل بتكرار الذّكر فعسى أن تحصل PageV01P180 الجمعيّة التّامّة وكلّما كتبت شيئا ينبغي لك أن تكتب أوّلا من أحوال باطنك فإنّ أحوال الظّاهر بدون أحوال الباطن ساقطة عن حيّز الإعتبار (ع) وأحسن ما يملى حديث الأحبّة * ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على متابعة سيّد البشر المطهّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ظاهرا وباطنا (ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث * (143) المكتوب الثّالث والأربعون والمائة إلى الملّا شمس الدّين في بيان اغتنام موسم الشّباب وعدم صرفه إلى ما لا يعني من اللهو واللّعب كان محبّ الفقراء مولانا شمس الدّين موفّقا ومغتنما لموسم الشّباب ممتنعا من صرفه في اللهو واللّعب وتعويضه بالجوز والموز والّا لا يحصل شيء أخيرا غير النّدامة والتّأسّف ولا يجدي شيئا والشّرط الإخبار وينبغي أداء الصّلوات الخمس بالجماعة وتمييز الحلال من الحرام وطريق النّجاة الاخرويّة هو متابعة صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات وينبغي أن لا تكون التلذّذات الفانية والتّنعّمات الهالكة منظورا إليها والله سبحانه الموفّق للخيرات. (144) المكتوب الرّابع والأربعون والمائة إلى الحافظ محمود اللّاهوريّ في بيان معنى السّير والسّلوك وبيان السّير إلى الله والسّير في الله والسّيرين الآخرين رزقكم الله سبحانه ترقّيات غير متناهية في مدارج الكمالات بحرمة سيّد البشر المطهّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات (ع) وأحسن ما يملى حديث الأحبّة * اعلم أنّ السّير والسّلوك عبارة عن الحركة العلميّة الّتي هي من مقولة الكيف ولا مجال هنا للحركة الأينيّة فالسّير إلى الله عبارة عن الحركة العلميّة ذاهبا من العلم الأدنى إلى العلم الأعلى ومن هذا إلى أعلى آخر وهكذا إلى أن تنتهي إلى علم الواجب تعالى بعد طيّ علوم الممكنات كلّها وزوالها بأسرها وهذه الحالة هي المعبّر عنها بالفناء. والسّير في الله عبارة عن الحركة العلميّة في مراتب الوجوب من الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات والتّقديسات والتّنزيهات إلى أن تنتهي إلى مرتبة لا يمكن التّعبير عنها بعبارة ولا يشار إليها بإشارة ولا تسمّى باسم ولا يكنى عنها بكناية ولا يعلمها عالم ولا يدركها مدرك وهذا السّير يسمّى بالبقاء والسّير عن الله بالله الّذي هو السّير الثّالث أيضا عبارة عن الحركة العلميّة نازلا من العلم الأعلى إلى العلم الأدنى ومن الأدنى إلى الأدنى وهكذا إلى أن يرجع إلى الممكنات رجوع القهقرى وينزل PageV01P181 علوم مراتب الوجوب كلّها وهو العارف الّذي نسي الله بالله ورجع عن الله مع الله وهو الواجد الفاقد والواصل المهجور وهو القريب البعيد والسّير الرّابع الّذي هو السّير في الأشياء عبارة عن حصول علوم الأشياء شيئا فشيئا بعد زوال تلك العلوم كلّها في السّير الأوّل فالسّير الرّابع مقابل للسّير الأوّل والسّير الثّالث للثّاني كما ترى والسّير إلى الله والسّير في الله لتحصيل نفس الولاية الّتي هي عبارة عن الفناء والبقاء والسّير الثّالث والرّابع لحصول مقام الدّعوة الّذي هو مخصوص بالأنبياء والمرسلين صلوات الله وتسليماته على جميعهم عموما، وعلى أفضلهم خصوصا، وللمتابعين الكاملين أيضا نصيب من مقام هؤلاء الأكابر عليه السّلام (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتّبعني) الآية هذا هو حديث البداية والنّهاية والمقصود من ذكره تنويه شأنه وتشويق الطّلّاب إليه. (شعر) وتهافتوا في سكر يا أهل صفراء لاجل تغافل السّوداوىّ. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. (145) المكتوب الخامس والأربعون والمائة إلى المفتي عبد الرّحمن في بيان أنّ مشائخ الطّريقة النّقشبنديّة قدّس الله تعالى أسرارهم اختاروا ابتداء السّير من عالم الأمر وبيان سرّ عدم تأثّر بعض مبتدئى هذه الطّريقة بسرعة ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة ويرحم الله عبدا قال آمينا. اعلم أنّ مشائخ الطّريقة النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم اختاروا ابتداء السّير من عالم الأمر وصاروا يقطعون مسافة عالم الخلق في ضمنه بخلاف مشائخ سائر الطّرقات فإنّ ابتداء سيرهم من عالم الخلق وبعد طيّ مسافة عالم الخلق يضعون القدم في عالم الأمر ويصلون إلى مقام الجذبة ولهذا كان طريق النّقشبنديّة أقرب الطّرق فلا جرم صارت نهاية الآخرين مندرجة في بدايتهم (ع) وقس من حال بستاني ربيعي * ومع كون ابتداء سيرهم من عالم الأمر لا يتأثّر بعض الطّالبين من هذه الطّريقة بسرعة ولا يجدون الحلاوة ولا التّلذّذ الّذي هو من مقدّمة الجذبة بالسّهولة ووجه ذلك أنّ لطائف عالم الأمر ضعيفة فيهم بالنّسبة إلى عالم الخلق وهذا الضّعف هو الّذي صار سدّة في طريق التّأثير والتّأثّر وامتداد زمان بطء التّأثّر إلى أن يقوّي لطائف عالم الأمر فيهم وتغلب على عالم الخلق وأن ينعكس الأمر وعلاج هذا الضّعف بحيث يكون مناسبا لهذه الطّريقة هو التّصرّف التّامّ من صاحب التّصرّف والعلاج المناسب لسائر الطّرق تقديم تزكية النّفس والرّياضات الشّديدة والمجاهدات الشّاقّة الواقعة على وفق الشّريعة على PageV01P182 صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وينبغي أن يعلم أنّ بطء التّأثّر ليس من علامة نقصان الإستعداد وكم من طائفة تامّي الإستعداد يبتلون بهذا البلاء والسّلام. (146) المكتوب السّادس والأربعون والمائة إلى شرف الدّين حسين في النّصيحة بتكرار الذّكر وصل مكتوب ولدي شرف الدّين حسين لله سبحانه الحمد والمنّة على أنّه مستسعد بسعادة تذكّر الفقراء وليعمّر الأوقات بتكرار الذّكر الّذي أخذه ولا يفوّتنّ الفرصة منخدعا بالشّأن والشّوكة الفانية مغتنما للحياة القليلة، (شعر): همه اندرز من بتو اينست ... كه تو طفلى وخانه رنكينست ونعم النّعمة إكرام الحقّ سبحانه عبده بتوفيق التّوبة في عنفوان الشّباب والإنعام عليه بالإستقامة عليها يمكن أن يقال إنّ جميع التّنعّمات الدّنيويّة في جنب تلك النّعمة لها حكم النّدى في جنب البحر العميق فإنّ هذه النّعمة موجبة لرضا المولى سبحانه الّذي هو فوق جميع النّعم دنيويّة كانت أو أخرويّة ورضوان من الله أكبر. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات أتمّها وأكملها. (147) المكتوب السّابع والأربعون والمائة إلى الخواجه أشرف الكابليّ في بيان أنّ الإنقطاع مقدّم على الإتّصال وبالعكس رزقنا الله سبحانه وأياكم التّرقّيات على مدارج الكمال بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات قالت طائفة من مشائخ الطّريقة قدّس الله أسرارهم بتقدّم الإنفصال والإنقطاع على الإتّصال وطائفة أخرى من هؤلاء الأكابر قدّموا الإتّصال على الإنقطاع والإنفصال وتوقّفت طائفة ثالثة فيه (قال) أبو سعيد الخرّاز قدّس سرّه ما لم تنقطع لا تجد وما لم تجد لا تنقطع ولا أدري أيّهما أقدم يقول راقم هذه السّطور: إنّ الإنقطاع والإتّصال يتحقّقان في آن واحد ولا يجوز أن ينفكّ الإنقطاع عن الإتّصال وأن يحصل الإتّصال بدون الإنقطاع والإنفصال. غاية ما في الباب أنّ الخفاء إن تحقّق فإنّما هو في التّقدّم الذّاتيّ وتعيّن علّيّة أحدهما للآخر واختار شيخ الإسلام الهرويّ قدّس سرّه المذهب الثّاني قائلا بأنّ السّبقة من ذلك الطّرف أحسن والّذين يقولون PageV01P183 بتقدّم الإنفصال على الإتّصال لا ينكرون هذه السّبقة أيضا ومرادهم من الاتّصال الظّهور التّامّ وهو لا ينافي الظّهور المطلق فيكون الظّهور المطلق مقدّما على الإنفصال والظّهور التّامّ مؤخّرا عنه فعلى هذا التّحقيق يكون نزاعهم راجعا إلى اللّفظ ولكنّ نظر الطّائفة الاولى عال حيث لا يعتبرون القليل وينبغي أن يعلم أن على هذا التّوجيه قد حصل التّقدّم الزّمانيّ أيضا فافهم والله سبحانه الملهم للصّواب وعلى كلّ حال ينبغي أن يكون مظهرا للانفصال والإتّصال فإنّ مرتبة الولاية منوط بهاتين المرتبتين وبدونهما خرط القتاد. والمرتبة الاولى مربوطة بالسّير إلى الله والثّانية بالسّير في الله وبمجموع هذين السّيرين يوصل إلى المرتبة الولاية والكمال على تفاوت درجاتها والسّيران الباقيان لتحصيل مرتبة التّكميل والوصول إلى درجة الدّعوة، (شعر): ناديت غير مرّة ... لو كان في الأحياء حيّ (148) المكتوب الثّامن والأربعون والمائة إلى الملّا صادق الكابلىّ في بيان ذمّ صاحب الرّيّ وعدم الإغترار بتوسّط روحانيّة المشائخ وإمداداتهم وصل المكتوبان متّصلا بعضهما ببعض كان الأوّل منبئا عن الحصول والرّيّ والثّاني عن العطش وعدم الحصول الحمد لله سبحانه العبرة بالخاتمة إنّ صاحب الرّىّ ليس له حاصل والّذي يرى نفسه لا حاصل له فهو الواصل وقد قيل لك مكرّرا أن لا تغترّ بتوسّط روحانيّة المشائخ وإمداداتهم فإنّ صور هؤلاء المشائخ الّتي تراها وتشاهدها هي لطائف الشّيخ المقتدى به في الحقيقة ظهرت بهذه الصّورة وتوحيد قبلة التّوجّه من الشّروط وتفريق التّوجّه موجب للخسران عياذا بالله سبحانه (وأيضا) إنّى كنت قلت لك مكرّرا ومؤكّدا أن قلّل الأشغال ليحصل المقصود بسرعة فإنّ ترك الأمر الضروريّ والإشتغال بما لا طائل فيه بعيد عن طور العقل ولكنّك معتقد لرأي نفسك قلّما يؤثّر فيك كلام غيرك وأنت تعلم وما عَلَى الرَّسُولِ إِلّا الْبَلاغُ (1). (149) المكتوب التّاسع والأربعون والمائة إلى الملّا صادق الكابليّ أيضا في بيان عدم قصر النّظر على سبب معيّن PageV01P184 والعجب من أخي مولانا محمّد صادق حيث سلّم نفسه بالكلّيّة إلى عالم الأسباب وان جعل مسبّب الأسباب تعالى وتقدّس الأشياء مرتّبة على الأسباب ولكن ما الحاجة إلى نصب العين على سبب معيّن، (شعر): ولا تحزن إذا ما سدّ باب ... فإنّ الله يفتح ألف باب وهذا القسم من قصور النّظر ينبئ عن غاية عدم المناسبة ومستهجن من أمثالك جدّا ينبغي لك أن تتفكّر في حالك ساعة تفهم هذه الشّناعة وكلّ هذا الإضطراب في كسوة الفقر تحصيل ما هو مبغوض عليه لدى الحقّ سبحانه ما أشدّه قباحة وبئس البلاء المستنكر والعجب أنّه كيف زيّن هذا الشّيء المستنكر في نظرك ينبغي لك أن تسعى وتجتهد في تحصيل الامور الضّروريّة بقدر الضّرورة وصرف جميع الهمّة إليهما وتضييع تمام العمر في تحصيلها سفاهة محضة الفرصة غنيمة جدّا والأسف كلّ الأسف على حال من يصرفها إلى تحصيل علوم لا طائل فيها والشّرط هو الاخبار وما على الرّسول الّا البلاغ (1) ولا تحزن من مقالات النّاس فيك فإن نسبوا إليك شيئا ليس فيك منها شيء فلا غمّ نعمت الدّولة أن يرى النّاس شخصا شرّا وهو في الحقيقة من الأخيار فإن تحقّق عكس هذه القضيّة فقد عظم الخطر والسّلام. (150) المكتوب الخمسون والمائة إلى الخواجه محمّد قاسم في بيان أن لا مستحقّ للمطلوبيّة غير الحقّ تعالى وتقدّس وصل مكتوب أخينا الخواجه محمّد القاسم وصار موجبا للفرح ولا تضيّق صدرك من تشتّت الأوضاع الدّنياويّة وتفرّق الأحوال الصّوريّة فإنّها لا تستحقّ لذلك لأنّ هذه النّشأة في معرض الفناء بل ينبغي السّعي في تحصيل مرضاة الحقّ سبحانه وتعالى سواء كان فيها عسر أو يسر ولا مستحقّ للمطلوبيّة غير ذات الواجب الوجود جلّ شأنه خصوصا لامثالكم الأعزّة ومع ذلك لو وقعت الإشارة بخدمة وأمر نجتهد في تحصيلها بالممنونيّة والسّلام. (151) المكتوب الحادي والخمسون والمائة إلى المير مؤمن البلخيّ في بيان علوّ شأن الطّريقة النّقشبنديّة قدّس الله أسرار أهليها العليّة وبيان معنى يادداشت المخصوص بهم PageV01P185 (ع) وأحسن ما يملى حديث الأحبّة * (اعلم) أنّ " يادداشت " عبارة في طريق حضرات خواجكان قدّس الله أسرارهم عن حضور بلا غيبة أعني دوام حضور حضرة الذّات تعالت وتقدّست من غير تخلّل الحجب الشّئونيّة والإعتباريّة فإن وجد حضور في وقت وغيبة في وقت بأن ترتفع الحجب في وقت بالتّمام وانسدلت في وقت آخر كما يكون في التّجلّي البرقيّ الذّاتيّ حيث انّ الحجب ترتفع فيه عن حضرة الذّات تعالت وتقدّست كالبرق ثمّ تحتجب بحجب الشّئون والإعتبارات بسرعة فهو ساقط عن حيّز الإعتبار عند هؤلاء الأكابر فعلم من هذا أنّ حاصل الحضور بلا غيبة هو دوام التّجلّي البرقيّ الذّاتيّ الّذي هو عبارة عن ظهور حضرة الذّات بدون توسّط الشّئون والإعتبارات ويتيسّر ذلك في نهاية هذا الطّريق ويثبت في هذا المقام الفناء الأكمل ولا رجوع فيه للحجب أصلا فإنّها لو رجعت لتبدّل الحضور بالغيبة ولا يقال له يادداشت فتحقّق أنّ شهود هؤلاء الأكابر على الوجه الأتمّ والأكمل وأكمليّة الفناء وأتمّيّة البقاء على قدر أتمّيّة الشّهود وأكمليّته (ع) وقس من حال بستاني ربيعي * (152) المكتوب الثّاني والخمسون والمائة إلى السّيّد فريد في بيان أنّ إطاعة الرّسول عين إطاعة الحقّ سبحانه وما يناسب ذلك قال الله سبحانه وتعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله (1) فجعل الله سبحانه إطاعة الرّسول عين إطاعته فإطاعة الحقّ عزّ وجلّ بدون إطاعة الرّسول ليس بإطاعة له سبحانه ولذلك أورد كلمة " قد " تأكيدا لهذا المعنى وتحقيقا له لئلّا يفرّق مهوّس بين هاتين الطّاعتين ويختار احديهما دون الاخرى وقد وبّخ الله سبحانه في محلّ آخر جماعة فرّقوا بين هاتين الإطاعتين حيث قال سبحانه (يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الله ورُسُلِهِ) الآية. نعم قد صدرت من بعض المشائخ وقت غلبة الحال والسّكر كلمات مؤذنة بالتّفرقة بين هاتين الإطاعتين ومشعرة باختيار محبّة احديهما على الاخرى كما نقل أنّ السّلطان محمودا الغزنويّ لمّا نزل مرّة في أيّام سلطنته في قرب قرية خرقان أرسل واحدا من وكلائه إلى الشّيخ أبي الحسن الخرقانيّ والتمس منه الحضور عنده وقال لرسوله إذا فهمت توقّفا من الشّيخ فاقرأ هذه الآية: أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فلمّا فهم الرّسول توقّفا من الشّيخ قرأ الآية المذكورة فقال له الشّيخ في جوابه: إنّي مشغول بإطاعة الله تعالى بحيث لم أفرغ منها بعد لاطاعة رسول الله فكيف لاطاعة أولي الأمر PageV01P186 فجعل حضرة الشّيخ إطاعة الحقّ سبحانه غير إطاعة الرّسول وهذا الكلام بعيد عن الاستقامة والمشائخ المستقيمو الأحوال يتحاشون من أمثال هذا الكلام ويعلمون أنّ إطاعة الحقّ سبحانه واطاعة رسوله في جميع مراتب الشّريعة والطّريقة والحقيقة، ويعتقدون أنّ إطاعة الحقّ سبحانه في غير إطاعة رسوله عين الضّلالة. (ونقل) أيضا أنّ شيخ بلدة مهنة الشّيخ أبا سعيد أبا الخير عقد مجلسا وكان في ذلك المجلس واحد من أجلّة سادات خراسان فدخل في ذلك الأثناء اتّفاقا مجذوب مغلوب الحال فقدّمه الشّيخ على السّيّد الأجلّ فلم يحسن ذلك للسّيّد فقال الشّيخ للسّيّد: إنّ تعظيمك بواسطة محبّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتعظيم هذا المجذوب بواسطة محبّة الحقّ سبحانه والأكابر المستقيمو الأحوال لا يجوّزون أيضا هذا القسم من التّفرقة ويرون غلبة محبّة الحقّ سبحانه على محبّة رسوله عليه الصّلاة والسّلام من سكر الحال ولا يعتقدونها شيئا غير الفضول ولكن ينبغي أن يعلم هذا القدر انّ محبّة الحقّ سبحانه غالبة في مقام الكمال الّذي هو مرتبة الولاية ومحبّة الرّسول غالبة في مقام التّكميل الّذي فيه نصيب من مقام النّبوّة ثبّتنا الله سبحانه على إطاعة الرّسول الّتي هي عين إطاعة الله سبحانه. (153) المكتوب الثّالث والخمسون والمائة إلى الشّيخ ميان مزّمّل في بيان الخلاص التّامّ من رقّيّة ما سواه تعالى المربوط بالفناء المطلق وصل المكتوب المرسل الحمد لله ذى الإنعام والمنّة قد جعل طالبيه في قلق واضطراب ونجّاهم بذلك الإضطراب من السّكون إلى غيره ولكنّ الخلاص التّامّ من رقّيّة الأغيار إنّما يتيسّر إذا حصل التّشرّف بالفناء المطلق وزالت النّقوش الكونيّة من مرآت القلب بالكلّيّة ولم يبق التّعلّق العلميّ والحبيّ بشيء من الأشياء ولم يكن مقصود ومراد غير الحقّ سبحانه وتعالى ودونه خرط القتاد. وربّما يظنّ انتفاء التّعلّق ولكنّ الظّنّ لا يغني من الحقّ شيئا (ع) وهذى سعادات تكون نصيب من * والتّعلّق بالأحوال والمقامات تعلّق بالغير فما تقول في التّعلّق بأشياء أخر، (شعر): دع ما يصدّك عن وصل الحبيب وما ... يلهيك عنه قبيحا كان أو حسنا وقد انجرّت مدّة غربتك إلى التّطويل والفرصة غنيمة فإن كان الأصحاب والأحباب من أهل الرّخصة فما وجه التّوقّف والّا فما الحاجة إلى الرّخصة. ينبغي أن يلاحظ مرضي الحقّ سبحانه، رضي أهل العالم أم لا؟ وماذا يكون عدم رضاهم (ع) وكلّ القصد من تبع الحبيب * ينبغي أن تعتقد أنّ المقصود PageV01P187 هو الحقّ سبحانه فإن اجتمع مع محبّته شيء فنافع وإلّا فضارّ (ع) أتر نوالى ورد وذا وجهي زاهر * والسّلام. (154) المكتوب الرّابع والخمسون والمائة إلى ميان مزّمّل أيضا في بيان ضروريّة ترك النّفس والسّير إليها جعلنا الحقّ سبحانه معه ولا يترك مع غيره لحظة اللهمّ لا تكلنا إلى نفسنا طرفة عين فنهلك ولا أقلّ منها فنضيع وكلّ بلاء وقع على الإنسان إنّما هو من التّعلّق بالنّفس فإذا حصل الخلاص من يد النّفس فقد حصل الخلاص ممّا دون الحقّ سبحانه حتّى إنّ من يعبد الأصنام إنّما يعبد نفسه (أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه) (ع) إذا ما تركت النّفس ألفيت راحة * دع نفسك وتعال وكما أنّ ترك النّفس والتّجاوز منها فرض كذلك السّير والمشي إلى النّفس لازم فإنّ الوجدان إنّما هو فيها ولا وجدان في خارجها، (شعر): ولسوف تعلم أنّ سيرك لم يكن ... الّا إليك إذا بلغت المنزلا السّير الآفاقيّ بعد في بعد والسّير الأنفسيّ قرب في قرب فإن كان شهود فهو في النّفس وإن كان معرفة فهي أيضا في النّفس وإن كانت حيرة فهي أيضا فيها لا مجال للقدم في خارج النّفس إلى أين وصل الكلام ولا يفهمنّ الأبله من هذا الكلام حلولا واتّحادا فيقع في ورطة الضّلالة فإنّ القول بالحلول كفر وكذلك الإتّحاد والتّفكّر فيه قبل التّحقّق بهذا المقام ممنوع رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإستقامة على الطّريقة المرضيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. وينبغي لك أن تكتب من أحوالك فإنّ له دخلا تامّا وعليك أن تكون حرّا مع وجود العلائق الصّوريّة وأن تعتقد وجودها وعدمها سيّان والسّلام والإكرام. (155) المكتوب الخامس والخمسون والمائة إلى الشّيخ مزّمّل أيضا في التّحريض على الرّجوع إلى أصله (شعر) وما عبدوا غير الإله فباطل ... فبئس الّذي يختار ما كان باطلا قد تشرّفت بزيارة مشاهد دهلى في غرّة جمادى الاولى يوم الجمعة ومحمّد صادق معي وبعد إقامة أيّام هنا نتوجّه إلى طرف الوطن الأصليّ إن وافقت إرادتنا إرادة الحقّ سبحانه حبّ الوطن من الإيمان خبر مشهور أين يذهب العاجز المسكين وناصيته في يده تعالى ما من دابّة الّا هو آخذ بناصيتها إنّ ربّي على صراط مستقيم وأين المفرّ الّا أن يفرّ منه إليه قائلا ففرّوا إلى الله وعلى كلّ حال ينبغي أن يعتقد الأصل أصلا والفرع تبعا له وأن يتوجّه إلى الأصل، (شعر): PageV01P188 من كان في قلبه مثقال خردلة ... سوى هوى الحقّ فاعلم أنّه مرض (156) المكتوب السّادس والخمسون والمائة إلى المذكور أيضا في التّحريض على صحبة أهل الله وصل الكتاب الّذي أرسلته مع قاضي زاده الجالندرىّ في دهلى لله الحمد والمنّة على ما كانت محبّة الفقراء نقد الوقت وانّه معهم بحكم المرء (1) مع من أحبّ وشهر رجب وإن كان بحسب الأوقات والأزمان قريبا ولكنّه بعيد جدّا، (شعر): أقول لأصحابي هي الشّمس ضوءها ... قريب ولكن في تناولها بعد وحيث انّك اخترت هذا المعنى الّذي اخترت بواسطة رعاية حقوق أرباب الحقوق فاستقم عليه وعسى الفقير أن يكون أيضا هنا إلى رجب والله سبحانه أعلم بالصّواب وإليه المرجع والمآب وعلى كلّ حال ينبغي أن تكون مع الفقراء في أيّام عمر قصير (واصبر نفسك مع الّذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه) نصّ قاطع في ذلك حيث أمر الله سبحانه حبيبه صلّى الله عليه وسلّم وقال واحد من الأعزّة: إلهي ما هذا الّذي جعلت أولياءك على وجه: «من عرفهم وجدك ومن لم يجدك لم يعرفهم " رزقنا الله سبحانه وإيّاكم محبّة هذه الطّائفة العليّة الشّريفة. (157) المكتوب السّابع والخمسون والمائة إلى الحكيم عبد الوهّاب في بيان لزوم إظهار التّواضع والإحتياج عند حضور الأكابر وبيان لزوم تصحيح العقائد اعلم أنّك قد جئت هنا وآلمت قدمك وانصرفت مسرعا حتّى لم تجد فرصة لاداء بعض حقوق الصّحبة والمقصود من الملاقاة والإجتماع إمّا الإفادة وإمّا الإستفادة فإذا خلا المجلس من كلا هذين الخصالين فهو خارج عن الإعتداد به وينبغي لمن يحضر عند واحد من هذه الطّائفة أن يحضر خاليا ليرجع ملآن وأن يظهر عندهم العجز والإفلاس ليكون محلّا لشفقتهم ومستحقّا لإفاضتهم ولا معنى في المجيء والإنصراف ريّان ولا شيء في الإمتلاء غير العلّة ولا في الإستغناء دون الطّغيان قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه: لا بدّ أوّلا من تضرّع المريض وانكساره ثمّ بعده يتوجّه الخاطر المنكسر فكان التّضرّع والإنكسار شرطي التّوجّه ومع ذلك كلّه جاء في هذه الأوان طالب علم والتمس منّي التّفويض والتّوصية إلى ذلك الجانب فوقع في الخاطر أنّ مجرّد مجيئه أيضا حقّ من الحقوق فينبغي أداء الحقّ من PageV01P189 قبلي مهما أمكن فلا جرم أمليت بلسان القلم كلمات على مقتضى الوقت والحال تداركا لما مضى وتلافيا لما سبق وأرسلت إلى ذلك الجانب والله سبحانه الملهم للصّواب والموفّق للسّداد (أيّها) الموفّق للسّعادة إنّ ما هو اللّازم لنا ولكم تصحيح العقائد على مقتضى الكتاب والسّنّة على نهج أخذها علماء أهل السّنّة والجماعة من الكتاب والسّنّة بعد ما فهموها كما ينبغي فإنّ فهمنا وفهمكم ساقط عن حيّز الإعتبار إذا لم يوافق فهم هؤلاء الكبار ألا ترى أنّ كلّ مبتدع وضالّ يدّعي أخذ أحكامه الباطلة من الكتاب والسّنّة وفهمها منهما والحال أنّه لا يغني من الحقّ شيئا (ثمّ) علم الأحكام الشّرعيّة ثانيا من الحلال والحرام والفرض والواجب (ثمّ) العمل ثالثا بمقتضى هذا العلم (ثمّ) السّلوك رابعا طريق التّصفية والتّزكية الّذي خصّ بالصّوفيّة الكرام قدّس الله أسرارهم فما لم تصحّح العقائد لا ينفع العلم بالأحكام الشّرعيّة وما لم يتحقّق كلا هذين لا يجدي العمل شيئا وما لم تحصل الثّلاثة كلّها فحصول التّصفية والتّزكية محال وما سوى هذه الأركان الأربعة ومتمّماتها ومكمّلاتها كالسّنّة المكمّلة للفرض كلّه من الفضول داخل في دائرة ما لا يعني ومن (1) حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه واشتغاله بما يعنيه. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (158) المكتوب الثّامن والخمسون والمائة إلى الشّيخ حميد البنكاليّ في بيان تفاوت مراتب الكمال بحسب تفاوت الإستعدادات اعلم أنّ مراتب الكمال متفاوتة بحسب تفاوت الإستعدادات والتّفاوت في الكمال قد يكون بحسب الكمّيّة وقد يكون بحسب الكيفيّة وقد يكون بهما معا فكمال البعض مثلا بالتّجلّي الصّفاتيّ وكمال بعض آخر بالتّجلّي الذّاتيّ مع تفاوت فاحش بين أفراد ذينك التّجلّيين وبين أربابهما أيضا فكمال البعض سلامة القلب وتخلّص الرّوح وكمال الآخر بهما وبالشّهود السّرّيّ وكمال الثّالث بتلك الثّلاث وبالحيرة المنسوبة إلى الخفىّ. وكمال الرّابع بتلك الأربع وبالإتّصال المنسوب إلى الأخفى ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وبعد حصول الكمال في أيّ مرتبة كانت من المراتب المذكورة امّا رجوع القهقرى. وامّا ثبات واستقرار في ذلك الموطن والأوّل هو مقام التّكميل والإرشاد ورجوع من طرف الحقّ إلى الخلق للدّعوة والثّاني هو موطن الإستهلاك والعزلة من الخلق والسّلام أوّلا وآخرا. PageV01P190 (159) المكتوب التّاسع والخمسون والمائة إلى شرف الدّين حسين البدخشيّ في التّعزية اعلم أنّ الآلام والمصائب وإن كانت مرّا في الظّاهر ومؤلمة للجسم ولكنّها حلو في الباطن ومورّثة للذّة الرّوح وذلك لأنّ الرّوح والجسم كأنّهما وقعا على طرفي النّقيض فألم أحدهما يستلزم لذّة الآخر فالّذي لا يقدر أن يميّز بين هذين النّقيضين ولوازمهما خارج عن البحث ولا قابليّة فيه أولئك كالأنعام بل هم أضلّ، (شعر): من لم يكن ذا خبرة عن نفسه ... هل يقدر الاخبار عن هذا وذا ومن تنزّلت روحه واستقرّت في مرتبة الجسم وكانت لطائفه الأمريّة تابعة للطائفه الخلقيّة من أن يعرف سرّ هذا المعمّى وما لم ترجع الرّوح إلى مقرّها الأصليّة قهقرى ولم يميّز الأمر من الخلق لا ينجلي الحجاب عن جمال هذه المعرفة وحصول هذه الدّولة مربوط بالموت قبل حلول الأجل المسمّى ووقوعه الّذي عبّر عنه مشائخ الطّريقة قدّس الله أسرارهم بالفناء، (شعر): وكن أرضا لينبت فيك ورد ... فإنّ الورد منبته التّراب ومن لم يمت قبل موته ينبغي تعزيته لمصيبته وقد صار خبر وفات والدك المرحوم الّذي كان مشتهرا بالخير والصّلاح ومراعيا لشيمة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر جدّا موجبا لحزن المسلمين ومستلزما لغمّهم إنّا لله وإنّا إليه راجعون فينبغي للولد الأرشد أن يلزم شيمة الصّبر وأن يمدّ الأموات ويعاونهم بالصّدقة والإستغفار والدّعوات فإنّ الموتى أشدّ احتياجا إلى امداد الأحياء وقد ورد في الحديث النّبويّ عليه الصّلاة والسّلام ما الميّت الّا كالغريق المتغوّث ينتظر دعوة تلحقه من أب أو أمّ أو أخ أو صديق فإذا لحقته كان أحبّ إليه من الدّنيا وما فيها وإنّ الله ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال من الرّحمة وإنّ هديّة الأحياء إلى الأموات الاستغفار وبقيّة النّصح ملازمة الذّكر والمداومة على الفكر فإنّ الفرصة قليلة جدّا ينبغي أن تصرفها إلى أهمّ المهامّ والسّلام. (160) المكتوب السّتّون والمائة إلى أقلّ عبيده أعني يار محمّد الجديد البدخشيّ الطّالقانيّ في بيان أن مشائخ الطّريقة قدّس الله أسرارهم ثلاثة طوائف مع شرح أحوال كلّ منها كمالا ونقصانا (اعلم) انّ مشائخ الطّريقة قدّس الله أسرارهم ثلاثة طوائف فالطّائفة الاولى قائلون بأنّ العالم موجود في الخارج بإيجاد الحقّ سبحانه وكلّما فيه من أوصاف الكمال والنّقصان فهو بإيجاد الحقّ سبحانه وتعالى ولا يعتقدون أنفسهم شيئا سوى شبح بل يعتقدون أنّ الشّبحيّة أيضا منه سبحانه قد غرقوا في بحار العدم PageV01P191 بحيث لا خبر لهم عن العالم ولا عن أنفسهم مثلهم مثل شخص لا ثوب له فلبس ثوب شخص على طريق العارية عالما بأنّه عارية وغلب عليه علم كونه عارية على وجه يرى ذلك الثّوب في يد صاحبه ويجد نفسه عاريا عنه فإذا خرج مثل هذا الشّخص من عدم الشّعور والسّكر إلى الصّحو والشّعور وتشرّف بالبقاء بعد الفناء فإنّه وإن وجد الثّوب حينئذ في نفسه ولكنّه يعرف بيقين أنّه من الغير فإنّ ذلك الفناء مندرج الآن في العلم وما بقي شيء من التّعلّق الّذي كان بالثّوب أصلا وكذلك حال من يرى أوصافه وكمالاته كالثّوب المستعار ولكنّه يرى أنّ هذا الثّوب إنّما هو في الوهم فقط لا ثوب في الخارج أصلا بل هو عار فيه ويغلب عليه هذه الرّؤية على وجه لا يرى الثّوب أصلا بل يجد نفسه عريانا وبعد الإفاقة والصّحّة يجد ذاك الثّوب معه أيضا ولكنّ فناء الشّخص الأوّل أتمّ والبقاء المترتّب عليه أكمل كما سيجيء عن قريب إن شاء الله وهؤلاء الأكابر متّفقون مع علماء أهل السّنّة والجماعة في جميع المعتقدات الكلاميّة الثّابتة على وفق الكتاب والسّنّة وإجماع علماء الامّة ولا فرق بينهم وبين المتكلّمين إلّا أنّ المتكلّمين يدركون هذا المعنى علما واستدلالا وهؤلاء الأكابر كشفا وذوقا وحالا (وأيضا) انّ هؤلاء الأكابر لا يثبتون شيئا من نسب العالم إلى الحقّ سبحانه من غاية التّنزيه بل يسلبون منه سبحانه جميع النّسب فكيف العينيّة والجزئيّة تعالى شأنه عن ذلك الّا نسبة الرّبوبيّة والعبوديّة والصّانعيّة والمصنوعيّة بل يضيّعون هذه النّسبة أيضا وقت غلبة الحال فحينئذ يتشرّفون بالفناء الحقيقيّ وتحصل لهم القابليّة للتّجلّيات الذّاتيّة والمظهريّة لتجلّيات غير متناهية (والطّائفة الثّانية) يقولون بأنّ العالم ظلّ الحقّ سبحانه ولكنّهم قائلون بوجوده في الخارج بطريق الظّلّيّة لا بطريق الأصالة وأنّ وجود العالم قائم بوجود الحقّ سبحانه قيام الظّلّ بالأصل مثلا إذا امتدّ الظّلّ من شخص وجعل ذلك الشّخص من كمال قدرته صفات نفسه منعكسة فيه كالعلم والقدرة والإرادة وغيرها حتّى اللّذّة والألم فإن وقع ذلك الظّلّ في النّار مثلا وتألّم بها لا يقال عرفا وعقلا إنّ ذلك الشّخص الّذي هو صاحب الظّلّ متألّم كما قالت به الطّائفة الثّالثة وعلى هذا القياس جميع ذمائم الأفعال الّتي تصدر من المخلوقات لا يقال انّها فعل الحقّ سبحانه كما أنّ الظّلّ إذا تحرّك بإرادته لا يقال إنّ الشّخص متحرّك نعم يقال انّ ذلك أثر قدرته وإرادته يعني مخلوقه ومن المقرّر أنّ خلق القبيح ليس بقبيح بل القبيح فعل القبيح وكسبه (والطّائفة الثّالثة) قائلون بوحدة الوجود يعني أنّ في الخارج موجودا واحدا فقط وهو ذات الحقّ سبحانه ولا تحقّق للعالم في الخارج أصلا وإنّما له الثّبوت العلميّ ويقولون إنّ الأعيان ما شمّت رائحة الوجود وهذه الطّائفة وإن قالوا إنّ العالم ظلّ الحقّ سبحانه ولكنّهم يقولون إنّ وجوده الظّلّيّ إنّما هو في مرتبة الحسّ فقط وأمّا في نفس الأمر والخارج فمعدوم محض ويقولون إنّ الحقّ سبحانه متّصف بصفات وجوبيّة وإمكانيّة ويثبتون مراتب التّنزّلات، ويقولون باتّصاف الذّات الواحدة في كلّ مرتبة بأحكام لائقة بتلك المرتبة ويثبتون للذّات التّلذّذ والتّألّم ولكن لا بالذّات بل في حجب هذه الظّلال المحسوسة الموهومة ويلزم على هذا محظورات كثيرة شرعا وعقلا وهم قد ارتكبوا في جوابها تمحّلات كثيرة وتكلّفات بعيدة (وهؤلاء الطّائفة) وإن كانوا واصلين كاملين على تفاوت درجات الوصول والكمال ولكنّ PageV01P192 كلامهم دلّ الخلق على طريق الضّلالة والإلحاد وأفضاهم إلى الزّندقة بالقول بالإتّحاد (والطّائفة الأولى) أكمل وأتمّ وأقوالهم أوفق بالكتاب والسّنّة وأسلم أمّا الأسلميّة والأوفقيّة فظاهر وأمّا الأتميّة والأكمليّة فمبنيّة على أنّ بعض مراتب الوجود الإنسانيّ له مشابهة بالمبدأ ومناسبة تامّة له في غاية اللّطافة والتّجرّد كالخفىّ والأخفى فالّذين لا يقدرون على تمييز هذه المراتب من المبدأ مع وجود الفناء السّرّيّ فينفوها بكلمة " لا " بل يبقى المبدأ عندهم ممتزجا ومتشابها ويجدون أنفسهم حقّا يعني عينه قالوا ليس في الخارج الّا الحقّ سبحانه فقط وليس لنا وجود أصلا ولكن لمّا كان تعدّد الآثار الخارجيّة متحقّقا قالوا بالثّبوت العلميّ بالضّرورة ومن ههنا قالوا إنّ الأعيان برازخ بين الوجود والعدم فإنّهم لمّا لم يميّزوا بعض مراتب وجودات المخلوقات من المبدأ ولم يقولوا بوجوب وجوده صرّحوا ببرزخيّته وأثبتوا للممكن ما للواجب ولم يدروا أنّ الّذي أثبتوه هو من لوازم الممكن في نفس الأمر لكنّه مشابه بالواجب ولو في الصّورة والإسم فإن فرّقوا ذلك وميّزوا الممكن من الواجب بالتّمام لما يقولون باتّحاد العالم بالحقّ سبحانه وعينيّتهما بل يرون العالم متميّزا من الحقّ ولما يقولون بوحدة الوجود وما دام لم يزل من شخص أثر لا يرى نفسه حقّا وان زعم أنّه لم يبق منه أثر (1) وهذا أيضا من قصور نظره والطّائفة الثّانية وإن فرّقوا هذه المراتب من المبدأ وأدخلوها تحت كلمة لا ونفوها بها ولكن بقي جزء من بقايا وجودها ثانيا بواسطة الظّلّيّة والأصالة فإنّ تعلّق رتبة الظّلّ وارتباطها بالأصل قويّ جدّا وهذه النّسبة لم تكن ممحوّة من نظرهم وأمّا الطّائفة الاولى فقد فرّقوا جميع مراتب الممكن من الواجب كمال المناسبة والمتابعة لحضرة خاتم الرّسالة عليه من الصّلوات أتمّها ومن التّحيّات أكملها ونفوا الكلّ من أوّل الأمر بكلمة لا ولم يروا في الممكن مناسبة للواجب أصلا ولم يثبتوا للواجب نسبة ما قطعا ولم يعتقدوا أنفسهم غير المخلوق العاجز شيئا واعتقدوا الحقّ سبحانه خالقهم ومولاهم واعتقاد شخص نفسه عين مولاه أو ظلّه ثقيل على هؤلاء الأكابر جدّا ما للتّراب وربّ الأرباب وهؤلاء الأكابر يحبّون الأشياء لكونها مخلوقة الحقّ سبحانه وتكون الأشياء محبوبة في نظرهم بهذا السّبب وبهذه الحيثيّة أعني من حيثيّة كون العالم وأفعالهم مصنوع الحقّ سبحانه وأثر أفعاله وإرادته وقدرته ينقادون ويستسلمون للأشياء بالتّمام ولا يقدرون على إنكار أفعالهم الّا بموجب الشّريعة فكما أنّ هذا النّوع من الانقياد والإستسلام والمحبّة يحصل لارباب التّوحيد بسبب اعتقادهم الأشياء مظهر الصّفات الحقّ بل عينه تعالى كذلك يحصل هذا النّوع لهؤلاء الأكابر بمجرّد ملاحظة كون الأشياء مخلوقة الحقّ ومصنوعته تعالى (ع) وشتّان ما بين الطّريقين فانظروا * فإنّ نفس المحبوب وعينه يمكن أن يحبّ بأذنى شيء من موجبات المحبّة. PageV01P193 وأمّا مصنوعاته ومخلوقاته وعبيده فلا يمكن تعلّق المحبّة بهم، وكونهم محبوبين بدون حصول كمال محبّة المحبوب ولهذه الطّائفة العليّة حظّ وافر من مقام العبديّة الّتي هي نهاية مقامات الولاية وأيّ دليل أتمّ على صحّة حال هؤلاء الأصفياء من كون كشفهم موافقا للكتاب والسّنّة وظاهر الشّريعة بالتّمام بحيث لم يتطرّق إليه مقدار شعرة من مخالفة ظاهر الشّريعة اللهمّ اجعلنا من محبّيهم وتابعيهم بحرمة محمّد المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم ويارك (وكان) هذا الدّرويش راقم السّطور أوّلا معتقد لتوحيد الوجود وحصل له علم هذا التّوحيد من زمن الصّبا وبلغ مرتبة اليقين وإن لم يكن له حال ولمّا دخل في هذا الطّريق انكشف له أوّلا طريق التّوحيد يعني على وجه الحال وسار مدّة في مراتب هذا المقام وفاضت عليه علوم وافرة مناسبة لهذا المقام وصارت المشكلات والواردات الّتي ترد لارباب التّوحيد الوجوديّ كلّها منكشفة وأفيضت علوم حلّها أيضا وبعد مدّة غلبت على هذا الدّرويش نسبة أخرى وتوقّف في التّوحيد الوجوديّ يعني في مطابقته للواقع وعدمه عند غلبتها عليه ولكنّ هذا التّوقّف كان بحسن الظّنّ لا بالإنكار وبقي على ذلك التّوقّف مدّة ثمّ انجرّ الأمر أخيرا إلى الإنكار وألهم إليه أنّ هذا المقام مقام سفليّ ينبغي التّرقّي على مقام الظّلّيّة ولكنّه لم يكن في هذا الإنكار صاحب اختيار ولم يرض أن يفارق هذا المقام بسبب إقامة المشائخ العظام فيه ولمّا وصل إلى مقام الظّلّيّة ووجد نفسه وسائر العالم ظلا كما قال به الطّائفة الثّانية تمنّى عدم مفارقته ذلك لظنّه أنّ الكمال في وحدة الوجود ولهذا المقام يعني مقام الظّلّيّة مناسبة بذاك المقام في الجملة (ثمّ) رقّوه من هذا المقام أيضا اتّفاقا من كمال العناية وغاية اللّطف به على أعلى منه وبلّغوه مقام العبديّة فظهر حينئذ كمال هذا المقام واتّضح علوّه فصار تائبا من المقامات التّحتانيّة ومستغفرا منها فإن لم يسلكوا بهذا الدّرويش بهذا الطّريق ولم يظهروا له فوقيّة بعض بعضا كان قد ظنّ ترقّيه على هذا المقام تنزّلا من ذلك المقام إليه فإنّه لم يكن عنده مقام أعلى من مقام التّوحيد الوجوديّ والله يحقّ الحقّ وهي يهدي السّبيل (وينبغي) أن يعلم أنّ منشأ تفاوت العلوم والمعارف في المكاتيب والرّسائل الصّادرة من هذا الدّرويش بل من كلّ سالك هو حصول هذه المقامات المتفاوتة فإنّ لكلّ مقام علوما ومعارف خاصّة به ولكلّ حال قيلا وقالا فعلى هذا لا تدافع في العلوم ولا تناقض بينها بل ذلك مثل نسخ الأحكام الشّرعيّة فلا تكن من الممترين وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد وآله وسلّم. (161) المكتوب الحادي والسّتّون والمائة إلى الملّا صالح البدخشيّ في بيان أنّ المقصود من طيّ منازل السّلوك حصول الإيمان الحقيقيّ الموقوف على اطمئنان النّفس PageV01P194 اعلم أنّ المقصود من طيّ منازل السّلوك حصول الإيمان الحقيقيّ الّذي هو مربوط باطمئنان النّفس. وما لم تطمئنّ النّفس لا تتصوّر النّجاة ولا تصل النّفس إلى مرتبة الإطمئنان ما لم تسلّط عليها سياسة القلب وسياسة القلب إنّما تتيسّر إذا كان القلب فارغا من جميع ما هو من قبل النّفس وحصلت له السّلامة من التّعلّق بما سوى الحقّ سبحانه وعلامة سلامته من ذلك التّعلّق نسيانه ما سوى الله تعالى وتقدّس وما بقي مقدار شعرة من الشّعور بالغير فالسّلامة بعيدة فطوبى لمن سلم قلبه لربّه والسّعي إلى أن تشرّف القلب بالسّلامة وينجرّ الأمر إلى اطمئنان النّفس لازم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم والسّلام. (162) المكتوب الثّاني والسّتّون والمائة إلى الخواجه محمّد صدّيق في بيان فضيلة شهر رمضان وبيان مناسبته للقرآن المجيد وما يناسبه باسمه سبحانه (اعلم) أنّ شأن الكلام الّذي هو من جملة الشّئونات الذّاتيّة جامع لجميع الكمالات الذّاتيّة والشّئونات الصّفاتيّة كما ذكر في العلوم السّابقة وشهر رمضان المبارك جامع لجميع الخيرات والبركات وكلّ خير وبركة فهو مفاض من حضرة الذّات تعالت وتقدّست ونتيجة شئوناته سبحانه وكلّ شرّ ونقص ظهر في عرصة الوجود فمنشأه الذّات الحادثة والصّفات المستحدثة (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك) نصّ قاطع في ذلك فجميع خيرات هذا الشّهر وبركاته نتيجة تلك الكمالات الذّاتيّة الّتي استجمعت في شأن الكلام والقرآن المجيد حاصل تمام حقيقة ذلك الشّأن الجامع فلهذا الشّهر المبارك مناسبة تامّة للقرآن المجيد من جهة كون القرآن جامعا لجميع الكمالات وهذا الشّهر لجميع الخيرات الّتي هي نتائج تلك الكمالات وثمراتها وهذه المناسبة كانت باعثة على نزول القرآن في هذا الشّهر قال الله تعالى (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) وليلة القدر في هذا الشّهر خلاصة هذا الشّهر وزبدته فهو بمنزلة اللّبّ وهذا الشّهر بمنزلة قشره فمن مرّ عليه هذا الشّهر وهو متلبّس بالجمعيّة وصار محظوظا من خيراته وبركاته يكن موقّفا لجمعيّة تمام السّنة ويفوز بالخيرات والبركات فيها وفّقنا الله سبحانه للخيرات والبركات في مثل هذا الشّهر المبارك ورزقنا النّصيب الأعظم قال حضرة خاتم الرّسالة عليه الصّلاة والسّلام والتّحيّة " إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمرة فإنّه بركة " وأفطر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالتّمر وكون التّمر بركة لأنّ شجرتها النّخلة ومخلوقة على عنوان الجامعيّة وصفات أعدليّة كالإنسان ولهذا سمّى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم النّخلة عمّة بني آدم لكونها مخلوقة من بقيّة طينة PageV01P195 آدم عليه السّلام كما قال عليه الصّلاة والسّلام «أكرموا (1) عمّتكم النّخلة فإنّها خلقت من بقيّة طينة آدم عليه السّلام " وتسميته بركة يمكن أن تكون باعتبار هذه الجامعيّة فالإفطار بثمرتها الّتي هي التّمرة تكون جزءا من المفطر بها وحقيقتها الجامعيّة تكون جزءا من حقيقته باعتبار تلك الجزئيّة ويكون آكلها جامعا لكمالات غير متناهية مندرجة في حقيقة التّمر الجامعة بذلك الإعتبار وهذا المعنى وإن كان حاصلا في أكله مطلقا ولكنّه وقت الإفطار الّذي هو أوان خلوّ الصّائم عن الشّهوات المانعة واللّذّات الفانية يكون تأثيره أزيد وظهور هذا المعنى فيه يكون أتمّ وأكمل وما قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نعم (2) سحور المرء التّمر يمكن أن يكون ذلك باعتبار أنّ في غذائه الّذي يصير جزءا من الآكل تكميل حقيقته لا تكميل حقيقة الغذاء ولمّا كان هذا المعنى مفقودا وقت الصّوم رغّب في التّسحّر بالتّمر ثلافيا لهذا المعنى وكان في أكله فائدة أكل جميع المأكولات وتبقى بركته باعتبار جامعيّته إلى وقت الإفطار وهذه الفائدة الغذائيّة المذكورة إنّما تترتّب إذا وقع ذلك الغذاء على وجه شرعيّ ولم يجاوز حدود الشّرع مقدار شعرة وأيضا إنّ حقيقة هذه الفائدة إنّما تتيسّر إذا كان آكله قد جاوز الصّورة وبلغ المعنى والحقيقة واطمئنّ عن الظّاهر بالباطن فحينئذ يكون ظاهر الغذاء ممدّا لظاهره وباطنه مكمّلا لباطنه والّا ففائدته مقصورة على الإمداد الظّاهريّ وآكله في عين القصور، (شعر): اجتهد في جعل أكل جوهرا ... ثمّ كل من بعد ذا ما تشتهي وهذا أعني تكميل الغذاء لآكله هو سرّ تعجيل الإفطار وتأخير السّحور والسّلام. (163) المكتوب الثّالث والسّتّون والمائة إلى السّيّد النّقيب الشّيخ فريد في بيان أنّ كلّا من الإسلام والكفر ضدّ الآخر واجتماعهما محال وإعزاز أحدهما مستلزم لإذلال الآخر إلخ الحمد لله الّذي أنعم علينا وهدانا إلى الإسلام وجعلنا من أمّة محمّد عليه الصّلاة والسّلام. اعلم أنّ نقد سعادة الدّارين مربوط باتّباع سيّد الكونين عليه الصّلاة والسّلام فحسب والإتّباع إنّما هو بإتيان أحكام الإسلام وإجرائها بين الأنام ورفع رسوم الكفر وإبطالها ودفعها عن الخاصّ والعامّ فإنّ الكفر والإسلام ضدّان لا يجتمعان إلى قيام السّاعة وساعة القيام فإثبات أحدهما موجب لرفع الآخر وإعزاز أحدهما مستلزم لإذلال الآخر وقد قال الله سبحانه خطابا لنبيّه وحبيبه صلّى الله عليه وسلّم يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ PageV01P196 الْكُفّارَ والْمُنافِقِينَ واُغْلُظْ عَلَيْهِمْ (1) فإذا أمر الله سبحانه رسوله الّذي هو موصوف بالخلق العظيم بجهاد الكفّار والغلظة عليهم علم أنّ الغلظة عليهم داخل في الخلق العظيم فعزّة الإسلام في مذلّة الكفر وأهله فمن أعزّ أهل الكفر فقد أذلّ أهل الإسلام والإعزاز ليس هو عبارة عن تعظيمه واجلاسهم في الصّدر البتّة بل إدخالهم في المجالس ومصاحبتهم والّتكلّم معهم بلغاتهم كلّ ذلك داخل في الإعزاز فإنّ اللّائق بهم إبعادهم مثل الكلاب فإن تعلّق بهم غرض من الأغراض الدّنياويّة بحيث لا يكاد يتيسر بدونهم فحينئذ ينبغي أن يختلط بهم بقدر الضّرورة مراعيا شيمة عدم الإلتفات إليهم والاعتداد بهم وكمال الإسلام في ترك هذا الغرض بالكلّيّة وعدم الإلتفات إليهم والإختلاط بهم وقد سمّى الله سبحانه أهل الكفر في كلامه المجيد عدوّه وعدوّ رسوله فالإختلاط بأعداء الله وأعداء رسوله من أعظم الجنايات وأقلّ ضرر المخالطة بهؤلاء الأعداء والمصاحبة معهم حصول الوهن والضّعف في قدرة إجراء الأحكام الشّرعيّة ورفع رسوم الكفر الشّنيعة لمانع حياء المؤانسة بهم وهذا الضّرر عظيم جدّا فإنّ المودّة والالفة مع أعداء الله ينجرّ إلى عداوة الله عزّ وجلّ وعداوة رسوله صلّى الله عليه وسلّم وربّما يزعم الإنسان أنّه من أهل الإسلام وانّه مؤمن بالله ورسوله ولكنّه لا يدري أنّ أمثال هذه الأعمال الشّنيعة يذهب دولة الإسلام عنه بالتّمام نعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيّئات أعمالنا، (شعر): تحبّ عدوّي ثمّ تزعم أنّني ... أحبّك إنّ العقل منك لعازب وشغل هؤلاء الملاعين أعداء الدّين الإستهزاء بالإسلام والسّخريّة بأهله منتظرين بأنّهم إن وجدوا فرصة يخرجوننا من الإسلام أو يقتلوننا جميعا فينبغي لاهل الإسلام أيضا الإستحياء والحميّة فإنّ الحياء من الإيمان والحميّة الإسلاميّة ضروريّة فاللّائق بأولي الأمر أن يكونوا في إذلال هؤلاء المخذولين دائما وقد ارتفعت الجزية من أهل الكفر في بلاد الهند رأسا وبالذّات وذلك بواسطة شآمة مصاحبة أهل الكفر مع سلاطين هذه الدّيار والمقصود الأصليّ من أخذ الجزية منهم هو إذلالهم وهذا الإذلال يكون على حدّ لا يقدرون لبس الثّياب النّفيسة خوفا من أخذ الجزية ولا يقدرون على التّجمّل بل يكونون خائفين وجلين من أخذ أموالهم على الدّوام وكيف يتجاسر السّلاطين على المنع من أخذ الجزية والحال أنّ الحقّ سبحانه وضع الجزية ذلّا لهم والمقصود من أخذها فضيحتهم ومذلّتهم وغلبة أهل الإسلام وعزّتهم (ع) وفي إذلال كفر عزّ الإسلام * وعلامة حصول دولة الإسلام بغض أهل الكفر وكراهتهم وقد سمّاهم الله سبحانه في كلامه المجيد نجسا وفي محلّ رجسا فينبغي إذا أن يكون أهل الكفر في نظر أهل الإسلام نجسا ورجسا فإذا رأوهم كذلك فلا جرم يجتنبون عن صحبتهم ويستكرهون مجانستهم والرّجوع إلى هؤلاء الأعداء في شيء من الأشياء والعمل بمقتضى رأيهم وحكمهم من كمال إعزازهم فما يكون حال PageV01P197 من يطلب منهم الهمّة ويتوسّل بهم وقد قال الله سبحانه في كلامه المجيد (وما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلّا فِي ضَلالٍ) فدعاء هؤلاء الأعداء باطل عار عن الحاصل فأنّى يكون احتمال الإجابة فيه بل يستلزم ذلك فسادا كبيرا من إعزاز هؤلاء الكلاب ولئن باشر هؤلاء المخذولون الدّعاء يتوسّلون بأصنامهم فينبغي التّفكّر إلى اين ينجرّ الأمر بل لا تبقى رائحة من الإسلام قال واحد من الأعزّة: ما لم يصل أحدكم إلى حدّ الجنون لا يصل إلى الإسلام والجنون عبارة عن عدم الإلتفات إلى نفع نفسه وضرره وعدم المبالاة بحصول شيء وفوته في إعلاء كلمة الإسلام والمسلمين فإذا حصل الإسلام فقد حصل رضا الحقّ ورضا رسوله عليه الصّلاة والسّلام ولا دولة أعظم من رضا المولى سبحانه رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمّد عليه الصّلاة والسّلام نبيّا ورسولا وأحينا يا ربّ على ذلك بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها والسّلام أوّلا وآخرا فقد كتبت ما هو ضروريّ وما لا بدّ منه عجالة الوقت بطريق الإجمال وأرسلته فإن كان التّوفيق رفيقا بعد ذلك أكتب مفصّلا وأرسله وكما أنّ الإسلام ضدّ الكفر كذلك الآخرة ضدّ الدّنيا لا تجتمع إحداهما بالاخرى وترك الدّنيا على نوعين تركها مع جميع مباحاتها الّا قدر الضّرورة وهذا القسم أعلى نوعي ترك الدّنيا والاخرى الإجتناب عن محرّماتها ومشتبهاتها مع التّنعّم بمباحاتها وهذا القسم أيضا عزيز الوجود جدّا خصوصا في هذه الأزمان، (شعر): إذا قسنا السّما بالعرش ينحطّ ... وما أعلاه إن قسنا بأرض فلا بدّ بالضّرورة من الاجتناب عن استعمال الذّهب والفضّة ولبس الحرير وأمثالها ممّا هو محرّم في الشّريعة المصطفويّة على مصدرها الصّلاة والسّلام والتّحيّة فإن حفظت أواني الذّهب والفضّة للتّجمّل وزينة البيت فلا بأس به بل له مساغ في الجملة ولكنّ استعمالها بايّ وجه كان من شرب ماء وأكل طعام فيها ووضع العطر واتّخاذ المكحلة منها وغير ذلك حرام والحاصل أنّ الحقّ سبحانه وسّع دائرة المباح جدّا حتّى إنّ التّنعّمات والتّمتّعات بها أزيد منها بالأمور المحرّمة مع أنّ في استعمال المباحات رضا الحقّ سبحانه وفي استعمال المحرّمات سخطه تعالى والعقل السّليم لا يجوّز أصلا اختيار لذّة فانية فيها عدم رضا مولاه مع أنّ مولاه جوّز له بدل تلك اللّذّة المحرّمة اللّذّة المباحة رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الاستقامة على متابعة صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّة. وينبغي الرّجوع في المعاملة إلى العلماء المتورّعين دائما والإستفسار منهم والعمل بمقتضى فتواهم فإنّ طريق النّجاة هو الشّريعة وما عدا الشّريعة كلّه باطل لا اعتبار له فماذا بعد الحقّ الّا الضّلال والسّلام أوّلا وآخرا. (164) المكتوب الرّابع والسّتّون والمائة إلى الحافظ بهاء الدّين السّرهنديّ في بيان أنّ فيض الحقّ سبحانه وتعالى وارد على الخواصّ والعوامّ على الدّوام والتّفاوت إنّما هو بقبوله وعدم قبوله من طرف العبد PageV01P198 رزقكم الله سبحانه الإستقامة على جادّة الشّريعة بمنّه وكرمه. اعلم أنّ فيض الحقّ سبحانه من قسم الأولاد والأموال والهداية والرّشد وإن كان واردا على الدّوام من غير تفرقة بين الخواصّ والعوامّ والكرام واللّئام ولكنّ التّفاوت ناشئ من هذا الطّرف فبعض يقبل الفيوض وآخر لا يقبلها: وما ظَلَمَهُمُ الله ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (1) ألا ترى أنّ الشّمس تشرق على القصّار والثّوب بالسّويّة ومع ذلك تسوّد وجه القصّار وتبيّض الثّوب وعدم قبول فيض الحقّ سبحانه إنّما هو بسبب الإعراض عن جناب قدسه جلّ سلطانه فإنّ الادبار لازم للمعرض والحرمان من النّعمة واجب عليه (لا يقال) إنّ كثيرا من المعرضين متنعّمون بتنعّمات عاجلة ولم يكن إعراضهم سببا لحرمانهم (لأنّا نقول) إنّ تلك نقمة ظهرت في صورة نعمة على سبيل الإستدراج لطغيانهم لينهمكوا في الإعراض والضّلالة قال الله سبحانه وتعالى (أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ) فالدّنيا وتنعّماتها مع وجود الإعراض عين الإستدراج الحذر الحذر. (165) المكتوب الخامس والسّتّون والمائة إلى السّيّد النّقيب الشّيخ فريد في التّرغيب في متابعة صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّة وبغض مخالفي الشّريعة وعداوتهم والغلظة عليهم شرّفكم الله سبحانه بتشريف الميراث المعنويّ من النّبيّ الأمّيّ القرشيّ الهاشميّ عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها كما شرّفكم بتشريف الميراث الصّوريّ ويرحم الله عبدا قال آمينا وميراثه الصّوريّ يتعلّق بعالم الخلق وميراثه المعنويّ بعالم الأمر الّذي هو مقرّ الإيمان والمعرفة ومحلّ الرّشد والهداية وشكر نعمة الميراث الصّوريّ هو التّحلّي بالميراث المعنويّ ولا يتيسّر ذلك الّا بكمال الإتّباع المصطفويّ عليه الصّلاة والسّلام فعليكم باتّباعه في أوامره ونواهيه والمتابعة فرع كمال محبّته عليه الصّلاة والسّلام (ع) إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع * وعلامة كمال المحبّة كمال بغض أعدائه صلّى الله عليه وسلّم وإظهار العداوة لمخالفي شريعته عليه الصّلاة والسّلام ولا سبيل للمداهنة في المحبّة فإنّ المحبّ واله بالمحبوب هائم به لا يطيق مخالفته ولا أن يميل إلى مخالفيه ولا أن يلين لهم بوجه من الوجوه ولا يجتمع محبّة المتباينين فإنّ الجمع بين الضّدّين محال بل محبّة أحدهما تستلزم عداوة الآخر ينبغي أن يتأمّل تأمّلا جيّدا وأن يتدارك ما مضى قبل فوت الفرصة فإنّه إذا فاتت الفرصة لا يحصل شيء غير النّدامة، (شعر): وحين الصّبح تبدو كالنّهار ... حقيقة من هويته في الظّلام PageV01P199 غيره: سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار ومتاع الدّنيا متاع الغرور وترتّبت عليه المعاملة الاخرويّة والأبديّة فإن تيسّرت متابعة سيّد الأوّلين والآخرين في هذه الأيّام المعدودة فالنّجاة الأبديّة مرجوّة والّا فخسارة في خسارة كائنا من كان وأيّ عمل عمله من الخير، (شعر): محمّد سيّد الكونين من عرب ... خاب الّذي لم يكن في بابه التّربا وحصول دولة تلك المتابعة العظمى ليس بموقوف على ترك الدّنيا بالكلّيّة حتّى يكون عسيرا بل إذا أدّيت الزّكاة المفروضة مثلا فله حكم التّرك في عدم وصول المضرّة فإنّه لا ضرر في المال المزكّى فمعالجة دفع الضّرر عن المال الدّنيويّ إخراج الزّكاة وإن كان التّرك الكلّيّ أولى وأفضل منه ولكنّ أداء الزّكاة يقوم مقامه (شعر): إذا قسنا السّما بالعرش ينحطّ ... وما أعلاه إن قسنا بأرض فينبغي صرف جميع الهمّة في إتيان أحكام الشّريعة وتعظيم اهلها من العلماء والصّلحاء والإجتهاد في ترويجها وإذلال أهل الأهواء والبدع فإنّ من (1) وقّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام ومعاداة الكفّار الّذين هم أعداء الله وأعداء رسوله صلّى الله عليه وسلّم والسّعي في إهانتهم وتحقيرهم وعدم إعزازهم بوجه من الوجوه وعدم إدخالهم في المجالس أصلا وعدم الانس بهم وسلوك طريق الغلظة والشّدّة عليهم وعدم الرّجوع إليهم في أمر من الامور مهما أمكن فإن اضطرّت الضّرورة فرضا إلى الرّجوع إليهم ينبغي قضاء تلك الحاجة منهم بكره واضطرار مثل قضاء الحاجة الإنسانيّة الطّريق الّذي يوصل إلى جناب قدس جدّكم المعظّم هو هذا ومن لم يمش من هذا الطّريق فالوصول إلى ذلك الجناب المقدّس مشكل هيهات هيهات، (شعر): كيف الوصول إلى سعاد ودونها ... قلل الجبال ودونهنّ خيوف ماذا نكتب أزيد من هذا، (شعر): بثثت لديكم من همومي وخفت أن ... تملّوا والّا فالكلام كثير PageV01P200 (166) المكتوب السّادس والسّتّون والمائة إلى الملّا محمّد أمين في عدم الإغترار بالحياة اليسيرة والجهد في إزالة المرض القلبيّ بالذّكر الكثير أيّها المخدوم إلام تحنّ إلى نفسك كالامّ الشّفيقة وحتّام تتجرّع الغصص من أجلها وتغتمّ عليها كالاخت الشّقيقة ينبغي أن تفرض الكلّ ميّتا وجمادا خاليا عن الحسّ والحركة إنّك ميّت وإنّهم ميّتون نصّ قاطع في هذا المعنى وفكر إزالة المرض القلبيّ بالذّكر الكثير في هذه الفرصة اليسيرة من أهمّ المهمّات ومعالجة العلّة المعنويّة بذكر الرّبّ الجليل في هذا الوقت القليل من أعظم المقاصد وأجلّ القربات القلب الّذي هو متعلّق بالغير كيف يتوقّع منه الخير والرّوح الّتي هي مائلة إلى الشّرّ النّفس الأمّارة أفضل منها وأخير المطلوب منّا هناك كلّه سلامة القلب وتخلّص الرّوح وصفاؤها ونحن القاصرون في فكر تحصيل أسباب تعلّق الرّوح والقلب دائما هيهات هيهات وماذا نصنع وما ظَلَمَهُمُ الله ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (1) ولا ينبغي أن تغتمّ من جهة الضّعف الظّاهريّ عسى أن يتبدّل صحّة وعافية إن شاء الله تعالى ولا تشويش في خاطر هذا الجانب من تلك الجهة وقد طلبتم الثّوب الّذي لبسه الفقير فأرسلت قميصا فينبغي أن تلبسه مترصّدا لنتائجه وثمراته فإنّه كثير البركة، (شعر): خاب الّذي قد غدا في قلبه مرض ... وفاز من كان في حدّة البصر وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. (167) المكتوب السّابع والسّتّون والمائة إلى هردى رام الهندو والّذي أظهر الإخلاص لهذه الطّائفة العليّة في التّحريض على عبادة الله تعالى والتّحذير عن عبادة الآلهة الباطلة قد وصل إلينا منكم مكتوبان وفهم من كلّ منهما محبّة الفقراء والإلتجاء إلى هذه الطّائفة العليّة نعم النّعمة إن منّ على شخص بهذه الدّولة، (شعر): وما هو من شرط البلاغ اقوله ... فخذ منه نصحا خالصا أو ملالة (اعلم وتنبّه) أنّ ربّنا وربّكم بل ربّ العالمين من السّموات والأرضين والعلوييّن والسّفليّين واحد ليس كمثله شيء منزّه عن الشّبه والمثال مبرّأ عن الشّكل وكلّ ما يمرّ على الخيال وكلّ من الابوّة والبنوّة في حقّه محال وليس للكفاءة والتّمثال في حضرته مجال وزعم شائبة الإتّحاد والحلول مستهجن في PageV01P201 حضرة أنسه ومظنّة الكمون والبروز مستقبح في جناب قدسه ليس بزمانيّ فإنّ الزّمان مخلوقه تعالى وليس بمكانيّ فإنّ المكان مصنوعه سبحانه لا بداية لوجوده ولا نهاية لبقائه وكلّ خير وكمال ثابت له سبحانه وكلّ نقص وزوال مسلوب عن جنابه المتعالى فيكون مستحقّ العبادة هو تعالى (ورام وكرشن) وأمثالهما من آلهة الهنود كلّها من أحقر مخلوقاته تعالى متولّدات من المخلوقين فإنّ رام ولد جسرت وأخو لكهمن وزوج سيتا فإذا كان رام غير قادر على حفظ زوجته فكيف يمدّ الغير ينبغي استعمال العقل لا اتّباع هؤلاء وتقليدهم فعار على شخص ألف عار اعتقاد أنّ ربّ العالمين هو رام وكرشن وذكره تعالى بهما ومثله مثل شخص يذكر السّلطان المعظّم باسم أرذل الكنّاسين وزعم اتّحاد رام ورحمن من نهاية عدم العقل فإنّ الخالق لا يتّحد بالمخلوق وقبل خلق رام وكرشن ما كان أحد يذكر ربّ العالمين باسم رام وكرشن فلأيّ شيء يطلق اسمهما عليه سبحانه وتعالى بعد ظهورهما ويعتقدون أنّ ذكرهما ذكر ربّ العالمين حاشا وكلّا ثمّ حاشا وكلّا ولقد مضى من انبيائنا عليهم الصّلوات والتّسليمات مائة (1) ألف وأربع وعشرون ألفا تقريبا كلّهم دعوا الخلق إلى عبادة الخالق ورغّبوهم فيها ومنعوهم عن عبادة غيره واعتقدوا أنفسهم عبيدا عاجزين وكانوا خائفين ووجلين من هيبته وعظمته تعالى وآلهة الهنود رغّبوا الخلق في عبادتهم واعتقدوا انفسهم آلهة فإنّهم وإن كانوا قائلين بوجود ربّ العالمين ولكنّهم أثبتوا له سبحانه الحلول فيهم واتّحاده بهم فدعوا الخلق إلى عبادتهم من هذه الجهة وأمروهم بأن يقولوا لهم آلهة ووقعوا في المحرّمات من غير تحاش زعما منهم أنّ الإله لا يكون ممنوعا من شيء أصلا بل يتصرّف في خلقه كيف يشاء وأقسام هذه التّخيّلات الفاسدة كثيرة فيهم ضلّوا فأضلّوا بخلاف أنبيائنا عليهم الصّلوات والتّسليمات فإنّهم امتنعوا عن كلّ ما منعوا الخلق منه على الوجه الأتمّ والأكمل واعتقدوا أنفسهم بشرا مثل سائر البشر (ع) وشتّان ما بين الطّريقين فانظروا * (168) المكتوب الثّامن والسّتّون والمائة إلى الخواجه محمّد القاسم بن الخواجكى الأمكنكي في مدح الطّريقة النّقشبنديّة وذمّ من أحدث فيها ما ليس منها الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله الطّاهرين أجمعين وبعد تبليغ دعوات موفورة وتحيّات غير محصورة إلى الجناب العالي سلالة المشائخ الكرام نتيجة الأولياء العظام حضرة المخدوم زاده المستقيم على الجادّة سلّمه الله سبحانه وأبقاه وإظهار اشتياق رؤيته وتمنّي لقائه، (شعر): كيف الوصول إلى سعاد ودونها ... قلل الجبال ودونهنّ خيوف PageV01P202 ليكن معلوما لجنابه العالي أنّ علوّ هذه الطّريقة العليّة ورفعة الطّبقة النّقشبنديّة إنّما هي بواسطة التزام السّنّة السّنيّة والإجتناب عن البدعة الشّنيعة ولهذا اجتنب أكابر هذه الطّريقة العليّة عن ذكر الجهر وأمروا بالذّكر القلبيّ ومنعوا من السّماع والرّقص والوجد والتّواجد وغير ذلك ممّا لم يكن في عصره عليه الصّلاة والسّلام وعصر الخلفاء الرّاشدين عليهم الرّضوان واختاروا الخلوة في الجلوة بدل خلوة الأربعين لعدم كونها في الصّدر الأوّل فلا جرم ترتّبت على ذلك الإلتزام نتائج عظمى وتفرّعت على ذاك الإجتناب ثمرات كثيرة ومن هاهنا كانت نهاية غيرهم مندرجة في بدايتهم وكانت نسبتهم فوق جميع النّسب كلامهم دواء الأمراض القلبيّة ونظرهم شفاء العلل المعنويّة توّجههم الوجيه ينجّي الطّالبين من تعلّق الكونين وهمّتهم الرّفيعة الشّأن ترفع المريدين إلى ذروة الوجوب من حضيض الإمكان، (شعر): ما أحسن النّقشبنديّين سيرتهم ... يمشون بالرّكب مخفيّين للحرم تزيل وسوسة الخلوات صحبتهم ... عن قلب أصحابهم يا حسن ذا الكرم ولكن قد صارت هذه النّسبة الشّريفة في هذه الآوان كعنقاء المغرب وتوجّهت نحو الإستتار تحت الحجب حتّى سلك جماعة من هذه الطّبقة من عدم وجدان هذه الدّولة العظمى وفقدان تلك النّعمة القصوى كلّ مسلك وفرحوا بنيل قطعات خزف بدلا من الجواهر النّفيسة واطمأنّت قلوبهم بالجوز والموز مثل الأطفال حتّى انّهم من غاية الإضطرار والتّحيّر تركوا طريقة أكابرهم وصاروا يطلبون التّسلّي أحيانا بذكر الجهر وآونة يرومون الإطمئنان بالرّقص والسّماع والدّور ولمّا لم تتيسّر لهم الخلوة في الجلوة اختاروا الأربعينات وأعجب من ذلك زعمهم هذه البدعات الشّنيعة متمّمة ومكمّلة لهذه النّسبة الشّريفة وعدّهم هذا التّخريب عين التّعمير أعطاهم الله سبحانه وتعالى الإنصاف وأوصل شمّة من كمالات أكابر هذه الطّريقة إلى مشامّ أرواحهم حتّى يتركوا الإعتساف بالنّون والصّاد وبحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات ولمّا شاعت هذه المحدثات في تلك الدّيار وبلغ شيوعها إلى حدّ اختفى أصل طريق الأكابر واختار الوضيع والشّريف هذا الوضع المحدث الجديد هناك وأعرضوا عن طريق الأصل والقديم خطر في الخاطر أن أظهر نبذة من هذه البليّة لخدمة عتبته العليّة وأن أفرغ القلب من الألم بهذه الوسيلة ولا أدري من أيّ طائفة أنيس المخدوم زاده في مجلسه الشّريف ومن أيّ فرقة مؤنسة في محفله المنيف، (شعر): من مقلتي طار المنام تفكّرا ... من كان من ندمائه وضجيعه والمسئول من الله سبحانه أن يعصم جناب قدسكم عن عموم هذه البلوى وأن يحفظ عتبة شرفكم عن شمول هذا الإبتلاء أيّها المخدوم المكرّم قد روّجوا المحدثات والمبتدعات في هذه الطّريقة بحيث لوقال المخالفون إنّ في هذه الطّريقة التزام البدعة والإجتناب عن السّنّة لساغ لهم ذلك فإنّهم يصلّون صلاة التّهجّد بجمعيّة تامّة ويروّجون هذه البدعة ويزيّنونها في عيون العامّة بأدائها في المسجد مثل سنّة التّراويح PageV01P203 ويزعمون عملهم ذلك حسنا ويرغّبون النّاس فيه والحال أنّ الفقهاء شكر الله سعيهم قالوا إنّ أداء النّوافل بالجماعة مكروه أشدّ الكراهة والّذين اشترطوا التّداعي لكراهة الجماعة في النّفل من الفقهاء قيّدوا جواز الجماعة فيه بأدائه في ناحية المسجد واتّفقوا على كراهتها إذا زادت الجماعة على ثلاثة انفار (وأيضا) إنّ هؤلاء يزعمون صلاة التّهجّد بهذا الوضع ثلاثة عشرة ركعة ويصلّون اثنتي عشرة ركعة قائمين وركعتين قاعدين زعما منهم أنّهما في حكم ركعة واحدة آخذين ذلك من قولهم إنّ ثواب القاعد نصف ثواب القائم وهذا العلم والعمل أيضا مخالف للسّنّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة فإنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إنّما صلّى التّهجّد ثلاث عشرة ركعة مع الوتر والفرديّة في التّهجّد إنّما جاءت من فرديّة ركعات الوتر لا كما زعم هؤلاء، (شعر) بثثت لديكم من همومي وخفت أن ... تملّوا والّا فالكلام كثير والعجب من رواج أمثال هذه البدعات في بلاد ما وراء النّهر الّتي هي مأوى علماء أهل الحق وكيف شاعت فيها أمثال هذه المخترعات والحال انّا نستفيد العلوم الشّرعيّة من بركاتهم والله سبحانه الملهم للصّواب ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة ويرحم الله عبدا قال آمينا. (169) المكتوب التّاسع والسّتّون والمائة إلى الشّيخ عبد الصّمد السّلطان ?وري في جواب سؤاله عن قول من قال لشيخه: «لو دخلت بيني وبين الحقّ سبحانه في وقت خاصّ بي معه تعالى أقطع رأسك» واستحسنه الشّيخ منه الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة السّلام على سيّد المرسلين وآله الطّاهرين أجمعين وصل المكتوب الشّريف المرسل على وجه الكرم وصار موجبا للفرح وأمّا جواب الإستفسار فاعلم أيّها المخدوم أنّ المقصد الأقصى والمطلب الأسنى هو الوصول إلى جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه ولكن لمّا كان الطّالب في الإبتداء في غاية التّدنّس والتّنزّل بسبب تعلّقات شتّى وجناب قدسه تعالى في غاية الرّفعة والتّنزّه كانت المناسبة الّتي هي سبب الإفاضة والإستفاضة مسلوبة بين المطلوب بالكلّيّة فلا جرم لم يكن بدّ من شيخ عالم بالطّريق وبصير به وقابل للبرزخيّة نائل للحظّ الوافر من الطّرفين ليكون واسطة في وصول الطّالب إلى المطلوب وكلّما يحصل شيء من المناسبة بين الطّالب والمطلوب يجرّ الشّيخ نفسه بهذا القدر من البين فاذا حصلت مناسبة تامّة بين الطّالب والمطلوب وحينئذ ياخذ الشّيخ نفسه من البين بالتّمام فإنّه قد أوصل الطّالب إلى المطلوب فلم يبق الإحتياج إلى التّوسّط فمشاهدة المطلوب في الإبتداء والتّوسّط من غير وساطة الشّيخ غير ممكنة وفي الإنتهاء يتجلّى جمال المطلوب بدون وساطته ويحصل فيه الوصل العريان PageV01P204 والّذي يقول إنّ الشّيخ لو حضر في ذلك الوقت أحزّ رأسه إنّما يقول ذلك من جنونه فإنّ مثل هذا الكلام لا يظهر من أرباب الإستقامة فإنّهم لا يسلكون طريق إسائة الأدب بل يطلبون المرادات من بركات الشّيخ. (170) المكتوب السّبعون والمائة إلى الشّيخ نور في بيان لزوم مراعاة حقوق الخلق ومواساتهم كمراعاة حقوقه تعالى الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى أيّها الأخ الأرشد كما أنّ الإنسان لا بدّ له من امتثال أوامر الحقّ جلّ وعلا والإنتهاء عن مناهيه كذلك لا بدّ له من مراعاة أداء حقوق الخلق ومواساتهم التّعظيم لأمر الله والشّفقة على خلق الله بيان لأداء هذين الحقّين ودالّ على لزوم مراعاة هذين الشّطرين فالإقتصار على أحدهما والإكتفاء عن الكلّ بالجزء قصور وبعيد عن الإتّصاف بالكمال فكان تحمّل إيذاء الخلق ضروريّا وحسن معاشرتهم واجبا ولا يحسن عدم التّفكّر ولا يليق عدم الإلتفات وقلّة المبالاة، (شعر): ولا يستقيم الغنج من كلّ عاشق ... ولو أنّه محبوب كلّ الخلائق وحيث تشرّفت بصحبة الفقراء مدّة كثيرة وسمعت من المواعظ والنّصائح نبذة يسيرة أعرضنا عن إطالة الكلام واقتصرنا على فقرات يسيرة في إفادة المرام ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة السّلام والتّحيّة. (171) المكتوب الحادي والسّبعون والمائة إلى الشّيخ طاهر البدخشيّ في بيان فضيلة اختيار الذّلّ والإنكسار وأداء وظائف العبوديّة والمحافظة على حدود الشّريعة واتّباع السّنّة السّنيّة وخشية الله تعالى وما يناسبه الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله الطّاهرين اعلم أنّ اللّازم لامثالنا الفقراء اختيار الذّلّ والإفتقار والتّضرّع والإلتجاء إلى الحقّ والإنكسار دائما وأداء وظائف العبوديّة والمحافظة على حدود الشّريعة ومتابعة السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وتصحيح النّيّات في تحصيل الخيرات وتخليص البواطن وتسليم الظّواهر ورؤية العيوب ومشاهدة استيلاء الذّنوب والخوف من انتقام علّام الغيوب واستقلال الحسنات وإن كانت كثيرة واستكثار السّيّئات وإن كانت يسيرة وكراهة الشّهرة وقبول الخلق قال عليه الصّلاة والسّلام «بحسب (1) امرئ من الشّرّ أن يشار إليه بالأصابع في دين أو PageV01P205 دنيا الّا من عصمه الله " واتّهام النّيّات والأفعال وإن كانت صحيحة مثل فلق الصّبح وعدم الإعتناء بالأحوال والمواجيد وإن كانت مطابقة للواقع وعدم الإعتماد عليها ولا ينبغي أيضا استحسان مجرّد تأييد الدّين وتقوية الملّة وترويج الشّريعة ودعوة الخلق إلى الحقّ جلّ وعلا فإنّ هذا القسم من التّأييد قد يكون أحيانا من الكفّار والفجّار وقال عليه الصّلاة والسّلام إنّ الله ليؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر وكلّما يجيء مريد لطلب الطّريقة وإرادة الإنابة ينبغي أن يرى في النّظر مثل النّمر والأسد وأن يخاف من أن يراد به مكيدة واستدراج فإن وجد الفرح والسّرور في النّفس عند قدوم المريد ينبغي أن يعتقده شركا وكفرا وان يتداركه بالنّدامة والإستغفار إلى أن لا يبقى أثر من هذا السّرور بل إلى أن يجيء محلّ السّرور والفرح الخوف والحزن وينبغي أن يجتنب غاية الإجتناب عن ظهور الطّمع والتّوقّع في مال المريد ومنافعه الدّنياويّة فإنّه مانع لرشد المريد وباعث على كون الشّيخ خرابا فإنّ المطلوب هناك كلّه الدّين الخالص ألا لله الدّين الخالص لا مجال للشّركة في جناب الحضرة الإلهيّة بوجه من الوجوه واعلم أنّ كلّ ظلمة وكدورة تطرأ على القلب فإزالتها تتيسّر بالتّوبة والإستغفار والنّدامة والإلتجاء إلى الحقّ سبحانه وتعالى بأسهل الوجوه الّا ظلمة طرأت على انقلب من طريق محبّة الدّنيا الدّنيّة فإنّها تجعل القلب خرابا وإزالتها في غاية التّعسّر بل في نهاية التّعذّر صدق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حيث قال (1) " حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة " نجّانا الله سبحانه وإيّاكم من محبّة الدّنيا ومحبّة ابنائها وأربابها والإختلاط بهم والمصاحبة معها فإنّها سمّ قاتل ومرض مهلك وبلاء عظيم وداء عميم وأخونا الأرشد الشّيخ حميد متردّد في تلك الحدود بأحسن الوجوه فينبغي اغتنام استماع الكلمات الجديدة الطّريّة منه والباقي عند التّلاقي. (172) المكتوب الثّاني والسّبعون والمائة إلى الشّيخ بديع الدّين في بيان بعض الأسرار الخاصّة به وما يناسب ذلك بعد الحمد والصّلاة ليكن معلوما للأخ الأعزّ أنّ للشّريعة صورة وحقيقة فصورتها ما تكفّل ببيانها علماء الظّاهر وحقيقتها ما امتاز بها الصّوفيّة العليّة ونهاية عروج صورة الشّريعة إلى نهاية سلسلة PageV01P206 الممكنات فإن وقع السّير بعد ذلك في مراتب الوجوب تكون الصّورة ممتزجة بالحقيقة ومعاملة هذا الإمتزاج إلى العروج على شأن العلم الّذي هو مبدأ تعيّن سيّد البشر عليه الصّلاة والسّلام فإن وقع التّرقّي بعد ذلك يودع فيه الصّورة والحقيقة كلتاهما وتقع معاملة العارف في شأن الحياة ولا مناسبة بين هذا الشّأن العظيم الشّأن وبين العالم أصلا بل هو من الشّئونات الحقيقيّة الّتي لم تمسّه يد الإضافة أصلا حتّى يحصل له تعلّق بالعالم وهذا الشّأن هو دهليز المقصود ومقدّمة المطلوب ويجد العارف نفسه في ذلك الموطن خارجا من دائرة الشّريعة ولكن لمّا كان محفوظا بعناية الله لا يفوّت دقيقة من دقائق الشّريعة والّذين تشرّفوا بهذه الدّولة العظمى أقلّ قليل فإن بيّن عددهم فلعلّه لا يقبله الّا أقلّ قليل (ولمّا وصل) جمع كثير من الصّوفيّة إلى ظلّ هذا المقام فإنّ لكلّ مقام عال ظلّا تحته زعموا أنّهم خرجوا من دائرة الشّريعة وترقّوا من القشر ووصلوا إلى اللّبّ وهذا المقام بين الصّوفيّة من مزالّ الأقدام حتّى انّ طائفة من ناقصي سالكي هذا الطّريق صاروا زنادقة وملاحدة وأخرجوا رءوسهم من ربقة الشّريعة الغرّاء ضلّوا فأضلّوا وجماعة من الكملة الّذين تشرّفوا بدرجة من الولاية وحصّلوا هذه المعرفة في ظلّ من ظلال هذا المقام العالي وإن لم يصلوا إلى أصل هذا المقام ولكنّهم محفوظون لا يجوّزون ترك أدب من آداب الشّريعة وإن لم يعرفوا سرّ هذه المعرفة ولم يفهموا حقيقة المعاملة ولمّا انكشف سرّ هذا المعمّى لهذا الفقير بعناية الله سبحانه وتعالى وبركة حبيبه عليه الصّلاة والسّلام واتّضحت حقيقة الحال كما ينبغي أردت أن أورد نبذة منها في معرض البيان لعلّها ترشد النّاقصين إلى سواء الطّريق وتكشف للكاملين عن وجه حقيقة المعاملة (وينبغي) أن يعلم أنّ التّكليفات الشّرعيّة مخصوصة بالقالب والقلب فإنّ تزكية النّفس متفرّعة عليها والّذي يضع القدم من اللّطائف في خارج دائرة الشّريعة هو ما سوى هذه اللّطائف المذكورة يعني القالب والقلب فالّذي هو مكلّف بالشّريعة مكلّف بها دائما وما هو غير مكلّف بها مكلّف بها أصلا غاية ما في الباب أنّ اللّطائف كانت قبل السّلوك بعضها ممتزجا ببعض ولم تكن ممتازة عن القلب ولمّا ميّز السّرّ والسّلوك بعضها عن بعض وأوصل كلّا منها إلى مقرّه الأصليّ تبيّن أنّ أيّا منها كان مكلّفا وأيّا منها لم يكن مكلّفا. (فإن قيل) إنّ العارف قد يجد في ذلك المقام قالبه وقلبه أيضا في خارج دائرة الشّريعة فما وجه ذلك؟ (أجيب) أنّ هذا الوجدان ليس بتحقيقيّ بل تخيّليّ ومنشأ التّخيّل هو انصباغ القلب والقالب بلون ألطف اللّطائف الّتي وضعت الأقدام في خارج دائرة الشّريعة. فإن قيل: إنّ صورة التّكليفات الشّرعيّة وإن كانت مخصوصة بالقلب والقالب ولكن لحقيقة الشّريعة مجال فيما وراء القلب أيضا فما معنى وضع القدم في خارج مطلق الشّريعة؟ (أجيب) أنّ حقيقة الشّريعة وإن كان لها مجال فيما وراء القلب ولكنّها لا تتجاوز ولا تتعدّى الرّوح والسّرّ ولا تصل إلى الخفىّ والأخفى والّذي يضع الأقدام في الخارج هو الخفىّ والأخفى في PageV01P207 الحقيقة والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال ثبّتنا الله سبحانه وجميع المسلمين على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات أتمّها وأكملها. (173) المكتوب الثّالث والسّبعون والمائة إلى المير محمّد نعمان في جواب سؤال سأله مع بيان أسرار غريبة متعلّقة بالنّفي والإثبات بعد الحمد والصّلاة ليكن معلوم جناب السّيّد أنّك قد سئلت أنّه لمّا كان نفي كلّ ما يكون محسوسا بالبصر او مدركا بالخيال بكلمة لا ضروريّة لكون المطلوب المثبت وراء الحسّ والخيال يلزم على هذا أن يكون مشهود محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مستحقّا للنّفي ويكون المطلوب المثبت وراء ذلك المشهود (أيّها الأخ) إنّ محمّدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع كمال علوّ شأنه كان بشرا ومتّسما بسمة الحدوث والإمكان فماذا يدرك البشر من خالق البشر وماذا ينال الممكن الأحقر من الواجب الأكبر أم كيف يحيط الحادث بالقديم الوارث جلّت عظمته لا يحيطون به علما نصّ قاطع في ذلك قال الشّيخ فريد الدّين العطّار. ألا ترى سيّد الكونين ما بلغا ... لكنّه فقر فدع عن نفسك التّعبا أيّها الأخ الأعزّ إنّ هذا المقام يستدعي تفصيلا ينبغي استماعه بأذن القلب اعلم أنّ للكلمة الطّيّبة لا إله الّا الله مقامين أعني بهما النّفي والإثبات ولكلّ من النّفي والإثبات اعتبار. إنّ الإعتبار الأوّل نفي استحقاق عبادة الآلهة الباطلة وإثبات استحقاق العبادة للمعبود بالحقّ والإعتبار الثّاني أن يكون النّفي متعلّقا بمقصودات غير مقصودة ومتعلّقات غير مطلوبة وأن لا يكون متعلّق الإثبات غير المطلوب الحقيقيّ ووراء المقصود الأصليّ والكمال في الإعتبار الأوّل في الإبتداء هو أن يكون كلّما هو معلوم ومشهود داخلا تحت كلمة لا ومنفيّا بها وأن لا يكون شيء ما ملحوظا في جانب الإثبات غير التّكلّم بالمستثنى يعني لفظة الجلالة وبعد مرور أزمان تحصل الحدّة لبصر البصيرة ويكتحل بكحل غبار طريق المطلوب فحينئذ يكون المستثنى أيضا مشهودا مثل المستثنى منه ومع ذلك يجد السّالك نفسه متعلّقا بما وراء ذلك المشهود ويطلب المطلوب من خارجه ووجه ذلك أنّ كلّما كان داخلا تحت كلمة لا في ابتداء هذا الكمال كان بتمامه من دائرة الممكنات لم يكن له استحقاق العبادة أصلا وصار متميّزا من المعبود المستحقّ للعبادة المثبت بكلمة الّا ببركة هذه الكلمة الطّبّيّة ولكنّ السّالك بسبب ضعف بصيرته لم ير مرتبة الوجوب المستحقّ العبادة المثبتة بكلمة الّا ولم يكن له نصيب من ذلك المقام غير التّكلّم بالكلمة المستثناة ولمّا حصلت القوّة للبصيرة صار المستثنى أيضا مشهودا مثل المستثنى منه ولمّا كانت مرتبة الوجوب جامعة للأسماء والصّفات الإلهيّة جلّ سلطانه ومتعلّق همّة السّالك هو الأحديّة المجرّدة بقي PageV01P208 استحقاق العبادة أيضا في ذلك الموطن مثل عدم الإستحقاق في الطّريق فلا جرم يطلب السّالك مقصوده فيما وراء الأسماء والصّفات ويتحاشى عن التّعلّق بما سواه. (اشعار) إذا سكن الفؤاد إلى حبيب ... فهل يبغى من الغير الوصالا وضع عند البلابل ألف نبت ... سوى أزهار ورد قلن لالا وذا نيلوفر عشّاق شمس ... فهل يرضيه رؤيته الهلالا وهل يجدي شراب سكّري ... لظمآن بغى ماء زلالا والكمال في الإعتبار الثّاني الّذي فيه المقصود نفي المقصودات الغير المقصودة هو أن يكون شهود مرتبة الوجوب أيضا داخلا تحت كلمة لا مثل شهود مراتب الإمكان وأن لا يكون شيء ما ملحوظا في جانب الإثبات غير التّفوّه بالكلمة المستثناة. وما أبديك من طيري علامه ... وقد أضحى كعنقاء وهامه وللعنقاء بين النّاس اسم ... ولم يك لاسم طيري استدامه والحقّ أنّ الفطرة العليا والهمّة القصوى تطلب مطلبا لا يحصل منه شيء بل يصل غبار الإدراك إلى ذيله أصلا والرّؤية الاخرويّة حقّ ولكنّ تصوّرها وتمنّيها يزعجنا عن محلّ القرار ومركز الإصطبار والنّاس مسرورون ومحظوظون بوعد الرّؤية الاخرويّة وليس تعلّقي وتعشّقي الّا بغيب الغيب وأريد بجميع الهمّة أن لا يخرج شيء من المطلوب من الغيب إلى الشّهادة وأن لا تبدّل المراسلة بالمواصلة وأن لا يحمل حمول الأمر من العلم إلى العين ماذا نصنع قد جبلت على ذلك (ع) لكلّ من الإنسان شأن يخصّه * وإن كان لي في هذا المقام أنواع من الجنون ولكن لا أقدر أن أحرّك شفتيّ من الأدب (ع) جنوني من حبيب ذي فنون * (شعر) عمري مشى وحديث وجدي ما انقضى ... واللّيل قد بلغ المدى فاقنع بذا وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات. (174) المكتوب الرّابع والسّبعون والمائة إلى الحواجه أشرف الكابليّ في بيان أنّ والهي هذا الطّريق لا يتسلّون بهذه المعيّة ولا يطمئنّون بهذا البعد المشابه PageV01P209 بالقرب بل يطلبون قربا يشبه البعد ووصلا يشبه الهجر وبيان واقعته الّتي رآها إلخ قد وصل مكتوب أحينا الأعزّ وحيث كان منبئا عن محبّة الفقراء والإلتجاء إلى هذه الطّائفة صار موجبا للفرح المرء مع من أحبّ نقد الوقت ومصداق الحال ولكن ينبغي أن يعلم أنّ والهي هذا الطّريق لا يتسلّون بهذه المعيّة ولا يطمئنّون بهذا البعد المشابه بالقرب بل يطلبون قربا يشبه البعد ووصلا يشبه الهجر لا يجوّزون التّسويف والتّأخير ويجتنبون التّعطيل والتّأجيل ولا يصرفون نقد وقتهم إلى مزخرفات باطلة ولا يتلفون رأس مال عمرهم في مموّهات عاطلة ولا يكتفون من الشّريف بالخسيس ولا يلتفتون إلى المغضوب عليه تاركين للمرض النّفيس ولا يبيعون أنفسهم بلقيمات سمينة لذيذة ولا يبدّلون حظّ العبوديّة بألبسة رقيقة مزيّنة ويرون تلويث تخت السّلطنة بقاذورات التّعلّقات عارا ويتحاشون من إشراك اللّات والعزّى في ملك الحقّ سبحانه ويعدّونه شنارا. (أيّها الأخ) إنّ المطلوب كلّه هنا هو الدّين الخالص ألا لله الدّين الخالص لا يجوّزون فيه ذرّة من الشّركة لئن أشركت ليحبطنّ عملك فينبغي أن تتأمّل ساعة في أحوالك فإن تيسّر هذا الدّين الخالص فبشرى لك والّا فينبغي تفكّر علاج الواقعة وتدبيرها قبل وقوعها والواقعة الّتي كتبتها هي من ظهور الشّيطان وتصرّفه بالباطل وهذا القسم من ظهوره وتصرّفه كثير الوقوع بين الطّالبين ولا بأس فيه إنّ كيد الشّيطان كان ضعيفا فإن ظهر ثانيا ينبغي دفع ذلك المفسد بتكرار كلمة التّمجيد لا حول ولا قوّة الّا بالله العليّ العظيم. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات. (175) المكتوب الخامس والسّبعون والمائة إلى الحافظ محمود في بيان تلوينات الأحوال وحصول التّمكين ومعنى لي مع الله وقت وصل المكتوب الشّريف من الأخ العزيز وقد اندرج فيه نبذة من تلوينات أحواله. (اعلم) أنّ السّالك لا بدّ له من تلوينات الأحوال لا في البداية ولا في النّهاية. غاية ما في الباب أنّ التّلوين إذا كان في القلب فالسّالك من أرباب القلوب ومسمّى بابن الوقت واذ تخلّص القلب من التّلوين وخرج من رقّيّة أحواله إلى الحرّيّة ووصل إلى مقام التّمكين فحينئذ يكون ورود الأحوال المتلوّنة على النّفس الّتي جلست مقام القلب خلافة عنه وهذا التّلوين إنّما هو بعد حصول التّمكين. PageV01P210 فإن قيل لصاحب هذا التلوين: أبا الوقت، لجاز فإن تخلّصت النّفس أيضا من هذه التّلوينات بمحض فضل الحقّ سبحانه ووصلت إلى مقام التّمكين والإطمئنان فحينئذ يكون ورود التّلوينات على القالب الّذي تركّب من أجزاء مختلفة وهذا التّلوين يعني تلوين القالب دائميّ فإنّ التّمكين لا يتصوّر في حقّ القالب وإن كان منصبغا بلون ألطف اللّطائف فإنّ التّمكين الوارد من طريق هذا الإنصباغ بطريق التّبعيّة وورود الأحوال المتلوّنة بطريق الأصالة والعبرة بالأصل لا بالتّبع وصاحب هذا المقام من أخصّ الخواصّ ويمكن أن يكون هو أبا الوقت في الحقيقة ومعنى حديث «لي مع الله وقت " الّذي روي عن النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام وأراد جماعة من الوقت " الوقت المستمرّ " وطائفة الوقت النّادر يكون راجعا إلى هذا البيان فإنّه بالنّسبة إلى بعض اللّطائف مستمرّ وبالنّسبة إلى بعض آخر نادر فلا خلاف وبالجملة ينبغي تحلية الظّاهر بالشّريعة الغرّاء والمداومة على تكرار ذكر القلب في السّرّاء والضّرّاء. (شعر) فى ذلك البحر العميق كضفدع ... كن طالبا ما تبتغي من ذا وذا وأخونا مولانا محمّد صدّيق في آكره فلتغتنم ملاقاته. (176) المكتوب السّادس والسّبعون والمائة إلى الملّا محمّد صدّيق في بيان أنّ حفظ الأوقات من ضروريّات هذا الطّريق الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى اعلم أنّ من حسن إسلام المرء اشتغاله بما يعنيه وإعراضه عمّا لا يعنيه فلا بدّ إذا من حفظ الأوقات لئلّا تتلف في أمور لا طائل فيها ينبغي أن تعتقد أنّ إنشاد الشّعر وحكاية القصص نصيب الأعداء وأن تشتغل بالسّكوت وحفظ نسبة الباطن واجتماع الأصحاب في هذا الطّريق إنّما هو لجمعيّة الباطن لا لتشتيت الخاطر ولهذا اختاروا الخلطة على الخلوة وطلبوا الجمعيّة من الإجتماع ومتى كان الإجتماع سببا للتّفرقة يلزم التّحاشي منه والتّباعد عنه وكلّ شيء يجتمع مع الإجتماع فهو مبارك والّا فمشؤم وغير مبارك وينبغي للسّالك أن يعيش على وجه تحصل الجمعيّة للطّالبين في صحبته لا أنّه يلقيهم ويرميهم إلى التّفرقة وينبغي أن يقلّب أيضا أوراق نفسه (1) وأن يبدّل الكلام بالسّكوت الوقت ليس وقت المشاعرة ولا حين المحاورة (ع) وما الوقت وقت الدّرس أو كشف كشّاف * والسّلام. PageV01P211 (177) المكتوب السّابع والسّبعون والمائة إلى جمال الدّين حسين البدخشيّ في التّحريض على تصحيح العقائد بمقتضى آراء أهل السّنّة والجماعة الصّائبة شكر الله سعيهم ليغتنم الخواجه جمال الدّين حسين عنفوان الشّباب وليصرفه في مرضيّات الحقّ سبحانه مهما أمكن يعني يلزم نفسه أوّلا تصحيح العقائد بمقتضى آراء أهل السّنّة والجماعة الصّائبة شكر الله سعيهم وثانيا العمل بموجب الأحكام الشّرعيّة الفقهيّة وثالثا سلوك الطّريقة العليّة المنسوبة إلى الصّوفيّة الصّافية قدّس الله أسرارهم فمن وفّق لهذا فقد فاز فوزا عظيما ومن تخلّف عن هذا فقد خسر خسرانا مبينا وليعدّ خدمة أولاد الخواجه محمّد صالح من السّعادة العظمى فإنّ هذه الخدمة إمداد وإعانة للخواجه المشار إليه في الحقيقة الّذي هو من المقبولين (ع) أبرزت من كنز المرام علامة * والسّلام (178) المكتوب الثّامن والسّبعون والمائة إلى المرزا مظفّر في تفويض شخص إليه وترغيبه في اتّباع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عظّم الله أجركم ورفع قدركم ويسّر أمركم وشرح صدركم بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وما الحاجة إلى دلالة المتخلّقين بالأخلاق النّبويّة عليه الصّلاة والسّلام على الإحسان وحسن المعاشرة بل يكاد تكون تلك الدّلالة داخلة في سوء الأدب. غاية ما في الباب أنّ الإنسان قد يتشبّث وقت الإحتياج بكلّ حقير ونقير ويطلب تسلّيه من كلّ ضعيف ونحيف فبناء على ذلك نرتكب التّصديع لتسلية أرباب المسألة أيّها المخدوم المكرّم إنّ الإحسان محمود في كلّ محلّ خصوصا إلى جماعة لهم قرب الجوار فقد بالغ (1) النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أداء حقوق الجوار على وجه ظنّ الأصحاب الكرام من تلك المبالغة أنّه سيورّث الجيران (المثنوىّ). ?ون ?نين با يكديكر همسايه ايم ... تو ?و خورشيدى وما ?ون سايه ايم ?ه بدى اي مايهء بى مايه كان ... كرنكه دارى حق همسايه كان والسّلام PageV01P212 (179) المكتوب التّاسع والسّبعون والمائة إلى المير عبد الله بن المير نعمان في النّصيحة ليغتنم الولد الأعزّ لا زال موفّقا كاسمه موسم الشّباب وليشتغل بتحصيل العلوم الشّرعيّة والعمل بمقتضاها وليهتمّ في أن لا يصرف هذا العمر العزيز فيما لا يعني وأن لا يتلفه باللهو واللّعب ووالدكم المكرّم يلحقكم بعد أيّام إن شاء الله تعالى وكن مستخبرا عن أحوال المتعلّقات إلى أن يصل إليكم (ع) ومن يشابه أبه فما ظلم * (180) المكتوب الثّمانون والمائة إلى الخواجه أبي القاسم بن الخواجكى الأمكنكى في الإستفسار عن أسامي بعض مشائخه الّذي وقع فيه التّردّد أيّها المخدوم المكرّم إنّ الّذي بلغنا من حضرة شيخنا أعني الخواجه محمّد الباقي عليه الرّحمة في تحقيق أسامي المشائخ هو أنّ ما بين مولانا الخواجكى الأمكنكى وبين حضرة الخواجه أحرار اثنان أحدهما حضرة مولانا أعني مولانا درويش محمّد والثّاني مولانا محمّد زاهد خال مولانا درويش محمّد وقد قدّم هذه الحدود في هذه الأوان مولانا الخواجه خاوند محمود (1) وجرى الكلام في أوّل الملاقاة في مولانا المذكور وقال إنّه لم يكن مجازا من أحد ولهذا ما كان يأخذ المريد في الأوائل ثمّ شرع في التّكلّم في أواخر عمره فقلنا له إنّه كان من كبراء زمانه وسلّم جميع سكّان ما وراء النّهر لفضله وكماله وعلوّ شأنه وحاله ولا يجوّز العقل أنّه يأخذ المريد من غير إجازة سواء كان في أوائل عمره أو اواخره فإنّ مثل هذا داخل في الخيانة بعيد عن الدّيانة لا يظنّ صدور ذلك من أدنى مسلم فكيف من أكابر الدّين فقال الخواجه خاوند محمود بعد ذلك: جاء مولانا مرّة عند الخواجه كلان الدّهبيدىّ وكان هو يأكل الخربزة فأظهر مولانا طلب الطّريقة فقال له الخواجه كلان إنّ خربزتك قد تمّ أمرها وكمل نضجها فقال مولانا أنت تشهد أنّ خربزتي قد كملت فقال: أشهد أنّ خربزتك تامّة كاملة فشرع مولانا في أخذ المريد من هذا الوقت وهذا النّقل أيضا يرى مستبعدا جدّا فإنّ مولانا كيف يعتقد نفسه شيخا بمجرّد هذا القول ويشرع في أخذ المريد ثمّ قال حضرة الخواجه خاوند محمود إنّ تسمية هذين الشّيخين المذكورين بين PageV01P213 حضرة مولانا وبين حضرة الخواجه أحرار بهذين الإسمين واعتقاد أنّهما مسمّيا هذين الإسمين خطأ ذكروهما بغير اسمهما وقال أيضا انّ درويش محمّد لا نسبة له من خاله يعني لا انتساب له إليه بل انتسابه إلى غيره فحصل تعجّب كثير من كلماته هذه فارتكبنا التّصديع بالضّرورة لتكتبوا لنا اسمي الشّيخين المذكورين على وجه التّحقيق لئلّا يبقى لاحد مجال الكلام في سلسلتنا وما الحاجة إلى كتابة حديث الإجازة فإنّ عظمته وعلوّ شأنه شاهد عدل ومع ذلك إن كتب كان قطعا للسان الطّاعنين ولم يدر ماذا كان مقصود الخواجه خاوند من هذه الكلمات المشتّتة فإن كان مقصوده نفي هؤلاء الفقراء الّذين لا بضاعة لهم بأبلغ الوجوه فإنّ نفي الشّيخ مستلزم لنفي المريد بآكد الوجوه فطرق نفي هؤلاء عديمي البضاعة كثيرة فما الحاجة إلى نفي الأكابر لهذا الغرض وإن كان مقصوده نفي الأكابر بالأصالة ولم يكن له غرض سواه فهذا أيضا غير مستحسن كما لا يخفى على من له أدنى دراية ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنّك أنت الوهّاب بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1). (181) المكتوب الحادي والثّمانون والمائة إلى حضرة المخدوم زاده ميان محمّد صادق في جواب استفساره عن سبب مشاهدة بعض المشائخ في مقام أعلى من مقاماتهم وبعضهم في أدنى من مقاماتهم وما يناسب ذلك قد سأل ولدي الأرشد محمّد صادق عن سبب انفهام كون طائفة من المشائخ في درجات عليا من مقام الزّهد والتّوكّل والتّرك والصّبر والرّضا مع أنّي أرى وأشاهد أنّ لهم درجة أدنى في مراتب القرب الإلهيّ جلّ سلطانه (ورؤية طائفة) أخرى من المشائخ في درجة سفلى من مقامات الزّهد والتّوكّل وغيرهما مع أنّهم يرى لهم درجات عليا في مقام القرب ومن المقرّر أنّ أكمليّة هذه المقامات باعتبار أتمّيّة اليقين وأتمّيّة اليقين بسبب الأقربيّة إلى جناب قدس الحقّ جلّ شأنه فالمقام لا يخلو هنا عن أحد أمور امّا تطرّق الخطأ إلى النّظر فرأى القريب بعيدا والبعيد قريبا أو أنّ سبب أكمليّة هذه المقامات أمر وراء اليقين أو أنّ ترتّب اليقين ليس على القرب (فأقول في الجواب) إنّ ترتّب اليقين على القرب فإذا كان القرب أكثر فاليقين أزيد وأوفر وسبب أكمليّة هذه المقامات أيضا أتمّيّة اليقين لا أمر آخر والنّظر الكشفيّ أيضا صحيح. PageV01P214 غاية ما في الباب أنّ حصول القرب إنّما هو لألطف اللّطائف فيكون اليقين أيضا نصيبه وحيث كانت أكمليّة المقامات مترتّبة على أتمّيّة اليقين تكون تلك الأكمليّة أيضا حاصلة فيمكن أن يحصّل رجل من الأكابر إقامة في مقام من مقامات ألطف اللّطائف مع وجود قلّة قربه ولم يرجع بعد إلى أكثف اللّطائف ويكون في المقامات المذكورة أكمل ممّن له زيادة قرب وقدر رجع إلى أكثف اللّطائف أعني لطيفة القالب. وحيث انّ لطيفة القالب محرومة من ذلك القرب لا يكون اليقين أيضا نصيبا لها فمن أين تحصل لها أكمليّة تلك المقامات والّذي رجع إلى هذه اللّطيفة أخذ حكمها وكانت يقينات لطائف الباقية الّتي قد حصلت لها سابقا مستورة بخلاف من ليس له رجوع إلى القالب فإنّ حكمه حكم ألطف اللّطائف والقرب واليقين على كمالهما في حقّه ولم يستترا بعد فلا جرم يكون في المقامات المذكورة أتمّ وأكمل (ولكن) ينبغي أن يعلم أنّ صاحب الرّجوع كما أنّه أكمل في القرب واليقين كذلك هو أكمل في المقامات أيضا ولكن قد سترت كمالاته تلك وجعل ظاهره مثل ظاهر عوامّ النّاس لحصول المناسبة بينه وبين الخالق الّتي هي سبب الإفادة والإستفادة فيكون مستحقّا لدعوة الخلق إلى الحقّ وهذا المقام مقام الأنبياء المرسلين عليهم الصّلوات والتّسليمات بالأصالة ولهذا طلب إبراهيم الخليل على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام اطمئنان القلب واحتاج في حصول اليقين إلى الرّؤية البصريّة مثل عوامّ النّاس. وقال عزير على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام: أنّى يحيي هذه الله بعد موتها والّذي لم يرجع أخبر عن يقينه بقوله لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا فإن ثبت صدور هذا الكلام عن سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه ينبغي حمله على أنّه قال ذلك قبل حصول الرّجوع فإنّ صاحب الرّجوع محتاج إلى الدّلائل والبراهين في حصول اليقين بعد الرّجوع مثل عوامّ النّاس وقد كانت المسائل الكلاميّة كلّها بديهيّة لهذا الدّرويش قبل الرّجوع وكنت أجدها أشدّ يقينا من المحسوسات وأمّا بعد الرّجوع فقد استتر ذاك اليقين وصرت محتاجا إلى الدّلائل والبراهين مثل عوامّ النّاس (ع) على مقدار ما ربّوني أنمو * والسّلام. (182) المكتوب الثّاني والثّمانون والمائة إلى الملّا صالح الكولابيّ في بيان كون الخواطر والوساوس من كمال الإيمان كما ورد في بعض الأحاديث كان طائفة من الدّراويش يوما من الأيّام قاعدين مجتمعين فجرى الكلام في خطرات الطّالبين ووساوسهم. فذكر في ذلك الأثناء حديث نبويّ وهو أنّ بعض (1) الأصحاب شكا إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من PageV01P215 الخواطر الرّديئة وقال إنّا نجد في أنفسنا ما لو أنّ أحدنا خرّ على رأسه لكان خيرا له من أن يتكلّم فقال عليه الصّلاة والسّلام «أوجدتم ذلك ذاك من كمال الإيمان أو من صريح الإيمان " فوقع في خاطر هذا الفقير في ذلك الوقت في تأويل هذا الحديث والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال أنّ كمال الإيمان عبارة عن كمال اليقين وكمال اليقين مرتّب على كمال القرب فإذا حصل للقلب وما فوقه من اللّطائف زيادة القرب الإلهيّ جلّ شأنه يكون الإيمان واليقين أزيد ويكون عدم تعلّق القلب وسائر اللّطائف بالبدن أكثر فيكون ظهور الخطرات في القالب أزيد وأوفر والوساوس غير اللّائقة فيه أظهر. فلا جرم يكون سبب الخطرات الرّديئة كمال الإيمان بالضّرورة فعلى هذا كلّما كانت الخطرات أزيد في المنتهى إلى نهاية النّهاية تكون أكمليّة الإيمان فيه أشدّ فإنّ كمال الإيمان يقتضي عدم المناسبة بين ألطف اللّطائف وبين لطيفة القالب وكلّما كان عدم المناسبة المذكورة أكثر كان القالب أشدّ خلوّا وأقرب إلى الظّلمة والكدورة ويكون ورود الخواطر إليه أزيد وأوفر بخلاف المبتدئ والمتوسّط فإنّ مثل هذه الخواطر سمّ قاتل بالنّسبة إليهما وسبب لازدياد مرضهم الباطن فلا تكن من القاصرين وهذه المعرفة من المعارف الغامضة المختصّة بهذا الفقير. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (183) المكتوب الثّالث والثّمانون والمائة إلى الملّا معصوم الكابليّ في النّصيحة رزقكم الله سبحانه الإستقامة على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وجعلنا وإيّاكم متوجّهين إلى جناب قدسه بالكلّيّة وشغلنا به عن غيره حتّى لا نتوجّه إلى الاثنينيّة والمأمول أن لا تكون التّعلّقات الشّتّى والتّوجّهات المتفرّقة الّتي استولت على الظّاهر مانعة عن النّسبة الباطنيّة ومع ذلك ينبغي السّعي والإجتهاد في تحقيق التّفرقة الظّاهريّة والتّفحّص عنها لئلّا تسري في الباطن فتمنع عن الوصول إلى المطلب الحقيقيّ عياذا بالله سبحانه من ذلك ولا تستحقّ الدّنيا وما فيها لان تصرف بضاعة العمر العزيز في تحصيلها الشّرط هو الإخبار وإلى متى يمتدّ منام الأرنب. (شعر) وما القصر والبستان الّا محابس ... وما المال والأملاك الّا مصائب PageV01P216 فإن حصل العمل قبل الموت فبها والّا فخسران في خسران ينبغي أن يعدّ ذكر القلب ومشغوليّة الباطن عزيزا وأن يتّخذ كلّما ينافيه عدوّا. (شعر) كلّما دون هوى الحقّ ولو ... أكل قند فهو سمّ قاتل. وما على الرّسول إلّا البلاغ. (184) المكتوب الرّابع والثّمانون والمائة في التّحريض على متابعة سيّد المرسلين صلّى الله عليه وسلّم أرسله إلى فتح الله وصل مكتوب الولد الأعزّ المكتوب على وجه المحبّة والخلوص أوصله الخواجه فصار موجبا لفرح جعل الله سبحانه وتعالى التّوفيق لمرضيّاته رفيقنا بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلاة والسّلام (أيّها الولد) إنّ الّذي ينفع الإنسان غدا هو متابعة صاحب الشّريعة عليه الصّلاة والسّلام والتّحيّة فإن اجتمعت الأحوال والمواجيد والعلوم والمعارف والإشارات والرّموز مع تلك المتابعة فبها ونعمت والّا فلا شيء سوى الخذلان والإستدراج رأى شخص سيّد الطّائفة الجنيد بعد وفاته فسأله عن حاله فقال له الجنيد في جوابه: طاحت العبارات وفنيت الإشارات وما نفعنا الّا ركيعات ركعناها في جوف اللّيل فعليكم بمتابعته ومتابعة خلفائه الرّاشدين عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وإيّاكم ومخالفة شريعته قولا وعملا واعتقادا فإنّ الاولى يمن وبركة والثّانية شؤم وهلكة هذا والرّسالة الّتي أرسلتها قد وصلت وطالعت بعض المواضع منها فرأيته حسنا ولكنّ الأهمّ أمر آخر دون التّصنيف والإشتغال بالأمر الاهمّ أنسب وأولى والسّلام. (185) المكتوب الخامس والثّمانون والمائة إلى منصور عرب في تفويض شخص إليه رزقكم الله سبحانه الاستقامة على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وجعل جميع همّتكم التّوجّه إلى جناب قدسه وما هو اللّازم لنا ولكم هو سلامة القلب من التّعلّق بما سوى الحقّ سبحانه وهذه السّلامة إنّما تتيسّر اذا لم يبق لغير الحقّ سبحانه خطور في القلب بحيث لو تيسّرت حياة الف سنة فرضا لا يقع الغير في القلب بواسطة نسيان القلب ما سواه تعالى (ع) هذا هو الأمر والباقي خيالات * بقيّة المرام أنّ مولانا الفاضل السّرهنديّ الّذي هو قائم بخدمتكم العليّة أبوه في سرهند ويتمنّى أن يكون مسرورا ومبتهجا بملاقاة ولده وقت ضعفه وشيخوخته فبناء على ذلك جعل الفقير وسيلة إلى التّصديع والأمر عندكم بل كلّ من عند الله والسّلام. PageV01P217 (186) المكتوب السّادس والثّمانون والمائة إلى الخواجه عبد الرّحمن المفتي الكابليّ في الحثّ على متابعة السّنّة والإجتناب عن البدعة وأنّ كلّ بدعة ضلالة أسأل الله سبحانه وتعالى بالتّضرّع والإعتذار والإلتجاء والإفتقار والتّذلّل والإنكسار في السّرّ والجهار أن لا يبتلي هذا الضّعيف مع من هم مجتمعون لديه أو مستندون إليه بفعل كلّ عمل محدث ومبتدع في الدّين ممّا لم يكن في زمن خير البشر وزمن خلفائه الرّاشدين عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وإن كان ذلك العمل مثل فلق الصّبح في الوضوح وأن لا يفتننا بحسن ذلك المبتدع بحرمة السّيّد المختار وآله الأبرار عليه وعليهم الصّلاة والسّلام قال بعض النّاس انّ البدعة على نوعين حسنة وسيّئة فالحسنة هي كلّ عمل صالح حدث بعد زمن نبيّنا وزمن خلفائه الرّاشدين عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ولم يكن رافعا للسّنّة والسّيّئة ما تكون رافعة للسّنّة وهذا الفقير لا يشاهد في شيء من البدعة شيئا من الحسن والنّورانيّة ولا يحسّ فيها شيئا سوى الظّلمة والكدورة ومن رأى اليوم فرضا طراوة ونضارة في الأمر المبتدع بسبب ضعف البصيرة ولكن سيعلم غدا بعد حصول الحدّة في بصره أن ليس له شيء من نتيجة غير النّدامة والخسارة. (شعر) ووقت الصّبح يبدو كالنّهار ... حقيقة من هويته في الظّلام قال سيّد البشر عليه الصّلاة والسّلام من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ (1) فإذا كان الشّيء مردودا فمن أين يجيء له الحسن وقال عليه الصّلاة والسّلام أمّا بعد فإنّ خير (2) الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمّد وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ محدث بدعة وكلّ بدعة ضلالة وقال عليه الصّلاة والسّلام أوصيكم (3) بتقوى الله والسّمع والطّاعة وإن كان عبدا حبشيّا فإنّه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنّواجذ وإيّاكم ومحدثات الامور فإنّ كلّ محدث بدعة وكلّ بدعة ضلالة. فإذا كان كلّ محدث بدعة وكلّ بدعة ضلالة فما يكون معنى الحسن في البدعة وأيضا المفهوم من الأحاديث أنّ كلّ بدعة رافعة للسّنّة والرّفع غير مختصّ بالبعض فيكون كلّ بدعة سيّئة قال عليه الصّلاة والسّلام (4) ما أحدث قوم بدعة الّا رفع مثلها من PageV01P218 السّنّة. فالتّمسّك بالسّنّة خير من إحداث البدعة وعن حسّان أنّه قال: ما ابتدع (1) قوم بدعة في دينهم الّا نزع الله من سننهم مثلها ثمّ لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة. (ينبغي) أن يعلم أنّ بعض البدع الّذي عدّه العلماء والمشائخ من البدعة الحسنة إذا لوحظ فيه كمال الملاحظة يعلم أنّه رافع للسّنّة ومن ذلك أنّ تعميم الميّت مثلا عدّوه من البدعة الحسنة مع أنّه رافع للسّنّة لأنّه زيادة على العدد المسنون في الكفن وهو كونه ثلاثة أثواب والزّيادة نسخ والنّسخ هو عين الرّفع وكذلك استحسن المشائخ يعني بعضهم إرسال ذنب العمامة من طرف اليسار مع أنّ السّنّة إرساله (2) ممّا بين الكتفين وكون ذلك رافعا لهذه السّنّة ظاهر لا سترة فيه وكذلك استحسن العلماء يعني بعضهم في نيّة الصّلاة النّطق باللّسان مع إرادة قلبيّة والحال أنّه لم يثبت عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولا عن أصحابه الكرام ولا عن التّابعين العظام في النّيّة النّطق باللّسان لا في رواية صحيحة ولا في رواية ضعيفة بل كانوا يكبّرون للتّحريمة عقب القيام فيكون النّطق بدعة وقالوا إنّ ذلك بدعة حسنة ويقول هذا الفقير إنّ هذه البدعة رافعة للفرض فضلا عن السّنّة فإنّ اكثر النّاس يكتفون على هذا التّقدير بالنّطق باللّسان يعني من غير استحضار النّيّة بالجنان ومن غير مبالاة بالغفلة القلبيّة عن هذا الشّأن فحينئذ يكون فرض من فرائض الصّلاة وهو النّيّة القلبيّة متروكا بالكلّيّة ويفضي إلى فساد الصّلاة وعلى هذا القياس سائر المبتدعات والمحدثات فإنّها زيادات على السّنّة ولو بوجه من الوجوه والزّيادة نسخ والنّسخ رفع فعليكم بالإقتصار على متابعة سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والإكتفاء بالإقتداء بأصحابه الكرام فإنّهم كالنّجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم وأمّا القياس بالإجتهاد فليس من البدعة بشيء فإنّه مظهر لمعنى النّصوص لا أنّه مثبت لامر زائد فاعتبروا يا أولي الأبصار. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (3) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصّلوات وأكمل التّسليمات. (187) المكتوب السّابع والثّمانون والمائة إلى الخواجه أشرف الكابليّ في أفضليّة طريق الرّابطة على الذّكر بالنّسبة إلى المريد قد وقع النّظر على الكتاب الّذي كتبته إلى الأصحاب واطّلعت على الأحوال المسطورة فيه (اعلم) أنّ حصول رابطة الشّيخ للمريد بلا تكلّف وتعمّل علامة المناسبة التّامّة بين المرشد والمريد الّتي هي سبب الإفادة والإستفادة ولا طريق أقرب من طريق الرّابطة أصلا فيا سعادة من استسعد بهذه الدّولة أورد حضرة PageV01P219 الخواجه أحرار قدّس سرّه في الفقرات أنّ ظلّ الدّليل أولى من ذكر الحقّ سبحانه باعتبار النّفع يعني أنّ ظلّ الدّليل أولى للمريد من اشتغاله بالذّكر فإنّه لم تحصل بعد للمريد مناسبة كاملة بالمذكور جلّ وعلا حتّى ينتفع من طريق الذّكر انتفاعا تامّا والسّلام أوّلا وآخرا (188) المكتوب الثّامن والثّمانون والمائة إلى الخواجه محمّد صدّيق البدخشيّ في حلّ إشكال المسائل الّتي سأل عنها وصل مكتوب الأخ الأعزّ وقد سئل عن أمور ثلاثة أيّها المحبّ انّ اختفاء بعض اللّطائف في مرتبة القلب مقصور على لطائف تضمّنها القلب لا أنّه جار في لطائف متحقّقة فيما وراء القلب فإنّه لا معنى لاختفائها في مقام القلب (الثّاني) أنّ من كان استعداده إلى مرتبة القلب أو الرّوح يقدر الشّيخ صاحب التّصرّف على إيصاله إلى مرتبة فوقانيّة لكنّ هنا دقيقة بيانها موقوف على الحضور لعسر تحريره (الثّالث) أنّ الظّاهر إذا انصبغ بلون الباطن وانصبغ الباطن بلون الظّاهر لا عسرة حينئذ في ظهور أحكام الظّاهر في الباطن وبدوّ أحوال الباطن في الظّاهر والسّلام. (189) المكتوب التّاسع والثّمانون والمائة إلى شرف الدّين حسين في بيان فضل تذكّر الفقراء مع كثرة الإشتغال والتّحذير عن الإنخداع بمتاع الدّنيا وتعظيم ذكر القلب الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله الطّاهرين أجمعين وصل مكتوب الولد الأنجب الأعزّ الأرشد شرف الدّين حسين وصار موجبا للفرحة وباعثا على البهجة نعمت النّعمة عدم نسيان الفقراء الّذين لا بضاعة لهم مع وجود تعلّقات شتّى وهذا التّذكّر ينبئ عن أشدّ المناسبة الّتي هي سبب الإفادة والإستفادة وبعض الوقائع الّتي اندرج بيانه فيه حسن وأصيل وأدلّ دليل على الإرتباط المعنويّ (أيّها الوالد) إيّاك والإنخداع بطراوة الدّنيا الدّنيّة والإفتتان بمزخرفاتها الشّنيعة الّتي لا معنى فيها فإنّ الدّنيا ليس لها مدار ولا اعتبار ولا هي محلّ قرار وهذا المعنى وإن لم يكن اليوم معلوما لكم ولكنّه سيكون غدا معقولا البتّة ولكن لا ينفع. فى أذنه من أنّتى صمم فلا ... يرضى سماع نصيحتي وبكائيا وينبغي لك أن تكون مولعا وحريصا بتكرار ذكر القلب معتقدا أنّه من أجلّ نعم الله جلّ شأنه وأن تصلّي الصّلوات الخمس مع الجماعة من غير تكاسل وفتور وأن تؤدّي زكاة الأموال إلى الفقراء والمساكين بنشاط القلب وأن تجتنب المحرّمات والمشتبهات وأن تكون مشفقا على الخلق وهذا هو طريق النّجاة والخلاص والسّلام. PageV01P220 (190) المكتوب التّسعون والمائة إلى واحد من أولاد المير محمّد نعمان البدخشيّ في التّحريض على المداومة على الذّكر واختيار الطّريقة النّقشبنديّة مع بيان كيفيّة الذّكر الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعلى آله الطّاهرين أجمعين اعلم وتنبّه أنّ سعادتك بل سعادة جميع بني آدم وفلاحهم وخلاصهم كلّ ذلك في ذكر مولاهم جلّ سلطانه فينبغي استغراق جميع الأوقات بالذّكر الإلهيّ جلّ شأنه بقدر الإمكان وأن لا يجوّز الغفلة لحظة واحدة ولله سبحانه الحمد والمنّة انّ دوام الذّكر يتيسّر في طريقة خواجكان قدّس الله أسرارهم في الإبتداء ويحصل ذلك فيها على طريق اندراج النّهاية في البداية فاختيار هذه الطّريقة كان للطّالب أولى وأنسب بل يكون واجبا عليهم ولازما فعليك إذا صرف التّوجّه عن جميع الجهات والإقبال بالكلّيّة على جانب أكابر هذه الطّريقة العليّة وطلب الهمّة من بواطنهم الشّريفة ولا بدّ من الذّكر في الإبتداء فينبغي أن تتوجّه إلى القلب الصّنوبريّ الشّكل فإنّ تلك المضغة كالحجرة للقلب الحقيقيّ وأن تجري الإسم المبارك الله على هذا القلب ولا تحرّك عضوا من أعضائك في هذا الوقت بالقصد واقعد متوجّها إلى القلب بالكلّيّة ولا تخيّل صورة القلب بالقوّة المتخيّلة أصلا ولا تلتفت إليها قاطعا فإنّ المقصود التّوجّه إلى القلب لا تصوّر صورته وينبغي أن تلاحظ معنى اللّفظ المبارك الله بليس كمثله شيء وأن لا تضمّ إليها شيئا من ملاحظة الصّفات حتّى الحاضريّة والنّاظريّة لئلّا تنزل من ذروة حضرة الذّات إلى حضيض الصّفات فتقع منها إلى شهود الوحدة في الكثرة وتطمئنّ بشهود المثاليّ من التّعلّق بمن تنزّه عن المثال والتّوجّه إليه فإنّ كلّما يظهر في مرآة المثاليّ لا يكون مصداقا لليس كمثله شيء وكلّما يشاهد في الكثرة لا يكون واحدا حقيقيّا البتّة ينبغي للعاقل ان يطلب المنزّه عن المثال فيما وراء المثاليّ وأن يلتمس البسيط الحقيقيّ في خارج حيطة الكثرة فإن ظهرت صورة المرشد وقت الذّكر من غير تكلّف ينبغي أن تذهب بها إلى القلب وأن تشتغل بالذّكر حافظا لها في القلب. (أتدرى) من المرشد, المرشد من تستفيد منه طريق الوصول إلى جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه وتجد منه مددا وإعانة في هذا الطّريق ومجرّد لبس الكلاه والخرقة وأخذ الشّجرة وغيرها ممّا صار عرفا ورسما بين النّاس كلّها خارجة عن حقيقة المرشديّة والمريديّة وداخلة في الرّسوم والعادات الّا أنّ الخرقة إن حصّلت من الشّيخ الكامل المكمّل وعاملت بالإعتقاد والإخلاص فاحتمال حصول الثّمرات والنّتائج قويّ في هذه الصّورة واعلم أنّ المنامات والواقعات لا اعتماد عليها ولا اعتبار لها فإنّ الإنسان لا يكون سلطانا أو قطب الوقت في الحقيقة بسبب رؤية نفسه كذلك في المنام فان كان في الواقع سلطانا او قطب الوقت فمسلّم وكذلك كلّما ظهر من الأحوال والمواجيد في الصّحو والإفاقة ففيه مجال للاعتماد PageV01P221 عليه والّا فلا (واعلم) أنّ نفع الذّكر وترتّب الأثر عليه مربوط بإتيان أحكام الشّريعة فينبغي حسن الإحتياط في أداء الفرائض والسّنن واجتناب المحرّم والمشتبه والرّجوع إلى العلماء في القليل والكثير والعمل بمقتضى فتواهم والسّلام. (191) المكتوب الحادي والتّسعون والمائة إلى خان خانان في الحثّ على اتّباع الأنبياء عليهم السّلام وأنّه لا عسر في التّكاليف الشّرعيّة الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ. اعلم أنّ السّعادة الأبديّة والنّجاة السّرمديّة مربوطة بمتابعة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام عموما وعلى أفضلهم خصوصا فإن تيسّرت عبادة ألف سنة فرضا مع الرّياضات الشّاقّة والمجاهدات الشّديدة لا تعدل تلك العبادات بنصف شعيرة ولا تساوي تلك الرّياضات بالنّوم وقت الظّهيرة اقتداء بصاحب الشّريعة مع كونه غفلة من الأوّل إلى الآخر ما لم تكن منوّرة بنور اتّباع هؤلاء الأكابر في الامور الخطيرة والحقيرة بل هي كسراب بقيعة ومن كمال عناية الحقّ سبحانه وتعالى رعاية نهاية اليسر وغاية السّهولة في جميع التّكاليف الشّرعيّة والأحكام الدّينيّة حيث أمر مثلا بسبع عشرة ركعة من الصّلاة في اللّيل والنّهار لا يبلغ مجموع أوقات أدائها ساعة واحدة ومع ذلك اكتفى في قراءتها بما تيسّر وجوّز القعود عند تعذّر القيام والإضطجاع عند تعذّر القعود وأمر بالإيماء عند تعذّر الرّكوع والسّجود وجعل التّيمّم خلف الوضوء وقت العجز عن استعمال الماء وعيّن للفقراء والمساكين حصّة واحدة من أربعين حصّة في زكاة الأموال وقيّد افتراضها أيضا بكون الأموال نامية والأنعام سائمة وفرض في جميع العمر حجّا واحدا ومع ذلك جعله مشروطا بالقدرة على الزّاد والرّاحلة وأمن الطّريق ووسّع دائرة المباح حيث أباح نكاح أربعة من النّساء ومقدار ما يملكه ويقدر عليه من السّراري وجعل الطّلاق وسيلة لتبديل النّساء وجعل أكثر الأطعمة والأشربة والأقمشة مباحا وجعل المحرّم منها قليلا وتحريمه أيضا بواسطة مصالح العباد وإن حرّم شرابا واحدا مرّا كثير الضّرر ولكنّه أباح عوضا عنه كثيرا من الأشربة اللّذيذة السّائغة الكثيرة النّفع ألا ترى أنّ عرق القرنفل وعرق الدّارصينيّ مع سهولة شربهما وطيب رائحتهما مشتملان على منافع كثيرة وفوائد جزيلة لا يمكن تحريرها فأيّ فائدة في تركهما واختيار شيء مرّ كريه الطّعم وكريه الرّائحة ساتر العقل عظيم الخطر شتّان ما بينهما ومع ذلك بينهما فرق آخر طار من جهة الحلّيّة والحرمة فإنّه أمر آخر والتّميّز العارض من حيثيّة رضائه تعالى وعدم رضائه شيء على حدة فإن حرّم بعض البسة الإبرسيم فما الضّرر فيه حيث أحلّ عوضه كثيرا من الألبسة الملوّنة المنقّشة والأقمشة المزيّنة ولباس الصّوف الّذي أبيح مطلقا أفضل من ألبسة الإبرسيم بمراتب ومع ذلك قد أبيح لباس الإبرسيم للنّساء ومنافعه عائدة إلى الرّجال PageV01P222 وهكذا حال الذّهب والفضّة فإنّ حليّ النّساء لأجل تمتّع الرّجال فمن اعتقد الأحكام الشّرعيّة مع هذه السّهولة واليسر من عدم الإنصاف متعسّرة ومتعذّرة فهو مبتلى بمرض قلبيّ وعلّة باطنيّة وكم من أمور يسيرة للأصحّاء متعسّرة للضّعفاء عسرة تامّة ومرض القلب هو عبارة عن عدم يقين القلب بالأحكام المنزّلة من السّماء وتصديقهم بهذه الأحكام إنّما هو صورة التّصديق لا حقيقته وعلامة حصول حقيقة التّصديق ثبوت اليسر والخفّة والنّشاط في إتيان الأحكام الشّرعيّة وبدونها خرط القتاد. وقال الله تبارك وتعالى كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (1). والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات. (192) المكتوب الثّاني والتّسعون والمائة إلى الشّيخ بديع الدّين السّهارنفوريّ في جواب استفساره استفسر الأخ الأعزّ الأرشد الشّيخ بديع الدّين أنّه قد وقع في العريضة الحادية عشرة المكتوبة إلى حضرة الخواجه يعني الشّيخ محمّد الباقي قدّس سرّه وتيسّر الوصول إلى مقام مزيّن أعلى من مقام الصّدّيق الأكبر رضي الله عنه فما يكون معنى هذا الكلام؟ (اعلم) أرشدك الله لا نسلّم أنّ هذه العبارة موهمة للتّفضيل مع أنّ لفظ أيضا واقع فيها أيضا ولو سلم فأقول إنّ هذا الكلام وغيره في هذه العريضة من جملة الواقعات المكتوبة إلى شيخي والمعروضة عليه ومن المقرّر عند هؤلاء الطّائفة أنّ كلّما يحصل للسّالك من الواقعة يظهره لشيخه بلا تحاش صحيحا كان أو سقيما فإنّ في غير الصّحيح أيضا احتمال التّأويل والتّعبير فلا يكون إذا بدّ من إظهاره ففيما نحن فيه لا يلزم محظور عند ملاحظة هذا المعنى والحلّ الثّاني أنّه قد جوّز تحقّق فضل في جزئيّ من الجزئيّات لغير نبيّ على نبيّ ولم يروا فيه بأسا كما وقعت الزّيادة في شأن الشّهداء ليست هي في الأنبياء عليهم السّلام مع أنّ الفضل الكلّيّ للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فعلى هذا التّقدير لو وقع سير غير النّبيّ في كمالات ذلك الجزئيّ ووجد السّالك نفسه في ذلك المقام أعلى لكان مجوّزا وإن كان حصول الوصول له إلى ذلك المقام بواسطة متابعة النّبيّ وللنّبيّ أيضا نصيب تامّ من ذلك المقام بحكم حديث «من (3) سنّ سنّة حسنة» الحديث، فإن كان تحقّق الفضل الجزئيّ لغير النّبيّ على النّبيّ مجوّزا فعلى غير النّبيّ يكون مجوّزا بالطّريق الأولى فلا إشكال أصلا والسّلام. PageV01P223 (193) المكتوب الثّالث والتّسعون والمائة إلى السّيّد فريد في الحثّ على تصحيح العقائد على وفق آراء أهل السّنّة والجماعة وتعلّم الأحكام الفقهيّة والشّكاية من غربة الإسلام والإغراء على ترويجه وتأييده كان الله ناصركم ومعينكم على كلّ ما يعيبكم ويشينكم (اعلم)، انّ أوّل الضّروريّات الواجبة على أرباب التّكليف تصحيح العقائد على وفق آراء علماء أهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم فإنّ النّجاة الاخرويّة مربوطة باتّباع آراء هؤلاء الأكابر وهم واتباعهم هم الفرقة النّاجية فإنّهم على طريق النّبيّ وطريق أصحابه صلوات الله وتسليماته عليه وعليهم أجمعين والمعتبر من العلوم المستفادة من الكتاب والسّنّة هو ما أخذه واستنبطه منهما هؤلاء الأكابر فإنّ كلّ مبتدع وضالّ يأخذ عقيدته الفاسدة من الكتاب والسّنّة بزعمه الفاسد فلا يكون كلّ معنى مفهوم من معاني الكتاب والسّنّة معتبرا ورسالة الإمام الأجلّ التّور ?شتي مناسبة جدّا لاجل تصحيح العقائد وأقرب إلى الفهم ولكن حيث انّ الرّسالة المذكورة مشتملة على الاستدلالات مع التّطويل والبسط يعسر الأخذ عنها فلو كانت رسالة غيرها متضمّنة للمسائل الصّرفة لكان أولى وأنسب وقد وقع في خاطري أيضا في هذه الأثناء أن أكتب في هذا الباب رسالة متضمّنة لعقائد أهل السّنّة والجماعة وتكون سهلة المأخذ فإن تيسّر ذلك نرسلها إلى الخدمة بعد كتابتها وبعد تصحيح هذه العقائد لا بدّ من تعلّم علم الحلال والحرام والفرض والواجب والسّنّة والمندوب والمكروه وغيرها ممّا تكفّل به علم الفقه. والعمل بمقتضى هذا العلم أيضا ضروريّ فينبغي أمر بعض الطّلبة بقراءة بعض كتب الفقه بعبارة فارسيّة مثل مجموعة الخانى وعمدة الإسلام فإن وقع عياذا بالله سبحانه خلل على مسألة من المسائل الإعتقاديّة الضّروريّة فقد تحقّق الحرمان من النّجاة الاخرويّة بخلاف العمليّات فإنّها إذا وقعت المساهلة فيها يرجى العفو والتّجاوز عنّا ولو بلا توبة ولئن أخذ بها ولكنّ النّجاة متحقّقة في آخر الأمر فعمدة الأمر تصحيح العقائد. ونقل عن حضرة الخواجه أحرار قدّس سرّه أنّه قال: لو أعطينا الأحوال والمواجيد كلّها ولم تكن حقيقتنا محلّاة ومتزيّنة بعقائد أهل السّنّة والجماعة لا نعتقد تلك الأحوال شيئا غير الخذلان ولئن اجتمع فينا القصور والنّقصان وحقيقتنا مستقيمة على عقائد أهل السّنّة والجماعة لا نرى بأسا في ذلك ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على طريقتهم المرضيّة بحرمة سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وقد قدم واحد من الدّراويش من طرف لاهور وقال: إنّ الشّيخ جيو كان قد حضر في مسجد النّخّاس القديم لصلاة الجمعة فقال ميان رفيع الدّين بعد التفات الشّيخ إليه: إنّ نوّاب الشّيخ جيو قد بنى مسجدا جامعا في قرب بيته الحمد لله على ذلك رزقه الله سبحانه مزيد التّوفيق وسماع امثال هذه الأخبار السّارّة يكون باعثا على حصول غاية السّرور ونهاية الإبتهاج. (أيّها السّيّد) إنّ الإسلام غريب في هذا الزّمان جدّا فصرف فلس واحد في تقوية الإسلام في هذا الزّمان يساوي صرف ألوف من الدّرهم والدّينار فيا سعادة من تشرّف بهذه الدّولة العظمى وترويج الدّين وتقوية الملّة وإن كان حسنا ومرغوبا فيه في PageV01P224 جميع الأوقات من جميع الأشخاص ولكنّ صدوره في هذا الوقت الّذي هو أوان غربة الإسلام من أمثالكم أصحاب المروءة والهمّة والفتوّة وأهل بيت النّبوّة أحسن وأجمل فإنّ هذه الدّولة منتشرة من طائفتكم العليّة فهى ذاتيّة فيكم وعرضيّة في غيركم وحقيقة الوراثة النّبويّة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام إنّما هي في تحصيل هذا الأمر العظيم القدر قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم للأصحاب " إنّكم (1) في زمان من ترك عشر ما أمر به هلك ثمّ يأتي زمان من عمل بعشر ما أمر به نجا " وهذا هو ذلك الوقت وهذا القوم هو ذلك القوم، (شعر): هلمّوا أيّها الأبطال نحو ال ... غنائم ما لها أصلا مدافع وقد حسن قتل الكافر اللّعين كوبنددال في هذا الوقت وكان هذا الفعل باعثا على كسر عظيم في الهنود المردودة بأيّ نيّة كان قتله وبأيّ غرض كان إهلاكه فإنّ مذلّة الكفّار نقد وقت أهل الإسلام وقد رأى هذا الفقير في المنام قبل قتل ذلك الكافر أنّ سلطان الوقت قد كسر رأس رئيس أهل الشّرك والحقّ أنّ ذلك الكافر كان رئيس أهل الشّرك وإمام أهل الكفر خذلهم الله سبحانه وقد دعى النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام على أهل الشّرك في بعض أدعيته بهذه العبارة اللهمّ شتّت شملهم وفرّق جمعهم وخرّب بنيانهم وخذهم أخذ عزيز مقتدر. وعزّة الإسلام وأهله إنّما هي في مذلّة الكفر وأهله والمقصود من أخذ الجزية هو إذلال الكفّار وإهانتهم وتحصل المذلّة لاهل الإسلام بقدر ما تحصل العزّة لاهل الكفر فينبغي حسن التّنبّه على هذا الأمر وقد ضيّعه أكثر النّاس واخرب دينه بشؤمه وجعله هباء منثورا قال الله سبحانه وتعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ والْمُنافِقِينَ واُغْلُظْ عَلَيْهِمْ (2) فجهاد الكفّار والغلظة عليهم من ضروريّات الدّين وبقايا رسوم الكفر الّتي ظهرت في القرن السّابق تثقل على قلوب المسلمين جدّا ولم يبق لسلطان الوقت توجّه إلى أهل الكفر في هذا الوقت فاللّازم لمن يقدر من المسلمين إعلام السّلطان بقبح رسوم هؤلاء الأشرار والإجتهاد في دفعها وإزالتها فإنّ بقاءها يحتمل أن يكون مبنيّا على عدم علم السّلطان بقبحها وبالجملة إذا وجدت مساعدة الوقت ينبغي إخبار بعض علماء أهل الإسلام بأن يجيئوا ويعلموا بشناعة رسوم أهل الكفر فإنّه لا حاجة لتبليغ الأحكام الشّرعيّة إلى إظهار الخوارق والعادات والكرامات. والإعتذار بعدم التّصرّف لا يسمع يوم القيامة في القعود عن تبليغ الأحكام الشّرعيّة وقد بلّغ الأنبياء عليهم السّلام الّذين هم أفضل الموجودات الأحكام الشّرعيّة فإذا طلبوا منهم المعجزات والآيات كانوا يقولون: إنّما الآيات والمعجزات عند الله وما علينا الّا البلاغ المبين ولعلّ الله سبحانه يحدث في تلك الأثناء أمرا يكون باعثا على ظهور حقيقة هؤلاء الجماعة وعلى كلّ حال الإطّلاع على حقيقة PageV01P225 المسائل الشّرعيّة ضروريّ فإن وقع الإهمال في ذلك فالعهدة على ذمّة العلماء ومقرّبي السّلطان فإن حصلت الأذيّة في هذا القيل والقال لبعض النّاس ينبغي أن يعدّها سعادة عظيمة ألا ترى أنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ماذا رأوا من الأذيّة وكم تحمّلوا من المحنة حتّى قال أفضلهم عليه الصّلاة والسّلام ما أوذي نبيّ قطّ مثل ما أوذيت. (شعر): عمري مضى وحديث وجدي ما انقضى ... واللّيل قد بلغ المدى فاقنع بذا والسّلام والإكرام. (194) المكتوب الرّابع والتّسعون والمائة إلى صدر جهان في التّحريض على ترويج الملّة وتأييد الدّين وما يتعلّق بذلك سلّمكم الله سبحانه وعافاكم إنّ سماع أخبار ترويج الأحكام الشّرعيّة وإذلال أعداء الملّة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة يورث الفرح للمسلمين المغمومين ويزفي نشاط أرواحهم الحمد لله سبحانه والمنّة على ذلك والمسئول من الله سبحانه الملك القدير ازدياد هذا الأمر الخطير بحرمة النّبيّ البشير النّذير عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ونحن على يقين بكون كبراء أهل الإسلام من السّادات العظام والعلماء الكرام متصدّين في الخلاء والملاء لازدياد تقوية الدّين المبين وتكميل الصّراط المستقيم وماذا يظهر عديم الطّاقة وفاقد الإستطاعة في هذا الباب وقد سمعنا أنّ سلطان الإسلام من حسن استعداده الإسلاميّ طالب للعلماء وراغب فيهم الحمد لله على ذلك ومن المعلوم أنّ كلّ فساد ظهر في القرن السّابق كان ذلك من شآمة علماء السّوء فينبغي رعاية التّنبّع التّامّ في هذا الباب وانتخاب العلماء المتديّنين فإنّ علماء السّوء لصوص الدّين مطلبهم الجاه والرّياسة والمنزلة عند الخلق والعياذ بالله سبحانه من فتنتهم نعم إنّ أفضلهم أفضل الخلائق حتّى يوزن مدادهم يوم القيامة بدم الشّهداء في سبيل الله فيترجّح مدادهم شرّ النّاس شرار العلماء وخير النّاس خيار العلماء والملتمس ثانيا أنّ بعض النّيّات قد اضطرّ أن أوصّل نفسي إلى العسكر ووقع التّوقّف في دهلى بسبب دخول شهر رمضان المبارك وبعد مضيّ هذا الشّهر المبارك نصل إلى خدمة الأعزّة إن شاء الله تعالى. (195) المكتوب الخامس والتّسعون والمائة إلى المذكور أيضا في الحثّ على ترويج الشّريعة وإظهار الأسف على ضعف الإسلام PageV01P226 سلّمكم الله سبحانه وأبقاكم وحيث انّ إحسان السّلاطين حاصلة لكافّة الخلق فبحكم " جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليهم " قلوب الخلائق مائلة إلى جانب المحسنين بالضّرورة فلا جرم كانت أخلاق السّلاطين وأوضاعهم سارية إلى جميع الخلائق بواسطة هذا الإرتباط الحبّيّ على تفاوت درجات الإحسان وكأنّه لذلك قيل النّاس على دين ملوكهم وأحوال القرن السّابق مصداق هذا الكلام ولمّا وقع الآن الإنقلاب في الدّول وانكسرت سورة عناد أهل الملل لزم لائمّة أهل الإسلام من الصّدور العظام والعلماء الكرام صرف جميع الهمّة في ترويج الشّريعة الغرّاء وتقويم أركان الإسلام المنهدمة وأحكامها في بداية الأمر فإنّ التّأخير ليس فيه خير وقلوب الغرباء في غاية الإضطراب من هذا التّأخير في هذا الباب وشدائد القرن السّابق متمكّنة في قلوب المسلمين فهم خائفون من فوت تلافي ذلك فتنجرّ غربة الإسلام إلى الطّول فإذا لم يكن في السّلاطين شوق ترويج السّنّة السّنيّة يتساهل مقرّبوهم في هذا الباب أيضا ويعدّون حياة أيّام معدودة غنيمة يكون الأمر ضيّقا على فقراء أهل الإسلام ومظلما جدّا إنّا لله وإنّا إليه راجعون أنشد واحد من الأعزّة، (شعر): ان?ه از من كم شده كر از سليمان كم شدى ... هم سليمان هم ?رى هم اهر من بكريستى آخر. صبّت عليّ مصائب لو أنّها ... صبّت على الأيّام صرن لياليا ومن جملة شعائر الإسلام تعيين القضاة في بلاد الإسلام وقد انمحى أثره في القرن السّابق وبلد سرهند الّذي هو أعظم بلاد الإسلام وليس فيه قاض منذ سنين وكان آباء حامل رقيمة الدّعاء القاضي يوسف قضاة فيه منذ بنائه كما هو معلوم من إسناد السّلاطين في يده والمشار إليه محلّى بالصّلاح والتّقوى ففوّضوا هذا الأمر العظيم القدر إليه إن علمتم فيه الصّلاح ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على جادّة الشّريعة الحقّة على مصدرها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. (196) المكتوب السّادس والتّسعون والمائة إلى منصور عرب في بيان أنّ هذا الطّريق الّذي نحن في صدد قطعه سبعة أقدام وما يناسبه وردت صحيفة المرحمة ورقيمة المكرمة في أعزّ الأمكنة لله سبحانه الحمد والمنّة على أنّ الخواصّ ليسوا بفارغين من تذكّر العوامّ ولم يخل الأكابر من تفقّد أحوال الأصاغر جزاكم الله عنّا خير الجزاء أيّها المخدوم (ع) وأحسن ما يملى حديث الأحبّة * إنّ هذا الطّريق الّذي نحن في صدد قطعه كلّه سبعة أقدام قدمان منها يتعلّقان بعالم الخلق وخمسة منها تتعلّق بعالم الأمر فإذا وضع السّالك قدمه في عالم الأمر يظهر في أوّل القدم التّجلّي الأفعاليّ وفي القدم الثّاني التّجلّي الصّفاتيّ وفي الثّالث يقع الشّروع في PageV01P227 التّجلّيات الذّاتيّة ثمّ وثمّ على تفاوت درجاتها كما لا يخفى على أربابها كلّ ذلك منوط بمتابعة سيّد الأوّلين والآخرين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وما قيل من أنّ هذا الطّريق خطوتان فالمراد بهما عالم الأمر وعالم الخلق على سبيل الإجمال تيسيرا للأمر في نظر الطّالبين وفي كلّ قدم من هذه الأقدام يقع السّالك بعيدا عن نفسه وقريبا من الحقّ سبحانه وبعد طيّ هذه الأقدام يحصل الفناء الأتمّ الّذي يترتّب عليه البقاء الأكمل وبحصول هذا الفناء والبقاء حصول الولاية المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة (ع) وهذى سعادات تكون نصيب من * وأيّ مناسبة لأمثالنا الفقراء بهذه الكلمات غير أنّا نبلّ أفواهنا بزلال حال أهل الكمال ونطيّبها به، (شعر): كر نداريم از شكر جز نام بهر ... اين بسى خوشتر كه اندر كام زهر غيره: إذا قسنا السّما بالعرش ينحطّ ... وما أعلاه إن قسنا بأرض والسّلام أوّلا وآخرا. (197) المكتوب السّابع والتّسعون والمائة إلى ?هلوان محمّد في مدح من تبرّد قلبه من الدّنيا وتأثّر من محبّة الحقّ سبحانه إلخ ثبّتكم الله سبحانه على جادّة الشّريعة اعلم أنّ السّعيد من تبرّد قلبه من الدّنيا وتأثّر من حرارة محبّة الحقّ سبحانه، ومحبّة الدّنيا رأس كلّ خطيئة وتركها رأس جميع العبادات فإنّ الدّنيا مبغوضة الحقّ سبحانه بحيث لم ينظر إليها منذ خلقها واتّسمت هي وأهلها بسمة الطّرد واللّعن كما ورد في الخبر الدّنيا ملعونة وملعون ما فيها الّا ما فيه ذكر الله تعالى وحيث كان الذّاكرون بل كلّ ذرّة من ذرّاتهم مملوّين بذكر الحقّ سبحانه وتعالى كانوا خارجين من هذا الوعيد وهم ليسوا في عداد أهل الدّنيا فإنّ الدّنيا هي الّتي تمنع القلب عن الإشتغال بذكر الحقّ وتشغله بغيره سواء كان ذلك أموالا وأسبابا أو جاها ورياسة أو عارا وحميّة فأعرض عمّن تولّى عن ذكرنا نصّ قاطع في ذلك وكلّما هو في الدّنيا فهو بلاء الرّوح وأهل الدّنيا في تفرقة وظلمة في هذه النّشأة دائما وفي الآخرة من أهل النّدامة والحسرة وحقيقة تركها عبارة عن ترك الرّغبة فيها وترك الرّغبة فيها إنّما يتحقّق إذا كان وجودها وعدمها متساويين وحصول هذا المعنى بدون صحبة أرباب الجمعيّة متعسّر فإن تيسّرت صحبة هؤلاء الأكابر ينبغي أن تعدّها غنيمة وأن تصرف الهمّة والعناية إليها وصحبة الشّيخ ميان مزّمّل وإن كانت غنيمة لكم فإنّه وأمثاله من الأعزّة العزيزي الوجود أعزّ من الكبريت الأحمر ولكن شيمة أهل الكرم الإيثار يعني تقديم حاجة الغير على حاجة أنفسهم فإن أذنتم للشّيخ ميان مزّمّل أيّاما لكان في محلّه وبعد الفراغ من شغله يرجع إليكم ثانيا إن شاء الله العزيز والإخلاص الغائبيّ ينوب مناب الحضور في حصول المأمول لكم والزّيادة على ذلك تصديع رزقنا الله PageV01P228 سبحانه وإيّاكم الاستقامة على متابعة سيّد البشر عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات والسّلام والإكرام. (198) المكتوب الثّامن والتّسعون والمائة إلى خان خانان في بيان أنّ المودّة بين الفقراء والأغنياء متعسّرة في هذا الزّمان جدّا كانت الفتوحات المكّيّة مفتاحا للفتوحات المدنيّة بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليهم الصّلوات والتّسليمات وصل المكتوب المرغوب المرسل باسم الفقراء فصار باعثا على زيادة المحبّة بشرى لكم ثمّ بشرى لكم (أيّها المخدوم) إنّ حصول المودّة بين الفقراء والأغنياء متعسّر جدّا في هذا الزّمان فإنّ الفقراء لو اختاروا في المحاورات سلوك طريق التّواضع وحسن الخلق اللّذين هما من لوازم الفقر لزعم القاصرون من سوء ظنّهم بهم أنّهم طامعون محتاجون فلا جرم أنّهم يصيرون بزعمهم ذلك مصداق خسر الدّنيا والآخرة ويحرمون بركات هؤلاء الأكابر وإن اختاروا سلوك طريق الإستغناء الّذي هو أيضا من لوازم الفقر لظنّ النّاقصون من سوء خلقهم أنّهم متكبّرون وسيّئوا الأخلاق وما أدراهم أنّ الإستغناء أيضا من لوازم الفقر فإنّ الجمع بين الضّدّين قد خرج من حدّ الإستحالة في هذا المحلّ قال أبو سعيد الخرّاز: عرفت الله تعالى بجمع الأضداد ولا ضرر في عدم تصديق أهل النّظر هذه المقدّمة وعدّهم إيّاها محالا فإنّ طور الولاية وراء طور نظر العقل وباقي الأحوال يعرضها مولانا المير بالتّفصيل. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1). (199) المكتوب التّاسع والتّسعون والمائة إلى الملّا محمّد أمين الكابليّ في بيان قبول ما التمسه من الورد وردت الصّحيفة المنبئة عن فرط المحبّة والإخلاص المشعرة بكمال المودّة والإختصاص. فصارت موجبة للفرح عافاك الله سبحانه وقد أظهرت فيها طلب ورد من الأوراد فبناء على ذلك أرسلت الأخ الأرشد مولانا محمّد صدّيق ليعلّم ذكرا من أذكار هذه الطّريقة العليّة فينبغي السّعي البليغ في امتثال أمر به فعسى أن يكون مثمرا للنّتائج ولمّا لم يكف في ذلك مجرّد الكتابة وتوقّف الأمر على الحضور في الصّحبة كنت باعثا على تصديع الأخ المشار إليه والسّلام. PageV01P229 (200) المكتوب الموفى المائتين إلى الملّا شكيبي الأصفهانيّ في حلّ بعض عبارات النّفحات الّتي طلب شرحها منه قدّس سرّه الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعلى آله وأصحابه الطّاهرين أجمعين (أيّها) الأخ إنّكم سألتم أن أشرح لكم بعض عبارات النّفحات الّذي فيه إغلاق فبناء على ذلك اجترأت على تحرير كلمات (أيّها المخدوم) إنّ عين القضاة الهمدانيّ قدّس سرّه قال في بيان حال جماعة سلكوا طريقا غير مسلوك من غير دليل فبعضهم حفظته مغلوبته في كنف حمايتها وكان السّكر ظلّا على رأسه والّذي كان منهم صاحب تمييز قطعوا رأسه يعني أهلكوه المراد بالطّريق المسلوك والله سبحانه أعلم طريق مسلوك بطيّ المقامات العشرة المشهورة بالتّرتيب والتّفصيل وتزكية النّفس مقدّمة في هذا الطّريق على تصفية القلب والإنابة فيه شرط الولاية والهداية والطّريق الغير المسلوك عبارة عن طريق الجذبة والمحبّة وطريق الإجتباء وهو غير مشروط بالإنابة وتقدّم فيه التّصفية على التّزكية وهذا الطّريق هو طريق المحبوبين والمرادين بخلاف الطّريق الأوّل فإنّه طريق المحبّين والمريدين والبعض الّذي كان له قوّة الجذبة منهم واستيلاء المحبّة الّذي المغلوبيّة والسّكر عبارة عنه بقي محفوظا من شرّ الشّياطين الآفاقيّة والأنفسيّة ومصونا من إغوائهم وإضلالهم فهم وإن لم يتّخذوا دليلا لانفسهم ولكن كان فضل الله جلّ سلطانه هاديا لهم إلى الطّريق وأوصلهم إلى المطلوب الحقيقيّ ومن كان منهم صاحب تميّز يعني لم تكن له قوّة الجذبة وكان استيلاء المحبّة مفقودا في حقّه ولم يكن له دليل أضلّته أعداء الدّين عن الطّريق وأهلكوه وأذاقوه شربة الموت الأبديّ وكان من جملة المغلوبين هذان الشّخصان من التّراكمة اللّذان حكى عنهما الحسين القصّاب برمز وإشارة حيث قال: كنت في سفر مع قافلة عظيمة فخرج اثنان من التّراكمة من بين القافلة وسلكا طريقا غير مسلوك إلى آخر القصّة المراد بالطّريق الّذي سلكه القافلة الطّريق المسلوك الّذي يحصل بقطع المقامات العشرة المشهورة بالتّرتيب والتّفصيل فإنّ أكثر المشائخ خصوصا المتقدّمين منهم وصلوا إلى مقاصدهم من هذا الطّريق والمراد بالطّريق الغير المسلوك الّذي اختاره هذان الشّخصان من التّراكمة وتبعهما الحسين القصّاب في اختيار هذا الطّريق هو طريق الجذبة والمحبّة الّذي هو أقرب إلى الوصول من ذاك الطّريق المسلوك المعهود ومقدّمة هذا الطّريق الإلتذاذ والسّكون الّذي هو سبب الغيبة عن الحسّ وباعث على الذّهول عن الشّعور وكنى عن هذه الحالة باللّيل ولمّا كانت هذه الغيبة عن الخلق متضمّنة للحضور والشّعور بالخالق تعالى وتقدّس أشار إلى هذا الحضور والشّعور بالبدر وهذا المقام يقتضي بيانا ينبغي أن يسمعه بسمع العقل اعلم أنّ مدبّر الجسد هو الرّوح ومربّي القالب القلب والقوى الجسمانيّة مكتسبة من القوّة الرّوحانيّة والحواسّ القالبيّة مستفادة من النّورانيّة القلبيّة فبالضّرورة يتطرّق الفتور في مبادي الحال الّتي هي أوان النّقص والضّعف إلى تدبير الجسد وتربية القالب حين توجّه القلب والرّوح إلى جناب قدس الحقّ جلّ شأنه الّذي هو لازم طريق الجذبة فيكون PageV01P230 ذلك الفتور سببا لتعطّل الحسّ والذّهول عن الإحساس ويفضي إلى ضعف القوى والجوارح والسّقوط على الأرض بلا اختيار وعبّر الشّيخ الأجلّ محيي الدّين بن عربيّ قدّس سرّه في الفتوحات المكّيّة عن هذه الحالة بالسّماع الرّوحيّ وقال للسّماع الّذي يكون بالرّقص والحركة الدّوريّة سماعا جسديّا وبالغ في المنع منه فتحقّق من هذا البيان أنّ هذه الغيبة الصّوريّة متضمّنة للحضور المعنويّ وذاك الذّهول الرّوحيّ مشتمل على الشّعور الرّوحيّ الّذي يناسبه التّعبير عنه بالبدر ولنرجع إلى أصل الكلام ينبغي أن يعلم أنّ استتار وجه البدر بالغيم الأسود كناية عن ظهور الصّفات البشريّة الّتي يحصل الحضور والشّعور للمبتدئين باستتارها وهذا الإستتار يمتدّ إلى أواسط الأحوال فإنّ المتوسّطين ليس لهم هذا الإستتار وإن لم يخلوا عن نحو من الاستتار ويمكن أن يكون أنّه لهذا المعنى قال ولمّا كان نصف اللّيل ظهر البدر من الغيم ثانيا فوجدت أثر قدم هذين الشّخصين فإنّ الطّريق يتّضح حالة البسط الّتي هي أوان الحضور والشّعور ويكون قطع المسافة أزيد ولمّا طلع الفجر يعني زالت تلك الغيبة والذّهول وقوى ذلك الحضور والشّعور واجتمع مع التّوجّه إلى الخلق وكنى عن هذا الحضور بطلوع الشّمس. والجبل عبارة عن وجود البشريّة الّذي ظهر له في ذلك الوقت فإنّ تزكية النّفس إنّما هي بعد تصفية القلب في هذا الطّريق ولمّا كانت بهذين الشّخصين من التّراكمة قوّة الجذب واستيلاء المحبّة فلا جرم وضعا أقدامهما على ذروة الجبل بالسّرعة والسّهولة وطلعا فوقه في ساعة واحدة وتشرّفا بنحو من الفناء ولمّا لم تكن لحسين القصّاب هذه القوّة طلع فوق ذلك الجبل بمحنة كثيرة وهذا أيضا إنّما تيسّر له ببركة متابعته لهذين الشّخصين والّا لقطع رأسه والمعسكر عبارة عن الأعيان الثّابتة الّتي هي جامعة لتعيّنات الحقائق الإمكانيّة والتّعيّن الوجوبيّ والخيام الغير المتناهية كناية عن تلك التّعيّنات والخيمة الكبيرة فيما بينهما إشارة إلى التّعيّن العلميّ الوجوبيّ تعالى وتقدّس ولذا قيل له إنّها خيمة سلطانيّة ولمّا سمع الحسين القصّاب أنّها خيمة سلطانيّة تخيّل أنّه قد بلغ المطلب فأراد أن ينزل من مركب السّكر الّذي لا يتيسّر قطع مسافة هذا الطّريق بدون مدده ورام أن يستريح بالوصول إلى المطلوب ولمّا أخرج رجله اليمنى الّتي هي عبارة عن الرّوح فإنّ السّير إنّما يكون في هذا الطّريق الغير المسلوك بقدم الرّوح والقلب لا بقدم العلم والعمل فإنّه مناسب للطّريق المسلوك وأوّل شيء ينزل من مركب السّكر هو الرّوح ثمّ بعده القلب الّذي عبّر عنه بالرّجل اليسرى من الرّكاب وصل خطاب الهاميّ إلى سمع قلبه أنّ السّلطان ليس في الخيمة والحقّ أنّه كذلك ولكن لمّا لم تكن في الحسين القصّاب قوّة الجذب نزل من السّكر ببشارة قليلة وأمّا هذان الشّخصان فإنّهما لمّا كان بهما جذب قويّ لم يغترّا بأمثال هذه المبشّرات بل طلعا الفوق مثل الشّجعان فإن انتظر الحسين القصّاب هناك ألف سنة مثلا لما وجد السّلطان في الخيمة أصلا فإنّه تعالى وراء الوراء قوله بل هو قعد يصطاد يعني قعد على المجالى والمظاهر الجميلة وشرع في صيد قلوب العشّاق وهذا النّداء المتضمّن لهذا المعنى إنّما كان على مقدار استعداد الحسين القصّاب وحوصلة فهمه ودرايته تكلّموا معه بطريق التّنزّل والّا فلا معنى للقعود فيما فيه هو تعالى وتقدّس، (شعر): PageV01P231 وكم من سائر ساروا وطاروا ... فعادوا صفر جيب واليدين ويخطر على الخاطر الفاتر من هذه العبارة معنى آخر مناسب لمقام التّفرّد والكبرياء وإن لم يكن هذا المعنى أيضا لائقا لجناب قدسه جلّ سلطانه ولكنّه أولى وأنسب من المعاني الاخر وهو أنّه قعد على الوحدة الّتي هي التّعيّن الأوّل وفوق مرتبة الواحديّة ولمّا كان في مرتبة الوحدة اضمحلال التّعيّنات العلميّة والعينيّة واستهلاكها والإصطياد سبب لهلاك الوحوش والطّيور قيل شرع في الإصطياد لمناسبته لهذا المقام والشّيخ محمّد معشوق الطّوسيّ والأمير عبور وصلا إلى محلّ اصطياد السّلطان وصارا من صيده وأمّا المعشوق الطّوسيّ فهو أقدم وأقرب وبقي الحسين القصّاب في خيمة الواحديّة رجاء أن يرجع السّلطان إليها والله أعلم بحقيقة المراد وما فيه من الصّواب والسّداد. (أيّها) المخدوم إنّ أكابر الطّريقة النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم اختاروا هذا الطّريق الغير المسلوك وصار هذا الطّريق عندهم طريقا مسلوكا معهودا وهم يوصلون خلق العالم من هذا الطّريق إلى المطلوب بالتّوجّه والتّصرّف والوصول لازم لهذا الطّريق إذا رعى فيه آداب الشّيخ المقتدى به والشّيخ والشّابّ متساويان في هذا الطّريق في الوصول والنّسوان والصّبيان متساهمان فيه بل الموتى راجون من هذه الدّولة قال حضرة الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه: طلبت من الحقّ سبحانه طريقا يكون موصّلا البتّة وأنشد الشّيخ علاء الدّين العطّار قدّس سرّه الّذي هو أوّل خلفائه في هذا المعنى (شعر) لو ما خشيت ملال قلب الخازن ... لفتحت أقفال العوالم كلّها ثبّتنا الله سبحانه على طريقة هؤلاء الأكابر والسّلام. (201) المكتوب الحادي والمائتان إلى ك?وك بيك الحصاريّ في جواب استفساره الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد سأل جناب كو?ك بيك الحصاريّ أنّ شخصا يقول: إنّ جميع العلوم مندرجة في حرفين أو ثلاثة أحرف فهل يكون هذا الكلام صادقا أم لا (فنقول) في الجواب الظّاهر إنّ هذا الشّخص إنّما قال هذا الكلام على وجه العلم والسّماع ومطالعة الكتب وقد صدر أمثال هذا الكلام من السّلف قال أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه إنّ جميع العلوم مندرجة في باء بسم الله بل في نقطة بائه فإن ادّعى هذا الشّخص الكشف في هذا الكلام لا يخلو حاله من أحد الأمرين فإن قال إنّه قد انكشف لي أنّ جميع العلوم مندرجة في حرفين أو ثلاثة أحرف أعمّ من أن تكون تلك العلوم المندرجة فيهما أو فيها علوم نفسه أو غيره يحتمل الصّدق وإن قال قد انكشف لي جميع العلوم وأنا PageV01P232 أطالعها في صفحة حرفين أو ثلاثة أحرف فهو مدّع كذّاب لا ينبغي تصديق كلامه. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات. (202) المكتوب الثّاني والمائتان إلى المرزا فتح الله الحكيم في ذمّ جماعة دخلوا في الطّريقة ثمّ خرجوا منها بلا موجب ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على الطّريقة المستقيمة المرضيّة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة (اعلم) أنّه قد جرى يوما كلام في غيرة المشائخ النّقشبنديّة قدّس الله تعالى أسرارهم السّنيّة وذكر في أثناء ذلك الكلام أنّه كيف يكون حال جماعة انسلكوا في سلك إرادة هؤلاء الأكابر وجعلوا أنفسهم تابعين لهم وقبلهم هؤلاء الأكابر ثمّ انقطعوا عن هؤلاء الأكابر بعد ذلك وتركوا صحبتهم من غير سبب موجب لذلك فيما هنالك وتشبّثوا بأذيال الآخرين بالظّنّ والتّخمين وذكر في ضمن ذلك اسمكم واسم قاضي سنام ولا أدري امتدّت هذه المذاكرة إلى لمحة أو لا ومع ذلك كانت تلك المذاكرة مبنيّة على سبب وسياق كلام وبعد ذلك لا يقدّر الله سبحانه إرادة الفقير أذيّة مسلم أو أن يحقد عليه في قلبه فليطب خاطركم الشّريف من هذه الجهة وقد صار معلوما لكم أنّ طريقنا ليس طريق دعوة الأسماء بل اختار أكابر هذه الطّريقة الإستهلاك في مسميّ هذه الأسماء ابتداء توجّههم إلى الأحديّة الصّرفة لا يطلبون شيئا من الإسم والصّفات غير الذّات فلا جرم اندرج نهاية غيرهم في بدايتهم (ع) وقس من حال بستاني ربيعي * ولمّا عرضت الآن لتلك المذاكرة بسبب تعدّد النّقول وتداول الأيدي هيئة أخرى وصارت بحيث ينشأ من ذلك الجانب توهّمات أخر أقدمت على تحرير كلمات لدفع ذلك التّوهّم. واعلم أنّه لا يزيد لنا من مودّتكم ولا ينقص عنّا شيء من عدم مودّتكم وإنّما الملحوظ والمنظور إرادة الخير لكم ولكنّ الرّاضي بالضّرر لا يستحقّ النّظر مثل مشهور وتيقّن أنّ الفقير لم يرد ضرركم ولا يريده إن شاء الله تعالى وكان ذلك كلاما على طريق الغيرة الّتي تكون للدّراويش وقيل ما قيل بمناسبة وسياق كلام فلا يثقل على خاطركم (واعلم) ثانيا أنّ حال شخص يرى نفسه أفضل من أبي بكر الصّدّيق لا يخلو عن أحد الأمرين امّا زنديق محض أو جاهل صرف وقد كتب لكم هذا الفقير قبل هذا بسنين مكتوبا في بيان الفرقة النّاجية الّذين هم أهل السّنّة والجماعة والعجب من تجويز كم أمثال هذه الكلمات بعد مطالعة ذلك المكتوب فإذا كان من يقول بأفضليّة عليّ كرّم الله وجهه على أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه خارجا من دائرة أهل السّنّة والجماعة فكيف يكون حال من رأى نفسه أفضل من الصّدّيق ومن PageV01P233 المقرّر عند هؤلاء القوم أنّ السّالك لو رأى نفسه أفضل من الكلاب والذّباب فهو محروم من كمالات هؤلاء الأكابر وقد انعقد إجماع السّلف على أفضليّة الصّدّيق على جميع البشر بعد الأنبياء عليهم أفضل الصّلاة والسّلام. فما أشدّ حماقة من يتوهّم خرق هذا الإجماع وكتب هذا الفقير في كتبه ورسائله أن الوحشيّ قاتل حمزة رضي الله عنه الّذي نال صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام مرّة واحدة أفضل من أويس القرنيّ الّذي هي خير التّابعين فتخيّل أمثال هذه الخيالات في حقّ مثل هذا الشّخص بعيد عن العقل السّليم ينبغي أن ترجع إلى العبارة الّتي اخترع النّاس هذا التّوهّم منها تطّلع على حقيقة المعاملة وأيّ مناسبة في التّقليد المجرّد لارباب الحسد مع أنّ المشائخ صدر عنهم وقت غلبة السّكر كلمات غير مناسبة مثل قول أبي يزيد البسطاميّ لوائي (1) أرفع من لواء محمّد ولا يجوز أن يذهب الوهم من هذه العبارة إلى دعوى الأفضليّة فإنّها زندقة حاشا وكلّا أن يذكر أمثال هذا في عبارة الفقير والسّلام. (203) المكتوب الثّالث والمائتان إلى الملّا حسين في التّحريض على محبّة هذه الطّائفة وبيان نبذة من مدحهم أحسن الله سبحانه أحوالكم وأصلح سبحانه أعمالكم ولمّا كان المكتوب الشّريف مشعرا بمحبّة الفقراء حصل بوصوله فرح وافر زاد الله سبحانه محبّة هذه الطّائفة العليّة يوما فيوما وجعل التّواضع لهم والإلتجاء إليهم رأس مال العمر وبحكم " المرء مع من أحبّ " محبّهم معهم وهم الّذين جليسهم محفوظ من الشّقاوة وقد ورد في الحديث النّبويّ عليه من الصّلوات أتمّها ومن التّحيّات أكملها إنّ (2) لله ملائكة سوى الكرام الكاتبين يطوفون في الطّرق والسّكك ويطلبون أهل الذّكر فإذا وجدوا الذّاكرين ينادي بعضهم بعضا أن هلمّوا إلى حاجتكم فيحفّوهم بأجنحتهم حتّى يملئوا بينهم وبين السّماء فإذا تفرّقوا عرجوا إلى السّماء فيسألهم الله عزّ وجلّ وهو أعلم بحال عباده كيف وجدتم عبادي؟ فيقولون: إلا هنا جئناهم يحمدونك ويثنون عليك ويكبّرونك ويمجّدونك ويسبّحونك فيقول الله عزّ وجلّ وهل رأوني؟ فيقولوا: لا أي ربّ فيقول كيف لو رأوني فيقولوا: ليحمدونك ويمجّدونك ويكبّرونك أكثر وأوفر فيقول الله ما يطلبون منّي فيقولوا يطلبون منك الجنّة فيقول وهل رأوا جنّتي فيقولوا لا فيقول كيف لو رأوها فيقولوا: يطلبون أكثر ويزيد حرصهم ثمّ يقول الملائكة يا ربّ إنّ هذه الطّائفة يخافون من النّار ويستجيرونك منها فيقول هل رأوا ناري؟ فيقولوا: لا فيقول كيف لو رأوها؟ فيقولوا: لاستجاروك منها كثيرا ويختارون طريق الفرار منها أزيد فيقول الله سبحانه للملائكة اشهدوا انّى قد غفرت لهم جميعا PageV01P234 فيقول الملائكة يا ربّ إنّ فيهم فلانا لم يحضر معهم للذّكر بل جاء لحاجة دنياويّة فيقول الله سبحانه هم الجلساء يعني هم جلسائي بحكم أنا (1) جليس من ذكرني وهم قوم لا يشقى جليسهم. (فتبيّن) من هذا الحديث والحديث السّابق أنّ محبّي هذه الطّائفة يكونون معهم ومن كان معهم لا يكون شقيّا ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على محبّة هؤلاء الكرام بحرمة النّبيّ الأمّيّ الهاشميّ عليه الصّلاة والسّلام كلّما ذكره الذّاكرون وغفل عن ذكره الغافلون وما ذكرتم من أحوالكم في مكتوب الشّيخ ميان الهداد فاعلم أنّ أمثال هذه العدمات والشّدائد كثيرة الوقوع على الطّالبين ينبغي أن تكون عالي الهمّة دون أن تقنع بكلّ ما يتيسّر، (شعر): بس بى رنك ست يارد خواه أي دل ... قانع نشوى برنك ناكاه أي دل ترجمة: بخيالكم إن كان غيري يكتفي ... فأنا الّذي لا يكتفى بوصاله وصحبة هذه الطّائفة من جملة ضروريّات الدّين جعلنا الله سبحانه في صحبتهم، (شعر): إن طفت حول السّكارى نلت عرفهم ... إن لم تنله فقد يكفيك رؤيتهم وعليك بالمداومة على الطّريق الّذي تلقّنته من حضرة قبلتنا يعني الشّيخ محمّد الباقي بأن تجري الإسم المبارك الله على القلب ملاحظا معناه بلا مثليّة ولا كيفيّة بعد التّوجّه إلى القلب بالكلّيّة من غير أن تتصوّره بمعنى الحاضريّة والنّاظريّة وأن تلاحظ معه صفة من الصّفات أصلا بل اللّازم استحضار هذا الإسم المبارك في القلب دائما بعد التّوجّه المذكور وإفادة بعض الامور الضّروريّة منوطة بالحضور والصّحبة فإن تيسّرت الملاقاة يذكر إن شاء الله. وينبغي أن تكتب الأحوال المتجدّدة إلى زمن الملاقاة فإنّ مطالعتها تكون باعثة على التّوجّه الغائبيّ والسلام. (204) المكتوب الرّابع والمائتان إلى المير محمّد نعمان البدخشيّ في النّهي عن التّأثّر من تعرّضات المعاندين والحاسدين والتّحريض على الإشتغال بما هو مشغول به PageV01P235 لا يكن حضرة المير نعمان متألّما ومتأذّيا من كلمات أهل الخسران قل كلّ يعمل على شاكلته واللّائق بحالك أن لا تتعرّض لهم بالمكافأة والمجازاة فإنّه لا نور للبهتان والزّور وستكون كلماتهم المتناقضة باعثة على كساد سوقهم. ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. ينبغي لك أن تسعى وتجتهد في إجراء الشّغل الّذي أنت مأمور به قل الله ثمّ ذرهم في خوضهم يلعبون وقد وصل أخونا الشّيخ محمّد صادق في أوانه وقعد عشر الإعتكاف بالإتّفاق وتشرّف بالفتوحات والواردات المتجدّدة والحمد لله سبحانه وأوقات سائر الأحبّة مقرونة بالجمعيّة والتّرقّيات المتوالية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. (205) المكتوب الخامس والمائتان إلى الخواجه محمّد أشرف الكابليّ في بيان أنّ ملاك الأمر متابعة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم شرّفكم الله سبحانه بكمال المتابعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة فإنّها ملاك الأمر ومنية الصّدّيقين وما سوى ذلك فأوهام باطلة وخيالات فاسدة نجّانا الله سبحانه وإيّاكم عنها. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات دائما. (206) المكتوب السّادس والمائتان إلى الملّا عبد الغفور السّمرقنديّ في مذمّة الدّنيا وترك الإلتفات إلى تنعّماتها اللهمّ نبّهنا قبل أن ينبّهنا الموت بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأفضل التّسليمات وصل المكتوب الشّريف المخصوص باسم هذا الحقير المقعد في بادية البعد والهجران وصار وصوله سببا للابتهاج والسّرور جزاكم الله عنّا خير الجزاء (أيّها) الأخ إنّ الإنسان ما قدم على الدّنيا لأجل اللّقمة السّمينة اللّذيذة والألبسة المزيّنة النّفيسة ولم يخلق للتّمتّع والتّنعّم واللهو واللّعب وإنّما المقصود من خلقه تذلّله وانكساره وعجزه وافتقاره الّتي هي حقيقة العبوديّة ولكن ينبغي أن يكون ذلك الإنكسار والإفتقار ممّا أذنت به الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة فإنّ رياضات أهل الباطن ومجاهداتهم الّتي لا توافق الشّريعة الغرّاء لا يحصل منها شيء غير الخسارة والخذلان والنّدامة والحرمان وبعد التّحلّي والتّزيّن بالأحكام الشّرعيّة عملا واعتقادا على وفق رأي علماء أهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم ينبغي تعمير الباطن بذكر الله جلّ سلطانه خصوصا بتكرار الذّكر الّذي تلقّنته في الطّريقة PageV01P236 النّقشبنديّة العليّة قدّس الله تعالى أسرارهم السّنيّة فإنّ في طريق هؤلاء الأكابر اندراج النّهاية في البداية ونسبتهم فوق جميع النّسب يصدّق القاصرون هذا الكلام أو لا والمقصود انّما هو ترغيب الأحباب وتشويق الأصحاب والمخالفون خارجون من المبحث، (شعر): قد خاب من خال ذا هزوا وهذرمة ... وفاز من كان فيه حدّة البصر وبالجملة قد جعل الفلاح الأخرويّ مربوطا بالذّكر الكثير واذكروا الله كثيرا لعلّكم تفلحون شاهد لهذا المعنى فينبغي الإشتغال بالذّكر الكثير وبغض كلّ ما ينافيه وعلاج الخلاص هو هذا ما عَلَى الرَّسُولِ إِلّا الْبَلاغُ (1)، (شعر): ألا فأكثروا ذكر الإله فإنّه ... جلاء صدا القلب غذاء لارواح ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب نصّ قاطع المسئول من الله سبحانه التّوفيق لذلك والثّبات والإستقامة على ما هنالك فإنّه ملاك الأمر. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأفضل التّسليمات وأرسلت الثّوب الّذي تكرّر لبسه في الأوقات الطّيّبة ينبغي أن تلبسه جعل الله سبحانه عواقب جميع الامور خيرا بالنّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلاة والسّلام. (207) المكتوب السّابع والمائتان إلى المرزا حسام الدّين أحمد في بيان تأثير القرب الجسمانيّ في القرب الرّوحانيّ وذمّ الأحوال الغير الموافقة للشّرع الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد مضت مدّة مديدة ولم يصل إلينا أخبار السّلامة من جنابكم وحضرات المخاديم وولدي الميان جمال الدّين حسين وسائر الأعزّة وخدمة العتبة العليّة خصوصا الشّيخ الهداد والشّيخ هداية ولا أخال المانع من ذلك سوى نسيان النّائين المهجورين نعم إنّ لقرب الأبدان تأثيرا عظيما في قرب القلوب ولهذا لن يبلغ وليّ من الأولياء مرتبة الصّحابيّ حتّى إنّ أويسا القرنيّ مع رفعة شأنه ما بلغ مرتبة أدنى الصّحابة لعدم وصوله إلى صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. سئل عبد الله بن المبارك رضي الله عنه أيّهما أفضل معاوية أم عمر بن عبد العزيز فقال الغبار الّذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خير من عمر بن عبد العزيز كذا مرّة وأحوال فقراء هذه الحدود مع اللّواحق والتّوابع مقرونة بالعافية لله سبحانه المنّة على ذلك بل على جميع النّعماء PageV01P237 واللّآلى خصوصا على نعمة الإسلام ومتابعة سيّد الأنام عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّه ملاك الأمر ومدار النّجاة ومناط الفوز بالسّعادات الدّنيويّة والاخرويّة ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على ذلك بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام (ع) هذا هو الأمر والباقي من العبث * وماذا يفتح من ترّهات الصّوفيّة وماذا يزيد من أحوالهم لا يشترى الوجد والحال هناك بنصف شعرة ما لم يوزن بميزان الشّرع ولا تساوي الإلهامات نصف شعرة ما لم تعرض لمحكّ الكتاب والسّنّة والمقصود من سلوك طريق الصّوفيّة ازدياد اليقين بالمعتقدات الشّرعيّة الّتي هو حقيقة الإيمان وحصول اليسر أيضا في أداء الأحكام الفقهيّة لا إنّه أمر آخر وراء ذلك فإنّ الرّؤية الاخرويّة إنّما هي في الآخرة وليست بواقعة في الدّنيا البتّة والمشاهدات والتّجلّيات الّتي الصّوفيّة مسرورون بها سكون إلى الظّلال واطمئنان بها وتسلّ بالشّبه والمثال وهو تعالى وراء الوراء ويا عجبا من هذه المعاملة لو قيل لهم حقيقة المشاهدات والتّجلّيات كما هي ليخاف من وقوع الفتور في طلب مبتدئ هذا الطّريق وحصول القصور في شوقهم وإن سكتّ عنها مع وجود العلم بها يخاف أيضا من التباس الحقّ بالباطل يا دليل المتحيّرين دلّني بحرمة من جعلته رحمة للعالمين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. فإن أخبرتم بكيفيّات الأحوال أحيانا لكان موجبا لازدياد المحبّة والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصّلوات وأكمل التّسليمات وأجزل التّحيّات. (208) المكتوب الثّامن والمائتان إلى الشّيخ محمّد صادق وولده الأرشد في جواب سؤاله عن رؤية السّالك نفسه أحيانا في مقامات الأنبياء عليهم السّلام وأحيانا فوق ذلك قد سأل ولدي أنّ بعض سالكي هذا الطّريق يجد نفسه أحيانا في مقامات العروج في مقامات الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات بل يحسّ في بعض الأوقات أنّه عرج إلى ما فوق هذا المقام فما سرّ هذا المعنى والحال أنّ من المقرّر والمجمع عليه أنّ الفضل للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والأولياء إنّما يجدون ما يجدون وإلى كمالات الولاية يصلون بسبب متابعتهم (والجواب) أنّ تلك المقامات الّتي هي للأنبياء عليهم السّلام ليست هي نهاية مقامات عروجاتهم بل كان عروج هؤلاء العظام إلى ما فوق تلك المقامات بمراتب فإنّ تلك المقامات عبارات عن الأسماء الإلهيّة جلّ سلطانه الّتي هي مبادئ تعيّناتهم ووسائل فيضان الفيوض من حضرات الذّات تعالت وتقدّست فإنّه لا مناسبة بين حضرة الذّات والعالم بدون توسّط الأسماء أصلا ولا نسبة بينهما سوى الإستغناء والإحتياج قطعا إنّ الله لغنيّ عن العالمين والله الغنيّ وأنتم الفقراء شاهد لهذا المعنى فإذا نزل هؤلاء الأكابر من مراتب العروج مقتبسين الأنوار الفوقانيّة PageV01P238 إلى هذه الأسماء الّتي لها شبه باحيازهم الطّبيعة في مراتب العروج على تفاوت درجاتهم ويتوطّنون فيها ولهذا لو طلبهم شخص بعد استقرارهم يجدهم في تلك الأسماء فعلى الإستعداد المتوجّه نحو حضرة الذّات تعالت وتقدّست لا بدّ له من أن يصل إلى تلك الأسماء وقت العروج وأن يجاوزها إلى ما فوقها ثمّ وثمّ إلى ما شاء الله تعالى ولكن إذا نزل هذا السّالك من فوق ووصل إلى الإسم الّذي هو مبدأ تعيّن وجوده يكون ذلك الإسم أسفل من الأسامي الّتي هي مقامات الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ألبتّة وههنا يظهر تفاوت المقامات الّتي هي مناط الأفضليّة فكلّ من كان مقامه أعلى فهو أفضل وما لم يرجع السّالك إلى اسمه ولم يجد اسمه أسفل من أساميهم لا يعرف أفضليّتهم بطريق الذّوق والحال بل يقول بأفضليّتهم بالتّقليد ويحكم بأولويّتهم باليقين السّابق ولكنّ وجدانه مكذّب لحكمه وفي هذا الوقت يلزم الإلتجاء والتّضرّع إلى الحقّ سبحانه وإظهار العجز والإنكسار له تعالى ليظهر له ما هو حقيقة الحال وهذا المقام من مزالّ أقدام السّالكين. (ولنوضّح) هذا الجواب بمثال قال أرباب المعقول إنّ الدّخان مركّب من الأجزاء الأرضيّة والأجزاء النّاريّة فإذا صعد الدّخان تصعد الأجزاء الأرضيّة بمصاحبة الأجزاء النّاريّة إلى الجهة الفوقانيّة وتعرج من محلّها بحصول قسر قاسر قالوا: إذا كان الدّخان قويّا يكون عروجه إلى كرة النّار وتصل الأجزاء الأرضيّة في هذا الصّعود إلى مقامات الأجزاء المائيّة والهوائيّة الّتي لها التّفوّق عليها بالطّبع ثمّ تعرج منها صاعدة إلى ما فوقها ففى هذه الصّورة لا يمكن أن نقول إنّ رتبة الأجزاء الأرضيّة أعلى من رتبة الأجزاء الهوائيّة فإنّ ذلك التّفوّق والإستعلاء إنّما كان باعتبار قسر القاسر لا باعتبار الذّات فإذا هبطت تلك الأجزاء الأرضيّة بعد وصولها إلى كرة النّار واستقرّت في مركزها الطّبيعيّ يكون مقامها أسفل من مقام الماء والهواء ألبتّة ففيما نحن فيه انّ عروج هذا السّالك من تلك المقامات كان باعتبار قسر القاسر وذلك القاسر هو إفراط حرارة المحبّة وقوّة جذب العشق وأمّا باعتبار الذّات فمقامه تحت تلك المقامات وهذا الجواب الّذي ذكرناه مناسب لحال المنتهى وأمّا إذا وقع هذا التّوهّم في الإبتداء ووجد السّالك نفسه في مقامات الأكابر فوجهه أنّ لكلّ مقام ظلّا ومثالا في الإبتداء والتّوسّط فإذا وصل المبتدى أو المتوسّط إلى ظلالها يتخيّل أنّه قد وصل إلى حقيقة تلك المقامات ولا يقدر أن يفرّق بين الظّلال والحقائق وكذا الشّبه والمثال فإذا وجد الأكابر في ظلال مقاماتهم يتخيّل له أنّه قد حصل الشّركة مع الأكابر في المقامات وليس كذلك بل فيه اشتباه ظلّ شيء بنفس الشّيء اللهمّ أرنا الحقائق كما هي وجنّبنا عن الإشتغال بالملاهي بحرمة سيّد الأوّلين والآخرين عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات. PageV01P239 (209) المكتوب التّاسع والمائتان إلى المير محمّد نعمان البدخشيّ في حلّ بعض عبارات رسالة المبدأ والمعاد المغلقة وبعض عبارات أخر جوابا لمكتوبه وبيانا لضروريّات الطّريقة الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله الطّاهرين أجمعين، المطلوب كون الأخ الأعزّ السّيّد محمّد نعمان على الجمعيّة وأحوال هذه الحدود مستوجبة للحمد، وقد كنت سألت أنت وأخي الخواجه محمّد أشرف وقت الوداع في سراية فرخ عن معنى هذه العبارة الواقعة في رسالة المبدأ والمعاد ولمّا لم تكن في الوقت سعة ومساعدة بقي الجواب موقوفا، والآن قد وقع في الخاطر أن أكتب في حلّ تلك العبارة شيئا يكون موجبا لتشفّي صدور الأحباب والعبارة هي هذه، وبعد ألف سنة وبضع سنين من رحلة النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام يجيء زمان تعرج فيه الحقيقة المحمّديّة عن مقامها وتتّحد بحقيقة الكعبة فحينئذ يحصل للحقيقة المحمّديّة اسم الحقيقة الأحمديّة وتصير مظهرا للذّات الأحد جلّ سلطانها وكلّ من الإسمين المباركين يتحقّق بالمسمّى، ويبقى المقام السّابق خاليا عن الحقيقة المحمّديّة إلى زمن نزول عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ويعمل بالشّريعة المحمّديّة ففي ذلك الوقت تعرج الحقيقة العيسويّة عن مقامها وتستقرّ في مقام الحقيقة المحمّديّة الّذي بقي خاليا اهـ. ينبغي أن يعلم أنّ حقيقة شخص عبارة عن التّعيّن الوجوبيّ الّذي تعيّن ذلك الشّخص الإمكانيّ ظلّ ذلك التّعيّن، وذلك التّعيّن الوجوبيّ اسم من الأسماء الإلهيّة جلّ شأنه كالعليم والقدير والمريد والمتكلّم وأمثالها، وذلك الإسم الإلهيّ ربّ ذلك الشّخص ومبدأ فيضان وجوده وتوابع وجوده، ولهذا الإسم بالنّسبة إلى حضرة الذّات مراتب شتّى، حيث يطلق هذا الإسم في مرتبة الصّفة الّتي وجودها زائد عن وجود الذّات، ويصدق أيضا في مرتبة الشّأن الّذي زيادته عن الذّات بمجرّد الإعتبار والفرق بين الصّفة والشّأن قد ذكر بالتّفصيل في المكتوب الّذي حرّر في بيان السّلوك والجذبة فإن كان فيه خفاء واشتباه فليراجع هناك. ولا شكّ أنّ حصول الشّأن ولو كان مجرّد اعتبار ولكن يقتضي أن يكون فوقه معنى آخر زائد مناسب لهذا الشّأن، يكون مبدأ لوجوده الاعتباريّ فيحصل لهذا الإسم نصيب من تلك المرتبة أيضا، وهذا الإحتمال جار فوق ذاك المعنى الزّائد أيضا، ولكنّ القوّة البشريّة عاجزة عن ضبطه، وهذا الفقير قليل البضاعة قد تجاوز إلى مرتبة أخرى ولكن لا نصيب له ممّا فوقها غير الإستهلاك والإضمحلال وفوق كلّ ذى علم عليم، (شعر): هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها ... وللعاشق المسكين ما يتجرّع PageV01P240 وتفاضل أقدام أهل الله بعضها على بعض، وتفاوتها إنّما هو باعتبار طيّ هذه المراتب الشّتّى على تفاوت الإستعدادات والقابليّات، والواصلون إلى نفس الإسم قليلون من الأولياء فإنّ أكثرهم واصلون إلى ظلّ من ظلال ذلك الإسم بعد أن عرجوا من المراتب الإمكانيّة بأسرها بطريق السّير والسّلوك التّفصيليّ، وقد يتوهّم الوصول إلى ذلك الإسم في طريق الجذبة الصّرفة أيضا لكنّه لا يعتبر ولا يعتدّ به، والّذين عرجوا من ذلك الإسم وقطعوا المراتب المتفاوتة قلّت أو كثرت فهؤلاء أقلّ قليل منهم ولنرجع إلى أصل الكلام ونقول كما أنّ حقيقة الشّخص تطلق على التّعيّن الوجوبيّ كذلك يطلق على تعيّنه الإمكانيّ. فإذا علمت هذه المقدّمات أقول إنّ محمّدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مركّب من عالم الخلق وعالم الأمر كتركّب كافّة الأنام منهما، والإسم الإلهيّ الّذي هو ربّ عالم خلقه شأن العليم، والّذي يربّي عالم أمره المعنى الّذي هو مبدأ وجود ذلك الشّأن الاعتباريّ كما مرّ والحقيقة المحمّديّة عبارة عن شأن العليم، والحقيقة الأحمديّة كناية عن ذلك المعنى الّذي هو مبدأ ذلك الشّأن وحقيقة الكعبة السّبحانيّة هي أيضا عبارة عن ذلك المعنى، والنّبوّة الّتي كانت حاصلة لنبيّنا قبل خلق آدم عليهما الصّلاة والسّلام كما أخبر عنها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيث قال: كنت نبيّا وآدم بين الماء والطّين. كانت باعتبار الحقيقة الأحمديّة الّتي لها تعلّق بعالم الأمر وبهذا الإعتبار بشّر عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام حيث كان كلمة لله تعالى وكانت مناسبته بعالم الأمر أزيد بقدوم نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام باسم أحمد حيث قال: " ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد». والنّبوّة الّتي لها تعلّق بالنّشأة العنصريّة إنّما هي باعتبار الحقيقة المحمّديّة بل باعتبار الحقيقتين وربّه في هذه المرتبة ذاك الشّأن ومبدؤه. ولهذا كانت دعوة هذه المرتبة أتمّ من المرتبة السّابقة فإنّ دعوته في تلك المرتبة كانت مخصوصة بعالم أمره، وتربيته كانت مقصورة على الرّوحانيّين وفي هذه المرتبة دعوته شاملة للخلق والأمر، وتربيته مشتملة على الأرواح والأجسام غاية ما في الباب أنّ نشأته العنصريّة كانت في هذه النّشأة غالبة على نشأته الملكيّة عليه الصّلاة والسّلام وذلك لتحصل زيادة المناسبة بالخلائق الّتي هي سبب الإفادة والإستفادة فإنّ جانب البشريّة غالب فيهم، ولهذا أمر الحقّ سبحانه حبيبه الأكرم صلّى الله عليه وسلّم بإظهار بشريّته بآكد الوجوه حيث قال: «قل إنّما أنا بشر مثلكم " الآية وإتيان لفظ مثلكم لتأكيد البشريّة وبعد ارتحاله صلّى الله عليه وسلّم من النّشأة العنصريّة غلب جانبه الرّوحانيّ، وأخذت مناسبته البشريّة في النّقصان وظهر التّفاوت في نورانيّة الدّعوة، قال بعض الأصحاب الكرام: «وجدنا (1) التّفاوت في قلوبنا ولم نفرغ بعد من دفنه صلّى الله عليه وسلّم " نعم قد تبدّل الإيمان الشّهوديّ بالإيمان الغيبيّ، وانجرّت المعاملة من العيان إلى السّماع ولمّا مضت من رحلته صلّى الله عليه وسلّم ألف سنة وهي مدّة مديدة وأزمنة متطاولة يعني ولها تأثير في تغيّر الامور العظام وتبدّلها غلب جانب روحانيّته على نهج جعل جانب بشريّته متلوّنا بلونه بالتّمام، وصيّر عالم الخلق PageV01P241 منصبغا بصبغ عالم الأمر، فما كان من عالم خلقه صلّى الله عليه وسلّم راجعا إلى حقيقته، يعني الحقيقة المحمّديّة عرج إلى الحقيقة الأحمديّة والتحق بها بالضّرورة واتّحدت الحقيقة المحمّديّة بالحقيقة الأحمديّة. والمراد بالحقيقة الأحمديّة والحقيقة المحمّديّة هنا تعيّنه الخلقيّ والأمريّ الإمكانيّان لا الوجوبيّ الّذي تعيّنه الإمكانيّ ظلّه فإنّه لا معنى لعروج التّعيّن الوجوبيّ ولا يتعلّق الإتّحاد بذلك التّعيّن فإذا نزل عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام واتّبع شريعة خاتم الرّسل عليه الصّلاة والسّلام يعرج عن مقام نفسه ويصل إلى مقام الحقيقة المحمّديّة بالتّبعيّة ويقوّي دينه عليه الصّلاة والسّلام. ومن ههنا ينقل عن شرائع من قبلنا أنّه كلّما تقادم العهد برسول من الرّسل أولي العزم بأن قضى ألف سنة من ارتحاله، كان يبعث من الأنبياء الكرام والرّسل العظام من يقوّي شريعة ذلك النّبيّ ويعلي كلمته. فإذا تمّت دورة دعوته كان يبعث غيره من أولي العزم ويجدّد شريعة نفسه، ولمّا كانت شريعة نفسه، ولمّا كانت شريعة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام محفوظة من النّسخ والتّبديل أعطي علماء أمّته حكم الأنبياء وفوّض إليهم أمر تقوية الشّريعة وتأييد الملّة، ومع ذلك تروّج شريعته بجعل واحد من الرّسل أولي العزم متّبعا له قال الله تعالى: «إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون». اعلم أنّ الأولياء الّذين يظهرون من أمّته صلّى الله عليه وسلّم بعد مضيّ ألف سنة من ارتحاله صلّى الله عليه وسلّم يكونون أكمل. وإن كانوا أقلّ ليحصل تقوية الشّريعة على الوجه الأتمّ، ولهذا يكون مجيء المهديّ الّذي بشّر خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام بقدومه المبارك بعد مضيّ ألف سنة وكذلك عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ينزل بعد ألف سنة. وبالجملة انّ كمالات أولياء هذه الطّبقة شبيهة بكمالات الأصحاب الكرام عليهم الرّضوان وإن كان الفضل بعد الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام للأصحاب الكرام ولكن يكاد لا يفضّل أحدهما على الآخر من كمال التّشابه. ولعلّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لاجل هذا " أمّتي مثل المطر لا يدرى أوّله خير أم آخره». ولم يقل لا أدري أوّلهم خير أم آخرهم، لعلمه بحال كلّ من الفريقين ولهذا قال: «خير (1) القرون قرني " ولكن لمّا كان من كمال التّشابه محلّ تردّد يعني في تفضيل أحدهما على الآخر بالنّسبة إلى غيره صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يدرى». (فإن قيل): قد حكم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بخيريّة قرن التّابعين بعد قرن الصّحابة، وخيريّة قرن تبع التّابعين بعد قرن التّابعين، فتكون خيريّة هذين القرنين من هذه الطّبقة أيضا متيقّنة فما يكون تشابه هذه الطّبقة بالأصحاب الكرام في الكمالات (أجيب) يمكن أن تكون خيريّة هذين القرنين من هذه الطّبقة PageV01P242 باعتبار كثرة ظهور أولياء الله تعالى وقلّة وجود أهل البدعة وندرة أرباب الفسق والمعصية فيهما وهذا لا ينافي كون الأفراد من أولياء هذه الطّبقة خيرا من أفراد أولياء ذينك القرنين كحضرة المهديّ مثلا، (شعر): لو نال من فيض روح القدس من مدد ... غير المسيح ليصنع مثل ما صنعا ولكن قرن الأصحاب خير من جميع الوجوه والتّكلّم فيه من الفضول فإنّ السّابقين سابقون في جنّات النّعيم وهم المقرّبون، لا يبلغ إنفاق غيرهم مثل جبل (1) ذهبا إنفاقهم مدّ شعير والله يختصّ برحمته من يشاء. (ينبغي) أن يعلم أنّه قد اتّضح من البيان السّابق معنى عبارة رسالة المبدأ والمعاد، الّتي سطّرت فيها فوق العبارة المذكورة من أنّ حقيقة الكعبة الرّبّانيّة صارت مسجودا إليها للحقيقة المحمّديّة، فإنّ حقيقة الكعبة الرّبّانيّة هي بعينها الحقيقة الأحمديّة الّتي الحقيقة المحمّديّة ظلّها في الحقيقة، فتكون مسجودا إليها للحقيقة المحمّديّة بالضّرورة. (فإن قيل): إنّ الكعبة قد تذهب لطواف أولياء الامّة وتتبرّك بهم، فكيف يكون لحقيقتها تقدّم على الحقيقة المحمّديّة وكيف يجوز هذا المعنى. (أجيب) أنّ الحقيقة المحمّديّة نهاية مقامات نزول محمّد صلّى الله عليه وسلّم من أوج التّنزيه وذروة التّقديس، وحقيقة الكعبة نهاية مقامات عروج الكعبة، وأوّل مرتبة تعرج إليها الحقيقة المحمّديّة من مراتب التّنزيه هي حقيقة الكعبة (2) ولا اطّلاع على نهاية مراتب عروجها لأحد غير الحقّ سبحانه، وحيث كان لكمّل أولياء أمّته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام نصيب تامّ من عروجاته صلّى الله عليه وسلّم فما العجب أن تمنّت الكعبة من بركات هؤلاء الأكابر، (شعر): علا فوق السّماء وليد أرض ... وخلّف خلفه زمنا وأرضا وانحلّت أيضا عبارة أخرى من هذه الرّسالة الواقعة في هذا المقام وهي هذه كما أنّ صورة الكعبة مسجود إليها لصور الأشياء كذلك حقيقة الكعبة مسجود إليها لحقائق الأشياء فإنّه قد علم من المقدّمات السّابقة أنّ حقائق الأشياء عبارات من الأسماء الإلهيّة جلّ سلطانه الّتي هي مبادي فيضان وجودهم، وتوابع وجودهم، وحقيقة الكعبة فوق تلك الأسماء. فلا جرم تكون حقيقة الكعبة متبوعة لحقائق الأشياء ألبتّة. نعم إذا وقع سير كمّل الأولياء فوق حقيقة الكعبة ثمّ نزلوا إلى مراتب حقائقهم الشّبيهة بإحيازهم الطّبيعيّة PageV01P243 في مراتب العروج مقتبسين للأنوار الفوقانيّة تتوقّع الكعبة منهم البركات كما مرّ آنفا. (وأيضا) قد حرّرت في رسالة المبدأ والمعاد فقرات في بيان أفضليّة الأنبياء أولي العزم صلوات الله وتسليماته تعالى عليهم ومعنى أفضليّة بعضهم على بعض، ولمّا كان مبناها على الكشف والإلهام اللّذين يفيدان الظّنّ كنت نادما على كتابتي إيّاها، والتّفرقة والتّحكّم في التّفاضل، ومستغفرا منها، فإنّ التّكلّم في هذا الباب بلا دليل قطعيّ لا يجوز. أستغفر الله وأتوب إلى الله من جميع ما كره الله قولا وفعلا وكتبت في مكتوبك بأنّي كنت سئلت في سراى فرخ أنّ تعليم الطّريقة للطّالبين هل هو مرضيّ بالنّسبة إلى أو لا. فقلت في الجواب لا (اه) ما بقي في خاطر الفقير صدور النّفي بل قلت مشروط بالشّرائط ليس بمرضيّ مطلقا. والآن ينبغي أن تعلمها على ذلك الوجه المذكور، وينبغي أن تحتاط في رعاية الشّروط ورعاية الإحتياط دون المساهلة، وما لم يحصل اليقين في التّعليم بالإستخارات لا ينبغي الإقدام على التّعليم ودلّ أخانا ومولانا يار محمّد القديم على هذا وأكّد عليه في ترك الإستعجال في تعليم الطّريقة ليس المقصود توسيع الدّكّان، بل ينبغي ملاحظة مرضيّ الحقّ سبحانه، وما علينا الّا الإخبار. وأيضا أنّك كنت متأذّيا من مسترشديك ومنحرفا عنهم ينبغي لك التّأذّي والإنحراف من وضعك وصنعك، فإنّك تعاشرهم على نهج تكون عاقبتها أذيّة ألبتّة وقد قالوا: «ينبغي للشّيخ أن يتجمّل للمريد لا أنّه يفتح باب الإختلاط ويسلك طريق المصاحبة بإيراد الحكايات والقصص " والسّلام. (210) المكتوب العاشر والمائتان إلى الملّا شكيبي الأصفهانيّ في حلّ بعض عبارات النّفحات وبعض النّصائح الضّروريّة الّتي التمسها قد تشرّفت بمطالعة المكتوب الشّريف الّذي أرسلته إلى هذا الحقير القليل البضاعة على وجه الشّفقة والمرحمة وصرت مبتهجا ومسرورا عش بالسّلامة ومت بالسّلامة وما عشت تعش على محبّة الفقراء وإذا متّ تكن محبّتهم رأس مالك وأصل بضاعتك وإذا حشرت تحشر على محبّتهم بحرمة من افتخر بالفقر وآثره على (1) الغنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ورقمت على وجه الكرم أنّه ما حقيقة معاملة الحكاية المذكورة في النّفحات من أنّ مريد الشّيخ ابن سكينة قدّس سرّه دخل يوما الدّجلة لاجل الإغتسال وخاض في الماء ولمّا رفع رأسه رأى نفسه في النّيل فخرج من الماء ودخل مصر وتزوّج فيه وولد له أولاد وأقام بمصر سبع سنين فدخل يوما النّيل اتّفاقا للاغتسال وخاض في الماء فلمّا رفع رأسه PageV01P244 رأى نفسه في الدّجلة ورأى جميع أثوابه الّتي كان وضعها في أوّل مرّة بساحل الدّجلة على حالها فلبس ثيابه وجاء منزله فقالت له امرأته: الطّعام الّذي أمرت بطبخه للضّيوف حاضر إلى آخر القصّة. (أيّها المخدوم) المكرّم إنّ أشكال هذه الحكاية ليس من جهة حصول أمور سنين في ساعة واحدة فإنّ أمثال هذه المعاملة كثيرة الوقوع ومن جملتها معراج خاتم الرّسل صلّى الله عليه وسلّم فإنّه حين رجع إلى مكانه بعد طيّ معارج العروج وقطع مسافة منازل الوصول الّذي يتيسّر في ألوف من السّنين، يعني عادة رأى (1) أنّ حرارة فراشه باقية على حالها ولم يسكن الماء الّذي ملأه في الأبريق للوضوء عن حركته ووجهه ما ذكره في النّفحات من أنّه من قبيل بسط الزّمان وإنّما أشكال هذه الحكاية من جهة كون هذه المدّة آنا واحدا في بغداد ويحصل لهذا الآن امتداد بمصر إلى سبع سنين. فإذا كان التّاريخ الهجريّ بالنّسبة إلى أهل بغداد مثلا ثلثمائة وستّين سنة في ذلك الوقت ينبغي أن يكون بالنّسبة إلى أهل مصر في عين ذلك الوقت ثلثمائة وسبع وستّين سنة وهذا المعنى ممّا لا يجوّزه العقل ولا يسعه النّقل وهذه المعاملة وإن كانت مجوّزة بالنّسبة إلى شخص أو شخصين ولكنّها بالنّسبة إلى بلاد مختلفة وأمكنة متعدّدة محال. وما يخطر في خاطر هذا الحقير الكليل هو أنّ هذه الحكاية ما وقعت في عالم اليقظة بل هي من قبيل الرّؤيا والواقعات واشتبه الرّؤيا بالرّؤية للمستمع والتبس له النّوم باليقظة، وهذا القسم من الإشتباه كثير الوقوع بل من مظان الإشتباه كون رؤيته وقصّته على شيخه ومجيئه بأولاده إليه في المنام والحكاية الّتي نقلها عن الشّيخ محي الدّين بن عربيّ قدّس سرّه بعد هذه الحكاية هي أيضا من هذا القبيل، والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال والله أعلم بحقيقة الامور كلّها. والتمست أيضا شرح هذه العبارة أنّ مربّي الجسد هو الرّوح، ومربّي القالب هو القلب. (أيّها المخدوم) إنّ مؤدّى هاتين العبارتين واحد وهو بيان حصول التّربية لعالم الخلق الإنسانيّ من عالمه الأمريّ، ولمّا كان وقوع لفظ الجسد مقرونا بلفظ الرّوح في الإطلاقات والمحاورات ووقعت المناسبة اللّفظيّة بين القالب والقلب وقع اختيار تعيين العبارة لجمع كلّ بما يناسبه. (وصدر) أيضا طلب النّصائح (أيّها المخدوم) يمنعني الحياء من أن أكتب شيئا من هذا الباب مع وجود جميع الخرابات والتّعلّقات والتّلوّثات وقلّة البضاعة وعدم الحاصل وأن أرقم من هذه المقولة حرفا بالتّصريح أو بالإشارة، ولكن أخاف من أن أنسب إلى الخسّة والدّناءة والضّنّ والبخل لو أمسكت عن القول المعروف وصنت نفسي عن ذلك فبناء على ذلك أجترئ على تحرير كلمات. PageV01P245 أيّها المخدوم إنّ بقاء الدّنيا قليل جدّا وقد تلف الأكثر من هذا القليل أيضا وزال وبقي الأقلّ. ومدّة الآخرة باقية ودائمة وجعلت معاملة الأبد والخلود مربوطة ببقاء أيّام معدودة وبعدها إمّا تنعّم أبديّ أو عذاب سرمديّ. أخبر بذلك المخبر الصّادق ليس فيه احتمال التّخلّف فينبغي استعمال العقل المتفكّر (أيّها المخدوم) قد مضى أشرف العمر في الهوى والهوس وضاع في تحصيل مراضي أعداء الله جلّ شأنه وبقي أرذل العمر فإن لم نصرفه اليوم في مرضيّات الحقّ جلّ سلطانه ولم نتلاف الأشرف ولم نتداركه ولو بالأرذل ولم نجعل المحنة القليلة وسيلة إلى الرّاحة الأبديّة ولم نكفّر السّيّئات الكثيرة بحسنات يسيرة فباىّ وجه نذهب غدا عند الله تعالى؟ .. وبأيّ حيلة نتمسّك؟ وإلى متى يمتدّ نوم الأرنب؟ وحتّى متى يكون قطن الغفلة هذه كلّها في الآذان، وسترفع الغشاوة عن أبصار البصيرة البتّة، ويزال قطن الغفلة عن السّامعة لا محالة، ولكن لا ينفع ذلك هنالك ولا يكون نقد الوقت غير الحسرة والنّدامة على ذلك فينبغي العمل لنفسك قبل ورود الموت والتّوسّد برمسك ثمّ الموت قائلا وا شوقاه. ولا بدّ أوّلا من تصحيح الإعتقاد وتصديق ما علم من الدّين بالضّرورة، ثمّ العلم والعمل بما تكفّل ببيانه علم الفقه أيضا ضروريّ ثمّ سلوك طريق الصّوفيّة أيضا مطلوب، لا لأجل مشاهدة الصّور والأشكال الغيبيّة ومعاينة الأنوار والألوان اللّاريبيّة، فإنّ هذا داخل في اللهو واللّعب وأيّ نقصان في الصّور والأنوار الحسّيّة، حتّى يتركها الإنسان ويشتاق إلى الصّور والأنوار الغيبيّة، ويقصدها بارتكاب الرّياضات والمجاهدات، وهذه الصّور والأنوار، وتلك الصّور والأنوار كلّها مخلوقة للحقّ سبحانه وآيات دالّة على صانعيّته تعالى ولنور الشّمس والقمر اللّذين في عالم الشّهادة مزيّة على الأنوار الّتي تشاهد في عالم المثال ولكن لمّا كانت رؤيتهما دائمة واشترك فيها الخواصّ والعوامّ أسقطوها عن نظر الإعتبار واشتاقوا إلى ما يرى في عالم الغيب من الأنوار، (شعر): ولا قدر للماء الّذي دام جاريا ... على باب إنسان وإن كان كوثرا بل المقصود من سلوك طريق الصّوفيّة تحصيل ازدياد اليقين بالمعتقدات الشّرعيّة حتّى تخرج من مضيق الإستدلال إلى فضاء الكشف ومن الإجمال إلى التّفصيل مثلا انّ وجود الواجب الوجود تعالى وتقدّس ووحدته سبحانه إذا كان أوّلا معلوما بطريق الإستدلال أو التّقليد وحصل اليقين به على مقدارهما، فإذا تيسّر سلوك طريق الصّوفيّة يتبدّل ذلك الإستدلال والتّقليد كشفا وشهودا ويحصل اليقين الأكمل. وعلى هذا القياس سائر الاعتقاديّات والمقصود منه أيضا تحصيل اليسر في أداء الأحكام الفقهيّة، وإزالة العسر الّذي يحصل من جهة النّفس الأمّارة ويقين هذا الفقير أنّ طريق الصّوفيّة خادم للعلوم الشّرعيّة، لا أنّه أمر مباين لها وقد حقّقت هذا في كتبي ورسائلي واختيار طريق النّقشبنديّة من بين سائر الطّرق لاجل حصول هذا الغرض أولى وأنسب، فإنّ هؤلاء الأكابر التزموا متابعة السّنّة واجتناب البدعة ولهذا تراهم PageV01P246 يفرحون ويستبشرون بحصول دولة المتابعة لهم وإن لم يحصل لهم شيء من الأحوال وإذا أحسّوا فتورا في المتابعة مع وجود الأحوال لا يقبلون تلك الأحوال. قال حضرة الخواجه أحرار قدّس سرّه: «لو أعطيت جميع الأحوال والمواجيد ولم توافق حقيقتي باعتقاد أهل السّنّة والجماعة مثلا لا أرى تلك الأحوال غير الشّقاوة والخذلان وإن أعطيت اعتقاد أهل السّنّة والجماعة وحرمت الأحوال بأسرها فلا تغتمّ على ذلك». وأيضا إنّ في هذا الطّريق اندراج النّهاية في البداية فيجد أهل هذه الطّريقة في أوّل قدم ما يجده غيرهم في النّهاية، وإن كان بينهما فرق فإنّما هو بالإجمال والتّفصيل والشّمول وعدم الشّمول، وهذه النّسبة هي نسبة الأصحاب الكرام بعينها فإنّهم عليهم الرّضوان كانوا يجدون في أوّل صحبة خير البشر ما لا يدرى أنّه يتيسّر لأولياء الامّة سواهم في النّهاية أوّلا، ولهذا لم يصل أويس القرنيّ الّذي هو أفضل التّابعين إلى مرتبة وحشيّ قاتل حمزة رضي الله عنه لنيله مرّة واحدة صحبة خير البشر عليه الصّلاة والسّلام فإنّ فضيلة الصّحبة فوق جميع الفضائل والكمالات فإنّ إيمانهم شهوديّ، ولم تتيسّر هذه الدّولة لغيرهم أصلا (ع) هل المسموع يشبه قطّ بمرئيّ؟ ولهذا كان إنفاق مدّ شعير منهم أفضل من إنفاق جبل ذهب من غيرهم وجميع الأصحاب متساوون في هذه الفضيلة فينبغي تعظيم جميعهم وذكر كلّهم بالخير فإنّ الصّحابة كلّهم عدول وكلّهم متساوون في قبول روايتهم وتبليغ الأحكام لا مزيّة لرواية أحدهم على رواية الآخر منهم وهم حملة القرآن المجيد ومنهم جمعت الآيات المتفرّقات من هذا آيتان ومن هذا ثلاث آيات وأزيد وأنقص اعتمادا على عدالتهم، فمن جرح واحدا من الأصحاب فذلك الجرح راجع إلى القرآن المجيد فإنّه يمكن أن يكون حامل بعض الآيات ذلك المجروح والمطعون فيه، وينبغي أن يصرف المخالفات والمنازعات الواقعة بين هؤلاء الأكابر إلى محامل صحيحة وأن يبعدهم وينزّههم عن الهوى والتّعصّب. قال الإمام الشّافعيّ رحمه الله تعالى وهو أعلم بأحوال الصّحابة عليهم الرّضوان " تلك دماء طهّر الله عنها أيدينا فلنطهّر عنها ألسنتنا». ونقل مثل هذه المقولة أيضا عن الإمام جعفر الصّادق رضي الله عنه والسّلام أوّلا وآخرا. (211) المكتوب الحادي عشر والمائتان إلى الملّا يار محمّد قديم البدخشيّ في جواب سؤاله وبيان بعض لوازم مقام التّكميل والإرشاد وصل المكتوب المرغوب من الأخ الأعزّ مولانا يار محمّد القديم وصار موجبا للفرح بلّغ الله سبحانه ذروة الكمال والتّكميل بحرمة النّبيّ المختار وآله الأمجاد والأبرار عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وقد سئلت عن مقالة المولويّ عليه الرّحمة حيث قال " إنّ المليح الّذي كان يجتبي كان حقّا فهل يجوز هذا الكلام أم لا». (اعلم) أنّ أمثال هذا الأمر تقع كثيرا في هذا الطّريق وتجري على اللّسان، وهذا النّوع PageV01P247 من المعاملة يقال له التّجلّي الصّوريّ ويظنّ صاحب المعاملة تلك الصّورة المتجلّى بها حقّا تعالى شأنه والكلام إنّما هو ما قال الشّيخ الأجلّ الإمام الرّبّانيّ حضرة الخواجه يوسف الهمدانيّ قدّس سرّه حيث قال: «تلك خيالات تربّى بها أطفال الطّريقة». (ثمّ اعلم) أنّه لمّا صدر لكم نوع إجازة تعليم الطّريقة، أردت أن أكتب بعض الفوائد في هذا الباب ينبغي استماعها باذن العقل والعمل بها. (اعلم) أنّه إذا جاء عندك طالب بإرادة الطّريقة ينبغي لك أن تتأمّل وتتأنّى كثيرا في تعليم الطّريقة إيّاه خوفا من أنّ يراد عليك الإستدراج في هذا الأمر ومن أن يكون المنظور فيه خرابيّتك، خصوصا إذا ظهر الفرح والسّرور من مجيء المريد فينبغي سلوك طريق الإلتجاء والتّضرّع في هذا الباب، والإستخارات المتعدّدة إلى أن يصل اليقين بكون تعليم الطّريقة إيّاه مرضيّا وأنّه لا يراد به الاستدراج والإضلال، لأنّ التّصرّف في عباد الله تعالى وتضييع الوقت في تربيتهم غير مجوّز بلا إذن الحقّ سبحانه وفي قوله تعالى " لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ " دلالة على هذا المعنى. حكي أنّه لمّا توفّي واحد من الأعزّة جاء الخطاب بأنّه أنت الّذي لبس الدّرع في ديني على عبادي. قال: بلى قال: هلّا وكّلت خلقي إليّ وأقبلت بقلبك عليّ، والإجازة الّتي صدرت لك ولغيرك مشروطة بالشّروط ومنوطة بحصول العلم بمرضاه تعالى، فإنّه ما جاء بعد وقت الإجازة المطلقة. فينبغي رعاية تلك الشّروط إلى ورود ذلك الوقت والشّرط هو الإخبار وحرّر هذا المعنى أيضا إلى المير نعمان، فينبغي الإستعلام أيضا من هناك وبالجملة ينبغي السّعي حتّى يجيء ذلك الوقت ويتيسّر التّخلّص من مضائق الشّرائط والسّلام. (212) المكتوب الثّاني عشر والمائتان إلى مولانا محمّد صدّيق البدخشيّ في جواب بعض أسئلته وحلّ واقعة رآها وصل المكتوبان المرغوبان متتابعين فازداد فرح على فرح أكرمكم الله سبحانه بترقّيات غير متناهية بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وسألت أنّه هل يقدر الشّيخ صاحب التّصرّف أن يوصّل المريد المستعدّ بتصرّفه إلى مراتب فوق استعداده أو لا؟ بلى يقدر أن يوصّله، ولكن إلى مراتب تناسب استعداده، لا إلى مراتب تباين استعداده مثلا إذا كان في مريد استعداد الولاية الموسويّة ونهاية قوّة استعداده ما يقدر الوصول بها إلى نصف طريق هذه الولاية، فالشّيخ صاحب التّصرّف يستطيع أن يوصّله بتصرّفه إلى أقصى درجات هذه الولاية، وأمّا أنّه يخرجه من الولاية الموسويّة إلى الولاية المحمّديّة ويمنحه هناك التّرقّيات فهو ليس بمعلوم الوقوع. (وسألت) أيضا أنّه أيّ مرتبة يحصل فيها للأخفى الّذي هو ألطف اللّطائف الإنسانيّة حكم النّفس الأمّارة وتحصل له المشابهة في الخسّة والدّناءة؟ PageV01P248 (ليعلم الأخ) أنّ الأخفى وإن كان ألطف اللّطائف ولكنّه داخل في دائرة الإمكان ومتّسمة بسمة الحدوث فإذا وضع السّالك قدمه في خارج دائرة الإمكان ووقع سيره على مراتب الواجب وترقّى من ظلال الوجوب إلى أصولها وتخلّص من التّقيّد بالصّفة والشّأن، فلا جرم يكون الممكن حينئذ في نظره ذليلا حقيرا عديم الإعتبار، ويرى أخسّه وألطفه مساويين فيها ويتخيّل النّفس والأخفى في هذا المقام كأنّهما توأمان. (وكتبت) أيضا أنّه سمعت منك بواسطة أو بلا واسطة أنّ عبادة الحقّ سبحانه معتقدا بأنّه تعالى حاضر وقت العبادة موجب لتنزّله تعالى، ينبغي العبادة مثل العبيد، فإنّ العبادة له تعالى معتقدا بأنّه حاضر سوء أدب. (أيّها) المحبّ إنّ صدور أمثال هذه المقالة من هذا الفقير ليس بمعلوم ولعلّك رأيته في محلّ آخر. (والواقعة) الّتي رأيتها ورأيت فيها حضرة آدم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام حسنة جدّا وأصيلة والماء كناية عن العلم، وإدخال اليد فيه حصول القدرة في العلم، ومشاركة آدم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام مؤكّدة لهذا الحصول، فإنّ آدم عليه السّلام تلميذ الرّحمن، " وعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها " غاية ما في الباب أنّ المراد بالعلم في هذه الواقعة علم الباطن، بل نوع من علم الباطن له مناسبة لنسبة أهل البيت عليهم الرّضوان والباقي عند التّلاقي والسّلام. (213) المكتوب الثّالث عشر والمائتان إلى السّيّد فريد في المواعظ والنّصائح بالتّرغيب في اتّباع علماء أهل السّنّة والجماعة والتّحذير عن مصاحبة علماء السّوء إلخ عصمكم الله سبحانه عمّا لا يليق بجنابكم بحرمة جدّكم الأمجد عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام قال الله سبحانه وتعالى: ''هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلّا الْإِحْسانُ». ولا أدري بأيّ إحسان أكافئ إحسانكم، سوى أن أكون رطب اللّسان بدعاء سلامتكم في الدّارين في الأوقات الشّريفة. الحمد لله سبحانه والمنّة إنّ هذا المعنى ميسّر من غير اختيار. والإحسان الآخر الّذي تليق المكافأة به التّذكرة والموعظة فيا لها من نعمة إن وقعت في معرض القبول. (أيّها النّقيب) النّجيب إنّ خلاصة المواعظ وزبدة النّصائح الإختلاط والإنبساط مع أصحاب الدّيانة وأرباب التّشرّع، وكلّ من التّديّن والتّشرّع مربوط بسلوك طريقة أهل السّنّة والجماعة الحقّة، الّذين هم الفرقة النّاجية من بين سائر الفرق الإسلاميّة، والنّجاة بدون متابعة هؤلاء الأكابر محال، والفلاح من غير اتّباع آرائهم ممتنع، والدّلائل النّقليّة والعقليّة والكشفيّة شاهدة لهذا المعنى، لا تحتمل التّخلّف أصلا فإذا علم خروج شخص مقدار خردلة من طريق هؤلاء الأكابر الّذي هو الصّراط المستقيم، ينبغي أن تعتقد أنّ صحبته سمّ قاتل، وأن ترى مجالسته كمجالسة الأفعى، وطلبة العلم PageV01P249 الّذين لا مبالاة فيهم فهم لصوص الدّين من أيّ فرقة كانوا، والإجتناب عن صحبتهم أيضا من الضّروريّات. وجميع هذه الفتنة والمفسدة الواقعة في الدّين من شآمة هؤلاء الجماعة الّذين جعلوا آخرتهم هباء في جمع حطام الدّنيا. " أُولئِكَ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وما كانُوا مُهْتَدِينَ». رأى شخص إبليس اللّعين قاعدا مستريحا فارغ البال من الإشتغال بالإغواء والإضلال فسأله عن سرّ ذلك فقال اللّعين: " إنّ علماء السّوء في هذا الوقت قد كفوا أمري وتكفّلوا لي بالإغواء والإضلال " ومولانا عمر موصوف بحسن السّيرة والطّويّة من بين الطّلبة الموجودين الآن هناك بشرط أن تقوّوا قلبه وتعاونوه على إظهار الحقّ. والحافظ الإمام فيه أيضا جنون الإسلام ولا بدّ من ذاك الجنون في الإسلام، " لن يؤمن أحدكم حتّى يقال إنّه مجنون». معلوم لجنابكم، وهذا الفقير لم يقصّر في القول والكتابة في التّحريض على الصّحبة الحسنة ولم أرخّص لنفسي أن تترك المبالغة في التّحذير عن المصاحبة السّوء وأرى ذلك أصلا عظيما والقبول من عندكم فطوبى لمن جعل مظهرا للخير، وتذكّر احساناتكم يوردني على هذا القيل والقال وينسيني ملاحظة التّصديع والإملال والسّلام. (214) المكتوب الرّابع عشر والمائتان إلى خان خانان في بيان أنّ الدّنيا مزرعة الآخرة وفي سرّ تأييد عذاب الكفّار وتفويض واحد من أرباب الافتقار طوبى لمن جعله الله مظهرا للخير، وقد جعل الحقّ سبحانه الدّنيا مزرعة الآخرة؛ فيا شقاوة من أكل البذر بالتّمام ولم يزرعه في أرض الإستعداد، ولم يجعل الحبّة الواحدة سبعمائة حبّة، ولم يهيّئه ذخيرة ليوم يفرّ فيه الأخ من أخ والامّ من ولد خسارة الدّنيا والآخرة نقد وقته وحسرة الدّارين وندامتهما في كفّ يده لما كان معرضا لغضب ربّه ومقته وأصحاب الدّولة هم الّذين يغتنمون الفرصة في الدّنيا، لا بمعنى أنّهم يتنعّمون فيها ويتلذّذون بها فإنّه لا مدار على ذلك ولا ثبات لما هنالك. ومع ذلك انّها معدّات المحن والعقبات بل بمعنى أنّهم يعملون فيها ويزرعون لآخرتهم، ويحصّلون من حبّة واحدة من العمل بحكم: والله يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ (1) ثمرات غير متناهية. ومن ههنا كان جزاء الأعمال الصّالحة في أيّام معدودة تنعّمات مخلّدة والله ذو الفضل العظيم. فإنّ قيل: إنّ تضاعف الأجر إنّما هو في الحسنات دون السّيّئات فإنّ الجزاء فيها بالمثل فكيف يجوز تأبيد عذاب الكفّار بواسطة سيّئات معدودة؟ (أجيب) انّ مماثلة الجزاء للعمل مفوّضة إلى علم الواجب تعالى وتقدّس وعلم الممكن قاصر عن إدراكها. ألا ترى أنّ الحقّ سبحانه. أمر في قذف المحصنات بجلد ثمانين جزاء مماثلا وفي حدّ السّرقة بقطع اليمين وفي حدّ الزّنا في البكر مع البكر بمائة PageV01P250 جلدة وتغريب عام وفي الشّيخ والشّيخة حكم بالرّجم وعلم سّرّ هذه الحدود والتّقديرات خارج من طوق البشر ذلك تقدير العزيز العليم، وحيث حكم الله سبحانه بالعذاب المخلّد على الكفر الموقّت جزاء وفاقا، علم أنّ الجزاء المماثل على الكفر الموقّت هو ذلك العذاب المخلّد. ومن أراد تطبيق جميع الأحكام الشّرعيّة على عقله وجعلها معقول نفسه وتسويتها بأدلّة عقليّة، فهو منكر لطور النّبوّة عليه ما يستحقّ والتّكلّم معه من عدم العقل، شعر: من لم يصدّق بالكتاب وسنّة ... فجوابه أن لا تجيب وتسكتا وبقيّة المرام أنّ رافع رقيمة الفقراء الشّيخ ميان أحمد ولد المغفور له الشّيخ سلطان التّهانيسرّي توجّه إلى الخدمة العليّة متوسّلا بهذا الفقير ملاحظا لألطافكم وإحساناتكم إلى والده الماجد، ومن جملة ألطافكم إليه أنّه كان موضع في قضاء اندرى وكنتم أكرمتموه بإعطائه إيّاه والأمر عندكم بل كلّ من عند الله. والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (215) المكتوب الخامس عشر والمائتان إلى المرزا داراب في مذمّة الدّنيا وصل المكتوب الشّريف الّذي أرسلته بالتّواضع التّامّ من حسن نشأة الإستعداد الفطريّ إلى الفقراء معدومي البضاعة. جزاكم الله سبحانه عنّا خير الجزاء بحرمة حبيبه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (أيّها الولد) انّ أرباب الدّنيا وأصحاب الغنا مبتلون ببلاء عظيم، فإنّ (1) الدّنيا مبغوضة الحقّ سبحانه وقد زيّن في نظرهم أقبح جميع النّجاسات كنجاسة مموّهة بالذّهب، وسمّ مغلّف بالسّكّر. ومع ذلك لقد اهتدى العقل السّليم إلى شناعة هذه الدّنيّة، ودلّ على قباحة هذه الغير المرضيّة. ولهذا قال العلماء: «لو أوصى شخص بماله لأعقل أهل زمانه يعطى للزّهّاد». فإنّهم راغبون عن الدّنيا ورغبتهم عنها من كمال عقلهم. ومع ذلك لم يكتف الحقّ سبحانه من كمال رحمته بشهادة العقل وحده، بل ضمّ إليه شاهدا آخر من النّقل واطّلع على حقيقة ذاك المتاع الكاسد على ألسنة الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام الّذين هم رحمة للعالمين ومنع عن محبّة تلك القحبة والتّعلّق بها منعا بليغا. ومع وجود هذين الشّاهدين العدلين إذا أكل شخص السّمّ بطمع السّكّر الموهوم، واختار النّجاسة برجاء الذّهب المتخيّل، فهو سفيه محض وبليد PageV01P251 بالطّبع بل هو منكر لأخبار الرّسل عليهم السّلام في الحقيقة، وحكمه حكم المنافق الّذي فيه صورة الإيمان، وهي لا تنفع في الآخرة ولا نتيجة لها غير عصمة الدّماء والأموال الدّنياويّة. فينبغي رفع قطن الغفلة اليوم من الاذن، والّا لا يحصل شيء غدا سوى الحسرة والنّدامة والشّرط الإخبار، (شعر): إنّما هذه الدّنيا متاع ... الغرور الغرور من يصطفيها ما مضى فات والمؤمّل غيب ... ولك السّاعة الّتي أنت فيها (216) المكتوب السّادس عشر والمائتان إلى المرزا حسام الدّين في بيان سرّ كثرة ظهور الخوارق للعادات من بعض الأولياء وقلّة ظهورها من بعض آخر وبيان اتمّيّة مقام التّكميل والإرشاد وما يناسب ذلك الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله الطّاهرين أجمعين قد يقع في الخاطر الفاتر أنّه لمّا حال البعد الصّوريّ بيني وبين الأحبّة وصارت الملاقاة الظّاهريّة كعنقاء المغرب، كان المناسب أن أكتب إليهم بعض العلوم والمعارف أحيانا فبناء على ذلك أكتب من هذا القسم شيئا في بعض الأوقات، والمرجوّ أن لا يكون ذلك منجرّا إلى الملال. (أيّها المخدوم) لمّا كان مبحث الولاية فيما بيننا ونظر عوامّ الخلائق، إلى ظهور الخوارق، أذكر من هذه المقولة كلمات ينبغي استماعها. اعلم أنّ الولاية عبارة عن الفناء والبقاء والخوارق والكشوف من لوازمها قلّت أو كثرت، ولكن ليس كلّ من تكون خوارقه أكثر تكون ولايته أتمّ وحظّه أوفر، بل كثيرا ما يكون ظهور الخوارق قليلا وتكون الولاية أكمل. مدار كثرة ظهور الخوارق على أمرين: كون العروج إلى الفوق أكثر في وقت العروج وكون النّزول إلى السّفل أقلّ في وقت النّزول، بل الأصل العظيم في كثرة ظهور الخوارق هو قلّة النّزول على أيّ كيفيّة كان جانب العروج، فإنّ صاحب النّزول ينرل إلى عالم الأسباب ويجد وجود الأشياء مربوطا بالأسباب ويرى فعل مسبّب الأسباب من وراء أستار الأسباب والّذي لم ينزل أو نزل، ولكن لم يصل بعد إلى الأسباب فنظره مقصور على فعل مسبّب الأسباب فقط، لأنّ الأسباب قد ارتفعت عن نظره بالتّمام وقصر نظره على فعل مسبّب الأسباب فلا جرم يعامل الحقّ سبحانه كلّا منهما معاملة على حدة بمقتضى ظنّ كلّ منهما فيكل أمر من يرى الأسباب إلى الأسباب، والّذي لا يرى الأسباب يهيّئ أمره بدون توسّط الأسباب، وحديث «أنا (1) عند ظنّ عبدي بي " شاهد لهذا المعنى، وقد اختلج في الخاطر مدّة كثيرة أنّه ما الوجه في عدم ظهور الخوارق من أحد من كمّل أولياء هذه الامّة مع كثرتهم فيما مضى مثل ما ظهر من PageV01P252 حضرة السّيّد محي الدّين عبد القادر الجيلانيّ قدّس سرّه فأظهر الحقّ سبحانه آخر الأمر سرّ هذا المعمّي. واعلم أنّ عروج السّيّد محيي الدّين الجيلانيّ قدّس سرّه كان أعلى من عروج أكثر الأولياء، ونزل في جانب النّزول إلى مقام الرّوح فقط الّذي هو فوق عالم الأسباب، وحكاية الحسن البصريّ وحبيب العجميّ مناسبة لهذا، يعني مؤيّدة ومقوّية لما سبق نقل عن الحسن البصريّ " أنّه كان يوما واقفا بساحل النّهر منتظر السّفينة ليعبر النّهر فجاء حبيب العجميّ في أثناء ذلك فسأله عن سبب وقوفه، فقال: أنتظر السّفينة. فقال الحبيب: ما الحاجة إلى سفينة أليس فيك يقين؟ فقال الحسن: أليس لك علم؟ فعبر الحبيب النّهر يعني ماشيا على الماء بلا استعانة سفينة وبقي الحسن واقفا منتظرا للسّفينة». وكان الحسن البصريّ قد نزل إلى عالم الأسباب. فعومل بتوسّط الأسباب وكان الحبيب العجميّ قد طرح الأسباب وأزاحها عن نظره بالتّمام، فعومل من غير توسّط الأسباب. ولكنّ الفضل للحسن لأنّه صاحب العلم وجمع بين عين اليقين وعلم اليقين وعلم الأشياء كما هي فإنّ القدرة جعلت في نفس الأمر مستورة فيما وراء الحكمة وحبيب العجميّ صاحب سكر، له يقين بالفاعل الحقيقيّ من غير مدخليّة الأسباب وهذه الرّؤية ليست بمطابقة لنفس الأمر لأنّ توسّط الأسباب كائن بحسب الواقع. وأمّا معاملة التّكميل والإرشاد فهي على عكس معاملة ظهور الخوارق، فإنّ في مقام الإرشاد كلّما كان النّزول أكثر يكون الإرشاد أكمل وأوفر، فإنّ حصول المناسبة بين المرشد والمسترشد لازم في الإرشاد وهو منوط بالنّزول. (واعلم) أنّ التّفوّق كلّما كان أكثر يكون النّزول أكثر في الأغلب، ولهذا كان عروج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فوق الكلّ ونزل وقت النّزول أسفل من الكلّ، ولذا كانت دعوته أتمّ وكان مرسلا إلى كافّة الأنام لأنّه قد حصلت له صلّى الله عليه وسلّم مناسبة بالكلّ بواسطة نهاية النّزول وكان طريق إفادته أتمّ، وكثيرا ما تقع إفادة الطّالبين من متوسّطي هذا الطّريق ما لا يتيسّر من المنتهين غير المرجوعين، فإنّ في المتوسّطين زيادة مناسبة للمبتدئين بالنّسبة إلى المنتهين غير المرجوعين. ومن ههنا قال شيخ الإسلام الهرويّ قدّس سرّه: «لو كان الخرقانيّ ومحمّد القصّاب في محلّ واحد لارسلتكم إلى محمّد القصّاب لا إلى الخرقانيّ فإنّه أنفع لكم من الخرقانيّ». يعني كان الخرقانيّ منتهيا، فيكون احتظاظ المريد منه قليلا. يعني منتهيا غير. مرجوع لا منتهيا مطلقا، فإنّ عدم الإفادة التّامّة غير واقع في حقّه فإنّ محمّدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ازيد انتهاء من الكلّ والحال أنّ إفادته كانت أزيد من الكلّ فكان مدار زيادة الإفادة ونقصانها على الرّجوع والهبوط لا على الإنتهاء وعدمه. (وههنا) دقيقة ينبغي أن يعلم كما أنّ في حصول نفس الولاية لا يشترط لصاحبها العلم بولاية نفسه كما هو مشهور، كذلك لا يشترط العلم بوجود خوارقه العادات. بل كثيرا ما ينقل النّاس عنه خوارق ولا يكون له على تلك الخوارق اطّلاع أصلا والأولياء الّذين هم أصحاب العلم والكشف يجوز أن لا يكون لهم اطّلاع على خوارقهم. بل تظهر PageV01P253 صورهم المثاليّة في أمكنة متعدّدة، وتظهر من تلك الصّور أمور عجيبة وحالات غريبة في مسافات بعيدة ولا اطّلاع لصاحب تلك الصّور على ذلك أصلا. (ع) وما الفعل الّا منه * والغير مظهر قال حضرة مخدومي وقبلتي قدّس سرّه يعني شيخه قال واحد من الأعزّة: «يا للعجب يجيء النّاس من الأطراف والجوانب. فيقول بعضهم: رأيناك في مكّة المعظّمة وكنت حاضرا في موسم الحجّ وحججنا معا. ويقول بعضهم: رأيتك في بغداد ويظهرون المحبّة والمودّة. وأنا لم أخرج من بيتي أصلا، ولم أر أمثال هؤلاء النّاس فأىّ تهمة يتّهمونني بها». والله سبحانه أعلم بحقائق الامور كلّها والزّيادة على ذلك إطناب. فإن كان تعطّشكم معلوما أكتب سريعا أزيد من ذلك إن شاء الله تعالى. (217) المكتوب السّابع عشر والمائتان إلى الملّا طاهر البدخشيّ في بيان أنّ نسبة الباطن كلّما تنجرّ إلى الجهالة والحيرة تكون أحسن وبيان سبب وقوع الغلط في بعض الكشوف والفرق بين القضاء المعلّق والمبرم وأنّ المعوّل عليه هو الكتاب والسّنّة وأنّ إجازة تعليم الطّريقة لا يدلّ على الكمال والتّكميل مطلقا الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعلى آله الطّاهرين أجمعين لم تطلعوني على أحوالكم وأوضاعكم من مدّة مديدة، والإستقامة مطلوبة على كلّ حال فعليكم بالسّعي والإجتهاد لئلّا يقع خلاف الشّريعة مقدار شعرة اعتقادا وعملا. والمحافظة على النّسبة الباطنيّة من أهمّ المهمّات، وكلّما تنجرّ النّسبة إلى جانب الجهالة تكون أحسن وكلّما تذهب إلى طرف الحيرة تكون أفضل. والكشوفات الإلهيّة والظّهورات الأسمائيّة إنّما هي في أثناء الطّريق، وأمّا بعد الوصول فكلّ ذلك يقصر هنالك لا يبقى فيه غير الجهالة وعدم وجدان المطلوب. وماذا أكتب من الكشوف الكونيّة فإنّ مجال الخطأ فيها كثير، ومظنّة الغلط غالبة، فينبغي اعتقاد أنّ وجودها وعدمها سيّان. فإن قيل: ما السّبب في وقوع الغلط في بعض الكشوف الكونيّة الّتي يصدر عن أولياء الله تعالى وظهور خلافها؟ أخبر مثلا أنّ فلانا يموت بعد شهر أو يرجع من سفره إلى وطنه ولمّا مضى ذلك الشّهر لم يقع شيء ممّا أخبر به (أجيب) أنّ حصول هذا الأمر المكشوف المخبر عن وقوعه كان مشروطا بشرائط وصاحب الكشف لم يطّلع على تفاصيلها وقت الإخبار به فحكم بحصوله مطلقا، أو نقول إنّ حكما من الأحكام المسطورة في اللّوح المحفوظ ظهر لعارف وكان ذلك الحكم قابلا في نفسه المحو والرّفع وكان من قبيل القضاء المعلّق، ولكن لم يكن للعارف خبر من كونه معلّقا وقابليّته للمحو والرّفع. PageV01P254 فإذا أخبر في هذه الصّورة بمقتضى علمه وحكم بوقوعه يكون فيه احتمال التّخلّف البتّة (نقل) " أنّ (1) جبريل عليه السّلام أتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأخبره بموت شابّ على الصّباح فترحّم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لحاله فسأله عمّا يتمنّاه من الدّنيا فقال: نكاح بكر، وأكل حلوى فأمر بإحضارهما حالا فبينما الشّابّ قاعد في اللّيل مع أهله في خلوته وطبق الحلوى بين أيديهما إذ جاء سائل اتّفاقا عند الباب وسأل شيئا لله فناوله الشّابّ الحلوى كما هو بطبقه فلمّا أصبح النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قعد منتظرا لمجيء خبر فوت الغلام فلمّا تأخّر الخبر قال: أخبروني عن حال ذاك الغلام. فأخبروه بأنّه في سرور وفرح فبقي متحيّرا فجاءه جبريل عليه السّلام فقال: إنّه تصدّق بالحلوى فدفع ذلك عنه البلوى. فوجدت تحت وسادته حيّة عظيمة ميّتة وبطنها محشوّ بالحلوى وممتلئ به بحيث ماتت من كثرته»، وأنا لا أقبل هذا النّقل، ولا أجوّز الخطأ على جبريل فإنّه حامل الوحى القطعيّ وأرى احتمال الخطأ من حامل الوحي مستقبحا اللهمّ الّا أن نقول إنّ عصمته وعدم احتمال الخطأ منه مخصوصة بالوحي الّذي هو تبليغ من قبل الحقّ سبحانه وهذا الخبر ليس من قسم الوحي بل هو إخبار من علم مستفاد من اللّوح المحفوظ الّذي هو محلّ المحو والإثبات فيكون للخطأ مجال في هذا الخبر بخلاف الوحي الّذي هو مجرّد تبليغ فافترقا كالفرق بين الشّهادة والإخبار فإنّ الاولى معتبرة في الشّرع لا الثّاني (اعلم) أيّدك الله تعالى أنّ القضاء على قسمين قضاء معلّق وقضاء مبرم واحتمال التّبديل والتّغيير إنّما هو في القضاء المعلّق وأمّا القضاء المبرم فلا مجال فيه للتّبديل والتّغيير قال الله سبحانه وتعالى (ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) هذا في القضاء المبرم وقال في القضاء المعلّق (يَمْحُوا الله ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) قال حضرة قبلتي قدّس سرّه يعني شيخه كتب حضرة السّيّد محيي الدّين عبد القادر الجيلانيّ قدّس سرّه في بعض رسائله لا مجال لأحد في تبديل القضاء المبرم الّا لي فإنّى أتصرّف فيه أيضا إن أردت ذلك وكثيرا ما كان يتعجّب من هذا الكلام ويستبعده وكان هذا النّقل مدّة مديدة في خزانة ذهن هذا الفقير إلى أن شرّفني الله سبحانه بهذه الدّولة العظمى حيث كنت يوما في صدد دفع بليّة متوجّهة إلى بعض الأحبّة وكان لي في ذلك الوقت التجاء وتضرّع وابتهال وخشوع تامّ إلى الله تعالى فظهر أنّ قضاء هذا الأمر ليس بمعلّق بأمر آخر في اللّوح المحفوظ ولا بمشروط بشرط فحصل بعد هذا نوع يأس وحرمان فخطر في ذلك الوقت قول السّيّد عبد القادر الجيلانيّ قدّس سرّه فالتجأت إليه تعالى وتضرّعت مرّة ثانية وتوجّهت إليه سالكا طريق إظهار العجز والإنكسار فأظهر الله سبحانه بأنّ القضاء المعلّق على نوعين قضاء ظهر تعليقه في اللّوح المحفوظ وأطلع عليه الملائكة وقضاء تعليقه عند الحقّ سبحانه فقط وهو على صورة القضاء المبرم في اللّوح المحفوظ وفي القسم الأخير من القضاء المعلّق احتمال التّبديل مثل الأوّل فصار معلوما من هناك أنّ كلام السّيّد PageV01P255 الجيلانيّ مصروف إلى القسم الأخير الّذي له صورة القضاء المبرم لا إلى قضاء هو مبرم حقيقة فإنّ التّصرّف والتّبديل فيه محالان شرعا وعقلا كما لا يخفى. (والحقّ) أنّ لأفراد قليلة اطّلاعا على حقيقة ذلك القضاء فكيف التّصرّف هناك ووجدت البليّة المتوجّهة إلى الأخ المذكور من القسم الأخير وصار معلوما أنّ الله سبحانه دفعها عنه والحمد لله سبحانه على ذلك حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه مباركا عليه كما يحبّ ربّنا ويرضى والصّلاة والسّلام والتّحيّة على سيّد الأوّلين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين الّذي أرسله رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه وعلى جميع إخوانه من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين والملائكة المقرّبين أجمعين اللهمّ جعلنا من محبّيهم ومتابعي آثارهم ببركة هؤلاء الأكابر ويرحم الله عبدا قال آمينا (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونقول: إنّ سبب وقوع الخطأ في بعض العلوم الإلهاميّة في بعض الأوقات هو أنّ بعض المقدّمات المسلّمة الثّابتة عند صاحب الإلهام الكاذبة في نفس الأمر تلتبس وتختلط مع العلوم الإلهاميّة بحيث لا يقدر صاحب الإلهام على التّمييز بل يظنّ جميع تلك العلوم إلهاميّة فلا جرم يقع الخطأ في المجموع بسبب الخطأ في بعض أجزائها وأيضا قد يرى في بعض الأحيان أمور غيبيّة في الكشوف والواقعات ويخيّل الرّائي أنّها محمولة على ظاهرها ومقصورة على صورتها فيحكم على مقدار خياله فيقع الخطأ ولا يدرى أنّ تلك الامور مصروفة عن ظاهرها ومحمولة على التّأويل والتّعبير وهذا المقام أيضا من جملة مقامات الأغلاط الكشفيّة. (وبالجملة) انّ ما هو القطعيّ الحقيق بالإعتماد هو الكتاب والسّنّة فإنّهما ثبتا بالوحي القطعيّ وتقرّرا بنزول الملك وإجماع العلماء واجتهاد المجتهدين يعني القياس راجعان إلى هذين الأصلين وما وراء هذه الأصول الأربعة كائنا ما كان إن كان موافقا لواحد من هذه الاصول فهو مقبول والّا فلا وإن كان من علوم الصّوفيّة ومعارفهم البهيّة ومن الإلهام والكشوفات السّنيّة فإنّ الوجد والحال لا يشترى هناك بنصف شعيرة ما لم يوزن بميزان الشّريعة والإلهام والكشوف لا يقبل على نصف دانق ما لم يجرّب بمحكّ الكتاب والسّنّة والمقصود من سلوك طريق الصّوفيّة حصول ازدياد اليقين بحقّيّة المعتقدات الشّرعيّة الّذي هو حقيقة الإيمان وحصول اليسر في أداء الأحكام الشّرعيّة لا أمر آخر وراء ذلك فإنّ الرّؤية موعودة في الآخرة ليست بواقعة في الدّنيا والمشاهدات والتّجلّيات الّتي الصّوفيّة مسرورون بها اطمئنان بالظّلال أو تسلّ بالشّبه والمثال وهو تعالى وراء الوراء فإن كشفت عن حقيقة هذه المشاهدات والتّجلّيات كما هي أخاف من وقوع الفتور في طلب مبتدئي هذا الطّريق وتطرّق القصور إلى شوقهم وإن سكتّ عن ذلك مع وجود العلم به أخاف من أن أكون مجوّزا لالتباس الحقّ بالباطل فبالضّرورة أردت أنّ أظهر هذا القدر وهو أنّ تجلّيات هذا الطّريق ومشاهداته ينبغي أن تعرض على محكّ تجلّي كليم الله موسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وشهوده فإن لم تصحّ يعني لم تطابقه بل خالفته ينبغي أن يحكم عليها بكونها من جملة PageV01P256 التّجلّيات الظّلاليّة والمثاليّة بالضّرورة ولا يجوز أن تصحّ يعني تطابق ألبتّة فإنّ الدّكّ والفكّ مفقود ولا بدّ منه في الدّنيا سواء تجلّى للباطن أو للظّاهر فإنّه يلزمه الدّكّ والفكّ ألبتّة وخاتم الأنبياء عليه وعليهم الصّلاة والسّلام لكونه مبرّأ من هذه الوصمة تيسّرت له الرّؤية في الدّنيا ولم يذهب عن مكانه مقدار شعرة ولا تكون هي بلا حجاب ظلّ من الظّلال لكمّل تابعيه صلّى الله عليه وسلّم من الّذين لهم نصيب من هذا المقام فهمه صاحب التّجلّي او لا فإذا وقع الصّعق لكليم الله موسى عليه السّلام من مشاهدة هذا الحال فقط من غير وقوع التّجلّي له ماذا يقع لغيره. (ثمّ اعلم) أنّ المقصود من إجازة بعض المخلصين هو أن يكون ذلك المجاز دليلا وهاديا إلى طريق الحقّ جلّ وعلا لجماعة في مثل هذا الزّمان الّذي فشت فيه الضّلالة وعمّت ويشتغل هو أيضا باتّفاق هؤلاء الطّلبة ويترقّى ويسعى محافظا على هذه النّسبة ويجتهد لان يكون المسترشدون أيضا متشرّفين بهذه الدّولة لا أنّ الإجازة توقعه في توهّم الكمال والتّكميل وتمنعه من المقصود ما على الرّسول إلّا البلاغ والسّلام. (218) المكتوب الثّامن عشر والمائتان إلى الملّا داود في بيان لزوم رعاية آداب شيخ الطّريقة وصل المكتوب الشّريف من الأخ الأعزّ الملّا داود وصار موجبا للابتهاج جعل الحقّ سبحانه ظاهره وباطنه متحلّيا ومتزيّنا بمرضيّاته بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلاة والسّلام. المطلوب عدم وقوع الفتور في تكرار ذكر القلب والإستقامة على طريقة الأكابر قدّس الله أسرارهم بسبب توجّهات شتّى فمتى طرأت الظّلمة والكدورة فرضا فعلاجها الإلتجاء والتّضرّع والإبتهال والإنكسار إلى جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه والتّوجّه التّامّ إلى مربّيه فإنّه هو الوسيلة إلى حصول هذه الدّولة فينبغي رعاية آداب وسائل هذه الدّولة العظمى كما هو حقّها في الحضور والغيبة وأن يجعل رضاء هؤلاء الأكابر وسيلة إلى تحصيل رضاء الحقّ سبحانه وهذا هو طريق النّجاة والفلاح والسّلام. (219) المكتوب التّاسع عشر والمائتان إلى المرزا ايرج في بيان أنّ اشتغال الإنسان بما لا يعنيه وتركه ما يعنيه ويهمّه من جهلة وغفلته عصمكم الله سبحانه عمّا يصمكم وصانكم عمّا شانكم بحرمة سيّد الأوّلين والآخرين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام (أيّها) السّعيد النّجيب إنّ الإنسان إذا طرأ عليه مرض من الأمراض الظّاهرة أو عرضت لعضو من أعضائه آفة يسعى سعيا بليغا حتّى يندفع عنه ذلك المرض وتزول عنه تلك الآفة وقد استولى عليه المرض القلبيّ الّذي هو عبارة عن تعلّق القلب بما دون الحقّ جلّ وعلا على نهج كاد يوقعه في PageV01P257 الموت الأبديّ ويلقيه في العذاب السّرمديّ وهو لا يتفكّر بعد في إزالته أصلا ولا يسعى في دفعه قطعا فإن لم يعلم أنّ هذا التّعلّق مرض فهو سفيه محض وإن علم ومع ذلك لا يبالي به فهو بليد صرف ولأجل إدراك هذا المرض لا بدّ من عقل المعاد فإنّ عقل المعاش لقصور فكره مقصور على إدراك الظّاهر لا يتعدّاه إلى بواطن الامور فكما أنّ عقل المعاش لا يدرك المرض المعنويّ أو لا يراه مرضا بواسطة ابتلائه بالتّلذّذات الفانية وانغماسه فيها كذلك عقل المعاد لا يحسّ الأمراض الصّوريّة ولا يعدّها أمراضا بسبب رجائه المثوبات الاخرويّة عقل المعاش قصير النّظر وعقل المعاد حديد البصر عقل المعاد نصيب الأنبياء والأولياء عليهم الصّلاة والسّلام وعقل المعاش مرغوب الأغنياء وأرباب الدّنيا شتّان ما بينهما. والأسباب المحصّلة لعقل المعاد ذكر الموت وتذكّر أحوال الآخرة ومجالسة قوم تشرّفوا بدولة فكر الآخرة، (شعر): دللتك يا هذا على كنز مقصد ... فإن أنا لم أبلغ لعلّك تبلغ ينبغي أن يعلم كما أنّ مرض الظّاهر موجب للعسرة والتّعب في أداء الأحكام الشّرعيّة كذلك مرض الباطن أيضا مستلزم لذلك قال الله تبارك وتعالى (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) وقال سبحانه وتعالى (وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ) والمستلزم لذلك العسر في الظّاهر ضعف القوى والجوارح وفي الباطن ضعف اليقين ونقص الإيمان وإلّا فليس في التّكاليف الشّرعيّة عسر أصلا بل فيها كلّها تخفيف وتمام اليسر والسّهولة وقوله تعالى (يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقوله تعالى (يُرِيدُ الله أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا) شاهدان عدلان لهذا المعنى، (شعر): ما ضرّ شمس الضّحى في الافق طالعة ... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر فكان فكر إزالة هذا المرض لازما والإلتجاء إلى الأطبّاء الحذّاق فرضا ما عَلَى الرَّسُولِ إِلّا الْبَلاغُ (1) والسّلام والإكرام. (220) المكتوب العشرون والمائتان إلى الشّيخ حميد البنكاليّ في بيان بعض أغلاط الصّوفيّة وبيان منشأ غلطاتهم الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين. اعلم أنّ أحوال فقراء هذا الجانب وأوضاعهم موجبة لازدياد الشّكر يوما فيوما ونتوقّع ذلك في حقّ الأحباب PageV01P258 النّائين (أيّها العزيز) إنّ مزلّة أقدام السّالكين في هذا الطّريق الّذي هو طريق غيب الغيب كثيرة ينبغي للسّالك أن يعيش محافظا على حبل الشّريعة في الاعتقاديّات والعمليّات وهذا نصيحتي في الحضور والغيبة على فرض وقوع الغفلة وها أنا أكتب بعض أغلاط هذا الطّريق وأعيّن منشأ الغلط ينبغي ملاحظته بنظر الإعتبار ويعمل فيما وراء الجزئيّات المذكورة بمقياسها. (اعلم) أنّ بعضا من أغلاط الصّوفيّة هو أنّ السّالك يجد نفسه أحيانا في مقامات العروج فوق قوم ثبتت أفضليّتهم عليه بإجماع العلماء ومقامه دون مقامات هؤلاء الأكابر في الحقيقة يقينا بل ربّما يكون هذا الإشتباه بالنّسبة إلى الأنبياء عليهم السّلام الّذين هم أفضل الخلائق قطعا عياذا بالله سبحانه من هذا الإشتباه ومنشأ غلط هؤلاء الجماعة هو أنّ نهاية عروج الأنبياء والأولياء أوّلا إلى أسماء الهيّة هي مبادي تعيّنات وجودهم وبهذا العروج يتحقّق اسم الولاية ويستحقّه السّالك والعروج ثانيا في تلك الأسماء ثمّ من تلك الأسماء إلى ما شاء الله تعالى ولكن مأوى كلّ واحد منهم ومرجعهم ومنزلهم مع وجود هذا العروج هو ذلك الإسم الّذي هو مبدأ تعيّن وجوده ولهذا إذا طلبهم سالك في مقامات العروج يجدهم في تلك الأسماء فإنّ مكان هؤلاء الأكابر الطّبيعيّ في مراتب العروج هو هذه الأسماء والعروج والهبوط منها بواسطة العوارض فالسّالك العالي الفطرة إذا وقع سيره فوق الأسماء لا جرم يترقّى على أعلى من الأسماء الّتي هي مبادي تعيّنات الأنبياء وسائر الأولياء الكبار فحينئذ يظهر ذلك التّوهّم عياذا بالله سبحانه من أن يزيل ذلك التّوهّم اليقين السّابق ويورث الإشتباه في أفضليّة الأنبياء عليهم السّلام وأولويّة الأولياء رضي الله عنهم وقد ثبت أفضليّتهم وأولويّتهم بالإجماع وهذا المقام من مزالّ أقدام السّالكين ولا يدري السّالك في ذلك الوقت أنّ هؤلاء الأكابر قد عرجوا من تلك الأسماء عروجات غير متناهية وبلغوا محلّا لا يمكن العروج فوقه ولم يعرف أنّ تلك الأسماء أمكنتهم الطّبيعيّة وله أيضا مكان طبيعيّ هناك أدون من تلك الأسماء وأنزل فإنّ أفضليّة كلّ شخص باعتبار أقدميّة الإسم الّذي كان مبدأ لتعيّنه ومن هذا القبيل ما قال بعض المشائخ إنّ العارف لا يجد البرزخيّة الكبرى حائلة في مقامات العروج أحيانا ويترقّى من غير وساطتها قال حضرة شيخنا إنّ رابعة كانت من هذه الجماعة أيضا وهؤلاء الجماعة لمّا تجاوزوا وقت العروج الإسم الّذي هو مبدأ تعيّن البرزخيّة الكبرى إلى ما فوقه توهّموا أنّ البرزخيّة الكبرى لم تبق حائلة في البين وأرادوا بالبرزخيّة الكبرى حقيقة خاتم الرّسالة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وحقيقة المعاملة هي أنّهم قد جاوزوها إلى ما فوقها (ومنشأ غلط طائفة أخرى) هو أن سير السّالك إذا وقع على اسم هو مبدأ تعيّنه وذلك الإسم جامع لجميع الأسماء على سبيل الإجمال فإنّ جامعيّة الإنسان إنّما هي بسبب جامعيّة ذلك الإسم فبالضّرورة يقطع في ضمن ذلك الإسم الأسماء الّتي كانت مبادي تعيّنات مشائخ أخر بالسّير الإجماليّ ويتجاوز كلّ واحد منها حتّى ينتهي سيره إلى منتهى ذلك الإسم فيتوهّم حينئذ تفوّقه إيّاهم ولا يدري أنّ ما يراه من مقامات المشائخ الّتي تعدّاها إنّما هي انموذج مقاماتهم لا حقيقتها وحيث PageV01P259 انّه وجد نفسه جامعا وظنّ الآخرين أجزاءه فلا جرم يورث ذلك توهّم أولويّته. وقال شيخ بسطام في هذا المقام من غلبة السّكر: لوائي أرفع من لواء محمّد ولم يدر أنّ أرفعيّة لوائه ليست هي بالنّسبة إلى لواء محمّد صلّى الله عليه وسلّم بل بالنّسبة إلى أنموذجه الّذي صار مشهودا له في ضمن حقيقة اسمه ومن هذا القبيل ما قاله هو أيضا مخبرا عن وسعة قلبه إذا ألقي العرش وما فيه في زاوية قلب العارف لا يكون محسوسا أصلا وهنا أيضا اشتباه الأنموذج بالحقيقة والّا فالعرش الّذي قال الحقّ سبحانه في حقّه إنّه عظيم أيّ اعتبار وأيّ مقدار لقلب العارف في جنبه والظّهور الّذي في العرش ليس في القلب عشر عشيره ولو كان ذلك القلب قلب عارف والرّؤية الاخرويّة تتحقّق بالظّهور العرشيّ يعني تكون مثله وهذا الكلام وإن كان اليوم ثقيلا على بعض الصّوفيّة ولكنّه يكون معلوما لهم في الآخر. (ولنوضّح) هذا المبحث بمثال وهو أنّ الإنسان جامع لما في عالم العناصر والأفلاك فإذا وقع نظره على جامعيّة نفسه ورأى العناصر والأفلاك أجزاء نفسه وغلب عليه هذه الرّؤية فلا يبعد أنّ يقول إنّي أكبر من كرة الأرض وأعظم من السّموات ففي هذا الوقت يفهم العقلاء أكبريّته وأعظميّته بالنّسبة إلى أجزاء نفسه فإنّ الكلّ أعظم من الجزء وأكر الأرض والسّموات ليست من أجزائه في الحقيقة بل جعلت انموذجاته أجزاءه وأكبريّته إنّما هي بالنّظر إلى تلك الأنموذجات الّتي هي أجزاؤه بالنّظر إلى أكر الأرض والسّموات وبسبب هذا الإشتباه يعني اشتباه أنموذج شيء بحقيقته قال صاحب الفتوحات المكّيّة إنّ الجمع المحمّديّ أجمع من الجمع الإلهيّ فإنّ الجمع المحمّديّ مشتمل على الحقائق الكونيّة والإلهيّة فيكون أجمع ولم يدر أنّ ذلك اشتمال ظلّ من ظلال مرتبة الالوهيّة وأنموذج من أنموذجاتها لا أنّه مشتمل على حقيقة تلك المرتبة المقدّسة فإنّه لا مقدار للجمع المحمّديّ بالنّسبة إلى تلك المرتبة المقدّسة الّتي العظمة والكبرياء من لوازمها ما للتّراب وربّ الأرباب (وأيضا) إنّ في هذا المقام الّذي يقع فيه سير السّالك على اسم هو ربّه يظنّ أحيانا أنّ بعض الأكابر الّذين هم أفضل منه يقينا قد وصلوا بتوسّطه إلى بعض الدّرجات الفوقانيّة وترقّوا بتوسّله وهذا أيضا من مزالّ أقدام السّالكين عياذا بالله سبحانه منه حيث يرى نفسه أفضل بهذا الكمال ويقع في الخسارة وأيّ عجب وأيّة فضيلة إذا سار السّلطان عظيم الشّان تامّ البرهان تحت نصرة واحد من وزرائه الّذي هو تحت حكومته وطاعته ووصل بتوسّط ذلك الوزير إلى بعض المحلّات وفتح بتوسّله بعض البلاد والمواضع. غاية ما في الباب أنّ هنا احتمال فضل جزئيّ وهو خارج عن المبحث فإنّ كلّ حجّام وحائك له فضل من بعض وجوه مخصوص به على عالم ذي فنون وحكيم حاذق ولكنّ ذاك الفضل خارج من حيّز الإعتبار والمعتبر إنّما هو الفضل الكلّيّ الّذي هو ثابت للعالم والحكيم وقد وقع لهذا الدّرويش من هذه الاشتباهات كثير ونشأ منها تخيّلات كثيرة وكانت تلك الحالة فيه مدّة كثيرة ومع ذلك كان حفظ الحقّ سبحانه شامل حاله فلم يطرأ على يقينه السّابق مقدار شعرة من التّذبذب ولم يتطرّق الفتور إلى الإعتقاد PageV01P260 المجمع عليه لله سبحانه المنّة على ذلك وعلى جميع نعمائه وما ظهر على خلاف المجمع عليه اسقطه عن حيّز الإعتبار وصرفه إلى محامل حسنة وعلم بالعلم الإجماليّ هذا القدر أنّ هذه الزّيادة المشهودة في الكشف تكون راجعة على تقدير صحّته إلى الفضل الجزئيّ وإن تعارض ذلك وسوسة أنّ مدار الفضل على القرب الإلهيّ جلّ سلطانه وهذه الزّيادة من ذلك القرب فكيف تكون فضلا جزئيّا ولكن صارت هذه الوسوسة في جنب اليقين السّابق هباء منثورا ولم يبق لها اعتبار أصلا بل التجأ إليه تعالى بالتّوبة والإستغفار والإنابة والإنكسار ودعا له سبحانه بالتّضرّع والإبتهال لئلّا يظهر له مثل هذه الكشوف وكيلا ينكشف له ما يخالف معتقدات أهل السّنّة والجماعة مقدار شعرة وقد غلب يوما خوف الموآخذة بهذه الكشوف والمسئوليّة عن هذه التّوهّمات وأزالت غلبة هذا الخوف عنّي القرار وأورثتني القلق والإضطراب فصار الإلتجاء والتّضرّع إلى جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه أضعافا مضاعفة وامتدّت تلك الحالة إلى مدّة مديدة فاتّفق في ذلك الوقت مروري على قبر واحد من الأعزّة فاستمددت به واستعنت في هذه المعاملة فأدركتني في تلك الأثناء عناية الحقّ جلّ شأنه وانكشفت حقيقة المعاملة كما ينبغي وحضرت في ذلك الوقت روحانيّة خاتم الرّسالة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام الّذي هو رحمة للعالمين فسلّى الخاطر الحزين وصار معلوما لي تشريف آن نعم إنّ القرب الإلهيّ موجب للفضل الكلّيّ ولكنّ هذا القرب الّذي حصل لك قرب ظلّ من ظلال مراتب الالوهيّة مخصوص باسم هو ربّك فلا يكون ذلك القرب موجبا للفضل الكلّيّ وانكشفت صورة هذا المقام المثاليّة على نهج لم يبق محلّ للرّيب فزال التّوهّم بالكلّيّة وقد كتب هذا الدّرويش في كتبه ورسائله بعض العلوم الّتي فيها محلّ اشتباه وفيها مجال للتّأويل والتّوجيه فلمّا صرت مبشّرا بذلك أردت أن أكتب منشأ أغلاط تلك العلوم على وفق ما لاح لي بمحض فضل الحقّ جلّ شأنه وأنشره فإنّ الذّنب المشتهر لا بدّ له من اشتهار التّوبة لئلّا يفهم النّاس من تلك العلوم خلاف الشّريعة فيقعوا بالتّقليد على الضّلالة وكيلا يسلكوا مسلك التّضليل والتّجهيل بالتّعصّب والتّكلّف فإنّ أمثال هذه الأزهار تتفتّق كثيرا في هذا الطّريق الّذي هو طريق غيب الغيب فجماعة تؤدّيهم إلى الهداية وطائفة تؤدّيهم إلى الضّلالة وقد سمعت والدي الماجد قدّس سرّه يقول: إنّ منشأ ضلالة أكثر المبتدعين من اثنين وسبعين فرقة وخروجهم عن الصّراط المستقيم هو أنّهم دخلوا في طريق الصّوفيّة ولم يقفوا على حقيقة الأمر ولم يتمّوا السّلوك فغلطوا وضلّوا والسّلام. (221) المكتوب الحادي والعشرون والمائتان إلى السّيّد حسين المانك?وريّ في خصائص الطّريقة النّقشبنديّة وأفضليّتها على سائر الطّرق ومدح أهلها وما يناسبه الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله الطّاهرين أجمعين لعلّ الأخ الأعزّ معدن السّيادة المير حسين لم ينس النّائين المهجورين وعساه لم يضيّع رعاية آداب هذه الطّريقة العليّة الّتي PageV01P261 هي ممتازة من بين سائر طرق المشائخ الكرام من وجوه وقد كان مدّة ملاقاتكم وفرصة صحبتكم قليلة جدّا فبناء على ذلك أردت أنّ أحرّر بعض خصائص هذه الطّريقة العليّة وكمالاتها في ضمن علوم عالية ومعارف سامية وإن كنت أعلم أنّ إدراك هذا القسم من العلوم والمعارف بالفعل بعيد عن أذهان المستمعين ولكنّ إظهار أمثال هذه المعارف مبنيّ على ملاحظة أمرين أحدهما أنّ في المستمعين استعدادا لهذه العلوم وأن ترى بعيدة عن شأنهم بالفعل وثانيتهما أنّ المخاطب وإن كان واحدا معيّنا في الظّاهر ولكنّ المخاطب في الحقيقة شخص هو محرّم لهذه المعاملة السّيف للضّارب مثل مشهور (أيّها الأخ) إنّ رأس سلسلة هذه الطّريقة السّنيّة ورئيس أهلها هو الصّدّيق الأكبر رضي الله عنه الّذي هو أفضل جميع بني آدم بعد الأنبياء عليهم السّلام على التّحقيق وبهذا الإعتبار وقع في عبارة أكابر هذه الطّريقة أنّ نسبتنا فوق جميع النّسب فإنّ نسبتهم الّتي هي عبارة عن الحضور والشّعور الخاصّ هي بعينها نسبة الصّدّيق وحضوره الّذي فوق جميع الحضور وفي هذا الطّريق اندراج النّهاية في البداية قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه: نحن ندرج النّهاية في البداية، (ع): وقس من حال بستاني ربيعي * (فإن قيل): إذا كانت نهاية غيرهم مندرجة في نهايتهم فما تكون نهايتهم وأيضا إذا كانت نهاية غيرهم الوصول إلى الحقّ سبحانه فإلى أين يكون سيرهم من الحقّ ليس وراء عبادان قرية مثل مشهور (أجيب) أنّ نهاية هذه الطّريقة إن تيسّرت هي الوصل العريان الّذي علامة حصوله حصول اليأس من حصول المطلوب فافهم فإنّ كلامنا إشارة لا يدركها الّا الأقلّ من الخواصّ بل من أخصّ الخواصّ وإنّما ذكرنا علامة حصول تلك الدّولة العظمى فإنّ جمعا من هذه الطّائفة باحوا بالوصل العريان وطائفة أخرى قالوا باليأس من حصول المطلوب وأذعنوا بالحرمان ولكن إذا عرض عليهم الجمع بين هاتين الدّولتين يكادون يظنّونه جمعا بين الضّدّين ويعدّونه من المحالات والّذين يدّعون الوصل يرون اليأس حرمانا والّذين يدّعون اليأس يظنّون الوصل عين الفصل وهذا كلّه علامة عدم الوصول إلى تلك المنزلة العليا. غاية ما في الباب أنّه قد أشرق على بواطنهم شعاع من ذاك المقام العالي فظنّه جمع وصلا وجمع آخر يأسا وهذا التّفاوت نشأ من جهة استعداد كلّ منهم فإنّ المناسب لاستعداد طائفة وصل والموافق لاستعداد طائفة أخرى يأس واستعداد اليأس أحسن عند الفقير من استعداد الوصل وإن كان كلّ من الوصل واليأس هناك ملازما للآخر (وجواب) الإعتراض الثّاني أيضا صار لائحا من هذا الجواب فإنّ الوصل المطلق غير الوصل العريان شتّان ما بينهما ونعني بالوصل العريان رفع الحجب كلّها وزوال الموانع بأسرها ولمّا كان أعظم الحجب وأقواها هي التّجلّيات المتنوّعة والظّهورات المختلفة لا بدّ من أن تنقضي وتتمّم تلك التّجلّيات والظّهورات بتمامها سواء كان التّجلّي والظّهور في المرايا الإمكانيّة أو المجالى الوجوبيّة فإنّهما في حصول الحجب بهما سيّان وإن كان بينهما تفاوت بالشّرف والرّتبة فإنّه خارج من نظر الطّالب. (فإن قيل) يلزم من هذا البيان أن يكون للتّجلّيات نهاية وقد صرّح المشائخ بأنّه لا نهاية PageV01P262 للتّجلّيات (أجيب) أنّ عدم نهاية التّجلّيات إنّما هو على تقدير وقوع السّير في الأسماء والصّفات بالتّفصيل وعلى هذا التّقدير لا يتيسّر الوصول إلى حضرة الذّات تعالت وتقدّست ولا يحصل الوصل العريان فإنّ الوصول إلى حضرة الذّات تعالت وتقدّست منوط بطيّ الأسماء والصّفات على سبيل الإجمال فتكون إذا للتّجلّيات نهاية. (فإن قيل) قد قيل بعدم نهاية التّجلّيات الذّاتيّة أيضا كما صرّح به مولانا العارف الجاميّ في شرح اللّمعات فكيف يستقيم القول بنهاية التّجلّيات (أجيب) أنّ تلك التّجلّيات الذّاتيّة ليست بلا ملاحظة الشّئون والإعتبارات أيضا فإنّ التّجلّي لا يمكن بدون ملاحظتها وما نحن في صدد بيانه أمر يكون فيما وراء التّجلّيات صفاتيّة كانت تلك التّجلّيات أو ذاتيّة فإنّ إطلاق التّجلّي غير جائز في ذلك الموطن أيّ تجلّ كان لأنّ التّجلّي عبارة عن ظهور شيء في مرتبة ثانية أو ثالثة أو رابعة إلى ما شاء الله تعالى وقد سقطت المراتب هنا بأسرها وطويت المسافة بتمامها (فإن قيل) فبأيّ اعتبار قيل لتلك التّجلّيات ذاتيّة (أجيب) أنّ التّجلّيات إن كانت بملاحظة معان زائدة يعني على الذّات فهي التّجلّيات الصّفاتيّة وإن كانت بملاحظة معان غير زائدة فهي التّجلّيات الذّاتيّة ولهذا قيل لمرتبة الوحدة الّتي هي التّعيّن الأوّل وليست بزائدة على الذّات تجلّيا ذاتيّا ومطلبنا حضرة الذّات تعالت وتقدّست ولا مجال لملاحظة المعاني في ذلك الموطن أصلا سواء كانت المعاني زائدة أو لا فإنّ المعاني قد طويت بالكلّيّة بطريق الإجمال وتيسّر الوصول إلى حضرة الذّات المقدّسة المتعالى (ينبغي) أن يعلم أنّ الوصل في ذلك الموطن منزّه عن الكيف والمثال كالمطلب والإتّصال الّذي يدركه العقل ويفهمه خارج عن المبحث وغير لائق بذلك الجناب المقدّس فإنّه لا سبيل للمثاليّ إلى المنزّه عن المثال لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه (قال في المثنوىّ)، (شعر): إنّ للرّحمن مع أرواح ناس ... اتّصالا دون كيف أو قياس ولم يخبر أحد من مشائخ هذه الطّريقة العليّة عن نهاية طريقه وقد أخبروا عن ابتداء طريقهم حيث قالوا إنّ فيه اندراج النّهاية في البداية فإذا كانت بدايتهم ممتزجة بالنّهاية فنهايتهم أيضا ينبغي أن تكون مناسبة لبدايتهم وتلك النّهاية هي ما امتاز الفقير بإظهارها، (شعر): فإذا أتى باب العجوز خليفة ... إيّاك يا صاح ونتف سبالكا لله سبحانه وتعالى الحمد والمنّة على ذلك (أيّها الأخ) إنّ الواصلين إلى هذه النّهاية من أرباب هذا الطّريق الّذين هم أقلّ من القليل بالنّسبة إلى أصحاب طرق أخر لو عددت أفرادهم يكاد المقرّبون يطلبون التّباعد ويستبعده المبعدون بالإنكار والتّعاند وأيّ استبعاد هناك فإنّ كلّ ذلك لكمال الوصول إلى نهاية النّهاية بتفضّل حبيبه عليه الصّلاة والسّلام ومن جملة خصائص هذه الطّريقة العليّة السّفر في الوطن الّذي هو عبارة عن السّير الأنفسيّ والسّير الأنفسيّ وإن كان ثابتا في طريق جميع المشائخ ولكنّه يتيسّر في طريقهم في النّهاية بعد قطع السّير الآفاقيّ بخلاف هذا الطّريق فإنّ الإبتداء فيه من هذا السّير والسّير PageV01P263 الآفاقيّ إنّما يقطع في ضمنه ومنشأ حصول هذا السّير في الإبتداء هو اندراج النّهاية في البداية (وخاصّة أخرى) لهذا الطّريق الخلوة في الجلوة الّتي هي متفرّعة على تيسّر السّفر في الوطن فيسافر في بيت الخلوة الوطنيّ في عين تفرقة الخلوة ولا يتطرّق تفرقة الآفاق إلى حجرة الأنفس وهذه الخلوة وإن كانت متيسّرة لمنتهى طرق أخر ولكن لمّا تيسّرت في هذا الطّريق في الإبتداء صارت من خواصّ هذا الطّريق (وينبغي أن يعلم) أنّ الخلوة في الجلوة إنّما هي على تقدير غلق أبواب بيت الخلوة الوطنيّ وسدّ طاقاته يعني لا يلتفت في تفرقة الجلوة إلى أحد ولا يكون مخاطبا فيها ولا متكلّما لا أنّه يغمض عينيه ويعطّل بالتّكلّف حواسّه فإنّ ذلك مناف لهذا الطّريق (أيّها الأخ) إنّ كلّ هذا التّمحّل والتّكلّف إنّما هو في الإبتداء والوسط وأمّا في الإنتهاء فلا شيء يلزم فيه من هذه التّمحّلات بل فيه جمعيّة في عين التّفرقة وحضور في نفس الغفلة ولا يتوهّم أحد من هذا أنّ التّفرقة وعدم التّفرقة متساويتان في حقّ المنتهي مطلقا فإنّ الأمر ليس كذلك بل المراد أنّ التّفرقة وعدم التّفرقة متساويتان في حصول نفس جمعيّة الباطن ومع ذلك لو جمع الظّاهر مع الباطن ودفعت التّفرقة أيضا عن الظّاهر لكان أولى وأنسب قال الله سبحانه إرشادا لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم: واُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (1). (وينبغي) أن يعلم أنّه لا يكون في بعض الأوقات بدّ من تفرقة الظّاهر لتؤدّى حقوق الخلق فصارت تفرقة الظّاهر مستحسنة أيضا في بعض الأوقات وأمّا تفرقة الباطن فليست بجائزة في وقت من الأوقات أصلا فإنّه خالص للحقّ سبحانه فكانت ثلاثة حصص من العباد المسلمين للحقّ سبحانه تمام الباطن ونصف الظّاهر والنّصف الثّاني منه بقي لأداء حقوق الخلق ولكن لمّا كان في أداء تلك الحقوق امتثال أوامر الحقّ سبحانه كان ذلك النّصف الآخر أيضا راجعا إلى الحقّ سبحانه إليه يرجع الأمر كلّه فاعبده وتوكّل عليه وما ربّك بغافل عمّا تعملون (وفي) هذا الطّريق تقدّم الجذبة على السّلوك وابتداء السّير من عالم الأمر لا من عالم الخلق بخلاف أكثر طرق أخر وقطع منازل السّلوك مندرج فيه في ضمن طيّ معارج الجذبة. وسير عالم الخلق ميسّر في ضمن سير عالم الأمر فبهذا الإعتبار لو قيل إنّ في هذا الطّريق اندراج النّهاية في البداية لساغ فعلم من البيان السّابق آنفا أنّ سير الإبتداء (2) مندرج في هذا الطّريق في سير الإنتهاء لا انّهم ينزلون من سير الإبتداء إلى سير الإنتهاء ويسيرون في البداية بعد تمام سير النّهاية فبطل زعم من قال إنّ نهاية هذا الطّريق بداية طرق سائر المشائخ. (فإن قيل) قد وقع في عبارة بعض مشائخ هذه الطّريقة أنّ سيرهم في الأسماء والصّفات يقع بعد تمام نسبتهم فصحّ أنّ نهايتهم بداية غيرهم فإنّ السّير في الأسماء والصّفات في الإبتداء بالنّسبة إلى السّير في التّجلّيات الذّاتيّة (أجيب) أنّ السّير في PageV01P264 الأسماء والصّفات ليس هو بعد السّير في التّجلّيات الذّاتيّة بل يقع ذاك السّير يعني السّير في الأسماء والصّفات في ضمن هذا السّير يعني السّير في التّجلّيات الذّاتيّة غاية ما في الباب أنّ السّير الأسمائيّ والصّفاتيّ كلّما ظهر بسبب عروض بعض العوارض يستتر سير التّجلّيات الذّاتيّة ويتخيّل أنّه قد تمّ وشرع في التّجلّيات الأسمائيّة والصّفاتيّة وليس كذلك نعم قد يقع الرّجوع إلى العالم بعد تمام السّير في مدارج الولاية لدعوة الخلق إلى الحقّ جلّ وعلا فإنّ زعم ذلك الرّجوع نهايتهم وتخيّله بدايته فليس ذلك ببعيد ولكنّه ما يقول في مشائخه فإنّ لهم أيضا هذا الرّجوع في النّهاية (وأيضا) إنّ المراد بالبداية والنّهاية بداية الولاية ونهايتها وسير هذا الرّجوع لا تعلّق له بالولاية بل هو نصيب من مرتبة الدّعوة والتّبليغ وهذا الطّريق أقرب الطّرق وموصّل ألبتّة قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه: إنّ طريقنا أقرب الطّرق وقال سألت الحقّ سبحانه طريقا يكون موصّلا البتّة وصار سؤاله هذا مقرونا بالإجابة كما نقله في الرّشحات عن الخواجه أحرار قدّس سرّه وكيف لا يكون أقرب وموصّلا وقد اندرج الإنتهاء في ابتدائه فيا شقاوة من يدخل في هذا الطّريق ثمّ لا يقدر على الإستقامة عليه ويبقى بلا نصيب منه، (شعر): ما ضرّ شمس الضّحى في الافق طالعة ... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر نعم إذا وقع الطّالب في يد النّاقص فما ذنب الطّريق وما تقصير الطّالب فإنّ الموصّل في الحقيقة دليل هذا الطّريق لا نفس هذا الطّريق (وفي ابتداء) هذا الطّريق حلاوة ووجدان وفي انتهائه مرارة وفقدان وهو من لوازم اليأس بخلاف طرق اخر فإنّ في ابتدائها مرارة وفقدانا وفي انتهائها حلاوة ووجدانا (وأيضا) في ابتداء هذا الطّريق قرب وشهود وفي انتهائه بعد وحرمان بخلاف طرق سائر المشائخ الكرام ينبغي أن يقيس تفاوت الطّرق من هنا وأن يعرف علوّ هذا الطّريق العالي لأنّ القرب والشّهود والحلاوة والوجدان كلّ ذلك يخبر عن البعد والحرمان بخلاف المرارة والفقدان فإنّهما ينبئان عن نهاية القرب فهم من فهم ولنكشف في شرح هذا السّرّ هذا القدر وهو أنّه لا أقرب إلى أحد من نفسه ونسبة القرب والشّهود والحلاوة والوجدان مفقودة في حقّ نفسه وهي موجودة في حقّ غيره مع أنّ بينهما مباينة والعاقل تكفيه الإشارة (وأكابر) هذه الطّريقة العليّة جعلوا الأحوال والمواجيد تابعة للأحكام الشّرعيّة واعتقدوا أنّ الأذواق والمعارف خادمة للعلوم لا يعوّضون الجواهر النّفيسة الشّرعيّة بجوز الوجد وموز الحال مثل الأطفال ولا يغترّون بترّهات الصّوفيّة ولا يقبلون الأحوال الّتي تحصل بارتكاب المحظورات الشّرعيّة وخلاف السّنّة السّنيّة ولا يريدون ولهذا لا يجوّزون السّماع والرّقص ولا يقبلون على ذكر الجهر حالهم على الدّوام ووقتهم مستمرّ ومستدام التّجلّي الذّاتيّ الّذي هو كالبرق لغيرهم دائميّ في حقّهم والحضور الّذي في قفاه غيبة ساقط عن حيّز الإعتبار عند هؤلاء الأكابر بل معاملتهم فوق الحضور والتّجلّي كما مرّت الإشارة إليها. قال حضرة الخواجه أحرار قدّس سرّه إنّ أكابر هذه السّلسلة العليّة لا يقاسون على كلّ زرّاق ورقّاص فإنّ معاملتهم ونسبتهم عالية جدّا (والمشيخة والمريديّة) في هذا الطّريق PageV01P265 بتعليم الطّريقة وتعلّمها لا بالكلاه والشّجرة كما أنّ ذلك صار رسما في طرق أكثر المشايخ حتّى أنّ متأخّريهم جعلوا المشيخة والمريديّة منحصرة في الكلاه والشّجرة ومن ههنا لا يجوّزون تعدّد الشّيخ ويسمّون معلّم الطّريقة مرشدا لا شيخا ولا يراعون آداب المشائخ معه حقّ رعايتها وهذا من كمال جهالتهم ونقصان عقولهم أو لا يعلمون أن مشائخهم قالوا لشيخ التّعليم وشيخ الصّحبة أيضا شيخا وجوّزوا تعدّد الشّيخ بل قالوا إذا رأى الطّالب رشده في محلّ آخر جاز له أن يختار شيخا آخر ولو في حياة شيخه الأوّل بلا إنكار عليه وقد أخذ الخواجه النّقشبند فتوى صحيحا من علماء بخارى في تجويز هذا المعنى نعم إذا لبس من شيخ خرقة الإرادة لا يلبسها من غيره وأمّا خرقة التّبرّك فلا مانع من لبسها ولا يلزم من ذلك أن لا يتّخذ شيخا آخر أصلا بل يجوز أن يلبس خرقة الإرادة من شيخ وأن يتعلّم الطّريقة من آخر وأن يصحب ثالثا ولكن إن تيسّرت هذه الدّول الثّلاث من واحد فهي نعمة عظيمة ويجوز أن يستفيد التّعليم من مشايخ متعدّدة وكذلك له أن يصحب مشائخ متعدّدة (وينبغي) أن يعلم أنّ الشّيخ هو من يري المريد طريق الحقّ سبحانه وتعالى وهذا المعنى ملحوظ وموجود في تعليم الطّريقة بل أزيد وأوضح وشيخ التّعليم هو أستاذ الشّريعة ودليل الطّريقة أيضا بخلاف شيخ الخرقة فينبغي إذا رعاية آداب شيخ التّعليم حقّ رعايتها وأن يكون هو أحقّ باسم الشّيخوخة (والرّياضات) والمجاهدات في هذا الطّريق إنّما هي بإتيان الأحكام الشّرعيّة والتزام متابعة السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة فإنّ المقصود من إرسال الرّسل وإنزال الكتب رفع أهواء النّفس الأمّارة الّتي انتصبت لمعاداة مولاها جلّ سلطانه فصار رفع أهواء النّفس مربوطا بإتيان الأحكام الشّريعة وكلّ من كان أرسخ في إتيان الأحكام الشّرعيّة يكون أبعد عن هواء النّفس الشّقيّة فإذا لا يكون شيء أشقّ على النّفس الأمّارة من امتثال الأوامر الشّرعيّة واجتناب مناهيها ولا يتصوّر انكسار بدون تقليد صاحب الشّريعة وما يختارون من الرّياضات والمجاهدات وراء تقليد السّنّة فليست هي بمعتبرة فإنّ جوكيّة الهنود وبراهمهم وفلاسفة اليونان شركاء في ذلك الأمر ولا تزيد الرّياضات في حقّهم شيئا غير الضّلالة والخسارة (وتسليك) الطّالب في هذا الطّريق مربوط بتصرّف الشّيخ المقتدى به لا يفتح الأمر بدون تصرّفه فإنّ اندراج النّهاية في البداية أثر من آثار توجّهه الشّريف وحصول المعنى المنزّه عن الكيف والمثال نتيجة كمال تصرّفه المنيف وكيفيّة الغيبة والذّهول الّتي اعتبروها طريقا مخفيّا ليس حصولها في اختيار المبتدئ والتّوجّه العاري عن الجهات السّتّ ليس وجوده في حوصلة الطّالب، (شعر): ما أحسن النّقشبنديّين سيرتهم ... يمشون بالرّكب مخفيّين للحرم PageV01P266 وكما أنّ في هؤلاء الأكابر قدرة كاملة على إعطاء النّسبة حيث أنّهم يمنحون الطّالب الصّادق بالحضور والشّعور في مدّة قليلة كذلك فيهم قدرة تامّة على سلب تلك النّسبة فهم يجعلون صاحب النّسبة مفلسا بترك أدب واحد نعم إنّ الّذين يعطون يأخذون أعاذنا الله سبحانه من غضبه ومن غضب أوليائه (وأكثر) الإفادة والإستفادة في هذا الطّريق بالسّكوت وقالوا من لم ينتفع بسكوتنا كيف ينتفع بكلامنا وهذا السّكوت لم يختاروه بالتّكلّف بل هو من لوازم طريقهم فإنّ ابتداء توجّه هؤلاء الأكابر إلى الاحديّة المجرّدة لا يريدون بالإسم والصّفة غير الذّات ومعلوم أنّ المناسب والملائم لهذا المقام هو السّكوت والخرس " من عرف الله كلّ لسانه " مصداق لهذا الكلام ولنختم هذه المقالة بحمد الله سبحانه وبصلاة حبيبه الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله الطّاهرين أجمعين والسّلام. (222) المكتوب الثّاني والعشرون والمائتان إلى الخواجه محمّد أشرف الكابليّ في بيان سوء الأحوال ورؤية القصور في الأعمال واتّهام النّيّات في الحسنات وما يناسبه اللهمّ وفّقنا لمرضاتك وثبّتنا على طاعتك بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام قال واحد من الكبراء إنّ المريد الصّادق من لا يكتب عليه كاتب شماله شيئا مدّة عشرين سنة وهذا الفقير المملوّ بالتّقصير يجد نفسه بالذّوق والوجدان بحيث لا يدري أنّ كاتب يمينه وجد له حسنة يدرجها في صحيفة أعماله منذ عشرين سنة علم الله سبحانه أنّه لا يقول هذا الكلام بالتّصنّع ويجد بالذّوق أيضا أنّ كفّار الإفرنج أفضل منه بمراتب فإن سئل عن لمّيّته لا يعجز عن الجواب ويرى نفسه أيضا بطريق الذّوق محاطا بالخطيئات ومشمولا بالسّيّئات وما وجد فيه من الحسنات يرى أنّ كاتب شماله أحقّ بكتابته ويرى أنّ كاتب شماله مشغول أبدا وكاتب يمينه معطّل وفارغ سرمدا ويعلم أنّ صحيفة يمينه خالية وصحيفة شماله مملوءة لا رجاء له سوى الرّحمة ولا ممدّ له سوى المغفرة دعاء اللهمّ مغفرتك أوسع من ذنوبي ورحمتك أرجى عندي من عملي موافق حاله والعجب أنّ الفيوضات الإلهيّة والواردات الرّحمانيّة فائضة على الدّوام في مدارج الكمال والتّكميل وتلك الواردات تؤيّد رؤية القصور المذكورة وتقوّي مشاهدة العيوب المسطورة وتزيد مكان العجب منقصة ومحلّ التّرفّع تواضعا وتنزّلا ففي آن واحد مشرّف بكمالات الولاية وفي ذلك الآن متّصف أيضا برؤية القصور والنّقصان وكلّما يعرج ويتفوّق يرى نفسه أسفل بل يكون عروجه وتفوّقه سببا لرؤية تنزّله وتسفّله يصدّق الظّرفاء ذلك أم لا فإن اطّلعوا على سرّه فلعلّهم يصدّقون (فإن قيل) ما سرّ اجتماع هذين المتنافيين وكيف يكون وجود أحد المتنافيين سببا لوجود الآخر. PageV01P267 (الجواب) أنّ استحالة اجتماع المتنافيين مشروطة باتّحاد المحلّ وفيما نحن فيه المحلّ متعدّد فإنّ الذّاهب إلى فوق لطائف عالم الأمر من الإنسان الكامل والنّازل إلى تحت لطائف عالم الخلق منه فإنّه كلّما يذهب عالم الأمر إلى فوق يكون مناسبته لعالم الخلق أقلّ وأنقص وتقلّل تلك المناسبة وتنقّصها يكون سببا لتنزّل عالم الخلق وكلّما يتنزّل عالم الخلق ويتسفّل يجعل السّالك فاقد الحلاوة ويزيده رؤية العيوب والنّقائص ولهذا يتمنّى المنتهون الإلتذاذ الّذي كان ميسّرا لهم في الإبتداء ثمّ زال عنهم في الإنتهاء وعرض مكانه فقدان الإلتذاذ وعدم الحلاوة ولهذا أيضا يرى العارف أنّ كفّار الإفرنج أفضل منه لأنّ في الكافر نورانيّة بسبب امتزاج عالم الأمر فيه بعالم الخلق وهذا الإمتزاج مفقود في العارف بل بقي فيه عالم الخلق الّذي يقع لفظ أنا من العارف عليه وحده وهو مملوء من ظلمة وكدورة من الرّأس إلى القدم ولطائف عالم الأمر منه وإن نزلت إلى تحت بطريق الرّجوع لكن لا يكون لها اختلاط وامتزاج بعالم الخلق كما كان ذلك بينهما في الإبتداء ووصل المكتوب المرسل صحبة أخي الخواجه محمّد طاهر وحصول الرّبطة الّتي هي مبنيّة على المناسبة التّامّة في زمان الغيبة ينبغي أن تعدّها من نعم عظيمة وليكتف بقرب القلوب إلى أن ترتفع الموانع ومع وجود هذا القرب ينبغي أن لا يخرج تمنّي قرب الأبدان من القلب فإنّ تمام النّعمة مربوط بهذا القرب ألا ترى أنّ أويسا القرنيّ مع وجود قرب القلوب فيه لم يبلغ مرتبة أدنى الجماعة الّتي حصلت لهم قرب الأبدان لعدم حصول ذلك له ولهذا لا يساوي إنفاق جبل ذهب منه إنفاق مدّ شعير منهم فلا تعدل بالصّحبة شيئا كائنا ما كان والسّلام. (223) المكتوب الثّالث والعشرون والمائتان إلى الخواجه جمال الدّين حسين الكولابيّ في التّحريض على إظهار الأحوال لشيخه لم يخبر الأخ الخواجه جمال الدّين حسين منذ مدّة عن كيفيّات أحواله ألم يسمع أن مشائخ الكبرويّة إذا لم يعرض المريد على شيخه أحواله إلى ثلاثة أيّام يؤدّبونه مضى ما مضى فلا يفعل ثانيا كذلك بل ليكتب كلّما يظهر وليغتنم قدوم الأخ الأعزّ وليجتهد في الخدمة واستمالة خاطره وليعتقد أنّ صحبته شيء عزيز (ع) دللتك يا هذا على كنز مقصد. (224) المكتوب الرّابع والعشرون والمائتان إلى المير محمّد نعمان البدخشيّ في بيان رعاية الآداب ودفع التّوهّم والأمر بالإحتياط في تعليم الطّريقة والتّحمّل على شدائد الفقر وبعض النّصائح والتّنبيهات المكتوبة إلى يار محمّد القديم في ظهر هذا المكتوب PageV01P268 وصل مكتوب الأخ الأرشد المير محمّد نعمان واتّضح مضمون المقدّمات الّتي رتّبها وفحوى التّشكيكات الّتي أظهرها يقول بعض النّاس في حقّكم إنّه أعقل أهل زمانه وما معنى إيراد أمثال هذه الكلمات بينك وبين من لا بدّ منه ولا مهرب عنه ولا تقدر على مقاطعته ولا يمكنك طلب مفارقته وأيّ مناسبة في ذلك ومع ذلك لا يخيّل لك وصول غبار من أمثال هذه الكلمات إلى خاطر هذا الجانب حتّى يؤدّي إلى الإيذاء والتّأذّي فضلا عن أن ينجرّ الأمر إلى التّبرّي فإنّ محاسنكم منصوبة لدى الأنظار وزلّاتكم ساقطة عن حيّز الإعتبار فلا تشوّش خاطرك أصلا ولا تتصوّر حصول الأذيّة إلى هذا الجانب قطعا فإنّ الأذيّة غير واقعة بوجه من الوجوه وكيف تتصوّر الأذيّة مع انتفاء موجب الأذيّة والامور الّتي تظهر بالسّهو والنّسيان بمقتضى البشريّة ليست بلائقة للمؤاخذة بها فأزح توهّم التّأذّي عن لوح الخاطر وكن مشغولا بتعليم الطّريقة وإفادة الطّلبة من الأكابر والأصاغر. والأمر بالإستخارة انّما هو لتأكيد هذا الأمر لا لنفيه فإنّ العدوّ اللّعين والنّفس الّتي الشّرّ لها قرين لمّا كان في كمين هذا المسكين دائما لا بدّ من الإحتياط والتّأكيد لئلّا تنقلب علينا الأحوال وكيلا تظهر السّيّئات لعيوننا في صور الحسنات بالتّمويهات والتّسويلات لأجل الإضلال قيل إنّ الشّيطان اللّعين إذا جاء من طريق الطّاعة وصورة النّصيحة فدفعه متعسّر فينبغي لنا إذا أن نلتجئ ونتضرّع إلى الحقّ سبحانه دائما وأن نطلب منه تعالى بالإنكسار والبكاء أن لا يراد من هذه الجهة خذلاننا واستدراجنا وطريق الإستقامة هو الدّلالة على السّعادة الأبديّة (ثمّ اعلم) أنّ الفقر والفاقة جمال هذه الطّائفة العليّة وفي اختياره اقتداء بسيّد الكونين عليه الصّلاة والسّلام وقد تكفّل الحقّ سبحانه من كمال كرمه برزق عباده وجعلنا وإيّاكم فارغين من هذا التّردّد كلّما تكون النّفوس أكثر يكون وصول الأرزاق أوفر فينبغي التّوجّه إلى مرضيّات الحقّ تعالى وتقدّس وإحالة غمّ المتعلّقات على كرمه سبحانه والباقي عند التّلاقي وقد أخبر بعض الأصحاب الواردين من هناك أنّ توهّم حصول التّأذّي متمكّن في خاطر المير إلى الآن فبناء على ذلك كتبنا بالمبالغة والتّأكيد في رفع توهّم الأذيّة وأيضا كنّا حرّرنا إلى الملّا يار محمّد القديم كتابا مشتملا على النّصائح والمواعظ والظّاهر أنّ مضمونه لم يلائم طبيعته حيث لم يرسل جوابه بل لم يسمح بإرسال الدّعاء وماذا أصنع إن لم يلائم طبيعته فإن لم أبيّن مظانّ غلط جماعة منسوبة إلى هذا الحقير وموادّ خطأهم ولم أميّز الحقّ من الباطل فكيف أخرج من العهدة وبأيّ وجه أذهب إلى الآخرة، (شعر): وما هو من شرط البلاغ أقوله ... فخذ منه نصحا خالصا أو ملالة (اعلم) أنّ مقام المشيخة والإرشاد ودعوة الخلق إلى الحقّ وطريق الرّشاد مقام عال جدّا ولعلّكم سمعتم الشّيخ في قومه كالنّبيّ في أمّته فأيّ مناسبة بهذه المنزلة العليّة لكلّ قاصر وعاجز، (شعر): هل كلّ من خلت رجلا رجل ميدان ... أو كلّ من صار ذا ملك سليمان PageV01P269 فإنّ العلم بتفاصيل الأحوال والمقامات ومعرفة حقائق المشاهدات والتّجلّيات وحصول الكشوف والإلهامات وظهور تعبير الواقعات كلّ ذلك من لوازم هذا المقام العالي وبدونها خرط القتاد. غاية ما في الباب أنّ أكابر الطّريقة قدّس الله أسرارهم يجيزون بعض مريديهم بنوع إجازة قبل وصوله إلى مقام المشيخة بملاحظة بعض المصالح ويجوّزون في حقّه تعليم الطّريقة للطّالبين في الجملة ليطّلع على الأحوال والواقعات ويلزم الشّيخ المقتدى به في هذا النّوع من التّجويز أن يأمر ذلك المريد المجاز بالإحتياط وكشف موادّ الغلط بالتّأكيد وإطلاعه على نقصه دائما وإظهار عدم تماميّته وكماله بالمبالغة فإن تساهل الشّيخ في إظهار الحقّ في هذه الصّورة يكون خائنا وإن ساء ذلك المريد يكون مخذولا أما يعلم أنّ رضا الحقّ جلّ وعلا منوط برضا الشّيخ وسخطه تعالى مربوط بسخطه ما هذه المصيبة وأيّ بلاء وقع أما فهموا أنّ الإنقطاع عنّا إلى أين ينجرّ فإن ينقطعوا عنّا إلى من يتّصلون فإن تطرّق إلى خاطره عياذا بالله سبحانه شيء من هذا القسم فقل له من غير توقّف ليتب وليستغفر الله وليلتجئ وليتضرّع إليه سبحانه أن لا يبتليه بهذا الإبتلاء العظيم وأن لا يوقعه في هذا البلاء الخطير لله سبحانه الحمد والمنّة لم يقع غبار في خاطر هذا الجانب مع عدم مبالات الإخوان ذلك واضطراباتهم هذه كلّها. والمرجوّ من ذلك أن يمرّ عواقب الامور بالخير وباقي الأحوال والأوضاع يذكره الأخ الأرشد مولانا محمّد صالح بالتّفصيل وبعض محالّ الإشتباه يتعلّم منه. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأفضل التّسليمات. (225) المكتوب الخامس والعشرون والمائتان إلى الملّا طاهر اللّاهوريّ في بيان أنّ في بداية هذا الطّريق يحصل ما يحصل في نهاية سائر الطّرق بطريق اندراج النّهاية في البداية إلخ الحمد لله ونصلّي على نبيّه ونسلّم عليه وعلى آله الكرام وصلت المكتوبات الشّريفة متوالية وقد اندرج فيها بيان سعي الطّالبين واجتهادهم في الإشتغال والتذاذهم به واجتماعهم عليه فزادت فرحا على فرح. غاية ما في الباب أنّ هذا الطّريق لمّا كان فيه اندراج النّهاية في البداية صار يقع ويحصل لمبتدئي هذا الطّريق العالي في الإبتداء أحوال شبيهة بأحوال المنتهين بحيث لا يمكن التّمييز والتّفريق بين هذين النّوعين من الأحوال إلّا لعارف له حدّة النّظر فعلى هذا التّقدير لا ينبغي إجازة تعليم الطّريقة لاصحاب تلك الأحوال اعتمادا على حصولها فإنّ ضرر أصحاب الأحوال في هذه الصّورة فوق ضرر مسترشديهم لاحتمال الإمتناع عن التّرقّي بتخيّل البلوغ مرتبة الكمال بل يمكن أن يوقعه حصول الجاه والرّياسة الّذي هو من لوازم مقام الإرشاد في بلاء عظيم فإنّ نفسه الأمّارة باقية على كفرها لم تحصل لها التّزكية بعد مضيّ ما مضى والّذين أجزتهم ينبغي لك أن تفهمهم بالملايمة أنّ هذا النّوع من الإجازة ليس مبنيّا على PageV01P270 الكمال بل أمامهم أمور كثيرة وأنّ هذه الأحوال الحاصلة في الإبتداء إنّما هي من قبيل اندراج النّهاية في البداية وأن تنصحهم بالنّصائح المناسبة وأن تطلعهم على منقصتهم وحيث أجزتهم لا تمنعهم من تعليم الطّريقة وعساهم يبلغون حقيقة مقام الإرشاد ببركة أنفاسكم ثمّ إنّكم حيث شرعتم في هذا الأمر يكون مباركا فينبغي السّعي والإهتمام والإجتهاد والإغتنام ليكون ذلك باعثا على سعي الطّالبين واجتهادهم وشوقهم والسّلام. (226) المكتوب السّادس والعشرون والمائتان إلى أخيه الحقيقيّ الشّيخ ميان محمّد في بيان اغتنام الفرصة وصل مكتوب اخى الأعزّ فصار موجبا للفرح أيّها الأخ وفّقنا الله وإيّاك إنّ فرصة الحياة قليلة جدّا والعذاب الابديّ متفرّع عليها يا أسفي على من يصرف هذه الفرصة اليسيرة في تحصيل أمور لا طائل فيها ويلتزم الآلام المخلّدة أيّها الأخ إنّ النّاس من الأجانب يجتمعون من الأطراف والجوانب أمثال النّمل والجراد تاركين الأسباب الدّنيويّة وأنتم تسعون وتعدون بالذّوق والحرص في طلب الدّنيا الدّنيّة وتتمنّون بالشّوق حصولها جاهلين لقدر دولة كائنة في الدّار الحياء (1) شعبة من الإيمان حديث نبويّ عليه من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها (أيّها الأخ) إنّ هذا النّوع من اجتماع أهل الله وهذا القسم من الجمعيّة لله في الله الّذي هو اليوم في سرهند لا يدري أيحصل عشر عشير هذه الدّولة عند طوف أطراف العالم أم لا وأنتم ضيّعتم مثل هذه الدّولة مجّانا واستبدلتم الجواهر النّفيسة بالجوز والموز مثل الأطفال (ع) فذا عار عليكم ألف عار * (أيّها الأخ) لعلّك لا تعطى الفرصة في وقت آخر ولئن أعطيت فلعلّه لا يبقى هذا الإجتماع قائما فما العلاج إذا وكيف يمكن التّدارك وبأيّ شيء يحصل التّلافي غلطت وأخطأت في الفهم إيّاك وأن تفتن بلقمة سمينة لذيذة وإيّاك وأن تغترّ بألبسة مزيّنة نفيسة فإنّها لا نتائج لها في الدّنيا والآخرة غير الخسارة والنّدامة وإلقاء نفسك إلى البلاء واختيار العذاب الأخرويّ بواسطة طلب رضا الأهل والعيال بعيد عن العقل السّليم المدرك المتفكّر لعواقب الامور رزقكم الله سبحانه العقل والتّنبّه (أيّها الأخ) إنّ الدّنيا يمثّل بها في عدم الوفاء وأهلها مشهورون بالخسّة والدّناءة والجفاء أليس من الخسارة أن تصرف عمرك العزيز النّفيس في طلب عديم الوفاء والخسيس ما عَلَى الرَّسُولِ إِلّا الْبَلاغُ (2) والسّلام. PageV01P271 (227) المكتوب السّابع والعشرون والمائتان إلى الملّا طاهر اللّاهوريّ في بعض النّصائح والمواعظ الّتي تتعلّق بمقام المشيخة الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى وصل المكتوب الشّريف وصار موجبا للفرح وقد كتبتم من التذاذ الأصحاب وحصول الحلاوة لهم فزاد ذلك فرحا على فرح. (أيّها الأخ) إنّ الحقّ سبحانه حيث أكرمك بهذا المنصب ينبغي لك أداء شكر هذه النّعمة على الوجه الأتمّ والإحتراز عن صدور أمر يكون باعثا على نفرة الخلق فإنّه وبال عظيم وتنفير الخلق مناسب لحال الملامتيّ لا تعلّق له بالمشيخة ومقام الدّعوة بل مقام الملامتيّ نقيض مقام المشيخة فإيّاك والغلط في هذين المقامين أفتتمنّى الملامتيّة في مقام المشيخة وهو ظلم عظيم وينبغي لك أن تجمّل نفسك في نظر المريدين وأن لا تفرّط في الإختلاط والموآنسة بالمسترشدين فإنّ ذلك باعث على الإستخفاف المنافي للإفادة والإستفادة وعليك برعاية حفظ الحدود الشّرعيّة حقّ رعايتها وإيّاك وتجويز العمل بالرّخصة مهما أمكن فإنّه مناف لهذه الطّريقة العليّة ومناقض لدعوى متابعة السّنّة السّنيّة قال واحد من الأعزّة رياء العارفين خير من إخلاص المريدين فإنّ رياءهم إنّما هو لا نجذاب قلوب الطّالبين إلى جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه فيكون أفضل من إخلاص المريدين بالضّرورة. (وأيضا) إنّ أعمال العارفين أسباب ووسائط لتقليد الطّالبين لهم في إتيان الأعمال فإن لم يعمل العارفون يبقى الطّالبون محرومين من العمل فصدور الرّياء من العارفين إنّما هو ليقتدي بهم الطّالبون وهذا الرّياء عين الإخلاص بل أفضل منه لأنّ نفعه مقصور على صاحبه وذاك متعدّ ولا يتوهّم المتوهّم من ذلك أنّ أعمال العارفين إنّما هي لمحض تقليد الطّالبين وأنّه لا احتياج لهم إلى الأعمال عياذا بالله سبحانه من ذلك فإنّه عين الإلحاد والزّندقة بل العارف والطّالب سيّان في لزوم إتيان الأعمال لا غنا لاحد عنه. غاية ما في الباب أنّ في أعمال العارفين يكون نفع الطّالبين الّذي مربوط بالتّقليد ملحوظا أيضا أحيانا وبهذا الإعتبار يسمّونها رياء وبالجملة ينبغي التّحفّظ الكامل والتّيقّظ الشّامل في القول والفعل فإنّ أكثر الخلق في هذه الأوان في شوق الطّلب فلا يقع أمر يكون منافيا لهذا المقام وباعثا على طعن الجهّال في الأكابر الكرام وعليك بطلب الإستقامة من الحقّ سبحانه وتعالى. (وقد كتبت أيضا) حصول نسب المشائخ وقد ذكر وجه ذلك لك مكرّرا بالمشافهة فلا تفهم وراء ذلك شيئا فإنّه ممّا لا خير فيه وماذا أكتب أزيد من ذلك والسّلام. (228) المكتوب الثّامن والعشرون والمائتان إلى المير محمّد نعمان في بعض النّصائح المتعلّقة بمقام التّكميل وتعليم الطّريقة وما يناسبه PageV01P272 وصل مكتوب الأخ معدن السّيادة وصار موجبا للفرح (أيّها الأخ) قد قيل لك مكرّرا إنّ مدار هذا الطّريق على أصلين الإستقامة على الشّريعة على حدّ لا ينبغي أن يرضى بترك أدنى آدابها ورسوخ محبّة شيخ الطّريقة والثّبات عليها والإخلاص على نهج لا يبقى مجال الإعتراض عليه أصلا بل يكون جميع حركاته وسكناته مستحسنة ومحبوبة في نظر المريد ونعوذ بالله سبحانه من وقوع خلل في أمر من الأمور المتعلّقة بهذين الأصلين فإنّ هذين الأصلين إذا كانا على الإستقامة بعناية الله سبحانه فسعادة الدّنيا والآخرة نقد الوقت (وقد قرع) سمعكم نصائح ووصايا أخر فينبغي الإحتياط في مراعاتها وتلافي التّقصيرات بالتّضرّع والإبتهال وأن تعتكف في عشر ذي الحجّة هذه بنيّة قضاء اعتكاف العشر الأخير من شهر رمضان على تقدير تركه من الشّهر المذكور فبهذه النّيّة تصير عاملا السّنّة وينبغي في هذا الإعتكاف الإعتذار إلى الله سبحانه من التّقصيرات بالتّضرّع والإنكسار والفقير أيضا يكون ممدّا لكم في ذلك إن شاء الله تعالى وما المقصود من هذه المبالغة والإلحاح كلّها في تحرير الإجازة وقد صدرت لك إجازة تعليم الطّريقة فإن لم تكف هي فما نفع تحرير الإجازة ولا يلزم السّعي والإجتهاد في تحصيل كلّما يقع في الخاطر وقد يقع أشياء تركها أولى وأنسب والنّفس اللّجوجة إذا ولعت بأشياء تريد أن تحصّلها وتتمّها ولا تلاحظ في حقّيتها وبطلانها ولقد حرّرت في حقّكم كلمات كثيرة نفعك الله سبحانه بها ينبغي لك أن تكون في فكر نفسك وتدبير أمرك حتّى تذهب بسلامة الإيمان وماذا تنفع الإجازة والمريدون فإذا جاء طالب صادق حين اشتغالك بشأنك فحينئذ تعلّمه الطّريقة لا إنّك تجعل تعليم الطّريقة أصل الأمر ومقصودا بالذّات وتجعل معاملتك تابعة له ومقصودا بالعرض فإنّ ذلك ضرر محض وخسران صرف. (229) المكتوب التّاسع والعشرون والمائتان إلى المرزا حسام الدّين أحمد في دفع توهّم تغيير الطّريقة بضرب المثل الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى وصلت المكتوبات الشّريفة المرسلة متوالية فصارت موجبة للفرح وباعثة على إفراط المحبّة جزاكم الله سبحانه عنّا خير الجزاء وقد اندرج فيها بعض الشّبهات والشّكوك على سبيل الإجمال اعلم أنّ طريقنا هذا هو طريق حضرة شيخنا قدّس الله سرّه الأقدس والنّسبة هي تلك النّسبة الشّريفة المختصّة بحضرته أيّ طريق وأيّة نسبة أولى وأنسب من هذا الطّريق العالي والنّسبة العليّة حتّى يختارهما الإنسان. غاية ما في الباب أنّ تكميل الصّناعة وتتميم كلّ نسبة إنّما هو بتلاحق الأفكار وتعاقب الأنظار ألا ترى أنّ النّحو الّذي كان في زمن سيبويه قد زاد بتلاحق أفكار المتأخّرين به أضعاف أمثاله وصار محرّرا ومنقحا ومع ذلك هو ذلك النّحو الّذي كان في زمن سيبويه لم يزد فيه ثلاحق أفكار المتأخّرين غير تهذيبه وتنقيحه ألم تسمع مقولة الشّيخ علاء الدّولة قدّس سرّه حيث PageV01P273 قال كلّما كانت الوسائط أزيد وأكثر يكون الطّريق أقرب وأنور وهذا القسم من الزّيادة الّتي حصلت لهذه النّسبة العليّة بطريق التّهذيب والتّنقيح وأوردت في معرض القال والتّصريح أوقعت جماعة في التّخيّلات وحقيقة المعاملة هي هذا من غير تكلّف وتصنّع انظروا إلى مكتوبات الفقير ورسائله حيث أثبت فيها أنّ هذا الطّريق هو طريق الأصحاب الكرام عليهم الرّضوان وبرهنت كون هذه النّسبة فوق جميع النّسب ومدحت هذا الطّريق العالي وأكابره على نهج لم يوفّق أحد من خلفاء هذه الجماعة العظيمة لإيراد عشر عشيره وأيضا إنّ الفقير أراعي آداب هذا الطّريق على الوجه الأتمّ في جميع الأوقات وأيّام الشّدائد ووقت القعود والقيام ولا أجوّز مخالفتها والإحداث فيه مقدار شعرة والعجب أنّ هذه الصّنائع كلّها بقيت مستورة عن النّظر فإن وقع فرضا كلام غير ملائم في أيّام الأذيّة بالنّسبة إلى بعض الأصحاب أثناء المكالمة والمعاتبة كان ذلك منظورا إليه لديكم فالعجب بل أعجب تصديقكم أمثال هذه الكلمات وانزعاجكم بمجرّد سماعها فإن كان ذلك مبنيّا على حسن الظّنّ فلم تخصّصون به تلك الجماعة ألست أنا قابلا لحسن الظّنّ وبالجملة لو كان المدار على القيل والقال لا يتصوّر الخلاص من يد النّمّامين والمفترين ولا يتوقّع الاخلاص فينبغي ترك القيل والقال ومجاوزته وعدم تذكّر الامور الماضية حتّى يتصوّر الإخلاص وترتفع الكلفة الأولى (وكتبتم) أنّه قد جاء وقت تربية أولاد حضرة شيخنا بل كاد أن يفوت وذكرتم وصيّة حضرة شيخنا قدّس سرّه (أيّها المخدوم) المكرّم ما أعظم سعادة من يقوم بخدمة مخاديمهم ولكنّي عذرت نفسي في هذه المدّة عن الخدمة الظّاهريّة بواسطة الموانع المعلومة وأنا منتظر لظهور زمان يمكن فيه إجراء الوصيّة العليّة فإن علمتم الآن عدم المانع وأنّ طريق القيل والقال صار مسدودا فأشيروا به إليّ حتّى أذهب وأشتغل بهذه الخدمة أيّاما ولكن إذا لوحظ في ذلك الأمر حقّ الملاحظة يعلم أن مباشرتي لذلك الأمر إنّما تلزم بمجرّد امتثال الأمر والّا فتربيتكم إيّاهم ظاهرا وباطنا كافية لا احتياج إلى آخر (وقد أخبرني) أخونا مولانا عبد اللّطيف أنّ الميان محمّد قلي? أخذ المخدوم الأكبر للتّعليم والتّربية الظّاهريّة وانّكم جوّزتم ذلك أيضا فأورثني سماع هذا الخبر تعجّبا فإنّ المذكور وإن تخيّل شيئا من قصور إدراكه ولكن كيف تجوّزونه ذلك وأنا أخاف من سراية أذيّة محمّد قليج إلى محلّ آخر. (230) المكتوب الثّلاثون والمائتان إلى الشّيخ يوسف البركيّ في علوّ الهمّة وعدم الإكتفاء بكلّ ما يحصل والإجتهاد في التّرقّي وما يناسبه الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى أظهر الميان بابو نبذة من أحوالكم الكريمة بأمركم واستفسر عن حقيقتها فبناء على ذلك نحرّر كلمات (أيّها المخدوم) إنّ أمثال هذه الأحوال يظهر لمبتدئ هذا الطّريق كثيرا في أوائل الأقدام وهم لا يعتبرونها أصلا بل ينفونها وأين الوصل وأين النّهاية، PageV01P274 (شعر): كيف الوصول إلى سعاد دونها ... قلل الجبال ودونهنّ خيوف والله سبحانه منزّه عن الكيف والمثال وكلّما هو داخل تحت الرّؤية والإدراك والشّهود والمكاشفة فهو غيره سبحانه وهو تعالى وراء الوراء فلا تغترّوا أصلا بجوز هذا الطّريق وموزه مثل الأطفال ولا تتخيّلوا الوصول إلى النّهاية ولا تظهروا الوقائع لشيوخ ناقصين فإنّهم يستكثرون القليل بمقياس وجدانهم ويزعمون البداية نهاية فلا جرم يقع الطّالب المستعدّ في زعم الكمال ويتطرّق الفتور إلى طلبه ينبغي للعاقل طلب شيخ كامل والتماس علاج الأمراض الباطنيّة منه وما لم يلق شيخا كاملا ينبغي نفي تلك الأحوال بحرف لا وإثبات المعبود بالحقّ المنزّه عن الكيف والمثال قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه كلّما يكون مرئيّا أو مسموعا أو مدركا فهو غيره تعالى ينبغي نفيه بحقيقة كلمة لا فعليك نفي ما يظهر في الأكثر وهو تعالى وراء الوراء ولا يتخيّل في جانب الإثبات غير التّكلّم بكلمة المستثنى أصلا وهذا هو طريق أكابر هذه الطّريقة. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات. (231) المكتوب الحادي والثّلاثون والمائتان إلى المير محمّد النّعمان في بيان الفرق بين الوصول والحصول وأنّ مبادي تعيّنات الأنبياء هل تكون مبادي تعيّنات الأولياء أم لا والفرق بين ذكر الجهر وغيره من المحدثات حيث يمنع من الأوّل دون الثّاني نحمده ونصلّي ونسلّم على نبيّه وعلى آله الكرام وصل المكتوبان الشّريفان متعاقبان المكتوب الأوّل وإن كان منبئا عن الحزن والاضطراب ولكنّ المكتوب الثّاني كان في غاية الملايمة ومشعرا بالشّوق والحرارة (أيّها المحبّ) إنّ المير سعد الدّين لمّا أراد السّفر طلب الكتاب وكنت حينئذ مريضا ومنقبضا على حدّ ما كنت أقدر على الكتابة بخطّي فأمرت يار محمّد القديم بتحرير الكتاب قائلا إنّه إذا اندرج فيه كلمة غير ملايمة وقت المرض أكون معذورا مع أنّه لا ينبغي الإنحراف وتخريب المعاملة بشيء يسير لا قدّر الله سبحانه وقوع الأذيّة بيننا وأن أكتب شيئا بقصد الأذيّة والإعراض فإن حرّر شيء بإرادة النّصيحة ينبغي أن تفرح به وقد جعلني مكتوبك الثّاني مسرورا محظوظا الحرارة لازمة في كلّ أمر يعني الحزم وليكن الكسل والعجز نصيب الأعداء (وكتبتم) أنّه لا يمكن فهم الفرق بين الحصول والوصول. PageV01P275 (أيّها الأخ) إنّ الحصول متصوّر مع وجود البعد والوصول متعذّر يعني معه الا ترى أنّ العنقاء نتصوّره بصورته المخصوصة به فيمكن أن نقول إنّ العنقاء حاصل في مدركتنا يعني بوجوده الذّهنيّ وأمّا الوصول إلى العنقاء فليس ذلك بمتحقّق أصلا لأنّ الظّلّيّة الّتي هي عبارة ظهور شيء في مرتبة ثانية ليست بمنافية لحصول ذلك الشّيء وأمّا الوصول إلى ذلك الشّيء فهو لا يجتمع مع الظّلّيّة فافترقا (وسئلت) أيضا أنّ الأسماء الّتي هي مبادي تعيّنات الأنبياء عليهم السّلام هل تكون تلك الأسماء بعينها مبادى تعيّنات الأولياء أم لا فإن كانت فما الفرق بينهما؟ (أيّها الأخ) المعزّز إنّ مبادي تعيّنات الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام هي كلّيّات الأسماء ومبادي تعيّنات الأولياء جزئيّاتها المندرجة تحت تلك الكلّيّات والمراد بجزئيّات الأسماء نفس تلك الأسماء المأخوذة بقيد من القيود كالإرادة المطلقة والإرادة المقيّدة بالشّيء وإذا وقع التّرقّي للأولياء بواسطة متابعة الأنبياء عليهم السّلام يرتفع القيد المذكور ويلتحق المقيّد بالمطلق وقد ذكرت هذا الفرق في بعض المكاتيب بالتّفصيل فليراجع إليه وليلاحظ فيه (وسئلت أيضا) أنّه ما سبب المنع عن ذكر الجهر بعلّة البدعة مع أنّه مورّث للذّوق والشّوق ولم لا يمنع من أمور أخرى لم تكن في زمن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مثل لبس الفرجيّ والشّال والسّراويل؟ (أيّها المخدوم) إنّ فعله صلّى الله عليه وسلّم على نوعين فعل على سبيل العبادة وفعل على طريق العرف والعادة فالفعل الّذي صدر عنه على سبيل العبادة نعتقد خلافه بدعة منكرة ونبالغ في المنع عنه لكونه إحداثا في الدّين وهو مردود والفعل الّذي صدر عنه صلّى الله عليه وسلّم على طريق العرف والعادة لا نعتقد خلافه بدعة منكرة ولا نبالغ في المنع عنه لعدم تعلّقه بالدّين بل وجوده وعدمه مبنيّان على العرف والعادة لا على الدّين والملّة فإنّ عرف بعض البلاد على خلاف عرف بعض بلاد أخرى وكذلك يقع التّفاوت في العرف في بلدة واحدة بحسب تفاوت الأزمنة ومع ذلك إذا روعيت السّنّة العادية تكون مثمرة للنّتائج ومنتجة للسّعادات ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على متابعة سيّد المرسلين عليه وعليهم وعلى تابعي كلّ من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها والسّلام. (232) المكتوب الثّاني والثّلاثون والمائتان إلى خان خانان في بيان حقيقة الدّنيا وقبح زخرفاتها الرّديّة وعلاج إزالة محبّة تلك الدّنيّة وما يناسب ذلك جعل الحقّ سبحانه وتعالى حقيقة الدّنيا الدّنيّة وقبح مزخرفاتها ومموّهاتها الرّديّة منكشفة في نظر البصيرة وأجلى حسن الآخرة وجمالها مع طراوة الجنّات وأنهارها ومع زيادة لقاء ربّ العالمين جلّ سلطانه فيها بحرمة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها حتّى PageV01P276 تحصل النّفرة عن هذه القبيحة سريعة الزّوال وعدم الرّغبة فيها ويتيسّر التّوجّه بالكلّيّة إلى عالم البقاء الّذي هو محلّ رضاء المولى المتعالى وما لم يظهر قبح هذه الدّنيّة فالخلاص من أسرها محال وما لم يحصل الخلاص فالفلاح والنّجاة الاخرويّة متعسّر حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة قضيّة مكرّرة وحيث انّ المعالجة تكون بالأضداد كان علاج إزالة محبّة هذه الدّنيّة منوطا بالرّغبة في أمور الآخرة وإتيان الأعمال الصّالحة على وفق أحكام الشّريعة الغرّاء. وقد جعل الحقّ سبحانه الحياة الدّنيا منحصرة في خمسة أشياء بل في أربعة أشياء حيث قال تعالى (أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ والْأَوْلادِ) فإذا اشتغل الإنسان بالأعمال الصّالحة يشرع اللّعب واللهو اللّذان هما جزآها الأعظمان في النّقصان بالضّرورة وإذا حصل الإجتناب والإحتراز عن لبس الحرير واستعمال الذّهب والفضّة الّتي هي عمدة في تحصيل الزّينة يشرع جزؤها الثّاني الّذي هو الزّينة في الزّوال ومتى حصل اليقين بأنّ الفضيلة والكرامة عند الله عزّ وجلّ بالورع والتّقوى لا بالحسب والنّسب يمتنع من التّفاخر ألبتّة وإذا علم أنّ الأموال والأولاد مانع عن ذكر الحقّ سبحانه عائقة عن التّوجّه إلى جناب قدسه تعالى يختار التّقاعد عن التّكاثر فيها بالضّرورة وبعد تزايدها من المعائب وبالجملة وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا لئلّا يضرّكم شيء، (شعر): دللتك يا هذا على كنز مقصد ... فإن أنا لم أبلغ لعلّك تبلغ وبقيّة المرام أنّ الشّيخ ميان عبد المؤمن من أولاد الكبار مشغول بسلوك الطّريقة الصّوفيّة بعد فراغه من تحصيل العلوم ويشاهد في ضمن سلوكه أحوالا غريبة والضّرورة البشريّة من قبل الأهل والعيال تضطرّه بلا اختيار وهذا الفقير دللته على جنابكم لدفع هذا الإضطرار من دقّ باب الكريم يفتح والسّلام. (233) المكتوب الثّالث والثّلاثون والمائتان إلى العالي الجناب الشّيخ فريد في بعض النّصائح بحسن الأداء ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على ما جاء به جدّكم الأمجد عليه وعلى آله وأصحابه من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها ولمّا جئت دهلى في أيّام عرس حضرة الخواجه قدّس سرّه وقع في الخاطر أن أتشرّف بحضور المجلس العالي أيضا فشاع في أثناء ذلك خبر الرّحلة فبالضّرورة كنت باعثا على التّصديع بتحرير كلمات غير مرتبطة بالتّوقّف هنا والمسئول بجميع الهمّة سواء كان في الحضور أو في الغيبة سلامتكم عمّا لا يليق بكم ولا ينبغي وتوردني غلبة إرادة الخير في بعض الأوقات اختيارا منّى PageV01P277 جسارتكم أن أمنع وأحمي عتبتكم العليّة عمّا لا يليق بها بالتّأكيد والمبالغة وأن لا أترك في المجلس الشّريف من ليس بأهل له (ولكن اعلم) أنّ جميع التّمنّي لا يتيسّر فبالضّرورة أكون رطب اللّسان بالدّعاء من ظهر الغيب وعسى أن يقع في معرض القبول قال الخواجه أحرار قدّس سرّه: وإن كان جعل شخص نفسه عظيما بحيث يلزم من خرابه خراب جميع العالم شركا وكفرا ولكن جعلوني عظيما بلا صنع منّي ومثل هذه العظمة كاد أن يصدّق اليوم في حقّكم فإنّ في رفاهيّتكم رفاهيّة الخلائق وبالعكس ولهذا كان دعاء النّاس لكم بالخير كطلب المطر في شمول نفعه لعامّة الخلق فيكون من تلك العظمة والجلالة بقاء مقدار بذرة الخشخاش ومحلّ الأنملة محروما وبالا وثقلا عظيما على قلوب الأحباب والنّاصحين فينبغي التّخفيف عنهم على وجه الكرم وهذا النّاصح لم يكتب من هذه المقولة شيئا من مدّة مديدة خوفا من كون المبالغة ثقيلة، (شعر): وكلّ لطيف الجسم يؤذيه كلّما ... يمرّ به كالورد يطرحه الصّبا ولكن أرى اختيار التّقاعد والسّكوت بملاحظة حصول الثّقل على الخاطر بعيدا عن المودّة، (شعر): وظيفتك الدّعاء فحسب صاح ... وليس لك التّفكّر في قبوله وقد وقعت في الخاطر داعية زيارة الحرمين الشّريفين حرسهما الله عن الآفات منذ أوقات والباعث على هذا السّفر هو هذه الدّاعية ولمّا كان هذا المعنى منوطا بمشاورتكم واسترضائكم أوقع خبر الرّحلة هذه الدّاعية إلى التّسويف الخير فيما صنع الله سبحانه والسّلام. (234) المكتوب الرّابع والثّلاثون والمائتان إلى المخدوم الأعظم الشّيخ محمّد صادق قدّس سرّه في بيان حقيقة الواجب الوجود وحقائق الممكنات ومعنى: «من عرف نفسه» ومعنى: «التّجلّي الذّاتيّ» ومعنى: «الله نور السّموات» وما يناسب ذلك من الأسئلة والأجوبة بسم الله الرّحمن الرّحيم أمّا بعد حمد الله المنزّه عن المثال وصلاة نبيّه الهادي فليعلم الولد الأرشد أنّ حقيقة الحقّ سبحانه وجود صرف لم ينضمّ إليه شيء غيره أصلا وذلك الوجود الصّرف الّذي هو حقيقة الحقّ سبحانه منشأ لجميع الخير والكمال ومبدأ لكلّ حسن وجمال وجزئيّ حقيقيّ بسيط لم يتطرّق إليه تركيب أصلا لا ذهنا ولا خارجا وممتنع التّصوّر بحسب الحقيقة ومحمول على الذّات تعالت مواطأة لا اشتقاقا وإن لم يكن لنسبة الحمل في ذلك الموطن مجال لأنّ جميع النّسب ساقطة هناك PageV01P278 والوجود العامّ المشترك من ظلال ذلك الوجود الخاصّ وهذا الوجود الظّلّيّ محمول على ذاته تعالى وتقدّس وعلى سائر الأشياء على سبيل التّشكيك اشتقاقا لا مواطأة والمراد بكون هذا الوجود ظلّا لذاك ظهور حضرة الوجود يعني الخاصّ في مراتب التّنزّلات والفرد الأولى والأقدم والأشرف من أفراد ذلك الظّلّ محمول على ذاته تعالى اشتقاقا ففي مرتبة الأصالة يمكن أن نقول الله وجود لا أن نقول الله موجود وفي مرتبة الظّلّ يصدق الله موجود لا الله وجود ولمّا قال الحكماء وطائفة من الصّوفيّة بعينيّة الوجود ولم يطّلعوا على حقيقة هذا الفرق ولم يميّزوا الأصل من الظّلّ أثبتوا كلّا من الحمل المواطئّ والحمل الاشتقاقيّ في مرتبة واحدة فاحتاجوا في تصحيح الحمل الاشتقاقيّ إلى تمحّل وتكلّف والحقّ ما حقّقت بإلهام الله سبحانه وهذه الأصالة والظّلّيّة كأصالة سائر الصّفات الحقيقيّة وظلّيّتها فإنّ حمل تلك الصّفات في مرتبة الأصالة الّتي هي موطن الإجمال وغيب الغيب بطريق المواطأة لا بطريق الإشتقاق فيمكن أن يقال الله علم ولا يمكن أن يقال الله عالم لأنّ الحمل الاشتقاقيّ لا بدّ فيه من حصول المغايرة ولو بالإعتبار وهي مفقودة في ذلك الموطن رأسا إذ التّغاير لا يكون الّا في مراتب الظّلّيّة ولا ظلّيّة ثمّة لأنّه فوق التّعيّن الأوّل بمراحل لأنّ النّسب ملحوظة بطريق الإجمال في ذلك التّعيّن ولا ملاحظة لشيء من الأشياء بوجه من الوجوه في ذلك الموطن والحمل الاشتقاقيّ صادق في مرتبة الظّلّ الّتي هي تفصيل ذلك الإجمال دون الحمل بالمواطأة ولكن عينيّة تلك الصّفة في تلك المرتبة فرع عينيّة وجوده تعالى الّذي هو مبدأ جميع الخير والكمال ومنشأ كلّ حسن وجمال وكلّ محلّ من كتب هذا الفقير ورسائله فيه نفي عينيّة الوجود ينبغي أن يراد به الوجود الظّلّيّ الّذي هو مصحّح الحمل الاشتقاقيّ وهذا الوجود الظّلّيّ أيضا مبدأ للآثار الخارجيّة فالماهيّات الّتي تتّصف بذلك الوجود ينبغي أن تكون في كلّ مرتبة من المراتب موجودات خارجيّة فافهم فإنّه ينفعك في كثير من المواضع فتكون الصّفات الحقيقيّة أيضا موجودات خارجيّة وتكون الممكنات أيضا موجودات في الخارج (أيّها الولد) اسمع سرّا غامضا انّ الكمالات الذّاتيّة في مرتبة حضرة الذّات تعالت وتقدّست عين حضرة الذّات فصفة العلم مثلا في ذلك الموطن عين حضرة الذّات وكذلك القدرة والإرادة وسائر الصّفات (وأيضا) انّ حضرة الذّات في ذلك الموطن بتمامها علم وكذلك بتمامها قدرة لا أنّ بعض حضرة الذّات علم وبعضا آخر منها قدرة فإنّ التّبعّض والتّجزّي محال هناك وهذه الكمالات كأنّها منتزعات من حضرة الذّات وعرض لها التّفصيل في حضرة العلم وحصل بينها التّمييز مع بقاء حضرة الذّات تعالت وتقدّست على تلك الصّرافة الإجماليّة الوحدانيّة ولم يبق شيء في ذلك الموطن غير داخل في ذلك التّفصيل وغير مميّز بل جميع الكمالات الّتي كان كلّ واحد منها عين الذّات ورد إلى مرتبة العلم واكتسبت هذه الكمالات المفصّلة في مرتبة ثانية وجودا ظلّيّا وسمّيت باسم الصّفات وحصل لها القيام بحضرة الذّات الّتي هي أصلها والأعيان الثّابتة عند صاحب الفصوص عبارة عن تلك الكمالات المفصّلة الّتي اكتسبت وجودا علميّا في موطن العلم وحقائق PageV01P279 الممكنات عند الفقير العدمات الّتي هي مبادى جميع الشّرّ والنّقص مع تلك الكمالات الّتي انعكست عليها وهذا الكلام يستدعي تفصيلا ينبغي الإستماع له بأذن العقل (أرشدك الله) إنّ العدم مقابل للوجود ونقيض له فيكون منشأ جميع الشّرّ والنّقص بالذّات بل عين جميع الشّرّ والفساد كما أنّ الوجود في مرتبة الإجمال عين كلّ خير وكمال وكما أنّ الوجود في موطن أصل الأصل غير محمول على الذّات بطريق الإشتقاق كذلك العدم المقابل لذلك الوجود غير محمول على ماهيّة العدم بطريق الإشتقاق ولا يمكن أن يقال لتلك الماهيّة في تلك المرتبة إنّها معدومة بل هي عدم محض وفي مراتب التّفصيل العلميّ المتعلّق بتلك الماهيّة العدميّة تتّصف جزئيّات تلك الماهيّة بالعدم ويصدق عليها العدم بالحمل الاشتقاقيّ ومفهوم العدم الّذي هو كالمنتزع من الماهيّة العدميّة الإجماليّة وكالظّلّ لها يحمل على جميع أفرادها المفصّلة بطريق الإشتقاق كما سيجيء ولمّا كان ذلك العدم في مرتبة الإجمال عين كلّ شرّ وفساد وامتاز كلّ فرد من أفراد الشّرّ والفساد في علم الله سبحانه عن فرد آخر كما أنّ في جانب الوجود كان حضرة الوجود في مرتبة الإجمال عين كلّ خير وكمال وفي مرتبة التّفصيل العلميّ امتاز كلّ فرد من أفراد الكمال والخير من فرد آخر انعكس كلّ فرد من أفراد تلك الكمالات الوجوديّة على كلّ فرد من أفراد تلك النّقائص العدميّة الّتي هي في مقابلتها في مرتبة العلم وامتزجت صور كلّ منهما العلميّة بالاخرى وتلك العدمات الّتي هي عبارة عن الشّرور والنّقائص مع تلك الكمالات المنعكسة عليها اللّتان حصلا لهما في مرتبة حضرة العلم التّفصيل العلميّ ماهيّات الممكنات. (غاية) ما في الباب أنّ تلك العدمات كأصول تلك الماهيّات وموادّها وتلك الكمالات كالصّور الحالّة فيها فالأعيان الثّابتة عند هذا الحقير عبارة عن تلك العدمات وتلك الكمالات اللّتين امتزجت كلّ منهما بالاخرى والقادر المختار جلّ سلطانه صبغ تلك الماهيّة العدميّة مع لوازمها ومع الكمالات الظّلاليّة الوجوديّة المنعكسة عليها في حضرة العلم المسمّاة بماهيّة الممكنات بصبغ الوجود الظّلّيّ في وقت اراده وجعلها موجودات خارجيّة ومبدأ للآثار الخارجيّة (ينبغي) أن يعلم أن جعل الصّور العلميّة الّتي هي عبارة عن الأعيان الثّابتة الممكنة وماهيّاتها منصبغة يعني بالوجود لا بمعنى خروج الصّور العلميّة من موطن العلم وحصول الوجود الخارجيّ لها فإنّ ذلك محال لاستلزامه الجهل له سبحانه تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا بل بمعنى أنّ الممكنات عرض لها الوجود في الخارج على طبق تلك الصّور العلميّة وراء الوجود العلميّ كما أنّ النّجّار يتصوّر في ذهنه صورة السّرير ثمّ يخترعها في الخارج ففى هذه الصّورة لا تخرج تلك الصّورة الذّهنيّة السّريريّة الّتي هي بمثابة الماهيّة للسّرير من علم النّجّار بل عرض للسّرير وجود في الخارج على طبق تلك الصّورة الذّهنيّة فافهم. (اعلم) أنّ كلّ عدم لمّا انصبغ بظلّ من ظلال الكمالات الوجوديّة المقابلة لها والمنعكسة عليها عرض له وجود وزينة في الخارج بخلاف العدم الصّرف فإنّه لم يتأثّر بهذه الظّلال ولم يقبل لونا وصبغا PageV01P280 وكيف يقبل اللّون والصّبغ فإنّه ليس مقابلا لهذه الظّلال فإن كانت له مقابلة فهي بحضرة الوجود الصّرف تعالى وتقدّس فالعارف التّامّ المعرفة إذا نزل إلى مقام العدم الصّرف بعد ترقّيه على حضرة الوجود الصّرف يحصل لهذا العدم أيضا بتوسّله انصباغ بحضرة الوجود وتزيّن به وحسن فحينئذ يحصل لجميع مراتب اعدام هذا العارف الّتي هي في الحقيقة مراتبه الذّاتيّة الحسن والخيريّة إجمالا وتفصيلا ويحصل لها الجمال والكمال وهذه الخيريّة السّارية في جميع المراتب الذّاتيّة مخصوصة بمثل هذا العارف فإن سرت الخيريّة في غيره فهى إمّا مقصورة على بعض المراتب التّفصيليّة من اعدامه الذّاتيّة أو سارية في جميع مراتبها التّفصيليّة على تفاوت الدّرجات وهذا القسم الأخير أيضا نادر الوجود وأمّا مرتبة إجمال العدم الّذي هو عين كلّ شرّ ونقص فلم تحصل فيها رائحة من الخيريّة لأحد سوى العارف المذكور ولا نوع من الحسن فيحصل لشيطان هذا العارف المتّصف بالخيريّة التّامّة أيضا حسن الإسلام وتصير نفسه الأمّارة مطمئنّة وراضية عن مولاها ومن ههنا قال سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات الا انّ (1) شيطاني قد أسلم فإذا كان كذلك فلا يسبقه غاز في غزوة أصلا ولا يدلّ مثل الشّيطان على الخير أبدا سبحان الله إنّ المعارف الّتي تظهر من هذا الحقير من غير اختيار لو اجتمع الجمّ الغفير واجتهدوا في تصوّرها لا يدرى يتيسّر أو لا ويشبه أن يكون الحظّ الوافر من هذه المعارف نصيب حضرة المهديّ الموعود عليه الرّضوان، (شعر): ومتى أتى باب العجوز خليفة ... إيّاك يا صاح ونتف سبالكا فتبارك الله أحسن الخالقين والحمد لله ربّ العالمين فتكون ذوات الممكنات عدمات انعكست عليها ظلال الكمالات الوجوديّة وزيّنتها فلا جرم تكون الممكنات مأوى كلّ شرّ وفساد وملاذ كلّ سوء ونقص وعناد وما فيها من الخير والكمال فهو عارية من حضرة الوجود الّذي هو خير محض ومفاض عليها منه ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك شاهد لهذا المعنى فإذا استولت رؤية كونه عارية على السّالك بفضل الله جلّ سلطانه ورأى كمالاته من ذلك الطّرف يجد نفسه شرّا محضا ونقصا خالصا ولا يشاهد في نفسه كمالا أصلا ولو بطريق الإنعكاس ويكون كعريان لبس ثوب العارية واستولت عليه رؤية كونه عارية غاية الإستيلاء على نهج يعطي الثّوب لصاحبه بالكلّيّة في التّخيّل فحينئذ يجد نفسه بالذّوق عاريا ألبتّة وإن كان متلبّسا بثوب العارية وصاحب هذه الرّؤية مشرّف بمقام PageV01P281 العبديّة الّذي هو فوق جميع كمالات الولاية واجتماع الخير والشّرّ والكمال والنّقص الّذي هو اجتماع الوجود والعدم في الحقيقة ليس من قبيل اجتماع النّقيضين الّذي يعدّ محالا فإنّ نقيض الوجود الصّرف هو العدم الصّرف وهذه المراتب الظّلّيّة كما أنّها تنزّلت في جانب الوجود من ذروة الأصل إلى حضيض التّنزّلات كذلك ترقّت في جانب العدم من حضيض صرافة العدم بل اجتماعها من قبيل اجتماع العناصر المتضادّة المجتمعة بعد كسر السّورة المضادّة من كلّ منها فسبحان من جمع بين الظّلمة والنّور. (فان قيل) انت حكمت فيما سبق بانصباغ العدم الصّرف بالوجود الصّرف الّذى هو نقيضه فحصل اذا اجتماع النّقيضين (اقول) انّ المحال انّما هو اجتماع النّقيضين في محلّ واحد وامّا قيام احد النّقيضين بالآخر واتّصافه به فليس ذلك بمحال كما قال ارباب المعقول انّ الوجود معدوم واتّصاف الوجود بالعدم ليس بمحال فعلى هذا لو كان العدم موجودا ومنصبغا بالوجود لم يكن محالا (فان قيل) انّ العدم من المعقولات الثّانية وهى منافية للوجود الخارجىّ فكيف يتّصف العدم بالوجود الخارجىّ (اقول) انّ ما هو من المعقولات الثّانية هو مفهوم العدم دون مصداقه فأيّ فساد في اتّصاف فرد من أفراد العدم بالوجود كما قال أرباب المعقول في الوجود بطريق الإستشكال إنّ الوجود لا ينبغي أن يكون عين ذات واجب الوجود تعالى وتقدّس لأنّ الوجود من المعقولات الثّانية الّتي لا وجود لها في الخارج وذات واجب الوجود تعالى موجودة في الخارج فلا يكون عينها وقالوا في جوابه إنّ ما هو من المعقولات الثّانية هو مفهوم الوجود لا جزئيّاته فلا يكون جزء من جزئيّاته منافيا للوجود الخارجيّ بل يمكن أن يكون موجودا في الخارج (فإن قلت) قد علم من التّحقيق السّابق أنّ وجود الصّفات الحقيقيّة إنّما هو في مرتبة الظّلال وأمّا في مرتبة الأصل فلا وجود لها فيها وهذا الكلام مخالف لرأي أهل الحقّ شكر الله سعيهم فإنّهم لا يجوّزون انفكاك الصّفات عن الذّات أصلا ويقولون بامتناع انفكاكها عنها؟ (أجيب) لا يلزم من هذا البيان جواز الإنفكاك فإنّ ذلك الظّلّ لازم الأصل فلا انفكاك غاية ما في الباب أنّ العارف الّذي قبلة توجّهه أحديّة الذّات تعالت وتقدّست لا يكون له شيء من الأسماء والصّفات ملحوظا أصلا فيجد الذّات في ذلك الموطن ألبتّة ولا يكون شيء من الصّفات ملحوظا له أصلا لا أنّ الصّفات ليست بحاصلة في ذلك الوقت فانفكاك الصّفات من حضرة الذّات إن ثبت ثبت باعتبار ملاحظة العارف لا باعتبار نفس الأمر حتّى يكون مخالفا لما عليه أهل السّنّة (وقد لاح) من هذا البيان معنى من عرف (1) نفسه فقد عرف ربّه PageV01P282 فإنّ الشّخص إذا عرف نفسه بالشّر والنّقص وعرف أنّ ما فيه من الخير والكمال والحسن والجمال مستعار من واجب الوجود المقدّس المتعالى فقد عرف الحقّ سبحانه بالخير والكمال والحسن والجمال بالضّرورة (واتّضح) من هذه التّحقيقات المعنى التّأويليّ لقوله تعالى الله نور السّموات والأرض لأنّه قد تبيّن أنّ الممكنات بأسرها عدمات وبإجمعها شرّ وظلمات وما فيها من الخير والكمال والحسن والجمال مفاض من حضرة الوجود الّذي هو عين حضرة الذّات تعالت وتقدّست وعين كلّ خير وكمال فيكون نور السّموات والأرضين هو حضرة الوجود الّذي هو حقيقة الواجب تعالى وتقدّس ولمّا كان ذلك النّور في السّموات والأرض بتوسّط الظّلال أورد تمثيلا لذلك النّور لرفع توهّم من عسى يتوهّم أنّه بلا توسّط حيث قال تعالى (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ) الآية ايذانا بثبوت الوسائط وتفصيل تأويل هذه الآية الكريمة يثبت إن شاء الله تعالى في محلّ آخر فإنّ المجال للكلام كثير هناك وهذا المكتوب لا يسع تفصيله (وإنّما) قلنا المعنى التّأويليّ لقوله تعالى لأنّ المعنى التفسيريّ مشروط بالنّقل والسّماع ولعلّك سمعت من فسّر القرآن برأيه فقد كفر وفي التّأويل يكفي مجرّد الإحتمال بشرط عدم مخالفته الكتاب والسّنّة فتقرّر أنّ ذوات الممكنات وأصولها عدمات وصفاتهم النّقائص والرّذائل الّتي هي مقتضيات تلك العدمات وجدت بإيجاد القادر المختار جلّ سلطانه والصّفات الكاملة فيهم مستعارة من ظلال كمالات حضرة الوجود تعالى وتقدّس ظهرت فيهم بطريق الإنعكاس ووجدت بإيجاد القادر المختار أيضا ومصداق حسن الأشياء وقبحها هو أنّ كلّما هو ناظر إلى الآخرة ومعدّ لها فهو حسن وإن لم يكن مستحسنا في الظّاهر وكلّما هو ناظر إلى الدّنيا ومعدّ لأجلها فهو قبيح وإن كان حسنا في الظّاهر وظاهرا بالحلاوة والطّراوة كالمزخرفات الدّنياويّة ولهذا منع في الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة من النّظر والميل إلى حسن المرد والنّساء الأجنبيّات وتمنّي المزخرفات الدّنيّة فإنّ ذلك الحسن والطّراوة من مقتضيات العدم الّذي هو مأوى كلّ شرّ وفساد فلو كان منشأ هذا الحسن والجمال الكمالات الوجوديّة لما يمنع عنه الّا من جهة كون التّوجّه إلى الظّلّ مع وجود الأصل مستهجنا ومستقبحا وهذا المنع منع استحسانيّ لا وجوبيّ بخلاف المنع السّابق فالحسن الظّاهر في المظّاهر الجميلة الدّنيويّة ليس هو من PageV01P283 ظلال حسنه تعالى بل هو من لوازم العدم اكتسبه في الظّاهر بواسطة مجاورته الحسن والّا فهو في الحقيقة قبيح ناقص كسمّ مدسوس في السّكّر ونجاسة مطليّة بالذّهب وإنّما جوّز التّمتّع بالنّساء الجميلة المنكوحة والإماء الجميلة المملوكة بواسطة تحصيل الأولاد وإبقاء النّسل المطلوب لبقاء نظام العالم فما ابتلي به بعض الصّوفيّة من المظاهر الجميلة والنّغمات المستحسنة بتخيّل أنّ هذا الحسن والجمال مستعار من كمالات حضرة واجب الوجود تعالى وتقدّس ظهر في هذه المظاهر وزعمهم هذا الإبتلاء حسنا ومتحسّنا بل تصوّرهم إيّاه طريق الوصول ثبت عند هذا الحقير خلافه كما مرّت نبذة فيما سبق والعجب أنّ بعضهم يورد هذا القول إيّاكم والمرد فإنّ فيهم لونا كلون الله سندا لمطلبه وكلمة " كلون الله " توقعهم في الإشتباه ولا يدرون أنّ هذا القول مناف لمطلبهم ومؤيّد لمعرفة هذا الدّرويش لأنّه ورد فيه كلمة التّحذير منعا عن التّوجّه إليهم وبيّن منشأ الغلط بأنّ حسنهم مشابه لحسن الحقّ وجماله سبحانه لا حسنه تعالى لئلّا يقعوا في الغلط قال عليه الصّلاة والسّلام ما الدّنيا والآخرة الّا ضرّتان إن رضيت إحداهما سخطت الاخرى وفي الحديث أيضا تصريح بوجود المباينة والمناقضة بين حسن الآخرة وحسن الدّنيا وبين جماليهما ومن المقرّر أنّ الحسن الدّنيويّ غير مرضيّ والحسن الأخرويّ مرضيّ فيكون الشّرّ لازم الحسن الدّنيويّ والخير لازم الحسن الأخرويّ فبالضّرورة يكون منشأ الأوّل عدما ومنشأ الثّاني وجودا نعم إنّ بعض الأشياء له وجه إلى الدّنيا ووجه إلى الآخرة فهذا قبيح من الوجه الأوّل وحسن من الوجه الثّاني وتمييز ما بين هذين الوجهين وفرق ما بين حسنه وقبحه مفوّض إلى علم الشّريعة قال الله تعالى (وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) وقد ورد في الخبر أنّ الله سبحانه لم ينظر إلى الدّنيا منذ خلقها لكونها مبغوضا عليها عنده سبحانه وكلّ ذلك بواسطة قبحها وشرّها وفسادها الّتي هي من مقتضيات العدم الّذي هو مأوى جميع الفساد وحسن الدّنيا وجمالها وحلاوتها وطراوتها كلّ منها كالمطروح في الطّريق لا يستحقّ النّظر إليه والمستحقّ للنّظر إنّما هو جمال الآخرة فإنّه مرضيّ الحقّ سبحانه قال الله سبحانه شكاية من حالهم يريدون عرض الدّنيا والله يريد الآخرة اللهمّ صغّر الدّنيا في أعيننا وكبّر الآخرة في قلوبنا بحرمة من افتخر بالفقر وتجنّب عن الدّنيا عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات (والشّيخ) الأجلّ محيي الدّين بن عربيّ قدّس سرّه لمّا لم يقع نظره على حقيقة شرّ الممكنات ونقصها وقبحها جعل حقائق الممكنات الصّورة العلميّة الإلهيّة جلّ وعلا وقال إنّ تلك الصّور انعكست على مرآة حضرة الذّات الّتي لا يقول بوجود شيء غيرها في الخارج فحصلت لها بسبب ذلك الإنعكاس نموّ يعني ظهور خارجيّ ولا يرى هذه الصّور العلميّة غير صور شئون الواجب وصفاته جلّ سلطانه فلا جرم حكم بوحدة الوجود وقال بعينيّة وجود الممكنات بوجود الواجب تعالى وتقدّس وقال بنسبيّة الشّرّ والنّقص ونفي الشّرّ المطلق والنّقص المحض ومن ههنا لا يقول بوجود قبيح بالذّات حتّى انّه يقول إنّ قبح الكفر والضّلالة إنّما هو بالنّسبة إلى الإيمان والهداية لا بالنّسبة إلى ذاتهما بل يراهما عين PageV01P284 الخير والصّلاح ويحكم باستقامتهما بالنّسبة إلى أربابهما ويجعل قوله تعالى ما من دابّة إلّا هو آخذ بناصيتها إنّ ربّي على صراط مستقيم شاهدا لهذا المعنى نعم إنّ من يحكم بوحدة الوجود لا يتحاشى من أمثال هذه الكلمات وما ظهر لهذا الفقير أنّ ماهيّات الممكنات عدمات مع الكمالات الوجوديّة المنعكسة عليها والممتزجة بها كما مرّ مفصّلا والله سبحانه يحقّ الحقّ وهو يهدي السّبيل. (أيّها الولد) إنّ هذه العلوم والمعارف الّتي لم يتكلّم بها أحد من أهل الله لا صريحا ولا إشارة من أشرف المعارف وأكمل العلوم برزت في منصّة الظّهور بعد ألف سنة وكشفت عن وجه حقيقة الواجب تعالى وتقدّس وحقائق الممكنات النّقاب كما ينبغي ويحرى بحيث لا مخالفة فيها للكتاب والسّنّة ولا مباينة بينها وبين أقوال أهل الحقّ وكان المراد والمقصود من دعاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الّذي يشبه أن يكون صدوره عنه لتعليم الامّة حيث قال اللهمّ (1) أرنا حقائق الأشياء كما هي هو هذه الحقائق المبّينة في ضمن هذه العلوم المناسبة لمقام العبوديّة الدّالّة على الذّلّ والانكسار الملائم لحال العبيد وأيّ كمال وخير في رؤية العبد نفسه عين مولاه القادر بل هي تنبئ عن كمال فقد الأدب. (أيّها الولد) إنّ هذا الوقت لوقت كان في الامم السّابقة يبعث في مثل هذا الوقت المملوء بالظّلمة نبيّ من الأنبياء أولي العزم لإحياء الشّريعة وتجديدها وفي هذه الامّة الّتي هي خير الامم ونبيّهم خاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات اعطي (2) العلماء مرتبة أنبياء بني إسرائيل واكتفى بوجود العلماء من وجود الأنبياء ولهذا يتعيّن على رأس كلّ مائة مجدّد من علماء هذه الامّة لاحياء الشّريعة وعلى الخصوص بعد مضيّ ألف سنة فإنّه وقت بعثة نبيّ من الأنبياء أولي العزم في الامم السّابقة وما كان يكتفى فيه بأيّ نبيّ كان ففي مثل هذا الوقت يلزم أن يكون عالم عارف تامّ المعرفة ليكون قائما مقام نبيّ من الأنبياء أولي العزم من الامم السّابقة، (شعر): لو جاء من فيض روح القدس من مدد ... خلا المسيح ليصنع مثل ما صنعا أيّها الولد إنّ المقابل للوجود الصّرف هو العدم الصّرف وقد سبق أن الوجود الصّرف حقيقة واجب الوجود تعالى وتقدّس وانّه عين كلّ خير وكمال وإن لم يكن لملاحظة هذه العينيّة هناك مجال ولو PageV01P285 على سبيل الإجمال لوجود شائبة الظّلّيّة فيها والعدم الصّرف الّذي هو مقابل الوجود الصّرف لم يتطرّق إليه شيء من النّسبة والإضافة وعين كلّ شرّ ونقص وإن لم يكن لهذه العينيّة فيه أيضا مجال لوجود رائحة الإضافة فيها ومن المعلوم أنّ ظهور الشّيء على الوجه الأتمّ إنّما يتصوّر في مقابله الحقيقيّ والأشياء إنّما تتبيّن بضدّها فبالضّرورة يحصل ظهور الوجود على الأتمّ في مرآة العدم الصّرف ومن المقرّر أنّ النّزول على قدر العروج فمن تحقّق عروجه بعناية الله سبحانه إلى حضرة الوجود يكون نزوله بالضّرورة إلى العدم المقابل له لكن وقت العروج الّذي فيه استهلاك العارف الجهل لازم له ووقت النّزول الّذي هو متحقّق بالصّحو يكون متّصفا بالعلم والمعرفة لكونه مقامه وفي مقام الصّحو يتشرّف بالتّجلّي الذّاتيّ الّذي هو مبرّأ عن شائبة الظّلّيّة ومنزّه عن ملاحظة الشّئون والإعتبارات الذّاتيّة ويكون معلوما له أنّ جميع التّجلّيات الّتي قبله كانت في حجب ظلّ من ظلال الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات وإن اعتقد العارف أنّها بلا ملاحظة الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات وعدّها تجلّيات وجوديّة صرفة سبحان الله إنّ هذا العدم الّذي هو مأوى كلّ شرّ ونقص قد اكتسب الحسن بواسطة ظهور حضرة الوجود فيه ظهورا تامّا ونال ما لم ينله أحد وصار القبيح لذاته بواسطة الحسن العارض مستحسنا والنّفس الأمّارة الإنسانيّة الّتي هي مائلة بالذّات إلى الشّرّ فيها مناسبة من بين الكلّ لهذا العدم ولهذا صارت فائقة على الكلّ في التّجلّي الخاصّ وسابقة للكلّ في التّرقّي والإختصاص (ع) أحقّ الخلق بالكرم العصاة * ينبغي أن يعلم أنّ العارف التّامّ المعرفة إذا نزل بعد طيّ مقامات العروج ومراتب النّزول تفصيلا إلى مقام العدم الصّرف وحصلت له مرآتيّة حضرة الوجود يظهر فيه جميع الكمالات الأسمائيّة والصّفاتيّة ويظهر جميعها تفصيلا مع لطائف كان مقام الإجمال متضمّنا لها * وهذه الدّولة لا تتيسّر لغيره وتلك المرآتيّة لباس فاخر مخيط على مقدار قدّه وصور هذا التّفصيل وإن كانت ثابتة في خزانة الحضرة العلميّة ولكنّها مرآتيّة في حضرة العلم ومرآتيّة هذا العارف في مرتبة الخارج حيث أظهر جميع الكمالات في الخارج. فإن قيل: ما معنى كون العدم مرآة فإنّه لا شيئ محض فبأيّ اعتبار قيل له إنّه مرآة للوجود (أجيب) أنّ العدم باعتبار الخارج لا شيئ محض وأمّا في العلم فقد عرض له فيه امتياز بل حصل له وجود علميّ أيضا عند مثبتي الوجود الذّهنيّ وقيل له مرآة الوجود باعتبار أنّ كلّما يثبت من الشّرّ والنّقص في مرتبة العدم يكون مسلوبا عن الوجود الّذي هو نقيضه ألبتّة وكلّ كمال يكون مسلوبا عن مرتبة العدم يكون مثبتا في حضرة الوجود فلا جرم كان العدم سببا لظهور الكمالات الوجوديّة ولا معنى للمرآتيّة الّا هذا فافهم فإنّه ينفعك والله سبحانه الملهم. PageV01P286 (أيّها الولد) إنّ هذه المعارف المحرّرة نرجو أن تكون من الإلهامات الرّحمانيّة الّتي لا يكون للوساوس الشّيطانيّة فيها مجال والدّليل على صدق هذا المعنى انّيّ لمّا كنت متصدّيا لتحرير هذه العلوم ملتجئا إلى جناب قدسه تعالى رأيت كأنّ الملائكة الكرام على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام يطردون الشّياطين ويدفعونهم عن نواحي هذا المقام ولا يتركونهم يحومون حول هذا المكان والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال (ولمّا كان) إظهار النّعم الجزيلة من أعظم المحامد الجميلة تجاسرت على إظهار هذه النّعمة العظمى والمرجوّ أن يكون مبرّأ من مظنّة العجب وكيف يكون فيه للعجب مجال والحال أنّ نقصي وقبحي الذّاتيّين نصب العين في كلّ وقت بعناية الله سبحانه والكمالات كلّها منسوبة إليه تعالى الحمد لله ربّ العالمين أوّلا وآخرا والصّلاة والسّلام على رسوله دائما وسرمدا وعلى آله الكرام وأصحابه العظام والسّلام على سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (235) المكتوب الخامس والثّلاثون والمائتان إلى الملّا عبد الغفور السّمرقنديّ وحاجي بيك الفركتيّ والخواجه أشرف الكابليّ في بيان أنّ محبّة هذه الطّائفة رأس كلّ سعادة دنيويّة وأخرويّة وما يناسبه بعد الحمد لله والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليكن معلوما للأحباب الحقيقيّين والمشتاقين التّحقيقيّين أنّه قد حصل السّرور والإبتهاج بوصول المكاتيب الشّريفة المنبئة عن فرط المحبّة والإشتياق ثبّتكم الله سبحانه على هذه المحبّة وينبغى لكم أن تسألوا الله سبحانه الثّبات والإستقامة عليها معتقدين بأنّها رأس سعادة دنيويّة وأخرويّة. والتّوفيق لاتيان الأحكام الشّرعيّة نتيجة هذه المحبّة وتحصيل جمعيّة الباطن ثمرة هذه المودّة ولو صبّت جميع ظلمات العالم وكدوراته في الباطن وهذه المحبّة قائمة ينبغي أن لا يغتمّ أصلا بل ينبغي أن يكون راجيا ولو أفيضت أمثال الجبال من الأنوار والأحوال على الباطن وقد زالت مقدار شعرة من هذه المحبّة ينبغي أن لا يعتقد ذلك شيئا غير الخذلان. وينبغي أن يعدّه استدراجا وعليكم بالتّوجّه إلى شغلكم متمسّكين بحبل هذه المحبّة تمسّكا شديدا دون أن تضيّعوا العمر العزيز بأمور لا طائل فيها، (شعر): وإيّاكم والإغترار بزخرف ... سريع انتقال لن تروا نفعه أصلا وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها. PageV01P287 (236) المكتوب السّادس والثّلاثون والمائتان إلى المخدوم زاده الشّيخ ميان محمّد صادق قدّس سرّه في بيان بعض الأسرار بعد الحمد والصّلوات ليكن معلوما للولد الأرشد أنّه قد فهم من مكتوبكم المحرّر في شرح الأحوال أنّه قد حصلت لكم مناسبة بالولاية الخاصّة المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة فشكرت الله سبحانه على ذلك حقّ شكره وكنت متمنّيا لحصول هذه الدّولة لكم من مدّة مديدة فحينئذ كنت متوجّها برجاء جذبكم إلى هذه الدّولة وبينا أنا في هذا الطّلب إذ وجدتك داخلا في الولاية الموسويّة اتّفاقا فأدخلتك في الولاية الخاصّة جاذبا لك من هناك لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك وحيث أدخلتك في هذه الولاية قسرا صرت أربّيك آخذا في كنفي وقد مرّ على ذلك أزيد من عشرين يوما ولعلّه لم يكن معلوما لك من ضعف هذه النّسبة. وحيث حصلت لها الآن قوّة يرجى أن يكون معلوما لك أيضا وماذا أكتب من إنعامات الحقّ سبحانه الفائضة على التّواتر والتّوالي في حقّ هذا العاصي (شعر) كأنّي بقعة فيها سحاب ال ... رّبيع ممطر ماء زلالا فلو لى ألف السنة وأثني ... بها ما ازددت الّا إنفعالا ثمّ إنّ الولد الأعزّ محمّد سعيد كان قد أظهر أحواله في مكتوبه فرأيتها أصيلة جدّا لم تحصل بهذه الخصوصيّة خلا أناس قليلين من الأصحاب. والمرجوّ أن يشرّفه الحقّ سبحانه أيضا بالولاية الخاصّة وولدي محمّد معصوم قابل لهذه الدّولة بالذّات بفضل الله تعالى أخرجه الله سبحانه من القوّة إلى الفعل بحرمة حبيبه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (237) المكتوب السّابع والثّلاثون والمائتان إلى الملّا محمّد طالب في التّرغيب في متابعة السّنّة السّنيّة ومدح الطّريقة العليّة النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم السّنيّة ثبّتنا الله سبحانه على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام وعلى آله الكرام وأصحابه العظام (أيّها الأخ) الأرشد: إنّ أكابر الطّريقة العليّة النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم التزموا متابعة السّنّة السّنيّة واختاروا العمل بالعزيمة فإن تشرّفوا بالأحوال والمواجيد مع هذا الإلتزام والإختيار يعدّونها نعمة عظيمة وإن أعطوا الأحوال والمواجيد ووجدوا في هذا الإلتزام والإختيار فتورا لا يقبلون تلك الأحوال ولا يبغون تلك المواجيد ولا يرون في ذلك الفتور شيئا سوى الخذلان فإنّ براهمة الهنود وجوكيّتهم وفلاسفة اليونان لهم علوم كثيرة من قسم التّجلّيات الصّوريّة والمكاشفات المثاليّة ولكن ليست لها نتيجة غير الفضيحة والخذلان وليس لهم من نقد الوقت سوى المقت والحرمان وحيث دخل PageV01P288 ذلك الأخ بفضل الله سبحانه في سلك إرادة هؤلاء الأكابر فلا بدّ من التزام متابعتهم واجتناب مخالفتهم ولو مقدار شعرة حتّى تكون منتفعا ومستفيدا من كمالاتهم فاللّازم أوّلا تصحيح العقائد على وفق معتقدات أهل السّنّة والجماعة كثّرهم الله سبحانه. ثمّ تحصيل علم الفرض والواجب والسّنّة والمندوب والحلال والحرام والمكروه والمشتبه ممّا ذكر في علم الفقه، والعمل بمقتضى هذه العلوم. ثانيا: ثمّ تصل النّوبة إلى علوم التّصوّف. ثالثا: وما لم يصحّ هذان الجناحان فالطّيران إلى عالم القدس محال. فإن حصلت الأحوال والمواجيد بدون حصول هذين الجناحين ينبغي أن تعلم أنّ هلاكك فيها وأن تتبرّأ وتستعيذ منها (ع) هذا هو الأمر والباقي خيالات * وما عَلَى الرَّسُولِ إِلّا الْبَلاغُ (1). وقدم أخي الشّيخ ميان داود هناك ينبغي اغتنام صحبته والإنقياد له فيما ينصح به أو يدلّ عليه فإنّه كثير الصّحبة بمريدي هؤلاء الأكابر وتعلّم طريقتهم وسيرتهم كما ينبغي. وليغتنم الأصحاب الموجودون هناك الدّاخلون في هذه الطّريقة بواسطة المير نعمان صحبة المشار إليه وليكن اجتماعهم وجلوسهم في حلقة واحدة فانيا كلّ واحد في الآخر حتّى تحصل الجمعيّة وتترقّى المعاملة. وينبغي أيضا التزام مطالعة المكتوبات فإنّها نافعة (ع) دللتك يا هذا على كنز مقصد * والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله اتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات. (238) المكتوب الثّامن والثّلاثون والمائتان إلى المير محمّد نعمان في الحثّ على تكثير الإخوان والتّحذير عن العجب من أحوال المريدين وبيان ضرره وما يناسبه الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين أجمعين. وصل المكتوب الشّريف المرسل صحبة كس خواجه الرّحميّ وصار موجبا لفرح وافر وحيث اندرج فيه أحوال مسترشديكم ومريديكم بالتّفصيل زاد الفرح فإنّ في الإكثار من الإخوان بموجب: أكثروا إخوانكم في الدّين رجاء كثيرا وقوله تعالى سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ (3) مؤيّد لهذا المعنى أيضا ولكن ينبغي أن يكون مطمح النّظر وموقعه أحوال نفسك وأعمالك والملحوظ سكونك وحركتك لئلّا تكون ترقّيات المريدين باعثة على توقّف الشّيوخ وحرارة المسترشدين مورثة للبرودة في طلب المرشدين ولهذا ينبغي أن تكون خائفا ووجلا من هذا المعنى وأن ترى أحوال المريدين ومقاماتهم كالنّمر والأسد فضلا عن PageV01P289 المفاخرة والمباهاة بها لئلّا يفتح من هذا الطّريق أبواب العجب بل ينبغي أن تكون ترقّيات المريدين بحكم الحياء شعبة من الإيمان باعثة على الحياء والخجالة والإنفعال وحرارة طلب الطّالبين موجبة للغيرة والعبرة وزيادة الإشتغال. وينبغي أيضا: أن يكون رؤية قصور الأعمال واتّهام النّيّات لازم الوقت وأن يكون لسان الحال مرطوبا من كلمة هل من مزيد وإن كان المتوقّع من أوضاعكم المحمودة المقبولة أمثال هذه المعاملات ولكن صدر التّأكيد والمبالغة بملاحظة مكيدة أعداء الدّين الأمّارة واللّعين فلا تقع البرودة في حرارة التّوجّه إلى الطّالبين؛ لأنّ المقصود الجمع بين هاتين الدّولتين والإقتصار على احديهما قصور. وينبغي أن يحضر الخواجه الرّحميّ والسّيّد أحمد مجلسكم وعليكم أيضا رعاية التّوجّه في شأنهما على الوجه الأتمّ فإن وفّق المير عبد اللّطيف أيضا للتّوبة ينبغي أن تمدّه لتحصل له الإستقامة. وكتبت أيضا أنّ بعض الطّالبين يريدون الطّريقة القادريّة ينبغي أن لا تعلّم أحدا أصلا طريقة غير الطّريقة النّقشبنديّة حتّى لا يكون خلط بين الطّريقتين. وأمّا لو طلبوا الكلاه والشّجرة فلك أخذ المريد ولكن مرهم بالصّحبة والسّلام عليكم وعلى سائر أصحابكم وأحبابكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (239) المكتوب التّاسع والثّلاثون والمائتان إلى الملّا أحمد البركيّ في جواب استفساراته الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله وأصحابه الطّاهرين أجمعين قد صرت مبتهجا ومسرورا بمطالعة مضامين الصّحيفة الكريمة المرسلة على وجه الشّفقة والرّأفة وقد كتبت فيها أنّ عرض الأحوال إنّما هي على تقدير حصول الأحوال إلخ (أيّها المخدوم)، إنّ المقصود من حصول الأحوال التّعلّق والإرتباط بمحوّل الأحوال فإذا حصل هذا التّعلّق فلا ضرر من عدم حصول الأحوال. وكتبت أيضا أنّه قد ذكر في الحضور أنّي أكثرت من القاء البذور في حقّكم إلخ (أيّها المخدوم)، الواقع كذلك لكنّ حصول الثّمرات منوط بمرور الدّهور والأوقات حال الحيات وبعد الممات أبشر ولا تعجل. وكتبت أيضا من مقالة مولانا محمّد صالح ولم يكن مولانا المذكور حاضرا حتّى يتفهّم مراده فلا نتعرّض لها ولكنّه خير لا يخطر منه شيء في الخاطر. وكتبت أيضا من صدور سوء الأدب زلّات المخلصين معفوّ عنها لا يقع غبار في الخاطر وطلبت البحث والتّفتيش من أحوالك لله سبحانه الحمد والمنّة قد كنت من المقبولين قبل من قبل بلا علّة. وكتبت أيضا أنّه حضر اثنان من أولاد المشائخ لتلقّن الذّكر إلخ (أيّها المخدوم) إنّ الإستخارة مسنونة في جميع الأمور ومباركة ولكن لا يلزم أن يظهر بعد الإستخارة شيء في المنام أو في الواقعة أو في اليقظة يدلّ على الفعل والتّرك بل ينبغي الرّجوع بعد الإستخارة إلى القلب فإن كان الميل والإقبال إلى الأمر المطلوب أزيد من الأوّل ففيه دلالة PageV01P290 على الفعل وإن كان مثل ما كان سابقا بلا زيادة ولا نقصان فلا منع في هذه الصّورة أيضا. وتكرّر الإستخارة في هذه الصّورة إلى أن تفهم الزّيادة في الإقبال ونهاية تكرار الإستخارة إلى سبع مرّات. ومتى فهم النّقصان في الإقبال بعد أداء الإستخارة فهو دليل على المنع ولا بأس في تكرار الإستخارة في هذه الصّورة أيضا بل التّكرار أولى وأنسب في جميع التّقادير وأحوط في الإقدام والإحجام. (وسألت) عن معنى عبارة رسالة المبدأ والمعاد المحرّرة في بيان الجسد المكتسب من الرّوح. (أيّها المخدوم) إنّ مباشرة الرّوح للأفعال المناسبة للأجسام إنّما هي بواسطة ذاك الجسد المكتسب من الرّوح ومن هذا القبيل الإمدادات الصّادرة من روحانيّة الأكابر قدّس الله أسرارهم المناسبة للأجسام كإهلاك الأعداء ونصرة الأحبّاء بوجوه مختلفة وأنحاء شتّى. وصدر طلب الأمان من فتنة الظّلمة قد جعلك الله بل تلك البقعة محفوظا من شرّ تلك الظّلمة فكونوا متوجّهين إلى جناب قدسه تعالى وتقدّس بفراغ الخاطر ونرجو أن لا يكون ذلك الحفظ موقّتا بوقت إنّ ربّك واسع المغفرة. ولكن ينبغي نصيحة أهل تلك الدّيار وتحذيرهم عن تغيير وضع الصّلاح وإرادة الخير للمسلمين قال الله سبحانه (إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم) والسّلام. (240) المكتوب الأربعون والمائتان إلى الشّيخ يوسف البركيّ في بيان عدم نهاية هذا الطّريق وبعض فوائد كلمة لا إله الّا الله الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى وصلت الرّسالة المشتملة على أحوالكم الخير فصارت مطالعتها باعثة على المسرّة (ع) وكم في العشق من عجب عجيب * ولكن ينبغي التّرقّي من الأحوال والوصول إلى محوّل الأحوال وهناك كلّه جهالة ونكارة فإن تيسّر التّشرّف بعد ذلك بالمعرفة فحبّذت الدّولة وبالجملة انّ كلّما يدخل تحت الرّؤية والخيال فهو قابل للنّفي وإن كان ذلك شهود الوحدة في الكثرة فإنّ الكثرة لا تسع تلك الوحدة والّذي يرى فهو شيخ تلك الوحدة ومثاله لا هي نفسها فالمناسب لحالكم في هذا الوقت تكرار كلمة لا إله الّا الله على وجه لا تترك شيئا يدخل تحت العلم والإدراك وينجرّ الأمر إلى الحيرة والجهالة وتنتهي المعاملة إلى حدّ الفناء وما لم ينجرّ الأمر إلى الحيرة والجهل لا نصيب من الفناء وما حسبته فناء فهو معبّر عنه بالعدم لا الفناء. فإذا تيسّر الوصول إلى الجهل وحصل الفناء يوضع القدم على هذا الطّريق وأين الوصل وإلى من الإتّصال، (شعر): كيف الوصول إلى سعاد ودونها ... قلل الجبال ودونهنّ خيوف PageV01P291 وأحوالك صحيحة ولكنّ التّعدّي والتّرقّي عنها لازم. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) وبقيّة النّصح الإستقامة على الشّريعة وتطبيق الأحوال على الاصول الشّرعيّة فإن ظهر عياذا بالله سبحانه خلاف الشّريعة قولا وفعلا ينبغي أن تعتقد أنّ فيه هلاكك وهذا هو طريق أرباب الإستقامة والسّلام. (241) المكتوب الحادي والأربعون والمائتان إلى مولانا محمّد صالح في بيان ترقّي بعض الأصحاب بعد الحمد والصّلاة ليكن معلوما لاخي الأرشد أنّ أحوال هذه الحدود مستوجبة للحمد والأصحاب الموجودون هنا في فرح وسرور خصوصا مولانا محمّد صدّيق فإنّه تشرّف في هذه الأيّام بعناية الله سبحانه بالولاية الخاصّة والتّحقّق بالإسم الكلّي مترقّيا من الإسم الجزئيّ ونظره مع ذلك إلى فوق. وعساه أن يميل إلى الرّجوع بعد تحصيل نصيب وافر من هناك والله يختصّ برحمته من يشاء وينبغي لك أن تكتب أحوالك وأحوال الأصحاب الّذين دخلوا في الطّريقة والّذين يدخلون الآن وأن تقيم هناك أيّاما والسّلام. (242) المكتوب الثّاني والأربعون والمائتان إلى الملّا بديع الدّين في جواب أسئلته وبعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليكن معلوما لاخي الأعزّ أنّ الدّرويش كمال بلّغ الصّحيفة الشّريفة فصارت موجبة للفرح واندرج فيها بيان رؤية القصور واتّهام النّيّات في الأعمال فاتّضح ذلك والمسئول من الله سبحانه مزيد هذه الرّؤية والمطلوب منه تعالى إتمام هذا الإتّهام فإنّ كلا هذين الأمرين من ملاك الامور في هذا الطّريق. وسئلت أيضا أنّ الإشتغال بذكر اسم الذّات إلى متى وكم حجب ترتفع من المداومة على هذا الإسم ونهاية النّفي والإثبات إلى أيّ حدّ وماذا يحصل من ثمرات هذه الكلمة وكم حجب ترتفع بها (اعلم) أنّ الذّكر عبارة عن طرد الغفلة ولمّا كان الظّاهر لا بدّ له من الغفلة في الإبتداء والإنتهاء كان الظّاهر محتاجا إلى الذّكر في جميع الأوقات بالضّرورة. غاية ما في الباب انّ الأنفع في بعض الأوقات ذكر اسم الذّات والأنسب في وقت آخر ذكر النّفي والإثبات بقيت معاملة الباطن فهناك أيضا لا بدّ من الذّكر إلى أن ترتفع الغفلة بالكلّيّة والفرق بين المبتدى والمنتهى في لزوم الذّكر هو أنّ هذين الذّكرين متعيّنان في الإبتداء وأمّا في التّوسّط والإنتهاء فلا بل إذا حصل طرد الغفلة بتلاوة القرآن أو PageV01P292 أداء الصّلاة جاز الإكتفاء بهما ولكنّ تلاوة القرآن مناسبة لحال المتوسّطين وأداء صلاة النّوافل مناسب لحال المنتهين. (ينبغي) أن يعلم: أنّ حضور الحقّ سبحانه إن كان بملاحظة الأسماء والصّفات فهو داخل في الغفلة عند المتوجّهين إلى الأحديّة المجرّدة وإن كان ذلك الحضور دائما فينبغي طرد هذه الغفلة أيضا والسّير إلى ما وراء الوراء، (شعر): ولا تستقلّ هجر الحبيب وإن غدا ... قليلا ونصف الشّعر في العين ضائر وكتبت ما ظهر من الوقائع وقد كنت كتبت قبل هذا أنّ أمثال ذلك مبشّرات وما جاء وقت ظهورها بعد فانتظر واشتغل شعر: كيف الوصول إلى سعاد ودونها ... قلل الجبال ودونهنّ خيوف والسّلام. (243) المكتوب الثّالث والأربعون والمائتان إلى الملّا أيّوب المحتسب في التّرغيب في الطّريقة النّقشبنديّة العليّة بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليكن معلوما لاخي الأعزّ أنّك قد طلبت النّصائح دفعات في مكاتيب متعدّدة ولكن لم يقدم هذا الحقير على إجابة ذلك المسئول نظرا إلى قبح أحوال نفسه وحيث تكرّر الطّلب أردت أن أكتب بالضّرورة فقرات غير مرتبطة (فاستمع واعلم) أنّ اللّازم للإنسان الّذي لا بدّ منه والمكلّف به امتثال الأوامر والإنتهاء عن المناهي (وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) شاهد لهذا المعنى حيث كان مأمورا بالإخلاص كما قال تعالى (أَلا لله الدِّينُ الْخالِصُ) وهو لا يتصوّر بدون الفناء والمحبّة الذّاتيّة فلا جرم كان سلوك طريق الصّوفيّة المحصّلة للفناء أيضا ضروريّا لتتحقّق حقيقة الإخلاص وحيث كانت طرق التّصرّف في مراتب الكمال والتّكميل متفاوتة كان الأولى والأنسب للاختيار طريق يكون ملتزما لمتابعة السّنّة وأوفق بإتيان الأحكام الشّرعيّة وذلك الطّريق هو طريق أكابر النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم العليّة. فإنّ هؤلاء الأكابر التزموا في هذا الطّريق السّنّة واجتنبوا البدعة بحيث لا يجوّزون العمل بالرّخصة مهما أمكن وإن وجدوها نافعة في الظّاهر والباطن ولا يتركون العمل بالعزيمة وإن علموا أنّها مضرّة بالصّورة في السّيرة وإنّهم جعلوا الأحوال والمواجيد تابعة للأحكام الشّرعيّة واعتقدوا الأذواق والمعارف خادمة للعلوم الدّينيّة الاصوليّة والفرعيّة لا يستبدلون الجواهر النّفيسة الدّينيّة بجوز الوجد وموز الحال مثل الأطفال ولا يغترّون بترّهات الصّوفيّة ولا يفتنون ولا يعدلون من النّصوص إلى الفصوص ولا يلتفتون إلى الفتوحات المكّيّة تاركين للفتوحات المدنيّة ومن ههنا كان حالهم على الدّوام ووقتهم على الإستمرار وتلاشت نقوش السّوى في لجّة بواطنهم على نهج لو تكلّفوا في استحضار السّوى PageV01P293 ألف سنة لا يتيسّر. والتّجلّي الذّاتيّ الّذي هو لغيرهم كالبرق دائميّ لهؤلاء الكبراء والحضور الّذي في قفاه غيبة وغفلة ساقط عندهم عن حيّز الإعتبار (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) بيان لحالهم ومع ذلك كلّه انّ طريقهم أقرب الطّرق وموصّل ألبتّة ونهاية غيرهم مندرجة في بدايتهم ونسبتهم الّتي هي منسوبة إلى الصّدّيق رضي الله عنه فوق جميع نسب المشائخ ولكن لا يدرك فهم كلّ أحد مذاق هؤلاء الأكابر بل يكاد القاصرون من هذه الطّريقة العليّة أيضا ينكرون على بعض كمالاتهم، (شعر): إن عابهم قاصر طعنا بهم سفها ... برأت ساحتهم من أفحش الكلم قال شاعر العرب يعني الفرزدق: (شعر) أولئك آبائى فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع قال الخواجه أحرار قدّس سرّه إنّ كبراء هذه السّلسلة العليّة قدّس الله أسرارهم لا يقاسون على كلّ زرّاق ورقّاص فإنّ معاملتهم عالية جدّا، (شعر): لست أبغي شرحه للخلق بل ... حقّ أن يخفى كعشق في المثل غير أنّي صفته كي يرغبوا ... فيه قبل الفوت كيلا يحزنوا فلو حرّرت دفاتر في بيان خصائص هؤلاء الكبراء وكمالاتهم لكان لها حكم قطرة في جنب بحر لا نهاية له (ع) دللتك يا هذا على كنز مقصد * والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها (244) المكتوب الرّابع والأربعون والمائتان إلى الملّا محمّد صالح الكولابيّ في جواب كتابه وصل المكتوب من أخي الأرشد الخواجة محمّد صالح وكتب فيه من خرابيّة أحواله المرجوّ أن تكون الأحوال أشدّ خرابا من ذلك ونهاية تلك الخرابيّة مندرجة في مكتوب محرّر باسم ولدي الأرشد في هذه الأيّام ينبغي الإطّلاع عليها طلبا منه فإن تبيّن لكم أنّ إقامتكم هناك أيّاما تكون سببا لجمعيّة الأصحاب ينبغي مكث أيّام أخر هناك إن علمتم فيه خيرا أو صلاحا وهذا الفقير أيضا يريد في هذه PageV01P294 الأوقات سفر دهلى والإستخارات والتّوجّهات بواعث على هذا السّفر وفوّض هذا المحلّ إلى ولدي الأرشد عناية له، وجعل في قبضة ولايته والفقير قاعد هناك كالمسافر الغريب في ولايته والأصحاب الّذين دخلوا في الطّريقة مخصوصون بالدّعوات المتوافرة خصوصا السّيّد مرتضى ومولانا شكر الله والسّيّد نظام ويبلّغ ولدي الخواجه محمّد صادق وسائر الإخوان إيّاكم وسائر الإخوان الدّعاء. (245) المكتوب الخامس والأربعون والمائتان إلى الملّا صالح في جواب استفساراته بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليعلم الأخ أنّ المكتوب الشّريف المرسل صحبة القاصد وصل وصار موجبا للفرح وكتبت أنّ ذكر النّفي والإثبات قد بلغ واحدا وعشرين ولكن لا تحصل المداومة وربّما تظهر الغيبة والإستغراق (أيّها المحبّ) الظّاهر إنّ شرطا من شرائط الذّكر مفقود حيث لم تترتّب النّتيجة عليه نستفسر عنه بالمشافهة إن شاء الله تعالى واستفسرت أيضا عن معنى هذا القول الّذي كتبته قال أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه بعد إتمام أمره: ذكر اللّسان لقلقة وذكر القلب وسوسة وذكر الرّوح شرك وذكر السّرّ كفر. (اعلم) أنّ الذّكر لمّا كان منبئا عن الذّاكر، والمذكور أيّ ذكر كان والمقصود فناء الذّاكر والذّكر في المذكور فلا جرم قال للذّكر لقلقة ووسوسة وشركا وكفرا، (شعر) دع ما يصدّك عن وصل الحبيب وما ... يلهيك عنه قبيحا كان أو حسنا ولكن ينبغي أن يرى عروض هذه الأسامي للذّكر قبل حصول الفناء والبقاء فإنّ وجود الذّاكر وثبوت الذّكر له بعد حصول الفناء ليس بمذموم فإن بقي خفاء في هذا المعنى يستفسر عنه في الحضور فإنّ حوصلة الكتابة ضيّقة فنسبة هذا القول إلى الصّدّيق خصوصا بعد إتمام أمره غير مستحسنة. واستفسرت أيضا عن معنى ما كتبت أنّ الشّيخ أبا سعيد أبا الخير طلب من الشّيخ أبي عليّ بن سينا دليلا على المقصود فكتب في جوابه أن ادخل في الكفر الحقيقيّ واخرج من الإسلام المجازيّ فكتب الشّيخ أبو سعيد إلى عين القضاة أنّي لو عبدت الله ألف ألف سنة لما حصل منها ما حصل من كلمة أبي عليّ بن سينا هذه فكتب عين القضاة: أن لو فهموا لكانوا مثل ذلك المسكين ملومين مطعونا فيهم. (ينبغي أن يعلم) أنّ الكفر الحقيقيّ عبارة عن رفع الاثنينيّة واستتار الكثرة بالتّمام الّذي هو مقام الفناء وفوق ذلك الكفر الحقيقيّ مقام الإسلام الحقيقيّ الّذي هو موطن البقاء وفي الكفر الحقيقيّ منقصة تامّة بالنّسبة إلى الإسلام الحقيقيّ وعدم دلالة ابن سينا إلى الإسلام الحقيقيّ من قصور نظره وفي الحقيقة PageV01P295 لم يكن له نصيب من الكفر الحقيقيّ أيضا بل قال ما قال وكتب ما كتب على وجه العلم والتّقليد بل لم يأخذ هو حظّا وافرا من الإسلام المجازيّ أيضا بل بقي في الخرافات الفلسفيّة حتّى كفّره الإمام الغزاليّ. والحقّ أنّ أصوله الفلسفيّة منافية للأصول الإسلاميّة وأيضا إنّ زمان الشّيخ أبي سعيد مقدّم على زمان عين القضاة بكثير فكيف يكتب إليه فإن بقيت شائبة الإشتباه يستفسر عنه في الحضور والسّلام. (246) المكتوب السّادس والأربعون والمائتان إلى المير محمّد نعمان في بيان حصول مقام كان يتوقّعه ويترصّده في بيان مراتب الكمال والتّكميل وبيان وجه فقدان التّوفيق الّذي يطرأ في بعض الأوقات بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله وأصحابه الطّاهرين أجمعين أورثت الصّحائف الشّريفة الواصلة متوالية ومتواترة أفراحا متوافرة ولم يوجد من يتوجّه إلى تلك الحدود حتّى نكتب جواب كلّ منها على حدة فالمرجوّ مسامحتكم وبعد وصول مكتوب صحبة المير داد كنت يوما قاعدا في حلقة مع الأصحاب بعد صلاة الصّبح فظهر توجّه منّي إلى جانبكم بلا قصد وصرت في صدد رفع بقايا الآثار الّتي وقع النّظر عليها وكنت مشتغلا بكمال الإهتمام بدفع الظّلمات والكدورات المحسوسة حتّى صار هلال كمالكم بدر التّمام وانعكس على ذلك البدر ما أودع في شمس الهداية حتّى لم يبق في جانب الكمال شيء متوقّع ومنتظر الّا أن تتّسع الأطراف بعد ذلك ويأخذ بقدر سعته شيئا فشيئا وأدمت النّظر إلى صورة هذا المعنى المثاليّة زمانا طويلا إلى أن حصل اليقين بصدقه الحمد لله سبحانه على ذلك. وحصول هذه الدّولة هو تأويل تلك الواقعة الّتي رأيتها وسئلت حصولها بالمبالغة والتّأكيد لله سبحانه الحمد والمنّة قد حصل مقصودكم بالتّمام ونجّز الموعود ووفي بالعهود ونرجو أن يحصل التّكميل على مقدار هذا الكمال وينوّر أطراف تلك الحدود من وجودكم الشّريف. وكتبت شكاية من فقدان التّوفيق والظّاهر أنّ سببه قبض مفرط وحيث كان قبضكم مفرطا وطويل الذّيل يكون مسبّبه أيضا طويلا على قدر سببه. ومع ذلك ينبغي أن تكلّف نفسك بإتيان الأعمال وأداء العبادات وأن تكون على ذلك بالتّعمّل. وقد صدر في هذه السّنّة علوم عالية ومعارف سامية استصحب مولانا محمّد أمين من جملتها مسودّتين احديهما في حلّ شرح بعض رباعيّات شيخنا قدّس سرّه كتبته حين قراءة الأصحاب الفيروز آباديّين إيّاها واندرج في هذه الرّسالة علوم التّوحيد بمناسبة ما اندرجت في تلك الرّباعيّات وحصل فيها التّطبيق بين ما ذهب إليه العلماء وما حقّقه الصّوفيّة القائلون بوحدة الوجود وحرّرت هذه المسألة على PageV01P296 نهج كان نزاع الفريقين راجعا إلى نزاع لفظيّ وثانيتهما من تينك المسوّدتين مكتوب حرّر إلى ولدي الأرشد بالبسط والإطناب يعرف علوّ درجة تلك العلوم وقت المطالعة فإن بقي أمر منه يستفسر عنه. (247) المكتوب السّابع والأربعون والمائتان إلى العارف المرزا حسام الدّين أحمد في بيان أنّ الدّليل على وجود الحقّ سبحانه هو عين وجود الحقّ سبحانه لا غير وما يناسبه عرفت ربّي بفسخ العزائم لا بل عرفت فسخ العزائم بربّي جلّ وعلا فإنّه سبحانه الدّليل على ما سواه لا العكس فإنّ الدّليل أظهر من المدلول وأيّ شيء أظهر منه سبحانه لأنّ الأشياء إنّما ظهرت به ومنه سبحانه وتعالى فهو الدّليل على نفسه وعلى ما سواه فلا جرم عرفت ربّي بربّي وعرفت الأشياء به تعالى فالبرهان ههنا لمّىّ وزعم الأكثر أنّه إنّىّ والتّفاوت بتفاوت النّظر والإختلاف باختلاف النّظر بل لا مجال للاستدلال والبرهان ثمّة إذ لا خفاء في وجوده سبحانه ولا ريب في ظهوره تعالى فهو أجلى البديهيّات وما خفي ذلك على أحد الّا لمرض في قلبه وغشاوة على بصره والأشياء محسوسة بالحواسّ الظّاهرة ومعلوم أنّ وجودها منه تعالى وتقدّس وفقدان هذا العلم في البعض بواسطة عروض المرض لا يضرّ في المطلوب والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (248) المكتوب الثّامن والأربعون والمائتان إلى العالي الجناب المرزا حسام الدّين أحمد أيضا في بيان أن لكمّل اتباع الأنبياء عليهم السّلام نصيبا من جميع كمالاتهم بالتّبعيّة وأنّه لا يبلغ وليّ قطّ درجة نبيّ من الأنبياء وبيان معنى قولهم أنّ التّجلّي الذّاتيّ مخصوص بنبيّنا عليه الصّلاة والسّلام وغيره الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أنّ هدانا الله لقد جائت رسل ربّنا بالحقّ صلوات الله وسلامه سبحانه عليهم وعلى أتباعهم وأعوانهم وخزينة أسرارهم. اعلم انّ كمّل اتباع الأنبياء عليهم السّلام يجذبون إلى أنفسهم من جهة كمال المتابغة وفرط المحبّة بل بمحض العناية والموهبة جميع كمالات أنبيائهم المتبوعين وينصبغون بلونهم بالكلّيّة حتّى لا يبقى فرق بين المتبوع والتّابع الّا بالأصالة والتّبعيّة والأوّليّة والآخريّة ومع ذلك لا يبلغ تابع نبيّ قطّ وإن كان من اتباع أفضل الرّسل مرتبة نبيّ أصلا ولو كان من أدون الأنبياء ولهذا يكون رأس الصّدّيق رضي الله عنه الّذي هو أفضل البشر بعد الأنبياء عليهم السّلام تحت قدم نبيّ أسفل من جميع الأنبياء دائما ومن ههنا كانت مبادي تعيّنات الأنبياء وأربابهم من مقام الأصل ومبادي تعيّنات الأمم من الأعالي والأسافل وأربابهم من مقامات ظلال ذلك الأصل على PageV01P297 تفاوت الدّرجات فكيف تتصوّر المساواة بين الأصل والظّلّ قال الله تبارك وتعالى (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنّهم لهم المنصورون وإنّ جندنا لهم الغالبون) وما قيل إنّ التّجلّي الذّاتيّ مخصوص من بين الأنبياء بخاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ولكمّل اتباعه صلّى الله عليه وسلّم نصيب من ذلك التّجلّي ليس معناه أنّ التّجلّي الذّاتيّ لا نصيب منه للأنبياء سواه وإنّ منه نصيبا لكمّل اتباعه بالتّبعيّة حاشا وكلّا من أن يتصوّر هذا المعنى فإنّ فيه إثبات المزيّة للأولياء على الأنبياء عليهم السّلام بل معناه أنّ حصول التّجلّي لغيره صلّى الله عليه وسلّم بتطفّله وتبعيّته عليه الصّلاة والسّلام فحصوله للأنبياء بتطفّله صلّى الله عليه وسلّم ولكمّل اتباعه بتبعيّته عليه الصّلاة والسّلام فالأنبياء جلساؤه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام على خوان هذه النّعمة العظمى المخصوصة به بتطفّله صلّى الله عليه وسلّم. والأولياء خدّامه النّائلون للحصّة منها وشتّان بين الجلساء المتطفّلين والخادمين النّائلين للحصّة وهذا المقام من مزالّ الأقدام وقد ذكرت في مكاتيبي ورسائلي في تحقيق هذه الشّبهة وجوها شتّى والحقّ ما حقّقت في هذه المسودّة بفضل الله وكرمه سبحانه وتعالى. (واعلم) أنّ سائر الأنبياء عليهم السّلام وإن كان لهم نصيب وافر من هذا التّجلّي بتطفّله عليه الصّلاة والسّلام ولكن يظهر أنّ هذه الولاية الخاصّة لم تسر إلى أولياء أممهم ولم يكن لهم حظّ وافر من هذا التّجلّي فإنّ حصول هذه الدّولة لاصولهم إذا كان بطريق التّطفّل والإنعكاس فماذا يحصل للفروع بطريق عكس العكس ومصداق هذا المعنى الكشف الصّريح لا الإستدلال العقليّ وما ذكر سابقا من أن كمّل الاتباع يجذبون كمالات المتبوعين بالتّمام فالمراد به الكمالات الأصليّة للمتبوعين لا مطلقا حتّى يتحقّق التّناقض بل هم محتظّون من ولاية مخصوصة بنبيّهم بالتّبعيّة وهذه الامّة مخصوصة من بين الامم بهذا التّجلّي بالتّبعيّة ومشرّفة بهذه الدّولة العظمى ولهذا كانت خير الامم وكان علماؤها كأنبياء بني إسرائيل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقد أردت أن أكتب نبذة من فضائل هذه الولاية الخاصّة وخصائصها ولكن لم يساعد الوقت ذلك لضيقه ولم يف الورق. ويفاض العلوم والمعارف بعناية الله سبحانه مثل مطر الرّبيع ويحصل الإطّلاع على عجائب وغرائب ومحارم هذه الأسرار. أولادي الكرام على قدر الإستعداد وبقيّة الأصحاب أيّاما في الحضور وأيّاما في الغيبة ولذا قيل: الوليّ وإن كان وليّا لا يبلغ مرتبة صحابيّ، وشوق نيل الملازمة فوق الحدّ وقد تشرّفت بورود الصّحيفة الكريمة المرسلة إلى هذا الحقير. اعلم أنّ رؤية القصور في الأعمال من أجل النّعم وأمّا الإقتصاد في الأحوال فمحمود في جميع الامور والأفعال والإفراط كالتّفريط خارج عن حدّ الإعتدال والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (249) المكتوب التّاسع والأربعون والمائتان إلى المرزا داراب في فضائل اتّباع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وما يترتّب عليه PageV01P298 الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى اعلم أنّ الخلاص الاخرويّ والفلاح السّرمديّ منوط بمتابعة سيّد الأوّلين والآخرين عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات ولذا يوصل بمتابعته إلى مقام المحبوبيّة للحقّ سبحانه وبها يتشرّف بالتّجلّي الذّاتيّ وبها يمتاز بمرتبة العبديّة الّتي هي فوق جميع مراتب الكمال، وحصولها بعد حصول مقام المحبوبيّة وبها جعل كمّل اتباعه مثل أنبياء بني إسرائيل ويتمنّى الأنبياء أولو العزم متابعته لو كان (1) موسى حيّا في زمنه ما وسعه الّا اتّباعه. وقصّة نزول روح الله ومتابعته حبيب الله معلومة ومشهودة وصارت أمّته بواسطة متابعته خير الامم وأكثر أهل الجنّة وبسبب متابعته يدخلون الجنّة غدا قبل جميع الامم ويتنعّمون فيها كذا وكذا ثمّ كذا وكذا فعليكم بمتابعته والتزام سنّته وإتيان شريعته عليه وعلى جميع إخوانه من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها وبقيّة المرام أنّي فوّضت إليك الشّيخ إسماعيل وهو من أحباب صاحب المعارف الحاجّ عبد الحقّ والسّلام. (250) المكتوب الخمسون والمائتان إلى الملّا أحمد البركيّ في حلّ بعض استفساراته بسم الله الرّحمن الرّحيم بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات أنهي أنّ أحوال فقراء هذه الحدود وأوضاعهم مستوجبة للحمد والمسئول من الله سبحانه عافيتكم والصّحيفة الشّريفة قد وصلت وكتبت فيها أنّ الذّوق والفرح الّذي كنت أجده أوّلا لا أجده الآن وأظنّ ذلك من تنزّلي وانحطاطي. (اعلم) أيّها الأخ أنّ الحالة الاولى كانت من قبيل حالة أهل الوجد والسّماع الّتي للجسد دخل تامّ فيها وأمّا الحالة الّتي تيسّرت الآن فالجسد قليل النّصيب منها بل تعلّقها بالقلب والرّوح أزيد وبيان هذه المعاملة يستدعي تفصيلا وبالجملة انّ الحالة الثّانية فوق الحالة الاولى بمراتب وعدم وجدان الذّوق وفقدان فرصة الفرح فوق وجدان الذّوق والفرح لأنّ النّسبة كلّما تنجرّ إلى الجهالة وتنتهي إلى الحيرة وتتباعد عن الجسد تكون أصيلة وأقرب إلى حصول المطلوب فإنّه لا مجال في ذلك الموطن لغير العجز والجهل ويعبّر عن هذا الجهل بالمعرفة ويسمّى هذا العجز إدراكا. وكتبت أيضا أنّ تأثير تلك النّسبة الّذي كان أوّلا لم يبق الآن نعم لم يبق التّأثير الجسديّ وأمّا التّأثير الرّوحيّ فقد زاد وإن لم يدركه كلّ أحد وقد كانت مدّة صحبتكم بهذا الفقير قليلة جدّا، وذكر العلوم والمعارف أيضا كان قليلا فإن كان الله سبحانه أراد ثبوت الصّحبة تحصل المصاحبة أيّاما واستفسرت أيضا عن فرضيّة الحجّ والذّهاب إلى مكّة مع وجود الزّاد والرّاحلة في هذا الزّمان وعدمه (أيّها المخدوم) إنّ في الرّوايات الفقهيّة اختلافات كثيرة في هذا الباب والمختار في هذه المسألة فتوى الفقيه أبي اللّيث حيث قال: فإن كان الغالب الأمن وعدم الهلاك في PageV01P299 الطّريق فالفرضيّة ثابتة والّا فلا ولكنّ هذا الشّرط شرط وجوب الأداء لا شرط نفس الوجوب كما هو الصّحيح فتكون الوصيّة بالإحجاج في هذه الصّورة واجبة ولمّا لم يساعد الوقت جواب استفساراتكم الاخرى أخّرناه إلى وقت آخر والسّلام. (251) المكتوب الحادي والخمسون والمائتان إلى مولانا الأشرف في بيان فضائل الخلفاء الرّاشدين خصوصا الشّيخين وتعظيم سائر الأصحاب الكرام عليهم الرّضوان والكفّ عن ذكر مساويهم بعد الحمد والصّلاة وتبليغ الدّعوات ليعلم الأخ الأرشد الخواجه أشرف أنّي أريد أن أكتب العلوم الغريبة والأسرار العجيبة والمواهب اللّطيفة والمعارف الشّريفة على قدر الفهم القاصر وأكثرها يتعلّق بفضائل الشّيخين وذي النّورين وأبي الحسنين وكمالاتهم رضي الله عنهم أجمعين ينبغي الإستماع والإصغاء إليها بسمع العقل. اعلم أنّ حضرة الصّدّيق وحضرة الفاروق رضي الله عنهما مع وجود حصول الكمالات المحمّديّة فيهما وبلوغهما أقصى درجات الولاية المصطفويّة فيهما مناسبة في طرف الولاية من بين الأنبياء المتقدّمين لسيّدنا إبراهيم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام. وفي طرف الدّعوة الّتي هي مناسبة لمقام النّبوّة بهما مناسبة لسيّدنا موسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وبذي النّورين مناسبة في كلا الطّرفين لسيّدنا نوح صلوات الله وتسليماته على نبيّنا وعليه وبسيّدنا عليّ كرّم الله وجهه مناسبة في كلا الطّرفين لسيّدنا عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وحيث كان عيسى روح الله وكلمته كان طرف ولايته غالبا على جانب نبوّته وطرف الولاية غالب أيضا في عليّ كرّم الله وجهه بهذه المناسبة. ومبادي تعيّنات الخلفاء الأربعة صفة العلم على اختلاف الجهات إجمالا وتفصيلا. وهذه الصّفة باعتبار الإجمال ربّ محمّد وباعتبار التّفصيل ربّ الخليل وباعتبار البرزخيّة بين الإجمال والتّفصيل ربّ نوح عليهم الصّلاة والسّلام كما أنّ ربّ موسى صفة الكلام وربّ عيسى صفة القدرة وربّ آدم صفة التّكوين عليهم السّلام (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونقول: إنّ الصّدّيق والفاروق هما حاملا ثقل النّبوّة المحمّديّة على اختلاف المزاتب وعليّا كرّم الله وجهه بواسطة مناسبته لعيسى وغلبة جانب ولايته حامل ثقل الولاية المحمّديّة وذا النّورين باعتبار برزخيّته قيل انّه حامل كلا الطّرفين ويمكن ان يكون اطلاق ذى النّورين عليه بهذا الاعتبار أيضا وحيث قالوا انّ الشّيخين حاملا ثقل النّبوّة تكون مناسبتهما بموسى عليه السّلام أزيد لأنّ مقام الدّعوة الّتي هي ناشئة من مرتبة النّبوّة أتمّ وأكمل فيه من بين الأنبياء بعد نبيّنا عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وكتابه أفضل الكتب المنزّلة بعد القرآن المجيد ولهذا تكون أمّته أكثر من يدخلون الجنّة من بين الامم المتقدّمين وإن كانت شريعة إبراهيم وملّته أفضل من جميع الشّرائع والملل ولهذا أمر أفضل الرّسل بمتابعة ملّته (ثمّ PageV01P300 أوحينا إليك أن اتّبع ملّة إبراهيم حنيفا) شاهد لهذا المعنى والمهديّ الموعود أيضا ربّه صفة العلم وبه مناسبة لعيسى مثل عليّ وكان إحدى قدمي عيسى على رأس عليّ والاخرى على رأس المهديّ. اعلم أنّ ولاية موسى وقعت على يمين الولاية المحمّديّة والولاية العيسويّة على يسارها ولمّا كان عليّ المرتضى حامل ثقل الولاية كان أكثر سلاسل الأولياء منتسبا إليه وظهرت كمالاته لاكثر الأولياء العظام المختصّين بكمالات الولاية أزيد وأكثر من كمالات الشّيخين فلولا إجماع أهل السّنّة على أفضليّة الشّيخين لحكم كشف أكثر الأولياء العظام بأفضليّة عليّ المرتضى لأنّ كمالات الشّيخين تشبه كمالات الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام. وإدراك أرباب الولاية قاصر عن الوصول إلى ذيل هذه الكمالات وكشف أرباب الكشوف بواسطة علوّ درجاتهم باق في الطّريق غير واصل إليهم. وكمالات الولاية كالمطروح في الطّرق في جنب هذه الكمالات إنّما هي مدارج ومعارج للعروج إلى كمالات النّبوّة فكيف يكون للمقدّمات خبر عن المقاصد وماذا يكون شعور المبادي بالمطالب وهذا الكلام وإن كان ثقيلا على الأكثرين بواسطة بعد عهد النّبوّة وبعيدا عن القبول ولكن ماذا نصنع (شعر) قد أمسكوني ورى المرئىّ كدرّتهم ... أقول ما قال لي أستاذي الأزليّ ولكن لله سبحانه الحمد والمنّة إنّي متّفق في هذا القيل والقال مع علماء أهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم وقولي موافق بإجماعهم وجعل استدلاليّهم كشفيّا لي وإجماليّهم تفصيليّا وهذا الفقير ما لم يصل إلى كمالات مقام النّبوّة بمتابعة نبيّه ولم يحصل له نصيب تامّ من تلك الكمالات لم يطّلع على فضائل الشّيخين بطريق الكشف ولم يهتد إلى سبيل غير التّقليد الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ (قال) شخص يوما: قد كتب في الكتب أنّ اسم عليّ المرتضى مكتوب على باب الجنّة فوقع في الخاطر أنّه ماذا يكون لحضرة الشّيخين من خصائص ذلك الموطن فظهر بعد التّوجّه التّامّ أنّ دخول هذه الامّة إلى الجنّة إنّما يكون بإذن هذين الشّيخين الجليلين وتجويزهما وكان الصّدّيق قائما على باب الجنّة ويأذن للنّاس بالدّخول إلى الجنّة والفاروق يدخلهم الجنّة آخذا بأيديهم وكان مشهودا أنّ الجنّة بتمامها مملوءة بنور الصّدّيق وفي نظر هذا الحقير انّ للشّيخين شأنا على حدة فيما بين الأصحاب ودرجة ممتازة منفردة كأنّها لم يشاركهما فيها أحد وكان الصّدّيق في بيت واحد مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإن كان التّفاوت فإنّما هو بالعلوّ والسّفل والفاروق أيضا مشرّف بهذه الدّولة بتطفّل الصّدّيق ونسبة سائر الصّحابة إليه صلّى الله عليه وسلّم نسبة المساكنة في خان واحد أو في بلدة واحدة فما يكون حظّ سائر أولياء الامّة (ع) حسبي إذا جاء من بعد صدا جرسه PageV01P301 فماذا يجد هؤلاء من كمالات الشّيخين وكلا هذين الشّيخين معدودان في عداد الأنبياء في العظمة وجلالة القدر ومحفوفان بفضائل الأنبياء عليهم السّلام قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لو كان (1) بعدي نبيّ لكان عمر». وذكر الإمام الغزاليّ أنّ عبد الله بن عمر قال في أيّام مصيبة الفاروق في محضر من الصّحابة رضوان الله عليهم مات تسعة أعشار العلم ولمّا أحسّ من بعض النّاس توقّفا في فهم معنى هذا الكلام قال: المراد بالعلم العلم بالله لا علم الحيض والنّفاس وماذا يقال في الصّدّيق الّذي جميع حسنات عمر حسنته الواحدة كما أخبر به المخبر الصّادق ويحسّ أنّ انحطاط عمر الفاروق من الصّدّيق أكثر وأزيد من انحطاط الصّدّيق من النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فقس على هذا انحطاط الباقين من الصّدّيق. والشّيخان لم يفارقا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعد الموت أيضا وسيكون حشرهما أيضا معه عليه الصّلاة والسّلام كما ورد ذلك فتكون الأفضليّة بواسطة الأقربيّة لهما وماذا يقول هذا الحقير قليل البضاعة من كمالاتهم وماذا يبيّن من فضائلهم وأين للذّرّة قدرة التّكلّم من الشّمس وأين للقطرة مجال التّحدّث من بحر عمّان والأولياء المرجوعون لدعوة الخلق المحتظّون من كلا طرفي الولاية والدّعوة بحظّ تامّ والعلماء المجتهدون من التّابعين وتبع التّابعين لمّا أدركوا كمالات الشّيخين بنور الكشف الصّحيح والفراسة الصّادقة والأخبار المتتابعة في الجملة ووجدوا نبذة من فضائلهما حكموا بأفضليّتهما بالضّرورة وأجمعوا على ذلك وما ظهر على خلاف هذا الإجماع من الكشف حملوه على عدم الصّحّة ولم يعتبروه كيف وقد صحّح في الصّدر الأوّل أفضليّتهما كما روى البخاريّ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنّا في زمن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا نعدل بأبي بكر أحدا ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ نترك أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا نفاضل بينهم وفي رواية لابي داود: كنّا نقول ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم حيّ: أفضل أمّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعده أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان رضي الله عنهم ومن قال إنّ الولاية أفضل من النّبوّة فهو من أرباب السّكر ومن الأولياء غير المرجوعين الّذين ليس لهم نصيب وافر من كمالات مقام النّبوّة ولعلّ نظركم وقع على ما حقّقه هذا الفقير في بعض رسائله من انّ النّبوّة افضل من الولاية وان كانت ولاية النّبىّ والحقّ هو هذا فمن قال بخلاف ذلك فهو من جهالة كمالات مقام النّبوّة كما مرّ آنفا ومن المعلوم أنّ سلسلة النّقشبنديّة منتسبة من بين سلاسل سائر الأولياء إلى الصّدّيق رضي الله عنه فتكون نسبة الصّحو غالبة فيهم وتكون دعوتهم أتمّ وتظهر كمالات الصّدّيق لهم أكثر وأزيد وتكون نسبتهم فوق نسب سائر السّلاسل بالضّرورة فماذا يدرك غيرهم من كمالاتهم وماذا يحسّون من حقيقة معاملتهم ولا أقول إنّ جميع مشائخ النّقشبنديّة سواسية في هذه المعاملة كيف بل لو وجد من ألوف على هذه الصّفة PageV01P302 يكون غنيمة وأظنّ المهديّ الموعود الّذي بأكمليّة الولاية معهود يكون على هذه النّسبة ويتمّ هذه السّلسلة العليّة ويكملها فإنّ نسبة جميع الولايات دون هذه النّسبة العليّة لأنّ سائر الولايات قليلة النّصيب من كمالات مرتبة النّبوّة وهذه الولاية لها حظّ وافر منها بواسطة الإنتساب إلى الصّدّيق كما مرّ آنفا، (ع): وشتّان ما بين الطّريقين يا خلي * أيّها الأخ إنّ الإمام عليّا كرّم الله وجهه لمّا كان حاملا لثقل الولاية المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة كان تربية مقام الأقطاب والأوتاد والأبدال الّذين هم من أولياء العزلة وغلب فيهم جانب كمالات الولاية مفوّضة إلى إمداده وإعانته ورأس قطب الأقطاب الّذي هو قطب المدار تحت قدمه ويجري أمره ويحصل مهمّه بحمايته ورعايته ويخرج به عن عهدة مداريّته والسّيّدة فاطمة وابناها الإمامان رضي الله عنهم هم أيضا شركاؤه في هذا المقام (واعلم) أنّ أصحاب النّبيّ عليه وعليهم الصّلاة والسّلام كلّهم كبراء عظماء ينبغي أن يذكر كلّهم بالتّعظيم. روى الخطيب عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ الله اختارني واختار لي أصحابا واختار لي منهم أصهارا وأنصارا فمن حفظني فيهم حفظه الله ومن آذاني فيهم آذاه الله. وروى الطّبرانيّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: من سبّ أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين. وروى ابن عديّ عن عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ شرار أمّتي أجرؤهم على أصحابي وما وقع بينهم من المنازعات والمحاربات ينبغي صرفها وحملها على محامل حسنة وإبعادهم عن الهوى والتّعصّب فإنّ تلك المخالفات كانت مبنيّة على الإجتهاد والتّأويل لا على الهوى والهوس كما أنّ جمهور أهل السّنّة على ذلك. ولكن ينبغي أن يعلم أنّ مخالفي الإمام عليّ رضي الله عنه كانوا على الخطأ وكان الحقّ في جانبه ولكن لمّا كان هذا الخطأ خطا اجتهاديّا كان صاحبه بعيدا عن الملامة ومرفوعا عنه المؤاخذة كما نقل شارح المواقف عن الآمديّ أنّ وقعة الجمل والصّفّين كانت على وجه الإجتهاد. وصرّح الشّيخ أبو شكور السّالميّ في التّمهيد أنّ أهل السّنّة والجماعة ذاهبون إلى أنّ معاوية مع طائفة من الصّحابة الّذين كانوا معه كانوا على الخطأ وكان خطؤهم اجتهاديّا وقال الشّيخ ابن حجر في الصّواعق: إنّ منازعة معاوية لعليّ رضي الله عنهما كانت على وجه الإجتهاد. وجعل هذا القول من معتقدات اهل السّنّة وما قال شارح المواقف من أنّ كثيرا من أصحابنا ذهبوا إلى أنّ تلك المنازعة لم تكن على وجه الإجتهاد فمراده من الأصحاب أيّ طائفة هو فإنّ أهل السّنّة حاكمون بخلاف ذلك كما مرّ، وكتب القوم مشحونة بالقول بالخطأ الاجتهاديّ كما صرّح به الغزاليّ والقاضي أبو بكر وغيرهما فلا يجوز تفسيق مخالفي الإمام عليّ وتضليلهم. PageV01P303 قال القاضي في الشّفاء قال مالك رضي الله عنه " من شتم أحدا من أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر وعمر وعثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص رضي الله عنهم فإن قال: كانوا على ضلال وكفر قتل وإن سبّهم بغير هذا من مشاتمة النّاس نكّل نكالا شديدا فلا يكون محاربو عليّ كفرة كما زعمت الغلاة من الرّفضة ولا فسقة كما زعم البعض ونسبه شارح المواقف إلى كثير من أصحابه كيف وقد كانت الصّدّيقة وطلحة والزّبير من الصّحابة منهم وقد قتل طلحة والزّبير في قتال الجمل مع ثلاثة عشر ألفا من القتلى قبل خروج معاوية فتضليلهم وتفسيقهم ممّا لا يجترئ عليه مسلم الّا أن يكون في قلبه مرض وفي باطنه خبث وما وقع في عبارة بعض (1) الفقهاء من إطلاق لفظ الجور في حقّ معاوية حيث قال: كان معاوية إماما جائرا فمراده بالجور عدم حقّيّة خلافته في زمن خلافة عليّ لا الجور الّذي مآله فسق وضلالة ليكون موافقا لاقوال أهل السّنّة والجماعة ومع ذلك يجتنب أرباب الإستقامة إتيان الألفاظ الموهمة خلاف المقصود ولا يجوز الزّيادة على القول بالخطأ كيف يكون جائرا وقد صحّ أنّه كان إماما عادلا في حقوق الله سبحانه وحقوق المسلمين كما في الصّواعق وقد زاد مولانا عبد الرّحمن الجاميّ قدّس سرّه في قوله خطا منكرا يعني زاد على ما عليه الجمهور وكلّما زاد على لفظ الخطأ فهو خطأ وما قال بعده فإن كان هو مستحقّا للّعن إلخ فهو أيضا غير مناسب له أين محلّ التّرديد وأين محلّ الإشتباه فإن قال هذا الكلام في حقّ يزيد فله وجه ومساغ وأمّا قوله ذلك في حقّ معاوية فشنيع وقد ورد في الأحاديث النّبويّة بأسانيد الثّقات أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم دعا لمعاوية اللهمّ (2) علّمه الكتاب والحساب وقه العذاب. وقال في محلّ آخر من دعائه: اللهمّ (3) اجعله هاديا مهديّا. ودعاؤه عليه الصّلاة والسّلام مقبول والظّاهر أنّ هذا الكلام إنّما صدر عن مولانا بطريق السّهو والنّسيان وأيضا أنّه لم يصرّح باسم أحد في تلك الأبيات بل قال وصحابيّ آخر وهذه العبارة أيضا تنبئ عن الشّناعة ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. وما نقل عن الإمام الشّعبيّ من ذمّ معاوية وأنّه بالغ في مذمّته وأوصلها إلى ما فوق الفسق لم يبلغ مرتبة الثبوت والإمام الأعظم من تلامذته فعلى تقدير صدق هذا القول لكان هو أحقّ بنقله. وحكم الإمام مالك الّذي هو من تبع التّابعين ومعاصره بقتل شاتم معاوية وعمرو بن العاص كما مرّ آنفا فإن كان هو PageV01P304 مستحقّا للشّتم فلم حكم بقتل شاتمه فعلم أنّه اعتقد شتمه من الكبائر فحكم بقتل شاتمه وأيضا أنّه جعل شتمه كشتم أبي بكر وعمر وعثمان كما مرّ سابقا فلا يكون معاوية مستحقّا للشّتم والذّمّ. (أيّها الأخ) إنّ معاوية ليس وحده في هذه المعاملة بل كان نصف الأصحاب الكرام تخمينا شريكا له فيها فإن كان محاربو عليّ كفرة أو فسقة زال الإعتماد عن شطر الدّين الّذي بلغنا من طريق تبليغهم ولا يجوّز ذلك الّا زنديق مقصوده إبطال الدّين. (أيّها الأخ) إنّ منشأ إثارة هذه الفتنة هو قتل عثمان رضي الله عنه وطلب القصاص من قتلته فإنّ طلحة وزبيرا إنّما خرجا أوّلا من المدينة بسبب تأخير القصاص ووافقتهم الصّدّيقة في هذا الأمر فوقع حرب الجمل الّتي قتل فيها ثلاثة عشر ألفا من الصّحابة وقتل فيها طلحة والزّبير اللّذان هما من العشرة المبشّرة ثمّ خرج معاوية من الشّام وصار شريكا لهم فوقع حرب الصّفّين. صرّح الإمام الغزاليّ أنّ تلك المنازعة لم تكن لامر الخلافة بل كانت لاستيفاء القصاص في بدء خلافة عليّ وعدّ ابن حجر هذا القول من معتقدات أهل السّنّة وقال الشّيخ أبو شكور السّالميّ الّذي هو من أكابر علماء الحنفيّة أنّ منازعة معاوية لعليّ كانت في أمر الخلافة فإنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لمعاوية: إذا (1) ملكت النّاس فارفق بهم. فحصل لمعاوية الطّمع في الخلافة من هذا الكلام ولكن كان هو مخطئا في هذا الإجتهاد وعليّ محقّ فيه فإنّ الوقت كان وقت خلافة عليّ والتّوفيق بين هذين القولين هو أنّ منشأ المنازعة يمكن أن يكون أوّلا تأخير القصاص ثمّ بعد ذلك يقع في طمع الخلافة وعلى كلّ الإجتهاد واقع في محلّه فإن مخطئا فدرجة واحدة من الثّواب وللمحقّ درجتان بل عشر درجات. (أيّها الأخ) إنّ الطّريق الأسلم في هذا الموطن السّكوت عن ذكر مشاجرات أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والإعراض عن ذكر منازعتهم قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إيّاكم (2) وما شجر بين أصحابي. وقال أيضا: إذا (3) ذكر أصحابي فأمسكوا. وقال أيضا عليه الصّلاة والسّلام: الله الله (4) في أصحابي لا تتّخذوهم غرضا. يعني احذرو الله واتّقوه في حقّ أصحابي ولا تجعلوهم هدفا لسهم ملامتكم وطعنكم. قال الإمام الشّافعيّ وهو منقول عن عمر بن عبد العزيز أيضا: تلك دماء طهّر الله عنها أيدينا فلنطهّر عنها ألسنتنا. ويفهم من هذه العبارة أنّه لا ينبغي إجراء خطئهم على اللّسان أيضا وأن يذكرهم بغير الخير هذا ويزيد البعيد عن السّعادة من زمرة الفسقة والتّوقّف في لعنه إنّما هو على الأصل المقرّر عند أهل السّنّة من PageV01P305 أنّه لا يجوز اللّعن على شخص معيّن ولو كان كافرا الّا أن يعلم موته على الكفر يقينا كأبي لهب الجهنّميّ وامرأته لا أنّه غير مستحقّ للّعن (إنّ الّذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدّنيا والآخرة) اعلم أنّ أكثر النّاس في هذا الزّمان لمّا اشتغلوا ببحث الإمامة وجعلوا التّكلّم في الخلافة ومنازعات الصّحابة عليهم الرّضوان نصب العين دائما وصاروا لا يذكرون الأصحاب الكرام بالخير تقليدا لجهلة الرّفضة ومردة أهل البدعة وينسبون إلى جنابهم أمورا غير مناسبة كتبت نبذة ممّا كان معلوما لي بالضّرورة وأرسلتها إلى الأحباب قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام: إذا (1) ظهر الفتن أو قال البدع وسبّت أصحابي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين لا يقبل الله له صرفا ولا عدلا ولكن لله سبحانه الحمد والمنّة انّ سلطان الوقت يعدّ نفسه حنفيّ المذهب ومن أهل السّنّة والجماعة وإلّا فقد كان الأمر ضيّقا على المسلمين جدّا فينبغي أداء شكر هذه النّعمة العظمى كما ينبغي وأن يجعل مدار الإعتقاد على معتقدات أهل السّنّة والجماعة وأن لا يصغى إلى أقوال زيد وعمرو فإنّ جعل مدار الأمر على الخرافات الكاذبة تضييع الإنسان نفسه وتقليد الفرقة النّاجية ضروريّ حتّى يحصل رجاء النّجاة وبدونه خرط القتاد والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (252) المكتوب الثّاني والخمسون والمائتان إلى الشّيخ بديع الدّين في جواب استفساراته الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى وصل مكتوب الأخ الأرشد فأورث فرحا وافرا واندرج فيه استفسارات فاعلم أنّ مبدأ تعيّن سيّدنا نوح وسيّدنا إبراهيم عليهما السّلام صفة العلم كما أنّ مبدأ التّعيّن المحمّديّ عليه الصّلاة والسّلام هو هذه الصّفة أيضا والتّفاوت إنّما هو بالجهات والإعتبارات فإنّ لهذه الصّفة وجها إلى العالم ووجها آخر إلى المعلوم والوجه الأوّل مناسب للوحدة. والثّاني للكثرة ولهذه الصّفة أيضا إجمال تفصيل وكلّ واحد من هذه الإعتبارات كان مبدأ تعيّن واحد من الكبراء والمعارف الّتي تتعلّق بتحمّل ثقل النّبوّة والولاية مندرجة في المكتوب الّذي حرّر إلى الخواجه محمّد أشرف تفصيلا فلم أكتبها الآن فتطلب منه وأردت أن أكتب جواب الإستفسار عن الفرق بين الغوث والقطب والخليفة ولكن ما وجدت الإذن بالكتابة فأخّرناه إلى وقت آخر والسّلام. PageV01P306 (253) المكتوب الثّالث والخمسون والمائتان إلى الشّيخ إدريس السّامانيّ في بيان جواب أسئلته وتفصيل بعض مقامات الطّريق ومنازله على طريق الرّمز والإجمال بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات أنهي أنّ أحوال فقراء هذه الحدود وأوضاعهم مستوجبة للحمد. المسئول من الله سبحانه سلامتكم واستقامتكم على الطّريقة المرضيّة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة، وبيان الأحوال والمواجيد الّذي أحيل على مولانا عبد المؤمن واستفسرت عنها بيّنها مولانا كلّها بالتّفصيل وقال إنّه يقول: إذا نظرت إلى جانب الأرض لا أجد الأرض وإذا رميت نظري إلى جانب السّماء لا أجدها أيضا وإذا أتيت شخصا لا أجد له وجودا أيضا وكذلك لا أجد للعرش والكرسيّ والجنّة والنّار أيضا وجودا ولا أرى لنفسي أيضا وجودا. ووجود الحقّ سبحانه غير متناه لم يجد أحد له نهاية وتكلّم الأكابر أيضا إلى هذا المقام فقط ومتى وصلوا إليه عجزوا عن السّير ولم يقدروا على الزّيادة على ذلك فإن كان هذا كمالا عندكم أيضا وكنتم في هذا المقام فلأيّ شيء أحضر عندكم ولماذا أتعب وأتعب وإن كان وراء هذا الكمال أمر آخر فأطلعوني عليه حتّى أذهب إلى ديار يكثر فيها ألم الطّلب وكان سبب التّوقّف من المصير إليكم منذ سنين حصول هذا التّردّد. أيّها المخدوم، إنّ هذه الأحوال وأمثالها من تلوينات القلب ويكون مشهودا أنّ صاحب هذه الأحوال لم يطو بعد من مقامات القلب أزيد من الرّبع فيلزمه طيّ ثلاثة أرباع أخرى منها حتّى يطوى معاملة القلب بالتّمام وبعد القلب روح وبعد الرّوح سرّ وبعد السّرّ خفىّ وبعد الخفىّ أخفى ولكلّ واحدة من هذه اللّطائف الأربع الباقية أحوال ومواجيد على حدة ويلزم طيّ كلّ واحدة منها منفردة منفردة، والتّجلّي بكمالات كلّ منها وبعد مجاوزة هذه الخمسة الأمريّة وطيّ أصولها مرتبة بعد مرتبة، وقطع مدارج ظلال الأسماء والصّفات الّتي هي أصول تلك الأصول درجة بعد درجة تجلّيات الأسماء والصّفات وظهورات الشّئون والإعتبارات وبعد هذه التّجلّيات تجلّيات الذّات تعالت وتقدّست فتقع المعاملة حينئذ على اطمئنان النّفس ويتيسّر حصول رضا الحقّ جلّ وعلا والكمالات الّتي تحصل في هذا الموطن حكم الكمالات السّابقة في جنبها كحكم القطرة في جنب البحر المحيط الّذي لا قعر له وهنا يتيسّر شرح الصّدر ويتّصف بالإسلام الحقيقيّ، (ع) هذا هو الأمر والباقي خيالات * وما يتوهّم أنّه من تجلّيات الأسماء والصّفات قبل قطع منازل هذه الخمسة الأمريّة مع الاصول وأصول الاصول فهو ظهورات بعض خواصّ عالم الأمر وله نصيب من اللّامثليّ واللّاكيفيّ ومن اللّامكانىّ وليس بتجلّيات الأسماء والصّفات قال واحد من السّالكين في هذا المقام: عبدت الرّوح ثلاثين سنة على ظنّ أنّها الحقّ سبحانه وتعالى فأين الوصول وإلى من السّير. (شعر) كيف الوصول إلى سعاد ودونها ... قلل الجبال ودونهنّ خيوف. PageV01P307 ولمّا طلبتم الكشف عن حقيقة هذا الطّريق على وجه الإلتفات كتبت نبذة منه على وجه الإجمال والأمر عند الله سبحانه والسّلام عليكم وعلى من لديكم. (254) المكتوب الرّابع والخمسون والمائتان إلى الملّا أحمد البركيّ في جواب بعض أسئلته الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد كتبت أنّ بعض الأكابر قال: إنّ الإنسان ينبغي له أن يعمل ما يعمله بأمر صاحب الزّمان حتّى تترتّب عليه النّتيجة ولو كان أمرا مشروعا فإن كان هذا الكلام صحيحا نرجو الإذن والأمر في جميع المشروعات. (أيّها المخدوم) إنّ كلام الأكابر صحيح والإذن لك حاصل وأنت مأذون ولكن ينبغي أن يعلم أنّ المراد بالنّتيجة نتيجة معتدّ بها لا مطلقا. (وكتبت) أيضا أنّه قد حرّر في رسالة أنّ الخواجه أحرار قدّس سرّه قال: إنّ القرآن في الحقيقة من مرتبة عين الجمع يعني من أحديّة الذّات تعالت وتقدّست فما يكون معنى ما حرّر في رسالة المبدأ والمعاد أنّ حقيقة الكعبة الرّبّانيّة فوق الحقيقة القرآنيّة. (أيّها المخدوم) ليس المراد بأحديّة الذّات هناك الأحديّة المجرّدة الّتي لا يكون فيها شيء من الصّفة والشّأن ملحوظا لأنّ حقيقة القرآن ناشئة من صفة الكلام الّتي هي إحدى صفات الثّمانية وحقيقة الكعبة ناشئة عن مرتبة منزّهة عن تلوينات الصّفات والشّئونات فيكون التّفوّق لها. (وكتبت) أيضا أنّه قد ذكر في بعض التّفاسير لو قال شخص: أنا أسجد للكعبة يكفر فإنّ السّجدة ينبغي أن تكون إلى طرف الكعبة لا للكعبة. وذكر في موضع آخر كانوا في أوّل الإسلام يقولون في السّجدة لك سجدت ومدلول الضّمير نفس الذّات تعالت وتقدّست فما يكون معنى ما حرّر في رسالة المبدأ والمعاد من أنّ صورة الكعبة كما أنّها مسجودة صور الأشياء كذلك حقيقة الكعبة مسجودة حقائق الأشياء. (أيّها المخدوم) إنّ هذا من مسامحات العبارات كما يقال: إنّ آدم مسجود الملائكة مع أنّ السّجدة للخالق جلّ سلطانه لا لمخلوقه ومصنوعه أيّ مخلوق كان والسّلام عليكم وعلى أصحابكم وأحبابكم وعلى الملّا بابنده والملّا حسن. (255) المكتوب الخامس والخمسون والمائتان إلى الملّا طاهر اللّاهوريّ في التّحريض على إحياء السّنّة السّنيّة ورفع البدعة الغير المرضيّة الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى وصل المكتوب الشّريف المرسل مع الحافظ بهاء الدّين وأورث فرحا وافرا حبّذا النّعمة توجّه المحبّين والمخلصين بجميع همّتهم إلى إحياء سنّة من السّنن PageV01P308 المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وإرادتهم بكلّيّتهم رفع بدعة من البدع غير المرضيّة فإنّ كلّا من السّنّة والبدعة ضدّ الاخرى ووجود احديهما مستلزم لانتفاء الاخرى فيكون احياء احديهما مستلزما لاماتة الاخرى فاحياء السّنّة موجب لاماتة البدعة وبالعكس فكيف تصحّ تسمية البدعة حسنة مع كونها مستلزمة لرفع السّنّة الّا أن يراد بالحسن الحسن النّسبيّ فإنّه لا مجال للحسن المظلق هنا؛ لأنّ جميع السّنن مراضي الحقّ سبحانه وتعالى وأضدادها مرضيّات الشّيطان وهذا الكلام وإن كان اليوم ثقيلا على الأكثرين بواسطة شيوع البدعة ولكنّهم سيعلمون غدا أنّنا على الهداية أو إيّاهم. وورد أنّ المهديّ الموعود إذا أراد ترويج الدّين وإحياء السّنّة في زمان سلطنته يقول عالم المدينة الّذي اعتاد على العمل بالبدعة وظنّها حسنة وألحقها بالدّين بهذا الظّنّ متعجّبا انّ هذا الرّجل يريد رفع ديننا وإزالة ملّتنا فيأمر المهديّ بقتله ويرى ما اعتقد أنّه حسن سيّئا ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم والسّلام عليكم وعلى سائر من لديكم. وقد غلب النّسيان على الفقير حتّى لا أعلم الآن إلى من فوّضت مكتوبكم فأكتب جواب الإستفسارات فيرجى مسامحتكم والشّيخ ميان أحمد الغرمليّ من المحبّين وحيث انّه واقع في جواركم ينبغي رعاية الإلتفات والتّوجّه في حقّه. (256) المكتوب السّادس والخمسون والمائتان إلى الشّيخ بديع الدّين في جواب سؤاله عن القطب وقطب الأقطاب والغوث والخليفة وما يتعلّق بذلك الحمد لله والسّلام على عباده الّذين اصطفى وصل المكتوب الشّريف المرسل صحبة الدّرويش فأورث فرحا وافرا وسئلت عن معنى القطب وقطب الأقطاب والغوث والخليفة وعن خدمة كلّ منهم ووظيفته وأنّه هل لهم اطّلاع على خدمتهم أم لا والبشارة بقطبيّة الأقطاب الّتي تجيء من عالم الغيب هل لها أصل أو هي من اختراع الخيال والوهم. (ينبغي) أن يعلم أن كمّل اتباع نبيّ عليه وعليهم الصّلاة والسّلام إذا أتمّوا بالتّبعيّة مقام النّبوّة يشرّف بعضهم بمنصب الإمامة وبعضهم يكتفي بمجرّد حصول ذلك الكمال وهذان المعظّمان متساويان في نفس حصول ذلك الكمال وإنّما التّفاوت في حصول المنصب وعدمه وفي أمور تتعلّق بذلك المنصب وإذا أتمّ الاتباع الكمّل كمالات الولاية يشرّف بعضهم بمنصب الخلافة ويكتفي بعضهم بمجرّد حصول تلك الكمالات كما مرّ آنفا وكلّ من هذين المنصبين يتعلّق بالكمالات الأصليّة. وأمّا في الكمالات الظّلّيّة فالمناسب لمنصب الإمامة يعني لان يكون حذاءه وظلّه هو منصب قطب الإرشاد والمناسب لمنصب PageV01P309 الخلافة منصب قطب المدار وكأنّ هذين المقامين التّحتانيّين ظلال ذينك المقامين الفوقانيّين. (والغوث) عند الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ قدّس سرّه هو قطب المدار المذكور وليست الغوثيّة عنده منصبا على حدة وممتازة عن منصب القطبيّة وما هو معتقد الفقير أنّ الغوث غير قطب المدار بل هو ممدّه ومعاونه في أموره وشئونه وقطب المدار يستمدّ منه في بعض الامور، وفي تعيين مناصب الأبدال ونصبهم له دخل أيضا ويقال للقطب باعتبار الأعوان والأنصار قطب الأقطاب أيضا لأنّ أعوان قطب الأقطاب وأنصاره حكّام ومن هنا قال صاحب الفتوحات المكّيّة: ما من قرية مؤمنة كانت أو كافرة الّا وفيها قطب. (واعلم) أنّ صاحب المنصب صاحب علم البتّة وأمّا الّذي فيه كمال ذلك المنصب دون نفس المنصب فلا يلزم كونه من أرباب العلم وكونه مطّلعا على خدماته. والبشارة الّتي تصل من عالم الغيب هي بشارة حصول كمالات ذلك المقام لا بشارة حصول منصب ذلك المقام الّتي هي منوطة بالعلم (وسألت) أيضا أنّه ما المراد بالإيمان الواقع في حديث (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أمّتي لرجح) وما سبب رجحان الإيمان بواسطة رجحان المؤمن به وحيث كان متعلّق إيمان أبي بكر فوق متعلّقات إيمان الامّة يكون راجحا ألبتّة (أيّها المخدوم) إنّ معاملة السّالك قد تبلغ في عروجاته مبلغا لو تفوّق منه مقدار نقطة تكون الكمالات الّتي تحصل بسبب هذا العروج والتّفوّق أزيد من جميع الكمالات السّابقة لأنّ تلك النّقطة أزيد من جميع ما تحتها وكذلك حال النّقطة الّتي فوق هذه النّقطة فإنّ هذه النّقطة حقيرة في جنبها وعلى هذا القياس فمن كان متعلّق إيمانه كمال الفوق وغايته يكون راجحا البتّة على جميع ما تحته. ومن هنا قالوا: تبلغ معاملة العارف مبلغا يكتسب في طرفة العين مثل جميع كمالاته المتقدّمة وعلى مقياس تحقيق الفقير يحصل في لمحة أزيد من جميع الكمالات المتقدّمة ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) (وسألت) أيضا أنّه ذكر الشّيخ ابن عربيّ واتباعه: إنّ الأطفال الّذين قتلوا بسبب موسى على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام انتقلت استعدادات كلّهم إلى موسى عليه السّلام فنرجو تحرير حقيقة هذا الكلام بالتّفصيل؟ (اعلم) أنّ هذا الكلام أصيل لأنّه مكتوب بالتّحقيق فكما أنّ شخصا واحدا يجعل سببا لحصول الكمالات لجماعة كذلك نجعل الجماعة سببا لحصول الكمالات لشخص واحد فإنّ الشّيخ وإن كان سببا لحصول الكمالات للمريدين ولكنّ المريدين أيضا أسباب لحصول الكمالات للشّيخ وهذا الفقير أحسّ هذا المعنى في المأكولات والمشروبات الّتي صارت أجزاء بدنه بحيث كلّما تناوله من طعام أو شراب صار ذلك سببا لجامعيّة استعداده وظهرت به قابليّة أخرى فإذا قصد في بعض الأوقات ترك المأكولات اللّذيذة منع من ذلك بواسطة تحصيل هذه الجامعيّة ولم يؤذن له بترك ذلك الطّعام اللّذيذ PageV01P310 بسبب حصول تلك القابليّة وكم من استعداد انتقل من شخص إلى آخر كلّا او بعضا وصار محسوسا أنّ ذلك الشّخص بقي خاليا وحصّل الآخر جمعيّة. وسألت أيضا أنّ الشّيخ (1) نجم الدّين الكبرى أرسل واحدا من مريديه عند واحد من الأعزّة ليستفهم منه أنّه تحت قدم أيّ نبيّ فقال له الشّيخ المرسل إليه: في أيّ شغل جهودك؟ ففهم الشّيخ نجم الدّين من هذا الكلام أنّه تحت قدم موسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام بأيّ وجه يفهم هذا المعنى من هذه العبارة (اعلم) أنّ الجهود يطلق على اليهود وهم من أمّة موسى عليه السّلام (وسألت) أيضا أنّه كتب في النّفحات أنّ ولاية جميع الأولياء تسلب بعد الموت الّا ولاية أربعة منهم (اعلم) أنّه يمكن أن يكون مراده بالولاية التّصرّفات وظهور الكرامات لا أصل الولاية الّتي هي عبارة عن قرب إلهيّ جلّ سلطانه وأن يكون مراده بالسّلب أيضا سلب كثرة ظهور الكرامات لا سلب أصل الظّهور مع أنّ هذا الكلام كشفيّ ومجال الخطأ كثير في الكشف فلا يدرى ماذا رأى وماذا فهم (وطلبت) ظهور بعض كرامات الأولياء فكن منتظرا سيجعل الله بعد عسر يسرا. وسألت أنّه قال في تفسير النّيسابوريّ: إنّ شانيك هو الأبتر بالياء فما التّحقيق فيه بالياء أو بالهمزة؟ (اعلم) أنّه بالهمزة والّذي كتب بالياء يمكن أن يكون قراءة غير مشهورة. وكتبت أنّ بعض النّساء يطلبن الإشتغال بالطّريقة فإن كنّ محارم فما المانع والّا يقعدن وراء الحجاب ويأخذن الطّريقة (وسألت) أنّ أرباب الحديث أثبتوا في كلّ شهر أيّاما منهيّة ونقلوا الحديث في هذا الباب فماذا نفعل (قال) والد الفقير قدّس سرّه: إنّ الشّيخ عبد الله والشّيخ رحمة الله اللّذين كانا من أكابر المحدّثين ولقّبا في الحرمين بالشّيخين وردّا إلى الهند وقالا: إنّ هذا الحديث نقله الكرمانيّ شارح البخاريّ لكنّه ضعيف (2). والحديث الصّحيح في هذا الباب الأيّام أيّام الله والعباد عباد الله وقالا أيضا: إنّ نحوسة الأيّام زالت وارتفعت بولادة من أرسل رحمة للعالمين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وكانت نحوسة الأيّام بالنّسبة إلى PageV01P311 الامم الماضية. وعمل الفقير أيضا على ذلك لا أرجّح يوما على يوم أصلا ما لم يعلم ترجيحه من الشّارع كيوم الجمعة وأيّام رمضان ونحوهما. (وكتبت) أيضا بأنّي ما وجدت المعارف المتعلّقة بتحمّل ثقل النّبوّة في مكتوب الخواجه محمّد أشرف من أين تجده فإنّه حرّر في هذه الأيّام ولم يبلغك ثقله والمكتوب طويل عريضا يزيد على كرّاسة وقد أمرت بإرسال نقله إليكم والسّلام. (257) المكتوب السّابع والخمسون والمائتان إلى المير نعمان في بيان الطّرق على طريق الإجمال بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات أنهي أنّ المكتوب الشّريف المرسل صحبة الشّيخ أحمد الفرمليّ قد وصل وأورث بوصوله فرحا وافرا وطلبت رسالة في بيان الطّريق قد حرّرت المسوّدات فيه فإذا نقلت إلى البياض بتوفيق الله أرسلها والآن أكتب فقرات في بيان الطّريق بطريق الإجمال ينبغي استماعها بسمع العقل. أيّها السّيّد انّ الطّريق الّذي اخترناه نحن ابتداء مسيره من القلب الّذي هو من عالم الأمر وبعد القلب يقع السّير في مراتب الرّوح الّتي فوقه وبعد الرّوح تكون هذه المعاملة بالسّرّ الّذي فوقها وهكذا الحال في الخفيّ والأخفى وبعد طيّ منازل هذه اللّطائف الخمس وحصول العلوم المتعلّقة بكلّ منها على حدة وحصول المعارف كذلك وبعد تحقّق الأحوال والمواجيد المخصوصة بكلّ واحد من هذه الخمس منفردة منفردة يقع السّير في أصول هذه الخمس الّتي هي في العالم الكبير فإنّ كلّما هو في العالم الصّغير أصله في العالم الكبير. والمراد بالعالم الصّغير الإنسان وبالعالم الكبير سائر الكائنات وشروع السّير في أصول هذه الخمس من العرش المجيد الّذي هو أصل قلب الإنسان وفوقه أصل الرّوح الإنسانيّة وفوقه أصل السّرّ وفوقه أصل الخفيّ وفوقه أصل الأخفى فإذا طوي سير هذه الاصول الخمسة من العالم الكبير بالتّفصيل وانتهى إلى نقطة أخيرة فقد أتمّ سير دائرة الإمكان ووضع القدم على أوّل منزل من منازل الفناء فإن وقع التّرقّي بعد ذلك يكون السّير في ظلال الأسماء والصّفات الإلهيّة جلّ سلطانه. وهذه الظّلال كالبرازخ بين الواجب والإمكان وأصول لتلك الاصول الخمسة الّتي في العالم الكبير ويكون السّير في هذه الظّلال أيضا على التّرتيب المذكور في فروعها فإن طوى بفضل الله سبحانه المنازل المتكثّرة من هذه الظّلال وانتهى إلى نقطتها الأخيرة يكون شروعا في أسماء الواجب وصفاته جلّ سلطانه وتقع تجلّيات الأسماء والصّفات وظهورات الشّئون والإعتبارات فعند ذلك يكون قد أتمّ معاملة اللّطائف الخمس الأمريّة وأدّى حقّها فإن وقع التّرقّي بفضل الله سبحانه بعد ذلك من هذا المقام تقع المعاملة على PageV01P312 اطمئنان النّفس ويتيسّر حصول مقام الرّضا الّذي هو نهاية مقامات السّلوك ويحصل في هذا المقام شرح الصّدر ويتشرّف فيه بالإسلام الحقيقيّ. والكمالات الّتي تحصل في هذا الموطن حكم الكمالات المتعلّقة بعالم الأمر في جنبها كحكم القطرة في جنب البحر المحيط وكلّ هذه الكمالات المذكورة متعلّقة باسم الظّاهر والكمالات المتعلّقة باسم الباطن هي غيرها ولها مناسبة بالإستتار والتّبطّن. فإذا حصلت كمالات هذين الإسمين المباركين بتمامها يتيسّر للسّالك جناحان للطّيران ليطير بقوّتهما إلى عالم القدس وتحصل له ترقّيات خارجة عن القياس. وتفصيل هذه المعاملة محرّر في المسوّدات وولدي الأرشد مجدّ في جمعه. (وينبغي) لك أن تجيء بنفسك هنا مرّة واحدة إن تيسّر لكن بشرط أن لا تترك مقامك خاليا حتّى لا تضيع المعاملة بل تجيء وحدك وتجعل مقتدى تلك الجماعة من تعلم أنّه أسبق قدما ثمّ تتوجّه إلى هذه الحدود فإنّه لا يدرى هل تعطى الفرصة في وقت آخر أو لا والسّلام. (258) المكتوب الثّامن والخمسون والمائتان إلى شريف خان في بيان أقربيّته تعالى وتقدّس الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد حصل الإبتهاج والسّرور بورود الصّحيفة الشّريفة المسطورة إلى فقراء هذه الحدود على وجه الكرم جزاكم الله سبحانه خير الجزاء. (أيّها المخدوم) إنّ أقربيّة الحقّ سبحانه إلينا منّا وإن كانت ثابتة بنصّ قاطع ولكن ماذا نصنع إنّه سبحانه وراء وراء عقولنا وأفهامنا ووراء وراء علومنا وإدراكاتنا مع أنّا نعرف أنّ هذه الورائيّة في جانب القرب لا في جانب البعد فإنّه سبحانه أقرب من كلّ قريب حتّى أنّا نجد أحديّة ذاته سبحانه أقرب من الصّفات الّتي نحن من آثار تلك الصّفات وهذه المعرفة وراء نظر العقل وطوره فإنّ العقل لا يقدر أن يتصوّر شيئا أقرب إليه من نفسه. والمثال الّذي يوضّح هذا المبحث لم يوجد مع كثرة التّتبّع ومستند هذه المعرفة نصّ قطعيّ وكشف صحيح وقد تكلّم مشائخ الطّريقة في التّوحيد والاتّحاد وبيّنوا القرب والمعيّة واختاروا السّكوت في أقربيّته تعالى ولم يوجد منهم بيان شاف في هذا الباب. والعجب أنّ أقربيّته تعالى صارت سببا لا بعديّتنا هذا إلى أن يبلغ الكتاب أجله فافهم فإنّ كلامنا إشارات وبشارات والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله من الصّلاة أتمّها ومن التّسليمات أكملها. PageV01P313 (259) المكتوب التّاسع والخمسون والمائتان إلى المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد قدّس سرّه في بيان فوائد إرسال الرّسل وعدم استقلال العقل في معرفته تعالى وبيان الحكم الخاصّ فيمن نشأ في شاهق الجبل ومشركي زمن الفترة وأطفال مشركي دار الحرب وتحقيق بعثة الأنبياء في أرض الهند من الهند سابقا وما يناسبه الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ بأيّ لسان يؤدّي شكر نعمة إرسال الرّسل عليهم الصّلاة والتّسليمات وبأيّ قلب يعتقد المنعم بها وأين للجوارح أن تكافئها بالأعمال الحسنة فلولا هؤلاء الكبراء من كان يدلّ أمثالنا القاصرين على وجود الصّانع ووحدته جلّ سلطانه ولم يهتد قدماء فلاسفة اليونان إلى وجود الصّانع جلّ شأنه مع وجود الذّكاوة فيهم حتّى نسبوا إيجاد الكائنات إلى الدّهر ولما سطع أنوار دعوة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام يوما فيوما ردّ متأخّروهم ببركة تلك الأنوار مذهب قدمائهم وقالوا بوجود الصّانع جلّ شأنه وأثبتوا وحدانيّته تعالى فعقولنا بمعزل عن إدراك هذا المطلب العالي بلا تأييد من أنوار النّبوّة وأفهامنا بعيدة عن الوصول إلى هذه المعاملة بدون وساطة وجود الأنبياء عليهم الصّلوات والتّحيّات يا ليت شعري ماذا أراد أصحابنا الماتريديّة من قولهم باستقلال العقل في بعض الامور كإثبات وجود الصّانع تعالى ووحدانيّته سبحانه فكلّفوا من نشأ في شاهق الجبل وعبد الصّنم بهما وإن لم تبلغه دعوة الرّسول وحكموا بترك النّظر فيهما بكفره وخلوده في النّار ونحن لا نفهم الحكم بالكفر والخلود في النّار الّا بعد البلاغ المبين والحجّة البالغة المنوطة بإرسال الرّسل. نعم العقل حجّة من حجج الله تعالى ولكنّه ليس بحجّة بالغة في المحجّة حتّى يترتّب عليه أشدّ العذاب. فإن قلت: فإن لم يكن من نشأ في شاهق الجبل وعبد الصّنم مخلّدا في النّار يكون في الجنّة بالضّرورة وذا غير جائز فإنّ دخول المشركين الجنّة حرام ومأواهم النّار قال الله تعالى حاكيا عن عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام: إنّه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنّة ومأواه النّار. والواسطة بين الجنّة والنّار غير ثابتة وأصحاب الأعراف يدخلون الجنّة بعد مدّة فالخلود إمّا في الجنّة وإمّا في النّار. قلت: إنّ هذا السّؤال مستصعب جدّا وولدي الأرشد يعرف أنّه كرّر هذا السّؤال إلى هذا الفقير من مدّة كثيرة ولم يجد له جوابا شافيا وما قال صاحب الفتوحات المكّيّة في حلّ هذا السّؤال من إثبات بعثة نبيّ يوم القيامة لاجل دعوة هؤلاء القوم. والحكم بدخول الجنّة والنّار على حسب إنكارهم وإقرارهم غير مستحسن عند هذا الفقير؛ لأنّ الآخرة دار الجزاء لا دار التّكليف حتّى يبعث فيها نبيّ وبعد مدّة مديدة كانت عناية الحقّ جلّ سلطانه دليلا وهاديا وانحلّ هذا المعمّى وكشف أنّ تلك الجماعة لا يخلّدون لا PageV01P314 في الجنّة ولا في النّار بل يعذّبون ويعاقبون بعد البعث والإحياء في الآخرة على قدر جريمتهم في مقام الحساب وتستوفى منهم الحقوق ثمّ يجعلون بعد ذلك معدوما مطلقا ولا شيئا محضا مثل حيوانات غير مكلّفة فلمن يكون الخلود ومن يكون مكلّفا ولمّا عرضت هذه المعرفة الغريبة في محضر من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام صدّقها جميعهم وقبلوها والعلم عند الله سبحانه وتعالى والحكم بإخلاد الحقّ سبحانه وتعالى عبده في النّار وتأبيد عذابه بمجرّد العقل الّذي مجال الخطإ والغلط كثير فيه جدّا من غير بلاغ بيّن بوساطة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام مع كمال رأفته ورحمته تعالى يثقل على هذا الفقير جدّا كما يثقل الحكم بالخلود في الجنّة مع وجود الشّرك كما يلزم ذلك على مذهب الأشعريّ لعدم القول بالواسطة بين الجنّة والنّار فالحقّ ما ألهمت به من إعدامه بعد استيفاء محاسبة يوم الحشر كما مرّ وهذا هو حكم أطفال مشركي دار الحرب عند الفقير أيضا قال فإنّ دخول الجنّة منوط بالإيمان إمّا بالأصالة وإمّا بالتّبعيّة وإن كانت تبعيّة دار الإسلام كما هو في أطفال أهل الذّمّة والإيمان مفقود في حقّهم مطلقا فلا يتصوّر دخولهم الجنّة ودخول النّار والخلود فيها مربوط بالشّرك بعد ثبوت التّكليف وهذا أيضا مفقود في حقّهم فحكمهم حكم البهائم من الإعدام بعد البعث والنّشور للحساب واستيفاء الحقوق وهذا هو الحكم أيضا في مشركي زمن فترة الرّسل الّذين لم تبلغهم دعوة نبيّ من الأنبياء. (أيّها الولد) إنّ هذا الفقير كلّما يلاحظ ويجيل النّظر لا يجد محلّا لم تبلغه دعوة نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بل يكون محسوسا أنّ نور دعوته صلّى الله عليه وسلّم بلغ كلّ محلّ مثل نور الشّمس حتّى اليأجوج والمأجوج الّذين حال بينهم السّدّ وان ألاحظ في الامم السّابقة لا أجد بقعة لم يبعث فيها نبيّ حتّى في أرض الهند الّتي ترى بعيدة عن هذه المعاملة أجد أنبياء كانوا مبعوثين من أهل الهند ودعوا إلى الحقّ جلّ شأنه ويشاهد في بعض بلاد الهند أنوار الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام في ظلمات الشّرك كالمشاعل المسرّجة فإن شئت عيّنت تلك البلاد وأرى نبيّا لم يصدّقه أحد ولم يقبل دعوته ونبيّا آخر آمن به شخص وآخر صدّقه شخصان وصدّق البعض ثلاثة ولا يقع النّظر على أزيد من ثلاثة آمنوا بنبيّ في الهند ولا أرى نبيّا آمن به واتّبعه أربعة وما كتبه رؤساء كفرة الهنود من وجود الواجب وصفاته ومن تنزيهاته وتقديساته كلّ ذلك مقتبس من أنوار مشكاة النّبوّة لأنّه مضى في كلّ عصر من الامم السّابقة نبيّ من الأنبياء وأخبروا عن وجود الواجب وصفاته الثّبوتيّة ومن تنزيهاته وتقديساته سبحانه وتعالى. فلو لا وجود هؤلاء الكبراء كيف كان هؤلاء المخذولون بعقولهم القاصرة العمياء المتلوّثة بظلمات الكفر والمعاصي مهتدين إلى هذه الدّولة وعقول هؤلاء المخذولين النّاقصة حاكمة في حدّ ذاتها بالوهيّتهم ولا يثبتون إلها سواهم كما قال فرعون مصر (ما علمت لكم من إله غيري) وقال أيضا: لان اتّخذت إلها غيري لأجعلنّك من المسجونين. PageV01P315 ولمّا علموا بإخبار الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام أنّ للعالم صانعا واجب الوجود اطّلع بعض هؤلاء المخذولين على قبح ادّعائه وأثبت الصّانع الواجب الوجود بالتّقليد والتّستّر وزعم أنّه سار فيه ومتّحد به ودعى الخلق إلى عبادته بهذه الحيلة تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا. (ولا يعترض) القاصر هنا أنّه لو بعث الأنبياء في أرض الهند لبلغنا خبر بعثته البتّة بل كان ينقل ذلك الخبر بالتّواتر لتوفّر الدّواعي وليس فليس (لأنّا نقول) إنّ دعوة هؤلاء الأنبياء لم تكن عامّة بل كانت دعوة بعضهم مخصوصة بقوم ودعوة بعضهم بقرية أو ببلدة ويمكن أن يشرّف الله سبحانه شخصا في قوم أو قرية بهذه الدّولة فيدعوهم إلى معرفة الصّانع ويمنعهم عن عبادة غيره تعالى فيكذّبونه وينسبونه إلى الجهالة والضّلالة فإذا انتهى إنكارهم وتكذيبهم إيّاهم إلى نهايته وغايته يهلكهم الله جلّ وعلا غيرة لنبيّه وكذلك يمكن أن يبعث نبيّ آخر بعد مدّة إلى قوم أو قرية فيعاملهم كما عامل الأوّل قومه فيفعل بهم كما فعل بأوائلهم وهكذا إلى ما شاء الله تعالى وآثار هلاك القرى والبلاد كثيرة في أرض الهند وهؤلاء القوم وإن هلكوا ولكن كلمة تلك الدّعوة باقية فيما بين أقرانهم وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلّهم يرجعون. وخبر نبوّة الأنبياء المبعوثة إنّما يبلغنا إذا صدّقهم جمع كثير وقوّى أمره وأمّا إذا جاء شخص ودعا أيّاما فمضى ولم يقبل دعوته أحد ثمّ جاء آخر وفعل مثل ما فعل الأوّل فصدّقه شخص واحد وصدّق الآخر اثنان أو ثلاثة فمن أين ينتشر الخبر وكان الكفّار كلّهم في مقام الإنكار وكانوا يردّون على من كان يخالف دين آبائهم فمن يكون النّاقل وإلى من ينقل. وأيضا إنّ الفاظ الرّسالة والنّبوّة و?يغمبر من لغات العرب والفارس بواسطة اتّحاد دعوة نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام وعمومها ولم تكن هذه الألفاظ في لغة الهند حتّى يقال للأنبياء المبعوثين من الهند رسولا أو نبيّا أو ?يغمبر أو يذكرون بهذه الأسامي. وأيضا نقول في جواب هذا السّؤال بطريق المعارضة: إنّه لو لم تبعث الأنبياء في الهند ولم يدعوهم بلسانهم لكان حكم هؤلاء القوم حكم من نشأ في شاهق الجبل فلا يدخلون النّار مع وجود التّمرّد ودعوى الالوهيّة ولا يكون لهم العذاب المخلّد وهذا ممّا لا يرتضيه العقل السّليم ولا يساعده الكشف الصّحيح فإنّا نشاهد بعض مردتهم في وسط الجحيم والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. (260) المكتوب السّتّون والمائتان إلى المخدوم زاده الشّيخ محمّد صادق قدّس سرّه في بيان الطّريقة المختصّة به وبيان الولايات الثّلاث الصّغرى والكبرى والعليا وبيان أفضليّة النّبوّة من الولاية مطلقا وبيان اللّطائف العشر الإنسانيّة الّتي خمس منها من عالم الأمر وخمس من عالم الخلق مع كمالات مخصوصة بكلّ واحدة منها وبيان أفضليّة عالم الخلق من عالم الأمر مع بيان كمالات مخصوصة بعنصر التّراب وبيان العلوم والمعارف المناسبة لكلّ مقام وأمثال ذلك PageV01P316 بسم الله الرّحمن الرّحيم. الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين عليه وعليهم وعلى آله وأصحابه الطّيّبين الطّاهرين (اعلم) أيّها الولد أسعدك الله سبحانه وتعالى أنّ لطائف عالم الأمر الخمس أعني القلب والرّوح والسّرّ والخفيّ والأخفى الّتي هي من أجزاء العالم الصّغير أعني الإنسان، أصولها في العالم الكبير كالعناصر الأربعة الّتي هي أجزاء الإنسان فإنّ أصولها في العالم الكبير. وظهور أصول الخمس فوق العرش حيث يوصف باللّامكانيّة ومن ههنا يقال لعالم الأمر: لا مكانيّا تتمّ دائرة الامكان خلقه وأمره وصغيره وكبيره بالوصول إلى نهاية تلك الأصول وإلى هذا الموطن ينتهي امتزاج العدم بالوجود الّذي هو منشأ الإمكان فإذا طوى السّالك الرّشيد محمّديّ المشرب هذه الخمس من عالم الأمر بالتّرتيب وشرع في السّير في أصولها من عالم الكبير وطوى كلّها بالتّرتيب والتّفصيل بعلوّ الفطرة بل بمحض فضل الحقّ سبحانه وانتهى إلى النّقطة الأخيرة فلا جرم يكون قد أتمّ دائرة الإمكان بالسّير إلى الله وصار مستحقّا لان يطلق عليه اسم الفناء يعني لان يوصف به وشرع في الولاية الصّغرى الّتي هي ولاية الأولياء فإن وقع السّير بعد ذلك في ظلال الأسماء والصّفات الوجوبيّة الّتي هي أصل الخمسة الّتي في العالم الكبير في الحقيقة ولم يتطرّق إليها شائبة العدم وطوى كلّها بفضل الله سبحانه بطريق السّير في الله وبلغ نهايتها فقد أتمّ دائرة ظلال الأسماء الواجبيّة أيضا وحصل له الوصول إلى مرتبة الأسماء والصّفات الواجبيّة ونهاية عروج الولاية الصّغرى إلى هذا المقام وفي هذا الموطن يتحقّق الشّروع في حقيقة الفناء ويوضع القدم في بداية الولاية الكبرى الّتي هي ولاية الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام. وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ هذه الدّائرة الظّلاليّة متضمّنة لمبادي تعيّنات الخلائق سوى الأنبياء الكرام والملائكة العظام عليهم الصّلاة والسّلام وظلّ كلّ اسم مبدأ تعيّن شخص من الأشخاص حتّى أنّ مبدا تعيّن الصّدّيق الأكبر الّذي هو أفضل البشر بعد الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام النّقطة الفوقانيّة من هذه الدّائرة وما قيل إنّ السّالك إذا انتهى إلى اسم هو مبدأ تعيّنه فقد أتمّ السّير إلى الله ينبغي أن يكون المراد به ظلّ الإسم الإلهيّ جلّ شأنه وجزئيّا من جزئيّاته لا أصله وعينه وهذه الدّائرة الظّلاليّة تفصيل مرتبة الأسماء والصّفات في الحقيقة فإنّ العلم مثلا صفة حقيقيّة ولها جزئيّات. وتفصيل تلك الجزئيّات ظلال هذه الصّفة الّتي لها مناسبة بالإجمال وكّلّ جزئيّ من تلك الجزئيّات مبدأ تعيّن شخص من الأشخاص غير الأنبياء الكرام والملائكة الفخام عليهم الصّلاة والسّلام. ومبادي تعيّنات الأنبياء والملائكة اصول هذه الظّلال يعنى كلّيّات تلك الجزئيّات المفصّلة كصفة العلم مثلا وصفة القدرة وصفة الارادة وغيرها ويشترك الكثيرون من الاشخاص في صفة واحدة كانت مبدأ تعيّن باعتبارات مختلفة وذلك أنّ مبدا تعيّن خاتم الرّسل مثلا شأن العلم وهذه الصّفة كانت مبدا تعيّن إبراهيم عليه السّلام باعتبار آخر وهي مبدأ تعيّن نوح عليه السّلام أيضا باعتبار آخر وتعيّن تلك الإعتبارات مذكور في مكتوب الخواجه محمّد أشرف وما قال بعض المشائخ من أنّ الحقيقة المحمّديّة هي التّعيّن الأوّل الّذي هو حضرة الإجمال ومسمّى بالوحدة فمراده به على ما ظهر PageV01P317 لهذا الفقير من عالم الغيب والله سبحانه أعلم مركز هذه الدّائرة الظّلاليّة قد ظنّ هذه الدّائرة الظّلاليّة تعيّنا أوّلا وتخيّل مركزها إجمالا وسمّاه وحدة وزعم تفصيل ذلك المركز الّذي هو محيط تلك الدّائرة واحديّة وتصوّر ما فوق دائرة الظّلال الّذي هو دائرة الأسماء والصّفات ذاتا منزّهة ومبرأة عن التّعيّن وليس الأمر كذلك بل أقول: إنّ مركز هذه الدّائرة الظّلاليّة ظلّ مركز الدّائرة الفوقانيّة الّتي هي أصلها ومسمّاة بدائرة الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات. والحقيقة المحمّديّة هي مركز هذه الدّائرة الأصليّة في الحقيقة الّتي هي إجمال الأسماء والشّئونات وتفصيل الأسماء إنّما هو في هذه الدّائرة الّتي هي مرتبة الواحديّة وإطلاق الوحدة والاحديّة على مرتبة ظلال الأسماء مبنيّ على اشتباه الظّلّ بالأصل ومن هذا القبيل إطلاق السّير في الله في ذلك الموطن فإنّ السّير في ذلك الموطن داخل في الحقيقة في السّير إلى الله هذا. (فإن وقع) العروج بعد ذلك إلى دائرة الأسماء والصّفات الّتي هي أصل دائرة الظّلال بطريق السّير في الله يكون ذلك شروعا في كمالات الولاية الكبرى وهذه الولاية الكبرى مخصوصة بالأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام بالأصالة ووصل أصحابهم الكرام أيضا إلى هذه الدّولة بالتّبعيّة. والنّصف الأسفل من هذه الدّائرة متضمّن للأسماء والصّفات الزّائدة ونصفها الأعلى مشتمل على الشّئون والإعتبارات الذّاتيّة ونهاية عروج لطائف عالم الأمر الخمس إلى نهاية هذه الدّائرة يعني دائرة الأسماء والشّئونات (فإن وقع) التّرقّي بعد ذلك بمحض فضل الحقّ جلّ شأنه من مقام الصّفات والشّئونات يكون السّير في دائرة أصول تلك الصّفات والشّئونات وبعد المجاوزة والعبور عن دائرة تلك الأصول دائرة أصول تلك الاصول وبعد طيّ هذه الدّائرة يظهر من الدّائرة الفوقانيّة قوس ينبغي قطعه أيضا. وحيث لم يظهر من هذه الدّائرة الفوقانيّة غير القوس اقتصرنا على ذلك القوس ولا بدّ من أن يكون هنا سرّ ولم أطّلع عليه بعد. وهذه الاصول الثّلاثة المذكورة للأسماء والصّفات مجرّد اعتبارات في حضرة الذّات تعالت وتقدّست كانت مبادى الصّفات والشّئونات وحصول كمالات هذه الاصول الثّلاثة مخصوصة بالنّفس المطمئنّة ويتيسّر حصول الإطمئنان لها في ذلك الموطن وفي هذا المقام يحصل شرح الصّدر وفيه يتشرّف السّالك بالإسلام الحقيقيّ وهذا هو ذاك الموطن الّذي تجلس المطمئنّة فيه على تخت الصّدر وترتقي في مقام الرّضا وهذا الموطن هو نهاية الولاية الكبرى الّتي هي ولاية الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام. ولمّا انتهى بي السّير إلى هذا المقام توهّم لي أنّ الأمر قد تمّ فنوديت في سرّي أنّ كلّ ذلك كان تفصيل الإسم الظّاهر الّذي هو أحد جناحي الطّيران والإسم الباطن أمامك بعد وهو الجناح الثّاني للطّيران إلى عالم القدس فإذا أتممته بالتّفصيل فقد حصّلت جناحين للطّيران فلمّا تمّ سير الإسم الباطن بعناية الله سبحانه تيسّر الجناحان للطّيران. الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ. PageV01P318 (أيّها الولد) ماذا أكتب من السّير في الباطن والمناسب لحال ذلك السّير الإستتار والتّبطّن ولنكشف نبذا يسيرا من هذا المقام: انّ السّير في الإسم الظّاهر سير في الصّفات من غير أن يلاحظ الذّات في ضمنها. والسّير في الإسم الباطن وإن كان سيرا في الأسماء ولكنّ الذّات ملحوظة في ضمنها وتلك الأسماء كالحجب ساترة لوجه حضرة الذّات تعالت وتقدّست فإنّ الذّات في صفة العلم مثلا ليست ملحوظة أصلا وفي اسم العليم الملحوظ هو الذّات من وراء حجاب الصّفات لأنّ العليم ذات ثبت لها العلم فالسّير في العلم سير في الإسم الظّاهر والسّير في العليم سير في الإسم الباطن وقس على هذا سائر الصّفات والأسماء وهذه الأسماء المتعلّقة بالإسم الباطن مبادى تعيّنات الملائكة الملأ الأعلى على نبيّنا وعليهم الصّلوات والتّحيّات. (والشّروع) في السّير في هذه الأسماء وضع القدم في الولاية العليا الّتي هي ولاية الملأ الأعلى والفرق المذكور بين العلم والعليم عند بيان الإسم الظّاهر والإسم الباطن لا تتخيّله شيئا يسيرا ولا تظنّ أنّ من العلم إلى العليم مسافة قليلة لا بل فرق ما بين مركز الأرض ومحدب العرش له بالنّسبة إلى هذا الفرق حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط وهو قريب في التّكلّم بعيد في الحصول ومن هذا القبيل ذكر المقامات المبيّنة على سبيل الإجمال كما قلنا مثلا فإذا طوى هذه الخمس من عالم الأمر وشرع في السّير في أصولها فقد أتمّ دائرة الإمكان فقد ذكر في هذه العبارة السّير إلى الله بالتّمام وقد قدّروا مدّة حصول هذا السّير بخمسين ألف سنة وفي قوله تعالى (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) رمز إلى هذا المعنى. غاية ما في الباب أنّ جذب عناية الحقّ جلّ سلطانه يكاد ييسّر أمر هذه المدّة المديدة في طرفة العين. (ع) لا عسر في أمر مع الكرام *. وكذلك قلنا فإذا طوى دائرة الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات ووقع السّير في أصولها إلخ طيّ جميع الأسماء والصّفات سهل في التّلفّظ ولكن مشكل عند الطّيّ وأيّ مشكل * ومن صعوبة هذا الطّيّ قال المشائخ: منازل الوصول لا تنقطع أبد الآبدين ومنعوا تماميّة السّير يعني انتهاء في هذه المراتب. (شعر) وليس لحسنه حدّ وغاية ... ولا لمديحة السّعدي نهاية يموت من التّعطّش مستقيه ... ويبقى البحر بحرا كالبداية (ولا تظنّنّ) أنّهم إنّما قالوا بعدم انقطاع مراتب الوصول باعتبار التّجلّيات الذّاتيّة لا باعتبار التّجلّيات الصّفاتيّة وأرادوا بالحسن الحسن الذّاتيّ لا الحسن الصّفاتيّ (لأنّا نقول) إنّ التّجلّيات الذّاتيّة. ليست هي بدون ملاحظة الشّئون والإعتبارات ولا ظهور الحسن الذّاتيّ من غير احتجاب بحجب الصّفات الجماليّة لأنّه لا مجال للقيل والقال في ذلك الموطن بدون توسّط الحجب والاستار من عرف الله كلّ PageV01P319 لسانه والتّجلّي يستدعي نحوا من الظّلّيّة فلا بدّ في ذلك المقام من ملاحظة الشّئون فصارت منازل الوصول ومراتب الحسن داخلة في دائرة الأسماء والشّئونات والحال أنّ انقطاعها متعسّر عندهم والأمر الّذي ظهر لهذا الدّرويش فهو وراء التّجلّيات وغير الظّهورات سواء كان تجلّيا ذاتيّا أو تجلّيا صفاتيّا ووراء الحسن والجمال سواء كان حسنا ذاتيّا أو حسنا صفاتيّا وبالجملة قد نظّمت المطالب العالية والمقاصد السّامية في سلك عبارات محتقرة مختصرة بطريق الإجمال وملأت البحار العديمة النّهاية في كيزان معدودة فلا تكن من القاصرين. (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنقول: إنّه لمّا تيسّر الطّيران ووقعت العروجات بعد حصول جناحي الإسم الظّاهر والباطن علم أنّ هذه التّرقّيات بالأصالة نصيب العنصر النّاريّ والعنصر الهوائيّ والعنصر المائيّ الّتي للملائكة الكرام على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام أيضا نصيب منها كما ورد أنّ بعض الملائكة مخلوق من النّار والثّلج، تسبيحه سبحان من جمع بين النّار والثّلج وأريت في الواقعة في أثناء هذا السّير كأنّي ماش على طريق وقد حصلت لي غاية الإعياء من كثرة المشي وصرت ألتمس خشبة أو عصا للاتّكاء رجاء حصول قدرة على المشي بمددها فلم يتيسّر فصرت أتمسّك وأتشبّث بكلّ حشيش متمنّيا تقويته على المشي ولا أجد بدّا من المشي ولمّا سرت مدّة بهذا الحال ظهر فناء بلدة فدخلت البلدة بعد طيّ مسافة ذلك الفناء وأعلمت أنّ تلك البلدة عبارة عن التّعيّن الأوّل الّذي هو جامع لجميع مراتب الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات. وجامع أيضا لاصول تلك المراتب ولاصول تلك الاصول ومنتهى الإعتبارات الذّاتيّة الّتي تمايزها يعني تمايز بعضها عن بعض مناسب للعلم الحصوليّ فإن وقع السّير بعد ذلك يكون مناسبا للعلم الحضوريّ. (أيّها الولد) إنّ إطلاق العلم الحصوليّ والحضوريّ في تلك الحضرة إنّما هو باعتبار التّمثيل والتّنظير فإنّ الصّفات الّتي وجودها زائد على وجود الذّات تعالت وتقدّست علمها مناسب بالعلم الحصوليّ والإعتبارات الذّاتيّة الّتي لا تتصوّر زيادتها على الذّات أصلا علمها مناسب بالعلم الحضوريّ والّا فليس ثمّة الّا تعلّق العلم بالمعلوم من غير أن يحصل من المعلوم فيه شيء فأفهم. (وهذا) التّعيّن الأوّل الّذي تلك البلدة الجامعة كناية عنه جامع لجميع ولايات الأنبياء الكرام والملائكة العظام عليهم الصّلاة والسّلام ومنتهى الولاية العليا الّتي هي مخصوصة بالملأ الأعلى بالأصالة ولوحظ في هذا المقام أنّ هذا التّعيّن الأوّل هل هو الحقيقة المحمّديّة أو لا ثمّ تبيّن أنّ الحقيقة المحمّديّة هي الّتي ذكرت فيما سبق وإطلاق التّعيّن الأوّل عليها أنّ ذلك المركز ظلّ هذا التّعيّن الأوّل باعتبار جامعيّته للأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات. (والسّير) الواقع فوق ذلك البلد يكون شروعا في الكمالات والنّبوّة. وحصول تلك الكمالات مخصوص بالأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وناش من مقام النّبوّة ولكمّل اتباع الأنبياء أيضا نصيب من تلك الكمالات بالتّبعيّة والحظّ الوافر من تلك الكمالات PageV01P320 بالأصالة من بين اللّطائف الإنسانيّة للعنصر التّرابيّ. وسائر الأجزاء الإنسانيّة سواء كانت من عالم الأمر أو من عالم الخلق كلّها تابعة في هذا المقام لذلك العنصر التّرابيّ ومشرّفة بهذه الدّولة بتطفّله ولمّا كان هذا العنصر مخصوصا بالبشر كان خواصّ البشر أفضل من خواصّ الملائكة بالضّرورة لأنّه لم يتيسّر لاحد ما تيسّر لهذا العنصر وبعد الدّنوّ يظهر في هذا المقام حقيقة التّدلّي وهنا ينكشف سرّ قاب قوسين أو أدنى. ويرى في هذا السّير أنّ كمالات جميع الولايات سواء كانت صغرى أو كبرى أو عليا كلّها ظلال كمالات مقام النّبوّة وانّها أشباح وأمثال لحقيقة هذه الكمالات ويلوح فيه أنّ النّقطة الّتي تقطع في ضمن هذا السّير أزيد من جميع كمالات الولاية فينبغي أن يتأمّل أنّه ماذا يكون على هذا القياس حكم الكمالات المتقدّمة بالنّسبة إلى جميع هذه الكمالات وللقطرة نسبة إلى البحر المحيط وهذه النّسبة مفقودة هاهنا الّا أنّي أقول إنّ نسبة الولاية إلى مقام النّبوّة كنسبة المتناهي إلى غير المتناهي سبحان الله وقد يقول الجاهل بهذا السّرّ: إنّ الولاية أفضل من النّبوّة ويقول الآخر في توجيه هذه العبارة غافلا عن هذه المعاملة: إنّ ولاية النّبيّ أفضل من نبوّته (كبرت كلمة تخرج من أفواههم) ولمّا أتممت هذا السّير أيضا بعناية الله سبحانه وبركة حبيبة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام شوهد لي أنّه لو زدت فرضا خطوة واحدة في السّير لاقع في عدم محض إذ ليس وراءه الّا العدم المحض. (أيّها الولد) إيّاك والوقوع في التّوهّم من هذه المعاملة إنّ العنقاء قد وقع في الشّرك والسّيمرغ قد تعلّق في الشّبكة، (شعر) هيهات عنقاء أن يصطاده أحد ... فاترك عناك وكن من ذاك في دعة وهو سبحانه وراء الوراء ثمّ وراء الوراء. (شعر) وذا إيوان الإستعلاء عال ... فإيّاكم وطمعا في الوصال وهذه الوراثيّة ليست باعتبار وجود الحجب لأنّ الحجب صارت مرتفعة بالكلّيّة بل باعتبار ثبوت العظمة والكبرياء بالمانعة للإدراك المنافية للوجدان فهو سبحانه أقرب في الوجود وأبعد عن الوجدان نعم قد يكون بعض الكمال من المرادين فيعطون محلّا من سرادقات العظمة والكبرياء ويجعلون من محارم خيمة الجلال بتطفّل الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فيعامل معهم ما عومل معهم. (أيّها الولد) إنّ هذه المعاملة مخصوصة بالهيئة الوحدانيّة الإنسانيّة النّاشئة من مجموع عالم الخلق وعالم الأمر ومع ذلك الرّئيس في هذا الموطن هو العنصر التّرابيّ وإنّما قلت ليس وراءه الّا العدم المحض لأنّ بعد تمام مراتب الوجود الخارجيّ والوجود العلميّ ليس الّا حصول العدم الّذي نقيضه وذات الله سبحانه وراء هذا الوجود والعدم وكما أنّه لا سبيل إليها للعدم كذلك لا مجال فيها للوجود لأنّ الوجود الّذي قام العدم بنقاضته كيف يليق بحضرته جلّ سلطانه فلئن أطلقنا الوجود في هذه المرتبة لضيق العبارة PageV01P321 يراد به وجود (1) لا يكون للعدم (2) مجال مناقضته وما كتب هذا الفقير في بعض مكاتيبه أنّ حقيقة الحقّ سبحانه وجود محض فهو من عدم الإطّلاع على حقيقة هذه المعاملة ومن هذا القبيل بعض المعارف الّتي حرّرتها في التّوحيد الوجوديّ وغيره وسرّه عدم الإطّلاع ولمّا كنت واقفا ومتنبّها على حقيقة المعاملة كنت متندّما على ما كتبته أو قلته في الإبتداء والوسط وكنت مستغفرا منه أستغفر الله وأتوب إلى الله من جميع ما كره الله سبحانه وتعالى. ولاح من هذا البيان أنّ كمالات النّبوّة في مراتب الصّعود وأنّ الوجه في عروجات النّبوّة إلى الحقّ سبحانه لا كما زعمه الكثيرون من أنّ الوجه في الولاية إلى الحقّ سبحانه وتعالى وفي النّبوّة إلى الخلق وأنّ الولاية في مراتب العروج والنّبوّة في مدارج النّزول ومن هنا توهّموا أنّ الولاية أفضل من النّبوّة نعم إنّ لكلّ من الولاية والنّبوّة عروجا وهبوطا وفي العروج الوجه إلى الحقّ في كليهما وفي الهبوط إلى الخلق غاية ما في الباب أنّ الوجه في مرتبة هبوط النّبوّة إلى الخلق بالكلّيّة بخلاف هبوط الولاية فإنّ الوجه فيها ليس إلى الخلق بالكلّيّة بل باطنه بالحقّ وظاهره بالخلق وسرّه أنّ صاحب الولاية نازل قبل اتمام مقامات العروج فلا جرم يكون النّظر إلى الفوق منازعه في جميع الأوقات ومانعه من التّوجّه بكلّيّته إلى الخلق بخلاف صاحب النّبوّة فإنّه هبط بعد اتمام مقامات العروج ولهذا يكون متوجّها بكلّيّته إلى دعوة الخلق إلى الحقّ جلّ وعلا فافهم فإنّ هذه المعرفة الشّريفة وأمثالها ممّا لم يتكلّم بها أحد وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ العنصر التّرابيّ كما أنّه يتفوّق على الكلّ في مراتب العروج كذلك ينزل في منازل الهبوط أسفل من الكلّ وكيف لا فإنّ مكانه الطّبيعيّ أسفل من الكلّ فإذا ثبت أنّه ينزل أسفل من الكلّ تكون دعوة صاحبه أتمّ بالضّرورة وإفادته أكمل. (اعلم) أيّها الولد أنّ ابتداء السّير في الطّريقة النّقشبنديّة لمّا كان من القلب الّذي هو من عالم الأمر افتتحنا الكلام بعالم الأمر بخلاف طرق سائر المشائخ الكرام فإنّهم يشرعون أوّلا في تزكية النّفس وتطهير القالب ثمّ يشرعون بعد ذلك في عالم الأمر ويعرجون فيها إلى ما شاء الله ولهذا اندرجت في بداية هؤلاء الكبراء نهاية من سواهم وصار هذا الطّريق أقرب الطّرق لأنّ حصول التّزكية والتّطهير ميسّر في ضمن هذا السّير على أحسن الوجوه فقصرت المسافة بذلك فلا جرم اعتقد هؤلاء الأكابر سير عالم الخلق قصدا عبثا PageV01P322 وعدّوه تعطيلا لا بل تيقّنوا أنّه مضرّ ومانع عن الوصول إلى المطلب وذلك لأنّ سالكي الطّريق بقدم التّزكية والرّياضات الشّاقّة والمجاهدات الشّديدة إذا شرعوا في سير عالم الأمر بعد قطع بوادي صورة عالم الخلق ووقعوا في الإنجذاب القلبيّ والإلتذاذ الرّوحيّ كثيرا ما يقنعون بهذا الإنجذاب ويكتفون بهذا الإلتذاذ ومظنّة لا مكانيّة عالم الأمر تكون ممدّة لهم في تلك المعاملة وشائبة لا مثليّة هذا العالم تمنعهم عن اللّامثليّ الحقيقيّ حتّى قال واحد من السّالكين في هذا المقام: عبدت الرّوح ثلاثين سنة معتقدا بأنّه الحقّ سبحانه وتعالى. وقال آخر: إنّ سرّ الإستواء وظهور تنزيه ما فوق العرش من المعارف الغامضة وقد علم من البيان السّابق أنّ ذلك التّنزيه داخل في دائرة الإمكان بل هو تشبيه في الحقيقة في صورة التّنزيه بخلاف أكابر هذه الطّريقة العليا فإنّهم يشرعون من مقام الجذبة ويترقّون بمدد الإلتذاذ وهذا الإنجذاب والإلتذاذ في حقّهم بمثابة الرّياضات والمجاهدات في حقّ غيرهم فما هو مانع عن الوصول لغيرهم ممدّ ومعاون لهؤلاء الأكابر وهم يتصوّرون لا مكانيّة عالم الأمر عين المكانيّة فيتوجّهون منه إلى اللّامكانيّ الحقيقيّ ويعتقدون لا مثليّة ذلك العالم عين المثليّة ويرتقون منه إلى اللّا مثليّ الحقيقيّ فلا جرم أنّهم لا يفتنون بغرور الوجد والحال ولا يغبنون بجوز هذا الطّريق وموز الأشباه والأمثال كالأطفال ولا يباهون بترّهات الصّوفيّة ولا يفتخرون بشطحيّات المشائخ بل هم متوجّهون إلى الاحديّة الصّرفة لا يبغون من الإسم والصّفة غير الذّات المقدّسة. (وينبغي) أن يعلم أنّ هذا العروج الّذي مرّ ذكره مخصوص بمحمّديّ المشرب التّامّ الإستعداد له نصيب كامل من كمالات الجواهر الخمس الّتي في عالم الأمر صغيره وكبيره وكذلك له حظّ وافر من أصول هذه الخمس أعني ظلال الأسماء الواجبيّة، وكذلك من أصول هذه الظّلال أعني مقام الأسماء والصّفات (وإنّما) قلت التّامّ الإستعداد لأنّه كثيرا ما يكون في الظّاهر محمّديّ المشرب ويكون له نصيب من كمالات الأخفى الّذي هو نهاية مراتب عالم الأمر ولكنّه لا يتمّ معاملة الأخفى ولا ينتهى إلى نقطته الأخيرة بل يبقى في ابتدائه أو وسطه فإذا كان له قصور في الأخفى يكون له قصور في أصوله أيضا بمقداره فلا يتمكّن من إتمام معاملته وكذلك الحكم في الأربع الباقية من عالم الأمر حيث انّ تامّيّة الاستعداد في كلّ مرتبة مربوطة بالوصول إلى النّقطة الأخيرة من تلك المرتبة، والوقوف في الإبتداء والوسط ينبئ عن النّقصان ولو كان القصور في الوصول إلى النّهاية مقدار شعرة. (شعر) وما قلّ هجران الحبيب وإن غدا ... قليلا ونصف الشّعر في العين ضائر ويسري هذا القصور إلى الاصول وأصول الاصول ويكون مانعا عن الوصول إلى المطلب. وإنّما قلت إنّ هذا العروج مخصوص بمحمّديّ المشرب لأنّ غير محمّديّ المشرب منهم من يكون كماله مقصورا على الدّرجة الاولى من درجات الولاية، والمراد بالدّرجة الاولى مرتبة القلب ومنهم PageV01P323 من يكون كماله مقصورا على الدّرجة الثّانية من درجات الولاية الّتي هي مقام الرّوح ومنهم من تكون نهاية عروج كماله إلى الدّرجة الثّالثة أعني مقام السّرّ. ومنهم من تكون نهاية عروج كماله إلى الدّرجة الرّابعة أعني مقام الخفيّ. والدّرجة الاولى لها مناسبة بتجلّي صفات الأفعال وللدّرجة الثّانية بتجلّي الصّفات الثّبوتيّة وللدّرجة الثّالثة بتجلّي الشّئون والإعتبارات الذّاتيّة وللدّرجة الرّابعة بالصّفات السّلبيّة الّتي هي مقام التّنزيه والتّقديس. (وكلّ) درجة من درجات الولاية تحت قدم نبيّ من الأنبياء أولي العزم فالدّرجة الاولى منها تحت قدم آدم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وربّه صفة التّكوين الّتي هي منشأ صدور الأفعال (والدّرجة الثّانية) تحت قدم إبراهيم ويشاركه في هذا المقام نوح عليهما السّلام وربّهما صفة العلم الّتي هي أجمع الصّفات الذّاتيّة (والدّرجة الثّالثة) تحت قدم موسى عليه السّلام وربّه من مقامات الشّئونات شأن الكلام (والدّرجة الرّابعة) تحت قدم عيسى عليه السّلام وربّه من الصّفات السّلبيّة لا من الثّبوتيّة فإنّها موطن التّقديس والتّنزيه وأكثر الملائكة الكرام يشاركون عيسى على نبيّنا وعليه السّلام في هذا المقام والشّأن العظيم حاصل لهم في هذا المقام (والدّرجة الخامسة) تحت قدم خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وربّه صلّى الله عليه وسلّم ربّ الأرباب الّذي هو جامع جميع الصّفات والشّئونات والتّقديسات والتّنزيهات ومركز دائرة هذه الكمالات ويناسب التّعبير عن هذا الشّأن الجامع في مرتبة الصّفات والشّئونات بشأن العلم لكون هذا الشّأن عظيم الشّأن جامعا لجميع الكمالات وبهذه المناسبة صارت ملّته صلّى الله عليه وسلّم ملّة إبراهيم عليه السّلام وقبلته قبلته. (ينبغي) أن يعلم أنّ تفاضل الأقدام في الولاية ليس باعتبار تقدّم الدّرجات وتأخّرها حتّى يكون صاحب الأخفى أفضل من غيره وعلى هذا القياس بل باعتبار القرب من الأصل والبعد عنه وطىّ منازل درجات الظّلال كثرة وقلّة فعلى هذا يجوز أن يكون صاحب القلب باعتبار القرب من الأصل أفضل من صاحب الأخفى الّذي لم يحصل له القرب من الاصل كيف وولاية النّبيّ الّتي في الدّرجة الأخيرة من درجات الولاية أفضل قطعا من ولاية الوليّ الّتي في الدّرجة الفوقانيّة. (ولا يخفى) أنّ سلوك اللّطائف بالتّرتيب المذكور أعني الإنتقال من القلب إلى الرّوح ومن الرّوح إلى السّرّ ومن السّرّ إلى الخفيّ ومن الخفيّ إلى الأخفى مخصوص أيضا بمحمّديّ المشرب فإنّه يتمّ سير هذه الخمس من عالم الأمر بالتّرتيب ثمّ يسير في أصولها ويتمّ السّلوك بعد السّير في أصول الاصول مراعيا لهذا التّرتيب وهذا الطّريق بالتّرتيب المذكور طريق سلطانيّ للوصول وصراط مستقيم لمتوجّهي الاحديّة بخلاف ولايات أخر وكان فيها نقبت نقبة من كلّ درجة إلى أن يصل إلى المطلوب مثلا نقبت نقبة من مقام القلب إلى أن تصل إلى صفات الأفعال الّتي هي أصل أصله وكذلك نقبت نقبة من مقام الرّوح إلى الصّفات الذّاتيّة وعلى هذا القياس ولا شكّ أنّ أفعاله تعالى وصفاته ليست منفكّة عن ذاته تعالى فإنّ كلّ الإنفكاك فهو في الظّلال ففي ذلك الموطن للواصلين إلى الأفعال والصّفات نصيب من تجلّيات الذّات PageV01P324 المنزّهة عن المثال تعالت وتقدّست أيضا كما تتيسّر هذه الدّولة لصاحب الأخفى بعد إتمام الأمر وإن كان التّفاوت باعتبار العلوّ والسّفل باقيا. وادّعاء صاحب القلب المساواة لصاحب الأخفى غير موجّه. (ولا تغلطنّ) في هذا المقام واعلم أنّ هذا التّفاوت إنّما هو متصوّر فيما بين الأولياء لأنّ صاحب الولاية القلبيّة أدون من صاحب الولاية الأخفويّة بعد وصول كليهما إلى مرتبة الكمال وأمّا فيما بين الأولياء والأنبياء فمفقود لأنّ ولاية نبيّ ولو كانت ناشئة من مقام القلب أفضل من ولاية وليّ ولو كانت ناشئة من مقام الأخفى ولو كان ذلك ممّن أتمّ الأمر وسرّ ذلك أنّ صاحب الولاية تحت قدم نبيّ تلك الولاية دائما أيّ ولاية كانت. قال الله تعالى (ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ) نعم إنّ هذا التّفاوت فيما بين الأنبياء بعضهم ببعض متصوّر وصاحب العليا منهم أفضل من صاحب السّفلى ولكنّ هذا التّفاوت فيما بين الأنبياء عليهم السّلام أيضا إلى آخر دوائر كمالات عالم الأمر وليس التّفاضل بعده مربوطا بالعلوّ والسّفل بل يمكن أن يكون صاحب السّفل في ذلك الموطن أفضل من صاحب العلوّ كما شاهدنا التّفاوت في ذلك الموطن بين موسى وعيسى على نبيّنا وعليهما الصّلاة والسّلام فإنّ موسى جسيم ثمّة ذو شأن عظيم ليس لعيسى فيه تلك الجسامة والشّأن فعلمنا أنّ التّفاوت في ذلك الموطن بأمر آخر وراء ذلك العلوّ والسّفل وسأبيّنه بعد مفصّلا إن شاء الله تعالى بحسن توفيقه وكمال منّه وكرمه تعالى وكذلك وجدنا فيه التّفاوت بين خليل الرّحمن وبين سائر الأنبياء غير خاتم الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام في الكمالات الّتي لها تعلّق بحقيقة الكعبة الرّبّانيّة الّتي هي فوق جميع الحقائق البشريّة والملكيّة فإنّ للخليل ثمّة شأنا عظيما ومرتبة رفيعة لم يتيسّر لأحد ذلك الشّأن والرّتبة. وفي ذلك المقام العالي المناسب لمقام ظهور سرادقات العظمة والكبرياء كمالات مركز ذلك المقام الّذي هو مقام الإجمال نصيب خاتم الرّسل والباقي المفصّل كلّه مسلّم للخليل وكلّ من سواه من الأنبياء وكمّل الأولياء طفيليّه هناك وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم طلب تفصيل ذلك الإجمال حيث سأل صلاة وبركة مشابهتين بصلاة إبراهيم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وبركته (وقد ظهر) لهذا الفقير أنّ ذلك التّفصيل قد تيسّر له أيضا بعد مضيّ ألف سنة واستجيب مسئوله والحمد لله على ذلك وعلى جميع نعمائه وكمالات ذلك المقام العالي فوق كمالات الولاية وفوق كمالات النّبوّة والرّسالة وكيف لا تكون فوقها فإنّ تلك الحقيقة مسجود إليها للأنبياء الكرام والملائكة العظام عليهم الصّلاة والسّلام وما كتبه هذا الفقير في رسالة المبدأ والمعاد أنّ الحقيقة المحمّديّة عرجت من مقامها وانتهت إلى حقيقة الكعبة الّتي فوقها واتّحدت بها وعرض للحقيقة المحمّديّة اسم الحقيقة الأحمديّة كانت تلك الحقيقة أعني حقيقة الكعبة ظلّا من ظلال هذه الحقيقة قد ظنّ قبل ظهور هذه الحقيقة حقيقة ويقع هذا الإشتباه كثيرا ويظنّ الظّلّ قبل ظهور الأصل أصلا ويسمّى حقيقة ومن ههنا يظهر المقام الواحد مرّات وسرّه أنّ ظهورات ذلك المقام PageV01P325 باعتبار ظلال ذلك المقام وحقيقة ذلك المقام في الحقيقة هي ما ظهرت في المرتبة الأخيرة. فإن قيل: من أين يعلم أنّ هذه المرتبة هي المرتبة الأخيرة من مراتب ظهوراته حتّى يعلم أنّها هي الحقيقة. قلت: إنّ حصول العلم بظلّيّة الظّهورات السّابقة شاهد عدل لآخريّة هذا الظّهور فإنّ هذا العلم لم يكن حاصلا وقت الظّهورات السّابقة بل كان يرى كلّ ظهور حقيقة وما كان يظنّ شيء منها ظلّا أصلا وإن لم يعلم أنّ اختلاف هذه الحقائق من أين جاء فافهم. (أيّها الولد)، قد علم من المعارف السّابقة أنّ الكمالات المتعلّقة بعالم الأمر مقامات ومعارج للكمالات المتعلّقة بعالم الخلق والكمالات الاولى ليست بخالية عن الظّلّيّة ومخصوصة بمقامات الولاية والكمالات الثّانية مبرّأة عن شائبة الظّلّيّة المناسبة لظهورات هذه النّشأة الدّنيويّة وفيها نصيب كامل من مقامات النّبوّة فتكون الطّريقة والحقيقة اللّتان مربوطان بالولاية خادمتين للشّريعة الّتي هي ناشئة من مقام النّبوّة وتكون الولاية سلّما لعروج النّبوّة (فعلم) من هذا البيان أنّ السّير الّذي اختاره الأكابر النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم العليّة الّذي ابتدؤه من عالم الأمر أولى وأنسب لأنّ التّرقّي ينبغي أن يكون من الأدنى الّذي هو عالم الأمر إلى الأعلى الّذي هو عالم الخلق لا من الأعلى إلى الأدنى وما العلاج فإنّ هذا المعمّي لم ينكشف لكلّ أحد بل نظر الأكثرون إلى الصّورة وظنّوا عالم الخلق أدنى فشرعوا في الإرتقاء من الأدنى إلى الأعلى الصّوريّين ولم يدروا أنّ حقيقة الحال على عكس هذا المنوال وأنّ ما ظنّوه أدنى في الحقيقة هو الأعلى وما زعموه أعلى هو أدنى نعم إنّ النّقطة الأخيرة الّتي هي عالم الخلق وقعت قريبة من النّقطة الاولى الّتي هي أصل الأصل وهذا القرب لم يتيسّر لنقطة أخرى. (ع) أحقّ الخلق بالكرم العصاة * وهذه المشاهدة مقتبسة من مشكاة النّبوّة وأرباب الولاية قليلو النّصيب من هذه المعرفة وشروع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام كان من عالم الأمر وانّهم وردوا من الحقيقة إلى الشّريعة، غاية ما في الباب أنّ في كمّل الأولياء الّذين وقع سيرهم موافقا لسير الأنبياء في الإبتداء صورة الشّريعة وفي الوسط الطّريقة والحقيقة المتعلّقتان بالولاية المناسبتان لعالم الأمر وفي النّهاية حقيقة الشّريعة الّتي هي ثمرة النّبوّة. (فتقرّر) من هذا أنّ حصول الطّريقة مقدّم على حصول حقيقة الشّريعة فكانت بداية الأولياء الكاملين وبداية الأنبياء المرسلين من الحقيقة ونهاية كلّ منهما إلى الشّريعة فلا معنى لقول من قال: إنّ بداية الأولياء نهاية الأنبياء وأراد ببداية الأولياء ونهاية الأنبياء الشّريعة الغرّاء. نعم إنّ هذا المسكين لمّا لم يطّلع على حقيقة الحال تكلّم بهذا الشّطح ولم يبال. (وهذه) المعارف وإن لم يتكلّم بها أحد بل ذهب الأكثرون إلى عكسها واستبعدوها عن الإدراك ولكن إذا لاحظ منصف جانب عظمة الأنبياء عليهم السّلام واستولت عليه عظمة الشّريعة يحتمل أن يقبل هذه المعارف الغامضة ويجعل هذا القبول وسيلة إلى زيادة إيمانه (أيّها الولد) إنّ الأنبياء عليهم الصّلاة PageV01P326 والسّلام اقتصروا دعوتهم على عالم الخلق بني الإسلام (1) على خمس, الحديث صريح في هذا ولمّا كانت مناسبة القلب بعالم الخلق أزيد دعوة أيضا بالتّصديق ولم يتكلّموا فيما وراء القلب بل جعلوه كالمطروح في الطّريق ولم يعدّوه من المقاصد نعم ينبغي أن يكون كذلك فإنّ تنعّمات الجنّة وآلام النّار ودولة الرّؤية والحرمان عنها كلّها مربوطة بعالم الخلق لا تعلّق لشيء منها بعالم الأمر أصلا. وأيضا إنّ إتيان العمل الفرض والواجب والسّنّة متعلّق بالقالب الّذي هو من عالم الخلق وما هو نصيب عالم الأمر من الأعمال هو النّافلة والقرب الّذي هو ثمرة أداء الأعمال إنّما يكون على مقدار الأعمال الّتي هو ثمرتها فلا جرم يكون القرب الّذي هو ثمرة أداء الفرائض نصيب عالم الخلق، والقرب الّذي هو ثمرة أداء النّوافل نصيب عالم الامر ولا شكّ أنّه لا اعتداد بالنّفل ولا اعتبار له بالقياس على الفرض وليت له حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط بل هذه النّسبة للنّفل بالقياس على السّنّة وإن كانت نسبة ما بين السّنّة والفرض كنسبة القطرة إلى البحر فينبغي أن يقيس تفاوت ما بين القربين على هذا وأن يعلم مزيّة عالم الخلق على عالم الأمر من هذا التّفاوت وأكثر الخلائق لمّا لم يكن لهم نصيب من هذا المعنى صاروا يخرّبون الفرائض ويجتهدون في ترويج النّوافل والصّوفيّة النّاقصون يعتقدون الذّكر والفكر من أهمّ المهمّات ويتساهلون في إتيان الفرائض والسّنن ويختارون الأربعينات تاركين للجمع والجماعات ولا يعلمون أنّ أداء فرض واحد مع الجماعة أفضل من ألوف من أربعيناتهم. نعم إنّ الذّكر والفكر مع مراعاة الآداب الشّرعيّة أفضل وأهمّ والعلماء القاصرون أيضا يسعون في ترويج النّوافل ويخرّبون الفرائض ويضيّعونها ومن ذلك صلاة العاشوراء مثلا ولم يصحّ (2) عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه كان يصلّيها مع الجماعة والجمعيّة التّامّة والحال أنّهم يعلمون أنّ الرّوايات الفقهيّة ناطقة بكراهة الجماعة في النّافلة وهم يتكاسلون في أداء الفرائض على حدّ قلّما يوجد منهم من يؤدّي الفرض في وقته المستحبّ بل ربّما يفوّتونه عن أصل وقته ولا يتقيّدون بالجماعة كثير تقيّد ويقنعون في الجماعة بشخص أو بشخصين بل ربّما يكتفون بالإنفراد فإذا كانت معاملة مقتدي أهل الإسلام هذه فما تقول في غيرهم من العوامّ ومن شؤم هذه الأفعال وسوء الأعمال ظهر الضّعف في الإسلام ومن ظلمة هذه المعاملة وكدورة الأحوال ظهرت البدعة بين الأنام، (شعر) بثثت لديكم من همومي وخفت أن ... تملّوا والّا فالكلام كثير. وأيضا إنّ أداء النّوافل إنّما يعطي قرب " ظلّ من الظّلال وأداء الفرائض يعطي قرب الأصل الّذي ليس فيه شائبة الظّلّيّة الّا أنّ النّفل إذا أدّي لاجل تكميل الفرائض فحينئذ يكون ذلك أيضا ممدّا ومعاونا لحصول PageV01P327 قرب الأصل وملحقا بالفرائض فيكون أداء الفرائض بالضّرورة مناسبا لعالم الخلق الّذي هو متوجّه وناظر إلى الأصل وأداء النّوافل مناسبا لعالم الأمر الّذي هو ناظر إلى الظّلّ (1) والفرائض وإن كانت كلّها مورّثة للقرب ولكنّ أفضلها وأكملها الصّلاة ولعلّك سمعت أنّ الصّلاة معراج المؤمن وأقرب (2) ما يكون العبد من الرّبّ في الصّلاة والوقت الخاصّ الّذي كان للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيث عبّر عنه بقوله " لي مع الله وقت» الحديث هو عند الفقير في الصّلاة, الصّلاة هي المكفّرات للسّيّئات والصّلاة هي الّتي تنهي عن الفحشاء والمنكرات والصّلاة هي الّتي كان النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام يطلب راحته فيها حيث كان يقول أرحني (3) يا بلال والصّلاة (4) هي الّتي عماد الدّين والصّلاة هي الّتي صارت فارقة بين الإسلام والكفر (ولنرجع) إلى أصل الكلام ولنقل من مزيّة عالم الخلق على عالم الأمر اعلم أنّ عالم الأمر قد نال هنا يعني في النّشأة الدّنيا حظّا وافرا وحصل المشاهدة وستقع المعاملة غدا في الجنّة على عالم الخلق وتتيسّر له رؤية بلا كيف ومع ذلك أنّ متعلّق المشاهدة ظلّ في ظلال الوجوب. والمرئيّ في الآخرة واجب الوجود فالفرق الّذي بين المشاهدة والرّؤية والظّلّيّة والأصالة هو فرق ما بين عالم الخلق وعالم الأمر (واعلم) أنّ المشاهدة ثمرة الولاية والرّؤية ثمرة النّبوّة وتتيسّر لعامّة أتباع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ومن ههنا يعرف التّفاوت بين الولاية والنّبوّة أيضا (تنبيه) كلّ عارف مناسبته لعالم الأمر أزيد يكون قدمه في كمالات الولاية أزيد والّذي مناسبته لعالم الخلق أكثر فقدمه في كمالات النّبوّة أوفر ومن ههنا كان لعيسى عليه السّلام قدم أزيد في الولاية ولموسى عليه السّلام قدم أزيد في النّبوّة فإنّ جانب الأمر غالب في عيسى عليه السّلام ولهذا صار ملحقا بالرّوحانيّين وجانب الخلق غالب في موسى عليه السّلام ولهذا لم يكتف بالمشاهدة بل طلب رؤية بصر. وهذا هو سبب تفاوت اقدام الأنبياء عليهم السّلام في كمالات النّبوّة الّذي كنت وعدت بيانه فيما تقدّم لا علوّ بعض اللّطائف وسفله الّذي هو معتبر في تفاوت كمالات الولاية والله سبحانه الملهم للصّواب. (أيّها الولد) إنّ تعلّق علوم النّبوّة الّتي هي الشّرائع والأحكام بالقالب لمّا كان أزيد وكانت مناسبة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام لعالم الخلق أكثر وأوفر ظنّوا من ذلك أنّ النّبوّة عبارة عن النّزول إلى دعوة PageV01P328 الخلق بعد العروج إلى مقامات القرب الّتي تتعلّق بالولاية ولم يعلموا أنّ نهاية العروج وغاية القرب في هذا الموطن والقرب الحاصل فيما سبق كان ظلّا من ظلال هذا القرب الّذي يتصوّر بصورة البعد: والعروج الّذي تيسّر أوّلا كان عكسا من عكوس هذا العروج الّذي يرى في الظّاهر نزولا ألا ترى أنّ مركز الدّائرة أبعد النّقطة بالنّسبة إلى محيط الدّائرة والحال أنّه لا نقطة في الحقيقة أقرب إلى المحيط من نقطة المركز لأنّ المحيط تفصيل تلك النّقطة الإجماليّة وهذه النّسبة لم تتيسّر لنقطة أخرى والعوامّ الّذين اقتصر نظرهم على الصّورة لا يقدرون على وجدان هذا القرب وإدراكه فيحكمون بأبعديّة تلك النّقطة ويزعمون الحكم بأقربيّتها جهلا مركّبا ويحمّقون الحاكم بهذا الحكم ويجهّلونه والله المستعان على ما يصفون. ينبغي أن يعلم أنّ المطمئنّة تعرج عن مقامها بعد حصول شرح الصّدر الّذي هو من لوازم كمالات الولاية الكبرى وترتقي إلى تخت الصّدر ويحصل لها هناك التّمكين والسّلطنة وتستولي على ممالك القلب وتخت الصّدر هذا في الحقيقة فوق جميع مقامات عروج مرتبة الولاية الكبرى وينفذ نظر الصّاعد إلى هذا التّخت إلى أبطن البطون ويسري إلى غيب الغيب نعم إنّ الشّخص إذا صعد إلى أرفع الأمكنة ينفذ بصره إلى أبعد الأبعاد وبعد تمكين هذه المطمئنّة يخرج العقل أيضا من مقامه ويلحق بها وينضمّ إليها ويعرض له حينئذ اسم عقل المعاد وتتوجّه كلاهما بالإتّفاق بل بالاتّحاد إلى شغلهما. (أيّها الولد) إنّ هذه المطمئنّة لا يبقى فيها إمكان المخالفة ومجال الطّغيان بل هي متوجّهة إلى المطلوب بكلّيّتها ومشغوفة بالمقصود بتماميّتها لا همّة لها غير تحصيل رضا ربّها ولا مطلوب لها سوي طاعته وعبادته تعالى سبحان الله. إنّ الامّارة الّتي كانت أوّلا شرّ جميع الخلائق صارت بعد الإطمئنان وحصول رضاء حضرة الرّحمن رئيس لطائف عالم الأمر ورأس كافّة الأقران نعم قد قال المخبر الصّادق عليه الصّلاة والسّلام «خياركم (1) في الجاهليّة خياركم في الإسلام إذا فقهوا». فإن وقعت بعد ذلك صورة الخلاف والبغي فمنشؤها اختلاف طبائع العناصر الأربعة الّتي هى أجزاء القالب فإن كانت قوّة غضبيّة فناشئة من هناك وإن كانت شهويّة فهي أيضا ثائرة من هناك وان حرصا وشرها فقائمان من هناك وان خسّة ودناءة فمنبعثتان من هناك ألا ترى أنّ سائر الحيوانات ليست فيهنّ هذه النّفس الأمّارة. ومع ذلك فيهنّ هذه الأوصاف الرّذيلة بالوجه الأتمّ والأكمل فيمكن أن يكون المراد بالجهاد الأكبر حيث قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " الجهاد مع القالب لا الجهاد مع النّفس كما قيل لأنّ النّفس قد بلغت حدّ الإطمئنان وصارت راضية مرضيّة فلا تتصوّر منها صورة المخالفة والبغي حتّى يحتاج إلى الجهاد وصورة الخلاف والبغي من أجزاء القالب عبارة عن إرادة PageV01P329 تلك الاولى وارتكاب الامور المرخّصة وترك العزيمة لا ارادة ارتكاب المحرّمات وترك الفرائض والواجبات فإنّ هذه الأشياء صارت في حقّها نصيب الأعداء. (أيّها الولد) إنّ كمالات العناصر الأربعة وإن كانت فوق كمالات المطمئنّة كما مرّ ولكن بواسطة مناسبتها لمقام الولاية وصيرورتها ملحقة بعالم الأمر صاحبة سكر وفي مقام الإستغراق فلا جرم لا يبقى فيها مجال المخالفة وحيث كانت مناسبة العناصر بمقام النّبوّة أزيد كان الصّحو غالبا فيها فبالضّرورة تبقى فيها صورة المخالفة لاجل تحصيل بعض المنافع والفوائد المربوطة بها فافهم. (ينبغي) أن يعلم أنّ منصب النّبوّة كان مختوما بخاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ولكن لاتباعه صلّى الله عليه وسلّم نصيب كامل من كمالات ذلك المنصب بالتّبعيّة وهذه الكمالات كانت في طبقة الأصحاب أزيد منها في غيرها وسرت هذه الدّولة أيضا على سبيل القلّة إلى التّابعين وتبع التّابعين ثمّ شرعت بعدهم في الإختفاء والإستتار وانتشرت كمالات الولاية الظّلّيّة وغلبت وشاعت ولكنّ المرجوّ أن تتجدّد هذه الدّولة المستترة بعد مضيّ الألف ويحصل لها الغلبة والشّيوع وأن تظهر الكمالات الأصليّة وتستتر الظّلّيّة وأن يكون المهديّ عليه الرّضوان مروّج هذه النّسبة العليّة. أيّها الولد، إنّ التّابع الكامل للنّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام إذا أتمّ كمالات مقام النّبوّة بالتّبعيّة فإن كان من أهل المناصب يشرّف بمنصب الإمامة وإذا أتمّ كمالات الولاية الكبرى فإن كان من أهل المنصب يشرّف بمنصب الخلافة والمناسب لمنصب الإمامة في مقام الكمالات الظّلّيّة منصب قطب الإرشاد والمناسب لمنصب الخلافة منصب قطب المدار وكأنّ هذين المقامين التّحتانيّين ظلّ ذينك المقامين الفوقانيّين والغوث عند الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ قدّس سرّه هو عين قطب المدار وليست الغوثيّة عنده منصبا على حدة وما هو معتقد الفقير أنّ الغوث غير قطب المدار والقطب يستمدّ منه في بعض الامور وله دخل أيضا في نصب مناصب الأبدال ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. تذييل: إنّ العلوم والمعارف المناسبة لمقام النّبوّة وولايتها شرائع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ولمّا كان في النّبوّة تفاوت أقدام الأنبياء ظهر الإختلاف أيضا في الشّرائع بمقدار ذلك التّفاوت والمعارف المناسبة لمقام ولاية الأولياء شطحيّات المشائخ والعلوم المخبرة عن التّوحيد والإتّحاد المنبئة عن الإحاطة والسّريان المورّثة لعلامة القرب والمعيّة المشعرة بالمرآتيّة والظّلّيّة المثبتة للشّهود والمشاهدة وبالجملة انّ معارف الأنبياء كتاب وسنّة ومعارف الأولياء فصوص وفتوحات مكّيّة. (ع) وقس من حال بستاني ربيعي * ولاية الأولياء تطلب قرب الحقّ وولاية الأنبياء تبدي أقربيّته تعالى. ولاية الأولياء تدلّ على الشّهود وولاية الأنبياء تثبت النّسبة المجهولة الكيفيّة. ولاية الأولياء لا تعرف الأقربيّة أنّها ما هي ولا تدري الجهالة والحيرة أنّها أيّ شيء هي وولاية الأنبياء مع وجود الأقربيّة ترى القرب عين البعد وتعدّ الشّهود عين الغيب، (ع) يطول إذا ما قلت تفصيل شرحه * PageV01P330 أيّها الولد: قد أطنبت في بيان كمالات النّبوّة ومزيّتها على الولاية، والفرق بين الولايات الثّلاث أعني الصّغرى والكبرى والعليا وبيان المعارف المناسبة لكلّ منها والمحالّ المتعلّقة بكلّ منها وأدرجت في بيان هذا المعنى فقرات مكرّرة ومتكثّرة وأطلت في ذلك ذيل الكلام رجاء أن يخرج عن استبعاد الأفهام من كمال غرابته وأن يتخلّص من مظانّ الإنكار، وهذه العلوم كشفيّة ضروريّة لا استدلاليّة ونظريّة. وذكر بعض المقدّمات إنّما هو للتّنبيه والتّقريب إلى أفهام العوامّ بل للتّشريح والتّوضيح لأجل إدراك خواصّ الأنام. (هذا) هو الطّريق الّذي جعل الحقّ سبحانه وتعالى هذا الحقير ممتازا به من بدايته إلى نهاية أساسه. النّسبة النّقشبنديّة المتضمّنة لاندراج النّهاية في البداية قد بنيت على هذا الأساس عمارات وقصور فإن لم يكن هذا الأساس لما زادت المعاملة وما انتهت إلى هنا قد أتوا بالبذر الّذي أصله من تراب يثرب وبطحاء من بخارا وسمرقند وزرعوه في أرض الهند وسقوه بماء الفضل سنين وربّوه بتربية الإحسان فلمّا أدرك ذلك الزّرع وبلغ كماله أثمر هذه العلوم والمعارف. الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ. (وينبغي) أن يعلم أنّ سلوك هذا الطّريق العالي برابطة المحبّة للشّيخ المقتدى به الّذي سار في هذا الطّريق بالسّير المراديّ وانصبغ بقوّة الجذبة بهذه الكمالات وصاحب هذه الكمالات إمام الوقت وخليفة الزّمان نظره شفاء الأمراض القلبيّة وتوجّهه رافع العلل المعنويّة، الأقطاب والبدلاء فرحون بظلال مقاماته والأوتاد والنّجباء قانعون بقطرة من بحار كمالاته نور هدايته وإرشاده فائض على جميع الأشخاص كنور الشّمس بلا إرادته فكيف إذا أراد وإن لم تكن إرادته في اختياره فإنّه كثيرا ما يطلب الإرادة ولكن لا تحصل له تلك الإرادة ولا يلزم أن يعلم هذا المعنى ويطّلع عليه من يهتدون بنوره ويسترشدون بتوسّله بل ربّما لا يعلمون أصل هدايتهم ورشدهم أيضا كما ينبغي ومع ذلك يتحقّقون بكمالات الشّيخ المقتدى به ويهدون العالم فإنّ العلم بالأحوال لا يعطاه كلّ أحد ومعرفة تفصيل سير المقامات لا يمنحها جميع الأشخاص. نعم، إنّ الشّيخ الّذي نيط بوجوده الشّريف مدار بناء طريق مخصوص من طرق الوصول صاحب علم ألبتّة وصاحب شعور بتفاصيل السّير ويكتفي غيره بعلمه ويصلون بتوسّطه إلى مرتبة الكمال والتّكميل ويشرّفون بالفناء والبقاء، (شعر) ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد إفادتنا واستفادتنا انعكاسيّة وانصباغيّة ينصبغ المريد بصبغ الشّيخ المقتدى به ساعة فساعة بواسطة محبّته له ويتنوّر بأنواره بطريق الإنعكاس فلأيّ شيء يحتاج في هذه الصّورة إلى العلم بالأحوال في الإفادة والإستفادة ألا ترى أن الخربزة تدرك بحرارة الشّمس ساعة فساعة وتبلغ مرتبة الكمال بمرور الأيّام فمن أين يلزم أن يكون لها علم بإدراكها ومن أين يلزم للشّمس أن تعلم بأنّها سبب إدراكها. نعم، إنّ العلم لاجل السّلوك والتّسليك الاختياريّ لازم ولكنّه مربوط بسلاسل أخر. وأمّا في طريقنا الّتي هي طريقة PageV01P331 الأصحاب الكرام عليهم الرّضوان فالعلم بالسّلوك والتّسليك ليس بلازم أصلا وإن كان الشّيخ المقتدى به الّذي هو راعي هذه الطّريقة موصوفا بكمال العلم ومتحقّقا بوفور المعرفة فلا جرم يكون الأحياء والأموات والصّبيان والأشياخ والشّبّان والكهول متساوين في هذا الطّريق العالي في حقّ الوصول لأنّهم يصلون إلى منتهى المقاصد إمّا برابطة المحبّة أو بتوجّه صاحب دولة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. (ولكن ينبغي) أن يعلم أنّ المنتهى وإن لم يكن صاحب علم ولكن لا بدّ له من ظهور الخوارق وربّما لا يكون له اختيار في ذلك الظّهور بل كثيرا ما لا يكون له علم بظهورها بل يرى النّاس منه الخوارق وليس له اطّلاع عليها. (وما قلت) إنّ المنتهى وإن لم يكن صاحب علم المراد بعدم العلم عدم علم بتفصيل الأحوال لا عدم العلم مطلقا بحيث لا يفهم أحواله أصلا كما مرّت الإشارة إليه، ونور هدايته المذكور يسري إلى مريديه بلا واسطة أو بواسطة أو بوسائط ما لم تلوّث طريقته المخصوصة بلوث التّغيّرات والتّبديلات ولم تخرّب بإلحاق المخترعات والمبتدعات بها (انّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم). والعجب من قوم يزعمون هذه التّبديلات تكميلات هذه الطّريقة ويتصوّرون تلك الإلحاقات تتميمات هذه النّسبة ولا يعلمون أنّ تكميل هذا الأمر وتتميمه ليس لكلّ قاصر وناقص. والإلحاق والإختراع ليس في حوصلة كلّ خالي الظّرف. (شعر) هزار نكته باريكتر ز مو اينجاست ... نه هركه سر بتراشد قلندرى داند قد ستروا نور السّنّة السّنيّة بظلمات البدع وضيّعوا رونق الملّة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة بكدورات الامور المخترعة وأعجب من هذا ظنّ قوم هذه المحدثات أمورا مستحسنة وزعمهم تلك المبتدعات حسنات مستملحة فيطلبون بها تكميل الدّين وتتميم الملّة ويرغّبون في إتيان تلك الامور ترغيبا كثيرا هداهم الله سبحانه سواء الصّراط ألم يعلموا أنّ الدّين كان كاملا قبل هذه المحدثات وكانت النّعمة تامّة وكان رضاء الحقّ سبحانه حاصلا كما قال الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فطلب كمال الدّين من هذه المحدثات إنكار في الحقيقة على مقتضى هذه الآية الكريمة، (شعر): بثثت لديكم من همومي وخفت أن ... تملّوا والّا فالكلام كثير. وقد أظهر العلماء المجتهدون أحكام الدّين لا إنّهم أحدثوا فيه ما ليس منه فلا تكون الأحكام الإجتهاديّة من الامور المحدثة بل من أصول الدّين لأنّ الأصل الرّابع هو القياس. (أيّها الولد) إنّي قد كنت كتبت المعرفة المتعلّقة بقطب الإرشاد في باب الإفادة والإستفادة من رسالة المبدأ والمعاد ولكن لمّا كانت لها مناسبة بهذا المقام ومفيدة فيه ناسب كتابتها في هذا المكتوب PageV01P332 أيضا فليعتبر من هنا أنّ قطب الإرشاد الّذي يكون جامعا لكمالات الفرديّة أيضا عزيز الوجود جدّا يظهر مثل هذا الجوهر بعد قرون كثيرة وأزمنة متطاولة وينوّر العالم الظّلمانيّ بنور ظهوره ونور هدايته وإرشاده شامل لجميع العالم كلّ من يحصل له الرّشد والهداية والإيمان والمعرفة من محيط العرش إلى مركز الفرش إنّما يحصل من طريقه ويستفاد منه لا تتيسّر هذه الدّولة لأحد بدون توسّطه، نوره محيط لجميع العالم مثل البحر المحيط مثلا وهذا البحر كأنّه منجمد لا يتحرّك أصلا فالطّالب الّذي متوجّه إليه ومخلص له أو هو متوجّه إلى الطّالب كأنّه تفتح وقت التّوجّه روزنة إلى قلب الطّالب فيصير بهذا الطّريق ريّانا من ذلك البحر على قدر توجّهه وإخلاصه وكذلك من كان متوجّها إلى ذكر الله تعالى ومقبلا عليه ولم يكن متوجّها إلى ذلك القطب أصلا لا من جهة الإنكار عليه بل العدم معرفته به أصلا يحصل له مثل هذه الإفادة لكنّها في الصّورة الاولى أزيد منها في الصّورة الثّانية وأمّا من كان منكرا عليه أو هو متأذّ منه فهو وإن كان مشغولا بذكر الله تعالى وتقدّس ولكنّه محروم من حقيقة الرّشد والهداية وإنكاره هذا وأذيّته يصير سدّة في طريق فيضه وحقيقة الهداية مفقودة فيه من غير أن يتوجّه القطب العظيم الشّأن إلى عدم إفادته ومنع استفادته وقصد ضرره بل فيه صورة الرّشد فقط والصّورة الخالية عن المعنى قليلة النّفع والجدوى والّذين فيهم محبّة ذلك القطب وإخلاصه وإن خلوا عن التّوجّه المذكور وذكر الله تعالى يصل إليهم نور الهداية والرّشد بواسطة محبّتهم فقط ولتكن هذه المعرفة آخر المكتوب. (شعر) أكتفي إذ ذاك يكفي الأذكيا ... صحت مرّات لمن أصغى النّدا الحمد لله ربّ العالمين الرّحمن الرّحيم أوّلا وآخرا والصّلاة والسّلام على رسوله محمّد وآله وصحبه دائما وسرمدا. (261) المكتوب الحادي والسّتّون والمائتان إلى المير نعمان في بيان فضائل الصّلاة والكمالات المخصوصة بها في ضمن معارف عالية وحقائق سامية بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليكن معلوم الأخ الأعزّ أرشده الله سبحانه أنّ الصّلاة ركن ثان من الأركان الخمسة للإسلام وجامعة العبادات وهي وإن كانت جزئيّة ولكن حصلت لها حكم الكلّيّة من الجامعيّة وصارت فوق جميع مقرّبات الأعمال ودولة الرّؤية الّتي كانت ميسّرة لسيّد العالمين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ليلة المعراج في الجنّة كانت ميسّرة له بعد النّزول إلى الدّنيا في الصّلاة مناسبة لهذه النّشأة ولهذا قال عليه الصّلاة والسّلام «الصّلاة معراج المؤمن " وقال أيضا " أقرب ما يكون العبد من الرّبّ في الصّلاة " ولكمّل اتباعه عليه الصّلاة والسّلام في هذه النّشأة حظّ وافر من تلك الدّولة في الصّلاة وإن لم تكن رؤية فإنّ هذه النّشأة لا تطيقها فإن لم يأمر الله سبحانه بالصّلاة فمن كان يكشف النّقاب عن PageV01P333 وجه المقصود ومن كان يدلّ الطّالب نحو المطلوب مورّث اللّذّة للمغمومين هو الصّلاة وموجب الرّاحة للمرضى يعني من الم البعد والفراق هو الصّلاة " أرحني يا بلال " اشارة إلى هذا المعنى وقرّة عيني في الصّلاة رمز من هذا المتمنّى وما تيسّر من الأذواق والمواجيد والعلوم والمعارف والأحوال والمقامات والأنوار والألوان والتّلوينات والتّمكينات والتّجلّيات المتكيّفة وغير المتكيّفة والظّهورات المتلوّنة وغير المتلوّنة في خارج الصّلاة ومن غير شعور بحقيقة الصّلاة منشؤها كلّها ظلال وأمثال بل ناشئة عن الوهم والخيال والمصلّي الّذي له شعور بحقيقة الصّلاة كأنّه يخرج من هذه النّشأة الدّنيا وقت أداء الصّلاة ويدخل في النّشأة الاخرى فلا جرم ينال في هذا الوقت نصيبا وافرا من دولة مخصوصة بالآخرة ويحصّل حظّا من الأصل بلا شائبة الظّلّيّة لأنّ النّشأة الدّنيا مقصورة على الكمالات الظّلّيّة والمعاملة الخارجة الخالية عن الظّلّيّة مخصوصة بالآخرة فلا بدّ على هذا من المعراج وهو الصّلاة في حقّ المؤمنين وهذه الدّولة مخصوصة بهذه الامّة فإنّهم إنّما شرّفوا بهذه الدّولة واستسعدوا بهذه السّعادة تبعا لنبيّهم عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. وقد تشرّف هو بدولة الرّؤية حيث خرج من الدّنيا إلى الآخرة ودخل الجنّة ليلة المعراج اللهمّ اجزه عنّا ما هو أهله واجزه عنّا أفضل ما جازيت نبيّا عن أمّته واجز الأنبياء كلّهم خيرا فإنّهم دعاة الخلق إلى الحقّ سبحانه وهداتهم إلى لقاء الله. والّذين لم يطّلعوا على حقيقة الصّلاة من هذه الطّائفة ولم يقفوا على الكمالات المخصوصة بها صاروا يطلبون معالجة أمراضهم من أمور أخر ويلتمسون حصول مراداتهم من أشياء شتّى بل زعمت طائفة منهم الصّلاة بعيدة عن الحال وجعلوا مبناها على المغايرة والمباينة وغير ذلك من المحالّ وزعموا أنّ. الصّوم أفضل من الصّلاة قال صاحب الفتوحات المكّيّة: إنّ في الصّوم الّذي هو ترك الأكل والشّرب تحقّقا بصفة الصّمدانيّة وفي الصّلاة خروج إلى المغايرة والمباينة وإشعار بالعابديّة والمعبوديّة وهو كما ترى مبنيّ على مسألة التّوحيد الوجوديّ الّذي هو من أحوال السّكارى ومن عدم الشّعور بحقيقة الصّلاة وفقد الخبر عنه صار الجمّ الغفير من هذه الطّائفة يطلبون تسكين اضطرابهم من السّماع والنّغمات والوجد والتّواجد وطفقوا يطالعون مطلوبهم من وراء حجب النّغمات فلا جرم جعلوا الرّقص والحركة ديدنهم مع أنّهم سمعوا حديث «وما جعل الله شفاءكم فيما حرّم عليكم " نعم: الغريق يتعلّق بكلّ حشيش وحبّ الشّيء يعمي ويصمّ فلو انكشفت لهم نبذة من حقيقة الصّلاة ووصلت إلى مشامّ أذواقهم شمّة منها لما مالوا إلى السّماع والنّغمة أصلا ولما ركنوا إلى الوجد والتّواجد قطعا، (شعر): وإذا لم يهتدوا نهج ال ... حقائق قارفوا هزوا (أيّها الأخ) بقدر ما يكون من الفرق بين الصّلاة والنّغمات تتفاوت الكمالات الّتي منشؤها الصّلاة والكمالات الّتي منشؤها النّغمات العاقل تكفيه الإشارة وهذا كمال وجد بعد ألف سنة. PageV01P334 (وآخريّة) ظهرت على صفة الأوّلين ولونهم ولعلّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لذلك قال لا يدري (1) أوّلهم خير أم آخرهم ولم يقل أم أوسطهم حيث رأى المناسبة بين الآخر والأوّل أزيد منها بين الأوسط والأوّل فصار ذلك محلّ تردّد وقال عليه الصّلاة والسّلام في حديث آخر " أفضل أمّتي (2) اوّلهم وآخرهم وبينهما كدر " نعم إنّ متأخّري هذه الامّة وإن كان فيهم علوّ النّسبة ولكنّ أصحابها قليلون بل أقلّ، وفي المتوسّطين وإن لم تكن النّسبة بهذا العلوّ لكنّ أصحابها كثيرون بل أكثر ولكلّ وجهة كمّيّة وكيفيّة ولكن أقلّيّة هذه النّسبة بلّغت المتأخّرين إلى الدّرجات العلى وأورثتهم المناسبة بالسّابقين وجعلتهم المبشّرين قال صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم " الإسلام (3) بدأ غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء» الحديث وشروع (4) آخريّة هذه الامّة من بداية الألف الثّاني من ارتحال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإنّ لمضيّ الألف خاصّيّة عظيمة في تغيّر الامور وتأثير في تبدّل الأشياء ولمّا لم يكن في ملّة هذه الامّة وسيرتها نسخ وتبديل ظهرت نسبة السّابقين بطراوتها القديمة ونضارتها السّابقة في المتأخّرين بالضّرورة وحصل تأييد الشّريعة وتجديد الملّة في الألف الثّاني والشّاهد العدل لصدق هذه الدّعوة عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام والمهديّ عليه الرّضوان يعني وجودهما في هذا الألف. (شعر) لو جاء من فيض روح القدس من مدد ... لغير عيسى ليصنع مثل ما صنعا. (أيّها الأخ) إنّ هذا الكلام وإن كان اليوم ثقيلا على أكثر الخلائق وبعيدا عن أفهامهم ولكنّهم إذا أنصفوا وقاسوا المعارف بعضها ببعض ولا حظوا صحّة الأقوال وسقمها بمطابقتها العلوم الشّرعيّة وعدم مطابقتها إيّاها ورأوا أنّ تعظيم الشّريعة النّبويّة وتوقيرها في أيّتها أكثر لعلّهم يتخلّصون عن ورطة الإستبعاد الا يرون أنّ الفقير قد كتب في كتبه ورسائله أنّ الطّريقة والحقيقة خادمتان للشّريعة وأنّ النّبوّة أفضل من الولاية ولو كانت ولاية نبيّ. وكتب أيضا أنّه لا مقدار لكمالات الولاية في جنب كمالات النّبوّة أصلا PageV01P335 وليت لها حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط. وكتب أمثال ذلك كثيرا خصوصا في مكتوب كتب باسم ولدي في بيان الطّريقة فليلا حظوا هناك والمقصود من هذا القيل والقال إظهار نعمة الحقّ سبحانه وترغيب طلّاب هذه الطّريقة لا تفضيل نفسي على الآخرين. ومعرفة الله سبحانه حرام على من يرى نفسه أفضل من كفّار الإفرنج فكيف من اكابر الدّين (شعر) خليلي سيّدي أعلي مقامي ... ففقت به نجوما والهلالا كأنّي بقعة فيها سحاب ال ... رّبيع ممطر ماء زلالا فلو لي ألّف ألسنة واثني ... بها ما ازددت الّا الإنفعالا فإن ظهر فيكم بعد مطالعة هذا المكتوب شوق تعلّم أسرار الصّلاة وتحصيل بعض كمالاتها المخصوصة وجعلكم هذا الشّوق مضطربا تتوجّه نحو هذه الحدود بعد الإستخارات وتصرف شطرا من العمر في تعلّم الصّلاة يعني أسرارها والله سبحانه الهادى إلى سبيل الرّشاد. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (262) المكتوب الثّاني والسّتّون والمائتان إلى مولانا محب علي في بيان أنّ ارتباط النّقشبنديّة حبّيّة ونسبتهم انعكاسيّة وما يناسبه الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى حصل الإبتهاج بورود الصّحيفة الشّريفة المرقومة على وجه الإلتفات وحيث كانت منبئة عن فرط المحبّة وكمال الإختصاص أورثت ازدياد الفرح والسّرور وقد اندرج فيها الكلام عن العهد السّابق (أيّها المخدوم) إنّك على أيّ وضع كنت من الأوضاع الشّرعيّة ليس بمحلّ للمضايقة ولا مستحقّا به للمعاتبة بشرط أن لا ينقطع حبل المحبّة بل يتقوّى يوما فيوما وبشرط أن لا تبرد نائرة الإشتياق بل تزايد ساعة فساعة فإنّ ارتباطنا حبّيّ ونسبتنا انعكاسيّة وانصباغيّة لا تتفاوت بالقرب والبعد الّا بحسب السّرعة والبطء والعلم ببعض خصوصيّات الطّريق وعدم العلم به وتطلب تحقيق هذا المعنى من خاتمة مكتوب حرّرته باسم ولدي الأرشد في بيان الطّريق وقد جاء أصحاب أخينا المير محمّد نعمان بنقل ذلك المكتوب فتطلبه من هناك وماذا اطنب زيادة على ذلك والسّلام. (263) المكتوب الثّالث والسّتّون والمائتان إلى جناب صاحب المعارف الشّيخ تاج الدّين في بيان معارف تتعلّق بالكعبة الرّبّانيّة وبيان الفضائل الصّلاتيّة وما يناسب ذلك PageV01P336 الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى وقد أورث خبر القدوم الّذي هو للمسرّة ملزوم فرحا وافرا للمشتاقين لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك، (شعر) أنصف أيا فلك زاه مصابيحه ... وأيّ هذين قد عمّت تفاريحه شمس بها عالم تمّت مصالحه ... أم بدريّ الباد من شام لوائحه وحيث التزمت القدوم فعليك أن تشرّف بالسّرعة فإنّ المشتاقين تحت ثقل الإنتظار يتمنّون سمع أخبار بيت الله وعند الفقير كما أنّ صورة الكعبة الرّبّانيّة مسجود إليها لصور الخلائق بشرا كانوا أو ملكا كذلك حقيقتها مسجود إليها لحقائق تلك الصّور فلا جرم كانت تلك الحقيقة فوق جميع الحقائق والكمالات المتعلّقة بها صارت فوق الكمالات المتعلّقة بسائر الحقائق وكأنّ هذه الحقيقة برزخ بين الحقائق الكونيّة والحقائق الإلهيّة والمراد بالحقائق الإلهيّة سرادقات العظمة والكبرياء الّتي لم يصل إلى ذيل قدسها لون ولا كيف ولم يتطرّق إليها ظلّيّة أصلا ونهاية العروجات الدّنيويّة وظهوراتها إلى منتهى الحقائق الكونيّة والنّصيب من الحقائق الإلهيّة مخصوص بالآخرة لا حظّ منها في الدّنيا الّا في الصّلاة الّتي هي معراج المؤمن وكأنّ في هذا المعراج خروجا من الدّنيا إلى الآخرة ويتيسّر فيه حظّ ما يتيسّر في الآخرة وأظنّ أنّ حصول هذه الدّولة في الصّلاة لتوجّه (1) المصلّي فيها إلى جهة الكعبة الّتي هي موطن ظهورات الحقائق الإلهيّة فالكعبة أعجوبة في الدّنيا فإنّها بصورتها من الدّنيا وبالحقيقة من الآخرة وأخذت هذه النّسبة الصّلاة أيضا بتوسّطها وصارت بصورتها وحقيقتها جامعة للدّنيا والآخرة وقد بلغ مرتبة التّحقيق أنّ الحالة المتيسّرة في أداء الصّلاة فوق جميع الكمالات الحاصلة في خارج الصّلاة لأنّ تلك الحالة ليست بخارجة من دائرة الظّلّ وإن حصل لها العلوّ بخلاف هذه الحالة فإنّ لها نصيبا من الأصل وبقدر الفرق بين الأصل والظّلّ يكون الفرق بين تلك الحالة وهذه الحالة ويشاهد انّ الحالة الّتي تحصل عند الموت بعناية الله تعالى تكون فوق حالة الصّلاة فإنّ الموت من مقدّمات أحوال الآخرة وكلّما هو أقرب إلى الآخرة أتمّ وأكمل لأنّ هنا ظهور الصّورة وهناك ظهور الحقيقة شتّان ما بينهما. وكذلك الحالة الّتي تتيسّر بكرم الله جلّ سلطانه في البرزخ الصّغير تكون فوق الحالة الحاصلة وقت الموت وعلى هذا القياس الحالة المتيسّرة في البرزخ الكبير الّذي هو عرصات القيامة بالنّسبة إلى حالة البرزخ الصّغير فإنّ المشهود هناك أتمّ وأكمل ولمشهود جنّات النّعيم أتمّيّته وأكمليّته بالنّسبة إلى مشهود البرزخ الكبير وفوق جميع تلك المذكورات موطن اخبر عنه المخبر الصّادق عليه الصّلاة والسّلام حيث PageV01P337 قال: «إنّ لله (1) جنّة ليس فيها حور ولا قصور يتجلّى فيها ربّنا ضاحكا " فأدنى جميع مواطن الظّهورات دنيا وما فيها وأعلى جميعها تلك الجنّة المذكورة بل الدّنيا ليست من مواطن الظّهور أصلا. وظهورات الظّلال ومرآتيّة المثال الّتي هي مخصوصة بالدّنيا معدودة عند الفقير من الامور الدّنيويّة وداخلة في الحقيقة في دائرة الإمكان سواء قيل لتلك الظّهورات تجلّيات الأسماء أو تجلّيات الصّفات أو تجلّيات الذّات تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا وأنأ الفقير متى ألاحظ الدّنيا بالتّمام أجدها خالية محضة ولا يصل منها إلى مشامّي رائحة المطلوب غاية ما في الباب أنّها مزرعة الآخرة فطلب المطلوب فيها إتعاب النّفس وإهلاكها على العبث أو زعم غير المطلوب مطلوبا والأكثرون مبتلون بذلك ومطمئنّون بالمنام والخيال والّذي فيه شيء من الأصل وما يعطى رائحة من المطلوب في هذا الموطن الصّلاة ودونها خرط القتاد. (264) المكتوب الرّابع والسّتّون والمائتان إلى السّيّد باقر السّهارنفوريّ في بيان لزوم جرّ المعاملة نحو الحيرة والجهالة وعدم الإعتماد على الأحوال والكشوف وذكر واقعة بعض مشائخ النّواحي الّتي كان حكاها له وتعبيرها في ضمن ذلك الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد أورثت الصّحيفة الشّريفة الصّادرة عن فرط المحبّة وكمال الإشتياق فرحا وافرا وعليكم بالتّوجّه والإقبال على الأمر الّذي يقتضيه الحال والإشتغال بذكر اسم الذّات من غير ملاحظة الأسماء والصّفات حتّى تنجرّ المعاملة إلى الجهالة وينتهي الأمر إلى الحيرة فإنّ ملاحظة الأسماء والصّفات كثيرا ما تكون باعثة على ظهور الأحوال وواسطة للوجد والتّواجد ولعلّك سمعت أنّ احتمال الخطأ في الأحوال والمواجيد كثير واشتباه الحقّ بالباطل في ذلك الموطن وافر وقد أرسل واحد من مشائخ النّواحي قاصدا إلى هذا الفقير في هذه الأيّام مظهرا أحواله وقال: قد بلغ الفناء والإضمحلال مرتبة كلّ شيء نظرت إليه لا أجده أنظر إلى السّماء والأرض فلا أجدهما ولا أجد العرش ولا الكرسيّ وألا حظني فلا أجد أصلا وأذهب عند شخص فلا أجده والله سبحانه لا نهاية له وما وجد أحد نهايته وقد اعتقد المشائخ هذا الحال كمالا فإن كنت أنت أيضا تعتقد كذلك فلأيّ شيء أجيء عندك لطلب الحقّ جلّ وعلا وإن كنت تعرف أمرا كمالا غيره فاكتب لي كتابا فكتبت في جوابه أنّ هذه الأحوال من تلوينات القلب والقلب أوّل درجة من درجات هذا الطّريق وصاحب هذه الأحوال طوى ربعا واحدا من أحوال القلب وينبغي له أن يطوي ثلاثة أرباعه الباقية وبعد ذلك ينبغي أن يعرج إلى الدّرجة PageV01P338 الثّانية الّتي هي عبارة عن الرّوح ثمّ إلى ما شاء الله وبعد مدّة من هذه الكتابة قدم واحد من اصحاب الفقير وكان متوجّها إلى وطنه بعد أخذ الطّريقة ولمّا بيّن أحواله صار معلوما لي أنّ حاله موافق لحال ذلك الشّيخ المستفسر بل هو أسبق قدما منه ولمّا نظرت إلى حاله وأمعنت النّظر ظهر لي أنّ فناءه واضمحلاله في عنصر الهواء الّذي هو محيط لجميع ذرّة من الذّرّات وليس المشهود غير الهواء وقد زعمه إلها لا نهاية له تعالى الله سبحانه عن ذلك علوّا كبيرا ولمّا فتّشت عن أحواله مرّة ثانية أيقنت أنّ ابتلاءه ليس أمرا آخر غير الهواء فأطلعته أيضا على هذا المعنى ولمّا رجع هو إلى وجدانه علم أنّ حاصله ليس غير الهواء فاستغفر من هذه الأحوال ورفع قدمه فوق هذا الحال. (اعلم) أنّ القلب برزخ بين عالم الخلق الّذي هو عالم العناصر الأربعة وبين عالم الأرواح وفيه وصف ولون من كلا العالمين فكان نصف القلب من عالم الخلق ونصفه الآخر من عالم الأرواح فإذا نصّفنا نصفه النّاظر إلى عالم الخلق تقع المعاملة على عنصر الهواء فيكون ربع القلب عبارة عن مقام الهواء الّذي تضمّنه القلب فما ظهر ثانيا موافق للجواب الأوّل وبيان لكشف حقيقته. الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ ولم يسع الوقت زيادة على ذلك والسّلام عليكم وعلى من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها. (265) المكتوب الخامس والسّتّون والمائتان إلى الشّيخ عبد الهادي في التّحذير عن تضييع حقوق المسلمين بالعزلة وبيان الحقوق اللّازمة رعايتها وما يناسب ذلك بعد الحمد والصّلاة وتبليغ الدّعوات أنهي أنّ مكتوب الأخ الأرشد قد وصل فأورث فرحا وافرا لله سبحانه الحمد والمنّة على ما لم يؤثّر تمادي أيّام المفارقة في المحبّة والإخلاص والمودّة والإختصاص ومع ذلك لو أتى بنفسه لكان أنسب, الخير فيما صنعه الله سبحانه وقد تمنّى العزلة نعم إنّ العزلة منية الصّدّيقين ولك الخيار في العزلة والإنزواء ونرجو أن تكون مباركة ولكن ينبغي أن لا تضيع مراعات حقوق المسلمين قال النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " حقّ (1) المسلم على المسلم خمس ردّ السّلام وعيادة المريض واتّباع الجنائز وإجابة الدّعوة وتشميت العاطس " ولكن في إجابة الدّعوة شرائط في الإحياء (2) ويمتنع من الإجابة إن كان الطّعام طعام شبهة وفي الموضع منكر من فرش ديباج وأواني فضّة وتماثيل على سقف أو سماع شيء من المزامير والملاهي أو التّشاغل بنوع من اللهو واللّعب وكلّ ذلك ممّا يمنع الإجابة ويوجب تحريمها وكراهتها وكذلك إن كان الدّاعي ظالما أو مبتدعا أو فاسقا أو شريرا أو متكلّفا طالبا للمباهاة والفخر وفي شرعة الإسلام ولا يجيب إلى طعام صنع رياء وسمعة في المحيط لا PageV01P339 ينبغي أن يقعد على مائدة إذا كان عليها لعب وغناء أو قوم يغتابون أو يشربون الخمر كذا في مطالب المؤمنين فإن كانت هذه الموانع كلّها مفقودة لا بدّ حينئذ من الإجابة وإن كان فقدان هذه الموانع عسيرا في هذا الزّمان. (وأيضا) ينبغي أن يعلم أنّ العزلة إنّما تكون من الأغيار لا من الأحباب فإنّ الصّحبة مع محارم الأسرار سنّة مؤكّدة في هذه الطّريقة العليّة قال الخواجه النّقشبند قدّس سرّه: طريقنا طريق الصّحبة فإنّ في الخلوة شهرة وفي الشّهرة آفة والمراد بالصّحبة صحبة أهل الطّريق لا صحبة المنكرين والمخالفين لأنّهم اشترطوا نفي كلّ من المصاحبين نفسه وفناءه في الآخر وهذا لا يتيسّر بدون الموافقة. وعيادة المريض سنّة إن كان للمريض متعهّد وممرّض والّا فهى واجبة كما ذكر في حاشية المشكاة وينبغي أن يحضر صلاة الجنازة وأن يشيّع الجنازة ولو خطوات ليؤدّي حقّ الميّت. وحضور الجمع والجماعات في الأوقات الخمسة وصلاة العيدين من ضروريّات الإسلام لا بدّ منها ثمّ يصرف بقيّة الأوقات إلى ذكر المولى بالتّبتّل والانقطاع ولكن ينبغي أن يصحّح النّيّة أوّلا وأن لا يلوّث العزلة بلوث غرض من الأغراض العاجلة أصلا وأن لا يكون مقصد غير تحصيل جمعيّة الباطن بذكر الله جلّ سلطانه والإعراض عن الإشتغال بما لا طائل فيه وجميع الملاهي قطعا. وينبغي أن يحتاط في تصحيح النّيّة غاية الإحتياط لئلّا يختفي ويتكمّن في ضمنها غرض نفسانيّ وأن يلتجئ ويتضرّع إلى الله تعالى في هذا التّصحيح كثيرا وأن يكون في مقام العجز والإنكسار فحينئذ يحتمل أن تتحقّق حقيقة النّيّة والحاصل ينبغي أن يختار العزلة بنيّة صادقة صحيحة بعد تكرار الإستخارة سبع مرّات فيرجى حينئذ أن تترتّب عليه ثمرات عظيمة وبقيّة الأحوال أخّرنا خبرها إلى وقت الملاقاة والسّلام. (266) المكتوب السّادس والسّتّون والمائتان إلى المخدومين المكرّمين أعني ابني شيخه الخواجه عبد الله والخواجه عبيد الله في بيان بعض المسائل الكلاميّة على وفق آراء اهل السّنّة والجماعة وقد ظهرت له على طريق الكشف والإلهام لا على وجه الظّنون والأوهام والرّدّ على الفلاسفة وأتباعهم المتفلسفة وعلى الزّنادقة والملاحدة المتشبّهين بالصّوفيّة وبيان بعض المسائل المتعلّقة بالصّلاة ومدح الطّريقة النّقشبنديّة والمنع من سماع الغناء وحضور مجلس الرّقص وما يناسب ذلك بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليعلم المخاديم الكرام أنّ هذا الفقير مستغرق من القدم إلى الرّأس في إحسان والدكم الماجد حيث تعلّمت درس ألف با في هذا الطّريق منه وأخذت عنه سائر تهجّي حروف هذا الطّريق وحصلت ببركة صحبته دولة اندراج النّهاية في البداية وبصدق خدمته وجدت السّفر في الوطن وتوجّهه الشّريف بلّغ هذا الفقير عديم القابليّة إلى النّسبة النّقشبنديّة في مدّة شهرين ونصف PageV01P340 ومنحه الحضور الخاصّ بهؤلاء الأكابر وكيف أشرح أم كيف أبيّن تفصيل ما حصل في هذه المدّة القليلة من التّجلّيات والظّهورات والأنوار والألوان واللّالونيّة واللّاكيفيّة بتطفّله ولم يبق بتوجّهه الشّريف دقيقة من دقائق معارف التّوحيد والاتّحاد والقرب والإحاطة والسّريان غير منكشفة لهذا الفقير وغير مطّلع هو عليها وماذا يكون شهود الوحدة في الكثرة ومشاهدة الكثرة في الوحدة فإنّهما من مقدّمات هذه المعارف ومباديها وإجراء اسم هذه المعارف على اللّسان في جنب نسبة النّقشبنديّة والحضور الخاصّ بهؤلاء الأكابر وبيان علامة هذا الشّهود والمشاهدة كلّ ذلك من قصور النّظر. ومعاملة هؤلاء الأكابر عالية جدّا لا نسبة لها بكلّ زرّاق ورقّاص فإذا نلت مثل هذه الدّولة العظمى من حضرة شيخنا لا يمكن لي أداء حقّ شيء منها ولو مسحت رأسي مدّة عمري على أقدام خدّام عتبتكم العليّة فماذا أعرض عليكم من تقصيراتي وماذا أظهر لكم من انفعالاتي ولكن جزى الله سبحانه عنّا الخواجه حسام الدّين أحمد خير الجزاء حيث كفانا المؤنة وشدّ نطاق الهمّة في خدمة خدّام العتبة العليّة وخلّص أمثالنا القاصرين من ذلك، شعر: فلو أنّ لي في كلّ منبت شعرة ... لسانا يبثّ الشّكر كنت مقصّرا وقد تشرّفت بتقبيل عتبة شيخنا ثلاث مرّات وقال للفقير في المرّة الأخيرة: إنّه قد غلب الضّعف على بدني ورجاء الحياة قليل ينبغي لك الاستخبار عن أحوال الأطفال وأمر بإحضاركم لديه وكنتم وقتئذ في حجور المرضعات وأمر الفقير بالتّوجّه إليكم فتوجّهت إليكم في حضوره امتثالا لأمره حتّى ظهر أثر ذلك التّوجّه في الظّاهر ثمّ قال: توجّه إلى والداتهم أيضا بالتّوجّه الغائبيّ فتوجّهت إليهنّ أيضا حسب الأمر والمرجوّ أن يكون ذلك التّوجّه مثمرا للنّتائج ببركة حضوره الشّريف ولا تحسبنّ أنّه قد وقع الذّهول عن أمره الواجب الإمتثال أو طرأ التّغافل عن وصيّته اللّازمة الإجراء على كلّ حال كلّا بل انتظر الإشارة والإذن. وأردت الآن أن أكتب فقرات بطريق النّصيحة ينبغي استماعها بسمع العقل. (أسعدكم الله) سبحانه انّ أوّل ما افترض على العقلاء تصحيح العقائد بموجب آراء أهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم فإنّهم هم الفرقة النّاجية ولنبيّن بعض المسائل الإعتقاديّة الّتي فيها نوع خفاء. (يجب أن يعلم) أنّ الله تعالى موجود بذاته المقدّسة والأشياء كلّها موجودة بإيجاده تعالى وأنّه تعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله لا شركة لأحد معه تعالى في أمر من الأمور أصلا لا في الوجود ولا في غيره والمناسبة الإسميّة والمشاركة اللّفظيّة خارجة عن المبحث وصفاته وأفعاله تعالى منزّهة عن المثل والكيف كذاته تعالى لا مناسبة بينها وبين صفات الممكنات وأفعالها فإنّ صفة العلم مثلا له تعالى صفة قديمة بسيطة حقيقيّة لم يتطرّق إليها تعدّد وتكثّر أصلا ولو باعتبار تعدّد التّعلّقات لأنّ هناك انكشاف واحد بسيط انكشفت به المعلومات الأزليّة والأبديّة وعلم به جميع الأشياء بأحوالها المتناسبة والمتضادّة وكلّيّاتها PageV01P341 وجزئيّاتها مع الأوقات المخصوصة بكلّ واحد منها في آن واحد بسيط على وجه يعلم زيدا مثلا في ذلك الآن موجودا ومعدوما وجنينا وصبيّا وشابّا وشيخا وحيّا وميّتا وقائما وقاعدا ومستندا ومضطجعا وضاحكا وباكيا ومتلذّذا ومتألّما وعزيزا وذليلا وفي البرزخ وفي الحشر وفي الجنّة وفي التّلذّذات فيكون تعدّد التّعلّق أيضا مفقودا في ذلك الموطن فإنّ تعدّد التّعلّقات يستدعي تعدّد الآنات وتكثّر الأزمنة وليس ثمّة الّا آن واحد بسيط من الأزل إلى الأبد لا تعدّد فيه أصلا إذ لا يجري عليه تعالى زمان ولا تقدّم ولا تأخّر فإذا أثبتنا لعلمه تعالى تعلّقا بالمعلومات يكون ذلك تعلّق واحد ويصير به متعلّقا بجميع المعلومات وذلك التّعلّق أيضا مجهول الكيفيّة ومنزّه عن المثال والكيف كصفة العلم. (ولندفع) استبعاد هذا التّصوير بضرب مثل (وأقول) إنّه يجوز أن يعلم شخص الكلمة مع أقسامها المتباينة وأحوالها المتغايرة واعتباراتها المتضادّة في وقت واحد فيعلم الكلمة في ذلك الوقت اسما وفعلا وحرفا وثلاثيّا ورباعيّا ومعربا ومبنيّا ومتمكّنا وغير متمكّن ومنصرفا وغير منصرف ومعرفة ونكرة وماضيا ومستقبلا وأمرا ونهيا بل يجوز أن يقول ذلك الشّخص إنّي أرى هذه الأقسام والإعتبارات في مراتب الكلمة في وقت واحد بالتّفصيل فإذا كان جمع الأضداد متصوّرا في علم الممكن كيف يكون مستبعدا في علم الواجب ولله المثل الأعلى. (ينبغي) أن يعلم: أنّ هنا وإن كان جمع الضّدّين صورة ولكنّ الضّدّيّة مفقودة بينها في الحقيقة فإنّه تعالى وإن علم زيدا موجودا ومعدوما في آن واحد ولكنّه تعالى علم في ذلك الآن أنّ وقت وجوده مثلا بعد ألف سنة من الهجرة ووقت عدمه السّابق قبل تلك السّنة المعيّنة ووقت عدمه اللّاحق بعد ألف ومائة سنة فلا تضادّ بينهما في الحقيقة لتغاير الزّمان وعلى هذا القياس سائر الأحوال فافهم. (فاتّضح) من هذا التّحقيق أنّ علمه تعالى لا يتطرّق إليه شائبة التّغيّر بتعلّقه بالجزئيّات المتغيّرة ولا تتوهّم مظنّة الحدوث فيه كما زعمت الفلاسفة فإنّ التّغيّر إنّما يتصوّر على تقدير تعلّق علمه تعالى بواحد بعد الآخر وأمّا إذا تعلّق علمه تعالى بالكلّ في آن واحد فلا يتصوّر فيه التّغيّر والحدوث فلا حاجة حينئذ إلى إثبات تعلّقات متعدّدة له حتّى يكون التّغيّر والحدوث راجعا إلى تلك التّعلّقات لا إلى صفة العلم كما فعله بعض المتكلّمين لدفع شبهة الفلاسفة نعم إذا أثبتنا تعدّد التّعلّقات في جانب المعلومات فله مساغ وكذلك كلامه تعالى واحد بسيط وهو تعالى متكلّم بهذا الكلام الواحد من الأزل إلى الأبد فإن أمرا فناش من هناك وإن نهيا فناش أيضا من هناك وإن إعلاما فمأخوذ أيضا من هناك وإن استعلاما فمن هناك وإن تمنّيا فمستفادا من هناك وإن ترجّيا فمن هناك أيضا وجميع الكتب المنزّلة والصّحف المرسلة ورقة من ذلك الكلام البسيط فإن توراة فهي منتسخة منه وإن إنجيلا فمن هناك أخذ صورة الألفاظ وإن زبورا فمن هناك مسطور وإن قرآنا فمنزّل من هناك شعر: لكلام مولانا الإله واحد ... حقّا ولكنّ في النّزول تعدّدا PageV01P342 وكذلك فعله تعالى واحد وجميع المصنوعات موجودة بهذا الفعل الواحد وقوله تعالى (وما أَمْرُنا إِلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) إشارة إلى هذا المعنى والإحياء والإماتة مربوطان بهذا الفعل والإيلام والإنعام منوطان أيضا بهذا الفعل وكذلك الإيجاد والإعدام ناشئان من هذا الفعل فلا يثبت تعدّد التّعلّقات في فعله تعالى أيضا بل المخلوقات الماضية والآتية موجودة في أوقاتها المخصوصة بوجودها بتعلّق واحد وهذا التّعلّق أيضا مجهول الكيفيّة ومعدوم المثليّة كنفس فعله تعالى فإنّه لا سبيل إلى المنزّه عن الكيف للمكيّف بالكيفيّة لا يحمل عطاياه الّا مطاياه ولمّا لم يطّلع الأشعريّ على حقيقة فعل الحقّ جلّ سلطانه قال بحدوث التّكوين وحدوث أفعاله تعالى ولم يدر أنّ هذه الحادثات آثار فعله تعالى الأزليّ لا نفس أفعاله. ومن هذا القبيل ما أثبته بعض الصّوفيّة من تجلّي الأفعال حيث لم ير في ذلك الموطن في مرآة أفعال الممكنات غير فعل الفاعل الحقيقيّ جلّ سلطانه وذلك التّجلّي في الحقيقة تجلّي آثار فعل الحقّ سبحانه لا تجلّي فعله تعالى الّذي هو منزّه عن المثال والكيف وقديم وقائم بذاته تعالى ويقال له التّكوين لا تسعه مرايا المحدثات ولا ظهور له في مظاهر الممكنات شعر: در تنكناى صورت معنى ?كونه كنجد ... در كلبهء كدايان سلطان ?ه كار دارد وتجلّي الأفعال والصّفات بدون تجلّي الذّات غير متصوّر عند الفقير فإنّه لا انفكاك للأفعال والصّفات عن حضرة الذّات أصلا حتّى يتصوّر تجلّيها بدون تجلّي الذّات وما هو منفكّ عن الذّات تعالت وتقدّست ظلال الأفعال والصّفات فيكون تجلّي ذلك المنفكّ تجلّي ظلال الأفعال والصّفات لا تجلّي الأفعال والصّفات ولكن لا يدرك فهم كلّ أحد هذا الكمال ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ولنرجع إلى أصل الكلام ونقول: إنّه تعالى لا يحلّ في شيء ولا يحلّ فيه شيء ولكنّه تعالى محيط بالأشياء وله سبحانه قرب منها ومعيّة بها وليست تلك الإحاطة والقرب والمعيّة الّتي ندركها بأفهامنا القاصرة فإنّها لا تليق بجناب قدسه تعالى وكلّ شيء يدرك بالكشف والشّهود فهو تعالى منزّه عن ذلك أيضا، فإنّه لا نصيب للممكن من حقيقة ذاته، وصفاته وأفعاله تعالى غير الجهل والحيرة ينبغي الإيمان بالغيب ونفي ما يكون منكشفا ومشهودا بكلمة لا، شعر: هيهات عنقاء أن يصطاده أحد ... فدع عناك وكن من ذاك في دعة وبيت مثنويّ حضرة شيخنا مناسب لهذا المقام حيث قال (شعر): وذا إيوان الإستغناء عال ... فإيّاكم وطمعا في الوصال فنؤمن بأنّه تعالى محيط بالأشياء وقريب منها وأنّه معها ولكن لا نعرف معنى إحاطته وقربه ومعيّته " إنّه ما هو». والقول بالإحاطة والمعيّة العلميّين من تأويلات المتشابه ونحن لسنا بقائلين بتأويله وإنّه تعالى PageV01P343 لا يتّحد بشيء أصلا ولا يتّحد به شيء أصلا وما يفهم من عبارات بعض الصّوفيّة من معنى الإتّحاد فهو خلاف مرادهم لأنّ مرادهم بهذا الكلام الموهم للاتّحاد أعني قولهم إذا تمّ الفقر فهو الله هو أنّ الفقر إذا تمّ وحصل الإضمحلال الصّرف والطّمس المحض لا يبقى الّا الله سبحانه وتعالى لا أنّ ذلك الفقير يتّحد بالله ويصير إلها فإنّه كفر وزندقة تعالى الله سبحانه عمّا يتوهّم الظّالمون علوّا كبيرا. (قال) حضرة شيخنا قدّس سرّه: ليس معنى عبارة أنا الحقّ بأنّي حقّ بل معناه أنا معدوم والموجود هو الحقّ سبحانه ولا سبيل للتّغيّر والتّبدّل إلى ذاته وصفاته وأفعاله تعالى فسبحان من لا يتغيّر بذاته ولا بصفاته ولا بأفعاله بحدوث الأكوان وما أثبته الصّوفيّة الوجوديّة من التّنزّلات الخمسة فليس هي من قبيل التّبدّل والتّغيّر في مرتبة الوجوب فإنّ القول به وإثباته كفر وضلالة بل اعتبروا هذه التّنزّلات في مراتب ظهورات كماله تعالى من غير أن يتطرّق إلى ذاته وصفاته وأفعاله تغيّر وتبدّل. وانّه تعالى غنيّ مطلق لا يحتاج إلى شيء أصلا لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله في أمر من الامور فكما أنّه تعالى غير محتاج في الوجود كذلك هو غير محتاج في الظّهور وما يفهم من عبارات بعض الصّوفيّة من أنّه تعالى محتاج في الوجود كذلك هو غير محتاج في الظّهور وما يفهم من عبارات بعض الصّوفيّة من أنّه تعالى محتاج إلينا (1) في ظهور كمالاته الأسمائيّة والصّفاتيّة هذا الكلام ثقيل على الفقير جدّا واعتقادي أنّ المقصود من خلق الخلائق وإيجاد الموجودات حصول الكمالات لهم لا حصول كمال عائد إلى جناب قدسه تعالى وتقدّس. وقوله تعالى (وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ) أي ليعرفون، مؤيّد لهذا المعنى فالمقصود من خلق الجنّ والإنس حصول المعرفة لهم الّتي هي كمالهم لا أمر يكون عائدا إلى جناب قدس الحقّ سبحانه وما ورد في الحديث القدسيّ من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فخلقت (2) الخلق لأعرف " فالمراد هنا أيضا معرفتهم لا أنّه يكون الحقّ سبحانه معروفا ويحصل له الكمال بمعرفتهم إيّاه تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. وإنّه تعالى منزّه ومبرّأ عن جميع صفات النّقص وسمات الحدوث وليس بجسم ولا جسمانيّ ولا مكانيّ ولا زمانيّ وله تعالى جميع صفات الكمال ثمانية منها وجودها زائد على وجود الذّات تعالت وتقدّست وهي الحيات والعلم والقدرة والإرادة والبصر والسّمع والكلام والتّكوين وهذه الصّفات الثّمان موجودة في الخارج لا إنّها موجودة في العلم بوجود زائد على وجود الذّات وفي الخارج عينها كما ظنّه بعض الصّوفيّة وقال:، (شعر): PageV01P344 وصفات حقّ في التّعقّل غير ذا ... ت الحقّ لكن في التّحقّق عينها فإنّ هذا في الحقيقة نفي الصّفات فإنّ نفاة الصّفات مثل المعتزلة والفلاسفة أيضا قائلون بالتّغاير العلميّ والإتّحاد الخارجيّ ولم ينكروا التّغاير العلميّ ولم يقولوا إنّ مفهوم العلم عين مفهوم الذّات أو عين مفهوم القدرة والإرادة بل قالوا بالعينيّة باعتبار الوجود الخارجيّ فما لم يعتبروا تغاير الوجود الخارجيّ لا يخرجون من زمرة نفاة الصّفات والقول بالتّغاير الاعتباريّ أعني بحسب المفهوم والتّعقّل لا يجديهم نفعا كما عرفت. وإنّه تعالى قديم أزليّ ليس لغيره تعالى قدم ولا أزليّة أجمع جميع المليّين على هذا الحكم فمن قال بقدم غير الحقّ سبحانه وأزليّته فقد كفر ومن هذه الحيثيّة كفّر الإمام الغزاليّ رحمة الله ابن سينا والفارابيّ وغيرهما فإنّهم قائلون بقدم العقول والنّفوس وقدم الهيولى والصّورة وقال أيضا بقدم السّموات بما فيها وقال حضرة شيخنا قدّس سرّه: إنّ الشّيخ محيي الدّين ابن عربيّ قائل بقدم أرواح الكمّل فينبغي صرف هذا الكلام عن ظاهره وأن يجعله محمولا على التّأويل لئلّا يكون مخالفا لإجماع أهل الملل. وإنّه تعالى قادر مختار منزّه عن شائبة الإيجاب ومبرّأ عن مظنّة الإضطرار، والفلاسفة الحمقاء نفوا الاختيار من الواجب تعالى وأثبتوا الإيجاب له سبحانه زعما منهم أنّ الكمال في الإيجاب وهؤلاء السّفهاء قد جعلوا الواجب تعالى معطّلا ومهملا ولم يقولوا بصدور غير مصنوع واحد عن خالق السّموات والأرض وهو أيضا صادر عندهم بالإيجاب ونسبوا وجود المحدثات إلى العقل الفعّال الّذي لم يثبت وجوده في غير توهّمهم ولا شغل لهم ولا تعلّق بالحقّ سبحانه وتعالى في زعمهم الفاسد أصلا فيلزمهم بالضّرورة أن يلتجئوا وقت الإضطرار إلى العقل الفعّال وأن لا يرجعوا إلى الحقّ سبحانه وتعالى أصلا فإنّه لا مدخل له تعالى في وجود الحوادث على زعمهم بل القائم بإيجاد الحوادث هو العقل الفعّال بل ينبغي أن لا يرجعوا إلى العقل الفعّال (وأيضا) لأنّه لا اختيار له أيضا في دفع بليّاتهم بزعمهم وهؤلاء الأشقياء أسبق قدما في الخبط والبلاهة من جميع الفرق الضّالّة فإنّ الكفّار يلتجئون إلى الله تعالى ويطلبون منه دفع البليّة بخلاف هؤلاء السّفهاء وفيهم شيئان زائدان على ما في الفرق الضّالّة أرباب البلاهة أحدهما كفرهم بالأحكام المنزّلة وإنكارهم عليها ومعاندتهم ومعاداتهم للأخبار المرسلة وثانيهما ترتيب المقدّمات الفاسدة وتلبيس الدّلائل والشّواهد الباطلة في إثبات مقاصدهم ومطالبهم الواهية والخبط الّذي صدر عنهم في إثبات مقاصدهم لم يصدر من سفيه أصلا حيث جعلوا مدار الأمر على حركات السّموات والكواكب وأوضاعها مع أنّها متحيّرات ومضطربات في جميع الأوقات وغمّضوا عيونهم عن خالق السّموات وموجد الكواكب ومحرّكها ومدبّر أمورهم واستبعدوا إسناد الحوادث إليه تعالى بالذّات وأبوا عنه ما أبعدهم عن العقل ما أخذلهم وما أحرمهم من السّعادة وأشدّ منهم سفها وأكثر حماقة من يزعمهم أذكياء وأرباب فطانة ومن علومهم المنتظمة علم الهندسة وهو لا يغني شيئا ولا طائل فيه أصلا في أيّ شيء يلزم وماذا PageV01P345 يفيد مساوات الزّوايا الثّلاث القائمة من الشّكل المثلّث وأيّ غرض مربوط بالشّكل العروسيّ والشّكل المأمونيّ اللّذين هما بمثابة أرواحهم، وعلم الطّبّ وعلم النّجوم وعلم تهذيب الأخلاق الّتي هي أشرف علومهم كلّ منها مسروق من كتب الأنبياء المتقدّمين على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام روّجوا بها أباطيلهم كما صرّح به الإمام الغزاليّ في المنقذ عن الضّلال ولا ضرر أنّ غلط أهل الملّة واتباع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام في الدّلائل والبراهين لأنّ مدار أمرهم على متابعة الأنبياء عليهم السّلام وإنّما يوردون البراهين والدّلائل في إثبات مطالبهم العالية على سبيل التّبرّع والّا يكفيهم تقليدهم إيّاهم وهؤلاء الأشقياء أخرجوا رقابهم عن ربقة التّقليد وصاروا في صدد الإثبات بالدّلائل فضّلوا وأضلّوا. ولمّا وصلت دعوة عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام إلى أفلاطون وكان هو أكبر هؤلاء الخذلة قال نحن قوم مهديّون (1) لا حاجة بنا إلى من يهدينا ما أسفهه وما أشقاه حيث أدرك شخصا يحيي الأموات ويبرّئ الأكمه والأبرص كلّ ذلك خارج عن طور حكمتهم ومع ذلك أجابه بهذا الجواب من غير رؤيته وتفطّن أحواله وملاحظة سيرته وذلك من كمال العناد والسّفاهة، شعر الفلسفة سفة أكثرها وكذا ... مجموعها إذ لكلّ حكم أكثره نجّانا الله سبحانه عن ظلمات معتقداتهم السّوء وقد أتمّ ولدي محمّد معصوم مبحث الجواهر من شرح المواقف في هذه الأيّام واتّضح قبائح هؤلاء السّفهاء في أثناء درسه وترتّبت على ذلك فوائد، الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ. وعبارات الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ قدّس سرّه أيضا ناظرة إلى الإيجاب وله موافقة للفلاسفة في معنى القدرة حيث لا يجوّز صحّة التّرك للقادر المختار بل يعتقد لزوم جانب الفعل والعجب أنّ الشّيخ يرى في النّظر يعني نظر الكشف من المقبولين، وأكثر علومه الّتي تخالف آراء أهل الحقّ تظهر خطأ غير صواب ولعلّه كان معذورا في الخطأ الكشفيّ وارتفعت عنه الملامة عليه مثل الخطأ الإجتهاديّ وهذا اعتقاد خاصّ بالفقير في حقّ الشّيخ اعتقده من المقبولين وأرى علومه المخالفة خطأ ومضرّة. وقوم من هذه الطّائفة يطعنون في الشّيخ يخطّئونه في جميع علومه، وجماعة أخرى من هذه الطّائفة يختارون تقليد الشّيخ ويعتقدون أنّه مصيب في جميع علومه ويثبتون حقّيّتها بالدّلائل والشّواهد ولا شكّ أنّ كلا هذين الفريقين اختاروا جانب التّفريط والإفراط في حقّه وفارقوا توسّط الأحوال وبعدوا عنه كيف يردّ الشّيخ الّذي هو من الأولياء المقبولين بسبب الخطأ الكشفيّ وكيف تقبل علومه البعيدة عن الصّواب المخالفة لآراء أهل الحقّ بمحض التّقليد فالحقّ هو التّوسّط الّذي وفّقني الله سبحانه له بمنّه وكرمه نعم إنّ الجمّ الغفير من هذه الطّائفة PageV01P346 مشاركون للشّيخ في مسألة وحدة الوجود وإن كان للشّيخ في هذه المسألة طرز خاصّ أيضا ولكنّهم يشاركونه في أصل الكلام وهذه المسألة وإن كانت أيضا مخالفة لمعتقدات أهل الحقّ ولكنّها قابلة للتّوجيه وصالحة للجمع بها وقد طبّق هذا الفقير بعناية الله تعالى في شرح رباعيّات حضرة شيخنا هذه المسألة على معتقدات أهل الحقّ وجمع بينهما وأعاد نزاع الفريقين إلى اللّفظ وحلّ شكوك الطّرفين وشبهاتهما على نهج لم يبق فيها محلّ ريب واشتباه أصلا كما لا يخفى على النّاظر فيه. (ينبغي) أن يعلم أنّ الممكنات بأسرها جواهرها وأعراضها وأجسامها وعقولها ونفوسها وأفلاكها وعناصرها مستندة إلى إيجاد القادر المختار الّذي أخرجها من كتم العدم إلى عرصة الوجود وكما أنّها محتاجة إليه تعالى في الوجود كذلك هي محتاجة إليه سبحانه في البقاء أيضا. وإنّما جعل الله سبحانه وجود الأسباب والوسائط نقابا لوجه فعله وجعل الحكمة قبابا لقدرته لا بل جعل الأسباب دلائل لثبوت فعله والحكمة وسيلة إلى وجود قدرته فإنّ أرباب الفطانة الّذين بصائرهم مكتحلة بكحل متابعة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام يعلمون أنّ الأسباب والوسائل الّتي هي محتاجة في الوجود إليه تعالى ولها ثبوت وقيام منه ومعه تعالى وتقدّس في الحقيقة جمادات محضة كيف تؤثّر في شيء آخر مثلها وتحدّثه وتخترعه بل وراء تلك الأسباب قادر يوجد ذلك الشّيء ويعطيه الكمالات اللّائقة به ألا ترى أنّ العقلاء إذا رأوا فعلا من جماد محض مثلا ينتقل منه ذهنهم إلى فاعله ومحرّكه لأنّهم يعلمون يقينا أنّ هذا الفعل ليس في حوصلة حاله بل وراءه فاعل موجد لهذا الفعل فلم يكن فعل الجماد عند العقلاء نقابا لوجه فعل الفاعل الحقيقيّ بل كان ذلك الفعل نظرا إلى جماديّة مصدره دليلا على وجود الفاعل الحقيقيّ فكذا هذا. نعم إنّ فعل الجماد نقاب لوجه فعل الفاعل الحقيقيّ في نظر الأبله حيث يزعم الجماد المحض من كمال غباوته بواسطة صدور ذلك الفعل عنه صاحب قدرة ويكفر بالفاعل الحقيقيّ يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا وهذه المعرفة مقتبسة من مشكاة النّبوّة لا يدركها فهم كلّ أحد ولهذا ترى طائفة يعتقدون الكمال في رفع الأسباب ودفعها وينسبون الأشياء إلى الحقّ سبحانه ابتداء من غير توسّط الأسباب ولا يدرون أنّ رفع الأسباب رفع الحكمة الّتي في ضمنها مصالح لا تحصى ربّنا ما خلقت هذا باطلا كيف والأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام كانوا يراعون الأسباب ومع تلك المراعاة كانوا يفوّضون أمورهم إلى الحقّ سبحانه وتعالى كما قال يعقوب على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وصيّة لبنيه ملاحظا لإصابة العين (يا بنيّ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرّقة) الآية. ومع وجود هذه المراعاة قال تفويضا أمره إلى الله تعالى (وما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلّا لله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) واستصوب سبحانه هذه المعرفة منه واستحسنها ونسبها إلى نفسه حيث قال بعد ذلك (وإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ) الآية. وأشار الحقّ سبحانه في القرآن المجيد فيما خاطب PageV01P347 به نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم إلى توسّط الأسباب وقال (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ الله ومَنِ (1) اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). (بقي) الكلام في تأثير الأسباب ويجوز أن يخلق الله سبحانه في بعض الأوقات تأثيرا في الأسباب فتكون مؤثّرة ويجوز أن لا يخلق التّأثير فيها في بعض الأوقات فلا يترتّب عليها أثر أصلا بالضّرورة كما أنّا نشاهد هذا المعنى فإنّ بعض الأسباب يترتّب عليها وجود المسبّبات أحيانا وفي بعض الأوقات لا يظهر منها أثر ما أصلا فالإنكار على تأثير الأسباب مطلقا مكابرة ينبغي أن يقول بالتّأثير وينبغي أن يعتقد أنّ وجود ذلك التّأثير كوجود نفس السّبب بإيجاد الله سبحانه هذا هو رأي الفقير في هذه المسألة والله سبحانه أعلم. (فلاح) من هذا البيان أنّ التّمسّك بالأسباب ليس بمناف للتّوكّل كما ظنّ النّاقصون بل في التّمسّك بالأسباب كمال التّوكّل فإنّ يعقوب عليه السّلام أطلق التّوكّل على مراعاة الأسباب مع تفويض الأمر إلى الحقّ جلّ وعلا حيث قال: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ. وأنّه تعالى مريد الخير والشّرّ وخالق كلّ منهما ولكنّه راض بالخير وغير راض بالشّرّ وبين الرّضا والإرادة فرق دقيق هدى الله سبحانه أهل السّنّة إلى هذا الفرق وبقي سائر الفرق في الضّلالة لعدم اهتدائهم إلى هذا الفرق ومن ههنا قالت المعتزلة: إنّ العبد خالق لأفعاله ونسبوا إيجاد الكفر والمعاصي إليه ويفهم من كلام الشّيخ محيي الدّين واتباعه أنّ الإيمان مرضيّ الإسم الهادي وكذا الأعمال الصّالحة والكفر مرضيّ الإسم المضلّ وكذا المعاصي. وهذا الكلام أيضا مخالف لما عليه أهل الحقّ وفيه ميل إلى الإيجاب لكونه منشأ للرّضا كما يقال: الإشراق مرضيّ الشّمس يعني لازمها. (وقد أعطى) الحقّ سبحانه عباده قدرة وإرادة يكتسبون بهما الأفعال باختيارهم فخلق الأفعال منسوب إلى الله سبحانه وكسبها إلى العباد وعادة الله سبحانه جارية على أنّ العبد إذا قصد فعل شيء من أفعاله وتشبّث بأسبابه يتعلّق بذلك الفعل خلقه سبحانه وتعالى فإذا كان صدور الفعل من العبد بقصده واختياره يكون متعلّق المدح والذّمّ والثّواب والعقاب بالضّرورة وما قيل إنّ اختيار العبد ضعيف فإن كان المراد به أنّه ضعيف بالنّسبة إلى إرادة الله تعالى فمسلّم وإن كان أنّه غير كاف في أداء الفعل المأمور به فغير صحيح فإنّ الله سبحانه لا يكلّف العبد بما ليس في وسعه بل يريد اليسر ولا يريد العسر غاية ما في الباب أنّ حكمة الجزاء المخلّد على الفعل الموقّت مفوّضة إلى تقدير الحقّ وعلمه تعالى وقد قال في حقّ الجزاء المخلّد على الكفر الموقّت (جزاء وفاقا) وجعل التّلذّذات الدّائمة مسبّبة من الإيمان الموقّت ومترتّبة عليه ذلك تقدير العزيز العليم ولكن نعرف بتوفيق الله سبحانه أنّ PageV01P348 اختيار الكفر بالنّسبة إلى الحقّ سبحانه وتعالى الّذي هو مولى النّعم الظّاهرة والباطنة وموجد السّموات والأرض وما من عظمة وكمال الّا هو ثابت له تعالى يقتضي أن يكون جزاء ذلك الكفر من أشدّ العقوبات وهو الخلود في عذاب النّار وكذلك الإيمان بالغيب بمثل هذا المنعم العظيم الشّأن وتصديقه مع وجود مزاحمة النّفس والشّيطان وممانعة سائر الأكوان يستدعي أن يكون جزاؤه من أفضل الجزاء وهو الخلود في التّنعّمات والتّلذّذات في الجنان. قال بعض المشائخ: إنّ دخول الجنّة مربوط في الحقيقة بفضل الحقّ سبحانه وإنّما جعل منوطا بالإيمان بناء على أنّ كلّما يكون جزاء الأعمال يكون ألذّ وعند الفقير أنّ دخول الجنّة في الحقيقة مربوط بالإيمان ولكنّ الإيمان فضل من المنّان وعطيّة من ذي الجود والإحسان ودخول النّار مربوط بالكفر والكفر ناش من هوى النّفس والطّغيان ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك. (ينبغي أن يعلم) أنّ جعل دخول الجنّة مربوطا بالإيمان في الحقيقة تعظيم الإيمان بل تعظيم المؤمن به حيث ترتّب عليه مثل هذا الأجر العظيم القدر وكذلك جعل دخول النّار مربوطا بالكفر تحقير للكفر وتنقيص لمن وقع هذا الكفر بالنّسبة إليه (فترتّب) مثل هذه العقوبة الدّائمة عليه بخلاف ما قال به بعض المشائخ فإنّه خال عن هذه الدّقيقة وأيضا إنّ هذا الوجه لا يتمشّى في دخول النّار الّذي هو عديله فإنّ دخول النّار في الحقيقة مربوط بالكفر والله سبحانه الملهم للصّواب هذا (ويرى) المؤمنون الحقّ سبحانه في الآخرة في الجنّة من غير جهة ولا كيف ولا شبه ولا مثال وأنكر على ذلك جميع الفرق مليّهم وغير مليّهم خلا أهل السّنّة فإنّهم لا يجوّزون الرّؤية بلا جهة ولا كيف حتّى إنّ نسخ الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ تنزّل الرّؤية الاخرويّة إلى التّجلّي الصّوريّ ولا يجوّز غير التّجلّي. نقل حضرة شيخنا يوما عن الشّيخ أنّه قال: إنّ المعتزلة لو لم يقيّدوا الرّؤية بمرتبة التّنزيه وقالوا بالتّشبيه أيضا وتصوّروا الرّؤية عين هذا التّجلّي لما أنكروا الرّؤية أصلا ولما استحالوها يعني أنّ إنكارهم عليها إنّما هو من حيثيّة كونها بلا جهة ولا كيف ممّا هو مخصوص بمرتبة التّنزيه بخلاف هذا التّجلّي فإنّ الجهة والكيف ملحوظان فيه. (لا يخفى) أنّ تنزيل الرّؤية الاخرويّة إلى التّجلّي الصّوريّ إنكار عليها في الحقيقة فإنّ ذلك التّجلّي الصّوريّ وإن كان مغايرا للتّجلّيات الصّوريّة الدّنيويّة ليس هو رؤية الحقّ تعالى، (نظم): يراه المؤمنون بغير كيف ... وإدراك وضرب من مثال وبعثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام رحمة للعالمين فلو لم تكن وساطة هؤلاء الكبراء من كان يدلّنا على معرفة ذات واجب الوجود وصفاته؟ ومن كان يميّز لنا مرضيّات مولانا جلّ شأنه عن غير مرضيّاته؟ فإنّ عقولنا النّاقصة بمعزل عن هذا المعنى بدون تأييد نور دعوتهم وأفهامنا القاصرة مخبولة في هذه PageV01P349 المعاملة من غير تقليد هؤلاء الأكابر نعم إنّ العقل وإن كان حجّة ولكنّه غير تامّ في الحجّيّة وغير بالغ مرتبة البلوغ والحجّة البالغة إنّما هي بعثة الأنبياء عليهم السّلام والعذاب والثّواب الاخرويّان منوطان بها. فإن قيل: إذا كان العذاب الدّائميّ الاخرويّ منوطا بالبعثة فبأيّ معنى تكون البعثة رحمة للعالمين؟ (أجيب) أنّ البعثة عين الرّحمة لأنّها سبب لمعرفة ذات واجب الوجود وصفاته تعالى وتقدّس وهي متضمنّة لسعادة دنيويّة وأخرويّة وبدولة البعثة امتاز ما هو اللّائق بجناب قدسه تعالى عمّا هو غير لائق به فإنّ عقولنا العرجى العميى الّتي هي متّسمة بسمة الإمكان والحدوث كيف تعرف وكيف تدرك ما هو مناسب لحضرة الوجوب الّذي من لوازمه القدم من الأسماء والصّفات وما لا يناسبه منها حتّى يطلق عليه ذاك ويجتنب من هذا بل هو كثيرا ما يزعم من نقصه الكمال نقصانا والنّقص كمالا وهذا التّمييز عند الفقير فوق جميع النّعم الظّاهرة والباطنة وأشدّ المحرومين من السّعادة من ينسب إلى جناب قدسه تعالى أمورا غير مناسبة وأشياء غير لائقة به تعالى والّذي ميّز الحقّ عن الباطل هو البعثة والّذي فرّق بين المستحقّ للعبادة وبين غير المستحقّ لها هو البعثة وبواسطتها يدعي العباد إلى طريق الحقّ جلّ وعلا وبها يصلون إلى سعادة قرب المولى ووصله جلّ سلطانه وبسبب البعثة يتيسّر الإطّلاع على مرضيّات المولى جلّ شأنه كما مرّ وبها يتميّز جواز التّصرّف في ملكه تعالى عن عدم جوازه وأمثال هذه الفوائد في البعثة كثيرة فتقرّر أنّ البعثة رحمة ومن كان منقادا للنّفس وأنكر البعثة تبعا لحكم الشّيطان اللّعين ولم يعمل بمقتضى حكم البعثة فما ذنب البعثة فيه وكيف لا تكون البعثة رحمة بسبب خذلانه. فإن قيل: سلّمنا أنّ العقل ناقص غير تامّ في حدّ ذاته في حقّ معرفة الأحكام الإلهيّة جلّ شأنه ولكن لم لا يجوز أن يحصل للعقل بعد حصول التّصفية والتّزكية له مناسبة واتّصال بلا كيف بمرتبة الوجوب تعالت وتقدّست فيأخذ الأحكام من هناك بتلك المناسبة والإتّصال فلا يحتاج حينئذ إلى البعثة الّتي هي بواسطة الملك. (أجيب) أنّ العقل وإن حصل له تلك المناسبة والإتّصال ولكن لا يزول عنه التّعلّق بهذا الجسم الهيولانيّ بالكلّيّة ولا يحصل له التّجرّد التّامّ فتكون القوّة الوهميّة في عقبه دائما ولا تترك القوّة المتخيّلة ذيل خياله أصلا وتكون القوّة الغضبيّة والشّهويّة مصاحبتين له في جميع الأزمان وتكون رذيلة الحرص والشّره نديميه في كلّ أوان ولا ينفكّ عنه السّهو والنّسيان اللّذان هما من لوازم نوع الإنسان دائما ولا يفارقه الخطأ والغلط اللّذان هما من خواصّ هذه النّشأة أبدا فلا يكون العقل إذا حقيقا وحريّا بالإعتماد ولا تكون الأحكام المأخوذة بواسطته مصونة من سلطان الوهم وتصرّف الخيال ولا محفوظة من شائبة الخطأ ومظنّة النّسيان بخلاف الملك فإنّه منزّه عن هذه الأوصاف مبرّأ عن هذه الرّذائل فيكون مستحقا للاعتماد وتكون الأحكام المتلقّاة منه مصونة من شائبة الوهم والخيال ومظنّة الخطأ والنّسيان وقد يحسّ في بعض الأوقات أنّ الأحكام المأخوذة بلقاء الرّوحانيّين والمعارف المتلقّاة منهم ينضمّ إليها في أثناء تبليغها بالقوى PageV01P350 والحواسّ بعض المقدّمات المسلّمة غير الصّادقة الحاصلة من طريق الوهم والخيال أو غيرهما بلا اختيار بحيث لا يمكن تمييزها في ذلك الوقت عن تلك الأحكام وربّما يحصل ذلك التّمييز في وقت آخر وربّما لا يحصل فلا جرم يعرض لهذه العلوم بواسطة مخالطة تلك المقدّمات هيئة الكذب فتخرج به عن أن تكون معتمدا عليها. (أو نقول) إنّ حصول التّزكية والتّصفية منوط بإتيان الأعمال الصّالحة الّتي هي مرضيّات الحقّ سبحانه وتعالى ومعرفة ذلك موقوفة على البعثة كما مرّ فلا يتيسّر حصول حقيقة التّصفية والتّزكية بدون البعثة والصّفاء الحاصل للكفّار والفسّاق هو صفاء النّفس لا صفاء القلب وصفاء النّفس لا يزيد شيئا غير الضّلالة ولا يورث شيئا غير الخسارة وكشف بعض الامور الغيبيّة الّذي يحصل للكفّار والفسّاق وقت صفاء نفوسهم استدراج في حقّهم يقصد به هلاكهم وخسارتهم نجّانا الله سبحانه من هذه البليّة بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلاة والسّلام. (واتّضح) من هذا التّحقيق أنّ التّكاليف الشّرعيّة الثّابتة من طريق البعثة أيضا رحمة لا كما زعمه المنكرون عليها من الملاحدة والزّنادقة من اعتقادها كلفة وغير معقولة حتّى قالوا: أيّ شفقة في تكليف العباد بأمور شاقّة ثمّ يقال لهم: من عمل بمقتضى هذا التّكليف يدخل الجنّة ومن ارتكب خلافه يدخل النّار كيف لا يكلّفون بل يتركون يأكلون وينامون ويمشون على طور عقولهم ومقتضى طبائعهم أما يعلم هؤلاء الخبثاء الخائبون أنّ شكر المنعم واجب عقلا وهذه التّكليفات الشّرعيّة بيان كيفيّة أداء ذلك الشّكر فيكون التّكليف واجبا بالعقل وأيضا إنّ نظام هذا العالم وانتظام أمره منوط بهذا التّكليف فإنّه إذا ترك كلّ أحد على طوره وخلّى على طبعه لا يظهر فيه غير الشّرّ والفساد ويعتدي كلّ مهوّس على نفس الآخر وماله ويتغلّب عليه بالخبث والفساد فيضيّع نفسه عند عدم الزّواجر الشّرعيّة وموانعها ويضيّع غيره عياذا بالله سبحانه وتعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب، شعر: لو لا الأمير الّذي نخشى بوادره ... لقاءت الزّنج في بحبوحة الحرم (أو نقول) إنّ الله تعالى مالك على الإطلاق والعباد كلّهم مماليكه سبحانه فكلّ حكم وتصرّف يجريه عليهم فهو عين الخير والصّلاح لهم وهو منزّه ومبرّأ عن شائبة الظّلم والفساد في ذلك لا يسأل عمّا يفعل (شعر): من ذا الّذي في فعله يتكلّم ... دون الرّضا يا صاح والتّسليم فإن أدخل الجميع إلى النّار وعذّبهم بالعذاب الأبديّ فليس ذلك منه بمحلّ الإعتراض وليس تصرّفا في ملك الغير حتّى تكون فيه شائبة الجور بخلاف تصرّفنا في أملاكنا الّتي كلّها أملاكه تعالى في الحقيقة. وجميع التّصرّفات منّا فيها عين الظّلم فإنّ صاحب الشّرع إنّما نسب هذه الأملاك إلينا بسبب PageV01P351 بعض المصالح والّا فهي في الحقيقة أملاكه تعالى فجواز تصرّفنا فيها مقصور على القدر الّذي جوّزه لنا المالك على الإطلاق وأباحه. (وجميع) ما أخبر به هؤلاء الأكابر عليهم الصّلاة والسّلام باعلام الحقّ جلّ وعلا وما بيّنوا من الأحكام كلّها صادقة ومطابقة للواقع وإن جوّز العلماء الخطأ في أحكامهم الإجتهاديّة ولكنّهم لم يجوّزوا تقريرهم على الخطأ بل قالوا: إنّهم ينبّهون عليه بلا تأخير فيتدار كونه بالصّواب فلا اعتداد بذلك الخطأ. (وعذاب القبر) للكافرين ولبعض عصاة المؤمنين حقّ قد أخبر به المخبر الصّادق (وسؤال منكر ونكير) للمؤمنين والكافرين في القبر أيضا حقّ والقبر برزخ بين الدّنيا والآخرة وعذابه أيضا من وجه مناسب لعذاب الدّنيا فيقبل الإنقطاع ومن وجه مناسب لعذاب الآخرة بل هو من عذاب الآخرة في الحقيقة وقوله تعالى (النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا) نزل في عذاب القبر وكذلك راحة القبر لها جهتان والسّعيد من يغفر زلّاته ومعاصيه بكمال الكرم والرّأفة ولا يؤاخذ فإن يؤاخذ إنّما يؤاخذ بآلام الدّنيا ومحنها ويكون ذلك كفّارة لذنوبه من كمال الرّحمة فإن بقيت منها بقيّة تكفّر بضطغة القبر والمحن المهيّأة لذلك الموطن حتّى يبعث في المحشر طاهرا ومطهّرا ومن لم يعامل به هذه المعاملة بل أخّرت مؤاخذته إلى الآخرة فهو عين العدل ولكن ويل للعاصين والخاطئين وأمّا من كان من أهل الإسلام فمآله إلى الرّحمة ومحفوظ من العذاب الأبديّ وذلك أيضا نعمة عظيمة ربّنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنّك على كلّ شيء قدير بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلاة والسّلام. (ويوم القيامة) حقّ وتكون السّموات والكواكب والأرض والجبال والبحار والحيوانات والنّباتات والمعادن معدومة ومتلاشية ويومئذ تنشقّ السّموات وتنتثر الكواكب ويكون الأرض والجبال هباء منثورا وهذا الإعدام والإفناء يتعلّق بالنّفخة الاولى وبالنّفخة الثّانية يقوم الخلائق من قبورهم ويذهبون إلى المحشر. والفلاسفة لا يجوّزون إعدام السّموات والكواكب والفناء والفساد لها ويقولون بأزليّتها وأبديّتها ومع ذلك يجعل المتأخّرون منهم أنفسهم من زمرة أهل الإسلام ويأتون ببعض أحكام الإسلام يعني يعملون بها والعجب من بعض أهل الإسلام أنّه كيف يصدّق منهم هذا المعنى ويعتقدهم مسلمين من غير تحاش. وأعجب من ذلك أنّ بعض المسلمين يعتقد إسلام بعض من هذه الجماعة كاملا ويظنّ طعنهم وتشنيعهم منكرا والحال أنّهم منكرون على النّصوص القطعيّة وإجماع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام قال الله تعالى (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وإِذَا النُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ) وقال تعالى (إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ وأَذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ) وقال تعالى (وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا) أي شقّت وأمثال ذلك في القرآن كثيرة أولا يعلمون أنّ مجرّد التّفوّه بكلمة الشّهادة غير كاف في الإسلام بل لا بدّ من تصديق جميع ما علم مجيئه من الدّين بالضّرورة والتّبرّي من الكفر ولوازمه أيضا حتّى يتصوّر الإسلام وبدونه خرط القتاد. (والصّراط) حقّ PageV01P352 والميزان حقّ والحساب حقّ قد أخبر بكلّ منها المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. واستبعاد بعض الجاهلين بطور النّبوّة وجود هذه الامور ساقط عن حيّز الإعتبار فإنّ طور النّبوّة وراء طور العقل وتطبيق جميع أخبار الأنبياء الصّادقة على نظر العقل والتّوفيق بينهما إنكار في الحقيقة على طور النّبوّة والمعاملة هناك إنّما هي بالتّقليد ألم يعلموا أنّ طور النّبوّة مخالف لطور العقل بل لا يقدر العقل أن يهتدي إلى تلك المطالب العالية بدون تأييد تقليد الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والمخالفة غير عدم الإدراك فإنّ المخالفة إنّما تتصوّر بعد الإدراك. (والجنّة والنّار) موجودتان تدخل طائفة الجنّة بعد المحاسبة يوم القيامة وطائفة تدخل النّار وثواب اهل الجنّة وعقاب أهل النّار أبديّان لا ينقطعان كما دلّت عليه النّصوص القطعيّة المؤكّدة قال صاحب الفصوص: مآل الكلّ إلى الرّحمة إنّ رحمتي وسعت كلّ شيء وثبت العذاب للكفّار إلى ثلاثة احقاب ويقول ثمّ تصير النّار في حقّهم بردا وسلاما كما كانت للخليل على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام ويجوز الخلف في وعيده سبحانه ويقول: لم يذهب أحد من أرباب القلوب إلى خلود الكفّار في عذاب النّار وهو قد وقع في هذه المسألة أيضا بعيدا عن الصّواب لم يدر أنّ سعة الرّحمة وعمومها في حقّ المؤمنين والكافرين مخصوصة بالدّنيا وأمّا في الآخرة فلا تصل رائحة الرّحمة إلى مشامّ الكفّار كما قال الله تعالى (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ الله إِلّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) وقال تعالى بعد قوله سبحانه (ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ) وكأنّ الشّيخ قرأ أوّل الآية وترك آخرها وليس في قوله تعالى (فَلا تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) دلالة على خصوصيّة عدم الجواز بخلف الوعد لأنّه لا يجوز الإقتصار هنا على عدم خلف الوعد بناء على أنّ المراد من الوعد هنا الوعد بتصرّف الرّسل وتسلّطهم على الكفّار وغلبتهم عليهم وهو متضمّن للوعد والوعيد جميعا وعد للرّسل ووعيد للكفّار فدلّت هذه الآية على انتفاء خلف الوعد وخلف الوعيد جميعا فالآية مستشهد بها عليه لا له وأيضا أنّ الخلف في الوعيد كالخلف في الوعد مستلزم للكذب وما لا يليق به سبحانه لأنّ حقيقة هذا القول أنّ الله تعالى علم في الأزل أنّه لا يخلّد الكفّار في عذاب النّار ومع ذلك أخبر بخلاف علمه رعاية لمصلحة وقال: أعذّبهم بالعذاب المخلّد وفي تجويز هذا المعنى شناعة تامّة سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين. إجماع أرباب القلوب على عدم خلود الكفّار في عذاب النّار من كشفيّات الشّيخ ومجال الخطأ في الكشف كثير فلا اعتداد به مع كونه مخالفا لإجماع المسلمين. (والملائكة) عباد الله سبحانه معصومون من العصيان ومحفوظون من الخطأ والنّسيان لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لا يأكلون ولا يشربون لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة فهم مبرّؤن عنهما ومنزّهون وتذكير الضّمائر الرّاجعة إليهم في القرآن المجيد إنّما هو باعتبار شرف صنف الذّكور بالنّسبة إلى صنف الإناث كما أورد الحقّ سبحانه الضّمائر الرّاجعة إلى نفسه مذكّرة وقد اصطفى الحقّ سبحانه PageV01P353 بعضهم للرّسالة كما شرّف بعض الإنسان بهذه الدّولة الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن النّاس. وجمهور علماء أهل الحقّ على أنّ خواصّ البشر أفضل من خواصّ الملائكة وقال الإمام الغزاليّ وإمام الحرمين وصاحب الفتوحات المكّيّة بأفضليّة خواصّ الملائكة من خواصّ البشر وما ظهر لهذا الفقير أنّ ولاية الملك أفضل من ولاية الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ولكن في النّبوّة والرّسالة درجة للأنبياء لم يبلغها ملك قطّ وهذه الدّرجة ناشئة من جهة العنصر التّرابيّ الّذي هو مخصوص بالبشر وظهر أيضا لهذا الفقير أنّ كمالات الولاية لا اعتداد بها بالنّسبة إلى كمالات النّبوّة وليت لها حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط فالمزيّة النّاشئة من طريق النّبوّة تكون زائدة بأضعاف مضاعفة على المزيّة النّاشئة من طريق الولاية فالأفضليّة على الإطلاق ثابتة للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والفضل الجزئيّ للملائكة الكرام عليهم السّلام فالصّواب ما قاله الجمهور من العلماء الأعلام شكر الله سعيهم يوم القيام. (فلاح) من هذا التّحقيق أنّه لا يبلغ وليّ قطّ درجة نبيّ من الأنبياء عليهم السّلام بل يكون رأس الوليّ تحت قدم نبيّ على الدّوام (ينبغي) أن يعلم أنّه ما من مسألة اختلف فيها العلماء والصّوفيّة الّا إذا لوحظ فيها حقّ الملاحظة يوجد الحقّ فيها في جانب العلماء وسرّ ذلك أنّ نظر العلماء بواسطة متابعة الأنبياء عليهم السّلام نافذ إلى كمالات النّبوّة وعلومها، ونظر الصّوفيّة مقصور على كمالات الولاية ومعارفها فلا جرم يكون العلم المأخوذ من مشكاة النّبوّة أصوب وأصحّ من العلم المأخوذ من مرتبة الولاية. وتحقيق بعض هذه المعارف مندرج في المكتوب المسطور باسم ولدي الأرشد فإن بقي هنا شيء من الخفاء فليراجع هناك. والإيمان عبارة عن تصديق قلبيّ بما بلغنا من الدّين بطريق الضّرورة والتّواتر وقالوا: الإقرار اللّسانيّ أيضا ركن من الإيمان محتمل للسّقوط وعلامة هذا التّصديق التّبرّي من الكفر والتّجنّب عن لوازمه وخصائصه وكلّما هو من فعل الكفّار كشدّ الزّنّار وأمثاله فإن لم يتبرّأ من الكفر عياذا بالله سبحانه مع دعوى التّصديق ظهر أنّه متّسم بسمة الإرتداد وحكمه في الحقيقة حكم المنافق لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فلا بدّ إذا في تحقّق الإيمان من التّبرّي من الكفر وأدنى هذا التّبرّي قلبيّ وأعلاه التّبرّي بحسب القلب والقالب. والتّبرّي عبارة عن معاداة أعداء الحقّ جلّ وعلا سواء كانت هذه المعاداة بالقلب فقط كما إذا خيف من ضررهم أو بالقلب والقالب معا إذا لم يكن ضرر الخوف وقوله تعالى (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ والْمُنافِقِينَ واُغْلُظْ عَلَيْهِمْ) مؤيّد لهذا المعنى فإنّ محبّة الحقّ سبحانه ومحبّة رسوله عليه الصّلاة والسّلام لا تتصوّر بدون معاداة أعداء الله ورسوله، (ع): وليس محبّي من يحبّ أعاديا * وإجراء الشّيعة الشّنيعة هذه القضيّة في موالاة أهل البيت وجعلهم التّبرّي من الخلفاء الثّلاثة وغيرهم من الصّحابة شرطا لها غير مناسب فإنّ التّبرّي الّذي هو من شرط موالاة الأحباب هو التّبرّي من الأعداء لا مطلق التّبرّي عمّن سواهم لا يجوّز عاقل منصف كون أصحاب النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أعداء فإنّ PageV01P354 هؤلاء الأكابر بذلوا أموالهم وأنفسهم في محبّته عليه الصّلاة والسّلام وتركوا الجاه والرّياسة فكيف يجوز نسبة عداوة أهل البيت إليهم ولزوم محبّة أهل بيته عليه الصّلاة والسّلام ثابت بالنّصّ القطعيّ وجعلت محبّتهم أجرة الدّعوة (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ومَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا) وإبراهيم الخليل على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام إنّما نال من الدّرجة القصوى وصار أصل شجرة النّبوّة بواسطة تبرّيه من أعدائه تعالى قال الله تعالى (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ ومِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله كَفَرْنا بِكُمْ وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ والْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِالله وَحْدَهُ) ولا عمل من الأعمال في نظر هذا الفقير أفضل من هذا التّبرّي في حصول رضا الحقّ جلّ وعلا وإنّ للحقّ سبحانه وتعالى عداوة ذاتيّة مع الكفر والكفرة والآلهة الباطلة الآفاقيّة مثل اللّات والعزّى، وعبدتها أعداء الحقّ سبحانه بالذّات والخلود في النّار جزاء هذا العمل الشّنيع وهذه الحالة مفقودة في الآلهة الباطلة الأنفسيّة وسائر الأعمال السّيّئة فإنّ العداوة والغضب بالنّسبة إلى هذه المذكورات ليست بذاتيّة فإن كان هناك غضب فهو راجع إلى الصّفات وإن كان عقاب أو عتاب فهو راجع إلى الأفعال ولهذا لم يكن الخلود في النّار جزاء هذه السّيّئات بل جعل الحقّ سبحانه مغفرتهم منوطة بمشيئته. (ينبغي) أن يعلم أنّه لمّا تحقّق العداوة الذّاتيّة في حقّ الكفر والكفّار امتنع أن تشمل الرّحمة والرّأفة اللّتان هما من صفات الجمال في الآخرة الكفّار وأن ترفع صفة الرّحمة العداوة الذّاتيّة فإنّ المتعلّق بالذّات اقوى وارفع ممّا هو متعلّق بالصّفة فمقتضى الصّفات لا يقدر أن يبدّل ويغيّر مقتضى الذّات وما ورد في الحديث القدسيّ سبقت (1) رحمتي غضبي فالمراد بالغضب فيه ينبغي أن يكون الغضب الصّفاتيّ الّذي هو مقصور على عصاة المؤمنين لا الغضب المخصوص بالمشركين. (فإن قيل) إنّ للكفّار نصيبا من الرّحمة في الدّنيا كما حقّقته فيما سبق فكيف تكون صفة الرّحمة في الدّنيا رافعة للعداوة الذّاتيّة؟ (أجيب) أنّ حصول الرّحمة للكافرين في الدّنيا إنّما هو باعتبار الظّاهر والصّورة وأمّا في الحقيقة فهو استدراج ومكيدة في حقّهم وقوله تعالى (أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ) وقوله تعالى (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) شاهد لهذا المعنى فليفهم. PageV01P355 (فائدة جليلة) إنّ عذاب النّار الأبديّ جزاء الكفر. فإن قيل: إنّ شخصا مع وجود الإيمان يجري رسوم الكفر ويعظّم مراسم أهل الكفر ويحكم العلماء بكفره ويعدّونه من أهل الإرتداد بفعله كما أنّ أكثر مسلمي الهنود مبتلون بهذه البليّة فيلزم أن يكون الشّخص معذّبا في الآخرة بالعذاب الأبديّ بمقتضى فتوى العلماء والحال أنّه قد ورد في الأخبار الصّحاح أنّ من كان في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان يخرج من النّيران ولا يخلّد في العذاب فما تحقيق هذه المسألة عندك؟ (اقول) إن كان كافرا محضا فنصيبه العذاب المخلّد أعاذنا الله سبحانه منه وإن كان فيه مقدار ذرّة من الإيمان مع وجود إتيان مراسم الكفر يعذّب في النّار ولكنّ المرجوّ خلاصه من الخلود في النّار ببركة تلك الذّرّة من الإيمان ونجاته من دوام الإستقرار في عذاب النّيران وقد ذهبت مرّة لعيادة شخص قد قرب من الإحتضار ولمّا كنت متوجّها إلى حاله رأيت قلبه في ظلمات شديدة وكلّما كنت متوجّها لرفع تلك الظّلمات لم ترتفع فعلم بعد توجّه كثير أنّ تلك الظّلمات ناشئة من صفة الكفر الّتي هي مكنونة فيه ومنشأ تلك الكدورات هو موالاته أهل الكفر وبان لي أنّه لا ينبغي التّوجّه لدفع تلك الظّلمات فإنّ تنقيته منها مربوطة بعذاب النّار الّذي هو جزاء الكفر. وعلم أيضا أنّ فيه مقدار ذرّة من الإيمان وأنّه يتخلّص من الخلود في عذاب النّيران ببركة ذلك المقدار من الايمان ولمّا شاهدت فيه هذا الحال وقع في خاطري أنّه هل يجوز أن يصلّى عليه أو لا؟ فظهر بعد التّوجّه أنّه ينبغي أن يصلّى عليه فالمسلمون الّذين يجرون رسوم أهل الكفر مع وجود الإيمان ويعظّمون أيّامهم ينبغي أن يصلّى عليهم ولا ينبغي إلحاقهم بالكفّار كما هو عمل اليوم وينبغي أن يرجى نجاتهم من العذاب الأبديّ آخر الأمر فعلم ممّا ذكرنا أنّه لا عفو عن أهل الكفر ولا مغفرة لهم (إنّ الله لا يغفر أن يشرك به) فإن كان كافرا صرفا فجزاء كفره العذاب الأبديّ وإن كان فيه مع فجوره مقدار ذرّة من الإيمان أيضا فجزاؤه العذاب الموقّت وفي سائر الكبائر إن شاء الله تعالى غفره وإن شاء عذّبه وعند الفقير انّ عذاب النّار مخصوص بالكفر وصفات الكفر سواء كان ذلك العذاب مؤقّتا أو مخلّدا أو مؤبّدا كما سيجيء تحقيقه. وأمّا أهل الكبائر الّذين لم يوفّقوا للتّوبة فيغفر بها ذنوبهم ولم ينالوا الشّفاعة ومجرّد العفو والإحسان ولم تكفّر كبائرهم أيضا بآلام الدّنيويّة ومحنها أو بشدائد سكرات الموت فالمرجوّ أن يكتفي في تعذيب طائفة منهم بعذاب القبر وفي أخرى منهم مع وجود محن القبر بأهوال يوم القيامة وشدائدها وأن لا تبقى ذنوبهم حتّى يحتاج إلى عذاب النّار وقوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ) الآية، مؤيّد لهذا المعنى فإنّ المراد بالظّلم هنا الشّرك والله سبحانه أعلم بحقائق الامور كلّها. PageV01P356 (فإن قيل) قد ورد الوعيد بعذاب النّار في جزاء بعض السّيّئات غير الكفر كما قال تعالى (ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها) وورد في الأخبار من قضى (1) صلاة واحدة متعمّدا بقي في النّار حقبا فلم يكن عذاب النّار مخصوصا بالكفّار. (أقول) امّا ورد في القاتل فهو مخصوص بمستحلّ القتل ومستحلّ القتل كافر كما ذكره المفسّرون وما ورد في السّيّئات غير الكفر من الوعيد بعذاب النّار فلا تخلوا تلك السّيّئات من شائبة صفة الكفر مثل استخفاف تلك السّيّئة واستصغارها وعدم المبالاة بإتيانها واستحقار الأوامر الشّرعيّة ونواهيها وقد ورد في الخبر: شفاعتي (2) لأهل الكبائر من أمّتي. وقال في حديث آخر: أمّتي (3) أمّة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة. وقوله تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ) الآية، مؤيّد لهذا المعنى كما مرّ وأحوال أطفال المشركين ومن نشأ في شاهق الجبل ومشركي زمن الفترة مسطورة في المكتوب الّذي كتبته لولدي محمّد سعيد بالتّفصيل فليراجع هناك. (وفي) زيادة الإيمان ونقصانه وعدمهما اختلاف بين العلماء قال الإمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه: الإيمان لا يزيد ولا ينقص. وقال الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه: يزيد وينقص. ولا شكّ أنّ الإيمان عبارة عن تصديق ويقين قلبيّ ولا يتصوّر فيه الزّيادة والنّقصان والّذي يقبل الزّيادة والنّقصان فهو داخل في دائرة الظّنّ لا اليقين. (غاية ما في الباب) أنّ إتيان الأعمال الصّالحة يورث جلاء ذلك اليقين وصفاءه وإتيان الأعمال غير المرضيّة يكدّره ويظلم ضياءه فالزّيادة والنّقصان بحسب إتيان الأعمال الصّالحة وضدّها راجعان إلى جلاء اليقين لا إلى النّفس اليقين ولمّا وجد طائفة جلاء وصفاء في يقينهم قالوا بزيادته بالنّسبة إلى يقين ليس فيه ذلك الجلاء والصّفاء وكأنّهم لم يروا اليقين الّذي لا جلاء فيه يقينا بل اعتقدوا أنّ اليقين هو اليقين الّذي له جلاء فقط دون غيره فقالوا لذاك ناقصا. (وأمّا) الّذين فيهم حدّة النّظر فلمّا رأوا أنّ تلك الزّيادة والنّقصان راجعان إلى وصف اليقين لا إلى نفس اليقين لم يقولوا بزيادة اليقين ونقصانه بالضّرورة ومثل ذلك كمثل المرآتين المساويتين في الصّغر والكبر المتفاوتتين بحسب الجلاء والنّورانيّة فرآهما شخص وقال للّتي جلاؤها أكثر إنّها أزيد وأكبر من PageV01P357 الاخرى الّتي ليس فيها ذلك الجلاء وقال شخص آخر: المرآتان متساويتان لا زيادة لأحديهما على الاخرى ولا نقصان والتّفاوت إنّما هو في الجلاء والإراءة اللّذين هما من صفات المرآة فنظر الشّخص الثّاني صائب ونافذ إلى حقيقة الشّيء ونظر الأوّل مقصور على الظّاهر لم يجاوز من الصّفة إلى الذّات (يرفع الله الّذين آمنوا منكم والّذين أوتوا العلم درجات) وبهذا التّحقيق الّذي وفّق هذا الفقير لإظهاره اندفع اعتراضات المخالفين على القول بعدم زيادة الإيمان ونقصانه ولم يلزم كون إيمان عامّة المؤمنين مماثلا ومساويا لإيمان الأنبياء عليهم السّلام من جميع الوجوه فإنّ إيمان الأنبياء عليهم السّلام له جلاء تامّ ونورانيّة وله ثمرات ونتائج زائدة بأضعاف مضاعفة على إيمان عامّة المؤمنين الّذي فيه ظلمات وكدورات على تفاوت درجاتهم. وكذا ينبغي أن يكون المراد بزيادة إيمان أبي بكر رضي الله عنه في الوزن على إيمان هذه الامّة زيادته باعتبار الجلاء والنّورانيّة بإرجاع الزّيادة إلى الصّفة الكاملة ألا ترى أنّ الأنبياء عليهم السّلام وعامّة النّاس متساوون في نفس الإنسانيّة والكلّ متّحدون في الحقيقة والذّات. والتّفاضل فيما بينهم إنّما هو باعتبار الصّفات الكاملة والّذي ليس له صفة كاملة كأنّه خارج من نوع الإنسان ومحروم من فضائله ومع وجود هذا التّفاوت لم يتطرّق الزّيادة والنّقصان إلى نفس الإنسانيّة ولا يصحّ أن يقال: إنّ الإنسانيّة في أفراد الإنسان قابلة للزّيادة والنّقصان والله سبحانه الملهم للصّواب. (وأيضا) إنّهم قالوا إنّ التّصديق الإيمانيّ عند البعض هو التّصديق المنطقيّ الّذي هو شامل للظّنّ واليقين فعلى هذا التّقدير يمكن الزّيادة والنّقصان في نفس الإيمان لكنّ الصّحيح أنّ المراد بالتّصديق هنا اليقين والإذعان القلبيّ لا المعنى العامّ الشّامل للظّنّ والوهم. قال الإمام الأعظم: أنا مؤمن حقّا وقال الإمام الشّافعيّ: أنا مؤمن إن شاء الله. ونزاعهما في الحقيقة لفظيّ مذهب الأوّل باعتبار الزّمان الحال ومذهب الثّاني باعتبار المآل وعاقبة الأحوال ولكنّ التّحاشي من صورة الإستثناء أولى وأحوط كما لا يخفى على المنصف. (وكرامات أولياء الله تعالى حقّ) ومن كثرة وقوع خوارق العادات منهم صار هذا المعنى عادة مستمرّة لهم ومنكرها منكر على العلم العاديّ والضّروريّ ولا اشتباه بينها وبين معجزة النّبيّ فإنّ معجزة النّبيّ مقرونة بدعوى النّبوّة، وكرامات الوليّ خالية عن هذا المعنى بل هي مقرونة بالإقرار والإعتراف بمتابعة نبيّ فأنّى الإشتباه بينهما كما زعمه المنكرون. (وترتيب) الأفضليّة بين الخلفاء الرّاشدين على ترتيب خلافتهم ولكن أفضليّة الشّيخين ثابتة بإجماع الصّحابة والتّابعين كما نقلته جماعة من أكابر أئمّة الدّين أحدهم الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه قال الشّيخ الإمام أبو الحسن الأشعريّ: إنّ فضل أبي بكر ثمّ عمر على بقيّة الامّة قطعيّ قال الذّهبيّ: وقد تواتر عن عليّ في خلافته وكرسيّ مملكته، وبيّن الجمّ الغفير من شيعته أنّ أبا بكر وعمر أفضل الامّة. ثمّ قال ورواه عن عليّ كرّم الله وجهه نيّف وثمانون نفسا وعدّ منهم جماعة ثمّ قال: فقبّح الله الرّوافض ما أجهلهم وروى البخاريّ عنه أنّه قال: خير النّاس بعد النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أبو بكر ثمّ عمر ثمّ رجل آخر فقال ابنه محمّد ابن الحنفيّة ثمّ أنت فقال إنّما أنا رجل من المسلمين وصحّح الذّهبيّ وغيره عن عليّ أنّه قال: ألا وإنّه بلغني أنّ رجالا يفضّلونني عليهما PageV01P358 ومن وجدته يفضّلني عليهما فهو مفتر عليه ما على المفتري. وأمثال ذلك منه ومن غيره من الصّحابة متواترة بحيث لا مجال فيها لإنكار أحد حتّى قال عبد الرّزّاق عن أكابر الشّيعة: أفضّل الشّيخين لتفضيل عليّ إيّاهما على نفسه والّا لما فضّلتهما كفى بي وزرا أن أحبّه ثمّ أخالفه كلّ ذلك مستفاد من الصّواعق وأمّا تفضيل عثمان على عليّ رضي الله عنهما فأكثر علماء أهل السّنّة على أنّ الأفضل بعد الشّيخين عثمان ثمّ عليّ ومذهب الأئمّة الأربعة المجتهدين أيضا هو هذا والتّوقّف المنقول عن الإمام مالك في افضليّة عثمان على عليّ فقد قال القاضي عياض: إنّه رجع عن هذا التّوقّف إلى تفضيل عثمان وقال القرطبيّ: وهو الأصحّ إن شاء الله تعالى وكذلك التّوقّف المفهوم من عبارة الإمام الأعظم أعني قوله: من علامة أهل السّنّة والجماعة تفضيل الشّيخين ومحيّة الختنين ولإختياره هذه العبارة عند الفقير محمل آخر وهو أنّه لمّا كثر ظهور الفتن والإختلال في أمور النّاس في زمن خلافة الختنين وحدوث الكدورات من هذه الجهة في قلوب النّاس اختار الإمام لفظ المحبّة في حقّهما ملاحظا لهذا المعنى وجعل محبّتهما من علامات أهل السّنّة والجماعة من غير أن يلاحظ فيها شائبة التّوقّف كيف وكتب الحنفيّة مشحونة بأنّ أفضليّتهم على ترتيب خلافتهم وبالجملة انّ أفضليّة الشّيخين يقينيّة وأفضليّة عثمان دونهما ولكنّ الأحوط أن لا نكفّر منكر افضليّة عثمان بل أفضليّة الشّيخين بل نقول: إنّه مبتدع وضالّ فإنّ للعلماء اختلافا في تكفيره وفي قطعيّة هذا الإجماع قيل وقال وذلك المنكر قرين يزيد الخائب المخذول وقد توقّفوا في لعنه احتياطا والإيذاء الّذي يصيب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من جهة إيذاء الخلفاء الرّاشدين كالإيذاء الّذي أصابه صلّى الله عليه وسلّم من جهة إيذاء سبطيه قال عليه الصّلاة والسّلام: الله الله في أصحابي لا تتّخذوهم غرضا من بعدي فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله ورسوله فيوشك ان يؤخذ وقال الله عزّ وجلّ انّ الّذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدّنيا والآخرة. وما عدّه مولانا سعد الدّين التّفتازانيّ في شرح عقائد النّسفيّ إنصافا في هذه الأفضليّة بعيد عن الإنصاف والتّرديد الّذي ذكره فيه لا حاصل فيه لأنّ المقرّر عند العلماء أنّ المراد بالأفضليّة هنا باعتبار كثرة الثّواب عند الله جلّ وعلا لا الأفضليّة الّتي هي بمعنى كثرة ظهور المناقب والفضائل فانّه لا اعتبار لها عند العقلاء فانّ السّلف من الصّحابة والتّابعين قد نقلوا عن علىّ من المناقب والفضائل ما لم ينقل مثله عن صحابيّ غيره حتّى قال الإمام أحمد: ما جاء لأحد من الصّحابة من الفضائل ما جاء لعليّ ومع ذلك حكم هو بأفضليّة الخلفاء الثّلاث فعلم من هذا أنّ وجه الأفضليّة شيء آخر وراء هذه الفضائل والمناقب والإطّلاع عليها إنّما يتيسّر لمن أدركوا زمان الوحي وشاهدوه حتّى علموها بالتّصريح أو بالقرائن وهم أصحاب النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام فما قال شارح العقائد النّسفيّة إنّه لو كان المراد بالأفضليّة كثرة الثّواب فللتّوقّف جهة ساقط عن الإعتبار لأنّه إنّما يكون للتّوقّف مجال لو لم يعلم الأفضليّة من قبل صاحب الشّرع صراحة أو دلالة وحيث علم فعلى ما يتوقّف وإن لم يعلم فلم يحكم بالأفضليّة والّذي يرى الكلّ متساوية ويزعم تفضيل أحدهم على الآخر فضولا فهو فضوليّ أيّ فضوليّ حيث يزعم إجماع أهل الحقّ فضولا ولعلّ لفظ الفضل هو الّذي أورده في موارد الفضوليّ. (وما قال) صاحب PageV01P359 الفتوحات المكّيّة إنّ سبب خلافتهم مدّة أعمارهم ليس فيه دلالة على مساواتهم في الفضيلة لأنّ أمر الخلافة غير أمر الأفضليّة ولو سلّم فهذا وأمثاله من شطحيّاته غير لائق بالتّمسّك وأكثر كشفيّاته الّتي تخالف علوم أهل السّنّة بعيدة عن الصّواب فلا يتابعها أحد الّا مريض القلب أو مقلّد صرف. (وما وقع) بين الأصحاب من المنازعات والمشاجرات يجب حملها على محامل حسنة وينبغي تبريئتهم عن الهوى والتّعصّب قال التّفتازانيّ مع إفراطه في حبّ عليّ كرّم الله وجهه: وما وقع من المخالفات والمحاربات لم يكن عن نزاع في الخلافة بل عن خطأ في الإجتهاد. وفي حاشية الخياليّ عليه: فإنّ معاوية وأحزابه بغوا عن طاعته مع اعترافهم بأنّه أفضل أهل زمانه وأنّه الأحقّ بالإمامة منه بشبهة هي ترك القصاص عن قتلة عثمان رضي الله عنه. ونقل في حاشية قره كمال عن عليّ كرّم الله وجهه أنّه قال: إخواننا بغوا علينا وليسوا بكفرة ولا فسقة لما لهم من التّأويل. ولا شكّ أنّ الخطأ الاجتهاديّ بعيد عن الملامة عليه والطّعن والتّشنيع مرفوعان عن صاحبه ينبغي أن يذكر جميع الأصحاب الكرام بالخير مراعاة لحقوق صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّحيّات وأن يحبّهم بحبّ النّبيّ عليه السّلام قال عليه السّلام من أحبّهم فبحبّي أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم. يعني أنّ المحبّة الّتي تتعلّق بأصحابي هي عين المحبّة الّتي تتعلّق بي وكذلك البغض الّذي يتعلّق بهم عين البغض الّذي يتعلّق بي ولا غرض لنا من محبّة محاربي عليّ كرّم الله وجهه أصلا بل يحقّ لنا أن نتأذّى منهم ولكن حيث كانوا أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وكنّا مأمورين بمحبّتهم وممنوعين عن بغضهم وإيذائهم فلا جرم نحبّ كلّهم بحبّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ونحترز عن بغضهم وإيذائهم لكونهما منجرّين إليه صلّى الله عليه وسلّم ولكن نقول للمحقّ محقّا وللمبطل مبطلا كان عليّ على الحقّ ومخالفوه على الخطأ والزّيادة على ذلك من الفضول وتحقيق هذا المبحث مذكور تفصيلا في المكتوب الّذي كتبته إلى الخواجه محمّد أشرف فإن بقي هنا خفاء فليراجع هناك (ولا بدّ بعد تصحيح العقائد) من تعلّم أحكام الفقه ولا مندوحة من تعلّم علم الفرض والواجب والحلال والحرام والسّنّة والمندوب والمشتبه والمكروه والعمل بمقتضى هذا العلم أيضا ضروريّ ينبغي أن يعدّ مطالعة كتب الفقه من الضّروريّات وأن يراعى السّعي البليغ في إتيان الأعمال الصّالحة ولنورد هنا شمّة من فضائل الصّلاة وأركانها فإنّها عماد الدّين فينبغي استماعها لا بدّ أوّلا من إسباغ الوضوء ومن غسل كلّ عضو ثلاثا ثلاثا على وجه التّمام والكمال ليكون مؤدّى على وجه السّنّة وينبغي الإستيعاب في مسح الرّأس والإحتياط في مسح الاذنين والرّقبة وورد (1) تخليل أصابع الرّجل بخنصر يد اليسرى من الأسفل فينبغي مراعاته أيضا ولا ينبغي المساهلة في إتيان المستحبّ فإنّه محبوب الحقّ سبحانه ومرضيّة تعالى فإن علم في جميع الدّنيا فعل واحد مرضيّ ومحبوب عند الحقّ جلّ سلطانه وتيسّر العمل بمقتضاه ينبغي أن PageV01P360 يغتنمه وحكمه كحكم جواهر نفيسة اشتراها شخص بقطعات خزف أو روح نالها ببذل جماد لا طائل فيه وبعد الطّهور الكامل وإسباغ الوضوء ينبغي قصد الصّلاة الّتي هي معراج المؤمن وينبغي الإهتمام في أداء الفرض مع الجماعة بل ينبغي أن لا يترك التّكبيرة مع الإمام وينبغي أيضا أداء الصّلاة في الوقت المستحبّ ومراعاة القدر المسنون في القراءة ولا بدّ من الطّمأنينة في الرّكوع والسّجود فإنّها إمّا فرض أو واجب على القول المختار وينبغي أن يستوي قائما على الكمال في القومة على نهج يرجع كلّ عضو إلى محلّه ويستقرّ في مقرّه والطّمأنينة لازمة أيضا بعد الإستواء قائما فإنّها هنا إمّا فرض أو واجب أو سنّة على اختلاف الأقوال وهكذا في الجلسة الّتي هي بين السّجدتين يلزم فيها الطّمأنينة بعد الإستقرار كما في القومة وأقلّ تسبيحات الرّكوع والسّجود ثلاث مرّات وأكثرها إلى سبع مرّات أو أحد عشر مرّة على اختلاف الأقوال وتسبيح الإمام ينبغي أن يكون على قدر حال المقتدين وينبغي أن يستحي الإنسان من اقتصار التّسبيحات على أقلّ مرتبتها في حال الإنفراد ووقت قوّة الإستطاعة بل يقول خمسا أو سبعا ووقت قصد السّجدة يضع على الأرض أوّلا ما هو أقرب إلى الأرض فيضع أوّلا ركبتيه ثمّ يديه ثمّ أنفه ثمّ جبهته وينبغي الإبتداء من اليمين وقت وضع يديه وركبتيه وحين يرفع رأسه من السّجدة ينبغي أن يرفع أوّلا ما هو أقرب إلى السّماء فينبغي الإبتداء برفع الجبين وينبغي أن ينظر في القيام إلى موضع سجوده وفي الرّكوع إلى ظهر قدميه وفي السّجود إلى رأس أنفه وفي القعود إلى يديه فإنّه إذا نصب البصر على المواضع المذكورة ومنع النّظر من التّفرقة تتيسّر الصّلاة بالجمعيّة ويحصل فيها الخشوع كما هو المنقول عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وكذلك تفريج الأصابع في الرّكوع وضمّها في السّجود سنّة فينبغي مراعاتها وتفريج الأصابع وضمّها ليسا بلا فائدة بل فيهما فوائد كثيرة أمر الشّارع بإتيانهما بملاحظة تلك الفوائد وليس لنا فائدة أصلا تساوي متابعة صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّة وكلّ هذه الأحكام مذكورة في كتب الفقه بالتّفصيل والإيضاح (والمقصود) هنا التّرغيب في الأعمال بمقتضى علم الفقه وفّقنا الله سبحانه وإيّاكم للأعمال الصّالحة الموافقة للعلوم الشّرعيّة بعد أن وفّقنا لتصحيح العقائد اليقينيّة بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم وعلى آل كلّ من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها فإن وجدتم في أنفسكم شوقا إلى فضائل الصّلاة والإطّلاع على كمالاتها المخصوصة بها ينبغي المراجعة إلى ثلاثة مكاتيب المتّصل بعضها ببعض ومطالعتها: الأوّل مكتوب باسم ولدي محمّد صادق والثّاني باسم المير محمّد نعمان والثّالث باسم الشّيخ تاج الدّين. وبعد تحصيل جناحي الإعتقاد والعمل إذا كان توفيق الحقّ رفيقا ودليلا ينبغي سلوك طريقة الصّوفيّة العليّة لا لغرض تحصيل شيء زايد على ذلك الإعتقاد والعمل ونيل أمر جديد سواهما فإنّ ذلك من طول الأمل المفضي إلى الزّلل بل المقصود منها حصول اليقين والإطمئنان في المعتقدات بحيث لا تزول بتشكيك مشكّك ولا تبطل بإيراد شبهة فإنّ قدم الإستدلال لا ثبات لها ولا قرار لخزف معمول من طين والمستدلّ ليس له تمكين ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب. وحصول اليسر والسّهولة في إتيان الأعمال وزوال الكسالة والعناد والتّعنّت النّاشئة من النّفس الأمّارة وليس المقصود من سلوك طريق الصّوفيّة أيضا مشاهدة الصّور والأشكال الغيبيّة ومعاينة الألوان والأنوار PageV01P361 اللّاكيفيّة فإنّ ذلك داخل في اللهو واللّعب وأيّ نقصان في الأنوار والصّور الحسّيّتين حتّى يتركها شخص ويتمنّى الصّور والأنوار الغيبيّتين بارتكاب الرّياضات والمجاهدات فإنّ هذه الصّور والأنوار وتلك الصّور والألوان كلّها مخلوقة الحقّ جلّ وعلا ومن الآيات الدّالّة على وجوده تعالى. واختيار الطّريقة النّقشبنديّة من بين سائر طرق الصّوفيّة أولى وأنسب لأنّ هؤلاء الأكابر قد التزموا متابعة السّنّة السّنيّة واجتناب البدعة الشّنيعة ولهذا تراهم يفرحون ويستبشرون إذا كان فيهم دولة المتابعة وإن لم يكن لهم شيء من الأحوال ومتى أحسّوا فتورا في المتابعة مع وجود الأحوال لا يقبلون تلك الأحوال ولا يبغونها ومن ههنا لم يجوّزوا الرّقص والسّماع ولم يقبلوا الأحوال المترتّبة عليه باتّفاق منهم وإجماع بل اعتقدوا ذكر الجهر بدعة ومنعوا أصحابهم عنه ولم يلتفتوا إلى ثمرات تترتّب عليه كنت يوما في مجلس الطّعام مع حضرة شيخنا فقال الشّيخ كمال الّذي هو من مخلصي حضرة شيخنا بسم الله الرّحمن الرّحيم جهرا حين شرع في الأكل فلم يناسب ذلك منه لحضرة شيخنا حتّى قال بالزّجر البليغ امنعوه لا يحضر مجلس طعامنا. وسمعت حضرة شيخنا يقول: إنّ الخواجه النّقشبند قدّس سرّه جمع علماء بخارا وجاء بهم إلى خانقاه شيخه الأمير كلال ليمنعوهم من ذكر الجهر. فقال العلماء للأمير: إنّ ذكر الجهر بدعة فلا تفعلوه فقال في جوابهم: لا أفعل فإذا صدر من أكابر هذه الطّريقة مثل هذه المبالغة في المنع عن ذكر الجهر فماذا نقول في السّماع والرّقص والوجد والتّواجد والأحوال والمواجيد الّتي تترتّب على أسباب غير مشروعة فهي من قبيل الإستدراجات عند الفقير فإنّ الأحوال والأذواق قد تحصل لاهل الإستدراج أيضا ويظهر لهم في مرايا صورة العالم كشف التّوحيد والمكاشفة والمعاينة وفلاسفة اليونان وجوكيّة الهنود وبراهمتهم شركاء في تلك الامور وعلامة صدق الأحوال موافقتها للعلوم الشّرعيّة مع الإجتناب من ارتكاب الامور المحرّمة والمشتبهة. واعلم أنّ الرّقص والسّماع داخل في الحقيقة في اللهو واللّعب وقوله تعالى (ومِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) الآية، نازل في شأن المنع عن الغناء كما قال مجاهد الّذي هو تلميذ ابن عبّاس ومن كبار التّابعين أنّ المراد بلهو الحديث الغناء في المدارك لهو الحديث السّمر والغناء وكان ابن عبّاس وابن مسعود رضي الله عنهم يحلفان أنّه الغناء، وقال مجاهد في قوله تعالى: والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ (1) أي: لا يحضرون الغناء وحكي عن إمام الهدى أبي منصور الماتريديّ (2) من قال لمقرئي زماننا: أحسنت عند قراءته يكفر وبانت منه امرأته وأحبط الله كلّ حسناته وحكي عن أبي نصر الدّبوسيّ عن القاضي ظهير PageV01P362 الدّين الخوارزميّ (1): من سمع الغناء من المغنّي وغيره أو يري فعلا من الحرام فيحسّن ذلك باعتقاد أو بغير اعتقاد يصير مرتدّا في الحال بناء على أنّه أبطل حكم الشّريعة ومن أبطل حكم الشّريعة فلا يكون مؤمنا عند كلّ مجتهد ولا يقبل الله طاعته وأحبط الله كلّ حسناته أعاذنا الله سبحانه من ذلك والآيات والأحاديث والرّوايات الفقهيّة في حرمة الغناء كثيرة جدّا على حدّ يتعذّر إحصاؤها ومع هذه كلّها لو اورد شخص حديثا منسوخا أو رواية شاذّة في إباحة الغناء لا ينبغي اعتباره منه فإنّه لم يفت فقيه في وقت من الأوقات بإباحة الغناء ولم يجوّز الرّقص والضّرب بالأرجل كما هو مذكور في ملتقط الإمام الهمام ضياء الدّين الشّاميّ. وعمل الصّوفيّة ليس بسند في الحلّ والحرمة أما يكفيهم أن نعذرهم ولا نلومهم ونفوّض أمرهم إلى الله تعالى والمعتبر هنا قول الإمام أبي حنيفة والإمام أبي يوسف والإمام محمّد رحمهم الله لا عمل الشّبليّ وأبي الحسين النّوريّ وقد جعلت الصّوفيّة القاصرون اليوم السّماع والرّقص دينهم وملّتهم مستندين إلى عمل مشائخهم واتّخذوه طاعتهم وعبادتهم أولئك الّذين اتّخذوا دينهم لهوا ولعبا. وقد علم من الرّواية السّابقة أنّ من استحسن الفعل الحرام فقد خرج من زمرة أهل الإسلام وصار مرتدّا فينبغي التّأمّل ماذا يكون شناعة تعظيم مجلس السّماع والرّقص بل اتّخاذه طاعة وعبادة ولله سبحانه الحمد والمنّة لم يبتل مشائخنا بهذا الأمر وخلّصوا أمثالنا المقلّدين من تقليد هذا الأمر وقد نسمع أنّ المخاديم يميلون إلى السّماع ويعقدون مجلس السّماع وقراءة القصائد في ليالي الجمعة وأكثر الأصحاب يوافقونهم في ذلك الأمر والعجب ألف عجب أنّ مريدي السّلاسل الاخر إنّما يرتكبون هذا الأمر مستندين إلى عمل مشائخهم ويدفعون الحرمة الشّرعيّة بعملهم وإن لم يكونوا محقّين في هذا الأمر في الحقيقة وما معذرة أصحابنا في ارتكاب هذا الأمر وفيه ارتكاب الحرمة الشّرعيّة من طرف وارتكاب مخالفة مشائخ طريقهم من طرف آخر فلا أهل الشّريعة راضون عن هذا الفعل ولا أهل الطّريقة فلو لم يكن فيه ارتكاب الحرمة الشّرعيّة لكان مجرّد إحداث أمر في الطّريقة شنيعا فكيف إذا اجتمع معه ارتكاب الحرمة الشّرعيّة. واليقين أنّ جناب الميرزا جيو لا يرضى بهذا الأمر ولكن لا يصرّح بالمنع أيضا رعاية للأدب معكم ولا ينهى الأصحاب عن هذا الإجتماع أيضا والفقير لمّا أحسست توقّفا في مجيئي كتبت هذه الفقرات وأرسلتها إليكم فينبغي قراءتها من أوّلها إلى آخرها عند الميرزا جيو والسّلام. PageV01P363 (267) المكتوب السّابع والسّتّون والمائتان إلى الميرزا حسام الدّين أحمد في بيان أنّ الأسرار والدّقائق الّتي امتاز بها لا يمكن إظهار نبذة منها بل لا يمكن التّكلّم عنها بالرّمز والإشارة وانّها مقتبسة من مشكاة النّبوّة ويشترك فيها الملأ الأعلى أيضا وما يناسبه بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليعلم أنّ الصّحيفة الشّريفة الّتي أرسلتها باسم هذا الحقير على وجه الكرم قد وصلت وتشرّفت بمطالعتها جزاكم الله سبحانه خير الجزاء وماذا أكتب من إنعامات الحقّ جلّ سلطانه وكيف أؤدّي شكرها وما يفاض من العلوم والمعارف يكتب أكثرها ويحرّر بتوفيق الله تعالى ويوصّل إلى سمع أهلها ولكنّ الأسرار والدّقائق الّتي كنت ممتازا بها فلا يمكن إيراد نبذة منها في عرصة الظّهور بل لا يمكن التّكلّم من تلك المقولة بالرّمز والإشارة حتّى أنّه لا يورد رمز من هذه الأسرار والدّقائق بيني وبين ولدي الأعزّ الّذي هو مجموعة معارفي ونسخة مقامات السّلوك والجذبة بل اجتهد في سترها منه بالشّحّ التّامّ مع أنّي أعلم أنّه من محارم الأسرار ومحفوظ من الغلط والخطأ ولكن ماذا أصنع يأخذ دقّة المعاني باللّسان يعني تمنعه ويربط من لطافة الأسرار الشّفتان فنقد الوقت تكرار يضيق صدري ولا ينطلق لساني وليست تلك الأسرار من قبيل ما لا ينبغي إيرادها في البين بل لا يسعها نطاق البيان، شعر: خليلي ما هذا بهزل وإنّما ... عجيب الأحاديث غريب البدائع وهذه الدّولة الّتي نحن نجتهد في سترها مقتبسة من مشكاة نبوّة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والملأ الأعلى شركاء في هذه الدّولة وكلّ من يشرّف بها من اتباع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام قال أبو هريرة رضي الله عنه: «أخذت (1) عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعاءين " يعني من العلم أمّا أحدهما فقد بثثته وأمّا الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم وذلك العلم الآخر هو علم الأسرار ولا يدركه فهم كلّ أحد ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (2). ثمّ المعروض أنّ الكتاب الّذي كتبته إلى أولاد شيخنا ينبغي أن تطالعه. (أيّها المخدوم) المكرّم إنّ إحداث شيء في الطّريقة ليس هو عند الفقير بأقلّ من إحداث بدعة في الدّين، وبركات الطّريقة إنّما تفاض وتعود على أهلها ما لم يحدث فيها محدث فإذا حدث فيه محدث ينسدّ طريق الفيوض والبركات فحفظ الطّريقة من المحدثات من أهمّ المهمّات والإجتناب عن مخالفة الطّريقة من الضّروريّات فكلّ موضع رأيت فيه مخالفة الطّريقة ينبغي زجره ومنعه بالمبالغة والإجتهاد في ترويج الطّريقة وتقويتها والسّلام. PageV01P364 (268) المكتوب الثّامن والسّتّون والمائتان إلى خان خانان في بيان العلم الموروث من الأنبياء وبيان المراد بالعلماء في حديث «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل» وأنّ العلم الموروث من الأنبياء ليس هو الأسرار الّتي تكلّم بها الأولياء من التّوحيد الوجوديّ والإحاطة والسّريان وما يشاكلها بل غيرها الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى وبعد. فاعلم أنّ أحوال فقراء هذه الحدود وأوضاعهم مستوجبة للحمد والمسئول من الله سبحانه سلامتكم وعافيتكم وثباتكم واستقامتكم. ولمّا كان مبحث علم الوراثة في البين أردت أن أكتب كلمات من تلك المقولة على حسب مقتضى الوقت وقد ورد في الأخبار " العلماء ورثة الأنبياء». والعلم الّذي بقي من الأنبياء عليهم السّلام نوعان علم الأحكام وعلم الأسرار فالعالم الوارث من يكون له سهم من نوعي العلم لا من يكون له نصيب من نوع واحد فقط فإنّ ذلك مناف للوراثة فإنّ الوارث من يكون له نصيب من جميع أنواع تركة المورّث لا من بعض دون بعض والّذي له نصيب من البعض المعيّن فهو داخل في الغرماء حيث يتعلّق نصيبه بجنس حقّه وكذلك قال النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل». والمراد بالعلماء هنا علماء الوراثة لا الغرماء الّذين يأخذون نصيبهم من بعض التّركة فإنّ الوارث يمكن أن يقال له: إنّه كالمورّث بواسطة القرب والجنسيّة بخلاف الغريم فإنّه خال عن هذه العلاقة فمن لم يكن وارثا لا يكون عالما الّا أن نقيّد علمه بنوع واحد ونقول إنّه عالم بعلم الأحكام مثلا والعالم المطلق هو الّذي يكون وارثا ويكون له حظّ وافر ونصيب تامّ من كلا نوعي العلم. وقد زعم الأكثرون أنّ علم الأسرار عبارة عن علوم التّوحيد الوجوديّ وشهود الوحدة في الكثرة ومشاهدة الكثرة في الوحدة وأنّه كناية عن معارف الإحاطة وسريان وجوده تعالى وقربه ومعيّته سبحانه على النّهج الّذي صارت منكشفة ومشهودة لارباب الأحوال حاشا وكلّا ثمّ حاشا وكلّا من أن تكون هذه العلوم والمعارف من علم الأسرار ولائقة بمرتبة النّبوّة فإنّ مبنى تلك المعارف السّكر وغلبة الحال الّتي هي منافية للصّحو وعلم الأنبياء كلّه سواء كان علم الأحكام أو علم الأسرار ناش من غاية الصّحو الّذي ما امتزجت فيه ذرّة من السّكر بل هذه المعارف مناسبة لمقام الولاية الّتي لها قدم راسخ في السّكر فتكون هذه العلوم من أسرار الولاية لا من أسرار النّبوّة. والولاية وإن كانت هي أيضا ثابتة ولكنّ أحكامها مغلوبة وفي جنب أحكام النّبوّة متلاشية ومضمحلّة، شعر: ومتى بدت أنوار بدر في الدّجا ... ما للسّهى من حيلة سوى الإختفا وقد كتبت في كتبي ورسائلي وحقّقت أنّ كمالات النّبوّة لها حكم البحر المحيط وكمالات الولاية في جنبها قطرة محقّرة ولكن ماذا نفعل وقد قال جماعة من عدم إدراكهم لكمالات النّبوّة: إنّ PageV01P365 الولاية أفضل من النّبوّة وقال طائفة أخرى في توجيه هذا الكلام إنّ المراد به أنّ ولاية نبيّ أفضل من نبوّته وكلّ من هذين الفريقين قد حكموا على الغائب من غير علم بحقيقة النّبوّة وقريب من هذا الحكم الحكم بترجيح السّكر على الصّحو فإن عرفوا حقيقة الصّحو لعرفوا أنّ السّكر لا نسبة له إلى الصّحو أصلا، (ع): ما نسبة الفرشيّ بالعرشيّ * وكأنّهم شبّهوا صحو الخواصّ بصحو العوامّ وزعموا وجود المماثلة بينهما فرجّحوا السّكر عليه وليتهم إذ زعموا وجود المماثلة بين صحو الخواصّ وصحو العوامّ لم يجترئوا على هذا الحكم فإنّ من المقرّر عند العقلاء أنّ الصّحو أفضل من السّكر مطلقا وهذا الحكم دائميّ عندهم سواء كان السّكر والصّحو مجازيّين أو حقيقيّين وتفضيل الولاية على النّبوّة وترجيح السّكر على الصّحو شبيه بترجيح الكفر على الإسلام وتفضيل الجهل على العلم فإنّ كلّا من الكفر والجهل مناسب لمقام الولاية وكلّا من الإسلام والعلم مناسب لمرتبة النّبوّة قال الحسين بن منصور الحلّاج، شعر: كفرت بدين الله والكفر واجب ... لديّ وعند المسلمين قبيح ومحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استعاذ من الكفر قل كلّ يعمل على شاكلته فكما أنّ الإسلام في عالم المجاز أفضل من الكفر كذلك ينبغي أن يعتقد أنّه في الحقيقة أفضل من الكفر فإنّ المجاز قنطرة الحقيقة. فإن قيل: كما أنّ الكفر والسّكر والجهل ثابت في مرتبة الجمع من مقامات الولاية كذلك الإسلام والصّحو والمعرفة متحقّق في مرتبة الفرق بعد الجمع منها فكيف يصحّ القول بمناسبة الكفر والسّكر والجهل فقط لمقام الولاية. (أقول) إنّ إثبات الصّحو وأمثاله في مرتبة الفرق إنّما هو بالنّسبة إلى مرتبة الجمع الّتي ليس فيها غير السّكر والمحو والّا فصحو مرتبة الفرق أيضا ممتزج بالسّكر وإسلامها مختلط بالكفر ومعرفتها مشوبة بالجهل فلو وجدت مجالا للكتابة لذكرت أحوال مقام الفرق ومعارفه بالتّفصيل وبيّنت امتزاج السّكر وأمثاله فيها بالصّحو وأمثاله ولعلّ أرباب الفطانة يجدون هذا المعنى بالتّفرّس أيضا والعجب كلّ العجب ألم يفهموا أنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام إنّما نالوا ما نالوا من هذه العظمة والجلالة كلّها من طريق النّبوّة لا من طريق الولاية، (وغاية) شأن الولاية إنّما هي الخادميّة للنّبوّة فلو كانت للولاية مزيّة على النّبوّة لكان الملائكة الّذين ولايتهم أكمل من سائر الولايات أفضل من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ولمّا قالت طائفة من هؤلاء القوم بأفضليّة الولاية من النّبوّة ورأوا ولاية الملائكة الملأ الأعلى أفضل من ولاية الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام قالوا بالضّرورة انّ الملائكة أفضل من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وفارقوا في ذلك جمهور أهل السّنّة والجماعة وكلّ ذلك لعدم الإطّلاع على حقيقة النّبوّة ولمّا كانت كمالات النّبوّة حقيرة في نظر النّاس في جنب كمالات الولاية بواسطة بعد عهد النّبوّة بسطنا الكلام في هذا الباب بالضّرورة وكشفنا شمة من حقيقة المعاملة ربّنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا PageV01P366 في أمرنا وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. وحيث كان أخي الأرشد الشّيخ ميان داود من المتردّدين في تلك الحدود كان باعثا على هذا التّصديع. (269) المكتوب التّاسع والسّتّون والمائتان إلى مرتضى خان في التّرغيب في إيصال الإهانة إلى أعداء الدّين وتخريب آلهتهم الباطلة وتوهينها وإظهار تمنّيه هذا الأمر العظيم القدر وما يناسب ذلك. الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى. اعلم أنّ لكلّ شخص تمنّى أمر من الأمور وتمنّى هذا الفقير التّشديد على أعداء الله جلّ وعلا وأعداء رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم وإيصال الإهانة لهؤلاء الخائبين واحتقار آلهتهم الباطلة واعلم يقينا أن لا عمل أرضى عند الحقّ جلّ وعلا من هذا العمل ولهذا نرغّبكم في هذا العمل المرضيّ مكرّرا وأرى إتيان هذا العمل من أهمّ مهمّات الإسلام وحيث وفّقت للتّشريف هناك وتعيّنت لتحقير تلك البقعة الكثيفة وإهانة أهلها ينبغي أوّلا أداء شكر هذه النّعمة فإنّه كان يذهب جمع كثير لتعظيم ذلك المقام وتوقير أهله لله سبحانه الحمد والمنّة وعلى ما لم يبتلنا بهذه البليّة وبعد أداء شكر هذه النّعمة العظمى ينبغي تقديم السّعي البليغ في تحقير هؤلاء الخائبين الخاسرين وتوهين آلهتهم الباطلة والإجتهاد في تخريب تلك الجماعة سرّا وجهرا مهما أمكن وتيسّر وإيصال أنواع الإهانة لنا حتّى الأصنام القاصرين وعسى أن يتلافى ويتدارك بهذا العمل بعض المداهنات الواقعة في حقّهم ويكون ذلك كفارّة لتلك ويمنعني ضعف البدن وشدّة البرد من الوصول هناك والّا لوصلت إلى خدمتكم للتّرغيب في هذا الأمر ورميت بهذه المناسبة بزاقا على ذلك الحجر وجعلته رأس بضاعة السّعادة وماذا أبالغ أزيد من ذلك. (270) المكتوب السّبعون والمائتان إلى الشّيخ نور محمّد في بيان ترجيح بعض الصّحبة على العزلة الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد نسي أخي نور محمّد النّائين المهجورين على نهج لا يذكرهم بسلام ولا بكلام وكان متمنّاكم العزلة والإنزواء فقد تيسّر ذلك ولكن بعض الصّحبة يرجّح ويفضّل على العزلة وكفى حال أويس القرنيّ أن يكون مقياسا حيث اختار العزلة ولم ينل صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فلم يجد حظّا من كمالات الصّحبة وصار من التّابعين وتأخّر من الدّرجة الاولى من درجات الخير إلى الدّرجة الثّانية وفي كلّ يوم طرز آخر من الصّحبة بعناية الله تعالى PageV01P367 من استوى يوماه فهو مغبون والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّحيّات. (271) المكتوب الحادي والسّبعون والمائتان إلى الشّيخ حسن البركيّ في حلّ استفساره عن الواقعة الّتي رآها الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى وصل مكتوب أخي الأعزّ الشّيخ حسن أحسن الله حاله وبلّغه كماله واتّضحت الواقعة المسطورة الّتي ظهرت ظهورا بيّنا ينبغي أن يكون راجيا وأن تجتهد في إتيان ما أنت مأمور به ببذل الرّوح وأن لا تجوز تجاوز الحدود الشّرعيّة مقدار شعرة وأن تتحلّى بمعتقدات أهل السّنّة والجماعة الحقّة (ع) هذا هو الأمر والباقي خيالات * فإن أجاز والدكم ورضي الإخوان ينبغي أن يغتنم سير بلاد الهند والسّلام. (272) المكتوب الثّاني والسّبعون والمائتان إلى السّيّد محبّ الله المانك?وريّ في بيان الإيمان الغيبيّ والإيمان الشّهوديّ وبيان التّوحيد الوجوديّ والتّوحيد الشّهوديّ وأنّ الضّروريّ في تحقّق الفناء هو الشّهوديّ وأنّ أوّل من أظهر التّوحيد الوجوديّ صاحب الفتوحات المكّيّة وما يناسب ذلك بعد الحمد والصّلوات ليعلم الأخ الأعزّ المير محبّ الله أنّ الإيمان بالغيب بوجود الواجب تعالى وسائر صفاته نصيب الأنبياء وأصحابهم عليهم الصّلاة والسّلام ونصيب الأولياء الّذين ثبت لهم الرّجوع بالكلّيّة ونسبتهم نسبة الأصحاب وإن كان هؤلاء قليلين بل أقلّ ونصيب العلماء ونصيب عامّة المؤمنين أيضا والإيمان الشّهوديّ نصيب عامّة الصّوفيّة سواء كانوا من أرباب العزلة أو من أصحاب العشرة فإنّ أصحاب العشرة وإن كانوا مرجوعين لكنّهم ما رجعوا بالكلّيّة بل باطنهم مستشرف إلى الفوق ومنجذب إليه دائما فهو بالظّاهر مع الخلق وبالباطن مع الحقّ جلّ سلطانه فالإيمان الشّهوديّ نصيبهم دائما والأنبياء عليهم السّلام لمّا كانوا مرجوعين بالكلّيّة ومتوجّهين ظاهرا وباطنا إلى دعوة الخلق بالحقّ جلّ وعلا كان الإيمان الغيبيّ نصيبهم بالضّرورة وقد حقّق هذا الفقير في بعض رسائله أنّ التّوجّه نحو الفوق مع وجود الرّجوع من علامة النّقص وعدم الوصول إلى نهاية الأمر والرّجوع بالكلّيّة علامة الوصول إلى نهاية النّهايات والصّوفيّة زعموا أنّ الكمال إنّما هو في الجمع بين التّوجّهين وعدّوا الجامع بين التّشبيه والتّنزيه من الكمّل، (ع) وللنّاس فيما يعشقون مذاهب * فإذا فرغ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام من وظيفة PageV01P368 الدّعوة وتوجّهوا نحو عالم البقاء وتمّت مصلحة الرّجوع يكونون متوجّهين بكلّيّتهم إلى الحقّ جلّ شأنه قائلين بتمام الشّوق الرّفيق الأعلى متبخترين في مراتب القرب شعر: هنيئا لارباب النّعيم نعيمها ... وللعاشق المسكين ما يتجرّع والكمال عند الفقير هو أن ترتفع الكثرة وقت العروج عن النّظر بالكلّيّة حتّى لا تكون الأسماء والصّفات أيضا ملحوظة ولا يكون غير الأحديّة المجرّدة مشهودا ثمّ يعامل معه ما يعامل معه وأن يقع النّظر وقت الرّجوع إلى الكثرة بالتّمام ولا يكون مشهوده كعامّة المؤمنين غير الخلق ولا يكون شغله غير أداء الطّاعة ودعوى الخلق إلى الحقّ جلّ وعلا فإذا تمّ أمر الدّعوة وودّع العالم الفاني يتوجّه بكلّيّته إلى جناب قدسه تعالى ويحوّل رحله من الغيب إلى الشّهادة ويبدّل معاملة المراسلة بمعاملة المعانقة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ولا يخيّلنّ النّاقص أنّ الرّجوع الكلّيّ نقص ولا يزعمنّ أنّ التّوجّه بالباطن إلى الحقّ جلّ وعلا أفضل من التّوجّه إلى الخلق لدعوتهم وتكميلهم فإنّ صاحب الرّجوع ما جاء إلى مقام الرّجوع باختيار نفسه بل نزل من أعلى إلى أسفل بإرادة الحقّ جلّ سلطانه ورضي لنفسه بالهجر عن الوصول فصاحب الرّجوع قائم بمراد الحقّ جلّ شأنه وفان عن مراد نفسه وصاحب التّوجّه محفوظ بالوصل والشّهود ومسرور بالقرب والمعيّة، شعر: إذا أرضي منّا قلبي بعاديّ ... فهذا الهجر أحظى من وصالي لأنّي في الوصال عبيد نفسي ... وفي الهجر أنّ مولى للموالي وشغلي بالحبيب بكلّ حال ... أحبّ إليّ من شغلي بحالي وفضائل الرّجوع وكمالاته كثيرة وصاحب التّوجّه بالنّسبة إلى صاحب الرّجوع قطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط وهذا الرّجوع من فضائل النّبوّة وذاك التّوجّه من آثار الولاية شتّان ما بينهما ولكن لا يدرك هذا الكمال فهم كلّ أحد ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وقال بعض الجامعين بين التّشبيه والتّنزيه انّ الإيمان بالتّنزيه حاصل لجميع المؤمنين والعارف هو الّذي يجمع بينه وبين الإيمان بالتّشبيه ويرى الخلق ظهور الخالق والكثرة كسوة الوحدة ويطالع الصّانع في صنعه وبالجملة انّ التّوجّه إلى التّنزيه الصّرف نقص عندهم وشهود الوحدة بلا ملاحظة الكثرة عيب وهذه الجماعة يعدّون المتوجّهين إلى الاحديّة الصّرفة ناقصين ويظنّون ملاحظة الوحدة بلا مطالعة الكثرة تحديدا وتقييدا سبحان الله وبحمده أما دروا أنّ دعوة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام كلّها إلى تنزيه صرف والكتب السّماويّة ناطقة بالإيمان التّنزيهيّ والأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ينفون الآلهة الباطلة الآفاقيّة والأنفسيّة ويدعون الخلق إلى إبطالها ويدلّون على وحدة واجب الوجود المنزّه عن التّشبيه والتّكييف هل سمعت قطّ أن نبيّا PageV01P369 دعا إلى الإيمان التّشبيهيّ وقال: إنّ الخلق ظهور الخالق وجميع الأنبياء متّفقون على توحيد واجب الوجود تعالى وتقدّس ونفى أرباب غيره تعالى قال الله تعالى (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ أَلّا نَعْبُدَ إِلّا الله ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ الله فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ) وهؤلاء الجماعة يثبتون أربابا غير متناهية ويتخيّلون كلّهم ظهورات ربّ الأرباب وما يستشهدون به في إثبات مطالبهم من الكتاب والسّنّة ليس فيه استشهاد أصلا أمّا الكتاب فقوله تعالى (هُوَ الْأَوَّلُ والْآخِرُ والظّاهِرُ والْباطِنُ) (وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمى) (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) وأمّا السّنّة فقوله عليه الصّلاة والسّلام اللهمّ (1) أنت الأوّل فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظّاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء. فإنّ جميع الحصر في هذه العبارات لنفي كمال الوجود عمّا سواه تعالى بأبلغ الوجوه لا نفي أصل الوجود كما قال عليه الصّلاة والسّلام لا صلاة (2) الّا بفاتحة الكتاب. وقال أيضا: لا إيمان (3) لمن لا أمانة له. وأمثال ذلك في الكتاب والسّنّة كثيرة وهذا التّوجيه ليس من قبيل تأويل النّصوص كما زعموا بل هو حمل النّصوص على كمال البلاغة كما أنّ في العرف إذا وقع الإهتمام برسالة شخص ونيابته يقال: إنّ يده يديّ والمقصود هنا ليس الحقيقة بل المجاز الّذي هو أبلغ من الحقيقة فإذا كان وقوع الفعل أكثر وأزيد بالنّظر إلى مقدار قدرة الفاعل الّذي هو عبد مملوك لصاحب القدرة الكاملة وكان التفات ذلك القادر المالك وتوجّهه إلى ذلك الفعل مرعيّا يصحّ للمالك أن يقول أنا فعلت هذا الفعل لا أنت ولا دلالة لهذا الكلام أصلا على اتّحاد الفعل ولا على اتّحاد الذّات معاذ الله من أن يكون فعل العبد المملوك عين فعل المالك المقتدر أو يكون ذاته عين ذاته ألم تفهم هذه الجماعة مذاق الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فإنّ مدار دعوتهم على إثبات الاثنينيّة ووجود المغايرة يعني بين الخلق والخالق. وتنزيل عباراتهم على التّوحيد والاتّحاد من التّكلّفات الباردة فإن كان الموجود واحدا في الحقيقة وكان ما سواه ظهوراته وكان عبادة ما سواه عبادته كما زعم هؤلاء الجماعة لم منع الأنبياء عليهم السّلام عنها بالمبالغة والتّأكيد ولم خوّفوا بالعقوبات الأبديّة على عبادة ما سواه ولم قالوا لعابديه " أعداء الله " ولم لم يطلعوهم على منشأ غلطهم ولم يزيلوا عنهم رؤية المغايرة النّاشئة عن الجهل فيهم ولم يفهموهم أنّ عبادة ما سواه عين عبادته جلّ وعلا. قال بعض هؤلاء الجماعة: إنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام إنّما أخفوا أسرار التّوحيد الوجوديّ عن العوامّ وبنوا أمر الدّعوة على إثبات المغايرة وأخفوا الوحدة ودلّوا على الكثرة بسبب قصور فهم العوامّ عن PageV01P370 ذلك وهذا القول غير مسموع منه كما لا يسمع القول بالتّقاة من الشّيعة فإنّ الأنبياء عليهم السّلام أحقّ بتبليغ ما هو مطابق لنفس الأمر فإن كان الوجود في نفس الأمر واحدا فلم اخفوه واظهروا خلاف ما في نفس الامر خصوصا في الاحكام الّتى تتعلّق بذات واجب الوجود وصفاته وأفعاله تعالى وتقدّس فإنّهم أحقّاء بإعلانها وإظهارها وإن كان قاصر النّظر قاصرا عن إدراكها وعاجزا عن فهمها فضلا عن العوامّ ألا ترى أنّ المتشابهات القرآنيّة وما ورد في الأحاديث النّبويّة من المتشابهات يعجز الخواصّ عن فهمها فضلا عن العوامّ ومع ذلك لم يمنعوا ولم يعقهم توهّم غلط العوامّ من إبدائها وهؤلاء الجماعة يسمّون من يقول بتعدّد الوجود والموجود ويتنزّه عن عبادة ما سوى المعبود تعالى وتقدّس مشركا ويقولون لمن يقول بوحدة الوجود موحّدا ولو كان يعبد ألف صنم بتخيّل انّها ظهورات الحقّ سبحانه وأنّ عبادتها عبادته سبحانه ينبغي أن يتأمّل بالإنصاف أيّ صنف من هذين الصّنفين مشرك وأيّ صنف منهما موحّد والأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ما دعوا الخلق إلى وحدة الوجود ولم يقولوا لمن قال بتعدّد الوجود مشركا بل كانت دعوتهم إلى وحدة المعبود جلّ سلطانه وأطلقوا الشّرك على عبادة ما سواه تعالى فإن لم يعرف الصّوفيّة الوجوديّة ما سواه تعالى بعنوان الغيريّة لا يتخلّصون من الشّرك وما سواه تعالى هو ما سواه تعالى عرفوا ذلك أو لا وبعض المتأخّرين منهم قال: إنّ العالم ليس عين الحقّ جلّ سلطانه ويتحاشى من القول بالعينيّة ويطعن في القائلين بها ويشنّعهم وينكر الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ واتباعه من هذا الوجه ويذكرهم بسوء ومع ذلك لا يقول بمغايرة العالم للحقّ سبحانه بل يقول إنّه ليس عين الحقّ ولا غير الحقّ سبحانه وهذا الكلام بعيد عن الصّواب فإنّ الاثنان متغايران قضيّة مقرّرة ومنكر المغايرة بين الإثنين مصادم لبديهة العقل غاية ما في الباب أنّ المتكلّمين قالوا في صفات الواجب إنّها لا هو ولا غيره وأرادوا بالغير الغير المصطلح وراعوا جواز الإنفكاك في المتغايرين فإنّ صفات الواجب ليست منفكّة عن الذّات وجواز الإنفكاك بين الذّات والصّفات القديمة غير متصوّر فقول لا هو ولا غيره صادق في الصّفات القديمة بخلاف العالم فإنّ تلك النّسبة مفقودة فيه كان (1) الله ولم يكن معه شيء. فنفي العينيّة والغيريّة معا من العالم بعيد عن الصّدق لغة واصطلاحا وهؤلاء الجماعة إنّما زعموا العالم وتصوّروه كالصّفات القديمة وأثبتوا له الحكم المخصوص بها من قصورهم وعدم وصولهم وحيث قالت هؤلاء الجماعة بنفي عينيّة العالم كان اللّازم لهم أن يقولوا بغيريّته أيضا حتّى يخرجوا من زمرة أرباب التّوحيد الوجوديّ ويحكموا بتعدّد الوجود وفي التّوحيد الوجوديّ لا بدّ من القول بالعينيّة كما قال بها الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ وأتباعه والقول بالعينيّة لا بمعنى أنّ العالم متّحد بالصّانع معاذ الله من ذلك بل بمعنى أنّ العالم معدوم والموجود هو واجب الوجود تعالى وتقدّس كما حقّق هذا الفقير هذا المعنى في بعض رسائله. فإن قيل: إنّ الصّوفيّة PageV01P371 الوجوديّة إنّما يقولون لمن يقول بتعدّد الوجود مشركا باعتبار أنّه يرى ويشاهد الإثنين ومشاهد الإثنين هو مشرك الطّريقة؟ (أجيب) أنّ رؤية الإثنين الّتي هي شرك الطّريقة تندفع بالتّوحيد الشّهوديّ ولا حاجة إلى التّوحيد الوجوديّ في ذلك الموطن بل ينبغي أن لا يكون مشهود السّالك وملحوظه غير الذّات الأحد المقدّسة حتّى يتحقّق الفناء ويندفع شرك الطّريقة كما إذا رأى شخص الشّمس في النّهار وحدها ولم ير النّجوم يندفع رؤية الاثنين وان كانت النّجوم كلّها موجودة في النّهار والمقصود هو كون المشهود هو الشّمس وحدها سواء كانت النّجوم موجودة أو معدومة بل أقول: إنّ كمال الفناء إنّما هو في صورة تكون الأشياء موجودة ومع ذلك لا يلتفت السّالك من كمال تعلّقه وشغفه بالمطلوب الحقيقيّ إلى شيء أصلا بل لا يشاهد شيئا ولا يقع نظر بصيرته إلى شيء قطعا فإن لم تكن الأشياء موجودة فمن أيّ شيء يتحقّق الفناء وعمّن يكون فانيا وذاهلا وناسيا وأوّل من صرّح بالتّوحيد الوجوديّ هو الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ وعبارات المشائخ المتقدّمين وإن كانت مشعرة بالتّوحيد ومنبئة عن الإتّحاد ولكنّها قابلة للحمل على التّوحيد الشّهوديّ فإنّه لمّا لم ير غير الحقّ سبحانه قال بعضهم: ليس في جبّتي سوى الله وقال بعضهم: سبحاني وبعضهم ليس في الدّار غيري وهذه كلّها أزهار تفتّقت من غصن رؤية الواحد لا دلالة في واحد منها على التّوحيد الوجوديّ والّذي بوّب مسألة وحدة الوجود وفصّلها ودوّنها تدوين النّحو والصّرف هو الشّيخ محيي الدّين بن العربيّ وخصّص بعض المعارف الغامضة بين هذا المبحث بنفسه حتّى قال: إنّ خاتم النّبوّة يأخذ بعض العلوم والمعارف عن خاتم الولاية وأراد بخاتم الولاية المحمّديّة نفسه وقال الشّرّاح في توجيهه: إنّ السّلطان إذا أخذ من خازنه شيئا فأيّ نقصان فيه وبالجملة لا حاجة في تحصيل الفناء والبقاء وحصول الولاية الصّغرى والكبرى إلى التّوحيد الوجوديّ بل لا بدّ في تحقّق الفناء وحصول نسيان السّوى من التّوحيد الشّهوديّ بل يمكن أن يسير السّالك من البداية إلى النّهاية ولا يظهر له شيء من علوم التّوحيد الوجوديّ ومعارفها أصلا بل يكاد ينكر هذه العلوم وعند هذا الفقير أنّ الطّريق الّذي يتيسّر سلوكه بدون ظهور هذه المعارف أقرب من الطّريق الّذي هو متضمّن لظهور هذه المعارف. وأيضا إنّ أكثر سالكي هذه الطّريق يصلون إلى المطلوب وأكثر سائري ذاك الطّريق يبقون في الطّريق ويروون من البحر بقطرة ويبتلون بتوهّم اتّحاد الظّلّ بالأصل ويحرمون بذلك الوصل وعلمت هذا المعنى بتجاريب متعدّدة والله سبحانه الملهم للصّواب وسير الفقير وإن كان من الطّريق الثّاني ووجد حظّا وافرا من ظهورات علوم التّوحيد الوجوديّ ومعارفه ولكن لمّا كانت عناية الحقّ سبحانه شاملة لحاله وكان سيره السّير المحبوبيّ طوى بوادي الطّريق ومفاويزه بامداد فضله وعنايته تعالى وجاوز مراتب الظّلال ووصل إلى الأصل بتوفيق الله تعالى وعونه. ولمّا وقعت المعاملة على المسترشدين رأى أنّ الطّريق الآخر أقرب PageV01P372 إلى الوصول وأسهل من حيث الحصول الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ. تنبيه: قد علم من التّحقيق السّابق أنّ الموجودات وإن كانت متعدّدة وما سواه تعالى كان موجودا جاز أن يتحقّق الفناء والبقاء وتحصل الولاية الصّغرى والكبرى فإنّ الفناء هو نسيان السّوى لا إعدامه واستئصاله وما هو اللّازم فيه أن تكون رؤية السّوى مفقودة لا أن يكون السّوى معدوما ولا شيئا محضا. وهذا الكلام مع ظهوره قد خفي على أكثر الخواصّ وماذا نقول من العوامّ وجعلوا معرفة وحدة الوجود من شرائط الطّريق بتخيّل أنّ التّوحيد الشّهوديّ هو عين التّوحيد الوجوديّ وزعموا القائل بتعدّد الوجود ضالّا ومضلّا حتّى تخيّل الكثيرون منهم أنّ معرفة الحقّ سبحانه منحصرة في معارف التّوحيد الوجوديّ وتصوّروا أنّ شهود الوحدة في مرايا الكثرة من تمام الأمر حتّى صرّح بعضهم أنّ نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم كان بعد حصول كمالات النّبوّة في مقام الشّهود والوحدة في الكثرة وأنّ في قوله تعالى (إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) إشارة إلى ذلك المقام ويؤول العبارة هكذا (إِنّا أَعْطَيْناكَ) شهود الوحدة في الكثرة وكأنّه فهم هذه الإشارة من توسّط الواو بين حروف الكثر حاشا مقام النّبوّة من أن يليق بمثل هذه المعارف وكلا فإنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام إنّما دعوا إلى الله المنزّه عن المماثلة والمشابهة والّذي يكون له متّسع في مرايا المثاليّ ليس له نصيب من المثاليّ بل هو متّسم بسمة الكيف والمثال رزقهم الله سبحانه الإنصاف وكأنّهم يزنون الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام بميزان كمالاتهم ويزعمون كمالاتهم مماثلة لكمالاتهم (كبرت كلمة تخرج من أفواههم)، شعر: وليس لشيء كامن جوف صخرة ... سواها سموات لديه ولا أرض وأحقر أمّته صلّى الله عليه وسلّم في استغفار وندامة من أمثال هذه المعرفة الّتي حصلت له في أوائل حاله وينفى ذلك الشّهود من جانب قدسه تعالى كحلول النّصارى قال الخواجه النّقشبند قدّس سرّه: كلّما يكون مرئيّا مسموعا أو متخيّلا أو موهوما فهو غيره تعالى ينبغي نفيه بحقيقة كلمة لا فكان شهود الوحدة في الكثرة أيضا مستحقّا للنّفي فهو منتف من جانب قدسه وكلام الخواجه هذا هو الّذي أخرجني من هذا الشّهود وأنجاني من التّعلّقات بالمشاهدة والمعاينة، وحوّل الرّحل من العلم إلى الجهل ومن المعرفة إلى الحيرة جزاه الله سبحانه خير الجزاء وأنا بهذا الكلام الواحد مريد الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه ومقرطق الاذن بكلامه هذا. والحقّ أنّ قليلا من الأولياء تكلّم بهذه العبارة ونفى جميع المشاهدات والمعاينات على هذا النّهج وقال هو يعني الخواجه النّقشبند في هذا المقام الّذي هو مقام الحقيقة: معرفة الحقّ سبحانه وتعالى حرام على بهاء الدّين لو لم تكن بدايته نهاية أبي يزيد فإنّ أبا يزيد مع عظم شأنه PageV01P373 وجلالة قدره ما جاوز الشّهود والمشاهدة ولم يضع قدمه خارج مضيق سبحاني بخلاف الخواجه النّقشبند فإنّه نفى جميع مشاهداته بكلمة واحدة يعني كلمة لا، وجعل الكلّ غير الحقّ سبحانه وتنزيه البسطاميّ تشبيه عند الخواجه ولا مثاليه مثالي، وكماله نقص فلا جرم تكون نهايته الّتي لم تتجاوز التّشبيه بداية الخواجه، فإنّ البداية تكون من التّشبيه والنّهاية تكون إلى التّنزيه ولعلّه حصل الإطّلاع لأبي يزيد في آخر الحال على هذا النّقص حيث قال قبيل الإحتضار: إلهي ما ذكرتك الّا عن غفلة ولا خدمتك الّا عن فترة فعرف في ذلك الحال أنّ حضوره السّابق كان غفلة فإنّه ما كان حضور الحقّ سبحانه بل كان حضور ظلّ من الظّلال وظهور من الظّهورات فيكون غافلا عنه تعالى بالضّرورة فإنّه سبحانه غير الظّلال والظّهورات ووراء الوراء والظّلال والظّهورات إنّما هي مباد ومقدّمات ومعارج ومعدّات وما قال الخواجه قدّس سرّه: نحن ندرج النّهاية في البداية، مطابق للواقع فإنّ ابتداء توجّههم إلى الاحديّة الصّرفة لا يريدون من الإسم والصّفة غير الذّات وهذه الحال تحصل للمبتدئين الرّاشدين من هذه الطّائفة بطريق الإنعكاس من شيخ مقتدى به مشرّف بهذا الكمال عرفوا أو لم يعرفوا فتكون نهاية الكمال مندرجة في بداية هؤلاء الأكابر (غاية ما في الباب) أنّ هذا التّوجّه إلى الاحديّة لو غلب فيهم ونمى وجعل الظّاهر أيضا منصبغا بلون الباطن يكون السّالك حينئذ متخلّصا من رقّيّة مشاهدة السّفليّ وشهود الأدنى الّذي يظهر في مرايا الممكنات وهاربا من المعارف التّشبيهيّة وإن لم يغلب هذا التّوجّه بل كان مقصورا على الباطن فكثيرا ما يكون الظّاهر ملتذّا بشهود الوحدة في الكثرة ومحتظّا بالتّوحيد والاتّحاد ولكنّ هذا الشّهود مقصور في حقّهم على الظّاهر غير سار إلى الباطن بل باطنهم متوجّه إلى الاحديّة الصّرفة وظاهرهم مشاهد للوحدة في الكثرة بل ربّما لا يكون توجّه الباطن بواسطة غلبة نسبة الظّاهر معلوما ولا يكون شيء سوى الشّهود الظّاهريّ مفهوما كما كان ذلك في أوائل أحوال محرّر هذه السّطور فإنّه لم يكن له شعور من توجّه الباطن إلى الاحديّة الصّرفة بواسطة غلبة نسبة الظّاهر، ووجد نفسه متوجّها بالكلّيّة إلى شهود الوحدة في الكثرة ثمّ رزقه الحقّ سبحانه بعد مدّة الإطّلاع على توجّه الباطن ونصر الباطن على الظّاهر وأوصل المعاملة إلى هنا الحمد لله سبحانه على ذلك ومن هذا القبيل ما صدر من بعض خلفاء هذه الطّائفة العليّة من المعارف التّوحيديّة والمشاهدة السّفليّة لا أنّهم متوجّهون إلى هذا الشّهود ومبتلون بهذه المعرفة ظاهرا وباطنا بخلاف غيرهم حيث انّهم مبتلون بهذا الشّهود ظاهرا وباطنا ويزعمون هذا الشّهود جمعا بين التّشبيه والتّنزيه ويعدّونه من الكمال وإن كان لهم في الباطن إيمان بالتّنزيه الصّرف فإنّ الإبتلاء غير الإيمان والحال غير العلم. وأمّا الّذين لا إيمان لهم بالتّنزيه الصّرف ولا يعتقدون شيئا غير المشاهدة السّفليّة فهم الملاحدة وهم خارجون عن المبحث وشهود الحقّ جلّ وعلا في مرايا الممكنات الّذي يعدّه جماعة من الصّوفيّة كمالا ويزعمونه جمعا بين التّشبيه والتّنزيه ليس هو عند الفقير شهود الحقّ جلّ وعلا وليس PageV01P374 المشهود فيها غير متخيّلهم ومنحوتهم ولا ما يرونه في الممكن واجبا ولا ما يجدونه في الحادث قديما ولا ما يظهر في التّشبيه تنزيها وإيّاك والإفتتان بترّهات الصّوفيّة واعتقاد غير الحقّ حقّا وهذه الجماعة وإن كانوا معذورين في خصوصهم بغلبة الحال ومحفوظين من المؤاخذة بذلك كالمجتهد المخطئ ولكن لا ندري ماذا تكون المعاملة بمقلّديهم ليتهم يكونوا كمقلّدي المجتهد المخطئ والّا فالأمر مشكل والقياس الإجتهاديّ أصل من الاصول الشّرعيّة ونحن مأمورون بتقليده بخلاف الكشف والإلهام فإنّا لم نؤمر بتقليده. والإلهام ليس بحجّة للغير، والحكم الإجتهاديّ حجّة للغير فيجب إذا تقليد العلماء المجتهدين وينبغي طلب أصول الدّين موافقة لآرائهم وما يقوله الصّوفيّة أو يفعلونه مخالفا لآراء العلماء المجتهدين لا ينبغي تقليده بل ينبغي السّكوت عن طعنهم بحسن الظّنّ بهم وأن يعدّه من شطحيّاتهم وأن يصرفه عن ظاهره. والعجب أنّ كثيرا من الصّوفيّة يدلّون العوامّ على الإيمان بأمورهم الكشفيّة كوحدة الوجود مثلا ويدعونهم إليه ويرغّبونهم في تقليدهم فيها ويهدّدونهم على عدم الإيمان بها وليتهم يدلّونهم على عدم الإنكار على هذه الامور ويهدّدون المنكرين فإنّ الإيمان غير عدم الإنكار. والإيمان بهذه الامور ليس بلازم ولكن ينبغي الإجتناب والإحتراز عن الإنكار لئلّا ينجرّ إنكار هذه الامور إلى إنكار أربابها فيؤدّي إلى بغض أولياء الحقّ جلّ وعلا وعداوتهم فاللّازم للإنسان العمل على وفق آراء علماء أهل الحقّ والسّكوت عن كشفيّات الصّوفيّة بحسن الظّنّ وعدم الجسارة بلا ونعم هو الحقّ المتوسّط بين الإفراط والتّفريط والله سبحانه الملهم للصّواب. ومن أعجب العجب أنّ جماعة من مدّعي هذا الطّريق لا يقنعون بهذا الشّهود والمشاهدة بل يزعمون هذا الشّهود تنزّلا ويقولون في أثناء ذلك بالرّؤية البصريّة ويقولون نرى ذات واجب الوجود المنزّه عن المثال ويقولون إنّ هذه الدّولة الّتي كانت ميسّرة للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرّة واحدة في ليلة المعراج تتيسّر لنا في كلّ يوم ويشبّهون النّور المرئيّ لهم بإسفار الصّبح ويزعمون ذلك النّور المرتبة اللّاكيفيّة ويتخيّلون ظهور ذلك النّور نهاية مراتب العروج تعالى الله سبحانه عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا. وأيضا إنّهم يثبتون المكالمة معه تعالى ويقولون: أمرنا الله سبحانه وتعالى بكذا وكذا وينقلون عنه سبحانه أحيانا وعيدا في حقّ أعدائهم ويبشّرون أحيانا أحبابهم ويقول بعضهم كلمة الحقّ سبحانه بقيّة ثلث اللّيل او ربعه إلى صلاة الصّبح وسألته عن كلّ باب ووجدت منه الجواب، لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوّا كبيرا ويفهم من كلمات هؤلاء الجماعة أنّهم يعتقدون ذلك النّور المرئيّ عين الحقّ سبحانه وعين ذاته تعالى لا انّهم يقولون إنّه ظهور من ظهوراته تعالى وظلّ من ظلاله ولا شكّ أنّ اعتقاد ذلك النّور ذات الحقّ سبحانه افتراء محض وإلحاد صرف وزندقة خالصة ومن نهاية تحمّله سبحانه وتعالى عدم استعجاله في عقوبة أمثال هؤلاء المفترين وتعذيبهم بأنواع العذاب وعدم استئصالهم سبحانك على حلمك بعد علمك سبحانك على عفوك بعد قدرتك وقد هلك قوم موسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام بمجرّد طلب الرّؤية وسمع موسى عليه السّلام نداء لن تراني بعد طلب الرّؤية وخرّ صعقا وتاب من ذلك PageV01P375 الطّلب ومحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الّذي هو محبوب ربّ العالمين وأفضل الموجودات وسيّد الأوّلين والآخرين مع كونه مشرّفا بدولة المعراج البدنيّ وتجاوزه العرش والكرسيّ وعلوّه على الزّمان والمكان يعني خلوّه وخروجه منهما للعلماء اختلاف في رؤيته عليه الصّلاة والسّلام مع وجود الإشارة القرآنيّة إليها وأكثرهم قائلون بعدمها قال الإمام الغزاليّ: الأصحّ إنّه عليه الصّلاة والسّلام ما رأى ربّه ليلة المعراج وهؤلاء القاصرون يرون الله سبحانه كلّ يوم بزعمهم الباطل مع وجود القيل والقال بين العلماء في رؤية محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرّة واحدة فقبّحهم الله سبحانه ما أجهلهم. وأيضا يعلم من كلمات هؤلاء الجماعة أنّ نسبة الكلام الّذي يسمعونه إلى الله سبحانه عندهم كنسبة الكلام إلى المتكلّم وهذا عين الإلحاد معاذ الله سبحانه من أن يصدر عنه كلام بطريق تكلّم فيه ترتيب الحروف والتّقدّم والتّأخّر فإنّ ذلك من علامات الحدوث والّذي أوقعهم في الاغلوطات هو كلمات المشائخ الكبار فإنّهم أيضا أثبتوا له سبحانه الكلام والمكالمة. ولكن ينبغي أن يعلم: انّ المشائخ لا يقولون إنّ نسبة الكلام إليه تعالى كنسبته إلى المتكلّم بل يقولون إنّه كنسبة المخلوق إلى الخالق يقينا ولا محذور في ذلك أصلا فإنّ موسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام سمع من الشّجرة كلام الحقّ سبحانه وتعالى ونسبة هذا الكلام إلى الحقّ سبحانه كنسبة المخلوق إلى الخالق لا كنسبة الكلام إلى المتكلّم وكذلك الكلام الّذي كان يسمعه من جبريل عليه السّلام نسبته إلى الحقّ كنسبة المخلوق إلى الخالق. غاية ما في الباب أنّ ذلك الكلام أيضا كلام الحقّ سبحانه ومنكره كافر وزنديق وكأنّ كلام الحقّ مشترك بين الكلام النّفسيّ والكلام اللّفظيّ الّذي يوجده الحقّ سبحانه من غير توسّط أمر ما فيكون الكلام اللّفظيّ أيضا في الحقيقة كلام الحقّ سبحانه وتعالى فيكون منكره كافرا بالضّرورة فافهم فإنّ هذا التّحقيق ينفعك في كثير من المواضع والله سبحانه الموفّق وينبغي أن يعلم أنّ الوجود الّذي نثبته في الممكنات هو وجود ضعيف كسائر صفات الممكنات وما مقدار علم الممكن في جنب علم الواجب تعالى وأيّ اعتبار للقدرة الحادثة في جنب القدرة القديمة وكذلك وجود الممكن في جنب وجود الواجب لا شيء محض فكيف يقع النّاظر في الشّكّ من تفاوت مراتب هذين الوجودين أنّ إطلاق الوجود على هذين الفردين هل هو بطريق الحقيقة أو على أحدهما بطريق الحقيقة وعلى الآخر بطريق المجاز ألا ترى أنّ الجمّ الغفير من الصّوفيّة تيقّنوا بالشّقّ الثّاني وقالوا: إنّ إطلاق الوجود على وجود الممكن إنّما هو بطريق المجاز ولا يثبت الوجود للممكنات الّا العوامّ وأخصّ الخواصّ والمراد بأخصّ الخواصّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ومن كان مشرّفا بولايتهم الأصليّة من أممهم وطوى دائرة الظّلال بالتّمام فأمّا العوامّ فنظرهم مقصور على الظّاهر فيزعمون أنّ وجود الواجب ووجود الممكن قسمان من الوجود المطلق ويظنّون كليهما موجودين. وأمّا أخصّ الخواصّ فأبصارهم حديدة فيجدون كلا الوجودين من أفراد الوجود المطلق ويعدّون تفاوت مراتب أفراد الوجود المطلق راجعا إلى صفات الوجود واعتباراته لا إلى حقيقته وذاته حتّى يكون في أحدهما PageV01P376 حقيقة وفي الآخر مجازا وأما المتوسّطون الّذين وضعوا أقدامهم فوق رتبة العوامّ وقصروا عن إدراك كمالات أخصّ الخواصّ فعسير عليهم أن يقولوا بوجود الممكنات وأن يطلقوا لفظ الوجود على وجود الممكن بطريق الحقيقة ومشكل ومن ههنا قالوا: إنّ الممكن إنّما يقال له موجودا بعلاقة أنّ له نسبة إلى الوجود كما يقال: ماء الشّمس لا إنّ الوجود قائم به حتّى يكون موجودا حقيقة. وبعض هؤلاء الجماعة ساكت عن وجود الممكن غير مصرّح بنفيه وإثباته وبعضهم ينفي الوجود عن الممكن ولا يرى موجودا غير الواجب تعالى. وبعضهم لا يقول بغيريّة وجود الممكن لوجود الواجب كما لا يقول بعينيّته له ويصرّح بعضهم أنّ الممكن موجود بعين الوجود الّذي به الواجب تعالى موجود وهذه العبارة أيضا تنفي الوجود عن الممكن وبالجملة يحتاج في إثبات وجود الممكن إلى حدّة النّظر حتّى يمكن رؤيته حين تشعشع أنوار وجود الواجب تعالى كما أنّ من لهم حدّة البصر يرون النّجوم في النّهار مع وجود تشعشع نور الشّمس والّذين ليس لهم حدّة البصر لا يقدرون رؤيتها فوجود الممكنات في جنب وجود الواجب كوجود الكواكب في النّهار من كان فيه حدّة البصر يقدر رؤيته ومن هو ضعيف البصر لا يقدرها (ع) وليس له منها نصيب ولا سهم * فإن قيل: كيف يرى العوامّ وجود الممكنات مع وجود ضعف البصر وعمى البصيرة فيهم والحال أنّ تشعشع أنوار وجود الواجب مانع عن رؤيته يعني الضّعاف البصر؟ (أجيب) أنّ العوامّ أرباب العلم لا أرباب الرّؤية، وكلامنا في أرباب الرّؤية لا في أرباب العلم فإنّهم خارجون عن المبحث فكان ظهور أنوار الواجب تعالى مفقودا في حقّهم فلا يكون مانعا عن رؤية وجود الممكنات في حقّهم أو نقول: إنّ ظهور أنوار الواجب إنّما هو مانع عن شهود وجود الممكنات لا إنّه مانع عن العلم بوجود الممكنات فإنّ العلم كثيرا ما يحصل بالسّماع والتّقليد والنّظر والإستدلال كما أنّ العلم بوجود الكواكب في النّهار حاصل لضعاف البصر أيضا مع وجود ظهور الشّمس وفي العوامّ العلم بوجود الممكنات لا شهوده فإنّ الشّهود من صفة البصيرة وبصيرة العوامّ مطموسة سواء كان المشهود ملكا أو ملكوتا أو جبروتا أو لاهوتا. (أيّها الأخ الأعزّ) إنّ العوامّ كما أنّهم مشاركون لاخصّ الخواصّ في هذا المبحث كذلك لهم مشاركة في مواضع أخر ومن ههنا كانت معاملة الأنبياء ومعائشهم عليهم الصّلاة والسّلام في كثير من الأحكام كمعاملة العوامّ ومعائشهم عليهم الصّلاة والسّلام في كثير من الأحكام كمعاملة العوامّ ومعائشهم ومعاشرتهم مع أهلهم وعيالهم وكان خير البشر صلّى الله عليه وسلّم يعامل أهله وعياله مثل معاملتهم وحسن معاشرته صلّى الله عليه وسلّم مشهور، نقل أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قبّل يوما الحسن PageV01P377 والحسين (1) رضي الله عنهما وأظهر لهما تمام الإنبساط فقال شخص من الحاضرين: إنّ لي أحد عشر ابنا ولم أقبّل واحدا منهم أصلا فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إنّ هذه الرّحمة أعطاها الله سبحانه لعباده من رحمته وحيث كانت لاخصّ الخواصّ مشاركة مع العوامّ في بعض الأوصاف وإن كانت صورة كان العوامّ محرومين من أكثر كمالاتهم بسبب نقصانهم وقصور إدراكهم وتخيّلهم إيّاهم كأنفسهم والّذين فارقوهم في الأوصاف والخصال تراهم يعظّمونهم ويوقّرونهم ولهذا يفضّلون أوصاف الأولياء وأخلاقهم على ما سواها من الأوصاف الّتي تشابه أوصافهم وأخلاقهم لكونها مغايرة لاوصافهم وأخلاقهم، وإن كانت تلك الأخلاق موجودة في الأنبياء عليهم السّلام (نقل) عن المخدوم الشّيخ فريد كنج شكر أنّه لمّا توفّي واحد من أولاده وبلغه خبر وفاته لم يطرأ عليه تغيّر أصلا وقال: مات جرو الكلب فأخرجوه ولمّا توفّي ولد سيّد البشر إبراهيم عليه السّلام بكى عليه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وحزن وقال: إنّا بفراقك (2) لمحزونون. وبيّن حزنه بالتّأكيد مبالغة فانظر أيّهما أفضل الشّيخ فريد كنج شكر أم سيّد البشر صلّى الله عليه وسلّم؟ وعند العوامّ الّذين هم كالأنعام بل أضلّ معاملة الأوّل أولى وأفضل فإنّهم يعدّونها من عدم التّعلّق بالسّوى ويزعمون الثّاني عين التّعلّق بالفاني أعاذنا الله سبحانه من معتقداتهم السّوء وحيث انّ هذه الدّار دار امتحان وابتلاء فإلقاء العوامّ في الإشتباه والشّبهة عين الحكمة والمصلحة اللهمّ أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتّباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه بحرمة سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونقول: إنّ إيمان النّبيّ عليه السّلام وأصحابه الكرام والأولياء الملحقين بالأصحاب العظام بعد الشّهود قد تقرّر كونه بالغيب بواسطة الرّجوع إلى الدّعوة كما أنّ شخصا رأى الشّمس في النّهار ووجد فيه الإيمان الشّهوديّ بوجود الشّمس فإذا جاء اللّيل يتبدّل إيمانه الشّهوديّ بالايمان الغيبيّ وإيمان العلماء وإن كان غيبا ولكن غيبهم عرض له حكم الحدس بواسطة نور متابعة الأنبياء عليهم السّلام وخرج من كونه نظريّا واستدلاليّا والمراد بالعلماء هنا علماء الآخرة فإنّ علماء الدّنيا داخلون في عامّة المؤمنين وأفضل أقسام الإيمان الغيبيّ المنسوب إلى عامّة المؤمنين إيمان مربوط بتقليد الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ومنوط بقال الله وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. PageV01P378 فإن قيل: قال العلماء: إنّ الإيمان الاستدلاليّ أفضل من الإيمان التّقليديّ حتّى إنّ كثيرا من العلماء عدّوا الإستدلال من شرائط الإيمان ولم يعتبروا الإيمان التّقليديّ وأنت تقول: إنّ الإيمان التّقليديّ أفضل؟ (أجيب) انّ الإيمان الحاصل بتقليد الأنبياء عليهم السّلام إيمان استدلاليّ فإنّ صاحب التّقليد يعرف بالدّليل أنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام صادقون في تبليغ الرّسالة من الله تعالى فإنّ الشّخص الّذي صدّقه الله سبحانه بالمعجزة صادق ألّبتّة والأنبياء عليهم السّلام كلّهم مؤيّدون بالمعجزات فيكون كلّهم صادقين والتّقليد الغير المعتبر هو تقليد الآباء في الإيمان فقط ولا يكون صدق الأنبياء عليهم السّلام وحقّيّة تبليغهم منظورا إليه أصلا وهذا الإيمان غير معتبر عند كثير من العلماء بقي الإيمان الإستدلاليّ الحاصل من ترتيب مقدّمات ارباب النّظر من الصّغرى والكبرى فهو استدلال قريب من الأماكن بعيد عن الوقوع ولا يعلم مضىّ أحد من أرباب النّظر في مقام الإستدلال على إثبات الواجب مثل مولانا جلال الدّين الدّوانيّ فإنّه محقّق ومتأخّر الزّمان وقد سعى هو في إثبات الواجب سعيا بليغا ومع ذلك لا يوجد مقدّمة من مقدّمات استدلالاته مسلّمة من النّقض والمعارضة والمنع والدّخل الموجّه الّتي أوردها محشوّ رسالته ويل لصاحب استدلال يحصّل الإيمان بمجرّد الإستدلال ولا يكون تقليد الأنبياء مستنده ومعتمده ربّنا آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرّسول فاكتبنا مع الشّاهدين. (273) المكتوب الثّالث والسّبعون والمائتان إلى المرزا حسام الدّين أحمد في بيان أنّه ينبغي للسّالك أن يكون ثابتا ومستقيما على طريق شيخه غير ملتفت إلى طرق أخر وأن لا يعتبر الوقائع الّتي تظهر على خلافه فإنّها من الشّيطان العدوّ وما يناسب ذلك الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ عليهم من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها قد حصل السّرور والإبتهاج بوصول صحيفة الإلتفات المرسلة باسم هذا الحقير على وجه الكرم جزاكم الله سبحانه خير الجزاء وقد اندرج فيها أنّه لو كانت المبالغة في منع السّماع متضمّنة للمنع عن سماع المولد الّذي هو عبارة عن قراءة القصائد النّعتيّة والأشعار غير النّعتيّة يعسر ترك استماع المولد على الأخ الأعزّ المير محمّد نعمان وبعض الأصحاب الموجودين هنا لأنّهم رأوا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الواقعة وهو صلّى الله عليه وسلّم راض عن مجلس المولد جدّا ويصعب عليهم ترك ذلك جدّا (أيّها المخدوم) لو كان للوقائع اعتبار وعلى المنامات اعتماد لا يحتاج المريدون إلى الشّيوخ ويكون اختيار طريق من الطّرق عبثا فإنّ كلّ مريد يعمل حينئذ بما يوافق وقائعه ويطابق لمناماته سواء كانت تلك الوقائع والمنامات موافقة لطريقة شيخه أو لا، وسواء كانت مرضيّة عنده أو لا فعلى هذا التّقدير تبطل سلسلة الشّيخوخة والمريديّة وكلّ ذى هوس يستقلّ بوضعه ويستبدّ بطوره والمريد PageV01P379 الصّادق لا يكون عنده لألف واقعة صادقة مقدار نصف شعيرة من الإعتبار مع وجود شيخه وتكون المنامات عند الطّالب الرّشيد مع دولة حضور المرشد معدودة من أضغاث أحلام ولا يلتفت إلى شيء منها أصلا الشّيطان عدوّ قويّ لا يأمن المنتهون من كيده ولا يزالون خائفين وجلين من مكره فماذا نقول في حقّ المبتدئين والمتوسّطين (غاية) ما في الباب أنّ المنتهين محفوظون ومن سلطان الشّيطان مصونون بخلاف المبتدئين والمتوسّطين فلا تكون وقائعهم مستحقّة للاعتماد ومحفوظة عن مكر عدوّ شديد العناد. فإن قيل: إنّ الواقعة الّتي يرى فيها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم صادقة ومحفوظة من كيد الشّيطان ومكره فإنّ الشّيطان (1) لا يتمثّل بصورته كما ورد فتكون وقائع ما نحن فيه صادقة ومحفوظة من مكر الشّيطان. أجيب أنّ صاحب الفتوحات المكّيّة جعل عدم تمثّل الشّيطان مخصوصا بصورته صلّى الله عليه وسلّم الخاصّة به المدفونة في المدينة ولا يجوز الحكم بعدم تمثّله مطلقا على أيّ صورة كان ولا شكّ أنّ تشخيص تلك الصّورة على صاحبها الصّلاة والسّلام خصوصا في المنام متعسّر جدّا فكيف تكون مستحقّة للاعتماد فإن لم نجعل عدم تمثّل الشّيطان مخصوصا بصورته صلّى الله عليه وسلّم الخاصّة به وجوّزنا عدم تمثّله به على أيّ صورة كان ذهب إليه كثير من العلماء ومناسب أيضا لرفعة شأنه صلّى الله عليه وسلّم نقول: إنّ أخذ الأحكام عن تلك الصّورة وإدراك المرضيّ وغير المرضيّ له من المشكلات فإنّه يمكن أن يكون العدوّ اللّعين متوسّطا في البين ومريئا لخلاف الواقع واقعيّا وموقعا للرّائي في الإشتباه والإلتباس بتلبيس عبارته وإشارته بعبارة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإشارته كما روي (2) أنّ سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام كان يوما جالسا وكان عنده صناديد قريش ورؤساء أهل الكفر وكثير من الأصحاب أيضا فقرأ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عليهم سورة النّجم ولمّا بلغ ذكر آلهتهم الباطلة ضمّ الشّيطان اللّعين كلمات في مدح آلهتهم الباطلة إلى قراءته صلّى الله عليه وسلّم على نهج ظنّها الحاضرون من قراءته عليه الصّلاة والسّلام ولم يجدوا إلى تميّزه سبيلا أصلا ففرح الكافرون وقالوا: إنّ محمّدا صالحنا ومدح آلهتنا وتحيّر منه الحاضرون من أهل الإسلام أيضا ولم يطّلع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على كلام الشّيطان اللّعين هذا فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ما الواقعة فعرض الأصحاب الكرام عليه صلّى الله عليه وسلّم أنّ هذه الفقرات قد ظهرت في أثناء كلامك فحزن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على ذلك PageV01P380 فجاء جبريل عليه السّلام بالوحي لبيان أنّ ذلك الكلام كان إلقاء شيطانيّا وذلك قوله تعالى (وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إِلّا إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) الآيات الأربع فإذا ألقى الشّيطان كلامه الباطل في أثناء قراءته صلّى الله عليه وسلّم في زمان حياته وفي حالة يقظته وفي محضر الصّحابة بحيث لا يمتاز من قراءته صلّى الله عليه وسلّم فمن أين يدرى أنّ تلك الواقعة محفوظة من تصرّف الشّيطان ومصونة من تلبيسه مع كونها بعد وفاته صلّى الله عليه سلّم وفي حالة المنام الّتي هي حالة تعطيل الحواسّ ومحلّ الإشتباه والإلتباس ووجود انفراد الرّأي عن سائر النّاس (أو نقول) إنّ كونه صلّى الله عليه سلّم راضيا بهذا العمل كما يرضى الممدوح عن المادحين لمّا كان متمكّنا في أذهان قارئ القصائد وسامعها ومنتقشا في متخيّلاتهم جاز أن تكون تلك الصّورة المرئيّة في الواقعة هي الصّورة المنتقشة في متخيّلاتهم من غير أن تكون لتلك الواقعة حقيقة وتمثّل شيطانىّ وأيضا إنّ الواقعات والرّؤيا قد تكون محمولة على ظاهرها وحقيقتها وهي الّتي يراها الرّائي بعينها كما إذا رأى مثلا صورة زيد في المنام وكان المراد بها هو عين حقيقة زيد وقد تصرف عن الظّاهر وتحمل على التّأويل والتّعبير كما إذا رأى صورة زيد مثلا في المنام وأريد بها عمر ومثلا بعلاقة المناسبة بينهما فمن أين يعلم أنّ واقعة الأصحاب محمولة على الظّاهر غير مصروفة عنه ولم لا يجوز أن يكون المراد بها الوقائع المحتاجة إلى التّعبير وأن تكون كناية عن أمور أخرى من غير أن يكون لتمثّل الشّيطان فيها مجال وبالجملة ينبغي أن لا يكون مدار الإعتبار على الواقعة فإنّ الأشياء موجودة في الخارج فينبغي السّعي حتّى ترى الأشياء في الخارج فإنّ ذلك هو اللّائق بالإعتماد وليس فيه مجال التّعبير وما يرى في الخيال فهو منام وخيال وأصحابنا هناك يعاملون بوضعهم ورأيهم من مدّة مديدة وزمام الإختيار بأيديهم وأمّا المير محمّد نعمان فما المخلّص له غير الإنقياد فإن توقّفوا عن الإمتناع فرضا لمحة بعد المنع عياذا بالله سبحانه فننظر إلى من يفرّون وبمن يلوذون. ومبالغة الفقير إنّما هي بسبب مخالفة طريقته سواء كانت المخالفة بالسّماع والرّقص أو بقراءة الموالد وإنشاء القصائد ولكلّ طريق وصول إلى مطلب خاصّ به والوصول إلى المطلب الخاصّ بهذا الطّريق المتوسّط منوط بترك هذه الامور فكلّ من فيه طلب مطلب هذا الطّريق ينبغي أن يجتنب عن مخالفة هذا الطّريق وأن لا تكون مطالب طرق أخر منظورة في نظره. قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه: ما نه اينكار ميكنيم ونه انكار ميكنيم. يعني نحن ما نفعل هذا الأمر لكونه مخالفا للطّريق الخاصّ بنا ولا ننكره أيضا لكونه معمولا عند مشائخ أخر ولكلّ وجهة هو مولّيها فإذا حدث أمر مخالف لهذه الطّريقة العليّة في فيروز آباد الّذي هو ملجأ وملاذ لامثالنا الفقراء ومقرّ قدوة أرباب المتابعة الضّعفاء لا جرم يكون موجبا لاضطراب أمثالنا الفقراء ألبتّة. والمخاديم الكرام أحقّاء بالقيام بحفظ طريق والدهم الماجد كما أنّ أولاد الخواجه احرار قدّس سرّه قاموا بحفظ الطّريق الأصل بعد عروض التّغيّر لطريق والدهم الماجد بعد وفاته وجادلوا المغيّرين كما أنّه وصل إلى سمعكم الشّريف أيضا إن شاء الله وكتبتم شيئا من مشرب شيخنا القويّ العذب نعم إنّه تساهل في أوائل حاله في بعض الامور ميلا منه إلى PageV01P381 مذهب الملامتيّ واختيارا له وارتكب ترك العزيمة في بعض الأشياء ترجيحا لذلك المذهب ولكنّه اجتنب عن هذه الامور في الآخر ولم يذكر الملامتيّة أصلا لينظروا بنظر الإنصاف وليتفكّروا أنّ شيخنا إذا كان فرضا حيّا في الدّنيا في هذه الأوان وانعقد هذا المجلس والإجتماع هل يحسبون أنّه يرضى عن هذا الأمر ويستحسن هذا الإجتماع أو لا ويقين الفقير أنّه ما كان ليجوّز هذا المعنى بل ينكره وكان مقصود الفقير الإعلام تقبلون أو لا تقبلون لا مضايقة أصلا ولا مجال للمشاجرة قطعا فلئن استمرّ المخاديم والأصحاب المرجودون هناك على ذلك الوضع واستداموا فلا نصيب لنا غير الحرمان من صحبتهم وماذا أكتب أزيد من ذلك والسّلام أوّلا وآخرا. (274) المكتوب الرّابع والسّبعون والمائتان إلى الشّيخ يوسف البركيّ في الحثّ على علوّ الهمّة وعدم الإلتفات إلى الشّهودات السّفليّة المتعلّقة بمرايا الكثرة وما يناسب ذلك بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليعلم أنّ رسائلكم الثّلاث المرسلة قد وصلت واتّضح ما اندرج فيها من بيان وقائع الأحوال والكرامات والحال الّذي بيّنته في آخر شهود الوحدة في الكثرة بهذه العبارة والإنتهاء الثّاني هو أن يكون على الحال الأوّل وأن يغيب الغيبة يعني أنا عبد وخلق ومن أمّة محمّد المصطفى صلّى الله عليه وسلّم فهذا الحال أصيل وفوق الأحوال المذكورة ولكنّ الإنتهاء غيره والنّهاية بعيدة عنه بمراحل، شعر: وذا إيوان الإستغناء عال ... فهيهات التّفكّر في الوصال وكان المقصود من تكرار الكلمة الطّيّبة حيث كنت أمرتك به في المكتوب السّابق هو نفي هذا الشّهود المتعلّق بالكثرة, لله سبحانه الحمد والمنّة قد زال ذلك الشّهود عنك ببركة تكرار هذه الكلمة الطّيّبة ينبغي أنّ تكون عالي الهمّة وأن لا تكتفي بجوز هذا الطّريق وموزه فإنّ الله سبحانه يحبّ معالي الهمم ولقد تخلّصت من سكّة التّوحيد الوجوديّ الضّيّقة إلى الطّريق السّلطانيّ فيا لها من نعمة لو لم تتذكّر الأحوال السّابقة ولم تتفكّر لذّات شهود الوحدة في الكثرة وصرف العمر بالإستقامة في السّعى والإجتهاد في هذا الطّريق ولقد رأينا كثيرا من الخشخاشيّين تركوا شرب الخشخاش واطّلعوا على قبحه واستمرّوا على ذلك مدّة ثمّ جرّهم تذكّر الأحوال المترتّبة على شرب الخشخاش وتفكّر لذّات تلك الأحوال اتّفاقا إلى الحالة القديمة. (أيّها المخدوم) إنّ الشّهود الّذي يتعلّق بمرايا الكثرة موجب للّذّة، والشّهود النّزيهيّ الّذي هو ناظر إلى الجهل الإلتذاذ به متعسّر بعيد والسّير إليه من غير إمداد شيخ مقتدى به متعذّر ألا ترى أنّ أخانا الأعزّ مولانا أحمد البركيّ يعدّه العوامّ من علماء الظّاهر وهو بنفسه أيضا لا يعلم أحواله وأحوال أصحابه وسرّ ذلك أنّ باطنه متوجّه إلى الشّهود التّنزيهيّ الّذي هو موطن الجهل PageV01P382 وإيمانه مثل العلماء إيمان بالغيب وباطنه من علوّ الفطرة غير ملتفت إلى شهود ممتزج بالكثرة وظاهره غير مفتون وغير مغرور بترّهات الصّوفيّة ووجوده الشّريف مغتنم في تلك النّواحي وهذه الحالة الّتي أخبرت بحصولها قد اتّصف بها مولانا المذكور وتحقّق من منذ أزمان علم أو لم يعلم وعند الفقير أنّ مدار تلك البقعة على وجود مولانا والعجب كيف خفي هذا المعنى على أهل الكشف في تلك النّواحي وجلالة قدر مولانا ظاهرة وباهرة في علم الفقير كوجود الشّمس وماذا أزيد على ذلك والمأمول الدّعاء والسّلام. (275) المكتوب الخامس والسّبعون والمائتان إلى الملّا أحمد البركيّ في جواب استفساراته والتّحريض على تعليم العلوم الشّرعيّة ونشر الأحكام الفقهيّة وما يناسب ذلك وبعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات أنهي أنّه قد وصلت الصّحيفتان المرسلتان صحبة الشّيخ حسن وغيره وأورثتا فرحا وافرا وقد بيّنت في إحداهما أحوال الخواجه ويس واستفسرت في الاخرى عن قبولك فتوجّهت في تلك الأثناء إلى حالك فرأيت أنّ سكّان تلك النّواحي يعدون إلى جانبك ويلتجئون إليك فعلم من هذا أنّك قد جعلت مدار تلك البقعة وجعلت أناس تلك الحدود مربوطة بك لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك ولا تظنّنّ أنّ هذه المعاملة من جملة الواقعات الّتي هي مظانّ الرّيب والإشتباه بل عدّها من المحسوسات والمشهودات والعمدة لك في تحصيل هذه الدّولة تعليم العلوم الشّرعيّة ونشر الأحكام الفقهيّة في مواضع تمكّن فيها الجهل ورسخت البدعة ومحبّتك لأولياء الله سبحانه وإخلاصك لهم وقد منحكهما الله تعالى بمحض فضله فعليكم بتعليم العلوم الدّينيّة ونشر الأحكام الفقهيّة ما استطعتم فإنّها ملاك الأمر ومناط الإرتقاء ومدار النّجاة وعليكم شدّ نطاق الهمّة وإحكامه لأن تكونوا في عداد العلماء ودلالة الخلق إلى طريق الحقّ سبحانه بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر قال الله تعالى (إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا) والذّكر القلبيّ الّذي أجزتم به أيضا مؤيّد لإتيان الأحكام الشّرعيّة ودافع لعناد النّفس الأمّارة فينبغي إجراء هذا الطّريق أيضا وأن لا تحزن على عدم الإطّلاع على أحوالك وأحوال أصحابك وأن لا تجعله دليلا على عدم الحاصل فيك وأحوال الأصحاب كافية للمرآتيّة لكمالاتك وما ظهر في الأصحاب إنّما هو أحوالك ظهرت فيهم بطريق الإنعكاس. والشّيخ حسن أحد أركان دولتك ممدّ ومعاون لك في معاملتك فإن وقع في خاطرك إرادة سفر ما وراء النّهر أو ممالك الهند فرضا فالنّائب منابك هناك هو الشّيخ حسن فينبغي أن تراعي الإلتفات والتّوجّه في حقّه والإجتهاد البليغ ليتفرّغ من تعلّم العلوم الدّينيّة الضّروريّة سريعا وكان سفره هذا إلى الهند مغتنما في حقّه وحقّك أيضا رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإستقامة على ملّة الإسلام على صاحبها الصّلاة والسّلام * وكتبت أيضا أنّ واحدا من الأصحاب حصل له ترقّ من مدّة ستّة أشهر وما كان يظهر له في حالة الغيبة وعدم الشّعور من الأرواح الطّيّبات يراه الآن في حالة الإفاقة؟ PageV01P383 أيّها المخدوم، لا دلالة في هذه الرّؤية على التّرقّي سواء كانت في الشّعور أو في غيره والقدم الأوّل في هذا الطّريق أن لا يرى غير الحقّ - سبحانه - أصلا وأن لا يبقى في فكرته ما سواه تعالى قطعا لا بمعنى أنّه لا يرى الأشياء غير الحقّ سبحانه ولا يعلمها بعنوان السّوى فإنّ هذا عين رؤية الكثرة بل لا يرى غير الحقّ سبحانه أصلا ولا يحسّ به قطعا وهذه الحالة معبّر عنها بالفناء والمنزل الأوّل من منازل هذا الطّريق ودونه خرط القتاد، شعر: ومن لم يكن في حبّ مولاه فانيا ... فليس له في كبرياه سبيل والمكتوبات المسطورة في هذه الأيّام عزيزة الوجود جدّا وقد اندرجت فيها فوائد كثيرة وقد أخذ الشّيخ حسن نقلها معه فينبغي مطالعتها بكمال الملاحظة وقد التمست الدّعاء لوالدتك المرحومة فأجبناه وقبلناه وبقيّة أحوال هذه الحدود بيّنها الشّيخ حسن بالتّفصيل. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والفقير وأولاده يلتمس الدّعاء بحسن الخاتمة والسّلام. (276) المكتوب السّادس والسّبعون والمائتان إلى الشّيخ بديع الدّين في بيان محكمات القرآن ومتشابهاته وبيان العلماء وكمالاتهم وما يناسب ذلك الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعليهم وعلى آله وأصحابه الطّيّبين الطّاهرين أجمعين جعلنا الله سبحانه وإيّاكم من الرّاسخين في العلم. أيّها الأخ إن الله سبحانه قسم كتابه المجيد على قسمين محكمات ومتشابهات. فالقسم الأوّل منشأ لعلم الشّرائع والأحكام. والقسم الثّاني مخزن علم الحقائق والأسرار وما ورد في القرآن او في الحديث من اليد والوجه والقدم والأصابع والأنامل كلّها من المتشابهات وكذا مقطّعات الحروف الواردة في أوائل السّور القرآنيّة أيضا من المتشابهات الّتي لم يطّلع عليها الّا العلماء الرّاسخون ولا تتخيّل أنّ التّأويل عبارة عن القدرة الّتي عبّر عنها باليد وعن الذّات الّتي عبّر عنها بالوجه بل تأويلها من الأسرار الغامضة الّتي انكشفت لاخصّ الخواصّ وماذا أكتب من الحروف المقطّعات القرآنيّة فإنّ كلّ حرف منها بحر موّاج من الأسرار الخفيّة بين العاشق والمعشوق ورمز غامض من الرّموز الدّقيقة بين المحبّ والمحبوب. والمحكمات وإن كنّ أمّهات الكتاب ولكنّ نتائجهنّ وثمراتهنّ الّتي هي المتشابهات من مقاصد الكتاب وليست الامّهات الّا وسائل لحصول النّتائج فلبّ الكتاب هو المتشابهات وقشر ذلك اللّبّ محكمات الكتاب والمتشابهات هي الّتي تبيّن الأصل بالرّمز والإشارة وتنبئ عن حقيقة معاملة تلك المرتبة العالية الشّأن بخلاف المحكمات والمتشابهات هي الحقائق والمحكمات بالنّسبة إلى المتشابهات صور PageV01P384 تلك الحقائق والعالم الرّاسخ هو الّذي يقدر على الجمع بين اللّبّ والقشر والحقيقة والصّورة علماء القشر مسرورون بالقشر ومكتفون بالمحكمات والعلماء الرّاسخون يحصّلون المحكمات وينالون حظّا وافرا من تأويل المتشابهات ويجمعون بين الحقيقة والصّورة أعني المتشابه والمحكم وأمّا من طلب تأويل المتشابهات من غير علم المحكمات ومن غير عمل بمقتضاها وترك الصّورة وسلك طريق فكر الحقيقة فهو جاهل وليس له خبر عن جهله وضالّ وليس له شعور بضلالته ولم يدر أنّ هذه النّشأة مركّبة من الصّورة والحقيقة وما دامت هذه النّشأة موجودة لا تنفكّ الحقيقة عن الصّورة أصلا قال الله تعالى (واُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) أي الموت كما قال المفسّرون جعل الله تعالى غاية العبادة ونهايتها زمان حلول الموت الّذي هو منتهى هذه النّشأة لأنّ من مات فقد قامت قيامته وإنّما يحصل انفكاك الصّور من الحقائق في النّشأة الاخرويّة الّتي هي محلّ ظهور الحقائق فكلّ من النّشأتين لها حكم على حدة لا يختلط حكم إحداهما بالاخرى الّا جاهل أو زنديق مقصوده إبطال الشّرائع فإنّ كلّ حكم شرعيّ ثابت للمبتدى فهو ثابت أيضا للمنتهي وعامّة المؤمنين وأخصّ الخواصّ من العارفين سواسية في هذا المعنى متساوية الأقدام فيه لا فرق بين شخص وشخص والمتصوّفة القاصرون والملاحدة الخائبون في صدد إخراج رقابهم من ربقة الشّريعة متخيّلين بأنّ الأحكام الشّرعيّة مخصوصة بالعوامّ وأمّا الخواصّ فهم مكلّفون بالمعرفة فقط كما أنّهم يعتقدون من جهلهم أنّ الامراء والسّلاطين ليسوا مكلّفين بغير العدل والإنصاف ويقولون إنّ المقصود من إتيان الشّريعة حصول المعرفة فإذا حصلت المعرفة سقطت التّكاليف الشّرعيّة ويستشهدون في إثبات مدعّاهم بقوله تعالى (واُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) أي بالله كما قال سهل التّستريّ يعني انتهاء العبادة حصول معرفة الحقّ سبحانه والظّاهر أنّ مراد من فسّر اليقين بكونه بالله هو كون انتهاء الكلفة في العبادة حصول معرفة الحقّ جلّ وعلا لا انتهاء نفس العبادة فإنّ ذلك مفض إلى الإلحاد والزّندقة وهم يزعمون أيضا أنّ عبادة العارفين ريائيّة فإنّهم يعملون ما يعملون من الطّاعة والعبادة ليقتدى بهم في ذلك المبتدئون واتباعهم لا لكونهم محتاجين إليها وينقلون في تأييد هذا القول أقوالا عن المشائخ حيث قالوا ما لم يكن الشّيخ منافقا ومرائيا لا ينتفع به المريد خذلهم الله سبحانه ما أجهلهم واحتياج العارفين إلى العبادة على نهج ليس في المريدين عشره فإنّ عروجاتهم مربوطة بالعبادة وترقّياتهم منوطة بإتيان الأحكام الشّرعيّة وما يتوقّع للعلوم غدا من ثمرات العبادة فهو حاصل للعارفين اليوم فهم إذا أحقاء بالعبادة وأحوج إلى إتيان الأحكام الشّرعيّة من غيرهم. ينبغي أن يعلم أنّ الشّريعة عبارة عن مجموع الصّورة والحقيقة فالصّورة ظاهر الشّريعة والحقيقة باطن الشّريعة فالقشر واللّبّ كلاهما من أجزاء الشّريعة والمحكم والمتشابه من أفرادهما وعلماء الظّاهر اكتفوا بقشرها والعلماء الرّاسخون جمعوا بين اللّبّ والقشر ونالوا حظّا وافرا من مجموع الصّورة والحقيقة فينبغي أن يتصوّر الشّريعة كشخص مركّب من الصّورة والحقيقة وقد تعلّق جماعة بصورتها وشغفوا بها وأنكروا حقيقتها ولم يعرفوا لهم شيخا يقتدون به غير الهداية وال?زدويّ وهؤلاء الجماعة هم علماء القشر وجماعة أخرى افتتنوا بحقيقتها ولكن لم يعتقدوها PageV01P385 حقيقة الشّريعة بل زعموا الشّريعة مقصورة على الصّورة والقشر وتصوّروا اللّبّ والحقيقة وراءها ومع ذلك لم يمتنعوا من إتيان الأحكام الشّرعيّة ولم يتخلّفوا عنها مقدار شعرة ولم يضيّعوا الصّورة وعدّوا تارك حكم من أحكام الشّريعة بطّالا وضالّا وهؤلاء أولياء الله جلّ سلطانه وقد انقطعوا عمّا سوى الله تعالى بمحبّته سبحانه. ودون هؤلاء جماعة أخرى وهم الّذين اعتقدوا الشّريعة مركّبة من الصّورة والحقيقة وتيقّنوا أنّها مجموع القشر واللّبّ وحصول صورة الشّريعة بدون تحصيل الحقيقة ساقط عندهم عن حيّز الإعتبار وحصول حقيقتها بدون إثبات الصّورة ناقص غير تامّ بل لا يعدّون حصول الصّورة بدون ثبوت الحقيقة من الإسلام الموجب للنّجاة كما هو حال علماء الظّاهر وعامّة المؤمنين ويتصوّرون حصول الحقيقة بدون ثبوت الصّورة من جملة المحالات ويسمّون القائل به زنديقا وضالّا. وبالجملة انّ الكمالات الصّوريّة والمعنويّة منحصرة عند هؤلاء الأكابر في الكمالات الشّرعيّة والعلوم والمعارف اليقينيّة مقصورة على العقائد الكلاميّة الثّابتة بآراء أهل السّنّة والجماعة لا يستوي عندهم ألوف من الشّهود والمشاهدة ومسألة واحدة من المسائل الكلاميّة في تنزيهات الحقّ جلّ وعلا ولا يشترون الأحوال والمواجيد والتّجلّيات والظّهورات المخالفة لحكم من الأحكام الشّرعيّة بنصف شعيرة بل يعدّون ظهور أمثال هذه المذكورات من مظانّ الإستدراج أولئك الّذين هدى الله فبهداهم اقتده وهم العلماء الرّاسخون وهم المنعم عليهم الإطّلاع على حقيقة المعاملة والموصل بهم بسبب رعايتهم الآداب الشّرعيّة إلى حقيقة الشّريعة بخلاف الفرقة الثّانية فإنّهم وإن كانوا متوجّهين إلى الحقيقة ومفتونين بها ولم يجاوزوا الحدّ في إتيان الأحكام الشّرعيّة مقدار شعرة مهما أمكن ولكنّهم لمّا اعتقدوا تلك الحقيقة وراء الشّريعة وتصوّروا الشّريعة قشرها تنزّلوا بالضرورة إلى ظلّ من ظلال تلك الحقيقة ولم يجدوا للوصول إلى حقيقة تلك المعاملة سبيلا فلا جرم كان ولايتهم ظلّيّة وقربهم صفاتيّا بخلاف العلماء الرّاسخين فإنّ ولايتهم أصليّة وإنّهم وجدوا للوصول إلى الاصول سبيلا وجاوزوا حجب الظّلال بالتّمام فلا جرم كانت ولايتهم ولاية الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وولاية هؤلاء الأولياء ظلّ ولاية الأنبياء وكان هذا الفقير متوقّفا في تأويل المتشابهات ومفوّضا إيّاه إلى علم الحقّ سبحانه مدّة مديدة ولم أجد للعلماء الرّاسخين نصيبا منها غير الإيمان بها والتّأويلات الّتي بيّنها علماء الصّوفيّة لم أرها لائقة ومناسبة بشأن تلك المتشابهات ولم أر للأسرار القابلة للاستتار تأويلات كما قال عين القضاة في تأويل بعض المتشابهات مثلا في ألم أراد به الألم اللّازم للعشق والمحبّة وأمثالها ولمّا أظهر لي الله سبحانه بمحض فضله شمّة من تأويل المتشابهات وفتح جدولا من ذاك البحر المحيط ومدّة إلى ارض استعداد هذا المسكين علمت أنّ للعلماء الرّاسخين أيضا نصيبا وافرا من تأويلات المتشابهات. الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ وأحلنا تعبيرات الوقائع المطلوبة المسطورة على الحضور ولم نكتب من تلك المقولة شيئا ماذا أفعل قد جرى القلم بمعارف أخر واستقبلت معاملة غيرها هي بالتّسطير أحرى والمسئول مسامحتكم والسّلام عليكم PageV01P386 وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله وعلى إخوانه الصّلوات والتّسليمات العلى. (277) المكتوب السّابع والسّبعون والمائتان إلى الملّا عبد الحيّ في بيان علم اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين وهذا من العلوم المناسبة لوسط الحال ونهاية الشّهود هنا هو الشّهود الأنفسيّ بل شهود ما وراء الأنفس بل نفس الشّهود ليس بشيء بالنّسبة إلى الوصول كما يلوح ذلك من سائر مكتوباته ورسائله اعلم أرشدك الله أنّ علم اليقين بذات الحقّ سبحانه عبارة عن شهود الآيات الدّالّة على قدرته تعالى وتقدّس ويقال لذلك الشّهود سيرا آفاقيّا وأمّا الشّهود والحضور الذّاتيّان فليس شيء منهما بمنصور في غير السّير الأنفسيّ وهو لا يكون في غير نفس السّالك، شعر: فلسوف تعلم أنّ سيرك لم يكن ... الّا إليك إذا بلغت المنزلا وما يشاهده في خارجه فهو من قبيل مشاهدة الآثار والدّلائل على ذاته تعالى لا مشاهدته عزّ سلطانه قال قطب المحقّقين سيّد العارفين ناصر الدّين الخواجه عبيد الله قدّس سرّه: إنّ السّير على نوعين سير مستطيل وسير مستدير فالسّير المستطيل بعد في بعد والسّير المستدير قرب في قرب والسّير المستطيل طلب المقصود من خارج دائرة نفسه والسّير المستدير الدّوران حول قلبه وطلب المقصود من نفسه فالتّجلّيات الكائنة في الصّور الحسّيّة والمثاليّة وكذلك التّجلّيات الكائنة في حجب الأنوار داخلة في علم اليقين أيّ صورة كانت وأيّ نور كان وسواء كان النّور مكيّفا وملوّنا أو متناهيا أو لا محيطا كان بالكائنات أو لا قال مولانا المخدوم عبد الرّحمن الجاميّ قدّس الله سرّه السّامي في شرح اللّمعات عند بيان معنى هذا البيت، شعر: يا من طلبته من جميع مكان ... وسألت عنه أقاصيا وأداني إنّ هذا إشارة إلى المشاهدة الآفاقيّة الّتي تفيد علم اليقين وحيث انّها لا تخبر عن المقصود ولا تعطي حضوره لا جرم تكون كشهود الدّخان والحرارة الدّالّين على ذات النّار فلا يخرج ذلك الشّهود من دائرة العلم ولا يكون مفيد العين اليقين ومفنيا لوجود السّالك وعين اليقين عبارة عن شهود الحقّ سبحانه بعد أن كان معلوما بالعلم اليقينيّ وهذا الشّهود مستلزم لفناء السّالك وعند غلبة هذا الشّهود يكون تعيّنه متلاشيا بالكلّيّة ولا يبقى أثر منه في عين شهوده ويكون فانيا ومستهلكا في الشّهود وهذا الشّهود معبّر عنه عند هذه الطّائفة العليّة قدّس الله أسرارهم بالإدراك البسيط ويقال له أيضا معرفة والعوامّ يشاركون الخواصّ في هذا الإدراك ولكنّ الفرق بينهما هو أنّ شهود الخلق لا يكون مزاحما في الخواصّ لشهود PageV01P387 الحقّ جلّ وعلا بل ليس المشهود بعيون شهودهم غير الحقّ سبحانه وأمّا العوامّ فهو مزاحم له فيهم ولهذا فيهم ذهول تامّ عن هذا الشّهود وليس لهم خبر عن هذا الإدراك، وعين اليقين هذا حجاب علم اليقين كما أنّ علم اليقين حجابه وعند تحقّق هذا الشّهود لا يدرك شيء غير الحيرة والجهالة لا مجال للعلم في ذلك الموطن أصلا. قال بعض الكبراء قدّس الله تعالى سرّه: علم اليقين حجاب عين اليقين وعين اليقين حجاب علم اليقين. وقال أيضا: وعلامة من عرف حقّ المعرفة أن يطّلع على سرّه فلا يجد علما به فذلك الكامل في المعرفة الّتي لا معرفة وراءها. وقال بعضهم أيضا قدّس الله أسرارهم العليّة: أعرفهم بالله أشدّهم تحيّرا فيه. وحقّ اليقين عبارة عن شهوده سبحانه بعد ارتفاع التّعيّن واضمحلال المتعيّن وشهوده هذا للحقّ بالحقّ سبحانه لا به لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه وذلك يتصوّر في البقاء بالله الّذي هو مقام بي يسمع وبي يبصر الّذي يهب الحقّ سبحانه فيه للسّالك وجودا من عنده بمحض عنايته بعد تحقّقه بالفناء المطلق الّذي هو الفناء في ذاته وصفاته سبحانه وتعالى ويخرجه من السّكر والغيبة إلى الصّحو والإفاقة ويقال لهذا الوجود الوجود الموهوب الحقّانيّ وفي ذلك الموطن لا يكون العلم حجابا للعين ولا العين حجابا للعلم بل يكون في عين الشّهود عالما وفي عين العلم مشاهدا وهذا التّعيّن هو الّذي يجده العارف في ذلك الموطن عين الحقّ سبحانه لا التّعيّن الكونيّ فإنّه لم يبق منه أثر في نظر شهوده ولأنّه من التّجلّيات الصّوريّة الّتي هي أن يجد السّالك التّعيّنات والصّور عين الحقّ سبحانه وهي تعيّنات كونيّة لم يتطرّق إليها الفناء أصلا فأين أحدهما عن الآخر ما للتّراب وربّ الأرباب وظاهر العبارة وإن كان عند العوامّ موهما لعدم الفرق بين التّجلّي الصّوريّ الّذي هو وجدان السّالك نفسه عين الحقّ وبين حقّ اليقين الّذي هو أيضا وحدانه نفسه عين الحقّ لكن في الحقيقة فرق بينهما وهو أنّ التّعبير بأنا في التّجلّي الصّوريّ يقع على الصّورة في حقّ اليقين على الحقيقة وأيضا أنّ السّالك يرى الحقّ سبحانه في التّجلّي الصّوريّ بنفسه وفي هذا الموطن يرى الحقّ بالحقّ سبحانه لا بنفسه فإنّه لا يمكنه فيه رؤية نفسه فإطلاق الشّهود في التّجلّي الصّوريّ على سبيل التّجوّز فإنّه لا يمكن رؤية الحقّ بغير الحقّ سبحانه وهي في مرتبة حقّ اليقين الّتي تتحقّق فيها حقيقة الشّهود وبعض شيوخ الزّمان لمّا لم يطّلع على هذا الفرق ولم يعلم تعيّنا سوى التّعيّن الكونيّ أطال لسان الطّعن في الأكابر قدّس الله تعالى أسرارهم في تفسيرهم حقّ اليقين على النّهج الّذي قرّرته وزعم أنّ هذا اليقين قد يحصل في التّجلّي الصّوريّ الّذي هو أوّل القدم في السّلوك وهم فسّروا به حقّ اليقين الّذي هو نهاية الأقدام فكيف يستقيم بل حكم أنّ الحقّ اليقين الّذي حصل لهم في النّهاية يحصل لنا في التّجلّي الصّوريّ الّذي هو أوّل أقدامنا والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والسّلام. PageV01P388 (278) المكتوب الثّامن والسّبعون والمائتان إلى الملّا عبد الكريم السّناميّ في بيان أنّه لا بدّ لكلّ إنسان بعد تصحيح العقائد والعمل بمقتضى الأحكام الشّرعيّة من تحصيل سلامة القلب عمّا دون الحقّ جلّ وعلا ومدح الطّريقة النّقشبنديّة العليّة وفي التّحريض على إمداد الموتى وإعانتهم وما يناسبه الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى وصل مكتوب الأخ وصار موجبا للفرح والنّصيحة الّتي لا زلت أنصح بها الأصحاب ولا أزال أنصحهم بها إلى انقضاء عمري بعد تصحيح العقائد على وفق ما بيّن في الكتب الكلاميّة المخصوصة بأهل السّنّة والجماعة شكر الله سعيهم وبعد إتيان الأحكام الفقهيّة من الفرض والواجب والسّنّة والمندوب والحلال والحرام والمكروه والمشتبه امتثالا، وانتهاء تحصيل سلامة القلب عن التّعلّق بما سوى الحقّ سبحانه وهي إنّما تتيسّر إذا لم يخطر في القلب ما سواه تعالى بحيث لو تيسّرت حياة ألف سنة فرضا لا يخطر في القلب غير الحقّ سبحانه وتعالى لا بمعنى أنّ الأشياء تخطر في البال ولكن لا يعرفها صاحبه بعنوان غير الحقّ جلّ وعلا فإنّ هذا المعنى ميسّر أيضا في بداية مراقبي التّوحيد بل بمعنى أنّ الأشياء لا تخطر في القلب أصلا ومبنى هذا ومداره على نسيان القلب ما دون الحقّ سبحانه على نهج لو ذكّر بالأشياء بالتّكليف لا يتذكّر وهذه الحالة معبّر عنها بالفناء القلبيّ وأوّل قدم في هذا الطّريق, وسائر كمالات الولاية متفرّعة على هذه الدّولة، شعر: ومن لم يكن في حبّ مولاه فانيا ... فليس له في كبرياه سبيل وأقرب الطّرق لاجل الوصول إلى هذه الدّولة العظمى هو الطّريقة العليّة النّقشبنديّة قدّس الله أسرار أربابها فإنّ هؤلاء الأكابر اختاروا الإبتداء من علم الامور وطلبوا من القلب طريقا إلى مقلّب القلب ولهم عوضا عن رياضات الآخرين ومجاهداتهم التزام السّنّة واجتناب البدعة. قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه: طريقنا أقرب الطّرق ولكنّ التزام السّنّة أمر مشكل جدّا فطوبى لمن توسّل بهم واقتدى بهم لمولانا الجاميّ قدّس سرّه، (اشعار): ما أحسن النّقشبنديّين إنّهم ... يمشون بالرّكب مخفيّين للحرم تزيل وسوسة الخلوات صحبتهم ... عن قلب صحبهم يا نعم مغتنم لو عابهم قاصر طعنا بهم سفها ... برأت ساحتهم عن أفحش الكلم هل يقطع الثّعلب المحتال سلسلة ... قيّدت بها أسد الدّنيا بأسرهم والمعروض ثانيا أنّ صحيفة محبّنا القاضي محمّد شريف قد وصلت وحيث كانت منبئة عن محبّة الفقراء صارت موجبة للفرح فبلّغه دعاء الفقير. وثالثا: قد وصل مكتوب أخينا الشّيخ حبيب الله وقد كتب خبر فوت والده المرحوم إنّا لله وإنّا إليه راجعون فالمرجوّ تبليغ الدّعاء من جانب الفقير وأداء مراسم PageV01P389 التّعزية وليمدّ والده المرحوم بالدّعاء وليعنه بقراءة الفاتحة والصّدقات والإستغفار فإنّ الميّت كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من ولد أو أب أو أخ أو صديق. ورابعا: إنّ المكشوف أنّ الشّيخ أحمد اختار طريقة هؤلاء الأكابر وتأثّر منها رزقه الله سبحانه وتعالى الإستقامة عليها وحيث كان المشار إليه قريب عهد بالإسلام ينبغي أن تعلّمه العقائد الكلاميّة المذكورة في الكتب الفارسيّة والأحكام الفقهيّة كذلك حتّى يعرف الفرض والواجب والسّنّة والمندوب والحلال والحرام والمكروه والمشتبه ويعمل بمقتضاها وتعلّم كتاب كلستان وبستان وتعليمهما داخل فيما لا يعني والسّلام. (279) المكتوب التّاسع والسّبعون والمائتان إلى الملّا حسن الكشميريّ في أداء شكر نعمة دلالته إيّاه على الطّريقة النّقشبنديّة العليّة وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى بلّغنا مهدي علي صحيفتكم الشّريفة الصّادرة باسم هذا الفقير على وجه الكرم والإلتفات فصارت موجبة للفرح الوافر سلّمكم الله سبحانه وقد وقع الإستفسار عن عبارة الشّيخ محيي الدّين ابن عربيّ قدّس سرّه هذه أنّ سبب (1) ترتيب خلافة الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم مدّة أعمارهم أنّها في أيّ كتاب وقعت من مصنّفاته؟ (أيّها المخدوم) إنّي كنت رأيت هذه العبارة في الفتوحات المكّيّة ولم يتيسّر الآن تعيين الموضع مع كمال التّفحّص فإن وقع النّظر عليها مرّة ثانية نخبر به إن شاء الله تعالى. والمعروض أنّ الفقير معترف بالقصور في أداء شكر نعمة دلالتكم ومقرّ بالعجز في مكافأة إحسانكم وكيف لا فإنّ هذه الامور كلّها مبنيّة على تلك النّعمة وهذه الأحوال بأسرها مربوطة بذلك الإحسان وقد أعطيت بحسن وساطتكم ما لم يره الّا القليلون ومنحت بيمن وسيلتكم ما لم يذقه الّا الأقلّون أعطيت من خواصّ العطايا ما لم يتيسّر للأكثرين من علوم تلك العطايا وجعلت لي الأحوال والمقامات والأذواق والمواجيد والعلوم والمعارف والتّجلّيات والظّهورات كلّها معارج العروج فوصلت منها بعنايته سبحانه إلى مدارج القرب ومنازل الوصول. واختيار لفظ القرب والوصول إنّما هو من ضيق ميدان العبارة ولا فلا قرب ثمّة ولا وصول ولا عبارة ولا إشارة ولا شهود ولا مشاهدة ولا حلول ولا اتّحاد ولا كيف ولا أين ولا زمان ولا مكان ولا إحاطة ولا سريان ولا علم ولا معرفة ولا جهل ولا حيرة، PageV01P390 شعر: وما ابديك من طيري علامة ... وقد أضحى كعنقاء وهامه وللعنقاء بين النّاس اسم ... وليست لاسم طيري استدامه ولمّا كان إظهار إحسان الله تعالى وإنعامه بهذه النّعم الّتي ظهورها مترتّب في عالم الأسباب على نعمتكم المذكورة متضمّنا لشكرها أدرجتها في ضمن فقرات وقيّدتها بقيد الكتابة رجاء أن يؤدّي بذلك نبذة من شكر نعمتكم المسطورة والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. (280) المكتوب الثّمانون والمائتان إلى الحافظ محمود في بيان أنّ محبّة هذه الطّائفة رأس مال السّعادة وما يناسب ذلك بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليعلم أنّ المكتوب الشّريف المصحوب بجناب مولانا مهدي علي قد وصل وصار موجبا للفرح لله سبحانه الحمد على رسوخ محبّة الفقراء الّتي هي رأس مال السّعادة الدّنيويّة والاخرويّة رسوخا تامّا بحيث لم يؤثّر فيها تمادى أيّام المفارقة. واعلم أنّ المحافظة على شيئين والثّبات عليهما من اللّوازم متابعة صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة ومحبّة الشّيخ المقتدى به مع الإخلاص له وكلّ شيء يحصل مع وجود هذين الشّيئين فهو نعمة زائدة وإن لم يحصل شيء مع وجود هذين الشّيئين فلا غمّ أصلا فإنّه سيحصل غيرهما فيما بعد وإن تطرّق عياذا بالله سبحانه خلل على واحد من هذين وبقيت الأحوال والأذواق على حالها ينبغي أن يعتقد ذلك من استدراج وأن يعدّه من الخذلان وهذا هو طريق الإستقامة والله سبحانه الموفّق. (281) المكتوب الحادي والثّمانون والمائتان إلى المير محمّد نعمان في بيان شكر نعمة الإنتساب إلى سلسلة الطّريقة النّقشبنديّة العليّة وبيان بعض خصائص هذا الطّريق وما يلزم فيه من الآداب الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى بأيّ لسان نؤدّي شكر هذه النّعمة العظمى حيث شرّفنا الله سبحانه وتعالى بعد تصحيح العقائد بموجب آراء أهل السّنّة والجماعة شكر الله سعيهم بسلوك الطّريقة النّقشبنديّة العليّة وجعلنا من مريدي هذه الطّائفة العظيمة الشّأن ومنتسبيهم وعند الفقير أنّ الخطوة الواحدة في هذا الطّريق افضل من سبع خطوات في طرق أخر والطّريق الّذي يفتح ويوصّل إلى كمالات النّبوّة بطريق التّبعيّة والوراثة مخصوص بهذا الطّريق العالي ومنتهى طرق أخر إلى حصول كمالات الولاية PageV01P391 لم يفتح منها طريق موصّل إلى كمالات النّبوّة ومن ههنا كتبت في كتبي ورسائلي أنّ طريق هؤلاء الأكابر طريق الأصحاب الكرام عليهم الرّضوان وكما أنّ الأصحاب نالوا من تلك الكمالات بطريق الوراثة حظّا وافرا كذلك منتهوا هذا الطّريق يجدون منها نصيبا كاملا بطريق التّبعيّة والمبتدئون والمتوسّطون الملتزمون لهذا الطّريق المتّصفون بكمال محبّة المنتهين من أهل هذا الطّريق فهم أيضا راجون ذلك المرأ (1) مع من أحبّ بشارة للمهجورين. والخائب في هذا الطّريق والخاسر فيه شخص يدخل فيه ولا يراعي آدابه ويخترع فيه أمورا محدثة ويعتمد على مناماته ووقائعه المخالفة لهذا الطّريق فما ذنب الطّريق على هذا التّقدير بل هو ماش على مقتضى مناماته وواقعاته متوجّه إلى طرف تركستان منحرفا عن طريق الكعبة باختياره، شعر: الأهل يبلغن أمّ القرى من ... غدا يمشي إلى صوب العراق ولا أستحسن أن أشوّش طريقكم هذا هناك مع وجود جمعيّة الأصحاب واجتهاد الطّالبين فإن وقعت الإشارة بالسّفر إلى هذه الحدود قبل هذا كان ذلك مشروطا بشروط والآن أيضا مشروط بالشّروط فإن تتوجّه إلى هذه الحدود بعد استخارة مكرّرة وانشراح صدر بلا تردّد وشبهة وإجلاس شخص مكانك على نهج لا يتطرّق فتور أصلا إلى الوضع السّابق فلك ذلك وبدون هذه الشّرائط لا ينبغي تضييع المعاملة هناك وإيقاع الفتور في جمعيّة الطّالبين وماذا أبالغ أزيد من ذلك والسّلام. (282) المكتوب الثّاني والثّمانون والمائتان إلى الملّا بديع في بيان ملاقاة الخضر وإلياس عليهما السّلام وبيان نبذة من أحوالهما الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد مضت مدّة من استفسار الأصحاب عن أحوال الخضر على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ولمّا لم يكن للفقير اطّلاع على أحواله كما ينبغي كنت متوقّفا في الجواب فرأيت اليوم في حلقة الصّبح أنّ الإلياس والخضر عليهما السّلام حضرا في صورة الرّوحانيّين فقال الخضر بالإلقاء الرّوحانيّ نحن من عالم الأرواح قد أعطى الحقّ سبحانه أرواحنا قدرة كاملة بحيث تتشكّل وتتمثّل بصور الأجسام ويصدر عنها ما يصدر عن الأجسام من الحركات والسّكنات الجسمانيّة والطّاعات والعبادات الجسديّة فقلت له في تلك الأثناء: أنتم تصلّون الصّلاة بمذهب الإمام الشّافعي؟ فقال: نحن لسنا مكلّفين بالشّرائع ولكن لمّا كانت كفاية مهمّات قطب المدار مربوطة بنا وهو على مذهب الإمام الشّافعيّ نصلّي نحن أيضا وراءه بمذهب الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه فعلم في ذلك الوقت PageV01P392 أنّه لا يترتّب الجزاء على طاعتهم بل تصدر عنهم الطّاعة والعبادة موافقة لاهل الطّاعة ومراعاة لصورة العبادة. وعلم أيضا أنّ كمالات الولاية موافقة لفقه الشّافعيّ ولكمالات النّبوّة موافقة لفقه الحنفيّ فعلم في ذلك الوقت حقيقة كلام الخواجه محمّد ?ارسا قدّس سرّه حيث ذكر في الفصول السّتّة نقلا أنّ عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام يعمل بعد نزوله بمذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه فوقع في الخاطر في ذلك الوقت أن نستمدّ بهما وأن نطلب منهما الدّعاء فقال إذا كانت عناية الحقّ سبحانه شاملة لحال شخص فلا مدخل لنا هناك وكأنّهم أخذوا أنفسهم من البين. وأمّا الياس على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام فلم يتكلّم في ذلك الوقت أصلا والسّلام. (283) المكتوب الثّالث والثّمانون والمائتان إلى الصّوفيّ قربان في بيان أنّ رؤية النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ربّه ليلة المعراج كانت في موطن الآخرة لا في موطن الدّنيا قد سئلت أنّ إجماع أهل السّنّة والجماعة منعقد على أنّ الرّؤية غير واقعة في الدّنيا حتّى منع أكثر علماء أهل السّنّة رؤية خاتم الرّسل والرّسالة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ليلة المعراج. قال حجّة الإسلام: والأصحّ أنّه عليه الصّلاة والسّلام ما رأى ربّه ليلة المعراج وقد اعترفت أنت في رسائلك بوقوع رؤيته صلّى الله عليه وسلّم ربّه في الدّنيا فما يكون وجه ذلك؟ أجيب أنّ رؤيته صلّى الله عليه وسلّم ربّه ليلة المعراج ما وقعت في الدّنيا بل وقعت في الآخرة فإنّه صلّى الله عليه وسلّم لمّا خرج ليلة المعراج من دائرة المكان والزّمان وتخلّص عن مضيق الإمكان وجد الأزل والأبد آنا واحدا ورأى البداية والنّهاية نقطة واحدة ورأى أهل الجنّة الّذين يدخلونها بعد ألوف من السّنين في الجنّة حتّى أنّ (1) عبد الرّحمن بن عوف PageV01P393 رضي الله عنه الّذي يدخل الجنّة بعد خمسمائة سنة من فقراء الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين رآه قد دخل الجنّة بعد مضيّ تلك المدّة، وسأله عن سرّ توقّفه. فالرّؤية الواقعة في ذلك الموطن تكون داخلة في الرّؤية الاخرويّة فلا تكون منافية للإجماع على عدم وقوعها. وإطلاق الرّؤية الدّنيويّة عليها محمول على التّجوّز ومبنيّ على الظّاهر والله سبحانه أعلم بحقائق الامور كلّها. (284) المكتوب الرّابع والثّمانون والمائتان إلى الملّا عبد القادر الأنباليّ في بيان أنّ الأحوال المواجيد نصيب عالم الأمر والعلم بالأحوال نصيب عالم الخلق وهذه المعرفة من المعارف السّابقة وحقيقة المعاملة هي الّتي حرّرت في مكتوب صدر للمخدوم الأكبر عليه الرّحمة في بيان الطّريق اعلم أنّ الإنسان مركّب من عالم الخلق الّذي هو ظاهره وعالم الأمر الّذي هو باطنه فالأحوال والمواجيد والمشاهدات والتّجلّيات الّتي تظهر في الإبتداء والوسط نصيب عالم الأمر الّذي هو باطن الإنسان وكذلك الحيرة والجهالة والعجز واليأس الّتي تحصل في الإنتهاء أيضا نصيب عالم الأمر الّذي هو باطن الإنسان وللظّاهر بحكم، (ع) وللأرض من كأس الكرام نصيب * أيضا نصيب من تلك المعاملة عند وجود القوّة فيه وإن لم يكن له ثبات واستقامة ولكن يكتسب نوعا من الإنصباغ والأمر الّذي يتعلّق بالظّاهر بالأصالة هو العلم بتلك الأحوال فإنّ الباطن له حصول الأحوال لا العلم بها فإن لم يكن الظّاهر لما يفتح طريق العلم والتّمييز. وظهور الصّور المثاليّة ومعارج المقامات إنّما هو لإدراك الظّاهر فالحال للباطن والعلم بالحال للظّاهر فعلم من هذا البيان أنّ الأولياء الّذين هم أصحاب العلم والّذين لا نصيب لهم من العلم يعني بالأحوال لا فرق بينهم في نفس حصول الأحوال فإن كان الفرق فإنّما هو من جهة العلم بتلك الأحوال وعدم العلم بها كما إذا طرأت على شخص مثلا حالة الجوع وشوّشت أحواله وهو يعلم أنّ هذه الحالة يسمّونها جوعا وشخص آخر طرأ عليه تلك الحالة أيضا ولكنّه لا يعلم أنّ هذه الحالة معبّر عنها بالجوع فكلّ من هذين الشّخصين مساو للآخر في نفس تلك الحالة ولا فرق الّا بحسب العلم وعدم العلم. ينبغي أن يعلم أنّ الجماعة الّذين لا علم لهم بالأحوال على قسمين فطائفة منهم ليس لهم علم بنفس حصول الأحوال ولا وقوف لهم على تلويناتها أصلا. وطائفة أخرى منهم لهم خبر عن تلوينات الأحوال ولكنّهم لا يقدرون على تشخيص الأحوال وهذه الطّائفة داخلون في أرباب العلم وإن لم يقدروا على تشخيص الأحوال ومستحقّون للمشيخة وتشخيص الأحوال ليس هو وظيفة كلّ شيخ بل تظهر هذه الدّولة PageV01P394 بعد أزمنة متطاولة حتّى يتشرّف بها واحد ويحال الآخرون على علمه ويجعلون من متطفّليه كما أنّ الأنبياء أولي العزم صلوات الله وتسليماته عليهم كانوا يبعثون بعد مدّة مديدة وكان كلّ منهم يختصّ بأحكام متمايزة وكان بقيّة الأنبياء يؤمرون باتّباعهم ويكتفون بالدّعوة بتلك الأحكام، (شعر): ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد. والسّلام. (285) المكتوب الخامس والثّمانون والمائتان إلى السّيّد محبّ الله المانك?وريّ في بيان أحكام السّماع والوجد والرّقص وبعض المعارف المتعلّقة بالرّوح بسم الله الرّحمن الرّحيم. الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى. اعلم أرشدك الله إلى طريق السّداد وألهمك سبيل الرّشاد أنّ السّماع والوجد نافع لجماعة متّصفون بتقلّب الأحوال ومتّسمون بتبدّل الأوقات ففي وقت حاضرون وفي وقت غائبون وأحيانا واجدون وأحيانا فاقدون وهم أرباب القلوب ينتقلون في مقام التّجلّيات الصّفاتيّة عن صفة إلى صفة ويتحوّلون من اسم إلى اسم، تلوّن الأحوال نقد وقتهم وتشتّت الآمال حاصل مقامهم ودوام الحال محال في حقّهم واستمرار الوقت ممتنع في شأنهم فزمانا في القبض وزمانا في البسط فهم أبناء الوقت ومغلوبوه فمرّة يعرجون ومرّة يهبطون وأمّا أرباب التّجلّيات الذّاتيّة الّذين تخلّصوا من مقام القلب بالتّمام واتّصلوا بمقلّب القلب ورجعوا بكلّيّتهم من رقّيّة الأحوال إلى محوّل الأحوال فهم ليسوا محتاجين إلى الوجد والسّماع فإنّ وقتهم دائميّ وحالهم سرمديّ بل لا وقت لهم ولا حال فهم آباء الوقت وأرباب التّمكين وهم الواصلون الّذين لا رجوع لهم أصلا ولا فقد لهم قطعا فمن لا فقد له لا وجد له نعم إنّ طائفة من المنتهين ينفعهم السّماع أيضا مع وجود استمرار الوقت وسيحرّر بيانه بالتّفصيل في آخر هذا المبحث إن شاء الله تعالى. فإن قيل: قال خاتم الرّسل والرّسالة عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّة: لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل. فيفهم من هذا الحديث أنّ الوقت لا يكون دائما؟ (أجيب) بعد تسليم صحّة هذا الحديث أنّ بعض المشائخ قد أراد بالوقت الواقع في الحديث وقتا مستمرّا أي لي مع الله وقت مستمرّ فلا إشكال. وثانيا: إنّ الوقت المستمرّ قد تعرض فيه أحيانا كيفيّة خاصّة فيمكن أن يكون المراد بالوقت الوقت النّادر ويكون المراد به هذه الكيفيّة النّادرة فعلى هذا يرتفع الإشكال أيضا. فإن قيل: يمكن أن يكون لاستماع النّغمة مدخل في تحصيل تلك الكيفيّة النّادرة فصار المنتهي أيضا محتاجا إلى السّماع في تحصيل تلك الكيفيّة. (أجيب) أنّ تحقّق تلك الكيفيّة غالبا في حين أداء PageV01P395 الصّلاة فإن ظهرت في خارج الصّلاة أحيانا فهو أيضا من نتائجها وثمراتها ويمكن أن يكون في حديث "وقرّة عيني (1) في الصّلاة" إشارة إلى هذه الكيفيّة النّادرة. وورد أيضا في الخبر: أقرب ما يكون العبد من الرّبّ في الصّلاة، وقال الله تعالى (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) ولا شكّ أنّ كلّ وقت يكون القرب الإلهيّ فيه أزيد يكون مجال الغير فيه أشدّ انتفاء ففهم من هذا الحديث وهذه الآية أيضا أنّ ذلك الوقت في الصّلاة والدّليل على استمرار الوقت ودوام الوصل اتّفاق المشائخ قال ذو النّون المصريّ: ما رجع من رجع الّا من الطّريق ومن وصل لا يرجع وكون يادداشت عبارة عن دوام الحضور مع جناب قدس الحقّ سبحانه أمر مقرّر في طريقة خواجكان قدّس الله أرواحهم وبالجملة انّ الإنكار على دوام الوقت علامة عدم الوصول وما قاله شرذمة قليلة من المشائخ كابن العطاء وأمثاله من جواز رجوع الواصل إلى الصّفات البشريّة فيفهم منه عدم دوام الوقت فهو خلاف في جواز الرّجوع لا في الوقوع فإنّ الرّجوع غير واقع ألبتّة كما لا يخفى على أربابه فثبت إجماع المشائخ على عدم رجوع الواصل وكان خلاف البعض راجعا إلى جواز الرّجوع هذا. وطائفة من المنتهين تحصل لهم برودة قويّة في الوصول إلى مشاهدة الجمال اللّايزالىّ بعد وصولهم إلى درجة من درجات الكمالات وتحصل لهم نسبة تامّة تمنعهم عن العروج إلى منازل الوصول وأما مهمّ درجات منازل الوصول لم يقطعوها بعد ولم تنقطع مدارج القرب بالإنتهاء إلى غايته وفيهم مع وجود البرودة ميل إلى العروج وتمنّى كمال القرب فالسّماع مفيد في حقّهم على تقدير هذه الصّورة وموجب للحرارة ويتيسّر لهم في كلّ وقت بمدد السّماع العروج إلى منازل القرب وبعد التّسكين يهبطون من تلك المنازل ولكنّهم يستصحبون معهم لونا ووصفا من مقامات ذلك العروج وينصبغون به وهذا الوجد ليس هو بعد الفقد فإنّ الفقد مفقود في حقّهم بل هو لأجل التّرقّي إلى منازل الوصول مع وجود دوام الوصل ومن هذا القبيل سماع المنتهين والواصلين ووجدهم نعم إنّهم وإن منحوا الجذبة بعد الفناء والبقاء ولكن لمّا عرضت لهم برودة قويّة لم يكتفوا بها في تحصيل التّرقّيات إلى منازل الوصول والعروج واحتاجوا إلى السّماع وطائفة من المشائخ قدّس الله أسرارهم تهبط? نفوسهم إلى مقام العبوديّة بعد وصولهم إلى درجة الولاية وأرواحهم متوجّهة إلى جناب القدس في مقامها الأصليّ بلا مزاحمة النّفوس وكلّما يصل إلى الرّوح مدد من مقام النّفس المطمئنّة الّتي صارت متمكّنة وراسخة في مقام العبوديّة تحصل للرّوح بواسطة ذلك الإمداد مناسبة خاصّة بالمطلوب واطمئنان هؤلاء الأكابر في العبادة وتسكينهم في أداء حقوق العبوديّة والطّاعة وميل العروج مفقود في طباعهم وشوق الصّعود قليل في بواطنهم جبينهم لامع بنور متابعة الملّة وعيون بصيرتهم مكتحلة بكحل اتّباع السّنّة فلا جرم كانت أبصارهم حديدة يبصرون من بعد ما يعجز الأقربون عن رؤيته وإن كان PageV01P396 عروجهم قليلا ولكنّهم نورانيّون منوّرون بنور الأصل ولهم في ذلك المقام شأن عظيم وجلالة القدر فلا احتياج لهم إلى السّماع والوجد بل تعطيهم العبادة ما للسّماع وتكفيهم نورانيّتهم بنور الأصل عن العروج. والجماعة المقلّدون من أهل السّماع والوجد الّذين لا وقوف لهم على عظم شأن هؤلاء الأكابر يحسبون أنفسهم عشّاقا ويسمّونهم زهّادا وكأنّهم يزعمون أنّ العشق والمحبّة منحصران في الرّقص والوجد. ومن المنتهين طائفة يمنحون بعد قطع مسالك السّير إلى الله والتّحقّق بالبقاء بالله جذبا قويّا فينجرّون بسلسلة الجذبة جرّا جرّا، وسراية البرودة ممنوعة هناك والتّسلية غير جائزة لا يحتاجون في العروج إلى أمور غريبة وليس للسّماع والرّقص إلى مضيق خلوتهم سبيل الدّخول ولا الوجد والتّواجد عندهم شيء مقبول بل يصلون بهذا العروج الإنجذابيّ إلى نهاية المرتبة الممكنة الوصول وينالون بواسطة متابعة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نصيبا من مقامه المخصوص به وهذا النّوع من الوصول مخصوص بطائفة الأفراد لا نصيب من هذا المقام للأقطاب أيضا فان ارجع الواصل إلى نهاية النّهاية بهذا النّوع من الوصول بمحض فضل الحقّ سبحانه إلى العالم، وأحيل عليه تربية المستعدّين تهبط نفسه إلى مقام العبوديّة وروحه متوجّهة إلى جناب المقدّس بلا نفس وهو الجامع للكمالات الفرديّة والحاوي للتّكميلات القطبيّة وأعني بالقطب ههنا قطب الإرشاد لا قطب الأوتاد وعلوم المقامات الظّلّيّة ومعارف المدارج الأصليّة ميسّرة له بل لا ظلّ في المقام الّذي هو فيه ولا أصل فإنّه قد جاوز الظّلّ والأصل ومثل هذا الكامل المكمّل عزيز الوجود جدّا حتّى أنّه لو ظهر بعد قرون متطاولة وأزمنة متباعدة فهو أيضا مغتنم ينوّر به العالم نظره شفاء الأمراض القلبيّة وتوجّهه دافع الأخلاف الرّديّة الغير المرضيّة وهو الّذي أتمّ مدارج العروج ونزل إلى مقام العبوديّة واطمئنّ بالعبادة وآنس بها وينتخب بعض هذه الطّائفة لمقام العبديّة الّذي لا مقام فوقه من مقامات الولاية ويشرّف به. وقابليّة منصب المحبوبيّة أيضا مسلّمة إليه فهو جامع لجميع كمالات مرتبة الولاية وحاو لتمام مقامات درجة الدّعوة ومحتظّ من الولاية الخاصّة بمقام النّبوّة وبالجملة انّ هذا المصرع صادق في حقّه (ع) قد اجتمعت فيه المحاسن كلّها * هذا والسّماع والوجد مضرّ للمبتدي ومناف لعروجه وإن وقع بالشّرائط وسيحرّر نبذة من شرائط السّماع في آخر هذه الرّسالة إن شاء الله تعالى ووجد المبتدي معلول وحاله وبال وحركته طبيعيّة وتحرّكه مشوب بالهوى النّفسانيّ وأعني بالمبتدي من ليس من أرباب القلوب وأرباب القلوب متوسّطون بين المبتدي والمنتهي والمنتهي هو الفاني في الله والباقي بالله وهو الواصل الكامل وللانتهاء درجات بعضها فوق بعض وللوصول مراتب لا يمكن قطعها أبد الآبدين (وبالجملة) انّ السّماع نافع للمتوسّطين وطائفة من المنتهين أيضا كما مرّ آنفا ولكن ينبغي أن يعلم أنّ السّماع لا يحتاج إليه أرباب القلوب أيضا مطلقا بل جماعة منهم لم يشرّفوا بعد بدولة الجذبة ويريدون قطع المسافة بالرّياضات والمجاهدات الشّاقّة فالسّماع والوجد ممدّ ومعاون لهؤلاء الجماعة في هذه الصّورة وأمّا إذا كان أرباب القلوب من PageV01P397 المجذوبين فقطع مسالك سيرهم بمدد الجذبة وليسوا محتاجين إلى السّماع (ينبغي) أيضا أن يعلم أنّ نفع السّماع لأرباب القلوب الغير المجذوبين ليس على إطلاقه بل الإنتفاع به مشروط بالشّرائط وبدونها خرط القتاد فمن جملة الشّرائط عدم الإعتقاد لكمال نفسه فلو كان معتقد التّماميّة نفسه فهو محبوس نعم قد يورثه السّماع أيضا من العروج ولكنّه يهبط من مقام عروج إليه وقت السّماع بعد التّسكين والشّرائط المبيّنة في كتب الأكابر مستقيمي الأحوال كعوارف المعارف أكثرها مفقودة في سماع أبناء هذا الزّمان بل مثل هذا السّماع الّذي شاع في هذا الزّمان وهذا الإجتماع الّذي صار متعارفا في هذه الاوان لا شكّ في أنّه مضرّ ومناف صرف لا طمع للعروج فيه ولا يتصوّر الصّعود والتّرقّي به وإمداد السّماع مفقود في هذا المحلّ والمضرّة موجودة في ذلك المحفل. تنبيه: إنّ السّماع وإن كان مفيدا بالنّسبة إلى بعض المنتهين ولكن لمّا كان أمامهم مراتب العروج فهم من الأوساط وما لم تطو مراتب العروج الممكنة الحصول بالتّمام فحقيقة الإنتهاء مفقودة فيهم وإطلاق النّهاية إنّما هو باعتبار نهاية السّير إلى الله وهذا السّير إلى اسم إلهيّ كان السّالك مظهره والسّير بعد ذلك يكون في ذلك الإسم وما يتعلّق به فإذا جاوزه وما يتعلّق ممّا ينكشف لأربابه ووصل إلى الاسم الحقيقيّ وحصل له هناك فناء وبقاء فهو حينئذ يكون منتهيا حقيقيّا ونهاية السّير إلى الله في الحقيقة يتحقّق في ذلك المحلّ وقد عدّوا النّهاية الاولى الّتي هي انتهاء السّير إلى الإسم من نهاية السّير إلى الله واعتبروها منها أيضا وباعتبار حصول الفناء والبقاء في تلك المرتبة أطلقوا اسم الولاية أيضا. وما قيل من أن لا نهاية للسّير في الله فهذا السّير في حين البقاء وبعد طيّ منازل العروج ومعنى عدم نهاية ذلك السّير هو أنّ السّير إذا وقع في ذلك الإسم بالتّفصيل وتخلّق بالشّئونات المندرجة فيه لا يصل إلى نهايته أصلا فإنّ كلّ اسم مشتمل على شئونات غير متناهية وأمّا إذا أريد ترقّيه من ذلك الإسم وقت العروج فيمكن أن يطوى ذلك بقدم واحد ويصل إلى نهاية النّهاية ثمّ إن استهلك هناك فيا لها من شرافة وإن أرجع لتربية الخلق فيا لها من فضيلة وكرامة ولا تظنّنّ أنّ الوصول إلى ذلك الإسم أمر سهل بل لا بدّ من بذل الرّوح حتّى يشرّف بتلك الدّولة ومن ذا الّذي يختصّ بهذه النّعمة القصوى من بين أقرانه ويمتاز بها وما تتخيّله تنزيها وتقديسا ربّما يكون عين التّشبيه والتّنقيص بل أكثر المراتب الّذي تتخيّله تنزيها أسفل وأدون من مقام الرّوح والتّنزيه الّذي يخيّل لك فوق العرش فهو أيضا داخل في دائرة التّشبيه وذلك المكشوف المنزّه من عالم الأرواح فإنّ العرش محدّد الجهات ومنتهى الأبعاد وعالم الأرواح وراء عالم الجهات والأبعاد فإنّ الرّوح لا مكانيّة لا يسعها المكان. وإثبات الرّوح فيما وراء العرش لا يوهمنّك أنّها بعيدة عنك والمسافة بينك وبينها طويلة فإنّ الأمر ليس كذلك لأنّ نسبة الرّوح مع وجود لا مكانيّتها مساوية إلى جميع الأزمنة والقول بأنّها وراء العرش له معنى آخر لا تعرفه حتّى تبلغ هناك (وطائفة) من الصّوفيّة لمّا وصلوا إلى التّنزيه الرّوحيّ ووجدوها فوق العرش تخيّلوه تنزيها إلهيّا جلّ شأنه وظنّوا علوم ذلك المقام ومعارفه من غوامض العلوم وحلّوا أسرار الإستواء في هذا المقام والحقّ أنّ ذلك النّور نور الرّوح وقد عرض للفقير أيضا مثل هذا الإشتباه عند حصول ذلك المقام ولكن PageV01P398 لمّا أدركتني عناية الحقّ سبحانه ورقّتني من تلك الورطة علمت أنّ ذلك النّور كان نور الرّوح لا النّور الإلهيّ الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، وحيث كانت الرّوح لا مكانيّة ومخلوقة على صورة لا مثاليّة فلا جرم تكون محلّ اشتباه والله يحقّ الحقّ وهو يهدي السّبيل. (وجماعة) منهم ينزلون آخذين ذلك النّور يعني نور الرّوح الّتي فوق العرش ويحصل لهم البقاء به فيظنّون أنفسهم جامعين بين التّشبيه والتّنزيه فإن وجدوا ذلك النّور منفكّا عنهم يتصوّرون ذلك مقام الفرق بعد الجمع وأمثال هذه المغالطات فيما بين الصّوفيّة كثيرة وهو سبحانه العاصم عن مظانّ الأغلاط ومحلّ الإحتياط. وينبغي أن يعلم أنّ الرّوح وإن كانت بالنّسبة إلى العالم لا مثليّة ولكنّها بالنّسبة إلى اللّامثليّ الحقيقيّ داخلة في دائرة المثليّ وكأنّها برزخ بين العالم المثليّ وبين جناب القدس الحقيقيّ ففيها وصف الطّرفين وكلا الإعتبارين صحيح فيها بخلاف اللّامثليّ الحقيقيّ فانّه لا سبيل للمثليّ إليه أصلا فما لم يعرج السّالك من جميع مقامات الرّوح لا يصل إلى ذلك الإسم فينبغي أوّلا أن يتجاوز جميع طبقات السّموات حتّى العرش والخروج من لوازم المكان بالتّمام ثمّ يلزم ثانيا طيّ مراتب لا مكانيّة عالم الأرواح فيصل في ذلك الوقت إلى ذلك الإسم، (شعر) ويظنّ مولانا بأنّه واصل ... ما ان له غير الظّنون حاصل فهو سبحانه وراء الوراء فإنّ وراء عالم الخلق هذا عالم الأمر ووراء عالم الأمر مراتب الأسماء والشّئونات ظلّا وأصالة وإجمالا وتفصيلا فينبغي طلب المطلوب الحقيقيّ فيما وراء هذه المراتب الظّلّيّة والأصليّة والكونيّة والإلهيّة والإجماليّة والتّفصيليّة فمن ذا الّذي ينعم به عليه وأيّ صاحب دولة يشرّف بهذه الدّولة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ينبغي للعاقل أن يكون عالي الهمّة وأن لا يقنع بكلّما يتيسّر في الطّريق وأن يطلب المطلوب في ما وراء الوراء، شعر: كيف الوصول إلى سعاد ودونها ... قلل الجبال ودونهنّ خيوف تنبيه آخر: اعلم أنّ دوام الوقت واستمراره مسلّم لشخص تشرّف بالبقاء بالله بعد تحقّقه بالفناء المطلق وتبدّل علمه الحصوليّ حضوريّا ولنوضّح هذا المبحث ببيان. اعلم أنّ كلّ علم يحصل للعالم من وراء ذاته فطريق حصوله له هو حصول صورة المعلوم في ذهن العالم وكلّ علم لا يحتاج في حصوله إلى حصول الصّورة وهو علم الإنسان بذاته فهو علم حضوريّ فإنّ الذّات حاضرة عند العالم بنفسها وما دامت صورة المعلوم حاصلة في العلم الحصوليّ فهو معلوم في ذهن المتوجّه فإذا زالت الصّورة عن الذّهن زال ذلك التّوجّه الذّهنيّ فدوام التّوجّه في العلم الحصوليّ محال عاديّ بخلافه في العلم الحضوريّ فإنّ الغفلة عن المعلوم غير متصوّرة هناك فإنّ منشأ تحقّق ذلك العلم PageV01P399 حضور ذات العالم وحيث كان ذلك الحضور دائميّا فالعلم بالذّات أيضا يكون دائميّا وزوال التّوجّه إلى ذاته غير ممكن وفي البقاء بالله علم حضوريّ لا يتصوّر زواله. ولا تظنّنّ أنّ البقاء بالله عبارة عن أن يجد السّالك نفسه عين الحقّ كما عبّر البعض من هذه الطّائفة عن حقّ اليقين بهذه العبارة فإنّه ليس كذلك فإنّ البقاء بالله الّذي تيسّر بعد الفناء المطلق لا يناسبه أمثال هذه العلوم وحقّ اليقين الّذي قاله البعض مناسب لبقاء يحصل في الجذبة والبقاء الّذي هو مقصودنا غير ذلك، شعر: فو الله لا تدري لذي الخمر لذّة ... ولا نشوة حتّى تذوق وتسكرا فاستمرار التّوجّه ودوام الحضور إنّما ثبتا في البقاء بالله ولا إمكان لدوام التّوجّه قبل التّحقّق بالبقاء بالله وإن توهّم ذلك المعنى لكثيرين قبل الوصول إلى هذا المقام خصوصا في الطّريقة العليّة النّقشبنديّة قدّس الله أسرار أهلها والحقّ ما حقّقت والصّواب ما ألهمت والله سبحانه أعلم بالصّواب وإليه المرجع والمآب الحمد لله ربّ العالمين أوّلا وآخرا والصّلاة والسّلام على رسوله دائما وسرمدا. (286) المكتوب السّادس والثّمانون والمائتان إلى مولانا أمان الله الفقيه في بيان أنّ الإعتقاد الصّحيح هو المأخوذ من الكتاب والسّنّة على وفق آراء أهل السّنّة والجماعة وفي ردّ من يستنبط من الكتاب والسّنّة خلاف معتقدات أهل السّنّة والجماعة وأدركوا بالكشف خلاف ما عليه أهل الحقّ بسم الله الرّحمن الرّحيم اعلم أرشدك الله وألهمك سواء الصّراط أنّ من جملة ضروريّات الطّريق للسّالك الإعتقاد الصّحيح الّذي استنبطه علماء أهل السّنّة والجماعة من الكتاب والسّنّة وآثار السّلف وحمل الكتاب والسّنّة على المعاني الّتي فهمها جمهور أهل الحقّ يعني علماء أهل السّنّة والجماعة منهما أيضا ضروريّ فإن ظهر فرضا بطريق الكشف والإلهام ما يخالف تلك المعاني المفهومة ينبغي أن لا يعتبره وأن يستعيذ منه مثل الآيات والأحاديث الّتي يفهم من ظواهرها التّوحيد الوجوديّ وكذلك الإحاطة والسّريان والقرب والمعيّة الذّاتيّة ولم يفهم علماء أهل الحقّ من تلك الآيات والأحاديث هذه المعاني فإذا انكشف للسّالك في أثناء الطّريق هذه المعاني بأن لا يرى غير موجود واحد أو بأن يدرك أنّ الله تعالى محيط بالذّات أو وجده قريبا بالذّات فهو وإن كان معذورا في ذلك بسبب غلبة الحال وسكر الوقت فيما هنالك ولكن ينبغي له أن يكون ملتجئا إلى الله تعالى ومتضرّعا إليه دائما لأن يخلّصه من هذه الورطة وأن يكشف له أمورا مطابقة لآراء علماء أهل الحقّ وأن لا يظهر له ما يخالف معتقداتهم الحقّة ولو مقدار شعرة. PageV01P400 (وبالجملة) ينبغي أن يجعل المعاني الّتي كانت مفهومة لعلماء أهل الحقّ مصداق الكشف وأن لا يجعل محكّ الإلهام غيرها فإنّ المعاني المخالفة للمعاني المفهومة لهم ساقطة عن حيّز الإعتبار لأنّ كلّ مبتدع ضالّ يزعم أنّ مقتدى معتقداته ومأخذها الكتاب والسّنّة فإنّه يفهم منهما بحسب افهامه الرّكيكة معاني غير مطابقة يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا وإنّما قلت إنّ المعتبر هو المعاني المفهومة لعلماء أهل الحقّ وانّ ما سواها ممّا يخالفها غير معتبرة بناء على أنّهم أخذوا تلك المعاني من تتبّع آثار الصّحابة والسّلف الصّالحين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين واقتبسوها من أنوار نجوم هدايتهم ولهذا صارت النّجاة الأبديّة مخصوصة بهم والفلاح السّرمديّ نصيبا لهم أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون. فإن تداهن بعض العلماء في الفرعيّات وارتكبوا التّقصيرات في العمليّات مع وجود حقّيّة الإعتقاد لا ينبغي بسبب ذلك أن ينكر العلماء مطلقا وأن يطعن فيهم كلّيّا فإنّ ذلك محض عدم الإنصاف وصرف المكابرة بل إنكار أكثر ضروريّات الدّين فإنّ ناقلي تلك الضّروريّات هم العلماء وناقدي جيّدها عن رديئها هم العلماء فلولا نور هدايتهم لما اهتدينا ولو لا تمييزهم الصّواب عن الخطإ لغوينا وهم الّذين بذلوا جهدهم في إعلاء كلمة الدّين القويم وسلكوا بأناس كثيرة إلى صراط مستقيم فمن تابعهم نجا وأفلح ومن خالفهم ضلّ وأضلّ من الطّريق الأوضح. (ينبغي) أن يعلم أنّ معتقدات الصّوفيّة بالاخرى أعني بعد تمام منازل السّلوك والوصول إلى أقصى درجات الولاية هي عين معتقدات أهل الحقّ فهى للعلماء بالنّقل والإستدلال وللصّوفيّة بالكشف والإلهام وإن ظهر لبعض الصّوفيّة في أثناء الطّريق بواسطة السّكر وغلبة الحال ما يخالف تلك المعتقدات ولكن إذا جاوز تلك المقامات وبلغ نهاية الأمر تكون تلك المخالفة هباء منثورا وإلّا فيبقى على تلك المخالفة ولكنّ المرجوّ أن لا يوأخذ بها فإنّ حكمه حكم المجتهد المخطئ والمجتهد مخطئ في الإستنباط وهو في الكشف ومن جملة مخالفات هذه الطّائفة الحكم بوحدة الوجود والإحاطة والقرب والمعيّة الذّاتيّات كما مرّ وكذلك إنكارهم وجود الصّفات السّبعة أو الثّمانية في الخارج بوجود زائد على ذات الحقّ جلّ شأنه فإنّ علماء أهل السّنّة ذاهبون إلى وجودها في الخارج بوجود زايد على وجود الذّات. ومنشأ إنكارهم هو أنّ مشهودهم في ذلك الوقت هو الذّات في مرآة الصّفات ومعلوم أنّ المرآة تكون مختفية من نظر الرّائي فحكموا بعدم وجودها في الخارج بواسطة ذلك الإختفاء وظنّوا أنّها لو كانت موجودة لكانت مشهودة وحيث لا شهود فلا وجود وطعنوا في العلماء بسبب حكمهم بوجود الصّفات بل حكموا بالكفر والثّنويّة أعاذنا الله سبحانه من الجراءة على الطّعن فإن تيسّر لهم التّرقّي من هذا المقام وخرج شهودهم من هذا الحجاب وزال حكم المراتب لرأوا الصّفات مغايرة للذّات ولما أنكروها ولما انجرّ أمرهم إلى طعن أكابر العلماء. PageV01P401 (ومن جملة) مخالفاتهم حكمهم ببعض أمور يستلزم كونه تعالى فاعلا بالإيجاب فإنّهم وإن لم يطلقوا لفظ الإيجاب وأثبتوا الإرادة لكنّهم ينفون الإرادة في الحقيقة وهم يخالفون جميع أهل الملل في هذا الحكم فمن جملة هذه الامور حكمهم بأنّ الله تعالى قادر بقدرة بمعنى إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ويقولون بأنّ الشّرطيّة الاولى واجبة الصّدق والثّانية ممتنعة الصّدق وهذا قول بالإيجاب بل إنكار القدرة بالمعنى المقرّر عند أهل الملل فإنّ القدرة عندهم بمعنى صحّة الفعل والتّرك واللّازم لقولهم وجوب الفعل وامتناع التّرك فأين أحدهما من الآخر ومذهبهم في هذه المسألة هو بعينه مذهب الفلاسفة وإثبات الإرادة مع القول بوجوب صدق الأولى وامتناع صدق الثّانية، وامتيازهم عن الفلاسفة بهذا الإثبات غير نافع فإنّ الإرادة هي تخصيص أحد المتساويين فحيث لا تساوي لا إرادة وههنا التّساوي معدوم للوجوب والإمتناع فافهم. ومن جملة تلك الامور بيانهم في مسألة القضاء والقدر على نهج ظاهره إثبات الإيجاب فمن جملة عباراتهم في هذا المبحث هذه العبارة: الحاكم محكوم والمحكوم حاكم وجعل الحقّ سبحانه محكوم أحد وإثبات حاكم عليه مع قطع النّظر عن إثبات الإيجاب مستقبح جدّا إنّهم ليقولون منكرا من القول وزورا. وأمثال ذلك من المخالفات كثيرة كقولهم بعدم إمكان رؤية الحقّ سبحانه الّا بالتّجلّي الصّوريّ وهذا القول مستلزم لانكار رؤية الحقّ سبحانه والرّؤية الّتي جوّزوها بالتّجلّي الصّوريّ ليست هي في الحقيقة رؤية الحقّ سبحانه بل هي ضرب من الشّبه والمثال، نظم: يراه المؤمنون بغير كيف ... وإدراك وضرب من مثال وكقولهم بقدم أرواح الكمّل وأزليّتها وهذا القول أيضا مخالف لما عليه أهل الإسلام فإنّ عندهم العالم بجميع أجزائه محدث والأرواح من جملة العالم لأنّ العالم اسم لجميع ما سوى الله تعالى فافهم. (فينبغي) للسّالك قبل بلوغه كنه الأمر وحقيقته أن يعدّ تقليد علماء أهل الحقّ لازما لنفسه مع وجود مخالفة كشفه وإلهامه وأن يعتقد العلماء محقّين ونفسه مخطئا لأنّ مستند العلماء تقليد الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام المؤيّدين بالوحي القطعيّ المعصومين عن الخطأ والغلط، وكشفه وإلهامه على تقدير مخالفته للأحكام الثّابتة خطأ وغلط فتقديم الكشف على أقوال العلماء تقديم له في الحقيقة على الأحكام القطعيّة المنزّلة وهو عين الضّلالة ومحض الخسارة. وكما أنّ الإعتقاد بموجب الكتاب والسّنّة ضروريّ كذلك العمل بمقتضاهما على نهج استنبطه الأئمّة المجتهدون منهما واستخرجوا الأحكام عنهما من الحلال والحرام والفرض والواجب والسّنّة والمستحبّ والمكروه والمشتبه، والعلم بهذه الأحكام أيضا ضروريّ ولا يجوز للمقلّد أخذ الأحكام من الكتاب والسّنّة على خلاف رأي المجتهد وأن يعمل بها وينبغي أن يختار في العمل القول المختار في مذهب مجتهده الّذي قلّدة وتبعه وأن يعمل بالعزيمة مجتنبا عن البدعة وأن يسعى في جمع أقوال المجتهدين مهما أمكن ليقع العمل على القول المتّفق عليه مثلا أنّ الإمام الشّافعيّ اشترط النّيّة في الوضوء فلا يتوضّأ بلآ نيّة وكذلك قال بفرضيّة التّرتيب في غسل الأعضاء PageV01P402 فيلتزم التّرتيب وافترض الإمام مالك الدّلك في غسل الأعضاء فيدلّك ألبتّة وكذلك قالوا ينقض الوضوء بمسّ النّساء والذّكر فيجدّد الوضوء إن مسّ أحدهما وعلى هذا القياس في سائر الأحكام الخلافيّة وبعد حصول هذين الجناحين الإعتقاديّ والعمليّ يكون متوجّها نحو العروج إلى مدارج القرب الإلهيّ جلّ سلطانه وطالبا لقطع المنازل الظّلمانيّة والمسالك النّورانيّة ولكن ينبغي أن يعلم أنّ ذلك العروج وقطع المنازل مربوط بتوجّه شيخ كامل مكمّل عالم بالطّريق بصير به هاد إليه، نظره شفاء الأمراض القلبيّة وتوجّهه دافع الأخلاق الرّديّة الغير المرضيّة فليطلب أوّلا الشّيخ فإن عرفه بمحض فضل الحقّ سبحانه فليلازمه معتقدا أنّ معرفته إيّاه نعمة عظمى وليكن منقادا له في تصرّفاته بكلّيّته قال شيخ الإسلام الهرويّ: إلهي ما هذا الّذي جعلت أولياءك بحيث من عرفهم وجدك وما لم يجدك لم يعرفهم ويفنى اختياره في اختيار شيخه بالكلّيّة ويخلّي نفسه عن جميع المرادات ويشدّ نطاق الهمّة في خدمته ويسعى سعيا بليغا في امتثال جميع ما يأمر به شيخه معتقدا بأنّ رأس مال سعادته فيه فإن رأى الشّيخ المقتدى به أنّ المناسب لاستعداده الذّكر يأمره به وإن رأى أنّ المناسب التّوجّه والمراقبة يشير بهما أيضا فيما هنالك وإن علم الكفاية بمجرّد الصّحبة يأمره أيضا بذلك. (وبالجملة) انّ الإحتياج إلى الذّكر مع وجود صحبة الشّيخ ليس شرطا من شرائط الطّريق أصلا بل يأمر الشّيخ بكلّ ما يراه مناسبا لحال الطّالب فإن وقع منه تقصير في بعض شرائط الطّريق يتلافاه بصحبة الشّيخ فيكون توجّهه جابرا لنقصانه. ومن لم يشرّف بصحبة مثل هذا الشّيخ فإن كان من المرادين يجذبه الحقّ سبحانه ويجتبيه إليه ويكفيه أمره بمحض عنايته الّتي لا غاية لها ولا نهاية ويعلّمه كلّ شرط وأدب لازم له ويجعل روحانيّة بعض الأكابر وسائل طريقه ودليله في قطع منازل السّلوك فإنّ توسّط روحانيّات المشائخ في قطع طريق السّلوك لازم بطريق جرى عادة الله سبحانه. وإن كان من المريدين فأمره من غير توسّط شيخ مقتدى به مشكل فينبغي أن يلتجئ إلى الله سبحانه دائما إلى أن يصل إلى شيخ مقتدى به. وينبغي أيضا أن يعدّ رعاية شرائط الطّريق لازمة وقد بيّنت تلك الشّرائط في كتب المشائخ تفصيلا فينبغي مراجعتها وملاحظة ما فيها ورعايتها بعد ذلك ومعظم شرائط الطّريق مخالفة النّفس وهي موقوفة على رعاية مقام الورع والتّقوى الّذي هو الإنتهاء من المحارم والإنتهاء من المحارم لا يتصوّر الّا بعد الإجتناب من فضول المباحات فإنّ إرخاء العنان في ارتكاب المباحات يفضي إلى ارتكاب المشتبهات والمشتبه قريب من المحرّم واحتمال الوقوع فيه أقوى ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. فاجتناب المحرّمات كان موقوفا على اجتناب فضول المباحات فلا بدّ في تحقّق الورع من اجتناب فضول المباحات ولا بدّ للتّرقّي والعروج من تحقّق الورع فإنّه مربوط به. وبيانه أنّ للأعمال جزأين امتثال الأوامر والإنتهاء عن المناهي والإمتثال يشارك فيه القدسيّون فإن وقع التّرقّي بالإمتثال فقط لوقع للقدسيّين أيضا، والإنتهاء عن المناهي خاصّ بالإنسيّين ليس هو في القدسيّين PageV01P403 فإنّهم معصومون بالذّات ليس فيهم مجال المخالفة حتّى ينهون عنها فلزم كون التّرقّي مربوطا بهذا الجزء وهذا الإجتناب هو عين مخالفة النّفس فإنّ الشّريعة إنّما وردت لرفع الأهواء النّفسانيّة ودفع الرّسوم الظّلمانيّة فإنّ مقتضى طبيعة النّفس إمّا ارتكاب المحرّم أو ارتكاب الفضول المفضي أخيرا للمحرّم فاجتناب الفضول هو عين مخالفة النّفس. فإن قيل: إنّ في امتثال الأوامر أيضا مخالفة النّفس فإنّ النّفس لا تريد الإشتغال بالعبادة فيكون الإمتثال أيضا مستلزما للتّرقّي وفي الملائكة لمّا كانت مخالفة الإمتثال مفقودة لم يكن سببا لترقّيهم فالقياس مع الفارق (قلت) إنّ عدم إرادة النّفس العبادة وعدم رضاها بها إنّما هو بسبب كونها طالبة لفراغها بحيث لا تريد أن تكون مقيّدة ومشغولة بشيء وهذا الفراغ وعدم الإشتغال أيضا داخلان في المحرّم او الفضول فجاءت مخالفة النّفس في امتثال الأوامر من طريق اجتناب المحرّم والفضول لا من طريق أداء الأوامر يعني المأمورات فقط حتّى يقال: إنّه موجود في الملائكة أيضا فالقياس صحيح. فكلّ طريق مخالفة النّفس فيه أكثر فهو أقرب الطّرق ولا شكّ أنّ رعاية مخالفة النّفس في طريقة النّقشبنديّة أكثر منها في سائر الطّرق فإنّ هؤلاء الأكابر اختاروا العمل بالعزيمة والإجتناب عن الرّخصة ومن المعلوم أنّ كلّا من اجتناب المحرّم والفضول موجود في العزيمة ومرعىّ فيها بخلاف الرّخصة فانّ فيها اجتناب المحرّم فقط. فإن قيل: يمكن أن يكون المختار عند أرباب سائر الطّرق أيضا العزيمة. قلت: إنّ في أكثر الطّرق سماعا ورقصا ويبلغ الأمر فيه حدّ الرّخصة بعد تمحّل كثير وأين فيه المجال للعزيمة بعد وكذلك ذكر الجهر لا يتصوّر فيه ما فوق الرّخصة وقد أحدث مشائخ سائر الطّرق أمورا محدثة في طرقهم لبعض نيّات صحيحة، نهاية التّصحيح في تلك الامور الحكم بالرّخصة بخلاف أكابر هذه السّلسلة العليّة فإنّهم لا يجوّزون مقدار شعرة من مخالفة السّنّة فتكون مخالفة النّفس في هذا الطّريق أتمّ فيكون أقرب الطّرق فيكون اختيار هذا الطّريق للطّالب أولى وأنسب لأنّ الطّرق في نهاية الأقربيّة والمطلب في كمال الرّفعة. (وقد ترك جماعة) من متأخّري خلفائهم أوضاع هؤلاء الأكابر وأحدثوا في هذا الطّريق بعض الامور واختاروا السّماع والرّقص والجهر ومنشأ ذلك عدم الوصول إلى حقيقة نيّات أكابر هذه الطّريقة العليّة فخالوا أنّهم يكملون ويتمّمون هذه الطّريقة بهذه المحدثات والمبتدعات ولم يدروا أنّهم يسعون بها في تخريبها ويجتهدون في إضاعتها والله يحقّ الحقّ وهو يهدي السّبيل. PageV01P404 (287) المكتوب السّابع والثّمانون والمائتان إلى أخيه الحقيقيّ منبع الحقائق وميان غلام محمّد في بيان الجذبة والسّلوك وبيان المعارف المناسبة لهذين المقامين بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ وختمهم بأفضلهم وأكملهم محمّد الّذي جاء بالصّدق صلوات الله سبحانه وبركاته عليه وعليهم وعلى من تابعهم أجمعين إلى يوم الدّين آمين. ولقد رأيت الطّالبين ينزلون المسلك الطّويل والمطلب الرّفيع بواسطة دناءة الهمّة وخسّة الفطرة وعدم وجدان صحبة الشّيخ الكامل المكمّل إلى منزلة طريق قصير ومقصد وضيع ويقنعون بكلّما يتيسّر لهم في الطّريق من حقير وخطير ويظنّون ذلك مقصدا ويزعمون أنفسهم بحصوله كملة وأرباب نهاية ويطبّقون من خسّة الفطرة واستيلاء قواهم المتخيّلة أحوالهم النّاقصة على الأحوال الكاملة الّتي بيّنها الكملة الواصلون من تمام أمرهم ونهاية سيرهم كما قيل، (ع): وصار الفأر في رؤياه ناقة * ويكتفون من البحر المحيط بقطرة بل بصورة قطرة ومن بحر عمّان برشحة بل بصورة رشحة ويتصوّرون المثاليّ غير المثاليّ ويسكنون عن غير المكيّف بالمكيّف ويتخيّلون المثليّ لا مثليّا وينخدعون عن اللّامثليّ بالمثليّ، وأحوال جماعة آمنوا باللّامثليّ بالتّقليد واعتقدوه أفضل من أحوال هؤلاء الطّالبين الّذين لم يتمّ سلوكهم والظّامئين القانعين بالسّراب بمراتب فإنّه فرق كثير بين المحقّ والمبطل والمصيب والمخطئ فويل للطّالبين القاصرين المنقطعين عن المطلب الّذين يظنّون المحدث قديما ويزعمون المثاليّ لا مثاليّا إن لم يكونوا معذورين بالخطأ في الكشف ويؤاخذون بهذا الخطأ والغلط، ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. وهذا كما إذا كان شخص مثلا طالب كعبة وتوجّه إليها بكمال الشّوق فاستقبله في أثناء الطّريق اتّفاقا بيت شبيه بالكعبة ولو بحسب الصّورة فخاله كعبة وصار معتكفا هناك وشخص آخر له علم بخواصّ الكعبة بالأخذ عن الواصلين إليها وصدّق بوجودها بحسب علمه فهذا الشّخص وإن لم يخط خطوة في طلب الكعبة ولكنّه لم يعتقد غير الكعبة كعبة ومحقّ في تصديقه فحاله أفضل من حال الطّالب المذكور المخطئ نعم إذا لم يعتقد الطّالب الغير الواصل إلى المطلب غير المطلب مطلبا فحاله أفضل من حال مقلّد محقّ لم يضع قدمه في طريق المطلب فإنّه مع وجود حقّيّة تصديقه بالمطلوب قاطع لمسافة طريق المطلوب ولو في الجملة فله تتحقّق المزيّة. (وطائفة) منهم أيضا جعلوا أنفسهم بهذا الكمال والخيال والوصال الوهميّ في مسند المشيخة ودعوة الخلق وضيّعوا بعلّة منقصتهم استعداد كثير من المستعدّين للكمالات وأزالوا بشؤم برودة صحبتهم حرارة طلب الطّالبين ضلّوا فأضلّوا ضاعوا فأضاعوا وتخيّل هذه الكمالات وتوهّم الوصال في المجذوبين غير السّالكين أكثر منه في السّالكين المجذوبين الغير الواصلين فإنّ المبتدي والمنتهي متشابهان في صورة الجذبة ومتساويان في العشق والمحبّة في الظّاهر وإن لم يكن بينهما مناسبة في الحقيقة وكانت أحوال كلّ منهما مغايرة لأحوال الآخر وممتازة عنها، (ع): ما PageV01P405 نسبة الفرشيّ بالعرشيّ * فإنّ كلّ شيء يوجد في البداية فهو معلول وإلى غرض ما محمول وحيث كان ما في الإنتهاء بالحقّ فهو للحقّ وسيذكر تفصيل هذا الكلام عن قريب إن شاء الله تعالى وتكون هذه المشابهة الصّوريّة والمناسبة الضّروريّة باعثة على ذلك التّخيّل وحيث كانت الجذبة مقدّمة على السّلوك في طريقة النّقشبنديّة العليّة كثر هذا القسم من التّخيّل والتّوهّم في مجاذيب هذا الطّريق الّذين لم يشرّفوا بعد بدولة السّلوك وقد يحصل لجماعة منهم تقلّبات في مقام الجذبة وتنقّلات عن حال إلى حال فيظنّون ذلك قطع منازل السّلوك وطيّ مسالك السّير إلى الله ويزعمون أنفسهم بتلك التّقلّبات من المجذوبين السّالكين فتقرّر في الخاطر الفاتر أن أكتب فقرات في بيان حقيقة السّلوك والجذبة وبيان الفرق ما بين هذين المقامين مع ذكر بعض خواصّ مميّزة لكلّ واحد منهما عن الآخر وبيان الفرق بين جذبة المبتدي وجذبة المنتهي وحقيقة مقام التّكميل والإرشاد وعلوم أخر مناسبة لذلك المقام ليحقّ الحقّ ويبطل الباطل ولو كره المجرمون فشرعت فيه بحسن توفيقه سبحانه وهو سبحانه يهدي السّبيل وهو نعم المولى ونعم الوكيل وهذا المكتوب مشتمل على مقصدين وخاتمة المقصد الأوّل في بيان معارف متعلّقة بمقام الجذبة والمقصد الثّاني في بيان ما يتعلّق بالسّلوك والخاتمة في بعض العلوم والمعارف الّتي علمها كثير المنفعة للطّالبين. المقصد الأوّل: اعلم أنّ المجذوب غير تامّ السّلوك وإن كان له جذب قويّ داخل في زمرة أرباب القلوب من أيّ طريق كان منجذبا فإنّه لا يمكن له تجاوز مقام القلب والإتّصال بمقلّب القلب من غير سلوك وتزكية نفس فإنّ انجذابهم قلبيّ وحبّهم عرضيّ لا ذاتيّ ولا أصليّ فإنّ النّفس ممتزجة بالرّوح في هذا المقام والظّلمة مختلطة بالنّور في هذا المعاملة ولا يتصوّر الخروج عن مضيق مقام القلب بالكلّيّة والإتّصال بمقلّب القلب وحصول الإنجذاب الرّوحيّ نحو المطلوب بدون تخلّص الرّوح من النّفس لاجل التّوجّه إلى المطلوب، وانفكاك النّفس عن الرّوح ونزولها إلى مقام العبوديّة وما دام هذان مجتمعين في الحقيقة لا يتصوّر الإنجذاب الرّوحيّ الخالص فإنّ الحقيقة الجامعة القلبيّة قائمة مستحكمة، وتخلّص الرّوح عن النّفس إنّما يتصوّر بعد قطع منازل السّلوك وطيّ مسالك السّير إلى الله وتحقّق السّير في الله بل بعد حصول مقام الفرق بعد الجمع الّذي يتعلّق بالسّير عن الله بالله، شعر: هل كلّ ذي ذكر يحويه معترك ... أو كلّ من نال من ملك سليمان فظهر الفرق بين جذب المنتهي وجذب المبتدي، وشهود المجذوبين أرباب القلوب من وراء حجاب الكثرة علموا هذا المعنى او لا وليس مشهودهم الّا عالم الأرواح الّذي هو شبيه في اللّطافة والإحاطة والسّريان بموجده صورة فإنّ الله خلق آدم على صورته وبهذه المناسبة يزعمون شهود الرّوح شهود الحقّ تعالى وتقدّس وعلى هذا القياس الإحاطة والسّريان والقرب والمعيّة فإنّ نظر السّالك لا ينفذ الّا إلى المقام الفوق لا إلى مقام فوق الفوق والمقام الّذي فوق مقامهم هو مقام الرّوح فلا ينفذ نظرهم إلى ما فوق مقام الرّوح ولا يكون مشهودهم شيئا غير الرّوح والنّظر إلى ما فوق مقام الرّوح موقوف على PageV01P406 الوصول إلى مقام الرّوح وحال المحبّة والإنجذاب أيضا كحال الشّهود وشهود الحقّ سبحانه بل محبّته والإنجذاب إليه تعالى مربوط بحصول الفناء المعبّر عنه بنهاية السّير إلى الله، شعر: ومن لم يكن في حبّ مولاه فانيا ... فليس له في كبرياه سبيل وإطلاق الشّهود في هذا المقام من ضيق ميدان العبارة والّا معاملة هؤلاء الأكابر متعارفة بما وراء وراء الشّهود وكما أنّ مقصدهم لا مثليّ ولا كيفيّ كذلك اتّصالهم أيضا لا مثليّ ولا كيفيّ لا سبيل للمثاليّ إلى اللّامثاليّ لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه، شعر. إنّ للرّحمن مع أرواح ناس ... اتّصالا دون كيف وقياس وإحاطته تعالى وسريانه وقربه ومعيّته عند المحقّقين أرباب السّلوك الواصلين إلى نهاية الأمر كلّها علميّة وهم موافقون لعلماء أهل الحقّ شكر الله سعيهم والحكم بالقرب الذّاتيّ وأمثاله عندهم من عدم الحاصل والبعد والمقرّبون لا يحكمون بالقرب قال واحد من الكبراء: من قال أنا قريب فهو بعيد ومن قال أنا بعيد فهو قريب وهذا هو التّصوّف والعلم المتعلّق بالتّوحيد الوجوديّ منشؤه المحبّة والإنجذاب القلبيّ. وأرباب القلوب الّذين لا جذبة لهم بل يقطعون المنازل بطريق السّلوك لا مناسبة لهذا العلم بهم وكدلك المجذوبون المتوجّهون بالسّلوك من القلب إلى مقلّب القلب بالكلّيّة يتبرّءون من هذه العلوم ويستغفرون منها. وبعض المجذوبين وإن سلكوا طريق السّلوك وطووا المنازل ولكن لا ينقطع نظرهم عن المقام المألوف ولا يقدرون التّوجّه إلى الفوق فلا يترك أمثال هذه العلوم أذيالهم ولا يقدرون الخروج من هذه الورطة والتّخلّص منها؛ ولهذا يكون فيهم ضعف وعرج في العروج إلى مدارج القرب والصّعود إلى معارج القدس (ربّنا أخرجنا من هذه القرية الظّالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليّا واجعل لنا من لدنك نصيرا). وعلامة الوصول إلى نهاية المطلب التّبرّي من هذه العلوم فإنّه كلّما تحصل زيادة المناسبة بالتّنزيه يوجد عدم مناسبة العالم بالصّانع أزيد ولا معنى حينئذ في اعتقاد انّ العالم عين الصّانع أو في ظنّ أنّ الصّانع محيط بالعالم بالذّات ما للتّراب وربّ الأرباب. معرفة: قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس الله تعالى سرّه الأقدس: نحن ندرج النّهاية في البداية ومعنى هذه العبارة هو أنّ الإنجذاب والمحبّة اللّذين يتيسّران للمنتهين في الإنتهاء مندرجان في هذا الطّريق في الإنجذاب والمحبّة اللّذين يحصلان في الإبتداء فإنّ انجذاب المنتهي روحيّ وفي المبتدي جذب قلبيّ ومن حيث انّ القلب برزخ بين الرّوح والنّفس يحصل في ضمن الجذب القلبيّ الجذب الرّوحىّ أيضا وتخصيص هذا الإندراج بهذا الطّريق مع أنّه حاصل في جميع الجذبات بهذا المعنى مبنيّ على أنّ أكابر هذه الطّريقة وضعوا طريقا خاصّا لحصول هذا المعنى وعيّنوا مسلكا مخصوصا للوصول إلى هذا المطلب ويحصل هذا المعنى لغيرهم على سبيل الإتّفاق وليس لهم في ذلك ضابطة. PageV01P407 وأيضا إنّ لهؤلاء الأكابر شأنا خاصّا في مقام الجذبة ليس هو لغيرهم فإن كان فنادر ولهذا يحصل لبعضهم في هذا المقام من غير قطع منازل السّلوك فناء وبقاء شبيهان بفناء أرباب السّلوك وبقائهم ويتيسّر لهم شرب من مقام التّكميل شبيه بمقام السّير عن الله بالله يربّون به المستعدّين وسيجيء تحقيق هذا المبحث عن قريب إن شاء الله تعالى. وههنا دقيقة ينبغي أن يعلم أنّ الرّوح كان لها قبل تعلّقها بالبدن نحو من التّوجّه إلى المقصود فلمّا تعلقت بالبدن زال عنها ذلك التّوجّه وأكابر هذه السّلسلة العليّة وضعوا طريقا لظهور ذلك التّوجّه ولكن لمّا كانت الرّوح متعلّقة بالبدن انتقل ذلك التّوجّه إلى القلب فيحصل لهم فيه توجّه قلبيّ جامع لتوجّه النّفس والرّوح ولا شكّ أنّ التّوجّه الرّوحيّ مندرج في التّوجّه القلبيّ وأمّا التّوجّه الرّوحيّ في المنتهين فهو بعد فناء الرّوح وبقائه بالوجود الحقّانيّ المعبّر عنه بالبقاء بالله، والتّوجّه الرّوحيّ الّذي هو في ضمن التّوجّه القلبيّ بل توجّه الرّوح الّذي كان قبل تعلّقها بالبدن فهو توجّه مع وجود وجود الرّوح لم يتطرّق الفناء إليها أصلا والفرق بين توجّه الرّوح مع وجود وجودها وبين توجّهها مع فنائها كثير فإطلاق النّهاية على ذلك التّوجّه الرّوحيّ المندرج إنّما هو باعتبار توجّهها الّذي يبقى في النّهاية هو فقط فالمراد باندراج النّهاية في البداية اندراج صورة النّهاية في البداية لا حقيقتها فإنّ اندراجها في البداية محال ويمكن أن يكون عدم إتيان لفظ الصّورة لأجل التّرغيب في طلب هذا الطّريق والحقّ ما حقّقت بعون الله تعالى والسّابقون الّذين انجذابهم من غير تعمّل وكسب بل بتوجّه وحضور فذلك الإنجذاب أيضا قلبيّ وأثر من توجّه الرّوح السّابق فإنّه لم يزل بالكلّيّة بواسطة تعلّقها بالبدن والكسب والتّعمّل لظهور التّوجّه السّابق إنّما هو لجماعة نسوا التّوجّه السّابق بواسطة ذلك التّعلّق وكأنّ الكسب لأجل التّنبيه على التّوجّه السّابق والتّذكير لتلك الدّولة الغائبة الضّائعة ولكنّ استعداد النّاسين للتّوجّه السّابق ألطف من استعداد السّابقين المذكورين فإنّ نسيان التّوجّه السّابق بالكلّيّة يخبر عن التّوجّه الكلّيّ إلى المتوجّه إليه بالفعل وعن الفناء فيه بخلاف عدم نسيان التّوجّه السّابق فإنّه ليس كذلك. (غاية ما في الباب) أنّ السّابقين يحصل لهم ذلك التّوجّه على سبيل الشّمول لكلّيّتهم والسّريان فيها ويأخذ بدنهم أيضا حكم روحهم كما هو شأن المحبوبين المرادين. والفرق بين شمول المحبّين وشمول السّابقين كالفرق بين حقيقة الشّيء وصورته كما هو الظّاهر لأربابه. نعم إنّ هذا النّوع من الشّمول متحقّق أيضا في المحبّين والواصلين والمريدين الكاملين ولكنّه كالبرق فيهم ليس بدائميّ والتّوجّه الدّائميّ إنّما هو من خاصّة المحبوبين. معرفة: إنّ المجذوبين أرباب القلوب إذا حصل لهم تمكّن ورسوخ في مقام القلب وتيسّر لهم معرفة وصحو مناسب لذلك المقام يقدرون على إيصال الفائدة إلى الطّالبين ويحصل للطّالبين في صحبتهم PageV01P408 انجذاب ومحبّة قلبيّة وإن لم يبلغوا من جهتهم مرتبة الكمال فإنّهم لم يبلغوا بعد بأنفسهم حدّ الكمال فلا يقدرون على أن يكونوا واسطة لحصول الكمال لغيرهم ومشهور أنّ النّاقص لا يجيء منه كامل، وإفادتهم على كلّ حال أزيد من إفادة أرباب السّلوك وإن بلغوا نهاية السّلوك وحصل لهم جذب المنتهين ولكنّهم لم ينزلوا إلى مقام القلب بطريق السّير عن الله بالله فإنّ المنتهي غير المرجوع ليس له مرتبة التّكميل والإفادة لأنّه لم يبق فيه مناسبة بالعالم وتوجّه إليه حتّى يقدر على الإفادة وإطلاق البرزخ على الشّيخ المقتدى به إنّما هو باعتبار نزوله إلى مقام البرزخيّة الّذي هو مقام القلب وأخذه من كلا جهتي الرّوح والنّفس حظّا وافرا فمن جهة الرّوح يستفيد من الفوق ومن جهة النّفس يفيد من دونه لأنّه اجتمع فيه التّوجّه إلى الحقّ سبحانه بالتّوجّه إلى الخلق بحيث لا يكون أحدهما حجابا للآخر فالإفادة والإستفادة حاصلتان له معا وبعض المشائخ أراد ببرزخيّة الشّيخ برزخيّته بين الحقّ والخلق. وقال للشّيخ البرزخ جامعا بين التّشبيه والتّنزيه ولا يخفى أنّ مثل هذه البرزخيّة الّتي مبناها على السّكر غير لائقة بمقام المشيخة الّذي مبناه على الصّحو فإنّ نفوسهم في هذا المقام مندرجة في غلبات أنوار الرّوح وذلك الإندراج هو الّذي صار منشأ للسّكر وفي مقام برزخيّة القلب يتفرّق كلّ من النّفس والرّوح ويمتاز عن الآخر فلا يكون فيه مجال للسّكر بالضّرورة بل فيه كلّه صحو فإنّه هو المناسب لمقام الدّعوة هذا. فإذا نزل الشّيخ الكامل إلى مقام القلب تحصل له المناسبة بالعالم بواسطة البرزخيّة ويكون واسطة لحصول الكمالات لمستعدّي الكمالات وحيث كان المجذوب المتمكّن أيضا في مقام القلب له مناسبة بالعالم لا يبخل بالتّوجّه إلى أهل العالم وقد اكتسب نصيبا من الإنجذاب وحصل المحبّة وإن كانا قلبيّين فلا جرم انكشف له طريق الإفادة بل أقول: إنّ كمّيّة إفادة المجذوب المتمكّن أزيد من كمّيّة إفادة المنتهي المرجوع وكيفيّة إفادة المنتهي المرجوع أزيد من كيفيّة إفادة المجذوب فإنّ المنتهي المرجوع وإن حصلت له المناسبة بالعالم لكنّها في الصّورة فقط وفي الحقيقة هو مفارقه ومنصبغ بلون الأصل وباق به ومناسبة هذا المجذوب بالعالم في الحقيقة وهو من جملة إفادة العالم وباق بالبقاء الّذي به بقاء العالم فبواسطة المناسبة الحقيقيّة تكون استفادة الطّالبين منه أكثر بالضّرورة ومن المنتهي المرجوع أقلّ ولكنّ إفادة كمال مراتب الولاية مخصوصة بالمنتهي فلا جرم يكون المنتهي في كيفيّة الإفادة أرجح وأيضا ليس في المنتهي همّة وتوجّه في الحقيقة والمجذوب صاحب همّة وتوجّه فيقدّم أمور الطّالبين ويرقّيهم بالهمّة والتّوجّه وإن لم يبلّغهم حدّ الكمال. وأيضا إنّ نهاية التّوجّه الّذي يحصل للطّالبين من المجذوبين هي ذلك التّوجّه السّابق للرّوح الّذي نسوه فيتذكّرونه في صحبتهم ويحصل ثانيا بطريق الإندراج في التّوجّه القلبيّ بخلاف التّوجّه الحاصل في صحبة المنتهين فإنّه توجّه حادث لم يكن موجودا قبل ذلك أصلا وكان موقوفا على فناء الرّوح بل على بقائها بالوجود الحقّانيّ فلا بدّ أن يكون التّوجّه الأوّل سهل الحصول والتّوجّه الثّاني متعسّر الوجود وكلّما هو اسهل فهو أزيد وكلّما هو متعسّر فهو أقلّ PageV01P409 ومن هنا قالوا: إنّ الشّيخ المقتدى به ليس بواسطة في تحصيل جهة الجذبة فإنّ تلك النّسبة كانت حاصلة له أوّلا أو وصار محتاجا إلى التّنبيه والتّعليم بواسطة ولهذا يقال لمثل هذا الشّيخ شيخ التّعليم لا شيخ التّربية وفي جهة السّلوك لا بدّ من شيخ مقتدى به لقطع منازل السّلوك وتربيته ضروريّة فيها لا يجوز لشيخ مقتدى به أن يأذن لمثل هذا المجذوب المتمكّن بالإجازة العامّة وأن يجلسه في مقام التّكميل والمشيخة فإنّ بعض الطّالبين يكون استعدادهم عاليا جدّا وتكون قابليّتهم للكمال والتّكميل على الوجه الأتمّ، فإن وقع مثل هذا الطّالب في صحبة ذلك المجذوب يحتمل أن يضيع ذلك الإستعداد فيها وأن تزول عنه تلك القابليّة كما إذا كانت للأرض مثلا قابليّة تامّة لزراعة البرّ فيها فإن زرعوا فيها بذرا جيّدا من الحنطة تنبت زرعا جيّدا على قدر استعدادها وأن يزرعوا فيها بذر قمح رديء أو بذر حمّص تكون مسلوب القابليّة فضلا عن الإنبات. فإن رأى الشّيخ المقتدى به فرضا مصلحة في رخصته وإجازته ووجد فيه صلاحيّة الإفادة ينبغي أن يقيّد إفادته وإجازته ببعض القيود مثل ظهور مناسبة الطّالب لطريق إفادته وعدم إضاعة استعداده في صحبته وعدم طغيان نفسه بتلك الرّياسة واقتداء النّاس به فإنّ هوى النّفس ما زال عنه بعد لعدم تزكية النّفس فيه فإذا علم أنّ الطّالب قد بلغ نهاية الإستفادة منه وغاية إفادته إيّاه وفي استعداد الطّالب قابليّة للتّرقّي ينبغي أن يظهر له هذا المعنى وأن يأذن له ليتمّ أمره من شيخ آخر ولا يظهر له أنّه منته لئلّا يكون قاطعا لطريق النّاس بهذه الحيلة. والحاصل يذكر له من أمثال هذه الشّرائط ما يعلم أنّه مناسب لوقته وحاله ويأذن له بعد وصيّة تامّة بها. وأمّا المنتهي المرجوع فلا يحتاج في إفادته وتكميله إلى أمثال هذه القيود فإنّ له بواسطة جامعيّته مناسبة بجميع الطّرق والإستعدادات يمكن أن يستفيد منه كلّ شخص على قدر استعداده ومناسبته وإن كان التّفاوت بالسّرعة والبطئ بواسطة قوّة المناسبة وضعفها متصوّرا في صحبة الشّيوخ المقتدى بهم أيضا ولكنّهم متساوو الأقدام في أصل الإفادة. والإلتجاء إلى جناب الحقّ سبحانه والإعتصام بحبله المتين لازم للشّيخ المقتدى به حين إفادة الطّالب خوفا من مكره سبحانه في ضمن هذا الإشتهار بل ينبغي له أنّ ينفكّ عن هذا الإلتجاء في جميع الامور الّتي يمنحه الله سبحانه إيّاها في وقت من الأوقات وفي جميع الأحوال والأفعال فضلا عن هذا الأمر ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. المقصد الثّاني في بيان ما يتعلّق بالسّلوك. (اعلم) أنّ الطّالب إذا كان متوجّها إلى فوق بطريق السّلوك فمتى بلغ اسما هو ربّه وصار فانيا ومستهلكا فيه يصحّ إطلاق الفناء عليه وبعد البقاء بهذا الإسم يسلم إطلاق البقاء عليه وبهذا الفناء والبقاء يشرّف بأوّل مرتبة من مراتب الولاية ولكن ههنا تفصيل وبسط الكلام فيه ضروريّ. PageV01P410 تمهيد: إنّ الفيض الوارد من ذات الحقّ سبحانه وتعالى وتقدّس على نوعين نوع يتعلّق بالإيجاد والإبقاء والتّخليق والتّرزيق والإحياء والإماتة وأمثالها ونوع آخر يتعلّق بالإيمان والمعرفة وسائر كمالات الولاية والنّبوّة. والنّوع الأوّل من الفيض بتوسّط الصّفات فقط والنّوع الثّاني فعلى البعض بتوسّط الصّفات وعلى البعس لآخر بتوسّط الشّئونات والفرق بين الصّفات والشّئونات دقيق جدّا لا يظهر الّا على آحاد من الأولياء المحمّديّ المشرب ولم يعلم أنّه تكلّم به أحد وبالجملة انّ الصّفات موجودة في الخارج بوجود زائد على وجود الذّات، والشّئونات مجرّد اعتبارات في الذّات ولنوضّح هذا المبحث بمثال وهو أنّ الماء مثلا ينزل من فوق إلى تحت بالطّبع وهذا الفعل الطّبيعيّ يوهم اعتبار الحياة والعلم والقدرة والإرادة فيه فإنّ أرباب العلم ينزلون من أعلى إلى أسفل بواسطة ثقلهم وبمقتضى علمهم ولا يتوجّهون إلى جهة الفوق. والعلم تابع للحياة، والإرادة تابع للعلم. و القدرة أيضا ثابتة فإنّ الإرادة تخصيص أحد المقدورين وهذه الإعتبارات المثبتة يعني الموهومة في ذات الماء بمنزلة الشّئونات فلو أثبتت صفات زائدة لذات الماء مع وجود هذه الإعتبارات لكانت بمنزلة الصّفات الموجودة بوجود زائد ولا يصحّ أن يقال للماء بالإعتبار الأوّل أنّه حيّ عالم قادر مريد بل لا بدّ لصحّة إطلاق هذه الأسامي من ثبوت صفات زائدة فما وقع في عبارة بعض المشائخ من إطلاق الأسامي المذكورة على الماء مبنيّ على عدم الفرق بين الشّئون والصّفات وكذلك الحكم بنفي وجود تلك الصّفات أيضا محمول على عدم ذلك الفرق. والفرق الآخر بين الشّئون والصّفات هو أنّ مقام الشّئون مواجه لذي الشّأن ومقام الصّفات ليس كذلك. ومحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والأولياء الّذين على قدمه رضوان الله عليهم أجمعين وصول الفيض الثّاني إليهم بواسطة الشّئونات وسائر الأنبياء عليهم السّلام والأولياء الّذين على أقدامهم وصول هذا الفيض بل الفيض الأوّل أيضا إليهم بواسطة الصّفات. فأقول: إنّ الإسم الّذي هو ربّه صلّى الله عليه وسلّم وواسطة وصول الفيض الثّاني إليه ظلّ شأن العلم وهذا الشّأن جامع لجميع الشّئون الإجماليّة، وظلّه عبارة عن قابليّة الذّات تعالت وتقدّست لذلك الشّأن بل لجميع الشّئون الإجماليّة والتّفصيليّة ولكن باعتبار شمول شأن العلم لها يعني لا بالذّات. ينبغي أن يعلم أنّ هذه القابليّة وإن كانت برزخا بين الذّات وبين شأن العلم ولكن لمّا كانت إحدى جهتيها لا لونيّة وهي جهة الذّات لا يظهر لونها في البرزخ فذلك البرزخ منصبغ بلون جهة أخرى وهي جهة شأن العلم فلا جرم قلنا إنّها ظلّ ذلك الشّأن وأيضا إنّ ظلّ الشّيء عبارة عن ظهور الشّيء ولو شبها ومثالا في مرتبة ثانية وحيث كان حصول البرزخ بعد حصول الطّرفين لا جرم ينكشف هذا البرزخ وقت المكاشفة تحت ذلك الشّأن فناسب إطلاق الظّلّ باعتبار هذا الظّهور بالضّرورة. والأسماء الّتي هي أرباب طائفة من الأولياء PageV01P411 الّذين على قدمه صلّى الله عليه وسلّم في وصول الفيض الثّاني ظلال تلك القابليّة الجامعة وكالتّفاصيل لذلك الظّلّ المجمل. وأرباب سائر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وواسطة وصول الفيض الأوّل والثّاني إليهم قابليّات اتّصاف الذّات بالصّفات الموجودة الزّائدة. (وأرباب) طائفة من الأولياء الّذين على أقدامهم في حقّ وصول الفيض الأوّل والثّاني صفات وواسطة وصول الفيض الأوّل إليه صلّى الله عليه وسلّم قابليّة اتّصاف الذّات بجميع الصّفات وكأنّ القابليّات الّتي هي وسائل فيضان الفيوض لسائر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ظلال هذه القابليّة الجامعة وكالتّفاصيل لذلك الجامع المجمل ووسائط وصول الفيض الأوّل إلى طائفة هم على قدمه صلّى الله عليه وسلّم أيضا على حدة فانّها صفات فكأنّ وسائل وصول الفيض الاوّل في محمّدىّ المشارب مغايرة لوسائط وصول الفيض الثّانى بخلاف غيرهم فانّها واحدة فيهم وبعض المشائخ قدّس الله أسرارهم جعل ربّه صلّى الله عليه وسلّم منحصرا في قابليّة الاتّصاف ومنشأه عدم الفرق بين الشّئون والصّفات بل عدم العلم بمقام الشّئون والله يحقّ الحقّ وهو يهدى السّبيل. (فتحقّق) انّ ربّه صلّى الله عليه وسلّم ربّ الارباب في مقام الشّئون وفى موطن الصّفات وواسطة لوصول كلا الفيضين وعلم أيضا انّ وصول فيض مراتب كمالات ولايته عليه الصّلاة والسّلام من الذّات من غير توسّط امر زائد لانّ الشّئون عين الذّات واعتبار الزّيادة فيها من منتزعات العقل ولهذا كان التّجلّى الذّاتىّ مخصوصا به صلّى الله عليه وسلّم ولمّا اخذ كمّل تابعيه الفيض من طريقه حصل لهم أيضا شرب من هذا المقام والآخرون لمّا كانت في وصول الفيض إليهم وساطة الصّفات في البين والصّفات موجودة بوجود زائد وقع في البين حاجز حصين وكان التّجلّي الصّفاتيّ متعيّنا لهم. ينبغي أن يعلم أنّ قابليّة الإتّصاف وإن كانت اعتباريّة وليس لها وجود زائد والصّفات موجودة دون قابليّاتها ولكن لمّا كانت القابليّات كالبرازخ بين الذّات والصّفات بل بين الشّئون والصّفات ومن شأن البرزخ أن يأخذ لون طرفيه أخذت القابليّات أيضا لون الصّفات وحصلت الحائليّة، شعر: وما قلّ هجران الحبيب وإن غدا ... قليلا ونصف الشّعر في عين ضائر فلاح من هذا البيان أنّ ظهور الذّات تعالت وتقدّست من غير حجاب ليس بمناف للتّجلّي الشّهوديّ ولكنّه مناف للتّجلّي الوجوديّ ولهذا لم يكن في جانب وصول فيض كمالات الولاية إليه صلّى الله عليه وسلّم حائل وفي جانب وصول الفيض الوجوديّ حصل الحائل في البين وهو قابليّة الإتّصاف كما مرّ. لا يقال: لمّا كانت الشّئون وقابليّاتها من الإعتبارات العقليّة ثبت لها الوجود الذّهنيّ فلزم منه الحجاب العلميّ، غاية ما في الباب أنّ حجب الصّفات خارجيّة وحجب الشّئون علميّة لأنّا نقول: إنّ الموجود الذّهنيّ لا يكون حجابا بين الموجودين الخارجيّين فإنّ حجاب الموجود الخارجيّ لا يكون الّا موجودا PageV01P412 خارجيّا ولو سلم فالحجاب العلميّ يمكن ارتفاعه من البين بحصول بعض المعارف بخلاف الخارجيّ فإنّه لا يمكن زواله. (فإذا علمت هذه المقدّمات فاعلم) انّ السّالك إذا كان محمّديّ المشرب فمنتهى سيره المسمّى بالسّير إلى الله إلى ظلّ الشّأن الّذي هو اسمه يعني ربّه وبعد الفناء في ذلك الإسم يشرّف بالفناء في الله وإذا صار باقيا به تيسّر له البقاء بالله أيضا وبهذا الفناء والبقاء يكون داخلا في أوّل مرتبة من الولاية الخاصّة المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة فإن لم يكن محمّديّ المشرب يصل إلى قابليّة صفة أو نفس صفة هي ربّه فإذا كان فانيا في هذا الإسم يعني الصّفة أو القابليّة الّتي وصل إليها لا يطلق عليها الفاني في الله وكذلك لا يكون باقيا بالله على تقدير بقائه بها فإنّ اسم الله عبارة عن مرتبة جامعة لجميع الشّئون والصّفات وحيث كانت الزّيادة في جهة الشّئون اعتباريّة كانت الشّئون عين الذّات وبعضها عين البعض الآخر فالفناء في اعتبار واحد فناء في جميع الإعتبارات بل فناء في الذّات وكذلك البقاء باعتبار واحد بقاء بجميع الإعتبارات فإطلاق الفاني في الله والباقي بالله يصحّ في هذه الصّورة بخلافها في جانب الصّفات فإنّها موجودة بوجود زائد على الذّات ومغايرتها للذّات ومغايرة بعضها للبعض الآخر تحقيقيّة فالفناء في صفة واحدة لا يستلزم الفناء في جميعها وهكذا الحال في البقاء فلا جرم لا يقال لهذا الفاني فانيا في الله وللباقي باقيا بالله بل يصحّ أن يقال له الفاني والباقي مطلقا أو مقيّدا بصفة يعني الفانيّ في صفة العلم والباقي بتلك الصّفة فيكون فناء المحمّديّين أتمّ بالضّرورة وبقاؤهم أكمل وأيضا لمّا كان عروج المحمّديّ إلى جانب الشّئون ولا مناسبة بين الشّئون والعالم أصلا لأنّ العالم ظلّ الصّفات لا ظلّ الشّئون لزم أن يكون فناء السّالك في شأن مستلزما للفناء المطلق على نهج لا يبقى من وجود السّالك ولا من أثره شيء أصلا. وهكذا على تقدير البقاء يكون باقيا بتمامه وكلّيّته بذلك الشّأن بخلاف الفاني في الصّفات فإنّه ينخلع عن نفسه بالتّمام ولا يزول أثره لأنّ وجود السّالك أثر تلك الصّفة وظلّها فظهور الأصل لا يكون ماحيا لوجود الظّلّ بالكلّيّة والبقاء على مقدار الفناء فالمحمّديّ يكون أمينا عن الرّجوع إلى الصّفات البشريّة ومحفوظا من خوف الرّدّ إلى مرتبة البهيميّة لأنّه منخلع عن نفسه بالكلّيّة وصار باقيا به سبحانه فيكون العود ممنوعا على هذا التّقدير بخلافه في صورة الفناء الصّفاتيّ فإنّ العود هناك ممكن لبقاء أثر وجود السّالك ويمكن أن يكون وقوع الإختلاف بين المشائخ في جواز رجوع الواصل وعدم جوازه من هذه الجهة والحقّ هو أنّه إن كان محمّديّا فمحفوظ من العود والّا ففي الخطر وكذلك الإختلاف الواقع في زوال أثر وجود السّالك بعد فنائه حيث قال بعضهم بزوال العين والأثر والبعض الآخر لم يجوّز زوال الأثر والحقّ في هذا الباب أيضا تفصيل فإن كان محمّديّا يزول عنه العين والأثر كلاهما والّا فلا يزول عنه الأثر لأنّ أصل الصّفة الّتي هي أصله باق فلا يمكن زوال ظلّه رأسا. وههنا دقيقة ينبغي أن يعلم أنّ المراد بزوال العين والأثر الزّوال الشّهوديّ لا الوجوديّ فإنّ القول بالزّوال الوجوديّ مستلزم للإلحاد والزّندقة وجماعة من هذه الطّائفة تصوّروا الزّوال زوالا وجوديّا فهربوا من زوال أثر الممكن PageV01P413 وتيقّنوا أنّ القول به إلحاد وزندقة والحقّ ما حقّقت بإعلامه سبحانه والعجب أنّهم مع قولهم بالزّوال الوجوديّ قالوا بزوال العين ألم تعلموا أنّ القول بزوال عين الوجود كالحكم بزوال الأثر مستلزم للإلحاد والزّندقة وبالجملة انّ الزّوال الوجوديّ محال في العين والأثر والشّهوديّ ممكن في كليهما بل واقع ولكنّه مخصوص بمحمّديّ المشرب فالمحمّديّون ينخلعون عن القلب بالتّمام ويتّصلون بمقلّب القلب وهم متخلّصون عن تقلّب الأحوال ومحرّرون عن رقّيّة السّوى بالكلّيّة ولمّا كان وجود الآثار لازما لغيرهم وتقلّب الأحوال نقد وقتهم ليس لهم مخلّص من مقام القلب لأنّ تقلّب الأحوال ووجود الآثار من شعب الحقيقة الجامعة القلبيّة فيكون شهود غيرهم في الحجاب دائما فإنّ حجاب المطلوب إنّما يكون على مقدار ثبوت بقايا وجود السّالك وحيث كان الأثر باقيا فالحجاب هو ذلك الأثر. معرفة: إذا وصل السّالك من طريق سلوك غير متعارف إلى مرتبة من مراتب فوق اسم هو ربّه وصار فانيا ومستهلكا في تلك المرتبة من غير أن يصل إلى ذلك الإسم فإطلاق الفناء في الله في هذه الصّورة أيضا جائز وكذلك البقاء بتلك المرتبة فتخصيص الفناء في الله بذلك الإسم اعتباريّ لكونه أوّل مرتبة من مراتب الفناء. معرفة: إنّ السّلوك على أنواع فسلوك البعض من غير تقدّم الجذبة وفي البعض الجذبة مقدّمة على سلوكهم وجماعة تحصل لهم الجذبة في أثناء قطع منازل السّلوك وطائفة يتيسّر لهم طيّ منازل البسّلوك ولكنّهم لا يصلون إلى حدّ الجذبة فتقدّم الجذبة للمحبوبين وباقي الأقسام متعلّقة بالمحبّين وسلوك المحبّين عبارة عن طىّ المقامات العشرة المشهورة بالتّرتيب والتّفصيل وفى سلوك المحبّين تحصل خلاصة المقامات العشرة لا حاجة لهم إلى التّرتيب والتّفصيل، والعلم بوحدة الوجود من الإحاطة والسّريان والمعيّة الذّاتيّة كلّ ذلك مربوط بالجذبة المتقدّمة أو المتوسّطة وليس للسّلوك الخاصّ وجذبة المنتهين مناسبة بأمثال هذه العلوم ولا مناسبة أيضا بين حقّ اليقين المخصوص بالمنتهين وبين العلوم المناسبة بالتّوحيد الوجوديّ ففى كلّ موضع بيّن فيه حقّ اليقين المخصوص بمقام المجذوبين مناسبا لمقام أرباب التّوحيد الوجوديّ فهو حقّ اليقين المخصوص بالمجذوب المبتدي أو المتوسّط. معرفة: قال بعض المشائخ: إذا بلغ شغل الطّالب الجذبة فدليله بعد ذلك هو تلك الجذبة فحسب يعني أنّه لا يحتاج إلى توسّط دليل آخر بل تلك الجذبة كافية له فإن أراد بهذه الجذبة جذبة السّير في الله فنعم إنّها كافية ولكن لفظ الدّليل مناف لهذه الإرادة لأنّه لا مسافة بعد السّير في الله حتّى يحتاج في قطعها إلى دليل وكذلك الجذبة المتقدّمة يعني على السّلوك أيضا ليست بمرادة هنا كما هو معلوم من العبارة فيكون المراد بها بالضّرورة جذبة المتوسّط وكفايتها في الوصول إلى المطلوب ليس بمعلوم فإنّ كثيرا من المتوسّطين قد توقّفوا وتقاعدوا من العروج إلى فوق عند حصول هذه الجذبة وزعموا تلك الجذبة جذبة النّهاية فإن كانت كافية لما كانت تتركهم في أثناء الطّريق نعم إذا كانت الجذبة المتقدّمة المتعلّقة بالمحبوبين كافية فلها مجال يمكن أن تجرّ المحبوبين بسلسلة العناية ولا تتركهم في أثناء الطّريق PageV01P414 ولكن كون هذه الكفاية في حقّ جميع الجذبات المتقدّمة ممنوع أيضا بل الجذبة إذا آل أمرها إلى السّلوك فكافية والّا فمجذوب أبتر وليس من المحبوبين. (الخاتمة) قالت طائفة من المشائخ قدّس الله أسرارهم: إنّ التّجلّي الذّاتيّ مزيل للشّعور ومعطّل للحسّ وقد أخبر بعضهم عن حاله بأنّه سقط ووقع على الأرض عند ظهور هذا التّجلّي الذّاتي وبقي مدّة مديدة من غير حسّ وحركة حتّى ظنّ النّاس أنّه قد مات، وبعضهم منع الكلام وغيره في التّجلّي الذّاتيّ وحقيقة هذا الكلام أنّ التّجلّي هو في حجاب اسم من الأسماء وبقاء الحجاب بواسطة بقايا أثر وجود صاحب التّجلّي يعني المتجلّى له وعدم الشّعور أيضا بواسطة تلك البقيّة فإن كان فانيا بالتّمام وشرّف بالبقاء بالله لا يسلب التّجلّي عنه الشّعور أصلا، شعر: يحرق بالنّار من يمسّ بها ... ومن هو النّار كيف يحترق بل أقول: إنّ التّجلّي الّذي في الحجاب ليس هو تجلّيا ذاتيّا بل داخل في التّجلّي الصّفاتيّ والتّجلّي المخصوص به صلّى الله عليه وسلّم بلا حجاب. وعلامة وجود الحجاب فقدان الشّعور وفقدان الشّعور من البعد وعلامة عدم الحجاب وجود الشّعور والشّعور في كمال الحضور. وقد أخبر واحد من الأكابر عليه الرّحمة والغفران عن حال صاحب هذا التّجلّي بالأصالة والإستقلال حيث قال (شعر). وأغمي موسى من تجلّي صفاته ... وأنت ترى ذات الاله وتبسّم و هذا التّجلّي الذّاتيّ الّذي لا حجاب فيه دائميّ للمحبوبين وبرقيّ للمحبّين فإنّ أبدان المحبوبين أخذت حكم أرواحهم وسرت تلك النّسبة في كلّيّتهم وهذه السّراية في المحبّين على سبيل النّدرة وما وقع في الحديث النّبويّ من قوله عليه الصّلاة والسّلام لي مع الله وقت. ليس المراد بالوقت هذا التّجلّي البرقيّ فإنّ هذا التّجلّي في حقّه عليه الصّلاة والسّلام الّذي هو رئيس المرادين دائميّ بل هو نوع من خصوصيّات هذا التّجلّي الدّائميّ واقع على سبيل النّدرة والقلّة كما لا يخفى على أربابه. معرفة: إنّ المشائخ قدّس الله أسرارهم في حديث لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل على قسمين فطائفة أرادوا بالوقت الوقت المستمرّ وطائفة أخرى قالوا بندرة الوقت والحقّ أنّ الوقت النّادر مع وجود استمرار الوقت متحقّق أيضا كما مرّت الإشارة إليه آنفا وتحقّق هذا الوقت النّادر عند هذا الحقير هو في حين أداء الصّلاة وكأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أشار بقوله وقرّة عيني في الصّلاة. إلى ذلك وأيضا قال صلّى الله عليه وسلّم: «أقرب ما يكون العبد من الرّبّ في الصّلاة " وقال تبارك وتعالى (واُسْجُدْ واِقْتَرِبْ). وكلّ وقت فيه القرب الإلهيّ أزيد فمجال الغير فيه أشدّ انتفاء وما قال بعض المشائخ قدّس الله أسرارهم مخبرا عن حاله ووقته واستمراره " حالي في الصّلاة كحالى قبل الصّلاة " ينافي الأحاديث المذكورة بل النّصّ المذكور ينفي المساواة والإستمرار. ينبغي أن يعلم أنّ استمرار الوقت PageV01P415 متحقّق والكلام إنّما هو في أنّ الحالة النّادرة مع وجود استمرار الوقت هل هي متحقّقة أو لا والّذي لم يطّلعوا على ندرة الوقت قالوا بنفيها والّذين لهم حظّ من ذلك المقام اعترفوا بها. والحقّ أنّ الّذين أعطوا الجمعيّة في الصّلاة بتبعيّته عليه الصّلاة والسّلام واحتظّوا بدولة قرب ذلك الشّرب أقلّ قليل رزقنا الله سبحانه بكمال كرمه نصيبا من هذا المقام بحرمة محمّد عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. معرفة: إنّ المنتهين من أرباب الصّفات قريبون من المجذوبين في العلوم والمعارف وكلا الطّائفتين على وصف واحد في الشّهود فإنّ كليهما من أرباب القلوب غاية ما في الباب أنّ أرباب الصّفات مطّلعون على التّفاصيل بخلاف المجذوبين وأيضا إنّ أرباب الصّفات فيهم بواسطة السّلوك والعروج إلى فوق زيادة قرب بالنّسبة إلى المجذوبين الّذين لا عروج لهم ولكنّ محبّة الأصل آخذة بيد المجذوبين وإن كان في البين حجب ولا عجب لو اعتبر في المجذوبين بحكم المرء مع من أحبّ قرب الأصل ومعيّته فالمجذوبون لهم مناسبة بالمحبوبين في المحبّة فإنّ الحبّ الذّاتيّ ولو مع الحجب متحقّق في المجذوبين أيضا. معرفة: قد وقع في عبارة البعض من هذه الطّائفة أنّ للأقطاب تجلّي الصّفات وللأفراد تجلّي الذّات وفي هذا الكلام مجال للتّأمّل فإنّ القطب محمّديّ المشرب والمحمّديّون لهم التّجلّي الذّاتيّ نعم إنّ في هذا التّجلّي أيضا تفاوتا كثيرا فإنّ القرب الّذي للأفراد ليس للأقطاب ولكن لكليهما نصيب من التّجلّي الذّاتيّ الّا أن نقول: إنّه يمكن أن يكون مراده من القطب قطب الأوتاد الّذي هو على قدم إسرافيل عليه السّلام لا على قدم محمّد صلّى الله عليه وسلّم. معرفة: إنّ الله خلق آدم على صورته والله تعالى منزّه عن الشّبه والمثال وخلق روح آدم الّتي هي خلاصته على صورة لا شبهيّة ولا مثليّة فكما أنّ الحقّ سبحانه لا مكانيّ كانت الرّوح أيضا لا مكانيّة ونسبة الرّوح إلى البدن كنسبته تعالى وتقدّس إلى العالم لا داخلة فيه ولا خارجة عنه ولا متّصلة به ولا منفصلة عنه لا نفهم فيها نسبة سوى القيّوميّة ومقوّم كلّ ذرّة من ذرّات البدن هو الرّوح كما أنّ الله تبارك وتعالى قيّوم العالم وقيّوميّته تعالى للبدن بواسطة الرّوح وكلّ فيض يرد منه سبحانه على البدن فمحلّ وروده ابتداء هو الرّوح ثمّ يصل ذلك الفيض بواسطة الرّوح إلى البدن ولمّا كانت الرّوح مخلوقة على صورة لا شبهيّة ولا مثليّة لا جرم كان فيها مجال للّاشّبهيّ واللّامثاليّ الحقيقيّ لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكنّ يسعني قلب عبدي المؤمن فإنّ الأرض والسّماء لمّا كانا مع وجود الوسعة فيهما داخلين في دائرة المكان ومتّسمين بسمة الشّبه والمثال ليس فيهما مجال اللّامكانيّ المقدّس عن الشّبه والمثال فإنّ اللّامكانيّ لا يسعه المكانيّ واللّا مثاليّ لا يتمكّن في المثاليّ فلا جرم تحقّق السّعة والمجال في قلب عبده المؤمن الّذي هو لا مكانىّ ومنزّه عن الشّبه والمثال. والتّخصيص بقلب المؤمن مبنيّ على أنّ قلب غير المؤمن هابط عن أوج اللّامكانيّ ومأسور للشّبهيّ والمثاليّ وآخذ حكمه ولمّا كان داخلا في دائرة المكانيّ بسبب ذلك النّزول والأسر واكتسب المثاليّة ضيّع تلك القابليّة أولئك كالأنعام بل هم أضلّ وكلّ PageV01P416 من أخبر عن وسعة قلبه من المشائخ فمراده لا مكانيّة القلب فإنّ المكانيّ وإن كان وسيعا ضيّق ألا ترى أنّ العرش مع وجود عظمته ووسعته لمّا كان مكانيّا كان حكمه في جنب اللّامكانيّ الّذي هو الرّوح كحكم الخردلة بل أقلّ بل أقول: إنّ هذا القلب لمّا كان محلّ تجلّي أنوار القدم بل وجد بقاء بالقدم لو وقع فيه العرش وما فيه لصار مضمحلّا ومتلاشيا بحيث لا يبقى منه أثر كما قال سيّد الطّائفة في هذا المقام: إنّ المحدث إذا قورن بالقديم لم يبق له أثر وهذا لباس متفرّد مخيط على قدر قدّ الرّوح خاصّة وليست هذه الخصوصيّة للملائكة أيضا فإنّهم داخلون في دائرة المكانيّ ومتّصفون بالمثاليّ فلا جرم كان الإنسان خليفة الرّحمن ولا عجب فيه فإنّ صورة الشّيء خليفة الشّيء وما لم يخلق على صورة شيء لا يليق بخلافة الشّيء وما لم يكن لائقا بالخلافة لا يقدر أن يتحمّل ثقل أمانة أصله لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه قال تبارك وتعالى (إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والْأَرْضِ والْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ مِنْها وحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا) كثير الظّلم على نفسه بحيث لا يبقي من وجوده ولا من توابع وجوده أثرا ولا حكما كثير الجهل حتّى لا يكون له إدراك يتعلّق بالمقصود ولا علم له نسبة إلى المطلوب بل العجز عن الادراك في ذلك الموطن ادراك والإعتراف بالجهل معرفة. أكثرهم معرفة بالله أكثرهم تحيّرا فيه. تنبيه: فإن وقع في بعض العبارات لفظ موهم بالظّرفيّة والمظروفيّة في شأنه تعالى وتقدّس ينبغي أن يحمله على ضيق ميدان العبارة وأن يجعل المراد والمقصود من الكلام مطابقا لآراء أهل السّنّة. معرفة: إنّ العالم صغيرة وكبيره مظاهر الأسماء والصّفات الإلهيّة جلّ شأنه ومرايا الشّئونات والكمالات الذّاتيّة وهو سبحانه كان كنزا مكنونا وسرّا مخزونا فأراد أن يعرض نفسه من الخلاء إلى الملأ وأن يورد الإجمال على التّفصيل فخلق العالم ليدلّ على أصله وليكون علامة لحقيقته ولا نسبة بين العالم والصّانع سوى أنّ العالم مخلوقه ودليل على كمالاته المخزونة تعالى وتقدّس وكلّ حكم وراء ذلك من جنس الإتّحاد والعينيّة والإحاطة والمعيّة من السّكر وغلبة الحال والأكابر المستقيمو الأحوال الّذين ذاقوا شرابا من قدح الصّحو والوصال يتبرّءون من هذه العلوم ويستغفرون من مثل هذا الحال وإن حصل لبعضهم هذه العلوم في أثناء الطّريق ولكنّهم يجاوزونها بالاخرى ويمنحون علوما أزليّة مطابقة لعلوم الشّريعة. (ولنبيّن) لتحقيق هذا المبحث مثالا انّ العالم النّحرير ذا فنون مثلا أراد أن يبرز كمالاته المخزونة إلى عرصة الظّهور وأن يجلّي فنونه المكنونة إلى الملأ فأوجد الحروف والأصوات ليظهر في حجب تلك الحروف والأصوات كمالاته المخزونة وفنونه المكنونة ففى هذه الصّورة لا مناسبة بين تلك الحروف والأصوات وبين المعاني المخزونة بل بين العالم الموجد لها أصلا الّا أنّ العالم موجدها وهي دالّة على كمالاته المخزونة ولا معنى في القول بأنّ تلك الحروف والأصوات عين ذلك العالم الموجد أو عين تلك PageV01P417 المعاني وكذلك الحكم بالإحاطة والمعيّة غير واقع في تلك الحادثة بل المعاني على صرافتها المخزونة نعم حيث تحقّق بين المعاني وصاحبها وبين الحروف والأصوات مناسبة الدّاليّة والمدلوليّة ربّما يحدث في التّخيّل بعض المعاني الزّائدة والأوهام الغير الواقعة والعالم ومعانيه والمخزونة منزّهان ومبرّآن بالحقيقة عن تلك النّسبة الزّائدة وهذه الحروف والأصوات موجودة في الخارج لا إنّ العالم والمعاني موجود فقط والحروف والأصوات أوهام وخيالات فكذلك العالم الّذي هو عبارة عمّا سواه تعالى موجود في الخارج بالوجود الظّلّيّ والكون الطّبيعيّ لا إنّه أوهام وخيالات فإنّ هذا المذهب هو عين مذهب السّوفسطائيّ حيث يقولون: إنّ العالم أوهام وخيالات وإثبات الحقيقة للعالم لا يخرجه عن أن يكون أوهاما وخيالات بل تكون الحقيقة موجودة لا العالم فإنّ العالم وراء تلك الحقيقة المفروضة. تنبيه: إنّ المراد بمظهريّة العالم ومرآتيّته للأسماء والصّفات كونه مظهرا ومرآءة لصور الأسماء والصّفات لا لأعيان الأسماء والصّفات فإنّ الإسم كالمسمّى لا يكون محاطا بالمرآة أصلا والصّفة كالموصوف لا تكون مقيّدة بمظهر قطعا، شعر: وجلّ اسمه سبحانه مثل ذاته ... كذا وصفه من أن يحاطا بمظهر معرفة: إنّ كمّل أتباعه صلّى الله عليه وسلّم وإن كان لهم بواسطة اتّباعه صلّى الله عليه وسلّم نصيب من التّجلّي الذّاتيّ الّذي هو من خصائصه صلّى الله عليه وسلّم بالأصالة ولسائر الأنبياء عليهم السّلام تجلّي الصّفات وتجلّي الذّات أشرف من تجلّي الصّفات ولكن ينبغي أن يعلم أنّ للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام في تجلّي الصّفات من مراتب القرب ما ليس لكمّل التّابعين من هذه الامّة مع وجود تجلّي الذّات بطريق التّبعيّة وهذا كما أنّ شخصا مثلا إذا وصل إلى الشّمس بطيّ مدارج العروج محبّة لجمالها حتّى لم يبق بينه وبين الشّمس غير حائل رقيق وشخص آخر مع وجود محبّته لذات الشّمس عاجز عن العروج إلى تلك المراتب وإن لم يكن بينه وبين الشّمس حائل أصلا فلا شكّ أنّ الشّخص الأوّل أقرب إلى الشّمس وأعلم بكمالاتها الدّقيقة فكلّ من فيه القرب أزيد ومعرفته أكثر فهو أفضل وكماله أوفر فلا يبلغ وليّ من أولياء هذه الامّة الّتي هي خير الامم مع وجود أفضليّة نبيّهم مرتبة نبيّ من الأنبياء وإن حصل بمتابعة نبيّه نصيب من مقام به الأفضليّة والفضل الكلّيّ إنّما هو للأنبياء عليهم السّلام والأولياء طفيليّون. وليكن هذا آخر الكلام والحمد لله سبحانه على ذلك وعلى جميع نعمائه والصّلاة والسّلام على أفضل أنبيائه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين وعلى الصّدّيقين والشّهداء والصّالحين. (288) المكتوب الثّامن والثّمانون والمائتان إلى السّيّد أنبياء المانك?