######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000041 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: 510هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 510 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: 8 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000041 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-41 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/41 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش #META# 041.EdNUMBER :: الرابعة، 1417 هـ - 1997 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار طيبة للنشر والتوزيع #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | # بسم الله الرحمن الرحيم # [رب يسر وأعن] (1) # [قال الشيخ الإمام الأجل السيد محيي السنة، ناصر الحديث، ركن الدين، أبو ~~محمد الحسين ابن مسعود الفراء رحمه الله] (2) . # الحمد لله ذي العظمة والكبرياء، والعزة والبقاء، والرفعة والعلاء، والمجد ~~والثناء تعالى عن الأنداد والشركاء، وتقدس عن الأمثال والنظراء، والصلاة ~~على نبيه وصفيه محمد خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء، عدد ذرات الثرى، ونجوم ~~السماء، والحمد لله الملك السلام، المؤمن المهيمن العلام، شارع الأحكام، ذي ~~الجلال والإكرام الذي أكرمنا بدين الإسلام ومن علينا بنبينا محمد عليه ~~التحية والسلام، وأنعم علينا بكتابه المفرق بين الحلال والحرام، والصلاة ~~[والسلام] (3) على حبيبه، وخيرته من خلقه محمد سيد الأنام، عدد ساعات ~~الليالي والأيام، وعلى آله وأصحابه نجوم الظلام، وعلى جميع الأنبياء ~~والملائكة البررة الكرام. # أما بعد: # فإن الله جل ذكره أرسل رسوله بالهدى ودين الحق رحمة للعالمين، وبشيرا ~~للمؤمنين، ونذيرا للمخالفين، أكمل به بنيان النبوة، وختم به ديوان الرسالة، ~~وأتم به مكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال، وأنزل عليه بفضله نورا هدى به من ~~الضلالة، وأنقذ به من الجهالة، وحكم بالفلاح لمن تبعه، وبالخسارة لمن أعرض ~~عنه بعد ما سمعه أعجز الخليقة عن معارضته وعن الإتيان بسورة من مثله في ~~مقابلته، وسهل على الخلق مع إعجازه تلاوته، ويسر على الألسن قراءته، أمر ~~فيه وزجر، وبشر وأنذر وذكر المواعظ ليتذكر، وقص عن أحوال الماضين ليعتبر، ~~وضرب فيه الأمثال ليتدبر، ودل على آيات التوحيد ليتفكر، ولا حصول لهذه ~~المقاصد فيه إلا بدراية تفسيره وأعلامه، ومعرفة أسباب نزوله وأحكامه، ~~والوقوف على ناسخه ومنسوخه، وخاصه وعامه، ثم هو كلام معجز وبحر عميق، لا ~~نهاية لأسرار علومه، ولا درك لحقائق معانيه، وقد ألف أئمة السلف في أنواع ~~علومه كتبا، كل على قدر فهمه، ومبلغ علمه، (نظرا للخلف) (4) فشكر الله ~~تعالى سعيهم ورحم كافتهم. PageV01P033 # فسألني جماعة من أصحابي المخلصين، وعلى اقتباس العلم مقبلين: كتابا في ~~معالم التنزيل وتفسيره، فأجبتهم إليه، معتمدا على فضل الله تعالى وتيسيره، ~~ممتثلا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فيما يرويه أبو ms0001 سعيد الخدري ~~رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: " إن رجالا يأتونكم من أقطار ~~الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا " (1) # واقتداء بالماضين من السلف في تدوين العلم إبقاء على الخلف، وليس على ما ~~فعلوه مزيد ولكن لا بد في كل زمان من تجديد ما طال به العهد، وقصر للطالبين ~~فيه الجد والجهد تنبيها للمتوقفين وتحريضا للمتثبطين. # فجمعت- بعون الله تعالى وحسن توفيقه- فيما سألوا كتابا وسطا بين الطويل ~~الممل،1/ب والقصير المخل، أرجو أن يكون مفيدا لمن أقبل على تحصيله مريدا. # وما نقلت فيه من التفسير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حبر هذه ~~الأمة، ومن بعده من التابعين، وأئمة السلف، مثل: مجاهد، وعكرمة، وعطاء بن ~~أبي رباح، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، ومحمد بن كعب القرظي، وزيد ~~بن أسلم، والكلبي، والضحاك، ومقاتل بن حيان، ومقاتل بن سليمان، والسدي، ~~وغيرهم فأكثرها مما أخبرنا به الشيخ أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي ~~الخوارزمي، فيما قرأته عليه عن الأستاذ أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي عن شيوخه رحمهم الله. # * أما تفسير عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ترجمان القرآن الذي قال فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم علمه الكتاب " (2) وقال: " اللهم فقهه ~~في الدين " (3) قال أبو إسحاق: أخبرنا أبو محمد ابن عبد الله بن حامد أنا ~~أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي ثنا عثمان بن سعيد الدارمي ثنا ~~عبد الله بن صالح أن معاوية بن صالح حدثه عن علي بن أبي طلحة الوالبي عن ~~عبد الله بن عباس. وقال: أنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب ثنا عبد ~~الله بن محمد الثقفي أنا أبو جعفر محمد بن نصرويه المازني أنا محمد بن سعيد ~~بن محمد بن الحسن بن عطيه بن سعد العوفي قال حدثني عمي الحسين بن ~~PageV01P034 # الحسن بن عطيه حدثني أبي عن جدي عطيه عن ابن عباس. وقال الثعلبي ثنا أبو ~~القاسم الحسن بن محمد بن الحسن النيسابوري أنا أحمد بن ms0002 محمد إبراهيم ~~الصريمي المروزي أنا أبو العباس أحمد بن الخضر الصيرفي، أنا أبو داود ~~سليمان بن معبد السنجي (1) أنا علي بن الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن ~~عكرمة عن ابن عباس. # * وأما تفسير مجاهد بن جبر المكي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد ~~الأصفهاني قال أنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بطة (2) ثنا عبد الله بن ~~محمد بن زكريا ثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي (3) ثنا مسلم بن خالد ~~الزنجي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. # * وأما تفسير عطاء بن أبي رباح قال: ثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حسن ~~النيسابوري ثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن ياسين بن الجراح الطبري أنا أبو ~~محمد بن بكر بن سهل الدمياطي ثنا عبد الغني ابن سعيد الثقفي عن أبي محمد ~~موسى بن عبد الرحمن الصنعاني عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح. # *وأما تفسير الحسن البصري قال: حدثني أبو القاسم الحسن بن محمد بن عبد ~~الله بن المكتب حدثني أبو الحسن محمد بن أحمد بن الصلت المعروف بابن شنبوذ ~~المقرئ 2/أثنا سعيد بن محمد ثنا المستهل بن واصل عن أبي صالح عن عمرو بن ~~عبيد عن الحسن بن أبي الحسن البصري. # * وأما تفسير قتادة قال: أنا أبو محمد عبد الله بن حامد الأصفهاني (4) ~~أنا أبو علي حامد بن محمد بن الهروي ثنا أبو يعقوب إسحاق بن الحسن بن ميمون ~~الحربي ثنا أبو أحمد الحسين بن محمد المروزي ثنا شيبان بن عبد الرحمن ~~النحوي عن قتادة وقال ثنا أبو القاسم الحبيبي (5) أنا أبو زكريا العنبري ~~ثنا جعفر ابن محمد بن سوار أنا محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن ~~قتادة بن دعامة السدوسي. * # وأما تفسير أبي العالية واسمه رفيع بن مهران قال: ثنا أبو القاسم الحسن ~~بن محمد بن الحسن المفسر أنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن منصور العمركي بسرخس ~~(6) ثنا أبو الحسن أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن [يزيد] (7) [البصري] (8) ~~أنا ms0003 أبو علي الحسن بن موسى الأزدي عن عمار بن الحسن بن بشير الهمذاني ~~PageV01P035 # عن عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ~~الرياحي. # * وأما تفسير القرظي: قال: ثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب ثنا أبو ~~العباس محمد بن الحسن الهروي ثنا رجاء بن عبد الله أنا مالك بن سليمان ~~الهروي عن أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي. # * وأما تفسير زيد بن أسلم قال: أنا الحسن بن محمد بن الحسن قال كتب إلي ~~أحمد بن كامل ابن خلف أن محمد بن جرير الطبري حدثهم قال: ثنا يونس بن عبد ~~الأعلى الصدفي أنا عبد الله بن وهب أخبرني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن ~~أبيه. # * وأما تفسير الكلبي: فقد قرأت بمرو على الشيخ أبي عبد الله محمد بن ~~الحسن المروزي في شهر رمضان سنة أربع وستين وأربعمائة قال: أنا أبو مسعود ~~محمد بن أحمد بن محمد بن يونس الخطيب الكشميهني في محرم سنة خمسين ~~وأربعمائة قال أنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد بن معروف ~~[الهرمزفرهي] (1) ثنا محمد بن علي الأنصاري المفسر ثنا علي بن إسحاق وصالح ~~بن محمد السمرقندي قالا: ثنا محمد بن مروان السدي عن محمد بن السائب الكلبي ~~عن أبي صالح (2) أنا باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس. # * وأما تفسير الضحاك بن مزاحم الهذلي (3) قال: أنا الأستاذ إسحاق الثعلبي ~~ثنا أبو القاسم الحسن بن محمد السدوسي ثنا أبو عمر أحمد بن محمد العمركي ~~بسرخس ثنا جعفر بن محمد بن سوار ثنا أحمد بن محمد بن جميل المروزي ثنا أبو ~~معاذ عن عبيد الله (4) بن سليمان الباهلي عن الضحاك. # * وأما تفسير مقاتل بن حيان قال: أنا عبد الله بن حامد الوزاني ثنا أحمد ~~بن محمد بن عبدوس ثنا إسماعيل بن قتيبة ثنا أبو خالد يزيد بن صالح الفراء ~~النيسابوري حدثنا [بكير بن معروف البلخي الأسدي] (5) أبو معاذ 2/ب عن مقاتل ~~بن حيان. # * وأما تفسير مقاتل بن سليمان قال: ms0004 أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد ~~المهرجاني أنا أبو محمد عبد الخالق بن الحسين بن محمد السقطي المعروف بابن ~~أبي رؤبة ثنا عبد الله بن ثابت بن يعقوب المقري أبو محمد قال: حدثني أبي ~~حدثني الهذيل بن حبيب أبو صالح [الدنداني] (6) عن مقاتل بن سليمان. ~~PageV01P036 # * وأما تفسير السدي قال: ثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن أنا أبو ~~الطيب محمد بن عبد الله ابن مبارك الشعيري ثنا أحمد بن محمد بن نصر اللباد ~~ثنا عمرو بن طلحة القناد عن +أسباط عن إسماعيل السدي. وما نقلته عن المبتدأ ~~لوهب بن منبه وعن المغازي لمحمد بن إسحاق أبو شعيب فأخبرنيه أبو سعيد ~~الشريحي قال: أنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي قال: أنبأني أبو نعيم ~~عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق بن الأزهري أنا أبو الحسن محمد بن ~~أحمد بن البراء العبدي قال: قرأت على أبي عبد الله عبد المنعم بن إدريس عن ~~أبيه عن وهب بن منبه. وأنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو ~~عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ أنا أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف ~~المعقلي ثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي أنا يونس بن بكير عن محمد بن ~~إسحاق بن يسار المدني وأنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو ~~محمد عبد الله بن محمد بن أحمد بن عقيل الأنصاري أنا أبو الحسن علي بن ~~الفضل الخزاعي أنا أبو شعيب بن عبد الله بن الحسين الحراني أنا النفيلي أنا ~~محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق. # فهذه أسانيد أكثر ما نقلته عن هؤلاء الأئمة وهي مسموعة من طرق سواها تركت ~~ذكرها حذرا من الإطالة وربما حكيت عنهم وعن غيرهم من الصحابة أو التابعين ~~قولا سمعته بغير هذه الأسانيد بل أذكر أسانيد بعضها في موضعه من الكتاب إن ~~شاء الله تعالى. # ثم إن الناس كما أنهم متعبدون باتباع أحكام القرآن وحفظ حدوده فهم ~~متعبدون بتلاوته، وحفظ حروفه على سنن ms0005 خط المصحف الإمام الذي اتفقت عليه ~~الصحابة، وأن لا يجاوزوا فيما يوافق الخط عما قرأ به القراء المعروفون ~~الذين خلفوا الصحابة والتابعين، واتفقت الأئمة على اختيارهم. # وقد ذكرت في الكتاب قراءات من اشتهر منهم بالقراءة، واختياراتهم على ما ~~قرأته على الإمام أبي نصر محمد بن أحمد بن علي المروزي رحمه الله تلاوة ~~ورواية قال: قرأت على أبي القاسم طاهر بن علي الصيرفي قال: قرأت على أبي ~~بكر أحمد بن الحسين بن مهران بإسناده المذكور في كتابه المعروف بكتاب ~~الغاية (1) وهم: أبو جعفر يزيد بن القعقاع، وأبو عبد الرحمن نافع بن عبد ~~الرحمن المدنيان، وأبو معبد عبد الله بن كثير الداري المكي، وأبو عمران عبد ~~الله بن عامر الشامي، وأبو عمرو زبان بن العلاء المازني، وأبو محمد يعقوب ~~بن إسحاق الحضرمي البصريان، وأبو بكر عاصم بن أبي النجود الأسدي، وأبو ~~عمارة حمزة بن حبيب الزيات، وأبو الحسن علي بن حمزة الكسائي الكوفيون فأما ~~أبو جعفر فإنه أخذ القراءة عن عبد الله بن عباس وأبي هريرة وغيرهما وهم ~~قرأوا على أبي بن كعب، وأما نافع فإنه قرأ على أبي جعفر القارئ وعبد الرحمن ~~بن هرمز الأعرج وشيبة بن نصاح وغيرهم من التابعين الذين قرأوا PageV01P037 # على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال الأعرج قرأت على أبي هريرة، ~~وقرأ أبو هريرة على أبي بن كعب. # وأما عبد الله بن كثير فإنه قرأ على مجاهد بن جبر وقرأ مجاهد على ابن ~~عباس، وقرأ ابن عباس على أبي ابن كعب، وقرأ أبي بن كعب على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # [وأما أبو عمرو فإنه قرأ على مجاهد وسعيد بن جبير، وهما قرآ على ابن عباس ~~وقرأ ابن عباس على أبي ابن كعب وقرأ أبي بن كعب على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم] (1) وأما عبد الله بن عامر فإنه قرأ على المغيرة بن شهاب ~~المخزومي، وقرأ المغيرة على عثمان بن عفان. # وأما عاصم فإنه قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي وقرأ أبو عبد الرحمن ms0006 على ~~علي بن أبي طالب قال عاصم: وكنت أرجع من عند أبي عبد الرحمن فأقرأ على زر ~~بن حبيش، وكان زر قد قرأ على عبد الله بن مسعود. # وأما حمزة فإنه قرأ على عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسليمان الأعمش، وحمران ~~بن أعين وغيرهم. وقرأ عبد الرحمن بن أبي ليلى على جماعة من أصحاب علي، وقرأ ~~الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى على جماعة من أصحاب عبد الله، وقرأ ~~حمران على أبي الأسود الدؤلي وفرأ أبو الأسود الدؤلي على عثمان وعلي. # وأما الكسائي فإنه قرأ على حمزة، وأما يعقوب فإنه قرأ على أبي المنذر ~~سلام بن سليمان الخراساني، وقرأ سلام على عاصم. # فذكرت قراءات هؤلاء للاتفاق على جواز القراءة بها، وما ذكرت من أحاديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء الكتاب على وفاق آية، أو بيان حكم ~~فإن الكتاب يطلب بيانه من السنة، وعليهما مدار الشرع وأمور الدين - فهي من ~~الكتب المسموعة للحفاظ وأئمة الحديث، وأعرضت عن ذكر المناكير، وما لا يليق ~~بحال التفسير، فأرجو أن يكون مباركا على من أراده وبالله التوفيق. ~~PageV01P038 ### | (فصل في فضائل القرآن وتعليمه) # أنا عبد الواحد المليحي، أنا [أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح] (1) أنا ~~أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ثنا علي بن الجعد أنا ~~شعبة عن علقمة بن مرثد قال: سمعت سعد بن PageV01P038 # (عبيدة) (1) يحدث عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان قال شعبة: قلت: عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم قال: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " ~~هذا حديث صحيح أخرجه البخاري عن الحجاج بن منهال عن شعبة (2) . # أنا أبو بكر بن محمد بن عبد الصمد الترابي 3/أأنا أبو محمد عبد الله بن ~~أحمد بن حمويه السرخسي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن خزيم الشاشي، أنا أبو محمد ~~عبد الله بن حميد الشاشي ثنا حسين بن علي الجعفي قال: سمعت حمزة الزيات عن ~~أبي المختار الطائي عن ابن أخي الحارث الأعور عن الحارث الأعور ms0007 قال: " مررت ~~في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على علي رضي الله عنه فقلت: ~~يا أمير المؤمنين ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: أو قد ~~فعلوها؟ قلت: نعم قال: أما إني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"ألا إنها ستكون فتنة قلت فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله ~~فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه ~~من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين، ~~وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا ~~تلتبس به الألسنة ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي ~~عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ~~يهدي إلى الرشد فآمنا به، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ~~ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" خذها إليك يا أعور (3) . قال أبو عيسى: ~~هذا (الحديث) لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده مجهول، والحارث فيه مقال. # أنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ~~السمعاني أنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الزياتي ثنا حميد بن ~~زنجويه ثنا إسحاق بن عيسى قال: سمعت ابن لهيعة يقول: ثنا مشرح بن (هاعان) ~~(4) قال: سمعت عقبة بن عامر يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P039 # يقول: " لو كان هذا القرآن في إهاب ما مسته النار " (1) قيل معناه من حمل ~~القرآن وقرأه لم تمسه النار يوم القيامة. # أنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الزياتي ثنا ~~حميد بن زنجويه ثنا جعفر ابن عون أنا إبراهيم بن مسلم عن أبي الأحوص عن عبد ~~الله بن مسعود قال: " [إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما ~~استطعتم إن] (2) هذا القرآن حبل الله والنور المبين ms0008 والشفاء النافع وعصمة ~~لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه لا يزيغ فيستعتب ولا يعوج فيقوم ولا تنقضي ~~عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد فاتلوه فإن الله عز وجل يأجركم على تلاوته ~~بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول الم حرف ولكن الألف حرف واللام حرف ~~والميم حرف" (3) ورواه بعضهم عن ابن مسعود مرفوعا. # أنا أبو جعفر أحمد بن أبي أحمد بن متويه أنا الشريف أبو القاسم علي بن ~~محمد بن علي الحسيني الحراني فيما كتب إلي أنا أبو بكر محمد بن الحسين بن ~~عبد الله الآجري ثنا أبو الفضل جعفر بن محمد ابن الصندلي ثنا الحسن بن محمد ~~الزعفراني ثنا علي بن عاصم عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بمعناه. # أنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف ~~بن محمد بن بامويه الأصبهاني أنا أبو محمد عبد الرحمن بن يحيى القاضي ~~الزهري بمكة أنا محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ أنا سليمان بن داود ~~الهاشمي ثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب الزهري عن عامر بن واثلة أبي ~~الطفيل " أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعسفان- ~~وكان عمر استعمله على مكة - فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: ~~استخلفت عليهم ابن أبزى قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا قال عمر: ~~فاستخلفت عليهم مولى؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه رجل قارئ للقرآن عالم ~~بالفوائض قاض فقال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ~~تعالى يرفع بالقرآن PageV01P040 # أقواما ويضع به آخرين" صحيح أخرجه مسلم عن زهير بن حرب (1) . # أنا أبو بكر بن محمد عبد الصمد الترابي المعروف بابن أبي الهيثم أنا ~~الحاكم أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي سنة أربع وثمانين وثلاثمائة أنا ~~أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أنا جرير يعني ~~ابن عبد ms0009 الحميد عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء ~~من القرآن كالبيت الخرب " (2) قال أبو عيسى هذا حديث صحيح. # أنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الزياتي ثنا ~~حميد بن زنجويه أنا أبو أيوب الدمشقي ثنا سعدان بن يحيى ثنا عبد الله بن ~~أبي حميد عن أبي الحكم المليح الهذلي عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: " أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان ~~الإنجيل المئين، وأعطيت مكان الزبور المثاني، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم ~~البقرة من تحت العرش لم يعطها نبي قبلي، وأعطاني ربي المفصل نافلة " (3) ~~غريب. PageV01P041 ### | (فصل في فضائل تلاوة القرآن) # أنا عبد الواحد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم عبد ~~الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ثنا علي بن الجعد أنا شعبة عن قتادة عن ~~زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " مثل الماهر بالقرآن مثل السفرة الكرام البررة، ومثل الذي ~~يقرؤه وهو عليه شاق له أجران " (1) صحيح. وقال هشام الدستوائي عن قتادة ~~بهذا الإسناد: " الذي يقرأ القرآن PageV01P041 # وهو ماهر مع السفرة الكرام البررة " # أنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو عمر بكر بن محمد المزني ~~حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله حفيد العباس بن حمزة ثنا أبو علي الحسين بن ~~الفضل البجلي ثنا عفان ثنا أبان بن يزيد ثنا قتادة عن أنس عن أبي موسى ~~الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " مثل المؤمن ~~الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا ~~يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ ~~القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب ولا طعم لها، ومثل الفاجر الذي لا ms0010 يقرأ ~~القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها " (1) صحيح أخرجه البخاري عن ~~قتيبة عن أبي عوانة عن قتادة. # أنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني ثنا أبو جعفر الزياتي ثنا ~~حميد بن زنجويه ثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن عاصم، يعني ابن بهدلة، عن زر عن ~~عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقال ~~لصاحب القرآن اقرأ: وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر ~~آية تقرؤها " (2) قال أبو عيسى هذا حديث صحيح حسن. # أنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الزياتي ثنا ~~حميد بن زنجويه، ثنا النضر بن شميل ثنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير ~~عن أبي سلام عن أبي أمامة أنه حدثه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: " اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شافعا لأصحابه اقرؤوا ~~الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو ~~غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما اقرءوا البقرة فإن أخذها ~~بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة " (3) صحيح. # أنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر ~~الزياتي ثنا حميد بن زنجويه ثنا أبو نعيم ثنا بشير بن مهاجر الغنوي 3/ب ثنا ~~عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسمعته يقول: " اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا ~~يستطيعها البطلة، ثم سكت PageV01P042 # ساعة ثم قال: تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان، وإنهما ~~تظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان أو فرقان من طير ~~صواف، وإن القرآن يأتي صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب ~~فيقول له: هل تعرفني فيقول: ما أعرفك فيقول: أنا صاحبك القرآن أظمأتك ~~بالهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء كل تجارة فيعطى الملك بيمينه، ~~والخلد بشماله ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا ms0011 يقوم لهما ~~أهل الدنيا فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن ثم ~~يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها فهو في صعودها ما دام يقرأ، هذا كان ~~أو ترتيلا " (1) غريب. # أنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الزياتي ثنا ~~حميد بن زنجويه ثنا أبو أيوب الدمشقي ثنا إسماعيل بن عياش ثنا ليث بن أبي ~~سليم عن مجاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " من استمع إلى آية من كتاب الله عز وجل كتبت له حسنة مضاعفة ومن قرأ ~~آية من كتاب الله كانت له نورا يوم القيامة " (2) . # أخبرنا الإمام أبو علي حسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر (محمد) (3) بن ~~محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر ثنا إبراهيم ~~بن عبد الله بن عمر بن بكير الكوفي أنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيحب أحدكم ~~إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات (4) عظام سمان؟ قلنا نعم قال: ~~فثلاث آيات يقرؤهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان " (5) ~~صحيح. # أنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الزياتي ثنا ~~حميد بن زنجويه ثنا أبو الأسود ثنا ابن لهيعه عن زبان هو ابن فايد عن سهل، ~~هو ابن معاذ الجهني، عن أبيه رضي الله عنه عن PageV01P043 # النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قرأ القرآن فأحكمه وعمل بما فيه ~~ألبس والداه يوم القيامة تاجا ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيت من بيوت ~~الدنيا لو كانت فيه، فما ظنكم بالذي عمل به " (1) . # أنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا ~~محمد بن عبد الله الصفار ثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي ثنا أبو حذيفة ~~ثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن خيثمة ms0012 عن رجل أن عمران بن حصين مر على رجل ~~يقرأ على قوم فلما قرأ سأل فقال عمران: إنا لله وإنا إليه راجعون، سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من قرأ القرآن فليسأل الله عز وجل به ~~فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون الناس به " (2) رواه أبو عيسى عن ~~محمود بن غيلان عن أبي أحمد عن سفيان عن الأعمش عن خيثمة عن الحسن عن عمران ~~بن حصين رضي الله عنه قال. وقال محمد بن إسماعيل هو خيثمة البصري الذي روى ~~عنه جابر الجعفي وليس هو خيثمة بن عبد الرحمن. PageV01P044 ### | (فصل في وعيد من قال في القرآن برأيه من غير علم) # أنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي أنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن ~~حمويه السرخسي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن خزيم الشاشي ثنا أبو محمد عبد بن ~~حميد ثنا عبد الرزاق أنا الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قال في القرآن ~~برأيه فليتبوأ مقعده من النار " (1) . # أنا أبو منصور محمد بن عبد الملك المظفري أنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن ~~الفضل الفقيه أنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن البصري ثنا أبو الفضل ~~العباس بن محمد الدوري أخبرنا يحيى بن حماد ثنا أبو عوانه عن عبد الأعلى عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار " (2) . # أنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي حدثنا عبد الله بن أحمد بن حمويه ~~أنا إبراهيم بن خزيم أنا عبد بن حميد ثنا حبان بن هلال ثنا سهيل أخو حزم ~~القطيعي، ثنا أبو عمران (الجوني) (3) عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قال في القرآن برأيه فأصاب ~~فقد أخطأ " (4) غريب. PageV01P045 # وسئل ms0013 أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن قوله تعالى {وفاكهة وأبا} (31- عبس) ~~فقال: وأي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم. # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها ~~كثيرة قال حماد: قلت لأيوب: ما معنى قول أبي الدرداء رضي الله عنه؟ فجعل ~~يتفكر فقلت: هو أن ترى له وجوها فتهاب الإقدام عليه فقال: هو ذاك، هو ذاك. # قال شيخنا الإمام رحمه الله: قد جاء الوعيد في حق من قال في القرآن برأيه ~~وذلك فيمن قال من قبل نفسه شيئا من غير علم. فأما التأويل- وهو صرف الآية ~~إلى معنى محتمل موافق لما قبلها وما بعدها غير مخالف للكتاب والسنة من طريق ~~الاستنباط - فقد رخص فيه لأهل العلم. # أما التفسير: وهو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها، فلا يجوز ~~إلا بالسماع بعد ثبوته من طريق النقل. # وأصل التفسير من التفسرة وهي: الدليل من الماء الذي ينظر فيه الطبيب ~~فيكشف عن علة المريض، كذلك المفسر يكشف عن شأن الآية وقصتها. # واشتقاق التأويل من الأول وهو الرجوع. يقال: أولته فآل أي: صرفته فانصرف. # أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي أنا الحاكم أبو الفضل الحدادي أنا ~~أبو يزيد محمد بن يحيى أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ثنا جرير بن عبد ~~الحميد عن المغيرة عن واصل بن حيان عن أبي هذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله ~~بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن القرآن ~~أنزل على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع ويروى لكل حرف حد ~~ولكل حد مطلع " (1) واختلفوا في تأويله، قيل: الظهر لفظ القرآن والبطن ~~تأويله. وقيل: الظهر ما حدث عن أقوام أنهم عصوا فعوقبوا فهو في الظاهر خبر ~~وباطنه عظة وتحذير أن يفعل أحد مثل ما فعلوا فيحل به ما حل بهم وقيل معنى ~~الظهر PageV01P046 # والبطن: التلاوة والتفهم، يقول: لكل آية ظاهر وهو أن يقرأها كما ms0014 أنزلت ~~قال الله تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} (4- المزمل) وباطن وهو التدبر ~~والتفكر قال الله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته} (29- ص) ~~ثم التلاوة تكون بالتعلم والحفظ بالدرس، 4/أوالتفهم يكون بصدق النية وتعظيم ~~الحرمة وطيب الطعمه. # وقوله: "لكل حرف حد" أراد له حد في التلاوة والتفسير لا يجاوز، ففي ~~التلاوة لا يجاوز المصحف، وفي التفسير لا يجاوز المسموع، وقوله لكل حد مطلع ~~أي مصعد يصعد إليه من معرفة علمه ويقال: المطلع الفهم. وقد يفتح الله على ~~المدبر والمتفكر في التأويل والمعاني ما لا يفتح على غيره، وفوق كل ذي علم ~~عليم. # PageV01P047 ### | سورة فاتحة الكتاب # ولها ثلاثة أسماء معروفة: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني. # سميت فاتحة الكتاب: لأن الله بها افتتح القرآن. وسميت أم القرآن وأم ~~الكتاب: لأنها أصل القرآن منها بدئ القرآن وأم الشيء: أصله، ويقال لمكة: أم ~~القرى لأنها أصل البلاد دحيت الأرض من تحتها، وقيل: لأنها مقدمة وإمام لما ~~يتلوها من السور يبدأ بكتابتها في المصحف وبقراءتها في الصلاة، والسبع ~~المثاني لأنها سبع آيات باتفاق العلماء. وسميت مثاني لأنها تثنى في الصلاة، ~~فتقرأ في كل ركعة، وقال مجاهد سميت مثاني لأن الله تعالى استثناها لهذه ~~الأمة فذخرها لهم. # وهي مكية على قول الأكثرين. وقال مجاهد: مدنية وقيل: نزلت مرتين مرة بمكة ~~ومرة بالمدينة ولذلك سميت مثاني والأول أصح، أنها مكية، لأن الله تعالى من ~~على الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله "ولقد آتيناك سبعا من المثاني" ~~(87-الحجر) والمراد منها فاتحة الكتاب وسورة الحجر مكية فلم يكن يمن عليه ~~بها قبل نزولها. # {بسم الله الرحمن الرحيم (1) الحمد لله رب العالمين (2) الرحمن الرحيم ~~(3) مالك يوم الدين (4) إياك نعبد وإياك نستعين (5) اهدنا الصراط المستقيم ~~(6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7) } ### || # {بسم الله الرحمن الرحيم} ~~بسم الله الباء أداة تخفض ما بعدها مثل: من ~~وعن، والمتعلق به الباء محذوف لدلالة الكلام عليه، تقديره: أبدأ بسم الله، ~~أو قل: بسم الله. وأسقطت الألف من الاسم طلبا للخفة وكثرة استعمالها ms0015 وطولت ~~الباء قال القتيبي ليكون افتتاح كلام كتاب الله بحرف معظم، كان عمر بن عبد ~~العزيز رحمه الله يقول لكتابه: طولوا الباء وأظهروا السين وفرجوا بينهما، ~~ودوروا الميم. تعظيما # PageV01P049 # لكتاب الله تعالى وقيل: لما أسقطوا الألف ردوا طول الألف على الباء ليكون ~~دالا على سقوط الألف، ألا ترى أنه لما كتبت الألف في "اقرأ باسم ربك" ~~(1-العلق) ردت الباء إلى صيغتها ولا تحذف الألف إذا أضيف الاسم إلى غير ~~الله ولا مع غير الباء. # والاسم هو المسمى وعينه وذاته قال الله تعالى: "إنا نبشرك بغلام اسمه ~~يحيى" (7-مريم) أخبر أن اسمه يحيى ثم نادى الاسم فقال: "يا يحيى" وقال: "ما ~~تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها" (40-يوسف) وأراد الأشخاص المعبودة ~~لأنهم كانوا يعبدون المسميات وقال: "سبح اسم ربك" (1-الأعلى) ، "وتبارك اسم ~~ربك" (1) ثم يقال للتسمية أيضا اسم فاستعماله في التسمية أكثر من المسمى ~~[فإن قيل ما معنى التسمية من الله لنفسه؟ قيل هو تعليم للعباد كيف يفتتحون ~~القراءة (2) ] . # واختلفوا في اشتقاقه قال المبرد من البصريين: هو مشتق من السمو وهو ~~العلو، فكأنه علا على معناه وظهر عليه، وصار معناه تحته، وقال ثعلب من ~~الكوفيين: هو من الوسم والسمة وهي العلامة وكأنه علامة لمعناه والأول أصح ~~لأنه يصغر على السمي ولو كان من السمة لكان يصغر على الوسيم كما يقال في ~~الوعد وعيد ويقال في تصريفه سميت ولو كان من الوسم لقيل: وسمت. قوله تعالى: ~~"الله" قال الخليل وجماعة: هو اسم علم خاص لله عز وجل لا اشتقاق له كأسماء ~~الأعلام للعباد مثل زيد وعمرو. وقال جماعة هو مشتق ثم اختلفوا في اشتقاقه ~~فقيل: من أله إلاهة أي عبد عبادة وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما "ويذرك ~~وآلهتك" (127-الأعراف) أي عبادتك -معناه أنه مستحق للعبادة دون غيره وقيل ~~أصله إله قال الله عز وجل "وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق" ~~(91-المؤمنون) قال المبرد: هو من قول العرب ألهت إلى فلان أي سكنت إليه قال ~~الشاعر: ألهت ms0016 إليها والحوادث جمة # فكأن الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره، ويقال: ألهت إليه، أي فزعت إليه ~~قال الشاعر: ألهت إليها والركائب وقف # وقيل أصل الإله "ولاه" فأبدلت الواو بالهمزة مثل وشاح وإشاح، اشتقاقه من ~~الوله لأن العباد يولهون إليه أي يفزعون إليه في الشدائد، ويلجئون إليه في ~~الحوائج كما يوله كل طفل إلى أمه، وقيل هو من الوله وهو ذهاب العقل لفقد من ~~يعز عليك. PageV01P050 # قوله {الرحمن الرحيم} ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: هما اسمان رقيقان ~~أحدهما أرق من الآخر. واختلفوا فيهما منهم من قال: هما بمعنى واحد مثل ~~ندمان ونديم ومعناهما ذو الرحمة، وذكر أحدهما بعد الآخر (تطميعا) (1) لقلوب ~~الراغبين. وقال المبرد: هو إنعام بعد إنعام، وتفضل بعد تفضل، ومنهم من فرق ~~بينهما فقال: الرحمن بمعنى العموم والرحيم بمعنى الخصوص. فالرحمن بمعنى ~~الرزاق في الدنيا وهو على العموم لكافة الخلق. والرحيم بمعنى المعافي في ~~الآخرة والعفو في الآخرة للمؤمنين على الخصوص ولذلك قيل في الدعاء: يا رحمن ~~الدنيا ورحيم الآخرة، فالرحمن من تصل رحمته إلى الخلق على العموم، والرحيم ~~من تصل رحمته إليهم على الخصوص، ولذلك يدعى غير الله رحيما ولا يدعى غير ~~الله رحمن. فالرحمن عام المعنى خاص اللفظ، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى، ~~والرحمة إرادة الله تعالى الخير لأهله. وقيل هي ترك عقوبة من يستحقها ~~وإسداء الخير إلى من لا يستحق، فهي على الأول صفة ذات، وعلى الثاني صفة ~~(فعل) (2) . # واختلفوا في آية التسمية فذهب قراء المدينة والبصرة وفقهاء الكوفة إلى ~~أنها ليست من فاتحة الكتاب، ولا من غيرها من السور والافتتاح بها للتيمن ~~والتبرك. وذهب قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء الحجاز إلى أنها من الفاتحة ~~وليست من سائر السور وأنها كتبت للفصل وذهب جماعة إلى أنها من الفاتحة ومن ~~كل سورة إلا سورة التوبة وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي لأنها كتبت ~~في المصحف بخط سائر القرآن. # واتفقوا على أن الفاتحة سبع آيات فالآية الأولى عند من يعدها من الفاتحة ~~{بسم الله الرحمن الرحيم} وابتداء الآية ms0017 الأخيرة {صراط الذين} ومن لم يعدها ~~من الفاتحة قال ابتداؤها "الحمد لله رب العالمين" وابتداء الآية الأخيرة ~~"غير المغضوب عليهم" واحتج من جعلها من الفاتحة ومن السور بأنها كتبت في ~~المصحف بخط القرآن، وبما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا أبو محمد ~~عبد العزيز بن أحمد الخلال ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أنا الربيع ~~بن سليمان أنا الشافعي أنا عبد المجيد عن ابن جريج قال: أخبرني أبي عن سعيد ~~بن جبير (قال) (3) "ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم" ~~(87-الحجر) هي أم القرآن قال أبي وقرأها علي سعيد بن جبير حتى ختمها ثم ~~قال: "بسم الله الرحمن الرحيم" الآية السابعة قال سعيد: قرأتها على ابن ~~عباس كما قرأتها عليك ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة، قال ~~ابن عباس: فذخرها لكم فما أخرجها لأحد قبلكم (4) . # ومن لم يجعلها من الفاتحة احتج بما ثنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرازي ~~أنا زاهر بن أحمد ثنا أبو عيسى إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن حميد ~~الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: "قمت وراء أبي بكر الصديق، ~~وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم فكلهم كان لا يقرأ "بسم ~~PageV01P051 # الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة" (1) قال سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم 4\ب لا يعرف ختم سورة حتى ينزل بسم الله ~~الرحمن الرحيم (2) . # وعن ابن مسعود قال: كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى ينزل بسم الله ~~الرحمن الرحيم (3) وقال الشعبي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب في ~~بدء الأمر على رسم قريش باسمك اللهم حتى نزلت "وقال اركبوا فيها بسم الله ~~مجريها" (41-هود) فكتب بسم الله حتى نزلت "قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن" ~~(110-الإسراء) فكتب بسم الله الرحمن حتى نزلت "إنه من سليمان وإنه بسم الله ~~الرحمن الرحيم" (30-النمل) فكتب مثلها. # قوله {الحمد لله} ~~لفظه خبر كأنه يخبر أن ms0018 المستحق للحمد هو الله عز وجل ~~وفيه تعليم الخلق تقديره قولوا الحمد لله والحمد يكون بمعنى الشكر على ~~النعمة، ويكون بمعنى الثناء عليه بما فيه من الخصال الحميدة. يقال حمدت ~~فلانا على ما أسدى إلي من النعمة وحمدته على علمه وشجاعته، والشكر لا يكون ~~إلا على النعمة، فالحمد أعم من الشكر إذ لا يقال شكرت فلانا على علمه فكل ~~حامد شاكر وليس كل شاكر حامدا. وقيل: الحمد باللسان قولا والشكر بالأركان ~~فعلا قال الله تعالى "وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا" (111-الإسراء) وقال ~~"اعملوا آل داود شكرا" (13-سبأ) . # قوله {لله} ~~اللام فيه للاستحقاق كما يقال الدار لزيد. # قوله {رب العالمين الرحمن الرحيم} ~~فالرب يكون بمعنى المالك كما يقال ~~لمالك الدار: رب الدار: ويقال رب الشيء إذا ملكه ويكون بمعنى التربية ~~والإصلاح، يقال: رب فلان الضيعة يربها إذا أتمها وأصلحها فهو رب مثل طب، ~~وبر. فالله تعالى مالك العالمين ومربيهم، ولا يقال للمخلوق هو الرب معرفا ~~إنما يقال رب كذا مضافا، لأن الألف واللام للتعميم وهو لا يملك الكل. # "والعالمين" جمع عالم، لا واحد له من لفظه واختلفوا في العالمين قال ابن ~~عباس: هم الجن والإنس لأنهم المكلفون بالخطاب قال الله تعالى: "ليكون ~~للعالمين نذيرا" (1-الفرقان) وقال قتادة ومجاهد والحسن: هم جميع المخلوقات. ~~قال الله تعالى: "وقال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما ~~بينهما" واشتقاقه من العلم والعلامة سموا به لظهور أثر الصنعة فيهم قال أبو ~~عبيدة: هم أربع أمم: الملائكة والإنس والجن والشياطين، مشتق من العلم، ولا ~~يقال للبهائم عالم لأنها لا تعقل، واختلفوا في مبلغهم قال سعيد بن المسيب ~~لله ألف عالم ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وقال مقاتل بن حيان: لله ~~ثمانون ألف عالم أربعون ألفا في البحر وأربعون ألفا في البر. وقال وهب لله ~~ثمانية عشر ألف عالم الدنيا عالم منها، وما PageV01P052 # العمران في الخراب إلا كفسطاط في صحراء. وقال كعب الأحبار: لا يحصي عدد ~~العالمين أحد إلا الله قال الله تعالى: ms0019 "وما يعلم جنود ربك إلا هو" ~~(31-المدثر) . # قوله: {مالك يوم الدين} ~~قرأ عاصم والكسائي ويعقوب {مالك} وقرأ الآخرون ~~{ملك} قال قوم: معناهما واحد مثل فرهين وفارهين، وحذرين وحاذرين ومعناهما ~~الرب يقال رب الدار ومالكها. وقيل المالك والملك هو القادر على اختراع ~~الأعيان من العدم إلى الوجود ولا يقدر عليه أحد غير الله. قال أبو عبيدة: ~~مالك أجمع وأوسع لأنه يقال مالك العبد والطير والدواب ولا يقال ملك هذه ~~الأشياء. ولأنه لا يكون مالكا لشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون ملك الشيء ولا ~~يملكه. وقال قوم: ملك أولى لأن كل ملك ملك وليس كل مالك ملكا ولأنه أوفق ~~لسائر القرآن مثل قوله تعالى: "فتعالى الله الملك الحق" (114-طه) "الملك ~~القدوس" (23-الحشر) قال مجاهد: الدين الحساب، قال الله تعالى: "ذلك الدين ~~القيم" (36-التوبة) أي الحساب المستقيم و"ملك الناس" (سورة الناس) قال ابن ~~عباس ومقاتل والسدي: ملك يوم الدين قاضي يوم الحساب وقال قتادة: الدين ~~الجزاء. ويقع على الجزاء في الخير والشر جميعا يقال: كما تدين تدان. # قال محمد بن كعب القرظي: ملك يوم لا ينفع فيه إلا الدين، وقال يمان بن ~~(رباب) (1) الدين القهر. يقال دنته فدان أي قهرته فذل. وقيل: الدين الطاعة ~~أي يوم الطاعة. وإنما خص يوم الدين بالذكر مع كونه مالكا للأيام كلها لأن ~~الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا أمر إلا له، قال الله تعالى: "الملك يومئذ ~~الحق للرحمن" (26-الفرقان) وقال: "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار" ~~(16-غافر) وقال: "والأمر يومئذ لله" (19-الانفطار) وقرأ أبو عمرو: {الرحيم ~~ملك} بإدغام الميم في الميم وكذلك يدغم كل حرفين من جنس واحد أو مخرج واحد ~~أو قريبي المخرج سواء كان الحرف ساكنا أو متحركا إلا أن يكون الحرف الأول ~~مشددا أو منونا أو منقوصا أو مفتوحا أو تاء الخطاب قبله ساكن من غير ~~المثلين فإنه لا يدغمهما، وإدغام المتحرك يكون في الإدغام الكبير وافقه ~~حمزة في إدغام المتحرك في قوله "بيت طائفة" (81-النساء) "والصافات صفا ~~فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا" (1-3 الصافات) ms0020 "والذاريات ذروا" ~~(1-الذاريات) أدغم التاء فيما بعدها من الحروف، وافقه الكسائي وحمزة في ~~إدغام الصغير، وهو إدغام الساكن في المتحرك إلا في الراء عند اللام والدال ~~عند الجيم وكذلك لا يدغم حمزة -وبرواية خلاد وخلف-الدال عند السين والصاد ~~والزاي، ولا إدغام لسائر القراء إلا في أحرف معدودة. # قوله {إياك نعبد} ~~"إيا" كلمة ضمير خصت بالإضافة إلى المضمر ويستعمل مقدما ~~على الفعل فيقال: إياك أعني، وإياك أسأل ولا يستعمل مؤخرا إلا منفصلا. ~~فيقال: ما عنيت إلا إياك. # قوله {نعبد} أي نوحدك ونطيعك خاضعين، والعبادة الطاعة مع التذلل والخضوع ~~وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده يقال: طريق معبد أي مذلل. PageV01P053 # {وإياك نستعين} ~~نطلب منك المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا فإن قيل: ~~لم قدم ذكر العبادة على الاستعانة والاستعانة تكون قبل العبادة؟ فلهذا يلزم ~~من يجعل الاستطاعة قبل الفعل. ونحن بحمد الله نجعل التوفيق (والاستعانة) ~~(1) مع الفعل، فلا فرق بين التقديم والتأخير ويقال: الاستعانة نوع تعبد ~~فكأنه ذكر جملة العبادة أولا ثم ذكر ما هو من تفاصيلها. # قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} ~~اهدنا أرشدنا وقال علي وأبي بن كعب: ثبتنا ~~كما يقال للقائم قم حتى أعود إليك أي دم على ما أنت عليه. وهذا الدعاء من ~~المؤمنين مع كونهم على الهداية بمعنى التثبيت وبمعنى طلب مزيد الهداية لأن ~~الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى على مذهب أهل السنة "الصراط" ~~وسراط بالسين رواه أويس عن يعقوب وهو الأصل، سمي سراطا لأنه يسرط السابلة، ~~ويقرأ بالزاي، وقرأ حمزة بإشمام الزاي، وكلها لغات صحيحة، والاختيار: ~~الصاد، عند أكثر القراء لموافقة المصحف. # والصراط المستقيم قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهما: هو الإسلام وهو قول ~~مقاتل. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: هو القرآن 5/أوروي عن علي رضي الله ~~عنه مرفوعا "الصراط المستقيم كتاب الله" (2) وقال سعيد بن جبير رضي الله ~~عنه: طريق الجنة. وقال سهل بن عبد الله: طريق السنة والجماعة. وقال بكر بن ~~عبد الله المزني: طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. [وقال أبو ms0021 العالية ~~والحسن: رسول الله وآله وصاحباه] (3) وأصله في اللغة الطريق الواضح. # قوله {صراط الذين أنعمت عليهم} ~~أي مننت عليهم بالهداية والتوفيق قال ~~عكرمة: مننت عليهم بالثبات على الإيمان والاستقامة وهم الأنبياء عليهم ~~السلام، وقيل: هم كل من ثبته الله على الإيمان من النبيين والمؤمنين الذين ~~ذكرهم الله تعالى في قوله "فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين" ~~(69-النساء) الآية وقال ابن عباس: هم قوم موسى وعيسى عليهما السلام قبل أن ~~غيروا دينهم. وقال عبد الرحمن ابن زيد: هم النبي صلى الله عليه وسلم ومن ~~معه. وقال أبو العالية: هم آل الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي ~~الله عنهما وأهل بيته وقال شهر بن حوشب: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأهل بيته. # قرأ حمزة: عليهم ولديهم وإليهم بضم هاءاتها، ويضم يعقوب كل هاء قبلها ياء ~~ساكنة تثنية وجمعا إلا قوله "بين أيديهن وأرجلهن" (12-الممتحنة) وقرأ ~~الآخرون بكسرهما، فمن ضم الهاء ردها إلى الأصل لأنها مضمومة عند الانفراد ~~ومن (كسرها) (4) فلأجل الياء الساكنة والكسرة أخت الياء وضم ابن كثير وأبو ~~جعفر كل ميم جمع مشبعا في الوصل إذا لم يلقها ساكن فإن لقيها ساكن فلا ~~يشبع، ونافع يخير، ويضم ورش عند ألف PageV01P054 # القطع، فإذا تلقته ألف وصل -وقبل الهاء كسر أو ياء ساكنة-ضم الهاء والميم ~~حمزة والكسائي وكسرهما أبو عمرو وكذلك يعقوب إذا انكسر ما قبله والآخرون ~~يقرءون بضم الميم وكسر الهاء في الكل لأجل الياء أو لكسر ما قبلها وضم ~~الميم على الأصل. # قوله تعالى {غير المغضوب عليهم} ~~يعني صراط الذين غضبت عليهم، والغضب هو ~~إرادة الانتقام من العصاة، وغضب الله تعالى لا يلحق عصاة المؤمنين إنما ~~يلحق الكافرين. # {ولا الضالين} ~~أي وغير الضالين عن الهدى. وأصل الضلال الهلاك والغيبوبة، ~~يقال: ضل الماء في اللبن إذا هلك وغاب. وغير هاهنا بمعنى لا ولا بمعنى غير ~~ولذلك جاز العطف كما يقال: فلان غير محسن ولا مجمل. فإذا كان غير بمعنى سوى ~~فلا يجوز العطف عليها ms0022 بلا ولا يجوز في الكلام: عندي سوى عبد الله ولا زيد. # وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ~~وغير الضالين. وقيل: المغضوب عليهم هم اليهود والضالون: هم النصارى لأن ~~الله تعالى حكم على اليهود بالغضب فقال: "من لعنه الله وغضب عليه" ~~(60-المائدة) وحكم على النصارى بالضلال فقال "ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا ~~من قبل" (77-المائدة) وقال سهل بن عبد الله: غير المغضوب {عليهم} (1) ~~بالبدعة، ولا الضالين عن السنة. # والسنة للقارئ أن يقول بعد فراغه من قراءة الفاتحة "آمين" بسكتة مفصولة ~~عن الفاتحة وهو مخفف ويجوز (عند النحويين) (2) ممدودا ومقصورا ومعناه: ~~اللهم اسمع واستجب. وقال ابن عباس وقتادة: معناه كذلك يكون. وقال مجاهد هو ~~اسم من أسماء الله تعالى. وقيل: هو طابع الدعاء. وقيل هو خاتم الله على ~~عباده يدفع به الآفات عنهم كخاتم الكتاب يمنعه من الفساد وظهور ما فيه. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي وأبو حامد أحمد بن عبد الله ~~الصالحي قالا أنا أبو بكر أحمد بن حسن الحيري أنا أبو علي محمد بن أحمد بن ~~محمد بن معقل الميداني ثنا محمد بن يحيى ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري ~~عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إذا قال الإمام -غير المغضوب عليهم ولا الضالين-فقولوا آمين فإن الملائكة ~~تقول آمين وإن الإمام يقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما ~~تقدم من ذنبه" (3) صحيح. PageV01P055 ### || فصل في فضل (الفاتحة) (1) # أنا أبو الحسين أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الكيالي أنا أبو نصر محمد بن ~~علي بن الفضل الخزاعي أنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري ثنا محمد بن ~~عبد الوهاب ثنا خالد مخلد القطواني حدثني محمد بن جعفر بن أبي كثير هو أخو ~~إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال "مر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي ms0023 بن كعب وهو قائم يصلي فصاح به فقال: ~~تعالى يا أبي فعجل أبي في صلاته، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك؟ أليس الله يقول: "يا أيها الذين ~~آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم" (24-الأنفال) قال أبي: ~~لا جرم يا رسول الله لا تدعوني إلا أجبتك وإن كنت مصليا. قال: أتحب أن ~~أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور (ولا في ~~القرآن) (2) مثلها؟ فقال أبي: نعم يا رسول الله فقال: لا تخرج من باب ~~المسجد حتى تعلمها والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي يريد أن يخرج من المسجد ~~فلما بلغ الباب ليخرج قال له أبي: السورة يا رسول الله. فوقف فقال: نعم كيف ~~تقرأ في صلاتك؟ فقرأ أبي أم القرآن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في ~~القرآن مثلها وإنها لهي السبع المثاني (التي) (3) آتاني الله عز وجل" (4) ~~هذا حديث حسن صحيح. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي أنا الحاكم أبو الفضل محمد بن ~~الحسين الحدادي أنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد أنا إسحاق بن إبراهيم ~~الحنظلي ثنا يحيى بن آدم ثنا أبو الأحوص عن عمار بن رزيق عن عبد الله بن ~~عيسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "بينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عنده جبريل إذ سمع نقيضا من فوقه فرفع جبريل عليه السلام ~~بصره إلى السماء فقال: هذا باب PageV01P056 # فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك. فاتحة الكتاب وخواتيم ~~سورة البقرة ولن تقرأ حرفا منهما إلا أعطيته" (1) صحيح [أخرجه مسلم عن ~~الحسن بن ربيع عن أبي الأحوص] (2) # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرازي ثنا زاهر بن ms0024 أحمد السرخسي أنا ~~أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر ~~الزهري عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن ~~زهرة يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج (3) غير تمام" قال: ~~قلت يا أبا هريرة إني أحيانا أكون وراء الإمام فغمز ذراعي وقال: اقرأ بها ~~يا فارسي في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله ~~عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما ~~سأل" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اقرءوا يقول العبد "الحمد لله رب ~~العالمين" 5/ب يقول الله حمدني عبدي، ويقول العبد "الرحمن الرحيم" يقول ~~الله أثنى علي عبدي، يقول العبد "مالك يوم الدين" يقول الله مجدني عبدي، ~~يقول العبد "إياك نعبد وإياك نستعين" يقول الله تعالى: هذه الآية بيني وبين ~~عبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد "اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" يقول الله فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما ~~سأل" (4) صحيح [أخرجه مسلم عن قتيبة عن مالك] (5) PageV01P057 ### | سورة البقرة مدنية (1) # وهي مائتان وثمانون وسبع آيات ### || # {الم (1) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون (5) } # بسم الله الرحمن الرحيم {الم} ~~قال الشعبي وجماعة: الم وسائر حروف الهجاء ~~في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه وهي سر القرآن. ~~فنحن نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله تعالى. وفائدة ذكرها طلب ~~الإيمان بها. قال أبو بكر الصديق: في كل كتاب سر وسر الله تعالى في القرآن ~~أوائل السور، وقال علي: لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف (التهجي) (2) ~~وقال داود بن أبي هند: ms0025 كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور فقال: يا داود إن ~~لكل كتاب سرا وإن سر القرآن فواتح السور فدعها وسل عما سوى ذلك. وقال جماعة ~~هي معلومة المعاني فقيل: كل حرف منها مفتاح اسم من أسمائه كما قال ابن عباس ~~في كهيعص: الكاف من كافي والهاء من هادي والياء من حكيم والعين من عليم ~~والصاد من صادق. وقيل في المص أنا الله الملك الصادق، وقال الربيع بن أنس ~~في الم: الألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه اللطيف، والميم مفتاح ~~اسمه المجيد. # وقال محمد بن كعب: الألف آلاء الله واللام لطفه، والميم ملكه، وروى سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس أنه قال معنى الم: أنا الله أعلم: ومعنى (3) المص: أنا ~~الله أعلم وأفضل ومعنى الر: أنا الله أرى، ومعنى المر: أنا الله أعلم وأرى. ~~قال الزجاج: وهذا حسن فإن العرب تذكر حرفا من كلمة تريدها كقولهم: ~~PageV01P059 # قلت لها: قفي لنا قالت: قاف (1) # أي: وقفت، وعن سعيد بن جبير قال هي أسماء الله تعالى (مقطعة) (2) لو علم ~~الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم. ألا ترى أنك تقول الر، وحم، ون، ~~فتكون الرحمن، وكذلك سائرها إلا أنا لا نقدر على وصلها، وقال قتادة: هذه ~~الحروف أسماء القرآن. وقال مجاهد وابن زيد: هي أسماء (السور) (3) وبيانه: ~~أن القائل إذا قال: قرأت المص عرف السامع أنه قرأ السورة التي افتتحت ~~بالمص. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها أقسام، وقال الأخفش: إنما ~~أقسم الله بهذه الحروف لشرفها وفضلها لأنها (مبادئ) (4) كتبه المنزلة، ~~ومباني أسمائه الحسنى (5) . # قوله تعالى: {ذلك الكتاب} ~~أي هذا الكتاب وهو القرآن، وقيل: هذا فيه مضمر ~~أي هذا ذلك الكتاب. قال الفراء: كان الله قد وعد نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، فلما أنزل ~~القرآن قال هذا {ذلك} (6) الكتاب الذي وعدتك أن أنزله عليك في التوراة ~~والإنجيل وعلى لسان النبيين من قبلك "وهذا" للتقريب "وذلك" للتبعيد، وقال ~~ابن كيسان: إن ms0026 الله تعالى أنزل قبل سورة البقرة سورا كذب بها المشركون ثم ~~أنزل سورة البقرة فقال {ذلك الكتاب} يعني ما تقدم البقرة من السور لا شك ~~فيه. # والكتاب مصدر وهو بمعنى المكتوب كما يقال للمخلوق خلق، وهذا الدرهم ضرب ~~فلان أي مضروبه. وأصل الكتب: الضم والجمع، ويقال للجند: كتيبة لاجتماعها، ~~وسمي الكتاب كتابا لأنه جمع حرف إلى حرف. # قوله تعالى: {لا ريب فيه} ~~أي لا شك فيه أنه من عند الله عز وجل وأنه الحق ~~والصدق، وقيل هو خبر بمعنى النهي أي لا ترتابوا فيه كقوله تعالى "فلا رفث ~~ولا فسوق" (197-البقرة) أي لا ترفثوا ولا تفسقوا. قرأ ابن كثير: فيه ~~بالإشباع في الوصل وكذلك كل هاء كناية قبلها ساكن يشبعها وصلا ما لم يلقها ~~ساكن ثم إن كان الساكن قبل الهاء ياء يشبعها بالكسرة ياء وإن كان غير ياء ~~يشبعها بالضم واوا ووافقه حفص في قوله "فيه مهانا" (69-الفرقان) (فيشبعه) ~~(7) . # قوله تعالى: {هدى للمتقين} ~~يدغم الغنة عند اللام والراء أبو جعفر وابن ~~كثير وحمزة والكسائي، زاد PageV01P059 # حمزة والكسائي عند الياء وزاد حمزة عند الواو والآخرون لا يدغمونها ويخفي ~~أبو جعفر النون والتنوين عند الخاء والغين {هدى للمتقين} أي هو هدى أي رشد ~~وبيان لأهل التقوى، وقيل هو نصب على الحال أي هاديا تقديره لا ريب في ~~هدايته للمتقين والهدى ما يهتدي به الإنسان، للمتقين أي للمؤمنين. قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: المتقي من يتقي الشرك والكبائر والفواحش وهو مأخوذ من ~~الاتقاء. وأصله الحجز بين الشيئين ومنه يقال اتقى بترسه أي جعله حاجزا بين ~~نفسه وبين ما يقصده. # وفي الحديث: "كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم" ~~(1) أي إذا اشتد الحرب جعلناه حاجزا بيننا وبين العدو، فكأن المتقي يجعل ~~امتثال أمر الله والاجتناب عما نهاه حاجزا بينه وبين العذاب. قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه لكعب الأحبار (2) حدثني عن التقوى فقال: هل أخذت طريقا ~~ذا شوك قال: نعم. قال فما عملت فيه قال: حذرت وشمرت: ms0027 قال كعب: ذلك التقوى. ~~وقال شهر بن حوشب: المتقي الذي يترك ما لا بأس به حذرا لما به بأس وقال عمر ~~بن عبد العزيز: التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فما رزق الله ~~بعد ذلك فهو خير إلى خير. وقيل هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وفي ~~الحديث: "جماع التقوى في قوله تعالى "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" ~~(90-النحل) الآية. وقال ابن عمر: التقوى أن لا ترى نفسك خيرا من أحد. ~~وتخصيص المتقين بالذكر تشريف لهم أو لأنهم هم المتقون بالهدى. # قوله تعالى: {الذين يؤمنون} ~~موضع الذين خفض نعتا للمتقين. يؤمنون: يصدقون ~~[ويترك الهمزة أبو عمرو وورش والآخرون يهمزونه وكذلك يتركان كل همزة ساكنة ~~هي فاء الفعل نحو يؤمن ومؤمن إلا أحرفا معدودة] (3) . # وحقيقة الإيمان التصديق بالقلب، قال الله تعالى "وما أنت بمؤمن لنا" ~~(17-يوسف) [أي بمصدق لنا] (4) وهو في الشريعة: الاعتقاد بالقلب والإقرار ~~باللسان والعمل بالأركان، فسمي الإقرار والعمل إيمانا؛ لوجه من المناسبة، ~~لأنه من شرائعه. # والإسلام: هو الخضوع والانقياد، فكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا، ~~إذا لم يكن معه تصديق، قال الله تعالى "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا" (14-الحجرات) وذلك لأن PageV01P060 # الرجل قد يكون مستسلما في الظاهر غير مصدق في الباطن. وقد يكون مصدقا في ~~الباطن غير منقاد في الظاهر. # وقد اختلف جواب النبي صلى الله عليه وسلم عنهما حين سأله جبريل عليه ~~السلام وهو ما أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن بويه ~~الزراد البخاري: أنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي ثنا أبو سعيد الهيثم ~~بن كليب الشاشي ثنا أبو أحمد عيسى 6/أبن أحمد العسقلاني أنا يزيد بن هارون ~~أنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من ~~تكلم في القدر، يعني بالبصرة، معبدا الجهني فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن ~~نريد مكة فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله ms0028 عليه وسلم ~~فسألناه عما يقوله هؤلاء فلقينا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فاكتنفته ~~أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فعلمت أنه سيكل الكلام إلي ~~فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يتفقرون هذا العلم ويطلبونه ~~يزعمون أن لا قدر إنما الأمر أنف قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم ~~بريء وإنهم مني برآء والذي نفسي بيده لو أن (لأحدهم) (1) مثل أحد ذهبا ~~فأنفقه في سبيل الله ما قبل الله منه شيئا حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ثم ~~قال: # حدثنا عمر بن الخطاب قال: "بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ~~أقبل رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ما يرى عليه أثر السفر ولا ~~يعرفه منا أحد فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم [وركبته ~~تمس (2) ركبته] فقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة، ~~وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا فقال: صدقت ~~فتعجبنا من سؤاله وتصديقه. ثم قال: فما الإيمان قال: أن تؤمن بالله وحده ~~وملائكته وكتبه ورسوله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار وبالقدر خيره وشره ~~فقال: صدقت. ثم قال: فما الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لم ~~تكن تراه فإنه يراك قال: صدقت ثم قال: فأخبرني عن الساعة فقال ما المسئول ~~عنها بأعلم بها من السائل قال: صدقت قال: فأخبرني عن أماراتها قال: أن تلد ~~الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في بنيان المدر ~~قال: صدقت ثم انطلق فلما كان بعد ثالثة قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يا عمر هل تدري من الرجل؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ذلك ~~جبرئيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا في ~~صورته هذه" (3) PageV01P061 # فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الإسلام في ms0029 هذا الحديث اسما لما ظهر من ~~الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد وليس ذلك لأن الأعمال ليست من ~~الإيمان أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء ~~واحد وجماعها الدين، ولذلك قال ذاك جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم. # والدليل على أن الأعمال من الإيمان ما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ~~أنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن علي بن الشاه ثنا أبو أحمد بن محمد بن ~~قريش بن سليمان ثنا بشر بن موسى ثنا خلف بن الوليد عن جرير الرازي عن سهل ~~بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا ~~الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" (1) . # وقيل: الإيمان مأخوذ من الأمان، فسمي المؤمن مؤمنا لأنه يؤمن نفسه من ~~عذاب الله، والله تعالى مؤمن لأنه يؤمن العباد من عذابه (2) . # قوله تعالى "بالغيب": والغيب مصدر وضع موضع الاسم فقيل للغائب غيب [كما ~~قيل للعادل عدل وللزائر زور. والغيب ما كان مغيبا عن العيون قال ابن عباس: ~~الغيب هاهنا كل ما أمرت بالإيمان به فيما غاب عن بصرك مثل الملائكة والبعث ~~والجنة والنار والصراط والميزان. وقيل الغيب هاهنا: هو الله تعالى، وقيل: ~~القرآن، وقال الحسن: بالآخرة وقال زر بن حبيش وابن جريج: بالوحي. نظيره: ~~{أعنده علم الغيب} (35-النجم) وقال ابن كيسان: بالقدر وقال عبد الرحمن بن ~~يزيد: كنا عند عبد الله بن مسعود فذكرنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~[وما سبقونا به] (3) فقال عبد الله: إن أمر محمد كان بينا لمن رآه والذي لا ~~إله غيره ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ "الم ذلك الكتاب" ~~إلى قوله "المفلحون". قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وورش يؤمنون بترك الهمزة ~~وكذلك أبو جعفر بترك كل همزة ساكنة إلا في أنبئهم ونبئهم ونبئنا ويترك أبو ~~عمرو كلها ms0030 إلا أن تكون علامة للجزم نحو نبئهم وأنبئهم وتسؤهم وإن نشأ ~~وننسأها ونحوها أو يكون خروجا من لغة إلى أخرى نحو مؤصدة ورئيا. ويترك ورش ~~كل همزة ساكنة كانت فاء الفعل إلا تؤوي وتؤويه ولا يترك من عين الفعل: إلا ~~الرؤيا وبابه، إلا ما كان على وزن فعل. مثل: ذئب] (4) # قوله تعالى: {ويقيمون الصلاة} أي يديمونها ويحافظون عليها في مواقيتها ~~بحدودها، وأركانها وهيئاتها PageV01P062 # يقال: قام بالأمر، وأقام الأمر إذا أتى به معطى حقوقه، والمراد بها ~~الصلوات الخمس ذكر بلفظ (الوحدان) (1) كقوله تعالى: "فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق" (213-البقرة) يعني الكتب. # والصلاة في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: "وصل عليهم" (103-التوبة) أي ~~ادع لهم، وفي الشريعة اسم لأفعال مخصوصة من قيام وركوع وسجود وقعود ودعاء ~~وثناء. وقيل في قوله تعالى "إن الله وملائكته يصلون على النبي" ~~(56-الأحزاب) الآية إن الصلاة من الله في هذه الآية الرحمة ومن الملائكة ~~الاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاء. # قوله تعالى: {ومما رزقناهم} (أي) (2) أعطيناهم والرزق اسم لكل ما ينتفع ~~به حتى الولد والعبد وأصله في اللغة الحظ والنصيب {ينفقون} يتصدقون. قال ~~قتادة: ينفقون في سبيل الله وطاعته. وأصل الإنفاق: الإخراج عن اليد والملك، ~~ومنه نفاق السوق؛ لأنه تخرج فيه السلعة عن اليد، ومنه: نفقت الدابة إذا ~~خرجت روحها. فهذه الآية في المؤمنين من مشركي العرب. # قوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} يعني القرآن {وما أنزل من ~~قبلك} التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام. ويترك أبو جعفر وابن كثير وقالون (وأبو عمرو) (3) وأهل البصرة ~~ويعقوب كل مدة تقع بين كل كلمتين. والآخرون يمدونها. وهذه الآية في ~~المؤمنين من أهل الكتاب. # قوله تعالى: {وبالآخرة} أي بالدار الآخرة سميت الدنيا دنيا لدنوها من ~~الآخرة وسميت الآخرة آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا {هم يوقنون} أي ~~يستيقنون أنها كائنة، من الإيقان: وهو العلم. وقيل: الإيقان واليقين: علم ~~عن استدلال. ولذلك لا يسمى الله موقنا ولا علمه يقينا إذ ليس علمه عن ~~استدلال. # قوله ms0031 تعالى: {أولئك} أي أهل هذه الصفة وأولاء كلمة معناها الكناية عن ~~جماعة نحو: هم، والكاف للخطاب كما في حرف ذلك {على هدى} أي رشد وبيان ~~وبصيرة {من ربهم وأولئك هم المفلحون} أي الناجون 6/ب والفائزون فازوا ~~بالجنة ونجوا من النار، ويكون الفلاح بمعنى البقاء أي باقون في النعيم ~~المقيم وأصل الفلاح القطع والشق ومنه سمي الزراع فلاحا لأنه يشق الأرض وفي ~~المثل: الحديد بالحديد يفلح أي يشق فهم (مقطوع) (4) لهم بالخير في الدنيا ~~والآخرة. PageV01P063 ### || # {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ختم ~~الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7) ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) يخادعون الله ~~والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9) في قلوبهم مرض فزادهم ~~الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10) } # قوله {إن الذين كفروا} يعني مشركي العرب قال الكلبي: يعني اليهود. والكفر ~~هو الجحود وأصله من الكفر وهو الستر ومنه سمي الليل كافرا لأنه يستر ~~الأشياء بظلمته وسمي الزارع كافرا لأنه يستر الحب بالتراب والكافر يستر ~~الحق بجحوده. # والكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر عناد، وكفر نفاق. ~~فكفر الإنكار: أن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به، وكفر الجحود هو: أن يعرف ~~الله تعالى بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس (وكفر) (1) اليهود. قال الله ~~تعالى: "فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به" (89-البقرة) وكفر العناد هو: أن ~~يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به ككفر أبي طالب حيث يقول: # ولقد علمت بأن دين محمد %~% من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذار مسبة %~% لوجدتني سمحا بذاك مبينا # وأما كفر النفاق: فهو أن يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب، وجميع هذه ~~الأنواع سواء في أن من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له. # قوله {سواء عليهم} أي: متساو لديهم {أأنذرتهم} خوفتهم وحذرتهم والإنذار ~~إعلام مع تخويف وتحذير وكل منذر معلم وليس كل معلم منذرا وحقق ابن عامر ms0032 ~~وعاصم وحمزة والكسائي الهمزتين في "أأنذرتهم" وكذلك كل همزتين تقعان في أول ~~الكلمة والآخرون يلينون الثانية {أم} حرف عطف على الاستفهام (لم) حرف جزم ~~لا تلي إلا الفعل لأن الجزم يختص بالأفعال {تنذرهم لا يؤمنون} وهذه الآية ~~في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله ثم ذكر سبب تركهم ~~الإيمان # فقال {ختم الله} طبع الله {على قلوبهم} فلا تعي خيرا ولا تفهمه. ~~PageV01P064 # وحقيقة الختم الاستيثاق من الشيء كيلا يدخله ما خرج منه ولا يخرج عنه ما ~~فيه، ومنه الختم على الباب. قال أهل السنة: أي حكم على قلوبهم بالكفر، لما ~~سبق من علمه الأزلي فيهم، وقال المعتزلة: جعل على قلوبهم علامة تعرفهم ~~الملائكة بها. {وعلى سمعهم} أي: على موضع سمعهم فلا يسمعون الحق ولا ~~ينتفعون به، وأراد على أسماعهم كما قال: {على قلوبهم} وإنما وحده لأنه ~~مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع. {وعلى أبصارهم غشاوة} هذا ابتداء كلام. ~~غشاوة أي: غطاء، فلا يرون الحق. وقرأ أبو عمرو والكسائي أبصارهم بالإمالة ~~وكذلك كل ألف بعدها راء مجرورة في الأسماء كانت لام الفعل يميلانها ويميل ~~حمزة منها ما يتكرر فيه الراء كالقرار ونحوه. زاد الكسائي إمالة جبارين ~~والجوار والجار وبارئكم ومن أنصاري ونسارع وبابه. وكذلك يميل هؤلاء كل ألف ~~بمنزلة لام الفعل، أو كان علما للتأنيث، إذا كان قبلها راء، فعلم التأنيث ~~مثل: الكبرى والأخرى. ولام الفعل: مثل ترى وافترى، يكسرون الراء فيها. # ولهم {عذاب عظيم} أي: في الآخرة، وقيل القتل والأسر في الدنيا والعذاب ~~الدائم في العقبى. والعذاب كل ما يعني الإنسان ويشق عليه. قال الخليل: ~~العذاب ما يمنع الإنسان عن مراده، ومنه: الماء العذب، لأنه يمنع العطش. # قوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله} نزلت في المنافقين (1) عبد الله بن ~~أبي بن سلول، ومعتب بن قشير، وجد بن قيس وأصحابهم حيث أظهروا كلمة الإسلام ~~ليسلموا من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واعتقدوا خلافها وأكثرهم من ~~اليهود، والناس جمع إنسان سمي به لأنه عهد إليه فنسي كما قال ms0033 الله تعالى ~~"ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي" (115-طه) وقيل: لظهوره من قولهم آنست أي ~~أبصرت، وقيل: لأنه يستأنس به {وباليوم الآخر} أي بيوم القيامة. # قال الله تعالى: {وما هم بمؤمنين يخادعون الله} أي يخالفون الله وأصل ~~الخدع في اللغة الإخفاء ومنه المخدع للبيت الذي يخفى فيه المتاع فالمخادع ~~يظهر خلاف ما يضمر والخدع من الله في قوله {وهو خادعهم} (182-النساء) أي ~~يظهر لهم ويعجل لهم من النعيم في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم من عذاب الآخرة. ~~وقيل: أصل الخدع: الفساد، معناه يفسدون ما أظهروا من الإيمان بما أضمروا من ~~الكفر. # وقوله: {وهو خادعهم} أي: يفسد عليهم نعيمهم في الدنيا بما يصيرهم إليه من ~~عذاب الآخرة فإن قيل ما معنى قوله {يخادعون الله} والمفاعلة للمشاركة وقد ~~جل الله تعالى عن المشاركة في المخادعة؟ قيل: قد ترد المفاعلة لا على معنى ~~المشاركة كقولك عافاك الله وعاقبت فلانا، وطارقت النعل. وقال الحسن: معناه ~~يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: "إن الذين يؤذون ~~الله" (57-الأحزاب) أي أولياء الله، وقيل: ذكر الله هاهنا تحسين والقصد ~~بالمخادعة الذين آمنوا كقوله تعالى "فأن لله خمسه وللرسول" (41-الأنفال) ~~وقيل معناه يفعلون في دين الله ما هو خداع في دينهم {والذين آمنوا} أي ~~ويخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم آمنا PageV01P065 # وهم غير مؤمنين. {وما يخدعون} قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وما يخدعون ~~كالحرف الأول وجعلوه من المفاعلة التي تختص بالواحد. وقرأ الباقون: وما ~~يخدعون على الأصل. # {إلا أنفسهم} لأن وبال خداعهم راجع إليهم لأن الله تعالى يطلع نبيه صلى ~~الله عليه وسلم على نفاقهم فيفتضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب في العقبى ~~{وما يشعرون} أي لا يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم وأن وبال خداعهم يعود عليهم # {في قلوبهم مرض} شك ونفاق وأصل المرض الضعف. وسمي الشك في الدين مرضا ~~لأنه يضعف الدين كالمرض يضعف البدن. {فزادهم الله مرضا} لأن الآيات كانت ~~تنزل تترى، آية بعد آية، كلما كفروا بآية ازدادوا كفرا ونفاقا وذلك معنى ms0034 ~~قوله تعالى "وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم" ~~(125-التوبة) وقرأ ابن عامر وحمزة فزادهم بالإمالة وزاد حمزة إمالة زاد حيث ~~وقع وزاغ وخاب وطاب وحاق وضاق، والآخرون لا يميلونها {ولهم عذاب أليم} مؤلم ~~يخلص وجعه إلى قلوبهم {بما كانوا يكذبون} ما للمصدر أي بتكذيبهم الله ~~ورسوله في السر. وقرأ الكوفيون يكذبون بالتخفيف أي بكذبهم {إذ} (1) قالوا ~~آمنا وهم غير مؤمنين. ### || # {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم ~~هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12) وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا ~~أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13) } # {وإذا قيل} قرأ الكسائي: "قيل" و"غيض" و"جيء" و"حيل" و"سيق" و"سيئت" بروم ~~أوائلهن الضم -ووافق ابن عامر في "سيق" و"حيل" و"سيء" و"سيئت" -ووافق أهل ~~المدينة في: سيء وسيئت لأن أصلها قول بضم القاف وكسر الواو، مثل قتل =وكذلك ~~في أخواته فأشير إلى الضمة لتكون دالة على الواو المنقلبة وقرأ الباقون ~~بكسر أوائلهن، استثقلوا الحركة على الواو فنقلوا كسرتها إلى فاء الفعل ~~وانقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها 7/أ {وإذا قيل لهم} يعني للمنافقين، وقيل ~~لليهود أي قال لهم المؤمنون {لا تفسدوا في الأرض} بالكفر وتعويق الناس عن ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقيل معناه لا تكفروا، والكفر ~~أشد فسادا في الدين {قالوا إنما نحن مصلحون} يقولون هذا القول كذبا كقولهم ~~آمنا وهم كاذبون # {ألا} كلمة تنبيه ينبه بها المخاطب {إنهم هم المفسدون} أنفسهم بالكفر ~~والناس بالتعويق عن الإيمان {ولكن لا يشعرون} أي لا يعلمون أنهم مفسدون ~~لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح. وقيل: لا يعلمون ما أعد ~~الله لهم من العذاب. PageV01P066 # {وإذا قيل لهم} أي للمنافقين وقيل لليهود {آمنوا كما آمن الناس} عبد الله ~~بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب وقيل كما آمن المهاجرون والأنصار {قالوا ~~أنؤمن كما آمن السفهاء} أي الجهال فإن قيل كيف يصح النفاق مع (المجاهرة) ~~(1) بقولهم أنؤمن كما آمن السفهاء ms0035 قيل إنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما ~~بينهم لا عند المؤمنين. فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بذلك ~~فرد الله عليهم فقال {ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} أنهم كذلك ~~فالسفيه خفيف العقل رقيق الحلم من قولهم: ثوب سفيه أي رقيق وقيل السفيه ~~الكذاب الذي يتعمد {الكذب} (2) بخلاف ما يعلم. # قرأ أهل الكوفة والشام {السفهاء ألا} بتحقيق الهمزتين وكذلك كل همزتين ~~وقعتا في كلمتين اتفقتا أو اختلفتا والآخرون يحققون الأولى ويلينون الثانية ~~في المختلفتين طلبا للخفة فإن كانتا متفقتين مثل: هؤلاء، وأولياء، وأولئك، ~~وجاء أمر ربك -قرأها أبو عمرو والبزي عن ابن كثير بهمزة واحدة وقرأ أبو ~~جعفر وورش والقواش ويعقوب بتحقيق الأولى وتليين الثانية وقرأ قالون بتليين ~~الأولى وتحقيق الثانية لأن ما يستأنف أولى بالهمزة مما يسكت عليه. ### || # {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا ~~معكم إنما نحن مستهزئون (14) الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ~~(15) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ~~(16) } PageV01P067 # {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم ~~في ظلمات لا يبصرون (17) صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) } # {وإذا لقوا الذين آمنوا} يعني هؤلاء المنافقين إذا لقوا المهاجرين ~~والأنصار {قالوا آمنا} كإيمانكم {وإذا خلوا} رجعوا. ويجوز أن يكون من ~~الخلوة {إلى} بمعنى الباء أي بشياطينهم وقيل: إلى بمعنى مع كما قال (الله ~~تعالى) (1) "ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم" (2-النساء) أي مع أموالكم ~~"شياطينهم" أي رؤسائهم وكهنتهم قال ابن عباس رضي الله عنهما: وهم خمسة نفر ~~من اليهود كعب بن الأشرف بالمدينة وأبو بردة في بني أسلم وعبد الدار في ~~جهينة، وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن السوداء بالشام. ولا يكون ~~كاهن إلا ومعه شيطان تابع له. PageV01P067 # والشيطان: المتمرد العاتي من الجن والإنس ومن كل شيء وأصله البعد، يقال ~~بئر شطون أي: بعيدة العمق. سمي الشيطان شيطانا لامتداده في الشر وبعده من ~~الخير. وقال مجاهد: إلى أصحابهم ms0036 من المنافقين والمشركين {قالوا إنا معكم} ~~أي: على دينكم {إنما نحن مستهزئون} بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما ~~نظهر من الإسلام. # قرأ أبو جعفر مستهزؤن ويستهزؤن وقل استهزوا وليطفوا وليواطوا ويستنبونك ~~وخاطين وخاطون ومتكن ومتكون فمالون والمنشون بترك الهمزة فيهن # {الله يستهزئ بهم} أي يجازيهم جزاء استهزائهم سمي الجزاء باسمه لأنه في ~~مقابلته كما قال الله تعالى "وجزاء سيئة سيئة مثلها" (40-الشورى) قال ابن ~~عباس: هو أن يفتح لهم باب من الجنة فإذا انتهوا إليه سد عنهم، وردوا إلى ~~النار وقيل هو أن يضرب للمؤمنين نور يمشون على الصراط فإذا وصل المنافقون ~~إليه حيل بينهم وبين المؤمنين كما قال الله تعالى: "وحيل بينهم وبين ما ~~يشتهون" (54-سبأ) قال الله تعالى: "فضرب بينهم بسور له باب" الآية ~~(13-الحديد) وقال الحسن معناه الله يظهر المؤمنين على نفاقهم {ويمدهم} ~~يتركهم ويمهلهم والمد والإمداد واحد، وأصله الزيادة إلا أن المد أكثر ما ~~يأتي في الشر والإمداد في الخير قال الله تعالى في المد "ونمد له من العذاب ~~مدا" (79-مريم) وقال في الإمداد "وأمددناكم بأموال وبنين" (6-الإسراء) ~~"وأمددناهم بفاكهة" (22-الطور) {في طغيانهم} أي في ضلالتهم وأصله مجاوزة ~~الحد. ومنه طغى الماء {يعمهون} أي يترددون في الضلالة متحيرين # {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أي استبدلوا الكفر بالإيمان {فما ~~ربحت تجارتهم} أي ما ربحوا في تجارتهم أضاف الربح إلى التجارة لأن الربح ~~يكون فيها كما تقول العرب: ربح بيعك وخسرت صفقتك {وما كانوا مهتدين} ~~الضلالة، وقيل مصيبين في تجارتهم # {مثلهم} شبههم، وقيل: صفتهم. والمثل: قول سائر في عرف الناس يعرف به معنى ~~الشيء وهو أحد أقسام القرآن السبعة {كمثل الذي} يعني الذين بدليل سياق ~~الآية. ونظيره "والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون" (33-الزمر) ~~{استوقد} أوقد {نارا فلما أضاءت} النار {ما حوله} أي حول المستوقد. وأضاء: ~~لازم ومتعد يقال أضاء الشيء بنفسه وأضاءه غيره وهو هاهنا متعد {ذهب الله ~~بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} قال ابن عباس وقتادة ومقاتل والضحاك ~~والسدي نزلت في المنافقين. ms0037 # يقول: مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة ~~فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف فبينا هو كذلك إذا طفيت ناره فبقي في ~~ظلمة طائفا متحيرا فكذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم ~~وأولادهم وناكحوا المؤمنين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم فذلك نورهم فإذا ~~ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف. وقيل: ذهاب نورهم في القبر. وقيل: في ~~القيامة حيث يقولون للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم. وقيل: ذهاب نورهم ~~بإظهار عقيدتهم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم فضرب النار مثلا ثم لم ~~يقل # PageV01P068 # أطفأ الله نارهم لكن عبر بإذهاب النور عنه لأن النور نور وحرارة فيذهب ~~نورهم وتبقى الحرارة عليهم. وقال مجاهد: إضاءة النار إقبالهم إلى المسلمين ~~والهدى وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة وقال عطاء ومحمد بن كعب: ~~نزلت في اليهود. وانتظارهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به ~~على مشركي العرب فلما خرج كفروا به ثم وصفهم الله فقال: # {صم} أي هم صم عن الحق لا يقبلونه وإذا لم يقبلوا فكأنهم لم يسمعوا {بكم} ~~خرس عن الحق لا يقولونه أو أنهم لما أبطنوا خلاف ما أظهروا فكأنهم لم ~~ينطقوا بالحق {عمي} أي لا بصائر لهم ومن لا بصيرة له كمن لا بصر له {فهم لا ~~يرجعون} عن الضلالة إلى الحق. ### || # {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما ~~أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (20) } # {أو كصيب} أي كأصحاب صيب وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى للمنافقين بمعنى ~~آخر إن شئت مثلهم بالمستوقد وإن شئت بأهل الصيب وقيل 7/ب أو بمعنى الواو ~~يريد وكصيب كقوله تعالى: "أو يزيدون" بمعنى ويزيدون والصيب المطر وكل ما ~~نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب =فعيل من صاب يصوب أي نزل من السماء أي ~~من السحاب قيل هي ms0038 السماء بعينها والسماء كل ما علاك فأظلك وهي من أسماء ~~الأجناس يكون واحدا وجمعا {فيه} أي في الصيب وقيل في السماء أي من السحاب ~~ولذلك ذكره وقيل السماء يذكر ويؤنث قال الله تعالى: "السماء منفطر به" ~~(18-المزمل) وقال "إذا السماء انفطرت" (1-الانفطار) {ظلمات} جمع ظلمة ~~{ورعد} الصوت الذي يسمع من السحاب {وبرق} النار التي تخرج منه. # قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين رضي الله عنهم: الرعد اسم ملك يسوق ~~السحاب والبرق لمعان سوط من نور يزجر به الملك السحاب. وقيل الصوت زجر ~~السحاب وقيل تسبيح الملك. وقيل الرعد نطق الملك والبرق ضحكه. وقال مجاهد ~~الرعد اسم الملك ويقال لصوته أيضا رعد (1) والبرق PageV01P069 # مصع (1) ملك يسوق السحاب وقال شهر بن حوشب: الرعد ملك يزجي السحاب فإذا ~~تبددت ضمها فإذا اشتد غضبه طارت من فيه النار فهي الصواعق، وقيل الرعد صوت ~~انحراف الريح بين السحاب والأول أصح. # {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق} جمع صاعقة وهي الصيحة التي يموت ~~من يسمعها أو يغشى عليه. ويقال لكل عذاب مهلك: صاعقة، وقيل الصاعقة قطعة ~~عذاب ينزلها الله تعالى على من يشاء. # روي عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: "اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا ~~بعذابك وعافنا قبل ذلك" (2) . # قوله {حذر الموت} أي مخافة الهلاك {والله محيط بالكافرين} أي عالم بهم ~~وقيل جامعهم. وقال مجاهد: يجمعهم فيعذبهم. وقيلك مهلكهم، دليله قوله تعالى ~~"إلا أن يحاط بكم" (66-يوسف) أي تهلكوا جميعا. ويميل أبو عمرو والكسائي ~~الكافرين في محل النصب والخفض ولا يميلان: "أول كافر به" (41-البقرة) . # {يكاد البرق} أي يقرب، يقال: كاد يفعل إذا قرب ولم يفعل {يخطف أبصارهم} ~~يختلسها والخطف استلاب بسرعة {كلما} حرف جملة ضم إلى ما الجزاء فصار أداة ~~للتكرار ومعناهما متى ما {أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} أي ~~وقفوا متحيرين، فالله تعالى شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ~~ليلة ms0039 مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات من صفتها أن الساري {لا يمكنه} (3) المشي ~~فيها، ورعد من صفته أن يضم السامعون أصابعهم إلى آذانهم من هوله، وبرق من ~~صفته أن يقرب من أن يخطف أبصارهم ويعميها من شدة توقده، فهذا مثل ضربه الله ~~للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين معه، فالمطر القرآن لأنه حياة الجنان كما ~~أن المطر حياة الأبدان، والظلمات ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك، والرعد ~~ما خوفوا به من الوعيد، وذكر النار والبرق ما فيه من الهدى والبيان والوعد ~~وذكر الجنة. PageV01P070 # والكافرون يسدون آذانهم عند قراءة القرآن مخافة ميل القلب إليه لأن ~~الإيمان عندهم كفر والكفر موت {يكاد البرق يخطف أبصارهم} أي القرآن يبهر ~~قلوبهم. وقيل هذا مثل ضربه الله للإسلام فالمطر الإسلام والظلمات ما فيه من ~~البلاء والمحن، والرعد: ما فيه من الوعيد والمخاوف في الآخرة، والبرق ما ~~فيه من الوعد والوعيد {يجعلون أصابعهم في آذانهم} يعني أن المنافقين إذا ~~رأوا في الإسلام بلاء وشدة هربوا حذرا من الهلاك {والله محيط بالكافرين} ~~جامعهم يعني لا ينفعهم هربهم لأن الله تعالى من ورائهم يجمعهم فيعذبهم. ~~يكاد البرق يعني دلائل الإسلام تزعجهم إلى النظر لولا ما سبق لهم من ~~الشقاوة. # {كلما أضاء لهم مشوا فيه} يعني أن المنافقين إذا أظهروا كلمة الإيمان ~~آمنوا فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة. وقيل معناه كلما نالوا غنيمة وراحة في ~~الإسلام ثبتوا وقالوا إنا معكم {وإذا أظلم عليهم} يعني رأوا شدة وبلاء ~~تأخروا وقاموا أي وقفوا كما قال الله تعالى "ومن الناس من يعبد الله على ~~حرف" (11-الحج) {ولو شاء الله لذهب بسمعهم} أي بأسماعهم {وأبصارهم} الظاهرة ~~كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة، وقيل لذهب بما استفادوا من العز ~~والأمان الذي لهم بمنزلة السمع والبصر. {إن الله على كل شيء قدير} قادر. ~~قرأ عامر وحمزة شاء وجاء حيث كان بالإمالة. ### || # {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) ~~الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرات ms0040 رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) وإن كنتم في ريب ~~مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن ~~كنتم صادقين (23) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس ~~والحجارة أعدت للكافرين (24) } # قوله تعالى {يا أيها الناس} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يا أيها الناس ~~خطاب أهل مكة، ويا أيها الذين آمنوا خطاب أهل المدينة (1) وهو هاهنا عام ~~إلا من حيث إنه لا يدخله الصغار والمجانين. # {اعبدوا} وحدوا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما ورد في القرآن من ~~العبادة فمعناها التوحيد {ربكم الذي خلقكم} والخلق: اختراع الشيء على غير ~~مثال سبق {والذين من قبلكم} أي وخلق الذين من قبلكم {لعلكم تتقون} لكي ~~تنجوا من العذاب وقيل معناه كونوا على رجاء التقوى بأن PageV01P071 # تصيروا في ستر ووقاية من عذاب الله، وحكم الله من ورائكم يفعل ما يشاء ~~كما قال "فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى" (44-طه) أي ادعواه إلى ~~الحق وكونا على رجاء التذكر، وحكم الله من ورائه يفعل ما يشاء، قال سيبويه: ~~لعل وعسى حرفا ترج وهما من الله واجب. # {الذي جعل لكم الأرض فراشا} أي بساطا وقيل مناما وقيل وطاء أي ذللها ولم ~~يجعلها حزنة لا يمكن القرار عليها قال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة ~~حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله رضي قال: ~~سألت رسول الله عليه وسلم: أي ذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندا ~~وهو خلقك" قلت: إن ذلك عظيم. ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم ~~معك". قلت: ثم أي قال: "أن تزاني حليلة جارك" (1) والجعل هاهنا بمعنى الخلق ~~{والسماء بناء} وسقفا مرفوعا. {وأنزل من السماء} أي من السحاب {ماء} المطر ~~{فأخرج به من الثمرات} ألوان الثمرات وأنواع النبات {رزقا لكم} طعاما لكم ~~وعلفا لدوابكم {فلا تجعلوا لله أندادا} أي أمثالا تعبدونهم كعبادة الله. ~~قال أبو عبيدة: الند الضد ms0041 وهو من الأضداد والله تعالى بريء من المثل والضد. ~~{وأنتم تعلمون} أنه واحد خالق هذه الأشياء. # {وإن كنتم في ريب} أي {وإن} (2) كنتم في شك، لأن الله تعالى علم أنهم ~~شاكون {مما نزلنا} يعني القرآن {على عبدنا} محمد {فأتوا} أمر تعجيز {بسورة} ~~والسورة قطعة من القرآن معلومة الأول والآخر من أسأرت أي أفضلت، حذفت ~~الهمزة، وقيل: السورة اسم للمنزلة الرفيعة 8/أومنه سور البناء لارتفاعه ~~سميت سورة لأن القارئ ينال بقراءتها منزلة رفيعة حتى يستكمل المنازل ~~باستكماله سور القرآن {من مثله} أي مثل القرآن "ومن" صلة، كقوله تعالى {قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} (30-النور) وقيل: الهاء في مثله راجعة إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم يعني: من مثل محمد صلى الله عليه وسلم أمي لا يحسن الخط ~~والكتابة [قال محمود هاهنا من مثله دون سائر السور، لأن من للتبعيض وهذه ~~السورة أول القرآن بعد الفاتحة فأدخل من ليعلم أن التحدي واقع على جميع سور ~~القرآن، ولو أدخل من في سائر السور كان التحدي واقعا على جميع سور القرآن، ~~ولو أدخل في سائر السور كان التحدي واقعا على بعض السور] (3) . # {وادعوا شهداءكم} أي واستعينوا بآلهتكم التي تعبدونها {من دون الله} وقال ~~مجاهد: ناسا يشهدون لكم {إن كنتم صادقين} أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~يقوله من تلقاء نفسه فلما تحداهم عجزوا # فقال {فإن لم تفعلوا} فيما مضى {ولن تفعلوا} أبدا فيما بقي. وإنما قال ~~ذلك لبيان الإعجاز وأن القرآن PageV01P072 # كان معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث عجزوا عن الإتيان بمثله. {فاتقوا ~~النار} أي فآمنوا واتقوا بالإيمان النار. {التي وقودها الناس والحجارة} قال ~~ابن عباس وأكثر المفسرين يعني حجارة الكبريت لأنها أكثر التهابا، وقيل: ~~جميع الحجارة وهو دليل على عظمة تلك النار وقيل: أراد بها الأصنام لأن أكثر ~~أصنامهم كانت منحوتة من الحجارة كما قال "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم" (98-الأنبياء) {أعدت} هيئت {للكافرين} ### || # {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~كلما رزقوا منها ms0042 من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به ~~متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25) } # قوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا} أي أخبر والبشارة كل خبر صدق تتغير به ~~بشرة الوجه، ويستعمل في الخير والشر، وفي الخير أغلب {وعملوا الصالحات} أي ~~الفعلات الصالحات يعني المؤمنين الذين هم من أهل الطاعات قال عثمان بن عفان ~~رضي الله عنه {وعملوا الصالحات} أي أخلصوا الأعمال كما قال "فليعمل عملا ~~صالحا" (110-الكهف) أي خاليا من الرياء. قال معاذ: العمل الصالح الذي فيه ~~أربعة أشياء. العلم، والنية، والصبر، والإخلاص. {أن لهم جنات} جمع الجنة، ~~والجنة البستان الذي فيه أشجار مثمرة، سميت بها لاجتنانها وتسترها ~~بالأشجار. وقال الفراء: الجنة ما فيه النخيل، والفردوس ما فيه الكرم. # {تجري من تحتها} أي من تحت أشجارها ومساكنها {الأنهار} أي المياه في ~~الأنهار لأن النهر لا يجري وقيل {من تحتها} أي بأمرهم لقوله تعالى حكاية عن ~~فرعون "وهذه الأنهار تجري من تحتي" (51-الزخرف) أي بأمري والأنهار جمع نهر ~~سمي به لسعته وضيائه. ومنه النهار. وفي الحديث "أنهار الجنة تجري في غير ~~أخدود" (1) {كلما} متى ما {رزقوا} أطعموا {منها} أي من الجنة من ثمرة أي ~~ثمرة و {من} صلة {رزقا} طعاما {قالوا هذا الذي رزقنا من قبل} وقبل رفع على ~~الغاية. قال الله تعالى: "لله الأمر من قبل ومن بعد" (4-الروم) قيل: من قبل ~~في الدنيا وقيل: الثمار في الجنة متشابهة في اللون، مختلفة في الطعم، فإذا ~~رزقوا ثمرة بعد أخرى ظنوا أنها الأولى {وأتوا به} بالرزق {متشابها} قال ابن ~~عباس ومجاهد والربيع: متشابها في الألوان، مختلفا في الطعوم. وقال الحسن ~~PageV01P073 # وقتادة: متشابها. أي يشبه بعضها بعضا في الجودة، أي كلها خيار لا رذالة ~~فيها. وقال محمد بن كعب: يشبه ثمر الدنيا غير أنها أطيب. وقيل متشابها في ~~الاسم مختلفا في الطعم. قال: ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الدنيا مما ~~في الجنة إلا الأسامي. # أنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى ms0043 الصيرفي أنا أبو ~~عبد الله محمد بن عبد الله الصفار أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي أنا ~~محمد بن كثير أنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا ~~يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح، كما ~~تلهمون النفس، طعامهم الجشاء، ورشحهم المسك" (1) قوله تعالى {ولهم فيها} في ~~الجنان {أزواج} نساء وجواري يعني من الحور العين {مطهرة} من الغائط، ~~والبول، والحيض، والنفاس، والبصاق، والمخاط والمني، والولد، وكل قذر قال ~~إبراهيم النخعي: في الجنة جماع ما شئت ولا ولد. وقال الحسن: هن عجائزكم ~~الغمص العمش طهرن من قذرات الدنيا. وقيل: مطهرة عن مساوئ الأخلاق {وهم فيها ~~خالدون} دائمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها. # أنا أبو عمرو عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو حامد أحمد بن عبد الله ~~النعيمي أنا محمد بن يوسف الفربري، أنا محمد بن إسماعيل البخاري أنا قتيبة ~~بن سعيد، أنا جرير عن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ~~ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون، ~~ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة (2) ~~وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في ~~السماء" (3) . # أنا عبد الواحد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم ~~البغوي أنا علي بن الجعد أنا فضيل هو ابن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد الخدري ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول زمرة تدخل الجنة يوم القيامة ~~صورة وجوههم مثل صورة القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على لون أحسن ~~الكواكب في السماء لكل رجل منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ~~سوقهم دون لحومها ودمائها وحللها" (4) . PageV01P074 # أنا أبو عبد الله محمد ms0044 بن الفضل الخرقي المروزي أنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا عبد الله بن عمر الجوهري ~~أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير ~~المدني عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على الأرض لأضاءت ما بينهما ~~ولملأت ما بينهما ريحا، ولتاجها على رأسها خير من الدنيا وما فيها" (1) ~~[صحيح أخرجه محمد بن عبد الله بن محمد عن معاوية بن عمر عن أبي إسحاق عن ~~حميد] (2) . # أنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني أنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن ~~شريك الشافعي أنا عبد الله بن محمد بن مسلم أنا أبو بكر الجوربذي أنا أحمد ~~بن الفرج الحمصي أنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار أنا محمد بن المهاجر ~~عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد ~~يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا هل من مشمر للجنة، وإن الجنة ~~لا خطر لها وهي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مشيد ونهر مطرد، ~~وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ومقام أبد في دار 8/ب سليمة ~~وفاكهة خضرة، وحبرة، ونعمة في محلة عالية بهية" قالوا: نعم يا رسول الله ~~نحن المشمرون لها قال: "قولوا إن شاء الله" قال القوم: إن شاء الله (3) # وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أهل الجنة ~~جرد مرد كحل لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم" (4) . # أنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي أنا الحاكم أبو الفضل الحدادي أنا ~~أبو يزيد محمد ابن يحيى بن خالد أنا إسحاق الحنظلي أنا أبو معاوية أنا عبد ~~الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعيد عن علي قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إن في الجنة لسوقا ليس ms0045 فيها بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال ~~والنساء، فإذا PageV01P075 # اشتهى الرجل صورة دخل فيها، إن فيها لمجتمع الحور العين ينادين، بصوت لم ~~يسمع الخلائق مثله: نحن الخالدات فلا نبيد أبدا، ونحن الناعمات فلا نبأس ~~أبدا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا، فطوبى لمن كان لنا وكنا له أو نحن له" ~~(1) ورواه أبو عيسى عن هناد وأحمد بن منيع عن أبي معاوية مرفوعا وقال: هذا ~~حديث غريب. أنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أنا عبد الغافر بن محمد ~~الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم ~~بن الحجاج أنا أبو عثمان سعيد بن عبد الجبار البصري أنا حماد بن سلمة عن ~~ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن في ~~الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم ~~فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول ~~لهم أهلهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله لقد ~~ازددتم بعدنا حسنا وجمالا" (2) . ### || # {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا ~~فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا ~~مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) } # قوله تعالى {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} سبب ~~نزول هذه الآية أن الله تعالى لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت فقال: "إن ~~الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له" (73-الحج) وقال: ~~"مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا" ~~(41-العنكبوت) قالت اليهود: ما أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة (3) ؟ ~~وقيل: قال المشركون: إنا لا نعبد إلها يذكر مثل هذه الأشياء فأنزل الله ~~تعالى {إن الله لا يستحيي} (4) أي لا يترك ولا يمنعه الحياء {أن يضرب مثلا} ~~يذكر شبها، {ما بعوضة} ما: صلة، أي مثلا بالبعوضة، وبعوضة نصب بدل ms0046 عن ~~المثل. PageV01P076 # والبعوض صغار البق سميت بعوضة كأنها بعض البق {فما فوقها} يعني الذباب ~~والعنكبوت وقال أبو عبيدة أي فما دونها كما يقال فلان جاهل فيقال وفوق ذلك ~~أي وأجهل {فأما الذين آمنوا} بمحمد والقرآن {فيعلمون أنه} يعني: المثل هو ~~{الحق} الصدق {من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا} ~~أي بهذا المثل فلما حذف الألف واللام نصبه على الحال والقطع ثم أجابهم فقال ~~{يضل به} أي بهذا المثل {كثيرا} الكفار وذلك أنهم يكذبونه فيزدادون ضلالا ~~{ويهدي به} أي بهذا المثل {كثيرا} المؤمنين فيصدقونه، والإضلال: هو الصرف ~~عن الحق إلى الباطل. وقيل: هو الهلاك يقال ضل الماء في اللبن إذا هلك {وما ~~يضل به إلا الفاسقين} الكافرين وأصل الفسق الخروج يقال فسقت الرطبة إذا ~~خرجت من قشرها قال الله تعالى: "ففسق عن أمر ربه" (50-الكهف) أي خرج ثم ~~وصفهم فقال: ### || # {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27) كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ~~فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون (28) هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم (29) ~~} # فقال {الذين ينقضون} يخالفون ويتركون وأصل النقض الكسر {عهد الله} أمر ~~الله الذي عهد إليهم يوم الميثاق بقوله: "ألست بربكم قالوا بلى" ~~(173-الأعراف) وقيل: أراد به العهد الذي أخذه على النبيين وسائر الأمم أن ~~يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله: "وإذ أخذ الله ميثاق النبيين" ~~(81-آل عمران) الآية وقيل: أراد به العهد الذي عهد إليهم في التوراة أن ~~يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويبينوا نعته {من بعد ميثاقه} توكيده. ~~والميثاق: العهد المؤكد {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} يعني الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الرسل عليهم السلام لأنهم قالوا: نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض وقال المؤمنون "لا نفرق بين أحد من رسله" (285-البقرة) ~~وقيل: أراد به الأرحام {ويفسدون في الأرض} ms0047 بالمعاصي وتعويق الناس عن ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن {أولئك هم الخاسرون} المغبونون، ~~ثم قال لمشركي العرب على وجه التعجب # {كيف تكفرون بالله} بعد نصب الدلائل ووضوح البراهين ثم ذكر الدلائل فقال ~~{وكنتم أمواتا} نطفا في أصلاب آبائكم {فأحياكم} في الأرحام والدنيا {ثم ~~يميتكم} عند انقضاء آجالكم {ثم يحييكم} للبعث {ثم إليه ترجعون} أي تردون في ~~الآخرة فيجزيكم بأعمالكم. # PageV01P077 # قرأ يعقوب "ترجعون" في كل القرآن بفتح الياء والتاء على تسمية الفاعل. # قوله تعالى {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} لكي تعتبروا وتستدلوا ~~وقيل لكي تنتفعوا {ثم استوى إلى السماء} قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: ~~أي ارتفع إلى السماء. وقال ابن كيسان والفراء وجماعة من النحويين: أي أقبل ~~على خلق السماء. وقيل: قصد لأنه خلق الأرض أولا ثم عمد إلى خلق السماء ~~{فسواهن سبع سماوات} خلقهن مستويات لا فطور فيها ولا صدع {وهو بكل شيء ~~عليم} قرأ أبو جعفر وأبو عمرو والكسائي وقالون وهو وهي بسكون الهاء إذا كان ~~قبل الهاء واو أو فاء أو لام، زاد الكسائي وقالون: ثم هو وقالون "أن يمل ~~هو" (282-البقرة) . ### || # {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ~~(30) } # قوله تعالى {وإذ قال ربك} أي وقال ربك وإذ زائدة وقيل معناه واذكر إذ قال ~~ربك وكذلك كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله وإذ وإذا حرفا ~~توقيت إلا أن إذ للماضي وإذا للمستقبل وقد يوضع أحدهما موضع الآخر قال ~~المبرد: إذا جاء {إذ} مع المستقبل كان معناه ماضيا كقوله تعالى "وإذ يمكر ~~بك الذين" (30-الأنفال) يريد وإذ مكروا وإذا جاء {إذا} مع الماضي كان معناه ~~مستقبلا كقوله: "فإذا جاءت الطامة" (34-النازعات) "إذا جاء نصر الله" ~~(1-النصر) أي يجيء {للملائكة} جمع ملك وأصله مألك من المألكة والألوكة ~~والألوك، وهي: الرسالة فقلبت فقيل ملأك ثم حذفت الهمزة طلبا للخفة لكثرة ms0048 ~~استعماله ونقلت حركتها إلى اللام فقيل ملك. وأراد بهم الملائكة الذين كانوا ~~في الأرض وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجن فأسكن ~~الملائكة السماء وأسكن الجن الأرض فغبروا فعبدوا دهرا طويلا في الأرض، ثم ~~ظهر فيهم الحسد والبغي فأفسدوا وقتلوا فبعث الله إليهم جندا من الملائكة ~~يقال لهم: الجن، وهم خزان الجنان اشتق لهم من الجنة رأسهم إبليس وكان ~~رئيسهم ومرشدهم وأكثرهم علما فهبطوا إلى الأرض فطردوا الجن إلى شعوب الجبال ~~(وبطون الأودية) (1) وجزائر البحور وسكنوا الأرض وخفف الله عنهم العبادة ~~فأعطى الله إبليس ملك الأرض، وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان يعبد ~~الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب فقال في ~~نفسه: ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه (2) فقال الله ~~تعالى 9/أله ولجنده: {إني جاعل} PageV01P078 # خالق. {في الأرض خليفة} أي بدلا منكم ورافعكم إلي، فكرهوا ذلك لأنهم ~~كانوا أهون الملائكة عبادة. # والمراد بالخليفة هاهنا آدم سماه خليفة لأنه خلف الجن أي جاء بعدهم وقيل ~~لأنه يخلفه غيره والصحيح أنه خليفة الله في أرضه لإقامة أحكامه وتنفيذ ~~وصاياه (1) {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} بالمعاصي. {ويسفك الدماء} بغير ~~حق أي كما فعل بنو الجان فقاسوا الشاهد على الغائب وإلا فهم ما كانوا ~~يعلمون الغيب {ونحن نسبح بحمدك} قال الحسن: نقول سبحان الله وبحمده وهو ~~صلاة الخلق {وصلاة البهائم وغيرهما} (2) سوى الآدميين وعليها يرزقون. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى ~~أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا زهير بن حرب أنا حبان ~~بن هلال أنا وهيب أنا سعيد الجريري عن أبي عبد الله الجسري عن عبادة بن ~~الصامت عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الكلام أفضل قال: ~~"ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده" (3) وقيل: ونحن نصلي ~~بأمرك، قال ابن عباس: كل ما في القرآن من التسبيح فالمراد منه ms0049 الصلاة ~~{ونقدس لك} أي نثني عليك بالقدس والطهارة وقيل: ونطهر أنفسنا لطاعتك وقيل: ~~وننزهك. واللام صلة وقيل: لم يكن هذا من الملائكة على طريق الاعتراض والعجب ~~بالعمل بل على سبيل التعجب وطلب وجه الحكمة فيه {قال} الله {إني أعلم ما لا ~~تعلمون} المصلحة فيه، وقيل: إني أعلم أن في ذريته من يطيعني ويعبدني من ~~الأنبياء والأولياء والعلماء وقيل: إني أعلم أن فيكم من يعصيني وهو إبليس، ~~وقيل إني أعلم أنهم يذنبون وأنا أغفر لهم. قرأ أهل الحجاز والبصرة إني أعلم ~~بفتح الياء وكذلك كل ياء إضافة استقبلها ألف مفتوحة إلا في مواضع معدودة ~~ويفتحون في بعض المواضع عند الألف المضمومة والمكسورة (وعند غير الألف) (4) ~~وبين القراء في تفصيله اختلاف. ### || # {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء ~~إن كنتم صادقين (31) } # قوله تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها} سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، ~~وقيل: لأنه كان آدم اللون PageV01P079 # وكنيته أبو محمد وأبو البشر فلما خلقه الله تعالى علمه أسماء الأشياء ~~وذلك أن الملائكة قالوا: لما قال الله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة} ~~ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا وإن كان فنحن أعلم منه لأنا ~~خلقنا قبله ورأينا ما لم يره. فأظهر الله تعالى فضله عليهم بالعلم وفيه ~~دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلا كما ذهب إليه أهل ~~السنة والجماعة قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: علمه اسم كل شيء حتى القصعة ~~والقصيعة وقيل: اسم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. وقال الربيع بن أنس: ~~أسماء الملائكة وقيل: أسماء ذريته، وقيل: صنعة كل شيء قال أهل التأويل: إن ~~الله عز وجل علم آدم جميع اللغات ثم تكلم كل واحد من أولاده بلغة فتفرقوا ~~في البلاد واختص كل فرقة منهم بلغة (1) . {ثم عرضهم على الملائكة} إنما قال ~~عرضهم ولم يقل عرضها لأن المسميات إذا جمعت من يعقل وما لا يعقل يكنى عنها ~~بلفظ من يعقل كما يكنى عن الذكور ms0050 والإناث بلفظ الذكور وقال مقاتل: خلق الله ~~كل شيء الحيوان والجماد ثم عرض تلك الشخوص على الملائكة فالكناية راجعة إلى ~~الشخوص فلذلك قال عرضهم {فقال أنبئوني} أخبروني {بأسماء هؤلاء إن كنتم ~~صادقين} في أني لا أخلق خلقا إلا وكنتم أفضل وأعلم منه فقالت الملائكة ~~إقرارا بالعجز: ### || # {قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32) قال ~~يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب ~~السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) } # {قالوا سبحانك} تنزيها لك {لا علم لنا إلا ما علمتنا} معناه فإنك أجل من ~~أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علمتنا {إنك أنت العليم} بخلقك {الحكيم} في ~~أمرك والحكيم له معنيان: أحدهما الحاكم وهو القاضي العدل والثاني المحكم ~~للأمر كي لا يتطرق إليه الفساد وأصل الحكمة في اللغة: المنع فهي تمنع ~~صاحبها من الباطل ومنه حكمة الدابة لأنها تمنعها من الاعوجاج فلما ظهر ~~عجزهم {قال} الله تعالى: # {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} أخبرهم بأسمائهم فسمى آدم كل شيء باسمه وذكر ~~الحكمة التي لأجلها خلق {فلما أنبأهم بأسمائهم قال} الله تعالى {ألم أقل ~~لكم} يا ملائكتي {إني أعلم غيب السماوات والأرض} ما كان منهما وما يكون ~~لأنه قد قال لهم {إني أعلم ما لا تعلمون} (30-البقرة) {وأعلم ما تبدون} قال ~~الحسن وقتادة: يعني قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها {وما كنتم تكتمون} قولكم ~~لن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا، قال ابن عباس رضي الله عنهما هو أن إبليس ~~مر على PageV01P080 # جسد آدم وهو ملقى بين مكة والطائف لا روح فيه فقال: لأمر ما خلق هذا ثم ~~دخل في فيه وخرج من دبره وقال: إنه خلق لا يتماسك لأنه أجوف ثم قال ~~للملائكة الذين معه أرأيتم إن فضل هذا عليكم وأمرتم بطاعته ماذا تصنعون؟ ~~قالوا: نطيع أمر ربنا، فقال إبليس في نفسه: والله لئن سلطت عليه لأهلكنه ~~ولئن سلط علي لأعصينه فقال الله تعالى: {وأعلم ما تبدون} يعني ما تبديه ms0051 ~~الملائكة من الطاعة {وما كنتم تكتمون} يعني إبليس من المعصية. ### || # {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من ~~الكافرين (34) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ~~ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) فأزلهما الشيطان عنها ~~فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ~~ومتاع إلى حين (36) فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ~~(37) } # وقوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} قرأ أبو جعفر "للملائكة ~~اسجدوا" بضم التاء على جوار ألف اسجدوا وكذلك قرأ "قل رب احكم بالحق" ~~(112-الأنبياء) بضم الباء وضعفه النحاة جدا ونسبوه إلى الغلط فيه واختلفوا ~~في أن هذا الخطاب مع أي الملائكة فقال بعضهم: مع الذين كانوا سكان الأرض. ~~والأصح: أنه مع جميع الملائكة لقوله تعالى: "فسجد الملائكة كلهم أجمعون" ~~(30-الحجر) وقوله: {اسجدوا} فيه قولان: الأصح أن السجود كان لآدم على ~~الحقيقة، وتضمن معنى الطاعة لله عز وجل بامتثال أمره، وكان ذلك سجود تعظيم ~~وتحية لا سجود عبادة، كسجود إخوة يوسف له في قوله عز وجل "وخروا له سجدا" ~~(100-يوسف) ولم يكن فيه وضع الوجه على الأرض، إنما كان الانحناء، فلما جاء ~~الإسلام أبطل ذلك بالسلام. # وقيل: معنى قوله {اسجدوا لآدم} أي إلى آدم فكان آدم قبلة، والسجود لله ~~تعالى، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة والصلاة لله عز وجل. # {فسجدوا} يعني: الملائكة {إلا إبليس} وكان اسمه عزازيل بالسريانية، ~~وبالعربية: الحارث، فلما عصى غير اسمه وصورته فقيل: إبليس، لأنه أبلس من ~~رحمة الله تعالى أي يئس. # واختلفوا فيه فقال ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين: كان إبليس من ~~الملائكة، وقال الحسن: كان من الجن ولم يكن من الملائكة لقوله تعالى "إلا ~~إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه" # PageV01P081 # (50-الكهف) فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من النار ~~والملائكة خلقوا من النور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة، والأول أصح (1) ~~لأن خطاب السجود كان ms0052 مع الملائكة، وقوله "كان من الجن" أي من الملائكة ~~الذين هم خزنة الجنة. وقال سعيد بن جبير: من الذين يعملون في الجنة، وقال: ~~قوم من الملائكة الذين يصوغون حلي أهل الجنة، وقيل: إن فرقة من الملائكة ~~خلقوا من النار سموا جنا لاستتارهم عن الأعين، وإبليس كان منهم. والدليل ~~عليه قوله تعالى "وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا" (158-الصافات) وهو قولهم: ~~الملائكة 9/ب بنات الله، ولما أخرجه الله من الملائكة جعل له ذرية. # قوله: {أبى} أي امتنع فلم يسجد {واستكبر} أي تكبر عن السجود {لآدم} (2) ~~{وكان} أي: صار {من الكافرين} وقال أكثر المفسرين: وكان في سابق علم الله ~~من الكافرين الذين وجبت لهم الشقاوة. # أنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي أنا ابن الحاكم أبو الفضل محمد بن ~~الحسين الحدادي أنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد أنا إسحاق بن إبراهيم ~~الحنظلي أنا جرير ووكيع وأبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان ~~يبكي ويقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود ~~فعصيت فلي النار" (3) # قوله تعالى {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} وذلك أن آدم لم يكن في ~~الجنة من يجانسه فنام نومة فخلق الله زوجته حواء من قصيراء شقه الأيسر، ~~وسميت حواء لأنها خلقت من حي، خلقها الله عز وجل من غير أن أحس به آدم ولا ~~وجد له ألما، ولو وجد لما عطف رجل على امرأة قط فلما هب من نومه رآها جالسة ~~عند رأسه (كأحسن ما في) (4) خلق الله فقال لها: من أنت؟ قالت زوجتك خلقني ~~الله لك تسكن إلي وأسكن إليك (5) {وكلا منها رغدا} واسعا كثيرا {حيث شئتما} ~~كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما {ولا تقربا هذه الشجرة} يعني للأكل، وقال ~~بعض العلماء: وقع PageV01P082 # النهي على جنس من الشجر. وقال آخرون: على شجرة مخصوصة، واختلفوا في تلك ~~الشجرة، قال ابن عباس ومحمد بن ms0053 كعب ومقاتل: هي السنبلة وقال ابن مسعود: هي ~~شجرة العنب. وقال ابن جريج: شجرة التين، وقال قتادة: شجرة العلم وفيها من ~~كل شيء، وقال علي رضي الله عنه: شجرة الكافور (1) {فتكونا} فتصيرا {من ~~الظالمين} أي الضارين بأنفسكما بالمعصية، وأصل الظلم، وضع الشيء في غير ~~موضعه. # {فأزلهما} استزل {الشيطان} آدم وحواء أي دعاهما إلى الزلة: وقرأ حمزة: ~~فأزالهما، أي نحاهما "الشيطان" فيعال من شطن، أي: بعد، سمي به لبعده عن ~~الخير وعن الرحمة، {عنها} عن الجنة {فأخرجهما مما كانا فيه} النعيم، وذلك ~~أن إبليس أراد أن يدخل ليوسوس {إلى} (2) آدم وحواء فمنعته الخزنة فأتى ~~الحية وكانت صديقة لإبليس وكانت من أحسن الدواب، لها أربع قوائم كقوائم ~~البعير، وكانت من خزان الجنة فسألها إبليس أن تدخله فمها فأدخلته ومرت به ~~على الخزنة وهم لا يعلمون فأدخلته الجنة، وقال الحسن: إنما رآهما على باب ~~الجنة لأنهما كانا يخرجان منها وقد كان آدم حين دخل الجنة ورأى ما فيها من ~~النعيم قال: لو أن خلدا، فاغتنم ذلك منه الشيطان فأتاه الشيطان من قبل ~~الخلد فلما دخل الجنة وقف بين يدي آدم وحواء وهما لا يعلمان أنه إبليس فبكى ~~وناح نياحة أحزنتهما، وهو أول من ناح فقالا له: ما يبكيك؟ قال: أبكي عليكما ~~تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة. فوقع ذلك في أنفسهما فاغتما ومضى ~~إبليس ثم أتاهما بعد ذلك وقال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد؟ فأبى أن ~~يقبل منه، وقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، فاغترا وما ظنا أن أحدا ~~يحلف بالله كاذبا، فبادرت حواء إلى أكل الشجرة ثم ناولت آدم حتى أكلها. # وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حواء ~~سقته الخمر حتى إذا سكر قادته إليها فأكل (3) . PageV01P083 # قال إبراهيم بن أدهم: أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا. قال ابن عباس ~~وقتادة: قال الله عز وجل لآدم: ألم يكن فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن ~~الشجرة؟ قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن ما ظننت ms0054 أن أحدا يحلف بك كاذبا، قال: ~~فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا كدا فأهبطا من الجنة وكانا ~~يأكلان فيها رغدا فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث فيها وزرع ثم سقى حتى ~~إذا بلغ حصد ثم داسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله فلم يبلغه ~~حتى بلغ منه ما شاء. قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: إن آدم لما أكل من ~~الشجرة التي نهي عنها قال الله عز وجل: ما حملك على ما صنعت قال يا رب ~~زينته لي حواء قال: فإني أعقبتها أن لا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها ~~ودميتها (1) في الشهر مرتين، فرنت (2) حواء عند ذلك فقيل: عليك الرنة وعلى ~~بناتك (3) فلما أكلا {تهافتت} (4) عنهما ثيابهما وبدت سوآتهما وأخرجا من ~~الجنة، فذلك قوله تعالى: {وقلنا اهبطوا} أي انزلوا إلى الأرض يعني آدم ~~وحواء وإبليس والحية، فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل يقال له نود، ~~وحواء بجدة وإبليس بالأيلة والحية بأصفهان (5) {بعضكم لبعض عدو} أراد ~~العداوة التي بين ذرية آدم والحية وبين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس؛ ~~قال الله تعالى: "إن الشيطان لكما عدو مبين" (22-الأعراف) . # أنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسن بن بشران أنا إسماعيل بن ~~محمد الصفار أنا أحمد بن محمد الصفار حدثنا منصور الرمادي أنا عبد الرزاق ~~أنا معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال عكرمة: لا ~~أعلمه إلا رفع الحديث، أنه كان يأمر بقتل الحيات وقال: من تركهن خشية أو ~~مخافة ثائر فليس منا (6) وزاد موسى بن مسلم عن عكرمة في الحديث: ما ~~سالمناهن منذ حاربناهن [وروي أنه نهى عن ذوات البيوت، =روي عن أبي سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإن رأيتم ~~منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان" ~~(7) ] (8) PageV01P084 # قوله تعالى: {ولكم في الأرض مستقر} موضع قرار {ومتاع} بلغة ومستمتع ms0055 {إلى ~~حين} إلى انقضاء آجالكم # {فتلقى} تلقى والتلقي: هو قبول عن فطنة وفهم، وقيل: هو التعلم {آدم من ~~ربه كلمات} قراءة العامة: آدم برفع الميم وكلمات بخفض التاء. قرأ ابن كثير: ~~آدم بالنصب، كلمات برفع التاء يعني جاءت الكلمات آدم من ربه، وكانت سبب ~~توبته. واختلفوا في تلك الكلمات قال سعيد بن جبير ومجاهد والحسن: هي قوله ~~"ربنا ظلمنا أنفسنا" الآية. # وقال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي: هي قوله لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ~~رب عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت {التواب الرحيم} (1) . لا إله ~~إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم ~~الراحمين (2) وقال عبيد بن عمير: هي أن آدم قال يا رب أرأيت ما أتيت أشيء ~~ابتدعته من تلقاء نفسي أم شيء قدرته علي قبل أن تخلقني؟ قال الله تعالى: لا ~~بل شيء قدرته عليك قبل أن أخلقك. قال يا رب فكما قدرته قبل أن تخلقني فاغفر ~~لي (3) . # وقيل: هي ثلاثة أشياء الحياء والدعاء والبكاء، قال ابن عباس بكى آدم ~~وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين ~~يوما، ولم يقرب آدم 10/أحواء مائة سنة، وروى المسعودي عن يونس بن خباب ~~وعلقمة بن مرثد قالوا: لو أن دموع جميع أهل الأرض جمعت {لكانت} (4) دموع ~~داود أكثر حيث أصاب الخطيئة ولو أن دموع داود ودموع أهل الأرض جمعت لكانت ~~دموع آدم أكثر حيث أخرجه الله من الجنة قال شهر بن حوشب: بلغني أن آدم لما ~~{هبط} (5) إلى الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء من الله تعالى (6) ~~PageV01P085 # قوله: {فتاب عليه} فتجاوز عنه {إنه هو التواب} يقبل توبة عباده {الرحيم} ~~بخلقه. ### || # {قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (38) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون (39) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون (40) وآمنوا بما أنزلت ms0056 مصدقا لما معكم ولا ~~تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) ولا ~~تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42) وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة واركعوا مع الراكعين (43) } # وقوله تعالى: {قلنا اهبطوا منها جميعا} يعني هؤلاء الأربعة. وقيل: الهبوط ~~الأول من الجنة إلى السماء الدنيا والهبوط {الآخر} (1) من السماء الدنيا ~~إلى الأرض {فإما يأتينكم} أي فإن يأتكم يا ذرية آدم {مني هدى} أي رشد وبيان ~~شريعة، وقيل كتاب ورسول {فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قرأ ~~يعقوب: فلا خوف بالفتح في كل القرآن والآخرون بالضم والتنوين فلا خوف عليهم ~~فيما [يستقبلون هم] (2) {ولا هم يحزنون} على ما خلفوا. وقيل: لا خوف عليهم ~~في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة # {والذين كفروا} (يعني جحدوا) (3) {وكذبوا بآياتنا} بالقرآن {أولئك أصحاب ~~النار} يوم القيامة {هم فيها خالدون} لا يخرجون منها ولا يموتون فيها. # قوله تعالى: {يا بني إسرائيل} يا أولاد يعقوب. ومعنى إسرائيل: عبد الله، ~~"وإيل" هو الله تعالى، وقيل صفوة الله، وقرأ أبو جعفر: إسرائيل بغير همز ~~{اذكروا} احفظوا، والذكر: يكون بالقلب ويكون باللسان وقيل: أراد به الشكر، ~~وذكر بلفظ الذكر لأن في الشكر ذكرا وفي الكفران نسيانا، قال الحسن: ذكر ~~النعمة شكرها {نعمتي} أي: نعمي، لفظها واحد ومعناها جمع (4) كقوله تعالى ~~"وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" (34-إبراهيم) {التي أنعمت عليكم} أي على ~~أجدادكم وأسلافكم. قال قتادة: هي النعم التي خصت بها بنو إسرائيل: من فلق ~~البحر وإنجائهم من فرعون بإغراقه وتظليل الغمام عليهم في التيه، وإنزال ~~المن والسلوى وإنزال التوراة، في نعم كثيرة لا تحصى، وقال غيره: هي جميع ~~النعم التي لله عز وجل PageV01P086 # على عباده {وأوفوا بعهدي} أي بامتثال أمري {أوف بعهدكم} بالقبول والثواب. # قال قتادة ومجاهد: أراد بهذا العهد ما ذكر في سورة المائدة "ولقد أخذ ~~الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم حفظ اثني عشر نقيبا إلى أن قال -لأكفرن ~~عنكم سيئاتكم" (12-المائدة) فهذا قوله: "أوف بعهدكم". وقال الحسن هو قوله ~~"وإذ أخذنا ms0057 ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة" (63-البقرة) ~~فهو شريعة التوراة، وقال مقاتل هو قوله "وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا ~~تعبدون إلا الله" (83-البقرة) وقال الكلبي: عهد الله إلى بني إسرائيل على ~~لسان موسى: إني باعث من بني إسماعيل نبيا أميا فمن اتبعه وصدق بالنور الذي ~~يأتي به غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين اثنين: وهو قوله: "وإذ ~~أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس" (187-آل عمران) يعني أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # {وإياي فارهبون} فخافوني في نقض العهد. وأثبت يعقوب الياءآت المحذوفة في ~~الخط مثل فارهبوني، فاتقوني، واخشوني، والآخرون يحذفونها على الخط # {وآمنوا بما أنزلت} يعني القرآن {مصدقا لما معكم} أي موافقا لما معكم ~~يعني: التوراة، في التوحيد والنبوة والأخبار ونعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم، نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه من علماء اليهود ورؤسائهم (1) {ولا ~~تكونوا أول كافر به} أي بالقرآن يريد من أهل الكتاب، لأن قريشا كفرت قبل ~~اليهود بمكة، معناه: ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن فيتابعكم اليهود على ~~ذلك فتبوؤا بآثامكم وآثامهم {ولا تشتروا} أي: ولا تستبدلوا {بآياتي} ببيان ~~صفة محمد صلى الله عليه وسلم {ثمنا قليلا} أي عرضا يسيرا من الدنيا وذلك أن ~~رؤساء اليهود وعلماءهم كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وجهالهم يأخذون ~~منهم كل عام شيئا معلوما من زروعهم وضروعهم ونقودهم فخافوا إن هم بينوا صفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل فغيروا نعته وكتموا ~~اسمه فاختاروا الدنيا على الآخرة {وإياي فاتقون} فاخشوني # {ولا تلبسوا الحق بالباطل} أي لا تخلطوا، يقال: لبس الثوب يلبس لبسا، ~~ولبس عليه الأمر يلبس لبسا أي خلط. يقول: لا تخلطوا الحق الذي، أنزلت عليكم ~~من صفة محمد صلى الله عليه وسلم بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم من تغيير صفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # والأكثرون على أنه أراد: لا تلبسوا الإسلام باليهودية والنصرانية (2) . # وقال مقاتل: إن اليهود أقروا ببعض صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتموا ~~بعضا ms0058 ليصدقوا في ذلك فقال: ولا تلبسوا الحق الذي تقرون به بالباطل يعني بما ~~تكتمونه، فالحق: بيانهم، والباطل: كتمانهم وتكتموا الحق أي لا تكتموه، ~~يعني: نعت محمد صلى الله عليه وسلم. PageV01P087 # {وأنتم تعلمون} أنه نبي مرسل # {وأقيموا الصلاة} يعني الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها {وآتوا الزكاة} ~~أدوا زكاة أموالكم المفروضة. والزكاة مأخوذة من زكا الزرع إذا نما وكثر. ~~وقيل: من تزكى أي تطهر، وكلا المعنيين موجود في الزكاة، لأن فيها تطهيرا ~~وتنمية للمال {واركعوا مع الراكعين} أي صلوا مع المصلين: محمد صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، وذكر بلفظ الركوع لأنه ركن من أركان الصلاة، ولأن صلاة ~~اليهود لم يكن فيها ركوع، فكأنه قال: صلوا صلاة ذات ركوع، قيل: إعادته بعد ~~قوله {وأقيموا الصلاة} لهذا، أي صلوا مع الذين في صلاتهم ركوع، فالأول مطلق ~~في حق الكل، وهذا في حق أقوام مخصوصين. وقيل: هذا حث على إقامة الصلاة ~~جماعة كأنه قال لهم: صلوا مع المصلين الذين سبقوكم بالإيمان. ### || # {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (44) ~~واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45) الذين يظنون ~~أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون (46) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين (47) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس ~~شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون (48) } # {أتأمرون الناس بالبر} أي بالطاعة، نزلت في علماء اليهود، وذلك أن الرجل ~~منهم كان يقول لقريبه وحليفه من المسلمين إذا سأله عن أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم: اثبت على دينه فإن أمره حق وقوله صدق. وقيل: هو خطاب لأخبارهم ~~حيث أمروا أتباعهم بالتمسك بالتوراة، ثم خالفوا وغيروا نعت محمد صلى الله ~~عليه وسلم {وتنسون أنفسكم} أي تتركون أنفسكم فلا تتبعونه {وأنتم تتلون ~~الكتاب} تقرءون التوراة فيها نعته وصفته {أفلا تعقلون} أنه حق فتتبعونه؟. # والعقل مأخوذ من عقال الدابة، وهو ما يشد به ركبة البعير فيمنعه من ~~الشرود، فكذلك العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود. # أخبرنا أحمد بن ms0059 عبد الله الصالحي أنا أبو عمرو بكر بن محمد المزني أنا ~~أبو بكر محمد بن عبد الله حفيد العباس بن حمزة أنا الحسين بن الفضل البجلي ~~أنا عفان أنا حماد بن سلمة أنا علي بن زيد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار ~~قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر ~~وينسون أنفسهم وهم يتلون # PageV01P088 # الكتاب" (1) # أخبرنا عبد الواحد 10/ب الميلحي أنا أحمد عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا علي بن عبد الله أنا سفيان عن الأعمش عن أبي ~~وائل قال: قال أسامة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه (أي تنقطع ~~أمعاؤه) في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه (2) فيجتمع أهل النار عليه ~~فيقولون: أي فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ ~~قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" وقال شعبة عن ~~الأعمش "فيطحن فيها كما يطحن الحمار برحاه" (3) . # {واستعينوا} على ما يستقبلكم من أنواع البلاء وقيل: على طلب الآخرة ~~{بالصبر والصلاة} أراد حبس النفس عن المعاصي. وقيل: أراد: الصبر على أداء ~~الفرائض، وقال مجاهد: الصبر الصوم، ومنه سمي شهر رمضان شهر الصبر، وذلك لأن ~~الصوم يزهده في الدنيا، والصلاة ترغبه في الآخرة، وقيل: الواو بمعنى على، ~~أي: واستعينوا بالصبر على الصلاة، كما قال الله تعالى: "وأمر أهلك بالصلاة ~~واصطبر عليها" (132-طه) {وإنها} يقل وإنهما ردا للكناية إلى كل واحد منهما ~~أي وإن كل خصلة منهما. كما قال: "كلتا الجنتين آتت أكلها" (33-الكهف) أي كل ~~واحدة منهما. وقيل: معناه {واستعينوا بالصبر} وإنه لكبير وبالصلاة وإنها ~~لكبيرة، فحذف أحدهما اختصارا، وقال المؤرج (4) رد الكناية إلى الصلاة لأنها ~~أعم كقوله تعالى: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها" (34-التوبة) ~~رد الكناية إلى الفضة لأنها أعم. وقيل: رد ms0060 الكناية إلى الصلاة لأن الصبر ~~داخل فيها. كما قال الله تعالى: "والله ورسوله أحق أن يرضوه" (62-التوبة) ~~ولم يقل يرضوهما لأن رضا الرسول داخل في رضا الله تعالى. # وقال الحسين بن الفضل: رد الكناية إلى الاستعانة {لكبيرة} أي: لثقيلة ~~{إلا على الخاشعين} PageV01P089 # يعني: المؤمنين، وقال الحسن: الخائفين وقيل: المطيعين وقال مقاتل بن ~~حيان: المتواضعين، وأصل الخشوع السكون قال الله تعالى: "وخشعت الأصوات ~~للرحمن" (108-طه) فالخاشع ساكن إلى طاعة الله تعالى. # {الذين يظنون} يستيقنون [أنهم مبعوثون وأنهم محاسبون وأنهم راجعون إلى ~~الله تعالى، أي: يصدقون بالبعث، وجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا ~~إليه] (1) . # والظن من الأضداد يكون شكا ويقينا وأملا كالرجاء يكون خوفا وأملا وأمنا ~~{أنهم ملاقو ربهم} معاينو {ربهم} في الآخرة وهو رؤية الله تعالى وقيل: ~~المراد من اللقاء الصيرورة إليه {وأنهم إليه راجعون} فيجزيهم بأعمالهم. # {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على ~~العالمين} أي عالمي زمانكم، وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء، لكن يحصل ~~به الشرف للأبناء # {واتقوا يوما} واخشوا عقاب يوم {لا تجزي نفس} لا تقضي نفس {عن نفس شيئا} ~~أي حقا لزمها وقيل: لا تغني، وقيل: لا تكفي شيئا من الشدائد {ولا يقبل منها ~~شفاعة} قرأ ابن كثير ويعقوب بالتاء لتأنيث الشفاعة، وقرأ الباقون بالياء ~~لأن الشفع والشفاعة بمعنى واحد كالوعظ والموعظة، فالتذكير على المعنى، ~~والتأنيث على اللفظ، كقوله تعالى: "قد جاءتكم موعظة من ربكم" (57-يونس) ~~وقال في موضع آخر "فمن جاءه موعظة من ربه" (275-البقرة) أي لا تقبل منها ~~شفاعة إذا كانت كافرة {ولا يؤخذ منها عدل} أي فداء وسمي به لأنه مثل ~~المفدي. والعدل: المثل {ولا هم ينصرون} يمنعون من عذاب الله. ### || # {وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (49) وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم ~~وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (50) } # {وإذ نجيناكم} يعني: أسلافكم وأجدادكم فاعتدها منة عليهم لأنهم نجوا ~~بنجاتهم {من آل فرعون} أتباعه وأهل دينه، وفرعون هو ms0061 الوليد بن مصعب بن ~~الريان وكان من القبط العماليق وعمر أكثر من أربعمائة سنة {يسومونكم} ~~يكلفونكم ويذيقونكم، {سوء العذاب} أشد العذاب وأسوأه وقيل: يصرفونكم في ~~العذاب مرة هكذا ومرة هكذا كالإبل السائمة في البرية، وذلك أن فرعون جعل ~~بني # PageV01P090 # إسرائيل خدما وخولا (1) وصنفهم في الأعمال فصنف يبنون، وصنف يحرثون ~~ويزرعون، وصنف يخدمونه، ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليه الجزية. # وقال وهب: كانوا أصنافا في أعمال فرعون، فذوو القوة ينحتون السواري (2) ~~من الجبال حتى قرحت (3) أعناقهم وأيديهم ودبرت (4) ظهورهم من قطعها ونقلها، ~~وطائفة ينقلون الحجارة، وطائفة يبنون له القصور، وطائفة منهم يضربون اللبن ~~ويطبخون الآجر، وطائفة نجارون وحدادون، والضعفة منهم يضرب عليهم الخراج ~~ضريبة يؤدونها كل يوم، فمن غربت عليه الشمس قبل أن يؤدي ضريبته غلت يمينه ~~إلى عنقه شهرا، والنساء يغزلن الكتان وينسجن، وقيل: تفسيره ذكرما بعده: ~~{يذبحون أبناءكم} مذكور على وجه البدل من قوله -يسومونكم سوء العذاب ~~{ويستحيون نساءكم} يتركونهن أحياء، وذلك أن فرعون رأى في منامه كأن نارا ~~أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر وأحرقت كل قبطي فيها ولم تتعرض لبني ~~إسرائيل فهاله ذلك وسأل الكهنة عن رؤياه؟ فقالوا: يولد في بني إسرائيل غلام ~~يكون على يده هلاكك وزوال ملكك، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني ~~إسرائيل وجمع القوابل فقال لهن: لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل ~~إلا قتل ولا جارية إلا تركت، ووكل بالقوابل، فكن يفعلن ذلك حتى قيل: إنه ~~قتل في بني إسرائيل اثني عشر ألف صبي في طلب موسى. وقال وهب: بلغني أنه ذبح ~~في طلب موسى عليه السلام تسعين ألف وليد. قالوا: وأسرع الموت في =مشيخة بني ~~إسرائيل فدخل رءوس القبط على فرعون وقالوا: إن الموت قد وقع في بني إسرائيل ~~أفتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا؟ فأمر فرعون أن ~~يذبحوا سنة ويتركوا سنة، فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها، وموسى ~~في السنة التي يذبحون فيها. # {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} قيل: ms0062 البلاء المحنة، أي في سومهم إياكم سوء ~~العذاب محنة عظيمة، وقيل: البلاء النعمة أي في إنجائي إياكم منهم نعمة ~~عظيمة، فالبلاء يكون بمعنى النعمة وبمعنى الشدة، فالله تعالى قد يختبر على ~~النعمة بالشكر، وعلى الشدة بالصبر وقال: الله تعالى "ونبلوكم بالشر والخير ~~فتنة" (35-الأنبياء) . # {وإذ فرقنا بكم البحر} قيل: معناه فرقنا لكم وقيل: فرقنا البحر بدخولكم ~~إياه وسمي البحر بحرا لاتساعه، ومنه قيل للفرس: بحر إذا اتسع في جريه، وذلك ~~أنه لما دنا هلاك فرعون أمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يسري ببني ~~إسرائيل من مصر ليلا فأمر موسى قومه أن يسرجوا في بيوتهم إلى الصبح، ~~PageV01P091 # وأخرج الله تعالى كل ولد زنا في القبط من بني إسرائيل إليهم، وكل ولد زنا ~~في بني إسرائيل 11/أمن القبط إلى القبط حتى رجع كل إلى أبيه، وألقى الله ~~الموت على القبط فمات كل بكر لهم واشتغلوا بدفنهم حتى أصبحوا وطلعت الشمس، ~~وخرج موسى عليه السلام في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل، لا يعدون ابن ~~العشرين لصغره، ولا ابن الستين لكبره، وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب اثنين ~~وسبعين إنسانا ما بين رجل وامرأة. # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان أصحاب موسى ستمائة ألف وسبعين ألفا ~~(1) . # وعن عمرو بن ميمون قال: كانوا ستمائة ألف فلما أرادوا السير ضرب عليهم ~~التيه فلم يدروا أين يذهبون فدعا موسى =مشيخة بني إسرائيل وسألهم عن ذلك ~~فقالوا: إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ على إخوته عهدا أن لا ~~يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم فلذلك انسد علينا الطريق، فسألهم عن موضع ~~قبره فلم يعلموا فقام موسى ينادي: أنشد الله كل من يعلم أين موضع قبر يوسف ~~عليه السلام ألا أخبرني به؟ ومن لم يعلم به فصمت أذناه عن قولي! وكان يمر ~~بين الرجلين ينادي فلا يسمعان صوته حتى سمعته عجوز لهم فقالت: أرأيتك إن ~~دللتك على قبره أتعطيني كل ما سألتك؟ فأبى عليها وقال: حتى أسأل ربي ~~(فأمره) (2) الله تعالى بإيتائها سؤلها فقالت: ms0063 إني عجوز كبيرة لا أستطيع ~~المشي فاحملني وأخرجني من مصر، هذا في الدنيا وأما في الآخرة فأسألك أن لا ~~تنزل غرفة من الجنة إلا نزلتها معك قال: نعم قالت: إنه في جوف الماء في ~~النيل فادع الله حتى يحسر عنه الماء، فدعا الله تعالى فحسر عنه الماء، ودعا ~~أن يؤخر طلوع الفجر إلى أن يفرغ من أمر يوسف عليه السلام، فحفر موسى عليه ~~السلام ذلك الموضع واستخرجه في صندوق من مرمر، وحمله حتى دفنه بالشام، ففتح ~~لهم الطريق فساروا وموسى عليه السلام على ساقتهم (3) وهارون على مقدمتهم، ~~ونذر (4) بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم PageV01P092 # أن لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل حتى يصيح الديك، فوالله ما صاح ديك تلك ~~الليلة، فخرج فرعون في طلب بني إسرائيل وعلى مقدمته هامان في ألف ألف ~~وسبعمائة ألف، وكان فيهم سبعون ألفا من دهم الخيل سوى سائر الشيات (1) ~~[وقال محمد بن كعب رضي الله عنه: كان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم سوى ~~سائر الشيات (2) ] (3) وكان فرعون يكون في الدهم (4) وقيل: كان فرعون في ~~سبعة آلاف ألف، وكان بين يديه مائة ألف ناشب، ومائة ألف أصحاب حراب، ومائة ~~ألف أصحاب الأعمدة، فسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر والماء في غاية ~~الزيادة فنظروا فإذا هم بفرعون حين أشرقت الشمس فبقوا متحيرين فقالوا: يا ~~موسى كيف نصنع؟ وأين ما وعدتنا؟ هذا فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا! والبحر ~~أمامنا إن دخلناه غرقنا؟ قال الله تعالى: "فلما تراءى الجمعان قال أصحاب ~~موسى إنا لمدركون قال موسى كلا إن معي ربي سيهدين" (61-62 الشعراء) . # فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه فأوحى الله إليه أن ~~كنه فضربه وقال: انفلق يا أبا خالد بإذن الله تعالى، فانفلق فكان كل فرق ~~كالطود العظيم، وظهر فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق وارتفع الماء بين كل ~~طريقين كالجبل وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبسا فخاضت ~~بنو إسرائيل البحر، كل سبط في طريق، وعن جانبيهم ms0064 الماء كالجبل الضخم ولا ~~يرى بعضهم بعضا، فخافوا وقال كل سبط: قد قتل إخواننا فأوحى الله تعالى إلى ~~جبال الماء: أن تشبكي، فصار الماء شبكات كالطبقات يرى بعضهم بعضا ويسمع ~~بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين فذلك قوله تعالى "وإذ فرقنا بكم ~~البحر". # {فأنجيناكم} من آل فرعون والغرق {وأغرقنا آل فرعون} وذلك أن فرعون لما ~~وصل إلى البحر فرآه منغلقا قال لقومه: انظروا إلى البحر انفلق من هيبتي حتى ~~أدرك عبيدي الذين أبقوا ادخلوا البحر فهاب قومه أن يدخلوه وقيل: قالوا له ~~إن كنت ربا فادخل البحر كما دخل موسى، وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن في ~~خيل فرعون فرسى أنثى فجاء جبريل على فرس أنثى وديق (5) فتقدمهم وخاض البحر ~~فلما شم أدهم فرعون ريحها اقتحم البحر في أثرها وهم لا يرونه ولم يملك ~~فرعون من أمره شيئا وهو لا يرى فرس جبريل واقتحمت الخيول جملة خلفه في ~~البحر، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم ويسوقهم حتى لا يشذ رجل منهم ~~ويقول لهم: الحقوا بأصحابكم حتى خاضوا كلهم البحر، وخرج جبريل من ~~PageV01P093 # البحر، وهم أولهم بالخروج فأمر الله تعالى البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم ~~وغرقهم أجمعين، وكان بين طرفي البحر أربعة فراسخ وهو بحر قلزم، طرف من بحر ~~فارس، قال قتادة: بحر من وراء مصر يقال له إساف، وذلك بمرأى من بني إسرائيل ~~فذلك قوله تعالى: {وأنتم تنظرون} إلى مصارعهم وقيل: إلى إهلاكهم. ### || # {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (51) ~~ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (52) وإذ آتينا موسى الكتاب ~~والفرقان لعلكم تهتدون (53) وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم ~~باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ~~فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم (54) } # {وإذ واعدنا} من المفاعلة التي تكون من الواحد كقولهم: عافاك الله، ~~وعاقبت اللص، وطارقت النعل. وقال الزجاج: كان من الله الأمر ومن موسى ~~القبول. فلذلك ذكر بلفظ المواعدة، وقرأ أهل ms0065 البصرة (وإذ وعدنا) من الوعد ~~{موسى} اسم عبري عرب "ومو" بالعبرانية الماء "وشى" الشجرة، سمي به لأنه أخذ ~~من بين الماء والشجر، ثم قلبت الشين المعجمة سينا في العربية {أربعين ليلة} ~~أي انقضاؤها: ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة، وقرن التاريخ بالليل ~~دون النهار لأن شهور العرب وضعت على سير القمر، والهلال إنما يهل بالليل ~~وقيل: لأن الظلمة أقدم من الضوء، وخلق الليل قبل النهار، قال الله تعالى: ~~"وآية لهم الليل نسلخ منه النهار" (37-يس) وذلك أن بني إسرائيل لما أمنوا ~~من عدوهم ودخلوا مصر (1) لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليهما، فوعد ~~الله موسى أن ينزل عليه التوراة فقال موسى لقومه: إني ذاهب لميقات ربكم ~~آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون، وواعدهم أربعين ليلة، ثلاثين من ~~ذي القعدة وعشرا من ذي الحجة، واستخلف عليهم أخاه هارون فلما أتى الوعد جاء ~~جبريل على فرس يقال له فرس الحياة لا يصيب شيئا إلا حيي ليذهب بموسى إلى ~~ربه، فلما رآه السامري وكان رجلا صائغا من أهل باجرمى واسمه ميخا -وقال ~~سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان، وقال ابن عباس: اسمه موسى بن مظفر (2) ~~وقال قتادة: كان من بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة -وكان منافقا أظهر ~~الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر، فلما رأى جبرائيل على ذلك الفرس ورأى ~~PageV01P094 # مواضع قدم الفرس تخضر في الحال قال: إن لهذا شأنا فأخذ قبضة من تربة حافر ~~فرس جبرائيل عليه السلام. قال عكرمة: ألقي في روعه أنه إذا ألقي في شيء ~~غيره، وكانت بنو إسرائيل قد استعاروا حليا كثيرة من قوم فرعون حين أرادوا ~~الخروج من مصر بعلة عرس لهم، فأهلك الله فرعون وبقيت تلك الحلي في أيدي بني ~~إسرائيل، فلما فصل موسى قال السامري لبني إسرائيل: إن الحلي التي ~~استعرتموها من قوم فرعون غنيمة لا تحل لكم، فاحفروا حفرة وادفنوها فيها حتى ~~يرجع موسى فيرى فيها رأيه. # وقال السدي: إن هارون عليه السلام أمرهم أن يلقوها ms0066 في حفيرة، حتى يرجع ~~موسى ففعلوا، 11/ب فلما اجتمعت الحلي صاغها السامري عجلا في ثلاثة أيام ثم ~~ألقى فيها القبضة التي أخذها من تراب فرس جبرائيل عليه السلام، فخرج عجلا ~~من ذهب مرصعا بالجواهر كأحسن ما يكون، وخار خورة، وقال السدي: كان يخور ~~ويمشي فقال السامري "هذا إلهكم وإله موسى فنسي" (88-طه) أي فتركه هاهنا ~~وخرج يطلبه. # وكانت بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدوا اليوم من الليلة يومين فلما مضت ~~عشرون يوما ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة. # وقيل: كان موسى قد وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة فكانت فتنتهم في تلك ~~العشرة فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى ظنوا أنه قد مات ورأوا العجل ~~وسمعوا قول السامري عكف ثمانية آلاف رجل منهم على العجل يعبدونه وقيل: كلهم ~~عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألف رجل، وهذا أصح، وقال الحسن: كلهم عبدوه ~~إلا هارون وحده فذلك قوله تعالى {ثم اتخذتم العجل} أي إلها {من بعده} أظهر ~~ابن كثير وحفص الذال من أخذت واتخذت والآخرون يدغمونها {وأنتم ظالمون} ~~ضارون لأنفسكم بالمعصية واضعون العبادة في غير موضعها # {ثم عفونا عنكم} محونا ذنوبكم {من بعد ذلك} بعد عبادتكم العجل {لعلكم ~~تشكرون} لكي تشكروا عفوي عنكم وصنيعي إليكم، قيل: الشكر هو الطاعة بجميع ~~الجوارح في السر والعلانية قال الحسن: شكر النعمة ذكرها قال الله تعالى ~~"وأما بنعمة ربك فحدث" (11-الضحى) قال الفضيل: شكر كل نعمة أن لا يعصى الله ~~بعد تلك النعمة. وقيل: حقيقة الشكر العجز عن الشكر. # حكي أن موسى عليه السلام قال: إلهي أنعمت علي النعم السوابغ، وأمرتني ~~بالشكر وإنما شكري إياك نعمة منك، قال الله تعالى: يا موسى تعلمت العلم ~~الذي لا يفوقه شيء من علم، حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فهو مني، ~~وقال داود عليه السلام: سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكرا، ~~كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة. # قوله تعالى: {وإذ آتينا موسى الكتاب} يعني التوراة {والفرقان} قال مجاهد: ~~هو التوراة ms0067 أيضا # PageV01P095 # ذكرها باسمين، وقال الكسائي: الفرقان نعت الكتاب والواو زائدة، يعني: ~~الكتاب المفرق بين الحلال والحرام، وقال يمان بن ربان: أراد بالفرقان ~~انفراق البحر كما قال "وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم" {لعلكم تهتدون} ~~بالتوراة. # {وإذ قال موسى لقومه} الذين عبدوا العجل {يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم} ~~ضررتم بأنفسكم {باتخاذكم العجل} إلها قالوا: فأي شيء نصنع؟ قال: {فتوبوا} ~~فارجعوا {إلى بارئكم} خالقكم قالوا: كيف نتوب؟ قال {فاقتلوا أنفسكم} يعني ~~ليقتل البريء منكم المجرم {ذلكم} أي القتل {خير لكم عند بارئكم} فلما أمرهم ~~موسى بالقتل قالوا: نصبر لأمر الله فجلسوا بالأفنية (1) محتبين (2) وقيل ~~لهم: من مد حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون ~~مردودة توبته، وأصلت القوم عليهم الخناجر، فكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه ~~وقريبه وصديقه وجاره فلم يمكنهم المضي لأمر الله تعالى، قالوا: يا موسى كيف ~~نفعل؟ فأرسل الله تعالى عليهم ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا ~~فكانوا يقتلونهم إلى المساء، فلما كثر القتل دعا موسى وهارون عليهما السلام ~~وبكيا وتضرعا وقالا يا رب هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية، فكشف الله ~~تعالى السحابة وأمرهم أن يكفوا عن القتل فتكشفت عن ألوف من القتلى. # يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: كان عدد القتلى سبعين ألفا فاشتد ذلك ~~على موسى فأوحى الله تعالى إليه: أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنة، ~~فكان من قتل منهم شهيدا ومن بقي مكفرا عنه ذنوبه، فذلك قوله تعالى {فتاب ~~عليكم} أي ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم فتجاوز عنكم {إنه هو التواب} ~~القابل التوبة {الرحيم} بخلقه. ### || # {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم ~~تنظرون (55) ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (56) وظللنا عليكم ~~الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57) } # قوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} وذلك أن ~~الله تعالى أمر موسى عليه السلام ms0068 أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون ~~إليه من عبادة العجل، فاختار موسى سبعين رجلا PageV01P096 # من قومه من خيارهم، فقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، ففعلوا، فخرج ~~بهم موسى إلى طور سيناء لميقات ربه، فقالوا لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ~~ربنا، فقال لهم: أفعل، فلما دنا موسى إلى طور سيناء من الجبل وقع عليه عمود ~~الغمام وتغشى الجبل كله، فدخل في الغمام وقال للقوم: ادنوا فدنوا حتى دخلوا ~~في الغمام وخروا سجدا، وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع لا ~~يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونهم الحجاب وسمعوه وهو يكلم ~~موسى يأمره وينهاه وأسمعهم الله: أني أنا الله لا إله إلا أنا ذو بكة (1) ~~أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدوني ولا تعبدوا غيري، فلما فرغ موسى ~~وانكشف الغمام أقبل إليهم فقالوا: له "لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة" ~~معاينة وذلك أن العرب تجعل العلم بالقلب رؤية، فقال جهرة ليعلم أن المراد ~~منه العيان {فأخذتكم الصاعقة} أي الموت، وقيل: نار جاءت من السماء فأحرقتهم ~~{وأنتم تنظرون} أي ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم الموت. وقيل: تعلمون، ~~والنظر يكون بمعنى العلم، فلما هلكوا جعل موسى يبكي ويتضرع ويقول: ماذا ~~أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ "لو شئت أهلكتهم من قبل ~~وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا" (155-الأعراف) فلم يزل يناشد ربه حتى ~~أحياهم الله تعالى رجلا بعد رجل بعد ما ماتوا يوما وليلة، ينظر بعضهم إلى ~~بعض، كيف يحيون فذلك قوله تعالى # {ثم بعثناكم} أحييناكم، والبعث: إثارة الشيء عن محله يقال: بعثت البعير ~~وبعثت النائم فانبعث {من بعد موتكم} قال قتادة: أحياهم ليستوفوا بقية ~~آجالهم وأرزاقهم ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا إلى يوم القيامة. # {لعلكم تشكرون وظللنا عليكم الغمام} في التيه يقيكم حر الشمس، والغمام من ~~الغم وأصله التغطية والستر سمي السحاب غماما لأنه يغطي وجه الشمس وذلك أنه ~~لم يكن لهم في التيه كن يسترهم فشكوا إلى موسى فأرسل ms0069 الله تعالى غماما أبيض ~~رقيقا أطيب من غمام المطر، وجعل لهم عمودا من نور يضيء لهم الليل إذ لم يكن ~~لهم قمر {وأنزلنا عليكم المن والسلوى} أي في التيه، والأكثرون على أن المن ~~هو الترنجبين، وقال مجاهد: هو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار طعمه كالشهد، ~~وقال وهب: هو الخبز الرقاق، قال الزجاج: جملة المن ما يمن الله به من غير ~~تعب. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف 12/أأنا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم أنا سفيان عن عبد الملك هو ابن ~~عمير عن عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد رض الله عنه قال: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين" (2) . PageV01P097 # قالوا فكان هذا المن كل ليلة يقع على أشجارهم مثل الثلج، لكل إنسان منهم ~~صاع، فقالوا: يا موسى قتلنا هذا المن بحلاوته فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم ~~فأنزل الله تعالى عليهم السلوى وهو طائر يشبه السمانى، وقيل هو السمانى ~~بعينه، بعث الله سحابة فمطرت السمانى في عرض ميل وطول رمح في السماء، بعضه ~~على بعض والسلوى: العسل، فكان الله ينزل عليهم المن والسلوى كل صباح من ~~طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فيأخذ كل واحد منهم ما يكفيه يوما وليلة وإذا ~~كان يوم الجمعة أخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل يوم ~~السبت. # {كلوا} أي: وقلنا لهم: كلوا {من طيبات} حلالات {ما رزقناكم} ولا تدخروا ~~لغد، ففعلوا، فقطع الله ذلك عنهم، ودود وفسد ما ادخروا، فقال الله تعالى: ~~{وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي وما بخسوا بحقنا، ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون باستيجابهم عذابي، وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا ~~مؤنة في الدنيا ولا حساب في العقبى. # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ~~أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق ~~أنا معمر عن ms0070 همام بن منبه أنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم (1) ، ولولا حواء ~~لم تخن أنثى زوجها الدهر" (2) ### || # {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب ~~سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) فبدل الذين ظلموا ~~قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا ~~يفسقون (59) } # {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية} سميت القرية قرية لأنها تجمع أهلها، ومنه ~~المقراة: للحوض، لأنها تجمع الماء، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي أريحاء ~~وهي قرية الجبارين كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة ورأسهم عوج ~~بن عنق، وقيل: بلقاء، وقال مجاهد: بيت المقدس، وقال الضحاك: هي الرملة # PageV01P098 # والأردن وفلسطين وتدمر، وقال مقاتل: إيليا، وقال ابن كيسان: الشام {فكلوا ~~منها حيث شئتم رغدا} موسعا عليكم {وادخلوا الباب} يعني بابا من أبواب ~~القرية وكان لها سبعة أبواب {سجدا} أي ركعا خضعا منحنين، وقال وهب: فإذا ~~دخلتموه فاسجدوا شكرا لله تعالى {وقولوا حطة} قال قتادة: حط عنا خطايانا، ~~أمروا بالاستغفار، قال ابن عباس: لا إله إلا الله، لأنها تحط الذنوب، ~~ورفعها على تقدير: قولوا مسألتنا حطة {نغفر لكم خطاياكم} الغفر وهو الستر، ~~فالمغفرة تستر الذنوب، وقرأ أهل المدينة و (نافع) (1) بالياء وضمها وفتح ~~الفاء، وقرأها ابن عامر بالتاء وضمها وفتح الفاء، وفي الأعراف قرأ جميعا ~~ويعقوب بالتاء وضمها، وقرأ الآخرون فيهما بنصب النون وكسر الفاء {وسنزيد ~~المحسنين} ثوابا من فضلنا # {فبدل} فغير {الذين ظلموا} أنفسهم وقالوا {قولا غير الذي قيل لهم} وذلك ~~أنهم بدلوا قول الحطة بالحنطة، فقالوا بلسانهم: حطانا سمقاثا أي حنطة ~~حمراء، استخفافا بأمر الله تعالى، وقال مجاهد: طؤطئ لهم الباب ليخفضوا ~~رءوسهم فأبوا أن يدخلوها سجدا فدخلوا على أستاههم مخالفة في الفعل كما ~~بدلوا القول وقالوا قولا غير الذي قيل لهم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن ms0071 إسماعيل أنا إسحاق بن نصر أنا عبد الرزاق عن معمر عن همام ~~بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قيل ~~لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا فدخلوا يزحفون على ~~أستاهم وقالوا حبة في شعرة" (2) # {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء} قيل: أرسل الله عليهم طاعونا ~~فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا {بما كانوا يفسقون} يعصون ويخرجون من ~~أمر الله تعالى. ### || # {وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين (60) } # {وإذ استسقى موسى} طلب السقيا {لقومه} وذلك أنهم عطشوا في التيه فسألوا ~~موسى أن يستسقي لهم ففعل فأوحى إليه كما قال: {فقلنا اضرب بعصاك} وكانت من ~~آس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى عليه السلام ولها شعبتان تتقدان في ~~الظلمة نورا، واسمها عليق حملها، آدم عليه PageV01P099 # السلام من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب عليه السلام ~~فأعطاها موسى عليه السلام. # قال مقاتل: اسم العصا بنعته قوله تعالى {الحجر} اختلفوا فيه قال وهب: لم ~~يكن حجرا معينا بل كان موسى يضرب أي حجر كان من عرض الحجارة فينفجر عيونا ~~لكل سبط عين، وكانوا اثني عشر سبطا ثم تسيل كل عين في جدول إلى السبط الذي ~~أمر أن يسقيهم، وقال الآخرون: كان حجرا معينا بدليل أنه عرف بالألف واللام، ~~وقال ابن عباس: كان حجرا خفيفا مربعا على قدر رأس الرجل كان يضعه في مخلاته ~~فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه، وقال عطاء: كان للحجر أربعة وجوه ~~لكل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين وقيل: كان الحجر رخاما، وقيل: كان من ~~الكذان (1) فيه اثنتا عشرة حفرة، ينبع من كل حفرة عين ماء عذب، فإذا فرغوا ~~وأراد موسى حمله ضربه بعصاه فيذهب الماء، وكان يسقي كل يوم ستمائة ألف، ~~وقال سعيد بن جبير: هو الحجر الذي وضع موسى ثوبه عليه ليغتسل ففر ms0072 بثوبه ومر ~~به على ملأ من بني إسرائيل حين رموه بالأدرة (2) فلما وقف أتاه جبرائيل ~~فقال: إن الله تعالى يقول: ارفع هذا الحجر فلي فيه قدرة، ولك فيه معجزة، ~~فرفعه ووضعه في مخلاته، قال عطاء: كان يضربه موسى اثنتي عشرة ضربة فيظهر ~~على موضع كل ضربة مثل ثدي المرأة فيعرق ثم يتفجر الأنهار، ثم تسيل. وأكثر ~~أهل التفسير يقولون: انبجست وانفجرت واحد، وقال أبو عمرو بن العلاء: انبجست ~~عرقت وانفجرت، أي: سالت، فذلك قوله تعالى: # {فانفجرت} أي فضرب فانفجرت أي سالت منه {اثنتا عشرة عينا} على عدد ~~الأسباط {قد علم كل أناس مشربهم} موضع شربهم لا يدخل سبط على غيره في شربه ~~{كلوا واشربوا من رزق الله} أي وقلنا لهم كلوا من المن والسلوى، واشربوا من ~~الماء فهذا كله من رزق الله يأتيكم بلا مشقة {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} ~~والعيث: أشد الفساد يقال عثى يعثي عيثا، وعثا يعثو عثوا وعاث يعيث عيثا. ### || # {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ~~الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة ~~وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ~~بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61) } # قوله تعالى {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد} وذلك أنهم أجمعوا ~~وسئموا من أكل المن والسلوى، وإنما قال {على طعام واحد} وهما اثنان لأن ~~العرب تعبر عن الاثنين بلفظ الواحد كما تعبر عن الواحد بلفظ الاثنين، كقوله ~~تعالى 12/ب "يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان" (22-الرحمن) وإنما يخرج من ~~PageV01P100 # المالح دون العذب وقيل: كانوا يأكلون أحدهما بالآخر فكانا كطعام واحد، ~~وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يعجنون المن بالسلوى فيصيران واحدا ~~{فادع لنا} فاسأل لأجلنا {ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها ~~وفومها} قال ابن عباس: والفوم الخبز: وقال عطاء، الحنطة وقال ms0073 القتيبي رحمه ~~الله تعالى: الحبوب التي تؤكل كلها وقال الكلبي: {وعدسها وبصلها قال} لهم ~~موسى عليه السلام {أتستبدلون الذي هو أدنى} أخس وأردى {بالذي هو خير} أشرف ~~وأفضل وجعل الحنطة أدنى في القيمة وإن كان هي خيرا من المن والسلوى، أو ~~أراد أنها أسهل وجودا على العادة، ويجوز أن يكون الخير راجعا إلى اختيار ~~الله لهم واختيارهم لأنفسهم {اهبطوا مصرا} يعني: فإن أبيتم إلا ذلك فانزلوا ~~مصرا من الأمصار، وقال الضحاك: هو مصر موسى وفرعون، والأول أصح، لأنه لو ~~أراده لم يصرفه {فإن لكم ما سألتم} نبات الأرض {وضربت عليهم} جعلت عليهم ~~وألزموا {الذلة} الذل والهوان قيل: بالجزية، وقال عطاء بن السائب: هو ~~الكستيج والزنار وزي اليهودية {والمسكنة} الفقر، سمي الفقير مسكينا لأن ~~الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة، فترى اليهود وإن كانوا مياسير كأنهم فقراء، ~~وقيل: الذلة هي فقر القلب فلا ترى في أهل الملل أذل وأحرص على المال من ~~اليهود. # {وباءوا بغضب من الله} رجعوا ولا يقال: "باءوا إلا بشر" وقال أبو عبيدة: ~~احتملوا وأقروا به، ومنه الدعاء: أبوء {لك} (1) بنعمتك علي وأبوء بذنبي، ~~أي: أقر {ذلك} أي الغضب {بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} بصفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة ويكفرون بالإنجيل والقرآن {ويقتلون ~~النبيين} تفرد نافع بهمز النبي وبابه، فيكون معناه المخبر من أنبأ ينبئ، ~~والقراءة المعروفة ترك الهمزة، وله وجهان: أحدهما هو أيضا من الإنباء، تركت ~~الهمزة فيه تخفيفا لكثرة الاستعمال، والثاني هو بمعنى الرفيع مأخوذ من ~~النبوة وهي المكان المرتفع، فعلى هذا يكون النبيين على الأصل {بغير الحق} ~~أي بلا جرم فإن قيل: فلم قال: بغير الحق وقتل النبيين لا يكون إلا بغير ~~الحق؟ قيل ذكره وصفا للقتل، والقتل تارة يوصف بغير الحق وهو مثل قوله ~~تعالى: "قال رب احكم بالحق" (112-الأنبياء) ذكر الحق وصفا للحكم لا أن حكمه ~~ينقسم إلى الجور والحق، ويروى أن اليهود قتلت سبعين نبيا في أول النهار ~~وقامت سوق بقتلهم في آخر النهار {ذلك بما عصوا وكانوا ms0074 يعتدون} يتجاوزون ~~أمري ويرتكبون محارمي. PageV01P101 ### || # {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) ~~وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ~~لعلكم تتقون (63) ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم ~~من الخاسرين (64) } # {إن الذين آمنوا والذين هادوا} يعني اليهود سموا به لقولهم: إنا هدنا ~~إليك أي ملنا إليك، وقيل: لأنهم هادوا أي تابوا عن عبادة العجل، وقيل: ~~لأنهم مالوا عن دين الإسلام، وعن دين موسى عليه السلام، وقال أبو عمرو بن ~~العلاء: لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة ويقولون: إن السماوات ~~والأرض تحركت حين آتى الله موسى التوراة {والنصارى} سموا به لقول ~~الحواريين: نحن أنصار الله، وقال مقاتل: لأنهم نزلوا قرية يقال لها ناصرة، ~~وقيل: لاعتزائهم إلى نصرة وهي قرية كان ينزلها عيسى عليه السلام. # {والصابئين} قرأ أهل المدينة: والصابين والصابون بترك الهمزة والباقون ~~بالهمزة، وأصله: الخروج، يقال: صبأ فلان أي خرج من دين إلى دين آخر، وصبأت ~~النجوم إذا خرجت من مطالعها، وصبأ ناب البعير إذا خرج، فهؤلاء سموا به ~~لخروجهم من دين إلى دين، قال عمر وابن عباس: هم قوم من أهل الكتاب، قال عمر ~~رضي الله عنه: ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب، وقال ابن عباس: لا تحل ذبائحهم ~~ولا مناكحتهم، وقال مجاهد: هم قبيلة نحو الشام بين اليهود والمجوس، وقال ~~الكلبي: هم قوم بين اليهود والنصارى يحلقون أوساط رءوسهم ويجبون (1) ~~مذاكيرهم، وقال قتادة: قوم يقرءون الزبور ويعبدون الملائكة، ويصلون إلى ~~الكعبة ويقرون بالله تعالى، أخذوا من كل دين شيئا، قال عبد العزيز بن يحيى: ~~انقرضوا (2) . PageV01P102 # {من آمن بالله واليوم الآخر} فإن قيل: كيف يستقيم قوله {من آمن بالله} ~~وقد ذكر في ابتداء الآية {إن الذين آمنوا} ؟ قيل: اختلفوا في حكم الآية ~~فقال بعضهم: أراد بقوله {إن الذين آمنوا} على التحقيق ثم اختلفوا في هؤلاء ~~المؤمنين فقال قوم: هم الذين آمنوا قبل المبعث ms0075 وهم طلاب الدين مثل حبيب ~~النجار، وقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، والبراء ~~السني، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وبحيرا الراهب، ووفد النجاشي، ~~فمنهم من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم (وبايعه) (1) ، ومنهم من لم يدركه. ~~وقيل: هم المؤمنون من الأمم الماضية، وقيل: هم المؤمنون من هذه الأمة ~~{والذين هادوا} الذين كانوا على دين موسى عليه السلام، ولم يبدلوا، ~~والنصارى، الذين كانوا على دين عيسى عليه السلام ولم يغيروا وماتوا على ~~ذلك، قالوا: وهذان الاسمان لزماهم زمن موسى وعيسى عليهما السلام حيث كانوا ~~على الحق، كالإسلام لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والصابئون زمن استقامة ~~أمرهم {من آمن} أي من مات منهم وهو مؤمن لأن حقيقة الإيمان بالموافاة، ~~ويجوز أن يكون الواو مضمرا أي: ومن آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة، وقال ~~بعضهم: إن المذكورين بالإيمان في أول الآية على طريق المجاز دون الحقيقة، ~~ثم اختلفوا فيهم فقال بعضهم: الذين آمنوا بالأنبياء الماضين ولم يؤمنوا بك ~~وقيل: أراد بهم المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم، ~~واليهود والنصارى الذين اعتقدوا اليهودية والنصرانية بعد التبديل والصابئون ~~بعض أصناف الكفار {من آمن بالله واليوم الآخر} هذه الأصناف بالقلب واللسان ~~{وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم} وإنما ذكر بلفظ الجمع لأن {من} يصلح ~~للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث {ولا خوف عليهم} في الدنيا {ولا هم ~~يحزنون} في الآخرة. # قوله تعالى {وإذ أخذنا ميثاقكم} عهدكم يا معشر اليهود {ورفعنا فوقكم ~~الطور} الجبل بالسريانية في قول بعضهم، وهو قول مجاهد، وقيل: ما من لغة في ~~الدنيا إلا وهي في القرآن، وقال الأكثرون: ليس في القرآن لغة غير لغة العرب ~~لقوله تعالى: {قرآنا عربيا} وإنما هذا وأشباهه وقع وفاقا بين اللغتين (2) ، ~~وقال ابن عباس: أمر الله تعالى جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام ~~على رءوسهم، وذلك لأن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام فأمر ~~موسى قومه أن يقبلوها ويعملوا بأحكامها فأبوا أن يقبلوها للآصار (3) ~~والأثقال ms0076 التي هي فيها، وكانت شريعة ثقيلة فأمر الله تعالى جبريل عليه ~~السلام فقلع جبلا على قدر عسكرهم، وكان فرسخا في فرسخ، فرفعه فوق رءوسهم ~~مقدار قامة الرجل كالظلة، وقال لهم: إن لم تقبلوا التوراة التي أرسلت هذا ~~الجبل عليكم، وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: رفع 13/أالله ~~فوق رءوسهم الطور، وبعث نارا من قبل وجوههم، وأتاهم البحر المالح من خلفهم ~~PageV01P103 # {خذوا} أي قلنا لهم خذوا {ما آتيناكم} أعطيناكم {بقوة} بجد واجتهاد ~~ومواظبة {واذكروا} وادرسوا {ما فيه} وقيل: احفظوه واعملوا به {لعلكم تتقون} ~~لكي تنجوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى، فإن قبلتم وإلا رضختكم ~~بهذا الجبل وأغرقتكم في هذا البحر وأحرقتكم بهذه النار، فلما رأوا أن لا ~~مهرب لهم عنها قبلوا وسجدوا وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فصار سنة ~~لليهود، ولا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم، ويقولون: بهذا السجود رفع العذاب ~~عنا. # {ثم توليتم} أعرضتم {من بعد ذلك} من بعد ما قبلتم التوراة {فلولا فضل ~~الله عليكم ورحمته} يعني بالإمهال والإدراج وتأخير العذاب عنكم {لكنتم} ~~لصرتم {من الخاسرين} من المغبونين بالعقوبة وذهاب الدنيا والآخرة وقيل: من ~~المعذبين في الحال لأنه رحمهم بالإمهال. ### || # {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ~~(65) فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين (66) وإذ قال ~~موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ ~~بالله أن أكون من الجاهلين (67) } # قوله تعالى {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت} أي جاوزوا الحد، ~~وأصل السبت: القطع، قيل: سمي يوم السبت بذلك لأن الله تعالى قطع فيه الخلق، ~~وقيل: لأن اليهود أمروا فيه بقطع الأعمال، والقصة فيه: أنهم كانوا زمن داود ~~عليه السلام بأرض يقال لها أيلة حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، فكان ~~إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر إلا اجتمع هناك حتى يخرجن خراطيمهن من ~~الماء لأمنها، حتى لا يرى الماء من كثرتها، فإذا مضى السبت تغرقن ولزمن مقل ~~(1) البحر، ms0077 فلا يرى شيء منها فذلك قوله تعالى "إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم ~~شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم" (163-الأعراف) . # ثم إن الشيطان وسوس إليهم وقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت، فعمد ~~رجال فحفروا الحياض حول البحر، وشرعوا منه إليها الأنهار، فإذا كانت عشية ~~الجمعة فتحوا تلك الأنهار، فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض، فلا يقدرن على ~~الخروج لبعد عمقها وقلة مائها، فإذا كان يوم الأحد أخذوها، وقيل: كانوا ~~يسوقون الحيتان إلى (الحياض) (2) يوم السبت ولا يأخذونها ثم يأخذونها يوم ~~الأحد، وقيل: كانوا ينصبون PageV01P104 # الحبائل والشخوص يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد ففعلوا ذلك زمانا ولم ~~تنزل عليهم عقوبة فتجرءوا على الذنب وقالوا: ما نري السبب إلا وقد أحل لنا ~~فأخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا واشتروا وكثر مالهم، فلما فعلوا ذلك صار أهل ~~القرية، وكانوا نحوا من سبعين ألفا، ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى، وصنف أمسك ~~ولم ينه، وصنف انتهك الحرمة، وكان الناهون اثني عشر ألفا، فلما أبى ~~المجرمون قبول نصحهم قالوا: والله لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية ~~بجدار وعبروا بذلك سنتين، فلعنهم داود عليه السلام، وغضب الله عليهم ~~لإصرارهم على المعصية فخرج الناهون ذات يوم من بابهم ولم يخرج من المجرمين ~~أحد ولم يفتحوا بابهم، فلما أبطؤوا تسوروا عليهم الحائط فإذا هم جميعا قردة ~~لها أذناب يتعاوون، قال قتادة: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير فمكثوا ~~ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيام ولم يتوالدوا. # قال الله تعالى: {فقلنا لهم كونوا قردة} أمر تحويل وتكوين {خاسئين} ~~مبعدين مطرودين، وقيل: فيه تقديم وتأخير أي كونوا خاسئين قردة ولذلك لم يقل ~~خاسئات، والخسأ الطرد والإبعاد، وهو لازم ومتعد يقال: خسأته خسأ فخسأ خسوءا ~~مثل: رجعته رجعا فرجع رجوعا # {فجعلناها} أي جعلنا عقوبتهم بالمسخ {نكالا} أي عقوبة وعبرة، والنكال اسم ~~لكل عقوبة ينكل الناظر من فعل ما جعلت العقوبة جزاء عليه، ومنه النكول عن ~~اليمين وهو الامتناع، وأصله من النكل وهو القيد ويكون جمعه: أنكالا {لما ~~بين يديها} قال قتادة: أراد ms0078 بما بين يديها يعني ما سبقت من الذنوب، أي ~~جعلنا تلك العقوبة جزاء لما تقدم من ذنوبهم قبل نهيهم عن أخذ الصيد {وما ~~خلفها} ما حضر من الذنوب التي أخذوا بها، وهي العصيان بأخذ الحيتان، وقال ~~أبو العالية والربيع: عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لمن بعدهم أن يستنوا ~~بسنتهم، و (ما) الثانية بمعنى من، وقيل: {جعلناها} أي جعلنا قرية أصحاب ~~السبت عبرة لما بين يديها أي القرى التي كانت مبنية في الحال {وما خلفها} ~~وما يحدث من القرى من بعد ليتعظوا، وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: ~~فجعلناها وما خلفها، أي ما أعد لهم من العذاب في الآخرة، وجزاء لما بين ~~يديها أي لما تقدم من ذنوبهم باعتدائهم في السبت {وموعظة للمتقين} للمؤمنين ~~من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يفعلون مثل فعلهم. # قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} البقرة ~~هي الأنثى من البقر يقال: هي مأخوذة من البقر وهو الشق، سميت به لأنها تشق ~~الأرض للحراثة. # والقصة (1) فيه أنه كان في بني إسرائيل رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث ~~له سواه، فلما طال عليه PageV01P105 # موته قتله ليرثه، وحمله إلى قرية أخرى وألقاه بفنائهم، ثم أصبح يطلب ثأره ~~وجاء بناس إلى موسى يدعي عليهم القتل، فسألهم موسى فجحدوا، واشتبه أمر ~~القتيل على موسى، قال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة (1) في التوراة، ~~فسألوا موسى أن يدعو الله ليبين لهم بدعائه، فأمرهم الله بذبح بقرة فقال ~~لهم موسى: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة {قالوا أتتخذنا هزوا} أي: تستهزئ ~~بنا، نحن نسألك عن أمر القتيل وتأمرنا بذبح البقرة!! وإنما قالوا ذلك لبعد ~~ما بين الأمرين في الظاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه، قرأ حمزة هزوا وكفوا ~~بالتخفيف وقرأ الآخرون بالتثقيل، وبترك الهمزة حفص {قال} موسى {أعوذ بالله} ~~أمتنع بالله {أن أكون من الجاهلين} أي من المستهزئين بالمؤمنين وقيل: من ~~الجاهلين بالجواب لا على