وريّ في المنع عن أداء صلاة النّقل بالجماعة كصلاة ليلة العاشوراء والبراءة وغيرها وما يناسب ذلك PageV01P418 الحمد لله الّذي شرّفنا بمتابعة سيّد المرسلين وجنّبنا عن ارتكاب المبتدعات في الدّين، والصّلاة والسّلام على من قمع بنيان الضّلالة ورفع أعلام الهداية وعلى آله الأبرار وصحبه الأخيار ينبغي أن يعلم أنّ لأكثر النّاس في هذا الزّمان من الخواصّ والعوامّ اهتماما تامّا في أداء النّوافل ولكنّهم يتساهلون في أداء المكتوبات ولا يراعون فيها السّنن والمستحبّات الّا قليلا يرون النّوافل عزيزة والفرائض حقيرة وذليلة قلّما يؤدّون الفرائض في أوقاتها المستحبّة لا يهتمّون لإدراك تكبير التّحريمة مع الجماعة بل لا يبالون بفوت نفس الجماعة أيضا وإنّما يغتنمون أداء نفس الفرائض بالتّكاسل والتّساهل ويؤدّون النّوافل بالجمعيّة التّامّة ورعاية كمال الإهتمام في يوم عاشوراء وليلة البراءة واللّيلة السّابعة والعشرين من رجب وليلة أوّل جمعة منه وهي الّتي يسمّونها ليلة الرّغائب ويظنّون فعلهم هذا حسنا ومستحسنا ولا يدرون أنّه من تسويلات الشّيطان الّذي يرى السّيّئات في صورة الحسنات. قال شيخ الإسلام مولانا عاصم الدّين الهروىّ (1) في حاشية شرح الوقاية: إنّ التّطوّع بالجماعة وترك الفرض بالجماعة من تسويلات الشّيطان. (ينبغي) أن يعلم أنّ أداء النّوافل بالجماعة من البدع المذمومة والمكروهة ومن جملة البدع الّتي قال خاتم الرّسالة عليه الصّلاة والسّلام في شأنها " من أحدث (2) في ديننا هذا فهو ردّ». (واعلم) أنّ أداء النّوافل بالجماعة مكروه مطلقا في بعض الرّوايات الفقهيّة وفي بعض آخر الكراهة مشروطة بالتّداعي والجمعيّة فعلى هذا لو صلّى اثنان النّفل في ناحية المسجد من غير تداع يجوز بلا كراهة وفي الثّلاثة اختلاف المشايخ والأربعة مكروهة بالإتّفاق في بعض الرّوايات وفي البعض الآخر الأصحّ أنّها مكروهة في الفتاوى السّراجيّة كره التّطوّع بالجماعة بخلاف التّراويح وصلاة الكسوف وفي الفتاوى الغياثيّة قال الشّيخ الإمام السّرخسيّ رحمه الله: التّطوّع بجماعة خارج رمضان إنّما يكره إذا كان على سبيل التّداعي أمّا إذا اقتدى واحد أو اثنان لا يكره وفي الثّلاث اختلاف وفي الأربع يكره بلا خلاف وذكر في الخلاصة أنّ التّطوّع بجماعة إذا كان على سبيل التّداعي يكره وأمّا إذا صلّوا بجماعة بغير أذان وإقامة في ناحية المسجد لا يكره وقال شمس الأئمّة الحلوانيّ: إذا كان سوى الإمام ثلاثة لا يكره بالإتّفاق وفي الأربع اختلاف والأصحّ أنّه يكره وفي الفتاوى الشّافية: ولا يصلّي التّطوّع بالجماعة الّا في شهر رمضان وذلك إنّما يكره إذا كان على سبيل التّداعي يعني بأذان وإقامة امّا لو اقتدى واحد او اثنان لا على سبيل التّداعي فلا يكره وإذا اقتدى ثلاثة اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى وإن اقتدى أربعة كره اتّفاقا وأمثال هذه الرّوايات كثيرة والكتب الفقهيّة بها مملوءة فإن وجدت رواية مجوّزة لأداء النّفل PageV01P419 بالجماعة مطلقا ساكتة عن ذكر العدد ينبغي حملها على المقيّد الواقع في رواية أخرى وأن يراد بالمطلق المقيّد وأن يقصر الجواز على اثنين أو ثلاث لأنّ العلماء الحنفيّة وإن كانوا يجرون المطلق على إطلاقه في الاصول ولا يحملونه على المقيّد ولكنّهم جوّزوا حمل المطلق على المقيّد في الرّوايات بل عدّوه لازما فإن لم يحمل على طريق فرض المحال ويجرى على إطلاقه لكان هذا المطلق معارضا على ذلك المقيّد إذا تساويا في القوّة. والمساواة في القوّة ممنوعة فإنّ رواية الكراهة مع وجود كثرتها مختارة ومفتى بها بخلاف رواية الإباحة ولو سلّم مساواتها أقول: إنّ التّرجيح على تقدير تعارض أدلّة الكراهة وأدلّة الإباحة في جانب الكراهة فإنّ فيه رعاية الإحتياط كما هو مقرّر عند أهل أصول الفقه فالّذين يصلّون صلاة النّفل يوم عاشوراء وليلة البراءة وليلة الرّغائب بجماعة عظيمة بحيث يجتمع في المساجد مائتان أو ثلثمائة رجل ويستحسنون تلك الصّلاة بمثل ذلك الإجتماع والجماعة مرتكبون أمرا مكروها باتّفاق الفقهاء، واستحسان القبائح من أعظم القبايح فإنّ اعتقاد الحرام مباحا منجرّ إلى الكفر وظنّ المكروه حسنا أقلّ منه بمرتبة واحدة فينبغي ملاحظة شناعة هذا الفعل كمال الملاحظة واعتمادهم في دفع الكراهة على عدم التّداعي نعم إنّ عدم التّداعي يدفع الكراهة على بعض الرّوايات ولكنّه مخصوص بمقتد واحد واثنين وهو أيضا مشروط بكونه في ناحية المسجد وبدونه خرط القتاد مع أنّ التّداعي عبارة عن إعلام بعض بعضا آخر لأداء صلاة النّفل وهذا المعنى متحقّق في تلك الجماعة فإنّهم يعلّمون بعضهم بعضا قبيلة قبيلة في يوم عاشوراء وغيره ويقولون ينبغي أن نذهب إلى مسجد الشّيخ الفلانيّ أو العالم الفلانيّ وأنّ نؤدّي الصّلاة هناك بالجمعيّة وهم قد اعتبروا هذا الفعل فمثل هذا الإعلام أبلغ من الأذان والإقامة فثبت التّداعي أيضا وإذا جعلنا التّداعي مخصوصا بالأذان والإقامة كما وقع في بعض الرّوايات وأردنا بهما حقيقة الأذان والإقامة فالجواب هو ما مرّ آنفا من أنّ عدم الكراهة مخصوص بواحد واثنين مع شرط آخر على ما مرّ ذكره. (ينبغي) أن يعلم أنّ بناء أداء النّفل على الإخفاء والسّتر لكونه مظنّة رياء وسمعة والجماعة منافية له والمطلوب في أداء الفرض الإظهار والإعلان لأنّه مبرّأ عن شائبة الرّياء والسّمعة فيكون المناسب أن يؤدّى بالجماعة أو نقول: إنّ كثرة الإجتماع مظنّة حدوث الفتنة ولهذا اشترطوا في أداء صلاة الجمعة حضور السّلطان أو نائبه حتّى يتحقّق الأمن من حدوث الفتنة وفي تلك الجماعات المكروهات احتمال إيقاظ الفتنة القويّة أيضا فلا يكون هذا الإجتماع معروفا بل يكون منكرا وفي الحديث النّبويّ عليه الصّلاة والسّلام «الفتنة نائمة (1) لعن الله من أيقظها " فاللّازم لولاة الامور وقضاة الإسلام وأهل الإحتساب منع هذا الإجتماع ومراعاة الزّجر بأبلغ الوجوه في هذا الباب حتّى يتحقّق استيصال هذه البدعة المنجرّة إلى الفتنة والله يحقّ الحقّ وهو يهدي السّبيل. PageV01P420 (289) المكتوب التّاسع والثّمانون والمائتان إلى مولانا بدر الدّين في بيان أسرار القضاء والقدر وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الّذي كشف سرّ القضاء والقدر على الخواصّ من عباده وستر عن العوامّ لمكان الضّلال عن سواء السّبيل واقتصاده والصّلاة والسّلام على من أكمل به الحجّة البالغة وقطع به إعذار العصاة الهالكة وعلى آله وأصحابه البررة الأتقياء الّذين آمنوا بالقدر ورضوا بالقضاء والقدر ممّا قد كثر فيه الحيرة والضّلال غلب على أكثر ناظريها باطل الوهم والخيال حتّى قال بعضهم بمحض الجبر فيما يصدر عن العبد بالإختيار ونفى بعضهم نسبته إلى الواحد القهّار وأخذ طائفة بطرف الإقتصاد في الإعتقاد الّذي هو الصّراط المستقيم والمنهج القويم ولقد وفّق لهذا الطّريق الفرقة النّاجية الّذين هم أهل السّنّة والجماعة رضي الله عنهم وعن أسلافهم وأخلافهم فتركوا الإفراط والتّفريط واختاروا الوسط والبين روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنّه سأل جعفر الصّادق رضي الله عنه فقال: يا ابن رسول الله هل فوّض الله الأمر إلى العباد فقال: الله تعالى أجلّ من أن يفوّض الرّبوبيّة إلى العباد فقال له هل جبرهم على ذلك فقال: الله تعالى أعدل من أن يجبرهم على ذلك ثمّ يعذّبهم فقال وكيف ذلك فقال بين بين لا جبر ولا تفويض ولا كره ولا تسليط لهذا قال أهل السّنّة: إنّ الأفعال الإختياريّة للعباد مقدورة الله تعالى من حيث الخلق والإيجاد ومقدورة العباد على وجه آخر من تعلّق يعبّر عنه بالإكتساب فحركة العبد باعتبار نسبتها إلى قدرته تعالى تسمّى خلقا وباعتبار نسبتها إلى قدرة العبد كسبا له غير أنّ الأشعريّ منهم ذهب إلى أن لا مدخل لإختيار العباد في أفعالهم أصلا الّا أنّ الله سبحانه أوجد الأشياء عقيب اختيارهم بطريق جري العادة إذ لا تأثير للقدرة الحادثة عنده وهذا المذهب مائل إلى الجبر ولهذا يسمّى بالجبر المتوسّط قال الاستاذ أبو إسحاق الإسفرائينيّ بتأثير القدرة الحادثة في أصل الفعل وحصول الفعل بمجموع القدرتين وقد جوّز اجتماع المؤثّرين على أثر واحد بجهتين مختلفتين وقال القاضي أبو بكر الباقلّانيّ بتأثير القدرة الحادثة في وصف الفعل بأن تجعل الفعل موصوفا بمثل كونه طاعة ومعصية والمختار عند العبد الضّعيف تأثير القدرة الحادثة في أصل الفعل وفي وصفه معا إذ لا معنى للتّأثير في الوصف بدون التّأثير في الأصل إذ الوصف أثره المتفرّع عليه لكنّه محتاج إلى تأثير زائد على تأثير أصل الفعل إذ وجود الوصف زائد على وجود الأصل ولا محذور في القول بالتّأثير وإن كبر ذلك على الأشعريّ إذ التّأثير في القدرة أيضا بإيجاد الله سبحانه كما أنّ نفس القدرة بإيجاده تعالى. والقول بتأثير القدرة هو الأقرب إلى الصّواب ومذهب الأشعريّ داخل في دائرة الجبر في الحقيقة إذ لا اختبار عنده حقيقة ولا تأثير للقدرة الحادثة عنده أصلا الّا أنّ الفعل الاختياريّ عند الجبريّة لا ينسب إلى الفاعل حقيقة بل مجازا وعند الأشعريّ ينسب إلى الفاعل حقيقة وإن لم يكن الإختيار ثابتا له حقيقة لأنّ الفعل ينسب إلى قدرة العبد حقيقة سواء كانت PageV01P421 القدرة مؤثّرة ولو في الجملة كما هو مذهب غير الأشعريّ من أهل السّنّة أو مدارا محضا كما هو مذهبه وبهذا يتميّز مذهب أهل الحقّ عن مذهب أهل الباطل. ونفي الفعل عن الفاعل حقيقة وإثباته له مجازا كما هو مذهب الجبريّة كفر محض وإنكار على الضّروريّ قال صاحب التّمهيد: ومن الجبريّة من قال بأنّ الفعل من العبد ظاهرا ومجازا إمّا في الحقيقة لا استطاعة له والعبد كالشّجرة إذا حرّكتها الرّيح تحرّكت فكذلك العبد مجبور كالشّجرة وهذا كفر ومن اعتقد هذا يصير كافرا وقال أيضا في مذهب الجبريّة: قولهم أن ليس للعبد أفعال على الحقيقة لا في الخير ولا في الشّرّ وما يفعله العبد فالفاعل هو الله سبحانه وهذا كفر. فإن قلت: إذا لم يكن لقدرة العبد تأثير في الأفعال ولم يكن الإختيار له حقيقة فما معنى نسبة الأفعال إلى العبد حقيقة عند الأشعريّ قلت: إنّ القدرة وإن لم يكن لها تأثير في الأفعال الّا أنّه سبحانه جعلها مدارا لوجود الأفعال بأن يخلق الله تعالى الأفعال عقب صرف قدرتهم واختيارهم إلى الأفعال بطريق جري العادة وكأنّ القدرة علّة عادية لوجود الأفعال فيكون للقدرة مدخل في صدور الأفعال عادة لأنّها لم توجد بدونها عادة وإن لم يكن لها تأثير في الأفعال فباعتبار العلّة العادية تنسب إلى العباد أفعالهم حقيقة هذا هو النّهاية في تصحيح مذهب الأشعريّ والكلام بعد محلّ تأمّل (اعلم) أنّ أهل السّنّة والجماعة آمنوا بالقدر بأنّ القدر خيره وشرّه وحلوه ومرّه من الله سبحانه لأنّ معنى القدر هو الإحداث والإيجاد ومعلوم أن لا محدث ولا موجد الّا الله سبحانه لا إله الّا هو خالق كلّ شيء فاعبدوه والمعتزلة والقدريّة أنكروا القضاء والقدر وزعموا أنّ أفعال العباد حاصلة بقدرة العبد وحدها قالوا: لو قضى الله الشّرّ ثمّ عذّبهم على ذلك لكان ذلك جورا منه سبحانه وهذا جهل منهم لأنّ القضاء لا يسلب القدرة والإختيار عن العبد لأنّه قضى بأنّ العبد يفعله أو يتركه باختياره. (غاية ما في الباب) أنّه يوجب الإختيار وهو محقّق للاختيار لا مناف له وأيضا إنّه منقوض بأفعال الباري تعالى لأنّ فعله سبحانه بالنّظر إلى القضاء إمّا واجب أو ممتنع لأنّه إن تعلّق القضاء بالوجود فيجب أو بالعدم فيمتنع فإن كان وجوب الفعل بالإختيار منافيا له لم يكن الباري تعالى مختارا وهذا كفر ولا يخفى أنّ القول باستقلال قدرة العبد في إيجاد أفعاله مع كمال ضعفه في غاية السّخافة ومنشأ نهاية السّفاهة ولهذا بالغ مشائخ ما وراء النّهر شكر الله تعالى سعيهم في تضليلهم في هذه المسألة حتّى قالوا: إنّ المجوس أسعد حالا منهم حيث لم يثبتوا الّا شريكا واحدا. والمعتزلة أثبتوا شركاء لا تحصى وزعمت الجبريّة أنّه لا فعل للعبد أصلا وأنّ حركاته بمنزلة حركات الجمادات لا قدرة لهم أصلا ولا اختيار وزعموا أنّ العباد لا يثابون بالخير ولا يعاقبون بالشّرّ. والكفّار والعصاة معذورون غير مسئولين لأنّ الأفعال كلّها من الله تعالى والعبد مجبور في ذلك وهذا كفر وهؤلاء المرجئة الملعونون الّذين يقولون بأنّ المعصية لا تضرّ والعاصي لا يعاقب وروي عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال " لعنت المرجئة (1) على لسان سبعين نبيّا " ومذهبهم باطل بالضّرورة للفرق الظّاهر بين حركة PageV01P422 البطش وحركة الإرتعاش ونعلم قطعا أنّ الأوّل باختياره دون الثّاني والنّصوص القطعيّة تنفي هذا المذهب أيضا كقوله تعالى جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (1) وقوله سبحانه فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ (2) إلى غير ذلك. (واعلم) أنّ كثيرا من النّاس لضعف هممهم وقصور نيّاتهم يطلبون الإعتذار ودفع السّؤال عن أنفسهم فيميلون إلى مذهب الأشعريّ بل إلى مذهب الجبريّ فتارة يقولون بأن لا اختيار للعبد حقيقة ونسبة الفعل إليه مجاز وتارة يقولون بضعف الإختيار المستلزم للإجبار ومع ذلك يسمعون كلام بعض الصّوفيّة في هذا المقام من أنّ الفاعل واحد ليس الّا هو وأن لا تأثير لقدرة العبد في الأفعال أصلا وأنّ حركاته بمنزلة حركات الجمادات بل وجود العبد ذاتا وصفة كسراب بقيعة يحسبه الظّمآن ماء حتّى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده، وأمثال هذا الكلام ازدادهم جراءة على المداهنة والمساهلة في الأقوال والأفعال فنقول في تحقيق هذا الكلام والله سبحانه أعلم بحقيقة المرام: إنّ الإختيار لو لم يكن ثابتا للعبد حقيقة كما هو مذهب الأشعريّ لما نسب الله تعالى الظّلم إلى العباد إذ لا اختيار لهم ولا تأثير لقدرتهم وإنّما هي مدار محض عنده وقد نسب الله سبحانه الظّلم إليهم في غير موضع من كتابه المجيد ومجرّد المداريّة بدون التّأثير ولو في الجملة لا يوجب الظّلم منهم. نعم إنّ الإيلام والتّعذيب للعباد منه تعالى من غير أن يكون الإختيار ثابتا لهم ليس بظلم أصلا إذ هو سبحانه مالك على الإطلاق يتصرّف في ملكه كيف يشاء أمّا نسبة الظّلم إليهم فمستلزم لثبوت الإختيار لهم واحتمال المجاز في هذه النّسبة خلاف المتبادر فلا يرتكب من غير ضرورة وأمّا القول بضعف الإختيار فلا يخلو إمّا يراد به الضّعف بالنّسبة إلى اختياره تعالى فمسلّم ولا نزاع فيه لأحد وكذا الضّعف بمعنى عدم الإستقلال في صدور الأفعال أيضا مسلّم. وأمّا الضّعف بمعنى عدم المدخليّة للاختيار في الأفعال فممنوع وهو أوّل المسألة وسند المنع قد مرّ مفصّلا. ينبغي أن يعلم أنّ الله تعالى كلّف عباده بقدر طاقتهم واستطاعتهم وخفّف في التّكليف لضعف خلقهم قال الله تبارك وتعالى يُرِيدُ الله أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا (3) كيف وهو سبحانه حكيم رءوف رحيم ولا يليق بالرّحمة والرّأفة والحكمة تكليف ما لا يستطيع له العبد فلم يكلّف برفع الصّخرة العظيمة الّتي لا يقدر على رفعها العبد بل كلّف بما هو يسير على العبد من الصّلاة المشتملة على القيام والرّكوع والسّجود والقراءة الميسّرة وكلّ ذلك يسير غاية اليسر وكذا الصّوم مثلا في نهاية السّهولة والزّكاة أيضا كذلك إذ قدّر بربع العشر ولم يقدّر بالكلّ والنّصف مثلا لئلّا يثقل PageV01P423 على العباد ومن كمال الرّأفة جعل للمأمور به خلفا إن تعسّر الأصل فجعل للوضوء خلفا هو التّيمّم وكذا حكم بأنّ من لم يقدر على القيام صلّى قاعدا وأنّ من لم يقدر على القعود صلّى مضطجعا وكذا من لم يقدر على الرّكوع والسّجود صلّى موميا إلى غير ذلك ممّا لا يخفى على النّاظر في الأحكام الشّرعيّة بنظر الإعتبار والإنصاف فيجد تمام التّكليفات الشّرعيّة في غاية اليسر ونهاية السّهولة ويطالع كمال الرّحمة منه سبحانه بالعباد في صفحات التّكليفات، ومصداق تخفيف التّكليفات تمنّي العوامّ في زيادة التّكليف من المأمورات فإنّ بعضهم يتمنّى الزّيادة في الصّوم المفروض وبعضهم في الصّلوات المفروضات وعلى هذا القياس وما هذا التّمنّي الّا لكمال التّخفيف. وعدم وجدان اليسر في أداء الأحكام للبعض مبنيّ على وجود ظلمات نفسانيّة وكدورات طبيعيّة ناشئة عن هوى النّفس الأمّارة المنتصبة لمعاداة الله سبحانه قال الله سبحانه: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) (1). وقال تعالى وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلّا عَلَى الْخاشِعِينَ (2) فكما أنّ مرض الظّاهر موجب العسر في أداء الأحكام كذلك مرض الباطن أيضا موجب لذلك العسر وقد ورد الشّرع الشّريف لإبطال رسوم النّفس الأمّارة ورفع هواجسها فهوى النّفس ومتابعة الشّريعة على طرفي نقيض فلا جرم يكون وجود ذلك العسر دليل وجود هوى النّفس فيقدّر وجود الهوى بقدر العسر فإذا انتفى الهوى كلّيّة انتفى العسر رأسا وأمّا كلام بعض الصّوفيّة المذكور سابقا في نفي الإختيار وضعفه فاعلم أنّ كلامهم إن لم يكن مطابقا لأحكام الشّريعة فلا اعتبار له أصلا فكيف يصلح للحجّة والتّقليد وإنّما الصّالح للحجّة والتّقليد أقوال العلماء من أهل السّنّة فما وافق أقوالهم من كلام الصّوفيّة يقبل وما خالفهم لا يقبل على أنّا نقول: إنّ الصّوفيّة المستقيمة الأحوال لا يتجاوزون الشّريعة أصلا لا في الأحوال ولا في الأعمال ولا في الأقوال ولا في العلوم ولا في المعارف ويعلمون أنّ بقيّة الخلاف مع الشّريعة ناشية عن سقم في الحال وخلل فيه ولو صدق الحال ما خالف الشّريعة الحقّة وبالجملة خلاف الشّريعة دليل الزّندقة وعلامة الإلحاد. (غاية ما في الباب) أنّ الصّوفيّ لو تكلّم بكلام مخالف للشّريعة ناش عن الكشف في غلبة الحال وسكر الوقت فهو معذور وكشفه غير صحيح وغير صالح للتّقليد بل ينبغي أن يحمل كلامه ويصرف عن ظاهره فإنّ كلام السّكارى يحمل ويصرف عن الظّاهر هذا ما تيسّر لي في هذا المقام بعون الله سبحانه وحسن توفيقه تعالى الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى. (290) المكتوب التّسعون والمائتان إلى الملّا محمّد هاشم في بيان الطّريق الّذي خصّه الله سبحانه به في أوائل حاله ووفّقه لتسليك الطّالبين إليه وبيان الطّريقة النّقشبنديّة العليّة وبيان اندراج PageV01P424 النّهاية في البداية وبيان الحضور المعتبر عند أكابر هذا الطّريق المعبّر عنه بالنّسبة النّقشبنديّة مع ذكر بعض الأحوال والأذواق والمعارف الحاصلة له في الطّريقة النّقشبنديّة وغيرها وبيان جذبات هؤلاء الأكابر وما يناسبه بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله وأصحابه الطّيّبين الطّاهرين. (اعلم) أنّ الطّريق الّذي هو أقرب وأسبق وأوفق وأوثق وأسلم وأحكم وأصدق وأدلّ وأعلى وأجلّ وأرفع وأكمل هو الطّريقة النّقشبنديّة العليّة قدّس الله أرواح أهاليها وأسرار مواليها وكلّ عظمة هذا الطّريق وعلوّ شأن هؤلاء الأكابر بواسطة التزام متابعة السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة واجتناب البدعة الغير المرضيّة وهم الّذين اندرجت نهاية الأمر في بدايتهم كالأصحاب الكرام عليهم الرّضوان من الملك المنّان وكان شعورهم وحضورهم على سبيل الدّوام وصار فوق شعور الآخرين بعد الوصول إلى درجة الكمال. أيّها الأخ، أرشدك الله إلى سواء الطّريق لمّا ظهر في هذا الدّرويش هوس هذا الطّريق وصارت عناية الحقّ جلّ وعلا هاديته وأوصلته إلى صاحب الولاية ومعدن الحقيقة هادي طريق اندراج النّهاية في البداية وإلى السّبيل الموصّل إلى درجات الولاية مؤيّد الدّين الرّضيّ شيخنا وإمامنا محمّد الباقي قدّس الله سرّه أحد كبار خلفاء طائفة حضرات الأكابر النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم فعلم هذا الدّرويش ذكر اسم الذّات وتوجّه بالطّريق المعهود حتّى ظهر في التذاذ تامّ وعرض لي البكاء من كمال الشّوق ثمّ ظهر بعد يوم واحد كيفيّة الذّهول وعدم الشّعور المعتبرة عند هؤلاء الأكابر المسمّاة بالغيبة فرأيت في تلك الغيبة بحرا محيطا ووجدت صور العالم وأشكاله كالظّلّ في ذلك البحر واستولت هذه الغيبة شيئا فشيئا وامتدّت وصارت تمتدّ أحيانا إلى ساعتين من نهار وأحيانا إلى أربع ساعات وكانت في بعض الأوقات تستوعب اللّيل ولمّا عرضت هذه الواقعة على حضرة الشّيخ قال: قد حصل نحو من الفناء ومنع عن الذّكر وأمر بحفظ ذلك الحضور وبعد يومين حصل لي الفناء المصطلح فعرضته على حضرة الشّيخ فقال: عليك بالإشتغال بشأنك ثمّ بعد ذلك حصل فناء الفناء فعرضته عليه فقال: هل تجد تمام العالم في محلّ واحد ومتّصلا بعضه ببعض قلت: نعم فقال: إنّ المعتبر في حصول فناء الفناء هو حصول عدم الشّعور مع وجود رؤية هذا الإتّصال فحصل في تلك اللّيلة فناء الفناء بتلك الصّفة فعرضته عليه وعرضت ما حصل بعد الفناء من الحالة وقلت: إنّي أجد علمي بالنّسبة إلى الحقّ سبحانه حضوريّا وأجد الأوصاف الّتي كانت منسوبة إلى منسوبة PageV01P425 إلى الحقّ سبحانه ثمّ بعد ذلك ظهر نور محيط بجميع الأشياء فظننته الحقّ سبحانه وتعالى وكان لون ذلك النّور سوادا فعرضته عليه فقال الحقّ جلّ وعلا مشهود ولكنّ ذلك الشّهود في حجاب النّور وقال: إنّ هذا الإنبساط الّذي يرى في ذلك النّور هو في العلم وإنّما يرى منبسطا كذلك بواسطة تعلّق ذات الحقّ جلّ وعلا بالأشياء المتعدّدة الواقعة أعلى وأدنى فينبغي نفي الإنبساط ثمّ شرع ذلك النّور الأسود المنبسط في الإنقباض والتّضايق حتّى صار كنقطة فقال: ينبغي نفي تلك النّقطة أيضا حتّى ينجرّ الأمر إلى الحيرة ففعلت كذلك حتّى زالت تلك النّقطة الموهومة أيضا من البين وانجرّ الأمر إلى الحيرة الّتي هناك شهود الحقّ سبحانه لنفسه بنفسه فلمّا عرضته عليه قال: هذا الحضور هو الحضور المعتبر عند النّقشبنديّة ونسبتهم عبارة عن هذا الحضور ويقال لهذا الحضور حضورا بلا غيبة أيضا واندراج النّهاية في البداية يتصوّر في ذلك الموطن وحصول هذه النّسبة للطّالب في هذا الطّريق كأخذ الطّالب في سلاسل أخر الأذكار والأوراد من شيخه ليعمل بها ويصل إلى مقصوده، (ع): وقس من حال بستاني ربيعي * وكان حصول هذه النّسبة العزيزة الوجود لهذا الدّرويش بعد مضيّ شهرين وبضعة أيّام من ابتداء تعليم الذّكر وبعد تحقّق هذه النّسبة حصل فناء آخر يقال له الفناء الحقيقيّ وحصل للقلب من الوسعة ما ليس لتمام العالم من العرش إلى مركز الفرش قدر في جنبه مقدار خردلة وبعد ذلك رأيت نفسي وكلّ فرد من أفراد العالم بل كلّ ذرّة منه الحقّ جلّ وعلا وبعد ذلك رأيت كلّ ذرّة فرادى فرادى عين نفسي ورأيت نفسي عين جميع الذّرّات حتّى وجدت تمام العالم مضمحلّا في ذرّة واحدة ثمّ بعد ذلك رأيت نفسي بل جميع ذرّة منبسطا ووسيعا بحيث يسع تمام العالم وأضعافه بل وجدت نفسي وكلّ ذرّة نورا منبسطا ساريا في كلّ ذرّة، وصور العالم وأشكاله مضمحلّ في ذلك النّور ومتلاش فيه بل وجدت كلّ ذرّة مقوّما لتمام العالم ولمّا عرضت ذلك قال: إنّ مرتبة حقّ اليقين في التّوحيد هي هذا وجمع الجمع عبارة عن هذا المقام ثمّ وجدت صور العالم وأشكاله الّتي كنت وجدتها أوّلا عين الحقّ سبحانه موهومة في ذلك الوقت وما كنت وجدته من الذّرّات عين الحقّ سبحانه وجدت جميعها من غير تفاوت وتمييز موهومة فعرضت لي حينئذ غاية الحيرة فتذكّرت في ذلك الوقت عبارة الفصوص الّتي كنت سمعتها من والدي الماجد عليه الرّحمة حيث قال: إن شئت قلت إنّه أيّ العالم حقّ وإن شئت قلت: إنّه خلق وإن شئت قلت: إنّه من وجه حقّ ومن وجه خلق وإن شئت قلت بالحيرة لعدم تمييز بينهما فصارت هذه العبارة مسكّنة لذلك الإضطراب في الجملة وبعد ذلك أتيت ملازمة شيخنا وعرضت عليه حالي فقال ما كان حضورك صافيا بعد عليك بالإشتغال بأمرك حتّى يظهر تميّز الموجود من الموهوم فقرأت عليه عبارة الفصوص المشعرة بعدم التّمييز فقال: إنّ الشّيخ ما بين حال الكامل وعدم التّمييز أيضا ثابت بالنّسبة إلى البعض فكنت مشغولا حسب الأمر فأظهر الحقّ سبحانه وتعالى بعد يومين بمحض توجّه حضرة شيخنا PageV01P426 تمييزا بين الموجود والموهوم حتّى وجدت الموجود الحقيقيّ ممتازا من الموهوم المتخيّل ورأيت الصّفات والأفعال والآثار الّتي ترى من الموهوم صادرة عن الحقّ سبحانه ووجدت تلك الصّفات والأفعال أيضا موهومة ولم أر في الخارج موجودا غير ذات واحدة ولمّا عرضت ذلك قال: هذا هو مرتبة الفرق بعد الجمع ونهاية السّعي إلى هنا وبعد ذلك يظهر ما استودع في قابليّة كلّ شخص واستعداده وقال مشائخ الطّريقة لهذا المرتبة " مقام التّكميل». ينبغي أن يعلم أنّ هذا الدّرويش لمّا نظرت إلى كلّ ذرّة من ذرّاتي بعدما أخرجت في المرّة الاولى من السّكر إلى الصّحو وبعد ما شرّفت بعد الفناء بالبقاء لم أجد غير الحقّ ووجدت جميع الذّرّات مرآة لشهوده سبحانه ثمّ أخرجت من ذلك المقام إلى الحيرة ولمّا رجعت إلى نفسي يعني صحوت من الحيرة وجدت الحقّ سبحانه مع كلّ ذرّة من ذرّات وجودي لا فيها وكان المقام السّابق في النّظر أسفل وأدنى من هذا المقام الثّاني ثمّ أخرجت إلى الحيرة ولمّا أفقت وجدت الحقّ سبحانه في تلك المرّة لا متّصلا بالعالم ولا منفصلا عنه ولا داخل العالم ولا خارجه وصارت نسبة المعيّة والإحاطة والسّريان على نهج كنت وجدتها أوّلا منتفية بالكلّيّة ومع ذلك كان مشهودا بتلك الكيفيّة بل كأنّه محسوس وكان العالم أيضا مشهودا في ذلك الوقت ولكن لم يكن للحقّ سبحانه شيء من تلك النّسب المذكورة ثمّ وقعت في الحيرة ولمّا أخرجت إلى الصّحو صار معلوما أنّ للحقّ سبحانه نسبة بالعالم وراء النّسب المذكورة وهذه النّسبة مجهولة الكيفيّة وكان تعالى مشهودا بالنّسبة المجهولة الكيفيّة ثمّ أخرجت إلى الحيرة وعرض لي في تلك المرتبة نحو من القبض ولمّا رجعت إلى نفسي صار الحقّ سبحانه مشهودا بغير تلك النّسبة المجهولة الكيفيّة على طور لا نسبة له بالعالم أصلا لا معلومة الكيفيّة ولا مجهولة الكيفيّة وكان العالم مشهودا في ذلك الوقت بتلك الخصوصيّة وحصل لي في ذلك الوقت علم خاصّ عناية من الله سبحانه وبسبب هذا العلم لم يبق بين الحقّ سبحانه والخلق مناسبة أصلا مع وجود كلا الشّهودين وصار معلوما في ذلك الوقت أنّ هذا المشهود مع هذه الصّفة ومع هذا التّنزيه ليس هو ذات الحقّ سبحانه وتعالى عن ذلك بل هو صورة مثاليّة لتعلّق تكوينه تعالى الّذي هو وراء التّعلّقات الكونيّة سواء كان ذلك التّعلّق معلوم الكيفيّة أو مجهول الكيفيّة هيهات هيهات، (شعر): كيف الوصول إلى سعاد ودونها ... قلل الجبال ودونهنّ خيوف أيّها الأخ الأعزّ إنّي إن أجريت القلم في تفصيل الأحوال وتبيّن المعارف لانجرّ إلى التّطويل والإطناب وعلى الخصوص لو بيّنت معارف التّوحيد الوجوديّ وعلوم ظلّيّة الأشياء لعلم الّذين مضى عمرهم في التّوحيد الوجوديّ أنّهم لم ينالوا قطرة من ذلك البحر الّذي لا نهاية له والعجب أنّ تلك PageV01P427 الجماعة لا يظنّون هذا الدّرويش من أرباب التّوحيد الوجوديّ بل يعدّونه من العلماء المنكرين للتّوحيد الوجوديّ ويزعمون من قصور النّظر أنّ الإصرار على المعارف التّوحيديّة من الكمال والتّرقّي من ذلك المقام نقص أو محال، شعر: كم من بليد غفول عن معائبه ... يستحسن العيب زعما أنّه حسن ومستشهد هؤلاء الجماعة في هذا الأمر أقوال المشائخ المتقدّمين الّتي صدرت في التّوحيد الوجوديّ رزقهم الله سبحانه الإنصاف من أين علموا أنّ هؤلاء المشائخ لم يحصل لهم ترقّ من ذلك المقام وبقوا محبوسين فيه وليس الكلام في حصول المعارف التّوحيديّة فإنّه واقع ألبتّة وإنّما الكلام في التّرقّي من ذلك المقام فإن قالوا: صاحب التّرقّي منكر للتّوحيد واصطلحوا على ذلك فلا مناقشة فيه. (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونقول: إنّه لمّا كان في القليل دلالة على الكثير وفي القطرة إشارة إلى البحر الغزير اكتفيت بالقطرة واقتصرت على القليل. أيّها الأخ، إنّ شيخنا لمّا حكم لي بالكمال والتّكميل أجاز لي بتعليم الطّريقة وأحال علىّ جماعة من الطّالبين كان لي في ذلك الوقت تردّد في كمالي وتكميلي فقال: ليس هذا محلّ التّردّد فإنّ المشائخ العظام قالوا لهذا المقام " مقام الكمال والتّكميل " فلو جاز تردّد في هذا المقام يلزمه تردّد في كماليّة هؤلاء المشائخ الكرام فشرعت في تعليم الطّريقة حسب الأمر وراعيت التّوجّهات في أحوال الطّالبين فصارت الآثار العظام محسوسة في المسترشدين حتّى تقرّر على السّاعات أمر السّنين واشتغلت بهذه الأشغال أوقاتا ظهر آخر الأمر العلم بنقصي وظهر لي أنّ التّجلّي البرقيّ الّذي قال المشائخ فيه انّه نهاية الأمر لم يظهر لي في هذا الطّريق أصلا ولم يعلم السّير إلى الله والسّير في الله أيضا أنّهما ما هما ولا بدّ من تحصيل هذه الكمالات وصار العلم بنقصي مبرهنا في ذلك الوقت فجمعت الطّالبين الّذين حولي وحدّثتهم حديث نقصي وودّعت جميعهم ولكنّ الطّالبين حملوا هذا المعنى على التّواضع وهضم النّفس ولم يرجعوا عمّا هم كانوا عليه فرزق الحقّ سبحانه الأحوال المنتظرة بحرمة حبيبه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام (اعلم) أنّ حاصل طريقة حضرة خواجكان قدّس الله أسرارهم اعتقاد أهل السّنّة والجماعة واتّباع السّنّة السّنيّة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة واجتناب البدعة الرّديّة والأهواء النّفسانيّة والعمل بالعزيمة مهما أمكن والإحتراز عن العمل بالرّخصة والإستهلاك والإضمحلال أوّلا في جهة الجذبة وعبّروا عن هذا الإستهلاك بالعدم. والبقاء الّذي يحصل في هذه الجهة بعد الإستهلاك معبّر عنه بوجود العدم يعني وجود وبقاء مترتّب على العدم الّذي هو الإستهلاك وهذا الإستهلاك والإضمحلال ليس هو عبارة عن الغيبة عن الحسّ بل قد PageV01P428 تتّفق الغيبة عن الحسّ للبعض مع هذا الإستهلاك وقد لا تقع للبعض الآخر وصاحب هذا البقاء يمكن أن يرجع إلى الصّفات البشريّة وأن يعود إلى الأخلاق النّفسانيّة بخلاف البقاء الّذي هو مترتّب على الفناء فإنّ العود منه غير جائز يمكن أن يكون هذا معنى ما قال الخواجه النّقشبند قدّس الله تعالى سرّه الأقدس: إنّ وجود العدم يعود إلى وجود البشريّة وأمّا وجود الفناء فلا يعود إلى وجود البشريّة أصلا فإنّ الباقي بالبقاء الأوّل هو في الطّريق بعد والرّجوع عن الطّريق ممكن والثّاني واصل منته ولا رجوع للواصل قال واحد من الأكابر: ما رجع من رجع الّا من الطّريق ومن وصل لا يرجع. ينبغي أن يعلم أنّ صاحب وجود العدم وإن كان في الطّريق ولكن له بحكم اندراج النّهاية في البداية شعور بنهاية الأمر وما هو ميسّر للمنتهي في الآخر حاصل له خلاصته من هذه الجهة إجمالا وهذه النّسبة لمّا كانت في المنتهي بطريق الشّمول وعموم السّريان صارت حاصلة في روحانيّته وجسمانيّته البتّة وفي صاحب وجود العدم مقصور على خلاصة القلب ولو في الجملة وعلى سبيل الإجمال فلا جرم كان المنتهي صاحب تفصيل ورجوعه إلى صفات الجسمانيّة ممتنعا فإنّ سريان تلك النّسبة في مراتب جسمانيّته خلعه عن صفاتها وجعله فانيا وهذا الفناء موهبة محضة والرّجوع عن الموهبة المحضة لا يليق بجناب قدسه تعالى وتقدّس بخلاف صاحب وجود العدم فإنّ تلك السّراية مفقودة في حقّه. غاية ما في الباب أنّ هذه المراتب لمّا كانت تابعة للقلب كانت تلك النّسبة أيضا سارية فيها وكسرت سورتها وجعلتها مغلوبة ولكنّها ما بلغت حدّ الفناء والزّوال فيمكن الرّجوع عنه إذ المغلوب قد يغلب بعروض بعض العوارض ولحوق بعض الموانع والزّائل لا يعود كما مرّ. (واعلم) أنّ بعض المشائخ من هذه السّلسلة العليّة قدّس الله أرواحهم قد أطلقوا الفناء والبقاء على الإستهلاك والإضمحلال المذكور والبقاء الّذي يترتّب عليه وأثبتوا التّجلّي والشّهود الذّاتيّين أيضا في تلك المرتبة وقالوا لهذا الباقي واصلا وقالوا بتحقّق يادداشت الّذي هو عبارة عن دوام الحضور مع جناب الحقّ سبحانه في هذا المقام أيضا وكلّ ذلك باعتبار اندراج النّهاية في البداية والّا فالفناء والبقاء لا يكونان الّا للمنتهي الّذي هو الواصل والتّجلّي الّذي مخصوص به ودوام الحضور مع الله سبحانه لا يكون الّا للمنتهي الواصل إذ هو الّذي لا رجوع له أصلا وأمّا الإطلاق الأوّل فهو أيضا صحيح بالإعتبار المذكور ومبتن على وجه وجيه ومن هذا القبيل ما وقع في كتاب الفقرات لحضرة الخواجه عبيد الله أحرار قدّس الله سرّه الأقدس من إطلاق الفناء والبقاء والتّجلّي والشّهود الذّاتيّين والوصل ودوام الحضور. قال واحد من الأعزّة: إنّ مبنى ذلك الكتاب الّذي عبارة عن مكتوبات ورسائل مرسلة إلى بعض مخلصيه على دراية من أرسلت إليه ومعرفته وكلّموا النّاس على قدر عقولهم مراعى فيه ومن هذا القبيل أيضا رسالة سلسلة الأحرار الواقعة على طريق كلام حضرة الخواجه احرار والرّباعيّات المشروحة الّتي كتبها حضرة شيخنا مؤيّد الدّين الرّضيّ مولانا محمّد الباقي سلّمه الله تعالى وهذا البقاء بل جميع ما هو واقع في طرف الجذبة ناظر إلى PageV01P429 توحيد الوجود ولهذا بيّن بعض المشائخ حقّ اليقين على نهج مآله إلى التّوحيد الوجوديّ وهذا البيان أوقع البعض في اشتباه أنّ حقّ اليقين الّذي هو منسوب إليهم ومختصّ بهم عبارة عن التّجلّي الصّوريّ وانجرّ ذلك إلى الطّعن والتّشنيع والحقّ أنّ هذا حقّ اليقين المنسوب إليهم الّذي بيّنه بعض المشائخ حاصل في جهة الجذبة وهذه المعرفة مناسبة لهذا المقام والتّجلّي الصّوريّ شيء آخر كما لا يخفى على أربابه وأطلقوا دوام الحضور على مرتبة شهود الوحدة في مرآة الكثرة على نهج تكون المرآة مختفية بالتّمام ولا يبقى المشهود غير الوجه الباقي أصلا لرؤيتهم هذا المقام مناسبا ليادداشت يعني دوام الحضور ويقولون لهذا الشّهود تجلّيا ذاتيّا أيضا وشهودا ذاتيّا ويقال لهذا المقام مقام الإحسان وعبّروا عن ذلك الإستهلاك والإضمحلال بالوصل، (ع) أنت غبّ فيه وذا عين الوصال * وهذا الإصطلاح مخصوص بحضرة ناصر الدّين الخواجه عبيد الله أحرار قدّس سرّه ولم يتكلّم بهذا الإصطلاح أحد من المشائخ المتقدّمين من هذه السّلسلة، (ع) وجميع ما فعل المليح مليح * ومن كلماته القدسيّة أنّ اللّسان مرآة القلب والقلب مرآة الرّوح والرّوح مرآة الحقيقة الإنسانيّة والحقيقة الإنسانيّة مرآة الحقّ سبحانه والحقائق الغيبيّة تصل إلى اللّسان من غيب الذّات بقطع هذه المسافة البعيدة ومنه تقبل صورة اللّفظ وتصل إلى مسامع المستعدّين للحقائق وقال أيضا: كنت في ملازمة بعض الأكابر مدّة فأنعم عليّ بشيئين أحدهما أنّ كلّما أكتبه يكون جديدا لا قديما. وثانيهما أنّ كلّما أقول يكون مقبولا لا مردودا ويفهم من كلماته القدسيّة هذه جلالة شأنه وعلوّ منزلة معارفه واتّضح أيضا أنّه ليس في البين في هذه الكلمات يعني لا مدخل له في صدورها عنه وإنّما ظهرت منه بطريق الإنعكاس وليس وظيفته ودخله فيها غير المرآتيّة لها والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال وما عنده من علوّ درجة ومنزلة الكمال وأنشد هذه المثنويّات، شعر: كان كلّ النّاس أصحابي على ... ظنّهم والقلب بالسّرّ اختلى لم يكن سرّي بعيدا من أني ... ني ولكن أين فهم للدّنىّ وسيكتب هذا الحقير نبذة من حقيقة علومه ومعارفه في آخر هذا المكتوب على مقدار فهمه القاصر والأمر عند الله سبحانه وإذا شرّف الحقّ سبحانه بكمال عنايته بعد حصول الجذبة وتمام تلك الجهة بنعمة السّلوك يمكن أن يقطع بمدد الجذبة المسافة البعيدة الّتي قدّروها بخمسين ألف سنة (1) وفي قوله تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (2) رمز إلى هذا التّقدير في مدّة قليلة وأن يصل إلى حقيقة الفناء في الله والبقاء بالله ومنتهى السّلوك وصول السّالك إلى نهاية السّير PageV01P430 إلى الله الّذي هو معبّر عنه بالفناء المطلق وبعد ذلك أيضا مقام الجذبة الّذي عبّروا عنه بالسّير في الله، والبقاء بالله والسّير إلى الله عبارة عن السّير إلى الإسم الّذي السّالك مظهره والسّير في الله سير في ذلك الإسم فإنّ كلّ اسم جامع لأسماء غير متناهية فيكون السّير فيه أيضا غير متناه ولهذا الدّرويش في هذا المقام معرفة خاصّة وستذكر إن شاء الله تعالى عن قريب وهذا الإسم في مراتب العروج فوق العين الثّابتة فإنّ العين الثّابتة للسّالك ظلّ ذلك الإسم وصورته العلميّة والجماعة المخصوصة بفضل الحقّ سبحانه يعرجون من هذا الإسم أيضا ويترقّون إلى ما شاء الله بلا نهاية، شعر: ومن بعد هذا يدقّ بيانه ... وما كتمه أحظى لديّ وأجمل والواصلون من سائر أرباب السّلوك وإن كانوا مشاركين لهم في الجهة الثّانية ومتحقّقون بالفناء في الله والبقاء بالله ولكنّ المسافة الّتي يقطعها أرباب السّلوك بالرّياضات والمجاهدات ويصلون إلى منتهاها في أزمنة طويلة يقطعها أكابر هذه السّلسلة العليّة بالتذاذ دولة الشّهود وذوق وجدان المقصود في أزمنة قليلة ويصلون إلى كعبة المطلوب ثمّ بعد الوصول يحصل لهم ترقيّات غير متناهية والمنتهون من أرباب السّلوك قليلو النّصيب من ذلك التّرقّي والقرب فإنّ تقدّم الجذبة على السّلوك يستدعي نحوا من المحبوبيّة فإنّه ما لم يكن مرادا لا يحصل له جذب فإذا انجذب يقع أقرب ألبتّة ويحصل له زيادة القرب والفرق بين المراد وغير المراد كثير (ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (1) مثنويّ، شعر: عشق معشوق خفيّ وستّير ... عشق عشّاق بطبل ونفير غير أنّ الثّاني مضن للبدن ... عشق معشوق مزيد في السّمن فإن قيل: إنّ المرادين من سائر السّلاسل أيضا شركاء لهم في هذا التّرقّي والقرب فإنّ الجذبة مقدّمة على سلوكهم فما يكون مزيّة هذا الطّريق على غيره من الطّرق ولأيّ شيء يقال له إنّه أقرب الطّرق؟ أجيب: انّ سائر الطّرق ليست بموضوعة لحصول هذا المعنى بل تحصل هذه الدّولة لبعضهم على سبيل الإتّفاق وهذا الطّريق موضوع لحصول هذا المعنى ويادداشت الّذي يقع في عبارات أكابر هذه السّلسلة العليّة يتصوّر بعد تحقّق كلا جهتي الجذبة والسّلوك، وإطلاق النّهاية عليه باعتبار نهاية مراتب الشّهود والحضور والّا فالنّهاية المطلقة وراء الوراء. وتفصيله أنّ الشّهود إمّا في مرآة الصّورة أو في مرآة المعنى أو فيما وراء الصّورة والمعنى وقالوا لهذا الشّهود العاري عن الحجاب يعني حجاب الصّورة والمعنى برقيّا يعني أنّ حصول هذا الشّهود كالبرق ثمّ يكون في الحجاب فإذا حصل لهذا الشّهود بمحض فضل الحقّ سبحانه دوام وخرج عن مضيق الحجب بالتّمام يعبّرون عنه حينئذ بيادداشت الّذي هو حضور PageV01P431 بلا غيبة فإنّ الشّهود مادام يحتجب ولم يحصل له دوام عدم الإحتجاب لا يطلق عليه اسم يادداشت. وههنا دقيقة ينبغي أن يعلم أنّ كلّ واصل لا رجوع له حضوره دائميّ ولكنّ سريان تلك النّسبة في كلّيّته كالبرق بخلاف المحبوبين الّذين جذبتهم مقدّمة على سلوكهم فإنّ هذا السّريان دائميّ فيهم وكلّيّتهم آخذة لحكم السّرّ وعاملة عمل السّرّ كما مرّت الإشارة إليه لانت أجسادهم كما لانت أرواحهم حتّى صارت ظواهرهم بواطنهم وبواطنهم ظواهرهم فلا جرم لا يكون في حضورهم للغيبة مجال فتكون هذه النّسبة فوق جميع النّسب على كلّ حال وهذه العبارة شائعة في كتبهم ورسائلهم لهذا المعنى فإنّ النّسبة عبارة عن الحضور، ونهاية مراتب الحضور هي أن يكون الحضور بلا حجاب ودائما وتخصيص مشائخ هذه الطّريقة هذه النّسبة بأنفسهم باعتبار وضع الطّريق لحصول هذه الدّولة كما مرّ والّا فإن تيسّرت لبعض أكابر طرق اخر أيضا فجائز بل واقع وقد أظهر قدوة أكابر أهل الله الشّيخ أبو سعيد أبو الخير قدّس الله سرّه رمزا من هذا الحضور وطلب تحقيقه من أستاذه حيث سأله هل يكون هذا الحديث دائميّا؟ فقال الاستاذ في جوابه: لا يكون فأعاد الشّيخ المسألة ثانيا ووجد الجواب الأوّل ثمّ كرّر السّؤال ثالثا فقال أستاذه في جوابه: فإن كان فنادر فرقص الشّيخ وقال هذا من تلك النّوادر. وما قلت من أنّ النّهاية المطلقة وراء الوراء فبيانه أنّه إذا وقع العروج بعد تحقّق هذا الحضور يقع السّالك في لجّة الحيرة ويخلف هذا الحضور وراء ظهره كسائر مراتب العروج وهذه الحيرة هي المسمّاة بالحيرة الكبرى المخصوصة بالأكابر كما وقع في كتب القوم قال واحد من الأكابر في هذا المقام، شعر: حسن تو مرا كرد ?نان زبر وزبر ... كز خال وخط وزلف توام نيست خبر مضمونه: نسيت اليوم من عشقي صلاتي ... فلا أدري غدائي من عشائي وقال الآخر: (شعر) تعالى العشق عن كفر ودين ... كذاك عن التّشكّك واليقين رأيت العقل مقرونا بكفر ... وذي دين وشكّ واليقين فجزت عوالما من غير عقل ... فلم أر بعد من كفر ودين وكلّ الكون سدّك في طريق ... أرى ذا سدّ يأجوج بعين وقال الآخر من الأعزّة (شعر) وقد ساروا وطاروا نحو أوج ... فعادوا صفر جيب واليدين وبعد حصول هذه الحيرة مقام المعرفة ومن ذا يشرّف بهذه الدّولة ومن ذا يحتظّ بالإيمان الحقيقيّ بعد الكفر الحقيقيّ الّذي هو مقام الحيرة ونهاية مطلوب المحقّقين في هذا الإيمان ومقام الدّعوة وكمال PageV01P432 متابعة سيّد المرسلين عليه الصّلاة والسّلام على وفق قوله تعالى (أَدْعُوا إلى الله عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اِتَّبَعَنِي) في هذا المقام وكان صلّى الله عليه وسلّم يطلب هذا الإيمان حيث قال في دعائه " اللهمّ (1) أعطني إيمانا صادقا ويقينا ليس بعده كفر " وكان يستعيذ من الكفر الحقيقيّ الّذي هو مقام الحيرة حيث قال " أعوذ (2) بك من الكفر والفقر». وهذه المرتبة نهاية مراتب حقّ اليقين وههنا ليس العلم والعين بعضهما حجابا عن بعض، شعر: هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها ... وللعاشق المسكين ما يتجرّع (واعلم) أرشدك الله أنّ جذبة هؤلاء الأعزّة على نوعين النّوع الأوّل: واصل من الصّدّيق الأكبر رضي الله عنه وبهذا الإعتبار ينسب طريقهم إليه رضي الله عنه وحصول هذا النّوع بالتّوجّه إلى الوجه الخاصّ الّذي هو قيّوم جميع الموجودات والإستهلاك والإضمحلال فيه. والنّوع الثّاني مبدأ ظهوره في هذا الطّريق حضرة الخواجه بهاء الدّين النّقشبند وهو ينبعث من طريق المعيّة الذّاتيّة ووصلت تلك الجذبة من حضرة الخواجه إلى أوّل خلفائه الخواجه علاء الدّين ولمّا كان هو قطب الإرشاد في وقته وضع طريقا أيضا لحصول هذه الجذبة وذلك الطّريق مشهور فيما بين خلفاء هذه السّلسلة بالعلائيّ وربّما يقع في عباراتهم أنّ أقرب الطّرق الطّريقة العلائيّة وأصل هذه الجذبة وإن كان من الخواجه النّقشبند ولكنّ وضع الطّريق لتحصيلها مخصوص بالخواجه علاء الدّين قدّس الله أسرارهما والحقّ أنّ هذا الطّريق كثير البركة وقليله أنفع من كثير طرق الآخرين وخلفاء مشائخ العلائيّة والأحراريّة مشرّفون ومحتظّون بهذه الدّولة العظمى ويربّون الطّالبين بهذا الطّريق نال الخواجه أحرار هذه الدّولة العظمى من مولانا يعقوب ال?رخيّ عليهما الرّضوان وهو من خلفاء الخواجه علاء الدّين. (والنّوع الأوّل) من الجذبة الّذي هو منسوب إلى الصّدّيق الأكبر رضي الله عنه وضع لحصوله طريق على حدة وذلك الطّريق هو الوقوف العدديّ والسّلوك الّذي يتحقّق بعد هذه الجذبة أيضا على نوعين بل على أنواع نوع بلغ الصّدّيق رضي الله عنه مقصوده من هذا الطّريق، وخاتم الرّسالة عليه الصّلاة والسّلام أيضا وصل من موطن الجذبة بهذا الطّريق ولمّا كان الصّدّيق رضي الله عنه متخلّفا بكمال الأخلاق الّذي كان فيه صلّى الله عليه وسلّم وفانيا فيه خصّ من بين سائر الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين بخصوصيّة هذا الطّريق وهذه النّسبة أعني نسبة الجذبة والسّلوك المذكورين الآن وصلت إلى الإمام جعفر الصّادق بهذه الخصوصيّة ولمّا كانت والدة الإمام من بنات أولاد الصّدّيق رضي الله عنه PageV01P433 قال الإمام بملاحظة كلا الإعتبارين ولدنى أبو بكر مرّتين وحيث كان الإمام أخذ نسبة على حدة من آبائه الكرام صار جامعا كلا هذين الطّرفين وجمع تلك الجذبة مع سلوكهم ووصل إلى المقصود بهذا السّلوك والفرق بين هذين السّلوكين هو أنّ سلوك الإمام عليّ يقطع بالسّير الآفاقيّ وسلوك الصّدّيق لا يتعلّق بالآفاق كثيرا ويشبّه بنقب نقبة من موطن الجذبة إلى أن تصل إلى المقصود. وفي السّلوك الأوّل تحصيل المعارف وفي الثّاني غلبة المحبّة فلا جرم كان الإمام عليّ باب مدينة العلم وكان للصّديق قابليّة خلّته عليه الصّلاة والسّلام قال عليه الصّلاة والسّلام «لو كنت (1) متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا " وحصّل الإمام باعتبار جامعيّته للجذبة الّتي مبناها المحبّة وجهة السّلوك الآفاقيّ الّذي هو منشأ العلوم والمعارف نصيبا وافرا من المحبّة والمعرفة ثمّ فوّض الإمام هذه النّسبة المركّبة بطريق الوديعة إلى سلطان العارفين وكأنّه حمل ثقل هذه الأمانة على ظهره ليسلّمها إلى أهلها بالتّدريج ووجّه عنان توجّهه إلى جانب آخر لم تكن له مناسبة بتلك النّسبة قبل تحمّل تلك الأمانة وفي هذا التّحميل أيضا حكم كثيرة وإن كان نصيب الحاملين منها قليلا ولكن لها نصيب وافر من أنوار هؤلاء الأكابر كما أنّ نوعا من السّكر مثلا الّذي هو مندمج وممتزج فيها من آثار أنوار سلطان العارفين وهذا السّكر يجعل المبتدئ غائبا عن الحسّ ويورثه عدم الشّعور ثمّ يستتر بعد ذلك بالتّدريج باعتبار غلبة الصّحو تكون هذه النّسبة مندمجة في مراتب الصّحو ففى الظّاهر صحو وفي الباطن سكر وهذا البيت في بيان حالهم، شعر: بقلبك صاحبنا وجانب بظاهر ... وذا السّير في الدّنيا قليل النّظائر وعلى هذا القياس أخذت من كلّ واحد من الأكابر نورا ووصلت إلى أهلها وهو العارف الرّبّانيّ الخواجه عبد الخالق الغجدوانيّ رأس حلقة سلسلة خوجكان قدّس الله أسرارهم ففى ذلك الوقت حصلت لتلك النّسبة طراوة كلّيّة وبرزت في عرصة الظّهور ثمّ صار جانب السّلوك الآفاقيّ مختفيا بعده في هذه السّلسلة وصاروا يسلكون طرقا أخر بعد حصول الجذبة ويعرجون منها ولمّا جاء حضرة الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس الله سرّه الأقدس إلى عالم الظّهور ظهرت تلك النّسبة ثانيا بتلك الجذبة والسّلوك الآفاقيّ وصار هو بهذين الجهتين جامعا لكمال المعرفة والمحبّة ومع وجود ذلك القسم الواحد من الجذبة أعطي قسما آخر منها أيضا منبعثا من طريق المعيّة كما مرّ وحصل من كمالاته نصيب وافر لنائب منابه أعني حضرة الخواجه علاء الحقّ والدّين وتشرّف بدولة كلا الجذبتين والسّلوك الآفاقيّ وبلغ مقام قطبيّة الإرشاد وكذلك الخواجه محمّد ?ارسا قدّس سرّه حاز حظّا وافرا من كمالاته قال حضرة الخواجه في PageV01P434 آخر حياته في حقّه من أراد أن ينظر إليّ فلينظر إلى محمّد ونقل عنه أيضا أنّه قال: المقصود من وجود بهاء الدّين وجود محمّد ومع وجود هذه الكمالات في خواجه ?ارسا منحه الخواجه عارف الدّيك كرانىّ في آخر حياته نسبة الفرديّة وهذه النّسبة صارت مانعة له من المشيخة وتكميل الطّلبة والّا كان له في الكمال والتّكميل درجة عليا قال حضرة الخواجه في شأنه: لو ربّى هو المريدين لينوّر العالم منه ووجد مولانا عارف هذه النّسبة أعني نسبة الفرديّة من والد زوجته مولانا بهاء الدّين يعني القشلاقىّ. ينبغي أن يعلم أنّ وجه الفرديّة إلى الحقّ سبحانه بالتّمام لا تعلّق له بالمشيخة والتّكميل والدّعوة فإن اجتمعت تلك النّسبة مع نسبة قطبيّة الإرشاد الّتي هي مقام دعوة الخلق وتكميلهم ينبغي أن ينظر: فإن كانت نسبة الفرديّة غالبة فطرف الإرشاد والتّكميل ضعيف ومغلوب على هذه التّقدير والّا فصاحب هاتين النّسبتين في حدّ الإعتدال ظاهره مع الخلق بالتّمام وباطنه مع الحقّ تعالى وتقدّس بالكلّيّة، والدّرجة العليا في مقام دعوة الخلق لصاحب هاتين النّسبتين. ونسبة قطبيّة الإرشاد وإن كانت وحدها كافية في الدّعوة ولكن لهؤلاء الأكابر في هذا المقام مرتبة على حدة، نظرهم شفاء الأمراض القلبيّة وصحبتهم دافعة للأخلاق الغير المرضيّة وكان سيّد الطّائفة جنيد مستسعدا بهذه الدّولة ومشرّفا بهذه المنزلة حصلت له نسبة القطبيّة من شيخه السّرّىّ السّقطيّ ونسبة الفرديّة من الشّيخ محمّد القصّاب ومن كلماته القدسيّة انّ النّاس يزعمونني مريد السّرّيّ أنا مريد محمّد القصّاب جعل نسبة الفرديّة غالبة ونسي نسبة القطبيّة ورآها معدومة في جنبها. وبعد خلفاء الخواجه النّقشبند كان سراج هذه الطّائفة العليّة حضرة الخواجه عبيد الله أحرار قدّس سرّه توجّه إلى السّير الآفاقيّ بعد إتمام جذبة خواجكان قدّس الله أسرارهم وأوصل السّير إلى الإسم وحصل له الإستهلاك والفناء فيه قبل دخوله إلى الإسم ثمّ عاد إلى موطن الجذبة وحصل له في تلك الجهة استهلاك واضمحلال خاصّ ووجد البقاء أيضا في تلك الجهة وبالجملة كان له شأن عظيم في تلك الجهة وما تيسّر من العلوم والمعارف من الفناء والبقاء تيسّر له في هذا المقام وإن كان في العلوم تفاوت بواسطة تغاير الجهتين ومن التّفاوت إثبات توحيد الوجود وعدمه وكذلك إثبات أمور مناسبة للتّوحيد المذكور من الإحاطة والسّريان والمعيّة الذّاتيّات وشهود الوحدة في الكثرة مع اكتفاء الكثرة بالكلّيّة بحيث لا يرجع كلمة أنا إلى السّالك أصلا وأمثال ذلك بخلاف العلوم الّتي تترتّب على البقاء الّذي بعد الفناء المطلق فإنّها ليست كذلك بل هي مطابقة لعلوم الشّريعة حقيقة غير محتاجة إلى التّمحّلات والتّكلّفات والأسئلة والأجوبة وبالجملة انّ البقاء في جهة الجذبة أيّ جذبة كانت لا يخرج السّالك من السّكر ولا يدخله في الصّحو ولهذا لا يرجع أنا إلى السّالك الباقي مع وجود البقاء ولا تقع الإشارة عليه لأنّ في الجذبة غلبة المحبّة، وغلبة المحبّة يلزمها السّكر لا ينفكّ عنها بوجه من الوجوه ولهذا تكون علومها ممتزجة بالسّكر يعني بالمعارف السّكريّة كالقول بوحدة الوجود فإنّ مبناها على السّكر وغلبة المحبّة بحيث لا يبقى في نظر المحبّ سوى المحبوب فيحكم بنفي ما سواه فإن خرج من السّكر إلى الصّحو لا يكون شهود المحبوب مانعا عن شهود ما سواه فلا يحكم بوحدة الوجود والبقاء الّذي بعد الفناء المطلق ونهاية PageV01P435 السّلوك فهو منشأ الصّحو ومبدأ المعرفة لا مدخل للسّكر في ذلك الموطن وما غاب عن السّالك في حالة الفناء يرجع إليه كلّه ولكن منصبغا بصبغ الأصل وهو المعنى بالبقاء بالله فبالضّرورة لا يكون للسّكر مجال في علوم أرباب هذا البقاء فتكون علومهم مطابقة لعلوم الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وأيضا إنّي سمعت واحدا من الأعزّة يقول: إنّ حضرة الخواجه أحرار قدّس سرّه حصّل أيضا نسبة من آبائه وأجداده من طرف أمّه وقد كانوا أصحاب أحوال غريبة وجذبات قويّة وكان لحضرة الخواجه أحرار نصيب وافر من مقام الأقطاب الإثنى عشر الّذين تأييد الدّين كان مربوطا بهم ولهم شأن عظيم في المحبّة وحصل له تأييد الشّريعة ونصرة الدّين من هذه الجهة وقد ذكرت ثمّة من أحواله فيما سبق ثمّ تحقّق إحياء طريقة هؤلاء الأكابر وإشاعة آداب هؤلاء الأعزّة بعده خصوصا في ممالك الهند الّتي كان أهلها محرومين من كمالاتهم بظهور معدن الإرشاد ومنبع المعارف مؤيّد الدّين الرّضيّ شيخنا ومولانا محمّد الباقي سلّمه الله وقد أردت أن أذكر نبذة من كمالاته أيضا في هذا المكتوب ولكن لمّا لم يفهم رضاؤه في هذا الباب تركت الجراءة عليه. (291) المكتوب الحادي والتّسعون والمائتان إلى مولانا عبد الحيّ في بيان مراتب التّوحيد الوجوديّ والشّهوديّ وما يتعلّق بهما من المعارف بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين. اعلم أرشدك الله تعالى أنّ منشأ التّوحيد الوجوديّ في جماعة كثرة ممارسته مراقبات التّوحيد وملاحظة معنى لا إله الّا الله بلا موجود الّا الله وتعقّله كذلك وظهور هذا القسم من التّوحيد بعد التّمحّل والتّأمّل والتّخيّل بواسطة استيلاء سلطان الخيال فإنّ من كثرة مزاولة معنى التّوحيد تنتقش هذه المعرفة في المتخيّلة وحيث كانت مجعولة بجعل الجاعل تكون معلومة البتّة وليس صاحب هذا التّوحيد من أرباب الأحوال فإنّ أرباب الأحوال أرباب القلوب ولا خبر له في ذلك الوقت عن مقام القلب بل هو علميّ لا غير بل للعلم درجات بعضها فوق بعض ومنشأ التّوحيد الوجوديّ في جماعة أخرى الإنجذاب والمحبّة القلبيّة حيث اشتغلوا ابتداء بالأذكار والمراقبات خالية عن تخيّل معنى التّوحيد وبلغوا بالجدّ والجهد أو بمجرّد سبق العناية مقام القلب وحصّلوا الجذب فإن ظهر لهم في هذا المقام جمال التّوحيد الوجوديّ فسببه ينبغي أن يكون غلبة محبّة المجذوب فإنّها جعلت ما سوى المحبوب مختفيا عن نظرهم ومستورا فإذا لم يروا ما سوى المحبوب ولم يجدوه فلا جرم لا يعلمون موجودا غير المحبوب وهذا القسم من التّوحيد من الأحوال ومنزّه ومبرّأ عن علّة التّخيّل وشائبة التّوهّم والإنتقاش في الخيال فإن رجعت هذه الجماعة الّذين هم من أرباب القلوب من ذلك المقام إلى العالم يشاهدون محبوبهم في كلّ ذرّة من ذرّات العالم ويرون الموجودات مرايا حسن المحبوب ومجالي جماله فإن توجّهوا بمحض فضل PageV01P436 الحقّ جلّ سلطانه من مقام القلب إلى جناب قدس مقلّب القلب تشرع هذه المعرفة التّوحيديّة الحاصلة في مقام القلب في الزّوال وكلّما صعدوا في معارج العروج يجدون انفسهم غير مناسب لتلك المعرفة حتّى تبلغ جماعة منهم حدّ الإنكار والطّعن في أرباب تلك المعرفة مثل شيخ ركن الدّين أبى المكارم علاء الدّولة السّمنانيّ ولا يبقى لبعض آخر شغل بنفي تلك المعرفة وإثباتها. وكاتب هذه السّطور يتحاشا من إنكار أرباب هذه المعرفة ويبعد نفسه عن طعنهم فإنّه إنّما يكون للإنكار والطّعن مجال إذا كان لأرباب ذلك الحال حين ظهوره قصد واختيار وهذا المعنى ظهر فيهم من غير إرادة وصنع منهم فهم مغلوبون لذلك الحال فيكونون معذورين البتّة ولا ردّ ولا طعن للمضطرّ المعذور ولكنّي أعلم أنّ فوق هذه المعرفة معرفة أخرى ووراء هذا الحال حالة أخرى والمحبوسون في هذا المقام ممنوعون عن كمالات كثيرة ومحرومون من مقامات عديدة وقد فتح لهذا الفقير قليل البضاعة باب هذه المعرفة من غير ممارسة معنى التّوحيد في ضمن المراقبات والأذكار بل من غير جدّ وجهد بفضل الحقّ سبحانه في ملازمة منبع الهداية والإفاضة ومعدن الحقائق والمعارف المستفاضة مؤيّد الدّين الرّضيّ شيخنا ومولانا محمّد الباقيّ قدّس الله تعالى سرّه الأقدس بعد تعليم الذّكر وتوجّهه والتفاته وإيصاله إلى مقام القلب وأعطيت في هذا المقام علوما غزيرة ومعارف كثيرة وانكشفت دقائق هذه المعارف وبقيت مدّة مديدة في هذا المقام ثمّ أخرجت آخر الأمر من مقام القلب بيمن عنايته لعبده وتوجّهت هذه المعارف في ضمن ذلك نحو الزّوال حتّى صارت بالتّدريج معدومة والمقصود من إظهار الأحوال ليعلم أنّ ما هو المسطور والمرقوم محرّر على وجه الذّوق والكشف لا على وجه الظّنّ والتّقليد وما ظهر من بعض أولياء الله تعالى من المعارف التّوحيديّة لعلّها ظهرت منهم في ابتداء أحوالهم من مقام القلب فلا يلحقهم حينئذ نقص من هذه الجهة أصلا وقد كتب هذا الفقير أيضا رسائل في المعارف التّوحيديّة ولمّا نشر بعض الأصحاب تلك الرّسائل تعسّر جمعها فتركت على حالها وإنّما يلزم النّقص إذا لم يجاوزوا هذا المقام. وطائفة أخرى من أرباب التّوحيد الّذين حصل لهم الإستهلاك والإضمحلال في مشهودهم على الوجه الأتمّ وجلّ همّتهم أن يكونوا مضمحلّين ومعدومين في مشهودهم دائما وأن لا يرى أثر من لوازم وجودهم ويرون رجوع أنا إلى أنفسهم كفرا. ونهاية الأمر عندهم الفناء والإنعدام حتّى يرون المشاهدة أيضا تعلّقا. قال بعضهم: أشتهي عدما لا أعود أبدا وهم قتلى المحبّة، وحديث «من قتلته محبّتي فأنا ديتهم " صادق في حقّهم ومتحقّق في شأنهم وهم تحت ثقل الوجود ليلا ونهارا لا يستريحون لمحة فإنّ الرّاحة في الغفلة ولا مجال للغفلة على تقدير دوام الإستهلاك. قال شيخ الإسلام الهرويّ: من أغفلني عن الحقّ سبحانه ساعة أرجو أن يغفر له جميع ذنوبه والغفلة لازمة للوجود البشريّة وجعل الحقّ سبحانه وتعالى ظاهر كلّ منهم من كمال كرمه مشغولا بأمور مستلزمة للغفلة على قدر استعداده ليخفّف عنهم أثقال PageV01P437 الوجود في الجملة: ألّف جماعة منهم السّماع والرّقص وجعل طائفة مشغولة بتصنيف الكتب وتحرير العلوم والمعارف وشغّل بعضهم بأمور مباحة كان الشّيخ عبد الله الاصطخريّ (1) يذهب إلى الصّحراء ومعه كلاب يصطاد بهنّ فسأل شخص واحد من الأعزّة عن سرّه فقال: ليتخلّص عن ثقل الوجود لحظة وروّح بعضهم بعلوم التّوحيد الوجوديّ وشهود الوحدة في الكثرة ليستريح من تلك الأثقال ساعة ومن هذا القبيل ما ظهر من بعض أكابر مشائخ النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم العليّة من المعارف التّوحيديّة فإنّ نسبتهم تجرّ إلى التّنزيه الصّرف لا تعلّق لها بالعالم وشهود العالم وما كتبه معدن الإرشاد ومنبع الحقائق والمعارف ناصر الدّين الخواجه عبيد الله أحرار من المعارف المناسبة بعلوم التّوحيد الوجوديّ، وشهود الوحدة في الكثرة من القسم الأخير من التّوحيد وكتاب الفقرات له مشتمل على بعض علوم التّوحيد وغيرها منشأ علوم ذلك الكتاب. والمقصود من تلك المعارف استيناسه وألفته بالعالم وكذلك معارف شيخنا المحرّرة في بعض الرّسائل على طبق كلام كتاب الفقرات وليس منشأ هذه العلوم التّوحيديّة الجذبة ولا غلبة المحبّة ولا نسبة لمشهودهم بالعالم وما يرى لهم في مرآة العالم إنّما هو شبه مشهودهم ومثاله لا مشهودهم الحقيقيّ كما أنّ شخصا إذا كان عاشقا لجمال الشّمس ومن كمال المحبّة أفنى نفسه في الشّمس بحيث لم يترك من نفسه اسما ولا رسما فإذا أريد تسليته وأنسه وألفته بما سوى الشّمس ليتنفّس من غلبة تشعشع أنوارها لمحة ويستريح منها لحظة يرى له الشّمس في مجالي هذا العالم ويحصل له بتلك العلاقة أنس وألفة بهذا العالم ويقال له أحيانا: إنّ هذا العالم عين الشّمس ولا موجود غيرها أصلا وأحيانا يرى له جمال الشّمس في مرآة ذرّات العالم. لا يقال: إنّ العالم إذا لم يكن عين الشّمس في نفس الأمر يكون الإخبار بأنّه عين الشّمس خلاف الواقع لأنّا نقول: إنّ لبعض أفراد العالم مع بعض آخر اشتراكا في بعض الامور وامتيازا في بعض آخر والحقّ سبحانه بكمال قدرته يخفي عن نظر هؤلاء الأكابر الامور الباعثة على الإمتياز بواسطة بعض الحكم والمصالح ويبقى الأجزاء المشتركة فقط مشهودة فيحكمون باتّحاد بعضها لبعض بالضّرورة فتجد الشّمس فيما نحن فيه بهذه العلاقة عين العالم وكذلك الحقّ سبحانه وإن لم يكن له مناسبة بالعالم في الحقيقة أصلا ولكنّ المشابهة الإسميّة قد تصير مصحّحة لهذا الإتّحاد فإنّ الحقّ سبحانه مثلا موجود والعالم أيضا موجود وإن لم يكن بين الوجودين في الحقيقة مناسبة أصلا وكذلك هو تعالى عالم وسميع وبصير وحيّ وقادر ومريد وبعض أفراد العالم أيضا متّصف بهذه الصّفات وإن كان صفات كلّ منهما مغايرة لصفات الآخر ولكن لمّا كانت خصوصيّة الوجود الإمكانيّ ونقائص المحدثات مستورة عن نظرهم ساغ لهم لو حكموا بالإتّحاد وهذا القسم الأخير من التّوحيد أعلى أقسام التّوحيد بل ليس أرباب هذه المعرفة في الحقيقة مغلوبي هذا الوارد ولم يكن الباعث على هذه المعرفة سكرهم بل اورد عليهم هذا الوارد لأجل مصلحة ما وأريد إخراجهم من PageV01P438 السّكر إلى الصّحو بسبب هذه المعرفة وتسليتهم بها كما تتسلّى جماعة بالسّماع والرّقص وطائفة بالإشتغال ببعض أمور مباحة. ينبغي أن يعلم أنّ هؤلاء المذكورين من هذه الطّوائف يشتغلون ببعض أمور مغايرة لمشهودهم ويتسلّون بها على ما عرفت بخلاف هؤلاء الأكابر فإنّهم لا يلتفتون إلى أمر مغاير لمشهودهم ولا يتسلّون به فلا جرم قد يرى لهم العالم عين مشهودهم أو يظهر لهم مشهودهم في مرآة العالم ليخفّ عنهم ذلك الثّقل ساعة ومنشأ هذا القسم الأخير من التّوحيد لم يكن معلوما لهذا الحقير بطريق الكشف والذّوق بل المعلوم هو الجهتان السّابقتان وهذا القسم ظنيّ ولهذا لم أكتب في كتبي ورسائلي الّا هاتين الجهتين بل الجهة الثّانية فقط وجعلت التّوحيد الوجوديّ منحصرا فيها ولكن لمّا وقع المرور ببلدة دهلي المحروسة بعد رحلة مرشدي وقبلتي بنيّة زيارة قبره الشّريف اتّفاقا وذهبت لزيارة قبره الشّريف يوم عيد ظهر في أثناء التّوجّه إلى مزاره المتبرّك من روحانيّته المقدّسة التفات تامّ ومنحنى من كمال الطافه وإشفاقه للغرباء نسبته الخاصّة المنسوبة إلى الخواجه أحرار قدّس سرّه ولمّا وجدت تلك النّسبة في نفس وجدت حقيقة تلك العلوم والمعارف بطريق الذّوق بالضّرورة وعلمت أنّ منشأ التّوحيد الوجوديّ فيهما ليس هو الإنجذاب القلبيّ وغلبة المحبّة بل المقصود من تلك المعرفة تخفيف تلك المحبّة ولم أر إظهار هذا المعنى مناسبا إلى مدّة مديدة ولكن لمّا كان ذلك الوجهان السّابقان مذكورين في بعض الرّسائل وقع من ذلك أناس قليلو الدّراية في توهّم أنّه يلزم من هذا البيان تنقيص هذين الشّيخين الجليلين بأنّ طريقهما طريق أرباب التّوحيد وأطالوا بهذا السّبب لسان الفتنة حتّى صار ذلك التّوهّم في بعض الطّلّاب القليلي الإخلاص واليقين باعثا على فتور أحوالهم فرأيت المصلحة في إظهار هذا القسم من التّوحيد بالضّرورة ورأيت المناسب ذكر تلك الواقعة للاستشهاد فحرّرتها لذلك. (نقل) درويش من مخلصي شيخنا عنه أنّه قال: إنّ النّاس يزعمون بأنّا نكتسب النّسبة من مطالعة كتب أرباب التّوحيد وليس كذلك بل المقصود أن نغفل أنفسنا ساعة وهذا الكلام مؤيّد للكلام السّابق. ونقل معدن الفضيلة الشّيخ عبد الحقّ الّذي هو من مخلصي شيخنا عنه أنّه قال قبيل أيّام رحلته: قد صار معلوما لنا بيقين يقين أنّ التّوحيد الوجوديّ سكّة ضعيفة والطّريق السّلطانيّ غيره وإن كنت أعلم ذلك قبل ذلك ولكنّ الآن قد ظهر هذا القسم من اليقين به ويفهم من هذا الكلام أيضا أنّه لم يكن لمشربه مناسبة بالتّوحيد الوجوديّ في آخر الأمر وإن كان قد ظهر مثل هذا التّوحيد في ابتداء الحال فليس ذلك بضائر بل قد ظهر مثل هذا التّوحيد لكثير من المشائخ في ابتداء أمرهم ثمّ انقلعوا عنه في الآخر. وأيضا إنّ بين طريق الخواجه النّقشبند وطريق الخواجه أحرار فرقا ومغايرة بعد الوصول إلى مقام الجذبة النّقشبنديّة PageV01P439 وكذلك بين علومهما ومعارفهما أيضا فرق وغالب توجّه الخواجه أحرار بعد ذلك إلى نسبة أجداده من طرف أمّه وكانوا كبراء بطنا بعد بطن. وهذا الفناء والإنعدام الّذي ذكر فيما سبق من لوازم نسبة هؤلاء الأكابر وهذا الفقير اختار لتربية الطّالبين طريق حضرة الخواجه النّقشبند لمصلحة أبناء هذا الوقت ورأيت المناسب ظهور علوم هذا الطّريق ومعارفه الّتي هي أكثر مناسبة بعلوم الشّريعة في مثل هذا الزّمان الفاسد الّذي ظهر فيه ضعف تامّ في أركان الشّريعة فعيّنت هذا الطّريق لإفادة الطّالبين فلو أراد الحقّ سبحانه ترويج الطّريقة الأحراريّة بواسطة هذا الحقير لنوّر العالم بأنوارها فإنّي قد اعطيت أنوار كلّ من هذين الشّيخين المعظّمين على وجه الكمال وكشف عن طريق تكميل كلّ منهما أنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، (شعر): مليك من عنايته ولطفه ... لأعطي للفقير العالمينا آخر: فإذا أتى باب العجوز خليفة ... إيّاك يا صاح ونتف سبالكا وقد أوردت بعض الأسرار الخفيّة بحكم (وأمّا بنعمة ربّك فحدّث) في معرض الظّهور نفع الحقّ سبحانه الطّالبين بها وإنّي وإن كنت أعلم أنّها لا تزيد المنكرين غير الإنكار ولكنّ المقصود إفادة الطّالبين والمنكرون خارجون عن المبحث ومبعدون عن مطمح النّظر (يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا) ولا يخفى على أرباب البصيرة أنّ اختيار طريق من الطّرق لإجل مصلحة لا يستلزم أفضليّة هذا الطّريق على طريق آخر ولا يلزم منه تنقيصه، (شعر): ويمكن غلق أبواب الحصون ... ولكن لا نجاة من الكلام (292) المكتوب الثّاني والتّسعون والمائتان إلى الشّيخ حميد البنكاليّ في بيان الآداب الضّروريّة للمريدين ودفع بعض الشّبه بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الّذي أدّبنا بالآداب النّبويّة وهذّبنا بالأخلاق المصطفويّة عليه وعلى آله أفضل الصّلاة والسّلام وأزكى التّحيّة (اعلم) أنّ سالكي هذا الطّريق لا يخلون عن أحد الحالين إمّا أن يكونوا مريدين وإمّا أن يكونوا مرادين فإنّ كانوا مرادين فطوبى لهم يوصل بهم إلى المطلب الأعلى من طريق الإنجذاب والمحبّة من غير اختيار ويعلمون كلّ أدب لازم بواسطة أو بلا واسطة فإن صدرت عنهم زلّة ينبّهون عليها سريعا ولا يؤاخذون بها فإن احتاجوا إلى شيخ ظاهر يهتدون إليه من غير سعي عنهم وبالجملة انّ العناية الأزليّة متكفّلة لجال هؤلاء الأكابر ولا بدّ من حصول أمرهم بسبب أو بلا سبب والله يجتبي إليه من يشاء. PageV01P440 وإن كانوا مريدين فأمرهم من غير شيخ كامل مكمّل عسير والشّيخ ينبغي أن يكون مشرّفا بدولة الجذبة والسّلوك ومستسعدا بسعادة الفناء والبقاء وأن يكون قد أتمّ السّير إلى الله والسّير في الله والسّير عن الله بالله والسّير في الأشياء بالله فإن كانت جذبته مقدّمة على سلوكه وتربّى بتربية المرادين فهو كبريت أحمر وكلامه دواء ونظره شفاء، إحياء القلوب الميّتة منوط بتوجّهه الشّريف وتزكية النّفوس العاتية مربوطة بالتفاته اللّطيف فإن لم يوجد صاحب دولة مثل ذلك فالسّالك المجذوب أيضا مغتنم يحصل منه تربية النّاقصين ويصلون بوساطته إلى دولة الفناء والبقاء، شعر: متى قسنا السّما بالعرش ينحطّ ... وما أعلاه إن قسنا بأرض فإن اهتدى الطّالب بعناية الحقّ جلّ سلطانه إلى مثل هذا الشّيخ الكامل المكمّل ووصل إليه ينبغي أن يغتنم وجوده وأن يفوّض نفسه إليه بالتّمام وأن يعتقد سعادته في مرضيّاته وشقاوته في خلاف مرضيّاته وبالجملة ينبغي أن يجعل هواه تابعا لرضاه وفي الخبر النّبويّ عليه الصّلاة والسّلام «لن يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تابعا لما جئت به " اعلم أنّ رعاية آداب الصّحبة ومراعاة شرائطها من ضروريّات هذا الطّريق حتّى يكون طريق الإفادة والإستفادة مفتوحا وبدونها لا نتيجة للصّحبة ولا ثمرة للمجالسة ولنورد بعض الآداب والشّرائط الضّروريّة في معرض البيان ينبغي استماعها بسمع العقل (اعلم) أنّه ينبغي للطّالب أن يعرض بقلبه عن جميع الجهات وأن يتوجّه به إلى شيخه وأن لا يشتغل بالنّوافل والأذكار مع وجود الشّيخ بلا إذنه ولا يلتفت في حضوره إلى غيره بل يجلس لديه متوجّها بكلّيّته إليه حتّى لا يشتغل عنده بالذّكر أيضا الّا أن يأمره به ولا يصلّي في حضوره غير الفرائض والسّنن. ونقل عن سلطان هذا الوقت أنّ وزيره كان قائما عنده فالتفت الوزير في ذلك الوقت اتّفاقا إلى ثوبه وأصلح أزراره بيده فوقع نظر السّلطان عليه في هذا الحال فرآه متوجّها إلى غيره فقال له بلسان العتاب: أنا لا أقدر أن أهضم هذا الفعل تكون وزيري وتلتفت في حضوري إلى غيري وتشتغل بإصلاح أزرار ثوبك فينبغي التّأمّل إذا كانت رعاية الآداب الدّقيقة لازمة في وسائل الدّنيا الدّنيّة تكون رعاية الآداب لازمة على الوجه الأتمّ في وسائل الوصول إلى الله ومهما أمكن لا يقوم في محلّ يقع ظلّه على ثوب شيخه أو على ظلّه ولا يضع رحله في مصلّاه ولا يتوضّأ في متوضّاه ولا يستعمل ظروفه الخاصّة به ولا يشرب ماء ولا يأكل طعاما ولا يكلّم أحدا في حضوره بل لا يكون متوجّها إلى أحد ولا يمدّ رجله عند غيبة شيخه إلى جانب هو فيه ولا يرمى بزاقه إلى ذلك الجانب وكلّ شيء يصدر عن شيخه يعتقده صوابا وإن لم ير صوابا في الظّاهر فإنّه يفعل ما يفعله بطريق الإلهام والإذن فلا يكون للاعتراض مجال على هذا التّقدير وإن تطرّق الخطأ إلى إلهامه في بعض الصّور فإنّ الخطأ الإلهاميّ كالخطأ الاجتهاديّ لا يجوز فيه PageV01P441 الملامة والإعتراض وأيضا إنّ المريد لا بدّ من أن يحصل له محبّة الشّيخ وكلّ ما يصدر عن المحبوب يكون محبوبا في نظر المحبّ فلا يكون للاعتراض مجال وليقتد بشيخه في الكلّيّ والجزئيّ سواء كان في الأكل والشّرب أو اللّبس أو النّوم أو الطّاعة وينبغي أن يصلّي الصّلاة على طرز صلاته وأن يأخذ الفقه من عمله، شعر: من كان في قصره الحسناء قد فرغا ... من التّنزّه في البستان والمرج ولا يترك في نفسه مجالا للاعتراض على حركاته وسكناته أصلا وإن كان الإعتراض مقدار حبّة خردلة فإنّه لا نتيجة للاعتراض غير الحرمان وأشقى جميع الخلائق وأبعدهم عن السّعادة الّذين يرون عيوب هذه الطّائفة نجّانا الله سبحانه من هذا البلاء العظيم ولا يطلب من شيخه الكرامات وخوارق العادات وإن كان هذا الطّلب بطريق الخواطر والوساوس فهل سمعت قطّ أنّ مؤمنا طلب من نبيّه معجزة وإنّما طلبها الكفّار وأهل الإنكار، (شعر): المعجزات مفيدة قهر العدا ... ونتيجة التّقليد ذاك الإقتدا ما المعجزات مفيدة الإيمان بل ... قد يجذب التّقليد نحو الإهتدا فإن عرضت لخاطره شبهة يعرضها على شيخه من غير توقّف فإن لم تنحلّ فلير التّقصير من نفسه ولا يجوّز عود منقصة أصلا إلى جانب شيخه فإن وقعت عليها واقعة لا يكتمها عن شيخه ويطلب تعبير الوقائع منه ويعرض عليه أيضا ما انكشف له من التّعبير ويطلب منه تمييز صوابه عن خطئه ولا يعتمد على كشوفه أصلا فإنّ الحقّ ممتزج بالباطل في هذه الدّار والصّواب مختلط بالخطأ ولا يفارقه بلا ضرورة ولا إذن منه فإنّ اختيار الغير وتفضيله عليه مناف للإرادة ولا يرفع صوته فوق صوته ولا يتكلّم معه برفع صوته فإنّه سوء أدب وكلّ فيض وفتوح يرد عليه فليعتقد أنّه بواسطة شيخه فإن رأى في الواقعة أنّ الفيض يرد عليه من مشائخ أخر فليره أيضا من شيخه وليعلم أنّ الشّيخ لمّا كان جامعا للكمالات والفيوضات وصل إليه منه فيض خاصّ مناسب لإستعداده الخاصّ الملائم لكمال شيخ من الشّيوخ أعني الّذي ظهرت منه صورة الإفاضة وإنّ لطيفة من لطائف شيخه لها مناسبة بذلك الفيض ظهرت في صورة ذلك الشّيخ فتخيّل المريد تلك اللّطيفة بواسطة الإبتلاء شيخا وظنّ أنّ الفيض منه وهذه مغلطة عظيمة حفظنا الله من زلّة الأقدام ورزقنا الإستقامة على اعتقاد الشّيخ ومحبّته بحرمة سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وبالجملة الطّريق كلّه آداب مثل مشهور لا يصل العاري عن الآداب إلى الله تعالى فإن رأى المريد نفسه مقصّرا في رعاية بعض الآداب ولم يبلغ حدّ أدائها كما ينبغي ولم يقدر أن يخرج عن عهدتها بالسّعي فهو معفوّ عنه ولكن لا بدّ من الإعتراف بالتّقصير فإن لم يراع الآداب عياذا بالله سبحانه ولم ير نفسه مقصّرا فهو محروم من بركات هؤلاء الأكابر، PageV01P442 (شعر): من لم يكن نحو السّعادة مقبلا ... فشهوده وجه النّبيّ لا ينفعه نعم إذا وصل المريد ببركة توجّه الشّيخ وهمّته إلى مرتبة الفناء والبقاء وظهر له طريق الإلهام والفراسة وسلّم له الشّيخ ذلك وصدّقه وشهد له بالكمال والإكمال فحينئذ يسوغ لمثل هذا المريد أن يخالف شيخه في بعض الامور الإلهاميّة وأن يعمل بمقتضى إلهامه وإن تحقّق عند الشّيخ خلافه فإنّ المريد قد خرج حينئذ عن ربقة التّقليد والتّقليد خطأ في حقّه ألا ترى أنّ الأصحاب الكرام خالفوا رأي النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الامور الإجتهاديّة والأحكام الغير المنزّلة وظهر الصّواب في بعض الأوقات في جانب الأصحاب كما لا يخفى على أرباب العلم أولي الألباب فعلم أنّ مخالفة الشّيخ بعد الوصول إلى مرتبة الكمال والإكمال مجوّز وعن سوء الأدب مبرّأ بل الأدب هنا هو هذه المخالفة والّا فأصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كانوا مؤدّبين بكمال الأدب لم يفعلوا شيئا بلا تقليد وتقليد أبي يوسف أبا حنيفة رحمهما الله تعالى بعد بلوغه مرتبة الإجتهاد خطأ والصّواب إنّما هو متابعة رأيه لا رأى أبي حنيفة وقد اشتهر عن الإمام أبي يوسف رحمه الله أنّه قال: نازعت أبا حنيفة في مسألة خلق القرآن ستّة أشهر. ولعلّك سمعت أنّ تكميل الصّناعة بتلاحق الأفكار فإنّها لو بقيت على فكر واحد لما حصلت فيها الزّيادة ألا ترى أنّ النّحو الّذي كان في زمن سيبويه حصل له اليوم باختلاف الآراء وتلاحق الأفكار والأنظار زيادة مائة أمثاله وبلغ نهاية كماله ولكن لمّا كان هو واضع بنائه ومؤسّس أساسه كان الفضل له الفضل لمتقدّمين ولكنّ الكمال لهؤلاء المتأخّرين " مثل أمّتي مثل المطر لا يدرى أوّله خير أم آخره " حديث نبويّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. تنبيه: لرفع شبهة بعض المريدين اعلم أنّهم قالوا: الشّيخ يحيي ويميت، الإحياء والإماتة من لوازم مقام المشيخة والمراد بالإحياء الإحياء الرّوحيّ لا الجسميّ وكذلك المراد بالإماتة الرّوحيّة لا الجسميّة والمراد بالحياة والموت الفناء والبقاء اللّذان يوصلان إلى مقام الولاية والكمال، والشّيخ المقتدى به متكفّل بهذين الأمرين بإذن الله سبحانه فلا بدّ إذا للشّيخ من هذين فمعنى يحيي ويميت يبقى ويفنى ولا دخل للإحياء والإماتة في مقام المشيخة، وحكم الشّيخ المقتدى به كحكم كهرباء كلّ من له مناسبة به يعدو من ورائه وينجذب إليه كالحشيش بالنّسبة إلى كهرباء وينال منه نصيبه مستوفى وليست الكرامات وخوارق العادات لجذب المريدين فإنّ المريدين يتجذّبون إليه بالمناسبة المعنويّة. وأمّا الّذين لا مناسبة لهم بهؤلاء الأكابر فهم محرومون من نعم كمالاتهم وإن شاهدوا ألوفا من كراماتهم ينبغي أن يستشهد لهذا المعنى بأبي جهل وأبي لهب. قال الله سبحانه في حقّ الكفّار: وإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ (1) يقول الّذين كفروا إن هذا الّا أساطير الأوّلين. والسّلام. PageV01P443 (293) المكتوب الثّالث والتّسعون والمائتان إلى الشّيخ محمّد ال?تريّ في جواب سؤاله عن قوله عليه الصّلاة والسّلام: «لي مع الله وقت» وقاله أبو ذرّ الغفاريّ أيضا وعن قول الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ قدّس سرّه: «قدمي هذه على رقبة كلّ وليّ» وقاله غيره أيضا: وهل المراد بكلّ وليّ أولياء عصره أو مطلقا وما يناسبه الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد صرت مبتهجا ومسرورا بورود الصّحيفة الشّريفة الّتي أرسلتها يا لها من نعمة يذكر أولياء الله تعالى المنقطعين المهجورين وقد اندرج فيها أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال " لي مع الله وقت " وقال أبو ذرّ الغفاريّ رضي الله عنه أيضا مثل ذلك وقال الشّيخ محيي الدّين عبد القادر الجيلانيّ قدّس سرّه: قدمي هذه على رقبة كلّ وليّ، وقال آخر مثل ذلك وقد تكون في هذين الكلامين منازعة في بعض الأحيان فنرجو من عنايتكم كتابة ما انطوى في هذين الكلامين من المعنى والفرق بينهما وارساله إلينا ولتكن الكتابة بالتّوجّه التّامّ مشتملة ما لها وما عليها من الكلام وواضحة لتكون قريبة من فهم هذا الغريب. أيّها المخدوم: إنّ هذا الفقير قد كتب في رسائله أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان له وقت نادر مع وجود استمرار الوقت وأنّ ذلك الوقت النّادر كان في حين أداء الصّلاة ولعلّك سمعت: الصّلاة معراج المؤمن وأرحني يا بلال، شاهد عدل في إثبات هذا المطلب ويمكن أن يكون أبو ذرّ الغفاريّ أيضا مشرّفا بهذه الدّولة بطريق الوراثة والتّبعيّة فإنّ لكمّل تابعيه عليه الصّلاة والسّلام نصيبا وافرا وحظّا كاملا من جميع كمالاته صلّى الله عليه وسلّم بطريق الوراثة. وأمّا ما قال حضرة الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ قدّس سرّه: قدمي هذه على رقبة كلّ وليّ الله أو جميع الأولياء فقد جعل صاحب العوارف الّذي هو مريد الشّيخ أبي النّجيب السّهرورديّ ومربّاه وكان من محارم الشّيخ عبد القادر ومصاحبيه هذه الكلمة من الكلمات الّتي صدرت عن المشائخ في بداية الأحوال بواسطة بقايا السّكر، ونقل في النّفحات عن الشّيخ حمّاد الّذي هو من شيوخ حضرة الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ أنّه قال بطريق الفراسة: إنّ لهذا العجميّ قدما تكون في وقته على رقبة جميع الأولياء وبكون مأمورا ألبتّة بأن يقول: قدمي هذه على رقبة كلّ وليّ الله ويقول ذلك البتّة ويضع الأولياء جميعهم رقابهم يعني تواضعا وتخضّعا وعلى كلّ حال أنّ حضرة الشّيخ محقّ في هذا الكلام سواء صدر عنه من بقايا السّكر أو حالة الصّحو وسواء كان مأمورا بإظهاره أو لا فإنّ قدمه كانت على رقاب جميع الأولياء في ذلك الوقت وكان أولياء ذلك الوقت جميعهم تحت قدمه ولكن ينبغي أن يعلم أنّ هذا الحكم مخصوص بأولياء ذلك الوقت دون الأولياء المتقدّمين عليه والمتأخّرين عنه فإنّهم خارجون عن هذا الحكم كما يفهم من كلام الشّيخ حمّاد أنّ قدمه تكون في وقته على رقبة جميع PageV01P444 الأولياء وأيضا انّه كان في بغداد غوث فذهب الشّيخ عبد القادر وابن السّقا وعبد الله (1) لزيارته فقال ذلك الغوث بطريق الفراسة في حقّ الشّيخ: كأنّي أراك تصعد المنبر في بغداد وتقول: قدمي هذه على رقبة كلّ وليّ الله وأرى أولياء وقتك يضعون رقابهم ويخفضونها إجلالا لك وإكراما. ويفهم من كلام هذا الغوث أيضا أنّ هذا الحكم كان مخصوصا بأولياء ذلك الوقت فإذا أعطي الحقّ سبحانه في هذا الوقت أيضا شخصا بصرا بصيرا يرى مثل ما رأى ذلك الغوث أنّ رقاب أولياء ذلك الوقت تحت قدمه وأنّ هذا الحكم لا يتجاوز إلى غير أولياء ذلك الوقت وكيف يجوز هذا الحكم في الأولياء المتقدّمين فإنّ فيهم الأصحاب الكرام عليهم الرّضوان وهم أفضل من حضرة الشّيخ بيقين وكيف يتمشّى أيضا في المتأخّرين فإنّ فيهم المهديّ الّذي بشّر النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام بقدومه ووجوده وقال إنّه خليفة الله وكذلك عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام الّذي هو من الأنبياء أولي العزم من السّابقين وملحق بأصحاب خاتم الرّسل بمتابعة شريعته عليه الصّلاة والسّلام ولعلّ وجه ما قاله النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " لا يدرى أوّلهم خير أم آخرهم " هو جلالة شأن متأخّري هذه الامّة. وبالجملة: انّ لحضرة الشّيخ عبد القادر في الولاية شأنا عظيما ودرجة عليا أوصل الولاية الخاصّة المحمّديّة من طريق السّرّ إلى النّقطة الأخيرة وصار رأس حلقة تلك الدّائرة. لا يتوهّم هنا أنّ الشّيخ إذا كان رأس حلقة دائرة الولاية المحمّديّة ينبغي أن يكون أفضل من جميع الأولياء فإنّ الولاية المحمّديّة فوق جميع ولايات الأنبياء على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام لأنّا نقول: إنّه رأس حلقة الولاية المحمّديّة الحاصلة من طريق السّرّ كما مرّ لا رأس حلقة تلك الولاية مطلقا حتّى يلزم الأفضليّة أو نقول: إنّ كون رأس حلقة الولاية المحمّديّة مطلقا ليس بمستلزم للأفضليّة لأنّه يمكن أن يكون غيره أسبق قدما منه في كمالات النّبوّة المحمّديّة بطريق التّبعيّة والوراثة فتثبت الأفضليّة له من جهة تلك الكمالات وفي جماعة من مريدي حضرة الشّيخ عبد القادر غلوّ كثير في حقّه وتجاوز إلى جانب الإفراط في المحبّة مثل محبّي عليّ كرّم الله وجهه المفرطين فيه، ويفهم من فحوى كلام هؤلاء الجماعة وكلماتهم أنّهم يعتقدون الشّيخ أفضل من جميع الأولياء المتقدّمين والمتأخّرين ولا يعلم أنّهم يفضّلون عليه أحدا غير الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وهذا من إفراط المحبّة. فإن قيل: إنّ الكرامات وخوارق العادات الّتي ظهرت من حضرة الشّيخ لم تظهر من وليّ أصلا فيكون الفضل له؟ قلت: إنّ كثرة ظهور الخوارق لا دلالة فيها على الأفضليّة بل يمكن أن يكون الّذي لم يظهر منه خارق أصلا أفضل من الّذي ظهرت منه خوارق وكرامات قال شيخ الشّيوخ في العوارف بعد ذكر الكرامات وخوارق المشائخ للعادات: وكلّ هذه مواهب الله تعالى وقد يكاشف بها قوم ويعطي وقد PageV01P445 يكون فوق هؤلاء من لا يكون له شيء من هذا؛ لأنّ هذه كلّها تقوية اليقين ومن منح صرف اليقين لا حاجة له إلى شيء من هذا فكلّ هذه الكرامات دون ما ذكرناه من تجوهر الذّكر في القلب وجعل كثرة ظهور الخوارق دليلا على الأفضليّة كجعل كثرة فضائل عليّ كرّم الله وجهه ومناقبه دليلا على أفضليّته على الصّدّيق رضي الله عنه فإنّه لم يظهر منه هذا القدر من الفضائل والمناقب. اسمع أيّها الأخ: أنّ خوارق العادات على نوعين، النّوع الأوّل: العلوم والمعارف الإلهيّة الّتي تتعلّق بذات الواجب جلّ وعلا وصفاته وأفعاله وراء طور نظر العقل وخلاف المتعارف المعتاد وجعل الحقّ سبحانه عباده الخاصّة ممتازين بها والنّوع الثّاني: كشف صور المخلوقات والأخبار عن المغيّبات الّتي تتعلّق بالعالم والنّوع الأوّل مخصوص بأهل الحقّ وأرباب المعرفة والنّوع الثّاني شامل للمحقّ والمبطل فإنّه حاصل لأهل الإستدراج أيضا والنّوع الأوّل له شرافة واعتبار عند الحقّ جلّ وعلا لكونه مخصوصا بأوليائه وعدم مشاركة أعدائه فيه. والنّوع الثّاني معتبر عند عوامّ الخلائق ومعزّز ومكرّم عند أنظارهم حتّى لو ظهر ذلك من أهل الإستدراج يكادون يعبدونه من جهلهم ويطيعونه وينقادون له فيما يأمرهم به من رطب ويابس وينهاهم بل المحجوبون لا يعدّون النّوع الأوّل من الخوارق. والكرامات والخوارق منحصرة عندهم في النّوع الثّاني والكرامات مخصوصة عندهم بكشف صور المخلوقات والأخبار عن المغيّبات ما أبعدهم عن العقل أيّ شرافة وأيّ كرامة في علم يتعلّق بأحوال المخلوقات حاضرة كانت أو غائبة بل الأليق والأنسب أن يبدّل مثل هذا العلم جهلا ليحصل نسيان المخلوقات وأحوالها. واللّائق بالشّرافة والكرامة هو معرفة الحقّ تعالى وتقدّس وهي المستحقّة للإعزاز والإحترام، (شعر) ومليحة مهجورة ودميمة ... مقبولة من أجل ذا عقلي عطل (غيره) وربّ مليح لا يحبّ وضدّه ... يقبّل منه العين والخدّ والفم وقريب ممّا ذكرنا ما قال شيخ الإسلام الهرويّ والإمام الأنصاريّ في منازل السّائرين وشارحه والّذي ثبت عندي بالتّجربة أنّ فراسة أهل المعرفة إنّما هي في تميّزهم من يصلح لحضرة الله جلّ وعلا ممّن لا يصلح ويعرفون أهل الإستعداد الّذين اشتغلوا بالله سبحانه ووصلوا إلى حضرة الجمع وهذه فراسة أهل المعرفة وأمّا فراسة أهل الرّياضة بالجوع والخلوة وتصفية الباطن من غير وصلة إلى جانب الحقّ تعالى فلهم فراسة كشف الصّور والإخبار بالمغيّبات المختصّة بالخلق فإنّهم لا يخبرون الّا عن الخلق لأنّهم محجوبون عن الحقّ سبحانه. وأمّا أهل المعرفة فلإشتغالهم بما يرد عليهم من معارف الحقّ تعالى لا يكون إخبارهم الّا عن الحقّ تعالى ولمّا كان العالم أكثرهم أهل انقطاع عن الله سبحانه واشتغال بالدّنيا مالت قلوبهم إلى أهل كشف PageV01P446 الصّور والإخبار عمّا غاب من أحوال المخلوقات فعظّموهم واعتقدوا أنّهم أهل الله وخاصّته وأعرضوا عن كشف أهل الحقيقة واتّهموهم فيما يخبرون عن الله سبحانه وقالوا: لو كان هؤلاء أهل الحقّ كما يزعمون لأخبرونا عن أحوالنا وأحوال المخلوقات وإذا كانوا لا يقدرون على كشف أحوال المخلوقات فكيف يقدرون على كشف أمور أعلى من هذه وكذّبوهم بهذا القياس الفاسد وعميت عليهم الأنباء الصّحيحة ولم يعلموا أنّ الله تعالى قد حمى هؤلاء عن ملاحظة الخلق وخصّهم وشغلهم عمّا سواه حماية لهم وغيرة عليهم ولو كانوا ممّن يتعرّض لأحوال الخلق ما صلحوا للحقّ سبحانه وقد رأينا أهل الحقّ إذا التفتوا أدنى التفات إلى كشف الصّور أدركوا منها ما لا يقدر غيرهم على إدراكه بالفراسة الّتي يثبتها أهل المعرفة وهي الفراسة فيما يتعلّق بالحقّ سبحانه وما يقرب منه وأمّا فراسة أهل الصّفاء الخارجين المتعلّقين بالخلق فلا يتعلّق بجناب الحقّ سبحانه ولا ما يقرب منه ويشترك المسلمون والنّصارى واليهود وسائر الطّوائف فيها لأنّها ليست شريفة عند الله سبحانه فيختصّ بها أهله. (294) المكتوب الرّابع والتّسعون والمائتان إلى المخدوم جامع العلوم الظّاهريّة والأسرار الباطنيّة مجد الدّين الخواجه محمّد معصوم سلّمه الله تعالى في بيان ما يتعلّق بصفات الحقّ سبحانه الثّمان وفي تحقيق مبادي تعيّنات الأنبياء عليهم السّلام ومبادي تعيّنات سائر الخلائق وما يتعلّق بذلك وفي الفرق بين تجلّيات الأنبياء والأولياء وشهودهم وتحقيق الوصل العريان لكمّل الأتباع مع وجود وساطة الأنبياء عليهم السّلام وفي تحقيق ألفاظ المحو والإضمحلال الواقعة في عبارة المشائخ قدّس الله أسرارهم وما يناسب ذلك اعلم أنّ صفات واجب الوجود تعالى وتقدّس الثّمان الحقيقيّة الّتي أوّلها الحياة وآخرها التّكوين على ثلاثة أقسام قسم تعلّقه بالعالم أغلب وإضافته إلى الخلق أكثر كالتّكوين ومن ههنا أنكر جماعة من أهل السّنّة والجماعة وجودها وقالوا: إنّها من الصّفات الإضافيّة والحقّ أنّها من الصّفات الحقيقيّة الغالبة عليها الإضافة، وقسم آخر ما فيه الإضافة ولكنّها أقلّ بالنّسبة إلى القسم السّابق كالعلم والقدرة والإرادة والسّمع والبصر والكلام. والقسم الثّالث هو أعلى الأقسام الثّلاثة لا تعلّق له بالعالم بوجوه من الوجوه وليس فيه رائحة من الإضافة كالحياة وهذه الصّفة أجمع الصّفات وأصل الكلّ وأسبقها وأقرب إليها صفة العلم الّتي هي مبدأ تعيّن خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وبقيّة الصّفات مبادي تعيّنات خلائق أخر ولمّا كان لكلّ صفة باعتبار تعلّقات متعدّدة جزئيّات فإنّ التّكوين مثلا له باعتبار تعلّقات شتّى جزئيّات وهي التّخليق والتّرزيق والإحياء والإماتة كانت تلك الجزئيّات مثل كلّيّاتها مبادئّ تعيّنات الخلائق وكلّ من كان مبدأ تعيّنه كلّيّا تكون أرباب تعيّنات مباديها جزئيّات ذلك الكلّي اتّباعا لذلك الشّخص PageV01P447 ومعاشرين تحت قدمه ومن ههنا تسمعهم يقولون: إنّ فلانا تحت قدم محمّد وفلانا تحت قدم موسى وفلانا تحت قدم عيسى عليهم الصّلاة والسّلام فإذا حصل لتلك الجزئيّات ترقّ بطريق السّلوك تكون ملحقة بكلّيّاتها ويكون شهود الجزئيّات شهود الكلّيّات ويكون الفرق بالأصالة والتّبعيّة والإمتياز بوجود التّوسّط وعدمه فإنّ ما يجده التّابع ويراه لا يمكن أن يكون بدون توسّط الأصل وربّما لا يعلم التّابع من قصوره الأصل متوسّطا ولكنّ الأصل حائل في الحقيقة بين التّابع ومشهوده لا أنّه حائل مانع عن الشّهود بل هو باعث على الشّهود كالمنظر الصّافي ولا يجوز أن يترقّى جزئيّات كلّيّ إلى غيره بأن تخرج منه وتدخل تحت كلّيّ آخر ويكون مشهودها مشهود ذلك الكلّيّ الآخر مثل أن ينتقل الّذين كانوا تحت قدم موسى مثلا إلى تحت قدم عيسى ولكن يمكن أن يدخلوا تحت قدم محمّد بل هم تحت قدمه صلّى الله عليه وسلّم دائما. فإنّ ربّ محمّد ربّ الأرباب وأصل جميع تلك الكلّيّات فيكون بالنّسبة على تلك الجزئيّات أصل الأصل وكأنّ هذا التّرقّي إلى أصل الأصل لا إلى أصل مباين لأصلها. والفرق حينئذ بين الجزئيّات وبين كلّيّاتها هو أنّ للجزئيّ حائلين أحدهما أصله الّذي هو كلّيّ له وثانيهما أصل الأصل والكلّيّ الّذي هو أصل ذلك الجزئيّ حجابه أصل الأصل فقط فعلم من هذا أنّ شهود محمّد رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم بلا حجاب التّعيّنات وشهود غيره في حجب التّعيّنات ولا أقلّ من أن يكون في حجاب التّعيّن المحمّديّ ومن ههنا قالوا: إنّ تجلّي الذّات من خاصّة محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتجلّي غيره في حجب الصّفات ولا أقلّ من أن يكون في حجاب ربّ الأرباب فإنّ ربّ محمّد فوق جميع الأسماء والصّفات سوى صفة الحياة. فإن قيل: يلزم على هذا البيان أنّ شهود سائر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام في حجاب مبدأ التّعيّن المحمّديّ الّذي هو ربّه وشهود أولياء أمّته الّذين هم تحت قدمه صلّى الله عليه وسلّم بالأصالة أيضا في حجاب ربّ الأرباب كشهود سائر الأنبياء فما الفرق بين شهود سائر الأنبياء وبين شهود أولياء أمّته عليه الصّلاة والسّلام؟ قلت: إنّ للأنبياء عليهم السّلام شهودا آخر غير هذا الشّهود الّذي هو في حجاب الحقيقة المحمّديّة حصل لهم ذلك الشّهود من طريق مبادي تعيّناتهم يشاهدون منه غيب الغيب بالأصالة واضعين مناظرهم المخصوصة بهم على أبصار بصائرهم. ينبغي أن يعلم أنّ حصول هذين الشّهودين ليس هو بمعنى أنّهما يتحقّقان معا بل بمعنى أنّ التّرقّي إذا بلغ أصل الأصل فشهوده في حجاب الحقيقة المحمّديّة كعيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام حيث أنّه يشرّف بهذه الدّولة بعد نزوله وهذا التّرقّي متعسّر جدّا بل قريب من الإستحالة لا بدّ من الفضل العظيم من طرف الله تعالى وفي عالم الأسباب لا بدّ من شفقة الشّيخ المحمّديّ المشرب فإن لم يترقّ من أصله ولم ينفكّ من حقيقته ولم يصل إلى حقيقة الحقائق فشهوده إنّما هو في حقيقته المخصوصة به. PageV01P448 اعلم وتنبّه كما أنّ إلى حضرة ذات الحقّ تعالى وتقدّس طريقا من حقيقة الحقائق يوصل منه إليه تعالى بعد منازل كثيرة كذلك من سائر الحقائق الكلّيّات أيضا طريق إليها يحصل الوصول منه إليه تعالى وتقدّس بعد طيّ مراحل متكثّرة. (غاية ما في الباب) أنّ في طريق حقيقة الحقائق الوصل العريان وفي سائر الطّرق وإن تيسّر وصل الذّات ولكنّ الحجاب الرّقيق كالغلالة من منتهى أصول حقيقة الحقائق العالية الّتي هي الحقيقة المحمّديّة حائل في البين وهو وإن لم يكن حاجزا حصينا ومانعا متينا ولكن صارت حاجزيّته مانعة عن إطلاق التّجلّي الذّاتيّ والّا فلسائر الأنبياء عليهم السّلام أيضا نصيب من الذّات تعالت وتقدّست بالأصالة ولكمّل أممهم أيضا بتبعيّتهم. فإن قيل: إذا كانت صفة الحياة فوق صفة العلم كان تعيّن صفة الحياة في طريق حقيقة الحقائق أيضا حائلا فكيف يكون فيه الوصل العريان وكيف يكون فيه التّجلّي الذّاتيّ؟ أجيب: أنّ ذلك التّعيّن كلا تعيّن؛ لأنّه يصير ممحوّا ومتلاشيا في المرتبة الفوقانيّة ولا يبقى له اعتبار في مرتبة الذّات أصلا وسائر الصّفات وإن لم يكن لها أيضا اعتبار في مرتبة الذّات ولكنّها قبل وصولها إلى مرتبة الذّات تتلاشى بنوع ما بخلاف صفة الحياة فإنّها تصل إلى مرتبة الذّات ثمّ تتلاشى فيها ولهذا كان تعيّن الحقيقة المحمّديّة وسائر تعيّنات الخلائق دائما وصار زوالها في مرتبة من المراتب محالا (نعم) إنّ الوصول إلى شيء غير الإضمحلال فيه وما وقع في عبارة بعض المشائخ قدّس الله أسرارهم من لفظ المحو والإضمحلال فالمراد به المحو النّظريّ لا المحو العينيّ، يعني يرتفع تعيّن السّالك عن نظره لا أنّه يصير ممحوّا في نفس الأمر فإنّه إلحاد وزندقة، وحمل بعض ناقصي أرباب هذا الطّريق هذه الألفاظ الموهمة على المحو والإضمحلال العينيّ ووصلوا به إلى الزّندقة وأنكروا الثّواب والعذاب الاخرويّين وتخيّلوا أنّهم يعودون من الكثرة إلى الوحدة مرّة أخرى كما وردوا من الوحدة إلى الكثرة أوّل مرّة وزعموا أنّ تلك الكثرة تصير مضمحلّة في الوحدة وخال بعض هؤلاء الزّنادقة ذلك الإنمحاء والإضمحلال قيامة كبرى وأنكر الحشر والنّشر والحساب والصّراط والميزان ضلّوا فأضلّوا كثيرا من النّاس ورأيت شخصا من هؤلاء الجماعة يستشهد لمطلبه بشعر مولانا عبد الرّحمن الجاميّ قدّس سرّه هذا، (شعر) جامى معاد ومبدأ ما وحد تست وبس ... ما در ميانه كثيرة موهوم والسلام (ترجمة) ما مبدأ ولا معاد ... صاح الّا وحدة ما نحن في ذا البين الّا ... كثرة موهومة * ولم يعلموا أنّ مراد مولانا الجاميّ بهذا البيت العود والرّجوع إلى الوحدة باعتبار النّظر والشّهود يعني لا يبقى المشهود غير الذّات الأحد وتختفي الكثرة عن النّظر بالتّمام لا الرّجوع العينيّ والعود الوجوديّ ولعلّ بهم عمى أما يرون أنّه لم يزل العجز والنّقص والإحتياج عن كامل أصلا فما يكون معنى PageV01P449 الرّجوع الوجوديّ إلى الوحدة فإن تخيّلوا أنّ هذا الرّجوع إنّما يكون بعد الموت فهم كفّار وزنادقة حيث ينكرون العذاب الاخرويّ ويبطلون دعوة الأنبياء عليهم السّلام. (فإن قيل) أنت قد كتبت في بعض رسائلك أنّ فناء الأخفى مخصوص بالولاية المحمّديّة فما معنى هذا الكلام؟ (أجيب) قد علم من التّحقيق السّابق أنّ الوصل العريان مخصوص بالولاية المحمّديّة وأنّ ما سواها وإن ارتفعت فيها الحجب ولكن لا بدّ من حيلولة حجاب رقيق كالغلالة حاصل من توسّط الحقيقة المحمّديّة كما مرّ فالأخفى الّذي هو نهاية المراتب الإنسانيّة في العلوّ تبقى منه بقيّة على قدر تلك الحيلولة فلا يجوز إطلاق الفناء المطلق فيه بملاحظة تلك البقيّة ومن الّذي يجد بقاء تلك البقيّة غير المحمّديّ المشرب بل إن حصلت حدّة النّظر هذه لواحد من ألوف من المحمّديّ المشرب فهو أيضا مغتنم فإنّ مشائخ الطبقات تكلّم أكثرهم إلى الرّوح والسّرّ لا يدرى هل تكلّم أحد عن الخفيّ أو لا فكيف عن الأخفى والّذي خاض في بحر الأخفى وأدرك كلّ ذرّة من ذرّاته واطّلع عليها فهو كبريت أحمر ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1). فإن قيل: إنّ اعتقادك هو أنّ كلّما يحصل للنّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام من الكمالات يكون منها نصيب لكمّل أتباعه أيضا بطريق التّبعيّة فيلزم منه أن يكون من الوصل العريان نصيب لهم أيضا والحال أنّ النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام حائل في البين. أجيب: انّ حيلولة النّبيّ لا تضرّ في الوصل العريان فإنّ ذلك الوصل بالتّبعيّة لا بالأصالة فالحيلولة تكون مؤكّدة للتّبعيّة لا منافية لها فإنّ معنى التّبعيّة تحقّق المتوسّط لا ارتفاعه فإنّه مناسب للأصالة فتثبت الحيلولة ويحصل الوصل العريان أيضا بالتّبعيّة فافهم. فإن قيل: ما وجه إطلاق الوصل العريان والتّجلّي الذّاتيّ في مادّة كمّل أتباعه صلّى الله عليه وسلّم. وعدم تجويز هذا الإطلاق في حقّ سائر الأنبياء عليهم السّلام وما الفرق بينهما مع أنّ حيلولة نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم حاصلة في كلا المادّتين. أجيب: انّ تجويز هذا الإطلاق في موادّ كمّل الأتباع باعتبار التّبعيّة فإنّ توسّط نبيّ ليس بمناف لهذا الإطلاق كما مرّ بخلاف سائر الأنبياء عليهم السّلام فإنّه لو جوّز هذا الإطلاق في حقّهم يكون باعتبار الأصالة فإنّ هؤلاء الأكابر قطعوا المنازل بالأصالة ووصلوا إلى حضرة الذّات تعالت وتقدّست ولا شكّ أنّ حصول المتوسّط وتحقّقه في صورة الأصالة يكون منافيا لذلك الإطلاق فصار الفرق واضحا. ينبغي أن يعلم أنّ فرق الأصالة والتّبعيّة فيما بين الأنبياء المتقدّمين وكمّل PageV01P450 أولياء هذه الامّة موجب لأفضليّة الأنبياء عليهم السّلام فإنّ الأصل مقصوديّ والتّابع طفيليّ وإن صحّ إطلاق الوصل العريان والتّجلّي الذّاتيّ في مادّة الإتّباع ولم يصحّ ذلك الإطلاق في المتبوعين يعني الأنبياء عليهم السّلام ولكن ما قدر طفيليّ في جنب المقصوديّ حتّى يدّعى التّساوي له وكيف يتصوّر المساواة فإنّ تلك الدّولة في الأصل على الوجه الأتمّ والأكمل وفي التّابع على وجه الإسم والرّسم ولكنّ هذه المناسبة تصحّح النّسبة وتجعل التّابع كالمتبوع ولهذا قال خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام " علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل " فلاح من هذا البيان واتّضح أنّ حصول التّجلّي الذّاتيّ لأولياء هذه الامّة لا يكون موهما لفضلهم على الأنبياء الّذين ليس فيهم التّجلّي الذّاتيّ فافهم فإنّه من مزلّة الأقدام وأنصف فإنّ هذه العلوم ممّا استأثر الله سبحانه هذا العبد بها بحرمة حبيبه محمّد عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. فإن قيل: المقرّر أنّ المقصود من خلق العالم هو خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وغيره طفيليّ في نفس الوجود وفي حصول الكمالات ويصلون إلى الدّرجات العلى بتبعيّته ولهذا يكون آدم ومن دونه تحت لوائه وأنت تقول إنّ دولة الوصول لسائر الأنبياء عليهم السّلام بطريق الأصالة لا بطريق التّبعيّة فما وجه ذلك؟ قلت: كما أنّ لمحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طريقا من حقيقته إلى حضرة الذّات تعالت وتقدّست كذلك لسائر الأنبياء عليهم السّلام أيضا من حقائقهم طرق إلى حضرة الذّات تعالى شأنها لا تبعيّة فيهم في هذا الوصول بخلاف الأمم فإنّهم يصلون إلى المطلب بتبعيّة الأنبياء من طريق حقائقهم المناسب لإستعداد كلّ منهم والأصالة مفقودة في حقّهم. غاية ما في الباب: أنّ وصول سائر الأنبياء عليهم السّلام وإن كان بالأصالة ولكنّه ليس بوصل عريان فإنّ حقيقة خاتم الرّسل عليه الصّلاة والسّلام صارت حجابا رقيقا عن المطلوب فكلّ فيض وارد يتّصل بهذه الحقيقة أوّلا بالضّرورة ثمّ يصل بتوسّطها إلى الآخرين ومعنى التّبعيّة حصول هذا التّوسّط فتلك الأصالة لا تنافي لهذه التّبعيّة ينبغي حسن التّأمّل: انّ التّبعيّة الّتي ثبتت في حقّهم وراء تلك التّبعيّة فإنّها منافية للأصالة كما مرّ غير مرّة فافترقا. فإن قيل: هل في مراتب العروج نصيب للكمّل من مرتبة صفة الحياة أو لا؟ قلت: نعم. فإن قيل: قد مرّ أنّ نهاية هذه الصّفة اضمحلال وتلاش في حضرة الذّات تعالت وتقدّست فما يكون نصيب الكمّل من مقام المحو والتّلاشي وقد قلت فيما سبق: إنّ تعيّنات الحقائق ليس لها اضمحلال عينيّ فإن كان فنظريّ فإنّ القول بالإضمحلال العينيّ مفض إلى الزّندقة. قلت: من أين يلزم في حصول النّصيب منها الإضمحلال العينيّ بل الإضمحلال النّظريّ كاف فيه وإن كانت المراتب متفاوتة في ذلك PageV01P451 الإضمحلال فافهم والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها. (295) المكتوب الخامس والتّسعون والمائتان إلى الحاجّ يوسف الكشميرىّ في بيان النّظر على القدم وهوش دردم والسّفر في الوطن والخلوة في الجلوة الّتي هي أصول الطّريقة النّقشبنديّة العليّة قدّس الله أسرار أهاليها ينبغي أن يعلم: أن واحدا من الاصول المقرّرة في الطّريقة النّقشبنديّة قدّس الله أسرار مشائخها النّظر على القدم، وليس المراد بالنّظر على القدم أنّه لا ينبغي أن يتجاوز النّظر القدم وأن يميل إلى الفوق قبل القدم؛ فإنّه خلاف الواقع فإنّ النّظر يتفوّق القدم ويتقدّم عليه دائما ويجعل القدم رديفه، فإنّ العروج على مدارج العلى يكون أوّلا بالنّظر، ثمّ يصعد بعد ذلك بالقدم، فإذا وصلت القدم إلى مرتبة النّظر يتفوّق النّظر منها إلى درجة فوقانيّة وتصعد القدم أيضا بتبعيّته، ثمّ يترقّى النّظر بعد ذلك من ذلك المقام، ثمّ تتبعه القدم وعلى هذا القياس فإن كان المراد به أنّه لا ينبغي أن يترقّى النّظر إلى مقام لا يكون للقدم فيه مجال فهو أيضا غير واقع؛ فإنّه لو لم ينفرد النّظر بعد تمام السّير القدميّ يفوت كثير من مراتب الكمال بيانه: أنّ نهاية القدم إلى نهاية استعداد السّالك بل إلى نهاية استعداد نبيّ السّالك على قدمه، لكنّ القدم الأوّل بالأصالة والقدم الثّاني بالتّبعيّة، ولا قدم له فوق مراتب ذلك الإستعداد ولكن له فيه نظر فإن حصلت الحدّة لذلك النّظر فمنتهاه نهاية مراتب نظر ذلك النّبيّ الّذي السّالك على قدمه؛ فإنّ لكمّل أتباع نبيّ نصيبا من جميع كمالاته، ولكنّ القدم والنّظر يتوافقان إلى نهاية مراتب استعداد السّالك بالأصالة وبالتّبعيّة، وبعد ذلك يعجز القدم ويصعد النّظر وحده ويترقّى إلى نهاية مراتب نظر ذلك النّبيّ. فعلم: أنّ نظر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام أيضا يصعد فوق أقدامهم وأنّ لكمّل أتباعهم أيضا نصيبا من مقامات أنظارهم، كما أنّ لهم نصيبا من مقامات أقدامهم وفوق قدم خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام مقام الرّؤية الّتي هي موعودة لغيره في الآخرة فما هو نسبة لغيره نقد له، ولكمّل أتباعه من هذا المقام نصيب وأن لم يكن رؤية، شعر: خليلي ما هذا بهزل وإنّما ... عجيب الأحاديث بديع الغرائب ولنرجع إلى أصل الكلام ونقول: فإن كان المراد به أنّه ينبغي أن يتخلّف القدم عن النّظر على وجه لاتّصل إلى مقام النّظر في وقت من الأوقات فحسن؛ فإنّ هذا المعنى ليس بمانع للتّرقّي، وكذلك إذا كانّ PageV01P452 المراد بالنّظر والقدم النّظر والقدم الظّاهريّين فله مجال؛ فإنّ النّظر تحصل له التّفرقة وقت المشي ويتشتّت بالوقوع على محسوسات متلوّنة فإنّ نصب النّظر إلى القدم يكون أقرب إلى الجمعيّة وهذا المراد مناسب لمعنى كلمة هي قرينه وهي هذه: «هوش دردم " يعني: العقل في النّفس. غاية ما في الباب: أنّ الكلمة الاولى: لدفع تفرقة منبعثة عن الآفاق. والكلمة الثّانية: لدفع التّفرقة الأنفسيّة. والكلمة الثّالثة: الّتي هي قرين هاتين الكلمتين كلمة: «السّفر في الوطن». وهي عبارة عن السّير في الأنفس الّذي هو منشأ حصول اندراج النّهاية في البداية الّذي هو مخصوص بهذه الطّريقة العليّة، والسّير في الأنفس وإن كان في جميع الطّرق ولكنّه في سائر الطّرق بعد حصول السّير الآفاقي بخلاف هذا الطّريق فإنّ فيه الشّروع من هذا السّير والسّير الآفاقيّ مندرج في ضمنه، فلو قلنا: إنّ في هذا الطّريق اندراج البداية في النّهاية بهذا الإعتبار أيضا لساغ. والكلمة الرّابعة الّتي هي قرين هذه الكلمات الثّلاث كلمة: «الخلوة في الجلوة». ومتى تيسّر السّفر في الوطن يسافر في خلوة الوطن أيضا في نفس الجلوة، ولا تتطرّق تفرقة الآفاق إلى حجرة الأنفس، وهذا أيضا على تقدير غلق أبواب الحجرة وسدّ جميع روزنتها وكوّتها فينبغي أن لا يكون في جلوة التّفرقة متكلّما ولا مخاطبا ولا ملتفتا إلى أحد، وكلّ هذه التّمحّلات والتّكلّفات في البداية والوسط وأمّا في النّهاية فلا شيء يلزم منها أصلا؛ فإنّ المنتهى متّصف بالجمعيّة في نفس التّفرقة وبالحضور في عين الغفلة. ولا يظنّ من هنا: أنّ التّفرقة وعدم التّفرقة متساويان في حقّ جمعيّة المنتهي مطلقا فإنّه ليس كذلك، بل المراد أنّهما متساويان في جمعيّة الباطن، ومع ذلك لو جمع ظاهره مع باطنه ودفع التّفرقة عن ظاهره أيضا يكون أولى وأنسب قال الله سبحانه وتعالى لنبيّه عليه الصّلاة والسّلام: وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا. ينبغي أن يعلم: أنّه لا بدّ في بعض الأوقات من تفرقة الظّاهر لأداء حقوق الحقّ فتكون تفرقة الظّاهر في بعض الأوقات مستحسنة أيضا. وأمّا تفرقة الباطن: فليست بمستحسنة في وقت من الأوقات فإنّه خالص حقّ الله سبحانه فيكون ثلاث حصص من العبد المسلم لأجل الحقّ سبحانه تمام الباطن ونصف الظّاهر وبقي النّصف الآخر من الظّاهر لأداء حقوق الخلق ولمّا كان في أداء تلك الحقوق امتثال أوامر الحقّ سبحانه صار ذلك النّصف أيضا راجعا إلى الحقّ سبحانه وتعالى: إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فاعبده PageV01P453 (296) المكتوب السّادس والتّسعون والمائتان إلى المخدوم الخواجه محمّد سعيد قدّس سرّه في بساطة صفات الحقّ جلّ وعلا ونفي تعدّد تعلّقها بالأشياء الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين، وآله الطّاهرين أجمعين: (اعلم): أنّ صفات الواجب تعالى وتقدّس كذاته تعالى منزّهة عن الشّبه والمثال وبسائط حقيقيّة؛ مثلا أنّ صفة العلم انكشاف واحد بسيط تنكشف المعلومات الأزليّة والأبديّة بهذا الإنكشاف الواحد، وكذلك قدرة واحدة كاملة بسيطة توجد المقدورات الأزليّة والأبديّة بواسطتها، وكذلك كلام واحد بسيط وهو سبحانه متكلّم بهذا الكلام من الأزل إلى الأبد، وعلى هذا القياس في سائر الصّفات الحقيقيّة والتّعدّد الحاصل من تعلّق العلم والقدرة بالمعلومات والمقدورات أيضا مفقود في تلك المرتبة، والأشياء معلومة الحقّ سبحانه ومقدورته، ولكن لا تعلّق لصفة العلم والقدرة بها أصلا، وهذه المعرفة وراء طور نظر العقل. وأرباب العقول لا يجوّزون مثل هذا المعنى أصلا ويعدّون عدم تعلّق العلم والقدرة بالأشياء مع كونها معلومة الحقّ سبحانه ومقدورته محالا، ألم يعلموا أنّ الأزل والأبد حاضر في تلك المرتبة؟ بل لا مجال للآن فيها أيضا سوى التّعبير به لكونه أقرب الشّيء وأوفقه بها، ومعلومات الأزل والأبد حاضرة في ذلك الآن وفي ذلك الآن الحاضر يعلم الحقّ سبحانه زيدا مثلا معدوما وموجودا وجنينا وصبيّا وشابّا وشيخا وحيّا وميّتا وكائنا في البرزخ والحشر والنّار والجنّة، ومعلوم أنّه لا تعلّق لذلك الآن بهذه الأطوار أصلا فإنّه لو حصل له تعلّق لخرج عن كونه آنا ويسمّى زمانا ويصير ماضيا ومستقبلا فهذه الأطوار ثابتة في ذلك الآن وغير ثابتة. فعلى هذا: لو ثبت انكشاف بسيط حقيقيّ لا يكون له تعلّق بواحد من المعلومات ويكون جميع المعلومات منكشفة بهذا الإنكشاف الواحد، فأيّ عجب فيه فإنّ استحالة جمع الضّدّين مفقودة في ذلك الموطن؛ فإنّها مشروطة باتّحاد الزّمان والجهة، ولا مجال هنا للزّمان؛ إذ لا يجري عليه سبحانه زمان، واتّحاد الجهة أيضا مفقود للفرق بالإجمال والتّفصيل، وهذا كمن يقول أنا أرى الإسم والفعل والحرف الّتي كلّ واحد منها قسيم للآخر متّحدا بعضها ببعض في مرتبة الكلمة في آن واحد، وأجد المنصرف غير منصرف، والمبنيّ عين معرب، ويقول: ومع وجود هذه الجامعيّة لا تعلّق للكلمة بواحد من هذه الأقسام ومستغنية عنها بالتّمام لا ينكر أحد من العقلاء على هذا الشّخص ولا يستبعدون كلامه، فلم يستبعدون ما نحن فيه؟! ويتوقّفون عن قبوله؟! ولله المثل الأعلى. فإن قيل: لم يقل أحد مثل هذا الكلام قلت: ما الضّرر فيه؟! فإنّه وإن لم يقل به أحد ولكنّه ليس بمخالف لكلام الآخرين وليس أيضا ممّا لا يناسب لمرتبة الوجود تعالت وتقدّست، (ع): * كل أنت خربزة والغير فالوذجا * والمثال الّذي يمكن ايراده في المخلوقات لتوضيح هذه المعرفة: هو أنّهم قالوا: إنّ العلم بالعلّة مستلزم للعلم بالمعلوم، والمدركة متوجّهة في هذه الصّورة بالأصالة إلى العلّة ومتعلّقة بها، ويحصل العلم بالمعلول بتبعيّة العلم بالعلّة من غير PageV01P454 تجدّد تعلّق آخر به، ولكن أرباب المعقول لا يجوّزون معلوميّة المعلول في هذه الصّورة أيضا من غير تعلّق العلم بالمعلول في مرتبة ثانية وإن لم يكن ذلك التّعلّق بالأصالة ولكن لا يعلم وجود مثال أقرب من هذا المثال، والمقصود التّوضيح لا الإثبات، والله تعالى أعلم بحقائق الامور كلّها والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّحيّات المباركات. (297) المكتوب السّابع والتّسعون والمائتان إلى مولانا بدر الدّين في تحقيق إحاطة الحقّ وسريانه سبحانه وتعالى وتوضيح ذلك بأمثلة وبيان رعاية حفظ المراتب الوجوديّة والإمكانيّة اعلم: أنّ إحاطة الحقّ سبحانه بالأشياء وسريانه فيها كإحاطة المجمل بالمفصّل، وسريانه فيه كالكلمة مثلا سارية في جميع أقسامها من الإسم والفعل والحرف وكذا في أقسام الاقسام من الماضي والمضارع والأمر والنّهي والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول والمستثنى المنقطع والمتّصل والحال والتّمييز والثّلاتيّ والرّباعيّ والخماسيّ والحروف الجارّة والنّاصبة والحروف المختصّة بالأفعال والحروف المحتصّة بالأسماء والحروف الدّاخلة عليهما إلى غير ذلك من الأسماء الحاصلة من التّقسيمات الغير المتناهية فهذه الأقسام كلّها ليست غير الكلمة، بل هذه اعتبارات مندرجة تحت الكلمة ما زاد في تفصيلها وتمييزها عن الكلمة وتمييز بعضها عن بعض شيء الّا اعتبار العقل، وفي الخارج ليست الّا الكلمة ولهذا صحّ الحمل ولكن لكلّ مرتبة من المراتب اسم يختصّ هو بها وأحكام لا توجد في غيرها مثلا: الدّالّ على المعنى بالإستقلال مع الإقتران بالزّمان فعل وبغير الإقتران اسم وغير الدّالّ على المعنى بالإستقلال حرف وكذا المقترن بالزّمان الماضي فعل ماض، وبالزّمان الحال والإستقبال مضارع، وما وجد فيه علّتان من العلل التّسعة المشهورة فغير منصرف، والّا فمنصرف، وحروف عملها الجرّ جارّة، وحروف عملها النّصب ناصبة؛ فإطلاق اسم مرتبة على مرتبة أخرى، وإجراء أحكام إحديهما على الاخرى كإطلاق الفعل الماضي على المضارع، والمنصرف على غير المنصرف، والجارّة على النّاصبة، مع كون المراتب كلّها ليست الّا الكلمة ضلالة وخروج عن الصّراط السّويّ. فنقول والله سبحانه أعلم: إنّ لكلّ مرتبة من مراتب تنزّل الوجود اسما مختصّا بها وأحكاما لا توجد الّا فيها فالوجوب الذّاتيّ والإستغناء الذّاتيّ مختصّان بمرتبة الجمع والألوهيّة والإمكان الذّاتيّ والإفتقار الذّاتيّ مختصّان بمرتبة الكون والفرق، والمرتبة الاولى مرتبة الرّبوبيّة والخالقيّة، والمرتبة الثّانية مرتبة العبوديّة والمخلوقيّة؛ فلو أطلق أسامي إحديهما على الاخرى وأجري الأحكام المختصّة بمرتبة على مرتبة أخرى لكان زندقة وكفرا محضا. والعجب من بعض الملاحدة والزّنادقة ايّهم كيف يخلّطون المراتب ويجرون أحكام مرتبة على مرتبة أخرى فيصفون الممكن بصفات الواجب، والواجب بصفات الممكن مع علمهم بتمايز صفات الممكن الّذي هو مرتبة واحدة بعضها عن بعض واختلاف أحكامهم وعلمهم بعدم زوال تمايزهم PageV01P455 واختلاف أحكامهم أصلا مع اتّحادهم في المرتبة الكونيّة، فإنّهم يعلمون بالبداهة مثلا أنّ الحرارة والإشراق من صفات النّار المختصّة بها ليست واحدة منها في الماء. ولا يوصف بها الماء، وكذا البرودة الّتي اختصّت بالماء ليست في النّار، وكذا يميّزون بالضّرورة بين أزواجهم وأمّهاتهم، ويحكمون بتفرقة أحكامهنّ، والله سبحانه الهادي إلى سبيل الرّشاد والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (298) المكتوب الثّامن والتّسعون والمائتان إلى السّيّد محبّ الله المانك?وريّ في بيان الوصول إلى نهاية الأمر بطريق الإشارة ولطيف العبارة ولم يطّلع على سرّ هذا المعمّى أحد غير المخدوم الأكبر عليه الرّحمة والرّضوان اعلم أرشدك الله: لمّا كان السّير مدّة مديدة في الظّلال وجدت الوصول إلى الظّلّ عين الحصول، والآن لمّا تيسّر الوصول إلى الأصل: ليس الحصول غير الظّلّ كالمرآة الكائنة في يد شخص الواصلة إليه لا نصيب له من الشّخص الّا ظلّه فافهم فإنّ كلامنا إشارة. واعلم: أنّ العبارة المناسبة لبيان الطّريق الّتي حرّرت بطريق الرّمز والإشارة رأيتها مناسبة لهذا المقام وجعلتها مندرجة في هذا المكتوب أيضا ينبغي أن يفهما. ذكر كثير مأخوذ من شيخ صاحب عرفان المداومة عليه الرّجوع إلى فضل الرّحمن الوصل العريان والباقي كلّهم حسبان والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها. (299) المكتوب التّاسع والتّسعون والمائتان إلى الشّيخ فريد الرّابهولىّ في التّعزية والدّلالة على الرّضا بالقضاء وبيان فضيلة الموت بالطّاعون وأنّ الفرار منه كبيرة كالفرار يوم الزّحف بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليعلم أنّ المكتوب الشّريف قد وصل وقد بيّن فيه المصيبات: إِنّا لله وإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ينبغي الصّبر والتّحمّل والرّضاء بالقدر (شعر): إن كنت تؤذيني فلست بمعرض ... وقد استبطت من الأعزّة ذلّتي قال الله تبارك وتعالى: وما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ، وقال تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ، وقد هلك في هذا الوباء من شؤم أعمالنا البقرات لكثرة اختلاطها بنا وماتت النّساء أكثر من الرّجال، فإنّ تعلّق بقاء نوع الإنسان بوجودهنّ أكثر، والّذي فرّ من الموت في هذا الوباء وسلم فالتّراب PageV01P456 على حياته والّذي لم يهرب ومات فطوبى له وبشرى له بالشّهادة، وقد جزم شيخ الإسلام ابن الحجر في كتاب " بذل الماعون في فضل الطّاعون " بأنّ الميّت بالطّعن لا يسأل؛ لأنّه نظير المقتول في المعركة، وبأنّ الصّابرّ في الطّاعون محتسبا يعلم أنّه ما يصيبه الّا ما كتب له إذا مات فيه بغير الطّعن لا يفتن أيضا؛ لأنّه نظير المرابط، كذا ذكره الشّيخ الأجلّ السّيوطيّ في كتاب: «شرح الصّدور بشرح أحوال الموتى والقبور». وقال: وهو حجّة جدّا، والّذي لم يهرب ولم يمت من جملة الغزات والمجاهدين ومن زمرة الصّابرين والمبتلين ولكلّ شخص أجل مسمّى لا تقديم فيه ولا تأخير، وسلامة أكثر الهاربين إنّما هي لعدم مجيئ أجلهم، لا أنّ الفرار نجّاهم من الموت، وهلاك أكثر الصّابرين إنّما هو لبلوغ أجلهم فليس الفرار ينجّي ولا الإستقرار يهلك، وهذا الفرار كالفرار يوم الزّحف معصية كبيرة ومن مكر الله سبحانه حيث يسلّم الهاربين ويهلك الصّابرين يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، وقد سمعنا صبركم وتحمّلكم وإمدادكم وإعانتكم للمسلمين جزاكم الله سبحانه خيرا ولا يضيقنّ قلبكم في مرتبة الأطفال وتحمّل أذاهم فإنّ المرجوّ ترتّب أجر جزيل عليه، وماذا أكتب أزيد من ذلك؟ والسّلام. (300) المكتوب الموفي ثلاثمائة إلى المخدوم زاده جامع العلوم العقليّة والنّقليّة مجد الدّين محمّد معصوم سلّمه الله تعالى في بيان الأسرار الغامضة والمعارف الغريبة بلسان الرّمز والإشارة واندرج فيه أيضا إيماء من: {قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى} الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى إذا حصل للإنسان الكامل اسم الجامعيّة بعد ما طوى مراتب الأسماء والصّفات بالسّير التّفصيليّ وصار مرآة لكمالات الأسماء والصّفات الإلهيّة جلّ سلطانه واختفى عدمه الذّاتيّ الّذي هو مرآة تلك الكمالات بالتّمام ولم يكن فيه شيء غير تلك الكمالات ظاهرا ففي هذا الزّمان يتشرّف بالبقاء الخاصّ الّذي هو منوط بتلك الكمالات بعد حصول الفناء التّامّ الّذي هو مربوط باختفاء عدمه ويصدق عليه اسم الولاية وبعد ذلك إذا كانت العناية الأزليّة شاملة لحاله يمكن أن تنعكس تلك الكمالات الّتي كان العارف باقيا بها مرّة ثانية في مرآة حضرة الذّات وأن تظهر فيها وفي هذا الوقت يظهر سرّ قاب قوسين. ينبغي: أن يعلم أنّ ظهور شيء فيها في هذا الموطن كناية عن حصول نسبة مجهولة للشّيئ بتلك المرآة، لا أنّ فيه حقيقة المرآة، وحصول الشّيء فيها ولله المثل الأعلى فإذا صارت تلك الكمالات الّتي كان العارف باقيا بها منعكسة في مرآة جناب القدس بطريق الحقيقة والأصالة وظهرت فيها وحصلت لها فيها النّسبة المجهولة الكيفيّة فلا جرم يطلق حينئذ عليها أنا الّذي كان متعلّقا بالعارف وترى نفسها عين تلك الكمالات الظّاهرة ونهاية عروج " أنا " في مقام قاب قوسين إلى هنا. PageV01P457 اسمع أيّها الولد: أنّ مرآة الصّورة الّتي ينعكس فيها الحسن والجمال لو حصل لها فرضا الحياة والعلم، يعني لو أدركت ظهور الحسن والجمال فيها لكانت بالضّرورة متلذّذة به ومحتظّة بحظّ? أوفر، وفي مرآة الحقيقة وإن كانت اللّذّة والألم مفقودين لكونهما من صفات الإمكان، ولكنّ الأمر اللّائق بتلك المرتبة العليا المبرّأ عن سمات النّقص والحدوث كائن وثابت فيها (شعر): خليلي ما هذا بهزل وإنّما ... حديث عجيب من غريب البدائع وهذه الكمالات الظّاهرة الّتي حصلت لها في تلك المرتبة النّسبة المجهولة الكيفيّة حكمها كحكم عالم الخلق الإنسانيّ بالنّسبة إلى عالم الأمر وسرّ"من عرف نفسه فقد عرف ربّه"موجود وحاصل هنا ولمّا حصلت لهذه الكمالات الظّاهرة الّتي هي تفصيل إجمال حضرة الذّات تعالت وتقدّست نسبة مجهولة الكيفيّة بحضرة الإجمال وتيسّر لها اتّصال بلا كيف وصارت مرآة لحضرة الإجمال ظهر في حضرة الإجمال التّفصيل أيضا بالضّرورة بمجرّد الإعتبار وبمحض التّوهّم وصار سببا لعروج:"أنا" العارف وهذا الكمال مربوط? بمقام أو أدنى (ع) بلغ اليراع إلى هنا فتكسّرا* وهذا هو بيان نهاية النّهاية وغاية الغاية الّذي فهمه بعيد عن إدراك الخواصّ بمراحل، فماذا تقول من العوامّ؟! والّذي اهتدى إلى هذه الدّولة والمعرفة من أخصّ الخواصّ أيضا أقلّ قليل (شعر) وإذا أتى باب العجوز خليفة ... إيّاك يا صاح ونتف سبالكا وهذه النّهاية باعتبار الظّهورات والتّجلّيات لا يتصوّر بعد ذلك تجلّ ولا ظهور (شعر) ومن بعد هذا ما يدقّ صفاته ... وما كتمه أحظى لديّ وأجمل وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى آل كلّ والملائكة المقرّبين من الصّلوات أتمّها وأولاها ومن التّسليمات أكملها وأعلاها ومن التّجلّيات أدومها وأبقاها، ومن البركات أعمّها وأشملها. (301) المكتوب الحادي والثّلاثمائة إلى مولانا أمان الله في بيان قرب النّبوّة وقرب الولاية والطّرق الموصّلة إلى قرب النّبوّة بعد الحمد والصّلوات ليعلم ولدي أمان الله أنّ النّبوّة عبارة عن القرب الإلهيّ جلّ سلطانه الّذي ليس فيه شائبة الظّلّيّة وعروجه ناظر ومتوجّه إلى الحقّ ونزوله إلى الخلق، وهذا القرب نصيب الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام بالأصالة، وهذا المنصب مخصوص بهؤلاء الأكابر عليهم السّلام وخاتم هذا PageV01P458 المنصب سيّد البشر صلّى الله عليه وسلّم ويكون عيسى عليه السّلام بعد نزوله تابعا لشريعة خاتم الرّسل. غاية ما في الباب: أنّ للأتباع والخدّام نصيبا من دولة المتبوعين والمخاديم وحصّتهم فيكون لكمّل الأتباع أيضا نصيب من قرب الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ويكون من علوم ذلك المقام ومعارفه وكمالاته أيضا نصيب لهم بطريق الوراثة (ع) وللأرض من كأس الكرام نصيب * فحصول كمالات النّبوّة للأتباع بطريق التّبعيّة والوراثة بعد بعثة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ليس بمناف لخاتميّته صلّى الله عليه وسلّم فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. (اعلم) أسعدك الله: أنّ الطّريق الموصل إلى كمالات النّبوّة اثنان: طريق مربوط بطيّ كمالات مقام الولاية مفصّلة، ومنوط بحصول التّجلّيات الظّلّيّة والمعارف السّكريّة الّتي هي مناسبة بقرب الولاية وبعد طيّ هذه الكمالات وحصول التّجلّيات يوضع القدم في كمالات النّبوّة وفي هذا المقام وصول بالأصل والإلتفات إلى الظّلّ ذنب. والطّريق الثّاني: هو الّذي يتيسّر فيه الوصول إلى كمالات النّبوّة بدون توسّط حصول كمالات الولاية وهذا الطّريق الثّاني طريق سلطانيّ وأقرب إلى الوصول، وكلّ من وصل إلى كمالات النّبوّة الّا ما شاء الله وصل من هذا الطّريق من الأنبياء العظام والصّحابة الكرام بتبعيّتهم ووراثتهم. والطّريق الأوّل بعيد وطويل وعسير الحصول ومتعذّر الوصول وقد تخيّل طائفة من الأولياء في مقام الولاية الّذين تشرّفوا بشرف النّزول أنّ الكمالات الّتي تتعلّق بمقام النّزول هي كمالات النّبوّة، وظنّوا التّوجّه إلى الخلق الّذي هو مناسب لمقام الدّعوة أنّه من خصائص مقام النّبوّة وليس كذلك، بل هذا النّزول كالعروج من مقام الولاية وفوق مقام الولاية عروج ونزول غير ذينك يتعلّقان بالنّبوّة، وهذا التّوجّه إلى الخلق غير ذاك التّوجّه إلى الخلق الّذي هو مناسب لمقام النّبوّة، وهذه الدّعوة غير تلك الدّعوة الّتي عدّوها من كمالات النّبوّة وماذا يصنعون فإنّهم لم يضعوا أقدامهم في خارج دائرة الولاية ولم يدركوا حقيقة كمالات النّبوّة وظنّوا نصف الولاية الّذي هو جانب العروج تمام الولاية وزعموا نصفها الآخر الّذي هو جانب النّزول مقام النّبوّة (شعر): وليس لشيء كامن جوف صخرة ... سواها سموات لديه ولا أرض ويمكن أن يتيسّر الوصول لشخص بالطّريق الأوّل ويجمع كمالات الولاية والنّبوّة المفصّلة ويحصل له تمييز ما بين كمالات هذين المقامين كما ينبغي، ويفرّق بين عروج كلّ منهما ونزولهما ويحكم أنّ نبوّة نبيّ أفضل من ولايته. ينبغي أن يعلم: أنّ كمالات مقام الولاية المفصّلة وإن لم تكن حاصلة بعد الوصول بالطّريق الثّاني ولكن زبدة الولاية وخلاصتها ميسّرة بأحسن الوجوه بحيث يمكن أن يقال: إنّ أهل الولاية حصّلوا من كمالات الولاية قشرها، وهذا الواصل حاز لبّها. PageV01P459 نعم: إنّ هذا الواصل قليل النّصيب من بعض العلوم السّكريّة والظّهورات الظّلّيّة الّتي حاصلة لأرباب الولاية، وهذا المعنى ليس بموجب للمزيّة، بل هذه العلوم والظّهورات عيب وعار على ذلك الواصل، بل تليق بأن تعدّها ذنبا وسوء أدب، نعم: إنّ واصل الأصل منقبض ومتسغفر من ظلال ذلك الأصل والتّعلّق بالظّلّ إنّما هو حين عدم الوصول إلى أصل ذلك الظّلّ، والتّعلّق به بعد الوصول إلى أصله من عدم الحاصل والتّوجّه إليه سوء الأدب (أيّها الولد) إنّ حصول كمالات النّبوّة مربوط بموهبة محضة ومنوط بتكرمة صرفة لا مدخل للتّحمّل وتجشّم الكسب فيه أصلا، أيّ عمل وأيّ كسب يكون منتجا لهذه الدّولة العظمى وأيّ رياضة وأيّة مجاهدة تكون مثمرة لهذه النّعمة الأسنى، بخلاف كمالات الولاية فإنّ مباديها ومقدّماتها كسبيّة وحصولها مربوط بالرّياضة والمجاهدة وإن جاز أن يكون بعض الأشخاص مشرّفا بهذه الدّولة أيضا من غير تجشّم كسب ومباشرة عمل، والفناء والبقاء اللّذان الولاية عبارة عنهما أيضا من الموهبة يشرّف بهما بعد كسب المقدّمات بالفضل والكرم كلّ من أريد له ذلك، ورياضات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومجاهداته قبل البعثة وبعدها لم تكن لتحصيل هذه الدّولة، بل كان المنظور منافع وفوائد أخر مثل قلّة الحساب وكفّارة الزّلّات البشريّة وارتفاع الدّرجات ومراعاة صحبة الملك المرسل الّذي هو بريء من الأكل والشّرب وكثرة ظهور الخوارق المناسبة لمقام النّبوّة. ينبغي أن يعلم: أنّ حصول هذه الموهبة في حقّ الأنبياء عليهم السّلام بلا توسّط وفي حقّ أصحابهم الّذين تشرّفوا بهذه الدّولة بالتّبعيّة والوراثة إنّما هو بتوسّط الأنبياء عليهم السّلام وبعد الأنبياء وأصحابهم قلّ من تشرّف بهذه الدّولة وإن كان تشرّفهم بها جائزا (شعر): لو جاء من فيض روح القدس من مدد ... غير المسيح ليصنع مثل ما صنعا وأظنّ أنّ هذه الدّولة القت الظّلّ في كبار التّابعين وأكابر تبع التّابعين أيضا ثمّ استترت بعد ذلك حتّى إذا بلغت النّوبة الألف الثّاني من بعثته عليه الصّلاة والسّلام برزت هذه الدّولة في هذا الوقت أيضا بالتّبعيّة والوراثة وجعلت الآخر مشابها بالأوّل (شعر): فإذا أتى باب العجوز خليفة ... إيّاك يا صاح ونتف سبالكا والسّلام على من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّحيّات. (302) المكتوب الثّاني والثّلاثمائة إلى المخدوم زاده جامع العلوم الظّاهريّة والباطنيّة مجد الدّين محمّد معصوم سلّمه الله تعالى في بيان فرق الولاية الثّلاث وأنّ النّبوّة أفضل من الولاية وبعض خصائص مقام النّبوّة وما يناسب ذلك PageV01P460 اعلم أرشدك الله تعالى: أنّ الولاية عبارة عن قرب إلهيّ لا يتصوّر بلا شائبة الظّلّيّة ولا يحصل بدون حيلولة الحجب فإن كانت ولاية الأولياء فمتّسمة بسمة الظّلّيّة ألبتّة، وولاية الأنبياء وإن كانت خارجة عن الظّلّيّة ولكنّها غير متحقّقة بدون حيلولة حجب الأسماء والصّفات، وولاية الملأ الأعلى وإن كانت فوق حجب الأسماء والصّفات ولكنّها لا بدّ لها من حجب الشّئون والإعتبارات والّتي لمّ يتطرّق عليها شائبة الظّلّيّة وتركت حجب الأسماء والصّفات في الطّريق إنّما هي النّبوّة والرّسالة فتكون النّبوّة أفضل من الولاية بالضّرورة ويكون قرب النّبوّة ذاتيّا وأصليّا، ومن لم يطّلع على حقيقتهما حكم بالعكس وجزم بالقلب، فيكون الوصول في مرتبة النّبوّة والحصول في مقام الولاية فإنّ الحصول لا يتصوّر بدون ملاحظة الظّلّيّة بخلاف الوصول. وأيضا: إنّ في كمال الحصول رفع الإثنينيّة، وفي كمال الوصول بقاء الإثنينيّة فرفع الإثنينيّة يكون مناسبا لمقام الولاية، وبقاء الإثنينيّة ملائما لمرتبة النّبوّة، فإذا كان رفع الإثنينيّة مناسبا لمقام الولاية يكون السّكر في جميع الوقت لازما لمقام الولاية بالضّرورة وحيث كان في مرتبة النّبوّة بقاء الإثنينيّة يكون الصّحو من خواصّ تلك المرتبة. وأيضا: إنّ حصول التّجلّيات سواء كان في كسوة الصّور والأشكال أو في حجب الألوان والأنوار كلّه في مقامات الولاية وفي طيّ مقدّماتها ومباديها بخلاف مرتبة النّبوّة فإنّ في ذلك الموطن وصولا إلى الأصل واستغناء عن التّجلّيات والظّهورات الّتي كلّها ظلال ذلك الأصل، وكذلك الإحتياج إلى تلك التّجلّيات وقت طيّ مقدّمات تلك المرتبة ومباديها الّا أن يقع العروج من طريق الولاية فحينئذ حصول تلك التّجلّيات بواسطة الولاية لا بواسطة طيّ مسافة طريق الوصول إلى كمالات النّبوّة. وبالجملة: أن التّجلّيات والظّهورات تنبئ عن الظّلال، والّذي تخلّص عن التّعلّق بالظّلال تخلّص عن التّجلّيات ينبغي أن يطلب سرّ: ما زاغَ الْبَصَرُ من ههنا. أيّها الولد: إنّ اضطراب العشق وطنطنة المحبّة والنّياح المهيّجة للشّوق والصّياح الممتزجة بالتّألّم والذّوق والوجد والرّقص كلّها في مقامات الظّلال وفي أوان الظّهورات والتّجلّيات الظّلّيّة وبعد الوصول إلى الأصل لا يتصوّر حصول هذه الامور، والمحبّة في ذلك الموطن بمعنى إرادة الطّاعة كما قال العلماء لا أنّها معنى زائد عليها منشأ للشّوق والذّوق كما ظنّ بعض الصّوفيّة. اسمع أيّها الولد: وحيث كان رفع الإثنينيّة مطلوبا في مقام الولاية يسعى الأولياء في إزالة الإرادة بالضّرورة قال الشّيخ البسطام: «أريد أن لا أريد»، وحيث كان رفع الإثنينيّة غير منظور في مرتبة النّبوّة لم يكن زوال نفس الإدارة مطلوبا وكيف يكون مطلوبا فإنّ الإرادة صفة كاملة في حدّ ذاتها فإن تطرّق النّقص إليها فإنّما هو بواسطة خبث متعلّقاتها فينبغي أن لا يكون متعلّقها أمرا خبيثا وغير مرضيّ، بل يكون جميع المرادات مرضيّ الحقّ سبحانه، وكذلك يجتهدون في مقام الولاية في نفي جميع الصّفات البشريّة، PageV01P461 والمطلوب في مرتبة النّبوّة نفي المتعلّقات السّوء لهذه الصّفات لا نفي أصل هذه الصّفات فإنّها كاملة في حدّ ذاتها؛ مثلا: إنّ صفة العلم من الصّفات الكاملة فإن تطرّق إليها نقص فإنّما هو من جهة سوء متعلّقها فكان الضّروريّ نفي سوء المتعلّق لا نفي أصلها، وعلى هذا القياس: فالّذي وصل إلى مقام النّبوّة من طريق الولاية لا بد له من نفي أصل الصّفات في أثناء الطّريق، والّذي وصل إليه بدون توسّط الولاية لا حاجة له إلى نفي أصل الصّفات، بل ينبغي له نفي المتعلّقات السّوء لهذه الصّفات. ينبغي أن يعلم: أنّ المراد بهذه الولاية المذكورة الولاية الظّلّيّة الّتي يعبّر عنها بالولاية الصّغرى وولاية الأولياء، وأمّا ولاية الأنبياء الّتي جاوزت الظّلّ فهي غيرها والمطلوب فيها نفي المتعلّقات السّوء للصّفات البشريّة لا نفي أصل تلك الصّفات، فإذا حصل نفي المتعلّقات السّوء للصّفات حصلت ولاية الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فإن وقع العروج بعد ذلك يكون متعلّقا بكمالات النّبوّة فلاح من هذا البيان أنّه لا بدّ للنّبوّة من أصل الولاية؛ فإنّ الولاية من مباديها ومقدّماتها، وأمّا الولاية الظّلّيّة فلا حاجة إليها في الوصول إلى كمالات النّبوّة، بل تتّفق للبعض ولا يقع العبور عليها للبعض الآخر فافهم ولا شكّ أنّ نفي أصل الصّفات متعسّر بالنّسبة إلى متعلّقاتها السّوء فيكون حصول كمالات النّبوّة أهون وأيسر وأقرب بالنّسبة إلى حصول كمالات الولاية، وهذا التّفاوت بالسّير والقرب جار في كلّ أمر له وصول إلى الأصل بالنّسبة إلى أمور مفارقة للأصل؛ ألا ترى أنّ كيمياء الأصل ميسّر بسهولة العمل وحاصل بأقرب الطّرق، والّذي فارق أصله في محنة وتعب بحيث يفنى عمره في تحصيله ومع ذلك لا حاصل له غير الحرمان وما حصّله بعد اللّتيا واللّتي له شباهة بالأصل وكثيرا ما تزول عنه تلك الشّباهة العارضة ويعود إلى أصله ويؤول إلى الدّناءة والخباثة بخلاف أصل أصله فإنّه مع وجود سهولة العمل وقرب الطّريق أمين من خوف الزّيوفة والخباثة. ولمّا وصل جماعة من سلّاك هذا الطّريق بالرّياضة الشّاقّة والمجاهدة الشّديدة إلى ظلّ من الظّلال ظنّوا أنّ الوصول إلى المطلب منوط بالرّياضات الشّاقّة والمجاهدات الشّديدة، ولم يعلموا أنّ له طريقا آخر أقرب من هذا الطّريق وموصل إلى نهاية النّهاية وهو طريق الإجتباء الّذي هو منوط بمجرّد الفضل والكرم والطّريق الّذي اختاره هؤلاء الجماعة هو طريق الإنابة مربوط بالمجاهدة والواصلون من هذا الطّريق أقلّ قليل والواصلون من طريق الإجتباء جمّ غفير، الأنبياء عليهم السّلام كلّهم ساروا على طريق الإجتباء وأصحابهم رضوان الله عليهم أجمعين أيضا وصلوا من طريق الإجتباء بالتّبعيّة والوراثة ورياضات أرباب الإجتباء إنّما هي لأداء شكر نعمة الوصول؛ قال عليه الصّلاة والسّلام في جواب السّائل عن وجه رياضاته الشّديدة مع كون ذنوبه المتقدّمة والمتأخّرة مغفورة " أفلا أكون عبدا شكورا " ومجاهدات أهل الإنابة لأجل حصول الوصول شتّان ما بينهما وطريق الإجتباء الحمل والجذب على الطّريق، وطريق الإنابة السّير على الطّريق وبين الجذب والسّير فوق عظيم يجذب سريعا ويوصل به بعيدا، والسّائر يسير بطيئا، وربّما PageV01P462 يبقى في الطّريق قال حضرة الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه: نحن المفضّلون، نعم: لو لا الفضل كيف يمكن أن تكون نهاية غيرهم مندرجة في بدايتهم ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونقول: إنّ هذا الفقير قد كتب فيما كتب إلى شيخه المعظّم من العرائض أنّه قد ارتفعت جميع المرادات، ولكنّ نفس الإرادة باقية على حالها، ثمّ كتب بعد مدّة: أنّ الإرادة أيضا صارت مرتفعة مثل المرادات، ولمّا شرّفه الحقّ سبحانه بوراثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام علم أنّه كان ارتفاع المتعلّق بالسّوء لتلك الإرادة وزواله لا ارتفاع نفس الإرادة فإنّه لا يلزم ارتفاع أصل الإرادة في حصول ارتفاع المتعلّق السّوء على الوجه الأتمّ والأكمل، بل الشّيء كثيرا ما يتيسّر بمجرّد الفضل ولا يتيسّر عشر عشيره بالتّعمّل والتّكلّف. أيّها الولد: ينبغي في مقام الولاية اليأس والإعراض الكلّيّ عن الدّنيا والآخرة وأن يعدّ التّعلّق بالآخرة كالتّعلّق بالدّنيا، وأن يرى شوق الآخرة كشوق الدّنيا غير محمودة؛ قال الإمام داود الطّائيّ: «إن أردت السّلامة سلّم على الدّنيا، وإن أردت الكرامة كبّر على الآخرة». وقال غيره من هذه الطّائفة: إنّ في قوله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ الآية شكاية من الفريقين. وبالجملة: انّ الفناء الّذي هو عبارة عن نسيان ما سوى الحقّ سبحانه شامل للدّنيا والآخرة والفناء والبقاء كلاهما من أجزاء الولاية فلا بدّ إذا في الولاية من نسيان الآخرة، والتّعلّق بالآخرة إنّما هو محمود في كمالات النّبوّة، وشوق الآخرة إنّما هو مرضيّ فيها، بل الشّوق والخوف في ذلك الموطن هو شوق الآخرة وخوفه والتّعلّق بالآخرة قوله تعالى: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وطَمَعًا، وقوله تعالى: ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ويَخافُونَ سُوءَ، وقوله تعالى: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ أوصاف أرباب هذا المقام بكاؤهم وأنينهم من تذكّر أحوال الآخرة وألمهم وحزنهم من خوف أهوال يوم القيامة، يستعيذون من فتنة القبر على الدّوام، ويخافون من عذاب النّار، ويلتجؤن منه إلى الملك الجبّار بالتّضرّع التّامّ، شوق الحقّ جلّ وعلا عندهم هو شوق الآخرة، ومحبّتهم محبّة الآخرة فإنّ اللّقاء موعود في الآخرة وكمال الرّضا أيضا موقوف على الآخرة الدّنيا مبغوضة الحقّ جلّ وعلا والآخرة مرضيّته ولا يمكن جعل المرضيّة مساوية للمبغوضة في وقت من الأوقات فإنّ المبغوضة لائقة للإعراض والمرضيّة مستحقّة للإقبال، والإعراض عن المرضيّة عين السّكر وخلاف مدعوّه تعالى المرضيّ وقوله تعالى: والله يَدْعُوا إلى دارِ السَّلامِ شاهد لهذا المعنى، والله سبحانه يرغّب في الآخرة بالمبالغة والتّأكيد فالإعراض عن الآخرة معارضة الحقّ سبحانه في الحقيقة وسعي في رفع مرضيّه، وحيث كان لداود الطّائيّ قدم راسخ في الولاية قال مع جلالة شأنه في حقّ ترك الآخرة إنّه كرامة، ألم يعلم أنّ الأصحاب الكرام عليهم الرّضوان كلّهم كانوا مبتلين بفكر الآخرة وخائفين وجلين من عذابها مرّ عمر رضي الله عنه بدار إنسان فسمع قارئا يقرأ PageV01P463 قوله تعالى: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ فسقط من سماع هذه الآية من دابّته على الأرض مغشيّا عليه فحملوه إلى بيته فبقي من ألم ذلك مريضا إلى مدّة مديدة حتّى كان النّاس يعودونه. نعم: يتيسّر نسيان الدّنيا والآخرة في أواسط الأحوال في مقام الفناء ويرى فيه التّعلّق بالآخرة كالتّعلّق بالدّنيا، وأمّا إذا تيسّر التّشرّف بالبقاء وبلغ الأمر نهايته وألقت كمالات النّبوّة ظلّها فحينئذ كلّ الهمّ همّ الآخرة والإستعاذة من النّار وتمنّي الجنّة لا مناسبة لأشجار الجنّة وأنهارها وحورها وغلمانها بالأشياء الدّنيويّة بل هؤلاء في طرفي النّقيض مثل نقاضة الغضب والرّضا، وأشجار الجنّة وأنهارها وجميع ما فيها نتائج الأعمال الصّالحة وثمراتها قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الجنّة قيعان وإنّ غراسها قولك سبحان الله والحمد لله ولا إله الّا الله والله أكبر " وقال: «من قال (1) سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنّة». فصارت شجرة الجنّة نتيجة التّسبيح وكما أنّ الكمالات التّنزيهيّة في هذه الكلمة مندرجة في كسوة الحروف والأصوات، كذلك في الجنّة تعبّأ تلك الكمالات في كسوة الأشجار. على هذا القياس: جميع ما في الجنّة من نتائج الأعمال الصّالحة وما اندرج في ضمن كسوة صلاح قوليّ أو فعليّ من الكمالات الوجوديّة تعالت وتقدّست يظهر في الجنّة في حجب اللّذّات والتّنعّمات فيكون ذلك التّلذّذ والتّنعّم مقبولا ومرضيّا بالضّرورة، ووسيلة للّقاء والوصول فإن كانت رابعة المسكينة واقفة على هذا السّرّ لما خطر في قلبها فكر إحراق الجنّة ولما ترى التّعلّق بها غير التّعلّق بالحقّ سبحانه بخلاف التّلذّذ والتّنعّم الدّنيويّ؛ فإنّ منشأه الخبث ونتيجته الحرمان في الآخرة أعاذنا الله سبحانه منه فإن كان التّلذّذ الدّنيويّ مباحا شرعيّا فالمحاسبة أمامنا فويل ألف ويل إن لم تأخذ الرّحمة الإلهيّة بأيدينا، وإن لم يكن مباحا شرعيّا فهو مورد الوعيد الشّديد: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ. فكيف يكون لهذا التّلذّذ مناسبة بذلك التّلذّذ فإنّ هذا سمّ قاتل وذاك ترياق نافع فهمّ الآخرة امّا نصيب عوامّ المؤمنين وامّا نصيب أخصّ الخواصّ وامّا الخواصّ فهم يتبرّأون من هذا الهمّ ويرون الكرامة في خلافه. (ع) وللنّاس فيما يعشقون مذاهب * (303) المكتوب الثّالث والثّلاثمائة إلى الحاجّ يوسف الكشميريّ في بيان معاني كلمات الأذان بعد الحمد والصّلوات ينبغي أن يعلم أنّ كلمات الأذان سبعة: الله أكبر، أي: الله أكبر أن يكون له حاجة إلى عبادة عابد، كرّرت هذه الكلمة أربع مرّات لتأكيد هذا المعنى المهمّ، أشهد أن لا إله الّا الله، أيّ: أشهد أنّه مع كبريائه واستغنائه عن العبادة ليس المستحقّ للعبادة الّا هو سبحانه، أشهد أنّ محمّدا PageV01P464 رسول الله، أي: أشهد أنّه عليه الصّلاة والسّلام رسوله سبحانه ومبلّغ عنه تعالى طريق العبادة؛ فلا تكون العبادة اللّائقة بجناب قدسه تعالى الّا ما هي مأخوذة من جهة تبليغه ورسالته عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّة، حيّ على الصّلاة حيّ على الفلاح: كلمتان لطلب المصلّي إلى أداء الصّلاة المؤدّية إلى الفلاح، الله أكبر: أي: أكبر من أن يليق بجناب قدسه تعالى عبادة أحد، لا إله الّا الله: أي: إنّه تعالى لا محالة هو المستحقّ للعبادة وإن لم تصدر العبادة من أحد ما لائقة بجناب قدسه تعالى. ينبغي: إدراك عظمة شأن الصّلاة من عظمة شأن هذه الكلمات الموضوعة للإعلام بوقت الصّلاة، (ع) وعام الرّخص يعلم من ربيع * اللهمّ اجعلني من المصلّين المفلحين، بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم أتمّ الصّلوات وأكمل التّحيّات. (304) المكتوب الرّابع والثّلاثمائة إلى مولانا عبد الحيّ في بيان الأعمال الصّالحة الّتي نيط بها وعد دخول الجنّة في أكثر الآيات القرآنيّة وفي بيان أداء الشّكر وبيان بعض معاني الصّلاة وأسرارها بعد الحمد والصّلوات اعلم أسعدك الله تعالى: أنّه كان لي تردّد من مدّة مديدة في أنّ المراد بالأعمال الصّالحة الّتي جعل الله سبحانه وتعالى وعد دخول الجنّة مربوطا بها في أكثر الآيات القرآنيّة هل هو جميع الأعمال الصّالحة أو بعضها، فإن كان الجميع فذلك متعسّر فإنّه قلّ من يكون موفّقا لإتيان الجميع، وإن كان البعض فمجهول غير متعيّن فأفيض في الخاطر أخيرا بمحض فضل الحقّ سبحانه أنّه: لعلّ المراد بتلك الأعمال الصّالحة أركان الإسلام الخمسة الّتي بني الإسلام عليها، فإذا أدّيت هذه الاصول الخمسة على وجه الكمال فالمرجوّ أن تكون النّجاة والفلاح نقد الوقت فإنّ هذه الخمسة في حدّ ذاتها أعمال صالحة وموانع للسّيّئات والمنكرات؛ قوله تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ شاهد لهذا المعنى وإذا تيسّر إتيان هذه الخمسة يرجى حصول أداء الشّكر، فإذا حصل أداء الشّكر حصلت النّجاة من العذاب: ما يَفْعَلُ الله بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وآمَنْتُمْ. فينبغي للإنسان أن يجتهد في إتيان هذه الخمسة غاية الإجتهاد خصوصا في إقامة الصّلاة الّتي هي عماد الدّين، وأن لا يرضى بترك أدنى أدب من آدابها مهما أمكن فمن أتمّ الصّلاة فقد حصّل أصلا عظيما من أصول الإسلام وحاز ونال حبلا متينا لأجل الخلاص وفاز والله سبحانه الموفّق. اعلم: أنّ التّكبيرة الاولى في الصّلاة إشارة إلى استغنائه وكبريائه تعالى من عبادة العابدين وصلاة المصلّين، وسائر التّكبيرات الّتي بعد كلّ ركن من الأركان إشارات ورموز إلى عدم لياقة أداء كلّ ركن لأن يكون عبادة لجناب قدسه تعالى وحيث كان معنى التّكبير ملحوظا في تسبيح الرّكوع لم يشرع التّكبير بعد الرّكوع بخلاف السّجدتين فإنّهما مع وجود التّسبيحات فيهما شرع التّكبير في أوّلهما PageV01P465 وآخرهما وذلك لئلّا يتوهّم أحد أنّ السّجود لمّا كان نهاية الإنحطاط وغاية الإنخفاض وكمال التّذلّل والإنكسار قد أدّي فيه حقّ العبادة ولاجل دفع هذا التّوهّم أيضا اختير في تسبيح السّجود لفظ: «أعلى " وسنّ تكرار التّكبير، ولمّا كانت الصّلاة معراج المؤمن شرع في آخرها قراءة كلمات شرّف بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة المعراج فينبغي للمصلّى أن يجعل صلاته معراجه، وأن يطلب فيها غاية القرب قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام: «أقرب ما يكون العبد من الرّبّ في الصّلاة». ولمّا كان المصلّي مناجي ربّه ومشاهد عظمته وجلاله حقّ أن يظهر فيه رعب وهيبة وقت أداء الصّلاة فلأجل تسليته شرع ختم الصّلاة بالتّسليمتين وما ورد عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من التّسبيح والتّحميد والتّكبير والتّهليل مائة مرّة بعد أداء الصّلاة الفرض سرّه في علم الفقير أن يتلافى بالتّسبيح والتّكبير ما وقع في أداء الصّلاة من القصور والتّقصير، والإعتراف بعدم لياقة تلك العبادة وعدم تماميّتها، وحيث كان أداء العبادة ميسّرا بتوفيق الله تعالى لزم أداء شكر تلك النّعمة بالتّحميد وأن لا يرى مستحقّ العبادة غيره سبحانه وتعالى، فإذا كان أداء الصّلاة مقرونا بالشّرائط والآداب وحصل بعد ذلك تلافي التّقصيرات وشكر نعمة التّوفيق ونفي استحقاق العبادة عن غيره تعالى من صميم القلب بهذه الكلمات الطّيّبة فالمرجوّ أن تكون هذه الصّلاة لائقة بقبوله تبارك وتعالى وأن يكون صاحبها مصلّيا مفلحا، اللهمّ اجعلني من المصلّين المفلحين بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. (305) المكتوب الخامس والثّلاثمائة إلى المير محبّ الله المانك?وريّ في بيان أسرار الصّلاة والفرق بين صلاة المبتدئ والعامّيّ وبين صلاة المنتهي بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى اعلم أرشدك الله تعالى: أن تماميّة الصّلاة وكمالها عند الفقير عبارة عن إتيان فرائضها وواجباتها وسنتها ومستحبّاتها الّتي كلّها مبيّنة في الكتب الفقهيّة بالتّفصيل، وليس وراء هذه الامور الأربعة أمر آخر له مدخل في تماميّة الصّلاة فإنّ الخشوع في الصّلاة مندرج أيضا في هذه الأربعة، وخضوع القلب أيضا منوط بها. واكتفى جماعة بعلم هذه الامور واختاروا المساهلة والمداهنة في العمل بها فلا جرم قلّ نصيبهم من كمالات الصّلاة واهتمّ جماعة بحضور القلب مع الحقّ سبحانه وقلّ التفاتهم إلى آداب أعمال الجوارح، واقتصروا على الفرائض والسّنن، وهذه الجماعة أيضا لم يتنبّهوا على حقيقة الصّلاة ولم يعرفوها، وطلبوا كمال الصّلاة من غيرها PageV01P466 ولم يعدّوا (1) حضور القلب من جملة أحكام الصّلاة، وما ورد في الخبر من أنّه " لا صلاة الّا بحضور القلب " يمكن أن يكون المراد بالحضور حضور القلب مع هذه الامور الأربعة لئلّا يقع فتور في إتيان أمر من هذه الامور، ولا يقع في ذهن الفقير حضور وراء هذا الحضور. فإن قيل: إذا كان تماميّة الصّلاة وكمالها مربوطا بهذه الامور الأربعة ولم يكن أمر آخر وراءه ملحوظا في كمالها: ماذا يكون الفرق بين صلاة المبتدئ وبين صلاة المنتهي؟! بل بين صلاة العامّيّ الّتي تكون مقرونة بإتيان هذه الامور؟! قلت: إن الفرق من جهة العامل لا من جهة العمل فإنّ أجر عمل واحد يتفاوت بواسطة تفاوت عاملين بحيث يكون أجره إذا وقع من عامل مقبول محبوب أضعاف مضاعف ذلك الأجر إذا وقع من غيره لأنّ العامل كلّما يكون عظيم القدر يكون عمله جزيل الأجر ومن ههنا قالوا: «إنّ العمل المقرون بالرّياء من العارف أفضل من عمل المريد بالإخلاص " فكيف إذا كان عمل العارف مقرونا بالإخلاص ولهذا كان الصّدّيق الأكبر رضي الله عنه يطلب سهو النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم معتقدا أنّ سهوه أفضل من صوابه، وعمده حيث قال: «يا ليتني كنت سهو محمّد " متمنّيا أن يكون بكلّيّته سهوه عليه الصّلاة والسّلام، ومعتقدا أنّ أعماله التّامّة وأحواله الكاملة أنقص من سهوه صلّى الله عليه وسلّم في العمل فسأل بتمام التّمنّي أن تكون درجة تماميّة حسناته كدرجة سهوه عليه الصّلاة والسّلام وسهوه صلّى الله عليه وسلّم مثل سلامه على رأس ركعتين من رباعيّ الفرض بطريق السّهو كما روي، فصلاة المنتهي مع وجود النّتائج والثّمرات الدّنيويّة فيها يترتّب عليها أجر جزيل في الآخرة بخلاف صلاة المبتدئ والعامّيّ، (ع) ما نسبة الفرشيّ بالعرشيّ * ولنذكر نبذة من خصائص صلاة المنتهي ليقاس عليها غيرها: انّ المنتهي يجد لسانه أحيانا عند قراءة القرآن وإتيان التّسليمات والتّكبيرات كشجرة موسويّة ولا يرى قواه وجوارحه غير الآلات والوسائط، ويجد أحيانا أنّ تعلّق باطنه وحقيقته قد انقطع عن ظاهره وصورته بالتّمام، وصار ملحقا بعالم الغيب، وحصّل نسبة بالغيب مجهولة الكيفيّة، وإذا فرغ من الصّلاة يرجع ثانيا. أو نقول: في جواب أصل السّؤال: إنّ إتيان الامور الأربعة المذكورة على وجه الكمال إنّما هو نصيب المنتهي، والمبتدئ والعامّيّ بعيدان عن أن يكونا موفّقين لإتيانها على وجه الكمال، وإن كان ممكنا فإنّها لكبيرة الّا على الخاشعين، والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى PageV01P467 (306) المكتوب السّادس والثّلاثمائة إلى مولانا صالح في ذكر بعض مناقب المخدوم زاده الأكبر الخواجه محمّد صادق عليه الرّحمة والغفران وكمالاته والمخدومين الأصغرين الخواجه محمّد فرخ ومحمّد عيسى رحمهم الله وبيان فناء أرباب الولاية وعدم الاحتياج إليه في قرب النّبوّة وما يناسب ذلك الْحَمْدُ لله وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى ولعلّ أخانا ملّا صالح سمع واقعات أهل سرهند وقد اختار ولدي الأعظم رضي الله عنه مع أخويه الأصغرين محمّد فرخ ومحمّد عيسى أيضا سفر الآخرة إِنّا لله وإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ حمدا لله سبحانه أوّلا على ما أعطى الباقين القوّة والصّبر، وثانيا على ما جعل في البليّة سرّا ونعم ما قيل (شعر). إن كنت تؤذينى فلست بمعرض ... وقد استطبت من الأعزّة ذلّتى كان ولدي المرحوم آية من آيات الله ورحمة من رحمات ربّ العالمين، وقد نال في سنّ أربع وعشرين ما لم ينله إلّا الأقلّون، وبلغ رتبة المولويّة وملكة تدريس العلوم العقليّة والنّقليّة حدّ الكمال حتّى إنّ تلامذته يشتغلون بدرس البيضاويّ وشرح المواقف وأمثالهما بالقدرة التّامّة، وحكايات معرفته وعرفانه وقصص شهوده وكشوفه مستغنية عن البيان ومعلومكم أنّه في سنّ ثمان كان مغلوب الحال على نهج عالجه حضرة شيخنا قدّس سرّه لتسكين حاله بطعام السّوق الّذي هو مشكوك فيه ومشتبه. وقال: إنّ محبّتي لمحمّد صادق ليست هي لأحد وكذلك محبّته لنا ليست هي لأحد غيرنا ليعلم جلالة شأنه من هذا الكلام، وقد بلغ الولاية الموسويّة إلى النّقطة الأخيرة، وكان يبيّن عجائب تلك الولاية وغرائبها، وكان دائما خاضعا وخاشعا وملتجأ ومتضرّعا ومتذلّلا ومنكسرا وكان يقول: إنّ كلّا من أولياء الله تعالى طلب شيئا من الحقّ سبحانه وتعالى وأنا طلبت الإلتجاء والتّضرّع وما أكتب من محمّد فرخ قد كان ابن إحدى عشرة سنة وكان مشغولا بطلب العلم وكان يقرأ الكافية بالشّعور وكان مشفقا من عذاب الآخرة على الدّوام وكان يدعو بأن يفارق الدّنيا الدّنيّة في سنّ الطّفوليّة ليتخلّص من عذاب الآخرة وشاهد منه بعض الأصحاب الّذين كانوا يمرّضونه في مرض موته غرائب وعجائب وما أكتب من خوارق محمّد عيسى وكراماته الّتي رآها النّاس قبل بلوغه ثمانى سنة وبالجملة كانوا جواهر نفيسة مفوّضة إلى على سبيل الوديعة, لله سبحانه الحمد والمنّة سلّمت الأمانة إلى أهلها بلا كره ولا إكراه، اللهمّ لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلاة والتّسليمات، (ع) وأحسن ما يملى حديث الأحبّة * (اعلم) أنّ المقصود من الفناء الّذي هو عبارة عن نسيان ما سوى الحقّ تعالى هو زوال تعلّق المحبّة بما دون الحقّ سبحانه فإنّه إذا زالت ذوات الأشياء وصفاتها وأفعالها عن النّظر والإدراك يزول تعلّق المحبّة بما بالضّرورة ولا بدّ في طريق الولاية من نسيان السّوى ليزول التّعلّق بما دون الحقّ جلّ وعلا وفي مدارج PageV01P468 قرب النّبوّة لا حاجة في زوال التّعلّق بالأشياء إلى نسيان الأشياء أصلا فإنّ في قرب النّبوّة لا يبقى التّعلّق بالأصل الّذي هو حسن وجميل في حدّ ذاته اسما ولا رسما عن التّعلّق بالأشياء الّتي هي قبيحة لا حسن فيها في نفسها سواء نسيت الأشياء أو لا فإنّ صفة الذّمّ إنّما عرضت للعلم بالأشياء بواسطة قبح التّعلّق بها لكونه مستلزما للإعراض عن جناب قدسه تعالى فإذا زال التّعلّق بالأشياء زالت صفة الذّم عن العلم بها فلم يبق مذموما وكيف يكون العلم بالأشياء مذموما فإنّ الأشياء كلّها معلومات الحقّ جلّ سلطانه وعلمه بها من صفاته الكاملة. فإن قيل: إذا لم يكن العلم بما دون الحقّ جلّ وعلا زائلا فكيف يجتمع العلم بالحقّ تعالى مع العلم بما سواه سبحانه في وقت واحد فلا مندوحة إذا من نسيان ما سواه تعالى؟ قلت: انّ العلم المتعلّق بالأشياء من قبيل العلم الحصوليّ والعلم المتعلّق بحضرة الحقّ سبحانه وتعالى مشابه بالعلم الحضوريّ فكلا العلمين يجتمعان في وقت واحد ولا يلزم منه محذور أصلا وإنّما يلزم المحذور إذا كان كلا العلمين حصوليّين. (وإنّما) قلنا من قبيل العلم الحصوليّ ومشابه بالعلم الحضوريّ فإنّه ليس هناك حقيقة الحصول ولا مجال للحضور وعلمه تعالى المتعلّق بالأشياء ليس حصوليّا فإنّه لا حلول للحوادث في ذاته تعالى وصفاته ولا حصول وعلم مثل هذا العارف ظلّ من ذلك العلم والعلم المتعلّق بحضرة الحقّ سبحانه لا يمكن أن يقال إنّه حضوريّ فإنّه تعالى أقرب إلى المدركة من نفس المدركة أيضا والعلم الحضوريّ بالنّسبة إلى ذلك العلم كالعلم الحصوليّ بالنّسبة إلى العلم الحضوريّ وهذه المعرفة وراء طور العقل والفكر من لم يذق لم يدر فتقرّر أنّ العلم بالأشياء ليس بمناف للعلم بالحقّ فلا يكون نسيان الأشياء لازما أصلا بخلاف طريق الولاية فإنّ زوال علاقة الأشياء هناك غير متصوّر بدون نسيان الأشياء فإنّ في الولاية تعلّقا بالظّلال وليس في ذلك التّعلّق قدرة إزالة التّعلّق قدرة إزالةالتّعلّق بالأشياء مع وجود العلم بها فلا بدّ فيها أوّلا من نسيان الأشياء حتّى تزول التّعلّقات بها وهذه معرفة مخصوصة بهذا الدّرويش لم يتكلّم بها أحد، الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ. (307) المكتوب السّابع والثّلاثمائة إلى مولانا عبد الواحد اللّاهوريّ في بيان معنى الكلمة الطّيّبة سبحان الله وبحمده وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم بعد الحمد والصّلاة ينبغي أن يعلم أنّ ما يجده العابد وقت العبادة من الحسن والكمال في عبادته كلّ ذلك راجع إلى توفيق الله جلّ سلطانه ومن حسن تربيته وإحسانه تعالى وما يجده من النّقصان والقصور في العبادة كلّ ذلك عائد إلى نفس العابد ناش من خبثها الجبليّ ولا شيء PageV01P469 منها راجع إلى جناب قدسه تعالى أصلا بل هناك محض الخير والكمال وكذلك كلّما يقع في العالم حسنه وكماله راجع إلى جناب قدسه تعالى وشرّه، ونقصه عائد إلى دائرة الممكنات الّتي لها قدم راسخ في العدم الّذي هو منشأ جميع الشّرّ والنّقص، والكلمة الطّيّبة سبحان الله وبحمده مبيّنة لهذين الأمرين بأبلغ الوجوه ومنزّهة له سبحانه ومقدّسة إيّاه تعالى عمّا لا يليق بجناب قدسه تعالى من الشّرور والنّقائص كمال التّنزيه والتّقديس وبعبارة الحمد الواقعة فيها يؤدّي الشّكر على صفاته الحميدة وأفعاله الجميلة وعلى إنعاماته العديدة وإحساناته الجزيلة لكونه رأس كلّ شكر ولهذا ورد في الحديث (1) النّبويّ: انّ من قال هذه الكلمة الطّيّبة في يوم أو ليلة مائة مرّة لا يساويه أحد في العمل في ذلك اليوم أو اللّيلة الّا من قال هذه الكلمة الطّيّبة مثله وكيف يساويه فإنّ كلّ عمل وعبادة أداء شكر من شكره تعالى وقد أدّى بجزء واحد من هذه الكلمة وبقي الجزء الأخير منها الّذي هو لبيان تنزيهه وتقديسه سبحانه زائدا عليه فعليكم بإتيان هذه الكلمة كلّ يوم وليلة مائة مرّة والله سبحانه الموفّق. فإن قيل: قد ورد في الحديث النّبويّ صلّى الله عليه وسلّم سبحان الله (2) وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. وورد أيضا سبحان الله (3) ملء الميزان. وورد أيضا أضعاف ما حمده جميع خلقه ولم يقل القائل غير مرّة واحدة ولم يقع العدد غير فرد واحد فبأيّ اعتبار يقال عدد خلقه وما يكون معنى رضاء نفسه وكيف يكون زنة عرشه وكيف يصحّ أن يقال مداد كلماته وكيف يملأ به الميزان وبأيّ معنى يقال إنّه أضعاف ما حمده جميع خلقه؟ (قلت): إنّ الإنسان جامع عالم الخلق وعالم الأمر وكلّما هو في عالم الخلق والأمر فهو في الإنسان مع شيء زائد عليه وهو هيئته الوحدانيّة الّتي نشأت من تركّب الخلق والأمر وهذه الهيئة الوحدانيّة لم تتيسّر لشيء غيره وهي أعجوبة غريبة وأنموذجة بديعة فالحمد الّذي يقع من الإنسان يكون أضعاف حمد جميع الخلائق وعلى هذا القياس سائر الأسئلة فينبغي أن يكون المراد بجميع الخلق ما سوى الإنسان ولئن أدخلنا فيه الإنسان أيضا نقول انّ الانسان الكامل كما انّه يجد جميع أفراد العالم اجزاء نفسه كذلك يجد أفراد الانسان أيضا أجزاء نفسه ويرى نفسه كلّا للكلّ فعلى هذا التّقدير يجد حمد نفسه أضعاف حمد نفسه وأضعاف حمد جميع أفراد الإنسان أيضا. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (4) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصّلوات وأكمل التّحيّات. PageV01P470 (308) المكتوب الثّامن والثّلاثمائة إلى مولانا فيض الله الباني ?تى في بيان معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم: «كلمتان خفيفتان على اللّسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرّحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» اعلم أرشدك الله تعالى قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام: «كلمتان خفيفتان على اللّسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرّحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " وجه خفّتهما على اللّسان ظاهر لقلّة الحروف وأمّا وجه ثقلتهما في الميزان وكونهما حبيبتين إلى الرّحمن فلأنّ الجزء الأوّل من الكلمة الأولى يفيد تنزيهه تعالى وتقديسه سبحانه عمّا لا يليق بجناب قدسه عزّ وجلّ وإبعاد جناب كبريائه عن صفات النّقص وسمات الحدوث والزّوال. والجزء الثّاني من تلك الكلمة يفيد إثبات صفات الكمال وشئونات الجمال له تعالى سواء كانت الصّفات والشّئونات من الفضائل أو من الفواضل وجعل الإضافة للاستغراق في الجزءين يفيد ثبوت جميع التّنزيهات والتّقديسات وثبوت جميع صفات الكمال والجمال له تعالى فحاصل الجزءين من الكلمة الاولى إرجاع جميع التّنزيهات والتّقديسات لله سبحانه وإثبات جميع صفات الكمال والجمال له عزّ وجلّ، وحاصل جزئى الكلمة الثّانية إثبات جميع التّنزيهات والتّقديسات له تعالى مع إثبات العظمة والكبرياء له عزّ وجلّ وفيها إشارة إلى أنّ سلب النّقائص عنه تعالى ليس الّا لاجل عظمته وكبريائه سبحانه فلا جرم تكون الكلمتان ثقيلتين في الميزان حبيبتين إلى الرّحمن وأيضا إنّ التّسبيح مفتاح التّوبة بل زيادة التّوبة وخلاصتها كما حقّقت في بعض المكاتيب فيكون التّسبيح وسيلة إلى محو الذّنوب وعفو السّيّئات فلا جرم يكون ثقيلا في الميزان ومرجّحا لكفّة الحسنات وحبيبا إلى الرّحمن لأنّه سبحانه يحبّ العفو وأيضا إنّ المسبّح الحامد لمّا نزّه جناب قدسه عمّا لا يليق به وأثبت صفات الكمال والجمال له تعالى فالمرجوّ من الكريم الوهّاب جلّ شأنه أن ينزّه المسبّح عمّا لا يليق به ويوجد في الحامد صفة الكمال كما قال تعالى (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلّا الْإِحْسانُ) فلا جرم تكون الكلمتان ثقيلتين في الميزان لمحو السّيّئات بتكرارهما وحبيبتين إلى الرّحمن لوجود الأخلاق الحميدة بواسطتهما والسّلام. (309) المكتوب التّاسع والثّلاثمائة إلى مولانا الحاجّ محمّد الفركتيّ في بيان المحاسبة اليوميّة واللّيليّة كما ورد حاسبوا إلخ PageV01P471 بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات أنهيكم أنّ جماعة من المشائخ الكرام قدّس الله تعالى أسرارهم اختاروا طريق المحاسبة وكانوا في كلّ ليلة يطالعون قبيل النّوم دفتر أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم اليوميّة ويدركون حقيقة كلّ منها بالتّفصيل ويتداركون تقصيراتهم وسيّئاتهم بالتّوبة والإستغفار والإلتجاء والتّضرّع إلى العزيز الغفّار ويشتغلون بحمد الله تعالى وشكره على أعمالهم الصّالحة ويرجعون بها إلى توفيقه تعالى. كان صاحب الفتوحات المكّيّة قدّس سرّه من المحاسبين وقال: أنا زدت في محاسبتي على مشائخ اخر حتّى حاسبت خطراتي ونيّاتي وللتّسبيح والتّحميد والتّكبير (1) مائة مرّة قبيل النّوم على نهج ثبت عن المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام حكم المحاسبة عند الفقير وكان المسبّح يعتذر من تقصيراته وسيّئاته بتكرار كلمة التّسبيح الّتي هي مفتاح التّوبة وينزّه جانب قدسه تعالى ويقدّسه عمّا عاد إليه من ارتكابه السّيّئات فإنّ مرتكب السّيّئات إذا كان عظمة جانب قدس الآمر والنّاهي وكبريائه ملحوظة ومنظورة إليه ما كان يبادر إلى ترك امتثال أمره تعالى ولمّا بادر علم أنّه لا اعتداد ولا اعتبار عنده لامره ونهيه تعالى أعاذنا الله سبحانه من ذلك فبتكرار كلمة التّنزيه يتلافي هذا التّقصير (ينبغي) أن يعلم أنّ في الإستغفار طلب ستر الذّنب وفي تكرار كلمة التّنزيه طلب استيصال الذّنب أين هذا من ذاك سبحان الله كلمة عجيبة ألفاظها في غاية القلّة ومعانيها ومنافعها في غاية الكثرة وبتكرار كلمة التّحميد يؤدّى شكر نعمة توفيقه وسائر نعمه تعالى وتكرار كلمة التّكبير إشارة إلى أنّ جناب قدسه تعالى أعلى وأجلّ من أن يكون هذا الإعتذار والشّكر لائقا بحضرته سبحانه فإنّ اعتذار العبد واستغفاره محتاج إلى اعتذارات واستغفارات كثيرة وحمده راجع إليه سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين. المحاسبون يكتفون بالإستغفار والشّكر وبهذه الكلمات القدسيّة يحصل امر الاستغفار ويؤدّى الشّكر ويتيسّر الايماء إلى نقص الاستغفار والشّكر ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السّميع العليم وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه الطّاهرين وسلّم وبارك عليه وعليهم أجمعين. (310) المكتوب العاشر والثّلاثمائة إلى مولانا محمّد هاشم في بيان جامعيّة الإنسان مع بعض الأسرار الغامضة المتعلّقة بهذا المقام وما يناسب ذلك بعد الحمد والصّلوات ليعلم أنّ جميع ما في الإنسان من الكمالات مستفادة من مرتبة الوجوب تعالت وتقدّست فإن علما فمستفاد من علم تلك المرتبة وإن قدرة فمأخوذة من قدرة تلك المرتبة وعلى PageV01P472 هذا القياس. وأمّا كمال كلّ مرتبة فعلى مقدار تلك المرتبة فحكم علم الإنسان في جنب علم الواجب كحكم الميّت الّذي هو لا شيء محض بالنّسبة إلى حيّ بحياة أبديّة وكذلك قدرة العبد في جنب قدرة الواجب تعالى وتقدّس لها حكم قدرة العنكبوت الّذي ينسج بيته بالنّسبة إلى قدرة شخص تصير السّموات والأرضون والجبال والبحار دكّا دكّا وهباء منثورا بنفخته الواحدة ينبغي أن يقيس الكمالات الاخر على ذلك وهذا التّفاوت إنّما يقال من ضيق العبارة والّا فما النّسبة بينهما (ع) ما نسبة الفرشيّ بالعرشيّ * فصارت كمالات الإنسان في صورة كمالات مرتبة الوجوب تعالت وتقدّست ولم يحصل لهذه الكمالات من كمالات تلك المرتبة غير المشاركة في الإسم ومن ههنا ورد أنّ الله خلق آدم على صورته ومعنى من عرف نفسه فقد عرف ربّه يلوح من هذا البيان فإنّ جميع ما في نفس الإنسان وإن كان صورة هو الّذي حقيقته حاصلة في مرتبة الوجوب تعالت وتقدّست. ومن ههنا يعرف سرّ خلافة الإنسان فإنّ صورة الشّيء خليفة الشّيء وفي هذا المقام ظنّت الزّنادقة والمجسّمة أنّ الله عزّ وجلّ في صورة الإنسان وأثبتوا القوى والجوارح الإنسانيّة في حضرته جلّ سلطانه من عدم العقل ضلّوا فأضلّوا ولم يعلموا أنّ إطلاق الصّورة وأمثالها في تلك الحضرة من قبيل التّشبيه والتّمثيل لا على سبيل التّحقيق والتّثبيت فإنّ حقيقة الصّورة تقتضي التّبعّض والتّركّب والتّجزّي وكلّ ذلك مناف للوجوب ومانع للقدم. والمتشابهات القرآنيّة أيضا مصروفات عن الظّواهر ومحمولات على التّأويل قال الله تعالى (وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلّا الله) يعني لا يعلم تأويل المتشابه الّا الله فعلم من هذا أنّ المتشابه محمول على التّأويل عند الله تعالى أيضا ومصروف عن الظّاهر وأنّه تعالى يعطي العلماء الرّاسخين أيضا نصيبا من علم هذا التّأويل كما أنّه سبحانه يطلع خواصّ رسله على علم الغيب الّذى هو مخصوص به تعالى وايّاك والتّخيّل انّ هذا التّأويل كتأويل اليد بالقدرة والوجه بالذّات حاشا وكلّا بل إنّ هذا التّأويل من الأسرار الّتي يمنح الله علمها أخصّ الخواصّ. وينبغي أن يعلم أنّ صاحب الفتوحات المكّيّة واتباعه يقولون إنّ صفات الواجب تعالى وتقدّس كما أنّها عين الذّات كذلك بعضها عين البعض الآخر مثلا العلم كما أنّه عين الذّات كذلك هو عين القدرة وعين الإرادة وعين السّمع وعين البصر وعلى هذا القياس سائر الصّفات وهذا الكلام عند الفقير بعيد عن الصّواب فإنّ هذا الكلام مبنيّ على نفي وجود الصّفات الزّائدة وهو خلاف مذهب أهل السّنّة والجماعة فإنّ الصّفات الثّمان أو السّبع على وفق آراء هؤلاء الأكابر موجودة في الخارج ولعلّ توهّم عينيّة الذّات والصّفات الواجبيّة نشأ فيهم من تخيّلهم تغاير ما في ذاك الموطن وتباينه كتغاير ما في هذا الموطن وتباينه ولمّا لم يجدوا في ذاك الموطن تغايرا وتباينا كتغاير هذا الموطن وتباينه الّذى هى بين ذواتنا وصفاتنا ولم يروا هناك تمايزا مشابها لتمايز هذا الموطن لا جرم حكموا بنفي التّغاير والتّمايز وقالوا بعينيّة بعضها بعضا ولم يدروا أنّ تمايز ذلك الموطن وتغايره مثل ذات الواجب وصفاته تعالى لا كيفيّ ولا مثليّ ولا مناسبة بين ذاك التّمايز وبين هذا التّمايز الّا بحسب الصّورة والإسم فيكون التّمايز والتّباين متحقّقا في ذلك PageV01P473 الموطن ونحن عاجزون عن إدراكه لا إنّا ننفي كلّ ما لا ندركه ونخالف بذلك أهل التّحقيق والله سبحانه الملهم للصّواب. (311) المكتوب الحادي عشر والثّلاثمائة إلى المخدوم ذاده الخواجه محمّد سعيد في بيان الأسرار الغامضة والحقائق النّادرة المتعلّقة بالحروف المقطّعات الّتي هي من المتشابهات القرآنيّة الّتي للعلماء الرّاسخين اطّلاع عليها بطريق الرّمز والإشارة اللهمّ (شعر) هاى دو جشمى ست مربي ... همجو ألف رب حبيب خدا لام مربي خليل الله ست ... ميم ز تدبير كليم آكه ست مبدأ أمر الكليم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام حقيقة الألف ومبدأ معاملة هذا الحقير أيضا بتبعيّته ووراثته حقيقة الألف ولكنّ رجوع الكليم عليهم السّلام إلى حقيقة الميم ورجوع الحقير إلى حقيقة الهاء ذات عينين ومرجعي وملاذي الآن هو حقيقة الهاء وهذه الحقيقة هي الّتي يعبّر عنها بغيب الهويّة وهذه الحقيقة خزينة الرّحمة ومستقرّ الرّحمة الواحدة الّتي وسعت كلّ شيء في الدّنيا ومستودع التّسعة والتّسعين رحمة الّتي ادّخرت للعقبى كلّها هو هذه الحقيقة فكأنّ إحدى عينيها مخزن رحمة الدّنيا والاخرى خزينة رحمة الاخرى وصفة أرحم الرّاحمين تتشعّب من هذه الحقيقة وفي ذلك الموطن ظهور جمال صرف لم يتطرّق إليه شائبة من الجلال وجميع ما يصيب الأولياء في الدّنيا من المحنة والغمّ والحزن تربية جماليّة ظاهرة في صورة الجلال وكلّما اعطى الاعداء من جنس النّعمة والفرح والسّرور في الدّنيا ظهور جلال مورّي بالجمال هذا هو المكر الإلهيّ جلّ سلطانه يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا ومبدأ امر خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام حقيقة فوق حقيقة الألف وكذلك مبدأ أمر الخليل أيضا هو هذه الحقيقة الفوقانيّة. غاية ما في الباب أنّ حقيقة مبدأ خاتم الرّسل إجمال تلك الحقيقة وحقيقة مبدأ الخليل تفصيلها ومرجع خاتم الرّسل عليه الصّلاة والسّلام حقيقة الألف. ومرجع الخليل عليه السّلام حقيقة اللّام وذلك لأنّ مناسبة الإجمال للوحدة أكثر فلا جرم تيسّر الرّجوع إلى الألف الّذي هو قريب من الوحدة ومناسبة التّفصيل للكثرة أزيد فبالضّرورة كان رجوعه إلى اللّام الّذي هو قريب من الكثرة فإبراهيم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام كان كثير البركة في المبدأ وفي المعاد والمرجع ومن ههنا سأل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم صلاة وبركة مماثلتين لصلاة الخليل وبركته عليه السّلام وربّ خاتم الرّسل في أسماء PageV01P474 الله الحسنى الّتي رتبتها فوق رتبة الصّفات الإسم المبارك الله تعالى شأنه وربّ هذا الحقير الإسم المبارك الرّحمن جلّ وعلا. وحيث كان لهذا الحقير مناسبة للكليم في المبدأ وصل منه إليه بركات كثيرة وإن لم تكن ولاية هذا الحقير ولاية موسويّة ولكنّه مملوء من بركات تلك الولاية وحصل له ترقّيات كثيرة من هذا الطّريق. والإستفادة الّتي حصلت لهذا الحقير من تلك الولاية من طريق إجمال تلك الولاية واستفادة ولدي الأعظم عليه الرّحمة من طريق تفصيلها وولاية هذا الفقير المستفادة من الولاية الموسويّة شبيهة بولاية رجل مؤمن من آل فرعون وولاية ولدي الأعظم شبيهة بولاية سحرة فرعون الّذين آمنوا. (312) المكتوب الثّاني عشر والثّلاثمائة إلى المير محمّد نعمان في أجوبة أسئلته من جملتها السّؤال عن تحقيق الإشارة في التّشهّد عند الحنفيّة الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين وعباد الله الصّالحين وصلت الصّحيفة الشّريفة المرسلة مع ملّا محمود فأورثت فرحا وافرا وسألت أنّ العلماء يقولون إنّ بقعة الرّوضة (1) المتبرّكة المدنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة أعظم يعني قدرا من مكّة المعظّمة وكيف تكون بقعة الرّوضة المتبرّكة أعظم منها مع كون صورة الكعبة وحقيقتها مسجودا إليهما للصّورة والحقيقة المحمّديّتين عليه الصّلاة والتّحيّة؟ أيّها المخدوم: إنّ ما ثبت عند الفقير هو أنّ خير البقاع الكعبة المعظّمة ثمّ بعدها الرّوضة المقدّسة النّبويّة المدنيّة على صاحبها الصّلاة والتّحيّة ثمّ بعدها أرض الحرم المكّيّ حرسها الله تعالى عن الآفات فإن قال العلماء بأفضليّة الرّوضة المتبرّكة على مكّة المعظّمة ينبغي أن يكون مرادهم بذلك ما سوى أرض الكعبة المقدّسة. وسألت أنّ ملازمي مولانا المرحوم أعلم الله كتبوا رسالة في مادّة تجويز الإشارة بالسّبّابة وقد أرسلت الرّسالة المذكورة فبم تشير في هذا الباب؟ PageV01P475 أيّها المخدوم: إنّ الأحاديث النّبويّة في باب تجويز الإشارة بالسّبّابة كثيرة (1) جدّا وورد بعض الرّوايات الفقهيّة الحنفيّة أيضا في هذا الباب كما أوردها مولانا في رسالته وإذا لوحظت الكتب الفقهيّة الحنفيّة ملاحظة جيّدة يعلم أنّ روايات جواز الإشارة غير روايات الاصول وغير ظاهر المذهب وما قال الإمام محمّد الشّيبانيّ رحمه الله كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يشير ونصنع كما يصنع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمّ قال: وهذا قولي وقول أبي حنيفة رضي الله عنه من روايات النّوادر لا من روايات الاصول في الفتاوى الغرائب في المحيط هل يشير بإصبعه السّبّابة من يده اليمنى لم يذكر محمّد هذه المسألة في الأصل وقد اختلف المشائخ فيها منهم من قال لا يشير ومنهم من قال يشير وذكر محمّد في غير الاصول حديثا عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه كان يشير ثمّ قال هذا قولى وقول ابى حنيفة رضى الله عنهما وقد قيل انّه سنّة وقيل مستحبّ ثمّ قال فيها هذا ما ذكروا والتّصحيح أنّ الإشارة حرام وفي السّراجيّة: ويكره أن يشير بالسّبّابة في الصّلاة عند قوله أشهد أن لا إله إلّا الله هو المختار وفي الكبرى وعليه الفتوى؛ لأنّ مبنى الصّلاة على السّكون والوقار وفي الغياثيّة من الفتاوى لا يشير بالسّبّابة عند التّشهّد هو المختار وعليه الفتوى وفي جامع الرّموز لا يشير ولا يعقد وهو ظاهر (2) أصول أصحابنا كما في الزّاهديّ وعليه الفتوى كما في المضمرات والولوالجيّ والخلاصة وغيرها وعن أصحابنا جميعا أنّه سنّة في خزانة الرّوايات من التّتارخانيّة ثمّ إذا أخذ في التّشهّد وانتهى إلى قوله أشهد أن لا إله الّا الله هل يشير باصبعه السّبّابة من اليد اليمنى لم يذكره محمّد في الاصل فقد اختلف المشائخ فيه منهم من قال لا يشير وفي الكبرى وعليه الفتوى ومنهم من قال يشير وفي الغياثيّة ولا يشير بالسّبّابة عند التّشهّد هو المختار اهـ. PageV01P476 وحيث ذكرت حرمة الإشارة في الرّوايات (1) المعتبرة وأفتوا بكراهتها ونهوا عنها وقالوا: إنّها ظاهر أصول أصحابنا لا يجوز لامثالنا المقلّدين الجراءة على الإشارة عملا بمقتضى الأحاديث وارتكاب أمر محرّم أو مكروه أو منهيّ عنه بفتاوى كثير من العلماء المجتهدين ومرتكب هذا الأمر من الحنفيّة لا يخلو من أحد الحالين إمّا أن لا يثبت للعلماء المجتهدين علم الأحاديث المعروفة الواردة في جواز الإشارة وإمّا أن يقول بعدم عمل هؤلاء الأكابر بمقتضى هذه الأحاديث مع عملهم بورودها وثبوتها عندهم ويظنّ أنّهم حكموا بالحرمة والكراهة على خلاف الأحاديث بمقتضى آرائهم وكلّ من هذين الشّقّين فاسد لا يجوّزهما الّا سفيه ومعاند. (2) وما قال في ترغيب الصّلاة انّ رفع اصبع الشّهادة في التّشهّد سنّة العلماء المتقدّمين وأمّا العلماء المتأخّرون فقد نهوا عنها وذلك لأنّهم لمّا رأوا غلوّ الرّوافض فيها تركوها خوفا من تهمة السّنّيّ بالرّفض مخالف لروايات الكتب المعتبرة فإنّ ظاهر أصول أصحابنا عدم الإشارة وعدم الإشارة وعدم العقد فكأنّ عدم الإشارة سنّة العلماء المتقدّمين ولم يكن وجه التّرك نفي التّهمة وحسن ظنّنا بهؤلاء الأكابر هو أنّهم إن لم يظهر لهم في هذا الباب دليل الحرمة والكراهة لما حكموا بهما وحيث قالوا بعد ذكر سنّيّة الإشارة واستحبابيّتها هذا ما ذكروا والصّحيح أنّ الإشارة حرام علم أنّ أدلّة سنّيّة الإشارة واستحبابيّتها لم تبلغ عند هؤلاء الأكابر مرتبة الصّحّة بل صحّت خلافها. غاية ما في الباب أنّه لا دليل لنا على ذلك وهذا لا يستلزم القدح في هؤلاء الأكابر. فإن قيل: إنّ لنا دليلا على خلاف ذلك. (قلنا) إنّ علم المقلّة غير معتبر في إثبات الحلّ والحرمة وإنّما المعتبر في هذا الباب هو ظنّ المجتهد (3) والقول في حقّ أدلّة المجتهد انّها أوهن من بيت العنكبوت جراءة عظيمة وترجيح لعلمه على علم هؤلاء الأكابر وإبطال لظاهر أصول أصحابنا الحنفيّة وتخريب للرّوايات المفتى بها وهؤلاء الأكابر حكموا بشذوذ هذه الأحاديث فإنّهم لقرب عهدهم ووفور علمهم وحصول الورع والتّقوى لهم أعلم بها من أمثالنا العاجزين وأعرف منّا بصحّتها وسقمها ونسخها وعدم PageV01P477 نسخها ولهم في ترك العمل بمقتضى هذه الأحاديث وجه موجّه ألبتّة ومبلغ علم أمثالنا قاصري الفهم أنّ بين رواة الأحاديث اختلافا كثيرا في كيفيّة الإشارة والعقد، وكثرة اختلافهم هذه أورثت اضطرابا في نفس الإشارة فمن بعض الرّوايات يفهم ثبوت الإشارة بلا عقد (1) ومن قال بالإشارة مع العقد ففي بعض الرّوايات جعل العقد ثلاثة (2) وخمسين وفي بعضها عقد ثلاثة (3) وعشرين وبعضهم روى بقبض الخنصر (4) والبنصر وحلق الإبهام والوسطي والإشارة بالسّبّابة وفي رواية بمجرّد وضع الإبهام على الوسطي وورد في بعض الرّوايات (5) أنّه يشير بوضع اليد اليمنى على الفخذ اليسرى واليد اليسرى على الفخذ اليمنى وفى رواية اخرى انّه يشير واضعا يده اليمنى على ظهر يده اليسرى والرّسغ على الرّسغ والسّاعد على السّاعد وفي بعض الرّوايات أنّه يشير بقبض جميع (6) الأصابع وفي بعض الرّواية أنّها من غير (7) تحريك السّبّابة وفي بعض الرّوايات بإثبات التّحريك والواقع في بعض الرّواية أنّها وقت قراءة التّشهّد (8) من غير تعيين وفي بعضها أنّها وقت التّكلّم بكلمة الشّهادة وفي بعض الرّواية مقيّدة بوقت (9) الدّعاء أعني: يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك. ولمّا رأى العلماء الحنفيّة اضطراب الرّواة في كيفيّة الإشارة لم يثبتوا فعلا زائدا في الصّلاة على خلاف القياس وهو أنّ بناء الصّلاة على السّكون والوقار وأيضا أنّ توجيه الأصابع نحو القبلة مهما أمكن سنّة كما قال عليه الصّلاة والسّلام وليوجّه (10) من أعضائه القبلة ما استطاع. فإن قيل: إنّ كثرة الإختلاف إنّما يورث الإضطراب إذا لم يمكن التّوفيق بين الرّوايات والتّوفيق فيما نحن فيه ممكن فإنّه يمكن أن يفعل جميع ما ورد في جميع الرّوايات في أوقات مختلفة. PageV01P478 (قلنا) قد وقع في أكثر الرّوايات لفظ كان وهو عند غير المنطقيّين من الأدوات الكلّيّة فلا يمكن التّوفيق وما نقل عن الإمام الأعظم من قوله إذا وجدتم حديثا مخالفا لقولي فاتركوا قولي واعملوا بالحديث فالمراد بهذا الحديث حديث لم يبلغ الإمام وحكم بخلافه بناء على عدم علمه به وأحاديث الإشارة ليست من هذا القبيل فإنّها أحاديث معروفة ليس فيها احتمال عدم العلم. (1) فإن قيل: إنّ العلماء الحنفيّة قد أفتوا بجواز الإشارة أيضا فينبغي أن يجوز العمل بكلّ منهما على مقتضى الفتاوى المتعارضة. (قلنا) إذا وقع التّعارض بين الجواز وعدم الجواز وبين الحلّ والحرمة فالتّرجيح في جانب عدم الجواز وعدم الحرمة وأيضا قال الشّيخ ابن الهمام في أحاديث رفع اليدين انّها معارضة لاحاديث عدم الرّفع فترجّح أحاديث عدم الرّفع بالقياس فإنّ مبنى الصّلاة على السّكون والخشوع الّذي هو مطلوب ومرغوب فيه بالإجماع. والعجب من الشّيخ ابن الهمام أنّه قال وعن كثير من المشائخ عدم الإشارة وهو خلاف الرّواية والدّراية كيف نسب الجهل إلى العلماء المجتهدين المتمسّكين بالقياس الّذي هو الأصل الرّابع من أدلّة الشّرع وهو ظاهر المذهب وظاهر الرّواية عن أبي حنيفة. وهذا الشّيخ قد ضعّف حديث القلّتين بالاضطراب الحاصل من كثرة اختلاف الرّواية. ويكتب ولدي الأرشد محمّد سعيد رسالة في هذا الباب (2) فإذا نقلت إلى البياض نرسلها إن شاء الله تعالى. وكتبت انّ من طالبي الطّريقة جماعة في كلّ طرف ولم أتجاسر على إجازة أحد منهم بتعليم الطّريقة في محلّ أصلا فننظر بما تكون الإشارة. فاعلم أنّ كلّ من ترونه مناسبا يكون رئيس حلقة جماعة وهذا الأمر مفوّض إلى رأيكم وليصدر الأمر بعد الإستخارة والتّوجّه والسّلام عليكم وعلى من لديكم. (313) المكتوب الثّالث عشر والثّلاثمائة إلى الخواجه محمّد هاشم في حلّ أسئلة كتبها وهي سبعة وأمر ختم هذا المجلّد من المكتوبات بهذا المكتوب لموافقة عددها لعدد الأنبياء المرسلين وعدد أصحاب بدر وأمر بكتابة عرائض المخدوم زاده الأعظم عليه الرّحمة في آخر هذه المكتوبات ليذكره النّاظرون بالدّعاء وقراءة الفاتحة لروحه بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليعلم أخونا الخواجه محمّد هاشم أنّ الأسئلة الّتي اندرجت في مكتوب المير محبّ الله وطلبت حلّها نكتب في جوابها ما هو معلوم لنا ونرسله. (حاصل السّؤال الأوّل) أنّ القرب الإلهيّ جلّ سلطانه بحسب الفناء والبقاء وطيّ جميع مقامات الجذبة والسّلوك. PageV01P479 والأصحاب الكرام قد فضّلوا على جميع أولياء الامّة بصحبة خير الأنام عليه وعليهم الصّلاة والسّلام مرّة واحدة فهل هذا السّير والسّلوك والفناء والبقاء حصلت لهم في تلك الصّحبة الواحدة وكانت أفضل من جميع السّير والسّلوك والفناء والبقاء. وأيضا هل حصل لهم الفناء والبقاء بتوجّهه وتصرّفه عليه الصّلاة والسّلام أو بمجرّد دخولهم في الإسلام (وأيضا) هل كان لهم علم بالسّلوك والجذبة حالا ومقاما أو لا. فإن كان فبأيّ اسم سمّوه وإن لم يكن لهم طريق السّلوك والجذبة فيمكن أن نقول لهذا بدعة حسنة. (اعلم) أنّ حلّ هذا المشكل منوط بالصّحبة وموقوف على الخدمة فإنّ الكلام الّذي لم يتكلّم به أحد في هذه المدّة كيف يكون مفهوما ومعقولا لكم بكتابة واحدة ولكن لمّا سألتم لا بدّ من الجواب ومن حلّه على وجه الإجمال بالضّرورة فينبغي الإصغاء إليه. (اعلم) أنّ القرب الّذي هو منوط بالفناء والبقاء والسّلوك والجذبة هو قرب الولاية الّذي تشرّف به أولياء الامّة والقرب الّذي تيسّر للأصحاب الكرام في صحبة خير الأنام عليه وعليهم الصّلاة والسّلام هو قرب النّبوّة حصل لهم بطريق التّبعيّة والوراثة ولا فناء في هذا القرب ولا بقاء ولا جذبة ولا سلوك وهذا القرب أفضل من قرب الولاية وأعلى منه بمراتب فإنّ هذا القرب قرب الأصل وذلك القرب قرب الظّلال شتّان ما بينهما ولكن لا يدرك فهم كلّ أحد مذاق هذه المعرفة كاد الخواصّ أن يشاركوا العوامّ في عدم فهم هذه المعرفة، شعر: كربو على نواى قلندر نواختى ... صوفى بدى هر آنكه بعالم قلندرست نعم: إذا وقع العروج إلى ذروة كمالات قرب النّبوّة من طريق الولاية فلا مندوحة حينئذ من الفناء والبقاء والجذبة والسّلوك فإنّ هذه مباد ومعدّات لذلك القرب وأمّا إذا لم يكن السّير من هذا الطّريق بل وقع الإختيار على الطّريق السّلطانيّ لقرب النّبوّة فلا حاجة حينئذ إلى الفناء والبقاء والجذبة والسّلوك وسير الأصحاب الكرام من طريق قرب النّبوّة السّلطانيّ فلم يحتاجوا إلى الجذبة والسّلوك والفناء والبقاء وليطلب بيان هذه المعرفة من المكتوب المحرّر باسم أمان الله وما كتبه الفقير في مواضع من مكتوباته ورسائله من أنّ معاملتي فيما وراء السّلوك والجذبة ووراء الظّهورات والتّجلّيات المراد به هو هذا القرب فإنّي حين كنت في ملازمة حضرة شيخنا قدّس سرّه أخذت هذه الدّولة في الظّهور فعرضتها عليه بهذه العبارة قد ظهر لي أمر السّير الأنفسيّ بالنّسبة إلى هذا الأمر كالسّير الآفاقيّ بالنّسبة إلى السّير الأنفسيّ ولم أجد حينئذ في نفسي قدرة التّعبير عن هذه الدّولة بأزيد من هذه العبارة ولمّا صارت هذه المعاملة العجيبة بعد سنين منقّحة ومحرّرة حرّرتها بعبارة مجملة الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ فتكون عبارات (1) الفناء والبقاء والجذبة والسّلوك محدثة ومن مخترعات PageV01P480 المشائخ ذكر المولويّ الجاميّ في النّفحات أنّ أوّل من تكلّم عن الفناء والبقاء أبو سعيد الخرّاز قدّس سرّه. (وحاصل السّؤال الثّاني) أنّ في الطّريقة النّقشبنديّة العليّة التزام اتّباع السّنّة السّنيّة النّبويّة والحال أنّه عليه الصّلاة والسّلام والتّحيّة صدر عنه رياضات عجيبة ومجاهدات شديدة كالجوع الشّديد وفي هذا الطّريق يمنعون عن الرّياضة بل يرونها بواسطة ظهور الكشوفات الصّوريّة بها مضرّة والعجب أنّه كيف يتصوّر احتمال الضّرر في اتّباع السّنّة؟ (أيّها المحبّ) من قال إنّ الرّياضة ممنوعة في هذا الطّريق ومن أين سمع أنّهم يرون الرّياضة مضرّة وفي هذا الطّريق دوام المحافظة على اتّباع السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة والسّعي في ستر الأحوال واختيار توسّط الحال ورعاية حدّ الإعتدال في المطاعم والملابس وسائر الأفعال كلّ ذلك من الرّياضات الشّاقّة والمجاهدات الشّديدة. (غاية) ما في الباب أنّ العوامّ كالأنعام لا يعدّون هذه الامور من الرّياضات ولا يرونها من المجاهدات بل الرّياضة والمجاهدة منحصرة عندهم في الجوع وكثرة الجوع عظيم القدر في نظرهم فإنّ الأكل عند هؤلاء المتّصفين بصفات البهائم من أهمّ المهامّ وأعظم المقاصد فلا جرم يكون تركه من الرّياضة الشّاقّة والمجاهدة الشّديدة عندهم بخلاف المحافظة على السّنّة والتزام متابعتها وأمثالها فإنّ هذه الامور لا قدر لها عند العوامّ ولا اعتداد بها حتّى يرون تركها من المنكرات وتحصيلها من الرّياضات فاللّازم لأكابر هذه الطّريقة أن يجتهدوا في ستر الأحوال وترك الرّياضة الّتي هي عظيمة القدر عند العوامّ وباعثة على قبول الأنام ومستلزمة للشّهرة المتضمّنة على الآفات العظام قال عليه الصّلاة والسّلام «بحسب (1) امرئ من الشّرّ الّا من عصمه الله أن يشير النّاس إليه بالأصابع في دينه ودنياه». وعند الفقير الجوع الكثير أسهل وأيسر جدّا من مراعاة حدّ الإعتدال في المأكولات. ورياضة رعاية توسّط الحال مستحقّة لأن تكون أزيد وأفضل من رياضة كثرة الجوع. قال حضرة والدي الماجد قدّس سرّه: رأيت في علم السّلوك رسالة ورأيت فيها أنّ رعاية حدّ الإعتدال في المأكولات والمحافظة على الحدّ الوسط فيها كافية في الوصول إلى المطلوب لا حاجة مع هذه المراعاة إلى الذّكر والفكر والحقّ أنّ توسّط الحال في المطاعم والملابس بل جميع الامور حسنة وجميلة جدّا، (شعر): إيّاك والأكل حتّى يحدث الثّقل ... ولا تجوعنّ إلى أن يضعف البدن PageV01P481 وقد أعطي الحقّ سبحانه نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام قوّة أربعين رجلا فكان صلّى الله عليه وسلّم يتحمّل بهذه القوّة ثقل الجوع. والأصحاب الكرام رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يتحمّلون هذا الثّقل ببركة صحبة خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ولم يقع فتور وخلل في أعمالهم وأفعالهم أصلا وكانت قدرتهم على محاربة الأعداء مع وجود الجوع على نهج لا تبلغ قدرة أهل الشّبع عشرها ومن ههنا غلّب العشرون من الصّابرين على مائتين من الكفّار ومائة منهم على ألف منهم وأهل الجوع من غير الصّحابة يكادون يعجزون عن إتيان الآداب والسّنن بل ربّما يخرجون عن عهدة الفرائض بالتّكلّف فتقليد الصّحابة في هذا الأمر بلا قدرة تعرّض للعجز عن إتيان السّنن والفرائض (نقل) عن الصّدّيق الأكبر رضي الله عنه أنّه اختار صوم الوصال تقليدا (1) للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسقط من الضّعف وعدم القوّة على الأرض من غير اختيار فقال عليه الصّلاة والسّلام على سبيل الإعتراض " أنا لست كأحدكم أبيت عند ربّي فيطعمني ويسقيني». فلم يستحسن التّقليد بلا قدرة وأيضا إنّ الأصحاب الكرام كانوا محفوظين ومأمونين من المضرّات المتولّدة من كثرة الجوع ببركة صحبة خير الأنام عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وليس ذلك ميسّرا لغيرهم بيانه: إنّ كثرة الجوع مورثة للصّفاء ألبتّة تورث طائفة صفاء القلب وجماعة صفاء النّفس، وصفاء القلب يزيد الهداية ويورث النّور وصفاء النّفس يستتبع الضّلالة ويزيد الظّلمة ألا ترى أنّ فلاسفة اليونان وبراهمة الهنود وجوكيّتهم أورثت الرّياضة كلّهم صفاء النّفس ودلّتهم بذلك على طريق الضّلالة وجرّتهم إلى الخسارة حتّى اعتمد أفلاطون الأحمق على صفاء نفسه وجعل الصّور الكشفيّة الخياليّة مقتداه فأعجب بنفسه ولم يصدّق عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وكان مبعوثا في زمنه وقال: نحن قوم مهديّون لا حاجة بنا إلى من يهدينا فإن لم يكن فيه هذا الصّفاء الموجب لزيادة الظّلمة لما كانت الصّور الكشفيّة الخياليّة سدّة في طريقه ومانعة له عن الوصول إلى المطلب وقد وجد هو نفسه بسبب هذا الصّفاء نورانيّا ولم يعلم أنّ ذلك الصّفاء لم يجاوز القشر الرّقيق من نفسه الأمّارة وانّها على خبثها ونجاستها ولم يزد فيها شيئا سوى أن تكون كنجاسة مغلّظة مغلّفة بغلاف رقيق من السّكر (والقلب) الّذي هو نورانيّ في حدّ PageV01P482 ذاته وطاهر وإنّما قعد على وجهه غبار من مجاورته النّفس الظّلمانيّة يرجع إلى حاله الأصليّ بقليل من التّصفية ويصير نورانيّا بخلاف النّفس فإنّها خبيثة في حدّ ذاتها والظّلمة من صفاتها الذّاتيّة وما لم تزكّ ولم تطهّر بسياسة القلب بل باتّباع السّنّة والتزام الشّريعة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة بل بمحض فضل الله سبحانه لا يزول عنها خبثها الذّاتيّ ولا يتصوّر عنها الفلاح والخير وأفلاطون قد ظنّ صفاءه الّذي تعلّق بنفسه الأمّارة كصفاء القلب العيسويّ فتخيّل نفسه بالضّرورة مهذّبا ومطهّرا مثله وحرم من دولة متابعته عليه السّلام وصار متّسما بسمة الخسارة الأبديّة أعاذنا الله سبحانه من هذا البلاء، ولمّا كانت هذه المضرّة مضمرة ومكمونة في طبيعة الجوع ترك أكابر هذه الطّريقة قدّس الله أسرارهم رياضة الجوع واختاروا رياضة الإعتدال في المطعومات ومجاهدة رعاية الإقتصاد في سائر الحالات وتركوا منافع الجوع لإحتمال الضّرر العظيم وترتّب الآفات، والآخرون لاحظوا منافعه وأغمضوا عن مضارّه فرغبوا فيه ومن المقرّر عند العقلاء أنّه يترك المنافع الكثيرة لإحتمال المضرّة اليسيرة وقريب من هذه المقالة ما قاله العلماء شكر الله سعيهم: إنّ الأمر إذا دار بين السّنّة والبدعة الأفضل ترك هذا الأمر لإحتمال كونه بدعة دون إتيانه بسبب احتمال كونه سنّة يعني أنّ في احتمال كونه بدعة احتمال الضّرر وفي احتمال كونه سنّة توقّع المنافع فينبغي تركه ترجيحا لإحتمال الضّرر على توقّع المنافع فلا عجب لو عرض الضّرر في إتيان السّنّة من طريق آخر (وحقيقة هذا الكلام) هي أنّ هذه السّنّة كأنّها كانت موقّتة بذلك القرن ولمّا لم يجد جماعة كونها موقّتة بواسطة الدّقّة والخفاء بادروا على فعلها بالتّقليد وجماعة لمّا وجدوها موقّتة تركوا التّقليد فيها والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. (والسّؤال الثّالث) قد ذكر في كتب أكابر هذه الطّريقة أنّ نسبتنا منسوبة إلى الصّدّيق رضي الله عنه بخلاف سائر الطّرق فإن قال مدّع: إنّ أكثر الطّرق واصل إلى الإمام جعفر الصّادق وهو منسوب إلى الصّدّيق فلم لا ننسب بقيّة الطّرق أيضا إلى الصّدّيق؟ (الجواب) انّ للامام نسبة من الصّدّيق ونسبة من عليّ رضي الله تعالى عنهما وكمالات كلّ واحدة من هاتين النّسبتين مع وجود اجتماعهما في الإمام على حدة ومتميّز بعضها عن بعض فأخذت طائفة عنه النّسبة الصّدّيقيّة بواسطة المناسبة الصّدّيقيّة وانتسبوا إلى الصّدّيق وأخذت جماعة عنه أيضا النّسبة العلويّة بالمناسبة العلويّة وانتسبوا إلى عليّ كرّم الله وجهه وقد كنت ذهبت بلدة بنارس لحاجة ما وهناك يجتمع نهر كنك مع نهر جمن ومع هذا الإجتماع يشاهد أنّ نهر كنك غير مختلط بنهر جمن بل متمايز عنه بحيث يتوهّم أن بينهما برزخا يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، والّذين هم في طرف نهر كنك يشربون من نهر كنك والّذين هم على طرف نهر جمن يشربون من ماء نهر جمن. فإن قيل: إنّ الخواجه محمّد ?ارسا قدّس سرّه قد حقّق في رسالته القدسيّة أنّ الإمام عليّا كرّم الله وجهه كما أنّه وجد التّربية من خاتم الرّسالة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة كذلك وجد التّربية من PageV01P483 الصّدّيق رضي الله عنه فتكون نسبة عليّ عين نسبة الصّدّيق فماذا يكون الفرق بينهما؟ قلنا: انّ خصوصيّات المحالّ مع وجود اتّحاد النّسبة باقية على حالها وقد يعرض لماء واحد بواسطة تعدّد المحالّ خصوصيّات متميّزة فيجوز أن ينسب إلى كلّ منهما طريق بالنّظر إلى خصوصيّة كلّ منهما. (وحاصل السّؤال الرّابع) هو أنّه قد حرّر في مكتوب ملّا محمّد صدّيق أنّه إذا كان لشخص استعداد الولاية الموسويّة لا يدرى أنّ صاحب تصرّف هل يقدر على إخراجه إلى الولاية المحمّديّة أو لا، وحرّر في مكتوب المخدوم زاده الأكبر قدّس سرّه بأنّي أخرجتك من الولاية الموسويّة إلى الولاية المحمّديّة فما وجه التّوفيق. (الجواب) انّ الواقع في مكتوب ملّا محمّد صدّيق هو أنّ الإخراج من الولاية الموسويّة إلى الولاية المحمّديّة ليس بمعلوم الوقوع ولم يكن في ذلك الوقت علم بوقوع هذا الأمر ولمّا صار معلوما بعد ذلك وحصلت قدرة التّغيير والتّبديل كتبت بأنّي أخرجتك من هذه الولاية إلى تلك الولاية فلم يوجد اتّحاد الزّمان حتّى يتصوّر التّناقض. (وحاصل السّؤال الخامس) أنّ الصّوفيّة هنا يلبسون قميصا مشقوق الجيب على الصّدر، ويقولون: " إنّ السّنّة هي هذا»، وأصحاب المير يلبسون قميصا مدوّر الجيب فما تحقيق ذلك؟ اعلم: أنّا نحن أيضا في التّردّد في هذا الباب فإنّ العرب يلبسونه مشقوق الجيب على الصّدر ويرونه (1) سنّة، ويفهم من بعض الكتب الحنفيّة أنّه لا ينبغي للرّجال لبس قميص مشقوق الصّدر لكونه لباس النّساء؛ روى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لعن رجل يلبس لبس المرآة ولعنت إمرأة تلبس لبس الرّجل " وفي مطالب المؤمنين: «ولا تتشبّه المرأة بالرّجال ولا يتشبّه الرّجل بالنّساء فإنّ كلا الفريقين ملعون». بل يفهم أنّ القميص المشقوق الصّدر ليس من لباس أهل الدّين وأهل العلم؛ ولهذا جوّزوه لأهل الذّمّة في جامع الرّموز نقلا عن المحيط فلا يلبس أيّ الذّمّيّ ما يختصّ بأهل الدّين والعلم كالرّداء والعمامة بل قميصا خشنا من الكرباس جيبه على صدره كالنّساء. وأيضا إنّ PageV01P484 مشقوق الجيب على الصّدر ليس قميصا على قول بعض العلماء بل هو درع وإنّما القميص عندهم ما يكون مشقوق الجيب على المنكبين في جامع الرّموز في بيان كفن المرأة وفي الهداية بدل القميص الدّرع. وفرّق بينهما أنّ شقّه إلى الصّدر والقميص إلى المنكب، وقالوا بالتّرادف. والصّواب عند الفقير هو: أنّه لمّا كان الرّجال ممنوعين عن التّشبّه بالنّساء توقّف الحكم على معرفة عادة النّساء فننظر إذا كان في محلّ تلبس فيه النّساء قميصا شقّه على الصّدر ينبغي أن يترك الرّجال لبسه لئلّا يتشبّهوا بالنّساء، وأن يلبسوا قميصا شقّه على المنكب، وإذا كان في محلّ تلبس فيه النّساء قميصا شقّه على المنكب يختار الرّجال قميصا شقّه على الصّدر ففي بلاد العرب تلبس النّساء قميصا مدوّر الجيب فيلبس الرّجال ما شقّه على الصّدر بالضّرورة، وفي ما وراء النّهر والهند تلبس النّساء قميصا شقّه على الصّدر، فيختار الرّجال قميصا شقّه على المنكب بالضّرورة. قال الشّيخ ميان عبد الحقّ: كنت في مكّة فرأيت واحدا من مريدي الشّيخ نظام النّار نوليّ يطوف بالبيت لابسا قميصا مدوّر الجيب وصار جمع من العرب يتعجّبون من قميصه قائلين: إنّه لبس قميص النّساء فباعتبار العرف والعادة يكون عمل كلّ من العرب والهند وأهل ما وراء النّهر صوابا: ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فلو ثبتت سنّيّة لبس القميص المشقوق على الصّدر لما جوّز علماء الحنفيّة لبسه لأهل الذّمّة ولما جعلوا خلافه مخصوصا بأهل العلم والدّين، ولمّا كانت النّساء أقدم وأسبق في هذا اللّباس من الرّجال جعلوا لباس الرّجال هنا تابعا للباس النّساء. (وحاصل السّؤال السّادس): هو أنّ توجّه الطّالب في هذا الطّريق لمّا كان إلى الاحديّة الصّرفة من ابتداء الأمر كان اللّازم أن لا يجتمع هذا التّوجّه مع النّفي والإثبات فإنّ التّوجّه وقت النّفي إلى الغير. (الجواب) أنّ التّوجّه إلى الغير إنّما هو لتقوية التّوجّه إلى الأحديّة وتربيته، والمقصود من نفي الغير حصول دوام ذلك التّوجّه من غير مزاحمة الأغيار، فالتّوجّه إلى نفي الغير ليس بمناف للتّوجّه إلى الأحديّة وإنّما المنافي له التّوجّه إلى الغير لا التّوجّه إلى نفي الغير، شتّان ما بينهما. (وحاصل السّؤال السّابع) هو أنّ كلّ ذكر يستعمل باللّسان يستعمله المبتدئون في هذه الطّريقة بالقلب؛ فالنّفي والإثبات هل يستعمل جميعه بالقلب أو لا بل بعضه بالقلب وبعضه بغيره؟ فإن كان المستعمل بالقلب جميعه فكيف يستقيم مدلّا إلى فوق وصرفه إلى يمين. (الجواب) ما النّقصان إن كان المستعمل بالقلب جميعه فإن لا يمدّ بالقلب إلى فوق ويصرف اله إلى يمين ويجرّ الّا الله نحوه أي القلب مع أنّ النّفي والإثبات في هذا الطّريق بالتّخيّل لا دخل فيه للّسان والحنك أصلا حتّى يشترط مواطأة القلب والقول، وهذان السّؤالان الأخيران من قبيل تشكيكات الفخر الرّازيّ، فلئن تأمّلتم فيهما تأمّلا جيّدا لاندفعا. PageV01P485 (بقيّة المرام) أنّ بعض الأصحاب الموجودين هناك قد كتب مكرّرا أنّ المير قليل الإلتفات إلى أحوال الطّالبين في هذه الأيّام ومشغول بالعمارة ويصرف مبلغ الفتوح في خرج العمارة ويبقى الفقراء محرومين، وكتبوا هذه المقدّمات على نهج يفهم منه شائبة الإعتراض وتفوح رائحة الإنكار. فليعلموا: أنّ إنكار هذه الطّائفة سمّ قاتل، والإعتراض على أفعال هؤلاء الأكابر وأقوالهم سمّ الأفعى يؤدّي إلى الموت الأبديّ، ويفضي إلى الهلاك السّرمديّ، فكيف إذا كان هذا الإنكار والإعتراض راجعا إلى الشّيخ وكان سببا لإيذائه، ومنكر هذه الطّائفة محروم من بركاتهم والمعترض عليهم خائب وخاسر في جميع الأوقات، وما لم يكن جميع حركات الشّيخ وسكناته مستحسنة في نظر المريد لا ينال نصيبا من كمالاته، فإن نال يكون استدراجا ويكون عاقبته هلاكا وبوارا وفضيحة ودمارا، فإن وجد المريد في نفسه مجال الإعتراض على الشّيخ مقدار شعرة مع وجود كمال محبّته وإخلاصه له فليتيقّن أنّ ذلك ليس الّا خيبته وخسارته وحرمانه من كمالات الشّيخ أو رذالته، فإنّ خطر في قلب المريد فرضا شبهة في فعل من أفعال الشّيخ ولم تندفع بالدّفع فليستفسره عنه على نهج يكون خاليا عن شائبة الإعتراض ومبرّأ عن مظنّة الإنكار، وحيث كان المحقّ والمبطل ممتزجان وملتبسان في هذا الزّمان فلو ظهر من الشّيخ أمر مخالف للشّريعة أحيانا ينبغي للمريدين أن لا يقلّدوه فيه بل يطلبون له محملا بحسن الظّنّ مهما أمكن، ويبتغون وجه صحّته، فإن لم يظهر وجه الصّحّة ينبغي أن يلتجئوا ويتضرّعوا إلى الحقّ سبحانه في دفع هذا الإبتلاء عنهم، ويطلبوا منه تعالى سلامة الشّيخ وعافيته بالبكاء والإبتهال، فإن عرض للمريد شبهة في حقّ الشّيخ لإرتكابه الأمر المباح لا تعتبر تلك الشّبهة ولا يعبأ بها فإنّه إذا لم يمنع مالك الامور جلّ سلطانه عن إتيان المباح ولم يعترض على فاعله كيف يسوغ لغيره سبحانه أن يعترض عليه من قبل نفسه، وكم من مواضع يكون فيه ترك الأولى أولى من إتيانه، وقد ورد في الحديث: «انّ الله تعالى يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحبّ أن تؤتى عزائمه»، وحيث كان في الشّيخ المير قبض مفرط كيف يسوغ الإعتراض عليه ان لم يلتفت إلى أحوال المريد ولم يشتغل بهم، وطلب تسلية من بعض الامور المباحة، وكان عبد الله الإصطخريّ يذهب إلى الصّحراء مع كلاب الصّيد لتسلية نفسه، وبعض المشايخ كانوا يطلبون تسلّيهم في السّماع وأصوات النّغمة، والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات. العريضة الاولى من العرائض الّتي كتبها المخدوم زاده الأعظم عليه الرّحمة والغفران PageV01P486 عريضة أقلّ العبيد محمّد صادق أنهي إلى العرض الأشرف أنّ أحوال هذه الحدود وأوضاعها على الجمعيّة الصّوريّة والمعنويّة بيمن التّوجّهات العليّة، وقد كان الخاطر متفرّقا ومتشتّتا منذ مدّة من طرف خدمة الحضرة فقدم الميان بدر الدّين يوم تحرير العريضة وبلّغ خبر العافية الكاملة فحصل فرح غير محدود وسرور غير محصور، الحمد لله على ذلك حمدا كثيرا. ويا قبلتي انّ الحافظ بهاء الدّين ختم القرآن المجيد في اللّيلة الثّالثة عشرة وشرع الحافظ موسى في اللّيلة الرّابعة عشرة وقرأ في كلّ ليلة خمسة أجزاء ويختم اللّيلة الآتية الّتي هي التّاسعة عشرة. وتقرّر الحافظ بهاء الدّين للختم في العشر الأخير. المقصود سلامة الحضرة، وبينما الحافظ يقرأ القرآن ليلة في التّراويح ظهر مقام وسيع كثير النّورانيّة كأنّه كان مقام الحقيقة القرآنيّة وإن لم يمكن الجراءة على ادّعاء ذلك، وصار معلوما أنّ الحقيقة المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة إجمال هذا المقام وكأنّها بحر كبير مليئ في كوز، وفي هذا المقام تفصيل الحقيقة المحمّديّة ولأكثر الأنبياء وكمّل الأولياء نصيب من بعض هذا المقام على قدر استعداداتهم ولا يدرى حصول نصيب من تمام ذلك لغير نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام. وهذا الحقير أيضا نال منه نصيبا رزقنا الله سبحانه نصيبا كاملا منه ببركة التّوجّه العالي وذلك المقام لم يتّضح إلى الآن كما ينبغي وبقيّة الأحوال على الجمعيّة ويفهم في هذا الشّهر حصول بركة كثيرة وأوضاع أخي محمّد سعيد طيّبة وأوقاته مصروفة بالجمعيّة والذّكر وأهل البلد أيضا يحضرون بالذّوق التّامّ وقد حفظ الفقير إلى الآن أربعة أجزاء وشيئا فوقها، ويحفظ إلى يوم العيد خمسة أجزاء تخمينا والعبوديّة. العريضة الثّانية عريضة أقلّ العبيد محمّد صادق أنهي إلى ذروة العرض أنّ أحوال هذه الحدود وأوضاعها مستوجبة للشّكر، والمطلوب والمسئول خيريّة ذلك الجناب مع جميع الخدّام والأصحاب، وقد حصل الإبتهاج بمطالعة النّميقة الأنيقة والصّحيفة الشّريفة المرسلة مع إسماعيل مدّ الله سبحانه ظلال عطوفة حضرة القبلة على كافّة أهل الإسلام وأبقاها بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلاة والسّلام. ويا قبلتي ماذا اكتب من سوء الأحوال لا بضاعة لي غير الحسرة والنّدامة على صدور سوء الأعمال وتضييع الأحوال الحاصلة في الماضي والحال والمتمنّي أن لا تفوت لحظة ولا ساعة في خلاف رضائه تعالى وهو لا يتيسّر الّا أن يمدّ خدّام ذلك الجناب ويأخذوا بيدي (ع) لا عسر في أمر مع الكرام * لله المنّة على نعمة الإستقامة إلى الآن على طريق أمرتم به ولم يتطرّق إليه فتور بيمن التّوجّه الشّريف بل نرجو التّرقّي والتّزايد يوما فيوما وتنعقد الصّحبة بعد الفجر والظّهر والحافظ بهاء الدّين إذا فرغ من التّردّدات ووجد الفرصة يشتغل بقراءة القرآن، والفقير مقبوض تارة ومبسوط أخرى، والقبض والبسط والتّوجّه والذّوق والسّكون وغيرها تتعلّق بالبدن فقط لا تتجاوزه إلى غيره واللّطائف السّتّة ليست بمتوجّهة ولا غافلة فإن كانت PageV01P487 متوجّهة فتوجّهها مثل العلم الحضوريّ بل عينه. وأرى التّوجّه والذّوق وأمثالهما داخلة في الظّلال لا أجدها مجاوزها وكانت اللّطائف أوّلا مختلطة بالبدن ولم يكن أمر سوى البدن مفهوما في نظر البصيرة كما كنت عرضته في الحضور الموفور السّرور والآن أجدها ممتازة عن البدن وأرى ذلك المقام مقام البقاء وبعد البقاء عرض أيضا نوع من الفناء للّطائف وفهم أنّ الأمر لا يتمّ بدون هذا الفناء الّذي يكون بعد البقاء وانأ الآن مقبوض منذ أيّام، ومعاملة السّرور قليلة ننظر ماذا يظهر بعد ذلك. وإلى الآن لم يحصل التّوجّه إلى العالم وحيث كان عرض الأحوال ضروريّا تجاسرنا بتحرير كلمات ويا قبلتي أرى الحضر في المنام في كلّ ليلة الّا ما شاء الله وماذا أكتب أزيد من ذلك فإنّ الزّيادة داخلة في التّكلّفات الرّسميّة والسّلام والعبوديّة. العريضة الثّالثة عريضة أقلّ العبيد محمّد صادق أنهي إلى موقف العرض انّ هذا الحقير كان مقبوضا ومغموما من مدّة فأدركت العناية الإلهيّة آخر الأمر بمحض التّوجّه الأقدس وحصل بسط عظيم وصار معلوما في ذلك البسط أنّ الذّكر والتّوجّه مثلا كانا أولا من جانب هذا الشّخص والآن كلّ شيء من جانبه تعالى وتقدّس ولا أجد في نفسي غير قابليّة لقبول ما يرد من جانبه تعالى كمرآة تطلع عليها الشّمس فاحترق بذلك الطّلوع كلّ ظلمة وكدورة في البدن واللّطائف وحصل لها نور وبركة كما ينبغي فانشرح الصّدر واتّسع القلب وصار البدن كالنّور مضيئا الطف من الرّوح والسّرّ اللّذين كانا قبل ذلك، ووجدت التّجلّي الأكمل من بين اللّطائف للقلب فلمّا نظرت إلى القلب ظهر أنّ في القلب قلبا آخر والتّجلّي له، فلمّا نظرت إلى قلب القلب ظهر أنّ في ذلك القلب قلبا آخر وهكذا إلى غير النّهاية فلم يظهر قلب بسيط الّا وفيه قلب آخر ولكن يتوهّم الآن أنّه انتهى إلى قلب بسيط وليس ذلك بمتيقّن وعلم أنّ الحالات المتقدّمة على هذه الحالة بالنّسبة إليها كانت كلّها تكلّفات صرفة، وقد كان خطر لي اسم هذا المقام ولكن كتبته تحاميا عن سوء الأدب فيا قبلتي انّ هذه كلّها أثر يسير من آثار التّوجّه الأطهر (شعر): فلو أنّ لي في كلّ منبت شعرة ... لسانا أبثّ الشّكر كنت مقصرا والمرجوّ سلامة الحضرة، وكيف أكتب تمنّي نيل ملازمة خدّام الجناب؟! وكيف أشرحه والتّصوّر ليلا ونهارا في كلّ ساعة إنّه في أيّ وقت مسعود وفي أيّ ساعة سعد حصل المطلب الأعلى والمقصد الأعزّ ولا تمنّي لي غير هذا التّمنّي يسّر الله سبحانه هذه الدّولة العظمى بأحسن الوجوه وأوفق الطّرق بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم من الصّلوات أتمّها وأكملها والعبوديّة. قد تمّ الجزء الأوّل من معرّب المكتوبات ويليه الجزء الثّاني للشّيخ المذكور نفع الله به. PageV01P488 [ترجمة أحوال الإمام الرباني أحمد الفاروقي السرهندي] بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا من لطائف مننه متواترة * وعوارف نعمه متوافرة * صل على نبيك المأمون وخازن علمك المخزون * وعلى آله الكرام وأصحابه العظام وتابعيهم بإحسان إلى قيام الساعة وساعة القيام «أما بعد» لما من الله سبحانه وتعالى على عبده العاجز هذا بمحض فضله وكرمه باتمام تعريب مكتوبات الإمام الرباني المجدد المنور للألف الثاني قدس سره أردت أن أذكر نبذا يسيرا من أحواله الشريفة ومناقبة المنفية وما جرى عليه قدس سره مما جرى على الأنبياء والأولياء والصلحاء من المحن والبلايا من الإبتلاء بالحسدة وتطاول الجهلاء ومجادلة السفهاء وما صدر في نصرته وإعانته ومديحته من الأعزة الكملاء والأجلة الفضلاء ممن كانوا في عصره بعده ليكون ذلك كالمقدمة السابقة للتعريب المذكور أو الخاتمة اللاحقة به فتتم بذلك الفائدة ويتوفر النفع والعائدة بأن يكون عونا لمن يطالع التعريب المذكور فإن أحواله قدس سره وإن كانت معلومة ظاهرة للمحبين الذين هم على طريقته ولكنها لا تستبعد أن تكون مخيفة على من سواهم خصوصا من قرع سمعة خلافها من طريق حساده أو مبغضي طريقته أو معادي خلفائه وأولاده بل لا يستبعد كونها خفية على كثير من منتسبي طريقته أيضا لقصور الهمم كما هو المشّاهد الآن. فأقول وبالله التوفيق وبيده أزمة التحقيق لا يخفى أن طرق إطلاع الخلق على أحوال من مضى وسلف من مناقبه ومثاليه وصلاحه وفساده وعلمه وجهله وهدايته وضلاله وعلو كعبه في مقامات القرب وتسفله متعددة كثيرة منها النظر إلى مذهبه وطريقته وسيرته إن كان صاحب مذهب وطريقة ومنها مطالعة آثاره وتأليفاته إن كان صاحب أثر وتأليف كما قيل (شعر). إن آثارنا تدل علينا ... فانظرو بعدنا إلى الآثار ومنها المراجعة إلى أقوال من تكلموا في حقه بالجرح والتعديل إذا كان صدور ذلك عنهم بالإنصاف عاريا عن الأغراض الفاسدة والأعتساف فأنا بحول الله تعالى وقوّته أذكر كل ذلك على حدة بعنوان المنظرة (فالمنظرة الأولى) في ذكر نسبه الشريف إجمالا وما وقع في حقه من البشارة قبل ولادته أما نسبه الشريف فهو قدس سره سيدنا وسندنا وولي نعمتنا الإمام الرباني المجدد والمنور للالف الثاني مولانا الشيخ أحمد ابن الشيخ عبد الاحد ابن الشيخ زين العابدين ابن الشيخ عبد الحي ابن الشيخ محمد ابن الشيخ حبيب الله بن الإمام رفيع الدين ابن الخواجه نور بن الخواجه نصير الدين ابن الخواجة سليمان ابن الخواجة يوسف ابن الخواجه عبد الله ابن الخواجه اسحق ابن الخواجه عبد الله ابن الخواجه شعيب ابن الخواجه أحمد ابن الخواجه يوسف ابن الخواجه شهاب الدين المعروف بفرخشاه الكابلي ابن الخواجه نصير الدين ابن الخواجه محمود ابن الخواجه سليمان ابن الخواجه مسعود ابن الخواجه عبد الله الواعظ الأصغر ابن الخواجه عبد الله الواعظ الأكبر ابن الخواجه ابي الفتح ابن الخواجه اسحق ابن الخواجه ابراهيم ابن الخواجه ناصر ابن سيدنا عبد الله ابن سيدنا أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنهما وعنهم اجمعين وكان آباؤه الكرام واجداده العظام كلهم من أكابر العلماء الأعلام وصلحاء فضلاء الأنام (وأما البشارة) الحاصلة في حقه قبل وجوده فاعلم ان امر البشارة اغلبه مبني على الظن الغالب فإنها لا تكون بأن شخصا اسمه فلان واسم ابيه فلان وحليته كذا وقبيلته كذا يظهر في زمان كذا وفي مكان كذا بل يذكر فيها جملة من سيره المبشربه أو زمانه أو قبيلته كالبشارة بوجود المهدي رضي الله عنه ولذا لا يزال يوجد من يدعى أنه هو المهدي PageV01P489 الموعود وليس كلهم يدعى ذلك بالكذب والباطل بل لوجود بعض العلامات الوارده في حقه فيه وكالبشارة الواردة في حق الأئمة المجتهدين مثل لو كان الدين في الثريا لتناوله رجال وفي روايه رجل من أبناء فارس ومثل يوشك أن يضرب الناس وفي رواية يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون عالما أعلم وفي رواية افقه من عالم المدينة ومثل لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملء طباق الأرض علما فإن المحققين أهل الإنصاف حملوا الأول على البشارة بوجود الإمام الأعظم ابي حنيفة والثاني على البشارة بوجود إمام دار الهجرة مالك ابن أنس والثالث على البشارة بظهور الإمام الشافعي رضي الله عنهم وكل ذلك بحسب الظن الغالب حيث وجدت الأوصاف المذكورة فيهم بل لا يستبعد حصول اليقين بذلك للمحبين والمنكر المعاند الشقي لا يزيده ذلك إلا انكارا وعنادا واستكبارا كما أننا لا نزال نجد المتعصبين إلى الآنينكرون حمل الحديث الأول على البشارة بالإمام الأعظم رضي الله عنه بل التوغل في الجهالة والمتنكص على عقبيه في تيه الضلالة لا يستنكف من التفوه بالإنكار على وجود القائل بذلك وهذا لا يضر إلا نفسه فإن القائل بذلك ليس من أتباع الإمام الأعظم رضي الله عنه فقط بل المحققون من غيرهم كالسيوطي وابن حجر الهيتمي والشعراني مصرحون بذلك فهذا المنكر أن أطلع على ذلك ومع هذا انكر وجود القائل به فهو معاند غوى سابح في بحر العناد والسفاهة وإن لم يطلع فهو جاهل غبي خائض في تبار الغفلة والجهالة فحقه أن يسكت ويأكل ويشرب وينهق مع ما يهنق دون أن ينعق بهذا الكلام ويسلم العلم لأهله بل نقول أن من الناس من ينكر وجود المهدي مع ورود أحاديث كثيرة في حقه حتى قيل أنها بلغت حد التواتر المعنوي ولذا قيل أن من انكر المهدي فقد كفرو هذا كما أن أهل الكتابين ينكرون وجود البشارة في كتبهم بوجود النبي صلى الله عليه وسلم مع كونها ملآنه بها عند المؤمنين بيقين فإذا عرفت هذا فاعلم أن الأمر في حق الإمام الرباني رضي الله عنه كذلك أيضا فما وافقه قدس سره بالقرائن حمله المحبون عليه قدس سره بغلبة الظن والمنكر لا يزيده ذلك إلا إنكارا وعنادا واستكبارا وتصديق المصدق نفعه راجع إليه وكذا إنكار المنكر ضرره عائد عليه أن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره والمؤمن يجب عليه حسن الظن بأي مؤمن كان إذا كان مستور الحال فكيف بالأولياء الأخيار الذين صنف في مناقبهم مجلدات كبار وملؤا الدنيا بأنواع الآثار ولم يزل اتباعهم قدوة خير الأمم في جميع الأقطار ونوروا الدنيا كلها بأنوار المعارف كشمس النهار والله الموفق والمعين وهو الآخذ بنواصي الأخيار والأشرار (البشارة الأولى) قوله صلى الله عليه وسلم يكون في أمتي رجل يقال له صلة يدخل الجنة بشفاعته كذا وكذا أورده الإمام السيوطي في جمع الجوامع ووجه حمل هذا الحديث عليه أنه قدس سره لما طبق طريقة الصوفية القائلين بوحدة الوجود على الشريعة الغراء تطبيقا شافيا وبينها بيانا وافيا في بعض مكاتيبه قال في آخره الحمد لله الذي جعلني صلة بين البحرين ومصلحا بين الفئتين واشتهر بهذا اللقلب فيما بين أصحابه ولهم اطلاع على الحديث المذكور ولم يروا احدا حمله على أحد على ممر الدهور ورأوا في الإمام رضي الله عنه لياقة بتلك المنقبة الشريفة مع ما سمعوا منه قدس سره مرارا بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم بشره في بعض الحضرات والوقائع بشفاعة كذا وكذا فحملوا الحديث المذكور PageV01P490 عليه قدس سره وأي استبعاد في ذلك وأي محذور فيما هنالك بل هذا الوصف أظهر فيه قدس سره من الشمس وابين من الأمس وإن صح هذا الحمل فيها وألا فلا يلام أحد على حسن ظن بولي من الأولياء العظام رضي الله عنهم أجمعين (شعر) زعم المنجم والطبيب كلاهما ... لا تحشر الأجساد قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر ... أو صح قولي فالخسارة عليكما (قال) شيخنا قدس سره في هامش المناقب الأحمدية بعد ذكر الحديث المذكور قد راجعت النسخ القديمة من جمع الجوامع للسيوطي وتبويبه كنز العمال لعلي المتقى فوجدت الحديث فيها كذلك مطلقا ثم اطلعت على الخصائص الكبرى للسيوطي فوجدته هنالك بلفظ صلة ابن أشيم مقيدا فإن كانت هذه الزيادة من الرواة أو النساخ فالاحتمال باق وإن كان من تشعب طرق الحديث فلا مجال لأحد في الكلام وهم يعني أصحاب الإمام رضي الله عنه لعدم الاطلاع عليها غير ملومين وقد وقع مثل ذلك لكثير من الشراح فتنبه بتغير يسير (البشارة الثانية) ما نقل عن شيخ الإسلام أحمد الجامي روح الله روحه ونور ضريحه قال مولانا الجامي قدس سره في نفحات الأنس ما خلاصة معربه قيل لشيخ الإسلام أحمد الجامي قدس سره أنا قد أطلعنا على مقامات المشايخ ووقفنا على ما صدر عنهم من الحالات والكرمات ولا نعرف واحد منهم ظهر منه مثل ما صدر عنك من الحالات فقال ما من رياضة فعلها ولي من الأولياء إلا وقد فعلت جميعها وقت الرياضة وزدت عليها أيضا فكل حال من الأحوال وكل كيفية من الكيفيات اعطاها الحق سبحانه أولياءه متفرقة اعطاها أحمد يعني نفسه بفضله وكرمه مجتمعه وإذا ظهر في كل اربعمائة سنة شخص اسمه أحمد يكون آثار عناياته تعالى في حقه أيضا مثل ذلك يراه جميع الخلق اهـ وبين وفاة الشيخ أحمد الجامي وولادة الإمام الرباني قدس سرهما اربعمائة وخمس وثلاثون سنة وحيث لم يظهر بينهما من الأولياء أحد بهذا الإسم وبتلك الأوصاف حملوا كلام الشيخ على الإمام رضي الله عنهما بموجب غلبة الظن وقد تأيد هذا بما وقع في بعض مقامات شيخ الإسلام أحمد الجامي قدس سره حيث قال فيها قال يعني الشيخ يظهر من بعدي سبعة عشر نفرا مثلي كل منهم يسمى بإسمي وآخرهم يظهر بعد الألف ويكون هو أكبرهم واعظمهم والله سبحانه اعلم (البشارة الثالثة) ما نقل عن الشيخ خليل البدخشي قدس سره نقل عنه أنه قال سيظهر في سلسلة خواجكان قدس الله أسرارهم شخص كامل من الهند يكون عديم النظير في عصره ويا اسفى على أني لا أدرك زمانه اهـ. وحيث أنه لم يظهر في الهند أحد في طريقة خواجكان ظهور الإمام الرباني حمل عليه بالضرورة والله سبحانه أعلم وفي هذا القدر كفاية للمسترشد والله سبحانه الموفق. (المنظرة الثانية في ولادته ونشأته قدس سره) ولد قدس سره سنة 971 إحدى وسبعين وتسعمائة في بلدة سهرند بكسر السين المهملة وسكون الهاء وكسر الراء وسكون النون والدال المهملة كذا ضبطه في سبحة المرجان وقال فيها أنها بلدة عظيمة بين دهلى ولاهور على الشارع اهـ? (وقال) في الروضة القيومية أن محل بلدة سرهند كان أولا غابة مهولة مملؤة بالسباع وكان أسمها بالهندية سيهرند يعني غابة الأسود فإن سببه بالهندية الأسدورند الغلبة ولهذا يكتب في ضرب السكة سيهرند وكان أول بنائها في عهد السلطان فيروز شاه وأول من توطن بها الإمام رفيع الدين المذكور الجد السادس للإمام الرباني قدس سره فسميت البلدة بهذا الإسم واشتهرت به اهـ يعني أن اسمها طابقها ظاهرا وباطنا فإنها لو كانت أولا غابة الأسود الظاهرة فقد صارت بعد غابة أسود عالم الحقيقة والمعاني PageV01P491 وأفاد أن استعمال هذا الإسم على الأصل مخصوص بالسكة وهو كذلك فإنه لا يستعمل إلا بتقديم الراء على الهاء وإسكانها أو بحذف الياء وفتح الراء هكذا سهرند واستخرجوا تاريخ ولادته من لفظ خاشع 971 وعرض له قدس سره بعد أيام من ولادته ما يعرض على الصبيان من المرض فجاء به والده شيخه شاه كمال الكيهتلي القادري فقال له شيخه لا تخف انه يكون ذا عمر طويل وصاحب أحوال سنية وأخذه من يده بكمال الجذبة وجعل لسانه في فيه فأفاض عليه وقتئذ فيوض النسبة القادرية من لسانه فنشأ في حجر تربية والده محلى بدرر الأدب وأخذ عنه مبادئ كتب العرب وحفظ في صغر سنه القرآن واسكت بتحبير صوته سواجع البستان واستظهر عدة من المتون في أنواع العلوم مع إتقان المنطوق منها والمفهوم ثم رحل إلى سيالكوت فقرأ هناك على مولانا كمال الدين الكشميري بعض كتب المعقولات في غاية التحقيق والتدقيق وكان المذكور من فحول علماء عصره صاحب تحقيق وتدقيق متصفا بالورع والتقوى وكان له شرب تام من مواجيد القوم أيضا وهو استاذ مولانا عبد الحكيم السيالكوتي واخذ الحديث عن مولانا يعقوب الكشميري الصرفي وكان هو من كبار محققي زمانه وقد اخذ الحديث في الحرمين المحترمين من كبار المحدثين كابن حجر المكي وعبد الرحمن ابن فهد المكي وكان من خلفاء مولانا حسين الخوارزمي الكبروي قيل انه بايعه في السلسلة الكبروية وأخذ هذه الطريقة بواسطته وحصل إجازة كتب الحديث والتفسير وبعض كتب الأصول كالتفاسير الثلاثة للواحدي وأسباب النزول وتفسير البيضاوي وسائر مؤلفاته كمنهاج الوصول والآية القصوى وغرهما كالجامع الصحيح للبخاري مع جميع مؤلفاته الأخر وكالمشكاة وشمائل الترميزي والجامع الصغير للسيوطي وغير ذلك من العالم الرباني القاضي بهلول البدخشاني وأخذ عنه أيضا المسلسل بالأولية الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ارحمو من في الأرض يرحمكم من في السماء، وقد أخذ القاضي المذكور الحديث من كبار علماء الحرمين المحترمين كالعلامة المحدث عبد الرحمن بن فهد المكي ولم يبلغ من العمر سبعة عشر إلا وقد فرغ من تحصيل العلوم الدرسية وتحقيقها وتشييد بنيان مولويته بإحكام. المعقول والمنقول والفروع والأصول وتدقيقها وقد استفاد في اثناء تحصيله الطريقة القادرية وال?شنية من والده الماجد فأجازه في هذين الطريقين وشهد له بحصول أنوار الفريقين فأشتغل في حياة والده الماجد بدرس العلوم الظاهرة للطالبين وتعليم الطريقة أيضا للسالكين وصنف في تلك الأثناء بعض الرسائل كالرسالة التهليلية ورسالة رد الروافض ورسالة اثبات النبوة وكان له يد طولى في العلوم الأدبية وكان من الفصاحة والبلاغة وسرعة الاستحضار وشدة الذكاء والفطنة بجانب عظيم ومكان مكين روي أنه قدس سره أتى مرة في تلك الأثناء منزل أبي الفيض العلامي الشيعي المتخلص بالفيضى وكان المذكور وقتئذ مشتغلا بتصنيف تفسير بكلمات غير منقوطة وفي معاونته في الأمر المذكور عدة من العلماء المتبحرين كمولانا جمال الدين التالوى وغيره فلما رآه الفيضى سربه وقال قد سد علينا الآن أبواب الكلام وتعسر الاتيان بعبارات غير معجمة يفصح عن المرام والتمس منه أن يحرر بعض عبارات من النوع المذكور يناسب المقام فأخذ القلم في الحال وشرع في التحرير من غير تفكر بالبال وكتب أشياء، كثيرة من النوع المذكور بعبارات أنيقة مع كمال البسط في المقال فتحير من كمال فصاحته وبلاغته وسرعة استحضاره و PageV01P492 بداهته الفحول من الرجال واتفقت كلمتهم على أنه مؤيد من عند المبدأ الفياض المتعال فصار الفيضى بعد ذلك كلما استعصاه الكلام في افادة المرام يستمد من بحره الزاحر حتى أنهاه على الوجه المذكور إلى الآخر وكان ذلك قبل ملاقاته الخواجه محمد الباقي بالله قدس سره (المنظرة الثالثة) في استفادته الطريقة النقشبندية من شيخه الخواجه محمد الباقي بالله قدس سره وبلوغه فيها مرتبة الكمال والتكميل ووصوله إلى ما يعجز عن إدراكه العقل العقيل وتنويره بنور الطريقة العالم من العلماء الفضلاء وأرباب التاج والتخن والإكليل (اعلم) انه قدس سره مع وجود هذه الكمالات والفضائل كان عطشان القلب خصوصا للطريقة النقشبندية وكان قد طالع بعض الرسائل المؤلفة فيها وكان كثير الإشتياق لملاقاة واحد من أربابها ولما توفى والده الماجد عام غز خرج بعد سنة من وفاته من منزله بنية أداء الحج ولما دخل بلدة دهلى كرسى سلطنة بلاد الهند ووصل هناك إلى صحبة شيخه الشيخ محمد الباقي بالله قدس سره بدلالة بعض أصحابه جذبته جذبات العناية الأزلية ودلته إلى الدولة السرمدية وأنشده لسان السعادة الأبدية هذه الأشعار الحكمية أشعار: يا من يروم طواف البيت بالجسد ... والجسم في بلد والروح في بلد ماذا تروم وماذا أنت فاعله ... مبهرجا في التقى للواحد الصمد أن الطواف بلا قلب ولا بصر ... على الحقيقة لا يشفى من الكمد آخر: بدل طوافك بالمطاف بلا صفا ... بطواف حضرة كعبة الآمال. فتنبه على تلك الدقيقة وانكشف له مالم ينكشف قبل من الحقيقة فاستعمل أفكاره الالمعية واستسب أن يؤخر ما في قلبه من النية حيث لم تكن نيته على سبيل الفرضية بل كانت لمجرد الأشواق القلبية فبايعه بعد يومين من ملاقاته في الطريقة النقشبندية العلية ولازم صحبته السنية ورجع طلب صاحب البيت على طلب البيت وترنم لسان حاله بهذا البيت اليك يا منيتي حجي ومعتمري ... أن حج قوم إلى ترب واحجار وجد في الطلب يمتضى استعدادها العالي ولم يضيع دقيقة بلعل وليت أو تفرس فيه شيخه المذكور كمال القابلية وعلو الفطرة سمو الأستعداد بل وجد فيه جميع الأوصاف التي كان مبشرا بوصول الموصوف بها إليه وتحقق أنه هو هذا الشخص المبشر بلقائه وارث كمالاته والزيادة عليه فبذل في حقه أنواع الألتفات وأصناف العنايات وبلغه بقوة جذبه بفضله سبحانه وتعالى من الكمالات إلى أقصى الغابات وظهر له ببركه توجهاته السنية المصادفة لمحلها في مدة يسيرة من الحالات مالا يظهر لغيره عشر عشيرة في عدة من السنوات فبعد مضي شهرين وعدة أيام على هذا الحال وحصل غاية السعي وبذل المجهود من الطرفين بهذا المنوال إجازة شيخه في الطريقة المذكورة إجازة مطلقة تامة وأمره بالرجوع إلى وطنه وإفاضته الفيوضات إلى قلوب العامة وإحال تربية كثيرة من مريديه عليه وضمهم وقت إنصرافه إلى وطنه إليه فجلس بعد عودته إلى بلده على مسند الإرشاد ودست الإفادة وشرع في هداية الطالبين وتربية السالكين بكمال النشاط في الإرشاد والإفاضة فاجتمع لديه كثير من PageV01P493 المستعدين حتى صار شيخه بعد ذلك يستفيد منه الفيوضات الجديدة كسائر المستفيدين وليس هذا كلاما صادرا على سبيل المبالغة والاطراء بل أمر واقع مشهور عند أربابه بلا امتراء وطار صيت إرشاده في أيام قلائل مسير القطا والأمطار وأنتشرت كملاته وقوة إفاضته في سائر الأقطار فتهافت عليه العلماء والفضلاء والكملاء والأمراء في جميع الديار لاقتباس الأنوار فبذل لهم أنواع العنايات حسب الأقتدرار وشمر عن ساق الجد في إحياء الشريعة المحمدية وتحزم في إعادة أنوار السنن النبوية وانتصب لإقامة شعائر الطريقة الأحمدية وكان يحرص أصحابه كلهم بالتمسك بعروة الشريعة العليا وإحياء السنة النبوية السنية والعمل بما فيها والإجتناب عن كل ما ينافيها كما هو أساس الطريقة النقشبندية وكان يحث على ذلك أمراء عصره وحكام دهره بواسطة مكاتيب عديدة حتى استنارت أقطار الهند وما يليها بنور السنة وعادات الشريعة المحمدية بعد أن كادت تعوج مستقيمة سديدة وقد نشأ في حجر تربيته خلفاء علماء أجلاء وكملاء فضلاء أدلاء كل واحد منهم رافع رايات العلوم والوية الولاية وجامع أشتات الفنون وناصب بنودها رواية ودراية فقام هؤلاء الكرام وكذا أولاده العظام بعده بنشر طريقته العلية وبث سيرته السنية بين الخاص والعام حتى انتشرت انوار فيضه في اسرع الأوقات إلى اطراف العالم وعمت أسرار فضله من ادركته العناية الازلية من بني آدم ولا زالت إلى يومنا هذا تتزايد يوما فيوما بواسطة خلفاء خلفائه واولاد اولاده وهلم جرا بحيث لم يبق مملكة من مماليك الإسلام إلا وفيها من ينورها بطريقته من الاعلام بفضل الله الملك العلام ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. (المنظرة الرابعة) في بيان من أثنى عليه من معاصريه وشهد له بأنه مجدد الألف الثاني فاول من اثنى عليه شيخه الخواجه محمد الباقي بالله وقد تقدم انه صار يستفيد منه كبعض المستفيدين وذلك فإن الإمام قدس سره وإن كان استفاد من شيخه المذكور الطريقة النقشبندية إلا ان الحق سبحانه منحه اعلى من ذلك وازيد مما هنالك كما بين ذلك في بعض مكاتيبه ولهذا سميت الطريقة الخاصة به الطريقة المجددية فكان شيخه يستفيد منه تلك الطريقة الخاصة به وكان يعظمه تعظيم المريد شيخه حتى نقل انه اتى حجرته وقتا من الأوقات فصادفه من الاستغراق فأراد الخادم اخباره بمجيئه فمنعه ورد الباب بهيئة ورجع يمشي الهوينا خوفا من انقطاع استغراقه وقعد خارج الحجرة إلى أن قام الإمام وسئل من بالباب فقال الفقير محمد الباقي فخرج مسرعا وقام بكمال الأدب والتواضع وقد بشره ببشائر كثيرة رآها في وقائعه وكتب يمدحه بعلو الاستعداد وكمال القابلية إلى بعض أحبائه ووصى جميع مريديه وقت موته باتباعه. (نقل) عن الميري محمد نعمان الذي هو من اعاظم أصحاب الخواجه محمد الباقي ومن اكابر السادات أن الخواجه لما خصصه بعد التعميم باتباع الإمام قال له على سبيل التحرج والاستنكاف من اتباعه ان توجه قلبه الفقير ليس إلا جنابكم فقال له الخواجة بالخشونة ما تظن انت في الشيخ أحمد فإن الوفا من النجوم أمثالنا تتلاشى وتضمحل في أشعة انوار شمسه اهـ. فلو لم يوجد في حقه قدس سره إلا هذه الشهادة الصادقة من شيخه لكفت دليلا على فضله الشامخ وقدمه الراسخ فكيف اذا وجد غيرها من شيخه ومن كملاء مشايخ عصره وفضلاء علماء دهره إماما صدر من شيخه في مدحه فلنثبت هنا بعضا منه للاستشهاد. (فمنها) ما كتبه إلى بعض أحبائه من كبار وقته بهذا العنوان في أوائل وصوله إلى صحبته أن رجلا من سهرند يسمى الشيخ أحمد كثير العلم قوى العمل وقد PageV01P494 صحبه الفقير أياما وشاهد من أحواله عجائب كثيرة يشبه أن يكون شمسا يتنور العالم منه الحمد لله قد حصل لي اليقين بأحواله الكاملة وله أقرباء واخوة كلهم من صلحاء الرجال ومن طبقة العلماء وصحب الداعي عدة منهم ووجدهم من الجواهر العالية ولهم استعدادات عجيبة وللشيخ المذكور أولاد وأطفال وكلهم أسرار الهية وبالجملة انه شجرة طيبة انبته الله نباتا حسنا. (ومنها ما بشره به) مشافهة مرارا بأنه قطب الوقت وقطب الأقطاب الذي رآه في المنام عند اجازة شيخه الخواجكي الأمكنكي ووقت نزوله في بلدة سهرند مرارا كثيرة وهي مشهورة وفي ذيل تعريب الرشحات لجامع هذه الحروف وغيره أيضا مسطورة. (ومنها) ما قال في حقه أيضا أني قد تشيخت في هذه السنين الثلاثة أو الأربعة ولعبت أياما الحمد لله لم يكن لعبي هذا وفتحى هذا الدكان بلا فائدة حيث ظهر مثله في عرصة الوجود. (ومنها) ما قال أني جئت بهذا البذر من بخارا وسمرقند وزرعته في أرض الهند الكثيرة البركة وكان سعينا واجتهادنا في تربية الطالبين إلى أن تبلغ معاملته إلى انتهائها ولما فرغت من امره جررت نفسي من المشيخة واحلت الطلاب عليه. (ومنها) ما كتب إليه يبلغ الله تعالى إلى مرتبة الكمال والأكمال (ع). وللأرض من كأس الكرام نسيب لا تكلف وما هو حقيقة الحال يكتب قال الشيخ الأنصاري أنا مريد الخرقاني ولكن لو كان الخرقاني في هذا الوقت لكان مريدا إلى مع كونه شيخى فإذا كانت صفة هؤلاء الذين تخلصوا عن الصفة هكذا فلم لا يبذل اسارى آثار الصفات ارواحهم في لوازم الطلب ولم لا يتوجهون إلى مكان وصل منه إلى مشام ارواحهم رائحة المطلوب وتوقفنا وإهمالنا الآن ليس من جهة الاستغناء وعدم المبالاة بل ننظر الاشارة (شعر) إذا ما أراد الطمع مني منييتي ... لقلت على رأسي القناعة أحجار هذا هو حقيقة الحال التي تحرر يهدينا الله سبحانه لما هو المهم ويخلصنا من العجب والغرور وبقية المقصود ان جناب معدن السيادة الأمير صالح النيسابورى سلمه الله قد أظهر الطلب وحيث كان الوقت غير مقتضى لهذا لم ير تضييع أوقاته من مقتضى الإسلامية فلا جرم ارسلناه إلى صحبتكم يصير أن شاء الله تعالى محظوظا على قدر استعداده ويجد تمام اللطف وكمال التوجه. (ومنها) ما كتبه أيضا يبلغ الله سبحانه الفقراء والمساكين العاجزين ببركات الأولياء المنتخبين إلى مقاصدهم منذ مدة لم يصدر مني عرض الخلوص على ديوان ملجأ الولاية نعم يمكن أن تجعل هذه الكلمة الواحدة قاصدا لجناب صادق الحال الحمد لله بتصور هذا القسم وماذا اكتب غيره فإن تحرير كلمات الدراويش إلى حضرتكم من غاية عدم الحياء وحكاية الأوضاع الصورية لا مناسبة لها أصلا والحاصل ينبغي لنا أن نعرف حدنا وأن نحترز من الفضول والمطلوب الدعاء. (ومنها) ما كتبه إله أيضا ليكن مسند الإرشاد أوسع وأنور أن مسودة الرسالة التي في طريقه خواجكان جعلها الخواجة برهان كحل البصر للمشتاقين الحمد لله أنها عالية جدا ولطيفة ولكن ربما يخطر في البال التماس تفتيش أحوال حضرة الخواجه احرار قليلا لعله يظهر أمور أخرى أيضا ولما تشرفت بمطالعة تلك اللطيفة الغيبية في ذاك اليوم خطر خاطر في أثناء النعاس أن طرف اليسار أعني عالم الأرواح يتعلق به فلما حضرت حصل التردد من جهة ضعف الحافظة أنه من كان المشار إليه ولكن الظن الغالب أن الإشارة كانت إلى حضرة الخواجة أحرار قدس سره لا بد يرى ذلك في طبقات واحد من الأئمة يمكن أن يظهر شيء. (وأيضا) يفهم من كلماته معنى العصمة. (وأيضا) يظهر في بعض المنامات أنه خلق في أصل الخلقة مندرج النهاية في البداية ما العجب أنه لو كان مخلوقا PageV01P495 في القابلية المطلقة التي هي فوق نقطة العلم وتحت مقام الوحدة نرجوا أن تبصر هناك أيضا. (وأيضا) نرجوا أن تنظر إلى مقام الفاروق رضي الله عنه أنه دخل المقام المذكور على طريق النزول أو جاء من طريق آخر ولعل المخلوقية فوق النقطة صارت سببا لعدم التقرب من ذاك المقام نرجو التفتيش والعناية والخاطر منتظر جدا. (والتماس) آخر نرجوا التوجه أيضا في باب فناء البشرية أن له مقاما في غير مقام الفناء في الله وأنه منحصر في الدخول في هذا المقام والجماعة الذين يظهرون أنهم مخلوقون فوق هذا المقام الظاهر أنهم محفوظون هكذا ولا حاجة لهم إلى تجشم الكسب في ظهور فناء البشرية. (وأيضا) أن الذين فنوا وانمحوا تحت مقام الوحدة وأن ساروا من طريق الجذبة قيومية أو غيرها أيضا محفوظون من العود إلى وجود البشرية. (وأيضا) نرجوا النظر إلى بيت الجبروت الذي هو مقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ينبغي أن يكون هناك أيضا مقام يجعل امينا من العود المذكور. (وأيضا) نرجوا إحالة النظر في مقام الفناء في الله لعل له طريقا آخر غير هذا الطريق الظاهر بالتفصيل ولعل بعض الأعزة دخلوا من ذلك الطريق وبقية الأحوال المتوقفة معلومة له كما ينبغي واسامى مقامات كثيرة وعلاماتها غير معلومة لنا فكيف يمكن أن نكتب التعبيرات إنشاء الله يكون ما هو المرضي والسلام على محمد صادق وجميع الإخوان والأعزة اهـ. وبهذه الفقرة الأخيرة يعلم علو المقامات المجددية الخاصة به. (ومنها) ما كتبه في أواخر عرائضه التي كان ارسلها إليه لبيان أحواله وهي مندرجة في أول الجلد الأول من المكتوبات وما ذكر من الكشوف طريقه مرضى جدا وصحيح ومستقيم ومستحسن حيث ينكشف اشياء بلا قول ولسان ولا حاجة إلى بيان جميع الوجوه وما يلزم بيانه بين وقت الملاقاة هذا شهادة شيخه ومدحه. (وأما) غيره فهم كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله وأما الكبراء منهم المشار إليهم بالبنان كالشيخ فضيل الله البرهان فورى ومولانا حسن الغوثي ومولانا عبد الحكيم السيالكوتي ومولانا جمال الدين التالوي ومولانا يعقوب الصرفي شيخه ومولانا حسن القباداني ومولانا مير كشاه ومولانا مير مؤمن البلخيين ومولانا جان محمد اللاهوري ومولانا عبد السلام الديوكي والشيخ عبد الحق المحدث الدهلوى في آخر أمر بعد أن ضيع في مخالفته برهة من عمره وغيرهم من فضلاء دهره وكملاء عصره كل اولئك اثنى عليه بما هو أهله ورد على من أساء الأدب في حقه وتكلم بما لا يليق بشأنه وكلهم كانوا يتهافتون على معارفه ويستروحون بعوارفه. (أما الشيخ فيصل الله البرهانفوري) فقد نقل عنه نقلا صحيحا أنه كان يبتهج بسماع أوصافه الجميلة ويلتذ باستماع معارفه الجليلة ويقول أن كلما بقوله قطب الأقطاب يعني الإمام قدس سره ويكتبه من أسرار الحقيقة صحيح وأصيل وهو صادق فيه ومتحقق به وعلامة صدق المقال وعلو الحال هي الإتباع على وجه الكمال ولي اخلاص تام وحب عام لجنابه من ظهر الغيب قال ذلك بعد أن ذكر عنده بعض أوصاف الإمام قدس سره وكمال اتباعه للسنة السنية ولهذا لما حبس الإمام على ما سيذكر جعل الشيخ المذكور الدعاء بخلاصة ورد النفسه بعد أوقات الصلوات الخمس وكلما اتاه أحد من طرف سهرند للإنابة والاسترشاد كان يقول له العجب إنك تسكن في جواره يعني الإمام وتكون مريدا المحل آخر وتتركون الشمس وتستضيئون بالنجوم. (وأما الشيخ حسن الغوثي) فقد كان يثني عليه بما هو أهله ويمدحه بما يليق بعلو مقامه وقد كتب في وصفه في كتابه الذي صنفه في بيان مناقب الأولياء هذه العبارات بالإنشين مسند المحبوبية وصدر آراء محفل PageV01P496 وحدانية خداوند مقام فردية صاحب مرتبة قطبية إلخ. (وأما مولانا عبد الحكيم السيالكوتي) فقد كان يعظمه تعظيما بليغا يليق بمثله من مثله ويشنع على المنكرين بأشد التشنيع ويقر بكونه مجدد الألف الثاني ويكتب هذا الوصف في مكاتيبه المرسلة إليه بل قيل أنه أول من أطلق هذا الوصف عليه ونقل عنه هذه العبارة في رد شبهة بعض المخالفين أن القدح في كلام الكبراء من غير فهم مرادهم جهل وليس له نتيجة حسنة فرد كلام ملجأ المشيخة ومعدن العرفان الشيخ أحمد من الجهل وعدم الفهم كتبه الفقير عبد الحكيم وقد ثبت بنقل الثقات أنه دخل في قيد أرادة الإمام قدس سره وهو الظن به (اتى) سهرند واحد من مريدي الشيخ مير محمد مؤمن البلخي بينة الإنابة والتوبة والسلوك على يد الامام الرباني قدس سره وبلغه سلام كل من شيخه المذكور والسيد ميركشاه والشيخ حسن القباداني وقاضي القضاة تولك ثم قال أن شيخي مير محمد مؤمن الكبروي يقول لو لم يمنعني كبر السن وبعد المسافة لا وصلت نفسي على ملازمته وافنيت بقية عمري في خدمته واقتبست من أنوار أحواله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت وحيث أن هذه الموانع موجودة فالمأمول أن يعد هذا المهجور الصوري والحاضر المعنوي من مخلصيه الحاضرين وأن يكون متوجها إلى أحواله بالتوجهات الغائبية وافاضات الانوار القدسية وقال أنه أمرني بمبايعتكم ونيابة عنه فقام وبايعه عنه ثم قال وقت انصرافه أن الاعزة هناك يلتمسون أن ترسل اليهم بعض المكاتيب المشتملة على الحقائق العالية فكتب الإمام قدس سره المكتوب التاسع والتسعين وارسله إليه مع بعض المكاتيب المشتملة للمعارف السامية ونقل عن بعض الاعزة الذي جاء الهند من بلخ أنه قال لما وصل المكتوب المذكور إلى المير المشار إليه وطالعه قام ورقص من كمال البهجة والسرور وقال لو كان سلطان العارفين وسيد الطائفة وأمثالهما أحياء في هذا الوقت لكانوا في خدمته اهـ?. (ونقل) مثل ذلك عن بعض محققي ذلك الوقت الذي كان في صحبته كثير من العرفاء والعلماء وكان له اطلاع تام على كلمات القوم وأحوالهم حيث قالل حين سمع خرافات بعض المعاندين أن الحق أن مزاج أهل الزمان ليس لايقا لإدراك دقائق حقائق هذا العزير فلوا كان في أيام السلف لعرفوا قدره ومرتبته ودرجة كلامه ولا ورد المتأخرون كلماته في كتبهم للاستدلال بها والاستشهاد وفطرة أرباب العصر في إدراك كلماته كفطرة سائر الجهلاء في إدراك حكم الحكماء اهـ?. (وقال واحد) من العلماء العاملين المتورعين ومن المقتدى بهم في ذلك العصر في بيان تصانيفه أن كتب القوم ورسائلهم أما تصنيف أو تأليف والتصنيف أن يحرر الشخص ما هو حاصله من العلوم والأسرار والنكات والمقامات والتأليف أن يجمع الشخص كلمات غيره بترتيب جيد وقد مضت مدة مديدة من ارتفاع التصنيف من العالم وإنما بقى التأليف فقط وأنا وإن لم أكن ممن مريديه ولكن الحق والانصاف إن مكاتيبه ورسائله الواقعة في هذا الزمان الاخير تصنيفات لا تأليفات فأني كلما أمعنت النظر فيها لا أرى فيها نقلا عن الغير الأعلى الندرة والضرورة وعامتها مكشوفاته وملهماته الخاصة به وكلها عالية مقبولة مستحسنة وموافقة للشريعة الغراء اهـ?. (وقال واحد) من أقضى قضاه العصر المذكور في جواب من سئل عنه قدس سره أن الأحوال الباطنية المنسوبة لهذه الطائفة العلية خارجة عن ادراكنا ولكن الذي اعرفه أن أطواره وأوضاعه يعني الإمام قدس سره قد أورثتنا يقينا جديدا صادقا في طور الأولياء المتقدمين فإننا كلما طالعنا في كتب السلف ما صدر عن كمل المتقدمين من الرياضات العجيبة و PageV01P497 الطاعات الغريبة كان يخطر ببالنا لعل مريديهم كتبوها على سبيل المبالغة ولما شاهدت أوضاعه وأطواره زال عني تلك الترددات كلها بل ربما يخطر ببالي أن محرري تلك الأحوال ربما فرطوا فيها ولم يكتبوها بالتمام اهـ. (وأما الشيخ عبد الخالق المحدث الدهلوى) فإنه وإن كتب في أوائل أمره بعض الاعتراضات على بعض معارفه بموجب البشرية ولوازم المعاصرة إلا أنه أدركته العناية الإلهيه في الآخر فتاب عما سلف تاب الله عليه وأظهر رجوعه ذلك في مكتوب كتبه إلى حسام الدين أحمد من خلفاء مولانا الخواجه محمد الباقي بالله قدس سره مضمونه أن صفاء باطن الفقير في هذه الأيام في حق الشيخ أحمد سلمه الله تعالى متجاوز عن الحد لم يبق حجاب البشرية والغشاوة الجبلية في البين ولا أدري أن هذا من أين الانصاف وحكم العقل مع قطع النظر عن رعاية أخوه الطريقة يقتضيان عدم مخالفة أمثال هؤلاء الأكابر وإن لا يؤذي ويساء اشباه هؤلاء الأعزة وقد أحس في باطني بطريق الذوق والوجدان شيئا يكل اللسان عن تقريره والله مقلب القلوب ومبدل الأحوال ولعل أرباب الظاهر يستبعدون ذلك وانا لا أدري ما الحال وعلى أي مثال ومنوال اهـ وكتب أيضا على أولاده في مكتوب طويل عريض ما مضمونه أن المسودات التي كتبتها اعتراضا على كلام الميان الشيخ أحمد سلمه الله تعالى اغسلوا كلها بالماء فإن الغبار الحاصل في الخاطر بالنسبة إليه قد تبدل صفاء اهـ ولا يخفى على التنبيه من هذا أن اعتراضه أولا إنما كان بموجب البشرية وهو كذلك فإن كلام المنكرين كله من هذا القبيل إلا أن الحق سبحانه يختص برحمته من يشاء وينجيه من هاوية الانكار ويؤويه إلى جنة التصديق بأوليائه ونعم دار القرار ويبقى البعض على ما هو فيه من نار الانكار وبئس القرار واختلف في سبب رجوع الشيخ من انكاره ظاهرا قيل رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يوبخه على إنكاره وقيل تفاءل في حقه بالقرآن العظيم فخرج فإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم وقيل خرج مرة رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وقيل إنما كان اعتراضه عليه بحسب مكتوب مجعول عليه من طرف بعض أعدائه فلما وقف على ذلك رجع وتاب واعتذ للأمام قدس سره عما صدر فعذر وانقلب إلى الصفاء الكدر ولم يبق منه أثر ولا مانع من أجتماع كل ذلك وحيث ثبت رجوعه عن ذلك علم أنه ممن ادركته العناية الالهيه بأي طريق كان (تنبيه) قد تقدم أنه أمر أولاده بغسل تلك المسودات والظاهر أنهم فعلوا ذلك ومع ذلك نرى الآن أنه بقي منها بعض النقول حيث وقفنا على رسالة لبعض الفحول بالفارسية ردها عليه ردا بليغا كلمة كلمة وأجاب عن كل أعتراض بأجوبة شافية جزاه الله سبحانه خير الجزاء وهو مولانا العلامة الشيخ وكيل أحمد السكندر فوزي سلمه الله سبحانه (ع) وبح بسم من أهوى ودعني من الكني * وهؤلاء الذين ذكرناهم أكثرهم ممن ادركوا في أواخر عمرهم أوائل ظهور الإمام قدس سره وأما الذين أدركوا زمان كمال ظهوره وبايعوع أو اقتبسرا من أنواره من المحققين والمدققين فلا يحصى عددهم إلا الله لو حاول شخص ذكرهم لاقتضى مجلدات كثيرة وقد ألف بالفارسية مناقب شتى وأما هذه الوريقات فلم نقدر أن نثبت فيها إلا قطرة من تلك البحار ومن جملة كبار مريديه السيد آدم البنوري والمير محمد نعمان البدخشي والشيخ تاج الدين الهندي صاحب الرسالة التاجية المذكور ترجمته في خلاصة الأثر فإنه صحبه بعد وفات الخواجة محمد الباقي بالله قدس سره ثم أبتلي بمرض الانكار مع من أبتلوا ثم أدركته العناية الإلهية لأسباب PageV01P498 يطول شرحها وتاب وأناب وصار باعثا على رجوع كثير من المنكرين وقصته مذكورة في كتب المناقب الربانية وللإمام قدس سره مكاتيب إليه بعضها مندرج في جملة المكتوبات وبعضها غير مندرج فيها بل مسطور في المناقب تركنا ذكره خوف الإطالة فإن فيما ذكر من المكاتيب كفاية للمكتفي والله الهادي. (المنظرة الخامسة) في إبتلاء الإمام قدس سره بحسد الحسدة اللئام وطعن الجهلة كالأنعام واعتراضات المعترضين من العوام الذين يعدون أنفسهم من فضلاء الأنام وما اصابه بسبب ذلك من الأذية والآلام إلى لقاء الملك العلام (لا يخفى) على اللبيب المتدرب المجرب للأمور أن الشهرة بالفضل والكمال مع حسد الأقران وطعن الجهالة كالشخوص مع الظلال لا يفترقان في غالب الأحوال سنة الله التي قد خلت في عباده خذ من ابينا آدم عليه السلام وأمر بنظرك من مضى من الاعلام إلى هذه الأيام فهل ترى فيهم أحدا لم يبتل بذلك كلا ولذلك قيل (شعر) أن يحسدوني فأني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فالحسد من الجهال هو علامة وجود النعمة في المحسود من الملك المتعال فإنه لو لا النعمة لما وجد الحسد ولذا قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى واستحقر من لا يحسد ولا يقذف واستقصر من بالكفر والضلال لا يعزف ولله در القائل (شعر)، وأسوأ أيام الفتى يوم لا يرى ... له أحد يزرى عليه وينكر (وقال) الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه التحدث بنعمة الله ومما أنعم الله به على أن قام لي عدوا يؤذيني ويمزق في عرضي ليكون لي أسوة بالأنبياء والأولياء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس بلاء الانبياء ثم العلماء ثم الصالحون رواه الحاكم وقال كعب الاحبار لأبى موسى الخولاني كيف تجد قومك لك قال مكرمين مطيعين قال ما صدقتني التوراة إذا وايم الله ما كان رجل حليم في قوم قط إلا بغوا عليه وحسدوه رواه البيهقي ثم قال واعلم أنه ما كان كبير في عصر قط إلا كان له عدو من السفلة إذ الاشراف لم تزل تبتلى بالأطراف فأعداء الأنبياء معروفة ثم أخذ يعد من ابتلى بشماته الأعداء من الصحابة ومن بعدهم ومختصرنا هذا لا يتحمل ذكرهم ومن له أدنى إلمام بالتواريخ والتراجم لا يخفى عليه أحوالهم حتى قيل لا يكون الصديق صديقا حتى يشهد سبعون صديقا بأنه زنديق. (فإذا تمهد ذلك) فاعلم أن للإمام الرباني قدس سره من ذلك حظا أوفى ونصيبا أوفر كيف لا فإنه مجدد الألف الثاني وهل يتيسر التجديد بالسهولة بلا تغيير هذا وانكار ذاك وتقبيح هذا وتوبيخ ذاك هيهات فأن التجديد هو تغيير الأطوار والهيئات وإزالة المنكرات والهنات وتبديل السيئات بالحسنات مع شيوع أنواع البدع والخرافات وفشو أصناف الضلالة والجزافات خصوصا المقلدين بأرباب التوحيد الوجودي فأنهم كانوا انتشروا في جميع الآفاق وخلعوا ربقة الشريعة عن الاعناق وكانوا ينقلون الكلمات المشعرة بظاهرها بالتوحيد الوجودي عن الجنيد وأبي يزيد البسطامي واضرابهما من أكابر الصوفية لتأييد مذهبهم الباطل وترويجه بين العوام كالأنعام فكان الإمام الرباني قدس سره يرد عليهم باشدر ويصرح بأنهم الملاحدة والزنادقة حقا مقصودهم أبطال الشريعة الغراء ولم يبال أيضا من تخطئة الجنيد وأبي يزيد فيما اعجزه تأويل كلامهما وتوجيهه كما ستطلع عليه في أثناء مكاتيبه. (قال) مولانا شاه عبد العزيز ابن شاه ولي الله الدهلوى رحمهما الله سبحانه وتعالى ولما استوت هذه الطريقة يعني معرفة التوحيد ونضجت وسلك بعض ناقصي الفهم طريق الالحاد في فهم كلمات عرفاء الطريقة بمرور الأزمنة PageV01P499 واتخذوا هذه المعرفة الغامضة وسيلة لابطال الشريعة وتكليفهاتها وشاع مذهب بعض الشيوخ الذي كان بظاهره واضعا قدمه في وادي الالحاد شيوعا تاما وراج بين الناس رواجا عاما أظهر عناية الحق سبحانه حضرة الشيخ أحمد السهرندي قدس سره في الوجود وألقى إليه علوما غريبة ليكون من قبيل تعديل الحار بالبارد والرطب باليابس حتى تستقر وتترشح الهيئة الاعتدالية في أذهان الناس ويرتفع الباطل الممزوج بالحق بالكلية وهذا هو مصداق معنى المجددية اهـ ومن كان شأنه هذا هل يسلم من اذية الناس وطعنهم فيه وبهتهم اياه وافترائهم عليه كما قال الإمام قدس سره هذا الكلام في بعض مكاتيبه وضم إلى ذلك اجتماع الجم الغفير من الفضلاء والعلماء والكملاء تاركين طرقهم التي كانوا سالكين اياها قبل ولا حاجة إلى بيان ما يحصل لمشايخهم الأول لذلك من الحقد والحسد والضغينة في حق الإمام قدس سره فيما هنالك واختراع المكائد والحيل لإلقائه في المهالك تاره باغراء الناقصين بأنه يهين كبراء المشايخ الكرام كالجنيد وشيخ بسطام وتاره بتنفير القاصرين بأنه ينكر التوحيد الوجودي الذي هو المتفق عليه بين المتأخيرين من المشايخ الاعلام وتارة بأغفال المخلصين بأنه ينكر مشائخه العظام ويدعى الأصالة في الوصول إلى الملك العلام وتاره بأنه ينوي بإغفال المخلصين بأنه ينكر مشائخه العظام ويدعى الأصالة في الوصول إلى الملك العلام وتاره بأنه ينوي الخروج عن طاعة الإمام إلى غير ذلك من الافترآت وأنواع البهتان التي لا تصدر عن فرد من أفراد أهل الإسلام (أماما) تقولوا عليه في حق المشايخ الكرام فهو افتراء محض في حق هذا الإمام فإن من تتبع كلامه يجده مشحونا بتعظيمهم غاية التعظيم ويقر بفصل الاسلاف العظام غير أنه لما رأى تشبث بعض المبطلين ببعض كلمات هؤلاء الكبراء كان يؤل كلامهم بتأويل حسن ويوجهه بتوجيه مستحسن وإذا اعجزه التأويل كان ينسبهم إلى الخطأ في الكشف ويردفه ببيان أنه صدر منهم في أوائل حالهم وأنهم جاوزوه إلى مراتب كثيرة في نهاية كما لهم وإنهم معذورون في ذلك الخطأ الكشفي بل مأجورون كالخطأ الاجتهادي وهكذا قال أيضا في مسئلة التوحيد الوجودي يعرف ذلك من تتبع كلامه بالانصاف وابعد عن نفسه الاعتساف فأين الإهانة وأين الإحتقار وأين النفي وأين الإنكار بل إنما فعل ذلك حفظا لقاموس الشريعة الغراء وصونا لساحة هؤلاء الكبراء عما كان ينسبه المبطلون إليهم ويتقولونه عليهم ونصحا لهؤلاء المبطلين وغيرهم ممن عساه أن يقتدي بهم في ذلك ويتمذهب بمذهبهم الباطل فيما هنالك فهل يعد هذا من المثالب أو من أعلى المناقب وأسنى المطالب ولكن لما كان ديدن أرباب الأغراض إثاره الفتن والشرور كانوا لا يحاشون من ارتكاب أنواع البهتان وأقوال الزور ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. (قال) بعض الفضلاء أن أقوى سبب هيجان هذه الفتنه هو إنكار التوحيد الوجودي وإثبات التوحيد الشهودي فإن استماع أكثر الناس وأذهانهم كانت مملوءة بمسئلة التوحيد الوجودي منذ أربعمائة سنة يعني من عهد الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي إلى عصره قدس سره وإنكار حضرة المجدد مسئلة وحدة الوجود ليس كإنكار علماء الظاهر بل هو يصدق المقام الذي يتكلم فيه الوجودية ويسلمه ويقول أن المقصود الحقيقي فوق هذا المقام ويثبت الغيرية بين الحق والخلق على نهج لا يكون محلا لوحدة الوجود الحقيقي المتحقق في الخارج الحقيقي بخلاف الوجودية فانهم يثبتون العينية بين الحق والخلق اهـ وهذا الكلام كلام من حقق كلام الإمام وظفر بغاية المرام ومن تتبع مكتوباته المتعلقة ببيان هذه المسئلة مبتدئا من المكتوب الحادي والثلاثين من الجلد الأول إلى آخر المكتوبات الشريفة يظهر له أحوال الإمام PageV01P500 قدس سره في هذه المسئلة وغيرها ظهور الشمس في برجها (وأما حديث انكار مشائخه العظام) ودعوى الوصول بلا واسطة احد إلى الملك العلام فهو أيضا من افتراءات الحسده اللئام حاشاه من ذلك ثم حاشا نعم قد بين المكتوب السابع والثمانين أسرار المريدية والمرادية فأخذ بعض أرباب الغرض من بعض عباراته هذا الذي إدّعوه عليه كذبا وبهتانا مع إقراره فيه بوجود التوسط والوسائط في طريقة المريدية كما لا يخفى على الناظر فيه ومن جملة من كاد يزل قدمه فيه الشيخ عبد الحق الدهلوى رحمه الله تعالى لو لا أن تداركه الله سبحانه بلطفه كما قدمنا وقد أجاب عنه الإمام قدس سره في المكتوب الحادي والعشرين والمائة من الجلد الثالث فراجعه إن شئت. (وأما مسئلة الخروج) عن طاعة الإمام فحاشا من ذلك فإنه قدس سره كان أول من ينصح الناس بطاعة الإمام وإنقايد الحكام والاتفاق والالتيام التام ويحذر سوء عواقب المخالفة والمجادلة وإخلال الاستسلام ولكن لما كان هذا الأمر من آلة العجزة من اخذ الثأر والانتقام وسريع التأثير في بلوغ المرام للحسدة اللئام صار الاعداء يتشبثون باذيال هذا السبب بكل وجه ممكن ولم يألو جهدا في تهيج الخاطر ولو من رجل متمكن وقد كان أكثر اركان دولة سلطان الوقت جهانكير خان حتى حرمه والوزير الأعظم من الرفضة وكان المفتي أيضا منهم وكان سهام الإمام الرباني قدس سره مفوقة نحوهم دائما وكان لا يخلو من درهم وتجهيلهم وتحميقهم وتسفيههم دائما كما لا يخفى على من طالع مكتوباته قدس سره زيادة على صنفه من الرسالة المستقلة في درهم حتى قيل أنه ارسل هذه الرسالة إلى عبد الله خان الأوزبكي الجنكزي أكبر خوانين الأزبك في بخارا أو أشهرهم ليعرضوها على الروافض في بلاد العجم من الصفوية وكان كبيرهم وقتئذ شاه عباس المشهور فإن قبلوها فبها ونعمت وإلا فيجوز قتالهم وسبي ذراريهم ففعله عبد الله خان المذكور وأخذ الهراة وبلاد خرسان منهم بعد أن مضت من استيلائهم عليها قريبا من مائة سنة وصار يحاربهم دائما ويسبى ذاراريهم ويوصلهم اضرارا كليا إلى آخر عمره كما هو مشهور في التواريخ وكان ضغائن الروافض واحقادهم عليه قدس سره بهذه الأسباب مما لا يمكن وصفه بحيث لو ظفروا به لمزقوه تمزيقا وكانوا ينتهزون الفرصة لذلك ولما بلغهم ما عليه الحسدة اللئام فرحوا به واتفقوا معهم على نصب شراك المكائد والمكاره وو شوا به إلى السلطان الذي كان قلما يفيق من السكر بواسطة مقربية من الروافض قائلين بأنه يدعي التفوق على الكل حتى على الصديق وأظهروا له المكتوب الحادي عشر من الجلد الأول من جملة عرائضه على شيخه في بيان ما ظهر له من الوقائع في أثناء سيره تصديقا لزعمهم في دعواهم فأرسل إليه السلطان يطلبه عنده مع أولاده وأكبر خلفائه لإهلاكهم فأرسل إليه شاه جهان ولد السلطان المذكور واحدا من خواصه مع المفتي عبد الرحمن ومعهما الرواية الفقهية في جواز سجود التحية للسلاطين قائلا بأنه لو سجد للسلطان فأنا متكفل لخلاصه من شر السلطان وكان مخلصا للإمام الرباني وخبيرا بأن الاعداء إنما يظفرون ببلوغ مناهم من تركه السجود للسلطان فلم يقبله الإمام قائلا بأن هذه رخصة والعزيمة تركه ولا ملجئ إلى هذه الرخصة خصوصا لمن يقتدى به غيره والموت حق لا منجأ منه فترك أولاده وأكابر أصحابه احتياطا وتوجه بنفسه مع بعض أصحابه فلما دخلوا على السلطان سئله عن مضمون المكتوب المذكور فأجابه جوابا مقنعا حيث لم يكن أهلا لدرك الحقائق والأسرار فطاب وقته وأمره بالإنصراف مصحوبا بالسلامة فلما رأى الحساد أن قلب السلطان PageV01P501 قد طاب وأن سعيهم قد ضاع وخاب قلبوا ظهر المجن وقالوا للسلطان أنه مستحق للأذية والمحن فإنه كثير الأتباع وقوي الشوكة لو تخلص من هنا لا حدث الاختلال والفن أما ترى إلى استكباره عليكم واستخفافه بكم حيث لم يسجد سجود التحية بل ولا حياكم بالتحية العادية وكان الإمام على ما قيل لم يسلم عليه وقت دخوله لكونه سكران فأثر فيه هذه السعاية وظهر بصفة الغضب والغواية وسلب عن نفسه حلية الرعاية وبعد أن جرى الكلام في حقه بين أهل المجلس ودار أمر السلطان بحبسه قدس سره في قلعة كواليار المشهورة بغاية الحصانة والمتانة في تلك الديار فحبس في المجلس المذكور جناب الإمام كما يحبس سواجع الحمام في قفص اللئام واستترت طلعته البهية من الأنام كما يستتر أنوار بدر التم بحجب الغمام وفي ذلك يقول سحبان الهند السيد غلام على المتخلص بازاد (شعر) لقد برع الاقران في الهند ساجع ... وجدد فن العشق يا للمغرد فلا عجب أن صاده متقنص ... الم تر في الاسلاف قيد المجدد هذه المعاملة لله سبحانه حكم خفية ومصالح جليلة فهي محنة جلية ومنحة جزيلة. (منها) إن الإمام الرباني قدس سره اطلع بالكشف الصحيح أن وراء ما بلغه من المقامات مقامات آخرى كثيرة عالية جدا وأن الوصول إليها موقوف على التربية الجلالية وقد كانت تربيتها كلها بطريق الجمال وأنه ادرك بالكشف أيضا أنه ينالها بعد أن يتربى بتلك التربية فأخبر أصحابه يوما أنه يصيبه بلاء ومحنة فيما بين الخمسين والستين ليحصل له تلك المنحة فوقع الأمر كما أخبر ونال من تلك المقامات حظا أوفر. (ومنها) أن الوفا من الكفار والوفا من الفساق والفجار المحبوسين قد تشرفوا بشرف الإيمان والإسلام والتوبة إلى الله سبحانه من جميع المعاصى والآثار وصار بعضهم من الفضلاء الاعلام كل ذلك ببركه قدومه قدس سره في الابتهاج التام ذاك المحبس الظلام حتى قيل أن واحدا من كبراء أمراء الهنود المجوس الذي كان حاضرا في مجلس السلطان وقت تشريف صاحب الأيقان أسلم في ذلك المجلس لما رأى من شدة صلابة الإمام قدس سره في الدين وطعرضه للموت بعدم المبالاة بشدة غضب السلطان لتيقنه أن ذلك لا يكون إلا من شدة قوة الإيمان واستيلاء نور الايقان وقيل أن وزير السلطان عين لتوليتة حراسته في الحبس أخاه وكان من غلاة الروافض قصدا بذلك اجراء كمال الشدة بالإمام فلما رأى منه المذكور أنواع الكرامة وعدم الانزعاج وكمال الوقار بل المحبس تاب إلى الله تعالى ونفض عن نفسه غبار الرفض وتحلى بحلية السنية وصار من جملة المحبين والمخلصين فيها لها من نعمة جزيلة في صورة نقمة جليلة ولهذا كان الإمام قدس سره راضيا من السلطان وممنونا من معاملته هذا وداعيا له بالخير وكن بعض أصحابه يقصدون الإيقاع بالسلطان وكانوا مقتدرين على ذلك ولكن كان الإمام يمنعهم مما هنالك في النوم واليقظة ويأمرهم بالدعاء للسلطان بالخير حيث صار سببا لحصول ما كان يتمناه طول عمره ويقول أن اضرار السلطان اضرار بجميع الخلق يعرف صدق ذلك بالمراجعة إلى مكاتيبه التي بنقل الثقات أن شاهجان ولد السلطان جهانكير لما خرج على ابيه بطلب السلطنة ولم يتيسر له الفتح والظفر مع كثرة اتباعه وكون أمراء ابيه معه في الباطن شكا حاله إلى واحد من أولياء عصره فقال أن الظفر موقوف على اتفاق اربعة من أقطاب ذلك الوقت عليه وقد إتفق ثلاثة منهم عليه دون الرابع وهو أكبرهم وهو حضرة الإمام المجدد قدس سره فجاء عنده والتمس منه الدعاء بالفتح والظفر فمنعه الإمام الرباني من مخالفة ابيه ونصحه وأمره بالرجوع إلى موافقته وبشره بصيرورة السلطنة إليه عن PageV01P502 قريب بعد موت ابيه فقبل كلامه ورجع أمره فكيف يسند الحسدة إليه الخروج عليه قاتلهم الله أني يؤفكون فلما اعتكف الإمام في القلعة المذكورة عدة من الأعوام قيل ثلاثة وقيل اثنان ندم السلطان عما فعله في هذا الشأن لأسباب يطول شرحها فأخرجه من الحبس واكرم وأحسن إليه بأنواع الإحسان وصار من جملة المخلصين والإخوان لكن أمره بالإقامة في معسكره مدة من الزمان ثم أطلق سراحه وأعاده إلى وطنه محفوفا بالإجلال أو الإحترام فعاد بالوف من الفتوح على ما كان فيه أولا من الأحوال والمقامات التي يعجز عن وصفها ألسنة الأقلام ولا يدركها إلا من كان له من الله الألطاف الخفية وأنواع الفتوح فصار يصدر عنه قدس سره من الحقائق والدقائق والمعارف والأسرار ما لا يقدر على فهمها ودركها إلا أولاده العظام وخلفاؤه الكبار فتم بها مكاتيبه الشريفة ثلاث مجلدات كبار ولذلك ترى ما اندرج في الجلد الثالث غير لائق بكل سالك سيار بل لا بد لإدراكها في الجملة من اكتحال بصر البصيرة بكحل العناية والأنوار بل لا بد له من امداد روحانيته قدس سره كما اقربه المشايخ ذوو الكمالات والاستبصار والله الهادي إلى سبيل الرشاد ومنه المبدأ وإليه المعاد (وإنما) اطنبنا في بيان كيفية هذه الواقعة لأمرين: (احدهما) أن بعض المنكرين اشاعوها بوجه آخر مخالف للواقع فأردنا إظهار حقيقة الحال. (وثانيهما) اعلام أن الأولياء الكبار بل الأنبياء العظام لم يزالوا مبتلين بأنواع البلية والمصائب ليتأسى بهم أولياء زماننا وصلحاؤهم ويتسلوا ولئلا يسئ عوام زماننا ظنهم بأولياء عصرهم إذا رأوهم مبتلين بأمثال هذه البلية وهذا اراه من اللوازم لمن يشتغل بنشر مناقب الصالحين واكثر الناس اهملوه بل كتبوا أوصافهم الملكية دون لوازمهم البشرية فظن العوام أنهم منسلخون منها بالكلية فتعلقت بهم محبتهم التامة ثم نظروا إلى من اشتهروا في عصرهم بالصلاح والتقوى والولاية فوجودهم متلبسين باللوازم البشرية فساء ظنهم بهم فتضرروا ضررا كليا حيث حرموا من بركاتهم بل صاروا في مقام الطعن فيهم وقدحهم وذمهم ولم يدروا أن الأسلاف أيضا كانوا كذلك ما داموا في الدنيا ولم يشعروا أن هذه اللوازم البشرية هي القباب الالهية المذكورة في الحديث القدسي أوليائي تحت قبايى لا يعرفهم غيري كما قال الإمام الرباني قدس سره ومن هذا القبيل صدور بعض الزلة من بعض المشهورين بالصلاح والولاية فإنها ريما تكون في حقه سببا لترقيه كما بسط هذا الشيخ محي الدين ابن عربي قدس سره في موضع من فتوحاته قال في الحكم معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة وأورثت عزا واستكبارا فاعلم ذلك وظن خيرا بأولياء الله ولا تسئ الظن بهم بسبب ما صدر عنهم احيانا من الزلة بناء على حكم ومصالح واعتقد انهم غير معصومين والله سبحانه يتولى هداك (ولما) نال الإمام قدس سره من الله ما أمله وبلغ ما أم له وبلغ الكتاب أجله ناداه منادي الحق فأجاب النداء وانضم بالرفيق الأعلى والتحق وكان ذلك يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من صفر سنة اربع وثلاثين وألف ودفن في مقبرة سهرند روح الله تعالى روحه ونور ضريحه ونفعنا ببركة انفاسه الشريفة ومحبته المنيفة ورزقنا من شفاعته وحشرنا تحت لوائه مع محبيهم وجماعتهم آمين وتاريخ وفاته رفيع المراتب وهذا الرباعي أيضا على سبيل التعمية (رباعي) آنك بخموشي سخن آموخت مرا ... نا رفت بدامان عزا دوخت مرا مي جسبت بكريه دل ز سال سفرش ... ابر آمد وكفتا غم دل سوخت مرا (المنظرة السادسة في بيان من انكره بعد فوته ومن مدحه واثنى عليه. اعلم) أن الناس كما كانوا في حقه فرقتين في حياته بسبب PageV01P503 اختلاف المشارب والاغراض والمقاصد كذلك افترقوا في حقه بعد فوته أيضا على هاتين الفرقتين للأسباب المذكورة فمن مبغض قادح ومحب مادح وأن كان بين الفريقين بونا بعيدا بأن كان الأول شقيا والثاني سعيدا فهذا في الجنة وذاك في السعير. (قال) الشيخ ولي الله الدهلوى ولقد جرت على الإمام قدس سره سنة الله تعالى وعادته في انبيائه من قبل بإيذاء الظلمة والمبتدعين وانكار الفقهاء المتقشفين وذلك ليزيد الله في درجاته ويلحق به الحسنات من بعد وفاته إلى أن قال وبالجملة قد بلغ امره إلى أن لا يحبه إلا مؤمن تقي ولا يبغضه إلا فاجر شقي فلا حاجة بنا إلى الذب والدفع عن الإمام الهمام رضي الله عنه ولا إلى إقامة الدلائل العقلية والنقلية على جواز ما ادعاه اهـ. بأدنى تغيير يعنى أن حقيقة ما عليه الإمام قدس سره ظاهرة وبينة بطلان ما عليه الخصم ولا شيئيته أيضا جلية ومستبينة وأنوار معارف الإمام منتشرة ومنبسطة في جميع الآفاق والأقطار لا يقدر الخصم العنيد على سترها بغيوم الجحود والإنكار بل كان انكارهم سببا لشدة ظهور ذلك النور وزيادة الانتشار والله در من قال (شعر) وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت اناح لها لسان حسود فإن المنكر كلما أظهر شيئا من سم الانكار والاعتراض على معارفه السامية أظهر المحبون ترياق أجوبة متعدده وأستشهدوا لها بشواهد كثيرة شافية حتى بلغت عدد الرسائل المصنفة من طرف المحبين سبعين رسالة بل زاد على ذلك وأجل ما صنف في هذا الباب رسالة عطية الوهاب الفاصلة بين الخطأ والطواب للشيخ محمد بك الاوزبكي المكي أفاد فيها كل الإفادة وأجاد غاية الإجادة بحيث أنه هدم بنيان أباطيلهم من الأساس وارسل إليهم ابابيل الرد ولم يترك لهم مجال رفع الرأس صنفها ردا لرسالة بعض المعاندين في ذاك العصر وقرضها اسلطين علماء ذلك الدهر حتى انمحى إنكار المنكرين وأضمحل عناد المعاندين وأنا تركت إثبات الرسالة المذكورة في هذا المحل فان غرضنا الآن ذكر من مدح الإمام ومعارفه لا لجواب ورد أهل الشنآت وتركت ذكر أسامي المنكرين ونقل أقوالهم عملا بقوله صلعم اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم ولعلهم تابوا وأنابوا وتاب الله على من تاب ومن اصر فقد خاب ورجع بخفى حنين وآب ومن تصدى لإظهار الإنكار فأشبال الإمام المعنوية موجودون في كل غاب حاضرون للانتصار بكمال النشاط والترحاب إلا أنى أثبت هنا تقاريظ العلماء المذكورين لكونها مشتملة على فوائد جمة وعوائد مهمة تنكشف لها كل مشكة مدلهمة ولكون اربابها من فضلاء ذلك العصر وكملاء ذاك الدهر يوقف عند اقوالهم ويقتدى بأفعالهم: (فمنها) تقريظ شيخ الإسلام المفتي ببلد الله الحرام مولانا المرحوم المبرور الإمام العلامة عبد الله عتاقي زاده رزقه الله الحسني وزياده (قال) رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين رب زدني علما الحمد لله المانح للصواب والموفق للاصابة في الجواب ونشكره أن برأنا من الأغراض وطهر قلوبنا من نكتة الران واكنة الأمراض ونشهد أن لا إله إلا الله الهادي المنعم بما يرضيه ونشهد أن سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله القائل من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ونصلى ونسلم عليه وعلى آله وأصحابه الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر صلاة وسلاما دائمين ما تكررت العشايا والبكر. (أما بعد) فقد اخبرني الجم الغفير الثقاب والبالغون حد التواتر مقبول الروايات بأن أولاد الشيخ أحمد الفاروقي السرهندي النقشبندي ومريديهم الموجودين الآن سالكون مناه الشريعة المستقيمة ملازمون الطاعة والجماعة PageV01P504 على الطريق الحنفية السهلة القويمة وانهم اخذوا الطريقة المذكورة عن والدهم المذكور وليس فيها ما يخالف الشريعة الغراء ويوقع في محزور وهذا مما لا مرية فيه ولا ريب لأنني احطت علما بآداب الطريقة النقشبندية واخذتها عن جماعة زهاد اجلاء عظماء وإذا تقرر هذا فليعلم أن للشيخ أحمد مكتوبات واقعة باللغات الفارسية مبنيه على قواعد السادات الصوفية باصطلاحاتهم المرضية بل له رضي الله عنه اصطلاحات خاصة رضية ولا مشاحة فيها وقد تصدى بعض مبغضي الطريقة النقشبندية والشيخ المذكور وعرب بعض مواضع من المكتوبات وحرف وغال بنا يوجب القيل والقال وصدره بالسؤال وطلب مني الكتابة عليه قبل كل فأمتنعت تدينا وقد الح على مرارا كثيرة فاجبته بالحديث السابق من خير إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ثم زاد في اللجاج وقال اسئل عمن سب ونقص وذكر كلا ما لا يستطاع ذكره على لسان مسلم ولو حكاية فحينئذ اجبته شفاها باللسان بما هو مقرر عند ادنى الطلبة وفي جميع الكتب في باب الردة وطلب الكتابة أيضا من جماعة علماء اتقياء حنفية وشافعية فلم يوافقوه على ذلك بل أجابوه بالحق المخالف لهواه وكتب عليه شخص من الفضلاء اخذ بظاهر الفاظ التعريب المحرف مع امكان التأويل ووافقه جماعة ممن لا يعبأ بهم وزاد بعض جهال في الهذرمة وطغى وبعضهم نقش ما رسم له فحاكاه كالبغبغاوليته أن كتب فهم وهل يفهم ولو ظفر بكتابة الموافق الجاهل المتعنت لا جرى عليه مقتضى لفظه شرعا أن لم ينكره لأنه عرض بالعلماء الأجلاء الذين لا يصلح أن يكون تلميذا لهم فعليه من الله ما يستحقه وقد اعتذر عنهما بعض العلماء الأجلاء في تعريضه ولو لا عنه وجهل الأول وجهل الثاني لحكمنا بكفرهما ولكن لما كانت لهما نوع عذر بإعتبار أن العوام لا يكلفون إلا بمعرفة المسائل الجلية دون المسائل الخفية هذه المسئلة من المسائل التي تخفي على مثلها من العوام اعرضنا عن حكم بذلك ولكن مثل هذين الجاهلين ينبغ تأديبها وزجرهما عن الخوض فيما لا وصول لأذهانهما إليه اهـ. فما احسن هذا الاعتذار الدال على جهلهما المبين لحالهما وما للكاتب من الإعتذار والله دره ومع هذا فقد محوا ما كتباه وانكراه بغاية الذلة والاستغفار ويكفيهما ذلك خزيا وتعزيرا في سائر الاعصار قال علماؤنا انكار الكفر توبة وقد رد بعض الأفاضل على هذا المعرب المتبع لهواه المحرف لكلام الشيخ بالتعريب ومزجه بالدسائس وزيف كلامه وكلام من يعد فاضلا ورسد كلام الشيخ المذكور بلفظه الفارسي وعربه بالواقع فأطال وحسن التأويل والمقال وقرظ عليه جماعة علماء أجلاء وإلا حرى ترك التعريب المحتاج إلى التأويل لأن لبعض الألفاظ إذا وقعت فارسية حكما وإذا وقعت عربية حكما آخر قال علماؤنا في أماكن متعدة من كتب الفتاوى ذكر عالمة المذهب قاضيخان في فتاواه المشهورة في الشروط المفسدة للبيع رجل اشترى شيئا على أن يجمله البائع إلى منزل المشتري ان قال ذلك بالعربية لا يجوز وان قاله بالفارسية جازلان العربية تفرق بين الحمل والإيفاء والفارسية لا تفرق ويكون الحمل بمنزلة الإيقاء اهـ والحاصل أن ألفاظ المكتوبات الصادرة من الشيخ باللغة الفارسية بإصطلاح القوم ولسانهم حيث كانت سالمة عن وصمة قائلها شرا والمحذور فيها ولو بوجه ضعيف لا يتلفت إلى التعريب المخل المحتاج إلى المحتاج إلى التأويل بل يترك كلام المتكلم بلفظه عربيا أو فارسيا الخالي عن التعريب لموافقة الشرع الشريف كما أخبرني من تقدم ولا نتكلف لتعريبها وإن لم PageV01P505 يتغير معناها ومدلولها فكيف مع التغيير الموقع في محذور لو فرض ولا يقدح في الشيخ تعريب ذلك المتعنت مع براءته كما ذكرى وليت شعرى أي حاجة داعية إلى التعريب لنكفر به مسلماما هذا إلا جراءة وافتراء بلا مراء فإن تكفير المسلم أمر عظيم قال في البحر ناقلا عن الفتاوى الصغرى الكفر شيء عظيم فلا إجعل المؤمن كافرا متى وجدت رواية أنه لا يكفر اهـ. ثم قال فيه قال في الخلاصة إذا كان في المسئلة وجوه توجب الكف ووجه واحد يمنع التكفير فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير تحسينا للظن بالمسلم اهـ. ثم قال والذي يحرر أن لا يفتي بتكفير مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في كفره اختلاف ولو رواية ضعيفة وهذا الذي ادين الله به واعتقده ثم أن الفقير في شغل شاغل من مثل هذه الخرافات والكتابة عليها والتقريظ والموافقة بالواقعات اليومية المتعين على بيانها بأمر الدولة العلية ادامها الله تعالى وادام احسانها على سائر البرية وإنما أخبرني من تقدم ذكره أن وقع من التعريب والتحريف والكتابة عليه والموافقة لو ظهر واصغي إليه مسمع أهل العناد لاقام الفتنة النائمة الداعية إلى الفساد وتخريب البلاد واضرار المسلمين والعارفين والعباد والعلماء والزهاد والمشايخ الأمجاد وطلب مني كتابة ما تيسر لدفع هذه المضار العديدة بألفاظ وجيزة مفيدة فوجبت على يعني الكتابة وسطرت ما ذكر لحق الدماء والانتصار للعلماء والصلحاء والمشائخ الاتقياء والله سبحانه نسأل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه ويصون لساننا وقلمنا عن اضرار الناس ولا يجعلنا ممن يطيع هواه قال ذلك الفقير إلى الله تعالى عبد الله عتاقى زاده الحنفي القائم بخدمة الفتوى بأم القرى مكة المشرفة عفى عنهما بمنه وبكرمه حامدا مصليا مكبرا مهلا تم (قوله) إلا حرى ترك التعريب إلخ (قلت) هذا إذا كان لغرض نفساني بالتحريف أما إذا كان لغرض صحيح سالما عن التحريف فلا مانع من ذلك وبه جرت عادة العلماء قديما وحديثا والله يعلم المفسد من المصلح وهو أعلم بكل شيء. (ومنها) تقريظ العلامة الشيخ حسن ابن الشيخ محمد مراد التونسي المكي وهو مقدار كراسة سماء بالعرف الندي من نصر الشيخ أحمد السهرندي قد ادرج فيه عوارف المعارف وضمنه لطائف المنن ومن اللطائف وهو حرى بأن يقال أنه من الفتوحات المكية أو من الألهامات الملكية قال رحمه الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم وبه العون الحمد لله الذي اوضح لأحبابه سبل الهدليات * وفتح لهم باب الفهم عنه بسابق العنايات * وعصمهم من طريق الهوى وطرق الغفلات والغوايات * خصهم بتشريف المكالمات ولطيف الإشارات * والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول من فطر الأرض والسماوات * إلى كافة الخلق بالدلالات * الواضحة والآيات البينات * (وبعد) فأني قد كنت وقفت على سؤال ورد من جماعة من الهند مضمونه ما قول العلماء في حق أحمد السهرندي الكابلي القائل كذا وكذا بألفاظ كثيرة مسطورة في السؤال مدعين أنها نقلت من كتابه المشهور وقد كتب عليه إذ ذاك جماعة قائلون بكفره اغترارا بظاهر بعض الألفاظ ولغير ذلك فلما تأملته ظهر لي بحسب ما وصل إلى وما قدر لي إذ ذاك من الفهم أن بعض عباراته لا يصد إلا من عارف إن بعضها غريب في تلك المنازل لا يصدر إلا من مجازف بل بعضها يؤدي إلى الكفر لا محالة فلذلك أمتنعت من الكتابة بعد الالحاح على في طلبها وحمدت الله سبحانه على ذلك إلى أن اراد الله سبحانه وتعالى إظهار الحق وامحاق الباطل فحرك لذلك علما يقال الشيخ محمد بك فكتب رسالة ميز فيها ألفاظ الشيخ المذكور رحمة الله عليه عن غيرها وبين أن كتابه إنما PageV01P506 هو بألفاظ فارسية وإن فيما عرب منها في السؤال تغييرا بالزيادة والنقصان وتبديل بعض الألفاظ بالمكر والطغيان ونقل عبارات الش?؟؟؟ بأعيانها من الكتاب المذكور إعانة لمن طلب الوقوف عليها واظهارا لما هو الصواب وتبرعا بالجواب عما اشكل ظاهرة منها اذ لم يكن ذلك واجبا عليه ولا مندوبا كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى ثم ارسل بها إلى لأكتب عليها وحيد دهره وفريد عصره شيخنا وبركتنا الشيخ أحمد البشبيشي ادام الله تعالى النفع به وفسح لنا في مدته آمين فأعتذرت إليه مرارا ورمت بذلك فرارا فزاد الالحاح وتقوى الاقتراح فالزمت نفسي العمل بمقتضى قوله (شعر) ما لا يكون فلا يكون بحيلة ... ابدا وما هو كائن سيكون سبق القضاء بما يكون بعمله ... سيان منك تحرك وسكون فلاح الجواب وتيسرت الأسباب فشرعت مستعينا بالملك الوهاب راجيًا منه الحماية وإصابة الصواب فقلت وبالله سبحانه التوفيق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجاركم الله من ثلاث خلال إن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعًا وإن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق وإن لا تجتمعوا على ضلالة رواه أبو داود ثم قلت النفوس مفطورة على حب الحق فهو مقصدها في جميع انحائها لا تسكن إلا لديه ولا تركن إلا إليه وله تفيض الأعين وتتحرك القلوب والألسن ولو لا يحول بينه وبينها من آثار الرعونات وشدة ميلها إلى الشهوات لما انفكت عنه قتا من الأوقات فلذلك قوى الأرجاء في الرجوع إليه ووقوع الأتفاق عليه وحينئذ فلا يخفى على كل لبيب يقظ أن الشيخ أحمد السهرندي الكابلي ولي من أولياء الله تعالى وله قدم راسخ بمحافظته على الشريعة ومناظرته أهل الحقيقة والدليل على ذلك أما محافظته فلما شاع وذاع من شهرة علمه بإنتشار تلامذته وتلامذة تلامذته واولاده وحفدته كلهم علماء ومنهم من بلغ درجة الأكابر حتى عزله النظير في غالب البلاد كاسلامبول وما وراء النهر وفد منهم جماعة إلى الحرمين الشريفين ممن بلغ مكة منهم العلم المشهور الشيخ فرخ قد كثر متابع له بها إلى الآن فأنه كان المرجح بها ومنهم قطب اوانه والنموذج زمانه شيخنا وبركتنا الشيخ محمد قاسم اللاهوري قدس سره وروح ضريحه آمين قرأت أنا ورفيق لي عليه في المطول واخبرنا انه ختمه تدريسا نيفا وستين مرة ومنهم الشيخ المتفنن النقشبند نزيل عين الزمان مددنا وبركتنا شيخا الشيخ محمد بن سليمان كان يعظمه ويكرمه غاية الأكرام وما ذاك إلا رعاية لمقام الشيخ أحمد رحمه الله بإكرام كل من ينتسب إليه لما عنده من زيادة العلم بكمال فضله وتحقيق مقامه بمقتضى لا يعرف الفضل إلا ذووه ومنهم العلامة الشيخ محمد مراد ذكرانه الآن بإسلامبول يدرس بها وأنه ذو اتباع ومنهم الشيخ المحقق العارف بالله تعالى الشيخ بدر الدين ومنهم العلامة الشيخ يوسف الدين ومنهم الولى العارف بالله تعالى الشيخ محمد معصوم ذكر لى بعض الإخوان من مدرسي مكة المشرفة من أبناء الروم أنه اجتمع بهؤلاء الثلاثة وكان كثيرا ما يذكر الشيخ بدر الدين ويقول ما رأيت في زماننا هذا مثله في كثرة علمه وعمله ومداومته على الذكر وأما الدليل على مناظرته لأهل الحقيقة فإن من له أدنى فهم يدرك ان عبارات كتابه أهلنا الله سبحانه وتعالى بفهمها وجعلنا من طلابه ليست جارية على اصطلاح الفقاء لأنها لا تصدر إلا عن أرباب الأحوال فهي دالة على أنه من أهل الحقيقة عند من بصره الله تعالى لأن الكلام صفة المتكلم وقد قالوا اعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال وقال الشيخ زروق في شرحه لحسب الشاذلي رحمه الله تعالى واعلم أن الكلام صفة المتكلم وما فيك اظهر على فيك لي أن قال وبالجملة أن احزاب المشائخ صفة أحوالهم ونكتة مقالهم وميراث علومهم وأعمالهم وبذلك جروا في كل امورهم لا بالهوى يعني أن جميع أقوالهم وأفعالهم ليست مقصودة لهم بنوع تكلف أو نوع تصرف كما يدل عليه كلام الشيخ القشيري الآتي بل جميع ما يقع منهم من الحركات والسكنات تصدر عنهم بحسب أحوالهم فهي آثارها الدالة عليها لا محالة فظهر بهذا لمن ثبته الله تعالى ونور PageV01P507 بصيرته أن سيدي الشيخ أحمد رحمه الله تعالى ثابت القدم فيما تقدم على أن جماعة منهم لم يصنفوا كتابا حرصا على أمتثال ما كلفوا به من كتمان هذه العلوم كما سيأتي انشاء الله تعالى قال ابن عطاء رحمه الله تعالى في لطائف المنن كان أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى لم يصنع كتابا وكذلك شيخنا أبو العباس رحمه الله لم يصنع في هذا الشأن شيأ والسبب في ذلك أن علوم هذه الطريقة علوم التحقيق وهي لا تتحملها عقول عموم الخلق ولقد سمعت شيخنا ابا العباس يقول جميع ما في كتب القوم عبارات في سواحل من بحر التحقيق انتهى المراد قوله في سواحل إلخ .. كناية عن بعدها عن افهام أهل الظاهر لما يقصدونه من استعمال ألفاظ خاصة بهم مجملة والمعاني لمشكلة الظواهر تحاميا عن الظهور الموجب لوقوع الخلاف منهم فلهذا يجد من صنف منهم كتابا بالغ في كتمان معانيه بحيث لا يستعمل شيأ مما استعمله غيره من المعاني إلا على طريق الاتفاق وحينئذ التمييز بين اصطلاح الفقهاء واصطلاحهم لا يكاد يخفى على احد فنعلم حينئذ أن كتاب العارف بالله تعالى الشيخ أحمد رحمه الله تعالى وامدنا بمدده أنما هو في علوم الحقيقة وانه جار على اصطلاح القوم ودال على كمال أحواله وعلو مقامه بلا ريب هذا وانى الدين الله سبحانه وتعالى بذلك وبما عن شيخنا الشيخ محمد بن سليمان نفعنا الله تعالى به من أن الشيخ أحمد رحمه الله تعالى مجدد طريق القوم وكفى بهذا الاستشهاد لمن وفقه الله تعالى للتسليم وحسن الاعتقاد وحيث ثبت ما له من المقام فلا يلتفت لمن اراد نفيه عنه قال اليشخ رزق رحمه الله تعالى في الشرح فأن قلت قد تكلم بعض الناس في الشيخ ابن سبعين كلاما فاحشا يوجب عدم اعتباره فكيف يلتفت إلى علومه واذكاره قلت لا يقبل قول إلا ببرهان ولا يؤخذ شيء إلا بتبيان وقد ثبت كونه من أهل العلم والعرفان ونقل كونه من أصحاب الحقائق والأحوال بل حقق ذلك جماعة ممن اتى بعده من الرجال فلا يلتفت إلى انكار المنكر في اسقاط مرتبته وكذا من كان طريقة فلئن كان العلم حرمة فللعلماء أيضا حرمة والموقف يلتمس المعاذير والمنافق يتبع العيوب بل يحدث بها بغير حق ولا اجهل ممن يتعصب بالباطل ومكنر لما هو به جاهل فانظر وفقك الله تعالى وتأمل في عبارة الشيخ زروق رح وما فيها من الفوائد النورانية حيث رد قول المجرح بعدم البيان ثم عارضه بمجرد ثبوت صفة العلم له ثم اثبت له كونه من اصحاب الحقائق والأحوال بمجرد النقل ثم حقق له ذلك بمن بعده من الرجال حيث ذكروه بذلك من غير تعرض لطول المدة وقصرها ثم اكد الرد بقوله فلا يلتفت إلخ ... ثم اشار إلى حكمة على مقتضى الشرع وإنه لا خصوصية له بقوله وكذا من كان على طريقته ثم التفت إلى تعظيم جانب العلماء بمجرد كونهم علماء للتحريص على ذلك كما قابل ذلك بذم المنكر والتشديد عليه جعله كالمنافق ومقابلة فعله بفعله الموافق ثم ذم التعصب ووصف صاحبه وذا الجهل المركب بكونهما لا أجهل منها فإذا علمت هذا فتأمل أيضا في اكتفاء الشيخ رح في الرد بمجرد ثبوت صفة العلم فكيف بمن منحه الله تعالى فضيلة انتشارة في البلاد زيادة على ذلك ثم في التفاته رح لثبوت كونه من اصحاب الحقائق والأحوال بمجرد النقل فكيف بمن كتبت في مناقبه المجلدات واثبتت له فيها انواع الكرامات وشهد له بذلك انتشار الأثار الدالة على اتصافة بذلك أي الانتشار فأنى قد رأيت مناقبه في مجلد ضخم واخبرت بثانية منها للشيخ محمد هاشم الكشمي وقد كتب سيد علماء الهند جامع المعقول والمنقول الملا عبد الحكيم السيالكوتي PageV01P508 ما لفظه أن التكلم على كلام الوارث للطريقة المحمدية الشيخ أحمد السرهندي جهل وسفه ودلالة على عدم الوقوف على اصطلاحات الصوفية إلى آخر ما اطاله رحمة الله تعالى وقد وضع على هذا الخط ختمه وهو الآن بيد أولاد الشيخ رحمه الله تعالى والذي نعلم الآن من نسخ كتابه المشهور في الحرمين الشريفين ثلاث نسخة تامة ثلاث مجلدات بالمدينة المنورة ونسختان محزومتان بمكة المشرفة ثم في اكتفائه رح بمجرد ذكر جماعة بعده فكيف بمن مضى عليه زمان طويل بعد ذلك فإن عمر الشيخ أحمد نور الله ضريحه نيف وستون سنة ومنذ توفى إلى الآن نحو ستين فهذه نحو مائة وخمسة عشر سنة باعتبار اسقاط مدة بدايته على ان كثيرا من أولياء الله محفوظات من وقت الرضاع في بطون امهاتهم فعليه فهي نحو مائة وعشرين سنة فكيف فيه التجريح بعد هذه المدة وبعد ما ثبت له من الاشتهار المتصل بمن ذكر من كتابه وأولاده وتلامذته إلى يومنا هذا فهل يخفى على أحد أن هذا إلا باب اظهار الفساد نسئل الله العظيم في درئه ورد كيد قاصده في نحره ثم هل هذا السؤال إلا مزلة ومغلطة لأهل الحرمين الشريفين حيث لم يذكروا فيه الشيخ رحمه الله معرفا بأوصافه بل ذكروه مجهولا خصوصا مع أحدثوا ما فيه من التغيير والزيادة والنقصان وهل هذا إلا هوى للنفس واتباع للشيطان اما يخشى فاعلوه من تعجيل عقوبة الله تعالى غيرة منه عليه أما يعتقدون الموقف والفضيحة بين يدية وما أحسن ما قيل (شعر) تذكر يوم تأتي الله فراد ... وقد نصبت مرازين القصاء وهتكت التور عن المعاصي ... وجاء الذنب مكشوف الغطاء واحسن منه وابلغ منه واسرع رشقا في النحور قول من يجمع الناس ليوم لا ريب فيه وإليه النشور يعلم ما في السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور لعمر الله انهم لفي امر لا ينادي وليده ولا يفارق عنيده وكأني بهم وقد انعكس عليهم الأمر افا أمنوا مكر الله وصروف الدهر كيف وهو كما قيل شعر سرور الدهر مقرون بحزن ... فكن منه على وجل شديد ففي يمناه كأس من لحين ... وفي يسراه قيد من حديد نعوذ بالله من مكر الله نعوذ بالله من مقت الله نعوذ بالله من سخط الله ولا يخفى أن كلام الشيخ أحمد اسكنه الله تعالى في حظيرة قدسه ومتعه بموار انسه ليس جاريا على ظاهره كما تقدم ولا يجوز له استعمال الألفاظ الظاهرة المعاني حيث كان في هذا العلم لوجوب كتمانه قال في روضة المريدين قال جعفر بن محمد الصادق رضي الله تعالى عنهما نهينا عن اظهار هذا العلم لغير أهله كما نهينا عن الزنا ولا اقامة الدين الله تعالى إلا بهذا العلم وقال أن الله عز وجل فضح من باح بسره وعلمه إلى غير أهله وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين فاما أحدهما فبثثته فيكم واما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم وعن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال اني لا علم في قوله تعالى يتنزل الامر بينهن لو قلت لكفرتموني وعن على رضي الله عنه قال أن بين جنبي علما لو قلته لخضبتم هذه من هذه ارادوا رضي الله عنهم بذلك العلوم علوم الحقيقة كما صرح بذلك فأهل التمكين لا يظهرون معاني الفاظهم لأن جميعها متعلق بالله تعالى فهي أسرار بينهم وبينه ولهذا كان خطأ الحلاج واباحة دمه من حيث إظهاره ما يكتم واعلانه بما يسر كما في حل الرموز وفيه ما كل قلب يصلح للسر ولا كل صدف ينطبق على الدر وقيل لأبي يزيد رح مالنا لا نفهم كثيرا ما تقول قال لأن كلام الأخرس لا يفهمه غير امه (قال) الشيخ القشيري رحمه الله في الرسالة وهذه الطائفة يستعملون الفاظا فيما بينهم قصدوا بها الكشف عن PageV01P509 معانيهم لأنفسهم بعضهم من بعض والأجمال والستر على من باينهم في طريقتهم لتكون معاني ألفاظهم مشتبهة على الأجانب غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها اذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع تكلف أو مجلوبة بضرب تصرف بل هي معاني اودعها الله تعالى في قلوب قوم واستخلص لحقائقها أسرار قوم يقولون الأسرار معتقة عن رق الاغيار ويطلق السر على ما يكون مصونا بين العبد والحق سبحانه وتعالى من الأحوال وعليه يحمل قول من قال أسرارنا بك لم يفتضهن وهم وأهم انتهى ملخصا فمن علم ان قصدهم كتمان السر والاجمال والستر وان ظاهر اللفظ غير مراد لهم لا يعترضهم قطعا فالمعترض على ولى الله سبحانه وتعالى الشيخ أحمد رح باعتياده مرتكب مالا يحل غير عالم بمقاصدهم هذا وقد تلقت العلماء رضي الله عنهم ونفعنا بهم خلفا عن سلف أقوال هذه الطائفة من غير التفات منهم إلى أشكال ظواهرها ع عملهم بحقائقها وما تقتضيه من الاتحاد والحلول والتجسيم وغيرها لعلمهم باستحالة كون شيء من ذلك مقصودا لهم وهو معنى قول الشيخ زروق رح فلذلك قبل كلامهم أي على ما هو عليه وان كان مشكلا فإذا النظر إلى كمال أحوالهم لا إلى ظواهر اقوالهم وكمال أهل الطريقة الحقيقة هذا كتاب كمال أهل الطريقة ومعدن الحقيقة الشيخ ابراهيم بن عبد الكريم الجيلي قدس سره ونور ضريحه المسمى بالإنسان الكامل وسائر مؤلفاته ومؤلفات العارف بالله تعالى الشيخ محي الدين بن عربي قدس سره وسائر كتب القوم إلى يومنا هذا تشترى بأغلى الثمن وتستكتب ويتعب في تحصيلها ومقابلتها مع العلم بما فيها من الاشكالات المتكاثرة منها في الانسان الكامل قوله بانقضاء عذاب جهنم وذهاب اثرها وعود ابليس لعنه الله إلى ما كان عليه من مكان القرب إلى الله تعالى ومنها ما في عينيته قوله أن السبع الطباق تحت قوائمى ورجلى على الكرسي وسقف بيتي العرش ومنها ما في مواقع النجوم لأبن عربي رح أن لله سبحانه لسانا يتكلم به واذنا يسمع بها واما مشكلات الفتوحات فأشهر من أن تذكر فلو نظر العلماء رحمهم الله إلى ظواهر هذه الكتب لما توقف احد منهم في الحكم بتكفير مؤلفيها لكنهم لما علموا أحوالهم لم يلتفوا. إلى المشكل من اقوالهم وقد شاع هذا والحمد لله بحيث لا يكاد عالم بجهله الآن حتى انسيت اشكالاتهم وكأنها لم تكن واقبل الناس عليها لذلك بالإقبال التام حتى صار العلماء يتبركون ويعتنون بمطالعتها بل وتدريسها حتى لا يكاد يخلو عالم من بعضها ومن الاطلاع عليها فإن قلت إذا كان عدم التعرض لا يكاد يجهل فكيف قلت في أول الرسالة وقد كتب عليه جماعة قائلين بكفره اغترارا بظاهر بعض الالفاظ وهل هذا إلا تعرض منهم قلت قد مر قريبا بأن أهل السؤال دلسوا ولبسوا وانهم متبعون اغراضا فاسدة وانهم لم يعرفوا الشيخ رحمه الله بل ولم يذكروا من نسبه شيأ لعلهم لما فيه من صريح مناقضتهم فان والد الشيخ وجده رحمهم الله قد ثبتت لهما الولاية ونسبه يتصل بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد أخذ الطريقة عن والده وجده بالسند المتصل إلى سيد العارفين بالله تعالى الشيخ عبد القادر الكيلاني كما في مناقبه قدس سره لتميذه العارف بالله الشيخ بدر الدين غير المتقدم فلما لم يذكروا شيأ من هذا بل حذفوه وقولنا حذفوه لغوي تجهيلا لتميم غرضهم بزعمهم اقتضى ذلك تكفيره لا محالة لأنه على هذا التقدير ليس ممن لا تعرض لهم بل هو فرد من أفراد الناس فلو ذكر موصوفا بأوصافه التي اشتهر بها أو بعض النسب ولو الفاروقي فقط ونقلت ألفاظه PageV01P510 بعينها من غير تغير لما تعرض له احد وما كفره أحد منهم قطعا إلا ترى أنا لو سئلنا عما في مواقع النجوم بصورة ما يقول علماء الدين رضي الله عنهم في حق محمد بن عربي القائل بأن لله سبحانه لسانا يتكلم به وله اذن يسمع بها أو عن مقالة الشيخ عبد القادر رح رأيت ربي بعين رأسي بصورة ما يقول العلماء رضي الله عنهم في حق عبد القادر ولد أم الخير القائل رأيت ربي بعين رأسي فهل يتوقف أحد في تكفير المسئول عنه على ما فض جهالته بخلاف ما لو قيل في الأول في حق الولى العارف بالله تعالى الشيخ الأكبر محي الدين ابن محمد بن على بن محمد بن على ابن العربي الحاتمي الطائي قدس سره ونور ضريحه وفي الثاني في حق سيد العارفين وقبلة الوافدين الشيخ محي الدين عبد القادر الجيلاني جعلنا الله سبحانه في بركاته وامداده حيث لم يتعرض له أحد من العلماء كما نقدم وفيما نحن بصدده كذلك لما كان السؤال بصورة ما يقول العلماء رضي الله عنهم في حق أحمد السرهندي الكابلي لم يتوقف أحد في تكفيره وما توقف إلا من كان له علم بشهرته أو بطرف منها أو كان له معرفة باصطلاح القوم فاستدل ببعض عبارات السؤال على مقامه بخلاف ما لو كان بصورة الشيخ العالم الفاروق بالله تعالى مسلك المريدين وموصل السالكين الجامع بين الطريقة والحقيقة من ملأ علمه الآفاق شيخ وقته على الاطلاق الشيخ أحمد السرهندي الكابلي الفاروقي النقشبندي ابن العارف بالله تعالى الشيخ عبد الأحد ابن ولى الله العارف بالله تعالى الشيخ زين العابدين نفعنا الله سبحانه وتعالى به القائل كذا وكذا بألفاظه بعينها أو تعريبها حيث لم يتعرض لها بلا ريب (فأن قلت) قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى قد اندرس العمل بأخلاف القوم في هذا الزمان حتى لا يكاد العبد يجد أحدا من المتشيخين فيه يتخلق بشيء من أخلاق القوم فإن قام الاراده قد عز في هذا الزمان فكيف بمقامات العارفين انتهي فعلى هذا لا يكون الشيخ أحمد من المشايخ ولا كتابه مثل كتبهم (قلت) ليس في عبارته ما يقتضى انقطاعهم ليلزم ذلك بل مفهومها عزتهم كما صرح به في آخر مقدمته بقوله لم اقصد بقولى في كثير من الاخلاق لم ار له فاعلا الفخر وإنما اقصد به بيان عزته ليلقى الاخوان بالهم إلى الاهتمام بتحصيله والتخلق به لا غير على أنه ذكر في الاربعين ومائة أن أصحاب النوبة سبعون وأنهم بمصر الآن سنة ستين وتسعمائة (فإن قلت) ليس أهل هذا الزمان كالمتقدمين فلا يستحق الشيخ أحمد أن يعامل معاملتهم فتسلم له اقواله (قلت) أن اردت سلب المشابهة عن المجموع فمسلم وليس الكلام فيه وإن اردته عن كل فرد فرد فغير مسلم فقط روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال في كل قرن من امتي سابقون وعنه صلى الله عليه وسلم انه قال إنما مثل امتي كمثل حديقة قام عليها صاحبها فاجتث رواكبها وهيأ مساكنها وحلق سعفها فأطعمت عاما فوجا ثم عاما فوجا فلعل آخرها طعما يكون اجودها قنوانا وأطولها شمراخا والذي بعثني بالحق نبيا ليجدن ابن مريم من امتي خلقا من حوارية وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال خير امتي أولها وآخرها وفي وسطها الكدر وعنه صلى الله عليه وسلم انه قال مثل أمتي مثل المطر لا يدري اوله خير ام اخره والاحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا على أن هؤلاء القوم لا يغيرهم الزمان فلا فرق بين المتقدم والمتأخر والظاهر والخفي والصديق والولي في أن الزمان لا يكدر انوارهم ولا يحط مقدارهم فأنهم مع الموقت لا مع الأوقات وعن بعض العارفين انه قال أن لله تعالى عبادا كلما اشتدت ظلمة الوقت قويت أنوار قلوبهم فهم مثل الكواكب كلما قويت ظلمة الليل قوى PageV01P511 اشراقها كما في لطائف المنن وأما كتابه نفع الله تعالى به يسر لنا سلوك طريقته فغالب الظن فيه حيث لم اطلع على جمعيه انه لو كان معربا لفاق أو ساوى لما يظهر من منّ دقه ألفاظه التي وقفت عليها ولعمرى انه لحرى بقوله (شعر) (جميع الاحاديث في هذا المكتوب بل أكثر احاديث المكتوبات مأخوذة من مشكاة المصابيح فليستخرج منها اهـ) ما ضرني ان لم أكن متقدما ... فالبق يعرف آخر المضمار وها أنا أذكر لك ما تستكن به نفسك وتراض وتقبض به إنشاء الله عنان التعرض والاعتراض قال الشيخ زروق رح في وصيته عند عد الشبه ومن ذلك قول بعض الصوفية أنا هو وهو أنا مما يوهم الاتحاد والحلول وقد وقع كثير من هذا النوع لابن الفارض وابن العربي والتسترى وابن سبعين مع امانتهم في العلم وظهورهم في الديانة فعلى المؤمن في ذلك ان يكون قائما مع الحق بالكلام في القول لا في القائل في مثل أؤلئك القوم وما كان من كلامهم موافقا للكتاب والسنة فأنا اعتقده وما كان مخالفا فأنا أكل علمه لأربابه منزها قلبي عن اعتقاد ظاهره وإياهم كذ 1 لك انتهى مختصرا وقوله واياهم كذلك اي وانزههم أيضا عن اعتقاد ظاهرة فأنهم لا يعتقدونه لأنهم منهيون عنه كما تقدم وقال الشيخ الشعراني رح في لطائف المنن وقد يكون سبب الانكار جهل المنكر بمصطلح القوم وعدم ذوقه لمقاماتهم فالعاقل من ترك الانكار وجعل ما لم يفهمه من جملة مجهولاته لا سيما ولن يبلغنا عن أحد منهم ما يخالف الشريعة ابدا وربما تكلم العارف في شعره أو غيره على لسان الحق تعالى وربما تكلم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وربما تكلم على لسان القطب فيظن بعضهم أن ذلك على لسانه هو فيبادر على الانكار وقد سمعت سيدي على الخواص يقول أقل درجات الادب مع القوم أن يجعلهم المنكر كأهل الكتاب لا يصدقهم ولا يكذبهم وكان سيدي على بن وفا يقول التسليم للقوم أسلم والاعتقاد فيهم أغنم والانكار عليهم سم ساعة في ذهاب الدين وربما تنصر بعض المنكرين ومات على ذلك نسأل الله تعالى العافية اهـ فإن اردت يا أخي عدم الانكار فأجل مرآة قلبلك فإنك تشهدهم من خيار الناس ويقل انكارك وإلا فمن لازمك كثرة الانكار لأنك لا تنظر في مرآتك إلا صورة نفسك فأفهم اهـ مختصر وقال في حل الرموز بعد كلام ولقد انصف ابو حامد الغزالي حيث اجرى هذه الطائفة من الرجال في كتابه المنعوت باحياء علوم الدين فقال عند ذكرهم هؤلاء قوم غلبت عليهم الأحوال فقال احدهم سبحاني وقال الآخر ما أعظم شأني وقال الآخر أنا الله وقال الآخر ما في جبتي إلا الله فهؤلاء قوم سكارى ومجلس السكارى يطوى ولا يحكى معناه ونسلم إليهم أحوالهم ولا نرد عليهم اقوالهم لأن كلامهم نطق عن ذوق وذوق عن شوق ومن ذاق فقد عرف ومن لم يذق فلا حرج عليه اذا سلم واعترف اهـ كلامه المقدس رح وقال في مقدمة شرح تائبة الامام العارف بالله تعالى ابن حبيب الصفدي ويجب. تحسين الظن بأولياء الله تعالى فإن اسأة الظن بعموم المؤمنين حرام فكيف بأولياء الله تعالى ولله تعالى في خلقه أسرار لا اطلاع للعوام عليها بل يطلع عليها من شاء من خاصته انظر إلى ما وقع من الخضر عليه السلام من خرق السفينة وقتل الغلام وقوله بعد ذلك وما فعلته عن امرى فسلم لهم حالهم ولا تتابعهم فيما لا يوافق ظاهرة الشرع ولقد صنف فيهم أهل العناية بهم مصنفات ونصروهم فيها والوا أحوالهم واقوالهم المخالفة PageV01P512 لظاهرة الشرع ليس هذا محل ذكره وشرط جواز الاعتراض ان يكون ممن احاط بعلم الظاهرة والباطن وإلا فهو قاصر فيسعى في اصلاح نفسه اولا اهـ. وذكر شيخنا السيد أحمد الحموي نفعنا الله ببركته وبركة علومه آمين في ذيله على كتابه درر العبارات في آخر جواب أجاب به عن سؤال ورد إليه من زبيد عن ألفاظ وردت مشكلة في أشعار مشائخ الطريقة العارفين بالله تعالى فقال بعد أن أجاب بتخريج ذلك على الاستعارات التمثيلية ما نصه فإن عجزت عن التخريج على هذا المنوال وعسر عليك انتزاع حالة تطابق بها الحالة المنتزعة من الشعر فاعتقد ان ذلك الواقع في نفس الأمر وان قصر ادراكك عنه فسلم لأهل الله واعتقد برآءتهم ونزاهتهم من كل عيب ونقص واياك ان يخطر ببالك ما يقع فيه كثير من الناس ممن حرم التوفيق من حمل كلامهم بفهمه القاصر ونظره الفاتر على غير مرادهم مما لا يليق بالجناب الإلهي ثم يجعل ذلك سببا للوقيعة فيهم من غير مستند له في ذلك إلا محض جهله وقصور عقله وظنه أن فهمه وعقله متناه في الكمال بحيث لا يقصر عن شيء اصلا بل كلما خرج منه فهو باطل ومحال فإن ذلك والعياذ بالله منشأ الحرمان والخسران ومن أين يجب أن لا يهب الله لأولياءه إلا ما يدركه عقل هذا الجاهل القاصر بل ما مقدار عقله بالنسبة للعلوم الكسبية فضلا عن الوهبية واياك أيضا حيث عجزت عن التنزيل على هذا القانون ان تبالغ في التكلف والتأويل والحمل على ما تعتقد من المعاني كما يفعله كثير من المحبين المعتقدين وإن كان مقصدهم في ذلك جميلا وغرضهم صحيحا لكنه يؤدي إلى ارتكاب تكلفات باردة مهملة تخرج الكلام عن رونقه وبهجته وتؤدي إلى حمله على معان في غاية الركاكة والسفالة فترك ذلك والاعراض عنه وتلقي الكلام بالقبول والتسليم والاعتقاد التام على سبيل الاجمال وعدم العرض لمعانيه والاعتراف بالعجز عنه كما هو طريق السلف رح من التفويض في متشابه القرآن حتى يفتح الله تعالى بالمعاني الصحيحة ذوقا احسن واسلم (قلت) وما يدل على أن كلامهم رضي الله عنهم ليس مجريا على ظاهرة ما حكى أن الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي قدس سره لما انشد قوله (شعر) يا من يراني ولا اراه ... كم ذا اراه ولا يراني قال بعض اخوته كيف تقول انه لا يراك وانت تعلم انه يراك فقال له مرتجلا شعر يا من يراني مجرما ... ولا أراه آخذا كم ذا أراه منعما ... ولا يراني لائذا قال بعض المشائخ من هذا وشبهه تعلم أن كلام الشيخ وامثاله مؤول وانه لا يقصد ظاهره وإنما له محامل تليق به وكفاك شاهدا هذه الجزئية الواحدة واحسن الظن ولا تنتقد بل اعتقد وللناس في هذا المعنى كلام كثير والتسليم اسلم والله سبحانه بكلام أوليائه اعلم انتهى كلام شيخنا نفع الله به (قلت) إنما شبه شيخنا رح التفويض في متشابه القوم بالتفويض في متشابه كلامه تعالى في قوله كما هو طريق السلف إلخ ... لأن هؤلاء القوم تخلفوا وتحققوا بجميع الأسماء والصفات إلا لفظة الجلالة كما هو مقرر ومعنى التخلق تحلى العبد بتلك الاسماء والصفات بقدر الامكان واما التحقق فهو ذهاب تعين صفة العبد وظهور صفة الله تعالى فيه قال بهاء الدين في شرح اسماء الله تعالى واما التحقق بحقائقها فذلك بتجلى الاسم على سر العبد وسريانه في روحانيته سريان النار في اعماق الجمرة بحيث يفنى تعين العبد وتكون حقيقة الاسم المتجلي بعينها هى حقيقة العبد حتى يرتفع التمييز في مشاهدته بل تترتب احكام الحقيقة الاسمية على الحقيقة العبدية أن بلغ التحقيق بها كما لها كما قيل (شعر) انا من أهوى، ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا فإذا أبصرتني أبصرته ... و [ص: 513] إذا أبصرته أبصرتنا PageV01P513 والإشارات إلى هذه المرتبه كثيرة في مقالات القوم باللغات المختلفة وهذا امر ذوقي لا يسمع طور العبارة اكمال شرحها. ولا يفي إلا بشيء يسير من الإشارات بها اه? وبهذا تبين وجه التشبيه وبقوله حفظه الله تعالى واياك ايضا ان تبالغ في التكلف والتأويل إلخ ... وبما تقدم من وجود كتمان هذا العلم تعلم ان تعرض الفقهاء لكلامهم بالشروح والتحشية والجواب عن اشكالاتها مما لا ينبغي لما في جميع ذلك من المخالفات لمقصودهم نعم ان أرادوا بذلك تسهيله على اهله كما فعله القشيري رحمه الله تعالى حيث قال في باب شرح الفاظهم ونحن نريد بشرح هذه الألفاظ? تسهيلا لفهم من يريد الوقوف على معانيها من سالكي طريقهم ومتبعي سننهم أو كان ذلك شفقة منهم على العوام من اعتقادهم ظواهرها فلا بأس لكن قد سلك هذين المسلكين جماعة فلا احتياج إليهما الآن الا أن يكون اصطلاح حادث فلا بأس فإن القوم لم يصطلحوا على وضع وإنما اصطلحوا على استعمال الألفاظ? المخصوصة بمعنى أن كلا منهم يستعملها في معان يصنعها لها لما علمت من حرصهم على الكتمان والاصطلاح على معنى واحد يفوته وتوضيح ذلك أنك تجد شراح الفاظهم يذكرون للفظ? معاني كثيرة وقد يجمع ما بين كتابين أو ثلاثة من المعاني للفظة واحدة فلم تجدها تتفق اصلا فيكون المجموع لذلك اللفظ? فمن ذلك العبودية قال الشيخ القشيري رحمه الله تعالى في كتابه منشور الخطاب العبودية موافقة الأمر ومفارقة الزجر العبودية ترك التدبير ورؤية التقصير العبودية رفض الاختيار بصدق الافتقار العبودية اداء ما هو عليك وشكر ما هو اليك العبودية حسن القضاء وترك الاقتضاء اه? وقال الشيخ جمال الدين أبو القاسم القاز ابادي في كتابه خلاصة الحقائق قال الكتاني رح العبودية ترك الاختيار وملازمة الذل والافتقار وقال ذو النون المصري العبودية ان تكون عبده على كل حال كما انه ربك في كل حال وقال أهل الاشارة العبودية التفويض إلى الخبير البصير ورؤية التقصير في طاعة الملك القدير وقال عالم العبودية أن يرضى العبد بما يفعل الرب وقال ابو عثمان رحمه الله العبودية اتباع الأمر على مشاهدة الآمر وقال عيسى عه م العبودية ترك الدعوى واحتمال البلوى وحب المولى اه? وهكذا في غالب ألفاظهم وإنما اقتصر بعضهم على معنى واحد تسهيلا لطالب ذلك كما تقدم عن القشيري رح قال ابن عطاء رح في لطائف المنن قال الجنيد دخلت على السري السقطي فوجدته متغيرا فقلت ما بالك يا استاذ متغيرا فقال دخل شاب آنفا فقال ما التوبة فقلت ان لا تنسى ذنبك فقال بل التوبة أن تنسى ذنبك فما تقول انت يا ابا القاسم فقلت القول عندي كما قال الشاب لأني إذا كنت في حال الجفاء ثم نقلني إلى حال الصفاء أذكر الجفاء وقت الصفاء جفاء فقال الشيخ رح كلام السري اتم من كلامهما كلامهما يخص حالهما وكلام السرى مهيع مورد السالكين اه? مختصرا فظهرانه لا حصر في الاصطلاح وان الكلام صفة دالة على حال المتكلم كما تقدم وعليه فلا حصر لاصطلاحاتهم كما لا حصر لأحوالهم ولا اعتراض على من تعرض للبيان بقصد ما تقدم للبيان بقصد ما تقدم إذا كان أهلا لذلك هذا وأما توقف الفقهاء والمشايخ عن المسارعة إلى التكفير وايجابهم العمل بما يقتضي نفيه وإن تكرر المثبت بحيث يكون النافي عشر عشيره وتصحيح القول بعده تكفير أهل البدع وترجيحه فلا يخفي كثرة النقول في ذلك على من طالع كتب الفروع والعقايد وشفاء القاضي عياض رح غير انها ليست مما نحن بصدده وإنما PageV01P514 فيها استلزام كون عدم التعرض للشيخ رح اولويا والكلام فيما نحن بصدده كثير لكن فيما ذكر كفاية لما اوردناه من تنبيه الغافلين وتحذير المتعصبين عن الوفوع في المهالك بالتعرض للشيخ أحمد رح بالسوء المخالف لقوله صلى الله عليه وسلم اذكروا امواتكم بخير والاعتراض عليه بما لا علم لهم به أو التعرض لذريته بالأذية فإن اكرامهم اكرام له واذيتهم اذية له مستلزمة للدخول فيمن آذنه الله سبحانه بحرب كما روى عن ابي هريرة رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله عز وجل قال من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب لحديث بطوله قال المسعودي رح في شرح فالذي يتخلص من كلام علماء الشريعة والحقيقة أن الولى هو المتقرب إلى ربه تعالى بالعلم والعمل اهـ. فمن من الله سبحانه وتعالى عليه بالاتقان ومخالفة النفس والشيطان تنبه لمراقبته تعالى وتدارك ما احدثه من الخلل والنقصان ومن خذل عطلت حواسه وباء بالخسران ولا يخفى ان سعى أهل السؤال إنما هو تكثير اجوره ورفع درجاته نفعنا الله تعالى ببركاته كما قال الشيخ الشعراني رح حين وقع له مثل هذا حيث قال ان حسادي يحرفون عني مسائل لم اقل بها قط ثم يكتبون بها سؤلات يستفتون عنها العلماء فيفتون بحسب السؤال ثم يدورون بخطوط العلماء على الناس فيحصل لي من ذلك اجور لا تحصى من كثرة الوقوع في عرضي بغير حق فلو اني كنت موآخذا احدا من هذه الامة لما رضيت يوم القيامة بأعمال واحد منهم طول عمره في غيبة واحدة (قلت) واوفى دليل على علو مقام الشيخ أحمد رح رفع الدرجات بعد الممات باستدامة العمل بحيث رزقه العلم خصوصا وهو في الانتشار إلى يومنا هذا والولد الصالح خصوصا وهو متعدد واذية الخلق خصوصا وهي عامة له ولذريته فتوفر هذه الأسباب مع ما يلحقه من هموم دعاء الخلق وخصوصه دليل ظاهر على ما ذكر ثم لما مضي شهر بعد كتب هذه الرسالة ووفد رجل يقال له البرزنجي مكة المشرفة وكان القائل بكفر الشيخ رحمه الله وجعلنا في بركاته ثم ارسل إلى بالسلام قائلا بلغني انكم كتبتم رسالة فمرادي الوقوف عليها وكان ظني انه اذا اطلع عليها يطلب بيان ما ذكر فيها من الاحاديث وما ادعى في السؤال من التغيير والتحريف وما ذكر من النقول الدالة على عدم التعرض للشيخ رح وما نقل عن كتب القوم من المشكلات وما ذكر من الوقوف على مناقب الشيخ رح ونعدد نسخ كتابه وصحة الاخبار بالوافدين إلى مكة المشرفة من اولاد الشيخ رح وتلامذته وما ذكر من النقول للاستشهاد والتنظير وغيرها للوقوف على جميع ذلك والايقان لما ان هذه جادة أهل الانصاف وترجيح للمحاسبة الباطنة على الظاهرة ولذلك سمحت نفسي بارسالها إليه حالا رجاء ظهور الحق ووقوع الاتفاق عليه فلما بلغته بادر إلى مطالعتها وامر بكتبها فكتبها هو شخص ثم اتانى بها فسألته هل كتب مناهيها قال لا فقلت لا بد من كتبها فإنها بتتماتها ارجع إليها واذكر له ذلك فراح ثم رجع فقال كلمته فأبى وقال ما يحاج فقلت له وهل قابلها قال ثم رجع فقال كلمته فابى وقال ما يحتاج فقلت له وهل قابلها قال لا قلت اذا هي غير الرسالة لما هو مقرر من تحريف كتبة الزمان ولما وقع بين الحاستين من انعكاس الرجحان ولما حصل لي ما هو قريب من اليقين من انه مفت لأهل السؤال ومعين لهم في التغيير لينقل عني ما ليس لي من المقال وليجد لبحث فيه المجال اذ هي بدون ذلك محصنة بالوالي المتعال واشد على شأنهم من وقع النبال كتبت هذه الكتابة سائلا من فضل المطلع عليها ان لا يعتمد على المجردة من المناهي ومن الزيادة وانه اذا وجد عليها كتابة قادحة فيها تعرضات PageV01P515 على من يتقى الله تعالى ويخشاه من العلماء فإن كانت صوابا فأنا أول من يزعن لها ويعتقدها وإلا فليعلم المطلع عليها براءتي منها ويعتقد الصواب هذا وقد كتب الشيخ محمد بك نسخة من هذا قبل هذه الزيادة فهي أيضا صحيحة وإن كان تاريخها مثل المغيرة فان الفرق ظاهر لوجود المناهي في هذه دون تلك وأيضا تقابل مع هذه فإنها لا تخالف إلا بزيادة المناهي هذه وفي اولها وآخرها بعض ألفاظ قليلة لا يختلف بها المعنى والحاصل أن نسبة ما يخالف هذه إلى غير صحيحة اصلا ومما يفرق به أيضا بين المغيرة وهذه التاريخ فإن تاريخ المجردة عن المناهي هكذا تحريرا قبيل فجر يوم الجمعة مستهل شهر جمادى الأخرى سنة اربع وتسعين وألف وتاريخ المعتمدة ما ستراه قريبا والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا وباطنا وظاهرا وهو حسبي ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قاله الفقير إلى الله تعالى حسن ابن مراد حسن التونسي الحنفي عفى الله عن الجميع بمنه وكرمه آمين وصلى الله على سيدنا محمد النور الذاتي الساري في جميع آثار الأسماء والصفات وعلى آله وصحبه وسلم نجزت قبيل عصر السبت ثامن شهر الله تعالى رجب الأصم سنة اربع وتسعين وألف. (رسالة الشيخ العلامة والعمدة الفهامة منبع العلوم والمعارف منشأ الأسرار واللطائف معدن الدقائق الفرعية والاصيلة مخزن الحقائق الشرعية والعقلية قدوة فحول العلماء اسوة أعاظم الفضلاء مظهر الألطاف الالهية ومصدر الأسرار اللامتناهية الشيخ أحمد البشبيشي المصري الأزهري الشافعي رحمه الله تعالى ونور ضريحه المتوفي سنة 1096 ست وتسعين وألف وتاريخ وفاته مات البشبيشي هكذا قال في خلاصة الأثر بسم الله الرحمن الرحيم، أحمد سبحانه على نعمه المتكاثرة واشكره على آلاله المتولية المتظافرة * وأصلي وأسلم على أفضل العالمين سيدنا محمد خاتم الانبياء والمرسلين * وعلى آله وصحبه أجمعين * والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين (أما بعد) فقد وقفت على هذه الرسالة التي وضعها الفاضل الشيخ محمد بك لبيان كلام الشيخ العارف بالله تعالى أحمد الفاروقي النقشبندي فوجدته قد أجاد فيما افاد وبين اصطلاح الشيخ ومقاصده بكلام الشيخ نفسه في مواضع متعددة من مكاتيبه ولا شيهة في أن الألفاظ المصطلح عليها حقيقة عند أهلها فيما اصطلحوا عليه ولا تدل على غيره الا مجازا فألفاظه بحسب اصطلاحه لا تدل إلا على معان صحيحة لا مخالفة في شيء منها لما وردت به الشريعة المطهرة وحيث كان كذلك فلا تحتاج إلى تأويل اصلا فالحكم بتكفيره مبني على الجهل باصطلاحه ومقاصده وقد صرح غير واحد بأن الجاهل باصطلاح الصوفية لا يجوز له ان يخوض في كلامهم لأن ذلك يوقعه في رمى أولياء الله تعالى بالكفر والزندقة كما وقع ذلك لغير واحد ومنهم الشيخ أحمد المذكور كما أخبرني بذلك من خبره عندي يفيد اليقين بل تكاثرت الاخبار بذلك حتى كادت تبلغ حد التواتر ولما ذكر ابن المقري في روضه ما حاصله أن من شك في تكفير طائفة ابن العربي فهو كافر قال شيخ الاسلام ذكريا في شرحه هذا بحسب ما فهمه كبعضهم من ظاهرة كلامهم فإن ظاهره عند غيرهم الاتحاد وغيره مما هو مكفر والحق انهم مسلمون اخيار وكلامهم جار على اصطلاحهم كسائر الصوفية وهو حقيقة عندهم في مرادهم وان افتقر عند غيرهم ممن لو اعتقد ظاهره كفر إلى التأويل اذ اللفظ المصطاح عليه حقيقة في معناه الاصطلاحى مجاز في غيره فالمعتقد منهم لمعناه معتقد لمعنى صحيح ولا يقدح فيه ظاهر كلامهم المذكور عند غير الصوفية لما قلناه لأنه قد يصدر عن PageV01P516 العارف بالله تعالى إذا استغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته ويغيب عن كل ما سواه عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان الذي ترقى إليه وليست في شيء منها كما قاله العلامة التفتازاني وغيره اهـ. وقد صرح شيخ شيوخنا البرهان اللقائى رحمه الله بأن الحسين الحلاج قتل بمالم يتامله من امر بقتله يعني ولو تأمل كلامه وفهم مقصوده ما وجد له مساغا لقتله إذا تقرر ذلك علمت أن العارف بالله تعالى الشيخ أحمد المذكور من المسلمين الاخيار المرشدين إلى الله تعالى لأن ألفاظه منصرفة بحسب اصطلاحه إلى المعاني التي قصدها موافقة للشريعة لا تحتاج إلى تأويل اصلا كما بين هو تلك المعاني الصحيحة التي أرادها من ألفاظه في مواضع كثيرة من مكتوباته بالفارسية وقد قرئ ذلك عندي بحضرة جماعة يعرفون الفارسية امنت تواطئهم على الكذب ولا مخالفة في شيء من المعاني التي بينها لما تقر في شرعنا ولا يقد فيه ظاهر لفظه المذكور الذي يفهمه من لم يعرف اصطلاحه على أن الظاهر القابل للتأويل لا يكفر صاحبه بمجرد ذلك الظاهر بل بعد الوقوف على أنه يعتقد ذلك الظاهر اما إذا لم يعلم انه يعتقد ذلك الظاهر ولفظه قابل للتأويل فانا نؤوله ولا نحكم بكفره كما يفيده قول شيخ الإسلام وأن افتقر عند غيرهم إلى تأويل وكلام هذا الرجل بفرض أن لا اصطلاح له قابل للتأويل كيف وقد وجد له اصطلاح فعلى تقديره لا يحتاج إلى اصطلاح اصلا ولا يضره أن ألفاظه هذه لم توجد لمن تقدمه من القوم لما عملت من أن الإصطلاح لا مشاحة فيه وأن خالف اصطلاح من سبقه وبالجملة فالمكفرون له فهموا منظاهر لفظه ولفظ آخر مفترى عليه أمورا معلوما نفيها من الدين بالضرورة بحيث لا يتوقف في التكفير بما فهموه فيضه ولا متفقه بل ولا جاهل بالكلية إذ فهمهم ذلك شاركهم فيه كل جاهل والمعاند يرغب في اخراج المسلمين من الإسلام بأدنى شبهة لا سيما قوما مشهورين بالصلاح يرشدون العباد إلى الله سبحانه وتعالى وقد ذم السبكي هؤلاء الطائفة الذين يتساهلون في تكفير المسلمين وذلك لأنه لما سئل عن تكفير أهل إلا هواء والبدع قال أعلم أنا نستعظم القول بالتكفير لأنه يحتاج إلى أمرين عزيزين احدهما تحرير المعتقد وهو صعب من جهة الإطلاع على ما في القلب وتخليصه عما يشتبه وتحريره ويكاد الشخص يصعب عليه اعتقاد نفسه فضلا عن اعتقاد غيره الثاني الحكم بأن ذلك كفر وهو صعب من جهة صعوبة علم الكلام ومأخذه وتمييز الحق من غيره وإنما يحصل ذلك لرجل جمع صحة الذهن ورياضة النفس واعتدال المزاج والتهذيب والامتلاء من العلوم الشرعية وعدم الميل والهوى وبعد تحصيل الأمرين يمكن القول بالتكفير أو عدمه ثم بعد ذلك أما أن يكون التكفير بشخص خاص فشرط مع ذلك اعتراف الشخص به وهيهات أن يحصل وأما البينة في ذلك فصعب قبولها لأنها تحتاج في الفهم إلى ما قدمناه إلى أن قال ولقد رأيت تصانيف جماعة يظن بهم أنهم من أهل العلم ويشتغلون بشيء من رواية الحديث وربما كان لهم نسك وعبادة وشهرة بالعلم تكملوا بأشياء ورووا أشياء تنبئ عن جهلهم العظيم وتساهلهم في نقل الكذب الصريح واقدموا على تكفير من لا يستحق التكفير وما سبب ذلك وما إلا ما هم عليه من فرط الجهل والتعصب والنشأة على شيء لم يعرفوا سواه وهو باطل ولم يشتغلوا بشيء من العلم حتى يفهموا بل هم في غاية الغباوة اهـ وقد غفل المكفرون عن اصطلاحه لعدم تتبعهم لكلامه أو اعتقادهم أن اصطلاح المتأخر لا بد أن يكون موافقا لإصطلاح المتقدم ولم يميلوا إلى التأويل مع ما يرده أما لغباوة أو PageV01P517 عقد على أن في كلام المتصدي لتكفيره اعترافا بعدم فهم مراده حيث قال في آخر كلامه أو اراد شيأ فقصرت عنه عباراته بل اعترافا بعدم تكفيره إذ هو من لازم. اعترافه بعدم فهم مراده فقد اعترف بأنه إذا اراد معنى صحيحا قصرت عنه عبارته لا يكون كافرا فكيف وعبارته لا تقصر عن إفادة المعنى الصحيح يظهر ذلك للمتأمل المنصف وفي كلام السعدو غيره ما يفيد أن العبرة بالمراد لا بالعبارة القاصرة عنه حيث قال هو وغيره فيما نقله شيخ الإسلام ولأنه قد يصدر عن العارف بالله تعالى إذا استغرق في بحر التوحيد عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان حاله الذي ترقى إليه فهذا صريح أو كالصريح بأن العبارة القاصرة التي تشعر بالكفر كالحلول والاتحاد لا يكفر صاحبها بل هناك امور لا شبهة للمكفر فيها اصلا منها تكفيره بقوله أن الكعبة لا يراد بها خصوص الابنية ومنها ما ذكره بعض الطلبه فيما يتعلق بالوجود وجعله قياسا ونتيجة فإنه لو ادرك لا ستحيى أن يكتب ما كتبه ولكره أن يطلع عليه أحد ممن له نسبة إلى العلم والعجب أن هذا المكفر ممن ينكر على من يقول بكفر طائفة ابن العربي ويعترف باصطلاحهم ويحمل ألفاظهم على معانيها المرادة لهم أو يؤل حتى كاد يتعبد بألفاظ ابن العربي حتى اغتر بظاهر عبارته في الفصوص وقال بإيمان فرعون مع أنه قيل أنه مكذوب عليه لتصريحه في غير ذلك الكتاب ببقائه على كفر هذا الشيخ عبد الوهاب من أهل الكشف حتى أنه ذكر اطلاعه على الجنة والنار والميزان والصراط وتلقاه الناس منه بالقبول وهو ادرى بكلام القوم من غيره قال في كتاب اليواقيت والجواهر في اعتقاد الأكابر قال الشيخ في الباب الرابع والستين وثلثمائة أعلم أنه لا يموت أحد من أهل التكليف إلا مؤمنا عن عيان وتحقيق لا مرية فيه ولا شك لكن من العلم بالله والإيمان به خاصة وما بقى الاهل ينفعه ذلك أم لا وفي القرآن العظيم فلم يك ينفعهم ايمانهم لما رأو بأسنا قال وقد حكى الله عن فرعون أنه قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا اسرائيل وأنا من المسلمين فلم ينفعه هذا الأيمان وأطال في الإيمان وأطال في ادلة أنه لم ينفعه ايمانه قلت قال الشعراني فكذب والله وافترى من نسب إلى الشيخ محي الدين أنه يقول بقول ايمان فرعون وهذا نصه يكذب الناقل وجمهور العلماء قاطبة على عدم قبول ايمانه وإيمان جميع من آمن في اليأس لأن شرط الإيمان الاختبار وصاحب ايمان الناس كالملجأ إلى الأيمان والإيمان لا ينفع صاحبه إلا عند القدره على خلافه حتى يكون المرأ مختارا ولأن متعلق الايمان هو الغيب وأما من يشاهد نزول الملائكة بعذابه فهو خارج عن موضوع الايمان والله أعلم اهـ. المقصود منه فهلا أول لهذا أيضا بل هذا أولى بالتأويل لأن ذاك طعن فيه كثير من أئمة عصره وغيرهم وحكموا بتكفيره ولم نسمع طعنا في هذا الرجل عن أحد يعتد به فإن قال أن تقدم بن العربي مقتض لترجحه يقال له التقدم لا يقتضي الترجيح بل لو نظر لذلك ثبت في ابن العربي ما قيل فيه إذ هو متأخر بالنسبة لمن قبله من القوم حتى جعل بعضهم هذا من حملة الرد عليه حيث قال أن ما صدر عنه وعن طائفته ليس من اصطلاح القوم وإن قال أن باب السلوك والاستغراق قد سد بعد ابن العربي فقد اراد سد ببلا وصول له إليه ولا قرة له عليه وبعد التسليم أقل القليل أن يكون هذا الرجل أولى بالتأويل من فرعون فإن بقاء فرعون على كفره يدل عليه ظواهر الكتاب والسنة وصرفهما عن ظاهري بغير دليل لا يجوز وجزم بكفره أيضا جماهير العلماء حتى كادوا يجمعون عليه إلا من شذ بل حكى بعضهم فيه الاجماع ففي الزواجر لأبن حجر الهيتمي أخذ علماء PageV01P518 الأمة ومجتهدوها الذين عليهم المعول من الآية الأولى اعني قوله تعالى فلم يك ينفعهم ايمانهم لما رأو بأسنا اجماعهم على كفر فرعون ورواه الترمذي في تفسيره في سورة يونس من طريقين وقال في أحدهما حديث حسن وفي الآخر حديث حسن غريب صحيح وروي ابن عدى والطبراني انه صلى الله عليه وسلم قال خلق الله يحيى بن ذكريا في بطن امه مؤمنا وخلق فرعون في بطن امه كافرا واما ما حكاه عنه في سورة يونس بقوله عز من قائل حتى اذا ادركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا اسرائيل وأنا من المسلمين فهو ما ينفعه إلى آخر عبارته الكافية الشافية القائل هو في اثنائها بعد نقله عبارة ابن العربي التي أخذ منها نسبه القول بصحة إيمان فرعون لأبن العربي فهل هذا الكلام مقرر أو مردود فما وجه رده قلت قال ابن حجر ليس هذا الكلام مقررا وأن كنا نعتقد جلاله قائله فإن العصمة ليست إلا للأنبياء إلى أن قال على أنه نقل عن بعض كتب ذلك الإمام أنه صرح فيها بأن فرعون مع هامان وقارون في النار وإذا اختلف كلام إمام فيؤخذ منه ما يوافق الادلة الظاهرة ويعرض عما يخالفها إلى ما طاب له اشتباه مما فيه رد لكثير من الجهلاء فجعله اجماعا ولم يعول على من خالف وأما تأويل كلام هذا الرجل فلم يمنع منه مانع بل صرح العلماء بأن كثيرا من اللفظ الموهم لا يلتفت إلى ايهامه حيث أمكن حمله إلى محمل صحيح وكأنه ظن أن ادخال الكافر في الايمان أسهل من إدخال الكافر في الإيمان أسهل من إدخال المسلم في الكفر وهو ظن فاسد لأنا نستصحب الأصل في كل منهما حتى تحقق ما يخرجه عن ذلك الاصل فالأصل في المسلم بقاؤه على اسلامه حتى تتحقق ما يخرجه عنه والاصل في الكافر بقاؤه على كفره حتى نتحقق ما يخرجه عنه فظهر أن التأويل للمسلم ليبقى على اسلامه أولى من التأويل للكافر بل لا يجوز الحكم بإسلام الكافر بغير دليل اذ الأصل بقاؤه على كفره ولا يجوز الإقدام على تكفير المسلم حتى يتحقق ما يعتقده من المكفرات كما يدل عليه كلام السبكي رحمه الله وقد بلغني إن شأن هؤلاء القوم يعني المكفرين أنهم ينظرون إلى المسائل التي يكون بعض العلماء مخالفا فيها لما أطبق عليه الجمهور ويقيم ادلة لنفسه يستدل بها على ما خالف فيه فيأخذون قول ذلك المخالف ويضعونه في رسالة ويردون عليها ما أقامه هو من الأدلة وينسبونها إلى أنفسهم ويرسلونها إلى البلدان حتى اشاعوا تلك الأقوال المخالفة لما عليه جمهور العلماء فمن ذلك القول بإيمان فرعون ومن ذلك اختيارهم أن وأنهن الغرانيق العلى من قول النبي صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك مما اشتملت عليه الرسائل التي يبعثون بها إلى البلدان فيأخذها ضعيف العقل قليل العلم فيغتر بها وتصير هي معتقده فإن قصدوا بذلك صرف العامة عن اعتقاد ما عليه الجمهور إلى اعتقاد ما شذ به واحد أو إثنان مثلا فهذا من الإفساد لا من الاصلاح والإرشاد إذ الذي عليه جمهور العلماء هو الحقيق بالاعتماد في الاعتقاد وإن قصدوا بذلك إظهار دعوى الإجتهاد وإنه صارت فيهم قوة الترجيح والرد على الأئمة فهذا لا يثبت دعواهم إذ لا تميز لهم بذلك إذ كل من له أدنى اشتغال بالعلم إذا أطلع على هذا القول وادلته أمكنه أن يقول مثل ما يقولون بأن يقول والذي اختاره في هذه المسئلة كذا ويسرد أدلة صاحب القول كما يسردونها وإن لم يفهم المسئلة ولا شيأ من أدلتها على انه لا يتوهم فيهم أحد تلك الأهلية بل أهل وطنهم حتى الآخذين عنهم لا يثبتون لهم أهلية التعليم فضلا عن مرتبة الاجتهاد فالله اعلم بمقاصدهم ثم انتقلوا من ذلك إلى تكفير المسلمين وأما من افتى بأن من أول كلام ذلك الرجل فهو كافر فهو جاهل أي PageV01P519 جاهل معتوه وقد اخبرني بذلك من له به خلطة تامة من أهل العلم فأني لا أعرفه وأخبرت أنه ليس فيه أهلية لا قرأ مقدمة أبي الليث فضلا عن غيرها وإنما يجلس للكذب على العوام يقربهم مقدمة ابي الليث أو غيرها من الكتب الوعظيات ووافقه آخر أخبرني من يعرف أنه قرأ أمثلة التصريف على بعض موالى الروم ولا علاقة له بفقه ولا حديث ولا غيرهما من العلوم الدينية ولو لا عنه وجهل الأول وجهل الثاني لحكمنا بكفرهما ولكن لما كان لهما نوع عذر باعتبار أن العلوم لا يكلفون إلا بمعرفة المسائل الظاهرة دون المسائل الخفية وهذه المسئلة من المسائل التي تخفى على مثلها من العوام اعرضنا عن الحكم بذلك ولكن مثل هذين الجاهيلن ينبغي تأديبهما وزجرهما عن الخوض فيما لا وصول لأذهانهما إليه والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمأب وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. قاله الفقير أحمد البشبيشي المصري الأزهري الشافعي رحم الله من تابع الحق وأظهر الخفى من الجلي هذا من قبيل إثبات فضيلة شيء بإثبات نقص ضده كما قيل إن الا شيأ تتبين بضدها فإن هنا بين نقص الطائفة الثالثة الذين لا يقدرون تمييز بعض مراتب وجودات المخلوقات من الواجب بأنهم لما لم يميزوا بينهما اثبتوا للممكن ما للواجب ووجدوا انفسهم عين الحق بخلاف الطائفة الأولى إنهم ميزوا بينهما ولم يثبتوا ما لا حدهما للآخر فتأمل تعرفه والا فتتحير ولا تستعجل حتى تستوفى الكلام وتحيطه من أوله إلى آخره منه عفى عنه (صورة ما كتبه العلامة العالم بالله تعالى الشيخ عبد الله العباسي الشافعي الملكي رحمه الله تعالى) بسم الله الرحمن الرحيم حامدا ومصليا وبعد فقد وقفت على ما كتبه العلامة الأوحد الهمام الامجد مولانا وسيدنا الشيخ أحمد بلغه الله تعالى كل مقام أحمد فما وجدت لكتابة غيره معنى اذ المعول عليه كلامه فالله اسأل وبنبيه وآله وصحبه أتوسل أن يديم النفع به بجاه سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قاله الفقير إلى الله تعالى عبد الله العباسي الشافعي. (صورة ما كتبه سنجقدار العلامة القاسم المكي الحنفي عامله الله تعالى بلطفه الجلي والخفي) بسم الله الرحمن الرحيم وبه العون الحمد لله حمدا يليق بجلاله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه صلاة تليق بكماله (أما بعد) فقد احطت بهذا السؤال والرسالة والأجوبة نظرا وتأملتها وامعنتها فكرا فرأيت أن النقص في السؤال بالتبديل الذي يدل على أن فاعله صاحب نقص وحظ نفس وافتراء وتسويل أما الرسالة فقد اظهرت لقائلها الفضل والجلالة كثر الله تعالى امثاله وجعل للمتقين ظلاله اما الاجوبة فكل جواب مبني على فهم المجيب من الخطأ والأخذ بالظاهر بلا ريب وأما الجواب الملحق بالسؤال لصاحب الرسالة فهو المبين لا محالة وهو جواب مولانا وشيخنا وبركتنا الشيخ أحمد فهو من كل جواب أحمد وما لنا إلا اتباع أحمد فعليه الاعتماد في المبدأ والمعاد كيف لا وهو الجامع بين المعقول والمنقول والحاوي لجميع الفنون من الفروع والاصول فسح الله في مدته وجعلنا ممن يقوم بحجته وفي الرسالة والجواب ما فيه كفاية لأولي الألباب من أدلة السنة والكتاب ومقامنا التسليم لأهل الباطن ففيه السلامة للدين في الظاهر والباطن التخلق باخلاق من سلف ممن مضى وزلف قال النبي صلى الله عليه وسلم ذرو العارفين المحدثين من امتي لا تنزلوهم الجنة ولا النار حتى يكون الله تعالى الذي يقضي فيهم يوم القيامة قال المناوى رحمه الله تعالى جمع محدث اسم مفعول PageV01P520 بالفتح أي ملهم وهو من القى في نفسه شيء على وجه الالهام والمكاشفة من الملأ الأعلى فظهر أن المراد بهم المجاذيب الذين يبدو منهم ما يخالف ظاهره الشرع فلا يتعرض له بشيء انتهى نقله العلامة السيوطي في الجامع الصغير عن الخطيب وصححه فإذا كان هذا في المحدثين الذين هم الملهمون المجاذيب فما بالك بشيخ اكبر قد ظهر إرشاده في الأصغر والأكبر وسرى سره في القلوب ونور كيف لا يلتمس لكلامه ما يليق بمقامه فلكل ما مقام مقال ولكل ولي حال ومجال جعلنا الله تعالى من المعتقدين لا من المنتقدين ومن المصلحين لا من المفسدين المتعنتين ومن المتبعين لا من المتبدعين وافاض علينا من بركات أوليائه أهل حق اليقين ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤف رحيم ربنا افرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين قاله الفقير إلى الله تعالى قاسم بن سنجقدار المكي الحنفي حامدا ومصليا اهـ. (صورة ما كتبه شيخ الحرم المكي السيد محمد افندي الحسين رحمه الله تعالى وطيب ثراه وجعل الجنة منقلبه ومثواه) (بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله الذي أنعم وتفضل على من يشاء من عباده بالكمال ووفقه لبسط السلوك في طريقة الحقيقة بالإجلال أحمد الله سبحانه وتعالى على ما وهبنا من الانعام والافضال وصلى الله على نبيه الكريم السيد الحكيم سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله واصحابه أهل المجد والكمال صلاة دائمة بالغدو والآصال وسلم تسليما (اما بعد) فقد وقفت على السؤال الذي صوره صالح الأورنك آبادي ومحمد عارف وعبد الله الكوكني من توابع صالح المذكور فوجدته قد ذكروا فيه اقولا وزعموا انهم استخرجوها من مكتوبات الشيخ الأجل الهمام الأكمل في الطريقة النقشبندية بل الإمام منبع العلوم والمعارف منشأ الأسرار واللطائف العارف بالله تعالى الشيخ أحمد الفاروقي الحنفي النقشبندي رحمه الله تعالى واعلى درجاته وحيث كان مكتوبات الشيخ رحمه الله تعالى بالفارسية عربوها إلى الألفاظ العربية بمقدار معرفتهم ومقتضى مرادهم نعوذ بالله من اتباع النفس والهوى وارسلوها إلى فلان احد مجاوري المدينة المنورة ثم بعد وصول ذلك السؤال إليه علق رسالة بتكفير الشيخ أحمد المذكور بسبب الأقوال المكتوبة في السؤال الملايمة لخاطر المرسل إليه وتصدى لإثبات كفره بها وهيهات أن يثبت وطلب من قاضي المدينة المنورة ومفتيها وعلمائها أن يكتبوا على ذلك السؤال على وفق مراده فامتنعوا عن ذلك وردوا عليه كلاما واجوبة تليق بالعلماء العالمين بعلومهم ثم بعد ذلك اتى إلى مكة المشرفة فسئل الكتابة على السؤال المذكور من قاضيها ومفتيها وعلمائها أيضا فما أحد وافقه على ذلك واجابوه بقولهم هذا الأمر الذي ارتكبه عظيم فما يوافقك في تكفير مسلم الاكل هالك ولا وافقه بالكتابة من العلماء على ذلك إلا آحاد من الناس ممن لا معرفة لهم بالطريقة وبعضهم وافقه لملايمة هواه وبعضهم لا علم له رأسا ولا حقيقة فحصل ما حصل من القيل والقال بسبب فعل هذا الضال فعل ذلك لتبع هوى من ارسل إليه السؤال أو ما عملوا قوله صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فما بالك في حقوق العباد لا سيما فيمن اراه تكفير ولى وهو اعلم العباد فيا ويل من تجرأ أن ربك لبالمرصاد فبموجب ما افتروا على الشيخ أحمد النقشبندي ومكتوباته احتاج الأمر إلى تتبع مكتوبات المرحوم الشيخ أحمد المذكور وتعريب ألفاظه الفارسية إلى العربية على وجه يتضح الحق به على يد عالم له علم بالعربية والفارسية وحيث كان الأمر كذلك صرف الشيخ الأجل العالم الفاضل الشيخ محمد بيك همته العلية أي انبياء الله تعالى PageV01P521 الذين ارسلهم الله بالحق ولزم علينا الإيمان بهم وتصديقهم فالاضافة لأدنى ملابسة. وطلب جميع مكتوبات الشيخ أحمد وقابل الأقوال التي في ورقة السؤال مع مكتوبات المرحوم فوجد بعضها غير موافق لها بسبب التحريف وترك بعض الألفاظ وزيادة اخرى التى ارتكبها هذا الظريف فكتب الرسالة وبين فيها اصطلاحات السادات النقشبندية ومقاصد الشيخ أحمد رحمه الله تعالى واراد بذلك اظهار وارد بذلك اظهار الحق فإن اتباع الحق أحق ولينحل الاشكال وليرتفع القيل والقال فعرب الألفاظ الفارسية إلى العربية واحسن واهتم واتقن وارتفع من أله الحق سوء الظن بل رجع الكفر على من تجرأ بتكفير المسلم وندم كثير ممن كتب على السؤال المذكور ولازم الندم رجاء أن يدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم التوبة الندم لما ظهر لهم أن مبنى الأمر على الهوى والغرض والبهتان الذي فهم من الزيادة والنقصان والتجرأ الذي لا يليق بالمسلم فعله بل لا يقبله انسان قال صلى الله عليه وسلم من آذى مسلما فقد آذاني فكيف يكون حال من تجرأ على التحريف وقوله عليه الصلاة والسلام اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم وقوله عليه الصلاة والسلام من حسن إسلام المرأ تركه ما لا يعنيه فظهر الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقا فينبغي لحكام تلك الديار أن يخرجوا منها من هو مثل هؤلاء المتجرئين بل يجب أن يؤد بهم بحسب ما يقتضي اقوالهم وافعالهم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه اجمعين قال ذلك وكتبه افقر عباد الله الغني محمد ابن حسن الحسيني شيخ الحرم المكي عفى الله عنهما وعن المسلمين اجعين (صورة ما كتبه السيد على بن السيد محمد المعروف بكلاه زاده الديار بكري المكي رحمه الله تعالى) بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين رب ليس الهدى غير هداك ولا آلاء إلا آلاك نحمدك اللهم يا مفيض الأنوار ويا مزين قلوب العارفين بالأسرار افض علينا انوار رحمتك ويسرلنا الوصول إلى كمال معرفتك وهب لنا منك محبتك وصل على محمد لسان حجتك وعلى آله واصحابه خير بريتك وعلى أوليائك المرتاضين المتمسكين بشريعة خير خليقتك بجلال عزتك وكمال رأفتك (أما بعد) فانى لما وقفت على المكتوبات الفارسية التي كتبها شمس فلك الإرشاد وبدر اوج الطريقة والسداد ومحور دائرة الفضائل والكمالات والرشاد القطب الرباني والغوث الصمداني المرحوم المقدس المبرور الأوحدي العارف بالله تعالى الشيخ أحمد السرهندي الفاروقي النقشبندي قدس سره العزيز ومعربها الذي عربه العمدة العلامة والزبدة الفهامة الفاضل الأكمل والمحقق الاجل العارف باصطلاحات السادات الصوفية والعالم بقواعدها المرضية محمد بيك وعين الله ترعى لسانا عربه فأحسن واجاد وبنانا نقله إلى البياض من السواد واتقن وامعن وافاد وشرح وفصل وبين ما هو المراد جعل الله تعالى عمله مبرورا وسعيه مشكورا وجزاءه في الدارين جزاء مرفوعا فبعد ما أوضح المعرب الفاضل وبين ما هو المراد من مكتوبات الشيخ الكامل وصرح بأنه لا مخالفة في مكتوبات الشيخ للشرع الشريف قطعا لا اصلا ولا فرعا لقيتها منطوية على الحقائق من الفوائد المرموزة مشتملة على الدقائق من الفرائد المكنوزة متزنة بميزان الشريعة الغراء ممتلئة بلوائح تعجز عن ادراكها القوى لأنها معبر عنها بلسان السادات الصوفية ومحرر على اصطلاحات مشارب تلك الطائفة العلية لا لغو فيها ولا تأثيم إلا قيلا صوابا ومقالا كخالص التبر مذابا فياله من كتاب فاخر تعقد عليها الخناصر وقد تصدى بعض مبغضي الطريقة النقشبندية والشيخ المذكور لجميع الترهات وعرب بعض مواضع من PageV01P522 المكتوبات وغيرها وبدل وحرف بالنقص والزيادات فيا ويل من غير وبدل وحرف وغوى في بيداء التعدي وتعسف وتكلف ويا خسران من تجرأ عليه باطالة لسان الاعتراض الناشئ عن التعصب والعناد ويا طغيان من تصدى عليه بالتكفير المنبعث عن دنآءة النفس وادعاء التعين والانفراد ولئن سلم عدم التغيير والتحريف فبمجرد عدم وصول احد إلى غور مكتوب من المكتوبات التي كتبت على اصطلاحات خفية لقوم موقوفة على السماع لا يلزم أن يكون في نفس تلك المكتوبات شيء من الخطأ والزلل والاعوجاج فهلا يمكن أن يكون الخطأ في الناظر إليها من قصور الفهم وقلة التأمل وسائر الموانع في المزاج لأن العقول متفاوتة بمراتب إلى العاشر وكذا القوى والحواس والمشاعر فكثيرا ما يقع للانسان إنه مرة يعلم ويصل إلى غور شيء من الجلى والخفى ومرة يصل إلى الخفى ويتوقف في الأمر الجلى وفهمه لا يفى فهكذا علم المخلوق العاجز فمرة يفتح عليه باب الوصول ومرة يظهر له حاجز واما العلم بكل شيء والاحاطة بحقيقته في كل زمان وفي كل حال فذا في حيز الامتناع لأنه من شأن عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال فالمنصف المتأمل العالم إذا لم يصل إلى حقيقة معنى وغوره من المعاني المقصودة في العبارات الخفية وتعسر عليه العثور فهو لا يخطئ قائلها بل يحمل على نفسه الخطأ والقصور فيستمد ممن عنده مفاتيح الغيب وبيده مقاليد الأمور ولا يتكلف في حمل الكلام على أمر بعيد من مخالفة الشرع وايجاب التكفير الشديد والتكفير أمر عظيم لا يتجزأ عليه إلا من هو غافل أو جاهل لئيم قال في البحر والذي تحرر أنه لا يفتى بتكفير مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في كفره اختلاف ولو رواية ضعيفة انتهى وإذا تقرر هذا فكيف من تجرأ وأطال لسان الاعتراض على الأولياء المتجردين عن جلابيب ابدانهم المنخرطين في سلك المجردات الواصلين إلى بحر الحقيقة الخائضين في لجة بحر الوصول إلى توحيد الذات العالمين الثابتين على الصراط المستقيم العالي حالهم وشأنهم ولسانهم عن مخالفة الشرع القويم وقد وقف على تلك المكتوبات ومعربها علماه مكة المرشفة زادها الله تعظيما وتشريفا وتلقوها بحسن القبول في الملفوظ والمدلول بيض الله وجوه اعمالهم وساعدهم بالطافه الخفية في حالهم ومألهم فاقتفيت صدورنا الفضلاء اعزهم الله بحرمة الانبياء بالاقبال والامضاء علما مني بأني لست من عداد هؤلاء الكرماء ولكن لا بأس بأن يقتضى بهم ميلا ومحبة وطفيليا لاعزتنا الاجلاء فعلى الحكام وولاه الامور أن يسعوا في تأديب أمثال هؤلاء المنجرئين بالسعي الموفور وإن لا يخلوهم في ضلالهم القديم بل ينبغي أن يهتموا في التأديب والزجر بالاهتمام والعظيم حتى ينقطع القيل والقال بين الآحاد وينسد باب التعصب والتجرأ وينعدم الفساد والله سبحانه يقول الحق وهو يهدي السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل قاله تراب اقدام الفقهاء وخادم محافل العلماء العبد الفقير إلى الله تعالى الصمد السيد على ابن محمد المعو كلاه زاده جعلهما الله من الفائزين بالحسنى وزياده حامدا ومصليا ومحسبلا ومحوقلا ومهللا والحمد لله رب العالمين، ومنها ما كتبه العلامة الشيخ مرشد الدين بن أحمد المرشدي تغمده الله بغفرانه ورحمه الله سبحانه مع اسلافه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (وبعد) فيقول الفقير إلى ربه الغني مرشد الدين بن أحمد المرشدي الحنفي العمري اني وقفت على الرسالة المعربة من الفارسية لشيخ الطريقة والحقيقة العلامة المرحوم المقدس المبرور الشيخ أحمد الفاروقي النقشبندي والمعرب لها العلامة والعمدة الفهامة الشيخ محمد بيك بين PageV01P523 كلام صاحب الرسالة ورد على من حرفه فظهر على احسن الوجوه فجزاه الله سبحانه خير الجزاء يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وقد وقف على الرسالة المعربة علماء مكة المشرفة فكتبوا عليها بعد أن تأملوا كلامه وفهموه وتبين لهم بطلان قول من تكلم على صاحب المكتوبات وتجربه فنقول اللهم ارنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ورنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه فوجب على كل من كان بيده القلم والسيف ان ينصر الاسلام والمسلمين يؤيد أولياء الله تعالى فهم في الحقيقة هم العلماء العاملون وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ومنها ما كتبه شيخ الاسلام مفتي الأنام بمدينة الرسول عليه السلام مولانا السيد اسعد أسعد الله تعالى حاله في الدارين صاحب الفتاوى الأسعدية كتبه أول مرة في أوائل رجب سنة ثلاث وتسعين والف. بسم الله الرحمن الرحيم رب زدني علما وفهما وكد من امتلأ قلبه حسدا وظلما الحمد لله الذي فتح على قلوب أوليائه أنوار اليقين ومنح من اختص من اصفيائه بفيوضات يعجز عن فهم معانيها كثير من المتكلمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الانبياء والمرسلين وعلى آله واصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين (وبعد) فقد شاع في الاقطار الحجازية ذكر سؤال ورد من الهند فيه كامات غامضة خفية ثم بعد مدة عرض على لا كتب عليه بالرد على قائله وهو رجل اسمه أحمد السرهندي فإذا فيه كلمات بعيدة المعنى ركيكة العبارة والمبنى واخبرت انه معرب من الفارسية ولا يؤمن أن تكون الترجمة غير مطابقة للواقع خصوصا مع تظاهر حامله بعداوة تامة بلا مدافع فلم ينشرح صدري للكتابة على مالم يقع عندي فيه تحقيق ولعلمى بأن للمشايخ اصطلاحات اتفقوا عليها لا تظهر أسرارها إلا باعلامهم أو بنور التوفيق قال العلامة ابن عباد في شرح الحكم العطائية أن كلام الأولياء منوط على أسرار مصونة وجواهر حكم مكنونة لا يكشفها الأهم ولا يتبين حقائقها إلا بالتلقي عنهم فلذلك رددته بغير كتابة عليه ثم جعل يعرضه على كل غبث وسمين فيكتبون عليه ما لا يفهمون ويتكلمون بما لا يعملون فيما لا يعملون ولكن سيجزون به يوم يقوم الناس لرب العالمين ثم جاءني بعض الإخوان واخبرني بحقيقة المكتوبات وأحسبه صادقا لصلاح ظاهره وافادني أن فيه زيادة ونقصان اخرجت المكتوبات عن موضعها وإن لم يكن في جميعها بل في مجموعها ورأيت تأويلات حضرة الشيخ محمد فرخ شاه عند ذكر الملاحمة من المكتوبات الرابع والتسعين من الجلد الثالث من المكتوبات قال وقد استشكل تلك بعض المعاندين بإنه إذا كان حصول الخلة والولاية المحمدية له صلى الله عليه وسلم موقوفا على توسط واحد فرد بعد ألف سنة يلزم منه أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن حبيبا ولا خليلا وهو خلاف الحديث فإنه صلى الله عليه وسلم سمى نفسه حبيبا وخليلا وجوابه ما قال الشعراني في العهود والمواثيق إذا بلغك عن صوفي ما يخالف الشرع فأحمله على سبعين محملا فإذا لم تقنع بذلك نفسك فأرجع إليها باللوم وقل لها يحتمل كلام اخيك سبعين محملا ولا تحملنه على محمل واحد وقد اجاب رحمه الله بنفسه عن هذه الاشكال وغيره في التنبيه في آخر المكتوب وافتتاحه مسوق لبيان وجه اتباع الحبيب لملة ابراهيم الخليل عليه السلام لقوله تعالى ثم اوحينا إليك أن اتبع ملة ابراهيم حنيفا ومقصوده أن الولاية الابراهيمية بمنزلة السلم للعروج إلى الحقيقة المحمدية فأمر صلى الله عليه وسلم باتباعه ليحصل له بواسطة الاتباع مناسبة بالولاية الابراهيمية وتكون معراجا للعروج إلى الحقيقة المحمدية التي هي المقام الأعلى فوصل صلى الله عليه وسلم من ذلك الطريق PageV01P524 إلى مقامه الاعلى واحتظ من تلك الولاية في ممره بقدر الاجمال كما يدل عليه قوله فبالضرورة كان الخروج من هنالك والدخول في محيط الدائرة دلالة صريحة على انه صلى الله عليه وسلم في عين المركز الاقرب إلى ذات الحق تعالى وغاية الأمر أن ظهور تفصيل كمالات المحيط مشروط بالشروط المذكورة وقوله قدس سره ما لم يتيسر الوصول لجميع المقامات الابراهيمية لا يتيسر الوصول للحقيقة المحمدية مأول بأنه ليس المراد بلفظ الحقيقة عين المركز المعبر عنه بالملاحة بل المراد المركز بجميع كيفياته وخصوصياته ويحتمل أن يكون ظهور بعض دقائق دقائق ذلك المقام منوطا بحصول جميع مراتب المحيط ولا محذور في ذلك لأن أصل ذلك المقام الذي لا أقرب منه في مراتب القرب الإلهي ثابت له صلى الله عليه وسلم حيث اتضح أن مقام المحبوبية والملاحة حاصل له صلى الله عليه وسلم وكذا هو محيط بطريق الاجمال بالمحيط الذي هو الصحابة والخلة فتحقق أنه صلى الله عليه وسلم متحقق بكل من مقامى الخلة والصحابة والمحبوبية والملاحة لا كما فهمه المعاندون فقالوا أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن له مقام المحبوبية والخلة إلا بعد ألف سنة إلا يرى ما في آخر المكتوب المنبئ لسر الصلاة المنطوقة حيث كتب فيه أن ولاية الخلة تمت له صلى الله عليه وسلم ولم يكتب انه حصل له انتهى من كشف الغطاء عن اذهان الاغبياء لحفيده فرخشاه وكذلك رأيت تأويل مقام الصديقية وكونها عرض رؤيا لا غير وباب التأويل لكلام الأولياء مفتوح ولا خير في الحكم بكفر مسلم فكيف بولي من أولياء الله تعالى أسأل الله العصمة والهداية إلى سواء الطريق وقد صدر عن الأولياء من الكلام المشكل ما هو أعظم من ذلك فتلقاه العلماء رضي الله عنهم بالقبول خلفا عن سلف من غير التفات إلى اشكال ظاهرة مع علمهم بحقيقته وما يقتضيه نظرا إلى كمال أحوالهم لا إلى ظاهر أقوالهم والله تعالى اعلم كتبه الفقير إلى الله تعالى السيد اسعد الحنفي المدني المفتي السلطان غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين (ومنها ما كتبه مولانا المفتي المذكور ثانيا في صفر سنة 1094 اربع وتسعين وألف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي حمى حوزة أوليائه بصيانه علماء الدين وصمى واصمى من سعى في اطفاء نور الولاية بقهره المتين واعز من أعز دينه الشامخ العماد الراسخ الاصول السامي الأوتاد والصلاة والسلام الاتمان الاكملان على سيدنا محمد الذي رفع مقامه وشفعه في الخلائق يوم القيامة وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين خصوصا أوليائه العاملين (أما بعد) فإنه لما رفع إلى السؤال الذي ورد من الهند لكتابتي عليه في اوائل رجب المرجب سنة 1093 ثلاث وتسعين وألف فامنتعت عن ذلك كما ذكرته قبل ذلك ثم عرض على ثانيا في أواخر شهر صفر الخير سنة 1094 اربع وتسعين وألف مرات متعددة وجعل حامله يلتمس مني الكتابة عليه بكل حيلة ويتوسل لذلك بكل سبب وسيلة فامتنعت غابة الامتناع لأمر الهمني اياه ربي بلا تكلف ولا اصطناع ثم ورد المدينة المنورة رجل هندي من اتباع الشيخ أحمد السرهندي اسمه الشيخ جلال الدين البطحي وعرب بعض كلمات ما في السؤال للشيخ أحمد السرهندي فأفادني هو وغيره ممن اثق بعلمهم وديانتهم أن السؤال المذكور على خلاف ما في نفس الأمر ووافق ظني الواقع والحمد لله وعرضها على فتأملتها ورأيتها PageV01P525 حرية بالقبول بل جديرة بأن تكون تاجا على رأس المكاتبات والنقول فكتبت عليها بالتحسين وجدير بأن تحسن بل واني لمثلي أن يقول للحسن انت الحسن ولكن لما كانت نصرة الأولياء من أعظم القربات وأقوى المثوبات أحببت أن اتشبه بأهل الصالحات لعل الفيض الإلهي يشملني ببركتهم أنه ولى المكرمات فكتبت ما هو اعلاه ثم في سلخ جمادى الثانية سنة اربع وتسعين وألف ارسل إلينا من مكة المكرمة تعريب الشيخ محمد بيك وتأييد شيخ الإسلام مرجع الخاص والعام والاستاذ الكامل العالم الفاضل الناصر لدين الله تعالى والناصر لعباد الله الشيخ شهاب الدين أحمد البشبيشي المصري فقام شكر الله تعالى سعيه للانتصار على ساق وداعا بذلك أهل العناد والشقاق والشيخ الكامل النحرير الفاضل بقية أهلى الخير والصلاح الراقي على مراقي العلم والفلاح الشيخ عبد الله العباسي الشافعي ومولانا شيخ الاسلام ببلد الله الحرام العالم المحقق والفاضل المدقق اكليل رؤس الافاضل وواسطة عقد المحررين ذوي الفضائل عبد الله افندي عتاقي زاده غفر الله ذنبه ومن الحسنى زاده والشيخ الصالح الجهبذ الفالح المفيد الناصح أخي في الله ومحبي لله الشيخ حسن بن محمد مراد التونسي والشيخ العالم ذو الفضائل والمكارم المتلقى للعلوم عن الاساتذة الأكارم الشيخ قاسم سنجقدار وغيرهم من فحول علماء بلد الله الحرام فلا يحتاج إلى ذكرهم بعد ذكر شيخ أم القرى وقد قيل كل الصيد في جوف الفرا فلما رأيت ذلك لاح لي سر قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه في معالم التنزيل بقول الله عز وجل من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة واني لا غضب لأوليائي كما يغضب الليث للجرو الحديث ودعاني مقلب القلوب ان اقتفى آثارهم وانى أقول وفي قولهم الدليل الأعظم وفيهم البحر المتلطم وعند مقالتهم تلقى عصى التسيار وما وراء عبادان دار والله يقول الحق وهو يهدي السبيل كتبه الفقير إلى ربه القدير اسعد الحنفي ثم المدني حامدا مصليا محو قائلا مهلا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين ثم انتهى ما تعلق به المرام من كلمات هؤلاء الاعلام رؤساء الأنام مصابيح الظلام وقد تركت بعضا منها خوف الإطالة والاملال واكتفاء بهذا القدر عن ذكر الكل بالكمال فإن في ذلك كفاية لمن ادركته العناية ولنذكر هنا كلمات من سواهم من العلماء العظام والفضلاء الفخام حرصا على إرشاد من استرشد وتحاميا عن تخييب ظن من استرفد (قال) سحبان الهند مولانا المرحوم السيد غلام على المعروف بازاد البلكرامي في ترجمته قدس سره هو من أعيان سرهند ومن مفاخر أهل الهند المجدد للألف الثاني والبرهان الساطع على اشرفية النوع الانساني سحاب هاطل روى العرب والعجم امطاره نير اعظم بلغ المشارق والمغارب انواره جامع العلوم الظاهرة والباطنة خازن الكنوز البارزة الكامنة وهو في صغر سنة حفظ القرآن وأفحم بتحبير صوته سواجع البستان وفي الابتداء تلمذ على ابيه الأوحد مولانا الشيخ عبد الاحد واستفاد منه جما من العلوم ثم ارتحل إلى سيالكوت وقرأ على مولانا كمال الدين الكشميري بعض كتب المعقولات في نهاية التحقيق والتدقيق واخذ الحديث عن مولانا يعقوب الكشميري وتناول الحديث المسلسل بالاولوية بواسطة واحدة عن الشيخ عبد الرحمن الذي كان من كبراء المحدثين بالهند وتعاطي عنه أجازة كتب التفسير والصحاح الست وسائر مقروآته وفي عمر سبعة عشر سنة فرغ من تحصيل العلوم الدرسية واشتغل بالتدريس والتصنيف فصنف في تلك الأيام رسالة لطيفة فارسية وعربية ثم ارتحل من سهرند إلى دهلى واخذ الطريقة النقشبندية عن عبد الباقي وللخواجه المذكور في PageV01P526 حق المجدد عنايات عظيمة وكلمات كريمة ثم جلس المجدد على مسند الإرشاد وتلاقين وملأ من فيضه السموات والاضين ونشأ في حجر تربيته الخلفاء الاجلاء كل واحد منهم آية ومركز لدائرة الولاية وصلت سلسلة من الهند إلى ما وراء النهر والروم والشام والغرب وله مكتوبات في ثلاث مجلدات بالفارسية هي حجج قواطع على تبحره وبراهين سواطع على تبصره وسمعت أن عربها بعض العلماء ولكن ما رأيت المكتوبات المعربة انتهى بأدني اختصار يقول راقم هذه الاحرف قد اشتهر في الالسنة تأليف محمد بك الأوزبكي المسمى بعطية الوهاب الذي مر ذكره بتعريب المكتوبات لأنه عرب فيه بعض الجمل من المكتوبات أعني التي حرفها المعاند والا لم يتصد أحد فيما علمنا لتعريب المكتوبات بالتمام كما ذكرنا في ديباجة تعريبنا المكتوبات والا لما اشتغلنا به نعم قد عرب بعض الجمل منها بتعريب كنز الهدايا الذي جمع فيه شيء من مكتوبات الإمام المجدد وشيء من مكتوبات الامام محمد معصوم قدس سرهما وانتخب أيضا من مكتوبات المجددية بعض المشايخ الفضلاء انتخابا جيدا بالتعريب ولا زال العلماء والمشايخ يعربون منها ما تعلق به غرضهم قديما وحديثا وإلا فلم اعثر على تعريبها بالتمام والله سبحانه أعلم (ثم قال) مولانا غلام على البلكرامي في ترجمة ملا محمود الجونفوري الفاروقي صاحب الشمس البازغة في الحكمة ولا ريب أنه لم يظهر بالهند مثل الفاروقيين أحدهما في علم الحقائق وهو مولانا الشيخ أحمد السهرندي المقدم ذكره والثاني في العلوم الحكيمة والأدبية وهو الملا محمود صاحب الترجمة انتهى ما تعلق به الغرض من النقل عن سبحة المرجان (نقل) في الهدية المجدية نقلا عن مولانا الشيخ عبد العزيز الدهلوي رحمه الله ما معربه كانت الولايات رائجة ومتداولة في قرب زمانه المسعود صلى الله عليه وسلم بين الصحابة والتابعين وهلم جرا إلى زمان الجنيد واقرانه ثم هلم جرا إلى زمان رؤساء القادرية وال?شتية وصار طريق تحصيلها مدونا ومبوبا ومفصلا بخلاف طريق الخلد فإنها لم يذكرها احد في تلك العهود المتطاولة ولم يبين طريق تحصيلها فاختفى طريق تحصيل ذلك المقام وراء حجب الاختفاء والاستتار إلى أن مرت عليه ألف سنة فأظهر الحق سبحانه حضرة المجدد قدس سره وجعله منشأ ظهور هذا المقام الذي كان مودعا ومكنونا في جوهرة الشريف صلى الله عليه وسلم فتيسر سلوك هذا الطريق لآلاف من الطالبين ببركة وجوده قدس سره وطفيليته والحمد لله على ذلك والآن نبين الطريقة على وجه ينكشف به اختصاص ذاك المقام باتباع المجدد قدس سره كالشمس في رابهة النهار (اعلم) أن الطرق كانت قبل المجدد كلها من طريق المحبية والمحبوبية كانوا يسلكون أو لا طريق المحبية ثم كانوا يفوزون اخيرا بمرتبة المحبوبية وكانوا يسعون سعيا بليغا في لوازم المحبية كذكر الجهر والوجد والشوق والانكسار والتضرع والصبر والتوكل وطلب مرضاة المحبوب الحقيقي ومراقبة صفاته خصوصا الاحاطة والمعية والاستغراق في التوحيد الفعلي وجعل نفسه كالميت بين يدي الغسال ورؤية صفاته وصفات غيره مستهلكة في صفاته تعالى بل جعل ذاته مندمجة في ذاته تعالى ومشاهدة حسنة وجماله تعالى في كل مظهر إلى أن كانوا يفوزون بالأنوار والتجليات في ابتداء السلوك وبالفناء والبقاء في انتهائه وكانوا يشعرون بالاتحاد بل يدعونه كقولهم (ع) أنا من أهوى ومن اهوى أنا إلى أن علم الخضر عليه السلام الذكر الخفي لحضرة الخواجة عبد الخالق قدس سره الذي كان ارهاصا للطريقة المجددية ثم حصلت الطراوة والنظارة لهذا المعنى في عهد الخواجه النقشبندي قدس سره ولكن PageV01P527 امتزجت العلوم التوحيدية بهذه النسبة في عهد حضرة الخواجة عبيد الله احرار قدس سره وغلبتها حتى أوصل حضرة المجدد قدس سره كل ذلك إلى البطون يعني بلغها إلى نهايتها وحصلها وحازها بالكمال وأظهر من حاق صدره طريقا إلى المحبوب فألغيت تلك التكلفات وزالت الشوق والوجد والحالات والتضرعات فكل ما هو موجود فهو في القلب والروح والسر والخفى والاخفى وعناصر البدن حتى تقع الانوار والتجليات من باطن السالك أي يصدر ويظهر منه وينجر الأمر بالتدريج إلى مقام الخلة ومعنى المحبية هو العاشقية ومعنى المحبوبية هو المعشوقية ومعنى الخلة المصاحبة والصديقية وكان الأمر سابقا العاشقية والمعشوقية وهنا الاشتياق والتضرع من الجانبين والمعاملة من الطرفين وفي العاشقية الصيحة والقلق والاضطراب ودق الرأس بالأبواب والجدران وفي المعشوقية الفنج والدلال والفخر والمباهات هذا هو بيان طريق الخلة على الاجمال ومن اراد تفصيلها فليصحب واحد من أصحاب المجدد عدة من السنين يعني برعاية شروط وآدابه ثم لينظر إلى وجدانه وليراجع فيه ماذا يظهر له وراء الطريقين السابقين انتهى (وقال) صاحب جواهر الحقائق في كتابه المذكور على ما نقله عنه في الهدية المجدية ما معربه أن الإمام الرباني الشيخ أحمد السرهندي من أكابر الصوفية وجامع بين العلوم الظاهرية والباطنية وصاحب المقامات العلية والكرامات الجلية وكان أكثر العلماء والعرفاء يعظمونه ويوقرونه وذهب الفاضل المحق مولانا عبد الحكيم السيالكوتي إلى مجدديته وقال أنه مجدد المائة الحادية عشر واشتهر في زماننا هذا مشاهير العرفاء في الهند والسند والعرب والعجم خصوصا في الروم والشام والعراق وبلاد الاكراد وسائر البلدان في سلسلته اشتهارا تاما وهو الذي نشر أنواع العلوم والأسرار وحاز في شرح مقامات الطريقة قصب السبق على السابقين وهو صار معززا يفهم المقطعات القرآنية وامتاز بحصول أسرار المتشابهات الفرقانية وهو الذي انكشف له اسماء الانبياء الذين مضوا بأرض الهند واتباعهم وبين مقاماتهم ودرجاتهم وهو الذي بين باعلام الهبة مراتب الولاية والنبوة والرسالة وكمالات أولي العزم ومقامات الخلة والمحبة واظهر خصوصيات سيد الانبياء عليه الصلاة والسلام وقدس الله روحه وروح سائر الأولياء وافاض علينا من فتوحهم آمين انتهى وهذا قطرة من بحار مناقب هذا الإمام الهمام قدس سره ونبذة من أحواله الظاهرة جمعناها هنا رجاء أن ينتفع بها بعض من لم يقف على كنه اخباره أو سمع من المعاندين خلاف الواقع وهو من أصحاب الأذهان القاصرة وليس القصد منه استيفاء جميع كمالاته الظاهرة أو التعرض لبيان بعض خصائصه الباطنة كلا فإن هذا مما لا يرام ولا يمدح من رامه بل يلام وأني لنملة عرجاء مساحة مسافة السماء الفسيحة الارجاء وإن كان الاسلم حوالة معرفة أحواله على ملاحظة آثاره ومطالعة أقواله فإنه لا شيء ادل على معرفة الشيء من الاستدلال بآثاره عليه ولذا قيل (شعر) ان آثارنا تدل علينا ... فانظرو بعدنا إلى الآثار خصوصا آثاره قدس سره حيث عمت انوارها كافة الأقطار حتى قال بعض المشائخ أن الإمام ترك بعده كرامتين المكتوبات والاولاد قلت فإنه الثالث وهو الخفاء العظام الكرام فإن طريقته كما انتشرت بواسطة أولاده انتشرت أيضا بواسطة خلفائه وكذلك أولاد أولاده وخلفائه وهلم جرا إلى عصرنا هذا حيث لا تزال تنتشر وتزداد يوما فيوما إلى كافة الأقطار على مرور الدهور والاعصار فهل يكون شيء ادل على علو شأنه قدس سره من هذه وهل يحتاج من أمعن النظر فيها إلى الاستدلال بشيء آخر PageV01P528 على معرفة أحواله كلا (شعر) وليس يصح في الاذهان شيء ... اذا احتاج النهار إلى الدليل إلا أن المشارب لما كانت مختلفة والانكار والمعاندة والمخالفة ونشر الاباطيل والاراجيف جارية غير مفقودة والتقليد في اكثر ابناء الزمان غالبا والتحقيق مفقودا رأينا الاصلح لهم التداوي من داء الانكار بمرهم نقل أقوال هؤلاء العلماء العظام رحمهم الله تعالى الذين كتبوا ما كتبوا لمحض ابطال الباطل واحقاق الحق من غير النفسانية والوساوس الشيطانية فمن اختار التقليد فليقلد هؤلاء الاعلام وليترك قول اللئام ومن رفع رأسه عن حضيض التقليد إلى قلل الاستدلال وذرى التحقيق فليجل نظره في مجالي آثاره قدس سره وليرجع بصره هل يرى فيها من فطور ثم ليرجع البصر كرتين ينقلب إليه البصر خاسا وهو حسير ويترنم لسان حاله بهذه الابيات بعد اعتراه بالتقصير (اشعار) أعجب به من سائر ما عاقه ... حجب المراتب لا وصفوا مرائي حتى انتهى لما بدأ بنهاية ... للسائرين وراء وراء وراء في شأنه رتب المديح تقاصرت ... فلذاته اللاوصف وصف وفاء وليكن هذا أخر ما قصدنا ايراده في هذه المجلة الحقيرة على مقتضى الأحوال ونسأل الله سبحانه بها النجاة من سائر الأهوال ولله در من قال (شعر) شنف بذكر ذوي المحبة مسمع ... فبذكرهم تتنزل الرحمات فبحبهم وبمدحهم وبجاههم ... وفي السرور وطابت الأوقات [الرحمة الهابطة في ذكر اسم الذات والرابطة] والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين تم الجمع في سنة 1309 واصلاحه بالزيادة والنقصان سنة 1314 مستهل رجب الفرد اعني ليلة الأحد بعدد العشاء الاخيرة. (بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله الذي رفه لواء السنة السنية * وجدد أمر الملة المحمدية * وايد الشريعة الحنفية * بظهور أهل المزية وبروز أهل الخصوصية ووجود الطائفة المهدية * والزمرة التقية النقية * والتي بها تغاث البرية * ويدفع عنها كل رزية * وتنجو بها من كل بلية * افاض الله على المسلمين برها وغمر بها وجبر بها صدع القلوب وكسرها * أحمده على أولى من هذه النعمة * وكشف الغمة عن الأمة * وأشهد أن لا إله إلا الله الذي بنعمته تتم الصالحات وبمنيته تكون الباقيات * وبرحمته تكشف البليات وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله منبع العلوم الالهيات * صلى الله عليه وسلم وعلى آله سفينة النجاة * وأصحابه أولى الدرجات * وسلم تسليما في جميع الأوقات «اما بعد» فهذه رسالة كنت قد ألفتها سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف ورويت نسبتها إلى غيري لغرض قصدته والأعمال بالنيات وقد حصل ذلك الغرض ولله الحمد وقد بدأ لي أن أضيف إليها مالم اودعه فيها من كلام العلماء من غير تغير وضعها السابق مع تبيين من اردت بقولى فيها أما بعد فمما منّ الله على في هذا السفر وكان من موفقة القضاء والقدر النافذين مرورنا على بندر البحرين واجتماعنا بجناب الفاضل الماجد الخاشع العابد الناصح الزاهد خليفة الشيخ خالد قدس الله سره ومرادى به شيخنا الشيخ اسماعيل وذلك لأني حين خرجت من البصرة مررت به وهو في قرية خارج البصرة وقد تقدم امره اياي بالسفر فلما آتيته للوداع أوصاني ببعض الواصايا فلهذا قلت وانتفاعنا بلفظه واستماعنا لوعظه واطلاعنا على حقيقته واشرافنا على طريقته فرأيناها الطريقة المثلى * والقول الذي لم يزل في كل العصور يملى * جامعة لحقائق الطرائق وخلاصات الحقائق ولا ينكر منها حرفا إلا احمق أو منافق «قال» إمامنا الشافعي رضي الله عنه الانكار فرع من النفاق وذلك لأن المنافقين لو لم ينكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لآمنوا به ظاهرا وباطنا ولقد طرق سمعي بعض مقالات منقولة عن المزورين * PageV01P529 وجهالات منسوبة إلى بعض المشهورين * وانكار أمور عليها مدار العلماء العاملين المتقدمين منهم والمتأخرين * فوضع رسالة مثبتة لما انكروه ومبتتة لما زوروه * احتسابا لوجه الله الاكرم وانتصارا لأسم الله الاعظم ونصحا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم * كيلا يقعوا في ورطة الانكار وكيلا يبقى الاخ المنكر على الاصرار * فيؤل به إلى دخول النار * لما اشتهر أنه يخشى عليه من سوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك «وسميتها الرحمة الهابطة في ذكر اسم الذات والرابطة» ورتبتها على سبعة أبواب الباب الأول في وصية الأخر البار * بمصاحبة الاخيار * ومجانية الاشرار * الباب الثاني في النقل الموجب للذات * في ذكر اسم الذات الباب الثالث في تعريف رابطة أولى الاجتباء * وثبوت الرابطة لكل انسان شاء اوابى * الباب الرابع في القول الاسني * واستحباب الرابطة الحسنى * الباب الخامس في قول أهل الاصطفاء * في رابطة المصطفى * صلى الله عليه وسلم الباب السادس في القول المجمل * في رابطة الأولياء الكمل * الباب السابع فينصح المنكرين الخاص والعام * لحصول حسن الختام * وجعلت الخطاب لواحد في جميع الأبواب رجاء أن يتوجه إلى هذا الكلام بقلبه * وأن يقبل على ربه * ويستغفر من ذنبه * والله اسئل أن يمن على من تأملها بعين الانصاف باتباع الصواب * وإن يحعلنا واياه ممن أناب * وإن يهب لنا رضاه أنه الكريم الوهاب * (الباب الأول) في وصية الأخ البار بمصاحبة الأخيار ومجانبة الاشرار اعلم ايها الأخ بصرني الله واياك طريق الحق والهدى * وازال من قلوبنا داء الحسد وجنبنا الاعتداء * انك في زمان دين أهله اتباع الهوى * ورفض التقوي * وطى المليح * ونشر القبيح * ووصل الطلاح وهجر الصلاح * واشاعة البهتان * وكتمان الاحسان * ومجانبة من قال الله * ومصاحبة من اتخذ هواه * اذا ذكروا لا يذكرون * واذا رأوا آية يستسخرون * ويطنبون بالنميمة وعلى الغيبة لا يقتصرون * واخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون * يبارز أمثلهم الملك القدير * كي يذكر عند الأمير والوزير * ويعمل ما يوجب الخلود في النار * لكي يمدح بين الفجار * فكره وذكره تكريرهات * وتقرير الترهات واضاعة الأوقات والحرص على المربقات * وبغض المتقين * ومحبة الفاسقين * واخفاء النصائح. * وابداع الفضائح * واظهار الود * واضمار الحقد * ونزع الحياء * والتقمص بالريا * ونفي التواضع والبر * واثبات العجب والكبر * إلى قول الزور وإن كثر يجنحون * وبه يفرحون * وعليه ما برحون * وعن ذكر الله وإن قل يجمحون * واذا سمعوه يكلحون * وعلى فاعله يقدحون * فلا جرم أنهم بالخطأ قائلون * وعن الصواب عادلون * وإلى المراء مائلون * وعلى الافتراء حاصلون اذا هم رحلوا عن نوادي العدل وفي بوادي الجهل هم نازلون * فأولئك كالانعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون * قلوبهم بحب الفساد مشغوفة * وعلى كسب مال العباد ملهوفة * وعن ذكر ربهم مصروفة * يبذل احدهم في الجهالات والضلالات والتخليطات والتخبيطات جميع قواه * ويعرض عن ذكر ربه بايعا دينه بأقل من نواه * ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه * إن طلت بالغيبة لسانك * واصغيت لها آذانك * عظموا حين رؤيتهم للك شأنك * ورفعوا مكانك وإذا غبت عنهم اظهروا عدواتك * وقرروا بهتانك * فلا مليحك شيعوه * ولا قبيحك يدعوه * قلوبهم مملوة حسدا * كأنهم لم يروا الحشر غدا * أكثرهم طوى بساط الهدي * كأنهم خلقوا سدا * ولا يزالون في قال وقيل * ومن لم يوافقوهم يرمونه بالاباطيل * فمن التعطيل أن نحن بذكرهم نطيل * فلا حاجة إلى PageV01P530 التطويل * وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلّا ما رَحِمَ رَبِّي * والاعتراف بالاقتراف والتوبة إن شاء الله تعالى دأبي * والرجاء وحسن الظن بالله حسبي * رحم الله الشيخ القوي حيث يقول (اشعار) فؤاد لا يقر له قرار ... وأجفان مدامعها غزار وليل طال بالافكار حتى ... ظننت الليل ليس له نهار ولم لا والتقى حلت عراه ... وبأن على بنيه الانكسار ليبك معي على الدين البواكي ... فقد اضحت مواطنه فقار واضحي لا تقام له حدود ... وامسى لا يبين له شعار وعاد كما بدا فينا غريبا ... هنالك ماله في الخلق جار فقد نقضوا عهودهم جهارا ... اسروا بالعداوة ثم ساروا فعليك يا أخي بحسن الاعتقاد وسلوك سبيل الرشاد ولا يغرك تخبيط أهل العناد قال الفضيل اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين واياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين وذلك أنه لا تزر وازرة وزر أخرى وعن قريب تجتمع الخلائق في الاخرى ويمتاز الذين ظلموا والذين لهم البشرى فعليك بصحبة من ينهضك حاله ويدلك على الله مقاله واهتد بمقال افضل مرسل صدق مقاله صلى الله عليه وسلم ما نور الافق كوكب الفلك وهلاله إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك اما أن يحذيك وأما تبتاع منه وأما أن تجد منه رائحة طيبة ونافخ الكير أما ان يحرق ثيابك وأما أن تجد منه ريحا خبيثة وقوله صلى الله عليه وسلم خياركم الذين إذا رأوا اذكر الله وهذان الحدينان يصلحان أن يكونا دليلا للتوجه والرابطة لأن من ألفاظهما ومعانيهما ما هو مطابق للواقع كما انهما يرغبان في صحبة الصالحين فإنه صلى الله عليه وسلم شبه الصالح بحال المسك ثم ذكر انه يحصل من مجالسته احدى ثلاث فوائد واحدة مقطوع بها وهي وجدان الريح اذ لا مانع فقال اما أن يحذيك أي يعطيك بلا عوض والعطا هنا أما إفادة علم بلا سؤال وإما افادة حال بتوجه من ذي كمال قيل ونظرته منه إن صحت إليه على سبيل ود بإذن الله تغنيه وأما قوله فإما ان تبتاع منه أي تسأله فيجيبك بما ينفعك هذا من حيث اللسان أو تستمد منه فيمدك بروحانيته وهذا من حيث الجنان وقد يجمع بينهما وهذا الاخذ والإعطاء الروحاني عند أهله مدرك بالوجدان كالمحسوس فإنكار من لم يسلك سبيلهم لا يلتفت إليه أذ لا يستوى الأعمى والبصير كما لا يستوي المسك والكير وإني للابكم الفصاحة وحسن التقرير وإما قوله وإما أن تجد منه ريحا طيبة أي يسيري إليك من حاله ما تنتفع به وهذه الجملة مطابقة ظاهرة لفعل التوجه من وجه إذ هو انعكاس حاصل بالفعل تارة من غير استدعاء وإليه الاشار وبإما أن يحذيك وتارة بالاستدعاء والفعل وإليه الاشارة بتبتاع منه وتراة انعكاس من غير استدعاء ولا فعل وإليه الاشارة بتجد منه ريحا طيبة عبر بالواجدان دون غيره من الالفاظ لأن الجليس يدرك بذوقه ما يسرى إليه من قلب جليسه الصالح وإذا كانت الطباع تسرق فمن باب أولى أن القلوب المنيرة تسرق وتحصل الفائدة من الجليس الصامت ولا معنى لها سوى سيران حاله في جليسه ومن المعلوم أن من جالس شخصا سيما إذا كان الجلوس على طريق المحبة والاعتقاد لا بد أن ترسم صورته في ذهنه فمهما تذكره تخيل صورته فإن كان الشخص من أحباب الله فتخيل صورته يدعو إلى محبته والشوق إليه ومحبته مطلوبة والشوق إليه محبوب فتخيل صورته محبوب إذ من تصور موصوفا تصور صفاته فإذا كانت صفاته محبوبة عند الله فتصوره الموجب لتصور صفاته المحبوبة محبوب ولا معنى للرابطة سوى هذا ولا يرتاب عاقل في أن الانسان مختار في حركاته الظاهرة وتصوراته الباطنة أذ لا حجر عليه من جهة الشارع إلاى أن PageV01P531 تحرك في معصية أو إلى معصية وكذا إن تصور فعل معصية كمن يتصور أنه يزني فهذا مخطور بخلاف من تصور أنه يأتي حرثه فلا منع من ذلك وأن قوله صلى الله عليه وسلم خياركم الذين إذا رأوا ذكر الله فهذا كالشرح لقوله أو تجد منه ريحا طيبة جعل مجرد رؤيتهم محصلة لذكر الله وذلك لأنهم منسبون إلى ذكر الله وإذا رأى المنسوب ذكر المنسوب إليه وهو عين الذكر لا سيما اذا كانت رؤيتهم على طريق المحبة والاعتقاد الصحيح فإنه يحصل بها رفع الحجاب عن القلب فينتقش فيه ذكر الله فإن كانت رؤية مع مجالسة فهذه أبلغ من حصول الذكر بسبب انعكاس انوار القلوب ولتتيقن يا أخي وتجزم بأني لم اذكر لك جميع ذلك عن ظن وتخمين لا والذي وسعت رحمته كل شيء بل عن تجربة وتحقيق والشفيق يجتهد في النصيحة فقل لمن لم يسلك هذا السبيل ولم يذق من شرابه السلسبيل (شعر) على نفسه فلبيك من ضاع عمره ... وليس له فيها نصيب ولا سهم والحاصل أن صحبة الصالحين محتاج إليها وقد قالوا الرفيق قبل الطريق وتطهير القلب عن الصفات المذمومة كالكبر والعجب والرباء ومحبة الدنيا ونحوها فرض على كل مسلم بإجماع العلماء لأن جميع الطاعات يترتب وجودها والاحسان فيها على تطهير القلب ويكفيك قوله صلى الله عليه وسلم أن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله الحديث وتطهير القلب لا يحصل على الوجه المراد إلا بصحبة مرشد كامل وتأمل عهود الشعراني الكبري يتحقق عندك صحة هذا القول قال الحبيب سيدي عبد الله باعلوى الحداد عليكم بصحبة الاخيار والتأدب بأدابهم مع التعظيم البالغ لهم وحسن الظن الصادق فيهم فإنما قل انتفاع أهل الزمان بالصالحين من حيث قلة التعظيم لهم وضعف الظن بهم فحرموا بسبب ذلك بركاتهم ولم يشاهدوا كراماتهم حتى توهموا أن الزمان خال من الأولياء وهم بحمد الله كثيرون ظاهرون ومخفيون وذلك لأن ظهورهم في كل زمان لأبد منه ومن اعتقد غير ذلك يخشى عليه تكذيب النبي عليه السلام فإنه قال لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة وصفهم بالظهور وهو شامل للشهرة كالغابة والنصرة فاعتقاد خلافه مهجور أوو محضور فإن قيل المراد بالطائفة أهل السنة وهم ظاهرون ولله الحمد فيقال لا شك أن مذهب السنة هو الحق وأن أهل السنة بالنسبة إلى فرق هذه الامة هم الطائفة لكن للحق شروط لا يتم إلا بها وليس كل فرد من أهل السنة جامع الشروط فخواص أهل السنة بالنسبة إلى عوامهم هم الطائفة ومنهم المجتهدون في الاحكام والعقائد الدينية والمجاهدون لإعلاء كلمة الله فإن قيل بل المراد بالطائفة أهل العلم من الفقهاء والمدرسين من أهل السنة فيقال وهذا حق أيضا وهل الطائفة المحققة المهدية إلا أهل العلم لكن إذا كان هذا الفقيه المدرس عدلا جامعا لشروط الاسلام فضلا عن الايمان فضلا عن الاحسان والمسلم من سلم المسلمون من لسان ومع ان هذه المقامات التي وردت بها الشريعة لا يكون العبد محقا ظاهرا وباطنا حتى يتصف بها وأما الفقهاء والمدرسون الذين يقرأون درس الغيبة ويقررون مسائل الريبة ويقعون في الاخيار ويزدرون بالفقراء ويتذللون للجهلة والحمقي من الاغنياء والتجار وكادوا يعبدون الأمراء مع ما يشاهد من أكلهم الحرام والكبر والعجب والترفع على الآنام فهؤلاء فسقة الآنام وقد تعرف الفسقة جملة من العلوم والاحكام وهم أقبح حالا من العوام وأين هم وأين الطائفة الظاهرة على الحق على الدوام وإنما المراد بالطائفة العدول من العلماء العاملين الكاملين الذين يصدق عليهم قوله صلى الله عليه وسلم يحمل PageV01P532 هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين فهذا الحديث مصرح بأن العدول يحملونه لأن غيرهم لا يعرف منه شيئا والعدول بالظاهر والباطن الظاهرون اليوم كالمرشد الكامل العالم العامل العارف الماجد الشيخ خال والاكابر من اتباعه واناس من الحرمين وبغداد واليمن نعرفهم والله اعلم بعباده وبلاده ومن لا نعرفهم أكثر فهؤلاء على هدى من ربهم والسعيد من كان من حزبهم أما الشيخ خالد فلما هو مشاهد من علو همته وعدم مبالاته بما لا سوى الله من ملك وغيره وجميل مروءته وحسن خلقته وغزارة علمه واتقانه العلوم العقلية وتبحره خصوصا في العلوم الشرعية كما أنه وعاء العلوم الدينية وما يجرى لأتباعه واتباع اتباعه من الأحوال السنية والكشوف الالهية والاذواق والمواجيد وغير ذلك مما رأيناه ووجدناه وشهدناه وقد اشرت منه إلى جمل في الاساور العسجدية لا يدرك معانيها إلا من له قلب ومن ذلك عظيم شفقته ورأفته بالمسلمين واعتنائه بأمة محمد صلى الله عليه وسلم الذي حمله على أن وجه إلى كل قطر قطرا يحيى به اموات القلوب وإلى كل افق بدار يهدي به إلى المطلوب فيالها من نعمة يجب شكرها على المسلمين وكفرها لا يكون إلا من ضعيف الدين عديم اليقين ليس هو من المتيقين فإن المتقي ما تحمله النفس على الحسد ولا يؤل به اتباع الهوى إلى جحود فضل أهل التقوى وأما أكابر اتباعه فلما شهدنا من بعضهم الذين رأيناهم من العمل بالعلم والنصيحة والتعليم وحسن السيرة وإخلاص السريرة التي تدل عليها عدم إلتفاتهم إلى الخلق إلا لنفعهم واعتمادهم على الحق في خفضهم ورفعهم واستغراقهم في العبادة وانهماكهم فيما يوجب لهم السعادة فلا شك انهم من خلاصة الطائفة المذكورة وممن ذكرهم الله في آية سورة فعليك يا أخي بمحبة هذه الطائفة وصحبتهم وخدمتهم والانتساب إليهم فإنهم قوم لا يشقى جليسهم فكيف محسوبهم وفقني الله واياك وهو اكرم الاكرمين (الباب الثاني) في النقل الموجب للذات في ذكر اسم الذات اعلم ايها الأخ شغلني الله واياك بذكر اسمه الاعظم أن اكثر العلماء بالله واجلهم نصيبا من الله واجلهم شهود الله وأفضلهم صحوا مع الله وامثلهم محوا في محبة الله الذين تكون بدايتهم الله ونهايتهم الله وعلى ذلك أكثر العارفين من المتقدمين والمتأخرين قال الله واذكر اسم ربك واسمه الجامع الله وهو علم الذات الواجب الوجود لذاته قال ثعلب اسم مفرد فيه توحيد مجرد قال تعالى قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون فإن قيل هذا لا دلالة فيه لأنه نزل ردا على من قال ما انزل الله على بشر من شيء فلما ألزم بكتاب موسى فلم يجب قيل له قل هذا الجواب إن لم يقله فيقال ما يلزم من كونه ردا أنه غير متعبد به فإن قولنا أيضا لا إله إلا الله رد على من جعل مع الله إلها آخر فهما سيان وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله وفي رواية لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله فهذا الحديث مصرح بأن الله الله من الأقوال التي تقال وانه إذا انصرم الزمان لم يبق أحد يذكر الله بهذا القول وحينئذ تقوم الساعة فكلام الله سبحانه وتعلى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما الهداية الموفق العالم بهذا الذكر والكفائة للمشكك المنصف والنكاية للمتعصب المتصلف وإما كلام العلماء المحققين الجامعين بين الفقة وغيره من العلوم الشرعية فقد قال الإمام حجة الإسلام الغزالي في الأحياء في كتاب رياضة النفس عند ذكر فوائد الخلوة وعند ذلك يلقنه أي يلقن الشيخ المريد ذكرا من الاذكار حتى يشتغل به لسانه وقلبه PageV01P533 فيجلس مثلا ويقول الله الله أو سبحان الله أو ما يراه الشيخ من الكلمات انتهى قال الإمام الحبر الجليل النواوي الذي قال فيه التقى السبكي شعرا وفي دار الحديث لطيف معنى ... أصلي في جوانبه وآوي لعلي أن أنال بحر وجهي ... ترابا مسه قدم النواوي في حزبه المشهور الله الله الله ربي لا أشرك به شيئا الله الله الله ربي لا إله إلا الله انتهى والكلام على كونه مفردات أو جملة يأتي إن شاء الله وقال الإمام الكبير الفخر الرازي في كتابه أسرار التزيل وأما الذين اكتفوا في النهايات بكلمة الله فلهم فيه وجوه الحجة الأولى أن نفي العيب عمن يستحيل عليه العيب عيب الحجة الثانية أن من قال لا إله إلا الله فلعله حين ذكر كلمة النفي لا يجد من المهملة ما يصل منه إلى الإثبات وح يبقى في النفي غير منتقل إلى الإثبات وفي الجحود غير منتقل إلى الإقرار الحجة الثالثة أن المواصلة على هذه الكلمة متشعبة بتعظيم الحق والاشتغال بنفي الاغيار يرجع في الحقيقة إلى شغل القلب بالأغيار وذلك يمنع من الاستغراق في نور التوحيد فمن قال لا إله إلا الله فهو مشتغل بغير الحق ومن قال الله فهو مشتغل بالحق فأين أحد المقامين من الآخر الحجة الرابعة أن نفي الشيء إنما يحتاج إليه عند خطران ذلك بالبال وخطور شريك الله بالبال لا يكون إلا لنقصان في الحال فأما الكاملون الذين لا يخطر ببالهم وجود الشريك أمتنع أن نكلفهم بنفي الشريك بل هؤلاء لا يخطر ببالهم ولا في خيالهم الا ذكر الله فلا جرم يكفيهم أن يقولوا الله الحجة الخامسة قال الله قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون فأمره بذكره ومنعه من الخوض معهم في اباطيلهم ولعبهم والقول بالشريك من الاباطيل ففيه خوض في ذلك الكلام وكان الاوّلى الاقتصار على قولنا الله انتهى وقال الجهيذ المنور والعلامة المصدر والنحرير المشتهر الشيخ شهاب ابن حجر في الفتاوى الصغرى وذكر لا إله إلا الله أفضل من ذكر الجلالة مطلقا هذا بلسان أئمة الظاهر أما عند أهل الباطن فالحال يختلف بأحوال السالك فمن هو في ابتداء أمره ومقاساته لشهود الاغيار وعدم انفكاكه عن التعلق بها وعن ارادته وشهواته وبقائه مع نفسه يحتاج إلى ادمان الاثبات بعد النفي حتى يستولي عليه سلطان الذكر وجواذب الحق المترتبة على ذلك فإذا استولت عليه تلك الجواذب حتى خرجته من شهواته وارادته وحظوظه وجميع اغراض نفسه صار بعيدا عن شهود الاغيار واستولى عليه مراقبة الحق وشهوده فح يكون مستغرقا في حقائق الجمع الاحدى والشهود السرمي الفردي فالأنسب لحاله الاعراض عما يذكر بالاغيار واستغرقه فيما يناسب حاله من ذكر الجلالة فقط لأن ذلك فيه تمام لذاته وتمام مسرته ونعمته ومنهى اربه ومحبته بل لو اراد قهر نفسه إلى الرجوع إلى شهود غيره حتى ينفيه أو تعلق به خاطره لم تطاوعه نفسه المطمئنة لما شاهدت من الحقائق الوهبية والمعارف الذوقية والعوارف الدينية وقد فتحنا لك بابا تستدل بما ذكرناه في فتحه على ما وراه فأفهم مقاصد القوم السالمين من كل محذور ولوم وسلم لهم تسلم ولا تنتقد حقيقة من حقائقهم تندم بل قل فيما لم يظهر لك والله اعلم انتهى وقال العلامة الشيخ عبد الرؤف المناوي في شرحه الكبير على الجامع الصغير في شرح قوله صلى الله عليه وسلم اذكر الله فإنه عون لك على ما تطلب قال اذكر الله بالقلب بأن تقول لا إله إلا الله مع إخلاص والذكر ثلاث نفي وإثبات وإثبات بغير نفي وإشارة بغير تعرض لنفي ولا ثبات فالأول قول لا إله إلا الله والذكر به قوام كل جسد وموافق لمزاج كل أحد الثاني اسمه الشريف الجامع وهو الله اسم جلال محرق ليس كل أحد يطيق الذكر به والثالث ذكر الإشارة وهو هو فدوام ذكر لا إله إلا الله سبب PageV01P534 لليقظة من الغفلة وذكر الله سبب للخروج عن اليقظة في الذكر إلى وجوه الحضور مع المذكور وذكر هو هو سبب للخروج عن ما سوى المذكور وقال أيضا في شرح قوله صلى الله عليه وسلم من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ القرآن قال نظرا في المصحف ثم قال بعد كلام كان بعض المشائخ الصوفية إذا سلك مريدا أشغله بذكر الجلالة وكتبها لها في كفه وامره بالنظر إليها حال الذكر قالوا هذا أول شيء يرفع كما قاله عبادة ابن الصامت ويبقى بعده على اللسان حجة فيتهاون الناس فيه حتى يذهب بذهاب جملته ثم تقوم الساعة على شرار الناس ليس فيهم من يقول الله الله وأما كلام المحققين من الصوفية الجامعين بين العلم الظاهر والباطن فقد قال الشيخ العارف أحمد الغزالي اخو حجة الإسلام في رسالته التجريد في كلمة التوحيد أعلم أن السالك له ثلاث منازل فالمنزل الأول عالم الفناء والمنزل الثاني عالم الجذبة والمنزل الثالث عالم القبضة فأجعل ذكرك في عالم الفناء لا إله إلا الله وفي الجذبة الله الله وفي عالم القبضة هو هو انتهى بإختصار وقال الشيخ عفيف الدين التلمساني في كتابة الكبريت الأحمر العارفون على أن أفضل العبادات حفظ الانفاس مع الله ويكون دخولها وخروجها بذكر الجلالة وهو قولك الله الله ولا إله إلا الله وهو الذكر الخفي الذي لا تتحرك به الشفتان انتهى وقال العارف بالله الشيخ عبد السلام بن مشيش في آخر صلاته على النبى صلى الله عليه وسلم المشهورة الله الله الله أن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد انتهى وقال ابن عطاء الله الشاذلي في كتابه مفتاح الفلاح الذكر الرابع الله ويسمى المفرد لأن ذاكره مشاهد لجلال الله وعظمته قال الله تعالى قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وقال في باب ذكر الخلوة منه وليكن ذكرك الاسم الجامع وهو الله واحذر أن يفوه به لسانك وليكن القلب هو القائل والاذن مصغية لهذا الذكر حتى ينبعث الناطق في سرك فإذا أحسست بظهور الناطق فيك بالذكر فلا تترك حالتك التي كنت عليها انتهى وقال الإمام العارف الشيخ عبد الوهاب الشعراني في العهود الصغرى أخذ علينا العهدان لا يمضي علينا يوم ولا ليلة حتى نذكر الله عز وجل بتكرير الجلالة اربعا وعشرين ألف مرة عدد الانفاس الواقعة في الثلاث مائة وستين درجة اهـ وقال العارف الشيخ يوسف الكوراني في قوله صلى الله عليه وسلم موتوا قبل أن تموتوا وظاهر صفات الميت أن لا يرى ولا يتكلم ولا يتحرك لا يعجز أحد أن يغمض عينيه ويسكن ويسكت مقدار ثلاثة أنفاس أو مقدار استطاعته فقد قال صلى الله عليه وسلم إذا امرتكم فأتوا منه ما استطعتم فإذا فعل ذلك فقد مات واتى بإستطاعته في ظاهرة فإذا أضاف عليه الله الله الله بالقلب دون اللسان فقد شارك الخاص بالقدم وإن جعل ذلك مرجعه في كل ما وجد فراغه صار من السالكين الخواص على قدر انسه بالله الله الله وعلى قدر ثباته فيه يكون من الفائزين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ونقل جميع ما ورد من كلام العلماء في ذكر الجلالة أمر متعسر جدا بل متعذر إذ يحتاج إلى صرف زمان وتتبع جميع الكتب التفسيرية والحديثية والصوفية والكتب في هذه الفنون لا حصر لها فمن المستحيل الوقوف عليها ومن لا يكتفي بإمام واحد من هؤلاء الائمة لا خير فيه وقضية الشبلي المشهورة لا تخفى على من هوله مطالعة في سير الصالحين ذكرها غير واحد منهم الفخر الرازي في أسرار التنزيل ومنهم ابن عطاء الله في مفتاح الفلاح أن رجلا سأل الشبلي لم تقول الله ولا تقول لا إله إلا الله فقال أن الصديق اعطى ماله فلم يبقى معه شيء فتخلل بالكساء بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له و PageV01P535 ما خليت لعيالك فقال الله فكذا أنا أقول الله فقال السائل اريد أعلى من هذا فقال الشبلي استحي من ذكر كلمة النفي في حضرته والكل نوره فقال السائل اريد أعلى من هذا فقال الشبلي اخاف أن أموت على الانكار فلا أصل إلى الاقرار فقال السائل اريد أعلى من هذا فقال الشبلي قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون فقام السائل فزعق زعق ثانيا فقال الشبلي الله فزعق ثالثا ومات فاجتمع أقارب الفتى وتعلقوا بالشبلي وادعوا عليه الدم وحملوه إلى الخليفة فأذن لهم فدخلوا عليه وادعوا الدم فقال الخليفة لشبلي ما جوابك فقال روح حنت فزنت وسمت فصاحت ودعيت فسمعت فعلمت فأجابت فما ذنبي فصاح الخليفة خلوا سبيله ونظير هذا السؤال ما ذكره الشيخ الأكبر محي الدين في الفتوحات أنه سأل أحد شيوخه لم تقولن الله ولا تقولون لا إله إلا الله فقال ما سمعت ولا رأيت أحد يقول أنا الله غير الله فأنا أقول كما يقول انتهى انتهى وههنا عبارة جميلة ينبغي أن نوقفك عليه لنعلم كيف اعتناء العلماء بهذا الذكر قال القاضي عياض في متن الشفاء في وصف أولياء الله لهجين بصادق قوله قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون قال الشارح الخفاجي يعني أن هؤلاء المخلصين لله المختصين به الذين شغلوا ظاهرهم وباطنهم بمحبته وردهم دائما ذكر الله والاعراض عما سواه ممتثلين بهذه الآية مقصود المصنف التمثيل بها تمثيل الشبلي لمن قال له اوصني فقال عليك بالله ودع ما سواه وكن معه وذرهم في خوضهم يلعبون ثم قال وههنا بحث وهو أنه قيل أن ذكر الله بتكرير لفظ الجلالة بدعة لا ثواب فيها قال الخطاب في شرح مختصر الشيخ خليل سئل العز بن عبد السلام عمن يقول الله الله مقتصرا على ذلك هل هو مثل سبحان الله ونحوه فأجاب بأنه بدعة لم ينقل مثله عن أحد من السلف والذكر المشروع لا بد فيه من أن يكون جمله مفيدة والاتباع خير من الابتداع ونحوه ما أفتاه البلقيني في قوم لا يزالون يقولون محمد محمد كثيرا ثم يقولون مكرم معظم فأجاب بأنه ترك أدب وبدعة لم تنقل قال الخفاجي أقول ما ذكره في اسم النبي صلى الله عليه وسلم من كونه بدعة ظاهر لأنه مع كونه لم يتعبد بمثله داخل فيما نهى عنه لقوله تعالى لا تجعلوا من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ إلخ ... وأخرجه أبو داود والترمذي وقال غريب والنسائي في الكبرى وابن جرير والبغوي وابن الانباري وابن عدي والطبري واللبيهقي كلهم من رواية سهل بن ابي حزم القطفي عن ابن عمر أن الجولي عن جندب بن عبد الله من قال القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ وفي رواية الترمذي وغيره من قال في كتاب الله وفي رواية من تكلم في القرآن وفي الباب عن ابن عمر وجابر وابي هريرة وحديث ابن من فسر القرآن برأيه فأصاب كتبت عليه خطيئة لو قسمت بين العباد لوسعتهم وحديث جابر من فسر القرآن برأيه فقد اتهمني وحديث ابي هريرة من فسر القرآن برأيه وهو على وضوء فليعد اخرج هذه الثلاثة الديلمي في مسند الفردوس وطرقهن ضعاف بل الأخير منكر جدا إلى آخر ما قال بطوله ولم أظفر بلفظ الإمام قدس سره دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا وأما ذكر الله فقد ورد الأمر به ووعد ذاكره بالثواب في آيات وأحاديث لا تحصى كقوله تعالى الذاكرين الله كثيرا والذاكرات وفي الحديث القدسي من شغله ذكري عن مسئلتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين إلى غير ذلك ولم يقيد بقيد على PageV01P536 أن الذاكر قصده التعظيم والتوحيد فهو إذا قال الله ملاحظا لمعناه فكأنه قال معبودي واجب الوجود مستحق لجميع المحامد ولم يزل العلماء والصلحاء يفعلونه من غير نكير وكان الاستاذ البكري يفعله ويقول بعده استغفر الله مما سوى الله وكل شيء يقول الله وفي مجلسه أجله العلماء والمشائخ وهذا هو الحق وقد صنف في رد مقالة ابن عبد السلام وهذه عدة رسائل رأيناه وممن صنف فيها القطب القسطلاني والمرصفي العارف بالله والشيخ عبد الكريم الخلوتي وبه افتى من عاصرناه اللهم احشرنا في زمرة الذاكرين ولا تجعلنا من الغافلين انتهى فكيف ما أوردناه من كلام الخفاجي مع أن الشيخ عبد الوهاب الشعراني ذكر أن العز بن عبد السلام سئل ايما أفضل أو أولى للذاكر الاشتغال بذكر الجلالة أو لا إله إلا الله فأجاب بأن لا إله إلا الله أفضل للمبتدئ والجلالة أفضل للمنتهي انتهى على أنا لا نسلم قول الله مفردا وإنما هو جملة فعلية لأنه منادى وياء النداء المحذوفة نائبة مناب الفعل فلا شبيه عليك أن كنت جاهلا وأن كنت عاقلا فأكتف بكلام واحد من هؤلاء الأئمة فاسمع اسمعك الرب قول الله من داخل القلب ولا جعلك ممن يتعصب فيحجب قول بعض المتوجهين إلى الله الله بلغة ربه ما يتمناه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (أشعار) أن الشياطين أنواع منوعة ... منها الموسوس، والآتي بتلبيس وشرها من كمثل الناس صورته ... فرخ الرجيم أخو الاعوى بتأسيس أن قلت الله قال أحذر تقله فذا ... لا فضل فيه فقل مه ضنأ جغموس اذكر قل الله واحذر أن تميل إلى ... قول الغوي وتلبيس لا بليس شرح الخفاجي ينفي كل وسوسة ... فلا تبال بوسواس بن طمعوس واتل العهود ومفتاح الفلاح كذا ... شرح المناوى واهجر كل دعبوس هو الغبي الجهول وهو ذو حمق ... يصغى إلى كل ذي زور وتدليس من الغزالي والرازي والنووي ... والشاذلي الالى من كل اريس والقسطلاني والبكري قدوته ... من ذا يخالفهم من أجل جعسوس اتنكرون علينا أن نقلدهم ... يا شيعة الافك كلا زمرة السوس يا ويح قوم بغوا والبعغي مهلكهم ... على كرام أولى ذكر وتقدس الله الله قبح فيه عندكم ... الله اكبر يا غارات قدوس فعليك يا أخي بالإقبال على الله والاشتغال بذكر الله خصوصا بهذا الإسم الاعظم الذي حصل به الفضل للا إله إلا الله فلو قالها مكلف ولم يتمها به كفر فلا تطع من أنكر وعن الحق استكبر فتقول حين تقير وتحشر ياليتني لم اتخذ فلانا خليلا لقد اضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للانسان خذولا وفقني الله واياك للاقبال عليه بالذكر الموجب للفوز لديه (الباب الثالث) في تعريف رابطة أولى الاجتبا وثبوت الرابطة لكل إنسان شاء أو أبى اعلم أيها الأخ وفقك الله لسلوك الصراط المستقيم وعصمني واياك من الشيطان الرجيم أن الرابطة عبارة عن تعلق القلب بشيء لشيء على وجه المحبة وهذا التعلق تارة يكون محمودا وتارة يكون مذموما وتارة يكون مباحا لأنه لا يخفى لنا أن يكون مأمورا أو لا فألازل محمودا كحب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم والحب في الله وحب ما يقرب إليه والثاني هو أن يكون منهيا عنه أولا فالأول مذموم كحب المحرمات والمكروهات وأن لم يترتب على المكروهات عقاب لأنه يترتب عليها عتاب والثاني المباح كحب الإنسان أهله وولده بالطبع الجبلي الذي لا افكاك عنه لأحد فقد شمل هذا التقسيم الاحكام الخمسة فإن المحمود يندرج فيه الواجب والمندوب والمذموم يتضمن الحرام والمكروه والمباح معلوم دخوله تحت غير المنهى عنه وهو قولنا أولا فتعلق القلب حاصل لكل انسان فلو تنبه المنكر لعلم أن ما ينكره عين ما يستحضره وإن الذي PageV01P537 يجهله هو الذي يفعله من الرابطة التي ينفي ثبوتها مع فعله اياها فيه من اسائة الأدب مع الله تعالى ما لا يمكن جحده ولعلم أنه يتأكد عليه أن يعمل عملا يزيل عنه هذا البلاء الذي أهلكه من حيث لا يشعر لشدة سكره في غفلته وذلك أنه اذا كبر تكبيرة الاحرام سرح في أودية الافكار والاوهام واعرض عن ربه ونسى نفسه نسوا الله فأنسيهم انفسهم واشتغل أما برابطة وقفه أو ملكه أو حرفته أو زوجته أن كانت نفسه مفتونة بها أو لده أو تقرير مسئلة يلقبها ابليس إليه ليخرجه من صلاته مفلسا أو مخاطبة من يرتجي منه زكاة أو صدقة فيقول أياك نعبد وهو مقبل على معبوده الشهودي ورابطته التي هي نصبب عينه ويستمر على هذه الحالة حتى يسلم فإذا سلم التسليمة الأولى شرع بالانكار على الرابطة التي يفعلها العلماء العارفون في وقت مخصوص ليحصل بواسطتها انتفاء الغفلة حتى يقبلوا على ربهم في صلاتهم وذكرهم بقلب حاضر وقد ورد على سؤال من بعض المعترضين وهو أن الرابطة التي تأمرون المريد بها لا تخلو بقرينة الامر بها من أن يكون حكمها الايجاب أو الندب وهما أمران شرعيان لا بد لهما من دليل والادلة الكتاب والسنة والاجماع والقياس وغيرها من الأدلة راجع إليها فما الدليل على ندب الرابطة أو وجوبها وأيضا لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم شيخ الصحابة لأنهم اخذوا عنه الاذكار وغيرهم فلم يبلغنا أنه امرهم بتصور صورته التي هي أكمل الصور الانسانية فلو أمرهم لنقل لا سيما إذا كان ذلك واجبا لأن الواجب مما تتوافر الدواعي على نقله انتهى فأقول الجواب عن هذا السؤال من وجوه الأول أن الرابطة التي نأمر المريد بأمر السادة النقشبندية الذين هم قال الشهاب أبن حجر في الفتاوى الصغرى عن طريقتهم أنها الطريقة السالمة من كدورات جهله الصوفية مندوبة لأنها من الوسائل الموجبة لدفع الخطرات ونفي الغفلة والوسائل لها حكم المقاصد والأمر الذي لم ينه عنه الشرع يسوغ فعله أما على طريق الاباحة أن أدى إلى مباح أو الندب أن أوجب مندوبا أو الوجوب أن حصل واجبا لا يحصل بغيره فقد حصل لنا بالتجربة ونحن قوم أكثر من عدد التواتر انا اذا تصورنا الرابطة انتفت عنا الاغيار كلها وبقى هذا الغير وحده فنعرض عنه ح وهذا مثل انسان له أعداء فتودد إلى بعضهم وسلطه على باقيهم فإذا اهلكهم عنه لم يبق إلا واحد فيقدر على إزالته فيزيله وهذا وجه ينبغي للمنصف أن يتأمله فإنه ظاهر الحسن مطابق للواقع لأن الرابطة ليست مرادة لعينها بل مرادة لغيرها الثاني قولكم لا تخلو بقرينة الامر بها من أن يكون حكمها الايجاب أو الندب أقول لا نسلم أن غير الشارع إذا أمر بأمر أن يكون حكمه الايجاب أو الندب وإن الإنسان قد يأمر غيره بفعل مباح لغرض ما من الاغراض له أو للمأمور وقد يأمر الطبيب المريض بشرب بعض الأدوية فإن كان امتثال أمر الطبيب واجبا أو مندوبا فما نستعمله من قبيله الثالث قولكم وهما شرعيان لأبد لهما من دليل أقول هذا بناء على قولنا أن الرابطة توصل إلى أمر المندوب وما أوصل إلى المندوب مندوب فالدليل موجود لا على قولكم كل مأمور به لا يخلوا من أن يكون حكمه الايجاب أو الندب لما ذكرنا من أن غير أمر الشارع قد يخلو منهما ويكون لغرض ما الرابع قولكم والأدلة الكتاب أقول وهل يعزب عن الكتاب شيء وهو قد جمع كل رطب ويابس قال الله تعالى يا أيها الذين أمنو اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة والوسيلة الأعمال الصالحة ولا تكون الأعمال صالحة إلا بالاخلاص ولا يكون العمل خالصا إلا إذا خلا عن الشوائب وقد حصل لنا بالتجربة أنا إذا أشتغلنا بالرابطة خلت أعمالنا عن شوائب الغفلة والعمل في PageV01P538 الغفلة غير معتد به لأنه يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها فهي من الوسائل الموجبة لزوال الغفلة وزوال الغفلة مقصود وما أوصل إلى المقص مقص ومن لوازم زوال الغفلة الحضور وهو من أشرف الوسائل فالرابطة الموجبة لزوال الغفلة الموجبة الزوال الغفلة الموجب للحضور من أشرف الوسائل الخامس قولكم والسنة أقول وهل يشذ عن كلام النبي صلى الله عليه وسلم وتحت كل كلمة من كلامه من بحار المعاني ما يتوصل به إلى خير قال صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى والأعمال بدنية وقلبية فالحركات والتصورات المباحة إذا نوى بها الإنسان الطاعة أو التقوى بها عليها فله ما نوى ولم يدرك مراده فكيف إذا تحقق له حصول المراد ولا يخفى أن قول الجائع للشبعان أنت جائع مثلا لا يوجب له جوعا فكذلك قول المعترض ما نرى صحة ما ترونه ما يوجب عدم صحة رؤيتنا فعليه أن يقول ما تدعونه حقا فأنتم وشأنكم ولا يسوغ له غير ذلك أن نصح نفسه السادس قولكم والاجماع أقول قد اجمع أهل فن التصوف على عمل الرابطة وقرره منهم الجم الغفير وهو عندهم طريق مشهور وإجماعهم على عمل في مذهبهم حجة يجب قبولها على من تمذهب بمذهبهم وسنورد اقاويلهم إنشاء الله ولا يسوغ لغيرهم الاعتراض عليهم بما لم يحط به علما السابع قولكم والقياس أقول قال الفقهاء يسن للمصلي أن لا يجاوز بصره اشارته وذلك لأنه أجمع للهم وادفع للتفرق فكذلك الرابطة تستعمل لدفع الاغيار والاستجلاب الحضور الثامن قولكم فما الدليل على ندب الرابطة إلخ ... أقول الدليل يطلب من المجتهد لا من المقلد وإنما على المقلد تصحيح النقل فإن طلبتم دليلا من كلام أهل الفن فسيأتي على أنه لا يلزمه إيراد غير كلام النقشبندية كما أنه لا يلزمنا أن لو طلب منها نص لمسئلة في الفقة إيراد كلام غير الشافعية التاسع قولكم لم تبلغنا اهـ أقول ما يلزم من عدم بلوغه اياكم عدم ثبوته ولا يلزم من جهلكم به عدم علم غيركم به ولعله بلغكم وجهلتموه ومر عليكم ولم تعرفوه وهل للصحبة معنى سوى انطباع صورة النبي صلى الله عليه وسلم في مرآة القلب الذي رآه مؤمنا وانطباع صورة الشخص المؤمن في ذهن النبي عليه السلام ولو لا ذلك لم يعد في الصحابة من رآه النبي صلى الله عليه وسلم وهل أمر أوضح من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى مبايعته المستلزمة للرؤية المستلزمة لانطباع الصورة وإذا اطبعت الصورة في الذهن ظهرت لرائيها في مخيلته مهما تذكر المرئى شاء أو ابي ولو كان عدوا فاستحضار صورة النبي صلى الله عليه وسلم وتخيلها الذي هو المراد بقولنا تصورها محبة له واشتياقا إليه لا يقول بمعناها إلا أحمق خبيث فالأمر بمستلزم شيأ مستلزما شيأ آخر مر بذلك الشيء الامر العاشر قولكم لا سيما إذا كان واجبا أقول لم يقل أحد من أهل التصوف بوجوب الرابطة ولا باستحبابها باستحبابها لذاتها بل لما توصل إليه من المحاب والمريد يلقن الرابطة وهو مخير في فعلها وتركها فإن ظهرت له فائدتها تأكد عليه فعلها وإن تركها فقد ترك أدبا من الآداب هذا كله في البدايات وأما في النهايات فلا رابطة له سوى استغراقة في شهود من ليس كمثلة شيء فما هو صورة تمثيل ولا تقابل ولا تقبل الحادي عشر قدرنا مع هذا كله أنه لا دليل لنا ولا عمل بهذا العمل أحد قلبنا وإنما نحن عملنا لما نرى من فائدته فهل ورد فيمن تصور صورة محبوبه وتخيل أنه يقبل يده أو رجله أو يضعه على رأسه أو جبهته أو يتنقه أو يدخله في قلبه نهى من الكتاب أو السنة أو الاجماع أو القياس (شعر) لي سادة من عزهم ... أقدامهم فوق الجباه أن لم أكن منهم فلي ... في حبهم عز وجاه وإذا PageV01P539 تقرر عندنا أنه يحصل بواسطة الرابطة انتفاء الغفلة فالاشتغال بها من مهمات آداب الطريق إذ من المعلوم أن زوال الغفلة مطلوب وهو مفتاح السعادات وأن الحضور روح العبادات وزوال الغفلة لا يكون إلا بنزول رحمة الله تعالى على عبده ومن أسباب نزول الرحمة ذكر الصالحين وعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة وذكرهم من لزوم محبتهم ومحبتهم فرض لقوله صلى الله عليه وسلم وهل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله الحديث ومحبتهم محبة الله لقوله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن الله تعالى وأوجبت محبتي للمتحابين في الحديث وعدواتهم محاربة مع الله لقوله تعالى على لسانه نبيه صلى الله عليه وسلم من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب الحديث فما استعمله الصفوة من عباد الله عين ما حكاه صلى الله عليه وسلم فالذي أرى انك تصم سمعك عن الافتراء ولا تصحب من كذب وامترى وتصون لسانك عن المرأ وتنقاد للحق وتخضع وفي ردي عن طريقي لا تطمع وأن تعدل كل عدل لا ينفع (شعر) والله أنا ما أقنع ... بسوى الوجه المبرقع فليواصلني بكلي ... هو او ويقصى ويقطع حبه ملء وجودي ... فيه أرنو واسمع عمت عين حسودي ... عن صعودي حين أطلع راقيا نحو حبيبي ... قائلا ما شئت فاصنع لست اروى منك تالله ... ولا والله أشبع مذهبي مذهب خلي ... في الهوى والحق أوسع فأنا الشيخ زمانا ... كنت فيه أنا مرضع وأنا اليوم رضيع ... لست عن ثديك ارفع أي ثدي لك حتى ... أنا في درك أكرع أو ما تنظرني في ... كل حين بك أفجع وإلى حجرك أدنو ... وبرأسي لك أخضع راجيا انك تحويني ... في ذكرك أخشع ما دعاني لك الأك ... ولى إليك مرجع فلذا اترك المعتكر ... مهما شاء يشفع يدعي ان سبيلي ... غير ما للحق يشرع ولعمري انه التائه ... في بيداء بلقع ايها المنكراني ... شئت في الغي تقنع انت ما تبصر نهجي ... بل طريقا فيه تسبع ليست الابصار تعمي ... لكن القلب المطبع هذا ونحن لا نستدل للرابطة من دليل ودليل من قلدناه من العلماء كاف واف بالمقص فالانكار متوجه علي الجنيد والجيلي والدسوقي ونحوهم الذين قرروا الرابطة بكيفياتها كما ستراها ان شاء الله في باب رابطة الأولياء عصمني الله واياك من الانكار ووفقنا لا تباع على النبي المختار ومحبة الصادقين الابرار (الباب الرابع) القول الاسنى في استحباب الرابطة الحسنى اعلم أيها الأخ أرشدك الله الله أن الرابطة من جملة الوسائل الموصلة إلى الحضور في عبادة الله والوسائل لها حكم المقاصد قال سيدي الحبيب عبد الله بأعلوي الحداد في كتابه أتحاف السائل الحضور مع الله روح العبادات وهو المقص منها وبه يعبأ المحققون والأعمال التي تصدر مع الغفلة يرونها إلى العقوبة والحجاب أقرب منها إلى المكاشفة والثواب فالرابطة تفيد رفع الحجاب ورفع الحجاب مطلوب وكل ما أفاد المطلوب مطلوب فالرابطة مطلوبة فقد هلك من لا رابطة له وكل انسان له رابطة لكن شواهد الرحمة الهابطة قل إن كنتم تحبون الله فأتبعوني يحببكم الله فرابطة رسول الله صلى الله عليه وسلم دائمة واسناها واسماها قوله صلى الله عليه وسلم لي وقت لا يسعني فيه غير ربي ورابطة الأولياء قوله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن الله تعالى ما وسعني أرضي وسماواتي الحديث ورابطة المريدين قولة صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه تعالى أيضا وجبت محبتي الحديث وهذا أمر لا يدركه الإنسان إلا بالذوق والوجدان فإن أحببت يا أخي أن تسلك سبيل الرحمة الهابطة وتكون لك على التقوى مرابطة فعليك بطريق الرابطة فإنها تعلق القلب وتعلق القلب بطاعة الله ورسوله منتج لمحبة الله ورسوله PageV01P540 والرابطة يحصل بها زوال الغفلة وجمع القلب على الله وذهاب القسوة من القلب والخشونة ونزول الرحمة وكل ذلك يثمر المحبة فإني يا أخي قد حققت ذلك وأبصرت ربح من سلك هذه المسالك وتيقنت أنك غر لم تدر ما هنالك أو مغرور تلقى نفسك في الانكار الذي هو أفصح المهالك إفترى إني أصغي لتعذا لك أو أميل إلى زخرف أقوالك أو يخفي على دقيق احتيالك هيهات هيهات ذلك (شعر) فلا تلحني فيما أعاني فإنما ... غرامي كهل والعذور رضيع دعاني الهوى حتى أدعى الغيب إنني ... شهادته والحاضرون هجوع محاني عن عيني وعن عن عينه ... فصيفي شتاء والخريف ربيع وعن غائبي عن شاهدي وهو أنه ... كذلك ولا يخفى عليه صنيع فزاد هيامي فيه حتى إذا جنا ... سقامي ذنبًا فالغزام شفيع وما ساءني ما ساء من سوء محنة ... فمحنة قلبي ان تسيل دموع أبى الوجد إلا أن يريق مدامعي ... دما وهيامي في الوجود يشيع هل الحب إلا ما حوته أضالعي ... فلله حب ضمنته ضلوع لسيب الحشا إني بعشقي سنا الرشا ... سليب الحجى مني الفؤاد لديع فهب لي آذنا تسمع القول لا حجى ... . يرجح ما تدعو له ويطيع فإن قال الأخ المنكر تاب الله عليه قد عرفنا على هذا القول أن الرابطة تعلق القلب وهذا القول يمنعه والحب في الله واجب ومحبة الصالحين ثابتة لكن من أين لكم أن استحضار صورة رجل في الذهن ولو كان من الصالحين تحصل به هذه المطالب كلها وإن استحضاركم بسبب تعلق القلب وأنه جائز والجواب عن هذا من وجوه الأول قولك من أين لكم أن استحضار صورة رجل في الذهن تحصل به هذه المطالب كلها أقول أن هذه المطالب تحصل لنا بما ذكرناه كما حصلت لك إضدادها باستغراقك في معبودك الذي نبهناك عليه ولكنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ألا ترى إنك إذا كبرت تكبيرة الإحرام اشتغلت برابطة التاجر الذي يعطليك زكاة أو صدقة أو برابطة الحاكم أو الوزير أو مالك أو اهلك أو بكل في ركعة وسجدة وتنسى من أنت واقف بين يدية ولا تستحي منه وتنسى نفسك وتخرج من الصلاة ولا تدري أي شيء قلت اتنكر ذلك ما اراك تجحد ذلك الثاني قولك أن استحضاركم بسبب تعلق القلب أقول لا يخفي أن ستحضار الشيء سببه تعلق القلب به وأهل هذا الفن مع تعلق القلب يتكلفون استحضار صورة محبوبهم ولا يحصل لهم إلا بالتكلف لأنهم دائما يسعون في تطهير قلوبهم بإزالة ما سوى الله منها بواسطة الرابطة في غير وقت العبادة ومن كان شغله نفى ما سوى الله لا جرم انه لا يستحضر احد إلا بسبب تعلق القلب مع التكلف للفائدة التي ذكرناها وأنت تشهد أن سببه تعلق بالقلب ولا تكتموا الشهادة وذلك لانك شديد الاعتناء بتحصيل مقاصدك فإذا كبرت للصلاة ظهرت لك صورها وصارت قبلتك التي تسجد إليها ونسيت ما سواها لتعلق قلبك بها واستيلائها عليه وانتقاشها في نفسك فإنه يحصل لك ويجوز لك استحضار هذه المثالب ونحن يحرم علينا السعي في حب هذه المطالب وانت محق ونحن مبطلون أهكذا يكون الانصاف ما هذا إلا الإعتداء والخلاف الثالث قولك أنه جائز أقول من المعلوم أن الأصل في الأشياء الحل مالم تشبت الحرمة فكل شيء لم ينه الشرع عنه فهو مباح وفعله جائز فحركات الإنسان وتصوراته المباحة فعلها جائز فإن أوصلت إلى مندوب في فعلها مندوب فالرابطة فعلها وبإعتبار الاصل جائز وباعتبار ما توصل إليه مندوب الرابع عدم علمك بحصول مطالبنا ما يجوز لك سلبنا ولا الإنكار علينا بمالم تحط به علما كما لا يلزم من جهلك عدم وقوع مقصودنا الخامس قد علم وقرر واشتهر أن PageV01P541 المصلى يسن له النظر إلى موضوع سجوده في جميع صلاته ويسن للأعمى ومن هو في ظلمة أن تكون حالته كحالة النظر لمحل سجوده والمراد من ذلك جمع القلب والحضور وعدم التفرقة وهذا من أنواع الرابطة أفلا تجعل تخيل الرابطة كتخيل الأعمى النظر إلى موضوع سجوده في جميع صلاته لحصول الفائدة فإن المقصد واحد إلا أن أهل الرابطة يفعلونها في غير وقت الصلاة ليحصل لهم جمع القلب على الدوام وليتوصلوا بها إلى رابطة الصلاة وهي ان تعبد الله كأنك تراه السادس إذا عمل قوم بلغ عددهم التواتر عملا واثبت كل منهم فائدته وقرر منفعته فهل يجوز لأحد تكذيبهم مع استحالة تواطئهم على الكذب ومع أن عيونهم عيون الناس أهل العلم والفضل وما أنت وعلمت بالنسبة إليهم إلا كفحام عند جوهري أو كمن يحفظ حروف الهجاء ليناظر بها الفخر الرازي فالأولى إنك تعترف لهم وإذا فاتتك صحبتهم لا تفوتك محبتهم وإذا لم تحبهم فلا تسبهم (شعر) وإذا كنت بالمدراك عرا ... ثم أبصرت حاذقا لا تمار وإذا لم تر الهلال فسلم ... لا ناس رأوه بالأبصار السابع قد علمت ان أحكام الشرع لا تثبت إلا بدليل وإن يكون نصا لا محتملا ولا عاما مخصوصا ككل بدعة ضلالة لما يلزم عليه من الفساد إذ من البدعة ما هو واجب ولو تنزلنا وفرضنا أن عمل الرابطة لا دليل لنا عليه وإنما فعلناه حصل لنا من الفائدة بالتجربة فالإنكار علينا من أي وجه وما دليله ولقد أصبت بقولي في الرسالة المهملة الحروف (شعر) حسد المرأ والمراد ومراد الله ... . ما لا مرئ سواه عماد ما اراد إلا له اسعاد ... لموك واردى مراده الحساد الثامن وهو ضرب مثل أمر الملك طبيبه الحاذق الحكيم بمداواة أهل مملكته من أمراض غلبت على أكثرهم اضرها البطن حتى آلت بالأكثر إلى عدم القيام بالخدمة وكان الطبيب حكيما ماهرا وعالما راسخا وعارفا كاملا ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا فقال في نفسه تنفيذ هذا الأمر من أهم المهمات واوجب الواجبات وتعليمه لمن يتأهل للقيام بعمله موجب لدوام الأجر والمثوبات وخير العمل ما نفع وإذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث أحدها علم ينتفع به فعمد إلى بعض المرضى ممن تفرس فيه وعرف أنه يكون أهلا للقيام بهذه الوظيفة وتنفيذها على الوجه المراد إذا عوفي فعالجه حتى عوفي ثم علمه الطب والحكمة واخبره بالأدوية وخواصها واعطاه دواء البطن وقال له خذ هذا الدواء وانفع به الناس ولا تسئل عليه اجرا وكن محتسبا لتكون لك المنزلة الرفيعة عند الملك فإن أحب الأعمال إلى الملك عملك هذا فقال سمعا وطاعة فنظر النائب بعد خروجه من عند الحكيم في دواء البطن ما هو فإذا هو عسل أبيض فقال الحمد لله فيه شفاء للناس فأتاه شخص أحمق مثلك أيها الأخ بصرك الله بعيبك ووفقك لترقيع جيبك فقال ما هذا الذي عندك فقال دواء البطن للمبطونين فقال أرني اياه فأظهره لهفي ظرف مختوم على فيه فاشمته من قبله فقال له ما هذا دواء البطن هذا سم اتيت تهلك الناس به هذا سم ساعة فقال يا أخي هذا عسل مصفى هذا للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى فذقه حتى تعلم فقال له ما أنت أعلم مني ولا أعرف من ذاق هذا هلك أيها الناس هذا ما أنزل الله به من سلطان وأكثر الناس حمقى * وشبه الشيء منجذب إليه * فترك الناس التداوي به مع شدة حاجاتهم إليه بسبب كلام هذا الأحمق المغرور فلا يزال يتكلم في ذم الدواء والمداوى والمتداوي ويصد عنه من أراد شفاء مرضه الذي عطله عن خدمة الملك وستذكرون ما أقول لكم ولتعلمن نبأه بعد حين التاسع من المعلوم أنا لم نبكر شيئا جديدا وإنما قلدنا من تقدمنا PageV01P542 من العلماء العاملين والاكابر العارفين من أهل المذاهب الأربعة كما سترى تقريرهم الرابطة وكيفياتها بل اقسم أن جميع حركاتي وسكناتي في الطريقة هو ما هو عليه أئمة مذهب الشافعية وقد استوفت كتبهم جميع ما نتعاطاه من الأعمال المخصوصة فما وجه الإنكار علينا مع اتباعنا أئمة الدين والعلماء العاملين كالغزالي والنووي والقاضي زكريا وابن حجر والشعراني والمناوى اتظن أن إنكارك ما يتوجه على أولئك السادة الأبرار والأولياء الأخيار وأولى الأنوار والأسرار أما تخشى محاربة الواحد القهار أما علمت أن الإنكار عليهم يؤل بصاحبه إلى سوء الخاتمة ودخول النار تظن أن إنكارك ظاهرا واعترافك باطنا ليس من التلبيس ومشاكلة ابليس وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا تنبه لنفسك أيها المغرور واحش عواقب الأمور أنك ميت وانهم ميتون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وهذا السؤال ما يتحمل هذه الأجوبة وإنما أوردناها نصيحة وإفادة وترغيبا وترهيبا ولكل امرئ ما نوى ونسأل الله أن يمن عليك بالهداية وسلوك سبيل الأبرار وإن يجنبك الإصرار في سبيل الأشرار أنه ولي المؤمنين وأعلم يا أخي أن سبب الانكار أحد الأمرين لا يخلوا من أحدهما كل منكر الجهل وهو الأكثر وعدم العمل بالعلم وهو الأغلب على من ينتسب إليه فإن كنت جاهلا يا أخي فلا تقف ما ليس لك به علم فتقع في الظلم ولا تقل هذا حلال وهذا حرام لتحكم بغير ما انزل الله ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون وإن كنت عالما فأعمل يا أخي بعلمك ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله وما أحسن ما قلت في الرسالة المهملة الحروف أما والله للعلم والعلم هما المراد ولأدراكهما أرسل الرسل إلى الأمم كمحمد صلى الله عليه وسلم على روحه ما عود ماس وآل وماد وكصالح ولوط ورسول عاد ولا أحد أهملهما إلا وهلك حالا وحال المعاد وآل أمره إلى أسوء مهاد وهل الهدى حاصل إلا لسالك سلكهما وواصل إلى سوح وداد ملكهما وحلاة الملك اساور هداه وحلله وأمده وأصلح عمله لا والله لا ود الأوده ولا مد الأمده ولا موائد إلا موائده ولا عوائد إلا عوائده ولا هدى إلا هداه ولا معول الاعلى ما اسداه. اشعار .. هو الملك المطاع وما سواه ... له ملك وملوك وطائع هو المولى المراد وما عداه ... كآل ما علا صحراء لامع وهل آل كماء الورد أمسى ... وهل أحد رأه وهو طالع إلا وحد إلهك وادعه لا ... إله سواه وهو الله سامع أما والله ما مولاك ساه ... ولا لاه ولا واه وهالع هو الحكم المصور وهو عدل ... وحل الله مسموع المسامع له ملك السماء وكل ملك ... ومالكه ومردوع ورادع أما وهداه لهو الله مولى السوى ... طرًّا محلهم المصارع أما وعلاه لهو الدهر سام ... ومعلوم السمو لدى المطالع أما وعلوه الله داع ... إلى دار السلام إلا مسارع أما والله ما هو صاح إلا إله ... واحد صمد وواسع أو حده ولم أر ما سواه ... ولم أره سواه لدى المطالع أما آلاؤه دهرًا أراها ... كمدرار السماء أما أطالع ألم أر ما أرى الكرماء لما ... ولو لا الروح لم اسل المدامع ولولا الراح ما للروح سكر ... ولولا السكر ما للصرح صادع ألم اعلم وهل علم كعلم امرئ ... أعلى مطامعه المدامع دعاه المحو اطوارًا عدادًا ... وصار مسامر الصحو المطاوع أصاح اعلم وعلم كل حر ... مسر ما رأى ولو اللوامع وودع كل ما الهاك طرا ... رسله لا سواه سؤال راكع وصل على إمام الرسول طه ... وسلم ما أرعوى ورع [ص: 543] وطائع PageV01P543 (الباب الخامس) في قول أهل الاصطفاء في رابطة المصطفى صلى الله عليه وسلم اعلم ايها الاخ في الله الهمك الله رشدك وجعلك عبده لا عبدك أن رابطة الشيخ الكامل توصلك إلى رابطة رسول الله صلى الله عليه وسلم وثمرتها الفناء في النبي صلى الله عليه وسلم وذلك من اجل النعم واوفر القسم وما يلقاه إلا ذو حظ عظيم والفناء في النبي عليه السلام موجب للولوج في حضرة القدس والهيمان في مفاوز الانس والتعرض لنفحات الله تعالى مأمور به ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض روى البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين والنفس تدخل في عموم قوله والناس اجمعين وقد وقع التنصيص بذكر النفس في الحديث عبد الله بن هشام وهوان عمر رضي قال للنبي صلى الله عليه وسلم لأنت أحب إلى يا رسول الله من كل شيء إلا من نفسي فقال صلى الله عليه وسلم لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له عمر رضي الله عنه فأنك الآن أحب إلي من نفسي فقال صلى الله عليه وسلم الآن يا عمرو يكفيك قوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من انفسهم فمن هو أولى بك من نفسك فكيف لا ينبغي أن يكون أحب إليك منها قال سهل رضي الله عنه من لم ير ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله وير نفسه في ملكه ع م لا يذوق حلاوة سنته وعن أبى هريرة رض عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أشد الناس لي حبا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله وفي الشفاء سئل على رض كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأن وعن زيد بن اسلم رض خرج عمر رض ليلة يحرس فرأى مصباحا في بيت وإذا عجوز تنقش صوفا وتقول على محمد صلاة الأبرار ... صلى عليه الطيبون الأخيار قد كنت قواما بكاء بالاسحار ... يا ليت شعري والمنايا أطوارا هل تجمعني وجيب الدار فجلس عمر يبكي وفي الحكاية طول وروى أن عبد الله بن عمر رض خدرت رجله فقيل له اذكر أحب الناس إليك يزل عنك فصائح وا محمداه فانتشرت قال واعلم من أحب شيأ آثره وآثر موافقته والالم يكن صادقا في حبه وكان مدعيا فالصادق في حب النبي ع م من تظهر علامات ذلك عليه قال أنس بن مالك رضي الله عنه قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بني أن قدرت أن تمسى وتصبح ليس في قلبك غش لأحد فأفعل ثم قال يا بني ذلك سنتي فمن أحب سنتي فقد أحبني فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة ومن علامات حب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثرة ذكره وتعظيمه وتوقيره عند ذكره واظهار الخشوع والانكماش مع سماع اسمه كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعده لا يذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا وكذلك كثير من التابعين قال بعضهم المحبة دوام الذكر للمحبوب وقال آخر إيثار المحبوب على جميع المصحوب وقال آخر الميل الدائم بالقلب الهائم وقال آخر موافقة الحبيب في المشد والمغيب وقال آخران تهب كللك لمن أحببت وحقيقة الحب الميل إلى ما يوافق الإنسان وتكون موافقته له إما بإدراكه كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة والأكعم والأشربة اللذيذة وأشباهها مما كل طبع سليم مائل إليها لموافقتها له أو استلذاذ بإدراكه بحاسة عقله وقلبه معاني شريفة باطنة كمحبة الصالحين والعلماء وأهل المعروف والمأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة PageV01P544 فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء حتى يبلغ التعصب بقوم لقوم والتشيع من أمة إلى آخرى إلى ما يؤدي إلى الجلاء عن الأوطان وهتك الحرام واحترام النفوس وهو صلى الله عليه وسلم جامع للمعاني الموجبة للمحبة كلها انتهى وقال الشهاب بن حجر في شرح الهزيمة عند قولة الناظم فاملاء السمع من محاسن يمليها عليك الإنشاد والإنشاء فإنها تحدث للسامع سكرا واريحة طربا وتحرك النفس إلى جهة محبوبها فيحصل بتلك الحركة والشوق تخيل المحبوب واحضاره في الذهن وقرب صورته من القلب واستيلاؤها على الفكر فيحصل للروح ما هو أعجب من سكر الشراب والذمن عناق الشواب. شعر: سلوى عن محبتك المحال ... ولو يا منيتي عز الوصال وأين شبيه حسنك في البريا ... فتنسي إذ يككون به اتصال على إن ليس وصلك لي بكاف ... فكيف ومانعي منه الدلال فما بيني وبين سناك بون ... فعيني في لحاظك لا تزال ولو ان الغبار أزيل عنها ... احتلني محلًا لا ينال فوا عجباه من سكناك داري ... وحق الحق مسكنك الجبال ووا الماه من هذا التنائي ... ومع هذا لبهجتك انفصال أتبعدني لشؤم قبيح جرمي ... حبيبي أي ذنب لا يقال وأي شفيع حق تقبلوه ... وأي تنصل لكم يقال وحقك إنما عذري اعترافي ... بأن عظيم ذنبي لا يزال وعلمي أن ماء مولى عفو ... وظني أن نائله أنال ألا يا ليت شعري أي وقت ... أرى إني لأخمصك النعال حبيبي كيف عنك أطيق صبرًا ... وأنت الخالص المحض الجمال وهل إلا جمالك شام طرف ... بغير إضافة لولا الخيال ظهرت فبان وجهك في المرايا ... بلا حصر وذاك هو الضلال فما هو أنت إلا أنت لكن ... لأجل الوهم قيل بدأ الهلال فتلك ذكا وبدر التم سارًا ... وقد حلاهما منك النوال ولي من صورة المحبوب زدب ... فحظي منك يا أملي حلال فجد لي يا حبيب وعد وجودي ... واعدمني شهودي يا كمال وكن لي شاهد المشهود صفوا ... بلا كدر فلا يبدو الجلال لأنت منحتني مجدًا بوجدي ... فمن قيس الغرام بي اشتعال أردت الحب من قدم فشوقي ... له في كل أعضائي مجال فلا أنفك من حرق ووجد ... فأحمالي مع البلوي ثقال فصل على دهرك يا جمالي ... لتحسن من مراحمك الخصال واطلع شمس حسنك في سمائي ... أغر فما معي إلا السؤال فأنت ذخيرتي ولأنت كنزي ... وعزي كل ما وقع النزال وأنت معولي في كل أمر ... لديه لا يفيد الاحتيال وفي اليوم العظيم لأنت غوثي ... وحزري عند ما يقع النكال فلا والله أرغب عنك حتى ... ولو حشيت باجفاني الرمال وصلى الله ما طرفت عيون ... وما تجنى غصون أو تمال على خير الخلائق ذي المرايا ... محمد الجملة الجمال قال في حسن التوسل في زيارة خير الرسل صلى الله عليه وسلم ومن فوائد الصلاة على النبي عم محبة المصطفى للمصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بل زيادة المحبة المذكورة اللازمة لها ازدياد الشوق مع استحضار المحاسن النبوية في القلب والجنان بحيث يمثل خياله به ولا يكاد يفتر من ذكر القلب واللسان * لو شق عن قلبي يرى وسطه ... ذكرك والتوحيد في سطر وقال الشيخ أحمد بن عبد الحي الحلبي في آداب الصلاة على النبي ع م تنبيه اعلم أنه يتأكد على المصلي على النبي عم أن يتصور وقت الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم صورته النبوية الكريمة في مرآة قلبه كأنه بين يديه سائلا من الله الصلاة والسلام عليه لأنه إذا واظب المصلى على ذلك تدوم عليه غيابات أنواره الكريمة المحمدية شعر. بأبي أيها النبي الكريم ... والرسول المطهر المعصوم والحبيب الأسمى الزكي المرجى ... والمراد المقرب الصهميم والخليل الذي نجا قاب قوسين ... و [ص: 545] حيث الخطاب والتكليم PageV01P545 والضيا الذي به عمر الكون ... ومن قبل رسمه معدوم والحليم الذي له الخلق المنـ ... ـصوص في الذكر أنه لعظيم والجواد الذي على كل مخلوق ... إله أنعم وفضل قديم والشجاع الذي إذا صال فالموت ... له السيف والغماد الجسوم تلك الجمع بالإشارة إن شئت ... ولكنك الرؤف الرحيم والمطاع الذي متى تأمر السحب ... أتت حسبما تقول الهيوم ترسل الغيث حيث ما تقصد الغوث ... فما في النبات قط هشيم فيرى الجدب هاربًا خوف بطش الخصب ... فالشكر في الرخا مقيم فلانت الغياث والغوث ذو الحظوة ... والاصطفاء والمعلوم والملاذ الذي متى أمه المكروب ... زالت همومه والغموم والمهاب الذي لو انتهر العالم ... مالت اسماؤه والرسوم من يجاريك في سماء المعالي ... أو يباريك أيهذا الوسيم سعدت عين من رأك ... وكذا من رؤيا سناك يروم بدأب الدهر في رضاك عسى تلقاه ... منك الرضوان والتكريم فهو ساع للعهد راع فيا خيبه ... من فاته لك التعظيم أي شيء في الملك أو ملكوت ... الله ما أنت أصله الموسم أو ما جابر روى عنك الصديق ... لمن فيه عندنا مرسوم إن نور النبي أول مخلوق ... ومنه التفضيل والتقسيم فلانت الأصل الأصيل وكل ... من سنا نور ذاته مبروم ولانت النور الجلي ومن ضوئك ... نارت كواكب ونجوم ولانت الأخير والأول المختار ... والمعتنى به المرحوم ولانت الرحيم يا رحمة الله ... ومنهاج دينك المستقيم ولانت الذي محاسن أو صافك ... في الصحف كلها مرقوم ولقد كنت قاسم البر والخير ... فمنك الندى ومنك العلوم طبت من طيب أبي طيب في ... طيب فالثناء عليك يدوم من يطيق الثناء عليك قد اسمعنا ... مدحك الكتاب الكريم لكن الحب يقتضي الذكر للمحبوب ... والحمد ما حوته الرقوم فلئن فهت والبضاعة مزجاة ... فجهد المقل منه جسيم فعليك الصلاة ما طرفت عين ... وسالت عين ورثت غيوم وعليك الصلاة ملء السموات ... تلاها التشريف والتسليم وعلى آلال والصحابة والاتباع ... ما هب في الوجود نسيم وقال الشيخ أحمد بن عبد الحي أيضا تنبيه أيضا تنبه أيضا وأعلم أن من ثمرات الصلاة على النبي عدم انطباع صورته الكريمة في النفس انطباعا ثابتا متأصلا انتهى جعلنا الله واياك من الرابطين على اشرف أنواع الرابطة والمخصوصين بالرحمة الهابطة انه ولى المؤمنين (الباب السادس) في القول المجمل في رابطة الأولياء الكمل اعلم أيها الأخ من الله على وعليك بمحبة أوليائه وسلك بنا سبيل المهتدى بضيائه أن سفيان الثوري قال لا نجاة يوم يخسر المبطلون إلا لنبي أو تابع نبي أو محب لو أن عارفا بالله في مشرق الشمس ينطق بحقيقة ورجل محب له في مغربها لكان له نصيب من ذلك على حسب قسمته وتهذيب محبته وإن الرجل ليعانق الرجل وإن بينه وبينه لا بعد مما بين المشرق والمغرب وقلب العارفين يكتب وقلب المريدين يكتب فيه انتهى وقال سيد الطائفة جنيد وأقرب الطرق إلى حصول المقصود دوام ربط القلب بالشيخ واستفادة علم الواقعات منه حتى يفنى تصرفه في تصرف الشيخ انتهى وقال المحقق الاردبيلي شارح المشكاة في رسالته المكية الشرط السابع دوام ربط القلب بالشيخ واستفادة علم الواقعات منه من جهة الاراداة التامة لأنه الرفيق في الطريق قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ثم قال فصل المرد أن تيقين أن روحانية الشيخ غير متحيزة بموضوع دون موضوع وكل ما يكون غير متحيزا استوت عليه الأمكنة كلها ففي أي موضوع يكون المريد لا تفارقه روحانية الشيخ وإن كانت تفارق PageV01P546 شخصيتها والبعد إنما يتعلق بالمريد وإذا تذكر المريد الشريخ بقلبه قرب إليه فيتعلق قلبه به فاستفاد منه فإذا احتاج المريد إلى الشيخ ليحل واقعته يستحضره بقلبه ويسأله عما يشاهده لا باللسان الظاهر بل بلسان القلب فيلهمه روح الشيخ معنى الواقعة عقيب السؤال ولإنما تيسر له ذلك بواسطة ربط قلبه بالشيخ ومن هذا الوجه يفصح له لسان القلب وينفتح له طريق القلب إلى الله تعالى فيجعله محدثا انتهى وقال سيدي ابراهيم الدسوقي يا أولادي أن صح عهدكم معي فأنا منكم قريب فإن أخذتم عهدي وعملتم بوصيتي وسمعتم كلامي ولو أن أحدكم بالمشرق وأنا بالمغرب رأيتم شبح شخصي فمهما ورد عليكم شيء من مشكلات سركم أو شيء تستخيرون فيه ربكم فوجهوا وجهك واطبقوا عين حسكم وأفتحوا أعين قلبكم فإنكم تروني جهارا وتستشيروني في جميع أموركم فمهما قلته لكم فأقبلوه وامتثلوه وليس هذا خاصا لي بل عام بكل شيخ صدقتم في محبته وقد يعلم ذلك شيخكم وقد لا يعلمه هكذا جرت سنة أولياء الله مع مريديهم انتهى وقال الشيخ أحمد بن ابراهيم بن علان الصديقي في شرح قصيدة الشيخ أحمد بن عبد الدائم الانصاري الشاذلي الشهير بابن بنت الميلق قدس سره التي أولها (شعر) من ذاق طعم شراب القوم يدريه ... ومن داره عدا بالروح يشربه عند قول الناظم إذا رأى ذكر المولى برؤيته أي رأى هذا العبد ذكر المولى برؤيته كما ورد في وصف الصالحين الذين اذا ذكر الله لأن نور قلبه مشرق على وجهه سيماهم في وجوههم فمن رآه رأى نور الحق الساطع من قلبه على وجهه ومن تم له ذلك فاز بالسعد والقرب قال ابن علوان سعدت اعين رآتك وقرت ... وكذا عين رأت من رآكا ومثل ذلك الشمس إذا اشرقت على جدار وفي مقابل ذلك الجدار جدار آخر فيشرق ذلك الجدار الذي اشرقت عليه الشمس وعنده أي عند الناظم طريقة معروفة مشهورة عند المشائخ يسمونها بالرابطة وهي رؤية وجه الشيخ فانها تثمر ما يثمر الذكر بل هي أشد تأثيرا من الذكر لمن عرف شرطها وآدابها ومن ذلك كان تربية النبي صلى الله عليه وسلم * للصحابة رض فكانوا يستغنون برؤية طلعته السعيدة وينتفعون بها عن كل رياضة ومجاهدة أكثر مما ينتفعون بالأذكار في مدة مديدة ولهذا كانت درجة الصحابة لا تضاهي والاجتماع بالمشايخ ولو ساعة مرتبة بها يتباهى انتهى وقال ابن ابي داود الجنبلي صاحب كتاب تحف العباد في كتابة آداب المريد وعلامة صحة ارادة المريد تعلق قلبه بشيخه واستغراقه في مشاهدته في الغيبة والحضور حتى لا يشهد معه من الخلق أحدا غيره فإذا صح له هذا المشهد انتقل منه إلى مشهد الجمال السرمدي وهذا الذي لا يشهده إلا أهل المعربة بالهه الغبي الجاهل المفتون بشهوة نفسه الأمارة بالسوء أو الجامد الذي ليس عنده شيء من الروحانية قال بعضهم (شعر) إذا أنت لم تعشق ولم تدرما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصخر جامدا انتهى قال ابن عطاء الله الشاذلي في كتابه مفتاح الفلاح في آداب الذكر قالوا يعني المشائخ وإن كان أي المريد تحت نظر شيخ يخيل شيخه بين عينيه فإنه رفيقه في طريقه وهاديه ويستمد أول شروعه في الذكر من همته معتقدا أن استمداده منه هو استمداده من النبي صلى الله عليه وسلم لأنه نائبه قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في رسالته مدارج السالكين الأدب السابع أن يخيل خيال شيخه بين عينيه وهو عندهم من أهم الآداب وآكدها وقال أيضا في البحر المورود أعلم يا اخي أن ربط أحدنا قلبه بشخه حي أو ميت ينفعنا ولو لم يكن ذلك الشيخ في علم الله شيخنا لأن ربطنا حقيقة إنما هو لاستناده إلى الله لا لذاته ومحال أن PageV01P547 ان يوجد الحق تعالى عند السراب الذي ظنه الظمآن ماء ويفقد عند عبد من عباده مشهور بالصلاح مع أن السراب ليس له حقيقة بخلاف الصالح له وجود وحقيقة فأفهم انتهى وقال الشيخ تاج الدين الحنفي في كتابه المشهور بالتاجية الثانية طريقة الرابطة بالشيخ الذي وصل إلى مقام المشاهدة وتحقيق بالتجليات الذاتية فأن رؤيته بمقتضى هم الذين إذا رأوا ذكر الله فينبغي أن تحفظ صورته في الخيال وتتوجه للقلب الصنوبري حتى تحصل الغيبة والفنا عن النفس وإن وقفت عن الترقي فينبغي أن تجعل صورة الشيخ على كتفك الأيمن في خيالك وتعتبر من كتفك إلى قلبك امرا ممتدا وتأتي بالشيخ على ذلك الأمر الممتد وتجعله في قلبك فإنه يرجى لك حصول الغيبة والفنا انتهى، وقال الشيخ ابراهيم ابن عمر الملا الاحساني في رسالته فإن لم تمكنه مصاحبة الشيخ لتعذره ببعده عنه فعليه بإحضاره في خياله ويعتقد أنه في حضرته وصحبته ويتصور نفسه كأنها بين يديه ويحفظ ذلك التصور في خياله ويفنى في وجود الشيخ بكليته ثم يتوجه من وجود الشيخ إلى الله تعالى ويتكلف ذلك ويكرره مرة بعد أخرى إلى أن يشرق النور الإلهي على لطيفته إشراقا يكشف الغطاء عن أسرار المعاني فيكون بالله لا بغيره ولا بنفسه انتهى، والكلام في الرابطة لا نهاية له وفيما ذكرناه كفاية للموقف فتأمل بفهمك وميز علمهم من علمك وانظر هل حصل لك من العلم ما حصل لادناهم وهل وجدت من اليقين ما وجد ادنى من والأهم هيهات هيهات كما لا يستوي ساسة الحمير وأصحاب الملوك كذلك لا يستوي أهل الشهوات واتباع أهل السلوك (أشعار) هم القوم أن تجهل وأن كنت تعلم ... لقد شهدوا المحبوب والناس إلى الله فروا بالقلوب ليحصلوا ... لديه فيا بشراهم حين يمموا لهم همم لما تزل تعتدي بم ... إلى رتب يسمو إليها التقدم فهم بين سلاك الطريق إلى الحمى ... وبين أخي وجد يشيب وبهرم وبين أخي سكر وذا والج الغنا ... وبين أخي فكر يغيب ويلجم وبين أخي صفو وهذا مشرف ... وبين أخي محو وهذا مكرم وبين أخي سعي وبين أخي هوى ... وبين أخي دهش وها مهيم وبين أخي شوق وبين متيم ... وبين أخي ذوق ينم وبعظم فهذا لسب مثل ماذا مدله ... وهذا سليب مثل ما ذاك مغرم تجاروا إلى محبوبم وتسابقوا ... وقاموا على الأقدام والناس نوم إذا ذكر المولى تطيش عقولهم ... وذا الطيش أهنى العيش لو كنت تفهم سواء عليهم أن قدحت وإن مدحتهم ... إنما القوم الأولى في الملاهم رضوا عنك في الحلين إذ أنت عبد من ... احبوا وكلا يصدر السوء منهم فأعلم ذلك واياك في الطعن على أهل هذه المسالك فإنه يوقع في المهالك والله يتولى هداك (الباب السابع) في نصح المنكرين الخاص والعام لحصول حسن الختام فإنما الأعمال بالنيات يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن كفر عنكم سيأتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبإيمانهم يقولون ربنا اتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير واعلم أيها الأخ أن الدين النصيحة وإن من افرض النصائح أن ينصح الإنسان نفسه ولا يدخلها مداخل السوء ولا يلقيها في مهالك الإنكار على أولياء الله فإن كان انكارك عن جهل فيجب عليك التثبيت أولا ومطالعة كتب العلماء المشتملة على سيرهم وإرشادهم وتعبدهم ويحرم عليك انكار مالم تعلم قال الله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم وقد آل الأمر إلى أن الأمور ثلاثة أمر تبين لك رشده فاتبعه وأمر تبين لك غيه فاجتنبه وامر اختلف فيه فأرجعه إلى عالمه هذا وما انكرته غير مختلف في صوابه وإنما عليه PageV01P548 جمهور العلماء العاملين فيا ليت شعري إنكار هذا على الإمام سفيان أم على جنيد سيد الطائفة اتنكر على من لم يعمل إلا بنصوص أهل مذهبه وأهل مذهبك ولم يسلك إلا سبيلهم وقد اوردنا كلامه وارينا كه لتعلمه وهم أكابر العلماء وأهل السياسة والحكماء وأهل السيادة والأدباء وأهل العبادة والنجباء اترى يترك الغزالى والفخر الرازي وأبو الحسن الشاذلي وابن عطاء الله وابن داود والشعراني وابن حجر ونحوهم ويصار إليك ما أظن ذلك ما أرى من يترك قولهم ويأخذ قولك ويدع سيرتهم ويتبع سيرتك إلا معتوها قد ذهبت حجاه أو شقيا متبعا هواه قد اضله الشيطان واغواه وبلغ منه مناه فلا حول ولا قوة إلا بالله الا أخبرك بما آل بك الانكار إليه لقد صد منك إنك قلت ينبغي أن يجعل الله بين عينيه بدل الرابطة فأقول إن كنت تعتقد أن الله شبه شيأ من خلقه الدال عليه قولك بدل الرابطة فأنت مجسم أو انه لا يخلو من كينوننه في شيء أو على شيء فأنت حلولى أو جهوى تعالى الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا وإن كنت تقصد إنه سبحانه متره عن المكان وأنه ليس كمثله شيء وإن كل ما خطر بالبال فالله بخلافه فأعلم ان الرابطة يتصرف فيها عاملها ويقررها تارة جالسة وتارة قائمة وتارة مارة وكيف شاء وذلك على الله محال وانك قد أخطأت في التعبير واسأت في التقدير فاين تتريهك لمن ليس كمثله شيء وهو السميع البصير إلا انبئك بما أوصلك الانكار إليه حررت قراطيس ووصت اباليس يصدون المسلمين عن هذا الامر النفيس الذي من لازم المتلبس به التسبيح والتقديس وصلاة الليل وصلاة الضحى واحياء ما بين العشائين والطلوعين مهما أمكن وذكر الله على الدوام والكف عن اكثر الآثام أن لم يكن عن جميعها فأنظر كيف نصحت أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإبعاد امته عن سنته يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ورسوله وتخونوا أماناتكم وانتم تعلمون أفلم يدبروا القول بل جاءهم بالحق بل آتيناهم بذكرهم وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم أم على قلوب أقفالها. اترى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرضى عنك بهذا فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم هذا تنبيه وتذكرة وما يتذكر إلا من ينيب إلا ادلك على ما هو خير لك من إنكارك الطريقة وأورادها الإنكار على من يرتكب الكبائر المجمع على تحريمها وأنت تراه في بلدك مقبلا ومدبرا وتسمعه بأذنك ليلا ونهارا وإنكار ذلك واجب عليك فأنظر كيف تركت الواجب واشتغلت بما لا يعنيك بل يسوءك ويعيبك إلا ادلك على ما هو أوجب من هذا أيضا أن تأمر اهلك بطاعة الله وترك معاصيه وتعلمهم ما يجب عليهم من أمور دينهم قبل أن يطالبون يوم القيامة فانهم رعيتك وأنت مسئول عنهم فاهمالك أياهم دليل على عدم ديانتك إلى ادلك على ما هو أعم من هذا أن تحجر نفسك عن معاصي الله وتكف جوارحك خصوصا لسانك الذي يكبك في قعر جهنم من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به فكم من فرية حققتها وكم خديعة دققتها وكم غيبة رققتها وكم طعن أشعته وكم زور اذعته وكم عورة كشفتها واذكر يوم تشهد عليهم ألسنتهم ويود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا إلا ادلك على أدق من هذا طهر قلبك من الخديعة والخيانة والغش والحقد والحسد والطمع والرياء والعجب وحب التكاثر والمباهات والفخر والكبر الذي حملك على عدم تسليم الحق لأهله قال في الاحياء من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف من سوء الخاتمه وادنى النصيب التصديق به وتسليمه والرابطة من جملة مسائل هذا العلم ولكنك نطالع في باب PageV01P549 النزاع وهي ليست فيه إنما هي في جملة الخبر وصلة الموصول والعائد معلوم أذ هو مفهوم المنطوق ومنطوق المفهوم كأنك تطالع في باب الزكاة وقسم الصدقات والوقف ليست هي هنالك إنما هي في باب الطهارة وأركان الصلاة اشرفها الطمأنينة كما أن الحج الوقوف بعرفة ولعلك تطالع في باب الهمزة فصل الجيم وهي في باب الهمزة فصل الددال فدع علم الجدال واسمع هذا المقال العلم علمان علم في القلب فذاك العلم النافع وعلم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم (شعر) شكوت إلى وكبع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال أعلم بأن العلم نور ... وعلم الله لا يؤتي لعاص ولو أن العلم المراد والمعبر عنه بالنور هو ما حصل لك لكان كثير من أهل الاعتزال أولى به منك فإن منهم من هو أكثر منك علما وأثقب فهما وأسرع تقريرا وانصع تحريرا إنما هي نفس انتقشت فيها بعض الرسوم واشتغلت عن الحي القيوم فاترك الانكار بتّه قد علمنا ما جهلته وعرفنا ما عرفته من بسيط ومهذب ولهما والله زبدة تطلب المعبود وحده وتدع كل مودة شغلت عن ذلك (شعر) أما والذي قد أوجب النصح إنني ... منحتك محض النصح فاعنمه تهتدي وكن مستفيدا ما منحتك شاكرا ... صنيعي ولا تكفر جميلي فتعتدي فإن لأهل الله أعظم حرمة ... متى ينتقصها المرء بالسوء يقصد فيحيى حياة بالمعاصي مشوبة ... ويسكن في دار المشين في غد فياويل عبد يدعي الرشد وهو ذا ... يروح ببغض المتقين وبغتدي ويحتال في ثوب الغواية معجبا ... وهيهات من يرشد عن الغي يبعد إذا ما رمى أهل العبادة بالقتلى ... وبارز أهل الله بالكلم الردي فقد حارب المعبود فالله خصمه ... فيلبسه ثوب الشقاء الرد فبالغرور جر صاحبه إلى ... شرور فحد عنه وقارب وسدد وقال الحافظ جلال الدين السيوطي في رسالته قمع المعارض هذا ما اخترته من المقالب مما يناسب المقام والتقطته من المظان لهذا النظام تنبيها على مقام الأولياء واشارة إلى علو رتبة الاصفياء وتحذيرا مما تأتيه طائفة الأعبياء الظانون أنهم في عداد الأزكياء القادحون بافهامهم الفاسدة فيما لا يفهمون والخائضون بقلة تقويهم فيما لا يعلمون لا هم وقفوا عند نص القرآن ولا هم امتثلوا ما روى عن سيد ولد عدنان ولا هم عملوا بما قرره أئمة الشأن ولا هم جنحوا إلى طريقة جارية على قانون الحق والعرفان قال الله تعالى فيما روى في الأحاديث القدسية بين حفاظ الشرق والغرب من عاد لى وليا فقد آذنته بالحرب وفي لفظ من آذى وليا فقد استعجل محاربتي واني له بالسلامة وفي حديث مرفوع من عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة رواه أهل الأمانة وفي آخر قدسي من أخاف وليا فقد بارزني بالعداوة وأنا لثائر لأوليائي يوم القيامة وفيما أوحى الله إلى موسى ع م من أهان وليا أو اخافه فقد بارزني بالمحاربة وبارزني وعرض لي نفسه ودعاني إليها وأنا أسرع شيء إلى نصره أوليائي افيظن الذي يحاربني أن يقوم لى أو يظن الذي يعاديني أن يعجزني أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والأخرة لا أكل نصرتهم إلى غيري أنتهى فقد أوضحنا لك القول المبين وافصحنا عن الحق المستبين فادفع الشك باليقين وراجع أصول هذه النقول وتثبت بما نقول فما بعد العين ما يقال وماذا بعد الحق إلا الضلال فأرحم نفسك واستغفر عما أودعت أمسك واترك أهل الشكوك والظنون قل الله ثم زرهم في خوضهم يلعبون وهذا آخر ما قصدته من المقال العريض المرى المقبول لدى كل مؤمن عن قميص الهوى عرى ومن خبث الباطن برى وأنا المسكين الضعيف حسين الدوسري غفر الله له ما مضى ومن عليه بالرضى PageV01P550 أنه خير مسئول واكرم مأمول وصلى الله على سيدنا أفضل رسول وعلى آله وأصحابه أهل القرب والوصول ماتعين الحق وتبين الصدق آمين. معرب فقرات الخواجه عبيد الله احرار قدس سره بسم الله الرحمن الرحيم يا من شرح صدور العارفين بتجليات جلاله اعنا على ذكرك وشكرك وأغرقنا في لجة بحر برك فنحمد ربنا غواصين بحار اظهار صفات كماله لا نحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك صل بجلال قدسك على أكرم حامد لك محمدا أحمد محمود من جنك، وانسك واوحد موحد تجليت عنه بهيبتك وانسك صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى سائر بيت مقدس سيما على آله وصحبه أركان البيت الأقدس وبعد فإن الله تعالى أوجد العالم لآدم وأوجد آدم للخاتم وأوجد الخاتم لنفسه فجعل الكل مظهر وصفه مشرقا عليهم من سماء التوحيد بشعاع شمسه فظهر شروقه ظهور الذرة والهباء بالشمس الذي هو في رابع السماء فكما لا يمكن ادراك الذرة إلا بدخول الشمس من الخوخة فإن الشعاع إذا دخل منها تقوم الذرة عليه في هيأة خيط بمقدار وسع الخوخة وضيقها كذلك الذرة التي كانت في عالم العمى إذا اذابت بإشراق الحق حين نظر إليها قال السماء ثم استوى إلى السماء وهي دخان فتحقق منها الجهات الست المتره باريها عنها فقال لها وللأرض أتية طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فما ظهر من الوجود ليس إلا من ذوبان الذرة على نفسها من هيبة نظر الناظر الباطن الظاهر والعلويات كلها بمنزلة الخيط الشعاعي ابدى الظهور وإن أختلفت النشآت بظهور مقتضيات المتقابلات فالخواجة التي لا تسد في النشأتين هي الحقيقة المسماه بحقيقة الحقائق وهي الحقيقة المحمدية عليها أفضل الصلوات وأكمل التحيات وخيط الوجودات السيالة قائم بالشعاع المحمدي في كل بيت مقدس من آدم إلى انقراض هذا العالم بإنعدام البيت الذي يصلح لان يكون مكان الخوخة المذكورة نبوة وصديقية فإن الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم مقدسون قلبا وقالبا عن التوجه إلى غير الله فقلوبهم بيوت الحق في النشأة الدنيوية والكتب المنزلة عليهم مأدبة الحق ومائدته ولسانهم هو الداعي إلى الله سراجا منيرا ولا ترفع مائدة إلا بوضع الأخرى قال الله ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها فالشرائع السالفة نسخت بالمائدة المحدية والبيت المحمدي كان أعظم البيوت المقدسة لا جرم نزلت مائدته اعم الموائد قال الله تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس فلا ترفع مائدته أصلا بل يوضع طعام بدل طعام آخر والمائدة بحالها رحمة من ربه وفضلا كما أن موائد الانبياء عليهم السلام انتهت فلا يؤكل عليها إلا طعام يخص بها كذلك ينبغي أن يغلب الطاعم القدر المشترك من المطاعم في جميع الموائد عليها فيطعم منها كما يطعم وهو يطعم ولا يطعم فالحمد لله الذي جمع بين النبي والصديق ثاني اثنين اذ هما في الغار اذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فالمائدة نحمد الله ممدودة ولكن لا يطعمها إلا كل صديق يصلح أن يكون لمن انزلت هي عليه صديقا وفي الهجرة إلى الحق عن الباطل في جميع الأحوال رفيقا شفيقا واختصاص ابى بكر رضى بالنبي صلى الله عليه وسلم من بين الأمة لأنه رأس الصديقين ورئيسهم وما زفت المائدة المنزلية على محمد صلى الله عليه وسلم إلا في زمنه وآمن الناس به ثانيا بعد ارتدادهم وقاتل من فرق بين الصلاة والزكاة حتى قال لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها فأيد الدين بعد انهدامه بقتاله أهل الردة ومانعي الزكاة قال ع م نحن نقاتل على التنزيل وأبو بكر يقاتل على التأويل ومعناه بيان مقتضى المقامين من النبوة والصديقية لا الحصر PageV01P551 كما يدل عليه ورود الخبر الصحيح في مقاتلة ابى تراب رضي مع البغاة أيضا فكل من كان همته تأييد الدين فهو صديق زمانه يطعم من المائدة سواء طعم غيره أو لم يطعم إلا أن الصديق لأهل زمانه لا بد وأن يسعى اطعام غيره أيضا والأولياء كلهم بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأقام الصلاة وايتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب وهؤلاء الصديقون قائمون على المائدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها نمد المائدة على قلوبهم التي لا يسعها غير الله فيلهم التعرض في أيام دهرهم للنفحات الربانية امتثالا لقوله عليه السلام أن لربكم في أيام دهركم نفحات الا فتعرضوا لها ولا يتعرض لها إلا الراسخ في العلم فأنهم من أهل التأويل إذ ليس تقلبهم متعلق سوى التفادي بأرواحهم للحبيب الحقيقي من فرط الحب كالصديق في الغار وابى تراب في الفراش والطريق إليه صلى الله عليه وسلم بعده منحصر في هذين لهذا يدل على ذلك امره عليه السلام بسد الخوخات إلى المسجد إلا خوختيمها أو خوخة أحدهما وسلسلة المشائخ كلهم منتهية إلى النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ابي تراب رض الا سلسلة الذهب وهي للنقشبندية فإنها واصلة إلى النبي عليه السلام من طرق اربع أحدها إلى الخضر عليه السلام وثانيها إلى الصديق من طريق الامام جعفر رض فإنه أخذ من جده قاسم بن محمد والقاسم اخذ من ابيه محمد ومحمد اخذ من أبيه أبى بكر رض وثالثها ورابعها إلى على كرم الله وجهه من طريق سيد الطائفة جنيد وطريق سلطان العارفين ابى يزيد البسطامي ولأجل هذا سميت هذه السلسلة بسلسلة الذهب وفضلت على غيرها من النسب وأسود غابات التأويل كلهم مطوقون بهذه السلسلة العظيمة التي هي ادراج النهاية في البداية فيذوق المبتدي فيها ?اشنيا أي ذوقا من غيب الهوية ولا يحصل في غير هذه الطريقة الذوق المذكور إلا بعد الرياضات الشاقة وربما أيضا لا يحصل بعدها والسر في ذلك أن الاسد من شأنه أن يصطاد فيطعم ويطعم غيره ولا يطوق بسلسلة الذهب إلا الأسود والمنتهى في هذه السلسلة هو المطوق بها فهو في صيد الحقائق والمعارف أسد المعارك في وقته يطعم ويطعم كما كان وحيد زمانه وفريد أو أنه وأعرف العارفين بالله في دورانه تغمده الله بمغفرته ورضوانه ونعمه بمشاهدة جماله في أعلى جنانه حيث فنى عن حظوظ نفسه وعنى بما كان يومه خيرا من امسه أنعم الله عليه بجلائل نعمه الصورية والمعنوية وفضائل حكمه الدنيوية والأخروية فكان يتعرض لنفحات ربه في أيام دهره صائدا لغزلان عوالم الغيب بمخالب المشاهدة والعيان قائدا لها إلى مضيق الشهادة بمساعدة فرسان البيان معجز للفرس كلهم بفروسينه فعجزوا عن تحديه ولو في أدتى عبارة الميدان وانتفعوا بموائد بيانه على قدر أذهانهم واحتظوا بعوائد عيانه بعد طلوع بدر برهانهم فاقتضى الحال أن ينتفع بها العرب كانتفاع العجم ليتحقق بين الفريقين أنه كان ليث هذه الاجم كان على الحقيقة بيانا للشريعة والطريقة * فما كان المسمى غاصب الاسم بم ... توجد في طريقته الأنيقة حرى أن يعم الناس طرا ... بشرعته وهى له سليقه حسام الحق مسلول من الغمد ... ضياء الصدق أظهر لي بريقه كلام الله فرقته ثلاث ... فميز أنت من كل فريقه طريق ابي تراب كان يمشي ... كصديق له في الحب ليقه ولا تتعب بتميير الخلائق ... فهم يأتوك من مدن سحيقه وأنت الكعبة العظمى بحق ... حقيق أن تطاف على الحقيقة فذق طعم المعارف [ص: 552] كي تجدها ... فقد ذاق الصفا من ذاق ريقه PageV01P552 وهذا ريق مولانا عبيد ... نسان الفردوس وهي لنا وثيقه ذوقها لأبيه بالتماسه لذلك فادرج فيها بأقرب المعالج والمسالك فنقول أنه يقول سبب هذا التأليف المختصر أن والدى رزقه الله وايانا العمل بما فيه بناء على حسن ظنه بهذا الفقير امرني لما رجعت من الغربة إلى وطني أن اكتب له شيئا من كلام أهل الله يكون العمل به سببا للوصول إلى المقامات العلية والعلوم. الحقيقة الخارجة عن طور النظر والاستدلال قال عليه السلام من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم فوجب امتثال أمره على هذا الفقير لأن الأدب مع الحضرة الربوبية تقضي الأدب معه إذ الوالد واسطة وصول أثر ربوبية الحق جل وعلا إلى الولد وقال بعضكم في بيان الحقيقة من آداب المرأ مع الحضرة الربوبية تعظيم المظاهر التي قبلت أثر الربوبية لأنهم مظاهر تلك الأثر مثل الأب والأم وسائر من هو من قبيلها إذ هذا التعظيم راجع إلى الرب حقيقة وإليه يرجع الأمر كله فامتثلت امره وذكرت في هذا المختصر ما يكون سببا لحصول المعرفة المطلوبة من الانسان فالملتمس من الناظر فيه أن لا يسند الكلام إلى مؤلفه بل يراه في قبضة تصرف الحق جل ذكره كالقلم في يد الكاتب فإنه إذا لم ينسب الأمر إلى مؤلفه دخل في زمرة الذين علومهم حاصلة عن الحق بلا واسطة لأن الوجود المجازى عندهم في حكم العدم كما قال بعض العارفين من أصحاب العيان مخاطبا لأرباب النظر والبرهان انكم اخذتم علومكم ميتا عن ميت ونحن أخذنا علومنا من الحي الذي لا يموت ومن كان وجوده مستفادا من غيره فحكمه عندنا حكم للاشيء فليس للعارف معول غير الله قطعا وبالله استعين وعليه أتوكل ولا حول ولا قوة إلا بالله قال الله تعالى وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون قال لمفسرون المراد بالعبادة ههنا هي المعرفة إذ العبادة بحسب تبادها إلى الفهم تتعلق بأعمال الجوارح ولو حمل إلى ما هو المتبادر منها لا يستقيم المعنى إذ الغرض والغاية من خلق الخلق ليس مجرد الأعمال الظاهر بل الأعمال الظاهرة تابع للمعرفة والمعرفة هي المقص بالذات وبعض الصوفية اراد العبادة بالمعنى الأعم إذ العبادة عندهم تشمل الأعمال الظاهرة والباطنة والمعرفة عمل القلب ولا حاجة إلى التأويل والمحققون متفقون على أن المعرفة لا تحصل إلا بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم ومتابعته موقوفة على العلم بما يجب متابعته فيه رواه الشيخان من حديث نعمان بن بشير رضي الله عنه فاعلم أن للنبي قولا ع م وفعلا وحالا فالقول يتعلق بلسانه والفعل يتعلق بظاهره حاله يتعلق بباطنه فمتابعته صلعم في قوله أن لا يجرى على لسانه ما يخالف شرعه عليه ع م مثل الغيبة والكذب والكلام الذي فيه ايذاء للمسلم وغير ذلك وان يتكلم بما يكون سببا لنورانينة قلبه مثل قراءة القرآن والادعية المأثورة عن النبي عليه السلام ويرغب عباد الله إلى شريعته ويجب أن يكون في قراءة القرآن والأدعية بحيث يعتبر بلسانه عما في قلبه فإنه لو لم يكن كذلك كان شاهد الزور هذا إذا كان عالما واما إذا كان اميا فليعتقد بقلبه أن القرآن كلام الله عز وجل فيشرع في قرآنه بالتعظيم وحضور القلب بملاحظة عظيمة ربه الكريم ومتابعة فعله ع م وان يزين ظاهره بشريعته ولا يترك سنته وآدابه فإنه بمقدار ما ترك منها ينقص من دينه وأيضا متابعته عليه السلام في فعله بمعاونة الأخوان المؤمنين بيده وسائر الجوارح فيما يحتاجون إليه كله موجب صفاء ونور خصوصا اذا كانت معاونته في قضاء حوائج المتوجهين إلى جناب الحق سبحانه لأن الله تعالى أظهر هذه الطائفة لمحبته فيجب منهم دوام التوجه إليه إذ قلبهم في حالة التوجه إلى الحق PageV01P553 مرآة مصقولة يظهر فيها جماله وقد يقع لهم التوجه بواسطة البشرية إلى الأكل والشرب واللباس وغير ذلك فيتكدر باطنهم بمقدار تعلق ظاهرهم بالامور المذكورة اللازمة لهم بالضرورة وبمقدار ذلك الغبار يحجبون من مشاهدة جماله فصاحب الدوله الذي وفقه الله لكفائة أمورهم الضرورية له نصيب تام من معانيهم ضرورة اذ كفايته لأمورهم سبب رجوعهم إلى حالهم من مشاهدة الحق فكأنه هو الذي وجههم إلى الله بالدوام واحسن من هذا في تحقيق هذا الكلام أن يقال الموفق لقضاء حوائج المتوجهين إلى الله أن كان شاكرا لربه بما انعم عليه في التوفيق المذكور فهو مظهر اسمه الكافي تبارك اذ الشكر منه يدل على انه ما اسند الأمر إلى نفسه حيث قال الحمد لله الذي جعل كفاية أمور وليه على يدى فهو ح متخلق بالاسم الكافي وورد في الحديث النبوي أن من تخلق بخلق من اخلاق الله فهو محرم على النار ولباطن النبي صلعم مراتب من النفس والقلب والسر وغيرها وقد أعطاه الحق عز اسمه بحسب كل مرتبة منها كما لا يناسب تلك المرتبة ويجب على المسلم متابعة المذكورة إلا بالوقوف على آدابها ومعرفة آدابها على حسب الكمال ليس في وسع أحد من الانبياء والأولياء ولكن للمجتهد فيها على قدر حاله من تلك الكمالات نصيب فمتابعته في مرتبة نفسه أن يخالف هواها ملجما لها عن الميل إلى خلاف الشرع، فإذا داوم على هذا تحصل لنفس المتابع مناسبة تامة بنفسه ع م وبقدر المناسبة ينجذب نفس المتابع من نفس المتبوع مثل الفتيلة التي تجذب النار إلى نفسها بواسطة دخان الزيت فيترقى عن درجة التقليد بقدر انجذابه عن صفات النبي ع م وقس على هذا متابعته له في سائر المراتب لتحصيل الكمالات المناسبة للتك واذا كملت المناسبة وبينه وبين النبي عم بواسطة المناسبة حق للمرأ ان يكون محبوبا لله تعالى قال الله قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فيطلعه الحق ح على أسراره في الملك والملكوت وهذه المحبة عائدة إلى النبي ع م إذا اتصافه بأوصاف النبي ع م سبب لها وان كان استعداده لذلك الاتصاف محض فضل الله وكرمه ولو ابصرت بعين الحقيقة وجدت الحق هو المحبوب لذاته وهو المحب أيضا يحبهم ويحبونه كلام له فلا يحب سواه لأنه العلة إذ صاحب الجمال لا يحب المرآة لذاتها بل لأنها آلة لمشاهدته لجماله والحق سبحانه تعالى في مرآة وجودت الانبياء والأولياء بمقدار استعدادهم يتجلى بذاته وصفاته وكل مرآة صقالتها بحسب الاستعداد أكثر فالتجليات فيها أتم وأظهر ولهذا وقع التفاضل بين الأنبياء بعضهم على بعض اشارة إلى ما قلنا من التفاضل ولما كان استعداد المرآة المحمدي صلى الله عليه وسلم أكمل من المجموع لا جرم ظهور آثار التجليات بحسب الذات والصفات فيه اتم من الكل وامته بواسطة متابعته لهم منها نصيب تام فألبسوا لذلك من الله تعالى خلعة الخيرية بالنسبة إلى الأمم المتقدمة كما قال الله كنتم خير أمة اخرجت للناس ومن هنا قال ع م ولقد تمنى اثنا عشر ألف نبيا أن يكون من أمتي إذ علم المتمنون أن حصول تلك المراتب العلية موقوفة بمتابعته عليه فعلو هممهم اقتضى أن يكون لهم الكمال الموقوف بمتابعته فتمنوا ان يكونوا من امته واذا علم أنه لا تنال مرتبة من مراتب الكمال الا بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم فيعلم أيضا أن متابعة صلى الله عليه وسلم على حسب الكمال إنما هو بكون القلب منزها عن التعلق بغير الحق سبحانه منقطعا عن العلائق البدنية والعوائق الكونية بالكلية وانقطاع القلب عن غير الله لا يحصل الا بلسع حية الحب لكبده المشوي بنار الشوق والقلق والمحبة وان كانت من المواهب لكن ظهور هذه الموهبة بالتدريج موقوفة على حصول شرائط PageV01P554 ملاكها تخلية القلب عما سوى المحبوب الحقيقي وللوصول إلى حصول هذه الدولة العظمى طريقا ما سلكها احد إلا وصل المقصود وهي أن يذكر اسم المحبوب الحقيقي ابتداء بلسانه ويحضره بقلبه منزلا اسمه على مسماه المحيط علمه بالاشياء من غير فتور في هذا الذكر حتى يغوص حديث النفس في القلب بذكره فإذا رأى قلبه ذاكرا للمحبوب وانحصر في ذكره حديث النفس ينبغي أن لا يرضى بذلك فيترك الذكر بل يداوم على الذكر حتى يلتذ قلبه من ذكره فيترقى بالمداومة المذكورة أيضا إلى أن ينقطع قلبه عن الالتذاذ بغيره من سائر اللذات الدنيوية والأخروية فلا يبقى لقلبه ح متعلق سواه فيكون كله مشغولا بحيث لو اراد أن يحب غيره ولو بالتكلف ما يمكن من ذلك والمكالمة والمناجاة اللتان يحصلان للسانك إنما هما في هذه الحالة فيصير ح بحيث لو تكلم مع أحد كان الكلام معه وكذا لو نظر إلى أحد كان ناظرا إليه وهذا هو الحضور المنزه عن الغيبة المعبر عنه في الحديث القدسي بقوله ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ويبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده الذي يبطش به ورجله الذي يمشي به وعقله الذي يعقل به فخ لا تمنعه الاشتغال الصورية الضرورية عن هذه العلاقة الحبية المعنوية إذ تمكن باطنه عن مناجاة الحق وهو بظاهره مع الخلق فهو كائن بائن وهذا المعنى عبارة عن بلوغ السالك كما قالت رابعه رض (شعر) ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي ... وأبحث جسمي من أراد جلوس فالجسم مني للجليس مؤانس ... قلبي في الفؤاد انيسي فصاحب الدولة الذي حصل له في الدنيا هذا التعلق الحبي بالحق سبحانه إذا فارق روحه من بدنه يحصل وصال واتصال دائمي بربه فإن القلب الذي شفعه الحب وإن كان واصلا إلى محبوبه في هذا العالم ولكن يقع عليه حجاب رقيق لأجل المقتضيات البشرية فلما انقطع الروح عن الجسد زال ذلك الحجاب بالكلية اذ زوال العلة التامة للشيء يستلزم زوال معلومها والجسد علة الحجاب الرقيق وقد زالت مزاحمته لروح المحب المذكور بالموت الطبيعي فلا حجاب لهذا الروح بعد الموت اصلا (تمثيل) اذا اردنا أن نشغل أناسا بمحبة محبوب فطريقه أن يقى في الحارة الفلانية محبوب كذا وكذا نعته مما يستلزم التوجه إليه فينبغي أن تحبه لأنك اذا احببته تلتذ بمحبته فتفوز بوصاله والانسان مجبول بمحبة ما يلتذ منه فيميل قلبه بمجرد سماع نعته إلى محبته ولكنه ما يعرف طريق تحصيل هذه السعادة فالطريق له أن يق له ما يمكنك الاستسعاد بها إلا بان تكثر من ذكره وتزجر قلبك عن الاشتغال بغيره فيميل إليه واذا داوم على الذكر بزيد الميل فيلتذ قلبه من هذا الميل بازدياد اللذة إلى أن تستحكم العلاقة التي هي الارتباط الحيي فلا يبقى في يده زمام اختيار القلب اذ شغفته محبته فيحبه سواء اراد او لم يرد فلا تسع القلب محبة الغير بل لا يسعه الاشتغال باسم المحبوب فينسى الاسم من غلبة المسمى عليه ويترقى من هذا الحال إلى مرتبة استيلاء نفس الحب كما قال العامري لليلى دعيني فقد شغلني حبك عنك بانصباغ طرفيه بصبغة وهي الوحدة المحظة صبغة الله ومن احسن من الله صبغة اذا علم ان حصول المحبة إنما هو في الاشغال باسمه فاعلم أن أفضل الاذكار ذكر لا إله إلا الله اذ هذه الكلمة مركبة من النفي والاثبات والحجب الحاصلة للعبد إنما هي بواسطة انتقاش الصور الكونية في القلب وفي هذا الانتقاش اثبات الغير ونفي الحق فلا يحصل القرب إلا برفع الحجاب وذلك بإثبات الحق ونفي الغبر كما هو المفهوم من هذه الكلمة الطيبة فالمبتدي اذا اراد أن يشتغل بها فليقصر امله وليحصر حياته في النفس الذي هو فيه وفي هذا PageV01P555 النفس الذي تيقنه آخر انفاسه أن يشتغل بالذكر المذكور وطريقه أن ينحى عن قلبه غير الحق بقول لا إله ويلاحظ الحق عز وجل بالمعبودية والمحبوبية في قول إلا الله بحيث يضمر في قلبه كل مرة يقولها أن لا معبود إلا الله وليكن اشتغاله بالذكر منزها عن الترك وتطرق الفتور فإذا عرضته فغلة فليعتقد من باب التمثيل إن كان معه در ثمين عديم النظير وهو الآن ضالة فيتحزن لذلك بلا ريب كذلك يتحزن من فوات الحالة المذكورة وهذا التحزن علامة تأثر القلب عن الذكر فإذا دام على هذه الحالة يصل إلى مقام لو ترك الذكر بلسانه فالقلب مشغول به ولكن لا يكتفي بذلك بل يستوعب اوقاته للاشتغال به على القاعدة المقررة للنقشبندية من الصاق اللسان بالحنك الأعلى وحبس النفس في السرة ورعاية الحركات الثلاث مبتديا من السرة ومنتهيا إلى القلب والحركة الوسطى إلى المنكب الأيمن في النفي والاثبات إلى أن يصل مرتبة يغلب ذكر الحق على سائر الأشياء ويداوم على الذكر حتى يتدارج إلى انفراد حقيقة القلب بالمذكور لاستيلاء سلطان المحبة عليه فلا يبقى في القلب محبة الغير فيتحقق تعلقه بالحق فيستوي على عرشه الأعظم متكلما سميعا بصيرا مريدا قديرا وحصول هذه السعادة للقلب إنما هو لأن الله تعالى خلق القلب بحيث ما يمكنه إلا أن يكون متعلقا بشيء فإذا انقطع تعلقه عن الغير بالطريق المذكور لم يبق إلا انه يتعلق بالحق سبحانه اراد العبد أو لم يرد وفي هذه المرتبة يصير الذكر صفة ذاتية للقلب وحقيقة الذكر التي هي منزهة عن الحرف والصوت تتحد مع جوهر القلب المعبر عنه بالنكتة الذاتية فيحيط الحبيب بفضاء القلب بعد إحاطة ذكره بالفضاء المذكور وشتان ما بين الاحاطتين فإن احاطة الحبيب بقضاء القلب إنما هي نتيجة المحبة المفرطة المسماة بالعشق فيترقى من هذا المقام إلى أن يفنى الوجود الموهوم في الوجود الحقيقي فيصير الذاكر عين المذكور وتتبدل الذاكرية بالمذكورية فيظهر للذاكر في حقيقة قولهم لا يذكر الله الا الله واذا حكم بفناء وجوده الموهوم فيحكم بفناء جميع الأشياء الموهومة أيضا فيتجلى له قوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه ويكشف جمال قوله لمن الملك اليوم لله الواحد القهار عن وجهه برافع الاستتار فيكون موحدا حقيقيا كما قال (شعر) ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد توحيد اياه توحيده ... ونعت من ينعته لاحد ففي البيتين إشارة إلى حصول هذه المرتبة العليا لخواص عباده في دار الدنيا وكانت المتابعة سبب حصول هذه المرتبة العلية فمن اراد هذا التحصيل فليجالس من يوافق ظاهره الشريعة المحمدية وباطنه بواسطة المتابعة في المراتب المذكورة مظهرا للكمالات اذ القلب مجبول على التأثر من الجليس أن خيرا فخير وان شرا فشر بحيث لو جلس أحد مع محزون يتأثر من حزنه واذا جلس مع مسرور يتأثر من مسرته وان جالسهما يتمكن فيه الصقتان وهذا من كمال قابلية القلب ولو لا هذه القابلية لما حصلت له الكمالات المذكورة فمن جالس هذه الطائفة يتأثر باطنه عن باطنهم فيميل قلبه إلى الحق جل وعلا وبمقدار ميله ينقطع عما سواه وبمقدار انقطاعه يزيد الميل فازدياد الميل سبب ازدياد الانقطاع وازدياد الانقطاع سبب لميل آخر وهلم جرا إلى أن لا يبقى له ميل إلى الغير وربما يحصل هذا الحال لبعض ارباب القابلية في صحبة هذه الطائفة بنظرة واحدة فينقطع قلبه عن غير الله ويتوجه بكلية قلبه إلى ربه ومولاه وهذا هو الوصول في مرتبة من المراتب ولكن الثبات على هذه الحالة مشكل لا يعرفه الا ارباب معاملة القلب وقد يحصل هذه السعادة للسالك في صحبة أهل الله وما يشعر بها لضعف استعداده والثبات عليه منوط بدوام PageV01P556 الصحبة وحفظ شرائطها وآدابها ظاهرا وباطنا فإن ترك ادبا من تلك الآداب بعد عن قلوبهم وسقط عن اعينهم فلا يبقى له تلك الحالة التي فاضت على قلبه بواسطتهم لانتهاء الرابطة بينه وبينهم. ورأينا كثيرا من الناس حصل لهم التأثير التام من صحبة هذه الطائفة فما قدروا على رعاية الآداب فزال الذوق المذكور (شعر) عناية أهل الله لو لا تواتر ... على الخلق لا سودت صحائفهم وزرا ولكنهم أهل لكل جميلة ... فيعفون عنا ما نقول لهم عذرا جعلنا الله ممن سبقت لهم العناية فلا تضرهم كثرة الجرم والجناية ووفقنا لقبول الصدق من قائله ودر الحق إلى رسائله ذوقنا رحيق التحقيق من كؤس التوفيق فلا نشرد عن كلام أهل الله بل نستقبله بالصدق والتصديق فطوبى لمن كان قابليته قابلة لقبول الهداية مثل الصديق فينفق الله ما عنده من المال ولا يخشى من ذى العرش الفاقة والأقلال وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بانفاق الأموال انفق ابو بكر رضي الله عنه جميع ماله فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه كساء مربوط طرفاه بشوكة النخل فسأله النبي ع م ما إدخرت لعيالك قال الله ورسوله ثم اتى جبريل في زي الصديق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أن الله أمر أهل السموات كلها أن يوافقوا ابا بكر في زيه كرامة له اللهم وفقنا وسائر المسلمين لموافقته والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ثم الحمد لله على الا تمام والصلاة والسلام الكملان على خبر الأنام وآله وصحبه البررة الكرام (تمت الفقرات) (للشاذنى قدس سره) اللهم اعلني على فرش أمنك بمنك واحرسني بحارس حفظك وصونك وردني برداء الهيبة واجلسني على سرير العظمة وتوجني بتاج البهاء وانشر على لواء العز واملأ باطني خشية ورحمة وظاهرى عظمة وهيبة ومكني ناصية ناصية كل جبار عنيد وشيطان مريد واعصمني وايدني في القول والعمل برحمتك يا ارحم الراحمن وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم من قال بقلبه ولسانه دستور يا أصحاب الوقت اردس واوعظ بحكم النيابة عنكم أمن عن ارتحاج الكلام عليه في ذلك المجلس وامدوه كلهم بالعلوم والمعارف شعر أو لم يشعر، قصيدة للشيخ ناصر الدين المشهور بابن بنت الميلق رحمه الله تعالى (بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) من ذاق طعم شراب القوم يدريه ... ومن دراه غدا بالروح يشريه ولو تعوض أرواح جاد بها ... في كل طرفة عين لا يساويه وقطرة منه تكفي الخلق لو طعموا ... فيشطحوا على الأكوان بالتيه وذو الصبابة لو يسقى على عدد ... الأنفاس والكون كأسا ليس يرويه يروى ويظمأ ما ينفعك شاربه ... يصحو ويسكر والمحبوب يسقيه في ريه ظمأ والصحو يسكره ... والوجد يظهره طورًا ويخفيه يبدو له السر من آفاق وجهته ... وليس الإله منه تبديه له الشهادة غيب والغيوب له ... شهادة والفناء المحض يبقيه له لدى الجمع فرق يستضيء به ... كالجمع في فرقة مازال يلقيه يدنو ويعلو ويرنو وهو مصطلح ... في الحالتين بتميز وتوليه له الوجودات أضحت طوع قدرته ... وما يشاء من الأطوار يأتيه للقوم سر مع المحبوب ليس له ... حد وليس سوى المحبوب يحصيه به تصرفهم في الكائنات فما ... يشاء شاؤا وما شاؤه يقضيه إن كنت تعجب من هذا فلا عجب ... لله في الكون أسرار ترى فيه لا شيء في الكون إلا هو ذو أثر ... فما المؤثر غير الله قاضيه ليس التضادد مناعا لقدرته ... من حيث تأتي تعاليه وإنما من وجوه الحادثات له ... تمنع في محل الظل يحويه وللفقير [ص: 557] وجوه ليس يحصرها ... عدو كل وجود فهو واديه PageV01P557 لو كنت تدري وجود العبد كنت ترى ... فيه الكمال كما النقصان تنفيه والعبد هذا هو الحر الذي حصلت ... له الخلافة جل الله معطيه أوصافه ظهرت من وصف مبدعه ... وكل مظهره يبدى نجليه إذا رؤى ذكر المولى برؤيته ... وفاز بالسعد والتقريب رائيه عبد عليه سمات العز لائحة ... وخلعة العز والتحكيم عاليه إن كنت تقصد أن تحظى بصحبته ... فاسلك على سنن طابت مساعيه أخلص ودادك صدقا في محبته ... وألزم ثرى بابه وأعكف بناديه واستغرق العمر في آداب صحبته ... وحصل الدر والياقوت من فيه وابذل فؤادا في أوامره ... إلى الوفاق وبادر في مراضيه واحذر بجهدك أن تأتي ولو خطأ ... مالا يحب وباعد عن مناهيه وكن محب محبيه وناصرهم ... وألزم عداوة من أضحى يعاديه والعلم يقينا أن الله ناصره ... إن لم يكن ناصر فالله يكفيه وانزل الشيخ في أعلى منازله ... واجعله قبلة تعظيم وتنزيه ولست تفعل هذا ا ظننت به ... نقصا ولا خللا فيما يعانيه واترك مرادك واستسلم له أبدا ... وكن كميت تحلى في أياديه اعدم وجودك لا تشهد له أثرا ... ودعه يهدمه طورا ويبنيه متى رأيتك شيئا كنت محتجبا ... برؤية الشيء عما أنت ناويه ولا ترى أبدا عنه غنى فمتى ... رأيت عنه غنى يخشى تناسيه إن اعتقادك ان لم تأت غايته ... فيه فيوشك إن تخفى مباديه وغاية الأمر فيه أن تراه على ... نهج الكمال وان الله هاديه ومن امارة هذا إن تؤول ما ... عليك أشكل إظهار لخافيه والمرء إن يعتقد شيئًا وليس كما ... يظنه لم يخب فالله معطيه وليس ينفع قطب الوقت ذا خلل ... في الاعتقاد ولا من لا يواليه ونظرة منه إن صحت إليه على ... سبيل ود بإذن الله تغنيه والناس عبدان مجذوب وسالك ما ... دعا إليه بتعليم وتنبيه والجذب أخذة عبد بغتة بيدي ... عناية نحو أمر ليس ينويه هو المراد ومخطوب العناية لا ... يحس كلفة تكليف تلاقيه طور أيرد عليه الحسن تكملة ... له فيقصد ما قد كان ناويه تراه يعبد لا يلوى على شغل ... سوى العبادة يستحلى تفانيه وقد يغيب عن الإحساس مختطفا ... وذو العناية حفظ الحق يحميه وترى الحقائق تبدو منه في نسق ... مع الكشوف لأن الله يلقيه وذو السلوك تراه في بدايته ... بجاهد النفس ذا رعى لباقيه يمشي على نهج أهل الصدق ملتزما ... شروطهم خائفا مما يرجيه كم من مريد قضى ما نال بغيته ... حق القضاء عليه في تقاضيه وكم من مريد وليّ من بعد عزمه ... يهوى به الحظ في أهوى مهاويه والجذب إن جاء من بعد السلوك له ... فضل على الجب مما السعي تاليه فالجذب هذا الذي التفضيل فيه هو ... الجذب الذي ظهرت حسا بواديه وفي الحقيقة لولا الجذب ما سلكت ... طريق حق ولا رئيت مرائيه أولا العناية والتخصيص قد سبقا ... في دعوة العبد ما قامت دعاويه إن المريد مراد والمحب هو الـ ... محبوب فأستمل هذا من أماليه إن كان يرضاك عبدا أنت تعبده ... وان دعاك مع التمكين تأتيه ويفتح الباب إكراما على عجل ... ويرفع الحجب كشفا عن تدانيه وثم تعرف ما قد كنت تجهله ... مما عن الحصر قد جلت معانيه وترتوي من شراب الأنس صافية ... يا سعد من يأت مملوء بصافيه وصل يا رب ما غنت مطوقة ... على النبي صلاة منك ترضيه PageV01P558 فهرسة الجلد الاول من تعريب المكتوبات الشريفة الموسوم بدرر المكنونات النفيسة خطبة الكتاب 5 المكتوب الاول إلى شيخه في الأحوال المناسبة للاسم الظاهر 13 المكتوب الثاني اليه أيضا في حصول الترقى والتحدث بالنعمة 15 المكتوب الثالث والرابع اليه أيضا في فضائل رمضان الخ 16 - 17 المكتوب الخامس والسادس اليه أيضا في الفناء والبقاء الخ 18 - 19 المكتوب السابع اليه أيضا في أحواله الغريبة الخ 20 المكتوب الثامن في أحوال البقاء والصحو اليه أيضا 22 المكتوب التاسع اليه أيضا في أحوال النزول 23 المكتوب 10 و 11 في بعض كشوفاته اليه أيضا 26 - 27 المكتوب 12 و 13 في بيان علموم الطريقة والشريعة اليه أيضا 32 - 33 المكتوب 14 في بعض كشوفاته اليه ياضا 34 المكتوب 15 في الأحوال المناسبة للنزول الخ اليه أيضا 35 المكتوب 16 في أحوال العروج والنزول اليه أيضا 37 المكتوب 17 و 18 في التمكين ومراتب الولايات الخ 39 - 40 المكتوب 19 و 20 إلى شيخه المعظم 43 - 44 المكتوب 21 الشيى محمد المكى في درجات الولاية الخ 44 المكتوب 22 في الشيخ عبد المجيد اللاهورى في أحوال الروح والنفس 45 المكتوب 23 إلى خان خانان في منع اتخاذ الشيخ الناقص 47 المكتوب 24 إلى محمد قليج خان في المحبة الذاتية ودرجات الأولياء 49 المكتوب 25 إلى خواجه جهان في التحريض على متابعة سيد المرسلين 50 المكتوب 26 إلى الشيخ محمد اللاهورى في ان الشوق للابرار الخ 51 المكتوب 27 إلى الخواجه عمك في مدح الطريقة النقشبندية 52 المكتوب 28 إلى خواجه عمك في بيان علو الحال 53 المكتوب 29 إلى الشيخ نظام التانيسرى في بعض النصايح 54 المكتوب 30 اليه أيضا في بيان الشهود الآفاقى والنفسى 56 المكتوب 31 إلى الشيخ صوفى في حقيقة التوحيد الوجودى الخ 59 المكتوب 32 إلى المرزا حسام الدين أحمد في كمالات الصحابة 64 المكتوب 33 إلى الشيخ محمد اللاهورى في ذم العملاء السوء الخ 67 المكتوب 34 اليه أيضا في الجواهر الخمسة الامرية 70 المكتوب 35 في بيان المحبة الذاتية 71 المكتوب 36 اليه أيضا في ان الطريقة والحقيقة خادمتان الخ 72 المكتوب 37 إلى الشيخ الجترى في التحريض على متابعة السنة السنية 73 المكتوب 38 إلى محمد الجترى في الأحوال المتعلقة بالذات البحت 74 المكتوب 39 إلى محمد الجترى في بيان ان مدار الامر على القلب 77 PageV01P559 المكتوب 40 إلى محمد الجترى في بيان تحصيل الاخلاص 77 المكتوب 41 إلى الشيخ درويش في اتباع السنة وبيان الطريقة 79 المكتوب 42 إلى الشيخ محمد المذكور في بيان ان افضل المصاقيل لازالة صداء محبة الخ 80 المكتوب 43 اليسد فريد في التوحيد الوجودى والشهودى 81 المكتوب 44 اليه أيضا في مدح النبى صلعم واتباع سنته 84 المكتوب 45 اليه أيضا في التشكر على خدمة الفقراء 86 المكتوب 46 اليه أيضا في ان وجود الحق ووحدانتيه بديهى الخ 89 المكتوب 47 اليه أيضا في التحريض على تقوية الشريعة 90 المكتوب 48 اليه أيضا في تعظيم العملاء وطلبة العلوم 91 المكتوب 49 إلى المذكور أيضا في التحريض على الجمع 92 المكتوب 50 في مذمة الدنيا الدنية 93 المكتوب 51 إلى المذكور أيضا في الترغيب في ترويج الشريعة 93 المكتوب 52 اليه أيضا في ذم النفس وعلاجها 94 المكتوب 53 اليه أيضا في ان اختلاف العلماء السوء موجب للفساد 96 المكتوب 54 اليه أيضا في التحذير من صحبة المبتدع 97 المكتوب 55 السيد عبد الوهاب البخارى في اظهار المحبة 99 المكتوب 56 إلى الشيخ عبد الوهاب أيضا 99 المكتوب 57 إلى الشيخ محمد يوسف في النصيحة 99 المكتوب 58 إلى السيد محمود في بيان الطريقة النقشبندية الخ 100 المكتوب 59 اليه أيضا في ان النجاة مربوطة بامور ثلاثة الخ 102 المكتوب 60 اليه أيضا في دفع الخواطر والوساوس 105 المكتوب 61 اليه أيضا في التحريض على صحبة الكامل والمنع عن صحبة الناقص 105 المكتوب 62 إلى جناب المرزا حسام الدين في بيان الجذبة الخ 105 المكتوب 63 السيد فريد في ان الانبياء متفقون في اصول الدين 107 المكتوب 64 اليه أيضا في التلذذ الجسمانى والروحانى والصبر على المصائب 109 المكتوب 65 إلى الخان الاعظم في التحريض على تقوية الملة 110 المكتوب 66 اليه أيضا في مدح النقشبندية والتحريض على الصحبة 112 المكتوب 67 اليه أيضا في استحسان تواضع الغنى واستغناء الفقير 113 المكتوب 68 إلى المذكور أيضا في بيان ان التواضع يستحسن الخ 113 المكتوب 69 و 70 اليه أيضا في مدح اهل السنة وجامعية الانسان 114 - 115 المكتوب 71 إلى ميرزا داراب في وجوب شكر المنعم وكيفيته 116 المكتوب 72 إلى الخواجه جهان في بيان ان جمع الدين مع الدنيا متعسر 117 المكتوب 73 إلى قليج الله في ذم الدنيا والتحريض على الخيرات 118 المكتوب 74 إلى ميرزا بديع في محبة الفقارء واتباع الشريعة 123 المكتوب 75 إلى المرزا بديع الزمان أيضا في التحريض على متابعة سيد الكونين 124 المكتوب 76 إلى قليج خان في مدح الورع والاقتصاد 124 المكتوب 77 إلى جبارى خان في بيان كمالات النبوة والولاية 126 PageV01P560 المكتوب 78 اليه أيضا في بيان السفر في الوطن واتباع الشريعة 127 المكتوب 79 اليه أيضا في ان شريعتنا جامعة لجميع الشرائع 129 المكتوب 80 إلى الحكيم فتح الله في مدح اهل السنة وذم غيرهم 130 المكتوب 81 إلى لالابك في التحريض على ترويج الاسلام الخ 133 المكتوب 82 إلى اسكندر خان اللود في بيان ان سلامة القلب لا تتصور الخ 133 المكتوب 83 إلى بهادر خان في التحريض على الجمع بين جمعيتى الظاهر والباطن 134 المكتوب 84 السيد أحمد القادرى في اتحاد الشريعة والطريقة 134 المكتوب 85 إلى المرزا فتح الله الحكيم في التحريض على اتيان الاعمال الصالحة 135 المكتوب 86 إلى شخص من حكام بعض القصبة في بيان سلامة القلب عما سواه تعالى 136 المكتوب 87 إلى بهلوان محمود في بيان سعادة من قبله أولياء الله تعالى 137 المكتوب 88 إلى المذكور أيضا في بيان فضيلة الشيب في الايمان والصلاح الخ 137 المكتوب 89 إلى المرزا على جان في العزية 137 المكتوب 90 إلى خواجه قاسم في التحريض على التوجه إلى الحق سبحانه الخ 138 المكتوب 91 إلى الشيخ الكبير في بيان ان تصحيح العقائد الخ 138 المكتوب 92 إلى المذكور أيضا في بيان اطمئنان القلب إنما هو بالذكر 139 المكتوب 93 إلى اسكندر خان اللودى في التحريض على صرف الاوقات الخ 139 المكتوب 94 إلى خضر خان اللودى في بيان انه لا بد للانسان من تصحيح الخ 140 المكتوب 95 السيد بجواره في جامعية الانسان والقلب 140 المكتوب 96 إلى محمد شريف في المنع عن التسويف والتحريض على الاستقامة 142 المكتوب 97 إلى الشيخ درويش في ان المقصود هو حصول اليقين 143 المكتوب 98 إلى عبد القادر في التحريض على الرفق وترك العنف 144 المكتوب 99 إلى الملا حسن الكشميرى في بيان اجتماع الحضور مع النوم 146 المكتوب 100 اليه أيضا في جواب سواله عن قول عبد الكبير اليمنى 148 المكتوب 101 إلى الملا حسن الكشمير أيضا في الرد على جماعة تعرضوا لاهل الكمال الخ 150 المكتوب 102 إلى الملا مظفر في ان المحرم في الربا هو مجموع الفضل ورأس المال 151 المكتوب 103 إلى السيد فريد في بيان معنى العافية وطلب القاضى لبلد سرهند 152 المكتوب 104 في قضاة بعض القصبة في التعزية 153 المكتوب 105 إلى الحكيم عبد القادر في بيان ان المريض ما لم يصح الخ 153 المكتوب 106 إلى محمد صادق الكشميرى في بيان ان محمة هذه الخ 154 المكتوب 107 إلى محمد صادق الكشميرى في اجوبة اسئلته والفوائد 154 المكتوب 108 اليسد أحمد في بيان ان النبوة افضل من الولاية الخ 157 المكتوب 109 إلى الحكيم صدر في بيان سلامة القلب ونسيانه ما دون الحق سبحانه 158 المكتوب 110 إلى الشيخ صدر الدين في بيان ان المقصود من خلق الانسان الخ 158 المكتوب 111 إلى الشيخ أحمد السنبهلى في بيان ان التوحيد عبارة الخ 159 المكتوب 112 إلى الشيخ عبد الجليل في بيان ان المدار في التحقيق الخ 160 المكتوب 113 إلى جمال الدين حسين في بيان الفرق بين جذبة المبتدى الخ 161 المكتوب 114 إلى صوفى قربان في التحريض على متابعة الشريعة 161 المكتوب 115 إلى الشيخ عبد الحق الدهلوى في بيان ان الطريق الذى الخ 162 PageV01P561 المكتوب 116 إلى الملا عبد الواحد اللاهرى في بيان ان سلامة القلب موقوفة الخ 163 المكتوب 117 إلى الملا يار محمد البدخشى القديم في ان القلب تابع للحس الخ 163 المكتوب 118 إلى الملا قاسم على البدخشى في بيان خسارة جماعة الخ 164 المكتوب 119 و 120 إلى مير محمد نعمان في التحريض على صحبة الكاملين 164 - 165 المكتوب 121 إلى المير محمد نعمان أيضا في بيان ان هذا الطريق تقرر الخ 166 المكتوب 122 إلى الملا طاهر البدخشى في التحريض على علو الهمة الخ 166 المكتوب 123 إلى الملا طاهر البدخشى أيضا في بيان ان اداء النفل الخ 167 المكتوب 124 إلى المذكور أيضا في بيان ان الاستطاعة شرط لوجوب الحج الخ 167 المكتوب 125 إلى المير صالح في ان العالم كله مظاهر اسماء الله تعالى الخ 167 المكتوب 126 إلى المير صالح النيسابورى أيضا في بيان انه ينبغى للطالب الاهتمام الخ 169 المكتوب 127 إلى الملا صفر أحمد الرومى في بيان ان خدمة الوالدين الخ 169 المكتوب 128 إلى الخواجه مقيم في الترغيب في علو الهمة الخ 170 المكتوب 129 إلى السيد في بيان ان جامعية الانسان باعثة على تفرقته الخ 170 المكتوب 130 إلى جمال الدين في بيان ان لا اعتبار بتلوينات الأحوال الخ 171 المكتوب 131 إلى الخواجه اشرف الكابلى في مدح النقشبندية الخ 172 المكتوب 132 إلى الملا محمد صديق البدخشى في التحذير عن صحبة ارباب الغنى الخ 173 المكتوب 133 إلى الملا محمد صديق أيضا في بيان اغتنام الفرصة الخ 174 المكتوب 134 إلى الملا محمد صديق أيضا في المنع عن التسويف 174 المكتوب 135 إلى المخلص الصديق محمد صديق في بيان مراتب الولاية الخ 175 المكتوب 136 إلى الملا محمد صديق أيضا في المنع عن التسويف الخ 176 المكتوب 137 إلى الحاج خصر الافغانى في بيان علو شأن الصلاة الخ 176 المكتوب 138 إلى الشيخ بهاء الدين في مذمة الدنيا الخ 177 المكتوب 139 إلى جعفر بك التهانى في بيان جواز هجو جماعة السفهاء الخ 178 المكتوب 140 إلى الملا محمد معصوم الكابلى في بيان ان الالم والمحنة من لوازم المحبة 178 المكتوب 141 إلى محمد قليج في بيان ان العمدة في هذا الامر المحبة والاخلاص 179 المكتوب 142 إلى الملا عبد الغفور السمرقندى في بيان استكثار قليل من نسبة الاكابر 179 المكتوب 143 إلى الملا شمس الدين في بيان اغتنام موسم الشباب الخ 180 المكتوب 144 إلى الحافظ محمود اللاهورى في السير والسلوك 180 المكتوب 145 في ان ابتداء السير من عالم الامر وسر بطء تأثر البعض 181 المكتوب 146 إلى شرف الدين حسين في النصيحة بتكرار الذكر 182 المكتوب 147 إلى الخواجه اشرف في ان الانقطاع مقدم على الاتصال الخ 182 المكتوب 148 إلى الملا صادق الكابلى في بيان ذم صاحب الرى الخ 183 المكتوب 149 إلى الملا صادق الكابلى إيضا في بيان عدم قصر النظر على سبب معين 183 المكتوب 150 إلى محمد قاسم في بيان ان لا مستحق للمطلوبية غير الحق تعالى 184 المكتوب 151 إلى المير مؤمن البلخى في بيان علو شأن الطريقة النقشبندية الخ 184 المكتوب 152 إلى السيد فريد في ان اطاعة الرسول عين اطاعة الله 185 المكتوب 153 إلى الشيخ ميان مزمل في بيان الخلاص التام الخ 186 المكتوب 154 إلى ميان مزمل في بيان ترك النفس والسير اليها 187 PageV01P562 المكتوب 155 إلى الشيخ مزمل أيضا في التحريض على الرجوع إلى اصله 187 المكتوب 156 إلى المذكور أيضا في التحريض على صحبة اهل الله 188 المكتوب 157 إلى الحكيم عبد الوهاب في بيان لزوم اظهار التواضع الخ 188 المكتوب 158 الشيخ حميد البنكالى في بيان تفاوت مراتب الكمال الخ 189 المكتوب 159 إلى شرف الدين حسين البدخشى في التعزية 190 المكتوب 160 في ان المشائخ على ثلاث طوائف الخ 190 المكتوب 161 إلى صالح البدخشى في بيان ان المقصود من طى منازل السلوك الخ 193 المكتوب 162 إلى محمد صديق في فضائل رمضان ومناسبته للقرآن 194 المكتوب 163 إلى السيد فريد في ان الكفر والاسلام ضدان 195 المكتوب 164 إلى الحافظ بهاء الدين في بيان ان فيض الحق تعالى وارد على الخواص والعوام 197 المكتوب 165 اليه أيضا في الترغيب في أتباع الشريعة الخ 198 المكتوب 166 إلى الملا محمد امين في عدم الاغترار بالحياة اليسيرة الخ 200 المكتوب 167 إلى بعض الهنود في الإرشاد إلى الحق 200 المكتوب 168 إلى الخواجه محمد قاسم في مدح النقشبندية الخ 201 المكتوب 169 في بيان قول من قال لشيخه ان دخلت بينى وبين الله الخ 203 المكتوب 170 إلى الشيخ نور في بيان لزوم مراعاة حقوق الخلق الخ 204 المكتوب 171 في الذل والانكسار واتباع السنة 204 المكتوب 172 إلى الشيخ بديع الدين في بعض الأسرار الخاصة 205 المكتوب 173 إلى مير نعمان في أسرار غريبة 207 المكتوب 174 إلى الخواجه اشرف في علو الهمة 208 المكتوب 175 إلى الحافظ محمود في بيان تلوينات الأحوال الخ 209 المكتوب 176 إلى الملا محمد صديق في بيان ان حفظ الاوقات من ضروريات هذا الطريق 210 المكتوب 177 إلى جمال الدين حسين في التحريض على تصحيح العقائد الخ 211 المكتوب 178 إلى المرزا مظفر في تفويض شخص اليه الخ 211 المكتوب 179 إلى المير عبد الله بن المير نعمان في النصيحة 212 المكتوب 180 إلى الخواجه ابى القاسم في الاستغفار عن بعض اسامى المشائخ 212 المكتوب 181 إلى مخدوم محمد صادق في بعض الأسرار 213 المكتوب 182 في كون الخواطر من كمال الايمان 214 المكتوب 183 إلى الملا معصوم الكابلى في النصيحة 215 المكتوب 184 في التحريض على متابعة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ارسله إلى فتح الله 216 المكتوب 185 إلى منصور عرب في تفويض شخص اليه 216 المكتوب 186 إلى المفتى عبد الرحمن في الحث على متابعة السنة الخ 217 المكتوب 187 إلى خواجه اشرف الكابلى في افضلية طريق الرابطة على الذكر بالنسبة إلى المريد 218 المكتوب 188 إلى محمد صديق البدخشى في حل اشكال المسائل التى سأل عنها 219 المكتوب 189 اشى شرف الدين حسين في بيان فضل تذكر الفقراء مع كثرة الخ 219 PageV01P563 المكتوب 190 في الحث على دوام الذكر مع بيان كيفيته 220 المكتوب 191 في الحث على اتباع الشريعة 221 المكتوب 192 إلى الشيخ بديع في بعض الفوائد 222 المكتوب 193 اليد فريد في تصحيح العقائد وتعلم الاحكام 223 المكتوب 194 و 195 إلى صدر جهان في الحث على ترويج الشريعة 225 المكتوب 196 إلى منصور عرب في بيان ان هذا الطريق الذى نحن في صدد الخ 226 المكتوب 197 إلى بهلوان محمد في مدح من تبرد قلبه من الدنيا الخ 227 المكتوب 198 إلى خان خانان في بيان ان المودة الخ 228 المكتوب 199 إلى محمد امين الكابلى في بيان قبول ما التمسه من الورد 228 المكتوب 200 في حل بعض عبارات النفحات إلى الملا شكيبى 229 المكتوب 201 إلى كوجك بيك الحصارى في جواب استفساره 231 المكتوب 202 في ذم من اعرض عن الطريقة بعد الدخول 232 المكتوب 203 في الحث على محبة الصوفية وفى مدحهم 233 المكتوب 204 المير محمد نعمان في النهى عن التأثر من تعرضات المعاندين الخ 234 المكتوب 205 إلى خواجه محمد اشرف في بيان ان ملاك الامر متابعة النبى صلى الله عليه 235 المكتوب 206 إلى الملا عبد الغفور السمرقندى في مذمة الدنيا الخ 235 المكتوب 207 في تأثير القرب السمانى وذم مخالفة الشرع 236 المكتوب 208 إلى المخدوم محمد صادق في سر رؤية السالك نفسه فوق مقامه 237 المكتوب 209 في حل بعض عبارات المبدأ والمعاد إلى مير نعمان 239 المكتوب 210 في حل بعض عبارات النفحات إلى الملا شكيبي 243 المكتوب 211 في بيان لوازم مقام التكميل والإرشاد 246 المكتوب 212 إلى محمد صديق البدخشى في جواب بعض اسئلته وحل واقعة رآها 247 المكتوب 213 إلى السيد فريد في المواعظ والنصائح بالترغيب الخ 248 المكتوب 214 إلى خان خانان في بيان ان الدنيا مزرعة الآخرة الخ 249 المكتوب 215 إلى المرزا داراب في مذمة الدنيا 250 المكتوب 216 في سر كثرة ظهور الخوارق وقلتها 251 المكتوب 217 في جهالة النسبة وسبب خطأ الكشوف وغيره 253 المكتوب 218 إلى الملا داود في بيان لزوم رعاية آداب شيخ الطريقة 256 المكتوب 219 إلى المرزا ايرج في بيان ان اشتغال الانسان بما لا يعنيه الخ 256 المكتوب 220 إلى حميد البنكالى في اغلاط الصوفية الخ 257 المكتوب 221 إلى حسين مانكبورى في خصايص النقشبندية 260 المكتوب 222 في رؤية القصور في الاعمال إلى الخواجه اشرف 266 المكتوب 223 إلى الخواجه جمال الدين في التحريض على اظهار الأحوال لشيخه 267 المكتوب 224 في رعاية الآداب وسائر النصائح 267 المكتوب 225 إلى الملا طاهر في بيان ان في بداية هذا الطريق يحصل ما يحصل في الخ 269 المكتوب 226 إلى اخيه الشيخ محمد في اغتنام الفرصة 270 المكتوب 227 في النصائح المتعلقة بمقام التكميل 271 PageV01P564 المكتوب 228 إلى المير محمد نعمان في بعض النصايخ المتعلقة بمقام التكميل الخ 271 المكتوب 229 في دفع توهم تغبير الطريقة بالتمثيل 272 المكتوب 230 في علو الهمة والاجتهاد في الترقى 273 المكتوب 231 في الفرق بين الوصول والحصول وبيان النعينات الخ 274 المكتوب 232 إلى خان خانان في بيان حقيقة الدنيا الخ 275 المكتوب 233 إلى العالى الجناب الشيخ فريد في بعض النصانخ بحسن الاداء 276 المكتوب 234 في حقيقة الواجب والممكنات وتفسير الله نور السموات والارض الخ 277 المكتوب 235 إلى الملا عبد الغفور وحاجى بيك والخواجه اشرف الكابلى في بيان ان محبة هذه الطائفة رأس كل سعادة دنيوية واخروية وما يناسبه 286 المكتوب 236 إلى المخدوم محمد صادق في بعض الأسرار 287 المكتوب 237 إلى الملا محمد طالب في الترغيب في متابعة السنة السنية الخ 287 المكتوب 238 إلى المير محمد نعمان في الحث على تكثير الاخوان الخ 288 المكتوب 239 إلى الملا أحمد البركى في جواب استفساراته 289 المكتوب 240 إلى الشيخ يوسف الكبرى في بيان عدم نهاية هذا الطريق الخ 290 المكتوب 241 إلى مولانا محمد صالح في بيان ترقى بعض الاصحاب 291 المكتوب 242 إلى الملا ايوب المحتسب في الترغيب في الطريقة النقشبندية الطية 291 المكتوب 243 في الحث على الطريقة النقشبندية 292 المكتوب 244 إلى الملا محمد صالح الكولابى في جواب كتابه 293 المكتوب 245 إلى الملا صالح في جواب استفساراته 294 المكتوب 246 إلى مير نعمان في حصول بعض الأحوال الخ 295 المكتوب 247 إلى المرزا حسام الدين في بيان ان الدليل على وجود الحق سبحانه الخ 296 المكتوب 248 في كمالات الكمل وانهم ادون من الانبياء الخ 296 المكتوب 249 إلى المرزا داراب في فضائل اتباع النبى صلى الله عليه وسلم الخ 297 المكتوب 250 إلى الملا أحمد البركى في جواب استفساراته 298 المكتوب 251 في فضائل الخلفاء الراشدين والصحابة 299 المكتوب 252 إلى الشيخ بديع الدين في جواب استفساراته 305 المكتوب 253 في مقامات الطريق ومنازله 306 المكتوب 254 إلى املا أحمد البركى في جواب استفساراته 307 المكتوب 255 إلى الملا طاهر اللاهورى في التحريض على احياء السنة السنية الخ 307 المكتوب 256 في بيان القطب والغوث والخليفة 308 المكتوب 257 في بيان الطيرق على سبيل الاجمال 311 المكتوب 258 إلى شرف خان في بيان اقربيته تعالى وتقدس 312 المكتوب 259 إلى المخدوم محمد سعيد في فوائد بعثة الرسل الخ 313 المكتوب 260 إلى المخدوم محمد صادق في بيان الطريقة والولاية الثلاث الخ 315 المكتوب 261 في فضائل الصلاة وكمالاتها الخ 332 المكتوب 262 إلى مولانا محب على في بيان ان ارتباط النقشبندية الخ 335 المكتوب 263 في كمالات الكعبة المعظمة 335 المكتوب 264 في ان اصالة النسبة في الحيرة والجهالة الخ 337 PageV01P565 المكتوب 265 في التحذير عن تضييع حقوق الغير بالعزلة 338 المكتوب 266 إلى ولدى شيخه في الاعتقاديات ورد الملاحدة وفى بعض النصائح الخ 339 المكتوب 267 في الأسرار والدقائق المختصة به 363 المكتوب 268 في بيان كون العلماء ورثة الانبياء والعلم الذى ورثوه 364 المكتوب 269 إلى مرتضى خان في الترغيب في ايصال الاهانة إلى اعداء الدين الخ 366 المكتوب 270 إلى الشيخ نور محمد في بيان ترجيح بعض الصحبة على العزلة 366 المكتوب 271 إلى الشيخ حسن البركى في حل استفساره عن الواقعة التى رآها 367 المكتوب 272 في الايمان الغيبي والشهودى والتوحيد الوجودى الخ 367 المكتوب 273 في لزوم انقياد المريد لشيخه 378 المكتوب 274 إلى الشيخ يوسف البركى في الحث على علو الهمة الخ 381 المكتوب 275 في التحريض على تعليم العلوم الشرعية 382 المكتوب 276 في بيان محكمات القرآن ومتشابهه 383 المكتوب 277 في بيان اليقينات الثلاث 386 المكتوب 278 إلى الملا عبد الكريم السنامى في بيان انه لا بد لكل انسان بعد الخ 388 المكتوب 279 إلى الملا حسن الكشميرى في اداء شكر نعمة دلالته اياه على الطريقة الخ 389 المكتوب 280 إلى الحافظ محمود في بيان ان محبة هذه الطائفة رأس مال السعادة الخ 390 المكتوب 281 إلى المير محمد نعمان في بيان شكر نعمة الانتساب إلى سلسلة الطريقة الخ 390 المكتوب 282 في ملاقاته الخضر والياس 391 المكتوب 283 إلى الصوفى قربان في بيان ان رؤية النبى صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الخ 392 المكتوب 284 إلى الملا عبد القادر الانبالى في بيان ان الأحوال والمواجيد نصيب عالم الامر 393 المكتوب 285 في احكام السماع والوجد الخ 394 المكتوب 286 في اتباع العلماء في جميع الاحكام 400 المكتوب 287 في بيان الجذبة والسلوك 404 المكتوب 288 في المنع عن اداء النوافل بالجماعة 418 المكتوب 289 في أسرار القضاء والقدر 421 المكتوب 290 في بيان الطريق النقشبندية المجددية 423 المكتوب 291 في مراتب التوحيد الوجودى والشهودى 235 المكتوب 292 في الآداب الضرورية للمريدين 439 المكتوب 293 في الاجوبة المفيدة لاسئلة بعض المشائخ 443 المكتوب 294 في مبادى تعينات الانياء الخ 446 المكتوب 295 في بعض اصطلاحات النقشبندية 451 المكتوب 296 إلى المخدوم الخواجه محمد سعيد في بساطة صفات الحق جل وعلا الخ 453 المكتوب 297 إلى مولانا بدر الدين في تحقيق احاطة الحق وسريانه سبحانه وتعالى الخ 454 المكتوب 298 إلى السيد محب الله في بيان الوصول إلى نهاية الامر الخ 455 المكتوب 299 إلى الشيخ فريد الرابهولى في التعزية الخ 455 PageV01P566 المكتوب 300 إلى المخدوم زاده في بيان الأسرار الغامضة الخ 456 المكتوب 301 في قرب النبوة والولاية 457 المكتوب 302 في فرق الولايات الثلاث وخصائص النبوة 459 المكتوب 303 إلى الحاج يوسف الكشميرى في بيان معاى كلمات الاذان 463 المكتوب 304 في الاعمال الصالحة وأسرار الصلاة إلى عبد الحى في بيان الاعمال الصالحة الخ 464 المكتوب 305 إلى المير محب الله في بيان أسرار الصلاة الخ 465 المكتوب 206 في وفاة المخاديم ومناقبهم 467 المكتوب 307 إلى مولانا عبد الواحد في بيان معنى الكلمة الطيبة الخ 468 المكتوب 308 إلى مولانا فيض الله في بيان معنى قوله صلى الله عليه وسلم الخ 470 المكتوب 309 إلى مولانا محمد الفركتى في بيان المحاسبة اليومية والليلية كما الخ 470 المكتوب 310 في بيان الأسرار الغامضة 471 المكتوب 311 في بيان الأسرار الغامضة أيضا 473 المكتوب 312 في الاجوبة المفيدة لبعض الاسئلة 474 المكتوب 313 إلى الخواجه محمد هاشم في حل اسئلة كتبها الخ 478 ... PageV02P001 [المجلد الثاني] المكتوبات للإمام العَالم الربّاني المجدد للألف الثاني أحمد الفَاروقي السّرهَندي PageV02P004 ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الجزء الثاني من معرّب المكتوبات الشّريفة الموسوم بالدّرر المكنونات النّفيسة للفقير المحتاج إلى لطف ربّ العباد محمّد مراد المنزلويّ تولّدا المكّيّ توطّنا عرّبتها رجاء أن ينتفع بها إخوان طريقتنا الذين لا معرفة لهم باللّغة الفارسيّة الّتي هي أصلها والتّركيّة الّتي هي ترجمتها وأسأل الله سبحانه أن يجعل خالصا لوجهه الكريم وأن يجيرني به من العذاب الاليم إنّه رؤف رحيم للمؤلّف المعرّب اللّاشي أموت ويبلى أعظمي في المقابر ... وسوف أرى ما قد حوته الدفاتر فرمت ادّخارا بعد موتي من الدعا ... فأبقيت تذكارا لشاج خواطري PageV02P005 ما شاء الله بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حمدا طيّبا مباركا فيه وعليه كما يحبّ ربّنا ويرضى * والصّلاة والسّلام الاتمّان الاكملان على حبيبه محمّد وآله وأصحابه وأهل بيته وكمّل ورثته وسائر من اتّبع الهدى * وعلى جميع الانبياء والمرسلين * والملائكة المقرّبين * كما يليق بعلوّ شأنهم ويحرى. (أمّا بعد) فهذه مكاتيب متضمّنة لعلوم غريبه * ومعارف عجيبه * وأسرار لطيفه * ودقائق شريفه * ما تكلّم بها أحد من العرفاء * وما أشار إليها واحد من الأولياء (1) * مقتبسة من مشكاة أنوار النّبوّه * للإمام الهمام قدوة العلماء الرّاسخين * المشرّف بتشريفات سيّد المرسلين * صاحب الولاية (2) الاصليّه * مخزن الأسرار الإلهيّه * واقف دقائق المتشابهات القرآنيّه * الآية العجيبة من الآيات الرّحمانيّة * مجدّد الالف الثاني شيخنا وإمامنا الشّيخ أحمد الفاروقيّ سلمه الله سبحانه على رؤوس العالمين * ولمّا بلغ مكتوبات الجلد الأوّل ثلاثمائة وثلاثة عشر مكتوبا قال حضرة شيخنا: «لنختم على هذا العدد فإنّه موافق لعدد الانبياء المرسلين صلوات الله تعالى على نبيّنا وعليهم وموافق أيضا لعدد أهل بدر رضوان الله تعالى عليهم أجمعين " فختم على ذلك العدد تبرّكا به وتيمّنا ثمّ صدرت بعد ذلك مكاتيب قدسيّة * فصار حضرة المخدوم زاده صاحب المعارف ومنبع الحقائق * مظهر الفيوضات الإلهيّة * ومصدر الأسرار اللا متناهية * جامع العلوم الظاهريّة والباطنيّة (3) الشّيخ مجد الدين الخواجه محمّد معصوم (4) سلّمه الله تعالى وأبقاه وأوصله إلى غاية ما يتمنّاه باعثا على جمع هذه المكاتيب فكان أقلّ خدّام ذلك الجناب أضعف عباد الله الباري عبد الحيّ بن الخواجه ?اكر الحصاريّ غفر الله تعالى ذنوبه وستر عيوبه وأحسن خاتمته متصدّيا لجمع هذه المكاتيب حسب إشارته الشّريفة هو الله الموفّق وعليه التّكلان. PageV02P006 (1) المكتوب الأوّل إلى الشّيخ عبد العزيز الجونفوريّ في بيان تحرير مذهب الشّيخ محيي الدين بن العربيّ (1) قدّس سرّه في مسألة وحدة الوجود وما هو مختار حضرة شيخنا سلّمه الله تعالى فيها بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي جعل الإمكان مرآة للوجوب وصيّر العدم مظهرا للوجود والوجوب والوجود وإن كانا صفتي كماله سبحانه فهو تعالى وراء جميع الاسماء والصّفات ووراء الشّئون والاعتبارات ووراء الظّهور والبطون ووراء البروز والكمون ووراء التّجليّات (2) والظّهورات ووراء المشاهدات (3) والمكاشفات (4) ووراء كلّ محسوس ومعقول ووراء كلّ موهوم ومتخيّل فهو سبحانه وتعالى وراء الوراء ثمّ وراء الوراء ثمّ وراء الوراء. (شعر) PageV02P007 وما أبديك من طيري علامه ... وأضحى مثل عنقاء وهامه وللعنقاء بين النّاس إسم ... وليست لاسم طيري استدامه فلا يصل حمد حامد إلى جناب قدس ذاته بل منتهى جميع الحامدين سرادقات عزّته فهو الذي أثني على نفسه وحمد ذاته بذاته فهو سبحانه الحامد والمحمود وما سواه عاجز عن أداء الحمد المقصود وقد عجز عن حمده سبحانه من هو حامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم ومن دونه وهو أفضل البرايا وأكملهم ظهورا وأقربهم منزلة وأجمعهم كمالا وأشملهم جمالا وأتمّهم بدرا وأرفعهم قدرا وأعظمهم أبهة وشرفا وأقومهم دينا وأعدلهم ملّة وأكرمهم حسبا وأشرفهم نسبا وأعرفهم بيتا لولاه لما خلق الله سبحانه الخلق ولما أظهر الرّبوبيّة وكان نبيّا وآدم بين الماء والطّين وإذا كان يوم القيامة كان هو إمام النّبيّين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم الذي قال: «نحن الآخرون ونحن السّابقون يوم القيامة وإنّي قائل قولا غير فخر وأنا حبيب الله وأنا خاتم النّبيّين ولا فخر وأنا أوّل النّاس خروجا إذا بعثوا وأنا قائدهم إذا وفدوا وأنا خطيبهم إذا نصتوا وأنا مستشفعهم إذا حبسوا وأنا مبشّرهم إذا يئسوا والمفاتيح يومئذ بيديّ» (1). (شعر) در قافله كه اوست دانم نرسم ... اين بسكه رسد ز دور بانك جرسم ترجمة: كيف اللّحاق بركب وهو قائدهم ... يا نعم أن جاء من بعد صدا جرسه صلوات الله سبحانه وتسليماته تعالى وتحيّاته عزّ شأنه وبركاته جلّ برهانه عليه وعلى جميع إخوانه من النّبيّين والمرسلين والملائكة المقرّبين وعلى أهل الطاعة أجمعين صلاة وسلاما وتحيّة وبركة هو لها أهل وهم لها أهل كلّما ذكره الذاكرون وكلّما غفل عن ذكره الغافلون وبعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات وإرسال التّحيّات (ليعلم) أنّ الصّحيفة الشّريفة المرسلة إلى هذا الفقير (2) بلغها أخي الاعزّ الشّيخ PageV02P008 محمّد طاهر فطاب الوقت وحصل السّرور وحيث كانت متضمّنة لحقائق أرباب الكشف (1) والشّهود (2) ومعارفهم زادت الفرح على الفرح جزاكم الله سبحانه فصار الفقير أيضا باعثا على التّصديع بإيراد كلمات في البين من أذواق (3) هذه الطائفة العليّة ومذاقهم على وفق ما في صحيفتكم. (أيّها المخدوم) إن من المعلوم أن الوجود مبدأ كلّ خير وكمال والعدم منشأ كلّ نقص وشرّ وزوال فيكون الوجود ثابتا للواجب والعدم يكون نصيب الممكن حتّى يكون جميع الخير والكمال عائدا إليه تعالى وكلّ نقص وشرّ راجعا إلى الممكن وإثبات الوجود للممكن وإرجاع الخير والكمال إليه إشراكه في الحقيقة به سبحانه في ملكه وملكه جلّ سلطانه وكذلك القول بعينيّة الممكن للواجب تعالى شأنه وجعل صفاته وأفعاله عين صفاته وأفعاله سبحانه إساءة أدب وإلحاد في أسمائه وصفاته تعالى وأين المجال للكنّاس الخسيس المتّسم بالنّقص والخبث الذاتيّ أن يتصوّر نفسه عين سلطان ذي شأن منشإ كلّ خيرات وكمالات؟! ويتوهّم صفاته وأفعاله الذميمة عين صفاته وأفعاله الجميلة. وعلماء الظاهر أثبتوا للممكن (4) وجودا وجعلوا وجود الواجب (5) تعالى ووجود الممكن من أفراد مطلق الوجود وغاية ما في الباب أنّهم قالوا بأقدميّة وجود الواجب وأولويّته بناء على قضيّة التّشكيك (6) PageV02P009 وهذا المعنى موجب لتشريك الممكن للواجب تعالى في الكمالات والفضائل النّاشئة من الوجود - تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا - وقد ورد في الحديث القدسيّ: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري» (1) فلو كان لعلماء الظاهر تنبّه لهذا المعنى لما أثبتوا للممكن وجودا أصلا ولما أعطوا له الخير والكمال الذين هما مختصّان به سبحانه باعتبار اختصاص الوجود به تعالى رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (2) وأكثر الصوفيّة خصوصا المتأخّرين منهم يعتقدون أن الممكن عين الواجب تعالى ويزعمون صفاته وأفعاله عين صفاته وأفعاله تعالى ويقولون [رباعيّ]: همسايه وهمنشين وهمره همه اوست ... در دلق كدا واطلس شه همه اوست در انجمن فرق ونهان خانهء جمع ... بالله همه اوست ثم بالله همه اوست ترجمة: الجار والصّحب والرّكبان كلّه هو ... في كسوة الفقر والسّلطان كلّه هو في جلوة الفرق أو في خلوة الجمع هو ... بالله كلّه هو والله كلّه هو وهؤلاء الاكابر وإن تنزّهوا وتخلّصوا عن الإشراك في الوجود وهربوا من الإثنينيّة (3) ولكنّهم وجدوا غير الوجود وجودا واعتقدوا النّقائص كمالات وقالوا " لا شيء من النّقص والشّرّ الذاتيّين أصلا وإن كان فنسبيّ وإضافيّ فالسّمّ القاتل فيه شرّ وقبح بالنّسبة إلى الإنسان مثلا لكونه مزيلا لحياته وأمّا بالنّسبة إلى الحيوان الذي فيه سمّ فماء الحياة والتّرياق النّافع ومقتداهم في هذا الامر ومستندهم فيه الكشف والشهود PageV02P010 فإنّهم وجدوا على قدر ما ظهر لهم من عالم الغيب اللهمّ أرنا حقائق الاشياء كما هي وها نحن نبيّن أوّلا مذهب الشّيخ محيي الدين ابن العربيّ قدّس سرّه فإنّه إمام متأخّري الصّوفيّة ومقتداهم في هذه المسألة ثمّ نحرّر ما ظهر لنا في هذا الباب وانكشف ليحصل الفرق بين المذهبين على الوجه الاتمّ ولا يختلط أحدهما بالآخر من الدقّة. قال الشّيخ محيي الدين ابن العربيّ وأتباعه: «إنّ أسماء الواجب وصفاته جلّ وعلا عين ذات الواجب سبحانه وكذلك بعضها عين بعض الآخر مثلا: العلم والقدرة كما أنّهما عين ذاته تعالى كذلك كلّ منهما عين الآخر أيضا فلا يكون في ذلك الموطن اسم التّعدّد والتّكثّر ورسمه أصلا ولا التّمايز والتّباين قطعا " غاية ما في الباب: أن تلك الاسماء والصّفات والشّئون والاعتبارات حصل لها التّمايز والتّباين في حضرة العلم إجمالا وتفصيلا فإن كان التّمايز إجماليّا يعبّر عنه بالتعيّن (1) الأوّل وإن تفصيليّا يسمّي بالتّعيّن الثاني ويسمّون الاوّل وحدة ويرونه الحقيقة المحمّديّة ويقولون للتّعيّن الثاني واحديّة (2) ويظنّونه حقائق سائر الممكنات ويسمّون حقائق الممكنات أعيانا ثابتة ويثبتون هذين التّعيّنين العلميّين في مرتبة الوجوب ويقولون " إن تلك الاعيان ما شمّت رائحة من الوجود الخارجيّ ولا موجود في الخارج غير الاحديّة المجرّدة أصلا وهذه الكثرة الّتي ترى في الخارج إنّما هي عكس تلك الاعيان الثابتة انعكست في مرآة ظاهر الوجود (3) الذي لا موجود في الخارج غيره وعرض لها الوجود التّخيّليّ (4) كما أنّ صورة شخص إذا انعكست في المرآة يعرض لها وجود تخيّليّ في المرآة». وهذه الصّورة المنعكسة ليس لها وجود الّا في التّخيّل ولم يتحلّل في المرآة ولم ينتقش في وجهها شيء أصلا فإن كان الإنتقاش فهو في التّخيّل حيث يتوهّم أنّه في وجه المرآة وحيث كان هذا المتخيّل المتوهّم صنع الحقّ جلّ سلطانه الذي له إتقان تامّ لا يرتفع برفع الوهم والخيال ويترتّب عليه الثواب والعذاب الابديّان وهذه الكثرة الموهومة المتخيّلة في الخارج منقسمة على ثلاثة أقسام: PageV02P011 القسم الأوّل: التّعيّن الرّوحيّ. والثاني: التّعيّن المثاليّ. والثالث: التّعيّن الجسديّ وله تعلّق بالشّهادة. ويقولون لهذه التعيّنات الثلاثة " تعيّنات خارجيّة " ويثبتونها في مرتبة الإمكان والتّنزّلات الخمسة عبارة عن هذه التعيّنات الخمسة ويقولون لهذه التّنزّلات الخمسة " الحضرات الخمس (1)». ولمّا لم يثبت عندهم شيء في العلم ولا في الخارج غير ذات الواجب تعالى وغير صفاته وأسمائه جلّ سلطانه الّتي هي عين ذاته تعالى وتقدّس وتوهّموا أنّ الصّورة العلميّة عين تلك الصّورة لا شبحها ومثالها وكذلك تصوّروا صورة الاعيان الثابتة الّتي صارت منعكسة في مرآة ظاهر الوجود عين تلك الاعيان لا شبحها حكموا بالاتّحاد (2) ضرورة وقالوا: «الكلّ هو». هذا هو بيان مذهب الشّيخ محيي الدين ابن العربيّ في مسألة وحدة الوجود على وجه الإجمال وهذه العلوم وأمثالها هي الّتي يزعمها الشّيخ مخصوصة بخاتم الولاية (3) ويقول: «إنّ خاتم النّبوّة يأخذ هذه العلوم من خاتم الولاية " ولشرّاح الفصوص تكلّفات في توجيه هذا الكلام (وبالجملة) لم يتكلّم أحد من هذه الطّائفة بهذه العلوم والأسرار قبل الشّيخ أصلا ولم يبيّن هذا الحديث على هذا النّهج قطعا وإن ظهر منهم كلمات مشعرة بالتّوحيد (4) والاتّحاد في غلبات السّكر (5) وقالوا: «أنا الحقّ وسبحاني " PageV02P012 ولكنّهم لم يبيّنوا وجه الإتّحاد ولم يجدوا منشأ التّوحيد؛ فصار الشّيخ برهان متقدّمي هؤلاء الطائفة وحجّة متأخّريهم. ومع ذلك: بقي في هذه المسألة دقائق كثيرة مختفية وما جاءت الأسرار الغامضة من هذا الباب في منصّة الظّهور فوفّق هذا الفقير بإظهارها وبشّر بتحريرها والله يَقُولُ الْحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (2) (أيّها المخدوم) إنّ صفات الواجب تعالى وتقدّس الثمانية الّتي هي موجودة في الخارج عند أهل الحقّ - شكر الله تعالى سعيهم - تكون متميّزة عن ذاته تعالى وتقدّس في الخارج بالضّرورة تميّزا لا كيفيّا ولا مثليّا وكذلك بعض تلك الصّفات متميّز عن بعض آخر منها بتميّز لا كيفيّ بل التّميّز اللاكيفيّ ثابت أيضا في مرتبة الذّات تعالت وتقدّست لأنّه الواسع بالوسع المجهول الكيفيّة والتّميّز الذي يحصل في حوصلة فهمنا وإدراكنا مسلوب عن جناب قدسه تعالى فإنّ التّجزّي والتّبعّض غير متصوّر فيه والتّحلّل والتّركّب لا سبيل لهما إلى تلك الحضرة جل سلطانها ولا مجال هناك للحاليّة والمحلّيّة. وبالجملة كلّ ما هو من صفات الممكن ولوازمه مسلوب عن ذلك الجناب المقدّس لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (3) لا في الذّات ولا في الصّفات ولا في الافعال ومع وجود هذا التّميّز اللّا مثليّ والوسعة اللّا كيفيّة عرض للأسماء والصّفات تفصيل وتميّز في موطن العلم أيضا وصارت منعكسة ولكلّ اسم وصفة متميّزة مقابل ونقيض في مرتبة العدم مثلا: لصفة العلم مقابل ونقيض في مرتبة العدم وهو عدم العلم المعبّر عنه بالجهل ولصفة القدرة مقابل هو العجز الذي عدم القدرة على هذا القياس في بقيّة الصّفات وعرض لهذه العدمات المقابلة أيضا تفصيل وتميّز في علم الواجب جلّ شأنه وصارت مرايا PageV02P013 الاسماء والصّفات المتقابلة لها وكانت مجالي ظهور عكوسها وتلك العدمات مع عكوس تلك الاسماء والصّفات حقائق الممكنات عند الفقير غاية ما في الباب أنّ تلك العدمات كأصول تلك الماهيّات وموادّها وتلك العكوس بمثابة الصّور الحالة في تلك الموادّ. فحقائق الممكنات عند الشّيخ محيي الدين هي تلك الاسماء والصّفات المتميّزة في مرتبة العلم. (وعند الفقير) حقائق الممكنات العدمات الّتي هي نقائض الاسماء والصّفات مع عكوس تلك الاسماء والصّفات الّتي ظهرت في مرايا تلك العدمات في موطن العلم وامتزجت بها ومتى أراد المختار جل سلطانه أن يجعل ما هي من تلك الماهيّات الممتزجة متّصفة بالوجود الظّلّيّ الذي هو ظلّ من ظلال حضرة الوجود وأن يجعلها موجودة خارجيّة يلقي إليها ظلّا من ظلال حضرة الوجود ويصيّرها مبدأ للآثار الخارجيّة فوجود الممكن في العلم والخارج كسائر صفاته ظلّ من ظلال حضرة الوجود ومن كمالاته التّابعة له مثلا: علم الممكن ظلّ من علم الواجب تعالى وتقدّس الذي انعكس في مقابله وقدرة الممكن ظلّ من القدرة المنعكسة في العجز الذي هو مقابلها فكذلك وجود الممكن ظلّ من ظلال حضرة الوجود الذي انعكس في مرآة العدم الذي هو مقابله. (شعر) وما جئت من ملكي بشيء وإنّما ... وهبت الذي عندي وذاتي وأوصافي ولكن ظلّ شيء ليس عين شيء ليس عند الفقير بل شبح ذلك الشّيء ومثاله وحمل أحدهما على الآخر ممتنع. (فعند الفقير) لم يكن الممكن عين الواجب فإن حقيقة الممكن عدم والعكس الذي انعكس فيه من الاسماء والصّفات شبح تلك الاسماء والصّفات ومثالها لا عينها فلا يصحّ: «كلّه هو " بل " كلّه منه " لانّ ما هو ذاتيّ (1) للممكن العدم الذي هو منشأ للشّرّ والنّقص والخباثة وكلّ ما هو في الممكن من جنس الكمالات من الوجود وتوابعه كلّه مستفاد من تلك الحضرة جلّ سلطانها وظلّ من كمالاته الذّاتيّة سبحانه وتعالى فيكون هو سبحانه نور السّماوات والارض بالضّرورة وما وراءه تعالى يكون كلّه ظلمة (2) كيف لا والعدم فوق جميع الظّلمات؟! وتحقيق هذا المبحث مسطور في المكتوب الذي حرّر إلى ولدي الاعظم المرحوم في بيان حقيقة الوجود وتحقيق ماهيّات الممكنات فليطلب من هناك فالعالم بأسره عبارة عند الشّيخ محيي الدين عن الاسماء والصّفات الّتي عرض لها تميّز في مرتبة العلم وظهور في ظاهر الوجود. عند الفقير: العالم عبارة عن العدمات الّتي انعكست عليها أسماء الواجب وصفاته في موطن العلم ووجدت تلك العدمات مع تلك العكوس في الخارج بإيجاد الحقّ سبحانه بوجود ظلّيّ فظهر في PageV02P014 العالم الخباثة الذّاتيّة والشّرّ الجبليّ وكان الخير والجمال كلّه عائد إلى جانب قدسه جل وعلا وقوله تعالى ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ (1) مؤيّد لهذه المعرفة والله سبحانه الملهم. (فعلم من هذا التّحقيق) أنّ العالم موجود في الخارج بوجود ظلّيّ كما أنّ الحقّ سبحانه موجود في الخارج بوجود أصليّ بل بذاته غاية ما في الباب: أنّ هذا الخارج أيضا ظلّ ذلك الخارج مثل الوجود والصّفات فلا يمكن أن يقال للعالم: «إنّه عين الحقّ جلّ وعلا " ولا يجوز حمل أحدهما على الآخر فإنّه لا يمكن أن يقال لظلّ شخص: «إنّه عين الشّخص " لوجود التّغاير بينهما في الخارج لانّ الإثنين متغايران فإذا قال شخص لظلّ شخص: إنّه عين ذلك الشّخص إنّما يقول ذلك على سبيل التّسامح والتّجاوز وهو خارج عن المبحث. (فإن قيل) إنّ الشّيخ محيي الدين وتوابعه أيضا يقولون: «إنّ العالم ظلّ الحقّ تعالى فما يكون الفرق (قلنا) إنّهم لا يرون وجود ذلك الظّلّ (2) في غير الوهم ولا يجوّزون وصول رائحة من الوجود الخارجيّ إليه. (وبالجملة) أنّهم يعبّرون عن الكثرة الموهومة بظلّ الوحدة الموجودة ويرون الموجود واحدا في الخارج شتّان ما بينهما فصار منشأ حمل الظّلّ على الاصل وعدم ذلك الحمل هو إثبات الوجود الخارجيّ للظّلّ وعدم إثباته وهم - لمّا لم يثبتوا للظّلّ وجودا خارجيّا - حملوه على الاصل بالضّرورة. وحيث يري هذا الفقير الظّلّ موجودا في الخارج لا يبادر إلى الحمل والفقير متّفق معهم في نفي الوجود الاصليّ عن الظّلّ ومتّفق أيضا في إثبات الوجود الظّلّيّ ولكنّ هذا الفقير يثبت الوجود الظّليّ في الخارج وهم يظنّون الوجود الظّلّيّ في الوهم والتّخيّل ولا يقولون بوجود موجود في الخارج غير الاحديّة المجرّدة ولا يثبتون الصّفات الثمانية الّتي ثبت وجودها في الخارج على آراء أهل السّنّة والجماعة رضي الله عنهم في غير موطن العلم فوقع العلماء الظاهريّة وهؤلاء الاكابر - رضي الله عنهم - في طرفي الإقتصاد وكان الحقّ المتوسّط نصيب هذا الفقير ووفّق به. فإن عرف هؤلاء الاكابر أن هذا الخارج ظلّ ذلك الخارج لمّا أنكروا وجود العالم في الخارج ولم يقتصروا على الوهم والخيال ولا أنكروا أيضا وجود صفات واجب الوجود في الخارج ولئن تنبّه العلماء أيضا لما أثبتوا للممكن وجودا أصليّا بل اكتفوا بالوجود الظّلّيّ وما كتبه الفقير في بعض مكتوباته أن إطلاق الوجود على الممكن بطريق الحقيقة لا بطريق المجاز ليس بمناف لهذا التّحقيق فإنّ الممكن موجود في الخارج بوجود ظلّيّ بطريق الحقيقة لا على سبيل التّخيّل والتّوهّم كما زعموا. (فإن قيل) إنّ صاحب الفتوحات المكّيّة قال بأنّ PageV02P015 الأعيان الثابتة برزخ بين الوجود والعدم فصار العدم داخلا في حقائق الممكنات على طريقه وطوره أيضا فما يكون الفرق بين التّحقيق وبين هذا القول (قلنا) إنّه إنّما قال له برزخا باعتبار أن للصّور العلميّة وجهين: وجه إلى الوجود بواسطة ثبوت العلم ووجه إلى العدم بواسطة الخارج. وإن الاعيان ما شمّت رائحة الوجود الخارجيّ عنده والعدم الذي اندرج في هذا التّحقيق له حقيقة أخرى وكذا المراد بما وقع في عبارة بعض الاعزّة من إطلاق العدم على الممكن هو العدم الخارجيّ لا العدم الذي حقّق في ما سبق وهو سبحانه وتعالى وراء تلك الاسماء والصّفات المفصّلة المتميّزة في موطن العلم الّتي انعكست في مرايا العدمات وصارت حقائق الممكنات فلا يكون بينه سبحانه وبين العالم مناسبة بوجه من الوجوه أصلا إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (1) وجعل الحقّ سبحانه عين العالم ومتّحدا به بل نسبته إلي العالم ثقيل على هذا الفقير جدّا [ع] وللنّاس فيما يعشقون مذاهب * سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعالَمِينَ (2) والسّلام عليكم وعلى من لديكم. (2) المكتوب الثاني إلى المير شمس الدين الخلخاليّ في بيان أنّ مرتبة ذات الحقّ تعالى تقدّس ومرتبة صفاته سبحانه فوق اعتبار الوجود والوجوب الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد حصل الفرح والابتهاج بوصول الصّحيفة الشّريفة الصّادرة على وجه المحبّة والاخلاص كثرة إخوان الدين سبب الرّجاء في الآخرة اللهمّ كثّر إخواننا في الدين وثبّتنا وإيّاهم على متابعة سيّد المرسلين عليه وعليهم من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها [ع] وأحسن ما يملى حديث الاحبّة * (أيّها المحبّ) إنّ صفات واجب الوجود السّبعة أو الثمانية على اختلاف الآراء - صفات حقيقيّة موجودة في الخارج ولم يقل أحد من الفرق المخالفة بوجود صفات واجب الوجود تعالى وتقدّس غير أهل الحقّ - شكر الله تعالى سعيهم - حتّى إنّ المتأخّرين من الصّوفيّة منهم أنكروا وجود الصّفات بل جعلوا زيادة الصّفات راجعة إلى العلم فقط وقالوا: (شعر) وصفات حقّ في التعقّل غير ذا ... ت الحقّ لكن في التّحقّق عينها (والحقّ) أنّ كلام أهل الحقّ حقّ ومقتبس من مشكاة النّبوّة ومؤيّد بنور الكشف والفراسة غاية ما في الباب أنّ الإشكال الذي أورده المخالفون في وجود الصّفات قويّ (1) لانّ الصّفات لو كانت موجودة فلا تخلو إمّا أن تكون ممكنة أو واجبة والامكان مستلزم للحدوث لانّ كلّ ممكن حادث عندهم PageV02P016 والقول بتعدّد الواجب مناف للتّوحيد. (وأيضا) على تقدير الإمكان يلزم جواز انفكاك الصّفات عن الذّات تعالت وتقدّست وهذا موجب لجواز الجهل والعجز للواجب سبحانه (وحلّ هذا الاشكال على ما ظهر لهذا الفقير) أنّ حضرة الحقّ سبحانه موجود بذاته لا بوجود يكون عينا لها أو زائدا عليها وصفاته تعالى موجودة بذاته تعالى لا بوجود فإنّه لا مجال للوجود في ذلك الموطن. وقد اشار الشّيخ ركن الدين أبو المكارم علاء الدولة السّمنانيّ (1) قدّس سرّه - إلى هذا المقام حيث قال: «فوق عالم الوجود عالم الملك الودود». فلا تكون نسبة الإمكان والوجوب أيضا متصوّرة في ذلك الموطن فإنّ كلّا من الإمكان والوجوب نسبة بين الماهيّة والوجود فحيث لا وجود لا إمكان ولا وجوب. وهذه المعرفة وراء طور النّظر والفكر وأيّ شيء يجد المقيّدون بعقال العقل من هذه المعرفة وما يكون نصيبهم منها غير الإنكار إلّا من عصمه الله سبحانه وتعالى؟! (وباقي المرام) أنّ السّيّد محبّ الله أقام هنا مدّة والآن صار متوجّها إلى تلك الجهات والحدود فليغتنم صحبته والسّلام عليكم وعلى من لديكم. (3) المكتوب الثالث إلى المخدوم زاده معدن الحقائق ومنبع المعارف اللّامتناهية ومظهر الفيوضات الإلهيّة الخواجه محمّد سعيد سلّمه الله تعالى في بيان أنّ معاملة الآفاق والأنفس داخلة في دائرة الظّلال وبيان الولاية الصّغرى والكبرى (2) وكمالات النّبوّة وتحقيق حقيقة تجلّي الافعال الذي ظهر لبعض الصّوفيّة وأنّه ظلّ فعل الحقّ لا عين فعله تعالى الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ كلّ ما يظهر في مرايا الآفاق والانفس تخلّصت عن قيد الظّلّيّة وتيسّر الشّروع في تجلّي الفعل والصّفة وعلم أنّ كلّ تجلّ ظهر قبل ذلك في PageV02P017 السّير الآفاقيّ والأنفسيّ - وإن اعتقدوه تجلّيا ذاتيّا - كان متعلّقا بظلال الفعل والصّفة لا بنفس الفعل والصّفة فضلا عن كونه متعلّقا بالذّات فإنّ دائرة الظّلّيّة تنتهي بنهاية الانفس فكلّ ما يظهر في الآفاق والانفس يكون داخلا في تلك الدائرة والفعل والصّفة وإن كانا في الحقيقة من ظلال حضرة الذّات تعالت وتقدّست ولكنّهما داخلان في دائرة الاصل وولاية تلك المرتبة ولاية أصليّة بخلاف ولاية المرتبة السّابقة الّتي تتعلّق بالآفاق والأنفس فإنّها ولاية ظلّيّة والتّجلّي البرقيّ الذي ناش من مرتبة الاصل ميسّر لمنتهي دائرة الظّلّ فإنّهم يتخلّصون ساعة واحدة من قيد الآفاق والأنفس والذين جاوزوا دائرة الآفاق والانفس وترقّوا عنها وخلفوا الظّلّ وراءهم ولحقوا بالاصل فالتّجلّي البرقيّ دائميّ في حقّهم فإنّ مسكن هؤلاء الاكابر ومأواهم دائرة الاصل الّتي منها ينشأ التّجلّي البرقيّ بل معاملة هؤلاء الاكابر فوق التّجلّيات والظّهورات فإنّ كلّ تجلّ وظهور بأيّ مرتبة يتعلّق لا يخلو عن شائبة الظّلّيّة وقد جعلهم التّعلّق بأصل الاصل فارغين عن الظّلّ وخلّصهم عن زيغ البصر ونهاية الكمال في الولاية الظّلّيّة الّتي هي الولاية الصّغرى إنّما تحصل بالتّجلّي البرقيّ وهذا التّجلّي البرقيّ قدم أوّل في الولاية الكبرى الّتي هي ولاية الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام. (والولاية الصّغرى) هي ولاية الأولياء - قدّس الله تعالى أسرارهم - ومن ههنا يعرف التّفاوت بين ولاية الأولياء وولاية الانبياء - صلوات الله وتسليماته عليهم - فإنّ بداية تلك الولاية نهاية هذه الولاية وماذا نقول من كمالات نبوّة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام فانّ بداية النّبوّة نهاية هذه الولاية ولعلّ حضرة الخواجه بهاء الدين النّقشبند (1) قدّس الله سرّه - نال نصيبا وافرا من ولاية الانبياء - عليهم الصّلوات والتّحيّات - بالتّبعيّة والوراثة فإنّه قال " نحن ندرج النّهاية في البداية». (ومبلغ علم هذا الفقير) أنّ النّسبة النّقشبنديّة وحضورها إذا بلغا حدّ الكمال يتّصلان بالولاية الكبرى ويحصل لهم حظّ وافر من كمالات تلك الولاية بخلاف طرق غيرهم فإنّ نهاية كمالهم حصول التّجلّي البرقيّ. (ينبغي أن يعلم) أنّ السّير الذي يتيسّر بعد سير الآفاق والانفس هو سير في أقربيّة الحقّ سبحانه وتعالى فإنّ فعله تعالى أيضا أقرب إلينا منّا وكذلك صفته تعالى أقرب إلينا منّا ومن فعله تعالى أيضا وذاته تعالى أقرب إلينا منّا ومن فعله وصفته تعالى والسّير في هذه المراتب هو السّير في الاقربيّة. (وحقيقة تجلّي الفعل وتجلّي الصّفة وتجلّي الذّات) (2) تتحقّق في هذا الموطن ويحصل النّجاة هنا من سلطنة الوهم ودائرة الخيال فإنّه لا سلطنة PageV02P018 لسلطان الوهم والخيال في خارج دائرة الآفاق والانفس ونهاية تصرّف الوهم نهاية دائرة الظّلّ فحيث لا ظلّ لا وهم فالتّخلّص عن قيد الوهم في الولاية الظّلّيّة إنّما يحصل بعد الموت فإنّ الوهم ينعدم بالموت. وفي الولاية الاصليّة الّتي هي الولاية الكبرى الخلاص عن قيد الوهم والخيال ميسّر في هذه النّشأة ومع وجود الوهم فيها خلاص عن قيد الوهم وما أجّل للطّائفة الاولى في الآخرة يتيسّر للطّائفة الاخرى في هذه النّشأة وفي الولاية الظّلّيّة لا يحصل شيء من المطلوب في هذه النّشأة غير منحوت الوهم والخيال. وفي الولاية الاصليّة: المطلوب منزّه ومبرّأ عن علّة نحت الوهم وكأنّ مولانا الرّوميّ تضايق من حيطة الوهم وقيد الخيال فتمنّى الموت لينال المطلوب عاريا عن لباس الوهم والخيال ومنع من أن يقول عافاك الله في مبادي الموت. وقال: (شعر) من شوم عريان ز تن او ز خيال ... تأخرامم در نهاية الوصال ترجمة: اعروا من الاشباح وهو من الخيال ... كيما تبختر في نهايات الوصال (وما قلت) من أنّ في الآفاق والانفس تجلّيات ظلال الاسماء والصّفات لا تجلّيات نفس الاسماء والصّفات (بيانه هو) أنّ التّكوين من الصّفات الحقيقيّة كما هو مذهب العلماء الماتريديّة - شكر الله سعيهم - لا من الصّفات الإضافيّة - كما زعمت الاشعريّة - وحيث كانت الإضافة غالبة في هذه الصّفة ظنّوها من الصّفات الإضافيّة نظرا إلى صفات أخرى وليس كذلك بل هي من الصّفات الحقيقيّة امتزج بها وصف الإضافة وهذه الصّفة تحت جميع الصّفات وفيها لون جميع الصّفات الّتي فوقها مثلا لها نصيب من العلم والحياة وحظّ من القدرة والارادة أيضا ولها جزئيّات هي في الحقيقة ظلالها مثل التّرزيق والتّخليق والاحياء والاماتة والإنعام والايلام وهذه الجزئيّات داخلة في الافعال الّتي هي في الحقيقة ظلال تلك الصّفة خارجة عن دائرة الصّفات الحقيقيّة (ولهذا الفعل وجهان) وجه نحو الفاعل ووجه إلى المفعول وهذان الوجهان متمايزان في النّظر الكشفيّ يرى الوجه الاوّل عاليا والثاني سافلا وأيضا يرى الوجه الاوّل في النّظر كالاصل والوجه الثاني مثل ظلّ ذلك الاصل وأيضا الوجه الاوّل فيه لون من الوجوب والوجه الثاني له لون من الإمكان وهذا الوجه الثاني مبادي تعيّنات غير الانبياء - عليهم الصّلوات والتّسليمات - من الأولياء الكرام وسائر الأنام. وحيث كان لهذا الفعل باعتبار الجهتين لون من الوجوب ولون من الإمكان يكون ممكنا بالضّرورة فإنّ المركب من الواجب والممكن ممكن. وأيضا إنّ هذا الفعل حيث كان له وجه إلى القدم باعتبار الجهة الفوقانيّة وقدم في الحدوث باعتبار الجهة التّحتانيّة يكون حادثا بالضّرورة فإنّ المركب من القديم والحادث حادث. فالّذين قالوا بقدم فعل الحقّ سبحانه إنّما نظروا إلى الجهة الأولى والذين ذهبوا إلى حدوثه فمنظورهم هو الجهة PageV02P019 الأخرى ونظر الطائفة الأولى عال ونظر الثانية سافل وإن وقع كلا الفريقين في طرفى الحقّ المتوسّط وهو الذي امتاز به هذا الفقير ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1). ووقع مثل هذا التّحقيق في بعض المكاتيب في شأن الصّفات الحقيقيّة أيضا فليطلب. (ينبغي) أن يعلم أن الوجه الثاني في الفعل عبارة عن الخلق الخاصّ الذي متعلّق بزيد مثلا فخلق زيد كأنّه جزئيّ من جزئيّات مطلق الخلق مثلا وهذا الخلق الخاصّ الذي تعلّق بزيد له جزئيّات أيضا كخلق ذات زيد وخلق صفاته وأفعاله وهذه الجزئيّات كالظّلال لخلق زيد وهو كالكلّيّ لها ولخلق فعل زيد أيضا ظلّ ومظهر وهو كسب زيد الذي تعلّق بالفعل فإنّ هذا الكسب ما جاء به زيد من بيت أبيه بل هو ظلّ من خلق الحقّ جلّ وعلا. (فعلم من هذه المعارف) أنّ الفعل ظلّ التّكوين وأنّ الوجه الثاني من الفعل ظلّ الوجه الاوّل منه كما حقّق وأنّ للوجه الثاني أيضا ظلّا هو خلق زيد مثلا ولخلق زيد أيضا ظلّا هو خلق فعل زيد ولهذا الظّلّ أيضا ظلّ هو كسب زيد. (فإذا عرفت هذه العلوم فاعلم) أنّ نسبة كسب زيد إلى زيد مثلا إذا انتفت في نظر السّالك (2) وقت السّلوك عن زيد وارتفعت إضافته إلى زيد يرى فاعل ذلك الفعل هو الحقّ سبحانه بل يجد الافعال المتكثّرة المتباينة للخلائق فعل فاعل واحد فيظنّون ظهور هذا المعنى تجلّيا فعليّا (ينبغي) أن ينصف هل هذا التّجلّي هو تجلّي فعل الحقّ أو تجلّي ظلّ من ظلال ذلك الفعل الذي تنزّل بمراتب كثيرة وعرض له اسم الظّلّيّة؟ (وينبغي) أن يقيس التّجليّات الأخرى على التّجلّي الفعليّ فإنّهم اكتفوا فيها أيضا بظلّ من الظّلال وظنّوه أصل الاصل واطمئنّوا بالجوز والموز. (ينبغي أن يعلم) أن وجوب الوجود حيث كان من النّسب والإضافات يوجد في مرتبة الفعل بالضّرورة ولمّا لم يكن لهذه النّسبة مناسبة بالعلم بل هي مخصوصة بصانع العالم تعالى وتقدّس كانت مناسبة بالوجه الاوّل من الفعل الذي مرّ ذكره (فإن قيل) يلزم من هذا البيان أن لا يكون الوجوب ثابتا في مرتبة الذّات والصّفات ولا يقال لذاته وصفاته - تعالى وتقدّس - واجبة فيكون الوجوب مسلوبا عن حضرة الذّات والصّفات كما أنّ الإمكان والامتناع مسلوبان عنه تعالى فظهر قسم رابع من المفهوم سوى الوجوب (3) والامكان (4) والامتناع (5) والحال أنّ PageV02P020 انحصار المفهوم في هذه الثلاثة كان ثابتا بالحصر العقليّ (قلنا) إنّ هذا الإنحصار إنّما هو للماهيّة بالنّسبة إلى الوجود فحيث لا نسبة للماهيّة إلى الوجود لا انحصار كما في ذات الواجب تعالى وصفاته سبحانه فإنّ ذاته تعالى موجود بذاته لا بالوجود عينا كان أو زائدا وصفاته تعالى موجودة بذاته تعالى من غير أن يتخلّل فيها وجود فذاته تعالى وصفاته سبحانه فوق هذه الثلاثة المنحصرة غاية ما في الباب إذا تصوّر ذاته تعالى وتعلّقت صفاته سبحانه بالوجوه والاعتبارات إذ لا سبيل إلى الكنه يعرض لذاته سبحانه في الوجود التّصوّريّ الظّلّيّ الوجوب كما هو المناسب واللّائق بذاته تعالى ويعرض لصفاته سبحانه في الوجود الذّهنيّ الإمكان لما هو المناسب لها لاحتياجها إلى الذّات فذاته تعالى وصفاته سبحانه في حدّ أنفسها فوق مرتبة الوجوب والامكان بل فوق مرتبة الوجود أيضا وباعتبار الوجود التّصوّر الظّلّيّ الوجوب يناسب الذّات والإمكان يناسب الصّفات فالصّفات من حيث الوجود الخارجيّ لا واجبة ولا ممكنة بل هي فوق الوجوب والامكان وباعتبار الوجود الذّهنيّ ممكنة ولا يلزم من هذا الإمكان الحدوث لما أنّه ليس لذواتها كما للممكنات بل لوجوداتها الظّلّيّة. (ويناسب هذه) المعرفة ما قاله أرباب المعقول من أنّ الكلّيّة والجزئيّة تعرضان للماهيّة باعتبار خصوصيّة الوجود الذّهنيّ فلا توصف بهما الماهيّة حال الوجود الخارجيّ فزيد الموجود في الخارج مثلا قبل التّعقّل ليس بجزئيّ كما أنّه ليس بكلّيّ بل يعرض له الجزئيّة بعد الوجود الذّهنيّ الظّلّيّ. (بل نقول) جميع النّسب والاضافات والاحكام والاعتبارات الّتي تحمل عليه تعالى كالالوهيّة والازليّة - ممّا هي غير الصّفات الثمانية الموجودة - إنّما تصدق عليه سبحانه باعتبار التّصوّر والتّعقّل وإلّا فالذّات - من حيث هي غير متّصفة بصفة ولا مسمّاة باسم ولا محكوم عليها بحكم فصاحب الشّرع تعالى إنّما أطلق على ذاته أسماء وأحكاما باعتبار التّناسب والتّشابه لتكون قريبة من أفهام المخلوقات ويكون التّكلّم معهم على قدر عقولهم كما يقال لزيد الموجود في الخارج - بدون ملاحظة وجوده الذّهنيّ -: «إنّه جزئيّ " على سبيل التّشبيه والتّنظير ويكون حكمهم بجزئيّته أنسب وأشبه من حكمهم بأنّه كلّيّ فكذلك الحكم بالوجوب والوجود على الذّات الغنيّ العليّ أولى وأنسب من الحكم بالامكان والامتناع وإلا فلا يصل إلى جناب قدسه تعالى وجوب ولا وجود كما لا يليق بجناب تنزيهه تعالى إمكان وامتناع فافهم هذه المعرفة الشّريفة القدسيّة فإنّها أساس الدين. وخلاصة علم الصّفات والذّات تعالت وتقدّست وما تكلّم بها أحد من العظماء ولا واحد من الكبراء استأثر الله سبحانه هذا العبد بهذه المعرفة والسّلام على من اتّبع الهدى. (1) PageV02P021 (4) المكتوب الرّابع إلى المير محمّد نعمان في بيان أنّ علم اليقين (1) وعين اليقين (2) وحقّ اليقين (3) الّتي قرّرها بعض الصّوفيّة شطران في الحقيقة من أقسام علم اليقين الثلاثة والقسم الثالث منه لم يحصل بعد فضلا عن الوصول إلى عين اليقين وبيان أنّ صاحب هذه العلوم مجدّد الالف الثاني الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد مضت مدّة وليس لنا اطّلاع على أحوالكم المحمودة المآل المسئول من الله سبحانه سلامتكم واستقامتكم (اعلم) أنّ علم اليقين عبارة عن شئون آيات تفيد اليقين العلميّ وهذا الشّهود في الحقيقة استدلال بالاثر على المؤثّر فكلّ ما يرى ويشاهد من الظّهورات والتّجلّيات في مرايا الآفاق والانفس من قبيل الإستدلال بالاثر على المؤثّر وإن سمّوا تلك التّجلّيات تجلّيات ذاتيّة وقالوا لتلك الظّهورات " ظهورات لا كيفيّة " فإنّ ظهور شيء في المرآة حصول أثر من آثاره لا حصول عين ذلك الشّيء فلا يكون قدم السّير الآفاقيّ والأنفسيّ خارجا عن دائرة علم اليقين بالتّمام ولا يكون له نصيب غير الإستدلال بالاثر على المؤثّر قال الله تبارك وتعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (4) واعتقد بعضهم أنّ السّير الآفاقيّ من علم اليقين وأثبتوا عين اليقين وحقّ اليقين في السّير الأنفسيّ ولم يقولوا بسير في خارج الانفس [ع] وللنّاس فيما يعشقون مذاهب * (واعلم) أنّ الحقّ سبحانه أقرب إلى العبد من العبد نفسه فمن العبد إلى الحقّ سبحانه سير آخر في جانب الاقربيّة والوصول منوط بقطعه وهذا السّير الثالث أيضا مثبت لعلم اليقين في الحقيقة فإنّه وإن كان خارجا عن دائرة الظّلّيّة ولكنّه ليس بمبرّإ من شائبة الظّلّيّة فإنّ أسماء الواجب وصفاته سبحانه ظلال حضرة الذّات في الحقيقة - تعالت وتقدّست - وكلّ موضع فيه شوب الظّلّيّة داخل في الآثار والآيات فهم خصّصوا بعلم اليقين سيرا واحدا من سيره الثلاثة وجعلوا سيره الثاني محصّلا لعين اليقين وحقّ اليقين ولم يحرّكوا شفاههم بالسّير الثالث أصلا حتّى يتمّ به دائرة علم اليقين وأين بعد عين اليقين وحقّ اليقين [ع] PageV02P022 وقس من حال بستاني ربيعي * وماذا أقول من عين اليقين وحقّ اليقين ومن يفهمه إن قلت ومن يدرك؟! فإنّ هذه المعارف خارجة من حيطة الولاية وأرباب الولاية عاجزون عن إدراكها مثل علماء الظّاهر وقاصرون في دركها. وهذه العلوم مقتبسة من مشكاة أنوار النّبوّة - على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة - حصلت لها النّضارة بعد تجدّد الالف الثاني وظهرت بالطراوة وصاحب هذه العلوم والمعارف مجدّد هذا الالف كما لا يخفى على النّاظرين في علومه ومعارفه الّتي تتعلّق بالذّات والصّفات والافعال وتتلبّس بالأحوال (1) والمواجيد (2) والتّجلّيات والظّهورات فيعلمون أنّ هذه المعارف والعلوم وراء علوم العلماء ووراء معارف الأولياء بل علوم هؤلاء بالنّسبة إلى تلك العلوم قشر وتلك المعارف لبّ ذلك القشر والله سبحانه الهادي. (واعلم) أنّه قد مرّ على رأس كلّ مائة مجدّد ومضى ولكنّ مجدّد المائة ليس كمجدّد الالف بل الفرق بين مجدّد المائة ومجدّد الالف كالفرق بين المائة والألف بل أزيد منه والمجدّد هو الذي بتوسّطه يرد على الامّة في تلك المدّة ما يرد من الفيوض وإن كانوا أقطاب (3) ذلك الوقت وأوتاده (4) وأبداله (5) ونجباءه (6). (شعر) PageV02P023 ليس على الله بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد والسّلام على من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات العلى وعلى جميع اخوانه من الانبياء والمرسلين وملائكة المقرّبين وعباد الله الصّالحين اجمعين. (5) المكتوب الخامس إلى المير شمس الدين عليّ الخلخانيّ في بيان أنّ لصفات الحقّ سبحانه اعتبارين الاوّل: حصولها في أنفسها والثاني: قيامها بذات الحقّ سبحانه وكلا الإعتبارين متميّزان في الخارج الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (أيّها المخدوم) إنّ لصفات الواجب الّتي هي موجودة وقائمة بذاته تعالى اعتبارين: الاعتبار الاوّل ثبوتها في حدّ ذاتها والاعتبار الثاني قيامها بذات الواجب تعالى وتقدّس. ولها بالاعتبار الاوّل مناسبة بالعالم وبه صارت مبادي التعيّنات وبالاعتبار الثاني مستغنية عن العالم ليس لها توجّه إلى العالم وما فيه أصلا. وأيضا إنّها بالاعتبار الاوّل ترى في النّظر الكشفيّ منفكة عن الذّات تعالت وتقدّست ونثبت الذّات ورائها. وبالاعتبار الثاني ليس كذلك بل لا يتصوّر الإنفكاك وأيضا أنّها بالاعتبار الاوّل حجب للذّات وبالاعتبار الثاني الإحتجاب (1) مرتفع كالبياض القائم بالثّوب فإنّه ليس بحجاب للثّوب غاية ما في الباب أنّ البياض بكلا الإعتبارين - أعني حصوله في نفسه وقيامه بالثّوب - ليس بحجاب لذات الثوب فإنّه وإن كان المحسوس هو ذلك البياض ولكنّ الحجابيّة مرتفعة بخلاف صفات الواجب تعالى وتقدّس فإنّها بالاعتبار الاوّل حاجبة وبالاعتبار الثاني غير حاجبة وإيّاك وتخيّل فرق ما بين الإعتبارين شيئا يسيرا فإنّ هذا الفقير مع وجود جذب (2) قوىّ وسرعة سير قطع ما بين هذين الإعتبارين قريبا من خمس عشرة سنة ولم يهتد العلماء المتقدّمون إلى فرق ما بين هذين الإعتبارين وقالوا إنّ حصول العرض في نفسه هو عين حصوله القياميّ في الجوهر (3) وبعض العلماء PageV02P024 المتأخّرين تنبّه على هذا الفرق وحقّق أنّ حصوله في نفسه غير حصوله القياميّ لانّ العرض يقال في حقّه " إنّه وجد فقام " فالوجود غير القيام وتحقيق ذلك البعض في العرض كان مرتقى العروج لي ووسيلة لمعرفة محتاج إليها وقد أمدّ في هذا السّير والسّلوك (1) كثير من التّحقيقات الكلاميّة والتّدقيقات الفلسفيّة وصارت واسطة للمعارف الإلهيّة جلّ سلطانه والسّلام على من اتّبع الهدى (2) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله وأصحابه من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها. (6) المكتوب السّادس إلى المخدوم زاده جامع العلوم العقليّة والنّقليّة الخواجه مجد الدين محمّد معصوم في بيان بعض الأسرار الغامضة ويفهم منها وجه كونه - صلّى الله عليه وسلّم - مأمورا باتّباع ملّة إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى أظنّ أنّ المقصود من خلقي هو أن تكون الولاية المحمّديّة منصبغة بالولاية الإبراهيميّة عليهما الصّلاة والتّحيّة وأن يمتزج حسن ملاحة هذه الولاية بجمال صباحة تلك الولاية قد ورد في الحديث «أخي يوسف أصبح وأنا أملح " وأن يبلغ مقام المحبوبيّة المحمديّة بهذا الإنصباغ درجة عليا ويشبه أن يكون المقصود من الامر باتّباع ملّة إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - حصول هذه الدولة العظمى وانّ طلب الصّلوات والبركات المماثلتين لصلوات إبراهيم وبركاته - على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام - إنّما هو لاجل هذا الغرض والملاحة والصّباحة كلتاهما منبئتان عن حسن الذّات تعالت وتقدّست من غير مزج الصّفات ولكنّ حسن الصّفات والافعال والآثار كلّها مستفاد من حسن الصّباحة الكثيرة البركة وحسن الملاحة أنسب بحضرة الإجمال وكأنّ الملاحة مركز للحسن والصّباحة دائرة ذلك المركز. وكما أنّ في حضرة الذّات بساطة كذلك فيها وسعة أيضا وليست تلك البساطة والوسعة ممّا يجيئ في فهمنا وما ذلك الإجمال والتّفصيل ممّا يدرك بإدراكنا لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (3) والبساطة والوسعة اللّتان نثبتهما في حضرة الذّات كلّ واحدة منهما متمايزة عن الاخرى لا أنّها عين الاخرى كما ظنّ البعض وأمّا التّميّز الذي هو ثابت في تلك المرتبة بين الانبياء فهو خارج عن حيطة إدراكنا وبعيد عن دائرة أفهامنا فتكون الصّباحة والملاحة أيضا PageV02P025 متمايزتان في تلك المرتبة وتكون أحكام كلّ واحدة منهما مغايرة لاحكام الاخرى (فعلم) أنّ المقصود الذي كنت فهمته من خلقي قد حصل ومسئول الف سنة صار مقرونا بالاجابة الحمد لله الذي جعلني صلة بين البحرين ومصلحا بين الفئتين أكمل الحمد على كلّ حال والصّلاة والسّلام على خير الأنام وعلى إخوانه الكرام من الانبياء والملائكة العظام ولمّا صارت الصّباحة أيضا متلوّنة بلون الملاحة لا جرم حصلت الوسعة لمقام الخلّة الإبراهيميّة أيضا ونال المحيط حكم المركز أيضا. (ينبغي أن يعلم) أنّ لمقام المحبّة مناسبة بمرتبة الملاحة ولمقام الخلّة بمرتبة الصّباحة وفي المحبّة كانت المحبوبيّة الصّرفة نصيب خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام والمحبّة الخالصة مخصوصة بكليم الله عليه الصّلاة والسّلام وفي الخليل عليه الصّلاة والسّلام نسبة الجليسيّة والنّديميّة وكلّ من المحبّ والمحبوب غير الجليس والنّديم ولكلّ واحد منها نسبة على حدة. ولمّا كان هذا الفقير مربّى بالولاية المحمّديّة والولاية الموسويّة على صاحبيها الصّلاة والسّلام والتّحيّة كان له موطن ومسكن في مقام الملاحة ونسبة المحبوبيّة غالبة فيه بواسطة محبّته للولاية المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة ونسبة المحبّيّة مستورة ومغلوبة. (أيّها الولد) اعلم أنّه مع وجود هذه المعاملة الّتي هي مربوطة بخلقتي أحيلت عليّ معاملة أخرى أيضا عظيمة وليس المقصود من وجودي المشيخة والمريديّة (1) وتكميل الخلق وإرشادهم وهذه المعاملة غير تلك المعاملة وفي ضمن هذه المعاملة يأخذ الفيض كلّ من له مناسبة وإلّا لا. ومعاملة التّكميل والإرشاد بالنّسبة إلى هذه المعاملة كأنّها أمر مطروح في الطّريق ولدعوة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام بالنّسبة إلى معاملاتهم الباطنيّة هذا الحكم بعينه ومنصب النّبوّة وإن كان مختوما ولكن لكمّل تابعي الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام نصيب من كمالات النّبوّة وخصائصها بطريق التّبعيّة والوراثة. (7) المكتوب السّابع إلى الفقير الحقير عبد الحيّ جامع هذه المكتوبات الشّريفة في بيان مراتب الخمس المحبّيّة والمحبوبيّة والمحبّة والحبّ والرّضا (2) ومرتبة أخرى فوقها وخصوصيّة كلّ واحد منها بنبىّ من الانبياء وما يناسب ذلك PageV02P026 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أرشدك الله تعالى أنّ في المحبّة الذّاتيّة الّتي هي محبّته سبحانه وتعالى لذاته بذاته ثلاث اعتبارات المحبوبيّة والمحبّيّة والمحبّة وظهور كمالات المحبوبيّة الذّاتيّة مسلّم لخاتم الرّسل عليه وعلى آله وعليهم الصّلوات والتّسليمات غاية ما في الباب: أنّ في جانب المحبوبيّة كمالين: فعليّ وانفعاليّ والفعليّ أصل والانفعاليّ تابع له ولكنّ الإنفعاليّ علّة غائيّة للفعليّ فهو وإن كان متأخّرا في الوجود لكنّه متقدّم في التّصوّر. وظهور كمالات المحبّة نصيب كليم الله على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام. والاعتبار الثالث الذي هو نفس المحبّة كان أبو البشر آدم عليه الصّلاة والسّلام مشهودا فيه أوّلا ثمّ إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام ثانيا ثمّ نوح عليه الصّلاة والسّلام ثالثا والامر إلى الله سبحانه. وحضرة الحقّ سبحانه كما أنّه يحبّ ذاته تعالت وتقدّست كذلك يحبّ كمالاته الاسمائيّة والصّفاتيّة والأفعاليّة وظهور هذه المحبّة الذّاتيّة يعني محبّته تعالى بذاته لاسمائه وصفاته أتمّ في الخليل عليه الصّلاة والسّلام وظهور المحبوبيّة الاسمائيّة والصّفاتيّة والأفعاليّة متحقّق في سائر الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام كظهور محبّيّتها ولمّا كان للأسماء والصّفات والافعال ظلال كان ظهور محبوبيّة تلك الظّلال بتوسّط أصولها نصيب الأولياء المرادين المحبوبين كما أنّ محبّيّة تلك الظّلال كانت نصيب الأولياء المريدين المحبّين وفوق مقام المحبّة الذّاتيّة مقام الحبّ الذي هو جامع للاعتبارات الثلاثة وإجمالها ومقام الرّضا فوق مقام المحبّة والحبّ فإنّ مرتبة الرّضا فوق مرتبة المحبّة؛ فإنّ في المحبّة وجود النّسبة إجمالا وتفصيلا وفي مقام الرّضا حذف النّسبة وهو مناسب لحضرة الذّات تعالت وتقدّست وليس فوق مقام الرّضاء قدم إلّا ما أخبر النبيّ - صلى الله عليه وسلّم - عن ذلك المقام حيث قال: «لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل» (1) وكأنّ في الحديث القدسيّ إشارة إلى هذه الخصوصيّة حيث ورد: «يا محمّد PageV02P027 أنا وأنت وما سواك خلقت لاجلك فقال محمّد عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " اللهمّ أنت وما أنا وما سواك تركت لاجلك " ومن أين يدرك عظمة محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هذا اليوم وكيف يعرف جلالة قدره عليه الصّلاة والسّلام في هذه النّشأة فإنّ الحقّ ممتزج في هذه الدار بالمبطل والحقّ مختلط بالباطل لكونها دار ابتلاء وسيعلم عظمة شأنه يوم القيامة فإنّه يكون فيه إمام الانبياء وصاحب شفاعتهم ويكون آدم ومن دونه تحت لوائه عليه وعلى جميع الانبياء والمرسلين من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها ويجوز أن يعطى خادم من خدّامه الآكلين فضلة طعامه النّائلين عناية إكرامه محلّا في ذلك الموطن الخاصّ الذي هو فوق مقام الرّضاء بطريق الوراثة والتّبعيّة وأن يجعل محرما لذلك الجناب بتطفّله عليه الصّلاة والسّلام [ع] لا عسر في أمر مع الكرام * وهذا المعنى ليس بمستلزم لمزيّة غير الانبياء على الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام والتّحيّة فإنّه كيف تتصوّر المساواة بين الخادم وبين أمثال هؤلاء المخاديم؟! وأيّ نسبة بين التّابع وبين أمثال هؤلاء المتابيع الاصل مقصود والتّابع طفيليّ ونهاية معاملة التّابع تكون منجرّة إلى فضل جزئيّ ولا محذور فيه ألا ترى أنّ لكلّ حائك وحجّام فضلا على عالم ذي فنون باعتبار صنعته المختصّة به وهو ساقط عن حيّز الإعتبار. كلامنا إشارات ورموز وبشارات وكنوز لا نصيب منها للأكثر إلّا أن يؤمنوا بها فينتج إيمانهم ثمرات تنفعهم والله سبحانه الموفّق والسّلام على من اتّبع الهدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى جميع إخوانه من الانبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها. (8) المكتوب الثامن إلى خان خانان في بيان الفرق بين إيمان أخصّ الخواصّ بالغيب وإيمان العوامّ وإيمان المتوسّطين الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (ع) وأحسن ما يملى حديث الاحبّة * قال الله تبارك وتعالى وإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ (2) وقال تعالى ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلّا هُوَ رابِعُهُمْ PageV02P028 ولا خَمْسَةٍ إِلّا هُوَ سادِسُهُمْ ولا أَدْنى مِنْ ذلِكَ ولا أَكْثَرَ إِلّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا (1) وقربه ومعيّته تعالى منزّهان كذاته سبحانه عن الكيف والمثال فإنّه لا سبيل للكيف إلى اللّاكيفيّ فكلّ ما يدرك من معنى القرب والمعيّة بفهمنا وعقلنا أو يدخل في حيطة كشفنا وشهودنا فهو تعالى منزّه ومبرّأ عن ذلك المعنى الذي له قدم في مذهب المجسّمة ونؤمن أنّه تعالى قريب منّا وأنّه تعالى معنا لا ندري معنى القرب والمعيّة أنّه ما هو ونهاية نصيب الكمّل في هذه النّشأة هي الإيمان بالغيب بذاته وصفاته تعالى. (شعر) وما فاه أرباب النّهى والحجى بما ... سوى أنّه الموجود لا ربّ غيره والايمان بالغيب الذي هو نصيب أخصّ الخواصّ ليس كإيمان العوامّ بالغيب فإنّ إيمان العوامّ بالغيب إنّما يحصل بالسّماع أو بالاستدلال وأخصّ الخواصّ حصّل إيمان الغيب بمطالعة غيب الغيب في حجب ظلال الجمال (2) والجلال (3) ووراء سرادقات الظّهورات والتّجلّيات. (وأمّا المتوسّطون) فهم مسرورون بالايمان الشّهوديّ ظانّين الظّلال أصلا والتّجلّيات عين المتجلّي والإيمان بالغيب نصيب الاعداء في حقّهم يعني عندهم كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (4) والباعث على التّصديع أنّ مولانا عبد الغفور ومولانا الحاجّ محمّدا من الاصحاب المخصوصين فكلّ إحسان من كلّ يقع في حقّ المشار إليهما موجب لامتنان الفقير [ع] لا عسر في أمر مع الكرام * والسّلام (9) المكتوب التّاسع إلى الملّا عارف الختنيّ في بيان فضائل الكلمة الطّيّبة «لا إله إلّا الله» وتحقيق مقام التّنزيه وبيان أنّ الإيمان بالغيب إنّما يتحقّق إذا انتهت المعاملة إلى الاقربيّة فإنّ تلك المعاملة خارجة عن حيطة الوهم والخيال الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. (لينف) مولانا عارف الختنيّ أوّلا الآلهة الباطلة وليثبت ثانيا المعبود بالحقّ جلّ سلطانه وكلّ ما هو متّسم بسمة الكيف والكمّ ينبغي إدخالها تحت كلمة " لا». PageV02P029 وتحصيل الإيمان بأنّه منزّه عن الكيف والمثال وأتمّ العبارات في النّفي والاثبات الكلمة الطّيّبة " لا إله إلّا الله " قال النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " أفضل الذّكر لا إله إلّا الله» (1). وقال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام حاكيا عن الله سبحانه " لو أنّ السّموات السّبع وعامرهنّ غيري والارضين السّبع وضعن في كفّة و" لا إله إلّا الله " في كفّة لمالت بهنّ " لا إله إلّا الله» (2) وكيف لا تكون أفضل وكيف لا تكون أرجح؟! فإنّ كلمة منها تنفي جميع ما سواه تعالى سواء أكان سموات أو أرضين أو عرشا أو كرسيّا أو لوحا أو قلما أو عالما أو آدم وكلمة أخرى منها تثبت المعبود بالحقّ جلّ برهانه الذي هو خالق السّموات والارضين وما سوى الحقّ جلّ وعلا من الآفاق والانفس كلّه متّسم بسمة الكيف والكمّ فكلّ ما يتجلّي في مرايا الآفاق والانفس يكون كيفيّا وكمّيّا بالضّرورة فيكون مستحقّا للنّفي فمعلومنا وموهومنا ومشهودنا ومحسوسنا كلّها متّصفة بالكيف والمثال ومكتنفة بعيوب الحدوث والامكان فإنّ معلومنا ومحسوسنا منحوت ومجعول والتّنزيه الذي يتعلّق علمنا به عين تشبيه والكمال الذي هو على مقدار فهمنا عين نقص كلّ ما يكون متجلّيا لنا أو مكشوفا أو مشهودا فهو غير الحقّ سبحانه وتعالى وهو تعالى وراء الوراء قال الله تبارك وتعالى حكاية عن الخليل عليه السّلام أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ والله خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ (3) ومنحوتنا كلّه مخلوق الحقّ سبحانه وتعالى سواء نحتّناه بأيدينا أو بعقولنا وأوهامنا ليس بمستحقّ للعبادة والمستحقّ للعبادة إنّما هو الإله المنزّه عن الكيف والمثال الذي يد وهمنا قاصرة عن الوصول إلى ذيل إدراكه وعيون كشفنا وشهودنا متحيّرة وعاجزة عن شهود عظمته وجلاله تعالى فالايمان بمثل هذا الإله المنزّه عن الكيف والمثال لا يتيسّر إلّا بطريق الغيب فإنّ الإيمان الشّهوديّ ليس إيمانا به تعالى بل هو إيمان بمنحوت نفسه الذي هو من مخلوقاته تعالى وإشراك الإيمان بغيره بالايمان به تعالى بل ايمان بغيره تعالى فقط اعاذ الله سبحانه من ذلك وانّما يتيسّر الإيمان بالغيب إذا لم يبق للوهم السّريع السّير مجال فيه ولم ينتقش منه شيء في المتخيّلة وهذا المعنى متحقّق في الاقربيّة الّتي هي خارجة عن حيطة الوهم والخيال فإنّ الشّيء كلّما يكون أبعد يكون مجال الوهم فيه أزيد وأوسع ويكون في الدخول تحت سلطنة الخيال أقرب وأسرع. (وهذه الدولة) مخصوصة بالانبياء عليهم الصّلاة والسّلام والايمان بالغيب نصيب هؤلاء الاكابر عليهم الصّلوات والتّسليمات بالاصالة وقد يشرّف به كلّ من أريد في حقّه ذلك PageV02P030 بطريق التّبعيّة لهم والوراثة منهم والايمان الغيبيّ الذي هو حاصل لعوامّ المؤمنين ليس بخارج عن حيطة الوهم فإنّ وراء الوراء في حقّ العوامّ في جانب البعد الذي فيه مجال للوهم ووراء الوراء عند هؤلاء الاكابر في جانب القرب الذي لا مجال فيه للوهم وما دامت الدنيا قائمة والحياة الدنيويّة موجودة لا بدّ من الإيمان بالغيب؛ فإنّ الإيمان بالمشهود معلول هنا وإذا كانت النّشأة الاخرويّة وانكسرت سورة الوهم والخيال يكون الإيمان الشّهوديّ مقبولا ومبرّءا عن علّة الجعل والنّحت وأظنّ أنّ محمّدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا كان في دار الدنيا مشرّفا بدولة الرّؤية لو أثبتنا الإيمان الشّهوديّ في حقّه هنا لكان محمودا ومنزّها عن علّة الجعل والنّحت فإنّ الذي هو موعود لغيره في الآخرة ميسّر له صلّى الله عليه وسلّم هنا ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (1). (ينبغي أن يعلم) أنّ كلمة النّفي قد أتمّها الخليل على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ولم يترك بابا من أبواب الشّرك غير مسدود أصلا ولهذا صار إمام الانبياء وأسبقهم قدما فإنّ ظهور نهاية الكمال في النّشأة الدنياويّة منوط بإتمام هذا النّفي وظهور كمالات كلمة الإثبات موقوف على نشأة الآخرة. غاية ما في الباب أنّ خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام لمّا تشرّف في هذه النّشأة بدولة الرّؤية وجد نصيبا وافرا من كمالات كلمة الإثبات في هذه النّشأة أيضا حتّى يمكن أن يقال إنّ كلمة الإثبات قد تمّت ببعثته عليه الصّلاة والسّلام بمقياس هذه النّشأة ويمكن أن يكون إثبات التّجلّي الذّاتيّ في حقّه صلّى الله عليه وسلّم في هذه النّشأة لهذا المعنى ووعد في حقّ الآخرين والسّلام على من اتّبع الهدى (2) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها. (10) المكتوب العاشر إلى أخيه الحقيقيّ ميان محمّد مودود في بيان أنّ كلّ ظهور لا يكون بدون شائبة الظّلّيّة بخلاف ظهور ما فوق العرش (3) وأنّ القلب إذا انتهى إلى نهايته يقتبس لمعة من أنوار العرش PageV02P031 قال الشّيخ أبو يزيد البسطاميّ: «لو أنّ العرش وما حواه في زاوية من زوايا قلب العارف (1) ما أحسّ به " يعني من وسعة قلبه. وأيّد الشّيخ الجنيد هذا القول وأثبته بدليل وقال " إنّ الحادث إذا اقترن بالقديم لا يبقى منه أثر " يعني أنّ العرش وما فيه حادث فإذا اقترن ذلك الحادث بقلب العارف الذي هو محلّ ظهور أنوار القدم يصير مضمحلّا ومتلاشيا فكيف يكون محسوسا؟! والعجب الف عجب من صدور مثل هذا الكلام عن رؤساء الصوفيّة سلطان العارفين وسيّد الطّائفة حيث لا يجعلون للعرش المجيد اعتبارا في جنب قلب العارف أصلا ويرون العرش حادثا خاليا من ظهور أنوار القدم ويسمّون القلب قديما بواسطة ظهور أنوار القدم فيه فماذا أقول من غيرهم وماذا أكتب؟! وعند الفقير الذي هو مربّى الجذبات الإلهيّة هو أنّ قلب العارف إذا انتهى إلى نهاية النّهاية بمقتضى استعداده الخاصّ وحصّل الكمال الذي لا يتصوّر شيء فوقه يحصل له حينئذ قابليّة فيضان لمعة من لمعات ظهور أنوار العرش الّتي لا نهاية لها وتكون تلك اللّمعة (2) بالنّسبة إلى لمعات العرش قطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط بل أقلّ والعرش هو الذي سمّاه الله سبحانه عظيما وأثبت فيه سرّ الإستواء ويقال لقلب العارف بواسطة جامعيّته على سبيل التّمثيل والتّشبيه عرش لله يعني كما أنّ العرش المجيد برزخ بين عالم الخلق وعالم الامر في العالم الكبير وجامع لكلا طرفى الخلق والامر كذلك القلب برزخ بين عالم الخلق وعالم الامر في العالم الصّغير وجامع لكلا طرفى الخلق والامر من ذلك العالم الصّغير فيمكن أن يقال للقلب أيضا عرشا على سبيل التّمثيل. (اسمع اسمع) انّ قابليّة ظهور أنوار القدم الّتي هي منزّهة ومبرّأة عن شائبة الظّلّيّة مخصوصة بالعرش المجيد ليست تلك القابليّة لشيء من عالم الخلق ولا من عالم الامر ولا من العالم الكبير ولا من العالم الصّغير غير العرش المجيد ويقتبس قلب العارف الكامل من تلك الانوار بواسطة علاقة الجامعيّة والبرزخيّة ويغترف غرفة من ذلك البحر وكلّ ظهور بعد العرش وقلب العارف التّامّ المعرفة متّسم بسمة الظّلّيّة لم يجد رائحة من الاصل فإن قال أبو يزيد كذلك من السّكر فله ذلك ولكنّ صدوره من الجنيد الذي هو مدّع للصّحو (3) ليس بحسن وماذا يصنعون فإنّهم لم ينتبهوا لحقيقة المعاملة ولم يخرجوا من PageV02P032 لجّة بحر الظّلّيّة إلى السّاحل وهذا الكلام وإن كان اليوم مستبعدا في نظر أكثر الخلق ولكنّ الغد قريب من اليوم فلا يستعجلوا أَتى أَمْرُ الله فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (1) والسّلام على من اتّبع الهدى (2) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات وعلى جميع الانبياء والمرسلين وعلى الملائكة المقرّبين وعلى سائر عباد الله الصّالحين وعلى المؤمنين والمؤمنات أجمعين. (11) المكتوب الحادي عشر إلى المخدوم زاده معدن الحقائق والمعارف اللامتناهية ومظهر الفيوضات الإلهيّة مجد الدين الخواجه محمّد معصوم في بيان بعض خصائص ظهور ما فوق العرش ومعنى قوله تعالى الله نُورُ السَّماواتِ والْأَرْضِ (3) التأويليّ وبعض خواصّ كمالات الإنسان وفضائل الجزء الارضيّ منه وما يناسب ذلك نحمده ونصلّي على عبده وعلى آله الكرام (اعلم) أنّ العالم الكبير مع وجود الوسعة والتّفصيل فيه لمّا لم يكن فيه الهيئة الوحدانيّة ليست فيه قابليّة ظهور البسيط الحقيقيّ المجرّد عن النّسب والاعتبارات المعرّى عن تفاصيل الشّئون والصّفات وأشرف أجزاء العالم الكبير عرش الرّحمن الذي هو محلّ ظهور أنوار حضرة الذّات المستجمعة لجميع الصّفات وما وراء العرش المجيد من العالم الكبير لا تخلو الظّهورات فيه عن شائبة الظّلّيّة كائنا ما كان ولهذا خصّص ربّ العالمين سرّ الإستواء ممّا بين أجزاء العالم الكبير بالعرش المجيد لكونه أفضل أجزاء ذلك العالم فإنّ ظهور ظلّ من الظّلال ليس هو ظهوره تعالى في الحقيقة حتّى يعبّر عنه بعبارة الإستواء وأيضا إنّ الظّهور الذي فيه دائميّ من غير تخلّل الإستتار وإن كان نور السّموات والارض هو الحقّ سبحانه وتعالى ولكنّ ذلك النّور مقرون بحجب الظّلال لا ظهور له تعالى فيها من غير توسّط الظّلّيّة وجميع تلك الظّهورات مقتبسة من أنوار الظّهور العرشيّ ظهرت محتجبة بحجاب ظلّ من الظّلال كماء البحر المحيط يحمل بتوسّط الظّروف إلى الجوانب والاطراف وكمشعل عظيم تشعل منه المشاعل الصّغار ويستضاء بها الآفاق والاكناف وكأنّ في قوله تعالى الله PageV02P033 نُورُ السَّماواتِ والْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ (1) الآية إيماء إلى هذه المعارف فإنّ التّمثيل في هذه الآية الكريمة إنّما اختير لئلّا ينفهم ظهور ذلك النّور من غير توسّط ولئلّا يشتبه الاصل بالظّلّ وليعلم أنّ نور الظّلّ موقد مقتبس ومأخوذ من الاصل يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ (2) الآية الكريمة محمولة على مراد الله تعالى ونحن أوّلنا بتأويل كشف لنا فنقول بعون الله تعالى وحسن توفيقه سبحانه الله نُورُ السَّماواتِ والْأَرْضِ (3) النّور هو الذي تشرق به الاشياء وتستضيء والسّموات والارض إنّما أشرقت به تعالى فإنّه سبحانه أخرجها من ظلمات العدم وجعلها متّصفة بالوجود وتوابعه ونوّرّها ينبغي أن يتصوّر السّموات والارض الّتي أشرقت بذلك النّور مثل المشكاة وأن يعلم ذلك النّور بمثابة المصباح الذي هو مودع في تلك المشكاة ودخول كاف التّمثيل على المشكاة لاشتمالها على المصباح وينبغي أن يلاحظ الزّجاجة حجب الاسماء والصّفات فإنّ ذلك النّور متلبّس بالاسماء والصّفات وليس بمعرّى عن الشّئون والاعتبارات وزجاجة الصّفات كأنّها كوكب درّيّ من حسن الوجوب وجمال القدم وذلك المصباح المودع في تلك المشكاة موقد من شجرة مباركة زيتونة وهي كناية عن الظهور الجامع العرشيّ الذي الإستواء رمز من ذلك الظّهور فإنّ الظّهورات الّتي تتعلّق بالسّموات والارض بمثابة الاجزاء لذلك الظّهور الجامع وحيث كان ذلك الظّهور الجامع لا مكانيّا ولا جهتيّا جاز أن يقال إنّه لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ (4) صفة مادحة لتلك الشّجرة المباركة الّتي هي ممثّل بها وبيان لصفاء زيتها وتلألؤه. نُورٌ عَلى نُورٍ (5) يعني أنّ حجاب الزّجاجة لصفائه وإشراقه ازداد في ذلك النّور وزاد في حسنه وجماله لانّه اجتمعت كمالات الصّفات مع كمال الذّات واقترن حسن الصّفات بجمال الذّات مع وجود تضاعف النّور وكمال الظّهور. يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ (6) بلى مَنْ لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (7) وهذا الظّهور الجامع الذي انتسب إلى العرش منتهى المشاهدات والمعاينات (8) PageV02P034 والمكاشفات ونهاية التّجلّيات والظّهورات سواء كانت تجلّيات ذاتيّة أو صفاتيّة وبعد ذلك تتقرّر المعاملة على الجهل كما سيأتي نبذة من بيان ذلك إن شاء الله تعالى وهذا الظّهور الجامع وإن كان مقرونا بالصّفات ولكنّ الصّفات ليست في هذا الموطن حجابا للذّات وحجابيّة الصّفات للذّات مخصوصة بالظّهورات الظّلّيّة الّتي في مرتبة العلم وظهور الاصل في مقام العين فالصّفات حجاب للذّات في العلم لا في العين ألا ترى أنّ زيدا إذا تعقلته في مرتبة العلم يكون ظهوره في العلم بالصّفات كالطّويل أو القصير أو العالم أو الجاهل أو الصّغير أو الكبير أو الشّاعر أو الكاتب وكلّ تلك الصّفات الّتي تعقلها حجاب لذاته وجميع تلك التّقييدات الكلّيّة لا تكون مفيدة لتشخّصه فإذا خرج زيد من العلم إلى العين وصار مشهودا مع وجود الصّفات وانتقلت المعاملة من الظّلّيّة وتقرّرت على الاصالة فإنّ الصّور العلميّة لزيد ظلّ زيد الموجود في الخارج وهو أصله فحينئذ لا تكون الصّفات حجابا لذاته ويكون المحسوس شخصا مستجمعا لجميع الصّفات وكذلك مفارقة الصّفات لحضرة الذّات تعالت وتقدّست إنّما هي في مراتب الظّلال والتّصوّرات المثاليّة وأمّا إذا تيسّر الوصول إلى الاصل لا توجد الصّفات منفكة عن الذّات ولا يكون شهود الذّات منفكّا عن شهود الصّفات وتجلّي الصّفات الذي ميّزوه عن تجلّي الذّات وأثبتوا تجلّي الافعال على حدة كلّ ذلك في مقامات الظّلال وبعد الوصول إلى الاصل ليس إلّا تجلّ واحد متضمّن للتّجلّيات الثلاثة مثلا زيد الذي يكون مشهودا لا يكون شهود ذاته منفكا عن شهود صفاته بل المشاهد له يجده حين شهوده عالما فاضلا فكما أنّ علمه وفضله ليسا بحجاب لرؤيته كذلك ليسا بمنفكّين عنه أيضا نعم: إذا كان زيد متعقّلا ومدركا بالصّورة الظّلّيّة تكون صفاته منفكّة عن ذاته وحجابا له كما مرّ ألا ترى أنّ المرئيّ في الآخرة هو الذّات المستجمعة للصّفات لا الذّات المعرّاة عن الاسماء والصّفات فإنّ ذلك مجرّد الإعتبار لانّه لا تجرّد للذّات عن الصّفات أصلا وليست الصّفات منفكّة عن الذّات قطعا والتّجرّد إنّما يقال باعتبار أنّ العارف الكامل إذا استولى عليه التّعلّق بالذّات تعالت وتقدّست تسقط عن نظره ملاحظة الاسماء والصّفات ولا يبقى مشهوده غير أحديّة الذّات أصلا فتجرّد الذّات عن الصّفات إنّما كان باعتبار نظر العارف لا باعتبار الخارج ونفس الامر كما سيجيء تحقيقه إن شاء الله تعالى وأيضا إنّ هذا الظّهور الجامع منتهى المثاليّة والكمال الذي يحصل بعد ذلك لا يمكن كونه متصوّرا في مرآة المثال فإنّ التّصوّر في المثال إنّما يكون لامر له مشابهة مناسبة بما في الخارج وإن كانت تلك المشابهة في الإسم فقط وأمّا الامر الذي لا مشابهة له بشيء في الخارج بوجه من الوجوه فتصويره في المثال محال PageV02P035 والكمالات الفوقانيّة من هذا القبيل لانّها لا شيء يشابهها بوجه من الوجوه حتّى يمكن تصويرها في المثال ومن ههنا كان الجهل من لوازم ذلك الموطن في جميع الاوقات وصار عدم الإدراك فيه علامة الإدراك وفي هذه النّشأة وإن لم يحصل من ذلك المقام شيء غير الجهل وعدم الوجدان ولكنّ المرجوّ أن يحصل في الآخرة قوّة وقلب لا يتلاشى في تشعشع النّور ويكون خبيرا عن حقيقة المعاملة. (شعر) ألا أعطني قلبا ترى من جسارة ال? ... أسود وإن الفيتني قبل ثعلبا (ولا يوقعنّك) بيان ظهور ما فوق العرش في توهّم أنّ الحقّ سبحانه وتعالى مستقرّ فوق العرش وثابت له تعالى المكان والجهة تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا وعمّا لا يليق بجناب قدسه تعالى فإنّ ظهور صورة زيد في المرآة لا يستلزم استقرار زيد في المرآة وإن وقع القاصرون في التّوهّم ولله المثل الاعلى ألا ترى أنّ المؤمنين يرون الحقّ تعالى في الآخرة في الجنّة مع أنّ الجنّة وغيرها سيّان بالنّسبة إليه تعالى والكلّ مخلوقه تعالى والتّجلّي الواقع في جبل الطّور ليس فيه شائبة الحاليّة والمحلّيّة غاية ما في الباب أنّ بعض المحالّ فيه قابليّة الظّهور وبعض آخر ليست فيه تلك القابليّة ألا ترى أنّ المرآة فيها قابليّة لظهور الصّور وليست تلك القابليّة لنعال الدوابّ مع أنّ كلّا منهما من الحديد فالتّفاوت إنّما هو في المظهر لا في الظّاهر وجميع المظاهر قابلة أو غير قابلة سواسية بالنّسبة إلى الظّاهر وكذلك الالفاظ الّتي توهم الكلّيّة والجزئيّة ويفهم منها الحاليّة والمحلّيّة مصروفة عن الظّاهر ليست بلائقة بجناب قدسه تعالى وإنّما يرتكب إيراد هذه الالفاظ من ضيق العبارة [شعر]: اين قاعده ياددار كانجا كه خداست ... نه جزؤ ونه كل ونه ظروف ونه مظروف ترجمة تعالى الله عن جزء وكلّ ... ومظروف وظرف أو حلول ولمّا كان قلب الإنسان عرش العالم الصّغير ومشابها بعرش العالم الكبير وكان التّجلّي هناك بدون شائبة الظّلّيّة كانت لمعة من ذلك التّجلّي بدون تلك الشّائبة نصيب ذلك القلب وإن كان للسّموات والارض نصيب من ذلك التّجلّي ولكنّه في حجاب ظلّ من الظّلال بخلاف القلب فإنّه مبرّأ عن شائبة الظّلّيّة مثل العرش وإن كان الظّهور متفاوتا باعتبار الصّغر والكبر. [ع]: ويبدو على قدر المرايا جماله * فالتّجلّي بدون شائبة الظّلّيّة بعد العرش المجيد نصيب قلب كمّل الإنسان وحاصل غيرهم الظّلّيّة. ينبغي: أن يعلم أنّ الظّهور العرشيّ وإن كان مبرّأ عن شائبة الظّلّيّة ولكنّ الصّفات ممتزجة هناك بالذّات تعالت وتقدّست والشئون والاعتبارات ثابتة في الذّات والشّئون والصّفات وإن لم تكن حجابا للذّات في تلك المرتبة ولكنّها مشاركة في المشاهدة والادراك ومساهمة في المحبّة والعلاقة وأسارى PageV02P036 محبّة الاحديّة المجرّدة تعالت وتقدّست لا يرضون بشركة أمر وبحكم أَلا لله الدِّينُ الْخالِصُ (1) يطلبون الدين الخالص. وعدم شركة الصّفات على تفاوت الدرجات نصيب الهيئة الوحدانيّة الإنسانيّة ونصيب هيئة وحدانيّة قلب الإنسان ونصيب الجزء الارضيّ للإنسان وفوق كلّ ذلك هيئة وحدانيّة للانسان كائنة بمثابة جزئه الارضيّ وآخذة حكمه وبالجملة أنّ العمدة في هذه المعاملة هي الجزء الارضيّ وبقيّة الامور يعني الاجزاء كالمحسّنات الزّائدة وفي الإنسان شيئان ليس شيء منهما في العرش ولا نصيب منهما للعالم الكبير فيه جزء أرضيّ ليس هو في العرش وفيه هيئة وحدانيّة ليست هي في العالم الكبير والشّعور المتعلّق بالهيئة الوحدانيّة فهو نور على نور ومخصوص بالعالم الاصغر فالانسان أعجوبة حصّل لياقة الخلافة وتحمّل ثقل الامانة (واستمع) ما يتلى عليك من الخصائص الغريبة الإنسانيّة أنّ معاملة الإنسان تبلغ مرتبة تحصل له قابليّة مرآتيّة الاحديّة المجرّدة ويصير مظهر الذّات الاحد من غير اقتران الصّفات والشّئونات والحال أنّ حضرة الذّات تعالت وتقدّست مستجمعة لجميع الصّفات والشّئونات في جميع الاوقات لا انفكاك بينهما أصلا في وقت من الاوقات (وبيانه) أنّ الإنسان الكامل إذا تخلّص من أسر ما سوى الذّات الاحديّة تعالت وتقدّست يحصل له التّعلّق بالذّات الاحد ولا يكون شيء من الصّفات والشّئون ملحوظا ومنظورا ومقصودا أو مطلوبا له وبحكم: «المرء مع من أحبّ " يحصل له نوع من الاتّصال المجهول الكيفيّة بحضرة الاحديّة المجرّدة وذلك التّعلّق الذي كان له بالذّات الاحد يثبت له نسبة القرب المجهولة الكيفيّة بالذّات المنزّهة عن الكيف فيكون الإنسان الكامل في ذلك الوقت مرآة للذّات الاحد بحيث لا يكون شيء من الصّفات والشّئونات مشهودا ومرئيّا فيه بل تكون الاحديّة المجرّدة تعالت وتقدّست ظاهرة ومتجلّية فيه سبحان الله العظيم إنّ الذّات الّتي لم يكن من شأنها الإنفكاك عن الصّفات أصلا كانت ظاهرة ومتجلّية في مرآة مثل هذا الإنسان الكامل بحيثيّة التّجرّد وصار الحسن الذّاتيّ متميّزا عن الحسن الصّفاتيّ ولم تتيسّر هذه المرآتيّة لاحد غير الإنسان الكامل بلا اقتران الصّفات والشّئونات والعرش المجيد إنّما كان مظهر الحضرة الذّات المستجمعة لجميع الصّفات في العالم الكبير والانسان الكامل صار مظهرا للذّات الاحد المجرّدة عن الإعتبارات في العالم الصّغير وهذه المرآتيّة من أعجوبات الإنسان والله سبحانه المعطي لا مانع لما أعطاه ولا معطي لما منعه والسّلام على من اتّبع الهدى (2) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله وأصحابه الصّلوات والتّسليمات العلى PageV02P037 (12) المكتوب الثاني عشر إلى أخيه الحقيقيّ الميان غلام محمّد في بيان أنّ الملك وإن كان مشاهدا للأصل وشهود الإنسان في مرآة الانفس ولكن جعلت تلك الدولة فيه كالجزء منه وترتّب البقاء عليه وما يناسبه الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ الملائكة الكرام على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام مشاهدون للأصل ومتوجّهون إليه ومتعلّقون به وشائبة الظّلّيّة مفقودة في حقّهم والإنسان المسكين العاجز قلّما يضع قدمه في خارج الظّلّيّة في هذه النّشأة ويحصّل شهودا دائميّا بدون وساطة مرايا الآفاق والانفس وبعد الوصول إلى الاصل يتجلّي في مرآة قلبه لمعة من تشعشع أنوار الاصل ويرجع إلى العالم ويحال فيه عليه تربية النّاقصين وفي هذا الرّجوع تربية نفسه وتربية غيره؛ فإنّ تلك اللّمعة الّتي جعلت كالجزء منه تجعل أجزاءه الاخر منصبغة بصبغها في مدّة رجوعه متلوّنة بلونها كما أنّه يخرج غيره من مضيق النّقص إلى فضاء الكمال ويدلّهم من الغيب (1) إلى الشّهود فإذا تمّت مدّة الدعوة والرّجوع وبلغ الكتاب أجله يظهر فيه شوق الاصل ويقوم من باطنه نداء الرّفيق الاعلى ويتخلّص من تعلّقات شتّى وينقل حموله من الغيب إلى الشّهادة وتخرج معاملته من المراسلة إلى المعانقة ويصدق هنا " الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب» (ينبغي) أن يعلم أنّ الملك وإن كان مشاهد الاصل وشهود الإنسان في مرآة الانفس ولكن جعلت تلك الدولة في الإنسان كالجزء منه وأعطي البقاء (2) بها وجعل متحقّقا بها بخلاف PageV02P038 الملك فإنّ تلك الدولة ما جعلت فيه كالجزء منه بل لهم النّظّارة من الخارج وليس لهم بقاء وتحقّق بها وليس فيهم ذلك الإنصباغ والتّلوّن بلون الاصل الذي يتيسّر للإنسان والاختصاص الذي حصل للفرشيّين ليس هو للقدسيّين فإنّ تفاوت ما بين الباطن والخارج كثير وإن كانت الدولة الباطنيّة كالجزء والدولة الخارجيّة كالكلّ ولكنّ الباطن باطن والخارج خارج. كلامنا إشارة وبشارة ولهذا صارت خواصّ البشر أفضل من خواصّ الملائكة ومع جميع ذلك حصل استحقاق الخلافة والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) [شعر] زمين زاده بر آسمان تاخته ... زمين وزمانرا ?س انداخه ترجمة: علا فوق السّماء وليد أرض ... وخلّف خلفه زمنا وأرضا وهذه الدولة إنّما تيسّرت للإنسان بواسطة جزئه الارضيّ والقلب الذي صار عرش الله إنّما هو بدولة العنصر التّرابيّ الذي جامع للكلّ ومركز دائرة الإمكان نعم: إنّما نالت الأرض كلّ هذا العلوّ والرّفعة من الضّعة وعدم التّرفّع وجعلها التّواضع عالية من تواضع لله سبحانه رفعه الله فإذا رجع الإنسان إلى الاصل بعد تمام مدّة رجوعه ودعوته وبعد انصباغه بصبغ الاصل وصار متوجّها إلى جناب القدس فاليقين أنّ الإختصاص والانبساط الذي يتيسّر له هناك لا يكون هو لغيره وقرب المنزلة الذي يحصل له فيه ليس لغيره فإنّه صار واصلا فانيا وحصل له البقاء بالاصل وصار منصبغا بصبغ الاصل فأين المجال لغيره حتّى يدّعون المساواة له فإنّ انصباغ الغير وإن كان لاعتبار التّجرّد (2) والتّنزّه أكمل وأتمّ ولكنّه ناشئ من خارج فحكمه حكم عارضيّ وحيث كان انصباغ الإنسان باطنيّا كان حكمه حكم الذّاتيّ شتّان ما بينهما PageV02P039 وهذا الكمال مخصوص بالانبياء صلوات الله تعالى وتسليماته عليهم أجمعين وهم المرادون بخواصّ البشر ومن يبشّر بهذه الدولة العظمى بالوراثة والتّبعيّة وكان حصول هذه الدولة في أصحاب الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام ببركة الصّحبة أكثر وأزيد ويشرّف بها غير الاصحاب أيضا وإن كان قليلا بل أقلّ [شعر] وإذا أتى باب العجوز خليفة ... إيّاك يا صاح ونتف سبالك ربّنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا ذنوبنا إنّك على كلّ شيء قدير (1) بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلوات والتّحيّات والتّسليمات. (13) المكتوب الثالث عشر إلى المرزا شمس الدين في جواب كتابه وبيان أنّ نصيب علماء الظّاهر ونصيب الصّوفيّة العليّة ونصيب العلماء الرّاسخين الذين هم ورثة الانبياء ما هو وما يناسب ذلك بعد الحمد لله والصّلوات وتبليغ الدعوات ليعلم أنّ الصّحيفة الشّريفة الصّادرة على وجه الكرم قد بلّغها أخي الاعزّ الشّيخ محمّد طاهر فحصل بورودها الفرح والسّرور وقد اندرج فيها التماس النّصائح بواسطة المكاتيب إلى زمن الملاقاة (أيّها المخدوم المكرّم) إنّ النّصيحة هي الدين ومتابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّحيّات أكملها. ونصيب علماء الظّاهر من الدين ومتابعة سيّد المرسلين بعد تصحيح العقائد هو علم الشّرائع والاحكام والعمل بمقتضى ذلك العلم. ونصيب الصّوفيّة - مع ما هو للعلماء - الأحوال والمواجيد والعلوم والمعارف. ونصيب العلماء الرّاسخين الذين هم ورثة الانبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - مع ما هو لعلماء الظّاهر ومع ما امتاز به الصّوفيّة هو الأسرار والدقائق الّتي جرى الرّمز والاشارة إليها في المتشابهات القرآنيّة واندرجت فيها على سبيل التأويل فهم الكاملون في المتابعة والمتحقّقون بالوراثة وهم شركاء في دولة الانبياء - عليهم السّلام - الخاصّة بهم ومحارم المخدع الخاصّ فلا جرم تشرّفوا بشرف " علماء امّتى كانبياء بنى اسرائيل " فعليكم بمتابعة سيّد المرسلين وحبيب ربّ العالمين - عليه وعلى جميع الانبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين وأهل الطّاعة أجمعين الصّلوات والتّحيّات علما وعملا ووجدا وحالا لتكون وسيلة إلى حصول الوراثة الّتي هي نهاية درجات السّعادة. PageV02P040 (14) المكتوب الرّابع عشر إلى مولانا أحمد البركيّ في جواب استفساره أنّ صاحب المنصب هل يكون صاحب علم البتّة أو لا وعن سبب عدم الإطّلاع على الأحوال بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفتان متتابعتين وقد كتبت خبر المصيبة - إنّا لله وإنّا إليه راجعون - ليكرّر الاصحاب والاحباب كلمة: «لا إله إلّا الله " سبعين الف مرّة لروح المرحوم خواجه محمّد صادق وسبعين الف مرّة لروح أخته المرحومة أمّ كلثوم وليهدوا ثواب كلّ منهما لروحانيّة كلّ منهما؛ فإنّ الدعاء مأمول من الاحباب والفاتحة مسئولة منهم وكتبت أيضا أنّه قد ذكر في المكتوبات أنّ صاحب المنصب صاحب علم (أيّها المخدوم) إنّ قطب الأقطاب صاحب علم يعني بمنصبه وأقطاب البقعات كأجزائه ويده ورجله يكون لبعضهم العلم بمداريّته ولبعضهم لا (وكتبت) أيضا أنّ الفناء في الله والبقاء بالله لم يحصلا إلى الآن ماذا نفعل؟! كنت أنت في الصّحبة قليلا ولم تمكث مقدار ما نطّلعك على حصول بعض أحوالك وأنا الآن أشاهد من بلاد الهند فناءك وبقاءك وأحسّ هذين الكمالين المذكورين فيك وأنت تنكر ذلك وبيننا مسافة بعيدة وما لم تتيسّر الملاقاة الصّوريّة فالاطّلاع على الأحوال المكنونة متعسّر. وما تكلّم به المشايخ في الفناء والبقاء كلّه رمز وإشارة فماذا يجد الإنسان من قبل نفسه ولا يعطي الحقّ سبحانه الكلّ علما وأحوالا بل يعطي الشّخص علما بأحواله ويجعله مقتدى به ويربط الجمع به فيبلّغهم مرتبة الكمال والتّكميل [شعر] ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد يا ليتني كنت أمسكت الشّيخ حسنا أيّاما أخر وأطلعته على بعض أحوالكم ثمّ أرسلته إلى خدمتكم ومجيئك مشكل فيا حبّذا لو جاء من أصحابك شخص رشيد قابل فهيم وأقام هنا أيّاما حتّى نخبره بأخبار ضروريّة والمقصود هو حصول الأحوال والاطّلاع على الأحوال هو أمر آخر والباقي عند التّلاقي إن شاء الله تعالى الباقي. والسّلام والنّصيحة الّتي لا بدّ منها هي أن تجتهد في الدرس من غير فتور وأن لا تسمح نفسك بتركه فإن أمكنك استغراق جميع أوقاتك بالدّرس والتّعلّم ولا تتركنّه معطّلا وحيث كانت تلك الحدود كافية للذّكر وليشتغل الشّيخ حسن أيضا بالدّرس والتّعلّم ولا تتركنّه معطّلا وحيث كانت تلك الحدود قليلة النّصيب من العلم كان إحياء العلوم الشّرعيّة فيها ضروريّا وماذا أبالغ أزيد من ذلك؟! ووصلت الاوراق المندرج فيها بيان أحوال الخواجه ويس ونظرت في أكثر مواضعها فوجدتها مبشّرات فليكن راجيا من الحقّ سبحانه حتّى تخرج من القوّة إلى الفعل والسّلام. PageV02P041 (15) المكتوب الخامس عشر إلى سادات بلدة سامانه وقضاتها ومواليها وسائر أهاليها في ذمّ خطيب ترك ذكر الخلفاء الرّاشدين في خطبة عيد الاضحى وتقريعهم على استماعها وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى الباعث على تصديع خدّام ذوي الإحترام السّادات العظام والقضاة والأهالي والموالي الكرام في بلدة سامانه هو أنّا سمعنا أنّ خطيب ذلك المقام ترك ذكر الخلفاء الرّاشدين رضي الله عنهم في خطبة عيد الاضحى ولم يذكر أساميهم المتبرّكة. وسمعنا أيضا أنّه لمّا تعرّض له جماعة من الحاضرين لم يعترف بسهوه ولم يعتذر عن نسيانه وذنبه بل قابلهم بالتّمرّد والعناد وقال: «ايش يلزم " إن لم يذكر أسامي الخلفاء الرّاشدين وسمعنا أيضا أنّ أكابر ذلك المقام وأهاليه تساهلوا في هذا الباب ولم يقابلوا ذلك الخطيب عديم الإنصاف والآداب بالشّدّة والغلظة [ع] فآها الف آه دون مرّة * وذكر الخلفاء الرّاشدين وإن لم يكن من شرائط الخطبة ولكنّه من شعائر أهل السّنّة والجماعة - شكر الله تعالى سعيهم - لا يتركه عمدا وتمرّدا إلّا من قلبه مريض وباطنه خبيث ولئن فرضنا أنّه لم يترك بالتّعصّب والعناد فماذا يقول في جواب وعيد " من تشبّه بقوم فهو منهم» (1) وكيف PageV02P042 يتخلّص من مظانّ التّهم وقد ورد " اتّقوا مواضع التّهم» (1) فإن كان متوقّفا في تقديم الشّيخين وتفضيلهما فهو رافض لطريق أهل السّنّة والجماعة وإن كان متردّدا في محبّة الختنين فهو أيضا خارج من زمرة أهل الحقّ ولا يبعد أن يأخذ ذلك الخطيب الذي لا حقيقة له المنسوب إلى كشمريّة هذا الخبث من مبتدعي كشمير فينبغي تعليمه وتفهيمه أنّ أفضليّة الشّيخين ثابتة بإجماع الصّحابة والتّابعين كما نقله جماعة من أكابر أئمّة الدين واحد منهم الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه. قال الشّيخ الإمام أبو الحسن الاشعريّ " إنّ تفضيل أبي بكر ثمّ عمر على بقيّة الامّة قطعيّ وقد تواتر عن عليّ رضي الله عنه في خلافته وكرسيّ مملكته وبين الجمّ الغفير من شيعته " أنّ أبا بكر وعمر أفضل الامّة. " قال الذّهبيّ: ثمّ قال: «رواه عن عليّ رضي الله عنه نيّف وثمانون نفسا " وعدّ منهم جماعة ثمّ قال: «فقبّح الله الرّافضة ما أجهلهم! " وروى البخاريّ (2) الذي كتابه أصحّ الكتب بعد كتاب الله تعالى عن عليّ رضي الله عنه أنّه قال: «خير النّاس PageV02P043 بعد النبىّ عليه الصّلاة والسّلام أبو بكر ثمّ عمر ثمّ رجل آخر فقال ابنه محمّد ابن الحنفيّة ثمّ أنت؟! فقال: إنّما أنا رجل من المسلمين». وأمثال ذلك عنه وعن غيره من أكابر الصّحابة والتّابعين كثيرة شهيرة لا ينكرها الّا جاهل أو معاند. وينبغي أن نقول لذلك المنخلع عن لباس الإنصاف: إنّنا مأمورون بمحبّة جميع أصحاب رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وممنوعون عن بعضهم وإيذائهم وحضرات الختنين من أكابر الصّحابة ومن أقاربه عليه الصّلاة والسّلام فيكونان أحقّ بالمحبّة والمودّة قال الله تعالى قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلّاَ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى (1). وقال النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " الله الله في أصحابي ولا تتّخذوهم غرضا من بعدي فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه» (2). ومثل هذا الزّهر الكريه الرّاحة لم يعلم تفتّقه في بلاد الهند من ابتداء الإسلام إلى هذا الوقت ويكاد يتّهم جميع أهل البلد من هذه المعاملة بل يكاد يرتفع الإعتماد من جميع بلاد الهند وسلطان الوقت - PageV02P044 نصره الله على جميع أعداء الإسلام - من أهل السّنّة وحنفيّ المذهب وابتداع مثل هذا الامر في زمانه نهاية الجراءة بل هو منازعته في الحقيقة وخروج من طاعة أولي الامر. والعجب من سكوت المخاديم العظام الكائنين في ذلك المقام في هذه الواقعة ومساهلتهم مع صدور جميع المذكورات؛ قال الله تبارك وتعالى في ذمّ أهل الكتاب لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (1) وقال تعالى أيضا كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (2) واختيار التّغافل في مثل هذه الواقعة موجب لجسارة المبتدعين وتوهين للدّين ومن مثل هذه المساهلات تدعو الجماعة المهدويّة ملأ أهل الحقّ هناك إلى باطلهم ويختطفون أمثال الذّباب واحدا واثنين في مدّة قليلة من أيدي الثعالب وماذا أكتب أزيد من ذلك؟! وحيث كان استماع هذا الخبر الموحش باعثا على الإضطراب ومحرّكا لعرقي الفاروقيّ صرت مضطرّا إلى الإقدام على تحرير كلمات والمرجوّ مسامحتكم وعذركم. والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات والتّحيّات والبركات. (16) المكتوب السّادس عشر إلى الشّيخ بديع الدين السّهار نفوريّ في جواب استفساراته وفي بيان عجائب أحوال البرزخ (3) الصّغير وغرائبها وفضيلة الموت بالطّاعون الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد وصلت الصّحيفة الشّريفة وقد اندرج فيها أنّه: قد ظهرت في هذه الحدود حوادث قويّة. الأولى: الطّاعون. والثانية: القحط أعاذنا الله سبحانه وإيّاكم عن البليّات. وحرّرت أيضا أنّه مع وجود هذه الفتن يصرف اللّيل والنّهار في العبادة والمراقبة والباطن معمور لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك. وجواب الاسئلة المندرجة فيها: يقرأ في السّنن في أكثر الاوقات قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (4) وقُلْ هُوَ الله أَحَدٌ (5) والمعوّذتان. والكفن المسنون للرّجال: ثلاثة أثواب والعمامة زائدة فنقتصر على المسنون ولا نكتب الجواب نامه لاحتمال التّلوّث بالقاذورات ولم يثبت بسند صحيح وعمل علماء ما وراء النّهر على ذلك PageV02P045 فإن جعل القميص المتبرّك بدل قميص الكفن جاز. وأكفان الشّهداء هي أثوابهم ووصّى الصّدّيق الاكبر رضي الله عنه بتكفينه في ثوبه حيث قال " كفّنوني في ثوبيّ هذين» (1). ولمّا كان البرزخ الصّغير من مواطن الدنيا من وجه جاز أن يكون فيه مجال للتّرقّي وأحوال هذا الموطن فيها تفاوت فاحش بالنّظر إلى أشخاص متفاوتة ولعلّك سمعت أنّ الانبياء يصلّون في القبور ولمّا مرّ نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام بقبر موسى عليه السّلام ليلة المعراج: رآه يصلّي في قبره ولمّا رقّي إلى السّماء في تلك اللّحظة وجد الكليم هناك» (2). وفي معاملة هذا الموطن عجائب وغرائب وحيث انّنا نكثر النّظر في هذه الايّام إلى ذلك الموطن من أجل المرحوم ولدي الاعظم تظهر فيه أسرار غريبة بحيث إن ذكرت نبذة منها تكون باعثة على الفتن وسقف الجنّة وإن كان عرشا مجيدا ولكنّ القبر أيضا روضة من رياض الجنّة وإن كان العقل القاصر عاجزا عن تصويره. والنّاظر إلى تلك الاعجوبات هو عين أخرى ومجرّد الإيمان - وإن كان منجيا بعد اللّتيّا واللّتى - ولكنّ رفع الكلمة الطّيّبة مربوط بالعمل الصّالح والفرار من الموت كبيرة كالفرار يوم الزّحف ومن ثبت في أرض الوباء صبرا ومات فهو من الشّهداء ومأمون من فتنة القبر والذي صبر ولم يمت فهو من الغزاة. (شعر) فإن قال لي مت متّ سمعا وطاعة ... وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا وقد أعجزني البلغم والسّعال منذ أيّام وبلغ ضعف البدن نهايته فاقتصرنا على الاجوبة بالضّرورة والسّلام. (17) المكتوب السّابع عشر إلى المرزا حسام الدين أحمد في بيان أنّ مصيبات هذا العالم وإن كانت في الظّاهر جراحات ولكنّها مراهم في الحقيقة وباعثة لترقّيات كثيرة وفي فضيلة موت الطّاعون وما يناسب ذلك PageV02P046 وبعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات (ليعلم) انّ الصّحيفة الشّريفة المرسلة مع الشّيخ مصطفى في باب التّعزية والمصيبات قد تشرّفت بملاحظة مضمونها " إنّا لله وإنّا إليه راجعون " وهذه المصيبات جراحات في الظّاهر ولكنّها مراهم في الحقيقة وموجبة للتّرقّيات والثمرات والنّتائج المرتّبة عليها بعناية الله تعالى عشر عشير تلك الثمرات المتوقّعة المأمولة بعناية الله تعالى في الآخرة؛ فوجود الاولاد عين الرّحمة حيث انّ في حياتهم منافع وفوائد وفي مماتهم أيضا ترتّب الثمرات والنّتائج. (ذكر الإمام الاجلّ محيي السّنة في حلية الابرار) أنّه وقع الطّاعون في زمن عبد الله بن الزّبير رضي الله عنهما ثلاثة أيّام ومات في ذلك الطّاعون ثلاثة وثمانون ابناء لانس - رضي الله عنه - خادم نبيّنا عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات وقد دعا له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالبركة ومات أربعون ابنا لعبد الرّحمن ابن أبي بكر رضي الله عنهم. فإذا عومل بأصحاب خير الأنام - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام - هذه المعاملة فأيّ حساب لامثالنا العاصين؟! وقد ورد في الخبر: أنّ الطّاعون كان عذابا للأمم السّابقة وهو شهادة لهذه الامّة. والحقّ أنّ الذين يموتون في هذا الوباء يذهبون حاضرين متوجّهين على وجه يقضى منه العجب حتّى يتمنّى الإنسان اللّحاق في هذه الايّام بهؤلاء الجماعة أرباب البلاء ونقل الحمول من الدنيا إلى الآخرة وهذا البلاء في هذه الامّة غضب في الظّاهر رحمة في الباطن. وقال الشّيخ طاهر: «رأيت شخصا في لاهور في أيّام الطّاعون يقول: من لم يمت في هذه الايّام فهو متحسّر». (نعم) إذا أجيل النّظر في أحوال هؤلاء الماضين تشاهد أحوال غريبة ومعاملات عجيبة لا يمتاز بهذه الخصائص غير الشّهداء في سبيل الله يعني: لا ينالها غيرهم. (أيّها المخدوم) إنّ مفارقة ولدي الاعزّ - قدّس سرّه - من أعظم المصائب لا يعلم كون شخص مصابا بمثل هذه المصيبة. وأمّا الصّبر والشّكر اللّذان رزقهما الله سبحانه لهذا الضعيف في هذه المصيبة فمن أجلّ إحسانه وأعظم إنعامه سبحانه وتعالى وأسأل الله سبحانه أن يؤخّر جزاء هذه المصيبة إلى الآخرة وأن يكون معدّا لها وأن لا يظهر شيء منه في الدنيا وإن كنت أعلم أنّ هذه المسألة من ضيق الصّدر وإلّا فهو تعالى واسع الرّحمة فَلله الْآخِرَةُ والْأُولى (1) (المسئول من الإخوان) الإمداد والاعانة ودعاء سلامة الخاتمة والعفو عن الزّلات اللّازمة للبشريّة والتّجاوز عن التّقصيرات النّاشئة من البشريّة رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (2) والسّلام عليكم وسائر من اتّبع الهدى (3). PageV02P047 (18) المكتوب الثامن عشر إلى الشّيخ جمال الدين النّاكوريّ في بيان نصيب علماء الظّاهر ونصيب العلماء الرّاسخين ونصيب الصّوفيّة وجواب التماسه الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى " العلماء ورثة الانبياء " كاف في مدحة العلماء وعلم الوراثة هو علم الشّريعة؛ فإنّه هو الذي بقي من الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات. ولعلم الشّريعة صورة وحقيقة: وصورته: هي نصيب علماء الظّاهر - شكر الله تعالى سعيهم - وهي الّتي تتعلّق بمحكمات الكتاب والسّنّة. وحقيقته: هي نصيب العلماء الرّاسخين - رضي الله تعالى عنهم - وهي الّتي تتعلّق بمتشابهات الكتاب والسّنّة والمحكمات وان كنّ امّ الكتاب ولكن ثمراته ونتائجه المتشابهات الّتى هنّ مقاصد الكتاب وليست الامّهات سوى أن تكون وسائل لحصول النّتائج فكان لبّ الكتاب المتشابهات والمحكمات قشر ذلك اللّبّ والمتشابهات هي الّتي تبيّن الاصل بالرّمز والاشارة وتكشف عن وجه حقيقة تلك المعاملة. والعلماء الرّاسخون جمعوا بين القشر واللّبّ وحازوا مجموع صورة الشّريعة وحقيقتها والكبراء تصوّروا الشّريعة كشخص يكون قشره ولبّه من صورة الشّريعة وحقيقتها ووجدوا علم أحكام الشّرائع صورة الشّريعة وعلم الحقائق والأسرار حقيقة الشّريعة وصارت طائفة مفتونة بصورة الشّريعة وأنكروا حقيقتها ولم يعرفوا لانفسهم شيخا ومقتدى به غير الهداية والبزدويّ وطائفة أخرى وإن حصلت لهم علاقة بتلك الحقيقة ولكنّهم لمّا لم يعرفوها حقيقة الشّريعة بل زعموا الشّريعة مقصورة على الصّورة وظنّوها قشرا فقط وتصوّروا اللّبّ وراءها: فلا جرم لم يدركوا حقيقة تلك الحقيقة ولم ينالوا نصيبا من المتشابهات والعلماء الرّاسخون هم الوارثون في الحقيقة جعلنا الله سبحانه وإيّاكم من محبّيهم ومقتفي آثارهم. ثمّ إنّ أخي الشّيخ ميان نور محمّد أظهر من جانبكم بأنّكم قلتم: إنّ لنا إجازات من مشائخ السّلاسل الاخر ونريد من جانب النّقشبنديّة أيضا إجازة. (أيّها المخدوم المكرّم) إنّ المشيخة والمريديّة في الطّريقة (1) النّقشبنديّة العليّة بتعليم الطّريقة وتعلّمها لا بالكلاه والشّجرة كما هو متعارف في سلاسل أخر وطريق هؤلاء الاكابر صحبة وتربيتهم انعكاسيّة فلا جرم اندرجت في بدايتهم نهاية الآخرين وصار طريقهم أقرب الطّرق ونظرهم شفاء الامراض القلبيّة وتوجّههم دافع العلل المعنويّة. (شعر) ما أحسن النّقشبنديّين سيرتهم ... يمشون بالرّكب مخفيّين للحرم والمرجوّ مسامحتكم [ع] والعذر عند كرام النّاس مقبول * والسّلام. PageV02P048 (19) المكتوب التّاسع عشر إلى المير محبّ الله في التّحريض على اتّباع السّنّة السّنيّة والتّحذير من ارتكاب البدعة الغير المرضيّة وما يناسب ذلك بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات (ليعلم) أخي الاعزّ السّيّد محبّ الله: أنّ أحوال فقراء هذه الحدود وأوضاعهم مستوجبة للحمد والمسئول من الله سبحانه سلامتكم وثباتكم واستقامتكم ولم يطّلع في هذه المدّة على أحوال فقراء تلك الحدود فإنّ بعد المسافة من الموانع. النّصيحة هي الدين ومتابعة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وإتيان السّنّة السّنيّة والاجتناب عن البدعة الغير المرضيّة وإن كانت البدعة ترى مثل فلق الصّبح لكنّها لا نور لها في الحقيقة ولا ضياء ولا للعليل منها شفاء ولا للدّاء منها دواء كيف والبدعة إمّا رافعة للسّنّة أو ساكتة عنها؟! والسّاكتة لا بدّ وأن تكون زائدة على السّنّة فتكون ناسخة لها في الحقيقة أيضا لانّ الزّيادة على النّصّ نسخ له؛ فالبدعة كيف كانت تكون رافعة للسّنّة نقيضة لها؛ فلا خير فيها ولا حسن فيا ليت شعري من أين حكموا بحسن البدعة المحدثة في الدين الكامل والاسلام المرضيّ بعد إتمام النّعمة؟! أولم يعلموا أنّ الإحداث بعد الإكمال والاتمام وحصول الرّضاء بمعزل عن الحسن؟! فماذا بعد الحقّ إلّا الضّلال؟! ولو علموا أنّ الحكم بحسن المحدث في الدين الكامل مستلزم لعدم كماله ومنبئ عن عدم تمام النّعمة لما اجترأوا عليه رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (1) والسّلام عليكم وعلى من لديكم. (20) المكتوب العشرون إلى مولانا محمّد طاهر البدخشيّ في فضائل الصّلاة والتّحريض في تعديل الاركان وتكميل الشّرائط والآداب كما ينبغي وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصل المكتوب الشّريف المرسل من نواحي جونفور وحيث كان متضمّنا لخبر الضّعف صار باعثا على الإضطراب والتّشويش فنحن الآن مترصّدون لخبر الصّحّة فأرسلوه مع الواردين واكتبوا كيفيّات الأحوال (أيّها المحبّ) إنّ هذه الدار لمّا كانت دار العمل - ودار الجزاء هي دار الآخرة - ينبغي السّعي في إتيان الاعمال الصّالحة وأفضل الاعمال وأحسن العبادات هي إقامة الصّلاة الّتي هي عماد الدين ومعراج المؤمنين فينبغي رعاية جانب الإهتمام التّامّ PageV02P049 في أدائها والاحتياط فيها حتّى يؤدّى كلّ واحد من أركانها وشرائطها وسننها وآدابها كما ينبغي ويليق وينبغي المبالغة مكرّرة في رعاية الطّمأنينة وتعديل الاركان والمحافظة عليها محافظة كاملة فانّ اكثر النّاس قد اضاعوا الصّلاة بتضييع الطّمأنينة وتعديل الاركان وورد في حقّ هؤلاء الجماعة وعيد كثير وتهديد شديد فإذا صحّت الصّلاة وكملت فقد تيسّر رجاء عظيم لاجل النّجاة لانّ الدين كان قائما حينئذ وبلغ معراج العروج على التّمام. (شعر) وعليكم بالسّكّر يا أهل صفرا ... على رغم ذوي السّوداء والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات العلى. (21) المكتوب الحادي والعشرون إلى الشّيخ محمّد صدّيق الملقّب بالهداية في بيان أنّ المراد بالقلب الواقع في الحديث القدسيّ «لا يسعني أرضي» إلخ هو المضغة لا الحقيقة الجامعة الّتي أخبر بعض المشائخ عن وسعتها وما يتعلّق بذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد كتبت بانّك ذكرت في مكتوباتك ورسائلك بأنّ الظّهور القلبيّ لمعة من الظّهور العرشيّ والفضل الكلّيّ إنّما هو للظّهور العرشيّ وقد ورد في الحديث القدسيّ " لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن» (1). ويلزم من هذا الحديث أن يكون الظّهور القلبيّ أتمّ وأن يكون الفضل له. أيّها المحبّ: إنّ حلّ هذا السّؤال مبنيّ على مقدّمة (اعلم) أنّ أرباب الولاية يقولون " قلبا " ويريدون به الحقيقة الجامعة PageV02P050 الإنسانيّة الّتي هي من عالم الامر والقلب في لسان النّبوّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة عبارة عن المضغة الّتي صلاح البدن مربوط بصلاحها وفساد البدن منوط بفسادها كما ورد في الحديث النّبويّ عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات: «إنّ في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب» (1) ووسعة القلب لازم لاطلاق الاوّل ومن ههنا أخبر أبو يزيد والجنيد عن وسعة القلب وظنّوا العرش وما فيه محقّرا في جنب عظمة القلب. وضيق القلب لازم الإطلاق الثاني وضيق القلب في هذا المقام على نهج لا مجال فيه للجزء الذي لا يتجزّى الذي هو أحقر الاشياء وأصغرها وإذا نسب ضيق القلب في بعض الاوقات إلى الجزء الذي لا يتجزّى وقيس عليه يظهر ذلك الجزء المحقّر في النّظر مثل طبقات السّموات والارض وهذه المعاملة وراء طور نظر العقل فلا تكن من الممترين هذا (فإذا علمت) هذه المقدّمة فاعلم أنّ الظّهور الذي هو مربوط بالحقيقة الجامعة لا شكّ أنّه لمعة (2) بالنّسبة إلى الظّهور العرشيّ التّامّ والفضل الكلّيّ في هذا المقام للعرش. وما قال الشّيخ أبو يزيد والشّيخ جنيد من أنّ القلب أوسع من الكلّ وتخيّلا العرش وما فيه شيئا محقّرا في جنبه: فهو من قبيل اشتباه الشّيء بأنموذج الشّيء حيث انّهما لمّا رأيا أنموذجات العرش وما فيه محقّرا في جامعية (3) القلب حكموا على حقائق العرش وما فيه. وقد كتب هذا الفقير منشأ هذا الإشتباه في كتبه ورسائله مكرّرا وما ورد في الحديث القدسيّ موافق للسان الانبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - والمراد به هو المضغة ولا شكّ أنّ الظّهور الاتمّ هو هنا ومرآتيّة أحديّة الذّات المجرّدة مسلّمة له والعرش - وإن كان له من الظّهور التّامّ الذي هو ظهور الاصل نصيب وافر - ولكن في ذلك الموطن امتزاج الصّفات وحيث كانت الصّفات ظلال حضرة الذّات في الحقيقة لا يكون ذلك الظّهور خاليا عن شائبة الظّلّيّة ومن ههنا للعرش توقّعات من الظّهور الإنسانيّ الذي يتعلّق بالاصل الصّرف ومركز هذه المعاملة هو الإنسان. (فإن قيل) المفهوم من الحديث وسعة القلب وأنت تقول: إنّه ضيّق جدّا (أجيب) أنّ كونه ضيّقا إنّما هو باعتبار عدم اتّساعه لما سوى الحقّ سبحانه ووسعته باعتبار ظهور أنوار القدم فيه فلا منافاة وهذا الفقير عبّر عن ذلك القلب في بعض رسائله بهذه العبارة " الضّيّق الاوسع البسيط الابسط والاقلّ الاكثر» (فإن قيل) إنّ PageV02P051 المستحقّ للفضيلة هو الحقيقة الجامعة لكونها من عالم الامر والمضغة من عالم الخلق ومركّب من العناصر فمن أين نال هذه الفضيلة؟! (أجيب) أنّ لعالم الخلق مزيّة على عالم الامر يقصر عن إدراكها أفهام العوامّ بل لا يدركها أكثر الخواصّ وهذا الفقير قد أوضح هذا المعنى في المكتوب الذي حرّر لولدي الاعظم المرحوم في بيان الطّريق فإن بقي تردّد فليطلب التّشفّي من هناك (واستمع) الآن بيان حقيقة هذه المضغة واعلم أنّها للعوامّ مضغة حاصلة من تركّب العناصر الاربعة وللخواصّ بل لاخصّ الخواصّ مضغة مصوّرة من تركّب الاجزاء العشرة بعد السّلوك والجذبة وبعد التّصفية (1) والتّزكية وبعد تمكين القلب واطمئنان النّفس بل بمحض فضل الحقّ سبحانه وكرمه جلّ سلطانه أربعة أجزاء من العناصر وواحد من النّفس المطمئنّة وخمسة أجزاء من عالم الامر ومع وجود التّضادّ (2) والتّباين (3) بين تلك الاجزاء زالت صورة التّضادّ والتّباين من بينها بقدرة واجب الوجود تعالى وتقدّس واجتمعت وحصلت من اجتماعها هيئة وحدانيّة أعجوبة والجزء الاعظم في هذه المعاملة هو العنصر التّرابيّ وهذه الهيئة الوحدانيّة أيضا تشابهت الجزء الارضيّ واستقرّ في التّراب. (شعر) كن أرضا فينبت فيك ورد ... فإنّ الورد منبته التّراب أيّها الاخ إنّ يد أرباب الولاية لا تصل إلى هذه العلوم والمعارف فإنّها مقتبسة من مشكاة أنوار النّبوّة - على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة - ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) والقلب الذي سأل الخليل على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام اطمئنانه هو هذه المضغة فإنّ حقيقته الجامعة كانت متمكّنة ونفسه مطمئنّة فإنّ التّمكين والاطمئنان يحصلان في مرتبة الولاية الّتي هي مدرجة النّبوّة على أربابها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. والمناسب لشأن النّبوّة هو تقلّب المضغة واضطرابها لا تقلّب الحقيقة الجامعة فإنّه نصيب العوامّ والمراد بثبات القلب الذي طلبه خاتم الرّسالة - عليه الصّلاة والسّلام - حيث قال: «اللهمّ يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على طاعتك» (5) هو ثبات هذه المضغة PageV02P052 ويجوز أن يراد بالقلب الوارد في بعض الاحاديث في باب تقلّب القلب معنى شامل للحقيقة الجامعة والمضغة نظرا إلى أحوال الامّة. (فإن قيل) إنّ هذه المضغة إذا تشرّفت بشرف: «يسعني قلب عبدي المؤمن " واستحقت مرآتيّة حضرة الذّات تعالت وتقدّست كيف يتصوّر فيها التّقلّب والاضطراب ولإيش تحتاج إلى الإطمئنان؟! (أجيب) انّ الظّهور كلّما كان أتمّ وتخلّص عن شائبة الشّئون والصّفات يكون الجهل والحيرة أكثر وعدم الإدراك والوجدان أزيد وأوفر ومع وجود هذا الظّهور ومع هذه الوسعة كثيرا ما يطلب الدليل على وجود الصّانع من كمال الجهل والحيرة بحيث لا يحصل اليقين بوجود الصّانع بدون الإستدلال والتّقليد كالعوامّ فيكون التّقلّب والاضطراب مناسبا لحالها وطلب الإطمئنان ضروريّا في شأنها وهذا الفقير قد كتب في بعض رسائله انّ العارف صاحب اليقين يحتاج إلى الإستدلال بعد الرّجوع وقد علم في هذا المقام أنّه يحتاج إلى الدليل في عين الحصول والوصول وهذا المقام موافق لحال كمالات مرتبة النّبوّة - على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة - وذلك المقام مناسب لحال الولاية فإذا وقع لصاحب هذا القلب رجوع إلى العالم للدّعوة يكون قلق قلبه واضطرابه وتقلّبه وتلوّنه أزيد وأكثر فإذا كان في عين الوصول محتاجا إلى الدليل بواسطة الجهل والحيرة يكون في زمان الفرقة محتاجا إلى الإستدلال بالاولى ليحصّل بواسطة الإستدلال اطمئنانا في الجملة. أو نقول إنّه لمّا اختفت عنه الدولة أيّاما واتّسم بسمة فرقتها حقّ له أن يكون قلقا ومضطربا دائما وأن يكون مغموما ومحزونا على الدوام " كان رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - متواصل الحزن دائم الفكر» (1) ولنبيّن بعض الوجوه الفارقة بين هذين الإطلاقين ينبغي استماعه بسمع العقل (اعلم) أنّ الحقيقة الجامعة الّتي هي من عالم الامر يتيسّر لها بعد التّزكية والتّصفية تمكين تامّ بوصف الدوام بخلاف المضغة فإنّ اطمئنانها مربوط بإدراك الحواسّ وما لم تدرك الشّيء بالحواسّ لا تخرج من القلق ولذا قال الخليل - على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ PageV02P053 الْمَوْتى (1) (والفرق الثاني) هو أنّ الحقيقة الجامعة تتأثّر بالذّكر وإذا بلغ الذّكر كماله تتّحد بالذّكر وتتجوهر به قال صاحب العوارف - قدّس سرّه - لهذا المقام: «المقصد الاسنى " وعبّر عنه بذكر الذّات تعالت بخلاف المضغة فإنّه لا سبيل إليها للذّكر فأين التّأثّر وأين التّجوهر بعد؟! بل فيها ظهور المذكور بالأصالة لا بالظّلّيّة ونهاية عروج الذّكر إلى دهليز المذكور (والفرق الثالث) أنّ الحقيقة الجامعة إذا بلغت نهاية النّهاية ونالت من الولاية الخاصّة (2) نصيبا وافرا فان حصلت حينئذ مرآتيّة للمطلوب يكون الظّاهر فيها ظلّ المطلوب لا عينه كالمرآة الظّاهرة فإنّ الظّاهر فيها شبح الشّخص لا عينه بخلاف المضغة فإنّ الظّاهر فيها عين المطلوب لا ظلّه على خلاف المرآة الظّاهرة ولهذا قال: «يسعني قلب عبدي المؤمن " وهذه المعاملة وراء طور نظر الفكر وإيّاك وتخيّل الحلول (3) والتّمكّن هنا فإنّه كفر وزندقة وإن لم يصدّق عقل المعاش بأنّ عين شيء يظهر في شيء ولا يكون له فيه حلول ولا تمكّن وهذا من قصور العقل وقياس الغائب على الشّاهد فلا تكن من القاصرين (والفرق الرّابع) أنّ الحقيقة الجامعة من عالم الامر والمضغة من عالم الخلق بل كلّ من عالم الخلق والامر جزئيها: الخلق جزؤها الاعظم والامر جزؤها الاصغر ومن اجتماع هذين الجزئين حصلت لها هيئة وحدانيّة وصارت أعجوبة الدهر وهذه الاعجوبة وإن كانت مغايرة لعالم الخلق والامر وليس لها تناسب وتشابه بواحد منهما بواسطة الهيئة التّركيبيّة ولكنّها معدودة من عالم الخلق لانّ الجزء الارضيّ هو العمدة في هذه المعاملة وتواضع التّراب باعث على رفعته (والفرق الخامس) أنّ وسعة الحقيقة الجامعة باعتبار ظهور صورة الاشياء فيها ووسعة المضغة الّتي تنكشف بعد تضيّقها باعتبار سعتها للمطلوب الذي هو غير محدود وغير متناه وذلك التّضيّق دهليز تضيّقها حيث إنّه مانع لدخول ما سوى المطلوب حتّى لا يترك الذّكر أن يدخل في سرادقات المذكور ولا يبقى شائبة الظّلّيّة أن تحوم حول ذلك الحريم المقدّس وأيضا إنّ وسعة الاولى - لمّا كانت فيها شائبة الكيف - لا تليق أن تكون مرآة للكيفيّ وحيث كان للثّانية نصيب من اللّاكيفيّ لا تسع الكيفيّ والعجب أنّه يطرأ على هذا القلب بعد الرّجوع للدّعوة ظلمة وغين؛ ومن هنا قال سيّد البشر - عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات -: «إنّه ليغان على قلبي» (4) وإلى متى أبيّن الفرق ما للتّراب وربّ الارباب (أيّها الاخ) إيّاك وتخيّل هذه المضغة قطعة لحم لا يعبأ بها فإنّها جوهرة نفيسة مخزونة فيها PageV02P054 خزائن عالم الخلق وأسراره ومدفونة فيها دفائن عالم الامر وخفاياه مع زيادة معاملة خاصّة منوطة بهيئتها الوحدانيّة جعلت أجزاؤها العشرة أوّلا بالتّصفية والتّزكية والجذبة والسّلوك والفناء والبقاء مزكّاة ومطهّرة وحرّرت عن دنس التعلّقات بالسّوى مثلا تخلّص القلب من التّقلّب وبلغ مرتبة التّمكين (1) وخرجت النّفس من أن تكون أمّارة إلى فضاء الإطمئنان وامتنع الجزء النّاريّ من البغي والعناد والطّغيان وارتفع العنصر التّرابيّ من الضّعة وخسّة الفطرة وعلى هذا القياس تخلّص كلّ جزء من أجزائها من صفة الإفراط والتّفريط وحصل له وصف الإعتدال والتّوسّط وبعد ذلك كلّه ركّبت تلك الاجزاء بماء محض الفضل والكرم وجعلت شخصا معيّنا وسمّي ذلك الشّخص إنسانا كاملا وعبّر عن قلب ذلك الشّخص الذي هو خلاصة مركز وجوده بالمضغة هذا هو حقيقة المضغة ظهرت في كسوة القيل والقال على مقياس العبارة والامر إلى الله سبحانه (فإن قال) ناقص أنّ كلّ إنسان مركّب من تلك الأجزاء العشرة وأنّ له هيئة وحدانيّة من تركّب تلك الاجزاء. (نقول) نعم إنّه مركّب من تلك الاجزاء ولكنّ تلك الاجزاء لم تكن مزكّاة ومطهّرة ولم تتخلّص عن دنس تعلّقات السّوى (2) بالجذبة والسّلوك بخلاف أجزاء الإنسان الكامل فإنّها صارت طاهرة ونظيفة بالفناء والبقاء كما مرّ وحيث كانت تلك الاجزاء متباينة ومتمايزة في كلّ إنسان ولكلّ جزء منها أجزاء متمايزة وأحوال متغايرة لا يكون له نصيب من الهيئة الوحدانيّة بالضّرورة فإن كانت له هيئة فهي اعتباريّة لا حقيقيّة بخلاف أجزاء الإنسان الكامل فإنّها صارت ممتزجة ومختلطة بعد ما خرجت من وصف التّمايز والتّباين وتقرّرت على حكم واحد بعد ما زالت عنها الاحكام المتمايزة والأحوال المتغايرة فتكون الهيئة الوحدانيّة فيه حقيقة بالضّرورة لا اعتباريّة كمعجون يجعل من الادوية المختلفة فإنّه بعد سحق أجزائه وخلط بعضه ببعض تثبت له هيئة وحدانيّة وتزول عنه الاحكام المتباينة ويعرض له حكم واحد فافهم والله سبحانه أعلم (أيّها الاخ) إنّ كلّ هذه الكمالات الّتي أثبتت للمضغة إنّما هي في مقام " قاب قوسين " وقد يتوهّم هنا في الظّاهر وصف من المظهر وإن كان الظّاهر هنا هو الاصل لا الظّلّ PageV02P055 الذي هو الصّورة ولكنّ الشّخص الظّاهر في المرآة ليس بطاهر ومبرّا عن وصف المرآة؛ فيثبت القوسان ووراء هذا المقام مقام " أو أدنى " وهو الذي لم يأخذ فيه الظّاهر وصفا من المظهر ولا يتخيّل هناك أمر زائد فيكون القوسان فيه مفقودين ولا يتصوّر فيه غير وصف واحد فإنّه المناسب لمقام: «أو أدنى " معاملة هذا المقام مغايرة لمعاملة مقام " قاب قوسين " ينبغي تقليب تمام الاوراق حتّى يحمل الحمول من " قاب قوسين " إلى " أو أدنى». كلامنا إشارات ورموز وبشارات وكنوز والله الملهم وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد وصحبه وسلّم وبارك. (22) المكتوب الثاني والعشرون إلى مولانا محمّد صادق الكشميريّ في بيان تشرّف بلدة سرهند ببركة حضرة الشّيخ سلّمه الله وفضيلتها على أكثر البلاد ومشاهدة نور لم يتطرّق إليه غبار من الصّفة في أرض هو ساكن فيها وكون ذلك الارض مدفنا للمخدوم والاعظم المرحوم الخواجه محمّد صادق قدّس سرّه الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ بلدة سرهند كأنّها أرض أحييتها بعناية الله سبحانه وألطاف حبيبه الاكرم - صلى الله عليه وعلى آله وسلّم - وكأنّ البئر العميقة المظلمة ملئت وجعلت صفة عالية لي وصارت مرتفعة من أكثر البلاد والبقاع وأودع في تلك الارض نور مقتبس من نور لا وصفيّ ولا كيفيّ كنور ساطع لامع من أرض حرم الله المقدّسة وقد ظهر ذلك النّور لهذا الدرويش قبل ارتحال ولدي الاعظم المرحوم بأشهر وبدا بزاوية أرض فيها مسكن الفقير وكان نورا ساطعا لم يتطرّق إليه غبار من الصّفة والشّأن وكان مبرّأ ومنزّها عن الكيفيّات وكان متمنّاي أن تكون تلك البقعة مدفنا لي وأن يكون ذلك النّور لامعا على رأس قبري وأظهرت هذا المعنى لولدي الاعظم الذي كان صاحب سرّي وأطلعته على ذلك النّور والتمنّي فسبقني ولدي المرحوم إلى هذه الدولة اتّفاقا وصار مستغرقا في بحر النّور ووراء حجاب التّراب (شعر) هنيئا لارباب النّعيم نعيمها ... وللعاشق المسكين ما يتجرّع ومن شرافة هذه البلدة المعظّمة دفن فيها مثل ولدي الاعظم الذي هو من أكابر أولياء الله تعالى واستراح ثمّ ظهر بعد مدّة أنّ ذلك النّور المودع فيها لمعة من أنوار قلب هذا الفقير أودع فيها مقتبسا من هنا كسراج يشتعل من مشعلة قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ الله (2)، الله نُورُ السَّماواتِ والْأَرْضِ (1) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعالَمِينَ (2). PageV02P056 (23) المكتوب الثالث والعشرون إلى المخدوم زاده الخواجه محمّد عبد الله سلّمه الله تعالى وأبقاه وأوصله إلى غاية ما يتمنّاه في بيان أنّ عمدة الامر هي اتّباع السّنّة السّنيّة والاجتناب عن البدعة الغير المرضيّة وبيان أنّ مزيّة الطّريقة النّقشبنديّة العليّة على سلاسل أخرى إنّما هي بسبب اتّباع صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّة والعمل بالعزيمة وفي مدح هذه الطّريقة العليّة وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ النّصيحة الّتي أنصح بها ولدي الاعزّ سلّمه الله سبحانه وصانه عمّا لا يليق بجنابه وسائر أحبابه اتّباع السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة والاجتناب عن البدعة الغير المرضيّة وحيث طرأت الغربة على الإسلام في هذا الاوان وصار المسلمون غرباء وكذلك تزيد غربتهم مع مرور الزّمان إلى أن يبقى على وجه الارض من يقول: «الله " وتقوم السّاعة على شرار النّاس فالسّعيد من يحيي سنّة من السّنن المتروكة ويميت بدعة من البدع المستعملة وهذا زمان قد مضى من بعثة خير البشر - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام - الف سنة وظهرت من علامات القيامة وأشراط السّاعة أمارات واستترت السّنّة بواسطة بعد عهد النّبوّة وجلت البدعة بعلّة فشوّ الكذب واحتيج إلى باز ينصر السّنّة ويهزم البدعة ترويج البدعة موجب لتخريب الدين وتعظيم المبتدع باعث على هدم الإسلام ولعلّك سمعت: «من وقّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الاسلام» (3) فينبغي التّوجّه بجميع الهمّة وتمام النّهمة لترويج سنّة من السّنن ورفع بدعة من البدع وإقامة مراسم الإسلام في جميع الاوقات خصوصا في هذه الاوان الّتي فيها ضعف الإسلام منوطة بترويج السّنّة وتخريب البدعة وكأنّ السّابقين رأوا الحسن في البدعة حيث استحسنوا بعض أفرادها ولكنّ الفقير لا يوافقهم في هذه المسألة ولا ارى في فرد واحد من أفراد البدعة حسنا ولا أحسّ فيه شيئا غير الظّلمة PageV02P057 والكدورة قال - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام -: «كلّ بدعة ضلالة» (1) وأجد السّلامة في هذه الغربة وضعف الإسلام منوطة بإتيان السّنّة والهلاك مربوطا بتحصيل البدعة أيّة بدعة كانت وأرى البدعة كمعول يهدّ به مباني الإسلام وأجد السّنّة مثل كوكب مشرق يهتدى به في ديجور الضّلالة وفّق الحقّ سبحانه علماء الوقت لعدم التّفوّه بحسن بدعة أصلا ولعدم الإفتاء بإتيانها وإن كانت تلك البدعة جليّة في نظرهم مثل فلق الصّبح فإنّ لتسويلات الشّيطان سلطانا عظيما فيما وراء السّنّة وحيث كان للإسلام قوّة في الازمنة الماضية تحمّل ظلمات البدع بالضّرورة ولعلّ بعض تلك الظّلمات خيّل نورانيّا في تشعشع نور الإسلام وصار ذلك التّخيّل باعثا على الحكم بحسنه وإن لم يكن له في الحقيقة نورانيّة وحسن أصلا بخلاف هذا الوقت فإنّه وقت ضعف الإسلام لا يتصوّر فيه تحمّل ظلمات البدع ولا ينبغي هنا تمشية فتوى المتقدّمين والمتأخّرين فإنّ لكلّ وقت أحكاما على حدة ويظهر العالم في النّظر في هذا الوقت من كثرة ظهور البدعة مثل بحر الظّلمة ويحسّ نور السّنّة من غربتها وندرتها مثل المشاعل في ذلك البحر وعمل البدعة يزيد تلك الظّلمة ويقلّل نور السّنّة وعمل السّنّة يكون باعثا على تقليل تلك الظّلمة وتكثير ذلك النّور؛ فمن شاء فليكثّر ظلمة البدعة ومن شاء فليكثّر نور السّنّة ومن شاء فليكثّر حزب الشّيطان أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (2) ومن شاء فليكثّر حزب الله فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغالِبُونَ (3) ولو أنصف صوفيّة الوقت ولاحظوا ضعف الإسلام وفشوّ الكذب لزمهم أن لا يقلّدوا شيوخهم فيما وراء السّنّة وأن لا يجعلوا الامور المخترعة - بعذر عمل شيوخهم بها - ديدنهم؛ فإنّ اتّباع السّنّة منج البتّة ومثمر للخيرات والبركات وفي تقليد غير السّنّة خطر في خطر وما عَلَى الرَّسُولِ إِلّاَ الْبَلاغُ (4) جزى الله سبحانه عنّا أشياخنا خير الجزاء حيث لم يدلّوا أمثالنا العاجزين على إتيان الامور المبتدعة ولم يلقونا في ظلمات مهلكة بتقليدهم ولم يهدونا إلى ما دون متابعة السّنّة وغير اتّباع صاحب الشّريعة - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة - وسوى العمل بالعزيمة؛ فلا جرم كانت دعائم طريقتهم محكمة الاساس وإيوان وصولهم مرتفع البناء ومشرق النّبراس وهم الذين جعلوا الرّقص والسّماع تحت أرجلهم وشقّوا الوجد والتّواجد نصفين بمسبّحتهم ومكشوف الآخرين ومشهودهم داخل عند هؤلاء الاكابر في السّوى والاغيار ومعلومهم ومتخيّلهم قابل ومستحقّ للنّفى لا للإشهار ومعاملة هؤلاء الاكابر فيما وراء المشاهدة والادراك وفيما وراء المعلومات والمتخيّلات وفيما وراء التّجلّيات والظّهورات PageV02P058 وفيما وراء المكاشفات والمعاينات اهتمام الآخرين في الإثبات. وهمّ هؤلاء الاكابر في نفي السّوى والآخرون يكرّرون كلمة النّفي والاثبات لتوسيع دائرة الإثبات ولينكشف لهم العالم الذي هو ظاهر بعنوان الغيريّة بعنوان الحقيّة والعينيّة فيرون الكلّ ويجدونه حقّا تعالى وتقدّس بخلاف هؤلاء الكبراء؛ فإنّ مقصودهم من تكرار الكلمة الطّيّبة " لا إله إلّا الله " هو اتّساع دائرة النّفي ليكون جميع المكشوفات والمشهودات والمعلومات داخلة تحت كلمة: «لا " وفي جانب الإثبات لا يكون شيء منظورا وملحوظا فإن ظهر فرضا أمر في جانب الإثبات ينبغي إرجاعه إلى النّفي ولا يكون في جانب الإثبات نصيب أصلا غير التّكلّم بكلمة المستثنى فيكون ذكر النّفي والاثبات في طرق الآخرين مناسبا لحال المبتدئين وذكر الله الذي هو كلمة الإثبات المحض يكون مناسبا بعد ذلك ليحصل بتكرار كلمة الإثبات استقرار واستمرار للمثبت المكشوف بخلاف طريق هؤلاء الاكابر؛ فإنّه على عكس ذلك لانّ فيه إثباتا أوّلا ونفي ذلك الإثبات ثانيا فيكون ذكر اسم الله في هذا الطّريق مناسبا في الإبتداء ثمّ يستعمل بعده النّفي والاثبات (فإن قال ناقص) على هذا التّقدير لا يكون لاكابر هذا الطّريق نصيب من مقام الإثبات ولا يكون بضاعتهم غير النّفي (أجيب) أنّ إثبات الآخرين حاصل في أوائل حال هؤلاء الاكابر ولكنّهم من علوّ الهمّة لا يلتفتون إليه بل يرونه مستحقّا للنّفي فينفونه ويعتقدون المطلوب المثبت وراءه فإثبات الآخرين ميسّر لهم ونفي ذلك الإثبات الذي هو مناسب لمقام الكبرياء أيضا حاصل لهم لا سبيل لكلّ ناقص إلى أشغالهم وأحوالهم ولا شعور لكلّ مهوّس بحقيقة معاملتهم وأفعالهم وجميع ما ذكر هو نبذة من عدم حصول هؤلاء الاكابر الذي هو عين الحصول في ذلك الموطن؛ فإنّ بين حصول أكابر الاكابر للحق الخواصّ بالعوامّ واختار المنتهون تعلّم الف با مثل المبتدئين الاصاغر. (شعر) خليلي ما هذا بهزل وإنّما ... حديث عجيب من بديع الغرائب ومراقبة الذّات الّتي اختارها الآخرون ساقطة عندهم عن حيّز الإعتبار وداخلة فيما لا حاصل فيه وليست المراقبة هناك لغير ظلّ من الظّلال - تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا - فإنّ ذاته تعالى وتقدّس بل أسماؤه وصفاته سبحانه خارجة عن حيطة فكرنا ومراقبتنا لا نصيب من هذا المقام غير الجهل والحيرة وليس المراد بهذا الجهل والحيرة ما يعرفه النّاس جهلا وحيرة فإنّهما مذمومان بل جهل هذا الموطن وحيرته عين المعرفة والاطمئنان وليس المراد بهذه المعرفة والاطمئنان ما يدخل في حيطة فهم الإنسان فإنّه من مقولة الكيف لا نصيب له من اللّاكيفيّ وكلّ شيء تثبته في ذلك الموطن يكون لا كيفيّا سواء عبّرنا عنه بالجهل أو بالمعرفة من لم يذقه لم يدر (وأيضا) إنّ توجّه هؤلاء الكبراء إلى الاحديّة (1) تعالت PageV02P059 وتقدّست - لا يريدون من الإسم والصّفة غير الذّات تعالت وتقدّست ولا ينزلون من الذّات إلى الصّفات كغيرهم ولا يقعون من الذّروة إلى الحضيض. والعجب أنّ جمعا من هذه الطّائفة اختاروا ذكر اسم الله ثمّ لم يكتفوا به بل تنزّلوا إلى الصّفات وصاروا يلاحظون السّميع والبصير والعليم ثمّ يذهبون من العليم والبصير والسّميع إلى اسم الله على سبيل العروج (1)!! لم لا يكتفون باسم الله وحده ويجعلون قبلة التّوجّه غير أحديّة الذّات تعالت وتقدّست أَلَيْسَ الله بِكافٍ عَبْدَهُ (2) نصّ قاطع في هذا المدّعى وقُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ (3) مؤيّد لهذا المعنى (وبالجملة) انّ نظر همم أكابر هذه الطّريقة عال جدّا لا نسبة لكلّ زرّاق ورقّاص إليهم ولهذا صارت نهاية الآخرين مندرجة في بدايتهم ونال مبتدى طريقتهم حكم منتهى طرق أخر وتقرّر سفرهم في الوطن من ابتداء الامر وحصلت لهم الخلوة (4) في الجلوة (5) وكان دوام الحضور نقد وقتهم ورأس بضاعتهم وهم الذين صارت تربية الطّالبين مربوطة بصحبتهم العليّة وكان تكميل النّاقصين منوطا بتوجّهاتهم الشّريفة نظرهم شفاء الامراض القلبيّة والتفاتهم دافع للعلل المعنويّة ويعمل توجّههم الواحد عمل مائة من الاربعين والتفاتهم الواحد يساوى رياضة السّنين. (شعر) ما أحسن النّقشبنديّين سيرتهم ... يمشون بالرّكب مخفيّين للحرم أيّها السّعيد لا يتوهّم أحد من هذا البيان أنّ هذه الاوصاف والشّمائل حاصلة لجميع أساتذة الطّريقة النّقشبنديّة العليّة وتلامذتهم كلّا بل هذه الشّمائل مخصوصة بأكابر أكابر هذه الطّريقة العليّة الذين بلّغوا الامر إلى نهاية النّهاية والمبتدئون الرّاشدون الذين صحّحوا نسبة الإرادة والانتساب إلى هؤلاء الاكابر وراعوا آدابهم فاندراج النّهاية في البداية ثابت في حقّهم وأمّا المبتدى الذي وصل إلى شيخ ناقص من هذا الطّريق فاندراج النّهاية غير متصوّر في حقّه فإنّ شيخه لم يصل بعد إلى النّهاية فكيف تتصوّر النّهاية في حقّ المبتدى [ع] وكلّ إناء بالّذي فيه ينضح * (أيّها الطّالب لطريق النّجاة) إنّ طريق هؤلاء الاكابر طريق الاصحاب الكرام عليهم الرّضوان وهذا الإندراج - أعني اندراج النّهاية في البداية - أثر ذلك الإندراج الذي كان يتيسّر لهم في صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فانّه كان يتيسّر لهم في صحبته صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم ما يحصل لغيرهم في الإنتهاء الّا قليل وهذه الفيوضات والبركات هو عين تلك الفيوض والبركات الّتي ظهرت في القرن الاوّل وإن كان الآخر بعيدا من الاوّل PageV02P060 في الظّاهر بالنّسبة إلى الوسط ولكنّ الامر بالعكس في الحقيقة؛ فإنّ الآخر أقرب إليه من الوسط ومنصبغ بصبغة يصدّقه المتوسّطون أوّلا بل لا يعلم إدراك أكثر المتأخّرين حقيقة هذه المعاملة. والسّلام عليكم وعلى من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات العلى. (24) المكتوب الرّابع والعشرون إلى الحاجّ محمّد الفركتيّ في جواب كتابه الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد صار ورود المكتوب الشّريف المرسل من كمال الإخلاص والمودّة موجبا لفرح كثير وتجعلك نسبة الرّابطة مع صاحب الرّابطة دائما وتكون واسطة للفيوضات الإنعكاسيّة ينبغي أداء شكر هذه النّعمة العظمى كما ينبغي والبسط (1) والقبض (2) كلاهما جناحا الطّير إنّ في هذا الطّريق لا ينبغي الحزن للقبض والفرح للبسط ولقد تمنّيت حصول مشاهدة الجمال اللّايزاليّ في جميع الذّرّات. (أيّها المحبّ) ما للعبد وللتّمنّي؛ فإنّ متمنّاه لا بدّ وأن يكون قاصرا على مقدار فهمه ومشاهدة الجمال اللّايزاليّ في مرآة الذّرّات من قصور النّظر فإنّ الذّرّات من أين لها مجال أن PageV02P061 تكون مرايا ذلك الجمال وما يشاهد في مرايا الذّرّات إنّما هو ظلّ من ظلال ذلك الجمال الّتي لا نهاية لها. ينبغي أن يطلبه تعالى وراء الوراء وأن يلتمسه سبحانه في خارج دائرة الآفاق والانفس والنّسبة الّتي هي فيك الآن فوق ما تتمنّاه وإيّاك والميل إلى الاسفل تقليدا للنّاس واحذر من تمنّي النّزول من الاوج إلى الحضيض فإنّ معاملة الاكابر عالية إنّ الله سبحانه يحبّ معالي الهمم. المسئول من الله سبحانه جمعيّتكم الصّوريّة والمعنويّة والسّلام. (25) المكتوب الخامس والعشرون إلى الخواجه شرف الدين حسين في بيان أنّ كلّ عمل يصدر على وفق الشّريعة الغرّاء فهو داخل في الذّكر الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى: قد وصلت الصّحيفة الشّريفة الّتي أرسلها ولدي الاعزّ صحبة مولانا عبد الرّشيد ومولانا جان محمّد ووصل مبلغ النّذر أيضا جزاكم الله سبحانه خيرا قد أورث سماع خبر صحّتكم فرحا وافرا (أيّها الولد) إنّ الفرصة غنيمة والصّحّة والفراغ مغتنمان فينبغي صرف الاوقات إلى الذّكر الإلهيّ - جلّ شأنه - على الدوام وكلّ عمل يصدر على وفق الشّريعة الغرّاء فهو داخل في الذّكر وإن كان بيعا وشراء فينبغي مراعاة الاحكام الشّرعيّة في جميع الحركات والسّكنات لتصير كلّها ذكرا؛ فإنّ الذّكر عبارة عن طرد الغفلة (1) ومتى حصلت مراعاة الاوامر والنّواهي في جميع الافعال فقد تيسّرت النّجاة من أسر الغفلة عن الآمر بالاوامر والنّاهي عن المناهي وحصل دوام ذكره تعالى وهذا الذي ذكرناه من دوام الذّكر وراء يادداشت خواجكان - قدّس الله أسرارهم - فإنّه مقصور على الباطن وهذا متمشّ في الظّاهر أيضا وإن كان متعسّرا وفّقنا الله سبحانه وإيّاكم بمتابعة صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة. (26) المكتوب السّادس والعشرون إلى معدن العرفان المرزا حسام الدين أحمد في جواب كتابه الذي تفوح عنه رائحة العصبيّة وبيان أنّ تلقين الذّكر مثل تعليم ألف با للصّبيان بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد فقد تشرّفت بمطالعة الصّحيفة المكرّمة المرسلة صحبة قاصد كشمير وحيث كانت متضمّنة بخبر خيريّة حضرات تلك الحدود أورثت فرحا وافرا جزاكم الله سبحانه خيرا وقد اندرج فيها أنّ المخدوم زاده الاعظم والخواجه جمال PageV02P062 الدين حسين لا يقدران على الوصول هناك بواسطة الإستحياء من تلقين الشّيخ ميان الهداد. (أيّها المخدوم) لا يزال يفوح من مثل هذا الكلام رائحة العصبيّة ويفهم من هذا الوضع والطرح المباينة والمخالفة إنّا لله وإنّا إليه راجعون وكان ينبغي للمخدوم زاده الاعظم أن يستحى من مخالفة وصيّة والده الماجد والحياء من التّوجّه والإفادة الواقعان في حضوره بأمره إليهما وكان ينبغي للشّيخ الهداد مع وجود دعوى الإنقياد للشّيخ أن لا يجترئ على هذا الامر وأن يلاحظ الوصيّة وسبقة الإفادة والذي كتبتموه لا بدّ وأن يكون حقّا وصوابا ولكنّ المكتوب الذي أرسله المخدوم زاده الاعظم مع أخيه الاعزّ كان متضمّنا لكمال التّواضع ومشتملا على فرط الطّلب والشّوق والعبارات الّتي اختارها في ذلك المكتوب لا يتصوّر ايرادها بدون جنون الطّلب ولعلّه تطرّق إليه انحراف بعد إرساله المكتوب رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (1). ولكنّ الفقير يعلم أنّ وصيّته لا تكون بلا حكمة وأرجو أن يكون لها عاقبة محمودة ولكنّى أتأسّف على ضياع مثل ذلك الطّلب الذي فهمت نبذة منه من مكتوبه ويقعد ضدّه في محلّه وهذا المعنى ثقيل على الاحباب النّاصحين جدّا بحيث يتمّ عليهم المآتم بذلك (أيّها المكرّم) إن تمّ الامر بمجرّد التّلقين فمبارك وعند الفقير تلقين الذّكر كتعليم الف با للصّبيان فإن كان مجرّد ذلك التّعلّم محصّلا لملكة المولويّة فأيّ مضايقة فيه والمتوقّع من كرم التفاتكم هو أن تتركوا كفّة العصبيّة وأن تجعلوا محبّتكم ومودّتكم لجميع الإخوان على السّويّة وماذا أبالغ أزيد من ذلك والسّلام. (27) المكتوب السّابع والعشرون إلى مولانا محمّد طاهر البدخشىّ في جواب تشكيكات الشّيخ عبد العزيز الجونفوريّ في المكتوب الاوّل المرسل إليه - بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات - أنهى أنّ المكتوب الذي أرسلتموه بعد مدّة مديدة أوجب الفرح بوصوله جعلكم الله سبحانه محلّى ومزيّنا بجمعيّة (2) الظّاهر والباطن على الدوام. والفقير قد كتبت اليكم في هذه المدّة ثلاثة مكاتيب ووصل منها إليكم مكتوب واحد بعد المسافة عذر مانع ووصل أيضا مع مكتوبكم المكتوب الذي كتبه الشّيخ عبد العزيز واتّضح ما اندرج فيه وممّا اندرج فيه أنّه لو كانت حقائق الممكنات - الّتي هي صور علميّة - العدمات الّتي هي أضداد الصّفات يلزم PageV02P063 حصول تلك العدمات في الذّات - تعالت وتقدّست - وهو سبحانه منزّه عن ذلك وهذه شبهة عجيبة!! ألم يعلم أنّ الحقّ سبحانه يعلم الاشياء الشّريفة والكثيفة وليس لشيء منها حصول في حضرة الذّات تعالت ولا اتّصاف للذّات بشيء منها؟! فمن أين جاء الحصول في هذه الصّورة؟! ومنه أنّ حقائق الممكنات ينبغي أن تكون موجوديّة وثبوتيّة لا عدميّة فإنّ الحقائق عبارة عن أرواح الممكنات ونفوسها نعم: إنّ لها وجودا وثبوتا علميّين وهذا هو القدر اللّازم في الحقائق وكان ينبغي له أن يعترض بهذا الإعتراض أوّلا على الشّيخ محيي الدين ابن العربيّ لانّه قال " الأعيان ما شمّت رائحة الوجود " والعجب أنّه جعل الحقائق هنا عبارة عن أرواح الممكنات ونفوسها وترك الأعيان الثابتة ومعلومات الله تعالى. ومنه أنّ الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام والأولياء عليهم الرّضوان وسائر أفراد الإنسان من الممكنات فلو كانت حقائق هؤلاء عدمات يكون الشّرف مسلوبا عن هؤلاء الزّمرة العليّة والكمال فيهم معدوما. كيف يكون مسلوبا ومعدوما فإنّ الحقّ سبحانه جعل تلك العدمات بحكمته البالغة وقدرته الكاملة وبحسن تربيته مرايا عكوس أسمائه وصفاته وشرّف بشرف النّبوّة والولاية وجعل محلّى بحلية ظلال كمالاته وصيّر معزّزا ومكرّما كما أنّه سبحانه خلق الإنسان من ماء مهين وبلّغه الدرجات العلى. (والعجب) أنّهم يلاحظون شرف الإنسان وكرامته ويضيّعون تنزيه الواجب وتقديسه تعالى وتقدّس ويقولون " الكلّ هو " ويزعمون الاشياء الخسيسة الرّذيلة عين الحقّ تعالى وتقدّس ولا يتحاشون عن امثال تلك المقولة ولا يجوّزون للانسان حقائق عدميّة ويتحاشون عنه أعطاهم الله سبحانه الإنصاف. ومنه أنّه لا يمكن رفع الكلام المجمع عليه بالمبتدع. نحن نرى الكلام المبتدع القول بأنّ الكلّ هو لا القول بأنّ الكلّ منه؛ فإنّه ممّا أجمع عليه العلماء وإنّما تتوجّه الملامة والشّناعة إلى صاحب الفصوص إلى هذا الزّمان بواسطة قوله: «الكلّ هو " وحاصل معارف الفقير الّتي كتبتها: «الكلّ منه " وهو مقبول شرعا وعقلا وكيف إذا كان مؤيّدا بالكشف والالهام (1). ثمّ كتب الشّيخ بعد ذكر الإعتراضات تنزّلا إلى مقام الشّفقة أنّه لو أريد بحقائق الممكنات الارواح الإنسانيّة فموافق للجمهور. ولم أدر أيّ صنف أراد من PageV02P064 الجمهور؟! فإنّه لم يسمع إلى الآن أنّ أحدا قال بأنّ حقائق الممكنات هي الارواح الإنسانيّة والعجب من الشّيخ كلّ العجب حيث تخيّل أنّ كلّ أحد يقول ما يقول بالقياس والتّخمين وينسجه بالتّفكّر والتّخيّل كلّا إنّ المعارف الّتي تملى وتكتب بلا كشف وإلهام أو تحرّر وتقرّر بدون شهود ومشاهدة فهي بهتان وافتراء خصوصا إذا كانت مخالفة لما ذهب إليه القوم ولم أدر ماذا اعتقد الشّيخ المشار إليه ومن أيّ قبيل فهم هذه المعارف؟ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (1) والسّلام. (28) المكتوب الثامن والعشرون إلى مولانا محمّد صادق الكشميري في جواب استفساراته بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات أنهي أنّ المكتوب الشّريف قد وصل وحيث كان متضمّنا لأحوال شريفة مقبولة صار موجبا للفرح. وكتبت فيه أنّ المعاملة في الدراية بلغت مبلغا لا أقدر حمل الصّفات على الذّات تعالت وتقدّست الّا بالتّكلّف وأرى أنّ الحقّ سبحانه وراء الكلّ ينبغي السّعي إلى أن يبقى هذا الحمل بالتّكلّف أيضا وينجرّ الامر إلى الحيرة الصّرفة. (وسئلت) أنّه نقل في الرّشحات عن بابا آبريز أنّه قال: «لمّا عجن الحقّ سبحانه طينة آدم في الازل صببت الماء في ذلك الطّين " فما يكون تأويل هذا الكلام؟ (اعلم) أنّ الملائكة الكرام - على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام - كان لهم دخل في خدمة طينة آدم - عليه السّلام - كذلك يجوز أن يكون لروح المذكور دخل في تلك الخدمة وأن يفوّض إليه خدمة صبّ الماء وأن يكون مطّلعا من عالم الغيب على هذا المعنى بعد نشأته العنصريّة بل بعد كماله ويجوز أن يعطي الحقّ سبحانه للأرواح المجرّدة قدرة تصدر بها أفعال الاجسام ومن هذا القبيل ما أخبر بعض الكبراء عن أفعاله الشّاقّة الصّادرة عنه قبل وجوده العنصريّ بقرون متطاولة وكان صدور تلك الافعال عن أرواحهم المجرّدة وحصل لهم الإطّلاع على هذا المعنى بعد وجوده العنصريّ وأوقع صدور هذه الافعال جماعة في توهّم التّناسخ (2) معاذ الله من توهّم تعلّق تلك الارواح بأبدان أخرى والرّوح المجرّدة هي الّتي تفعل أفعال البدن بإقدار الله جلّ سلطانه وتوقع أرباب الزّيغ في الضّلالة ومجال الكلام في هذا المقام كثير وقد فاضت تحقيقات عجيبة فإن وفّقنا تثبتها في محلّ إن شاء الله تعالى والآن لم يساعد الوقت (وسألت) أيضا أنّه قد ذكر في الرّشحات أنّ الخواجة علاء الدين العطّار قدّس سرّه لمّا تأذّى خاطره من مولانا نظام الدين الخاموش قدّس سرّه أراد أن يسلب عنه نسبته فالتجأ مولانا في ذلك PageV02P065 الوقت إلى روحانيّة النّبيّ - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام - فوصل الخطاب منه صلّى الله عليه وسلّم - إلى حضرة الخواجه: «إنّ نظام الدين منّا ليس لاحد مجال التّصرّف فيه " وذكر في محلّ آخر من هذا الكتاب أنّ الخواجه أحرار - قدّس سرّه - سلب نسبة مولانا حين صيرورته شيخا كبيرا فقال مولانا " إنّ الخواجه وجدنا شيخا فأخذ كلّ ما كنت نلته وجمعته وصيّرني مفلسا في آخر الامر " كيف يتصرّف الخواجه أحرار - قدّس سرّه - فيمن قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - في حقّه " إنّه منّا ليس لاحد مجال التّصرّف فيه» (اعلم) أنّ حضرة شيخنا - قدّس سرّه - كان لا يستحسن هذا النّقل وكان يتوقّف في تصديق سلب نسبة مولانا وكان يقول: «إنّ هذا النّقل لم يثبت من مولانا عبد الرّحمن الجامي وغيره من مريدي مولانا سعد الدين الكاشغرىّ الذي هو مريد مولانا نظام الدين ولم ينقل عن احد منهم بالرّدّ والقبول وهم جماعة كثيرون فمن اين سمعه مولانا فخر الدين علىّ وكتبه فان كان هذا الخبر صادقا لنقل بالتّواتر لتوفّر الدواعى على نقله وحيث لم ينقل بالتّواتر وتقرّر على خبر الواحد علم أنّ في صدقه تردّدا وبعض النّقول الّتي ينقلها صاحب الرّشحات غير هذا أيضا بعيد عن الصّدق ولأهل هذه السّلسلة العليّة تردّدات في صدق تلك النّقول وهو سبحانه أعلم. وأيضا كان حضرة شيخنا - قدّس سرّه - يقول " إنّ التفليس يدلّ على سلب الإيمان " أعاذنا الله سبحانه منه وتجويز هذا المعنى مشكل جدّا رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (1) (29) المكتوب التّاسع والعشرون إلى معدن الفضيلة الشّيخ عبد الحقّ الدهلويّ في بيان أنّ أفضل الامتعة في هذه النّشأة الحزن والغمّ وأهنى نعم هذه المائدة المصيبة والألم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (أيّها المخدوم المكرّم) إنّ الآلام والمصائب وإن كانت ثقيلة حيث إنّها تحمل الاذى ولكنّ فيها رجاء الكرامات وأفضل أمتعة هذه النّشأة الحزن والغمّ وأهنى نعيم هذه المائدة المصيبة ولالم قد جعل هذا السّكّر في غلاف رقيق من دواء مرّ وفتح طريق الإبتلاء بهذه الحيلة نظر السّعداء إلى حلاوة ذلك السّكّر وصاروا يبلعون ذلك المرّ مثل السّكّر ووجدوا المرارة حلوا على عكس الصّفراويّ حيث لا يجده حلوا فإنّ أفعال المحبوب كلّها حلوة وإنّما يجدها مرّا من كان عليلا بعلّة التّعلّق بالسّوى وأهل السّعادة يجدون في إيلام المحبوب من الحلاوة واللّذّة ما لا يتصوّر وجدان مثله في الإنعام فإنّه وإن كان كلاهما من المحبوب ولكن لا مدخل في الإيلام لنفس PageV02P066 المحبّ وفي الإنعام قيام بمراد النّفس هنيئا لارباب النّعيم نعيمها * اللهمّ لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم. ووجودكم الشّريف وقت غربة الإسلام مغتنم لاهل الإسلام سلّمكم الله سبحانه وأبقاكم والسّلام (30) المكتوب الثلاثون إلى الخواجه محمّد أشرف والحاجّ محمّد الفركتيّ في جواب سؤاليهما أحدهما عن دوام نسبة الرّابطة والآخر عن الفتور في المشغوليّة بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفة الّتي أرسلها الاخ الاعزّ الاشرف واتّضحت الكيفيّات المندرج فيها. بيانها: كتب الخواجه محمّد أشرف عن دوام نسبة الرّابطة بأنّها قد استولت على حدّ أراها في الصّلاة مسجودة لي فإن نفيتها فرضا لا تنتفي أصلا. (أيّها المحبّ) إنّ هذه الدولة هي متمنّى الطّلاب ولا يعطاها الّا واحد من ألوف وصاحب هذه المعاملة مستعدّ تامّ المناسبة يحتمل أن يجذب جميع الكمالات بقليل من صحبة المقتدى به وكيف تنفى الرّابطة؛ فإنّها مسجود إليها لا مسجود لها ولم تنفى المحارب والمساجد وظهور مثل هذه الدولة إنّما يتيسّر للسّعداء حتّى يعلم صاحب الرّابطة واسطته في جميع الأحوال وليكون متوجّها إليه في جميع الاوقات لا لجماعة حرموا الدولة وزعموا أنفسهم مستغنين ويحرّفون قبلة توجّههم عن شيخهم ويضيّعون معاملتهم. وكتبت أيضا خبر فوت والدة الاولاد فقلنا: إنّا لله وإنّا إليه راجعون وقرأنا الفاتحة وفهم أثر الإجابة في أثناء القراءة. وذكر مولانا الحاجّ محمّد أنّه قد طرأ الفتور في المشغوليّة منذ شهرين ولم يبق شيء من الذّوق والحلاوة اللّذين كانا من قبل. (أيّها المحبّ) لا غمّ إذا لم يطرأ الفتور على شيئين: أحدهما: متابعة صاحب الشّريعة - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة. الثاني: الأخلاص والمحبّة لشيخه. فلو طرأ ألوف من الظّلمة مع وجود هذين الامرين لا يضرّ ولا يخاف عليه من الضّياع ولو ظهر النّقصان - عياذا بالله سبحانه - في واحد من هذين الامرين فخسران في خسران وإن كان في حضور (1) وجمعيّة فإنّه استدراج وله سوء العاقبة. ينبغي أن يطلب من الحقّ سبحانه بالتّضرّع والابتهال - الثبات على هذين الامرين وأن يسأله سبحانه الإستقامة عليهما فإنّهما ملاك الامر ومدار النّجاة والسّلام على سائر الإخوان خصوصا على المحبّ القديم مولانا عبد الغفور السّمرقنديّ. (31) المكتوب الحادي والثلاثون إلى الخواجه شرف الدين حسين في الوعظ والنّصيحة PageV02P067 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (أيّها الولد الاعزّ) إنّ الفرصة مغتنمة فينبغي أن لا يصرف تمام العمر في أمور لا طائل فيها بل ينبغي أن يصرف تمامه في مراضي الحقّ جلّ وعلا. ينبغي أن تؤدّي الصّلوات الخمس بالجمعيّة والجماعة مع تعديل الاركان. وينبغي أن لا تترك صلاة التّهجّد وأن لا تضيّع الإستغفار في الاسحار مجّانا. وأن لا يغترّ بمنام الارنب. وأن لا ينخدع بالحظوظ العاجلة. وأن يجعل تذكّر الموت وأهوال الآخرة نصب العين. (وبالجملة) ينبغي أن يكون معرضا عن الدنيا ومقبلا على الآخرة وأن يشتغل بالدّنيا بقدر الضّرورة وأن يعمّر سائر الاوقات بالاشتغال بأمور الآخرة وحاصل الكلام هو أنّه: ينبغي أن يتخلّص القلب من رقّيّة الاغيار والسّوى (1) وأن يكون الظّاهر مزيّنا ومحلّى بالاحكام الشّرعيّة. [ع] هذا هو الامر والباقي خيالات * وبقيّة الأحوال بالخير والسّلام. (32) المكتوب الثاني والثلاثون إلى المرزا قلي? الله في جواب عريضته الّتي كتبها في الشّكاية من عدم جمعيّة الباطن وما يناسب ذلك بعد الحمد لله والصّلوات وتبليغ الدعوات أنهي أنّ الصّحيفة الشّريفة المكتوبة في باب التّعزية قد وصلت إِنّا لله وإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (2) نحن رضينا بقضاء الله تعالى بتوفيقه سبحانه وينبغي لكم أيضا أن تكونوا راضين به وأن تكونوا معاونين وممدّين بالدّعاء والفاتحة وصار خبر خلاصكم باعثا على المسرّة والفرح وسكن به أحد الالمين لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك. (وكتبت شكاية عن فقدان جمعيّة الباطن) نعم إنّ لتشتّت الظّاهر تأثيرا عظيما في تصرّف الباطن فإذا وجدت الكدورة في الباطن ينبغي تداركها بالتّوبة والاستغفار وإذا ظهرت صورة هائلة ينبغي دفعها بكلمة التّمجيد " لا حول ولا قوّة الّا بالله العليّ العظيم " وتكرار المعوّذتين مغتنم في ذلك الوقت وبقيّة الأحوال مستوجبة للحمد لله سبحانه الحمد والمنّة دائما على كلّ حال وأعوذ بالله سبحانه من حال أهل النّار وفي الفقير أثر الضّعف ولهذا صرفت النّظر عن تحرير تفصيل الأحوال رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإستقامة على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. والسّلام. PageV02P068 (33) المكتوب الثالث والثلاثون إلى مولانا محمّد صالح الكولابيّ في بيان أنّ المحبوب محبوب في نظر المحبّ على كلّ حال سواء صدر عنه الإنعام أو الإيلام بل الإيلام عند الاقلّين موجب لازدياد المحبّة أكثر من إنعامه وبيان مزيّة الحمد على الشّكر وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (وبعد) فليعلم الاخ الاعزّ مولانا محمّد صالح أنّ المحبوب محبوب في نظر المحبّ بل في نفس الامر في جميع الوقت وفي جميع الحال سواء آلم أو أنعم فهو محبوب على كلا الحالين. وعند أكثر النّاس الذين تشرّفوا بدولة المحبّة أنّ ازدياد محبّة المحبوب في وقت الإنعام أكثر منه في وقت إيلامه أو هو مساو في الوقتين. وعند الاقلّ عكس هذه المعاملة يعني إيلامه موجب لازدياد المحبّة أكثر من إنعامه. ومقدّمة هذه الدولة العظمى: حسن ظنّ بالمحبوب حتّى إنّ المحبوب لو أمرّ السّكّين على حلقوم المحبّ ومزّق كلّ عضو منه وفرّقه من الآخر لعلم المحبّ ذلك عين صلاحه ويتصوّره عين فلاحه فإذا ارتفعت كراهة فعل المحبوب عن نظر المحبّ بحصول هذا الظّنّ الحسن تشرّف بدولة المحبّة الذّاتيّة الّتي هي معرّاة عن جميع النّسب والاعتبارات ومخصوصة بحبيب ربّ العالمين عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات ووجد الإلتذاذ والفرح في الإيلام أكثر منهما في الإنعام. وأظنّ أنّ هذا المقام فوق مقام الرّضاء فإنّ في الرّضاء دفع كراهة ألم فعل المحبوب وهنا الإلتذاذ بذلك الفعل؛ فإنّ الجفاء كلّما كان من جانب المحبوب أجلّ وأكثر يكون الفرح والسّرور من جانب المحبّ أزيد وأوفر شتّان ما بينهما وحيث كان المحبوب محبوبا في نظر المحبّ بل في نفس الامر في جميع الاوقات وجميع الأحوال لا جرم يكون المحبوب في جميع الاوقات وجميع الأحوال - بل في الواقع ونفس الامر - محمودا وممدوحا أيضا ويكون المحبّ في وقت إيلامه وإنعامه مادحا له ومثنيا عليه فحينئذ يصدق لهذا المحبّ الصّادق أن يقال: «صادقا ومصدوقا " والحمد لله ربّ العالمين على كلّ حال ويصير هذا المحبّ من الحامدين له سبحانه في السّرّاء والضّرّاء حقيقة. ويشبه أن تكون مزيّة الحمد على الشّكر من جهة أنّ في الشّكر ملاحظة إنعام المنعم فيكون راجعا إلى الصّفة بل إلى الفعل والملحوظ في الحمد حسن المحمود وجماله سواء كان ذاتيّا أو وصفيّا أو فعليّا وسواء كان إنعاما أو إيلاما؛ فإنّ إيلامه سبحانه حسن كإنعامه تعالى فيكون الحمد أبلغ في الثناء وأجمع لمراتب الحسن والجمال وأبقى في حالتي السّرّاء والضّرّاء بخلاف الشّكر؛ فإنّه مع قصوره سريع الزّوال على شرف الهلاك بزوال الإنعام PageV02P069 وهلاك الإحسان (فإن قيل) أنت كتبت في بعض مكتوباتك أنّ مقام الرّضاء فوق مقام المحبّة (1) ومقام الحبّ (2) وهنا تكتب أنّ مقام هذه المحبّة فوق مقام الرّضاء فكيف التّوفيق بين هذين الكلامين؟ (أجيب) أنّ هذا المقام - أعني مقام المحبّة المذكورة هنا - وراء ذلك المقام - أعني مقام المحبّة والحبّ هناك - فإنّ ذلك المقام مشتمل على النّسب والاعتبارات إجمالا وتفصيلا فإنّه وإن قالوا لتلك المحبّة ذاتيّة وتصوّروا ذلك الحبّ حبّا ذاتيّا ولكنّه ليس فيه قطع النّظر عن الشّئون والاعتبارات بخلاف هذا المقام؛ فإنّه معرّى عن النّسب والاضافات كما مرّ وما اندرج في بعض المكتوبات من أنّه لا مجال للقدم فوق مقام الرّضاء الّا لخاتم الرّسل - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام - كأنّه عبارة عن هذا المقام؛ فإنّه مخصوص بخاتم الرّسل - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام - والله أعلم بحقائق الامور كلّها. (ينبغي أن يعلم) أنّ كراهة الظّاهر ليست بمنافية لرضا الباطن ومرارة الصّورة ليست بمنافية لحلاوة الحقيقة فإنّ ظاهر العارف الكامل وصورته مترو كان على ما هما عليه من الصّفات البشريّة ليكونا قبابا لكمالاته وليحصل له الإبتلاء والامتحان وليكون المحقّ ممزوجا بالمبطل وينبغي أن يتصوّر نسبة ظاهر العارف الكامل وصورته إلى باطنه وحقيقته كنسبة ثوب إلى شخص لابس لذلك الثوب ومعلوم أنّه ما مقدار الثوب وقدره بالنّسبة إلى الشّخص وكذلك قدر صورة العارف بالنّظر إلى حقيقته وربّما يظنّ مكفوفو البصر مطموسو البصيرة صورة العارف مثل الجبل ويتخيّلونها مثل صورهم الّتي لا حقائق لها فلا جرم يكونون في مقام الإنكار ويكتسبون الحرمان والسّلام على من اتّبع الهدى (3) والتزم متابعة المصطفى (34) المكتوب الرّابع والثلاثون إلى نور محمّد التّناريّ في جواب عريضته الّتي كتبها لبيان توارد الأحوال PageV02P070 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (وبعد) فقد وصل المكتوب الشّريف واتّضح ما حرّر فيه من توارد الأحوال. (اعلم) أنّ الحقّ سبحانه كما أنّه ليس داخل العالم كذلك ليس خارج العالم وكما أنّه ليس بمنفصل عن العالم ليس بمتّصل بالعالم وهو سبحانه موجود ولكنّ جميع تلك الصّفات أعني الدخول والخروج والاتّصال (1) والانفصال (2) مسلوبة عنه سبحانه ينبغي أن يطلبه تعالى خاليا عن هذه الصّفات الاربعة وأن يجده سبحانه في خارج هذه الصّفات فإن امتزج لون من هذه الصّفات فليس الحاصل حينئذ غير التّعلّق بالظّلال والمثال بل ينبغي أن يطلبه تعالى بصفة لا كيفيّة ولا مثليّة منزّهة عن غبار الظّلّيّة وأن يحصّل اتّصالا لا كيفيّا بتلك المرتبة وهذه الدولة نتيجة الصّحبة لا تحصل بالتّكلّم والكتابة ولئن كتبت فمن يفهمها ومن يدركها؟!! فينبغي المداومة على المشغوليّة بالشّوق (3) والذّوق وكتابة كيفيّات الأحوال إلى حين الملاقاة. والسّلام. PageV02P071 (35) المكتوب الخامس والثلاثون إلى شيخ زاده الخواجه محمّد عبد الله سلّمه الله تعالى في جواب استفساراته عن التّوحيد وعين اليقين وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات أنهي إلى جناب مخدوم زاده: أنّ الصّحيفة الشّريفة قد وصلت وحصل الفرح الوافر بمطالعتها واندرج فيها بيان شمول نسبة الحضور واستيلائها فحسن ومبارك. وهذه الدولة الّتي تيسّرت لكم في مدّة ثلاثة أشهر إن تيسّر هي في سلاسل أخرى في مدّة عشر سنين ليعدّونها نعمة عظيمة ويتصوّرونها أمرا عظيما ينبغي أداء شكر هذه النّعمة كما ينبغي وحيث إنّى أعرف أنّ فطرتكم عالية ومبرّأة عن حصول شائبة العجب بتحسين مثل هذه الأحوال أظهرنا هذه النّعمة لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (1) نصّ قاطع. وكتبتم أنّ مقدّمة التّوحيد يعني الوجوديّ أخذت في الظّهور فيبارك لكم هذه الدولة أيضا. ينبغي قبول هذا الوارد (2) بالادب ولكنّ ينبغي رعاية الآداب الشّرعيّة في غلبة هذا الحال حقّ رعايتها وأداء حقوق العبديّة حقّ أدائها وأن يعلم بأنّ هذه الشّعبذة على تقدير صحّتها وصدقها ناشئة بواسطة استيلاء محبّة المحبوب حيث إنّ المحبّ إذا أبصر شيئا وأدركه لا يبصر ولا يدرك غير محبوبه وإذا حصلت له لذّة وذوق من أحد ينسبها إلى محبوبه وفي هذه الصّورة مشهود المحبّ هو الكثرة لكن بعنوان الوحدة فلا يتحقّق الفناء في هذا الموطن؛ فإنّ في الفناء دفع شهود الكثرة بالكلّيّة بواسطة استيلاء شهود الواحد وإنّما قيل لذلك أيضا فناء بالنّسبة إلى عدم شهود كثرة الممكنات وحقيقة الفناء إنّما تتحقّق إذا اختفت كثرة الاسماء والصّفات والشّئون والاعتبارات بتمامها أيضا عن النّظر ولم يكن شيء غير أحديّة الذّات المجرّدة تعالت ملحوظا ومنظورا أصلا وحقيقة تماميّة السّير إلى الله تجتلى في هذا المقام وفيه يتصوّر التّخلّص عن التّعلّق بالظّلال بالكلّيّة وفي هذا الوقت تقع المعاملة في أصل الاصول وتتحوّل من الدالّ إلى المدلول ويحصل التّرقّي (3) والعروج من العلم إلى العين ومن المراسلة إلى المعانقة ويتحقّق الوصل العريان وكذا وكذا ثمّ كذا وكذا لا يمكن التّكلّم والانباء عن ذلك الموطن بغير الرّمز والاشارة وهو أيضا مبهم ومستور. وقد طلب مخدوم زاده منّا بيان عين اليقين وأراد حصوله في العلم وهذا أمر مشكل ماذا أصنع وماذا أقول وكيف أبيّنه وأكشف عنه وأفهمه؛ فيرجى من كرم مخدوم زاده أن يعذرني وأن يميل من طلب العلم إلى طلب الحال. والسّؤالان الصّادران عن PageV02P072 المخدوم أنبأ كلّ منهما عن علوّ الفطرة: أحدهما: عن بيان عين اليقين بطور خاصّ كما مرّ. وثانيهما: عن بيان تأويل المتشابهات القرآنيّة الّتي علمها نصيب العلماء الرّاسخين. وجواب السّؤال الثاني أدقّ من جواب السّؤال الاوّل وأخفى منه وأليق بالاستتار ومناف للظّهور والاظهار وعلم تأويل المتشابهات كناية عن المعاملة الّتي هي مخصوصة بالرّسل - عليهم الصّلوات والتّسليمات - ويمنح أقلّ قليل من الامم نبذا يسيرا من هذا العلم بالتّبعيّة والوراثة ولا يرفع البرقع عن جمالها لهم في هذه النّشأة أيضا ولكنّ المرجوّ أن يشرّف بهذه الدولة في النّشأة الآخرة جمّ غفير من الامم أيضا بطريق التّبعيّة والقدر الممكن كتابته أنّه يصحّ أن يشرّف البعض الآخر وراء ذلك الاقلّ بهذه الدولة في هذه النّشأة أيضا ولكن لا يعطى له العلم بحقيقة المعاملة ولا ينكشف له التّأويل (وبالجملة) يجوز أن يحصل تأويل المتشابهات لذلك البعض ولكنّه لا يدرى ما حاصله فإنّ المتشابهات كناية عن المعاملات ويصحّ أن تكون المعاملة حاصلة ولا يحصل العلم بتلك المعاملة وشاهدت هذا المعنى في فرد من المنتسبين إليّ وماذا يحصل للآخرين وسؤالكم أوقع في الرّجاء من هذه المعاملة رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) والسّلام. (36) المكتوب السّادس والثلاثون إلى الخواجه محمّد التّقيّ في بيان بحث الإمامة وحقيقة مذهب أهل السّنّة والجماعة ومخالفيهم وأنّ أهل السّنّة متوسّطون بين الإفراط والتّفريط اللّذين اختصارهما الرّوافض والخوارج ومدح أهل بيت الرّسول صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات أنهي أنّ محبّة الفقراء والارتباط بهم والالفة معهم والرّغبة في استماع كلمات هذه الطّائفة العليّة والميل إلى أوضاع هذه الطّبقة السّنيّة وأطوارهم من أجلّ نعم الله جلّ سلطانه وأعظم عناياته تعالى قال المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " المرء مع من أحبّ " فمحبّهم معهم وفي حرم حريم القرب طفيليّهم (أيّها الموفّق) إنّ ولدي الخواجه شرف الدين حسين قد أخبر أنّ هذه الاوصاف الحميدة مجتمعة فيه مع وجود تعلّقات شتّى وهذه المعاني المستحسنة المقبولة ملتئمة فيه مع وجود اشتغالات لا طائل فيها - لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك - فإنّ صلاحكم موجب لصلاح جمّ غفير وفلا حكم مستلزم لفلاح جمع كثير وأظهر PageV02P073 المشار إليه بأنّه محبّ لكلامك وراغب في استماع علومك فإن كتبت إلى جنابه كلمات لكان أفضل وأحسن. فأردت أن أكتب كلمات إجابة للملتمس وحيث كان في هذه الايّام ذكر بحث الإمامة أكثر وكلّ شخص ينسج الكلام في هذا الباب بالظّنّ والتّخمين أردت أن أكتب في هذا المبحث سطورا بالضّرورة وأن أبيّن حقيقة مذهب أهل السّنّة والجماعة ومذهب المخالفين. (أيّها الطّالب للنّجاة) إنّ من علامات أهل السّنّة والجماعة تفضيل الشّيخين ومحبّة الختنين واجتماع تفضيل الشّيخين مع محبّة الختنين من خصائص أهل السّنّة والجماعة تفضيل الشّيخين ثابت بإجماع الصّحابة والتّابعين كما نقله أكابر الائمّة أحدهم الإمام الشّافعيّ رحمه الله وقال الشّيخ أبو الحسن الاشعريّ: «تفضيل أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - على سائر الامّة قطعيّ " وقد ثبت عن عليّ - كرّم الله وجهه - بالتّواتر في زمن خلافته وكرسيّ مملكته وبيّن الجمّ الغفير من شيعته أنّ أبا بكر وعمر أفضل هذه الامّة كما ذكره الذّهبيّ وروى عنه الإمام البخاريّ أنّه قال: «أفضل النّاس بعد الرّسول - صلّى الله عليه وسلّم - أبو بكر ثمّ عمر ثمّ رجل آخر. فقال ابنه محمّد بن الحنفيّة: ثمّ أنت فقال: ما أنا الّا رجل من المسلمين» (وبالجملة) انّ تفضيل الشّيخين قد بلغ من كثرة الرّواة الثقات حدّ الضّرورة والتّواتر فإنكاره إمّا من الجهل وإمّا من التّعصّب ولمّا لم يجد عبد الرّزّاق - الذي هو من أكابر الشّيعة - مجالا للإنكار قال بتفضيل الشّيخين من غير اختيار وقال " حيث فضّل عليّ الشّيخين على نفسه أفضّلها أنا أيضا عليه لتفضيله ولو لا أنّه فضّلهما على نفسه لما فضّلتهما عليه وبال عليّ أن أدّعي محبّة عليّ ثمّ أخالفه " ولمّا كثر في زمان خلافة الختنين ظهور الفتن والاختلال في أمور النّاس وحصلت من هذه الجهة كدورة غير محصورة في قلوب النّاس واستولت العداوة والبغضاء فيما بين المسلمين عدّت محبّة الختنين أيضا بالضّرورة من جملة شرائط كون شخص من أهل السّنّة والجماعة لئلّا يسيء الجاهل الظّنّ من هذه الحيثيّة بأصحاب خير البشر - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام - فكانت محبّة عليّ كرّم الله وجهه شرطا للتّسنّن ومن ليست فيه هذه المحبّة صار خارجا عن أهل السّنّة ويسمّي خارجيّا والذي اختار طرف الإفراط في محبّة عليّ ووقع منه الزّيادة على القدر اللّائق وأظهر الغلوّ في تلك المحبّة وأطال اللّسان بسبّ أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وترك طريق الصّحابة والتّابعين والسّلف الصّالحين رضوان الله عليهم أجمعين ورفضه سمّي رافضيّا فأهل السّنّة متوسّطون بين الإفراط في محبّة عليّ كرّم الله وجهه وبين التّفريط فيها اللّذين اختارهما الرّوافض والخوارج. ولا شكّ أنّ الحقّ في الوسط والافراط والتّفريط كلاهما مذمومان كما روى الإمام أحمد بن حنبل عن عليّ أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " فيك مثل من عيسى؛ عاداه اليهود حتّى بهتوا أمّه وأحبّه النّصارى حتّى أنزلوه منزلة ليس هو فيها " يعني: قالوا إنّه ابن الله فقال عليّ: «هلك فيّ اثنان المفرط في محبّتي حتّى يثبت لي ما ليس فيّ والثاني: من يعادينى ويفتري عليّ بالعداوة " فشبّه حال الخوارج بحال اليهود وحال الرّوافض بحال النّصارى PageV02P074 وكلاهما وقعا من الحقّ الوسط في الطرفين. وما أجهل من لا يعدّ أهل السّنّة والجماعة من محبّي عليّ ويزعم محبّته مختصّة بالرّفضة وليست محبّة عليّ من الرّفض وإنّما الرّفض: التّبرّي من الخلفاء الثلاثة والتّبرّي من الاصحاب الكرام مذموم وصاحبه عليه ملوم؛ قال الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه. (شعر) لو كان رفضا حبّ آل محمّد ... فليشهد الثقلان أنّى رافض يعني: أنّ حبّ آل محمّد ليس برفض كما يزعمونه فإن قالوا لهذا الحبّ رفضا فليس برفض مذموم فإنّ ذمّ الرّفض إنّما جاء من جهة التّبرّي عن الآخرين ورفضهم لا من جهة محبّتهم يعني آل محمّد فيكون محبّوا أهل بيت رسول الله - عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات - من أهل السّنّة والجماعة وهم شيعة أهل البيت في الحقيقة والشّيعة الذين يدّعون محبّة أهل البيت ويعدّون أنفسهم من شيعتهم فإن لم يقتصروا محبّتهم على أهل البيت ولم يتبرّوا من الآخرين وعظّموا جميع أصحاب النّبىّ - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام - ووقّروهم حقّ تعظيمهم وتوقيرهم وحملوا مشاجراتهم على محامل حسنة فهم داخلون في أهل السّنّة والجماعة وخارجون عن الخوارج والرّوافض فإنّ عدم محبّة أهل البيت خروج والتّبرّي عن الاصحاب رفض ومحبّة أهل البيت مع تعظيم جميع الاصحاب وتوقيرهم تسنّن. (وبالجملة) انّ مبنى التّسنّن على حبّ مصاحبيه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام والعاقل المنصف لا يختار بغض الاصحاب الكرام على حبّهم أصلا بل يحبّ جميعهم بحبّ النّبىّ عليه وعليهم الصّلوات والتّحيّات؛ قال - عليه الصّلاة والسّلام «من أحبّهم فبحبّى أحبّهم ومن أبغضهم فببغضى أبغضهم» (1). (ولنرجع إلى أصل الكلام ونقول) كيف يظنّ عدم محبّة أهل البيت في حقّ أهل السّنّة والجماعة والحال أنّ محبّتهم عندهم جزء الإيمان وسلامة الخاتمة مربوطة عندهم برسوخ تلك المحبّة. وكان والد هذا الفقير الماجد يرغب في أكثر الاوقات في محبّة أهل البيت وكان عالما بالعلم الظّاهرىّ والباطنىّ وكان يقول " انّ لمحبّتهم مدخلا عظيما في سلامة الخاتمة ينبغي أن يراعيها كمال رعايتها " وكان هذا الفقير حاضرا في مرض موته ولمّا انتهت معاملته إلى آخرها وبقي الشّعور بهذا العالم قليلا ذكّرته بكلامه في ذلك الوقت واستفسرته عن تلك المحبّة فقال في تلك الحالة: «إنّى غريق في محبّة أهل البيت فأودّي شكر الحقّ - عزّ وجلّ - في ذلك الوقت». ومحبّة أهل البيت رأس مال أهل السّنّة والمخالفون غافلون عن هذا المعنى PageV02P075 وجاهلون بمحبّتهم المتوسّطة اختاروا لانفسهم جانب الإفراط وظنّوا وراء الإفراط تفريطا وحكموا بالخروج وزعموه مذهب الخوارج ولم يعلموا أنّ بين الإفراط والتّفريط حدّا وسطا هو مركز الحقّ وموطن الصّدق الذي صار نصيبا لاهل السّنّة والجماعة شكر الله سعيهم. (والعجب) أنّ أهل السّنّة هم الذين قتلوا الخوارج واستأصلوا أعداء أهل البيت ولم يكن من الرّفضة في ذلك الوقت اسم ولا رسم فإن كان له حكم العدم وكأنّهم تصوّروا محبّي أهل البيت بزعمهم الفاسد رفضة وتخيّلوا أهل السّنّة بتلك العلاقة روافض يا لها من معاملة عجيبة!! حيث يعدّون أهل السّنّة أحيانا من الخوارج لعدم إفراط المحبّة ويزعمونهم أحيانا روافض لما يحسّون فيهم من نفس المحبّة ولهذا تراهم يزعمون من جهالتهم الأولياء العظام من أهل السّنّة الذين يذكرون محبّة أهل البيت ويظهرون حبّ آل محمّد - صلّى الله عليه وسلّم -: روافض ويظنّون كثيرا من كبار علماء أهل السّنّة الذين يمنعون من إفراط تلك المحبّة ويحرّضون على تعظيم الخلفاء الثلاثة وتوقيرهم خوارج فآه الف آه من جراءتهم الغير المناسبة أعاذنا الله سبحانه من إفراط تلك المحبّة وتفريطها ومن إفراط المحبّة اشترطوا في تحقّق محبّة عليّ التّبرّي من الخلفاء الثلاثة وغيرهم ينبغي الإنصاف ما معنى المحبّة الّتي يشترط في حصولها التّبرّي من نوّاب النّبىّ - صلّى الله عليه وسلّم - وقائمي مقامه وسبّ أصحاب خير البشر وطعنهم رضوان الله عليهم أجمعين. وذنب أهل السّنّة إنّما هو ضمّهم إلى محبّة أهل البيت توقير جميع أصحابه - صلّى الله عليه وسلّم - وتعظيمهم وجمعهم إيّاهما معا بحيث لا يذكرون أحدا منهم بسوء مع وجود المنازعات والمخالفات فيما بينهم وينزّهونهم عن الاهواء النّفسانيّة والتّعصّبات البشريّة من جهة تعظيم صحبة النّبيّ وتكريم مصاحبيه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ومع ذلك يقولون للمحقّ محقّا وللمبطل مبطلا ولكن مع تنزيه بطلانه من الهوى (1) والهوس وإحالته على الرّأي والاجتهاد. وإنّما يرضى الرّوافض عن أهل السّنّة والجماعة إذا هم تبرّوا عن سائر الاصحاب الكرام مثلهم وأساؤا ظنّهم بهؤلاء الاكابر كما أنّ رضاء الخوارج عنهم مربوط بعداوة أهل البيت ومنوط ببغض آل محمّد عليه وعليهم الصّلوات والبركات رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (2) وكان أصحاب رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - عند أكابر أهل السّنّة والجماعة - شكر الله سعيهم - في وقت منازعة بعضهم بعضا ثلاث فرق: فرقة عرفوا حقّيّة جانب عليّ بالدّليل والاجتهاد. وجماعة أخرى وجدوا أيضا بالدّليل والاجتهاد حقّيّة جانب آخر. وطائفة ثالثة كانوا متوقّفين لم يرجّحوا جانبا واحدا بالدّليل فلزمت الطّائفة الأولى نصرة جانب عليّ بمقتضى اجتهادهم. ولزمت الطّائفة الثانية نصرة جانب مخالفيه على مؤدّى اجتهادهم. ولزم الطّائفة الثالثة PageV02P076 التّوقّف وكان ترجيح إحديهما على الاخرى خطأ في حقّهم. فعمل كلّ فرقة من هذه الفرق الثلاث بمقتضى اجتهادهم وأدّوا ما هو الواجب واللّازم على ذمّتهم فكيف يكون للملامة مجال فيهم؟! وكيف يكون الطّعن مناسبا لهم؟! وقال الإمام الشّافعيّ ونقل عن عمر بن عبد العزيز أيضا رضي الله عنهما: " تلك دماء طهّر الله عنها أيدينا فلنطهّر عنها السنتنا». ويفهم من هذه العبارة أنّه لا ينبغي تحريك الشّفتين أيضا بحقّيّة إحديهما وتخطئة الاخرى وأن لا يذكر كلّهم بغير الخير. وكذلك ورد في الحديث النّبويّ حيث قال النبىّ - عليه الصّلاة والسّلام - " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» (1). يعني: إذا ذكر أصحابي ومنازعاتهم فامتنعوا عن ذلك ولا تختاروا أحدهم على الآخر. ولكنّ جمهور أهل السّنّة ذاهبون لما ظهر لهم بدليل إلى أنّ الحقّ في جانب عليّ كرّم الله وجهه ومخالفوه سالكون طريق الخطأ ولكن لمّا كان هذا الخطأ خطأ اجتهاديّا بعد عن الملائمة والطّعن وتنزّه عن التّحقير وتبرّأ من التّشنيع ونقل عن عليّ رضي الله عنه أنّه قال " إخواننا بغوا علينا لا هم كفّار ولا فسّاق فإنّ لهم تأويلا يمنع عنهم الكفر والفسق " فأهل السّنّة والرّافضة كلاهما يخطئون محاربي عليّ وكلاهما يقولون بحقّيّة جانبه ولكن لا يجوّز أهل السّنّة الزّيادة على إطلاق لفظ الخطإ النّاشئ عن التأويل في حقّ محاربيه ويحفظون اللّسان من طعنهم وتشنيعهم ويراعون حقّ صحبة خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - " الله الله في أصحابي لا تتّخذوهم غرضا بعدي " وكرّر لفظ الجلالة للتّأكيد وقال أيضا " أصحابي كالنّجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» (2) وورد أحاديث أخرى كثيرة في باب تعظيم الاصحاب وتوقيرهم أجمعين؛ فينبغي إعزازهم وتكريمهم جميعا وحمل زلّاتهم على محامل حسنة وهذا هو مذهب أهل السّنّة في هذه المسألة. والرّوافض يغالون في هذا الباب حتّى يكفّرون محاربى عليّ ويلوّثون السنتهم بأنواع الطّعن وأقسام الشّتم فإن كان المقصود ظهور حقّيّة جانب عليّ وإظهار خطإ محاربيه فما اختاره أهل السّنّة كاف فيه وعلى حدّ الإعتدال والطّعن في أكابر الدين بعيد عن الديانة والتّديّن كما اختاره الرّافضة وزعموا شتم أصحاب رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - دينهم وإيمانهم ما أقبحه من دين!! حيث إنّ جزءه الاعظم سبّ نوّاب النّبىّ وشتم خلفائه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام. واختار كلّ واحدة من طوائف المبتدعة بدعة وامتاز بها عن أهل السّنّة والجماعة ولكنّ فرقة الخوارج والرّوافض من بين PageV02P077 جميع هؤلاء الطّوائف بعيدة عن الحقّ والصّواب جدّا فإذا كان سبّ أكابر الدين ولعنهم جزءا أعظم من إيمانهم كيف يكون لهم نصيب من الحقّ؟! وافترقت الرّوافض على اثنتى عشرة فرقة كلّهم يكفّرون أصحاب النّبىّ - صلّى الله عليه وسلّم - ويعتقدون سبّ الخلفاء الرّاشدين عبادة وهذه الجماعة يتحاشون عن إطلاق لفظ الرّفض على أنفسهم ويزعمون الرّوافض غيرهم لما ورد في الاحاديث وعيد شديد في حقّ الرّفضة فيا ليتهم اجتنبوا عن معنى " الرفضة " أيضا ولم يتبرّؤا عن أصحاب النّبىّ عليه وعليهم الصّلاة والسّلام. وهنود بلاد الهند يعني مجوسهم أيضا يقولون لانفسهم هنودا ويتحاشون عن الكفر ولا يعتقدون أنفسهم كفّارا ويزعمون أنّ الكفّار هم سكّان دار الحرب وغلطوا في هذا الفهم بل كلا الصّنفين كفّار متحقّقون بحقيقة الكفر وكأنّهم زعموا أنّ أهل بيت النّبىّ - عليه وعليهم الصّلاة والسّلام - مثلهم وتخيّلوهم أيضا أعداء أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وهذه الطّائفة يظنّون أكابر أهل البيت بحكم التّقاة الّتي يزعمونها منافقين ومخادعين ويزعمون أنّ عليّا كرّم الله وجهه صحب الخلفاء الرّاشدين ثلاثين سنة بحكم التّقاة صحبة نفاق وعظّمهم ووقّرهم من غير حقّ واستحقاق ما أحسن هذه المعاملة وما أجملها!! فإن كانت محبّة أهل بيت رسول الله بواسطة محبّة رسول الله صلّى الله عليه وعليهم وسلّم ينبغي أن يكونوا أيضا أعداء لاعداء رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وأن يسبّوهم ويلعنوهم أكثر من سبّ أعداء أهل البيت ولعنهم ولم يسمع من أحد من هذه الطّائفة أنّه سبّ أبا جهل ولعنه مع أنّه أشدّ أعداء رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وآذاه - صلّى الله عليه وسلّم - بأنواع الاذيّة والجفاء ولم يحرّك أحد منهم لسانه بذكر مساويه وأبو بكر الصّدّيق الذي هو أحبّ الرّجال إلى رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - يزعمونه بزعمهم الفاسد عدوّا لاهل البيت ويطيلون السنتهم بسبّه وطعنه وينسبون إليه أمورا غير مناسبة به فأيّ تديّن هذا وأيّ ديانة لا قدّر الله سبحانه كون أبي بكر وعمر وسائر الصّحابة الكرام أعداء أهل بيت رسول الله عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ومبغضين ومعادين لآل محمّد صلّى الله عليه وسلّم. وليت هؤلاء العارين عن لباس الإنصاف يسبّون أعداء أهل البيت من غير تعيين أسامي أكابر الصّحابة رضوان الله عليهم أجمعين ومن غير إظهار سوء ظنّ بأكابر الدين فترتفع حينئذ مخالفتهم في هذا الباب لاهل السّنّة؛ فإنّ أهل السّنّة أيضا يعادون أعداء أهل البيت ويقولون بطعنهم وتشنيعهم. ومن حسن أهل السّنّة أنّهم لا يقولون لشخص معيّن مبتلى متلبّس بأنواع الكفر جهنّميّا ولا يجوّزون إطلاق اللّعن عليه لاحتمال إسلامه وتوبته في آخر أمره وإنّما يجوّزون إطلاق اللّعن على الكافرين مطلقا دون تعيين شخص متّهم ما لم يعلم سوء خاتمته بدليل قطعيّ والرّوافض يلعنون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما بلا تحاش ويسبّون أكابر الصّحابة ويطعنون فيهم من غير اكتراث هداهم الله إلى سواء الصّراط. وفي هذا المبحث اختلاف عظيم بين أهل السّنّة وبين مخالفيهم في مقامين: المقام الاوّل: هو أن أهل السّنّة قائلون بحقّيّة خلافة الخلفاء PageV02P078 الاربع ويقولون لكلّ واحد من هؤلاء الاربع خليفة حقّا لانّه قد ورد في الحديث الصّحيح بطريق الإخبار عن المغيّبات: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة " وهذه المدّة تمّت بخلافة علىّ فبمقتضى هذا الحديث يكون كلّ من الأربعة خليفة ويكون ترتيب الخلافة على الحقّ والمخالفون ينكرون حقّيّة خلافة الخلفاء الثلاثة وينسبون خلافتهم إلى التّعصّب والتّغلّب لا يعتقدون أحدا غير علىّ إماما على الحقّ ويحملون البيعة الواقعة من علىّ للخلفاء الثلاثة على التّقاة ويظنّون الصّحبة الواقعة فيما بين الأصحاب الكرام صحبة نفاق ويتصوّرون المداراة الكائنة فيهم مخادعة فإنّ موافقى علىّ قد صحبوا في زعم هؤلاء الفرقة مع مخالفيه بحكم التّقاة صحبة نفاق واظهروا بلسانهم خلاف ما في قلوبهم ومخالفوا علىّ لمّا كانوا في زعم هؤلاء الطّائفة أعداءه وأعداء موافقيه وأحبابه كانوا أحبابا لهم على سبيل النّفاق وأظهروا المعاداة في صورة الموالاة فيكون جميع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على زعمهم الفاسد منافقين ومخادعين ومظهرين بظواهرهم خلاف ما في بواطنهم فيكون شرار هذه الامّة عند هؤلاء الفرقة هم الاصحاب الكرام ويكون شرّ الصّحبات وأخبثها صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام حيث نشأت منها أمثال هذه الاخلاق الذّميمة ويكون شرّ القرون قرن الاصحاب لكونه مملوّا من النّفاق والعداوة والبغضاء والحقد وقد قال الله في كلامه المجيد في حقّهم رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (1) أعاذنا الله سبحانه من اعتقاداتهم السّوء فإذا جعلوا سابقى هذه الامّة متّصفين بهذه الاخلاق الذّميمة فكيف توجد الخيريّة في اللّاحقين وكأنّ هذه الطّائفة لم يروا الآيات القرآنيّة والاحاديث النّبويّة الواردة في فضل صحبة خير البشر عليه الصّلاة والسّلام وفضيلة أصحابه الكرام وخيرة هذه الامّة أو رأوها ولكنّهم لم يؤمنوا بها ولم يصدّقوها وإنّما وصل القرآن والاحاديث إلينا بتبليغ الاصحاب الكرام فإذا كان الاصحاب مطعونا فيهم يكون الدين الواصل إلينا بواسطتهم ومن طرقهم أيضا مطعونا فيه بالضّرورة نعوذ بالله من ذلك ولعلّ مقصود هذه الطّائفة ابطال الدين وإنكار شريعته عليه الصّلاة والسّلام. ففى ظاهر الصّورة يظهرون محبّة أهل بيت رسول الله وفي الحقيقة يبطلون شريعته عليه الصّلاة والسّلام وليتهم يتركون عليّا وموافقيه مسلّما فيهم ولم يجعلوهم متّسمين بسمة التّقاة الّتي هي من سمة أهل المكر والنّفاق وأيّ خير يكون في جماعة من موافقى علىّ أو مخالفيه حيث صحب بعضهم بعضا ثلاثين سنة بالنّفاق وعاشروا بالمكر والخداع وكيف يستحقّون الإعتماد عليهم. وهؤلاء يطعنون في أبي هريرة (2) رضي الله عنه ولا يعلمون أنّ في طعنه طعنا في نصف PageV02P079 الاحكام الشّرعيّة وذلك أنّ العلماء المحقّقين قالوا ورد في الاحكام ثلاثة آلاف حديث يعني ثبت ثلاثة آلاف حكم من الاحكام الشّرعيّة بالسّنّة وثبت ألف وخمسمائة منها برواية أبي هريرة فيكون الطّعن فيه طعنا في نصف الاحكام الشّرعيّة وقال الإمام البخاريّ أن رواة أبي هريرة أزيد من ثمانمائة من الاصحاب الكرام والتّابعين العظام واحد منهم ابن عبّاس (1) رضي الله عنهما وروى عنه ابن عمر (2) أيضا وكذلك جابر بن عبد الله (3) وأنس بن مالك من رواته والحديث الذي ينقلون عن علىّ - كرّم الله وجهه - في الطّعن في أبي هريرة رضي الله عنه فهو حديث مفترى كما حقّقه العلماء وحديث دعائه صلّى الله عليه وسلّم لابي هريرة رضي الله عنه بالفهم معروف بين العلماء قال أبو هريرة رضي الله عنه حضرت مجالسا لرسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - فقال: «من يبسط منكم رداءه حتّى أفيض فيه مقالتي فيضمّها إليه ثمّ لا ينساها؟! " فبسطت بردة كانت علىّ فأفاض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مقالته فضممتها إلى صدرى فما نسيت بعد ذلك شيئا». فاعتقاد شخص عظيم من أكابر الدين عدوّا لعلىّ بمجرّد الزّعم وتجويز السّبّ والطّعن واللّعن في حقّه بعيد عن الإنصاف وهذه كلّها من آفات إفراط المحبّة حتّى كادوا يخرجون رؤسهم من ربقة الإيمان فلئن جوّزت التّقاة فرضا في حقّ علىّ كرّم الله وجهه فماذا يقولون في أقواله الّتي نقلت عنه بالتّواتر في أفضليّة الشّيخين وكذلك في كلماته القدسيّة الّتي صدرت عنه في عين خلافته وكرسيّ مملكته في حقّيّة خلافة الخلفاء الثلاثة فإنّ التّقاة إنّما تكون بستر حقّيّة خلافته وعدم إظهار بطلان خلافة الخلفاء الثلاثة وأمّا إظهار حقّيّة خلافة الخلفاء الثلاثة وبيان أفضليّة الشّيخين فأمر على حدة PageV02P080 وراء تلك التّقاة لا محمل له غير الصّدق والصّواب لا يتصوّر رفعها بالتّقاة وأيضا قد وردت الاحاديث الصّحيحة في فضائل الخلفاء الثلاثة وغيرهم وبلغت حدّ الشّهرة بل حدّ التّواتر في المعنى وبشّرت جماعة منهم بالجنّة فماذا يقولون في هذه الاحاديث فإنّ التّقاة لا تجوز في حقّ النّبىّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّ التّبليغ لازم للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وأيضا قد نزلت في هذا الباب آيات قرآنيّة ولا يتصوّر فيها التّقاه رزقهم الله سبحانه الإنصاف. ومعلوم عند أرباب العقول أنّ التّقاة من صفات الجبان فنسبتها إلى أسد الله غير مناسبة وإن جوّزت التّقاة بحكم البشريّة ساعة أو ساعتين ويوما أو يومين فله مساغ ومجال وأمّا إثباتها لاسد الله مدّة ثلاثين سنة والقول بإصراره على التّقاة في تلك المدّة فمستكره جدّا وقد قال العلماء: الإصرار على الصّغيرة كبيرة فما يكون حكم الإصرار على صفة من صفات أرباب الشّقاق والنّفاق يا ليتهم يفهمون قباحة هذا الامر. وهم إنّما هربوا من تقديم الشّيخين لكونه مستلزما لاهانة علىّ وتنقيصه يعني في زعمهم الفاسد واختاروا إثبات التّقاة له ولم يفهموا شناعة هذه الصّفة فلو فهموا شناعتها لما جوّزوها له أصلا ولاختاروا أهون الامرين (بل أقول) لا إهانة لعليّ في تقديم الشّيخين فإنّ حقّيّة خلافته باقية على حالها ودرجة ولايته ورتبة هدايته ومنزلة إرشاده أيضا باقية على ما هي عليها وفي إثبات التّقاة يلزم التّنقيص والتّوهين لكونها من خصائص أرباب النّفاق ولوازم أصحاب المكر والخداع. والمقام الثاني: هو أنّ أهل السّنّة والجماعة شكر الله سعيهم يحملون مشاجرات أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات ومنازعاتهم على محامل حسنة ويعتقدونها بعيدة عن الهوى والتّعصّب فإنّ نفوسهم صارت مزكّاة في صحبة خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وساحة صدورهم طاهرة نظيفة من العداوة والغلّ والحقد غاية ما في الباب أنّه لمّا كان لكلّ واحد منهم رأيا واجتهادا وكان العمل لكلّ مجتهد على وفق اجتهاده واجبا لزمت المشاجرة والمخالفة في بعض الامور بسبب مخالفة الآراء بالضّرورة وكان أتباع كلّ منهم رأى نفسه صوابا فكانت مخالفتهم مثل موافقتهم لاجل الحقّ لا للهوى والهوس واتّباع النّفس الامّارة. والرّوافض يكفّرون مخالفي عليّ ومحاربيه ويجوّزون في حقّهم أنواع الطّعن والتّشنيع فإذا صدرت مخالفة الاصحاب الكرام للنّبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - في بعض الامور الإجتهاديّة وحكمهم بخلاف حكمه - عليه الصّلاة والسّلام - ولم تكن مخالفتهم هذه مذمومة ولم يكونوا ملومين عليها ولم يجئ منعهم عنها مع وجود نزول الوحى في ذلك الوقت فكيف تكون مخالفتهم لعلىّ في الامور الإجتهاديّة كفرا ولم يكون المخالفون مطعونا فيهم وملومين كيف؛ فإنّ المخالفين جمّ غفير من أهل الإسلام ومن أجلّة الاصحاب الكرام وبعض منهم مبشّر بالجنّة وليس تكفيرهم وتشنيعهم أمرا يسيرا كبرت كلمة تخرج من أفواههم فإنّهم كادوا يكونون هم الذين بلغوا قريبا من نصف الدين والشّريعة فإذا كانوا مطعونا فيهم يزول الإعتماد عن شطر الدين كيف يكون هؤلاء الاكابر مطعونا فيهم فإنّه لم يردّ أحد رواية أحد منهم أصلا لا علىّ ولا غيره. وأيضا إنّ صحيح البخاريّ أصحّ الكتب بعد PageV02P081 كتاب الله تعالى ويعترف به الشّيعة أيضا وسمع هذا الفقير أحمد التّبتىّ الذي كان من أكابر الشّيعة يقول إنّ كتاب البخاريّ أصحّ الكتب بعد كتاب الله وفيه روايات من موافقى علىّ وروايات من مخالفيه ولم يجعل الرّجحان وعدمه مبنيّا على الموافقة والمخالفة فكما أنّه يروى عن عليّ يروي عن معاوية (1) فلو كان في معاوية وفي روايته شائبة الطعن لما أدرج روايته في كتابه أصلا وكذلك لم يفرّق بهذا الوجه في رواية الحديث أحد من نقّاد الاحاديث من السّلف ولم يجعل مخالفة على منشأ للطّعن. وممّا ينبغي أن يعلم أنّه لا يلزم أن يكون علىّ رضي الله عنه محقّا في جميع الامور الخلافيّة ولا يقطع به وأن يكون مخالفوه على الخطاء وإن كان الحقّ في أمر المحاربة في جانبه؛ فإنّ علماء الصّدر الاوّل من التّابعين والأئمّة المجتهدين اختاروا مذهب غيره في كثير من الاحكام الخلافيّة ولم يحكموا بمذهبه فإن كان الحقّ متعيّنا في جانبه لما كانوا يحكمون بخلافه وكان القاضى شريح (2) من التّابعين وصاحب اجتهاد ولم يحكم بمذهب عليّ ولم يقبل شهادة ابنه الحسن (3) عليهما الرّضوان - له بواسطة نسبة البنوّة وعمل المجتهدون بقول شريح وأخذوا به ولم يجوّزوا شهادة الإبن للأب واختيار الاقوال الّتي تخالف رأى علىّ كرّم الله وجهه كثير في مسائل أخرى أيضا لا يخفى على المتتبّع المنصف وتفصيله يستدعى تطويلا فلا يكون في مخالفة علىّ كرّم الله وجهه مجال للاعتراض ولا يكون مخالفوه مطعونا فيهم وملومين. وكانت عائشة (4) الصّدّيقة رضي الله تعالى عنها حبيبة حبيب ربّ العالمين ومقبولته ومنظورة إليه صلّى الله عليه وسلم إلى شفير اللّحد وكان - صلّى الله عليه وسلم - مقيما في PageV02P082 حجرتها في مرض موته وقبض روحه الشّريفة في حجرها وبين سحرها ونحرها ودفن في حجرتها المطهّرة ومع ذلك الشّرف كلّه كانت رضي الله عنها عالمة ومجتهدة وأحال النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم بيان شطر الدين عليها ورجع الاصحاب الكرام في مشكلات الاحكام إليها ووجدوا حلّ المغلقات منها فالطّعن في مثل هذه الصّدّيقة المجتهدة بواسطة مخالفة علىّ ونسبة الاشياء الغير اللّائقة إليها غير مناسبة جدّا وبعيدة عن الإيمان بالنّبىّ صلّى الله عليه وسلّم فإن كان عليّ كرّم الله وجهه ختنه وابن عمّه فالصّدّيقة زوجته المطهّرة وحبيبته المقبولة عليه وعلى جميع أهل بيته الصّلاة والسّلام. وكان دأب الفقير قبل هذا بسنين إذا طبخ طعام كنت أجعل حصّة منه مخصوصة بروحانيّات أهل العباء نبيّنا - صلّى الله عليه وسلّم - وعليّ وفاطمة (1) والامامين يعني السّبطين (2) رضوان الله عليهم أجمعين فرأيت النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم في المنام فسلّمت عليه وهو صلّى الله عليه وسلّم لا يكون متوجّها إلى الفقير بل يتوجّه إلى جانب آخر وقال في تلك الاثناء للفقير: أنا آكل الطّعام في بيت عائشة فكلّ من يرسل الطّعام إلى فليرسله إلى بيت عائشة فتيقّن الفقير في ذلك الوقت أنّ سبب عدم توجّهه الشّريف هو عدم تشريك الفقير الصّدّيقة في الطّعام فبعد ذلك كنت أجعل الصّدّيقة بل سائر الازواج المطهّرات اللّاتى كلّهنّ من أهل البيت شركاء في الطّعام وكنت أتوسّل بجميع أهل البيت فالجفاء والايذاء اللّذان يصيبان النّبىّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام من جهة الصّدّيقة أزيد من الجفاء والايذاء اللّذين يصيبانه صلّى الله عليه وسلّم من جهة عليّ وهذا المعنى غير مخفىّ على العقلاء أصحاب الإنصاف (نعم) إنّ هذا على تقدير كون محبّة عليّ وتعظيمه بواسطة محبّة الرّسول وتعظيمه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وبواسطة قرابته صلّى الله عليه وسلّم. وأمّا من اختار محبّة عليّ استقلالا ولم يجعل لحبّ النّبىّ فيها مدخلا فهو خرج عن المبحث وغير قابل للمخاطبة غرضه إبطال الدين وهدم الشّريعة يريد أن يتّخذ سبيلا بدون توسّط النّبىّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ويرغب عن محمّد في علىّ وهو محض الكفر وعين الزّندقة وعلىّ كرّم الله وجهه برئ منه ومتأذّ من صنيعه فإنّ حبّ أصحابه وأختانه - صلّى الله عليه وسلّم - بواسطة حبّه عليه الصّلاة والسّلام وتعظيمهم وتكريمهم بواسطة تعظيمه وتكريمه - صلّى الله عليه وسلّم - قال عليه الصّلاة والسّلام «من أحبّهم فبحبّى أحبّهم " وكذلك من كان مبغضا إيّاهم فإنّما يكون ذلك ببغضه - صلّى الله عليه وسلّم - كما قال عليه الصّلاة والسّلام «ومن أبغضهم فببغضى أبغضهم " يعني أنّ المحبّة الّتي تتعلّق بأصحابي عين PageV02P083 المحبّة الّتي تتعلّق بى وكذلك بغضهم هو عين البغض الذي يتعلّق بى. وطلحة (1) وزبير (2) رضي الله عنهما من كبار الاصحاب ومن العشرة المبشّرة بالجنّة فالطّعن فيهما وتشنيعهما غير مناسب ولعنهما وطردهما عائدان إلى اللّاعن والطّارد وهما اللّذان جعلهما الفاروق من السّتّة الّتي ترك الخلافة شورى بينهم لما لم يجد دليلا واضحا لترجيح بعضهم على بعض فتركا نصيب الخلافة عن أنفسهما باختيارهما وقال كلّ منهما تركت حظّى وطلحة هو الذي قتل اباه بواسطة صدور سوء أدب عنه في حقّه - صلّى الله عليه وسلّم - وجاءه برأسه وورد ثناؤه على فعله هذا في القرآن المجيد والزّبير هو الذي أخبر المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بكون قاتله في جهنّم حيث قال صلّى الله عليه وسلّم " قاتل الزّبير في جهنّم» (3) ولعن الزّبير ليس بادون من قتله فلاعنه وقاتله متساويان فالحذر ثمّ الحذر ثمّ الحذر من الطّعن في أكابر الدين وذمّ كبراء الإسلام الذين بذلوا جهدهم في إعلاء كلمة الإسلام ونصرة سيّد الأنام وأنفقوا أموالهم لتأييد الدين باللّيل والنّهار وفي السّرّ والجهار وتركوا لحبّ الرّسول عشائرهم وقبائلهم وأولادهم وأزواجهم وأوطانهم ومساكنهم وعيونهم وزروعهم وأشجارهم وأنهارهم وآثروا نفس الرّسول عليه وعليهم الصّلاة والسّلام على أنفسهم واختاروا محبّته على محبّتهم ومحبّة أموالهم وذرّيّاتهم وهم الذين نالوا شرف الصّحبة وفازوا في صحبته ببركات النّبوّة وشاهدوا الوحى يعنى نزوله وتشرّفوا بحضور الملك ورأوا الخوارق والمعجزات حتّى صار غيبهم شهادة وعلمهم عينا وأعطوا من اليقين ما لا يعطى أحد من بعدهم حتّى لا يبلغ إنفاق غيرهم مثل أحد ذهبا إنفاقهم مدّ شعير ولا نصيفه وهم الذين أثنى الله تعالى عليهم في القرآن المجيد ورضى عنهم وهم رضوا عنه ذلك مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ومَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ PageV02P084 كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ (1) سمّي الله الغائظ بهم كفّارا فليحذر عن غيظهم كما يحذر عن الكفر والله الموفّق. والجماعة الذين صحّحوا مثل هذه النّسبة برسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وصاروا مقبولين لديه ومنظورين إليه - صلّى الله عليه وسلّم - إذا خالف بعضهم بعضا في بعض الامور وتشاجروا وعملوا بما أدّى اليه رأيهم واجتهادهم لا يكون مجال للطّعن فيهم ولا للإعتراض على صنيعهم بل الحقّ والصّواب في ذلك الموطن هو عين الإختلاف وعدم تقليد رأى غيره ألا ترى أنّ تقليد الإمام أبي يوسف أبا حنيفة رضي الله عنهما بعد وصوله إلى درجة الإجتهاد خطأ والصّواب إنّما هو تقليد رأى نفسه حتّى إنّ الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه لا يقدّم قول صحابىّ أىّ صحابىّ كان سواء كان صدّيقا أو عليّا على رأيه بل يرى الصّواب في العمل برأيه وإن كان مخالفا لقول صحابىّ فإذا كان لمجتهد من الامّة غير صحابىّ مجال في مخالفة آراء الاصحاب كيف يكون الاصحاب مطعونا فيهم إذا خالف بعضهم بعضا. (مع أنّا) نقول انّ الاصحاب الكرام قد خالفوا في الامور الإجتهاديّة رأى رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - ولم يرد الذّمّ على خلافهم ذلك مع وجود نزول الوحى ولم يرد المنع عن اختلافهم ذلك كما مرّ فإن كان اختلافهم ذلك غير مرضىّ وغير مقبول عند الحقّ جلّ شأنه لكان يرد المنع عنه وينزل الوعيد على المخالفين ألا ترى كيف جاء المنع من رفع الصّوت حين رفع جماعة أصواتهم فوق صوت النّبىّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وترتّب عليه الوعيد قال الله تبارك وتعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ (2) الآية ووقع في أسارى بدر اختلاف عظيم حيث حكم عمر الفاروق وسعد بن معاذ بقتل الأسارى وحكم الآخرون بالتّخليص والفدية وكان الرّأي المقبول عنده صلّى الله عليه وسلّم الحكم بالتّخليص والفدية وسائر مواضع الإختلافات كثيرة. ومن هذا القبيل اختلافهم في إتيان القرطاس حين طلب النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم في مرض موته قرطاسا ليكتب لهم شيأ فاراد جمع اتيان القرطاس ومنعه الآخرون وكان الفاروق من الذين لم يرضوا بإتيان القرطاس وقال حسبنا كتاب الله فأكبّ الطّاعنون من هذه الجهة على الفاروق وأطالوا لسان الطّعن والتّشنيع عليه وليس هذا في الحقيقة محلّا للطّعن فإنّ الفاروق قد علم أنّ زمان الوحى صار منقطعا والاحكام السّماوية قد تمّت ولم يبق مجال لاثبات الاحكام غير الرّأي والاجتهاد وكلّ ما يكتب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يكون من الامور الإجتهاديّة الّتي فيها شركة للآخرين بقوله تعالى فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (3) فرأى الصّواب في أن لا يصدّع النّبىّ - صلّى الله عليه وسلّم - عند غلبة وجعه وأن يكتفى PageV02P085 برأى غيره واجتهاده حسبنا كتاب الله يعني: القرآن المجيد مأخذ القياس (1) والاجتهاد (2) وكاف للمستنبطين فيستنبط منه الاحكام وتخصيص الكتاب بالذّكر يمكن أن يكون أنّه علم بالقرائن أنّ تلك الاحكام الّتي هو صلّى الله عليه وسلّم في صدد كتابتها مأخذها الكتاب لا السّنّة حتّى يذكر السّنّة فكان منع الفاروق من جهة الشّفقة والمرحمة لئلّا يصدّع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشيء في شدّة الوجع وكان أمره صلّى الله عليه وسلّم بإتيان القرطاس للاستحسان لا للوجوب ليكون غيره مستريحين من مشقّة استنباطه فلو كان أمر " ائتونى " للوجوب لبالغ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيه ولما كان يعرض عنه لمجرّد الإختلاف (فإن قيل) قد قال الفاروق في ذلك الوقت " أهجر استفهموه! " فما يكون المراد منه؟ (أجب) لعلّ الفاروق فهم في ذلك الوقت أنّ هذا الكلام إنّما صدر عنه صلّى الله عليه وسلّم بواسطة الوجع من غير قصد اختيار كما يتوهّم من لفظ " اكتب " فإنّه صلّى الله عليه وسلّم كان أمّيّا لم يكتب شيئا أصلا وأيضا انّه قال " لن تضلّوا بعدي» (3). فإذا كان الدين كاملا وصارت النّعمة تماما وحصل رضا المولى به كيف تتصوّر الضّلالة بعد ذلك وماذا يقدر يكتب في ساعة واحدة حتّى تندفع به الضّلالة ألم يكف الذين كتب في مدّة ثلاث وعشرين سنة ولم تندفع به الضّلالة ويكتب في ساعة واحدة شيء مع وجود شدّة المرض تندفع به الضّلالة فعلم الفاروق من هنا أنّ هذا الكلام جرى على لسانه الشّريف من غير قصد منه بناء على البشريّة فقال " حقّقوا هذا المعنى بالاستفسار منه ثانيا " فارتفع الكلمات في أثناء الإختلاف فقال النّبىّ - صلّى الله عليه وسلّم -: «قوموا ولا تختلفوا فإنّه لا يستحسن النّزاع عند نبىّ " ولم يقل ثانيا من هذه المقولة شيئا ولم يذكر دواتا ولا قرطاسا (ينبغي) أن يعلم أنّ الإختلاف الواقع من الاصحاب الكرام في بعض الامور الإجتهاديّة بالنّسبة إلى النّبىّ عليه وعليهم الصّلاة والسّلام لو كان عياذا بالله سبحانه فيه شائبة الهوى والتّعصّب لانجرّ ذلك إلى اللّحوق بزمرة أهل الإرتداد واخراج الرّأس من ربقة الإسلام فإنّ سوء الادب وسوء المعاشرة معه صلّى الله عليه وسلّم كفر أعاذنا الله سبحانه منه بل كان هذا الإختلاف بناء على أمر " فاعتبروا " فانّ من كان فيه رتبة الإجتهاد فتقليده اجتهاد غيره ورأيه في الامور الإجتهاديّة خطأ ومنهيّ عنه نعم لا مجال في PageV02P086 الاحكام المنزّلة الّتي لا مدخل فيها للرّأى والاجتهاد لغير التّقليد والإيمان والانقياد واجب فيها غاية ما في الباب أنّ أصحاب القرن الاوّل كانوا برآء من التّكلّفات ومستغنين عن تحسين العبارات وإنّما كان اهتمامهم في إصلاح الباطن وكان ظاهرهم مطروحا عن نظرهم وغير ملحوظ أصلا وكانت مراعاة الآداب في ذلك القرن باعتبار الحقيقة والمعنى لا باعتبار الظّاهر والصّورة فقط وكان حالهم امتثال أمر الرّسول - صلّى الله عليه وسلّم - ومعاملتهم الإجتناب عمّا ليس بمرضيّ عنده صلّى الله عليه وسلّم جعلوا آباءهم وأمّهاتهم وأولادهم وأزواجهم فداء له عليه الصّلاة والسّلام ومن كمال اعتقادهم وإخلاصهم لم يتركوا بزاق النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم ليقع في الارض بل كانوا يأخذونه ويمسحونه أبدانهم ووجوههم مثل ماء الحياة وقصدهم شرب دمه صلّى الله عليه وسلّم بعد الفصد من كمال الإخلاص مشهور ومعروف فإن صدرت عن هؤلاء الاكابر عبارة موهمة لسوء الادب بالنّسبة إليه صلّى الله عليه وسلّم عند أهل هذه القرون الّتي هي ملآنة من الكذب والخداع ينبغي أن يحملها على محمل حسن وأن يذهب إلى حاصل العبارة وأن لا يلاحظ الالفاظ من أىّ قسم كانت وهذا هو طريق السّلامة والله سبحانه الموفّق (فإن قيل) إذا كان في الامور الإجتهاديّة مجال الخطأ كيف يكون الوثوق بجميع الاحكام الشّرعيّة المنقولة عنه عليه الصّلاة والسّلام (أجيب) أنّ الاحكام الإجتهاديّة صارت في المآل وثانى الحال أحكاما منزّلة سماويّة فإنّ تقرير الانبياء على الخطأ غير جائز فينزل في الاحكام الإجتهاديّة بعد ثبوت اجتهاد المستنبطين واختلاف آراءهم حكم من عند الحقّ جلّ وعلا يفرّق الصّواب من الخطأ ويميّز المحقّ من المبطل فكانت الاحكام الإجتهاديّة في زمانه صلّى الله عليه وسلّم بعد نزول الوحى وتميّز الصّواب من الخطأ أيضا قطعيّ الثبوت لم يبق فيها احتمال الخطأ فجميع الاحكام الّتي ثبتت في زمنه صلّى الله عليه وسلّم قطعيّ محفوظ عن احتمال الخطأ لانّها ثبتت بوحى قطعيّ ابتداء وانتهاء وكان المقصود من الإجتهاد في استنباط هذه الاحكام هو أن يحصل للمجتهدين والمستنبطين أنواع العناية وارتفاع درجات الكرامة وينال المصيب والمخطئ ثوابا على تفاوت الدرجات ففى الاحكام الإجتهاديّة ارتفاع درجات المجتهدين وقطعيّة تلك الاحكام نعم إنّ الاحكام الإجتهاديّة بعد انقراض زمان النّبوّة ظنّيّات مفيدة للعمل لا مثبتة للاعتقاد حتّى يكون منكرها كافرا الّا أن ينعقد إجماع المجتهدين على حكم فيكون حينئذ مثبتا للاعتقاد أيضا ولنختم المكتوب بالخاتمة الحسنة في فضائل أهل بيت الرّسول عليه وعلى آله وأصحابه الصّلاة والسّلام روى ابن عبد البرّ أنّه قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " من أحبّ عليّا فقد أحبّنى ومن أبغض عليّا فقد أبغضنى ومن آذي عليّا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذي الله " وأخرج التّرمذيّ (1) والحاكم (2) وصحّحه عن بريدة (3) قال قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله PageV02P087 أمرنى بحبّ أربعة وأخبرنى أنّه يحبّهم قيل: يا رسول الله سمّهم لنا قال: «عليّ منهم " يقول ذلك ثلاثا - وأبو ذرّ (3) والمقداد (4) وسلمان» (5) أخرج الطّبرانىّ (6) والحاكم عن ابن مسعود (7) رضي الله عنه أنّه قال: PageV02P088 قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " النّظر إلى عليّ عبادة» (1) إسناده حسن وأخرج الشّيخان عن البراء (2) رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والحسن على عاتقه وهو عليه الصّلاة والسّلام يقول " اللهمّ انّى أحبّه فأحبّه» (3) وأخرج البخاريّ عن أبي بكر قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى النّاس مرّة وإليه مرّة ويقول: «إنّ ابنى هذا لسيّد ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» (4) أخرج التّرمذيّ عن أسامة بن زيد قال رأيت النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم وحسن وحسين على وركه فقال " هذان ابناي وابنا بنتي اللهمّ إنّى أحبّهما وأحبّ من يحبّهما» (5). PageV02P089 أخرج التّرمذيّ عن أنس قال " سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " أىّ أهل بيتك أحبّ إليك قال: «الحسن والحسين» (1)» (2) وروى المسور بن مخرمة (3) أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال " فاطمة بضعة منّى فمن أبغضها أبغضنى» (4) وفي رواية «يريبنى ما أرابها ويؤذينى ما آذاها» (5) وأخرج الحاكم عن أبي هريرة أنّ النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم قال لعليّ: «فاطمة أحبّ إليّ منك وأنت أعزّ عليّ منها» (6) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «إنّ النّاس كانوا يتحرّون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» (7) وقالت: «إنّ نساء رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - PageV02P090 كنّ حزبين: فحزب فيه عائشة وحفصة (1) وصفيّة (2) وسودة (3) والحزب الآخر أمّ سلمة وسائر نساء رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - فكلّم حزب أمّ سلمة فقلن لها كلّمي رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - يكلّم النّاس فيقول: «من أراد أن يهدي إلى رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - فليهد إليه حيث كان " فكلّمته فقال لها: «لا تؤذيني فإنّ الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة الّا عائشة " فقالت: أتوب إلى الله سبحانه من أذاك يا رسول الله ثمّ إنّهنّ دعون فاطمة فأرسلن إلى رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - فكلّمته فقال " يا بنىّ ألا تحبّين ما أحبّ قالت: بلى قال: فأحبّي هذه» (4) وعن عائشة رضي الله عنها قالت " ما غرت على أحد من نساء رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - ما غرت على خديجة (5) وما رأيتها ولكن يكثر ذكرها وربّما ذبح شاة ثمّ يقطّعها أعضاء ثمّ يبعثها في صدائق خديجة فربّما قلت له: كأنّه لم يكن في الدنيا امرأة الّا خديجة فيقول " إنّها كانت وكانت وكان لي منها ولد» (6). PageV02P091 وعن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " العبّاس (1) منّي وأنا منه» (2) وأخرج الديلميّ (3) عن أبي سعيد أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال " اشتدّ غضب الله على من آذاني في عترتي» (4) وأخرج الحاكم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال " خيركم خيركم لاهلي من بعدي» (5) أخرج ابن عساكر (6) عن عليّ كرّم الله وجهه أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال " من صنع إلى أهل بيتي يدا أكافئه عليها يوم القيامة» (7) أخرج ابن عديّ (8) والديلميّ عن عليّ رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال " أثبتكم على الصّراط أشدّكم حبّا لاهل بيتي ولأصحابي» (9) PageV02P092 (شعر) إلهي بحق بني فاطمه ... كه بر قول إيمان كنى خاتمه اكر دعوتم رد كنى ور قبول ... من ودست ودامان آل رسول صلّى الله عليه وسلّم وعلى جميع إخوانه من الانبياء والمرسلين والملائكة الكرام المقرّبين وعلى سائر عباد الله الصّالحين أجمعين. (37) المكتوب السّابع والثلاثون إلى الفقير الحقير عبد الحيّ الذي هو جامع هذه المكتوبات الشّريفة في بيان فضائل الكلمة الطّيّبة: «لا إله الّا الله» وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم " لا إله الّا الله " لا شيء أنفع من هذه الكلمة الطّيّبة في تسكين غضب الرّبّ جلّ سلطانه وعلا برهانه فإذا كانت هذه الكلمة سببا لتسكين غضب دخول النّار تكون سببا لتسكين غضبات أخر بالطّريق الاولى فإنّها دون ذلك كيف لا تكون سببا للتّسكين فإنّ العبد قد أعرض عن السّوى نافيا له بتكرار هذه الكلمة الطّيّبة وجعل قبلة توجّهه المعبود على الحقّ؟! وكان منشأ الغضب هو التّوجّهات الشّتّى الّتي كان العبد مبتلى بها وليس " فليس " وشاهد هذا المعنى في عالم المجاز هو أنّ شخصا إذا تأذّى عن مملوكه وغضب عليه فحينئذ لو أعرض المملوك بحسن التّدبير الذي فيه عمّا سوى مالكه وتوجّه إلى مالكه بكلّيته تظهر الشّفقة والمرحمة في المالك في حقّ المملوك بالضّرورة يرتفع عنه الغضب والأذى وأجد هذه الكلمة الطّيّبة مفتاح خزينة تسع وتسعين رحمة أعني ما جعلت ذخيرة لاجل الآخرة. وأعلم أنّه لا شيء أشفع من هذه الكلمة الطّيّبة في دفع ظلمات الكفر وكدورات الشّرك ومن صدّق بمضمون هذه الكلمة وحصّل ذرّة من الإيمان ومع ذلك كان مبتلى برسوم الكفر ورذائل الشّرك نرجو أن يخرج من العذاب بشفاعة هذه الكلمة الطّيّبة وأن ينجو من الخلود في النّار كما أنّ شفاعة محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنفع في دفع عقوبات سائر كبائر هذه الامّة وأدخل فيه. وإنّما قلت: «كبائر هذه الامّة " فإنّ ارتكاب الكبائر في سائر الامم السّابقة أقلّ منه في هذه الامّة بل امتزاج رسوم الكفر ورذائل الشّرك أيضا أقلّ فيهم والاحوج إلى الشّفاعة هو هذه الامّة PageV02P093 وفي الامم كان جمع مصرّا على الكفر وكان جمع آخر مؤمنا خالصا ممتثلا للأوامر قد هلكت هذه الامّة الكثيرة الذّنوب لو لا أن يكون شفيعهم مثل الكلمة الطّيّبة وشافعهم مثل خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلات والتّحيّات أمّة مذنبة وربّ غفور والذي تناله هذه الامّة من عفوه وغفرانه سبحانه لا يعلم نيل جميع الامم الماضية هذا القدر وكأنّ التّسعة والتّسعين من الرّحمة ادّخرت لهذه الامّة المستغرقة في الذّنوب [ع] أحقّ النّاس بالكرم العصاة * ولمّا كان الحقّ سبحانه وتعالى يحبّ العفو والمغفرة ولا شيء من المادّة لاجل العفو والمغفرة مساويا لهذه الامّة لا جرم صارت هذه الامّة خير الامم والكلمة الطّيّبة الّتي هي شفيعتهم أفضل الذّكر ونال نبيّهم الذي هو شفيعهم سيّد الانبياء خطاب فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا (1) نعم هكذا يكون أرحم الرّاحمين وهكذا يفعل أكرم الاكرمين [ع] لا عسر في أمر مع الكرام * وكانَ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيرًا (2) رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (3) واسمع أيضا من فضائل هذه الكلمة الطّيّبة: قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وبارك وكرّم " من قال لا إله إلّا الله دخل الجنّة» (4). ويتعجّب القاصرون كيف يتيسّر دخول الجنّة بأن يقول " لا إله الّا الله " مرّة واحدة وهذا لكونهم غير واقفين على بركات هذه الكلمة الطّيّبة وقد صار مكشوفا للفقير أنّه لو غفر ذنوب جميع العالم بتكلّم هذه الكلمة الطّيّبة مرّة واحدة وأدخلوا الجنّة لساغ. وكان مشهودا أيضا أنّه لو قسمت بركات هذه الكلمة المقدّسة بين تمام العالم لكفت الجميع إلى أبد الآباد ولاروت الكلّ فكيف إذا اجتمعت بهذه الكلمة الطّيّبة المقدّسة " محمّد رسول الله " وانتظم التّبليغ بالتّوحيد واقترنت الرّسالة بالولاية؟! ومجموعة هاتين الكلمتين جامعة لجميع كمالات الولاية والنّبوّة وهادي سبيل كلا هاتين السّعادتين من طهّر الولاية من ظلمات الضّلال وأوصل النّبوّة إلى الدرجة العليا اللهمّ لا تحرمنا من بركات هذه الكلمة العليّة وثبّتنا عليها وأمتنا على تصديقها واحشرنا مع المصدّقين لها وأدخلنا الجنّة بحرمتها وحرمة مبلّغيها عليهم الصّلاة والتّحيّات والتّسليمات والبركات وأيضا: إذا عجز النّظر والقدم وانخفض جناح الهمّة وترخّى ووقعت المعاملة على الغيب PageV02P094 الصّرف لا يمكن السّير في ذلك الموطن بغير قدم " لا إله الّا الله محمّد رسول الله " ولا يمكن قطع تلك المسافة الّا في كنف تلك الكلمة المقدّسة وكلّما قال السّائر في ذلك الموطن هذه الكلمة الطّيّبة مرّة واحدة يقطع بها وبإمداد حقيقة هذه الكلمة المقدّسة وإعانتها خطوة واحدة من تلك المسافة ويقع بعيدا عن نفسه وقريبا من الحقّ سبحانه وكلّ جزء من تلك المسافة أزيد من تمام دائرة عالم الإمكان بزيادة مضاعفة فينبغي أن يعلم فضيلة هذا الذّكر من ههنا حيث لا مقدار لتمام الدنيا في جنبه ولا إحساس ليت لها حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط وعظمة هذه الكلمة الطّيّبة باعتبار درجات قائلها كلّما كانت درجة القائل أزيد وأعلى تكون تلك العظمة أكثر وأولى (شعر) يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا ولا يعلم في الدنيا تمنّ يساوي لتمنّي أن يقعد الإنسان في زاوية ملتذّا ومحتظّا بتكرار هذه الكلمة الطّيّبة ولكن ما نفعل! لا يتيسّر جميع التّمنّيات ولا بدّ من الغفلة (1) والإختلاط بالخلق! رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعالَمِينَ (3). (38) المكتوب الثامن والثلاثون إلى الحاجّ يوسف الكشميريّ في بيان أنّه لا تعلّق لباطن أهل الله بالدّنيا مقدار خردلة وإن تشبّثوا في الظّاهر بالدّنيا وأسبابها وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى تكون معرفة الله جلّ سلطانه حراما على شخص يكون في باطنه مقدار خردلة من محبّة الدنيا أو من التّعلّق بالدّنيا أو خطر في باطنه هذا المقدار من خواطر الدنيا بقي ظاهره الذي وقع بعيدا من باطنه بمراحل وجاء من الآخرة إلى الدنيا واختلط بالنّاس لحصول المناسبة المشروطة في الإفادة والاستفادة فإن تكلّم من الدنيا وتشبّث بالأسباب الدنيويّة جاز له ذلك وساغ ولا يكون مذموما أصلا بل يكون محمودا لئلّا تتعطّل حقوق العباد وكيلا ينسدّ طريق الإفادة والاستفادة فباطن هذا الشّخص أفضل من ظاهره وحكمه حكم بائع حنطة تشبه الشّعير والذين نظرهم مقصور على PageV02P095 رؤية الظّاهر يحسبونه كأنفسهم مثل بايعي شعير يشبه الحنطة ويعتقدون ظاهره أفضل من باطنه ويتخيّلون أنّه يرى نفسه في الظّاهر عديم التّعلّق وأنّه متعلّق في الباطن. رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (1) والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (39) المكتوب التّاسع والثلاثون إلى السّيّد عبد الباقي السّارنكبوريّ في بيان أصحاب اليمين وأصحاب الشّمال والسّابقين وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أرشدك الله تعالى أنّ أصحاب الشّمال هم أصحاب الحجب الظّلمانيّة وأصحاب اليمين أرباب الحجب النّورانيّة والسّابقون هم الذين تخلّصوا من هذه الحجب وتلك الحجب وحازوا قصب السّبق على أقرانهم ووصلوا إلى ميدان الاصل واضعين إحدى قدميهم على الشّمال والأخرى على اليمين وترقّوا من الظّلال الإمكانيّ والظّلال الوجوبيّ ولم يروا من الإسم والصّفة والشّأن والاعتبار غير الذّات تعالت وتقدّست أصحاب الشّمال أرباب الكفر والشّقاوة. وأصحاب اليمين أهل الإسلام وأرباب الولاية. والسّابقون بالأصالة هم الانبياء عليهم الصّلاة والتّسليمات. وبالتّبعيّة كلّ من يشرّف بهذه الدولة وهذه الدولة بالتّبعيّة أكثر في أكابر أصحاب الانبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - وفي غير الاصحاب أيضا متحقّقة على سبيل القلّة والنّدرة وهذا الشّخص أيضا من زمرة الاصحاب في الحقيقة وملحق بكلمات الانبياء - عليهم الصّلاة والتّسليمات - وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال في حقّه حيث قال " لا يدرى أوّلهم خير أم آخرهم» (3) وإن قال عليه الصّلاة والسّلام «خير القرون قرني» (4) قال هذا باعتبار القرون وذاك باعتبار الاشخاص والله سبحانه أعلم. ولكنّ إجماع أهل السّنّة على أفضليّة الشّيخين ولا أحد يسبق أبا بكر بعد الانبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - وهو أسبق سابقي هذه الامّة وأقدم قدماء أرباب هذه الملّة. وتشرّف PageV02P096 الفاروق بتوسّله بدولة الافضليّة وترقّى بتوسّطه فوق الآخرين ومن ههنا قالوا للفاروق خليفة الصّدّيق وقرؤا في الخطبة خليفة خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وفارس ميدان هذه المعاملة هو الصّدّيق والفاروق رديفه وحبّذا الرّديف حيث رافق الفارس وشاركه في أخصّ أوصافه (ولنرجع إلى أصل الكلام ونقول) إنّ السّابقين خارجون من أحكام اليمين والشّمال ومتفوّقون من معاملات الظّلمانيّة والنّورانيّة كتابهم وراء كتاب اليمين والشّمال ومحاسبتهم وراء محاسبة أصحاب اليمين والشّمال أشغالهم وأحوالهم على حدة وغنجهم ودلالهم ممتاز ماذا يدرك أصحاب اليمين مثل أصحاب الشّمال من كمالاتهم؟! وماذا ينال أرباب الولاية كعامّة المؤمنين من أسرارهم؟! حروف المقطّعات القرآنيّة رموز أسرارهم والمتشابهات الفوقانيّة كنوز مدارج وصولهم وجعلهم الوصول إلى الاصل فارغين من الظّلّ وأبعد أرباب الظّلال عن حريمهم الخاصّ بهم وهم المقرّبون والرّوح والرّيحان نصيبهم وهم الذين لا يحزنهم الفزع الاكبر ولا يتحرّكون من محلّهم من أهوال يوم القيامة في المحشر كغيرهم اللهمّ اجعلنا من محبّيهم فإنّ المرء مع من أحبّ بحرمة سيّد المرسلين وعلى آله الصّلوات والتّسليمات والتّحيّات والبركات. (40) المكتوب الاربعون إلى مولانا بدر الدين في بيان أنّ خرق الحجب (1) باعتبار الشّهود لا باعتبار الوجود وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى إنّ خرق حجب الاسماء والصّفات والشّئون والاعتبارات من حضرة الذّات تعالت وتقدّست على قسمين: خرق باعتبار الشّهود. وخرق باعتبار الوجود. فالخرق الوجوديّ ممتنع والخرق الشّهوديّ ممكن بل واقع وإن كان نصيب أقلّ قليل وأخصّ خواصّ وما ورد في الخبر من قوله عليه السّلام " إنّ لله سبعين الف حجاب من نور وظلمة لو كشفت لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (2) فالمراد من هذا الكشف والخرق الوجوديّ الممتنع وما كتب هذا الفقير في بعض رسائله من خرق جميع الحجب من حضرة الذّات تعالت وتقدّست فالمراد منه الخرق الشّهوديّ كما أنّ الحقّ سبحانه يكرم شخصا ببصارة يرى بها الاشياء من وراء الحجب والأستار وخرق الحجب والأستار هنا باعتبار الشّهود فكذا هذا فعلم أنّ ما كتبه الفقير من جواز PageV02P097 خرق الحجب ليس بمناف لخبر عدم جواز خرق الحجب فإنّ ذلك الخرق غير هذا الخرق فلا تكن من الممترين والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (41) المكتوب الحادي والأربعون إلى الشّيخ فريد التّهانيسرىّ في بيان أنّ في مراتب نهاية النّهاية تظهر مرتبة كلّ ذرّة من ذلك الموطن أزيد من تمام دائرة الإمكان بأضعاف مضاعفة وما يناسب ذلك قد يظهر وقت العروج إلى مراتب نهاية النّهاية بعناية الله سبحانه وحرمة حبيبه - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام - مرتبة كلّ ذرّة من ذلك الموطن أزيد من تمام دائرة الإمكان بأضعاف مضاعفة فإذا قطع مسافة مقدار ذرّة من ذلك الموطن بالسّلوك كأنّه تيسّر قطع زيادة أضعاف دائرة الإمكان فكيف إذا طوى شخص مسافة طويلة من تلك المرتبة؟! فعلم أنّه لا مقدار لدائرة الإمكان بالنّسبة إلى مرتبة الوجوب فما فوقها يا ليت لها حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط!! فبالضّرورة لا يمكن وصول أحد إلى منزل الحبيب بقوّة قدمه ولا بقدر رؤيته ببصر نفسه لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه. (42) المكتوب الثاني والأربعون إلى الخواجه جمال الدين الحسين ولد المرزا حسام الدين أحمد في بيان حصر الصّوفيّة السّير في الآفاق والأنفس وإثباتهم التّخلية والتّحلية في ذلك السّير ومنعه هو قدّس سرّه هذا المعنى وإثباته نهاية النّهاية فيما وراء الانفس والآفاق بعناية الله سبحانه بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعلى آله الكرام وأصحابه العظام إلى يوم القيامة. أيّها الولد العزيز أسعدك الله تعالى (اسمع) بسمع العقل انّ السّالك إذا اشتغل بالذّكر الإلهيّ جلّ سلطانه بعد تصحيح النّيّة وتخليصها وقدّم الرّياضات (2) الشّاقّة PageV02P098 والمجاهدات الشّديدة وحصّل التّزكية وبدّل الاوصاف الرّذيلة بالاوصاف الحسنة وتيسّرت له التّوبة والإنابة وزال حبّ الدنيا عن قلبه وحصل له الصّبر والتّوكّل والرّضا وشاهد هذه المعاني الحاصلة له في عالم المثال بالتّدريج والتّرتيب ورأى نفسه طاهرا ومصفّى عن الكدورات البشريّة والصّفات الرّذيلة لكان قد أتمّ السّير الآفاقيّ البتّة واختار طائفة في هذا المقام الإحتياط وقرّروا الامر على تمثّل كلّ لطيفة من اللّطائف السّبعة الإنسانيّة في عالم المثال بصورة نور من الانوار المناسبة لها وجعلوا علامة صفاء كلّ لطيفة ظهور نور من تلك الانوار المثاليّة وابتدءوا هذا السّير من لطيفة القلب وأوصلوه بالتّدريج والتّرتيب إلى اللّطيفة الاخفى الّتي هي منتهى اللّطائف وجعلوا علامة صفاء قلب السّالك مثلا ظهور ذلك القلب في عالم المثال بصورة النّور الاحمر وجعلوا علامة صفاء الرّوح ظهوره بصورة النّور الاصفر وعلى هذا القياس فكان حاصل السّير الآفاقيّ أن يشاهد السّالك تبدّل أوصافه وتغيّر أخلاقه في مرايا عالم المثال وأن يحسّ زوال ظلماته وكدوراته في ذلك العالم حتّى يحصل له اليقين بصفائه ويثبت العلم بتزكيته ولمّا كان السّالك في هذا السّير يشاهد أحواله وأطواره ساعة فساعة في عالم المثال الذي هو من جملة الآفاق ورأى فيه انتقاله من هيئة إلى هيئة كأنّ سيره كان في الآفاق وإن كان هذا السّير في الحقيقة سيرا في نفس السّالك وكانت الحركة حركة كيفيّة في أخلاقه وأوصافه ولكن لمّا كان سطح نظره بعيدا في رؤيته كان ذلك آفاقا لا أنفسا وصار السّير أيضا منتسبا إلى الآفاق وقالوا بتمام السّير إلى الله عند تمام هذا السّير المنسوب إلى الآفاق وجعلوا الفناء مربوطا بهذا السّير وعبّروا عن هذا السّير بالسّلوك فإذا وقع السّير بعد ذلك يسمّونه سيرا أنفسيّا ويقال له أيضا السّير في الله ويثبتون البقاء بالله في هذا الموطن ويرون في هذا المقام حصول الجذبة بعد السّلوك ولمّا حصلت التّزكية للطائف السّالك في السّير الاوّل وتخلّصت عن الكدورات البشريّة حصلت لها قابليّة ظهور ظلال الإسم الجامع الذي هو ربّ السّالك وعكوس ذلك الإسم في مرايا تلك اللّطائف وتكون تلك اللّطائف موارد تجلّيات جزئيّات ذلك الإسم الجامع وظهوراتها وإنّما يسمّون هذا السّير بالسّير الانفسيّ لانّ الانفس صارت مرايا ظلال الاسماء وعكوسها لا إنّ سير السّالك في الانفس كما مرّ في السّير الآفاقيّ من أنّه قيل سيرا آفاقيّا باعتبار المرآتيّة لا لكون السّير في الآفاق وهذا السّير في الحقيقة سير في ظلال الاسماء في مرايا الانفس ولهذا قيل لهذا السّير سير المعشوق في العاشق. (شعر) ما صورة المرآة من حركاتها ... لكنّها انطبعت بها لصفائها PageV02P099 يمكن أن يقال لهذا السّير السّير في الله باعتبار أنّهم قالوا إنّ السّالك يتخلّق في هذا السّير بأخلاق الله وينتقل من خلق إلى خلق فإنّ للمظهر نصيبا من بعض أوصاف الظّاهر ولو في الجملة فكأنّه تحقّق السّير في أسماء الله تعالى هذا نهاية تحقيق هذا المقام وتصحيح هذا الكلام ولا يدرى ماذا كان حال صاحب المقام؟ وأيّ شيء كان مراد المتكلّم من الكلام كلّ شخص يقول شيئا على مقدار فهمه ووجدانه يريد المتكلّم من كلامه معنى ويفهم السّامع من ذلك الكلام معنى آخر وهم يقولون للسّير الانفسيّ سيرا في الله من غير تكلّف ويسمّونه بقاء بالله بلا تحاش ويزعمونه مقام الوصال والاتّصال وهذه الإطلاقات تثقل على الفقير جدّا؛ فلا جرم يرتكب في توجيهها وتصحيحها التّمحّل والتّكلّف بعض ذلك التّمحّل مأخوذ من كلامهم وبعضه وارد من طريق الإفاضة والإلهام وفي السّير الآفاقيّ كأنّه حصلت التّخلية من الرّذائل وفي السّير الانفسيّ التّحلّي بالاخلاق الحميدة فإنّ التّخلية مناسبة لمقام الفناء والتّحلية مناسبة لمقام البقاء ولم يثبتوا لهذا السّير الانفسيّ نهاية وحكموا بعدم انقطاعه وإن تيسّر العمر الابديّ وقالوا: لا نهاية لشمائل المحبوب وأوصافه فلا يزال تتجلّى صفة من صفاته في مرآة السّالك المتخلّق ويظهر كمال من كمالاته فأين يكون الإنقطاع؟ وكيف تجوز النّهاية؟ قالوا: (شعر) ولو سعت ذرّة في عمرها طلبا ... خيرا وشرّا تجد في نفسها اكتمانا وبهذا الفناء والبقاء اللّذين حصلا بالسّير الآفاقيّ والأنفسيّ يطلقون اسم الولاية ويرون نهاية الكمال إلى هنا فإن وقع السّير بعد ذلك فهو سير رجوعيّ عندهم الذي هو معبّر بالسّير عن الله بالله وكذلك السّير الرّابع الذي قالوه سيرا في الاشياء بالله يتعلّق بالنّزول أيضا وقرّروا هذين السّيرين لاجل التّكميل والإرشاد كما أنّ ذينك السّيرين لحصول نفس الولاية والكمال والإسترشاد. وقال جمع: إنّ سبعين ألف حجاب الذي ورد في الخبر: إنّ لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة يخرق في السّير الآفاقيّ فإنّه يخرق في كلّ لطيفة من اللّطائف السّبع عشرة آلاف حجاب فإذا بلغ ذلك السّير تمامه ارتفعت الحجب بتمامها وتحقّق السّالك بالسّير في الله وبلغ مقام الوصل هذا حاصل سير أرباب الولاية وسلوكهم ونسخة كمالهم وتكميلهم الجامعة وما ظهر لهذا الفقير بمحض فضل الحقّ سبحانه وكرمه في هذا الباب وما سلك هو فيه يحرّره إظهارا للنّعمة وشكرا على العطيّة فاعتبروا يا أولي الابصار (اعلم) أرشدك الله وهداك سواء الصّراط أنّ الحقّ سبحانه الذي هو منزّه عن الكيف والمثال والشّبه وما يقع في الخيال كما أنّه وراء الآفاق كذلك هو سبحانه وراء الانفس أيضا فلا يكون لتسمية السّير الآفاقيّ بالسّير بالله والسّير الانفسيّ بالسّير في الله معنى بل كلا السّيرين الآفاقيّ والأنفسيّ داخلان في السّير إلى الله والسّير في الله هو سير بعيد عن الآفاق والأنفس بمراحل ووراء ورائهما (والعجب) أنّهم قرّروا السّير في الله في السّير الانفسيّ وقالوا بعدم نهاية ذلك السّير ولم يجوّزوا انقطاعه في العمر الابديّ كما مرّ وحيث كانت الأنفس كالآفاق من جملة دائرة الإمكان فعلى هذا التّقدير لا يمكن قطع دائرة الإمكان فلا جرم PageV02P100 يكون الحرمان دائما والخسران سرمدا ولا يتحقّق الفناء أبدا ولا يتصوّر البقاء حينئذ فكيف الوصل والإتّصال؟ وكيف القرب والكمال؟ سبحان الله إذا اكتفى الكبراء من الشّراب بالسّراب وزعموا إلى الله في الله وتصوّروا الإمكان وجوبا وعبّروا عن المثليّ والكيفيّ باللّامثليّ واللّاكيفيّ؟! كيف نشتكي من الصّغار ووضيعي الفطرة أيّ بلاء وقع بأيّ اعتبار؟ قالوا للأنفس حقّا جلّ وعلا وظنّوا سيرها غير متناه مع وجود حدّها ونهايتها وظهور أسماء الواجب جلّ سلطانه وصفاته في مرآة السّالك الذي قرّروه في هذا السّير الانفسيّ - هو ظهور ظلّ من ظلال الاسماء والصّفات لا ظهور عين الاسماء والصّفات كما يحرّر تحقيق هذا المعنى في آخر هذا المكتوب إن شاء الله تعالى ماذا أفعل؟ وكيف أجوّز سوء الادب هذا مع جناب قدسه تعالى مع وجود العلم والتّمييز؟! وكيف أشرك غيره في ملكه سبحانه وتعالى؟! وإن اعتقدت أنّ حقوق هؤلاء الاكابر قدّس الله أسرارهم ثابتة في ذمّتي فإنّي مربّى بأنواع تربيتهم ولكنّ حقوق واجب الوجود جلّ سلطانه فوق جميع حقوقهم وتربيته سبحانه فوق تربية الآخرين ولقد نجوت بحسن تربيته تعالى من هذه الورطة ولم أشرك في ملكه تعالى غيره سبحانه. الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله (1) وهو تعالى منزّه عن الكيف والشّبه والمثال وكلّ ما هو متّسم بسمة الكيف والكمّ فهو مسلوب عن جنابه تعالى فلا يكون له سبحانه مجال في مرايا الآفاق ومجالي الانفس وكلّ ما يظهر في هؤلاء يكون كالمظاهر كيفيّا وكمّيّا فينبغي أن يتجاوز الآفاق والانفس وأن يطلبه سبحانه فيما وراءهما وكذلك دائرة الإمكان آفاقيّا كانت او أنفسيّا كما أنّه لا مجال لذاته سبحانه فيها لا مجال أيضا لاسمائه وصفاته سبحانه فيها بل كلّ ما هو ظاهر فيها فهو ظلال الاسماء والصّفات - تعالت وتقدّست - وشبحها ومثالها بل ظلّيّة الاسماء والصّفات ومثاليّتها أيضا في خارج الآفاق والأنفس ليس هنا غير التّعبية وانتقاش القدرة لمن الظّهور وأين التّجلّي فإنّ أسماءه وصفاته سبحانه كذاته تعالى منزّهة عن الكيف والشّبه والمثال فما لم تخرج إلى ما وراء الآفاق والأنفس لا تعلم معنى ظلّيّة أسمائه وصفاته تعالى فكيف الوصول إلى الاسماء والصّفات تعالت وتقدّست؟! وأعجب من هذه المعاملة فإنّي إن تكلّمت من مكشوفاتي ومعلوماتي اليقينيّة لا تكون موافقة لمذاق المشايخ ومطابقة لمكشوفاتهم فمن يصدّقها منّي ومن يقبل؟! وإن لم أتكلّم بل أسكت أكن مجوّزا لالتباس الحقّ بالباطل ولإطلاق ما لا يجوز إطلاقه على الحقّ تعالى وتقدّس فأظهر بالضّرورة ما هو الحقّ واللّائق بجناب قدسه تعالى وأسلب ما ليس بمناسب لجناب قدسه تعالى ولا أبالي من خلاف الآخرين ولا أغتمّ به وإنّما يتحقّق الخوف من مخالفة الآخرين إذا كان في معاملتي تذبذب وفي مكشوفي اشتباه فإذا انكشفت حقيقة الامر مثل فلق الصّبح واتّضحت معاملة الاصل كالقمر ليلة البدر وتجاوزت مراتب الظّلال بالتّمام وارتقيت من الشّبه والمثال أين يكون الإشتباه ولمن يعرض التّذبذب؟! قال حضرة شيخنا - قدّس سرّه -: «علامة صحّة PageV02P101 الأحوال حصول اليقين على الكمال». وأيضا كيف يتصوّر الإشتباه والتّذبذب؟ فإنّه قد تيسّر الإطّلاع بعنايته تعالى الّتي لا غاية لها على تفصيل أحوال هؤلاء الاكابر المقرّرة وانكشفت معارف التّوحيد والاتّحاد وأسرار الإحاطة والسّريان وحصلت حقيقة مكشوفهم ومشهودهم واتّضحت دقائق علومهم ومعارفهم واخترت الإقامة مدّة مديدة في هذا المقام وأدركت قليلهم وكثيرهم الّا ما شاء الله تعالى فظهر آخر الامر - بفضل الله جلّ سلطانه - أنّ هذه كلّها شعبذات الظّلال وشغف بالشّبه والمثال والمطلوب فيما وراء وراء ذلك والمقصود ما سوى هذه فلا جرم صرت متوجّها إلى جناب قدس اللّامثليّ معرضا عن الكلّ وتبرّأت عن كلّ ما هو متّسم بسمة الكمّ والكيف. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والْأَرْضَ حَنِيفًا وما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فلو لم تكن المعاملة هكذا لما حرّكت شفتيّ على خلاف المشائخ ولما أظهرت مخالفتهم بالظّنّ والتّخمين وأيضا إنّ هذا الخلاف لو لم يتعلّق بذات الواجب وصفاته جلّ سلطانه ولم يكن الكلام من تقديسه وتنزيهه تعالى لما وقع إظهار خلاف مكشوف هؤلاء الاكابر البتّة ولم يحصل الكلام من مخالفة علومهم فإنّي أقلّ مقتطفي عناقيد رياض دولهم وأرذل ملتقطي كسرات خوان نعمهم وأظهر مكرّرا أنّهم هم الذين ربّوني بأنواع التّربية ونفعوني بأضعاف الكرم والإحسان والتّرقية ولكن ماذا نفعل فإنّ حقوق الحقّ سبحانه فوق حقوقهم فإذا وقع البحث في ذاته وصفاته تعالى وعلم أنّ إطلاق بعض الامور على جناب قدسه ليس بلائق فالسّكوت في هذا الموطن خوفا من خلاف الآخرين بعيد عن الدين والديانة لا يطيقه مقام العبوديّة والإطاعة خلاف العلماء من المشائخ رحمهم الله تعالى في الامور الخلافيّة كمسألة التّوحيد وغيرها من طريق النّظر والإستدلال وخلاف هذا الفقير معهم في هذه الامور من طريق الكشف والشّهود والعلماء قائلون بقبح هذه الامور وهذا الفقير قائل بحسن هذه الامور بشرط العبور وخلاف الشّيخ علاء الدولة في مسألة وحدة الوجود يفهم على طور العلماء وينظر إلى قبحها وإن دخل فيها بطريق الكشف فإنّ صاحب الكشف لا يقول بقبحها فإنّ هذه المسألة متضمّنة لأحوال غريبة ومشتملة على معارف عجيبة غاية ما في الباب أنّ دوام الإقامة في هذا الموطن غير مستحسن والإكتفاء بهذه الأحوال ليس بحسن. (فإن قيل) فعلى هذا التّقدير يكون المشائخ على الباطل ويكون الحقّ وراء مكشوفهم ومشهودهم. (أجيب) أنّ الباطل هو الذي لا يكون له محمل من الصّدق وفيما نحن فيه: منشأ هذه الأحوال والمعارف غلبة محبّة الحقّ سبحانه واستيلاء حبّه تعالى على نهج لا يترك في نظر بصيرتهم اسما ولا رسما ممّا سواه تعالى ويجعل اسم الغير والغيريّة ورسمها ممحوّا ومتلاشيا ففي هذا الوقت يعلمون الاغيار والسّوى بواسطة السّكر وغلبة الحال معدومة بالضّرورة ولا يرون موجودا غير الحقّ تعالى فما الباطل هنا وأين البطلان؟! بل في هذا الموطن استيلاء الحقّ وبطلان الباطل وهؤلاء الاكابر باعوا أنفسهم وغيرهم في محبّة الحقّ جلا وعلا ولم يتركوا من أنفسهم وغيرهم اسما ولا PageV02P102 رسما يكاد الباطل يفرّ من ظلّهم وهنا كلّه حقّ ولأجل الحقّ ما ذا ينال العلماء الذين نظرهم مقصور على الظّاهر من حقيقتهم؟! وماذا يفهمون غير المخالفة الصّوريّة؟! وماذا يأخذون من كمالاتهم؟! والكلام في أنّ فيما وراء هذه الأحوال والمعارف كمالات أخر حكم هذه الأحوال والمعارف بالنّسبة إلى تلك الكمالات كحكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط. (شعر) متى قسنا السّماء بالعرش ينحطّ ... وما أعلاه إن قسنا بأرض (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونقول وما قالوا في خرق الحجب من أنّه ترتفع في السّير الآفاقيّ الحجب الظّلمانيّة والنّورانيّة بتمامها كما مرّ فهذا الكلام عند هذا الفقير محلّ خدشة بل ثبت خلافه وشوهد أنّ خرق الحجب الظّلمانيّة منوط بطيّ جميع مراتب الإمكان وهو إنّما يتيسّر بالسّير الآفاقيّ والسّير الانفسيّ وخرق الحجب النّورانيّة مربوط بسير الاسماء والصّفات الواجبيّة تعالت وتقدّست حتّى لا يبقى في نظره اسم ولا صفة ولا شأن ولا اعتبار فحينئذ يتيسّر له خرق الحجب النّورانيّة بتمامها ويتشرّف بالوصل (1) العريان وإن كان هذا الوصل أقلّ حصولا وهذا الوصل أعزّ وجودا ففي السّير الآفاقيّ لا يعلم أنّه انخرق نصف الحجب الظّلمانيّة أم لا؟ فكيف يتصوّر هناك خرق الحجب النّورانيّة؟ غاية ما في الباب أنّ المراتب في الحجب الظّلمانيّة متفاوتة فيكون ذلك التّفاوت سببا للاشتباه فإنّ الحجب النّفسانيّة فوق الحجب القلبيّة في الظّلمة مثلا وإن ظهر قليل الظّلمة نفسه بعنوان النّورانيّة النّسبيّة وخيّل الظّلمانيّ نورانيّا ولكنّ الظّلمانيّ ظلمانيّ في الحقيقة والنّورانيّ نورانيّ لا يخلط حديد البصر أحدهما بالآخر ولا يحكم على الظّلمة بالنّور لوجدانه منشأ الإشتباه. ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (2) والطّريق الذي شرّف هذا الفقير بتسليكه جامع للجذبة والسّلوك وكلّ واحد من التّخلية والتّحلية مجتمع مع الآخر وكلّ واحد من التّصفية والتّزكية مقترن في ذلك الموطن بالآخر والسّير الانفسيّ متضمّن في ذلك المقام للسّير الآفاقيّ ففي عين التّصفية تزكية وفي عين التّخلية تحلية ونفس الجذبة محصّلة للسّلوك والأنفس شاملة للآفاق ولكنّ التّقدّم الذّاتيّ للتّخلية والجذبة وللتّصفية سبقة ذاتيّة على التّزكية وملحوظ النّظر الانفس لا الآفاق فلا جرم كان هذا الطّريق أقرب في الوصول بل أقول: إنّ هذا الطّريق موصّل البتّة واحتمال عدم الوصول مفقود فيه ينبغي أن يسأل الحقّ سبحانه الإستقامة وأن يطلب منه تعالى الفرصة وإنّما قلت: إنّ هذا الطّريق موصّل البتّة فإنّ أوّل قدم هذا الطّريق الجذبة الّتي هي دهليز الوصول ومواقع التّوقّفات أمّا منازل السّلوك أو مواطن الجذبات الّتي لا تكون متضمّنة للسّلوك وكلا المانعين مرتفعان في هذا الطّريق؛ فإنّ السّلوك طفيليّ يحصل في ضمن الجذبة فههنا ليس سلوك خالص ولا جذبة أبتر حتّى PageV02P103 يكون الطّريق مسدودا وهذا الطّريق طريق الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وهؤلاء الاكابر وصلوا إلى منازل الوصول على تفاوت درجاتهم من هذا الطّريق وقطعوا الآفاق والأنفس بخطوة واحدة ووضعوا أقدامهم الاخر فيما وراء الآفاق والأنفس ورقّوا المعاملة فوق السّلوك والجذبة فإنّ نهاية السّلوك إلى نهاية السّير الآفاقيّ ونهاية الجذبة إلى نهاية السّير الانفسيّ فإذا بلغ السّير الآفاقيّ والأنفسيّ نهايته فقد تمّت معاملة السّلوك والجذبة وبعد ذلك لا سلوك ولا جذبة وهذا المعنى ليس ممّا يجيء في حوصلة كلّ مجذوب سالك وسالك مجذوب فإنّ عندهم لا مجال للقدم فيما وراء الآفاق والأنفس فلو نالوا عمرا أبديّا بالفرض والتّقدير لصرفوه في السّير الانفسيّ ثمّ لا يظنّونه تماما. قال واحد من العظماء. (شعر) ولو سعت ذرّة في عمرها طلبا ... خيرا وشرّا تنل في نفسها اكتمانا كما مرّ وقال الآخر: والتّجلّي من الذّات لا يكون الّا بصورة المتجلّي له فالمتجلّي له ما رأى غير صورته في مرآة الحقّ ولا يمكن أن يراه (ينبغي أن يعلم) أنّ شيوخي وهداتي وأدلّائي إلى الله تعالى الذين فتحت عيني في هذا الطّريق بتوسّلهم وحرّكت شفتيّ بمثل هذه المقالة بتوسّطهم وأخذت درس " ألف با " في الطّريقة منهم وحصّلت ملكة المولويّة من توجّهاتهم الشّريفة فإن كان لي علم فهو بتطفّلهم وإن كانت معرفة فهي أيضا أثر التفاتهم وتعلّمت طريق اندراج النّهاية في البداية من هؤلاء الاكابر وأخذت نسبة الإنجذاب إلى جهة القيّوميّة أيضا منهم ورأيت بنظرهم الواحد ما لا يراه النّاس في الاربعين ووجدت بكلامهم الواحد ما لا يجده الآخرون في السّنين. (شعر) من نال نظرة شمس تبريز ليهزأ ... باختلاء الاربعين وعشرة ولقد أجاد من قال: أعجب من النّقشبنديّين إنّهم ... يمشون بالرّكب مخفيّين للحرم ومن علوّ الفطرة وسموّ الهمّة قرّروا ابتداء الطّريقة من السّير الانفسيّ وقطعوا السّير الآفاقيّ في ضمنه والسّفر (1) في الوطن في عباراتهم كناية عن هذا السّير والمسافة في طريق هؤلاء الاكابر قريبة وأقرب إلى الوصول نهاية سير الآخرين بداية سيرهم ولهذا قالوا: نحن ندرج النّهاية في البداية. وبالجملة أنّ طريق هؤلاء الاكابر فيما بين سائر طرق المشائخ قدّس الله أسرار جميعهم عال جدّا وحضورهم وشعورهم يمكن أن يقال: إنّهما فوق شعور أكثرهم ومن هنا قالوا: إن نسبتنا فوق جميع النّسب وأرادوا بالنّسبة الحضور والشّعور ولكن لمّا لم يكن فيما وراء الآفاق والأنفس ووراء السّلوك PageV02P104 والجذبة مجال لقدم ولاية الأولياء وممرّ - لم يخبر هؤلاء الاكابر أيضا بالضّرورة عن خارج الآفاق والأنفس ولم يتكلّموا فيما وراء السّلوك والجذبة ويقولون بمقياس كمالات الولاية: إنّ أهل الله كما يرونه بعد الفناء والبقاء يرونه في أنفسهم وكلّ ما يعرفون يعرفونه في أنفسهم والحيرة فيهم في وجود أنفسهم وفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (1) لله سبحانه الحمد والمنّة انّ هؤلاء الاكابر وإن لم يخبروا عن خارج الانفس ولكنّهم ليسوا بمبتلين ومفتونين بالأنفس أيضا بل يريدون أن يجعلوا الانفس تحت كلمة " لا " كالآفاق وأن ينفوها بعلّة الغيريّة قال الخواجه الاعظم - قدّس سرّه -: كلّ ما يرى ويسمع ويعلم فهو غيره تعالى ينبغي نفيه بحقيقة كلمة " لا " (شعر) ما غرّهم نقش ذا من نقش ذا بل أتوا ... في كلّ آن بنقش عزّ عن شبه ينبغي أن يعلم: أنّ نفي الغيريّة غير انتفاء الغيريّة شتّان ما بينهما وإنّما قلت أن ليس للولاية مجال القدم في خارج الجذبة والسّلوك والآفاق والأنفس فإنّ ما وراء هذه الاركان الاربعة للولاية مبادى كمالات النّبوّة ومقدّماتها ويد الولاية قاصرة عن تلك الشّجرة العالية الرّفيعة وقد اهتدى إلى هذه الدولة الاكثرون من أصحاب الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام والأقلّون من سائر الامم بتبعيّة الانبياء ووراثتهم عليهم الصّلوات والتّحيّات وقطعوا بهذا الطّريق الجامع للجذبة والسّلوك منازل البعد ووضعوا أقدامهم فيما وراء السّلوك والجذبة وخرجوا من دائرة الظّلال بالتّمام وخلّفوا الانفس كالآفاق وراءهم وفي هذا المقام التّجلّي الذّاتيّ البرقيّ - الذي هو كالبرق الخاطف لغيرهم - دائميّ لهم بل معاملة هؤلاء الاكابر فوق التّجلّي برقيّا أو غيره فإنّ التّجلّي يستدعي نحوا من الظّلّيّة والنّقطة من الظّلّيّة جبل عظيم لهؤلاء الكبراء وبداية أمر هؤلاء العظماء الجذب والمحبّة الإلهيّة جلّ سلطانه فإذا زادت تلك المحبّة بعناية الله جلّ سلطانه وعظم شأنه الّتي لا غاية لها واستولت ساعة فساعة وقويت وغلبت تشرع محبّة ما سواه تعالى بالضّرورة درجة فدرجة في الزّوال ويرتفع التّعلّق بالأغيار بالتّدريج فإذا زالت محبّة ما سواه تعالى عن صاحب دولة باستيلاء محبّته جلّ سلطانه بالكلّيّة وصار محلّها التّعلّق والمحبّة ما سواه تعالى عن صاحب دولة الرّذيلة وأخلاقه الرّديئة بالتّمام وصار محلّى بالأخلاق الحميدة وتحقّق بالمقامات العشرة وما كان له تعلّق بالسّير الآفاقيّ تيسّر بلا مؤنة السّلوك التّفصيليّ وبلا رياضات شاقّة ومجاهدات (2) شديدة؛ فإنّ المحبّة تقتضي إطاعة المحبوب فإذا بلغت المحبّة كمالها حصلت الإطاعة بتمامها وحيث حصلت الإطاعة على PageV02P105 الوجه الاتمّ بمقياس القوّة البشريّة تيسّرت المقامات العشرة وبهذا السّير المحبوبيّ - كما حصل السّير الآفاقيّ - تمّ به السّير الانفسيّ أيضا؛ فإنّه قال المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " المرء مع من أحبّ " وحيث كان المحبوب وراء الآفاق والأنفس ينبغي للمحبّ أيضا أن يتجاوز الآفاق والأنفس بحكم المعيّة فيخلّف السّير الانفسيّ أيضا وراءه بالضّرورة ويحصّل دولة المعيّة فهؤلاء الاكابر لا شغل لهم بالآفاق ولا بالأنفس ببركة دولة المحبّة بل الآفاق والأنفس تابعة لامرهم والسّلوك والجذبة متطفّلان بمعاملاتهم ورأس بضاعة هؤلاء الاكابر المحبّة الّتي إطاعة المحبوب لازمة لها وإطاعة المحبوب مربوطة بإتيان الشّريعة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة الّتي هي الدين المرضيّ لله تعالى فعلامة كمال المحبّة كمال إتيان الشّريعة وإتيان الشّريعة بكمالها منوط بالعلم والعمل والإخلاص والإخلاص الذي يتصوّر في جميع الاقوال والأعمال وجميع الحركات والسّكنات هو نصيب المخلصين بفتح اللّام والمخلصين المكسوري اللّام ماذا يدركون من هذا المعمّى لعلّك سمعت والمخلصون على خطر عظيم (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنقول: إنّ المقصود من السّلوك والجذبة والتّصفية تطهير النّفس من الاخلاق الرّديّة والأوصاف الرّذيلة ورأس جميع تلك الذّمائم التّعلّق بالنّفس وتحصيل مراداتها وهواها فح لا يكون بدّ من السّير الانفسيّ ولا مندوحة من الإنتقال من الصّفات الذّميمة إلى الاخلاق الحميدة والسّير الآفاقيّ خارج عن المقصود ولا تعلّق به لغرض معتدّ به فإنّ العلائق الآفاقيّة بواسطة العلائق الانفسيّة فإنّ كلّ ما يحبّه الإنسان إنّما يحبّه لحبّ نفسه فإذا أحبّ الاولاد والاموال إنّما يحبّ لاجل استمتاعه وانتفاعه فإذا زالت في السّير الانفسيّ محبّته لنفسه بواسطة استيلاء محبّة الحقّ جلّ وعلا زالت في ضمنه محبّته لاولاده وأمواله أيضا؛ فكان السّير الانفسيّ ضروريّا ويتيسّر السّير الآفاقيّ بالتّطفّل في ضمنه ولهذا كان سير الانبياء عليهم الصّلوات والتّحيّات مقصورا على السّير الانفسيّ وقطع السّير الآفاقيّ في ضمنه طفيليّا نعم السّير الآفاقيّ أيضا حسن لو وجدت الفرصة لقطعة وتيسّر إتمامه من غير تخلّل التّوقّفات فلو لم توجد الفرصة لقطعة ووقع الإبتلاء بالتّوقّفات يكاد يعدّ السّير الآفاقيّ داخلا فيما لا يعني ويحسب من موانع حصول المطلوب والسّير الانفسيّ كلّما يقطع فهو مغتنم فإنّه انتقال من السّيّئة إلى الحسنة يا لها من نعمة عظيمة لو أتمّ السّالك بهذا السّير وتبختر في خارج دائرة الانفس ولايّ شيء يلزم أن يشاهد شخص تلوينات (1) الانفس في مرآة الآفاق وأن يعاين تغيّراته فيها كما يعلم صفاء قلبه مثلا في مرآة المثال ويرى ذلك الصّفاء بصورة النّور الاحمر فلم لا يستعمل وجدانه؟ ولم لا يحيل صفاءه على فراسته؟ ما حاجة من بلغ اثنتي عشرة سنة إلى الطّبيب مثل مشهور فإنّه يمكن أن يدرك تلوينات أحواله بوجدانه الصّحيح وأن يعلم بتفرّسه الصّريح صحّته وسقمه نعم إنّ السّير الآفاقيّ فيه علوم ومعارف وتجلّيات وظهورات كثيرة PageV02P106 ولكنّ كلّها راجعة إلى الظّلال وتسلّ بالشّبه والمثال فإذا كان السّير الانفسيّ متعلّقا بالظّلال كما حقّقته في رسائلي ومكاتيبي يلزم أن يكون السّير الآفاقيّ متعلّقا بظلّ الظّلّ فإنّ الآفاق كالظّلّ للأنفس ومرآة لظهورها (ينبغي) أن يعلم أنّ مثل من يشاهد أحوال الانفس في مرآة الآفاق ويعلم الصّفاء والتّخلية منها كمثل من يرى نفسه في المنام أو في الواقعة في عالم المثال سلطانا أو يشاهد فيه نفسه قطب الوقت (1) فهو في الحقيقة ليس بسلطان ولا قطب الوقت فإنّ السّلطان والقطب من يكون مشرّفا في الخارج بمنصب السّلطنة أو القطبيّة غاية ما في الباب أنّه يعلم من هذا المنام أو الواقعة استعداد السّلطنة وقابليّة القطبيّة ينبغي بذل الرّوح حتّى تخرج المعاملة من القوّة إلى الفعل وتنتقل من المراسلة إلى المعانقة وفيما نحن فيه أيضا التّزكية والتّحلية منوطة بالسّير الانفسيّ وما رآه في السّير الآفاقيّ فهو استعداد التّزكية وقابليّة التّحلية فما لم ير نفسه مزكّى ومطهّرا فهو الخارج بالسّير الانفسيّ ولم يدرك نفسه مصفّى بوجدانه فليس له نصيب من الفناء في الحقيقة ولا حظّ له من التّحقّق بالمقامات ولم يحصل من الاطوار السّبعة غير القشر فكان السّير الانفسيّ داخلا في السّير إلى الله بالضّرورة وكانت تماميّة السّير إلى الله الّتي هي مقام الفناء مربوطة بالسّير الانفسيّ والسّير في الله يتصوّر بعد السّير الانفسيّ بمراحل. (شعر) كيف الوصول إلى سعاد ودونها ... قلل الجبال ودونهنّ خيوف (أيّها السّعيد) إنّ التّعلّق العلميّ والحبّيّ الذي كان منسوبا إلى ذات السّالك إذا زال في السّير الانفسيّ يرتفع التّعلّق الذي كان بنفسه ويزول تعلّقه بالأغيار أيضا في ضمن زوال تعلّقه بنفسه فإنّ علائقه بالأغيار إنّما هي بواسطة علاقته بنفسه كما تقدّم تحقيقه فصحّ أنّ السّير الآفاقيّ يقطع في ضمن السّير الانفسيّ ونجي السّالك بهذا السّير الواحد من علائق الاغيار ومن علائق نفسه أيضا فبمقياس ذلك التّحقيق صحّ معنى السّير الانفسيّ والسّير الآفاقيّ من غير تكلّف فإنّ السّير في الحقيقة في الانفس وفي الآفاق أيضا فإنّ قطع تعلّقات الانفس بالتّدريج سير في الانفس وقطع التّعلّقات الآفاقيّة الذي هو يحصل في ضمن السّير الانفسيّ سير في الآفاق بخلاف السّير الآفاقيّ والسّير الانفسيّ بطور الآخرين فإنّه يحتاج فيهما إلى التّكلّف كما مرّ نعم إنّ كلّ محلّ فيه حقيقة فهو محرّر عن التّكلّف والله سبحانه الموفّق (اسمع اسمع) انّ ظهور أسماء الواجب وصفاته جلّ سلطانه في مرآة السّالك الذي أثبتوه في السّير الانفسيّ وظنّوه تحلية بعد تخلية ليس ذلك الظّهور في الحقيقة ظهور الاسماء والصّفات ولا هو تحلية بعد تخلية بل هو ظهور ظلّ من ظلال الاسماء والصّفات ومحصّل للتّحلية ومسهّل للتّزكية والتّصفية. بيانه أنّ السّبقة من ذلك الطّرف؛ لانّها مناسبة للمبدائيّة فيحصل أوّلا ظهور ظلّ من ظلال المطلوب في مرآة الطّالب حتّى يزيل PageV02P107 ظلماته وكدوراته وتحصل له التّزكية والتّصفية وبعد زوال الظّلمات وحصول التّزكية والتّصفية الذي هو مربوط بتماميّة السّير الانفسيّ تتصوّر التّخلية ويحصل الإستعداد للتّحلية ويصير حقيقا ومستحقّا لظهور أسماء الواجب وصفاته جلّ سلطانه ففي السّير الانفسيّ تحصل التّخلية الذي هو منوط بالتّزكية والتّصفية والتّخلية الّتي كانت متوهّمة في السّير الآفاقيّ فهي صورة التّخلية لا حقيقتها حتّى يتصوّر في السّير الانفسيّ حصول التّحلية وظهور الاسماء والصّفات الواجبيّة كما قالوا؛ فلزم من هذا البيان أنّ الإتّصال بالظّلّ مقدّم على الإنقطاع والإنفصال فإنّه ما لم ينعكس ظلّ من ظلال المطلوب في مرآة السّالك لا يتصوّر الإنقطاع عن غير المطلوب وأمّا الإتّصال بالأصل فهو بعد حصول الإنقطاع والإنفصال فمن قدّم من المشائخ الإتّصال ينبغي أن يراد به الإتّصال بالظّلّ ومن قدّم الإنفصال على الإتّصال ينبغي أن يراد به الإتّصال بالأصل حتّى يكون نزاع الفريقين راجعا إلى اللّفظ والشّيخ أبو سعيد الخرّاز (1) قدّس سرّه - متوقّف في هذا المقام يقول: ما لم تتخلّص لم تنل وما لم تنل لم تتخلّص ولا أدري أيّهما أقدم وأسبق وقد علم أنّ نيل الظّلّ مقدّم على التّخلّص ونيل الاصل بعد التّخلّص فلا اشتباه كما أنّ وقت الصّبح قبل طلوع الشّمس ظهور ظلال أشعّة الشّمس حتّى يخلّى العالم عن الظّلمات ويورثه الصّفاء وبعد زوال الظّلمات وحصول الصّفاء طلوع نفس الشّمس فظهور ظلّ الشّمس من زوال الظّلمات السّابقة وطلوع نفس الشّمس من زوال الظّلمات اللّاحقة والمناسب لطلوع السّلاطين أن يكون بعد التّخلية والتّصفية وإن لم تتصوّر التّخلية والتّصفية بدون مقدّمة طلوعهم فظهر الحقّ وارتفع النّزاع وزال الإشتباه والله سبحانه الملهم للصّواب. (43) المكتوب الثالث والأربعون إلى مولانا محمّد أفضل في بيان معنى قولهم: «إنّ ما هو الميسّر للسّالك في حقّ حضرة الحقّ سبحانه إنّما هو ذوق الوجدان لا الوجدان» وتحقيق معنى اندراج النّهاية في البداية الذي هو من خاصّة هذه الطّريقة العليّة وبيان أفضليّة هذه الطّريقة على سائر الطّرق وما يناسب ذلك PageV02P108 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد وقع في عبارات مشائخ هذه الطّريقة العليّة قدّس الله أسرارهم السّنيّة أنّ الميسّر للسّالك في حقّ حضرة الحقّ جلّ سلطانه ذوق الوجدان لا الوجدان لا الوجدان وهذا الكلام مناسب لمقام اندراج النّهاية في البداية الذي هو موطن الجذبة الخاصّة بهؤلاء الاكابر وليس في هذا المقام حقيقة الوجدان فإنّها مخصوصة بالإنتهاء ولكن حيث مزجوا ودرجوا ذوقا وطعما من النّهاية في البداية فذوق الوجدان ميسّر فيه فإذا ترقّت المعاملة من الجذبة وبلغت من الإبتداء إلى الإنتهاء يشرع ذوق الوجدان أيضا كالوجدان في الإنعدام فلا يكون فيه وجدان ولا ذوق الوجدان فإذا بلغ الامر نهايته يتيسّر الوجدان ويفقد ذوق الوجدان وحيث كان ذوق الوجدان مفقودا في المنتهى يكون الإلتذاذ والحلاوة أقلّ في حقّه فإنّ المنتهى قد ترك الذّوق والحلاوة في القدم الاوّل وصار آخرا مخمول زاوية عدم الحلاوة والذّوق " كان رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - متواصل الحزن دائم الفكر» (فإن قيل) إذا تيسّر وجدان المطلوب للمنتهي فلم لا يتيسّر ذوق الوجدان فيه وحيث لا نصيب للمبتدي من الوجدان من أين وجد ذوق الوجدان؟ (أجيب) أنّ دولة الوجدان نصيب باطن المنتهي فإنّه تشرّف بهذه الدولة بعد انقطاع تعلّقه الذي كان منه بظاهرة وحيث بقي تعلّق باطنه بظاهره قليلا لا تسري نسبة باطنه في ظاهره بالضّرورة ولا يأخذ الظّاهر ذوقا من وجدان الباطن ولا يكون ملتذّا به فيكون وجدان المطلوب حاصلا في باطن المنتهي ولا يكون في ظاهره ذوق ذلك الوجدان بقي ذوق الباطن الذي الوجدان نصيبه وحيث أنّ الباطن نال نصيبا من اللّامثليّ يكون ذوق ذلك الوجدان أيضا من عالم اللّامثليّ لا يحصل في درك الظّاهر الذي هو مثليّ من القدم إلى الرّأس فكثيرا ما ينفي الظّاهر الذّوق من الباطن ويزعم الباطن أيضا مثل نفسه فاقد الحلاوة فإنّ ذوق المثليّ غير ذوق اللّامثليّ لا مناسبة بينهما فإذا لم يكن لظاهر المنتهي خبر عن ذوق باطنه كيف يكون للعوامّ الذين نظرهم مقصور على الظّاهر خبر عن باطن المنتهي وماذا يكون نصيبهم غير الإنكار والذّوق الذي يجيء في فهمهم هو ذوق الظّاهر الذي هو من عالم المثل ومن ههنا كان السّماع والرّقص والصّيحة والاضطراب وأمثالها ممّا هو من أحوال الظّاهر وأذواق الصّورة عزيزة الوجود وعظيمة القدرة عندهم بل ربّما يعتقدون انحصار الاذواق والمواجيد في هذه الامور ولا يظنّون كمالات الولاية في غيرها هداهم الله سبحانه سواء الصّراط وحكم أحوال الظّاهر بالنّسبة إلى أحوال الباطن كحكم المثليّ بالنّسبة إلى اللّامثليّ فثبت أنّ لباطن المنتهي وجدانا وذوق الوجدان غاية ما في الباب أنّ ذلك الذّوق لمّا كان له نصيب من عالم اللّامثليّ ولا يجيء في درك ظاهره بل الظّاهر حاكم بنفيه وإن كان الظّاهر مطّلعا على وجدان الباطن ولكنّه لا يمكن أن يدرك ذوق ذلك الوجدان أمكن أن يقال بالنّظر إلى الظّاهر: إنّ الوجدان موجود في المنتهي وذوق الوجدان مفقود فيه وإنّما يثبتون ذوق الوجدان في المبتدي الرّشيد من هذا الطّريق العالي مع فقدان الوجدان وذلك لانّ هؤلاء الاكابر يدرجون في الإبتداء طعما وذوقا من الإنتهاء ويلقون ظلّا من النّهاية في باطن المبتدى الرّشيد بطريق الإنعكاس وحيث كان ظاهر المبتدي PageV02P109 مرتبطا بباطنه وقوّة التّعلّق بين الظّاهر والباطن ثابتة فلا جرم يسري ظلّ تلك النّهاية وذوق الولاية من باطن المبتدئ إلى ظاهره ويجعل ظاهره منصبغا بلون باطنه ويظهر ذوق الوجدان في ظاهره من غير اختيار فصحّ أنّ حقيقة الوجدان مفقودة في المبتدي وذوق الوجدان حاصل فيه. ومن هذا البيان يعلم علوّ طريق أكابر النّقشبنديّة قدّس الله تعالى أسرارهم ورفعة نسبتهم العليّة ويفهم منه حسن تربية هؤلاء الاكابر وكمال اهتمامهم في حقّ المريدين والطّالبين وإنّهم يعطون للمريد الرّشيد والطّالب الصّادق على مقدار حوصلته في أوّل القدم ما هو فيهم ويرمونه بعلاقة حبّيّة وارتباط معنويّ بطريق الإلتفات والإنعكاس وبعض مشايخ السّلاسل الاخر قدّس الله أسرارهم في اشتباه من كلمة: «اندراج النّهاية في البداية " الّتي صدرت عن هؤلاء الاكابر وله تردّد في حقّيّة هذا الكلام ولا يجوز أن يكون مبتدى هذا الطّريق مساويا لمنتهى طريق آخر والعجب انّه من أين فهم مساواة مبتدى هذا الطّريق لمنتهى طرق أخرى ولم يصدر عن هؤلاء الاكابر غير اندراج النّهاية في البداية وليست في هذه العبارة دلالة على المساواة ومقصودهم منها أنّ الشّيخ المنتهي في هذا الطّريق يعطي بالتّوجّه والتّصرّف ذوقا من دولة نهايته لمبتدى رشيد بطريق الإنعكاس ويمزج في بداية ملح نهايته فأين المساواة وما محلّ الإشتباه؟! وأين المجال للتّردّد في حقّيّته وهذا الإندراج دولة عظيمة جدّا؟! ومبتدى هذا الطّريق وإن لم يكن له حكم المنتهى ولكنّه ليس محروما عن دولة النّهاية ولو فرضنا أنّ هذا المبتدى لا يعطي فرصة قطع طريق الوصول وطيّ منازله ولكنّه لا يذهب محروما عن دولة النّهاية وتجعل تلك الذّرّة من ملح النّهاية كلّيّته مليحة ومملوحة بخلاف مبتدى طرق أخر فإنّهم بعيدون عن معاملة النّهاية وعاجزون عن قطع المنازل وطيّ المسافات فيا ويلهم الف ويل لو لم يقطعوا فرصة قطع المنازل وطيّ المسافات فإذا اتّضح الفرق بين مبتدئى هذا الطّريق ومبتدئي طرق أخر ولاحت مزيّة ذلك المبتدى على سائر أرباب البداية ينبغي أن يعلم أنّ هذا الفرق ثابت بين منتهى هذا الطّريق ومنتهى طرق أخر وهذه المزيّة متحقّقة بينهما بل نهاية هذا الطّريق العليّة وراء نهايات سائر طرق المشائخ يصدّقون هذا الكلام منّي أم لا فإن سلكوا طريق الإنصاف لعلّهم يصدّقون فإنّ النّهاية الّتي بدايتها ممتزجة بالنّهاية يكون لها امتياز عن نهايات الآخرين البتّة وتكون نهاية تلك النّهايات البتّة [ع] وعام الرّخص يعلم من ربيعه * وجماعة من متعصّبي سلاسل أخرى يقولون لنا: إنّ نهايتنا وصول إلى الحقّ سبحانه وأنتم تقولون: إنّها بدايتكم فإلى أين تذهبون من الحقّ؟ وما يكون نهايتكم وراء الحقّ؟ (قلنا) نذهب من الحقّ إلى الحقّ جلّ سلطانه ونهرب من شائبة الظّلّيّة ونقصد أصل الاصل ونعرض عن التّجلّيات ونطلب المتجلّي ونخلّف الظّهورات خلف ظهورنا ونلتمس الظّاهر في أبطن البطون وحيث كانت مراتب الأبطنيّة متفاوتة تذهب من أبطنيّة إلى أبطنيّة أخرى ونضع القدم من أبطنيّة أخرى إلى أبطنيّة ثالثة ومنها إلى ما شاء الله تعالى وحضرة الحقّ سبحانه وإن كان بسيطا حقيقيّا ولكنّه تعالى واسع أيضا لا بالوسعة الّتي لها طول وعرض فإنّها من أمارات الإمكان وعلامات الحدوث بل وسعته تعالى كذاته سبحانه منزّهة عن PageV02P110 الكيف والشّبه والمثال والسّير الواقع في تلك الوسعة أيضا لا مثليّ ولا كيفيّ وصاحب السّير مع وجود كونه كمّيّا وكيفيّا يقطع تلك المنازل اللّامثليّة بقوّة لا كيفيّة ولا مثليّة ويرغب عن المثليّ في اللّامثليّ ماذا يدرك العاجزون المفلسون عن حقيقة المعاملة؟! وأيّ خبر يعرف المتعلّقون بعالم المثليّ عن عالم اللّامثليّ؟! يزعمون قصورهم اعتراضا ويتباهون بجهالاتهم. (شعر) كم من بليد غفول عن معايبه ... استحسن العيب زعما أنّه حسن ألم يفهموا أنّ نهاية الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام بل نهاية خاتم الرّسل عليه الصّلاة والسّلام أيضا وصول إلى الحقّ سبحانه ونهاية هذه الطّائفة ليست متّحدة بنهاية هؤلاء الاكابر بل لا مناسبة بينهما أصلا فيمكن أن تتيسّر لجماعة نهاية تكون وراء نهاية هذه الطّائفة ودون نهاية هؤلاء الكبراء عليهم الصّلوات والتّحيّات فصحّ أنّ نهاية الكلّ هو الوصول إلى الحقّ سبحانه والتفاوت فيما بين الطّوائف ثابت على تفاوت درجاتهم أو نقول: إنّ الكلّ يزعم أنّ نهايته الوصول إلى الحقّ سبحانه لكن كثير من النّاس يظنّ الظّلال وظهورات الحقّ الحقّ تعالى وتقدّس مع وجود تفاوت درجات تلك الظّلال والظّهورات فلم تكن نهايات جميع أرباب النّهايات في نفس الامر الوصول إلى الحقّ تعالى وتقدّس بل منتهى كلّ واحد الحقّ سبحانه بحسب زعمه فحينئذ إذا كان ابتداء شخص ظلال الحقّ وظهوراته سبحانه الّتي هي نهاية الآخر بزعم الحقّانيّة تكون نهاية ذلك الشّخص الوصول إلى الحقّ تعالى الذي هو سبحانه وراء تلك الظّلال والظّهورات فلم يكون مستبعدا؟! وكيف يكون محلّ اشتباه؟!. (شعر) لو عابهم قاصر طعنا بهم سفها ... نزهت ساحتهم عن أفحش الكلم هل يقطع الثعلب المحتال سلسلة ... قيّدت بها أسد الدنيا بأسرهم رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (1) (44) المكتوب الرّابع والأربعون إلى محمّد صادق ولد الحاجّ محمّد مؤمن في جواب استفساره عن وحدة الوجود (2) وتطبيقها على العلوم الشّرعيّة وعن سؤاله عن حديث إذا أحبّ الله عبدا ... الخ وما يناسب ذلك PageV02P111 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد سألت أنّ الصّوفيّة قائلون بوحدة الوجود ويعتقد العلماء هذا القول كفرا وزندقة وكلتا الطّائفتين من الفرقة النّاجية فما حقيقة هذه المعاملة عندك. (أيّها المحبّ) إنّ هذا الفقير قد كتب تحقيق هذا المبحث في مكتوباته ورسائله بالتّفصيل وجعل نزاع الفريقين راجعا إلى اللّفظ ومع ذلك لمّا سألت لا بدّ للسّؤال من الجواب فلنكتب كلمات بالضّرورة (اعلم) أنّ كلّ من يقول من الصّوفيّة العليّة بوحدة الوجود ويرى الاشياء عين الحقّ سبحانه ويحكم بأنّ الكلّ هو ليس مراده إنّ الاشياء متّحدة بالحقّ جلّ وعلا وإنّ التّنزيه صار تشبيها متنزّلا وكان الواجب ممكنا وانقلب اللّامثليّ مثليّا فإنّ هذه كلّها كفر وإلحاد وضلالة وزندقة ليس هناك اتّحاد ولا عينيّة ولا تنزّل ولا تشبّه فهو سبحانه الآن كما كان فسبحان من لا يتغيّر بذاته ولا بصفاته ولا بأسمائه بحدوث الاكوان وهو سبحانه على صرافة إطلاقه ما مال من أوج الوجوب إلى حضيض الإمكان بل معنى الكلّ هو أنّ الاشياء معدومة والموجود هو تعالى وتقدّس وليس مراد الحسين بن منصور الحلّاج (1) من قوله " أنا الحقّ " بأنّي حقّ ومتّحد بالحقّ فإنّه كفر وموجب لقتله بل معنى قوله بأنّي معدوم والموجود هو الحقّ سبحانه غاية ما في الباب أنّ الصّوفيّة يرون الاشياء مرايا ظهورات الحقّ تعالى وتقدّس ويظنّونها مجالي أسمائه وصفاته سبحانه من غير شائبة التّنزّل وبلا مظنّة التّغيّر والتّبدّل كما إذا امتدّ ظلّ شخص لا يمكن أن يقال: إنّ ذلك الظّلّ متّحد بذلك الشّخص وله نسبة العينيّة معه أو إنّ ذلك الشّخص تنزّل فظهر في صورة الظّلّ بل ذلك الشّخص على صرافة اصالته ووجد الظّلّ منه من غير شائبة التّنزّل والتّغيّر وإن اختفى وجود الظّلّ في بعض الاوقات عن نظر جماعة بواسطة كمال محبّتهم بوجود الشّخص بحيث لا يكون مشهودهم شيئا غير الشّخص أصلا فح لعلّهم يقولون: إنّ الظّلّ عين الشّخص يعني: الظّلّ معدوم والموجود هو ذلك الشّخص فقط فلزم من هذا التّحقيق أنّ الاشياء عند الصّوفيّة مرايا ظهورات الحقّ لا عينه تعالى وتقدّس فتكون الاشياء من الحقّ لا الحقّ جلّ شأنه فيكون معنى كلامهم الكلّ هو الكلّ منه وهو مختار العلماء الكرام فلا يكون النّزاع بين العلماء الكرام والصّوفيّة العظام كثرهم الله سبحانه إلى يوم القيامة ثابتا في الحقيقة ويكون مآل القولين واحدا وإنّما الفرق أنّ الصّوفيّة يقولون: إنّ الاشياء مرايا ظهورات الحقّ تعالى والعلماء يتحاشون من هذا اللّفظ أيضا من جهة التّحرّز من توهّم الحلول والإتّحاد. PageV02P112 (فإن قيل) إنّ الصّوفيّة مع وجود قولهم بظهورات الاشياء يرونها معدومة خارجيّة ولا يقولون بموجود في الخارج غير الحقّ سبحانه والعلماء يقولون بوجود الاشياء في الخارج فثبت نزاع الفريقين في المعنى (أجيب) انّ الصّوفيّة وإن كانوا يرون العالم معدوما خارجيّا لكنّهم يثبتون له وجودا وهميّا في الخارج ويقولون بإراءة خارجيّة ولا ينكرون الكثرة الوهميّة الخارجيّة ومع ذلك يقولون: إنّ هذا الوجود الوهميّ الذي حصّل إراءة في الخارج ليس من الموجودات الوهميّة الّتي ترتفع بارتفاع الوهم وليس له قرار وثبات بل لمّا كان هذا الوجود الوهميّ وتلك الإراءة الخياليّة بصنع الحقّ سبحانه وانتقاش قدرته الكاملة كان محفوظا من الزّوال ومصونا من الخلل ومعاملة هذه النّشأة وتلك النّشأة مربوطة به والسّوفسطائيّة الذين يظنّون العالم أوهاما وخيالات ويزعمون ارتفاعه بارتفاع الوهم والخيال يقولون: إنّ وجود الاشياء تابع لاعتقادنا ليس له تحقّق في نفس الامر فإن اعتقدنا السّماء أرضا فأرض والأرض باعتقادنا سماء وإذا تخيّلنا الحلو مرّا فمرّ والمرّ باعتقادنا حلو وبالجملة انّ هؤلاء المجانين ينكرون إيجاد الصّانع المختار جلّ سلطانه ولا يسندون الاشياء إليه تعالى ضلّوا فأضلّوا فالصّوفيّة يثبتون للأشياء في الخارج وجودا وهميّا له ثبات واستقرار لا يرتفع بارتفاع الوهم ويجعلون معاملة هذه النّشأة وتلك النّشأة الّتي هي مخلّدة ومؤبّدة مربوطة بذلك الوجود والعلماء يعتقدون الاشياء موجودة في الخارج ويعتقدون ترتّب الاحكام الخارجيّة الابديّة على الاشياء ومع ذلك يتصوّرون وجود الاشياء في جنب وجود الحقّ جلّ وعلا ضعيفا ونحيفا ويعتقدون وجود الممكن بالنّسبة إلى وجود الواجب تعالى وتقدّس هالكا فثبت للأشياء وجود في الخارج عند الفريقين وكانت أحكام هذه النّشأة وتلك النّشأة مربوطة به وإنّه غير مرتفع بارتفاع الوهم والخيال فارتفع النّزاع وزال الخلاف غاية ما في الباب أنّ الصّوفيّة يقولون لذلك الوجود وهميّا بواسطة أنّ وجود الاشياء يصير مختفيا عن نظرهم وقت العروج ولا يبقى في نظرهم غير وجود الحقّ جلّ شأنه والعلماء يتحاشون عن إطلاق لفظ الوهم على ذلك الوجود ولا يقولون وجودا وهميّا؛ لئلّا يحكم قاصر النّظر بارتفاعه فينكر الثواب والعذاب الابديّين (فإن قيل) إنّ مقصود الصّوفيّة من إثبات الوجود الوهميّ للأشياء هو أنّ هذا الوجود مع وجود الثبات والإستقرار ليس هو في نفس الامر وفي غير الوهم ولا نصيب له عن الإراءة والعلماء يقولون بوجود الاشياء في الخارج ونفس الامر فالنّزاع باق (أجيب) انّ الوجود الوهميّ والإراءة الخياليّة لمّا لم يرتفع بارتفاع الوهم والخيال كان في نفس الامر فإنّا لو فرضنا زوال وهم جميع الواهمين يكون هذا الوجود ثابتا لا يزول بزوال الاوهام ولا معنى للواقع ونفس الامر إلّا هذا ولكن فرّق بين نفس الامر الذي يثبت في وجود الممكن وبين نفس الامر الذي هو ثابت في وجود الواجب تعالى فإنّ الاوّل له حكم اللّاشيء في جنب الثاني حتّى يكاد يعدّ من الموهومات والمتخيّلات مثل أجزاء الكلّيّ المشكّك حيث أنّ بينها تفاوتا فاحشا كما أنّ وجود الممكن له حكم اللّاشيء بالنّسبة إلى وجود الواجب بحيث يكاد يعدّ من العدمات فلا نزاع في الحقيقة فإن قيل إذا كان وجود جميع الاشياء في نفس الامر PageV02P113 لزم أن تكون الموجودات متعدّدة في نفس الامر لا موجودا واحدا وهذا مناف لوحدة الوجود الّتي هي مقرّرة ومسلّمة عند الصّوفيّة (أجيب) كلاهما مطابقان لنفس الامر تعدّد الموجودات ووحدة الوجود في نفس الامر ولكن لمّا كان الجهة والإعتبار مختلفان ارتفع توهّم اجتماع النّقيضين (وليتّضح) هذا المبحث بمثال وهو أنّ صورة زيد مثلا مرئيّة في المرآة ولا صورة في المرآة في نفس الامر أصلا فإنّ تلك الصّورة المرئيّة ليست تحت المرآة ولا في وجهها بل وجود تلك الصّورة في المرآة باعتبار التّوهّم ليس لها حصول في المرآة غير الإراءة الخياليّة وهذا الوجود الوهميّ والإراءة الخياليّة اللّذان عرضا للصّورة في المرآة أيضا كائنان في نفس الامر ولهذا لو قال شخص: رأيت صورة زيد في المرآة يصدّق في كلامه هذا عقلا وعرفا ويعدّ محقّا وحيث كان مبنى الإيمان على العرف لو حلف شخص بأن يقول والله رأيت صورة زيد في المرآة ينبغي أن لا يحنث به ففي هذا الصّورة عدم حصول صورة زيد في المرآة وحصولها فيها باعتبار التّوهّم والتّخيّل كلاهما في نفس الامر والواقع ولكنّ الاوّل بحسب نفس الامر مطلقا والثاني بتوسّط الوهم والتّخيّل (والعجب) أنّ اعتبار التّوهّم والتّخيّل الذي هو مناف لنفس الامر صار هنا محلّا لنفس الامر إذ لولاه لما حصل ثمّة نفس الامر والمثال الثاني النّقطة الجوّالة الّتي تعرض لها صورة الدائرة في الخارج بحسب التّوهّم والتّخيّل فههنا عدم حصول الدائرة في الخارج وحصولها أيضا فيه باعتبار التّوهّم والتّخيّل كلاهما في نفس الامر ولكن عدم حصول الدائرة في نفس الامر مطلقا وحصولها فيه بحسب التّوهّم والتّخيّل فالأوّل مطلق والثاني مقيّد ففيما نحن فيه تكون وحدة الوجود بحسب نفس الامر مطلقا وتعدّد الوجود في نفس الامر باعتبار التّوهّم والتّخيّل فبملاحظة الإطلاق والتّقييد لا يكون بين كون المتناقضين بحسب نفس الامر تناقض ولا يثبت اجتماع النّقيضين (فإن قيل) إذا فرض زوال وهم جميع الواهمين كيف يكون الوجود الوهميّ والإراءة الخياليّة ثابتا؟ (أجيب) انّ هذا الوجود الوهميّ لم يحصل بمجرّد اختراع الوهم حتّى يزول بزوال الوهم بل هو حاصل بصنع الحقّ جلّ وعلا في مرتبة الوهم وحصل له الإتقان فلا يتطرّق عليه الخلل بزوال الوهم بالضّرورة وإنّما يقال له وجودا وهميّا باعتبار أنّ الحقّ سبحانه خلقه في مرتبة الحسّ والوهم وحيث كان خلقه تعالى فهو محفوظ عن الزّوال والخلل في أيّ مرتبة كان وحيث أنّ الحقّ سبحانه خلقه كان في نفس الامر بالضّرورة في أيّ مرتبة خلقه وإن لم تكن تلك المرتبة نفس الامر بل مجرّد اعتبار ولكنّ المخلوق في تلك المرتبة منسوب إلى نفس الامر. وما قلت: إنّ الحقّ سبحانه خلقه في مرتبة الحسّ والوهم يعني أنّه تعالى خلق الاشياء في مرتبة ليس لها في تلك المرتبة حصول ولا ثبوت إلّا في الحسّ والوهم كما يرى اهل الشّعبذة اشياء غير واقعيّة ويرون شيئا واحدا عشرة أشياء وليس لهذه الاشياء العشرة حصول إلّا في الحسّ والوهم وليس الموجود في نفس الامر غير ذلك الشّيء الواحد فإذا عرض لهذه الاشياء العشرة بقدرة الحقّ - جلّ سلطانه - ثبات واستقرار وصارت محفوظة عن الخلل وسرعة الزّوال تصير في نفس الامر فهذه الاشياء العشرة موجودة في نفس PageV02P114 الامر ومعدومة فيه أيضا لكن باعتبارين فإنّه إذا قطع النّظر عن مرتبة الحسّ والوهم فمعدومة وبلا ملاحظة الحسّ والوهم موجودة ومن القصص المشهورة أنّ أرباب الشّعبذة في بلد من بلاد الهند أسّسوا بنيان الشّعبذة عند واحد من السّلاطين ففي ذلك الاثناء أظهروا في نظر النّاس بالطّلسم والشّعبذة بستان أشجار أنبة وأروا في ذلك المجلس أنّ تلك الاشجار كبرت وأثمرت وأكل أهل المجلس من ثمارها فأمر السّلطان في ذلك الوقت بقتل أرباب الشّعبذة لانّه كان قد سمع أنّه إذا قتل صاحب الشّعبذة بعد ظهور الشّعبذة تبقى تلك الشّعبذة على حالها بقدرة الحقّ - جلّ سلطانه - فلمّا قتلوهم بقيت تلك الاشجار بقدرة الله جلّ سلطانه وسمعت أنّها باقية إلى الآن والنّاس يأكلون من ثمارها وما ذلك على الله بعزيز. ففي الصّورة المتنازع فيها أظهر الحقّ - سبحانه الذي لا موجود غيره في الخارج ونفس الامر - كمالات أسمائه وصفاته بقدرته الكاملة في حجب صور الممكنات في مرتبة الحسّ والوهم وأجلى تلك الكمالات في مجالي الاشياء بوجود وهميّ وثبوت خياليّ يعني: أوجد الاشياء على طبق تلك الكمالات في مرتبة الحسّ والوهم فوجود الاشياء باعتبار الإراءة الخياليّة ولكن لمّا منح الحقّ سبحانه وتعالى تلك الإراءة الإستقرار والثبات وراعى الإتقان في صنع الاشياء وجعل المعاملة الابديّة مربوطة بها صار وجودها الوهميّ وثبوتها الخياليّ أيضا في نفس الامر وكانت محفوظة عن الخلل فيمكن أن يقال: إنّ الاشياء لها في الخارج ونفس الامر وجود وليس لها وجود كما مرّ مكرّرا. قال حضرة والد هذا الفقير - قدّس سرّه - وكان من العلماء المحقّقين: «سألني القاضي جلال الدين الأكريّ الذي كان من العلماء المتبحّرين: هل الواقع الوحدة أو الكثرة؟ فإن كان وحدة تصير الشّريعة الّتي مبناها على الاحكام المتباينة والمتمايزة باطلة وإن كان كثرة يبطل قول الصّوفيّة الذين يقولون بوحدة الوجود قال حضرة شيخنا في جوابه: «كلتاهما مطابقتان لنفس الامر وواقعتان فيه». وبين ذلك لم يبق في خاطر الفقير ما قال في بيانه وما أفيض على خاطر الفقير في هذا الوقت أورده في قيد الكتابة والأمر إلى الله سبحانه. فالصّوفيّة الذين يقولون بوحدة الوجود محقّون والعلماء الذين يحكمون بالكثرة أيضا محقّون والمناسب لأحوال الصّوفيّة الوحدة والمناسب لأحوال العلماء الكثرة فإنّ مبنى الشّرائع على كثرة وتغاير الاحكام مربوط بالكثرة ودعوة الانبياء - عليهم الصّلاة السّلام - والتّنعيم والتّعذيب الاخرويّان كلّه متعلّق بالكثرة وحيث انّ الحقّ سبحانه يريد الكثرة ويحبّ الظّهور كما قال تعالى " فأحببت أن أعرف " فبقاء هذه المرتبة أيضا ضروريّ فإنّ ترتيب هذه المرتبة مرضىّ ربّ العالمين ومحبوبه تعالى فإنّه لا بدّ لسلطان ذي شأن من الخدّم والحشّم والذّلّ والإفتقار والإنكسار لازم لعظمته وكبريائه ومعاملة وحدة الوجود وإن كانت كالحقيقة ومعاملة الكثرة بالنّسبة إليه كالمجاز ولهذا يقال لذلك العالم " عالم الحقيقة " ولهذا العالم " عالم المجاز " ولكن لمّا كانت الظّهورات محبوب ربّ العالمين وأعطى الاشياء البقاء الابديّ وأورد القدرة في لباس الحكمة وجعل الاسباب نقاب أفعاله كانت تلك الحقيقة PageV02P115 كالمجهورة وصار هذا المجاز متعارفا والنّقطة الجوّالة وإن كانت كالحقيقة والدائرة النّاشئة من تلك النّقطة كالمجاز ولكنّ الحقيقة مهجورة هناك وما هو المتعارف مجاز وسألت عن معنى هذا القول: «إذا أحبّ الله عبدا لم يضرّه ذنب» (اعلم) أنّه إذا أحبّ الله عبدا لا يصدر عنه ذنب فإنّ أولياء الحقّ جلّ وعلا محفوظون عن ارتكاب الذّنب وإن جاز صدور الذّنب عنهم بخلاف الانبياء عليهم الصّلاة والتّسليمات فإنّهم معصومون عن الذّنوب وجواز صدور الذّنب عنهم أيضا مسلوب فإذا لم يصدر الذّنب عن الأولياء لا يكون فيهم ضرر الذّنب ففي صورة عدم صدور الذّنب يصدق " لا يضرّه ذنب " كما لا يخفى على أرباب العلم. ويمكن أن يكون المراد من الذّنب الذّنب السّابق الذي صدر عنه قبل الوصول إلى درجة الولاية فإنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله وحقيقة الامر عند الله سبحانه رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (1) والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّات العلى. (45) المكتوب الخامس والأربعون إلى منبع الحقائق ومعدن المعارف الخواجه حسام الدين أحمد في بيان أنّ العالم بتمامه مجالي الاسماء والصّفات الواجبيّة بخلاف الذّات؛ فإنّه لا نصيب للممكن منها وليس له قيام بنفسه بل هو عرض كلّه لم يشمّ رائحة من الجوهريّة وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (أيّها المخدوم المكرّم) [ع] وأحسن ما يملى حديث الاحبّة * يحرّر من المعارف الغريبة ينبغي استماعها ويبيّن طريق مراقبة أخصّ الخواصّ فليتوجّه إليه بتوجّه بليغ (ينبغي أن يعلم) أنّ العالم بتمامه مجالي الاسماء ومظاهر الصّفات الواجبيّة تعالت وتقدّست: فإن كان في الممكن حياة فهي مرآة لحياة الواجب تعالى وتقدّس. وإن كان فيه علم فمرآة علمه تعالى. وإن كان قدرة فمرآة قدرته تعالى وعلى هذا القياس. وليس لذاته تعالى مظهر في العالم ولا مرآة بل لا مناسبة لذاته تعالى بالعالم أصلا ولا اشتراك لها به في شيء قطعا. وإن كانت تلك المناسبة في الإسم وتلك المشاركة في الصّورة إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (2) بخلاف الاسماء والصّفات فإنّ لها مع العالم مناسبة اسميّة ومشاركة صوريّة كما أنّ في الواجب تعالى علما في الممكن أيضا صورة ذلك العلم وكما PageV02P116 أنّ هناك قدرة هنا أيضا صورة تلك القدرة بخلاف الذّات؛ فإنّ الممكن لا نصيب له من تلك الدولة ولم يمنح القيام بنفسه بل الممكن حيث كان مخلوق على صور أسمائه وصفاته تعالى فهو عرض بتمامه لم يشمّ رائحة من الجوهريّة وقيامه بذات الواجب تعالى وتقدّس. وتقسيم أرباب المعقول العالم إلى الجوهر والعرض (1) فهو من كون نظرهم مقصورا على الظّاهر وما ثبت من قيام بعض الممكن ببعض آخر فهو من قبيل قيام العرض بالعرض لا من قبيل قيام العرض بالجوهر بل قيام ذينك العرضين في الحقيقة بذات الواجب تعالى وتقدّس لم يثبت بينهما جوهريّة وقيّوم جميع الممكنات هو تعالى وتقدّس فليس للممكن في الحقيقة ذات تكون صفاته قائمة بتلك الذّات للواجب تعالى وتقدّس بها قامت صفاته تعالى وكذلك جميع الممكنات والإشارة الواقعة من كلّ أحد إلى ذاته بلفظ: «أنا " فتلك الإشارة راجعة في الحقيقة إلى تلك الذّات الاحد الّتي قيام الكلّ بها يعرفه المشير أوّلا وإن لم تكن ذاته تعالى مشارا إليها بإشارة ومتّحدة بشيء أصلا. ولا يخلط القاصرون هذه المعارف الغامضة بمعارف التّوحيد الوجوديّ لا يظنّون اليد والجيب متّحدا بعضه ببعض فإنّ أرباب التّوحيد الوجوديّ لا يقولون بموجود غير الذّات الاحد تعالت وتقدّست ويزعمون أسماءه وصفاته تعالى أيضا اعتبارات علميّة ويقولون في حقائق الممكنات " ما وصلت إليها رائحة من الوجود والأعيان ما شمّت رائحة الوجود من كلامهم». وهذا الفقير يعتقد أنّ صفاته تعالى أيضا موجودة بوجود زائد على الذّات كما قال علماء أهل الحقّ ويثبت للممكنات الّتي هي مجالي الاسماء والصّفات أيضا وجودا. غاية ما في الباب أنّه لا يعلم الممكنات غير الاعراض الّتي لا قيام لها بنفسها ولا يثبت الجوهريّة الّتي لها قيام بذاته في الممكنات بل يتيقّن قيام الكلّ بذاته تعالى (فإن قيل) يعلم من هذا التّحقيق أنّ ذات الممكن عين ذات الواجب تعالى وأنّ الممكن متّحد بالواجب جلّ شأنه وهذا محال لاستلزامه قلب الحقائق (أجيب) انّ ذات الممكن - يعني ماهيّته وحقيقته - هي عين تلك الاعراض المتعدّدة المخصوصة الّتي هي مجالي أسماء الواجب وصفاته تعالى ولا عينيّة لتلك الأعراض مع ذات الواجب تعالى وتقدّس أصلا ولا اتّحاد بينهما بوجه ما قطعا؛ حتّى يلزم قلب الحقائق وليس هناك غير قيام تلك الأعراض بالذّات تعالت وتقدّست وقيّوميّته تعالى بجميع الاشياء (فإن قيل) لمّا رجعت إشارة كلّ أحد إلى ذاته بلفظ " أنا " إلى ذات الواجب تعالى لزم أن تكون ذات الممكن - يعني ماهيّته وحقيقته - عين ذات الواجب تعالى؛ فإنّ إشارة كلّ أحد بلفظ " أنا " إلى ماهيّته وحقيقته وهذا مستلزم لقلب الحقيقة وعين كلام أرباب التّوحيد الوجوديّ: (أجيب) نعم وإن كان إشارة كلّ أحد بلفظ " أنا " إلى حقيقته ولكن لمّا كانت حقيقته أعراضا مجتمعة ليست فيها قابليّة هذه الإشارة فإنّ الأعراض ليست بقابلة للإشارة الحسّيّة بالإستقلال وبالأصالة ولمّا لم تقبل حقيقته هذه الإشارة صارت الإشارة راجعة إلى PageV02P117 مقوّم تلك الحقيقة فماهيّة الممكن هي عين تلك الاعراض المجتمعة وإن كانت الإشارة بواسطة عدم قابليّة حقيقته راجعة إلى مقوّمها الذي هو ذات الواجب تعالى وتقدّس فلم يكن قلب الحقيقة وما صار الممكن واجبا تعالى وتقدّس وكان الكلام مغايرا لكلام أرباب التّوحيد الوجوديّ. والعجب: أنّ " أنا " الصّادر من الممكن يرجع إلى الواجب ويبقى الممكن ممكنا على حاله ولا يتكلّم بقول " سبحاني " وأنا الحقّ " بل لا يقدر أن يقول لكونه صاحب تميّز (فإن قيل) إنّ قيام الممكن بذات الواجب تعالى مستلزم لقيام الحوادث بذاته تعالى وهو ممتنع (أجيب) أنّ امتناع قيام الحوادث بمعنى حلول الحوادث في ذاته تعالى وهو محال ولكنّ القيام ليس هنا بمعنى الحلول بل بمعنى الثبوت والتّقرّر يعني أنّ ثبوت الممكن وتقرّره بذات الواجب تعالى (فإن قيل) إذا كان ثبوت الممكن بذات الواجب وقد تقرّر أنّه عرض بتمامه فلا بدّ له من محلّ يقوم به وما ذاك المحلّ ليس هو ذات الواجب تعالى وكذلك لا يكون الممتنع محلّا له (أجيب) أنّ العرض ما لا يكون له قيام بذاته بل يقوم بغيره ولمّا لم يفهم أرباب المعقول في قيام العرض غير الحلول أثبتوا للعرض محلّا بالضّرورة واستحالوا ثبوته من غير محلّ فإذا ظهر للقيام معنى آخر كما مرّ لا يلزم المحلّ أصلا ومحسوسنا ومشاهدتنا أنّ قيام جميع الاشياء بذات الواجب تعالى من غير أن يكون في البين حلول ومحلّ أصلا يصدّقه أرباب المعقول أوّلا وتشكيكهم لا يكون مصادما لبداهتنا ولا يزول يقيننا بشكّهم. ولنوضّح هذا المبحث بمثال: أنّ أرباب الطّلسم وأصحاب السّيمياء يرون ويظهرون الاشياء من جنس الاجسام الغريبة والأعراض العجيبة وفي هذه الصّورة يعرف كلّ شخص أنّ هذه الاجسام ليس لها قيام بنفسها كالأعراض بل قيام كليهما بذات صاحب الطّلسم ولا محلّ لهما أصلا ويعرفون أيضا أن ليس في هذا القيام شائبة الحاليّة والمحلّيّة بل ثبوت تلك الاجسام والأعراض بذات صاحب الطّلسم من غير توهّم حلول وفيما نحن فيه أيضا عين هذا التّصوير فإنّ الحقّ سبحانه خلق الاشياء في مرتبة الحسّ والوهم وراعى الإتقان والإحكام في صنعها وجعل المعاملة الابديّة والتّنعيم والتّعذيب السّرمديّين مربوطة بها؛ فلا قيام لهذه الاشياء بذاتها بل هي قائمة بذاته تعالى من غير شائبة الحلول وبلا مظنّة الحالّ والمحلّ. والتّمثيل الآخر: صورة جبل أو صورة سماء تظهر في المرآة أيّ أبله تزعم تلك الصّور أجساما وجواهر وتظنّ أنّها قائمة بنفسها؟! فإن زعم فرضا شخص تلك الصّور أعراضا وقائمة بالغير وطلب لها محالّا بعلّة العرضيّة ويعدّ ثبوتها من غير محال محالا فهذا الشّخص أيضا سفيه فإنّه ينكر بداهة نفسه بتقليد النّاس لانّ كلّ من عنده تمييز يعرف بالبداهة أن ليس لتلك الصّور محالّ أصلا بل لا احتياج لها إلى الحالّ وهكذا جميع الممكنات عند ارباب الكشف والشّهود وليست غير التّماثيل مثل هذه الصّور غاية ما في الباب: أنّ الحقّ سبحانه وتعالى أتقن تلك الصّور والتّماثيل بقدرته الكاملة وأحكم على نهج صارت مصونة عن الخلل ومحفوظة من الزّوال والمعاملة الاخرويّة الابديّة مربوطة بها كما مرّ غير مرّة وقال النّظّام من المتكلّمين ومن علماء المعتزلة PageV02P118 - بحكم رمية من غير رام -: «العالم أعراض مجتمعة " وظنّه خاليا من الجواهر نعم: إنّ الكذوب قد يصدق ولمّا لم يقل بقيام هذه الاعراض بذات واجب الوجود - جلّ سلطانه - من قصور نظره صار موردا لطعن العقلاء وتشنيعهم؛ فإنّ العرض لا بدّ له من قيام بالغير ولا هو قائل بوجود الجوهر حتّى يجعل قيامه مستندا إليه ومن الصّوفيّة: اعتقد صاحب الفتوحات المكّيّة العالم أعراضا مجتمعة في عين واحد وجعل العين الواحد عبارة عن ذات أحديّة - جلّ سلطانه - ولكنّه حكم بعدم بقاء هذه الأعراض في زمانين وقال: «إنّ العالم ينعدم في كلّ آن ويتجدّد مثله» (وعند الفقير) هذه المعاملة شهوديّة لا وجوديّة كما حقّق هذا المبحث في حواشي شرح الرّباعيّات أنّه قد يرى للسّالك في توسّط الأحوال قبل أن ترتفع الاغيار عن نظره مطلقا في آن أنّ العالم صار معدوما وفي آن ثان يرى أنّ العالم موجود وفي آن ثالث يجده أيضا معدوما وفي آن رابع موجودا إلى أن يشرّف بالفناء المطلق ويجد العالم معدوما دائما ففي هذا الوقت: العالم مستمرّ العدم في شهوده وهكذا حين توسّط حصول البقاء والرّجوع إلى العالم يظهر العالم في النّظر تارة ويختفي أخرى ومن هناك أيضا يتوهّم حالة تجدّد الامثال فإذا تمّت لهذا العارف معاملة البقاء والرّجوع إلى العالم واستند في مقام التّكميل والإرشاد يظهر العالم في نظره أيضا ويجد العالم مستمرّ الوجود فصارت هذه المعاملة راجعة إلى شهود السّالك لا إلى وجود العالم فإنّ وجوده مازال على وتيرة واحدة فإن كان تذبذب فهو في الشّهود والله سبحانه الملهم للصّواب. والحكم بعدم بقاء الأعراض في زمانين - كما قال بعض المتكلّمين - مدخول فيه لم يبلغ مرتبة الثبوت والأدلّة الّتي أوردوها في عدم بقاء الاعراض غير تامّة وهذه المعارف الغامضة كأنّها درس لاكثر الاصحاب هناك ينبغي إعطاء نقلها لكلّ من له شوق إليها. ولمّا كان في الفقير نوع مرض لم يكتب لكلّ واحد من الاصحاب على حدة واكتفى بهذه المعارف فقط والسّلام عليكم وعلى من لديكم. (46) المكتوب السّادس والأربعون إلى الشّيخ حميد البنكاليّ في فضائل الكلمة الطّيّبة الّتي هي متضمّنة للطّريقة والحقيقة والشّريعة (1) وبيان أن لا مقدار لكمالات الولاية في جنب كمالات النّبوّة أصلا وبيان أنّ الولاية لا بدّ لها من الشّريعة وما يناسب ذلك PageV02P119 " لا إله إلّا الله محمّد رسول الله " هذه الكلمة الطّيّبة متضمّنة للطّريقة والحقيقة والشّريعة وما دام السّالك في مقام النّفي فهو في مقام الطّريقة فإذا فرغ من النّفى بالتّمام وانتفى جميع الاغيار عن نظره وأتمّ الطّريقة ووصل إلى مقام الفناء وجاء إلى مقام الإثبات بعد النّفي ومال من السّلوك إلى الجذبة فقد تحقّق بمرتبة الحقيقة واتّصف بالبقاء. وبهذا النّفي والإثبات وبهذه الطّريقة والحقيقة وبهذا الفناء والبقاء وبهذا السّلوك والجذبة يصدق اسم الولاية وتميل النّفس من أن تكون أمّارة إلى الإطمئنان وتصير مزكّاة ومطهّرة فكمالات الولاية صارت مربوطة بالجزء الأوّل من هذه الكلمة الطّيّبة الذي هو النّفي والإثبات. وبقي الجزء الثاني من هذه الكلمة المقدّسة الذي هو مثبت رسالة خاتم الرّسل - عليه وعلى آله الصّلاة والتّسليمات - وهذا الجزء الاخير محصّل للشّريعة ومكمّل لها وما كان حاصلا في الإبتداء والوسط من الشّريعة فهو صورة الشّريعة واسمها ورسمها وحصول حقيقة الشّريعة إنّما هو في هذا الموطن الذي يحصل بعد حصول مرتبة الولاية وكمالات النّبوّة الّتي تحصل لكمّل تابعي الانبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - بتبعيّتهم ووراثتهم فهي أيضا في هذا الموطن والطّريقة والحقيقة اللّتان هما محصّلتان للولاية كأنّهما من الشّرائط لتحصيل حقيقة الشّريعة وتحصيل كمالات النّبوّة (ينبغي أن يعتقد) الولاية مثل الطّهارة والشّريعة كالصّلاة وكأنّ في الطّريقة إزالة النّجاسات الحقيقيّة وفي الحقيقة إزالة النّجاسات الحكميّة وبعد الطّهارة الكاملة يستحقّ إتيان الاحكام الشّرعيّة ويحصل قابليّة أداء الصّلاة الّتي هي نهاية مراتب القرب وعماد الدين ومعراج المؤمن. ولقد وجدت الجزء الاخير من هذه الكلمة المقدّسة بحرا لا نهاية له وشوهد الجزء الاوّل في جنبه كالقطرة؛ نعم: لا مقدار لكمالات الولاية في جنب كمالات النّبوّة أصلا وما يكون مقدار ذرّة في جنب الشّمس سبحان الله؟! زعم جماعة من إعوجاج النّظر أنّ الولاية أفضل من النّبوّة وظنّوا الشّريعة الّتي هي لبّ اللّباب قشرا وماذا يفعلون؟! فإنّ نظرهم مقصور على صورة الشّريعة ولم يحصّلوا من اللّبّ شيئا غير القشر وظنّوا النّبوّة بعلّة التّوجّه إلى الخلق قاصرة وزعموا هذا التّوجّه مثل توجّه العوامّ ناقصا ورجّحوا توجّه الولاية الذي هو إلى الحقّ على ذلك التّوجّه وقالوا: إنّ الولاية أفضل من النّبوّة ولم يدروا أنّ التّوجّه في كمالات النّبوّة أيضا إلى الحقّ في وقت العروج كما في مرتبة الولاية بل في مرتبة الولاية صورة تلك الكمالات العروجيّة الّتي حصلت في مقام النّبوّة كما ستذكر منه نبذة والتّوجّه في وقت نزول النّبوّة إلى الخلق كالولاية وإنّما الفرق أنّ الظّاهر في الولاية متوجّه إلى الخلق والباطن إلى الحقّ سبحانه وفي نزول النّبوّة: الظّاهر والباطن كلاهما متوجّهان إلى الخلق وصاحبه يدعو الخلق إلى الحقّ بكلّيّته وهذا النّزول أتمّ وأكمل من نزول الولاية كما حقّقته في كتبي ورسائلي. وتوجّهه هذا إلى الخلق ليس كتوجّه العوامّ كما زعموا فإنّ توجّه العوامّ إلى الخلق من جهة تعلّقهم بالأغيار وتوجّه أخصّ الخواصّ إلى الخلق ليس هو بواسطة تعلّقهم بالأغيار فإنّ هؤلاء الاكابر ودعوا التّعلّق بالأغيار في أوّل القدم وحصّلوا التعلّق بخالق الخلق جلّ سلطانه مكانه بل توجّه هؤلاء الاكابر إلى PageV02P120 الخلق لهدايتهم وإرشادهم ليدلّوهم على خالق الخلق جلّ وعلا وليرشدوهم إلى مراضي مولاهم تعالى وتقدّس ولا شكّ أنّ مثل هذا التّوجّه إلى الخلق الذي مقصودهم منه تخليصهم عن رقّيّة ما سواه تعالى أفضل من ذلك التّوجّه إلى الحقّ سبحانه لاجل نفسه. مثلا: إذا كان شخص مشغولا بذكر الله تعالى فظهر في ذلك الاثناء ضرير وفي طريقه بئر بحيث لو رفع قدمه لوقع فيها ففي هذه الصّورة: هل الافضل لهذا الشّخص الذّكر أو تخليص الضّرير من البئر ولا شكّ أنّ تخليص الضّرير أفضل من الذّكر فإنّ الله تعالى غنيّ عنه وعن ذكره والضّرير عبد محتاج ودفع الضّرر عنه ضروريّ خصوصا إذا كان مأمورا بهذا التّخليص ففي هذا الوقت تخليصه عين الذّكر لكونه امتثال أمره في الذّكر أداء حقّ واحد وهو حقّ المولى جلّ شأنه وفي تخليص المأمور به أداء حقّين حقّ العبد وحقّ المولى تعالى بل يكاد يدخل الذّكر في ذلك الوقت في المعصية فإنّ الذّكر ليس بمستحسن في جميع الاوقات بل في بعض الاوقات يستحسن عدم الذّكر كما أنّ الإفطار في الايّام المنهيّة وترك الصّلاة في الاوقات المكروهة أفضل من الصّوم والصّلاة (ينبغي أن يعلم) أنّ الذّكر عبارة عن طرد الغفلة بأيّ وجه يتيسّر لا أنّ الذّكر مقصور على تكرار كلمة النّفي والإثبات أو على تكرار اسم الذّات كما زعم فكلّ ما هو من امتثال الاوامر والانتهاء عن النّواهي كلّه داخل في الذّكر والبيع والشّراء مع مراعاة الشّروط ذكر وكذلك النّكاح والطّلاق مع مراعاة شروطهما ذكر فإنّ الآمر والنّاهي جلّ سلطانه حين مباشرة هذه الامور مع مراعاة شروطها نصب عين مباشرها فلا يكون فيها مجال للغفلة ولكنّ الذّكر الواقع باسم المذكور وصفته سريع التأثير ومورث لمحبّة المذكور وقريب الإيصال إليه بخلاف الذّكر الواقع من طريق امتثال الاوامر والإنتهاء عن النّواهي فإنّه قليل النّصيب من هذه الصّفات وإن وجدت هذه الصّفات في بعض الأفراد الذين ذكرهم بامتثال الاوامر والانتهاء عن المناهي الشّرعيّة على سبيل النّدرة. قال حضرة الخواجه النّقشبند - قدّس سرّه - إنّ حضرة مولانا زين الدين التّايباديّ - قدّس سرّه - وصل إلى الحقّ سبحانه من طريق العلم وأيضا إنّ الذّكر الذي يقع باسم المذكور وصفته وسيلة للذّكر الذي يحصل بمراعاة الحدود الشّرعيّة فإنّ مراعاة الاحكام الشّرعيّة في جميع الامور غير ميسّرة بدون محبّة تامّة لناصب الشّرع وهذه المحبّة التّاميّة مربوطة بذكر اسمه وصفته تعالى فلا بدّ الذّكر أوّلا من ذلك الذّكر حتّى يحصل بسببه هذا الذّكر ومعاملة العناية أمر آخر ليس هناك شرط ولا وسيلة الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ (1). (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنقول: إنّ وراء هذه المعاملات الثلاث الطّريقة والحقيقة والشّريعة معاملة أخرى مختصّة بالآخرين يمكن أن يقال: «أن لا اعتداد بتلك المعاملات في جنب هذه المعاملة ولا اعتبار وما حصل في مرتبة الحقيقة ممّا له تعلّق بالإثبات فهو صورة هذه المعاملة وهذه المعاملة حقيقة تلك الصّورة مثل صورة شريعة حاصلة في الإبتداء لمرتبة العوامّ وبعد حصول الطّريقة والحقيقة تتيسّر حقيقة تلك الصّورة. ينبغي التّخيّل والتّأمّل: إذا كانت PageV02P121 معاملة صورتها حقيقة معاملة ومقدّمتها ولاية كيف يسعها القيل والقال؟! وكيف يفي بها البيان؟! ولو بيّنت - فرضا - من يدركها وماذا يدرك؟! وهذه المعاملة وراثة الانبياء أولي العزم عليهم الصّلوات والتّسليمات والتّحيّات والبركات الّتي هي نصيب أقلّ قليل فإنّه إذا كان أصول هذه المعاملة قليلة تكون فروعها أقلّ بالضّرورة (فإن قيل) لزم من هذه المعارف أنّ العارف يضع قدمه في بعض المراتب خارج الشّريعة ويعرج إلى ما وراء الشّريعة (أجيب) انّ الشّريعة أعمال الظّاهر وهذه المعاملة متعلّقة في هذه النّشأة بالباطن والظّاهر مكلّف بالشّريعة دائما والباطن مشغوف بتلك المعاملة وحيث انّ هذه النّشأة دار عمل فللباطن من أعمال الظّاهر مدد عظيم وترقّيات الباطن مربوطة بإتيان أحكام الشّريعة الّتي متعلّقة بالظّاهر فلا بدّ للظّاهر والباطن في هذه النّشأة من الشّريعة في جميع الاوقات فشغل الظّاهر العمل بموجب الشّريعة ونصيب الباطن نتائج ذلك العمل وثمراته فالشّريعة أمّ كلّ الكمالات وأصل جميع المقامات ونتائج الشّريعة وثمراتها ليست مقصورة على النّشأة الدنيويّة فإنّ الكمالات الاخرويّة والتّنعّمات السّرمديّة أيضا من ثمرات الشّريعة ونتائجها فكانت الشّريعة شجرة طيّبة ينتفع العالم من ثمراتها وفواكهها في هذه النّشأة وفي تلك النّشأة ومنها تؤخذ فوائد الدارين (فإن قيل) يلزم من هذا البيان كون الباطن متوجّها إلى الحقّ سبحانه والظّاهر إلى الخلق في كمالات النّبوّة أيضا وقد كتبت في مكتوباتك ورسائلك ومرّ في هذا المكتوب أيضا أنّ التّوجّه في مقام النّبوّة الذي هو محلّ الدعوة إلى الخلق بالتّمام فما وجه التّوفيق (أجيب) أنّ تلك المعاملة المذكورة تتعلّق بالعروج ومقام الدعوة مربوط بالهبوط ففي وقت العروج يكون الباطن مع الحقّ سبحانه والظّاهر مع الخلق حتّى تتأتّى تأدية حقوقهم على وفق الشّريعة الغرّاء وفي وقت الهبوط يكون متوجّها إلى الخلق بالتّمام ويدلّهم على الحقّ سبحانه بكلّيّته فلا منافاة. وتحقيق هذا المقام هو أنّ التّوجّه إلى الخلق عين التّوجّه إلى الحقّ سبحانه فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله (1) لا بمعنى أنّ الممكن عين الواجب أو مرآة الواجب سبحانه وتعالى وما مقدار الممكن الحقير حتّى يكون عين الواجب تعالى أو يكون قابلا لمرآتيّته سبحانه؟! بل يمكن أن يقال: إنّ الواجب تعالى مرآة الممكن ويتوهّم الاشياء في مرآة الواجب تعالى كصور الاشياء في مرآة الصّورة فكما أنّه ليس لتلك الصّور حلول وسريان في مرآة الصّورة كذلك لا حلول ولا سريان للأشياء في مرآة الواجب تعالى. وكيف يتصوّر الحلول فإنّه لا وجود للصّور في مرتبة المرآة ووجود الصّور إنّما هو في مرتبة التّوهّم والتّخيّل فقط فالمحلّ الذي فيه المرآة ليس فيه الصّور والمحلّ الذي فيه الصّور على المرآة منه الف عار فإنّه لا ثبوت للصّور غير الإراءة الخياليّة ولا وجود لها غير التّحقّق الوهميّ فإن كان لها محلّ فهو في مرتبة التّوهّم وإن كان لها زمان فهو في مرتبة التّخيّل ولكن حيث كانت تلك الإراءة الخياليّة للأشياء بصنع الحقّ جلّ سلطانه فهي مصونة من الخلل ومحفوظة من سرعة الزّوال والمعاملة الابديّة مربوطة بها والعذاب والمثوبات السّرمديّة منوطة بها PageV02P122 (واعلم) أنّ المحلوظ أوّلا في مرآة الصّورة هو الصّور والإلتفات الثاني إنّما هو لشهود المرآة والملحوظ أوّلا في مرآة الواجب هو المرآة نفسها والإلتفات الثاني إنّما هو لشهود الاشياء وأيضا في مرآة الصّورة الصّور أيضا مرايا أحكام المرآة وآثارها فإن كانت المرآة طولانيّة تظهر الصّور أيضا طولانيّة فتصير الاشياء مرايا لطول المرآة وكذلك إذا كانت المرآة صغيرة يظهر صغرها في مرايا الصّور بخلاف مرآة ذات الواجب تعالى فإنّ الاشياء لا تكون مرايا لاحكامها وآثارها فإنّه لا حكم على تلك المرتبة العليا ولا أثر بل جميع النّسب مسلوب عنها فيها فإن كانت الاشياء مرايا ماذا يظهر فيها نعم يجوز أن يكون الاشياء مرايا صور أحكام الواجب في مراتب التّنزّل الذي موطن الاسماء والصّفات فإنّ السّمع والبصر والعلم والقدرة مثلا الّتي هي ظاهرة في مرايا الاشياء صور السّمع والبصر والعلم والقدرة الثابتة في مرتبة الوجوب الّتي هي مرآة تلك الاشياء الظّاهرة وما قلت انّ الملحوظ أوّلا في مرآة الواجب تعالى هو نفس المرآة والإلتفات الثاني إنّما هو لشهود الاشياء الّتي هي كالصّور في تلك المرآة فهو حال ابتداء الرّجوع إلى تظهر الصّور فيه للنّظر بعد أن كانت مرتفعة ومختفية عن النّظر بالتّمام فإذا انتهت معاملة الرّجوع إلى آخرها ووقع السّير في الاشياء طولها وعرضها وتيسّر الإستقرار في مركز دائرة الإمكان يتبدّل الشّهود ح بالغيب بالضّرورة ويصير الإيمان الشّهوديّ إيمانا غيبيّا وإذا تمّت معاملة الدعوة وقرعت مقرعة الرّحيل ففي ذلك الوقت لا يبقى الغيب ولا يكون فيه غير الشّهود ولكنّ هذا الشّهود يكون أتمّ وأكمل من ذاك الشّهود الذي كان حاصلا قبيل الرّجوع فإنّ الشّهود الذي يتعلّق بالآخرة أكمل من الشّهود الذي يتعلّق بالدّنيا (شعر) هنيئا لارباب النّعيم نعيمها ... وللعاشق المسكين ما يتجرّع ينبغي أن يعلم أنّه قد لاح من التّحقيق السّابق أنّ صورة الشّيء الّتي تظهر في المرآة لا ثبوت لها في غير التّخيّل والمرآة على صرافة تجرّدها من حصول تلك الصّورة فيها ويمكن أن يقال لتلك الصّورة أنّ المرآة قريبة منها وأيضا يمكن أن يقال: إنّ المرآة محيطة بها وانّها معها وهذا القرب والأحاطة والمعيّة ليست من قبيل قرب الجسم والجوهر وإحاطتهما بالعرض بل هناك قرب وإحاطة العقل عاجز عن تصوّرهما وقاصر عن إدراك كيفيّتهما ففي هذه الصّورة ثبتت الإحاطة والقرب والمعيّة ولم تعلم كيفيّتها أصلا ولله المثل الأعلى وهكذا القرب الذي للحقّ مع العالم وكذلك إحاطته ومعيّته تعالى معلومة الإنّيّة (1) مجهولة الكيفيّة نؤمن أنّه تعالى قريب من العالم ومحيط به ومعه ولكن لا نعلم كيفيّة قربه وإحاطته ومعيّته تعالى إنّها ما هي فإنّ هذه الصّفات مغايرة لصفات الاشياء ومبرّأة عن سمات الإمكان والحدوث وإن أورد تنظيرها وتشبيهها في عالم المجاز الذي هو قنطرة الحقيقة وأومئى إليها بالمرآة والصّورة ليجتهد PageV02P123 حديدوا البصر في الخروج من المجاز إلى الحقيقة وليميلوا من الصّورة إلى المعنى والسّلام على من اتّبع الهدى (1). (47) المكتوب السّابع والأربعون إلى الخواجه محمّد قاسم البدخشيّ في النّصيحة والتّنبيه بسم الله الرّحمن الرّحيم بعد الحمد والصّلاة وتبليغ الدعوات أنهي أنّه يفهم من كلمة ذاك الاخ وكلامه حرارة الطّلب وتفوح رائحة الجمعيّة لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك ويشبه أن تكون هذه الدولة أثر قرب الصّحبة ولم تترككم التّعلّقات الّتي لا طائل فيها أن تكونوا في الصّحبة جمعة واحدة ولا أدري أنّه هل بلغ مجموع أيّام صحبتكم عشرة او لا ينبغي أن يستحى من الله تعالى حيث لا ينتخب له تعالى يوما واحدا من الف أيّام ولا يجمع نفسه من تعلّقات شتّى وقد تمّت عليكم الحجّة ووجدت بوجدانك انّ ساعة واحدة من هذه الصّحبة أفضل من أربعينات المجاهدة ومع ذلك تفرّون من هذه الصّحبة وترمون أنفسكم بعيدا عنها بالحبل جوهر استعدادكم نفيس ولكن ما الفائدة لانّه لم يخرج من القوّة إلى الفعل استعدادكم عال ولكنّ همّتكم وضيعة حيث قنعت عن الجوهر النّفيس بقطعات حزف خسيس مثل الاطفال (شعر) وحين الصّبح يعلم كالنّهار ... حقيقة من هويته في الظّلام وما فاتت الفرصة الآن ينبغي الفكر في الاصل وعمدة هذا الامر صحبة أرباب الجمعيّة فإن لم تتيسّر هذه الدولة ينبغي صرف الاوقات في الإشتغال بالذّكر الإلهيّ جلّ شأنه المأخوذ من صاحب دولة والاجتناب من كلّ شيء ينافى الذّكر وينبغي حسن الإحتياط في الحلّ والحرمة الشّرعيّين من غير مساهلة وعليكم بالتزام الجماعة في الصّلوات الخمس ورعاية السّعي البليغ في تعديل الاركان والمحافظة على اداء الصّلوات في أوقاتها المستحبّة رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2). PageV02P124 (48) المكتوب الثامن والأربعون إلى الخواجه محمّد طالب البدخشيّ في التّرغيب في مقام الرّضا بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (ليكن الخواجه محمّد طالب) دائما طالب مطلوب قد كتبت خبر فوت قرّة العين محمّد صدّيق انّا لله وإنّا إليه راجعون. (أيّها الاخ الاعزّ) إنّ الحقّ سبحانه وتعالى أعزّ عند المؤمنين من كلّ شيء وأحبّ سواء كان أموالا أو أنفسا والإحياء والإماتة فعله تعالى لا مدخل فيهما لغيره فيكون فعله تعالى أيضا أحبّ وأعزّ بالضّرورة يحقّ للمحبّين أن يلتذّوا من فعل المحبوب وأن يفرحوا وكيف أدلّ على الصّبر فإنّ فيه إيماء إلى الكراهة ومقام الرّضاء وإن كان يخبر عن الرّغبة والسّرور ولكن مرتبة الإلتذاذ أمر آخر (اشعار) ما العشق إلّا شعلة قد أحرقت ... كلّ الورى غير الحبيب الباقي قد سلّ في قتل السّوى صمصام لا ... فانظر إلى ما بعد لا ما الباقي بشراك يا عشق قد احترق الورى ... لم يبق غير إلهنا الخلّاق وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1). (49) المكتوب التّاسع والأربعون إلى الخواجه كدا في بيان أنّ نسيان السّوى قدم أوّل في هذه الطّريقة فينبغي السّعي حتّى لا يقع القصور في ذلك نحمده ونصلّي على نبيّه ونسلّم عليه وعلى آله الكرام والنّصيحة للأخ الخواجه محمّد كدا بعد تصحيح العقائد الكلاميّة وبعد إتيان الاحكام الفقهيّة هي المداومة على الذّكر الإلهيّ جلّ سلطانه على نهج حفظه وينبغي أن يستولى الذّكر على حدّ لا يترك في الباطن غير المذكور ويزيل التّعلّق العلميّ والحبّىّ بما سوى المذكور فحينئذ يحصل للقلب نسيان السّوى ويكون السّالك فارغا عن رؤية الغير وإدراكه بحيث لو ذكّر بالأشياء بالتّكلّف والتّعمّل لا يتذكّر ولا يعرف بل يكون مستهلكا ومستغرقا في المطلوب دائما PageV02P125 فإذا انتهت المعاملة إلى هنا يكون قد خطى خطوة في هذا الطّريق ينبغي السّعي في أن لا يقصّر في الخطوة الواحدة وأن لا يبقى في أسر رؤية الغير وعلمه (شعر) هلمّو أيّها الابطال نحو السّعادة ... إذ خلت عن كلّ مانع وتعلّقاتكم ترى في الظّاهر قليلة ولكنّكم تجعلون أنفسكم من جملة أرباب التّعلّق بشوق التّعلّق " الرّاضى بالضّرر لا يستحقّ النّظر " مسئلة مقرّرة والسّلام. (50) المكتوب الخمسون إلى المرزا شمس الدين في بيان أنّ للشّريعة صورة وحقيقة وأنّه لا بدّ من الشّريعة في الإبتداء والإنتهاء وبيان تمكين القلب واطمئنان النّفس واعتدال القلب الّتي في مرتبة النّبوّة وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ للشّريعة صورة وحقيقة فصورة الشّريعة عبارة عن إتيان الاحكام الشّرعيّة بعد الإيمان بالله ورسوله وبما جاء من عند الله سبحانه والإيمان مع وجود منازعة النّفس الامّارة وإبائها وطغيانها وإنكارها المودعة في جبلّتها: هو صورة الإيمان وكذلك الصّلاة والصّوم مع وجود صفاتها هذه صورة الصّلاة والصّوم وعلى هذا القياس سائر الاحكام الشّرعيّة فإنّ النّفس الّتي هي عمدة الإنسان وهي المشار إليها لكلّ فرد بقوله أنا على كفرها وإنكارها فكيف يتصوّر منها حقيقة الإيمان وحقّيّة الاعمال الصّالحة ومن رحمته سبحانه وتعالى قبوله جلّ شأنه مجرّد الصّورة وبشارته بدخول الجنّة الّتي هي محلّ رضائه ورحمته ومن إحسانه تعالى وتقدّس اكتفاؤه في نفس الإيمان بتصديق القلب ولم يكلّف بإذعان النّفس نعم للجنّة أيضا صورة وحقيقة يحتظّ أصحاب الصّورة بصورة الجنّة وأرباب الحقيقة بحقيقة الجنّة وكلّ من أصحاب الصّورة وأرباب الحقيقة يتناول من فاكهة واحدة من فواكه الجنّة فيجد صاحب الصّورة منها لذّة وصاحب الحقيقة لذّة أخرى وتكون الازواج المطّهرات أمّهات المؤمنين مع النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام في جنّة واحدة ويأكلون معه من فاكهة واحدة ولكنّ التذاذ كلّ واحد وتنعّمه على حدة وإلّا يلزم فضل أمّهات المؤمنين على جميع بنى آدم بعد نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام ويلزم أيضا أنّ كلّ من يكون أفضل من شخص تكون زوجته أيضا أفضل منه فإنّ الزّوجة ممتزجة ومختلطة بالزّوج وصورة الشّريعة بشرط الإستقامة موجبة للفلاح ومستلزمة للنّجاة الأخرويّين ومصحّحة لدخول الجنّة كما مرّ فإذا صحّت صورة الشّريعة فقد حصلت الولاية العامّة والله ولىّ الذين آمنوا وفي هذا الوقت صار السّالك مستعدّا لان يضع قدمه في الطّريقة وأن يتخطّى إلى الولاية الخاصّة وأن يجرّ نفسه بالتّدريج من وصف الامّاريّة إلى صفة الإطمئنان ولكن ينبغي أن يعلم أنّ منازل الوصول إلى تلك الولاية أيضا مربوط بأعمال الشّريعة والذّكر الإلهيّ جلّ شأنه الذي هو العمدة في هذا الطّريق من PageV02P126 المأمورات الشّرعيّة والإجتناب عن المناهي الشّرعيّة أيضا من ضروريّات هذا الطّريق وأداء الفرائض من المقرّبات وطلب شيخ عارف بالطّريق وهاد إليه الذي يستحقّ أن يكون وسيلة أيضا من المأمورات الشّرعيّة قال الله تعالى واِبْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (1) وبالجملة لا بدّ من الشّريعة صورة وحقيقة فإنّ أمّهات جميع كمالات الولاية والنّبوّة هى الاحكام الشّرعيّة كمالات الولاية نتائج صورة الشّريعة وكمالات النّبوّة ثمرات حقيقة الشّريعة كما سيجيء إن شاء الله تعالى (ومقدّمة الولاية) هي الطّريقة الّتي نفي ما سواه تعالى مطلوب فيها ورفع الغير والغيريّة مقصود منها فإذا صار ما سواه تعالى بفضله جلّ شأنه مرتفعا عن النّظر بالكلّيّة ولم يبق اسم ولا رسم من رؤية الاغيار فقد حصل الفناء وبلغ مقام الطّريقة نهايته وتمّ السّير إلى الله والشّروع بعد ذلك في مقام الإثبات المعبّر عنه بالسّير في الله وهذا هو مقام البقاء الذي هو موطن الحقيقة الّتي هي المقصد الأقصى من الولاية وبتلك الطّريقة والحقيقة اللّتين هما الفناء والبقاء يصدق اسم الولاية وتصير الامّارة مطمئنّة وترجع عن كفرها وإنكارها وتصير راضية عن مولاها ويكون المولى جلّ سلطانه أيضا راضيا عنها وتزول الكراهة الّتي كانت في جبلّتها قالوا إنّ النّفس وإن وصلت إلى مقام الإطمئنان (2) لا ترجع عن بغيها وطغيانها. (شعر) وإن انتهت نفس إلى اطمئنانها ... لكنّها لا تنتهي عن غيّها وجعلوا المراد من الجهاد الاكبر الواقع في قوله عليه الصّلاة والسّلام «رجعنا من الجهاد الاصغر إلى الجهاد الاكبر» (3) الجهاد مع النّفس. وما ظهر في كشف الفقير ووجده بوجدانه خلاف هذا الحكم المتعارف فإنّي لا أجد في النّفس بعد حصول الإطمئنان عنادا وطغيانا أصلا بل أراها متمكّنة في مقام الإنقياد بل أجدها كالقلب المتمكّن الذي نسى السّوى فارغة عن رؤية الغير والغيريّة وعلمهما ومتخلّصة عن حبّ الجاه والرّياسة واللّذّة والألم فأين المخالفة وبمن العناد فإن أثبتوا لها قبل حصول الإطمئنان كلّ شيء من المعاندة والطّغيان وإن كان تفاوت أحوالها وتلوّنها مقدار شعرة فله المساغ وليس لنا فيه نزاع PageV02P127 ولكن بعد حصول الإطمئنان لا مجال للمخالفة والطّغيان ولقد طالع الفقير في هذا الباب بإمعان النّظر وتأمّل في حلّ هذا المعمّى لكونه مخالفا لما تقرّر عند القوم وتعمّق في الفكر ولكن بعناية الله سبحانه لم يجد في النّفس المطمئنّة مقدار شعرة من المخالفة والمعاندة ولم ير فيها شيئا غير الإستهلاك والإضمحلال فإذا جعلت النّفس نفسها فداء لمولاها كيف يكون فيها مجال المخالفة وحيث كانت النّفس راضية عن حضرة الحقّ تعالى وكان الحقّ تعالى راضيا عنها كيف يتصوّر عنها الطّغيان الذي هو مناف للرّضى ومرضىّ الحقّ جلّ سلطانه لا يصير غير مرضىّ أصلا ويمكن أن يكون المراد من الجهاد الاكبر والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال الجهاد مع القالب الذي هو مركّب من الطّبائع المختلفة الّتي كلّ طبيعة منها مقتضية لامر ومتنفّرة عن أمر فإنّ كلّا من القوّة الشّهويّة والغضبيّة ناشئة عن القالب الا ترى أنّ سائر الحيوانات الّتي ليست لها النّفس النّاطقة هذه الصّفات الرّذيلة كائنة فيها وكلّها متّصفة بالشّهوة والغضب والشّره والحرص وهذا الجهاد كائن دائما لا يسكّنه اطمئنان النّفس ولا يرفعه تمكين القلب وفي بقاء هذا الجهاد فوائد كثيرة متضمّنة لتنقية القالب وتطهيره حتّى تكون كمالات هذه النّشأة ومعاملة الآخرة مربوطة به بالأصالة فإنّ في كمالات هذه النّشأة القالب تابع والقلب متبوع وفي كمالات تلك النّشأة الامر بالعكس القلب تابع والقالب متبوع فإذا وقع الخلل في هذه النّشأة وظهرت مقدّمة تلك النّشأة ينقضى هذا الجهاد ويرتفع هذا القتال فإذا بلغت النّفس بفضل الله سبحانه مقام الإطمئنان وصارت منقادة للحكم الإلهيّ جلّ شأنه فقد تيسّر الإسلام الحقيقيّ وحصلت حقيقة الإيمان وكلّ ما يعمل بعد ذلك يكون حقيقة فإذا أدّيت الصّلاة تكون حقيقة وإن كان صوما فحقيقة الصّوم وإن حجّا فحقيقة الحجّ على هذا القياس إتيان سائر الاحكام الشّرعيّة فصار كلّ من الطّريقة والحقيقة متوسّطة بين صورة الشّريعة وحقيقتها فمن لم يشرّف بالولاية الخاصّة لا يصل من الإسلام المجازىّ إلى الإسلام الحقيقيّ فإذا كان بفضل الله سبحانه محلّى بحقيقة الشّريعة وتيسّر الإسلام الحقيقيّ صار مستعدّا لان ينال حظّا وافرا ونصيبا تامّا من كمالات النّبوّة بتبعيّة الانبياء ووراثتهم عليهم الصّلاة والسّلام وكما أنّ صورة الشّريعة كشجرة طيّبة لكمالات الولاية وهي كثمراتها كذلك حقيقة الشّريعة أيضا كشجرة مباركة لكمالات النّبوّة الّتي هي كثمراتها وحيث كانت كمالات الولاية ثمرات الصّورة وكمالات النّبوّة ثمرات حقيقة تلك الصّورة تكون كمالات الولاية بالضّرورة صورا لكمالات النّبوّة الّتي هي حقائق تلك الصّور (ينبغي أن يعلم) أنّ الفرق بين صورة الشّريعة وحقيقتها كان ناشئا من جهة النّفس حيث كان للنّفس الامّارة طغيان في الصّورة وكانت على إنكارها وصارت مطمئنّة في الحقيقة ومسلمة وكذلك الفرق بين كمالات الولاية الّتي هي كالصّور وبين كمالات النّبوّة الّتي كالحقائق ناش من جهة القالب فإنّ أجزاء القالب ما كانت منتهية وراجعة عن طغيانها وعنادها في مقام الولاية مثلا لم يرجع جزءه النّاريّ مع وجود اطمئنان النّفس عن دعوى الخيريّة وتكبّرها وكذلك لم يتندّم جزؤه الارضيّ عن الخسّة والدنائة وعلى هذا القياس سائر PageV02P128 الاجزاء وفي مقام كمالات النّبوّة جائت أجزاء القالب أيضا إلى حدّ الإعتدال وامتنعت عن الإفراط والتّفريط ويمكن أن يكون من ههنا قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " أسلم شيطاني» (1) فكما أنّ في الآفاق شيطانا في الانفس أيضا شيطان وهو الجزء النّاريّ الذي هو مدّع لخيريّته ومقتض لتكبّره وترفّعه وكلّ هذه أردأ الصّفات الرّذيلة واسلامه كناية عن زوال تلك الصّفات الّتي هي أرذل الرّذائل ففي كمالات النّبوّة تمكين القلب واطمئنان النّفس واعتدال أجزاء القالب وفي الولاية تمكين القلب وبعد اللّتيا واللّتى اطمئنان النّفس وإنّما قلنا بعد اللّتيا واللّتى فإنّ اطمئنان النّفس على وجه الكمال من غير تكلّف إنّما هو بعد اعتدال أجزاء القالب ولهذا جوّز أرباب الولاية رجوع المطمئنّة إلى صفات البشريّة بواسطة عدم اعتدال أجزاء القالب كما مرّ في أوّل المبحث والإطمئنان الذي يحصل للنّفس بعد اعتدال أجزاء القالب فهو مأمون ومبرّأ من الرّجوع إلى صفات البشريّة فالإختلاف في رجوع النّفس إلى الرّذائل وعدم رجوعها مبنيّ على اختلاف مقامات النّفس والأنظار. كلّ شخص أخبر عن مقامه وتكلّم عن وجدانه (فإن قيل) إذا جاءت أجزاء القالب إلى حدّ الإعتدال وامتنعت عن المعاندة والطّغيان كيف يتصوّر الجهاد معها بل يرتفع الجهاد عنها ح (أجيب) فرّق بين المطمئنّة وبين هذه الاجزاء فإنّ المطمئنّة صاحبة استهلاك واضمحلال وملحقة بعالم الامر ومتّصفة بكمال الاستهلاك والسّكر وهذه الاجزاء لا مناسبة لها بالسّكر والإستهلاك بواسطة إتيان الاحكام الشّرعيّة الذي مبناه على الصّحو ولا مجال في المستهلك للمخالفة وما فيه صحو فإن صدرت عنه صورة المخالفة في بعض الامور بواسطة بعض منافعه ومصالحه فإنّه يجوز ولكنّ المرجوّ أن لا تكون تلك المخالفة بفضل الله جلّ سلطانه فوق ترك الإستحباب وأنّه لا تزيد على ارتكاب الكراهة التّنزيهيّة فيكون الجهاد في مرتبة القالب مع اعتدال أجزائه متصوّرا وفي المطمئنّة لا يكون الجهاد مجوّزا وتحقيق هذا المبحث مندرج في مكتوب من الجلد الاوّل المحرّر في بيان الطّريق المحرّر باسم ولدي الاعظم المرحوم بالتّفصيل فإن بقي خفاء فيه فليراجع هناك فإن انتهت كمالات النّبوّة الّتي هي نتائج حقيقة الشّريعة وثمراتها بفضل الله جلّ سلطانه إلى آخرها يعني حصلت بتمامها لا تكون التّرقّيات هناك منوطة بالأعمال بل المعاملة في ذلك الموطن مربوطة بمحض فضل الله وإحسانه سبحانه لا أثر للاعتقاد هناك ولا حكم فيه للعلم والعمل بل فيه فضل في فضل وكرم في كرم وهذا المقام بالنّسبة إلى المقامات السّابقة عال جدّا وله وسعة تامّة ونورانيّة لم يكن أثر منها في المقامات السّابقة وهذا المقام مخصوص بالأصالة بالأنبياء أولي العزم عليهم الصّلاة والتّسليمات وبالتّبعيّة والوراثة يشرّف به ويمنح كلّ من أدركته PageV02P129 العناية [ع] لا عسر في أمر مع الكرام * ولا يغلطنّ هنا شخص فيقول إنّه قد حصل في هذا الموطن الإستغناء عن صورة الشّريعة وحقيقتها ولم يبق الإحتياج إلى إتيان الاحكام الشّرعيّة لانّا نقول إنّ الشّريعة أصل هذا الامر وأساس هذه المعاملة وكلّما يتعالى الشّجر أو يتطاول البنيان ويبنى فوقه القصور والايوان لا يستغنيان عن الاصل والأساس ولا يزول عنهما الإحتياج الذّاتيّ فإنّ البيت العلوّ مثلا كلّما كان أرفع وأعلى لا يكون له بدّ من البيت السّفل ولا يزول احتياجه عنه أصلا طرأ الخلل في السّفل فرضا يؤثّر ذلك الخلل في العلوّ أيضا ويستلزم زوال السّفل زوال العلوّ فالشّريعة لازمة في جميع الحال وجميع الوقت وكلّ شخص محتاج إلى إتيان أحكامها فإذا ترقّت المعاملة عن هذا الموطن أيضا بفضل الله جلّ سلطانه وتحوّل الامر من التّفضّل إلى المحبّة يستقبل ح مقام عال جدّا مخصوص بالأصالة بخاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والتّسليمات ويشرّف به بالتّبعيّة والوراثة كلّ من أريد له ذلك وذلك القصر الذي يظهر في النّظر من غاية الرّفعة ضيّقا أجد حضرة الصّديق داخلا فيه بطريق الوراثة إلى سرّته وحضرة الفاروق أيضا مهتد إلى هذه الدولة ومن أمّهات المؤمنين أرى فيه معه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بعلاقة الإزدواج حضرة الخديجة وحضرة الصّدّيقة رضي الله عنهما والأمر إلى الله سبحانه ولمّا كان الاخ الاعزّ ذو المعارف الشّيخ عبد الحيّ الذي كان في الصّحبة سنين متوجّها إلى وطنه وكان لذلك المقام تعلّق به كتبنا سطورا بالضّرورة واطّلعنا على أحوال المشار إليه ووجود أهل الله مغتنم في أيّ مكان كان وبشارة لسكّان ذلك المكان وفي عين ذلك المقام يقيم الاخ الاعزّ الشّيخ نور محمّد ويصرف أوقاته بالفقر وفقدان المراد ويغبط ذلك المقام حيث اجتمع فيه اثنان من أهل الله أمثالهما وتحقّق فيه قرآن السّعدين والسّلام. (51) المكتوب الحادي والخمسون إلى الخواجه محمّد صدّيق الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أيّها الاخ الصّدّيق أنّ كلامه سبحانه مع البشر قد يكون شفاها وذلك لأفراد من الانبياء عليهم الصّلاة والتّسليمات وقد يكون لبعض الكمّل من متابعيهم بالتّبعيّة والوراثة أيضا وإذا كثر هذا القسم من الكلام مع واحد منهم سمّي محدّثا كما كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وهذا غير الإلهام وغير الإلقاء في الرّوع وغير الكلام الذي مع الملك إنّما يخاطب بهذا الكلام الإنسان الكامل الجامع بين عالمى الامر والخلق والرّوح والنّفس والعقل والخيال والله PageV02P130 يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) ولا يلزم من كون الكلام شفاها أن يكون المتكلّم مرئيّا للسّامع لجواز أن يكون السّامع ضعيف البصر لا يتحمّل شعشعات أنواره كما قال عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات في جواب سؤال الرّؤية عنه " نورانيّ أراه» (2) ولأنّ في الشّفاه خرق الحجب الشّهوديّة فافهم فإنّ هذه معرفة قلّما تكلّم بها أحد والسّلام على من اتّبع الهدى (3). (52) المكتوب الثاني والخمسون إلى الخواجه محمّد مهدي عليّ الكشميريّ في التّرغيب في طريقة هذه الطّائفة العليّة الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفة الشّريفة الّتي صدرت من كمال المحبّة والإخلاص مع الهدايا رزق الله سبحانه وتعالى الإستقامة على محبّة هذه الطّائفة وحشر معهم وهم قوم لا يشقى جليسهم ولا يحرم أنيسهم ولا يخيب جليسهم وهم جلساء الله وهم إذا رأوا ذكر الله وهم من عرفهم وجد الله نظرهم دواء وكلامهم شفاء وصحبتهم ضياء وبهاء من رأى ظاهرهم خاب وخسر ومن رأى باطنهم نجى وأفلح ونعم ما قيل إلهي ما هذا الذي جعلت أولياءك بحيث من عرفهم وجدك وما لم يجدك لم يعرفهم يعني: أنّ معرفتهم ووجدانك ليس أحدهما منفكّا عن الآخر والتّقدّم الذّاتيّ باعتبار للمعرفة وباعتبار للوجدان ومختار القائل تقدّم ذلك الطّرف لانّه المبدأ فمنه البداية أولى وأحرى والسّلام عليكم وعلى من لديكم. (53) المكتوب الثالث والخمسون إلى واحد من مشائخ النّواحي في جواب استفساره بأنّى لو عبدت الله يحصل للنّفس الإستغناء وإن صدرت منّي زلّة وخلاف الشّرع تظهر النّدامة والإنكسار PageV02P131 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد سألت أنّه: «إذا جعلت نفسى في مقام الرّياضة يعني اشتغلت بها يظهر في النّفس الإستغناء وتزعم أن لا صالح مثلى وإن صدر شيء من خلاف الشّرع تتخيّل نفسها محتاجة ومسكينة فما علاج ذلك (أيّها الموفّق) إنّ الإحتياج والمسكنة الصّادر في الشّقّ الثاني الذي ينبئ عن النّدم نعمة عظيمة والعياذ بالله سبحانه لو لم تظهر النّدامة الّتي هي من شعب التّوبة بعد ارتكاب المحظور الشّرعيّ وكانت النّفس ملتذّة ومحظوظة بإتيان الذّنب فإنّ الإلتذاذ بالذّنب إصرار على الذّنب فإن كان الإصرار على السّيّئة الصّغيرة فهو يوصل إلى الكبيرة والإصرار على الكبيرة دهليز الكفر ينبغي أداء شكر هذه النعمة العظمى ليحصل ازدياد النّدم فيمنع عن ارتكاب خلاف الشّريعة قال الله سبحانه وتعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (1) وحاصل الشّقّ الاوّل حصول العجب بعد إتيان الاعمال الصّالحة وهذا العجب سمّ قاتل ومرض مهلك يبطل الاعمال الصّالحة كما يأكل النّار الحطب ومنشأ العجب هو أن يرى الاعمال الصّالحة مزيّنة ومستحسنة في نظر العامل والمعالجة بالأضداد فينبغي اتّهام الحسنات وأن يظهر قبائحها في النّظر وأن ينسب الإنسان نفسه وأعماله إلى القصور بل يجد مستحقّا للطّرد واللّعن قال عليه وعلى آله الصّلاة والتّسليمات " ربّ قارئ للقرآن والقرآن يلعنه " " وكم من صائم ليس له من صيامه الّا الظّمأ والجوع " ولا يتخيّل أن لا قبح لحسنه بل لو توّجه إليه قليلا لوجد بعناية الله سبحانه كلّه قبيحا ولا يحسّ رائحة من الحسن فأين العجب ولمن الإستغناء بل يكون من علّة استيلاء رؤية القصور في الاعمال منفعلا ومستحيا من إتيان الاعمال الحسنة لا معجبا ومستغنيا فإذا حصل رؤية القصور في الاعمال تزيد قيمة الاعمال وتكون حقيقة بالقبول وينبغي السّعي حتّى يحصل هذه الرّؤية فيتخلّص من العجب ودونه خرط القتاد الّا أن يشاء الله وطائفة من الذين تيسّرت لهم رؤية القصور في الاعمال على وجه الكمال يظنّون أنّ كاتب اليمين معطّل وانّه لا حسن له يكتب وكاتب الشّمال في الشّغل دائما وانّ فعله كلّه قبيح وسيّئ فإذا انتهت معاملة العارف إلى هذا الحدّ عومل معه ما عومل [ع] بلغ اليراع إلى هنا فتكسر * والسّلام على من اتّبع الهدى (2). (54) المكتوب الرّابع والخمسون إلى السّيّد شاه محمّد في بيان أنّ لمتابعة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مراتب ودرجات وهي سبع درجات وبيان تفصيل كلّ درجة وما يناسب ذلك PageV02P132 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ لمتابعة النّبيّ - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام - الّتي هي رأس كلّ سعادة دينيّة ودنيويّة درجات ومراتب (الدرجة الاولى) لعوامّ أهل الإسلام من إتيان الاحكام الشّرعيّة ومتابعة السّنّة السّنيّة بعد تصديق القلب وقبل اطمئنان النّفس الذي هو مربوط بدرجة الولاية وعلماء الظّاهر والعبّاد والزّهّاد والذين لم تبلغ معاملتهم مرتبة اطمئنان النّفس كلّهم شركاء في هذه الدرجة من المتابعة وكلّهم متساوية الاقدام في صورة الاتّباع وحيث أنّ النّفس لم تتخلّص في هذا المقام من كفره وإنكاره لا جرم تكون هذه الدرجة مخصوصة بصورة المتابعة وصورة المتابعة هذه كحقيقة المتابعة موجبة للفلاح ونجاة الآخرة ومنجية من عذاب النّار ومبشّرة بدخول الجنّة ومن كمال كرمه سبحانه لم يعتبر إنكار النّفس بل اكتفى بتصديق القلب وجعل النّجاة مربوطة بذلك التّصديق. (شعر) ولعلّ يقبل أدمعى من كان يخلق ... لؤلؤا من قطرة الامطار (والدرجة الثانية) من المتابعة اتّباع أقواله واعماله عليه الصّلاة والسّلام الّتي تتعلّق بالباطن من تهذيب الاخلاق ورفع رذائل الصّفات وازالة الامراض الباطنيّة والعلل المعنويّة ممّا يتعلّق بمقام الطّريقة وهذه الدرجة من الإتّباع مخصوصة بأرباب السّلوك الذين يقطعون بوادى السّير إلى الله ومفازه آخذين طريقة الصّوفيّة من شيخ مقتدى (والدرجة الثالثة) من المتابعة اتّباع أحواله وأذواقه ومواجيده عليه الصّلاة والسّلام الّتي تتعلّق بمقام الولاية الخاصّة وهذه الدرجة مخصوصة بأرباب الولاية سواء كان مجذوبا سالكا أو سالكا مجذوبا فإذا انتهت مرتبة الولاية إلى آخرها فقد صارت النّفس مطمئنّة وامتنعت من المعاندة والطّغيان وانتقلت من الإنكار إلى الإقرار ومن الكفر إلى الإسلام فكلّ ما تجتهد بعد ذلك في المتابعة تكون حقيقة المتابعة فإن أدّى الصّلاة فقد ادّى حقيقة المتابعة يعني في أداء الصّلاة وفي الصّوم والزّكاة أيضا هذا الحكم وعلى هذا القياس حقيقة المتابعة كائنة في إتيان جميع الاحكام الشّرعيّة (فإن قيل) ما معنى حقيقة الصّلاة والصّوم والصّلاة والصّوم كلّ منهما عبارة عن أفعال مخصوصة فإن أدّيت تلك الافعال على وجه أمر به فقد أدّيت الحقيقة فما تكون الصّورة وما تكون الحقيقة وراءها (أجيب) لمّا كان للمبتدى النّفس الامّارة الّتي هي منكرة للأحكام السّماويّة بالذّات كان إتيان الاحكام الشّرعيّة منه باعتبار الصّورة ولمّا صارت نفس المنتهي مطمئنّة وقبلت الاحكام الشّرعيّة بالرّضا والرّغبة كان إتيان الاحكام منه باعتبار الحقيقة مثلا المنافق والمسلم كلاهما يؤدّيان الصّلاة وحيث كان في المنافق إنكار الباطن لا يصدر عنه الّا أداء صورة الصّلاة والمسلم بواسطة انقياده الباطنىّ متحلّى بحقيقة الصّلاة؛ فالصّورة والحقيقة باعتبار إنكار الباطن وإقراره (والدرجة الرّابعة) درجة من المتابعة: وكانت في الدرجة الاولى صورة هذه المتابعة وهنا حقيقة الإتّباع وهذه الدرجة الرّابعة من الإتّباع مخصوصة بالعلماء PageV02P133 الرّاسخين شكر الله تعالى سعيهم فإنّهم يتحقّقون بدولة المتابعة بعد اطمئنان النّفس وإن حصل نحو من اطمئنان النّفس للأولياء قدّس الله تعالى أسرارهم بعد تمكين القلب ولكنّ كمال الإطمئنان يحصل للنّفس في تحصيل كمالات النّبوّة الّتي للعلماء منها نصيب بطريق الوراثة فيكون العلماء الرّاسخون متحقّقين بحقيقة الشّريعة الّتي هي حقيقة الإتّباع بواسطة كمال اطمئنان النّفس وحيث فقد هذا الكمال في غيرهم يتلبّسون أحيانا بصورة الشّريعة وآونة يتحقّقون بحقيقة الشّريعة (ولنبيّن) علامة للعلماء الرّاسخين لئلّا يدّعى كلّ عالم بالظّاهر دعوى الرّسوخ ولا يزعم أمّارته مطمئنّة. العالم الرّاسخ هو شخص له نصيب من تأويل متشابهات الكتاب والسّنّة وحظّ من أسرار مقطّعات الحروف الّتي في أوائل السّور القرآنيّة وتأويل المتشابهات من جملة الأسرار الغامضة ولا تتخيّل أنّه مثل تأويل اليد بالقدرة والوجه بالذّات فإنّه ناش من علم الظّاهر لا مساس له بالأسرار وأصحاب هذه الأسرار هم الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وهذه الرّموزات إشارات إلى معاملاتهم ويشرّف بهذه الدولة العظيمة بتبعيّة هؤلاء الاكابر ووراثتهم كلّ من أريد له ذلك وحصول هذه الدرجة من المتابعة الّتى هى منوطة باطمأنان النّفس ووصول إلى حقيقة متابعة صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام يتيسّر أحيانا بدون توسّط الفناء والبقاء وبلا توسّل السّلوك والجذبة ويمكن أن لا يكون في البين شيء من الأحوال والمواجيد والتّجلّيات والظّهورات وتكون تلك الدولة نقد الوقت ولكنّ الوصول إلى هذه الدولة من طريق الولاية أقرب من الوصول إليها من طريق آخر وهذا الطّريق الآخر بزعم الفقير هو التزام متابعة السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة والإجتناب عن اسم البدعة ورسمها ومن لم يحترز عن البدعة الحسنة احترازه عن البدعة السّيّئة لا تصل إلى مشامّ روحه رائحة من هذه الدولة وهذا المعنى متعسّر في هذا اليوم فإنّ العالم مستغرق اليوم في لجّة بحر البدعة ومطمئنّ بظلماتها لمن المجال في التّكلّم في رفع البدعة وإحياء السّنّة أكثر علماء هذا الوقت يروّجون البدعة ويمحون السّنّة ويفتون بجواز بدعات واسعة بل باستحسانها بعلّة تعامل الخلق ويدلّون النّاس عليها ليت شعري ماذا يقولون لو شاعت الضّلالة وصار الباطل متعارفا تكون تعاملا أما يعلمون أنّ كلّ التّعامل ليس هو دليل الإستحسان والتّعامل المعتبر إنّما هو ما جاء من الصّدر الاوّل وحصل بإجماع جميع النّاس كما ذكر في الفتاوى الغياثيّة قال شيخ الإسلام الشّهيد رحمه الله سبحانه لا نأخذ باستحسان مشايخ بلخ وإنّما نأخذ بقول أصحابنا المتقدّمين رحمهم الله سبحانه لانّ التّعامل في بلدة لا يدلّ على الجواز وإنّما يدلّ على الجواز ما يكون على الإستمرار من الصّدر الاوّل ليكون دليلا على تقرير النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام إيّاهم على ذلك فيكون شرعا له عليه الصّلاة والسّلام وأمّا إذا لم يكن كذلك لا يكون فعلهم حجّة إلّا إذا كان ذلك من النّاس كافّة في البلدان كلّها ليكون إجماعا والإجماع حجّة ألا ترى أنّهم لو تعاملوا على بيع الخمر وعلى الرّبا لا يفتى بالحلّ ولا شكّ أنّ العلم بتعامل كافّة الأنام والوقوف على عمل جميع القرى والبلدان خارج عن حيطة قوّة البشر بقي تعامل الصّدر الاوّل الذي هو في الحقيقة PageV02P134 تقريره صلّى الله عليه وسلّم وراجع إلى سنّته فأين البدعة وأين حسنها وكانت صحبة خير البشر عليه الصّلاة والسّلام كافية في حصول جميع الكمالات للأصحاب الكرام عليهم الرّضوان وكلّ من تشرّف من علماء السّلف بدولة الرّسوخ بدون اختيار طريق الصّوفيّة وبلا قطع مسافة بالسّلوك والجذبة كان ذلك بواسطة التزام متابعة السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة والاجتناب عن بدعة غير مرضيّة اللهمّ ثبّتنا على متابعة السّنّة وجنّبنا عن ارتكاب البدعة بحرمة صاحب السّنّة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام (الدرجة الخامسة) من المتابعة اتّباع كمالاته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ولا مدخل للعلم والعمل في حصول تلك الكمالات بل حصولها مربوطة بمحض فضل الحقّ وإحسانه جلّ سلطانه وهذه الدرجة عالية جدّا لا مساس للدّرجات السّابقة بها وهذه الكمالات مخصوصة بالأنبياء اولى العزم بالأصالة ويشرّف بها بالتّبعيّة والوراثة كلّ من أريد له ذلك (والدرجة السّادسة) من المتابعة اتّباعه عليه الصّلاة والسّلام في كمال مخصوص بمقام محبوبيّته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وكما أنّ إفاضة الكمالات في الدرجة الخامسة كانت بمجرّد الفضل والإحسان كذلك في الدرجة السّادسة إفاضة كمالاتها بمجرّد المحبّة الّتي فوق التّفضّل والإحسان ومن هذه الدرجة أيضا نصيب اقلّ قليل وهذه الدرجات الخمس من درجات المتابعة غير الدرجة الاولى وكلّها تتعلّق بمقامات العروج وحصولها مربوط بالصّعود (والدرجة السّابعة) متابعة تتعلّق بالنّزول والهبوط وهذه الدرجة جامعة لجميع الدرجات السّابقة فإنّ في هذا الموطن يعني: " موطن النّزول " تصديق القلب وتمكينه واطمئنان النّفس واعتدال أجزاء القالب لامتناعها وانتهائها عن الطّغيان والعناد وكأنّ الدرجات السّابقة كانت أجزاء هذه المتابعة وهذه الدرجة كالكلّ لتلك الاجزاء ويحصل للتّابع في هذا المقام شباهة بالمتبوع على نهج كأنّه قد ارتفع اسم التّبعيّة من البين وزال امتياز التّابع والمتبوع ويتوهّم أنّ التّابع كلّما يأخذ يأخذه من الاصل كالمتبوع وكأنّ كليهما يشربان من عين واحدة وكليهما في عناق واحد ومخدّة واحدة وكأنّهما لبن وسكّر أين التّابع من المتبوع ولمن التّبعيّة فإنّه لا مجال للتّغاير في اتّحاد النّسبة والعجب أنّه كلّما يطالع في هذا المقام بإمعان النّظر لا تكون نسبة التّبعيّة ملحوظة ومنظورة أصلا ولا يكون امتياز التّابعيّة والمتبوعيّة مشهودا قطعا والذي يدرك ويدرى أنّ التّابع يعرف نفسه طفيليّا ووارث نبيّه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وكان التّابع غير الطّفيلىّ والوارث وإن كان الكلّ في سلك التّبعيّة والظّاهر أنّ حيلولة المتبوع لازمة في التّابع وأمّا في الطّفيليّ والوارث فليس بلازمة أصلا التّابع آكل حصّته والطّفيلىّ جليس ضمنىّ وبالجملة انّ كلّ دولة جاءت في عرصة الوجود فإنّما هي للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ومن سعادة الامم احتظاظهم من تلك الدولة بتطفّل الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات وتناولهم من حصّتهم. (شعر) علمت بأنّى لست الحقّ ركبه ... فيكفى سماعى من وراء نداه PageV02P135 والتّابع الكامل من يكون متحلّيا بهذه الدرجات السّبع من المتابعة والذي له متابعة في البعض دون البعض فهو تابع في الجملة على تفاوت الدرجات وعلماء الظّاهر مسرورون بالدّرجة الاولى وليتهم يتمّون تلك الدرجة أيضا وهم جعلوا المتابعة مقصورة على صورة الشّريعة وظنّوا ما وراءها أمرا آخر وتصوّروا طريقة الصّوفيّة الّتي هي وسيلة لحصول درجات المتابعة شيئا فريّا ولم يعرف أكثرهم شيخا ومقتدى لنفسه غير الهداية وال?زدويّ (شعر) وليس لشيء كامن جوف صخرة ... سواها سموات لديه ولا أرض حقّقنا الله سبحانه وإيّاكم بحقيقة المتابعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وعلى جميع إخوانه من الانبياء الكرام والملائكة العظام وعلى جميع اتباعهم إلى يوم القيام. (55) المكتوب الخامس والخمسون إلى المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد والمخدوم زاده الخواجه محمّد معصوم سلّمهما الله تعالى في بيان أنّ القرآن جامع لجميع الاحكام الشّرعيّة وفي مناقب الإمام الاعظم أبي حنيفة رضي الله عنه وبيان أنّ أصل هذا الامر هو الشّريعة ومدح الصّوفيّة العليّة وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ القرآن المجيد جامع لجميع الاحكام الشّرعيّة بل جامع لجميع الشّرايع المتقدّمة غاية ما في الباب أنّ بعض أحكام هذه الشّريعة يفهم بعبارة النّصّ (1) وإشارة النّصّ (2) ودلالة النّصّ (3) واقتضاء النّصّ (4) والعوامّ والخواصّ من أهل اللّغة متساوية الاقدام في هذا الفهم والقسم الآخر من الاحكام من قبيل ما يفهم بتوسّط الإجتهاد والإستنباط وهذا الفهم مخصوص بالأئمّة المجتهدين سواء كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على قول PageV02P136 الجمهور أو أصحابه الكرام عليهم الرّضوان أو سائر مجتهدى أمّته عليه الصّلاة والسّلام ولكنّ الاحكام الإجتهاديّة في زمنه عليه الصّلاة والسّلام لم تكن متردّدة بين الخطأ والصّواب لكونه اوان الوحي بل كان يتميّز صواب الحقّ من خطأ المخطئ بالوحى القطعيّ ولم يبق الحقّ ممتزجا بالباطل فإنّ تقرير النّبيّ وتثبيته على الباطل غير مجوّز بخلاف الاحكام الحاصلة بطريق استنباط المجتهدين بعد انقراض زمان الوحى فإنّها متردّدة بين الخطأ والصّواب ولهذا كان الاحكام الإجتهاديّة الّتي صارت مقرّرة في زمن الوحي موجبة لليقين المفيد للعمل والاعتقاد وبعد زمان الوحى تكون موجبة للظّنّ المفيد للعمل لا الإعتقاد والقسم الثالث من احكام القرآن ممّا يعجز عن فهمه الطّاقة البشريّة وما لم يحصل الإعلام من جانب منزّل الاحكام جلّ سلطانه لا يتصوّر فهم تلك الاحكام وحصول ذلك الإعلام مخصوص بالنّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام لا يحصل لغيره وهذه الاحكام وإن كانت مأخوذة من الكتاب ولكن لمّا كان مظهرها نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام نسبت هذه الاحكام إلى السّنّة بالضّرورة كما نسبت الاحكام الإجتهاديّة إلى القياس باعتبار أنّ القياس مظهر تلك الاحكام فيكون كلّ من السّنّة والقياس مظهرا للأحكام وإن كان من بين هذين المظهرين فرقا كثيرا حيث أنّ أحدهما مستند إلى الرّأي الذي فيه مجال الخطأ والثاني مؤيّد بإعلام الحقّ جلّ وعلا الذي لا مجال فيه للخطأ وفي القسم الاخير كمال الشّباهة بالأصل وكأنّه مثبت للأحكام وإن كان مثبت جميع الاحكام في الحقيقة هو الكتاب العزيز فحسب (ينبغي أن يعلم) أنّ لغير النّبيّ مجال الخلاف للنّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام في الاحكام الإجتهاديّة إن بلغ هذا الغير مرتبة الإجتهاد والأحكام الّتي ثبتت بعبارة النّصّ وإشارة النّصّ ودلالة النّصّ وكذلك الاحكام الّتي مظهرها السّنّة لا مجال لمخالفة أحد فيها بل اتّباع تلك الاحكام لازم لجميع الامّة فمتابعة رأى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الاحكام الإجتهاديّة ليست بلازمة لمجتهدى الامّة بل الصّواب في ذلك الموطن هو متابعة رأى نفسه. وههنا دقيقة ينبغي أن يعلم أنّ الانبياء الذين يتّبعون شرائع الانبياء أولي العزم عليهم الصّلاة والسّلام الواجب عليهم هو اتّباع الاحكام الّتي ثبتت بالعبارة والإشارة والدلالة من كتبهم وصحفهم لا اتّباع الاحكام الّتي ظهرت باجتهادهم وسننهم فإنّه إذا لم يلزم المتابعة على مجتهدى الامّة في الاحكام الإجتهاديّة كما مرّ كيف يلزم المتابعة على النّبيّ المتابع والأحكام الّتي مظهرها سنّة كما أنّها حاصلة لاولى العزم بالإعلام كذلك هي ثابتة لنبىّ غير أولي العزم أيضا بإعلامه تعالى فما يكون المتابعة بل لا مجال للمتابعة فإنّ على مقدار كلّ وقت ومناسبة كلّ طائفة أحكاما على حدة تارة يناسب الحلّ وتارة يناسب الحرمة كان الإعلام لنبىّ من أولي العزم بحلّيّة أمر ولنبىّ آخر من غير أولي العزم بحرمته وكلّ من هذا الحلّ والحرمة مأخوذ من صحف منزّلة كما أنّ المجتهدين يأخذان من مأخذ واحد حكمين مختلفين يفهم منه أحدهما الحلّ والآخر الحرمة. (فإن قيل) هذا الإختلاف له مجال في الإجتهاد لكون مداره على PageV02P137 الرّأي الذي فيه احتمال الصّواب والخطأ ولكن لا مجال لهذا المعنى في إعلامه تعالى لانّ كونه متردّدا بين الخطأ والصّواب غير جائز بل الحكم عند الحقّ جلّ وعلا واحد فإن كان حلّا لا مجال للحرمة وإن كان حرمة لا مجال للحلّ. (أجيب) يجوز أن يكون بالنّسبة إلى قوم حلّا وبالنّسبة إلى قوم آخر حرمة فيكون حكم الله تعالى متعدّدا في واقعة واحدة بالنّسبة إلى تعدّد القوم ولا محذور نعم هذا المعنى لا يصحّ في أمّة خاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّ كافّة الأنام محكوم عليهم في هذه الشّريعة بحكم واحد ليس لله سبحانه فيها حكمان في واقعة واحدة (فإن قيل) إذا حكم نبىّ من الانبياء أولي العزم بحلّ أمر وحكم نبىّ آخر متابع بالحرمة في ذلك الامر يلزم أن يكون الحكم الثاني ناسخا للحكم الاوّل وهذا غير جائز فإنّ النّسخ (1) مخصوص بأولي العزم لا يكون غيره ناسخا (أجيب) انّ النّسخ إنّما يلزم إذا كان الحكم الثاني عامّا بالنّسبة إلى كافّة الأنام فيرفع الحكم الاوّل الذي كان بالنّسبة إلى قوم مخصوص والحكم الثاني ليس بعامّ هنا بل هو حكم بالحرمة مثلا بالنّسبة إلى قوم مخصوص فلا منافاة بينه وبين الحكم الاوّل ألا ترى أنّ مجتهدا يحكم في واقعة بالحلّيّة ويحكم مجتهد آخر في عين تلك الواقعة بالحرمة ولا نسخ فيه أصلا وإن كان بين هذا وبين ذاك تفاوتا فاحشا فإنّ هنا رأى وهناك اعلام وفي الرّأي مجال لتعدّد الحكم وفي الإعلام لا مجال للتعدّد ولكنّ تعدّد القوم يجيز ذلك كما مرّ فأحكام الشّرائع المتقدّمة المفهومة من كتب الانبياء أولي العزم وصحفهم بحسب اللّغة لا مجال للمخالفة فيها أيضا للأنبياء المتابعين بل وردت تلك الاحكام بالنّسبة إلى كافّة الأنام فكلّ نبىّ متابع إلى اىّ قوم أرسل وأيّ قوم يدعو لا يبلغهم خلاف تلك الاحكام فإن حلّا فللكلّ وإن حرمة فعلى الجميع إلى أن يبعث نبيّ آخر من أولي العزم فيرفع هذا الحكم ففي هذا الوقت يتصوّر النّسخ فالنّسخ إنّما هو باعتبار الاحكام المأخوذة من الصّحف المنزّلة بحسب اللّغة والأحكام الّتي ثبتت بالاجتهاد والإعلام ونسبت إلى القياس والسّنّة فالنّسخ غير متصوّر فيها فإنّ هذه الاحكام إنّما هي بالنّسبة إلى بعض دون بعض فاجتهاد نبىّ وكذلك سنّته لا يكونان رافعين لاجتهاد نبىّ آخر وسنّته فإنّ ذاك بالنّسبة إلى قوم وهذا بالنّسبة إلى قوم آخرين فإن كان اختلاف الحكمين بالنّسبة إلى كافّة الأنام أو بالنّسبة إلى قوم واحد فهو نسخ البتّة كما أنّ الحكم في شريعتنا بالنّسبة إلى كافّة الأنام والحكم الثاني ناسخ للحكم الاوّل فسنّة نبيّنا عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات اللّاحقة تكون ناسخة لسنّته السّابقة ولا يجوز نسخ هذه الشّريعة بعد نزول عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ومتابعته لهذه الشّريعة واتّباعه لسنّة نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام. (يكاد) ينكر علماء الظّاهر لمجتهداته على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام من كمال الدقّة وغموض المأخذ ويزعمونها مخالفة للكتاب والسّنّة ومثل روح الله مثل الامام الاعظم الكوفىّ فإنّه ببركة الورع والتّقوى وبدولة متابعة السّنّة PageV02P138 نال في الإجتهاد والإستنباط درجة عليا بحيث يعجز الآخرون عن فهمه ويزعمون مجتهداته بواسطة دقّة المعاني مخالفة للكتاب والسّنّة ويظنّونه وأصحابه أصحاب الرّأي كلّ ذلك لعدم الوصول إلى حقيقة علمه ودرايته وعدم الإطّلاع على فهمه وفراسته إلّا أنّ الإمام الشّافعيّ وجد نبذة من دقّة فقاهته عليهما الرّضوان حيث قال " النّاس كلّهم عيال في الفقه لابى حنيفة " فويل لقاصرى النّظر على جراءتهم حيث ينسبون قصورهم إلى الغير (شعر) لو عابهم قاصر طعنا بهم سفها ... برأت ساحتهم عن أفحش الكلم هل يقطع الثعلب المحتال سلسلة ... قيّدت بها أسد الدنيا بأسرهم ويمكن أن يكون ما قاله الخواجه محمّد ?ارسا قدّس سرّه في الفصول السّتّة من أنّ عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام يعمل بعد النّزول بمذهب الإمام أبي حنيفة بواسطة هذه المناسبة الّتي له رضي الله عنه بحضرة روح الله عليه السّلام يعني: أنّ اجتهاد روح الله يكون موافقا لاجتهاد الإمام الاعظم لا إنّه يقلّد مذهبه فإنّ شأنه عليه السّلام أعلى وأجلّ من أن يقلّد علماء الامّة ونقول من غير شائبة تكلّف وتعصّب إنّ نورانيّة المذهب الحنفيّ ترى وتظهر في النّظر الكشفيّ كالبحر العظيم وسائر المذاهب تظهر مثل الحياض والجداول وإذا لوحظ في الظّاهر أيضا يوجد السّواد الاعظم من أهل الإسلام متابعين لابي حنيفة عليه الرّحمة والرّضوان وهذا المذهب مع كثرة متابعيه ممتاز عن سائر المذاهب في الاصول والفروع وله في الإستنباط طريق على حدة وهذا المعنى منبئ عن الحقيقة (والعجب) أنّ الإمام أبا حنيفة أسبق قدما من الكلّ في تقليد السّنّة ويعتقدون الاحاديث المرسلة كالأحاديث المسندة مستحقّة للمتابعة ويقدّمها على رأيه وكذلك يقدّم قول الصّحابة على رأيه بواسطة نيلهم شرف صحبة خير البشر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات والآخرون ليسوا كذلك ومع ذلك يزعمه المخالفون صاحب رأى وينسبون إليه الفاظا تنبئ عن سوء الادب مع أنّ الكلّ معترفون بكمال علمه ووفور ورعه وتقواه رزقهم الله سبحانه التّوفيق لئلّا يؤذوا رأى الدين ورئيس أهل الإسلام والسّواد الاعظم من المسلمين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والذين يقولون لهؤلاء الاكابر أصحاب الرّأي فإن اعقتدوا أنّهم يحكمون برئيهم لا يتّبعون الكتاب والسّنّة يكون السّواد الاعظم من أهل الإسلام بزعمهم الفاسد ضالّين مبتدعين بل يكونون خارجين من زمرة أهل الإسلام ولا يعتقد ذلك إلّا جاهل ليس له خبر عن جهله او زنديق مقصوده إبطال شطر الدين وما أعظم جهالة ناقص جمع أحاديث معدودة وجعل أحكام الشّريعة منحصرة فيها وطفق ينفى ما وراء معلومه ويجعل ما لم يثبت عنده منفيّا. (شعر) وليس لشيء كامن جوف صخرة ... سواها سموات لديه ولا أرض PageV02P139 ويل لهم الف مرّة على تعصّباتهم الباردة وأنظارهم الفاسدة فإنّ بانى الفقه هو أبو حنيفة وقد سلّموا له في ثلاثة أرباع الفقه واشترك الباقون في الرّبع الباقي وهو صاحب البيت في الفقه وغيره كلّهم عيال له ومع وجود التزام هذا المذهب كان لي مع الإمام الشّافعيّ محبّة ذاتيّة واعتقده عظيما ولهذا أقلّد مذهبه في بعض الاعمال النّافلة ولكن ماذا أصنع أجد الآخرين في جنب الإمام أبي حنيفة مع وجود وفور العلم وكمال التّقوى كالأطفال والأمر إلى الله سبحانه المتعالى (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنقول قد سبق أنّ اختلاف الاحكام الإجتهاديّة ليس بمستلزمة لنسخ وإن صدر ذلك الإختلاف من نبىّ بخلاف الإختلاف الواقع في أحكام الكتاب والسّنّة فإنّه موجب للنّسخ كما مرّ تحقيقه أيضا فتقرّر أنّ المعتبر في إثبات الاحكام الشّرعيّة هو الكتاب والسّنّة وقياس المجتهدين وإجماع الامّة أيضا مثبتان للأحكام وبعد هذه الادلّة الاربعة الشّرعيّة لا يكون شيء من الدليل مثبتا للأحكام أصلا لا يكون الإلهام مثبتا للحلّ والحرمة ولا كشف أرباب الباطن للفرض والسّنّة وأرباب الولاية الخاصّة مساوية لعامّة المؤمنين في تقليد المجتهدين لا يوجبهم الكشوف والإلهامات مزيّة على غيرهم في ذلك ولا يخرجهم عن ربقة التّقليد فيما هنالك وذو النّون (1) والبسطاميّ والجنيد والشّبلىّ مساوون لزيد وعمرو وبكر وخالد الذين هم من عوامّ المؤمنين في تقليد المجتهدين في الاحكام الإجتهاديّة نعم إنّ مزيّة هؤلاء الاكابر في أمور أخرى وهم أصحاب الكشوف والمشاهدات وهم أيضا أرباب التّجلّيات والظّهورات قد انقطعوا بواسطة استيلاء محبّة المحبوب الحقيقيّ عمّا سواه جلّ سلطانه وعتقوا عن رؤية الغير وإدراك الغيريّة فإن كان لهم حاصل فهو هو سبحانه وإن كانوا واصلين فإليه تعالى وهم في العالم بلا عالم ومع أنفسهم بلا أنفسهم فإن عاشوا يعيشون لاجله وإن ماتوا يموتون لاجله ومبتديهم يشاهد المطلوب بواسطة غلبة المحبّة في مرآة كلّ ذرّة من ذرّات العالم ويجد كلّ ذرّة جامعا لجميع الكمالات الأسمائيّة والصّفاتيّة فما أبدى من علامات منتهيهم فإنّهم لا علامة لهم وأوّل قدمهم نسيان السّوى فما أظهر من قدمهم الثاني فإنّه في خارج الآفاق والأنفس والالهام لهم والكلام معهم أكابرهم يأخذون العلوم والأسرار من الاصل بلا توسّط وكما أنّ المجتهد تابع لرأيه واجتهاده هم أيضا تابعون في المعارف والمواجيد لالهامهم وفراستهم. كتب حضرة الخواجه محمّد ?ارسا قدّس سرّه: أنّ روحانيّة الخضر على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام متوسّطة في إفاضة العلوم اللّدنيّة والظّاهر أنّ هذا الكلام بالنّسبة إلى الإبتداء والتّوسّط ومعاملة المنتهي شيء آخر كما يشهد به الكشف الصّريح ويؤيّد هذا التّحقيق ما نقل عن الشّيخ عبد القادر الجيلانىّ قدّس الله تعالى سرّه من أنّه كان يوما بيّن العلوم والمعارف على رأس المنبر فمرّ عليه الخضر في ذلك الاثناء فقال له الشّيخ " أيّها الإسرائيلّى تعالى اسمع كلام المحمّدىّ " يفهم من عبارة الشّيخ هذه أنّ الخضر ليس من المحمّديّين بل من PageV02P140 الملل السّابقة فإذا كان كذلك كيف يكون واسطة للمحمّديّين (فتحقّق) أنّ العلوم والمعارف شيء آخر ما وراء الاحكام الشّرعيّة وأهل الله مخصوصون بها وإن كانت تلك المعارف ثمرات هذه الاحكام ونتائجها. والمقصود من غرس الاشجار حصول الثمار وما دامت الاشجار قائمة الثمار متوقّعة فإذا تطرّق الخلل إلى أصل الاشجار فقد انعدم الإثمار وما أعظم حماقة من يقلع الشّجر ويتوقّع الثمر وكلّما يحسن تربية الاشجار يحصل منها جيّد الاثمار أكثر وأوفر والثمرة وإن كانت مقصودة ولكنّها فرع شجرة فينبغي أن يقيس ملتزم الشّريعة والمداهن في الشّريعة على هذا المعنى فالّذي فيه التزام الشّريعة فهو صاحب معرفة وكلّما كان الإلتزام أكثر تكون المعرفة أوفر والذي هو مداهن لا نصيب له من المعرفة وما فيه منها بزعمه الفاسد بالفرض وإن لم يكن شيئا في الحقيقة فهو من قبيل الإستدراج الذي فيه شركة للجوكيّة والبراهمة كلّ حقيقة ردّته الشّريعة فهي زندقة والحاد فيجوز أن يفهم خواصّ أهل الله في معارف تتعلّق بذاته وصفاته وأفعاله تعالى بعض الأسرار والدقائق الّتي ظاهر الشّريعة ساكت عنها وأن يجدوا الاذن وعدم الاذن منه تعالى في الحركات والسّكنات وأن يعرفوا مرضيّة وغير مرضيّه سبحانه وكثيرا ما يجدون أداء بعض العبادة النّافلة غير مرضىّ ويكونون مأذونين بتركه ويفهمون أحيانا أولويّة النّوم من اليقظة الأحكام الشّرعيّة موقّتة بالأوقات والأحكام الإلهاميّة ثابتة في جميع الاوقات فإذا كان حركات هؤلاء الاكابر وسكناتهم مربوطة بالإذن تكون النّوافل عند غيرهم فرائض عندهم مثلا الفعل الواحد نفل بالنّسبة إلى شخص بحكم الشّريعة وفرض بالنّسبة إلى شخص آخر بحكم الإلهام فالآخرون يؤدّون النّوافل أحيانا ويرتكبون الامور المباحة أحيانا وهؤلاء الاكابر لصدور أفعالهم بأمر المولى واذنه تكون أفعالهم كلّها من الفرائض والمستحبّ والمباح عند غيرهم فرض عندهم ليدرك علوّ شأن هؤلاء الاكابر من ههنا وعلماء الظّاهر يخصّون الإخبارات الغيبيّة في أمور الدنيا بالأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات لا يشركون غيرهم في تلك الإخبارات وهذا المعنى مناف للوراثة ونفي لكثير من العلوم والمعارف الصّحيحة الّتي تتعلّق بالدّين المتين نعم الاحكام الشّرعيّة مربوطة بالأدلّة الاربعة لا مجال فيها للالهام ولكنّ الامور الدينيّة وراء الاحكام الشّرعيّة كثيرة والأصل الخامس فيها الهام بل يمكن أن يقال الاصل الثالث الهام وبعد الكتاب والسّنّة هذا الاصل قائم وثابت إلى انقراض العالم فما تكون نسبة الآخرين لهؤلاء الاكابر وربّما تصدر العبادة عن الآخرين وتكون غير مرضيّة وهؤلاء الاكابر يتركون العبادة في بعض الاحيان ويكون ذلك التّرك مرضيّا فكان تركهم أفضل عند الحقّ جلّ وعلا من فعل غيرهم والعوامّ حاكمون بخلاف ذلك يعتقدون ذلك عابدا وهذا مكارا ومعطّلا (فإن قيل) لمّا كان الدين كاملا بالكتاب والسّنّة فما الحاجة بعد الكمال إلى الإلهام وأيّ نقصان بقي حتّى يتكامل بالالهام (أجيب) الالهام مظهر الكمالات الخفيّة للدّين لا مثبت الكمالات الزّائدة في الدين كما أنّ الإجتهاد مظهر للأحكام الإلهام مظهر للدّقائق والأسرار الّتي فهم أكثر النّاس قاصر عنها وإن كان بين الإجتهاد والالهام فرق واضح لكون ذلك مستندا إلى الرّأي وهذا PageV02P141 إلى خالق الرّأي جلّ سلطانه فظهر في الإلهام قسم من الاصالة ليس هو في الإجتهاد والالهام شبيه بإعلام النّبيّ الذي هو مأخذ السّنّة كما مرّ وإن كان الإلهام ظنّيّا والإعلام قطعيّا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) والسّلام على من اتّبع الهدى (2). (56) المكتوب السّادس والخمسون إلى مولانا عبد القادر الأنبالىّ في بيان أنّ معاملة العارف تبلغ مرتبة يكون حكم سيّئات الآخرين بالنّسبة اليه حسنات بسم الله الرّحمن الرّحيم قال الله تبارك وتعالى فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ (3) تبلغ معاملة العارف بعناية الله سبحانه وحرمة حبيبه عليه الصّلاة والسّلام مرتبة تصير سيّئات الآخرين في حقّه حسنات وتكون الصّفة الرّذيلة بالنّسبة إلى غيره حميدة بالنّسبة اليه مثلا الرّياء والسّمعة من السّيّئات ومن رذائل الاوصاف يعرض لهما في حقّه الحسن وتأخذان حكم الحمد والشّكر فإنّ ذلك الدرويش قد سلب عن نفسه جميع أقسام العظمة والكبرياء ونسبها إلى جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه وأبعد عن نفسه جميع أنواع الحسن والجمال والخير والكمال وخصّصها به سبحانه وتعالى لا يجد نفسه غير شرّ ونقص ولا يرى في نفسه غير ذلّ وافتقار وانكسار فإن كان فرد من أفراد الكمال فرضا متوجّها في الظّاهر يجده مرقاتا يترقّى منها إلى فوق ويصل إلى جناب يليق بالعظمة والكبرياء وهكذا حال الحسن والجمال والخير والكمال ليس له نصيب منها غير أن تكون هذه الاشياء مراقى لترقّيه والأمانات راجعة إلى أهل الامانات ففي صورة الرّياء والسّمعة ليس مقصوده الإشتهار والإفتخار والرّفعة والعظمة بل إظهار نعمة الحقّ وإعلام إحسانه سبحانه وتعالى إليه فكان الرّياء والسّمعة عين حمد الحقّ وشكره تعالى وتقدّس وخرجا من الرّذالة إلى المحمدة وعلى هذا القياس سائر الصّفات فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا (4) والسّلام. PageV02P142 (57) المكتوب السّابع والخمسون إلى الملّا غازى النّائب في بيان أنّ ذكر الحقّ جلّ وعلا أولى من الصّلوات على خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام لكن بشرط أن يكون الذّكر حقيقا بالقبول ومتلقّى من شيخ مقتدى وما يناسب ذلك قد كنت أوقاتا مشغولا بصلاة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بأنواعها وأقسامها ووجدتها تترتّب عليها نتائج وثمرات عاجلة واهتديت بها لدقائق الولاية الخاصّة المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وأسرارها ولمّا مضت مدّة على هذا العمل وقع الفتور في هذا الإشتغال اتّفاقا وزال توفيق المواظبة عليه ووقع الإقتصار على صلوات مؤقّتة واستحسن لي في هذا الوقت الإشتغال بالتّسبيح والتّقديس والتّهليل بدل الصّلوات فقلت ولعلّ في هذا الامر حكمة انظر ماذا يظهر فعلم أخيرا بعناية الله تعالى أنّ الذّكر في هذا الوقت أفضل من الصّلوات في حقّ من يصلّي وفي حقّ من يصلّى عليه وذلك من وجهين احدهما ما ورد في الحديث القدسىّ " من شغله ذكرى عن مسئلتى اعطيته افضل ما اعطى السّائلين " والوجه الثاني هو أنّ الذّكر مأخوذ من النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فكما أنّ ثواب ذلك الذّكر يصل إلى الذّاكر يصل إليه صلّى الله عليه وسلّم أيضا مثل ذلك الثواب قال عليه الصّلاة والسّلام «من سنّ سنّة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها» (1). وكذلك كلّ عمل صالح حاصل من الامّة كما أنّ أجره يصل إلى العامل يصل أيضا مقدار ذلك الاجر إلى النّبيّ الذي هو واضع ذلك العمل وشارعه من غير أن ينقص من أجر العامل شيء ولا يلزم أن يعمل العامل عمله بنيّة النّبيّ فإنّه عطاء الحقّ جلّ سلطانه لا صنع للعامل فيه نعم إن وجدت النّيّة للنّبىّ أيضا من العامل يكون باعثا على ازدياد أجر العامل وهذه الزّيادة أيضا تعود إلى النّبيّ ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (2) ولا شكّ أنّ المقصود الاصليّ من الذّكر هو تذكّر الحقّ سبحانه وطلب الاجر طفيلىّ له وفي الصّلاة المقصود الاصليّ هو طلب الحاجة شتّان ما بينهما فالفيوض الّتي تصل إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من طريق الذّكر تكون زائدة بأضعاف على البركات الّتي تصل إليه صلّى الله عليه وسلّم من طريق الصّلوات (ينبغي أن يعلم) أنّ هذه الرّتبة ليست هي لكلّ ذكر بل هي مخصوصة بالذّكر الذي حقيق بالقبول والذّكر الذي ليس كذلك فللصّلاة مزيّة عليه ووصول البركات منها حينئذ اكثر توقّعا ولكنّ الذّكر الذي أخذه الطّالب عن شيخ PageV02P143 كامل مكمّل وداوم عليه بشرائط الطّريقة أفضل من الصّلاة فإنّ هذا الذّكر وسيلة ذاك الذّكر وما لم يشتغل بهذا الذّكر لا يصل إلى ذاك الذّكر ومن ههنا لم يجوّز مشائخ الطّريقة قدّس الله تعالى أسرارهم اشتغال المبتدى بغير الذّكر وأمروه بالإقتصار على الفرائض والسّنن يعني: الرّواتب ومنعوه من الامور النّافلة (ولاح) من هذا البيان أنّه لا تحصل لفرد من أفراد الامّة وإن بلغ في الكمالات درجة عليا مساواة لنبيّه فإنّ جميع تلك الكمالات الّتي حصلت له إنّما هي بواسطة متابعته لشريعة ذلك النّبيّ فتكون هذه الكمالات كلّها أيضا ثابتة لذلك النّبيّ مع كمالات متابعيه الاخر ومع كمالاته المخصوصة به عليه الصّلاة والسّلام وكذلك لا يصل هذا الفرد الكامل إلى مرتبة نبىّ أصلا وإن لم يتّبع لهذا النّبيّ أحد ولم يقبل دعوته فإنّ كلّ نبىّ صاحب دعوة بالأصالة ومأمور بتبليغ الشّريعة ولا يستلزم إنكار الامم قصورا في الدعوة والتّبليغ ومن البيّن الظّاهر أنّه لا يبلغ كمال أصلا مرتبة الدعوة والتّبليغ فإنّ أحبّ عباد الله إلى الله من أحبّ الله إلى عباده وأحبّ عباد الله إلى الله وهو الداعى والمبلّغ ولعلّك سمعت ما ورد في الخبر " أنّه يوزن مداد العلماء يوم القيامة بدم الشّهداء في سبيل الله فيترجّح مداد العلماء على دم الشّهداء» (1) وهذه الدولة لم تتيسّر للأمّة وما هو حاصل فيهم فهو طفيلىّ وضمنىّ الاصل أصل والفرع مستنبط ينبغي أنّ يدرك من ههنا فضل أعيان هذه الامّة ومبلّغيهم وإن كان في الدعوة والتّبليغ درجات والأعيان والمبلّغون متفاوتون في الدرجات. (العلماء) مخصوصون بتبليغ الظّاهر والصّوفيّة يهتمّون بالباطن والذي هو عالم صوفىّ كبريت أحمر ومستحقّ للدّعوة والتّبليغ ظاهرا وباطنا ونائب النّبىّ ووارثه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام واعتقد جماعة أنّ محدّثى هذه الامّة الذين يبلّغون الاحاديث النّبويّة عليه الصّلاة والسّلام أفضل هذه الامّة فإن اعتقدوا أنّهم أفضل مطلقا فمحلّ خدشة وإن اعتقدوا ذلك بالنّسبة إلى مبلّغى الظّاهر فله مساغ والفضل المطلق إنّما هو للمبلّغ الجامع بين تبليغ الظّاهر والباطن والدعوة الظّاهرة والباطنة لانّ في الإقتصار قصورا ينافي إطلاق الفضل فافهم ولا تكن من القاصرين. PageV02P144 نعم إنّ الظّاهر وإن كان عمدة ومناطا للنّجاة وكثير البركة وعميم المنفعة ولكن كماله مربوط بالباطن والظّاهر بلا باطن غير تامّ والباطن بلا ظاهر غير معتدّ به والذي يجمع بين الظّاهر والباطن كبريت أحمر رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) والسّلام على من اتّبع الهدى (2). (58) المكتوب الثامن والخمسون إلى الخواجه محمّد التّقى في جواب استفساره عن عالم المثال وفي ردّ جماعة يقولون بالتّناسخ وبيان الكمون والبروز وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله الطّاهرين قد تشرّفنا بمطالعة الصّحيفة الصّادرة من حسن النّشأة وعلوّ الفطرة على وجه الإلتفات سلّمكم الله تعالى (وكتبتم) فيها أنّه نقل الشّيخ محيي الدين ابن العربيّ قدّس سرّه حديثا في فتوحاته المكّيّة أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ الله خلق مائة الف آدم» (3) وأورد حكاية في بعض مشاهدات عالم المثال أنّه قد ظهر في وقت طواف الكعبة المعظّمة أن جمعا يطوفون بالبيت وأنا لا أعرفهم وأنشدوا في أثناء الطّواف بيتين عربيّين أحد هذين البيتين هذا. (شعر) لقد طفنا كما طفتم سنينا ... بهذا البيت طرّا أجمعينا ولمّا سمعت هذا البيت وقع في الخاطر (4) أنّ هؤلاء من عالم المثال فنظر أحدهم إلى جانبى مقارنا لهذا الخطور وقال أنا من جملة أجدادك فسألته أنّه كم مضى من فوتك قال أزيد من أربعين الف سنة فقلت على وجه التّعجّب إنّه لم يتمّ من ابتداء خلقة آدم أبي البشر على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام إلى الآن سبعة آلاف سنة قال من أيّ آدم تقول انّ هذا هو ذاك آدم الذي خلق في أوّل دور سبعة آلاف قال الشّيخ فوقع في الخاطر في ذلك الوقت أنّ الحديث النّبويّ الذي سبق ذكره مؤيّد لهذا القول (أيّها المخدوم المكرّم) إنّ ما ظهر لهذا الفقير في هذه المسألة بعناية الله سبحانه هو أنّ جميع الأوادم الذين مضوا قبل وجود حضرة آدم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام كان وجودهم في عالم المثال لا في عالم الشّهادة والذي وجد في عالم الشّهادة ونال الخلافة في الارض وصار مسجود الملائكة هو حضرة آدم أبي البشر فحسب غاية ما في الباب أنّ آدم لمّا كان مخلوقا على صفة الجامعيّة وله في حقيقته لطائف PageV02P145 وأوصاف كثيرة كان يوجد صفة من صفاته أو لطيفة من لطائفه في كلّ وقت من الاوقات قبل وجوده بشخصه بقرون متطاولة بإيجاد الحقّ سبحانه وتظهر بصورة آدم وتسمّي باسمه وكان يقع منها ما سيقع من آدم المنتظر حتّى ظهر منها توالد وتناسل مناسب لعالم المثال ونالت كمالات صوريّة ومعنويّة مناسبة لذلك العالم وصارت مستحقّة للثّواب والعقاب بل قامت القيامة في حقّها وذهب الجنّتىّ إلى الجنّة والجهنّمىّ إلى جهنّم ثمّ ظهرت بعد ذلك في وقت من الاوقات بمشيئة الله سبحانه صفة أخرى من صفاته أو لطيفة أخرى من لطائفه على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام في ذلك العالم وظهر منها ما ظهر من الاولى ولمّا تمّ دورها أيضا ظهر ظهور ثالث من صفاته ولطائفه على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ولمّا أتمّ ذلك الظّهور أيضا ظهر ظهور رابع وهكذا إلى ما شاء الله تعالى ولمّا تمّت دوائر ظهوراته المثاليّة الّتي تتعلّق بصفاته ولطائفه وجدت آخر الامر هذه النّسخة الجامعة في عالم الشّهادة بإيجاد الله جلّ سلطانه وصارت معزّزة ومكرّمة بعنايته تعالى فإن وجد مائة الف آدم فليسوا إلّا أجزاء آدم هذا وموادّه ومقدّمات وجوده ومباديه وجدّ الشّيخ الاكبر الذي مضى من فوته أزيد من أربعين الف سنة كان لطيفة في عالم المثال من لطائف جدّه فإنّ الشّيخ الذي كان له وجود في عالم الشّهادة طاف بالبيت وقتئذ في عالم المثال فإنّ للكعبة المعظّمة أيضا صورة وشبها في المثال هي قبلة لاهل ذلك العالم والفقير ارسلت نظرى في هذا الباب بعيدا وتعمّقت فيه كثيرا فلم يقع نظرى إلى آدم آخر في عالم الشّهادة ولم أجد غير شعابذة عالم المثال وما قاله البدن المثالىّ أعني قوله " أنا من جملة أجدادك ومضى من فوتى أزيد من أربعين الف سنة " أدلّ دليل على أنّ الأوادم الذين كان وجودهم قبل وجود آدم أبي البشر عليه السّلام كانوا من ظهورات صفات آدم ولطائفه عليه السّلام لا إنّه كانت لهم خلقة على حدة مباينة لخلقة آدم هذا فإنّه ما نسبة المباين لآدم هذا وكيف يكون جدّ الشّيخ فإنّه لم يتمّ سبعة آلاف سنة بعد من خلقة آدم فاين المساغ لاربعين الف سنة والذين في قلوبهم مرض يفهمون من هذه الحكاية تناسخا ويكادون يقولون بقدم العالم ينكرون القيامة الكبرى وبعض الملاحدة الذين جلسوا في مسند الشّيخوخة بالباطل يحكمون بجواز التّناسخ ويزعمون أنّ النّفس ما لم تبلغ حدّ كمالها لا بدّ لها من التّقلّب في الابدان ويقولون انّها إذا بلغت حدّ الكمال فقد فرغت من التّقلّب في الابدان بل من التّعلّق بالأبدان والمقصود من خلقتها كمالها فإذا تيسّر كمالها فقد حصل المقصود وهذا القول كفر صريح وإنكار على ما ثبت من الدين بالتّواتر (1) فإنّه إذا بلغت كلّ النّفوس حدّ الكمال في الآخر لمن تكون جهنّم ومن يكون معذبا وقولهم هذا إنكار لجهنّم وإنكار للعذاب الأخروىّ وإنكار أيضا لحشر الاجساد فإنّه لم يبق للنّفس بزعمهم الفاسد احتياج إلى الجسد الذي هو آلة لكمالاتها حتّى تحشر الاجساد واعتقاد هذه الجماعة موافق لاعتقاد الفلاسفة فإنّهم ينكرون حشر الاجساد ويقولون بالثّواب والعذاب الرّوحانيّين بل اعتقادهم أسوء من اعتقاد الفلاسفة فإنّهم PageV02P146 ينكرون التّناسخ ويرّدون قول من يقول به ويثبتون العذاب الرّوحانىّ وهؤلاء يثبتون التّناسخ وينكرون العذاب الأخروىّ والعذاب عند هؤلاء هو عذاب الدنيا وإنّما يثبتونه لاجل تهذيب النّفس (فإن قيل) قد نقل عن أمير المؤمنين علىّ كرّم الله وجهه وبعض أولياء الله أيضا غيره أنّه وقع عنهم بعض أعمال غريبة وأفعال عجيبة قبل وجودهم العنصريّ بقرون متطاولة في عالم الشّهادة فكيف يصحّ ذلك بدون تجويز التّناسخ (أجيب) أنّ صدور هذه الاعمال والأفعال إنّما هو من أرواح هؤلاء الاكابر صارت متجسّدة بالأجساد بمشيئة الله تعالى وباشرت الافعال العجيبة لا من أجساد اخر تعلّقت أرواحهم بها (والتّناسخ) هو تعلّق روح قبل تعلّقه بهذا البدن ببدن آخر مباين ومغاير لهذا البدن فإذا تجسّدت الرّوح بنفسه كيف يكون تناسخا ألا ترى أنّ الجنّ يتشكّل بأشكال مختلفة ويتجسّد بأجساد متباينة ويقع عنهم في هذا الحال أعمال عجيبة مناسبة لتلك الاشكال والأجساد ولا تناسخ فيه أصلا ولا حلول فإذا كان في الجنّ بإقدار الله تعالى قدرة التّشكّل بالأشكال ووقوع الاعمال الغريبة منهم كيف يكون إعطاء تلك القدرة لارواح الكمّل محلّ تعجّب وما الحاجة إلى بدن آخر ومن هذا القبيل ما نقل عن بعض أولياء الله تعالى من أنّهم يحضرون في أمكنة متعدّدة في ساعة واحدة ويقع عنهم أمور متباينة وههنا أيضا لطائفهم متشكّلة بأشكال متباينة ومتجسّدة بأجساد مختلفة وكذلك حال من هو متوطّن في الهند من الاعزّة ولم يخرج من وطنه فجاء جماعة من مكّة المعظّمة وقالوا رأينا الشّيخ الفلانىّ في حرم مكّة المكرّمة مشيرين إلى ذلك الشّخص من الاعزّة وجرى بيننا وبينه كيت وكيت وقالت جماعة أخرى نحن رأيناه في الرّوم ورآه طائفة أخرى في بغداد كلّ ذلك تشكّل لطائف ذلك الشّيخ بأشكال مختلفة وربّما لا يكون لذلك الشّيخ اطّلاع على هذه التّشكّلات ولهذا يقول في جواب هذه الجماعات أحيانا كلّ ذلك تهمة علىّ أنا لم أخرج من البيت ولم أر حرم مكّة ولا أعرف الرّوم وبغداد ولا أدري من أنتم وكذا أرباب الحاجات يستمدّون من الاعزّة الاحياء والأموات في المخاوف والمهالك ويرون أنّ صور هؤلاء الاعزّة قد حضرت ودفعت عنهم البليّة فأحيانا يكون لهؤلاء الاعزّة اطّلاع على ذلك وأحيانا لا [ع] فهل لنا ولكم شيء سوى نسب * وهذا أيضا تشكّل لطائف هؤلاء الاعزّة وهذا التّشكّل يكون أحيانا في عالم الشّهادة وأحيانا في عالم المثال كما أنّ الف إنسان يرون النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في المنام في ليلة واحدة بصورة مختلفة ويستفيدون منه صلّى الله عليه وسلّم أشياء هذا كلّه تشكّل صفاته ولطائفه صلّى الله عليه وسلّم وكذلك المريدون يستفيدون من صور الشّيوخ المثاليّة أشياء ويحلّون المشكلات والكمون والبروز اللّذان نقلا عن بعض المشائخ لا مساس لهما بالتّناسخ فإنّ تعلّق الرّوح بالبدن الثاني في التّناسخ إنّما هو لثبوت الحياة ولأجل حصول الحسّ والحركة لذلك البدن وفي البروز ليس تعلّق النّفس ببدن آخر لاجل حصول الغرض بل المقصود من هذا التّعلّق هو حصول الكمالات لذلك البدن ووصوله إلى الدرجات كما أنّ جنّيّا إذا تعلّق بفرد من أفراد الإنسان وبرز في شخصه ليس ذلك التّعلّق لاجل حصول الحياة لذلك الفرد فإنّه حىّ PageV02P147 وحسّاس ومتحرّك قبل ذلك التّعلّق والذي يحدث فيه من هذا التّعلّق هو ظهور صفات ذلك الجنّىّ وحركاته وسكناته. والمشائخ المستقيمو الأحوال لا يتفوّهون بعبارة الكمون والبروز ولا يرمون به النّاقصين في البلاء والفتنة لا حاجة عند الفقير إلى الكمون والبروز أصلا بل لو أراد كامل أن يربّى ناقصا ينبغي أن يجعل بإقدار الله تعالى صفاته الكاملة منعكسة في المريد النّاقص وأن يجعل ذلك الإنعكاس ثابتا ومستقرّا ليخرج المريد النّاقص من النّقص إلى الكمال ويميل من الصّفات الرّذيلة إلى الصّفات الحميدة من غير أن يكون في البين كمون وبروز أصلا ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1). وقال بعض آخر بنقل الارواح يقولون أنّه يحصل للرّوح بعد الكمال قدرة بحيث تترك بدنها لو شاء وتدخل في بدن آخر نقل أنّ واحدا من الاعزّة الذي كان له هذا الكمال وهذه القدرة لمّا توفّي في جواره شابّ ترك بدن نفسه الذي كان قد أدرك سنّ الشّيخوخة ودخل في بدن ذلك الشّابّ فصار بدنه الاوّل ميّتا وبدن الشّابّ حيّا وهذا القول مستلزم للتّناسخ لانّ تعلّق الرّوح بالبدن الثاني على هذا التّقدير إنّما هو لحصول الحياة لذلك البدن وإنّما الفرق بين هذا وبين التّناسخ أنّ القائل بالتّناسخ حاكم بنقص النّفس ويثبت التّناسخ لاجل تكميلها والذي هو قائل بنقل الرّوح يعتقد الرّوح كاملا ويثبت الإنتقال بعد كمال الرّوح وعند الفقير القول بانتقال الرّوح أسقط من القول بالتّناسخ فإنّ القائل بالتّناسخ اعتبر التّناسخ لاجل تكميل النّفوس وإن كان هذا الإعتبار باطلا وزعم انتقال الرّوح بعد حصول الكمال وإن لم يكن كمال أصلا فإذا تقرّر كون تبدّل الابدان لاجل تحصيل الكمالات فلاىّ شيء يكون الإنتقال إلى بدن آخر بعد حصول الكمال وأهل الكمال ليسوا بأرباب الهوس بل همّتهم بعد حصول الكمال التّجرّد عن الابدان لا التّعلّق بالابدان فإنّه قد حصل ما هو المقصود من التّعلّق وأيضا إنّ في انتقال الرّوح إماتة البدن الاوّل وإحياء البدن الثاني فلا بدّ للبدن الاوّل من حصول أحكام البرزخ كعذاب القبر وثوابه والبدن الثاني لمّا أثبتوا له الحياة الثانية ثبت في حقّه الحشر في الدنيا وأظنّ أن معتقدى انتقال الرّوح لا يقولون بعذاب القبر وثوابه ولا يعتقدون الحشر والنّشر فآه الف آه حيث انّ أمثال هؤلاء البطّالين جلسوا في مسند الشّيخوخة وصاروا مقتدى بهم لاهل الإسلام ضلّوا فأضلّوا رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (2) بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلاة والسّلام. (تذييل) في بيان بعض العلوم والمعارف الّتي تتعلّق بعالم المثال ينبغي أن يعلم: أنّ عالم المثال أوسع من جميع العوالم وكلّ ما هو في جميع العوالم له صورة في عالم المثال وللمعقولات والمعانى كلّها صورة فيه قيل انّ الحقّ سبحانه ليس له مثل ولكن له مثال ولله المثل الاعلى وقد كتب هذا الفقير في مكاتيبه كما أنّ لا مثل له تعالى في مرتبة التّنزيه الصّرف ليس له سبحانه مثال أيضا فَلا تَضْرِبُوا PageV02P148 لله الْأَمْثالَ (1) وانموذج عالم المثال في العالم الصّغير هو الخيال فإنّ صورة جميع الاشياء متصوّرة في الخيال والخيال هو الذي يرى كيفيّات أحوال السّالك ومقاماته بالتّصوير ويجعله من أرباب العلم فلو لم يكن الخيال أو كان قاصرا لزم الجهل ومن ههنا ليس فوق مرتبة الظّلال غير الجهل والحيرة فإنّ جولان الخيال إنّما هو في مراتب الظّلال وحيث لا ظلال فيه لا مجال للخيال فيه فإذا لم تكن الصّورة التّنزيهيّة في المثال كما مرّ كيف تتصوّر هي في الخيال الذي هو ظلّ المثال فلا جرم لا يكون ثمّة إلّا الجهل والحيرة وكلّ محلّ ليس فيه علم ليس فيه قيل وقال " من عرف الله كلّ لسانه " علامة ذلك وكلّ محلّ فيه علم فيه قيل وقال " من عرف الله طال لسانه " بيان ما هنالك فيكون طول اللّسان في مقام الظّلال وكلّ اللّسان فوق مراتب الظّلال فعلا كان أو صفة اسما كان أو مسمّي وكلّ ما هو منحوت الخيال فهو من الظّلال وكلّ ما هو من الظّلال فهو معلول وبعلّة الجعل مجعول وليس هو غير أن يكون من آثار المطلوب وعلاماته المفيدة لعلم اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين كلاهما وراء الظّلال والخيال والخلاص من نحت الخيال إنّما يتيسّر إذا ترك السّير الانفسيّ أيضا كالسّير الآفاقيّ وراء الظّهر وجال في ما وراء الانفس والآفاق وهذا المعنى يتيسّر لاكثر الأولياء بعد الموت وما دامت الحياة باقية فالخيال متشبّث بإذيالهم ويتيسّر للأقلّين من الاكابر في هذه النّشأة فيخرجون من تصرّف سلطان الخيال مع وجود الحياة الدنيويّة ويعانقون المطلوب بلا نحت الخيال وجعله ففي هذا الوقت يصير التّجلّي البرقيّ دائميّا في حقّهم وتظهر مبادئ الوصل العريان. (شعر) هنيئا لارباب النّعيم نعيمها ... وللعاشق المسكين ما يتجرّع (فإن قيل) قد يرى جماعة في الواقعات والمنامات في المثال أو الخيال أنّهم صاروا سلاطين ويعاينون خدّمهم وحشّمهم أو يرون أنّهم صاروا أقطابا وتوجّه إليهم جميع العالم وفي عالم اليقظة (2) والإفاقة الذي هو عالم الشّهادة لا يظهر شيء من تلك الكمالات فهل لهذه الرّؤية وجه من الصّدق أو باطل محض (أجيب) انّ لهذه الرّؤية محلّا من الصّدق بيانه هو أنّ معنى السّلطنة والقطبيّة كائن في تلك الجماعة ولكنّه ضعيف فيهم غير لائق لان يظهر في عالم الشّهادة ثمّ بعد ذلك لا يخلو عن أحد الحالين امّا أن تحدث لهذا المعنى بعناية الله سبحانه قوّة ويصير لائقا لان يظهر في عالم الشّهادة فيصيرون بقدرة PageV02P149 الله سبحانه سلاطين أو أقطابا وامّا أن لا تحدث له قوّة الظّهور في عالم الشّهادة فيكتفى بذلك الظّهور المثاليّ الذي هو أضعف الظّهورات ويظهر فيه على قدر قوّته. ومن هذا القبيل ما يراه طالبو هذا الطّريق من الواقعات حيث يجدون أنفسهم في مقامات عالية ويرون أنّهم تشرّفوا بمناصب أرباب الولاية فإن ظهر هذا المعنى في الشّهادة أيضا فهو دولة عظيمة وإن اكتفى بظهوره في المثال فلا حاصل فيه بل هو مصيبة فإنّ كلّ حائك وحجّام يرى نفسه في المنام سلطانا وليس له حاصل غير الخسارة والنّدامة فلا ينبغي اعتبار الواقعات وكلّ ما يتيسّر في الشّهادة فهو الغنيمة. (شعر) وإنّي غلام الشّمس أروى من الشّمس ... ومالى وللّيل فأروى حديثه ومن ههنا لم يعتبر أكابر النّقشبنديّة الواقعات ولا يتوجّهون إلى توجيه وقائع الطّالبين وتعبيرها لكونها قليل الجدوى وإنّما المعتبر عندهم ما تيسّر في الإفاقة واليقظة ولهذا اعتبروا دوام الشّهود واعتقدوا الدولة استمرار الحضور والحضور الذي يقتفيه الغيبة (1) ساقط عن حيّز الإعتبار عند هؤلاء الاكابر ومن ههنا صار نسيان ما سوى الله تعالى دائميّا في حقّهم وحضور الغير في قلبهم منفيّا في جميع الاوقات نعم إذا كانت النّهاية مندرجة في بداية شخص كيف يستبعد عنه هذه الكمالات رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (2) والسّلام. (59) المكتوب التّاسع والخمسون إلى الخواجه محمّد عبد الله ولد شيخه سلّمه الله في بيان أنّ المعقول والموهوم والمكشوف والمشهود كلّها داخلة في السّوى وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفة الشّريفة الّتي أرسلها قرّة العين وقد اندرج فيها أنّ تلك الشّعابذة قد زالت وارتفعت بكرم الله سبحانه وتعالى ولم يبق منها شيء والهمّة مصروفة في أن لا يحصل شيء من الإثبات والمعقول والموهوم كلّه داخل تحت كلمة لا كذا وكذا PageV02P150 وكتبتم أنّ هذا المعنى حاصل بالتّكلّف والمرجوّ أن يكون نصيبا من غير تكلّف (أيّها النّجيب) إنّ المعقول والموهوم بل المكشوف والمشهود آفاقيّا أو أنفسيّا كلّه داخل في السّوى ومن جملة اللهو واللّعب وليس التّعلّق به غير التّعلّق بالشّعابذة وزوال هذه التعلّقات لو كان بالتّكلّف فهو داخل في الطّريقة ومن جملة علم اليقين فإن تيسّرت هذه الدولة بعد اللّتيا واللّتى بلا تكلّف وتبدّل حال التّكلّف في نفي السّوى بانتفائه بنفسه فقد خرج من مضيق الطّريقة وسكّة العلم وتشرّف بالفناء وهذا المعنى يسير في التّكلّم وعسير بحسب الوصول إليه أيّ عسير إلّا من يسّره الله سبحانه والأمور الّتي تتعلّق بالحقيقة فهي في الأمام وبعد المرور من النّفي بل بعد مجاوزة مقام الإنتفاء مقام الإثبات وما وراء العلم والعين (اعلم) أنّه لا اعتداد بالطّريقة في جنب الحقيقة ولا اعتبار للنّفى بالنّسبة إلى الإثبات أصلا فإنّ متعلّق النّفى هو الممكنات ومتعلّق الإثبات هو الواجب سبحانه والنّفى يرى في النّظر في جنب الإثبات كقطرة في جنب البحر المحيط وبحصول هذا النّفي وذاك الإثبات يوصّل إلى الولاية الخاصّة وبعد حصول الولاية الخاصّة إمّا العروج وإمّا النّزول وإن كان النّزول لذلك العروج لازما أيضا رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) السّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه الصّلاة والسّلام. (60) المكتوب السّتّون إلى محمّد تقى في بيان أنّ اللّازم صرف العنان عن فضوليّات الدين والإشتغال بضروريّات الدين وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد تشرّفت بمطالعة الصّحيفة الشّريفة وقد اندرجت فيها الدلائل الّتي وفّقتم لاقامتها وترتيبها في باب خلافة الصّدّيق رضي الله عنه الّتي ثبتت بإجماع أهل الحلّ والعقد من الصّدر الاوّل الذي هو خير القرون وفي باب فضليّة الخلفاء الرّاشدين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين الّتي هي على ترتيب خلافتهم ونعتها وفي باب ملازمة السّكوت عن منازعات أصحاب خير البشر ومشاجراتهم عليه وعليهم الصّلاة والسّلام فأورث ذلك فرحا وافرا وهذا الإعتقاد كاف في بحث الإمامة وموافق لاعتقاد أهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم (أيّها المخدوم المشفق) انّ بحث الإمامة من فروع الدين لا من أصوله وضروريّات الدين غير ذلك الذي يتعلّق بالإعتقاد والعمل ممّا تكفّل علم الكلام وعلم الفقه ببيانه والإشتغال بالفضوليّات بترك الضّروريّات صرف العمر فيما لا يعني. وقد ورد في الخبر " علامة إعراضه تعالى عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه " فلو كان بحث الإمامة من ضروريّات الدين PageV02P151 وأصول الشّريعة كما زعمت الشّيعة لكان ينبغي أن يعيّن الحقّ تعالى في كتابه المجيد من يستحقّ الإستخلاف وان يشخّص الخليفة وان يأمر النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم أيضا بخلافة واحد وان يجعل الواحد خليفة بالتّنصيص والتّصريح ولمّا لم يفهم الإهتمام في هذا الامر من الكتاب والسّنّة علم أنّ بحث الإمامة من فضول الدين لا من أصوله والفضوليّ يشتغل بالفضول مع انّ امامه كثيرا من ضروريّات الدين بحيث لو اشتغل بها لما وصلت النّوبة إلى الفضول أوّلا لا بدّ من تصحيح الإعتقاد الذي يتعلّق بذات الواجب وصفاته وأفعاله تعالى وينبغي الإعتقاد أيضا أنّ ما جاء به النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من عند الحقّ جلّ وعلا وما علم من الدين بالضّرورة والتّواتر من الحشر والنّشر والعذاب والثواب الأخرويّين الدائميّين وسائر السّمعيّات كلّه حقّ ليس في شيء منها احتمال التّخلّف فإن لم يكن هذا الإعتقاد فلا نجاة وثانيا لا بدّ من إتيان الاحكام الفقهيّة أيضا من أداء الفرائض والواجبات بل من أداء السّنن والمستحبّات ينبغي حسن رعاية الحلّ والحرمة الشّرعيّين والإحتياط في حفظ حدود الشّريعة حتّى يرجى الفلاح والخلاص من عذاب الآخرة فإذا صحّح الإعتقاد والعمل وصلت النّوبة إلى الدخول في طريق الصّوفيّة ورجاء حصول كمالات الولاية وبحث الإمامة بالنّسبة إلى ضروريّات الدين كالمطروح في الطّريق. غاية ما في الباب أنّ المخالفين لمّا غالوا في هذا الباب وطعنوا في أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات يورد في ردّهم بالضّرورة مقدّمات طويلة الذّيل لكون دفع لزوم الفساد من الدين المتين من ضروريّات الدين والسّلام. (61) المكتوب الحادي والسّتّون في تعزية أصحاب المرحوم مولانا أحمد البركيّ وفي نصيحتهم وجعل مولانا الحسن رئيس حلقتهم وما يناسب ذلك. بسم الله الرّحمن الرّحيم بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات أنهي أنّ وجود المرحوم المغفور له مولانا أحمد عليه الرّحمة في هذا الوقت كان للمسلمين آية من آيات الله جلّ وعلا ورحمة من رحماته تعالى اللهمّ لا تحرمنا أجره ولا تفتنّا بعده. الإمداد والإعانة للماضين مأمول ومسئول من الاصحاب والأحباب وخدمة أولاد المرحوم ومتعلّقاته واستمالة قلوبهم وتسلية خواطرهم واجبة على المحبّين؛ فينبغي سعيهم في أن يقرأ أولاد المرحوم وأن يكونوا متحلّين بالعلوم الشّرعيّة وليكافئوا إحسان المرحوم بالإحسان إلى أولاده هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلّاَ الْإِحْسانُ (1) وينبغي رعاية أطوار المرحوم وأوضاعه وأحواله وأوقاته وأن تشتغلوا بالذّكر والحلقة لئلّا يقع الفتور وأن يقعد الاصحاب مجتمعين فإنّ كلّ واحد PageV02P152 في الآخر ليظهر أثر الصّحبة وقد كتب هذا الفقير قبل ذلك على سبيل الإتّفاق بأنّ مولانا لو اختار سفرا ينبغي أن ينصب الشّيخ الحسن مكانه فكان المراد منه على وفق القضاء هذا السّفر والآن أيضا ألاحظ في هذا الامر مكرّرا وأجد الشّيخ الحسن متعيّنا في هذا الامر ولا يثقل هذا المعنى على بعض الاصحاب فإنّه ليس باختيارنا ولا باختيارهم والإنقياد لازم ولطريق الشّيخ الحسن مناسبة كثيرة بطريق مولانا والنّسبة الّتي أخذها مولانا من هذا الجانب في الآخر للشّيخ الحسن شركة معه فيها والأصحاب الباقون قليلوا النّصيب منها وإن حصل لهم كشف وشهود وصاروا متحلّين بالتّوحيد والإتّحاد ولكنّ هذه الدولة أمر آخر لا يشترون الكشوف والشهود هناك على شعيرة ويستغفرون من ذلك التّوحيد والإتّحاد وبالجملة ينبغي أن لا يتوقّف الاصحاب في تقديم الشّيخ الحسن وأن يشتغلوا بأمرهم جاعلين إيّاه رئيس حلقتهم وليفهم أخونا الخواجه أويس هذا المعنى للأصحاب وليدلّهم على الإشتغال بعقد الحلقة والصّحبة ويرغّبهم في الشّيخ الحسن وينبغي للشّيخ الحسن أيضا حفظ خواطر الشّركاء والرّفقاء، وأداء حقوق الاخوّة، وأن لا يفارق مطالعة الكتب الفقهيّة وأن يجتهد في نشر الاحكام الشّرعيّة وأن يرغّب في متابعة السّنّة السّنيّة وأن يحذّر عن البدعة الشّنيعة وأن لا يعدل عن طريق الالتجاء والتّضرّع والإنكسار لئلّا يلقى النّفس الامّارة من جهة الرّياسة والتّقدّم على الاقران في المهلكة والحالة السّيّئة وليعتقد نفسه في جميع الاوقات وسائر الحالات قاصرا وناقصا وليكن طالبا لكماله والنّفس والشّيطان عدوّان قويّان في الكمين فلا يخرجان من الطّريق خائبا وخاسرا. (شعر) وذلك من نصحي لكم إن قبلتموا ... نجوتم وإلّا فافعلوا ما بدا لكم وبلاد الهند بعيد عنكم والقافلة ترد وتذهب بالأخبار في سنة مرّة واحدة فينبغي كتابة الأحوال فإن لم تقدروا على الوصول فلا تغفلوا عن الكتابة. والشّيخ يوسف قريب منّا وكان هنا مدّة وأخذ فوائد جمّة واطّلع على حقيقة الفناء ورجع إلى وطنه بميعاد المجيء ثانيا وهو رجل مستعدّ وصادق الإخلاص والله سبحانه الموفّق. وحيث نأيتم عنّا يبالغ في النّصيحة تيقّظوا وتنبّهوا واعتقدوا الرّياسة بلاء الرّوح وكونوا خائفين ووجلين مشفقين من حدوث لذّة في هذه الرّياسة فتنجرّ إلى الهلاك الابديّ. رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (1) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعالَمِينَ (2) PageV02P153 (62) المكتوب الثاني والسّتّون إلى خان خانان في بيان أنّ الإنسان مدنيّ الطّبع مجبول على التّمدّن ومحتاج إلى بني نوعه في تعيّشه وحسن الإنسان أيضا في هذا الإحتياج وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى نسأل الله سبحانه وتعالى ترقّياتكم الصّوريّة والمعنويّة فإنّ خيريّتكم وصلاحكم متضمّنة لجمعيّة جميع المسلمين ورفاهيتهم والدعاء لكم داء لجميع المسلمين سلّمكم الله سبحانه عمّا لا يليق بجنابكم بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم وعلى آل كلّ من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها وحيث أعلم أنّ نسبة محبّتكم وإرادتكم وإخلاصكم لاكابر النّقشبنديّة العليّة قدّس الله تعالى أسرارهم على وجه الاتمّ والأكمل فبناء على ذلك نصير باعثا على تصديعكم (أيّها المخدوم المكرّم) إنّ أهل هذه السّلسلة العليّة وقعوا في هذه الديار غرباء ومناسبة أهل هذه الديار لطريقة هؤلاء الاكابر الذين هم ملتزمون للسّنّة بواسطة شيوع البدعة في هذه الديار قليلة ومن ههنا اخترع بعض أهالي هذه السّلسلة بواسطة قصور نظره في هذه الطّريقة العليّة أيضا بدعات وجذب قلوب النّاس بعلاقة ارتكاب تلك البدعات إلى جانبه وظنّ هذا العمل بزعمه تكميلا لهذه الطّريقة العليّة حاشاها من ذلك وكلّا بل هؤلاء الجماعة يجتهدون في تخريب الطّريقة وتضييعها ولم يدركوا حقيقة معاملة أكابر هذه الطّائفة هداهم الله سبحانه سواء الصّراط وحيث إنّ أهل هذه السّلسلة العليّة عزيز والوجود في هذه الديار ينبغي لمريدي هذه السّلسلة ومحبّيهم إمداد هؤلاء الاكابر وطلبة هذه الطّريقة وإعانتهم فإنّ الإنسان مدنيّ الطّبع مجبول على التّمدّن محتاج في تعيّشه إلى بني نوعه قال الله تبارك وتعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ الله ومَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (1) فإذا كان في كفاية مهمّات خير البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات دخل للمؤمنين فما المضايقة على الآخرين وأكثر أغنياء هذا الوقت يزعمون الدروشة في عدم الإحتياج وليس كذلك فإنّ الإحتياج ذاتيّ لجميع الممكنات بل حسن الإنسان هو في هذا الإحتياج وذلّ العبوديّة ناش من هذه الجهة فانّه لو زال الإحتياج فرضا عن الإنسان وحصل له الإستغناء لا يكون فيه غير العصيان والعناد والطّغيان قال الله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى (2). غاية ما في الباب انّ الفقراء لتخلّصهم عن التّعلّق بالأغيار يحيلون الإحتياج إلى الاسباب على مسبّب الاسباب ويرون الدولة المبذولة العامّة من خوان نعمته تعالى ويعتقدون أنّ المانع والمعطي في الحقيقة هو الله تعالى وحيث أوردت الاسباب في البين بواسطة حكم ومصالح ونسب الحسن والقبح إليها يجعل هؤلاء الاكابر أيضا PageV02P154 الشّكر والشّكاية راجعين إليها ويرون الحسنة والسّيّئة منها فإنّهم لو لم يعتبروا الاسباب لابطلوا معاملة عظيمة رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ (1) ووجود معدن الحقائق والمعارف أخي الاعزّ السّيّد مير محمّد نعمان مغتنم في تلك الحدود ودعاؤه وتوجّهه كبريت أحمر وأظنّ أنّ بركات توجّهاته وفيوضها قوائم دولتكم وأجده في الحضور والغيبة ممدّكم ومعاونكم. وقد كتب المرقوم قبل هذا بسنة من محاسنكم إلى الفقير وأدرج فيما كتب محبّتكم وإخلاصكم للفقراء وأظهر فيه أنّه قد فوّض تولية هذه الولاية إلى آخر فهذا الوقت وقت التّوجّه والمدد فحصل للفقير في أثناء مطالعة ذلك المكتوب توجّه في هذا الباب فوجدتكم في ذلك الوقت رفيع القدر والظّاهر أنّه قد كان في تلك السّاعة شخص متوجّها إلى تلك الجهة فكتبت في جواب ذلك المكتوب هذه العبارة: أنّ خان خانان يظهر في النّظر رفيع القدر والأمر عند الله سبحانه. (63) المكتوب الثالث والسّتّون إلى نور محمّد الانباليّ في جواب استفساره بأنّه إذا حضر الطّالب لطلب الحقّ جلّ وعلا عند شيخ آخر مع وجود شيخه هل يجوز له ذلك أو لا؟. بسم الله الرّحمن الرّحيم بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات أنهي أنّ المكتوب المرسل قد وصل وسألت أنّه مع وجود حياة الشّيخ إذا حضر الطّالب عند شيخ آخر لطلب الحقّ جلّ وعلا هل يجوز له ذلك أو لا؟ (اعلم) أنّ المقصود هو الحقّ سبحانه والشّيخ وسيلة الوصول إلى جناب الحقّ تعالى فإن رأى الطّالب رشده عند شيخ آخر ووجد قلبه في صحبته حاضرا مع الحقّ يجوز أن يحضر عنده في حياة شيخه الاوّل بلا إذنه ويطلب منه رشده؛ ولكن ينبغي أن لا ينكر شيخه الاوّل ولا يذكره إلّا بخير خصوصا في هذا الوقت فإنّه لم يبق فيه المريديّة والشّيخوخة غير الرّسم والعادة فإذا لم يكن لشيوخ هذا الوقت خبر عن أنفسهم ولا يقدرون أن يفرّقوا بين الإيمان والكفر فكيف يكون لهم خبر عن الله عزّ وجلّ وعلى أيّ طريق يدلّون المريد. (شعر) من لم يكن ذا خبرة عن نفسه ... لا يقدر الإخبار عن هذا وذا يا ويح مريد يقعد عند مثل هذا الشّيخ معتقدا له ولا يرجع إلى غيره ولا يعرف طريق الحقّ جلّ وعلا وهذا من الخطرات الشّيطانيّة الواردة من جهة الشّيخ النّاقص لمنع الطّالب عن طلب الحقّ سبحانه كلّ موضع رأى الطّالب رشده وجمعيّة قلبه فيه ينبغي الرّجوع فيه بلا توقّف وأن تستعيذ من الوساوس الشّيطانيّة. PageV02P155 (64) المكتوب الرّابع والسّتّون إلى محمّد مؤمن ولد المرحوم الخواجه علي جان في بيان أنّه ينبغي أن لا يضيق الصّدر عن تلوّن الأحوال وعدم حصول الآمال الدنياويّة الدنيّة. بسم الله الرّحمن الرّحيم سلّمكم الله سبحانه عمّا لا يليق بحالكم (اعلموا) أنّ الدنيا سجن المؤمن والمناسب لحال السّجن هو الوجع والألم والمصيبة ولا ينبغي التضجّر والجزع من تلوّن الأحوال وعدم حصول الآمال فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (1) فقرن الله سبحانه بعسر واحد يسرين ويشبه أن يكون المراد منهما يسرى الدنيا والآخرة (ع) لا عسر في أمر مع الكرام * وباقي أحوال هذه الحدود يبيّنها السّيّد عبد الباقي بالمشافهة والمشار إليه متوجّه لملاقاتكم مراعاة لحقوقكم وإشفاقا عليكم. (65) المكتوب الخامس والسّتّون إلى مولانا محمّد هاشم الخادم في التّحذير عن الإشتغال بأمور لا طائل فيها بسم الله الرّحمن الرّحيم بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات أنهي أنّكم ما كتبتم في هذه المدّة عن أحوالكم الباطنيّة خبرا معتدّا به حتّى يكون باعثا على الفرح وأمور الدنيا ممّا لا طائل فيها ولا قدر للدّنيا وما فيها حتّى يشتغل الإنسان بحشويّاتها تاركا لتذكّر أحوال الآخرة وإن كانت نيّتكم نيّة خير لكنّكم قد سمعتم أنّ حسنات الابرار سيّئات المقرّبين وعلى كلّ حال ينبغي التّوجّه إلى الأحوال والاشتغال بالطّفيليّ بقدر الضّرورة فإنّ الضّرورة تقدّر بقدرها لله سبحانه الحمد والمنّة. إنّ فقراء هذه الحدود وإن لم يكن لهم رزق معلوم؛ ولكنّهم يصرفون الاوقات بالفراغة والوسعة من غير سعي في أمر الرّزق ولا اجتهاد ونصيبهم يصيبهم زيادة على قدر الكفاف والرّزق هو نقد الوقت وباقي أحوال هذه الحدود مستوجب للحمد وفي هذه الاشهر عاد الوباء ثانيا ومات من جاء أجله وقد ارتفع الآن لله سبحانه الحمد والمنّة على جميع النّعماء والسّلام. PageV02P156 (66) المكتوب السّادس والسّتّون إلى خانخانان في بيان التّوبة (1) والإنابة (2) والورع (3) والتّقوى وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وحيث صرفنا العمر العزيز في المعاصي والزّلات والتّقصيرات والهفوات يستحسن أن نتكلّم عن التّوبة والإنابة والورع والتّقوى قال الله تبارك وتعالى وتُوبُوا إلى الله جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (4) وقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى الله تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ويُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ (5) وقال تعالى وذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وباطِنَهُ (6) فالتّوبة من الذّنوب واجبة وفرض عين في حقّ كلّ شخص لا يتصوّر أن يستغنى عنها أحد من البشر كيف والأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام لم يستغنوا عن التّوبة قال خاتمهم وسيّدهم عليه وعليهم صلوات الله وتحيّاته " انّه ليغان على قلبي وإنّي لاستغفر الله في اليوم واللّيلة سبعين مرّة " فإن كانت المعاصي تتعلّق بحقّ الله تعالى ولا تتعلّق بحقوق العباد من المظالم PageV02P157 كالزّنا وشرب الخمر وسماع الملاهي والنّظر إلى غير محرم ومسّ المصحف بغير وضوء واعتقاد بدعة فالتّوبة عنها بالنّدم والإستغفار والتّحسّر والإعتذار إلى الله عزّ وجلّ ولو ترك فرض من الفرائض لا بدّ في التّوبة من أدائه وإن كانت المعاصي تتعلّق بمظالم العباد فتوبتها بردّ المظالم إليهم والإستحلال منهم والإحسان إليهم والدعاء لهم وإن كان صاحب المال والعرض ميّتا فالإستغفار والإحسان وردّ المال إلى أولاده وورثته وإن لم يعلم له وارث يتصدّق بقدر المال والجناية على الفقراء والمساكين بنيّة صاحب المال والذي اوذي بغير حقّ قال عليّ كرّم الله وجهه " سمعت أبا بكر رضي الله عنه يقول وهو الصّادق: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " ما من عبد أذنب ذنبا فقام فتوضّأ وصلّى واستغفر الله من ذنبه الّا كان حقّا على الله أن يغفر له» (1) لانّه يقول جلّ وعلا (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثمّ يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما) وقال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام في حديث آخر " من أذنب ذنبا ثمّ ندم عليه فهو كفّارة» (2). وفي الخبر " إنّ الرّجل إذا قال: أستغفرك وأتوب إليك ثمّ عاد ثمّ قالها ثمّ عاد ثلاث مرّات كتب في الرّابعة من الكبائر» (3). وفي الحديث النّبويّ أنّه قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " هلك المسوّفون يقولون سوف نتوب». أوصى لقمان الحكيم لإبنه " يا بنيّ لا تؤخّر التّوبة إلى غد فإنّ الموت يأتيك بغتة». قال مجاهد (4): «من لم يتب إذا أصبح وأمسى فهو من الظّالمين». قال عبد الله بن المبارك (5): رحمه الله سبحانه " ردّ فلس من الحرام أفضل من مائة فلس يتصدّق به " وقيل " ردّ دانق من فضّة أفضل عند الله من ستّمائة حجّة مبرورة " رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ. عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال " إنّ الله تعالى يقول " عبدي أدّ ما افترضت عليك تكن أعبد النّاس وانته عمّا نهيتك عنه تكن من أورع النّاس واقنع بما رزقتك تكن PageV02P158 أغنى النّاس» (1) وقال صلّى الله عليه وسلّم لابي هريرة رضي الله عنه " كن ورعا تكن أعبد النّاس " وقال الحسن البصريّ (2) رحمه الله " مثقال ذرّة من الورع خير من الف مثقال من الصّوم والصّلاة " وقال أبو هريرة رضي الله عنه: «جلساء الله غدا اهل الورع والزّهد أوحى الله إلى موسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام لا يتقرّب إليّ المتقرّبون بمثل الورع» (3) قال بعض العلماء بالله لا يتمّ الورع إلّا أن يرى عشرة أشياء فريضة على نفسه أوّلها: حفظ اللّسان عن الغيبة والثاني: الإجتناب عن السّخرية والثالث: الإجتناب عن سوء الظّنّ والرّابع: غضّ النّظر عن المحارم والخامس: صدق اللّسان والسّادس: أن يعرف منّة الله كيلا يعجب بنفسه والسّابع: أن ينفق ماله في الحقّ ولا ينفقه في الباطل والثامن: أن لا يطلب لنفسه العلوّ والكبر والتّاسع: المحافظة على الصّلوات والعاشر: الإستقامة على السّنّة والجماعة " رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) (أيّها المخدوم المكرّم المشفق الأكرم) إن تيسّرت التّوبة عن جميع الذّنوب وحصل الورع والتّقوى من جميع المحرّمات والمشتبهات فذلك نعمة عظيمة ودولة قصوى وإلّا فالتّوبة من بعض الذّنوب والورع من بعض المحرّمات أيضا مغتنمة؛ ولعلّ بركات ذلك البعض وأنواره تسري في الابعاض الاخر ويتيسّر التّوفيق للتّوبة والورع من سائر المعاصي أيضا وما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه اللهمّ وفّقنا لمرضاتك وثبّتنا على دينك وعلى طاعتك بحرمة سيّد المرسلين وقائد الغرّ المحجّلين عليه وعليهم وعلى آل كلّ من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها. PageV02P159 (67) المكتوب السّابع والسّتّون إلى خانجهان في بيان عقائد أهل السّنّة والجماعة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين مع بيان الاركان الخمسة الإسلاميّة والتّحريض على إسماع الكلمة الحقّة يعني كلمة الإسلام على سمع سلطان الوقت بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفة الشّريفة المرسلة باسم الفقراء المنقطعين على وجه الكرم والإلتفات حمدا لله سبحانه على حصول الإلتفات والتّواضع للأغنياء ذوي السّعادة في مثل هذا الزّمان المملوّ من الشّبه والإشتباه إلى الفقراء الذين لا حاصل لهم مع عدم المناسبة وحصول الإيمان لهم من حسن النّشأة الذي فيهم بهذه الطّائفة يا لها من نعمة عظيمة حيث لم تكن التّعلّقات الشّتّى مانعة عن حصول هذه الدولة ولم يعاوق التّوجّهات المتفرّقة عن محبّة هؤلاء القوم ينبغي أداء شكر هذه النّعمة العظمى كما حقّه وأن يكون راجيا " المرء مع من أحبّ " حديث نبويّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام (أيّها) السّعيد النّجيب لا بدّ للإنسان من تصحيح العقائد بموجب آراء الفرقة النّاجية أهل السّنّة والجماعة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين الذين هم السّواد الاعظم والجمّ الغفير حتّى يتصوّر الفلاح الاخرويّ والنّجاة الابدية وخبث الإعتقاد الذى هو مخالفة معتقدات اهل السّنّة سمّ قاتل موصّل إلى الموت الأبديّ والعذاب السّرمديّ والمداهنة في العمل والمساهلة فيه يرجى فيها المغفرة وأمّا المداهنة في الإعتقاد فلا مجال فيها للمغفرة إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ (1) (ولنورد) معتقدات أهل السّنّة بلسان الإيجاز والإختصار ينبغي تصحيح الإعتقاد بمقتضاها وأن يسأل الحقّ سبحانه بالتّضرّع والإبتهال الإستقامة على هذه الدولة. (اعلم) أنّ الله تعالى موجود بذاته القديمة وسائر الاشياء صارت موجودة بإيجاده سبحانه وخرجت من العدم إلى الوجود بتخليقه وهو تعالى قديم أزليّ والأشياء كلّها حادثة وموجودة بعد أن لم تكن وكلّ ما هو قديم أزليّ فهو باق وأبديّ وكلّ ما هو حادث ومسبوق بالعدم فهو فان ومستهلك يعني: في شرف الزّوال وهو سبحانه واحد لا شريك له لا في وجوب الوجود ولا في استحقاق العبادة لا يليق وجوب الوجود لغيره تعالى ولا يستحقّ العبادة سواه سبحانه وله تعالى صفات كاملة فمنها الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسّمع والبصر والكلام والتّكوين كلّها متّصفة بالقدم والأزليّة وقائمة بحضرة الذّات تعالت PageV02P160 وتقدّست والتّعلّقات الحادثة لا تورث خللا في قدم الصّفات وحدوث المتعلّق لا يصير مانعا لازليّتها واستدلّت الفلاسفة من نقصان عقولهم والمعتزلة من عمايتهم وغوايتهم بحدوث المتعلّق على حدوث المتعلّق ونفوا الصّفات الكاملة وعلمه تعالى بالجزئيّات لاستلزامه التغيّر الذي هو من أمارات الحدوث ولم يعلموا أنّ الصّفات تكون أزليّة وتكون تعلّقاتها بالمتعلّقات الحادثة حادثة ونقائص الصّفات مسلوبة عن جناب قدسه تعالى وهو تعالى منزّه عن صفات الجواهر والأجسام والأعراض ولوازمها لا مجال للزّمان والمكان والجهة في حضرته تعالى وهذه كلّها مخلوقاته تعالى. وزعم جماعة ممّن لا خبر لهم أنّه تعالى فوق العرش وأثبتوا له سبحانه جهة الفوق والعرش وما سواه ممّا حواه كلّها حادثة ومخلوقاته تعالى وكيف يكون للمخلوق الحادث مجال أن يكون مكانا للخالق القديم ومقرّا له ولكنّ العرش أشرف مخلوقاته والنّورانيّة والصّفاء أزيد فيه منها في غيره من الممكنات فلا جرم له حكم المرآتيّة لان يظهر عظمة الخالق وكبرياءه جلّ وعلا فيه ظهورا بيّنا وبعلاقة هذا الظّهور يقال له عرش الله وإلّا فالعرش وغيره كلّه متساو بالنّسبة إليه تعالى وكلّه مخلوقه تعالى ولكن للعرش قابليّة الإراءة وليست هي لغيره ألا ترى أنّ المرآة الّتي ترى صورة إنسان لا يقال إنّ ذلك الإنسان في المرآة بل نسبة هذا الإنسان إلى المرآة ونسبته إلى غيره من الاشياء المتقابلة إليه متساوية وإنّما التّفاوت من جهة القابليّة وعدمها حيث انّ في المرآة قابليّة انطباع الصّورة وليست هذه القابليّة في غيرها وهو تعالى ليس بجسم ولا جسمانيّ ولا جوهر ولا عرض ولا محدود ولا متناه ولا طويل ولا عريض ولا قصير ولا ضيّق بل واسع لا بالوسعة الّتي تدرك بأفهامنا ومحيط لا بالإحاطة الّتي تكون مدركا بإدراكنا وقريب لا بالقرب الذي يتعقّل بعقولنا وهو تعالى معنا لا بالمعيّة المتعارفة نؤمن بأنّه تعالى واسع ومحيط وقريب وأنّه معنا ولكن لا نعرف كيفيّات هذه الصّفات ما هي وكلّ ما نعرف من كيفيّات هذه الصّفات نعرف أنّ له قدما في مذهب المجسّمة وهو تعالى لا يتّحد بشيء أصلا ولا يتّحد معه شيء ولا يحلّ فيه تعالى شيء قطعا ولا يكون هو تعالى حالا في شيء والتجزّي والتّبعّض محالان في جناب قدسه تعالى والتّركيب والتّحليل ممنوعان في حضرته تعالى وليس له تعالى كفؤ ولا مثل ولا صاحبة له ولا ولد وهو تعالى منزّه في ذاته وصفاته عن الكيف والشّبه والمثال ومبلغ علمنا فيه أنّه تعالى موجود وبالأسماء والصّفات الكاملة الّتي وصف بها نفسه وأثنى موصوف ولكن كلّ ما يدرك منها بأفهامنا وإدراكنا ويتصوّر بعقولنا فهو تعالى منزّه عنه ومتعال كما مرّ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (1) (شعر) وما فاه أرباب النّهى والحجى بما ... سوى أنّه الموجود لا ربّ غيره PageV02P161 (ينبغي) أن يعلم: أنّ أسماء الله تعالى توقيفيّة يعني أنّ إطلاقها عليه تعالى موقوف على السّماع من صاحب الشّرع كلّ اسم ورد إطلاقه في الشّرع على حضرة الحقّ سبحانه يجوز إطلاقه عليه تعالى وما لا فلا وإن كان معنى الكمال مندرجا في ذلك الإسم فيجوز إطلاق الجواد لوروده في الشّرع ولا يجوز إطلاق السّخّيّ لعدم وروده. والقرآن كلام الله تعالى أنزل على نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام متلبّسا بلباس الحرف والصّوت وأمر به عباده ونهاهم فكما نحن نظهر كلامنا النّفسيّ بتوسّط الفم واللّسان في لباس الحروف والأصوات ونورد به مقاصدنا الخفيّة في عرصة الظّهور كذلك الحقّ سبحانه أظهر كلامه النّفسيّ لعباده في لباس الحرف والصّوت بقدرته الكاملة بلا توسّط فم ولسان وأجلى أوامره ونواهيه الخفيّة في ضمن الحرف والصّوت على منصّة الظّهور فكلا قسمي الكلام كلام الحقّ جلّ وعلا يعني: النّفسيّ واللّفظيّ وإطلاق الكلام على كلا القسمين بطريق الحقيقة كما أنّ كلا قسمي كلامنا النّفسيّ واللّفظيّ كلام بطريق الحقيقة لا انّ القسم الاوّل حقيقة والثاني مجاز فانّ نفى المجاز جائز ونفى الكلام اللّفظيّ وإنكار كونه كلام الله تعالى كفر وكذلك سائر الكتب والصّحف الاخرى الّتي أنزلت إلى الانبياء المتقدّمين على نبيّنا وعليهم الصّلوات والتّسليمات كلّها كلام الله سبحانه وكلّ ما اندرج في القرآن وفي تلك الكتب والصّحف أحكام الله تعالى كلّف بها عباده على وفق الاوقات والأزمان (ورؤية المؤمنين) الحقّ سبحانه في الجنّة من غير جهة ومقابلة وبلا كيف وإحاطة حقّ نؤمن بتلك الرّؤية الاخرويّة ولا نشتغل بكيفيّتها فإنّ رؤيته تعالى لا كيفيّة لا يظهر لارباب الكيف والمثال في هذه النّشأة من حقيقتها شيء ولا نصيب لهم منها غير الإيمان بها فيا خسارة الفلاسفة والمعتزلة وسائر الفرق المبتدعة حيث ينكرون الرّؤية الاخرويّة من العمى والحرمان ويقيسون الغائب على الشّاهد ولا يشرّفون بالإيمان بها وهو تعالى كما أنّه خالق العباد كذلك هو تعالى خالق أفعالهم أيضا خيرا كان فعلهم أو شرّا وكلّها بتقدير الله تعالى ولكنّه راض عن الخير غير راض عن الشّرّ وإن كان كلاهما بإرادته ومشيئته تعالى ولكن ينبغي أن لا ينسب الشّرّ وحده إليه تعالى بواسطة الادب وأن لا يقول خالق الشّرّ بل ينبغي أن يقول: خالق الخير والشّرّ كما قال العلماء: ينبغي أن يقول: إنّه تعالى خالق كلّ شيء ولا ينبغي أن يقول: خالق القاذورات والخنازير لرعاية أدب جناب قدسه تعالى والمعتزلة من الثنويّة الّتي فيهم يزعمون أنّ خالق أفعال العباد هو العباد وينسبون فعل الخير والشّرّ إليهم والشّرع والعقل يكذّبانهم نعم قد جعل علماء الحقّ دخلا لقدرة العبد في فعله وأثبتوا فيه الكسب فإنّ الفرق بين حركة المرتعش وحركة المختار واضح لانّه لا مدخل للقدرة والكسب في حركة الإرتعاش وفي حركة الإختيار مدخل لهما وهذا القدر من الفرق يكون باعثا على المؤاخذة ومثبتا للثّواب والعقاب وأكثر النّاس متردّدون في وجود القدرة والكسب والإختيار في العبد ويزعمون العبد مضطرّا وعاجزا وهم لم يفهموا مراد العلماء فإنّ إثبات القدرة والإختيار في العبد لا بمعنى أنّه يفعل كلّ ما يريد ولا يفعل كلّ ما لا يريد فإنّ التّقوّل بذلك بعيد عن العبوديّة بل بمعنى أنّ العبد يقدر PageV02P162 أن يخرج عن عهدة جميع ما أمر به مثلا أنّه يقدّر أن يؤدّي الصّلوات الخمس ويقدّر إعطاء الزّكاة واحدا من الاربعين ويقدّر صوم شهر من اثني عشر شهرا ويقدّر أن يحجّ مرّة واحدة في عمره من الإستطاعة إلى الزّاد والرّاحلة وعلى هذا القياس باقى الاحكام الشّرعيّة قد راعى الحقّ سبحانه فيها من كمال الرّأفة السّهولة واليسر لضعف العبد وقلّة اقتداره قال الله تعالى يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (1) وقال تعالى أيضا يُرِيدُ الله أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا (2) يعني: يريد أن يخفّف عنكم ثقل التّكليفات الشّاقّة وخلق الإنسان ضعيفا لا يصبر عن الشّهوات ولا يقدر أن يتحمّل التّكليفات الشّاقّة والأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات رسل الحقّ سبحانه إلى الخلق ليدعوهم اليه تعالى ويدلّوهم من الضّلالة على طريق الهداية كلّ من يقبل دعوتهم يبشّرونه بالجنّة وكلّ من ينكر يهدّدونه بعذاب جهنّم وما بلغوه من طرف الحقّ سبحانه وأعلموا به كلّه حقّ وصدق ليس فيه شائبة التّخلّف وخاتم الانبياء محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودينه ناسخ لجميع الاديان السّابقة وكتابه أفضل الكتب المتقدّمة ولا ناسخ لشريعته بل هي قائمة إلى قيام القيامة وينزل عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ويعمل بشريعته ويكون من جملة أمّته وما أخبر به صلّى الله عليه وسلّم من أحوال الآخرة كلّه حقّ من عذاب القبر وضغطة اللّحد وسؤال منكر ونكير فيه وفناء العالم وانشقاق السّموات وانتثار الكواكب وزوال الارض والجبال واندكاكها والحشر والنّشر وإعادة الرّوح إلى الجسد وزلزلة السّاعة وأهوال القيامة ومحاسبة الاعمال وشهادة الجوارح بالأعمال المكتسبة وإتيان دفاتر الحسنات والسّيّئات يمينا وشمالا ووضع الميزان ليوزن به الحسنات والسّيّئات ليعرف نقصان الحسنة والسّيّئة وزيادتهما فإن ثقلت كفّة الحسنات فعلامة النّجاة وإن خفّت فعلامة الخسران والشّقاوة وثقل ذلك الميزان وخفّته على خلاف ثقل ميزان الدنيا وخفّته فإنّ الكفّة المرتفعة هي الثقيلة هناك والمتسفّلة هي الخفيفة وشفاعة الانبياء والصّلحاء عليهم الصّلاة والتّسليمات أوّلا وثانيا لعصاة المؤمنين بإذن مالك يوم الدين جلّ سلطانه ثابتة. قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " شفاعتي لاهل الكبائر من أمّتي» (3). (والصّراط) يوضع على متن جهنّم فيمرّ منه المؤمنون ويذهبون إلى الجنّة ويزلق منه أقدام الكافرين فيسقطون في جهنّم والجنّة الّتي أعدّت لتنعّم المؤمنين وجهنّم الّتي أعدّت لتعذيب الكافرين كلتاهما مخلوقتان الآن وتبقيان إلى أبد الآباد ولا تفنيان فإذا دخل المؤمنون الجنّة بعد المحاسبة يدومون فيها لا يخرجون منها وكذلك الكفّار إذا دخلوا النّار يدومون فيها يعذّبون PageV02P163 فيها أبد الآباد وتخفيف العذاب عنهم غير جائز قال تعالى لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ (1) ومن كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان فإن أدخل النّار بسبب إفراطه في المعاصي يعذّب بقدر عصيانه ثمّ يخرج من النّار أخيرا ولا يسودّ وجهه كما يسودّ وجه الكفّار ولا يجعل فيه الاغلال والسّلاسل لحرمة إيمانه كما تجعل للكفّار (والملائكة) عباد الله سبحانه المكرّمون لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (2) مبرّأون من صفات الذّكورة والأنوثة والتّوالد والتّناسل مفقود في حقّهم اصطفى الله سبحانه بعضهم للرّسالة وشرّفه بتليغ الوحي وهم الذين بلّغوا الكتب والصّحف الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات وهم محفوظون عن الخطأ والخلل ومعصومون عن كيد العدوّ ومكره وما بلّغوه من عند الحقّ سبحانه وتعالى كلّه صدق وصواب ليس فيه شائبة احتمال الخطأ والإشتباه وهؤلاء الكبراء خائفون من عظمة الحقّ وجلاله سبحانه لا شغل لهم غير امتثال أوامره تعالى (والإيمان) تصديق بالقلب وإقرار باللّسان بما بلغنا من الدين بالتّواتر والضّرورة إجمالا وتفصيلا وأعمال الجوارح خارجة من نفس الإيمان ولكنّه تزيد الكمال في الإيمان وتورث فيه الحسن قال الإمام الاعظم الكوفيّ عليه الرّحمة: «الإيمان لا يقبل الزّيادة والنّقصان " فإنّ التّصديق القلبيّ عبارة عن يقين القلب وإذعانه ولا مجال فيه للتّفاوت بالزّيادة والنّقصان وما يقبل التّفاوت فهو داخل في دائرة الظّنّ والوهم وكمال الإيمان ونقصانه باعتبار الطّاعات والحسنات كلّ ما زادت الطّاعة زاد كمال الإيمان فلا يكون إيمان عامّة المؤمنين مثل إيمان الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات فإنّ إيمانهم بلغ ذروة الكمال بواسطة اقتران الطّاعات وإيمان العوامّ بمراحل عن نفس الكمال فضلا عن ذروته وإن كان إيمان كلّ منهما متشاركين في نفس التّصديق ولكنّ إيمان الانبياء عرض له بواسطة طوق الطّاعات حقيقة أخرى وكأنّ إيمان العوامّ ليس فردا من ذلك الإيمان والمماثلة والمشاركة مفقودة بينهما ألا ترى أنّ عوامّ النّاس وإن كانوا شركاء للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام في نفس الإنسانيّة ولكنّ الكمالات الاخر للأنبياء بلّغتهم الدرجات العليا وأثبتت لهم حقيقة أخرى وكأنّهم خارجون عن الحقيقة المشتركة بل هم النّاس والعوامّ لهم حكم النّسناس قال الإمام الاعظم عليه الرّحمة: أنا مؤمن حقّا وقال الإمام الشّافعيّ عليه الرّحمة: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى ولكلّ وجه باعتبار الحال يجوز أن يقال: أنا مؤمن حقّا وباعتبار الخاتمة والمآل يصحّ أن يقال: أنا مؤمن إن شاء الله ولكنّ الإجتناب عن صورة الإستثناء أفضل بأيّ وجه قال (ولا يخرج) المؤمن بارتكاب المعاصي من الإيمان ولو كبيرة ولا يدخل في دائرة الكفر نقل أنّ الإمام الاعظم كان يوما جالسا مع جمع من العلماء فجاء شخص فقال: ما تقولون في حقّ مؤمن فاسق قتل أباه بغير حقّ وقطع رأسه وشرب الخمر في كأس رأسه ثمّ زنا بأمّه هل هو مؤمن أو كافر؟ فتكلّم كلّ واحد من العلماء في حقّه بما ليس بصواب ووقعوا في غلط فقال الإمام الاعظم في ذلك PageV02P164 الاثناء: «إنّه مؤمن لم يخرج بارتكاب هذه الكبائر من الإيمان " فثقل قول الإمام هذا على العلماء فأطالوا لسان الطّعن فيه والتّشنيع عليه ولكن لمّا كان قول الإمام حقّا قبله كلّهم أخيرا واعترفوا بأنّه الحقّ فلو وفّق المؤمن العاصي للتّوبة قبل الغرغرة فنرجوا له نجاة عظيمة لوعد قبول توبته وإن لم يتشرّف بالتّوبة والإنابة فأمره إلى الله سبحانه فإن شاء عفا وأدخله الجنّة وإن شاء عذّبه بقدر معصيته بالنّار أو بغير النّار ولكن آخر أمره النّجاة ومآله الجنّة فإنّ الحرمان من رحمة الله تعالى في الآخرة مخصوص بأهل الكفر وأمّا من فيه ذرّة من الإيمان فهو مستحقّ للرّحمة والغفران وإن لم تبلغه الرّحمة في الإبتداء بواسطة علّة المعصية ولكنّها تشمله أخيرا بعناية الله سبحانه. رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (1) (وبحث الإمامة والخلافة) وإن لم يكن عند أهل السّنّة شكر الله تعالى سعيهم من أصول الدين ومتعلّقا بالإعتقاد ولكن لمّا غالت الشّيعة في هذا الباب وأفرطوا فيه وفرّطوا الحق أهل الحقّ رضي الله عنهم هذا المبحث بعلم الكلام بالضّرورة وبيّنوا حقيقة الحال والإمام على الحقّ والخليفة على الإطلاق بعد خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام أبو بكر الصّدّيق ثمّ عمر الفاروق ثمّ عثمان ذو النّورين ثمّ عليّ بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وأفضليّتهم على ترتيب خلافتهم وأفضليّة الشّيخين ثابتة بإجماع الصّحابة والتّابعين كما نقله أكابر الائمّة واحد منهم الإمام الشّافعيّ قال رئيس أهل السّنّة الشّيخ أبو الحسن الاشعريّ: إنّ أفضليّة الشّيخين على باقي الامّة قطعيّة لا ينكرها إلّا جاهل أو متعصّب. قال عليّ كرّم الله وجهه " من فضّلني على أبي بكر وعمر فهو مقتر أضربه بالسّوط كما يضرب المفترون». قال الشّيخ عبد القادر الجيلاني (2) قدّس سرّه - في كتابه الغنية نقلا عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم - أنّه قال " لمّا عرج بى إلى السّماء سألت الله سبحانه أن تجعل الخليفة من بعدي عليّ بن أبي طالب فقال الملائكة: يا محمّد كلّ ما يشاء الله يكن الخليفة بعدك أبو بكر» (3) وقال حضرة الشّيخ أيضا قال عليّ كرّم الله وجهه " ما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الدنيا حتّى أخذ عليّ عهدا على أنّ أبا بكر يلي من بعدي ثمّ عمر ثمّ عثمان من بعده ثمّ أنت من بعده " رضي الله تعالى عنهم أجمعين والإمام الحسن أفضل من الإمام الحسين رضي الله عنه وعلماء أهل السّنّة يفضّلون عائشة رضي الله عنها على فاطمة رضي الله عنها في كتابه الغنية وما هو معتقد الفقير أنّ عائشة أسبق قدما في العلم والإجتهاد وفاطمة أقدم في الزّهد والإنقطاع ولهذا قيل لفاطمة بتولا وهو صيغة المبالغة في الإنقطاع وعائشة هي مرجع فتاوى الصّحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ما وقع على أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مشكل في العلم إلّا كان حلّه عند عائشة رضي الله عنها والمحاربات PageV02P165 والمنازعات الّتي وقعت بين الاصحاب الكرام عليهم الرّضوان مثل محاربة الجمل ومحاربة الصّفّين ينبغي أن يحملها على محامل صحيحة حسنة وأن يبعدهم عن الهوى والتّعصّب فإنّ نفوس هؤلاء الاكابر كانت مزكّاة عن الهوى والهوس ومطهّرة عن الحقد والحرص في صحبة خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام فإن وقعت عنهم مصالحة فهي لاجل الحقّ وإن ظهرت منهم منازعة ومشاجرة فهي أيضا للحقّ سبحانه كلّ فرقة منهم عملوا بمقتضى اجتهادهم ودفعوا المخالف عن أنفسهم بلا شائبة هوى وتعصّب فكلّ من هو مصيب في اجتهاده فله درجتان من الثواب وفي قول عشر درجات ومن هو مخطئ فله درجة واحدة من الثواب فالمخطئ كالمصيب بعيد عن الملامة بل يتوقّع له درجة من درجات الثواب قال العلماء: إنّ الحقّ في تلك المحاربات. كان في جانب عليّ كرّم الله وجهه وكان المخالفون في طرف من الصّواب ومع ذلك ليسوا بموارد للطّعن ولا مجال للملامة فيهم فضلا عن أن ينسب إليهم الكفر والفسق قال عليّ - كرّم الله تعالى وجهه - " إخواننا بغوا علينا ليسوا بكفّار ولا فسّاق فإنّ لهم تأويلا يمنع عنهم الكفر والفسق». قال نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم: «إيّاكم وما شجر بين أصحابي» (1) فينبغي تعظيم جميع أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأن يذكر جميعهم بخير وأن لا يسيئ الظّنّ بأحد منهم وأن يرى منازعتهم أفضل من مصالحة غيرهم هذا هو طريق النّجاة والفلاح فإنّ حبّ الاصحاب الكرام بواسطة حبّ النّبيّ وبغضهم ينجرّ إلى بغضه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام قال واحد من الكبراء: ما آمن برسول الله صلّى الله عليه وسلّم من لم يوقّر أصحابه (وعلامات القيامة) الّتي أخبر عنها المخبر الصّادق صلّى الله عليه وسلّم كلّها حقّ ليس فيها احتمال التّخلّف كطلوع الشّمس من جانب المغرب على خلاف العادة وظهور مهديّ عليه الرّضوان ونزول روح الله على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وخروج دجّال وظهور يأجوج ومأجوج وخروج دابّة الارض ودخان يظهر من السّماء يغشى النّاس كلّهم ويعذّبهم بعذاب أليم ويقول النّاس من الإضطراب رَبَّنَا اِكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ (2) وآخر العلامات نار تخرج من عدن وزعم جماعة من الجهالة أنّ الشّخص الذي ادّعى المهدويّة من أهل الهند هو المهديّ الموعود فالمهديّ قد مضى بزعمهم وفات ويقولون: إنّ قبره في فره وفي الاحاديث الصّحيحة الّتي بلغت حدّ الشّهرة بل حدّ التّواتر المعنويّ ما يكذّب هذه الطّائفة فإنّه صلّى الله عليه وسلّم بيّن للمهديّ علامات وتلك العلامات مفقودة في ذلك الشّخص الذي يعتقدونه مهديّا ورد في الاحاديث النّبويّة أنّه يخرج المهديّ وعلى رأسه قطعة سحاب فيها ملك ينادي " إنّ هذا الشّخص مهديّ فاتّبعوه " وقال عليه الصّلاة والسّلام «ملك جميع الارض أربعة اثنان من المؤمنين واثنان من الكافرين ذو القرنين وسليمان من المؤمنين ونمرود وبخت نصّر من الكافرين وسيملك الارض خامس من أهل بيتي " يعني المهديّ وقال PageV02P166 عليه الصّلاة والسّلام «لا تزول الدنيا حتّى يبعث الله رجلا من أهل بيتي اسمه يوافق اسمي واسم أبيه يوافق اسم أبي فيملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما» (1). وورد في الحديث أيضا " إنّ أصحاب الكهف يكونون أعوان المهديّ» (2) وينزل عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام في زمانه وهو يوافق عيسى عليه السّلام في قتال الدجّال وفي زمان ظهور سلطنته تنكسف الشّمس في الرّابع عشر من رمضان وينخسف القمر في أوّل ذلك الشّهر على خلاف العادة وخلاف حساب المنجّمين ينبغي ان ينظر بنظر الإنصاف هل كانت هذه العلامات في ذاك الشّخص الميّت او لا وله علامات أخر كثيرة أخبر بها المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وكتب الشّيخ ابن حجر رسالة في بيان علامات المهديّ المنتظر تبلغ مائتى علامة وبقاء جماعة في ضلالة مع وضوح أمر المهديّ الموعود من نهاية الجهالة هداهم الله سبحانه سواء الصّراط. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " إنّ بني إسرائيل تفرّقت على اثنين وسبعين فرقة كلّهم في النّار إلّا واحدة منها وستفترق امّتى على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النّار إلّا فرقة واحدة قالوا: ومن هذه الفرقة النّاجية يا رسول الله؟ قال: هم على ما أنا عليه وأصحابي» (3) وهذه الفرقة النّاجية أهل السّنّة والجماعة فإنّهم هم الملتزمون متابعته ومتابعة أصحابه عليه الصّلوات والتّسليمات اللهمّ ثبّتنا على معتقدات أهل السّنّة والجماعة وامتنا في زمرتهم واحشرنا معهم رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (4) (وبعد تصحيح الإعتقاد) لا بدّ من امتثال الاوامر والإنتهاء عن المناهي الشّرعيّتين بين الإسلام بالعمل ينبغي أداء الصّلوات الخمس من غير فتور مع تعديل الاركان والجماعة والفارق بين الإسلام والكفر هو هذه الصّلاة فإذا تيسّر اداء الصّلاة على الوجه المسنون فقد حصل الإستمساك بالحبل المتين من الدين فإنّ الصّلاة هي الاصل الثاني من الاصول الخمسة الإسلاميّة (الاصل الاوّل) الإيمان بالله وبرسوله PageV02P167 سبحانه والأصل الثاني الصّلاة والثالث أداء الزّكاة والرّابع صوم شهر رمضان والخامس حجّ بيت الله الاصل الاوّل يتعلّق بالاعتقاد والأصول الاربعة الباقية تتعلّق بالأعمال وأجمع جميع العبادات وأفضلها الصّلاة ويكون ابتداء المحاسبة يوم القيامة من الصّلاة فإذا تمّ أمر الصّلاة تمضي محاسبة الاخرى بعناية الله سبحانه بالسّهولة وينبغي الاجتناب عن المحظورات الشّرعيّة مهما امكن وان يرى ما لا يرضاه المولى سبحانه سمّا مهلكا وأن يجعل موادّ التّقصيرات نصب العين وأن يكون خجلا ومنفعلا من ارتكابها وأن يكون متندّما ومتحسّرا على فعلها واقترافها هذا هو طريق العبوديّة والله الموفّق والذي يرتكب ما لا يرضى عنه مولاه بلا تحاش ولا يكون خجلا ومنفعلا عن ذلك العمل فهو مارد متمرّد ويكاد يخرج إصراره وتمرّده رأسه عن ربقة الإسلام ويدخله في دائرة الاعداء رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) والدولة الّتي جعلك الله سبحانه ممتازا بها وأكثر النّاس غافلون عنها بل تكاد لا تدركها أنت أيضا هي أنّ سلطان الوقت مسلم من جدّه السّابع ومن أهل السّنّة وحنفيّ المذهب وإن تقرّب بعض طلبة العلوم بشؤم الطّمع النّاشئ من خبث الباطن من منذ سنين في هذه الاوان الّتي هي أوان قرب القيامة وبعد العهد من زمان النّبوّة إلى الامراء والسّلاطين وداخلوهم من طريق المطايبة والمداهنة وأوقعوا في الدين المتين تشكيكات وأظهروا فيه شبهات وأضلّوا الاغنياء عن الطّريق ولكن لمّا كان مثل هذا السّلطان عظيم الشّأن مصغيا إلى قولكم بحسن الإستماع ومتلقّيا إيّاه بالقبول كان اللّازم أن يعدّ ذلك دولة عظيمة وأن يبلّغ الكلمة الحقّة يعني كلمة الإسلام الموافقة لمعتقدات أهل السّنّة شكر الله تعالى سعيهم صراحة أو إشارة إلى سمع السّلطان وأن يعرض إليه كلام أهل الحقّ بقدر الإمكان بل ينبغي أن يترصّد وينتظر دائما فرصة لايراد كلام أهل المذهب الحقّ في البين حتّى تظهر حقيقة الإسلام ويبدو بطلان الكفر وشناعته والكفر هو ظاهر البطلان لا يستحسنه عاقل أصلا ينبغي أن يظهر بطلانه بلا تحاش وأن ينفي آلهتهم الباطلة من غير توقّف وأن يثبت الإله الحقّ الذي هو خالق السّموات والأرض بلا تردّد هل كان مسموعا أصلا من غير توقّف وأن يثبت الإله الحقّ الذي هو خالق السّموات والأرض بلا تردّد هل كان مسموعا أصلا أنّ آلهتهم الباطلة خلقوا ذبابة ولو اجتمعوا له كلّهم بل لو قرصهم الذّباب وآذاهم لا يقدرون حفظ أنفسهم منه فضلا عن حفظ غيرهم وكأنّ الكفرة قالوا ملاحظا لشناعة هذا الامر هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ الله (2) وإنّهم ليقرّبونا إلى الله زلفى ولم يدر هؤلاء المجانين أنّه ليس لهذه الجمادات مجال الشّفاعة وإنّ الحقّ سبحانه لا يقبل شفاعة الشّركاء الذين هم في الحقيقة أعداؤه تعالى في حقّ عبدة أعدائه مثل قيّم بستان خرج على سلطان فجاء جماعة من البلهاء يمدّون القيّم بزعم أنّه يشفّعهم عند السّلطان وقت المضايقة وأنّهم يتقرّبون إلى السّلطان بالتّوسّل به ما أعظم حماقتهم حيث يخدمون القيّم ويطلبون العفو من السّلطان بشفاعته ويتقرّبون إليه به لم لا يخدمون السّلطان على الحقّ ويكسرون القيّم حتّى يكونوا من PageV02P168 أهل القرب وأهل الحقّ ويكونوا في أمن وأمان وهؤلاء المجانين ينحتون الحجر بأيديهم ويعبدونه سنين ويطمعون منه توقّعات وبالجملة الكفر ظاهر البطلان والذين بعدوا عن الطّريق الحقّ والصّراط المستقيم من المسلمين هم أهل الهوى والبدعة وذلك الطّريق المستقيم هو طريق النّبيّ وطريق خلفائه الرّاشدين عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات. قال الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ قدّس سرّه في كتابه الغنية: إنّ أديان المبتدعة الذين أصولهم تسعة طوائف الخوارج والشّيعة والمعتزلة والمرجئة والمشبّهة والجهميّة والضّراريّة والنّجّاريّة والكلابيّة لم تكن في زمن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولا في زمان خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم أجمعين أيضا. واختلاف هذه الطّوائف وتفرّقهم إنّما حدث بعد سنين من موت الصّحابة والتّابعين وموت الفقهاء السّبعة رضي الله عنهم أجمعين. قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " إنّه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين من بعدي وتمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنّواجذ وإيّاكم ومحدثات الامور فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ما حدث بعدي فهو ردّ» (1) فالمذهب الذي حدث بعد زمان النّبيّ وخلفائه الرّاشدين عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات ساقط عن حيّز الإعتبار ليس بلائق به ينبغي أداء شكر نعمة الحقّ سبحانه العظمى حيث جعلنا من كمال كرمه وفضله داخلين في الفرقة النّاجية الذين هم أهل السّنّة والجماعة ولم يجعلنا من فرق أهل الهوى والبدعة ولم يبتلنا باعتقادهم الفاسد ولم يجعلنا من الذين يشركون العبد بالله في أخصّ صفاته تعالى ويزعمون أنّ خالق أفعال العبد هو العبد وينكرون الرّؤية الاخرويّة الّتي هي رأس بضاعة السّعادات الدنيويّة والأخرويّة وينفون الصّفات الكاملة عن الواجب تعالى. ولم يجعلنا أيضا من الطّائفتين اللّتين يبغضون أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات ويسيئون الظّنّ بأكابر الدين ويزعمون أنّهم كانوا يعادون بعضهم بعضا ويتّهمونهم بالبغض المضمر والحقد المبطن والله سبحانه وتعالى يقول في حقّهم رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (2). وهاتان الطّائفتان يكذّبون كلام الحقّ جلّ وعلا ويثبتون بينهم العداوة والبغضاء والحقد رزقهم الله سبحانه التّوفيق وبصّرهم الصّراط المستقيم ولم يجعلنا أيضا من الذين يثبتون الجهة والمكان للحقّ تعالى ويزعمونه جسما وجسمانيّا ويثبتون في الواجب القديم جلّ شأنه أمارات الحدوث والإمكان (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنقول: معلومكم أنّ السّلطان كالرّوح وسائر النّاس كالجسد فإن كانت الرّوح صالحة فالبدن صالح وإن كانت الرّوح فاسدة فالبدن فاسد فالإجتهاد والسّعي PageV02P169 في إصلاح السّلطان اجتهاد وسعي في إصلاح جميع بني آدم. والإصلاح في إظهار كلمة الإسلام بأيّ طرز كان يساعده الوقت وبعد إظهار كلمة الإسلام ينبغي أن يوصّل سمعه معتقدات أهل السّنّة والجماعة أيضا في بعض الاحيان وأن يردّ مذهب المخالف فإن تيسّرت هذه الدولة فقد حصلت الوراثة العظمى من الانبياء عليهم الصّلوات والسّلام وهذه الدولة قد حصلت لكم مجّانا فينبغي أن يعرف قدرها وماذا أبالغ أزيد من ذلك وإن كانت المبالغة مستحسنة والله سبحانه الموفّق. (68) المكتوب الثامن والسّتّون إلى الخواجه شرف الدين الحسين في بيان العمود النّورانيّ وكوكب ذي ذنب طلع من جانب المشرق وفي علامات القيامة وأشراط السّاعة وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ (1) عليهم الصّلوات والتّحيّات قد سرّت الصّحيفة الشّريفة الّتي أرسلها الولد الاعزّ صحبة مولانا أبي الحسن بوصولها وقد استفسرتم مكرّرا عن العمود النّورانيّ الذي طلع من جانب المشرق (اعلم) أنّه قد ورد في الخبر " أنّه إذا بلغ الملك العبّاسيّ الذي هو من مقدّمات ظهور المهديّ الموعود عليه الرّضوان خراسان يطلع في جانب المشرق قرن ذو سنين " وكتب في الحاشية يعني: يكون للعمود المذكور رأسان وكان أوّل طلوعه في زمان هلاك قوم نوح على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام. وطلع أيضا في زمان إبراهيم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام حين رموه في النّار. وظهر أيضا وقت هلاك فرعون وقومه وحين قتل يحيى على نبيّنا وعليه السّلام فمن رآه فليستعذ بالله سبحانه من شرّ الفتن. وهذا البياض الذي حدث في جانب المشرق كان أوّلا في صورة العمود المنوّر ثمّ عرض له اعوجاج وشباهة بالقرن ويمكن أن يكون إطلاق الرّأسين له باعتبار أنّ كلّا من طرفيه صار دقيقا شبيها بالسّنّ فاعتبر كلّ من طرفيه رأسا كما أنّ الرّيح إذا كان كلّ من طرفيه دقيقا يعتبر كلّ منهما رأسا. جاء أخي الشّيخ محمّد طاهر البدخشيّ من جونفور وهو يقول: إنّ هذا العمود كان له في طرف الفوق أيضا رأسان شبيهان بسنين وكانت بينهما فاصلة يسيرة حصل تشخيص هذا المعنى في الصّحراء وأخبر جمع آخر أيضا بمثل ذلك. وهذا الطّلوع غير ذاك الطّلوع الذي يحدث حين ظهور المهديّ فإنّ ظهوره يكون على رأس مائة * والآن قد مضى من المائة ثمان وعشرون سنة. وورد أيضا في الخبر " في علامات المهديّ " أنّه يطلع في جانب المشرق كوكب له ذنب يضيء " وهذا الكوكب أيضا قد طلع هل هو ذاك أو مثله ويمكن أن يكون PageV02P170 إطلاق ذي ذنب على هذا الكوكب لما قالوا: إنّ سير الثوابت من المغرب إلى المشرق. فوجه ذلك الكوكب بحسب سيره نحو المشرق وظهره نحو المغرب فهذا البياض الطّويل وراء ظهره فناسب أن يسمّى ذنبا. وارتفاعه في كلّ يوم من المشرق إلى المغرب إنّما هو بسيره القسرىّ المربوط بسير الفلك الاعظم والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال (وبالجملة) انّ وقت ظهور المهديّ قريب وكم من مقدّمات ومباد تظهر إلى رأس المائة الذي هو أوان ظهوره (ومقدّمات) ظهوره عليه الرّضوان ومباديه مثل إرهاصات نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام الّتي ظهرت قبل ظهور نبوّته عليه السّلام كما قالوا: إنّ نطفة عبد الله الّتي كانت صورة محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا استقرّت في رحم آمنة سقط جميع الاصنام في وجه الارض على وجهها وامتنع جميع الشّياطين عن شغلها وقلب الملائكة تخت إبليس ظهرا لبطن ورموه في البحر وعذّبوه أربعين يوما وتزلزل ليلة ولادته عليه الصّلاة والسّلام إيوان كسرى وسقطت منه أربعة عشر شرافات وانطفت نار مجوس. وقد مضى من إيقادها ألف سنة لم تنطف في تلك المدّة قطّ. وحيث أنّ المهديّ يكون عظيما ويحصل بسببه للإسلام والمسلمين تقوية عظيمة ويكون لولايته تصرّف عظيم في الظّاهر والباطن ويكون صاحب خوارق وكرامات (1) كثيرة وتظهر في زمانه آيات عجيبة يجوز أن يظهر قبل وجوده أشياء خوارق للعادات مثل إرهاصات (2) النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام وتكون من مبادى ظهوراته كما يفهم ذلك من الاحاديث. (واعلم) أنّه قد ورد في الخبر أنّ المهديّ لا يظهر حتّى يستولي الكفر وتجري أحكامه على الملأ. فالمتوقّع في هذا الوقت هو استيلاء الكفر وقوّته وضعف الإسلام والمسلمين وهو ذاك الوقت الذي قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في حقّ غرباء أهل الإسلام فيه " طوبى لهم» (3). وبشّرهم وقال عليه الصّلاة والسّلام «العبادة في الهرج كهجرة إليّ» (4) ومعلومكم أنّ العساكر إذا صدرت عنهم وقت استيلاء الفتنة والفساد جراءة يسيرة وحركة قليلة يحصل لهم اعتبار كثير وفي وقت تسكين الفتنة لا اعتبار لهم ولو صدرت عنهم حركات كثيرة فوقت العمل PageV02P171 ووقوعه موقع القبول هو وقت الفتن فينبغي بذل النّفس بالتّمام في مرضيّات الله تعالى. وأن لا يختار شيئا غير متابعة السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. لو أردتم أن تحشروا من المقبولين ألا ترى أنّ أصحاب الكهف بلغوا درجة عليا بهجرة واحدة وأنتم من المحمّديّين وداخلون في زمرة أمّته خير الامم فلا تضيّعوا أوقاتكم باللهو واللّعب ولا تغترّوا بالجوز والموز مثل الاطفال. (شعر) وأبديت من كنز المرام علامة ... لعلّك أن تحظى به أن تحاول والعمود النّورانيّ الذي طلع قبل ظهور هذا الكوكب ذي الذّنب لم ير فيه ظلمة وكدورة ولم يظهر في النّظر غير الخير وأمّا الكوكب ذو الذّنب فقد كانت فيه شائبة الكدورة لا بل النّافع والضّارّ هو الله سبحانه لا مدخل لشيء من الكواكب في موت شخص وحياته وولادته وما يفهم من الكلام المجيد أنّ الاغراض الّتي تتعلّق بالنّجوم ثلاثة قال تعالى وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (1) يعني: يهتدون بها إلى الطّريق في أسفار البرّ والبحر. وقال تعالى ولَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ (2) والغرض الثالث هو رجم الشّياطين لئلّا يسترقوا السّمع وكلّ ما قيل وراء هذه الاغراض الثلاثة فليس بثابت بل داخل في الاوهام والخيالات انّ الظّنّ لا يغني من الحقّ شيئا بل نقول: إنّ بعض الظّنّ إثم ويكتب للولد الاعزّ مكرّرا أنّه قد جاء وقت التّوبة والإنابة. وزمان التّبتّل والإنقطاع فإن هذا الزّمان زمان ورود الفتن يكاد يصبّ الفتن مثل مطر النيسان وتغشى جميع العالم. قال سيّدنا ونبيّنا الصّادق المصدوق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " إنّ بين يدي السّاعة فتنا كقطع اللّيل المظلم يصبح الرّجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا القاعد فيها خير من القائم والماشي فيها خير من السّاعي فكسّروا فيها قسيّكم واقطعوا فيها أوتاركم واضربوا سيوفكم بالحجارة فإن دخل على أحد منكم فليكن كخير ابني آدم». وفي رواية «قالوا فما تأمرنا فقال: كونوا أجلاس بيوتكم» (3). وفي رواية «والزموا فيها أجواف بيوتكم " ولعلّه كان معلومكم أنّ كفّار دار الحرب في نواحي نكر كوت ماذا فعلوا على المسلمين من الجور والجفاء في هذه الايّام وماذا صنعوا في بلاد الإسلام وأيّة إهانة أصابتهم منه خذلهم الله سبحانه. ومثل هذا الورد كريه الرّائحة يتفتّق كثيرا بمقتضى آخر الزّمان. ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم وجميع المؤمنين على متابعة المرسلين عليه وعليهم وآل كلّ وعلى الملائكة المقرّبين الصّلاة والسّلام. PageV02P172 (69) المكتوب التّاسع والسّتّون إلى محمّد مراد البدخشيّ في بيان تعديل أركان الصّلاة والطّمأنينة وتسوية الصّفوف ولزوم تصحيح النّيّة عند الذّهاب إلى محاربة الكفّار والأمر بصلاة التّهجّد والإحتياط في اللّقمة وما يتعلّق به بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفة الشّريفة الّتي أرسلتموها ولمّا كانت متضمّنة لثبات الاصحاب واستقامتهم أورثت فرحا وافرا زادكم الله سبحانه ثباتا واستقامة واندرج فيها انّ الامر الذي كنّا مأمورين به نداوم عليه مع جمع من الاصحاب الذين دخلوا في الطّريقة ونؤدّي الصّلوات الخمس بجماعة مشتملة على خمسين أو ستّين نفرا حمدا لله سبحانه على ذلك يا لها من نعمة عظيمة إذا كان الباطن معمورا بالذّكر الإلهيّ جلّ شأنه والظّاهر متحلّي بالأحكام الشّرعيّة ولمّا كان أكثر النّاس في هذه الايّام يتساهلون في أداء الصّلاة ولا يتقيّدون بالطّمأنينة وتعديل الاركان أردت أن أكتب في هذا الباب بالتّأكيد والمبالغة بالضّرورة فينبغي الإستماع والإصغاء قال المخبر الصّادق عليه الصّلاة والسّلام: «أسوأ النّاس سرقة الذي يسرق من صلاته قالوا يا رسول الله: وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتمّ ركوعها ولا سجودها» (1) وقال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام أيضا " لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم فيها صلبه بين خشوعها وسجودها» (2). ورأى النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام رجلا يصلّي ولا يتمّ ركوعه ولا سجوده فقال: أما تخاف لو متّ على ذلك لمتّ على غير دين محمّد (3) " وأيضا قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام: «لا تتمّ صلاة أحدكم حتّى يقوم بعد ركوعها بالتّمام ويثبت صلبه ويستقرّ كلّ عضو منه في محلّه». وكذلك قال عليه الصّلاة والسّلام: «ما لم يقعد بين السّجدتين ولم يقم صلبه ويثبت لا يتمّ صلاته " " ومرّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بواحد من المصلّين فرآه لا يتمّ أحكام الصّلاة وأركانها والقومة والجلسة فقال لو متّ على ذلك لا يقال لك من أمّتي يوم القيامة " PageV02P173 وقال في محلّ آخر: «لو متّ على ذلك متّ على غير دين محمّد " قال أبو هريرة رضي الله عنه: «يكون شخص يصلّي ستّين سنة ولا تقبل واحدة من صلواتها وهو شخص لا يتمّ ركوعها ولا سجوده " " قيل رأى زيد بن وهب رجلا يصلّي ولا يتمّ الرّكوع والسّجود فدعاه وقال: منذ كم سنة تصلّي هكذا قال منذ أربعين سنة قال: ما صلّيت في هذه الاربعين سنة لو متّ لمتّ على غير سنّة محمّد " " نقل أنّه إذا صلّى المؤمن وأحسن صلاته وأتمّ ركوعه وسجوده يكون لصلاته بشاشة ونور فتعرج بها الملائكة إلى السّماء وتدعو الصّلاة للمصلّي وتقول: حفظك الله كما حفظتني فإن لم يحسن أداء الصّلاة تكون تلك الصّلاة ظلمانيّة فتكرهها الملائكة ولا يعرجون بها إلى السّماء فتدعو الصّلاة على المصلّي دعاء الشّرّ وتقول ضيّعك الله تعالى كما ضيّعتني " فينبغي إتمام أداء الصّلاة وتعديل الاركان ورعاية القومة والجلسة وينبغي دلالة الآخرين أيضا على إتمام الصّلاة بالطّمأنينة وتعديل الاركان وأكثر النّاس محرومون من هذه الدولة وهذا العمل صار متروكا بالكلّيّة وإحياؤه من أهمّ مهمّات الإسلام قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " من أحيا سنّتي بعد أن أميتت فله ثواب مائة شهيد» (1) (واعلم) أيضا أنّه ينبغي تسوية الصّفوف في صلاة الجماعة من غير أن يتقدّم أحد من المصلّين ولا يتأخّر بل ينبغي السّعي في تسوية الكلّ " كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أوّلا يسوّي الصّفوف ثمّ يشرع في الصّلاة " وقال صلّى الله عليه وسلّم: «تسوية الصّفوف من إقامة الصّلاة» (2). ربّنا آتنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (3) (أيّها السّعيد) العمل إنّما يصحّ بالنّيّة وحيث ذهبتم إلى الجهاد من كفّار دار الحرب ينبغي أوّلا تصحيح النيّة حتّى يترتّب عليه النّتيجة ينبغي أن يكون المقصود من هذا الحرب والجدال إعلاء كلمة الله وتوهين أعداء الدين وتخريبهم فإنّا مأمورون بذلك المقصود من جميع الجهاد هو هذا فلا تبطلوا نيّاتكم بأمور أخر وعلوفة الغزاة مقرّرة ومتعيّنة من بيت المال ليست بمنافية للجهاد في سبيل الله ولا توجب النّقصان في أجرة الغزاة وإنّما يبطل العمل النّيّات الفاسدة فينبغي تصحيح النّيّة وأخذ العلوفة من بيت المال والجهاد مع الكفّار وتوقّع أجر PageV02P174 الغزاة والشّهداء ونحن نغبط حالكم حيث أنّكم مشغولون في الباطن بالحقّ سبحانه وفي الظّاهر تؤدّون الصّلاة مع جماعة كثيرة ومع ذلك تشرّفتم بالجهاد مع الكفّار فمن سلم فهو غاز ومن هلك فهو شهيد ولكن كلّ ذلك إنّما يتصوّر بعد تصحيح النّيّة فإن لم تتحقّق حقيقة النّيّة ينبغي تحصيلها بالتّكلّف وأن يكون ملتجئا ومتضرّعا إلى الله تعالى لتتيسّر حقيقة النّيّة رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) والنّصيحة الاخرى الّتي أنصح بها التزام صلاة التّهجّد فإنّها من ضروريّات الطّريق. وقد قيل لكم في الحضور أيضا: إذا تعسّر عليكم هذا المعنى ولم يتيسّر الإنتباه على خلاف المعتاد ينبغي أن يوكّل لهذا الامر جمعا من المتعلّقين ليوقظوكم وقت التّهجّد طوعا أو كرها ولا يتركوكم على نور الغفلة فإذا فعلتم ذلك أيّاما يرجى أن تتيسّر المداومة على ذلك من غير تكلّف. والنّصيحة الاخرى الإحتياط في اللّقمة لا ينبغي للإنسان أن يأكل كلّ ما التقاه من أيّ محلّ كان من غير ملاحظة الحلّيّة والحرمة الشّرعيّتين فإنّ الإنسان لم يترك سدى حتّى يفعل كلّ ما يريد بل له مولى جلّ شأنه كلّفه بالأمر والنّهي وبيّن مرضاه وغير مرضاه بتوسّط الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات الذين هم رحمات للعالمين والمحروم من السّعادة من يقتضي خلاف مرضى مولاه ويتصرّف في ملكه وملكه بلا إذنه ينبغي الإستحياء حيث يراعون رضا الصّاحب المجازيّ ولا يريدون فوت دقيقة في هذا الباب ومولاهم الحقيقيّ قد نهاهم عن الامور الغير المرضيّة بالتّأكيد والمبالغة وزجرهم زجرا بليغا وهم لا يلتفتون إليه أصلا فهذا هل هو إسلام أو كفر فليتفكّروا تفكّرا جيّدا وما فاتت الفرصة يمكن أن يتدارك ما سبق " التّائب من الذّنب كمن لا ذنب له» (2) بشارة للمقصّرين فلو أصرّ شخص على الذّنب مع وجود ذلك وفرح به فهو منافق لا ترفع PageV02P175 صورة إسلامه عقوبته ولا تمنع عنه العذاب. وماذا أبالغ زيادة على ذلك العاقل تكفيه الإشارة وقراءة سورة قريش في المخاويف ومحالّ استيلاء الاعداء مجرّبة للأمن والرّفاهية فينبغي قراءتها في اليوم واللّيلة إحدى عشرة مرّة لا أقلّ من ذلك. وورد في الحديث المصطفويّ " أنّ من نزل منزلا ثمّ قال اعوذ بكلمات الله التّامّات من شرّ ما خلق لا يضرّه شيء حتّى ارتحل من منزله ذلك» (1) والسّلام على من اتّبع الهدى (2). (70) المكتوب السّبعون إلى مولانا عبد الواحد اللّاهوريّ في بيان الأسرار والحقائق المتعلّقة بالكعبة المعظّمة وكما أنّ في الإنسان أنموذج العرش فيه أنموذج الكعبة أيضا وما يناسب ذلك. (اعلم) أنّ قلب الإنسان أنموذج عرش الرّحمن جلّ سلطانه والظّهور القلبيّ فيه مثل الظّهور العرشيّ كذلك من بيت الله أيضا في الإنسان علامة حيث أنّه معتدل وعن اليمين والشّمال ممتاز ومعتزل وبحسن الصّفة متفرّد ومتجمّل وأرباب هذه الدولة العظيمة بالأصالة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام ويشرّف بها من أممهم بتبعيّة هؤلاء الاكابر ووراثتهم كلّ من أريد له ذلك وكانت هذه الدولة في أصحاب الانبياء عليهم الصّلاة والتّحيّات - ببركة صحبة الانبياء عليهم السّلام أكثر وأزيد وقلّت بعد زمان الاصحاب بحيث لو تشرّف بها أحد بعد قرون متطاولة بالتّبعيّة والوراثة كانت مغتنمة وكبريتا أحمر وهذا الشّخص داخل في زمرة الاصحاب الكرام عليهم الرّضوان ومن جملة السّابقين وصاحب هذه النّسبة العليّة ممتاز بدولة مركز المطلوب وإن كان في نفس المركز أيضا مراتب ولكنّه مشرّف بدولة السّبقة وما أكشف من هذا المعمّي زيادة على ذلك وما أشرح بغير هذه الرّموز فإذا ظهرت هذه النّسبة العليّة بفضل الله سبحانه تزول النّسب السّابقة كلّها لا يبقى منها اسم ولا رسم سواء كانت نسبة القلب أو غيرها " إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى " علامة ذلك الموطن وأصحاب هذه الدولة على الصّراط المستقيم الذي وقع محاذيا بوصول المطلوب والذي هو من هذا الصّراط على يمين وشمال فوصوله إلى ظلّ من الظّلال وإن كانت المراتب في الظّلال أيضا متفاوتة ولكن كلّها متّسمة بسمة الظّلّيّة. (شعر) وما قلّ هجران الحبيب وإن غدا ... قليلا ونصف الشّعر في العين ضائر PageV02P176 ومن فارق الصّراط المستقيم مقدار خردلة فكلّما يمشي ويسير ينأى عنه ويتباعد عن الوصول إلى المطلوب. (شعر) لن تبلغ الكعبة العلياء يا بدويّ ... إنّ الطّريق الذي تمشي إلى الختن ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على الصّراط المستقيم والسّلام على من اتّبع الهدى (1). (71) المكتوب الحادي والسّبعون إلى حضرة المخدوم زاده جامع العلوم العقليّة والنّقليّة الخواجه محمّد سعيد سلّمه الله تعالى لا إله الّا الله محمّد رسول الله الكلمة الاولى متضمّنة لاثبات مرتبة الذّات تعالت وتقدّست. ظهور مرتبة الوجوب في الصّورة المثاليّة بصورة النّقطة يشاهد أقرب من ظهور تلك المرتبة بصورة الطّول والعرض وإن لم يكن في تلك المرتبة مجال للنّقطة ولا للدّائرة ولا للطّول ولا للعرض ولا للعمق فلا جرم ترى الكلمة المثبتة في الصّورة الكشفيّة كالنّقطة وكلمة محمّد رسول الله لمّا كانت منبئة عن دعوة الخلق الّتي تتعلّق بالأجسام والجواهر وللطّول والبسط فيها قدم راسخ فلا جرم تظهر صورة هذا المقام المثاليّة في النّظر الكشفيّ طويلة عريضة وفي هذا المقام يجد السّالك الكلمة الثانية بواسطة بقيّة السّكر فيه كالبحر ويتخيّل الكلمة الأولى كالنّقطة في جنب ذلك البحر ومن ههنا حكم هذا الفقير بواسطة بقيّة السّكر فيه وكتب أنّ الكلمة الثانية بحر والكلمة الاولى كالنّقطة في جنبه. وقال صاحب الفتوحات المكّيّة أيضا في هذا المقام: إنّ الجمع المحمّديّ أجمع من الجمع الإلهيّ اللّامتناهيّ فإذا بدت وسعة مرتبة الوجوب اللّاكيفيّة تعالت وتقدّست بعناية الله سبحانه وظهرت إحاطة تلك المرتبة المقدّسة اللّاكيفيّة أيضا وصار حكم العالم بالتّمام بهذا الطّول والعرض حكم الجزء الذي لا يتجزّى بالنّسبة إلى بحر لا نهاية له يجد السّالك في ذلك الوقت الشّيء الذي وجده أوّلا نقطة بحرا لا نهاية له ويرى البحر المحيط أصغر من الجزء الذي لا يتجزّى (ولا يظنّنّ) أحد هنا أنّ الولاية أفضل من النّبوّة لكون الولاية مناسبة للكلمة الاولى والنّبوّة ملائمة للكلمة الثانية لانّا نقول إنّ النّبوّة عبارة عن محصول كلتا الكلمتين المقدّستين عروج النّبوّة يتعلّق بالكلمة الأولى ونزولها بالكلمة الثانية فيكون مجموع الكلمتين حاصل مقام النّبوّة لا إنّ الكلمة الثانية فقط حاصل النّبوّة كما ظنّ البعض وزعم أنّ الكلمة الاولى مخصوصة بالولاية وليس كذلك بل كلتا الكلمتين حاصل مقام الولاية باعتبار العروج والنّزول وحاصل مقام النّبوّة أيضا كذلك باعتبار العروج PageV02P177 والنّزول. غاية ما في الباب انّ مقام الولاية ظلّ مقام النّبوّة وكمالات الولاية ظلال لكمالات النّبوّة وكلّ ما يقال في مقام السّكر معذور ومعفوّ عنه وهذا الفقير أيضا شريك لهم في السّكريّات ولهذا كتب في بعض مكاتيبه أنّ الكلمة الاولى مناسبة لمقام الولاية والكلمة الثانية مناسبة لمقام النّبوّة والسّكر أيضا نعمة عظمى إن تيسّر الخروج منه إلى الصّحو ومن كفر الطّريقة إلى إسلام الحقيقة رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (1) بحرمة حبيبك عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ويرحم الله عبدا قال آمينا. (72) المكتوب الثاني والسّبعون إلى المخدوم زاده الخواجه محمّد معصوم في بيان أنّ معاملة بيت الله المقدّس المطهّر فوق التّجلّيات والظّهورات وفوق الظّهور العرشيّ وفي بيان اللّحاق والوصول إلى حقيقة الكعبة وشوق الصّورة إلى زيارة صورة الكعبة المعظّمة. الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. الظّهور العرشيّ وإن كان فوق جميع الظّهورات ولكنّ المعاملة المربوطة بيت الله المقدّس المطهّر فوق الظّهورات والتّجلّيات حتّى إنّ ذكر اسم الظّهور والتّجلّي عار في ذاك المحلّ. والتّجلّيات والظّهورات حكمها حكم محيط الدائرة. وهذه المعاملة في حكم مركز تلك الدائرة ولا شكّ أنّ محيط الدائرة مع وجود وسعته ظلّ مركز الدائرة. فانّ نقطة المركز هى الّتي وسعت ظلّها وظهرت في صفة مائة نقطة وصارت محيط الدائرة. والتّعبير بالنّقطة فيما نحن فيه من قبيل التّعبير عن الشّيء بأقرب الاشياء إليه وإلّا فالنّقطة أيضا هناك كالدّائرة مفقودة لا مجال هناك للظّاهر ولا للمظهر ولا مساغ للأصل ولا للظّلّ فإنّ الاصل أيضا باق في الطّريق من الوصول إلى قصر تلك الدولة كالظّلّ. (كالشّعر) وما أبديك من طيري علامه ... وأضحى مثل عنقاء وهامه وللعنقاء بين النّاس اسم ... وليست لاسم طيري استدامه وكعبة أنبياء بنى إسرائيل عليهم الصّلاة والسّلام الّتي هي صخرة بيت المقدس يكون رجوع كمالاتها وظهوراتها في الآخر إلى كمالات هذه الكعبة المعظّمة وتكون تلك الكمالات ملحقة بهذه الكمالات فإنّه لا بدّ للأطراف من اللّحوق بالمركز وما لم يتّصل الطّرف بالمركز الذي هو الطّريق المستقيم لا يجد سبيلا إلى المطلب واشوقاه إلى لقاء الكعبة المعظّمة قال الله تبارك وتعالى إِنَّ أَوَّلَ PageV02P178 بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ ومَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ولله عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (1) وإن تيسّر اللّحاق بحقيقة الكعبة بفضل الله سبحانه وحصل بعد اللّحاق بها ترقّيات بلا نهاية ولكنّ شوق ملاقاة الصّورة إلى الصّورة موجود وقد صار الحجّ فرضا وتحقّق من الطّريق أيضا بغلبة السّلامة والشّوق ازيد واكمل أيضا من فرضيّة الحجّ ومع ذلك تسويف في تسويف لا تساعد الإستخارة على السّفر كلّ ما كنت متوجّها بحسن التّوجّه لا ينكشف المسير في الطّريق ولا يظهر الوصول إلى الكعبة في النّظر وماذا نصنع وكلّ هذه الاعذار لا تجدي في تأخير أداء الفرض ينبغي أن نخرج من البيت بقصد أداء فرض الحجّ بتوفيق الله تعالى على أيّ حال كان وأن نسير لقطع المراحل فإن تيسّر الوصول فنعمة عظمى وإن بقينا في الطّريق فالرّجاء نقد الوقت رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم. (73) المكتوب الثالث والسّبعون إلى حضرة المخدوم زاده مجد الدين الخواجه محمّد معصوم سلّمه الله في بيان ظاهر الإنسان الكامل وباطنه وما يناسب ذلك. الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ الإنسان عبارة عن مجموع عالم الامر وعالم الخلق عالم الخلق هو صورة الإنسان وظاهره وعالم الامر هو حقيقة الإنسان وباطنه وإنّما قالوا للأعيان الثابتة حقائق الممكنات باعتبار انّ الممكنات ظلال تلك الاعيان وتلك الاعيان اصولها فانّ حقيقة الممكنات وماهيّتها هي نفس ظلال تلك الاعيان لانّ الممكنات صارت ممكنات بتلك الظّلال وحصل لها بها وجود ظلّيّ بخلاف الاعيان الّتي يثبتون فيها تعيّنات وجوبيّة ويرونها فوق مراتب الإمكان فإنّ تعيّن الوحدة وتعيّن الواحديّة اللّذين هما في مرتبة الاعيان الثابتة قالوا إنّ كلّا منهما تعيّن وجوبيّ واعتقدوا التّعيّنات الثلاثة الباقية أعني التّعيّن الرّوحيّ والتّعيّن المثاليّ والتّعيّن الجسميّ تعيّنات إمكانيّة فالقول بكون التّعيّن الوجوبيّ حقيقة للتّعيّن الإمكانيّ على سبيل التّجوّز لانّ الحقيقة الإمكانيّة إنّما تكون من عالم الإمكان لا من مرتبة الوجوب وكأنّ أصل الشّيء هو حقيقة الشّيء فما قالوا من انّ الصّوفيّ كائن بائن يعني: بظاهره مع الخلق وبباطنه مفارق عنهم وكائن مع الحقّ سبحانه وأرادوا بظاهره عالمه الخلقيّ وبباطنه عالمه الامرىّ. وقالوا في حقّ هذا المقام الذي هو مقام الجمع بين التّوجّهين: إنّه عال جدّا واعتقدوه مقام التّكميل والإرشاد وظنّوه مرتبة الدعوة ولهذا الفقير في ذلك الموطن معرفة خاصّة وهي أنّه PageV02P179 يكون شخص من أخصّ الخواصّ ويكون مجموع عالم الخلق والأمر بالنّسبة إليه صورة وظاهرا وتكون حقيقته وباطنه الإسم الذي هو مبدأ تعّيّنه مع أسماء وشئونات أخر هي كالأصل لذلك الإسم حتّى تنتهي إلى حضرة الذّات المجرّدة عن الشّئون والإعتبارات وهذا العارف التّامّ المعرفة إذا تيسّر له الوصول إلى الإسم الذي هو قيّومه بعد طيّه جميع المراتب الإمكانيّة وصار قوله " أنا " منقلعا عن المراتب الإمكانيّة ومنطبقا على ذلك الإسم وانطبق على مراتب فوق ذلك الإسم الّتي هي كالأصول لذلك الإسم آنا فآنا بالتّرتيب على سبيل العروج وبلغ بهذا النّمط مرتبة الاحديّة المجرّدة تصير تلك المراتب الّتي انطبق عليها قوله أنا كلّها حقيقته ويكون عالمه الأمريّ كعالمه الخلقيّ. وصورة تلك الحقيقة وتلك الصّورة مثل الكسوة لتلك الحقيقة وهي كالشّخص اللّابس لتلك الكسوة وحيث كان إطلاق أنا في الآخرين مقصورا على عالم الخلق والأمر لا جرم تكون صورتهم وحقيقتهم عين عالم الخلق والأمر والأسماء الّتي هي مبادى تعيّناتهم ليست غير أن تكون قيّومات لهم (فإن قيل) إنّ العارف وإن حصل كمال المعرفة من جملة الممكنات لا يخرج من الإمكان ولا يتّصف بالوجوب فالإسم الذي هو قيّومه ومن مرتبة الوجوب كيف يكون حقيقته وجزءه؟ (أجيب) انّ هذه الحقيقة باعتبار الشّهود لا باعتبار الوجود حتّى يلزم المحذور كما قالوا: البقاء بالله وهذا الشّهود ليس مجرّد تخيّل بل تتفرّع عليه ثمرات ونتائج. (شعر) خليلي ما هذا بهزل وإنّه ... حديث عجيب من بديع الغرائب فتحقّق أنّ ما هو مجموع الصّورة والحقيقة للآخرين صورة هذا العارف الّتي هي بالنّسبة إلى الحقيقة كالثّوب العديم نظيره بالنّسبة إلى شخص لابس إيّاه فماذا يدرك الآخرون من حقيقته وماذا يفهمون وماذا يتصوّرون غير كونه مماثلا لهم في صورهم وحقائقهم ومعرفة مثل هذا العارف مستلزمة لمعرفة الحقّ سبحانه إذا رأوا ذكر الله سبحانه علامتهم. إلهي ما هذا الذي جعلت أولياءك بحيث من عرفهم وجدك ومن لم يجدك لم يعرفهم. وما كتبه الفقير في بعض كتبه ورسائله من أنّ العارف التّامّ المعرفة يكون بعد رجوعه للدّعوة متوجّها بكلّيّته إلى العالم لانّ ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحقّ سبحانه فالمراد من تلك الكلّيّة عالماه الخلقيّ والامرىّ كما هو متعارف القوم يعني: أنّه يكون متوجّها للدّعوة بعالم الخلق وعالم الامر كليهما. وأمّا تلك الحقيقة والباطن اللّذان كتبهما هذا الفقير فيما سبق مرادا بهما الإسم القيّوم وما فوقه فلا معنى لتوجّهه إلى الحقّ جلّ وعلا فإنّهما من عالم الوجوب كما مرّ فعلى كلّ تقدير توجّه العارف الكامل إلى جانب الخلق بالتّمام والذي له وجه إلى الخلق ووجه آخر إلى الحقّ جلّ وعلا فهو في توسّط السّير ولكنّه أعلى من الشّخص الذي توجّهه إلى الحقّ جلّ وعلا بالتّمام فإنّ هذا الشّخص ناقص في أداء حقوق العباد وذلك يكمل أداء كلّ من حقّ الخالق وحقّ المخلوق مهما أمكن ويدعو الخلق إلى جانب الحقّ سبحانه فيكون أكمل بالنّسبة إليه (ينبغي) أن يعلم أنّ التّوجّه إلى الحقّ جلّ PageV02P180 سلطانه يستدعي بعدا والبعد في حقّ هذا العارف صار نصيب الآخرين الذين يحتاجون إلى التّوجّه هل رأيت أحدا يكون متوجّها إلى نفسه فكيف إلى شيء هو أقرب من نفسه فإنّه لا يتصوّر توجّهه إليه وعدم التّوجّه هذا من خصائص كمالات هذا العارف يكاد القاصرون يظنّونه نقصا ويزعمون التّوجّه كمالا بالنّسبة إلى عدم التّوجّه رزقهم الله سبحانه الإنصاف حتّى لا يحكموا بجهلهم المركّب ولا يزعموا الحسن عيبا. (74) المكتوب الرّابع والسّبعون إلى الخواجه هاشم في تأويل قوله تعالى فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ (1) الآية وبيان قوله تعالى إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ (2) الآية وبيان خلافة الإنسان الكامل وانّ معاملته تبلغ مبلغا يجعل قيّوما لجميع الاشياء وهو ظالم لنفسه وعبّر عن المقتصد بالنّديم والخليل وعن السّابق بالمحبّ والمحبوب ورأس حلقتهم محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال الله تعالى وتعاظم ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ (3) الآية وقال تعالى إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والْأَرْضِ (4) الآية. المراد من الآيتين ما أراده الله سبحانه وتعالى ونحن نأوّلهما بما ظهر لنا رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (5) ينبغي أن يعلم " أنّ الله تعالى خلق آدم على صورته " وهو تعالى منزّه عن الصّورة ومتعال فيمكن أن يكون معنى " خلق آدم على صورته سبحانه " أنّه لو فرض لمرتبة التّنزيه صورة في عالم المثال لكانت تلك الصّورة جامعة والإنسان الجامع صار موجودا على تلك الصّورة وليست لصور أخر قابليّة لان تكون تمثالا لتلك المرتبة المقدّسة ومرآة لها. ومن ههنا صار الإنسان مستحقّا لخلافته تعالى فإنّ الشّيء ما لم يخلق على صورة شيء لا يكون مستحقّا لخلافة ذلك الشّيء فإنّ خلافة الشّيء خلف ذلك الشّيء ونائب منابه. ولمّا صار الإنسان خليفة الرّحمن تعيّن بالضّرورة لتحمّل ثقل الامانة لا يحمل عطايا الملك إلّا مطاياه من أين ينال السّموات والأرضون والجبال الجامعيّة حتّى تخلقوا على صورته تعالى وتكونوا مستحقّين لخلافته ولتتحمّلوا ثقل أمانته سبحانه وقد يحسّ أنّه لو أحيلت ثقلة هذه الامانة على السّموات والأرضين لصرن قطعا قطعا ولم يبق منهنّ أثر أصلا. وتلك الامانة بزعم هذا الحقير قيّوميّة جميع الاشياء على سبيل النّيابة الّتي هي PageV02P181 مخصوصة بكمال أفراد الإنسان يعني: أنّ معاملة الإنسان الكامل تبلغ مبلغا يجعل قيّوما لجميع الاشياء بحكم الخلافة. وتحصل إفاضة الوجود وبقاء سائر الكمالات الظّاهريّة والباطنيّة للكلّ بتوسّطه فان كان ملك فبه متوسّل وإن كان إنس أو جنّ فبه متشبّث وفي الحقيقة توجّه جميع الاشياء إلى جانبه. والكلّ مائل إليه عرفوا هذا المعنى أوّلا إنّه كان ظلوما جهولا كثير الظّلم على نفسه بحيث لا يبقى من وجوده ولا من توابع وجوده أثر ولا حكم وما لم يظلم نفسه بمثل هذا لا يكون مستحقّا لتحمّل ثقل الامانة جهولا كثير الجهل بحيث لا يكون له علم ولا إدراك بالمطلوب بل عجز عن الإدراك وجهل عن العلم بالمقصود وهذا العجز والجهل في ذلك الموطن كمال المعرفة لانّ أجهلهم أعرفهم ثمّة ولا شكّ أنّ أعرفهم أليق بحمل الامانة وهذان الوصفان كأنّهما علّتان لحمل ثقل الامانة وهذا العارف الذي تشرّف بمنصب قيّوميّة الاشياء حكمه حكم الوزير حيث فوّضت كفاية مهمّات المخلوقات إليه والإنعامات وإن كانت في الحقيقة من السّلطان ولكنّ وصولها إلى أربابها مربوط بتوسّط الوزير ورئيس أهل هذه الدولة أبو البشر آدم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وهذا المنصب مخصوص بالأنبياء أولي العزم عليهم الصّلاة والتّحيّات أصالة ويشرّف به بتبعيّة هؤلاء الاكابر ووراثتهم كلّ من أريد له ذلك (ع) لا عسر في أمر مع الكرام * والطّائفة الاولى من وارثي الكتاب الذين هم المصطفون من عباده تعالى هم هؤلاء الظّالمون لانفسهم الذين تشرّفوا بمنصب الوزارة والقيّوميّة. والطّائفة الثانية من هؤلاء المصطفين الذين عبّر الله تعالى عنهم بالمقتصد من تشرّفوا بدولة الخلّة وصاروا أصحاب سرّ ومشورة ومعاملة الملك والسّلطنة وإن كانت مربوطة بالوزير ولكنّ الخليل نديم وصاحب أنس وألفة هذا لاجل فرح نفسه وذاك لاجل مهمّات الآخرين. شتّان ما بينهما ورأس أرباب هذا المقام العالي إبراهيم خليل الرّحمن على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ويشرّف به كلّ من أريد له ذلك وفوق مقام الخلّة مقام المحبّة الذي تشرّف به الطّائفة الثالثة الذين هم السّابقون بالخيرات باذن الله وفرّق بين الاصحاب والنّديم والمحبّ والمحبوب والأسرار والمعاملات الّتي تمرّ وتمضي على المحبّ والمحبوب لا مدخل فيها للأحباب والنّديم وإن كان يمكن إيراد أسرار حقيقة المحبّة في البين في وقت كمال الانس والألفة مع الخليل الجليل القدر ويمكن أن يجعله محرما لأسرار المحبّ والمحبوب. ورئيس حلقة المحبّين كليم اللهعلى نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ورئيس زمرة المحبوبين خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلوات والتّحيّات والتسليمات ويشرّف بهذين المقامين بتبعيّة أصحاب هاتين الدولتين ووراثتهم كلّ من أريد له ذلك. والمقامات الّتي فوق مقام المحبّة قد ذكرت في مكتوب من مكتوبات الجلد الثاني للفقير. والصّدارة فيها أيضا لمحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكلّها داخلة في مقام السّابقين الذي هو نصيب الفرقة الثالثة من وارثي الكتاب. رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2) PageV02P182 (75) المكتوب الخامس والسّبعون إلى المرزا مظفّر في بيان أنّ المحن والبليّات كفّارات لزلّات الاحباب وأنّه ينبغي طلب العفو والعافية بالتّضرّع والإبتهال إلى الله المتعالى سلّمكم الله سبحانه عمّا لا يليق بجنابكم إنّ الالم والمحن والبليّات في الاحباب كفارّات لزلّاتهم ينبغي طلب العفو والعافية من جناب قدسه تعالى بالتّضرّع والإبتهال والإلتجاء والإنكسار إلى أن يفهم أثر الإجابة ويعلم تسكين الفتن وإن كان الاحباب والنّاصحون في هذا الامر ولكن صاحب المعاملة أحقّ به فإنّ شرب الدواء والإحتماء شغل صاحب المرض. والآخرون من الإخوان ليسوا غير أن يكونوا من الاعوان في إزالة المرض. وحقيقة المعاملة هي أنّ كلّ ما يصيب من المحبوب الحقيقيّ ينبغي أن يقبله ببشاشة الوجه وانشراح الصّدر بل ينبغي أن يتلذّذ به وحصول العار الذي هو مراد المحبوب أفضل عند المحبّ من زواله الذي هو مراد نفسه فإن لم يكن هذا المعنى حاصلا في المحبّ فهو ناقص في المحبّة بل كاذب فيها. (شعر) وأترك ما أهوى لما قد هويته ... وأرضى بما يرضى وإن هلكت نفسي ولمّا رجع جناب مرجع الشّريعة من الخدمة بين أحوال السّفر وضيق أحوال المسافرين فقرأنا الفاتحة لسلامتهم وعافيتهم رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ واُعْفُ عَنّا واِغْفِرْ لَنا واِرْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (2) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعالَمِينَ (3) (76) المكتوب السّادس والسّبعون إلى مولانا فرخ حسين في بيان حقيقة العرش الذي هو برزخ بين عالم الخلق وعالم الامر وله وصف من كليهما وليس من جنس الارض والسّماء وبيان الكرسيّ ووسعته PageV02P183 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ العرش المجيد من عجائب مصنوعات الحقّ سبحانه وبرزخ بين عالم الخلق وعالم الامر في العالم الكبير وفيه وصف من هذا ووصف من ذاك. وعالم الخلق الذي خلق في ستّة أيّام والأرض والسّموات والجبال الّتي وقع ذكرها في قوله تعالى خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ الآية. إيجاد العرش مقدّم على خلق هذه كما قال الله تبارك وتعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ (1) وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ (2) بل يفهم تقدّم خلقه من هذه الآية أيضا. فالعرش المجيد كما أنّه ليس من جنس الارض ليس من جنس السّموات أيضا فإنّ له حظّا وافرا من عالم الامر أيضا ليس شيء منها لهؤلاء. غاية ما في الباب أنّ مناسبته للسّموات ازيد منها للارض فلا جرم عدّ من السّموات وإلّا فكما انّه ليس من الارض ليس من السّموات في الحقيقة فلا جرم تكون آثار الارض والسّموات وأحكامهما مغايرة لآثار العرش وأحكامها بقيت معاملة الكرسيّ والذي يفهم من قوله تعالى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والْأَرْضَ (3) أنّ الكرسيّ أيضا مغاير للسّموات والأرض وأوسع منهما ولا شكّ أنّ الكرسيّ ليس من عالم الامر فإنّه قيل إنّه تحت العرش. ومعاملة عالم الامر فوق العرش فإذا كان من عالم الخلق يكون خلقه مغايرا لخلق السّموات وينبغي أن يكون خلقه في ما وراء الايّام السّتّة ولا يلزم من هذا المعنى محذور أصلا فإنّه تعالى لم يخلق تمام عالم الخلق في هذه الايّام السّتّة فإنّ خلق الماء كان فيما وراء هذه الايّام السّتّة ومقدّما عليها كما مرّ. ولمّا لم تكن معاملة الكرسيّ مكشوفة لنا كما ينبغي أخّرنا تحقيقه إلى وقت آخر راجيا من كرم الحقّ جلّ وعلا رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (4) ومن هذا التّحقيق ارتفع اعتراضان قويّان أحدهما إنّه إذا لم تكن السّموات والأرض من أين كان تعيين الايّام السّتّة وتشخيصها وكيف افترق يوم الاحد من يوم الإثنين وكيف امتاز يوم الثلثاء من يوم الاربعاء وبأيّ وجه صار يوم الخميس متميّزا من يوم الجمعة. ولمّا علم سبقة خلق العرش على خلق الارض والسّموات صار حصول الزّمان متصوّرا واتّضح ثبوت الايّام واندفع الإعتراض ومن أين يلزم كون امتياز الايّام مخصوصا بطلوع الشّمس وغروبها الا ترى انّ الجنّة ليس فيها طلوع ولا غروب وامتياز الايّام ثابت كما ورد في الاخبار والإعتراض الثاني الذي اندفع مخصوص بعلوم الفقير وهو أنّه قد ورد في الحديث القدسيّ " لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن " فإنّه يفهم من هذا الحديث أنّ الظّهور الاتمّ مخصوص بقلب المؤمن وإنّ هذه الدولة غير ميسّرة لغيره. وأنت قد كتبت في مكتوباتك خلافه حيث قلت: إنّ الظّهور الاتمّ للعرش المجيد والظّهور القلبيّ لمعة من الظّهور العرشيّ وعلم من التّحقيق السّابق PageV02P184 من أنّ آثار العرش المجيد وأحكامه مغايرة لاحكام الارض والسّموات لا وسعة في الارض والسّموات وفي العرش وسعة. نعم إنّ الارض والسّموات مع ما فيهنّ ليست لهنّ قابليّة الوسعة غير قلب المؤمن فإنّه مستعدّ لهذه الدولة فكان حصر الوسعة على القلب باعتبار الارض والسّموات لا بالنّسبة إلى جميع المصنوعات الّتي تكون شاملة للعرش المجيد أيضا حتّى يتصوّر خلاف مفهوم الحديث القدسيّ فاندفع الإعتراض الثاني أيضا (ينبغي) أن يعلم أنّ العرش المجيد الذي هو محلّ الظّهور التّامّ إذا رمينا الارض والسّموات مع ما فيهما في مقابلته تكون متلاشية ومضمحلّة بلا توقّف ولا تبقى أثر منها أصلا إلّا القلب الإنسانيّ الذي هو منصبغ بلونه فإنّه يبقى ولا يكون متلاشيا محضا وكذلك الظّهور في جانب الفوق الذي يتعلّق بما وراء العرش الذي هو من عالم الامر الصّرف حكم العرش بالنّسبة إلى تلك المرتبة حكم الارض والسّموات بالنّسبة إلى العرش وهكذا حكم كلّ فوق بالنّسبة إلى ما تحته هو هذا الحكم بعينه إلى أن ينتهي عالم الامر وبعد تمام هذه الدائرة تنجرّ المعاملة إلى الجهل والحيرة فإن كانت معرفة فهي أيضا مجهولة الكيفيّة ليست ممّا يحصل في حوصلة العقل الحادث ولنبيّن شمّة من الكمالات الإنسانيّة والقلب الإنسانيّ أيضا. (شعر) وقد أطنبت في عيبه ... فبيّن حسنه أيضا العرش المجيد وإن كان أوسع ومظهرا أتمّ ولكن ليس فيه علم بحصول هذه الدولة ولا شعور له بهذا الكمال بخلاف القلب الإنسانيّ فإنّه صاحب شعور وبالعلم والمعرفة معمور والمزيّة الاخرى للقلب هي ما نبيّنه ينبغي أن يستمع كمال الإستماع أنّ مجموع الإنسان الذي يسمّونه عالما صغيرا وإن كان مركّبا من عالم الخلق والامر ولكنّ له هيئة وحدانيّة حقيقيّة والآثار والأحكام مترتّبة لتلك الهيئة والعالم الكبير ليست له تلك الهيئة فإن كانت فهي اعتباريّة فالفيوض الّتي ترد من جهة هذه الهيئة الوحدانيّة على الإنسان وبتوسّطه على قلب الإنسان لا يحصل منها للعالم الكبير والعرش المجيد الذي هو بمثابة القلب للعالم الكبير سوى النّزر اليسير فإنّهما قليلا النّصيب من تلك الفيوض والبركات وأيضا انّ الجزء الارضيّ الذي هو في الحقيقة خلاصة الموجودات ومع وجود بعده أقرب الظّهورات قد سرت كمالاته في مجموعة عالم الصّغير ولمّا لم تكن تلك المجموعة في العالم الكبير في الحقيقة فقدت فيه هذه السّراية فلقلب الإنسان هذه الكمالات أيضا بخلاف العرش المجيد. ينبغي أن يعلم أنّ هذه الفضائل والكمالات الّتي أثبتناها في القلب إذا لاحظنا ملاحظة جيّدة نجدها داخلة في فضل جزئيّ والفضل الكلّيّ إنّما هو للظّهور العرشيّ وتجد مثل العرش والقلب كمثل نار وسيعة نوّرت جميع البراري والصّحارى واوقدت من تلك النّار مشعلة حصلت له بواسطة لحوق بعض الامور نورانيّة أخرى ليست هي في تلك النّار ولا شكّ أنّ تلك الزّيادة لا يثبت لها غير الفضل الجزئيّ والله سبحانه أعلم بحقائق الامور وكلّها رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا PageV02P185 نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين وبارك على جميع الانبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين أجمعين. (77) المكتوب السّابع والسّبعون إلى مولانا الحسن البركيّ في جواب عريضته الّتي اعترض فيها على كلمات الصّوفيّة باعتراضات كثيرة وسائر استفساراته الاخر الّتي كتبها. الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد وصلت الصّحيفة الشّريفة من أخينا الشّيخ حسن أحسن الله حاله ولمّا كانت فيها رائحة من التّشرّع والإستقامة أورثت الفرح والمسرّة وكتبتم أنّ السّلوك الذي هو مشهور ومعتقد للسّالكين بحسب فهمنا هو أنّه ينبغي للمبتدئ أن يشتغل بالذّكر إلى أن جرى القلب بالذّكر ثمّ إلى أن يتوقّف عن الذّكر ويكون محلّا للإلهامات والتّجلّيات وأن يصل السّالك إلى مقام الفناء الذي هو أوّل قدم في الولاية وقالوا: إنّ الفناء هو أن يزول عن نظر السّالك وعلمه ما هو مسمّى بالغير ولا يبقى في نظره وعلمه غير الواجب تعالى وتقدّس وقيل لهذه الحالة شهودا ومشاهدة وغيرهما. والمقصود أنّه يرى الحقّ تعالى بزعمه ولا يرى المسمّى بالغير ويسمّون رأي الإثنين مشرك الطّريقة وكتبتم أنّ هذه المعارف وأمثالها تزعزع الفقير عن محلّه فإنّه لو كان مقصودهم أنّه يرى الحقّ جلّ وعلا في الدنيا بالبصر أو بالبصيرة فإن كان لهم شعور بهذا الشّهود والرّؤية فهم أيضا مشركو الطّريقة وإن لم يكن لهم شعور بهذا المعنى فمن أيّ شيء يخبرون ومن يخبر (وكتبتم) أنّ كلّ ما يرونه بكلّ وجه من الوجوه سواء كان تجلّيا صوريّا أو معنويّا أو نوريّا أو غير ذلك ويعتقدون ذلك المرئىّ ذات الحقّ جلّ وعلا من حيث هي ويعتقدون ما هو المسمّى بالغير ظهوره تعالى عند هذا الفقير الذي لا حاصل له بعيد عن المعاملة وخلاف نصّ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (2) وآية لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (3) شاهدة لهذا المعنى فهذا القوم ماذا يرون وماذا يدركون حيث يقولون: لا نرى غير الحقّ جلّ وعلا ولا ندري وعبّروا عنها بالشّهود والمشاهدة وهذه الافكار في تدبير أنفسهم وتدبير الاهل والعيال هل هي موسومة بالغير أو لا؟ (اعلم) وتنبّه أنّ كلّ ذلك النّفي والإعتراضات الطّويلة الغير الملائمة على مشائخ الطّريقة قدّس الله تعالى أسرارهم العليّة منشؤها عدم الإطّلاع على مراد هؤلاء الاكابر. والتّوحيد الشّهوديّ الذي هو رؤية الواحد ومربوط بنسيان السّوى من ضروريّات طريقة هؤلاء الكبراء وما لم يحصل ذلك لا يتيسّر الخلاص عن PageV02P186 التّعلّق بالأغيار وأنتم تسخرون بهذه الدولة وبأرباب هذه الدولة والشّهود والرّؤية اللّذان وقعا في عبارة أكابر المشائخ قدّس الله أسرارهم كنايتان عن حضوره تعالى وتقدّس اللّاكيفيّ المناسب لمرتبة التّنزيه الخارج عن حيطة الإدراك الذي هو من عالم الكيف وخصّصوا دولة هذا الحضور في الدنيا بالباطن ولا بدّ للظّاهر من رؤية الإثنين في جميع الاوقات ولهذا قالوا كما أنّ في العالم الكبير مشركا وموحّدا في العالم الصّغير أيضا المشرك مجتمع بالموحّد باطن الكامل موحّد في جميع الوقت وظاهره مشرك فيكون باطنه بالله جلّ وعلا وظاهره في تدبير الاهل والعيال ولا يلزم محذور أصلا والإعتراض من عدم الفهم وإيّاكم وأمثال هذه الكلمات واحذروا من غيره الحقّ جلّ سلطانه والظّاهر أنّ مدّعي هذا الوقت هم الذين يوردونكم على ذلك لا بدّ من ملاحظة جانب الاكابر فإنّها ضروريّة فإن تتكلّموا في محدثات المدّعين ومخترعاتهم فله مساغ وأمّا ما هو مقرّر عند القوم ولا بدّ منه فالتّكلّم فيه غير مناسب ولقد رأيتم في رسائل الفقير ومكتوباته كم كتب من التّوحيد الشّهوديّ وقرّره من ضروريّات الطّريق وكان اللّازم عليكم أن تستفسروا عن هذا المعنى وأن تسألوا بحسن الادب وهذا زهر تفتّق من مفارقة المرحوم مولانا أحمد عليه الرّحمة ولم يظهر منكم مثل هذا الكلام في حياة مولانا أصلا. وقد وقعت كتابتكم هذه موقع الحسن حيث وجدتم التّنبيه وكلّ ما يقع بعد ذلك ينبغي أن تكتبوه من غير ملاحظة صحّته وسقمه فإنّه لو كان صحيحا يكون باعثا للمسرّة وإن كان سقيما يكون سببا للانتباه وعلى كلّ حال ينبغي أن لا نتقاعد عن الكتابة وكتابكم إنّما يجيء بعد سنة من القافلة والنّصائح الضّروريّة في كلّ سنة مرّة واحدة وما لم تكتبوا من ذاك الطرف ولم تسألوا عن أشياء لا ينفتح طريق القيل والقال وسألتم أنّ القلب هل هو من جملة الظّاهر أو هو من جملة الباطن. وقد بيّنت ظاهر العارف وباطنه في مكتوب بالتّفصيل. وآمر الملّا عبد الحيّ بإرسال نقله إليكم فتراجعوا فيه وسألتم أيضا أنّ الطّريق الآخر الذي يكون من غير تجلّيات وكشفيّات ما طريق معرفة المتوسّط والمنتهي فيه. (اعلم) أنّ هذا السّالك الذي لا علم له بأحواله إذا كان في خدمة شيخ كامل ومكمّل عالم بالطّريق وبصير به فعلم ذلك الشّيخ بحاله كاف له يعرف التّوسّط والإنتهاء بإعلامه وأيضا إذا أجازه الشّيخ بإرشاد الخلق نوع إجازة تكون أحوال مريديه مرايا كمالاته ويطالع منها نقصه وكماله وعلامة أخرى لمعرفة الإنتهاء هي أن لا يبقى في السّالك مقتضى غير الحقّ سبحانه وتعالى أصلا وأن يكون صدره خاليا وصافيا من جميع المقتضيات المتعلّقة بالسّوى وللنّهاية مراتب كثيرة بعضها فوق بعض والقدم الاوّل في النّهاية هو الذي ذكر والله سبحانه الموفّق وكتبتم أنّ المعارف الّتي تسلّى هذا الفقير القليل البضاعة هي المعارف الشّرعيّة وكأنّ كلّ حكم من الاحكام الشّرعيّة طريق موصّل إلى منزل المقصود وعلامة من الملك الذي ليست له علامة وهذا البيت نصب العين (شعر) ما بسفر ميرويم عزم تماشاكر است ... ما بر او ميرويم كز همه عالم وراست PageV02P187 ومعرفتكم هذه أصليّة جدّا وعالية ومورّثة للرّجاء وقد جعلني مطالعة هذه المعرفة محظوظا جدّا وأزالت عدم ملايمة صدر المكتوب أوصل الله سبحانه وتعالى إلى المقصود من هذا الطّريق وسألتم أنّه قد يجيء بعض الرّجال والنّساء ويلتمسون الطّريقة ولكن لا يحترزون من الاكل واللّبس الحاصلين من الرّبا هل نعلّمهم الطّريقة أو لا ويقولون نحن نصلح بالحيل الشّرعيّة (ينبغي) أن يعلّمهم الطّريقة وأن يرغّبهم في الإجتناب من المحرّم ولعلّهم يتخلّصون من ذلك الإشتباه ببركة الطّريقة واستفسرت أيضا عن العلمين اللّذين ظهر كلّ منهما عقيب الآخر من جانب المشرق وقد كتب الفقير مكتوبا في هذا الباب باستفسار الاصحاب نأمر الملّا عبد الحيّ بإرسال نقله أيضا إليكم إن شاء الله تعالى وسألتم أيضا أنّه هل الافضل إهداء ثواب ختم القرآن وأداء صلاة النّفل والإشتغال بالتّسبيح والتّهليل إلى الوالدين أو إلى الاستاذ أو الإخوان أو عدم الإعطاء لاحد؟ فاعلم أنّ الافضل الإهداء فإنّه نفع للغير ونفع للعامل وفي عدم الإهداء النّفع مخصوص بالعامل وأيضا يرجى في الإهداء قبول العمل المهديّ ثوابه ببركة الآخرين والسّلام. (78) المكتوب الثامن والسّبعون إلى داراب خان في بيان أنّ محبّة هذه الطّائفة العليّة وإخلاصهم وسيلة الفناء في الله والبقاء بالله وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد يحسّ في طائفتكم دولة هنيئة وهي التّواضع للفقراء والخدمة لهذه الطّبقة العليا مع وجود أسباب الغناء وحصول موادّ الإستغناء وهذا منبئ عن محبّة هذه الطّائفة العليّة والإخلاص لهم ومشعر بمودّة هذه الفرقة النّاجية والإختصاص بهم وحديث «المرء مع من أحبّ " كاف لان تكون بشارة لمحبّي هذه الطّائفة وحديث «وهم قوم لا يشقى جليسهم» (1) واف لمسرّة جلساء هذه الطّبقة. فإذا استولت هذه المحبّة بعناية الله سبحانه وغلبت على نهج لا تترك غيرها في القلب وزالت التّعلّقات الاخر عن القلب بالتّمام وظهرت لوازم المحبّة الّتي هي إطاعة المحبوب والقيام بمراده والتّخلّق بأخلاقه وأوصافه فحينئذ يحصل الفناء في المحبوب شبيه الفناء في الشّيخ الذي هو الدرجة الاولى في هذا الطّريق وهذا الفناء يعني الفناء في الشّيخ يصير ثانيا وسيلة إلى الفناء في الله الذي البقاء بالله مترتّب عليه وهو المحصّل للولاية وبالجملة إذا تيسّرت محبّة المحبوب الحقيقيّ في الإبتداء من غير توسّط أحد فهي دولة عظيمة محصّلة للفناء والبقاء وإلا لا بدّ من توسّط كامل مكمّل فينبغي أوّلا أن يجعل جميع مراداته تابعة لمرادات شيخه وأن يصير فانيا فيه ليكون ذلك الفناء وسيلة إلى الفناء في الله وليخلّصه من تعلّقات السّوى بالتّمام وليوصّله إلى درجات الولاية. PageV02P188 (شعر) وعليكم بالسّكّر يا أهل صفراء ... على رغم ذوي السّوداء وأمثال هذه الكلمات إنّما تورد لترغيب الطّالبين والمهوّسين وتشويقهم والله سبحانه الموفّق للصّواب. بقيّة المرام أنّ رافع رقيمة دعاء الفقراء محمّد قاسم من أولاد الكبار وكان في خدمة الفقراء ولكنّه كبر في حجر تربية أخيه الاكبر بأنواع التّربية والنّعم ورأى محن الايّام قليلا وفيه شوق ملازمتكم فإن جعلتموه داخلا في ملازمي الامراء وراعيتم الإلتفات في حاله لا يكون بعيدا عن الكرم والزّيادة تصديع والسّلام. (79) المكتوب التّاسع والسّبعون إلى الشّيخ يوسف البركيّ في جواب رسالته الّتي كتبها مشتملة على الإعراض عن الكفر الحقيقيّ ومشعرة بالإقبال على الإسلام الحقيقيّ وما يناسب ذلك. الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى إنّ الرّسالة المسطورة الّتي أحلتموها على مولانا عبد الحيّ ليريها لم يرها في هذه المدّة ويوم سافر مولانا بابوا حضّرها ولمّا طالعناها صارت باعثة على الفرح لكونها مشتملة على الإعراض عن الكفر ومشعرة بالإقبال على الإسلام كما أنّ الإسلام المجازيّ أفضل من الكفر المجازيّ. إسلام الطّريقة أيضا أفضل من كفر الطّريقة وكفر الطّريقة كلّه سكر وإسلام الطّريقة كلّه صحو وكما أنّ الصّحو المجازيّ أفضل من السّكر المجازيّ صحو الطّريقة أيضا أفضل من سكر الطّريقة ثمرة كفر الطّريقة تشبيه ونتيجة إسلام الطّريقة تنزيه والفرق الذي بين التّشبيه والتّنزيه هو فوق ما بين كفر الطّريقة وإسلام الطّريقة والذين اختاروا الجمع بين التّشبيه والتّنزيه واعتقدوه كمالا ذاك التّنزيه أيضا من جملة تشبيه رأوه تنزيها وإلّا فأين المجال للتّشبيه حتّى يجتمع مع التّنزيه الحقيقيّ ولا يصير مضمحلا ومتلاشيا في تشعشع أنواره. (شعر) ومتى بدت أنوار بدر في الدجا ... ما للسّهى من حيلة سوى الإختفا شرّف الله سبحانه وتعالى بحقيقة الإسلام الحقيقيّ بالنّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات وحيث كان مولانا بابو مهيّأ للسّفر وقع الإختصار على كلمات والسّلام عليكم وعلى من لديكم. PageV02P189 (80) المكتوب الثمانون إلى الشّيخ حامد النّهاريّ في جواب سؤاله عن قول عين القضاة في تمهيداته انّ الذي تعتقدونه إلها هو عندنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم والذي تعتقدونه محمّدا هو عندنا إله جلّ سلطانه الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفة الشّريفة المرسلة من كمال المحبّة والإخلاص ووفور المودّة والإختصاص وأورثت فرحا وافرا رزق الله سبحانه الإستقامة على هذه الدولة فإنّ محبّ كلّ طائفة مع هذه الطّائفة " المرء مع من أحبّ " حديث نبويّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام واستفسرت عن معنى عبارة تمهيدات عين القضاة أنّه قال: إنّ الذي تعتقدونه إلها هو عندنا محمّد عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والذي تعتقدونه محمّدا صلّى الله عليه وسلّم هو عندنا إله جلّ سلطانه. (أيّها المخدوم) إنّ أمثال هذه العبارة المنبئة عن التّوحيد والاتّحاد تصدر عن المشائخ قدّس الله أسرارهم في غلبات السّكر الّتي هي مرتبة الجمع والمعبّرة عنه بكفر الطّريقة فإنّهم لارتفاع الإمتياز والإثنينيّة عن نظرهم يجدون الممكن عين الواجب تعالى بل لا يجدون الممكن أصلا ولا يبقى في شهودهم غير الواجب تعالى فمعنى هذه العبارة على هذا التّقدير أنّ الإمتياز الحاصل بين الله جلّ وعلا وبين محمّد عليه الصّلاة والسّلام عندكم ليس هذا الإمتياز بثابت عندنا ولا مغايرة بينهما بل ذاك الواحد الذي هو منزّه عن الواحديّة عين ذاك الآخر فإنّه إذا ارتفعت نسبة المغايرة إلى سائر الممكنات كيف تكون نسبة الإمتياز ثابتة لمحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي هو المظهر الاتمّ لكمالاته تعالى وهذه الرّؤية مخصوصة بمرتبة الجمع فإذا ترقّى السّالك من هذا المقام وفتح عينه من إفراط السّكر يجد محمّدا صلّى الله عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام عبده ورسوله تعالى كما وجده في الإبتداء كذلك ولعلّك سمعت قولهم " النّهاية هي الرّجوع إلى البداية» (اعلم) أنّ الإشتراك بين المبتدى والمنتهي في الصّورة فقط الّتي هي قباب المنتهي وإلّا (ع) ما نسبة العرشيّ للفرشيّ * فإذا لم تكن للمتوسّط نسبة مع المنتهي كيف تكون للمبتدي البعيد عن المعاملة نسبة معه رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) والسّلام عليكم وعلى من لديكم. (81) المكتوب الحادي والثمانون إلى محمّد مراد القوربيكيّ في النّصائح والتّحذير عن الإغترار بمزخرفات الدنيا الدنيّة وما يناسب ذلك PageV02P190 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى أخشى من أن ينخدع الاصحاب أولو الألباب مثل الاطفال بمزخرفات الدنيا الدنيّة الّتي لها طراوة وحلاوة في الظّاهر وأخاف ميلانهم من المباح إلى المشتبه ومن المشتبه إلى المحرّم فيبقون خجلين منفعلين من مولاهم. ينبغي أن يكون في التوبة والإنابة قدم راسخ وأن يعتقد المنهيّات الشّرعيّة سمّا قاتلا. (شعر) وهذا لكم نصحي صحابيّ فإنّكم ... كطفل ودنيانا كبيت مزخرف وقد جعل الله سبحانه وتعالى بكرمه دائرة المباح وسيعة فما أشقى من يظنّ كلّ هذه الوسعة ضيّقة من ضيق صدره ويضع قدمه فيما وراء هذه الدائرة الوسيعة ويتجاوز الحدود الشّرعيّة ويقع في المشتبه والمحرّم. ينبغي للعاقل أن يلتزم الحدود الشّرعيّة وأن لا يتجاوزها مقدار شعرة. المصلّون والصّائمون بحسب الرّسم والعادة كثير ولكن المتّقون المتورّعون المحافظون على الحدود الشّرعيّة أقلّ قليل. والفارق المميّز بين الحقّ والمبطل هو هذا الإتّقاء والتّورّع فإنّ الصّوم والصّلاة بحسب الصّورة يصدران من كليهما. قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " ملاك دينكم الورع» (1). وقال أيضا عليه الصّلاة والسّلام «لا تعدل بالرّعة شيئا» (2). والأصحاب وإن كانوا يأكلون أطعمة لذيذة ويلبسون البسة جميلة ولكنّ الإلتذاذ والانتفاع في طعام الفقراء ولباسهم ذلك للملوك وهذا للصّعلوك. والفرق بينهما كثير فإنّ ذاك بعيد عن رضا المولى جلّ سلطانه وهذا قريب من رضاه تعالى وأيضا محاسبة ذاك ثقيلة ومحاسبة هذا خفيفة. ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيّئ لنا من أمرنا رشدا وقد وفّق المحظوظ سلطان مراد للتّوبة والإنابة وأخذ الطّريقة والمسئول من الله سبحانه الثبات والاستقامة والسّلام عليكم وعلى سائر الإخوان. (82) المكتوب الثاني والثمانون إلى الخواجه شرف الدين الحسين في التّحذير عن الدنيا الدنيّة والتّحريض على الشّريعة الغرّاء وما يناسب ذلك اللهمّ صغّر الدنيا بأعيننا وكبّر الآخرة في قلوبنا بحرمة حبيبك محمّد عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام أيّها الولد العزيز صاحب التّميّز إيّاك والرّغبة في زخارف الدنيا الدنيّة والإنخداع بالشّوكة الفانية وعليك بالسّعي في العمل بمقتضى الشّريعة الغرّاء في جميع الحركات والسّكنات والمعيشة على وفق الملّة الزهراء PageV02P191 فلا بدّ أوّلا من تصحيح الإعتقاد بمقتضى آراء علماء أهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم فإنّه ضروريّ وبعد ذلك يصرف عنان الهمّة إلى إتيان الاحكام الفقهيّة العمليّة فينبغي الإهتمام التّامّ في أداء الفرائض والإحتياط في الحلّ والحرمة والعبادات النّافلة في جنب الفرائض كالمطروح في الطّريق وساقطة عن الاعتبار واكثر النّاس في هذا الوقت في ترويج النّوافل وتخريب الفرائض يهتمّون في إتيان نوافل العبادات ويعدّون الفرائض حقيرة وعديمة الإعتبار يعطون مبلغا كلّيّا للمستحقّ وغير المستحقّ بتقريب وبغير تقريب ولكنّ إعطاء فلس في اداء الزّكاة للمصرف متعسّر عليهم ولا يدرون أنّ إعطاء فلس من الزّكاة للمصرف خير لهم من إعطاء ألوف صدقة نافلة فإنّ في إعطاء الزّكاة مجرّد امتثال أمر المولى جلّ سلطانه وفي الصّدقة النّافلة كثير ما يكون المنشأ الهواء النّفسانيّ ولهذا لا مساغ للرّياء في الفرض. وأمّا النّفل ففيه مجال للرّياء ومن ههنا كان الاولى في أداء الزّكاة الإظهار لنفي التّهمة وفي الصّدقة النّافلة الإخفاء لكونه اليق بالقبول وبالجملة لا بدّ من التزام الاحكام الشّرعيّة حتّى يتصوّر الخلاص من مضرّة الدنيا فإن لم تتيسّر حقيقة ترك الدنيا ينبغي أن لا يقصّر في التّرك الحكميّ وهو التزام الشّريعة في الاقوال والأفعال والله سبحانه الموفّق والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1). (83) المكتوب الثالث والثمانون إلى المير ماه محمود في بيان أنّ محبّة هذه الطّائفة العليّة رأس بضاعة جميع السّعادات وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. أحوال فقراء هذه الحدود وأوضاعهم مستوجبة للحمد والمسئول من الله سبحانه سلامتكم وعافيتكم وثباتكم واستقامتكم على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والبركة والتّحيّة. الطّريقة الّتي أخذها الاخ الاعزّ الارشد من هذا الفقير وإن لم تترتّب على ذلك الاخذ بواسطة قلّة نيل الصّحبة الّتي هي أصل عظيم عند هؤلاء الاكابر بركات وثمرات لائقة ولكن إذا بقيت شمّة من الإرتباط الحبّيّ الذي هو من لوازم تعليم الطّريقة فهي دولة عظيمة لأنّ المرء مع من أحبّ. والبركة الاولى الّتي تحصل في أوّل صحبة لمبتدى رشيد من هذه الطّريقة العليّة دوام توجّه القلب إلى المطلوب الحقيقيّ جلّ سلطانه ودوام التّوجّه هذا يوصّل في فرصة يسيرة إلى نسيان السّوى بحيث لو وفي عمر السّالك فرضا ألف سنة لا يخطر على قلبه غير الحقّ سبحانه بواسطة حصول نسيان السّوى له بل لو ذكّروه بالسّوى بالتّكلّف والتّعمّل لا يكاد يتذكّر فإذا حصلت هذه النّسبة فقد وضع قدما أوّل في الطّريقة فماذا أكتب من القدم الثاني والثالث والرّابع إلى ما شاء الله تعالى. القليل يدلّ PageV02P192 على الكثير والقطرة تنبئ عن الغدير. المقصود ترغيب الاحبّة نفع الله عزّ وجلّ وأوردنا في هذا القيل والقال الميان عبد العظيم ببيان محبّتكم والإخبار عن إخلاصكم السّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (84) المكتوب الرّابع والثمانون إلى الشّيخ حميد البنكاليّ بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد اختار أخي الشّيخ ميان حميد انزواء عجيبا بحيث أنّ المجال فيه للكلام والسّلام أيضا قليل حتّى لم يصل في مدّة سبع سنين أو ثماني سنين من جانبكم إلّا كتاب واحد وهو أيضا غير تامّ ولا يعلم أنّه هل تصل المكاتيب المرسلة من هذا الجانب إليكم أو لا؟ ولمّا كان أخي الاعزّ الشّيخ عبد الحيّ في صدد التّوجّه إلى وطنه أمرته أن يوصل نفسه إليكم وأن يطّلع على أحوالكم. والشّيخ عبد الحيّ كان في الخدمة قريبا من خمس سنين وكان أكثر خدمات الحضور متعلّقا به وهو ريّان من علوم الفقير ومعارفه وخبير بأحوال السّلوك والجذبة وأمرت المشار إليه بأن يقيم في منزلكم أيّاما وأن يورد في البين ما يناسب الوقت والحال من العلوم والمعارف وينبغي لكم أن تطلعوا المشار إليه على أحوالكم الماضية وما هو نقد الوقت من الأحوال والمواجيد كلّها. وأن تقبلوا كلّ ما ينصح به وباقي الأحوال يبيّنه المشار إليه لكم إن شاء الله تعالى والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى. (85) المكتوب الخامس والثمانون إلى الشّيخ نور محمّد الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. أحوال فقراء هذه الحدود وأوضاعهم مستوجبة للحمد والمسئول من الله سبحانه استقامتكم وأخي الشّيخ ميان عبد الحيّ من بلادكم ونازل في جواركم وهو نسخة العلوم والمعارف الغريبة وضروريّات هذا الطّريق مودعة عنده وملاقاته مغتنمة للأصحاب النّائين فإنّه قريب عهد بالصّحبة واستصحب معه أشياء جديدة وعنده علامة من الفناء والبقاء وبيان من السّلوك والجذبة بل هو خبير من ما وراء الفناء والبقاء المتعارفين والجذبة والسّلوك المقرّرين بل يمكن أن يقال إنّ PageV02P193 له ممرّا فيها وأكثر معارف المكتوبات الغريبة قد قرعت سمعه وأدركها بالاستفسار مهما أمكن والله سبحانه الموفّق. ويعلم الأحوال من المشار إليه بالتّفصيل فلا نشتغل بالزّوائد والسّلام. (86) المكتوب السّادس والثمانون إلى الشّيخ طاهر البدخشيّ في جواب كتابه الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفة الشّريفة من الاخ الاعزّ واتّضح ما اندرج فيها من بيان الأحوال والمعارف وأورث السّرور والفرح ما أعظم دولة توجّه المحبّين والمخلصين إلى جناب قدسه تعالى نافضين أيديهم من الكلّ وإقبالهم عليه سبحانه بكلّيّتهم ضاربين السّوى بأرجلهم وباقي كيفيّات هذه الحدود لعلّ الاخ الشّيخ عبد الحيّ يبيّنها. والعلوم اللّسانيّة والمعارف الكتابيّة كثيرة عند هذا المشار إليه ولهذا لم نكتب شيئا من تلك المقولة جعل الله عواقب جميع الامور بالخير بالنّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلاة والسّلام والتّحيّة. (87) المكتوب السّابع والثمانون إلى الفتح خان الأفغانيّ في النّصائح الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصل المكتوب الشّريف المنبئ عن كمال محبّة الفقراء وإخلاصهم رزق الله سبحانه الإستقامة على محبّة هؤلاء الفقراء. والنّصيحة الّتي أنصح بها الاحبّة ذوي السّعادة اتّباع السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة والاجتناب عن البدعة الغير المرضيّة فإنّ من أحيى سنّة من السّنن الّتي صارت متروكة العمل بها فله ثواب مائة شهيد فكيف من احيى فرضا من الفرائض او واجبا من الواجبات فتعديل الاركان في الصّلاة الذى هو واجب عند أكثر العلماء الحنفيّة وفرض عند الإمام أبي يوسف والإمام الشّافعيّ وسنّة عند بعض العلماء الحنفيّة صار متروكا عند أكثر النّاس فأجر إحياء هذا العمل الواحد يكون أزيد من ثواب مائة شهيد في سبيل الله وعلى هذا القياس سائر الاحكام الشّرعيّة من الحلّ والحرمة والكراهة وغيرها وقالوا: إنّ ردّ نصف دانق إلى شخص أخذه عنه ظلما بلا وجه شرعيّ أفضل من أن يتصدّق ماتي درهم. وقالوا: لو كان لشخص من العمل الصّالح مثل عمل نبيّ وبقي في ذمّته حقّ شخص مقدار نصف دانق لا يدخل الجنّة حتّى يؤدّي ذلك. وبالجملة ينبغي أن يكون متوجّها إلى الباطن بعد جعل الظّاهر محلّى بإتيان الاحكام الشّرعيّة لئلّا يكون العمل مختلطا بالغفلة. والتّحلّي بالأحكام الشّرعيّة بدون إمداد الباطن متعذّر وظيفة العلماء الإفتاء وشغل أهل الله العمل والاهتمام في الباطن مستلزم للاهتمام في الظّاهر والذي يهتمّ بالباطن ويعجز عن الظّاهر فهو ملحد وأحواله PageV02P194 الباطنيّة استدراجاته. وعلامة صحّة حال الباطن تحلّي الظّاهر بالأحكام الشّرعيّة. وطريق الإستقامة هو هذا والله سبحانه الموفّق. (88) المكتوب الثامن والثمانون إلى الملّا بديع الدين في بيان الرّضاء بالقضاء. الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى العبد المقبول من يكون راضيا بفعل مولاه والذي هو تابع رضاء نفسه فهو عبد نفسه فلو أمرّ المولى سكّينا على حلقوم العبد ينبغي أن يكون العبد مسرورا ومتبسّما في ذلك الوقت وأن يجد فعل مولاه ذلك مرضيّا لنفسه بل ينبغي أن يكون متلذّذا به فلو حصلت له الكراهة من ذاك الفعل عياذا بالله سبحانه وضاق منه صدره فهو بعيد عن دائرة العبوديّة ومطرود عن قرب المولى ومهجور وحيث كان الطّاعون مراده سبحانه وتعالى ينبغي أن يعدّه مراد نفسه وأن يكون مسرورا به ومتبسّما وأن لا يكون عبوسا وضيّق الصّدر من استيلاء الطّاعون بل ينبغي أن يكون متلذّذا به لكونه فعل المحبوب ولكلّ أحد أجل مسمّى لا احتمال فيه للزّيادة والنّقصان فما معنى الإضطراب. وغاية ما في الباب ينبغي أن يطلب العافية من البليّة والالتجاء إليه سبحانه من السّخط فإنّ رضاه تعالى في دعاء العبد وسؤاله قال ربّكم ادعوني أستجب لكم. جاء مولانا عبد الرّشيد وبيّن أحوال تلك البقعة عافاكم الله سبحانه عن البليّات الظّاهرة والباطنة. (89) المكتوب التّاسع والثمانون إلى السّيّد مير محبّ الله في النّصيحة ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم على جادّه آبائكم الكرام بحرمة حبيبه سيّد الأنام عليه وعليهم الصّلاة والسّلام. أحوال فقراء هذه الحدود وأوضاعهم مستوجبة للحمد لله سبحانه الحمد والمنّة دائما وعلى نبيّه الصّلاة والسّلام سرمدا والمسئول من الله سبحانه سلامتكم وعافيتكم وثباتكم واستقامتكم (أيّها) المخدوم المكرّم المشفق قد تمضي أوقات الإشتغال بالعمل كلّ ما يمرّ آن ينقص شيء من العمر ويقرب الاجل المسمّى فلو لم يحصل التّنبّه اليوم لا يكون نقد الوقت غدا غير الحسرة والنّدامة. ينبغي الإهتمام في المعاملة على وفق الشّريعة الغرّاء في هذه الايّام المعدودة حتّى تتصوّر النّجاة وهذا الوقت وقت العمل لا وقت الرّاحة فإنّ الرّاحة الّتي هي ثمرة العمل أمامنا والاستراحة في وقت العمل تضييع للزّراعة. ومنع لها عن الثمرات والزّيادة على ذلك تصديع نسأل الله سبحانه حصول الدولة الصّوريّة والمعنويّة. PageV02P195 (90) المكتوب التّسعون إلى المرزا عرب خان في تفويض شخص أيّدكم الله سبحانه ونصركم على أعداء الآفاقيّة والأنفسيّة ونجّاكم عن البليّات الصّوريّة والمعنويّة قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " الخلق عيال الله وأحبّ الخلق إلى الله من أحسن إلى عياله» (1) وقد تكفّل الحقّ سبحانه بأرزاق الخلائق فتكون الخلائق بمنزلة عياله تعالى ومن واسى عيال شخص وتحمّل ثقله يكون محبوب صاحب العيال البتّة حيث خفّف عنه برفع مؤنته بناء على ذلك نجترئ على التّصديع أنّ الحافظ حامدا رجل صالح وتالي القرآن المجيد وقد يشوّشه كثرة العيال وأنّه لا يقدر الخروج عن عهدة تربيتهم والمسئول من كرمكم إمداد المشار إليه وإعانته ويكفي الكرماء للكرم علّة جزئيّة والسّلام. (91) المكتوب الحادي والتّسعون إلى المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد في بيان أسرار قاب قوسين أو أدنى الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اسمع) سرّا عظيما في مقام قاب قوسين أو أدنى أنّ الإنسان الكامل إذا تحقّق بالسّير في الله بعد السّير إلى الله وتخلّق بأخلاق الله وأتمّ هذا السّير أيضا بطريق الإجمال وأتمّ دوائر ظهور عكوس الاسماء والصّفات الّتي إتمامها مربوط بالسّير في الله يصير لائقا ومستحقّا لان يظهر فيه المعشوق بالأصالة بلا شائبة الظّلّيّة وبلا توهّم الحاليّة والمحلّيّة وحيث لا انفكاك لصفات المعشوق الذّاتيّة عن ذاته يكون ظهور الذّات مع الصّفات في عين العاشق بالضّرورة ويحصل القوسان يعني: قوس الصّفات وقوس الذّات وهذا المقام الاعلى مقام قاب قوسين الذي هو متعلّق بظهور الاصل بلا شائبة الظّلّ وإذا ظهر في العاشق الصّادق بعناية الله سبحانه كمال الإرتباط والتّعلّق بذات المعشوق على حدّ لا يريد شيئا من الإسم والصّفة ففي هذا الوقت يستتر الإسم والصّفة بفضل الله جلّ PageV02P196 سلطانه عن نظره بالتّمام ولا يبقي ملحوظه ومشهوده شيئا غير الذّات وإن كانت الصّفات موجودة ولكنّها لا تكون مشهودة له فيظهر في هذا الحال سرّ (أو ادنى) ولا يبقى أثر من القوسين. فإذا وقع الهبوط من هذا المقام الاعلى يقع وضع القدم الاوّل في عالم الخلق بل يجلس في عنصر التّراب وهذا العنصر الطّاهر مع وجود بعده عن عالم القدس وكونه مهجورا عنه أقرب إلى عالم القدس من الكلّ وإذا نظرنا إلى النّزول والهبوط نجد دولة القرب نصيب عالم الخلق بل نصيب عنصر التّراب. نعم إذا لاحظنا النّقطة الاولى من الدائرة في جانب العروج نجد أقرب النّقط إلى ذلك الجانب النّقطة الثانية من تلك الدائرة. وإذا لاحظنا في جانب الهبوط نجد أقرب النّقط إلى النّقطة الاولى النّقطة الاخيرة مقبلة ومتوجّهة إلى النّقطة الاولى وشتّان ما بين المقبل والمعرض والنّقطة الثانية لها ميل إلى ظهورات النّقطة الاولى والنّقطة الاخيرة مخلّفة للظّهورات وراء ظهرها ومريدة للّذّات الظّاهرة فأين هو من ذاك. رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2). (92) المكتوب الثاني والتّسعون إلى المير محمّد نعمان في بيان أنّ الولاية عبارة عن قرب إلهيّ جلّ سلطانه وليست الخوارق والكرامات من شرطها وبيان حكم سجدة التّحيّة للسّلاطين وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ليطب وقت الاخ الاعزّ السّيّد مير محمّد نعمان وليعلم أنّ ظهور الخوارق والكرامات ليس من شرط الولاية. وكما أنّ العلماء ليسوا مكلّفين بحصول الخوارق الأولياء أيضا ليسوا مكلّفين بظهور الخوارق فإنّ الولاية عبارة عن قرب إلهيّ جلّ سلطانه يكرم به أولياءه بعد نسيان السّوى شخص يعطى هذا القرب ولا يعطى الإطّلاع على أحوال المغيّبات والمحدثات. وشخص ثان يعطى هذا القرب ويعطى الإطّلاع أيضا على المغيّبات والمحدثات. وشخص ثالث لا يعطى من القرب شيئا ويعطى الإطّلاع على المغيّبات. وهذا الشّخص الثالث من أهل الإستدراج. وجعله صفاء النّفس مبتلى بكشف المغيّبات وألقاه في الضّلالة وآية ويَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ الْكاذِبُونَ اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ الله أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ) علامة حالهم. والشّخص الاوّل والشّخص الثاني اللّذان مشرّفان بدولة القرب من أولياء الله تعالى لا يزيد كشف المغيّبات شيئا في ولايتهم ولا ينقّص عدم الكشف شيئا من ولايتهم. والتّفاوت بينهم PageV02P197 إنّما هو باعتبار درجات القرب وكثيرا ما يكون صاحب عدم كشف الصّور الغيبيّة أفضل من صاحب كشف تلك الصّور وأسبق منه قدما بواسطة مزيّة القرب الحاصل له. صرّح بهذا المعنى صاحب العوارف الذي هو شيخ الشّيوخ ومقبول جميع الطّوائف في كتابه العوارف فمن لم يصدّق هذا الكلام منّي فليراجع ذلك الكتاب فإنّه ذكر فيه بعد ذكر الكرامات والخوارق: وكلّ هذه مواهب الله تعالى وقد يكاشف بها قوم ويعطى وقد يكون فوق هؤلاء من لا يكون له شيء من هذا لانّ هذه كلّها تقوية اليقين ومن منح صرف اليقين لا حاجة له إلى شيء من هذا فكلّ هذه الكرامات دون ما ذكرناه من تجوهر الذّكر في القلب ووجود ذكر الذّات انتهى. قال إمام هذه الطّائفة الخواجه عبد الله الأنصاريّ الملقّب بشيخ الإسلام في كتابه منازل السّائرين: إنّ الفراسة على نوعين فراسة أهل المعرفة وفراسة أهل الجوع والرّياضة ففراسة أهل المعرفة في تمييزهم من يصلح لحضرة الله جلّ وعلا ممّن لا يصلح. ومعرفتهم أهل الإستعداد الذين اشتغلوا بذكر الله سبحانه ووصلوا إلى حضرة الجمع وفراسة أهل الرّياضة وأرباب الجوع مخصوصة بكشف الصّور والإخبار عن المغيّبات المختصّة بالمخلوقات ولمّا كان العالم أكثرهم أهل انقطاع عن الله سبحانه واشتغالا بالدّنيا مالت قلوبهم إلى أهل كشف الصّور والإخبار عمّا غاب من أحوال المخلوقات فعظّموهم واعتقدوا أنّهم من أهل الله وخاصّته وأعرضوا عن كشف أهل الحقيقة واتّهموهم فيما يخبرون عن الله سبحانه وقالوا: لو كان هؤلاء أهل الله كما يزعمون لاخبرونا عن أحوالنا الغيبيّة وأحوال سائر المخلوقات وإذا كانوا لا يقدرون على كشف أحوال المخلوقات فكيف يقدرون على كشف أمور اعلى من هذه وكذّبوهم في فراستهم المتعلّقة بذات الواجب وصفاته جلّ وعلا بهذا القياس الفاسد وعميت عليهم الانباء الصّحيحة ولم يعلموا أنّ الله قد حمى هؤلاء عن ملاحظة الخلق وخصّهم بجناب قدسه وشغلهم عمّا سواه حماية لهم وغيرة عليهم ولو كانوا ممّن يتعرّضون لأحوال الخلق ما صلحوا للحقّ سبحانه انتهى كلامه. وقال كلمات أخر أيضا أمثال ذلك وأنا سمعت حضرة شيخي - قدّس سرّه - يقول كتب الشّيخ محيي الدين بن العربيّ أنّ بعض الأولياء الكرام الذي ظهرت منه كرامات وخوارق كثيرة ندم في آخر النّفس من ظهور تلك الكرامات وقال تمنّيا: يا ليت هذه الكرامات لم تظهر منّي فلو كان التّفاضل باعتبار كثرة ظهور الخوارق لا يكون للنّدامة على ذلك الطّور معنى. (فإن قيل) إذا لم يكن ظهور الخوارق شرطا في الولاية كيف يتميّز الوليّ من غير الوليّ وكيف يتبيّن المحقّ من المبطل؟ (أجيب) لا يلزم التّمييز بل يكون المحقّ ممتزجا بالمبطل فإنّ اختلاط الحقّ بالباطل لازم لهذه النّشأة الدنيويّة والعلم بولاية وليّ ليس بلازم أصلا. وكثير من أولياء الله تعالى لا اطّلاع لهم على ولايتهم فكيف يكون الإطّلاع على ولايتهم لازما لغيرهم وفي النّبيّ لا بدّ من الخوارق ليتميّز النّبيّ من غير النّبيّ فإنّ العلم بنبوّة نبيّ واجب والوليّ لمّا كان داعيا إلى شريعة نبيّه كفاه معجزة نبيّه فلو كان الوليّ يدعو إلى ما وراء الشّريعة لما كان له بدّ من خارق. وحيث كانت دعوته مخصوصة بشريعة نبيّ لا يلزم الخارق أصلا. PageV02P198 العلماء يدعون إلى ظاهر الشّريعة والأولياء يدعون إلى ظاهر الشّريعة وباطن الشّريعة يدلّون المريدين والطّالبين أوّلا على التّوبة والإنابة ويرغّبونهم في إتيان الاحكام الشّرعيّة ويهدونهم ثانيا إلى طريق ذكر الحقّ جلّ وعلا ويؤكّدون في استغراق جميع أوقاتهم بالذّكر الإلهيّ جلّ سلطانه إلى أن يستولى الذّكر ولا يبقى في القلب غير المذكور أصلا ليحصل النّسيان عن جميع ما سوى المذكور حتّى لو كلّف بتذكّر الاشياء لا يكاد يتذكّر ومن اليقين أنّه لا حاجة للوليّ لاجل هذه الدعوة الّتي تتعلّق بظاهر الشّريعة وباطنها إلى الخوارق أصلا. والشّيخوخة والمريديّة عبارتان عن هذه الدعوة الّتي لا تعلّق لها بالخوارق ولا مساس لها بالكرامة مع أنّا نقول: إنّ المريد الرّشيد والطّالب المستعدّ يحسّ في كلّ ساعة في أثناء سلوك الطّريق خوارق شيخه وكراماته ويستمدّ منه في المعاملة الغيبيّة في كلّ زمان ويجد منه فيها مددا. وظهور الخوارق بالنّسبة إلى الاغيار ليس بلازم. وأمّا بالنّسبة إلى المريدين فكرامات في كرامات وخوارق في خوارق وكيف لا يحسّ المريد خوارق الشّيخ فإنّ أحيا القلب الميّت وأوصل إلى المكاشفة والمشاهدة فإذا كان عند العوامّ الإحياء الجسديّ عظيم الشّأن فعند الخواصّ الإحياء القلبيّ والرّوحيّ برهان رفيع البنيان. كتب الخواجه محمّد ?ارسا - قدّس سرّه - في الرّسالة القدسيّة: ولمّا كان الإحياء الجسديّ معتبرا عند أكثر النّاس أعرض عنه أهل الله واشتغلوا بالإحياء الرّوحيّ وتوجّهوا إلى إحياء القلب الميّت. والحقّ أنّ الإحياء الجسديّ بالنّسبة إلى الإحياء القلبيّ والرّوحيّ كالمطروح في الطّريق وداخل في العبث بالنّظر إليه فإنّ هذا الإحياء سبب حياة أيّام معدودة وذاك الإحياء وسيلة للحياة الدائميّة. بل نقول إنّ وجود أهل الله في الحقيقة كرامة من الكرامات ودعوتهم الخلق إلى الحقّ جلّ سلطانه رحمة من رحمات الله تعالى وإحياؤهم القلوب الميّتة آية من الآيات العظمى. وهم أمان أهل الارض وغنائم الايّام بهم يمطرون وبهم يرزقون وارد في شأنهم: كلامهم دواء ونظرهم شفاء هم جلساء الله وهم قوم لا يشقى جليسهم ولا يخيب أنيسهم والعلامة الّتي يتميّز بها محقّ هذه الطّائفة من مبطلهم هي أنّه إذا كان شخص له استقامة على الشّريعة ويحصل للقلب في مجلسه ميل وتوجّه إلى الحقّ سبحانه وتعالى ويفهم حصول برودة عمّا سواه تعالى فذلك الشّخص شخص محقّ ولا يعدّ من الأولياء على تفاوت الدرجات مستحقّ. و هذا أيضا بالنّظر إلى أرباب المناسبة والذي لا مناسبة له فهو محض محروم مطلق. (شعر) من لم يكن في نفسه ميل الهدى ... فشهوده وجه النّبيّ لا ينفعه وقد اندرجت في المكتوب الشّريف شمّة من طلب سلطان الوقت لله تعالى من حسن النّشأة ووقع رمز إلى العدالة والتزام الأحكام الشّريعة فأورثت مطالعة ذلك فرحا وافرا وذوقا كما أنّ الحقّ سبحانه نوّر العالم بنور عدل سلطان الوقت وعدالته نصر الشّريعة المحمّديّة وأعزّ الملّة المصطفويّة أيضا بحسن اهتمامه (أيّها المحبّ) بحكم " الشّريعة تحت السّيف " رواج الشّريعة الغرّاء مربوط بحسن اهتمام السّلاطين العظام. وهذا المعنى قد طرأ عليه الضّعف من منذ أوقات فصار الإسلام ضعيفا بالضّرورة وطفق PageV02P199 كفّار الهند يهدمون المساجد بلا تحاش ويعمّرون في مواضعها معابدهم كان في تانيسر في داخل حوض كركيهت مسجد وقبر واحد من الاعزّة فهدموه وبنوا موضعه ديرا كبيرا وأيضا الكفّار يجرون مراسم الكفر على الملأ كما شاءوا والمسلمون عاجزون عن إجراء أحكام الإسلام ويوم الكادس للهنود الذين يتركون فيه الاكل والشّرب يهتمّون في أن لا يطبخ ولا يبيع أحد من المسلمين خبزا في أسواق بلاد المسلمين وفي شهر رمضان المبارك يطبخون الخبز والطّعام في الملأ ويبيعون ولا يقدر أحد من ضعف الإسلام على منعه. يا أسفا على ذلك مائة ألف أسف. سلطان الوقت منّا ونحن الفقراء بهذا الضّعف والوهن وقد قوي الإسلام بإكرام أصحاب الدولة وإعزازهم إيّاه وكان العلماء والصّوفيّة معزّزين ومحترمين وكانوا يجتهدون في ترويج الشّريعة بتقوية هؤلاء وسمعت أنّ الامير تيمور عليه الرّحمة كان يوما يمرّ من بعض أزقّة بخارا وكان دراويش خانقاه الخواجه النّقشبند ينفضون فرش خانقاه الخواجه اتّفاقا فتوقّف الامير في ذلك المحلّ من حسن نشأته الإسلاميّة حتّى جعل غبار الخانقاه عنبرا لنفسه وصندلا يتشرّف ببركات فيوض الدراويش ولعلّه بهذا التّواضع والانكسار تشرّف بحسن الخاتمة. نقل أنّ حضرة الخواجه النّقشبند - قدّس سرّه - قال بعد وفاة الأمير تيمور: «أمير مردو إيمان يرد " يعني: مات الامير واستصحب إيمانه هل تعلم ما وجه نزول الخطباء إلى درجة سفليّة عند ذكر أسامي السّلاطين في خطبة الجمع هو تواضع السّلاطين العظام بالنّسبة إلى نبيّنا وخلفائه الرّاشدين عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ولم يجوّزوا أن تذكر أساميهم مع أسامي أكابر الدين في درجة واحدة شكر الله تعالى سعيهم. (تذييل) أيّها الاخ إنّ السّجدة الّتي هي عبارة عن وضع الجبين على الارض متضمّنة لنهاية التّذلّل والانكسار ومشتملة على كمال التّواضع والافتقار ولهذا جعلوا هذا القسم من التّواضع مخصوصا بعبادة واجب الوجود جلّ سلطانه ولم يجيزوه لغيره تعالى. نقل أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يوما يمشي على طريق فجاء أعرابيّ فطلب منه معجزة حتّى يؤمن فقال له صلّى الله عليه وسلّم: قل لهذه الشّجرة إنّ رسول الله يطلبك فتحرّكت وانقلعت عن محلّها وجاءت حتّى وقفت بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلمّا شاهد الأعرابيّ هذا الحال أسلم وقال: ائذن لي أسجد لك يا رسول الله قال: لا تجوز السّجدة لغير الله تعالى لو أمرت أحدا أن يسجد لاحد لامرت المرأة أن تسجد لزوجها» (1). وبعض الفقهاء وإن جوّزوا سجدة PageV02P200 التّحيّة للسّلاطين ولكنّ اللّائق بحال السّلاطين العظام أن يتواضعوا في هذا الامر لحضرة الحقّ سبحانه وتعالى وأن لا يجوّزوا نهاية التّذلّل والإنكسار هذه لغيره تعالى. وقد سخّر لهم الله سبحانه العالم وأحوجهم إليهم فينبغي أداء شكر هذه النّعمة العظمى وأن يخصّصوا مثل هذا التّواضع المنبئ عن كمال العجز والانكسار بجناب قدسه تعالى وأن لا يجوّزوا الشّركة معه تعالى في هذا الامر وإن جوّز جمع هذا المعنى ولكن ينبغي لحسن تواضعهم أن لا يجوّزوه هل جزاء الإحسان الّا الإحسان وحيث انّ سلطان الوقت نزل إلى دار الخلافة راجعا من أقصى ممالكه يتحمّل أن يوصل هذا الفقير نفسه عن قريب إلى دار الخلافة بمشيئة الله تعالى. والباقي عند التّلاقي والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والتّسليمات العلى. (93) المكتوب الثالث والتّسعون إلى الخواجه هاشم البدخشيّ الكشميّ في بيان أنّ لكلّ من لطائف عالم الخلق وعالم الامر ظاهرا وباطنا ولحوق هذا الباطن باسم هو قيّوم العارف وبيان أنّ العارف في وقت النّزول إلى القلب متوجّه إلى دعوة العباد ظاهرا وباطنا (اعلم) أنّ عالم الخلق وعالم الامر للعارف التّامّ المعرفة وإن كان كلاهما داخلين في الظّاهر والصّورة بالنّسبة إلى الإسم القيّوم الذي هو وجهه الخاصّ وفي الحقيقة هو باطنه وحقيقته كما حرّر تحقيقه في مكتوب ولكن إذا لاحظنا هذا الظّاهر والصّورة بحدّة النّظر الّتي هي صارت موهبة بمحض فضل الله جلّ سلطانه يظهر هنا أيضا ظاهر وباطن وتبدو صورة وحقيقة لا إنّه نجد عالم الخلق بالتّمام ظاهرا وعالم الامر باطنا كما ظنّ جماعة بل في كلّ لطيفة من لطائف عالم الخلق والأمر صورة وحقيقة عنصر التّراب له ظاهر وباطن وكذلك الاخفى له ظاهر وباطن وهذا الباطن الذي يتعلّق بعالم الخلق وعالم الامر يكون يوما فيوما بتوسّط الاعمال الصّالحة بل بمحض موهبة الله جلّ سلطانه ملحقا بذاك الباطن الذي هو مربوط بالاسم القيّوم شيئا فشيئا إلى حدّ لا يبقى من هذا الباطن أثر أصلا وكلّ ما هو غير الظّاهر الصّرف يصير مختفيا. ولحاق هذا الباطن بالاسم القيّوم ليس هو بمعنى أنّ هذا الباطن يكون في ذلك الإسم وأنّه يتّحد معه فإنّ ذلك الحاد سبحان من لا يتغيّر بذاته ولا بصفاته ولا بأسمائه بحدوث الاكوان بل بمعنى أنّه تحصل لهذا الباطن نسبة إلى ذلك الإسم مجهولة الكيفيّة تكون موهمة للحلول والاتّحاد. PageV02P201 وفي الحقيقة لا حلول ولا اتّحاد فإنّ ذلك مستلزم لقلب حقيقة الإمكان إلى حقيقة الوجوب تعالت وتقدّست وهو محال عقليّ وزندقة في الشّريعة وذاك الظّاهر الصّرف الذي يبقى وإن كان من عالم الشّهادة فإنّه مشهود ومرئيّ ولكنّه منصبغ بلون الباطن وإن كان الباطن خارجا من حيطة الشّهود والإدراك وصار ملحقا بالغيب وأخذ لونه فإنّ الكيفيّ ما لم يأخذ لون اللّاكيفيّ ولم يخرج من حيطة الإدراك الكيفيّ ولم يحمل حموله من الشّهادة إلى الغيب لا ينال نصيبا من اللّاكيفيّ الحقيقيّ ولا يكون مطّلعا على غيب الغيب (ينبغي) أن يعلم أنّ هذا الظّاهر الذي بقي على حاله متميّزا من الباطن وجهه إلى الخلق بالتّمام والطّاعات والعبادات الشّرعيّة مربوطة به ومعاملة الدعوة والتّكميل أيضا منوطة به وباطن هذا العارف صاحب التّكميل سواء كان متعلّقا بالمراتب الإمكانيّة أو بالمقامات الوجوبيّة أيضا متوجّه إلى الظّاهر وإلى أيّ شيء يتوجّه الظّاهر يتوجّه الباطن أيضا إلى تلك الجهة لاجل التّكميل والتّربية وتتميم العبادة فإنّ هذا الدار دار العمل وهذا الموطن موطن الدعوة وحقيقة الشّهود والمشاهدة إنّما هي في الآخرة ومعاملة الكشف والمعاينة أمامنا وعبادة المعبود جلّ سلطانه في هذا الموطن أفضل من الإستغراق في المعبود تعالى. وانتظار المطلوب الذي هو ناش من المحبّة خير من الإستهلاك في المطلوب. يصدّق أرباب السّكر ذلك أوّلا. وتوجّه الظّاهر والباطن هذا الذي حصل لعارف صاحب تكميل إلى جانب الخلق هو إلى بلوغ الاجل المسمّى الذي هو منتهي مقام الدعوة فإذا بلغ الاجل يطّلع على جسر الموت ويضع قدمه في منزل وصال المحبوب ويشرّف بدولة الوصل والاتّصال بلا مزاحمة الاغيار. (شعر) هنيئا لارباب النّعيم نعيمها ... وللعاشق المسكين ما يتجرّع رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) والصّلاة والسّلام والتّحيّة والبركة على خير خلق الله وعلى إخوانه الكرام وعلى آله وصحبه العظام إلى يوم القيام. (94) المكتوب الرّابع والتّسعون إلى مولانا عبد القادر الأنباليّ في بيان حقيقة الفناء والبقاء وانفكاك العدم من حقيقة العارف وصورته وتكميل نسبة المجاورة بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين (اعلم) أنّ حقائق الممكنات بعلم هذا الفقير كما كتب في بعض المكاتيب عبارة عن العدمات الّتي هي منشأ جميع الشّرّ والنّقص مع عكوس الصّور العلميّة للأسماء والصّفات الإلهيّة جلّ شأنه الّتي ظهرت في تلك العدمات PageV02P202 غاية ما في الباب أنّ تلك العدمات مثل الهيولى وتلك العكوس كالصّورة الحالّة في الهيولى تشخّص تلك العدمات وتميّزها بتلك العكوس الظّاهرة فيها وقيام تلك العكوس بتلك العدمات المتميّزة وهذا القيام ليس هو كقيام العرض بالجوهر بل كقيام الصّورة بالهيولى على ما قالوا إنّ قيام الصّورة بالهيولى وتشخيص الهيولى بالصّورة فإذا كان السّالك متوجّها بتوفيق الله سبحانه إلى جناب قدس الحقّ جلّ شأنه بالذّكر والمراقبة وأعرض عمّا سواه سبحانه ساعة فساعة تحصل لتلك الصّور العلميّة للصّفات الواجبة جلّ شأنه في كلّ آن قوّة وغلبة وتستولي على قرينها الذي هو العدمات وتتسلّط ألا إنّ حزب الله هم الغالبون وتبلغ المعاملة مبلغا تشرع العدمات الّتي هي كالأصل والهيولى لتلك العكوس في الإستتار بل تكون مختفية عن نظر السّالك بالتّمام ولا يبقى في نظره غير العكوس والأصول وأصول الاصول بل تكون العكوس الّتي هي مرايا أصولها مختفية عن النّظر فإنّه لا بدّ للمرايا من الإختفاء وهذا المقام مقام الفناء وعال جدّا فإن شرّف هذا السّالك الفاني بالبقاء بالله وارجع إلى العالم يجد عدمه كالجلد الضّيّق الذي هو لوقاية البدن ويكاد يعبّر عنه من غاية عدم مناسبته له بقميص من شعر ويجده مباينا لنفسه. ولكن ما كان العدم مباينا له في هذا الموطن في الحقيقة بل هو داخل في مظان أنانيّته وبالجملة انّ العدم في هذا المقام جزؤه المغلوب والمستور ومتنزّل عن الحالة الّتي كانت له فيما قبل وصار تابعا بل قائما بتلك العكوس الّتي كان قيامها به. وهذا الفقير كان في هذا المقام سنين ووجد عدمه مباينا لنفسه كقميص من شعر ولمّا كانت عناية الله سبحانه الّتي لا غاية لها شاملة لحاله بعد اللّتيا واللّتي رأى أنّ ذلك الجزء المغلوب انحلّ من هذا التّركيب وفارقه وفقد التّشخّص الذي كان عارضا له بحصول تلك العكوس وكأنّه صار ملحقا بالعدم المطلق كصورة تجعل في قالب ويجعل قيامها به فإذا كملت وحصل لها ثبات ورسوخ يكسر ذلك القالب وتخرج الصّورة منه ويجعل قائمة بنفسها وفيما نحن فيه أيضا العكوس الّتي كان قيامها به حصل لها قيامها بنفسها بل بأصولها ففي هذا الوقت لم يبق إطلاق أنا على غير العكوس وأصول تلك العكوس وكان الجزء العدميّ لم يكن له مساس بها. ووجدان حقيقة الفناء إنّما حصلت في هذا الموطن وكأنّ الفناء السّابق كان صورة هذا الفناء. ولمّا أخرج إلى البقاء من هذا المقام وأرجع إلى العالم أعيد ذلك العدم الذي كانت له نسبة الجزئيّة وكانت له الاصالة والغلبة وجعل مجاورا وقرينا له ومباينا عن حقيقته وصورته وأبعد عن إطلاق لفظ أنا عليه وألبس هواياه كقميص الشّعر ثانيا لاجل حكم ومصالح وفي هذه الحالة وإن أعيد العدم ولكن لم يجعل قيام تلك العكوس مربوطا به بل جعل قيام العدم بتلك العكوس كما مرّ في البقاء السّابق فإذا كان في ذلك البقاء هذه النّسبة تكون هذه النّسبة في تلك الحالة الّتي هي حقيقة البقاء على الوجه الاتمّ (غاية) ما في الباب أنّ للثّوب تأثيرا في صاحب الثوب بعد لبسه فإنّه إذا كان الثوب حارّا يتأثّر اللّابس بالحرارة وإن كان باردا يتأثّر بالبرودة وكذلك هذا العدم المشابه بالثّوب وجد له تأثيرا في نفسه ورأى أثره ساريا في جميع بدنه ولكن يعرف أنّ هذا التّأثير والسّراية ظاهريّ لا باطنيّ عرضيّ لا PageV02P203 ذاتيّ حاصل من المجاور الخارج لا من المجانس الداخل. وإن وجد الشّرّ والنّقص اللّذان ناشيان من ذلك العدم فهما أيضا عرضيّان خارجيّان لا ذاتيّان أصليّان. وصاحب هذا المقام وإن كان مشاركا لسائر النّاس في البشريّة ومساهما مع غيره في صدور الصّفات البشريّة ولكنّ ظهور الصّفات البشريّة منه ومن أبناء جنسه عرضيّ ناش من المجاور ومن الآخرين ذاتيّ وأصليّ. شتّان ما بينهما والعوامّ يتصوّرون الخواصّ بل أخصّ الخواصّ كأنفسهم ملاحظين المشاركة الصّوريّة ويكونون في مقام الإنكار عليهم ويحرمون بركاتهم قوله تعالى فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وقوله تعالى وقالوا ما لهذا الرّسول يأكل الطّعام ويمشي في الاسواق علامة حالهم. وكلّ ما أرى في نفسي من الصّفات البشريّة اجد بعناية الله سبحانه انّ حامل تلك الصّفات هو ذلك العدم المجاور الذى جري في كلّيتي وسرّي وأجد نفسي بالتّمام والكمال طاهرا ومبرّأ من تلك الصّفات ولا أحسّ في نفسي نبذة من تلك الصّفات لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك وهذه الصّفات الّتي تظهر بسبب المجاورة كحمرة تظهر من شخص لابس لباسا أحمر بسبب حمرة اللّباس المجاور والحمقاء لعدم تمييزهم يظنّون حمرة مجاور شخص حمرة ذلك الشّخص وينسبون إليه أحكاما مخالفة للواقع. (شعر) خاب الذي قد يرى ذا القبح كالحسن ... وفاز من كان فيه حدّة البصر النّيل كان دما للقبط ولبنى ... يعقوب ماء وذا من أعظم العبر رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (1) والسّلام على من اتّبع الهدى (2). (95) المكتوب الخامس والتّسعون إلى مقصود عليّ التّبريزيّ في جواب سؤاله عن الكفر الحقيقيّ بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وصلت الصّحيفة الشّريفة ووقع فيها الإستفسار عن بعض كلمات الصّوفيّة (أيّها المخدوم) وإن لم يقتض الوقت والمكان قولا وكتابة ولكن لا بدّ للسّؤال من الجواب فحرّرت كلمات ومجمل الكلام في حلّ جميع تلك المسائل هو أنّه كما أنّ في الشّريعة كفرا وإسلاما في الطّريقة أيضا كفر وإسلام وكما أنّ كفر الشّريعة شرّ ونقص PageV02P204 والإسلام كمال كذلك كفر الطّريقة أيضا نقص وشرّ وإسلامها كمال وكفر الطّريقة عبارة عن مقام الجمع الذي هو محلّ الإستتار وتميّز الحقّ من الباطل مفقود في هذا الموطن فإنّ مشهود السّالك فيه في المرايا الجميلة والرّذيلة هو جمال وحدة المحبوب فلا يجد الخير والشّرّ والكمال والنّقص غير مظاهر لتلك الوحدة وظلالها. فلا جرم يكون نظر الإنكار الذي ناش عن التّمييز معدوما في حقّه فبالضّرورة يكون مع الكلّ في مقام الصّلح ويجد الكلّ على صراط مستقيم ويترنّم بهذه الآية الكريمة (وما من دابّة الّا هو آخذ بناصيتها إن ربّي على صراط مستقيم) وأحيانا يرى المظهر عين الظّاهر فيظنّ الخلق عين الحقّ والمربوب عين الرّبّ وكلّ هذه أزهار تتفتّق من مرتبة الجمع قال الحلّاج في هذا المقام. (شعر) كفرت بدين الله والكفر واجب ... لديّ وعند المسلمين قبيح ولكفر الطّريقة هذا مناسبة تامّة بكفر الشّريعة وإن كان كافر الشّريعة مردودا ومستحقّا للعذاب وكافر الطّريقة مقبولا ومستوجبا للدّرجات فإنّ هذا الكفر والإستتار ناش من غلبة محبّة المحبوب الحقيقيّ ونسيان غيره كلّه فيكون مقبولا وذاك الكفر حاصل من إستيلاء الجهل والتّمرّد فيكون مردودا بالضّرورة وإسلام الطّريقة عبارة عن مقام الفرق بعد الجمع الذي هو مقام التّمييز. والحقّ والخير متميّزان هنا من الباطل والشّرّ ولاسلام الطّريقة هذا مناسبة تامّة بإسلام الشّريعة بل إذا بلغ إسلام الشّريعة كماله تحصل له نسبة الإتّخاذ بهذا الإسلام بل كلا الإسلامين إسلام الشّريعة والفرق بينهما بظاهر الشّريعة وباطن الشّريعة وبصورة الشّريعة وحقيقة الشّريعة ومرتبة كفر الطّريقة أعلى من مرتبة إسلام صورة الشّريعة وإن كانت أدون بالنّسبة إلى إسلام حقيقة الشّريعة. (شعر) متى قسنا السّماء بالعرش ينحطّ ... وما أعلاه إن قسنا بأرض وكلّ من تكلّم من المشائخ قدّس الله أسرارهم بالشّطحيّات من الكلمات المخالفة لظاهر الشّريعة كلّ ذلك في مقام كفر الطّريقة الذي هو موطن السّكر وعدم التّمييز. والكبراء الذين تشرّفوا بدولة إسلام الحقيقة فهم منزّهون ومبرّأون من أمثال هذه الكلمات ومقتدون بالأنبياء ومتابعون لهم ظاهرا وباطنا فالشّخص الذي يتكلّم بالشّطحيّات ويكون في مقام الصّلح من الكلّ ويظنّ الجميع على صراط مستقيم ولا يثبت التّمييز بين الحقّ والخلق ولا يقول بوجود الإثنينيّة فإن وصل هذا الشّخص إلى مقام الجمع وتحقّق بكفر الطّريقة ونسي السّوى فهو مقبول وكلماته ناشئة من السّكر ومصروفة عن الظّاهر. وإن تكلّم بهذه الكلمات بدون حصول هذا الحال وبلا وصول إلى الدرجة الاولى من الكمال وزعم الكلّ على حقّ وعلى صراط مستقيم ولم يميّز الباطل من الحقّ فهو من الزّنادقة والملاحدة الذين مقصودهم إبطال الشّريعة ومطلوبهم رفع دعوة الانبياء الذين هم رحمة للعالمين عليهم الصّلوات والتّحيّات فهذه الكلمات الخلافيّة تصدر من المبطل وهي للمحقّ ماء الحياة وللمبطل سمّ قاتل كماء نيل حيث كان لبني إسرائيل ماء زلالا PageV02P205 وللقبط دما ونكالا وهذا المقام من مزلّة الاقدام قد انحرف جمّ غفير من أهل الإسلام عن الصّراط المستقيم بتقليد كلمات أكابر أرباب السّكر ووقعوا في بوادي الضّلالة والخسارة وجعلوا دينهم هباء منثورا ولم يعلموا أنّ قبول هذا الكلام مشروط بالشّرائط وهي موجودة في أرباب السّكر ومفقودة في هؤلاء. ومعظم هذه الشّرائط نسيان ما سوى الحقّ سبحانه الذي هو دهليز القبول ومصداق امتياز المحقّ من المبطل الإستقامة على الشّريعة وعدم الإستقامة عليها والذي هو محقّ لا يرتكب خلاف الشّريعة مقدار شعرة مع وجود السّكر وعدم التّمييز كان الحلّاج مع صدور قول أنا الحقّ عنه يصلّي كلّ ليلة في السّجن خمسمائة ركعة مع قيد ثقيل وكان لا يأكل الطّعام الذى مسّه يد الظّلمة ولو كان من وجه حلال والذى هو مبطل يكون اتيان الاحكام الشّرعيّة ثقيلا عليه مثل جبل قاف كبر على المشركين ما تدعوهم إليه علامة حالهم رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2). (96) المكتوب السّادس والتّسعون إلى الخواجه أبي الحسن بهاء البدخشيّ الكشميّ في حلّ منع الفاروق إتيان القرطاس حين طلبه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في مرض موته ليكتب شيئا (3) بوجوه شتّى الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (سؤال) انّ حضرة خاتم الرّسل وبالرّسالة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة طلب قرطاسا في مرض موته وقال: ائتوني بقرطاس أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعدي. ومنع الفاروق مع جمع آخر من الاصحاب رضوان الله عليهم إتيان القرطاس وقال: حسبنا كتاب الله وقال أيضا " أهجر استفهموه " وما قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قاله بطريق الوحي كما قال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى إن هو الّا وحي يوحى) ومنع الوحى وردّه كفر كما قال تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وأيضا إنّ تجويز الهجر والهذيان للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مستلزم لرفع الإعتماد على الاحكام الشّرعيّة وهو كفر وإلحاد وزندقة فما حلّ هذه الشّبهة القويّة. PageV02P206 (اعلم) أرشدك الله وهداك سواء الصّراط أنّ هذه الشّبهة وأمثالها الّتي يوردها جماعة على حضرات الخلفاء الثلاثة وعلى سائر الصّحابة الكرام رضي الله عنهم ويريدون بهذه التّشكيكات ردّهم لو أنصف هؤلاء الجماعة وقبلوا شرف صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وعلموا أنّ نفوسهم كانت مزكّاة في صحبة خير البشر من الهوى والهوس وصارت صدورهم صافية عن الحقد والعداوة وعلموا أنّهم أكابر الدين وكبراء الإسلام وأنّهم بذلوا جهدهم في إعلاء كلمة الإسلام ونصرة سيّد الأنام وأنفقوا أموالهم في تأييد الدين المتين ليلا ونهارا سرّا وجهارا وتركوا في محبّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشائرهم وقبائلهم وأولادهم وأزواجهم وأوطانهم ومساكنهم وعيونهم وزروعهم وأشجارهم وأنهارهم وآثروا نفس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على نفوسهم واختاروا محبّة رسول الله على محبّة أنفسهم ومحبّة أولادهم وأموالهم وأنّهم الذين شاهدوا الوحي والملك ورأوا المعجزات والخوارق حتّى صار غيبهم شهادة وعلمهم عينا وهم الذين أثنى الله تعالى عليهم في القرآن المجيد (رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك مثلهم في التّوراة ومثلهم في الإنجيل) فإذا كان جميع الاصحاب الكرام شركاء في هذه الكرامات فماذا أظهر من جلالة شأن أكابر الاصحاب الذين هم الخلفاء الرّاشدون. والفاروق هو الذي قال الله سبحانه وتعالى في شأنه لرسوله (يا أيّها النّبيّ حسبك الله ومن اتّبعك من المؤمنين) قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: إنّ سبب نزول هذه الآية إسلام عمر رضي الله عنه فبعد حصول نظر الإنصاف وقبول شرف صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّات وبعد علم جلالة شأن أصحابه الكرام وعلوّ درجاتهم عليهم الرّضوان يكاد يتصوّر المعترضون والمشكّكون هذه الشّبهات مثل المغالطات والسّفسطة المزخرفة ويسقطونها عن درجة الإعتبار وإن لم يشخّصوا مادّة الغلط في تلك الشّبهات ولم يعيّنوا محلّ السّفسطة فلا أقلّ من أن يعرفوا مجملا أنّ مؤدّى هذه التّشكيكات وحاصل هذه الشّبهات ممّا لا حاصل له بل هى مصادمة للبداهة وللضّرورة الإسلاميّة ومردودة بالكتاب والسّنّة النّبويّة ومع ذلك نكتب في جواب هذا السّؤال وتعيين موادّ تلك الشّبهة مقدّمات بعون الله تعالى (اسمع) انّ حلّ هذا الإشكال على وجه الكمال مبتن على مقدّمات وإن كان كلّ مقدّمة جوابا على حدة (المقدّمة الأولى) جميع منطوقاته ومقولاته صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم لم تكن بموجب الوحي. وآية (وما ينطق عن الهوى) مخصوصة بالنّطق القرآني كما قاله أهل التّفسير وأيضا لو كان جميع منطوقاته صلّى الله عليه وسلّم بموجب الوحي لما ورد الإعتراض من عند الحقّ جلّ شأنه على بعض مقولاته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ولمّا كان للعفو عنه معنى قال الله تعالى خطابا لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم " عفا الله عنك لم أذنت لهم» (والمقدّمة الثانية) أنّ الاصحاب الكرام كان لهم مجال القيل والقال في الاحكام الإجتهاديّة والأمور العقليّة مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بموجب قوله تعالى (فاعتبروا يا أولي الابصار) وقوله تعالى (وشاورهم في الامر) وكان لهم في هذه الامور مساغ للرّدّ والتّبديل فإنّ الامر بالاعتبار PageV02P207 والمشورة لا يتصوّر من غير حصول ردّ وتبديل وقد وقع الإختلاف في قتل أسارى بدر وأخذ الفدية عنهم وحكم الفاروق بالقتل فورد الوحي موافقا لرأي فاروق ونزل لاخذ الفدية وعيد فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " لو نزل العذاب لما نجى غير عمر وسعد بن معاذ» (1) فإنّ سعدا أيضا كان أشار إلى قتل الاسارى (والمقدّمة الثالثة) أنّ السّهو والنّسيان جائزان للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بل واقعان وقد ورد في حديث ذي اليدين أنّه صلّى الله عليه وسلّم سلّم في رباعي الفرض على ركعتين فقال له ذو اليدين أقصرت الصّلاة أم نسيت يا رسول الله وبعد ثبوت صدق ذى اليدين قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وضمّ إليهما ركعتين أخريين وسجد للسّهو» (2) فإذا كان السّهو والنّسيان جائزين في حالة الصّحّة والفراغة بمقتضى البشريّة فصدور الكلام منه صلّى الله عليه وسلّم من غير قصد واختيار في مرض الموت ووقت استيلاء الوجع بمقتضى البشريّة لم لا يكون جائزا ولم يرتفع الإعتماد عن الأحكام الشّرعيّة فإنّ الحقّ سبحانه أطلعه صلّى الله عليه وسلّم على سهوه ونسيانه بالوحي القطعيّ وميّز الصّواب من الخطأ فإنّ تقرير النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على الخطأ ليس بجائز لكونه مستلزما لرفع الإعتماد عن الأحكام الشّرعيّة فثبت أنّ موجب رفع الإعتماد ليس نفس السّهو والنّسيان بل التّقرير على السّهو والنّسيان ومن المقرّر أنّ ذلك التّقرير ليس بمجوّز (المقدّمة الرّابعة) أنّ حضرة الفاروق بل الخلفاء الثلاثة مبشّرون بالجنّة بالكتاب والسّنّة والأحاديث الواردة في باب بشارتهم بالجنّة بخصوصها يمكن أن يقال من كثرة الرّواة الثقات أنّها بلغت حدّ الشّهرة بل حدّ التّواتر المعنويّ فإنكارها إمّا من الجهل أو من العناد ورواة الاحاديث الصّحاح والحسان أهل السّنّة أخذوها من أسانيدهم من التّابعين والصّحابة ورواة جميع الفرق المخالفة لو جمع كلّها لا يعلم أنّهم يبلغون عشر عشير أهل السّنّة أو لا كما لا يخفى على المتتبّع المتفحّص المنصف وكتب أهل السّنّة مشحونة ببشارة هؤلاء الاكابر بالجنّة ولا غمّ لو لم ترد هذه البشارة في كتب الاحاديث المخصوصة ببعض الفرق المخالفة فإنّ عدم رواية البشارة لا يدلّ على عدم البشارة. وأمّا ثبوت بشارة هؤلاء الاكابر بالجنّة في القرآن المجيد بآيات متكثّرة فكاف قال الله تبارك وتعالى (والسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ والْأَنْصارِ والَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ وأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وقال تبارك وتعالى (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وَعَدَ الله PageV02P208 الْحُسْنى) الآية فاذا كان جميع الصّحابة الذين انفقوا وقاتلوا قبل الفتح وبعده مبشّرين بالجنّة فما نقول في أكابر الصّحابة الذين هم الاسبقون في الإنفاق والمقاتلة والمهاجرة وماذا نقدر أن نقول وكيف ندرك أعظميّة درجاتهم أنّها ما هي؟ قال أهل التّفسير: قوله تعالى (لا يستوي منكم) الآية. نزل في حقّ الصّدّيق رضي الله عنه الذي هو أسبق السّابقين في الإنفاق والمقاتلة وقال سبحانه وتعالى (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشّجرة) الآية. نقل الإمام البغويّ محيي السّنّة في معالم التّنزيل عن جابر رضي الله عنه أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يدخل النّار أحد ممّن بايع تحت الشّجرة» (1). وهذه البيعة يقال لها بيعة الرّضوان؛ لانّ الحقّ سبحانه رضي فيها عن هؤلاء القوم ولا شكّ أنّ تكفير شخص مبشّر بالكتاب والسّنّة كفر ومن أقبح القبائح (المقدّمة الخامسة) أنّ توقّف الفاروق في إتيان القرطاس لم يكن على وجه الرّدّ والإنكار عياذا بالله سبحانه من ذلك كيف يصدر هذا القسم من سوء الادب من وزراء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذي هو متّصف بالخلق العظيم وندمائه صلّى الله عليه وسلّم بل لا يتوقّع هذا المعنى من أدنى الصّحابة الذي تشرّف بشرف صحبة خير البشر مرّة أو مرّتين بل لا يتوهّم مثل هذا الرّدّ والإنكار من عوامّ أمّته صلّى الله عليه وسلّم الذي استسعد بدولة الإسلام فكيف يتخيّل هذا المعنى فيمن كان من أكابر الوزراء والنّدماء ومن أعاظم المهاجرين والأنصار رزقهم الله سبحانه الإنصاف حتّى لا يسيؤا الظّنّ بأكابر الدين ولا يؤاخذوا بكلّ كلمة وكلام بلا فهم. بل كان مقصود الفاروق الإستفهام والاستفسار كما قال: استفهموه يعني: لو طلب القرطاس بالجدّ والاهتمام يجاء به وان لم يطلب بالجدّ لا يصدّع في مثل هذا الوقت فإنّه لو طلب القرطاس بالوحي والأمر لكان يطلبه بالمبالغة والتّأكيد ويكتب ما كان مأمورا بكتابته فإنّ تبليغ الوحي واجب على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإن لم يكن هذا الطّلب بالأمر والوحي بل أراد أنّه يكتب شيئا على وجه الإجتهاد والفكر فالوقت لا يساعد ذلك. ومرتبة الإجتهاد باقية بعد ارتحاله صلّى الله عليه وسلّم والمستنبطون من أمّته يستنبطون الأحكام الإجتهاديّة من الكتاب الذي هو أصل أصول الدين فإذا كان لاستنباط المستنبطين مجال في حضوره الذي هو أوان نزول الوحي فبعد ارتحاله الذي هو زمان انقطاع الوحي يكون استنباط أولي العلم واجتهادهم مقبولا بالطّريق الاولى ولمّا لم يهتمّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا الباب ولم يجدّ بل أعرض عن هذا الامر علم أنّه لم يكن على وجه الوحي. والتّوقّف لمجرّد الإستفسار ليس بمذموم وقد عرض الملائكة الكرام على وجه الإستفسار والاستعلام من وجه خلافة آدم على نبيّنا وعليه الصّلاة PageV02P209 والسّلام على الملك العلّام بقولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك) وقال زكريّا حين بشّر بيحيي على نبيّنا وعليهما الصّلاة والسّلام (أنّى يكون لي غلام وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيّا) وقالت مريم رضي الله تعالى عنها (أنّى يكون لى غلام ولم يمسسنى بشر ولم اك بغيّا) فما المضايقة لو توقّف الفاروق أيضا في اتيان القرطاس لاجل الإستفهام والاستفسار واىّ شرّ واىّ ضرر فيه. (المقدّمة السّادسة) أنّ حصول حسن الظّنّ بصحبة خير البشر وبأصحابه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام لازم ومعرفة أنّ خير القرون قرنه صلّى الله عليه وسلّم وأنّ أصحابه أفضل بني آدم بعد الانبياء عليهم الصلاة والسّلام أيضا لازمة حتّى يحصل اليقين بأن الجماعة الذين هم أفضل بني آدم بعد عليهم السّلام لا يجتمعون في خير القرون على عمل باطل بعد ارتحاله صلّى الله عليه وسلّم وأنّهم لا يجلسون مكانه صلّى الله عليه وسلّم فسقة ولا كفرة وإنّما قلت: إنّ الاصحاب أفضل بني آدم فإنّ هذه الامّة خير الامم بنصّ القرآن وهم أفضل هذه الامّة؛ لانّه لا يبلغ وليّ مرتبة صحابيّ أصلا فينبغي الرّجوع إلى الإنصاف قليلا وأن يفهم أنّ منع إتيان القرطاس لو كان كفرا من الفاروق لما نصّ الصّدّيق الذي هو أتقى هذه الامّة الّتي هي خير الامم بنصّ القرآن بخلافته ولما بايعه المهاجرون والانصار الذين اثنى عليهم الحقّ سبحانه وتعالى في القرآن المجيد ورضى الله عنهم ووعدهم بالجنّة ولما أجلسوه مكانه صلّى الله عليه وسلّم فإذا حصل حسن الظّنّ بصحبته وأصحابه صلّى الله عليه وسلّم الذي هو مقدّمة المحبّة فقد تيسّر النّجاة من مزاحمة أمثال هذه الشّبهات وحصل حدس بطلان هذه التّشكيكات فإن لم يحصل عياذا بالله سبحانه حسن الظّنّ بصحبته وبأصحابه عليهم الصّلاة والسّلام بل انجرّ الامر إلى سوء الظّنّ يكون ذاك الظّنّ السّوء منجرّا إلى صاحب تلك الصّحبة وصاحب الاصحاب بالضّرورة بل ينجرّ إلى مولى ذاك الصّاحب أيضا ينبغي وجدان شناعة هذا الامر كما ينبغي ما آمن برسول الله من لم يوقّر أصحابه قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام في شأن أصحابه الكرام عليهم الرّضوان: من أحبّهم فبحبّي أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم فصارت محبّة الاصحاب مستلزمة لمحبّته وبغض الاصحاب مستلزما لبغضه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام فإذا علمت هذه المقدّمات حصل جواب هذه الشّبهة وأمثال هذه الشّبهة بلا تكلّف بل حصلت أجوبة متعدّدة فإنّ كلّ مقدّمة من هذه المقدّمات يمكن أن يقال: إنّها جواب من أجوبة معتدّ بها كما مرّ ومجموع هذه المقدّمات تحسم مادّة هذه الشّبهة بعون الله سبحانه وتخرج دفع هذا التّشكيك من النّظر إلى الحدس كما لا يخفى على الفطن المنصف ولفظ الحدس إنّما يجري على اللّسان مقحما وإلّا فأمثال هذه التّشكيكات بديهيّة البطلان والمقدّمات الّتي أوردت في بيان بطلان تلك الشّبهات إنّما هي من قبيل التّنبيهات على تلك البديهة بل أمثال هذه الشّبهات والتّشكيكات عند الفقير كصنعة ذي فنون جاء عند قوم حمقاء وأخذ حجرا محسوسا لهم وأثبت بالدّلائل والمقدّمات المزخرفة أنّه ذهب وحيث كان هؤلاء الحمقى عاجزين عن دفع تلك المقدّمات والمموّهة PageV02P210 وقاصرين في تعيين موادّ غلط تلك الدلائل يقعون في الإشتباه بل يعتقدون ذهبيّته يقينا وينسون حسّهم بل يتّهمونه والذّكيّ ينبغي أن يعتمد على ضرورة الحسّ وأن يتّهم المقدّمات المموّهة وفيما نحن فيه أيضا أنّ جلالة شأن الخلفاء الثلاثة وعلوّ درجاتهم بل جلالة جميع أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام بمقتضى الكتاب والسّنّة محسوسة ومشهودة وقدح القادحين وطعن الطّاعنين فيهم بدلائل مموّهة كالقدح والطّعن في وجود ذلك الحجر ومغالطتهم فيه رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (1) فيا ليت شعري ما حملهم على سبّ أكابر الدين وطعن كبراء الإسلام وليس طعن أحد وسبّ شخص من الفسقة والكفرة ممّا يعدّ في الشّرع عبادة وكرامة وفضيلة ووسيلة إلى نجاة فكيف سبّ هداة الدين وطعن حماة الإسلام ولم يرد في الشّرع أنّ سبّ أعداء الرّسول عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام كأبي جهل وأبي لهب مثلا وطعنهم ممّا يعدّ عبادة وكرامة بل الإعراض عنهم وعن أحوالهم أولى وأنسب وأسلم عن تضييع الوقت والإشتغال بما لا يعنيه. تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عمّا كانوا يعملون. قال الله سبحانه وتعالى في القرآن المجيد في صفة أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (2) فظنّ العداوة والشّحناء في حقّ هؤلاء الاكابر مناف لنصّ القرآن. وأيضا إن إثبات العداوة والحقد في هؤلاء الاكابر يستلزم القدح في كلا الفريقين ويرفع الامان من الطّائفتين فيلزم أن يكون كلا الفريقين من الاصحاب مطعونا فيهم عياذا بالله سبحانه من ذلك فيكون أفضل النّاس بعد الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام شرّ النّاس ويكون أفضل القرون شرّ القرون فإنّ أهل ذاك القرن كانوا كلّهم متّصفين بالعداوة والحقد ولا يجترئ على التّفوّه بذلك أحد من المسلمين ولا يجوز هذا المعنى أيّ جلالة وأيّ عظمة لعليّ - كرّم الله وجهه - في كون الخلفاء الثلاثة معادين له ويكون فيه عداوة مبطنة لهؤلاء الحضرات وما ذاك الّا قدح في الطّرفين لم لا يكون بعضهم مع بعض كاللّبن مع السّكّر ولا يكون بعضهم فانيا في البعض ولم يكن أمر الخلافة مرغوبا فيه عندهم ومطلوبا لهم حتّى يكون سببا للعداوة والحقد. كيف وقول " أقيلوني " معروف ومشهور من الصّدّيق وقال الفاروق: لو وجدت من يشتري الخلافة لبعتها على دينار. ومحاربة عليّ - كرّم الله وجهه - مع معاوية ومنازعته معه لم تكن بواسطة الميل إلى أمر الخلافة والرّغبة فيه بل لكون القتال مع البغاة فرضا ودفعهم ضروريّا قال الله تبارك وتعالى (فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيئ إلى أمر الله). غاية ما في الباب أنّ محاربي عليّ لمّا كانوا باغين مأوّلين وأصحاب رأي واجتهاد وإن كانوا مخطئين في هذا الإجتهاد كانوا مبرّئين عن الطّعن والملامة وبعيدين عن التّفسيق والتّكفير قال عليّ في شأنهم: إخواننا بغوا علينا ليسوا كفرة ولا فسقة لما لهم من التّأويل. قال الشّافعيّ وهو منقول عن عمر بن عبد العزيز تلك دماء طهّر الله عنها أيدينا فلنطهّر PageV02P211 عنها السنتنا ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلّا للّذين آمنوا ربّنا إنّك رؤف رحيم والصّلاة والسّلام على سيّد الأنام وعلى آله وأصحابه الكرام إلى يوم القيام. (97) المكتوب السّابع والتّسعون إلى الخواجه محمّد هاشم الكشميّ في جواب طلبه حلّ ما في المكتوب السّادس الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد سألتم أنّه ما معنى هذه العبارة الواقعة في المكتوب السّادس أظنّ أنّ المقصود من خلقتي هو أن تنصبغ الولاية المحمّديّة بالولاية الإبراهيميّة عليهما الصّلاة والسّلام وأن يكون حسن ملاحة هذه الولاية ممتزجا بجمال صباحة تلك الولاية وأن يبلغ مقام المحبوبيّة المحمّديّة بهذا الإنصباغ والإمتزاج درجة علياء. (اعلم) أنّ منصب الدلالة والمشاطة ليس بممنوع ولا محذور فيه أصلا والدلّال الذي يجعل بحسن الدلالة كلّا من المحبوبين صاحبي الجمال والكمال مختلطا بالآخر ويجعل حسن كلّ منهما مقترنا بحسن الآخر فعله هذا من كمال خدمته ونهاية شرفه وسعادته ولا يلزم من هذا المعنى نقص ولا قصور في شأنهما أصلا. وكذلك إذا زاد في حسنهما وجمالهما بالمشاطة وحصلت لهما بسببه طراوة وزينة أخرى فذلك شرافته وسعادته ولا يلزم من ذلك نقص وقصور لهما أصلا (شعر) في مجدكم لا يلحق النّقصان من ... هذا ولى في ذاك ألف شرافة وبالجملة أنّ حصول الإنتفاع والإستفادة لاصحاب الدولة من جهة الغلمان والخدمة ليس بممنوع ولا محذور فيه أصلا لانّه ليس بمستلزم للقصور والنّقصان بل كمال أصحاب الدولة في خدمة الغلمان والخدمة وقاصر الدولة من لا يكون منتفعا ومتمتّعا بالخدمة ويعدّ الإنتفاع والتّمتّع بهم نقصانا والإستمداد والإستفادة منهم قصورا قال الله تبارك وتعالى يا أيّها النّبيّ حسبك الله ومن اتّبعك من المؤمنين قال ابن عبّاس رضى الله عنهما إنّ سبب نزول هذه الآية إسلام الفاروق رضي الله عنه ومن البديهيّ أنّ خدمات الاصاغر والأسافل موجبة لمزيّة مرتبة الاكابر والأعالي فمن لم يهتد لامر بديهيّ فما قصور العبارة ألا ترى أنّ السّلاطين والأمراء محتاجون إلى الخدّم والحشّم في التّجمّل والتّسلّط ويرون أنّ كمالاتهم مربوطة بهم ولا قصور ولا نقصان من هذا المعنى في مراتبهم أصلا كما هو معلوم للوضيع والشّريف. ومنشأ هذا الاشتباه عدم الفرق بين التّمتّع والإنتفاع الحاصل من جانب الاصاغر والتّمتّع والإنتفاع الحاصل من جانب الأعالي وقد تبيّن أنّ الاوّل موجب للكمال والثاني يزيد في النّقصان والأوّل مجوّز والثاني ممتنع والله سبحانه الملهم للصّواب رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2). PageV02P212 (98) المكتوب الثامن والتّسعون إلى المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد والمخدوم زاده جامع الأسرار والعلوم الخواجه محمّد معصوم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد سألتم أنّ العلماء قالوا: إنّ الحقّ سبحانه وتعالى ليس داخل العالم ولا خارج العالم ولا متّصلا بالعالم ولا منفصلا عن العالم فما تحقيق هذا المبحث؟ الجواب أنّ حصول نسبة الدخول والخروج والإتّصال والإنفصال إنّما يتصوّر بالنّظر إلى الموجودين فإنّ أحد الموجودين لا يخلو من إحدى هذه النّسب بالنّظر إلى الآخر ولا تحقّق للموجودين فيما نحن فيه حتّى يتصوّر حصول نسبة من هذه النّسب فإنّه تعالى موجود والعالم الذي هو ما سواه تعالى موهوم ومتخيّل وإن حصل للعالم بصنعه سبحانه وتعالى إتقان واستحكام على نهج لا يرتفع بارتفاع الوهم والخيال وكانت معاملة التّنعيم والتّعذيب الأبديّين مربوطة به ولكنّ ثبوته في مرتبة الحسّ والوهم ولا مقرّ له خارج الحسّ والوهم ومن كمال قدرته سبحانه وتعالى أعطى للموهوم المتخيّل حكم الموجود في حقّ الثبات والإستقرار وأجرى عليه أحكام الموجود ولكنّ الموجود والموهوم موهوم وإنّ تصوّره من قصر نظرهم على الظّاهر موجودا نظرا إلى ثباته واستقراره. وحكموا بأنّه موجود وتحقيق هذا المعنى مكتوب في كتبي ورسائلي بالتّفصيل فإن وقع الإحتياج فليراجع هناك فلا شيء يثبت للموجود من هذه النّسب بالنّسبة إلى موهوم بل يمكن أن يقال: إنّ الموجود ليس داخل الموهوم ولا خارجه ولا متّصلا به ولا منفصلا عنه فإنّ هناك موجود فقط لا اسم للموهوم ولا رسم حتّى تتصوّر النّسبة معه (ولنوضّح) هذا المبحث بمثال: انّ النّقطة الجوّالة تتوهّم من سرعة سيرها بصورة الدائرة والموجود هناك هو تلك النّقطة فقط وصورة الدائرة لا ثبوت لها في غير الوهم والمحلّ الذي فيه النّقطة لا اسم فيه من الدائرة الموهومة ولا رسم ففي هذه الصّورة لا يمكن أن يقال: إنّ النّقطة في داخل الدائرة ولا أنّها في خارجها أيضا وكذا لا يتصوّر بينهما الإتّصال والإنفصال أيضا فإنّه لا دائرة في تلك المرتبة حتّى تتصوّر النّسبة أثبت الجدار اوّلا ثمّ انقش (فإن قيل) إنّ الحقّ سبحانه أثبت نسبة قربه وإحاطته بالعالم والحال أنّه ما نسبة قرب الموجود إلى الموهوم وأيّ إحاطة له به فإنّه لا اسم من الموهوم ولا رسم فيما فيه الموجود حتّى يتصوّر المحيط والمحاط به؟ (أجيب) أنّ ذاك القرب والإحاطة ليس من قبيل قرب جسم من جسم وإحاطة جسم بجسم بل هما من النّسب المجهولة الكيفيّة والمعلومة الإنّيّة نثبت القرب والإحاطة له سبحانه ونؤمن بهما ولكن لا نعرف كيفيّتهما ما هي بخلاف النّسب الاربع الّتي نفيناها فيما سبق فإنّها كما أنّها مجهولة الكيفيّة غير معلومة الانّيّة أيضا فإنّ الشّرع لم يرد بثبوت هذه النّسب حتّى نثبتها ونقول إنّها مجهولة الكيفيّة وإن أمكن تجويز PageV02P213 معنى اتّصال لا كيفيّ فيه سبحانه وتعالى مثل معنى قرب وإحاطة لا كيفيّ ولكن لمّا لم يرد إطلاق لفظ الإتّصال كما ورد لفظ القرب والإحاطة لا ينبغي أن يقول متّصلا ويجوز أن يقول قريبا ومحيطا. وإطلاق الإنفصال والخروج والدخول أيضا لم يرد مثل إطلاق الإتّصال وفي المثال المذكور أيضا لو أثبتنا للنّقطة الجوّالة إحاطة وقربا ومعيّة بالنّسبة إلى الدائرة الموهومة تكون تلك المذكورات مجهولة الكيفيّة فإنّه لا بدّ للنّسبة من المنتسبين وليس الموجود الّا النّقطة الجوّالة. وكذلك الاتّصال والانفصال والخروج والدخول اللّاكيفيّة متصوّرة فيما نحن فيه وان لم يثبت المنتسبين فإنّ لزوم وجود الطّرفين إنّما هو لنسبة معلومة الكيفيّة لكونها متعارفة ومعتادة وما هو مجهول الكيفيّة فهو خارج عن حيطة العقل والحكم فيها بلزوم وجود الطّرفين من الأحكام الوهميّة الّتي هي ساقطة عن حيّز الإعتبار لكونه قياس الغائب على الشّاهد (تنبيه) وقولنا: إنّ العالم موهوم ومتخيّل بمعنى أنّ العالم واقع في مرتبة الوهم والخيال ووضعه حاصل في درجة الحسّ والإراءة كما إذا خلق القادر المتّصف بالكمال بصنعه الكامل الدائرة الموهومة الّتي لا نصيب لها غير اختراع الوهم والخيال في مرتبة الوهم والخيال وجعلها في تلك المرتبة متقنة ومستحكمة على نهج لو ارتفع الوهم والخيال بالكلّيّة لا يتطرّق الخلل إلى ثبوتها ولا يطرأ القصور على بقائها وهذه الدائرة الموهومة وإن لم يكن لها ثبوت في الخارج والموجود في الخارج هو تلك النّقطة فقط ولكنّ لها انتساب إلى وجود خارجيّ واستناد إلى موجود خارجي فإنّه لو لم تكن النّقطة من أين تكون الدائرة ناشئة. (شعر) إنّي أورى لغيري حين أذكرها ... بذكر زينب عن ليلى فأوهمه ويجوز أن نقول لهذه الدائرة إنّها نقاب تلك النّقطة ويسوغ أيضا أن نقول: إنّها مرآة لشهود النّقطة ولو قلنا إنّها دليل على تلك النّقطة وهاد إليها فله وجه أيضا إطلاق النّقاب بالنّظر إلى العوامّ وإطلاق مرآة الشّهود والظّهور مناسب لمقام الولاية وملائم للإيمان الشّهوديّ وإطلاق الدليل والهادي مناسب لمرتبة كمالات النّبوّة وملائم للإيمان الغيبيّ الذي هو أتمّ وأكمل من الإيمان الشّهوديّ فإنّه لا بدّ في الشّهود من التّعلّق بالظّلّ وفي الغيب فراغة من هذا التّعلّق وفي الغيب وإن لم يكن حاصل بالفعل ولكن فيه وصول وتعلّق بالأصل وفي الشّهود وإن كان حاصل ولكن ليس فيه وصول لانّ فيه تعلّقا بالغير وهو ظلّ الاصل وبالجملة أنّ الحصول نقص والوصول كمال وهذا الكلام ليس ممّا يحصل في حوصلة قاصر وناقص بل يكادون يزعمون الحصول أفضل من الوصول والسّوفسطائيّ يقول من عدم عقله: العالم موهوم ومتخيّل بمعنى أنّه لا ثبوت له ولا تحقّق بغير اختراع الوهم ونحت الخيال فإذا تبدّل الوهم والخيال بتغيّر ذلك الثبوت والتّحقّق أيضا مثلا إذا تصوّر الوهم شيئا بالحلاوة فهو حلو وإذا تصوّر عين ذلك الشّيء في وقت آخر بالمرارة فهو مرّ وهؤلاء المخذولون غافلون عن خلق الله سبحانه وصنعه تعالى بل منكرون وبانتسابه إلى وجود خارجيّ واستناده إلى موجود خارجيّ جاهلون يريدون بهذه البلاهة رفع الأحكام الخارجيّة الّتي هي مربوطة بالعالم ودفع العذاب والثواب الاخرويّين الدائميّين وقد أخبر عنهما المخبر PageV02P214 الصّادق عليه الصّلاة والسّلام ولا احتمال فيه للتّخلّف (أولئك حزب الشّيطان ألا إنّ حزب الشّيطان هم الخاسرون) (فإن قيل) حيث أثبت الثبات والإستقرار للعالم ولو في مرتبة الوهم والخيال وأثبت في حقّه معاملة التّعذيب والتّنعيم الأبديّين أيضا فلم لا تجوز إطلاقات الوجود عليها ولا نقول: إنّه موجود والحال أنّ الثبوت والوجود مترادفان كما هو مقرّر عند المتكلّمين؟ (أجيب) أنّ الوجود عند هذه الطّائفة العليّة أشرف الاشياء وأكرمها وأعزّها ويعتقدون أنّه مبدأ كلّ خير ومنشأ كلّ كمال فلا يجوّزون إطلاق مثل هذا الجوهر النّفيس على ما سوى الحقّ سبحانه الذي هو نقص وشرّ من القدم إلى الرّأس ولا يرضون بإعطاء الاشرف إلى الاخسّ. ومقتداهم في هذا الامر الكشف والفراسة وقد صار مكشوفا ومحسوسا لهم أنّ الوجود مخصوص بحضرة الحقّ سبحانه وتعالى وإذا قالوا لغيره تعالى موجودا فإنّما هو باعتبار أنّ لذلك الغير نسبة وارتباطا بالوجود وإن كانت مجهولة الكيفيّة وأنّه قائم بذلك الوجود قيام الظّلّ بالأصل. وأيضا إنّ الثبوت الذي حصل له في مرتبة الوهم والخيال هو ظلّ من ظلال ذلك الوجود. ولمّا كان ذلك الوجود خارجيّا والحقّ سبحانه موجود في الخارج لو قيل لمرتبة الوهم بعد صنعه تعالى وإتقانه إنّها ظلّ من ظلال ذلك الخارج لجاز ولو قيل لهذا الثبوت الوهميّ باعتبار هاتين الظّلّيّتين أيضا وجودا خارجيّا لساغ بل لو قيل للعالم باعتبار هذه الظّلّيّة أيضا موجودا خارجيّا لكان جائزا (وبالجملة) أنّ كلّ ما هو في الممكن مستفاد من حضرة الوجود تعالى وتقدّس ما جاء بشيء من بيت أبيه. والقول بأنّه موجود خارجيّ بدون ملاحظة الظّلّيّة أمر عسير وإشراك له مع الحقّ تعالى في أخصّ أوصافه تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. وما كتبه الفقير في بعض مكاتيبه ورسائله من أنّ العالم موجود خارجيّ ينبغي إرجاعه إلى هذا البيان وحمله إلى اعتبار الظّلّيّة وما قال المتكلّمون من ترادف الوجود للثّبوت والتّحقّق لعلّه باعتبار المعنى اللّغويّ وإلّا فأين الوجود وأين الثبوت. قال جمّ غفير من أرباب الكشف والشّهود ومن أهل النّظر والاستدلال في حقّ الوجود: إنّه عين حقيقة واجب الوجود تعالى. والثبوت من المعقولات الثانويّة شتّان ما بينها. (فائدة) كما أنّ الوجود مبدأ كلّ خير وكمال ومنشأ كلّ حسن وجمال كذلك العدم الذي هو مقابله يكون البتّة مبدأ كلّ شرّ ونقص ومنشأ كلّ قبح وفساد. فإن كان وبال فمنه ناش وإن ضلال فمنه كائن ومع ذلك فيه محاسن مودعة وحرف مكنونة فمن محاسنه جعله نفسه في مقابلة الوجود عدما مطلقا ولا شيئا محضا. ومن حرفه المستملحة جعل نفسه وقاية للوجود وأخذه الشّرور والنّقص لنفسه وأيضا إظهاره لكمالات الوجود وتمييزه كلّ واحد من تلك الكمالات من الاخرى في خارج موطن العلم وإيراده إيّاها من الإجمال إلى التّفصيل من صفاته المستحسنة وبالجملة أنّه قائم بخدمات الوجود. وحسن الوجود وجماله وكماله ظاهر من قبحه وشرّه ونقصه واستغناء الوجود من افتقاره وعزّه من ذلّه وثبوت العظمة والكبرياء للوجود بواسطة تسفّله ودناءته وشرافة الوجود من خسّته وسيادة الوجود من عبوديّته. (شعر) انأ الذي جعل الاستاذ أستاذا ... عبد ولكنّني أعتقت مولايا PageV02P215 وإبليس اللّعين الذي هو منشأ كلّ فساد وضلال شرّ من العدم أيضا والحرف الّتي هي كائنة في العدم هذا المخذول محروم عنها أيضا وصدور قول " أنا خير منه " حسم مادّة الخيريّة منه ودلّ على شرارته الصّرفة وحيث قابل العدم الوجود بلا شيئيّة وعدميّة فلا جرم صار مرآة للوجود ولمّا عارضه اللّعين بوجوده وخيريّته كان مردودا ومطرودا بالضّرورة (ينبغي) أن يتعلّم حسن التّقابل من العدم حيث قابل الوجوديّة بالعدميّة والكمال بالنّقص وحيث وقع على طرف من العزّة والجلال ظهر بذله وانكساره وكأنّ اللّعين جرّ جميع قباحة العدم على نفسه بعلّة التّكبّر والتّمرّد الذي كانا فيه ويتخيّل أنّه لم يبق في العدم شيئا غير الخير. نعم لو لا الخير لما يكون مرآة ومظهرا للخير لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه مثل مشهور وعلم أنّ إبليس كان لازما في هذا الموطن العالي ليأخذ مزابل الكلّ على رأسه بكناسيّته وليطهّر غيره ولكن لمّا جاء المخذول من طريق التّكبّر والتّرفّع وأورد خيريّته في نظره وحبط عمله وحرم الاجر كان خسر الدنيا والآخرة. علامة حاله في الحقيقة بخلاف العدم فإنّه مع وجود الشّرّ والنّقص واللّاشيئيّة الذّاتيّات فيه خرج من الحرمان وشرّف بمرآتيّة حضرة الوجود (فإن قيل) من أين نشأت كثرة الشّرّ في إبليس فإنّ فيما وراء العدم وجودا ولم يتطرّق إليه شرّ؟ (أجيب) كما أنّ العدم مرآة للوجود ومظهر للخير والكمال الوجود أيضا مرآة للعدم ومظهر للشّرّ والنّقص وإبليس عليه اللّعنة كما أنّه أخذ الشّرّ في جانب العدم من العدم الذي هو موطن الشّرّ أخذ في جانب الوجود الخباثة المتوهّمة الّتي ظهرت في مرآة الوجود من جهة مرآتيّته ومظهريّته للعدم فكان حاملا لشرّ الطّرفين الذّاتيّ والعرضيّ والأصليّ والظّلّي فبالضّرورة جعله ماليخوليا الوجود المشابه بالشّرّ محروما من العدميّة واللّاشيئيّة الّتي من الصّفات الحسنة للعدم ومع ذلك كان الشّرّ المتوهّم في جانب الوجود من مرآتيّته للعدم أيضا نصيبه فأوصله بالضّرورة إلى الخسارة الابديّة رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (1) وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلاة وأكمل التّسليمات (99) المكتوب التّاسع والتّسعون إلى المير محمّد نعمان في جواب أسئلته الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (قد سألتم) انّ السّالك يرى نفسه أحيانا في وقت العروج في مقامات أصحاب الانبياء عليهم الصّلوات والتّحيّات الذين هم أفضل منه بالإجماع بل ربّما يجد نفسه في مقامات الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام فما حقيقة هذه المعاملة وبعض النّاس هنا يتوهّمون PageV02P216 مساواة ذلك السّالك لارباب تلك المقامات ويتخيّلون شركته في تلك المقامات مع أرباب تلك المقامات وبهذا التّوهّم والتّخيّل يردّونه ويطعنون فيه ويطيلون في حقّه لسان الملامة والشّكاية ينبغي كشف الغطاء عن وجه هذا المعمّي؟ (جوابه) هو أنّ وصول الاسافل إلى مقامات الأعالي يكون أحيانا من قبيل وصول الفقراء والمحتاجين إلى أبواب أصحاب الدول وأمكنة أرباب النّعم الخاصّة بهم ليطلبوا من هناك حاجة ويسألوا من دولهم ونعمهم مجاجة والقاصر في أمره يزعم هذا الوصول مساواة وشركة لهم وكثيرا ما يكون هذا الوصول من قبيل النّظارة والتّنزّه في الاماكن الخاصّة بالأمراء والسّلاطين بالوسائط والوسائل لينظر بنظر الإعتبار وليحصل له رغبة في علوّ الانظار. وأين المجال لتوهّم المساواة في هذا الوصول وكيف يتصوّر تخيّل الشّركة من هذا التّنزّه والنّظارة ووصول الخادمين إلى أمكنة خاصّة بالمخدومين لاداء حقوق الخدمة محسوس الوضيع والشّريف والأبله يتوهّم من هذا الوصول المساواة والشّركة وكلّ فراش وذاب ذباب وسيّاف قرناء السّلاطين وحاضرون في أخصّ أمكنتهم فمن توهّم الشّركة والمساواة من ههنا فقد كشف عن غاية خبطه. (ع) بلاء ذوي الآلام من كلّ جانب * والنّاس يطلبون العلّة لملامة غريب ويخترعون الحيلة لطعنه وتشنيعه رزقهم الله سبحانه وتعالى الإنصاف وكان اللّائق بهم أن يطلبوا محملا لرفع الشّرور ودفع الملامة عن الضّعيف وأن يجتهدوا في حفظ عرض الإسلاميّة وأمرهم في الطّعن لا يخلو عن أحد الحالين إمّا أن يعتقدوا أنّ صاحب هذا الحال معتقد للشّركة والمساواة لارباب تلك المقامات أو لا فإن اعتقدوا ذلك فقد حكموا عليه بالكفر والزّندقة وأخرجوه من زمرة أهل الإسلام فإنّ اعتقاد الشّركة للأنبياء والمساواة معهم عليهم الصّلوات والتّسليمات كفر وكذلك اعتقاد المساواة للشّيخين عليهما الرّضوان الذين ثبتت أفضليّتهما بإجماع الصّحابة والتّابعين كما نقله جماعة من أكابر الائمّة واحد منهم الإمام الشّافعيّ عليهم الرّضوان بل الفضل لجميع الصّحابة على باقي الامّة فإنّه لا تكون فضيلة من الفضائل أصلا عديلة لفضل صحبة خير البشر عليه الصّلاة والسّلام. والفعل اليسير الذي صدر من الاصحاب الكرام عليهم الرّضوان وقت ضعف الإسلام وقلّة المسلمين لتأييد الدين المتين ونصرة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات لو صرف غيرهم جميع عمرهم في الطّاعات بالرّياضات والمجاهدات لا يبلغ ذلك مرتبة ذاك الفعل القليل من الاصحاب ولهذا قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا لا يبلغ مدّ شعيرهم ولا نصيفه» (1) وأفضليّة الصّدّيق رضي الله تعالى عنه إنّما هي من جهة أنّه أسبق السّابقين في الإيمان وإنفاق الاموال الكثيرة والخدمات اللّائقة ولهذا نزل في شأنه قوله تعالى (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وقاتَلَ) الآية وصرف جماعة نظرهم إلى كثرة PageV02P217 فضائل غيره ومناقبه وتوقّفوا في أفضليّته ولا يعلمون أنّ سبب الافضليّة لو كان كثرة الفضائل والمناقب يكون كثير من آحاد الامّة الذين فيهم هذه الفضائل أفضل من نبيّهم الذي ليست فيه هذه الفضائل فما به التّفاضل شيء آخر وراء هذه الفضائل والمناقب وهو في زعم هذا الفقير الاسبقيّة في تأييد الدين والأقدميّة في إنفاق الاموال وبذل الانفس لنصرة أحكام دين ربّ العالمين. وحيث كان النّبيّ أسبق من الكلّ يكون أفضل من الكلّ وكذلك كلّ من هو أسبق في هذا الامر فهو أفضل من المسبوقين وكأنّ السّابق أستاذ اللّاحقين ومعلّمهم في أمر الدين واللّاحقون يقتبسون من أنوار السّابقين ويستفيدون من بركاتهم. وصاحب هذه الدولة العظمى في هذه الامّة بعد نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام الصّدّيق الاكبر رضي الله تعالى عنه فإنّه أسبق السّابقين في إنفاق الاموال الكثيرة والمقاتلة والمجاهدة الشّديدة وبذل العرض والجاه ورفع الفساد والإشتباه لتأييد الدين المتين ونصرة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلاة والسّلام فالأفضليّة على غيره مسلّمة إليه وحيث طلب النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام عزّة الإسلام وغلبته بإمداد عمر» (1). وكفى الله سبحانه في نصرة حبيبه في عالم الاسباب به وقال (يا أيّها النّبيّ حسبك الله ومن اتّبعك من المؤمنين) قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: سبب نزول هذه الآية إسلام عمر تتعيّن الافضليّة بعد الصّدّيق رضي الله عنه له ولهذا انعقد إجماع الصّحابة والتّابعين على أفضليّة هذين الشّيخين المعظّمين كما مرّ وقال عليّ - كرّم الله وجهه - أيضا إنّ أبا بكر وعمر أفضل هذه الائمّة فمن فضّلني عليهما فهو مفتر اضربه بالسّياط كما يضرب المفترون (وتحقيق) هذا المبحث مندرج في كتبي ورسائلي بالتّفصيل لا مجال للزّيادة على ذلك في هذا المقام والأبله من يجعل نفسه عديلا لاصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات والجاهل بالأخبار والآثار من يتصوّر نفسه من السّابقين ولكن ينبغي أن يعلم أنّ دولة تلك السّبقة الّتي هي باعثة على الافضليّة مخصوصة بأهل القرن الاوّل الذين تشرّفوا بشرف صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات وهذا المعنى مفقود في قرن آخر بل يكون لاحقوا بعض القرون أفضل من سابقي قرون أخر بل يجوز أن يكون اللّاحق في قرن أفضل من السّابق في ذلك القرن بصّر الله سبحانه الطّاعنين بشناعة طعن مسلم وطرد مؤمن بمجرّد التّوهّم والتّخيّل وبقباحة تكفير PageV02P218 مسلم وتضليله بمحض التّعنّت والتّعصّب فما العلاج لو لم يكن المقول فيه قابلا للتّكفير ومستحقّا للتّضليل يرجع ذاك الكفر والضّلال بالضّرورة إلى أرباب ذاك القول ويتّصل من المرميّ بالكفر إلى الرّامي به كما ورد في الحديث النّبويّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (1) (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنبيّن الشّقّ الثاني ونقول: لو لم يكن للطّاعنين هذا الإعتقاد في حقّ صاحب هذا الحال ولا يوصلون معاملته إلى حدّ الكفر فحالهم أيضا لا يخلو من أحد الحالين إمّا أن يحملوا واقعته على الكذب والبهتان فهذا عين سوء الظّنّ بالمسلم وهو محظور عنه شرعا وإمّا أن لا يحملوا على الكذب والبهتان وأن لا يظنّوه معتقدا للشّركة والمساواة فحينئذ ما وجه الطّعن والملامة وما سبب تشنيعه وتعييبه فإنّ اللّائق بالواقعة الصّادقة أن يحمل على محامل صحيحة لا أن يشنّع صاحبها ويقبّح (فإن قيل) ما وجه إظهار مثل هذه الواقعة الموجبة للفتنة؟ (نقول) إنّ ظهور مثل هذه الأحوال من مشائخ الطّريقة كثير الوقوع وذلك عادة مستمرّة لهم وليس هذا أوّل قارورة كسرت في الإسلام ولا يكون بلا نيّات حقّانيّة وإرادة صادقة والمقصود من هذه الكتابة أحيانا إظهار أحواله الموهوبة عند شيخه ليبيّن صحّة حاله وسقمه وليطلعه على تعبيره وتأويله وأحيانا ترغيب الطّلاب والتّلامذة وتحريضهم وأحيانا لا يكون مقصود من الكتابة لا هذا ولا ذاك بل يورده في هذا القيل والقال مجرّد السّكر وغلبة الحال ليتنفّس ممّا به قليلا وليخفّف عن نفسه لمحة ومن كان مقصوده من إظهار أمثال هذه الأحوال الشّهرة وقبول الخلق فهو مدّع بطّال وهذه الأحوال استدراج عليه ووبال ومتضمّنة لخذلانه وأنواع الاهوال رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (2) وما أبرّئ نفسي إنّ النّفس لامّارة بالسّوء الّا ما رحم ربّي إن ربّي لغفور رحيم (وسألتم) أيضا أنّه ما السّبب في أنّ الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات والأولياء عليهم الرّضوان يبتلون في الدنيا بأشدّ البلاء والمصائب والمحن كما قيل: إنّ أشدّ النّاس بلاء الانبياء ثمّ الأولياء ثمّ الامثل فالأمثل وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد (وما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) ويفهم من هذه الآية الكريمة أنّ كلّ من يكون اكتسابه للسّيّئات أكثر يكون موردا للمصيبة في الاكثر فينبغي أن يبتلى بأشدّ البلاء والمصيبة غير الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات وغير الأولياء عليهم الرّضوان دون الانبياء والأولياء عليهم الصّلاة والسّلام وأيضا إنّ هؤلاء الكبراء محبوبو الحقّ سبحانه أصالة وتبعا ومن خواصّ مقرّبيه تعالى فكيف يصحّ إحالة البليّات والمحن إلى المحبوبين وخواصّ المقرّبين وبأيّ وجه يجوز أذاهم وكيف يستقيم كون الاعداء في راحة ونعيم وإقامة الاحبّاء في بليّات وعذاب أليم (اعلم) أرشدك الله وهداك سواء الصّراط أنّ الدنيا ليست بموضوعة للتّنعّم والتّلذّذ وإنّما المعدّ للتّنعّم والتّلذّذ هي الآخرة PageV02P219 وحيث كان بين الدنيا والآخرة نسبة الضّدّيّة والنّقاضة ورضاء احداهما مستلزم لسخط الاخرى يكون التّلذّذ في إحداهما مستلزما للتّألّم في الاخرى بالضّرورة فمن يكون تلذّذه وتنعّمه في الدنيا أوفر يكون تألّمه وتندّمه في الآخرة أكثر وكذلك من كان ابتلاؤه بالبليّات والمحن في الدنيا أكثر يكون احتظاظه وسروره في الآخرة بالتّنعّمات والتّلذّذات أزيد وأوفر وليت لبقاء الدنيا بالنّسبة إلى بقاء الآخرة حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط نعم ماذا تكون نسبة المتناهي إلى غير المتناهي فلا جرم كان اللّائق بمقتضى الكرم ابتلاء الاحباب بمحنة أيّام في هذه الدار ليحتظّوا ويفرحوا بتنعّمات أبديّة وكان المناسب بموجب المكر والإستدراج احتظاظ الاعداء بتلذّذات قليلة ليبتلوا بتألّمات كثيرة (فإن قيل) إنّ الكافر الفقير الذي هو محروم في الدنيا والآخرة لم يكن تألّمه في الدنيا مستلزما لتلذّذه في الآخرة فما وجه ذلك؟ (نقول) إنّ الكافر عدوّ الله جلّ سلطانه ومستحقّ للعذاب الدائميّ ورفع العذاب عنه في الدنيا وتركه على وضعه وحاله عين التّلذّذ والتّنعّم ونفس الإحسان في حقّه ولهذا قيل لنفس الدنيا في حقّ الكافر إنّها جنّة غاية ما في الباب أنّ بعض الكفّار يرفع عنه العذاب في الدنيا ويعطى بعض التّلذّذات الاخرى أيضا وبعض آخر يرفع عنه العذاب ولا يعطى له شيء أخرى بل يكتفى في حقّه بالتذاذ إعطاء الفرصة والمهلة ورفع العذاب لكلّ ذلك حكم ومصالح (فإن قيل) إنّ الله تعالى قادر على كلّ شيء ومقتدر لاكرام أوليائه بتلذّذات دنياويّة وتنعّمات أخرويّة من غير أن يكون التّلذّذ في إحداهما مستلزما للتّألّم في الاخرى في حقّهم. (أجيب بوجوه): (الأوّل) أنّهم لو لم يذوقوا في الدنيا بليّات أيّام قليلة ومحن أويقات يسيرة لا يعرفون قدر تلذّذات وتنعّمات أبديّة ولا يدركون قدر نعمة الصّحّة والعافية الدائمة كما ينبغي نعم من لم يجع بطنه لا يجد لذّة الطّعام ومن لم يكن مبتلى لا يعرف قدر الفراغة وكأنّ المقصود من تألّمهم الموقّت تحصيلهم لكمال التّلذّذ الدائميّ وظهر الجمال في حقّ هؤلاء الاكابر بصورة الجلال لابتلاء العوامّ يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا. (والثاني) أنّ البليّات والمحن إن كانت عند العوامّ من أسباب التألّم ولكن كلّما يصيب من الجميل المطلق فهو من أسباب التّنعّم. والإلتذاذ عند هؤلاء الاكابر وهم يجدون من التّلذّذ بالبلايا ما يجدون من التّنعّم بالنّعماء بل احتظاظهم من البلايا أكثر لكونها خالص مراد المحبوب وليس هذا الخلوص في النّعماء فإنّ النّفس أيضا مريدة لها وهاربة من البلايا فيكون البلاء عند هؤلاء الاكابر أفضل من النّعمة ويكون التذاذهم من البلاء أكثر من التذاذهم من النّعمة وحظّهم في الدنيا من البليّات والمصائب فلو لم يكن هذا الملح في الدنيا لما ساوت عندهم بشعيرة ولو لم تكن هذه الحلاوة فيها لكانت عبثا في نظرهم. (شعر) ألا إنّ قصدي من هواك تألّمي ... وإلّا فأسباب النّعيم كثيرة فأولياؤه تعالى متلذّذون في الدنيا ومحتظّون ومسرورون في الآخرة ولذّتهم هذه في الدنيا لا تنافي حظّهم في الآخرة والتّلذّذ الذي ينافي حظّ الآخرة هو غير ذلك ممّا هو حاصل للعوامّ إلهي ما هذا الذي PageV02P220 جعلت أولياءك بحيث أنّ ما هو سبب تألّم الآخرين سبب لالتذاذهم وما هو زحمة على الآخرين رحمة لهؤلاء الاكابر ونقمة الآخرين نعمة لهم النّاس مسرورون في السّرور ومغمومون في الغمّ وهؤلاء الكبراء مسرورون في السّرور وفرحون في الغمّ فإنّ نظرهم مصروف عن خصوصيّات الافعال الجميلة والرّذيلة ومقصور على جمال فاعل تلك الافعال الذي هو جميل مطلق وكانت الافعال عندهم أيضا محبوبة بحبّ الفاعل ومورّثة للالتذاذ. كلّ ما يصدر في العالم بمراد الفاعل الجميل جلّ سلطانه وإن كان من إيلامهم وإضرارهم فهو عين مرادهم المحبوب لهم وسبب التذاذهم إلهي ما هذا الفضل والكرامة حيث أعطيت مثل هذه الدولة الخفيّة والنّعمة الهنيئة لأوليائك مخفيا إيّاها من نظر الاغيار وأقمتهم بمرادك دائما محتظّين ومتلذّذين ورفعت عنهم الكراهة والتّألّم وجعلتها نصيب غيرهم وجعلت العار والفضيحة اللّذين من عيوب الآخرين جمال هذه الطّائفة العليّة وكمالهم وأودعت مرادهم في عين عدم حصول المراد وجعلت التذاذهم وسرورهم العاجلين سببا لزيادة حظوظهم الاخرويّة على عكس الآخرين ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) والثالث: أنّ هذه الدار دار ابتلاء والحقّ ممتزج فيها بالباطل والمحقّ مختلط بالمبطل فلو لم يعط الأولياء المحن والبلاء بل اعطيهما الاعداء لما يتميّز الأولياء من الاعداء ولتبطل حكمة الاختبار والامتحان وذلك مناف للإيمان بالغيب الذي السّعادة الدنيويّة والأخرويّة مودعة في ضمنه. قوله تعالى (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) وقوله تعالى (ولِيَعْلَمَ الله مَنْ يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) شاهد لهذا المعنى فجعل الله سبحانه أولياءه مبتلين بصورة البلاء والمحن ورمى في عيون الاعداء التّراب لتتمّ بذلك حكمة الإبتلاء والامتحان وليكون أولياؤه متلذّذين في عين البلاء وليكون الاعداء مطموسو البصيرة خائبين وخاسرين غافلين عن هذا الإبتلاء يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا. وكانت معاملة الانبياء مع الكفّار أن تكون الغلبة أحيانا في هذا الجانب وأحيانا في ذاك الجانب كانت النّصرة في البدر في جانب أهل الإسلام وكانت الغلبة في الأحد في جانب الكفّار قال الله تبارك وتعالى (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ والله لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ولِيُمَحِّصَ الله الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الْكافِرِينَ) والرّابع: أنّ الحقّ سبحانه وتعالى وإن كان قادرا على كلّ شيء ومقتدرا على إكرام أوليائه بالتّنعّم الدنيويّ والأخرويّ ولكنّ هذا المعنى مناف لحكمته وعادته سبحانه وتعالى وهو تعالى يحبّ أن يجعل قدرته مستورة تحت حكمته وعادته أن يجعل العلل والأسباب نقاب جناب قدسه فبحكم النّقاضة بين الدنيا والآخرة لا بدّ للأولياء من محن الدنيا وبليّتها حتّى تكون لهم تنعّمات الآخرة هنيئة مريئة وقد مرّ في PageV02P221 جواب أصل السّؤال رمز إلى هذا المعنى (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونبيّن تتمّة الجواب من أصل السّؤال ونقول: إنّ سبب الالم والبلاء والمصيبة وإن كان كسب الذّنوب والسّيّئات ولكنّ البليّات مكفّرة في الحقيقة للسّيّئات والمصيبات مزيلة لظلمات الذّنوب والخطيّات فالكرم في زيادة محن الأولياء وبليّاتهم لتكون كفارّة لسيّئاتهم ومزيلة لظلمات ذنوبهم وزلّاتهم ولا ينبغي أن تتصوّر سيّئات الأولياء وذنوبهم مثل سيّئات الاعداء وذنوبهم. ولعلّكم سمعتم قولهم حسنات الابرار سيّئات المقرّبين فلو صدر عنهم الذّنب والعصيان لا يكون ذلك كذنب غيرهم وعصيانه بل يكون من قسم السّهو والنّسيان بعيدا من العزم والجدّ والطّغيان قال الله تبارك وتعالى (ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) فكثرة الآلام والمصائب والبليّات تدلّ على كثرة كفّارة السّيّئات لا على كثرة كسب السّيّئات فيعطي أكثر البلاء للأولياء ليكفّر عنهم سيّئاتهم فيقدمون إلى ربّهم طاهرين مطهّرين ويكونون محفوظين من محنة الآخرة ومصونين (نقل) أنّ في حين احتضار النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ظهر فيه قلق واضطراب فلمّا شاهدت فاطمة رضي الله عنها منه صلّى الله عليه وسلّم ذلك صارت من كمال شفقتها وتحننّها لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم - ولقوله صلّى الله عليه وسلّم " فاطمة بضعة منّى " مضطربة ومنزعجة فلمّا شاهد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذاك الإضطراب والانزعاج من فاطمة الزّهراء في ذلك الوقت قال لتسليتها رضي الله عنها: إنّ محنة أبيك هي هذه فقط لا مكروه بعد ذلك ما أعظم دولة لو ارتفع العذاب الاشدّ والّا بقى بمحنة أيّام قليلة وإنّما يعامل بهذه المعاملة الأولياء دون غيرهم فإنّ ذنوب غيرهم لا تكفّر هنا كما ينبغي بل يؤخّر مجازاتهم إلى الآخرة فيكون الأولياء أحقّاء بكثرة الآلام والبليّات الدنيويّة وليس غيرهم مستحقّين لهذه الدولة فإنّ ذنوبهم كبيرة ومشغوليّتهم بالإلتجاء والتّضرّع والإستغفار والانكسار قليلة ونفوسهم على كسب المعاصي جسورة يكتسبون الذنوب بالجدّ والعزم ولا يخلون من التّمرّد والطّغيان والرّجم بل يكادون يستهزئون ويسخرون بآيات الله عزّ وجلّ والجزاء على قدر الجريمة فإن كانت الجريمة خفيفة وصاحبها ملتجئا ومتضرّعا إلى الله تعالى فهي قابلة للكفّارة بالبلاء الدنيويّ أمّا إذا كانت غليظة وصاحب الجريمة متمرّد ومتكبّر فهي حريّة بالجزاء الأخرويّ الذي هو أشدّ وأدوم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (وكتبتم) أيضا أنّ النّاس يستهزئون ويسخرون ويقولون: إنّ الحقّ سبحانه لم يبتلي أولياءه بالمحنة والبلاء ولم لا يجعلهم في التّلذّذ والتّنعّم دائما ويريدون نفي هذه الجماعة بهذا القيل والقال نعم: قد قال الكفّار أمثال هذه الكلمات في حقّه صلّى الله عليه وسلّم قال الله تعالى (وقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها) الآية ومدار أمثال هذه الكلمات على إنكار الآخرة وإنكار العذاب والثواب الدائمين وعلى الإعتداد بالتّلذّذات الفانية العاجلة والذي يؤمن بالآخرة ويذعن بالثّواب والعذاب الدائمين لا يورد محنة أيّام قليلة على نظره أصلا بل يتصوّر هذه المحنة الموقّتة الّتي هي سبب راحة مؤبّدة عين الرّاحة PageV02P222 لا ينبغي الإصغاء إلى قيل النّاس وقالهم. والألم والبلاء والمحنة من شواهد المحبّة فإن زعمها مطموسو البصيرة منافية للمحبّة ماذا نصنع لا علاج غير الإعراض عن الجاهلين ومقالتهم فاصبر صبرا جميلا. (جواب) آخر عن أصل السّؤال أنّ البلاء سوط المحبوب يمنع المحبّ من الالتفات إلى ما سوى المحبوب ويجعله متوجّها بكلّيّته إلى جناب قدسه فيكون المستحقّ للألم والبلاء الأولياء ليكون هذا البلاء مكفّرا لسيّئة التفاتهم إلى ما سواه ولا يكون غيرهم لائقا بهذه الدولة وكيف لا يجاء به إلى جانب المحبوب بلا اختيار فانّ كلّ من سبقت له العناية الازليّة يجاء به إلى جانب المحبوب بالجرّ والضّرب ويجتبى للمحبوبيّة ومن لا فيترك على اختياره فإن أدركته السّعادة الابديّة يسلك طريق الإنابة ويصل إلى المقصد بإمداد الفضل والعناية وإلّا فإيّاه وحاله اللهمّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين فعلم من هذا أنّ البلاء في المرادين يكون اكثر منه في المريدين ولهذا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذى هو رئيس المرادين والمحبوبين ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت فظهر في البلاء معنى الدلاليّة حيث أنّه أوصل الحبيب إلى الحبيب بحسن دلالته وجعله صافيا من الإلتفات إلى غير الحبيب والعجب أنّ الأولياء لو وجدوا ألوفا لاشتروا بها البلاء وغيرهم يريدون دفع البلاء بإعطاء ألوف (فإن قيل) قد يفهم الاضطراب والكراهة في الأولياء أيضا وقت إصابة الالم والبلاء في بعض الاحيان فما وجه ذلك؟ (أجيب) أنّ ذلك الإضطراب صوريّ يصدر عنهم أحيانا بمقتضى الطّينة البشريّة وفي إبقائه حكم ومصالح فإنّ الجهاد مع النّفس لا يتصوّر بدونه وقد سمعت ما ظهر من سيّد الاوّلين والآخرين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام من الإضطراب والقلق في سكرات الموت وكان ذلك بقيّة الجهاد مع النّفس ليكون خاتمة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام على الجهاد مع أعداء الله تعالى وشدّة المجاهدة تحسم موادّ الصّفات البشريّة وتوصل النّفس إلى كمال الإنقياد وحقيقة الإطمئنان وتجعلها صافية زاكية فصار البلاء دلّال سوق المحبّة ومن لا محبّة له لا شغل له بالدّلّال ولا يحتاج إلى الدلاليّة ولا يكون لها عنده قدر ولا قيمة ووجه آخر للألم والبلاء حصول الإمتياز بين المحبّ الصّادق وبين المدّعي الكاذب فإنّ من كان صادقا يكون ملتذّا ومحتظّا بالبلاء ومن كان مدّعيا لا يكون نصيبه من البلاء غير التّألّم والكراهة ولا يهتدي إلى هذا التّمييز الّا من كان فيه شائبة من الصّدق حتّى يميّز بين حقيقة التّألّم وصورته ويفرّق بين حقيقة الصّفات البشريّة وصورتها. " الوليّ يعرف الوليّ " رمز إلى هذا البيان والله سبحانه الهادي إلى سبيل الرّشاد (وسألتم) أيضا أنّ العدم لا شيء محض كما قالوا فلا يكون له وجود فإذا لم يكن له وجود كيف تكون له آثار وترقّيات مع الوجود الذي عرض له في الذّهن فإن كانت تكون ذهنيّة فكيف تخرج عن دائرة الخيال؟ (اعلم) أنّ العدم وإن كان لا شيئا ولكنّ معاملة الاشياء كلّها قائمة به ومنشأ تفصيل الاشياء وكثرتها مرآتيّته والصّور العلميّة للأسماء الإلهيّة جلّ شأنه الّتي انعكست في مرآة العدم جعلته متميّزا واستلزمته ثبوتا علميّا فبالضّرورة أخرجته أيضا من اللّاشيئيّة المحضة وصيّرته منشأ للآثار والأحكام وهذه الآثار والأحكام أيضا PageV02P223 كائنة في خارج موطن العلم وثابتة في مرتبة الحسّ والوهم وحيث حصل لها في تلك المرتبة باستحكام صنع الله جلّ شأنه ثبات واستقرار بحيث لا ترتفع بزوال الحسّ والوهم يمكن أن يقال: إنّ هذه الآثار والأحكام خارجيّة وأنتم كيف تتعجّبون من ترقّيات العدم فإنّ جميع معاملة الكائنات مبتنية على العدم ينبغي أن يشاهد كمال قدرة الله جلّ شأنه حيث وسّع دائرة المعاملة هذه كلّها من العدم وأظهر كمالات الوجود بنقائصه ووجه ترقّيه في كمال الوضوح فإنّ الصّور العلميّة للأسماء الإلهيّة جلّ سلطانه متمكّنة فيه وكائنة به ومن الصّور إلى الحقيقة والظّلال إلى الاصل طريق سلطانيّ ومن لم يحسّ ذلك فهو مطموس البصيرة إنّ هذه تذكرة فمن شاء اتّخذ إلى ربّه سبيلا. ولفظ الذّهن والخيال لا يوقعنّك في الإشتباه والاحتمال ولا يجعلنّ صدور الآثار والتّرقّيات عسيرا في نظركم فإنّه ما من معاملة الّا وهي في العلم والخيال ليست بخارجة منهما غاية ما في الباب أنّ بين خيال وخيال فرقا كثيرا فإنّ الخلق في مرتبة الوهم والخيال غير اختراع الوهم والخيال فإنّ الاوّل واقعيّ وكائن في نفس الامر ويمكن أن يقال: إنّه موجود خارجيّ والثاني قليل النّصيب من هذه الدولة وقليل الحظّ من الثبات والإستقرار وقد كتبت بعض خصائص العدم في معرفة على حدة وأخذ نقلها المير محبّ الله فإن أردتم الإطّلاع عليها ينبغي المراجعة إليها (وسألتم) أيضا عن الفناء والبقاء وقد كتب هذا الفقير معنى هاتين الكلمتين في مواضع كثيرة من كتبه ورسائله ومع ذلك لو بقي الخفاء فيه فعلاجه الحضور والمشافهة فإنّ تمام الحقيقة لا يحصل بالكتابة فإن حصل ربّما يكون إظهاره بعيدا عن المصلحة فإنّه لا يدرى ماذا يفهم منه الإنسان وماذا يدرك. الفناء والبقاء شهوديّان لا وجوديّان العبد لا يكون متلاشيا ومتّحدا بالحقّ تعالى. العبد عبد أبدا ... والرّبّ ربّ سرمدا زنادقة من يزعمون الفناء والبقاء وجوديّين ويظنّون " أنّ العبد يرفع عن نفسه تعيّنات وجوده ويتّحد مع أصله الذي منزّه عن التّعيّنات والقيودات ويصير مضمحلّا ومتلاشيا وباقيا بربّه كقطرة تكون فانية عن نفسه وتلحق بالبحر وترفع عن نفسه القيد وتتّحد بالمطلق " أعاذنا الله سبحانه من معتقداتهم السوء. وحقيقة الفناء عبارة عن نسيان ما سواه تعالى وعدم التّعلّق بغيره وتطهير ساحة الصّدر عن جميع مرادات النّفس ومقتضياتها الذي هو مناسب لمقام العبوديّة والمناسب لمقام البقاء هو قيام العبد بمرادات مولاه جلّ سلطانه وأن يجد مراداته سبحانه عين مرادات نفسه وذلك بعد شهود الآيات الأنفسيّة (وسألتم) أيضا أنّه قد أثبتّم سيرا فيما وراء الانفس والسّير في المراتب العشرة لعالم الخلق وعالم الامر وسير الهيئة الوحدانيّة داخل في السّير الانفسيّ فما يكون السّير فيما وراء الانفس؟ (اعلم) أنّ الانفس كالآفاق ظلال الاسماء الإلهيّة جلّ سلطانه فإذا نسي الظّلّ بفضل الله جلّ سلطانه نفسه وتوجّه إلى أصله وحصل له تمام محبّة الاصل فبحكم " المرء مع من أحبّ " يجد نفسه عين أصله ويصرف لفظ " أنا " الذي كان يطلقه على نفسه إليه وكذلك لهذا الاصل أصل أيضا فيتوجّه من هذا الاصل إلى ذاك الاصل بل يجد نفسه عين ذاك PageV02P224 الاصل وهلمّ جرّا إلى أن يبلغ الكتاب أجله وهذا السّير سير فيما وراء الانفس والآفاق ولكن ينبغي أن يعلم أنّ جماعة من القوم قالوا للسّير الانفسيّ " إنّه سير في الله " وذاك السّير الذي بيّنّاه آنفا غير هذا السّير الذي قاله بعض المشائخ فإنّ هذا السّير حصوليّ وذاك السّير وصوليّ والفرق بين الحصول والوصول مذكور في مكاتيب متعدّدة بالتّفصيل فليعلم من هناك (وسألتم) أيضا عن أقربيّة ذاته وصفاته وأفعاله جلّ سلطانه بيانه أيضا متعلّق بالحضور فإنّه لا مصلحة في كتابته ولئن كتبناه يكون مغلقا لا يعلم انفهامه بل لو فهم بالتّقرير في الحضور فهو أيضا مغتنم (وسألتم) أيضا عن كمالات مرتبة النّبوّة قائلا بأنّ الفناء والبقاء والتّجلّي ومبدئيّة التّعيّن كلّها في مراتب كمالات الولايات الثلاثة فباىّ كيفيّة يكون السّير في مراتب كمالات النّبوّة. (اعلم) أنّ مراتب العروج ما دام بعضها متميّزا عن بعض ويحصل السّير من أصل إلى اصل فكلّ كمالات حاصلة فيها داخلة في دائرة الولايات فإذا زال ذلك التّميّز وانعدم التّفصيل ووقعت المعاملة في الإجمال والبساطة يقع الشّروع في كمالات مرتبة النّبوّة وإن كان في تلك المرتبة أيضا وسعة " إنّ الله واسع عليم " ولكنّ تلك الوسعة وسعة أخرى فإن كان فيها تميّز فهو أيضا تميّز آخر وماذا أكتب زيادة على ذلك وماذا يفهم منه رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) (وسألتم) أيضا عن بعض أسرار الصّلاة فأخّرنا جوابه إلى وقت آخر فإنّ الوقت الآن ضيّق جدّا وإنّما نكتب بعض المعارف بسرقة الوقت من يد الزّمان وأهله ارحموا الفقير ولا تجاسروا في الإستفسار رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (2) الحمد لله ربّ العالمين أوّلّا وآخرا والصّلاة والتّحيّة على رسوله دائما وسرمدا وعلى آله الكرام وصحبه العظام إلى يوم القيام. تمّ الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث أوّله: أمّا بعد فهذه كلمات إلخ PageV02P225 [المجلد الثالث] بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أمّا بعد فهذه كلمات طيّبات * وحروف عاليات * كلّ نقطة منها مركز فرجار القلوب المضطربة العديمة القرار * ويتفجّر منها عيون المعارف والأسرار * أمثال الانهار والبحار * وخال مزيّن لخدود عروس الحقائق * وإنسان أبصار نقّاد الدقائق * أو درّة التّاج استخرجها من لجّة بحر الاحديّة يد الباطن الطّوليّ إلى السّاحل * أو النّافجة المحيية للرّوح جاء بها بنان البيان من سرّة ظباء بيداء الهويّة إلى المحافل * أغنى الله فقراءه بهذا الدرّ اليتيم * وروح مشامّ أرواحهم بهذا الشّميم. الأشعار الفارسيّة ز هريك نقطه اش جون نافهءتر ... شميم وصل جانان مزند سر ولى آن كز برودت در زكام ست ... ?ه داند نافه اش كر در مشام ست سرايم مدح آن سياح غواص ... كنم خورشيد را ?ون ذره رقاص مهين فرزند فاروقست ?ون آب ... كنون نطق از زبان أو كندرب سرا?ا نسخهء أخلاق فاروق ... بزهر منقصت ترياق فاروق ?راغ نقشبند هفت محفل ... نكاهش نقشبند الله از دل غوث الخلائق * غوّاص الحقائق * معراج الوصول * منهاج القبول * خزينة الرّحمة * دفينة الحكمة * مشرّف القلوب * مشرق الغيوب * لجّة العمل * حجّة الكمّل * حدقة الاخيار * حديقة الاحبار * نور الطّريق * نور الحقيقة * زين العالمين * عين العالمين * ذروة المنا * عروة الرّجا * مرآة الإراءة * مرقاة المحبّة * مطلع الرّموز والإشارات * منبع الكنوز والبشارات ملّاح بحر الملاحة * مصباح بيت الصّباحة * الصّلة بين البحرين * المصلح بين الفئتين * مستشهد المتكلّمين * مستمسك المتوحّدين * برهان السّلف * سلطان الخلف * وثيقة هذه الوفود * طليعة المهديّ الموعود * ذكاء الاصل والفرع * سناء الدين والشّرع * وارث سيّد البشر * منوّر المائة الحادية عشر * مجدّد الالف الثاني * الإمام الرّبّانيّ كجا كردد ز وصفش خامة اكاه ... ?ه نم دريابد از دريائى ?ر كاه مان بهتر كز بن بس كوش باشم ... سايم نغمة وخاموش باشم PageV02P226 سميّ المصطفى بالاسم الذى بشّر به عيسى الشّيخ أحمد ابن الشّيخ عبد الاحد الفاروقيّ نسبا والحنفيّ مذهبا والنّقشبنديّ مشربا * أدام الله سبحانه ظلال حياته على العالمين * وأرواهم من بحار بركاته إلى يوم الدين * حبّذا حال النّاظرين السّليمي البال * الذين يفتحون سواد النّظر إلى هذا المداد الذى هو السّواد الاعظم من الأسرار والحكم * فيجدون من هذا المداد بإعلام ربّانيّ إمداد الحضور * ومن ذلك السّواد تكون سويداء قلوبهم ملآنة بالنّور * ونعم مآل القارئين المستقيمي الأحوال * الذين إذا ألّفت السنتهم بهذه المعارف العالية تغيب أرواحهم بالهام سبحانيّ في سكر السّكر والشّكر * ومرحبا بالمستعدّين المستسعدين بصفاء الطّبيعة وحسن الاعتقاد الذين إذا لم يرتفع لهم الحجاب عن جمال هذه النّكات والرّموز الّتي هي وراء طور العقل من غاية الدقّة والغموض يعترفون بقصورهم وعدم وجدانهم ويسلّمون للكلّ سالكين طريقا صدف القائلين (ع) * وليس يدري سواهم منهم أحد * فيحوزون نقد ثمرات السّعادات الابديّة ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (1) ويا حسرتا على القارئين النّاظرين إليه شزرا * والسّامعين المهذرين في الكلام هذرا * الذين إذا وافق من هذه الملهمات الغيبيّة شيء طبعهم وناسب فهمهم يحملونه على مهارة صاحب المقال في القيل والقال ونحت الخيال * وما لم يجدوه كذلك يبسطون السنتهم بالسّوء من قصور النّظر وبحكم: «المرء لا يزال عدوّا لما جهله " يزمّرون مزامير الجدال المنحوس الاثر * ولا يعلمون أنّ هذه الطّائفة العليّة ليسوا في البين في إظهار هذه الأسرار الخفيّة (شعر) ليس منهم هذه الال? ... حان بل من مطرب بصّر الله سبحانه إخواننا سرائر عيوبهم * وأطلعهم على الأسرار الغيبيّة الصّادرة من أهل الصّفاء بطهارة قلوبهم * ورزقهم مخلصا من قيد الكيد وغلّ الغلّ للمخلصين وما قلت: إنّهم ليسوا في البين في إظهار الأسرار ليسمع شاهده أيضا من صاحب هذه الأسرار ولحاله في حاله برهان * ولمّا اختتم الجلد الاوّل من المكتوبات معدن الفتوحات الذي درّ المعرفة اسمه وتأريخ اختتامه بلغ بعض متعطّشي زلال المقال إلى العرض الاقدس أنّه لو وردت الإشارة العالية بجمع أنهار الأسرار الّتي تنبع بعد ذلك من عيون الاقلام ليجتمع بحر الجلد الثاني فقال حضرة شيخنا في الجواب من غاية الانكسار والخشية: إنّي في فكرة أنّ كلّ هذه العلوم الّتي بيّنت وحرّرت هل تكون مقبولة ومرضيّة أم لا فسكت مترصّدا للإشارة والبشارة ثمّ قال في غداة ذلك اليوم: إنّه قد هتف بي هاتف بالامس أنّ هذه العلوم الّتي كتبتها بل ما جرى على لسانك كلّها مقبولة ومرضيّة وقيل: إشارة إلى ما كتبته: إنّ كلّ ذلك مقالتنا وبياننا وأورد في ذلك الوقت جميع تلك العلوم في نظري فنظرت إلى كلّ واحد منها إجمالا وتفصيلا PageV02P227 سيّما إلى العلوم الّتي كان لى فيها تردّد فوجدت كلّها داخلة في ذلك الحكم الحمد لله على الإحسان فشرع في إجراء اقدام الاقلام المحترمة بكتابة الأسرار ولمّا بلغ ما حواه ذلك الجلد تسعا وتسعين مكتوبا مطابقا للأسماء الحسنى اختتم على ذلك في عام تأريخه ظاهر من نور الخلائق ثمّ لمّا ورد بعض المكاتيب إلى منصّة الظّهور ومجلّة السّطور التمس الامير النّسيب والسّيّد الحبيب قطب الزّمان حرز الامان. (شعر) در تفريد را بحرى وكانى ... تن تجريد را روحى وجاني دم از آئينه سازد نور زائل ... دم او صيقل آئينهء دل معدن الإيقان والعرفان معمّد نعمان بن شمس الدين يحيى الشّهير بمير بزرك البدخشانىّ سلّمه الله تعالى وأبقاه وهو من كمّل خلفاء حضرة شيخنا مقيم في صوب دكن بهداية البريّة وترويج الطّريقة العليّة بأمره العالي نظم تلك اللّالئ المنثورة ليجعل دفينة الجلد الثالث فصار ملتمسه مقرونا بالإجابة ولمّا بلغ المكاتيب زهاء ثلاثين حالت المهاجرة الصّوريّة الضّروريّة بين السّيّد المذكور وبين ذلك الجناب ولم يرغب خاطر حضرة شيخنا أيضا في تحرير المعارف وتقرير المكاشف مدّة طويلة إلى أن استسعد هذا الضّعيف الذى ذكر اسمه في آخر المكتوب الاوّل من هذا الجلد بعد مضيّ سنين بتأييد الله وهدايته سبحانه بالجلوس على تراب العتبة العليّة في السّنة الّتي تظهر من خاك نشين فشرع بحر نيسان حضرة شيخنا في التّموّج بالتّقرير وانبوب بنانه في النّبع بالتّحرير وامتاز هذا الفقير من غاية رحمته وعنايته له بجمع تلك المسوّدات ونقلها إلى البياض وتشرّف بإتمام الجلد الثالث في تلك السّنة الّتي تظهر أيضا من لفظ ثالث بإمداد مبدأ الفيّاض ولمّا بلغ عدد المكاتيب مائة وثلاثة عشر مكتوبا موافقا لعدد حروف باقي وكان التّقرير على ذلك في غاية اللّياقة باعتبارات ثلاثة اختتم عليه في عام يلوح حسابه من كأس الرّاسخين ولمّا ظهر بعض المكاتيب بعد ذلك بعلوم جديدة وأسرار غريبة أمر أن نجعله به مسك الختام فبإلحاقه طابق عدد المكاتيب بعدد سور القرآن الحمد لله أوّلا وآخرا وظاهرا وباطنا رزق الله سبحانه للطّلّاب من هذه المائدة قوت الارواح وقوّة الإيمان إلى يوم التّناد بحقّ الحقّ الهادي إلى سبيل الرّشاد. (1) المكتوب الاوّل إلى السّيّد المير محمّد نعمان في جواب سؤاله عن أقربيّة أفعال الواجب وصفاته وذاته جلّ سلطانه بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفة الشّريفة قد ارتكبتم مشقّة كثيرة جعل الله سبحانه سعيكم مشكورا ولمّا استفسرتم عن أقربيّة أفعال الواجب وصفاته وذاته جلّ سلطانه مكرّرا وولهتم ببيانه أردنا أن نذكر منها قدرا يسيرا (اعلم) أنّ كلّ شيء هو ذلك الشّيء بماهيّته وجعل الجاعل لثبوت الماهيّة لذلك الشّيء ليس بلازم أصلا فإنّ ثبوت الشّيء لنفسه PageV02P228 ضروريّ ومن ههنا قالوا: إنّ الجعل ليس بثابت في نفس الماهيّة والماهيّة ليست بمجعولة والجعل إنّما هو لاتّصاف الماهيّة بالوجود ألا ترى أنّ فعل الصّبّاغ إنّما هو في اتّصاف الثوب باللّون لا أنّه يجعل الثوب ثوبا واللّون لونا فإنّه محال لكونه تحصيل الحاصل فلم يكن الجعل في نفس الشّيء بل في اتّصاف الشّيء بالوجود فثبت أنّ الشّيء إنّما يكون شيئا بماهيّته وهذا المعنى مفقود في ظلّ الشّيء وعكس الشّيء في النّظر الكشفيّ فإنّ عكس الشّيء وظلّه ليسا بظلّ وعكس بماهيّتهما الظّلّيّة والعكسيّة بل بماهيّة أصلهما فإنّ الظّلّ لا ماهيّة له والظّاهر به انّما هو ماهيّة الاصل أظهرت نفسها بالظّلّ فيكون الاصل أقرب إلى الظّلّ من نفسه فإنّ الظّلّ ظلّ بأصله لا بنفسه وحيث أنّ العالم ظلال أفعال الواجب جلّ سلطانه وعكوسها تكون الافعال الّتي هي أصولها أقرب إلى العالم من العالم بالضّرورة وكذلك الافعال ظلال صفات الواجب جلّ شأنه فتكون أقرب إلى العالم من العالم وأصوله الّتي هي الافعال لكونها أصل الاصل وحيث أنّ الصّفات ظلال حضرة الذّات الّتي هي أصل جميع الاصول فلا جرم تكون الذّات أقرب إلى العالم من العالم ومن الافعال والصّفات الواجبيّة هذا هو بيان أقربيّته تعالى الممكن إيراده في حيّز التّحرير فلو أنصف العقلاء يحتمل أنّهم يقبلون هذا المعنى فإن لم يقبلوا فلا غمّ لانّه خارج عن المبحث وحيث اندرج في هذا البيان المقدّمات المعقولة لو أشركتم السّيّد المير شمس الدين علي في مطالعة هذا المكتوب لساغ وكتبتم أنّه قد أردنا الشّروع في جمع الجلد الثالث من المكتوبات فامضوا على ما أردتم فإنّ أهل الله إذا رأوا في أمر صلاحا يحتمل أن يكون مباركا وإذا فوّضتم هذا الامر إلى المير المشار إليه فليجعل النّسخ متعدّدة وليرسل نسخة إلى سرهند وليحفظ المسوّدات ولعلّها يقع الاحتياج إليها والفقير متحيّر في سفركم وقعودكم فمن جهة أنّه حريص على ملاقاتكم لا يقدر أن يحرّك شفتيه بسفركم ولا يقدر أن يدلّكم على القعود أيضا لخوف كون القعود سببا لفوت مصالح جمع كثير ولكن إذا سافرتم أرسلوا هنا الخواجه محمّد هاشم ليكون في الصّحبة أيّاما وليأخذ بعض العلوم والمعارف فإنّه يرى شابّا قابلا وحيث انّ المشار إليه مربّاكم وعارف بمذاقكم فينبغي أن تحيلوا الاستفسارات عليه فيستمع الجواب ويؤدّيه إليكم والسّلام. (2) المكتوب الثاني إلى جامع الأسرار والعلوم حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد معصوم سلّمه الله تعالى في المواعظ والإنقطاع عن الخلق والالتجاء إلى جناب الحقّ سبحانه وتعالى الحمد لله ربّ العالمين في السّرّاء والضّرّاء وفي اليسر والعسر وفي النّعمة والنّقمة وفي الرّحمة والزّحمة وفي الشّدّة والرّخاء وفي العطيّة والبلاء والصّلاة والسّلام على من ما أوذي نبيّ مثل إيذائه وما ابتلي رسول بنحو ابتلائه لهذا صار رحمة للعالمين وسيّد الاوّلين والآخرين. (أيّها الاولاد الكرام) إنّ PageV02P229 وقت الابتلاء وإن كان مرّا كريه الطّعم ولكنّ الفرصة مغتنمة وحيث أنّكم أعطيتم الفرصة في هذا الوقت ينبغي أن تؤدّوا حمد الله جلّ شأنه وأن تتوجّهوا إلى أمركم من غير أن تجوّزوا لأنفسكم فراغة لمحة ولحظة ولا ينبغي لكم الخلوّ عن أحد أمور ثلاثة: تلاوة القرآن المجيد وأداء الصّلاة بطول القراءة وتكرار الكلمة الطّيّبة لا إله الّا الله ينبغي أن ينفى بكلمة " لا " آلهة أهواء النّفس وأن يدفع المقاصد والمرادات فإنّ طلب الإنسان مراده دعوى منه الالوهيّة (ينبغي) أن لا يكون في ساحة الصّدر مجال مراد أصلا وأن لا يبقى هوس في المتخيّلة قطعا حتّى تتحقّق حقيقة العبوديّة طلب العبد حصول مراده مستلزم لدفع مراد مولاه ومعارضة على ربّه وهذا المعنى مستلزم لنفي مولاه وإثبات مولويّة نفسه (ينبغي) أن يدرك قبح هذا الامر وأن ينفي دعوى الالوهيّة عن نفسه إلى أن لا يبقى شيء من الاهواء والهوسات والمرادات غير مراد المولى وهذا المعنى نرجو أن يتيسّر في أيّام البلاء وأوقات الابتلاء بالسّهولة بعناية الله سبحانه وأمّا في غير هذه الايّام فكلّ واحد من هذه الاهواء والهوسات كسدّ يأجوج فينبغي الاشتغال بهذا الامر قاعدين في الزّوايا إنّ الفرصة مغتنمة القليل في أيّام الفتن يتقبّل بالكثير في غير أيّام الفتن لا بدّ من الرّياضات والمجاهدات الخبر شرط يقع الملاقاة أم لا والنّصيحة هي أن لا يبقى مراد ولا هوس أصلا وأطلعوا والدتكم أيضا على هذا المعنى ودلّوها عليه وأحوال هذه النّشأة حيث كانت ماضية ماذا نورد منها في معرض البيان ارحموا الصّغار ورغّبوهم في القراءة وأرضوا أهل الحقوق من جانبنا مهما أمكن وكونوا ممدّين ومعاونين بدعاء سلامة الإيمان ولنكتب مكرّرا ومؤكّدا أنّه لا تصرفوا هذا الوقت في أمور لا طائل فيها وينبغي أن لا تشتغلوا بشيء غير ذكر الله جلّ شأنه وإن كان مطالعة الكتب وتعليم الطّلبة فإنّ الوقت وقت الذّكر واجعلوا الاهواء النّفسانيّة داخلة تحت لا حتّى تكون منتفية بالتّمام ولا يبقى مراد ومقصود في الصّدر حتّى إن تخلّصي بالفعل الذي هو من أهمّ مقاصدكم ينبغي أن لا يكون مرادا لكم وارضوا بتقديره وفعله وإرادته تعالى وينبغي أن لا يكون في جانب الإثبات من الكلمة الطّيّبة شيء غير غيب الهويّة الذي هو وراء وراء المعلومات والمتخيّلات وهمّ الدار والقصر والبئر والبستان والكتب وأشياء أخر سهل ينبغي أن لا يكون شيء مزاحما لوقتكم ولا يكون شيء غير مرضيّات الحقّ جلّ وعلا مرضيّا ومرادا لكم فإنّا لو ذهبنا ذهبت هذه الاشياء كلّها فلتذهب في حياتنا لا تتفكّروا فيها وقد ترك الأولياء هذه الامور باختيارهم فلنتركها نحن باختياره تعالى ونشكره سبحانه فعسى أن نكون من المخلصين - بفتح اللّام - وكلّ موضع قعدتم فيه ينبغي أن تعتقدوه وطنا وفي أيّ محلّ تمرّ حياة أيّام قليلة ينبغي أن تمرّ بذكر الحقّ جلّ شأنه فإن معاملة الدنيا سهلة ينبغي التّوجّه إلى معاملة الآخرة وينبغي أن تسلّوا والدتكم وأن ترغبوها في الآخرة فإن قدّر الله سبحانه الملاقاة في الدنيا فتتيسّر والّا فينبغي الرّضاء والتّسليم بتقدير الله تعالى والدعاء لان يجمع الله سبحانه وتعالى في دار السّلام محلّا لتلافي ملاقات الدنيا بكرمه تعالى على الآخرة الحمد لله على كلّ حال. PageV02P230 (3) المكتوب الثالث إلى المير محبّ الله المانك?ورىّ في بيان معنى الكلمة الطّيّبة «لا إله إلّا الله» الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى لا إله إلّا الله لا أحد يستحقّ الالوهيّة والمعبوديّة الّا الله الذي لا نظير له الواجب الوجود المنزّه عن سمات النّقص المبرّأ عن صفات الحدوث فإنّ المستحقّ للعبادة الّتي هي عبارة عن كمال التّذلّل والخضوع والانكسار ثبت من له جميع الكمالات وسلب عنه جميع النّقائص واحتاج إليه جميع الاشياء في الوجود وتوابع الوجود وهو ليس بمحتاج في أمر إلى شيء وهو الضّارّ النّافع لا شيء يقدر إيصال ضرر أو نفع إلى أحد بلا إذنه والمتّصف بهذه الصّفات الكاملة ليس الّا الله تعالى ولا ينبغي أن يكون فإنّه لو تحقّق غيره تعالى بهذه الصّفات الكاملة من غير زيادة ولا نقصان لا يكون غيره تعالى لانّ الغيرين متمايزان ولا تمايز ثمّة فلو أثبتنا الغيريّة بإثبات التّمايز يلزم نقصه وهو مناف للألوهيّة والمعبوديّة وذلك لانّا لو لم نثبت له جميع الكمالات ليحصل التّمايز يلزم نقصه وكذلك لو لم نسلب عنه جميع النّقائص يلزم نقصه أيضا فإن لم تكن الاشياء محتاجة إليه فلا شيء يكون مستحقّا للعبادة فإن كان محتاجا إلى شيء من الاشياء في أمر من الامور يكون ناقصا وكذلك لو لم يكن نافعا وضارّا فيماذا يكون احتياج الاشياء إليه ولم يكون مستحقّا لعبادتهم إيّاه فإن قدر أحد على إيصال ضرّ أو نفع إلى الاشياء بلا إذنه يكون معطّلا لا يبقى مستحقّا للعبادة فلا يكون الجامع لهذه الصّفات الكاملة الّا واحد لا شريك له ولا يستحقّ للعبادة الّا هو الواحد القهّار (فإن قيل) إنّ التّمايز بهذه الصّفات وإن كان مستلزما للنّقص على ما بيّن وهو مناف للألوهيّة والمعبوديّة ولكن يمكن أن تكون لذاك الغير صفات أخر تكون باعثة على الامتياز لا يلزم نقص أصلا وإن لم تعرف تلك الصّفات أنّها ما هي (أجيب) انّ هذه المحذور المذكور وإن لم نعرف تلك الصّفات الكاملة أو من الصّفات النّاقصة وعلى كلا التّقديرين يلزم المحذور المذكور وإن لم نعرف تلك الصّفات بخصوصها أنّها ما هي ولكن نعرف أنّها ليست بخارجة من دائرة الكمال أو النّقصان وعلى كلا التّقديرين النّقص لازم كما مرّ (ودليل آخر على عدم استحقاق غير الحقّ سبحانه وتعالى للمعبوديّة) هو أنّ الله تعالى إذا كان كافيا في جميع ضروريّات وجود الاشياء وتوابع وجودها وكان نفع الاشياء وضررها مربوطا به سبحانه يكون غيره تعالى معطّلا محضا لا يقع احتياج الاشياء إليه أصلا فمن أيّ جهة يحصل له استحقاق العبادة ولايّ شيء تتوجّه إليه الاشياء بالذّلّة والخضوع والانكسار والكفّار الاشرار يعبدون غير الحقّ سبحانه وتعالى ويجعلون الاصنام المنحوتة معبودهم بزعم أنّها تكون شفعاءهم عند الله تعالى ويتقرّبون إلى الله تعالى PageV02P231 بتوسّلها ما أعظم حماقتهم من أين علموا أنّ لها مرتبة الشّفاعة وأنّه تعالى يأذن لها في الشّفاعة وإشراك أحد في عبادته جلّ وعلا بمجرّد التّوهّم نهاية الخذلان والخسارة العبادة ليست بأمر سهل حتّى يعبد كلّ حجر وجماد ويتصوّر كلّ عاجز بل أعجز من العابد مستحقّا للعبادة فإنّ استحقاق العبادة لا يتصوّر بدون تحقّق معنى الألوهيّة فمن فيه صلاحية الألوهيّة فمستحقّ للعبادة ومن لا فلا وصلاحيّة الألوهيّة مربوطة بوجوب الوجود فمن ليس فيه وجوب الوجود لا يليق بالألوهيّة فلا يستحقّ للعبادة ما أشدّ سفاهة من لا يشركون بالله سبحانه شيئا في وجوب الوجود ومع ذلك يشركون به تعالى شركاء في العبادة الم يعلموا أنّ وجوب الوجود شرط استحقاق العبادة فإن لم يكن له شريك في وجوب الوجود لا يكون له تعالى أيضا شريك في استحقاق العبادة والإشراك في استحقاق العبادة مستلزم للإشراك في وجوب الوجود أيضا فينبغي أنّ ينفى بتكرار هذه الكلمة الطّيّبة شريك وجوب الوجود وشريك استحقاق العبادة بل الأهمّ والاحوج إليه والانفع في هذه الطّريق نفي شريك استحقاق العبادة المخصوص بدعوة الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات فانّ المخالفين الذين ليسوا بمستلزمين ملّة نبيّ من الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات أيضا ينفون شريك وجوب الوجود بدلائل عقليّة ولا يثبتون غير واحد من واجب الوجود ولكنّهم غافلون عن معاملة استحقاق العبادة وفارغون عن نفي شريك استحقاق العبادة لا يتحاشون من عبادة الغير ولا يتكاسلون من عمارة الدير الانبياء هم الذين يهدمون الدير وينهون عن عبادة الغير والمشرك في لسان هؤلاء الاكابر من يكون أسيرا لعبادة غير الحقّ سبحانه وإن كان قائلا بنفي شريك وجوب الوجود فإنّ اهتمامهم في نفي عبادة ما سوى الحقّ سبحانه المتعلّقة بالعمل والمعاملة المستلزم لنفي شريك الوجوب الوجود فمن لم يتحقّق بشرائع هؤلاء الاكابر عليهم الصّلوات والتّسليمات المنبئة عن نفي استحقاق ما سوى الله سبحانه للعبادة لا يتخلّص من الشّرك ولا ينجو من شعب شرك عبادة الآلهة الآفاقيّة والانفسيّة فإنّ المتكفّل بهذا المعنى هو شرائع الانبياء عليهم الصّلوات والتّحيّات بل المقصود من بعثتهم هو تحصيل هذه الدولة والنّجاة من هذا الشّرك غير متيسّرة في غير شرائع هؤلاء الاكابر والتّوحيد غير ممكن بدون التزام ملّتهم عليهم الصّلوات والتّحيّات قال الله تبارك وتعالى إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (1) الآية المراد من الآية الكريمة ما أراد الله سبحانه ويحتمل أن يراد لا يغفر أن لا يلتزم بالشّرائع لانّ عدم التزام الشّرائع لازم للشّرك فذكر الملزوم وأراد اللّازم فيندفع ما يتوهّم من أنّ الشّرك كما لا يغفر لا يغفر إنكار سائر الشّرعيّات أيضا فما وجه التّخصيص ويحتمل أن يكون معنى أن يشرك به أن يكفر به لانّ إنكار الشّرائع كفر بالله سبحانه فلا يغفر والعلاقة بين الشّرك والكفر بالعموم والخصوص فإنّ الشّرك كفر خاصّ من مطلق الكفر فذكر الخاصّ وأراد العامّ (ينبغي أن يعلم) أنّ عدم استحقاق غير الحقّ سبحانه للعبادة بديهيّ فإن لم يكن بديهيّا فلا أقلّ من أن يكون حدسيّا فإنّ من فهم معنى العبادة كما ينبغي وتأمّل PageV02P232 غير الحقّ سبحانه كما هو حقّه يحكم بعدم استحقاقه للعبادة بلا توقّف والمقدّمات الّتي أوردت في بيان هذا المعنى فهي من قبيل التّنبيهات على البديهيّات لا مجال لايراد النّقض والمناقضة والمعارضة على هذه المقدّمات ولا بدّ من نور الإيمان حتّى تدرك هذه المقدّمات بالفراسة وكثير من البديهيّات بقي مخفيّا على القاصرين والاغبياء وكذلك الذين مبتلون بمرض الظّاهر وعلّة الباطن صارت البديهيّات الجليّة والخفيّة مخفية عليهم (فإن قيل) قد وقع في عبارة مشائخ الطّريقة - قدّس الله أسرارهم - أنّ كلّ ما هو مقصودك فهو معبودك فما معنى هذه العبارة وما المحمل لها من الصّدق؟ (أجيب) أنّ مقصود الشّخص هو المتوجّه إليه لذلك الشّخص فما دام ذلك الشّخص حيّا لا يفتر ولا يتقاعد عن تحصيل ذلك المقصود وكلّ ذلّ وانكسار يصيبه في تحصيله يتحمّله ويهون ذلك عليه ولا يتركه به وهذا المعنى هو مؤدّى العبادة لكونه كمال الذّلّ والانكسار فمقصوديّة الشّيء مستلزمة لمعبوديّته فنفي معبوديّة غير الحقّ سبحانه إنّما يتحقّق إذا لم يبق مقصود غير الحقّ تعالى ولم يكن مراد سواه والمناسب لحال السّالك في تحصيل هذه الدولة أن يلاحظ معنى الكلمة الطّيّبة لا إله إلّا الله بعنوان لا مقصود الّا الله وينبغي أن يكرّر هذه الكلمة إلى أن لا يبقى من مقصوديّة الغير اسم ولا رسم ولا يكون مراد غيره تعالى ليكون صادقا في نفي معبوديّة الغير ومحقّا في رفع الآلهة المتكثّرة ونفي الآلهة المتكثّرة بهذا المنوال والتّوصّل من نفي المقصوديّة إلى نفي المعبوديّة على ما سبق بيانه بالمقال من شرط كمال الايمان عند أهل الحال المربوط بالولاية المنوطة بنفي آلهة الاهواء النّفسانيّة وما لم تكن النّفس مطمئنّة لا يتوقّع هذا المعنى واطمئنان النّفس إنّما يتصوّر بعد كمال الفناء والبقاء. (وتوجيهها في ظاهر الشّريعة الغرّاء) الذي هو منبئ عن اليسر والسّهولة ومشعر برفع الخرج عن العباد الذين خلقوا على الضّعف هو أنّ من أخرج رأسه عياذا بالله سبحانه من ربقة الشّريعة في تحصيل مقصوده وتجاوز الحدود الشّرعيّة في حصوله يكون ذلك المقصود معبوده وإلهه فإن لم يكن ذلك المقصود كذلك ولم يرتكب في تحصيله وحصوله المنكرات الشّرعيّة لا يكون ذلك المقصود ممنوعا شرعيّا وكأنّ ذلك المقصود ليس من مقاصده والشّيء المطلوب ليس من مطالبه بل مقصوده في الحقيقة هو الحقّ سبحانه ومطلوبه أمره تعالى ونهيه الشّرعيّين ولم يحدث لذلك الشّيء مقصوديّة سوى ميله الطّبيعيّ إليه وهو أيضا مغلوب الاحكام الشّرعيّة وحسم مادّة مقصوديّة الغير مطلوب في حقيقة الشّريعة بإمداد استيلاء الهوى وإعانة غلبة الهوس ومعارضة لمقصوديّة الحقّ سبحانه وتعالى بل تلك المقصوديّة بإمداد استيلاء الهوى وإعانة غلبة الهوس ومعارضة لمقصوديّة الحقّ سبحانه وتعالى بل كثيرا ما يختار في حصولها على حصول مراضي الحقّ جلّ وعلا فيؤدّي إلى الخسارة الابديّة فنفي مقصوديّة الغير كان ضروريّا في كمال الإيمان مطلقا حتّى يكون مأمونا ومحفوظا من الزّوال والرّجوع عنه نعم قد يجعل بعض الأولياء صاحب إرادة واختيار بعد نفي الإرادة ورفع الاختيار ويعطى له الاختيار والإرادة الكلّيّان بعد سلب الاختيار والإرادة الجزئيّين عنه وسيجيء تحقيق هذا المعنى في مكتوب آخر إن PageV02P233 شاء الله تعالى. ربّنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنّك على كلّ شيء قدير (1) والسّلام على من اتّبع الهدى (2) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى جميع الانبياء أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات. (4) المكتوب الرّابع إلى معدن السّيادة والرّشادة المير محمّد نعمان في تأويل قوله تعالى {لا يَمَسُّهُ إِلّاَ الْمُطَهَّرُونَ} (3) قال الله تعالى إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلّاَ الْمُطَهَّرُونَ (4) المراد من الآية الكريمة ما أراد الله سبحانه وتعالى والرّمز الذي يخطر في الخاطر الفاتر ويقع في الفهم القاصر في هذا المقام أنّه لا يمسّ الأسرار المكنونة القرآنيّة الّا الذين صفت سرائرهم من لوث التعلّقات البشريّة فإذا كان نصيب الاطهار مساس الأسرار القرآنيّة ماذا يصيب لغيرهم ورمز آخر لا يقرأ القرآن يعني: لا ينبغي أن يقرأ القرآن الّا الذين زكت نفوسهم عن الهوى والهوس وطهرت عن الشّرك الجليّ والخفيّ ومن الآلهة الآفاقيّة والانفسيّة بيانه أنّ المناسب لحال مبتدي السّلوك هو الذّكر ونفي ما سوى مذكور على حدّ لا يبقى شيء ممّا سواه تعالى معلوما ولا يكون مراده شيئا غير الحقّ سبحانه فإن ذكّروه بالاشياء بالتّكليف لا يكاد يتذكّر ولا يكون مقصوده فإذا صار طاهرا من الشّرك ومحرّرا من الآلهة الآفاقيّة والانفسيّة فحينئذ يستحقّ أنّ يقرأ القرآن بدل الذّكر ويترقّى بدولة التّلاوة وتلاوة القرآن قبل حصول هذه الحالة المذكورة داخلة في أعمال الابرار وبعد حصول هذه الحالة داخلة في أعمال المقرّبين كما أنّ الذّكر قبل حصول هذه النّسبة كان من عداد أعمال المقرّبين وأعمال الابرار من جملة العبادات وأعمال المقرّبين من جملة التّفكّرات ولعلّكم سمعتم " تفكّر ساعة خير من عبادة سنة أو سبعين سنة " والتّفكّر عبارة عن الانتقال من الباطل إلى الحقّ والفرق بين الابرار والمقرّبين هو فرق ما بين عبادة ذاك وتفكّر هذا (ينبغي أن يعلم) أنّ الذّكر الذي يكون في عداد أعمال المقرّبين من المبتدئ هو ما أخذه من الشّيخ الكامل المكمّل وكان مقصود سلوك الطّريقة والّا فالذّكر أيضا من جملة أعمال الابرار والله سبحانه الملهم للصّواب والسّلام على من اتّبع الهدى (5) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات والتّسليمات. PageV02P234 (5) المكتوب الخامس إلى السّيّد المير محمّد نعمان في بيان بعض الأحوال والاذواق الخاصّة بحضرة شيخنا مدّ ظلّه العالي الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى لا يخفى أنّه ما لم تتجلّ عناية الله سبحانه بعنايته تعالى بصورة جلاله وغضبه تعالى ولم أكن محبوسا في قفص السّجن لم أتخلّص من مضيق الإيمان الشّهوديّ بالكلّيّة ولم أخرج من سكك ظلال الخيال والمثال بالتّمام ولم أتبختر في طريق الإيمان الغيبيّ مطلق العنان ولم أتحوّل من الحضور إلى الغيب ومن العين إلى العلم ومن الشّهود إلى الاستدلال على وجه الكمال ولم أجد محاسن الآخرين عيوبا وعيوبهم محاسن بالذّوق الكامل والوجدان الصّادق ولم أذق زلال الذّلّ والانكسار ولذائذ مربّى الحقارة والفضيحة والافتقار ولم أحتظّ من جمال طعن الخلق وملامتهم ولم التذّ بحسن بلاء النّاس وجفائهم ولم أترك الإرادة والاختيار بالكلّيّة كائنا كالميّت بين يدي الغسّال ولم أقطع حبال التعلّقات الآفاقيّة والانفسيّة على وجه التّمام والكمال ولم أحز حقيقة التّضرّع والالتجاء والإنابة والاستغفار والذّلّ والانكسار ولم أشاهد قسطاس استغناء الحقّ سبحانه الرّفيع المنزلة المحفوف بسرادقات العظمة والكبرياء ولم أعتقد نفسي عبدا حقيرا ذليلا عديم الاعتبار العاري عن الخاصّيّة مفقود الاقتدار كامل الاحتياج والافتقار وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلّا ما رَحِمَ رَبِّي (1) فلو لم يكن تواتر الفيوض والواردات الإلهيّة جلّ سلطانه وتوالى عطيّاته وإنعاماته اللّا متناهية في دار المحنة هذه شاملا لحال هذا العبد المكسور البال كادت المعاملة تنجرّ إلى اليأس وأوشك حبل الرّجاء أن ينقطع الحمد لله الذي عافاني في عين البلاء وكرّمني في نفس الجفاء وأحسن لي في حالة العناء ووفّقني على الشّكر في السّرّاء والضّرّاء وجعلني من متابعي الانبياء ومن مقتفي آثار الأولياء ومن محبّي العلماء والصّلحاء صلوات الله سبحانه وتسليماته على الانبياء أوّلا وعلى مصدّقهم ثانيا. (6) المكتوب السّادس إلى صاحب المعارف الشّيخ بديع الدين في بيان أنّ إيلام المحبوب وجلاله أحبّ من إنعامه وجماله الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفة الشّريفة المرسلة مصحوبة بالشّيخ فتح الله وقد كتبتم الشّكاية من جفاء الخلق وملامتهم والحال أنّها عين جمال هذه الطّائفة وصيقل صدائهم فكيف تكون باعثة على القبض والكدورة ولمّا وصل هذا الفقير في أوائل الحال إلى هذه القلعة صار PageV02P235 محسوسا أنّ أنوار ملامة الخلق ترد من القرى والبلاد متوالية ومتتابعة كالسّحاب النّورانيّ وترقى المعاملة من الحضيض إلى الاوج وقد قطعتم المراحل سنين بالتّربية الجماليّة فينبغي الآن أن تقطعوا المسافة بالتّربية الجلاليّة وأن تكونوا في مقام الصّبر بل في مقام الرّضاء وأن تروا الجمال والجلال متساويين وكتبتم أيضا: انّ من وقت ظهور الفتنة لم يبق ذوق ولا حال كان ينبغي أن يتضاعف الذّوق والحال فإنّ جفاء المحبوب يورث اللّذّة أكثر من وفائه أيّ بلاء وقع حتّى يتكلّم مثل العوامّ ويتباعد من المحبّة الذّاتيّة ينبغي أن يعتقد الجلال فوق الجمال وأن يتصوّر الإيلام أفضل من الإنعام على خلاف ما مضى فإنّ في الجمال والإنعام مراد المحبوب مشوب بمراد النّفس وفي الجلال والإيلام خالص مراد المحبوب وخلاف مراد النّفس والوقت والحال هنا غير الوقت والحال السّابقين شتّان ما بينهما وكتبتم في حقّ زيارة الحرمين الشّريفين لا مانع منه حسبنا الله ونعم الوكيل. (7) المكتوب السّابع إلى السّيّد المير محبّ الله المانك?ورىّ في التّحريض على التّحمّل لإيذاء الخلق بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات أنهي أنّه قد وصلت الصّحيفة الشّريفة من أخي السّيّد المير محبّ الله فأورثت فرحا وافرا لا بدّ من تحمّل إيذاء الخلق ولا مهرب من جفاء الاقارب قال الله تعالى أمرا لحبيبه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ (1) والملح في سكونة ذاك المقام هو هذا الإيذاء والجفاء وأنتم تريدون الفرار من ذلك الملح نعم إنّ مألوف السّكّر لا يطيق الملح ماذا نصنع. (شعر) لا يستقيم تدلّل من عاشق ... لو أنّه محبوب كلّ خلائق واندرج فيها أنّه لو صدرت الإجازة لاخترت منزلا في اله آباد عيّنوا منزلا حتّى تذهبوا هناك وتتخلّصوا من إفراط الجفاء هذا هو طريق الرّخصة وطريق العزيمة الصّبر والتّحمّل على الإيذاء وقد غلب الضّعف على الفقير في هذه الايّام كما هو معلومكم ولهذا اقتصرنا على كلمات والسّلام. (8) المكتوب الثامن إلى صاحب الحقائق مولانا محمّد صدّيق في بيان أصالة الغيب وظلّيّة الشّهود PageV02P236 (أيّها المحبّ) إنّ الغيب مقابل الشّهود الذي فيه شائبة الظّلّيّة والغيب مبرّأ من ذاك الشّوب فيكون أكمل من الشّهود ولكن إذا كان سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام مشرّفا في ليلة المعراج بدولة الرّؤية الّتي هي ما وراء وراء سرادقات الظّلال وأقدس من الشّوب بشائبة الظّلّيّة لما يكون الغيب في حقّه صلّى الله عليه وسلّم أكمل من الرّؤية وقد كان الاكتفاء بالغيب لرفع الظّلّيّة وحيث تيسّر رفع الظّلّيّة بالكلّيّة في عين الحضور لماذا يحتاج إلى الغيب هذه دولة مخصوصة بسيّد الكونين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ولكمّل تابعيه أيضا نصيب من هذا المقام بالتّبعيّة والوراثة كما أنّه ليس برؤية ليس بشهود ومشاهدة أيضا فالتّعبير عنه بالغيب أحسن العبارات وتفصيل ذاك المقام لا يمكن بالقول بل كلّ من يجده يجده على مقدار وجدانه وهو وراء ذلك ولا نصيب منه الّا لأقلّ القليل والسّلام. (9) المكتوب التّاسع إلى السّيّد محمّد نعمان في بيان قوله تعالى {وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (1) الآية بسم الله الرّحمن الرّحيم قال الله تعالى وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا واِتَّقُوا الله (2) الآية؛ ذكر التّقوى بعد ذكر الامتثال للأوامر والانتهاء عن المناهي إشارة إلى الاهتمام بالانتهاء الذي هو حقيقة التّقوى وأنّه هو ملاك الدين قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبارك " ملاك دينكم الورع " وقال عليه الصّلاة والسّلام في مواضع أخر: «لا تعدل بالرّعة شيئا " والرّعة هو الورع والوجه لهذا الاهتمام والله سبحانه أعلم بالصّواب - أنّ الانتهاء أعمّ وجودا وأكثر نفعا لما أنّه يوجد في ضمن الامتثال أيضا لانّ الإتيان بالامر انتهاء عن ضدّه وهو ظاهر وأمّا كثرة نفع الانتهاء بغير جهة عمومه فلأنّه مخالفة محضة مع النّفس لا حظّ للنّفس فيه بخلاف صور الامتثال فإنّ النّفس قد تتلذّذ فيه وكلّ ما فيه زيادة مخالفة مع النّفس لا شكّ أنّه أكثر نفعا وأقرب طرق إلى النّجاة فإنّ المقصود الاصليّ من التّكليفات الشّرعيّة قهر النّفس لأنّها انتصبت لمعاداة الله سبحانه وورد في الحديث القدسيّ " عاد نفسك فإنّها انتصبت لمعاداتي " فكلّ طريق من طرق المشائخ تكون رعاية الاحكام الشّرعيّة فيها أكثر يكون أقرب طرق إلى الله سبحانه لوجود كثرة المخالفة مع النّفس الّا وهو طريق النّقشبنديّة ولهذا قال سيّدنا وقبلتنا الشّيخ الاجلّ بهاء الدين المشتهر بنقشبند قدّس سرّه وجدت طريقا أقرب طرق إلى الله سبحانه لوجود كثرة المخالفة مع النّفس وأمّا بيان زيادة رعاية أحكام الشّريعة في هذه الطّريقة فممّا لا يخفى على المنصف الفطن الخائض في طرق المشائخ ومع ذلك بيّنته بزيادة الإيضاح في بعض الرّسائل والله سبحانه PageV02P237 أعلم بحقيقة الحال وهو سبحانه حسبي ونعم الوكيل وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم وبارك وكرّم والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) (10) المكتوب العاشر إلى السّيّد محمّد نعمان في تفسير قوله تعالى {وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي} (2) الآية الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى وإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ (3) قرب الحقّ سبحانه وتعالى وإن كان لا كيفيّا ولا مثليّا ولكن للوهم هناك مجال والخارج من حيطة الوهم ودائرة الخيال هو أقربيّته تعالى ولهذا كان العالم بالقرب كثيرا والعالم بالاقربيّة أقلّ قليل ونهاية القرب إلى حصول الاتّحاد وإن كان الاتّحاد أيضا مجرّد توهّم والاقربيّة إنّما هي بعد مجاوزة الاتّحاد وان تصوّر العقل في جانب القرب من هو أقرب من نفسه بعيدا وذلك من قصور نظر العقل حيث اعتاد رؤية البعد ولم يجد أقرب من نفسه والسّلام. (11) المكتوب الحادي عشر إلى السّيّد شمس الدين عليّ الخلخاليّ في بيان جامعيّة الإنسان الذي هو مركّب من أجزاء عالم الخلق والامر وترجيح قلب الإنسان على العرش المجيد الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ الإنسان نسخة جامعة مركّب من الاجزاء العشرة العناصر الاربعة والنّفس النّاطقة والقلب والرّوح والسّرّ والخفيّ والاخفى وسائر القوى والجوارح في الإنسان راجعة إلى هذه الاجزاء وبين هذه الاجزاء تضادّ وتضادّ بعض العناصر ببعض آخر ظاهر وكذلك تضادّ عالم الخلق بعالم الامر أيضا باهر وكلّ واحد من أجزاء عالم الامر الخمسة مخصوص بأمر ومنسوب إلى كمال والنّفس الناطقة هي مقتضية لهواها لا تريد إطاعة أحد سواها وقد جمع الله سبحانه هذه الاشياء المتضادّة كاسرا سورة كلّ منها بعنايته الشّاملة وقدرته الكاملة وأعطاها مزاجها خاصّا وهيئة وحدانيّة وبعد حصول المزاج الخاصّ والهيئة الوحدانيّة وهب لها صورة بحكمته البالغة حتّى تحفظ PageV02P238 أجزاءه المتفرّقة المتضادّة وسمّي هذا المجموع بالإنسان وشرّفه بشرف استعداد الخلافة باعتبار جامعيّته وحصول الهيئة الوحدانيّة وهذه الدولة لم تتيسّر لشيء غير الإنسان والعالم الكبير وإن كان عظيما ولكنّه خال من الجامعيّة ولا نصيب له من الهيئة الوحدانيّة وهذه المعاملة جارية في جميع أفراد الإنسان وعوامّ الإنسان مشاركة فيها لخواصّه (ينبغي أن يعلم) أنّ أشرف أجزاء العالم الكبير هو العرش المجيد والتّجلّي المخصوص به فوق تجلّيات الاجزاء الأخر فإنّ ذاك التّجلّي جامع وذلك الظّهور مستجمع للأسماء والصّفات الوجوبيّة تعالت وتقدّست وأيضا إنّ ذاك التّجلّي دائميّ لا مجال فيه للاستتار وقلب الإنسان الكامل الذي له مناسبة للعرش ويقال له عرش الله له نصيب وافر من تجلّي العرش وحظّ كامل غاية ما في الباب أنّ ذاك التّجلّي كلّيّ وهذا التّجلّي بالنّسبة إليه جزئيّ ولكن في القلب مزيّة ليست هي في العرش وهي الشّعور بالمتجلّي وأيضا إنّ القلب مظهر له تعلّق بما ظهر فيه بخلاف العرش فإنّه حال عن هذا التّعلّق فلا جرم أمكن التّرقّي للقلب بواسطة هذا الشّعور والتّعلّق بل هو واقع فإنّ القلب بحكم " المرء مع من أحبّ " له تعلّق به ومفتون بمحبّته فإن كان محبّا للأسماء والصّفات فمع الاسماء والصّفات وإن كان محبّا للذّات تعالت وتقدّست فقد صحّح المعيّة هناك وترقّى من التّعلّق بالاسماء والصّفات بخلاف العرش المجيد فإنّ التّجلّي المجرّد عن الاسماء والصّفات غير واقع في حقّه والسّلام. (12) المكتوب الثاني عشر إلى السّيّد المير محمّد نعمان في بيان فوائد التّضرّع والانكسار والذّكر وتلاوة القرآن وطول القنوت في الصّلاة الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفة الشّريفة من أخي معدن السّيادة فأورثت سرورا وقد كتبتم فيها أنّه هل الافضل الدعاء والتّضرّع والإنكسار ودوام الالتجاء إلى حضرة الحقّ سبحانه والذّكر أو هذه المذكورات ممزوجة بالذّكر (لا بدّ) من الذّكر وكلّ شيء يجتمع معه فهو دولة وقد وضعوا مدار الوصول على الذّكر وأشياء أخرى غيره كثمراته ونتائجه (وسالتم أيضا) أنّ هذه الثلاثة أفضل النّفي والإثبات او تلاوة القرآن أو الصّلاة بطول القنوت (اعلم) أنّ ذكر النّفي والإثبات كالوضوء الذي هو شرط الصّلاة وما لم يوجد الوضوء لا يصحّ الشّروع في الصّلاة كذلك ما لم تتمّ معاملة النّفي والإثبات فكلّ عمل يعمل غير الفرائض والواجبات والسّنن داخل فيما لا يعنى ينبغي أوّلا إزالة المرض وهي مربوطة بالنّفي والإثبات ثمّ الاشتغال بعد ذلك بعبادات وحسنات أخرى ممّا هو كالغذاء الصّالح للبدن وكلّ غذاء يتناول قبل زوال المرض فهو فاسد ومفسد (ع) وكلّ ما أخذ المعلول معلول * وتماميّة هذه المعاملة لا يلزم أن تتعيّن فإنّ تلك الحالة ناطقة بتماميّتها بنفسها (وكتبتم) أيضا أنّ الجلد PageV02P239 الثالث يسجّل باسم من والظّاهر أنّ الفقير كنت كتبت قبل ذلك أنّه يجعل مسجّلا باسمكم وفي جواب كتابكم الآن أيضا الكلام هو هذا ومن يكون أفضل واحقّ به منكم يمكن أن يقال: إنّ ميلان القلب دائما إلى جانبكم ولا يعلم وجه قعودكم في أكره فإنّه وإن كان في الجوار ولكن لمّا كان خاليا عن الملاقات فهو عار عن الاعتبار لا ينبغي إقامتكم هناك لاجل الفقير توجّهوا إلى الوطن مفوّضين الفقير إلى أرحم الرّاحمين واجعلوا المشتاقين هناك مسرورين فإن كان في قلبكم وجه آخر لقعودكم هناك فهو أمر آخر ولتكن والدة محمّد أمين موفّقة مصحوبة بالعصمة والعفّة قد طالعت ما كتبت من واقعاتها الطّويلة العريضة وإن كان فيه أشياء موحشة ومكدّرة ولكنّه خير سينقلب مآل كلّ منها إلى الخير في الآخر ولتكن متنبّهة من أمثال هذه الواقعات ومتلافية للتّقصيرات بالتّوبة والاستغفارات ولتعلم أنّ التّمتّعات الدنيويّة والمزخرفات الفانية لا شيء محض لا يصير العاقل مفتونا ومبتلى بها ينبغي أن تكون أحوال الآخرة نصب العين وأن يكون مشغولا بالذّكر ولايّ شيء يلزم حصول لذّة تامّة في الذّكر وظهور أشياء في النّظر فإنّ ذلك داخل في اللهو واللّعب بل كلّما توجد المشقّة في الذّكر يكون أفضل وأنفع ينبغي تعمير الاوقات بالذّكر الإلهيّ جلّ شأنه بعد أداء الصّلوات الخمس دون أن يتعطّل بالالتذاذ بالذّكر وينبغي لها أن تلتمس رضاكم مغتنمة لخدمتكم وينبغي لكم أيضا أن ترفقوا بها وأن تجذبوها إلى جانبكم وأن تدلّوها على الحسنات والسّلام. (13) المكتوب الثالث عشر إلى السّيّد المير محبّ الله المانك?ورىّ في التّحريض على كمال متابعة صاحب الشّريعة الغرّاء عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ومتابعة شيخ الطّريقة بسم الله الرّحمن الرّحيم وصل المكتوب الشّريف مع مرجع السّيادة أخي المير محبّ الله واتّضحت مقدّمات اليأس المندرجة على وجه الاضطرار والاضطراب اليأس كفر يلزم أن تكونوا راجين لو كان رسوخ في أمرين فلا غمّ ح متابعة صاحب الشّريعة الغرّاء عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والاعتقاد في شيخ الطّريقة ومحبّته ينبغي أن تكونوا واقفين وملتجئين ومتفرّغين لئلّا يقع الفتور في هذه الدولة وكلّ شيء سواها سهل كائنا ما كان وتلافيه ممكن وقد كنت كتبت فيما قبل أنّه إذا كنتم كارهين للإقامة في مانك?ورى ينبغي اختيار الوطن في اله آباد يحتمل أن يكون مباركا وأنتم فهمتم منه العكس ولم يدلّ لفظ المبارك أيضا على المقصود والكلام الآن أيضا هو ذاك وقد ظهر اللّيلة في النّظر أنّه قد حوّل رحلكم من مانكبور إلى إله آباد فاختاروا هناك خرابة وعمّروا أوقاتكم بالذّكر الإلهيّ جلّ شأنه ولا يكون لكم شغل بأحد والتزموا ذكر النّفي والإثبات وأخرجوا بتكرار هذه الكلمة الطّيّبة من ساحة الصّدر جميع المرادات PageV02P240 حتّى لا يكون المقصود والمطلوب والمحبوب غير واحد فإن عجز القلب عن الذّكر فقولوا باللّسان بشرط الإخفاء فإنّ الجهر ممنوع في هذا الطّريق وقد علمتم بقيّة طرز الطّريقة وأوضاعها وإيّاكم والعدول عن طريق التّقليد ما استطعتم فإنّ لتقليد شيخ الطّريقة ثمرات وفي الخلاف لطريقه خطرات وماذا أكتب زيادة على ذلك والسّلام على من اتّبع الهدى (1) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله وأصحابه أتمّ الصّلوات وأكمل التّحيّات. (14) المكتوب الرّابع عشر إلى المير شمس الدين عليّ في جواب سؤاله عن وجود واجب الوجود تعالى الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد صرت محظوظا وملتذّا بمطالعة الصّحيفة الشّريفة المرسلة على وجه الكرم والشّفقة جزاكم الله سبحانه خيرا واندرج فيها أنّ ذات الحقّ سبحانه وتعالى إذا كانت موجودة بماهيّتها لا بالوجود عينا كان أو زائدا فكيف يتحقّق التّقابل بين واجب الوجود الذي هو ذات الله سبحانه بلا اعتبار الوجوب والوجود وبين ممتنع الوجود وبأيّ وجه يمكن إطلاق واجب الوجود على الذّات المعرّاة عن الوجوب والوجود وكيف يثبت استحقاق العبادة الذي هو منوط بوجوب الوجود وبأيّ اعتبار يكون إطلاق واجب الوجود على الذّات العديمة الوجوب والوجود (أيّها المخدوم) إنّ جواب هذه الاسئلة مندرج بالتّفصيل في مكتوب من مكتوبات الجلد الثاني والظّاهر أنّه محرّر باسم واحد من أولاد الفقير فإن طالعتموه لعلّكم تحتظّون به (وبالجملة) يمكن أن تكون ماهيّة الواجب - جلّ سلطانه - موجودة بنفسها لا بالوجود وإطلاق الوجوب على تلك الحضرة يكون من قبيل منتزعات العقل بل لله المثل الاعلى وكما أنّ وجوب الوجود من قبيل المنتزعات امتناع العدم أيضا في تلك الحضرة جلّ سلطانها من المنتزعات وكما أنّ الذّات البحت ليست فيها نسبة وجوب الوجود ليست فيها أيضا نسبة امتناع العدم وحيث ظهرت نسبة وجوب الوجود حصلت نسبة امتناع العدم الذي هو مقابله وظهرت نسبة استحقاق العبادة الذي هو متفرّع على وجوب الوجود " كان الله ولم يكن معه شيء " وإن كان من النّسب والاعتبارات فإذا ظهرت النّسب ظهر التّقابل والسّلام أوّلا وآخرا. (15) المكتوب الخامس عشر إلى المير محمّد نعمان في بيان أنّ لذّة إيلام المحبوب الذّ وأجلى في نظر المحبّ من لذّة إنعامه PageV02P241 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ليكن معلوم الأخ السّيّد محمّد نعمان أنّه صار مفهوما أنّ الاحباب النّاصحين كلّما اجتهدوا في التّشبّث بأسباب الخلاص لم يكن نافعا الخير فيما صنعه الله سبحانه فحدث من هذا الامر نوع حزن بمقتضى البشريّة وظهر ضيق الصّدر ثمّ بعد زمان تبدّل الحزن وضيق الصّدر بفضل الله جلّ سلطانه بالفرح وشرح الصّدر وعلمت بيقين خاصّ أنّ مراد هذه الجماعة الذين في صدد الإيذاء لو كان موافقا لمراد الحقّ جلّ شأنه لا معنى للاستكراه وضيق الصّدر بل هو مناف لدعوى المحبّة فإنّ إيلام المحبوب مثل إنعامه محبوب للمحبّ ومرغوب فيه له كما أنّ المحبّ يلتذّ بإنعامه يلتذّ أيضا بإيلامه بل يجد اللّذّة في إيلامه أكثر لكونه مبرّأ من شائبة حظّ النّفس ومرادها وحيث انّ الحقّ سبحانه جميل مطلق فإذا أراد إيذاء شخص تكون إرادته تعالى بعنايته سبحانه في نظر ذلك الشّخص جميلة البتّة بل تكون سببا للالتذاذ وحيث انّ مراد هذه الجماعة موافق لمراد الحقّ سبحانه وروزنة لمراده تعالى فمرادهم أيضا مستحسن في النّظر وموجب للالتذاذ وفعل الشّخص الذي هو مظهر لفعل المحبوب محبوب أيضا كنفس فعل المحبوب وذلك الشّخص الفاعل أيضا يظهر في نظر المحبّ بهذه العلاقة محبوبا والعجب أنّ الجفاء كلّما يتصوّر من ذلك الشّخص أزيد يظهر في نظر المحبّ أحسن وأمجد لكون إرادته لصورة غضب المحبوب أكثر وأزيد وامر والهي هذا الطّريق مقلوب ومعكوس وإرادة السّوء لذاك الشّخص وإساءته منافية لمحبّة المحبوب فإنّ ذلك الشّخص ليس بأزيد في ذلك من أين يكون مرآة لفعل المحبوب والذين هم في صدد الإيذاء يظهرون في النّظر محبوبين بالنّسبة إلى سائر الخلائق فليزل الإخوان ضيق الصّدر عن أنفسهم ولا يحقدوا على الذين في صدد الإيذاء بل ينبغي أن يكونوا متلذّذين بفعلهم نعم حيث كنّا مأمورين بالدّعاء والحقّ سبحانه يحبّ الدعاء والالتجاء والتّضرّع والابتهال ينبغي الدعاء لدفع البليّة وسؤال العفو والعافية وإنّما قلت مرآة صورة الغضب فإنّ حقيقة الغضب نصيب الاعداء وصورة الغضب مع الاحبّاء عين الرّحمة في الحقيقة وكم من منافع لمحبّ أودعت في صورة الغضب هذه لا يمكن شرحه وأيضا في صورة الغضب الّتي أعطيها الاحبّاء هلاك المنكرين وهي باعثة على ابتلائهم ولعلّكم علمتم معنى عبارة الشّيخ محيي الدين ابن العربيّ قدّس سرّه حيث قال: لا همّة للعارف يعني أنّ الهمّة الّتي يقصد بها دفع البليّة مسلوبة عن العارف فإنّ العارف إذا رأى البليّة من المحبوب وتيقّن أنّها مراده كيف يصرف همّته لدفعها وكيف يريد رفعها وأنّه وإن أجرى دعاء الدفع على لسانه بحسب الصّورة لامتثال الامر بالدّعاء ولكنّه لا يريد شيئا في الحقيقة بل هو ملتذّ بكلّ ما يصيبه والسّلام على من اتّبع الهدى (1). PageV02P242 (16) المكتوب السّادس عشر إلى مولانا أحمد الديبنيّ في بيان سرّ عدم اطّلاع السّالك على أحواله ومشاهدتها في مرايا المسترشدين الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصل المكتوب الشّريف وذكرتم فيه بأنّي لا أجد نفسي شيئا من أحوال هذه الطّائفة العليّة ومواجيدهم وعلومهم ومعارفهم ومع ذلك كنت علمت الطّالبين الطّريقة فتأثّرا تأثّرا كثيرا وظهرت منهما أحوال غريبة فما يكون وجه ذلك (اعلم) أنّ الأحوال الّتي ظهرت من ذينك الشّخصين كانت من عكس أحوالكم ظهر في مرايا استعدهما ولمّا كانا صاحبي علم عرفا أحوالهما ودلّاكم أيضا على العلم بحصول الحال المستور كمرآة تدلّ على كمالات خفيّة في الإنسان وتظهر محاسنه المكنونة المقصود حصول الأحوال والعلم بالأحوال والعلم بالأحوال دولة أخرى يعطى جمع هذا العلم وجمع آخر لا يعطاه ومع ذلك يكون كلاهما من أرباب الولاية ومتساويين في القرب فمنّا من علم ومنّا من جهل من كلام هذه الطّائفة ينبغي أن لا يكون محزونا ومتألّما من عدم العلم بالأحوال وينبغي السّعي حتّى يحصل الأحوال بل حتّى يحصل الوصول إلى محوّل الأحوال تجاوزا من الأحوال فإن لم يحصل العلم بالأحوال بلا توسّط المسترشدين ينبغي أن يقنع بمطالعتها في مراياهم وأن يكون محتظّا من طريق المظاهر وليحصل الأحوال فإن لم يتيسّر العلم بالأحوال بلا توسّط فعساه أن يحصل بتوسّط (وكتبتم) أيضا أنّ دوام الحضور عبارة عن أيّ شيء وكثيرا ما يحسّ ذهول القلب عن هذا الحضور في بعض المشاغل فينبغي تشخيص الحضور ودوام الحضور (اعلم) أنّ الحضور عبارة عن حضور الباطن مع جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه شبيه بالعلم الحضوريّ الذي الدوام لازمه هل سمعت أحدا أنّه غفل عن نفسه في وقت من الاوقات وذهل والغفلة والذّهول إنّما يتصوّران في العلم الحصوليّ لوجود المغايرة في البين وفي العلم الحضوريّ حضور في حضور دائما وإن كان الابله في جهل من هذا الحضور ونفور وبحصول في غرور فكان الدوام لازما للحضور والذي لا دوام له فهو ميلان إلى المطلوب وله شباهة بالحضور المذكور ودوامه متعذّر لكونه شبيها بالعلم الحصوليّ الذي هو قليل النّصيب من الدوام ولله المثل الاعلى وإطلاق العلم الحصوليّ والعلم الحضوريّ بالنّسبة إلى جناب قدسه تعالى إنّما هو على سبيل التّشبيه والتّنظير فإنّه تعالى إذا كان أقرب إلى الإنسان من نفسه يكون خارجا عن حيطة العلم الحضوريّ والعلم الحصوليّ وإن عجز أرباب المعقول عن تصوّره ولم يجدوا أقرب من أنفسهم ولكنّ هذا المعنى واضح عند أرباب العلم اللّدنيّ وحاصل بالسّهولة بعناية الله تعالى رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) ثمّ لا يخفي انّ لأخي السّيّد حقوقا كثيرة عليكم وهو متأذّ لمجيئكم بغير إذنه فينبغي PageV02P243 حضوركم في ملازمته بلا توقّف لتلافي الإيذاء فإن جئتم بإذنه فلا مضايقة ينبغي أن تعاملوا موافقا لمرضاه وأن تجيئوا بإذنه وما أكتب زيادة على ذلك. (17) المكتوب السّابع عشر إلى امرأة صالحة من أهل الإدارة في بيان العقائد الدينيّة والتّرغيب على العبادات الشّرعيّة الحمد لله الذي أنعم علينا وهدانا إلى الإسلام وجعلنا من أمّة محمّد سيّد الأنام عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام (ينبغي أن يعلم) أنّ الحقّ سبحانه وتعالى منعم على الإطلاق فإن كان وجود فموهوب من جناب قدسه تعالى وإن بقاء فعطاء من حضرته جلّ سلطانه وإن صفات كاملة فمن رحمته الشّاملة والحياة والعلم والقدرة والبصر والسّمع والنّطق كلّها مستفادة من حضرته جلّ شأنه وأنواع النّعم وصنوف الكرم الّتي خارجة عن الحدّ والعدّ كلّها مفاضة من جناب قدسه تعالى وهو تعالى يزيل العسر والشّدّة ويجيب الدعوة ويدفع البليّة رزّاق لا يمنع الارزاق عن عباده من كمال رأفته بعلّة ذنوبهم ستّار لا يهتك ستر حرمتهم من وفور عفوه وتجاوزه بارتكاب السّيّئات ولا يفضحهم بعيوبهم حليم لا يستعجل في مؤاخذتهم وعقوباتهم كريم لا يمنع عموم كرمه عن الاحبّاء والاعداء وأجلّ هذه النّعم وأعظمها وأعزّها وأكرمها الدعوة إلى الإسلام والهداية إلى دار السّلام والدلالة على متابعة سيّد الأنام عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّ الحياة الابديّة والتّنعّمات السّرمديّة مربوطة بهذه ورضا المولى سبحانه وتعالى منوط بها (وبالجملة) انّ إنعامه وإكرامه وإحسانه تعالى أظهر من الشّمس وأجلى من القمر وأبين من الامس وإنعام غيره تعالى بإقداره وتمكينه سبحانه وطلب الإحسان منهم من قبل الاستعارة من المستعير والسّؤال من الفقير الجاهل كالعالم مقرّ بهذا المعنى والغبىّ مثل زكىّ معترف بهذا الأمر. (شعر) فلو أنّ لى في كلّ منبت شعرة ... لسانا يبثّ الشّكر كنت مقصّرا ولا شكّ أنّ بداهة العقل حاكمة بوجوب شكر المنعم ولزوم توقيره وتعظيمه فصار شكر الحقّ سبحانه وتعالى الذي هو المنعم الحقيقيّ واجبا ببديهة العقل وكان تكريمه وتعظيمه تعالى لازما وحيث كان الحقّ سبحانه وتعالى في كمال التّنزّه والتّقدّس والعباد في غاية التّلوّث والتّدنّس تعذّر من كمال عدم المناسبة وجدان انّ تعظيمه وتكريمه تعالى في أيّ شيء وعلى أيّ كيفيّة فإنّ العباد كثيرا ما يستحسنون إطلاق بعض الامور على جناب قدسه تعالى ويكون هو في الحقيقة مستهجنا عنده تعالى ويخالون شيئا تعظيما ويكون توهينا ويزعمون شيئا تكريما ويكون تحقيرا فما لم يكن تعظيمه وتكريمه تعالى مستفادا من جناب قدسه لا يكون لائقا بأداء الشّكر به وقابلا لعبادته تعالى فإنّ الحمد الذي يصدر عن العباد من قبلهم PageV02P244 ربّما يكون هجوا ومدحهم قدحا والتّعظيم والتّوقير والتّكريم الّتي كانت مستفادة من حضرته سبحانه هي عين شريعتنا الحقّة على مصدرها الصّلاة والسّلام والتّحيّة فإن كان تعظيم قلبيّ فمبيّن في الشّريعة الحقّة وإن ثناء لسانيّ فمبرهنّ هناك والأعمال والأفعال الجوارحيّة أيضا بيّنها صاحب الشّريعة بالتّفصيل فأداء شكره تعالى صار منحصرا في إتيان أحكام الشّريعة قلبا وقالبا اعتقادا وعملا وكلّ تعظيم وعبادة له تعالى يؤدّى بما وراء الشّريعة لا يكون قابلا للاعتماد بل كثيرا ما يكون محصّلا للأضداد والحسنة المتوهّمة تكون سيّئة في الحقيقة فبملاحظة البيان المذكور كان العمل بالشّريعة أيضا واجبا بالعقل وكان أداء شكر المنعم تعالى متعذّرا بدون الإتيان بها والشّريعة لها جزءان اعتقاديّ وعمليّ فالاعتقاديّ من أصول الدين والعمليّ من فروع الدين وفاقد الاعتقاد ليس من أهل النّجاة والخلاص من عذاب الآخرة غير متصوّر في حقّه وفاقد العمل أمره مفوّض إلى مشيته سبحانه وتعالى فإن شاء عفى عنه وإن شاء عذّبه بقدر ذنبه والخلود في النّار مخصوص بفاقد الاعتقاد ومقصور على منكر ضروريّات الدين وفاقد العمل وإن كان معذّبا ولكنّ الخلود في النّار مفقود في حقّه ولمّا كانت الاعتقاديّات من أصول الدين وضروريّات الإسلام لزم أن نبيّنه بالضّرورة وحيث كان تفصيل في العمليّات مع وجود فرعيّاتها أحلنا بيانها على كتب الفقه مع بيان شمّة للتّرغيب في بعض العمليّات الضّروريّة (الاعتقاديّات) إنّ الله تعالى موجود بذاته الاقدس ووجوده تعالى بنفسه سبحانه وكما أنّه تعالى موجود كان دائميّا ويكون دائميّا لا سبيل للعدم السّابق والعدم اللّاحق إلى جناب قدسه تعالى فإنّ وجوب الوجود أحقر خدّام ذلك الجناب المقدّس وسلب العدم أذلّ كنّاس ذاك الموطن المحترم وهو تعالى واحد لا شريك له لا في وجوب الوجود ولا في الالوهيّة واستحقاق العبادة فإنّ الشّريك إنّما يحتاج إليه إذا لم يكن الله تعالى كافيا ومستقلّا وذلك نقص مناف للألوهيّة فإذا كان كافيا ومستقلّا يكون الشّريك معطّلا وعبثا وهما أيضا من علامة النّقص المنافي للألوهيّة فصار إثبات الشّريك مستلزما لنقص أحد الشّريكين المنافي للشّركة فصار إثبات الشّركة مستلزما لنفي الشّركة وهو محال فشريك الباري تعالى أيضا محال (وله تعالى) صفات كاملة من الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسّمع والبصر والكلام والتّكوين ويقال لهذه الصّفات الثمانية صفات حقيقيّة وهي قديمة موجودة في الخارج بوجود زائد على وجود الذّات تعالت وتقدّست كما هو مقرّر عند علماء أهل الحقّ شكر الله تعالى سعيهم ولم يقل بوجود الصّفات الزّائدة أحد من الفرق المخالفة غير أهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم حتّى إنّ الصّوفيّة المتأخّرين من الفرقة النّاجية قالوا بعينيّة الصّفات للذّات ووافقوا في ذلك المخالفين فإنّهم وإن تحاشوا عن نفي الصّفات ولكنّه لازم على أصولهم وتبادر عباراتهم وقد زعم المخالفون الكمال في نفي الصّفات الكاملة وفارقوا النّصوص القرآنيّة بعقولهم هداهم الله سبحانه سواء الصّراط (وسائر الصّفات) إمّا اعتباريّة أو سلبيّة كالقدم والازليّة والالوهيّة كما قالوا وهو تعالى ليس بجسم ولا جسمانيّ ولا عرض ولا جوهر ولا مكانيّ ولا زمانيّ ولا حالّ ولا محلّ ولا محدود ولا متناه PageV02P245 لا جهة له ولا نسبة والكفاءة والمثليّة مسلوبة عن جناب قدسه والضّدّيّة والنّدّيّة مفقودة في حضرة أنسه وهو تعالى منزّه مبرّأ من والد ووالدة وصاحبة وولد فإنّ هذه كلّها من أمارات الحدوث ومستلزمة للنّقص وجميع الكمالات ثابتة لجناب قدسه وجميع النّقائص مسلوبة عن حضرة أنسه (وبالجملة) ينبغي أن يسلب عن جناب قدسه تعالى جميع صفات الإمكان والحدوث الّتي هي نقص وشرّ من القدم إلى الرّأس وهو تعالى عالم بالكلّيّات والجزئيّات ومطّلع على الأسرار الخفيّات ولا يخرج عن حيطة علمه سبحانه في السّموات والارضين مثقال ذرّة حقيرة نعم حيث كان خالق جميع الاشياء هو سبحانه ينبغي أن يكون أيضا عالما بجميعها فإنّ الخلق لا بدّ له من علم الخالق به والذين حرموا السّعادة يزعمون أنّ الله تعالى ليس بعالم بالجزئيّات ويظنّون ذلك بعقولهم النّاقصة كمالا كما أنّهم يقولون من كمال سخافة عقولهم إنّه لم يصدر من واجب الوجود جلّ سلطانه غير شيء واحد وهو أيضا صدر عنه من غير اختيار منه تعالى ويظنّون ذلك أيضا كمالا ما أجهلهم حيث يزعمون الجهل كما لا يرجّحون الاضطرار على الاختيار ومن الجهل الذي فيهم يزعمون سائر الاشياء مستندة إلى غيره تعالى وينحتون من عند أنفسهم عقلا فعّالا وينسبون الاشياء إليه ويزعمون خالق السّموات والارضين معطّلا وعند الفقير لم يوجد في العالم أحد أشدّ سفاهة من هذه الطّائفة سبحان الله وقد زعم جماعة هؤلاء السّفهاء أرباب المعقول وينسبون أقوالهم إلى الحكمة ولعلّهم يظنّون أحكامهم الكاذبة مطابقة لنفس الامر رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (1) (وهو تعالى) متكلّم من الازل إلى الابد بكلام واحد فهو آمر ناه مخبر به والتّوراة والإنجيل والزّبور والفرقان وكذلك سائر الصّحف المنزّلة إلى الانبياء عليهم الصّلاة والتّسليمات كلّها دالّة على هذا الكلام الواحد وعلامة له وتفصيل له فإذا كان الازل والابد بهذه الوسعة والامتداد آنا واحدا بل لا مجال للآن أيضا هناك وإطلاق الآن إنّما وقع لضيق العبارة فالكلام الذي يصدر في ذلك الآن يكون كلمة واحدة بل حرفا واحدا بل نقطة واحدة وإطلاق النّقطة أيضا هناك كإطلاق الآن واقع من ضيق العبارة والّا فلا مجال للنّقطة أيضا هناك والوسعة في ذاته وصفاته جلّ سلطانه لا كيفيّة ولا كمّيّة وهو تعالى مبرّأ منزّه بذاته وصفاته من هذه الوسعة والضّيق اللّذين من صفات الإمكان (ويراه) سبحانه المؤمنون في الجنّة بعنوان اللّاكيفيّ واللّامثليّ فإنّ الرّؤية الّتي تتعلّق باللّاكيفيّ تكون لا كيفيّة بل ينال الرّائي أيضا حظّا وافرا من اللّاكيفيّ حتّى يستطيع رؤية اللّاكيفيّ لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه وقد حلّ سبحانه اليوم هذا المعمّى لأخصّ الخواصّ من أوليائه وجعله منكشفا لهم فهذه المسالة الغامضة تحقيقيّة عند هؤلاء الاكابر وتقليديّة عند غيرهم ولم يقل بهذه المسالة أحد من الفرق المخالفين مؤمنيهم وكافريهم غير أهل السّنّة ويعدّ رؤية الحقّ سبحانه عدا هؤلاء الاكابر كلّهم محالا ومستشهد المخالفين PageV02P246 قياس الغائب على الشّاهد البيّن الفساد وحصول الإيمان بمثل هذه المسالة الغامضة بلا نور متابعة السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة متعذّر. (شعر) لائق دولت نبود هر سرى ... بار مسيحا نكشد هرى خرى والعجب أنّه كيف يستسعد بحصول سعادة الرّؤية من لا إيمان لهم بها فإنّ نصيب المنكر حرمان وكيف لا يراه من يدخل الجنّة فإنّ المتبادر من الشّرع حصول دولة الرّؤية لجميع أهل الجنّة فإنّه لم يرد في الشّرع أنّ بعض أهل الجنّة يراه وبعضهم لا يراه تعالى والجواب في حقّ هؤلاء هو جواب موسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام لسؤال فرعون قال الله تعالى حاكيا عنهما قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى (1). (ينبغي أن يعلم) أنّ الجنّة وما وراء الجنّة كلّها بالنّسبة إلى الحقّ سبحانه متساوية فإنّ كلّها مخلوق الله تعالى وليس له سبحانه حلول وتمكّن في شيء منها ولكن ليس لبعض المخلوقات لياقة ظهور أنوار الواجب جلّ سلطانه بخلاف بعض آخر فإنّ فيه هذه اللّياقة كما أنّ المرآة فيها لياقة ظهور الصّور وليست هذه اللّياقة في الحجر والمدر فالتّفاوت في هذا الطّرف مع وجود نسبة المساواة لا في حضرته سبحانه وتعالى. (شعر) اين قاعده ياد دار آنجا كه خداست ... نه جزو نه كل نه ظرف نه مظروف است والرّؤية ليست بواقعة في الدنيا فإنّ هذا المحلّ ليس فيه لياقة ظهور هذه الدولة وكلّ من قال بوقوع الرّؤية في الدنيا فهو كذّاب ومفتر زعم غير الحقّ حقّا سبحانه فلو تيسّرت هذه الدولة في هذه النّشأة كان كليم الله على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام أحقّ بها وإن تشرّف نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بهذه الدولة لم يكن وقوعها في الدنيا بل دخل الجنّة ورأى فيها وهي من عالم الآخرة لا أنّه رأى في الدنيا بل خرج من الدنيا وصار ملحقا بالآخرة فرأى (وهو تعالى) خالق السّموات والارضين وخالق الجبال والبحار وخالق الاشجار والاثمار وخالق المعادن والنّباتات وكما أنّه سبحانه زيّن السّماء بخلق النّجوم وزيّن الارض بخلق الإنسان فإن كان بسيط فكائن بإيجاده تعالى وإن مركّب فمخلوق بخلقه تعالى وبالجملة أخرج سبحانه جميع الاشياء من كتم العدم إلى عرصة الوجود وأحدثها بعد أن لم تكن لا يليق القدم بغيره تعالى ولا شيء بقديم سواه سبحانه وإجماع جميع أهل الملل منعقد على حدوث ما سواه سبحانه وكلّهم متّفقون على أن لا قديم غيره تعالى ويحكمون بتضليل من يقول بقدم غيره تعالى بل يحكمون بتكفيره صرّح الإمام الغزاليّ بهذا في رسالته " المنقذ عن الضّلال " وحكم بكفر جماعة قائلين بقدم غيره تعالى والذين يقولون بقدم السّموات والكواكب وأمثالها يكذّبهم القرآن المجيد كما قال الله تعالى الله الَّذِي PageV02P247 خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ وما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ (1) وأمثال هذه من الآيات القرآنيّة كثيرة وسفيه من يخالف النّصوص القرآنيّة بعقله النّاقص ومَنْ لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (2) وكما أنّ العباد مخلوق الحقّ سبحانه أفعال العباد أيضا مخلوقه تعالى فإنّ الخلق لا يليق بغيره وإيجاد ممكن لا يجيئ من ممكن فإنّه متّسم بقصور القدرة ومتّصف بنقص العلم لا يليق بالإيجاد والخلق ودخل العبد في أفعاله الاختياريّة إنّما هو بكسبه الواقع بقدرته وإرادته وخلق الفعل من الله سبحانه وكسبه من العبد ففعل العبد الاختياريّ واقع بمجموع كسب العبد وخلق الحقّ جلّ وعلا فلو لم يكن لكسب العبد واختياره مدخل في فعله يكون حكمه حكم فعل المرتعش والفرق محسوس ومشاهد فإنّا نعلم بالبداهة أنّ فعل المرتعش غير فعل المختار وهذا القدر من الفرق يكفي لمدخليّة كسب العبد في فعله وجعل الحقّ سبحانه خلقه تابعا لقصد العبد في فعله من كمال رأفته حيث يوجد الفعل في العبد بعد تعلّق قصد العبد به فيكون العبد بالضّرورة ممدوحا وملوما ومعاقبا ومثابا وقصد العبد واختياره اللّذان أعطيهما من قبل الحقّ سبحانه يتعلّقان بجهتي الفعل والتّرك وأيضا قد بيّن الحقّ سبحانه حسن الفعل والتّرك وقبحهما بلسان الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات بالتّفصيل فمع وجود ذلك لو اختار العبد إحدى الجهتين لا بدّ من أن يكون ملاما أو ممدوحا ولا شكّ أنّ الحقّ سبحانه أعطى العبد من القدرة والاختيار مقدار ما يمكن له الخروج من عهدة الأوامر والنّواهي الشّرعيّتين ولماذا يلزم إعطاء قدرة كاملة واختيار تامّ وقد أعطي مقدار ما يحتاج إليه وإنكار المنكرين مصادم للبداهة وبهم مرض قلبيّ عجزوا به عن إتيان الاحكام الشّرعيّة كبر على المشركين ما تدعوهم إليه وهذه المسالة من غوامض المسائل الكلاميّة ونهاية شرحها وغاية بيانها هي ما سوّد في هذه الاوراق والله سبحانه الموفّق (ينبغي) الإيمان بما قاله علماء أهل الحقّ دون أن يقع في المبحث والجدل. (شعر) نه هو جائى مركب توان تاختن ... كه جاها س?ر بايد أنداختن (والانبياء) عليهم الصّلوات والتّسليمات رحمات للعالمين بعثهم الله سبحانه لهداية الخلق ودعى عباده بتوسّط هؤلاء الاكابر إلى جناب قدسه وهداهم إلى دار السّلام الّتي هي محلّ رضاه وأنسه والمخذول من لا يجيب دعوة الكريم ولا ينتفع من مائدة دولته وما بلغ هؤلاء الاكابر من طرف الحقّ سبحانه كلّه حقّ وصدق والإيمان به لازم والعقل وإن كان حجّة ولكنّه ناقص في الحجّيّة والحجّة البالغة إنّما حصلت ببعثة الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات فإنّها لم تترك محلّا للعذر وأوّل الانبياء عليهم السّلام آدم وآخرهم وخاتم نبوّتهم محمّد رسول الله عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ينبغي الإيمان بجميع الانبياء وأن يعتقد كلّهم معصومين صادقين وعدم الإيمان بواحد منهم مستلزم لعدم الإيمان بجميعهم فإنّ PageV02P248 كلمتهم متّفقة وأصول دينهم واحدة وينزل عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ويتّبع شريعة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات وأورد الخواجه محمّد ?ارسا الذي هو من كمّل خلفاء الخواجه النّقشبند قدّس سرّهما وعالم ومحدّث نقلا معتمدا في كتابه الفصول السّتّة انّ عيسى عليه السّلام يعمل بعد النّزول بمذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه ويحلّ حلاله ويحرّم حرامه. (والملائكة) عباد الله تعالى المكرّمون وبدولة الرّسالة وتبليغ وحيه تعالى مشرّفون وما هم مأمورون به متمثّلون. والعصيان والخروج عن طاعة الله تعالى مفقود في حقّهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يلبسون ولا يوصفون بذكورة ولا أنوثة وليس لهم توالد ولا تناسل والكتب والصّحف الإلهيّة كلّها نزلت بتوسّطهم وبقيت محفوظة ومصونة بصداقتهم في أداء أمانتهم والإيمان بهم أيضا من ضروريّات الدين وتصديقهم من واجبات الإسلام وخواصّ البشر أفضل من خواصّ الملك عند جمهور أهل الحقّ فإنّ وصول البشر مع وجود العوائق وقرب القدسيّين حاصل لهم بلا مزاحمة الاشتغال وممانعة الخلائق وإن كان التّسبيح والتّقديس شغل القدسيّين ولكنّ جمع الجهاد بهذه الدولة شغل كمّل الإنسيّين قال الله تعالى فَضَّلَ الله الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً (1) وما أخبر عنه المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام من أحوال القبر وأهوال القيامة والحشر والنّشر ومن الجنّة والنّار كلّه حقّ والإيمان بالآخرة كالإيمان بالله من ضروريّات الدين ومنكر الآخرة كمنكر الصّانع كافر قطعا وعذاب القبر من الضّغطة وغيرها حقّ والمنكر له وإن لم يكن كافرا ولكنّه مبتدع لكونه منكرا للأحاديث المشهورة وحيث انّ القبر برزخ بين الدنيا والآخرة يشبه عذابه من وجه بعذاب الدنيا وهو قبوله الانقطاع ومن وجه بعذاب الآخرة وهو كونه من جنسه وأكثر من يبتلى به من لا يستنزهون من البول ومن يمشون بالنّميمة (وسؤال منكر ونكير) في القبر أيضا حقّ وهو فتنة عظيمة وابتلاء جسيم في القبر ثبّتنا الله سبحانه بالقول الثابت ويوم القيامة حقّ واقع البتّة يومئذ تنشقّ السّموات وتنتثر الكواكب وتتقطّع الارض والجبال وتكون ملحقة بالعدم كما أنّ النّصوص القرآنيّة ناطقة بها وإجماع جميع الفرق الإسلاميّة منعقد عليها والمنكر عليها كافر وإن سوّل كفره بمقدّمات موهومة وأضلّ بها السّفهاء عن الطّريق (والبعث) يومئذ عن القبر وإحياء العظام البالية المتفرّقة كلّه حقّ وحساب الاعمال ووضع الميزان وطيران صحف الاعمال ومجيء صحف أرباب اليمين من اليمين وصحف أصحاب الشّمال من الشّمال أيضا حقّ والصّراط الذي يوضع على متن جهنّم فيمرّ عليه الجنّتيّ إلى الجنّة ويسقط الجهنّميّ في جهنّم أيضا حقّ فإنّ هذه كلّها أمور ممكنة أخبر المخبر الصّادق بوقوعها فينبغي قبولها بلا توقّف من غير أن يتشكّك ويتردّد بمقدّمات وهميّة وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ (2) نصّ قطعيّ وشفاعة الصّلحاء والاخيار يومئذ في حقّ العصاة والاشرار بإذن الغفّار حقّ PageV02P249 قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي " وخلود الكفّار بعد الحساب في النّار وعذابها أيضا حقّ وكذلك خلود المؤمنين في الجنّة وتنعمّاتها حقّ والمؤمن الفاسق وإن جاز في حقّه دخول النّار وكونه معذّبا فيها أيّاما ولكنّ الخلود في النّار مفقود في حقّه ومن كان في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان لا يكون مخلّدا في النّار بل مآل حاله إلى الرّحمة ومرجع أمره إلى الجنّة ومدار الإيمان والكفر على الخاتمة وكثيرا ما يكون الإنسان متّصفا بواحدة من هاتين الصّفتين طول عمره ويتحقّق بضدّها في الآخر وإنّما العبرة بالخواتم رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (1) والإيمان عبارة عن تصديق قلبيّ بما علم من الدين بطريق الضّرورة والتّواتر والإقرار به أيضا ضروريّ كالإيمان بوجود الصّانع وتوحيده تعالى وكذلك الإيمان بحقّيّة الكتب والصّحف المنزّلة والإيمان بالانبياء الكرام والملائكة العظام عليهم الصّلاة والسّلام إلى يوم القيام والإيمان بالآخرة من حشر الاجساد وخلود العذاب والثواب في النّار والجنّة وانشقاق السّموات وانتثار الكواكب واندكاك الارض والجبال وكذلك الإيمان بفرضيّة الصّلوات الخمس وتعيين اعداد ركعتها وبفرضيّة زكاة الاموال وصوم رمضان وحجّ بيت الله الحرام على تقدير الاستطاعة وكذلك الإيمان بحرمة شرب الخمر وقتل النّفس بغير الحقّ وعقوق الوالدين والسّرقة والزّنا وأكل مال اليتيم وأكل الرّبا وأمثالها ممّا ثبت بالتّواتر وصار من ضروريّات الدين ولا يخرج المؤمن بارتكاب الكبيرة من الإيمان واستحلال الكبيرة كفر وارتكابها فسق وينبغي للمؤمن أن يعتقد نفسه مؤمنا حقّا يعني أن يعترف بثبوت إيمانه وتحقّقه ولا ينبغي أن يجعل كلمة الاستثناء يعني كلمة إن شاء الله مقرونة بالإيمان لكونها منبئة عن الشّكّ ومنافية لثبوت الإيمان بحسب بالصّورة وإن جعل الاستثناء راجعا إلى الخاتمة لكونها مبهمة ولكنّه لا يخلو من اشتباه الثبوت الحاليّ فالاحتياط في ترك صورة الشّكّ والاشتباه وأفضليّة الخلفاء الاربعة على ترتيب خلافتهم فإنّ إجماع أهل الحقّ منعقد على أنّ أفضل البشر بعد الانبياء صلوات الله تعالى وتسليماته سبحانه عليهم أجمعين أبو بكر الصّدّيق ثمّ عمر الفاروق رضي الله عنهما ووجه الافضليّة على ما فهمه هذا الفقير ليس كثرة الفضائل والمناقب بل الأسبقيّة في الإيمان والاقدميّة في إنفاق الاموال والاوّليّة في بذل الانفس في كلّ حال لتأييد الدين وترويج ملّة سيّد المرسلين فإنّ السّابق كأنّه أستاذ اللّاحق في أمر الدين وكلّ ما ينال اللّاحق يناله من مائدة دولة السّابق ومجموع هذه الصّفات الكاملة الثلاثة منحصرة في حضرة الصّدّيق رضي الله عنه فإنّ الذي جمع بين الاسبقيّة في الإيمان وبين إنفاق المال وبذل النّفس هو هو رضي الله عنه وهذه الدولة لم تتيسّر في هذه الامّة لغيره قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مرضه الذي مات فيه " إنّه ليس من النّاس أحد أمن عليّ في نفسه وماله من أبي بكر ابن أبي قحافة ولو كنت متّخذا من النّاس خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا ولكنّ أخوّة الإسلام أفضل سدّوا عنّي كلّ خوخة غير خوخة أبي بكر " وقال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " إنّ PageV02P250 الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركون لي صاحبي " وقال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " لو كان بعدي نبيّ لكان عمر بن الخطّاب " وقال أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه " إنّ أبا بكر وعمر كليهما أفضل هذه الامّة ومن فضّلني عليهما فهو مفتر أضربه كما يضرب المفتري " وما وقع بين أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات من المنازعات والمحاربات ينبغي أن يحملها على محامل حسنة وأن يبعدهم عن مظنّة الهوى والهوس ومن حبّ الجاه والرّياسة ومن طلب الرّفعة والمنزلة فإنّ هذه الرّذائل من النّفس الامّارة ونفوس هؤلاء الاكابر صافية ومزكّاة في صحبة خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ولكنّ الحقّ كان في جانب أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه في تلك المشاجرات والمحاربات الواقعة في حقّ خلافته ومخالفوه كانوا مخطئين بالخطأ الاجتهاديّ الذي لا مجال فيه للملامة والطعن فضلا عن التّفسيق فإنّ الصّحابة كلّهم عدول ومرويّاتهم مقبولة ومرويّات موافقي عليّ ومخالفيه كلّها متساوية في الصّدق والوثوق ولم تصر المشاجرة والمحاربة علّة لجرح أحد فينبغي أن يحبّ جميعهم فإنّ حبّهم بحبّ النّبيّ عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات فإنّه قال " من أحبّهم فبحبّي أحبّهم " وينبغي الاجتناب عن بغضهم وعداوتهم فإنّ بغضهم ببغضه صلّى الله عليه وسلّم كما قال ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم وفي تعظيم هؤلاء الاكابر وتوقيرهم تعظيم خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وتوقيره وفي عدم تعظيمهم عدم تعظيمه فينبغي تعظيم جميعهم من جهة تعظيم خير البشر عليه الصّلاة والسّلام قال الشّيخ الشّبليّ ما آمن برسول الله من لم يوقّر أصحابه. (وبعد تصحيح الاعتقاد) لا بدّ من إتيان الاعمال أيضا قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم " بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله الّا الله وأنّ محمّدا رسول الله " وهي عبارة عن الإيمان والاعتقاد بما ثبت بتبليغ محمّد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم كما مرّ والثاني أداء الصّلوات الخمس الّتي هي عماد الدين والثالث أداء زكاة المال والرّابع صوم شهر رمضان والخامس حجّ بيت الله الحرام فالصّلاة أفضل العبادات بعد الإيمان بالله ورسوله وحسن لذاته مثل الإيمان بخلاف سائر العبادات فإنّ حسنها ليس بذاتيّ فينبغي أداء الصّلاة بحسن التّأمّل والتّقيّد بعد طهارة كاملة كما بيّن في كتب الشّرع من غير فتور وينبغي الاحتياط في القراءة والرّكوع والسّجود والقومة والجلسة وسائر الاركان حتّى تؤدّى على وجه الكمال وينبغي التزام السّكونة والطّمأنينة في الرّكوع والسّجود والقومة والجلسة وينبغي الاحتراز عن المساهلة وينبغي أداؤها في أوائل أوقاتها من غير أن يجوز التّأخير على وجه التّكاسل والتّجاهل والعبد المقبول من يمتثل أمر مولاه بمجرّد أمره فإنّ التّأخير في امتثال الامر من التّمرّد وسوء الادب وينبغي أن يستصحب من الكتب الفقهيّة ما كتب بعبارة فارسيّة مثل ترغيب الصّلاة وتيسير الاحكام وأمثالهما في جميع الاوقات وأن يأخذ المسائل الشّرعيّة منها والعمل بمقتضاها وكتاب كلستان ومثله داخل في فضول في جنب كتب الفقه الفارسيّة بل ممّا لا يعنى بالنّسبة إلى الامور الضّروريّة وما يحتاج إليه في الدين ينبغي PageV02P251 أن يعدّه لازما دون أن يلتفت إلى ما ورائه وصلاة التّهجّد أيضا كأنّها من ضروريّات هذا الطّريق فينبغي السّعي حتّى لا تترك من غير ضرورة فإن كان هذا المعنى متعسّرا في الابتداء ولم يتيسّر التّيقّظ ينبغي تعيين جماعة من الخدّام ليوقظوا في ذلك الوقت بلا اختيار ولا يتركوا على النّوم وبعد اعتياد القيام أيّاما لا تحتاج إلى التّكلّف والتّعمّل ومن أراد أن يقوم في آخر اللّيل ينبغي أن ينام في أوّله بعد العشاء من غير أن يشتغل بما لا طائل فيه وينبغي أن يغتنم الاستغفار والتّوبة والالتجاء والتّضرّع وتذكّر المعاصي والذّنوب وتفكّر النّقائص والعيوب وخوف العذاب الاخرويّ والإشفاق من الالم الدائميّ في ذلك الوقت وأن يطلب العفو والمغفرة من الحقّ سبحانه وتعالى وأن يقول هذه الكلمة باللّسان متوجّها إلى القلب مائة مرّة أستغفر الله العظيم الذي لا إله الّا هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه سبحانه وينبغي أن يقول هذه الكلمة بعد أداء العصر أيضا مائة مرّة من غير أن يتركها بطهارة أو بلا طهارة وقد ورد في الخبر " طوبى لمن وجد في صحيفته استغفار كثير " وأداء صلاة الضّحى ان تيسّر دولة عظيمة فينبغي السّعي حتّى تؤدّى ركعتان منها على الدوام وأكثر ركعاتها كصلاة التّهجّد اثنتا عشرة ركعة ومقدار ما يؤدّى بمقتضى الوقت والحال مغتنم وينبغي أن يجتهد لقراءة آية الكرسيّ بعد أداء كلّ فرض فإنّه قد ورد في الخبر من قرأ آية الكرسيّ بعد كلّ صلاة فرض لا يمنعه من دخول الجنّة الّا الموت وأيضا ينبغي أن يقول بعد كلّ صلاة من صلوات الخمس كلمة التّنزيه سبحان الله ثلاثا وثلاثين مرّة وكلمة التّحميد الحمد لله ثلاثا وثلاثين مرّة وكلمة التّكبير الله أكبر ثلاثا وثلاثين مرّة ومرّة لا إله الّا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير حتّى يستكمل العدد مائة ويقول أيضا في كلّ يوم وليلة " سبحان الله وبحمده مائة مرّة " فإنّ فيها ثوابا كثيرا ويقول وقت الصّبح مرّة " اللهمّ ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشّكر " ويقول في المغرب بدل ما أصبح " ما أمسى " ويتمّ وورد في الحديث النّبويّ " أنّ من قرأ هذا الدعاء في النّهار فقد أدّى شكر ذلك النّهار ومن قرأه في اللّيل فقد أدّى شكر ذلك اللّيل " ولا يلزم أن يكون قراءة هذا الورد على طهارة بل ينبغي قراءته في جميع الاوقات (وأداء) زكاة الأموال أيضا من ضروريّات الدين فينبغي أداؤها وإيصالها إلى مصارفها بالرّغبة وقبول المنّة فإذا قال الله سبحانه " اعطوا الفقراء والمساكين حصّة واحدة من أربعين حصّة من عطيّتي وإنعامي فأعطيكم في مقابلته أجرا جزيلا وجزءا جميلا فالتّوقّف في أداء هذا الجزء المحقّر والبخل في إعطائه من غاية عدم الإنصاف بل من التّمرّد والاعتساف وأمثال هذا التّوقّف في امتثال الاوامر الشّرعيّة منشؤها مرض قلبيّ وعدم يقين بالاحكام السّماويّة ولا يكفي مجرّد النّطق بكلمة الشّهادة بدون تصديق قلبيّ بمضمونها فإنّ المنافقين أيضا ناطقون بهذه الكلمة وعلامة يقين القلب إتيان الاوامر الشّرعيّة بطوع ورغبة واعطاء فلس لفقير بنيّة أداء الزّكاة أفضل من إنفاق ألوف بغير هذه النّيّة فإنّ ذاك أداء فرض وهذا إتيان نفل ولا اعتداد لإتيان النّفل بالنّسبة إلى أداء الفرض أصلا ولا اعتبار وليت له حكم القطرة بالنّسبة إلى PageV02P252 البحر المحيط ومن تسويلات الشّيطان اللّعين منعهم من أداء الفرائض وحملهم على أداء النّوافل وصدّهم عن أداء الزّكاة. (وصوم شهر رمضان المبارك) أيضا من واجبات الإسلام وضروريّات الدين فينبغي الاهتمام في أدائه أيضا ولا ينبغي الإفطار بأعذار غير مسموعة قال النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة " الصّوم جنّة من نار جهنّم " فإن كان بعض الاعذار مانعا من الصّوم وملجأ إلى الإفطار كمرض وركوب متن الأسفار ينبغي قضاؤه بلا مهلة بعد زوال الاعذار دون أن يؤخّره بالتّكاسل إلى مرور الآصال والإبكار فإنّ العبد ليس له اختيار كلّيّ بل له مولى لا بدّ له من المعاشرة بمقتضى أوامره ونواهيه حتّى يتصوّر رجاء النّجاة فلو لم يكن كذلك يكون عبدا متمرّدا جزاؤه أنواع العقوبات (والرّكن الخامس) من أركان الإسلام حجّ البيت الحرام وله شرائط مذكورة في كتب الفقه فإذا تحقّقت شرائطه يجب أداؤه قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " الحجّ يهدم ما كان قبله من المعاصي " وينبغي حسن الاحتياط في الحلّ والحرمة الشّرعيّين والامتناع عمّا منع عنه صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّة والمحافظة على الحدود الشّرعيّة لو كان المطلوب السّلامة والنّجاة إلى متى يمتدّ نوم الارنب وحتّى متى قطن الغفلة في الصّماخ فإنّ الارنب سيوقظ والقطن سينزع فلا يكون نقد الوقت حينئذ غير النّدامة والحسرة والخجالة والخسارة الموت قريب وأنواع عذاب الآخرة مهيّأة من مات فقد قامت قيامته ينبغي الانتباه قبل أن ينبّه فإنّه ح لا ينفع والعمل بمقتضى الاوامر والنّواهي الشّرعيّتين والاجتناب عن موجبات العذاب الاخرويّ قال الله تعالى قُوا أَنْفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النّاسُ والْحِجارَةُ (1) الآية (وبعد تصحيح الاعتقاد) وإتيان الاعمال الصّالحة بمقتضى الشّريعة الحقّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة ينبغي تعمير الأوقات بالذّكر الإلهيّ جلّ شأنه وأن يكون فارغا عن ذكره تعالى أصلا فإن كان الظّاهر مشغولا بالخلق ينبغي أن يجعل الباطن بالحقّ سبحانه وأن لا يكون ملتذّا بذكره تعالى وهذه الدولة متيسّرة للمبتدئين في طريقة خواجكان قدّس الله أسرارهم في أوّل قدم في صحبة الشّيخ الكامل المكمّل بعناية الله سبحانه وتعالى ولعلّه حصل لكم الإيمان بهذا المعنى بل تيسّر نصيب منه ولو كان قليلا وكلّ ما حصل ينبغي المحافظة عليه والقيام بشكره والرّجاء في الزّيادة وحيث انّ في طريقة الحضرات النّقشبنديّة اندراج النّهاية في البداية فإن حصل قليل منها فهو كثير فإنّ السّالك له خبر في البداية من النّهاية ولكن ينبغي للمبتدئ أن يستقلّ ما حصّله وإن كان كثيرا من غير أن يكون فارغا عن شكره بل ينبغي أداء شكره وطلب الزّيادة والمقصود الاصليّ من الذّكر زوال التّعلّق بما دون الحقّ سبحانه الذي المرض القلبيّ عبارة عنه وما لم يحصل هذا الزّوال لا يكون نصيب من حقيقة الإيمان ولا يتيسّر اليسر والسّهولة في أداء الأحكام الشّرعيّة. الا فاذكروا ربّ البرايا فإنّه ... صفاء القلوب والغذاء لأرواح PageV02P253 وينبغي أن يكون المطلوب من أكل الطّعام حظّ النّفس بل يكون حصول القوّة والاستطاعة على العبادة فإن لم تتيسّر هذه النّيّة في الابتداء ينبغي أن يكون عليها بالتّكلّف وأن يلتجئ ويتضرّع لتتيسّر هذه النّيّة وكذلك ينبغي أن تكون النّيّة في لبس اللّباس التّزيّن للعبادة وأداء الصّلاة فإنّه قد ورد في القرآن المجيد خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (1) ولا يكون المقصود من لبس الالبسة المزيّنة مراآة الخلق فإنّها ممنوع عنها وكذلك ينبغي أن يسعى في أن يكون المنظور في جميع الافعال والحركات والسّكنات رضى المولى جلّ سلطانه وأن يعمل بمقتضى شريعته الحقّة ففي هذا الوقت يكون كلّ من الظّاهر والباطن متوجّها إلى الحقّ تعالى وذاكرا له سبحانه مثلا إذا اختار العبد النّوم الذي هو غفلة من أوّله إلى آخره بنيّة دفع التّكاسل في أداء الطّاعة يكون ذلك النّوم بهذه النّيّة عين العبادة فما دام في ذاك النّوم فكأنّه في الطّاعة لكونه بنيّة أداء الطّاعة وقد ورد في الخبر " نوم العلماء عبادة " وإن كنت أعلم أنّ حصول هذا المعنى فيكم اليوم متعذّر لهجوم الموانع ووجود التزام العادات والرّسوم وكون المنظور الحميّة والانفة الّتي هي مضادّة للشّريعة الغرّاء فإنّ الشّريعة واردة لدفع الرّسوم والعادات ورفع الحميّة الجاهليّة النّاشئة عن النّفس الامّارة ولكن إذا حصلت المداومة على الذّكر القلبيّ وأداء الصّلوات الخمس بشرائطها من غير فتور بتوفيق الله سبحانه وتيسّر الاحتياط في الحلّ والحرمة الشّرعيّين مهما أمكن يحتمل أن يظهر جمال هذا المعنى ويحصل الرّغبة فيه (ووجه) آخر لكتابة أمثال هذه النّصائح هو أنّه وإن لم يحصل العمل بمقتضى هذه النّصائح فلا أقلّ من أن يحصل الاعتراف بالقصور والنّقص وهو أيضا دولة عظيمة. (شعر) ومن نال يلقى دولة فوق قدره ... ومن لا فيكفيه الاسى من فواتها ونعوذ بالله سبحانه من حال من لا ينال ولا يغتمّ من عدم نيله ولا يعمل ولا يتندّم من عدم عمله ولا يكون ذلك الّا جاهلا متمرّدا أخرج رأسه من ربقة العبوديّة ورجله من قيد الرّقّيّة رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (2) وان لم يقتض الوقت والحال والزّمان والمكان تحرير شيء ولكن لمّا رأيت شوقكم ورغبتكم على وجه الكمال كتبنا سطورا بالتّكلّف وسلّمناها إلى كمال الدين حسين رزق الله سبحانه العمل بمقتضاها والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (3). PageV02P254 (18) المكتوب الثامن عشر إلى المير محمّد نعمان في بيان عدم التّعلّق بما سوى الحقّ والتّرغيب في صحبة طالبي الحقّ جلّ وعلا الحمد لله ربّ العالمين دائما على كلّ حال في السّرّاء والضّرّاء قد وصلت الصّحيفة الشّريفة المرسلة مع سليمان مع الهديّة جزاكم الله خيرا وكتبتم فيها أنّ المقصود من هذا السّفر كان حصول بعض المقاصد المتعسّر الحصول عليكم بالرّجاء فإنّ مع العسر يسرا إنّ مع العسر يسرا قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: لن يغلب عسر يسرين وماذا أكتب من أحوالي الملآنة بالاهوال وأشوّش بها خواطر الاحباب ومع ذلك الشّكر لله الف الف مرّة على ما رزقنا العافية في عين البلاء فسبحان من جمع بين الضّدّين وقرن بين المتنافيين كنت يوما أتلو القرآن المجيد فوصلت إلى هذه الآية قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وأَبْناؤُكُمْ وإِخْوانُكُمْ (1) الآية فاستولى عليّ من تلاوتها بكاء عظيم وغلب الخوف فطالعت حالي في تلك الاثناء فوجدتني أن لا تعلّق لى بواحد منها بحيث لو تلف كلّها وتلاشت لا يقع تجويز أمر منكر ومستقبح في الشّريعة ولا تختار تلك الامور على ذلك الامر بقيّة المرام أنّ الاصحاب حيث كانوا يصحبوننا لله ينبغي لنا أيضا أن نكرمهم ونستخرجهم عن أحوالهم الظّاهريّة والباطنيّة وهذا الحديث القدسيّ " يا داود إذا رأيت لي طالبا فكن له خادما " مشهور فينبغي التّوجّه إلى الطّالبين بعد ذلك أزيد ممّا كان سابقا وأن لا يجعل شيمة التّغافل وعدم الالتفات منظورة وثانيا ينبغي أن تكتب أنّه هل كان مكتوب الاقربيّة معقولا أو لا فإن كان فبها والّا فاكتبوا بتشخيص محلّ التّردّد وما أكتب زيادة على ذلك المسئول من الله سبحانه سلامتكم وعافيتكم وثباتكم واستقامتكم ومزيد توفيقكم وحسن عاقبتكم والسّلام. (19) المكتوب التّاسع عشر إلى السّيّد المير محمّد نعمان في الصّبر والرّضاء بقضائه تعالى الحمد لله ربّ العالمين في السّرّاء والضّرّاء وفي العافية والبلاء فعل الحكيم جلّ سلطانه لا يخلو عن حكمة لعلّ الله يريد به الصّلاح وعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهُوَ شَرٌّ لَكُمْ والله يَعْلَمُ وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (2) فاصبروا على بلائه وارضوا بقضائه سبحانه وتعالى واثبتوا على طاعته واجتنبوا عن معاصيه سبحانه إنّا لله وإنّا إليه راجعون قال الله تبارك وتعالى وما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (3) فتوبوا إلى الله سبحانه واستغفروا عمّا كسبت أيدينا PageV02P255 واسالوا العفو والعافية من الله سبحانه فإنّه تعالى يحبّ العفو واجتنبوا عن البلاء ما استطعتم فإنّ الفرار ممّا لا يطاق من سنن المرسلين عليهم الصّلوات والتّسليمات ونحن في عين البلاء مع العافية فلله سبحانه الحمد والمنّة والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات العلى. (20) المكتوب العشرون إلى مولانا أمان الله في التّحريض على علوّ الهمّة وإرجاع وصول جميع النّعم إلى شيخه وصل مكتوب الاخ أمان الله واتّضح ما حرّر من بيان أحواله ومواجيده والمتوقّع منكم أزيد من هذه الامور وكلّ ما يعطى ينبغي قبوله بالادب وقبول المنّة وأن يطلب الزّيادة والمقام الفوقانيّ بالتّضرّع والابتهال والالتجاء والانكسار قائلا هل من مزيد وأن يراعى إتيان الاحكام الشّرعيّة مراعاة كاملة مصدّق الأحوال ومصحّحها الاستقامة على الشّريعة وتعبير الواقعة من عالم المثال الّتي حرّرت قريب من المعاملة والأمر إلى الله سبحانه ولمّا كنتم في الصّحبة كثيرا وقع نظركم عاليا لا تغترّون بالجوز والموز مثل الاطفال إنّ الله سبحانه يحبّ معالي الهمم وكتبتم واقعة تربية عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام لأخينا الحافظ مهدي علي نعم إنّ للحافظ مناسبة كثيرة بطريقنا ولكن ينبغي أن يعلم: أنّ الدولة من أيّ محلّ يحصل في الصّورة ينبغي إرجاعها في الحقيقة إلى شيخه لئلّا تتفرّق قبله توجّهه ولا يتطرّق الخلل إلى المعاملة ومن اىّ محلّ يحصل الفيض ينبغي ان يراه من شيخه فانّه جامع فباىّ صورة تظهر تربيته فهي في الحقيقة منه وهذا المقام من مزالّ أقدام الطّلّاب ينبغي أن يكون واقفا متيقّظا حتّى لا يجد العدوّ اللّعين سبيلا ولعلّكم سمعتم أنّ من كان في محلّ واحد فهو في كلّ محلّ ومن كان في كلّ محلّ فليس هو في محلّ أصلا وبلّغوا الحافظ منّي الدعاء والسّلام. (21) المكتوب الحادي والعشرون إلى المير محمّد نعمان في جواب أسئلته عن كونه تعالى مشارا إليه بالضّمائر وعن فضل الزّهّاد وعن كيفيّة علم الحقّ تعالى بذاته جلّ سلطانه وعمّ إحسانه الحمد لله وسلامه على عباده الذين اصطفى قد سالتم أنّه إذا لم تكن الاشياء بماهيّتها الظّلّيّة بل بماهيّة أصلها ينبغي أن يكون المشار إليه بلفظ هو وأنت وأنا هو ذاك الاصل فحينئذ كيف يصدق حمل PageV02P256 بعض الصّفات الغير الملائمة لذاك الاصل على الضّمائر كقولنا أنا آكل وأنا نائم. (اعلم) أنّ الظّلّ وإن كان قائما بأصله ولكنّ ثبوته الظّلّيّ وإن كان في مرتبة الحسّ والخيال متحقّق دائما وأحكامه الظّلّيّة دائمة وباقية وخلقتم للأبد شاهد لذلك وحمل الصّفات على تلك الضّمائر إنّما هو بملاحظة اعتبار ظلّيّتها ولكلّ مرتبة من مراتب الوجود حكم على حدة وكلّ ما هو متلاش ومضمحلّ في الإله ليس بإله جلّ وعلا (وسالتم أيضا) عن معنى الحديث القدسيّ الوارد في فضائل الزّهّاد الكرام معاني الفاظه ظاهرة وليس ببعيد عن فضله وكرمه تعالى أن يخصّص جماعة بفضائل وخصائص وأن ينعم عليهم بدرجات ومراتب يغبطهم فيها غيرهم وعدم حساب هؤلاء ليس بمحلّ تردّد فإنّ كثيرا من أمّة خير البشر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات يدخلون الجنّة بغير حساب ومن جملة ذلك ما ورد في الحديث الصّحيح " يدخل الجنّة من أمّتي سبعون الفا بغير حساب فقالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربّهم يتوكّلون " وفي هذا المقام سرّ عظيم لا مصلحة في إظهاره لكونه بعيدا عن أفهام الاكثرين فإن اتّفقت الملاقاة ينبغي ان تذكروا بها فنذكر شمّة منه مشافهة ورمز من هذا السّرّ مندرج في مكتوب من مكتوبات الجلد الثاني فإذا وجدتموه لعلّكم تجدونه (وسالتم أيضا) أنّ علم الحقّ سبحانه هل يكون محيطا بكنه ذاته أو لا؟ فإن كان محيطا يلزم تناهي الذّات (اعلم) أنّ العلم على قسمين حصوليّ وحضوريّ ومحال أن يتعلّق العلم الحصوليّ بكنه ذات الواجب جلّ سلطانه لكونه مستلزما للإحاطة والتّناهي وأمّا العلم الحضوريّ فيجوز أن يتعلّق بكنه ذاته تعالى ولا يلزم منه تناه أصلا والسّلام. (22) المكتوب الثاني والعشرون إلى الملّا مقصود علي التّبريزيّ في بيان «المراد من نجاسة المشركين خبثهم الباطنيّ واعتقادهم السّوء لا كونهم نجس العين» الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى أيّها المخدوم المشفق لم يعلم المقصود من إرسال التّفسير الحسينيّ وصاحب التّفسير بيّن معنى الآية الكريمة موافقا لأئمّة الحنفيّة ويريد من النّجاسة الشّرك وخبث الباطن وسوء الاعتقاد وما قاله بعد ذلك من أنّ هؤلاء لا يجتنبون عن النّجاسات فهذا المعنى موجود في أكثر أهل الإسلام أيضا في هذه الايّام والفرق بين عوامّ أهل الإيمان وبين الكفّار مفقود من هذه الحيثيّة فلو كان عدم الاجتناب عن النّجاسة سببا لنجاسة الشّخص تصير المعاملة ضيّقة ولا حرج في الإسلام وما نقل عن ابن عبّاس رضي الله عنهما من انّ المشركين نجس العين مثل الكلاب امثال هذا النّقل الشّاذّ وردت كثيرا من أكابر الدين وكلّها محمولة على التّوجيه والتّأويل كيف يكون نجس العين فإنّ النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام قد أكل الطّعام من بيت يهوديّ وتوضّأ من ظرف مشرك " وتوضّأ الفاروق رضي الله عنه أيضا من ظرف امرأة نصرانيّة. (فإن قيل) يجوز أن يكون قوله تعالى إِنَّمَا PageV02P257 الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (1) متأخّرا وناسخا للمذكورات (أجيب) أنّه يجوز أن يكون كذلك لا يكفي في هذا المقام بل لا بدّ من إثبات التّأخّر حتّى تصحّ دعوى النّسخ فإنّ الخصم من وراء المنع. (ولو سلّم أنّه متأخّر) ينبغي أن لا يكون مثبتا للحرمة ويكون المراد من النّجاسة خبث الباطن لانّه قد نقل أنّه لم يرتكب نبيّ من الانبياء أمرا يكون مآله في شريعته أو في شريعة غيره من الانبياء منجرّا إلى الحرمة ويكون محرّما في الآخر وإن كان مباحا حين الارتكاب الا ترى أنّ الخمر كان مباحا اوّلا ثمّ حرّم ولم يشربه نبيّ قطّ فلو كان مآل أمر المشركين إلى النّجاسة الظّاهرة وكانوا مثل الكلاب نجس العين لما كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذي هو محبوب ربّ العالمين يمسّ ظروفهم فضلا عن أكل طعامهم وأيضا إنّ النّجس العين نجس عين في جميع الاوقات لا مجال فيه للإباحة سابقة ولاحقة فلو كان المشركون نجس عين ينبغي أن يكونوا كذلك في الابتداء وأن يعامل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بهم بمقياسه ومقتضاه في الاوّل وليس فليس (وأيضا) إنّ الحرج مدفوع عن الدين ومعلوم أنّ الحكم بنجاستهم واعتقاد أنّهم نجس عين تضييق على المسلمين جدّا والقاؤهم في الحرج والمشقّة ينبغي أن يقبل المنّة من أئمّة الحنفيّة رضي الله عنهم حيث هيّئوا مخلصا للمسلمين وأخرجوهم من ارتكاب الحرام دون أن يطعن فيهم وزعم حسنهم قبحا وعيبا وأين مجال الاعتراض على المجتهد فإنّ لخطئه أيضا درجة من الثواب وتقليده وإن كان مخطئا موجب للنّجاة واجتناب جماعة يقولون بحرمة أطعمة الكفّار وأشربتهم عن ارتكاب أكلها وشربها محال عاديّ خصوصا في بلاد الهند فإنّ هذا الابتلاء أكثر فيها وإذا كان في مسالة دينيّة عموم البلوى فالاولى أن يفتى بأسهل الامور وأيسرها بقول أيّ مجتهد كان وإن لم يكن موافقا لمذهبه قال الله تعالى يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (2) وقال تعالى يُرِيدُ الله أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا (3) والتّضييق على خلق الله وإيذاؤهم حرام ومناف لرضا الحقّ سبحانه والشّافعيّة يفتون في بعض المسائل الذي ضيّق فيه الإمام الشّافعيّ بمذهب الحنفيّة ليسهل للخلق مثلا في مصارف الزّكاة ينبغي ان تصرف الزّكاة عند الشّافعيّ على جميع اصنافها وواحد منها المؤلّفة القلوب وهم مفقودون في هذه الايّام فأفتى علماء الشّافعيّة بمذهب الحنفيّة بأنّها إذا أدّيت على أيّ صنف منها يكفي وأيضا إذا كان المشركون نجس العين ينبغي أن لا يطهّروا بالإيمان أيضا فعلم أنّ كونهم نجسا إنّما هو بواسطة خبث اعتقادهم القابل للزّوال ومقصور على الباطن الذي هو محلّ الاعتقاد ونجاسة الباطن لا تنافي طهارة الظّاهر كما هو معلوم للوضيع والشّريف وأيضا إنّ قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (4) إخبار عن حال المشركين والإخبار PageV02P258 لا يكون ناسخا ولا منسوخا فإنّ النّسخ في إنشاء حكم شرعيّ لا في الإخبار عن شيء فينبغي أن يكون المشركون نجسا في جميع الاوقات ويكون المراد من النّجس خبث الاعتقاد حتّى لا تتعارض الادلّة ولا يكون مساسهم محظورا في وقت من الاوقات ويوم قرأت قوله تعالى وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ (1) الآية قلتم في مقابلته إنّ المراد من الطّعام هنا البرّ والحمّص والعدس فلو قبل هذا التّوجيه أهل العرف فما المضايقة ولكن لا بدّ من الإنصاف والمقصود الاصليّ من هذا التّصديق وإطالة الكلام هو أنّه ينبغي أن يرحم الخلق وأن لا يحكم بعموم نجاستهم وأن لا يعتقد نجاسة أهل الإسلام أيضا بواسطة اختلاطهم بالكفر الذي لا بدّ منه ولا مهرب عنه وأن لا يجتنب عن أطعمة المسلمين وأشربتهم بعلّة النّجاسة المتوهّمة فيحصل التّبرّي من الكلّ من هذه الحجّة ويظنّ ذلك احتياطا والحال أنّ الاحتياط في ترك هذا الاحتياط وماذا أكتب زيادة على ذلك. (شعر) بثثت لديكم من همومي وخفت أن ... تملّوا والّا فالكلام كثير والسّلام. (23) المكتوب الثالث والعشرون إلى الخواجة إبراهيم القباديانيّ في بيان أنّ الله تعالى أخبر بواسطة الانبياء - عليهم السّلام - عن ذاته وصفاته وأعمال العبادة المرضيّة وغير المرضيّة الّتي لا مدخل فيها للعقل الحمد لله الذي أنعم علينا وهدانا إلى الإسلام وجعلنا من أمّة محمّد عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام إنّ الانبياء رحمات للعالمين أخبر الحقّ سبحانه وتعالى بواسطة بعثة هؤلاء الاكابر عن ذاته وصفاته لأمثالنا ناقصي العقول وقاصري الإدراك وأطلعنا على كمالاته الذّاتيّة والصّفاتيّة بمقياس أفهامنا وفرّق مراضيه عن غير مراضيه وميّز منافعنا الدنيويّة والاخرويّة عن مضارّنا فلو لم يكن توسّط وجودهم الشّريف لكانت العقول البشريّة عاجزة في إثبات الصّانع تعالى وقاصرة في إدراك كمالاته تعالى وكانت قدماء الفلاسفة الذين يزعمون أنفسهم أكابر أرباب العقول منكرين للصّانع عزّ وجلّ وكانوا ينسبون الاشياء إلى الدهر من نقصان عقولهم ومجادلة النّمرود الذي كان سلطان جميع أهل الارض مع الخليل على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام في إثبات خالق السّموات والارض مشهورة وفي القرآن المجيد مذكورة وقال فرعون المخذول ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي (2) وقال أيضا خطابا لموسى عليه السّلام لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي PageV02P259 لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (1) وقال أيضا لهامان يا هامانُ اِبْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إلى إِلهِ مُوسى وإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا (2) (وبالجملة) انّ العقل قاصر في إثبات هذه الدولة العظمى لا يكاد يهتدي إليها بدون هداية هؤلاء الأكابر ولمّا اشتهرت دعوة الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات إلى الله الذي هو خالق الارض والزّمان والسّموات وتواترت وعلت كلماتهم وارتفعت اطّلع سفهاء كلّ وقت كان لهم تردّد في ثبوت الصّانع على قبائحهم وقالوا بوجود الصّانع بلا اختيار وجعلوا الاشياء مستندة إليه تعالى وهذا نور مقتبس من أنوار الانبياء ونعمة مستفادة من موائدهم عليهم الصّلوات والتّسليمات إلى يوم التّناد بل إلى أبد الآباد وكذلك سائر السّمعيّات بلغتنا بتبليغ الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام من وجود صفاته تعالى الكاملة وبعثة الانبياء وعصمة الملائكة عليهم السّلام ومن الحشر والنّشر ومن وجود الجنّة والنّار والتّنعيم والتّعذيب الدائمين وأمثالها ممّا نطقت به الشّريعة والعقل قاصر عن إدراكه وناقص في إثباته من غير سامع من هؤلاء الاكابر لا استقلال له في شيء منها وكما أنّ طور العقل وراء طور الحسّ حيث يدرك بالعقل ما لا يدرك بالحسّ طور النّبوّة أيضا وراء طور العقل يدرك بها ما لا يدرك بالعقل ومن لم يثبت للمعرفة طريقا وراء طور العقل فهو في الحقيقة منكر لطور النّبوّة ومصادم للبداهة فلا بدّ من وجود الانبياء ليدلّوا على كيفيّة أداء شكر النّعم الذي هو واجب عقلا وليظهروا تعظيم مولى النّعم جلّ وعلا المتعلّق بالعلم والعمل المتلقّى من قبله سبحانه فإنّ التّعظيم الذي لم يكن مستفادا من عنده سبحانه لا يكون لائقا بأداء شكره تعالى فإنّ القوّة البشريّة عاجزة عن إدراكه بل كثيرا ما يظنّ غير تعظيمه تعالى تعظيما فيعدل عن الشّكر إلى الهجو وطريق استفادة تعظيمه سبحانه من حضرته تعالى وتقدّس مقصور على النّبوّة ومنحصر في تبليغ الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام والالهام الذي هو للأولياء عليهم السّلام مقتبس من أنوار النّبوّة ومستفاض من بركات متابعة الانبياء وفيوضها فلو كان العقل كافيا في هذا الامر لما بقي فلاسفة اليونان الذين جعلوا مقتداهم عقولهم في تيه الضّلالة ولعرفوا الحقّ سبحانه قبل كلّ النّاس والحال أنّ أشدّ النّاس جهالة في ذات الحقّ وصفاته سبحانه هو هؤلاء حيث زعموا الحقّ سبحانه فارغا ومعطّلا ولم يجعلوا غير شيء واحد مستندا إليه تعالى وهو أيضا بالإيجاب لا بالاختيار ونحتوا من عندهم عقلا فعّالا ونسبوا الحوادث إليه مانعين إيّاها من خالق السّموات والارض وصرفوا الاثر عن المؤثّر الحقيقيّ جلّ شأنه وزعموه أثر منحوتهم فإنّ المعلول عندهم أثر العلّة القريبة لا يرون للعلّة البعيدة تأثيرا في حصول المعلول وزعموا عدم استناد الاشياء إليه سبحانه من جهلهم كمالا له سبحانه وظنّوا التّعطيل تبجيلا إيّاه والحال أنّ الحقّ سبحانه يمدح PageV02P260 نفسه بخلق السّموات والارض ويقول في مدح نفسه رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ (1) ولا احتياج لهؤلاء السّفهاء إلى حضرة الحقّ سبحانه بزعمهم الفاسد أصلا ولا التجاء لهم إليه تعالى قطعا ينبغي لهم أن يراجعوا وقت الاضطرار والاحتياج إلى العقل الفعّال وأن يطلبوا قضاء حوائجهم منه بل لا يتصوّر طلب قضاء الحاجة من العقل الفعّال أيضا لكونه موجبا ومضطرّا غير مختار في زعمهم إنّ الكافرين لا مولى لهم وما هو العقل الفعّال حتّى يدبّر الاشياء وتكون الحوادث مستندة إليه وفي نفس وجوده وثبوته الف كلام فإنّ تحقّقه وحصوله مبتن على المقدّمات المموّهة الفلسفيّة الّتي هي غير تامّة على الاصول الإسلاميّة والابله من يصرف استناد الاشياء عن القادر المختار جلّ شأنه ويجعلها مستندة إلى مثل هذا الامر الموهوم بل يلحق الاشياء الف عار وفضيحة من كونها مستندة إلى منحوت الفلسفيّ بل الاشياء تكون راضية ومسرورة بعدمها ولا تميل إلى الوجود أصلا من فضيحة استناد وجودها إلى مجعول الفلسفيّ وخوف الحرمان من سعادة الانتساب إلى قدرة القادر المختار جلّ سلطانه كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلّا كَذِبًا (2) وكفّار دار الحرب مع وجود عبادة الاصنام أحسن حالا من هذه الجماعة فإنّهم يلتجئون إلى الحقّ سبحانه في المضايق ولا يجعلون أصنامهم غير وسائل الشّفاعة عنده تعالى وأعجب من هذا أنّ جماعة يسمّون هؤلاء السّفهاء حكماء وينسبون أقوالهم إلى الحكمة وأكثر أحكامهم سيّما في الإلهيّات الّتي هي المقصد الاسنى كاذبة ومخالفة للكتاب والسّنّة فبأيّ اعتبار يطلق الحكماء على هؤلاء الذين لا نصيب لهم غير الجهل المركّب اللهمّ الّا إذا قيل على سبيل التّهكّم والاستهزاء او يعدّ من قبيل إطلاق البصر على الاعمى. (وجمع) من هذه السّفهاء اختاروا طريق الرّياضات والمجاهدات من غير التزام طريق الانبياء عليهم السّلام بل بمجرّد تقليد صوفيّة الهيّة كانوا في كلّ عصر من متابعى الانبياء عليهم السّلام واغترّوا بصفاء اوقاتهم واعتمدوا على مناماتهم وخيالاتهم وجعلوا كشوفهم الخياليّة مقتداهم في سائر حالاتهم ضلّوا فأضلّوا ولم يعلموا أنّ ذلك الصّفاء هو صفاء النّفس الذي يؤدّي إلى طريق الضّلالة لا صفاء القلب الذي هو روزنة الهداية فإنّ صفاء القلب منوط بمتابعة الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات وتزكية النّفس مربوطة بصفاء القلب وسياسته إيّاها وحكم تصفية النّفس مع وجود ظلمة القلب الذي هو محلّ ظهور أنوار القدم كحكم إسراج سراج لنهب العدوّ الذي هو في الكمين وهو إبليس اللّعين. (وبالجملة) انّ طريق الرّياضة والمجاهدة كطريق النّظر والاستدلال إنّما يعتبر ويعتمد عليه إذا كان مقرونا بتصديق الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات الذين يبلّغون الامانة من قبل الحقّ جلّ وعلا ومؤيّدون بتأييده سبحانه ومعاملتهم محفوظة من كيد اللّعين ومكره بنزول الملائكة المعصومين إِنَّ عِبادِي لَيْسَ PageV02P261 لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ (1) نقد وقتهم وهذه الدولة لم تتيسّر لغيرهم ولم يحصل لهم التّخلّص من شرك اللّعين الّا إذا التزم متابعة هؤلاء الاكابر ومشى على آثارهم عليهم الصّلوات والتّسليمات. (شعر) ومن المحال المشي في طريق الصّفا ... يا سعد من غير اتّباع المصطفى عليه وعلى جميع إخوانه الصّلوات والتّسليمات العلى سبحان الله إنّ أفلاطون الذي هو رئيس الفلاسفة أدرك دولة بعثة عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ولم يصدّقه زعما منه بجهالته أنّه مستغن عنه ولم ينل نصيبا من بركات النّبوّة ومَنْ لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (2) قال الله تبارك وتعالى ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (3) والعجب أنّ طور عقول الفلاسفة النّاقصة كأنّه واقع على طرف نقيض طور النّبوّة في المبدأ وفي المعاد وأحكامهم مخالفة لأحكام الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام فإنّهم ما صحّحوا الإيمان بالله ولا الإيمان بالآخرة وقالوا بقدم العالم والحال أنّ الإجماع المتين منعقد على حدوث العالم بجميع أجزائه ولم يقولوا بانشقاق السّموات وانتثار الكواكب واندكاك الجبال وانفجار البحار الموعودة في يوم القيامة وينكرون حشر الاجساد ويخالفون النّصوص القرآنيّة ومتأخّروهم الذين عدّوا أنفسهم داخلين في زمرة أهل الإسلام راسخون في أصولهم الفلسفيّة كما هي وقائلون بقدم السّموات والكواكب وأمثالها وحاكمون بعدم فنائها وهلاكها قوتهم تكذيب النّصوص القرآنيّة ورزقهم إنكار ضروريّات الدين والمسائل اليقينيّة يؤمنون بالله وبرسوله ولا يقبلون ما أمر الله به ورسوله فهل تتجاوز السّفاهة عن ذلك. (شعر) أكثر فلسفة جاسفها فكذا ... جميعه إذ لكلّ حكم أكثره وهذه الجماعة صرفوا أعمارهم في تعليم آلة عاصمة للذّهن عن الخطإ الفكريّ وتعلّمه ودقّقوا فيها تدقيقات كثيرة ولمّا بلغوا المقصد الاقصى يعني مسائل الذّات والصّفات والافعال الواجبيّة جلّ سلطانه ضيّعوا حواسّهم وأضاعوا الآلة العاصمة وخبطوا خبط عشواء وبقوا في تيه الضّلالة كمن يهيّئ آلات الحرب سنين ثمّ إذا جاء وقت الحرب يضيّع حواسّه ولا يستعمل الآلة والنّاس يظنّون علوم الفلاسفة متّسقة ومنتظمة ويزعمونها محفوظة عن الغلط والخطأ ومصونة وعلى تقدير التّسليم إنّما يكون هذا الحكم صادقا في علوم للعقل فيها استقلال واستبداد وهي خارجة عن المبحث وداخلة في دائرة ما لا يعنى لا تعلّق لها بالآخرة الّتي هي دائميّة والنّجاة الاخرويّة ليست بمربوطة بها فإنّ الكلام إنّما هو في علوم العقل عاجز عن إدراكها وقاصر ومربوطة بطور النّبوّة والنّجاة الاخرويّة منوطة بها قال حجّة الإسلام الإمام الغزاليّ في PageV02P262 رسالته " المنقذ عن الضّلال ": إنّ الفلاسفة سرقوا علم الطّبّ وعلم النّجوم من كتب الانبياء المتقدّمين على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام واقتبسوا خواصّ الادوية وغيرها ممّا لا سبيل للعقل إلى إدراكه من الصّحف والكتب المنزّلة إلى الانبياء عليهم السّلام وسرقوا علم تهذيب الاخلاق عن كتب الصّوفيّة المتألّهين الموجودين في كلّ عصر وفي أمّة كلّ نبيّ لترويج أباطيلهم فهذه العلوم الثلاثة المعتبرة لديهم كانت مسروقة وقد ذكرت شمّة من خبطهم في العلم الإلهيّ في مباحث الذّات والصّفات والافعال الواجبيّة وفي الإيمان بالله والإيمان بالآخرة ومخالفتهم النّصوص القرآنيّة فيما سبق فبقي علم الهندسة ومثله ممّا له نوع اختصاص به فلو كان متّسقا ومنتظما فما لزومه ولايّ شيء يحتاج إليه وأيّ عذاب الآخرة يبعد به ويدفع علامة إعراض الله تعالى عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه وكلّما هو غير نافع في الآخرة فهو ممّا لا يعنى وعلم المنطق الذي هو آلة وقالوا إنّه عاصم عن الخطإ لم ينفعهم ولم يخرجهم عن الغلط والخطأ في المقصد الاسنى كيف ينفع الآخرين وكيف يخلّصهم عن الخطإ رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (1) وبعض النّاس الذين لهم رغبة في العلوم الفلسفيّة ومفتونون بالتّسويلات الفلسفيّة يعتقدون هذه الجماعة حكماء ويزعمونهم عديل الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام بل يكادون يقدّمون علومهم الكاذبة بظنّ أنّها صادقة على شرائع الانبياء عليهم السّلام أعاذنا الله سبحانه عن الاعتقاد السّوء نعم إذا اعتقدوا هؤلاء حكماء وزعموا علومهم حكمة يقعون في هذا البلاء بالضّرورة فإنّ الحكمة عبارة عن العلم بالشّيء مطابقا لنفس الامر فتكون العلوم الّتي تخالفها غير مطابقة لنفس الامر (وبالجملة) انّ تصديق هؤلاء وتصديق علومهم مستلزم لتكذيب الانبياء وتكذيب علومهم عليهم الصّلوات والتّحيّات وهذان العلمان واقعان في طرفي النّقيض فتصديق أحدهما مستلزم لتكذيب الآخر من شاء فليلتزم ملّة الانبياء يكن من حزب الله سبحانه ومن أهل النّجاة ومن شاء فليكن فلسفيّا يكن من حزب الشّيطان وخائبا وخاسرا قال الله تبارك وتعالى فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا (2) والسّلام على من اتّبع الهدى (3) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى جميع إخوانه من الانبياء الكرام والملائكة العظام أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات والسّلام. PageV02P263 (24) المكتوب الرّابع والعشرون إلى الملّا محمّد مراد الكشميّ الذي هو من خدّام المير محمّد نعمان في بيان مناقب أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورحمتهم ورأفتهم فيما بينهم قال الله تبارك وتعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (1) الآية مدح الله سبحانه في هذه الآية أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام بكمال رحمة بعضهم لبعض الّتي كانوا عليها فإنّ الرّحيم الذي هو واحد رحماء متضمّن للمبالغة في الرّحمة وحيث انّ للصّفة المشبّهة دلالة على الاستمرار أيضا ينبغي أن يكون رحمة بعضهم بعضا على صفة الدوام والاستمرار سواء كان في حضوره صلّى الله عليه وسلّم أو بعد ارتحاله وكلّ ما هو مناف لرحمة بعضهم بعضا ينبغي أن يكون مسلوبا عنهم على الدوام ويكون احتمال البغض والحقد والحسد وعداوة بعضهم لبعض منتفيا عنهم على سبيل الاستمرار فإذا كان جميع الصّحابة الكرام متّصفين بهذه الصّفة المرضيّة كما هو مقتضى كلمة " والذين " الّتي هي من صيغ العموم والاستغراق ماذا نقول من أكابر الصّحابة فإنّ هذه الصّفة تكون فيهم أتمّ وأكمل وأوفى ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم " أرحم أمّتي بأمّتي أبو بكر». وقال عليه الصّلاة والسّلام في شأن الفاروق رضي الله عنه " لو كان بعدي نبيّ لكان عمر " يعني أنّ لوازم النّبوّة وكمالاتها كلّها حاصلة في عمر ولكن لمّا ختم منصب النّبوّة بخاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام لم يشرّف بدولة منصب النّبوّة وأحد لوازم النّبوّة كمال الرّحمة والشّفقة على الخلق وأيضا إنّ الرّذائل الّتي تنافي الشّفقة والرّحمة ومن ذمايم الاخلاق من الحسد والبغض والحقد والعداوة كيف تتصوّر من قوم تشرّفوا بشرف صحبة خير البشر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات فإنّهم أفضل هذه الامّة الّتي هي خير الامم وأسبق أهل هذه الملّة الّتي هي ناسخة لجميع الملل لانّ قرنهم كان خير القرون وصاحبهم كان أفضل الانبياء والمرسلين فلو كانوا موصوفين بهذه الصّفات الرّديّة الّتي على أحقر هذه الامّة المرحومة عار منها كيف يكونون أفضل هذه الامّة وبأيّ وجه تكون هذه الامّة خير الامم وأيّ مزيّة وأيّ فضيلة تكون لاسبقيّة الإيمان وأوّليّة إنفاق الاموال وبذل النّفس وأيّ تأثير يكون لخيريّة القرن وأيّ أثر يترتّب على فضيلة صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والذين يكونون في صحبة أولياء هذه الامّة ينجون من هذه الرّذائل فكيف تتوهّم هذه الذّمائم في حقّ جماعة صرفوا أعمارهم في صحبة أفضل الرّسل عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات وبذلوا أموالهم وأنفسهم لتأييد دينه ونصرة ملّته وإعلاء كلمته الّا إذا سقط عياذا بالله سبحانه عظمة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وجلالته عن النّظر وتوهّم أنّ صحبته صلّى PageV02P264 الله عليه وسلّم أنقص من صحبة وليّ الامّة نعوذ بالله سبحانه منه ومن المقرّر أنّه لا يبلغ وليّ من أولياء الامّة مرتبة صحابيّ من صحابة تلك الامّة فكيف بمرتبة نبيّها. قال الشّيخ الشّبليّ عليه الرّحمة: ما آمن برسول الله من لم يوقّر أصحابه (وجماعة) من النّاس يظنّون أنّ أصحاب النّبيّ عليه وعليهم الصّلاة والسّلام كانوا فرقتين فرقة كانت لهم مخالفة مع عليّ رضي الله عنه وعنهم وفرقة كانت لهم موافقة به كرّم الله وجهه وكان في كلّ واحدة من هاتين الفرقتين عداوة وبغض وحقد في حقّ الاخرى وبعض منهم بطن صفاته هذه تقيّة وملاحظة لبعض المصالح وزعموا أنّ تلك الرّذائل امتدّت فيهم إلى قرن واحد وما كانوا كانت فيهم هذه الذّمائم وبهذا التّوهّم يذكرون مخالفي عليّ كرّم الله وجهه بالشّرّ وينسبون إليهم أشياء غير مناسبة ينبغي أن ينصف فإنّه على هذا التّقدير يكون كلا الفريقين موردا للطّعن ومتّصفين برذائل الصّفات ويصير أفضل هذه الامّة شرّ هذه الامّة بل شرّ جميع الامم وتتبدّل خيريّة تلك الفرقة بالشّرّية أيّ إنصاف في ذكر الشّيخين رضي الله عنهما بسوء بهذا التّوهّم ونسبة أمور غير مناسبة إلى كبراء الدين وحضرة الصّدّيق رضي الله عنه أتقى هذه الامّة بحكم نصّ القرآن فإنّ المفسّرين ابن عبّاس وغيره أجمعوا على أنّ قوله تعالى وسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (1) الآية نزل في شأن الصّدّيق رضي الله عنه والمراد من الاتقى هو الصّدّيق رضي الله عنه فإذا قال الله تعالى في حقّ شخص إنّه أتقى هذه الامّة الّتي هي خير الامم ينبغي أن يتأمّل أنّ تكفيره وتفسيقه وتضليله إلى أيّ حدّ من الشّناعة يوصّل (واستدلّ) الإمام الفخر الرّازيّ بهذه الآية الكريمة على أفضليّة الصّدّيق رضي الله عنه فإنّ أكرم هذه الامّة المخاطبة بقوله تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقاكُمْ (2) بحكم هذه الآية هو أتقى هذه الامّة حيث كان الصّدّيق أتقى هذه الامّة بنصّ القرآن ينبغي أن يكون أكرم هذه الامّة عند الحقّ جلّ وعلا بحكم النّصّ اللّاحق هو الصّدّيق رضي الله تعالى عنه أيضا وأثبت أكابر أئمّة السّلف واحد منهم الإمام الشّافعيّ رضي الله تعالى عنهم إجماع الصّحابة والتّابعين على أفضليّة الشّيخين رضي الله عنهما وحكم عليّ كرّم الله وجهه أيضا بأفضليّة الشّيخين قال الذّهبيّ الذي هو من أكابر المحدّثين: روى ذلك عن عليّ نيّف وثمانون نفرا وعبد الرّزّاق الذي هو من أكابر الشّيعة حكم بأفضليّة الشّيخين بموجب هذا النّقل وقال بهذه العبارة " أفضّل الشّيخين لتفضيل عليّ إيّاهما على نفسه والّا لما فضّلتهما كفى بي وزرا أن أحبّه ثمّ أخالفه " فتنقيص من كانوا أفضل هذه الامّة التي هي خير الامم بحكم الكتاب والسّنّة وإجماع الامّة وباعتراف عليّ أيضا وتحقيرهم من أيّ إنصاف ومن أيّ ديانة وأيّ خير مودع في ضمنه فلو كان في سبّ أحد معنى الخيريّة والعبادة لكان في سبّ أبي جهل وأبي لهب الذين هما ملعونان ومطرودان بحكم نصّ القرآن ولحصل في ضمنه حسنات كثيرة أيّ خيريّة في السّبّ الذي هو متضمّن للفحش والقطيعة خصوصا في PageV02P265 حقّ شخص لا يستحقّه ولا يكون أهلا له ووضع الشّيء في غير موضعه ظلم وفرق بين شيء وشيء وتفاوت بين موضع وموضع فيكون بين ظلم وظلم بونا بعيدا (وخلافة) ذي النّورين رضي الله عنه ثابتة بإجماع الصّحابة الكرام وبإتّفاق صغار ذلك القرن الذي هو خير القرون وكبارهم وذكورهم وإناثهم ولهذا قال العلماء: إنّ الاتّفاق والإجماع الذي وقع في خلافة ذي النّورين لم يتّفق في خلافة أحد من سائر الخلفاء الثلاثة فإنّه لمّا كان في بدء خلافته نوع تردّد راعى أهل ذلك القرن في تلك المادّة احتياطا كثيرا ثمّ أقدموا عليها (ينبغي أن يعلم) أنّ الاصحاب الكرام رضي الله تعالى عنهم مبلّغو الكتاب والسّنّة وكان الإجماع أيضا منوطا بقرنهم فلو كان جميعهم أو بعضهم متّصفين بالضّلالة والفسق يرتفع الاعتماد عن كلّ الدين أو بعضه وتكون فائدة بعثة خاتم الانبياء وأفضل الرّسل قليلة وجامع القرآن المجيد هو حضرة عثمان بل حضرة الصّدّيق وحضرة الفاروق رضي الله تعالى عنهم فلو كان هؤلاء مطعونا فيهم ومسلوبي العدالة أيّ اعتماد يبقى على القرآن وبأيّ شيء يكون الدين قائما ينبغي أن يتأمّل في شناعة هذا الامر أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كلّهم عدول وكلّ ما بلغنا بتبليغهم حقّ وصدق والمخالفات والمنازعات الواقعة في زمن خلافة عليّ رضي الله تعالى عنه لم تكن من جهة الهوى والهوس ولا لأجل حبّ الجاه والرّياسة بل كانت على وجه الاجتهاد والاستنباط وإن كان في اجتهاد واحد منهم خطأ واستنباطه بعيدا عن الصّواب ومن المقرّر عند علماء أهل السّنّة والجماعة رضي الله تعالى عنهم أنّ المحقّ في تلك المحاربات والمشاجرات كان عليّا كرّم الله وجهه ومخالفوهم كانوا على خطإ ولكن لمّا كان منشأ هذا الخطإ الاجتهاد كان صاحبه بعيدا عن الطّعن والملامة عليه والمقصود حقّيّة جانب عليّ وخطأ جانب مخالفيه وأهل السّنّة قائلون بذلك واللّعن والطّعن زيادة بلا فائدة بل متضمّنة لاحتمال الضّرر فإنّهم أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ورضي عنهم وبعضهم مبشّر بالجنّة وبدريّ مغفور له والعذاب الاخرويّ مرفوع عنه كما ورد في الاحاديث الصّحاح " إنّ الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإنّي غفرت لكم». وبعضهم تشرّف ببيعة الرّضوان وقد قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " لا يدخل النّار أحد ممّن بايع تحت الشّجرة " بل قال العلماء: يفهم من القرآن المجيد أنّ جميع الصّحابة من أهل الجنّة لقوله تعالى لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وَعَدَ الله الْحُسْنى والله بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (1) والحسنى هي الجنّة فكلّ صحابيّ أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده موعود له بالجنّة قالوا: إنّ صفة الإنفاق والقتال ليست للتّقييد بل للمدح فإنّ جميع الصّحابة كانوا متّصفين بهاتين الصّفتين فكلّهم يكونون موعودا لهم بالجنّة فينبغي الملاحظة إن ذكر أمثال هؤلاء الاكابر بشرّ وسوء الظّنّ بهم فكيف يكون من الإنصاف والديانة. PageV02P266 (فإن قيل) قال جماعة: إنّ بعض الأصحاب الكرام لم يبق بعد ارتحاله صلّى الله عليه وسلّم على ذلك الطّريق بل انحرف من طريق الحقّ بواسطة حبّ الخلافة وطلب الجاه والرّياسة وغصب عن عليّ كرّم الله وجهه منصب الخلافة بل يظنّون أنّ انحرافه بلغ حدّ الكفر والضّلالة فيكون هؤلاء المذكورون بزعم هذه الجماعة محرومين عمّا وعد به الأصحاب الكرام فإنّ نيل فضيلة الصّحبة فرع تحقّق الإسلام فإذا كان في إسلامهم كلام كيف يكون للصّحبة تأثير (أجيب) أنّ الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم مبشّرون بالجنّة ثبت ذلك بأحاديث صحيحة بلغت حدّ التّواتر المعنويّ فاحتمال الكفر والضّلالة مدفوع عنهم والشّيخان من أهل بدر وهم مغفور لهم مطلقا على ما في الاحاديث الصّحاح وأيضا إنّهم من أهل بيعة الرّضوان وهم من أهل الجنّة بأحاديث صحيحة كما مرّ وعثمان لم يحضر بدرا لانّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم تركه في المدينة لتمريض أهله بنت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قائلا " بأنّ لك من الأجر ما لأهل بدر " ولم يحضر بيعة الرّضوان " لانّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان أرسله إلى مكّة عند قريش وبايع عنه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بنفسه " كما هو مشهور وأيضا إنّ القرآن المجيد يشهد بجلالة شأن هؤلاء الاكابر ويخبر عن علوّ درجاتهم فمن أغمض عن الكتاب والسّنّة فهو خارج عن المبحث قال الشّيخ السعديّ رحمه الله. (شعر) من لم يقف عند الكتاب وسنّة ... فجوابه أن لا تجيب وتسكتا أيّ بلاء وقع لو كان في الصّدّيق احتمال الكفر والضّلالة لما أجلسه الصّحابة مع عدالتهم وكثرتهم مكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وفي تكذيب خلافة الصّدّيق تكذيب ثلاث وثلاثين الفا من أهل ذلك القرن الذي هو خير القرون ولا يجوّز ذلك من له أدنى دراية أيّ خير يبقى في قرن يجتمع من أهله ثلاث وثلاثون الفا على الباطل ويجلسون مكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ضالّا ومضلّا رزق الله سبحانه لهؤلاء الجماعة الإنصاف حتّى يكفّوا لسانهم عن الطّعن في أكابر الدين ويراعوا حقّ صحبة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " الله الله في أصحابي لا تتّخذوهم غرضا من بعدي من أحبّهم فبحبّي أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم " ماذا أكتب زيادة على ذلك وكيف أجلى أجلى البديهات والقرآن المجيد مملوء بمدح الصّدّيق نزلت فيه سورة اللّيل وآيات أخر وروي في كمالاته وفضائله من الأحاديث الصّحاح ما لا يعدّ ولا يحصى وورد في كتب الانبياء المتقدّمين ذكر شمائله وأوصافه بل ذكر جميع الصّحابة كما قال الله تعالى مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ومَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ (1) (ورأس) هذه الامّة المرحومة الّتي خير الامم ورئيسهم هو الصّدّيق فإذا رموه بالكفر والضّلالة بما يعتذرون في حقّ غيره وبأيّ طريق يتكلّمون اللهمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما PageV02P267 كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (1) والسّلام على من اتّبع الهدى (2) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات. (25) المكتوب الخامس والعشرون إلى الملّا طاهر البدخشيّ في بيان النّتائج وترقّي المراتب التي تحصل من الذّكر وتلاوة القرآن وأداء الصّلوة الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى لا بدّ لمبتدئ طلبة هذه الطّريق من الذّكر فإنّ ترقّيه مربوط بتكرار الذّكر بشرط أن يأخذه من الشّيخ الكامل المكمّل فإن لم يكن بهذا الشّرط فكثيرا ما يكون من قبيل أوراد الأبرار الّتي نتيجتها الثواب لا درجة القرب الّتي تتعلّق بالمقرّبين وإنّما قلت: كثيرا ما يكون من قبيل أوراد الابرار فإنّه يجوز أن يربّي فضل الحقّ جلّ سلطانه الطّالب بلا توسّط شيخ ويجعله تكرار الذّكر من المقرّبين بل يجوز أن يشرّف بمراتب القرب من غير تكرار ذكر أيضا ويكون من أوليائه تعالى والشّرط المذكور إنّما هو باعتبار الأكثر الأغلب وعلى وفق الحكمة والعادة فإذا تمّت المعاملة الّتي كانت مربوطة بالذّكر بفضل الله سبحانه وتيسّر الخلاص من التّعلّق بآلهة الهوى وصارت الأمّارة مطمئنّة فحينئذ لا يحصل التّرقّي من الذّكر ويكون حكم الذّكر حكم أوراد الابرار وقطع مراتب القرب في ذلك الموطن مربوط بتلاوة القرآن وأداء الصّلاة بطول القنوت وما كان يتيسّر أوّلا بالذّكر يتيسّر حينئذ بتلاوة القرآن خصوصا إذا كانت في الصّلاة (وبالجملة) أنّ الذّكر حينئذ يكون حكمه حكم تلاوة القرآن في الابتداء في كونه من قبيل أوراد الابرار ويكون حكم التّلاوة حكم الذّكر في الابتداء والوسط حيث كان من المقرّبات والعجب أنّ الذّكر إذا كرّر في ذلك الوقت بعنوان تلاوة القرآن لكونه من كلمات الآيات القرآنيّة وشرع فيه بالاستعاذة يترتّب عليه من الفائدة ما يترتّب على تلاوة القرآن فإن لم يكرّر بعنوان القراءة يكون مثل عمل الابرار ولكلّ عمل مقام وموسم فإن أدّي في موسمه يكون له حسن وملاحة والّا فكثيرا ما يكون خطأ وإن كان حسنة في ذاته الا ترى أنّ قراءة الفاتحة في التّشهّد خطأ وإن كانت أمّ الكتاب فكان الشّيخ في هذا الطّريق من الضّروريّات وتعليمه من أهمّ المهمّات وبدونه خرط القتاد قال واحد من الاعزّة. (شعر) من أجل كونك في البداية أحولا ... لا بدّ من شيخ يقودك أوّلا والسّلام على من اتّبع الهدى (3) PageV02P268 (26) المكتوب السّادس والعشرون إلى السّيّد محمّد نعمان في بيان أنّ الحقّ سبحانه كما هو موجود بذاته لا بالوجود حيّ وعالم وموصوف بالصّفات الثمانية بذاته لا بصفات زائدة وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ الحقّ سبحانه كاف بذاته القدس في نفس الوجود وفي سائر كمالات الوجود وتوابعه من الحياة والعلم والقدرة والسّمع والبصر والإرادة والكلام والتّكوين ليس بمحتاج في حصول هذه الكمالات إلى صفات زائدة وإن كانت له سبحانه صفات كاملة زائدة أيضا فهو تعالى كما أنّه موجود بذاته الاقدس لا بالوجود حيّ بذاته لا بالحياة الّتي هي صفته تعالى عالم بذاته لا بصفة العلم بصير بذاته لا بصفة البصر سميع بذاته لا بصفة السّمع وقادر بذاته لا بصفة القدرة مريد بذاته لا بصفة الإرادة ومتكلّم بذاته لا بصفة الكلام ومبدأ إيجاد الكائنات بذاته لا بصفة التّكوين وإن كان وجود العالم بتوسّط التّكوين وسائر الصّفات كما سيجيء تحقيق هذا المعنى وهذا التّكوين وراء القدرة فإنّ في القدرة صحّة الفعل والتّرك وفي التّكوين جانب الفعل متعيّن وأيضا للقدرة تقدّم على الإرادة والتّكوين بعد الإرادة وهذا التّكوين شبيه باستطاعة العبد الّتي قال علماء أهل الحقّ إنّها مقرونة بالفعل ووراء القدرة والإرادة القدرة مصحّحة لكلا طرفي الفعل والتّرك والإرادة مرجّحة لأحد الطّرفين والإيجاد يتعلّق بالتّكوين بعد ترجيح الإرادة فلو لم تثبت القدرة الّتي هي مصحّحة الطّرفين يلزم الإيجاب ولو لم يثبت التّكوين يلزم الإيجاد من غير مستند فإنّ القدرة مصحّحة الإيجاد والتّكوين مباشر الإيجاد فلا بدّ إذا من إثبات التّكوين وقد اهتدى إليه علماء الماتريديّة ولمّا وجد الاشاعرة إضافته وتعلّقه إلى الاشياء أكثر ظنّوه من الصّفات الإضافيّة والله يحقّ الحقّ وهو يهدي السّبيل وإرجاع التّخليق والتّرزيق والإحياء والإماتة وأمثالها إلى صفة التّكوين أحسن من القول بكون كلّ منها صفة قديمة برأسها لئلّا يلزم إثبات قدماء متكثّرة من غير ضرورة فلاح من هذا البيان أنّ ما يتيسّر لغيره تعالى بإيجاده سبحانه بواسطة الصّفات حاصل له تعالى بذاته من غير توسّط الصّفات فإنّ ذاته تعالى جامعة لجميع الكمالات من غير ملاحظة أمر واعتبار بل هي عين كلّ كمال فإنّ التّبعّض والتّجزّي مفقود في حضرته فهو سبحانه عالم بتمام ذاته وسميع بالتّمام وبصير بالتّمام على هذا القياس سائر الصّفات ومع ذلك له سبحانه وتعالى صفات سبعة بل ثمانية كما قال بها علماء أهل الحقّ شكر الله تعالى سعيهم وهذه الصّفات الكاملة القديمة ظلال تلك الكمالات الذّاتيّة ومظاهرها ويمكن أن يقال: إنّها نقاب تلك الكمالات وحجب انوارها المكنونة. PageV02P269 (فإن قيل) إذا كان ذاته تعالى كافية في حصول جميع الكمالات فلايّ شيء تثبت الصّفات ولم يقال بوجود تعدّد القدماء ولهذا اكتفى الفلاسفة والمعتزلة بالذّات وهربوا من القول بتعدّد القدماء وقالوا بنفي الصّفات (أجيب) أنّ حضرة الذّات تعالت وتقدّست وإن كانت كافية في حصول الكمالات ولكن لا بدّ في تكوين الاشياء وتخليقها من الصّفات الزّائدة فإنّ ذاته تعالى في نهاية التّنزّه والتّقدّس وفي غاية العظمة وجلال الكبرياء وكمال الغناء لا مناسبة لها بالاشياء إنّ الله لغنيّ عن العالمين وبمقتضى الحكمة ووفق العادة لا بدّ في الإفادة والإفاضة من المناسبة للمستفيد والمستفيض والصّفات قد تنزّلت درجة واحدة وحصلت ظلّيّة ومناسبة بالاشياء ولو في الجملة فلو لم يكن توسّط الصّفات لما يتصوّر حصول شيء من الاشياء فإنّه لا نصيب للأشياء في سطوة أشعّة أنوار حضرة الذّات تعالت وتقدّست غير الهلاك والفناء والانمحاء والانعدام ولا فكر فيمن ينسب إيجاد الاشياء إلى الذّات البحت من غير إثبات الصّفات وما هو الصّادر الاوّل حتّى لا يكون مضمحلّا ومتلاشيا في سبحات وجه ذاته تعالى (فإن قيل) إنّ الفلاسفة والمعتزلة وإن لم يثبتوا الصّفات في الخارج ولكنّهم قائلون باعتبارات علميّة ومثبتون لكمالات ذاتيّة متمايزة في العلم فلم يكن إيجاد الاشياء منسوبا إلى الذّات البحت بل بتوسّط الاعتبارات (أجيب) انّ إيجاد العالم في الخارج والعالم موجود في الخارج فلا بدّ من الحجب الخارجيّة حتّى يمكن أن تكون وسيلة لوجود الاشياء في الخارج وحافظة إيّاها عن الانمحاء والاستهلاك والاعتبارات العلميّة لا تجدي شيئا في الوجودات الخارجيّة ولا يكفي الحجاب العلميّ في محافظة الموجودات الخارجيّة وبعض الصّوفيّة الذين لا يقولون بوجود العالم في غير العلم لعلّ الاعتبارات العلميّة تنفعهم ويمكن أن تكون وسيلة لوجودات علميّة ولكنّ العالم موجود في الخارج وإن كان هذا الخارج ظلّ ذلك الخارج وهذا الوجود ظلّ ذاك الوجود فلا بدّ من الحجب الخارجيّة حتّى يمكن أن تكون وسيلة لوجود العالم في الخارج فينبغي أن تكون الصّفات الحقيقيّة موجودة في الخارج ومربّية للأشياء ومجلية للكمالات الذّاتيّة بوساطة نفسها في مرايا العالم وموردة إيّاها في منصّة الظّهور والصّفات وإن كانت حجبا للذّات تعالت ولكنّ ظهور الكمالات الذّاتيّة مربوط بوجودها وحجابيّة الصّفات كحجابيّة المنظرة الّتي هي سبب للإراءة وهذا الظّهور وإن كان ظلّيّا ولكن ماذا نصنع قد جعل وجودنا مربوطا بالظّلّ وتحقّقنا منوطا بالحجاب ما بالذّات لا ينفكّ عن الذّات (ع) سياهي أز حبشى كى رود كه خود رنك است. (شعر) ومن بعد هذا ما يدقّ صفاته ... وما كتمه أحظى لديّ وأجمل العبد لا يكون حقّا سبحانه ولكن بفضله تعالى لا ينفكّ عن الحقّ جلّ شأنه " المرء مع من أحبّ " وإن كانت له سبحانه نسبة المعيّة بجميع الاشياء ولكنّ هذه المعيّة الّتي منشؤها المحبّة غير تلك المعيّة ومن لا محبّة له لا معرفة له بتلك المعيّة وحيث أنّ الدرجات متفاوتة في المحبّة فالتّفاوت أيضا حاصل في المعيّة بقدر تفاوت المحبّة وهذه المعيّة هي السّبب للتخلّص عن الظّلّيّة والواسطة للاضمحلال بالكلّيّة وهي PageV02P270 المزيلة للرّقّيّة والمثبتة للحرّيّة في عين العبديّة وهي المسقطة للأنانيّة بل الرّافعة للأنانيّة إلى الدرجات الكماليّة (ينبغي أن يعلم) أنّه سبحانه قال في المعيّة العامّة بالاشياء وهو معكم فأثبت المعيّة في طرفه سبحانه وفي المعيّة الخاصّة بحكم " المرء مع من أحبّ " أثبت المعيّة في هذا الطّرف بمقتضى المحبّة شتّان ما بين المعيّتين فإنّ في المعيّة الخاصّة إثبات المعيّة من الطّرفين وفي المعيّة العامّة من ذاك الطّرف فقط فيلزمها الحرمان في عين الوجدان يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله (1) والعالم وإن كان ظلال الصّفات وعرض له الوجود والبقاء بتوسّط الصّفات ولكن محبّ حضرة الذّات تعالت وتقدّست بتوسّط المحبّة الذّاتيّة مع حضرة الذّات تعالت قد ترقّى من الصّفات الّتي هي أصوله بعروج لا كيفيّ واتّصل بأصل الاصول متجاوزا الاصول ولكنّ اتّصاله لا كيفيّ فلو لم يترقّ عن أصله فما تكون الفائدة في مجيئه يعني وجوده وما الحاجة إلى المحبّة فإنّه كان له اتّصال بأصله في جميع الاوقات وكان الوصل الظّلّيّ ميسّرا له دائما والامر هو جعل الأصل مرقاة كالظّلّ والتّرقّي بأجنحة المحبّة إلى ما فوقه وفهم هذا العروج ليس ممّا يحصل في حوصلة فهم كلّ أحد والتّرقّي عن نفسه تاركا لنفسه ليس ممّا يكون معقولا لأرباب النّظر والفكر بل الصّوفيّة أيضا يشرّف منهم بهذه الدولة واحد من ألوف وينكشف له سرّ هذا المعمّى. (شعر) هزار نكتهء باريك تر ز موئ اينجاست ... نه هر كه سر بتراشد قلندرى داند (فإن قيل) إنّ هذا السّير هل هو آفاقيّ او أنفسيّ (أجيب) أنّه ليس بآفاقيّ ولا أنفسيّ فإنّ المراد من الآفاق والأنفس الداخل والخارج وهذه المعاملة وراء الدخول والخروج وإن كانت محالا عند أرباب النّظر فإنّه إذا كان المطلوب أقدس من الدخول والخروج وتكون النّسبة معه أيضا منزّهة عن الدخول والخروج بالضّرورة وهذا السّير مع هذا الاشكال ومع هذه الدقّة معلوم ومتميّز عند اربابه ان كان من ارباب العلم كسير الدهليّ وأكره وكلّ منزل ممتاز عن منزل آخر. (تنبيه) إنّ العالم وإن كان ظلال الصّفات والصّفات ظلال حضرة الذّات ولكن للظّلّيّة درجات ومراتب كلّ منها حجاب للمطلوب " إنّ لله سبعين الف حجاب من نور وظلمة " وما لم تخترق الحجب بالتّمام لا يتخلّص من الظّلّيّة والمراد من خرق الحجاب هنا خرق شهوديّ وما ورد في آخر هذا الخبر من منع خرق جميع الحجب فالمراد منه خرق وجوديّ وهو ممتنع لانّه مستلزم لرفع الصّفات القديمة وهو محال ولكن إذا حصلت المعيّة الغير المتكيّفة فلها حكم الخرق الوجوديّ ومع الحجب كأنّه لا حجب فإنّ للمعيّة دقّة بحيث لا تطيق الحائل رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعليهم وعلى آله الطّاهرين أجمعين. PageV02P271 (27) المكتوب السّابع والعشرون إلى الملّا عليّ الكشميّ في بيان أنّ اللّائق بالعبد أن يخرج عن مراداته بالتّمام وأن يكون على مراده سبحانه وتعالى مع بيان المرض الذّاتيّ والعرضيّ ينبغي للعبد أن لا يكون له مراد ومطلوب غير مولاه عزّ وجلّ وغير مراده أصلا فلو لم يكن كذلك فهو مخرج رأسه عن ربقة العبوديّة وقدمه عن قيد الرّقّيّة والعبد إذا كان في أسر مرادات نفسه ومنخدعا بهواه وهوسه فهو عبد نفسه وفي طاعة الشّيطان اللّعين وتلك الدولة المذكورة مربوط حصولها بحصول الولاية الخاصّة المربوط حصولها بالفناء الاتمّ والبقاء الأكمل (فإن قيل) ربّما تظهر المرادات والمقتضيات من الكمّل أيضا ويحسّ تمنّيات حصول مطالب شتّى من الكبراء الاول وكان إمام الانبياء وسلطان الأولياء عليه وعليهم أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات يحبّ الماء البارد والحلوى وحرصه على هداية الأمّة مبيّن في القرآن المجيد فما يكون وجه بقاء أمثال هذه المقتضيات في هؤلاء الاكابر (أجيب) انّ بعض المقتضيات منشؤها الطّبيعة فما دامت نشأة الطّبيعة قائمة فتلك المقتضيات باقية فإنّ الطّبيعة مائلة إلى البرودة وقت الحرارة من غير اختيار وراغبة إلى الحرارة وقت البرودة بالاضطرار ومثل هذا الاقتضاء لا ينافي العبوديّة ولا هو سبب التّعلّق بالهوى والهوس فإنّ ضروريّات الطّبيعة خارجة من دائرة التّكليف وليست هي من هوى النّفس الأمّارة فإنّ ميلان النّفس إمّا إلى فضول المباح أو إلى المشتبه والمحرّم وما هو ضروريّ لا مدخل فيه للنّفس فظهر أنّ منشأ التّعلّق والتّعوّق هو الاشتغال بفضوليّات الأفعال وإن كانت من قسم المباح فإنّ لفضول المباح نسبة قرب الجوار بالمحرّم فلو رفع قدمه منه بإغواء العدوّ اللّعين ليضع في المحرّم بلا اختيار فكان الاقتصار على المباح ضروريّا فإنّه لو رفع القدم منه يوضع في فضول المباح بخلاف ما إذا أقام في فضول المباح اوّلا فإنّه لو وقع القدم خارجه ليقع في المحرّم كما مرّ آنفا. (وظهور) بعض المرادات ربّما يكون بسبب من خارج مع خلوص الشّخص في نفسه عن المرادات وهذا السّبب الخارج إمّا واعظ الرّحمن فيلقى الخيرات فإنّ لله سبحانه واعظا في قلب كلّ مؤمن أو الشّيطان فيلقى الشّرور والعداوة يَعِدُهُمْ ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلّا غُرُورًا (1) وهذا الفقير كان يوما بعد صلاة الصّبح قاعدا بطريق السّكوت كما هو شيمة أهل هذه الطّريقة العليّة أيّام إقامتي في القلعة فهجم على الخاطر تمنّيات لا طائل فيها وسلبت الحلاوة بهجومها ومنعت من الجمعيّة ثمّ رجعت الجمعيّة بعد لمحة بعناية الله سبحانه إلى حالها فرأيت أنّ تلك التّمنّيات خرجت من الخاطر وارتفعت كقطع السّحاب وخرجت من الباب مع ملقيها وخلّت البيت عنها فعلم في ذاك الوقت أنّ تلك المرادات إنّما ظهرت من PageV02P272 خارج لا من داخل حتّى تنافي العبوديّة (وبالجملة) أنّ كلّ فساد منشؤه النّفس الامّارة فهو مرض ذاتيّ وسمّ قاتل ومناف لمقام العبوديّة وكلّ فساد حصل من خارج ولو كان بالقاء الشّيطان فهو من الأمراض العارضيّة الزّائلة بأدنى العلاج قال الله تبارك وتعالى إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا (1) وبلاؤنا إنّما هو أنفسنا وعدوّ أرواحنا مصاحبنا السّوء والعدوّ الخارجيّ يستولى علينا بمدده إيّاه ويزيلنا عن منزلتنا بإعانته إليه وأشدّ الاشياء جهالة هو النّفس الامّارة فإنّها عدوّ نفسها ومريدة بالسّوء إيّاها وهمّتها إهلاك نفسها ومتمنّاها معصية ربّها الذي هو مولاها ووليّ نعمها وإطاعة الشّيطان الذي هو عدوّها (ينبغي أن يعلم) أنّ التّمييز بين المرض الذّاتيّ والعرضيّ ومعرفة الفساد الداخليّ والخارجيّ في غاية التّعذّر وربّما يظنّ النّاقص نفسه كاملا بزعم أنّ مرضه عارضيّ لا ذاتيّ فيبقى في الخسارة الابديّة ومن هذا الخوف لم أجترئ في تحرير هذا السّرّ ولم أستحسن إظهار هذا المعنى وكنت في هذا الاشتباه مدّة سبعة عشر سنة ووجدت الفساد الذّاتيّ مختلطا بالفساد العارضيّ وفي هذا الوقت ميّز الحقّ سبحانه الحقّ من الباطل وأبان الفساد الذّاتيّ من الفساد العارضيّ لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك وعلى جميع نعمائه وأحد اسباب إظهار أمثال هذه الأسرار وحكمة من حكمه الإشفاق على قاصر النّظر لئلّا يظنّ الكامل ناقصا بوجود أمثال هذه التمنّيات والمرادات الخارجيّة فيه فيحرم من بركاته وكان سبب حرمان الكفّار من دولة تصديق الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وجود أمثال هذه الصّفات فيهم فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا (2) وما قيل إنّ الحقّ سبحانه يجعل العارف بعد زوال المرادات والمقتضيات عنه صاحب إرادة واختيار فتفصيله يذكر ويحرّر بعناية الله تعالى في محلّ آخر وهذا الوقت لا يساعد ذلك والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (3) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات. (28) المكتوب الثامن والعشرون إلى الملّا صالح التّرك في بيان كيفيّة التّصديق عن أرواح الموتى الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وقع يوما في الخاطر أن أتصدّق عن أرواح بعض الاقارب الموتى فظهر في ذلك الاثناء أنّه قد حصل الفرح والسّرور لذلك الميّت المرحوم بمجرّد هذه النّيّة وظهر في النّظر فرحا ومسرورا ولمّا جاء وقت إعطاء تلك الصّدقة قصدت بها أوّلا روحانيّة خاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام كما كان ذلك عادتي ثمّ روحانيّة ذلك الميّت فأحسست في ذلك الميّت PageV02P273 في ذاك الوقت غمّا وحزنا وظهر بالوحشة والكدورة فحصل لى تعجّب تامّ من مشاهدة هذا الحال لانّه لم يظهر وجه تكدّره ووحشته مع أنّه كان محسوسا أنّه قد حصل له من تلك الصّدقة بركات عظيمة ولم يظهر فيه أثر فرح وسرور وكذلك نذرت يوما مبلغا لروحانيّته صلّى الله عليه وسلّم وأدخلت في ذلك النّذر سائر الانبياء الكرام على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام فلم يعلم مرضاه صلّى الله عليه وسلّم في ذلك الامر وكذلك إذا أشركت سائر الانبياء نبيّنا عليهم الصّلاة والسّلام في الصّلوات في بعض الاوقات لا يظهر رضاه صلّى الله عليه وسلّم مع أنّه قد علم أنّه إذا تصدّقت عن روحانيّة واحد وأشركت فيها جميع المؤمنين يصل ثوابها إلى الكلّ من غير أن ينقص شيء من ثواب الشّخص المنويّ عنه إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ (1) فما يكون وجه التّكدّر وعدم الرّضاء في ذلك التّقدير وبقي هذا الإشكال مدّة فظهر آخر الامر بفضل الله سبحانه أنّ وجه التّكدّر والحزن هو أنّ الصّدقة إذا تصدّق بها عن الميّت بلا شركة يحمل ذلك الميّت تلك الصّدقة من جانبه إلى ملازمة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بطريق الهديّة ويأخذ عنه صلّى الله عليه وسلّم فيوضا وبركات بوساطتها بخلاف ما إذا قصد صاحب الصّدقة بصدقته النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإنّه لا نفع حينئذ للميّت سوى الثواب ففي صورة الشّركة إن قبلت الصّدقة فللميّت ثواب تلك الصّدقة وفي عدم الشّركة إن قبلت ثواب الصّدقة وبركات إتحاف تلك الصّدقة وفيوض إهدائها له صلّى الله عليه وسلّم وهذا المعنى كائن في كلّ صدقة يشرك فيها الميّت بالغير فإنّ في صورة الشّركة درجة واحدة من الثواب وفي صورة عدم الشّركة درجتان درجة الصّدقة ودرجة حملها من عنده إلى ذلك الغير وكذلك صار معلوما أنّ غريبا إذا حمل تحفة وهديّة إلى واحد من الاكابر الافضل أن يحملها إليه من غير شركة احد به ولو كان طفيليّا والمهديّ إليه يعطيها من عنده من شاء من إخوانه وغيرهم والآل والاصحاب الذين هم بمثابة عياله عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات فلو جعلهم داخلا في هديّته صلّى الله عليه وسلّم يكون ذلك مرضيّا ومقبولا نعم من المعروف أنّ من أهدى هديّات إلى واحد من الاعزّة وأشرك به فيها أقرانه يكون ذلك بعيدا من الادب والتماس رضا المهديّ إليه بخلاف ما إذا أهدى إلى خدمته بتبعيّته فإنّ ذلك يكون مرضيّا لانّ إعزاز خدمة شخص إعزاز ذلك الشّخص فعلم أنّ أكثر رضاء الموتى في إفراد الصّدقة لا في الإشراك ولكن إذا قصد التّصدّق عن ميّت ينبغي أن يهدى أوّلا شيء بنيّة روحانيّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على حدة ثمّ يتصدّق عن الميّت فإنّ حقوقه صلّى الله عليه وسلّم فوق حقوق سائر الخلق وأيضا إنّ في هذا التّقدير احتمال كون الصّدقة مقبولة ببركة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهذا الفقير إذا عجز عن تصحيح النّيّة في بعض الصّدقات عن الموتى لا يجد علاجا أفضل من أن أتصدّق بها بنيّته صلّى الله عليه وسلّم وأجعل ذلك الميّت طفيليّا له فإنّه يرجى أنّ تقبل ببركته صلّى الله عليه وسلّم وقد قال العلماء: إنّ الصّلاة على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مقبولة ولو صدرت رياء وسمعة وهي واصلة PageV02P274 إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإن لم يحصل منها ثواب إلى المصلّي فإنّ حصول الثواب من الاعمال مربوط بتصحيح النّيّة وأمّا وصولها إلى النّبيّ الذي هو محبوب ربّ العالمين وكونها مقبولة في حقّه عليه الصّلاة والسّلام فتكفيه أدنى علّة وقوله تعالى وكانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيمًا (1) نازل في حقّه صلّى الله عليه وعلى آله وعلى جميع إخوانه الكرام من الانبياء والملائكة العظام إلى يوم القيام. (29) المكتوب التّاسع والعشرون إلى المير محبّ الله في بيان حصول فهم بعض الكلمات القدسيّة من الآيات القرآنيّة ولما ظهر سابقا تردّد في فهم بعض كلمات القرآن وعجزت عن تطبيقه لم أجد بعناية الله تعالى في دفع الوساوس علاجا أفضل من أن أقول لنفسي: إنّك تعترف بأنّ هذا النّظم القرآنيّ كلام الله عزّ وجلّ وتؤمن به أوّلا فلو لم تؤمن فأنت كافر وخارج عن المبحث فإن تؤمن فالقصور في فهمك لا في نظم القرآن الذي هو كلام خالق الارض والسّماوات ومبدع العقول والإدراكات ولمّا حصل الإيمان بفضل الله جلّ سلطانه بحقيقة كلام الله تعالى صارت تلك الوسوسة مضمحلّة ومتلاشية ونجوت من التّردّد وفي هذه الاوان بلغ الامر بفضل الله تعالى مبلغا إذا كان لي في محلّ من نظم القرآن مجال تردّد من قصور الإدراك صار ذلك المحلّ باعثا على ازدياد الإيمان بالقرآن وكان ذاك التّردّد واسطة لظهور الإعجاز في القرآن وصرت أتصوّر إغلاق ما فيه من شعب الإعجاز وأحمل الإشكال على كمال البلاغة والفصاحة الّتي البشر عاجز عن فهمها لكونها وراء الاختصار والإيجاز والإيمان الحاصل في عدم فهم القرآن ليس هو في فهمه فإنّ في عدم الفهم انكشاف طريق الإعجاز وهو مفقود في صورة الفهم سبحان الله إنّ عدم فهم القرآن يكون سببا لضلالة قوم وإنكارهم كلام الله تعالى ويصير لبعض آخر سببا لكمال الإيمان بالقرآن ويؤدّيهم إلى الهداية يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (2) والسّلام. PageV02P275 (30) المكتوب الثلاثون إلى المير محمّد نعمان في بيان العروج إلى مراتب الأصول ومراتب العبادات الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين: ومرتبة الإنسان في آخر الورى ... لذلك عن عزّ الحضور تأخّرا فلو لم يعد من بعده واغترابه ... فلا شيء محروم كأنس من الورى فإذا وقع له العروج بعناية الله تعالى إلى أصوله الّتي هو كالظّلّ لها يكون له في كلّ أصل من تلك الاصول فناء وبعده بقاء به وبهذا الفناء والبقاء يزول إطلاق لفظ أنا عن ذلك الظّلّ ويطلق على ذاك الاصل الذي كان فانيا فيه وباقيا به ويرى نفسه عين ذاك الاصل وكذلك إذا وقع له العروج بكرم الحقّ جلّ وعلا من ذاك الاصل يحصل لأصله الاوّل فناء وبقاء بالاصل الذي هو فوق ذاك الاصل وذاك الاصل كالظّلّ له يزول إطلاق أنا من الاصل الاوّل ويقع في الاصل الثاني ويجد نفسه عين ذلك الاصل الثاني وإذا وقع العروج من الاصل الثاني إلى الاصل الثالث يتقرّر إطلاق أنا على الاصل الثالث الذي الاصل الثاني ظلّه وهذه النّسبة كائنة في كلّ أصل تحتانيّ مع الاصل الفوقانيّ الذي الاصل التّحتانيّ كالظّلّ له يعني إذا وقع العروج بمحض فضل الله سبحانه من الظّلّ إلى الاصل يزول إطلاق أنا من ذلك الظّلّ ويقع على الاصل ويجد نفسه عين ذلك الاصل إلى ما شاء الله تعالى على تفاوت درجات الاستعداد وتصير تلك الاصول بتلك الكثرة والرّفعة أجزاءه وتجعل القطرة بحرا وتصير الذّرّة جبلا فإذا كانت هذه الاصول أجزاءه فلا جرم يكون من كمالاتها وبركاتها نصيب كامل له ويكون كماله جامعا لكمالات تلك الاجزاء فينبغي أن يعرف هنا فرق ما بين الإنسان الكامل وسائر أفراد الإنسان فإنّه بحر محيط وهؤلاء كقطراته المحقّرة فهؤلاء كيف يعرفونه وما يدركون من كماله ونعم ما قيل: إلهي ما هذا الذي جعلت أولياءك بحيث من عرفهم وجدك وما لم يجدك لم يعرفهم وكما أنّ بين الإنسان الكامل والإنسان النّاقص تفاوتا بقلّة الاجزاء وكثرتها بين طاعاتهما وحسناتهما أيضا تفاوت بقدرها إذا أعطي شخص مثلا مائة لسان فيذكر الحقّ سبحانه بكلّ لسان منها أيّ نسبة تكون له بمن أعطي لسانا واحدا يذكر الله تعالى به وينبغي أن يقيس الإيمان والمعرفة وسائر الكمالات على هذا المعنى رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الحمد لله ربّ العالمين أوّلا وآخرا والصّلاة والسّلام على رسوله دائما وسرمدا وعلى آله الكرام وصحبه العظام إلى يوم القيام. PageV02P276 (31) المكتوب الحادي والثلاثون إلى الملّا بدر الدين في تحقيق عالم الارواح وعالم المثال وعالم الاجساد الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. قد كتبتم أنّ الرّوح كان قبل تعلّقه بالبدن في عالم المثال ويذهب بعد مفارقته من البدن أيضا إلى عالم المثال فيكون عذاب القبر في عالم المثال كالم يحسّ به الإنسان في المنام في عالم المثال وكتبتم أنّ هذا الكلام له تشعّبات كثيرة فإن قبلتم نفرّع عليه فروعات كثيرة (اعلم) أنّ أمثال هذه الخيالات قليلة النّصيب من الصّدق نخاف من أن تدلّكم على طريق غير متعارف فلنكتب في تحقيق هذا المبحث كلمات بالضّرورة مع وجود الموانع والله سبحانه الهادي إلى سبيل الرّشاد (أيّها الاخ) إنّ عالم الممكنات منقسمة إلى ثلاثة أقسام عالم الارواح وعالم المثال وعالم الاجساد وقالوا: إنّ عالم المثال برزخ بين عالم الارواح وعالم الاجساد وقالوا أيضا: إنّ عالم المثال كالمرآة لمعاني العالمين المذكورين وحقائقهما وتظهر معاني عالم الارواح والاجساد في عالم المثال بصور لطيفة فإنّ لكلّ معنى وحقيقة هناك صورة وهيئة أخرى مناسبة لهما وذلك العالم ليس هو في حدّ ذاته متضمّنا للصّورة والهيئات والاشكال وإنّما ظهرت فيه الصّور والأشكال منعكسة من عوالم أخر كالمرآة الّتي ليست هي متضمّنة لصورة أصلا في حدّ ذاتها فإن كانت فيها صورة فهي حاصلة من خارج فإذا علم هذا الكلام فاعلم أنّ الرّوح كان قبل تعلّقه بالبدن في عالمه الذي هو فوق عالم المثال فإنّه تنزّل بعد التّعلّق بالبدن فنازل إلى عالم الاجسام بعلاقة حبّيّة لا شغل له بعالم المثال لا قبل التّعلّق ولا بعد التّعلّق وإنّما يطالع بعض أحواله بعناية الله تعالى في مرآة ذلك العالم في بعض الاوقات ويستعلم حسن أحواله وقبحها من هناك كما أنّ هذا المعنى واضح ولائح في صور الواقعات والمنامات وربّما يحسّ هذا المعنى من غير أن يغيب عن الحسّ وبعد المفارقة عن البدن فإن كان علويّا فمتوجّه إلى فوق وإن كان سفليّا فمأسور في السّفل لا شغل له بعالم المثال وعالم المثال إنّما هو للمشاهدة والرّؤية لا للكينونة فيه ومحلّ الكينونة إمّا عالم الارواح وإمّا عالم الاجساد وعالم المثال إنّما هو مرآة لهذين العالمين كما مرّ والالم الذي يرى في المنام في عالم المثال إنّما هو صورة العقوبة وشبحها الّتي استحقّها الرّائي ظهرت له للتّنبيه وعذاب القبر ليس من هذا القبيل فإنّه حقيقة العقوبة لا صورتها وشبحها وأيضا إنّ الألم الذي يحسّ في المنام لو كان له حقيقة فرضا فهو من قبيل الآلام الدنيويّة وعذاب القبر من جملة عذاب الآخرة شتّان ما بينهما فإنّ العذاب الدنيويّ لا مقدار له ولا اعتبار بالنّسبة إلى عذاب الآخرة - أعاذنا الله سبحانه - فلو وقعت في الدنيا شرارة من نار جهنّم لأحرقت الكلّ وجعلت متلاشيا وزعم عذاب القبر كعذاب المنام من عدم الاطّلاع على صورة العذاب وحقيقة العذاب وأيضا إنّ منشأ هذا الاشتباه هو توهّم مجانسة عذاب PageV02P277 الدنيا بعذاب الآخرة وهذا توهّم باطل بيّن البطلان (فإن قيل) قد يفهم من قوله تعالى الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها (1) إنّ توفّي الانفس كما هو في الموت كذلك هو في المنام أيضا فما وجه عدّ عذاب أحدهما من عذاب الدنيا وعذاب الآخر من عذاب الآخرة (أجيب) انّ التّوفّي في المنام من قبيل خروج شخص من وطنه المألوف بالشّوق والرّغبة للنّزاهة والنّظارة ليحصل له الفرح والسّرور فيرجع إلى وطنه فرحا مسرورا ومنتزهه عالم المثال الذي متضمّن لعجائب الملك والملكوت ولا كذلك التّوفّي حين الموت فإنّ فيه هدم الوطن المألوف وتخريب البناء المعمور ومن ههنا لا تحصل المحنة والكلفة في توفّي النّوم بل هو متضمّن للفرح والسّرور وفي توفّي الموت شدّة وكلفة فيكون وطن المتوفّي النّوميّ هو الدنيا وتكون المعاملة الّتي تظهر له من معاملات الدنيا والمتوفّي الموتيّ منتقل إلى الآخرة بعد تخريب وطنه المألوف وكانت المعاملة معه من معاملات الآخرة ولعلّكم سمعتم " من مات فقد قامت قيامته» (وإيّاكم) والانحراف عن اعتقادات اهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم اغترارا بالكشوف الخياليّة وظهور الصّور المثاليّة فإنّ النّجاة بدون متابعة هذه الفرقة النّاجية غير متصوّرة فعليكم بالاجتهاد في اتّباع هؤلاء الاكابر غاية الإمكان تاركين ما ينافيه كائنا ما كان ما عَلَى الرَّسُولِ إِلّاَ الْبَلاغُ (2) وقد أوردني انبساطكم في العبارة في توهّم أنّ هذه التّخيّلات تكاد تخرجكم من تقليد هؤلاء الاكابر وتجعلكم ممّن يتبع كشفيّات نفسه نعوذ بالله سبحانه منها ومن شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا الشّيطان عدوّ قويّ ينبغي للإنسان أن يكون واقفا على نفسه حتّى لا يخرج من الصّراط المستقيم إلى سكك أخر أيّ بلاء وقع لم تنجرّ مدّة المفارقة إلى سنة حتّى وقع الذّهول عن الاحتياط والتزام متابعة السّنّة وأهل السّنّة وحصر النّجاة في تقليد هؤلاء الاكابر الّتي كانت فيكم وجعلتم متخيّلاتكم مقتداكم وفرّعتم عليها فروعات كثيرة واحتمال ملاقاتنا يرى بحسب الظّاهر بعيدا جدّا فعليكم المعيشة والمعاملة بحيث لا ينقطع حبل الرّجاء رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (3) وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (4). (32) المكتوب الثاني والثلاثون إلى المقصود علي في بيان أنّ ما قيل إنّ كثرة الخطرات من أسباب الوصل إنّما هو على مقدار التّجلّي وفي تحقيق حقيقة الكثرة الوهميّة وما يناسب ذلك PageV02P278 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد كتبتم أنّ ساري طريق اشتكى إلى عالم طريق من هجوم الخطرات فقال حيث انّ إحاطة المطلوب وشموله بحكم " وهو بكلّ شيء محيط " معلوم ينبغي أن تعدّ الخطرة من أسباب الوصل لا من موجبات الفصل وأن يجعل أبواب المشاهدة مفتوحة وروزنة الغفلة مسدودة (هذا) الكلام صادق بحسب التّجلّي الصّوريّ الذي هو مقدّمة من مقدّمات هذا الطّريق فإن كان في هذا الموطن وصل فمع كونه في الحقيقة فصلا فهو باعتبار الصّورة وإن كانت مشاهدة ولو هي في الواقع مباعدة فهي أيضا بملاحظة الصّورة وهذا التّجلّي ساقط عن حيّز الاعتبار عند أكابر هذا الطّريق لانّه ليس بمفن لوجود السّالك والمحقّ والمبطل شريكان فيه فإنّ لجوكيّة الهند وفلاسفة اليونان خبرا عنه وهم محظوظون وملتذّون بعلومه ومعارفه غاية ما في الباب أنّ حصول هذه الدولة للمحقّ من طريق صفاء القلب وللمبطل من طريق صفاء النّفس فلا جرم أنّ ذاك يفضي إلى الهداية وهذا يجرّ إلى الضّلالة ولكن كلاهما في اسر الصّورة لا خبر لهما عن المعنى. (شعر) ما يعرف الغفلان عابد صورة ... حسن المقنع عن جميع مؤانس ولكن في المحقّ احتمال النّجاة من أسر الصّورة والمبطل منهمك في الصّورة فإنّ الخلاص من أسر الصّورة من غير التزام ملّة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام محال (وأيضا) إنّ التّجلّي الصّوريّ داخل في دائرة العلم ولكن لمّا طرح الحال والذّوق فيه الشّعاع يرى مثل الحال (وأيضا) إنّ المشهود في التّجلّي الصّوريّ الكثرة لكن بعنوان المظهريّة للوحدة وشهود الكثرة بأيّ عنوان كان وبال في وبال ينبغي أن لا يبقى في نظر الباطن اسم من الكثرة وشهودها ولا رسم ولا يكون المشهود غير الواحد الحقيقيّ أصلا حتّى يتيسّر الفناء الذي هو قدم أوّل في هذا الطّريق فإنّ الفناء عبارة عن نسيان ما سوى الحقّ سبحانه وزواله من الباطن فكيف يكون للكثرة مجال في ذلك الموطن وما يكون شهود الكثرة فيه (وما) قال القائل من أنّ الخطرة من أسباب الوصل وأبواب المشاهدة فالمراد بذاك الوصل والمشاهدة الوصل والمشاهدة الصّوريّان وهما عين المفارقة والمباعدة فإنّ الوصل المعتبر عند أكابر هذه الطّائفة العليّة إنّما هو في مقام البقاء بالله الذي يحصل بعد الفناء ونسيان جميع ما سواه تعالى ووجود الخطرة مناف لتلك الدولة وحصول الوسوسة مانع لتلك المنزلة وفي مقام الفناء الذي هو دهليز ذلك الوصل يكون انتفاء الخواطر على نوع لو كلّف بتذكّر الاشياء لا يتذكّر بواسطة نسيان السّوى الذي حصل له وقد كتبتم وهو على كلّ شيء محيط بيان الإحاطة ما جاء بهذه العبارة يشبه أن تكون هذه من كلام المولّدين فإنّ تعدية الإحاطة بكلمة " على " كثيرة الوقوع في كلام العجم والمتعارف في العبارة العربيّة الفصيحة تعدية الإحاطة بالباء قال الله تبارك وتعالى PageV02P279 وكانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (1) وقال تعالى إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (2) والظّاهر أنّ هذه العبّارة إنّما أوردت بطريق الاستشهاد بتخيّل أنّها من القرآن وليس كذلك فإنّ بيان هذا المعنى في الكلام المجيد بعبارة أخرى كما مرّ (وكتبتم) أيضا أنّ الكثرة الوهميّة والتّعدّد الاعتباريّ قد تراكمت على وجه وقع أكثر العلماء في الغلط بتوهّم تعدّد الوجود وقنعوا من اللّبّ بالقشر (اعلم) أنّ الكثرة والتّعدّد وإن كانت وهميّة واعتباريّة ولكن لمّا صدرت وظهرت بصنع الله جلّ سلطانه صارت متقنة ومستحكمة وكانت المعاملة الدنيويّة والاخرويّة مربوطة بها والآثار الخارجيّة مترتّبة عليها وارتفاعها ممنوع وإن ارتفع الوهم والاعتبار فإنّ العذاب والثواب الدائمين الاخرويين الذين أخبر عنهما المخبر الصّادق منوطان بالكثرة مربوطان بالتّعدّد والحكم بارتفاع الكثرة والتّعدّد دخول في الالحاد والزّندقة أعاذنا الله سبحانه من ذلك فالصّوفيّة العليّة والعلماء الكرام كلّهم قائلون بثبوت هذه الكثرة واستمرار هذا التّعدّد ويرون المعاملة الاخرويّة الدائميّة مربوطة بها ولكن لمّا كان من شأن هذه الكثرة الارتفاع من شهود الصّوفيّة وقت العروج يجدونها وهميّة واعتباريّة وحيث انّها لا ترتفع في نفس الامر وإن كانت مرتفعة من الشّهود يقول العلماء إنّها موجودة فنزاع الفريقين صار راجعا إلى اللّفظ بعد الاتّفاق في المعنى كلّ من الفريقين حكم بمقياس وجدانه فالصّوفيّة اعتبروا الشّهود وحكموا بالوهميّة والاعتباريّة بملاحظة الارتفاع الشّهوديّ وقال العلماء بوجودها بملاحظة ثبوتها واستقرارها في نفس الامر ولكلّ وجهة وقد بيّن هذا الفقير هذا المعنى في مكتوباته ورسائله بالتّفصيل وأرجع نزاع الفريقين إلى اللّفظ فإن بقي خفاء ينبغي أن يراجع فيها. نظر العلماء قريب من الصّواب لانّه مطابق لنفس الامر ونظر الصّوفيّة باعتبار السّكر وغلبة الحال الا ترى أنّ النّجوم مختفية في النّهار وثابتة في نفس الامر وإن كانت مستورة عن الشّهود فالحكم بثبوت النّجوم أقرب إلى الصّواب من الحكم بعدمها بملاحظة عدم شهودها ومقصود العلماء من القول بوجود الكثرة إبقاء الشّريعة الّتي مبناها على التّعدّد وإجراء وعد صاحب الشّريعة ووعيده فإنّه لا يتصوّر بدون الكثرة والصّوفيّة أيضا معترفون بهذا المعنى وإن أطبقوه على الشّريعة بالتّكلّف وما قاله العلماء صادق بلا تكلّف ومطابق بلا تمحّل لا غبار فيه أصلا ولا كدورة وإنّهم لا يثبتون وجودا مستقلّا مستبدّا حتّى يكون فيه مجال للكلام ويكون شركة بالواجب تعالى وإنّما يثبتون وجودا ضعيفا مفاضا ومستعارا من الغير كيف يجوز تخطئة العلماء فإنّهم أكابر الدين ونسبة الغلط إليهم غلط محض ومحض الغلط ونحن العاجزون المتعوّقون أخذنا الدين والشّريعة من العلماء واستفدنا المذهب والملّة من بركاتهم فلو كان فيهم مجال للطّعن لارتفع الاعتماد عن الشّريعة والملّة ولهذا قالوا: الطّاعن في السّلف ضالّ ومبتدع وعدوّا طعنه من أسباب التّضليل والتّشكيك في الدين وحكموا ببطلانه (وكتبتم) أيضا أنّهم قنعوا من اللّبّ بالقشر يشبه PageV02P280 أنّكم تخيّلتم الصّور لبّا والتّنزيه قشرا فإنّ دعوة العلماء ودلالتهم إلى التّنزيه ومشهود صاحب التّجلّي الصّوريّ ومطلوبه الصّور والاشكال ينبغي الإنصاف أيّهما متشبّث باللّبّ وأيّهما منخدع بالقشر وإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (1) رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (2) والسّلام أوّلا وآخرا. (33) المكتوب الثالث والثلاثون إلى الملّا شمس الدين في تحقيق كلام الشّيخ شرف الدين يحيى المنيريّ من أنّ السّالك ما لم يكفر ولم يقطع رأس أخيه ولم يتزوّج بأمّه لا يكون مسلما. عليكم بالاستقامة يا ملّا شمس قد سألتم أنّ شيخ المشايخ الشّيخ شرف الدين يحيى المنيريّ كتب في رسالته إرشاد السّالكين " إنّ السّالك ما لم يكفر لا يكون مسلما وما لم يقطع رأس أخيه لا يكون مسلما وما لم يتزوّج بأمّه لا يكون مسلما " فما المراد بهذه الكلمات (اعلم) أنّ المراد بالكفر كفر الطّريقة الذي هو عبارة عن مرتبة الجمع الذي هو موطن الاستتار ومقام عدم الامتياز بين حسن الإسلام وقبح الكفر بل كما يرى الإسلام مستحسنا يجد للكفر أيضا حسنا فيه ويجد كليهما مظهرا للاسم الهادي والاسم المضلّ وينال من كلّ منهما حظّا ويكون بهما مستلذّا وهذا هو ذلك الكفر الذي أخبر عنه حسين بن منصور الحلّاج وكان فيه ومات عليه وقال (شعر) كفرت بدين الله والكفر واجب ... لديّ وعند المسلمين قبيح والشّطحيّات مثل قول أنّا الحقّ وقول سبحاني وقول ليس في جبّتي سوى الله كلّها من اثمار شجرة الجمع الذي منشئوه استيلاء الحبّ وغلبة محبّة المحبوب الحقيقيّ لم يبق في نظر شهودهم غير المحبوب بل صار مختفيا ومستورا وهذا المقام مقام الجهل والحيرة أيضا ولكنّ جهل هذا المقام محمود وحيرته ممدوحة فإن وقع سير إلى أعلى من مقام الجمع بعناية الله سبحانه واجتمع العلم بالجهل واقترنت المعرفة بالحيرة وظهر الفرق والتّميّز وتبدّل السّكر بالصّحو فحينئذ يحصل الإسلام الحقيقيّ وتتيسّر حقيقة الإيمان وهذان الإسلام والإيمان محفوظان من الزّوال ومأمونان من طريان الكفر والاستبدال والمراد بما ورد في بعض الادعية المأثورة من قوله صلّى الله عليه وسلّم " اللهمّ إنّي أسالك إيمانا ليس بعده كفر " هو هذا الإيمان لانّه محفوظ عن الزّوال وقوله تعالى أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ الله لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ PageV02P281 يَحْزَنُونَ (1) بيان لعلامة حال أهل هذا الإيمان فإنّ الولاية لا تتصوّر بدون هذا الإيمان وإن كان يمكن إطلاق اسم الولاية في مرتبة الجمع أيضا ولكنّ النّقص والقصور لازم تلك المرتبة دائما فإنّ الكمال في الإيمان والمعرفة لا في الكفر والجهل أيّ كفر وأيّ جهل كان فصحّ ما قال الشّيخ فإنّه ما لم يتحقّق بكفر الطّريقة لا يشرّف بإسلام الحقيقة (وما) قال إنّه ما لم يقطع رأس أخيه لا يكون مسلما فالمراد من الاخ الشّيطان الذي يولد معه ويكون قرينه ويدلّه على الشّرّ والفساد دائما كما ورد في الحديث على قائله الصّلاة والسّلام " ما من ابن آدم إلّا ومعه قرين من الجنّ قالوا: ومعك يا رسول الله؟ قال: نعم ولكن أعانني الله عليه فأسلم " يعني من شرّه إن كان بصيغة المتكلّم أو فأسلم شيطاني إن كانت الرّواية بصيغة الماضي وهذه الرّواية الاخيرة مشهورة وقتل هذا القرين عبارة عن عدم الانقياد إليه واستحقاره واسترذاله. (فإن قيل) إنّ الإنسان مع وجود العقل والفراسة فيه لم يكن مغلوبا للشّيطان ويرتكب غير مرضاته تعالى. (أجيب) انّ الشّيطان فتنة وبلاء سلّطه الله سبحانه على عباده للابتلاء والامتحان وجعله مستورا عن نظرهم ولم يطلعهم على أحواله وجعله بصيرا بأحوالهم وأجراه مجرى الدم منهم والسّعيد من يكون محفوظا بعناية الله تعالى من كيد مثل هذا البلاء ومكره ومع ذلك ذكر الله سبحانه كيده في القرآن المجيد بالضّعف وجرّأ السّعداء وشجّعهم نعم إنّ حكم الشّيطان بهذا التّسلّط مع إعانة الله لعبده حكم الثعلب وبدون إمداد فضله أسد مفترس. (شعر) الا فأعطني قلبا ترى من جسارة ... الاسود وإن الفيتني قبل ثعلبا (والجواب الآخر) انّ الشّيطان ربّما يجيئ من طرق أهواء النّفس ويدلّه على المشتبهات فيجد النّصرة عليه بالضّرورة بإعانة النّفس الأمّارة الّتي هي عدوّ المنزل ويجعلها منقادة لنفسه وكيد الشّيطان ضعيف في حدّ ذاته وإنّما يفعل ما يفعل بإعانة من يؤوي العدوّ إليه وبلاؤنا في الحقيقة هو النّفس الامّارة الّتي هي عدوّة أرواحنا لا أحد عدوّ لنفسه الّا هذه الخسيسة والعدوّ الخارجيّ إنّما يصنع ما يصنع بإمدادها فينبغي أوّلا أن يقطع رأس النّفس وأن يمتنع عن الانقياد إليها والازدراء بها وإهانتها ورأس الاخ يقطع في ضمن هذا الجهاد ويصير حقيرا وذليلا وحجاب طريق السّالك وسدّه هو نفسه والاخ خارج عن المبحث فإنّه يدعو إلى الشّرّ من بعد ومن صراط مستقيم إلى سبل معوجّة ودفع العدوّ الخارجيّ بعد التّخلّص من انقياد النّفس متصوّر بإمداد الله تعالى بأسهل الوجوه إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ (2) بشارة للعباد الذين تخلّصوا من رقّيّة النّفس وأخلصوا العبادة للمعبود الحقيقيّ والله سبحانه الموفّق (وما قال) من أنّه ما لم تتزوّج بأمّه لا يكون مسلما (يمكن) أن يكون مراده بأمّه عينه الثابت الذي هو سبب ظهور PageV02P282 وجوده في الخارج وورد التّعبير عن العين الثابت بالامّ في اصطلاح هذه الطّائفة قال واحد من الاعزّة. (شعر) ولدت أمّي أباها ... إنّ ذا من عجبات أراد بالأمّ عينه الثابت وبأبيها اسما من الاسماء الإلهيّة الذي العين الثابت ظلّ ذلك الاسم وعكسه ولمّا كان ظهور ذلك الاسم في الخارج بتوسّط ذاك العين الثابت عبّر عن ذلك الظّهور بالولادة (وبالجملة) يقولون " الامّ " ويريدون به العين الثابت ويقال لهذا العين الثابت تعيّنا وجوبيّا فإنّ التّعيّنات عند هذه الطّائفة العليّة خمسة يقال لها التّنزّلات الخمسة والحضرات الخمس أيضا يثبتون منها في مرتبة الوجوب تعيّنين وثلاثة في مرتبة الإمكان والتّعيّنان الوجوبيّان هما تعيّن الوحدة وتعيّن الواحديّة وكلاهما في مرتبة العلم والفرق بالإجمال والتّفصيل العلميّين والتّعيّنات الثلاثة الإمكانيّة هي التّعيّن الرّوحيّ والتّعيّن المثاليّ والتّعيّن الجسديّ ولمّا كان العين الثابت في مرتبة الواحديّة يكون تعيّنه وجوبيّا بالضّرورة وحيث انّ حقيقة الممكن عينه الثابت الذي له وجه إلى التّعيّن الوجوبيّ وذلك الممكن كالظّلّ له فيكون أمّ ذلك الممكن من عالم الوجوب الذي أظهرته في عالم الإمكان والتّزوّج بالامّ بمعنى أنّ تعيّن الممكن الإمكانيّ يتّحد مع تعيّنه الوجوبيّ. (شعر) لو نفض الممكن أغبرة الإم? ... كان لا يبقى سوى واجب يعني يكون تعيّنه الإمكانيّ مختفيا عن نظره ويطلق لفظ " أنا " على التّعيّن الوجوبيّ لا بمعنى أنّ التّعيّن الإمكانيّ يتّحد بالتّعيّن الوجوبيّ في نفس الامر فإنّه محال والقول به مستلزم للالحاد والزّندقة لانّ المعاملة هنا بحسب الشّهود فإن كان زوال تعيّن فباعتبار الشّهود وإن اتّحاد فبالشّهود أيضا. (شعر) وهذا لا يصير قطّ ذاكا ... وذاكم لا يصير قطّ هذا فإذا وجد السّالك تعيّنه متّحدا بذاك التّعيّن صار مستحقّا لأن يتخلّص عن التّلوّثات الإمكانيّة وأن يشرّف بدولة الإسلام والانقياد لمرتبة الوجوب (ينبغي أن يعلم) أنّ التّنزّلات الخمسة الّتي قال بها الصّوفيّة مجرّد اعتبارات في الوجود وتتعلّق بالكشف والشّهود لا أنّه في الحقيقة تنزّل هناك وتغيّر وتبدّل فسبحان من لا يتغيّر بذاته ولا بصفاته ولا في أسمائه بحدوث الاكوان وربّما يورد الصّوفيّة على السنتهم أشياء على قدر وجدانهم الذي متضمّن للسّكر وغلبة الحال فلا ينبغي حملها على الظّاهر بل ينبغي ان يصرفها عن الظّاهر إلى التّأويل والتّوجيه فانّ كلام السّكارى يحمل ويصرف عن الظّاهر والله سبحانه أعلم بحقائق الامور كلّها ولمّا نقلت هذه الكلمات الموجبة للقلق والاضطراب عن شخص عظيم كتبنا في حلّها أشياء بالضّرورة وإلّا فهذا الفقير لا يلتفت إلى أمثال هذه الكلمات المشعرة بالمخالفة ولا يحرّك شفتيه بالرّدّ والقبول رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ PageV02P283 الْكافِرِينَ (1) الحمد لله ربّ العالمين أوّلا وآخرا والصّلاة والسّلام على رسوله دائما وسرمدا وعلى آله الكرام وصحبه العظام إلى يوم القيام. (34) المكتوب الرّابع والثلاثون إلى والدة المير محمّد أمين في النّصيحة النّصيحة الّتي أنصح بها هي تصحيح العقائد أوّلا بموجب آراء أهل السّنّة والجماعة الذين هم الفرقة النّاجية شكر الله تعالى سعيهم والعمل بمقتضى الاحكام الفقهيّة بعد تصحيح الاعتقاد أيضا ضروريّ لا بدّ من امتثال ما نحن مأمورون به ولا مهرب من الانتهاء والاجتناب عمّا نحن منهيّون عنه ينبغي أداء الصّلوات الخمس من غير كسل ولا فتور مع رعاية الشّرائط وتعديل الاركان ولا بدّ من أداء الزّكاة أيضا على تقدير حصول النّصاب وعند الإمام الاعظم رضي الله عنه تجب الزّكاة في حليّ النّساء أيضا ولا ينبغي صرف الاوقات في اللهو واللّعب وإتلاف العمر فيما لا يعني فضلا عن صرفها في أمور منهيّ عنها وإيّاكم والرّغبة في الغناء والنّغمة والانخداع بالالتذاذ بها فإنّها سمّ مطلىّ بالعسل وعليكم بالاجتناب عن الغيبة والنّميمة بين النّاس فإنّه قد ورد في ارتكاب هاتين الذّميمتين وعيد شديد والاجتناب عن الكذب والبهتان أيضا ضروريّ وهاتان الرّذيلتان حرامان في جميع الاديان ومرتكبهما موعود عليه بوعيدات كثيرة وستر عيوب الخلق وذنوب الخلائق والعفو والتّجاوز عن زلّاتهم من عزائم الامور وينبغي الشّفقة والمرحمة على المماليك والاتباع والإغماض عن تقصيراتهم دون أن يؤاخذهم بها وضرب هؤلاء المساكين بوجه وبلا وجه وشتمهم وإيذاؤهم غير مناسب وغير ملائم ينبغي للإنسان أن ينظر إلى تقصيراته الواقعة في كلّ ساعة بالنّسبة إلى جناب قدسه تعالى وهو تعالى لا يعجّل في المؤاخذة عليها ولا يمنع الرّزق بسببها وبعد تصحيح الاعتقاد وإتيان الاحكام الفقهيّة ينبغي استغراق الاوقات بذكر الله تعالى على نهج أخذتموه وكلّ ما ينافيه ينبغي أن يجتنب عنه. (شعر) كلّ شيء غير ذكر الله لو ... أكل قند فهو سمّ قاتل وقد قيل في الحضور أيضا: إنّه كلّما يحتاط في الامور الشّرعيّة يزيد في المشغوليّة وإذا وقعت المساهلة في الاحكام الشّرعيّة يزول الحلاوة والالتذاذ بالمشغوليّة وما أكتب زيادة على ذلك والله سبحانه أعلم. PageV02P284 (35) المكتوب الخامس والثلاثون إلى الميرزا منوجهر في التّعزية والنّصيحة واغتنام الشّباب أدام الله سبحانه وتعالى جمعيّة ذاك السّعيد والمحتشم وطيّب أوقاته وتلافى في حقّه حزن ما مضى وفات بأحسن الوجوه وأفاض عليه من إنعاماته (أيّها الولد) انّ زمان عنفوان الشّباب كما هو اوان الهوى والهوس كذلك هو زمان تحصيل العلم واكتساب العمل أيضا والعمل الذي يوجد في هذه الاوان بمقتضى الشّريعة الغرّاء مع وجود استيلاء الموانع الشّهوانيّة والاغراض النّفسانيّة له أضعاف مزيّة واعتبار واعتداد على العمل الذي يقع في غير هذه الاوان فإنّ وجود المانع الذي هو باعث على المشقّة والمحنة رفع شأنه إلى السّماء وعدم المانع الذي هو مستلزم لعدم الكدّ والعنا طرح معاملته إلى الارض ومن ههنا كان خواصّ البشر أفضل من خواصّ الملائكة فإنّ طاعة البشر مقرونة بالموانع وعبادة الملك بلا مزاحمة الموانع الا ترى أنّ وقت اعتبار العساكر إنّما يكون في أوان استيلاء الاعداء الذين هم موانع الدولة ويكون لحركتهم اليسيرة في ذلك الوقت أضعاف مزيّة واعتبار على حركتهم الكثيرة في غير هذا الوقت ومعلوم أنّ الهوى والهوس مرضىّ أعداء الله تعالى النّفس والشّيطان والعلم والعمل بمقتضى الشّريعة الغرّاء مرضىّ حضرة الرّحمن جلّ سلطانه وإرضاء أعداء المولى وإسخاط المولى الذي هو مولى النّعم بعيد عن الفطانة والذّكاوة والله سبحانه الموفّق. (36) المكتوب السّادس والثلاثون إلى جناب المير محمّد نعمان في رفع شبهات منكري عذاب القبر الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ لجماعة تردّدا في عذاب القبر الذي ثبت بأحاديث مشهورة صحيحة بل بآيات قرآنيّة بل يكادون ينكرونه ويجزمون باستحالته ومقتداهم في هذا الاشتباه إحساس أحوال الموتى الغير المدفونة من الاستدامة على نهج واحد الّتي هي منافية للتّعذيب والإيلام الذي من لوازمه التّذبذب والاضطراب والجواب في حلّ هذا الإشكال هو أنّ حياة عالم البرزخ الذي هو موطن القبر ليست من قبيل الحياة الدنيويّة الّتي الحركة الإراديّة والإحساس كلاهما من لوازمها فإنّ انتظام هذه النّشأة مربوط بهذين الامرين وفي حياة البرزخ لا حاجة إلى حركة أصلا بل هي منافية لتلك النّشأة البرزخيّة والإحساس فقط كاف هناك لوجدان الم العذاب فحياة البرزخ كأنّها نصف الحياة الدنيويّة وتعلّق الرّوح هناك بالبدن نصف التّعلّق به في النّشأة الدنيويّة فالاموات الغير المدفونة يحسّون الم العذاب بحياة برزخيّة ولا يوجد منهم شيء من الحركة والاضطراب بتلك الحياة أصلا وما أخبر عنه PageV02P285 المخبر الصّادق عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات يكون صادقا (أو نقول) حسما لمادّة هذا الإشكال وأمثاله: إنّ طور النّبوّة وراء طور العقل والفكر والامور الّتي العقل قاصر في إدراكها تثبت بطور النّبوّة فإن كان العقل كافيا فلأيّ شيء يكون بعثة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام ولأيّ شيء يكون العذاب الاخرويّ مربوطا ببعثتهم قال الله تبارك وتعالى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1) العقل وإن كان حجّة ولكنّه ليس بحجّة بالغة كاملة والحجّة البالغة إنّما تحقّقت ببعثة الانبياء عليهم السّلام وبها انقطعت السنة أعذار المكلّفين قال الله تبارك وتعالى رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ الله عَزِيزًا حَكِيمًا (2) فإذا ثبت للعقل قصور في إدراك بعض الامور فوزن جميع الاحكام الشّرعيّة بميزان العقل لا يكون مستحسنا والتزام تطبيقها على العقل حكم في الحقيقة باستقلال العقل وإنكار بطور النّبوّة أعاذنا الله سبحانه من ذلك ينبغي أوّلا فكر الإيمان برسول الله وتصديق رسالته صلّى الله عليه وسلّم حتّى يصدّق في جميع الاحكام وبوساطته يتيسّر الخلاص من ظلمات الشّكوك والشّبهات ينبغي أن يتعقّل الاصل حتّى يتعلّق الفرع بعد ذلك ويعلم من غير تكلّف وتعقّل كلّ فرع بلا إثبات أصل متعسّر جدّا وأقرب طرق الوصول إلى ذلك التّصديق وحصول اطمئنان القلب بذكر الله جلّ سلطانه قال الله تبارك وتعالى أَلا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (3) اَلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وحُسْنُ مَآبٍ (4) والوصول إلى هذا المطلب العالي من طريق النّظر والاستدلال بعيد جدّا. (شعر) أقدام أهل نظر من خزف ... وما الذي تمكينه يا لهفى ينبغي أن يعلم: أنّ مقلّدي الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام بعد إثبات نبوّتهم وبعد تصديق رسالتهم من المستدلّين وتقليدهم إيّاهم وتصديق كلامهم ح عين الاستدلال مثلا إذا أثبت شخص أصلا من الاصول باستدلال فجميع الفروع الّتي تنشأ وتتشعّب من هذا الاصل تكون مستندة إلى الاستدلال وباستدلال الاصل يكون مستدلّا في جميع فروعه الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ (5) وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (6). (37) المكتوب السّابع والثلاثون إلى مولانا محمّد طاهر البدخشيّ في بيان أنّ: «كلّ ما يصدر عن الجميل المطلق فهو جميل مطلقا» PageV02P286 الحمد لله ربّ العالمين دائما وعلى كلّ حال إيّاكم والتّوحّش والتّضجّر من سماع الاخبار الموحشة فإنّ كلّ ما يصدر عن الجميل المطلق يكون حسنا ومليحا وإن كان ظهوره بصورة الجلال ولكنّه في الحقيقة من الجمال لا تحملنّ هذا الكلام على التّقوّل ولا تصرفنّه إلى الفتوّة بل له تمام الحقيقة وكمال اللّبّ لا يصحّ بالتّكلّم والكتابة فإن تيسّرت الملاقاة في الدنيا فبها وإلّا فمعاملة الآخرة قريبة وبشارة " المرء مع من أحبّ " مورّثة التّسلّي للمهجورين ووصلت الصّحيفة الشّريفة المرسلة مع الدرويش محمّد علي الكشميريّ وإطّلعنا على ما كتبتم وكتبنا في جوابه ما يسعه الوقت ليكن الاولاد والاحباب على جمعيّة ثابتين في مكانهم راضين بقضاء الله تعالى. (38) المكتوب الثامن والثلاثون إلى الملّا إبراهيم في جواب سؤاله عن معنى حديث «ستفترق أمّتي» الحديث ودرجة أرباب الفقر ينبغي أن يعلم: أنّ المراد من قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " كلّهم في النّار إلّا واحدة " الواقع في حديث «ستفترق أمّتي إلى اثنين وسبعين فرقة " دخولهم في النّار ومكثهم في عذابها مدّة لا خلودهم في النّار ودوامهم في عذابها فإنّ ذلك مناف للإيمان ومخصوص بالكفّار غاية ما في الباب أنّه لمّا كان الباعث على دخولهم في النّار معتقداتهم السّوء يدخل كلّهم فيها بالضّرورة ويعذّبون على مقدار خبث اعتقادهم بخلاف الفرقة الواحدة المستثناة فانّ اعتقادهم موجب للنّجاة من عذاب النّار سبب لفلاحهم ولكن اذا ارتكب بعض منهم الأعمال السّيّئة ولم يعف عنه بالتّوبة أو الشّفاعة يجوز أن يعذّب بالنّار بقدر ذنبه ويتحقّق الدخول في النّار في حقّه فدخول النّار في سائر الفرق شامل لجميع الأفراد وإن انتفى الخلود وفي حقّ الفرقة النّاجية مخصوص ببعض مرتكب المعصية وفي كلمة " كلّهم " رمز إلى هذا البيان كما لا يخفى وحيث انّ هذه الفرق المبتدعة من أهل القبلة لا ينبغي الجراءة في تكفيرهم ما لم ينكروا لضّروريّات الدين ولم يردّوا ما ثبت من الاحكام الشّرعيّة بالتّواتر وقبلوا ما علم مجيئة من الدين بالضّرورة قال العلماء: لو وجد في مسالة تسعة وتسعون وجها توجب التّكفير ووجه واحد ينفيه ينبغي تصحيح هذا الوجه وأن لا يحكم بالكفر والله سبحانه أعلم وكلمته أحكم (وأيضا ينبغي أن يعلم) أن المراد من نصف اليوم الذي يدخل فقراء هذه الامّة قبل الاغنياء بتلك المدّة في الجنّة هو خمسمائة سنة من سني الدنيا فإنّ اليوم عند الله تعالى الف سنة وإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ (1) شاهد PageV02P287 لهذا المعنى وكيفيّة تقدير تلك المدّة مفوّضة إلى علم الله جلّ شأنه من غير أن يكون هناك ليل ولا نهار ولا سنة ولا قمر متغارفة والمراد من الفقير الفقير الصّابر الذي هو ملتزم لإتيان الاحكام الشّرعيّة ومجتنب عن المنهيّات الشّرعيّة وللفقراء درجات ومراتب بعضها فوق بعض وأعلى مراتبه إنّما يتصوّر في مقام الفناء الذي يكون فيه غير الحقّ سبحانه مضمحلّا ومتلاشيا ومنسيّا ومن هو جامع لجميع مراتب الفقير أفضل ممّن يتحقّق ببعضها دون بعض فمن فيه فقر ظاهر مع وجود الفناء أفضل ممّن له الفناء فقط دون الفقر الظّاهر فافهم. (39) المكتوب التّاسع والثلاثون إلى الخواجه حسام الدين أحمد في جواب مشاورته لسفر الحجّ مع توابعه الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد: انّ أحوال فقراء هذه الحدود وأوضاعهم مستوجبة للحمد المسئول من الله سبحانه سلامتكم وعافيتكم وقد تشرّفت بمطالعة الصّحيفة الشّريفة المرسلة باسم هذا الفقير على وجه الشّفقة والمرحمة وقد اظهرتم اشتياق التّوطّن في أحد الحرمين الشّريفين مع الاهل والعيال والموت فيه (أيّها المخدوم المكرّم) إنّ ذهاب الاهل والعيال لا يظهر في النّظر بل يكاد يفهم المنع وذهابكم وحدكم يظهر في النّظر مستحسنا ونرجو وصولكم بالسّلامة والامر إلى الله سبحانه (وكتبتم) أيضا في مادّة السّيّد أنّ الاطبّاء حاكمون بضرره (أيّها المشفق) إنّه كلّما يمعن النّظر لا يشاهد فيه الضّرر بيد أنّه يحسّ ظلمة غير ظلمه الضّرر ولم ندر ما وجهها (وبالجملة) انّ ضرر الاطبّاء مفقود والله سبحانه أعلم والسّلام. (40) المكتوب الاربعون إلى مولانا محمّد صادق الكشميريّ في بيان علم اليقين الحاصل للصّوفيّة وعلم اليقين الكائن لأرباب المعقول الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ علم اليقين عبارة عند الصّوفيّة عن يقين حاصل من الاستدلال بالاثر على المؤثّر وهذا المعنى ميسّر لأهل النّظر والاستدلال فما يكون الفرق بين علم اليقين المخصوص بالصّوفيّة وعلم اليقين الحاصل لأرباب المعقول ولم يكون علم اليقين المختصّ بالصّوفيّة داخلا في الكشف والشّهود ولا يكون ما للعلماء خارجا عن مضيق النّظر والفكر (ينبغي أن يعلم) أنّ شهود الاثر لازم في علم كلتا الطّائفتين حتّى ينتقل منه إلى المؤثّر الذي هو غير مشهود غاية ما PageV02P288 في الباب أنّه لمّا كان بين الاثر والمؤثّر ارتباط كان ذلك سببا للانتقال من وجود الاثر إلى وجود المؤثّر وذلك الارتباط أيضا مكشوف ومشهود في علم اليقين المختصّ بالصّوفيّة دون ما للعلماء فإنّه نظريّ وفكريّ فيه فيكون الانتقال أيضا نظريّا وفكريّا بالضّرورة فيكون يقين الطّائفة الاولى داخلا في الكشف والشّهود دون يقين الطّائفة الثانية فإنّه لا يكون خارجا من مضيق الاستدلال وإطلاق الاستدلال على يقين الصّوفيّة مبنيّ على الظّاهر والصّورة لكونه متضمّنا للانتقال من الاثر إلى المؤثّر وإلّا ففي الحقيقة داخل في الكشف والشّهود بخلاف يقين العلماء فإنّ فيه حقيقة الاستدلال ولمّا كان هذا الفرق الدقيق مخفيّا على الاكثرين بقوا في مرتبة الحيرة بالضّرورة وأطال جماعة منهم من قصوره لسان الاعتراض على بعض الاعزّة الذي فسّر علم اليقين المختصّ بالصّوفيّة بالاستدلال من الاثر إلى المؤثّر كلّ ذلك لعدم الاطّلاع على حقيقة الامر والله يحقّ الحقّ وهو يهدي السّبيل والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1). (41) المكتوب الحادي والاربعون إلى واحدة من النّساء الصّالحات في النّصائح الضّروريّة لطائفة النّساء قال الله تبارك وتعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِالله شَيْئًا (2) الآية " نزلت هذه الآية يوم فتح مكّة ولمّا فرغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من بيعة الرّجال شرع في بيعة النّساء " وكانت بيعة النّساء بمجرّد القول لم تمسّ يد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يد النّساء البايعات أصلا ولمّا كانت الذّمايم والاخلاق الرّديّة في النّساء أكثر منها في الرّجال بيّن في بيعة النّساء شرائط زائدة على ما في بيعة الرّجال ونهى النّساء عن تلك الذّمايم في ذلك الوقت لامتثال أمر الله تعالى الشّرط الاوّل عدم اشراك شيء بالله تعالى لا في وجوب الوجود ولا في استحقاق العبادة ومن لم يكن عمله مبرّأ عن شائبة الرّياء والسّمعة ومظنّة طلب الاجر من غير الله تعالى ولو بالقول والذّكر الجميل فليس هو بخارج من دائرة الشّرك ولا هو موحّد مخلص قال عليه وعلى آله وصحبه الصّلاة والسّلام " الشّرك في أمّتي أخفى من دبيب النّملة الّتي تدبّ في ليلة ظلماء على صخرة سوداء» (شعر) لاف بي شركى مزن كان از نشان ?ائى مور ... در شب تاريك بر سنك سياه نازكتر است وقال عليه الصّلاة والسّلام «واتّقوا الشّرك الاصغر قالوا: ما الشّرك الاصغر؟ قال: الرّياء " ولتعظيم مراسم الشّرك ومواسم الكفر كلّها قدم راسخ في الشّرك والمصدّق للدّينين من أهل الشّرك والمتشبّث PageV02P289 بمجموع أحكام الإسلام والكفر مشرك والتّبرّي من الكفر شرط الإسلام والاجتناب عن شائبة الشّرك توحيد واستمداد من الاصنام والطّاغوت في دفع الامراض والاسقام كما هو شائع فيما بين جهلة أهل الإسلام عين الشّرك والضّلالة وطلب الحوائج من الاحجار المنحوتة نفس الكفر وإنكار على واجب الوجود تعالى وتقدّس قال الله تبارك وتعالى شكاية عن حال بعض أهل الضّلال يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا (1) (وأكثر النّساء) مبتليات بهذا الاستمداد الممنوع عنه بواسطة كمال الجهل فيهنّ يطلبن دفع البليّة من هذه الاسماء الخالية عن المسمّيات ومفتونات بأداء مراسم الشّرك وأهل الشّرك خصوصا وقت عروض مرض الجدريّ المعروف فيما بين نساء الهنود بالسّتيلة فإنّ ذلك الفعل مشهود ومحسوس من خيارهنّ وشرارهنّ في ذلك الوقت بحيث لا تكاد توجد امرأة خالية من دقائق هذا الشّرك وتاركة للإقدام عليه برسم من رسومه إلّا من عصمها الله تعالى وتعظيم الايّام المعظّمة عند الهنود وأداء رسوم الايّام المتعارفة عند اليهود مستلزم للشّرك ومستوجب للكفر كما أنّ جهلة أهل الإسلام خصوصا طائفة نسائهم يؤدّون رسوم أهل الكفر في أيّام دوالي الكفّار ويجعلونها عيدهم ويرسلون إلى بيوت بناتهم وإخوانهم هدايا كهدايا أهل الشّرك ويصبغون في ذلك الموسم ظروفهم مثل الكفّار ويملئونها بالارزّ الاحمر ثمّ يرسلونها هدايا ويعتنون بهذا الموسم كمال الاعتناء وكلّ ذلك شرك وكفر بدين الإسلام قال الله تبارك وتعالى وما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلّا وهُمْ مُشْرِكُونَ (2) وما يفعلونه من ذبح الحيوانات المنذورة للمشائخ عند قبور المشائخ المنذورة لهم جعله الفقهاء أيضا في الرّوايات الفقهيّة داخلا في الشّرك وبالغوا في هذا الباب والحقوه بجنس ذبائح الجنّ الممنوع عنها شرعا والداخل في دائرة الشّرك فينبغي الاجتناب عن هذا العمل أيضا لكون شائبة الشّرك فيه فإنّ وجوه النّذر غير ذلك كثيرة فلأيّ شيء يرتكب ذبح الحيوان ويجعل ملحقا بذبائح الجنّ ويتشبّه به بعبدة الجنّ ومثل ذلك صيام نساء بنيّة المشايخ وبلا بيان وينحتن أكثر أساميهم من عند أنفسهنّ ويصمن بنيّتهم ويعيّنّ لكلّ إفطار يوم وضعا مخصوصا ويعيّنّ الايّام أيضا للصّيام ويجعلن مطالبهنّ ومقاصدهنّ مربوطة بتلك الصّيام ويطلبن حوائجهنّ منهم بواسطة تلك الصّيام ويزعمن قضاء حوائجهنّ منهم وذلك الفعل إشراك للغير في عبادة الله تعالى وطلب لقضاء الحوائج عن الغير بواسطة العبادة إليه (ينبغي أن يعلم) شناعة هذا الفعل وقد ورد في الحديث القدسيّ قال الله تعالى: «الصّوم لى وأنا أجزي به " يعني أنّ الصّوم مخصوص بي لا شركة للغير بي في الصّوم وإن لم يجز إشراك أحد به تعالى في جميع العبادات ولكنّ تخصيص الصّوم للاهتمام به والتّأكيد في نفي الشّركة عنه وقول بعض النّساء وقت إظهار شناعة هذا الفعل نحن نصوم هذه الصّيام لله تعالى وإنّما نهدي ثوابها لأرواح المشائخ حيلة منهنّ فإن كنّ صادقات في PageV02P290 ذلك فلأيّ شيء يحتاج إلى تعيين الايّام للصّيام وتخصيص الطّعام وتعيين أوضاع شنيعة مختلفة في الإفطار وكثيرا ما يرتكبن المحرّمات وقت الإفطار ويفطرن بشيء حرام ويسألن شيئا من غير حاجة ويفطرن به ويزعمن قضاء حوائجهنّ مخصوصا بارتكاب هذا المحرّم وهذا عين الضّلالة وتسويل الشّيطان اللّعين والله العاصم (والشّرط) الثاني المذكور في بيعة النّساء: النّهي عن السّرقة وهي من كبائر السّيّئات وحيث كانت هذه الذّميمة متحقّقة في أكثر أفراد النّساء حتّى لا تكاد توجد امرأة خالية عنها جعل النّهي من شرائط بيعتهنّ واللّاتي يتصرّفن في أموال أزواجهنّ من غير إذنهم ويتلفنها بلا تحاش داخلات في جملة السّارقات وهذا المعنى يمكن أن نقول إنّه ثابت في عموم النّساء وهذه الخيانة تكاد توجد في جميع أفرادهنّ إلّا من عصمها الله سبحانه وليتهنّ يعددن ذلك سيّئة وخيانة وخوف استحلال هذه السّيّئة غالب في حقّهنّ وخوف الكفر من جهة هذا الاستحلال أزيد في شأنهنّ والحكيم المطلق جلّ شأنه نهى النّساء عن السّرقة بعد النّهي عن الشّرك بعلاقة أنّ لهذه الذّميمة قدما راسخا في الكفر في حقّهنّ وذلك بواسطة شيوع استحلالهنّ إيّاها وإنّها انكر من سائر كبائر السّيّئات في حقّهنّ فإذا حصل للنّساء بواسطة تكرّر أخذ أموال أزواجهنّ ملكة الخيانة وزال قبح التّصرّف في أموال الغير عن نظرهنّ لا يبعد أن يتعدّى تصرّفهنّ في أموال غير أزواجهنّ فيسرقن أموال الغير ويخنّ فيها بلا تحاش يكاد يكون هذا المعنى واضحا بأدنى تأمّل فتحقّق أنّ نهي النّساء عن السّرقة من أهمّ مهمّات الإسلام وتعيّن كون قبحها بعد قبح الشّرك بالنّسبة إليهنّ (تذييل) قال نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم يوما للأصحاب: «أتدرون ما أسوأ السّرقة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: إنّ أسوأ السّرقة من يسرق من صلاته " يعني لا يكمل أركان صلاته ولا يؤدّيها على وجه الكمال والاجتناب عن هذه السّرقة أيضا ضروريّ حتّى يكون من أسوأ السّارقين فينبغي أن ينوي الصّلاة بحضور القلب فإنّ العمل لا يصحّ بدون حصول النّيّة وأن يقرأ القراءة صحيحة وأداء الرّكوع والسّجود والقومة والجلسة بالاطمئنان يعني ينبغي أن يقوم بعد الرّكوع قياما كاملا وأن يسكن فيها مقدار تسبيحة وأن يجلس بين السّجدتين مقدار تسبيحة أيضا حتّى يتيسّر الاطمئنان في القومة والجلسة فمن لم يفعل كذلك فقد أدخل نفسه في زمرة السّارقين وصار موردا للوعيد (والشّرط الثالث) المنصوص في بيعة النّساء: النّهي عن الزّنا وتخصيص بيعة النّساء بهذا الشّرط بواسطة أنّ حصول الزّنا إنّما يكون في الاغلب بتوسّط حصول رضاء النّساء بهذا العمل وعرض أنفسهنّ على الرّجال فتكون النّساء أسبق فيه ويكون رضاهنّ معتبرا في حصوله فيكون النّهي عنه آكد في حقّهنّ ويكون الرّجال تابعين للنّساء فيه ومن هنا قدّم الحقّ سبحانه الزّانية على الزّاني في كتابه المجيد وقال تعالى الزّانِيَةُ والزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (1) وهذه الذّميمة موجبة لخسارة الدنيا والآخرة ومستقبحة في جميع الاديان ومستنكرة روى أبو حذيفة رضي الله عنه عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال " أيّها النّاس اتّقوا من الزّنا فإنّ فيه ستّة PageV02P291 خصال ثلاثة منها في الدنيا وثلاثة في الآخرة فأمّا الّتي في الدنيا الاولى أنّ الزّنا يذهب بهاء الإنسان ونورانيّته وصفاءه والثانية أنّه يورّث الفقر والثالثة أنّه يورّث النّقصان في العمر وأمّا الّتي في الآخرة فأحدها سخط الله وغضبه تعالى والثانية سوء الحساب والثالثة عذاب النار» (اعلم) أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال " زنا العين النّظر إلى الاجنبيّات وزنا اليدين مسّ الاجنبيّات وزنا الرّجلين المشي نحو الاجنبيّات " قال الله تبارك وتعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ الله خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (1) وقال تعالى وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ (2) ينبغي أن يعلم أنّ القلب تابع للعين وما لم تغمض العين عن المحرّمات فحفظ القلب مشكل وما دام القلب مشغولا فحفظ الفرج متعسّر فكان غضّ البصر من المحرّمات ضروريّا حتّى يتيسّر حفظ الفرج ونهي في القرآن المجيد النّساء عن لين الكلام مع الرّجال الاجانب مثل الفاجرات لئلّا يطمع الذين في قلوبهم مرض فيهمّون بالسّوء بل يقلن قولا معروفا خاليا عن الوهم والطّمع وورد النّهي أيضا عن إبداء النّساء زينتهنّ عند الرّجال لئلّا يظهر فيهم الاقتضاء وورد النّهي أيضا عن الضّرب بأرجلهنّ إلى الارض ليعلم ما يخفين من زينتهنّ مثل الخلخال وأمثاله فيتحرّك ويظهر شنشنته وهي مستلزمة لميل الرّجال إلى النّساء (وبالجملة) أنّ كلّ ما هو منجرّ إلى الفسق فهو مستقبح ومنهيّ عنه ينبغي الاحتياط منه لئلّا ترتكب مقدّمات المحرّمات ومباديها حتّى يتيسّر السّلامة من نفس المحرّمات والله سبحانه العاصم وما تَوْفِيقِي إِلّا بِالله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإِلَيْهِ أُنِيبُ (3) (لا يخفي) أنّ المرأة الاجنبيّة كالرّجل الاجنبيّ في حقّ النّظر إلى المرأة ومسّها بشهوة ولا يجوز تزيين المرأة نفسها لغير بعلها رجلا كان ذلك الغير أو امرأة وكما أنّ نظر الرّجال إلى الامرد ومسّهم إيّاه بالشّهوة حرام نظر النّساء إلى النّساء ومسّهنّ إيّاهنّ بالشّهوة أيضا حرام ينبغي أن يراعى هذه الدقيقة كمال الرّعاية فإنّها طريق واسع إلى خسارة الدنيا والآخرة وفي وصول الرّجل إلى المرأة تعسّر بواسطة التّباين بين الصّنفين ووجود الموانع بخلاف وصول المرأة إلى المرأة فإنّه لاتّحاد الصّنف في كمال اليسر والسّهولة فينبغي رعاية الاحتياط في ذلك أكثر منها فيما هنالك وينبغي المنع البليغ عن نظر المرأة إلى المرأة ونظر الرّجل إلى المرأة ونظر المرأة إلى الرّجال (والشّرط الرّابع) المذكور في بيعة النّساء النّهي عن قتل الاولاد وكان نساء الجاهليّة يقتلن بناتهنّ مخافة الفقر وهذا العمل الشّنيع كما أنّه متضمّن لقتل النّفس متضمّن لقطع الرّحم أيضا وهو من الكبائر (والشّرط الخامس) المذكور في بيعة النّساء النّهي عن البهتان والافتراء ولمّا كانت هذه الذّميمة في النّساء أكثر خصّهنّ بالنّهي عنها وهذه الصّفة من أشدّ ذمائم الصّفات قبحا وأرذل رذائل الاخلاق فإنّها متضمّنة للكذب الذي هو حرام في جميع الاديان ومستنكر PageV02P292 وأيضا إنّه متضمّن لإيذاء المؤمن وهو حرام وإنّه مستلزم للفساد في الارض وهو محظور وممنوع عنه ومحرّم ومستنكر بنصّ القرآن (والشّرط السّادس) النّهي عن معصية النّبيّ ومخالفته صلّى الله عليه وسلّم في كلّ أمر معروف يأمر به وهذا الشّرط متضمّن لامتثال جميع الاوامر والانتهاء عن جميع المناهي الشّرعيّة من الصّلاة والصّوم والزّكاة والحجّ وهذه الاربعة ممّا بني الإسلام عليها بعد الإيمان بالله تعالى وبما جاء من عنده بالضّرورة فينبغي أداء الصّلوات الخمس من غير كسل وفتور بالجدّ والجهد وينبغي أيضا أداء الزّكاة الماليّة إلى مصارفها بقبول المنّة وينبغي أيضا صيام شهر رمضان الذي هو مكفّر لسيّئات سنة وينبغي أيضا أداء الحجّ الذي قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في حقّه " الحجّ يجبّ ما كان قبله " حتّى يكون الإسلام قائما وكذلك لا بدّ من الورع والتّقوى قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " ملاك دينكم الورع " وهو عبارة عن ترك المنهيّات الشّرعيّة فينبغي الاجتناب عن تناول المسكرات وأن يعدّها كالخمر محرّما ومستنكرا والاجتناب عن الغناء أيضا ضروريّ فإنّه داخل في اللهو واللّعب الحرام وورد أنّ الغناء رقية الزّناء والاجتناب عن الغيبة والنّميمة أيضا لازم فإنّهما ممنوع عنهما وأيضا الاجتناب عن السّخريّة وإيذاء المؤمن ضروريّ فإنّ إيذاء المؤمن بغير حقّ بأيّ وجه كان وسخريّته منهيّ عنها ولا ينبغي اعتبار الطّيرة واعتقاد تأثيرها ولا ينبغي أيضا اعتقاد تعدّي المرض من شخص إلى آخر فإنّ المخبر الصّادق عليه الصّلاة والسّلام منع عن كليهما حيث قال " لا طيرة ولا عدوى " ولا ينبغي اعتبار كلام الكاهن والمنجّم ولا يسالهما عن الأمور الغيبيّة ولا يعتقد معرفتهما بالامور الغيبيّة فإنّه قد ورد المنع عن ذلك بالمبالغة وينبغي الإجتناب عن استعمال السّحر مباشرة وأمرا فإنّه حرام قطعيّ وله قدم راسخ في الكفر ولا كبيرة أقرب إلى الكفر من استعمال السّحر ينبغي الاحتياط عنه حتّى لا تصدر دقيقة من دقائقه فإنّه قد ورد ما دام المسلم مسلما لا يصدر عنه السّحر فإذا زال عنه الإيمان أعاذنا الله سبحانه عن ذلك يصدر عنه السّحر فكلّ من السّحر والإيمان كأنّه نقيض الآخر فإذا وقع السّحر لا يبقى الإيمان فينبغي رعاية هذه الدقيقة لئلّا يتطرّق الخلل في الإيمان ولئلّا يخرج الإسلام عن اليد بشؤم هذا العمل (وبالجملة) كلّ ما أمر به المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وبيّنه العلماء في الكتب الشّرعيّة ينبغي الاجتهاد والسّعي البليغ في امتثاله معتقدا خلافه سمّا قاتلا موصّلا إلى الموت الابديّ وموقعا في أنواع العذاب السّرمديّ ولمّا قبلت النّساء المبايعات هذه الشّرائط كلّها بايعهنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بمجرّد القول واستغفر لهنّ الله بأمره جلّ وعلا والاستغفار الذي وقع عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في حقّ جماعة يرجى رجاء تامّا أن يكون مستجابا وأن تكون الجماعة مغفورة لها وكانت هند زوجة أبي سفيان رضي الله عنهما داخلة في المبايعات بل كانت هي رئيستهنّ وتكلّمت من لسانهنّ ففي هذه البيعة والاستغفار رجاء عظيم في حقّها فأيّ امرأة تعترف بهذه الشّرائط وتعمل بمقتضاها تكون داخلة في هذه البيعة حكما ويرجى لها من PageV02P293 بركات ذلك الاستغفار وقال الله تبارك وتعالى ما يَفْعَلُ الله بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وآمَنْتُمْ (1) والشّكر عبارة عن قبول الاحكام الشّرعيّة والعمل بمقتضاها وطريق النّجاة والخلاص هي متابعة صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام في الاعتقاد والعمل والاستاذ والشّيخ إنّما هما للدّلالة على الشّريعة وليحصل اليسر والسّهولة في الاعتقاديّات والعمليّات ببركتهما لا لأن يفعل المريدون ما أرادوا ويأكلوا ما شاءوا ثمّ يكون الشّيخ سترا لهم عن النّار ويمنع عنهم العذاب فإنّ هذا المعنى تمنّ محض لا يشفع هناك أحد إلّا بإذن الله ومن لم يكن ممّن ارتضاه ربّه لا يشفع فيه أحد وإنّما يكون مرتضى إذا كان عاملا بمقتضى الشّريعة فحينئذ إذا صدرت عنه زلّة بمقتضى البشريّة فتداركها يمكن بالشّفاعة (فإن قيل) بأيّ اعتبار يمكن أن يقال للمذنب مرتضى (أجيب) انّ الحقّ سبحانه إذا أراد مغفرة شخص يبدي وسيلة للعفو عنه فهو مرتضى في الحقيقة وإن كان مذنبا في الظّاهر والله سبحانه الموفّق رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (2) والسّلام. (42) المكتوب الثاني والأربعون إلى الخواجه محمّد هاشم في بشارته بعد الحمد والصّلاة وتبليغ الدعوات انهي انّ الصّحيفة الشّريفة المرسلة مع الملّا فتح الله قد وصلت وحيث كانت متضمّنة لبيان المحبّة والإخلاص والحرارة والاشتياق أورثت فرحا وسرورا وظهر انبساط نورانيّتكم في النّواحي وقت مطالعة كتابكم انبساطا كثيرا في النّظر وأوقعني ذلك في الرّجاء لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك وما أكتب زيادة على ذلك. (أيّها المحبّ) انّا ما نعلم ما كان الباعث على ترك المير محمّد النّعمان المراسلات فإن كان له توهّم شيء من هذا الجانب فليس بواقع أصلا بل ينبغي تصوّر كمال الصّفات والفقير مراع لغاية السّعي في محافظة جانب المير محافظة الطّير لبيضته لئلّا يقع فتور في أمر الطّلب فيكون سدّا في طريق السّالكين وقد طرأ الضّعف على الفقير منذ شهرين ولهذا عجز عن تسويد جواب بعض أسئلته المندرجة في المكتوب السّابق فإن رزق الله سبحانه الصّحّة والعافية نكتب إن شاء الله وإلّا فالملتمس من الاحباب الدعاء والفاتحة وحسبنا الله ونعم الوكيل والسّلام عليكم وعلى سائر أهل الله وليكن الاولاد الكرام سالمين غانمين محفوظين. PageV02P294 (43) المكتوب الثالث والأربعون إلى الخواجه محمّد سعيد والخواجه محمّد معصوم سلّمهما الله تعالى في بيان مكالمته الواقعة في محفل سلطان الوقت مدّ ظلّه الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد: إنّ أحوال هذه الحدود وأوضاعها مستوجبة للحمد قد تمرّ صحبات عجيبة وغريبة وبعناية الله سبحانه وتعالى لا يتطرّق مقدار شعره من المساهلة والمداهنة في هذا القيل والقال إلى الامور الدينيّة والاصول الإسلاميّة ويقع البيان في هذه المعارك بعين العبارات الّتي كانت تصدر في الخلوات والمجالس الخاصّة بتوفيق الله سبحانه فإن كتبنا ما جرى في مجلس واحد يستدعى أن يكون مجلّدا خصوصا في البارحة الّتي هي اللّيلة السّابعة عشر من شهر رمضان قد ذكرت أشياء كثيرة من فائدة بعثة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وعدم استقلال العقل والإيمان بالآخرة وعذابها وثوابها ومن إثبات الرّؤية وخاتميّة خاتم الرّسل ومن مجدّد كلّ مائة ومن الاقتداء بالخلفاء الرّاشدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين وسنّيّة التّراويح وبطلان التّناسخ ومن أحوال الجنّ ومن عذابهم وثوابهم وأمثال ذلك وصارت مسموعة بحسن الاستماع وذكر في ضمن ذلك أيضا أشياء أخر من أحوال الأقطاب والأبدال والأوتاد وبيان خصوصيّاتهم كذا وكذا الحمد لله سبحانه تكونون على ما أنتم عليه لا يظهر تغيّر أصلا ولعلّ لله سبحانه وتعالى في هذه الواقعات والملاقاة مصالح مستورة وأسرارا مكنونة الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ (1) وأوصلت ختم القرآن إلى سورة عنكبوت وكلّ ليلة انصرف من ذاك المجلس وأجيئ إلى محلّي أشتغل بالتّراويح وفائدة الحفظ الّتي هي دولة عظيمة قد حصلت في هذه الفترات الّتي هي عين الجمعيّة الحمد لله أوّلا وآخرا. (44) المكتوب الرّابع والاربعون إلى المير عبد الرّحمن بن المير محمّد نعمان في دفع شبهات المنكرين للرّؤية الأخرويّة بسم الله الرّحمن الرّحيم الإعتراض الذى يوردون في مسالة الرّؤية بل الدليل الذى يقيمونه على نفي الرّؤية هو أنّ الرّؤية البصريّة تقتضي محاذاة المرئيّ ومقابلته بالرّائي وهي مفقودة في حقّ الواجب تعالى لكونها مستلزمة للجهة المنجرّة إلى الإحاطة والتّحديد والنّهاية المستلزمة للنّقص المنافي للألوهيّة PageV02P295 تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا (والجواب) أنّ القادر على الكمال جلّ سلطانه إذا أعطى للبصر الذي هو عبارة عن القطعتين العصبيّتين المجوّفتين الخاليتين عن الحسّ والحركة في هذه النّشأة الضّعيفة الفانية قوّة إحساس الاشياء وإبصارها - بشرط المقابلة والمحاذاة - لم لا يمكن أن يعطى في النّشأة الآخرة القويّة الباقية لهاتين القطعتين العصبيّتين - قوّة تبصّر بها المرئيّ بلا مقابلة ومحاذاة سواء كان ذلك المرئيّ في جميع الجهات أو لم يكن في جهة أصلا فما الاستبعاد في ذلك وأين المحال فإنّ الفاعل المختار جلّ سلطانه في أعلا مرتبة الاقتدار وقابل مستعدّ لأن يتعلّق به الإحساس والإبصار غاية ما في الباب أنّه تعالى راعى في بعض الامكنة لمصالح شرط المحاذاة وتعيّن الجهة في إحساس الابصار وفي بعض أمكنة وأزمنة أخر أسقط ذلك الشّرط عن حيّز الاعتبار وقرّر من غير هذا الشّرط رؤية الابصار وقياس موطن على موطن آخر مع وجود كمال الاختلاف والتّضادّ بينهما بعيد عن الإنصاف وقصر النّظر على مكشوفات عالم الملك والشّهادة وإنكار على عجائب عالم الملكوت. (فإن قيل) إذا كان الحقّ سبحانه مرئيّا ينبغي أن يكون محاطا ومدركا بالبصر وذلك مستلزم للحدّ والنّهاية تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. (أجيب) يمكن أن يكون مرئيّا ولا يكون محاطا ومدركا بالبصر قال الله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (1) والمؤمنون يرون الحقّ سبحانه في الآخرة ويجدون باليقين الوجدانيّ أنّهم يرونه جلّ شأنه ويجدون في أنفسهم الالتذاذ المترتّب على الرّؤية على وجه الكمال ولكنّ المرئيّ لا يكون مدركا لهم أصلا ولا يحصل لهم شيء منه قطعا غير وجدان الرّؤية وغير الالتذاذ بها. (شعر) ولا أحد يصطاد عنقاء فاسترح ... وإلّا تكون حامل الفخّ دائما والنّقصان الذى يتوهّم في الرّؤية من كون المرئيّ محاطا ومدركا مفقود في ذلك الموطن ومجرّد ثبوت الرّؤية بلا جهة والالتذاذ الحاصل للرّائي من تلك الرّؤية لا نقص ولا قصور فيه أصلا بل من كمال إنعام المرئيّ وإحسانه إجلاء جماله الكامل لمحترقي نائرة محبّته وإروائهم من ذلال رؤيته وتشريفهم بوصال حضرته من غير أن يعود شيء من النّقص والقصور إلى جناب قدسه تعالى وبدون ثبوت الجهة والإحاطة في حضرة أنسه سبحانه. (شعر) از آن طرف ن?ذيرد كمال أو نقصان ... وزين طرف شرف روز كار من باشد ترجمة: في مجدكم لا يلحق النّقصان من ... هذا ولى فيه ألوف كرامة أو نقول لو كانت المقابلة والمحاذاة شرطا في حصول الرّؤية ينبغي أن تكون شرطا في جانب الرّائي أيضا لكونها شرطا في جانب المرئيّ فإنّ المقابلة نسبة قائمة بالمتقابلين أعني الرّائي والمرئيّ فلزم أن لا يرى الحقّ سبحانه الأشياء ولا تكون صفة رؤية الأشياء ثابتة له تعالى وتقدّس وذلك مخالف PageV02P296 للنّصوص القرآنيّة؛ قال الله تعالى والله بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (1) وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (2) وَ سَيَرَى الله عَمَلَكُمْ (3) (وأيضا) هو نقص وسلب للصّفة الكاملة منه تعالى (فإن قيل) إنّ الرّؤية في الواجب تعالى عبارة عن العلم بالاشياء لا أنّها أمر آخر وراء العلم مستلزم للجهة (أجيب) لا شكّ أنّ الرّؤية من الصّفات الكاملة ثابتة للواجب سبحانه بالاستقلال بنصّ القرآن وإرجاعها إلى العلم ارتكاب خلاف الظّاهر ولو سلّم أنّها من أقسام العلم لا يلزم منه عدم اشتراط المحاذاة فيها؛ فإنّ العلم على قسمين: قسم: لا يشترط فيه محاذاة المعلوم وقسم آخر: تشترط فيه المحاذاة وهو المسمّى بالرّؤية وهذا القسم أعلى أقسام في الممكنات وحاصل في مرتبة اطمئنان القلب ولا أمن في المعقولات من معارضة الوهم والخالي عن تلك المعارضة إنّما هو المحسوس ومن ههنا طلب الخليل على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام رؤية إحياء الموتى ليطمئنّ قلبه مع وجود الإيمان واليقين به (ينبغي أن يعلم) أنّ الرّؤية الّتي هي من الصّفات الكاملة إذا لم تكن في الواجب تعالى من أين جاءت للممكن فإنّ كلّ كمال حاصل للممكن هو عكس الكمال الذى في مرتبة الواجب تعالى وتقدّس وحاشا أن يكون في الممكن ما ليس للواجب تعالى فإنّ الممكن هو عين النّقص في حدّ ذاته فإن كان فيه كمال فهو عارية من مرتبة حضرة الوجوب - تعالت وتقدّست - الّتي هي عين كلّ خير وكمال. (شعر) ما جئت من بيتي بشيء إنّما ... أعطيتنى ما بي ونفسي بعض ذا (وجواب آخر) عن أصل السّؤال انّ هذا الاعتراض متمشّ في وجود الواجب تعالى وتقدّس فكما أنّه ينفي الرّؤية ينفي الوجود من جناب قدسه تعالى فهذا الاعتراض ليس بوارد؛ لكونه مستلزما للمحال العقليّ. (بيانه) أنّ الواجب سبحانه إذا كان موجودا يكون البتّة في جهة من جهات العالم من فوق وتحت وقدّام وخلف ويمين وشمال وذلك مستلزم للإحاطة والتّحديد المستلزم للنّقص المنافي للألوهيّة تعالى الله وتقدّس عن ذلك (فإن قيل) يمكن أن يكون في جميع جهات العالم فلا يلزم الإحاطة والتّحديد (أجيب) أنّ كونه في جميع جهات العالم لا ينفي الإحاطة والتّحديد فإنّه على هذا التّقدير أيضا يكون وراء العالم البتّة فإنّ الاثنينيّة لازمة للغيريّة الاثنان متغايران قضيّة مقرّرة عند أرباب المعقول وذلك مستلزم للتّحديد (لا يخفى) أنّ طريق التّفصّي من أمثال هذه الشّبهات المموّهة الغير الحقّة التزام الفرق بين أحكام الغيبة وأحكام الشّهادة وعدم قياس الغائب على الشّاهد فإنّه يمكن أن يكون بعض الأحكام صادقا في الشّاهد وكاذبا في الغائب وكمالا في الشّاهد ونقصا في الغائب فإنّ تباين الاحكام ثابت خصوصا إذا كان بين المواطن بون بعيد ما للتّراب وربّ الارباب رزقهم الله سبحانه الإنصاف حتّى لا ينكروا النّصوص القرآنيّة PageV02P297 بهذه التّوهّمات والتّخيّلات المشتبهة ولا يكذّبوا الاحاديث الصّحيحة النّبويّة ينبغي الإيمان بأمثال هذه الاحكام المنزّلة محيلا كيفيّتها على العلم الكيفيّ معترفا بقصور الإدراك عن معرفتها لا أنّه ينبغي نفي تلك الاحكام بانتفاء الإدراك فإنّه بعيد عن السّلامة والصّواب فإنّه يمكن أن تكون أشياء كثيرة صادقة في نفس الامر وتكون مستبعدة عن إدراك عقولنا النّاقصة؛ فلو كان العقل كافيا لكان مثل أبي عليّ سينا الذي هو مقتدى أرباب المعقول محقّا في جميع الاحكام العقليّة غير غالط فيها والحال أنّه أخطأ في مسالة واحدة وهي الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد ما هو واضح للنّاظر المنصف بأدنى تأمّل وطعن فيه الامام الفخر الرّازيّ في هذا المقام بهذه العبارة ": والعجب ممّن يفنى عمره في تعليم الآلة العاصمة عن الخطأ في الفكر وتعلّمها ثمّ إذا جاء إلى هذا المطلب الاشرف وقع منه أشياء يضحك منها الصّبيان وعلماء أهل السّنّة شكر الله تعالى سعيهم يثبتون جميع الاحكام الشّرعيّة سواء كانت معقولة المعنى أو لا ولا ينفونها بعلّة عدم إدراك كيفيّتها مثل عذاب القبر وسؤال منكر ونكير والصّراط والميزان وأمثالها ممّا عجزت عقولنا النّاقصة عن إدراكه وهؤلاء الكبراء جعلوا مقتداهم الكتاب والسّنّة وجعلوا عقولهم تابعة لهما فإن ظفروا بإدراكها فبها وإلّا يقبلون الاحكام الشّرعيّة ويحملون عدم الإدراك على قصور فهمهم لا أنّهم كغيرهم يقبلون ما تقبله وتدركه عقولهم ويردّون ما يعجز عن إدراكه عقولهم الا يعلمون أنّ بعثة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام إنّما هي بواسطة قصور العقول عن إدراك بعض المطالب المرضيّة للمولى سبحانه والعقل وإن كان حجّة ولكنّه ليس بحجّة كاملة والحجّة الكاملة إنّما تمّت ببعثة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام قال الله تعالى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1) (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنقول إنّ المقابلة والمحاذاة وإن كانت شرطا في رؤية الشّاهد ولكن يمكن أن لا يكون ذلك شرطا في الغائب كما أنّ الغائب موجود وليس في جهة من جهات الوجودات أصلا فكما أنّه منزّه عن جميع الجهات بلا رؤية الرّائي لا تكون جهة من الجهات ثابتة له بعد الرّؤية أيضا وتكون المقابلة والمحاذاة مفقودة هناك فأيّ استبعاد وأيّ استحالة هنا ورؤية اللّاكيفيّ لا كيفيّة فإنّه لا سبيل للكيفيّ إلى اللّاكيفيّ لا يحمل عطايا الملك إلّا مطاياه وقياس الرّؤية المنزّهة عن الكيف على الرّؤية المتكيّفة بكيف المتعلّقة بمرئيّات غير مناسب وبعيد عن الإنصاف والله سبحانه الموفّق للصّواب. (45) المكتوب الخامس والأربعون إلى مولانا سلطان السّرهندىّ في علوّ شأن قلب المؤمن والمنع عن إيذائه نقل بالمعنى PageV02P298 الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على رسوله محمّد وآله أجمعين أمّا بعد فاعلموا أنّ القلب جار الله سبحانه وليس شيء أقرب إلى جناب قدسه كالقلب إيّاكم وإيذاءه أيّ قلب كان مؤمنا كان أو عاصيا فإنّ الجار وإن كان عاصيا يحمى فاحذروا من ذلك واحذروا فإنّه ليس بعد الكفر الذى سبب إيذاء الله تعالى ذنب مثل إيذاء القلب فإنّه أقرب ما يصل إليه سبحانه والخلق كلّهم عبيد الله سبحانه والضّرب والإهانة لعبد أيّ شخص كان يوجب إيذاء مولاه فما شأن المولى الذى هو المالك على الإطلاق؟ فلا يتصرّف في خلقه إلّا بالقدر الذى أمر به فإنّه ليس بداخل في الإيذاء بل هو امتثال لأمر الله تعالى مثل الزّاني البكر حدّه مائة سوط فلو زاد أحد على مائة كان ظلما وداخلا في الإيذاء واعلموا أنّ القلب أفضل المخلوقات وأشرفها وكما انّ الانسان افضلها لاجماله وجمعه ما في العالم الكبير كذلك القلب لجامعيّته ما في الإنسان وكمال بساطته وإجماليّته فإنّه كلّما كان الشّيء أشدّ إجمالا وأكثر جمعيّة يكون أقرب إلى جنابه تعالى وإنّ ما في الإنسان إمّا هو من عالم الخلق أو عالم الأمر والقلب برزخ بينهما وفي مراتب العروج يعرج ممّا يتضمّنها لطائف الإنسان إلى أصوله مثلا يكون عروجه أوّلا إلى الماء ثمّ إلى الهواء ثمّ إلى النّار ثمّ إلى أصول اللّطائف ثمّ إلى الاسم الجزئيّ الذى هو ربّه ثمّ إلى كلّيّه ثمّ إلى ما شاء الله تعالى بخلاف القلب فإنّه ليس له أصل يعرج إليه بل يكون العروج منه أوّلا إلى الذّات تعالت وإنّه باب غيب الهويّة لكنّ الوصول من طريق القلب وحده بغير ذلك التّفصيل متعسّر وإنّما يتيسّر الوصول بعد إتمام ذلك التّفصيل الا ترى أنّ الجامعيّة والوسعة فيه إنّما تكون بعد طيّه تلك المراتب التّفصيليّة والمراد من القلب ههنا هو القلب الجامع البسيط لا المضغة اللّحميّة. (46) المكتوب السّادس والأربعون إلى حضرة المخدوم زاده محمّد سعيد مدّ ظلّه العالي في بيان العروج والنّزول نقل بالمعنى نحمده ونستعينه ونصلّي على سيّدنا ومولانا وشفيع ذنوبنا محمّد وآله وأصحابه. اعلموا أنّ الله سبحانه أظهر لى أنّ في الكائنات نقطة هي مركز العالم الظّلّيّ وتلك النّقطة إجمال جميع العالم والعالم بتمامه تفصيل لذلك الإجمال وتلك النّقطة كالشّمس في السّماء بها يتنوّر ما في الآفاق فكلّ من يصل إليه الفيض منه سبحانه يكون بتوسّل تلك النّقطة وتلك النّقطة محاذية لنقطة غيب الهويّة وتلك النّقطة كائنة في مرتبة النّزول فما لم يكن النّزول في هذه المرتبة من الهبوط والأسفليّة لا يكون العروج إلى تلك المرتبة المسمّاة بغيب الهويّة وهذا النّزول في الدعوة والتّكميل وفي ذلك النّزول الذى يكون في مرتبة تلك النّقطة يتخيّل كأنّ الوجه إلى العالم والظّهر إليه سبحانه! وظهر أنّ هذا التّوجّه إلى العالم والانقطاع عنه سبحانه إنّما هو إلى الموت فإذا جاء وقت الوصال انعكس الحال ففي هذه النّشأة الفراق والشّوق من PageV02P299 الجانبين والملاقاة إنّما تكون بعد الموت وظهر معنى الحديث القدسيّ " الا طال شوق الابرار إلى لقائي وأنا إليهم لأشدّ شوقا». (واعلم) أنّه مع تحقّق النّزول في هذه المرتبة ليس بين السّالك وبين الله سبحانه حجاب بل الحجب كلّها مفقودة ولكنّ التّوجّه إلى الله سبحانه مفقود بل التّوجّه بتمامه إلى الخلق فهذا مقام الدعوة وقد يقع النّزول من تلك النّقطة الّتي هي مركز دائرة العالم الظّلّيّ إلى النّقطة الّتي هي مركز دائرة العدم وهو مقام الكفر بالله تعالى والإنكار له سبحانه وللأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ولآياته تعالى ويقع العروج عن تلك النّقطة إلى مركز دائرة الاصل الّتي هي دائرة مقامات الانبياء عليهم السّلام وتلك النّقطة الّتي ذكرناها ظلمانيّة غاية الظّلمة فالنّزول في ذلك المقام لتنويره وإشراقه أمر عظيم القدر ومقابلها نقطة الإسلام وهي النّقطة الّتي يقع العروج إليها بعد هذا النّزول الظّلمانيّ ومصباح تلك النّقطة الظّلمانيّة كلمة لا إله إلّا الله والسّلام. (47) المكتوب السّابع والأربعون إلى سلطان الوقت مدّ ظلّه في أسرار الدعاء ومدح العلماء والصّلحاء إنّ أقلّ الداعين أحمد يظهر الانكسار والتّواضع لخدّام ذلك الجناب المعلّى ويؤدّى شكر نعمة الامن والأمان الّتي هي شاملة لحال الخواصّ والعوامّ ويطلب الفتح والنّصرة للعساكر الإسلاميّة في أوقات مظنّة إجابة الدعاء وزمان اجتماع الفقراء فإنّ كلّ احد مخلوق لامر وكلّ ميسّر لما خلق له فإنّ العبث في أفعال الله تعالى ممتنع والامر الذى جعل مربوطا بالعساكر الغزاة المجاهدين هو تقوية قوائم الدولة القاهرة وتأييد أركان السّلطنة الباهرة الّتي ترويج الشّريعة الغرّاء منوط بها لما قيل من أنّ الشّرع تحت السّيف وهذا الامر جليل القدر أيضا مربوط بعسكر الدعاء الذين هم الفقراء وأصحاب البلاء فإنّ الفتح والنّصرة على قسمين: قسم: جعل مربوطا بالاسباب وهو صورة الفتح والنّصرة المتعلّقة بعسكر الغزاء. والقسم الثاني: حقيقة الفتح والنّصرة الكائنة من عند مسبّب الاسباب وقوله تعالى " ومَا النَّصْرُ إِلّا مِنْ عِنْدِ الله " إشارة إلى ذلك وهي متعلّقة بعسكر الدعاء فعسكر الدعاء سبق بذله وانكساره عسكر الغزاء وترقّى من السّبب إلى المسبّب (ع) بردند بردند شكستان ازين ميدان كوى * وأيضا إنّ الدعاء يردّ القضاء (1) كما قال المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " لا يردّ القضاء إلّا الدعاء " والسّيف والجهاد ليس فيهما قدرة ردّ القضاء فعسكر الدعاء مع وجود الضّعف والانكسار كان أقوى من عسكر الغزاء وأيضا إنّ عسكر الدعاء كالرّوح لعسكر الغزاء وهو له بمثابة القالب فلا بدّ لعسكر الغزاء من عسكر الدعاء فانّ القالب الخالى عن الرّوح ليس بقابل للتّأييد والنّصرة ومن ههنا قالوا " كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم PageV02P300 يستفتح بصعاليك المهاجرين " مع وجود جند الغزاة واستيلاء المحاربين فالفقراء الذين هم جنود الدعاء مع وجود الذّلّة والمسكنة وعدم الاعتبار كما قالوا: الفقر سواد الوجه في الدارين وقع عليهم الاحتياج في بعض المواقع وحصل لهم الاعتبار مع عدم اعتبارهم هذا في الواقع وفاقوا أقرانهم في أمثال هذه المواضع قال المخبر الصّادق عليه الصّلاة والسّلام «يوزن مداد العلماء بدم الشّهداء يوم القيامة فيترجّح مداد العلماء " سبحان الله وبحمده قد صار ذاك المداد وسواد الوجه باعثا على عزّتهم ورفعتهم وبلّغ من الحضيض إلى الأوج درجاتهم نعم (ع) وفي الظّلمات من ماء الحياة * قال الشّاعر (شعر) غلام خويشتنم خواند لاله رخسارى ... سياه روى من كرد عاقبت كارى وهذا الفقير وإن لم يكن لائقا بأن يجعل نفسه في عداد جنود الدعاء ولكن بمجرّد اسم الفقر ولاحتمال إجابة الدعاء لا يجعل نفسه فارغا من دعاء الدولة القاهرة ويكون رطب اللّسان بالدّعاء والفاتحة بلسان الحال والقال رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (1) (48) المكتوب الثامن والأربعون إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد مدّ ظلّه العالي في بيان سرّ أقربيّته تعالى وبيان أنّ انكشاف كنه الذّات بالعلم الحضوريّ بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ أقربيّته تعالى مربوطة بالعلم الحضوريّ الذى تعلّق بأصل المعلوم لا بظلّ من ظلاله وبصورة من صوره فإنّ ذلك نصيب العلم الحصوليّ فالعلم الحصوليّ لا يكون في الحقيقة علم نفس الشّيء بل علم صورة من صوره ويكون الجهل متحقّقا بالنّسبة إلى نفس ذلك الشّيء سبحان الله قد قالوا للجهل بالشّيء علما بذلك الشّيء وكأنّهم تصوّروا صورة الشّيء وظلّه عين الشّيء وزعموا علم تلك الصّورة علم ذلك الشّيء وذلك ممنوع ودعوى العينيّة غير مسموعة فإنّ بين الشّيء وصورته نسبة الاثنينيّة وكلّما ثبتت نسبة الاثنينيّة فالتّغاير لازم الاثنان متغايران قضيّة مقرّرة من قضايا أرباب المعقول وأيضا إنّ العلم بصورة الشّيء كيف يكون مستلزما للعلم بذلك الشّيء كما هو فإنّ صورة الشّيء تمثال ظاهر الشّيء ظهر متلبّسا بأحكام المرآة وكم من دقائق شيء وأسراره ليس منها في الصّورة اسم ولا رسم. (شعر) لو صوّر النّقّاش صورة ذا المنا ... وا حيرتى ما حيلتى في غنجه وليت ظاهر الشّيء يظهر بصرافته في صورة الشّيء ويكون الباطن موقوفا ومسكوتا عنه فإنّه إذا ثبت أنّ ظاهر الشّيء يظهر في صورة الشّيء متلبّسا بأحكام المحلّ والمرآة على ما مرّ لا يبقى الظّاهر على PageV02P301 صرافته يقينا بل تعرض له هيئة أخرى فالصّورة كما أنّها محرومة من باطن الشّيء محرومة أيضا من ظاهره فلا يكون علم تلك الصّورة مستلزما لعلم ذلك الشّيء كما هو بالضّرورة (وبالجملة) أنّ المعلوم هو ما يكون كائنا في الذّهن ولمّا كان الكائن في الذّهن الصّورة يكون المعلوم أيضا هو تلك الصّورة ولمّا كانت بين الصّورة والشّيء نسبة التباين والتّغاير لا يكون علم الصّورة مستلزما لعلم الشّيء كما هو والعلم الحضورىّ هو الذى يكون الحاضر فيه في المدركة نفس الشّيء من غير أن يتخلّل في البين شيء من الظّلّ والصّورة فيكون المعلوم في هذا العلم هو نفس الشّيء لا صورة من صوره فيكون العلم الحضوريّ أشرف بل يكون العلم هو فقط لا غير ويكون ما سواه من العلم الحصوليّ جهلا مشتبها بصورة العلم والمتّصف بالجهل المركّب من يزعم جهله علما ولا يدري بأنّه لا يدري فلا يكون للعلم الحصوليّ إلى ذاته وصفاته تعالى سبيل ولا تكون الذّات والصّفات الواجبيّة تعالت وتقدّست معلومة بهذا العلم فإنّ هذا العلم في الحقيقة علم بصورة المعلوم لا بنفس المعلوم كما مرّ ولا سبيل للصّورة في حضرته جلّ سلطانه حتّى يظنّ العلم بالصّورة علما بالأصل وإن قال البعض: إنّ الحقّ سبحانه وان لم يكن له مثل ولكن له تعالى مثال ولكنّ هذه الصّورة المثاليّة على تقدير ثبوتها تميّز تلك الصّورة المنفيّة الّتي يتعلّق بها العلم يمكن أن تكون الصّورة كائنة في المثال الذي هو أوسع المخلوقات ولا تكون ثابتة في الذّهن وهذا الحديث القدسيّ " لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن " مخصوص بقلب العبد المؤمن الذى معاملته مغايرة لمعاملة سائر النّاس لتشرّفه بالفناء والبقاء وتخلّصه من الحصول وتحقّقه بالحضور فإن كان هناك التّوسّع فهو باعتبار الحضور لا باعتبار الحصول (ع) في أيّ مرآة يكون مصوّرا * (ينبغي أن يعلم) أنّ في العلم الحضوريّ اتّحاد العالم بالمعلوم فزوال هذا العلم عن العالم لا يجوز فإنّ المعلوم هو نفسه فلا ينفكّ عنه بل العلم ثمّة عين العالم وعين المعلوم فأين المجال للانفكاك. (ينبغي أن يعلم) أنّ المعلوم لمّا كان في العلم الحضوريّ نفس الشّيء لا صورته ينكشف المعلوم فيه كما هو بالضّرورة ويصير معلوما بالكنه فإنّ كنه الشّيء عبارة عن نفس الشّيء ولمّا كان جميع الوجوه والاعتبارات ساقطة وبقي نفس الذّات الحاضرة عند المدركة صار كنهها معلوما بخلاف العلم الحصوليّ فإنّ المعلوم هناك وجوه الشّيء واعتباراته الّتي هي صوره وأشباحه لا نفسه كما مرّ فلا يكون المعلوم هناك كنه الشّيء ولا يكون الشّيء فيه معلوما بكنهه غاية ما في الباب أنّ في العلم الحصوليّ انكشاف الشّيء ودرك الشّيء وفي العلم الحضوريّ انكشاف الشّيء موجود ودركه مفقود فكنه المعلوم يصير منكشفا لا يكون مدركا. (لا يخفى) أنّه إذا ثبت العلم الحضوريّ بالنّسبة إلى ذات الواجب جلّ سلطانه كما مرّ لزم أن يكون كنه الذّات منكشفا وتكون الذّات معلومة كما هي وهذا خلاف ما تقرّر عند العلماء وأقول: إنّ هذا العلم الحضوريّ الذي تعلّق بذات الواجب تعالى من قبيل الرّؤية الّتي يثبتونها بالنّسبة إليه تعالى وهناك PageV02P302 الانكشاف موجود والدرك مفقود وكذا هنا الانكشاف موجود والدرك مفقود فإذا تعلّقت الرّؤية بذات الواجب تعالى لم لا يتعلّق بها العلم الذى هو الطف من الرّؤية والمحذور انّما هو في الإدراك المستلزم للإحاطة لا في الانكشاف قال الله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (1) لم يقل: لا تراه الابصار. (فإن قيل) إذا لم يحصل الدرك ماذا يجدي الانكشاف؟ (أقول) إنّ المقصود من الانكشاف هو التذاذ الرّائي وهو حاصل تحقّق الدرك. والّا. (فإن قيل) إنّ الانكشاف بلا درك كيف يكون مستلزما للالتذاذ؟ (أجيب) انّ العلم بالانكشاف كاف حصل الدرك أو لا أو نقول: إنّ الدرك أيضا حاصل في ذاك الموطن ولكنّه مجهول الكيفيّة والدرك المنفيّ - والله أعلم - هو ما تعلم كيفيّته ويوجب إحاطة المعلوم لا يحيطون به علما مناسبا للعلم الحصوليّ فإنّه إذا لم يكن الدرك في العلم الحضوريّ من أين يكون في العلم الحصوليّ فإنّ كلّ ما هو في الظّلّ مستفاد من مرتبة الاصل ولكنّ الدرك في الاصل مجهول الكيفيّة وفي الظّلّ معلوم الكيفيّة. (49) المكتوب التّاسع والاربعون إلى جناب حضرة المير محمّد نعمان في بيان أنّ العلم الحضوريّ للعارف بنفسه يتعلّق به تعالى الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ينبغي أن يعلم أنّ العلم الحصوليّ هو بالنّسبة إلى الآفاق والعلم الحضوريّ بالنّسبة إلى الانفس فإذا ظهرت معاملة أقربيّته تعالى لعارف تامّ المعرفة وحصلت وكان العارف متحلّيا بهذا المقام العالي يكون حكم تلك الانفس في حقّه حكم الآفاق ويتبدّل العلم الحضوريّ المتعلّق بها علما حصوليّا وفي هذا الوقت يعرض لأقربيّته تعالى حكم الأنفس والعلم الحضوريّ الذى كان أوّلا متعلّقا بالانفس يكون ح متعلّقا بتلك الاقربيّة لا بمعنى أنّه يجد نفسه عين الواجب تعالى ويظنّ أنّ العلم المتعلّق بنفسه متعلّق بعينه بالواجب سبحانه فإنّ هذا هو بعينه معاملة التّوحيد ومتعلّق بمقامات القرب ونهاية القرب هي الاتّحاد والاقربيّة غير ذلك ومعاملته شيء آخر ينبغي مجاوزة الاتّحاد والاعتراف بالاثنينيّة حتّى يتصوّر الاقربيّة ولا يقعنّ القاصر من لفظ الاثنينيّة في التّوهّم ولا يزعمنّ أنّ الاتّحاد فوق الاثنينيّة فإنّ الاثنينيّة الّتي هي دون الاتّحاد مقام العوامّ كالانعام وهذه الاثنينيّة الّتي لها ألوف مزيّة على الاتّحاد مقام الأنبياء الكرام عليهم الصّلاة والسّلام كما أنّ الصّحو الذى دون السّكر هو حال العوامّ والصّحو الذى بعد السّكر مقام الخواصّ بل أخصّ الخواصّ وكما أنّ الإسلام الذى قبل كفر الطّريقة إسلام عوامّ أهل الإسلام والإسلام الذى بعد كفر الطّريقة إسلام أخصّ الخواصّ والعجب أنّ العارف وإن PageV02P303 لم ير نفسه واجبا تعالى ولكنّ العلم الحضوريّ المتعلّق بنفس العارف يتعلّق بالواجب ويكون علمه بنفسه الذى هو حضوريّ حصوليّا. (ع) وكم في العشق من عجب عجيب * والعقل المعتقّل لا يهتدي إلى هذه الدقيقة بل يجعلها راجعة إلى جمع الضّدّين. قال واحد من العارفين: عرفت ربّي بجميع الاضداد رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2) (50) المكتوب الخمسون إلى القاضي نصر الله في بيان الفرق بين استدلال العلماء الرّاسخين واستدلال أرباب الظّاهر بالاثر على المؤثّر إنّ الاستدلال بالاثر على المؤثّر وبالمخلوق على الخالق جلّ سلطانه شغل علماء الظّاهر وشغل العلماء الرّاسخين أيضا الذين هم كمّل ورثة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام. علماء الظّاهر يحصّلون من العلم بوجود المخلوق العلم بوجود الخالق ويجعلون وجود الاثر دليلا على وجود المؤثّر ويحصّلون الإيمان واليقين بوجود المؤثّر والعلماء الرّاسخون الذين قطعوا درجات كمالات الولاية وبلغوا مقام الدعوة الّتي هي خاصّة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام بالاصالة أيضا يستدلّون بالأثر على المؤثّر بعد حصول التّجلّيات والمشاهدات ويكتسبون بهذا الطّريق أيضا إيمانا بالمؤثّر الحقيقيّ فإنّهم يعرفون في آخر الامر أنّ كلّ ما كان مشهودا ومتجلّيا لهم كان ظلّا من ظلال المطلوب مستحقّا للنّفي وعدم الإيمان ويتيقّنون أنّ الإيمان بلا كيفيّ لا يتيسّر في هذا الموطن من غير استدلال فلا جرم يقبلون على الاستدلال ويطلبون المطلوب بلا حيلولة الظّلال ولمّا كانت لهؤلاء الكبراء محبّة قويّة لجناب قدسه تعالى بحيث جعلوا ما سواه فداء له سبحانه فلا جرم يصلون إلى المطلوب الحقيقيّ من طريق الاستدلال لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «المرء مع من أحبّ " ويتخلّصون من مضيق التّجلّيات والظّهورات المشوبة بالظّلال ويعدون نحو أصل الاصل والمقام الذى يبلغ فيه علم علماء الظّاهر يصل فيه هؤلاء الاكابر بأنفسهم منجذبين بجذبات المحبّة ويحصل لهم الاتّصال اللّاكيفيّ وهذا الفرق إنّما نشأ من طريق المحبّة فكلّ من هو محبّ منقطع عن غير المحبوب متّصل به ومن ليست فيه هذه يكتفى بالعلم ويغتنم ذلك بل ربّما يبلغ هؤلاء الكبراء مبلغا لا يبلغ فيه علم العلماء ونهاية العلم على تقدير الصّحّة إلى دهليز المطلوب والذي هو واصل إلى المطلوب فهو مع المطلوب والمعيّة لا تترك دقيقة لا تكون نصيبا لهم. قال واحد من الكبراء (ع) بنده بأحق هم?و شير وشكرست * ولله المثل الاعلى ينبغي أن يكون عبدا وأن يتخلّص عن عبديّة ما سواه تعالى والله سبحانه الموفّق. PageV02P304 (51) المكتوب الحادي والخمسون إلى ملّا شير محمّد اللّاهوريّ في بيان الفرق بين تصديق القلب ويقينه الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (سؤال) قال بعض محقّقي المتكلّمين: إنّ حقيقة الإيمان قبول القلب وانقياده بالمؤمن به فما معنى ذلك؟ وهل القبول والانقياد عبارة عن نفس التّصديق ويقين القلب بالمؤمن به أو امر زائد عليهما؟ (الجواب) انّ قبول القلب غير يقينه وإن لم يكن غير التّصديق ولكنّه متفرّع على اليقين فإنّ القلب لا يخلو بعد حصول اليقين من إحدى الحالتين إمّا التّسليم والانقياد بالمؤمن به أو الجحود به والإنكار عليه وعلامة التّسليم والانقياد رضاء القلب بالمؤمن به وانشراح الصّدر له وعلامة الجحود والإنكار كراهة القلب بالمصدّق به وضيق الصّدر عليه قال الله تبارك وتعالى فَمَنْ يُرِدِ الله أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ (1) الآية وحصول التّسليم والانقياد للقلب بالمؤمن به بعد حصول التّصديق واليقين به واليقين به بمحض الموهبة الإلهيّة جلّ سلطانه وبصرف كرمه اللّامتناهي ومن ههنا قيل: إنّ الإيمان موهبة إلهيّة ومنشأ الجحود والإنكار بعد حصول اليقين والتّصديق بالمصدّق به رسوخ الصّفات الرّديّة في النّفس الامّارة وتمرّنها فيها لكونها مجبولة على حبّ الجاه والرّياسة ومطبوعة على عدم قبول تبعيّة أحد وتقليده تريد أن يصدّقها ويقبلها كلّ أحد وهي لا تقلّد أحدا ولا تتبع ولا تستسلم فردا من الأفراد ولا تنقاد وما ظَلَمَهُمُ الله ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (2) وقد خلّص الله سبحانه طائفة بمحض فضله وكرمه من هذا المرض الجبليّ وشرّفهم بشرف تسليم الانبياء وانقيادهم عليهم الصّلاة والسّلام الذين هم هداة الأنام إلى سبل السّلام والصّراط المستقيم ووعد لهم بجنّات النّعيم الّتي هي محلّ رضائه تعالى وترك طائفة على طورهم ولم يخلّصهم من تلك الرّذائل جبرا وقهرا ولم يجذبهم إلى هذه الدولة ولكن بالغ في بيان الصّراط المستقيم وتبشير المصدّق المطيع وإنذار المكذّب العاصي بإرسال الرّسل وإنزال الكتب وأقام الحجّة على الفريقين. PageV02P305 (52) المكتوب الثاني والخمسون إلى الفقير محمّد هاشم الكشميّ في بيان فناء القلب والنّفس وزوال العلم الحصوليّ والحضوريّ الفناء عبارة عن نسيان ما سوى الحقّ سبحانه وما سواه تعالى على قسمين: أفاقيّ وأنفسيّ فنسيان الآفاقيّ عبارة عن زوال العلم الحصوليّ بالنّسبة إلى الآفاق ونسيان الانفسيّ: عبارة عن زوال العلم الحضوريّ بالنّسبة إلى الانفس فإنّ العلم الحصوليّ يتعلّق بالآفاق والعلم الحضوريّ بالانفس وزوال العلم الحصوليّ بالاشياء مطلقا وإن كان متعسّرا لكونه نصيب الأولياء ولكنّ زوال العلم الحضوريّ مطلقا عسير جدّا ونصيب الكمّل من الأولياء يكاد يكون تجويزه بل تصوّره محالا عند أكثر العقلاء لزعمهم عدم حضور المدرك عند المدرك سفسطة فإنّ حضور الشّيء عند نفسه ضروريّ عندهم فزوال العلم الحضوريّ وإن كان لمحة لا يكون مجوّزا عندهم فكيف إذا كان زوال العلم مطلقا بحيث لا يعود أبدا والنّسيان الاوّل الذى هو بالنّسبة إلى العلم الحصوليّ يتعلّق بفناء القلب والنّسيان الثاني الذى هو بالنّسبة إلى العلم الحضوريّ مستلزم لفناء النّفس الذى هو اتمّ واكمل وحقيقة الفناء انّما في هذا الموطن والفناء الأوّل كالصّورة لهذا الفناء وكالظّلّ له فإنّ العلم الحصوليّ ظلّ العلم الحضوريّ في الحقيقة فيكون فناؤه ظلّ فناء هذا بالضّرورة وبحصول هذا الفناء تستقرّ النّفس في مقام الاطمئنان وتصير راضية عن الحقّ سبحانه ومرضيّة له تعالى وبعد البقاء والرّجوع تتعلّق معاملة التّكميل والإرشاد بها ولها يتيسّر الجهاد والغزا مع طبائع العناصر الاربعة المختلفة الّتي هي أركان البدن وكلّ واحد منها يقتضي أمرا من الامور غير ما يقتضيه الآخر ويريد شيئا من الاشياء خلاف ما يريده الآخر وهذه الدولة غير متيسّرة لواحدة من اللّطائف وهي الّتي تصلح الانانيّة الإبليسيّة النّاشئة من عنصر النّار بسياستها وتورث الاعتدال للقوّة الشّهويّة والغضبيّة وسائر الاوصاف الذّميمة الّتي فيها شركة للبهائم والحيوانات بحسن تربيتها سبحان الله قد صار شرّ اللّطائف خيرها قال عليه الصّلاة والسّلام «خياركم في الجاهليّة خياركم في الإسلام إذا فقهوا» (تنبيه) علامة نسيان السّوي عدم حضوره في القلب وعلامة زوال العلم الحضوريّ بنفس العالم انتفاء العالم بالكلّ عينا وأثرا حتّى يتصوّر زوال العلم والمعلوم عنه فإنّ العلم والمعلوم في ذلك الموطن نفس العالم فما لم يزل نفس العالم لا ينتفي العلم والمعلوم والفناء الاوّل هو فناء الآفاق والفناء الثاني فناء الانفس الذى هو حقيقة الفناء. (53) المكتوب الثالث والخمسون إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد معصوم مدّ ظلّه في بيان زوال العين والاثر وجودا وشهودا PageV02P306 بسم الله الرّحمن الرّحيم قال الله تعالى هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) بلى يا ربّ قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكور لا عينا ولا أثرا ولا شهودا ولا وجودا ثمّ يصير بعد ذلك إن شئت حيّا بحياتك وباقيا ببقائك ومتخلّقا بأخلاقك بل صار باقيا بك بفضلك في عين الفناء وفانيا فيك في عين البقاء لتلازم بينهما وحصول كمال كلّ واحد منهم بوجود الآخر مثله مثل إنسان القي في معدن ملح حتّى صار شيئا فشيئا منصبغا بأحكام الملح إلى أن صار كلّه ملحا ما بقي منه عين ولا أثر فلا جرم أبيح قتله وقطعه وحلّ أكله وبيعه وشراؤه فلو بقي منه عين أو أثر لما جاز ذلك ولنعم ما قيل في الشّعر الفارسيّ. (شعر) سكى كاندر نمك زاد افتد وكم كردد اندر وى ... من اين درياى ?رشور از نمك كمتر نميدانم (فإن قلت): إنّك قد كتبت في المكاتيب والرّسائل أنّ زوال العين والاثر إنّما يكون شهوديّا لا وجوديّا لاستلزامه الالحاد والزّندقة ورفعه الاثنينيّة الثابتة بين العبوديّة والرّبوبيّة فما معنى زوال العين والاثر في الوجود أيضا هنا (قلت) انصباغ الشّيء بالشّيء بحيث يصير أحدهما منخلعا عن أحكامه ومنصبغا بأحكام الآخر لا يوجب رفع الاثنينيّة عنهما حتّى يكون الحادا وزندقة فإنّ الإنسان الملقى في معدن الملح ما اتّخذ مع الملح وما زالت الاثنينيّة بل حصل له من جوار الملح وسلطانه فناء عن نفسه وعن صفاته وبقاء بالملح وأحكامه مع بقاء الاثنينيّة. غاية ما في الباب أنّ هذه الاثنينيّة شبيهة باثنينيّة الظّلّ مع الاصل لا استقلال لها في ذلك الاثنينيّة الزّائلة نوع استقلال في نظر العوامّ فالاثنينيّة باقية بعد فلا الحاد ولا زندقة وامّا منعي في الكتب والرّسائل عن الزّوال الوجوديّ فمحمول على قصور فهم العوامّ فإنّهم يفهمون منه رفع الاثنينيّة ويقعون في الالحاد والزّندقة تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا. بقي أنّ الشّبح الذى يقع من ذلك الإنسان بعد صيرورته ملحا حكميّا هو في الحقيقة صورة الملح الذى انصبغ ذلك الإنسان بصبغه لا صورة الإنسان إلّا أنّه قيس ذلك الملح الحكميّ بمقياس شبح ذلك الإنسان وصوّر بصورته لا أنّه بقي شبح الإنسان فبقي أثره (تنبيه) ذلك الشّبح في الملح الذى قيس بمقياس صورة الإنسان ممكن بل واقع وأمّا ما نحن بصدده فليس كذلك فلله المثل الاعلى فهو سبحانه لا يتّحد مع شيء ولا يتّحد معه شيء ولا يتّصل بالاشياء ولا ينفصل عنها والاشياء أيضا غير متّصلة به سبحانه ولا منفصلة عنه تعالى سبحان من لا يتغيّر بذاته ولا بصفاته ولا في اسمائه بحدوث الاكوان فهو سبحانه الآن كما كان على صرافة التّنزيه والتّقديس فهو تعالى قريب من العالم ومع العالم بالقرب والمعيّة المجهولة كيفيّتهما لا كقرب الجسم مع الجسم ولا كقرب الجسم مع العرض (وبالجملة) انّ صفات الإمكان وسمات الحدوث كلّها مسلوبة عن جناب قدسه. عروج الأولياء لا يزيد في قربه سبحانه للعبد ووصول الاصفياء PageV02P307 لا يحصل اتّصاله مع الله والفناء والبقاء أحوال للعرفاء غير ما فهمها العقلاء وزوال العين والاثر له معنى لا يفهمه إلّا من رزق ذلك كما سيجيء تحقيقه فاستمع كلام هذه الطّائفة بحسن الظّنّ والقبول ولا تفهم منه مدلوله الظّاهريّ ومدلوله المطابقيّ فإنّه ربّما تغلط فيه غلطا فاحشا فتضلّ وتضلّ والله سبحانه الموفّق الملهم للصّواب. (فإن قلت) قد جوّزت زوال العين والاثر من الإنسان فما تقول فيما جاء في القرآن المجيد في شأن خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ (1) وما جاء في الحديث النّبويّ " إنّما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر " وليس هذا إلّا لبقاء الأثر من الإنسانيّة (قلت) ليس كذلك ولا دلالة فيه على بقاء الاثر إلّا أنّه لمّا أريد إرجاع الإنسان الكامل بعد الفناء والبقاء إلى العالم ودعوة الخلق إلى الحقّ سبحانه ركّبت فيه الصّفات البشريّة والخصائص الإنسانيّة الزّائلة بعد كسر صورة تلك الصّفات لتحصل المناسبة بينه وبين العالم بعد ما زالت ويفتح الله باب الإفادة والاستفادة بينه وبين العالم بتلك المناسبة والحكمة الاخرى في إرجاع هذه الصّفات البشريّة والحاقها بعد زوالها ابتلاء المكلّفين واختبار المدعوّين ليميز الخبيث من الطّيّب ويعتزل المكذّب من المصدّق ويحصل الإيمان بالغيب بعد ما لبس الامر وستر الحال برجوع تلك الصّفات قال الله تبارك وتعالى ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (2) (فإن قال قائل) ما معنى زوال العين والاثر من الإنسان الكامل والحال أنّ ظاهره دائم على الصّفات البشريّة يأكل ويشرب وينام ويستريح؟ قال الله في شأن الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ (3) (قلت) الفناء والبقاء من صفات الباطن لا تعلّق للظّاهر بهما بالاصالة فإنّ الظّاهر دائم على أحكامه والباطن ينخلع ويتلبّس (فإن قيل) لطائف الباطن متعدّدة كلّها متحقّقة بالفناء والبقاء أو بعضها فأيّ بعض هو؟ (قلت) المتحقّق بهما إنّما هو لطيفة النّفس الّتي هي في الحقيقة حقيقة الإنسان المشار إليها بإشارة قول أنا فهي الامّارة بالسّوء أوّلا والمطمئنّة آخرا والقائمة بعداوة الرّحمن جلّ شأنه ابتداء والرّاضية به والمرضيّة عنها انتهاء فهي شرّ الاشرار وخير الاخيار زاد شره شرّ إبليس وزاد خيره على خير أهل التّسبيح والتّقديس (تنبيه) ليس معنى الفناء والزّوال هو الفناء الوجوديّ والزّوال الوجوديّ ومعنى البقاء بالله هو زوال الإمكان من الممكن رأسا وحصول الوجوب له ثانيا فإنّه محال عقليّ والقول بذلك كفر بل هو خلع ولبس مع بقاء الإمكانيّة مثل خلع ولبس أثبته أرباب المعقول في العناصر بطريق الكون والفساد إلّا أنّهم أبقوا هيولاها ثابتا في الحالين مع تبدّل الصّور النّوعيّة ونحن لا نقول بالهيولى ولا بثبوته بل نقول إنّ الفناء والبقاء إعدام وإيجاد من القادر المختار جلّ شأنه جاء في الخبر " لن يلج ملكوت السّموات من لم يولد مرّتين " كأنّه أشار إلى الإيجاد PageV02P308 الثاني بالولادة الثانية وإنّما قالوا: البقاء بالله تجوّزا وتشبيها لزوال الصّفات الرّذيلة وحصول الاخلاق الحميدة كأنّها شبيهة بصفات مرتبة الوجوب تعالت وتقدّست وقد حقّقت في غير موضع أنّ ذات الممكن هو العدم ليس إلّا هو فلا معنى لزواله فإنّ الممكن ممكن في جميع الأحوال حال الفناء والبقاء كما كان في حال عدمهما والواجب تعالى واجب على الاستمرار والدوام ولا يلحق بجناب قدسه شيء ولا ينفصل عنه أمر ولنعم ما قيل في الشّعر الفارسيّ. (شعر) سياه روئ ز ممكن درود وعالم ... جدا هر كز نشد والله أعلم (ولا يخفى) عليك أنّ بقاء الإمكان في الممكن ليس عبارة عن بقاء الاثر في الممكن وبقاء ثبوته في مرتبة من مراتب الثبوت فإنّه مناف للفناء الاتمّ والفاني بهذا الفناء بعد ردّ الآمانات إلى أهلها وردّ الظّلال المنعكسة فيه إلى أصلها من الوجود وتوابعه كلّها من الصّفات الكاملة والنعوت الفاضلة لحق هو بالعدم الصّرف الكامل في العدميّة بحيث لم يوجد فيه إضافة ولا نسبة إلى شيء ولا اسم ولا رسم فإنّ وجود الإضافة في العدم ينبئ عن ثبوته ولو في الجملة. (54) المكتوب الرّابع والخمسون إلى خانجهان في اتّباع الشّرع المبين ومحاربة أعداء الدين رزقكم الله سبحانه التّوفيق على مرضيّاته وسلّمكم وجعلكم معزّزا ومحترما بالنبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات (شعر) القو سعادة دارين بمعركة ... ما رامها أحد ماذا على البطل إنّ التّلذّذات الدنياويّة والتّنعّمات الفانية إنّما تكون هنيئة مريئة إذا حصل في ضمنها العمل بمقتضى الشّريعة الغرّاء واجتمعت بتنعّمات الآخرة وإلّا فحكمها حكم السّمّ القاتل المموّه بالسّكّر ليغترّ به الابله فيا أسفي! لو لم تعالج بترياق الحكيم المطلق ولم تتلاف حلاوتها بمرارة الاوامر والنّواهي الشّرعيّة (وبالجملة) انّ الملك الابديّ يمكن تحصيله بأدنى سعي وحركة على وفق الشّريعة الّتي مبناها على السّهولة ويزول ويخرج من اليد بأدنى غفلة وفراغ وكذلك ينبغي استعمال العقل المدرك وان لا يعوّض الملك الابديّ بالجوز والموز مثل الاطفال وتلك الخدمة الّتي أنتم قائمون بها لو جمعتموها بإتيان أحكام الشّريعة المصطفويّة على مصدرها - الصّلاة والسّلام والتّحيّة - فقد علمتم عمل الانبياء عليه الصّلاة والسّلام ونوّرتم الدين المتين وعمّرتموه ونحن الفقراء لو اجتهدنا سنين وعذّبنا أرواحنا لا نلحق في هذا العمل ولا ندرك غبار أمثالكم البررة. (شعر) PageV02P309 القوا سعادة دارين بمعركة ... ما رامها أحد ماذا على البطل اللهمّ وفّقنا لما تحبّ وترضى بقيّة المرام انّ رافعى رقيمة الدعاء الفاضلين الخواجه محمّد سعيد والخواجه محمّد أشرف من الاصحاب المخصوصين فكلّما راعيتم أحوالهما تكون موجبة لامتنان الفقراء أمركم أعلى وشأنكم أرفع. (55) المكتوب الخامس والخمسون إلى ميرزا خان أفغان في ذمّ الرّجوع من الفقر إلى الغناء الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. إنّ الاخ ميان ميرزا خان هرب من ضيق الفقر والتجأ إلى الاغنياء ورغب في تنعّمات الغناء وتلذّذاته إنّا لله وإنّا إليه راجعون ما أبعده عن الفهم فان حصل في صحبة الاغنياء غاية التّرقّي في الدنيا يصير هزاريّا فإن بلغتم فرضا منصب المانكسنكى تفكّروا إذا ما يحصل لكم منه وأيّ حشمة تكتسبون به ولقمة الخبز كانت تصل في الفقر أيضا والآن تأكلون لقمة أسمن منها فذاك فات وهذا أيضا يفوت ولكن تفكّروا وتأمّلوا أيّ أمر يضيع ويخرج من يدكم وتصيرون أفلس الورى " الرّاضي بالضّرر لا يستحقّ النّظر " وحيث ابتليتم بذلك فعليكم السّعي حتّى لا يخرج طريق الاستقامة والتزام الشّريعة من يدكم ولا يقع الفتور أيضا في شغل الباطن وإن كان جمعه بالدّنيا مشكلا لكونه جمع الضّدّين ولكن لمّا اخترتم هذا الوضع عليكم باختيار خدمة دروبان إن صحّت نيّتكم فهي داخلة في الغزو وعمل حسن ولكنّ تصحيح النّيّة مشكل واليوم أنتم في هذه الخدمة الّتي لها حسن في الجملة ولعلّ غدا يأمرونكم بخدمة أخرى تكون عين الوبال (وبالجملة) الامر مشكل ينبغي التّيقّظ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلّاَ الْبَلاغُ (1) والسّلام. (56) المكتوب السّادس والخمسون إلى جناب الخواجه محمّد عبد الله بن شيخ حضرة شيخنا والخواجه جمال الدين الحسين بن الخواجه حسام الدين أحمد في التّأسّف على فوت الصّحبة الماضية والإيماء إلى الأسرار الجديدة وما يناسب ذلك ليكن قرّة العينين ومسرّة الاذنين الخواجه محمّد عبد الله والخواجه جمال الدين الحسين متحلّيين بجمعيّة صوريّة ومعنويّة والعجب أنّهما قد اختارا تغافلا لا تغافل مثله وعدم الرّأفة والمرحمة حيث لم يصلا إلى سرهند مع وجود قرب الجوار ولم يسألا عن حال هذا الغريب ولم يؤدّيا حقوق المودّة وماذا PageV02P310 أقول: الخواجه محمّد أفضل فإنّه يعدّ نفسه أبعد عنهما في المودّة بمراحل بل هو خائف من مودّتنا وما أقول للمير منصور فإنّه يتمنّى الصّحبة دائما ولكن لا يخرج تمنّيه من القوّة إلى الفعل ومن قول الفقهاء العظام: «الرّاضي بالضّرر لا يستحقّ النّظر " العسكر وإن كان بحر الظّلمات ولكنّه متضمّن لماء الحياة وهنا بعناية الله سبحانه يحصل من الجواهر ولو على سبيل النّدرة ما لو حصل في مواضع أخرى شبحه لكان مغتنما وكلّ مبارز اكتسب قدرا وقيمة إنّما يتيسّر له ذلك حين استيلاء الاعداء والسّلامة وإن كانت في الزّاوية ولكنّ دولة الغزو والشّهادة في المعركة والزّاوية إنّما هي مناسبة لأهل السّتر وأرباب الضّعف وقد ورد في الحديث «المؤمن القويّ خير من المؤمن الضّعيف " وحال الرّجال الاقوياء المبارزة في المعركة الكبري قل كلّ يعمل علي شاكلته فربّكم اعلم بمن هو اهدي سبيلا ولمّا كنت متوجّها الي العسكر بعد مضيّ مدّة الرّخصة والإذن تركت ولدي محمّد سعيد في البيت بالضّرورة ولمّا تفكّرت في الفيوض والبركات والعلوم والمعارف الحاصلة بعد مفارقته ندمت على مفارقته وطلبته مغتنما للفرصة فجاء الصّغار والكبار كلّهم رجاء ان ينالوا من هذه البركات والعجب كأنّي من طائفة الملامتىّ وفي زمرة القلندريّة مع أنّي ممتاز من الفريقين ومغاير لهما ولي معاملة على حدة اسمعوا شمّة من العلوم الجديدة وهذا عنوان مكتوب قال الله تعالى هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) لا عينا ولا أثرا ولا شهودا ولا وجودا إلى آخره وأنتم قد رأيتم في بعض المكاتيب أنّي جعلت القول بالزّوال الوجوديّ من قبيل الالحاد والزّندقة وههنا كتبت بهذه العبارة وعالجت ذلك بكرم الله سبحانه وتعالى (ع) وقس من حال بستاني ربيعي * وهذه الدول كلّها من بركات هذه الواقعات لولاها لما وجدت تلك رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) ولما كان مولانا محمّد مراد متوجّها إلى تلك الحدود كتبنا كلمتين " العاقبة بالخير " (57) المكتوب السّابع والخمسون إلى مولانا حميد الأحمديّ في بيان حدوث العالم وردّ عبيد العقل الفعّال الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين إنّ الله تعالى موجود بذاته ووجوده سبحانه بنفسه وهو تعالى قد كان على ما عليه الآن ويكون على ذلك إلى أبد الآباد ولا سبيل للعدم السّابق والعدم اللّاحق إلى جناب قدسه تعالى فإنّ وجوب الوجود أحقر خدّام ذلك الجناب المقدّس وسلب العدم أذلّ كنّاسي ذاك الحريم المحترم وما سواه تعالى المسمّى بالعالم من العناصر والافلاك PageV02P311 والعقول والنّفوس والبسائط والمركّبات كلّها موجودة بإيجاد الله تعالى ومخرجة من العدم إلى الوجود والقدم الذّاتيّ والقدم الزّمانيّ كلاهما ثابتان لجناب قدسه تعالى فقط والحدوث الذّاتيّ والزّمانيّ كائن لغيره تعالى كما أنّه خلق الارض في يومين أخرج السّموات والكواكب بعد خلق الارض من العدم إلى الوجود في يومين قوله تعالى خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ (1) وقوله تعالى فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ (2) مصداق هذا الكلام. سفيه بل منكر لنصّ القرآن من يتفوّه بقدم بعض ما سواه كالافلاك وما فيها وبسائط العناصر والعقول والنّفوس وقد انعقد إجماع الملّيين إلى حدوث ما سواه تعالى وحكموا بوجوده بعد العدم السّابق بالاتّفاق كما صرّح به الإمام حجّة الإسلام الغزاليّ في رسالته " المنقذ عن الضّلال " وكفّر جماعة قالوا بقدم بعض أجزاء العالم فالحكم بقدم شيء من الممكنات خروج عن الملّة ودخول في الفلسفة وكما أنّ العدم السّابق كائن لما سواه تعالى العدم اللّاحق أيضا لاحق به فتنتثر الكواكب وتنشقّ السّموات وتندكّ الارض والجبال وتلحق بالعدم كما نطق به نصّ القرآن وانعقد عليه إجماع جميع الفرق الإسلاميّة قال الله تعالى في كلامه المجيد فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وحُمِلَتِ الْأَرْضُ والْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ واِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (3) وقال إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وإِذَا النُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ * وإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (4) وقال إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ وإِذَا الْكَواكِبُ اِنْتَثَرَتْ (5) وقال إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ (6) وقال كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (7) ووردت في القرآن أمثال ذلك آيات كثيرة والجاهل ينكر فناء هؤلاء بجهله ويردّ النّصوص القرآنيّة مفتتنا بالمموّهات الفلسفيّة وبالجملة: انّ إثبات العدم اللّاحق في الممكنات كاثبات العدم السّابق فيها من ضروريّات الدين والإيمان به لازم وما قال بعض العلماء من أنّ سبعة أشياء لا يتطرّق عليها الفناء بل تكون باقية وهي العرش والكرسيّ واللّوح والقلم والجنّة والنّار والرّوح لا بمعنى أنّ هذه الاشياء لا تقبل الفناء وليست فيها قابليّة الزّوال حاشا من ذلك وكلّا بل بمعنى أنّ القادر المختار جلّ شأنه يفني بعد الوجود من يشاء ويبقي من يشاء لحكم ومصالح يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ولاح من هذا البيان أنّ العالم بجميع أجزائه مستند إلى الواجب تعالى ومحتاج إليه سبحانه في الوجود والبقاء فإنّ البقاء عبارة عن استمرار الوجود في زمان ثان وثالث إلى ما شاء الله تعالى PageV02P312 ليس فيه أمر زائد على الوجود مسمّى بالبقاء فيكون نفس الوجود واستمراره مستندا ومفوّضا إلى ارادته تعالى وماذا يكون العقل الفعّال حتّى يدبّر الاشياء وتكون الحوادث مستندة اليه وفي نفس وجوده وثبوته الف كلام فإنّ تحقّقه وحصوله مبتن على المقدّمات الفلسفيّة المموّهة وكلّها غير تامّة على أصول جميع الفرق الإسلاميّة والابله من يصرف الاشياء عن القادر المختار جلّ شأنه ويسندها إلى. مثل هذا الامر الموهوم بل يلحق للأشياء الوف من العار من أن تكون مستندة إلى منحوت الفلسفيّ بل الاشياء بعدمها راضية من أن يكون استنادها إلى مجعول سفسطيّ محرومة من سعادة الانتساب إلى قدرة القادر المختار جلّ سلطانه كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلّا كَذِبًا (1) (58) المكتوب الثامن والخمسون إلى الخواجه صلاح الدين الاحراريّ في بيان أنّ خلق الممكنات ووجودها في مرتبة الوهم كان الله ولم يكن معه شيء ولمّا أراد أن يظهر كمالاته المكنونة طلب كلّ اسم من أسمائه تعالى مظهرا من المظاهر ليجلي كمالاته في ذلك المظهر ولا قابل لمظهريّة الوجود وتوابعه غير العدم فإنّ مظهر الشّيء ومرآته مباين ومقابل لذلك الشّيء والمباين والمقابل للموجود هو العدم فقط فعيّن الحقّ سبحانه بكمال قدرته في عالم العدم لكلّ اسم من أسمائه مظهرا من المظاهر وخلقه في مرتبة الحسّ والوهم في أيّ وقت أراده على أيّ طور شاء خلق الاشياء متى شاء وجعل المعاملة الابديّة مربوطة بها. (ينبغي) أن يعلم أنّ المنافي للعدم هو الخارج لا الثبوت العارض له في مرتبة الحسّ والوهم؛ فإنّه لا منافاة بينهما وثبوت العالم في مرتبة الحسّ والوهم لا في مرتبة الخارج حتّى يكون منافيا له فيجوز أن يعترض العدم ثبوت في مرتبة الحسّ والوهم ويحصل له هناك بصنع الله - جلّ سلطانه - إتقان ورسوخ ويكون في تلك المرتبة حيّا وعالما وقادرا ومريدا وبصيرا وسميعا ومتكلّما بطريق الانعكاس والظّلّيّة ولا يكون له في مرتبة الخارج اسم ولا رسم ولا يكون شيء غير ذات الواجب وصفاته تعالى ثابتا وموجودا في الخارج وبهذا المعنى يمكن أن يقال وهو الآن كما كان ومثال ذلك: النّقطة الجوّالة والدائرة الموهومة فإنّ الموجود هو النّقطة فقط والدائرة معدومة في الخارج لا اسم منها فيه ولا رسم ومع ذلك عرض لها في مرتبة الحسّ والوهم ثبوت وحصل لها في تلك المرتبة بطريق الظّلّيّة إنارة وإشراق ومن هذا التّحقيق حصل الاستغناء عن المقدّمات المبسوطة الّتي ذكرها الشّيخ محيي الدين وتابعوه في تكوين العالم من بيان التّنزّلات والتّعيّنات العلميّة والخارجيّة وإثبات الحقائق والاعيان الثابتة في مرتبة علم الواجب تعالى وإثبات PageV02P313 عكوسها في الخارج الذى هو ظاهر الوجود وتسمية آثارها خارجيّة كما لا يخفى على المنصف النّاظر في كلامهم المطّلع على اصطلاحهم وبهذا التّحقيق صار معلوما أن لا موجود في الخارج غير الحقّ جلّ وعلا لا الاعيان ولا آثار الاعيان بل ثبوت هؤلاء من مرتبة الحسّ والوهم ولا محذور في ذلك أصلا فإنّ ذلك ليس بموهوم ثابت باختراع الوهم حتّى يرتفع بارتفاع الوهم بل ثبوته بصنع الله جلّ شأنه في مرتبة الوهم وله في تلك المرتبة تقرّر وإتقان واستحكام صُنْعَ الله الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ (1) واتّضح من هذا البيان أنّ حقائق الممكنات عدمات عرض لها في موطن علم الواجب تميّز وتعيّن وصارت ثابتة في مرتبة الحسّ والوهم مرّة ثانية بصنع الله تعالى وصار بعض منها مرايا الاسماء الإلهيّة جلّ شأنه وصار في تلك المرتبة بطريق الظّلّيّة والانعكاس حيّا وعالما وقادرا ومريدا وبصيرا وسميعا ومتكلّما وتحقيق الشّيخ ومتابعيه أنّ حقائق الممكنات صور الاسماء الإلهيّة العلميّة الّتي هي أحد التّنزّلات الخمسة الوجوديّة (وبالجملة) انّ حقائق الممكنات في فهم هذا الفقير عدمات وعند الشّيخ وجودات متنزّلة وحضرة الشّيخ أثبت اراءة الكثرة في الخارج وقال: إنّ الصّور العلميّة المتكثّرة الّتي هي حقائق الممكنات وعبّر عنها بالاعيان الثابتة صارت منعكسة في مرآة ظاهر الوجود تعالى الذي لا موجود غيره في الخارج وعرض لها اراءة في الخارج وصارت ترى كأنّها موجودة في الخارج ولا موجود في الحقيقة في الخارج غير الذّات تعالت وقال: إن كلّ واحدة من الصّور العلميّة تحدث لها في وقت من الاوقات نسبة مجهولة الكيفيّة بظاهر الوجود الذى هو كالمرآة لتلك الصّور وتصير تلك النّسبة سببا لكونها مرئيّة في الخارج وهذه النّسبة ليست بمعلومة لأحد حتّى إنّ الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام لم يطّلعوا على هذا السّرّ وقال: لإظهار تلك الصّور في الخارج بعد حصول تلك النّسبة المجهولة الكيفيّة خلقا وإيجادا للاشياء وعلى التّحقيق السّابق الذى اهتدى إليه هذا الفقير كما أنّ الاشياء لا وجود لها في الخارج كذلك كونها مرئيّة فيه أيضا على لا لونيّتها لا وجود فيه للغير ولا اراءة ولا شأن فإن ثبتت له اراءة فهي في مرتبة الوهم وإن كان له ثبوت فهو أيضا بصنع الله تعالى في مرتبة الوهم (وبالجملة) انّ ثبوته واراءته في مرتبة واحدة لا أنّ ثبوته في موضع واراءته في موضع آخر مثلا انّ الدائرة الموهومة النّاشئة من النّقطة الجوّالة كما أنّ ثبوتها في مرتبة الوهم لا في الخارج اراءته أيضا في تلك المرتبة فإنّه لا رسم لها في الخارج حتّى تصير مرئيّة فيه. غاية ما في الباب أنّه ربّما يظنّ الإراءة الوهميّة إراءة خارجيّة كما إذا رأى الرّائي الصّورة المثاليّة في عالم المثال في اليقظة بحسّ الباطن فيخال أنّه يراها في عالم الشّهادة بحسب الظّاهر وأمثال هذا الاشتباه تقع كثيرا ويجد السّالك مرتبة من المراتب مشتبهة بأخرى فيحكم على ذاك بحكم هذا ففيما نحن فيه أنّ تلك الدائرة الموهومة الّتي صارت مرتسمة في الخيال ترى في مرتبة هي مرتسمة فيها ببصر الخيال ويتخيّل أنّها ترى في الخارج بعين الرّأس وليس كذلك فإنّه لا اسم لها في الخارج الذى هو محلّ النّقطة الجوّالة ولا PageV02P314 رسم حتّى تكون مرئيّة فيه وصورة الشّخص الّتي صارت منعكسة في المرآة على هذا المنوال أيضا فإنّه لا ثبوت لها في الخارج ولا إراءة بل ثبوتها وإراءتها كلاهما في مرتبة الخيال والله سبحانه أعلم؛ فما ظنّه الشّيخ قدّس سرّه خارجا وأثبت للأشياء الإراءة والمرئيّة فيه بطريق الانعكاس ليس هو خارجا بل مرتبة الوهم قد حصل لها ثبات وتقرّر بصنع الله - جلّ شأنه - وتوهّم أنّها خارج والخارج ما وراء ذلك فإنّه بمعزل عن شهودنا وإحساسنا وما هو مشهود ومحسوس ومعقول ومتخيّل لنا كلّها داخلة في دائرة الوهم والموجود الخارجيّ هو ما وراء وراء أفهامنا لا مجال هناك للمرآتيّة وأيّ صورة تنعكس في تلك الحضرة والمرايا والصّور كلّها في مراتب الظّلال الّتي تتعلّق بدائرة الوهم والحسّ رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1). (59) المكتوب التّاسع والخمسون إلى الخواجه شرف الدين الحسين في إرجاع الحوادث اليوميّة إلى إرادة الله تعالى والتّلذّذ بها رزق الله سبحانه الاستقامة على جادّة الشّريعة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وجعلنا مشغولا بجناب قدسه بالكلّيّة (أيّها الولد) العزيز صاحب التّمييز: إنّ الحوادث اليوميّة لمّا كانت بإرادة واجب الوجود جلّ سلطانه ومشيئته ينبغي أن يجعل العبد إرادته تابعة لإرادته تعالى وأن يعتقد الحوادث عين مراداته وأن يكون ملتذّا بها فإن كان المقصود العبوديّة ينبغي اكتساب هذه النّسبة والّا فإنكار للعبوديّة ومعارضة بمولاه وقد ورد في الحديث القدسيّ " من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليطلب ربّا سوائي وليخرج من تحت سمائي " نعم قد كان الفقراء والمساكين ومتعلّقاتكم مستريحين ومرفّهة الأحوال برعايتكم وحمايتكم وحيث انّ لهم صاحبا يكفيهم ذلك وحسن ثنائكم وذكركم الجميل باق جزاكم الله سبحانه بالجزاء العاجل والآجل والسّلام. (60) المكتوب السّتّون إلى ولد شيخه الخواجه عبد الله في بيان عدميّة ذات الإنسان وبيان أنّ ذاته هي النّفس النّاطقة مع بيان فناء النّفس والقلب وزوال العلم الحصوليّ PageV02P315 هو الحقّ المبين سبحانه من لا يتغيّر بذاته ولا بصفاته ولا في أسمائه بحدوث الاكوان فإنّ كلّ تغيّر وتلوّن وقع في حدوث الاكوان فإنّما هو في مراتب العدم ولم يتطرّق إلى حضرة الوجود تعالى وتقدّس تنزّل ولا تبدّل لا في الخارج ولا في العلم أصلا بيانه أنّ الحقّ سبحانه لمّا أراد أن يظهر كمالاته الذّاتيّة والصّفاتيّة والاسمائيّة وأن يجليها في مجالي الاشياء ومراياها عيّن لكلّ كمال في مراتب العدم نقيض ذلك الكمال المقابل له والمتميّز عن سائر الاعدام بالإضافة إليه ليكون مرآة له فإنّ مرآة الشّيء مقابل الشّيئ وسبب لظهوره وبضدّها تتبيّن الاشياء والاعدام الّتي فيها قابليّة لأن تكون مرايا للكمالات أوجدها في مرتبة الحسّ والوهم في أيّ وقت اراد واعطاها الاستقرار والاستحكام وجعل جميع تلك الكمالات منعكسة فيها وصيّر تلك الاعدام بذلك الانعكاس حيّا وعالما وقادرا ومريدا وبصيرا وسميعا ومتكلّما في تلك المرتبة ولكن قد كان محسوسا أنّه قد يتصرّف أوّلا في العدم من غير أن يجعل فيه شيء آخر ويجعل هو بذلك التّصرّف ملائما وليّنا ثمّ يظهر فيه الكمال كما أنّ الشّمع يجعل أوّلا ليّنا وملائما ثمّ يصوّر بعد ذلك صورا وأشكالا (ينبغي أن يعلم) أنّ المراد هنا من العدم هو العدم الخارجيّ المقابل للوجود الخارجيّ فلا يكون منافيا لإيجاده الواقع في مرتبة الوهم مع أنّا نقول: إنّ المنافي للعدم هو الوجود الذى نقيضه ولا يصير العدم وجودا وأمّا إذا كان موجودا لا يلزم منه محذور أصلا كما قالوا في الوجود: إنّه من المعقولات الثانويّة ولا وجود لها في الخارج بل هي معدومة فيه (فعلم) من هذا التّحقيق أنّ حقائق الاشياء أعدام انعكست فيها كمالات مرتبة الوجود تعالت وتقدّست وحصلت لها بإيجاد الله تعالى تحقّق وثبوت وهميّ واستقرار واستمرار في مرتبة الحسّ والوهم وكان ذوات الاشياء تلك الاعدام وانعكاس الكمالات فيها بمثابة قواها وجوارحها وبعد تمهيد هذه المقدّمات نذكر في بيان المقصد الاصليّ الذى يتعلّق بالولاية الخاصّة كلمات ينبغي استماعها بسمع العقل (اعلم) أرشدك الله وهداك سواء الطّريق: أنّ حقيقة الإنسان وذاته العدم الذي هو حقيقة النّفس النّاطقة الّتي يعبّر عنها في الابتداء بالنّفس الامّارة وكلّ فرد من أفراد الإنسان يشير بلفظ أنا إليها فتكون ذات الإنسان هي النّفس الأمّارة وتكون سائر لطائف الإنسان كالقوى والجوارح لها وحيث انّ العدم شرّ محض في حدّ ذاته لم يشمّ رائحة من الخيريّة تكون النّفس أيضا شرّا محضا لا تكون فيها رائحة من الخيريّة ومن خباثتها وجهلها تدّعي الكمالات الظّاهرة فيها بطريق الانعكاس والظّلّيّة لنفسها وتنسب قيام تلك الكمالات الثابتة بأصلها إلى نفسها وتزعم نفسها بتلك الكمالات كاملة وخيرا وتكتسب من هذه الحيثيّة دعوى السّيادة وتشرك نفسها بربّها في الكمالات وتظنّ الحول والقوّة من نفسها وتزعم نفسها متصرّفة وتريد أن يكون الكلّ تابعا لها وتحبّ نفسها أكثر من الكلّ وتحبّ غيرها لنفسها لا لأجلهم ومن هذه التّخيّلات الفاسدة تكتسب عداوة ذاتيّة لمولاها ولا تذعن بأحكامها المنزّلة بل تتّبع هواها وورد في الحديث القدسيّ " عاد نفسك فإنّها انتصبت لمعاداتي " وبعث الله سبحانه الانبياء عليهم السّلام من كمال رأفته ورحمته رحمة للعالمين ليدعوا الخلق PageV02P316 إلى الحقّ سبحانه وليخرّبوا بيوت الاعداء وليدلّوها على مولاها وليخلّصوها من جهلها وخبثها وليطلعوها على شرّها ونقصها فمن أدركته السّعادة الازليّة أجاب دعوة هؤلاء الاكابر ورجع من جهله وخبثه وصار منقادا للأحكام المنزّلة (ينبغي أن يعلم) أنّ طريق تزكية النّفس على نوعين: طريق يتعلّق بالرّياضات والمجاهدات وهو طريق الإنابة ومخصوص بالمريدين والطّريق الثاني: طريق الجذب والمحبّة وهو طريق الاجتباء ويتعلّق بالمرادين شتّان ما بين الطّريقين؛ الطّريق الاوّل سير إلى جناب المطلوب والطّريق الثاني جرّ نحو المقصود وبين السّير والجرّ فرق كثير وتفاوت فاحش فإذا أريد لصاحب دولة بسابق الكرم الجرّ من طريق الاجتباء يعطى له الجذب والمحبّة لجناب القدس ويوصّل به إلى المقصود جرّا جرّا فإذا كان فيما بين هؤلاء من أدركته السّعادة يوصّل به إلى حدّ الفناء ويتخلّص من رؤية السّوي وعلمه ويجاوز به الآفاق والانفس ونسيان الآفاق مربوط بفناء القلب ونسيان الانفس موقوف على فناء النّفس الامّارة وفي الاوّل زوال العلم الحصوليّ وفي الثاني زوال العلم الحضوريّ لا يتصوّر ما لم يتحقّق زوال النّفس الحاضرة وما دامت النّفس الحاضرة قائمة فالعلم الحضوريّ موجود فانّ العلم الحضورىّ عبارة عن النّفس الحاضرة لا أمر زائد عليها فالزّوال الشّهوديّ في فناء النّفس يكون عبارة عن زوالها الوجوديّ بخلاف الزّوال الشّهوديّ الذى اعتبر في فناء القلب فإنّه ليس بمستلزم لزوال وجود القلب فإنّ الشّهود هناك زائد على الشّاهد وفناء أحدهما ليس بمستلزم لفناء الآخر (تنبيه) لا يتخيّلنّ الابله أنّ زوال النّفس الحاضرة حاصل أيضا في مقام البقاء بالله الذى هو ميسّر لأرباب التّوحيد الوجوديّ فإنّ الحاضر ثمّة هو الحقّ سبحانه لا نفس السّالك الفانية لانّا نقول: إنّ الحاضر في ذلك المقام هو نفس السّالك وقد تصوّرها السّالك بعنوان الحقّيّة والحقّ سبحانه منزّه ومبرّأ من هذا التّعيّن والحضور وهذا من قبيل ما قيل (ع) وصار الفأر في رؤياه ناقة * وانّما هنا زوال العلم بالنّفس الحاضرة وهو من أقسام العلم الحصوليّ لا زوال النّفس الحاضرة المستلزم لزوال العلم الحضوريّ وزوال النّفس الحاضرة عبارة عن زوال عينها وأثرها لا أنّه عبارة عن زوال العلم بها شتّان ما بينهما. (61) المكتوب الحادي والسّتّون إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد مدّ ظلّه في بيان أنّ رؤية العارف لبعض المظاهر تصير له سببا للعروج في بعض الاحيان وما يناسب ذلك إذا وقعت معاملة العارف في صرف الذّات تعالت وتقدّست وسقطت جميع النّسب والاعتبارات ففي ذاك الموطن يتعسّر العروج من غير علاقة وتعلّق وفي ذلك الوقت بحكم النّظرة الاولى لك ربّما يمدّ النّظر الأوّل إلى المظاهر الجميلة في ذاك المقام ويرقى إلى فوق بالسّرعة ويوصّل من المجاز الذى قيل له PageV02P317 قنطرة الحقيقة إلى الحقيقة ولكنّ الاجتناب عن النّظرة الثانية الّتي ورد في حقّها النّظرة الثانية عليك لازم في ذلك الوقت فإنّها مضرّة وسمّ قاتل فكيف يتصوّر منه الإمداد والإعانة؟ وما جعل الله لك في الحرام شفاء وقد صار محسوسا أنّه إذا وقع النّظر الثاني بالطّمع الفاسد يرى مرميّا خاليا كسائر الحجر والمدر والذين يعتقدون النّظرة الثانية والثالثة والرّابعة المتعلّقة بالمظاهر الجميلة مفيدة ويزعمونها من أسباب العروج إلى الحقيقة فهم أرباب الاستدراج والحقيقة الذين يزعمون أنّهم يعرجون إليها من عالم المجاز قوله تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ (1) كاف في ردّ هذه الجماعة وربّما تكون ظلمات الجوار نافعة في تلك الوقعة وكفر الجيران وفسقهم ممدّا في هذه المعاملة حتّى إنّه كلّما تزيد الظّلمة يزيد الإمداد لا لما قيل: إنّ الفيوض الواردة على المستغرقين في ظلمة الغفلة لا تصل عليهم لعدم قابليّتهم لها بل تتوجّه إلى من يكون في جوارهم بالحضور والجمعيّة وهو يترقّى بفيوض الآخرين فإنّ الامر ليس كذلك لانّه يمكن أن يقال إنّ تلك الفيوض الواردة لا تصل إلى حوالي ذلك العارف بواسطة علوّ درجته فضلا عن أن تمدّه في العروج وشأن هؤلاء الاكابر عال لا ينفع في شئونهم كلّ عمل وفيض بل ثمّة سرّ دقيق منكشف لأرباب ذلك الحال والقدر الممكن إظهاره أنّ الظّلمة أيضا يحتاج إليها لأجل كمال ظهور النّور ولعلّكم سمعتم: وبضدّها تتبيّن الاشياء ولمّا كان ارتكاب الظّلمة منهيّا عنه اعتبرت ظلمة الجوار أيضا من كمال الكرم وجعلت نافعة في ظهور النّور الذى هو نور الانوار (فإن قيل) كيف لا يكون للطّاعات والعبادات خصوصا أداء الفرائض نفع في ذلك الموطن؟ ولم لا تمدّ في العروج؟ (قلت) لم لا تكون نافعة ولم لا تمدّ في العروج ولكنّ النّفع والإمداد المعتدّ بهما المتحقّقان سابقا ليسا بحاصل في ذلك الوقت وليس لها نفع كنفع الاسباب الخارجيّة المذكورة فيما سبق وأمثالها والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (3). (62) المكتوب الثاني والسّتّون إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد معصوم مدّ ظلّه العالي في بيان انتفاء الفناء الوجوديّ عن الإنسان بناء على عدم الذّاتيّ إنّ حقيقة الإنسان وذاته هي النّفس النّاطقة المشار إليها لكلّ فرد من أفراد الإنسان بلفظ " أنا " وحقيقة النّفس النّاطقة العدم وقد توهّمت نفسها بواسطة انعكاس الوجود والصّفات الوجوديّة موجودة PageV02P318 وحيّة وعالمة وقادرة بالاستقلال وزعمت هذه الصّفات الكاملة من الحياة والعلم وغيرهما من نفسها وقائمة بها وتيقّنت نفسها بهذا التّوهّم كاملة وخيرا ونسيت خباثتها ونقصها الذّاتيّين النّاشئين من العدم الذى هو شرّ محض فإذا أدركتها عناية الله سبحانه وخلّصتها من الجهل المركّب وتصديق الكاذب تعرف أنّ هذه الكمالات من محلّ آخر لا منها ولا أنّها قائمة بها وتعلم أنّ حقيقتها وذاتها العدم الذى هو شرّ محض ونقص خالص فإذا غلبت هذه الرّؤية بكرم الله تعالى وسلّمت الكمالات إلى صاحبها بالتّمام وأدّت هذه الامانة إلى أهلها بالكلّيّة ووجدت نفسها عدما محضا ولم تشمّ في نفسها رائحة من الخيريّة فحينئذ لا يبقى منها اسم ولا رسم ولا عين ولا أثر فإنّ العدم لا شيء محض لا ثبوت له في مرتبة من المراتب فلو تحقّق له فرضا ثبوت في مرتبة من المراتب لما كانت جميع الكمالات مسلوبة عنه فإنّ الثبوت عين الكمال بل أمّ الكمالات فلزم من هذا التّحقيق أن يكون هذا الفناء أتمّ وأكمل لا حاجة إلى زوال وجود الفاني أصلا فإنّه لم يثبت له وجود أصلا حتّى يتصوّر الزّوال بل كان عدميّا مثبتا نفسه بتوهّم الوجود ولمّا زال ذلك التّوهّم وتحقّق بالعدم الصّرف بقي هالكا ولا شيئا محضا فلا يكون بدّ من الزّوال الشّهوديّ ولا يحتاج إلى الزّوال الوجوديّ والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. (63) المكتوب الثالث والسّتّون إلى المير منصور في كشف سرّ الإحاطة والقرب والمعيّة الكائنة لله تعالى وإرجاع هذه إلى مجمل الكتاب الكريم ومشكله إنّ القرب والمعيّة والإحاطة والسّريان والوصل والاتّصال والتّوحيد والاتّحاد وأمثالها في حضرته سبحانه من قبيل المشكلات والشّطحيّات وجناب قدسه جلّ شأنه منزّه ومبرّأ من القرب والمعيّة والوصل والاتّصال الّتي تكون مدركة بفهومنا ومتعقّلة بعقولنا ولكنّ القدر الذى اطّلعنا عليه في آخر الامر أنّ هذا القرب وغيره شبيه بالقرب والاتّصال الحاصلين بين المرآة وبين الصّورة المتوهّمة فيها الذى هما من قبيل قرب الموجود واتّصاله بالموهوم وحيث انّ الحقّ سبحانه موجود حقيقيّ والعالم مخلوق في مرتبة الحسّ والوهم يكون القرب والاتّصال بين الواجب والممكن من قبيل قرب الموجود واتّصاله بالموهوم ولا يعود من هذا القرب والاتّصال إلى جناب قدسه تعالى محذور أصلا فإنّ الاشياء الخسيسة قد تنعكس في المرآة ويحصل للمرآة قرب وإحاطة بها ولا يتطرّق إلى المرآة نقص أصلا ولا ترى فيها خسّة قطعا فإنّه لا اسم لتلك الاشياء في المرتبة الّتي فيها المرآة ولا رسم حتّى تؤثّر فيها صفاتها غاية ما في الباب أنّ الحقّ سبحانه لمّا خلق العالم في مرتبة الحسّ والوهم وأراد أن يثبت هذه المرتبة ويحكم أجرى الاحكام والآثار المترتّبة على الموجود على هذا الموهوم ولهذا أثبت القرب والإحاطة الموهومين كالقرب والإحاطة PageV02P319 الموجودين وجعلهما من الاحكام الصّادقة الا ترى أنّ رؤية الصّورة الجميلة في الخارج كما أنّها مستلزمة للالتذاذ وحصول العلاقة كذلك تلك الصّورة موجبة للالتذاذ والعلاقة حين انعكاسها في المرآة وحصول الثبوت الوهميّ لها فيها مع أنّ الصّورة الاولى موجودة والثانية موهومة وفي حصول الاثر بينهما شركة ولمّا حصلت للموهوم بكرم الله تعالى شركة مع الموجود في ترتّب الأحكام وترتّبت الآثار على الموهوم ترتّبها على الموجود انبعثت في الموهوم المحروم أطماع ورجايا من الموجود وحصلت له بشارات حصول دولة القرب والاتّصال بالموجود. (شعر) هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها ... وللعاشق المسكين ما يتجرّع ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) (ينبغي أن يعلم) أنّ القرب والاتّصال كلّما تصوّرا وتعقّلا بغير المعنى الذى ذكر لا يكونان من غير تشبيه وتجسيم إلّا أن يؤمنوا بهما ولم يشتغلوا بكيفيّتهما ويفوّضوهما إلى علم الله تعالى وحيث لحق بهذه الالفاظ نوع بيان ساغ أن نخرجها من المتشابهات ونلحقها بالمجمل أو المشكل والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. (64) المكتوب الرّابع والسّتّون إلى حضرة الخواجه محمّد سعيد وحضرة الخواجه محمّد معصوم سلّمهما الله سبحانه وأبقاهما في بيان الفناء الاتمّ المربوط بزوال العين والاثر مع تحقيق وجود الواجب سبحانه وبيان زوال العدم من الممكن وبقاء الثبوت وعروجاته الفناء الاتمّ إنّما يتحقّق إذا حصل زوال العين والاثر عن الفاني ولم يبق منه اسم ولا رسم (فإن قيل) إذا كانت حقيقة الممكنات الاعدام الّتي تمايزت بالإضافة وصارت مجالي أسماء الواجب وصفاته سبحانه كما حقّقت ذلك في مكاتيب لزم أن لا يبقى من العدم الذى هو حقيقته اسم ولا رسم في الممكن على تقدير حصول هذا الفناء وأن لا يكون فيه شيء غير الوجود الصّرف فإنّ زوال أحد النّقيضين مستلزم لحصول الآخر لئلّا يلزم ارتفاع النّقيضين معا والوجود عند الصّوفيّة عين الواجب تعالى أو أخصّ صفاته سبحانه وعلى كلا التّقديرين يلزم قلب الحقيقة وهو مستلزم للالحاد والزّندقة (أجيب) انّ نقيض العدم ليس هو ذاك الوجود الذى هو حقيقة الواجب تعالى أو أخصّ صفاته الذّاتيّة سبحانه بل هو ظلّ من ظلال ذلك الوجود وعكس من عكوسه (وبالجملة) انّ كلّ وجود وقع العدم في الطّرف المقابل PageV02P320 له فهو من مظانّ الإمكان ومحتاج إلى رفع العدم الذى هو نقيضه وصفات الواجب جلّ شأنه وإن كانت خارجة من دائرة الإمكان ولكن لمّا كانت لها احتياج إلى ذات الواجب تعالى ومقابلة الاعدام ثابتة بكلّ منها ليست بخارجة من شوب الإمكان والاحتياج إلى الذّات لازم لها دائما وإن كانت قديمة غير منفكّة عن الذّات ونفس الاحتياج دليل الإمكان فإن كان احتياجا إلى الغير فهو نقص كامل والمتّصف به داخل في دائرة الإمكان وإن لم يكن احتياجا إلى الغير فالمتلبّس به فيه رائحة من الإمكان وإن لم يكن داخلا في دائرة الإمكان كما أنّ صفات الواجب تعالى كمالها دون كمال الذّات تعالت وتقدّست فالوجوب المطلق مختصّ بذات الواجب تعالى فإنّها منزّهة عن مظنّة النّقص ومبرّأة من شائبة القصور وصفات الواجب وإن كان لها قدم في دائرة الوجوب ولكن لمّا كانت محتاجة إلى الذّات كان وجوبها دون وجوب الذّات كما أنّ وجودها دون وجود الذّات تعالت فإنّ في وجودها نقاضة بالعدم وهو عدم العلم وعدم القدرة مثلا وليس لوجود الذّات تعالت عدم مقابل أصلا ولا يتصوّر له نقيض قطعا فلو كان عدم من الاعدام نقيضا لوجود الواجب تعالى لكان محتاجا إلى رفع ذلك النّقيض والاحتياج من سمات النّقص المناسب لحال الإمكان تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا (لا يخفى) أنّه ينبغي التّحاشي من إطلاق لفظ الإمكان على صفات الواجب جلّ سلطانه لكونه موهما للحدوث وصفات الله تعالى قديمة وإن لم تكن واجبة بذواتها ولكنّها واجبة بالنّظر إلى ذات الواجب جلّ شأنه فإنّها غير منفكّة عنها وحاصل هذا المعنى وإن كان منجرّا إلى الإمكان ولكنّه خال عن توهّم الحدوث وعدم حصول النّقيض من العدم لوجود الواجب تعالى كشفىّ وشهوديّ وإن استدلّ عليه بحسب الصّورة كما يورد على بديهيّ تنبيه في صورة الاستدلال (ولنرجع إلى أصل الكلام فنقول) في جواب السّؤال: لا يبقى في الممكن على تقدير الفناء بعد زوال العدم شيء غير الوجود ولا يكون له نصيب غير الثبوت والتّحقّق؛ فإنّه قد انتفى عنه العين والاثر ولكنّ هذا الوجود والثبوت ممّا أثبت لممكن في مرتبة الوهم والحسّ وترتّبت عليه الآثار وصار مرآة لكمالات مرتبة حضرة الوجوب تعالت وتقدّست بعد زوال العدم وصار ذات الممكن وحقيقته كالعدم الزّائل وكان هذا الثبوت قبل زوال العدم من صفات العدم مثبتا له في مرتبة الحسّ والوهم وقد صار ذلك الثبوت الآن بعد زوال العدم نائبا منابه في كونه ذات الممكن وانتساب الصّفات إليه وقيام معاملة العدم به وقيام معاملة نيابة العدم هذه منوط ببقاء نقيض ذلك الثبوت وبقاء الإمكان فإذا ترقّت المعاملة من نقيض الثبوت ولم يبق للوجود ما يقابله بل لم يبق للعدم مجال المقابلة به ولم يبق للإمكان مساغ فيه فحينئذ تتبدّل المعاملة غير المعاملة وتقع بين الجلساء والنّدماء مغايرة ومبادلة فينبغي طلب سرّ " او أدنى " ثمّة وكلّ محلّ فيه شوب الإمكان ومجال العدم ولو بالنّقاضة فهو داخل في «قاب قوسين " فإذا شرع الإمكان والعدم في الرّحيل وقرعت لهما مقرعة التّحويل فح تستقبل كمالات " أو أدنى " لا بمعنى أنّ الممكن يصير في ذلك الوقت ذات الواجب يعني عينه بل بمعنى أنّ قيامه يكون بالذّات البحت تعالت ويزول قيامه الذى كان PageV02P321 بظلّ من ظلال الذّات تعالت (ع) ليس من غاب في الإله إلها * وقيام هذا العارف بذات واجب الوجود كقيام صفاته بذاته سبحانه وتعالى بل قيامه بمرتبة ليست الصّفات ملحوظة فيها أصلا وإن لم يكن للصّفات انفكاك عن الذّات إلّا أنّ قيام الصّفات أزليّ وأبديّ وهي قديمة وقيامه ليس بأزليّ وهو متّسم بسمة الحدوث ولكنّ للصّفات نقائض من الاعدام كعدم العلم وعدم القدرة مثلا ومعاملة هذا العارف قد ترقّت من نقاضة الاعدام كما حقّقنا (لا يخفى) أنّ المعاملة إذا ترقّت من نقاضة العدم يتحقّق الوجوب ويصير الممكن واجبا وهو محال (أجيب) انّما يصير الممكن واجبا إذا عرض له الوجود الخارجيّ ولا ثبوت للممكن في غير مرتبة الوهم والحسّ فمن أين يتصوّر في حقّه وجوب الوجود وظهر من هذا البيان بين قيام العارف وقيام الصّفات فرق آخر وهو أنّ قيام الصّفات باعتبار الوجود الخارجيّ وقيام العارف باعتبار الوجود الوهميّ وإن كان له ثبات واستقرار وكان مبدأ للآثار (ينبغي أن يعلم) أنّ بقاء صدور أنا من العارف مربوط ببقاء العدم الذى هو حقيقته فإذا زال العدم لم يبق لأنا مورد حتّى يطلق عليه ومعاملة الثبوت بعد زوال العدم وإن كانت طويلة الذّيل وصار الثبوت ذاتا للممكن ولكن لا مورد لكلمة " أنا " هناك وكأنّ وضع لفظ " أنا " كان للحقيقة العدميّة حيث تنفر من الحقيقة الثبوتيّة نعم إنّ الجزء الاعظم في الممكن هو العدم وصار الممكن ممكنا من العدم واتّسعت معاملة الممكن من العدم واحتياج الممكن إنّما نشأ من العدم والحدوث اللّازم للإمكان إنّما ترتّب على العدم وكثرة الممكن منشعبة من جهة العدم والامتياز فيه أيضا حصل من العدم والوجود في حقّه مستعار وهو أيضا بالتّخيّل والتّوهّم ولو كان له ثبات واستقرار (واعلموا) أنّ الصّفات القائمة بذات الواجب جلّ سلطانه تظهر الذّات عزّ شأنها بتمامها بلون كلّ واحدة منها لا أنّ بعض الذّات يكون متّصفا بصفة وبعض آخر منها متّصفا بصفة أخرى فإنّه لا تبعّض في حضرة الذّات ولا تجزّي بل هي بسيط حقيقيّ وكلّ حكم يثبت ثمّة فهو باعتبار لكلّيّة كما قالوا إنّ ذات الله تعالى كلّها علم وكلّها قدرة وكلّها إرادة والقيام الذى يحصل للعارف بذات الواجب جلّ سلطانه بلا ملاحظة الاسماء والصّفات أيضا من هذا القبيل حيث تظهر بالكلّيّة بلونه وتبدى مرآتيّتها بتشخّصه على عكس مرايا أخر فهم من فهم. (شعر) أتقيم يا سعد القيامة من حلا ... وة منطق عطّلت به الببغاء ومثل هذا الظّهور أعني ظهور المرآة بلون الصّورة بالكلّيّة إن حصل للعارف بعد الفناء الاتمّ بقاء بذلك الظّهور يكون أكمل تعيّناته لكونه وجودا موهوبا حقّانيّا قد تيسّر له بالولادة الثانية وهذا التّعيّن مع حدوثه وإمكانه لمّا كان ناشئا من مرتبة الجمع له مزيّة وفضل على تعيّنات أخر ليست ناشئة من تلك المرتبة كمزيّة حروف القرآن وكلماته على حروف وكلمات أخر وإن كان كلّها متّسمة بسمة الحدوث وأبله من يرى هذا التّعيّن من اقتصار نظره على الظّاهر مساويا لتعيّنات أخر وتزعم مساواة حروف القرآن PageV02P322 وكلماته مع حروف كلمات أخر فاعرف فضل العارف من ههنا وقس مزيّته على الآخرين على مزيّة كلام الله عزّ وجلّ على كلام الآخرين. (شعر) خاب الذى قد يرى ذا القبح كالحسن ... وفاز من كان فيه حدّة البصر وقال المحجوبون في حقّ محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنّه بشر وتصوّروه كسائر البشر فأنكروه بالضّرورة وتصوّره أصحاب الدولة وأرباب السّعادة بعنوان الرّسالة والرّحمة للعالمين واعتقدوه ممتازا من سائر النّاس فتشرّفوا بدولة الإيمان وصاروا من أهل النّجاة (تنبيه) إذا اورد في أثناء أداء بعض المطالب العالية المتعلّقة بذات الواجب جلّ شأنه وصفاته بواسطة ضيق ميدان العبارة الفاظ موهمة بصفات الممكن المستلزمة للنّقص والقصور ينبغي أن يصرف تلك الالفاظ عن ظاهرها وأن يعتقد جناب قدسه تعالى منزّها ومبرّأ عن جميع صفات النّقص وسمات القصور وأطلق بعض الالفاظ الذى لم يرد به الشّرع على حضرته تعالى بتقليد المشايخ العظام بطريق التّجوّز مثل المرآتيّة وغيرها وأنا خائف مشفق منه رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (1) (فإن قيل) إنّه قد يقع في عبارتك لفظ التّجلّي والظّهور الظّلّيّ وأمثالهما فيلزم منه تنزّل الوجود في مراتب الظّهورات كما قال به المشايخ وأنت تنكر على ذلك فما وجه ما ذكرت هنالك؟ (قلت) إنّ التّنزّل إنّما يلزم إذا قلنا إنّ المظهر عين الظّاهر كما قال الآخرون وأمّا إذا لم نقل إنّه عينه لا يلزم التّنزّل ومختار هذا الفقير عدم عينيّة الظّاهر بالمظهر والله سبحانه الموفّق (65) المكتوب الخامس والسّتّون إلى مولانا صفر أحمد الرّوميّ في بيان أنّ كلّ صفة من صفات العارف وكلّ لطيفة من لطائفه تظهر بعنوان كلّيّة ذاته بعد بقاء ذاته إذا أعطي العارف الكامل التّامّ المعرفة بعد بقاء الذّات الصّفات الكاملة والاخلاق الحميدة تظهر كلّ صفة من تلك الصّفات متّصفة بعنوان كلّيّة ذاته لا انّ بعض ذاته يكون متّصفا بصفة وبعضا آخر متّصفا بصفة أخرى مثلا تكون ذاته بتمامها علما وبتمامها بصرا وبتمامها سمعا كما قال محقّقو الصّوفيّة في صفات الواجب جلّ شأنه: ذات الله تعالى كلّها علم وكلّها قدرة وكلّها سمع وكلّها بصر مثلا ومن ههنا يرى المؤمنون الحقّ سبحانه في الجنّة بلا جهة؛ فإنّهم يكونون بكلّيّتهم أبصارا فإذا كانوا بكلّيّتهم أبصارا كيف يكون هناك مجال للجهة؟ قالوا إنّما تيسّر لعوامّ المؤمنين في الآخرة بعد اللّتيا واللّتي يتيسّر للأولياء الذين هم خواصّ المؤمنين في الدنيا فيكون ما هو نسيّة في حقّ هؤلاء نقدا لهؤلاء ينبغي أن يقيس PageV02P323 نسيّتهم من ذلك (ع) وقس من حال بستاني ربيعي * ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) وكذلك كلّ لطيفة من لطائف ذلك العارف تظهر بوصف كلّيّته فيصير العارف بتمامه لطيفة الرّوح وبتمامه لطيفة القلب وعلى هذا القياس سائر اللّطائف الإنسانيّة من النّفس النّاطقة والسّرّ والخفيّ والاخفى وعلى هذا المنوال أيضا كلّ جزء من أجزائه وكلّ عنصر من عناصره يأخذ حكم الكلّ مثلا يجد العارف نفسه بالتّمام عنصر التّراب وبتمامه عنصر الماء فإذا انصبغت لطيفة القلب الّتي هي الحقيقة الجامعة بلون الكلّ وزال تعلّقه الذى كان بالمضغة القلبيّة وبقيت المضغة خالية في ذلك الوقت كالجسد الخالي عن الرّوح يتخيّل أنّه ما أصابها في هذا المجيء والذّهاب غبار من هذا الطّريق بل هي على صرافتها الاصليّة كحبّة بقيت في قدر مغليّ غير مطبوخة بحيث لم تؤثّر فيها الحرارة ولم يصبها الماء غاية ما في الباب أنّها بعد رفع ذلك التّعلّق وبعد الخلوّ تكون منصبغة بلون سائر الاجزاء وتأخذ حكم الكلّ كأجزاء أخر. (66) المكتوب السّادس والسّتّون إلى محمّد مقيم القصوريّ في جواب سؤاله عن معنى «المجاز قنطرة الحقيقة» سال أخي محمّد مقيم أنّه بأيّ معنى قالوا: المجاز قنطرة الحقيقة؟ (اعلم) أنّ المجاز ظلّ الحقيقة ومن الظّلّ إلى الاصل طريق سلطانيّ ولعلّهم بهذا الاعتبار قالوا: من عرف نفسه فقد عرف ربّه فإنّ معرفة الظّلّ مستلزمة لمعرفة الاصل فإنّ الظّلّ كائن على صورة أصله فيكون سببا لانكشاف الاصل لانّ صورة الشّيء ما ينكشف به ذلك الشّيء لكن ينبغي أن يعلم أنّ المجاز إنّما يكون قنطرة الحقيقة إذا لم يدخل في البين تعلّق بالمجاز ولم ينجرّ الامر إلى نظرة ثانية وقنطرة الحقيقة هي النّظرة الاولى الّتي قال المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام في حقّها " النّظرة الاولى لك " وكأنّه أشار بلفظ " لك " إلى حصول هذه الدولة وأمّا إذا دخل التّعلّق بالمجاز في البين عياذا بالله سبحانه وانجرّ الامر إلى النّظرة الثانية فذلك المجاز سدّ في طريق الوصول إلى الحقيقة فضلا عن أن يكون قنطرة بل هو صنم يدعو إلى عبادته وغول يضلّ عن طريق الحقيقة بغوايته ولهذا قال المخبر الصّادق بيانا لمضرّة النّظرة الثانية " النّظرة الثانية عليك " وأيّ شيء يكون أضرّ ممّا يصدّ عن الحقّ ويشغل بالباطل (ينبغي أن يعلم) أنّ النّظرة الاولى إنّما تكون نافعة إذا لم تكن عن اختيار وأمّا إذا كانت بالاختيار فحكمها حكم النّظرة الثانية قوله تعالى قُلْ PageV02P324 لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ (1) كاف في إثبات هذا المطلب ولم يفهم جهلاء الصّوفيّة النّاقصون معنى هذه العبارة فغلطوا وخلّطوا وطفقوا يشغفون بالصّور الجميلة وينخدعون بغنجهم ودلالهم بطمع أنّهم يجعلونهم وسيلة الوصول إلى الحقيقة ومعراجا لحصول المطلوب كلّا إنّ ذلك هو عين سدّ طريق المطلوب وحاجب عن حصول المقصود والذي زيّن في نظرهم هو الباطل وهم قد وقعوا في الغرور بأنّه الحقيقة وزعم جمع منهم حسن تلك الصّور وجمالهم حسن عين الحقّ جلّ شأنه وجماله وظنّوا التّعلّق بهم عين التّعلّق بالحقّ، وزعموا مشاهدتهم عين مشاهدة الحقّ قال بعضهم. (شعر) أمر وز ?ون جمال تو بى ?رده ظاهر است ... در حيرتمكه وعدهء فردا براي ?يست تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا ماذا ظنّ هؤلاء القاصرون الحقّ سبحانه؟ وماذا زعموا حسنه وجماله تعالى؟ أما سمعوا أنّه إذا وقعت شعرة من شعر حور الجنان الّتي هي من مخلوقاته سبحانه فرضا في الدنيا لما أظلمت الدنيا من إضاءتها وإشراقها أبدا وقد ثبت احتراق جبل الطّور واندكاكه بتجلّ واحد من تجلّيات الحقّ جلّ وعلا وسقوط كليم الله على نبيّنا وعليه أفضل الصّلاة والسّلام مغشيّا عليه من ذلك التّجلّي مع علوّ منزلته وزيادة قربه ورفعته بنصّ القرآن وهؤلاء مع قصور عقولهم هذه يرون الحقّ سبحانه بلا حجاب في جميع الاوقات ويتعجّبون من وعد الرّؤية الاخرويّة لَقَدِ اِسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (2) وعلماء أهل السّنّة والجماعة - شكر الله تعالى سعيهم - بذلوا غاية جهدهم في إثبات الرّؤية الاخرويّة ببراهين نقليّة وخالفوا في ذلك جميع الفرق فإنّه لم يقل برؤية الحقّ جلّ وعلا غير أهل السّنّة أحد من الفرق المخالفين ملّيّوهم وغير ملّيّهم بل عدوّها من المحال العقليّ وأهل السّنّة أيضا قالوا: إنّها بلا كيف وإنّها مخصوصة بتلك النّشأة وهؤلاء المهوّسون يزعمون حصول هذه الدولة الباهرة في هذه النّشأة الفانية وصاروا مسرورين بمنامهم وخيالهم رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (3) والسّلام على من اتّبع الهدى (4) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات. (67) المكتوب السّابع والسّتّون إلى المير منصور في بيان حقيقة الكائنات وبيان الفرق بين مكشوف حضرة شيخنا ومكشوف صاحب الفتوحات PageV02P325 إنّ عرصة هذه الكائنات الّتي تتخيّل معاينة ومشهودة ومنبسطة ومسطّحة وطويلة وعريضة هي عند حضرة الشّيخ محيي الدين بن العربيّ وتابعيه حضرة الوجود الذى لا موجود في الخارج غيره وذلك الوجود هو ذات الحقّ سبحانه الذى يسمّونها ظاهر الوجود الذى بواسطة انعكاسه في الصّور العلميّة المتكثّرة الّتي يسمّونها باطن الوجود ويقال لها الاعيان الثابتة وتلبّسه بها يتخيّل متكثّرا ومنبسطا وطويلا وعريضا مع كونه على وحدته وبساطته ويقولون: إنّ مشهود الكلّ ومحسوس الجميع من العوامّ والخواصّ في هذه الصّفحة في الكسوة الكونيّة وفي الصّور والاشكال المتمايزة هو حضرة الحقّ سبحانه يتوهّم للعوامّ عالما والعالم لم يخرج من موطن العلم أصلا ولم يشمّ رائحة من الوجود الخارجيّ والظّاهر في مرآة حضرة الوجود هو عكوس تلك الصّور العلميّة أوقعت العوامّ في توهّم الوجود الخارجيّ بظهورها في الخارج لمولانا الجاميّ عليه الرّحمة (رباعى) مجموعهء كون را بقا نون سبق ... كرديم تفحص ورقا بعد ورق حقا كه نديديم ونه خواندم در او ... جز ذات حق وشئون ذاتيهء حق وما هو مكشوف هذا الفقير ومعتقده هو أنّ هذه العرصة هي عرصة الوهم وهذه الصّور والأشكال الّتي فيها هي صورة الممكنات وأشكالها ثبتت بصنع الله سبحانه في مرتبة الحسّ والوهم وصارت متقنة وكلّ ما هو محسوس مشهود في هذه الصّفحة فهو من الممكنات وإن كان توهّم ذلك المشهود لبعض السّالكين واجبا وظهر بعنوان الحقّيّة ولكنّه من أفراد العالم وهو تعالى وراء الوراء ومنزّه عن رؤيتنا وعلمنا مبرّأ من كشفنا وشهودنا. (شعر) أنّى يرى للخلق نور جماله ... وبأيّ مرآة يكون مصوّرا غاية ما في الباب أنّ هذه العرصة الموهومة ظلّ تلك العرصة الخارجيّة الّتي هي حريّة بمرتبة الوجوب تعالت وتقدّست كما أنّ وجود هذه المرتبة ظلّ وجود تلك المرتبة فلو قيل لمرتبة الوهم هذه باعتبار كونها ظلّا لمرتبة الخارج خارجا لساغ كما يقال لها باعتبار الوجود الظّلّيّ موجودا أيضا وعرصة الوهم هذه كعرصة الخارج من جملة نفس الامر ولها أحكام صادقة والمعاملة الابديّة مربوطة بها كما أخبر به المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. ينبغي أن يلاحظ أنّ أيّا من هذين المكشوفين أقرب إلى تنزيه الله تعالى واليق بتقديسه سبحانه وأولى وأنسب بالنّسبة إلى جناب قدسه تعالى وأيّ منهما مناسب لبداية الحال وتوسّطه وأيّهما مناسب لحال الانتهاء وكان هذا الفقير معتقدا للمكشوف الاوّل منذ سنين ومرّت عليه في ذلك الموطن أحوال عجيبة ومشاهدات غريبة وحصل له في ذاك المقام حظّ وافر ثمّ صار آخر الامر بمحض فضل الله جلّ شأنه معلوما أنّ كلّ ما يرى ويعلم فهو غير الحقّ سبحانه لازم النّفي وبعد اللّتيّا والّتي انجرّت المعاملة بكرم الله جلّ شأنه من النّفي إلى الانتقاء وزال الباطل الذى أظهر نفسه PageV02P326 بعنوان الحقّ عن الرّؤية والعلم وحصول التّعلّق بغيب الغيب وامتاز الموهوم من الموجود وافترق القديم من الحادث وذلك حاصل المكشوف الثاني للمؤلّف (رباعى) در عرصهء كائنات بادقة فهم ... بسيار كذشتيم بسرعت ?ون سهم كشتيم همه ?شم نديديم درو ... جز ظل صفات آمده ثابت در وهم الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنّا لنهتدى لو لا ان هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ. (68) المكتوب الثامن والسّتّون إلى الفقير محمّد هاشم الكشميّ في تحقيق مرتبة الوهم الّتي ظهر العالم في تلك المرتبة وما يناسب ذلك إنّ قولنا للعالم موهوما لا بمعنى أنّه منحوت الوهم ومجعوله كيف يكون منحوت الوهم فإنّ الوهم أيضا من جملة العالم بل بمعنى أنّ الحقّ سبحانه خلق العالم في مرتبة الوهم وإن لم يكن الوهم موجودا في ذلك الوقت ولكنّه كان في علم الله تعالى ومرتبة الوهم عبارة عن ظهور بلا كون ووجود كمثل دائرة ناشئة من جولان النّقطة الجوّالة حيث انّ لها ظهورا ولا وجود والحكيم المطلق جلّ سلطانه خلق العالم في تلك المرتبة وأعطى الظّهور المحض ثبوتا وثباتا وأخرجه من الغلط إلى الصّحّة ومن الكذب إلى الصّدق وجعله نفس الامر فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ (1) والمرتبة الموهومة مرتبة عجيبة لا مزاحمة لها بالموجود أصلا ولا تدافع ولا تثبت له جهة من الجهات ولا حدّ ولا نهاية كما لا تنازع للدّائرة الموهومة مع النّقطة الجوّالة الموجودة ولا جهة من الجهات ثابتة لها معها ولم يحدث في النّقطة نهاية أصلا من حدوث الدائرة الموهومة حيث لا يمكن أن يقال: إنّ النّقطة في يمين الدائرة أو في شمالها أو في قدّامها أو في خلفها أو فوقها أو تحتها وثبوت هذه الجهات للدّائرة إنّما هو بالنّسبة إلى الاشياء الّتي لها ثبوت في مرتبتها وأمّا ما هو كائن في مرتبة أخرى فليس شيء من هذه الجهات بثابت للدّائرة معها وأيضا لم يثبت لهذه النّقطة حدّ ونهاية بحدوث تلك الدائرة بل هي على صرافتها ولله المثل الاعلى (ينبغي أن يعلم) من هذا البيان حال العالم مع صانع العالم جلّ شأنه بأنّه لم يحدث له سبحانه من إيجاد العالم حدّ ولا نهاية ولم تحصل له جهة من الجهات وهذه النّسبة كيف تتصوّر هناك فإنّه لا اسم من هؤلاء في تلك المرتبة العلياء ولا رسم حتّى تتصوّر النّسب وطائفة من المخذولين توهّموا من قصور نظرهم حصول هذه النّسب وثبوت الجهات في حقّ صانع العالم جلّ شأنه مع العالم ونفوا رؤيته تعالى PageV02P327 وزعموها محالا وقدّموا جهلهم المركّب وتصديقهم للكاذب على الكتاب والسّنّة وظنّوا أنّه لو كان الحقّ سبحانه مرئيّا لكان في جهة من جهات الرّائي وذلك مستلزم للحدّ والنّهاية وقد علم من التّحقيق السّابق ان لا شيء في حقّه سبحانه من هذه النّسب مع العالم سواء أثبتت الرّؤية أو لا فتكون الرّؤية ولا تحدث الجهة كما تحقّق هذا المعنى أما علموا أنّ هذا المحذور لازم أيضا في وقت وجود العالم فإنّ الصّانع تعالى يكون في جهة من العالم ويكون أيضا وراء العالم وهو مستلزم للحدّ والنّهاية فإن قالوا إنّه في جميع جهات العالم فما يقولون في حقّ لزوم الحدّ والنّهاية اللّازم للورائيّة وأيضا الفساد والمحذور في ثبوت الجهة إنّما هو لاستلزامها النّهاية وهي بنفسها لازمة هنا والخلاص من هذا المضيق إنّما هو في اختيار قول الصّوفيّة أعني قولهم للعالم موهوما فيحصل التّخلّص حينئذ من أشكال الجهة والنّهاية ولا محذور في القول بأنّه موهوم أصلا فإنّ له أحكاما صادقة كالموجود والمعاملة الابديّة والتّنعّمات والتّعذيبات السّرمديّة مربوطة به والموهوم الذى قال به السّوفسطائيّة المجانين شيء آخر فإنّه مخترع الوهم ومنحوت الخيال شتّان ما بينهما (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنقول إنّه لا جهة للدّائرة الموهومة النّاشئة من النّقطة الجوّالة بالنّسبة إليها بل هي خارجة من جميع جهاتها فلو صارت تلك الدائرة - فرضا بتمامها - بصرا لرأت النّقطة من غير جهة البتّة لانّ الجهة مفقودة بينهما وفيما نحن فيه أيضا لو صار الرّائي بتمامه بصرا ورأى الحقّ جلّ وعلا بلا جهة أيّ محذور يلزم فيه والمؤمنون يرونه سبحانه في الجنّة بكلّيّتهم ولا يثبت جهة أصلا وبحكم تخلّقوا بأخلاق الله تحصل هذه الدولة للأولياء في الدنيا ويصيرون بكلّيّتهم بصرا وإن لم تكن رؤية فإنّها مختصّة بالآخرة ولكنّ لها حكم الرّؤية وإنّما قلت تخلّقوا بأخلاق الله فإنّهم قالوا في الواجب تعالى ذاته كلّها بصر وكلّها سمع وكلّها علم وللمتخلّقين نصيب من هذه الاخلاق البتّة وكلّ صفة من صفاتهم تأخذ في ذلك المقام حكم كلّيّتهم فيصيرون بكلّيّتهم بصرا مثلا ويعطى سائر المؤمنين هذه النّسبة في الآخرة فيتشرّفون هنالك بدولة الرّؤية إن شاء الله تعالى ولا يلزم على هذا التّقدير محذور واشتباه أصلا والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. (69) المكتوب التّاسع والسّتّون إلى القاضي موسى شوحين في التّرغيب في التزام الشّريعة وصحبة أرباب الجمعيّة بعد الحمد لله والصّلوات وتبليغ الدعوات أنهى أنّ أحوال فقراء هذه الحدود مستوجبة للحمد وسرّت الصّحيفة الشّريفة المرسلة مع الدرويش رحم على بوصولها رزقكم الله السّلامة والاستقامة واندرج فيها طلب النّصائح (أيّها المخدوم) النّصيحة هي الدين ومتابعة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلاة PageV02P328 والتّسليمات غاية ما في الباب أنّ للمتابعة أقساما قسم منها إتيان الاحكام الشّرعيّة وباقي الاقسام ذكرها الفقير بالتّفصيل في مكتوب حرّره لبعض المحبّين آمره إن شاء الله تعالى بإرسال نقله إليكم (وبالجملة) انّ مدار الإفادة والاستفادة في هذه الطّريقة على الصّحبة لا يكتفى فيها بالقول والكتابة قال حضرة الخواجه النّقشبند قدّس سرّه: إنّ طريقتنا صحبة وفضل أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام على غيرهم من أولياء الامّة بالصّحبة حتّى لا يبلغ وليّ من الأولياء مرتبة صحابيّ من الصّحابة ولو كان ذلك الوليّ أويسا القرنيّ المسئول من الاخوان الدعاء بسلامة الإيمان رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) وقلب رحم على ورقته ورزق الصّلاح والإصلاح أعطاه الحقّ سبحانه الاستقامة والسّلام. (70) المكتوب السّبعون إلى مولانا إسحاق بن القاضي موسى في التّحريض على صحبة أرباب الجمعيّة الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصل المكتوب الشّريف المرسل مع الدرويش رحم على ولمّا كان منبأ عن الذّوق والشّوق أورث المسرّة وحصل الفرح من مطالعة ما كتبتم في ورقة على حدة من الواقعة الّتي ظهرت لكم واعلم أنّ مثل هذه الواقعة من المبشّرات ينبغي السّعي حتّى يخرج الامر من القوّة إلى الفعل ومن المراسلة إلى المعانقة وتدارك التّقصير اليوم ممكن فينبغي اغتنام الفرصة دون أن يسوّف في الامر ويؤخّر قال حضرة الخواجه أحرار قدّس سرّه كنّا مع جماعة من الدراويش فجرى الكلام بيننا في السّاعة المستجابة المودعة في يوم الجمعة بأنّها إذا تيسّرت ماذا ينبغي أن يطلب من الله تعالى فيها؟ فقال كلّ أحد كلاما فما بلغت النّوبة إلى (قلت) ينبغي أن يطلب فيها صحبة أرباب الجمعيّة فإنّ جميع السّعادات ميسّرة في ضمنها وارسلنا بعض نقول المكاتيب مصحوبا بالرّافع رزق الله سبحانه الانتفاع به ثمّ إنّ أخي الشّيخ كريم الدين جاء منذ مدّة ولعلّه يكتب إليكم من أحواله والمتوقّع من الاحباب الدعاء رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) والسّلام على من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. PageV02P329 (71) المكتوب الحادي والسّبعون إلى جناب المخدوم زاده محمّد عبيد الله في بيان التّمييز بين دقائق الموهوم الذى هو العالم وبين الموجود الحقيقيّ الذى هو صانع العالم ولله المثل الاعلى إنّ النّقطة الجوّالة الّتي نشأت منها الدائرة في الوهم كما أنّها موجودة في الخارج موجودة في الوهم أيضا ولكنّ وجوده هناك بلا نقاب ظهور الدائرة وهنا بهذا النّقاب وكونها موجودة في الخارج لا بمعنى أنّ لها في كلا المرتبتين وجودا على حدة كلّا بل لها وجودا واحدا في الخارج والوهم هناك بلا نقاب الدائرة وهنا مع النّقاب وهذه الدائرة الموهومة الّتي لها ظهور في الوهم بلا وجود إنّما حدثت من غلط الحسّ فإن جعلت في تلك المرتبة موجودة وأعطيت ثباتا واستقرارا وظهورا بالوجود لخرجت من غلط الحسّ البتّة وصارت من جملة نفس الامر وترتّبت عليها أحكام صادقة فلهذه الدائرة في الوهم حقيقة وصورة فحقيقتها هي النّقطة الجوّالة الّتي هي بها قائمة وصورتها هي الدائرة نفسها الّتي عرض لها فيه ثبوت وثبات وهي الصّورة وإن لم تكن عين تلك الحقيقة لثبوت أحكام متمايزة فيها ولكنّها ليست ببعيدة عن الحقيقة ومنفكّة عنها فإنّ المتخيّل بهذا الظّهور هو الحقيقة. (شعر) إنّي أروي لغيري حين أذكره ... بذكر زينب عن ليلى فأوهمه قال حضرة الشّيخ محيي الدين بن العربيّ قدّس سرّه في هذا المقام إن شئت قلت إنّه حقّ وإن شئت قلت إنّه خلق وإن شئت قلت إنّه من وجه حقّ ومن وجه خلق وإن شئت قلت بالحيرة لعدم التّميّز بينهما (ينبغي) أن يعلم أنّ هذا التّميّز بين الحقيقة والصّورة وإن كان في الوهم ولكن لمّا صارت الصّورة موجودة في تلك المرتبة بإيجاد الله تعالى وحصل لها فيها ثبات وتقرّر كانت من جملة نفس الامر البتّة وحصل لها تميّز مطابق لنفس الامر وصارت موجودة خارجيّة بطريق الظّلّيّة فإنّ وجود الصّورة كما أنّه ظلّ وجود الحقيقة كذلك كانت مرتبة الظّهور بعد حصول الكون والوجود ظلّ الخارج أيضا فلمّا كان التّميّز بين الحقيقة والصّورة بحسب نفس الامر بل كان خارجيّا امتنع حمل إحديهما على الاخرى ولم تكن إحديهما عين الآخر ومن قال بعينيّتهما فهو لم يفهم غير التّميّز الوهميّ ولم يثبت عنده غير الامتياز العلميّ سبحان الله قد صارت مرتبة الوهم بواسطة إيجاد الحقّ سبحانه الواقع في تلك المرتبة خارجا ونفس الامر وصارت ما وراء العلم والخارج المتعارفين ولمّا صارت هذه المرتبة خارجا ميّزت فيها مرتبة الوهم وصارت النّقطة موجودة خارجيّة والدائرة النّاشئة منه سمّيت موهومة والعجب أنّ الصّورة الّتي هي ناشئة من الحقيقة وكلّ ما فيها حاصل فهو من الحقيقة ولا انفكاك لها عن الحقيقة أصلا قد افترقت عن الحقيقة بلا اختيار وأخرجت من التّوهّم إلى التّحقّق وصار التّميّز الوهميّ خارجيّا ينبغي أن يلاحظ قوله PageV02P330 تعالى صُنْعَ الله الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ (1) هنا حيث صيّر اللّاشيء المحض بقدرته الكاملة شيئا عالما بصيرا قادرا مريدا قال واحد من الاكابر (شعر) ?ونكه او شد ?شم كوش ودست و?اى ... خيره أم در ?شم بندى أي خداى ولا مجال لربط العين فإنّ ربط العين إنّما يثبت في محلّ يرى فيه غير الواقع واقعيّا وهنا قد صيّر قدرة الحقّ سبحانه غير الواقع واقعا وجعل الاحكام الكاذبة الّتي كانت في تلك المرتبة صادقة والشّيخ يقول بعدم التّميّز بينهما والحال أنّ بين العبد والرّبّ مسافة خمسين الف سنة قوله تعالى تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (2) إشارة إلى ذلك والشّيخ بنفسه أيضا معترف ببعد الطّريق هذا ولهذا قال بالحيرة ولا يظنّنّ الابله من بعد الطّريق أنّ الحقّ سبحانه بعيد فإنّه سبحانه قريب بل أقرب إلى العبد من نفس العبد بل هذا البعد إنّما هو باعتبار الدرك والمعرفة لا باعتبار المكان والمسافة والنّقطة الاخيرة من الدائرة أقرب النّقط إلى المبدأ ولكن لمّا جعل ظهرها إلى جانب المبدأ ووجهها إلى طرف آخر وقع وجدانه مع وجود قربه من المبدأ بعيدا ومربوطا بطيّ جميع النّقط. (شعر) أى كمان وتيرها ?ر ساخته ... صيد نزديك تو دور انداخته هر كه دور انداز ترا ودورتر ... از ?نين صيد است او مهجورتر نعم من لم يقس شديد البعد لا يعرف قدر القرب ما صنع الله سبحانه فهو خير والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (3). (72) المكتوب الثاني والسّبعون إلى جناب الخواجه حسام الدين أحمد في بيان أنّ تلوينات العسكر تمكين لأرباب الجمعيّة مع جواب استفساره عن قراءة المولد الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد تشرّفت بمطالعة الصّحيفة الشّريفة وملاحظة الملاطفة المنيفة المرسلة باسم هذا الفقير على وجه الكرم والشّفقة لله سبحانه الحمد والمنّة على صحّتكم وعافيتكم وعدم خلوّكم عن تفقّد أحوال الاحباب المهجورين وأحوال فقراء هذه الحدود وأوضاعهم مستوجبة للحمد حيث انّ في عين البلاء عافية وفي مظانّ التّفرقة جمعيّة والاولاد والاحباب الذين في PageV02P331 الرّفاقة تمرّ أوقاتهم على الجمعيّة وأحوالهم في التّرقّي والتّزايد والعسكر في حقّهم خانقاه محض ونصيبهم في عين تلوينات العسكر جمعيّة وهم في عين التّعلّقات الشّتّى الّتي هي من لوازم هذا الموطن متوجّهون إلى مطلب واحد ومشغوفون به لا شغل لأحد معهم ولا ضرر عليهم من أحد ومع ذلك هم مسلوبو الاعتبار وبدولة الحبس والقيد لهم اشتهار يا له من حبس لا يشترى في عوضه الخلاص يجوز ويا له من قيد ليس للإطلاق في جنبه مقدار موز الحمد لله سبحانه والمنّة على ذلك وعلى جميع نعمائه (أيّها المخدوم) فإنّ المقصود من إرسال الكتاب إلى قرّة العين إظهار التّحسّر على فوت بعض النّعم الّتي كان حصولها متوقّعا في جوار الوطن والمجيء إلى العسكر والصّحبة فيه مربوط بصلاحهم فإنّ معرفتهم بأوضاع العسكر أكثر وإطّلاعهم على نفع هذا الموطن وضرره أزيد وأوفر واندرج فيها أنّه إن كتبت أنّه لا تصيبهم آفة يذهبون هناك الغيب عند الله تعالى ولكن حمدا لله سبحانه لم تصب أحدا من الاصحاب والرّفقاء بكرم الله سبحانه آفة التّفرقة إلى الآن مع كثرة الاختلاط بأرباب التّفرقة ولم يمتنع أحد منهم عن المطلب واندرج أيضا ما في باب قراءة المولد ما المضايقة في نفس قراءة القرآن وقراءة القصائد النّعتيّة والمناقب بصوت حسن والمنهيّ عنه هو تحريف حروف القرآن وتغييرها والتزام رعاية أوزان النّغمة وترديد الصّوت بها بطريق الالحان مع تصفيق مناسب لها غير مباح في الشّعر أيضا فإنّ قرأوا على نهج لا يقع تحريف في كلمات القرآن ولا تتحقّق الشّرائط المذكورة في قراءة القصائد وكانت قراءتها بغرض صحيح فما المانع حينئذ (أيّها المخدوم) قد يقع في خاطر الفقير أنّه لم ينسدّ هذا الباب مطلقا لا يمتنع عنه المهوّسون فلو جوّزنا في القليل لينجرّ إلى الكثير " قليله يفضي إلى كثيره " قول مشهور والسّلام. (73) المكتوب الثالث والسّبعون إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد في أسرار صفة الحياة الّتي هي فوق العلم وبيان أنّ العلم كما أنّه من الصّفات الزّائدة كذلك هي من الشّئون الغير الزّائدة أيضا وكذا سائر الصّفات (اعلم) أنّ حضرة الشّيخ محيى الدين بن العربيّ قدّس سرّه ومتابعيه الذين أثبتوا التّنزّلات الخمس اعتبروا التّعيّن الاوّل من إجمال حضرة العلم وقالوا له الحقيقة المحمّديّة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام واعتقدوا انكشاف ذلك التّعيّن تجلّيا ذاتيّا واعتقدوا ما فوقه اللّاتعيّن الذى هو مرتبة الذّات البحت والاحديّة المجرّدة من جميع النّسب والاعتبارات (لا يخفى) أنّ فوق شأن العلم شأن الحياة الّتى العلم تابع لها وهى أمّ جميع الصّفات علما وغيره وسواء كان العلم حصوليّا او حضوريّا وشأن الحيوة هذا شأن عظيم الشّأن وحكم سائر الشّئون والصّفات في جنبه حكم الجداول بالنّسبة إلى البحر المحيط والعجب PageV02P332 انّ الشّيخ المعظّم لم يسر في هذه المملكة الوسيعة ولم يقتطف من رياضها ازهار العلوم والمعارف وهذا الشّأن وان كان إلى حضرة الذّات اقرب وللجهالة وعدم الادراك انسب ولكنّ لمّا كان فيه شائبة التّنزّل والظّلّيّة كان من مظانّ العلم والمعرفة قلّ او كثر ولمّا وقع السّير لهذا الفقير بكرم الله سبحانه في ذلك الشّأن عظيم الشّأن صار مشهودا انّ الشّيء له حجرة تحت ذلك المقام بمسافة بعيدة وانّه اختار الاقامة فيه ولعلّه نال من هذا المقام حظّا وافرا في الآخر واطلاق بعد المسافة في مثل هذه الابعاد اللّاكيفيّة يمكن باعتبارين ضيق ميدان العبارة او انّ صورة ذلك البعد المثاليّة مشهودة في عالم المثال في صورة بعد المسافة سبحانك لا علم لنا إلّا ما علّمتنا انّك انت العليم الحكيم والسّلام على من اتّبع الهدى (فصل بالخير) لزم من هذا البيان ان لا يكون العلم ثابتا في مرتبة الحياة الّتى فوقه سواء كان حصوليّا او حضوريّا فاذا لم يكن ثابتا في مرتبة الحياة كيف يكون ثابتا في مرتبة حضرة الذّات جلّ شأنها الّتى هى فوق الفوق فاذا لم يكن العلم ثابتا يكون نقيضه ثابتا تعالى الله سبحانه عن ذلك علوّا كبيرا والتّفصّى من هذا الإشكال مبنىّ على معرفة دقيقة قلّ من تكلّم بها من أولياء الله تعالى (ينبغى) ان يعلم انّ علم الواجب جلّ شأنه كما انّه من الصّفات الثمانية الحقيقيّة الزّائدة كما قال اهل الحقّ كذلك هو من الشّئون والاعتبارات الذّاتيّة الغير الزّائدة أيضا وحيث انّ القسم الاوّل من الصّفات الزّائدة على الذّات تعالت فمتعلّقه أيضا ممّا سوى الذّات المقدّسة سواء كان ذلك السّوى عالما او صفات زائدة فانّ كلّما هو متّسم بسمة الظّلّيّة وعرض له اسم الزّيادة لا يكون لائقا بجناب مرتبة حضرة الذّات المقدّسة ولا يكون له تعلّق بجناب قدسه تعالى سواء كان ذلك العلم حصوليّا او حضوريّا فان كان حضوريّا فهو أيضا متعلّق بظلّ من ظلال حضرة الذّات وان كان بين العلم والعالم والمعلوم اتّحاد فانّ هذا الاتّحاد أيضا ظلّ من ظلال المرتبة المقدّسة لا عينها وان ظنّ جمع عينيّتها والقسم الثانى الذى هو من الشّئون الذّاتيّة الغير الزّائدة متعلّقة حضرة الذّات فقط تعالت وتقدّست واعلى ممّا يتعلّق بما سوى الذّات وبالجملة انّ العلم ان كان زائدا فتعلّقه مقصور على ما سوى الذّات والعلم الذى ليس بزائد بل مجرّد اعتبار فتعلّقه مقصور على حضرة الذّات تعالت وتقدّست والعلم المنتفى في مرتبة حضرة الذّات هو العلم الزّائد الغير اللّائق بتلك المرتبة المقدّسة الذى هو ظلّ شأن العلم الغير الزّائد ولا يلزم من انتفاء ذلك العلم ثبوت نقيضه الذى هو الجهل فانّه اذا لم يكن هناك مجال للعلم الذى هو من الصّفات الكاملة كيف يكون لنقيضه الذى هو نقص من القدم إلى الرّأس مجال الثبوت في تلك الحضرة (غاية ما في الباب) انّ هذين النّقيضين كلاهما يكونان مسلوبين عن تلك الحضرة ولا يلزم محذور اصلا قال واحد من العارفين " عرفت ربّى بجمع الاضداد " وكأنّه لا يصل إلى ذلك المقام الاقدس بواسطة علوّه واحد من هذين النّقيضين فإذا كان جميع النّسب والاعتبارات مسلوبة عن تلك الحضرة فالعلم وعدم العلم اللّذان من جملة النّسب يكونان مسلوبين أيضا والذي لا بدّ له من النّسب والاعتبارات ولا يكون فيه رفع النّقيضين ولا جمعهما هو الممكن وخالق PageV02P333 النّسب والاعتبارات منزّه عن النّسب والاعتبارات وقياس الغائب على الشّاهد ممتنع في ذلك الموطن أو نقول إنّ انتفاء العلم الخاصّ لا يستلزم عدم العلم المطلق بل يستلزم عدم العلم الخاصّ الذى هو متضمّن لشائبة الظّلّيّة فعلى هذا التّقدير لا يلزم محذور أصلا ولا يكون إرتفاع النّقيضين فافهم. (ينبغي أن يعلم) أنّ العلم الذى هو من الشّئون الذّاتيّة لا مناسبة له أصلا بالعلم الذى هو من الصّفات الزّائدة وإن كان أصل هذا العلم هو ذاك العلم إنّ الصّفات الزّائدة ظلّ الشّأن الذّاتيّ وثمّة كلّه انكشاف في انكشاف وحصول في عين الحضور ومن علوّ درجته لا يقدر الجهل أن يقع في الطّرف المقابل له وأن يقوم بنقاضته بخلاف صفة العلم فإنّ الجهل قائم بنقاضتها وإن كان وقوعه غير جائز واحتمال النّقيض له هذا صار باعثا على انحطاطه ومنعه من التّعلّق بجناب القدس فإنّ كلّ كمال فيه احتمال النّقيض أيّ كمال كان لا مجال له في تلك الحضرة القدرة الّتي أثبتوها في تلك المرتبة المقدّسة مثلا هي القدرة الّتي لا عجز في مقابلته بخلاف صفة القدرة فإنّ فيها احتمال النّقيض وإن لم يكن واقعا وعلى هذا القياس جميع الشّئون والصّفات الواجبيّة تعالت وتقدّست فإذا لم يكن لشأن العلم مناسبة بصفة العلم أصلا كيف يكون لعلم المخلوقات مناسبة بهذا الشّأن عظيم الشّأن؟ وكيف يتصوّر له تعلّق بتلك المرتبة المقدّسة إلّا أن يكون من الحقّ سبحانه رعاية وعناية للعبد فأعطى لانكشافه النّاقص جلاء من عند انكشافه وأعطاه البقاء الاكمل من عنده بعد الفناء الاتمّ ففي هذا الوقت يمكن أن يحصل له تعلّق لا كيفيّ بتلك المرتبة المقدّسة ويبلغ مبلغا يقصر دونه الأصل ويصل إلى أصل الاصل متجاوزا مرتبة الأصل وهذه خصوصيّة امتاز بها بنو آدم وفتح لهم طريق التّرقّى حتّى يتجاوزون الاصل وأصل الأصل أيضا ويبلغون مبلغا يبقى الاصل كالظّلّ في الطّريق ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) والسّلام. (74) المكتوب الرّابع والسّبعون إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد معصوم في شرح كلام صاحب الفصوص في بيان تجلّي الذّات وتحقيق الرّأي الخاصّ بحضرة شيخنا ولم يتمّ هذا المكتوب اتّفاقا الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قال الشّيخ ابن العربيّ قدّس سرّه والتّجلّي من الذّات لا يكون إلّا بصورة المتجلّى له فالمتجلّى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحقّ وما رأى الحقّ ولا يمكن أن يراه والمراد من مرآة الذّات هو الشّأن الذّاتيّ الذى ظلّه الاسم الزّائد الذى هو مبدأ لتعيّن المتجلّى له فإنّ لكلّ اسم زائد هو مبدأ لتعيّن من تعيّنات المخلوقات أصلا في مرتبة الذّات وهو الشّأن الذى هو مجرّد اعتبار في الذّات كما حقّقت في غير موضع وليس المراد منه الذّات مطلقا فإنّ المطلق لا يكون مرآة PageV02P334 للمقيّد ولمّا كانت المرآة مقيّدة مثل الصّورة الكائنة فيها وأصلا لأصل تلك الصّورة لا جرم بتجلّي المرآة في نظر المتجلّى له بصورته الكائنة فيها من غير زيادة ولا نقصان؛ لانّ تجلّي ذلك الشّأن وظهوره في هذه المرتبة الّتي وقع التّجلّي فيها لا يكون إلّا بهذه الصّورة الّتي كان المتجلّى له عليها إلّا أنّ ظهوره بهذه الصّورة لفنائه وعدم تعلّقه بالعالم مشروط بتوسّط الاسم الظّلّيّ الذي هو مبدأ لتعيّن صورة المتجلّى له وهذه المرآة المقدّسة مباينة لسائر المرايا فإنّ ظهور الصّورة في تلك المرايا كائن في زاوية من زواياها ولا تظهر المرايا بأعيان الصّورة الحالّة فيها لمباينة بينهما بخلاف هذه المرآة المقدّسة فإنّ الصّورة غير حالّة فيها ولا حاصلة في زاوية من زواياها لعدم الحاليّة والمحلّيّة في تلك الحضرة ولو حسّا وعدم التّبعّض والتّجزّي في تلك المرتبة المقدّسة ولو وهما بل تظهر هذه المرآة المقدّسة بكلّيّتها بصورة المتجلّى له فحينئذ تكون هي مرآة وصورة فالمتجلّى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحقّ الذى هو شأن الذّات الذى ظهر بصورة المتجلّى له وما رأى الحقّ المطلق ولا الشّأن الخاصّ على النّهج التّنزيهيّ والنّمط التّقديسيّ ولا يمكن أن يراه هذا مبنيّ على رأي الشّيخ في نفي إمكان الرّؤية التّنزيهيّة وإثبات الرّؤية في الظّهورات التّشبيهيّة الجامعة اللّطيفة بطريق التّمثّل والمثال وهو كما ترى مخالف لما اتّفق عليه علماء أهل السّنّة شكر الله تعالى سعيهم من أنّ رؤيته تعالى في الدنيا جائزة غير واقعة وفي الآخرة بلا كيف واقعة لا يكون بتمثّل ومثال. (شعر) يراه المؤمنون بغير كيف ... وإدراك وضرب من مثال لانّ رؤية التمثّل رؤية كيف وأيضا ليست رؤية له تعالى بل رؤية مخلوق أوجده وأظهره بطريق التّمثّل وهو تعالى وراء التّمثّل والمثال ووراء التّوهّم والخيال وكلّ ذلك مخلوق له تعالى والعجب من كبراء العرفاء أنّهم تسلّوا بالتّشبيه عن التّنزيه وبالحادث عن القديم إذا اكتفوا بالمثال وعكفوا على التّمثال وظنّي أنّ ذلك المرض حدث لهم من قولهم بالتّوحيد والاتّحاد وإصرارهم على قصور حكمهم بأنّ العالم هو الحقّ سبحانه فلا جرم تكون رؤية أيّ فرد من أفراد العالم رؤية له تعالى عندهم للاتّحاد بينهما ومن ههنا قال بعضهم بالشّعر الفارسيّ (شعر) امروز جمال تو بى ?رده ظاهر است ... در حيرتم كه وعدهء فردا برأي ?يست الّا أنّ الشّيخ خصّ من بين ذلك الأفراد فردا خاصّا جامعا حصل بطريق التّمثّل وهو لا يجدي نفعا وكأنّه قدّس سرّه بوفور علمه بالكتاب والسّنّة وأقوال العلماء تنبّه على شناعة القول بإطلاق الرّؤية والحكم بأنّ رؤيتهم مطلقا رؤية له سبحانه ومع ذلك لغلبة السّكر وقوّة حال التّوحيد ما تخلّص عن مضيق التّشبيه مطلقا وما تفرّغ لتحصيل كمالات التّنزيه مفردا بل زعم أنّ المنزّه الصّرف قاصر وناقص ومحدّد له تعالى كالمشبّه ففرّ عن التّنزيه الصّرف وجزم بأنّ الكمال في الجمع بين التّشبيه والتّنزيه والحكم بأنّ أحدهما عين الآخر ليرتفع التّحديد والتّقييد مطلقا ولا يخفى عليك أنّ التّشبيه معدوم في الخارج عنده وإنّما PageV02P335 الموجود في الخارج هو التّنزيه الصّرف فلا يكون أحدهما محدّدا ومقيّدا للآخر على قياس الوجود والعدم الخارجيّين فإنّ العدم غير محدّد للوجود ولا العكس فإنّ الوجود على إطلاقه مع العدم إطلاقه مع الوجود غير مقيّد أحدهما بالآخر ولو كان العدم محدّدا للوجود لكان ينبغي أن يحكم بأنّ الكمال في الجمع بين الوجود والعدم ويكون أحدهما عين الآخر وهو سفسطة ظاهرة فلا يكون القول بالتّنزيه الصّرف تحديدا له تعالى ولا يكون الجمع كمالا بل نقصا والحاقا للنّاقص بالكامل ومعلوم أنّ المركّب من النّاقص والكامل ناقص بقي الصّور المسمّاة بالأعيان الثابتة عنده ثابتة في العلم وهي أيضا لا تستلزم تحديد الموجود الخارجيّ حتّى يحكم بالاتّحاد والعينيّة بينها وبينه وإنّما يحدّد الموجود الخارجيّ الموجود الخارجيّ مثله وأمّا الموجود العلميّ فلا يحدّد الموجود الخارجيّ ولا يزاحمه لتباين المرتبتين الا ترى أنّ تصوّر شريك الباري وثبوته في العلم ليحكم عليه بالاستحالة لا يزاحم الباري تعالى الموجود في الخارج ولا يحدّده ولا يقيّده أصلا حتّى يتمحّل في دفعه تمحّلا غير واقع بأنّ أحدهما عين الآخر هذا ولنرجع إلى كلام الشّيخ في التّجلّي الذّاتيّ وما يناسبه فنقول: ذكر الشّيخ بعد ذكر هذا التّجلّي ما حاصله أنّ هذا التّجلّي نهاية التّجلّيات وغاية العروجات وما بعد هذا إلّا العدم المحض فلا تطمع ولا تتعب نفسك بتحصيل العروج فوقه والوصول وراءه فلا مقام أعلى من هذه الدرجة في التّجلّي الذّاتيّ. (75) المكتوب الخامس والسّبعون إلى هذا الفقير محمّد هاشم الكشميّ في بيان تجلّي أفعاله وتجلّي صفاته وتجلّي ذاته سبحانه وتعالى وهذا المكتوب كأنّه تتمّة للمكتوب السّابق ليعلم أخي الخواجه محمّد هاشم الكشميّ أن تجلّي الافعال عبارة عن ظهور فعل الحقّ سبحانه للسّالك على نهج يرى أفعال العباد ظلال ذلك الفعل ويجد ذلك الفعل أصل تلك الافعال ويعتقد قيام تلك الافعال بذلك الفعل الواحد وكمال هذا التّجلّي هو أن تختفي تلك الظّلال عن نظره بالتّمام وتكون ملحقة بأصلها وتجد فاعل تلك الافعال بلا حسّ ولا حركة كالجماد وما قاله أرباب التّوحيد الوجوديّ بالعينيّة وقالوا الكلّ هو إنّما هو في ذلك الموطن حيث رأوا هذه الافعال المتكثّرة الصّادرة من العباد فعل فاعل واحد جلّ شأنه وهناك اختفاء انتساب الافعال إلى فعلتها وحدوث الانتساب فيها إلى فاعل واحد لا اختفاء نفس الافعال والحاقها بأصلها شتّان ما بينهما وإن كاد أن يخفى على البعض وتجلّي الصّفات عبارة عن ظهور صفات الحقّ سبحانه للسّالك على نهج يرى صفات العباد ظلال صفات الواجب جلّ سلطانه وأن يجد قيامها بأصولها فيجد علم الممكن مثلا ظلّ علم الواجب وقائما به وكذلك يجد قدرته ظلّ PageV02P336 قدرته تعالى وقائمة بها وكمال هذا التّجلّي هو أن تختفي تلك الصّفات الظّلاليّة عن نظر السّالك بالتّمام وتكون ملحقة بأصولها ويجد نفسه الذى كان موصوفا بهذا الصّفات خاليا عنها كالجماد بلا حياة ولا علم ولا يجد في نفسه أثرا من الوجود وكمالاته وتوابعه حتّى لا يكون هناك ذكر ولا توجّه ولا حضور ولا شهود فلو كان بعد اللّحوق بالاصل توجّه فهو متوجّه من نفسه إلى نفسه وان حضور فحاضر بنفسه مع نفسه ونصيب السّالك من هذا المقام حصول حقيقة الفناء والاضمحلال وانتفاء انتساب الكمالات الّتي كان ينسبها إلى نفسه بزعمه وأداء الامانة الّتي كان يظنّ تهمة وكذبا أنّها من نفسه إلى أهل الامانة وزوال مورد كلمة أنا أيضا على حدّ لو تشرّف بالبقاء لا يكون موردا لأنا ولا يقدر أن يعبّر عن نفسه بأنا وإن وجد نفسه عين أصله لا يتيسّر له مجال إطلاق أنا على ذلك الاصل ولا يقدر أن يقول إنّه عين الاصل فإنّ الانانيّة قد زالت عنه وقول " أنا الحقّ " إنّما هو لعدم حصول هذه النّسبة وإجراء " سبحاني " على اللّسان لعدم الوصول إلى هذه الدولة ولكن ينبغي حمل صدور أمثال هذه الالفاظ عن الاكابر على توسّط أحوالهم واعتقاد كمالهم وراء هذا القيل والقال والفناء الذى هو حقيقة الانمحاء والاضمحلال وإن كانت منتهى تجلّي الصّفات ولكنّ حصوله من أشعّة تجلّي الذّات وما لم تتجلّ الذّات لا تتيسّر دولة الفناء بل لا يتمّ تجلّي الصّفات أيضا ما لم تجد لم تتخلّص ومن تجلّي الذّات تزول بقيّة العارف الّتي ترى له كالجماد وتلك البقيّة هي العدم الذى هو أصل جميع الممكن وقد حصل له من انعكاس صفات حضرة الوجوب تعالى وتقدّست فيه امتياز وتشخّص وكان بهذه المرآتيّة ممتازا من أعدام أخر ولمّا صارت تلك الظّلال المنعكسة ملحقة بأصولها لم يبق بين تلك الاعدام ما به الامتياز وصار هذا العدم الخاصّ أيضا ملحقا بالعدم المطلق فحينئذ لم يبق من العارف اسم ولا رسم لا تبقى ولا تذر كما أنّ الوجود وتوابع الوجود ودعه وراح كذلك هذا العدم فارقه أيضا ولحق بأصله واستراح (ينبغي) أن يعلم أنّ امتياز هذا العدم من أعدام أخر الذى حصل بواسطة حصول ظلال الصّفات فيه كان باعتبار التّوهّم وفي الحقيقة لم يكن فيه ظلّ أصلا مثل مرايا أخر فإنّ حصول الصّور فيها باعتبار التّوهّم فإذا كان حصول الظّلال فيها باعتبار التّوهّم يكون امتيازه أيضا وهميّا فكما أنّ وجود الممكن باعتبار التّوهّم يكون عدمه أيضا باعتبار التّوهّم فما أعطي في خارج دائرة الوهم موضع قدم فإنّ الوجود والعدم في الحقيقة على صرافة إطلاقهما ما لذاك عرض تنزّل ولا لهذا حصل ترقّ ومن كمال اقتدار الصّانع تعالى خلق العالم في مرتبة الوهم من ذاك وهذا وأتقنه وجعل المعاملة الابديّة والمجازاة السّرمديّة منوطة به وما ذلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ (1) وما قلت فيما سبق انّ حصول دولة الفناء من أشعّة تجلّي الذّات يعني أنّ حصول نفس تجلّي الذّات بعد حصول دولة الفناء ما لم تتخلّص لم تجد والفرق بين أشعّة التّجلّي ونفس التّجلّي كالفرق بين إسفار الصّبح وطلوع الشّمس فإنّ في وقت الإسفار ظهور أشعّة تجلّي الشّمس وبعد الطّلوع نفس تجلّي الشّمس وربّما لا PageV02P337 يشرّف البعض بنفس التّجلّي مع ظهور أشعّة التّجلّي ولا يوصّل به إلى تلك الدولة القصوى بواسطة عروض بعض العوارض كما يدرك الإسفار ولا يدرك الطّلوع بعروض علّة سماويّة أو أرضيّة وأيضا لا حاجة في شهود الإسفار إلى كمال قوّة الباصرة وشهود الشّمس هو الذى يستدعي كمال قوّة الباصرة وحدّة النّظر ا لا ترى أنّ الخفّاش قادر على إدراك الاسفار وعاجز عن إبصار الشّمس في النّهار وإبصار الشّمس يستدعي أن يحصل له بصر آخر وربّما يكون في السّالك استعداد اشعّة التجلّى ولا يكون فيه استعداد نفس التّجلّى والخفّاش فيه استعداد مشاهدة أشعّة تجلّي الشّمس وليس فيه استعداد نفس تجلّي الشّمس ها أنا أقول كلاما عاليا لعلّه يكون نافعا وبعد انصرام تجلّي الصّفات وبعد حصول فناء الصّفات والذّات يستقبل العارف تجلّ كانّه دهليز تجلّي الذّات وكانّه برزخ بين تجلّي الصّفات وتجلّي الذّات والذي يترقّى من هذا التّجلّي له نصيب من تجلّي الذّات بقدر استعداده وهذا التّجلّي البرزخيّ بزعم هذا الفقير أصل لذاك التّجلّي الذّاتيّ الذى قال الشّيخ ابن العربيّ قدّس سرّه في حقّه هذه العبارة والتّجلّي من الذّات لا يكون إلّا بصورة المتجلّى له فالمتجلّى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحقّ وما رأى الحقّ ولا يمكن أن يراه وقال لهذا التّجلّي منتهى التّجلّيات ولم يقل بمقام فوقه وقال وما بعد هذا التّجلّي إلّا العدم المحض فلا تطمع ولا تتعب في تحصيل العروج والتّرقّي فوقه فلا مقام اعلى من هذه الدرجة في التّجلّي الذّاتيّ والعجب أنّ الوصول إلى المطلوب الحقيقيّ فيما وراء هذا التّجلّي والشّيخ يخوّف ويحذّر عنه بقوله تعالى " ويحذّركم الله نفسه " ويهدّد فلو لم نطمع نحن المهجورون المتحيّرون فيه ولم نتعب لحصوله ماذا كنّا فعلناه غير التّسلّي من الجوهر النّفيس بقطعات الخزف. غاية ما في الباب أنّ النّصيب من كلّ مرتبة مناسب لتلك المرتبة فالنّصيب الميسّر من اللّاكيفيّ يكون لا كيفيّا لا سبيل للكيف إلى اللّاكيفيّ فالمعرفة الّتي تتعلّق بتلك المرتبة ليست كمعرفة تتعلّق بالكيفيّ فإنّه لا مجال لهذه المعرفة هناك العلم في ذات الله سبحانه جهل أي ليس علما من جنس العلم المتعلّق بعلم الممكن فإنّه من مقولة الكيف ولا كيف ثمّة والمنع من التّفكّر في ذات الله سبحانه إنّما هو بواسطة أنّه تعالى وراء التّفكّر والتّخيّل ووجد أنّه تعالى إنّما يمكن به سبحانه لا بالفكر والخيال رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) وكان ينبغي للشّيخ قدّس سرّه أن يقول وما بعد هذا التّجلّي إلّا الوجود الصّرف والنّور المحض وإنّما قال وما بعد هذا التّجلّي الّا العدم باعتبار أنّ العالم ظلّ الصّفات والتّفوّق والتّرقّي من الصّفات اجتهاد وسعي في إعدام نفسه وليس كذلك فإنّ العارف إذا لم يترقّ من الصّفة الّتي هي أصله ولم يتفوّق الشّئون والاعتبارات الذّاتيّة ماذا يكون فعله ولاىّ شيء يكون مجيئه والفناء والبقاء اللّذان تيسّرا له في كلّ مرتبة جرّاه للتّجاوز إلى ما فوق أصله فتجاوز ببقاء الاصل عن الاصل ووصل إلى أصل الاصل. (شعر) يحرق بالنّار من يمسّ بها ... ومن هو النّار كيف يحترق PageV02P338 فلو وصل الشّيخ قدّس سرّه إلى أصل ذلك الظّلّ لما خاف من التّرقّي إلى فوق ولم يخوّف ولكنّ حسن الظّنّ يقتضي ترقّي هذا الشّيخ المعظّم بفضل الله جلّ سلطانه من هذا المقام وإدراكه حقيقة الامر لا ينبغي وزن حاله العظيم بميزان قاله ولعلّه قال ذلك في الابتداء والتّوسّط ثمّ جاوزه بمراحل من استوى يوماه فهو مغبون والله سبحانه الموفّق وماذا أكتب من التّجلّي الذّاتيّ وماذا أقدر أن أكتب فإنّه ذوقيّ فمن ذاق عرف ومن لم يذق لم يدر (ع) بلغ اليراع إلى هنا فتكسّرا * والقدر الممكن إظهاره أنّ التّجلّي الذّاتيّ في حقّ العارف الذي ذكر فناءه فيما سبق دائميّ وما هو كالبرق لغيره على الدوام في حقّه بل التّجلّي البرقيّ ليس هو تجلّيا ذاتيّا في الحقيقة وإن قالوا له تجلّيا ذاتيا بل هو تجلّي شأن من شئون الذّات سريع الاستتار فإنّه متى ما حصل التّجلّي الذّاتيّ من غير ملاحظة الشّئون والاعتبارات فالدّوام لازم له والاستتار غير متصوّر فيه وتلوينات التّجلّيات تنبئ عن الصّفات والشّئونات وحضرة الذّات منزّهة ومبرّأة من التّلوينات ولا مجال فيها للاستتار ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1). (76) المكتوب السّادس والسّبعون إلى المخدوم زاده الخواجه محمّد معصوم في بيان علوّ شأن العلم والمرتبة المقدّسة فوقه المعبّر عنها بالنّور الصّرف اعلم أنّ شأن العلم وإن كان تابعا لشأن الحياة ولكن للعلم في مرتبة حضرة الذّات تعالت وتقدّست بعد سقوط اعتبار الصّفات والشّئون شأن ليس هو للحياة فضلا عن سائر الصّفات والشّئون وفي موطن التّجرّد عن جميع النّسب مرتبة لا تجوّز إطلاق غير النّور على نفسها أظنّ أنّ للعلم أيضا مجالا فيها لا ذاك العلم الذى يقال له حصوليّا أو حضوريّا فإنّه مع قسميه تابع للحياة بل هو لا كيفيّ ولا مثليّ كحضرة الذّات تعالت وتقدّست وكلّه شعور لا كيفيّ بلا اعتبار العالم والمعلوم وفوق تلك المرتبة مرتبة أخرى لا مجال فيها للعلم كسائر الشّئون لا شيء هناك غير النّور الذى هو أصل ذلك الشّعور اللّاكيفيّ واللّامثليّ فإذا كان ظلّ ذلك النّور لا كيفيّا ولا مثليّا ماذا نقول من لا كيفيّة الاصل الذى هو عين النّور؟ ماذا نقدر أن نقول وجميع الكمالات وجوبيّة وإمكانيّة ظلال النّور وقائمة بالنّور ووجود الكلّ صار وجوبا ومبدأ للآثار من النّور والمرتبة الاولى لمّا كانت فيه رائحة الانحطاط من مرتبة حضرة النّور الصّرف والجامع للشّعور هو النّور قال المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام في حقّه إنّه مخلوق وعبّر عنه أحيانا بالعقل حيث قال: «أوّل ما خلق الله العقل " وأحيانا بالنّور وقال: «أوّل ما خلق الله نوري " وكلاهما شيء واحد فإنّه نور وعقل وشعور وحيث نسب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى نفسه وقال PageV02P339 نوري يمكن أن نقول: إنّ هذه المرتبة هي الحقيقة المحمّديّة والتّعيّن الاوّل لا تلك الحقيقة والتّعيّن الاوّل المتعارفان بل لو كان ذلك التّعيّن ظلّا من ظلال ذلك التّعيّن فهو أيضا مغتنم كما أنّ المراد من هذا العقل ليس هو ذاك العقل الذى قال الفلاسفة: إنّه الصّادر الاوّل من الواجب تعالى بطريق الإيجاب وجعلوه مصدرا لصدور الكثرة (ينبغي) أن يعلم أنّ كلّ موطن فيه تعيّن فيه رائحة من الإمكان ومعه شوب من العدم الذى صار باعثا على تعيّن الوجود وتميّزه وبضدّها تتبيّن الاشياء وصفات الواجب جلّ شأنه هي الّتي عرض لها التّعيّن والتّميّز فهي مع وجود قدمها ليست بواجبة لذواتها بل واجبة لذات الواجب تعالى وحاصل ذلك وجوب بالغير الذى هو من أقسام الممكن وإن كان التّحاشي لازما من إطلاق لفظ الإمكان في الصّفات القديمة لكونه موهما للحدوث والمناسب هناك إطلاق الوجوب لمجيئها من ذات الواجب تعالى ولكن للإمكان فيها مجال في الحقيقة لعدم وجوبها لذواتها بل لغيرها وإن لم يقولوا بالغيريّة وأرادوا بالغير الغير المصطلح ولكنّ الاثنينيّة مقتضية للغيريّة الاثنان متغايران قضيّة مقرّرة من قضايا أرباب العقول (والعجب) أنّ الشّيخ محيي الدين بن العربيّ قال للاثنين من التّعيّنات تعيّنا وجوبيّا وللثّلاثة إمكانيّة وفي الحقيقة في كلّ التّعيّنات سمة الظّلّيّة ورائحة الإمكان وإن كان بين ممكن وممكن فرق كثير وكان أحدهما قديما والآخر حادثا ولكنّ الكلّ غير خارج من دائرة الإمكان وفي الكلّ رائحة من العدم (وإيّاك) وتخيّل المرتبة الثانية الّتي هي النّور الصّرف والمتعيّن باللّاتعيّن ذاتا بحتا واحديّة مجرّدة مثل الآخرين فإنّه أيضا حجاب من الحجب النّورانيّة إنّ لله سبعين الف حجاب من نور وظلمة وإن لم يكن تعيّنا ولكنّه حجاب المطلوب الحقيقيّ وإن كان آخر الحجب وهو تعالى وراء الوراء وهذا النّور الصّرف لمّا لم يكن داخلا في دائرة التّعيّن كان منزّها ومبرّأ من ظلمة العدم ولله المثل الاعلى ومثل ذلك النّور كمثل تشعشع نور الشّمس الذى هو حاجب لقرصها انتشر من عين القرص وصار حجابا لها وفي الحديث «حجابه النّور " وهذه المرتبة العليا فوق التّجلّيات الذّاتيّة فضلا عن تجلّيات الافعال والصّفات فإنّ التّجلّي بلا شوب التّعيّن غير متصوّر وهذا المقام فوق جميع التّجلّيات ولكنّ منشأ التجلّيات الذّاتيّة هو هذا النّور الصّرف والتّجلّي إنّما يتصوّر بواسطته ولولاه لما حصل التّجلّي وحقيقة الكعبة الرّبّانيّة أظنّها حضرة ذلك النّور الذى هو مسجود الجميع وأصل جميع التّعيّنات فإذا كان ملاذ التّجلّيات الذّاتيّة وملجأها ذلك النّور ماذا يزيد في مدحه كونه مسجودا لآخرين فإذا شرّف الله سبحانه بكمال فضله وعنايته عارفا من ألوف بالوصول إلى هذه الدولة وخصّه بالفناء والبقاء في هذا الموطن يمكن أن ينال بقاء بهذا النّور وحظّا وافرا من الفوق وفوق الفوق وأن يتجاوز من النّور بالنّور فيصل إلى أصل النّور ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وهذه المعارف كما أنّها وراء طور النّظر والفكر وراء طور الكشف والشّهود أيضا وأرباب الكشف والشّهود في فهم هذه العلوم كأرباب العلم والعقل لا بدّ في الاهتداء إلى درك هذه الحقائق بمتابعة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام من نور فراسة النّبوّة (ينبغي) أن يعلم أنّ هذا النّور حاشاه PageV02P340 من أن تكون فيه شائبة الإمكان فيكون ممكنا ومن جنس الجوهر والعرض بل هو مرتبة لا يمكن إطلاق شيء عليها غير النّور وإن كان ذلك الغير وجوب الوجود فإنّ الوجوب دونه (تنبيه) لا يتوهّم أحد من هذا البيان أنّ خرق جميع الحجب عن الذّات تعالت قد تحقّق في حقّ هذا العارف لكون هذا النّور آخر الحجب على ما مرّ وهو ممتنع لحديث نقلوه: «إنّ لله سبعين الف حجاب من نور وظلمة لو كشفت لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " لانّ ثمّة تحقّق وبقاء بالحجب الّتي كلّ منها معدّ للآخر لا خرق الحجب شتّان ما بينهما رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1)، والسّلام على من اتّبع الهدى (2) (77) المكتوب السّابع والسّبعون إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد في أسرار حقيقة القرآن المجيد مع بيان دقائق العجز والمعرفة وحقيقة الصّلاة والكلمة الطّيّبة الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله * لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ (3) وبعد مرتبة النّور الصّرف الّتي وجدها الفقير حقيقة الكعبة الرّبّانيّة وبينها مرتبة عالية جدّا وهي حقيقة القرآن المجيد السّبحانيّ والكعبة المعظّمة إنّما صارت قبلة الآفاق وتشرّفت بدولة المسجوديّة للكلّ بحكم القرآن المجيد الإمام قرآن والمأموم الاوّل كعبة معظّمة وهذه المرتبة المقدّسة مبدأ لوسعة حضرة الذّات اللّاكيفيّة وأيضا إنّ مبدأ امتياز تلك الحضرة اللّاكيفيّ واللّامثليّ هو هذه الدرجة العليا والوسعة في تلك الدرجة المقدّسة ليست هي بحسب الطّول والعرض فإنّ ذلك من سمات النّقص والإمكان بل هي أمر من لم يتحقّق به لا يدر به وكذلك الامتياز في تلك المرتبة المقدّسة ليس هو بالمزايلة والمباينة فإنّ ذلك مستلزم للتّبعّض والتّجزّي اللّذين من لوازم الجسم والجسمانيّ تعالى الله سبحانه عن ذلك ولا يتصوّر في ذلك الموطن فرض شيء غير شيء فإنّ الغيريّة تنبئ عن الاثنينيّة بل لا مجال فيه للفرض لكونه من قبيل فرض المحال؛ من لم يذق لم يدر. (شعر) وما أبديك من طيري علامه ... وأضحى مثل عنقاء وهامه وللعنقاء بين النّاس اسم ... ولم يك لاسم طيري استدامه PageV02P341 وكلّ شيء يفرض في ذلك الموطن وإن كان فرض المحال ويتعمّق النّظر في ذلك الشّيء لا يظهر فيه أمر له اختصاص بذلك الشّيء المحقّق ولا يوجد في شيء آخر مفروض ومع ذلك يكون الامتياز بين ذينك الشّيئين المفروضين كائنا وبائنا وتكون أحكام كلّ منهما متميّزة عن أحكام الآخر فسبحان من لم يجعل للخلق إليه سبيلا إلّا بالعجز عن معرفته والعجز عن المعرفة نصيب الاكابر الأولياء وعدم المعرفة غير العجز عن المعرفة مثلا الحكم بعدم الامتياز في ذلك الموطن المقدّس ووجدان كلّ كمال ذاتيّ عين الآخر كما قالوا إنّ العلم عين القدرة والقدرة عين الإرادة عدم المعرفة بامتياز ذلك الموطن والحكم بالامتياز في ذلك الموطن والاعتراف بعدم وجدان كنه ذلك الامتياز عجز عن معرفة امتياز ذلك الموطن وعدم المعرفة جهل والعجز عن المعرفة علم بل العجز متضمّن للعلمين علم الشّيء والعلم بعدم وجدان كنه ذلك الشّيء من غاية عظمة ذلك الشّيء وكبريائه فلو أدرجنا فيه علما ثالثا أيضا لساغ وهو علم الإنسان بعجزه وقصوره الذى هو مؤيّد لمقام عبديّته وعبوديّته وفي عدم المعرفة الّتي هو الجهل ربّما يكون ذلك الجهل مركّبا إذا لم يعرف جهل نفسه أنّه جهل بل زعم أنّه علم وفي العجز عن المعرفة نجاة تامّة من هذا المرض بل لا مجال فيه لهذا المرض لكونه معترفا بعجزه فلو كان عدم المعرفة والعجز عن المعرفة متساويين لكان الجهلاء كلّهم عرفاء وكان جهلهم واسطة لكمالهم بل هناك كلّ من كان أجهل يكون أعرف فإنّ المعرفة هناك في عدم وجدان المعروف وفي العجز عن المعرفة هذه المقدّمة صادقة فإنّ كلّ من يكون أعجز عن المعرفة يكون أعرف بالمعارف والعجز عن المعرفة مدح يشبه الذّمّ وعدم المعرفة ذمّ صرف ليست فيه رائحة المدح ربّ زدني علما بكمال العجز عن معرفتك سبحانك فلو لاحظ الشّيخ محيي الدين بن العربيّ قدّس سرّه هذا الفرق الذى اهتدى إليه هذا الفقير لما ذكر العجز عن المعرفة بالجهل أصلا ولما عدّه من عدم العلم قطعا حيث قال منّا من علم ومنّا من جهل فقال العجز عن درك الإدراك إدراك وبعد ذلك بيّن علوم الشّقّ الاوّل وباهى بها واعتقدها من نفسه وقال خاتم الانبياء يأخذ هذه العلوم من خاتم الولاية وعنى بخاتم الولاية المحمّديّة نفسه فصار من هذه الجهة موردا لمطاعن الخلائق وشرّاح النّصوص صرفوا في توجيهات هذا الكلام هممهم وعند الفقير يمكن أن يقال إنّ هذا الكلام في الحقيقة ادون من ذلك العجز بل لا مناسبة لديه لكونه مربوطا بالظّلال والعجز في موطن الاصل سبحان الله إنّ قائل هذا القول هو الصّدّيق رضي الله عنه كما قالوا وهو رأس العرفاء ورئيس الصّدّيقين فأيّ علم يسبق ذلك العجز؟ وأيّ قادر يكون أسبق قدما من ذاك العاجز؟ نعم إذا قال في حقّ أستاذ الصّدّيق يعني النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ما قال كيف لا يقول ذلك في حقّ الصّدّيق؟! والعجب أنّ الشّيخ بهذا القيل والقال وبهذا الشّطح من المقال يظهر في النّظر من المقبولين ويشاهد في عداد الأولياء المكرّمين (ع) لا عسر في أمر مع الكرام نعم ربّما يحصل التّأذّي من الدعاء وربّما يحصل السّرور والابتهاج من الشّتم والإيذاء والذين يردّون الشّيخ في خطر والذين يقبلونه ويقبلون كلامه PageV02P342 أيضا في خطر ينبغي أن يقبل الشّيخ وينبغي أن لا يقبل كلماته المخالفة هذا هو الطّريق الوسط في قبول الشّيخ وعدم قبوله الذى هو اختيار هذا الفقير والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنقول: إنّ هذه المرتبة المقدّسة الّتي قلنا إنّها حقيقة القرآن لا مجال فيها لإطلاق النّور أيضا وبقي النّور في الطّريق كسائر الكمالات الذّاتيّة لا يوجد هناك شيء أصلا غير الوسعة اللّاكيفيّة والامتياز اللّامثليّ فلو كان المراد من قوله تعالى قَدْ جاءَكُمْ مِنَ الله نُورٌ (1) القرآن يمكن أنّ ذلك باعتبار الإنزال والتّنزيل كما يومئ إليه كلمة جاءكم وفوق هذه المرتبة المقدّسة مرتبة عالية جدّا وهي حقيقة الصّلاة الّتي صورتها قائمة في عالم الشّهادة بالمصلّين من أرباب النّهاية ولعلّ فيما ورد في قصّة المعراج في قوله صلّى الله عليه وسلّم حكاية " قف يا محمّد إنّ الله يصلّي " إيماء إلى حقيقة الصّلاة هذه نعم إنّ العبادة الّتي تكون لائقة بمرتبة التّنزّه والتّجرّد لعلّها تكون صادرة عن مراتب الوجوب وتظهر من أطوار القدم فالعبادة اللّائقة بجناب قدسه تعالى هي الصّادرة من مراتب الوجوب لا غير فهو العابد والمعبود وفي هذه المرتبة المقدّسة كمال الوسعة اللّاكيفيّة والامتياز اللّامثليّ فإنّ حقيقة الكعبة وحقيقة القرآن جزآها والصّلاة هي جامعة لجميع كمالات مراتب العبادات وكائنة على نسبة أصل الاصل فإنّ المعبوديّة الصّرفة متحقّقة فيها وحقيقة الصّلاة الّتي هي جامعة لجميع العبادات عبادة في هذه المرتبة للمرتبة المقدّسة الّتي فوقها واستحقاق المعبوديّة الصّرفة ثابت لها فإنّها أصل الكلّ وملاذ الجميع وتقصر الوسعة أيضا دون هذا الموطن ويبقى الامتياز في الطّريق وإن كان لا كيفيّا ولا مثليّا ومنتهى أقدام الكمّل من الانبياء وأكابر الأولياء عليهم الصّلوات والتّسليمات أوّلا وآخرا إلى نهاية مقام حقيقة الصّلاة الّتي هي نهاية عبادة العباد وفوق ذلك المقام مقام المعبوديّة الصّرفة الّتي لا شركة فيها لأحد بوجه من الوجوه حتّى يضع قدمه إلى فوق وكلّ مقام فيه شوب عبادة وعابد فيه مجال للقدم كالنّظر وإذا وقعت المعاملة إلى المعبوديّة الصّرفة يقصر القدم ويتمّ السّير ولكن بحمد الله سبحانه لم يمنع من النّظر فيها بل له فيها مجال بقدر الاستعداد (ع) لو لم يكن هذا لكان بلاء * يمكن أن يكون في أمر قف يا محمّد إشارة إلى قصور القدم هذا يعني: قف يا محمّد ولا تضع قدمك فوق ذلك فإنّه لا مجال للقدم فوق مرتبة الصّلاة الّتي هي صادرة عن مرتبة الوجوب ومرتبة تجرّد حضرة الذّات وتنزّهها تعالت وتقدّست وحقيقة الكلمة الطّيّبة لا إله إلّا الله تتحقّق في ذلك المقام ونفي عبادة الآلهة الغير المستحقّة للعبادة يتصوّر في ذلك الموطن وإثبات المعبود الحقيقيّ الذى لا مستحقّ للعبادة غيره يحصل في ذلك المقام وكمال الامتياز بين العابديّة والمعبوديّة يظهر ههنا ويمتاز فيه العابد من المعبود كما ينبغي أن يمتاز ويعلم أنّ معنى لا إله إلّا الله بالنّسبة إلى حال المنتهين لا معبود إلّا الله كما تقرّر في الشّرع أنّه معنى هذه الكلمة وملاحظة لا مقصود ولا موجود بالنّسبة إلى الابتداء والوسط ولا مقصود فوق لا موجود فإنّه روزنة لا معبود إلّا الله (ينبغي) أن يعلم أنّ التّرقّي في PageV02P343 النّظر في ذلك الموطن وحدّة البصر فيه مربوطة بالصّلاة الّتي هي شغل المنتهين وسائر العبادات لعلّها تمدّ في تكميل الصّلاة وتتلافى نقصها ولعلّه من هذا الوجه قالوا في حقّ الصّلاة إنّها حسن لذاتها كالإيمان وسائر العبادات ليست حسنا لذواتها. (78) المكتوب الثامن والسّبعون إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد والخواجه محمّد معصوم في إظهار الاشتياق إيّاهم والإشفاق عليهم مع ذكر ثمرات العسكر الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وإن كان الاولاد الكرام مشتاقين إلينا ومريدين لدوام صحبتنا ونحن أيضا متمنّين لحضورهم وملاقاتهم ولكن ماذا نفعل لا يحصل جميع المتمنّيات (ع) تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن * وإنّي أرى بقائي في العسكر على هذا الطّور بلا اختيار ولا رغبة مغتنما وأعتقد ساعة واحدة في هذه العرصة أفضل من ساعات كثيرة في سائر الامكنة وقد يتيسّر هنا ما لا يعلم تيسّر تمثاله في مواضع أخرى ومعارف هذا الموطن ممتازة من سائر المعارف وأحوال هذا المجمع ومقاماته ليست ممّا ينالها كلّ عارف والمنع الذى ورد من جانب السّلطان أراه روزنة رضاء مولاي العزيز الشّأن وأظنّ سعادتي في هذا الحبس وخصوصا في أيّام المشاجرة هذه أمور ومعاملة عجيبة وفي أوقات التّفرقة هذه غنج ودلال وملاطفة غريبة ولكن كلّما تحصل دولة جديدة عجيبة يوما فيوما يقع الاولاد في الخاطر ويضطرب الفؤاد من الم الهجر والبعاد وعدم نيل الملاقاة وأظنّ أنّ شوقي أكثر وأزيد من شوقكم وغالب عليه ومن المقرّر أنّ الولد لا يريد مثل ما يريد الوالد إيّاه وإن كانت قضيّة الاصالة والفرعيّة مقتضية عكس ذلك فإنّ الاصل لا احتياج له والفرع محتاج إلى الاصل من القدم إلى الرّأس ولكن جرت المعاملة على ذلك وثبت أشدّ الشّوق للأصل (ع) در خانه بكدخداى ماند همه ?يز * الدهلي في جواركم وآكره أيضا قريب منكم والسّلام. (79) المكتوب التّاسع والسّبعون إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد معصوم في أسرار ذات العارف الموهوبة اللّاكيفيّة وتحقيق تجلّي الذّات والرّؤية الاخرويّة وما يناسب ذلك فإذا ترقّت معاملة العارف من الشّئون والصّفات وتعدّت من وجوه اعتبارات الذّات تعالت وتقدّست وحصل لها التّفوّق من المقام الذى عبّرنا عنه بحقيقة الصّلاة يكون التّوجّه والمتوجّه ثمّة بلا PageV02P344 كيف كالمتوجّه إليه فإنّه لا سبيل للكيفيّ إلى اللّاكيفيّ وذلك المتوجّه هو ذات العارف بعد حذف جميع الوجوه والاعتبارات عنه والكنه عبارة عن هذه الذّات المجرّدة المتوجّهة إلى ذات معروفها وكنهه مطلوبها بنفسها لا بالوجه والاعتبار وإنّما قلت إنّ الكنه عبارة عن الذّات المجرّدة فإنّ كنه الشّيء هو ما يكون وراء جميع وجوه الشّيء واعتباراته وذات الشّيء أيضا ما يكون وراء جميع وجوه الشّيء واعتباراته فإنّ كلّما يلاحظ من وجوه الشّيء واعتباراته توجد ذات الشّيء وراء ذلك كلّها لا مجال لإثبات أمر في مرتبة الذّات أصلا وكلّ شيء يثبت ثمّة فهو داخل في الوجوه والاعتبارات والذّات ما وراء ذلك لا يتصوّر في ذلك المقام أمر غير النّفي والسّلب فإن كان فيه علم بالامتياز فبالسّلب وإن كان تعبير وتفسير فبالسّلب أيضا وكلّ شيء لا مجال فيه للإثبات ولا يمكن عنه التّعبير بغير السّلب فهو مجهول الكيفيّة وله نصيب من اللّاكيفيّ والتّوجّه الذى يثبت في مرتبة الذّات يكون عين ذات المتوجّه لا وجه من وجوه الذّات ولا اعتبار من اعتباراتها فإنّ جميع الوجوه والاعتبارات صارت مسلوبة عنها ولم يبق شيء غير الذّات الاحد فيكون لذاك التّوجّه الذى هو عين الذّات نصيب من اللّاكيفيّ بالضّرورة فصحّ أنّ التّوجّه والمتوجّه يكونان ثمّة بلا كيف كالمتوجّه إليه وإن كان بين لا كيفيّ ولا كيفيّ فرق كثير ما للتّراب وربّ الارباب ولهذا أثبتنا في التّوجّه والمتوجّه نصيبا من اللّاكيفيّ واللّاكيفيّ الحقيقيّ هو المتوجّه إليه فقط فإذا كان ذاك الممكن وكنهه مجهول الكيفيّة ولا يمكن إثبات شيء فيها كيف تكون ذات الواجب تعالى الّتي هي في كمال اللّطافة والتّقدّس والتّنزّه مدركة وماذا يحصل منها. (شعر) من لم يكن ذا خبرة عن نفسه ... هل يقدر الإخبار عن هذا وذا وأعطى أرحم الرّاحمين من كمال رأفته ورحمته الممكن الذى متّصف بالكيف بالتّمام نصيبا من اللّاكيفيّ ليحصل له حضور وشعور باللّاكيفيّ الحقيقيّ (ع) وللأرض من كأس الكرام نصيب * وما قيل من استحالة معرفة كنه الذّات لعلّهم أرادوا بالمعرفة المعرفة المتعارفة الّتي من عالم الكيف وتعلّقها باللّاكيفيّ محال وأمّا إذا اتّصل أمر من عالم لا كيفيّ بلا كيفيّ باتّصال لا كيفيّ ونال من تلك الدولة العظمى حظّا وافرا لم يكن محالا (معرفة) غريبة ومسالة دقيقة عجيبة قلّما ظهرت إلى الآن من أهل الكشف والعرفان أنّ هذه الذّات المجرّدة الّتي لها نصيب من اللّاكيفيّ وبيّنت بالتّفصيل مخصوصة بعارف تامّ المعرفة واصل إلى حضرة الذّات المجرّدة تعالت وتقدّست وحصل له الفناء والبقاء في تلك الدرجة العليا وهذه الدولة أثر ذلك البقاء الذّاتيّ وسائر الممكنات سوى هذا العارف لا نصيب لهم من الذّات أصلا وليست لهم ذات قطعا حتّى تكون صفاتهم قائمة بها بل جميع وجودهم ظلال الاسماء والصّفات وعكوس الشّئون والاعتبارات قائمة بأصولها الّتي هي الاسماء والصّفات لا بأمر يعبّر عنه بالذّات واللّطائف السّبع للإنسان الذى هو أجمع جميع الممكنات سواء كانت خفيّا أو أخفى آثار الصّفات وجسمانيّها وروحانيّها ظلال الاسماء واعتبارات الذّات تعالت وتقدّست ما أودع فيها شيء من نفس PageV02P345 الذّات وما جعل قيامها بتلك الذّات (فإن قيل) لا قيام للأسماء والصّفات بأنفسها بل قيامها بالذّات تعالت وتقدّست فكيف يقوم الغير بها؟ (قلت) إنّ الغير إنّما لا يقوم بها إذا كان موجودا وأمّا إذا حصل له ثبوت واستقرار في مرتبة التّوهّم فلم لا يكون قائما بهؤلاء فإنّه أضعف؟ (وما قلت وكتبت) انّ ذات الممكن عدم فهو كقولنا الممكن لا ذات له ذاته عدم ولا ذات له كلاهما بمعنى واحد وإن أبدى التّحقيق الفلسفيّ تغايرا بين هذين المفهومين ولكن لا مفهوم له وفي الحقيقة مرجعهما ومآلهما واحد والعدم لا نفع فيه لنفسه وماذا يجدي لغيره ولا يقدر إمساك نفسه؟ فكيف يمسك غيره؟ وتحقيق المبحث أنّ عكوس الاسماء والصّفات لمّا ظهرت في مرآة العدم يرى قيامها في الظّاهر بتلك المرآة وتتخيّل المرآة كالذّات لها باعتبار قيامها بها وفي الحقيقة قيامها بأصلها لا تعلّق لها بالمرآة أصلا ولا شغل لها بمرآة العدم في غير التّوهّم وأين المجال لجوهريّة تلك المرآة وذاتيّتها ههنا؟ والعدم لا قابليّة له لان يكون عرضا فكيف يكون جوهرا؟ وهذا العارف تامّ المعرفة الواصل إلى مرتبة الذّات تعالت وتقدّست الحاصل له البقاء بالذّات الذى حكمه حكم عنقاء المغرب في جميع الاوقات لكونه عزيز الوجود وغريب الوقوع أعطى بعد الفناء والبقاء ذاتا يكون قيام ظلال الاسماء والصّفات وعكوسها الّتي هي حقيقته بتلك الذّات كما أنّ قيام أصولها الّتي هي الاسماء والصّفات بحضرة الذّات يكون قيام ظلال تلك الاسماء والصّفات بظلّ تلك الذّات الّتي أعطيها العارف فيكون ذلك العارف مركّبا من الجوهر والعرض ويكون سائر أفراد الممكن مجرّد الاعراض لا شائبة فيهم من الجوهريّة نعم ما قال صاحب الفتوحات المكّيّة من أنّ العالم أعراض مجتمعة قائمة بذات واحدة ولكن ذهل الشّيخ هنا عن دقيقتين إحداهما أنّه لم يستثن العارف الاكمل من هذا الحكم وثانيتهما أنّه جعل قيامه بالذّات الاحد والحال أنّ قيامه بأصله الذى هو الاسماء والصّفات لا بالذّات تعالت وإن كان قيام الاسماء والصّفات بالذّات فإنّ لحضرة الذّات كمال الاستغناء عن العالم فكيف يمكن قيام العالم بتلك الدرجة العليا؟ وماذا يكون العالم حتّى يكون فيه هوس القيام بتلك الذّروة القصوى؟ ما تماشا كنان كوته دست ... تو درخت بلند بالاى ومعاملة هذا العارف خارجة عن معاملة العالم وحكمه مستثنى من أحكام العالم وهو بحكم " المرء مع من أحبّ " نال بالمحبّة الذّاتيّة معيّة بأصل الاصل متجاوزا اصله وأفنى نفسه في أصل الاصول وأكرمه أكرم الاكرمين بمقتضى: هل جزاء الإحسان إلّا الإحسان ببقائه مكافاة لفنائه وجعله باقيا بما قد فني فيه وصيّره مظهرا لذاته وأسمائه وصفاته وجعله مرآة جامعة فكان حكم سائر أفراد العالم في جنب هذا العارف العاشق حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط فإنّ الاسماء والصّفات لا قدر لها في جنب حضرة الذّات ولا مقدار وللقطرة قدر بالنّسبة إلى البحر وهؤلاء يمكن أن يقال ليس لها ذلك في جنب تلك ينبغي أن يقيس علم هذا العارف ومعرفته ودركه وإدراكه من ههنا بالنّسبة إلى الآخرين وأن يفهم ثمّة عظم شأنه PageV02P346 وعلوّ منزلته ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) وهذا العارف الذى تشرّف بالبقاء الذّاتيّ وأعطى ذاتا يكون قيام صفاته مثل العلم والقدرة بها كما كان قيامها أوّلا بأصولها كسائر أفراد العالم لا يعود إليه بوجود هذا البقاء الاكمل إطلاق كلمة أنا الّتي قد زالت عنه ولا يقدر إطلاق أنا في مرتبة من مراتب البقاء فإنّ البقاء الاكمل متفرّع على الفناء الاتمّ الذى لم يترك من إطلاق كلمة أنا اسما ولا رسما ولم يبق له مجالا " الزّائل لا يعود " قضيّة مشهورة والذي يعود فليس هو بزائل بل كان مغلوبا ومستورا ثمّ قوي بعروض عارض وغلب فإنّ المغلوب قد يغلب (ينبغي أن يعلم) أنّ النّصيب من مرتبة الذّات - تعالت وتقدّست - مخصوص بهذا العارف الذى صار باقيا بحضرة الذّات وقامت به الصّفات وأيّ قسم من الفناء والبقاء حصّله غيره يكون نصيبه من الاسماء والصّفات لا من الذّات - تعالت وتقدّست - وإن لم يكن للأسماء والصّفات انفكاك عن الذّات تعالت ولكنّ النّصيب من الذّات غير النّصيب من الصّفات وإن أوقع عدم انفكاك الصّفات عن الذّات جماعة في توهّم اتّحاد النّصيب من الصّفات وعينيّته بالنّصيب الحاصل من الذّات ولكن لكلّ منهما علامات وأمارات على حدة وعلوم ومعارف مخصوصة لا يخفى ذلك لأرباب الوصول إلى هذه الدولة العظمى ولكن لا يخفى عليك أنّ التّجلّي الذّاتيّ ليس بمخصوص بهذا العارف بل يجوز أن يتيسّر التّجلّي الذّاتيّ لغيره أيضا ولكن لا يكون له نصيب من نفس الذّات فإنّ التّجلّي يستدعي نحوا من الظّلّيّة فإنّه ظهور في مرتبة ثانية والنّصيب من نفس الذّات الذى مرّ ذكره لا يتحمّل شائبة من الظّلّيّة ويكون هاربا عن نفس التجلي والظهور أيضا ظهور الذّات بصفة من الصّفات هو أيضا ظهور الذّات في مرتبة ثانية ولكنّه ليس تجلّيا ذاتيّا بل تجلّي اعتبار من اعتبارات الذّات - تعالت وتقدّست - فإنّ الذّات عزّ شأنهاجامعة لجميع الاعتبارات بل منزّهة عن الجميع فلا يكون تجلّي اعتبار من الاعتبارات تجلّيا ذاتيّا (فإن قيل) إنّ الشّيخ محيي الدين بن العربيّ - قدّس سرّه - وتابعوه قدّس الله أسرارهم قالوا للتّعيّن الاوّل تعيّنا ذاتيّا وهو ظهور الذّات بالتّعيّن العلميّ الجمليّ الذى هو اعتبار من اعتبارات الذّات وإن كانت له جامعيّة (أجيب) انّ معتقد هذا الدرويش هو أنّ هذا الظّهور العلميّ الجمليّ الذى عبّروا عنه بالتّعيّن الاوّل ليس هو أيضا تجلّيا ذاتيّا بل هو تجلّي شأن من شئونات الذّات والذّات جامعة لجميع الشّئون والاعتبارات بل فوق جميع الشّئون والاعتبارات واعتبار العلم هناك كسائر اعتبارات الذّات الّتي ايدى وصولها قاصرة عن ذيل غنا تلك المرتبة المقدّسة (فإن قيل) إنّ الظّهور في مرتبة ثانية مقصور على العلم فإنّ في الخارج نفس الذّات تعالت فيكون ظهورها في مرتبة ثانية في موطن العلم فإنّ الظّهور إمّا في العلم أو في الخارج ولم يبيّن الشّقّ الثالث حتّى يثبت فيه الظّهور (قلت) إنّ القادر الذى ظهر بشأن العلم الذى هو اعتبار من اعتبارات الذّات يقدر أن يظهر على نهج يكون ظهور اعتبار العلم بعضا من ذلك الظّهور الجامع بل يظهر على نهج لا يكون لاعتبار العلم ولا PageV02P347 لسائر الاعتبارات فيه مجال ويكون مرتبة ذلك الظّهور الجامع ما وراء مرتبة الخارج ومرتبة العلم بأن يكون ظلّا للخارج وأعلى من مرتبة العلم وجعل تجلّي الذّات مقيّدا بالتّعيّن العلميّ من قبيل حصر بحر في كوز بل من قبيل طلب الشّراب من السّراب قال الشّاعر. (شعر) كسى در صحن كا?ى قليه جويد ... أضاع العمر في طلب المحال نعم إنّ اعتبار العلم هو أجمع جميع اعتبارات الذّات وفيه من شمول كمالات الذّات ما ليس في غيره من الاعتبارات فلو قالوا للظّهور العلميّ: ظهور الذّات على سبيل التّجوّز وأطلقوا عليه تجلّيا ذاتيّا لساغ وإن كان ذلك بعيدا عن إطلاقاتهم ومستبعدا من مذاقهم كما لا يخفى على النّاظرين في كلامهم (فإن قيل) إنّ الشّيخ محيي الدين بن العربيّ - قدّس سرّه - قال: تكون الرّؤية الاخرويّة بصورة لطيفة جامعة مثاليّة فما اعتقادك في هذه المسألة؟ (قلت) إنّ رؤية الصّورة الجامعة المذكورة ليست هي رؤية الحقّ سبحانه بل رؤية مظهر من مظاهر كمالاته سبحانه حصل في عالم المثال. (شعر) يراه المؤمنون بغير كيف ... وإدراك وضرب من مثال والقول بكون رؤية الحقّ سبحانه بالصّورة نفي رؤية الحقّ سبحانه في الحقيقة وأيضا إنّ الصّورة الّتي تحصل في عالم المثال وإن كانت جامعة تكون على مقدار عالم المثال وعالم المثال وإن كانت له وسعة ولكنّه واحد من عوالمه تعالى المخلوقة فكيف يكون للصّورة الجامعة الّتي فيها مجال لأن تكون جامعة لجميع الكمالات الوجوبيّة وأن تضبط كلّها حتّى تصير مرآة لتلك المرتبة المقدّسة وتكون رؤيتها رؤيته تعالى فإذا لم يكن في صفة العلم الّتي هي من الصّفات الوجوبيّة وأجمع الصّفات الذّاتيّة مجال لأن تكون جامعة لجميع الصّفات والاعتبارات الذّاتيّة كما مرّ تحقيقه ماذا يكون عالم المثال الذى هو ممكن ومخلوق حتّى يكون فيه صورة جامعة لجميع الكمالات الوجوبيّة فلو سلّمنا فرضا وتقديرا أنّها جامعة تكون ظلّا من ظلال تلك المرتبة المقدّسة ورؤية الظّلّ ليست هي في الحقيقة رؤية الاصل والمخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام شبّه الرّؤية الاخرويّة برؤية القمر ليلة البدر ولم يترك خافية أصلا ورؤية الظّلّ هي كرؤية القمر في الطّشت وأرباب الفطرة العليا لا يقبلون ذلك والذي ندركه ونعلمه أنّه يمكن أن يحصل لتلك المرتبة المقدّسة ظهور في خارج موطن العلم ويكون له ثبوت في ظلّ مرتبة الخارج كما مرّ ويكون لهذا الظّهور الجامع ظلّ جامع في موطن العلم يعبّرون عنه بالتّعيّن الاوّل ويكون لهذا الظّهور الجامع ظلّ آخر في عالم المثال جامع يكون مرآة للظّلّ الجامع العلميّ وهذا الظّلّ الجامع المثاليّ الذى يظهر بصورة لطيفة في عالم المثال يكون بصورة الإنسان الذى هو أجمع المخلوقات وحديث «إنّ الله خلق آدم على صورته " يمكن أن يكون واردا بهذا الاعتبار ولكنّ رؤية الحقّ سبحانه PageV02P348 هي ما تكون وراء الظّهورات والصّور وتكون من عالم لا كيفيّ ولا مثليّ ينبغي الإيمان بالرّؤية الاخرويّة دون أن يشتغل بكيفيّتها وكمّيّتها ولميّتها لا مناسبة لخلق الآخرة ووجودها بخلق الدنيا ووجودها أصلا حتّى تقاس أحكام إحداهما على أحكام الاخرى والبصر هناك غير البصر الذى هنا والفهم والإدراك هناك غير الفهم والإدراك اللّذين هنا لها الدوام والابد ولهذا الفناء والزّوال ولها كمال النّظافة وتمام اللّطافة ولهذه غاية الخبث ونهاية الكثافة والشّيخ قدّس سرّه لا يثبت للحقّ جلّ وعلا ظهورا في خارج موطن العلم ولا يجوّز فيما وراء المجالي والمظاهر شهودا ومشاهدة ورؤية (ع) وذلك رأي غير ما هو رأيهم * فماذا نفعل؟ لا أحد في هذه العرصة غير الشّيخ - قدّس سرّه - فأحيانا نحاربه وأحيانا نصالحه وهو الذى أسّس كلام المعرفة والعرفان وشرحه وبسطه وهو الذى تكلّم من التّوحيد والاتّحاد بالتّفصيل وبيّن منشأ التّعدّد والتّكثّر وهو الذى أعطى الوجود بالكلّيّة للحقّ جلّ وعلا وجعل العالم موهوما ومتخيّلا وهو الذى أثبت للوجود التّنزّلات وميّز أحكام كلّ منها عن أحكام الآخر وهو الذى اعتقد العالم عين الحقّ وقال كلّه هو ومع ذلك وجد مرتبة تنزيه الحقّ سبحانه وراء وراء العالم واعتقد الحقّ سبحانه منزّها ومبرّأ من الرّؤية والإدراك والمشايخ المتقدّمون على الشّيخ إن تكلّموا في هذا الباب تكلّموا بالإشارات والرّموز ولم يشتغلوا بالشّرح والتّفصيل والذين جاءوا من بعد الشّيخ من هذه الطّائفة اختار أكثرهم تقليد الشّيخ وساق الكلام على طبق اصطلاحه ونحن المتأخّرون العاجزون أيضا استفضنا من بركاته ونلنا حظّا وافرا من علومه ومعارفه جزاه الله سبحانه عنّا خير الجزاء غاية ما في الباب أنّه لمّا كان كلّ من مظانّ الخطأ ومجال الصّواب مختلطا بالآخر بحكم البشريّة والإنسان أحيانا مخطئ وأحيانا مصيب فلا جرم كان اللّازم جعل الموافقة لأحكام السّواد الاعظم الذين هم أهل الحقّ علامة للصّواب ومخالفتهم دليلا للخطأ أيّا من كان القائل وأيّا ما كان المقول قال المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " عليكم بالسّواد الاعظم " ومقرّر أيضا أنّ تكميل الصّناعة بتلاحق الافكار واختلاف الانظار وإن كان يمكن أن يقال لسيبويه إنّه بنى أحكام علم النّحو ولكنّ النّحو الذى حصل له بتلاحق أفكار المتأخّرين واختلاف أنظارهم كمال وتنقيح شيء آخر حيث حدث فيه زينة أخرى حتّى يمكن أن يقال إنّه نوع آخر وعرض عليه أحكام على حدة رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) (80) المكتوب الثمانون أيضا إلى حضرة المخدوم محمّد معصوم سلّمه الله في بيان استناد الاشياء إلى ذات العارف الموهوبة PageV02P349 الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ (1) عليهم الصّلوات والتّسليمات (اعلم) أنّ للظّلّ إلى أصله طريقا سلطانيّا لا حائل بينهما مقدار تبنة أصلا فإن كان بينهما حيلولة فإنّما هي إقباله على نفسه وإعراضه من الاصل والظّلّ ليس إلّا حامل أمانات الاصل فإنّ كلّ ما فيه من حسن الوجود وكماله وتوابعه مستفاد من الاصل ونصيبه من غير توسّط الاصل لعلّه العدم وهو لا شيء محض ومجرّد اعتبار هذا الظّلّ نسي أصله من كمال جهالته وزعم أماناته من قبل نفسه فخان في الامانة وظنّ نفسه مع وجود قبحه الذّاتيّ حسنا وكاملا ولكنّ مع وجود إقباله على نفسه وإعراضه عن أصله له محبّة وميل طبيعيّ إلى أصله عرف أو لم يعرف بل محبّته لنفسه متعلّقة في الحقيقة بأصله فإنّ الحسن والكمال الذين هما متعلّقا المحبّة من الاصل لا منه فإنّه ليس له شيء غير العدم والقبح حتّى تتعلّق به المحبّة كما حقّق غير مرّة فإذا زال عنه بكرم الله سبحانه مرض الانانيّة والعجب وتخلّص من الجهل المركّب الذى فيه واعترف بكون الامانة من أهل الامانة وحصل له الإعراض عن نفسه بدل الإقبال على نفسه وتبدّل إعراضه عن الاصل بالإقبال عليه فحينئذ يستمسك بحبل السّعادة بيده ويحصل له رجاء الوصول إلى الاصل غاية ما في الباب أنّ العالم لمّا كان ظلال الاسماء والصّفات الواجبيّة كان أصولها هي الاسماء والصّفات وهذه الظّلال أعراض قائمة بأصولها الّتي هي الاسماء والصّفات ليس بينها جوهر حتّى تكون قائمة به وقال النّظام من المعتزلة: بحكم " الكذوب قد يصدق " مطّلعا على هذا السّرّ " العالم بتمامه أعراض لا جوهر حتّى يقوم به " ولكنّه أخطأ في قوله بقيام هذه الاعراض بأنفسها غافلا عن أصولها الّتي تقوم بها وقال الشّيخ محي الدين بن العربيّ قدّس سرّه من الصّوفيّة إنّ العالم أعراض مجتمعة وجعل قيامها بذات الله جلّ وعلا لا بالاسماء والصّفات الّتي هي أصولها فيا ليت شعري ما معنى القيام بالذّات المجرّدة عن الوجوه والاعتبارات ولا معنى للقيام ثمّة إلّا اختصاص النّاعت بالمنعوت ولا نعت ثمّة فلا قيام وأيضا إنّ القيام من جملة الوجوه والاعتبارات المتعيّنة فلا معنى لإثباته في تلك المرتبة المقدّسة فإذا كان أفراد العالم ظلال الاسماء والصّفات فلا جرم يكون وصولها إلى أصولها الّتي هي الاسماء والصّفات فلو وصل إلى أصول الاصول أيضا لا يكون منتهيا إلى الذّات المجرّدة المقدّسة ولا يقدر أن يتجاوزها ولا مجال هناك للأصالة أيضا فإنّ ثمّة غنا ذاتيّا عن الكلّ لا رسم فيه ولا صفة ولا شأن ولا اعتبار فلا يكون للعالم من مرتبة الذّات المقدّسة نصيب غير الحرمان ولا يكون للوصول والاتّصال فيه مجال ولكن قد جرت عادة الله سبحانه بأن يعطي بعد قرون متطاولة وأزمنة متباعدة من كمال رحمته ورأفته لصاحب دولة بعد الفناء الاتمّ بقاء أكمل وأنموذجا من الذّات الاقدس فكما أنّ قيامه كان أوّلا بأصله الذى هو الاسماء والصّفات يكون الآن قائما بذلك الانموذج ومجموع تلك الاعراض السّابقة الّتي كانت تكون تلك الذّات الموهوبة حقيقتها وينتهي كماله الإنسان إلى نهايته وتتمّ النّعمة في حقّه ها أنا PageV02P350 أقول كلاما ينبغي حسن الإصغاء: إنّ القيام بتلك الذّات الموهوبة ليس مخصوصا بذلك العارف بل قيام جميع أفراد العالم الّتي هي أعراض مجتمعة كما كان أوّلا بالاسماء والصّفات جعل الآن مربوطا بتلك الذّات الموهوبة وجعل الكلّ قائما بتلك الذّات الموهوبة. (شعر) ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد وسرّ خلافة الإنسان الّتي جاءت في قوله تعالى إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (1) يتحقّق ههنا وحقيقة خبر أنّ الله خلق آدم على صورته تتّضح ثمّة وما قلت من أنّه يعطى أنموذجا من الذّات الاقدس فهو من ضيق ميدان العبارة وإلّا فأين المجال هناك للأنموذج؟ وأيّ شيء يظهر بصورته؟ وأين المجال ثمّة للصّورة؟ (ينبغي) أن يعلم أنّ مثل هذا العارف لا يكون متعدّدا في عصر واحد فإنّه إذا ظهر بعد قرون متطاولة كيف يتصوّر تعدّده في عصر واحد؟ فلو عيّنّا مدّة ظهور مثل هذه الدولة لما صدّقه غير الاقلّين رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (2) (ينبغي) أن يعلم أنّ العارف الذى شرّف ببقاء الذّات تكون تلك الذّات الموهوبة لا كيفيّة وتكون وراء جميع الوجوه والاعتبارات والذّات الّتي لها نصيب من اللّا كيف لها طريق سلطانيّ إلى الذّات المجرّدة اللّا كيفيّة وتكون الذّات الموهوبة هي كنه العارف فإنّ الكنه عبارة عمّا هو وراء جميع الوجوه والاعتبارات وهذه الذّات ما وراء جميع الاعتبارات ولا كنه لسائر أفراد العالم فإنّ جميع وجودها وجوه واعتبارات ولا ذات لها ما وراء الاعتبارات حتّى يقال لها كنها فإذا لم يكن لها كنه ماذا يكون لها نصيب من كنه الاصل؟ والذي له سبيل إلى الكنه هو الكنه وأيّ مناسبة للوجه مع الكنه وكأنّ الكنه وقع محاذيا للكنه وللوجه انحراف من الكنه فكيف يصل إلى الكنه؟ بل كلّما يكون حركته وسيره أكثر يقع من الكنه أبعد. (شعر) لن تبلغ الكعبة العلياء يا بدويّ ... إنّ الطّريق الذى تمشي إلى الختن وإطلاق محاذاة الكنه الكنه من ضيق مجال العبارة وإلّا كيف تتصوّر المحاذاة في تلك الحضرة ولكن تطلق المحاذاة على سبيل التّجوّز لتمثّل ذلك المعنى اللّاكيفيّ بصورة مثاليّة متكيّفة رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (3) (اسمع) أنّه لمّا حصل لأفراد العالم الّتي هي أعراض مجتمعة قيام بذات العارف الموهوبة كما مرّ حصلت لها أيضا نسبة بالذّات الاقدس جلّ شأنها بتوسّط ذات العارف المذكورة وحصل لها نصيب من تلك المرتبة المقدّسة من هذه الحيثيّة فإنّ ذات هؤلاء هي عين ذات العارف كأنّها حصل لها بتوسّط PageV02P351 ذواتها ارتباط لا كيفيّ بذات لا كيفيّة ومع ذلك انتسابها إلى الذّات الاقدس بتوسّط العارف فإنّ تلك الذّات في الحقيقة هي ذات العارف اسمع كلاما غريبا أنّ كلّ أحد له انتساب إلى الذّات الاقدس بذاته ووصول لا كيفيّ إلى تلك المرتبة المقدّسة له أصالة واستقلال في أخذ الفيوض والبركات من تلك المرتبة المقدّسة ولا توسّط في البين والوسائط إنّما هي فيما دون تلك المرتبة المقدّسة ولكلّ أحد من الواصلين إلى تلك المرتبة المنزّهة نصيب بقدر استعداده بطريق الاصالة والله سبحانه أعلم بحقائق الامور كلّها والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) (81) المكتوب الحادي والثمانون إلى الخواجه جمال الدين الحسين في تعبير واقعته بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات ليعلم الولد الاعزّ انّ الصّحيفة الشّريفة الّتي أرسلتها قد وصلت وحيث كانت متضمّنة لخبر العافية والجمعيّة الصّوريّة والمعنويّة أورثت الفرح والسّرور وكتبت الواقعة الّتي ظهرت وطلبت تعبيرها وهي أنّي كنت مرّة في صدد التّوضّي فسقطت مغشيّا عليّ وصرت كأنّه خرج الرّوح من بدني ولمّا أفقت رأيت نورا لامعا كالشّمس حتّى غشي عليّ من غاية لطافته كما إذا رأى شخص محبوبه فينمحي في أشعّة جماله ولا يبقى منه اسم ولا رسم ليكن مكشوفا لولدي ومعلوما أنّ الإنسان مركّب من لطائف سبعة مشهورة ولكلّ لطيفة معاملة على حدة وأحوال ومواجيد مختصّة بها وكانت أحوال ولدي وأذواقه متعلّقة بلطيفة القلب إلى الآن وكان متلوّنا بتلوينات القلب والآن قد ورد هذا الوارد القويّ إلى لطيفة روحك وأدخلها في تصرّفه إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً (2) ولمّا كانت الرّوح الّتي هي منشأ الإدراك والشّعور مغلوبة الوارد كان الغشي نقد الوقت ومعاملتك في ذلك الوقت متعلّقة بلطيفة الرّوح وقد وقع في حلقة هذا اليوم نوع إمداد وإعانة في تكميل هذه النّسبة وشوهد ظهور أثرها وعلم أنّه قد حصل لها وسعة وهي بعد في صدد السّراية رزق الله سبحانه إتمامها والواقعة الثانية الّتي كتبتها أنّك رأيت تلاقي الثريّا ببنات نعش في بيتي تعبير هذه الواقعة مناسب لتعبير الواقعة الاولى وحيث ظهر اجتماع نسبة القلب بنسبة الرّوح بتلاقي هذين القسمين من الكواكب وحيث انّ في الثريّا انتظام الكواكب فهو مناسب بالقلب وحيث انّ في بنات النّعش انتشارا فهو مناسب بالرّوح فإن ظهرت الواقعة الثانية بعد الواقعة الاولى فصحيحة ودالّة على اجتماع النّسبتين وإن PageV02P352 ظهرت أوّلا فذلك أيضا صحيح فإنّه كثيرا ما تحصل النّسبة ولا تظهر فأريت أوّلا حصولها ثمّ ظهرت بواقعة ثانية والله سبحانه أعلم بالصّواب سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا (1) والسّلام. (82) المكتوب الثاني والثمانون إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد والخواجه محمّد معصوم مدّ ظلّهما في إظهار المهاجرة مع بعض البشارات الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ليكن أولادي الكرام متحقّقين بالجمعيّة الصّوريّة والمعنويّة لا أجد في هذه الاسفار والمحن شيئا من الآلام مساويا لمفارقة أولادي الاعزّة وقلّما أكون فارغا عن تذكارهم وكلّما كان وصول النّعم من المنعم الحقيقيّ أكثر يكون تذكّر الاحبّة النّائين أزيد وأوفر والسّوانح الجديدة تكتب يوما فيوما في المسوّدة وتنقل إلى البياض ولكن من الذى يدركها ومن يحتظّ بها والخواجه محمّد هاشم مغتنم فإنّ فيه استعداد فهم الكلام ويكون ملتذّا في الجملة ولكنّه صار في سفر اجمير هذا من شدّة المحن من المخلصين الصّحيحي الاعذار لا يرافقون إلّا قليلا حسبنا الله ونعم الوكيل الرّفقاء قليلون والاذواق أيضا قليلة أَلَيْسَ الله بِكافٍ عَبْدَهُ (2)؟ بلى ثمّ إنّي لمّا كنت ليلة محزونا ومتالّما من مفارقتكم رأيت بعد صلاة التّهجّد أنّكما الاخوين ذهبتما مع واحد من هؤلاء الاصحاب عند وكيل سلطان لتكونوا ملازمين له وتمييز من يصلح الملازمة مفوّض إلى ذلك الوكيل فكلّ من يراه قابلا للملازمة يأخذه ملازما ويكتبون لونه وعلائمه على ورق فكتبوا من بين الثلاثة لونكما وأخذوكما للملازمة ولم يكتبوا لون الثالث من الاصحاب ولم يقبلوه للملازمة وأنا أسالكما أنّه لم لم يكتبوا لونه؟ فتقولان: إنّه قرب وجهه إلى وجهه وقت كتابة اللّون وتأمّل فيه تأمّلا تامّا فقال: إنّ به سوادا أو قال لفظا قريبا من ذلك فلم يكتب حمد الله سبحانه قد اطمئنّ القلب من جانبكما حيث قبلوكما ولكن بقي الخاطر متالّما من طرف هذا الثالث من الاصحاب حيث لم يقبلوه وليت يقبلونه لملازمة ملازمي السّلطان العاقبة بالخير. (83) المكتوب الثالث والثمانون إلى حضرات المخدوم الخواجه محمّد سعيد والخواجه محمّد معصوم سلّمهما الله في بيان بركات كونه في العسكر من غير اختيار PageV02P353 ليكن أولادي الكرام على جمعيّة إنّ النّاس ينظرون إلى محننا في جميع الاوقات ويطلبون مخلصا من هذا المضيق ولا يدرون أنّ في عدم حصول المراد وعدم الاختيار وعدم نيل المقصود والمرام بلاء حسنا وجمالا وأيّ نعمة تساوي لاخراج الإنسان من اختياره بلا اختياره وإعطاء المعيشة له بلا اختيار وجعل أموره الاختياريّة تابعة لعدم اختياره وجعله كالميّت بين يدي الغسّال وفي أيّام الحبس إذا تأمّلت أحيانا في اضطراري وعدم اختياري كنت أحتظّ منه حظّا عجيبا وأجد منه ذوقا غريبا نعم ماذا يجد أرباب الفراغ من أذواق أرباب البلاء وماذا يدركون من جمال بلائه والحظّ عند الاطفال منحصر في الحلاوة والذي نال حظّا وافرا من المرارة لا يشتري الحلاوة بشعرة (ع) مرغ آتشنحواره كى لذة شناسد دانه دا * والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1) (84) المكتوب الرّابع والثمانون إلى الحافظ عبد الغفور في بيان آداب هذه الطّريقة العليّة الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ينبغي لطالب هذا الطّريق بعد تصحيح العقائد بموجب آراء أهل الحقّ شكر الله تعالى سعيهم وبعد تعلّم الاحكام الفقهيّة والعمل بمقتضى العلم أن يصرف جميع أوقاته في ذكر الله جلّ شأنه بشرط أن يكون ذلك الذّكر مأخوذا من الشّيخ الكامل المكمّل فإنّه لا يحصل الكامل من النّاقص وينبغي تعمير الاوقات بالذّكر على نهج لا يشتغل بعد أداء الفرائض والسّنن المؤكّدة بشيء غير الذّكر أصلا حتّى يترك تلاوة القرآن ونوافل العبادات أيضا ويشتغل بالذّكر بالوضوء وبغير الوضوء قائما وقاعدا ولا يخلو عنه في مجيئه وذهابه ووقت أكله ونومه. (شعر) الا فاذكروا ربّ البرايا فإنّه ... جلاء القلوب والغذاء لأرواح وليشتغل بالذّكر على الدوام حتّى لا يبقى في ساحة الصّدر من غير المذكور اسم ولا رسم لا يخطر ما سوى المذكور في قلبه بطريق الخطرة أيضا فلو تكلّف في إحضار الغير لا يتيسّر له ذلك بواسطة نسيان القلب غير المذكور وذلك النّسيان أعني نسيان القلب جميع ما سوى المطلوب مقدّمة حصول المطلوب ومبشّر بالوصول إليه وماذا أكتب من حصول المطلوب والوصول الحقيقيّ إلى المقصود فإنّ ذلك وراء الوراء. (شعر) كيف الوصول إلى سعاد ودونها ... قلل الجبال ودونهنّ خيوف PageV02P354 فإذا أتمّ الاخ الاعزّ هذا الدرس بعناية الله سبحانه يطلب درسا آخر والله سبحانه الموفّق والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (1). (85) المكتوب الخامس والثمانون إلى حضرة المخدوم الخواجه محمّد معصوم في التّحريض على حفظ الاوقات أحوال هذه الحدود وأوضاعها مستوجبة للحمد المسئول من الله سبحانه سلامتكم واستقامتكم فإذا تيسّر الوصول بمشيئة الله تعالى إلى أجمير وحصلت النّجاة من هذه العقبات الشّديدة والحرّ المفرط أكتب لكم كتابا وأطلبكم إن شاء الله تعالى عليكم بالجمعيّة وصرف الهمّة في مراضي المولى جلّ شأنه بالتّمام حذر الوقوع في الفراغ واستيفاء حظّ النّفس والمؤانسة التّامّة بالاهل والعيال فيقع الفتور في معاملة مهمّة فلا يحصل شيء غير الحرمان والنّدامة ولا يجدى النّدامة شيئا وعليكم باغتنام هذه الصّحبة وصرف الاوقات في أهمّ الامور ما عَلَى الرَّسُولِ إِلّاَ الْبَلاغُ (2) والمعارف الجديدة الّتي حرّرت كلّها درسكم بعد درس إيّاكم وسردها بل ينبغي أن تجتهدوا في مطالعتها بالجدّ والجهد فلعلّه تنكشف روزنة من مكنوناتها فتكون رأس مال سعادتكم وقد وجدت بشارة في مادّتكم وكتبتها في مكتوب وفوّضته إلى الخواجه محمّد هاشم الكشميّ ليوصّله إليكم ولعلّ الله سبحانه لا يضيّعكم بكرمه ويقبلكم ولكن عليكم بالخوف والإشفاق وإيّاكم وصرف الاوقات في اللهو واللّعب فلا يبقى للصّحبة تأثير وكونوا ملتجئين ومتضرّعين إلى حضرة الحقّ سبحانه وعليكم الاختلاط بأهل الحقوق بقدر الضّرورة واستمالة خواطرهم وعاشروا الجماعة المستورة بالوعظ والنّصيحة ولا تبخلوا في حقّهم بالامر بالمعروف والنّهي عن المنكر ورغّبوا جميع أهل البيت في الصّلاة والصّلاح وإتيان الاحكام الشّرعيّة؛ فإنّكم مسئولون عن رعيّتكم وقد أعطاكم الله سبحانه العلم ونسأله تعالى أن يرزقكم العمل على وفقه والاستقامة عليه آمين. (86) المكتوب السّادس والثمانون إلى الدرويش حبيب الخادم في بيان سرّ كثرة ظهور الخوارق وقلّتها PageV02P355 (اعلم) أنّ ارتكاب فضول المباحات باعث على قلّة ظهور الخوارق خصوصا إذا أفضى كثرة مباشرة الفضول إلى حدّ المشتبه وأدّت منه عياذا بالله سبحانه إلى حوالى المحرّم فأين الكرامة حينئذ؟ وأين الخوارق؟ وكلّما يضيق دائرة مباشرة المباح واكتفي منه بقدر الضّرورة يكون مجال الكشف والكرامة أوسع وطريق ظهور الخوارق أوضح وظهور الخوارق من شرائط النّبوّة لا من شرائط الولاية فإنّ إظهار النّبوّة واجب دون إظهار الولاية بل السّرّ والإخفاء في هذه المرتبة أولى فإنّ هناك دعوة الخلق وهنا قرب الحقّ جلّ شأنه ومعلوم أنّ الإظهار لازم للدّعوة والسّتر مناسب للقرب وكثرة ظهور الخوارق من وليّ لا يدلّ على أفضليّته على غيره من الذين لم يظهر منهم من الخوارق مثل ما ظهر منه بل يجوز أن يكون وليّ لا يظهر منه خارق أصلا أفضل من الأولياء الذين ظهرت منهم الخوارق كما حقّق شيخ الشّيوخ هذا المعنى في كتابه العوارف فإذا لم يكن قلّة ظهور الخوارق وكثرتها في الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام موجبة للأفضليّة والمفضوليّة مع كونها شرطا للنّبوّة كيف تكون في الولاية موجبة للتّفاضل مع كونها غير شرط فيها؟ وأظنّ أنّ المقصود الاصليّ من رياضات الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام ومجاهداتهم وتضييقهم في مباشرة المباح على أنفسهم هو تحصيل ظهور الخوارق الّتي هي واجبة عليهم وشرط نبوّتهم لا الوصول إلى درجات القرب الإلهيّ - جلّ سلطانه - فإنّ الانبياء عليهم الصّلوات والتّحيّات مجتبون فيجرّ بهم بسلسلة جذب المحبّة جرّا جرّا ويوصّل بهم إلى درجات القرب الإلهيّ جلّ شأنه بلا مشقّة منهم والطّريق الذى يحتاج فيه للوصول إلى درجات القرب الإلهيّ - جلّ سلطانه - إلى الرّياضات والمجاهدات هو طريق المريدين وطريق الإنابة والإرادة الذى هو طريق الاجتباء هو طريق المرادين والمريدون يذهبون بأرجلهم بالمشقّة والمحنة والمرادون يحملون إلى منزل المقصود بالإعزاز والإكرام ويوصّل بهم إلى درجات القرب بلا محنة منهم (ينبغي) أن يعلم أنّ الرّياضات والمجاهدات من شرائط طريق الإنابة والإرادة وأنّها ليست بشرط في طريق الاجتباء ومع ذلك هي نافعة مثلا إذا حصل حمل شخص جرّا جرّا وهو مع ذلك الجرّ يستعمل سعيه أيضا فلا شكّ أنّه أسرع ذهابا من الذى لا يستعمل سعيه وإن جاز أن يكون الجرّ وحده أحيانا أقوى وأجدى من الجرّ المركّب المذكور فالسّعي والمشقّة لا يكون شرط كمال الوصول في طريق الاجتباء كما أنّه ليس بشرط في نفس الوصول نعم فيه احتمال النّفع ولو في بعض المحالّ وفوائد الرّياضات ومنافع المجاهدات الّتي هي عبارة عن الاقتصار على ضروريّات المباح كثيرة لأرباب الاجتباء أيضا بغير المعنى المذكور مثل دوام الجهاد الاكبر وطهارة الباطن ونظافته من التّلويثات الدنيويّة فإنّ كلّ حوائج ضروريّة ليست بداخلة في الدنيا وكلّ ما هو فضول فداخل في الدنيا والنّفع الآخر في الرّياضة والاقتصار على الضّرورة قلّة المحاسبة والمؤاخذة الاخرويّتين وإنّها سبب لارتفاع الدرجات الاخرويّة فإنّ مسرّة الآخرة تكون أضعاف محنة الدنيا فظهر لرياضات الانبياء ومجاهداتهم عليهم الصّلاة والسّلام وجوه أخر غير الوجوه الذى ذكرناه آنفا فاتّضح أنّ الرّياضة PageV02P356 والاقتصار على ضروريّات المباح وإن لم تكن شرطا للوصول في طريق الاجتباء ولكنّها محمودة في حدّ ذاتها ومستحسنة بل النّظر إلى الفوائد المذكورة ضروريّة ولازمة رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2) (87) المكتوب السّابع والثمانون إلى مولانا صالح الكولابيّ في بيان أسرار مراديّة حضرة شيخنا ومريديّته مدّ ظلّه العالي الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى أنا مريد الله ومراد الله أيضا وسلسلة إرادتي متّصلة بالله تعالى بلا توسّط ويدي نائب مناب يد الله تعالى وإرادتي متّصلة بمحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بوسائط كثيرة فبيني وبينه في الطّريقة النّقشبنديّة إحدى وعشرون واسطة وفي الطّريقة القادريّة خمس وعشرون واسطة وفي الطّريقة الجشتيّة سبع وعشرون واسطة وإرادتي بالله تعالى لا تقبل الوساطة كما مرّ فأنا مريد محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومجتمع معه في مرشد واحد أيضا مقتف أثره صلّى الله عليه وسلّم وأنا وإن كنت طفيليّا في خوان هذه الدولة ولكنّي ما جئت بلا دعوة وإنّي وإن كنت تابعا ولكنّي لست خاليا من الاصالة وإنّي وإن كنت أمّة ولكنّي شريك في الدولة لا بالشّركة الّتي يقوم عنها دعوى المساواة فإنّ ذلك كفر بل شركة الخادم مع المخدوم وما لم أطلب لم أحضر في سفرة هذه الدولة وما لم أدع لم أمدّ يدي إلى هذه الدولة وإنّي وإن كنت أويسيّا ولكن لي مربّ حاضر وناظر وإن كان شيخي في الطّريقة النّقشبنديّة عبد الباقي رضي الله تعالى عنه ولكنّ المتكلّف بتربيتي هو الباقي جلّ جلاله وعمّ نواله وإنّي تربّيت بالفضل وذهبت من طريق الاجتباء وسلسلتي سلسلة رحمانيّة وأنا عبد الرّحمن فإنّ ربّي رحمان جلّ شأنه وعمّ إحسانه ومربّي أرحم الرّاحمين وطريقتي طريقة سبحانيّة لأنّي ذهبت من طريق التّنزيه ولم أرد من الاسم والصّفة غير الذّات الاقدس - تعالت وتقدّست - وهذا السّبحانىّ ليس هو ذاك السّبحانىّ الذى قال به البسطاميّ فإنّه لا مساس له بهذا فإنّه ما تخلّص من دائرة الانفس وهذا ما وراء الانفس والآفاق وهو تشبيه كسى لباس التّنزيه وهذا التّنزيه لم يصبه غبار التّشبيه وذاك فائر من منبع السّكر وهذا منفجر عن عين الصّحو ولم يجعل أرحم الرّاحمين أسباب التّربية في حقّي غير المعدّاة ولم يجعل العلّة الفاعليّة في تربيتي غير فضله واهتمامه تعالى وتقدّس وإعناؤه من كمال كرمه في حقّي لا يجوز أن يكون لفعل الغير مدخل في تربيتي أو أن أكون أنا متوجّها في هذا المعنى إلى الغير PageV02P357 فانا مربّى الإله جلّ شأنه ومجتبي فضله وكرمه اللّامتناهي (ع) لا عسر في أمر مع الكرام * الحمد لله ذي الجلال والإكرام والمنّة والصّلاة والسّلام على رسوله والتّحيّة أوّلا وآخرا. (88) المكتوب الثامن والثمانون إلى حضرة المخدوم زاده العالي المرتبة الخواجه محمّد سعيد سلّمه الله تعالى في أسرار خلّة الخليل وإثبات التّعيّن الوجوديّ إنّ الحقّ سبحانه إذا شرّف عبدا بدولة خلّته الّتي هي بالاصالة مخصوصة بحضرة إبراهيم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وجعله ممتازا بالولاية الإبراهيميّة بجعله أنيسه ونديمه ويورد في البين نسبة الانس والالفة الّتي هي من لوازم الخلّة ولمّا حصلت في البين نسبة الخلّة الّتي من لوازمها الانس والالفة ارتفع من النّظر قبح أخلاق الخليل وكراهة أوصافه فإنّه لو كان قبح في النّظر لكان باعثا على النّفرة وعدم الالفة وهي منافية لمقام الخلّة الّتي هي الفة بالكلّيّة (فإن قيل) إنّ ارتفاع قبح أوصاف الخليل عن النّظر في مرتبة المجاز ظاهر فإنّه يجوز أن يغلب نسبة الخلّة في ذلك الموطن فتستر قبح أوصاف الخليل وأمّا في مرتبة الحقيقة الّتي فيها العلم بالاشياء كما هي فلا يجوز فيها ظهور القبيح غير قبيح وكونه مغلوب نسبة الخلّة (قلت) إن في كلّ قبيح وجها من وجوه الحسن فيمكن أن يرى ذلك القبيح حسنا بالنّظر إلى ذلك الوجه الحسن ويحكم بحسنه (ينبغي) أن يعلم أنّ ذاك القبيح وإن لم يعرض له حسن مطلق ولكن لمّا كان وجهه الحسن ملحوظا ومنظورا للمولى جلّ شأنه كان بحكم فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغالِبُونَ (1) غالبا على سائر وجوهه القبيحة وجعل كلّها في لونه وصيّرها مستحسنة فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ (2) (اعلم) أرشدك الله تعالى سواء الصّراط: إنّ النّسبة بين الخلّة والمحبّة عموم وخصوص مطلقا فإنّ الخلّة عامّة والمحبّة فردها الكامل فإنّ إفراط الانس والالفة هو المحبّة الّتي هي باعثة على الهيمان ومورّثة لعدم القرار وعدم الرّاحة والخلّة بتمامها أنس والفة واستراحة والمحبّة هي الّتي عرضت لها كيفيّة أخرى وصارت ممتازة من سائر أفراد الخلّة وكأنّها صارت جنسا آخر والخاصّيّة الّتي امتازت المحبّة بها عن سائر أفراد الخلّة هي الحزن والالم ونفس الخلّة كلّها عيش في عيش وفرح في فرح وأنس في أنس ولعلّه من هذه الحيثيّة أعطى الله سبحانه وتعالى خليله على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام أجر عمله في الدنيا الّتي هي دار المحن وفي الآخرة أيضا قال الله تعالى وآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (3) PageV02P358 فإذا كانت المحبّة منشأ الالم والحزن فكلّ فرد تكون المحبّة فيها غالبا يكون الالم والحزن فيه أزيد ومن ههنا قيل " كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم متواصل الحزن " وقال عليه الصّلاة والسّلام «ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت " فإنّ الفرد الكامل من أفراد الإنسان في حصول المحبّة كان هو النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإن كان هو عليه الصّلاة والسّلام محبوبا ولكن لمّا حصلت في البين نسبة المحبّة كان المحبوب المحبّ والها ومشغوفا وقد ورد في الحديث القدسيّ " الا طال شوق الابرار إلى لقائي وأنا إليهم لأشدّ شوقا " وههنا سؤال مشهور وهو أنّ الشّوق إنّما يكون إلى المفقود ولا شيء مفقود عن حضرته تعالى فكيف يكون فيه الشّوق وما يكون أشدّ الشّوق. (والجواب) أنّ مقتضى كمال المحبّة هو رفع الاثنينيّة واتّحاد المحبّ مع المحبوب وحيث انّ هذا المعنى مفقود فالشّوق موجود ولمّا كان تمنّي الاتّحاد في جانب المحبوب لانّ المحبّ لعلّه يقنع بمجرّد وصال المحبوب كان اشدّ الشّوق في جانب المحبوب بالضّرورة ويكون تواصل الحزن من صفة الحبيب (فإن قيل) إنّ الحقّ سبحانه قادر على جميع الامور وكلّ ما يريده ميسّر له فلا يكون شيء مفقودا في حقّه حتّى يتحقّق الشّوق (أجيب) انّ تمنّي أمر غير إرادته ومراده تعالى لا يتخلّف عن إرادته ولكن يجوز أن يوجد تمنّي أمر ولا توجد الإرادة بحصوله ولا يراد وجوده (ع) وكم في العشق من عجب عجيب * وأحيانا يكون المطلوب في العشق مجرّد الالم ولا يكون الوصل ملحوظا أصلا بل يراد الوصل ويهرب من اتّصال المحبوب وهذا قسم من أقسام جنون العشق بل من محاسن العشق من لم يذق لم يدر (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنقول: إنّ الخلّة مقام عال جدّا وكثير البركة وكلّ من فيه أنس والفة وسكونة واطمئنان مع الآخر في عالم المجاز كلّ ذلك من ظلال مقام الخلّة وكذلك كلّ حظّ ولذّة واطمئنان بالصّور الحسنة والمظاهر الجميلة ناشئة من مقام الخلّة والمحبّة شيء آخر فإنّ فيها كيفيّة أخرى فلو لم يكن في البين خلّة وأنس والفة لما وجد مركّب أصلا ولا ينضمّ جزء بجزء آخر خصوصا إذا كانت بينهما نسبة التّضادّ بل لما ينضمّ وجود إلى ماهيّة ما أصلا بل لا يدخل شيء من العالم تحت إيجاد الواجب تعالى فانّ المحرّك لسلسلة الايجاد والباعث على وجود الاشياء هو الحبّ " فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق " حديث قدسيّ والحبّ فرد كامل من الخلّة كما مرّ فلو لم تكن الخلّة لما وجد شيء من الاشياء ولا يجتمع شيء بشيء ولا يحصل بين الشّيئين الفة ووجود العالم ونظامه كلاهما مربوطان بالخلّة فلو لم تكن خلّة لكان النّظام كالوجود مفقودا فكانت الخلّة أصل الإيجاد من جانب الموجد ومن الموجود فإنّ الذى جعل الممكن مأنوسا لقبول الوجود وأورده في قيد الإيجاد هو الخلّة بل العدم أيضا مطمئنّ ومستريح في بيت خلوته بدولة الخلّة مؤانس بلا شيئيّته بل مؤتلف ومؤانس بنقيضه أيضا ولهذا صار مرآة لكمالاته وواسطة لوجود الممكنات فكانت الخلّة أكثر بركة من جميع الاشياء وكانت بركاتها شاملة للموجود والمعدوم فإذا علمت معارف مقام الخلّة ودقائقها وعموم بركاتها PageV02P359 وعلمت أيضا أنّ مقام الخلّة بالاصالة مخصوص بحضرة إبراهيم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وانّ ولايته ولاية إبراهيميّة فاعلم أنّه قد ظهر لهذا الفقير الآن بتوسّط بركات هذه المعارف أنّ التّعيّن الاوّل هو تعيّن حضرة الذّات - تعالت وتقدّست - بحضرة الوجود وذلك التّعيّن الاوّل هو ربّ حضرة الخليل على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ولهذا كان هو إمام الكلّ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا (1) وصار سيّد البشر مأمورا بمتابعته (اتّبع ملّة إبراهيم حنيفا) وكلّ نبيّ جاء بعده كان مأمورا بمتابعته وسائر التّعيّنات مندرجة في ضمن هذا التّعيّن الوجوديّ سواء كان تعيّنا علميّا جمليّا أو تفصيليّا ويمكن أن يكون من ههنا ذكر نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام إبراهيم عليه السّلام بالابوّة وذكر سائر الانبياء على جميعهم الصّلاة والسّلام بالاخوّة فلو ذكر سائر الانبياء بالبنوّة لجاز فإنّ تعيّناتهم مندرجة في تعيّنه الذى هو التّعيّن العلميّ الجمليّ على ما قالوا وما ورد في الصّلاة المأثورة من قوله صلّى الله عليه وسلّم " كما صلّيت على إبراهيم " يمكن أن يكون من جهة أنّ الوصول إلى حضرة الذّات تعالت وتقدّست بدون توسّط التّعيّن الاوّل لتلك المرتبة التّعيّن الوجوديّ وبلا اتمام الكمالات الولاية الإبراهيميّة غير ميسّر فإنّه هو العقوبة الاولى لتلك المرتبة المقدّسة وهو الذى صار مرآة لغيب الغيب فأورد بطن البطون إلى عرصة الظّهور فلا بدّ حينئذ لكلّ أحد من توسّطه وأمر الله سبحانه خاتم الانبياء عليه وعليهم الصّلاة والسّلام بمتابعته ليصل بتبعيّته إلى ولايته ثمّ يتبختر منها إلى حضرة الذّات جلّ شأنه (فإن قيل) لزم من هذا البيان أن يكون إبراهيم أفضل من خاتم الرّسل على جميعهم الصّلاة والسّلام والحال أنّ الإجماع على أفضليّة خاتم الرّسل على جميعهم ولزم أيضا أن يكون التّجلّي الذّاتيّ نصيب حضرة الخليل بالاصالة ويكون لغيره بتبعيّته ومن المقرّر عند أكابر الصّوفيّة أنّ التّجلّي الذّاتيّ بالاصالة مخصوص بخاتم الرّسل ولغيره بتبعيّته (أجيب) انّ الوصول إلى الذّات كتجلّي الذّات - تعالت وتقدّست - على قسمين: باعتبار النّظر وباعتبار القدم يعني: أنّ الواصل إمّا النّظر أو النّاظر بنفسه والوصول النّظريّ نصيب الخليل عليه السّلام بالاصالة فإنّ أقرب التّعيّنات إلى حضرة الذّات هو التّعيّن الاوّل الذى هو ربّه كما مرّ وما لم يوصل إلى ذلك التّعيّن لا ينفذ النّظر إلى ما ورائه والوصول القدميّ نصيب الحبيب بالاصالة فإنّه محبوب ربّ العالمين ويوصل بالمحبوبين إلى محلّ يعجز عنه الاخلّاء إلّا أن يذهبوا فيه بتبعيّته واللّائق بالخليل أن يصل نظره إلى مقام يصل إليه رئيس المحبوبين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وأن لا يقصّر في الطّريق (وبالجملة) انّ تجلّي الذّات من وجه مخصوص بالخليل وغيره تابع له ومن وجه مخصوص بخاتم الرّسل وغيره تابع له عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ولمّا كان الوجه الثاني أقوى وأدخل في مراتب القرب كانت مناسبة التّجلّي الذّاتيّ بخاتم الرّسل أكثر وأزيد وكان هو صلّى الله عليه وسلّم أفضل من الخليل ومن سائر الانبياء بالضّرورة فكان الفضل الكلّيّ نصيب الحبيب والخليل من بين الانبياء وإن كان أحدهما أفضل من الآخر ولمّا كان موسى عليه وعلى نبيّنا PageV02P360 الصّلاة والسّلام رئيس المحبّين كما كان نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم رئيس المحبوبين كان له بحكم " المرء مع من أحبّ " معيّة بحضرة الذّات بالضّرورة ليست هي لغيره وله أيضا في تلك الحضرة منزلة لا مدخل فيها لغيره وإنّما نال ذلك بواسطة محبّته فقط ولكنّ هذا الفضل راجع إلى جزئيّ يمكن أن يقال: إنّه عديل للكلّيّ فإنّ الجمّ الغفير من الانبياء تابعون له في ذلك المقام ومع ذلك الفضل الكلّيّ هو ما كان نصيب الخليل والحبيب عليهما الصّلاة والسّلام وإن كان كلّ منهما تابعا للآخر من وجه حيث إنّ الخليل أصل في الوصول النّظريّ والحبيب تابع له فيه وعكسه في الوصول القدميّ وفي الخاطر أن أكتب ما ظهر لي من الكمالات والفضائل المخصوصة بحضرة الكليم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام في ورقة على حدة إن شاء الله تعالى (ينبغي) أن يعلم أنّ الانبياء إذا وصلوا إلى حضرة الذّات تعالت وتقدّست بتوسّط نبيّ من الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام لا يكون ذلك النّبيّ حائلا بين حضرة الذّات وبين هؤلاء الانبياء بل لهم من حضرة الذّات نصيب بالاصالة غاية ما في الباب أنّ وصولهم إلى تلك الدرجة مربوط بتبعيّة ذلك النّبيّ عليه وعليهم الصّلاة والسّلام بخلاف أمّة نبيّ وصلت بتوسّطه فإنّ ذلك النّبيّ حائل في البين إلّا أن يكون لفرد من أفراد الامّة نصيب من حضرة الذّات بالاصالة فالحيلولة ثمّة أيضا مفقودة وتبعيّته له موجودة وقليل ما هم بل أقلّ. (فإن قيل) فعلى هذا التّقدير ما يكون الفرق بين ذلك الفرد من الامّة وبين سائر الانبياء؟ فإنّ الحيلولة مفقودة في كليهما والتّبعيّة موجودة. (أجيب) انّ تبعيّة ذلك الفرد من الامّة باعتبار التّشريع فإنّه ما لم يتّبع شريعة نبيّ لا يصل والتّبعيّة في الانبياء باعتبار أنّ وصول النّبيّ المتبوع إلى تلك الدرجة أوّلا وبالذّات ووصول غيره ثانيا وبالعرض فإنّ المطلوب من الدعوة هو المحبوب وغيره إنّما يدعى بتطفّله ويطلب بتبعيّته ولكنّ الكلّ جلساء على سفرة واحدة ومستوفون للتّلذّذات والتّنعّمات في مجلس واحد على تفاوت درجاتهم والامم هم الذين ينالون من زلّاتهم ويأكلون من فضلاتهم إلّا أن يكون فرد من أفرادهم مخصوصا بكرم الله جلّ شأنه فيصير جليس مجلس الاكابر كما مرّ (ع) لا عسر في أمر مع الكرام * ومع ذلك الامّة أمّة والنّبيّ نبيّ والامّة وإن حصل لها غاية الرّفعة ونهاية العلوّ ولكن لا يبلغ رأسها قدم نبيّ من الانبياء قال الله تعالى ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (1). (فإن قيل) ما المراد من متابعة ملّة إبراهيم الّتي أمر نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم بها وما يكون الامر بالتّبعيّة مع وجود استقلال شريعته صلّى الله عليه وسلّم؟ (أجيب) لا منافاة بين استقلال الشّريعة وبين التّبعيّة فإنّه يجوز أن يكون نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام أخذ الشّريعة بالاصالة ولكنّه يصير مأمورا بمتابعة الخليل عليه السّلام في حصول أمر من الامور لكون ذلك الامر من خصائص ذلك المتبوع الذى أمر بمتابعته ولكون حصوله مربوطا بحصول المتابعة كما إذا أدّى شخص مثلا فرضا من الفرائض ومع ذلك ينوي المتابعة ويقول إنّ هذا الفرض قد أدّاه نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم فأؤديّه أنا PageV02P361 أيضا فعلى هذا التّقدير ينال ثوابا للمتابعة سوى ثواب أداء الفرائض ويحصل له مناسبة بالنّبيّ فيستفيد من بركاته وتفتيش أنّ المراد من متابعة الملّة هل هو متابعة تمام الملّة أو بعضها فإن كان متابعة تمام الملّة فكيف يتصوّر متابعة الكلّ مع وجود نسخ بعض الاحكام؟ وإن كان متابعة البعض فلا يخلو عن خدشه أيضا فقد حلّه علماء التّفسير فينبغي المراجعة ثمّة فإنّه من علوم علماء الظّاهر ومناسبته بعلوم الصّوفيّة قليلة سبحان الله إنّ المعارف الّتي تظهر منّي حتّى يكاد أبناء الجنس يتنفّرون عنّي بسبب غرابتها ويصير المحاريم في مقام البغض فيحرّمونها وأيّ اختيار لي في حصول تلك المعارف وأيّ غرض لي في إظهارها وقد أعلمت أنّ التّعيّن الاوّل هو التّعيّن الوجوديّ وأنّه ربّ الخليل ومبدأ تعيّنه على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ولم يسمع أحد في مدّة الف سنة أنّ التّعيّن الاوّل هو التّعيّن الوجوديّ وأنّه ربّ خليل الرّحمن على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام فإنّ هذه العبارات والاصطلاحات لم تكن متعارفة بين المتقدّمين ولم يكن للتّعيّن والتّنزّل مجال عندهم والمقرّر عند المتأخّرين الذين صارت هذه الكلمات متعارفة فيما بينهم أنّ التّعيّن الاوّل هو التّعيّن العلميّ وأنّه ربّ خاتم الرّسل عليه الصّلاة والسّلام واليوم يظهر خلاف ما هو المقرّر من شخص فينبغي التّخيّل أنّه ماذا يرد على رأسه وما يطلق عليه من الطّعن والملامة يظنّون أنّه يفضّل الخليل على الحبيب ويجعل الحبيب جزءا من الخليل حيث يعتقد أنّ سائر التّعيّنات مندرجة في التّعيّن الاوّل وإن دفع توهّمهم ذلك فيما مرّ وأجاب جوابا شافيا ولكن لا يعلم أنّهم يكتفون بذلك الدفع ويتشفّون بذلك الجواب الشّافي أوّلا ماذا نفعل؟ فإنّه لا علاج للجهل والعناد والتّعصّب إلّا أن يقلّب مقلّب القلوب بقدرته الكاملة قلوبهم ويصيّرهم قابلين لإستماع الحقّ ينبغي أن يدرك علوّ شأن حضرة الخليل من أمر اتّبع الذى صدر منه سبحانه إلى حبيبه فإنّه ما مناسبة المتبوع بالتّابع ولكنّ المحبوبيّة الّتي صارت نصيب خاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام رجحت على جميع الفضائل ومراتب القرب وجعلته صلّى الله عليه وسلّم أسبق قدما من الكلّ لا يساوى الف مرتبة من مراتب القرب لنسبة واحدة من نسب المحبوبيّة والمحبّ يرى محبوبه أعزّ من نفسه فأين للغير مجال دعوى المشاركة معه؟ (فإن قيل) إنّك كتبت في رسائلك أنّ ربّ الخليل أيضا شأن العلم كما أنّه ربّ الحبيب عليهما الصّلاة والسّلام والفرق أنّه هناك بالتّفصيل وهنا بالإجمال. (أجيب) انّ تلك المعرفة إنّما كانت قبل الوصول إلى حقيقة ولاية الخلّة هذه ولمّا تحقّقت بحقيقة هذه الولاية ظهرت المعاملة كما هي وكأنّ تلك المعرفة كانت متعلّقة بظلّ هذه الحقيقة والله سبحانه الملهم للصّواب فاتّضح من هذا البيان أنّ الوجود ليس بعين الذّات بل تعيّن أسبق من سائر تعيّنات الذّات تعالت وتقدّست ومن قال بعينيّة الوجود للذّات فقد ظنّ التّعيّن لا تعيّنا وزعم غير الذّات ذاتا والمناقشة في قول الغير لا حاصل فيها فإنّه جيء به لضيق ميدان العبارة. (فإن قيل) ما نسبة هذا التّعيّن الاوّل الوجوديّ الذى وجدته بذاك التّعيّن الاوّل العلميّ الجمليّ الذى وجده الآخرون؟ وهل بين هذين التّعيّنين تعيّن آخر أو لا؟ (أجيب) انّ التّعيّن الوجوديّ فوق التّعيّن العلميّ وما PageV02P362 قالوا: إنّ فوق التّعيّن العلميّ مرتبة حضرة الذّات واللّا تعيّن هو هذا التّعيّن الوجوديّ وجدوه عين الذّات وحكموا بعينيّة الوجود للذّات وبين هذين التّعيّنين شأن الحياة الّتي هي أقدم جميع الشّئونات وبعدها شأن العلم إجمالا وتفصيلا وهو تابع لها ولكن لا يظهر مظهريّة هذا التّعيّن المتوسّط في النّظر ومناسبته بحضرة الذّات تعالت أزيد من الكلّ والاستغناء الذّاتيّ واضح فيه جدّا ولكن يفهم أنّ فيوضه وبركاته مستفاضة خصوصا على الرّوحانيّين والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (1). (تنبيه) إنّ ما مرّ فيما سبق من أنّ الوصول النّظريّ نصيب الخليل بالاصالة والوصول القدميّ نصيب الحبيب عليهما الصّلاة والسّلام بالاصالة لا بمعنى أنّ هناك شهودا ومشاهدة أو للقدم مجالا ثمّة فإنّه لا مجال هناك لشعرة فضلا عن القدم بل هو وصول مجهول الكيفيّة فإن ارتسم في الصّورة المثاليّة بالنّظر فوصول نظريّ وإن بالقدم فوصول قدميّ وإلّا فالقدم والنّظر كلاهما والهان ومتحيّران في تلك الحضرة جلّ شأنها والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2) (89) المكتوب التّاسع والثمانون إلى القاضي إسماعيل الفريدآباديّ في شرح كلام الشّيخ روزبهان البقليّ مع بيان بعض دقائق التّوحيد الوجوديّ قال الشّيخ الوليّ روزبهان البقليّ قدّس سرّه في تبيين غلطات الصّوفيّة وغلط آخر أنّهم يقولون: الكلّ هو ويريدون بجميع هذه الجزئيّات المتفرّقة الحادثة ذاتا واحدة ويقول بعضهم ببعض بالرّمز ما نحن الّا هو فيكون لهؤلاء الكفّار مائة الف إله وربّ العالمين تعالى وتقدّس منزّه من جمع المحدثات وتفرقتها واحد لا سبيل إليه للجزء ولا يقبل الحلول ولا يكون متلوّنا وهم كفّار بهذا القول لا يعرفون الله ولا يعرفون أنفسهم فإن كان الإنسان حقّا كيف يكون فانيا؟ وغلط القوم في روح وغلط هؤلاء في الجسم قاتلهم الله سبحانه انتهى (لا يخفى) أنّ عبارة " الكلّ هو " وإن لم تكن متعارفة فيما بين قدماء الصّوفيّة قدّس الله أسرارهم ولكن كان بينهم مثل: أنا الحقّ وسبحاني وما في جبّتي سوى الله وأمثالها ممّا يعسر تعداده ومؤدّى هذه العبارة وتلك العبارة واحد. (شعر) إذا ما تعدّى الماء عن مفرق فلا ... تفاوت في مقدار رمح وأرماح مثل موزون مشهور وهذه العبارة شائعة ذائعة ما بين متأخّري الصّوفيّة ويقولون: الكلّ هو بلا تكلّف ويصرّون على هذا القول إلّا أنّ القليل منهم لهم تردّد في هذه العبارة وأمثالها بل يظهرون صورة PageV02P363 الإنكار عليها وما يفهمه هذا الفقير من معنى قولهم: الكلّ هو أنّ جميع هذه الجزئيّات المتفرّقة الحادثة ظهور ذات واحدة - تعالت وتقدّست - كما إذا انعكست صورة زيد في مرايا متعدّدة وظهرت فيها فيقال الكلّ هو يعني أنّ جميع هذه الصّور الّتي ظهرت في مرايا متعدّدة ظهور ذات واحدة لزيد فهنا أيّ جزئيّة واتّحاد وأيّ حلول وتلوّن بل ذات زيد مع وجود الصّور كلّها على صرافتها وحالتها الاصليّة ما زادت هذه الصّور فيها شيئا وما نقصت لا اسم للصّور فيما فيه ذات زيد ولا رسم حتّى يحصل لها معها نسبة من نسب الجزئيّة والاتّحاد والحلول والسّريان ينبغي أن يطلب سرّ الآن كما كان في هذا المكان فإنّ مرتبته سبحانه وتعالى كما لم يكن للعالم فيها مجال قبل الظّهور لا يكون له فيها مجال أيضا بعد الظّهور فلا جرم يكون الآن كما كان (والعجب) أنّ كثيرا من أكابر متقدّمي الصّوفيّة فهموا من هذه العبارة الممزوجة بشهود التّوحيد معنى الحلول والاتّحاد وكفّروا قائليها وضللوهم وبعضهم يوجّه هذه العبارة على نهج لا مناسبة له بمذاق قائليها بوجه ولا نسبة قال صاحب العوارف: إنّ صدور: «أنا الحقّ " من الحلّاج " وسبحاني " من أبي يزيد البسطاميّ كان بطريق الحكاية يعني من الحقّ سبحانه وتعالى فلو لم يكن بطريق الحكاية بل كان فيه شائبة الحلول والاتّحاد نردّ قائلي هذه الاقوال كما نردّ النّصارى لقولهم بالحلول والاتّحاد وقد اتّضح من التّحقيق السّابق أنّه لا حلول في هذه العبارة الشّبيهة بالشّطح والاتّحاد والحمل فيها إنّما هو باعتبار الظّهور والشّهود لا باعتبار الوجود كما فهموا وحملوا على الحلول وكان هذه المسالة يعني مسالة التّوحيد الوجوديّ لم تكن محرّرة وملخّصة فيما بين متقدّمي الصّوفيّة كما ينبغي وكلّ من كان منهم مغلوب الحال ظهر منه كلمة في التّوحيد شبيهة بالقول بالاتّحاد وهو لم يطّلع على سرّها من غلبة السّكر ولم يصرفها من ظاهرها الذى يفهم منه شائبة الحلول والاتّحاد ولمّا وصلت النّوبة إلى الشّيخ الاجلّ محيي الدين بن العّربيّ - قدّس سرّه - شرح هذه المسالة الدقيقة من كمال المعرفة وبوّبها وفصّلها ودوّنها تدوين الصّرف والنّحو ومع ذلك لم يفهم جمع من هذه الطّائفة مراده فخطئوه وطعنوا فيه وأطلقوا عليه لسان الملام والشّيخ محقّ في أكثر تحقيقات هذه المسالة والطّاعنون فيه بعيدون عن الصّواب ينبغي أن يعرف جلالة شأن الشّيخ ووفور علمه من تحقيق هذه المسألة لا أن يردّه ويطعن فيه وكلّما يمرّ على هذه المسالة زمان تصير واضحة ومنقّحة بتلاحق أفكار المتأخّرين وتبعد عن شبهات الحلول والاتّحاد الا ترى أنّ النّحو الذى صار الآن واضحا ومنقّحا بتلاحق أفكار المتأخّرين من النّحويّين لم يكن فيه ذلك التّنقيح والوضوح في زمان سيبويه والاخفش فإنّ تكميل الصّناعة بتلاحق الافكار وقد باحث الإمام الاعظم والإمام أبو يوسف في مسالة خلق القرآن ستّة أشهر وجرى بينهما الرّدّ والنّقض ثمّ استقرّ رأيهما على أنّ من قال: إنّ القرآن مخلوق يصير كافرا وطول هذه المنازعة إنّما كان لعدم تنقيح هذه المسالة في ذلك الوقت والآن حيث كانت منقّحة بتلاحق الافكار نقول: لو كان محلّ النّزاع هو الحروف والكلمات الدالّة على الكلام النّفسيّ فلا شكّ أنّها حادثة ومخلوقة وإن كان المراد هو PageV02P364 المدلولات فقديمة وغير مخلوقة وهذا التّنقيح من بركات تلاحق الافكار (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنقول: إنّ لهذه العبارة معنى آخر بعيدا عن الحلول والاتّحاد يعني أنّ الكلّ معدوم والموجود هو الله تعالى لا أنّ الكلّ موجود ومتّحد معه تعالى فإنّ هذا الكلام لا يتكلّم به أبله فكيف يتصوّر صدوره عن الاكابر ولكن إذا كان ما سوى المحبوب مستورا عن نظر هؤلاء الاكابر عند غلبة المحبّة ولم يبق غيره في شهودهم وهم يقولون: الكلّ هو يعني أنّ جميع هذا الذى يرى ثابتا موهوم ومتخيّل والموجود هو الله تعالى فعلى هذا التّقدير ليست فيها شائبة الجزئيّة والاتّحاد ولا مظنّة الحلول والتّلوّن ومع ذلك لا يستحسن هذا الفقير أمثال هذه العبارة وإن كانت مبرّأة من هذه المفاسد؛ لأنّها ليست بلائقة بمرتبة تقديسه وتنزيهه تعالى وما مقدار هؤلاء الموجودات حتّى تكون مظاهر له تعالى (ع) في أيّ مرآة يكون مصوّرا * وأين فيها استحقاق أن تكون محمولة عليه تعالى ولو باعتبار الظّهور والشّهود فإن كانت مظهرا فمظهر لظلّ من ظلال كمالاته تعالى ولعلّ بين ذلك الظّلّ الذى صارت الموجودات مظهرا له وبين الذّات تعالت وتقدّست ألوفا من الحجاب الم تسمع أنّ لله تعالى سبعين الف حجاب من نور وظلمة فحمل مظهر ظلّ من ظلال كماله سبحانه عليه تعالى من غير تحاش والقول بأنّه هو سوء أدب وكمال جراءة ولكن لمّا كان صدور ذلك في غلبة الحال واستيلاء السّكر ليس بمذموم جدّا وكذلك اعتقاد مشهودهم عين الحقّ على الوجيه الثاني وحمله عليه تعالى بهذا الاعتبار أيضا سوء أدب بل خلاف الواقع فإنّ ذلك المشهود أيضا ظلّ من ظلال كمالاته تعالى وهو تعالى وراء الوراء ثمّ وراء الوراء وأيضا إنّ كلّ ما هو مشهود ومستحقّ للنّفي فلا يكون الحقّ جلّ وعلا قال الخواجه النّقشبند قدّس سرّه: كلّ ما يكون مسموعا ومرئيّا ومدركا فهو غير الحقّ سبحانه ينبغي نفيه بحقيقة كلمة لا وما هو مختار هذا الفقير في هذه المسالة والمناسب لشأن التّقديس والتّنزيه عبارة: الكلّ منه لا بمعنى يقتصر عليه علماء الظّاهر ويقولون: إنّ صدور الخلق كلّه منه فإنّ هذا وإن كان صادقا ولكن مع ذلك هنا علاقة أخرى أيضا لم يهتد العلماء إليها وامتازت الصّوفيّة بإدراكها ووجدانها وهي الارتباط بين الاصالة والظّلّيّة يعني أنّ وجود الممكن ناشئ من وجود الواجب تعالى وظلّ لوجوده سبحانه وكذلك حياته ناشئة من صفة حياته سبحانه وظلّ لتلك الحياة المقدّسة وعلى هذا القياس العلم والقدرة والإرادة وغيرها فالعالم على رأي الصّوفيّة صادر من الحقّ سبحانه وظلّ لكمالاته وناشئ من تلك الكمالات المنزّهة مثلا الوجود الذى أعطيه الممكن ليس هو أمرا على حدة مستقلّ برأسه بل هو وجود الواجب تعالى وكذلك الحياة والعلم وغيرهما ممّا أعطيه الممكن ليست أمورا ثبت لها الاستقلال من الواجب تعالى بل هي مع وجود صدورها عن الواجب تعالى ظلال كمالاته سبحانه وصورها وأمثالها والاهتداء إلى هذا الارتباط يعني ارتباط الاصالة والظّلّيّة رفع معاملة الصّوفيّين إلى أعلى علّيّين وأوصلهم إلى الفناء والبقاء وجعلهم متحقّقين بالولاية الخاصّة ولمّا لم يتيسّر لعلماء الظّاهر هذه الرّؤية والاهتداء لم يصبهم نصيب من الفناء والبقاء ولم يتحقّقوا بالولاية PageV02P365 الخاصّة والصّوفيّة وجدوا كمالاتهم ظلال كمالات الواجب وعلموا أنّ الوجود وتوابع الوجود عكوس تلك الكمالات فلا جرم لم يروا أنفسهم غير حاملي أمانات كمالاته سبحانه ولم يجدوا أنفسهم سوى أن يكونوا مرايا لتلك الكمالات فإذا أدّوا هذه الامانات بحكم إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إلى أَهْلِها (1) الآية إلى أهل الامانات وأعطوا هذه الكمالات بالتّمام إلى الاصل ذوقا يجدون أنفسهم معدومين ميّتين فإنّه لمّا ذهب الوجود والحياة إلى الاصل بقوا معدومين وميّتين فتحقّق الفناء للمولويّ الرّوميّ رحمه الله. (شعر) فإذا عرفته أنت من هو أوّلا ... ونسبت نفسك نحو حضرته العلا وعرفت أنّك ظلّ من يا من درى ... كن فارغا حيّا وميّتا من ملا فمن تشرّف بالبقاء بعد الفناء أعطي الوجود وتوابع الوجود من الصّفات الكاملة مرّة ثانية ويتحقّق بالولادة الثانية لن يلج ملكوت السّموات من لم يولد مرّتين (ع) هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها * إلهي قد أطلق من ضيق العبارة الالفاظ الّتي لم يرد الشّرع بإطلاقها كالظّلّيّة وغيرها وأقول: إنّ وجود الممكن ظلّ وجود الواجب تعالى وصفاته ظلال صفاته الكاملة وأنا خائف وجل من هذه الإطلاقات وإذ قد سبق أولياؤك بإطلاق هذه العبارات نرجو العفو والمعافاة رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (2) (ينبغي) أن يعلم أنّه قد اتّضح من التّحقيق السّابق أنّ الصّوفيّة القائلون بكلام: الكلّ هو لا يعتقدون اتّحاد العالم بالحقّ جلّ وعلا ولا يثبتون الحلول والسّريان والحمل الذى يحصل من كلامهم هذا فإنّما هو باعتبار الظّهور والظّلّيّة لا باعتبار الوجود والتّحقّق وإن توهّم من ظاهر عباراتهم الاتّحاد الوجوديّ ولكن حاشاهم من أن يكون مرادهم ذلك فإنّه كفر والحاد فإذا كان حمل أحدهما على الآخر باعتبار الظّهور والشّهود لا باعتبار الوجود كان معنى " الكلّ هو " الكلّ منه " فإنّ ظلّ الشّيء ناشئ من ذلك الشّيء وإن كانوا يقولون وقت غلبة الحال: الكلّ هو ولكن يكون مرادهم من هذه العبارة في الحقيقة الكلّ منه فلا مجال في الطّعن في كلامهم والحكم بتضليل قائليه وتكفيرهم (اعلم) أنّ ظلّ شيء عبارة عن ظهور الشّيء في مرتبة ثانية أو ثالثة أو رابعة مثلا: إنّ صورة زيد المنعكسة في المرآة ظلّ زيد وظهوره في مرتبة ثانية وزيد في الحقيقة في مرتبة وجوده الاصليّ أظهر نفسه في المرآة بالظّلّ من غير أن يطرأ له في ذاته وصفاته تلوّن وتغيّر كما مرّ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (3) وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (4) PageV02P366 (90) المكتوب التّسعون إلى الفقير هاشم الكشميّ في جواب سؤاله عن حقيقة مشاهدة العرفاء الحقّ سبحانه بالقلب وتحقيقه قد سالتم أنّه قد أثبت بعض محقّقي الصّوفيّة رؤية الحقّ ومشاهدته تعالى ببصر القلب في الدنيا قال الشّيخ العارف في كتابه «العوارف " موضع المشاهدة بصر القلب إلخ وأورد الشّيخ أبو إسحاق الكلاباديّ قدّس سرّه الذى هو من قدماء هذه الطّائفة ورؤسائهم في كتابه «التّعرّف " وأجمعوا على أنّه تعالى لا يرى في الدنيا بالابصار ولا بالقلوب إلّا من جهة الإيقان فكيف التّوفيق بين هذين التّحقيقين؟ وعلى أيّ منهما يوافق رأيك؟ وما معنى الإجماع مع وجود الاختلاف؟ (اعلم) أرشدك الله: أنّ مختار هذا الفقير في هذه المسالة هو قول صاحب " التّعرّف " - قدّس سرّه - واعلم أنّه لا نصيب للقلوب من تلك الحضرة في هذه النّشأة غير الإيقان سواء ظنّوه رؤية أو مشاهدة فإذا لم تكن للقلب رؤية ماذا يكون للأبصار؟ فإنّ البصر معطّل في هذه المعاملة في هذه النّشأة غاية ما في الباب أنّ المعنى المسمّاة بالإيقان الحاصل في القلب يظهر في عالم المثال بصورة الرّؤية والموقن به يظهر بصورة المرئيّ فإنّ لكلّ معنى صورة في عالم المثال مناسبة له في عالم الشّهادة وحيث انّ كمال اليقين في عالم الشّهادة في الرّؤية يظهر الإيقان أيضا في عالم المثال بصورة الرّؤية فإذا ظهر الإيقان بصورة الرّؤية يظهر متعلّقه الذى هو الموقن به صورة المرئيّ بالضّرورة فإذا شاهده السّالك في مرآة المثال يذهل عن توسّط المرآة ويظنّ الصّورة حقيقة ويزعم أنّه قد حصلت له حقيقة الرّؤية وظهر له المرئيّ ولا يدري أنّ تلك الرّؤية هي صورة إيقانه وذلك المرئيّ صورة الموقن به وهذا من أغلاط الصّوفيّة وتلبّسات الصّور بالحقائق فإذا غلبت هذه الرّؤية وترشّحت من الباطن في الظّاهر توقع السّالك في توهّم أنّه قد حصل له رؤية البصر أيضا وتحوّل المطلوب من السّماع إلى المعانقة ولا يدرون أنّ حصول هذا المعنى في الاصل الذى هو البصيرة أيضا مبنيّ على التّوهّم والتّلبّس فماذا يصيب للبصر الذى هو فرع عليها في هذه النّشأة؟ ومن أين تحصل لها الرّؤية؟ وفي الرّؤية القلبيّة وقع جمّ غفير من الصّوفيّة في التّوهّم وحكموا بوقوعها بخلاف الرّؤية البصرية فإنّه لم يقع في توهّم وقوعها إلّا النّاقصون من هذه الطّائفة وهو مخالف لما عليه أهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم. (فإن قيل) إذا كان للموقن به صورة في عالم المثال يلزم أنّ للحقّ سبحانه صورة هناك؟ (أجيب) انّ الصّوفيّة قد جوّزوا أن يكون للحقّ سبحانه مثال وان لم يكن له تعالى مثل وجوّزوا ظهوره سبحانه في المثال بصورة كما قرّر صاحب الفتوح - قدّس سرّه - كون الرّؤية الاخرويّة أيضا بصورة جامعة لطيفة مثاليّة وتحقيق هذا الجواب أنّ صورة الموقن به ليست هي صورة الحقّ سبحانه في المثال بل هي صورة PageV02P367 مكشوف صاحب الإيقان الذى تعلّق إيقانه به وذلك المكشوف بعض وجوه الحقّ سبحانه واعتباراته لا ذاته جلّ وعلا ولهذا إذا بلغت معاملة العارف الذّات لا يظهر له مثل هذه التّخيّلات ولا يتخيّل رؤية ولا مرئيّ أصلا فإنّه لا صورة لذاته الاقدس سبحانه في المثال حتّى تظهر له ويرى إيقانه بصورة الرّؤية أو نقول إنّ في عالم المثال صورة المعاني لا صور الذّوات وحيث انّ العالم بتمامه مظاهر الاسماء والصّفات لا يكون له نصيب من الذّاتيّات كما حقّقته في مواضع متعدّدة فيكون بتمامه من قسم المعاني بالضّرورة وتكون له صورة في المثال وفي الكمالات الوجوبيّة كلّ مرتبة فيها الشّأن والصّفة الّتي قيامها بالذّات تعالت ومن قبيل المعاني لو كانت لها صورة في المثال ولو بالنّقص لساغ وأمّا ذاته سبحانه فحاشاها من أن تكون لها صورة في مرتبة من المراتب فإنّ الصّورة مستلزمة للتّحديد والتّقييد وذا ليس بمجوّز في أيّ مرتبة كان وأين المجال للمراتب الّتي كلّها مخلوقة لله تعالى أن يجعل الخالق سبحانه محدودا أو مقيّدا وكلّ من جوّز المثال في حضرته سبحانه وتعالى فهو باعتبار الوجوه والاعتبارات لا باعتبار عين الذّات تعالت وإن كان تجويز المثال في وجوه الذّات واعتباراتها أيضا ثقيلا على هذا الفقير إلّا أن يجوز ذلك في ظلّ من الظّلال البعيدة (فاتّضح) من هذا البيان أنّ ارتسام الصّور في المثال إنّما هو للمعاني والصّفات لا للذّات فما مرّ من صاحب الفصوص من تجويز كون الرّؤية الاخرويّة بصورة مثاليّة ليست هي برؤية الحقّ سبحانه بل ليست برؤية صورة الحقّ فإنّه لا صورة له سبحانه حتّى تتعلّق بها الرّؤية فإن كانت في المثال صورة فهي لظلّ من ظلاله البعيدة فكيف تكون رؤيتها رؤية الحقّ سبحانه؟ والشّيخ قدّس سرّه لا يقصّر في نفي الرّؤية من المعتزلة والفلاسفة بل يثبت الرّؤية على نهج يستلزم نفي الرّؤية وهو أبلغ في النّفي من صريح النّفي لانّ الكناية أبلغ من الصّريح قضيّة مقرّرة إنّما الفرق بينهما أنّ مقتدى تلك الجماعة عقولهم العقليّة ومقتدى الشّيخ الكشف البعيد عن الصّحّة ويشبه أن تكون أدلّة المخالفين الغير التّامّة قد تمكّنت في متخيّلة الشّيخ فحرّفت كشفه أيضا في هذه المسألة عن صوب الصّواب وجعلته مائلا إلى مذهب المخالفين ولكن لمّا كان من أهل السّنّة أثبتها صورة واكتفى بهذا القدر وظنّها رؤية رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (1) وتحقيق هذه المسألة الدقيقة محرّر أيضا فيما كتبته لحلّ بعض مواضع كتاب " العوارف " وما سالتم من تحقّق الإجماع مع وجود الاختلاف فلعلّ الخلاف المعتدّ به لم يكن وقت الإجماع أو أنّه أراد بالإجماع إجماع مشايخ عصره والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. (91) المكتوب الحادي والتّسعون إلى مولانا طاهر البدخشيّ في جواب سؤاله عن الفرق بين المعرفة والإيمان الحقيقيّ وغير ذلك PageV02P368 بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات أنهي أنّ صحيفة أخي الاعزّ المرسلة صحبة الشّيخ سجاول قد وصلت الحمد لله سبحانه على سلامتكم وعافيتكم وقد اندرجت فيها أسئلة متعدّدة فكتبنا في جوابها ما خطر في الخاطر ينبغي أن يلاحظه بالتّوجّه الكامل (السّؤال الاوّل) ما الفرق بين المعرفة والإيمان الحقيقيّ؟ (وجوابه) انّ المعرفة غير الإيمان فإنّ المعرفة يعبّر عنها بالفارسيّة بشناختن والإيمان يعبّر عنه بكرويدن وربّما تحصل المعرفة بالمعنى المذكور ولا يحصل الإيمان الا ترى أنّ أهل الكتاب كانت لهم معرفة نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام عرفوا أنّه نبيّ كما قال الله يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ (1) ولكن لمّا لم يحصل لهم التّصديق بواسطة العناد لم يتحقّق الإيمان والمعرفة أيضا منقسم إلى قسمين مثل الإيمان: صورة المعرفة كصورة الإيمان وحقيقة المعرفة كحقيقة الإيمان وصورة الإيمان هي ما اكتفى به الحقّ سبحانه من كمال رأفته ورحمته في الشّريعة للنّجاة الاخرويّة وهو تصديق القلب مع وجود إنكار النّفس الامّارة وتمرّدها وصورة المعرفة هي أيضا كون المعرفة مقصورة على تلك اللّطيفة لها مع وجود جهل الامّارة وحقيقة المعرفة هي خروج النّفس الامّارة من جهالتها بالجبليّة وحصول المعرفة لها وحقيقة الإيمان هي تصديق النّفس بعد حصول المعرفة لها واطمئنانها بعد خروجها من الامّاريّة الّتي هي كانت طبيعيّة لها (فإن قيل) قد اعتبر في الشّريعة التّصديق القلبيّ فكرويدن هذا هل هو عين التّصديق أو امر وراءه؟ فإن كان وراءه يلزم أن يعتبر في الإيمان ثلاثة أجزاء: الإقرار والتّصديق وكرويدن وهو خلاف ما هو مقرّر عند العلماء ويكون العمل عند من اعتبره من الإيمان جزءا رابعا (أجيب) انّ كرويدن هو عين التّصديق فإنّ التّصديق الذى هو الحكم عبارة عن الإذعان المعبّر عنه في الفارسيّة: «بكرويدن». (فإن قيل) إذا عرف أهل الكتاب نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم بعنوان النّبوّة فقد حكموا بنبوّته بالضّرورة وحصل لهم الإذعان المعبّر عنه بكرويدن فإنّ الحكم على هذا التّقدير عين هذا الإذعان فلم لا يكون الإيمان متحقّقا في حقّهم وبأيّ علّة لا يخرجون من الكفر؟ (قلت) قد عرفوه بعنوان النّبوّة ولكن لم يحصل لقلبهم الإذعان بواسطة التّعصّب والعناد حتّى يحصل لهم الحكم بنبوّته فإنّه ربّما يحصل المعرفة والتّصوّر ولا يحصل الإذعان حتّى يوجد التّصديق ويتحقّق الإيمان ويخرجون من الكفر الفرق دقيق اسمع وارجع إلى وجدانك ومع وجود العناد يمكن أنّ نبيّ الله فعل كذا ولا يمكن أن يقول: إنّه نبيّ الله ما لم يحصل الإذعان فإنّ في الصّورة الاولى تصوّرا فقط وإحالة إلى معرفة مشهورة وفي الصّورة الثانية تصديقا مبنيّا على الإذعان فإذا لم يوجد الإذعان كيف يتصوّر وجود التّصديق؟ وأيضا ليس المقصود في الصّورة الاولى إثبات النّبوّة بل إثبات الفعل وفي الصّورة الثانية إثبات النّبوّة والعناد لا يجتمع معه فكيف يتصوّر وجود الإذعان فلو حصل PageV02P369 التّصديق - والحكم فرضا - بلا حصول الإذعان فهو أيضا داخل في التّصوّرات وصورة التّصديق وما لم يحصل الإذعان لا تحصل حقيقة التّصديق فلا يحصل الإيمان وهذه المسالة من أمّهات مسائل علم الكلام ودقيقة جدّا حتّى عجز في حلّها فحول العلماء وزاد بعضهم ركنا ثالثا في الإيمان بالاضطرار وقال بزيادة كرويدن على التّصديق والذين قالوا بعينيّة التّصديق بكرويدن لم يحلّ هذا المعنى كما ينبغي بل اكتفى بالإجمال ومضى الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله (1). (اسمع) انّ المركّب التّقييديّ والمركّب التّوصيفيّ مثل " نبيّ الله " " وهذا النّبيّ " وإن كانا متضمّنين للحكم بأنّه نبيّ ومشتملين على معرفته بعنوان النّبوّة ولكنّ حصول التّصديق بأنّه نبيّ موقوف على الإذعان الذى هو مثبت للإيمان غلام زيد فعل كذا ورجل صالح حكم بكذا كلاهما صحيح بلا إذعان والمعرفة بعنوان الغلاميّة وعنوان الصّلاحيّة ثابتة في كليهما ولكن لا إذعان فيهما حتّى يحصل التّصديق بالغلاميّة والصّلاحيّة. (فإن قيل) إنّك قلت: إنّ إذعان النّفس بعد إذعان القلب وعبّرت عن إذعان النّفس بالإيمان الحقيقيّ والحال أنّ الفلاسفة وأرباب المعقول أخذوا في التّصديق مطلق إذعان النّفس ولم يتكلّموا في إذعان القلب (قلت) إنّ أرباب المعقول يريدون بالنّفس في بعض الإطلاقات الرّوح وفي بعض الإطلاقات القلب (وبالجملة) انّ تدقيقاتهم الفلسفيّة في محالّ اخر وأكثرها ممّا لا طائل فيه وهم معطّلون وعاجزون في هذه المسالة وحكمهم فيها حكم العوامّ ونوبة التّدقيق ثمّة انتهت إلى الصّوفيّة فإنّهم يتلبّسون بأحكام كلّ لطيفة ويترقّون من جميع اللّطائف بالسّير والسّلوك ويفرّقون النّفس من القلب والرّوح من السّرّ ويميّزون بين الخفيّ والاخفى ولا يعلم حصول نصيب من هؤلاء لأرباب المعقول غير معرفة أساميها وقد اعتقدت الفلاسفة النّفس الامّارة شيئا عظيما وعدّوها من المجرّدات ولم يجر اسم القلب والرّوح على السنتهم ولم يبد من السّرّ والخفيّ والاخفى علامة إنّ لله سبحانه ملكا يسوق الاهل إلى أهل (وجواب آخر) أنّ أرباب العقول إنّما ذكروا إذعان النّفس نظرا إلى الاحكام العاديّة والعرفيّة لكونها قريبة إلى فهمهم وكلامنا في تصديقات الاحكام الشّرعيّة وللنّفس إنكار عليها بالذّات فأين الإذعان وهذا الإنكار إنكار موصل للمنكر إلى حدّ عداوة صاحب تلك الاحكام نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا؟ وقد ورد في الحديث القدسيّ " عاد نفسك فإنّها انتصبت لمعاداتي " وأرحم الرّاحمين لم يجعل إذعان النّفس من كمال رأفته منظورا في أوائل الحال وجعل النّجاة مربوطة بإذعان القلب فلو تيسّر إذعان النّفس ثانيا بمحض كرمه سبحانه وتعالى فهو نور وسرور ووصول إلى درجات الولاية وحصول حقيقة الإيمان وقد كتبتم أنّه ينبغي أن تكتبوا جوابا موافقا لفهم الفقير وإدراكه حتّى يمكن لي فهمه ماذا أصنع المسالة دقيقة جدّا وحلّها أيضا بلا دقّة مشكل بل نفس الحلّ يقتضي الدقّة فما ذنب العبارة وكان ينبغي لكم أن تتفكّرون هذا PageV02P370 أوّلا حتّى لا تجترئوا على سؤال حلّ مثل هذا المعمّى فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أَنْفُسَكُمْ (1) (السّؤال الثاني) انّ الزّهّاد والعبّاد هل هم مشرّفون بالإيمان الحقيقيّ أو لا؟ (جوابه) انّهم إن بلغوا مرتبة المقرّبين وصارت نفوسهم مطمئنّة فقد بلغوا مرتبة الإيمان الحقيقيّ (والسّؤال الثالث) انّ أصحاب المعرفة الإجماليّة الّتي منشأها الكفر الحقيقيّ كيف يمكن أن يقال لهم العرفاء؟ لم يفهم معنى هذه العبارة كما ينبغي وأنتم تكتبون العبارة مغلقة وتمنعون الآخرين من ذلك فإن كان المقصود أنّ كافر الطّريقة بأيّ معنى يقال له: إنّه عارف (فجوابه) انّ كافر الطّريقة أيضا عرف الحقّ سبحانه بالوحدانيّة وجعل ما سواه ممحوّا ومتلاشيا فهو عارف ولكنّه ليس بعارف مطلقا لانّه خرج من دائرة التّمييز فإذا رجع إلى التّمييز يصير عارفا مطلقا ويكون مشرّفا بالإيمان الحقيقيّ والسّلام. (92) المكتوب الثاني والتّسعون إلى الفقير هاشم الكشميّ في جواب سؤاله عن سماع الصّوفيّة كلام الحقّ سبحانه ومكالمتهم معه تعالى قد سالتم أنّه: «ما معنى ما قاله بعض العرفاء من انّا نسمع كلام الحقّ سبحانه أو تقع بيننا وبينه مكالمة؟ كما نقل عن الإمام الهمام جعفر الصّادق رضي الله عنه أنّه قال: ما زلت أردّد الآية حتّى سمعتها من المتكلّم بها ويفهم ذلك أيضا من الرّسالة الغوتيّة الّتي هي منسوبة إلى حضرة الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ قدّس سرّه؟ وما تحقيق ذلك عندك؟ (اعلم) أرشدك الله تعالى أنّ كلام الحقّ سبحانه وتعالى كذاته وسائر صفاته لا كيفيّ ولا مثليّ وسماع الكلام الكيفيّ أيضا لا كيفيّ فإنّه لا سبيل للكيفيّ إلى اللّاكيفيّ فلا يكون ذلك السّماع مربوطا بحاسّة السّمع فإنّها متكيّفة بالكيف بالكلّيّة فإن كان هناك للعبد سماع فهو بتلقّ روحانيّ فإنّ لها - يعني الرّوح - نصيبا من اللّاكيفيّ وبلا توسّط الحروف والكلمات وأيضا لو كان الكلام من العبد فهو أيضا بالقاء روحانيّ بلا حروف وكلمات ويكون لهذا الكلام نصيب من اللّاكيفيّ حيث يكون مسموعا للّاكيفيّ مع أنّا نقول إنّ الكلام اللّفظيّ الذى يصدر عن العبد يسمعه الحقّ سبحانه وتعالى بسماع لا كيفيّ بلا توسّط الحروف والكلمات وبلا تقديم وتأخير إذ لا يجري عليه تعالى زمان يسع فيه التّقديم والتّأخير فلو كان في ذلك الموطن من العبد سماع فهو سامع بكلّيّته وإن كلام فمتكلّم بكلّيّته فالعبد بتمامه سمع وبتمامه لسان وقد سمعت الذّرّات المخرجة يعني من ظهر آدم قول أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ (2) يوم الميثاق بكلّيّتهم بغير واسطة وأجابوه وكانوا بتمامهم أسماعا وبتمامهم السنا فإنّه PageV02P371 لو كان السّمع متميّزا من اللّسان لما يحصل السّماع والكلام اللّاكيفيّين ولا يكون لائقا بارتباط المرتبة اللّاكيفيّة لا يحمل عطايا الملك إلّا مطاياه غاية ما في الباب أنّ ذلك المعنى المتلقّى الذى أخذه من طريق الرّوحانيّة يتمثّل ثانيا في عالم الخيال الذى هو في الإنسان تمثال عالم المثال بصورة الحروف والكلمات المرتّبة ويرتسم ذلك التّلقّي والالقاء بصور السّماع والكلام اللّفظيّ فإنّ لكلّ معنى صورة في ذلك العالم وإن كان ذلك المعنى منزّها من الكيف ولكن يكون ارتسام المنزّه عن الكيف أيضا هناك بصورة مكيّفة بكيف فإنّ الفهم والإفهام المقصودين من الارتسام مربوطان بها فإذا وجد السّالك المتوسّط في نفسه حروفا وكلمات مترتّبة وأحسّ سماع الكلام اللّفظيّ يتخيّل أنّه قد سمع هذه الكلمات من الاصل وأخذه من هناك بلا تفاوت ولا يدري أنّ هذه الحروف والكلمات صور خياليّة لذلك المعنى المتلقّى وذلك السّماع والكلام اللّفظيّ تمثال ذلك السّماع والكلام اللّاكيفيّ والعارف التّامّ المعرفة ينبغي أن يميّز حكم كلّ مرتبة عن الاخرى ولا يلبس حكم احديهما بحكم الاخرى فسماع هؤلاء الاكابر وكلامهم المربوطين بمرتبة لا كيفيّة من قبيل التّلقّي والالقاء الرّوحانيّين وهذه الكلمات والحروف الّتي يعبّر بها عن ذلك المعنى المتلقّى من عالم الصّور المثاليّة والذين يظنّون أنّهم يسمعون الحروف والكلمات من الله سبحانه فريقان فريق يقولون: إنّ هذه الحروف والكلمات الحادثة المسموعة دوالّ على الكلام النّفسيّ القديم وهؤلاء أحسن حالا من الفريق الثاني والفريق الثاني يطلقون القول بسماع كلام الحقّ جلّ شأنه ويعتقدون الحروف والكلمات المرتّبة المسموعة كلام الحقّ جلّ وعلا ولا يفرّقون بين ما هو لائق بجناب قدسه تعالى وبين ما هو ليس بلائق به وهم الجهّال البطّال لم يعرفوا ما يجوز عليه وما لا يجوز عليه تعالى سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (1) والصّلاة والسّلام على خير البشر وآله وأصحابه الاطهر. (93) المكتوب الثالث والتّسعون إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد في تحقيق التّعيّن الاوّل الوجوديّ وبيان الفرق بين مبادي تعيّنات الحبيب والخليل والكليم عليهم الصّلوات والتّسليمات والذي صار مكشوفا في الآخر بكرم الله وفضله سبحانه وتعالى هو أنّ التّعيّن الاوّل لحضرة الذّات - تعالت وتقدّست - هو تعيّن حضرة الوجود والمحيط بجميع الاشياء والجامع لجميع الاضداد والخير المحض وكثير البركة حتّى إنّ الاكثرين من مشايخ هذه الطّائفة قالوا: إنّه عين الذّات ومنعوا كونه زائدا PageV02P372 على الذّات تعالى وفيه غاية الدقّة وكمال اللّطافة بحيث لا يكاد بصر كلّ شخص يدركه ولا يقدر تمييزه من الاصل ولهذا بقي تعيّنه مختفيا إلى هذه المدّة ولم يتميّز من المتعيّن وعبده جمّ غفير بزعم أنّه هو الله ولم يطلبوا معبودا ومطلوبا ما وراءه واعتقدوا أنّه هو المبدأ للآثار الخارجيّة وظنّوا أنّه المكوّن للحوادث اليوميّة وهذا التّمييز أعني تمييز الحقّ عمّا دون الحقّ كان دولة مدّخرة لهذا المسكين العاجز المتأخّر ونفي مشاركة غير المعبود مع المعبود سبحانه وتعالى كان حصّة باقية من الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام مختبية لملتقط ما سقط من موائدهم هذا الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ (1) وقد صار مكشوفا أنّ هذا التّعيّن الاوّل الوجوديّ هو ربّ خليل الرّحمن على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ومبدأ تعيّنه وتعيّن خلّته وصار مكشوفا أيضا أنّ مركز هذا التّعيّن الذى هو جزؤه الاشرف وفيه نسبة الاقربيّة بالاصل من بين الاجزاء الاخر هو ربّ حبيب الله ومبدأ تعيّنه وتعيّن محبّته عليه وعلى جميع الانبياء الصّلوات والتّسليمات (فإن قيل) إذا كان التّعيّن الاوّل ربّ الخليل فما معنى قول نبيّنا عليهما الصّلاة والسّلام: «أوّل ما خلق الله نوري» (قلت) إن مركز الدائرة أسبق أجزاء الدائرة وأيضا إنّ للجزء تقدّما على الكلّ فيكون مبدأ تعيّنه صلّى الله عليه وسلّم الذى عبّر عنه بنوري أسبق من الكلّ بالضّرورة ومركز الدائرة وإن كان جزءا من الدائرة والدائرة كلّا له ولكنّه جزء نشأ منه سائر أجزاء الكلّ فإنّ جميع أجزاء محيط الدائرة ظلال ذلك الجزء الذى هو مركز تلك الدائرة فلو لم يكن ذلك الجزء لما كان من الدائرة اسم ولا رسم (فاتّضح) أنّ ربّ حضرة الخليل ومبدأ تعيّنه هو التّعيّن الاوّل ومنشأ التّعيّن الاوّل الذى هو الجزء والمركز وأشرف أجزاء تلك الدائرة ربّ حضرة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ومبدأ تعيّنه فيكون أسبق الكلّ هو حقيقة خاتم النّبوّة ويكون منشأ ظهور الآخرين أيضا هي ومن ههنا ورد في الحديث القدسيّ في شأن حبيب الله " لولاك لما خلقت الافلاك ولما أظهرت الرّبوبيّة " فإذا كان مبدأ تعيّن خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام مركز دائرة التّعيّن الاوّل الذى هو مبدأ تعيّن الخليل عليه السّلام فلا جرم تكون الولاية المحمّديّة الّتي منشؤها المحبّيّة مركز الولاية الخليليّة الّتي منشؤها الخلّة والولاية الخليليّة مع وجود أوّليّتها لا تكون حائلة وحاجزة بين الولاية المحمّديّة وبين حضرة الذّات - تعالت وتقدّست - فإنّ لمركز الدائرة سبقة ذاتيّة على الدائرة فلا يكون الخلف حائلا للسّلف بل الامر بالعكس (ووجه) آخر لسبق هذا المركز وقربه (اسمع) انّه كلّما يتعمّق في السّير في هذه النّقطة الّتي هي المركز يتميّز المحبّ من المحبوب من تلك النّقطة الّتي حاصلها المحبّة وتظهر صورة دائرة مركزها المحبوبيّة ومحيطها المحبّة وتلك المحبّيّة هي مبدأ الولاية الموسويّة والمحبوبيّة هي مبدأ الولاية المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام فهذا المركز الذى هو المحبوبيّة أسبق من ذاك المركز الذى هو المحبّيّة، وصار دائرة وأقرب إلى حضرة الذّات فإنّ للمركز سبقة وقربا ليسا للدّائرة فكانت PageV02P373 الولاية المحمّديّة أسبق من الولاية الموسويّة أيضا وأقرب (ووجه) آخر لسبقة الولاية المحمّديّة وقربها (اسمع) انّه كلّما يتعمّق في السّير في هذا المركز الذى هو المحبوبيّة بفضل الله سبحانه وتعالى تعرض لهذا المركز أيضا صورة دائرة يرى مركزها محبوبيّة صرفة ويظهر محيطها محبوبيّة ممتزجة بالمحبّيّة وهي نصيب فرد من أفراد أمّته بتبعيّته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بل بتبعيّة الولاية الموسويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام الّتي لها مناسبة بمحيط الدائرة ومن ههنا قيل: إنّ الولاية المحمّديّة مركز في جميع الاوقات وكيفيّة المحبّيّة أيضا من بركات تلك الولاية فإنّ المركز الثاني إنّما صار دائرة بامتزاجها به وظهر منه مركز آخر (ينبغي) أن يعلم أنّ هذا المركز الثالث أورث للمعاملة ترقّيا كثيرا وجعلها أقرب من الأقرب (ع) لا عسر في أمر مع الكرام * وما أظهر زيادة على ذلك من هذه الأسرار والدقائق وماذا يقال ويبيّن ممّا وراء التّعيّن الاوّل أكثر من ذلك؟ وإن لم يكن وراء التّعيّن الاوّل لكونه جزءه أو جزء جزئه بواسطة أو بواسطتين ولكنّه بعيد عن التّعيّن الاوّل في النّظر الكشفيّ بمراحل وأقرب منه إلى المطلوب بمنازل (فإن قيل) إنّ كلّ كمال ميسّر للجزء ميسّر للكلّ فإنّ الكلّ عبارة عن ذلك الجزء مع أجزاء أخر فما وجه حصول السّبقة والقرب للجزء دون الكلّ؟ (قلت) إنّ الكمال الذى يحصل للجزء بالاصالة يحصل ذلك للكلّ بتبعيّته للجزء لا بالاصالة ولا شكّ أنّ للأصالة سبقة ليست هي للتبعيّة وللأصل قربا ليس هو للفرع فلو كان مركز الدائرة أسبق قدما من الدائرة في كمالاته المخصوصة به لساغ (والتّحقيق) في الجواب أنّ كمال الجزء إنّما يسري في الكلّ إذا كان ذلك الكمال ناشئا من ماهيّة الجزء الاصليّة وأمّا إذا كان الكمال عرضا لجزء بعد انقلاب ماهيّته لا يلزم أن يسري ذلك الكمال في الكلّ فإنّ ذلك الجزء لم يبق جزء لذلك الكلّ بعد انقلاب ماهيّته حتّى يسري الكمال فيه مثلا إذا جعل جزء من الورق بعمل الإكسير ذهبا وانقلب من ماهيّة الورق إلى ماهيّة الذّهب لا يمكن أن يقال: إنّ كمالات هذا الجزء الذّهبيّة تسري في الفضّة الّتي هي كلّه فإنّ ذلك الجزء لم يبق جزءا لها بعد الانقلاب حتّى تسري كمالاته فافهم وقس عليه معرفة ما نحن فيه. (فإن قيل) إنّ التّعيّن الاوّل الوجوديّ هل له وجود في الخارج أو ثبوت علميّ فقط وكلّ واحد من هذين الشّقّين غير صحيح فإنّه لا موجود في الخارج عند هؤلاء الاكابر غير ذات واحدة تعالت ولا اسم في ذلك الخارج من التّعيّنات والتّنزّلات ولا رسم ولو قلنا بالثّبوت العلميّ يلزم أن يكون التّعيّن العلميّ سابقا عليه وهو خلاف المقرّر؟ (أجيب) انّه ثابت في نفس الامر فلو قيل بالثّبوت الخارجيّ بمعنى أنّ له ثبوتا فيما وراء العلم أيضا لساغ والله سبحانه الملهم للصّواب. (94) المكتوب الرابع والتسعون إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمد معصوم سلمه الله في بيان دقائق الكمال والجمال الذاتيين ومرتبة مقدسة فوق مرتبتهما PageV02P374 ونصيب تعيّنات الحبيب والخليل والكليم عليهم الصّلاة والسّلام من تينك المرتبتين وحظّ حضرة شيخنا منها إنّ الحقّ سبحانه جميل في حدّ ذاته والحسن والجمال الذّاتيّين ثابتان له لا ذلك الحسن والجمال اللّذان ندركهما ونتعقّلهما ونتخيّلهما ومع ذلك في تلك الحضرة مرتبة أقدس لا يمكن الوصول إلى تلك المرتبة من غاية عظمتها وكبريائها ولا يمكن توصيفها بالحسن والجمال والتّعيّن الاوّل الذى هو التّعيّن الوجوديّ تعيّن ذلك الكمال والجمال الذّاتيّين وظلّهما الاوّل وتلك المرتبة الاقدس الّتي لا مجال فيها للحسن والجمال أيضا ليس فيها تعيّن أصلا؛ فإنّها من غاية عظمتها وكبريائها لا تكون متعيّنة بتعيّن أصلا (ع) في أيّ مرآة يكون مصوّرا * ومع ذلك اودع في مركز دائرة التّعيّن الاوّل سرّ وكيفيّة من تلك المرتبة الاقدس وعبّيت فيه علامة من تلك المرتبة المقدّسة المنزّهة عن العلامة فكما أنّ التّعيّن الاوّل منشأ الولاية الخليليّة كذلك السّرّ والكيفيّة المودعان في مركز دائرة التّعيّن منشأ للولاية المحمّديّة على صاحبهما الصّلاة والسّلام والتّحيّة ولذينك الحسن والجمال الذّاتيّين الذين التّعيّن الاوّل ظلّهما شباهة بالصّباحة الّتي هي في عالم المجاز من قبيل حسن الخدّ وجمال الخال ولذلك السّرّ والكيفيّة المودعين في المركز مناسبة بالملاحة الّتي هي وراء رشاقة الخدّ وصباحة الخدّ ووراء حسن العين وجمال الخال وإنّما هو أمر ذوقيّ من لم يعط ذوقا لا يدركه قال الشّاعر. بي ظبية فيها الملاحة كلّها ... من لي بوصف جمالها ودلالها فاعرف التّفاوت بين هاتين الولايتين من هذا البيان وإن كان كلتاهما ناشئتين من قرب الذّات تعالت وتقدّست ولكنّ مرجع إحديهما كمالات الذّات ومعاد الاخرى صرف الذّات تعالت فإذا كانت الملاحة فوق الصّباحة فالوصول إلى الملاحة إنّما يتصوّر بعد طيّ جميع مراتب الصّباحة وما لم يتيسّر الوصول إلى جميع مراتب الولاية الإبراهيميّة لا يتيسّر الوصول إلى حقيقة هذه الولاية الّتي هي ذروة الولاية المحمّديّة العليا على صاحبيهما الصّلاة والسّلام ويمكن أن يكون كون نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم مأمورا بمتابعة ملّة إبراهيم عليه السّلام لأن يصل بواسطة تلك المتابعة إلى حقيقة ولايته ثمّ يترقّى منها إلى حقيقة ولاية نفسه الّتي وقع التّعبير عنها بالملاحة ويتحقّق بها وحيث كان لنبيّنا صلّى الله عليه وسلّم مناسبة ذاتيّة بمركز ولاية الخلّة الّتي هي أقرب إلى حضرة إجمال الذّات ومناسبته بمحيط الدائرة أقلّ لكون وجهها إلى تفصيل كمالات الذّات فما لم يتحقّق بكمالات محيط تلك الدائرة أيضا لا تتمّ ولاية الخلّة ومن ههنا ورد في الصّلاة المأثورة ": كما صلّيت على إبراهيم " " ليتيسّر له كمالات ولاية الخلّة بالتّمام كما كانت ميسّرة لصاحب تلك الولاية على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ولمّا كان المكان الطّبيعيّ PageV02P375 للولاية المحمّديّة نقطة مركز دائرة الولاية الخليليّة عليهما الصّلاة والتّحيّة وسيره صلّى الله عليه وسلّم أيضا مقصورا على مركز تلك الدائرة تعسّر خروجه منه ودخوله في محيط الدائرة واكتساب كمالاته بالضّرورة لكون ذلك خلاف مقتضى طبيعته فاقتضى الحال أن يكون متوسّط من أفراد أمّته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام يكون بتبعيّته صلّى الله عليه وسلّم في عين ذلك المركز وتكون له مناسبة بمحيط تلك الدائرة من وجه آخر حتّى يكتسب كمالات تلك المرتبة ويتحقّق بحقيقتها وبحكم " من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها " يتحقّق نبيّه المتبوع بتلك الكمالات أيضا ويتمّ مراتب الولاية الخليليّة وبيان سرّ هذا المعمّى على ما ظهر لهذا الفقير أنّ نقطة مركز دائرة ولاية الخلّة الّتي امتازت عن سائر نقطها بالمحبّة وإن كانت بسيطة ولكن لمّا كانت متضمّنة لاعتبار المحبّيّة والمحبوبيّة ظهرت منها صورة دائرة محيطها اعتبار المحبّيّة ومركزها اعتبار المحبوبيّة ومنشأ الولاية الموسويّة اعتبار المحبّيّة الّتي هي محيط الدائرة ومنشأ الولاية المحمّديّة اعتبار المحبوبيّة الّتي هي مركز الدائرة ينبغي أن يتصوّر حصول الولاية المحمّديّة ههنا وبعد مضيّ الف سنة عرضت لمركز هذه الدائرة الثانية الّتي الحقيقة المحمّديّة مربوطة بها وسعة أيضا وظهر فيه اعتباران فظهر في صورة دائرة مركزها المحبوبيّة الصّرفة ومحيطها المحبوبيّة الممتزجة بالمحبّيّة ومنشأ الولاية الأحمديّة مركز هذه الدائرة وأحمد اسم ثان للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو عليه الصّلاة والسّلام معروف فيما بين أهل السّموات بهذا الاسم كما قالوا ويمكن أن تكون بشارة عيسى عليه السّلام الذى صار من أهل السّموات بقدوم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم باسم أحمد لذلك ولهذا الاسم المبارك قرب كثير من الذّات الاحد وأقرب إليها من ذاك الاسم الثاني يعني الاسم المبارك محمّدا بمرحلة واحدة كما بيّن وهذا الاسم امتاز من الاسم المبارك أحمد بحلقة ميم واحدة وهي مبدأ المحبّة الّتي صارت باعثة على الظّهور والإظهار وأيضا الميم الذى اندرج في أحمد من مقطّعات الحروف القرآنيّة المنزّلة في أوائل السّور ومن الأسرار الغامضة لحرف الميم هذا خصوصيّة خاصّة به صلّى الله عليه وسلّم وتلك الخصوصيّة صارت باعثة على محبوبيّته صلّى الله عليه وسلّم وجعلته فائقا على الكلّ (ولنرجع إلى أصل الكلام) فنقول إنّ محيط تلك الدائرة الّتي هي عبارة عن المحبوبيّة الممتزجة بالمحبّيّة منشأ ولاية فرد من أفراد أمّته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام كان له مناسبة بمحيط الدائرة مع حصول الولاية المحمّديّة والمركزيّة وإنّه اكتسب كمالاته وعلم أنّ هذه الدولة الثانية يعني مناسبته بمحيط الدائرة واكتساب كمالاته حصلت له من طريق الولاية الموسويّة وكان هو بتطفّل هاتين الولايتين جامعا لكمالات المركز والمحيط ومن المقرّر أنّ كلّ كمال حاصل للأمّة حاصل لنبيّ تلك الامّة أيضا بحكم " من سنّ سنّة حسنة» الحديث فتيسّر له صلّى الله عليه وسلّم بتوسّط هذا الفرد كمالات محيط تلك الدائرة أيضا وتمّت ولاية الخلّة في حقّه عليه الصّلاة والسّلام واقترن دعاء " اللهمّ صلّ على محمّد كما صلّيت على إبراهيم " " بعد الف سنة بالإجابة وكان المسئول مستجابا ومعاملته صلّى الله عليه وسلّم بعد تمام ولاية الخلّة مع PageV02P376 ذاك السّرّ الذى أودع في المركز الذى عبّر عنه بالملاحة وأرجع ذلك الفرد من ذلك المقام إلى العالم لحراسة أمّته واختلى بنفسه الكريمة مع المحبوب في حجرة الغيب. (شعر) هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها ... وللعاشق المسكين ما يتجرّع (ينبغي) أن يعلم أنّ محيط المركز الثالث وإن كان يرى أصغر بالنّسبة إلى محيط مركز التّعيّن الاوّل ولكنّه أجمع فإنّ كلّ ما هو أقرب إلى حضرة الذّات يكون أجمع ينبغي أن يعلم صغره كصغر الإنسان فإنّه مع وجود الصّغر فيه أجمع جميع أصناف العالم وأيضا إنّ الشّخص الذى تحقّق بكمالات هذا المحيط وخرج من إجمال المركز إلى تفصيل المحيط زال عنه عدم مناسبة بالمحيط والتّفصيل الذى كان فيه أوّلا وذهب من تفصيل إلى تفصيل من غير تكلّف وتحقّق بكمالات ذاك التّفصيل أيضا (اسمع) انّه من وجود كمال الاقتدار لما كان نظام العالم منوطا بالحكمة لا بدّ في تربية المحبوبين أيضا من وجود الاسباب وإن لم يكن وجود السّبب غير العلل وسوى نقاب القدرة " سنّة الله الّتي قد خلت من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلا» (تنبيه) اعلم انّ النّبيّ وإن حصّل بعض الكمالات بتوسّط فرد من أفراد أمّته ووصل إلى بعض المقامات بتوسّله ولكن لا يلزم من ذلك نقص ذاك النّبيّ ومزيّة ذلك الفرد عليه فإنّ ذلك الفرد إنّما نال ذاك الكمال بمتابعة ذاك النّبيّ ووصل إلى هذه الدولة بتطفّله فذاك الكمال في الحقيقة من ذلك النّبيّ ونتيجة المتابعة له وما مثل ذلك الفرد إلّا كمثل خادم يصرف الخراج من خزائن مخدومه ويهيّئ له البسة مزيّنة لتكون باعثة على مزيد حسنه وجماله وزيادة حشمته وجلاله فأيّ نقص ثمّة في المخدوم وأيّ مزيّة للخادم عليه والإمداد إنّما يكون نقصا إذا كان من الاقران وأمّا إذا وقع من الخدّام والغلمان فهو عين الكمال وموجب لازدياد الجاه والجلال والنّاقص من يخلط أحدهما بالآخر ويقع في توهّم المنقصة الا يرون أنّ الملوك يأخذون البلاد والاملاك بإمداد الخدّم والحشّم ويفتتحون القلاع ولا يعلم من هذا الإمداد غير حصول العظمة والابهة للملوك ولا يظهر أيضا شيء من شرف الخدّم والحشّم وعزّتهم والامم خدّام الانبياء عليهم السّلام وغلمانهم فيحصل الإمداد منهم إلى هؤلاء الاكابر فكيف يتوهّم منه منقصتهم وما يقولون إنّ هؤلاء الاكابر ليسوا محتاجين إلى إمداد أصلا وجميع مراتب الكمال حاصل لهم بالفعل مكابرة صريحة فإنّ هؤلاء الاكابر أيضا عباد الله سبحانه يرجون دائما من فيوض فضله وبركات رحمته ويريدون التّرقّي على الدوام وقد ورد في الحديث «من استوى يوماه فهو مغبون " وقال صلّى الله عليه وسلّم: «سلوا لي الوسيلة " وورد أيضا في الأحاديث الصّحاح " كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستفتح بصعاليك المهاجرين " وهذه كلّها طلب إمداد وإعانة والذين لا يجوّزون إمداد الامم وإعانتهم في حقّ هؤلاء الكبراء نظرهم واقع في عظمة الانبياء وعلوّ درجاتهم فلو وقع نظرهم إلى عبوديّتهم أيضا وصار احتياجهم إلى مولاهم معلوما لديهم لما أنكروا إمداد الامم ولا يستبعدون إعانة الخدّام والغلمان رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا PageV02P377 وَاِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) والصّلاة والسّلام على نبيّنا وعلى جميع الانبياء العظام والملائكة الكرام. (95) المكتوب الخامس والتّسعون إلى مولانا صالح الكولابيّ في بيان الأسرار المخصوصة بولاية حضرة شيخنا مدّ ظلّه العالي ولاية هذا الفقير وإن كانت مربّاة الولاية المحمّديّة والولاية الموسويّة على صاحبيهما الصّلاة والتّحيّة ومركّبة من نسبة المحبوبيّة ونسبة المحبّيّة بتطفّلهما فإنّ رئيس المحبوبين محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورئيس المحبّين كليم الله عليه السّلام ولكن فيها امر آخر وربطت بها معاملة على حدة وأصل هذه الولاية وإن كانت ولاية نبيّه الّتي هي الولاية المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام الّتي هي بالاصالة ناشئة من المحبوبيّة الصّرفة ولكن لمّا انضمّت إلى هذه الولاية كيفيّة من الولاية الموسويّة الّتي هي بالاصالة ناشئة من المحبّيّة الصّرفة وصارت منصبغة بصبغها أيضا عرضت لها هيئة أخرى بل يمكن أن يقال: إنّها صارت حقيقة أخرى وأثمرت ثمرة أخرى وأنتجت نتيجة أخرى ونعم ما قال (شعر) از اين افيون كه ساقى در مى افكند ... حريفا نرانه سرماندونه دستار رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (2) والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (3) فصل بالخير فلو أظهرت شمّة من تلك المعاملة الّتي هي مربوطة بتلك الولاية قطع البلعوم وذبح الحلقوم فإذا قال أبو هريرة رضي الله عنه في إظهار بعض العلوم الذى أخذه من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قطع البلعوم ماذا يقال في حقّ غيره وقد جعل الله سبحانه غوامض الأسرار الإلهيّة بينه وبين أخصّ الخواصّ من عباده ولم يترك الاجانب أن يحوموا حواليها وحضرة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام الذى هو رحمة للعالمين أظهر هذه الأسرار المصونة من كمال معرفته ووفور رأفته لأبي هريرة وغيره وآثرهم بهذه الدرر المكنونة لما عرف قابليّتهم لتميّز الشّرّ من خيره وأنا المفلس القليل البضاعة خائف وجل من تذكّر تلك الأسرار وخطورها ولا أجد في نفسي مع سوء حالي هذا وعدم استعدادي PageV02P378 مناسبة بتلك المطالب العليا ولكنّي أعرف وأعترف بأنّه (ع) لا عسر في أمر مع الكرام * نعم ينبغي لله أن يكون هكذا وهذا الكرم يليق به سبحانه وكرمه تعالى لنا ليس في هذا اليوم فقط بل لمّا أخذ قبضة التّراب الذى خلقنا منه من الارض جعله خليفة نفسه وصيّره قيّوم الاشياء نيابة عن نفسه وعلّمه أسماء جميع الاشياء بلا واسطة وجعل الملائكة الذين هم عباده المكرّمون تلامذته وأمرهم من جلالة شأنهم بسجودهم وطرد إبليس الذى كان ملقّبا بمعلّم الملكوت وكان له شأن عظيم في العبادة والطّاعة وأبعده عن عزّ حضوره لامتناعه عن سجوده وعدم تعظيمه وتوقيره وجعله ملعونا وملوما ومطعونا وأعطى لذاك التّراب قدرة وهمّة تحمّل بها ثقل الامانة الّتي أبت السّموات والارض والجبال ان يحملنها واشفقن منها واعطاه أيضا قوّة قابليّة لرؤية خالق السّموات والارض الذى هو منزّه عن الكيف ومتعال عن المثال مع كونه مكتفا بالكيف والمثال مع أنّ الجبل صار قطعا قطعا مع صلابته بتجلّ واحد منه سبحانه وصار رمادا فذلك الله الذى هو قديم الإحسان وأرحم الرّاحمين قادر على أن يبلّغ أمثالنا العاجزين درجات السّابقين ويجعلنا شركاء دولتهم بتطفّلهم. (شعر) فإذا أتى باب العجوز خليفة ... إيّاك يا صاح ونتف سبالكا (تنبيه) اعلم أنّ حضرة الحقّ سبحانه على تنزيهه وتقديسه دائما منزّه عن صفات الحدوث ومبرّأ من سمات النّقصان ولا سبيل للتّبدّل والتّغيّر إلى حضرته جلّ سلطانه ولا مجال هناك للاتّصال والانفصال وتجويز الحاليّة والمحلّيّة ثمّة كفر والحكم بالاتّحاد والعينيّة عين الالحاد والزّندقة وإن حصل لخواصّ عباده سبحانه وتعالى قرب ووصل إلى تلك الحضرة ولكن ليس ذلك من قبيل قرب الجسم بالجسم ولا من جنس اتّصال الجوهر بالعرض فلو كان هناك قرب فهو منزّه عن الكيف وإن كان وصل فمبرّأ أيضا عن الكمّ والاين وجميع معاملات هؤلاء الاكابر في تلك الحضرة من العالم اللّاكيفيّ ونسبة العالم الكيفيّ إلى العالم اللّاكيفيّ كنسبة القطرة إلى البحر المحيط كيف لا؛ فإنّ ذلك ممكن وهذا واجب تعالى وذاك كائن في ضيق المكان والزّمان وهذا منزّه عن ضيق الزّمان والمكان نعم ميدان العبارة متّسع في ذاك العالم وضيّق في هذا العالم لعلوّه من العبارة وبعده عن الإشارة وقد أعطى أرحم الرّاحمين خواصّ عباده نصيبا من العالم اللّاكيفيّ وسيرا فيه وشرّفهم بمعاملات لا كيفيّة فلو عبّر عن ذاك اللّاكيفيّ بالكيفيّ فرضا لكان أبعد من تعبير البالغين عن لذّة الجماع للأطفال بلذّة العسل والسّكّر فإنّ كلتا هاتين اللّذّتين من عالم واحد وذاك المعبّر به والمعبّر عنه من العالمين المتباينين فمن عبّر عن اللّاكيفيّ بالكيفيّ وأجرى أحكام الكيفيّ على اللّاكيفيّ حقّ له أن يكون موردا للطّعن والطّرد وأن يتّهم بالالحاد والزّندقة بالضّرورة فكون تلك الأسرار دقيقة وغموضة إنّما جاء من جهة العبارة والتّعبير لا من جهة التّحقّق والحصول فإنّ تحقّق الإنسان بتلك الأسرار كمال الإيمان والتّعبير عنها بعبارة كيفيّة عين الكفر والالحاد ينبغي أن يستعمل من عرف الله PageV02P379 كلّ لسانه في هذا المقام رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1). الحمد لله أوّلا وآخرا والصلاة والسّلام على رسوله دائما وسرمدا. (96) المكتوب السّادس والتّسعون إلى الفقير هاشم الكشميّ في الأسرار المتعلّقة باسميه صلّى الله عليه وسلّم اعلم أنّ نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام مسمّى باسمين وكلّ من هذين الاسمين المباركين مذكور في القرآن المجيد قال تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله (2) وقال سبحانه أيضا حكاية عن بشارة روح الله اِسْمُهُ أَحْمَدُ (3). ولكلّ من هذين الاسمين المباركين ولاية على حدة فالولاية المحمّديّة وإن كانت ناشئة من مقام محبوبيّته عليه الصّلاة والسّلام ولكن ليست هناك محبوبيّة صرفة بل مزجت فيها كيفيّة المحبّيّة أيضا وإن لم يكن ذلك المزج ثابتا له صلّى الله عليه وسلّم بالاصالة ولكنّه مانع لمحبوبيّته الصّرفة والولاية الأحمديّة ناشئة من المحبوبيّة الصّرفة ليست فيها شائبة المحبّيّة وهذه الولاية أسبق قدما من الولاية السّابقة وأقرب منها إلى المطلوب بمرحلة واحدة ورغبة المحبّ فيها أكثر فإنّ المحبوب كلّ ما كان أتمّ في المحبوبيّة يكون استغناؤه ودلاله أتمّ ويكون في نظر المحبّ أحسن وأملح ويكون جذبه للمحبّ إلى نفسه وجعله مشغوفا ووالها به أكثر وأزيد. (شعر) ليس افتتاني من جماله وحده ... بل كلّ ذا من غنجه ودلاله والمراد بالافتتان إفراط العشق الذي هو مطلوب العاشق سبحان الله إن أحمد اسم عجيب سام مركّب من الكلمة المقدّسة الاحد ومن حلقة حرف الميم الذي هو من غوامض الأسرار الإلهيّة في العالم اللّاكيفيّ ولا يمكن التّعبير عن ذلك السّرّ المكنون في العالم الكيفيّ بغير حلقة الميم فلو أمكن لعبّر به الحقّ سبحانه والاحد هو الاحد الذي لا شريك له وحلقه الميم هو طوق العبوديّة الذي ميّز العبد من المولى فالعبد هو حلقة الميم ولفظ الاحد إنّما ورد لتعظيمه وإظهار اختصاصه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (شعر) ومن كان هذا اسمه صاح فاعلمن ... يكون مسمّاه أعزّ وأكرما PageV02P380 وبعد مضيّ الف سنة انجرّت معاملة تلك الولاية إلى هذه الولاية وانتهت الولاية المحمّديّة إلى الولاية الأحمديّة وبقيت معاملة طوقي العبوديّة إلى طوق واحد وتمكّن في مكان الطّوق الاوّل حرف الالف الذي هو رمز إلى ربّه صلّى الله عليه وسلّم وصار محمّد أحمد عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّ لمضيّ الالف تأثيرا في تغيّر الامور العظام (بيانه) انّ طوقى العبوديّة عبارة عن حلقتي الميمين المندرجين في الاسم المبارك محمّد ويمكن أن يكون هذان الطّوقان إشارة إلى تعيّنيه عليه الصّلاة والسّلام أحدهما تعيّنه الجسديّ البشريّ وثانيهما تعيّنه الرّوحيّ الملكيّ وتعيّنه الجسديّ وإن وقع فيه الفتور بواسطة عروض الموت وقوى تعيّنه الرّوحيّ ولكن كان بقي أثر ذلك التّعيّن فلزم مضيّ الف سنة حتّى يزول ذلك الاثر أيضا ولا يبقى رسم من ذلك التّعيّن فلمّا مضى الف سنة ولم يبق أثر من ذاك التّعيّن وانقطع طوق واحد من طوقى العبوديّة وطرأ عليه الزّوال والفناء وقعد الف الالوهيّة الذي يمكن أن يقال له أنّه كالبقاء بالله صار محمّد أحمد بالضّرورة وانتقلت الولاية المحمّديّة إلى الولاية الأحمديّة فمحمّد عبارة عن التّعيّنين وأحمد كناية عن تعيّن واحد فحسب ويكون هذا الاسم أقرب إلى حضرة الإطلاق وأبعد من العالم (فإن قيل) ما معنى الفناء والبقاء الذين قرّرهما المشائخ وجعلوا الولاية مربوطة بهما؟ وما معنى هذا الفناء والبقاء اللّذين ذكرتهما في التّعيّن المحمّديّ؟ (أجيب) انّ الفناء والبقاء اللّذين الولاية مربوطة بهما الفناء والبقاء الشّهوديّان فإن كان هناك فناء وزوال فباعتبار النّظر وإن بقاء وثبات فهما أيضا باعتبار النّظر وهناك استتار الصّفات البشريّة لا زوالها وفناء هذا التّعيّن ليس كذلك بل هنا تحقّق الزّوال الوجوديّ للصّفات البشريّة والانخداع من الجسمانيّة إلى الرّوحانيّة وفي جانب البقاء أيضا وإن لم يكن العبد حقّا ولم تنفكّ عنه العبوديّة ولكنّه يقع إلى الحقّ سبحانه أقرب وتحصل له زيادة المعيّة ويكون عن نفسه أبعد ويكون ارتفاع الاحكام البشريّة عنه أزيد (ينبغي) أن يعلم أنّ هذا العروج المحمّديّ الذي هو مربوط بانتفاء الصّفات البشريّة وإن رقّت معاملته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام إلى الذّروة العليا وخلّصته من جذبات الغير والغيريّة ولكن صارت المعاملة إلى أمّته صلّى الله عليه وسلّم أضيق وقلّ نور هدايته الذي كان بواسطة المناسبة البشريّة وقلّ أيضا توجّهه إلى أحوال هؤلاء المتأخّرين العاجزين وتوجّه بكلّيّته إلى القبلة الحقيقيّة ويل لرعايا لا يلتفت السّلطان إلى حالهم ويكون بكلّيّته متوجّها إلى محبوبه ومن ههنا استولت ظلمات الكفر والبدعة بعد الف سنة ونقص نور الإسلام والسّنّة رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) (97) المكتوب السّابع والتّسعون إلى الصّوفىّ قربان الجديد في سرّ كون العالم موهوما PageV02P381 قال الصّوفيّة العالم موهوم لا بمعنى أنّه محض مخترع الوهم ومنحوته فإنّ ذلك مذهب السّوفسطائيّة الحمقي بل هو موهوم بمعنى أنّه مخلوق بخلق الله سبحانه في مرتبة الوهم وحصل له في تلك المرتبة بصنعه سبحانه ثبوت واستقرار ولكنّ الخير والكمال اللّذين فيه مستعار من حضرة الوجود تعالى وتقدّس وظلّ من ظلال كمالات تلك المرتبة الاقدس والشّرّ والنّقص اللّذين فيه مستعار من العدم وظلّ من ظلال الشّرور والنّقائص المخزونة في ذلك العدم الذي هو منشأ جميع الشّرّ والنّقص فإذا أدّى السّالك المستعدّ للمسالك - بحكم تربيته تعالى - هذه الامانات إلى أهلها بأن ردّ الخير والكمال إلى أهلهما وأحال الشّرّ أيضا إلى صاحبه يصير متحقّقا بدولة الفناء بالضّرورة ولا يبقى منه رسم لا يكون فيه أثر من الخير ولا يتوقّع له ضرر من الشّرّ فإنّ جميع ما فيه من الخير والشّرّ كان مستعارا من الوجود والعدم فإنّه ما جاء من بيت أبيه بشيء وما كان عمله غير حمل الامانة فإذا ردّ الامانات إلى أهلها بالتّمام فلا جرم يتخلّص من مزاحمة أنا ونحن ويكون ملحقا بالفناء والعدم. (98) المكتوب الثامن والتّسعون إلى الحاجّ عبد اللّطيف الخوارزميّ في بيان ضرر الالتذاذ من الحسن الصّوريّ اعلم أنّ كلّا من الخير والكمال والحسن والجمال في أيّ مكان كان أثر الوجود الذي هو خير محض ومخصوص بواجب الوجود جلّ سلطانه فكما أنّ الوجود منعكس في الممكن من تلك الحضرة بطريق الظّلّيّة جاء الحسن والجمال أيضا من تلك المرتبة بطريق الظّلّيّة وذات الممكن بواسطة عدمه الذّاتيّ شرّ محض وقبح ونقص ولكنّ هذا الحسن والجمال اللّذين مشهودين في الممكن وإن جاء من الوجود ولكن لمّا ظهرا في مرآة العدم أخذا حكم المرآة ونالا نصيبا من القبح وعرض لهما النّقص ولمّا كان في الممكن قبح ذاتيّ لا يجد من الحسن الخالص لذّة مقدار ما يجد من هذا الحسن مع كون ذاك مبدأ لهذا فإنّ مناسبته بهذا أزيد ككنّاس يجد من الرّائحة المنتنة بواسطة أنسيّته والفته بها لذّة لا يجد مثلها من الرّائحة الطّيّبة كما ورد في قصّة مشهورة: أن كنّاسا مرّ مرة من محلّة العطّارين فسقط مغشيّا عليه من فرط الرّائحة الطّيّبة فمرّ به واحد من الاكابر فلمّا اطّلع على سرّ معاملته أمر بأن يحشوا في أنفه قطعة روث ففعلوا فأفاق وقام ومضى لسبيله. PageV02P382 (99) المكتوب التّاسع والتّسعون إلى جناب السّيّد المير مؤمن البلخيّ في إظهار شكر النّعم الظّاهريّة والباطنيّة المفاضة من بركات أكابر ما وراء النّهر رحمهم الله تعالى الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى " من لم يشكر النّاس لم يشكر الله " إن حقوق علماء ما وراء النّهر ومشائخها - شكر الله تعالى سعيهم - في ذمّة أمثالنا العاجزين المتأخّرين بل في ذمّة كافّة أهل الإسلام في بلاد الهند ليست ممّا يدرج بيانها في ضمن التّقرير وحيّز التّحرير فإنّا قد اكتسبنا الاعتقاد الصّحيح على وفق آراء أهل السّنّة والجماعة كثّر الله أمثالهم في الامصار من تحقيقات هؤلاء الاكابر وحصّلنا صحّة العمل بموجب أقوال العلماء الحنفيّة رضي الله تعالى عنهم من تدقيقاتهم وسلوك طريقة الصّوفيّة العليّة - قدّس الله أسرارهم - في هذه الديار أيضا مستفاد من بركات تلك البقعة الشّريفة وتحقيق مقام الجذبة والسّلوك والفناء والبقاء والسّير إلى لله والسّير في الله الّتي كلّها مربوطة بمرتبة الولاية الخاصّة مفاضة من فيوض أكابر هذه العرصة المتبرّكة (وبالجملة) ما به صلاح الظّاهر وفلاح الباطن مأخوذ من هناك. (شعر) شكر فيض تو ?من كند اى ابر بهار ... كه أكر خاروا كر كل همه ?رودهء تست حرسها الله سبحانه وأهاليها من الآفات والبليّات بحرمة سيّد السّادات عليه وعلى آله الصّلاة والتّسليمات والاصحاب الذين يردون من تلك الديار العليا إلى هذه الديار السّفلى لحاجة ما يظهرون الطاف الحضرات ذوي البركات القاطنين هناك بالنّسبة إلى هذا الحقير خصوصا إشفاق ملازمي حضرة معدن الإرشاد والهداية ومنبع الإفادة والإفاضة سلّمه الله تعالى ويقولون إنّ لجنابه العالي حسن ظنّ بك وإنّه طالع بعض علومك ومعارفك المحرّرة واستحسنها ومثل هذه البشارات من الاكابر يكون باعثا على ازدياد الرّجاء والجراءة على تحرير بعض الاذواق والمواجيد ولمّا ورد الشّيخ أبو المكارم الصّوفيّ في هذه الايّام واظهر أنواع الطافكم وأصناف إشفاقكم اجترأنا على التّصديع بكلمات اعتمادا على كرمكم وحيث انّ الاخ محمّد هاشم الذي هو من الاحباب المخلصين أرسل بعض نقول مسوّدات هذا الفقير في صحبة الصّوفيّ المشار إليه اكتفينا بذلك ولم ندرج في هذه الصّحيفة حرفا من علوم هذه الطّائفة العليّة ومعارفهم ونرجو من عناية الحضرة وإشفاقه أن لا يجعله منسيّا من الدعاء بسلامة الخاتمة رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) ونخصّ كلّا من الحضرات العالية الدرجات جناب النّقيب النّجيب ملاذ أهل الله السّيّد ميرك شاه وجناب علّامة الورى ومولانا حسن وجناب ناصر الشّريعة وحافظ الملّة PageV02P383 القاضي تولك أدام الله بركاتهم بالدّعوات ويسلّم أولاد الفقير أيضا إلى مخاديمنا الكرام ويلتمسون منهم الدعاء. (100) المكتوب الموفي مائة إلى الشّيخ نور الحقّ في كشف سرّ محبّة يعقوب ليوسف عليهما السّلام مع بيان بعض أسرار عجيبة وعلوم غريبة الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد استفسر أخي الاعزّ الشّيخ نور الحقّ عن محبّة يعقوب ليوسف على نبيّنا وعليهما الصّلوات والتّسليمات بالاهتمام والشّوق التّامّ وكان شوق انكشاف هذا المعنى في هذا الفقير أيضا منذ مدّة ولمّا كان شوقه علاوة على شوق هذا الفقير صرت متوجّها بكلّيتي إلى كشف هذه الدقيقة بلا اختيار فظهر في بادى النّظر أنّ خلقته وحسنه وجماله - على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام - ليست من جنس خلقة النّشأة الدنيويّة وحسنها وجمالها بل إنّ جماله من جنس جمال أهل الجنّة وصار مشهودا أن صباحته مع كونها في هذه النّشأة لها مشابهة بحسن الحور والغلمان ثمّ كتبت ما كان مفاضا في هذا الباب بعد ذلك بكرم الله وفضله تعالى بالتّفصيل وأرسلته إليكم سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا (1) (شعر) وأمسكوني ورى المرأىّ كدرّتهم ... أقول ما قال لي أستاذي الازليّ (فإن قيل) ما وجه إفراط محبّة يعقوب ليوسف عليهما السّلام وقد قال الله تعالى في حقّه وحقّ آبائه الكرام أُولِي الْأَيْدِي والْأَبْصارِ إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ وإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (2) (فكيف) يكون التّعلّق بما دون الحقّ جلّ وعلا مناسبا لشأن الانبياء أولي الايدي والابصار؟ وكيف يسع المصطفين المخلصين محبّة المخلوقين؟ لا يقال أنّ ذلك ليس بتعلّق بما دون الحقّ تعالى فإنّ المخلوق ليس إلّا مرآة حسنه وجماله تعالى كما قالت الصّوفيّة وجوّزوا شهود الوحدة في مرآة الكثرة وأثبتوا المشاهدات والمكشوفات في مجالي صور الممكنات ومظاهرها في هذه النّشأة سوى الرّؤية الاخرويّة لانّ مثال هذا الكشف والشّهود ممّا يظهر للسّالكين في هذه النّشأة الفانية وقت غلبات التّوحيد وخواصّ الامّة يكادون يستنكفون عنها ويتحاشون فإذا كانت معاملة خواصّ الامّة هكذا فكيف يتحمّل ثبوت هذه الأحوال في حقّ الانبياء المصطفين الاخيار؟ بل تصوّر هذا المعنى في حقّهم عين الوبال (قلت) إنّ جواب هذا السّؤال مبنيّ على مقدّمة وهي: انّ حسن الآخرة وجمالها وكذلك التّلذّذات والتّنعّمات في PageV02P384 ذلك الموطن ليست كحسن الدنيا وجمالها ولا كالتّلذّذات والتّنعّمات فيها فإنّ ذاك الحسن والجمال خير في خير وذاك التّلذّذ والتّنعّم مرضيّ عند المولى جلّ شأنه ومقبول وكلّ هذا الحسن والجمال شرّ ونقص وجميع هذا التّلذّذ والتّنعّم غير مقبول وغير مستحسن ولهذا كانت دار الآخرة دار الرّضا ودار الدنيا دار غضب المولى (فإن قيل) إذا كان الحسن والجمال في الممكن مستعارا من مرتبة حضرة الوجوب - تعالت وتقدّست - ولم يكن الممكن شيئا غير أن يكون مرآة ومظهرا لذلك الحسن والجمال فإنّ الممكن ليس له شيء بل كلّ ما فيه مستعار من حضرة الوجوب فمن أين جاء التّفاوت بين الموطنين؟ ولم كان أحدهما مرضيّا ومقبولا والآخر غير مقبول وغير مستحسن؟ (قلت) جواب هذا مبنيّ على مقدّمات (المقدّمة الاولى) انّ العالم بتمامه مجالي أسماء الواجب ومظاهر صفاته جلّ شأنه ومرايا كمالاته الاسمائيّة والصّفاتيّة (المقدّمة الثانية) انّ صفات الواجب وإن كانت داخلة في دائرة الوجوب ولكن لمّا ثبت لها الاحتياج في الوجود والقيام إلى حضرة الذّات تعالت كانت فيها رائحة من الإمكان والوجوب الذّاتيّ غير مقطوع في حقّها فإنّ وجوبها ليس لنفسها بل لذات الواجب وإن لم يقولوا لها غير الذّات ولكن لا بدّ من الغيريّة فإنّ الاثنينيّة كائنة بينهما. الاثنان متغايران قضيّة مقرّرة من قضايا أرباب المعقول ومع ذلك لا ينبغي إطلاق الإمكان في حقّها لكونه موهما للحدوث لانّ كلّ ممكن حادث عندهم ولا ينبغي تجويز الوجوب بالغير أيضا في ذلك الموطن لانّه موهم لانفكاكها عن حضرة الذّات تعالت وتقدّست (المقدّمة الثالثة) انّ كلّ ما فيه رائحة الإمكان فيه مجال للعدم في حدّ ذاته وإن كان حصوله محالا فإنّ استحالته ما جاءت من نفسه بل من محلّ آخر (المقدّمة الرّابعة) انّ أسماء الواجب وصفاته تعالى كما أنّ لها في جانب وجودها حسنا وجمالا كذلك لها في جانب احتمالها للعدم أيضا حسن وجمال وإن كان ثبوت هذا الحسن في مرتبة الوهم والحسّ ومناسبا للعدم وكان مستعارا من الجوار لانّ العدم لا نصيب له في حدّ ذاته غير الشّرّ والقبح والوجود هو الذي بكلّيّته خير وكمال وبتمامه حسن وجمال (ينبغي) أن يعلم أنّ الحسن الذي يحسّ في العدم كحنظل غلّف بالسّكّر وأوهم أنّه حلو (المقدّمة الخامسة) انّه قد لاح بكرم الله تعالى بالنّظر الكشفيّ أنّ جانب عدم الممكن قد حصلت له التّربية في هذه النّشأة بكمال الاقتدار وثبت له في مرتبة الحسّ والوهم بالصّنع الكامل ثبات واستقرار وجعل مظهرا لحسن الصّفات وجمالها الكائنين في جانب احتمالها للعدم واتّضح أيضا أنّ جانب وجود الممكن يرجّح في النّشأة الاخرويّة ويجعل مظهرا لحسن الصّفات وجمالها الكائنين في جانب وجودها فإذا علمت هذه المقدّمات الخمس صار التّفاوت بين حسن هذه النّشأة وجمالها وبين حسن تلك النّشأة وجمالها واضحا وكان حسن إحدى النّشأتين وقبح الاخرى لائحا وصار المرضيّ متميّزا من غير المرضيّ ومن هذه التّحقيقات انحلّ هذا السّؤال واتّضحت المقدّمة الّتي كان السّؤال الاوّل مبنيّا عليها كما لا يخفى على الفطن المتأمّل فإذا اتّضحت هذه المقدّمة أقول في جواب السّؤال الاوّل بفضل الله جلّ شأنه: إنّه قد صار PageV02P385 معلوما بالكشف الصّريح أنّ وجود يوسف على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وإن ظهر في هذه النّشأة ولكنّ وجوده من النّشأة الاخرويّة على خلاف وجود سائر موجودات هذه النّشأة وأنّه قد رجح جانب وجوده وجعل مظهرا للحسن والجمال المتعلّقين بوجود الاسماء والصّفات وانتفى عنه تعلّق شائبة العدمية بنفسه أو بأصله وجعل هو وأصله طاهرا من علّة العدم الذي هو منشأ كلّ قبح ونقص ولم يترك فيه غير استيلاء نور جانب الوجود الذي هو نصيب أهل الجنّة فكان التّعلّق بحسنه وجماله كالتّعلّق بحسن الجنّة وجمالها وحسن أهلها وجمالهم محمودا بالضّرورة ونصيبا للكلّ وكلّ ما كان المحبّ أكمل يكون تعلّقه بحسن تلك النّشأة وجمالها أزيد ويكون قدمه في مراضي المولى جلّ شأنه أسبق فإنّ التّعلّق بتلك النّشأة ومحبّتها عين التّعلّق بصاحب تلك النّشأة ومحبّته فإنّ تلك النّشأة ليست إلّا طلسم حكمته ونقاب جماله كرداء الكبرياء والله يَدْعُوا إلى دارِ السَّلامِ (1) نصّ قاطع في هذا الامر والله يُرِيدُ الْآخِرَةَ (2) حجّة واضحة لهذا المعنى والذى جعل التّعلّق بالآخرة كالتّعلّق بالدّنيا مذموما وجعله مغايرا للتّعلّق بالمولى جلّ شأنه فهو لم يعلم حقيقة الآخرة كما هي وقاس الغائب على الشّاهد مع وجود الفارق البيّن فلو اطّلعت رابعة المسكينة على حقيقة الجنّة كما هي لما كانت في فكر إحراق الجنّة ولما اعتقدت التّعلّق بها مغايرا للتّعلّق بمولاها وقال آخر إن في آية مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ (3) شكاية من الفريقين أعطاهم الله سبحانه الإنصاف كيف يتصوّر أن يدعو الله تعالى إلى جنّة ثمّ يشكو ممّن يجيب دعوته؟ فلو كان التّعلّق بذلك الموطن المقدّس مذموما أو كانت فيه شائبة الذّمّ لما كانت الجنّة دار الرّضا والرّضا هو نهاية مراتب القبول بل كانت مثل الدنيا مغضوبا عليها وعلّة الغضب وباعث الذّمّ العدم الذي هو أصل كلّ قبح ونقص وصار نصيبا للدّنيا وسببا لكونها ملعونة ولمّا حصل التّبرّي من العدم زالت شائبة الذّمّ والقبح وكان عدم الرّضا وعدم المقبوليّة نصيب الاعداء ولم يبق غير الرّضا والقبول والوجود والنّور وغير الوصل والرّاحة والسّرور أصلا قال المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " إنّ الجنّة قيعان وإنّ غرسها قولك: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر " والمعنى التّنزيهيّ الذي ظهر ههنا في كسوة الحروف والكلمات يتمثّل هناك بصورة الشّجر فيكون التّعلّق بذلك الشّجر والتّلذّذ منه عين التّعلّق والتّلذّذ بالمعنى التّنزيهيّ وعلى هذا القياس وما بيّنه الصّوفيّة العليّة من الأسرار والدقائق في التّوحيد والاتّحاد ونزلوا على المظاهر الجميلة في هذه النّشأة وعشقوها وأثبتوا في ضمن ذلك شهودا ومشاهدة واعتقدوا حسن تلك المظاهر وجمالها عين حسن المولى وجماله حتّى قال بعضهم ذقتك في كلّ طعام لذيذ وقال الآخر (شعر) PageV02P386 امروز ?ون جمال تو در ?رده ظاهرست ... در حيرتم كه وعدهء فردا برأي ?يست وقال الثالث: (شعر) ما همّ قوم بشرب الماء من عطش ... الّا رأوا ما هو المقصود في قدح صدق أمثال هذه الكلمات بعيد عن فهم هذا الفقير ووجدانه في هذه النّشأة ولا أجد هنا طاقة تحمل هذه الدقائق ولا أراها قابلة لقبول هذه الدولة فلو كانت فيها طاقة وقابليّة لما كانت مغضوبا عليها ولما قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الدنيا ملعونة " واللّائق بالكرامات والقابل لهذه المقامات هو الجنّة ذقتك في كلّ طعام لذيذ صادق على طعام الجنّة لا على طعام الدنيا الذي هو مخلوط بماء العدم المسموم ولهذا لم يستحسن ارتكاب ذلك (وعند هذا الفقير) جنّة كلّ شخص عبارة عن ظهور الاسم الإلهيّ الذي هو مبدأ تعيّن ذلك الشّخص وظهر ذلك الاسم بصورة الاشجار والانهار وبصورة الحور والقصور وبصورة الولدان والغلمان فكما أنّ في الاسماء الإلهيّة تفاوتا باعتبار العلوّ والسّفل وباعتبار الجامعيّة وعدمها كذلك في الجنّات أيضا تفاوت بمقدارها فلئن أثبت الشّهود والمشاهدة في ضمن ذلك الظّهور فهو حسن ومستحسن ووضع شيء في موضعه وأمّا إطلاق أمثال هذه الكلمات في غير هذا الموضع فجراءة ووضع شيء في غير موضعه وكأنّ الصّوفيّة العليّة من فرط محبّتهم للمطلوب وكمال اشتياقهم إليه اغتنموا كلّ ما وصل إلى مشامّ أرواحهم من رائحة المطلوب وظنّوه من استيلاء سكر المحبّة عين المطلوب والمقصود وعاملوا معه معاملة العشّاق الّتي تليق بنفس المطلوب واحتظّوا منه بحظوظ وافرة وأثبتوا المشاهدة والمكاشفة قال واحد من الاكابر: (شعر) ببوى تو از جا جهم مست بيخود ... ز هر سو كه أو از ?اى برآيد نعم أمثال هذه المعاملات مجوّزة في العاشقيّة وعدم القرار والاستراحة من غلبة المحبّة بل مستحسنة لأنّها لأجل الله سبحانه وتعالى وناش من شوق لقاء المطلوب المتفرّد ولخطاءهم حكم الصّواب ولسكرهم حكم الصّحو وورد في الخبر " سين بلال عند الله شين " (شعر) بر اشهد تو خنده زند اسهد بلال (ينبغي) أن يعلم أنّ مكشوف هذا الفقير هو أنّ رؤية كلّ شخص جنّتيّ في الجنّة أيضا على مقدار ذلك الاسم الإلهيّ الذي هو مبدأ تعيّنه وشخصه ويظهر ذلك الاسم في كسوة الاشجار والانهار والحور والغلمان بمعنى أنّ تلك الاشجار والانهار وغيرها ممّا كان مظاهر ذلك الاسم المقدّس يكون حكمها زمانا بكرم الله تعالى حكم النّاظور وتصير وسيلة إلى رؤية ذلك الشّخص الغير المتكيّفة ثمّ تعود إلى حالتها الاصليّة وتشغله بأنفسها وهكذا إلى أبد الآبدين كالتّجلّي البرقيّ الذّاتيّ الذي أثبتوه في هذه النّشأة فإنّ تجلّي الذّات في حجب الاسماء والصّفات دائميّ في حقّ المستعدّين لتلك الدولة وبعد مدّة ترتفع PageV02P387 حجب الاسماء والصّفات وتتجلّى حضرة الذّات بلا حجب الاسماء والصّفات وحيث انّ ذلك الاسم الإلهيّ اعتبار من اعتبارات الذّات تعالت يكون متعلّق رؤية كلّ شخص ذلك الاعتبار الذّاتيّ الذي هو ربّ ذلك الشّخص بالضّرورة (ولا يتوهّم) هنا أحد تبعّضا وتجزّيا فإنّ الذّات تعالت بتمامها ذلك الاعتبار لا إنّ بعض الذّات ذلك الاعتبار وبعض آخر منها اعتبار آخر فإنّ ذلك علامة النّقص والحدوث تعالى الله عن ذلك (قالوا) إنّ ذات الله تعالى تمامها علم وتمامها قدرة وتمامها إرادة وإن كان كلّ اعتبار تمام الذّات ولكنّ المرئيّ هو ذلك الاعتبار لا اعتبارات أخر ينبغي أن يطلب سرّ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (1) من ههنا لا يقال إذا لم يكن تميّز بين الاعتبارات وكان كلّ واحد منها عين الذّات فما معنى جعل متعلّق الرّؤية اعتبارا من بين اعتبارات كثيرة لأنّا نقول انّ هذه الاعتبارات وإن كانت عين الذّات بل كلّ واحد منها عين الآخر وليس بينها التّميّز والامتياز الكيفيّين المعتبرين عند مأسوري عالم الكيف ولكنّ بينها امتياز لا كيفيّ والذين تخلّصوا من العالم الكيفيّ واتّصلوا بالعالم اللّاكيفيّ باتّصال لا كيفيّ لا يخفى عليهم هذا الامتياز اللّاكيفيّ بل هو واضح عندهم ويجدونه كامتياز الاذن من العين نعم من كان مبدأ تعيّنه اسم جامع فله من جميع اعتبارات الذّات تعالت وتقدّست نصيب على سبيل الاعتدال على تفاوت الدرجات ولو على سبيل الإجمال ورؤيته متعلّقة بجميعها ولكن لمّا كان ضيق جامعيّة الإجمال الذي هو نصيبه لازما له دائما يكون الإدراك والإحاطة مفقودين في حقّه ويكون لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (2) صادقا ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثًا (3) (ينبغي) أن يعلم أنّه إذا شرّف الله سبحانه عبدا بدولة الفناء الاتمّ بكرمه وخلّصه من قيد العدم الذي كان هو ماهيّته ولم يترك منه عينا ولا أثرا يهب له بعد مثل هذا الفناء وجودا شبيها بوجود النّشأة الاخرويّة ومتعلّقا بترجيح جانب وجود الممكن ويكون مظهر الكمالات جانب وجود الاسماء والصّفات الإلهيّة وقد ذكر تحقيق وجه ذلك فيما سبق وكان يوسف على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام مشرّفا بهذه الدولة بوجوده الاوّل وهذا العارف تشرّف بها بوجوده الثاني بالولادة الثانية ولمّا كان ذاك جبليّا أعطاه الحسن الظّاهر أيضا وهذا لمّا حصل بعد تجشّم الكسب اكتفى فيه بنور الباطن وادّخر له الحسن الظّاهر في الآخرة ومثل هذا العارف بعد الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام عزيز الوجود وأقلّ قليل ومثل هذا العارف وإن لم يكن نبيّا ولكن له بتبعيّة الانبياء شركة في دولة خاصّة بالأنبياء عليهم الصّلوات وهو وإن كان طفيليّا ولكنّه جالس على سفرة نعمتهم وإن كان خادما ولكنّه جالس مع المخدومين وإن كان تابعا ولكنّه مصاحب بالمتبوعين وربّما يمنح أسرارا يغبطه الانبياء عليهم السّلام فيها كما أخبر به المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ولكنّ مثل هذه المعاملة داخل في فضل جزئيّ والفضل PageV02P388 الكلّيّ إنّما هو للأنبياء عليهم السّلام وهذا الفضل أيضا لمّا تيسّر له بسبب متابعته إيّاهم كان منهم وليس العارف غير حامل أماناتهم وآية ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (1) نصّ القرآن رفع شأن هؤلاء الاكابر فوق شأن غيرهم ونصرهم على الكلّ وجعلهم غالبين (فإن قيل) إنّ هذا العارف الذي وهب له هذا الوجود بعد الفناء الاتمّ هل هو بهذا الوجود أيضا في مرتبة الحسّ والوهم كسائر موجودات هذه النّشأة أو خرج من هذه المرتبة؟ فإن خرج فهل عرض له وجود خارجيّ أو لا؟ ومن المقرّر عند القوم أنّه لا موجود في الخارج غير الحقّ سبحانه وتعالى (قلت) إنّ ما هو صار معلوما في آخر الامر انّه خرج وصار منسوبا إلى نفس الامر ومرتبة الوهم وإن كان حكمها حكم نفس الامر باعتبار الثبات والتّقرّر ولكنّها في الحقيقة لم تكن نفس الامر فإنّ نفس الامر وراء تلك المرتبة وكأنّ هذه المرتبة برزخ بين الوهم والخارج وموجودات النّشأة الاخرويّة كلّها كائنة في مرتبة نفس الامر بل الصّفات الواجبيّة سوى الصّفات الثمانية الحقيقيّة كلّها في تلك المرتبة ولا موجود في مرتبة الخارج غير الذّات الاقدس وغير صفاته الثمانية فظهر للموجودات ثلاث مراتب: مرتبة الوهم الّتي هي نصيب أكثر أفراد هذه النّشأة والانبياء عليهم الصّلاة والسّلام خارجون بأجمعهم عن هذه المرتبة وكذلك الملائكة الكرام عليهم السّلام فإنّ وجودهم مناسب لوجود النّشأة الاخرويّة وصار أقل أولياء العظام مشرّفا بهذه الدولة أيضا وتخلّص من مرتبة الوهم وصار ملحقا بنفس الامر (المرتبة الثانية) مرتبة نفس الامر وفيها صفات الواجب وأفعاله تعالى والملائكة الكرام أيضا موجودون في تلك المرتبة ووجود النّشأة الاخرويّة أيضا ثابت في تلك المرتبة وكذلك الانبياء والاقلّ من الأولياء أيضا خرجوا إلى تلك المرتبة وإنّما الفرق أنّ صفات الواجب جلّ شأنه في مركز ذلك المقام الذي هو أشرف أجزائه وسائر الموجودات في أطراف ذلك المركز وأكنافه على حسب الاستعداد (والمرتبة الثالثة) مرتبة الخارج والموجود هناك الذّات وصفات الواجب الثمانية فإن كان فرق فإنّما هو باعتبار المركز وغير المركز فإنّ الاشرف أنسب بالاقدس (فإن قيل) ما مزيّة الخروج من مرتبة الوهم إلى مرتبة نفس الامر؟ وأيّ قرب مربوط به؟ (قلت) إنّ منشأ كلّ خير وكمال وحسن وجمال هو الوجود وكلّما يكون حصول القوّة والاستقرار للوجود أزيد تكون تلك الصّفات أكمل ولا شكّ انّ الوجود النّفسيّ الامريّ اقوى واثبت من الوجود الوهميّ فيكون الخير والكمال فيه اتمّ واكمل بالضّرورة وأيّ كلام في قرب من كان موجودا في مرتبة صفاته وأفعاله تعالى وحصل له جوار صفات الخالقيّة والرّازقيّة وغيرهما (ينبغي أن يعلم) أنّ ثبوت العدم وكذلك ثبوت الكمالات الّتي ملحوظ فيها شائبة العدم وإن كانت تلك الكمالات من الكمالات الصّفاتيّة كلّه في مرتبة الحسّ والوهم فإنّه ما لم يحصل التّبرّي من العدم بالكلّيّة ولم يزل عين العدم وأثره لا يكون لائقا بالوصول إلى مرتبة نفس الامر وإن كان في الثبوت الوهميّ باعتبار القوّة والضّعف درجات PageV02P389 فإنّه كلّ ما كان العدم أقوى يكون التّعلّق بمرتبة الوهم أتمّ وإذا ضعف يكون التّعلّق أقلّ وكثير من الأولياء الذين جاوزوا مراتب العدم ولم يبق فيهم شيء من العدم غير الاثر وإن لم يكونوا داخلين في مرتبة نفس الامر ما دام هذا الاثر باقيا ولكنّهم يتجاوزون مرتبة الوهم ويصلون إلى نقطتها الأخيرة ويصيرون من نظّار مرتبة نفس الامر ويحصّلون نصيبا من هذا المقام ويكون محسوسا أنّ الانبياء الكرام والملائكة العظام عليهم الصّلاة والسّلام وكذلك بعض متابعي الانبياء وإن كان أقلّ وصلوا إلى نهاية مرتبة نفس الامر ولكلّ منهم هناك موطن خاصّ ومقام على حدة على تفاوت درجاتهم ويشاهد الحروف والكلمات القرآنيّة أيضا هناك يرى مقام هؤلاء فوق مقام الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وكأنّها خرجت من هذا المقام وصارت برزخا بين هذا المقام وبين مقام فوقه قبل الوصول إليه واختارت الإقامة هناك فإنّ المقام الفوقانيّ مخصوص بذات الواجب وصفاته تعالى ولا موجود في الخارج غيره سبحانه وتعالى ولمّا كانت في هذه الحروف والكلمات سمات الحدوث ليست فيها قابليّة الوصول إلى ذلك المقام ولكنّها أسبق قدما من جميع موجودات تلك المرتبة ولها تمسّك بأذيال مدلولاتها والكبراء الذين يقيمون في منتهى مرتبة نفس الامر ناظرون إلى مرتبة فوقانيّة وكأنّهم بكلّيّتهم صاروا أبصارا من كمال شوقهم إليها والعجب أنّ هؤلاء الاكابر مع وجود هذا التّوطّن والإقامة لهم بحكم " المرء مع من أحبّ " معيّة مع محبوبهم مجهولة الكيفيّة وهم معه بلا أنفسهم ومأنوسون ومألوفون به بلا اتّحاد الاثنينيّة ولمّا لوحظ في ذلك الاثناء معيّة الحروف والكلمات القرآنيّة بتلك المرتبة المقدّسة علم أنّه لا نسبة لهذه المعيّة بمعيّة الآخرين وأنّها عالية جدّا لا يمكن إدراكها لكونها مربوطة بابطن البطون وأين المجال هناك لفهم المخلوقين ومن علوّ شأن هذه الحروف والكلمات المقدّسة ورد القرآن كلام الله غير مخلوق ويعلم أنّ الكلام النّفسيّ هو هذه الحروف والكلمات كما حقّقه القاضي عضد وقال: إنّ هذه الحروف والكلمات هي الكلام القديم النّفسيّ بلا تقديم وتأخير وجعل التّقديم والتّأخير عائدا إلى قصور الآلات الحادثة. (فإن قيل) لو كانت هذه الحروف والكلمات كلاما نفسيّا ينبغي أن تكون داخلة في مرتبة الخارج وقد مرّ آنفا أنّها لا تكون داخلة في ذلك المقام فما وجه ذلك؟ (قلت) إنّ هذه الحروف والكلمات حيث كانت مركوزة في الاذهان بالتّقديم والتّأخير يظهر بهذه الملاحظة في النّظر الكشفيّ عدم دخولها في مرتبة الخارج بالضّرورة ولما لوحظت مرّة ثانية بلا ملاحظة التّقديم والتّأخير شوهدت داخلة فيها وملحقة بأصلها بل متّحدة بها فأيّ نسبة لمعيّتها بمعيّة الآخرين فإنّ فيها اتّحادا ولا مجال للاتّحاد في معيّة الآخرين سبحان الله إذا كان هذه الحروف والكلمات القرآنيّة نفس الكلام القديم السّبحانيّ يكون ظهوره في هذه النّشأة بخلاف سائر الصّفات القديمة بنفسه فإنّ الحروف والكلمات على هذا التّقدير نفسه وليس له نقاب غير التّقديم والتّأخير العارضين من جهة قصور آلة التّكلّم فأقرب الاشياء إلى جناب قدس الحقّ جلّ وعلا الذي هو القرآن المجيد أجلى وأظهر في عالم الظّلال بأصالته من غير أن يصيبه غبار الظّلّيّة وجعل التّقديم PageV02P390 والتّأخير حجابا لعيون المحجوبين ولهذا كان أفضل العبادة تلاوة القرآن المجيد وكانت شفاعته أسرع قبولا من شفاعة الآخرين سواء كانت شفاعة ملك مقرّب أو نبيّ مرسل ولا يمكن تفصيل النّتائج والثمرات المترتّبة على تلاوة القرآن وكثيرا ما توصل التّالي إلى محلّ لا مجال فيه لذرّة (فإن قيل) هل هذه الدولة مخصوصة بالحروف والكلمات القرآنيّة واشتركت معها في هذه الدولة حروف سائر الكتب المنزّلة وكلماتها وكانت كلاما نفسيّا كمثلها؟ (قلت) للكلّ شركة في هذه الدولة والفرق الذي يتمثّل في نظر كشفيّ هو أنّ القرآن المجيد كأنّه مركز الدائرة وسائر الكتب المنزّلة بل جميع ما يقع به التّكلّم من الازل إلى الابد كأنّه محيط تلك الدائرة وسائر النّقط كأنّها تفصيله وهو إجمالها قال الله تعالى وإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (1) (فإن قيل) قد علم من التّحقيق السّابق أنّ الشّهود والمشاهدة في ضمن المظاهر الجميلة - كما قالوا - غير واقع في هذه النّشأة ولا قابليّة في هؤلاء لمظهريّة تلك المرتبة المقدّسة فهل لها تحقّق في هذه النّشأة في غير هذه المظاهر أو لا؟ (قلت) إنّ معتقد هذا الفقير هو أنّ نصيب هذه النّشأة الإيقان فقط والرّؤية البصريّة والمشاهدة الّتي هي عبارة عن الرّؤية القلبيّة على تفاوت الدرجات نتيجة ذلك الإيقان وثمراته المربوطة بالآخرة نقل صاحب التّعرّف الذي هو من أكابر هذه الطّائفة العليّة في كتابه إجماع المشائخ في هذا الباب وقال: وأجمعوا على أنّه تعالى لا يرى في الدنيا بالابصار ولا بالقلوب إلّا من جهة الإيقان (فإن قيل) إنّ من المقرّر عند هذه الطّائفة العليّة أنّ لليقين مراتب ثلاثا: علم اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين وقالوا: إنّ علم اليقين عبارة عن الاستدلال بالاثر على المؤثّر كيقين حاصل بوجود النّار مثلا من طريق الاستدلال بالعلم بوجود الدخان وعين اليقين عبارة عن رؤية النّار نفسها مثلا وحقّ اليقين عبارة عن التّحقّق بالنّار مثلا فإذا فقدت الرّؤية القلبيّة أيضا كيف يتحقّق عين اليقين؟ وكيف يصدق إجماع المشائخ على عدم الرّؤية مطلقا؟ (قلت) لعلّ مراده بالإجماع إجماع المشائخ المتقدّمين والمتأخّرون حكموا على خلاف ذلك وجوّزوا الرّؤية القلبيّة وهذا الحكم لم يثبت عند هذا الفقير وهذه الدرجات الثلاث الّتي بيّنوها لليقين كلّها داخلة في علم اليقين لم تخرج بعد من الاستدلال ولم تتحوّل من العلم إلى العين وما قالوا في تمثيل عين اليقين من رؤية النّار ليس هو رؤية النّار بل رؤية الدخان الّتي استدلّوا بها على وجود النّار فكما أنّه كان في علم اليقين استدلال من العلم بوجود الدخان على وجود النّار كذلك هنا استدلال من رؤية الدخان على وجود النّار وهذا اليقين الثاني أتمّ من اليقين الاوّل لقوّة دليله فإنّ هناك علما بالدّليل وهنا رؤية الدليل وكذلك في حقّ اليقين تحقّق بالدّخان لا بالنّار واستدلال به على النّار وهذا اليقين أتمّ من كلّ من اليقينين السّابقين وأكمل فإنّه استدلال بنفسه الذي صار دخانا على وجود النّار وبين الانفس والآفاق فرق واضح قال الله تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ PageV02P391 الْحَقُّ (1) وقال الله تعالى وفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (2) وكلّ ما يرى في الآفاق والانفس آيات المطلوب لأنفس المطلوب فكان المرئيّ في الآفاق والانفس هو الدخان الذي هو آية النّار لا النّار فتكون المعاملة في الآفاق والانفس هي الاستدلال الذي هو حقيقة علم اليقين وأمّا حقّ اليقين فينبغي تشخيصها فيما وراء الآفاق والانفس سبحان الله كيف قرّر الاكابر وجدان المطلوب في الانفس واعتقدوا خارج الانفس ممّا لا حاصل فيه قال واحد منهم (شعر) لا تطف في كلّ صوب مثل أع? ... مى فإنّ الكلّ معك في العبا وقال الآخر (شعر) ?ون جلوهء ان جمال بيرون ز تو نيست ... ?ا در دامن وسر در جيب اندر كش وقال الثالث (شعر) فلو سعت ذرّة في عمرها طلبا ... خيرا وشرّا ترى في نفسها اكتمانا قال صاحب الفصوص: التّجلّي من الذّات لا يكون إلّا بصورة المتجلّى له وقال غيره من الاكابر إنّ أهل الله كلّ ما يرون بعد الفناء والبقاء يرون في أنفسهم وكما يعرفون يعرفونه في أنفسهم وحيرتهم في وجود أنفسهم وفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (3) (وعند هذا الفقير) الانفس أيضا كالآفاق ممّا لا حاصل فيه خالية عن وجدان المطلوب فيها ولا نصيب منه لها والذى في الآفاق والانفس هو الاستدلال على المطلوب والدلالة على المقصود والوصول إلى المطلوب مربوط بما وراء الآفاق والانفس ومنوط بما سوى السّلوك والجذبة فإنّ السّلوك سير آفاقيّ والجذبة سير أنفسيّ فيكون السّلوك والجذبة والسّير الآفاقيّ والانفسيّ كلّها داخلة في السّير إلى الله وما قالوا: إنّ السّلوك والسّير الآفاقيّ في السّير إلى الله والجذبة والسّير الأنفسيّ في السّير في الله ماذا نصنع ظهر لهم كذلك وظهر لي هكذا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا (4) (وأين القدرة) لمثلي المسكين الآكل من فضلتهم أن يتكلّم على خلاف مذاقهم ولكن لمّا ترقّت المعاملة من التّقليد قال ما ناله خالف القوم أو وافقهم والتزام أبى يوسف بعد ترقّيه من التّقليد موافقة أبي حنيفة الذي هو أستاذه خطأ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (5) (فإن قيل) إذا كان هذه الدرجات الثلاث من اليقين داخلة في علم اليقين فما يكون عين اليقين عندك؟ (قلت) إنّ عين اليقين عبارة عن تلك الحالة الّتي هي للدّخان مع النّار فإذا انتهى المستدلّ إلى منتهى درجة الدليل الذي هو الدخان PageV02P392 تحدث فيه أيضا حالة ثابتة للدّخان مع النّار وعند هذا الفقير هذه الحالة معبّر عنها بعين اليقين فإنّه فوق علم الاستدلال ووراء الآفاق والانفس ولمّا ارتفع حجاب الاستدلال من البين الذي هو نهاية مرتبة العلم خرج الامر من العلم إلى الكشف بالضّرورة وانجرّ من الغيب إلى الشّهود والحضور. (ينبغي أن يعلم) أنّ الشّهود والحضور غير الرّؤية والإحساس الا ترى أنّ شهود الشّمس لضعيف البصر وقت انتشار شعاعها حاصل بخلاف الرّؤية فإنّها غير متحقّقة؟ (تنبيه) أنّ للتّحقّق بالدّخان درجتين وأنّه شامل لعلم اليقين وعين اليقين على التّحقيق الذي ذكرناه فإنّه ما لم يطو جميع نقط الدخان في التّحقّق به ولم ينته إلى نقطته الاخيرة فهو علم اليقين فإنّ كلّ نقطة بقيت حجاب مستلزم للاستدلال فإذا تحقّق بجميع النّقط وانتهى إلى النّقطة الاخيرة خرج من الاستدلال لانّ الحجب قد ارتفعت بالتّمام وثبت له عين اليقين كنفس الدخان فافهم وما ذا أكتب من حقّ اليقين فإنّ كمال تحقّقه مربوط بالنّشأة الاخرويّة فإن كان منه نصيب في الدنيا فهو مخصوص بأخصّ الخواصّ الذي كان السّير الانفسيّ الذي له مشابهة بحقّ اليقين داخلا عنده في علم اليقين وكان الانفس لديه في حكم الآفاق وصار علمه الحضوريّ المتعلّق بالانفس علما حصوليّا وحصل له عين اليقين فيما وراء الآفاق والانفس وقليل ما هم (خاتمة حسنة) في بيان الحسن والجمال المحمّديّين على صاحبهما الصّلاة والسّلام الذين هما متعلّق محبّة ربّ العالمين وأنّه صلّى الله عليه وسلّم كان بذلك الجمال محبوب ربّ العالمين جلّ شأنه. (اعلم) أنّ يوسف على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وإن كان بالصّباحة الّتي كانت فيه محبوب يعقوب عليه السّلام ولكنّ نبيّنا خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام بالملاحة الّتي هي فيه محبوب خالق الارض والسّماوات وخلق الارض والسّماء والمكان والزّمان بطفيليّته صلّى الله عليه وسلّم كما ورد (ينبغي أن يعلم) أنّ الخلق المحمّديّ ليس كخلق سائر أفراد الإنسان بل لا مناسبة له بخلق فرد من أفراد العالم وهو صلّى الله عليه وسلّم مع وجود النّشأة العنصريّة خلق من نور الحقّ جلّ وعلا كما قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام: «خلقت من نور الله " وهذه الدولة لم تتيسّر لغيره صلّى الله عليه وسلّم وبيان هذه الدقيقة هو أنّه قد مرّ فيما سبق أنّ الصّفات الثمانية الحقيقيّة الواجبيّة وإن كانت داخلة في دائرة الوجوب ولكن فيها بواسطة احتياجها إلى حضرة الذّات رائحة الإمكان فإذا كان في الصّفات الحقيقيّة القديمة مجال لرائحة الإمكان يكون في الصّفات الإضافيّة الواجبيّة ثبوت الإمكان بالطّريق الاولى وعدم قدمها أوّل دليل على الإمكانيّة فيها وقد علم بالكشف الصّريح أنّ خلقته صلّى الله عليه وسلّم ناشئة من الإمكان الذي هو متعلّق بالصّفات الإضافيّة لا الإمكان الذي هو كائن في سائر أفراد العالم وكلّ ما يطالع صحيفة ممكنات العالم بدقّة النّظر لا يشاهد وجوده صلّى الله عليه وسلّم فيها بل يكون منشأ خلقته وإمكانه صلّى الله عليه وسلّم في عالم الممكنات بل يكون فوق هذا العالم فلا جرم لا يكون له ظلّ وأيضا إنّ ظلّ كلّ شخص في عالم الشّهادة الطف من ذلك الشّخص فإذا لم يكن الطف منه صلّى الله عليه وسلّم في العالم كيف يتصوّر له ظلّ (اسمع) انّ صفة العلم من الصّفات الحقيقيّة PageV02P393 وداخلة في دائرة الموجود الخارجيّ فإذا عرضت لها الإضافة وانقسمت بها على العلم الإجماليّ والعلم التّفصيليّ مثلا تكون تلك الاقسام من الصّفات الإضافيّة وداخلة في مرتبة نفس الأمر الّتي هي مقرّ الصّفات الإضافيّة ويشاهد أنّ العلم الإجماليّ الذي صار من الصّفات الإضافيّة نور ظهر في النّشأة العنصريّة بعد الانصباب من الاصلاب إلى الارحام المتكثّرة بمقتضى حكم ومصالح بصورة الإنسان الذي هو على أحسن تقويم وصار مسمّى بمحمّد وأحمد (ينبغي) أن يستمع كمال الاستماع انّ هذا القدر من الإجمال وإن جعل العلم المطلق مقيّدا وأخرجه من الحقيقة إلى الإضافة ولكن لم تحصل منه زيادة في المقسّم أصلا ولم يقيّده شيء قطعا فإنّ إجمال العلم نفس العلم لا إنّه أمر زائد منضمّ إلى العلم بخلاف تفصيل العلم فإنّه يقتضي جزئيّات متكثّرة حتّى يتصوّر التّفصيل والعجب من قيد كان مظهرا للإطلاق والعجب من مقيّد صار نفس المطلق ينبغي أن يلاحظ مثل هذه اللّطافة في مطلق العلم بالنسبة إلى الذّات فإنّه يمكن أن يكون العلم نفس العالم ونفس المعلوم كما أنّه كائن في العلم الحضوريّ بخلاف صفات اخر فإنّها ليست فيها هذه القابليّة فإنّه لا يمكن أن يقال: إنّ القدرة عين القادر وعين المقدور والإرادة عين المريد وعين المراد فللعلم اتّحاد مع ذات العالم واضمحلال فيه ليس ذلك لغيره ينبغي أن يدرك من ههنا قرب أحمد من الاحد فإنّ الواسطة بينهما صفة العلم الّتي له اتّحاد بالمطلوب فكيف يكون للحجابيّة فيها مجال؟ وأيضا في العلم حسن ذاتيّ ليس هو لغيره من الصّفات ولهذا أحبّ صفات الواجب عند الحقّ جلّ وعلا بزعم هذا الفقير هو صفة العلم وحيث انّ في حسنه شائبة اللّاكيفيّة فالحسّ قاصر عن إدراكه وإدراك ذاك الحسن على وجه التّمام مربوط بالنّشأة الاخرويّة الّتي هي موطن الرّؤية فإذا رأوا الله عزّ وجلّ يدركون جمال محمّد صلّى الله عليه وسلّم وإن أعطى يوسف عليه السّلام في هذه النّشأة ثلثي الحسن وقسم الثلث الباقي للكلّ ولكنّ الحسن في النّشأة الاخرويّة هو الحسن المحمّديّ والجمال هو الجمال المحمّديّ عليه الصّلاة والسّلام فإنّه محبوب الحقّ جلّ سلطانه وكيف يكون لحسن الآخرين مشاركة بحسن صفة العلم فإنّ حسنها بواسطة اتّحادها بالمطلوب عين حسن المطلوب ولمّا لم يكن هذا الاتّحاد لغيرها ليس فيه هذا الحسن فالخلقة المحمّديّة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام مع وجود الحدوث مستندة إلى قدم الذّات تعالت وكانت أحكامها أيضا منتهية إلى وجوب الذّات وكان حسنه حسن الذّات من حيث انّه ليس فيه شائبة غير الحسن فلمّا كان كذلك صار متعلّق المحبّة الجميل المطلق وكان محبوبه " أنّ الله جميل يحبّ الجمال». (فإن قيل) إنّ قوله تعالى يُحِبُّهُمْ (1) يدلّ على أنّ محبّة الحقّ سبحانه متعلّق بغيره صلّى الله عليه وسلّم أيضا ويكون الآخرون أيضا محبوبيه سبحانه وتعالى فما وجه تخصيصه صلّى الله عليه وسلّم مع كونها موجودة في غيره؟ (قلت) المحبّة قسمان: قسم يتعلّق بذات المحبّ وقسم يتعلّق بغير ذاته PageV02P394 والقسم الاوّل محبّة ذاتيّة وهي أعلى أقسام المحبّة فإنّه لا يحبّ أحد شيئا مثل حبّه لنفسه وأيضا هذا القسم من المحبّة أحكم وأوثق فإنّها لا تزول بعروض عارض وأيضا متعلّق هذا القسم محبوب صرف ليست فيه شائبة المحبيّة بخلاف القسم الثاني فإنّها عرضيّة وقابلة للزّوال ومتعلّقه وإن كان من وجه محبوبا ولكن فيه محبّيّة أيضا من وجوه متعدّدة وحيث كان حسن خاتم الرّسل وجماله عليه الصّلاة والسّلام مستندين إلى حسن حضرة الذّات تعالت وجمالها كما مرّ يكون القسم الاوّل الذي هو متعلّق بالذّات متعلّقا به عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بالضّرورة ويكون صلّى الله عليه وسلّم بتعلّق المحبّة كالذّات محبوبا صرفا ولمّا لم تكن هذه الدولة ميسّرة لغيره وقل نصيبهم من الحسن الذّاتيّ يتعلّق بهم من المحبّة القسم الثاني ويجعلهم محبوبا من وجه والمحبوب المطلق هو النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإنّه كذات المحبّ محبوب دائما ويكون محسوسا انّ غلبة المحبّة الّتي هي في موسى للحقّ سبحانه وكان هو بتلك المحبّة رئيس المحبّين مثلها في الحقّ سبحانه لحضرة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وكلّما يغوص هذا الفقير في بحر هاتين المحبّتين ليدرك التّفاوت بينهما قوّة وضعفا ويجد المحبّة الّتي هي في الخالق أشدّ من محبّة المخلوق بحكم فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغالِبُونَ (1) لا يظهر التّفاوت أصلا وكأنّ هاتين المحبّتين وزنت بميزان العدالة متساويتين ولم يقع بينهما تفاوت بالزّيادة والنّقصان مقدار شعرة. (فإن قيل) إنّ الصّوفيّة العليّة حكموا بكون تمام أفراد العالم مظاهر الاسماء الإلهيّة ومجاليها ووجدوا حقائق الاشياء عين تلك الاسماء واعتقدوا أنّ الاشياء ظلال الاسماء فجعلوا تمام العالم ظهور الاسماء الإلهيّة فما وجه تخصيص ظهور بعض الاسماء بخلقته صلّى الله عليه وسلّم كما مرّ؟ (قلت) إنّ حقائق الاشياء عند الصّوفيّة هي الاعيان الثابتة الّتي هي عبارة عن الصّور العلميّة للأسماء الإلهيّة لا الاسماء الإلهيّة أنفسها وقالوا: إنّ هذا العالم هو ظهور تلك الصّور العلميّة وإن قالوا إنّه ظهور الاسماء أيضا على سبيل التّجوّز بل الصّورة العلميّة للشّيء عندهم عين ذلك الشّيء لا شبح ذلك الشّيء ومثاله وما قاله هذا الفقير في خلقته صلّى الله عليه وسلّم ظهور نفس الاسم الإلهيّ جلّ شأنه لا ظهور الصّورة العلميّة لذلك الاسم شتّان ما بين نفس الشّيء وبين صورته العلميّة الا ترى أنّ النّار إذا تصوّرت في الاذهان أين لها الاشراق والإضاءة وقد كان كمال النّار وجمالها هو الإشراق والإضاءة وليس في صورتها العلميّة غير شبحها ومثالها قبله أرباب المعقول أو لا بل قالوا إنّها عين النّار ولكنّ كشفنا الصّريح مكذّب لقول من قال بالعينيّة وصورة النّار العلميّة ليست غير شبح النّار الموجودة في الخارج ويكون محسوسا أنّ كلّ ما هو ظهور الصّور العلميّة للأسماء إمكانه ووجوده من قبيل إمكان العالم ووجوده الذي تحقّق له ثبات وتقرّر بصنع الله تعالى في مرتبة الوهم وما هو ظهور الاسم الإلهيّ كما مرّ في خلقته صلّى الله عليه وسلّم PageV02P395 إمكانه من قبيل إمكان الصّفات الإضافيّة ووجوده أيضا مثل وجود تلك الصّفات في نفس الامر ولا يقع النّظر على أحد يكون ظهورا للاسم الإلهيّ جلّ سلطانه غير النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلّا القرآن المجيد فإنّه أيضا ظهور نفس اسم إلهيّ كما ذكرت شمّة منه فيما سبق (غاية ما في الباب) أنّ منشأ الظّهور القرآنيّ من الصّفات الحقيقيّة ومنشأ الظّهور المحمّديّ من الصّفات الإضافيّة فبالضّرورة قالوا لذلك قديما وغير مخلوق ولهذا حادثا ومخلوقا ومعاملة الكعبة الرّبّانيّة أعجب من هذين الظّهورين الاسميّين فإنّ هناك ظهور معنى تنزيهيّ بلا كسوة الصّور والاشكال فإنّ الكعبة الّتي هي مسجود إليها لجميع الخلائق ليست بعبارة عن الحجر والمدر وليست هي أيضا سقفا وجدرا فإنّه لو لم تكن هذه فرضا تكون الكعبة كعبة باقية على حالها ومسجودا إليها فهناك ظهور ولا صورة أصلا وهذا من أعجب العجائب (اسمع اسمع) انّه وإن لم يكن لأحد شركة في هذه الدولة الخاصّة المحمّديّة ولكن يدرك هذا القدر أنّه قد بقيت بقيّة من تلك الدولة وهي الخاصّة به بعد تخليقه وتكميله عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّ الزّيادة والفضلة من لوازم خوان ضيافة الكرماء لتكون نصيبا للخدّم وحصّة فأعطيها واحد من أمّته صلّى الله عليه وسلّم وجعلت خمير طينته وجعل بتبعيّته ووراثته شريك دولته الخاصّة به عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام (ع) لا عسر في أمر مع الكرام * وهذه البقيّة كبقيّة طينة آدم عليه السّلام حيث كانت نصيبا لخلقة النّخلة كما قال عليه وعلى آله الصّلاة " أكرموا عمّتكم النّخلة فإنّها خلقت من بقيّة طينة آدم " بلى (ع) وللأرض من كأس الكرام نصيب * (فإن قيل) قد جعل الشّيخ محيي الدين بن عربيّ وأتباعه الحقيقة المحمّديّة عبارة عن حضرة إجمال العلم وقالوا له تعيّنا أوّلا وتجلّيا ذاتيّا واعتقدوا ما فوقه اللّاتعيّن الذي هو حضرة الذّات البحت وأنت جعلته قسما من العلم وأدخلته في الصّفات الإضافيّة الّتي هي دون الصّفات الحقيقيّة فما وجه ذلك؟ (قلت) إنّ الشّيخ محيي الدين بن العربيّ لا يقول بوجود موجود في الخارج غير أحديّة الذّات المجرّدة ولا يثبت الوجود للصّفات ولو كانت حقيقيّة في غير العلم فيكون التّعيّن الاوّل عنده بالضّرورة علما إجماليّا ويتصوّر ثبوت الصّفات بعده فإنّ ثبوتها فرع ثبوت العلم فإنّه لا يقول بثبوتها في غير العلم فيكون العلم أسبق من الكلّ وجامعا لجميع الكمالات والذي صار مكشوفا لدى الفقير هو أنّ الصّفات الحقيقيّة الثمانية كالذّات موجودة في الخارج والتّفاوت إنّما هو باعتبار المركزيّة وعدم المركزيّة كما مرّ وهذا القول موافق لآراء علماء أهل السّنّة والجماعة شكر الله سعيهم حيث قالوا: إنّ وجود الصّفات زائدة على وجود الذّات وعلى هذا التّقدير لا معنى لجعل التّعيّن الاوّل عبارة عن العلم الإجماليّ بل لا مجال لإطلاق التّعيّن أيضا وأسبق جميع الصّفات صفة الحياة وصفة العلم تابعة لها فتقديم العلم عليها غير متصوّر خصوصا إذا انضمّ قيد إلى العلم فإنّه أدون من مطلق العلم وداخل في الإضافيّة كما مرّ نعم إذا قالوا للعلم الإجماليّ إنّه تعيّن أوّل للعلم فله مساغ ويكون تعيّنه الثانيّ علما تفصيليّا (فإن قيل) إنّ الشّيخ محيي الدين PageV02P396 قال للعلم الإجماليّ إنّه حقيقة محمّديّة واعتقد هذه النّشأة العنصريّة ظهوره فله مراده من الظّهور ظهور نفس الاسم كما قلت انت أو ظهور صورة ذلك الاسم كما هو في سائر الممكنات (قلت) مراده ظهور صورة الاسم فإنّ التّعيّن الاوّل عنده قدّس سرّه تعيّن علميّ فإنّه قال للتّعيّنين الاوّلين تعيّنا علميّا وللتّعيّنات الثلاثة الاخيرة تعيّنا خارجيّا والتّعيّن العلميّ هو صورة شأن العلم الذي قال: إنّه عين الذّات في الخارج وأثبت صورته في العلم وتلك الصّورة العلميّة الّتي هي الحقيقة المحمّديّة ظهرت في النّشأة العنصريّة بصورة إنسانيّة محمّديّة (وبالجملة) أنّ كلّ مقام فيه ظهور فهو ظهور الصّورة العلميّة عند الشّيخ وإن كانت صفات الواجب جلّ شأنه فالصّفات لا وجود لها عنده في غير العلم ولا موجود عنده في الخارج غير الذّات البحت (فإن قيل) في تلك المرتبة اتّحاد العلم والعالم والمعلوم وحاصل ذلك هو العلم الحضوريّ فلا يكون لصورة الاسم هناك مجال لانّ حصول الصّورة إنّما هو في العلم الحصوليّ والحاضر في العلم الحضوريّ هو نفس المعلوم لا صورته (قلت) إنّ تلك المرتبة ليست هي مرتبة الذّات البحت ولهذا قال لها تعيّنا وتنزّلا فلا تكون موجودة في الخارج فإذا لم تكن موجودة في الخارج لا بدّ لها من الثبوت العلميّ ولهذا قال لها تعيّنا علميّا ولا بدّ للثّبوت العلميّ من صورة المعلوم فلزم من هذا البيان أنّ في العلم الحضوريّ أيضا صورة للمعلوم مع وجود حضور نفس المعلوم وأنّ الحاضر ليس هو المعلوم الخالص بل تطرّق إليه الاعتبار وأخرجه من النّفس إلى الصّورة ولا يدرك فهم كلّ أحد هذه الدقّة ومن لم يصل إلى الذّات البحت بوصول لا كيفيّ لا يدرك هذه الدقيقة سبحان الله أيّ قدرة واستطاعة لمثلي الفقير العاجز المتأخّر أن يتكلّم بمعارف أكابر الانبياء أولي العزم بعد الف سنة من بعثة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ويبيّن دقائق كمالات المبدأ في شفير المعاد. (شعر) ولكن سيّدي أعلى مقامي ... فحقّت لي مباهاتي الهلال كأنّي تربة فيها سحاب ال? ... رّبيع ممطر ماء زلالا فلو لي الف السنة وأثني ... بها ما ازددت إلّا انفعالا الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ (1). وقد كان في خاطري أن أكتب شمّة من بيان الصّباحة والملاحة الواردتين في الحديث النّبويّ: «أخي يوسف أصبح وأنا أملح " وأن أتكلّم في هذا الباب بالرّمز والإشارة ولكن رأيت أنّ الرّمز والإشارة قاصر في أداء المقصود والمستمعون عاجزون عن فهمه ومقطّعات الحروف القرآنيّة كلّها رموز وإشارات إلى حقائق الأحوال ودقائق الأسرار الكائنة بين المحبّ والمحبوب ولكن من الذي يدركها ويفهمها والعلماء الرّاسخون الذين حكمهم حكم خدّام حبيب ربّ العالمين وغلمانه وإن كان لهم اطّلاع عليها لما أنّه PageV02P397 يجوز أن يكون للخدّام اطّلاع على بعض أسرار مخاديمهم الخفيّة بل يجوز أن تكون بين الخادم والمخدوم معاملة بطريق تبعيّته للمخدوم وأن يكون الخادم شريكا له في دولته الخاصّة به بتطفّله ولكنّهم لو أظهروا شمّة من هذا البيان يكونون خونة ومهلكين أنفسهم ويصدق في حقّهم قطع البلعوم الذي قاله أبو هريرة رضي الله عنه " يضيق صدري ولا ينطلق لساني " نقد الوقت رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (1) والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله وأصحابه البررة التّقىّ. (101) المكتوب الحادي والمائة إلى الشّيخ عبد الله في المنع من تفسير آيات القرآن وتأويلها على طبق مذاق الفلاسفة سلّمكم الله سبحانه وعافاكم عن البليّات قد أرسلت كتاب تبصرة الرّحمن الذي كنتم أرسلتموه وقد طالعت بعض مواضعها فوجدت أنّ لمصنّفه ميلا عظيما إلى مذهب الفلاسفة بحيث يكاد يجعل الحكماء مساوين للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ووقع النّظر على آية في سورة هود قد فسّرها على طرز الحكماء خلاف طور الانبياء وسوّى بين قول الحكماء والانبياء عليهم السّلام وقال في بيان معنى هذه الآية أولئك الذين ليس لهم باتّفاق الانبياء والحكماء إلّا النّار الحسيّ أو العقليّ إلخ وأين المجال لاتّفاق الحكماء مع وجود إجماع الانبياء وأيّ اعتبار في قولهم في العذاب الاخرويّ خصوصا إذا كان مخالفا لقول الانبياء عليهم السّلام ومقصود الفلاسفة من إثبات العذاب العقليّ هو رفع العذاب الحسّيّ الذي وقع إجماع الانبياء على ثبوته وبيّن الآيات القرآنيّة موافقا لمذاق الحكماء في مواضع أخر أيضا وإن لم يكن مخالفا للمذهب المبيّن فمطالعة هذا الكتاب لا يخلو عن مضرّات خفيّة بل جليّة واعتقدنا إظهار هذا المعنى لازما وكتبنا في ذلك كلمات وإن كانت تصديعا والسّلام. (102) المكتوب الثاني والمائة إلى جناب المير محمّد نعمان في التّرغيب في المجاهدات والانزواء وتربية طالبي الحقّ جلّ وعلا PageV02P398 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ أحوال هذه الحدود وأوضاعها مستوجبة للحمد لله سبحانه الحمد والمنّة دائما وعلى كلّ حال ولم أطّلع على أحوالكم من مدّة مديدة والمرجوّ أنّكم قلبتم ذلك الورق وبدّلتم الكسل بالعمل وتوجّهتم من الفراغ إلى المجاهدة فإنّ الوقت وقت العمل والاشتغال لا موسم الاكل والمنام ينبغي إعداد نصف اللّيل للنّوم والنّصف الآخر للطّاعة والعبادة فإن لم يكن قدرة اختيار هذه الهمّة ينبغي أن يلتزم ثلث اللّيل من النّص إلى السّدس ينبغي أن يسعى لئلّا يقع فتور في دوام هذه الدولة وينبغي أن يختلط بالنّاس وأن ينبسط إليهم مقدار ما تؤدّى به حقوقهم " الضّرورة تقدّر بقدرها " والانبساط إلى الخلائق زيادة على قدر الحاجة من الفضول وداخل فيما لا يعني وربّما يتفرّع عليه مضرّات كثيرة ويصير داخلا في محظورات الشّريعة والطّريقة والشّيخ الذي يفرّط في الانبساط إلى المريدين يخرجهم من الإرادة بالضّرورة ويوقع الفتور في طلبهم عياذا بالله سبحانه من ذلك ينبغي أن يدرك قبح هذا المعنى وأن يسلك بالطّالبين على وجه يكون سببا لانسهم والفتهم لا موجبا لنكرتهم ونفرتهم والانزواء من الخلائق ضروريّ فإنّ الاختلاط والائتلاف معهم بلا داع ولا حاجة سمّ قاتل وهذا المعنى ميسّر لكم بتوفيق الله تعالى بالسّهولة وماذا يصنع أرباب الابتلاء فإنّهم مشغولون مع أرباب التّفرقة دائما؟ ينبغي لكم أن تعرفوا قدر هذه النّعمة والعمل بمقتضاها وعليكم بكمال الاستخبار عن حال الطّالبين وبالتّوجّه إلى تربيتهم ظاهرا وباطنا وما أكتب أزيد من ذلك. (103) المكتوب الثالث والمائة إلى الشّيخ حميد الأحمديّ في التّرهيب عن قصور الأحوال والتّرغيب في حصول التّكميل والكمال الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد سرّ مكتوب أخي الاعزّ الشّيخ حميد بوصوله ما أعظم نعمة حصول الرّغبة في جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه والبرودة عمّا سواه تعالى لجماعة في صحبة شخص في مثل هذا الزّمان المملوء من الفتن ومع ذلك لا يغترّ ذلك الاخ بهذه الدولة ولا يكون فارغا من شغله (هنوز دهلى دور است) مثل مشهور يعني الدهليّ بعيد بعد ولا يعلم: هل تمّ واحد من المائة أم لا؟ وهذه الأحوال الّتي تحصل للطّالبين في الابتداء وتورثهم ذوقا ولذّة من قبيل تمرين الاطفال بتعليم الف وبا والامر أن يجاوز التهجّي والوصول إلى مرتبة المولويّة والتّرقّي من الاذواق والالتذاذات والدخول إلى الولاية الخاصّة. (شعر) وذا إيوان الاستعلاء عال ... فإيّاكم واخطار الوصال PageV02P399 وعليكم بتعمير الاوقات والتّحلّي بالشّريعة والطّريقة ظاهرا وباطنا واعلم أنّ تكميل الغير فرع كمال الإنسان نفسه وهو درجة الولاية الخاصّة ولكن إذا ظهر في الصّحبة رشد في الطّالبين وحصلت لهم أحوال ومواجيد فهي أيضا غنيمة وإن لم يبلغوا حدّ الفناء والبقاء وحكمها في هذا الوقت حكم الكبريت الاحمر إن فعل ذلك أيضا ولكنّ تعليم الطّريق أيّا من كان بعد الاستخارات والتّوجّهات مناسب بل لازم وينبغي أن تكونوا على خوف وخشية من هذا العمل حذرا من تسلّط الشّيطان من هذه الجهة اعاذنا الله سبحانه من شرّه فإن أتممتم العدد الذي أمرتكم به اشتغلوا بضعفه ثمّ أخبروني بعد ذلك حتّى يصدر الاعلام بما يناسب الحال وسلّموا منّا على الاصحاب عندكم ووصلت أيضا الصّحيفة الشّريفة الّتي كتبها السّيّد يحيى حمدا لله سبحانه على كون قلوب النّاس منجذبة إلى حضرة الحقّ سبحانه وتعالى وكونهم والهين مشتاقين إلى ذلك الجناب الاقدس جلّ سلطانه في مثل هذا الوقت الذي له كمال القرب من القيامة وقد ورد في الخبر " وتقوم السّاعة على أشرار النّاس " والمتوقّع من الاحبّة الدعاء على ظهر الغيب بسلامة الخاتمة رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) والسّلام أوّلا وآخرا. (104) المكتوب الرّابع والمائة إلى الحضرات ذوي البركات حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد وحضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد معصوم في بشارتهما بالوصول إلى بعض المراتب الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى لم يكتب الاولاد الكرام منذ مدّة شيئا من أحوالهم الظّاهرة والباطنة ولعلّ ذلك بسبب طروّ النّسيان والذّهول عن حال المهجورين بواسطة تمادي أيّام المفارقة ولنا أيضا أرحم الرّاحمين أَلَيْسَ الله بِكافٍ عَبْدَهُ (2) مورّث التّسلّي للغرباء المحرومين والعجب أنّ الخاطر متوجّه إلى أحوالكم دائما مع عدم التفاتكم هذا كلّه ومريد لكمالكم وقد كنت أمس عقدت مجلس السّلوك بعد صلاة الصّبح فظهر أنّ الخلعة الّتي كانت لى انفصلت عنّي وتوجّهت إلى خلعة أخرى مكانها فوق في الخاطر أنّ هذه الخلعة الزّائلة هل يعطاها شخص أم لا؟ وكنت أتمنّى أنّها أعطيها ولدي الارشد محمّد معصوم فرأيت بعد لمحة أنّ ولدي قد أعطيها وألبسها بالتّمام وكانت تلك الخلعة الزّائلة كناية عن معاملة القيّوميّة الّتي تتعلّق التّربية والتّكميل وكانت هي الباعثة على ارتباط هذه العرصة المجتمعة فإذا انتهت معاملة هذه الخلعة الجديدة إلى آخرها وصارت مستحقّة للخلع نرجو من كمال PageV02P400 الكرم أن يعطيها ولدي الاعزّ محمّد سعيد وهذا الفقير يسال ذلك بالتّضرّع على الدوام ويفهم أثر الإجابة ويجد ولدي مستحقّا لهذه الدولة (ع) لا عسر في أمر مع الكرام * والاستعداد أيضا من عطائه سبحانه وتعالى. (شعر) ما جئت من بيتي بشيء أوّلا ... ومنحتني ما بي وإنّي بعض ذا قال الله تعالى اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (1) (واعلموا) أنّ الشّكر عبارة عن صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه من الجوارح والقوى الظّاهريّة والباطنيّة إلى ما خلقها الله وأعطاه لأجله لولاه لما حصل الشّكر والله الموفّق ومثل هذه العلوم من الأسرار الخفيّة وإن قلناه جهارا ولكنّه لازم الخفاء لئلّا يفتتن النّاس ثمّ إنّ ذاك المشكل الذي كان فيّ من أنّ تلك المعاملة لعلّها في عالم المثال قد انحلّ في هذه الايّام ولم يبق فيه خفاء أصلا ولعلّ لروحانيّة الخواجه معين الدين أيضا مدخلا في هذا المعنى ولعلّ ذلك المشكل باق في خاطر محمّد معصوم. (105) المكتوب الخامس والمائة إلى الشيخ حسن البركيّ في جواب كتابه الذي كتبه لبيان أحواله وفي الحثّ على إحياء السّنّة والتّحذير عن ارتكاب البدعة الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد سرّت صحيفة أخي الاعزّ الشّيخ حسن أحسن الله حاله بوصولها وقد اندرج فيها من العلوم والمعارف فزادت مطالعتها فرحا على فرح حمدا لله سبحانه كلّها علوم صحيحة ومعارف صادقة مطابقة للكتاب والسّنّة موافقة لإعتقاد الفرقة النّاجية رزق الله سبحانه الاستقامة وأوصل إلى منتهى المقاصد العليّة وكتبت من رفع البدع شمّة يا لها من نعمة عظيمة لو وفّق شخص لرفع بدعة من البدع في مثل هذا الوقت الذي تراكمت فيه ظلمات البدعة وأحيا سنّة من السّنن وقد ورد في الاحاديث الصّحيحة " من أحيا سنّة ميّتة فله ثواب مائة شهيد " فليعلم درجة هذا العلم من ههنا ولكن ينبغي أن يراعي دقيقة وهي أن لا ينجرّ الامر إلى إيقاظ الفتنة وأن لا تكون الحسنة الواحدة باعثة على سيّئات كثيرة فإنّ الزّمان آخر الزّمان وأوان ضعف الإسلام والإيمان وحصل الافراح والمسرّات أيضا من مطالعة الرّسالة الّتي أرسلتها الحمد لله سبحانه الموافقة في العلوم لهذا الفقير كثيرة وفي الكشف مطابقة والانظار أيضا عالية وقد كنت فوّضت كتابك الذي كان متضمّنا للأحوال والعلوم والاستفسارات إلى أخي محمّد هاشم الكشميّ ليحضّره وقت تحريره الجواب فأضاعه اتّفاقا ولهذا وقع التّوقّف في تفصيل الاجوبة وما بقي منها في الخاطر كتبت جوابه ومجملها أنّها أحوال مستحسنة وعلوم صحيحة ثمّ PageV02P401 إنّه ينبغي لكم السّعي البليغ في تربية أولاد المرحوم المغفور له مولانا أحمد وتعليمهم ورعاية الهداية بالآداب الظّاهريّة والباطنيّة وعليكم بدلالة سائر الاصحاب الفقراء بل جميع أهل الإسلام الكائنين في تلك البقعة على الشّريعة والتزام السّنّة وتهديدهم وتحذيرهم عن ارتكاب البدعة والله سبحانه الموفّق وقد أرسل إليكم الخواجه محمّد هاشم نقول بعض مكاتيب الجلد الثالث نفعكم الله بها وأوقات الفقير مختلفة فأحيانا تظهر الرّغبة في تسويد العلوم والمعارف بلا اختيار وفي بعض الاوقات تظهر النّفرة من الكتابة مع إفاضة الأسرار الغريبة بحيث لا يستطاب أخذ القلم باليد فبناء على ذلك يقع الفتور في تفصيل جواب كتبكم الّتي وصلت ولا أقدر أن أكتب شيئا بالتّكلّف وبقيّة الأحوال مستوجبة للحمد وقد تيسّر التّخلّص بعناية الله سبحانه من رفاقة العسكر أدام الله لنا الاستقامة ولجميع الاصحاب الكائنين هناك دعوات مخصوصة والسّلام. (106) المكتوب السّادس والمائة إلى حضرات المخاديم سلّمهم الله سبحانه في بيان واقعته الّتي رأى فيها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ونال منه البشارات العليا قد وصلت الصّحيفة الشّريفة من أولادي الكرام حمدا لله سبحانه على ما كانوا على الصّحّة والعافية وأكتب المعاملة الّتي ظهرت اليوم جديدة ينبغي استماعها بكمال الإصغاء كنت البارحة الّتي هي ليلة السّبت ذهبت إلى مجلس السّلطان فلمّا رجعت منه بعد مضيّ مقدار ثلاث ساعات من اللّيل وسمعت من الحافظ ثلثة اجزاء من القرآن ومضي من اللّيل ازيد من ستّ ساعات تيسّر النّوم وحيث كان بي تعب اللّيل نمت بعد حلقة الصّبح فرأيت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد كتب الإجازة للفقير كما هو عادة المشايخ من كتابة الإجازة للخلفاء وواحد من أصحابي المخلصين متصدّ لهذه المعاملة فظهر في تلك الأثناء أنّ في إمضاء الإجازة نحوا من الفتور ووجه الفتور أيضا معلوم في ذلك الوقت فحمل الذي هو متصدّ لهذه الخدمة من أصحابي تلك الإجازة إلى ملازمته صلّى الله عليه وسلّم مرّة ثانية وكتب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على ظهرها إجازة أخرى او امر الغير بكتابتها لم أقدر على تشخيص ذلك ولكنّه بالنّسبة إليه صلّى الله عليه وسلّم معلوم وبعد الكتابة زيّنها بختمه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام مضمون تلك الإجازة هو أنّه قد أعطيت إجازة الآخرة عوضا عن إجازة الدنيا وأعطيت نصيبا من مقام الشّفاعة والكاغد أيضا طولانيّ وكتب فيه سطور كثيرة وأنا أسال من المتصدّي لتلك الخدمة أنّ أيّا منهما الاولى وأيّا منهما الثانية؟ وأنا أجدني في ذلك الوقت في محلّ واحد مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأعاشره كالولد مع الوالد وليس حضوره وحضور أهل بيته غريبا لي وأنا أخذت ذلك الكاغد بيدي ولففته وكنت داخلا في حرمه الشّريف كالاولاد المحاريم وتأمرني أمّهات المؤمنين في حضوره صلّى الله عليه وسلّم ببعض الخدمات بالاهتمام التّامّ وتقول كنت منتظرة لك ينبغي أن تفعل كذا وكذا فعرضت الإفاقة في تلك PageV02P402 الاثناء وارتفع من الخاطر وجه ذلك الفتور وبالقدر اليسير من فتح العين زالت خصوصيّات تلك الواقعة من الخاطر معاينة ولعلّه بقي في خاطركم انّي قد كنت ذكرت كلاما في هذا الباب أكثر من ذلك من أنّ العجب أنّ هذه النّسبة العليا لا تظهر على مقدارها وكان يخطر في الخاطر أنّ ظهورها لعلّه يكون ذخيرة لأجل الآخرة ويتيسّر نعم البدل فحصل من هذه الواقعة التّشفّي من تلك التّردّدات الوقت وقت قرب القيامة ووقت تراكم الظّلمات فأيّ خيريّة فيه؟ وأيّ نورانيّة إلّا أن يروّجها الحضرة المهديّ عليه الرّضوان مؤيّدا بالخلافة الظّاهريّة وقد أمرت اليوم شكرا للنّعمة بطبخ أطعمة متنوّعة لروحانيّته صلّى الله عليه وسلّم وأن يعقدوا مجلس السّرور ولعلّ رافعي الكتب أيضا يأكلون من تلك الاطعمة ثمّ إنّي قد كنت كتبت في مكتوب في بيان واقعة ظهرت أنّه لم يقبل واحد من الاصحاب معكما لملازمة السّلطان ثمّ ظهر بعد زمان أنّه قد قبل هو أيضا بمحض الكرم وظهر آثار القبول لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك وعلى جميع النّعماء وفي هذه الايّام تظهر معارف غريبة وعلوم عجيبة وكأنّ ذلك الورق صار مرقوما وظهرت المعاملة للآخر الاولاد بعيدون ومعاملة العمر قريبة وإلى ما ينجرّ الامر ونصبر قائلين: الخير فيما صنع الله؟ رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1) وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2). (107) المكتوب السّابع والمائة إلى الخواجه محمّد أشرف في بيان سبب وقوع الفتور في نسبة الرّابطة والالتذاذ بالطّاعة بعد الحمد لله والصّلاة وتبليغ الدعوات أنهى انّه قد وصلت صحيفة أخي الاعزّ حمدا لله سبحانه على ما كانوا على الصّحّة والعافية (وقد سئلتم) أنّه ما السّبب في أنّه إذا طرأ الفتور في نسبة الرّابطة لا يوجد الالتذاذ بسائر الطّاعات (اعلموا) أنّ الوجه الذي صار سببا لفتور نسبة الرّابطة مانع عن الالتذاذ بالطّاعات وسبب الفتور أحيانا يكون قبضا وأحيانا كدورة طارية بواسطة ارتكاب زلّات وإن كانت قليلة والوجه الاوّل ليس بمذموم بل هو من لوازم سلوك الطّريقة وينبغي تدارك عروض الوجه الثاني بالتّوبة والاستغفار إلى أن يرتفع أثره بكرم الله سبحانه وحيث انّ التّمييز بين القبض والكدورة يستدعي دقّة النّظر فالتّوبة نافعة على كلّ حال أدام الله سبحانه استقامتكم والسّلام. (108) المكتوب الثامن والمائة إلى الملّا طاهر الخادم في بيان المعاملات المتعلّقة بأصل الاصل وهذه المعرفة منقولة بالمعنى PageV02P403 إنّ المعاملة الّتي تتعلّق بأصل الاصل على نوعين: نوع يمكن معرفتها بصورة مثاليّة أو بأمر آخر وهذه المعاملة موقّتة بوقت كون السّير في مقامات لها مناسبة أو مشاكلة بالعالم ولو بالوجه والاسم وذلك إلى نهاية مقام الرّضا فإذا تيسّر السّير لشخص فوق مقام الرّضا لا يكون له شيء معلوما لا بصورة مثاليّة ولا بأمر آخر فحينئذ يكون لذلك العارف علم بمحض حصول مقامات فوقانيّة من غير أن يكون له شيء منها معلوما حتّى إنّ اسم النّبوّة والرّسالة وأمثالهما أيضا مفقودة في هذه المقامات وأظنّ أنّ الحقّ سبحانه سيعطي في دار الخلد علم تلك المقامات ونهاية هذا السّير إلى مرتبة مخصوصة لا تخفى على أربابها والسّلام. (109) المكتوب التّاسع والمائة إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد معصوم سلّمه الله سبحانه في بيان أنّ إيجاد العالم في مرتبة الوهم ولكنّه بواسطة الاستقرار وتعلّق الإيجاد به صار منسوبا إلى نفس الامر وهذه المرتبة وراء مرتبة العلم والخارج وبيان أنّ الوحدة والكثرة كلتيهما في نفس الامر وتحقيق أنّ فناء السّالك مع وجود الثابت والاستقرار بأيّ معنى يكون وهذا المكتوب بقي غير تامّ بواسطة حوادث الايّام اعلم أنّ مرتبة الوهم عبارة عن مرتبة يكون فيها ظهور بلا وجود كما أنّ صورة زيد مثلا إذا كانت متوهّمة في المرآة فهناك ظهور بلا وجود لانّه لا صورة في المرآة أصلا وليس لها ثبوت فيها غير الظّهور الوهميّ وقد لاح بالكشف الصّحيح والشّهود الصّادق أنّ الحقّ سبحانه خلق العالم من كمال اقتداره في تلك المرتبة وأعطاه بصنعه الكامل ظهورا محضا وإن كان في تلك المرتبة ظهورا بلا كون ووجود ولكن لمّا صار العالم مخلوقا في تلك المرتبة كان ظهورا مع وجود فإنّ إيجاده تعالى يكون مثبتا وموجدا ولمّا كان ظهورا مع وجود كان في مرتبة نفس الامر وترتّبت عليه أحكام وآثار صادقة ومرتبة الوهم هذه وراء مرتبة العلم والخارج ومشابهتها ومناسبتها بمرتبة الخارج أزيد من مناسبة مرتبة العلم بها وثبوتها شبيه بثبوت خارجيّ بخلاف الثبوت العلميّ الذي يقال له وجودا ذهنيّا فإنّه في الطّرف المقابل للوجود الخارجيّ والظّهور الذي هو في مرتبة الوهم له أيضا شبه تامّ بالظّهور الخارجيّ بخلاف مرتبة العلم فإنّ هناك بطونا وكمونا وكأنّه وقع في مرتبة الوهم ظلّ من مرتبة الخارج فأوجد العالم فيها بظلّ الخارج فلا يكون في نفس الخارج موجود غير الذّات الاحديّة ويكون العالم مع هذا التّعدّد والتّكثّر موجودا في ظلّ الخارج بإيجاد الله تعالى بوجود ظلّيّ وفي خارج نفس الامر وحدة وفي ظلّ خارج نفس الامر كثرة كما أنّ المطابق لنفس الامر في العلم أيضا كثرة فتكون الوحدة والكثرة كلتاهما في نفس الامر ويكون لكلّ منهما اعتبار على حدة ولا محذور فيه كما أنّ هذا الخارج والوجود للعالم ظلّيّان كذلك سائر صفاته من PageV02P404 الحياة والعلم والقدرة وغيرها أيضا ظلال صفات الواجب جلّ سلطانه بل نفس الامر الذي يثبت في إثبات العالم أيضا ظلّ نفس الامر الكائن في مرتبة الخارج. (شعر) ما جئت من بيتى بشيء أوّلا ... ومنحتني ما بي وإنّي بعض ذا قال الله تعالى وتقدّس أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ (1) (فإن قيل) إنّك كتبت في رسائلك أنّ ما في الظّلّ كلّه من الاصل وليس في يد الظّلّ شيء غير حمل أمانات الاصل فإذا ردّ السّالك المستعدّ جميع ما في يده من الخير والكمال والوجود وتوابع الوجود بحكم الظّلّيّة إلى أصله ووجد نفسه خاليا من جميع الكمالات يصير متحقّقا بالفناء والاضمحلال بالضّرورة ولا يبقى منه اسم ولا رسم فما حاصل هذا الكلام؟ وما معنى ردّ الكمالات إلى الاصل؟ وبأيّ اعتبار يكون فناء السّالك واضمحلاله مع وجود ثباته واستقراره؟ (قلت) إنّ هذا الفناء يشبه حال شخص لبس أثواب العارية ويعلم أنّها ليس له بل لغيره وإنّما لبسها بطريق العارية فإذا غلبت هذه الرّؤية واستولت استيلاء تامّا يمكن أن يعطى تلك الاثواب مع وجود التّلبّس بها لصاحبها ويجد نفسه عريانا حتّى ينفعل ويستحي من جلسائه بسبب عريه من الثياب ويجرّ نفسه إلى زاوية وحيث انّ السّالك صار مخلوقا في مرتبة التّوهّم والتّخيّل يكفيه الفناء التّخيّليّ أيضا فإنّ استيلاء هذا التّخيّل يوصله إلى اليقين القلبيّ ويجعله ذوقيّا وجدانيّا فيوجد ما هو المقصود من الفناء والاضمحلال لانّ المقصود من الفناء زوال التّعلّق بالظّلّ وحصول التّعلّق بالاصل ولمّا صار رجوع الظّلّ إلى الاصل يقينا وذوقيّا ووجدانيّا زال التّعلّق بالظّلّ بالضّرورة وجاء مكانه التّعلّق بالاصل فلو لم يحصل هذا التّخيّل لما تيسّرت دولة زوال التّعلّق بالظّلّ بل مدار سلوك هذا الطّريق على التّوهّم والتّخيّل والأحوال والمواجيد الّتي هي المعاني الجزئيّة في هذا الطّريق إنّما تدرك بالوهم والتّجلّيات والتّلوينات إنّما تشاهد للسّالكين في مرآة الخيال فلو لا الوهم لقصر الفهم ولو لا الخيال لاستتر الحال لم يوجد في هذا الطّريق شيء أنفع من الوهم والخيال وجاء أكثر إدراكهما وانكشافهما مطابقا للواقع والذي يقطع مسافة خمسين الف سنة كائنة بين العبد والرّبّ في مدّة قليلة بكرم الله تعالى ويوصل العبد إلى درجات عالية هو الوهم والذى يجعل دقائق غيب الغيب وأسراره منكشفة في مرآته ويطلع السّالك المستعدّ عليها هو الخيال ومن شرافة الوهم اختار الحقّ سبحانه خلق العالم في تلك المرتبة وجعلها محلّا لظهور كمالاته ومن جلالة الخيال جعله الله أنموذجا لعالم المثال الذي هو أوسع جميع العوالم حتّى قالوا بوجود صورة فيه لمرتبة الوجوب أيضا وحكموا بأنّ الله سبحانه ليس له مثل ولكن له مثال ولله المثل الاعلى والذى يحسّه العارف في مرآة خياله ويترقّى بذوق وجدانه هو صور الاحكام الوجوبيّة (فإن قيل) قد اتّضح من التّحقيق السّابق أنّ الفناء باعتبار التّخيّل وإن كان موصّلا إلى PageV02P405 اليقين قلبيّ وجعله ذوقيّا ووجدانيّا وترتّبت عليه أحكام صادقة لا باعتبار التّحقّق وأنت بنفسك كتبت في بعض رسائلك أنّ هذا الفناء باعتبار الوجود وأنّه زوال العين والاثر فما حقيقة هذه المعاملة؟ (قلت) لمّا كان رجوع وجود الظّلّ إلى الاصل يقينيّا وذوقيّا ووجدانيّا حكم بزوال الوجود أيضا بالضّرورة وقيل بارتفاع العين والاثر (فإن قيل) إنّ هذا الحكم بالفناء الوجوديّ مع ثبوت الفاني واستقراره هل هو صادق أو كاذب؟. (110) المكتوب العاشر والمائة إلى المخدوم زاده محمّد معصوم أيضا سلّمه الله في بيان أنّ معاملة العارف تبلغ مبلغا لا تحصل فيه صورة معلوم أصلا فحينئذ تكون له كلّ ذرّة من الذّرّات طريقا سلطانيّا إلى المطلوب وبيان أنّ حبّ مثل هذا العارف ينجرّ إلى حبّ الحقّ وبغضه إلى بغضه سبحانه وهكذا حكم تعظيم آل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإهانتهم بالنّسبة إليه صلّى الله عليه وسلّم وهذه المعارف نقلت بالمعنى إذا بلّغ العارف معاملته إلى الاصل بعد طيّ مقامات الظّلّ يكون ح علمه المتعلّق بالاشياء مبرّأ من قيد الظّلّيّة يعني تكون الاشياء معلومة له من غير أن يحصل فيه منها شيء فإنّه كلّ ما حصل فيه شيء يكون ظلّ ذلك الشّيء في العقل وصورته لا عين ذلك الشّيئ كما قيل في تعريف العلم: هو حصول صورة الشّيء في العقل لا شكّ أنّ الصّور الحاصلة من الشّيء في العقل شبح ومثال لذلك الشّيء لا عينه كما يشهد به الكشف الصّريح والالهام الصّحيح فحينئذ لا يثبت هذا العارف للعالم نسبة بالحقّ سبحانه سوى نسبة الصّانعيّة والمصنوعيّة ويتحاشى من القول بالظّلّيّة والعينيّة والمرآتيّة وهذه المعاملة مربوطة بالكمالات الذّاتيّة فإنّ للذّات غنى ذاتيّا عن العالم انّ الله لغنىّ عن العالمين بخلاف بعض مراتب الاسماء والصّفات فإنّ هذه النّسبة متصوّرة فيها فما لم يتعدّ العارف من تلك المقامات ولم يصل إلى أصل الاصل ليس له نصيب من هذه النّسبة وكلّ ذرّة من الذّرّات تكون للعارف في هذا المقام طريقا سلطانيّا إلى جناب قدس الحقّ جلّ شأنه بخلاف العلم الحصوليّ فإنّ العالم في تلك الصّورة يجذب كلّ شيء إلى جناب نفسه ويصير بنفسه مرآة لجميع الاشياء وكذلك في صورة الظّلّيّة والمرآتيّة يجذب كلّ شيء صاحب ذلك العلم إلى نفسه ولا يترك نظر بصيرته ينفذ إلى ما وراءه فإذا تخلّص بكرم الله سبحانه عن قيد حصول الظّلّيّة تصير له كلّ ذرّة من ذرّات الموجودات عرضا كانت أو جوهرا آفاقيّة كانت أو أنفسيّة باب غيب الغيب (ينبغي أن يعلم) أنّ ذلك الشّخص كما أنّه كان سابقا مرآة لجميع الاشياء وكلّ ما فعل فعله لاجل نفسه وكلّ ما صدر عنه كان راجعا إليه بالضّرورة نوى أو لم ينو ولمّا منع الآن مرآة نفسه عن PageV02P406 المرآتيّة وامتنع من التّقيّد بالظّلّ وصار مثل صندوق الرّحى كلّ ما يلقى فيه لا يبقى فلا جرم كلّ ما يفعل لا يفعله لنفسه بل يفعله لأجل الحقّ سبحانه نوى أو لم ينو فإنّ النّيّة إنّما هي في أمر محتمل لا في أمر متيقّن فحينئذ ينجرّ حبّ هذا العارف إلى حبّه تعالى وبغضه إلى بغضه سبحانه وكذلك تعظيمه وتوقيره تعظيم وتوقير للحقّ سبحانه وإهانته وإساءة الادب معه تنجرّ إلى إهانة الله سبحانه وإساءة الادب معه وكانت هذه النّسبة لأصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم معه صلّى الله عليه وسلّم على تفاوت درجاتهم حيث انّ حبّهم وبغضهم مثمران لحبّه وبغضه صلّى الله عليه وسلّم قال عليه الصّلاة والسّلام: «من أحبّهم فبحبّي أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم " وهذه النّسبة أيضا ثابتة في آل النّبيّ معه صلّى الله عليه وسلّم ولكنّ ظهور هذه النّسبة في عليّ المرتضى وفاطمة الزّهراء والحسنين رضي الله عنهم أتمّ ويشاهد سرايتها في بقيّة الائمّة الاثني عشر أيضا ولا يحسّ هذه النّسبة فيما وراءهم والسّلام. (111) المكتوب الحادي عشر والمائة إلى الشّيخ نور محمّد التّهاريّ في بيان بعض الأسرار المتعلّقة بمقام قاب قوسين أو أدنى (1) وبيان سرّ عدم وجدان العارف الكامل شماله وهذه المعارف أيضا منقولة بالمعنى اعلم أنّ في معاملة قابَ قَوْسَيْنِ (2) في الظّاهر لونا من المظهر وذلك لعدم حصول ذهاب العين والاثر من السّالك للسّالك بخلاف معاملة أَوْ أَدْنى (3) فإنّه لا يبقى فيها حكم ولا أثر من المظهر أصلا فيكون المظهر في هذه المرتبة الثانية أمرا مستفادا من مرتبة الوجوب بالضّرورة وهو خلق للعارف خاصّ به أعطيه بعد إتمام معاملة الاصل ويمكن أن يعبّر عنه بإفاضة الصّورة أيضا وهذا سرّ غامض جدّا ولعلّ تفصيله يثبت في موضع آخر إن شاء الله تعالى فيكون المظهر في هذه المعاملة أمرا لم يتطرّق إليه رائحة من العدم وليس لشائبة الإمكان فيه مجال فلو أثبتنا انفعالا في تلك المرتبة يكون ذلك من نفسه لنفسه لا من الغير فإنّه لم يبق فيها رسم من الغير. (شعر) ولوجهه من وجهه قمر ... ولعينه من عينه كحل وإن كان الانفعال الذي يثبت في مرتبة قاب قوسين أيضا حقّا والظّهور فيها ظهور الاصل ولكنّه ليس خاليا من شائبة الظّلّيّة ولائقا بتلك المرتبة العليا والانفعال الذي يليق بتلك المرتبة المقدّسة هو ما لا يكون لرائحة الظّلّيّة إليه سبيل ولا يكون للغير مدخل في البين بوجه من الوجوه فإنّ الغير غير خال عن لوث العدم ونقص الإمكان فلو كانت انفعالات مراتب الظّلال لذلك لساغ فيما هنالك (ينبغي أن يعلم) PageV02P407 أنّ في معاملة " أو أدنى " الذي ذكرت شمّة منها لا يجد العارف الكامل شماله وسرّه أنّ شماله أخذ حكم اليمين لانّ الشّمال كان من مقتضيات العدم فلمّا زالت أحكام العدم ما بقي إلّا الوجود الصّرف وليس ثمّة شمال بل كلتا يديه سبحانه يمين فافهم ولا تقع في الزّندقة فإذا عرفت هذه الأسرار الغامضة والمعارف الغريبة فاسمع قال الله تعالى: «ثمّ دنى فتدلّى " اعلم انّ تحقّق هذا الدنوّ بعد تحقيق أسرار " او ادنى " الذى ذكر فيما سبق فإنّه ما بقي حكم وأثر في العارف ولم يتبرّأ من لوث العدم ليست له لياقة بهذا الدنوّ وبعد تحقّق هذا الدنوّ تدلّ وهو متوجّه إلى النّزول فاذا تحقّق التّدلّى ورجع العارف إلى الخلق فح تظهر صورة قوسين وإن لم يبق من القوس الاوّل أثر وحكم ولكن لمّا تشرّف بالتّدلّي بتوهّم في ذلك الوقت صورة القوسين وإنّما قال بعد التّدلّي فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ (1) باعتبار أنّ الثابت ح صورة القوسين لا حقيقتهما أَوْ أَدْنى (2) بل أدنى إذا ما بقي من القوس الثاني هناك أثر ولا حكم فليس قوسين ههنا حقيقة وهذه المعارف من أسرار الله سبحانه يظهرها على أخصّ الخواصّ من عباده والسّلام على من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والبركات العلا. (112) المكتوب الثاني عشر والمائة إلى القاضي أسلم في بيان أنّ صفاته تعالى لا عين ذاته سبحانه ولا غير ذاته الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ما أحسن ما قال علماء أهل السّنّة شكر الله تعالى سعيهم من أنّ الصّفات الثمانية الحقيقيّة لواجب الوجود لا هو ولا غيره وهذه المعرفة وراء طور العقل وإنّما وجدوها بنور الفراسة وببركة متابعة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وأرباب المعقول يفهمون من هذه العبارة ارتفاع النّقيضين ولم يعلموا أنّ اتّحاد المكان والزّمان من شروط حصول التّناقض فإذا لم يكن للزّمان والمكان مجال في تلك الحضرة كيف يتصوّر فيها التّناقض؟ وما تصرّف العلماء في لفظ الغير لدفع التّناقض وأرادوا بالغير معنى خاصّا لا حاجة إليه أصلا بل النّظر الكشفيّ يمنع هذا التّخصيص ويثبت نفي الغيريّة بأيّ معنى كانت ونجد أنّ صفاته تعالى كما أنّها ليست عين ذاته الاقدس بل زائدة ليست غير ذاته أيضا ولو كانت زائدة وثبتت نسبة الاثنينيّة بينها وبين الذّات وقد تخلّف هنا القضيّة المقرّرة لدى أرباب المعقول من أنّ الاثنين متغايران ونقضت أصولهم وما قلت من أنّه وراء طور العقل بمعنى أنّ العقل لا يهتدي إليه قاصر عن إدراكه لا أنّه يحكم بخلافه كيف يحكم بخلافه وهو لم يتصوّره بعد؟ بل هو خارج PageV02P408 عن حيطة إدراكه فكيف يتصوّر حكمه بإثباته ونفيه؟ رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (1). (113) المكتوب الثالث عشر والمائة إلى الملّا سلطان السّرهندىّ في بيان أنّ صفاته تعالى متّصفة بالحياة والعلم وسائر الكمالات وفي تحقيق معنى قيام الصّفات بذاته جلّ سلطانه اعلم أنّ صفات واجب الوجود الّتي هي قائمة بذاته سبحانه مثل الحياة والقدرة والعلم وغيرها لا مناسبة لها من كمال التّقدّس والتّنزّه بصفات الممكن أصلا فإنّ صفات الممكن أعراض قائمة بالجواهر وصفات الواجب جلّ سلطانه مقوّمات الجواهر فإنّ قيام الجواهر إنّما هو بها وأيضا إنّ صفات الممكن جماد محض حكمها حكم الميّت ليس لها نصيب من الحياة والعلم وغيرهما ولكنّ الممكن يصير بتوسّطها حيّا وعالما وقادرا وأمّا هي أنفسها فليست بحيّة ولا عالمة ولا قادرة بخلاف صفات واجب الوجود تعالى وتقدّس فإنّها في نظر هذا الحقير الكشفيّ حيّة عالمة كموصوفها ومدركة لكمالاتها المندرجة فيها ومشغوفة بها ولكنّ علمها يفهم من قبيل العلم الحضوريّ لا العلم الحصوليّ وكذلك كلّ صفة وشأن تثبت في مرتبة الوجوب تنكشف كلّها بثبوت الحياة والعلم لها وتظهر في النّظر نورا صرفا وكأنّ ذلك النّور بتمامه حياة وبتمامه علم وانكشاف وهاتان الصّفتان الكاملتان بيّنتان وواضحتان هناك بخلاف صفات اخر من القدرة والارادة وغيرهما فانّها لا تنكشف هناك بهذا الوضوح نعم انّ ما هو اللّازم في ذلك الموطن هو انكشاف الكمالات وهو متعلّق بصفة العلم ولمّا كان العلم تابعا للحياة لا بدّ من صفة الحياة أيضا والقدرة والإرادة مربوطتان بالمقدور والمراد ويمكن الاكتفاء من السّمع والبصر بالعلم والمقصود من الكلام هو الإفادة والتّكوين إنّما هو للمكوّنات ومع ذلك لمّا كانت كلّ صفة جامعة كانت هذه الصّفات الكاملة فيها ثابتة ظهرت أو لم تظهر (لا يقال) يلزم من هذا البيان قيام المعنى بالمعنى فإنّ الصّفات إذا كانت حيّة وعالمة لا بدّ من قيام الحياة والعلم بها (لانّا) نقول كلتاهما قائمتان بذات الواجب تعالى إحداهما بالاصالة والاخرى بالتّبعيّة كما قال العلماء في بقاء الاعراض أنّ العرض وبقاء العرض كليهما قائمان بمحلّ العرض (وتحقيق هذا المبحث) أنّ قيام صفات الواجب بذاته الاقدس ليس هو كقيام العرض بالجوهر كلّا بل هو شبيه بقيام المصنوع بالصّانع فإنّ الصّانع قيّوم المصنوع وإن كان هناك اتّصاف وفقد ذلك الاتّصاف هنا لا بل هو كقيام الشّيء بذاته وإنّما الفرق أنّ هناك زيادة والزّيادة غير متصوّرة هنا ولكنّ تلك الزّيادة غير موصّلة إلى حدّ الغيريّة فإنّهم قالوا: ولا غيره فكان التّغاير PageV02P409 الاعتباريّ ثابتا في الموضعين والقيام متحقّقا وحصول الاتّصاف هنا من قبيل اتّصاف الإنسان بالإنسانيّة واتّصاف الجوهر بالجوهريّة بل أقول: إنّ مرتبة الذّات الاقدس والصّفات الحقيقيّة المقدّسة القائمة بها ليست فيها ملاحظة الصّفات والاتّصاف أصلا لا في حضرة الذّات ملاحظة الموصوفيّة ولا في الصّفات ملاحظة الصّفاتيّة فإذا لم يكن للوجود ووجوب الوجود مجال في تلك الحضرة كيف يكون للصّفة والاتّصاف فيها مجال؟ فإنّها فرع الوجود لا مجال في ذلك الموطن المقدّس لشيء غير النّور وهو أيضا لا كيفيّ فإن كان فيه حياة فهو نور وإن كان علم فهو أيضا نور وعلى هذا القياس فلو أثبت لهذا النّور الاقدس اللّاكيفيّ ظهور في مرتبة ثانية بلا تغيّر وانتقال لا يكون القابل لمظهريّته شيء غير الوجود ولهذا كان التّعيّن الاوّل عند هذا الحقير هو التّعيّن الوجوديّ وسائر التّعيّنات تابعة لهذا التّعيّن الاوّل وإن لم يكن لإطلاق لفظ التّعيّن ههنا مجال بمقتضى علوم هذا الفقير ولكن لمّا صار هذا اللّفظ متعارفا فيما بين القوم نحن أيضا جرينا على اصطلاحاتهم واخترنا المساهلة في إطلاقه رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) (114) المكتوب الرّابع عشر والمائة إلى محمّد هاشم الكشميّ في تحقيق صفات الواجب تعالى وبيان كيفيّة تعلّق علمه تعالى بكمالاته وبيان أنّه لا بدّ للمعنى من القيّام بالعين ولكن لا يحتاج فيه إلى إثبات المحلّ وبيان التّعيّن الوجوديّ ومبادي تعيّنات الانبياء المتبوعين والانبياء التّابعين والملائكة الكرام على الانبياء وعليهم الصّلاة والسّلام ومبادي تعيّنات الأولياء وعوامّ المؤمنين والكفّار وموجودات النّشأة الاخرويّة إنّ الصّفات الحقيقيّة الّتي نثبتها في مرتبة حضرة الذّات لا يحدث من ذلك الإثبات تعيّن ولا تنزّل في تلك الحضرة تعالت وتقدّست ولا تثبت مرتبة أخرى وراء المرتبة الاولى ولا يتصوّر انفكاكها منها بوجه من الوجوه وما لم تتحقّق مرتبة ثانية ولم يحصل انفكاك بوجه من الوجوه لا يتصوّر تعيّن ولا تنزّل وكأنّ حضرة الذّات والصّفات في مرتبة واحدة وكأنّ الصّفات مع وجود الزّيادة عين الذّات تعالت وتقدّست وهذه الصّفات وإن كانت تفصيل الكمالات المندرجة في حضرة الذّات ولكنّ حكمها ممتاز عن حكم سائر الإجمال والتّفصيل فإنّ الإجمال إنّما يكون في مرتبة ليس فيها تفصيل بل مرتبة التّفصيل دون مرتبة الإجمال وهذا المعنى مفقود في تلك الحضرة فإنّ التّفصيل فيها في عين مرتبة الإجمال وهذه المعرفة وراء طور العقل وإنّما اهتدى إليه النّظر الكشفيّ وعلم الواجب الذي تعلّق بهذه الصّفات في تلك PageV02P410 المرتبة كعلمه بذاته وكمالاته المندرجة في ذاته علم حضوريّ وهذه الصّفات مع وجود زيادتها عين العالم وحضورهما كحضور نفس العالم ومن كمال اتّحادهما بحضرة الذّات قال جمّ غفير من الصّوفيّة بعينيّة الصّفات بالذّات وأنكروا على زيادة الصّفات ومنعوا قولهم: لا هو وأثبتوا قولهم: لا غيره والكمال هو أن يثبت: لا غيره مع وجود التّصديق ب?: لا هو وأن يسلب الغيريّة مع وجود الزّيادة وهذا الكمال موافق لعلوم الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات ومطابق لآراء الفرقة النّاجية أهل السّنّة والجماعة شكر الله سعيهم (ينبغي أن يعلم) أنّ الانكشاف الذّاتيّ في المرتبة الّتي يتعلّق بحضرة الذّات والصّفات المقدّسة من قبيل العلم الحضوريّ فإنّ للصّفات المقدّسة أيضا حكم حضرة الذّات كما مرّ وإنّما قلت إنّه من قبيل العلم الحضوريّ فإنّ العلم الحضوريّ عبارة عن حضور نفس العالم وحيث انّ الصّفات ليست عين العالم ينبغي أن لا يكون علمها علما حضوريّا ولكن لمّا لم تنتزع منها صورة وحضور أنفسها كائن كان علمها من قبيل العلم الحضوريّ والانكشاف الذي يتعلّق بصفة العلم من قبيل العلم الحصوليّ وإنّما قلت: من قبيل العلم الحصوليّ فإنّ العلم الحصوليّ عبارة عن صورة حاصلة من المعلوم في العقل وقد صار محقّقا عند هذا الفقير ومكشوفا انّه لا انتقاش لصورة شيء من الاشياء في علم الواجب جلّ سلطانه وانّ علمه تعالى ليس محلّا لصورة من صور المعلومات فكيف يتصوّر حصول الصّورة في ذات العالم تعالى؟ بل لعلمه سبحانه تعلّق بمعلوم وانكشافه له تعالى من غير أن تثبت صورة من معلوم في العلم وموطن العلم خال من النّقوش ومصفّى من الصّور العلميّة ومع ذلك لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الارض ولا في السّماء ولكن يكون مكشوفا أنّ علمه تعالى إذا تعلّق بمعلوم تنتزع منه بسبب هذا التّعلّق صورة تقوم بعلمه تعالى من غير أن يحدث في العلم شيء من الحلول والحصول فلمّا انتزع من المعلوم بسبب التّعلّق صورة وقامت بالعلم بل بالعالم صحّ كونه من قبيل العلم الحصوليّ فإذا تعلّقت صفة العلم بكمالاته المندرجة في ذاته تعالى تنتزع بهذا التّعلّق من تلك الكمالات صور علميّة وتقوم بالعلم وإن لم يثبت حلولها وحصولها في العلم (فإن قيل) قد أثبت لهذه الصّور العلميّة قياما بصفة العلم ولكن لم يعلم ما محلّ ثبوت هذه الصّور فإنّ المعنى كما أنّه لا بدّ له من القيام بالعين لا بدّ له من محلّيّة العين أيضا (قلت) نعم لا بدّ للمعنى من القيام بالعين ولكن لا حاجة إلى إثبات المحلّ له أصلا فإنّ المقصود من إثبات المحلّ للمعنى إنّما هو إثبات قيامه لا أنّه أمر زائد على القيام فإذا قيل في الجواهر المجرّدة الممكنة الّتي هي كالظّلال لتلك الصّور العلميّة وتلك الصّور مبادي تعيّنات تلك الجواهر إنّها لم يثبت لها محلّ ولا مكان بل لا حاجة إليه أصلا فلا مجال للتّعجّب إن لم يكن لأصول تلك الجواهر المجرّدة محلّ إيّاك وتصوّر هذه الصّور العلميّة أصول تلك الجواهر الّتي بها تقوم الاعراض بل مبادي تعيّناتها فكيف تقاس هي على الاعراض؟ بل نقول في الاعراض أيضا إنّ المقصود من إثبات المحلّ لها إنّما هو لإثبات قيامها بالمحلّ لا انّ المحلّ مقصود بالاستقلال (وتحقيق) ذلك أنّ هذه الصّور العلميّة كائنة في مرتبة الوجوب ولا مجال للمحلّ والمكان هناك ولا يتصوّر فيها غير القيام الا ترى أنّ صفاته تعالى الحقيقيّة قائمة بحضرة ذاته الاقدس ولا حاليّة PageV02P411 هناك ولا محلّيّة وما قالوا من الثبوت الذّهنيّ والخارجيّ فإنّما هو منقسم عليهما في مرتبة الإمكان فإنّه لا مجال في تلك الحضرة للخارج ولا للعلم فإذا لم يكن للوجود فيها مجال كيف يكون للذّهنيّ والخارجيّ اللّذين هما من أقسامه فيها مجال؟ وكيف يتصوّر فيها ظرفيّة العلم والخارج للوجود فهذه الصّور العلميّة تكون ثابتة وقائمة بصفة العلم ولا يكون شيء من الثبوت العلميّ والخارجيّ متحقّقا فيها بل يكون الوجود العلميّ والخارجيّ عارا عليها لكونه من صفات الإمكان وسمات الحدوث فإنّ كلّ ممكن حادث عندهم والوجود وإن كان ثابتا في مرتبة الوجوب ولكن لم يثبت ظرفيّة العلم والخارج لذلك الوجود؛ لانّه لا مجال فيها للظّرفيّة والمظروفيّة (استمع) استماعا كاملا أنّ صورة المعلوم عبارة عن نفس العلم فما يكون معنى حصولها وحلولها في العلم وقال المتأخّرون من الصّوفيّة العليّة: إنّ الصّور العلميّة الّتي هي عبارة عن الاعيان الثابتة وحقائق الممكنات ثبوتها في العلم فقط وفي خارج العلم لم تصل إليها رائحة من الوجود ولكن لمّا وقعت عكوس تلك الصّور العلميّة في مرآة ظاهر الوجود الذي لا موجود في الخارج غيره صارت تتوهّم أنّها موجودة في الخارج كما أنّ الصّورة إذا انعكست في المرآة تتوهّم أنّها في المرآة فيا ليت شعري ما مراد هؤلاء الكبراء؟ وما معنى حصول الصّور في العلم؟ وما الصّور في الشّاهد إلّا نفس العلم وفي الغائب علمه تعالى أزليّ قديم بسيط وحدانيّ تعلّق بمعلومات متكثّرة حصلت من تعلّقه صورة متعدّدة متميّزة لتلك المعلومات من غير أن يثبت حصولها وحلولها في ذلك العلم الازليّ كيف تحصل الصّورة المتعدّدة فيه وهو يستلزم التّبعّض والانقسام للمحلّ؟ وفرض شيء فيه غير شيء وهو يوجب التّركيب المنافي للقدم والازليّة؟ (والعجب) أنّ أرباب المعقول أثبتوا الصّورة الحاصلة من المعلوم في الذّهن واعتقدوا حلولها في الذّهن لا في العلم فإنّ تلك الصّورة عندهم عين العلم لا أنّها حالة في العلم والمتبادر من عبارة متأخّري الصّوفيّة حصول تلك الصّورة في العلم الذي يقولون له باطن الوجود وهو سبحانه أعلم (ينبغي أن يعلم) أنّ تلك الصّورة العلميّة الّتي ثبتت من تعلّق صفة العلم بكمالاته تعالى الذّاتيّة تلوح في النّظر الكشفيّ أنّ لها حياة وعلما والانكشاف المناسب للعلم الحضوريّ بالنّسبة إلى الكمالات المندرجة فيها ثابت لها كما بيّنّا تحقيق هذا المبحث في مكتوب بالتّفصيل فإذا بقي خفاء من غرابة هذه المعرفة واحتيج إلى الاستكشاف والاستفسار فليراجع هناك فإذا اتّضح من البيان السّابق أنّ ذاته تعالى الاقدس وصفاته المقدّسة في مرتبة واحدة وأنّه لم تحدث في تلك الحضرة من كون وجود الصّفات زائدا على وجود الذّات تنزّل وتعيّن أصلا فاعلم أنّ لهذه المرتبة المقدّسة الّتي هي مرتبة حضرة الذّات مع الصّفات ظهورا أوّلا في مرتبة ثانية بلا تبديل ولا تغيير وهو عند هذا الحقير على وجه الكشف والشّهود حضرة الوجود الذي هو خير محض وكمال صرف وفيه قابليّة ظهور جميع الكمالات بطريق الظّلّيّة وهذه الدولة لم تتيسّر لغير الوجود ولهذا لو تعلّق بهذه المرتبة المقدّسة علم وانتزعت كمالاتها كما مرّ يكون أوّل شيء ينتزع من تلك الحضرة حضرة الوجود البتّة والكمالات الاخر تكون توابعه ومن ههنا اعتقد الجمّ الغفير من الصّوفيّة وغيرهم أنّ الوجود عين الذّات وظنّوا تعيّن الوجود لا تعيّنا وثبوت هذا التّعيّن الاسبق ما وراء العلم والخارج كما بيّن تحقيق هذا المعنى في مواضع متعدّدة وحضرة الوجود هذا جامع PageV02P412 لجميع الكمالات الذّاتيّة والصّفاتيّة بطرق الظّلّيّة إجمالا ولهذه المرتبة الجامعة الإجماليّة تفصيل يمكن أن يقال له تعيّنا ثانويّا وأوّل شيء ظهر في مرتبة التّفصيل صفة الحياة الّتي هي أمّ جميع الصّفات وصفة الحياة هذه كأنّها ظلّ صفة الحياة الّتي في مرتبة حضرة الذّات تعالت ولا هو ولا غيره صادق في حقّها بخلاف هذا الظّلّ فإنّه لمّا ظهر في مرتبة وراء مرتبة حضرة الذّات لا يكون لا غيره ثابتا في حقّه البتّة بل يكون متّسما بسمة الغيريّة وبعد صفات الحياة صفة العلم بطريق الظّلّيّة كما مرّ في صفة الحياة وهذه الصّفة جامعة لجميع الصّفات وصفة القدرة والإرادة وغيرهما مع وجود استقلالها كالاجزاء لها فإنّ لهذه الصّفة نوع اتّحاد بحضرة الذّات وليس ذلك الاتّحاد لغيرهما لانّ في صورة العلم الحضوريّ اتّحاد العالم والعلوم والقدرة لم تتّحد بالمقدور والقادر قطّ وهذا الاتّحاد ليس هو أيضا في الإرادة الّتي هي تخصيص أحد المقدورين وعلى هذا القياس وعند هذا الحقير مبدأ تعيّن الخليل على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام التّعيّن الاوّل الذي هو التّعيّن الوجوديّ ومركز هذا التّعيّن الذي هو أشرف أجزائه مبدأ لتعيّن خاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بالاصالة كما ذكر تحقيق هذا المبحث في مكتوب بالتّفصيل وحيث انّ ولاية الخليل عليه السّلام ولاية إسرافيليّة يكون مبدأ تعيّن إسرافيل عليه السّلام هو هذا التّعيّن الوجوديّ البتّة ومبدأ تعيّن كلّ نبيّ ورسول بالاصالة حصّة من حصص هذا التّعيّن الاوّل الوجوديّ فلو كان لشخص من الامم نصيب من هذا التّعيّن الوجوديّ ببركة متابعته للانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وكانت حصّة من حصص ذلك التّعيّن أو نقطة من نقط مبدأ تعيّنه فهو مجوّز بل واقع وما لم يكن في هذا التّعيّن مبدأ تعيّن لا يكون للوصول إلى حضرة الذّات بالاصالة مجال ومبادي تعيّنات الملائكة العليّة الذين هم مقرّبوا حضرة الذّات أيضا في هذا التّعيّن الوجوديّ فإنّ الوصول إلى حضرة الذّات مربوط به (ينبغي أن يعلم) أنّ صفة العلم الّتي ظهرت في مرتبة تفصيل التّعيّن الوجوديّ وإن كانت حصّة من حصص ذلك التّعيّن الوجوديّ ولكن لمّا كانت لها جامعيّة صارت كأنّها نفس الوجود جامعة لجميع حصص ذلك التّعيّن ولها أيضا إجمال وتفصيل والإجمال له حكم مركز الدائرة والتّفصيل له حكم المحيط فمركز هذا التّعيّن العلميّ الذي هو إجمال كأنّه ظلّ مركز ذلك التّعيّن الاوّل الوجوديّ وبهذه العلاقة تيقّن جماعة أنّ مبدأ تعيّن خاتم الرّسل على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام إجمال حضرة العلم وليس كذلك بل هذا الإجمال ظلّ مبدأ تعيّنه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام الذي هو مركز التّعيّن الاوّل الوجوديّ كما مرّ وأيضا اعتقدوا إجمال العلم هذا تعيّنا أوّلا واعتقدوا المرتبة الفوقانيّة ولا تعيّنا وظنّوها عين حضرة الوجود نعم إنّها عين الوجود ولكنّها منسوبة إلى التّعيّن كما مرّ لا يخفى أنّ التّعيّن الاوّل وإن كانت حصصه المندرجة فيه مبادي تعيّنات الانبياء الكرام والملائكة العلّيّين العظام عليهم الصّلاة والسّلام ولكن لمّا كان الإجمال كائنا في تلك المرتبة لا يعلم مبادي كلّ منهم بالتّفصيل على حدة ولا تكون مسمّاة باسم ولمّا عرض التّفصيل عليها صارت مبادئ كلّ متميّزة وصار كلّ مبدأ مسمّى باسم على حدة مثلا حصّة من ذلك التّعيّن الاوّل الوجوديّ سمّيت باسم الحياة وحصّة أخرى باسم العلم على هذا القياس وصار مشهودا أنّ اسم الحياة باعتبار جامعيّتها مبدأ لتعيّن الملائكة العلّيّين العظام عليهم السّلام ولمّا كان لروح الله على نبيّنا وعليه PageV02P413 الصّلاة والسّلام مناسبة بالملأ الاعلى كان له نصيب من هذا المقام وحيث انّ للمهديّ عليه الرّضوان مناسبة خاصّة بروح الله فهو أيضا راج من هذا القيام (ينبغي أن يعلم) أنّ كلّ واحد من الصّفات الثمانية الّتي عرض لها التّفصيل في مرتبة التّعيّن الثاني مبدأ لكلّ نبيّ ذي شأن مقتدى به فالعلم مثلا مبدأ تعيّن خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام والقدرة مبدأ تعيّن عيسى عليه السّلام والتّكوين مبدأ تعيّن آدم عليه السّلام وجزئيّات هذه الاسماء الكلّيّة المقدّسة مبادي تعيّنات سائر الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام فكلّ طائفة من هؤلاء الكبراء لها مناسبة باسم خاصّ وبنبيّ مقتدى به كان جزئيّات ذلك الاسم مبادي تعيّناتهم ومبادي تعيّنات الأولياء الذين هم على قدم نبيّ من الانبياء المقتدى بهم عليهم الصّلاة والسّلام جزئيّات لجزئيّات الاسم الذي هو مبدأ لتعيّن ذلك النّبيّ عليه السّلام وكذلك تعيّن سائر المؤمنين جزئيّات الاسم الذي هو مبدأ لتعيّن نبيّ كان هؤلاء على قدمه ومبادي تعيّنات الكفّار متعلّقة باسم المضلّ وممتازة من التّعيّنات المذكورة فإذا علمت مبادي تعيّنات الممكنات فاعلم أنّ تماميّة دائرة الوجوب بانتهاء هذه التّعيّنات إلى منتهاها والشّروع بعد ذلك في دائرة الممكنات ولمّا أراد الحقّ سبحانه من كمال كرمه وإحسانه أن يفيض فيوضاته وإنعاماته على الغير وأن ينشر خزائنه خلق الخلق ووهب لهم من كمالات وجوده وتوابعه من غير أن ينفكّ من هناك شيء ويلحق هنا فإنّ ذلك من سمات النّقص تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا والمقصود من الخلق إفاضة الإنعام والإحسان عليهم لا تكميل الكمالات الاسمائيّة والصّفاتيّة وتتميمها بالتّوسّل بهم حاشاه سبحانه من ذلك وكلّا فإنّ صفاته تعالى كاملة في حدّ ذاتها لا احتياج لها إلى ظهور ومظهر أصلا وكلّ كمال حاصل في تلك الحضرة جلّ شأنها بالفعل لا بالقوّة حتّى يكون حصوله مربوطا بأمر فإن كان في حضرته سبحانه شهود ومشاهدة فهما من نفسه لنفسه تعالى وإن كان علم ومعلوم فهو سبحانه بنفسه عالم وبنفسه معلوم وكذلك هو سبحانه متكلّم في نفسه وسامع بنفسه وجميع الكمالات مفصّلة هناك ومتميّزة لكن بعنوان اللّاكيفيّة فإنّه لا سبيل للكيفيّ إلى اللّاكيفيّ وما هو الخلق حتّى يكون مرآة لكمالاته سبحانه (ع) في أيّ مرآة يكون مصوّرا * وما يكون العالم حتّى يفصّل ذلك الإجمال وحضرته سبحانه تفصيل في عين الإجمال ووسعة في عين الضّيق ولمّا كان التّفصيل والوسعة هناك لا كيفيّين يتوّهم انّ الاجمال لا بدّ له من التّفصيل وهو مربوط بخلق العالم وانّ تكميل ذلك الإجمال بهذا التّفصيل والحقّ أنّ هناك إجمالا وتفصيلا كما مرّ والله واسِعٌ عَلِيمٌ (1). (ينبغي أن يعلم) أنّ خلق هذا العالم واقع في مرتبة لا مزاحمة بينها وبين تلك المرتبة المقدّسة أصلا ولا مدافعة ووجود أحد الموجودين وإن كان مقتضيا لتحديد وجود الآخر لكنّ هذه القاعدة مفقودة هنا فإنّ وجود العالم لم يحدث تحديدا ولا نهاية لذلك الوجود الاقدس ولم يثبت فيه نسبة ولا جهة أصلا الا ترى أنّ صورة زيد المتوهّمة في المرآة ثبوتها كائن في مرتبة لا مزاحمة بين هذا الثبوت وثبوت زيد الذي هو أصل تلك الصّورة أصلا ولا مدافعة وثبوت هذه الصّورة لم يحدث في ثبوت أصلها تحديدا ولا PageV02P414 نهاية ولم يورث له نسبة أصلا ولا جهة ووجود العالم كوجود تلك الصّورة كائن في مرتبة الوهم لا مزاحمة بينه وبين أصله الموجود في الخارج ولم يحدث من هذا الثبوت الوهميّ تحديد ولا نهاية ولا جهة في الاصل ولله المثل الاعلى (وقد فهم) من هذا التّحقيق حقيقة ما قالوا: إنّ العالم ثابت في مرتبة الوهم: يعني أنّ العالم خلق في مرتبة شبيهة بمرتبة الوهم الثابتة للصّورة المنعكسة في المرآة بالنّسبة إلى أصلها الذي هو موجود في الخارج بل يمكن أن يقال: إنّ إطلاق الوجود الخارجيّ في تلك المرتبة المقدّسة أيضا من قبيل التّشبيه والتّنظير فإنّه لا مجال هناك للخارج فإذا تقاصر الوجود عن تلك المرتبة الاقدس ماذا يكون الخارج فإنّه فرعه وقسمه (خاتمة حسنة) إنّ جميع مبادي التّعيّنات المذكورة هذه سواء كان تعيّنا وجوديّا إجماليّا أو تفصيليّا بالنّسبة إلى ممكنات هذه النّشأة الدنيويّة ووجود موجودات هذه النّشأة وتشخّصاتها مربوط بتلك المبادي العالية وأمّا الموجودات الاخرويّة فقد تشاهد أنّها ليست منوطة بتلك المبادي المذكورة بل مبادي تعيّناتها أمور أخر وتلك الامور عند هذا الفقير كمالات ذاتيّة لم يصب ذيلها المطهّر غبار من الظّلّيّة ومندرجة في تلك المرتبة الاقدس مفصّلة ومتميّزة في تلك المرتبة المقدّسة بتفصيل وتميّز لا كيفيّين وكلّ واحد من تلك الكمالات المفصّلة الذّاتيّة المقدّسة مبدأ تعيّن موجود من موجودات تلك النّشأة الاخرويّة ووجود أهل الجنّة كأنّه لا مساس له بتلك التّعيّنات الوجوديّة الإجماليّة والتّفصيليّة الّتي تتعلّق بالنّشأة الدنيويّة وموجودات تلك النّشأة كأنّها مواجهة لتلك المرتبة المقدّسة على عكس موجودات هذه النّشأة فإنّها قليلة النّصيب من المواجهة وماذا أبيّن من موجودات تلك النّشأة الدائمة فإنّ لها نصيبا وحظّا من تلك المرتبة المقدّسة لا يمكن وصفه (ع) هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها (شعر) ومن بعد هذا ما يدقّ بيانه ... وما كتمه أحظى لديّ وأجمل رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (1) والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (2). (115) المكتوب الخامس عشر والمائة إلى الخواجة أبي المكارم في التّحريض على خدمة خلق الله تعالى رزق الله سبحانه الاستقامة على حدّ الاعتدال ومركز العدالة ومن الدولة العظيمة جعل الله سبحانه عبدا مخصوصا ببعض الفضائل والمزايا فيحيل مفتاح حوائج جماعة من عباده إلى يد تصرّفه ويجعله ملاذا وملجأ لتلك الجماعة ومن نعمه سبحانه جعل جمع من الخلائق الذين هم عياله تعالى مرتبطين به فيفوّض PageV02P415 تربيتهم إليه والسّعيد من يقوم بحمد هذه الدولة والعاقل من يؤدّي شكر هذه النّعمة ويعدّ الخدمة بمال صاحبه سعادة نفسه ويعتقد تربية عبيد مولاه وإمائه شرف رأسه حمدا لله سبحانه على أنّ أهل تلك البقعة رطب اللّسان بذكره الخير والجاري على السنتهم أحاديث كرمه لا غير. (116) المكتوب السّادس عشر والمائة إلى مولانا الشّيخ غلام محمّد في بيان معنى قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى (1) الآية وبيان اعتراضات أخر الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (قال الشّيخ) الاجلّ قدّس سرّه في كتابه العوارف في الباب الثاني منه في بيان معنى قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ (2) قال الواسطيّ: أي لذكري لقوم مخصوصين لا لسائر النّاس وهم الذين قال الله تعالى فيهم أَومَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ (3) وقال الواسطيّ أيضا: المشاهدة تذهل والحجبة تفهم لانّ الله تعالى إذا تجلّى لشيء خضع له وخشع قال الشّيخ: وهذا الذي قاله الواسطيّ صحيح في حقّ أقوام وهذه الآية تحكم بخلاف هذا الامر لأقوام آخرين وهم أرباب التّمكين يجمع لهم بين المشاهدة والفهم لا يخفى أنّ ما قاله الواسطيّ أوّلا يدلّ على أنّ الذّكرى لأهل التّمكين خصوصا لأنّهم الذين أحياهم الله بعد الموت أي أبقاهم بعد الفناء وأهل التّلوين لا فناء لهم ولا بقاء فلا حياة لهم موهوبة ثانية لأنّهم في وسط الطّريق والفناء والبقاء من أحوال الانتهاء وقوله الثاني أنّ ذكره في بيان الآية يدلّ على أنّ الذّكرى لأهل التّلوين في حال الاحتجاب والاستتار لا في وقت المشاهدة والمكاشفة لانّه اوان الذّهول فينا في هذا القول قوله الاوّل وأنّ ذكر هذه المعرفة في توسّط حاله في موضع آخر لا في بيان هذه الآية فلا منافاة ولا اعتراض للشّيخ قدّس سرّه بأنّ ما قاله الواسطيّ صحيح في أقوام أي لأهل التّلوين وهذه الآية تحكم بخلاف هذا الامر لقوم آخرين وهم أرباب التّمكين لانّ الواسطيّ بيّن في معنى الآية أنّ الذّكرى مخصوص بأرباب التّمكين لأنّهم هم الاحياء بعد الموت لا أهل التّلوين غاية ما في الباب أنّه ذكر ثانيا معرفة برأسها في بيان أحوال أهل التّلوين لا تعلّق لها ببيان الآية فلا اعتراض عليه بأنّها تخالف حكم الآية لانّ الآية وردت في حقّ قوم وهذه المعرفة بيان لأحوال قوم آخرين ولو أنّ الواسطيّ لم يخصّ الذّكرى بأهل التّمكين أوّلا وأثبت الذّكرى لأهل التّلوين أيضا في حال احتجابهم بقوله الثاني لما حصل المنافاة بين قوليه ولما ورد اعتراض الشّيخ عليه والظّاهر عندي أنّ الآية الكريمة بيان حال الفريقين فمن كان له قلب هم أرباب القلوب PageV02P416 الذين تلوّنت أحوالهم وهم أصحاب التّلوين وقوله تعالى أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ (1) بيان حال أهل التّمكين فإنّهم القوا سمعهم للفهم في حال عين الشّهود إلّا أنّ الذّكرى للقوم الاوّل في بعض الاوقات وللثّاني في جميع الأحوال كما ترى ولو قال الشّيخ قدّس سرّه: وهذه الآية تحكم بخلاف هذا الامر لقوم آخرين أيضا لكان أنسب وكلمة " أو " لمنع الخلوّ فلا ينافي الجمع بين الفريقين في الذّكرى ثمّ قال الشّيخ بعد ذلك " فموضع الفهم محلّ المحادثة والمكالمة وهو سمع القلب وموضع المشاهدة بصر القلب فمن هو في سكر الحال يغيب سمعه في بصره ومن هو في حال الصّحو والتّمكين لا يغيب سمعه في بصره لتملّكه ناصية الحال ويفهم بالوعاء الوجوديّ المستعدّ لفهم المقال لانّ الفهم مورد الالهام والسّماع والالهام والسّماع يستدعيان وعاء وجوديّا وهذا الوجود يكون موهوبا منشأ إنشاء ثانيا للتّمكّن في مقام الصّحو وهو غير الوجود الذي يتلاشى عند لمعان نور المشاهدة لمن جاوز على ممرّ الفناء إلى مقارّ البقاء» انتهى قوله فموضع الفهم محلّ المحادثة والمكالمة أي مع الله عزّ وجلّ يغيب سمعه في بصره أي لا يفهم وقت المشاهدة وهو حال أهل التّلوين يذهل عند المشاهدة كما قاله الواسطيّ: لا يغيب سمعه في بصره أي يفهم في عين المشاهدة وهو حال أهل التّمكين يجمع لهم بين المشاهدة والفهم كما مرّ لمن جاوز متعلّق بقوله موهوبا أي موهوبا لمن جاوز الفناء ووصل إلى البقاء لا يخفى أنّه ما معنى المشاهدة في أهل التّلوين والمشاهدة إنّما تكون في الذّات كما قالوا وهو غير واصل بعد إلى الذّات فالاولى في حقّه المكاشفة بالصّفات المتخيّلة المتلوّنة وما هو في الذّات لا تلوين له ولا تغيّر وليس في تلك الحضرة المقدّسة تارة الذّهول وأخرى الشّعور بل شعور في عين الذّهول وفهم في نفس الشّهود والظّاهر من كلام الشّيخ قدّس سرّه جواز وقوع المشاهدة في الدنيا ببصر القلب وصاحب التّعرّف قدّس سرّه وهو إمام الطّائفة منع رؤيته تعالى في الدنيا بالبصر والقلب معا وادّعى الإجماع عليه وقال: وأجمعوا على أنّه تعالى لا يرى في الدنيا بالابصار وبالقلوب إلّا من جهة الإيقان وما قاله صاحب التّعرّف قدّس سرّه أقرب إلى الصّواب عندي بل هو الصّواب لانّ ما يتخيّل أنّه سبحانه يرى فإنّما هو رؤية خيال أي كشف صورة في الخيال للإيقان الذي حصل للقلب وللموقن به أيضا صورة كوشفت للقلب فإنّهم جوّزوا المثال للحقّ سبحانه وإن لم يكن له تعالى مثل فلله المثل الاعلى وإنّما ارتسم في الخيال صورة الإيقان وصورة الموقن به وإن لم يكن له تعالى صورة في الواقع لانّ المعاني الحاصلة للقلب ولسائر اللّطائف بل كلّ ما وجد ويوجد لها صورة في الخيال الذي هو تمثال المثال الذي هو أوسع العوالم كلّها فليس ههنا إلّا ايقان للقلب وصورة إيقان وصورة موقن به تمثّل في الخيال بصورة رؤية ومرئيّ ولا رؤية في الحقيقة للقلب له تعالى فضلا عن أن يكون للبصر وإنّما هي رؤية مثاليّة للقلب تمثّل إيقانه بصورة الرّؤية وتمثّل الموقن به بصورة المرئيّ فظنّ منه أنّه رآه حقيقة وما هي إلّا رؤية خياليّة بل نقول: إنّ صورة الموقن ليست صورة مثاليّة للحقّ سبحانه بل صورة كشف تعلّق الإيقان به وظهرت في الخيال وحاشا لله أن يكون له تعالى PageV02P417 صورة ولو في الخيال وإنّما هو صورة لبعض مكشوفات قلب السّالك من الوجوه والاعتبارات الّتي لها تعلّق بالذّات تعالت ولهذا إذا وصل العارف إلى الذّات تعالت لا يتخيّل له مثل هذا الخيال فليس لذاته تعالى صورة ولو في المثال والخيال وليس له تعالى مثال عندي كما لا مثل له سبحانه إذ الصّورة تستلزم الحدّ والنّهاية ولو في مرتبة من المراتب وهو سبحانه منزّه من التّحديد والتّقييد وجميع المراتب مخلوقة له تعالى فافهم الحمد لله الذي أعطانا سلطان الخيال وجعله مرآة لحصول صور المعاني والكمال ولو لا الخيال لما أدركنا درجات الاتّصال عن دركات الانفصال ولما علمنا واردات الأحوال فإنّ لكلّ معنى وحال صورة فيه إن كوشفت يدرك به ذلك المعنى والحال فشأن اللّطائف السّبع السّير والسّلوك والانتقال من حال إلى حال وشأن الخيال إراءته درجات السّير والسّلوك الحاصلة للسّالك بصورها المرتسمة فيه وإراءة مزيد الرّغبة إلى الفوق وأيضا بإراءته يحصل السّير على بصيرة ويتيسّر السّلوك على معرفة وبسلطانه يخرج السّالك عن الجهل ويكون من أهل العلم فلله سبحانه درّه والسّلام على من اتّبع الهدى (1) (117) المكتوب السّابع عشر والمائة إلى مولانا عبد القادر الانباليّ قال الشّيخ رضي الله عنه في الباب الثاني من كتابه العوارف في بيان الحديث المرفوع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما نزل من القرآن آية إلّا ولها ظهر وبطن ولكلّ حرف حدّ ولكلّ حدّ مطلع ويخالج سرّي أن يكون المطلع ليس بالوقوف بصفاء الفهم على دقيق المعنى وغامض السّرّ في الآية ولكنّ المطلع أن يطّلع عند كلّ آية على شهود المتكلّم بها؛ لأنّها مستودع وصف من أوصافه ونعت من نعوته فتجدّد له التّجلّيات بتلاوة الآيات وسماعها وتصير مرايا منبئة عن عظيم الجلال إلى آخر ما قال في تأييد هذا التّوجيه وشرحه ويخطر ببالي بكرم الله المتعالي أنّ الظّهر نظم القرآن البالغ إلى حدّ الإعجاز والبطن تفسيره وتأويله على اختلاف صفاء الفهم على دقيق المعاني وغامض السّرّ والحدّ نهاية مراتب الكلام وهو شهود المتكلّم بها وهو التّجلّي النّعتيّ المنبئ عن عظيم الجلال والمطلع ما هو فوق ذلك التّجلّي النّعتيّ وهو التّجلّي الذّاتيّ المعرّى عن النّسب والاعتبارات أثبت لحدّ الكلام ونهايته مطلعا فيكون المطلع وراء الكلام ووراء نهايته والكلام صفته تعالى وشهود المتكلّم في مرآة تلك الصّفة تجلّى لتلك الصّفة ونهاية لمراتب كمالها والاطّلاع على وراء تلك التّجلّي يكون بالتّرقّي منه إلى التّجلّي الذّاتيّ لا محالة فالوصول إلى الذّات ههنا يكون بتوسّط صفة الكلام وبتوسّل تلاوة النّظم القرآنيّ الدالّ على تلك الصّفة فلا بدّ من الخطوتين خطوة من النّظر الدالّ إلى المدلول الذي هو الصّفة والخطوة الثانية من الصّفة إلى الموصوف قال العارف قدّس سرّه: خطوتان وقد وصلت وما ذكر الشّيخ قدّس سرّه إلّا الخطوة الاولى وأتمّ بها هذا PageV02P418 السّير وقيّد فائدة التّلاوة بها لا غير سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (1) وقال الشّيخ قدّس سرّه بعد ذلك: إنّه قد نقل عن جعفر الصّادق رضي الله عنه وعن آبائه الكرام أيضا أنّه خرّ مغشيّا عليه وهو في الصّلاة فسئل عن ذلك فقال: ما زلت أردّد الآية حتّى سمعتها من المتكلّم بها فالصّوفيّ لمّا لاح له نور ناصية التّوحيد والقى سمعه عند سماع الوعد والوعيد وقلبه بالتّخلّص عمّا سوى الله تعالى صار بين يدي الله تعالى حاضرا شهيدا يرى لسانه أو لسان غيره في التّلاوة كشجرة موسى عليه السّلام حيث أسمعه الله تعالى منها خطابه إيّاه بأنّي أنا الله فإذا كان سماعه من الله واستماعه إلى الله صار سمعه بصره وبصره سمعه وعلمه علمه وعمله علمه وعاد آخره أوّله وأوّله آخره إلى أن قال: فإذا تحقّق الصّوفيّ بهذا الوصف صار وقته سرمدا وشهوده مؤيّدا وسماعه متواليا متجدّدا قوله: فالصّوفيّ لمّا لاح له نور ناصية التّوحيد بيان لقول الإمام رضي الله عنه وشرح لسماعه من المتكلّم بأنّ الصّوفيّ لمّا غلب عليه حال التّوحيد وزال عن نظره شهود الغير صار بين يدي الله حاضرا شهيدا يجد كلّ ما سمع كلاما من نفسه أو من غيره أنّه سمعه من الله سبحانه ويرى لسانه ولسان غيره كشجرة موسى عليه السّلام فالإمام كلّ ما كرّر الآية سمعها من نفسه ومن لسانه إلى أن لاح له في أثناء التّكرار حال التّوحيد فسمعها من المتكلّم بها وإن كان صدر منه ومن لسانه فإنّه وجد لسانه ح كالشّجرة الموسويّة فالكلام الظّاهر من اللّسان كالكلام الظّاهر من تلك الشّجرة في أنّه كلام الله سبحانه أقول وبالله سبحانه العصمة والتّوفيق: إنّ المسموع من الشّجرة الموسويّة كان كلام الله سبحانه لا محالة حتّى لو أنكره أحد كان كافرا والمسموع من الالسنة ليس في الحقيقة كلام الله وإنّ تخيّل الصّوفيّ في غلبة التّوحيد أنّه كلام الله حتّى لو أنكره أحد لا يكون كافرا بل يكون محقّا صادقا لانّه حصل من حركة اللّسان واعتماد المخارج ولا كذلك في الشّجرة فأين أحد الكلامين من الآخر فإنّ الاوّل تحقيقيّ والآخر تخييليّ والعجب من الشّيخ الاجلّ قدّس سرّه أنّه بالغ ههنا في التّوحيد حتّى جعل التّخييليّ تحقيقيّا وجعل الكلام الصّادر من العبد في غلبة الحال صادرا من الحقّ سبحانه وقد أنكر في موضع آخر من كتابه الاقوال الصّادرة في التّوحيد من أربابه في غلبة الحال وحملها على الحكاية من الله سبحانه فرارا من شائبة توحيد الحلول والاتّحاد وما فرّ هنا من شوب الحلول بل حكم بالاتّحاد والعينيّة والحقّ في هذا المقام أنّ الحكم بالاتّحاد والعينيّة في غلبة الحال تخييليّ لا تحقيقيّ سواء كان الاتّحاد في الذّات أو في الصّفات أو في الافعال فسبحان من لا يتغيّر بذاته ولا بصفاته ولا في أسمائه بحدوث الاكوان ولا يتحدّ معه أحد ولا يتّحدّ صفات أحد مع صفاته تعالى ولا أفعال أحد مع أفعاله سبحانه فهو سبحانه هو هو والممكن ممكن حادث في الذّات وفي الصّفات والافعال الحكم بالاتّحاد بين القديم والحادث من تلوينات العشق وغلبات المحبّة والسّكر فلا يؤاخذ عليهم بشائبة الحلول ومظنّة الاتّحاد المستلزمة للكفر والالحاد فإنّها غير مرادة لهم حاشا لله PageV02P419 سبحانه أن يكون مرادهم ما هو غير لائق بجناب قدسه تعالى فإنّهم أولياء الله وأحبّاؤه سبحانه المحفوظون من تجويز ما لا يجوز على الله والذين تشبّهوا بهم من غير حال وبدون صدق المقال وتكلّموا بكلماتهم وفهموا منها غير مراداتهم فوقعوا في الالحاد والزّندقة حتّى أثبتوا الحلول والاتّحاد مع الله سبحانه وحكموا بصيرورة الممكن واجبا فهم الزّنادقة الخارجة من المبحث قاتَلَهُمُ الله أَنّى يُؤْفَكُونَ (1) ولا يخفى أنّ ما ذكره الشّيخ قدّس سرّه في بيان قول الإمام رضي الله عنه وإن صدق في حقّ قوم من أهل التّلوين الذين استولى عليهم السّكر وغلب عليهم التّوحيد ولكنّى لحسن ظنّي بشأن الإمام لا أجوّز صدقه في حقّه رضي الله عنه؛ لانّه عندي من أكابر أرباب التّمكين والصّحو لا يلتبس عنده المتخيّل بالمتحقّق والسّماع من الغير بالسّماع من الحقّ سبحانه فليطلب لكلامه محمل حسن مناسب لحاله غير هذا الوجه وهو أنّه يمكن أن يسمع العبد كلام الرّبّ العالى بلا كيف كما سمع موسى عليه السّلام في الطّور (فإن قلت) ما معنى سماع الكلام من الله تعالى ولا يسمع إلّا ما هو حرف وصوت (قلت) ممنوع الا يرى أنّ الله تعالى يسمع كلامه بلا حرف وصوت فجاز أن يكون العبد إذا صار متخلّقا بأخلاقه تعالى يسمع بلا حرف وصوت والاستحالة ببديهة الوهم النّاشئة من قياس الغائب على الشّاهد مع وجود الفارق كيف يقاس والشّاهد في مضيق الزّمان المقتضي للتّرتّب والتّقدّم والتّأخّر والغائب لا يجري عليه زمان ولا تقدّم ولا تأخّر ولا ترتّب فجاز في الغائب ثبوت أشياء لا يجوز في الشّاهد فليفهم والله سبحانه أعلم بالصّواب (والتّحقيق) أنّ السّماع إن كان بحاسّة السّمع فلا بدّ أن يكون المسموع حرفا أو صوتا وأمّا إذا كان السّماع بكلّ جزء من أجزاء السّامع غير مخصوص بالحاسّة فجاز أن يحصل بلا حرف وصوت من المسموع فإنّا نسمع بكلّيّتنا وبكلّ جزء من أجزائنا كلاما ليس من جنس الحروف وإن كان يتخيّل في الخيال بالحروف والاصوات الخياليّة فعلم أنّ الكلام المأخوذ المسموع بكلّيّتنا كان أوّلا مجرّدا عن الحرف والصّوت وتلبّس ثانيا في الخيال بالحرف والصّوت الخياليّ ليقرب من الفهم والافهام على أنّا نقول ما هو أعجب منه وهو أنّ الله تعالى يسمع كلامنا المركّب من الحروف والكلمات المترتّبة المتقدّمة المتأخّرة لكنّ سماعه تعالى إنّما يكون بلا توسّط حرف وكلمة وبلا ترتّب وتقدّم وتأخّر لانّ الكلام المركّب المترتّب المتقدّم المتأخّر يقتضي زمانا ولا يجري عليه سبحانه زمان وهو تعالى خلق الزّمان فلمّا جاز سماع الكلام المركّب من الحروف والكلمات بلا توسّط حرف وكلمة فأولى أن يجوز سماع كلام ليس من جنس الحروف والاصوات فافهم ولا تكن من القاصرين ولا من العقلاء الجاهلين والله سبحانه الملهم للصّواب والذى الهمت به ثانيا بعد تسويد هذا المسطور في تحقيق هذا الكلام أنّ فهم العبد المستعدّ لخطابه تعالى وأخذه منه سبحانه إنّما يكون أوّلا بتلقّ روحانيّ بلا توسّط صوت ونداء ثمّ يتمثّل هذا المعنى المتلقّى في سلطان الخيال الذي فيه ارتسم صور الاشياء كلّها بصورة حرف وصوت PageV02P420 لانّ الإفادة والاستفادة في عالم الشّهادة لا تكون إلّا بتوسّط الالفاظ والحروف ويجوز أن يطلق على هذا التّلقّي سماع بلا كيف أيضا لانّ الكلام بلا كيف فلا بدّ أن يكون سماعه أيضا بلا كيف إذ لا سبيل لكيف إلى ما لا كيف فيه فصحّ أن يجوز أن يسمع كلامه تعالى المجرّد من الحرف والصّوت بلا كيف ثمّ بعد ذلك يتمثّل ذلك الكلام في الخيال بصورة حرف وكلمة ليحصل الإفادة والاستفادة في عالم الاجسام أيضا ومن لم يطّلع على هذه الدقيقة يزعم بعض منهم وهم أحسن حالا أنّهم يسمعون كلامه تعالى لكن بتوسّط حروف وكلمات حادثة دالّة عليه وبعضهم أطلقوا القول بأنّهم يسمعون كلامه تعالى ولم يفرّقوا بين ما يليق بشأنه تعالى وما لا يليق وهم الجهّال البطّالون لم يفرّقوا ما يجوز على الله تعالى عمّا لا يجوز والحقّ ما حقّقت بفضل الله سبحانه وإحسانه تعالى قوله: صار سمعه بصره وبصره سمعه إلى أن قال: وعاد آخره أوّله وأوّله آخره أي أخذ سمعه حكم بصره وبصره حكم سمعه أي سمع بكلّيّته وبصر بكلّيّته وعلم بكلّيّته لا أنّه سمع ببعضه وبصر ببعضه الآخر مثلا فحينئذ لا يكون السّمع غير البصر ثمّ بيّن قوله: وعاد آخره أوّله وأوّله آخره لخفاءه وحاصله أنّ الله سبحانه خاطب الذّرّ بقوله أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ (1) فسمعت النّداء بلا واسطة على غاية الصّفا ثمّ لم تزل الذّرّات تتقلّب في الاصلاب وتنتقل في الارحام حتّى برزت إلى أجسادها فاحتجبت بالحكمة عن القدرة وتراكم ظلماتها بالتّقلّب في الاطوار فإذا أراد الله بالعبد حسن الاستماع بأن يصيّره صوفيّا صافيا لا يزال يرقيه في رتب التّزكية والتّحلية حتّى يخلص إلى فضاء القدرة ويزال عن بصيرته النّافذة حجاب الحكمة فيصير سماعه ب? أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ (2) كشفا وعيانا وتوحيده وعرفانه تبيانا وبرهانا حيث أخذ لسانه ولسان غيره في حقّه حكم شجرة موسى يسمع منه كلامه تعالى كما سمع موسى من تلك الشّجرة فصحّ أنّه عاد آخره أوّله وأوّله آخره حيث سمع كلامه تعالى آخرا كما سمع أوّلا وعلى هذا حمل قول البعض أنّه قال: أنا أذكر خطاب أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ (3) أي كان ذلك الخطاب الذي أسمع الآن منه تعالى على الالسنة ولا يخفى عليك أنّ الخطاب الاوّل منه تعالى كان تحقيقا وسماع الذّرّ منه تعالى كان على سبيل الحقيقة وهذا الخطاب المأخوذ المسموع من الالسنة إنّما يكون خطاب الله تعالى على سبيل التّخيّل والتّوهّم كما مرّ فأين أحدهما من الآخر؟ فالعجب كلّ العجب أنّ الشّيخ مع جلالة قدره جعل أحدهما عين الآخر ولم يفرّق بين المتحقّق والمتخيّل وما هو إلّا عين السّكر وصرف التّوحيد مثله مثل قوله: أنا الحقّ وسبحاني وليس في جبّتي سوى الله وأعجب من هذا ما قال بعد ذلك: فإذا تحقّق الصّوفيّ بهذا الوصف صار وقته سرمدا إلخ لا يذهب عليك أنّ الصّوفيّ في هذا المقام ما تحقّق إلّا بالتّجلّي المعنويّ الصّفاتيّ كما مرّ وهو PageV02P421 مقام التّلوين لا غير فمن أين صار وقته سرمدا ومشهوده مؤبّدا؟ أو ما الدوام السّرمد للوقت إلّا في الوصول إلى الذّات تعالت والتّجلّي الذّاتيّ وكذلك الشّهود والمشاهدة لا يكون إلّا بالوصول إلى الذّات تعالت كما قالوا وما حصل في مرتبة الصّفات يسمّى بالمكاشفة فالشّهود ودوامه هو نصيب أرباب التّمكين الواصلين إلى الذّات لا أهل التّلوين المقيّدين بالصّفات فإنّهم أرباب القلوب وأصحاب التّقلّب سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (1) (118) المكتوب الثامن عشر والمائة إلى الشّيخ مودود محمّد قال الشّيخ قدّس سرّه في الباب التّاسع من كتاب العوارف في ذكر من انتمى إلى الصّوفيّة: من جملة أولئك قوم يقولون بالحلول خذلهم الله سبحانه ويزعمون أنّ الله تعالى يحلّ فيهم ويحلّ في أجسام يصطفيها ويسبق إلى فهومهم معنى من قول النّصارى في اللّاهوت والنّاسوت ومنهم من يستبيح النّظر إلى المستحسنات إشارة إلى هذا الوهم ويتخايل له أنّ من قال كلمات في بعض غلباته كان مضمرا لشيء ممّا زعموه مثل قول الحلّاج أنا الحقّ وما يحكى عن أبي يزيد من قوله: سبحاني حاشا أن نعتقد في أبي يزيد أنّه يقول ذلك إلّا على معنى الحكاية عن الله تعالى وهكذا ينبغي أن نعتقد في قول الحلّاج ذلك ولو علمنا أنّه ذكر ذلك القول مضمرا لشيء من الحلول رددناه كما نردّهم انتهى فيا ليت شعري ما معنى الحكاية عن الله تعالى وما وجه تخصيص أرباب السّكر بمثل هذا القول على معنى الحكاية اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه قدّس سرّه أراد أنّ القائل بمثل هذا القول إن كان هو العبد كما هو الظّاهر عند الاكثر فلا بدّ أن يكون حكاية من الله تعالى فإنّ العبد لا يصير ربّا لكنّ القائل به في الحقيقة هو الرّبّ سبحانه ولسان العبد مثل الشّجرة الموسويّة فلا اعتراض على الحلّاج ولا تعرّض على أبي يزيد قدّس الله تعالى أسرارهما والظّاهر من عبارة الشّيخ أنّه لو لم يحمل على معنى الحكاية يفهم منه الحلول وليس كذلك إذ يجوز أن يقول ذلك عند غلبات التّوحيد واستتار ما سوى الواحد المشهود عند لمعان نور الشّهود بلا شائبة حلول واتّحاد فمعنى قوله: أنا الحقّ عند اختفائه عن نظره لست أنا بشيء وإنّما الموجود الحقّ لا أنّي متّحد مع الحقّ أو حالّ في الحقّ فإنّه كفر ومناف للتّوحيد الشّهوديّ فإنّ المشهود فيه ليس إلّا الواحد الاحد وعلى تقدير الحلول والاتّحاد المشهود متعدّد ولو على صفة الاتّحاد والحاليّة (قوله) ومنهم من يستبيح النّظر إلى المستحسنات إشارة إلى هذا الوهم أي الحلول والعجب من الشّيخ الاجلّ انّه يفهم من أمثال هذه PageV02P422 العبارات الاتّحاد والحلول والحال أنّ المتبادر من هذه الاقوال الظّهور وهو وراء الحلول لانّ الحلول كينونة نفس شيء في شيء مثل كينونة نفس زيد في البيت والظّهور كينونة عكس شيء مثل كينونة عكس زيد في المرآة والاوّل محال في مرتبة الوجوب ونقص لتلك المرتبة المقدّس والثاني لا منع لثبوته ولا نقص عند حصوله فإنّ الاوّل يستلزم التّغيّر المنافي للقدم والثاني لا يستلزم كما لا يخفى فلو ظهرت الكمالات الوجوبيّة في مرايا الأعدام والإمكان لم يلزم منه حلول تلك الكمالات في تلك المرايا ولا تغيّرها ولا انتقالها المنافي للقدم وإنّما هو ظهور وإراءة كمال في مرآة فتجويز شهود كمالاته تعالى في مرايا الإمكان ليس تجويزا لحلول تلك الكمالات فيها بل هو تجويز لظهور الكمال في المرآة ولا نقص فيه وإن كان المجوّز لمثل هذا الشّهود صاحب نقص وغير مستقيم على الجادّة لكنّ المقصود دفع تهمة الحلول عنده لا إثبات كماله وكونه على شيء والله سبحانه أعلم بحقائق الامور كلّها. (119) المكتوب التّاسع عشر والمائة إلى المير منصور في بيان اختيار العزلة الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وقد أطاب الوقت صحائف أخي الاعزّ بورودها متعاقبة حمدا لله سبحانه لم يتطرّق الفتور والتّلوين إلى محبّتكم للفقراء وارتباطكم بهم مع وجود أسباب عدم المناسبة بل زادت قوّة ذلك الارتباط رزق الله سبحانه الاستقامة على محبّة هذه الطّائفة الّتي هي رأس بضاعة السّعادة (أيّها المشفق) قد غلب شوق الانزواء في هذه الفرصة فاخترت القعود في زاوية حتّى لا أذهب إلى المسجد لغير صلاة الجمعة وجماعة الاوقات الخمسة تنعقد في تلك الزّاوية وصار طريق ملاقاة النّاس مسدودا وتمرّ الاوقات على جمعيّة تامّة وكأنّ متمنّى جميع العمر تيسّر الآن حمدا لله سبحانه على ذلك وبقيّة الأحوال الصّوريّة أيضا مقرونة بالعافية والاولاد وسائر المتعلّقين على جمعيّة وقدم الخواجه عبد الله على دهلي قبل شهر رمضان المبارك حمدا لله سبحانه قد حصّل الخواجه في مجيئه هذا فوائد كثيرة وقلب الورق بالتّمام وتخلّص من غلبات التّوحيد وخاض في بحر التّنزيه ومتوجّه إلى العمق والقعر وذاهب من الظّاهر إلى الباطن بل إلى ابطن البطون وتفصيل الأحوال لمّا قدم الحافظ بهاء الدين هناك أحلناه إليه. (120) المكتوب العشرون بعد المائة إلى المرزا حسام الدين أحمد في حلّ عبارات مكتوب متضمّن للأسرار الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد شرّفت بمطالعة الصّحيفة الشّريفة المرسلة إلى هذا الفقير على وجه الشّفقة والرأفة وقد اندرج فيها أنّ لواحد من الاعزّة اعتراضات على عبارات المكتوب PageV02P423 الذي كتبه من أجمير فينبغي كتابة شيء في حلّها ولمّا كتب بعض الاصحاب بتعيين مواضع الاشتباه كتبنا في حلّها مقدّمات بمقياس التّعيين والله سبحانه الهادي إلى سبيل الرّشاد (أيّها المخدوم المكرّم) إنّ السّير المراديّ والسّير المريديّ كلّ منهما أمر يتعلّق بوجدان صاحب ذلك السّير لا أنّه الزام أمر يتعلّق بالغير فلا مجال إذا لطلب الحجّة والبرهان على إثباته ومع ذلك إذا أعطى الله سبحانه شخصا قوّة قدسيّة ولاحظ في أحوال صاحب ذلك السّير وأوضاعه ملاحظة تامّة وشاهد الفيوض والبركات والعلوم والمعارف الإلهيّة الّتي هو ممتاز بها يمكن أن يحكم بكون سيره سيرا مراديّا من غير احتياج إلى دليل أصلا كما يحكم بكون نور القمر مستفادا من نور الشّمس بعد ملاحظة قرب القمر من الشّمس وبعده عنها ومقابلته بها واجتماعه معها وإن لم يكن هذا المعنى حجّة لغير أرباب الحدس وأيضا قال حضرة شيخنا قدّس سرّه في أوائل حال سير هذا الفقير أنّ سيره سير مراديّ ولعلّ الاصحاب أيضا سمعوا منه هذا الكلام وأنشد هذين البيتين من المثنويّ معتقدا بأنّهما مطابقان لحال هذا الفقير. (شعر) عشق معشوق خفيّ وستّير ... عشق عشّاق بطبل ونفير غير أنّ الثاني مضن للبدن ... عشق معشوق مزيد في السّمن وكلّ من وصل من المرادين كان سيره على طريق الاجتباء وطريق الاجتباء ليس مخصوصا بالانبياء عليهم السّلام صرّح بذلك صاحب العوارف قدّس سرّه في بيان المجذوب السّالك والسّالك المجذوب وقال لطريق المريدين: طريق الإنابة ولطريق المرادين: طريق الاجتباء قال الله تعالى: «الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ " نعم انّ طريق الاجتباء بالاصالة مخصوص بالانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وللأمّة كسائر الكمالات بتبعيّتهم لا أنّه مخصوص بالانبياء مطلقا لا نصيب منه للأمّة أصلا فإنّه غير واقع (أيّها المخدوم) إنّ وصول الفيض إلى السّالك بتوسّط خير البشر وحيلولته عليه الصّلاة والسّلام إنّما هو قبل أن تنطبق حقيقة السّالك المحمّديّ المشرب على الحقيقة المحمّديّة وقبل أن تتّحد بها فإذا حصل الاتّحاد بين هاتين الحقيقتين في مقامات العروج بكمال متابعته بل بمحض الفضل ارتفع التّوسّط من البين فإنّ التّوسّط إنّما هو حين المغايرة وفي الاتّحاد لا متوسّط ولا متوسّط له ولا حاجب ولا محجوب بل المعاملة في مقام الاتّحاد بالشّركة ولكن لمّا كان السّالك تابعا وملحقا وطفيليّا لزم أن تكون تلك الشّركة من قبيل شركة الخادم بالمخدوم (وما قلت) من أنّه يحصل لحقيقته انطباق على حقيقته صلّى الله عليه وسلّم وإنّها تتّحد بها بيانه أنّ الحقيقة المحمّديّة جامعة لجميع الحقائق ويقال لها حقيقة الحقائق وحقائق الآخرين كالاجزاء لها أو كالجزئيّات لانّ السّالك لو كان محمّديّ المشرب فحقيقته كالجزئيّ لتلك الكلّيّة ومحمولة عليها وإن كان غير محمّديّ المشرب فحقيقته كالجزء بالنّسبة إلى الكلّ وغير محمولة عليها فإن عرض لحقيقة غير محمّديّ المشرب اتّحاد في أثناء العروج انّما يكون ذلك بحقيقة نبيّ هو على قدمه وتكون محمولة على تلك الحقيقة وتحصل له شركة معه في الكمالات المناسبة به ولكن تكون تلك الشّركة من قبيل شركة الخادم بالمخدوم كما مرّ فإذا حصل لذلك الجزئيّ PageV02P424 بعلاقة كمال المتابعة بل بمحض الفضل محبّة خاصّة لكلّيّته وأخذ شوق الوصول إليه بيده يشرع القيد الذي جعل الكليّ جزئيّا بفضل الله تعالى في الزّوال وبعد زواله بالتّدريج يحصل لذلك الجزئيّ انطباق على ذلك الكلّيّ والحاق به وما قلت من أنّه إذا حصل له محبّة خاصّة فهي كما حصلت لهذا الفقير بمحض الفضل حتّى قلت في غلبات تلك المحبّة: إنّ محبّتي لحضرة الحقّ سبحانه إنّما هي من جهة كونه تعالى ربّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم وتعجّب الميان تاج وغيره من الاصحاب من هذا الكلام وأظنّ أنّه لم يخرج من خاطركم أيضا وما لم يحصل مثل هذه المحبّة كيف يتصوّر اللّحاق والاتّحاد؟ ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) (ولنبيّن) حقيقة التّوسّط وعدم التّوسّط ينبغي أن يسمع بحسن الاستماع (اعلم) أنّ في طريق الجذبة لمّا كان الجذب والجرّ من جانب المطلوب وكانت العناية الإلهيّة متكلّفة لحال الطّالب لا يقبل الوساطة بالضّرورة وفي طريق السّلوك لمّا كانت الإنابة من طرف الطّالب لا بدّ فيه من وجود الوسائط والوسائط وإن كان لا يحتاج إليها في نفس الجذبة ولكنّ تماميّة الجذبة منوط بالسّلوك فإن لم ينضمّ السّلوك الذي هو عبارة عن إتيان الاحكام الشّرعيّة من التّوبة والزّهد وغيرهما إلى الجذبة فتلك الجذبة غير تامّة بل أبتر وقد رأيت كثيرا من الهنود والملاحدة فيهم جذبة ولكن لمّا لم يكونوا متحلّين بمتابعة صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة ليس لهم نصيب غير صورة الجذبة وحالهم خراب وأبتر (فإن قيل) إنّ حصول الجذب يستدعي نحوا من المحبوبيّة فكيف يجوز في حقّ الكفّار الذين هم أعداء الله كون نصيب من الجذبة؟! (قلت) يمكن أن يكون في بعض الكفّار نحو من معنى المحبوبيّة ويكون ذلك باعثا لحصول الجذب ولكن لمّا لم يكونوا متحلّين بمتابعة صاحب الشّريعة عليه الصّلاة والسّلام بقوا خاسرين مخذولين ولم تزدهم تلك الجذبة غير الحجّة عليهم حيث آذنت باستعدادهم ولم يخرجوه من القوّة إلى الفعل بسبب الجهل والعناد وما ظَلَمَهُمُ الله ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (2) فإذا تيسّر الوصول إلى المطلوب في طريق الجذبة بمتابعة صاحب الشّريعة الّتي هي عبارة عن السّلوك يكون بلا واسطة وبلا حيلولة أمر قالوا لو دلّيتم بدلو لوقعتم على الله يعني لو انجذبتم وانجررتم إلى حضرة الحقّ سبحانه ووصلتم إلى أبطن البطون لا يكون بينكم وبين الحقّ جلّ وعلا حيلولة أمر وحجابيّته ولعلّ بقي في خاطركم الشّريف أيضا ما قاله حضرة شيخنا قدّس سرّه إنّ تيسّر الوصول للعبد إلى الحقّ سبحانه من طريق المعيّة بينه وبينه تعالى يكون بلا توسّط أمر البتّة فإنّه هو المناسب للمعيّة والواسطة إنّما هي في سلسلة التّربية الّتي هي عبارة عن السّلوك وطريق المعيّة واحد من طرق الجذبة وحديث «المرء مع من أحبّ " أيضا يؤيّد ذلك فإنّه لمّا ثبتت المعيّة بين شخص وبين محبوبه فقد ارتفعت الواسطة. (اسمع) انّ لكلّ ظلّ طريقا واضحا إلى أصله ولا حائل بينهما أصلا فلئن حصل للظّلّ بعناية الله جلّ شأنه ميل إلى أصله وحصل له انجذاب إليه ولحوق به يكون ذلك بلا حيلولة PageV02P425 أمر البتّة وحيث انّ ذلك الاصل اسم من الاسماء الإلهيّة لا يكون بين الاسم وبين مسمّاه حائل البتّة ويكون وصول الظّلّ من هذا الطّريق إلى أصل الاصل الذي هو مسمّى ذلك الاسم بلا توسّط أمر وأيضا إنّ كلّ من كان واصلا إلى حضرة الذّات تعالت بوصول لا كيفيّ فتوسّط أمر وحيلولته مفقود في حقّه فإذا ارتفعت حيلولة صفات الواجب وحجابيّتها في صورة الوصول إلى حضرة الذّات فكيف يكون لحيلولة غير الصّفات وحجابيّته مجال؟! (فإن قيل) إذا لم يجز انفكاك الصّفات عن الذّات فما معنى ارتفاع حيلولة الصّفات من بين الواصل والموصول إليه؟ (قلت) إذا حصل للسّالك وصول إلى أصله الذي هو اسم من الاسماء الإلهيّة والسّالك ظلّه وتحقّق السّالك به لا يكون بينه وبين حضرة الذّات - تعالت - توسّط وحيلولة البتّة كما لا حيلولة بين الاسم ومسمّاه فعلى هذا لا يلزم ارتفاع ولا انفكاك وقد مرّ مثل هذا التّحقيق آنفا في بيان اتّحاد حقيقة السّالك بالحقيقة المحمّديّة وقد مرّت أيضا شمّة من هذا البيان عند بيان وصول الظّلّ إلى أصله (تنبيه) ولا يظنّ أبله من عدم التّوسّط الذي ذكر في طريق الجذبة وغيرها الاستغناء عن تبعيّة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّ ذلك كفر وزندقة وإنكار على الشّريعة الحقّة وقد مرّ آنفا الجذبة بلا انضمام السّلوك إليه الذي هو عبارة عن إتيان أحكام الشّريعة غير تامّة وأبتر ونقمة ظهرت في صورة النّعمة وأتمّت الحجّة على صاحبها (وبالجملة) قد بلغ مرتبة اليقين بالكشف الصّحيح والالهام الصّريح أيضا أنّه لا يتيسّر دقيقة من دقائق هذا الطّريق ولا معرفة من معارف القوم بلا وساطته ووساطة متابعته عليه الصّلاة والسّلام وفيوض هذا الطّريق وبركاته لا تحصل للمنتهي كالمبتدي والمتوسّط بلا تبعيّته وتطفّله صلّى الله عليه وسلّم. (شعر) ومن المحال المشي في طرق الصّفا ... يا سعد من غير اتّباع المصطفى وزعم أفلاطون الابله نفسه مستغنيا عن الانبياء عليهم السّلام بسبب الصّفاء الذي حصل لنفسه من الرّياضات والمجاهدات! وقال: نحن قوم مهذّبون لا حاجة بنا إلى من يهذّبنا (ينبغي أن يعلم) أنّ هذا الصّفاء الذي يحصل بالرّياضات بلا توسّط متابعة الانبياء حكمه حكم نحاس أسود طلي بالذّهب أو سمّ غلّف بالسّكّر والذى يقلب حقيقة النّحاس ذهبا خالصا ويخرج النّفس من الامّاريّة إلى الاطمئنان هو متابعة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام والحكيم المطلق جلّ وعلا إنّما قرّر بعثة الانبياء ووضع شرائعهم لتعجيز النّفس الامّارة وتخريبها ولم يجعل تخريبها - بل إصلاحها - في غير متابعة الانبياء عليهم السّلام فمن ارتكب ألوفا من الرّياضات والمجاهدات بلا متابعة هؤلاء الاكابر لا ينقص من أمّاريّتها مقدار شعرة بل تزيد في طغيانها وعنادها (ع) كلّ مختار العليل علّة * وإزالة مرضها الذّاتيّ منوطة بالتّمسّك بشرائع الانبياء عليهم السّلام وبدونه خرط القتاد (ينبغي) أن يعلم أنّ الجذبة وإن كانت لا بدّ لها من السّلوك سواء كانت مقدّمة عليه أو مؤخّرة عنه ولكنّ الفضل لتقدّم الجذبة على السّلوك فإنّ السّلوك ح خادمها وفي تأخير الجذبة يكون مخدومها لانّ الجذب ح إنّما يتيسّر له بدولة السّلوك وفي تقدّم الجذبة ليس كذلك فإنّه على هذا التّقدير بنفسه مدعوّ ومطلوب ولهذا كان مرادا وذاك مريدا ورأس المرادين ورئيس PageV02P426 المحبوبين محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإنّ المقصود الذّاتيّ والمدعوّ الاوّل في هذه الدعوة هو عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وغيره إنّما دعوا بتطفّله سواء كانوا مرادين أو مريدين لولاه لما خلق الله الخلق ولما أظهر الرّبوبيّة كما ورد فإذا كان كلّ من سواه طفيليّة وكان هو صلّى الله عليه وسلّم مقصودا أصليّا من هذه الدعوة فلا جرم يكون الكلّ محتاجين إليه ويأخذون الفيوض والبركات بتوسّطه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فلو قيل للكلّ اله من هذه الحيثيّة لجاز فإنّ الكلّ متّبعون له لا يأخذون كمالا إلّا بتوسّطه فإنّه إذا كان وجود من سواه لا يتصوّر بدون وجوده كيف تتصوّر كمالاتهم الّتي هي تابعة للوجود بدون توسّطه عليه الصّلاة والسّلام؟ نعم ينبغي لمحبوب ربّ العالمين أن يكون كذلك (اسمع) قد صار مكشوفا أن محبوبيّته صلّى الله عليه وسلّم كائنة بمحبّته تعالى المتعلّقة بذاته البحت بلا ملاحظة الشّئون والاعتبارات وصارت حضرة الذّات محبوبة بتلك المحبّة بخلاف محبوبيّة غيره صلّى الله عليه وسلّم فإنّها كائنة بالمحبّة المتعلّقة بالشّئون والاعتبارات ومتلبّسة بالاسماء والصّفات أو بظلال الاسماء والصّفات على تفاوت الدرجات. (شعر) فإنّ فضل رسول الله ليس له ... حدّ فيعرب عنه ناطق بفم عليه وعلى جميع إخوانه من الانبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين الصّلوات والتّسليمات والبركات (وتحقيق هذا المقام) انّه يمكن أن يكون توسّطه صلّى الله عليه وسلّم بمعنيين أحدهما أنّه يكون حائلا وحاجبا بين السّالك والمطلوب والثاني أنّ السّالك يصل إلى المطلوب بتطفّله وبتوسّط تبعيّته ومتابعته عليه الصّلاة والسّلام ففي طريق السّلوك التّوسّط كائن بمعنييه قبل الوصول إلى الحقيقة المحمّديّة بل أظنّ أنّ كلّ من كان واسطة في البين من الشّيوخ في هذا الطّريق فهو حاجب عن شهود السّالك فويل لمثل هذا السّالك لو لم يتدارك ذلك أخيرا بالجذبة ولم تجرّ معاملته من الحجاب إلى عدم الحجابيّة فإنّ في طريق الجذبة وبعد الوصول إلى حقيقة الحقائق التّوسّط بالمعنى الثاني الذي هو تطفّل السّالك وتبعيّته دون الحيلولة والحجاب حتّى يكون حجابا للشّهود والمشاهدة وأمثالهما (لا يقال) إنّ عدم التّوسّط وإن كان بمعنى واحد يستلزم قصورا لجنابه صلّى الله عليه وسلّم لأنّا نقول أنّ عدم التّوسّط بالمعنى المذكور مستلزم لكمال جنابه صلّى الله عليه وسلّم لا للقصور بل القصور في وجود التّوسّط فإنّ كمال المتبوع هو أن يصل تابعه بتطفّله وتبعيّته إلى جميع درجات الكمال وأن لا يترك دقيقة من دقائقه وهذا إنّما هو في عدم التّوسّط لا في وجوده فإنّ في عدم التّوسّط شهودا بلا حجاب وهو أقصى درجات الكمال وفي وجود الشّهود في حجاب فيكون الكمال في عدم التّوسّط والقصور في التّوسّط ومن شوكة المخدوم وعظمته أن لا يتخلّف عنه خادمه في مقام أصلا ويكون بتبعيّته شريكا في دولة أقرانه ومن ههنا قال عليه الصّلاة والسّلام «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل " وستكون الرّؤية الاخرويّة بلا توسّط شيء وحيلولة أمر وقد ورد في الحديث الصّحيح " إنّ العبد إذا دخل في الصّلاة يرتفع الحجاب الذي بين PageV02P427 العبد والرّبّ " ولهذا كانت الصّلاة معراج المؤمن وصار الحظّ الوافر منها نصيبا للمنتهى الواصل فإنّ رفع الحجاب مخصوص بالمنتهى الواصل فثبت ارتفاع التّوسّط والحيلولة وهذه المعرفة من خواصّ المعارف اللدنيّة بهذا الفقير أعطيها بمحض الفضل والكرم وتحقّق بحقيقتها. (شعر) كأنّي بقعة فيها سحاب ال? ... رّبيع ممطر ماء زلالا ونعم ما قيل (شعر) وإذا أتى باب العجوز خليفة ... إيّاك يا صاح ونتف سبالكا ولمشائخ الطّريقة قدّس الله أسرارهم اختلافات في توسّطه وعدم توسّطه صلّى الله عليه وسلّم ذهب جماعة إلى وجود التّوسّط وطائفة إلى عدمه ولم يبيّن منهم أحد تحقيق التّوسّط وعدم التّوسّط ولم يتكلّم في كمالهما وقصورهما وأرباب الظّاهر يكادون يظنّون عدم التّوسّط الذي هو كمال الإيمان كفرا ويضلّلون القائل به من جهالاتهم ويتصوّرون التّوسّط من كمال الإيمان ويعدّون القائل به من كمّل المتابعين والحال أنّ عدم التّوسّط منبئ عن كمال المتابعة ووجود التّوسّط مشعر بقصور المتابعة كما مرّ كلّ ذلك منهم لعدم الدرك إلى حقيقة الحال قال الله تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (1) (أيّها المخدوم) انّ القول بالاويسيّة ليس بانكار على الشّيخ الظّاهر فانّ الاويسىّ شخص يكون للرّوحانيّين مدخل في تربيته الا ترى انّ الخواجه أحرار قدّس سرّه لمّا وجد الامداد من روحانيّة الخواجه النّقشبند قدّس سرّه قيل له مع وجود شيخه الظّاهر اويسيّا وكذلك الخواجه النّقشبند لمّا نال الامداد من روحانيّة الخواجه عبد الخالق الغجدوانىّ قدّس سرّهما كان مع وجود شيخه الظّاهر اويسيّا خصوصا اذا كان شخص مع وجود الاويسيّة مقرّا بشيخه الظّاهر وجعل المراد انكارا على الشّيخ بالزّور والبهتان انصاف عجيب (أيّها المخدوم) انّ المراد من تركيب لفظ عبد الباقي معناه الاضافيّ لا العلمىّ وان كان فيه اشعار بالمعنى العلمىّ أيضا بابلغ الوجوه يعنى انّ شيخى وان كان عبد الباقى ولكنّ المتكّفل بتربيتى الله الباقى فاىّ تحريف وانحراف هنا واىّ سوء ادب رزق الله الانصاف (أيّها المخدوم) انّ القصور الذى قيل في معنى قول " سبحانى " الذى صدر عن ابى يزيد البسطامىّ قدّس سرّه في غلبات السّكر لو سلّم لا يلزم منه ان يكون ذلك القصور مستقرّا ومستمرّا في قائله حتّى يكون غيره افضل منه فانّ كثيرا من المعارف تصدر في وقت بمقتضى حال ذلك الوقت ثمّ لمّا ظهر قصور تلك المعرفة بعناية الله تعالى في وقت آخر تترك تلك المعرفة ويترقّى إلى مقام فوقانىّ قد اندرج في المكتوب الشّريف انّ امثال هذه الكلمات الممزوجة بالشّطح لو كتبها ارباب السّكر لجاز ولكنّ اظهار ارباب الصّحو امثال هذه الكلمات مستبعد جدّا (أيّها المخدوم) انّ كلّ من كتب هذه الكلمات فمنشأه السّكر لم يحرّك القلم في هذا الباب بلا مزج السّكر غاية ما في الباب انّ في السّكر مراتب كثيرة وكلّما كان السّكر اكثر يكون الشّطح اغلب واوفر وسكر البسطامىّ هو ما يصدر PageV02P428 عنه قول " لوائى ارفع من لواء محمّد بلا تحاش " فكلّ من حاله الصّحو لا يظنّ به انّه لا سكر معه اصلا فانّه عين القصور لانّ الصّحو الخالص نصيب العوامّ ومن رجّح الصّحو فمراده غلبة الصّحو لا الصّرف وكذلك كلّ من يرجّح السّكر فمراده غلبه السّكر لا السّكر الخالص فانّه آفة الا ترى انّ الجنيد قدّس سرّه مع كونه رئيس ارباب الصّحو وترجيحه الصّحو على السّكر له عبارات كثيرة ممزوجة بالسّكر يعسر تعدادها قال العارف هو المعروف وقال لون المألون إنائه وقال المحدث اذا قرن بالقديم لم يبق له اثر وصاحب العوارف من كمّل ارباب الصّحو ومع ذلك في كتابه من المعارف السّكريّة ما لا يمكن شرحه وهذا الفقير قد جمع بعض معارفه السّكريّة في ورق ومن بقايا السّكر تجويز افشاء الأسرار ومنه المباهات والافتخار ومنه ادّعاء المزيّة على الاغيار فلو كان صحو الخالص يكون افشاء الأسرار ح كفرا واعتقاد الافضليّة على الغير شركا وبقيّة السّكر في الصّحو كالملح المصلح للطّعام فلو لم يكن ملح يكون الطّعام معطّلا (شعر) فلو لم يكن عشق وهيمان عاشق ... لما كان من يصغى وما كان سامر وقد حمل صاحب العوارف قدّس سرّه قول " قدمى هذه على رقبة كلّ ولىّ " الصّادر عن الشّيخ عبد القادر قدّس سرّه على السّكر وليس مراده اثبات القصور لهذا القول كما توهّم فانّه عين محمدة له بل بيان الواقع يعنى انّ صدور مثل هذا الكلام المنبئ عن المباهات والافتخار ليس هو بلا بقيّة سكر فانّ التّكلّم بامثال هذا الكلام في الصّحو الخالص عسير وكلّ هذه الدفاتر الّتى كتبها هذا الفقير في علوم هذه الطّائفة العليّة وأسرارهم كأنّه تقرّر في خاطركم الشّريف انّه كتبها عن صحو خالص بلا مزج السّكر حاشا وكلّا من ذلك فانّه حرام منكر وجزاف ونسج للكلام والذين ينسجون الكلام المتّصفون بصحو خالص كثير فلم لا ينسجون الاقوال على هذا المنوال ولا يحرّكون بها قلوب الرّجال (شعر) خليلى ما هذا بهذل وانّما ... حديث عجيب من بديع الغرائب (أيّها المخدوم) انّ امثال هذه الكلمات المنبئة عن افشاء الأسرار المصروفة عن الظّاهر قد صدرت عن مشائخ الطّريقة قدّس الله أسرارهم في كلّ وقت وصار ذلك عادتهم المستمرّة ليس هو امر ابتدعه هذا الفقير واخترعه ليس هذا اوّل قارورة كسرت في الاسلام فما كلّ هذا الاضطراب والجدال فان صدر لفظ لا يطابق ظاهره بعلوم الشّريعة ينبغي ان يصرفه عن الظّاهر بادنى توجّه وان يجعله مطابقا بعلوم الشّريعة دون ان يتّهم مسلما فاذا كان اشاعة فاحشة وافضاح فاسق حراما ومنكرا في الشّريعة فافضاح مسلم بمجرّد اشتباه كيف يكون مناسبا واىّ تديّن في النّداء من بلد إلى بلد وطريق الاسلاميّة والشّفقة هو انّه اذا صدر عن شخص كلمة ظاهرها مخالف للعلوم الشّرعيّة ينبغي ان ينظر إلى قائله انّه من هو فان كان ملحدا وزنديقا ينبغي ان يردّه وان لا يشتغل باصلاحه وان كان من المسلمين وكان له ايمان بالله ورسوله ينبغي ان يجتهد في اصلاح كلامه وان يحمله على محمل صحيح وان يطلب حلّه من قائله فلو عجز عن حلّه ينبغي ان ينصحه فانّ الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر هو الرّفق لكونه قريبا من الاجابة فان لم يكن المقصود الاجابة بل كان تفضيحا PageV02P429 فهو امر آخر رزق الله تعالى التّوفيق واعجب من ذلك انّه يفهم من المكتوب الشّريف أنّه قد طرأ الاشتباه والانحراف على ملازميكم أيضا بعد استماع مكتوب هذا الفقير من ذاك العزيز ويشبه ان يكون انعكاسا وكان ينبغي لهم ان يحلّوا مظانّ الاشتباه بانفسهم من غير ان يطرح لهذا الفقير وان يسكّنوا الفتنة فماذا اقول في حقّ سائر الاصحاب بانّ بعضهم لم يدفع الاشتباه ولم تسمح نفسه بذلك واختار السّكوت مع وجود القدرة على الدفع (شعر) ونحن قد توقّعنا ... من الاحباب امدادا ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيّئ لنا من امرنا رشدا والسّلام اوّلا وآخرا (121) المكتوب الحادى والعشرون: إلى مولانا حسن الدهليّ بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى اعلم انّ الحقيقة المحمّديّة ظهور اوّل وحقيقة الحقائق بمعنى انّ سائر الحقائق سواء كانت حقائق الانبياء الكرام او حقائق الملائكة العظام عليهم الصّلاة والسّلام كالظّلال لها وانّها اصل جميع الحقائق قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " اوّل ما خلق الله نورى " وقال عليه الصّلاة والسّلام «خلقت من نور الله والمؤمنون من نورى " فبالضّرورة تكون تلك الحقيقة بين سائر الحقائق وبين الحقّ جلّ وعلا ويكون وصول احد إلى المطلوب بلا توسّطه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام محالا فهو نبىّ الانبياء والمرسلين وارساله رحمة للعالمين ومن ههنا يتمنّى الانبياء اولو العزم مع وجود الاصالة فيهم تبعيّته والدخول في عداد امّته كما ورد عنه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام (فإن قيل) اىّ كمال مربوط بكون الانبياء من أمّته صلّى الله عليه وسلّم ولم يتيسّر لهم مع وجود دولة النّبوّة فيهم (قلت) انّ ذلك الكمال هو الوصول إلى حقيقة الحقائق والاتّحاد به وهما منوطان بالتّبعيّة والوراثة بل موقوفان على كمال فضله تعالى فانّهما نصيب اخصّ الخواصّ من امّته صلّى الله عليه وسلّم ومن لم يكن من امّته لا يصل إلى هذه الدولة ولا يرتفع في حقّه الحجاب فانّه انّما يتيسّر بسبب الاتّحاد ولعلّ الله سبحانه قال من هذه الحيثيّة " كنتم خير امّة " فهو عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام كما هو افضل من كلّ فرد من الانبياء الكرام والملائكة العظام كذلك هو عليه الصّلاة والسّلام كما هو افضل الكلّ عليه وعليهم الصّلاة والسّلام فانّ للاصل فضلا على ظلّه وان كان ذلك الظلّ متضمّنا لالوف من الظّلال فانّ وصول الفيوض من المبدأ الفيّاض سبحانه إلى الظّلّ انّما هو بتوسّط الاصل وقد حقّق هذا الفقير في رسائله انّ للنّقطة الفوقانيّة فضلا على جميع النّقط الّتى تحتها وهنّ كالظّلال لها وقطع العارف لتلك النّقطة الفوقانيّة الّتي هى كالاصل ازيد من قطعه لجميع النّقط التّحتانيّة الّتى هى كالظّلال لها (فإن PageV02P430 قيل) يلزم من هذا البيان فضل خواصّ هذه الامّة على الانبياء عليهم السّلام (قلت) لا يلزم ذلك اصلا وانّما يلزم شركة خواصّ هذه الامّة مع الانبياء في تلك الدولة ومع ذلك في الانبياء كمالات كثيرة ومزايا عديدة مختصّة بهم واخصّ الخواصّ من هذه الامّة لو ترقّى غاية التّرقّى لا يصل رأسه إلى قدم ادنى الانبياء واين المجال للمساواة والمزيّة بعد قال الله تعالى " ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ " عليهم الصّلوات والتّسليمات فلو ترقّى فرد من أفراد الامّة بتطفّل نبيّه وتبعيّته فوق بعض الانبياء عليهم السّلام انّما يكون ذلك بعنوان الخادميّة والتّبعيّة ومن المعلوم انّه ما نسبة الخادم إلى اقران المخدوم غير الخادميّة والتّبعيّة والخادم الطّفيلىّ طفيلىّ في جميع الوقت والحقيقة المحمّديّة الّتى هى حقيقة الحقائق على ما انكشف لهذا الفقير في آخر الامر بعد طىّ جميع مراتب الظّلال هى التّعيّن الحبّىّ وظهوره الذى هو مبدأ الظهورات ومنشأ خلق المخلوقات كما ورد في الحديث القدسىّ المشهور كنت كنزا مخفيّا فأحببت ان اعرف فخلقت الخلق لاعرف واوّل شيء جاء إلى منصّة الظّهور من ذلك الكنز الخفىّ كان الحبّ الذى صار سببا لخلق الخلائق فلو لم يكن هذا الحبّ لما انفتح باب الإيجاد وكان قدم العالم راسخا ومستقرّا في العدم وينبغي ان يطلب سرّ حديث «لولاك لما خلقت الافلاك " ولما اظهرت الرّبوبيّة في هذا المقام (فإن قيل) انّ صاحب الفتوحات المكّيّة جعل التّعيّن الاوّل الذى هو الحقيقة المحمّديّة عبارة عن اجمال العلم وانت قلت في رسائلك انّ التّعيّن الاوّل هو التّعيّن الوجودىّ وجعلت مركزه الذى هو اشرف اجزائه واسبقها عبارة عن الحقيقة المحمّديّة وظننت تعيّن حضرة الاجمال ظلّ هذا التّعيّن الوجودىّ وتكتب الآن ههنا انّ التّعيّن الاوّل هو التّعيّن الحبّىّ وانّه حقيقة محمّديّة فما وجه التّوفيق بين هذه الاقوال (قلت) كثيرا ما يظهر ظلّ شيء بصورة اصله ويجعل السّالك مشغولا ومشغوفا بنفسه فذانك التّعيّنان من ظلال التّعيّن الاوّل ظهرا للسّالك وقت العروج بصورة اصلهما الذى هو التّعيّن الاوّل الحبّىّ (فإن قيل) كيف يستقيم القول بانّ التّعيّن الوجودىّ ظلّ التّعيّن الحبّىّ والحال انّ للوجود سبقة على الحبّ فانّ الحبّ فرع الوجود (قلت) انّ هذا الفقير قد حقّق في رسائله انّ الحقّ سبحانه وتعالى موجود بذاته لا بالوجود وكذلك صفاته الثمانية الحقيقيّة موجودة بذاته جلّ شأنه لا بالوجود فانّه لا مجال للوجد بل للوجوب في تلك المرتبة لانّ الوجود والوجوب كليهما من الاعتبارات واوّل اعتبار ظهر لايجاد العالم هو الحبّ ثمّ بعده اعتبار الوجود الذى هو مقدّمة ايجاد العالم فانّ لحضرة الذّات تعالت بلا اعتبار هذا الحبّ والوجود استغناء عن العالم وعن ايجاد العالم " إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ " نصّ قاطع والقول بظلّيّة التّعيّن العلمىّ الاجمال لذينك التّعيّنين باعتبار انّهما من اعتبارات حضرة الذّات بلا ملاحظة الصّفات والملحوظ في هذا التّعيّن هو الصّفة الذى هى كالظّلّ للذّات (ينبغي) ان يعلم انّه اذا أجيل النّظر في التّعيّن الاوّل الذى هو التّعيّن الحبّىّ بالدّقّة والامعان يعلم بفضل الله سبحانه انّ مركز ذلك التّعيّن هو الحبّ الذى هو الحقيقة المحمّديّة ومحيطه الذى هو كالدّائرة في صورة المثال وكالظّلّ لذلك المركز هو الخلّة الّتى هى الحقيقة الابراهيميّة فكان PageV02P431 الحبّ اصلا والخلّة كالظّلّ له ومجموع المركز والمحيط الذى هو دائرة واحدة تعيّن اوّل ومسمّى باسم اشرف اجزائه واسبقها الذى هو المركز الذى هو عبارة عن الحبّ وفي النّظر الكشفىّ أيضا يظهر باعتبار اصالة ذلك الجزء وغلبته تعيّنا حبّيّا ومن حيث انّ محيط الدائرة كالظّلّ لمركزها وناش منه وانّ ذلك المركز اصل ومنشأ له لو قيل للمحيط تعيّنا ثانويّا أيضا لجاز ولكن ليس في النّظر الكشفىّ تعيّنان بل تعيّن واحد مشتمل على الحبّ والخلّة اللّذين هما المركز والمحيط والتّعيّن الثانى في النّظر الكشفيّ هو التّعيّن الوجودىّ الذى هو كالظّلّ للتّعيّن الاوّل كما مرّ فاذا كان المركز اصلا للمحيط لا بدّ للمحيط في الوصول إلى المطلوب من توسّط المركز فانّ الوصول إلى المطلوب من طريق المركز الذى هو اصل الدائرة واجمالها ينبغى ان يعرف من هذا البيان مناسبة حبيب الله واتّحاده بخليل الله عليهما الصّلاة والسّلام ولمّا كان الاصل واسطة للظّلّ في الوصول إلى المطلوب لا جرم اراد الخليل توسّط حبيب الله وتمنّى ان يكون داخلا في عداد امّته عليهما الصّلاة والسّلام كما ورد في الخبر (فإن قيل) اذا كانت المعاملة هكذا فما معنى امر حبيب الله بمتابعة ملّة خليل الله عليهما الصّلاة والسّلام ولم قال صلّى الله عليه وسلّم في بيان الصّلاة والسّلام على نفسه الشّريفة كما صلّيت وكما سلّمت على ابراهيم (قلت) انّ حقيقة الشّيئ كلّما كانت اعلى واقرب إلى التّنزيه يكون مظهر تلك الحقيقة في عالم العناصر اسفل ويكون تلبّسه بالصّفات البشريّة اكثر فوصول ذلك المظهر إلى تلك الحقيقة بطريق العروج يكون متضمّنا للعسر والملّة الّتى اعطاها الله سبحانه لابراهيم عليهم السّلام طريق واضح للوصول إلى الحقيقة الابراهيميّة الّتى هى واقعة في جوار الحقيقة المحمّديّة كما مرّ وابراهيم عليه السّلام وصل هناك من هذا الطّريق ولهذا امر صلّى الله عليه وسلّم بمتابعة ملّته ليصل بها إلى حقيقة الحقائق وقال صلّى الله عليه وسلّم كما صلّيت وكما سلّمت لانّ الصّلاة والرّحمة عليه عليه السّلام انّما هى بعد حصول دولة الوصول إلى الحقيقة مع انّا نقول انّ الفاضل يؤمر في بعض الاحيان بمتابعة المفضول ولا يلزم من ذلك الامر بالمتابعة قصور في فاضليّته قال الله تعالى لنبيّه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " وشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ " والامر بمشورة الاصحاب لا يخلو من تضمّن الامر بمتابعتهم وإلّا فما فائدة المشورة (واعلم انّ حقيقة) الصّدّيق رضي الله عنه يعنى ربّه من الاسماء الالهيّة الذى هو مبدأ تعيّنه ظلّ الحقيقة المحمّديّة بلا توسّط امر على نهج كلّما هو كائن في تلك الحقيقة ثابت لذلك الظّلّ بطريق التّبعيّة والوراثة ومن ههنا كان هو رضي الله عنه اكمل ورثة هذه الامّة وافضلهم قال عليه الصّلاة والسّلام «ما صبّ الله شيئا في صدرى إلّا وقد صببته في صدر ابى بكر» (ولاح) أيضا انّ الحقيقة الاسرافيليّة أيضا هى تلك الحقيقة المحمّديّة لا بطريق الاصالة والظّلّيّة كما في الحقيقة الصّدّيقيّة حيث كانت ظلّا لتلك الحقيقة بل في كليهما اصالة هنا لا ظلّيّة حائلة وانّما الفرق بينهما بالكلّيّة والجزئيّة فانّ حقيقته صلّى الله عليه وسلّم كلّيّة ولهذا كانت تلك الحقيقة منسوبة إلى اسمه عليه الصّلاة والسّلام وحقائق الملائكة الكرام عليهم السّلام ناشئة من الحقيقة الاسرافيليّة (فإن قيل) هل PageV02P432 يجوز يترقّى العارف من حقيقته الّتى هى عبارة عن الاسم الالهىّ الذى هو ربّه بعد الوصول اليها او لا (قلت) انّ الوصول إلى تلك الحقيقة بعد طىّ مراتب السّلوك الذى قالوا انّه عبارة عن تماميّة السّير إلى الله على نوعين احدهما وصول إلى ظلّ من ظلال ذلك الاسم الذى ظهر في المظاهر الوجوبيّة في صورة حقيقته وبرز بوصف اصله وهذا الاشتباه كثير الوقوع في هذا الطّريق وعقبة عظيمة على السّالك إلّا ان يتيسّر مخلص من هذه العقبة بمحض فضل الله تعالى ولا شكّ انّ هذا التّرقّى من هذا الظّلّ الشّبيه بالحقيقة جائز بل واقع وامّا اذا وقع الوصول إلى نفس الحقيقة فلا يجوز التّرقّى منها بلا تطفّل احد وتبعيّته فانّ تلك الحقيقة نهاية مراتب استعداده الذّاتيّ وامّا اذا وصل إلى حقيقة غيره الّتى هى فوق حقيقته بطريق التّطفّل فجائز بل واقع وهذا السّير كأنّه سير قسرىّ وراء السّير الطّبيعىّ الاستعدادى كما مرّت شمّة من ذلك عند بيان الوصول إلى الحقيقة المحمّديّة (فإن قيل) هل يجوز التّرقّى من الحقيقة المحمّديّة الّتى هى حقيقة الحقائق ولا حقيقة فوقها من حقائق الممكنات او لا وانت كتبت في رسائلك انّ التّرقّى من الحقيقة المحمّديّة قد وقع فما حقيقة هذه المعاملة (قلت) لا يجوز فانّ فوقها مرتبة اللّاتعيّن ووصول المتعيّن اليها ولحوقه بها محال والقول بالوصول واللّحوق بلا تكيّف مجرّد تفوّه يتسلّى به قبل الوصول إلى حقيقة المعاملة وامّا بعد الوصول إلى حقيقة الامر فالحكم بعدم الوصول واللّحوق لازم لانّه ليس فيه شائبة الرّيب وما كتبت انّه قد وقع التّرقّى من الحقيقة المحمّديّة فالمراد من تلك الحقيقة ظلّ تلك الحقيقة الذى قالوا انّه عبارة عن اجمال حضرة العلم ومعبّر عنه بالوحدة كان في ذلك الوقت اشتباه الظّلّ بالاصل ولمّا تيسّر التّخلّص بمحض فضل الله جلّ سلطانه من ذلك الظّلّ وسائر الظّلال علم انّ التّرقّى من حقيقة الحقائق غير واقع بل غير جائز فانّ رفع القدم منها ووضعها فيما فوقها وضع القدم في الوجوب وخروج من الامكان وذلك محال عقلا وشرعا (فإن قيل) يلزم من هذا التّحقيق انّ التّرقّى من تلك الحقيقة غير واقع لخاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام أيضا (قلت) انّه صلّى الله عليه وسلّم أيضا مع علوّ شأنه وجلالة قدره ممكن دائما لا يخرج من الامكان قطّ ولا يلحق بالوجوب اصلا فانّه مستلزم للتّحقّق بالالوهيّة تعالى الله ان يكون له ندّ وشريك دع ما ادّعته النّصارى في نبيّهم الخ (فإن قيل) قد اتّضح من التّحقيق السّابق ان الوصول إلى حقيقة الحقائق واللّحوق والاتّحاد بها بتطفّله ووراثته صلّى الله عليه وسلّم ثابت للآخرين أيضا وشركتهم له في كماله الخاصّ به صلّى الله عليه وسلّم كائنة فعلى هذا التّقدير ما الفرق بين المتبوع الاصل وبين التّابع الطّفيلىّ في هذا الكمال الذى هو متضمّن لرفع الحجاب وارتفاع الواسطة وفوق جميع الكمالات واىّ مزيّة في المتبوع والاصل ليست هى في التّابع والطّفيلىّ (قلت) انّ وصول الآخرين إلى تلك الحقيقة ولحوقهم بها من قبيل لحوق الخادم بالمخدوم ووصول الطّفيلىّ إلى الاصيل فان كان الواصل من اخصّ خواصّ الامّة الذين هم الاقلّون فهو خادم وان كان من الانبياء عليهم السّلام فهو أيضا طفيلىّ والخادم الذى هو نائل حصّة ممّا في يد المخدوم اىّ شركة له مع المخدوم واىّ عزّة له واىّ مزيّة PageV02P433 في جنبه والطّفيلىّ وان كان جليسا وشريكا في اللّقمة ولكنّ الطّفيلىّ طفيلىّ ووصول الخدمة بتبعيّة المخدوم إلى امكنة عالية واكلهم من الاطعمة المخصوصة به ونيلهم الاعزاز والاحترام من عظمة شأن المخدوم وعلوّ منزلته وكأنّه يلحق للمخدوم ح عزّة اخرى من جهة لحوق خدمة به مع وجود عزّته الذّاتيّة ويزيد بذلك قدره ويرتفع شأنه (اسمع سماعا حسنا) انّه قد ورد في الحديث النّبوىّ على صاحبه الصّلاة والسّلام " من سنّ سنّة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها فالمتبوع كلّما كان التّابع له في سنّته الحسنة اكثر يكون اجره مثل اجورهم ازيد واوفر ويكون موجبا لازدياد منزلته فكيف يكون للتّابعين شركة مع المتبوع وكيف تتوهّم المساواة بينهما (اسمع اسمع) انّه يجوز ان يكون جماعة في مقام واحد وشركاء في دولة واحدة ولكن يكون مع كلّ منهم معاملة على حدة ولا يكون لاحد منهم اطّلاع على الآخر الا ترى انّ ازواج النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم يكون معه في الجنّة في مقام واحد ويتناولن من طعام واحد وشراب واحد ولكنّ المعاملة الّتى تكون مع النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم لا تكون معهنّ والالتذاذ والسّرور اللّذان يكونان له صلّى الله عليه وسلّم لا يكونان لهنّ فلو كانت لهنّ شركة هناك معه في جميع الامور يلزم افضليّتهنّ على الكلّ كافضليّته صلّى الله عليه وسلّم فانّ الافضليّة هنا بمعنى كثرة الثواب عند الله (فإن قيل) انّ هذا التّعيّن الحبّىّ الذى هو التّعيّن الاوّل والحقيقة المحمّديّة هل هو ممكن او واجب حادث او قديم وقد قال صاحب الفصوص للتّعيّن الاوّل حقيقة محمّديّة وعبّر عنه بالوحدة وكذلك قال للتّعيّن الثانى واحديّة واثبت الاعيان الثابتة الّتى هى حقائق الممكنات عنده في تلك المرتبة وقال لكلا التعيّنين تعيّنا وجوبيّا واعتقد قدمهما وقال للتّعيّنات الثلاثة الباقية اعنى الرّوحىّ والمثالىّ والجسدىّ تعيّنا امكانيّا فما معتقدك في هذه المسئلة (قلت) لا تعيّن عند هذا الفقير اصلا ولا متعيّن اىّ تعيّن يجعل اللّامتعيّن متعيّنا وهذه الالفاظ موافقة لمذاق حضرة الشّيخ محى الدين واتباعه قدّس الله تعالى أسرارهم فان وقع مثل هذه الالفاظ في عبارات الفقير ينبغى ان نعتقده من قبيل صنعة المشاكلة وعلى كلّ حال اقول انّ ذلك التّعيّن تعيّن امكانىّ ومخلوق وحادث قال عليه الصّلاة والسّلام «اوّل ما خلق الله نوى " وورد في احاديث اخر تعيّن وقت خلقة ذلك النّور أيضا كما ورد قبل خلق السّموات بالفى عام وامثاله وكلّما هو مخلوق ومسبوق بالعدم فهو ممكن وحادث فاذا كانت حقيقة الحقائق الّتى هى اسبق الحقائق مخلوقة وممكنة تكون حقائق الآخرين مخلوقة وممكنة وحادثة بالطّريق الاولى والعجب من الشّيخ قدّس سرّه من اين يحكم للحقيقة المحمّديّة بل حقائق جميع الممكنات الّتى قال لها اعيانا ثابتة بالوجوب ويعتقد قدمها ويخالف قول نبيّه عليه الصّلاة والسّلام والممكن بجميع اجزائه وممكن بصورته وحقيقته لاىّ شيء يكون التّعيّن الوجوبيّ حقيقة الممكن وحقيقة الممكن ينبغى ان تكون ممكنة البتّة فانّ الممكن لا اشتراك له مع الواجب تعالى اصلا ولا انتساب غير ان يكون الممكن مخلوقة وهو سبحانه خالقه والشّيخ لعدم تمييزه PageV02P434 بين الواجب والممكن حيث قال بنفسه بعدم التّميّز بينهما لا يبالى من ان يقول للواجب ممكنا وللممكن واجبا فلو سومح في ذلك فهو من كمال الكرم والعفو ربّنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا (فإن قيل) انّك قد اثبتّ في رسائلك بين الواجب تعالى والممكن نسبة الاصالة والظّلّيّة (وقلت) في حقّ الممكن انّه ظلّ الواجب تعالى وكتبت أيضا انّ الواجب تعالى باعتبار الاصالة حقيقة للممكن الذى هو كالظّلّ له وفرّعت على ذلك معارف كثيرة فلو قال الشّيخ قدّس سرّه أيضا للواجب حقيقة الممكن بهذا الاعتبار اىّ محذور يلزم منه ولم يكون ملوما به (قلت) انّ مثل هذه العلوم الّتى تثبت بين الواجب تعالى والممكن نسبة ولم يرد بها الشّرع كلّها من المعارف السّكريّة ولعدم الاطّلاع على حقيقة المعاملة ولعدم ادراك كنه الامر وماذا يكون الممكن حتّى يكون ظلّ الواجب تعالى وكيف يكون للواجب تعالى ظلّ فانّ الظّلّ موهم لتوليد المثل ومنبئ عن شائبة عدم كمال لطافة الاصل فاذا لم يكن لمحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من لطافته ظلّ كيف يكون لاله محمّد ظلّ والموجود في الخارج بالذّات وبالاستقلال هو حضرة الذّات تعالت وصفاته الثمانية الحقيقيّة وما سواها ايّاما كان صار موجودا بإيجاده تعالى وممكن ومخلوق وحادث ولا شيء من المخلوق بظلّ لخالقه وليس له انتساب إلى الخالق تعالى غير المخلوقيّة وغير ما ورد به الشّرع وهذا العلم بظلّيّة العالم ينفع للسّالك في الطّريق نفعا كثيرا ويؤدّيه بجذبه إلى الاصل فاذا طوى بكمال العناية منازل الظّلال ووصل إلى الاصل يجد بفضل الله تعالى انّ هذا الاصل أيضا حكمه حكم الظّلّ ليس له لياقة بالمطلوبيّة لكونه متّسما بسمة الامكان وانّ المطلوب ما وراء حيطة الادراك والوصل والاتّصال ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيّئ لنا من امرنا رشدا (فصل) قد كان منبع الفضائل والكمالات مولانا حسن الكشميرىّ الدهلوىّ احسن الله سبحانه أحواله وحصّل آماله ارسل رسالة إلى هذا الفقير وادرج فيها اسئلة متعدّدة وطلب حلّها ولمّا كان حلّها متضمّنا لاظهار بعض الأسرار مع بعض موانع اخر ما اجترأ الفقير على تحرير الجواب وامر الوقت بالتّعلّل ولكن لمّا كان للمشار اليه حقوق عظيمة على ذمّة الفقير حيث تشرّف بحسن دلالته بدولة الحضور عند صاحب الولاية حاوى طريق اندراج النّهاية في البداية فاخذ منه تعليم الف باء في هذا الطّريق واستفاد في خدمته فيوضات وبركات غير متناهية ادرج حلّ بعض اسئلته الّتى لها مناسبة بعلوم هذه الرّسالة في ذيل هذه الرّسالة بالضّرورة والله سبحانه الهادى إلى سبيل الرّشاد (وقد سئل) انّ الكمالات الصّوريّة والمعنويّة والظّاهريّة والباطنيّة والعلميّة والعلميّة والدنيويّة والاخرويّة وما يمكن في نوع البشر كلّها حاصل لحضرة خير البشر عليه الصّلاة والسّلام إلى يوم الحشر ومتمكّنة فيه بالفعل كما يفهم من حديث «انا سيّد ولد آدم ولا فخر وآدم ومن دونه تحت لوائى يوم القيامة " فعلمت علم الاوّلين والآخرين وامثالها وما كان مشروطا بشروط او موقوفا على وقت يحصل له باحسن الوجوه البتّة فعلى هذا التّقدير لماذا يكون حزنه صلّى الله عليه وسلّم الموصوف بالدّوام المعروف بالكثرة وما سبب ذلك فانّ السّبب للحزن والغمّ فقدان شيء يطلبه ويريده البتّة (ايّها المخدوم) انّ استبعاد PageV02P435 وجود الحزن وفقدان الكمال بالنّسبة إلى خاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة نظرا إلى جاهه وجلاله المحمّدىّ وعناية الله جلّ سلطانه الشّاملة لحاله في حاله ومآله عليه الصّلاة والسّلام مسلّم ومستحسن واذا نظرنا إلى عبديّته وعجزه البشرىّ صلّى الله عليه وسلّم ولاحظنا عزّه وجلاله وعظمته وكبريائه واستغنائه تعالى الذّاتيّات لا يستبعد حصول حزن له او فقدان كمال من كمالاته تعالى الغير المتناهية في حقّه صلّى الله عليه وسلّم أيضا بل ذلك لائق بحال العبوديّة قوله تعالى " ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا " وقوله تعالى " لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ " كلاهما شاهدان عدلان لهذا المعنى ويثبتان الفقدان في حقّ الكلّ نعم انّ الممكن وان بلغ الدرجات العلى ماذا يدرك من حقيقة الواجب وماذا ينال الحادث من القديم وكيف يحيط المتناهى بما هو غير متناه وما كتبوه من انّ كلّ كمال ممكن الحصول لنوع البشر فهو حاصل فيه صلّى الله عليه وسلّم بالفعل نعم انّ الفضل الكلّىّ على الكلّ مخصوص به عليه الصّلاة والسّلام ولكن يجوز ان يكون كمال راجع إلى فضل جزئىّ مخصوصا ببعض الانبياء الكرام او الملائكة العظام عليهم الصّلاة والسّلام ولا يوجب ذلك قصورا في فضله صلّى الله عليه وسلّم الكلّىّ اصلا وقد وردت احاديث صحيحة بكون بعض الكمالات في أفراد الامّة حتّى يغبطه الانبياء عليهم السّلام والحال انّ الفضل الكلّىّ على جميع أفراد الامّة للانبياء عليهم السّلام وأيضا قد ورد في الحديث انّ للشّهداء في سبيل الله مزيّة على الانبياء باشياء حيث انّ الشّهداء لا احتياج لهم إلى الغسل ولم يشرع صلاة الجنازة على الشّهداء كما هو مذهب الامام الشّافعىّ والانبياء لا بدّ لهم من الصّلاة وقال في القرآن المجيد " ولا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ الله أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ " الآية وقال في حقّ الانبياء موتى وهذه كلّها فضائل جزئيّة لا تستلزم القصور في فضل الانبياء الكلّىّ فيمكن ان يطرأ عليه صلّى الله عليه وسلّم حزن وغمّ بسبب فقدان هذه الفضائل الجزئيّة ويكون ذلك الحزن سببا لحصول الاستعداد والوصول إلى تلك الفضائل بان تجتمع الشّهادة مثلا مع النّوبة ولئن سلّمنا انّ جميع كمالات جميع أفراد الانسان حاصلة له صلّى الله عليه وسلّم بالفعل نقول انّ همّته صلّى الله عليه وسلّم لمّا كانت عالية لم يكتف بتلك الكمالات بل اشاق إلى ما فوقها قائلا هل من مزيد ولمّا كان حصول الكمالات الفوقانيّة للبشر خارجا عن حدّ الامكان كان دوام الحزن وافراط الغمّ نقد وقته صلّى الله عليه وسلّم وتحقيق هذا المبحث والله اعلم بحقيقة الحال انّ مدار الامر في الطّريقة والحقيقة وفي القربة والمعرفة على الفناء وعلى زوال الصّفات البشريّة والأحوال الامكانيّة (شعر) ومن لم يكن في حبّ مولاه فانيا ... فليس له في كبرياه سبيل وكلّما يبقى من وجود البشريّة يكون حجاب الطّريق بقدره وارتفاع الصّفات البشريّة بالكلّيّة غير ممكن في حقّ الكلّ سواء كان من الخواصّ او من اخصّ الخواصّ قال الشّيخ فريد الدين العطّار (شعر) الا ترى سيّد الكونين ما وصلا ... لكنّه فقر فدع عن نفسك التّعبا واراد بكنه الفقر زوال الصّفات البشريّة والاحكام الامكانيّة بالكلّيّة وحصول ذلك غير متصوّر لكونه PageV02P436 مستلزم لقلب الحقائق فانّ الممكن اذا ترقّى وانخلع من امكانيّته يصير واجبا البتّة وذلك محال عقلا وشرعا وما قاله واحد من الاعزّة (شعر) لو نفض الممكن اغبرة الامكان ... لا يبقى سوى واجب محمول على التّمثيل والتّشبيه لا على التّحقيق والتّقرير فانّه غير واقع قال واحد من الاعزّة (شعر) سواد الوجه في الدارين صاح ... من المخلوق اصلا لا يزول (فإن قيل) انّ بقاء احكام الامكان وآثاره ظاهر في مقام " قاب قوسين " فانّ قوس الوجوب وقوس الامكان كليهما قائمان فيه وامّا مقام " او ادنى " الذى هو بالاصالة مخصوص به صلّى الله عليه وسلّم فما معنى بقاء احكام الامكان فيه (قلت) انّ ما به الامتياز بين الوجوب والامكان هو العدم الذى هو احد طرفى الامكان فانّ الطّرف الآخر من الامكان الذى هو الوجود مشترك بين الوجوب والامكان وفي مقام " او ادنى " تشرع احكام تلك العدم في الزّوال فيرتفع الامتياز من بين القوسين لا انّ الامكان يرتفع بالكلّيّة وينقلب وجوبا فانّه محال كما مرّ وانّما الفرق انّ في مقام " قاب قوسين لا تخلّص من الحجب الظّلمانيّة الّتى هى من آثار العدم وفي مقام " او ادنى " لو وجدت الحجب فهى نورانيّة وناشئة من طرف الوجود الامكانىّ ويمكن حمل معنى ذلك البيت الذى مرّ على هذا التّوجيه بان يراد من نفض غبار الامكان زوال احكام العدم الّتى هى كدورة بالكلّيّة (فإن قيل) اذا زال طرف العدم عن الامكان وارتفع ما به الامتياز من بين الوجوب والامكان ولم يبق فيه غير الوجود الذى هو طرف آخر من الامكان وقدر مشترك بينه وبين الوجوب فقد انخلع الامكان عن حقيقته وصار ملحقا بالوجوب الذى هو الوجود الصّرف ولزم قلب الحقيقة وكان معنى البيت المذكور اعنى لم يبق فيه شيء غير الواجب محمولا على حقيقته (قلت) انّ الوجود الذى هو احد طرفى الامكان ظلّ الوجود الذى هو ثابت في الوجوب لا عينه وذاك الوجوب الذى حدث في الممكن بسبب زوال طرفه العدم هو وجوب بالغير الذى هو قسم من الممكن لا وجوب بالذّات حتّى يلزم انقلاب الحقيقة وذلك لانّ ارتفاع هذا العدم ما جاء من جهة الممكن حتّى يصير واجبا بالذّات ويلزم المحال بل ارتفاع هذا العدم من الممكن انّما هو لاستيلاء وجود الواجب وقهر الوجوب الذّاتىّ للممكن الذّاتىّ والمتبادر من الوجوب المذكور في المصراع السّابق هو الوجوب الذّاتىّ لا الوجوب بالغير والقول بكون الوجود قدرا مشتركا بين الواجب والممكن فهو من قبيل الاشتراك اللّفظىّ لا المعنوىّ وان قالوا انّه كلّىّ مشكّك فانّه لا شركة لوجود الممكن مع وجود الواجب في الحقيقة اصلا حتّى تتصوّر الكلّيّة والجزئيّة (فإن قيل) فما معنى الفناء والبقاء اللّذين قال بهما الصّوفيّة وجعلوا الولاية عبارة عنهما فانّه اذا لم يتصوّر ارتفاع الصّفات البشريّة كيف يتصوّر الفناء (قلت) انّ الفناء الذى هو معتبر في الولاية باعتبار الشّعور والشّهود فانّه عبارة عن نسيان ما سوى الحقّ سبحانه لا ارتفاع ما سواه غاية ما في الباب انّ صاحب ذلك الفناء ربّما يظنّ في غلبات السّكر عدم الشّعور بالاشياء عدم الاشياء ويتوهّمه ارتفاع ما سواه تعالى ويتسلّى بذلك فاذا ترقّى من ذلك بمحض فضله تعالى PageV02P437 وتشرّف بدولة الصّحو وصار صاحب تميّز يعلم انّ ذلك الفناء كان نسيان الاشياء لا انعدام الاشياء فلو زال بسبب هذا النّسيان شيء فانّما هو التّعلّق بالاشياء الذى كان متمكّنا ومذموما لا نفس الاشياء فانّها قائمة على صرافتها ممتنع نفيها واعدامها (ع) سياهى از حبشى كى رود كه خود رنكست فاذا حصل بفضل الله تعالى هذه الرّؤية والتّمييز زال ذلك التّسلّى وقعد مكانه الحزن والغمّ وعدم الاستراحة وتيقّن انّ وجوده مرضىّ لا يكون بسعيه واهتمامه معدوما وعلم انّ نقص الامكان وقصور الحدوث لا زمان له دائما والعجب انّ العارف كلّما يترقّى إلى فوق ويكون عروجاته اكثر يكون رؤية النّقص والقصور فيه ازيد ويكون عديم القرار والرّاحة وتشبه معاملة هذا العارف بقصّة تلميذ رسن تاب حيث قال لاستاذه على وجه التّعجّب كلّما يكون عملى ازيد اقع ابعد ولعلّه من ههنا قال عليه الصّلاة والسّلام كما ورد يا ليت ربّ محمّد لم يخلق محمّدا وقال أيضا صلّى الله عليه وسلّم " ما اوذى نبىّ مثل ما اوذيت " ويشبه ان يكون المراد بهذه الاذيّة رؤية النّقص والقصور الموجبة لكمال الحزن والغمّ فانّ سائر الاذيّة يمكن ان يقال انّها كانت في سائر الانبياء اكثر فانّ نوحا عليه السّلام كان بين قومه تسعمائة وخمسين عاما ورأى منهم انواع الاذيّة ونقل انّ قومه رموه حين دعاهم إلى الايمان بالاحجار حتّى سقط مغشيّا عليه من كثرة الاحجار كالامطار فكان مستورا تحت الاحجار فلمّا افاق شرع إلى الدعوة وعامله قومه بالمعاملة السّابقة وهكذا إلى ان يبلغ الكتاب اجله ينبغى ان يعلم انّ رؤية النّقص والقصور هذه ليست هى من البعد بل هى القرب والحضور فانّ الكدورة القليلة في المحلّ النّورانىّ ترى في النّظر كثيرة والكدورة الكثيرة في المحلّ الظّلمانىّ ترى يسيرة وانّما قلت فيما سبق انّ مدار الامر في القرب والمعرفة على الفناء فانّ السّالك ما لم يفن عن نفسه ولم يخرج من الصّفات البشريّة والامكانيّة بالكلّيّة لا يصل إلى المطلوب فانّ اجتماعه مع المطلوب من قبيل اجتماع النّقيضين فانّ ثبوت العدم ضرورىّ في الامكان وفي الوجوب سلبه ضرورىّ وما لم يصل إلى المطلوب ماذا يدرك من كمالات المطلوب لا يدرك الشّيئ إلّا بما يضادّه ويغايره قضيّة مقرّرة عند ارباب المعقول الا ترى انّ الصّبىّ الذى لا يعرف لذّة الجماع اذا وصفت له لذّته ليقال انّه حلو لامر وهو يتوهّم حلاوته كحلاوة النّبات والعسل البتّة فانّه لا حلاوة في وجدانه غيرها وهذه اللّذّة ليست هى لذّته بل هى لذّة مجعولة ومخترعة باختراع وهم ذلك الصّبىّ وفي الحقيقة هى راجعة اليه لا إلى ذاك فالعارف كلّما يحكى من المطلوب من قبل نفسه بلا اعلام منه انّما يكون حاكيا من نفسه واذا مدحه كان مادحا لنفسه قال عارف في هذا المقام يمكن ان يكون ضمير " بحمده " في قوله تعالى " وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ " راجعا إلى الشّئ يعنى لا يسبّح شيء ولا يقدّس ولا يمدح إلّا نفسه لهذا قال البسطامىّ " سبحانى " لاعادة التّسبيح اليه ونعم ما قيل بالفارسيّة المثنويّة اشعار (ع) اى شده هم در جمال خويشتن ... مى ?رستى هم خيال خويشتن قسم خلقان زان جمال وزان كمال ... هست اكر برهم نهى مشت خيال PageV02P438 كر ز معشوقت خيالى در سرست ... نيست معشوق آن خيال دى كراست قال صاحب الفصوص والتّجلّى من الذّات لا يكون إلّا بصورة المتجلّى له فالمتجلّى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحقّ وما رآى الحقّ ولا يمكن ان يراه وقال بامكان الرّؤية على وجه المتابعة لا على وجه التّحقيق فانّ الرّؤية في الدنيا جائزة وفي الآخرة واقعة ولمّا كان فناء السّالك بالكلّيّة ممتنعا وكان الوصول إلى المطلوب والاتّصال به بدونه ممنوعا ولم تتصوّر المعرفة بدون الوصول لزم العجز عن المعرفة بالضّرورة وصار العجز عن المعرفة عين المعرفة لا يقال انّ العجز عن المعرفة كيف يكون عين المعرفة فانّه نقيضها لانّ العجز عن المعرفة عبارة عن معرفة بانّه لا يعرف قال الصّدّيق الاكبر رضي الله تعالى عنه العجز عن درك الادراك ادراك فسبحان من لم يجعل للخلق اليه سبيلا إلّا بالعجز عن معرفته قال واحد من الاكابر (شعر) سبحانه من خالق ... اوصافه من كبرياه القى على تراب عجز فيه عقل انبياه فاذا كان الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام عاجزين في معرفة صفة كبرياءه وقال الملائكة الكرام عليهم السّلام سبحانك ما عرفناك حقّ معرفتك واعترف الصّدّيق رضي الله عنه الذى هو رئيس هذه الامّة الّتى هى خير الامم بالعجز فمن ذا الذى يدّعى المعرفة بعد هؤلاء إلّا ان يظنّ جهله المركّب معرفة ويعتقد غير الحقّ حقّا وهذا العجز عن المعرفة هو نهاية نهايات مراتب العروج ومنتهى غايات مدارج القرب ومن لم يصل إلى النّقطة الاخيرة ولم يطو مراتب التّجلّيات والظّهورات ولم يجد الوصل والاتّصال الذين كان مسرورا بهما مدّة كثيرة عين الانفصال لا يكون مشرّفا بدولة هذا العجز ولا يتخلّص عن الجهل بالله ومعرفة غير الحقّ حقّا (فإن قيل) فعلى هذا ما معنى وجوب معرفة الله تعالى (قلت) معنى وجوب المعرفة هو انّ كلّ ما ورد به الشّرع في معرفة الذّات والصّفات الالهيّة فمعرفته واجبة وكلّ معرفة تستفاد من غير الشّريعة فاطلاق معرفة الحقّ عليها جراءة عند هذا الفقير وحكم على الحقّ جلّ وعلا بالظّنّ والتّخمين اتقولون على الله ما لا تعلمون ولعلّه لذلك قال سراج الامّة وامام الائمّة الامام الاعظم الكوفىّ رضي الله تعالى عنه سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك ولكن عرفناك حقّ معرفتك وان كان هذا القول ثقيلا على الاكثر ولكنّه قابل للتّوجيه الوجيه فانّ حقّ المعرفة ان يعرف الحقّ بجميع ما نطقت به الشّريعة من كمالاته وتنزيهاته وتقديساته تعالى لانّه لم يبق ماوراءه معرفة حتّى تكون مانعة عن المعرفة (فإن قيل) للعوامّ شركة في هذه المعرفة مع الخواصّ بل مساواة فيلزم ان تكون معرفة عوامّ المؤمنين مثل معرفة الانبياء عليهم الصّلاة والتّسليمات فإنّ حقّ المعرفة حصل للكلّ وهذه المسئلة تشبه ما قال الامام الاعظم الايمان لا يزيد ولا ينقص وقالوا هناك انّه يلزم من هذه العبارة ان يكون ايمان عوامّ المؤمنين مثل ايمان الانبياء عليهم السّلام (قلت) انّ حاصل هذه الشّبهة القويّة مبنيّة على دقيقة اهتدى اليها هذا الفقير بمحض الفضل والكرم وهى انّ حقّ المعرفة هو ان يلحق بتلك المعارف الشّرعيّة الحاصلة للعارف العجز عن المعرفة مثلا وردت الشّريعة بثبوت صفة العلم للواجب تعالى وذلك PageV02P439 العلم غير متكيّف وغير متّكم كذاته تعالى وخارج عن حيطة ادراكنا فمن عرف ذلك العلم قياسا على علمه فهو لم يعرفه بل المعرفة هناك مجعول وهمه ومخترع خياله لا معرفة علم الحقّ الذى هو صفته الكاملة ففى هذه الصّورة لم توجد نفس المعرفة فضلا عن حقّ المعرفة فان انجرّت معاملته من القياس والتّخمين إلى العجز ووجد بوجدانه وحاله انّه لا يمكن معرفته وايقن انّه لا نصيب له من ذلك غير الايمان بثبوت تلك الصّفة الكاملة فحينئذ قد حصل له نفس المعرفة وحقّ المعرفة فكان اصل المعرفة هو حقّ المعرفة في الحقيقة وما ليس بحقّ المعرفة ليس باصل المعرفة فلم يكن للعوامّ شركة مع الخواصّ في حقّ المعرفة واين المساواة بعد (فإن قيل) اذا كان حقّ المعرفة نفس المعرفة يلزم ان لا يكون في العوامّ نفس المعرفة لعدم حقّ المعرفة فيهم (قلت) انّ للمعرفة صورة وحقيقة والمعرفة الّتى هى عين حقّ المعرفة هى حقيقة المعرفة المربوطة بالعجز عن المعرفة وصورتها هى ما لم تبلغ حدّ هذا العجز ولم تتخلّص من شائبة المقايسة على صفات الامكان كما مرّ ومن كمال فضله تعالى اعتبر صورة المعرفة في نفس الايمان وجعل النّجاة مربوطة بها كما اعتبر صورة الايمان أيضا وجعل دخول الجنّة مترتّبا عليها وصورة المعرفة كافية في صورة الايمان وامّا حقيقة الايمان فلا بدّ فيها من حقيقة المعرفة فعلم من هذا التّحقيق انّ للايمان أيضا فردين صورة وحقيقة وما هو نصيب العوامّ هو الصّورة وما اعطيه الخواصّ هو الحقيقة فلم يكن ايمان العوامّ مثل ايمان الانبياء عليهم السّلام الذين هم اخصّ الخواصّ فانّ ذاك الايمان غير هذا الايمان لا مماثلة بينهما ولمّا كان العجز عن المعرفة ماخوذا في حقيقة الايمان وكانت المعرفة بانّه لا يعرف موجودة فيها لا جرم يكون الزّيادة والنّقصان مفقودين فيها فانّه لا احتمال لتفاوت درجات المعرفة في سلب المعرفة وتفاوت الدرجات انّما هو في الثبوت فلا يكون في حقيقة الايمان زيادة ولا نقصان والله سبحانه اعلم بحقيقة الحال. (فإن قيل) يلزم على هذا التّقدير ان تكون علوم الصّوفيّة ومعارفهم الكشفيّة ساقطة عن حيّز الاعتبار وان لا تكون معرفة الحقّ جلّ وعلا مربوطة بها اصلا فانّ حقّ المعرفة حصل بالعلوم الشّرعيّة ولم تبق معرفة حتّى يكتسبها الصّوفيّة بالسّعى والاجتهاد فلم نثبت للصّوفيّة مزيّة على العلماء في معرفة الحقّ جلّ شأنه أصلا (قلت) انّ علوم الصّوفيّة ومعارفهم الكشفيّة معدّات لذلك العجز الذى يتيسّر لمنتهين منهم إلى نهاية النّهاية وهؤلاء الاكابر يتدرّجون في مدارج تلك المعارف الكشفيّة إلى ان يتشرّفوا بدولة الوصول إلى ذلك العجز فتكون معارف هؤلاء الاصفياء معتبرة لكونها وسيلة لحصول حقّ المعرفة وذريعة الوصول إلى تلك الحقيقة. (فإن قيل) اذا ثبت العجز عن المعرفة وكان الكمال منحصرا في العجز فما معنى اعتبار الصوفيّة ثلاثة مراتب في المعرفة وما يكون المراد بعلم اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين (قلت) انّ لهذا الفقير مشاجرة في هذه المسئلة مع القوم وهؤلاء الاكابر اعتبروا هذه المراتب الثلاث بالنّسبة إلى ذاته تعالى واثبتوا علم اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين في حضرته جلّ شأنه وفي التّمثيل الذى اوردوه لذلك قالوا للعلم بالنّار الحاصل من الاستدلال بالدّخان " علم اليقين " بالنّسبة إلى النّار وقالوا لرؤية النّار عين اليقين وللتّحقّق بالنّار حقّ اليقين وهذا PageV02P440 الفقير نزّل هذه المراتب الثلاث إلى الآيات الدالّة على ذات الواجب جلّ سلطانه وقال بالعلم والعين والحقّ في الدوالّ لا في المدلول فانّه اجلّ واعلى من العلم والعين والحقّ وفي التّمثيل اثبت العلم والعين والحقّ بالنّسبة إلى الدخان لا بالنّسبة إلى النّار فانّ العلم بالدّخان اذا حصل بالاستدلال فهو علم اليقين بالنّسبة إلى الدخان المستلزم للنّار واذا حصلت رؤية الدخان واستدل به لوجود النّار فهو عين اليقين بالنّسية إلى الدخان واذا حصل التّحقّق بالدّخان واستدلّ به على وجود النّار فهو حقّ اليقين بالنّسبة إلى الدخان وهذا الاستدلال اتمّ من الاستدلال السّابق فانّ ذاك استدلال من الآفاق وهذا استدلال من الانفس لحصول التّحقّق بالدّخان وأيضا انّ الدخان واسطة في عين اليقين وفي حقّ اليقين ليس بواسطة بل النّسبة الّتى هى كائنة للدّخان مع النّار تحصل تلك النّسبة بعينها للمستدلّ فيصل إلى اعلا مدارج القرب الذى هو ما وراء العلم والعين والحقّ (لا يقال) اذا ارتفعت الواسطة فقد تحقّقت الرّؤية الّتى هى عين اليقين (لانّا نقول) انّ ارتفاع الواسطة لا يكفى في تحقّق الرّؤية بل لا بدّ من اشياء اخر وهى مفقودة ولمّا كانت مراتب اليقين راجعة إلى الآيات ولم تبق معرفة تكون راجعة إلى المدلول لزم العجز عن المعرفة في المدلول بالضّرورة ولم تتحقّق هناك معرفة غير سلب المعرفة فلو لم تجعل هذه المراتب الثلاث لليقين راجعة إلى الآيات وكانت راجعة إلى المدلول كيف يتصوّر العجز عن المعرفة وما يكون معنى سلب المعرفة. (122) المكتوب الثاني والعشرون والمائة: إلى نور محمّد التّهاريّ في بيان انّ الطريق الموصل إلى جناب قدس الحقّ تعالى اثنان بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى انّ الطّريق الموصل إلى جناب قدسه تعالى اثنان طريق يتعلّق بقرب النّبوّة على اربابها الصّلاة والتّحيّة وهو موصل إلى اصل الاصل والواصلون من هذا الطّريق بالاصالة هم الانبياء عليهم السّلام واصحابهم الكرام ويشرّف به أيضا من اريد له ذلك من سائر أولياء الامّة العظام وان كانوا قليلين بل اقلّ ولا توسّط في هذا الطّريق ولا حيلولة وكلّ من يأخذ الفيض من هؤلاء الواصلين يأخذه من الاصل بلا توسّط احد وليس احدهم حائلا للآخر وطريق يتعلّق بقرب الولاية والأقطاب والأوتاد والبدلاء والنّجباء وعامّة أولياء الله تعالى واصلون من هذا الطّريق وطريق السّلوك عبارة عن هذا الطّريق بل الجذبة المتعارفة أيضا داخلة فيه وفيه التّوسّط والحيلولة ومقتدى الواصلين من هذا الطّريق ورئيسهم ومنبع فيض هؤلاء الاكابر علىّ المرتضى كرّم الله تعالى وجهه الكريم وهذا المنصب العظيم الشّأن متعلّق به وكأنّ قدمى النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا المقام على فرقه المبارك كرّم الله تعالى وجهه وحضرة الفاطمة وحضرات الحسنين شركاء معه في هذا المقام واظنّ انّه كرّم الله وجهه كان ملاذ هذا PageV02P441 المقام قبل النّشأة العنصريّة أيضا كما انّ بعد النّشأة العنصريّة كلّ من وصل اليه الفيض والهداية من هذا الطّريق وصل بتوسّطه فانّه عند نقطة منتهى هذا الطّريق ومركز هذا المقام متعلّق به ولمّا تمّ دوره كرّم الله وجهه فوّض هذا المنصب العظيم القدر وسلّمه إلى حضرات الحسنين على التّرتيب وبعدهما إلى كلّ واحد من الائمّة الاثنى عشر على التّرتيب والتّفصيل وكلّ من وصل اليه الفيض والهداية في اعصار هؤلاء الاكابر وكذلك بعد ارتحالهم وصل بتوسّطهم وبحيلولتهم وان كان من الأقطاب ونجباء الوقت وكان ملاذ الجميع وملجأ الكلّ هؤلاء الاكابر فانّه لا بدّ للاطراف من اللّحوق بالمركز إلى ان وصلت النّوبة إلى الشّيخ عبد القادر الجيلانىّ قدّس سرّه ولمّا بلغت النّوبة اليه فوّض المنصب المذكور اليه قدّس سرّه ولا يشاهد على هذا المركز احد بين الائمّة المذكورين وبين الشّيخ قدّس سرّه ويفهم وصول الفيوض والبركات في هذا الطّريق إلى اىّ فرد كان من الأقطاب والنّجباء بتوسّطه الشّريف فانّ هذا المركز لم يتيسّر لغيره ولهذا قال (شعر) (1) افلت شموس الاوّلين وشمسنا ... ابدا على افق العلى لا تغرب والمراد بالشّمس شمس فيضان الهداية والإرشاد ومن افولها عدم الفيضان المذكور ولمّا تعلّقت المعاملة الّتى كانت اوّلا متعلّقة بالاوّلين بالشّيخ بعد وجوده وصار هو واسطة وصول الرّشد والهداية كما كان الاوّلون قبله ويكون وصول الفيض أيضا بتوسّطه ما دامت معاملة التّوسّط باقية صحّ قوله (شعر) افلت شموس الاوّلين وشمسنا البيت * (فان قيل) انّ هذا الحكم منتقض بمجدّد الالف الثانى فانّه قد اندرج في مكتوب من مكتوبات الجلد الثانى في بيان معنى مجدّد الالف الثانى انّ كلّما يصل إلى الامّة في تلك المدّة من انواع الفيض انّما يصل بتوسّطه سواء كانوا أقطابا او أوتادا او بدلاء او نجباء في ذلك الوقت (قلت) انّ مجدّد الالف في هذا المقام نائب مناب حضرة الشّيخ قدّس سرّه وهذه المعاملة مربوطة به نيابة عن حضرة الشّيخ كما قالوا انّ نور القمر مستفاد من نور الشّمس فلا محذور (فان قيل) انّ معنى مجدّد الالف الذى ذكر فيما سبق مشكل لانّ عيسى عليه السّلام ينزل في المدّة المذكورة والمهدىّ عليه الرّضوان أيضا يظهر في تلك المدّة ومعاملتهما اجلّ واعلى من ان تأخذا الفيوض بتوسّط احد (قلت) انّ معاملة التّوسّط مربوطة بالطّريق الثانى من الطّريقين المذكورين الذى هو عبارة عن قرب الولاية وفي الطّريق الاوّل الذى هو عبارة عن قرب النّبوّة معاملة التّوسّط مفقودة وكلّ من وصل من ذاك الطّريق ليس له حائل ومتوسّط في البين بل يأخذ الفيوض والبركات بلا توسّط احد والتّوسّط والحيلولة انّما هما في الطّريق الاخير فقط ومعاملة ذلك الموطن ممتازة عن غيره كما مرّ وعيسى عليه السّلام والمهدىّ عليه الرّضوان واصلان من الطّريق الاوّل كما انّ الشّيخين رضى الله عنهما وصلا من الطّريق الاوّل في ضمنه صلّى الله عليه وسلّم ولهما فيه شأن خاصّ على تفاوت درجاتهما (تنبيه) ينبغي ان يعلم انّه يصحّ ان يصل شخص من طريق قرب الولاية إلى قرب النّبوّة ويكون شريكا في كلتا المعاملتين ويعطى محلّا هناك أيضا بتطفّل الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام ويجعل PageV02P442 معاملة كلا الطّريقين مربوطة به (شعر) ليس على الله بمستنكر ... ان يجمع العالم في واحد ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد سيّد المرسلين وآله وصحبه اجمعين قد منّ الله سبحانه وتعالى على هذا العبد العاجز اللّاشى باتمام هذه التّرجمة الحقيرة بعد اتعاب الجسم والرّوح في عدّة شهور وصارت بحيث يطلق عليه اسم المسطور فلو لا ان منّ الله به علىّ لما تيسّر مدى الدهور لانّى حين الاشتغال كنت مبتلى بغاية سوء الحال وتشتّت البال وانواع الاهوال بحيث كان الاشتغال بها من اظهر المحالّ إلّا انّ ما يسّر الله سبحانه ليس بعسير وهو على كلّ شيء قدير وكان الشّروع فيها في اواسط شعبان المعظّم عام ثلاثة وثلاثمائة والف والفراغ منها في ذى القعدة من العام الثانى وكم شرّدت في تلك المدّة لاقتناص شواردها رقادى وكم فرقت لجمع فرائدها شمل فؤادى وكم فارقت لوصل خرائدها قومى وكم صبرت لقيد فوائدها على ايذاء من خاض في لومى وكم اقتحمت لاستيضاح نكتة منها مواقع السّهر في ظلماء الدياجر وكم اقدمت لتصحيح شبهة منها ظماء الهواجر فنسأل الله سبحانه ان يجعلها خالصة لوجهه الكريم وان ينفع بها اخوان الصّفاء النّفع العميم انّه لطيف بعباده رؤف رحيم وصلّى الله على سيّدنا محمّد ذى الخلق العظيم وآله وصحبه الذين تأهّبوا ليوم عظيم. PageV02P443 يقول الراجي من ربه نيل الأماني عبد الحميد فردوس المكي الخالدي الأفغاني مصحح الكتب العربية بالمطبعة الميرية غفر الله له ولوالديه ولمحبيه وللمسلمين الحمد لله الذي نور قلوب العارفين بنور اليقين * وشرح صدور الواصلين بالمشاهدة فكانوا هداة الدين * فأعربوا عن الحقائق الالهية بلسان الحق المبين * والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين * ترجمان لسان القدم * ومنبع الحكمة والحكم * من أوتى فصل الخطاب وجوامع الكلم * وعلى آله وأصحابه هداة الأمم * والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين * وبعد فقد تم بحمد الله الوهاب * طبع الكتاب المستطاب * المرسوم بالدرر المكنونات النفيسة * في تعريب المكتوبات الشريفة * للامام الكامل المكمل ذي الجناحين * المرشد المجدد للالف الثاني بلا ريب ولا مين * العلامة الأستاذ الشيخ الرباني * والهيكل الصمداني * سيدي ومولاي الشيخ أحمد السرهندي * الأفغاني * النقشبندي * نفع الله به آمين والتعريب للعالم الفاضل الكامل الجامع بين علمي الظاهر والباطن العلامة الشيخ محمد مراد القزاني المكي فلله در مؤلفه فقد أفاد وأجاد * بلغه الله وايانا المراد * وشكر سعيه ونفع به كما نفع بأصله أنه سميع قريب مجيب * ولم نألوا جهدا في التصحيح ثم نرفعه لملاحظة المؤلف فيطبع بعد ذلك وذلك في المطبعة الميرية * الكائنة بمكة المحمية * في ظل الله في الارض * وخليفته في الطول والعرض * ملك البرين وخاقان البحرين والممالك التي لا تحصى * خادم الحرمين الشريفين والمسجد الاقصى * مولانا السلطان المظفر المعان المحفوظ بالقرآن والسبع المثاني * مولانا السلطان الغازي (عبد الحميد) خان الثاني * اللهم انصره نصرا تعزبه الدين * وتنجز وعد وكان حقا علينا نصر المؤمنين * ووفقه ووزراءه وقضاته وعماله لما تحب وترضى في كل وقت وحين * بنظر وادارة مديرها من للمكارم يبدي * شويكي زاده عبد الغني أفندي * والتصحيح بمصاحبه العالم الفاضل الشيخ عبد الله زبير وكان تمام الطبع * وختام الترتيب والوضع * في اليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول من عام السابع عشر والثلاثمائة والألف * من هجرة من خلقه الله على أكمل وصف * صلى الله عليه وسلّم * وكل ناسج على منواله * ما طاف بالبيت العتيق طائف، ووقف بعرفة واقف * ولما بدا بدر تمامه * وفاح مسك ختامه * قلت مؤرخا PageV02P444 درر زهت بالطبع يا صاح ... أم غادة جليت بأفراح أم روضة مأنوسة جمعت ... للروح والريحان والراح أم ذا كتاب عربت وعلت ... ألفاظه بالطبق يا صاحى سر الطريقة والحقيقة قد ... ابداه فيه لنا بأيضاح للفاضل الشيخ الذكي مرا ... د من أمد بفيض فتاح فالله يعلى قدره أبدا ... بالأنبيا والسيد الماحى من غير كاف تم ارخه ... تعريب مكتوب بافصاح 1317 5 682 448 182 *** PageV02P445 ترجمة أحوال المعرب على سبيل الاجمال هو الشيخ محمد مراد سلمه الله تعالى ابن عبد الله ولد سنة اثنتين وسبعين ومائتين والف في منتصف ربيع الأخر يوم الثلاثاء والشمس في أواسط برج الجدى في قرية المت من مضافات قصبة منزلة التابعة لولاية اوفا من ممالك قزان المدعوة سابقا بممالك بلغار الشهيرة في الكتب الفقهية بعدم غيبوبة الشفق لتوغلها في الشمال أسلم أهلها طوعا في حدود سنة ثلاثمائة ايام المقتدر بالله العباسى أو قبلها التابعة الآن من حدود سنة احدى وستين وتسعمائة لدولة الروسية فلما بلغ سلمه الله تعالى ست سنين شرع في قراءة العلوم أخذ القرآن المجيد أولا من أبويه ثم من خاله الشيخ المنلا حسن الدين الذى هو من أكبر تلامذة الملا اسمعيل القشقارى المشهور في تلك البلاد وشرع في قراءة الصرف في سن تسع وقرأ عوامل الجرجانى في سن احدى عشرة ولازم خاله المذكور إلى أن بلغ عمره ثمانى عشرة سنة وقرأ في تلك المدة عليه من النحو والمنطق والاخلاق والفقه إلى شرح العقائد النسفية للتفتازانى وكان معيدا لدروسه وبهذا حصل له ملكة جيدة فيما قرأ وبعد ذلك سافر إلى بلدة قزان في أول ربيع من عام تسعين ومائتين وألف وأختار مدرسة العلامة شهاب الدين القزاني المرجانى صاحب الناظورة وغيرها من التآليف الكثيرة ولكن لم يوفق للاقامة هناك بل سافر منها قاصدا بخارا وما وراء النهر صحبة واحد من السياحين الا أنه توقف أثناء سفره هذا في بلدة طرويسكى مقدار سنتين واختار للاقامة هناك مدرسة المرحوم الحاج المنلا شرف الدين والمنلا محمد جان وقرأ عليهما شرح العقائد وسلم العلوم في المنطق مع حواشيه وهو غير السلم المنورق المنظوم المستعمل في بلاد العرب بل هو منثور وأكبر من المذكور واجمع لقواعد المنطق الا أنه مخلوط بمسائل الفسلفة خصوصا حاشيته المشهورة للقاضى مبارك الكوفاموى الهندى وكان له شغف تام به حتى كتبه وحاشيته المذكورة وحاشية المنلا حسن بيده وحفظه من أوله لكونه رائجا في بلاده والناس لا بدلهم من أن يرغبوا لما هو رائج عند أهل زمانه وبلاده وكان يعتقد كاهل بلاده ان لاكمال فوق الذى يحويه هذا الكتاب وحاشيته المذكورة ولهذا كان لا يفارقهما في سفره وحضره ثم توجه إلى بخارا من طريق طاشكند وأقام بطاشكند مقدار شهرين وكان يحضر درس شرح العقائد وشرح حكمة العين عند بعض علمائها ثم دخل بخارا سنة ثلاث وتسعين وحضر درس شرح العلامة الدوانى على تهذيب المنطق للعلامة التفتازانى من أوله عند الملا عبد الله المفتى السرطاوى القزاني والمنلا عبد الشكور التركمانى رحمهما الله فأتم بحث الحمد في مدة ستة أشهر بقراءة أربعة من حواشيه على ما هو عادة تلك البلاد في هذه الأزمنة الأخيرة فيقرأونه بهذه الكيفية إلى بحث الموضوع في مدة أربع سنين ثم يتركونه قبل الوصول إلى مقصود الفن وهكذا عادتهم في جميع الكتب فطرأ الفتور على تحصيله بعد اطلاعه على ذلك وتيقن ان بخارا لم تبق PageV02P446 معدنا للكمالات كما كان أولا وأن شهرتها إنما هى بالنظر إلى حالها الأول وعلم يقينا ان الاقامة فيها على هذه الحالة تضييع للوقت لا غير وحرمان من المقصود فخرج منها في أول الربيع متوجها إلى طاشكند ثانيا فأقام بها وبنواحيها سنتين وحضر درس علمائها المتداول هناك وأقام في رباط بعض المشائخ في نواحيها مدة معلما وصادف عنده كثيرا من كتب التصوف بالعربية والفارسية وكتب السير أيضا فطالعها كلها بالشوق والالتذاذ واستيفن ان ما ظنه كمالا نقص محض وانه تضييع للوقت وان الكمال فيما وراءه ورأى النبى صلّى الله عليه وسلّم في منامه أثناء مطالعته كتب السير وتشرف بالانابة في الطريقة على يد بعض المشايخ في تلك الناحية ثم أراد الرجوع إلى بخارا ثانيا فدله بعض أحبابه على التوجه إلى الحجاز وشوقه إلى ذلك فخرج من طاشكند في أواسط سنة خمس وتسعين في رفاقة بعض أعيان بلاده المجاورين بطشكند متوجها إلى الحجاز فسلكوا طريق سمرقند وقرشى وعذار وبلخ وكابل وجلال آباد وبشاور ولاهور وأمر تسر فتوقفوا هناك جمعة واحدة بسبب انكسار الجسر في طريق بابور البر فرجعوا من هناك إلى لاهور ثانيا فسلكوا طريق ملتان فسقر بقر فحيدر آباد السند فكراجى فبمبى فأقاموا هناك مدة شهر رمضان وبعد العيد ركبوا البابور ووصلوا إلى جدة بعد ثمانية عشر يوما ودخلوا مكة المكرمة في أواخر شوال وبعد أن حج في السنة المذكورة توجه إلى المدينة المنورة فدخل هناك أولا في مدرسة أمين أغا ثم تحول بعد شهر إلى مدرسة الشفا ثم انتقل منها بعد ثمانية أشهر إلى المدرسة المحمودية بسبب أن مدرسها الذى كان جاء من الآستانة في العام المذكور وأحدث الامتحان لقبول الطلبة في المدرسة المذكورة فحضر دروس العلوم الدينية كالفقه والحديث والتفسير عند علمائها الكبار وانكب على مطالعة العلوم العربية خصوصا الفنون الثلاثة والعروض فحصل منها شيأ صالحا وطالع أكثر الأحياء وسائر كتب التصوف وقرأ التوضيح في الأصول مع حاشيته التلويح على واحد من علماء بلاده وكان جاور في المدينة في العام المذكور واتم حفظ القرآن في العام الذى دخل المدينة ونال الاجازة من كبار علماء المدينة الذين جضر دروسهم من الاهالى والمجاورين في سائر الفنون والعلوم ودخل الطريقة النقشبندية المجددية عند قطب وقته والمشار اليه بالبنان في الطريقة والحقيقة في عصره والذى لا يشق له غبار فيهما مولانا الشيخ محمد مظهر قدس الله سره وروح روحه ونور ضريحه وكان له قدس سره في حقه عناية تامة والتفات خاص وقد أثنى عليه مرارا عند خواص أصحابه حين غيبوبته أخبره بذلك وبشره بما هنالك المرحوم المخدوم اسماعيل أفندى التوسى الذى كان من خواص أصحابه وناظر كتبه رحمه الله تعالى وقال المترجم سلمه الله رأيت مرة في المنام حين كنت في صحبه سيدى محمد مظهر قدس سره بيتا عاليا في صحراء واسعة وحوله أصحاب سيدى الشيخ وفي أيديهم المخدوم الأعظم الشيخ أحمد بهاؤ الدين حفظه الله تعالى ولد شيخنا يريدون أن يدخلوه في البيت المذكور ويتداولونه من يد إلى يد يجيؤن به تارة إلى الباب وتارة PageV02P447 الى الطاقة ولا يقدرون على ادخاله بوجه ما لأن العتبة عالية جدا والحقير انظر اليهم من بعيد واضحك متعجبا من عدم قدرتهم على الادخال فلما تبين لى عجزهم أخذته من أيديهم ووضعته في العتبة وقلت له أدخل البيت فدخل اه قال فكان الأمر كذلك لأن شيخنا المذكور لما توفى بقى المخدوم المذكور حفظه الله في سن عشرة فأخذه سيدى السيد محمد صالح الزواوى المكى قدس الله سره وروح روحه ونور ضريحه في حجر تربيته فلما جاء به مكة المكرمة سلمه إلى للاقراء فقرأ على مدة حياة سيدى المذكور وسنتين بعد وفاته أيضا واستفاد طريقة أجداده أيضا في تلك المدة حتى حملته إلى المدينة سنة عشر وثلاثمائة والف ووضعته في عتبة باب آبائه وأجداده العالية وهو الآن جالس في مسند آبائه الكرام رزقه الله تعالى حسن الاستقامة والحمد لله على ذلك وحين كان يستفيد في صحبة شيخه المذكور من الأسرار ويستضئ فيها بأنواع الأنوار وحصل له فيها أحوال القلب وسائر اللطائف في مدة يسيرة وشاهد حصولها في عالم المثال بصور الأنوار اذ غدر عليه الدهر الغدار حيث حصل له مرض شديد سلب عنه الصبر والقرار فلزمه تبديل الهواء بالسفر إلى بلاده فحصل الاذن من شيخه بأنواع الحيلة اذ كان غير راض بمفارقته لعدم مجيئ أوانها فسافر إلى وطنه وبعد ان أقام به عدة أشهر كر راجعا إلى الحجاز في عامه ذلك وبعد ان حج في العام المذكور أقام بمكة المكرمة ولم يرجع إلى المدينة المنورة وحضر صحبة مولانا الشيخ العلامة عبد الحميد أفندى الداغستانى قدس الله سره وروح روحه ونور ضريحه ثم سافر إلى وطنه ثانيا وعاد في عامه إلى الحجاز ودخل المدينة أولا في هذه النوبة من طريق ينبع وأقام بها ثمانية عشر يوما ثم توحه إلى مكة المكرمة وأقام بها أيضا بعد اتمام الحج وحضر صحبة مولانا الشيخ عبد الحميد أفندى المذكور واستفاد منه الطريقة وحضر درس سنن ابى داود عنده في رمضان وكان يحضر دروس بعض علمائها الكبار في فنون شتى وبينما هو في صدد الرجوع إلى المدينة بنية التشمر على صحبة شيخه المذكور وقصر وقته عليها اذ جائه خبر وفاة شيخه المذكور قدس سره سنة احدى وثلاثمائة والف فرجع عن عزيمته بالضرورة والتزم صحبة مولانا الشيخ عبد الحميد قدس سره ولكن خانه الدهر الخؤن أيضا حيث توفى أخر العام المذكور شيخه المبرور المذكور أيضا فحصل له غاية القلق والاضطراب حيث ذاق طعم شراب القوم وأدرك كنهه وتيقن أن لا كمال سوى مشربهم ذوقا وحالا كما قال الامام الغزالى قدس سره وهو في غاية العطش ولم ينل منه مقصوده ولم يحصل بغيته فهم بالمسافرة إلى الهند لأخذ الطريقة من كبار المشايخ هناك لا لأجل غرض أخر ولكن لما جلس مولانا السيد محمد صالح الزواوى مكان الشيخ عبد الحميد أفندى قدس سرهما اطمئن خاطره وحضر صحبته وصار يستفيد منه الطريقة ولكن لما سافر السيد المذكور في رجب عام أثنين وثلاثمائة عاد عليه القلق الاضطراب ثانيا فشرع في تعريب الرشحات لدفع الهموم عن نفسه باشغالها به ورجاء حصول النفع للاخوان وورد اليه من المدينة PageV02P448 المنورة من السيد المذكور مع قافلة رجب ورقة الاجازة والاستخلاف في مكانه مشتركا مع واحد من أخوانه الجاويين فزاد تحيره واضطرابه من ذلك لأنه كان معتقدا أنه لم يضع قدمه في الطريقة بل لم يحصل له مناسبة بها بعد فكتب إلى شيخه بطلب الاقامة منه فلم يقله بل لما عاد مكة المكرمة في العام الثانى أكد الاجازة بالباس الخرقة أياهما في مجمع كافة الأخوان وبالاجازة قولا وكتب له أجازة مخصوصة في سائر العلوم على ظهر رسالة الأمم للشيخ ابراهيم الكورانى وكان يخلفهما بمكة المكرمة حين توجهه إلى المدينة المنورة وكان يبذل في حقه أنواع العنايات وصنوف الالطاف ولما قدمه تعريب الرشحات بعد عوده إلى مكة المكرمة استحسنه وأمره بتعريب المكتوبات أيضا فاعتذره بأنه مشكل جدا وفي غاية الصعوبة فقال أن الله يعينك بحرمة المشايخ الكرام وأنه (ع) لا عسر في أمر مع الكرماء * فعربها أيضا امتثالا لأمره فاستحسنه غاية الاستحسان وسربه نهاية السرور وقابله بما عربه بعض العلماء منتخبا من المكتوبات وعزم على طبعه بعد طبع الرشحات ولكن اخترته المنية قدس سره قبل بلوغه تلك الأمنية سنة طبع فيها الرشحات وقد كتب له اجازة ثالثة على ظهر كتابه خصر الشارد من أسانيد الشيخ عابد في الطريقة وسائر العلوم والفنون وكتب فيها هذه العبارة وأنه له من اسمه نصيب وكما انه مريد فهو مراد وانه يحصل منه نفع تام للعباد أه وقد بشره بالمرادية والمحبوبية مشافهة مرارا ولكنه مع هذه كلها لا يغتر بها بل دائما في خوف ووجل من المسئولية عند الله بالجلوس في هذا المكان ولهذا ترك حضور الحلقة مرة بعد الاعتذار على الاخوان واذنه اياهم بالذهاب إلى اى محل شاؤا ولكن لما لم يترك الاخوان ذيله وجاءه الملام من كل طرف بتضييع محل المشائخ وتركه اياه خاليا في حياته عاد اليه ثانيا لكن بالتصريح بانه غير مستحق له وأنه إنما يجلس فيه لكونه مأمورا من جانب مشائخه ويؤكد ذلك دائما ويعتقده من قلبه ويشهد على ذلك كل واحد لئلا يكون مسؤلا عند الله تعالى ولذلك لا يختار أوضاع المشايخ ولا يحب أن يمشى أحد خلفه وقت المشى أو يحمل أحد سجادته أو أن يتكلم مع الناس على طور المشائخ بايراد كلمات الصوفية وبيان اصطلاحاتهم كما هو ديدن مشائخ الوقت بل يتكلم مع كل واحد كلاما مناسبا لحاله وصنعته لاسترا لحاله بل لئلا يكون منه دعوى ما ليس فيه ولو ضمنا وكان في حياة شيوخه كلما يحضر عندهم يحضر بغاية الخوف من ظهوره عند بصر بصيرتهم بصورة واحدة من الأخلاق الذميمة وبالحملة أنه لا يرى في نفسه شيئا من كمالات القوم وكل من أراد منه الطريقة يقول ليس عندى شيء أطلبها من أهلها وإنما أجلس في هذا المحل امتثالا لأمر مشائخى فان الح في الطلب يقبله بالضرورة خوفا من البخل والكتمان وكذلك من راجع اليه في شيء من علوم القوم يبين له ما وصل بمطالعة كتب القوم أو من مشائخه مشافهة وعنده جملة من تأليفات مشائخه كالمكتوبات المعصومية والمقامات المظهرية والمعمولات المظهرية ورسائل مولانا أحمد سعيد ومولانا محمد مظهر قدس سرهما والمقامات الدهبيدية PageV02P449 ومناقب الإمام الرباني وغيرهما من كتب التصوف وقد طالع كلها مرارا وما سواها أيضا في خزانات الكتب في المدينة المنورة وطالع العوارف والفتوحات المكية والفصوص مع عدة من شروحه وحواشيه بحيث أطلع على حقيقة مذهب الشيخ محى الدين ابن عربى كما أنه مطلع على حقيقة مذهب الامام الرباني قدس سرهما كما ينبغى بحيث قلما يخفى عليه دقيقة من دقائقهما علما وكذلك طالع شروح التائية الكبرى وشرح اللمعات ولوائح الجامى وشرح الرباعيات وشرح الخمريات له وبالجملة اعتناؤه بكتب التصوف ازيد من اعتنائه بغيرها ومع ذلك لا يخلو أيضا من مطالعه كتب التفسير والحديث والسير وتراجم المشائخ والعلماء وتواريخ الأمم ويتمنى دائما أن يمضى عمره بعد عبادة الله تعالى في مطالعة هذه الفنون ومذاكرتها مع أهلها وله من التصانيف تعريب الرشحات وذيله وقد طبع في مكة المكرمة سنة سبع وثلاثمائة من جيب شيخه السيد محمد صالح الزواوى قدس سره وتاريخ قزان وبلغار الا أنه لم يتم إلى الآن لتوقفه على ترجمة بعض تواريخ الروسية بل لتوقفه على اراده الله تعالى وتعريب المكتوبات هذا وما وضع في هامش الجلد الاول من ترجمة أحوال الامام الرباني وما وضع في هامش الجلد الثانى من تعريب المبدأ والمعاد ورسائل أخر تنتشر بعد ومدار تعيشه يحصل من كرماء أهل بلاده بقدر الكفاية والستر خصوصا أصحاب تكيته التى هو ساكن بها الآن بمكة المكرمة وهم الذين عرفوه حين جهله الناس واخرجوه من زاوية الخمول إلى عرصة الظهور والاشتهار واشتروا له هذه التكية بالف ذهب عثمانى ولا ينسونه في كل عام من احساناتهم جزاهم الله سبحانه خير الجزاء وعمر دنياهم واخراهم وكذلك سائر أهل الاحسان وطبع هذا الكتاب أيضا من جملة احسانات أهل بلاده ولولاهم لما تيسر طبعه ونشره وهو ليس باثر قليل بل هو اثر جليل امتاز هذا الزمان المسعود عما قبله بنشره فيه وقد قيل أن المرحوم السلطان عبد العزيز رحمه الله تعالى أمر العلامة السيد داود البغدادى بتعريبها أعنى مكتوبات الامام الرباني ووعده بانعامات جزيلة بعد الاتمام زيادة على ما عينه له حين الاشتغال بتعريبه من المصارف اللازمة وشرع فيه ولكن خانة الزمان وحيل بين العير والتروان وشربا من كأس الحمام قبل ان يتم ويخرج في الميدان ولله سبحانه في كل امور حكم ولكل وقت حادث قل اوجم وبالجملة أنه كلما يفتح بصره يقع نظره على احسانات أهل ممالك قزان وليس في ذمته حقوق لسواهم في باب الاحسان الا ان يكون من أهل الجاوة بعض الاخوان جزى الله الجميع خير جزائه وعاملهم بلطفه يوم جزائه والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى اله وصحبه أجمعين تم بقلم بعض أصحابه على سبيل الاختصار وخير الكلام ما قل ودل. PageV02P450 للشيخ ابن محمد عبد الله بن القاسم الشهرزوري رحمه الله تعالى في التصوف لمعت نارهم وقد عسعس الليل ... ومل الحادى وحار الدليل فتأملتها وفكرى من البين ... عليل ولحظ عينى كليل وفؤادى ذاك الفؤاد المعنى ... وغرامى ذاك الغرام الدخيل ثم قابلتها وقلت لصحبى ... هذه النار نار ليلى فميلوا فرموا نحوها لحاظا صحيحات ... فعادت خواسئا وهى حول ثم مالوا إلى الملام وقالوا ... خلب ما رأيت ام تخييل فتجنبتهم وملت اليها ... والهوى مركبى وشوق الزميل ومعي صاحب اتى يقتفى الآثار ... والحب شرطه التطفيل وهي تعلو ونحن ندنوا إلى ان ... حجزت دونها طلول محول فدنونا من الطلول فحالت ... زفرات من دونها وغليل قلت من بالديار قالوا جريح ... وأسير مكبل وقتيل ما الذى جئت تبتغى قلت ضيف ... جاء يبغى القرى فاين النزول فاشارت بالرحب دونك فاعقر ... ها فما عندنا لضيف رحيل من أتانا القى عصى السير عنه ... قلت من لى بها واين السبيل فحططنا إلى منازل قوم ... صرعتهم قبل المذاق الشمول درس الوجد منهم كل رسم ... فهو رسم والقوم فيه حلول منهم من عفى ولم يبق للشكوى ... ولا للدموع فيه مقيل ليس الا الانفاس تخبر عنه ... وهو عنها مبرأ معزول ومن القوم من يشير إلى وجد ... تبقى عليه منه القليل ولكل منهم رأيت مقاما ... شرحه في الكتاب مما يطول قلت اهل الهوى سلام عليكم ... لى فؤاد عنكم بكم مشغول وجفون قد اقرحتها من الدمع ... حنينا إلى لقاكم سيول لم يزل حافز من الشوق يحدونى ... اليكم والحادثان تحول واعتذارى ذنب فهل عند من يعلم ... عذرى في ترك عذرى قبول PageV02P451 جئت كى اصطلى فهل لى إلى ناركم ... هذه الغداة سبيل فاجابت شواهد الحال عنهم ... كل حد من دونها مفلول لا تروقنك الرياض الانيقات ... فمن دونها ربا ودحول كم أتاها قوم على غرة منها ... وراموا أمر فعز الوصول وقفوا شاخصين حتى اذا ما ... لاح للوصل غرة وحجول وبدت راية الوفا بيد الوجد ... ونادى أهل الحقائق جولوا أين من كان يدعينا فهذا اليوم ... فيه صبغ الدعاوى يحول حملوا حملة الفحول ولا يصرع ... يوم اللقاء الا الفحول بذلوا أنفسا سخت حين شحت ... بوصال واستصغر المبذول ثم غابو من بعد ما اقتحموها ... بين أمواجها وجاءت سيول قذفتهم إلى الرسوم فكل ... دمه في طلولها مطلول نارنا هذه تضئ لمن يسرى بليل لكنها لا تنيل منتهى الحظ ما تزود منه اللحظ ... والمدركون ذاك قليل جاءها من عرفت يبغى اقتباسا ... وله البسط والمنى والسول فتعالت عن المنال وعزت ... عن دنواليه وهو رسول فوقفنا كما عهدت حيارى ... كل عزم من دونها مخذول ندفع الوقت بالرجاء وناهيك ... بقلب غذاؤه التعليل كلما ذاق كأس بأس مرير ... جاء كأس من الرجا معسول فاذا سولت له النفس أمرا ... حيد عنه وقيل صبر جميل هذه حالنا وما وصل العلم ... اليه وكل حال تحول *** PageV02P452 ترجمة رسالة المبدأ والمعاد للإمام الرباني قدس سره بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله في المبدأ والمعاد والصلاة على حبيبه محمد وآله الأمجاد (أما بعد) فهذه رسالة شريفة متضمنة لإشارات لطيفة رائقة وأسرار دقيقة فائقة للإمام الهمام حجة الله على الأنام قدوة الأقطاب والأوتاد وقبلة الأبدال والأفراد كاشف أسرار السبع المثاني المجدد للألف الثاني الأويسي الرحماني والعارف الرباني شيخ الاسلام والمسلمين شيخنا وإمامنا الشيخ أحمد الفاروقي نسبا والحنفي مذهبا والنقشبندي مشربا ما زال شموس هدايته على أفق العلي ساطعة والناس في رياض افاضته راتعة والله المستعان وعليه التكلان. 1 - فمن تلك الإشارات والأسرار ما قاله وقع في قلب درويش محبة هذه الطريقة فاوصلته العناية الالهية إلى واحد من خلفاء خواجكان قدس الله أسرارهم فاخذ عنه طريقة هؤلاء الاكابر ولازم صحبته فحصل له ببركة توجهه جذبة الخواجكان التي تحصل من جهة الاستهلاك في صفة القيومية وتيسر له أيضا شرب من طريق اندراج النهاية في البداية وبعد تحقق هذه الجذبة تقرر الامر على السلوك وبلغ هذه الطريقة بتربية روحانية اسد الله الغالب كرم الله تعالى وتقدس وجهه المقدس إلى نهايتها يعني إلى الاسم الذي هو ربه وعرج من هذا الاسم بمدد روحانية حضرة الخواجة القشبند قدس الله تعالى سره إلى القابلية الأولى التي هي معبر عنها بالحقيقة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام والتحية وتيسر الاستعلاء من ذاك المحل بامداد روحانية عمر الفاروق رضي الله عنه إلى ما فوق تلك القابلية ووقع الترقي من ذاك المحل بتربية روحانية حضرة خاتم الرسالة على صاحبها الصلاة والسلام والتحية إلى المقام الذي فوق تلك القابلية التي هي بمثابة التفصيل له وهو كالا جمال لها وذلك المقام هو مقام الأقطاب المحمدية وحصل لذلك الدرويش وقت الوصول إلى ذلك المقام نحو من الامداد من روحانية حضرة الخواجه علاء الدين العطار الذي هو خليفة الخواجة النقشبند قدس سرهما وقطب الإرشاد ونهاية عروج الأقطاب إلى هذا المقام ودائرة الظلية تنتهي في هذا المقام. وبعد ذلك اما اصل خالص او اصل ممتزج بالظل وطائفة الأفراد ممتازون بالوصول إلى هذه الدولة ويقع لبعض الأقطاب عروج إلى المقام الممتزج بمصاحبة الأفراد ويحصل لهم النظر إلى اصل الممتزج بالظل واما الوصول إلى الاصل الخالص او النظر اليه فهو خاصة الأفراد على تفاوت درجاتهم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ونال ذلك الدرويش بعد وصوله لذاك المقام الذي هو مقام الأقطاب خلعة قطبية الإرشاد من سيد الدارين عليه الصلاة والسلام على سبيل العناية وجعل ممتازا بهذا المنصب. وبعد ذلك صارت عناية الحق جل شأنه وعم احسانه شاملة حالة وجعلته متوجها إلى فوق واوصلته إلى اصل ممتزج بمرتبة واحدة وتيسر له الفناء في ذلك المقام كما تيسر في المقامات السابقة وحصل له الترقي بعونه تعالى إلى مقام الاصل حتى وصل إلى اصل الاصل وجاء له المدد في هذا العروج الاخير الذي عروج إلى مقامات الاصل من روحانية حضرة الغوث الاعظم الشيخ محي الدين عبد القادر الجيلاني قدس الله تعالى سره الاقدس وأوصلوه إلى اصل الاصل بعد العبور به من تلك المقامات بقوة التصرف وارجعوه من هناك إلى العالم كما ارجعوه اليه من كل مقام وقد حصل لذلك الدرويش اصل نسبة الفردية التي العروج الاخير مخصوص بها من والده الماجد وقد ظفر بها والده الماجد من عزيز موصوف بجذبة قوية ومشهور PageV02P453 بخوارق سنية ولكن لم يعد ذلك الدرويش تلك النسبة بواسطة ضعف بصيرته وقلة ظهورها شيئا سوى قطع منازل السلوك ولم يلتفت اليها اصلا. وأيضا ان هذا الدرويش قد وجد المدد في كونه موفقا للعبادات النافلة خصوصا لاداء صلاة النوافل من والده وهذه السعادة حصلت لوالده الماجد من شيخه في سلسلة ال?شتية وأيضا قد منح هذا الدرويش العلم اللدني من حضرة الخضر على نبينا وعليه الصلاة والسلام لكن كان ذلك قبل أن يتعدي ويترقي من مقام الأقطاب وأما بعد عبوره من ذلك المقام وحصول الترقيات الي المقامات العالية فأخذ العلوم من حقيقة نفسه يجد في نفسه بنفسه من نفسه ولم يبق للغير مجال أن يدخل في البين. وأيضا وقع لهذا الدرويش وقت النزول الذي هو عبارة عن السير عن الله بالله عبور عن مقامات مشائخ السلاسل الاخر ونال من كل مقام نصيبا أوفر وصارت مشائخ ذلك المقام ممدين له ومعاونين في أمره ومنحوه نصيبا من خلاصة نسبهم وقع العبور أولا في مقام اكابر ال?شتية قدس الله أسرارهم وحصل له حظ وافر من ذلك المقام وأول من أمد من هؤلاء المشائخ العظام هو روحانية حضرة الخواجه قطب الدين والحق أن له في ذلك المقام شأنا عظيما وهو رئيس ذلك المقام. وبعد ذلك وقع العبور على مقام أكابر الكبروية قدس الله أسرارهم وهذان المقامان كلاهما متساويان باعتبار العروج ولكن هذا المقام واقع على يمين ذاك الطريق الاعظم وقت النزول من فوق والمقام الاول واقع في يساره وهذا الطريق الاعظم طريق يذهب منه بعض اكابر أقطاب الإرشاد إلى مقام الفردية ويصلون إلى نهاية النهايات واما الأفراد المحضة فلهم طريق آخر لا يمكن المرور من ذلك الطريق الاعظم بلا رتبة القطبية وهذا المقام واقع بين مقام الصفات وبين ذاك الطريق الاعظم وكأنه برزخ بين هذين المقامين وله نصيب من كليهما وأما المقام الاول فهو واقع إلى جانب آخر من الطريق الاعظم فنصيبه من الصفات قليل. وبعد ذلك وقع العبور على مقام اكابر السهروردية الذين جاؤا بعد الشيخ شهاب الدين السهروردي قدس الله أسرارهم وهذا المقام متحلي بنور اتباع السنة السنية على مصدرها الصلاة والتحية ومزين بنورانية مشاهد فوق الفوق والتوفيق للعبادات رفيق ذاك المقام وبعض السالكين الغير الواصلين الذين هم مشغولون بعبادات النوافل ويطمئنون بها وجدوا نصيبا من ذاك المقام بواسطة مناسبتهم له والعبادات النافلة مناسبة لهذا المقام بالاصالة وأما الباقون سواء كانوا مبتدئين او منتهئين فمناسبتهم لها بواسطة مناسبتهم لهذا المقام وهذا المقام لطيف وعال جدا والنورانية التي تشاهد في هذا المقام قليلة في غيره ومشائخ هذا المقام بسبب اتباعهم السنة عظيمو الشان ورفيعو القدر ولهم امتياز تام من بين ابناء جنسهم والذي تيسر لهم في هذا المقام لم يتيسر لارباب مقامات اخروان كانوا فوقهم باعتبار العروج ثم انزلوني إلى مقام الجذبة وهذا المقام جامع لمقامات جذبات غير متناهية وانزلوني من هناك أيضا ونهاية مراتب النزول مقام القلب الذي هو الحقيقة الجامعة والإرشاد والتكميل يتعلقان بالانزال إلى هذا المقام فانزلوني إلى هنا وقبل أن يحصل التمكين في هذا المقام وقع العروج ثانيا فترك الاصل في ذلك الوقت مثل الظل وراءه فمن هذا العروج الذي كان في مقامات القلب خصل التمكين والسلام. 2 - (ومنها) ان قطب الإرشاد الذي يكون جامعا للكمالات الفردية أيضا عزيز الوجود جدا يظهر مثل هذا الجوهر النفيس بعد قرون متطاولة وأزمنة متكاثرة فيصير العالم الظلماني بنور ظهوره نورانيا ونور إرشاده وهدايته شامل لجميع العالم وكل رشد وهداية وايمان ومعرفة تحصل في العالم من محيط العرش إلى مركز الفرش إنما تحصل من طريقه PageV02P454 وتستفاد بواسطته ولا يصل أحد لي هذه الدولة بدون توسطه ونور هدايته محيط بجميع العالم كالبحر المحيط وهذا البحر كانه منجمد لا يتحرك ابدا فاذا كان شخص متوجها إلى هذا العزيز وكان مخلصا له او كان هو متوجها لحال طالب فكان روزنة تفتح في قلب الطالب وقت ذلك التوجه فيصير الطالب ريانا من ذلك البحر من ذلك الطريق على قدر توجهه واخلاصه وكذلك اذا كان شخص مشغولا بالذكر الالهي يحصل له مثل هذه الافادة وان لم يكن متوجها إلى هذا العزيز لا من جهة الانكار بل لعدم معرفته اياه ولكن الافادة في الصورة الأولى أكثر منها في الصورة الثانية. واما اذا كان شخص منكرا لهذا العزيز أو كان هو متأذيا منه فهو محروم من حقيقة الرشد والهداية وان كان مشغولا بذكر الله عز وجل فان انكاره يكون سدا في طريق الفيض من غير أن يكون هذا العزيز متوجها لعدم أفادته وقاصدا لضرره وأنما فيه صورة الرشد والهداية دون الحقيقة والصورة العارية عن المعنى قليلة النفع والذين فيهم اخلاص ومحبة لهذا العزيز يصل اليهم أيضا نور الرشد والهداية بمجرد تلك المحبة وان خلوا من التوجه المذكور والذكر الالهي جل شأنه والسلام على من اتبع الهدى. 3 - (ومنها) ان أول باب فتح لهذا الدرويش لا نفس الوجدان كان فيه ذوق الوجدان ثم تيسر نفس الوجدان وفقد ذوق الوجدان ثم صار نفس الوجدان مفقودا مثل ذوق الوجدان فالحالة الثانية حالة الكمال والوصول إلى درجة الولاية الخاصة والثالثة مقام التكميل والرجوع إلى الخلق للدعوة والحالة السابقة كمال في جهة الجذبة فقط فاذا انضم اليها السلوك وتم حصلت الحالة الثانية ثم الثالثة وليس للمجذوب المجرد عن السلوك من الحالة الثانية والثالثة نصيب أصلا فالكامل المكمل هو المجذوب السالك ثم السالك المجذوب وما سواهما فليس بكامل ولا مكمل أصلا فلا تكن من القاصرين والصلاة والسلام على خير البشر سيدنا محمد وآله الاطهر. 4 - (ومنها) ان هذا الدرويش تشرف في اواخر ربيع الاخير بخدمة عزيز من خلفاء هذه الطائفة العلية واخذ عنه طريقة هؤلاء الاكابر وأستسعد في منتصف رجب من ذلك العام بحضور النقشبندية الذي فيه اندراج النهاية في البداية فقال له ذلك العزيز ان نسبة النقشبندية عبارة عن هذا الحضور وبعد عشرة أعوام كاملة وعدة أشهر تجلت النهاية التي كانت ظهرت في البداية من وراء عدة حجب البدايات والاوساط بخرق تلك الحجب في النصف الاول من ذي القعدة وحصل اليقين بانه كان في البداية صورة من ذلك الاسم وتكلم من تلك الجفون واسم من ذلك المسمي شتان ما بينهما وحقيقة الامر أنكشفت هنا وسر المعاملة ظهر ههنا من لم يذق لم يدر والصلاة والسلام على سيد الأنام وآلة الكرام واصحابه العظام. 5 - (ومنها) واما بنعمة ربك فحدث كان هذا الدرويش يوما من الايام قاعدا في حلقة أصحابة وكان ينظر إلى نقصانه وقصوره وقد غلب فيه هذا النظر بحيث رأى نفسه غير مناسب جدا لهذا الوضع يعني للمشيخة ففي تلك الاثناء رفعوه من تراب المذلة بحكم من تواضع لله رفعه الله ونودي في سره بهذا النداء غفرت لك ولمن توسل بك أتي بواسطة أو بغير واسطة إلى يوم القيامة وشرقوه بهذا المعنى مكررا إلى حد لم يبق فيه مجال للريب والحمد لله سبحانه على ذلك حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه وكما يحب ربنا ويرضي والصلاة والسلام على رسوله سيدنا محمد وآله كما ينبغي له ويحري ثم أمروه بافشاء هذه الواقعة (شعر). واذا اتى باب العجوز خليفة ... اياك يا صاح ونتف سبالكا إن ربك واسع المغفرة 6 - (ومنها) أن السير إلى الله هو عبارة عن سير إلى اسم من اسماء الله جل شأنه هو مبدأ تعين السالك PageV02P455 والسير في الله عبارة عن السير في ذلك الاسم إلى أن ينتهي إلى حضرة الذات الاحدية المجردة عن اعتبار الاسماء والصفات والشؤن والاعتبارات وهذا التفسير إنما يصح اذا كان المراد بالاسم المبارك الله مرتبة الوجوب يعني الذات المستجمعة لجميع الاسماء والصفات وأما اذا كان المراد به هو الذات البحث فقط فيكون السير في الله بالمعنى المذكور داخلا في السير إلى الله ولا يتحقق السير في الله على هذا التقدير أصلا فان السير في نقطة نهاية النهايات غير متصور فانه متي تيسر الوصول إلى تلك النقطة يقع الرجوع إلى العالم بلا توقف وهذا الرجوع معبر عنه بالسير عن الله بالله وهذه المعرفة مخصوصة بالواصلين إلى نهاية النهايات ولم يتكلم بها من أولياء الله تعالى أحد غير هذا الدرويش الله يجتبي اليه من يشاء والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله وأجمعين. 7 - (ومنها) ان الاقدام متفاوتة في كمالات الولاية فجمع يكون فيهم استعداد حصول درجة واحدة من درجات الولاية وبعض آخر يكون فيه استعداد درجتين منها وطائفة فيهم استعداد ثلاث درجات وقوم فيهم قابلية اربع درجات وآحاد تكون مستعدة لخمس درجات وهم الاقلون وحصول الدرجة الأولى من هذه الدرجات الخمس مربوطة بتجلي الافعال والثانية منوطة بتجلي الصفات والثلاثة الاخيرة مربوطة بالتجليات الذاتية على تفاوت درجاتها واكثر اصحاب هذا الدرويش لهم مناسبة للدرجة الثالثة من الدرجات المذكورة وقليل منهم لهم مناسبة للدرجة الرابعة والاقلون للخامسة التي هي نهاية درجات الولاية والكمال المعتبر عند هذا الدرويش إنما هو فيما وراء هذه الدرجات ولم يظهر هذا الكمال بعد زمان الاصحاب الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وهو فوق كمال الجذبة والسلوك وغدا يظهر هذا الكمال في حضرة المهدي ان شاء الله تعالى والصلاة والسلام على خير البرية. 8 - (ومنها) ان نزول الواصلين إلى نهاية النهاية وقت رجوع القهقري إلى أسفل الغاية ومصداق الوصول إلى نهاية النهاية هو عين هذا النزول إلى غاية الغاية ومتي وقع النزول بتلك الخصوصية يكون صاحب الرجوع متوجها إلى عالم الاسباب بكليته لا أن بعضه متوجها إلى الحق وبعضه الآخر إلى الخلق فان هذا علامة عدم الوصول إلى نهاية النهاية وعدم النزول إلى غاية الغاية وغاية ما في الباب يقع للطائف صاحب الرجوع توجه خاص إلى الجناب الاقدس جل سلطانه وقت اداء الصلاة التي هي معراج المؤمن ويبقي هذا التوجه إلى تمام الصلاة وبعد الفراغ منها يكون متوجها بكليته إلى الخلق ولكن المتوجه إلى جناب القدس وقت اداء الفرائض والسنن هي اللطائف الست وفي وقت اداء النوافل ألطف تلك اللطائف فقط يمكن ان يكون في حديث لي مع الله وقت اشارة إلى هذا الوقت الخاص المخصوص بالصلاة والقرينة على تعيين تلك الاشارة في حديث وقرة عيني في الصلاة والعلاوة على هذه القرينة الكشف الصحيح والالهام الصريح وهذه المعرفة من المعارف المخصوصة بهذا الدرويش وأما المشائخ فقد اعتقدوا الكمال في الجمع بين التوجهين والامر الي الله سبحانه والسلام على من اتبع الهدى والتزم شريعة المصطفى عليه وعلى آله اتم الصلوات وأكمل التسليمات. (9 - ومنها) قال المشائخ ان مشاهدة أهل الله بعد الوصول إلى مرتبة الولاية إنما هي في الانفس فان المشاهدة الآفاقية التي كانت ميسرة في أثناء الطرق وقت السير إلى الله غير معتبرة والذي انكشف لهذا الدرويش ان المشاهدة في الانفس أيضا غير معتبرة كالمشاهدة في الآفاق فان تلك المشاهدة ليست هي مشاهدة الحق سبحانه فانه تعالى منزه عن الكيف والكم لا تسعه المرآة المكيفة سواء كانت مرآة الآفاقي او PageV02P456 مرآة الانفس فانه تعالى ليس بداخل للعالم ولا خارجا عنه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه فشهوده ورؤيته تعالى أيضا ليسا في العالم ولا في خارج العالم ولا متصلين به ولا منفصلين عنه ولهذا قالوا للرؤية الاخروية انها بلا كيف فهي خارجة عن حيطة العقل والوهم وأما في الدنيا فقد انكشف هذا السر لخواص الخواص وان لم يكن رؤية ولكنه كالرؤية وهذه دولة عظمى قل من استسعد بها بعد زمان الاصحاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وهذا القول وان كان اليوم مستبعدا وغير مقبول لدي الاكثر الا انه لا بأس في اظهار النعمة العظمي قبله القاصرون اولا وهذه النسبة تظهر غدا بتلك الخصوصية في حضرة المهدي ان شاء الله تعالى والسلام على من اتبع الهدى والتزم متابعة المصطفى صلوات الله وتسليماته عليه وعلى آله واصحابه أجمعين. 10 - (ومنها). اذا حضر الطالب عند شيخ ينبغي له أن يأمره بالاستخارة ويكرر الاستخارة من ثلاثة إلى سبعة فاذا لم يظهر بعد تكرار الاستخارة تذبذب في الطالب يتسرع في امره فيعلمه اولا طريق التوبة ويأمره بصلاة ركعتي التوبة فان وضع القدم في هذا الطريق بلا توبة غير نافع ولكن ينبغي ان يكتفي في حصول التوبة بقدر الاجمال ويحيل تفصيله على مرور الايام فان الهمم قاصرة في هذه الايام جدا فاذا كلف القاصرون بتحصيل تفصيل التوبة اولا فلا جرم انه يستدعي مدة فربما يقع الفتور على طلبه في تلك المدة فيحرم من المطلب بل لا يتم التوبة أيضا وبعد ذلك يعلمه طريقا مناسبا لاستعداده ويلقنه ذكرا موافقا لقابليته ويبذل التوجه في امره ويراعي الالتفات في حقه ويبين له آداب الطريقة وشرائطه ويرغبه في متابعة الكتاب والسنة وآثار السلف الصالحين ويعلمه أن الوصول إلى المطلوب بغير هذه المتابعة محال ويعلمه أيضا ان الكشوف والوقائع اذا كانت مخالفة الكتاب والسنة ولو كان مقدار شعرة لا يعتبرها اصلا بل يكون مستغفرا منه وينصحه بتصحيح العقائد على مقتضي آراء الفرقة الناجية اهل السنة والجماعة ويأمره بتعليم الاحكام الفقهية الضرورية والعمل بموجبه ويؤكد في هذا الباب فان الطيران في هذا الطريق بدون جناحي الاعتقاد والعمل لا يمكن ان يتيسر ويرشده بالتأكيد إلى رعاية الاحتياط في اللقمة والاجتناب من المحرم والمشتبه ويمنعه عن اكل كلما يجده والتناول من كل محل يحصله من غير ان يصحح في هذا الباب فتري الشريعة الغراء وبالجملة لابد للسالك من ان يجعل كريمة وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا نصب عينيه وأحوال الطالبين لا تخلو عن احد الامرين اما ان يكونوا اصحاب كشف ومعرفة او ارباب جهل وحيرة وكلتا هاتين الطائفتين مساويتان في الوصول بعد طي المنازل ورفع الحجب لا ميزية لاحدهما على الآخر في نفس الوصول ومثلهما مثل شخصين وصلا إلى الكعبة الشريفة بعد طي المنازل البعيدة الا أن أحدهما استعمل نظره في منازل الطريق وتفرج فيها وعلم كل واحد منها بالتفصيل على قدر استعداده وغمض الثاني عينيه منها ولم يطلع على تفاصيلها وهذان الشخصان مساويان في نفس الوصول إلى الكعبة لا زيادة لاحدهما فيه على الآخر وان تفاوتا في معرفة منازل الطريق وعدمها وكذا هنا وأما بعد الوصول إلى المطلوب فلا بد لكل منها من الجهل لان المعرفة في ذات الله تعالى جهل وعجز عن المعرفة ينبغي ان يعلم ان قطع منازل السلوك عبارة عن طي المقامات العشرة وطي هذه المقامات العشرة منوطة بهذه التجليات الثلاثة تجلي الافعال وتجلي الصفات وتجلي الذات وكل من هذه المقامات سوي مقام الرضا مربوط بتجلي الافعال وتجلي الصفات واما مقام الرضا فهو مربوط بتجلي الذات تعالت وتقدست وبالمحبة الذاتية المستلزمة لمساواة PageV02P457 ايلام المحبوب لانعامه بالنسبة إلى المحب فلا جرم متى تحقق الرضا ترتفع الكراهة وكذلك بلوغ جميع تلك المقامات إلى حد الكمال إنما هو وقت حصول التجلي الذاتي الذي نيط به الفناء الاتم واما حصول نفس تلك المقامات التسعة فهو في التجلي الافعالي والتجلي الصفاتي مثلا اذا شاهد قدرته تعالى الكاملة في نفسه وفي جميع الاشياء يرجع إلى التوبة ويبادر إلى الانابة بلا اختيار ويصير خائفا ووجلا ويجعل الورع شيمته ويلتزم الصبر على النوائب لكونها من مقدراته تعالى ويترك الاضطراب والجزع ومتي عرف ان مولي النعم هو الله تعالى والاعطاء والمنع فعله وصفته عز وجل يكون في مقام الشكر بالضرورة ويترسخ قدمه في مقام التوكل ومتي تجلي له لطفه ورأفته تعالى يكون في مقام الرجاء ومتي شاهد عظمته وكبرياءه تعالى تظهر الدنيا الدنية في نظره حقيرة وعديمة الاعتبار فلا جرم يحصل فيه الرغبة عنها ويختار الفقر ويزهد فيها لكن ينبغي أن يعلم أن حصول هذه المقامات بالتفصيل والترتيب مخصوص بالسالك المجذوب واما المجذوب السالك فطي هذه المقامات اجمالي بالنسبة اليه فان العناية الازلية جعلته مبتلي بمحبة لا يقدر معها أن يشتغل بتفاصيل تلك المقامات وفي ضمن تلك المحبة حصلت له زبدة تلك المقامات وخلاصة هاتيك المنازل على الوجه الاتم على وجه لم تتيسر لصاحب التفصيل والسلام على من اتبع الهدى. 11 - (ومنها) ينبغي للطالب ان يهتم بنفي الآلهة الباطلة الآفاقية والانفسية وكلما يقع في فهمه ووهمه في جانب اثبات المعبود بالحق يجعله أيضا داخلا تحت النفي ويكتفي بمجرد موجوديته تعالى وان لم يكن للوجود أيضا مجال في ذلك الموطن وكان طلبه تعالى من ما وراء الوجود جديرا ولقد أحسن علماء أهل السنة في قولهم بزيادة جود واجب الوجود على ذاته سبحانه وتعالى والقول بعينية الوجود بالذات وعدم اثبات امر وراء الوجود من قصور النظر قال الشيخ علاء الدولة فوق عالم الوجود عالم الملك الودود ولما وقع الترقي لهذا الدرويش إلى ما فوق عالم الوجود كنت أعد نفسي من أهل الاسلام من جهة العلم لتقليدي فقط حين كنت مغلوب الحال وبالجملة أن كلما يحصل في حوصلة الممكن يكون ممكنا بالطريق الأولى فسبحان من لم يجعل للخلق اليه سبيلا الا بالعجز عن معرفته ولا يظن أحد من هذا الفناء في الله والبقاء بالله ان الممكن يصير واجبا فان ذلك محال ومستلزم لقلب الحقائق واذا لم يصر الممكن واجبا لا يكون نصيب الممكن من ادراك الواجب سوي العجز شعر هيهات عنقاء ان يصطاده أحد ... فارم الشراك والادام فيه هوا وعالي الهمة إنما يطلب مطلبا لا يحصل منه شيء ولا يظهر منه اسم لا رسم وطائفة من الناس يطلبون مطلبا يجدونه عين أنفسهم ويحصلون القرب منه والمعية به ع لكل من الانسان شأن يخصه * والسلام. 12 - (منها) قال حضرة الخواجه النقشبند قدس سره الاقدس ان مرآة كل واحد من المشايخ لها جهتان وأما مرآتي فلها ست جهات أظن ان أحدا من خلفاء هذه الطائفة العظيمة لم يبين هذه الكلمة القدسية إلى هذا الزمان بل. لم يتكلم فيها أحد بالاشارة والرمز فكيف يمكن لهذا الحقير قليل البضاعة ان يقدم على شرحها وان يحرك لسانه في كشفها ولكن لما كشف الله سبحانه بمحض فضله عن سر هذا المعنى لهذا الحقير وأظهر حقيقته كما ينبغي خطر في الخاطر ان ينظم هذا الدر المكنون ببنان البيان في سلك التحرير وان يورده بلسان الترجمانية في حيز التقرير فشرع في هذا الباب بعد اداء الاستخارة والمسئول من الله سبحانه العصمة والتوفيق. ينبغي أن يعلم ان المراد من المرآة قلب العارف الذي هو برزخ بين الروح والنفس واراد بالجهتين جهة الروح وجهة النفس فاذا وصل المشايخ إلى PageV02P458 مقام القلب ينكشف لهم جهتاه ويفاض فيه علوم كل واحد من المقامين المذكورين ومعارفهما المناسبتان للقلب بخلاف الطريق الذي امتاز به حضرة الخواجه واندرجت النهاية فيه في البداية فيكون لمرآة القلب فيه الجهات الست وبيان ذلك انه قد انكشف لاكابر هذه الطريقة العلية ان كلما هو ثابت لأفراد الانسان من اللطائف الست أعني النفس والقلب والروح والسر والخفي والأخفي فهي ثابتة للقلب وحده أيضا فاراد بالجهات الست هذه اللطائف الست فسير سائر المشايخ على ظاهر القلب وسير هؤلاء الاكابر في باطن القلب ويصلون بهذا السير إلى ابطن بطونه وتنكشف علوم هذه اللطائف ومعارفها في مقام القلب أعني العلوم المناسبة لمقام القلب هذا هو بيان الكلمة القدسية المنسوبة لحضرة الخواجه قدس الله سره ولهذا الحقير في هذا المقام ببركة هؤلاء الاكابر في مزيد وتدقيق بعد تحقيق وبحكم كريمة وأما بنعمة ربك فحدث يظهر رمزا من ذاك المزيد واشارة من ذلك التدقيق ومنه سبحانه العصمة والتوفيق. فاعلم ان قلب القلب أيضا متضمن للطائف الست على قياس القلب لكن لا يظهر في قلب القلب لطيفتان من اللطائف الست المذكورة بطريق الجزئية وذلك اما لضيق الدائرة أو لسر آخر وهما لطيفة النفس ولطيفة الاخفي وكذا الحال في القلب الذي في المرتبة الثالثة إلا انه لا يظهر فيه الخفي أيضا وكذا الحال في القلب الذي في المرتبة الرابعة الا انه لا يظهر فيه السر أيضا مع ظهور القلب والروح فيه وفي المرتبة الخامسة لا يظهر الروح فيه أيضا فما بقي الا قلب محض وبسيط صرف لا اعتبار فيه لشيء أصلا. ومما ينبغي ان يعلم ههنا من بعض المعارف العالية ليتوسل به إلى ما هو نهاية النهاية وغاية الغاية فأقول بتوفيق الله سبحانه ان جميع ما ظهر في العالم الكبير تفصيلا فهو ظاهر في العالم الصغير اجمالا ونعني بالعالم الصغير الانسان فاذا صقل العالم الصغير ونور ظهر فيه بطريق المرأتية جميع ما في العالم الكبير تفصيلا لانه بالصقالة والتنوير اتسع وعاؤه فزال حكم صغره وكذا الحال في القلب الذي نسبته مع العالم الصغير كنسبة العالم مع العالم الكبير من الاجمال والتفصيل فاذا صقل العالم الاصغر الذي هو عالم القلب ورفعت الظلمة الطارية عليه ظهر فيه بطريق المرآتية أيضا ما في العالم الصغير تفصيلا وهكذا الحال في قلب القلب بالنسبة إلى القلب من الاجمال والتفصيل وظهور التفصيل فيه بعد أن كان مجملا بسبب التصفية والنورانية وعلى هذا القياس القلب الذي في المرتبة الثالثة والقلب الذي في المرتبة الرابعة في الاجمال والتفصيل وظهور التفصيل الذي في المراتب السابقة فيهما بسبب الصقالة والنورانية وكذا القلب الذي في المرتبة الخامسة فانه مع بساطته وعدم اعتبار شيء فيه يظهر فيه بعد التصفية الكاملة ما ظهر في جميع العوالم من العالم الكبير والصغير والاصغر وما بعدهما من العوالم كما مر فهو الضيق الاوسع والبسيط الابسط والاقل الاكثر وما خلق شيء من الاشياء بهذه الصفة وما وجد احد اشد مناسبة بصانعه تعالى وتقدس من هذه اللطيفة البديعة فلا جرم يظهر فيه من عجائب آيات صانعه سبحانه ما لا يظهر في احد من خلقه ولذا قال تعالى في الحديث لا يسعني ارضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن والعالم الكبير وان كان اوسع المرايا للظهور الا انه لكثرته وتفصيله لا مناسبة له مع من لا كثرة فيه أصلا ولا تفصيل فيه رأسا والحري للمناسبة هو الضيق الاوسع والبسيط الابسط والاقل الاكثر كمالا يخفي فاذا بلغ العارف الاتم معرفة والاكمل شهودا هذا المقام العزيز وجوده والشريف رتبته يصير ذلك العارف قلبا للعوالم كلها والظهورات جميعها وهو المتحقق بالولاية المحمدية والمشرف بالدعوات المصطفوية PageV02P459 على صاحبها الصلاة والسلام والتحية. فالأقطاب والأوتاد والأبدال داخلون تحت دائرة ولايته والأفراد والآحاد وسائر فوق الأولياء مندرجون تحت انوار هدايته لما هو النائب مناب رسول الله والمهدي بهدي حبيب الله وهذه النسبة الشريفة العزيز وجودها مخصوصة باحد المرادين ليس للمريدين من هذا الكمال نصيب هذا هو النهاية العظمي والغاية القصوي ليس فوقه كمال ولا أكرم منه نوالا لو وجد بعد الوف سنة مثل هذا العارف لاغتنم ويسري بركته إلى مدة مديدة وآجال متباعدة وهو الذي كلامه دواء ونظره شفاء وحضرة المهدي سيوجد على هذه النسبة الشريفة من هذه الامة الخيرة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وحصول هذه الدولة القصوي منوط باتمام طريقي السلوك والجذبة تفصيلا مرتبة بعد مرتبة وأكمال مقام الفناء الاتم والبقاء الاكمل درجة بعد درجة وهذا لا يتيسر الا بكمال متابعة سيد المرسلين وحبيب رب العالمين عليه وعلى آله من الصلوات أفضلها من التسليمات اكملها الحمد لله الذي جعلنا من متابعيه والمسؤل من الله سبحانه كمال متابعته والثبات عليه والاستقامة على شريعته ويرحم الله عبدا قال آمينا وهذه المعارف من الأسرار الدقيقة والرموز الحقيقة ما تكلم بها احد من اكابر الأولياء وما اشار اليها واحد من اعاظم الاصفياء استأثر الله سبحانه هذا العبد بهذه الأسرار وافشائها بصدقة حبيبه عليه وعلى آله الصلوات والتسليمات ولنعم ما قال في الشعر الفارسي شعر اكر ?ادشاه بر در ?يره زن ... بيايد تو اي خواجه سلبت مكن ليس قوله تعالى معللا بشئ ولا مسببا بسبب يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وسلم وبارك على جميع الانبياء والمرسلين وعلى الملائكة المقربين وعلى عباده الصالحين والسلام على من اتبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه الصلاة والسلام. 13 - (ومنها) ان الروح من العالم اللاكيفي فتكون اللامكانية متحققة لها وان كانت لا كيفيتها بالنسبة إلى مرتبة الوجوب تعالت وتقدست عين الكيفي ولا مكانيتها بالنظر إلى اللامكاني الحقيقي جل سلطانه عين المكاني وكأن عالم الارواح برزخ بين العالم وبين المرتبة اللاكيفية ففيها لون من كليهما فلا جرم بعدها العالم الكيفي لا كيفيا وبالنظر إلى المرتبة اللاكيفية عين الكيفي ونسبة البرزخية هذه ثبتت لها باعتبار فطرتها الأصلية. واما بعد تعلقها بهذا البدن العنصري وابتلائها بهذا الهيكل الظلماني فقد خرجت من البرزخية ونزلت إلى العالم الكيفي بالتمام وتواري عنها وصف اللاكيفية ومثلها مثل هاروت وماروت حيث انزلا لبعض حكم ومصالح من اوج الملكية إلى حضيض البشرية على ما قيل فاذا ادركتها العناية الالهية وتيسر لها الرجوع من هذا السفر. وعرجت من هذا التترل تعرج النفس الظلمانية والبدن العنصري أيضا بمتابعتها وتطويان المنازل ويظهر في ضمن ذلك ما هو المقصود من تعلق الروح بالبدن وتنزلها وتصير الامارة ح مطمئنة ويبدل الظلماني بالنوراني ومتي اتمت الروح هذا السفر وحصل ما هو المقصود من نزولها تتصل أيضا ببرزخيتها الأصلية وتجد النهاية في الرجوع إلى البداية وحيث ان القلب من عالم الارواح (يعني لكونه من عالم الامر واللامكاني) يتوطن أيضا في البرزخية والنفس المطمئنة التي فيها لون من عالم الامر لكونها برزخا بين القلب والبدن تقيم هناك أيضا والبدن العنصري الذي مركب من العناصر الاربعة يستقر في عالم الكون والمكان ويشتغل بالطاعة والعبادة فاذا وقعت المخالفة بعد ذلك والعناد في الجملة تكون منسوبة إلى طبائع العناصر مثلا الجزء الناري طالب للعناد والمخالفة بالذات يظهر PageV02P460 منه نداء انا خير منه مثل ابليس اللعين واما النفس المطمئنة فقد تخلصت من العناد فانها صارت راضية من الحق جل سلطانه وكذلك الحق سبحانه كان راضيا عنها والعناد لا يتصور من الراضي والمرضي فان صدر هناك عناد فهو من القالب ويشبه أن يكون خير البشر عليه الصلاة والسلام عبر بالجهاد الاكبر عن هذا العناد الابليسي الذي منشاؤه الجزؤ القالبي وما ورد من أسلم شيطاني فالمراد به الشيطان الآفاقي الذي هو قرينه عليه السلام فانه وان انكسرت صولة هذا الشيطان أيضا وخرج من التمرد لكن ما بالذات لا ينفك عن الذات. أو الشيطان الانفسي فان اسلامه ليس مستلزما لانتفاء عناده بالكلية فانه مع اسلامه يجوز أن يترك العزيمة ويرتكب الرخصة بل يجوز ارتكاب الصغيرة أيضا بل يمكن أن يكون حسنات الابرار سيأت المقربين من هذا القبيل أيضا وبقاء هذا العناد إنما هو للاصلاح والترقي فان بعد حصول هذه الامور التي نهاية النقص هنا يترك الأولى يحصل من الندامة والتوبة والاستغفار ما يكون موجبا لترقيات غير متناهية ومتي استقر البدن العنصري في مقره بعد مفارقة اللطائف الست وعروجها الي عالم الامر لا جرم يكون خليفتها في هذا العالم هو هذا البدن العنصري واذا وجد بعد ذلك الهام فهو يكون إلى المضغة التي هي الخليفة الحقيقية للجامعة القلبية وما ورد في الحديث النبوي من قوله عليه الصلاة والسلام من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فالمراد به والله سبحانه أعلم هو هذه المضغة وقد تعين هذا المراد في حديث آخر كما قال عليه الصلاة والسلام انه ليغان على قلبي فان عروض الغين على المضغة لا على الحقيقة الجامعة فانها قد خرجت من الغين بالكلية وورد أيضا احاديث أخرى في تقلب القلب كما قال عليه الصلاة والسلام قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمن الخ وقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلّم قلب المؤمن كريشة في ارض فلاة الخ وقال عليه الصلاة والسلام اللهم ثبت قلبي على طاعتك والتقلب وعدم الثبات ثابتة بهذه المضغة لان الحقيقة الجامعة لا تقلب لها أصلا بل هي مطمئنة راسخة على الاطمئنان والخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما طلب اطمئنان القلب اراد به المضغة لا غير لان قلبه الحقيقي قد كان مطمئنا بلا ريب بل نفسه أيضا كانت مطمئنة بسياسة قلبه الحقيقي قال صاحب العوارف قدس سره ان الالهام صفة النفس المطمئنة التي عرجت في مقام القلب وان التلوينات والتقليبات ح تكون صفات النفس المطمئنة وهو كما تري مخالف للاحاديث المذكورة ولو تيسر العروج من هذا المقام الذي اخير الشيخ عنه تعلم الامر كما هو عليه ولاح صدق ما أخبرت به وطابق الكشف والالهام بالاخبارات النبوية على صاحبها الصلاة والسلام والتحية ولقد تعلم ان ما أخبرت به من خلافة المضغة وورود الالهام عليها وصيرورتها صاحب أحوال وتلوينات مما كبر على المنعصبين الجاهلين القاصرين عن حقيقة الامر وثقل عليهم فماذا يقولون في الاخبار النبوية عليه وعلى آله الصلاة والسلام حيث قال ان في جسد بني آدم لمضغة اذا صلحت صلح الجسد كله واذا فسدت فسد الجسد كله الا وهي القلب جعل صلى الله تعالى عليه وآله وسلّم المضغة هي القلب على سبيل المبالغة وناط صلاح الجسد وفساده بصلاحها وفسادها فيجوز لهذه المضغة ما يجوز للقلب الحقيقي وان كان على سبيل النيابة والخلافة. واعلم ان الروح لما فارق الجسد بالموت الذي هو قبل الموت وجد العارف الواصل روحه غير داخل في الجسد ولا خارج عنه ولا متصل (معه ولا منفصل عنه ووجد أن للروح تعلقا مع الجسد لصلاح الجسد بل لغرض يعود الى PageV02P461 الروح كماله أيضا وذلك التعلق هو منشأ الصلاح والخير في الجسد ولو لا ذلك التعلق لصار الجسد بحذافيره شرا ونقصا. وهذا الحال للواجب تعالى مع الروح وغيره فانه تعالى غير داخل في العالم ولا خارج عنه ولا متصل معه ولا منفصل عنه وله سبحانه تعلق مع العالم خلقا وابقاء وافاضة الكمالات والنعم والخيرات. (فان قلت) ان علماء أهل الحق ما تكلموا في الروح مثل هذا الكلام بل كادوا لم يجوزوه وأنت تلزم وفاقهم في القليل والكثير فما وجهه. قلت العالم بحقيقة الروح قليل منهم فهم مع قلتهم إنما لم يتكلموا بكشف الكمالات الروحية واكتفوا بالاجمال اجتنابا عن سوء فهم العوام ووقوعهم في الضلال فان الكمالات الروحية شبيهة صورة بالكمالات الوجوبية والفرق دقيق لا يطلع عليه الا الراسخون من العلماء فرأوا المصلحة في الاجمال بل في الانكار عن بيانه والكشف عن حقيقته فلا ينكرون كمالاته التي سبق ذكرها والعبد الضعيف إنما بينه وكشف عن بعض خواصه اعتمادا على علمه الصحيح وكشفه الصريح بعون الله سبحانه وتوفيقه وصدقة حبيبه عليه الصلاة والسلام وآله الكرام مع ازالة شبهة مانعة عن البيان فأفهم. ومما ينبغي أن يعلم ان الجسد كما استفاد من الروح كمالات اكتسب من الجسد فوائد عظمي حيث صار سميعا بصيرا متكلما متجسدا بجسد مكتسبا مباشرا لافعال ناسبت بعالم الاجساد. ولما صارت النفس المطمئنة ملحقة بالروحانيين كما مر بيانه جلس العقل مكانه في عالم الاجسام نيابة عنها وسمي بعقل المعاد وصار فكره ح مقصورا على أمور الآخرة وصار فارغا عن تفكر امور المعيشة ومستحقا للفراسة بواسطة النور الذي اعطيه وهذه المرتبة هي نهاية مراتب كمالات العقل ولا يعترض الناقض هنا بانه ينبغي أن تكون نهاية مراتب كمالات العقل متحققة في نسيان المعاش والمعاد معا وان لا يبقي فيه فكر غير الحق سبحانه وتعالى شيأ دنيا وأخري لانا نقول ان هذا النسيان قد حصل له في اثناء الطريق في مرتبة الفناء في الله وهذه المرتبة عالية من تلك المرتبة بمراحل. فان هنا رجوع العلم بعد حصول الجهل وعود الفرق بعد تحقق الجمع وحصول الاسلام الحقيقي بعد تجاوز كفر الطريقة التي هي في مرتبة الجمع والفلاسفة ارباب السفه اثبتوا للعقل اربع مراتب وزعموا ان كمالات العقل منحصرة فيها وهذا من كمال جهلهم. (قلت) قد عكف المتفلسفة على قولهم هذا عكوف اليهود على عجل السامري ولم يعتقدوا وجود كمال وراء ما قالوا بل ولم يخطروه بالبال نبهنا الله واياهم عن نوم الغفلة آمين) لا يمكن معرفة حقيقة العقل وكمالاته التابعة اياه بالعقل والوهم بل لابد لمعرفته من الكشف الصحيح والالهام الصريح المقتبس من انوار مشكاة النبوة صلوات الله تعالى وتسليماته على جميع الانبياء والمرسلين عموما وعلى افضلهم حبيب الله خصوصا. (فان قيل) قد وقع في عبارة المشايخ ان العقل ترجمان الروح فما يكون معناه. قلت ان العلوم والمعارف التي تؤخذ من المبدأ الفياض بالتلقي الروحاني يأخذها القلب الذي هو من عالم الارواح ويترجمها العقل ويحررها ويلخصها ويجعلها بحيث يفهمها المتعلقون بعالم الخلق فلو لا ترجمته اياها لكان فهمها متعسرا بل متعذرا وحيث كانت المضغة القلبية خليفة الحقيقة الجامعة القلبية أخذ حكم الأصل وصار تلقيه أيضا تلقيا روحانيا محتاجا الي الترجمان. ينبغي أن يعلم انه يجيئ زمان على عقل المعاد يحصل له فيه شوق مجاورة النفس المطمئنة على حد يترك القالب خاليا إلى ان يوصلها إلى مقامها فيتقرر التعقل والتذكر ح إلى المضغة القلبية ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب وح يصير القلب ترجمان نفسه فتقع معاملة العارف ح على القالب ويحصل الانقياد وقتئذ للجزء الناري الذي كان PageV02P462 يظهر نداء انا خير منه من طبعه ويتشرف بالاسلام الحقيقي بالتدريج فيزال عنه الخلعة الابليسية ويوصل به إلى مقام النفس المطمئنة الأصلي ويجعل نائب منابه فصار خليفة القلب الحقيقي في القالب هي المضغة ونائب مناب النفس المطمئنة فيه هو الجزء الناري (ع) نحاس وجودي بالهوي صار عسجدا * والجزء الهوائي له مناسبة بالروح ولهذا يزعمه السالك وقت عروجه ووصوله إلى مقام الهواء احيانا حقا ويبقي مبتلى به كما يقع مثل هذا الشهود في مقام الروح ويبقي السالك مبتلى بها كما قال بعض المشائخ عبدت الروح ثلاثين سنة بزعم انه الحق سبحانه ولما ترقيت من ذلك المقام امتاز الحق من الباطل وهذا الجزء الهوائي يصير في القالب قائما مقام الروح بواسطة مناسبته اياها ويحصل له في بعض الامور حكم الروح والجزء المائي فيه مناسبة للحقيقة الجامعة القلبية ولهذا يصل فيضه إلى جميع الاشياء وجعلنا من الماء كل شيء حي ورجوعه إلى المضغة القلبية والجزء الارضي الذي هو الجزء الاعظم في القالب يصير حاكما وغالبا في القالب بعد تطهيره من التلويث والدنائة والخسة التي هي صفات ذاتة له وكلما هو موجود في القالب يأخذ حكمه ويتلون بلونه وذلك بواسطه جامعيته التامة وجميع اجزاء القالب اجزاؤه في الحقيقة ولهذا صارت كرة الارض مركز العناصر والافلاك ومركزها مركز العالم ففي هذا الوقت تمت معاملة القالب أيضا وتحققت نهاية العروج والنزول وصار الكمال والتكميل نقد الوقت وهذه هي النهاية التي فيها رجوع إلى البداية. اعلم ان لروح وان وصلت إلى جميع توابعها إلى مقرها بطريق العروج لكن لما تعلقت بها تربية القالب لم يكن لها بد من التوجه إلى هذا العالم ومتي تمت معاملة القالب صارت الروح مع السر والخفي والأخفي والقلب والنفس والعقل متوجهة إلى جناب قدسه جل سلطانه وأعرضت عن القالب بالكلية وكان القالب أيضا متوجها إلى مقام العبودية بكليته فالروح متمكنة بمراتبها في مقام الشهود والحضور ومعرضة عن رؤية ما سواه تعالى وعلمه بالكلية والقالب راسخ في مقام الطاعة والعبودية بالتمام وهذا هو مقام الفرق بعد الجمع والله سبحانه الموفق للكمالات. ولهذا الدرويش في هذا المقام قدم خاص وهو رجوع الروح بمراتبها إلى عالم الخلق لتدعوا الخلق إلى الحق جل وعلا فتأخذ الروح حينئذ حكم القالب وتكون تابعة له ويبلغ الامر حدا اذا كان القالب حاضرا تكون الروح أيضا حاضرة وان كان القالب غافلا تكون الروح أيضا غافلة الا في وقت اداء الصلاة فان الروح متوجهة فيه إلى الجناب الاقدس بمراتبها وان كان القالب غافلا فان الصلاة معراج المؤمن. ينبغي ان يعلم ان رجوع هذا الواصل الواقع بكليته من اكمل مقامات الدعوة وهذه الغفلة سبب حضور جمع كثير والغافلون غافلون عن هذه الغفلة والحاضرون جاهلون هذه الرجعة وهذا المقام من قبيل المدح بما يشبه الذم لا يدركه فهم كل قاصر فان بينتكمالات هذه الغفلة لا يتمني احد الحضور وهذه هي الغفلة التي اورثت لخواص البشر فضيلة على خواص الملك وهذه هي الغفلة التي جعلت محمدا رسول الله تعالى رحمة للعالمين وهذه هي الغفلة التي اورثت لأولياء العشرة مزية على أولياء العزلة وهذه هي الغفلة التي ترجح الصحو على السكر وهذه هي الغفلة التي جعلت النبوة افضل من الولاية وهذه هي الغفلة التي اورثت لقطب الإرشاد افضلية على قطب الأبدال وهذه هي الغفلة التي تنزل بالصورة وترفع في الحقيقة وهذه هي الغفلة التي تجعل الخواص مشتبهين بالعوام وتصير قبابا لكمالاتهم. ع فيا لها قصة في شرحها طول 8 القليل يدل على الكثير والقطرة تنبئ عن الغدير والسلام على من اتبع الهدى والتزم متابعة المصطفى PageV02P463 عليه وعلى آله من الصلوات اتمها ومن التسليمات اكملها. 14 - (ومنها) ان حضرة خاتم الرسالة صلى الله عليه وسلم ممتاز من بين الانبياء عليهم الصلاة والسلام بالتجلي الذاتي ومخصوص بهذه الدولة التي هي فوق جميع الكمالات ولكمل تابعيه صلى الله عليه وسلّم نصيب من هذا المقام الخاص لا يقال يلزم على هذا التقدير ان يكون كمل الأولياء افضل من سائر الانبياء عليهم السلام وهذا خلاف معتقد اهل السنة والجماعة وهذا الفضل ليس بجزئي حتى يرفع به الشبهة بل هو كلي فان تفاضل الرجال إنما هو بالقرب الالهي جل سلطانه وكل فضيلة سواه فهي دون ذلك لانا نقول لا يلزم ذلك فانه لا يلزم من كون النصيب لهم من ذلك المقام وصولهم اليه والفضيلة مربوطة بالوصول وهذا مفقود في حق الكمل فان نهاية عروج كمل الأولياء من هذه الامة التي هي خير الامم إلى تحت اقدام الانبياء عليهم الصلوات والتسليمات حتى ان الصديق الاكبر رضي الله عنه الذي هو أفضل جميع البشر بعد الانبياء عليهم السلام نهاية عروجه إلى تحت قدم نبي هو دون سائر الانبياء عليهم السلام غاية ما في الباب ان لكمل أولياء هذه الامة مع كونهم في المقام التحتاني نصيبا تاما من كمالات مقام فوق الفوق التي هي مختصة بنبيهم عليه الصلاة والسلام فان الخادم باي مكان كان يصل اليه شئمن نصيب مخدومه والخادم البعيد يجد بطفيلية مخدومه ما لا يتيسر للمقربين بدون دولة الخدمة. ينبغي أن يعلم أن هذا التوهم يحصل للمريدين احيانا بالنسبة إلى شيوخهم وحصول مقامات شيوخهم يكون باعثا على توهم المساواة لهم وحقيقة المعاملة هي ما ذكرنا فان حصول المساواة إنما هو على تقدير الوصول الي تلك المقامات لا على تقدير حصولها فقط فانه طفيلى ولا يتوهمن احد من هذا أن المريد لا يكون مساويا لشيخه فان الامر ليس كذلك فان المساواة جائزة بل واقعة لكن الفرق بين حصول ذلك المقام وبين الوصول اليه دقيق لا يهتدي اليه كل مريد لا بد فيه من كشف صحيح والهام صريح والله سبحانه الملهم للصواب والسلام على من اتبع الهدى. 15 - (ومنها) أن درويشا سئل انه ما السبب في انه يظهر لسالك هذا الطريق حالة وتبقي زمانا ثم تتواري بعد ذلك ثم تظهر ثانيا بعد ثم تتواري ثانيا بعد ذلك وهكذا إلى ما شاء الله. جوابه أن للانسان سبع لطائف ومدة دولة كل لطيفة وسلطنته على حدة فاذا ورد وارد على الطف تلك اللطائف ونزل حال قوي تنصبغ كلية السالك بلون تلك اللطيفة وصبغها ويسري ذلك الحال على جميع اللطائف وما دامت دولة تلك اللطيفة ثابتة فتلك الحالة باقية ومتي انقضت مدة دولة تلك اللطيفة تزول تلك الحالة فاذا رجعت تلك الحالة بعد ذلك فلا تخلوا من حالين فاما أن يرجع إلى تلك اللطيفة نفسها فطريق حينئذ مسدود على السالك واما أن ترجع إلى لطيفة أخري فطريق الترقي حينئذ مفتوح فمعاملة هذه اللطيفة أيضا مثل معاملة اللطيفة الأولى فان ذلك الحال اذا رجع بعد زواله لا يكون خاليا من الحالين وهكذا حال جميع اللطائف فاذا سري ذلك الحال في جميع اللطائف بطريق الاصالة فقد انتقل من الحالية وصار مقاما ومحفوظا من الزوال والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال والصلاة والسلام على سيد البشر وآله الاطهر. 16 - (ومنها) قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله ان كنتم أياه تعبدون، يحتمل أن يكون الشرطية قيد للامر بالاكل أي كلوا من مستلذات ما رزقناكم ان صح منكم ان تخصوه بالعبادة ولو لم يصح منكم ذلك بل كنتم عابدين ملهيات انفسكم فلا تأكلوا من مستلذاته لكونكم مرضي بالمرض الباطني والمستلذات من المرزوقات سم قاتل لكم واذا زال المرض الباطني PageV02P464 منكم صح لكم تناول المستلذات فسر صاحب الكشاف الطيبات هنا بالمستلذات نظرا إلى طلب الشكر. 17 - (ومنها) قال بعض المشايخ قدس الله تعالى أسرارهم من عرف الله لا يضره ذنب اي الذنب الذي اكتسب قبل المعرفة لان الاسلام يجب ما كان قبله وحقيقة الاسلام هو معرفة الله سبحانه على طريقة الصوفية بعد الفناء والبقاء فيجب حصول هذه المعرفة الذنوب التي كانت حاصلة قبلها ويمكن ان يراد بالذنب الذنب الذي يحصل بعد هذه المعرفة فيراد بالذنب الذنب الصغير لا الكبير لان أولياء الله محفوظون عنه او عدم ضره بعدم الاصرار والتدارك بلا فصل بالتوبة والاستغفار ويجوز ان يكون معناه لا يصدر عنه ذنب لان عدم صدور الذنب ملزوم بعدم ضره فذكر اللازم واراد الملزوم وما توهم الملاحدة من هذه العبارة من ان يسع للعارف ارتكاب الذنوب بعدم ضرها فباطل قطعا وزندقة صريحا اولئك حزب الشيطان الا ان حزب الشيطان هم الخاسرون ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وسلّم وبارك وارجو من الله الكريم الواسع مغفرته ان لا يضر الذنب المكتسب قبل المعرفة للعارف المتحقق بحقيقة الاسلام وان كان ذلك الذنب من قبل المظالم وحقوق العباد لما هو سبحانه المالك على الاطلاق وقلوب العباد بين اصبعيه من اصابعه يقلبها كيف يشاء ومطلق الاسلام يجب من الذنوب ما سوي المظالم وحقوق العباد كمالا يخفي فان لحقيقة الشيء وكماله مزيد ليس لمطلقه. 18 - (ومنها) ان الحق سبحانه موجود بذاته لا بالوجود بخلاف سائر الموجودات فانها موجودة بلوجود فلا يلزم احتياجه تعالى في الموجودية إلى الوجود فلا يقال ح ان وجوده تعالى عين ذاته لا ذائد عليه لئلا يلزم احتياجه إلى الغير فان القول بعينية الوجود يحتاج إلى ادلة متطاولة ويستلزم المخالفة لجمهور أهل السنة والجماعة فانهم لا يقولون بعينية الوجود بل يقولون بزيادته ولا يخفي ان الحكم بزيادة الوجود مستلزم لا حتياج الواجب تعالى وتقدس إلى الغير فسواء قلنا انه تعالى موجود بوجود زائد او انه موجود بذاته واخذنا الوجود عرضا عاما يكون كلام جمهور متكلمي اهل الحق صحيحا ويندفع اعتراض المخالفين بالاحتياج بالكلية والفرق بين القول بانه لا دخل للوجود فيه أصلا وبين القول بانه موجود بوجود هو عين ذاته واضح وهذه المعرفة مما خصني الله تعالى بها الحمد لله سبحانه على ذلك والصالة والسلام على رسوله. 19 - (ومنها) من خصائص الحق سبحانه انه موجود بذاته غير محتاج إلى الوجود في موجوديته سواء قلنا الوجود عين ذاته او زائد عليه فان المحذور لازم على كلا التقديرين وحيث ان عادته تعالى جارية بان يظهر في جميع مراتب الامكان انموذجا من كل ما هو ثابت في مرتبة الوجوب علمه احد او لم يعلمه جعل انموذج تلك الخاصة المذكورة آنفا في عالم الامكان نفس الوجود فانه وان كان من المعقولات الثانية غير موجود في الخارج الا اننا اذا فرضنا وجوده يكون موجودا بذاته لا بوجود آخر بخلاف سائر الموجودات فانها محتاجة في موجوديتها إلى الوجود وذواتها غير كافية فيها فاذا كان الوجود الذي له مدخل في موجودية الاشياء موجودا في ذاته غير محتاج إلى وجود آخر فما العجب اذا كان خالق الوجود بالاستقلال موجودا بذاته غير محتاج إلى وجود أصلا واستبعاد البعداء خارج عن المبحث والله سبحانه الملهم للصواب. فان قيل ان مراد الحكماء والاشعري وبعض المتصوفة بقولهم بعينية الوجود بذاته تعالى هو عين ما قلته في المعرفة السابقة من ان واجب الوجود موجود بذاته لا بالوجود فان مبنى القول بانه موجود بوجود هو عين ذاته على انه موجود بذاته لا PageV02P465 بالوجود. قلت فعلى هذا التقدير لا يكون بين هذا القول وبين قول من يقول بزيادة الوجود تقابل وكان ينبغي ان يقول اهل الحق في مقابلة قولهم انه تعالى موجود بوجود لا بالذات فان اثبات زيادة الوجود على هذا التقدير مستدرك وحيث حاولوا اثبات الزيادة دل ذلك على ان خلاف الفريقين ليس في نفس الوجود بل في وصفه بانه عين الذات او زائد عليه يعني ان كلا الفريقين قائلان بانه تعالى موجود بالوجود لا خلاف بينهما في ذلك وإنما الخلاف بينهما في عينيته وزيادته (يقول المعرب اختلفوا في فهم معني العينية والمحققون على انه ليس شيء وراء الذات والوجود من متنزعات العقل فقط والله اعلم). (فان قيل) اذا كان الواجب موجودا بذاته لا بالوجود فما يكون معني قولنا انه تعالى موجود فان الموجود ما قام به الوجود ولا وجود ههنا أصلا على قولك. (اجيب) نعم ان الوجود الذي يكون الواجب موجودا به مفقود في الواجب لكن لم لا يجوز ان يقال انه موجود باعتبار قيام الوجود الذي هو عرض عام ومقول ومحمول عليه بالحمل الاشتقاقي بالواجب تعالى ولا محذور في ذلك والسلام. 20 - (ومنها) لا اعبد معبودا يكون داخلا في حيطة الشهود او مرنيا او معلوما او يسعه الوهم والخيال أصلا فان المشهود والمرئي والمعلوم والموهوم المتخيل مصنوعة ومحدثة كالشاهد والرائي والعالم والواهم والمتخيل. (ع) ان لقمه كه در دهان نكنجد طليم والمقصود من السير والسلوك خرق والاقرب ان معني لا يضره ذنب انه كلما صدر عنه ذنب يوفق للتوبة حالا قبل كتابة كاتب الشمال فلا يضره ذنب أصلا منه عفي عنه الحجب وجودية كانت او امكانية حتى يتيسر الوصل العريان وليس المقصود منه ان يصيد المطلوب ويقيده شعر هيهات عنقاء ان يصطاده احد ... فارم الشراك والادام فيه هوا بقي ان الرؤية في الآخرة حق نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته لقصور فهم العوام عن دركه لا لعدم ادراك الخواص فان لهم نصيبا من ذلك المقام في الدنيا وان لم تسم رؤية والسلام على من اتبع الهدى. 21 - (ومنها) ان كلما يعلم ويعرف فهو مقيد وعن صرافة الاطلاق متنزل والمطلوب هو الذي يكون منزها ومبرأ عن جميع القيود فينبغي طلبه مما وراء الشهود والمعرفة وهذه المعاملة وراء طور العقل فان العقل يعد الطلب فيما وراء الشهود والمعرفة محالا شعر راز درون ?رده ز رندان مست ?رس ... كين حال نيست صوفي عالي مقامرا 22 - (ومنها) أن المطلق على صرافة اطلاقه لم يتطرق اليه قيد من القيود أصلا ولكن متي ظهر في مرآة المقيد ينصبغ عكسه باحكام تلك المرآة ويري مقيدا ومحدودا فلا جرم يدخل ح في حيطة الشهود والمعرفة فالاكتفاء بالشهود والمعرفة اكتفاء بعكس من عكوس ذلك المطلوب وعالي الهمة لا يقنع بالجوز والموز ان الله سبحانه يحب معالي الهمم جعلنا الله سبحانه من أرباب معالي الهمم بحرمة سيد البشر عليه وعلى آله الصلوات والتسليمات. 23 - (ومنها) رأيت نفسي في أوائل الحال أطواف بمكان وجمع آخر شركاء معي في ذلك الطواف ولكن بطء سير هؤلاء الجماعة على حد لا يقطعون مسافة ثلاثة اقدام إلى أن اتم أنا دورة واحدة فعلم في تلك الاثناء ان هذا المكان هو ما فوق العرش وهؤلاء الجماعة الطائفون هم الملائكة الكرام على نبينا وعليهم الصلاة والسلام والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم. 24 - (ومنها) أن قباب أولياء الله تعالى هي أوصافهم البشرية حيث ان كلما يحتاج اليه سائر أفراد البشر يحتاج اليه هؤلاء الاكابر أيضا والولاية لا تخرجهم من الاحتياج وغضبهم أيضا مثل غضب سائر أفراد الناس واذا قال سيد الانبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام أغضب كما يغضب البشر كيف لا يصدر PageV02P466 الغضب من الأولياء وكذلك هؤلاء الاكابر شركاء لسائر الناس في الاكل والشرب ومعاشرة الاهل والعيال ومؤانستهم فان التعلقات الشتي التي هي من لوازم البشرية لا تزول عن العوام والخواص قال الله سبحانه في حق الانبياء عليهم الصلاة والسلام وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وقال الكفار الذين اقتصر نظرهم على الظاهر ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق فمن اقتصر نظره على ظواهر اهل الله صار محروما وكان مصداق خسر الدنيا والآخرة واقتصار النظر على الظاهر هذا هو الذي جعل أبا جهل وأبا لهب محرومين من دولة الاسلام ورماهما في الخسران الابدي والسعيد هو الذي كف نظره عن ظواهر أهل الله ونفذت حدة نظره إلى أوصافهم الباطنية واقتصر عليها فهم كنيل مصر بلاء للمحجوبين وماء للمحبوبين والعجب أن الصفات البشرية تظهر من أهل الله على حد لا يظهر مثلها من سائر الناس ووجهه أن الظلمة والكدورة يكون ظهورهما في محل طيب مصفي أشد وأزيد وان كانتا قليلتين بخلاف المحل غير المصفي فانهما لا يظهران بتلك المثابة وان كانا أزيد ولكن ظلمة الصفات البشرية تسري في كلية العوام وتحيط بقوالبهم وقلوبهم وارواحهم واما في الخواص فهي مقصورة على القالب والنفس وفي أخص الخواص مقصور على القالب فقط والنفس مبرأة عنه وأيضا ان هذه الظلمة في العوام موجبة للخسارة والنقصان وفي الخواص موجبة للنضارة والرجحان وظلمة الخواص هي التي تزيل ظلمة العوام وتورث التصفية لقلوبهم والتزكية لنفوسهم فلو لا هذه الظلمة لما كانت في الخواص مناسبة للعوام فيكون طريق الافادة والاستفادة مسدودا وهذه الظلمة لا تمكث في الخواص كثيرا حتى تجعلهم مكدرين بل يظهر من وراها ندامة واستغفار يغسل ظلمات وكدورات اخر كثيرة ويورث الترقي وهذه الظلمة مفقودة في الملائكة ولهذا كان طريق الترقي مسدودا فيهم واطلاق اسم الظلمة عليها من قبيل المدح بما يشبه الذم والعوام كالانعام يعدون الصفات البشرية الصادرة من اهل الله كصفاتهم البشرية فيحرمون بهذا الاعتقاد بركاتهم وقياس الغائب على الشاهد فاسد ولكل مقام خصوصية على حدة ولكل محل لوازم مستقلة والسلام على من اتبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصلوات والتسليمات. 25 - (ومنها) ان الانسان ما دام مبتلا بالعلم والمعرفة ومنقشا بنقوش السوي فهو حقير وعديم الاعتبار ونسيان السوي شرط هذه الطريقة والفناء فما عداه قدم أول فيه ومالم تطهر مرآة الباطن من صدأ الامكان ظهور آثار حضرة الوجوب فيها محال فان جمع العلوم الامكانية مع المعارف الوجوبية من قبيل الجمع بين الأضداد وههنا سؤال قوي وهو ان العارف اذا تشرفت بالفناء ورجع القهقري لتكميل الناقصين تعود اليه العلوم التي كانت زائلة عنه أولا فعلي هذا التقدير اجتمعت فيه العلوم الامكانية بالمعارف الوجوبية وانت قلت بانه جمع بين الضدين (اجيب) بان العارف الباقي بالله طرأ عليه في هذا الوقت حكم البرزخية فكانه برزخ بين الوجوب والامكان ومنصبغ بلون كل من هذين المقامين فاي اشكال على هذه الصورة اذا اجتمعت فيه علوم كلا المقامين ومعارفهما فان محل اجتماع الضدين لم يبق واحدا بل صار كانه متعدد فلا جمع. 26 - (ومنها) ان العلوم الزائلة في مرتبة الفناء أذا رجعت بعد البقاء لا يلزم منها نقص في كمال العارف بل كماله في هذا الرجوع بل تكميله مربوط به فان العارف بعد البقاء متخلق باخلاق الله تعالى وعلم الاشياء في الواجب تعالى عين الكمال وضده موجب للنقص المحال فكذا حال العارف المتخلق باخلاق المولي المتعال والسر فيه ان العلم في الممكن يحصل PageV02P467 بحصول صورة المعلوم فيه فلا جرم يتأثر العالم بحصول صورة المعلوم فيه وكلما كان العلم ازيد كان التأثر في العالم اكثر فيكون التغير والتلون فيه اوسع وابسط فيكون نقصا فلا بد للطالب من نفي هذه العلوم كلها ونسيان الاشياء جملتها والعلم في الواجب ليس كذلك اذ هو سبحانه منزه عن عن أن يحل فيه صور الاشياء المعلومة بل تنكشف الاشياء عليه تعالى بمجرد تعلق العلم بها فسبحان من لا يتغير بذاته ولا بصفاته ولا بافعاله بحدوث الاكوان والعارف المتخلق يصير علمه بهذه الصفة فلا يحل فيه صور المعلومات فلا تأثر في حقه فلا تغير ولا تلون فلا يكون نقصا بل كمالا هذا السر من خواص الأسرار الالهية خص الله سبحانه وتعالى به من يشاء من عباده ببركة حبيبه عليه وعلى آله أتم الصلوات وأكمل التسليمات. 27 - (ومنها) أن هذا الدرويش تشرف بمقام الرضاء بعد مضي اثنتي عشرة سنة من ابتداء انابته جعلت النفس اولا مطمئنة واستسعد بعد ذلك بهذه السعادة تدريجا بمحض الفضل والكرم وما لم ينعكس رضائه جل سلطانه لم يتشرف بهذه الدولة فرضيت النفس المطمئنة عن مولاها ورضي مولاها عنها الحمد لله سبحانه على ذلك حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه وكما يحب ربنا ويرضي والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله كما ينبغي له ويحري. فان قيل اذا رضيت النفس عن مولاها فما معني طلب دفع البلاء قلت ان الرضاء عن فعل المولي لا يستلزم الرضاء عن فعل مخلوقه بل ربما يكون الرضاء عن فعل المخلوق مستقبحا مثل الكفر والمعاصي حيث يكون الرضا عنهما رضاء عن الخلق القبيح وكراهة القبيح واجبة فاذا كان المولي غير راض بالقبيح كيف يكون العبد راضيا به بل العبد مأمور في هذه الصورة بالشدة والغلظة فالكراهة عن المخلوق لا تكون منافية للرضاء عن خالقه فيكون طلب دفع البلاء مستحسنا والذين لم يفرقوا بين الرضاء بالفعل وبين كراهة المفعول بقوافي عقدة الاشكال في وجود الكراهة بعد حصول الرضاء وتكلفوا في دفعه وقالوا ان وجود الكراهة مناف لحال الرضاء لا لمقامه والحق ما حققته بالهام الله سبحانه وتعالى والسلام على من اتبع الهدى. 28 - (ومنها) كنت أتمني من مدة أن يظهر لي وجه وجيه في عدم قراءة الفاتحة خلف الامام في مذهبنا الحنفي وام يكن ترك القراءة سالفرض والعدول عن القراءة الحقيقية إلى القراءة الحكمية معقولا مع أنه ورد في حديث نبوي لا صلاة الا بفاتحة الكتاب ومع ذلك كنت أترك القراءة بالضرورة رعاية للمذهب فان الانتقال عن المذهب الحاد وكنت أعد هذا الترك من قبيل الرياضة والمجاهدة فاظهر الحق سبحانه ببركة رعاية المذهب في الآخر حقيقة المذهب الحنفي في ترك قراءة الماموم فظهرت القراءة الحكمية في النظر أحسن من القراءة الحقيقية وذلك فان الامام والمأموم كلاهما واقفان في مقام المناجاة بالاتفاق لان المصلي يناجي ربه ويقدم الامام في ذلك المقام ويجعل مقتدي به فالامام كلما يقرأ يقرأ على لسان القوم كما ان قوما اذا اتوا عند ملك عظيم لحاجة يجعلون واحدا منهم رئيسا لهم حتى يعرض حاجتهم عن لسان الكل فان تكلم الباقون أيضا مع تكلم الرئيس يكون ذلك داخلا تحت سوء الادب وموجبا لسخط الملك فتكلم هؤلاء الجماعة الحكمي الذي يؤدي بلسان الرئيس احسن من تكلم الحقيقي وكذلك حال قراءة المأموم مع وجود قراءة الامام داخل في الشغب ومستبعد عن الادب وموجب للتفرق المنافي للاجتماع واكثر المسائل الخلافية بين الحنفي والشافعي من هذا القبيل يكن الرجحان في الظاهر في المذهب الشافعي ويكون التأييد والتقوية في الباطن والحقيقة في الجانب الحنفي وقد اظهروا لهذا الفقير يعني من عالم الغيب ان الحق في الخلافيات PageV02P468 في جانب الحنفي وهم يرون التكوين من الصفات الحقيقية وهو ان كان يري في الظاهر انه راجع إلى القدرة والارادة ولكن يظهر بدقة النظر ونور الفراسة انه صفة على حدة وعلى هذا القياس. سائر الخلافيات وكذلك الامر في الخلافيات الفقهية فان الصواب فيها في جانب الحنفي في اكثر المسائل وفي الاقل تردد وقد قال لي النبي صلى الله عليه وسلم في الواقعة في اواسط الأحوال انت من المجتهدين في علم الكلام فمن هذا الوقت لهذا الحقير رأي خاص وعلم مخصوص في كل مسئلة من المسائل الكلامية واكثر المسائل الخلافية التي فيها نزاع بين الاشاعرة والماتريدية وان كان يظهر فيها في الابتداء ان الحق في جانب الاشاعرة ولكن اذا امعن فيها النظر بنور الفراسة يتضح ان الحق في جانب الماتريدية ورأي هذا الفقير موافق لآراء العلماء المانريدية في جميع المسائل الكلامية الخلافية والحق أن لهؤلاء الاكابر بواسطة اتباع السنة السنية على صاحبها الصلاة والسلام والتحية شأنا عظيما لم يتيسر ذلك الشان لمخالفيهم بواسطة خلط الفلسفيات وان كان كلا الفريقين من أهل الحق وماذا أكتب من علو شأن رئيسهم الامام الاجل والهمام الاكمل ابي حنيفة رضي الله عنه فانه اعلم المجتهدين واورعهم واتقاهم قال الامام الشافعي رضي الله عنه الفقهاء كلهم عيال أبي حنيفة نقل عن الامام الشافعي رضي الله عنه انه لما زار بر أبي حنيفة ترك اجتهاده وقال استحيي منه أن أعمل في حضوره برأيي وأخالفه فترك قنوت الفجر وقراءة الفاتحة خلف الامام نعم إنما يعرف عظمة شأن أبي حنيفة الامام الشافعي زاذا نزل عيسي على نبينا وعليه الصلاة والسلام غدا يعمل بمذهب أبي حنيفة رضه كما قال محمد ?ارسا قدس سره في الفصول الستة «يعني يوافق رأيه كما حققه في مواضع» وهذه العظمة كافية له لا يعادلها مائة عظمة اخرى (1) هذا في عصره قدس سره والاففي زماننا هذا مقتدي أكثرهم الفقه الكيداني والحلبي أو الدعوي المجرد فاننا لله وانا اليه راجعون منه عفي عنه. قال حضرة شيخنا قدس سره قرأت الفاتحة خلف الامام مدة ثم رأيت الامام الاعظم ليلة في المنام ينشد قصيدة غراء في مدحه يفهم منها أن كثيرا من الأولياء كانوا على مذهبي فتركت قراءة الفاتحة خلف الامام من هذا الوقت. 29 - (ومنها) ان كاملا يجيز ناقصا بتعليم الطريقة وفي ضمن اجتماع المريدين الناقصين يتم امر ذلك الناقص المجاز أيضا وقد اجاز حضرة الخواجه النقشبند قدس سره لمولانا يعقوب ال?رخي بتعليم الطريقة وقال له يا يعقوب كلما وصل اليك مني اوصله إلى خلق الله وقد تم امر مولانا يعقوب بعد ذلك في خدمة الخواجة علاء الدين العطار قدس سره ولهذا عد مولانا عبد الرحمن الجامي في النفحات من مريدي الخواجه علاء الدين العطار اولا ثم ينسبه إلى الخواجه النقشبند ثانيا. ومن هذا القبيل ان بعض الكملاء يجيز بتعليم الطريقة لمريد فيه استعداد درجة واحدة من درجات الولاية بعد حصول تلك الدرجة وذلك المريد كامل من وجه وناقص من وجه وكذلك حال مريد فيه استعداد درجتين PageV02P469 او ثلاث درجات من درجات الولاية في انه كامل من من وجه وناقص من وجه فانه ما لم يوصل إلى نهاية النهايات يكون في كل درجة من الدرجات كمال من وجه ونقص من وجه ومع ذلك يجيزه الشيخ الكامل بتعليم الطريقة بعد حصول مرتبة استعداد فلم تكن الاجازة موقوفة (1) هذا قريب مما ذكره الشعراني في أوائل ميزانه منه عفي عنه. علي الكمال المطلق ينبغي ان يعلم ان النقص وان كان منافيا للاجازة ولكن لما اناب الكامل المكمل الناقص مناب نفسه بعديده كيده فلا يتعدي ضرره والله اعلم بحقايق الامور كلها. 30 - (ومنها) ان يادداشت عبارة عن دوام حضور حضرة الذات تعالن وتقدست وهذا المعنى يتخيل لارباب القلوب أيضا في بعض الاحيان بواسطة جامعية القلب فان كلما هو في الانسان فهو ثابت للقلب وحده وان كان الفرق بالاجمال والتفصيل موجودا فيتيسر حضور ذات الحق سبحانه وتعالى سبيل الدوام في مرتبة القلب أيضا ولكن هذا المعنى صورة يادداشت لا حقيقته ويمكن ان يكون المراد باندراج النهاية في البداية هو هذا اليادداشت الصوري واما حقيقته فإنما تحصل بعد تزكية النفس وتصفية القلب ولكن اذا كان المراد بحضرة الذات مرتبة الوجوب التي الذات فيها جامعة للصفات الوجوبية يتصور حصول ياداشت بمجرد الوصول إلى شهود هذه المرتبة بعد طي جميع المراتب الامكانية ويتحقق هذا المعنى أيضا في التجليات الصفاتية فان ملاحظة الصفات ليست بمنافية لحضور حضرة الذات تعالت وتقدست على هذا التقدير وأما اذا كان المراد بها مرتبة الاحدية المجردة التي هي معراة عن جميع الاسماء والصفات والنسب والاعتبارات فحصول يادداشت إنما يتصور بعد طي جميع المراتب الاسمائية والصفاتية والنسبية (1) نقل أن الخضر جاء منزل المظهر الشهيد وقال له ماذا تريد فقال له المظهر الشهيد لا حاجة لي اليك فان شيخي السيد يكفيني في كلما أريد منه عفي عنه والاعتبارية وكل موضع بين فيه هذا الفقير يادداشت أراد به المعنى الاخير وان كان اطلاق الحضور غير ملايم في تلك المرتبة كمالا يخفي على اربابه فانها متعالية عن الحضور والغيبة ولا بد في اطلاق الحضور من ملاحظة صفة من الصفات والمناسب للفظ الحضور هو تفسير يادداشت بالمعنى الثاني فاطلاق النهاية على يادداشت على هذا التقدير إنما هو باعتبار الشهود والحضور فانه لا مجال للشهود والحضور فوق هذه المرتبة بل فيه اما جهل وحيرة واما معرفة ولكن هذه المعرفة التي ليست المعرفة التي تعرفها انت فان معرفتك هي المعرفة الاسمائية والصفاتية وهذا المقام فوق معرفة الاسماء والصفات بمراحل كثيرة والصلاة والسلام على خير البشر وعلى آله الاطهر. 31 - (ومنها) ان تمامية هذا الطريق بالوصول إلى نهاية النهايات مربوطة بطي المقامات العشر المشهورة التي اولها التوبة وآخرها الرضاء ولا يتصور مقام فوق مقام الرضاء في مراتب الكمال حتى الرؤية الاخروية أيضا وإنما يظهر حقيقة مقام الرضاء في الآخرة وحصول بقية المقام في الآخرة غير متصور فانه لا معني للتوبة هناك ولا مجال للزهد فيها ولا يتصور التوكل ثمة ولا احتمال للصبر هنالك نعم يتصور فيها الشكر ولكنه من شعب الرضاء لا امر مباين له فان قيل ربما يفهم الرغبة في الدنيا من الكامل المكمل ويشاهد منه ما هو مناف للتوكل ويظهر منه الجزع الذي هو مناف للصبر وتوجد فيه الكراهة التي هي ضد الرضاء فما وجه ذلك. اجيب ان حصول هذه المقامات مخصوص بالقلب PageV02P470 والروح ويحصل هذه المقامات في النفس المطمئنة أيضا بالنسبة إلى اخص الخواص واما القالب فهو خال من هذا المعنى ولا نصيب له منه وان انكسرت سورته وشدته قال شخص للشبلي انت تدعي المحبة وسمانتك هذه تنافي المحبة فقال الشبلي في جوابه (شعر) أحب قلبي وما دري بدني ... ولو دري ما أقام في السمن فاذا ظهر في قالب الكامل ما ينافي تلك المقامات لا يضر ذلك في حصول تلك المقامات بالنسبة إلى باطنه ولا ينافيه وأما غير الكامل فتظهر نقائض تلك المقامات في كليته بحيث اذا كان راغبا بظاهره وباطنه ومنافي التوكل يكون شاملا لصورته وحقيقته ويظهر فيه الجزع قلبا وقالبا وتبدو فيه الكراهة روحا وبدنا وهذه الاشياء هي التي جعلها الحق سبحانه قباب أوليائه وجعل بها اكثر الناس محرومين من كمالاتهم وفي ابقاء هذه الاشياء في الأولياء حكمهة غامضة وهي عدم امتياز الحق عن الباطل الذي هو من لوازم هذه الدار التي هي محل الابتلاء وفي ابقائها فيهم ولو بحسب الصورة ترقيهم فانه لو ارتفعت هذه الاشياء عن الأولياء بالكلية لانسد طريق ترقيهم ولصاروا محبوسين في مقام مخصوص كالملك والسلام على من اتبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتم الصلوات واكمل التسليمات. 32 - (ومنها) الهي ما هذا الذي جعلت أولياءك باطنهم زلال الخضر من ذاق منه قطرة نال الحياة الابدية وظاهرهم سم قاتل من نظر إليه مات بالموت الأبدي وهم الذين باطنهم رحمة وظاهرهم رحمة من اطلع على بواطنهم فهو منهم ومن اقتصر نظره على ظواهرهم فهو من معاربهم وظاهرهم كالشعير وباطنهم كالحنطة بظاهرهم من عوام البشر وبباطنهم من خواص الملك بصورتهم في الارض وبمعناهم في الفلك لا يشقي جليسهم ويسعد انيسهم أولئك حزب الله ألا ان حزب الله هم المفلحون وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وسلّم. 33 - (ومنها) ان الحق سبحانه قد أخفي أولياءه على وجه لا يكون لظاهرهم خير عن كمالاتهم الباطنية فكيف من عداهم وقد حصلت لباطنهم نسبة اللاكيفي واللامثلي وهي أيضا لا كيفية وحيث ان باطنهم من عالم الامر فله أيضا نصيب من اللاكيفي فالظاهر الذي هو كيفي من القدم إلى الرأس كيف يدرك حقيقتها بل يكاد ينكر نفس حصول تلك النسبة من غاية الجهل وعدم المناسبة ويمكن ان يعلم نفس حصول النسبة ولكن لا يدري ان متعلقها من هو بل ربما ينفي متعلقها الحقيقي وكل ذلك لعلو تلك النسبة ودنو الظاهر واما الباطن فهو مغلوب تلك النسبة وخارج عن الشهود والمعرفة فما يدريه انه ماذا حصل فيه وبمن يتعلق حاصله فلا جرم لا يكون سبيل إلى المعرفة سوي العجز عن المعرفة ولهذا قال الصديق الاكبر رضي الله عنه العجز عن درك الادراك ادراك نفس الادراك عبارة عن النسبة الخاصة التي العجز عن ادراكها لازم لان صاحب هذا الادراك مغلوب لا يعلم حاله كما مر. 34 - (ومنها) كان شخص ممن يتلبس بلباس الصوفية مبتلا بالبدعة الاعتقادية وكان لي يردد في حقه فرأيت اتفاقا أن الانبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم مجتمعون وكلهم يقولون بلسان واحد في حقه انه ليس منا فخطر في خاطري في تلك الاثناء أن استفسرهم عن حال شخص آخر كان لي تردد فيه أيضا فقالوا في حقه كان منا نعوذ بالله سبحانه من سوء الاعتقاد ومن طعن انبيائه الأمجاد. 35 - (ومنها) قد اظهروا لهذا الفقير أن الفاظ القرب والمعية والاحاطة الالهية الواقعة في القرآن من جملة المتشابهات القرآنية كاليد والوجه وكذلك لفظ الاول والآخر PageV02P471 والظاهر والباطن وأمثالها فنقول أن الحق سبحانه قريب ولكن لا ندري معني قربه أنه ما هو وكذلك نقول انه الاول ولكن لا نعلم أن المراد بالاول ما هو ومعني القرب والاولية الذي يحصل في حيطة علمنا وفهمنا فهو سبحانه منزه ومبرأ منه وما يظهر في كشفنا وشهودنا فهو تعالى متعال عنه والقرب والمعية اللذان وجد هما بعض المتصوفة بطريق الكشف واعتقد الحق سبحانه قريبا ومعا بذلك المعنى الكشفي فليس ذلك بمستحسن وله قدم في مذهب المجسمة وما قاله بعض العلماء في تاويله بالقرب العلمي فهو مثل تأويل اليد بالقدرة والوجه بالذات فهو مجوز عند مجوزي التأويل ونحن لا نجوز التأويل بل نحيل علمه على الله تعالى العلم عند الله سبحانه والسلام على من اتبع الهدى. 36 - (ومنها) كنت اؤدي صلاة الوتر احيانا في اول الليل واحيانا في آخره فأريت في ليله من الليالي أن الانسان اذا نام بنية اداء الوتر في آخر الليل يكتب له الحسنات في جميع الليل إلى ان يصلي الوتر فكلما يؤخر الوتر يكون احسن وانفع ومع ذلك ليس منظور الفقير في تأخير الوتر وتعجيله سوي متابعة النبي صلى الله عليه وسلم ولا اعدل شيأ من الفضيلة بمتابعته صلى الله عليه وسلم وكان صلى الله عليه وسلم يصلي الوتر في اول الليل احيانا وفي آخره اخري واري سعادتي في التشبه به صلى الله عليه وسلم في جميع الامور وان كان ذلك التشبه بحسب الصورة فقط وبعض الناس يجعلون لبعض السنن دخلا في احياء الليالي وامثالها والعجب من قصور فهمهم وانا لا اشتري الوفاء من احياء الليالي بنصف متابعة ولما اردت الاعتكاف في العشر الاخير من رمضان جمعت اصحابي وقلت لهم لا تنووا شيأ غير اتباع السنة ماذا يكون تبتلنا وانقطاعنا نقبل مائة من التعلق بمتابعة واحدة ولا نقبل الفا من التبتل والانقطاع بلا توسل متابعة. شعر من كان في قصره الحسناء قد فرغا ... من التلذذ بالبستان والخضر رزقنا الله سبحانه كمال متابعته عليه الصلاة والسلام. 37 - (ومنها) كان جمع من الدراويش ذات يوم قاعدين عندي قال هذا الفقير من كمال محبته به صلى الله عليه وسلم ان محبته صلى الله عليه وسلم قد استولت على نهج احب الله سبحانه لكونه رب محمد صلى الله عليه وسلم فتخير الحاضرون من هذا الكلام ولكن لم يكن فيهم مجال للانكار والمخالفة وهذا الكلام نقيض كلام رابعة حيث قالت قالت له صلى الله عليه وسلم في المنام ان محبة الحق سبحانه قد استولت على نهج لم يبق محل المحبتك وهذان الكلامان وان كانا ينبئان عن السكر ولكن في كلامي اصالة وقالت هي في عين السكر وانا في ابتداء الصحو وكلامها في مرتبة الصفات وكلامي بعد الرجوع عن مرتبة الذات فانه لا مجال في مرتبة الذات لمثل هذا الكلام فان جميع النسب قاصرة عن تلك المرتبة هناك كله حيرة وجهل بل هناك نفي المحبة بالذوق لا يري السالك نفسه لا بقاء بالمحبة هناك والمحبة إنما هي في مرتبة الصفات فقط وما يقال من المحبة الذاتية ليس المراد بها الذات الاحدية بل الذات مع بعض اعتباراتها فمحبة رابعة إنما هي في مرتبة الصفات والله سبحانه الملهم للصواب والصلاة والسلام على سيد البشر وآله الاطهر. 38 - (ومنها) أن شرافة المعلوم فكلما يكون المعلوم أشرف يكون العلم به أعلي فيكون علم الباطن الذي امتاز به الصوفية اشرف من علم الظاهر الذي هو نصيب علماء الظواهر على قياس شرافة علم الظاهر بالنسبة إلى علم الحجامة والحياكة فيكون رعاية آداب الشيخ الذي أخذ عنه علم الباطن أزيد من أضعاف رعاية آداب الاستاذ الذي استفاد منه علم الظاهر وكذلك رعاية آداب الاستاذ في PageV02P472 سائر الحقوق بعد انعامات الحق سبحانه واحسانات رسوله عليه الصلاة والسالم بل الشيخ الحقيقي للكل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم والولادة الصورية وان كانت من الوالدين ولكن الولادة المعنوية مخصوصة بالشيخ والولادة الصورية منشأ لحياة أيام معدودة وأما الولاية المعنوية فهي مستلزمة لحياة ابدية والذي يكنس نجاسة المريد المعنوية بقلبه وروحه ويطهر كرشه هو الشيخ وقد يحس في التوجهات إلى بعض المريدين والمسترشدين لتطهير نجاساتهم الباطنية ان التلوث يسري أيضا لصاحب التوجه ويجعله مكدرا إلى مدة والشيخ هو الذي يوصل بتوسله إلى الله عز وجل الذي هو فوق جميع السعادات الدنيوية والاخروية والشيخ هو الذي بوسيلته تتزكي النفس الامارة التي هي خبيثة بالذات وتطهر وتتخلص من الامارية وتنقلب مطمئنة ويخرج من الكفر الجبلي ويتشرف بالاسلام الحقيقي. (ع) يطول اذا بينت تفصيل شرحه (فينبغي) للسالك ان تعتقد سعادته في قبول شيخه وشقاوته في رده نعوذ بالله سبحانه من ذلك وقد جعل رضا الحق سبحانه تحت حجب رضا المرشد وما لم يجعل المريد نفسه فانيا في رضا المرشد لا ينال نصيبا من مرضياته سبحانه وتعالى وآفة المريد في أذية شيخه وكل زلة يمكن تداركها الا زلة أذية المرشد فانه لا يمكن تداركها بشئ من الاشياء وأذية المرشد أصل شقاوة المريد وعرقها عياذا بالله سبحانه من ذلك والخلل الطارئي في المعتقدات الاسلامية والفتور الواقع في إتيان الاحكام الشرعية من نتائج تلك الاذية وثمراتها وما ذا أقول من الأحوال والمواجيد المتعلقة بالباطن فان PageV02P473 بقي أثر من الأحوال مع وجود أذية المرشد ينبغي ان يعده من الاستدراج الذي يجر أخيرا إلى الخرابية ولا ينتج شيأ غير الضرر والسلام على من اتبع الهدى. 39 - (ومنها) القلب من عالم الامر أورد في عالم الخلق وجعل فيه التعشق له وأعطي له التعلق الخاص بالمضغة التي في جان اليسار وتعشقه هذا يشبه تعشق ملك الكناس نزل بسببه إلى منزله والروح التي هي ألطف من القلب من اصحاب اليمين واللطائف الثلاث الباقية التي هي فوق الروح مشرفة بشرف خير الامور اوسطها وكلما يكون الطف فهو بالوسط نسب الا ان السر والخفي على طرفي الاخفي احدهما على اليمين والآخر على الشمال والنفس مجاورة للحواس متعلقة بالدماغ وترقي القلب منوط بوصوله إلى مقام الروح والى ما فوقه وكذلك ترقي الروح وما فوقها من اللطائف مربوط بوصولها إلى المقامات الفوقانية وهذا الوصول في الابتداء بطريق الأحوال وفي الانتهاء بطريق المقام وترقي النفس بوصولها إلى مقام القلب بطريق الأحوال في الابتداء وبطريق المقام في الانتهاء وتصل هذه اللطائف الست آخر الامر إلى مقام الاخفي وتقصد الكل الطيران إلى عالم القدس بالاتفاق وتترك لطيفة القالب خالية وهذه الطيران أيضا بطريق الأحوال في الابتداء وبطريق المقام في الانتهاء وح يحصل الفناء والموت الذي يكون قبل الموت عبارة عن مفارقة اللطائف الست لطيفة القالب وسر بقاء الحس والحركة في القالب بعد مفارقة تلك اللطائف قد بين في مواضع اخر ينبغي ان يطلبها منها وهذا الورق لا يسع التفصيل وإنما يتكلم هنا بالاشارة والرموز ولا يلزم ان يجتمع جميع اللطائف في مقام واحد ثم تطير منه بل (1) اخرج ابن عساكر في تاريخه وابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس مرفوعا أصحاب الكهف أعوان المهدي عفي عنه. تلك اللطائف الست إلى القالب بعد مفارقتها عنه ووصولها إلى مقام القدس وتلونها بصبغه يحصل له تعلق به سوي التعلق الحبي وتاخذ حكم القالب وبعد الامتزاج يحصل لها أيضا قسم من الفناء وتاخذ حكم الميت ففي هذا الوقت يتجلي لها بتجل خاص وتحصل لها حياة جديدة وتتحق مقام البقاء بالله وتتحلي باخلاق الله فح اذا اعيد إلى العالم بعد ان كسي تلك الخلعة تنجر المعاملة من الدنو إلى التدلي وتبدو مقدمة التكميل فان لم يرجع ولم يحصل التدلي بعد الدنو يكون من أولياء العزلة فلا يمكنه تربية الطالبين وتكميل الناقصين هذا حديث بداية الطريق ونهايته بطريق الرمز والاشارة ولكن فهمه بغير قطع المنازل محال والسلام على من اتبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصلاة والسلام. 40 - (ومنها) أن الحق سبحانه متكلم من الازل إلى الابد بكلام واحد ليس هو متبعضا ومتجزئا فان السكوت والخرس محال في حقه تعالى ما العجب اذا كان هناك من الازل إلى الابد آن واحد اذ لا يجري عليه سبحانه زمان فكيف يقع في آن واحد غير كلام واحد بسيط وقد صار هذا الكلام الواحد منشأ لاقسام كثيرة من الكلام باعتبار تعدد تعلقات شتى اذا تعلق بمأمور مثلا نشأ منه أمر وان تعلق بمنهي وان باخبار ظهر خبر غاية ما في الباب ان الاخبار عن الماضي والاستقبال أوقع جمعا في الاشكال وتقدم الدال وتأخره أدي بهم إلى ملاحظة تقدم المدلول وتأخره ولا اشكال في الحقيقة فان الماضي والمستقبل من صفات امتداد مخصوصة به PageV02P474 حصل ذلك الامتداد باعتبار انبساط ذلك الآن وحيث ان ذلك الآن بحاله في مرتبة المدلول وليس فيها انبساط أصلا لا مجال فيه للماضي والاستقبال قال ارباب المعقول ان للماهية الواحدة باعتبار الوجود الخارجي لوازمات شتي وباعتبار الوجود الذهني لوازمات اخري فاذا جاز تباين الصفات واللوازم في شيء واحد باعتبار تغاير الوجود والهوية جاز ذلك في الدال والمدلول اللذين متغايران في الحقيقة بالطريق الأولى (وما قبل) من انه من الازل إلى الابد آن واحد فهو من ضيق العبارة والا لا مجال للآن أيضا هناك واطلاقه أيضا ثقيل هنا كاطلاق الزمان. (ينبغي) أن يعلم ان الممكن اذا وضع قدمه في خارج دائرة الامكان يجد الازل متحدا بالابد وقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج في مقامات العروج يونس ع م في بطن الحوت وكان طوفان نوح ع م موجودا ورأي أهل الجنة في الجنة واهل جهنم في جهنم ورأي عبد الرحمن بن عوف الذي هو من اغنياء الصحابة رضي الله عنهم متأخر الدخول في الجنة بمقدار خمسمائة سنة نصف يوم من أيام القيمة وسأله عن سبب تأخره وأجاب هو عن عقباته وكل ذلك صار مشهودا في مثل آن واحد ليس فيه سعة للماضي والاستقبال. وقد ظهر لهذا الحقير أيضا هذه الحالة في بعض الاوقات بصدقة حبيبه عليه الصلاة والسلام وجد فيها الملائكة في السجود لآدم عليه السلام ولم يرفعوا رؤسهم من السجود ورأي ملائكة العليين (العالين) ممتازا عنهم فانهم لم يكونوا مأمورين بالسجدة (كما ذكره الشيخ محي الدين ابن عربي) وهم مستهلكون ومستغرقون في مشهودهم والأحوال الموعود بها في الآخرة صارت مشهودة في تلك الآن وحيث مرت على هذه الواقعة مدة لم يبين أحوال الآخرة تفصيلا لعدم اعتماده على حافظته لكن ينبغي ان يعلم ان هذه الحالة كانت لروح النبي صلى الله عليه وسلم وجسده جميعا ومشهوده كان بالبصر والبصيرة معا فان حصلت هي PageV02P475 لغيره يكون طفيليا وتبعية ومقصورا على الروح والبصيرة. 41 - (ومنها) ان التكوين احدي صفات واجب الوجود الحقيقة والاشاعرة يرونها من الصفات الاضافية ويزعمون ان القدرة والارادة كافيتان في الايجاد ولكن الحق انها صفة حقيقية برأسها سوي القدرة والارادة وبيان ذلك ان القدرة هي صحة الفعل والترك والارادة تخصيص أحد هذين الطرفين فتكون رتبة القدرة مقدمة على رتبة الارادة والتكوين الذي نعده من الصفات الحقيقية رتبته بعد رتبة القدرة والارادة وحكمه ايجاد الطرف المخصص بالارادة فالقدرة مصححة للفعل والارادة مخصصة له والتكوين موجده فلا بد ح من التكوين وهو بمثابة الاستطاعة الكائنة مع الفعل التي اثبتها علماء أهل السنة في العباد ولا شك ان هذه الاستطاعة بعد ثبوت القدرة بل بعد تعلق الارادة وتحقق الايجاد مربوط بهذه الاستطاعة بل هي الترك غير متصور هنا وحال صفة التكوين هو هذا يعني الايجاد به بطريق الايجاب وهذا الايجاب لا يضر في تحقق الاختيار في الواجب تعالى فان ثبوته بعد تحقق القدرة التي هي بمعني صحة الفعل والترك وبعد تعلق الارادة بخلاف ما قال به الفلاسفة فانهم زعموا ان الشرطية الأولى يعني ان شاء فعل واجب الصدق وان الشرطية الثانية ممتنع الصدق وينفون الارادة فانه صريح في الايجاب تعالى الله سبحانه عن ذلك علوا كبيرا والايجاب الحاصل بعد تعلق الارادة وتخصيص أحد المقدورين مستلزم للاختيار ومؤكد له ليس بناف له وقد وقع كشف صاحب الفتوحات أيضا موافقا لرأي الفلاسفة حيث يعتقد الشرطية الأولى في القدرة واجبة الصدق والثانية ممتنعة الصدق وهذا قول بالايجاب ويلزم على هذا تعطل ضفة الارادة فان تخصيص أحد المتساويين منتف هنا فان أثبت هذا المعنى في التكوين فله مساغ وهذا الفرق تدقيق قل من سبق ببيانه وعلماء الماتريدية وان أثبتوا هذه الصفة ولكنهم لم يقتفوا أثر حدة النظر هذه وقد جعلهم أتباع السنة السنية ممتازين بهذه المعرفة من بين سائر المتكلمين وهذا الحقير من مقتطفي أزهارهم ثبتنا الله سبحانه على معتقداتهم القة بحرمة سيد المرسلين عليه وعلى آله أتم الصلوات واكمل التسليمات. 42 - (ومنها) أن رؤية المؤمنين الحق عز وجل في الآخرة حق وهذه مسئلة لم يقل يجوازها أحد من فرق الاسلام والفلاسفة غير اهل السنة والجماعة والباعث على انكارهم هو قياس الغائب على الشاهد وهو قياس فاسد فان المرئي اذا كان غير مكيف تكون الرؤية المتعلقة به أيضا غير مكيفة ينبغي الايمان بها وان لا يشتغل بكيفيتها وقد أظهروا هذا السر اليوم لخواص الأولياء وان لم تكن رؤية ولكنها ليست ببعيدة كانك تراه ويراه المؤمنون غدا كلهم بعين رؤسهم ولكنهم لا يدركون شيئا لا تدركه الابصار وإنما يجدون شيئين العلم اليقيني بالذي يرونه والالتذاذ المترتب على الرؤية واغير هذين من لوازم الرؤية كلها مفقودة وهذه المسئلة من أغمض مسائل علم الكلام وطور العقل عاجز في اثباتها وتصويرها وقد أدركها متابعوا الانبياء من العلماء والصوفية بنور الفراسة المقتبس من انوار النبوة وكذلك سائر المسائل الكلامية الذي يعجز العقل في اثباتها ويتحير وجدها العلماء بنور الفراسة فقط والصوفية بنور الفراسة والكشف والشهود والفرق PageV02P476 بين الكشف والفراسة كثير والمسائل التي قال بها اهل السنة وانكرها المخالفون بالتزام طور العقل كلها من هذا القبيل اعني انهم ادركوها بنور الفراسة والكشف الصحيح فان اوضحوها بالدلائل فمقصودهم منه التصوير والتنبيه لا اثباتها بالنظر والدليل فان نظر العقل عاجز عن اثباتها وتصويرها (والعجب) من العلماء انهم يقيمون انفسهم في هذه المسائل في مقام الاستدلال ويريدون اثباتها بالدلائل ويلزمون المخالفين الحجة وهذا لا يتيسر ولا يتم ويزعم المخالفون من ذلك ان هذه المسائل أيضا مزيفة وغير تامة مثلا أن العلماء اثبتوا الاستطاعة مع الفعل وهذه المسئلة من المسائل الحقة التي صارت معلومة بنور الفراسة والكشف الصحيح ولكن ادلتهم التي اوردوها في اثباتها مزيفة وغير تامة واقوى ادلتهم في ذلك عدم بقاء الاعراض في زمانين للزوم قيام العرض بالعرض وهو محال وحيث اعتقد المخالفون هذا الدليل مزيفا وغير تام تيقنوا ان هذه المسئلة أيضا غير تامة ولم يدروا ان مقتداهم ومستندهم في هذه المسئلة وامثالها هو نور الفراسة المقتبس من انوار النبوة وهذا من تقصيرنا حيث نجعل الحدسي والبديهي نظريا في نظر المخالف ونجتهد في اثباته بالتكلفات غاية ما في الباب ان الحدس والبديهة ليسا بحجة على المخالف ولا ضرر سلنا في ذلك فانه لا يلزمنا شيء سوي الاعلام والتبليغ فمن كان فيه حسن النشأة الاسلامية يقلبها بلا اختيار ومن ليس فيه ذلك لا نريد سوي الانكار وما احسن طريق اصحاب شيخ الاسلام الشيخ ابي منصور الماتريدي حيث انهم يقتصرون على المقاصد ويعرضون عن التدقيقات الفلسفية وإنما نشأ النظر والاستدلال على طريقة الفلسفي بين علماء اهل السنة والجماعة من الشيخ ابي الحسن الاشعري واراد هو ان يتم ويحفظ معتقدات اهل السنة بالاستدلالات الفلسفية وهذا عيب وموجب لجسارة المخالفين على الطعن في اكابر الدين وترك لطريق السلف ثبتنا الله سبحانه على متابعة آراء اهل الحق المقتبسة من انوار النبوة على صاحبها الصلاة والسلام والتحية يقول المعرب عفي عنه لقد صدق الامام قدس سره في قوله سلكوا مسلك الفلسفة في الاستدلال وقد كثر ذلك في القرن الخامس وبعده ونضج ذلك في عصر الطوسي ثم في عصر القاضي عضد والتفتازاني والدواني وعصر محشيه حتى فشى ذلك في سائر الاقطار وتنوسي طريق السلف في أكثر الامصار وقد اعترف التفتازاني بذلك في ديباجة شرحه للعقائد النفسية حيث قال فيها ثم لما نقلت الفلسفة إلى العربية وخاض فيها الاسلاميون حاولوا الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه الشريعة فخلطوا بالكلام كثيرا من الفلسفة ليحققوا مقاصدها فيتمكنوا من ابطالها وهلم جرا إلى ان ادرجوا فيه معظم الطبيعيات والالهيات وخاضوا في الرياضات حتى كاد لا يتميز عن الفلسفة لو لا اشتماله على السمعيات اه?كلام التفتازاني قلت لم يحصل هذا الغرض فانه لم ينتقل عن احد اهتداء فلسفي وتركه مذهبه ولكن عم ضرره وانتشر شرره بين المسلمين حيث زعموا ان هذا من ضروريات الدين ومن لم يعرفه لم يعد من المسلمين وتركوا ما هو أهم لهم في أمر الدين من حفظه من تعرضات المخالفين الموجودين بالاشتعال برد الموهومين ولما تنبه على وخامة هذا الامر بعض اذكياء الفضلاء المتأخرين رموهم بالضلالة والزيغ في الدين ولم يتحاشوا عن تكفيرهم واخراجهم من الدين فانا لله وانا اليه راجعون (شعر) اذا كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وان كنت تدري فالمصيبة اعظم ومجال الكلام في هذا الباب كثير ولكن خوف الاطناب والاملال يمنعني من ذلك اه?ما قاله المعرب عفي عنه. 43 - (ومنها) بحكم كريمة واما بنعمة ربك فحدث تظهر هذه النعمة العظمي قد حصل لهذا الفقير PageV02P477 يقينبالمعتقدات الكلامية على وفق آراء اهل الحق يعني اهل السنة والجماعة على نهج يكون اليقين الحاصل بالنسبة إلى اجلي البديهيات في حكم الظنيات بل الوهميات مثلا اذا وازنت اليقين الحاصل بكل واحد من المسائل الكلامية باليقين الحاصل بوجود الشمس اغار على اطلاق اسم اليقين على الثاني في جنب اليقين الاول يقبل ارباب العقول هذا المعنى اولا ولعلهم لا يقبلونه فانه وراء طور نظر العقل وليس للعقل الذي نظره مقصور على الظاهر نصيب من هذا المقام سوي الانكار وحقيقته هذه المعاملة هي ان اليقين امر قلبي واليقين الذي يحصل في القلب بوجود الشمس إنما هو بتوسط الحواس التي حكمها حكم الجواسيس واليقين الذي يحصل فيه بمسئلة من المسائل الكلامية ليس هو بتوسط شيء وانم تلقاه من حضرة الوهاب جل وعلا بطريق الالهام واخذه عنه بلا واسطة شيء فكان اليقين الاول بمثابة علم اليقين واليقين الثاني بمثابة عين اليقين وشتان ما بينهما ع هل المسموع كالمرئي قط 44 - (ومنها) فمتي صارت ساحة صدر الطالب بمحض فضل الحق جل وعلا خالية عن جميع المرادات ولم يبق فيها مقصود غير الحق سبحانه يتيسر في ذلك الوقت ما هو المقصود من خلقته ويصير ح مؤديا حقيقة العبودية فاذا اريد ارجاعه بعد ذلك لتربية الناقصين يمنحه الحق سبحانه ارادة واختيارا من لدنه ويكون مجازا في التصرفات القولية والفعلية ومختارا فيها كالعبد المأذون وفي هذا المقام الذي هو مقام التخلق باخلاق الله كلما يريده صاحب الارادة يريده لغيره ويكون منظوره مصالح غيره لا مصالح نفسه كما هو حال ارادة الواجب تعالى بل لله المثل الاعلي ولا يلزم من ذلك لزوم وقوع كلما يريده صاحب هذه الارادة بل هذا غير جائز فانه شرك ولا تطيقه العبودية كيف وقد قال الله سبحانه لحبيبه انك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء فاذا وقعت ارادة سيد البشر في ورطة التوقف ماذا يكون لهم مجال في ذلك ولا يلزم أيضا ان يكون جميع مرادات صاحب الارادة هذا مرضيا عند الحق سبحانه والا لما نزل من الحق سبحانه اعتراض على بعض أفعاله واقواله صلى الله عليه وسلم كما قال الله سبحانه ما كان لنبي ان يكون له اسري الاية ولما كان للعفو عنه معني كما قال الله تعالى عفا الله عنك لم اذنت لهم الآية فان العفو إنما يتصور في التقصيرات على ان جميع مرادات الحق سبحانه ليس مرضيا له تعالى كالكفر والمعاصي. 45 - (ومنها) امامي في هذا الكلام كلام الله ومقتداي في هذا الامر القرآن المجيد فلو لا هداية القرآن لما انفتح الطريق إلى عبادة المعبود بالحق وفي هذا الطريق ينادي كل لطيف والطف بنداء انا الله ويجعل السالك مبتلا بعبادته فان كان كيفيا يظهر نفسه في صورة لا كيفي وان كان تشبيها يجلي نفسه بهيئة التنزيه والامكان ههنا ممتزج بالوجوب والحدوث مختلط بالقدم فان كان باطلا يظهر بصورة الحق وان كانت ضلالة تنجلي بشكل الهداية والسالك المسكين كالمسافر الاعمي يتوجه إلى كل واحد منها قائلا هذا ربي والله سبحانه يمدح نفسه بخالق السموات والارض ويقول انه رب المشرق والمغرب فاذا عرضت هذه الصفات (يعني خالقية السموات والارض الخ) على الآلهة المتخيلة وقت العروج تأبي عنها بلا اختيار وتتوجه على الزوال فلا جرم يعرض السالك عن الكل قائلا لا احب الآفلين ولا يجعل قبلة توجهه غير ذات واجب الوجود الحمد لله الذي هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق. 46 - (ومنها) نحن كنا اربعة اشخاص في ملازمة شيخنا وكنا ممتازين من بين الاخوان عند الناس وكان لكل واحد منا بالنسبة إلى شيخنا اعتقاد على حدة ومعاملة خاصة وعلم الفقير يقينا ان مثل هذه الصحبة والاجتماع وشبه هذه التربية PageV02P478 والإرشاد لم يوجد بعد زمانه صلى الله عليه وسلم أصلا وشكرت الله سبحانه حق شكره على هذه النعمة العظمي حيث اني وان لم اتشرف بشرف صحبة خير البشر صلى الله عليه وسلم لكني لم اكن محروما من سعادة هذه الصحبة وقال حضرة شيخنا في كل واحد من هؤلاء الثلاثة ان فلانا يراني صاحب تكميل ولا يراني صاحب إرشاد وكان مرتبة الإرشاد عنده فوق مرتبة التكميل وفلان ليس له شغل بنا وقال في حق الآخر ان له انكارا فينا ونال كل واحد منا نصيبا على قدر اعتقاده. (ينبغي) ان يعلم ان اعتقاد المريد افضلية شيخه واكمليته من ثمرات المحبة وتائج المناسبة التي هي سبب الافادة والاستفادة ولكن ينبغي ان لا يفضل شيخه على قوم قد تقرر أفضليتهم في الشرع فانه افراط في المحبة وهو مذموم وقد كانت خرابية الشيعة وضلالتهم من جهة افراط في محبة أهل البيت واعقد النصاري عيسى عليه السلام الها من افراط محبتهم اياه ووقعوا في الخسارة الابدية (واما) اذا فضل شيخه على من سواهم فهو جائز بل هذا واجب في الطريقة وهذا التفضيل ليس باختيار المريد بل لو كان المريد مستسعدا يظهر فيه هذا الاعتقاد بلا اختيار منه فيكتسب كمالات الشيخ بواسطته فلو كان هذا التفضيل باختيار المريد وبالتكلف فهو غير جائز ولا ينتج شيئا. 47 - (ومنها) ان الدرجة العلياء في النفي والاثبات بكلمة طيبة لا اله الا الله هي ان كلما يدرك بالكشف والشهود ينبغي ان يدخله تحت كلمة لا وان ظهر بوصف التنزيه الصرف ولا مثليا محضا وفي جانب الاثبات لا يكون نصيب غير التكلم بالكلمة المستثناة الصادر بمواطأة القلب. (شعر) هيهات عنقاء ان يصطاده احد ... فارم الشراك والادام فيه هوا والسلام على من اتبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصلوات والتسليمات. 48 - (ومنها) ان الحقيقة القرآنية وحقيقة الكعبة الربانية فوق الحقيقة المحمدية على مظهرها الصلاة والتحية ولهذا صارت الحقيقة القرآنية امام الحقيقة المحمدية وحقيقة الكعبة الربانية مسجودا لحقيقة المحمدية ومع ذلك حقيقة الكعبة الربانية فوق الحقيقة القرآنية فان هنا اي في حقيقة الكعبة الربانية جميع اللاصفاتية واللالونية لا متسع في ذلك الموطن للشؤن والاعتبارات ولا مجال في تلك الحضرة للتنزيه والتقديس ع آنجا همه آنست كه برتر ز بيانست وهذه معرفة لم يحرك بها احد من أولياء الله شفته ولم يتكلم من هذه المقولة بالرمز والاشارة وشرف هذا الدرويش بهذه المعرفة العظمي وامتاز بها من بين ابنآء جنسه كل ذلك بصدقة حبيب الله وبركة رسول الله عليه وعلى آله من الصلوات أفضلها ومن التسليمات اكملها. (ينبغي) ان يعلم ان صورة الكعبة كما انها مسجود صور الاشياء كذلك حقيقة الكعبة مسجود حقائق تلك الاشياء واقول قولا عجبا لم يسمعه احد وما اخبره مخبر باعلام الله سبحانه والهامه تعالى اياي بفضله وكرمه وهو انه يجئ زمان بعد مضي الف وكذا سنة من رحلته صلى الله عليه وسلم تعرج فيه الحقيقة المحمدية من مقامها وتتحد بمقام حقيقة الكعبة ويعرض للحقيقة المحمدية اسم الحقيقة الأحمدية وتكون مظهرا للذات الاحد جل سلطانه ويتحقق كلا الاسمين. هذا هو المشهور بين اهل بخاري وقائله غير الخواجه النقشبند قدس سره في الحقيقة فان الخواجه النقشبند توفي قبل موت تيمرلنك بسه عشرة سنة لمحرره. PageV02P479 المباركين بمسمي واحد ويبقي المقام السابق خاليا من الحقيقة المحمدية إلى ان ينزل عيسى عليه السلام ويعمل بشريعته صلى الله عليه وسلم فح تعرج الحقيقة العيسوية من مقامه وتستقر في مقام الحقيقة المحمدية التي بقيت خالية يقول المعرب قد استصعب هذا الكلام كثير من الناس في زمنه واستفسروه عنه وقد كتب في حله مكاتيب عديدة اوله المكتوب الثامن والمائتان من الجلد الاول وذكره أيضا في المكاشفة الغيبية ولكن الذي تقرر لديه قدس سره في الآخر هو ان الحقيقة المحمدية فوق حقيقة الكعبة وفوق سائر الحقائق كما هو عند الجمهور كذلك والغلط ربما يقع في الكشوفات كما قاله قدس سره. 49 - (ومنها) لو لا الكلمة الطيبة لا اله الا الله لما يرينا شيء طريقا إلى جناب قدسه تعالى ولما يكشف شيء النقاب عن وجه التوحيد ولما يفتح لنا شيء ابواب الجنات وقد يقلع باستعمال معول كلمة لا امثال الجبال من الصفات البشرية وينتقي ببركة تكرار هذا النفي عوالم من التعلقات ويبطل به تلك الآلهة الباطلة ويثبت بها المعبود بالحق جل شأنه ويقطع السالك مدارج العالم الامكاني بمددهما ويرتقي العارف إلى معارج الفضاء الوجوبي ببركتها وهي التي تؤدي من تجليات الافعال إلى تجليات الصفات وتوصل من تجليات الصفات إلى تجليات الذات (شعر) تا بجاروب لا نروبي راه ... نرسى در سراي الا الله والسلام على من اتبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله اتم الصلوات واكمل التسليمات. 50 - (ومنها) كتب الشيخ شرف الدين المنيري في بعض مكتوباته ينبغي ان لا يقرأ المعوذتين في صلاة الفرض فان ابن مسعود رضي الله عنه مخالف للجمهور في هاتين الصورتين فلا ينبغي قراءتهما في الفرض القطعي وكان هذا الفقي أيضا لا يقرأهما حتى اظهروا لهذا الفقير ذات يوم كأن المعوذتين حاضرتان تشتكيان من المخدوم في باب المنع عن قراءتهما في الفرض واخراجهما من القرآن فمن ذاك الوقت امتنعت من تركهما وشرعت في قراءتهما في الفريضة وكلما اقرأ وهما في الفريضة اشاهد أحوالا عجيبة والحق انه اذا رجعنا إلى علم الشريعة لا يظهر وجه المنع عن قراءتهما في الفرض بل هو القاء الشبهة في قطعية هذا الحكم المجمع عليه من ان ما بين الدفتين من القرآن مع ان ضم السورة من الواجبات التي هي ظنية فلا وجه لمنع قراءتهما أصلا ولو كانتا ظنيتين ولو على فرض المحال فان قراءتهما على طريق الضم إلى الفاتحة فالعجب من الشيخ المقتدي مثل هذا الكلام كل العجب والصلاة والسلام على سيد البشر وآله الاطهر. 51 - (ومنها) ان الحظ الوافر من طريق الصوفية بل من ملة الاسلام إنما هو لشخص تكون فيه الفطرة التقليدية وجبلة المتابعة ازيد فان مدار الامر هنا على التقليد ومناط الامر في هذا الموطن على المتابعة يوصل تقليد الانبياء عليهم الصلاة والسلام إلى درجات عليا وتؤدي متابعة الاصفياء إلى معارج عظمي وحيث كانت هذه الفطرة في ابي بكر الصديق رضه ازيد سارع إلى سعادة تصديق النبوة بلا توقف وصار رئيس الصديقين وحيث كان استعداد التقليد والتبعية في ابي جهل اقل لم يكن مستعدا بتلك السعادة وصار مقتدي الملعونين. وكلما ينال المريد ن الكمال إنما يناله بتقليده شيخه خطأ الشيخ افضل من صواب المريد ومن ههنا تمني ابو بكر رضه سهو النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال يا ليتني سهو محمد وقال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن بلال رضه سين بلال عند الله شين فان بلالا رضه لكونه عجميا كان يقول في الاذان اسهد بالسين المهملة وكان الاسهد منه عند الله تعالى اشهد فيكون خطأ بلال افضل من صواب غيره. (شعر) PageV02P480 از اشهد تو خنده زند اسهد بلال وقد سمعت بعض الاعزة يقول ان الخطأ الواقع في بعض الادعية المقولة عن بعض المشائخ اذا قرأها المتابعون بذلك الخطأ الصادر من المشائخ تكون مؤثرة وان قرأها صحيحة لا تكون مؤثرة ثبتنا الله سبحانه على تقليد انبيائه ومتابعة أوليائه بحرمة حبيبه عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى متابعيهم الصلوات والتسليمات. 52 - (ومنها) (يقول المعرب تركت هنا فصلا واحدا لكونه قدس سره رجع عنه كما ذكره في بعض مكتوباته فلم استحسن نشر القول المرجوع عنه بالتعريب اهـ?). 53 - (ومنها) ان السالك اذا وقع سيره في تفاصيل الاسماء والصفات صار طريق وصوله إلى حضرة الذات جل سلطانها مسدودا فانه لا نهاية للاسماء والصفات حتى يمكن الوصول إلى المقصد الاقصي بعد قطعها وقد اخبر المشائخ من هذا المقام بانه لا نهاية لمرتب الوصول فانه لا نهاية لكمالات المحبوب والمراد بالوصول هنا وصول إلى الاسماء والصفات والمسعود هو الذي يقع سيره في الاسماء والصفات بطريق الاجمال وصار وأصلا إلى حضرة الذات بالسرعة والواصلون إلى الذات يلزمهم الرجوع للدعوة بعد وصولهم إلى نهاية النهايات وعدم الرجوع غير متصور في ذلك الموطن بخلاف المتوسطين فانه لا يلزمهم الرجوع بعد وصولهم إلى نهاية استعدادهم بل يمكنهم ان يرجعوا ويمكنهم أيضا ان لا يرجعوا ويختاروا الاقامة هناك فمراتب الوصول متصورة إلى المنتهيين بالتمام بل لازمة واما المتوسطون الذين سلكوا مسلك تفاصيل الاسماء والصفات فلا نهاية في حقهم لمرتب الوصول وهذا العلم من جملة العلوم المخصوصة بالفقير والعلم عند الله سبحانه. 54 - (ومنها) ان مقام الرضا فوق جميع مقامات الولاية وحصول هذا المقام العالي بعد تمام السلوك والجذبة (فان) قيل ان الرضا عن ذات الحق سبحانه وصفاته وافعاله تعالى واجب وفي نفس الايمان مأخوذ فلا بد منه لعامة المؤمنين فما يكون معني حصوله بعد تمام السلوك والجذبة. (اجيب) ان للرضا صورة وحقيقة كسائر اركان الايمان ففي الاوائل تحقق الصورة وفي النهاية تحقق الحقيقة فما لم يظهر ما ينافي الرضا تحكم الشريعة بحصول الرضا كالتصديق القلبي حيث يحكم بحصوله يعني ببقائه ودوامه ما لم يوجد ما ينافيه وما نحن بصدده حصول حقيقة الرضا لا صورته والله سبحانه أعلم. 55 - (ومنها) ينبغي السعي حتى يتيسر العمل بالسنة والاجتناب عن البدعة خصوصا البدعة التي تكون رافعة للسنة قال عليه الصلاة والسلام من احدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد وأعجب من حال جماعة يحدثون في الدين مع وجود اكماله واتمامه اشياء يطلبون بتلك المحدثات تكميل الدين ولا يبالون بما عسي يكون ذلك المخترع رافعا للسنة مثلا ارسال ذنب العمامة بين الكتفين سنة وقد اختار جمع ارساله من طرف اليسار وكان منظورهم في ذلك التشبه بالموتي وقد اقتدي بهم جمع كثير في هذا الفعل ولا يدرون ان هذا العمل رافع للسنة ومؤد إلى البدعة وموصل إلى الحرمه ايهما افضل التشبه بالموتي أو التشبه بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي تشرف بالموت قبل الموت فان يطلبوا التشبه بالميت فالتشبه به أولى. والعجب ان نفس العمامة بدعة في كفن الميت فكيف ذنبها وبعض المتأخرين استحسن العمامة في كفن الميت اذا كان من العلماء وعند الفقير الزيادة نسخ والنسخ عين الرفع ثبتنا الله سبحانه على متابعة السنة السنية المصطفوية على مصدرها الصلاة والسلام والتحية ويرحم الله عبدا قال PageV02P481 آمينا (يقول المعرب عفي عنه قد شدد الامام الرباني قدس سره في البدعة تشديدا كثيرا في غير موضع من مكاتيبه ويحق له فلولا هذا لاستغرقت ظلمات البدعة جميع بلاد الهند وما وراء النهر ولا يخالف قوله في ذلك قول العلماء الاسلاف رحمهم الله حيث قسموا البدعة على حسنة وسيئة وأرادوا بالحسنة ما يكون له أصل في الصدر الاول ولو اشارة كبناء المنائر والمدارس والرباطات وتدوين الكتب وترتيب الدلائل ونحو ذلك والسيئة ما ليس له أصل فيه أصلا فالامام قدس سره لا يطلق اسم البدعة على القسم الاول لوجود أصله في الصدر الاول فلا يكون مبتدعا ومحدثا بل يخصه بالقسم الثاني فقط لكونه مبتدعا ومحدثا حقيقة ولقوله صلى الله عليه وسلم وكل بدعة ضلالة فالنزاع بينهما لفظي اعني في اطلاق اسم البدعة على القسم الاول وعدم اطلاقه قال سيدي الشيخ محمد مظهر قدس سره في المقامات السعيدية وكان والدي رضى الله عنه يقول البدعة الحسنة عند الامام الرباني قدس سره داخلة في السنة ولا يطلق عليها اسم البدعة بموجب كل بدعة ضلالة والنزاع لفظي بينه وبين العلماء القائلين بوجود الحسن في البدعة واثبت هذا بابلغ الوجود في رسالة الرابطة اهـ). وقال في هامشه قوله لفظي اي فكل بدعة لم تخالف السنة وهي البدعة الحسنة عند العلماء داخلة عند الامام الرباني في السنة وإنما كتب ذلك ردا للوهابية القائلين بعدم الحسن في البدعة أصلا متمسكين بقول الامام الرباني قدس سره اه?قلت وكون هذا النزاع لفظيا إنما هو بينه وبين العلماء المتقدمين واما المتأخرون الذي وسعوا ذيل البدعة الحسنة وادخلوا فيها كثيرا من البدعة السيئة خصوصا في زمنه وفي بلاده قدس سره كما رد عليهم افعالهم المخصوصة اتي ليس لها أصل في الصدر الاول ولم يرد بحسنها نقل من العلماء المتقدمين المتشرعين فالنزاع بينه وبينهم معنوي حقيقي فادر ذلك أيضا وقد وقع في كثير من مكاتيبه منعه عن قراءة المولد بعلة البدعة ولكن هذا المنع من وصف قراءة المولد لا من أصلها كما فصل ذلك في المكتوب الثاني والسبعين من الجلد الثالث فاعرف ذلك أيضا وإنما اطنبنا في ذلك لئلا يغتر بظاهر كلامه الجاهلون اه?كلام المعرب. 56 - (ومنها) اظهروا لهذا الدرويش ذات يوم أحوال الجن فرأيت أن الجن يطوفون في الازقة مثل بنى آدم ومع كل جني ملك موكل والجني لا يقدر رفع رأسه والنظر إلى يمينه ويساره من خوف ذلك الملك الموكل بحيث صاروا كالمحبوسين والمقيدين وليس فيهم مجال المخالفة أصلا الا ان يشاء ربي شيئا وظهر في ذلك الوقت كأن في يد الموكل مطرقة من حديد اذا احس قليلا من مخالفة الجني يكفي أمره بضربة واحدة منه (شعر) ان الذي خلق السماء والثري ... ابدي قويا فوق كل الاقويا. 57 - (ومنها) ان الولي كلما يجده من الكمال وكلما يصل اليه من الدرجات إنما هو بطفيل متابعة نبيه فلو لا متابعة نبي لما يحصل نفس الايمان فكيف يفتح الطريق إلى الدرجات العلى فلو حصل لولي فضل من الفضائل الجزئية او درجة من الدرجات العليا مما ليس بحاصل لنبي فرضا يكون للنبي أيضا نصيب كامل من ذلك الفضل ومن تلك الدرجة فان حصول ذلك الكمال للولي إنما هو بواسطة متابعته للنبي ونتيجة من نتائج اتباع سننه فلا جرم يكون للنبي حظ وافر ونصيب تام من ذلك الكمال قال عليه الصلاة والسلام من سن سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها ولكن الولي سابق في حصول هذا الكمال ومقدم في الوصول إلى تلك الدرجة وقد جوزوا مثل هذا القسم من الفضل على النبي لانه فضل جزئي لا يعارض الفضل الكلي الذي في النبي وما قال PageV02P482 صاحب الفصوص من ان خاتم الانبياء يأخذ العلوم والمعارف يعني المعارف المخصوصة عن خاتم الولاية راجع إلى هذه المعرفة التي امتاز بها هذا الفقير وهي موافقة للشريعة من جميع الوجوه وقد تكلف شراح الفصوص في تصحيحه وقالوا ان خاتم الولاية خازن خاتم النبوة فلو أخذ الملك شيئا من خزينته يعني بواسطة الخازن لا يلزم منه نقص أصلا وحقيقة الامر ما حققته ومنشأ التكلف عدم الوصول إلى حقيقة المعاملة والله سبحانه اعلم بحقائق الامور كلها والصلاة والسلام على سيد البشر وآله الاطهر. يقول المعرب مثال الفضل الجزئي الحاصل لغير النبي كالفضل الحاصل للمجتهدين باستنباط الاحكام الشرعية من ادلتها وتدوينها وحصول فتوح البلدان ونشر الايمان والاسلام فيها للخلفاء والسلاطين فتلك الفضائل ثابتة لهؤلاء اولا ثم للنبي صلى الله عليه وسلم ثانيا ومن هذا القبيل ما ذكره الامام قدس سره في المكتوب السادس من الجلد الثاني والرابع والتسعين وغيره من الجلد الثالث وقد اجاب قدس سره في بعض مكتوباته بمثل ما نقل هنا من شراح الفصوص ولكل وجهة فتذكر وتبصر اهـ?. 58 - (ومنها) ولاية الولي جزئية من اجزاء نبيه عليه الصلاة والسلام والولي وان حصلت له درجات عليا تكون تلك الدرجات جزئية من اجزاء درجات ذلك النبي والجزء وان حصلت له عظمة لكن لابد له من ان يكون اقل من الكل الكل اعظم من الجزء قضية بديهية والاحمق هو الذي يتخيل عظم الجزء ويزعمه اعظم من الكل ولا يدري ان الكل عبارة ذلك الجزء عن اجزاء أخر. 59 - (ومنها) ان صفات الواجب تعالى وتقدس ثلاثة اقسام القسم الاول الصفات الاضافية كالخالقية والرازقية والقسم الثاني الصفات الحقيقية ولكن فيها شائبة الاضافة كالعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام والقسم الثالث حقيقية صرفة كالحياة فانها لا مزج فيها من الاضافة ونعني بالاضافة التعلق بالعالم والقسم الثالث اعلي الاقسام الثلاثة واجمعها ومن امهات الصفات وصفة العلم مع وجود الجامعية فيها تابعة لصفة الحياة وتنتهي دائرة الصفات والشئونات إلى الحياة وباب الوصول إلى المطلوب هو هذه الصفة وحيث كانت صفة الحياة فوق صفة العلم فلا جرم يكون الوصول إلى ذلك الموطن بعد طي مراتب العلم سواء كان علم الظاهر والباطن وسواء كان علم الشريعة او الطريقة والذي دخل منذلك الباب اقل قليل وإنما يرمقون بعيونهم من بعيد وهم قليلون فلئن بينت رمزا من أسرار ذلك المقام قطع البلعوم (شعر) ومن بعد هذا ما يدق بيانه ... وما كتمه احظي لدي واجمل والسلام على من اتبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصلاة والسلام. 60 - (ومنها) ان الحق سبحانه منزه عن المثل ليس كمثله شيء ولكن جوزوا له تعالى مثالا ولم يجوزوا له المثل ولله المثل الاعلي وارباب السلوك PageV02P483 واصحاب الكشوف يتسلون بالمثال ويطمئنون بالخيال يظهرون اللاكيفي بمثال الكيفي ويجلسون الوجوب بصورة الامكان والسالك العاجز يظن المثال عين ذي المثال ويزعم الصورة عين ذي الصورة ومن ههنا يري صورة احاطة الحق سبحانه وتعالى بالاشياء ويشاهد مثال تلك الاحاطة في العالم فيتخيل ان المشهود هو حقيقة احاطة الحق سبحانه وتعالى وليس كذلك بل احاطته سبحانه وتعالى لا مثلية ولا كيفية ومنزهة من أن تكون مشهودة ومكشوفة لاحد ونحن نؤمن ان الحق سبحانه محيط بكل شيء ولكن لا نعرف أن احاطته ما هي والتي نعرفها هي شبه تلك الاحاطة ومثالها لا حقيقتها وعلى هذا القياس قربه ومعيته تعالى في أن المشهود والمكشوف منهما هو الشبه والمثال لا حقيقته فان حقيقتهما مجهولة الكيفية نؤمن انه تعالى قريب من وانه معنا ولكن لا نعرف أن حقيقة قربه ومعيته تعالى ما هي ويمكن أن يكون المراد بما ورد في الحديث النبوي من قوله عليه الصلاة والسلام يتجلي ربنا ضاحكا باعتبار الصورة المثالية فان حصول كمال الرضا يري في المثال بصورة الضحك ويمكن ان يكون اطلاق اليد والوجه والقدم والاصبع أيضا باعتبار الصورة المثالية هكذا علمني ربي والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم وبارك. 61 - (ومنها) فان فهم في عبارة الامام قدس سره في بيان الأحوال والمواجيد والعلوم والمعارف تناقض وتدافع ينبغي أن يحمله على اختلاف الاوقات وتنوع الاوضاع فان لكل وقت أحواله ومواجيد على حدة وفي كل وضع علوم ومعارف مستقلة فلا يكون في الحقيقة تناقص وتدافع وهذا مثل الاحكام الناسخة والمنسوخة حيث ترى بعد النسخ والتبديل متناقضة فإذا لوحظ الختلاف الأوقات والاوضاع يرفع التناقص والتدافع ولله سبحانه حكم ومصالح في ذلك فلا تكن من الممترين وصلّى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وسلّم وبارك. قال العبد الضعيف الجامع لهذه النكات البديعة الرائقة محمد الصديق البدخشي الكشمي الملقب بالهداية قد وقع الفراغ في تسويد هذه المعارف العالية الشريفة المسماه بالمبدأ والمعاد في أواخر شهر رمضان المبارك حين الاعتكاف في سنة 1019 ألف وتسعة عشر. (اشعار) اين نسخه كه مبدأ ومعاد ست بنام ... ز انفاس نفيس حضرة فخر كرام ?ون كرد هدايت اقتباس از سر صدق ... در سال هزار ونوزده كشت تمام صديق هدايت كه شدش ?رخ بكام ... مانا كه ز صدق شد هدايت فرجام ز ين خود ?ه عجب وليك تحقيق اينست ... كز ?وش شراب أحمدي يافته جام (تمت رسالة المبدأ والمعاد) ... عطية الوهاب الفاصلة بين الخطأ والصواب تأليف العلامة الصالح المفيد الناصح مولانا الشيخ محمد بيك نزل مكة المكرمة شكر الله سعيه وهي التي قرظ عليها علماء الحرمين وغيرهم كما أثبتناها في هامش الجلد الأول. (بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ونؤمن بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم (أما بعد) فقد سألني بعض المحبين ان أكتب رسالة مشتملة PageV02P484 على أجوبة اعتراضات المعترضين الدين اعترضوا على الشيخ الأجل والإمام الأكمل والعارف الأمجد الشيخ أحمد النقشبندي الفاروقي السرهندي رحمه الله تعالى بكلماته التي في مكتوباته لعدم فهمهم مقصوده بها وبمصطلحاته وغيروا وحرفوا بعض ألفاظه لأن يوقعوا الفساد والجدال والقتال بين الخلق وتابعيه به ويصدوا الناس عن الهداية والإرشاد الذي يحصل لهم بصحبة أولاده واتباعه الذين هم مستقيمون على جاده الشريعة وموصلون إلى الحقيقة والمعرفة وأهمني واكد على بذلك وكرر على السؤال له ليظهر الحق ويبطل الباطل ويزول الفساد الذي بين المسلمين والظن السوء الذي حصل للناس في حق الشيخ وأولاده واتباعه خصوصا لأهل الحرمين الشريفين زادهما الله تعال بسبب الاستفتاء والسؤال الذي ورد من الهند في أثناء ثلاث وتسعين وألف وافتاء بعض طلبة العلم في الحرمين الشريفين فأجبت لدفع هذه المفسدة والاصلاح بين المسلمين واظهار الحق بينهم ونفى التهمة في حق العالم العامل المتقي ولقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان وبلغني أن الرسالة التي كتبها بعض علماء الحرمين الشرفين في اثبات الطعن في الشيخ أحمد رحمه الله تعالى أرسلها مع الاستفتاء بعلامة بعض علماء الحرمين الشريفين بموجب ذلك السؤال والاستفتاء المحرف المعرب من الألفاظ الفارسية على خلاف مراد الشيخ أحمد رحمه الله ومقصوده لعدم اطلاعهم على حقيقة الأمر إلى الهند واسلامبول وما وراء النهر ليظهر الفساد والخصومة بين توابع الشيخ وغيرهم بسببه لأن في كل هذه البلدان للشيخ اتباعا ومريدين وما ارسلها إلا ليظن الناس الظن السوء في حق الشيخ لأن فتوي علماء الحرمين الشرفين عندهم معتبرة فاذا وصلت إليهم الرسالة مع الاستفتاء يظنون ظن السوء في حقهم ألبتة فلدفع هذا البشر والعمل بالحديث في السؤال اذا ظهر الفتن والبدع أو سب أصحابي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين انتهي. ومن اقبح الفتن والبدع ذم العالم المتقي الذي هو صاحب الحال والقال والعارف الرباني والحبر الصمداني وجامع المعقول والمنقول كتبت هذه الرسالة بعون الله تعالى وتوفيقه اللهم أرنا الحق حقّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. اللهم انا نسئلك العفو والعافية وحسن الخاتمة. وذكرت فيها الفاظ الكتوبات للشيخ رحمه الله وعباراتها الفارسية بعينها ليظهر للمنصف الصادق دفع المحذورات التي نشأت من عدم فهم المعترضين مصطلحاته ومراده الذي اراد بكلامه ومن تركهم بعض الفاظها من كلامه ومن تعريب الفاظها الفارسية على خلاف مقصوده ومراده ودفع قول من يقول ما ذكرته ليس في المكتوبات والعجب من الطاعن كيف يثبت الايمان لفرعون وقد ثبت كفره عند العلماء ويشنع على الشيخ أحمد رحمه الله وهو من العلماء العاملين العارفين ويرتكب مالا ينغي في حقه فلنشرع الآن في المقصود بتوفيق الله تعالى وتأييده سبحانه (الجواب الاول) لقول المعترضين في صورة السؤال (وبعد) فما يقول العلماء الذين هم ورثة الانبياء والفضلاء الذين هم دعاة الخلق إلى الطريق السواء في حق أحمد السرهندي الكابلي الذي قال (اي في رسالة المبدأ والمعاد) بتفضيل حقيقة الكعبة على محمد صلى الله عليه وسلم مستدلا بأن صورة الكعبة مسجود اليها للصورة المحمدية فكذلك حقيقة الكعبة مسجود اليها للحقيقة المحمدية ولما ألزمه اهل بلاده بلزوم تفضيل صورة الكعبة أيضا على صورة محمد صلى الله عليه وسلم بعين ذلك الدليل بل اولى التزمه وقال ينبغي ان يعلم ان PageV02P485 صورة الكعبة ليست عبارة عن الحجر والمدر اذ لو فرض عدمها لكانت الكعبة كعبة ومسجودة للخلائق قال في المكتوب الموفي مائة من الجلد الثالث الكعبة المسجود اليها للخلق ليست هي الحجر والطين ولا السقف والجدران لان تلك لو زالت كانت الكعبة مكانها وإنما الكعبة لها ظهور ولا صورة لها وهذا من اعجب العجائب انتهي ثم قال (في المبدأ والمعاد) بل صورة الكعبة مع كونها من عالم الخلق هي في لون الحقايق الامرية واعجوبة يعجز العقلاء عن تشخيصها إلى ان قال نعم ان لم تكن كذلك لم تكن مستحقة لان تكون مسجودا اليها لافضل الموجودات انتهي وقال ان المراد بحقيقة الكعبة هي الحقيقة الأحمدية التي هي تعينه الامكاني الامري وبالحقيقة المحمدية تعينه الامكاني الخلقي لا تعينه الوجوبي فبعد مضي ألف سنة تغلب الروحانية التي للأحمدية على البشرية التي كانت للمحمدية فينصبغ عالم خلقه بصبغ عالم الامر فما رجع من خلقه إلى المحمدية يعرج حتى يلتحق بالأحمدية ويتحدان لا انه يعرج عن الوجوب فان العروج عن التعين الاول الوجوبي لا معني له انتهي وقال في المكتوب التاسع والمائتين ينبغي ان يعلم ان حقيقة كل شيء عبارة عن التعين الوجوبي الذي تعين امكاني ذلك الشخص ظل ذلك التعن الوجوبي وهو اسم من اسماء الله تعالى كالعليم ونقل كلام الشيخ ابن العربي قال الشيخ في رسالة القدس ان الاكوان ظلال الاسماء الالهية والاسماء ظلال الشئون الذاتية لذلك الشيء وهو اسم من الاسماء الآلهية كالعليم وذلك الاسم رب ذلك الشخص ومبدأ الفيوض الوجودية له وتوابعها إلى ان قال فاذا تمهد هذا فنقول ان محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم مركب من عالم الخلق والامر والاسم الآلهي الذي هو ربه شأن العليم والذي يربي عالم امره هو المعنى الذي صار مبدأ لذلك الشأن وحقيقة الكعبة أيضا ذلك المعنى واذا كانت حقائق الاشياء الاسماء الآلهية وحقيقة الكعبة فوق تلك الاسماء كانت متبوعة لحقائق الاشياء فلزم ان تكون مسجودة للحقيقة المحمدية انتهي (اعلم ان الشيخ رحمه الله ما قال ان حقيقة الكعبة افضل من الحقيقة المحمدية بل قال في مكتوبه ان حقيقة الكعبة فوق الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وسلم فتوهم بعض الناس من هذا الكلام ان الكعبة المعظمة افضل من النبي صلى الله عليه وسلم والحال انه عليه الصلاة والسلام افضل المخلوقات واشرف البريات قلنا وبالله العصمة والتوفيق وبيده ازمة التحقيق ان ذلك التوهم إنما نشأ من حمل لفظ الحقيقة على ذات الشيء وتشخصه وهو مبنى على الجهل عن اصطلاح هذه الطائفة العلية وعدم الاطلاع على حقيقة كلام شيخنا رضى الله عنه فان حقيقة الشيء عندهم اسم الهى هو مبدأ لتعين ذلك الشيء ووجوده وذلك الشيء كالظل والعكس لذلك الاسم والاسم واسطة الفيوض بين الحضرة القدسية وبين ذلك الشيء كما أن الشأن الذاتي واسطة بين ذلك الاسم المقدس وبين الذات المنزه العلي على ما جرت عليه العادة الالهية من توسيط الوسائط ورعاية المناسبات بين المفيض والمستفيض قال الشيخ محيى الدين بن العربي قدس سره في رسالة القدس ان الاكوان ظلال الاسماء الالهية والاسماء ظلال الشئون الذاتية وعند الشيخ أحمد رحمه الله باعتبار الظهور لله تعالى مراتب مرتبة اللاتعين وهو مرتبة الذات البحت وعند الصوفية يطلق عليه هذه الاسماء الاحدية الذاتية والاحدية المطلقة والاحدية الصرفة وعالم اللاهوت وازل الازل وخفاء الخفاء وبطون البطون وغيب الهوية والثاني مرتبة التعين الوجودي والحبى والثالث مرتبة الحياة والرابع مرتبة العلم الجملي وهي مرتبة الوحدة والشأن التفصيلي وهو الواحدية والاعيان الثابتة وهي مرتبة الاسماء عند القوم وعالم الجبروت PageV02P486 وحقيقة المحمدية عبارة عن اسم العليم عند الشيخ أحمد رحمه الله وعندهم مرتبة الاسماء مرتبة الوحدة والعلم الجملي أيضا وهذه المراتب كلها قديمة ازلية تقديم بعضها على البعض بالذات لا بالزمان وللعالم مراتب الاول مرتبة الارواح وهو عالم الامر والملكوت والثاني مرتبة عالم المثال والثالث مرتبة عالم الشهادة وهو عالم الخلق والناسوت وعند الشيخ أحمد رحمه الله محمد صلى الله عليه وسلم مركب من عالم الامر والخلق واسمه صلى الله عليه وسلم أحمد باعتبار عالم أمره ومحمد باعتبار عالم خلقه واسم الله تعالى الذي هو مربي عالم أمره وهو مظهره يقال له الحقيقة الأحمدية وهي المعبرة بحقيقة الكعبة واسمه تعالى الذي هو مربي عالم خلقه صلى الله عليه وسلم يقال له الحقيقة المحمدية والمراد بالحقيقة المحمدية التي فوقها حقيقة الكعبة التعين الامكاني النوري وبحقيقة الكعبة التعين الوجوبي وصرح بذلك في المكتوب التاسع والمائتين من الجلد الاول بقوله (بايد دانست) كه حقيقة شخص عبارت از تعين وجوبي ست كه تعين امكاني آن شخص ظل آن تعين ست وآن تعين وجوبي اسمى ست از اسماء الهى كالعليم والقدير وكريم كه حقيقة شخصى ?نانكه تعين وجوبي او را كويند تعين أماكني او را نير كويند انتهي ملخصا (معربه) ينبغي ان يعلم ان حقيقة الشخص عبارة عن التعين الامكاني ظل ذلك التعين الوجوبي وهو اسم من أسماء الله تعالى كالعليم والقدير وأقول أن حقيقة الشخص كما تكون التعين الوجوبي كذلك تكون التعين الامكاني الذي هو ظله انتهى ملخصا ولفظ الحقيقة لا يطلق على الله تعالى بل على اسم من أسماء الله تعالى الذي هو مبدأ تعين ذلك الشيء وحقيقته الوجوبية فلا يرد عليه ان أسماء الله تعالى توقيفية فإذا تمهد هذا فأعلم أن لنبينا صلى الله عليه وسلم بحسب تقلبه في اطواره وانواره كمالات لا تحصى ومقامات لا تستقصى فله عليه الصلاة والسلام باعتبار هذا الوجود العنصري وإرشاده لهذا العالم الظلماني اسم مبارك هو محمد صلى الله عليه وسلم ناش من حقيقته وهو اسم الهى يناسب تربية هذا العالم السفلى مسمى بحقيقة محمدية وله عليه الصلاة والسلام باعتبار وجوده الروحاني المربى لعالم الملكوت النوراني اسم آخر هو أحمد ناش عن اسم وشأن إلهى هو مبدأ وأصل للحقيقة المحمدية يناسب تربية ذلك العالم العلوي مسمى بالحقيقة الأحمدية المعبرة بحقية الكعبة الربانية أي المربي للكعبة ومثبتها وله عليه الصلاة والسلام وراء هذين التعينين اللذين هما كالاحياز الطبيعية له عليه الصلاة والسلام عروجات لا تعد وأسرار لا تنفد وإليها يشير قوله صلى الله عليه وسلم (لي مع الله وقت) لا يسعنى فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل وبها يومئ قوله تعالى وكان قاب قوسين أو ادنى وهو مورد السر الاصطفائي والمحبوبية الصرفة وهي مناط الفضل ومدار التفوق فثبت أن التفوق إنما هو لبعض كمالاته ومراتبه عليه الصلاة الملائكة وان كانوا فوق البشر يعني في بعض الامور لكن الافضلية بمعنى كثرة الثواب للبشر انتهى فإذا عرجت الحقيقة المحمدية في السير في الله تكون الشؤنات التي توجه صلى الله عليه وسلم إليها قبل العروج كالظلام هكذا إلى غير النهاية فإذا سمعت عبارة المكتوبات وحاصلها فاعلم انه لا يصلح اعتراض المعترضين على المكتوب الموفى مائة من الجلد الثالث الكعبة المسجود إليها إلخ وعباراته المعربة هكذا الكعبة المسجود إليها للخلائق ليست هي ربها قرب واتصال لم يتيسر للصورة الأخرى وهذا فيما نحن فيه أظهر من أن يخفى لأن كمال القرب إنما هو بالفناء والبقاء والعروج المخصوص بالبشر وغير الانسان الكامل له مقام معوم ثم أعلم ان لفظ الحقيقة المحمدية في عبارات شيخنا و PageV02P487 أمامنا على معان مختلفة وانحاء شتى فمتى قوبلت بالحقيقة الأحمدية والكعبة الربانية يراد بها ما ذكرناه سابقا من أنه اسم إلهى مناسب لتربية العالم السفلي ومتى ذكرت مطلقة يقصد بها الحقيقة الجامعة للحقيقة المحمدية والأحمدية والكعبة الربانية وهي المعبرة بحقيقة الحقائق وهي الحقيقة التي لا واسطة بينها وبين الذات المقدس كما ذكر شيخنا رحمه الله في آخر مكتوب من الجلد الثالث له قبيل وصاله بأيام قليلة أن الحقيقة المحمدية ظهور أول وحقيقة الحقايق انتهى وفي المكتوب الأول من الجلد الثاني من المكتوبات المعصومية (حقيقة كعبه ناشئ از مقام معبوديت ومسجوديت ست كه آن حقيقة ذات حق ست جل سلطانه باعتبار شأن از شؤن واعتبارى از اعتبارات نه ذات حق كه معرى از نسب واعتبار ست كه ان مرتبهء عليا را باعلم غنادي ذاتست) انتهى (معربه) حقيقة الكعبة ناشئة من مقام المعبودية والمسجودية التي هي ذات الله باعتبار شأن من شؤناته واعتبار من الاعتبارات لا الذات المعرات عن النسب والاعتبارات حاصلة أن النبي صلى الله عليه وسلم مركب من عالم الأمر والخلق وله اسمين أحمد ومحمد فالأول يطلق عليه صلى الله عليه وسلم بالاعتبار الأول والثاني بالاعتبار الثاني والحقيقة الاجمالية باصطلاح القوم التعين الاول والحقيقة التفصيلية وهي التعين الثاني باصطلاحهم ظل التعين الأول وهي اي الحقيقة الاجمالية اسم من اسماء الله تعالى وظلها عالم امره عليه الصلاة والسلام وظل التعين الثاني عالم امره مع خلقه عليه الصلاة والسلام والتحية وفي التعين الأول مراتب الشؤنات وفيه شأن الأحمدية والكعبة وعند الشيخ أحمد رحمه الله فيه شأن فوق شأن وعنده الصفات زائدة على الذات موجودة بوجود زائد وهو مذهب جمهور المتكلمين وفي شرح العقائد لمولانا جلال الدين الدواني ولكنهم يخالفون في كون الصفات عين ذاته أو غير ذاته أو لا هو ولا غيره فذهب المعتزلة والفلاسفة إلى الأول وجمهور المتكلمين إلى الثاني والاشعري إلى الثالث انتهى ومقامها وراء الصور العلمية التي هي في المرابت العلمية وليس التعين العلمي الجملي تعينا أولا وهو صفة العلم التي هي من الصفات الحقيقة الزائدة ولا التعين الأول لذاته تعال كما هو عند القوم لأن الصفات عنده غير الذات اشار إليه بقوله في المكتوب التاسع والمائتين من الجلد الأول (وشك نيست كه حصول شأنى اكر?ه مجرد أعتبار ست نيز تقاضاى آن مكيند كه فوق آن معنى زايد ديكر باشد (معربه) ولا شك أن حصول الشأن وان كان مجرد اعتبار ولكن يقتضى أن يكون فوقه معنى آخر زائد انتهى فالحقيقة المحمدية هي التعين الامكاني كما اشار إليه بقوله في ذلك المكتوب مراد از حقيقت محمدى در اينجا أمكانى خلق ست (معربه) المراد من الحقيقة المحمدية ههنا تعينه الامكاني الخلقي انتهى وفوقها حقيقة الكعبة لا شك فيها وهو الشأن الوجوبي في التعين الأول ويتوجه إليها في الصلاة فصح قوله في المبدأ والمعاد حقيقة قرآني وحقيقة كعبه رباني فوق حقيقة محمدية ست على مظهرها الصلاة والسلام أن الحقيقة القرآنية والكعبة الربانية فوق الحقيقة المحمدية على مظهرها الصلاة والسلام انتهى وليس في المبدأ والمعاد لفظ التفضيل ولا لفظ الافضل بل فيه لفظ التفوق (والجهلة فهموا منه الأفضلية ولقد قال الامام قدس سره وغيره أيضا أن الصفات الالهية بعضها فوق بعض فالحياة فوق الكل ثم العلم ثم القدرة ثم الارادة ثم التكوين ولا يلزم من ذلك افضلية بعضها على بعض) لأن الافضلية بمعنى كثرة الثواب وهي لا تتصور هنا وفي شرح المواقف أن الملائكة وان كانوا فوق البشر يعني في بعض الامور لكن الافضلية بمعنى PageV02P488 كثرة الثواب للبشر انتهى فإذا عرجت الحقيقة المحمدية في السير في الله تكون الشؤنات التي توجه صلى الله عليه وسلم إليها قبل العروج كالظلال هكذا إلى غير النهاية فإذا سمعت عبارة المكتوبات وحاصلها فاعلم أنه لا يصلح اعتراض المعترضين على المكتوب الموفى مائة من الجلد الثالث الكعبة المسجود إليها إلخ وعباراته المعربة هكذا الكعبة المسجود إليها للخلائق ليست هي عبارة عن الحجر والمدر والجدران والسقف لأنها لو لم تكن بالفرض والتقدير لا تزال الكعبة كعبة ومسجودا إليها فههنا ظهور وليس الصورة فيه وهذا من أعجب العجائب انتهى فلا يلزم القبح لقائله بقول الشخص الذي كتبه في آخر دفتر السؤال في جوابه ما نصه والقول بأن الكعبة ليست هي البنية وإنما هي شيء يعجز العقل عن تشخيصه وانها في صورة الأمر قبح سادس عشر لأنه رد للآيات المتكاثرة والاحاديث المتواترة انتهى كيف يلزم القبح لمن يقول أن الكعبة ليست هذه البنية مع أن أكثر الفقهاء صرحوا به وهو مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه وفي شرح الطحاوي الكعبة اسم للعرصة فإن الحيطان لو وضعت في موضع آخر وصلى إليها لا يجوز وفي التهذيب المعتبر التوجه إلى مكان البيت دون البناء حتى لو صلّى فوق الكعبة جاز وعند الشافعي البناء معتبر وفي فتاوى الأوحدى الكعبة اذا رفعت عن مكانها لزيارة اصحاب الكرامة ففي تلك الحالة جازت صلاة المتوجهين إلى ارضها وفي الظهيرية الكعبة هي العرصة والهواء إلى عنان السماء عندنا وفي فتاوى الحجة الصلاة في ابى قبيس والجبال والتلال الشامخة جائزة لأن القبلة من الأرض السابعة إلى السماء السابعة بحذاء الكعبة إلى العرش انتهى وهذه الروايات نقلت من كنز العباد وقال فقاء الحنفية والمالكية الكعبة والقبلة عندنا هي البقعة المحدودة إلى السماء دون البناء والبناء تبع وعلامة لمعرفة القبلة حتى لو وضع آخر هذا البناء موضع لا يجوز تعظيمه يعني بالسجود إليها وإلا فتعظيم حصى الحرم أيضا مطلوب فضلا عن بناء الكعبة ولو انهدم البناء والعياذ بالله الكعبة باقية بدليل أن الانبياء والأولياء استقبلوا وطافوا لهذه البقعة مدة ألفين ومائتين واربعين سنة ولم يكن هناك بناء وعند الشافعية كذلك الافى حق من يصلي في الكعبة أو على سطحها فإنه فرض عليه أن يستقبل إلى البناء وأقله قد ثلثى ذراع حتى لو صلّى داخل الكعبة متوجها إلى الباب المفتوح لا يجوز عندهم إلا اذا كانت العتبة مرتفعة قدر شبر وزيادة بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلّم صلّى داخل البيت متوجها داخل الباب وأمر برده ولو لا أن الكعبة بناء أو شاخص لما أمر برد الباب وقال بعضهم قبلة الداخل البناء وقبلة الخارج أيضا البناء فإذا لم يكن البناء ولا الشاخص يصلى إلى البقعة ضرورة القبلة اسم للبقعة والعرصة قالوا هو الصواب كما في البحر انتهى فما يقول العلماء العظام في حق من يقبح قائل ذلك القول المذكور وهو قول الحنفية والمالكية ويلزم منه هذه القباحة الشنيعة في حقهم أيضا بينوا تؤجروا ومما يدل على أن حقيقة الكعبة غير هذا البناء ما روى الطبراني في الاوسط عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أن الكعبة لها لسان وشفتان ولقد اشتكت فقالت يا رب قل عوادى أو قل زوارى فأوحى الله عز وجل اني خالق بشرا خشعا سجدا يحنون إليك كما تحن الحمامة إلى بيضها وما روى الفاكهي عن على بن أبى طالب رضي الله عنه قال خلق الله تعالى البيت قبل الارض والسموات بأربعين سنة وكان غثاء على الماء وما روى الفاكهي أيضا عن أبى هريرة رضي الله عنه قال الكعبة خلقت قبل الارض بألفي عام PageV02P489 قيل وكيف خلقت قبل الارض وهي من الارض قال انها كان عليها ملكان يسبحان الله تعالى بالليل والنهار ألفى سنة فلما أراد الله تعالى أن يخلق الأرض دحاها من تحت الكعبة في وسط لارض هكذا في الاعلام تاريخ بلد الله الحرام انتهى وما اخرج الجندي عن الزهري قال اذا كان يوم القيمة رفع الله الكعبة إلى بيت المقدس فتمر بقبر النبي صلى الله عليه وسلم فتقول السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فيقول النبي صلّى الله عليه وسلم يا كعبة الله ما حال امتي فتقول يا محمد أما من وفد إلى فانا القائمة بشأنه واما من لم يفد إلى من امتك فأنت قائم بشأنه كذا في التفسير الدر المنثور وعن جابر رضي الله عنه قال قال علية الصلاة والسلام زفت الكعبة إلى قبري فتقول السلام عليك يا محمد فأقول وعليك السلام يا بنت الله ما صنع بك امتي فتقول من اتاني فأنا أكفيه وأكون له شفيعا ومن لم يأتني فأنت تكفيه وتكون له شفيعا وفي التشويق قال وهب بن الورد كنت اطوف أنا وسفيان الثوري بالبيت فانقلب سفيان وبقيت في الطواف فدخلت الحجر فصليت تحت الميزان فبينما أنا ساجد اذ سمعت كلاما بين استار الكعبة والحجارة وهو يقول يا جبريل اشكو إلى الله ثم إليك ما يصنع هؤلاء الطائفون من تفكههم في الحديث ولغطهم وسهوههم قال وهب فعرفت أن البيت شكى إلى جبرائيل عليه السلام وقال على بن موفق دخلت في الحجر فسمعت البيت يقول لئن لم ينته الطائفون حولى عن معاص الله تعالى لأصرخن صرخة ارجع إلى المكان الذي جئت عنه وفي الاحياء لا نتفضن نفضة وفيه أيضا أن الكعبة تحشر كالعروس المزفوف وكل من حجها متعلق باستارها يسعون معها حتى تدخل الجنة فيدخلون معها ومما يدل أن حقيقة الكعبة غير الجدار والسقف والحجر والمدر كلام الشيخ محي الدين ابن العربي في الفتوحات المكية حيث قال وكانت بيني وبينها في زمان مجاورتي بها مراسلات وتوسلات وقد ذكرت ما كان بيني وبينها من المخاطبات في جزء سميته تاج الرسائل ومنهاج الوسائل يحتوي فيما أظن على سبع رسائل لكل شوط من الاشواط السبعة رسالة مني إلى الصفة الألهية التي تتجلى لي في ذلك الشوط ولكن ما عملت تلك الرسالة ولا خاطبتها بها إلا بسبب حادث وذلك اني كنت عليها أفضل نشأتي واجعل مكانها في مجلى الحقائق دون مكانتي وأذكرها من حيث ما هي الانشأة جمادية في أولى درجة من المولدات وأعرض عما خصها الله به من أعلى الدرجات وذلك مني في حقها لغلبة الحال على فلاشك أن الحق اراد أن ينبهني عما أنا عليه من سكر الحال فأقا مني من مضجعي في ليلة باردة مقمرة فيها رش مطر فتوضأت وخرجت إلى المطاف بانزعاج شديد فقبلت الحجر وشرعت في الطوف فلما جئت إلى الميزاب رأيتها فيما خيل لي قد شمرت أذيالها واستعدت فلما وصلت إلى الركن الشامي أردت أن تدفعني بنفسها وترمى بي عن الطواف بها وهي تتوعدني بالكلام أسمعه بإذني وأظهر الله لي فيها حرجا شديدا بحيث لم أقدر على البراح من موضعي ذلك فتسترت بالحجر ليقع الضرب منها عليه وجعلته كالمجن بيني وبينها واسمعها والله وهي تقول كم تضع من قدري وترفع من قدر بني آدم وتفضل العارفين على وعزة من له العزة لا اتركنك تطوف بي فرجعت إلى نفسي وعلمت أن الله تعالى يريد تأيبى وقال فوجدتها فيما خيل لي قد ارتفعت عن الارض بقواعدها مشمرة الاذيال كالانسان أراد أن يثب أن يثب من مكانه يجمع عليه ثيابه وهي في صورة الجارية الحسناء لم ار أحسن منها ولا يتخيل لي أحسن منها فشكرت الله على ذلك وزال الجزع الذي كنت أجده من الكعبة فارتجلت PageV02P490 أبياتا في الحال في مدحها أخاطبها بها واستترلها عن ذلك الحرج الذي عاينته منها فما زلت اثنى عليها في تلك الابيات والكعبة تتسع وتنزل بقواعدها إلى مكانها وتظهر السرور بما اسمعها من مدحها إلى أن عادت إلى حالها كما كانت وامنتنى واشارت إلى بالطواف فرميت نفسي على المستجار وما في مفصل إلا وهو يضطرب من قوة الحال إلى أن سرت عني وصالحتها وأودعتها شهادة التوحيد عند تقبيل الحجر فخرجت الشهادة في صورة سلك وانفتح في الحجر الاسود مثل الطاق حتى نظرت إلى طول الحجر فرأيته نحو ذراع فسألت عنه بعد ذلك من المجاورين فقال لي رأيته كما ذكرت في طول ذراع الانسان ورأيت الشهادة مثل الكية استقرت في قعر الحجر وانطبق الحجر عليها وانسد ذلك الطاق وأنا انظر إليه فقالت لي هذه أمانة عندي ارفعها لك إلى يوم القيامة فشكرت الكعبة على ذلك ومن ذلك الوقت وقع الصلح بيني وبينها وخاطبتها بتلك الرسائل السبع فزادت فرحا وابتهاجا حتى جائتني بشرى منها على لسان رجل صالح قال رأيت الكعبة البارحة في النوم وهي تقول سبحان الله ما في الحرم من يطوف بي إلا فلان وسمتك لي باسمك وما أدري أين مضى الناس ثم قمت ودخلت في المطاف وانت طائف بها وحدك ولم أر معك في الطواف أحدا فقالت انظر إليه هل ترى طائفا آخر قلت لا والله ولا أراه أنا فشكرت الله على هذه البشرى من مثل ذلك الرجل فتذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له انتهى فإذا عرفت انه صلى الله عليه وسلم مركب من عالم الامر والخلق فلا يرد الاعتراض أيضا على قول الشيخ رحمه الله تعالى في المكتوب السادس والتسعين من الجلد الثالث لما فترتعينه الجسدى وهو عالم خلقه بالموت قوى تعينه الجسدي بقية وهي توجهه إلى العالم السفلي فلما مضى ألف سنة زالت تلك البقية وغلبت روحانيته صلى الله عليه وسلم على بشريته وعرجت الحقيقة المحمدية إلى الحقيقة الأحمدية والحقت بها إلى آخره كما سيجيء تفصيله في جواب المكتوب السادس والتسعين أن شاء الله تعالى بأنه (متعلق على قوله فلا يرد فيما سبق) ثبت في الاحاديث أنجسد النبي صلى الله عليه وسلم باق لا يفنى لأن مراده بالفناء والزوال للجسد فناء صفاته البشرية وزوالها من الأكل والشرب والنوم والتوجه إلى العالم السفلي وغي ذلك لا زوال الجسد بالكلية بل صفاته وانه صار كالروح وفي المكتوب الرابع والتسعين من الجلد الثالث اشار بزواله إلى ان معناه زوال توجهه صلى الله عليه وسلم إلى عالم الشهادة وغرقة في بحر مشاهدة جمال ذات الله تعالى وترقى درجاته صلى الله عليه وسلم بعبادات أمته ودعائها له ورجوع ثوابها إليه صلى الله عليه وسلم بمقتضى من سن سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها وفي عمدة المريد بجوهرة التوحيد للشيخ ابراهيم اللقاني قيل أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لطلب نيل كمال في وسعه كرم الله تعالى معلق عليه اذ لا غاية لفضل الله تعالى وانعامه فهو صلّى الله عليه وسلم دائم الترقي في حضرات القرب وسوابق الفضل ولابدع أن يحصل له بصلاة أمته زيادات في ذلك لا غاية ولا انتهاء لها وقد قال الإمام الغزالي أما صلاة الله على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى المصلين عليه فمعناه إفاضة أنواع الكرامات ولطائف النعم عليه وأما صلاتنا وصلوات الملائكة عليه صلى الله عليه وسلم في الآية فهو سؤال وابتهال في طلب تلك الكرامة ورغبة في افاضتها عليه صلى الله عليه وسلم لأن إجتماع قلوب الجمع الجم له تأثير في الاجابة كما في عرفه والجمعة والاستسقاء وغيرها انتهى و PageV02P491 في كشف الأسرار لأبن عباد رحمه الله قيل لأبي عبد الله محمد النيسابوري أنه قال أمرنا بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقيل انه ينتفع بدعائنا قال النيسابوري إلا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم سلوا لي من الله تعالى الوسيلة ليعلم أن الغنى بالحقيقة هو الله تعالى وقال الحليمي يجوز أن الله تعالى جعل اعطاءه الوسيلة مرقوفا على دعائنا وكذلك الشاعة انتهى بعبارته فإذا أراد الله تعالى له صلى الله عليه وسلم عزا وشرفا ودرجة وافاض عليه الفيوض والرحمة فترقى رتبته يوما فيوما حتى مضى بعد رحلته ألف سنة وتم الدور الكامل لون عالم خلقه بلون عالم أمره صلى الله تعالى عليه وسلم واتحد به اللطافة وخص الله تعالى عروجه إلى عالم أمره صلى الله عليه وسلم بعد ألف سنة لأنه دور كامل مشتمل على مراتب الاعداد وهي أربعة الاحاد والعشرات والمآت والألوف ولأنه يكون ظهور سلطنة كل اسم من اسماء الله تعالى إلى ألف سنة وإذا مضى ألف ظهرت غلبة اسم آخر إلى الألف الآخر كذا ذكره الحسين بن معين الدين الميبدى في الفواتح صوفية كويند هر زمان نوبت ظهور سلطنت اسمى ست و?ون نوبت أو منقضى شود مستور كردد ودور اسمى كه نوبت دولتش رسيده باشد واد وأر كواكب سبعه كه هر يك هزار سالست بآن مربوطست كل يوم هو في بشائر اشارت بآنست ان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون انتهى (وقال تعالى أيضا يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون وليكن هذا أيضا من ذلك الأمر الذي دبره في ألف سنة) ولهذا بعث اكثر أولي العزم بالترتيب وكانت الفاصلة من بعث بعض آخر ألف سنة وروى الواقدي في المنتخب كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون والقرن مائة سنة وبين نوح وابراهيم عليهما السلام عشرة قرون وبين ابراهيم وموسى عليهما السلام عشرة قرون إلخ وهذه الحقائق التي كشفت للشيخ رحمه الله تعالى لا مؤاخذة عليه بحسب الشرع غايتها أنه ما قالها أحد وفيها اصطلاح جديد ولا مناقشة في الاصطلاح وفي عين العلم العلم علمان علم المكاشفة وهو نور يظهر في القلب فيشاهد به الغيب وهو متحقق فورد ح اذا دخل النور في القلب أنشرح وعاين الغيب وانفسح أى احتمل البلاء وحفظ السر ولم يصرح به لفقد الرواية وورد ح أن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله انتهى ولفظ لفقد الرواية يدل صريحا على أن بعض الكشوفات لا تدل عليه الرواية وذكر في آخر الباب الأول في العوارف ولا مشاحة في الألفاظ انتهى فظهر بطلان قول المعترضين (الجوب الثاني) لقولهم وقال في المكتوب الثامن والثمانين من الجلد الثالث من مكتوباته لأن أمة كل نبي إنما يصلون إلى الله بوسيلته ووساطته ونبيها حائل بينها وبين الله تعالى الافرد من أفراد هذه الأمة يعني نفسه فإن تصيبه من الله تعالى بالاصالة من الذات العلية انتهى أعلم اني وجدت في المكتوب المذكور هذه العبارة مع ألفاظ زائدة لا يلزم المحذور معها وهي مكر آنكه فردى از أفراد امت را باصالت از حضرت ذات تعالى نصيب بود اينجا نيز حيلولهء نبي مفقود ست وتبعية أو موجود عليه الصلاة والسلام انتهى عبارته معناه الأفراد من أفراد هذه الأمة له نصيب من حضرت ذات الله تعالى بالاصالة من الولاية بلا حيلولة النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود تبعيته له صلى الله عليه وسلم واعلم أن السالك اذا فرغ من السير إلى الله وشرع في السير في الله بمتابعته للنبي صلى الله عليه وسلم ووساطته فإذا جذبه الله إليه بكمال فضله وركمه ارتفع الوسائط كلها بينه تعالى وبين هذا المحبوب السالك حتى سمعه PageV02P492 وبصره ورجله وجميع القوى الظاهرة وهي وسائط والادب ظاهرة ومع هذا يرفع الله تعالى منه هذه القوى الظاهرة فإذا وصل العارف إلى هذه المرتبة يأخذ العلم من الله تعالى بلا واسطة وهو العلم اللدني كما كان للخضر عليه السلام ونصيب بعض العارفين بالله تعالى وعلمناه من لدنا علما ويقال لهذه المرتبة في اصطلاحهم قرب النوافل دل عليه ما اخرجه البخاري عن ابي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن الله تعالى ولا يزال عبدى المؤمن يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها الحديث وقوله صلى الله عليه وسلم لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل فمن وصل إلى هذه المرتبة يجذبه الله إليه بفضله يأخذ المعارف والأسرار بلا واسطة من الله تعالى فلا يلزمه شيء بقوله اخذت العلم من الله تعالى بلا واسطة فمن ينكر هذه المرتبة فهو ينكر هذه المرتبة فهو ينكر الحديث الصحيح وما وقع في الفصوص في فصل شيت عليه السلام مع شرحه لمولانا الجامي رحمه الله يدل على أخذ العارف الكامل العلم من الله تعالى بلا واسطة مع شرحه) فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه من العلم الذي يعطي صاحبه السكوت إلا من مشكاة خاتم الأولياء فكيف من دونهم من الأولياء وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه من أن المرسلين لا يرون هذا العلم إلا من مشكاة خاتم الأولياء فإنه من وجه يكون أنزل مرتبة من الرسول الخاتم من حيث رسالته كما أنه من وجه يكون أعلى وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه من أن الفاضل يجوز أن يكون مفضولا من وجه في فضل عمر في اسارى بدر بالحكم فيهم وفي تأبير النخل فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شيء وساق الكلام إلى أن قال أنه أي خاتم الأولياء تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر كما هو أخذ عن الله في السر بلا واسطة انتهى وسيجئ تفصيله في آخر الجواب الحادي والعشرين قال مولانا الجامي قدس سره في خطبة شرح الفصوص أما بعد فاعلم أن الحكم الفائضة من الحق سبحانه على قلوب جميع عباده وخلص عبيده على أنواع منها ما يفيض عليهم بواسطة الملائكة المقربين بألفاظ وعبارات محفوظة عن التغيير مرادة تلاوتها وهو القرآن المنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم بواسطة الروح الأمين ومنها ما بفيض عليهم بواسطة أو بغير واسطة معاني صرفة أو معبرة بعبارات غير متلوة ومن هذا القبيل الأحاديث القدسية فهي أماما فاضت عليه صلى الله عليه وسلم معاني صرفة لكنه كساها اكسية عباراته الخالصة أو بعبارات مخصوصة غير مرادة ضبطها وتلاوتها وهذا النوع ليس مخصوصا بالانبياء عليهم الصلاة والسلام بل يعم الأولياء وصالحي المؤمنين. (ومنها) ما يفيض من بعض الكمل على بعض انتهى ونقصوا من كلام الشيخ أحمد رحمه الله لفظة بتبيعته بعد قوله من الذات العلية فيصير الكلام معها هكذا فإن نصيبه من الله تعالى بالاصالة من الذات العلية بالتبعية أي بتبعيته للنبي صلى الله عليه وسلم انتهى فحينئذ لا محذور فيه ولا قبح وهذه الالفاظ الفارسية للجواب الثالث الآتي بعده تبعية در فردامت باعتبار تشريعست تا متابعة شريعت نبي نكند ز سد وتبعيت در انبيا مر نبي را عليه الصلاة والسلام باعتبار آنست كه نبي متبوع را يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وصول بآن درجة أولا وبالذات ست وديكرانرا ثانيا وبالعرض ?ه مطلوب از دعوة محبوبست ديكرانرا بطفيل أو خوانند وبه PageV02P493 تبعية أو طلبندا ما همه كس جليس يك سفره اند ودر يك مجلس على تفاوت الدرجات استفاء تلذذات وتنعمات ميفرمايند امتانند كه زله بردار ايشانند والش خوار ايشان مكر فردى از أفراد ايشانان كه بكر كم خداوندى جل شأنه مخصوص شود وجليس مجلس اكابر كردد ?نانكه كذشت مع ذلك امت امت ست و?يغمبر ?يغمبر هر ?ند سرافراز كردد وعلو بسيار ?يدا كند دولتى ست كه به ?يروى او به ?يغمبرى برسد قال الله تعالى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين انهم لهم المنصورون الآية (الجواب الثالث) لقولهم وقال ان المطلوب من الدعوة هو المحبوب يعني النبي عليه الصلاة والسلام والباقون مطلوبون بتبعيته ولطفيليتيه الافرد من أفراد امته فإنه ليس بتبعيته بل بمحض كرم الله تعالى (اعلم) انهم غيروا قول الشيخ رحمه الله بالزيادة والنقصان وهو في الأصل هكذا (ترجمة الألفاظ الفارسية السابقة آفنا) التبعية في فرد الامة باعتبار التشريع شريعة النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل إلى المطلوب وتبعية الأنبياء لنبينا صلوات الله وسلامة عليه باعتبار أن النبي المتبوع يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وصوله إلى تلك الدرجة العليا أولا وبالذات ووصول الانبياء سواه إليها ثانيا وبالعرض لأن المطلوب من الدعوة والضيافة هو المحبوب ويطلب غيره بطفيليتيه وبتبعيته لكن كلهم جالسون على سفرة واحدة في مجلس واحد على تفاوت الدرجات ومستوفون للتلذذات والتنعمات عليها وأممهم يحملون الزلة التي تبقى بعد اكلهم على السفرة ولا يجلسون مع الانبياء على السفرة الا فرد من أفراد امتم وهو مخصوص وجليس مجلس الأكابر كما مر ومع ذلك الامة أمة والنبي نبي وان وصل ذلك الفرد العز والعلو فهو الدولة التي وصلها بتبعيته للنبي صلى الله عليه وسلم قال الله تبارك وتعالى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين انهم لهم المنصورون الآية انتهى بألفاظه وقوله الأفرد من أفراد امتهم مستثنى من قوله واممهم يحملون الزلة لا من قوله والباقون مطلوبون بتبعيته وبطفيليتيه كما فهمه المعترضون بسبب تحريفهم عبارة الشيخ رحمه الله وليست هذه العبارة في مكتوبه بل العبارة التي كانت فيه هي ما مر آنفا ومعربها هذه العبارة التي ذكرتها وغرضهم بهذا التحريف اثبات القبح على الشيخ رحمه الله بعدم تبعيته للنبي صلى الله عليه وسلم الذي فهموه من العبارة التي غيروها مع أن الشيخ رحمه الله ينادى بأعلى صوته بقوله فإن من لم يتبع شريعة النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل إلى المطلوب كرات ومرات في أكثر مكتوباته وهم صم بكم عمي لا يسمعون ولا يبصرون مكتوباته بالانصاف مع أن الشيخ رحمه الله تعالى قيد أكثر اقواله بتبعيه النبي صلى الله عليه وسلم وبالفرض والتقدير ان وجد قوله في بعض المواضيع غير مقيد بهذا القيد فعلى المنصف الذكي أن يحمله على القيد ولا يجوز تقبيح المسلم فكيف من كان متقيا عالما صالحا زاهدا ورعا (الجواب) الرابع لقولهم قال في المكتوب السابع والثمانين من الجلد الثالث ان الله لم يجعل في حقي من أسباب التربية وغير المعدت لم يجعل العلة الفاعلية في تربيتي غير فضله ومن كمال كرمه وغيرته على لم يجوز في حقى أن يكون لفعل الغير مدخل في تربيتي أو ان اتوجه فيه إلى غيره تعالى اني مرباه تعالى ومحبتي كرمه الذي لا يتناهي انتهى اعلم ان الشيخ قدس سره اراد من الغير غير النبي صلى الله عليه وسلم لأنه صرح بقوله فان لم يتبع شريعة النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل إلى المطلوب وألفاظه الفارسية في المكتوب الاثنين والعشرين ومائة من الجلد الثالث وصول احدى را بمطلوب بي توسط أو عليه الصلاة والسلام محال باشد فهو سيد الانبياء PageV02P494 والمرسلين ارساله رحمة للعالمين (الجواب) الخامس لقولهم وقال في هذا المكتوب انى مريد الله ومراده وسلسلة ارادتي متصلة بالله من غير توسط احد ويدي نائب يد الله وان سلسلة ارادتي وان اتصلت بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بوسائط كثيرة في الطريقة النقشبندية وال?شتية والقادرية إلا أن ارادتي بالله متصلة من غير واسطة محمد فاني مريد لمحمد ورفيقه فاننا اخذنا عن شيخ واحد انتهى (اعلم) ان لفظ المكتوب بدون التغيير الذي غيروه بالنقض والزيادة فيه هكذا ارادتي متصلة إلى الله تعالى بلا واسطة أي بلا واسطة غير النبي صلى الله عليه وسلم وارادتي لمحمد صلى الله عليه وسلم بوسائط كثيرة في الطريقة النقشبندية احدى وعشرون وفي الطريقة القادرية خمسة وعشرون وال?شتية سبعة وعشرون وارادتي بالله تعالى لا يرى فيها قبول الوسائط كما مر فانا أيضا مريد محمد صلى الله عليه وسلم وأيضا مرشدي ورشده واحد يعني الله تعالى وانا تابعه صلى الله عليه وسلم انتهى فلا قبح فيه ومر جواب بلا واسطة في بيان قرب النوافل وقولهم من غير واسطة محمد افتراء عليه وألفاظه الفارسية ارادهء من بمحمد صلى الله عليه وسلم بوسائط كثير ست در طريقة نقشبندية بيست ويك واسطه در ميانست ودر طريقة قادرية بيست و?ن? ودر طريقته ?شتيه بيست هفت وارادة من بالله تعالى قبول وسائط ننمايد ?نانكه كدشت بسل هم من مريد رسول الله ام صلى الله عليه وسلم وهم هم?يرهء أو (الجواب) السادس لقولهم وقال في هذا المكتوب أيضا أن طريقي سبحاني فإن طريقي التنزيه منه دخلت على الذات الاقدس لم التفت اسمه وصفته ولكن قول سبحاني مني ليس كقول من ابى يزيد البسطامي فإنه لا مساس بقوله بقولنا وراء الآفاق والأنفس وقوله كسى لباس التنزيه وقولنا تنزيه لم يمسه غبار التشبيه وقوله صدر عن السكر وقولنا صدر عن عين الصحو انتهى (اعلم) أن قول الشيخ أحمد رحمه الله تعالى أن طريقي سبحاني أي منسوب إلى السبحان وهو تنزيه الله تعالى والياء فيه للنسبة لأياء المتكلم كما فهمه المعترضون يا أيها العلماء رضي الله عنكم انظروا إلى هؤلاء المعترضين كيف يعترضون على الرجل العالم العامل المتقى وهم ما يفرقون بين ياء المتكلم وياء النسبة مع أنه رحمه الله صرح الله بسبة التقابل والتباين بين لفظ سبحاني الذي صدر عن ابى يزيد البسطامى رحمه الله وبين لفظ سبحاني الذي في مكتوبه لأنه فيه ياء النسبة وفي سبحاني ابى يزيد البسطامي ياء المتكلم وهذا من قبيل تجنيس التلفيق وكيف يجوز لهم تقبيحه بهذا الهقل والادراك الذي لا يفرق بين ياء المتكلم وياء النسبة مع أن عبارته تدل على يا النسبة صريحا وهي هذه سلسلتي السلسلة الرحمانية وأنا عبد الرحمن وربى ارحم الراحمين فطريقي الطريق السبحاني وذهبت من سبيل التنزيه وما اردت من الاسم والصفة إلا الذات الاقدس تعالى هذا السبحاني ليس كسبحانى الذي قاله أبو يزيد البسطامى لأنه لا مساس له بهذا السبحاني لأنه خرج من دائرة الانفس وهذا ما وراء الانفس والآفاق وسبحاني ابى يزيد تشبيه لبس لباس التنزيه وهذا السبحاني تنزيه محض ما وصله غبار التشبيه وذلك السبحاني تفور من منبع السكر وهذا السبحاني نبع من عين الصحة وألفاظه الفارسية سلسلة من رحمانى ست كه من عبد الرحمن ام ?ه رب من رحمن ست ومربى من أرحم الراحمين وطريقهء من طريقهء سبحاني ست كه از راه تنزيه رفته ام واز اسم وصفة جز ذات اقدس تعالى نخواسته ام اين سبحاني نه آن سبحانى ست كه بسطامى بآن قائل كشته ست كه آنرا باين مساس نه آن از دائرة مفس برآمده واين ما وراء انفس وافاقيست وآن PageV02P495 تشبيه ست كه لباس تنزيه ?وشيده ست كه كردي از تشبيه بوى نرسيده وآن از سر ?شمه سكر جوش زده ست واين از عين صحو بر آمده ارحم الراحمين در حقى من أسباب تربيت را غير از معدات نداشته وعلة فاعلى در تربيه من غير از فضل خود نساخته از كمال كرم اهتمام وغيرتي كه در حق من دارد تعالى تجويز نمى فرمايد كه فعل ديكر براد در تربيه من مدخلى باشيد ويا من بديكرى درين معنى متوجه كردم مرباى إلهى ام جل شأنه ومجتباي فضل وكرم نامتناهي أو تعالى ع با كريمان نيست انتهى (الجواب السابع لقولهم وقال في المكتوب الموفى مائة من الجلد الثالث وان كان محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد يشاركه في الدولة الخاصة به الا انه يعد تخليقه وتكميل صلى الله عليه وسلم بقيت من طينته بقية جعلت خميرة طينتي فجعلوني بتبعيته ووراثته شريك دولته الخاصة انتهى اعلم انه ما وقع جعلوني بياء المتكلم في مكتوبه وهي محرفة في مكتوبه هذه العبارة وان لم يكن أحد شريكه في هذه الدولة الخاصة المحمدية لكن هذا القدر يدرك أن من دولته الخاصة به صلى الله عليه وسلم بعد تخليقه وتكميله بقيت نقية لان من لوازم اهل الكرم أن تبقى بقية في سفرتهم بعد اكلهم وهي نصيب الخدام وتلك البقية اعطيت لأحد أصحاب الدولة من امته صلى الله عليه وسلم وجعلها خميرة طينية فجعل شريك دولته الخاصة عليه وعلى آله الصلوات والتسليمات انتهى ولا يلزم منه قبح على قائله وقد فهم المعترضون من هذه العبارة أنه ادعى ختم النبوة كما صرح به في آخر هذا السؤال في جوابه ونصه وقوله انه خلق من طينته وانه شريك دولته الخاصة قبح ثامن لان دولته الخاصة ليست إلا ختم النبوة ضرورة إن الرسالة والنبوة والمحبة والخلة والولاية غير مختصة به صلى الله عليه وسلم انتهى انظروا يا اخواني كيف فهموا من هذا القول مع انه صرح في مكتوبات في مواضع كثيرة بأنه صلى الله عليه وسلم خاتم الرسالة والنبوة ومراده بالدولة الخاصة مرتبة الفناء الاتم وهو مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم عند الصوفية (بل المراد به التجلى الدائمي كما صرح به في كثير من مكاتيبه) ويكون لبعض امته بتبعيته ووراثته للنبي صلى الله عليه وسلم أيضا فحينئذ يكون مختلفا باخلاقه وهو المراد بالطينة ويعطى له الوجود الوهبي ويكون مع النبي صلى الله عليه وسلّم في الجنة بموجب قوله تعالى ومن يطع الله والرسول فاؤلئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين الآية وحديث المرء مع من أحب وهو الشركة في دولته الخاصة فمن يشنع على من يريد بهذه المعية الت تفهم من الكتاب والسنة الشركة معه صلى الله عليه وسلم فما حكمه بينوا تؤجروا والمراد بالطينة الاخلاق الحميدة الاصلية الحقيقية للنبي صلى الله عليه وسلم والا لكان قبره عند قبر الشيخين رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم خلقت لانا وأبو بكر وعمر من طينة واحدة واخرج البخاري في تاريخه وغيره اكرموا عمتكم النخلة فانها خلقت من طينة آدم انتهى ومن خلقة النخلة التي لا تساوي نبى آدم في الفضل والكرامة من طينة آدم عليه السلام لا يلزم النقص في سيدنا آدم عليه السلام فهكذا في النبي صلى فكيف لا يتشرف فرد من بني آدم بهذه الفضيلة وهو أشرف من النخلة ويحتمل أن الشيخ رحمه الله قال هذا باعتبار جده لأن سيدنا عمر كان جسده بقية طينة النبي صلى الله عليه وسلم والشيخ من أولاده وعلى تقدير التسليم على أن المراد بالطينة الطينة الحقيقية لا المجازية لا يلزم قبح بهذا القول الصادر من الشيخ رحمه الله أيضا لا سيما اذا قلنا انه لما كان للشيخ رحمه الله تعالى نسبتان جليلتان أحداهما نسبية و PageV02P496 الاخرى حسبية فالاول انتسابه إلى سيدنا عمر رضي الله عنه لأنه فاروقي والثاني انتسابه إلى طريقة الصديق رضي الله عنه وهما رضي الله تعالى عنهما قد خلقا مع النبي صلى الله عليه وسلم من طينة واحدة لما جاء في الحديث فيكون التخلق الثابت لهما بلا واسطة ثابتا له بالواسطة ولذا انصب له الفيض صبا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقوله وان لم يكن احد يشركه فيها صريح بأنه لا يدعى النبوة ولا الشركة فيها كما يفهم كما يفهم المعترضون (الجواب) الثامن لقولهم وقال في المكتوب الثالث والبسعين ومائة من الجلد الأول أن كلما يصح أن يرى ويعلم نفى ذلك بكلمة لا ضروري فالمطلوب المثبت ما وراء ذلك ويلزم منه أن كل ما هو مشهود محمد صلى الله عليه وسلم مستحقا للنفي فإن محمد صلى الله عليه وسلم مع علو شأنه كان بشرا والبشر متسم بسمة الحدوث والامكان وماذا يدرك البشر من خالق البشر والممكن من الواجب والحادث من القديم جلت عظمته وكيف يحيط ولا يحيطون بشيء من علمهة نص قاطع (اعلم أن هذا القول في الاصل يوافق قول سيدنا ومولانا الشيخ بهاء الدين النقشبند قدس سره وألفاظه هر ?ه ديد شد وشنيده شد آن همه غير اوست بكلمة لا نفى بايد كرد انتهى (قال في الحديقة الندية وكان الشيخ أبو اسحق الاسفرائنى يقول جميع ما قاله المتكلمون في التوحيد قد جمعه أهل الحق في كلمتين الأولى اعتقاد ان كل ما تصور في الاوهام فالله تعالى بخلافه والثانية اعتقاد ان ذاته سبحانه ليست كالذوات ولا معطلة عن الصفات اهـ فانظر إلى انصافه مع جلالة قدره حيث سماهم أحل الحق واستحسن كلامهم غاية الاستحسان وهؤلاء الاراذل يمزقون عرض كمل امه محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام الذي استحسنه مثل من سمى في علم الكلام بالاستاذ الاسفرائني على الاطلاق ونقل مثل أوليهما عن باب مدينة العلم كرم الله وجهه حيث قال كلما خطر في بالك أو تخيلته بخيالك فالله وراء ذلك) وفي هذا المكتوب الذي هو في بيان كلمة لا إله إلا الله عبارته سئل (1) قوله لا يرد القضاء إلخ أخرجه الترمذي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه. (2) قوله كان رسول الله إلخ اخرجه البغوي في شرح السنة عن أمية بن خالد. أن كلما يجيء في العلم والبصر نفيه بكلمة لا ضروري لأن المطلوب المثبت ما وراء البصيرة والعلم فيلزم منه أن مشهود محمد صلى الله عليه وسلم أيضا للنفي لايق والمطلوب المثبت ما وراء ذلك متحقق يا أخي أن محمدا صلى الله عليه وسلم مع ذلك الشأن العلى بشر وبعلامة الحدوث والامكان متسم والبشر من خالق البشراي شيء يدرك وماذا يدرك الممكن من الواجب وكيف يحيط بالقديم الحادث ولا يحيطون به علما نص قاطع في حق جميع الخلائق نبيا كان أو غيره ولهذا قيل سبحانك ما عرفناك حق معرفتك ولهذه الكلمة معنيان أحدهما في نفي معرفته تعالى والثاني معنى ذكر لا اله الا الله والمعنى الأول أن كل ما يصح أن يرى في بصيرة أحد من البشر أو يسمع أو يعلم من المكاشفات والمشاهدات نفى ذلك بكلمة لا ضرورى فالمطلوب المثبت وهو ذاته تعالى وراء تلك المعرفة التي جاءت في بصيرته أو علمه لأن الله تعالى وراء الوراء الذي خطر في بال البشر ولا يعرف أحد كنه ذاته تعالى إلا هو لأن ذاته وكمالاته تعه غير متناهية والسير في الله تعالى لا نهاية له ولهذا قيل سبحانك ما عرفناك حق معرفتك والمعنى الثاني ان كلما يرى في بصيرة السالك أو يعلم من PageV02P497 الحوادث الكونية نفى الوجود الاصلى والحقيقي عنه بكلمة لا إله ضروري ويثبت هذا الوجود الاصلي الحقيقي لما وراء ذلك الكون وهو الله تعالى بالا الله وكذا وقع في فصل الخطاب لخواجه محمد ?ارسا رضي الله عنه بعد الكراسين من أوله في بيان ذكر لا اله الا الله انه مركب من النفى والاثبات فالذاكر في طرف النفي ينفي وجود جميع المحدثات الاصلي وفي طرف الاثبات يثبت وجود القديم جل وعلا انتهى فإذا علمت هذا ايها المحقق الصادق فافهم انه لا يلزم قبح لقائل هذا القول وكيف يلزمه وهو عين الايمان وجمع كثير من الأولياء قائلون بالمعنىين الذين بينتهما قال المعترضون وقوله أن مشهوده صلى الله عليه وسلم واجب النفي بلا مع دعواه أنه وصل إلى كنه الذات البحت هو وولداه قبح سابع عشر انتهى القول بوصوله إلى كنه الذات تعالت افتراء عليه كما بينته وما قال الشيخ بهذه العبارة من أن مشهوده صلى الله عليه وسلم واجب النفي بلا ومقصوده رحمه الله تعالى كما أنه لا يدركها أحد إلا هو وفي حق النبي أيضا السير في الله غير متناه وهو أيضا دائما في الترقى في المشاهدات والتجليات والعلوم ليست منحصرة في حقه أيضا لأن معلومات الله غير متناهية كذلك ذاته تعالى وصفاته قال الصوفية كان النبي صلى الله عليه وسلم بترقى في كل يوم في معرفة الله تعالى وعلمه به من درجة إلى مائة درجة ويستزيد منها ولا ينحصر فيها ويستغفر من الحال الذي هي أدون بالنسبة إلى الحال الذي فوقه وينفيها لسعة استعداده صلى الله عليه وسلم هكذا إلى غير النهاية بدليل قوله تعالى وقل رب زدني علما ولحديث مسلم عن الاغر المزني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليغان على قلبي وانى الاستغفر الله في اليوم مائة مرة أي انه ليغطى بأستار أنوار تجليلت الله تعالى ومشاهداته على قلبي وأنى لاستغفر الله تعالى من انوار التجليات التي هي أدون بالنسبة إلى الانوار التي هي فوقها واعلاها إلى غير النهاية وفي الحديث كل يوم لا أزداد علما يقربني من الله لا بورك لي في طلوع شمسه وقول المعترضين في بعض رسائلهم ومن هذا النمط ما رأيته لحفيده من رسالة سماها بكشف الغطاء فانه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول كنت في هم أمتي يوم القيامة أني اذا شفعت لهم من يجوزهم الصراط ويوصلهم إلى الجنة فلما رأيت هذا الرجل يشير إلى الشيخ أحمد السرهندي أطمأننت وذلك أنى كلما شفعت في طائفة من العصاة اسلمهم إليه فيوصلهم إلى الجنة ويرجع واسلم إليه طائفة أخرى فيوصلهم ويرجع وهكذا إلى آخره انتهى ما وجدته في رسالة كشف الغطاء وهي موجودة ههنا في مكة المكرمة هكذا افترى المعترضون على الشيخ رحمه الله تعالى وأيضا في هذه الرسالة للمعترضين أن أولاء الشيخ أحمد يلقنون لمريديهم بأنه نبي وشريك في نبوته صلى الله عليه وسلم هذا افتراء عليهم (الجواب) التاسع لقولهم وقال في المكتوب التاسع والاربعين من الجلد الثالث لا يخفى أنه لما حصلت لي النسبة الحضورية بذات الواجب جل سلطانه لزم أن يكشف كنه ذاته جل سلطانه وان يعلم بكنه ذاته وان كان مخالفا لما هو مقرر عند العلماء لكنه علم حضوري متعلق بذات الواجب تعالى فهو كالرؤية بالنسبة إلى ذاته فالانكشاف موجود والدرك مفقود اعلم أن هذا القول ليس في المكتوب المذكور وما صرح به في المكتوب الموفى مائة من الجلد الثالث يدل على خلافه وهو نعم صاحب الدولة الذي مبدأ تعينه الاسم الجامع على سبيل الاعتدال على تفاوت الدرجات ولو على سبيل الاجمال له من جميع اعتبارات الذات تعالت وتقدست نصيب ورؤيته بجميعها متعلقة لكن لما كان ضيق جامعية PageV02P498 الاجمال الذي هو نصيبه لا زمان له دائما فالاحاطة والدرك في حقه أيضا صادقة وفيه أيضا الذي هو معتقد هذا الفقير أن نصيب هذه النشأة الدنيوية ايقان لأن رؤية البصر والمشاهدة التي هي عبارة عن رؤية القلب على تفاوت الدرجات نتيجة وثمرة مربوطة بالاخرة وفي التعرف رؤية الله تعالى في هذه النشأة لا تكون ببصر ولا تكون بالقلب غير الايقان انتهى (قلت ما ذكرة المعترض مذكور في المكتوب الثامن والاربعين من الجلد المذكور لكن في قوله تحريف في الزيادة والنقصان وعبارته الصحيحه انه قال لما بين أن العلم المتعلق بذات الواجب حضوري لا حصوري لا يخفى إن اذا ثبت العلم الحضوري بالنسبة إلى ذات الواجب كما مر لزم أن يكون كنه الذات منكشفا ومعلوما كما هو وهو خلاف ما تقرر عند العلماء وأقول هذا العلم الحضوري المتعلق بالذات من قبيل الرؤية التي يثبتونها بالنسبة إليه تعالى وهناك الانكشاف موجود والدرك مفقود وكذا هنا الانكشاف موجود والدرك مفقود قوله إنما أنا بشر إلخ أخرجه مسلم والحاكم عن جابر رضي الله عنه إلخ وليس فيه ذكر نفسه لا بحصول الحضور ولا بغيره وهذا القول هنا ص 65 فانظروا كيف بدلوا أو حرفوا مثل اليهود عليهم ما يستحقونه اهـ وبالفرض والتسليم المتكلمون قائلون بمعرفة كنه ذاته تعالى كما ذكر في شرح الطوالع لعبد الله ابى القاسم البيضاوي في معرفة ذات الله تعالى فذهب الحكماء والغزالى مما إلى أن الطاقة البشرية لا تفي بمعرفة ذات الله تعالى لأن معرفة ذاته تعالى اما بالبداهة أو بالنظر وكل منهما باطل أما الاول فلان ذاته تعالى غير متصور بالبداهة والاتفاق وإما الثاني فلان المعرفة المستفادة إما بالحد أو بالرسم وكل منهما باطل اما الحد فلانه تعالى بسيط واما للرسم فلانه لا يفيد الكنه وخالف المتكلمون الحكماء ومنعو الحصر فأنا لا نسلم أن طريقة المعرفة منحصرة في البديهة والنظر فإنه يجوز أن يعرف بالالهام وتصفية النفس وتذكيتها عن الصفات الذميمة والزمهم المتكلمون بأن حقيقته تعالى عندهم هو الوجود المجرد وهو معلوم عندهم بالبديهة والحق أن هذا الالزام ليس بصواب فإن حقيقته تعالى عندهم هو الوجود الخاص والوجود المعلوم هو الوجود المطلق العارض للوجود الخاص ولا يلزم من العلم بالعارض العلم بالمعروض وان كانوا قائلين بمعرفة كنه ذاته تعالى فلا محذور فيه (الجواب العاشر) لقولهم قال بالهداية التاسعة عشر من كنز الهدايات مخاطبا لوالدية لم يزل داعي الوصال ينادي في سري اجب السلطان فانه يدعوك فطارطير همتي إلى باب القدس فوصلت إلى سرادق آل فقيل للسلطان ليس في البيت فعلمت أن ذلك مقام حقيقة الكعبة الربانية فاسرعت إلى ما وراء ذلك وعرجت إلى مقامات الصفات الحقيقية الموجودة بوجود زائد وهي وراء الصور العلمية للصفات في مرتبة التعين الحبي فأعرجت عنه الي أصول الصفات وهي الشئون الذاتية والاعتبارات الماحضة في ذاته تعالى ثم إلى ذات البحت المجردة عن النسب والاعتبارات وانتما أيها الاخوان يعني وليده كنتما معي في كل مقام من تلك المقامات انتهى اعلم ان كنز الهدايات ليس من مصنفات الشيخ رحمه الله تعالى وعلى تقدير التسليم لا يلزم من هذا القول على قائله شيء اذا يظهر للسالك في السير إلى الله وفي الله المشاهدات والمكاشفات وهي وراء طور العقل فيعجز الناس عن فهمها وهو يذكر لمريديه ومحبيه بموجب واما بنعمة ربك فحدث أو بغلبة السكر وكثير من الأولياء ذكروها في هذا القسمة فلا محذور فيه (الجواب) الحادي عشر لقوله وقال في المكتوب الخامس والتسعين من الجلد الثالث ولايتي وان كانت مرباة الولاية المحمدية و PageV02P499 الموسوية ومتطفلة على ولايتهما لكنها جامعة لهما ومركبة من نسبتي المحبية والمحبوبية فإن محمدا صلى الله عليه وسلم رئيس المحبوبين وموسى رئيس المحبي لاكن في ولايتي امر آخر ومعاملة على حدة لذلك الأمر مربوطة بحيث ان أصلها من الولاية الناشئة بالأصالة عن المحبوبية الصرفة وانضمت إليها ولاية موسى الناشئة عن المحبية الصرفة وانصبغت بلونها أيضا وصارت وجودا اخر وحقيقة اخرى واثمرت ثمرة أخرى وانتجت نتيجة أخرى انتهى أعلم انه لا يلزم منه أن ولايته أجمع ولاية من دائرة محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام ليس في قوله لفظ أجمع اسم تفضيل بل فيه ان ولايتي وان كانت مرباة الولاية المحمدية صلى الله عليه وسلم وولاية موسى عليه السلام وبطفيلهما ولايتي مركبة من نسبتي المحبوبية والمحبية ورئيس المحبوبين سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم ورئيس المحبين سيدنا موسى عليه السلام ولكن المعاملة مع ولايتي بوسيلة متابعة خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام امر آخر ومعاملة على حدة بها مربوطة وان كان أصل هذه الولاية ولاية نبي صلى الله عليه وسلم وهي الولاية المحمدية التي منشأها بالاصالة النسبة محبوبية الصرفة ولكن لما انضم اليها نشأة الولاية الموسوية التي نشأت بالاصالة عن المحبية الصرفة وانصبغت بلونها أيضا صارت وجودا آخر بل حقيقة أخرى وأثمرت ثمرة أخرى أنتهى يعني لولايته مناسبة بهما ومزج بوجه بها ونشأت منهما وهما أصلها وهي فرعهما ولا محظور فيه ثم ذكر ألفاظه الفارسية ونحن أسقطناها لعدم الحاجة إليها (الجواب) الثاني عشر لقولهم وقال في المكتوب الثالث والتسعين من الجلد الثالث بعدما ذكر نحوا من ذلك وهذا المركز أيضا يتصور بصورة دائرة مركذها المحبوبية الصرفة ومحيطها المحبوبية الممتزجة مع المحبية وهي نصيب فرد من أفراد أمته يعني نفسه انتهى اعلم أن الذي فيه هذه العبارة هو محيطها المحبوبية الممتزجة وهي نصيب فرد من أفراد أمته بتبعيته له صلى الله عليه وسلم بل بتبعيته أيضا للولاية الموسوية على نبينا عليه الصلاة والسلام فلا قبح فيه وترك المعترضون لفظ بتبعيته له صلى الله عليه وسلم (الجواب) الثالث عشر لقولهم ثم قال وليعلم أن محيط هذه الدائرة له تقدم كثير على الدائرتين وهي أقرب إلى الله بكثير انتهى أعلم أن هذه العبارة ليست في هذا المكتوب بالفرض والتسليم محظور فيه أيضا أن الدائرة الأولى دائرة العلم والثانية له دائرة الخلة والثالثة دائرة المحبوبية وهي اقرب إلى الله تعالى (الجواب) الرابع عشر لقولهم وقال في المكتوب التاسع عشر من الجلد الثالث كانت الانبياء والمرسلون يفرون من البلاء وأنا في عين البلاء في عافية أنتهى أعلم ان في المكتوب المذكور هكذا واجتنبوا عن البلاء ما استطعتم فإن الفرار مما لا يطاق من سنن المرسلين عليهم الصلوات والتسليمات ونحن في عين البلاء مع عافية فالله سبحانه الحمد انتهى بألفاظ يعني به أن البلاء الذي لا يطاق الفرار منه سنة وأن الصبر في البلاء المطاق فالصابر فيه يثاب وأيضا الصابر في البلاء الذي لا يقدر أن يفر منه يثاب ومن كان في مقام الرضاء فالبلاء عنده راحة ونعمة قال الله تعالى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ومثل هذه الاعتراضات لا يوردها من له أدنى دراية وديانة وقص على هذا غيره من الاعتراضات في رد الشيخ رحمه الله تغير عباراته (الجواب) الخامس عشر من قولهم وقال لا كرامة أجل مما بينته من الحقائق والمعارف التي تعجز الناس من بيانها وهل كانت معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا كلاما معجزا انتهى علم ان هذه العبارة ليست في المكتوب التاسع عشر وبالفرض والتسليم ثبت هذا الكلام من الشيخ رحمه الله لا محذور لأنه PageV02P500 ما شبه كلامه بالقرآن بل الحقائق والمعارف في حق عدم درك كنهها كبطن القرآن وشبهها به ببعض الوجوه والخارق للعادات من الأولياء هو معجزة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز تشنيعه بهذا القول كما شنع عليه المعترضون بقولهم في آخر السؤال وهو قوله هل معجزة محمد صلى الله عليه وسلم إلا كلام معجز وتشبيه كلامه بالقرآن في الاعجاز قبح رابع عشر (الجواب السادس والسابع عشر لقولهم وقال في المكتوب الثاني من الجلد الأول (صوابه من الجلد الثاني) الصفات السبعة اما ممكنة أو واجبة لا سبيل إلى الأول لاستلزم حدوثها وعدم اتصاف الحق بها أزلا ولا إلى الثاني لأن الواجب الوجود لذاته واحد ولقولهم ثم قال وحل هذا الاشكال على ما أظهروه لهذا الفقير وهو أن الله تعالى موجود بذاته لا بالوجود لا على أن الوجود عينه ولا على أنه زائد وصفات الواجب تعالى موجودة بذاته لا مجال للوجود في ذلك الموطن قال الشيخ علاء الدولة فوق عالم الوجود عالم الملك الودود فلا يتصور نسبة الامكان والوجوب أيضا في ذلك الموطن لأن الامكان والوجوب نسبة بين الماهية والوجود فحيث لا وجود لا امكان ولا وجوب وهذه المعرفة وراء طور النظر والفكر انتهى اعلم أن هذا القول ليس في هذا المكتوب (قلت هذا الكلام في المكتوب الثاني من الجلد الثاني وقد ذكر في كثير من مكاتبيه أنه تعالى موجود بذاته وز لا محذور في كلامه كما بينه صاحب الرسالة هذه وفي المكتوب الثاني والعشرين ومائة من الجلد الثالث لا مدخل في شك تلك المرتبة لأن الوجود ما نصه وهو حضرة الحق سبحانه موجود بذاته لا بوجود لأن للوجود بل للوجوب والوجوب كلاهما من الاعتبارات وأول الاعتبارات الذي ظهر لايجاد العالم هو الحب والثاني اعتبار الوجود وهو مقدمة الايجاد لأن حضرة الذات تعالت بلا اعتبار هذا الحب وبلا اعتبار هذا الوجود له استغناء عن العالم وايجاده والتعين العلمي الجملى ظل ذينك التعينين باعتبار أنهما للذاب بلا ملاحظة الصفات وفي هذا التعين العلمي الجملى ملاحظة الصفة وهي كالظل للذات جل شأنه انتهى ولذاته تعالى تقدم ذاتي على صفاته والوجود العام صفة من صفاته تعالى وموطن الذات مقدم على موطن الصفات تقدما ذاتيا فيصح تقدما ذاتيا فيصح قول من يقول الوجود ليس في موطن الذات ولا يحمل عليها في ذلك الموطن لأن في ذلك الموطن لا يعتبر شيء لأن مرتبة اللاتعين والذات البحت والذات المقتضى بكثر الضاد مقدم على الوجود العام المقتضى بفتح الضاد والوجود الذي ينفى عن الذات جل شأنه هو من المنتزعات العقلية والمعقولات الثانية فلا محذور فيه مثلا ذات الجسم مقدم على وجود البياض ومقابله فيصح أن يقال الجسم باعتبار تلك المرتبة السابقة على البياض لا ابيض ولا لا ابيض فان قلت الجسم في الخارج ابيض فكيف يكون في الخارج لا أبيض ولا لا ابيض قلت هو في الخارج أبيض بعد تحقق البياض فيه ولكنه في المرتبة السابقة على البياض وليس ذلك من ارتفاع النقيضين المستحيل لان المستحيل ارتفاعهما بحسب نفس الأمر مطلقا لا بحسب مرتبة من المراتب فإن الأمور التي ليست بينهما علاقة التقدم والتأخر والمعية ليس لبعضها في مرتبة الآخر وجود ولا عدم هكذا في الحاشية القديمة (الجواب الثامن عشر) لقولهم وقال في بعض مكاتيبه (في المكتوب 216 من الجلد الأول) ان عبد القادر قدس سره نزوله كان إلى مرتبة الروح فقط وانه ينقص في الإرشاد اذ كلما كان النزول اتم كان الإرشاد أكمل انتهى اعلم ام هذا كذب وفرية بلا مرية في أي مكتوب قاله وبالفرض والتقدير لا يلزم قبح لقائل هذا القول (الجواب) PageV02P501 التاسع عشر لقولهم وقال في المكتوب الرابع والتسعين من الجلد الثالث وما يقال من أن الانبياء لا يلزم قبح لقائل هذا القول (الجواب) التاسع عشر لقولهم وقال في المكتوب الرابع والتسعين من الجلد الثالث وما يقال من أن الانبياء لا يحتاجون إلى الاستمداد وان الكمالات حاصلة لهم بالفعل صريح المكابرة) اعلم أن هذه العبارة ليست فيه وإن كانت بالفرض والتقدير فمراده أن الانبياء والرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليه كلهم محتاجون إلى رحمة الله وفضله لأن في الحديث الصحيح إن لله مائة رحمة أما واحدة منها فبثها في الدنيا وادخر تسعة وتسعين للآخرة وفيه أيضا سلوا لى الوسيلة (الجواب) الموفى عشرين لقولهم وقال في المكتوب الثامن والثمانين من الجلد الثالث وجود العالم ونظامه كلاهما مربوطان بالخلة وهي ابرك الاشياء وبركاته شاملة للموجود والمعدوم وهي بالاصالة مخصوصة بابراهيم عليه السلام وولايتها ولاية ابراهيمية وان الوصول إلى حضرة الذات تعالت وتقدست بدون توسط التعين الأول الوجودي وبدون التوسل بجميع كمالات الولاية الابراهيمة غير ميسر لأن أول قباب المرتبة الحضرة القدسية هي لأنها مرآة غيب وليس لأحد بد من توسطه ولهذا امر خاتم الانبياء بمتابعته ليصل بمتابعته إلى ولاية نفسه ومنها يتبختر إلى حضرة الذات انتهى (اعلم انهم تركوا منه بعض عبارته وبيانة ودفع اشكاله سيجيء في الجواب الآتي إن شاء الله تعالى (الجواب) الحادي والعشرون لقولهم وقال في المكتوب الرابع والتسعين من الجلد الثالث أن التعين الأول وهو التعين الوجودي منشأ الولاية الابراهيمة وفوق ذلك مرتبة الذات الاقدس التي لا يسعها شيء من التعينات لكن سرها ودعت في مركز دائرة التعين الأول وهو منشأ الولاية المحمدية وجمال محيط الدائرة يشبه الصاحبة وجمال المركز يشبه الملاحة وهي فوق الصباحة فالوصول إلى الملاحة إنما يتصور بعد طي مراتب الصباحة وما لم يتيسر الوصول إلى جميع المقامات الابراهمية لا يمكن الوصول إلى الذروة العليا التي هي الولاية المحمدية ولا يتيسر ومن هنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمتابعة ملة ابراهيم ليصل إلى ولايته التي عبر عنها بالملاحة بتوسل الوصول إلى الولاية الابراهمية ولما لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم مناسبة بالولاية الابراهمية لكون مكانه الطبيعي نقطة مركز دائرة الولاية الخليلية وسيره مقصور على رأس مركز تلك الدائرة فبالضرورة وصوله إلى محيط الدائرة واكتساب كمالات تلك المحيط تعسر عليه لأنه خلاف مقتضى طبعه فلا بد من متوسط من أفراد أمته يكون له بتبعيته مناسبة في عين المركز وله من طريق آخر مناسبة بمحيط الدائرة ليكتسب ذلك الفرد كمالات تلك المرتبة الحقيقية ويتحقق بحقيتها ثم بتوسطه بحصل للنبي صلى الله عليه وسلم تلك الكمالات وبتحقيق بها فيتحقق بعد ذلك بكمالات نفسه صلى الله عليه وسلم بمقتضى من سن سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها فجاء هذا الفرد وناسب محيط الدائرة وحصل الكمالات الابراهيمية وإنما حصلت هذه المرتبة الثانية من الولاية الموسوية فحصل هذا الفرد الولاية العظمى الجامعة لكمالات المركز والمحيط فحصل للنبي صلى الله عليه وسلم بتوسط هذا الفرد كمالات محيط الدائرة وتيسرت له ولاية الخلة وحصلت له ولاية المحبوبية وهي ولايته صلى الله عليه وسلم وقبل دعاؤه صلى الله عليه وسلّم بقوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم بعد ألف سنة انتهى اعلم أنا نذكر أولا ألفاظه الفارسية ثم نذكر معربها مع شرح ألفاظها المغلقة ليندفع أشكال المعترضين عليه لعدم فهمهم ويظهر تحريفهم العبارة من PageV02P502 هذا المكتوب (ثم ذكر ألفاظه الفارسية ونحن اقتصرنا على معربه وهو اذا كانت الملاحة فوق الصباحة فالوصول إلى الملاحة بعد طي مراتب الصباحة ولا يتيسر الوصول إلى حقيقة هذه الولاية التي هي الذروة العليا والولاية المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام والتحية حتى يصل إلى جميع مقامات الولاية المحمدية ومراده بالملاحة الولاية المحمدية وبالصباحة الولاية الابراهمية على صاحبها الصلاة والسلام والتحية وبحقيقة هذه الولاية كنهها مع كنه جميع فروعها والولاية المحمدية هي أصل جميع الولايات ورجعها ومركزها وفوقها وكل الولايات لجميع الانبياء والرسل مندرجة فيها ونشأت منها وولاياتهم عليهم الصلاة والسلام اجزاء ولايته صلى الله عليه وسلم ولكل جزء منها مقامات ومراتب وكانت حاصلة لنبينا صلى الله عليه وسلم تفصيلا إلا بعض شئوناتها وهو كان حاصلا له صلى الله عليه وسلم مجملا ونسبة ذلك البعض إلى الولاية المحمدية كنسبة الورقة إلى الشجرة والشعرة إلى الانسان والقطرة إلى البحر بل اقل قليل فإذا لم تكن تلك الورقة والشعرة والقطرة في الشجر والانسان والبحر مع انها اجزاء منها لا تكون ناقصة لا في العقل ولا في النقل فإن حصلت تلك الورقة والشعرة والقطرة لها بواسطة شيء لا يتصور أنه كملها وكانت ناقصة وكذا لا يقال غير المؤمن لمن لا يرفع الحجر والمدر عن الطريق مع أن في الحديث الصحيح الايمان. بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها اماطة الأذى عن الطريق والحاصل ان لكل شيء أجزاء مقومة وأجزاء غير مقومة له كالشعر للانسان والورق للشجر وتمامية دائرة الخلة بحصول الجزء الغير المقوم لا بحصول المقوم وفي بعض المكاتب من الجلد الثال صرح بأن الحقيقة المحمدية حقيقة الحقائق وغيرها أجزاء لها انتهى والعاقل تكفيه الاشارة ولهذا أمر خاتم الرسل بمتابعة ملة ابراهيم صلى الله تعالى عليه وسلم ليصل صلى الله عليه وسلم بوسيلة هذه المتابعة لحقيقة ولايته بمقدار فضله واستعداده صلى الله تعالى عليه وسلم عند الله تعالى ومنها إلى حقيقة ولايته التي عبر عنها بالملاحة والمراد بحقيقتها كنهها مع كنه جميع فروعها وشئونها كما مر ولما كان لنبينا صلى الله عليه وسلم مناسبة ذاتية أتم بمركز دائرة ولاية الخلة الذي هو اقرب إلى حضرة اجمال الذات وبمحيطها الذي هو تفصيل كمالات الذات تعالت اقل المراد بالمركز الاصل والمرجع والمقدم والمقر والحيز الطبيعي كما مر وولاية كل نبي وولى جزء ولاية نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم ولكل نبي وولى وصلت الولاية منها وهو صلى الله عليه وسلم الكل وهي لكل ولى بطريق الظلية واستهلاك الظل بالأصل لا يقال له كمله واشار بالمركز إلى الوحدة والبساطة وبالقرب إلى الأحدية فما لم يتحقق بكمالات محيط تلك الدائرة مفصلا بقدر فضله واستعداده عند الله تعالى بحصول ذلك الشأن الواحد المجمل كما مر مع أن جميع المقامات والشئونات كانت حاصلة له صلى الله عليه وسلم تفصيلا بمقدار فضله إلا ذلك الشأن الواحد المجمل لا تتم ولاية الخلة تفصيلا بمقدار فضله واستعداده عند الله تعالى ولفظ لا تتم يدل على ان ولاية الخلة كانت حاصلة له صلى الله عليه وسلم مجملا ولهذا جاءت في الصلاة المأثورة كما صليت على ابراهيم أي جاء فيها كما صليت إلخ ومعناها اللهم صلى على محمد بمقدار فضله واستعداده عندك كما صليت على ابراهيم بمقدار فضله واستعداده عندك اللهم اعط مرتبة خلتك محمدا بمقدار فضله واستعداده عندك كما اعطيتها ابراهيم بمقدار فضله واستعداده عندك حتى تتيسر كمالات الولاية الابراهيمية بتمامها PageV02P503 أيضا له صلى الله عليه وسلم مفصلا بمقدار واستعداده عند الله تعالى ولفظ بتمامها أيضا يدل على حصولها له صلى الله تعالى عليه وسلم مجملا كما كانت حاصلة لصاحبها بمقدار فضله واستعداده عند الله تعالى ولما كان المكان الطبيعي للولاية المحمدية مركز دائرة الولاية الخليلية وسيرة صلى الله عليه وسلم أيضا مقصورا على السير المركزية لتلك الدائرة تعسر خروجه صلى الله عليه وسلم منه ودخوله فيها لاكتساب كمالاتها أي اكتساب تفصيلها وهذه العبارة تدل على حصول الولاية المحمدية للنبي صلى الله عليه وسلم وحصولها يدل على حصول الولاية الابراهيمية موقوف عليها حصول الولاية المحمدية وحصول الموقوف يدل على حصول الموقوف عليه ووجوده وخروجه منه خلاف مقتضى الطبيعة لأنه الحيز الطبيعي له صلى الله عليه وسلم فلا بد أن يكون فرد من أمته صلى الله عليه وسلم متوسطا كائنا بتبعيته صلى الله عليه وسلم في عين المركز ومن طريق آخر له مناسبة بمحيط تلك الدائرة اشار بقوله من طريق آخر إلخ إلى قول الصوفية بأن كل ولي من أمته صلى الله عليه وسلم على قلب نبي من الانبياء صلوات الله عليهم أجمعين وفي بحر المعاني قال النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى في الأرض ثلثمائة وليا قلوبهم على قلب آدم عليه السلام وله أربعون قلوبهم على قلب موسى عليه السلام وله سبعة قلوبهم على قلب ابراهيم عليه السلام وله خمسة قلوبهم على قلب جبريل عليه السلام وثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل عليه السلام وله واحد قلبه مثل قلب اسرافيل عليه السلام بهم يرفع الله تعالى البلاء عن هذه الامة حتى يكتسب كمالات تلك المرتبة التي هي ذلك الشأن المجمل غير المقدم وغير الموقوف عليه الذي نسبته إلى الولاية المحمدية كنسبة القطرة إلى البحر وهذا الفرد بمنزلة الألة كالسيف للمجاهد فالقاطع هو المجاهد ويسند القطع إلى السيف مجازا (أو كالخادم بالنسبة إلى المخدوم أو كالخازن بالنسبة إلى الملك ولا محذور في اكتساب المخدوم والملك شيئا بواسطة الخادم والخازن ويتحقق بها) والنبي المتبوع بحكم من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بتوسط وصوله وخدمته وتبعية نبيه صلى الله عليه وسلم إليها يتحقق بتلك الكمالات وهي تفصيل الخلة بمقدار فضله وشرفه صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى أيضا وتتم له المراتب الولاية الخليلية مع ذلك الشأن المجمل غير المقدم الذي كانت جميع مقامات الولاية حاصلة له صلى الله عليه وسلم سواه والاعمال الصالحة للنبي صلى الله عليه وسلم قسمان قسم بالمباشرة بها وقسم غير المباشرة بها وهي الاعمال الصالحة للنبي صلى الله عليه وسلّم بمباشرة أمته بها بموجب من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها (وكذلك سائر الكمالات والفضائل قسم منها حصل له صلى الله عليه وسلم حال حياته وقسم حصل له صلى الله عليه وسلم بعد مماته ولا يزال يحصل إلى يوم القيامة بواسطة أمته كفتوح البلدان واظهار دينه على سائر الاديان وانتشار إلى أقطار الارض واستنباط الاحكام وتدوين العلوم إلى غير ذلك مما لا يخفى على أحد) وللنبي صلى الله عليه وسلم يتيسر كمالات محيط تلك الدائرة بمقدار فضله واستعداده عند الله تعالى بحصول ذلك الشأن المجمل وإن كانت حاصلة له صلى الله عليه وسلم مفصلة غير ذلك الشأن وتمت الولاية الخليلية أيضا له صلى الله عليه وسلم بإلحاق ذلك الشأن المجمل غير المقدم الذي يدل عليه لفظة تمت ونسبته إلى الولاية المحمدية كنسبة القطرة إلى البحر ودعاء اللهم صل على محمد كما صليت على ابراهيم قرن بالاجابة بمقدار فضله واستعداده بعد ألف سنة بدعاء PageV02P504 الأمة لحصول ذلك الشأن المجمل غير المقدم لا لغيره من الكمالات لأنها كانت حاصلة له صلى الله عليه وسلم مفصلا والكمالات حاصلة له صلى الله عليه وسلم في السير في الله الآن أيضا يوما فيوما لأن السير في الله غير متناه وكمالاته وفيوضه تعالى لا تحصى ولا تعد وبدعاء امته له صلى الله عليه وسلم أفاض الله عليه التجليات الغير المتناهية كما مر بيانه من كتاب عمدة المريد للشيخ ابراهيم اللقاني ومن كشف الأسرار لأبن العماد فليرجع إليه في آخر الجواب الأول حتى يظهر الحق وللنبي صلى الله عليه وسلم بعد تمام ولاية الخلة معاملة بالسر والنشأة الذي اودع في المركز الذي عبر بالملاحة وفوض النبي صلى الله عليه وسلم حراسة امته ومحافظتها إليه لإرشادهم إلى صراط مستقيم في زمانه واستغرق في مشاهدته جمال غيب الغيب واشتغل بالمحبوب والله اعلم حاصلة أن للنبي صلى الله عليه وسلم عروجا ونزولا فعروجه في حين حياته صلى الله عليه وسلم من عالم الشهادة إلى عالم المثال ومنه إلى عالم الملكوت والارواح ومنه إلى مرتبة الواحدية ومنها إلى الوحدة وهي المسماه بالحقيقة المحمدية وعالم الشئونات وهي مركزه وحقيقته صلى الله عليه وسلم واجمال ذاته تعالى وهذه المرتبة خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم ولبعض أفراد امته نصيب منها بطفيله صلى الله عليه وسلم وهذا العروج من عالم الكثرة إلى الوحدة التي هي أقرب إلى ذاته تعالى ونزوله من الوحدة إلى الكثرة والتفصيل إلى عالم الشهادة لهداية أمته وكان هذان السيران للنبي صلى الله عليه وسلم دائمين في حين حياته صلى الله عليه وسلم وجميع الكمالات الممكنة للبشر في الدنيا حاصلة له صلى الله عليه وسلم بعضها بواسطة جبريل ع م وغيره من الملائكة الكرام قال الله تعالى علمه شديد القوى ذو مرة وقال النبي صلى الله عليه وسلم أن روح القدس نفث في روعى وبعضها بلا واسطة مع انه صلى الله عليه وسلم افضل من جبريل ع م وبعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى عالم القدس والرفيق الاعلى له عروج فقط ومقره في مركز دائرة الخلة الذي هو الوحدة وكانت حركته صلى الله عليه وسلم في حين حياته إلى عالم الشهادة قسرية لا طبيعتة ففوض حراسة أمته صلى الله عليه وسلم إلى فرد من أفراد أمته وله هذه المرتبة بطفيله صلى الله عليه وسلم كما صرح الشيخ رحمه الله في المكتوب الثامن عشر ومائة من الجلد الثالث وقال لا يظن أحد أن السالك لا يحتاج إلى متابعة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كفر وإلحاد وزندقة والدقيقة من الدقائق والمعرفة من المعارف التي لهؤلاء القوم لا تحصل لهم إلا بتوسطه ومتابعته وحيلولته صلى الله عليه وسلم سواء كان مبتدئا أو متوسطا ومنتهيا (بيت) محالست سعدي كه راه صفا ... توان رفت جز در ?ي مصطفى معنى البيت يا سعدي هذا امر مستحيل أن يصل احد إلى الطريق المستقيم بلا تبعية النبي صلى الله عليه وسلم (بل قلما يخلو مكتوب من مكاتيبه من التأكيد والمبالغة بتلك المتابعة) وما حصل لذلك الفرد من الكمالات فهو له صلى الله عليه وسلم وهو بمنزله الآلة والخادم وفي المواهب في بيان خصائصه صلى الله عليه وسلم قال الشافعي رح ما من خير يعمله أحد من أمته صلى الله عليه وسلم إلا والنبي أصل فيه قال في تحقيق النضرة فجميع حسنات المسلمين وأعمالهم الصالحة في صحائف نبينا صلى الله عليه وسلم زيادة على ماله من الاجر مع مضاعفة لا يحصيها إلا الله تعالى لأن كل مهتد وعامل إلى يوم القيمة يحصل له أجره إلى أن قال وبهذا يجاب عن الاستشكال في دعاء القارئ له صلى الله عليه وسلم بزيادة الشرف مع العلم بكماله عه م في سائر أنواع الشرف انتهى وابهم الشيخ أحمد PageV02P505 رحمه الله ذلك الفرد من امته صلى الله عليه وسلم وما قال انا ذلك الفرد فيمكن أن يكون ذلك الفرد الخضر والياس عليهما السلام أو غيرهما وفي المواهب في بيان خصائص امته صلى الله عليه وسلم نعم هو اي عيسى ع م واحد من هذه الأمه لما ذكر من وجوب اتباعه لنبينا صلى الله عليه وسلم والحكم بشريعته وساق الكلام إلى ان قال وكذلك من يقول من العلماء بنبوة الخضر عليه السلام وصحح في الاصابة انه نبي وانه باق إلى اليوم فإنه تابع لاحكام هذه الامة وكذا الياس على ما صححه أبو عبد الله القرطبي أنه حي أيضا وليس في الرسل من يتبعه رسول إلا نبينا صلى الله عليه وسلم وكفى بهذا شرفا لهذه الأمة زادها الله شرفا انتهى، وما وقع في الشفاء والفتاوى من أن تنقيص النبي صلى الله عليه وسلم كفر فهو بالنسبة إلى ما هو غير كمالات الله تعالى وصفاته وتعلم النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل ع م وهو الذي يدل عليه قوله تعالى علمه شديد القوى ذو مرة مع أن جبريل ع م مفضولة والنبي أفضل منه وكذا مس الشيطان جميع أولاد آدم وقت تولدهم إلا عيسى عليه السلام وكذا قوله ع م أنا أول من يرفع رأسه بعد النفخة فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري اقام قبلي أو جوزي بصعقة الطور رواه البخاري وفي البدور السافرة للسيوطي رحمه الله في بيان الصعقة وهذه الغشية للانبياء إلا موسى فإنه حصل فيه تردد فإن لم يحصل له فيكون قد حوسب بصعقة يوم الطور وهذه فضيلة عظيمة في حقه ولكن لا توجب افضليته على نبينا صلى الله عليه وسلم لأن الشيء الجزئي لا يوجب أمرا كليا انتهى وغيرها من الأمثلة التي تدل على تفضيل المفضول على الفاضل ليس كلها من قبيل التنقيص المذموم وترقى الدرجات التي للنبي صلى الله عليه وسلم يوما فيوما في البرزخ لا يدل على تنقيصه صلى الله عليه وسلم مع أن كل درجة من الدرجات التي حصلت له صلى الله عليه وسلم اليوم اعلى مما قبله إلى غير النهاية بكيف يقال لمن يقول كل الدرجات التي حصلت له صلى الله عليه وسلم أعلى مما قبله وهو متصف بجميع صفات الكمال أنه نقصه صلى الله عليه وسلم والله أعلم وليس في كلام الشيخ أحمد رحمه الله ما يدل على النقص وفي الشفاء قال حبيب بن الربيع التأويل في لفظ صريح لا يقبل وفي آخر المكتوب الرابع والتسعين من الجلد الثالث في جواب من توهم من هذا الكلام في بيان الملاحة والخلة ان ذلك الفرد كمل النبي صلى الله عليه وسلم صرح بأن ذلك الفرد خادم وتابع للنبي صلى الله عليه وسلم كلما حصل له فهو من خزائنه صلى الله عليه وسلم فاذا جاء العبد والخادم بهدية إلى المخدوم وقبلها منه لا يلزم به نقص وذكر لدفع هذا الوهم كلاما كثيرا يدفعه فمن اراد الوقوف عليه فليراجع إليه ولدافع هذا الوهم نمثل بهذه المسئلة المعقولة المكشوفة بالمحسوسة بأن نتصور بستانا عظيما حوله سور وهو بمنزلة دائرة الخلة وقصرا مرتفعا غاية الارتفاع في وسط هذا البستان وهو بمنزلة المركز وقد دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم ورأى كلما فيه تفصيلا الاشياء قليلا ثم ارتقى النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك القصر واستغرق في مشاهدة جمال ذاته تعالى فيه لا يتوجه ولا يلتفت إلى البستان والسور الذي هو أسفل من مكانه العالى صلى الله عليه وسلم وذلك الفرد من الخدام والعبيد يبلغ حقيقة هذا البستان وسوره إليه صلى الله عليه وسلم بأعتبار بعض الوجوده الذي هو مجمل كالملائكة السياحين في الارض يبلغونه صلى الله عليه وسلم امته وصلاتهم ويزيد الله تعالى شرفه ودرجته بواسطة دعائهم وصلاتهم يوما فليس فيه نقصه صلى الله عليه وسلم PageV02P506 كل فرد فرد من الأمة ويحصل ثوابها له صلى الله عليه وسلم بواسطة املائكة والامة فأفهم وروى أحمد والنسائي والحاكم حديث تبليغ الملائكة صلاة الأمة إليه صلى الله عليه وسلم وترقى الدرجات للنبي صلى الله عليه وسلم في البرزخ يوما فيوما بسبب أعماله بنفسه صلى الله عليه وسلم لأن الأعمال الصالحة لأمته فهي في الحقيقة أعماله صلى الله عليه وسلم بمقتضى حديث من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها وان فرضنا أن هذا المبحث ينجر إلى الفضل الجزئي لا يلزم المحذور أيضا لانه جائز عند العلماء وان لم يفهمه الناس ويدل على الفضل الجزئي احاديث كثيرة منها ما في رواية الترمذي قال النبي صلى الله عليه وسلم بقول الله تعالى المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء وروى أبو داود عن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الانبياء والشهداء يوم القيامة بمكانتهم من الله قالوا يا رسول الله تخبرنا من هم قال هم قوم تحابوا بروح الله من غير ارحام بينهم ولا أموال يتعاطونها الحديث وصدر من المشايخ رحمهم الله أيضا أقوال تدل على الفضل الجزيئ وحصول مرتبة الخلة للنبي صلى الله عليه وسلم بدعاء أمته منها قول الشيخ محي الدين ابن العربي في الفتوحات المكية في الباب التاسع والخمسين وخمسمائة لا ينال الخلة محمد صلى الله عليه وسلم صاحب الوسيلة في جنته وما نالها إلا بدعاء امته اين أمته من فضيلته ومع هذا بدعائهم كانت لمحمد الوسيلة والمدعو له ارفع من الداعاي وفي موضع آخر من هذا الباب قال نال محمد صلى الله عليه وسلم الوسيلة والخلة بدعاء امته ولذلك أمرهم بالصلاة عليه كما أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم يسئلوا الوسيلة إليه انتهى وفي الفصوص ويجوز أن يكون الفاضل مفضولا من وجه كما مر بيانه وهو فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء فكيف من دونهم إلخ أي لا يرون الأنبياء من العلم الذي يعطي صاحبه السكوت إلا من مشكاة ذلك الولي مع أن الانبياء أفضل منه انتهى قال مولانا جلال الدين الدواني في رسالته في بيان تشبيه كما صليت على ابراهيم أن تفضيل المفضول على الفاضل باعتبار بعض الوجوه جائز اذ في الحديث أن لله عبادا ليسوا بأنبياء يغبطهم الأنبياء انتهى ملخصا وفي البيضاوى في تفسير قوله تعالى هل اتبعك على ان تعلمني مما علمت رشدا ولا ينافى نبوّته وكونه صاحب شريعته أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطا في ابواب الدين فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث من أصول الدين وفروعه لا مطلقا انتهى والخضر عليه السلام نبي في قول وليس بنبي في قول وعليه أكثر العلماء كذا في تفسير الجلالين وفيه أيضا روى البخاري حديث أن موسى أوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك وفي المواهب روى أحمد والدرامي والطبراني عن ابي عبيدة قالوا يا رسول الله هل أحد خير منا اسلمنا معك وجاهدنا معك قال نعم قوم يكون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني واسناده حسن وصححه الحاكم انتهى وفي المشكاة عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي الخلق اعجب إليكم ايمانا قالوا الملائكة قال ومالهم لا يؤمنون وهم عند ربهم قالوا فالنبيون قال ومالهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم قالوا فنحن قال ومالكم لا تؤمنون وانا بين أظهركم قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أعجب الخلق إلى إيمانا لقوم يكونون من بعدي يجدون صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها وعن بريدة قال أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P507 فدعى بلالا فقال بما سبقتني إلى الجنة ما دخلت الجنة قط إلا سمعت حشحشتك امامي الحديث وفي شرح العقائد العضدية للجلال الدواني فإن أفضل موضوعة للزيادة في معنى المصدر بوجه ما أعم من أن يكون من جميع الوجوه أو بجميع صفات الفضائل من حيث المجموع والذي وقع الخلاف فيه ههنا هو الرجحان بهذا الوجه اعني من حيث الثواب لا الرجحان من الوجوه الاخر فلا ينافى ذلك رجحان الغير في آحاد الفضائل الاخر ولا في مجموع الفضائل من حيث المجموع وتمام تفصيله في الحواشي الجديدة لنا على الشرح الجديد للتجريد انتهى وما صدر من الشيخ أحمد رحمه الله من كشف مقام الخلة والولاية وغيرهما مثل ما صدر من الأولياء وما أخذ عليهم أحد وذكر الإمام الشعراني في اليواقيت والجواهر عن بعض العارفين بهذه العبارة اعلم أن النبوة لم ترتفع مطلقا وإنما ارتفع نبوة التشريع فقط وفي الفتوحات المكية في الباب السبعين ومائتين ان النبوة وان انقطعت في هذه الامة بحكم التشريع فما انقطع الميراث منها فمنهم من يرث بنبوة ومنهم من يرث برسالة ومنهم من يرث برسالة ونبوة معا قال الشيخ الشعراني في الطبقات عن الشيخ ابى المواهب الشاذلي انه قال ان مثل الفقراء والأولياء الصادقين ككنز صاحب الجدار وقد يعطى الله من جاء في آخر الزمان ما حجبه عن أهل العصر الأول فإن الله تعالى اعطى لمحمد صلى الله عليه وسلم ما لم يعط الانبياء الذين مضوا قبله ويا لله العجب من المتفقهين الذين ينكرون ما قاله الأولياء ويصدقون بما وصل إليهم من فقيه واحد وربما يكون اسناده في ذلك القول إلى دليل ضعيف وما ذلك والله إلا الحرمان انتهى (تبيه) علم ان حاصل هذا الكلام للشيخ أحمد رحمه الله في بيان الخلة ومراده منه أن مرتبة الخلة امر كلي وله حصص ولكل نبي حصة منها على قدر استعداده وشرفه لانه اراد بها تفصيل كمالات ذات الله تعالى ولكل نبي حاصل تفصيل كمالات ذاته تعالى بقدر استعداده وشرفه وخص ابراهيم عليه السلام بالخلة لشهرته بها ولنبينا صلى الله عليه وسلم خلة على قدر أستعداده وشرفه وهي أشرف وأعلى درجة من الخلة التي لغيره صلى الله عليه وسلم من الانبياء عم والمراد بالصلاة في قول اللهم صل على محمد كما صليت على ابراهيم الخلة والرحمة معناه اللهم أعط الخلة والرحمة محمدا صلى الله عليه وسلم بقدر استعداده وشرفه عندك كما أعطيتها على ابراهيم ع م بقدر استعداده وشرفه عندك ولنبينا صلى الله عليه وسلم حصلت حصة الخلة في حين حياته وهي أشرف وأعلى من حصة الخلة التي لإبراهيم ع م بأعمال نفسه صلى الله عليه وسلم وهكذا تترقى درجة الخلة والرحمة لنبينا صلى الله عليه وسلم يوما فيوما في البرزخ أيضا لأنها غير متناهية بأعماله صلى الله عليه وسلم بنفسه لا بغيره وهي الأعمال الصالحة للأمة كلها سنة حسنة سنها النبي صلى الله عليه وسلم والأمة كالآلة لحصول تلك الأعمال الصالحة للنبي صلى الله عليه وسلم كالسكين للقاطع فاسناد كسب كمالات الخلة إلى فرد من أفراد أمته صلى الله عليه وسلم اسناد مجازى كإسناد القطع إلى السكين ومقر النبي صلى الله عليه وسلم فوق مرتبة الخلة وهي الولاية المحمدية ومرتبة المحبوبية وهي أشرف وأعلى من الخلة ودعاء ذلك الفرد والأمة بقول اللهم صلى على محمد كما صليت على ابراهيم لاتمام مرتبة الخلة للنبي صلى الله عليه وسلم بقدر استعداده وشرفه عند الله تعالى قرن بالاستجابة ودعاؤهم له صلى الله عليه وسلم لازديا شرفه و PageV02P508 الرحمة والقرب في مرتبة المحبوبية ودرجته عند الله تعالى بقولهم اللهم صل على محمد كما صليت على ابراهيم باق إلى يوم القيامة وهذه المعاني التي ذكرتها يدل عليها كلام الشيخ أحمد رحمه الله على بعضها بالالة لفظه وعبارته وعلى بعضها بإشارته واقتضائه ولا يخفى فهم هذه المعاني من كلامه على طالب العلم سليم الطبع المنصف الذي استحضر من على اصول الفقه والمعاني والبيان مبحث دلالة اللفظ وعبارته واشارته واقتضائه ومنطوقه ومفهومه والحقيقة والمجاز والصريح والكناية والله اعلم وحاصل جميع هذه الاقوال التي اعترض المعترضون بها ينجر إلى حصول بعض كمالات الخلة للنبي صلى الله عليه وسلم بتوسط ذلك الفرد الغير المعين وإلى وصول ذلك الفرد إلى بعض العلوم من الله تعالى بلا توسط وإلى شركته للنبي صلى الله عليه وسلم بتبعيته له صلى الله عليه وسلم في بعض المعارف والدرجات وقد عرفت جواب كلها تفصيلا وغاية ما فيه من القبح هو الفضل الجزئي ولا نسلم انه يفهم من كلام الشيخ رحمه الله بالمعنى الذي بينته لكلامه وان سلم فهو جائز عند جميع العلماء والصوفية كما مر بيانه فالفضل الجزئي عبارة عن زيادة شيء قليل مما حسنه الشرع أعم من أن يترتب عليه الثواب أولا كالمباح والفضل الكلي عبارة عن كثرة الثواب وزيادته وأخذ العلم من الله تعالى بلا توسط مرشد وشيخ جائز أيضا كما يدل عليه كلام غوث الثقلين عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه في فتوح الغيب وقد يكون للمريد سر لا يطلع عليه شيخه وللشيخ سر لا يطلع عليه مريده الذي قد دنى سيره على عتبة باب شيخه فإذا بلغ المريد حاله شيخه افرد عن الشيخ وقطع عنه فتولاه الحق عز وجل فيعظمه عن الخلق جملة فيكون الشيخ كالداية ولا إرضاع بعد الحولين وفي النفحات قال الشيخ عبد الله التروغيدي طوبى لمن لم يكن له وسيلة إليه غيره قال الشيخ الشعراني في الطبقات عن الشيخ تاج الدين بن عطاء الله وقد يحذب الله العبد فلا يجعل عليه منه للاستاذ قال مولانا الجامي قدس سره في خطبة شرح الفصوص اعلم أن الحكمة الفائضة من الحق سبحانه على قلوب كمل عباده وخلص عبيده انواع منها ما يفيض عليهم بواسطة الملائكة المقربين بألفاظ وعبارات محفوظة عن التغيير والتبديل مرادة تلاوتها وهو القرآن ومنها ما يفيض عليهم بواسطة أو بغير واسطة معاني صرفه ومن هذا القبيل الحديث القدسي وهذا النوع ليس مخصوصا بالأنبياء عليهم الصلوات والتسليمات بل يعم الأولياء وصالحي المؤمنين ومنها ما يفيض من بعض الكمل على بعض كما يفيض من روح نبينا صلى الله عليه وسلم على خواص متابعيه انتهى وفي منبع الكمالات حكى الامام الشعراني عن بعض العارفين أنه كان يقول ان الرجل لا يكمل عندنا في مقام العلم حتى يكون علمه عن الله عز وجل بلا واسطة إلى أن قال كما اخذه الخضر عليه السلام وفيه أيضا عن بعضهم انه كان يقول اذا كمل العارف في مقام العرفان اورثه الله تعالى علما بلا واسطة وفي الفتوحات المكية في بيان أحوال الأقطاب وكل اصناف هذه العلوم عنده اي القطب علوم الهية ما أخذها إلا عن الله سبحانه بلا واسطة وفي مرصاد العباد اما التجلي العلمي فمثمر لظهور حقائق العلوم بلا واسطة انتهى ووقع في اقوال المشائخ في مواضع كثيرة ما يدل على أخذ العلم عن الله تعالى بلا واسطة فمن اراد الوقوف عليه فليراجع إلى كتبهم وما يدل على اخذ العلم عن الله تعالى بلا واسطة في مكتوب من المكتوبات للشيخ أحمد السرهندي رحمه الله يوافق هذه الاقوال وهو صرح بأنه لا يصل احد إلى هذا المقام إلا بعد متابعته للنبي عليه الصلاة والسلام كما مر PageV02P509 والله اعلم (الجواب الثاني والثالث والعشرون) لقولهم وقال في المكتوب السادس والتسعين من الجلد الثالث أن الولاية المحمدية وان كانت ناشية من مقام المحبوبية إلا انه ليس هناك محبوبية صرفة بل فيها نشأة من المحبية أيضا وهذا المزج وان لم يكن له بالاصالة لكنه يمنع من المحبوبية الصرفة وان الولاية الأحمدية ناشئة من صرف المحبوبية وليس فيها شائبة المحبية اصلا وهذه الولاية اسبق من الاولى وأقدم بمرحلة ولقولهم وقال في المكتوب الرابع والتسعين ان النبي صلى الله عليه وسلم اختفى في خلوة غيب الغيب ورد هذا الفرد المتوسط من أمته لحراسة الأمة ومحافظتها وليعلم أن محيط مركز الدائرة الثالثة يعني الحالصلة وان كان أصغر من محيط التعين الأول ولكنه اجمع منه واقرب إلى حضرة الذات وكلما كان أقرب إلى حضرة الذات كان أجمع كالانسان بالنسبة إلى العالم الأكبر فإنه وان صغر لكنه اجمع واشرف انتهى اعلم ان جواب القولين بمجموعهم هو ان النبي صلى الله عليه وسلم قال علماء أمتى كأنبياء بني اسرائيل ووجه الشبه فيه ان العلماء العاملين يرشدون أمته صلى الله عليه وسلم إلى السراط المستقيم ويهدونهم إلى سبيل معرفة الله تعالى العظيم كأنبياء بني اسرائيل فصح حراستهم الأمة وهذا الفرد منهم ومشهور عند الصوفية رضوان الله عليهم أجمعين أن قطب الوقت وهو الغوث يحرس أمته صلى الله عليه وسلم وكذلك الأوتاد والأبدال والنجباء والنقباء والنبي صلى الله عليه وسلم كان دائما مستغرقا في مشاهدة جمال ذاته تعالى في مقام قاب قوسين أو أدنى خصوصا بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الملأ الأعلى ويزيد شرفه يوما فيوما فأنه فوض حراسة أمته إلى فرد من أمته وما توجه إلى العالم السفلي بموجب ما زاغ البصر وما طغى فلا قبح فيه حتى يلزم الذم لقائل هذا القول وأما قولهم وقال في المكتوب الموفى مائة من الجلد الثالث اسمع ان هذه الدولة المحمدية الخاصة به وام لم يكن أحد يشركه فيها الا أن بعد تخليق بدنه وتكميله بقيت من طينته بقية إلى آخر ما تقدم مكرر وقد مر جوابه في السؤال السابع (الجواب الرابع والعشرون) لقولهم وقال في المكتوب الحادي عشر من الجلد الأول بعد أن ذكر مقاما قال مر عليه الخلفاء ثم قال وإليه طريقان إحداهما رؤية النقص حتى انه يرى كل من في العالم حتى الكافر الافرنجي والملحد والزنديق أفضل من نفسه ويرى نفسه أسوأ منهم انتهى اعلم أن كل المخلوقات من حيث هم مخلوق الله ومصنوعاته عاقبتهم مبهمة عسى أن يؤمن الكافر وعاقبته أيضا مبهمة عسى أن يكفر باعتبار وكل شيء خلقناه بقدر وهم من حيث كونهم مظهر صفات الجلال يراهم أفضل من نفسه وكلهم على صراط مستقيم بهذا الاعتبار كما قال بعض العرفاء في بيان قوله تعالى ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ان ربي على صراط مستقيم قال أبو مدين رحمه الله (شعر) لا تنكر الباطل في طوره ... فانه بعض ظهوراته واعلم ان الله تعالى اذا أراد العارف ان لا يحصل له العجب يظهر له الحكمة التي في خلق الكافر وغيره من المخلوقات ولا تجدها في نفسه فيفضله على نفسه بها فيصل به إلى الدرجة العليا مما يضيق عن الاحاطة بها نطاق البيان وينكشف له تسبيح كل شيء قال الله تعالى وان من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم فلا محذور فيه وقد ورد فلا تزكوا أنفسكم ولعل المعترض بحسب نفسه خيرا من كل شيء وهذا من ورثة الشيطان نعوذ بالله من ذلك (الجواب الخامس والعشرون) لقولهم ثم قال ليعلم ان الانبياء اذا وصلوا إلى حضرة الذات بتبعية نبي من الانبياء لا يكون ذلك النبي حائلا بينهم وبين الذات ولهم نصيب بالاصالة من PageV02P510 حضرة الذات غاية ما في الباب ان وصولهم إلى تلك الدرجة مربوط بتبعية ذلك النبي بخلاف الامم فأنهم اذا وصلوا بتوسل انبيائهم يكون الانبياء حائلين الأفراد من أفراد هذه الامة يعني نفسه فانه يأخذ بالاصالة من حضرة الذات وله نصيب منها والحيلولة بينه وبين الذات مفقودة والتبعية موجودة وقليل ما هم بل اقل انتهى اعلم ان هذا القول مكرر وجوابه مر في السؤال الثاني فليرجع إليه (الجواب السادس والسابع والثامن والتاسع والعشرون) لقولهم وقال في المكتوب السادس والتسعين من الجلد الثالث (أن لمحمد صلى الله عليه وسلم طوقى عبودية يعني حلقتي الميم وهما اشارتان إلى تعينيه الأول تعينه الجسدي وهو بشريته والثاني تعينه الروحي وهو ملكيته ولما فتر تعينه الجسدي بالموت قوى تعينه الروحي ولكن كان لتعينه الجسدي بقية فلما مضى ألف سنة زالت تلك البقية ولم يبق لتعينه الجسدي اثر فانقطع طوق عبودية جسده وطرأ عليه الزوال والفناء فقام ألف الألوهية مقامة فصار محمد أحمد وانتقلت الولاية المحمدية إلى الولاية الأحمدية انتهى ولقولهم وقال في المكتوب التاسع والمائتين من الجلد الأول ان نبوته صلى الله عليه وسلم تتعلق بالنشأة العنصرية باعتبار الحقيقة المحمدية بل باعتبار الحقيقتين المحمدية والأحمدية لكن غلبت نشأته العنصرية المحمدية على الملكية الأحمدية لتحصيل المناسبة بينه وبين الأمة فتتأتي الافادة والاستفادة ولهذا أمر بقوله إنما انا بشر مثلكم فأكد البشرية لمماثلتهم وبعد ارتحاله عن النشأة العنصرية غلب جانب الروحانية ونقص جانب البشرية ونقص نورانية الدعوة وغلب الظلمة ولما مضى من رحلته ألف سنة غلب جانب الروحانية وعدمت البشرية وانصبغت بصبغ عالم الأمر فبالضرورة رجع عالم خلقه إلى عالم الأمر واتحدت المحمدية بالأحمدية انتهى، ولقولهم وقال في موضع آخر أن الحقيقة المحمدية تبقى شاغرة حتى يأتي عيسى عليه السلام فيعرج إليها فينزلها فكأنه يقول انه حينئذ تغلب بشريته فتوجد المناسبة بينه وبين الامة فتتأتي الافادة والاستفادة حينئذ واما قبل ذلك فلا يصح الاشارة لغلبة روحانيته فوجب ان يكون ذلك الفرد هو بزعمه انتهى ولقولهم وقال في المكتوب التاسع والمأتين من الجلد الأول (ومن هنا يعني من أجل أن بعد مضي ألف سنة لا يبقى من التعين الجسد اثر نقلوا عن الشرائع المتقدمة ان بعد مضى الف سنة من رحلة كل واحد من أولي العزم من الرسل العظام يبعث رسول أخر انتهى اعلم ان أيضاح اجوبة هذه الاعتراضات الاربعة يظهر بأن تذكر اصطلاحات الشيخ أحمد رحمه الله أولا ليدفع شبهتهم وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم مركب من عالم الخلق وهو ما يقبل الخرق والتجزى والالتيام ومن عالم الأمر وهو ما لا يقبل الخرق والتجزي والالتيام ورب عالم خلقه صلى الله عليه وسلم العلم ورب عالم امره شأن العلم ومنشؤه فالحقيقة المحمدية ههنا عبارة عن حقيقته الامكانية العنصرية والحقيقة الأحمدية كناية عن حقيقته الامكانية الامرية النورية والنبي صلى الله عليه وسلم باعتبار عالم امره يربي عالم ملكوت السموات والارض وباعتبار عالم خلقه يرشد العالم العنصري لمناسبة عالم خلقه بالبشرية وبالعالم العنصري وبعد انتقاله صلى الله عليه وسلم من العالم العنصري إلى العالم الروحاني انتقصت هذه المناسبة بسبب انتقاص آثار النشأة العنصرية كالاكل والشرب والنوم والمرض وغير ذلك من الصفات الجسمانية العنصرية وبقى فيه من الصفات البشرية التوجه إلى العالم السفلي لإرشاد أمته وبعد مضي الزمان المديد زال هذا التوجه والالتفات إلى العالم العنصري أيضا وهو المراد عنده بفناء جسمه صلى الله عليه PageV02P511 وسلم (الهيكل المخصوص الجسدي كما فهمه المعترض من كلامه واستغرق في بحر مشاهدة جمال ذاته تعالى واراد الشيخ أحمد رحمه الله بالفناء ما أراده القاضي عياض رحمه الله في الشفاء في القسم الثالث فيما يجب للنبي صلى الله عليه وسلم أو يجوز عليه فظاهرهم وأجسادهم وبنيتهم متصفة بأوصاف البشر طرأ عليها ما يطرأ على البشر من الاعراض والاسقام والموت والفناء ونعوت الانسانية وأرواحهم وبواطنهم متصفة بأعلى من أوصاف البشر متعلقة بالملأ الأعلى انتهى والأولياء لا يتوجهون إلى نعمة الجنة من الأكل والشرب ومرادهم في الجنة رضاء الله ولقاؤه تعالى فكيف يلتفتون إلى النعمة الدنيوية الخسيسة وغلبت روحانيته صلى الله عليه وسلم على جسمانيته وقرب جسمانيته إلى الروحانية وهذا معنى عروج الحقيقة المحمدية ولحاقها بالحقيقة الأحمدية وخلو مكانها صلى الله عليه وسلم مع ان جسده الشريف باق على حاله لا يبلى منه شيء والمراد بعروج سيدنا عيسى عه م بعد نزوله إلى المقام المحمدي قيامه مقامه صلى الله عليه وسلم لإرشاد أمته وترويج شريعته وتبعيته له صلى الله عليه وسلم كما كان صلى الله عليه وسلم قبل عروج حقيقته يهدى الخلايق ويرشدهم وبعد ارتحاله صلى الله عليه وسلم إلى عالم القدس والرفيق الاعلى انتقص نورانية هدايته وإرشاده وظهرت الظلمة ولهذا قال بعض أصحابه صلى الله عليه وسلم ما فرغت من دفنه صلى الله عليه وسلم الا قد وجدت قلبي متفاوتا كما ورد في رواية الترمذي عن أنس رضي الله عنه وما نفضنا ايدينا عن التراب وانا لفي دفنه حتى انكرنا قلوبنا ويدل على هذا المراد من زوال جسد قوله في المكتوب التاسع ومائتين من الجلد الأول متى مضى ألف سنة غلب جانب روحانيته على بشريته صلى الله عليه وسلم يعني صفات جسده على نهج لون تمام جانب بشريته بلون نفس الروح وأنصبغ عالم خلقه بلون عالم امره انتهى وما قال زال عالم خلقه بالكلية وفني جسده وفي قول المعترضين ما يدل عليه أيضا وهو وانصبغت بصبغ عالم الامر وبعض كلامه يفسر بعضه فإن يلاحظ المنصف لا يعترض عليه البته وهو المراد بقول الشيخ أحمد رحمه الله وواحد من طوقى العبودية أنقطع وزال واشار بقوله وقام ألف الالوهية التي بمنزلة البقاء بالله مقام الطوق المنقطع إلى أن الحقيقة الأحمدية مظهر اسم الله المستجمع لجميع صفات الكمال ومرتبة هذا القرب من الله تعالى أفضل من التوجه إلى العالم السفلي العنصري فإذا عرفت هذا فاعلم أنه لا يصح قول المعترضين فينزلها فكأنه يقول أنه حينئذ الخ لأنه ما قال رحمه الله هذا ولا يفهم من كلامه فمن اين يفترونه لأن كلامه لا يدل على هذا المعنى ومعرب ألفاظه واذا نزل عيسى عه م وتابع شريعة خاتم الرسل عليه وعليهم الصلاة والسلام يعرج من مقامه إلى مقام الحقيقة المحمدية ويصل إليه بتبعيته للنبي صلى الله عليه وسلم انتهى ويقوى دينه صلى الله عليه وسلم اه? والمراد بزوال اثر التعين الجسدي بعد مضي ألف سنة وانكسار احد طوقى العبودية وهو عبارة عن الميم الأول من اسم محمد وإقامة ألف الالوهية مقامه والانخلاع من الجسد إلى الروح زوال هذا التوجه إلى العالم السفلي للإرشاد والتفاته صلى الله عليه وسلم إليه لا ابلاء الجسد كما مر بيانه فلا يرد اعتراض المعترضين عليه بأن جسده صلى الله عليه وسلم لا يفنى وهو يقول بفنائه غاية الامر أم هذه المسئلة كشفية ما وردت فيها الرواية ثم ذكر ألفاظه الفارسية ونحن تركناها للاستغناء عنها (الجواب) الثلاثون لقولهم (وقال في المكتوب الحادي عشر من الجلد الأول المقام الذي كنت رأيت نفسي فيه لما لاحظته رأيت الخلفاء PageV02P512 الثلاثة قد عبروا عليه إلى أن قال وفي أثناء ملاحظة ذلك المقام مرة ثانية رأيت مقامات أخرى بعضها فوق بعض ولما وصلت إلى مقام فوق المقام السابق علمت أنه مقام ذي النورين رضي الله تعالى عنه وقد مر عليه بقية الخلفاء وهذا المقام أيضا مقام التكميل والإرشاد وهكذا مقامات فوق ذلك سنذكرها وظهر لي فوق هذا المقام مقام آخر فلما وصلت إليه علمت أنه مقام الفاروق رضي الله عنه وقد مر عليه بقية الخلفاء وفوقه مقام آخر هو مقام الصديق الأكبر رضي الله عنه وقد مر عليه بقية الخلفاء وفوقه لا يعرف مقام إلا مقام الرسول صلى الله عليه وسلم وظهر لي في محاذاة مقام الصديق مقام آخر أعظم منه وأنوار لم يقع نظري على مثله قط وكان ارفع من مقام الصديق ارتفاع الصفة عن وجه الارض وعملت أنه مقام المحبوبين وذلك المقام ملون ومنقش ورأيت نفسي ملونا ومنقشا من انعكاس ذلك المكان في ووجدت نفسي لطيفا في لون الهواء أو قطعة غيم منتشرة في الآفاق ورأيت حضرة الشيخ الكبير يعني الخواجة النقشبند في مقام الصديق ورأيت نفسي في ذلك المقام المحاذى له المذكور انتهى، اعلم أن كلام الشيخ رحمه الله هذا لا محذور فيه ولا يلزم منه فوقيته على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن يقف على مصطلحاته لا يشتبه عليه مالا محذور فيه واعلم أن الوصول أما نظري أو قدمى فالنظرى ما يصل إليه السالك بالنظر كوصولنا إلى الشمس والقمر ونحن على وجه الارض والوصول القدمى ما يصل إليه من المطلوب بالقدم كما يصل أحد إلى الشمس في السماء الرابعة ببدنه أو روحه وهو قسمان أحدهما ملكي مسكني بالاصالة وهو عبارة عن وصوله إلى المرتبة التي هي مسكنه ومأواه وملكه والثاني غيره وهو عبارة عن وصوله إلى تلك المرتبة بالتبع والعارية ولا يكون ملكه ولا يقدر أن يسكنها إلا برضاء صاحب المرتبة أو بخدمته فإذا فهمت هذا فاعرف أن مراد الشيخ رحمه الله تعالى من الوصول إلى هذه المقامات بالتبع بطريق العارية أو الخدمة أو بالنظر فلا محذور فيه على انه رأى ذلك في واقعة في أثناء سلوكه ومع ذلك أجاب عنه في كثير من مكاتيبه (الجواب الحادي والثلاثون لقولهم) وقال في الفصل الثالث من الجلد الأول أن نهاية كمال ولاية أولياء الامة الخاصة الغوسية كمال ولاية أهل ولاية الانبياء في أولياء الامة الأمامه ونهاية كمال كمالات النبوة في غير النبي الخلافة وقد ظهر لي سر هذا المعنى ففي الحقيقة خلافة الشيخين رضي الله عنهما استقامت وكانت في غاية القوة والعدل لأن جانب كمالات النبوة فيهما كان أكمل وأغلب من جانب كمالات الولاية وشرعت الفتن في خلافة ذي النورين لكونه برزخا بين ولاية النبي ونبوته عليه الصلاة والسلام وكمل الخلل إلى الغاية في خلافة أمير المؤمنين على رضي الله عنه لغلبة جانب الولاية فيه كرم الله وجهه ولكنه لما كان صاحب مرتبة الامامة الحقيقية وحدها مستقلا بها لم يقتل في أمر الخلافة وقتل ذو النورين فيه لعدم اختصاصه بأحد المرتبتين وفي نظري أن ولاية على رضي الله عنه أول الشروع في الامامة المجردة انتهى اعلم أن ذلك ظهر له في كشفه رحمه الله وهو لا يخالف الشرع فما الذي وجده المعترضون فيه مما يلزم به القبح مع اني ما وجدت هذه العبارة التي أوردها في الجلد الأول (ليست هي فيه بل فيه بيان كيفيات ولايات الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين (الجواب) الثاني والثلاثون لقولهم (قال في المكتوب المائتين والستين من الجلد الأول) ليعلم أن منصب النبوة ختم بخاتم الرسل لكن من كمالات ذلك المنصب بطريق التبعية لاتباعه نصيب كامل وكانت هذه الكمالات في طبقة الصحابة اكثر و PageV02P513 في التابعين قليل ثم استترت وغلبت ولاية الكمالات الظلية لكن أرجو انه بعد ما مضت ألف سنة تتجدد تلك الدولة وتظهر الكمالات الاصلية وتستتر الظلية انتهى اعلم انه متى استترت الكمالات التي كانت ظاهرة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه والتابعين رضي الله تعالى عنهم اجمعين الذين هم أئمة خير القرون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم الحديث عادت البدعة والظلمة حتى مضى ألف سنة وبعد ذلك استفاد كثير من الناس من خدمة الشيخ رحمه الله واولاده واخذوا الطريقة والذكر منهم وتعلموا طريق السلوك حتى شاعت طريقتهم في البلدان والاكناف والاطراف وهو المراد بقوله لكن ارجو بعد ما مضت ألف سنة إلخ ونحن نتعجب على اعتراضات المعترضن من هذه الاقسام الواهية وعلى عقولهم الفاسدة وكيف يقبل الناس كلامهم ولا يزجرونهم وهذا آخر ما تصدينا بجوابه (ثم ذكر المؤلف هنا بعض كلماته الدالة على شدة تمسكه بالشريعة وغاية روعه ونهاية احتياطه ووصيته بذلك لاولاده واتباعه ونحن اسقطناه لأغناء الاصباح عن المصباح) وينبغي للمنصف المحقق أن يحمل كلام الأولياء الذي ظاهره لا يوافق الشرع على محمل حسن أو يسكت والاقوال التي صدرت عن الأولياء من هذا النمط كثيرة منها في كتاب تلبيس ابليس لابن الجوزي قول ابي طالب المكي ليس على الخلق اضر من الخالق وقول ابى يزيد البسطامي لي معراج كما كان للنبي صلى الله عليه وسلم وقوله سبحاني ما اعظم شانى حسبي من نفسي حسبي قيل لابى يزيد أن الخلق كلهم تحت لواء محمد صلى الله عليه وسلم فقال لوائي اعظم من لواء محمد لوائي من نور تحته الجن والانس مع النبيين وقوله اراد موسى ان يرى الله موسى ان يرى الله تعالى وانا ما اردت بل هو الذي اراد ان يراني سبحانى وقول ابى سعيد الخراز اكبر ذنبي إليه معرفتي اياه قال السراج وانكرت جماعة من العلماء على ابى سعيد أحمد بن عيسى الخراز بألفاظ وجدوها في كتاب صنفه وهو كتاب السر ومنها قوله عبد طائع وما اذن له ولزم التعظيم لله فقدس ربه روحه وقول ابى محمد موسى الفرغاني الواسطي من ذكر افترى ومن صبر اجترى اياك ان تلاحظ حبيبا أو كليما وأنت تجد إلى ملاحظة الحق سبيلا فقيل له افلا اصلى عليهم فقال صل عليهم بلا وقار ولا تجعل لها في قلبك من مقدار وقد ذكر ابو حامد الغزالي في كتابه الاحياء أن بعضهم قال للربوبية سر لو ظهر لبطل النبوة وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم وللعلماء بالله سر لو اظهروه لبطلت الاحكام قال ابن عقيل وقد حكى عن الشبلي انه قال ان محمدا صلى الله عليه وسلم ليشفع في امته وانا اشفع بعده في اهل النار حتى لا يبقى فيها أحد وذكر في النفحات ان الشيخ أحمد الغزالي رحمه الله يقول ان الشيخ ابا القاسم الكركاني كان لا يقول لإبليس أبليس بل اذا أراد أن يذكر اسمه قال انه خواجهء خواجكان سرور مهجوران وقال عين القضاء الهمداني سمعت من بركة قدس سره يقول سمعت فتحا قال قال ابليس ما في العالم احد اشقى مني قال هذا وبكى وقال جوانمرد آنجا كه ابليس ست ترا راه نيست واين دولت از كجا آوردى جبريل صفتي بايد كه ديدهء او در جمال ابليس نظر كند وكتب عين القضاء في المكتوب لكن من ههنا قال حسين بن منصور ما صحت الفتوة الا لأحمد وابليس واحسرتا اما تسمع انه قال ان الفتوة مسلمة لاثنين أحمد وابليس يا فتى هذان الاثنان متصفان بصفات الكمال وغيرهما ليس إلا اطفال الطريق وقال الشيخ عبد الكريم الجبلي في كتاب المناظرة الالهية في بيان الفرق بين الغافر والغفور ان PageV02P514 الغافر هو الذي يغفر الذنوب إلا الشرك والغفور هو الذي يغفر الشرك أيضا أن الله لا يغفر ان شرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء بيان حال الغافر وان الله يغفر الذنوب جميعا بيان حال الغفور وهذا القول ناظر بعدم خلود الكفار في النار إلخ وقول الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس سره قدمى هذه على رقبة كل ولى وقوله حكاية عن الله تعالى يا غوث انا كنون المكان ليس لي مكان سوى سرسر الانسان في القلب وهكذا صدرت كلمات كثيرة من الأولياء ناهيك هذا القدر فالتأويل لكلام البعض دون البعض خلاف الانصاف وقال الامام الشعراني قدس سره في كتاب العهود والمواثيق اذا بلغك عن القوم انه يتكلم بما يخالف الشريعة فاحمل الشريعة فاحمل كلامه على سبعين محملا فإذا لم تقنع بذلك نفسك فارجع عليها باللوم وقل لها يحتمل كلام اخيك سبعين محملا ولا تحملينه على محمل واحد فأنت مريضة انتهى، اخرج أبو داود عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث من أصل الايمان الكف عمن قال لا إله إلا الله لا تكفره بذنب ولا تخرجه من الاسلام بعمل والجهاد ماض واخرج البخاري عن ابى ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرمى رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر ألا ارتدت عليه أن لم يكن صاحبه كذلك واخرج الترمذي عن وائلة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تظهر الشماتة لاخيك فيرحمه الله ويبتليك وفي البحر في الفتاوى الصغرى الكفر شيء عظيم فلا اجعل المؤمن كافرا متى وجدت رواية انه لا يكفر انتهى، وفي الخلاصة وغيرهما اذا كان في المسئلة وجوه توجب الكرف ووجه واحد يمنع الكفر فعلى المفتي ان يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير تحسينا للظن بالمسلم انتهى وفي التتار خانية لا يكفر بالمحتمل لأن الكفر نهاية في الجناية فيستدعى نهاية في العقوبة ومع الاحتمال لا نهاية تحصل انتهى وفي الخلاصة انكار الكفر توبة وجحود الكفر اسلام وفيها أيضا لا يكون الكفر كفرا حتى يعتقده القائل انتهى قال العلماء رحمهم الله التزام الكفر كفر لا لزوم الكفر كذا في المواقف والفتاوى وهذه الروايات في حق من صدرت عنه كلمات الكفر صحوا وليست في حق من صدرت عنه حالة السكر لأنه يعفى فلا يجوز تكفيره وقد صرح الشيخ رحمه الله بسكره في المكتوب الثامن عشر ومائة من الجلد الثالث اللهم ارنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وارنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه اللهم انا نعوذ بك من شرور انفسنا ومن سيآت أعمالنا اللهم وفقنا لما تحب وترضى سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان لا إله إلا انت استغفرك اللهم واتوب إليك وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين قال مؤلف هذه الرسالة المباركة فرغت من تنسيخ هذه الرسالة المسماة بعطية الوهاب الفاصلة بين الخطأ والصواب ثاني ربيع الأول في سنة اربع وتسعين وألف وأفضل الصلاة والسلام على صاحب الشفاعة واللواء المعقود والكرم والجود تم. PageV02P515 اخطار قد مر في أوائل هامش الجلد الأول الرد منا والتشنيع على من ينكر وجود البشارة بوجود الامام ابى حنيفة رضي الله عنه في الحديث النبوي فتوهم البعض اني اردت بذلك بعض فضلاء هذا العصر الذي انتشر بعض تآليفه في الامصار وليس الامر كذلك فانى لم أوفق بعد لمطالعة تأليفاته بل عنيت بذلك بعض وهابية الهنود المتمردة المبغضة للامام خصوصا وسائر الائمة عموما خذلهم الله تعالى ولاجل دفع التهمة حررنا ذلك. (الحقير محمد مراد) PageV02P516 [الفهرست] فهرست الجلد الثانى من تعريب مكتوبات الامام الرباني قدس سره المكتوب الاول إلى الشيخ عبد العزيز الجونفورى 6 المكتوب الثاني إلى المير شمس الدين الخلخالى غى ان مرتبة ذات الحق الخ 15 المكتوب الثالث إلى المخدوم زاده معدن الحقائق في بيان ان معاملة الآفاق الخ 16 المكتوب الرابع إلى المير محمد نعمان في بيان ان علم اليقين وعين اليقين الخ 21 المكتوب الخامس إلى المير شمس الدين على الخلخالى في بيان ان لصفات الحق سبحانه 23 المكتوب السادس إلى المخدوم زاده جامع العلوم العقلية والنقلية الخ 24 المكتوب السابع إلى الفقير الحقير عبد الحى في بيان مراتب الخمس الخ 25 المكتوب الثامن إلى خان خانان في بيان الفرق بين إيمان اخص الخواص الخ 27 المكتوب التاسع إلى الملا عارف الختنى في بيان فضائل الكلمة الطيبة الخ 28 المكتوب 10 إلى اخيه الحقيقى ميان محمد مودود في بيان ان كل ظهور لا يكون 30 المكتوب 11 إلى المخدوم زاده معدن الحقائق والمعارف اللامتناهية الخ 32 المكتوب 12 إلى اخيه الحقيقى الميان غلام محمد في بيان ان الملك وان كان 37 المكتوب 13 إلى المرزا شمس الدين في جواب كتابه الخ 39 المكتوب 14 إلى مولانا أحمد البركى في جواب استفساره الخ 40 المكتوب 15 إلى سادات بلدة سامانه وقضاتها ومواليها الخ 41 المكتوب 16 إلى الشيخ بديع الدين السهارنفورى في جواب استفساراته الخ 44 المكتوب 17 إلى المرزا حسام الدين أحمد في بيان ان مصيبات هذا العالم 45 المكتوب 18 الشيخ جمال الدين الناكورى في بيان نصيب علماء الظاهر الخ 47 المكتوب 19 إلى المير محب الله في التحريض على اتباع السنة السنية 48 المكتوب 20 إلى مولانا محمد طاهر البدخشى في فضائل الصلاة والتحريض الخ 48 المكتوب 21 إلى الشيخ محمد صديق الملقب بالهداية في بيان ان المراد بالقلب الخ 49 المكتوب 22 إلى مولانا محمد صادق الكشميرى في بيان تشرف بلدة سرهند الخ 55 المكتوب 23 إلى المخدوم زاده في بيان ان عمدة الامر هى اتباع السنة السنية الخ 56 المكتوب 24 إلى الحاج محمد الفركتى في جواب كتابه 60 PageV02P517 المكتوب 25 إلى الخواجه شرف الدين خسين في بيان ان كل عمل يصدر على وفق الخ 61 المكتوب 26 إلى معدن العرفان المرزا حسام الدين أحمد في جواب كتابه الخ 61 المكتوب 27 إلى مولانا محمد طاهر البدخشى في جواب تشكيكات الشيخ الخ 62 المكتوب 28 إلى مولانا محمد صادق الكشميرى في جواب استفساراته 64 المكتوب 29 إلى معدن الفضيلة الشيخ عبد الحق الدهلوى في بيان ان افضل الامتعة الخ 65 المكتوب 30 إلى الخواجه محمد اشرف والحاج محمد الفكرتى في جواب سؤاليهما الخ 66 المكتوب 31 إلى الخواجه شرف الدين حسين في الوعظ والنصيحة الخ 66 المكتوب 32 إلى المرزا قليج الله في جواب عريضته التى كتبها في الشكاية من عدم الخ 67 المكتوب 33 إلى مولانا محمد صالح الكولابى في بيان ان المحبوب محبوب الخ 68 المكتوب 34 إلى نور محمد التنارى في جواب عريضته التى كتبها لبيان توارد الأحوال 69 المكتوب 35 إلى شيخ زاده الخواجه محمد عبد الله في جواب استفساراته الخ 71 المكتوب 36 إلى الخواجه محمد التقى في بيان بحث الامامة الخ 72 المكتوب 37 إلى الفقير الحقير عبد الحى في بيان فضائل الكلمة الطيبة الخ 92 المكتوب 38 إلى الحاج يوسف الكشميرى في بيان انه لا تعلق لباطن اهل الله بالدنيا الخ 94 المكتوب 39 إلى السيد عبد الباقى السارنكبورى في بيان اصحاب اليمين الخ 95 المكتوب 40 إلى مولانا بدر الدين في بيان ان خرق الحجب باعتبار الشهود لا باعتبار الخ 96 المكتوب 41 إلى الشيخ فريد التهانيسيرى في بيان ان في مراتب نهاية الخ 97 المكتوب 42 إلى الخواجه جمال الدين في بيان حصر الصوفية السير في الآفاقى والانفس الخ 97 المكتوب 43 إلى مولانا محمد افضل في بيان معنى قولهم ان ما هو الميسر للسالك الخ 107 المكتوب 44 إلى محمد صادق ولد الحاج محمد مؤمن في جواب استفساره الخ 110 المكتوب 45 إلى الخواجه حسام الدين أحمد في بيان ان العالم بتمامه مجالى الاسماء الخ 115 المكتوب 46 إلى الشيخ حميد البنكالى في فضائل الكلمة الطيبة الخ 118 المكتوب 47 إلى الخواجه محمد قاسم البدخشى في النصيحة والتنبيه 123 المكتوب 48 إلى الخواجه محمد طالب البدخشى في الترغيب في مقام الرضا 124 المكتوب 49 إلى الخواجه كدا في بيان ان نسيان السوى قدم اول في هذه الطريقة الخ 124 المكتوب 50 إلى المرزا شمس الدين في بيان ان للشريعة صورة وحقيقة الخ 125 PageV02P518 المكتوب 51 إلى الخواجه محمد صديق 129 المكتوب 52 إلى الخواجه محمد مهدى في الترغيب في طريقة هذه الطائفة العلية 130 المكتوب 53 إلى واحد من مشائخ النواحى في جواب استفساراته الخ 130 المكتوب 54 إلى السيد شاه محمد في بيان ان لمتابعة النبى صلى الله عليه وسلم الخ 131 المكتوب 55 إلى المخدوم زاده الخواجه محمد سعيد والمخدوم زاده الخواجه محمد معصوم الخ 135 المكتوب 56 إلى مولانا عبد القادر الانبالى في بيان ان معاملة العارف الخ 141 المكتوب 57 إلى الى الملا غازى النائب في بيان ان ذكر الحق الخ 142 المكتوب 58 إلى الخواجه محمد التقى في جواب استفساره عن عالم المثال الخ 144 المكتوب 59 إلى الخواجه محمد عبد الله ولد شيخه في بيان ان المعقول والموهوم الخ 149 المكتوب 60 إلى محمد تقى في بيان ان اللازم صرف العنان عن فضوليات الدين الخ 150 المكتوب 61 في تعزية اصحاب المرحوم مولانا أحمد البركى وفي نصيحتهم الخ 151 المكتوب 62 إلى خانخانان في بيان ان الانسان مدنى الطبع مجبول على التمدن الخ 153 المكتوب 63 إلى نور محمد الانبالى في جواب استفساره بانه اذا حضر الخ 154 المكتوب 64 إلى محمد مؤمن ولد المرحوم الخواجه عليجان في بيان انه ينبغى ان لا يضيق الصدر 155 المكتوب 65 إلى مولانا محمد هاشم الخادم في التحذير عن الاشتغال بامور لا طائل فيها 155 المكتوب 66 إلى خانخانان في بيان التوبة والانابة والورع والتقوى وما يناسب ذلك 156 المكتوب 67 إلى خانجهان في بيان عقائد اهل السنة والجماعة رضوان الله تعالى عليهم الخ 159 المكتوب 68 إلى الخواجه شرف الدين الحسين في بيان العمود النورانى الخ 169 المكتوب 69 إلى محمد مراد البدخشى في بيان تعديل اركان الصلاة الخ 172 المكتوب 70 إلى مولانا عبد الواحد في بيان الأسرار والحقائق الخ 175 المكتوب 71 إلى الى حضرة زاده جامع العلوم العقلية والنقلية 176 المكتوب 72 إلى المخدوم زاده الخواجه محمد معصوم في بيان ان معاملة بيت الله فوق الخ 177 المكتوب 73 إلى الى حضرة المخدوم زاده مجد الدين في بيان ظاهر الانسان الكامل الخ 178 المكتوب 74 إلى الخواجه هاشم في تأويل قوله تعالى فمنهم ظالم لنفسه الخ 180 المكتوب 75 إلى المرزا مظفر في بيان ان المحن والبليات كفارات لزلات الاحباب الخ 182 المكتوب 76 إلى مولانا فرخ حسن في بيان حقيقة العرش الخ 182 PageV02P519 المكتوب 77 إلى مولانا الحسن البركى عريضته التى اعترض فيها الخ 185 المكتوب 78 إلى داراب في بيان ان محبة هذه الطائفة العلية الخ 187 المكتوب 79 إلى الشيخ يوسف البركى في جواب رسالته الخ 188 المكتوب 80 إلى الى الشيخ حامد النهارى في جواب سؤاله الخ 189 المكتوب 81 إلى محمد مراد في النصائح الخ 189 المكتوب 82 إلى الخواجه ضرف الدين في التحذير عن الدنيا الدنية الخ 190 المكتوب 83 إلى المير ماه محمود في بيان ان محبة هذه الطائفة العلية بضاعة الخ 191 المكتوب 84 إلى الشيخ حميد البنكالى 192 المكتوب 85 إلى الشيخ نور محمد 192 المكتوب 86 إلى الشيخ طاهر البدخشى في جواب كتابه 193 المكتوب 87 إلى الفتح خان الافغانى في النصائح 193 المكتوب 88 إلى الملا بديع الدين في بيان الرضاء بالقضاء 194 المكتوب 89 إلى السيد مير محب الله في النصيحة 194 المكتوب 90 إلى المرزا عرب خان في تفويض شخص 195 المكتوب 91 إلى الى المخدوم زاده الخواجه محمد سعيد في بيان أسرار قاب قوسين او أدنى 195 المكتوب 92 إلى المير محمد نعمان في بيان ان الولاية عبارة عن قرب الهى الخ 196 المكتوب 93 إلى الخواجه هاشم البدخشى الكشمى في بيان ان لكل من لطائف الخ 200 المكتوب 94 إلى مولانا عبد القادر الانبالى في بيان حقيقة الفناء والبقاء الخ 201 المكتوب 95 إلى مقصود على التبريزى في جواب سؤاله عن الكفر الحقيقى 203 المكتوب 96 إلى الخواجه ابى الحسن بهاء البدخشى الكشمى في حل منع الفاروق الخ 205 المكتوب 97 إلى الخواجه محمد هاشم في جواب طلبه حل ما في المكتوب السادس 211 المكتوب 98 إلى المخدوم زاده الخواجه محمد سعيد والمخدوم زاده جامع الأسرار والعلوم الخ 212 المكتوب 99 إلى المير محمد نعمان في جواب اسئلته 215 PageV02P520 فهرست الجلد الثالث من تعريب مكتوبات الامام الرباني قدس سره المكتوب الاول إلى السيد المير محمد نعمان في جواب سؤاله عن اقربية افعال الواجب الخ 227 المكتوب الثاني إلى الخواجه محمد معصوم في المواعظ والانقطاع الخ 228 المكتوب الثالث إلى المير محمب الله المانكبورى في بيان معنى الكلمة الطيبة لا اله الا الله الخ 230 المكتوب الرابع إلى معدن السيادة والرشادة المير محمد نعمان في تأويل قوله تعالى الخ 233 المكتوب الخامس إلى محمد نعمان في بيان بعض الأحوال والاذواق الخاصة الخ 234 المكتوب السادس إلى الشيخ بديع الدين في بيان ان ايلام المحبوب الخ 234 المكتوب السابع إلى المير محب الله في التحريض على التمحل لايذاء الخلق الخ 235 المكتوب الثامن إلى مولانا محمد صديق في بيان اصالة الغيب وظلية الشهود الخ 235 المكتوب التاسع إلى محمد نعمان في بيان قوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه الآية 236 المكتوب 10 إلى السيد محمد نعمان في تفسير قوله تعالى واذا سئلك عبادى عنى الآية 237 المكتوب 11 إلى السيد المير شمس الدين على الخلخالى في بيان جامعية الانسان الذى هو مركب الخ 237 المكتوب 12 إلى السيد المير محمد نعمان في بيان فوائد التضرع والانكسار الخ 238 المكتوب 13 إلى المير محب الله المنكبورى في التحريض على كمال متابعة صاحب الشريعة الخ 239 المكتوب 14 إلى المير شمس الدين على في جواب سؤاله عن وجود واجب الوجود تعالى 240 المكتوب 15 إلى مير محمد نعمان في بيان ان لذة ايلام المحبوب الذ واجلى في نظر المحب الخ 240 المكتوب 16 إلى مولانا أحمد الديينى في بيان سر عدم اطلاع السالك على أحواله الخ 242 المكتوب 17 إلى امرأة صالحة في بيان العقائد الدينية والترغيب على العبادات الشرعية 243 المكتوب 18 إلى المير محمد نعمان في بيان عدم التعلق بما سوى الحق والترغيب في صحبة الخ 254 المكتوب 19 إلى السيد المير محمد نعمان في الصبر والرضاء بقضاءه تعالى 254 المكتوب 20 إلى الى مولانا امان الله في التحريض على علو الهمة وارجاع وصول جميع النعم الخ 255 المكتوب 21 إلى المير محمد نعمان في جواب اسئلته عن كونه تعالى مشارا اليه الخ 255 المكتوب 22 إلى الملا مقصود على التبريزى في بيان المراد من نجاسة المشركين خبثهم الخ 256 المكتوب 23 إلى الخواجه ابراهيم القباديانى في بيان ان الله تعالى اخبر بواسطة الانبياء الخ 258 PageV02P521 المكتوب 24 إلى الملا محمد مراد الكشمي في بيان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم 263 المكتوب 25 إلى الملا طاهر البدخشى في بيان النتائج وترقى المراتب التى تحصل من الذكر الخ 267 المكتوب 26 إلى السيد محمد نعمان في بيان ان الحق سبحانه كما هو موجود بذاته الخ 268 المكتوب 27 إلى الملا على الكشمي في بيان ان اللائق بالعبد ان يخرج عن مراداته الخ 271 المكتوب 28 إلى الملا صالح الترك في بيان كيفية التصدق عن ارواح الموتى 272 المكتوب 29 إلى المير محب الله في بيان حصول فهم بعض الكلمات القدسية الخ 274 المكتوب 30 إلى المير محمد نعمان في بيان العروج إلى مراتب الاصول ومراتب العبادات 275 المكتوب 31 إلى الملا بدر الدين في تحقيق عالم الارواح وعالم المثال وعالم الاجساد 276 المكتوب 32 إلى المقصود في بيان ان ما قيل ان كثر الخطرات من اسباب الوصل الخ 277 المكتوب 33 إلى الملا شمس الدين في تحقيق كلام الشيخ شرف الدين من ان السالك الخ 280 المكتوب 34 إلى والدة المير محمد امين في النصيحة 283 المكتوب 35 إلى الميرزا منوجهر في التعزية والنصيحة واغتنام الشباب 284 المكتوب 36 إلى جناب المير محمد نعمان في رفع شبهات منكرى عذاب القبر 284 المكتوب 37 إلى مولانا محمد طاهر البدخشى في بيان ان كلما يصدر عن الجميل المطلق الخ 285 المكتوب 38 إلى الملا ابراهيم في جواب سؤاله عن معنى حديث ستفترق امتى الحديث الخ 286 المكتوب 39 إلى الخواجه حسام الدين أحمد في جواب مشاورته لسفر الحج مع توابعه 287 المكتوب 40 إلى مولانا محمد صادق الكشميرى في بيان علم اليقين الحاصل للصوفية الخ 287 المكتوب 41 إلى واحدة من النساء الصالحات في النصائح الضرورية لطائفة النساء 288 المكتوب 42 إلى الخواجه محمد هاشم في بشارته 293 المكتوب 43 إلى الخواجه محمد سعيد والخواجه محمد معصوم في بيان مكالمته الواقعة الخ 294 المكتوب 44 إلى المير عبد الرحمن بن المير محمد نعمان في دفع شبهات المنكرين للرؤية الاخروية 294 المكتوب 45 إلى مولانا سلطان السرهندى في علو شان قلب المؤمن والمنع عن ايذائه نقل بالمعنى 297 المكتوب 46 إلى حضرة المخدوم زاده محمد سعيد في بيان العروج والنزول نقل بالمعنى 298 المكتوب 47 إلى سلطان الوقت مد ظله في أسرار الدعاء ومدح العلماء والصلحاء 299 المكتوب 48 إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمد سعيد في بيان سر اقربيته تعالى الخ 300 المكتوب 49 إلى جناب حضرة المير محمد نعمان في بيان ان العلم الحضورى للعارف بنفسه الخ 302 PageV02P522 المكتوب 50 إلى القاضى نصر الله في بيان الفرق بين استدلال العلماء الراسخين واستدلال الخ 303 المكتوب 51 إلى الملا شير محمد اللاهورى في بيان الفرق بين تصديق القلب ويقينه 304 المكتوب 52 إلى الفقير محمد هاشم الكشمي في بيان فناء القلب والنفس وزوال العلم الحصولى الخ 305 المكتوب 53 إلى حضرة المخدوم زاده محمد معصوم في بيان زوال العين والاثر وجودا وشهودا 306 المكتوب 54 إلى خانجهان في اتباع الشرع المبين ومحاربة اعداء الدين 308 المكتوب 55 إلى ميرزا خان افغان في ذم الرجوع من الفقر إلى الغنا 309 المكتوب 56 إلى محمد عبد الله وجمال الدين الحسين في التأسف على فوت الصحبة الماضية الخ 309 المكتوب 57 إلى مولانا حميد الأحمدى في بيان حدوث العالم ورد عبيد العقل الفعال 310 المكتوب 58 إلى الخواجه صلاح الدين الاحرارى في بيان ان خلق الممكنات ووجودها الخ 312 المكتوب 59 إلى الخواجه شرف الدين الحسين في ارجاع الحوادث اليومية إلى ارادة الله تعالى 314 المكتوب 60 إلى ولد شيخه الخواجه عبد الله في بيان عدمية ذات الانسان وبيان الخ 314 المكتوب 61 إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمد سعيد في بيان ان رؤية العارف لبعض الخ 316 المكتوب 62 إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمد معصوم في بيان انتفاء الفناء الوجودى الخ 316 المكتوب 63 إلى المير منصور في كشف سر الاحاطة والقرب والمعية الكائنة لله تعالى الخ 318 المكتوب 64 إلى حضرة الخواجه محمد سعيد وحضرة الخواجه محمد معصوم سلمهما الله الخ 319 المكتوب 65 إلى مولانا صفر أحمد الرومى في بيان ان كل صفة من صفات العارف وكل الخ 322 المكتوب 66 إلى محمد مقيم القصورى في جواب سؤاله عن معنى المجاز قنطرة الحقيقة 323 المكتوب 67 إلى المير منصور في بيان حقيقة الكائنات وبيان الفرق بين مكشوف حضرة الخ 324 المكتوب 68 إلى الفقير محمد هاشم الكشمى في تحقيق مرتبة الوهم التى ظهر العالم الخ 326 المكتوب 69 إلى القاضى موسى شوحين في الترغيب في التزام الشريعة وصحبة ارباب الجمعية 327 المكتوب 70 إلى مولانا اسحاق بين القاضى موسى في التحريض على صحبة ارباب الجمعية 328 المكتوب 71 إلى جناب المخدوم زاده محمد عبيد الله في بيان التمييز بين دقائق الخ 329 المكتوب 72 إلى جناب الخواجه حسام الدين أحمد في بيان ان تلوينات العسكر تمكين الخ 330 المكتوب 73 إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمد سعيد في أسرار صفة الحياة التى هى الخ 331 المكتوب 74 إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمد معصوم في شرح كلام صاحب الفصوص الخ 333 المكتوب 75 إلى هذا الحقير محمد هاشم الكشمي في بيان تجلى افعاله الخ 335 PageV02P523 المكتوب 76 إلى المخدوم زاده الخواجه محمد معصوم في بيان علو شأن العلم الخ 338 المكتوب 77 إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمد سعيد في أسرار حقيقة القرآن المجيد الخ 340 المكتوب 78 إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمد سعيد والخواجه محمد معصوم في اظهار الخ 343 المكتوب 79 إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمد معصوم في أسرار ذات العارف الخ 343 المكتوب 80 إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمد معصوم سلمه الله في بيان استنادا الاشياء الخ 348 المكتوب 81 إلى الخواجه جمال الدين الحسين في تعبير واقعته 351 المكتوب 82 إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمد سعيد والخواجه محمد معصوم في اظهار الخ 352 المكتوب 83 إلى حضرات الخواجه محمد سعيد والخواجه محمد معصوم سلمهما الله الخ 352 المكتوب 84 إلى الحافظ عبد الغفور في بيان آداب هذه الطريقة العلية 353 المكتوب 85 إلى حضرة المخدوم الخواجه محمد معصوم في التحريض على حفظ الاوقات 354 المكتوب 86 إلى الدرويش حبيب الخادم في بيان سر كثرة ظهور الخوارق وقلته 354 المكتوب 87 إلى مولانا صالح الكولابى في بيان أسرار مرادية حضرة شيخنا ومريديته الخ 356 المكتوب 88 إلى حضرة المخدوم زاده العالى المرتبة الخواجه محمد سعيد سلمه الله تعالى الخ 357 المكتوب 89 إلى القاضى اسماعيل الفريد آبادى في شرح كلام الشيخ روز بهان البفلى الخ 362 المكتوب 90 إلى الفقير هاشم الكشمى في جواب سؤاله عن حقيقة مشاهدة العرفاء الخ 366 المكتوب 91 إلى مولانا طاهر البدخشى في جواب سؤاله عن الفرق بين المعرفة والايمان الحقيقى الخ 367 المكتوب 92 إلى الفقير هاشم الكشمى في جواب سؤاله عن سماع الصوفية الخ 370 المكتوب 93 إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمد سعيد في تحقيق التعين الاول الخ 371 المكتوب 94 إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمد معصوم سلمه الله في بيان دقائق الكمال الخ 373 المكتوب 95 إلى مولانا صالح الكولابى في بيان الأسرار المخصوصة الخ 377 المكتوب 96 إلى الفقير هاشم الكشمى في الأسرار المتعلقة باسميه صلى الله عليه وسلم 379 المكتوب 97 إلى الصوفى قربان الجديد في سر كون العالم موهوما 380 المكتوب 98 إلى الحاج عبد اللطيف الخوارزمى في بيان ضرر الالتذاذ من الحسن الصورى 381 المكتوب 99 إلى جناب السيد المير مؤمن البلخى في اظهار شكر النعم الظاهرية الخ 382 المكتوب 100 إلى الشيخ نور الحق في كشف سر محبة يعقوب ليوسف عليهما السلام الخ 383 المكتوب 101 إلى الشيخ عبد الله في المنع من تفسير آيات القرآن وتأويلها الخ 397 PageV02P524 المكتوب 102 إلى جناب المير محمد نعمان في الترغيب في المجاهدات والانزواء الخ 397 المكتوب 103 إلى الشيخ حميد الأحمدى في الترهيب عن قصور الأحوال والترغيب الخ 398 المكتوب 104 إلى الحضرات ذوى البركات الخ 399 المكتوب 105 إلى الشيخ حسن البركى في جواب كتابه الذى كتبه لبيان أحواله الخ 400 المكتوب 106 إلى حضرات المخاديم سلمهم الله سبحانه في بيان واقعته التى رأى فيه النبى الخ 401 المكتوب 107 إلى الخواجه محمد اشرف في بيان سبب وقوع الفتور في نسبة الرابطة الخ 402 المكتوب 108 إلى الملا طاهر الخادم في بيان المعاملات المتعلقة باصل الاصل الخ 402 المكتوب 109 إلى حضرة المخدوم زاده محمد معصوم سلمه الله سبحانه في بيان ان ايجاد الخ 403 المكتوب 110 إلى المخدوم زاده محمد معصوم أيضا سلمه الله في بيان ان معاملة العارف تبلغ الخ 405 المكتوب 111 إلى الشيخ نور محمد التهارى في بيان بعض الأسرار المتعلقة بمقام قاب قوسين الخ 406 المكتوب 112 إلى القاضى اسلم في بيان ان صفاته تعالى لا عين ذاته سبحانه ولا غير ذاته 407 المكتوب 113 إلى الملا سلطان السرهندى في بيان ان صفاته تعالى متصفة بالحياة الخ 408 المكتوب 114 إلى محمد هاشم الكشمى في تحقيق صفات الواجب تعالى الخ 409 المكتوب 115 إلى الخواجه ابى المكارم في التحريض على خدمة الخلق الله تعالى 414 المكتوب 116 إلى مولانا الشيخ غلام محمد في بيان معنى قوله تعالى ان في ذلك لذكرى الآية الخ 415 المكتوب 117 إلى مولانا عبد القادر الانبالى 417 المكتوب 118 إلى الشيخ مودود محمد 421 المكتوب 119 إلى المير منصور في بيان اختيار العزلة 422 المكتوب 120 إلى المرزا حسام الدين أحمد في حل عبارات مكتوب متضمن للأسرار 422 المكتوب 121 إلى مولانا حسن الدهلى 429 المكتوب 122 إلى نور محمد التهارى في بيان الطريق الموصل إلى جناب قدس الحق تعالى اثنان 440 تمت باذن الله تعالى