وفق السؤال لأن الجواب لا على وفق السؤال جهل، ~~فلما ms0079 علم (القوم) (2) أن ذبح البقرة عزم من الله عز وجل استوصفوها، ولو ~~أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم ~~فشدد الله عليهم وكانت تحته حكمة، وذلك أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح له ~~(ابن) (3) طفل وله عجلة أتى بها إلى غيضة (4) وقال: اللهم إني أستودعك هذه ~~العجلة لابني حتى تكبر، ومات الرجل فصارت العجلة في الغيضة عوانا (5) ، ~~وكانت تهرب من كل من رآها فلما كبر الابن وكان بارا بوالدته، وكان يقسم ~~الليل ثلاثة أثلاث يصلي ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس أمه ثلثا، فإذا أصبح ~~انطلق فاحتطب على ظهره فيأتي به إلى السوق فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدق ~~بثلثه، ويأكل ثلثه، ويعطي والدته ثلثه، فقالت له أمه يوما: إن أباك ورثك ~~عجلة استودعها الله في غيضة كذا فانطلق وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~أن يردها عليك 13/ب وعلامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل إليك أن شعاع الشمس ~~يخرج من جلدها، وكانت تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها، فأتى الفتى الغيضة ~~فرآها ترعى فصاح بها وقال: أعزم بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أن ~~تأتي إلي فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها، فتكلمت ~~البقرة بإذن الله تعالى فقالت: أيها الفتى البار بوالدتك اركبني فإن ذلك ~~أهون عليك، فقال الفتى: إن أمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت: خذ بعنقها، فقالت ~~البقرة: بإله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر علي أبدا، فانطلق فإنك لو ~~أمرت الجبل أن ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك بأمك، فسار الفتى بها ~~إلى أمه فقالت له: إنك فقير لا مال لك فيشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام ~~بالليل فانطلق فبع هذه البقرة، قال: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير ولا ~~تبع بغير مشورتي وكان ثمن البقرة يومئذ ثلاثة دنانير، فانطلق بها إلى ~~السوق، فبعث الله ملكا ليري خلقه قدرته وليختبر الفتى كيف بر بوالدته، وكان ~~الله به خبيرا فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟ قال: بثلاثة دنانير ~~وأشترط عليك ms0080 رضى والدتي فقال الملك: لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك فقال ~~الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا برضى أمي فردها إلى أمه فأخبرها ~~بالثمن فقالت: ارجع فبعها بستة دنانير على رضى مني فانطلق بها إلى السوق ~~وأتى الملك فقال: استأمرت أمك فقال الفتى: إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة ~~على أن أستأمرها فقال الملك: فإني أعطيك اثني عشر على أن لا تستأمرها، فأبى ~~الفتى، فرجع إلى أمه فأخبرها، فقالت إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ~~ليختبرك فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟ (ففعل) (6) ~~فقال له الملك: اذهب إلى أمك وقل لها أمسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران ~~عليه السلام يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل فلا تبيعوها إلا بملء ~~مسكها دنانير، فأمسكوها، وقدر الله تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة ~~بعينها فما زالوا يستوصفون موسى حتى وصف لهم تلك البقرة، مكافأة له على بره ~~بوالدته فضلا منه ورحمة (فذلك) (7) ### || # {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا ~~بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون (68) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين (69) } # قوله تعالى {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} أي (ما صفتها) (8) {قال} ~~موسى {إنه يقول} يعني فسأل الله تعالى فقال: إنه، يعني أن الله تعالى يقول ~~{إنها بقرة لا فارض ولا بكر} أي لا كبيرة ولا صغيرة، والفارض المسنة التي ~~لا تلد، يقال منه: فرضت تفرض فروضا، والبكر الفتاة الصغيرة التي لم تلد قط، ~~وحذفت (الهاء) (9) منهما للاختصاص بالإناث كالحائض (عوان) وسط نصف {بين ~~ذلك} أي بين السنين يقال عونت المرأة تعوينا: إذا زادت على الثلاثين، قال ~~الأخفش (العوان: التي لم تلد قط، وقيل:) (10) العوان التي نتجت مرارا ~~وجمعها عون {فافعلوا ما تؤمرون} ذبح البقرة ولا تكثروا السؤال # {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ms0081 قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع ~~لونها} قال ابن عباس: شديدة الصفرة، وقال قتادة: صاف، وقال الحسن: الصفراء ~~السوداء، والأول أصح لأنه لا يقال أسود فاقع إنما يقال: أصفر فاقع، وأسود ~~(حالك) (11) وأحمر قانئ، وأخضر ناضر، وأبيض بقق للمبالغة، {تسر PageV01P106 # الناظرين} إليها يعجبهم حسنها وصفاء لونها. ### || # {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء ~~الله لمهتدون (70) قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي ~~الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون ~~(71) وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) فقلنا ~~اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون (73) } # {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} أسائمة أم عاملة {إن البقر تشابه ~~علينا} ولم يقل تشابهت لتذكير لفظ البقر كقوله تعالى "أعجاز نخل منقعر" ~~(20-القمر) وقال الزجاج: أي جنس البقر تشابه، أي التبس واشتبه أمره علينا ~~فلا نهتدي إليه {وإنا إن شاء الله لمهتدون} إلى وصفها، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (والله) (1) لو لم يستثنوا لما بينت لهم إلى آخر الأبد" ~~(2) # {قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول} مذللة بالعمل يقال: رجل ذلول بين الذل، ~~ودابة ذلول بينة الذل {تثير الأرض} تقلبها للزراعة {ولا تسقي الحرث} أي ~~ليست بساقية {مسلمة} بريئة من العيوب {لا شية فيها} لا لون لها سوى لون ~~جميع جلدها قال عطاء: لا عيب فيها، وقال مجاهد: لا بياض فيها ولا سواد ~~{قالوا الآن جئت بالحق} أي بالبيان التام الشافي الذي لا إشكال فيه، ~~وطلبوها فلم يجدوا بكمال وصفها إلا مع الفتى فاشتروها بملء مسكها ذهبا، ~~{فذبحوها وما كادوا يفعلون} من غلاء ثمنها وقال محمد بن كعب: وما كادوا ~~يجدونها باجتماع أوصافها، وقيل {وما كادوا يفعلون} من شدة اضطرابهم ~~واختلافهم فيها. # قوله عز وجل: {وإذ قتلتم نفسا} هذا أول القصة وإن كانت مؤخرة في التلاوة، ~~واسم القتيل (عاميل) (3) {فادارأتم فيها} أصله تدارأتم فأدغمت التاء ms0082 في ~~الدال وأدخلت الألف، مثل قوله: "اثاقلتم" قال ابن عباس ومجاهد: معناه ~~فاختلفتم، وقال الربيع بن أنس: تدافعتم، أي يحيل بعضكم على بعض من الدرء ~~وهو الدفع، فكان كل واحد يدفع عن نفسه {والله مخرج} أي مظهر {ما كنتم ~~تكتمون} فإن القاتل كان يكتم القتل # {فقلنا اضربوه} يعني القتيل (ببعضها) أي ببعض البقرة، PageV01P108 # واختلفوا في ذلك البعض، قال ابن عباس رضي الله عنه وأكثر المفسرين: ضربوه ~~بالعظم الذي يلي الغضروف وهو المقتل، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: بعجب الذنب ~~لأنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى، ويركب عليه الخلق، وقال الضحاك: بلسانها، ~~وقال الحسين بن الفضل: هذا أدل بها لأنه آلة الكلام، وقال الكلبي وعكرمة: ~~بفخذها الأيمن، وقيل: بعضو منها لا بعينه، ففعلوا ذلك فقام القتيل حيا بإذن ~~الله تعالى وأوداجه، أي عروق العنق، تشخب دما وقال قتلني فلان، ثم سقط ومات ~~مكانه فحرم قاتله الميراث، وفي الخبر: "ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة" (1) ~~وفيه إضمار تقديره: فضرب فحيي {كذلك يحيي الله الموتى} كما أحيا عاميل، ~~{ويريكم آياته لعلكم تعقلون} قيل تمنعون أنفسكم من المعاصي. # أما حكم هذه المسألة في الإسلام: إذا وجد قتيل في موضع ولا يعرف قاتله ~~فإن كان ثم (لوث) (2) على إنسان -واللوث: أن يغلب على القلب صدق المدعي، ~~بأن اجتمع جماعة في بيت أو صحراء فتفرقوا عن قتيل يغلب على القلب أن القاتل ~~فيهم، أو وجد قتيل في محلة أو قرية كلهم أعداء للقتيل لا يخالطهم غيرهم، ~~فيغلب على القلب أنهم قتلوه -فادعى الولي على بعضهم، يحلف المدعي خمسين ~~يمينا على من يدعي عليه، وإن كان الأولياء جماعة توزع الأيمان عليهم، ثم ~~بعدما حلفوا أخذوا الدية من عاقلة المدعى عليه إن ادعوا قتل خطأ، وإن ادعوا ~~قتل عمد فمن ماله، ولا قود على قول الأكثرين وذهب بعضهم إلى وجوب القود، ~~وهو قول عمر بن عبد العزيز وبه قال مالك وأحمد، وإن لم يكن على المدعى عليه ~~لوث فالقول قول المدعى عليه مع يمينه ثم هل يحلف ms0083 يمينا واحدة أم خمسين ~~يمينا؟ فيه قولان: (أحدهما) يمينا واحدة كما في سائر الدعاوى (والثاني) ~~يحلف خمسين يمينا تغليظا لأمر الدم، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: لا حكم ~~للوث [ولا يزيد بيمين المدعي] (3) وقال: إذا وجد قتيل في محلة يختار الإمام ~~خمسين رجلا من صلحاء أهلها فيحلفهم أنهم ما قتلوه ولا عرفوا له قاتلا ثم ~~يأخذ الدية من سكانها، والدليل على أن البداية بيمين المدعي عند وجود ~~اللوث: # [ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا ~~أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا عبد الوهاب بن ~~عبد المجيد الثقفي عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار] (4) عن سهل بن أبي ~~حثمة أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر فتفرقا لحاجتهما ~~فقتل عبد الله بن سهل فانطلق هو وعبد الرحمن 14/أأخو المقتول وحويصة بن ~~مسعود إلى رسول الله PageV01P109 # صلى الله عليه وسلم فذكروا له قتل عبد الله بن سهل فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم" فقالوا ~~يا رسول الله لم نشهد ولم نحضر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"فتبرئكم يهود بخمسين يمينا" فقالوا يا رسول الله كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ ~~فعزم النبي صلى الله عليه وسلم عقله من عنده (1) [وفي لفظ آخر فزعم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم عقله من عنده] (2) قال بشير بن يسار: قال سهل لقد ~~ركضتني فريضة من تلك الفرائض في مربد لنا، وفي رواية: لقد ركضتني ناقة ~~حمراء من تلك الفرائض في مربد لنا" أخرجه مسلم عن محمد بن المثنى عن عبد ~~الوهاب. (3) . # وجه الدليل من الخبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بأيمان المدعين ~~لتقوي جانبهم باللوث، وهو أن عبد الله بن سهل وجد قتيلا في خيبر، وكانت ~~العداوة ظاهرة بين الأنصار وأهل خيبر، وكان يغلب على القلب أنهم قتلوه، ~~واليمين أبدا تكون حجة لمن يقوى ms0084 جانبه وعند عدم اللوث يقوى جانب المدعى ~~عليه من حيث أن الأصل براءة ذمته وكان القول قوله مع يمينه. ### || # {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما ~~يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (74) } # قوله تعالى {ثم قست قلوبكم} يبست وجفت، جفاف القلب: خروج الرحمة واللين ~~عنه، وقيل: غلظت، وقيل: اسودت، {من بعد ذلك} بعد ظهور الدلالات. قال ~~الكلبي: قالوا بعد ذلك: نحن لم نقتله، فلم يكونوا قط أعمى قلبا ولا أشد ~~تكذيبا لنبيهم منهم عند ذلك {فهي} أي في الغلظة والشدة {كالحجارة أو أشد ~~قسوة} قيل: أو بمعنى بل وقيل: بمعنى الواو كقوله تعالى: "مائة ألف أو ~~يزيدون" (147-الصافات) أي: بل يزيدون أو ويزيدون، وإنما لم يشبهها بالحديد ~~مع أنه أصلب من الحجارة، لأن الحديد قابل للين فإنه يلين بالنار، وقد لان ~~لداود عليه السلام، والحجارة لا تلين قط، ثم فضل الحجارة على القلب القاسي ~~فقال: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} قيل: أراد به (جميع) (4) ~~الحجارة، وقيل: أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط {وإن منها ~~لما يشقق فيخرج منه PageV01P110 # الماء} أراد به عيونا دون الأنهار {وإن منها لما يهبط} ينزل من أعلى ~~الجبل إلى أسفله {من خشية الله} وقلوبكم لا تلين ولا تخشع يا معشر اليهود. ~~فإن قيل: الحجر جماد لا يفهم، فكيف (يخشى) (1) ؟ قيل: الله يفهمه ويلهمه ~~فيخشى بإلهامه. # ومذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى علما في الجمادات وسائر الحيوانات ~~سوى العقل، لا يقف عليه غيره، فلها صلاة وتسبيح وخشية كما قال جل ذكره: ~~"وإن من شيء إلا يسبح بحمده" (44-الإسراء) وقال "والطير صافات كل قد علم ~~صلاته وتسبيحه" (41-النور) وقال: "ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ~~ومن في الأرض والشمس والقمر" (18-الحج) الآية، فيجب على (المؤمن) (2) ~~الإيمان به ويكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى، ويروى أن ms0085 النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان على ثبير والكفار يطلبونه فقال الجبل: انزل عني فإني أخاف أن ~~تؤخذ علي فيعاقبني الله بذلك فقال له جبل حراء: إلي يا رسول الله". # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ثنا السيد أبو الحسن محمد ~~بن الحسين العلوي أنا أحمد بن محمد بن عبد الوهاب النيسابوري أنا محمد بن ~~إسماعيل الصائغ أنا يحيى بن أبي بكر أنا إبراهيم بن طهمان عن سماك بن حرب ~~عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعرف حجرا ~~بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن" (3) [هذا حديث صحيح أخرجه ~~مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن أبي بكر. وصح عن أنس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم طلع على أحد فقال: "هذا جبل يحبنا ونحبه" (4) وروي عن ~~أبي هريرة يقول، صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ثم أقبل على ~~الناس بوجهه وقال: "بينما رجل يسوق بقرة إذ عيي فركبها فضربها فقالت: إنا ~~لم نخلق لهذا، إنما خلقنا لحراثة الأرض" فقال الناس: سبحان الله بقرة ~~تتكلم!؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فإني أومن به أنا وأبو بكر ~~وعمر وما هما ثم" وقال: "بينما رجل في غنم له إذ عدا الذئب على شاة منها ~~فأدركها صاحبها فاستنقذها، فقال الذئب: فمن لها يوم السبع؟ أي يوم القيامة، ~~يوم لا راعي لها غيري" فقال الناس: سبحان الله ذئب PageV01P111 # يتكلم؟ فقال "أومن به أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم" (1) ، وصح عن أبي ~~هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراء وأبو بكر وعمر ~~وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~"اهدأ أي: اسكن. فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" (2) صحيح أخرجه مسلم. # أنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد يحيى بن أحمد بن علي الصانع ~~أنا أبو الحسن علي بن إسحاق ms0086 بن هشام الرازي أنا محمد بن أيوب بن ضريس ~~البجلي الرازي أنا محمد بن الصباح عن الوليد بن أبي ثور عن السدي عن عبادة ~~بن أبي يزيد] (3) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "كنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا في نواحيها خارجا من مكة بين الجبال ~~والشجر، فلم يمر بشجرة ولا جبل إلا قال السلام عليك يا رسول الله" (4) . # أنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا عبد المجيد بن عبد العزيز ~~عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنه ~~يقول: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري ~~المسجد، فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية وحنت كحنين ~~الناقة حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاعتنقها فسكنت" (5) . # قال مجاهد: لا ينزل حجر من أعلى إلى الأسفل إلا من خشية الله، ويشهد لما ~~قلنا قوله تعالى "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من ~~خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون" (21-الحشر) . ~~PageV01P112 # قوله عز وجل {وما الله بغافل} (بساه) (1) {عما تعملون} وعيد وتهديد، ~~وقيل: بتارك عقوبة ما تعملون، بل يجازيكم به، قرأ ابن كثير يعملون بالياء ~~والآخرون بالتاء. ### || # {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ~~من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا ~~خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ~~ربكم أفلا تعقلون (76) } # قوله تعالى {أفتطمعون} أفترجون؟ يريد: محمدا وأصحابه {أن يؤمنوا لكم} ~~تصدقكم اليهود بما تخبرونهم به {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله} يعني ~~التوراة {ثم يحرفونه} يغيرون ما فيها من الأحكام {من بعد ما عقلوه} علموه ~~كما غيروا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ms0087 وآية الرجم {وهم يعلمون} أنهم ~~كاذبون، هذا قول مجاهد وقتادة وعكرمة والسدي وجماعة (2) وقال ابن عباس ~~ومقاتل: نزلت في السبعين الذين اختارهم موسى لميقات ربه، وذلك أنهم لما ~~رجعوا -بعدما سمعوا كلام الله -إلى قومهم رجع الناس إلى قولهم، وأما ~~الصادقون منهم فأدوا كما سمعوا، وقالت طائفة منهم: سمعنا الله يقول في آخر ~~كلامه إن استطعتم أن تفعلوا فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا، فهذا تحريفهم ~~وهم يعلمون أنه الحق (3) . # {وإذا لقوا الذين آمنوا} قال ابن عباس والحسن وقتادة: يعني منافقي اليهود ~~الذين آمنوا بألسنتهم إذا لقوا المؤمنين المخلصين {قالوا آمنا} كإيمانكم ~~{وإذا خلا} رجع {بعضهم إلى بعض} -كعب بن الأشراف وكعب بن أسد ووهب بن يهودا ~~وغيرهم من رؤساء اليهود -لأمرهم على ذلك {قالوا أتحدثونهم بما فتح الله ~~عليكم} بما قص الله عليكم في كتابكم: أن محمدا حق وقوله صدق. والفتاح ~~القاضي. # وقال الكسائي: بما بينه الله لكم [من العلم بصفة النبي محمد صلى الله ~~عليه وسلم ونعته، وقال:] (4) الواقدي: بما أنزل الله عليكم، ونظيره: ~~"لفتحنا عليهم بركات من السماء" (44-الأنعام) أي أنزلنا، وقال أبو عبيدة: ~~بما من الله عليكم وأعطاكم {ليحاجوكم به} ليخاصموكم، يعني أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم ويحتجوا بقولكم PageV01P113 # (عليكم) (1) فيقولوا: قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم ثم لا تتبعونه!! ~~وذلك أنهم قالوا لأهل المدينة حين شاوروهم في اتباع محمد صلى الله عليه ~~وسلم: آمنوا به فإنه حق ثم قال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما أنزل الله عليكم ~~لتكون لهم الحجة عليكم {عند ربكم} في الدنيا والآخرة وقيل: إنهم أخبروا ~~المؤمنين بما عذبهم الله به، على الجنايات فقال بعضهم لبعض: [أتحدثونهم بما ~~أنزل الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به عند ربكم، ليروا الكرامة لأنفسهم ~~عليكم عند الله وقال مجاهد: هو قول يهود قريظة قال بعضهم لبعض] (2) حين قال ~~لهم النبي صلى الله عليه وسلم "يا إخوان القردة والخنازير" فقالوا: من أخبر ~~محمدا بهذا؟ ما خرج هذا إلا منكم (3) ، {أفلا تعقلون} ### || # {أولا يعلمون أن الله يعلم ما ms0088 يسرون وما يعلنون (77) ومنهم أميون لا ~~يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (78) فويل للذين يكتبون الكتاب ~~بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما ~~كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) } # قال الله تعالى: {أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون} يخفون {وما يعلنون} ~~يبدون يعني اليهود. # وقوله تعالى: {ومنهم أميون} أي من اليهود أميون لا يحسنون القراءة ~~والكتابة، جمع أمي منسوب إلى الأم كأنه باق على ما انفصل من الأم لم يتعلم ~~كتابة ولا قراءة. # [وروي عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه قال "إنا أمة أمية أي لا نكتب ولا ~~نحسب (1) ] (2) وقيل: هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة {لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني} قرأ أبو جعفر: أماني بتخفيف الياء كل القرآن حذف إحدى الياءين ~~(تخفيفا) (3) وقراءة العامة بالتشديد، وهي جمع الأمنية وهي التلاوة، قال ~~الله تعالى: "إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته" (52-الحج) أي في ~~قراءته، قال أبو عبيدة: [إلا تلاوته PageV01P114 # وقراءته] (1) عن ظهر القلب لا يقرءونه من كتاب، وقيل: يعلمونه حفظا ~~وقراءة لا يعرفون معناه. وقال ابن عباس: يعني غير عارفين بمعاني الكتاب، ~~وقال مجاهد وقتادة: إلا كذبا وباطلا قال الفراء: الأماني: الأحاديث ~~المفتعلة، قال عثمان رضي الله عنه: ما تمنيت منذ أسلمت (أي ما كذبت) (2) ، ~~وأراد بها الأشياء التي كتبها علماؤهم من عند أنفسهم ثم 14/ب أضافوها إلى ~~الله عز وجل من تغيير نعت النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، وقال الحسن وأبو ~~العالية: هي من التمني، وهي أمانيهم الباطلة التي تمنوها على الله عز وجل ~~مثل قولهم "لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى" (111-البقرة) وقولهم: ~~"لن تمسنا النار إلا أياما معدودة" (80-البقرة) وقولهم "نحن أبناء الله ~~وأحباؤه" (18-المائدة) فعلى هذا تكون (إلا) بمعنى (لكن) أي لا يعلمون ~~الكتاب لكن يتمنون أشياء لا تحصل لهم {وإن هم} وما هم {إلا يظنون} وما هم ~~إلا يظنون ظنا وتوهما لا يقينا، قاله قتادة والربيع، قال مجاهد: ms0089 يكذبون. # قوله تعالى: {فويل} قال الزجاج: ويل كلمة يقولها كل واقع في هلكة، وقيل: ~~هو دعاء الكفار على أنفسهم بالويل والثبور، وقال ابن عباس: شدة العذاب، ~~وقال سعيد بن المسيب: ويل واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لانماعت من ~~شدة حره. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنا أبو طاهر محمد بن أحمد ~~بن الحارث أنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبد الله بن محمود أنا ~~أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن رشدين بن ~~سعد [عن عمرو بن الحارث أنه حدث عن أبي السمح عن أبي الهيثم] (3) عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الويل واد في ~~جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، والصعود جبل من نار ~~يتصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي فهو كذلك" (4) . # {للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا} وذلك أن أحبار اليهود خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم حين قدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وسلم المدينة، فاحتالوا في تعويق اليهود عن ~~الإيمان به فعمدوا إلى صفته في التوراة، وكانت صفته فيها: حسن الوجه، حسن ~~الشعر، أكحل العينين، ربعة، فغيروها وكتبوا مكانها طوال أزرق سبط الشعر ~~فإذا سألهم سفلتهم عن صفته قرءوا ما كتبوا فيجدونه مخالفا لصفته فيكذبونه ~~وينكرونه، قال الله تعالى: {فويل لهم مما كتبت أيديهم} يعني ما كتبوا ~~PageV01P115 # بأنفسهم اختراعا من تغيير نعت محمد صلى الله عليه وسلم {وويل لهم مما ~~يكسبون} المآكل ويقال: من المعاصي. ### || # {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن ~~يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) بلى من كسب سيئة ~~وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81) والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82) وإذ أخذنا ميثاق ~~بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين ms0090 إحسانا وذي القربى واليتامى ~~والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا ~~قليلا منكم وأنتم معرضون (83) } # {وقالوا} يعني اليهود {لن تمسنا النار} [لن تصيبنا النار] (1) {إلا أياما ~~معدودة} قدرا مقدرا ثم يزول عنا العذاب ويعقبه النعيم واختلفوا في هذه ~~الآية، قال ابن عباس ومجاهد: كانت اليهود يقولون: هذه الدنيا سبعة آلاف ~~سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما واحدا ثم ينقطع العذاب بعد سبعة أيام. ~~وقال قتادة وعطاء: يعنون أربعين يوما التي عبد فيها آباؤهم العجل، وقال ~~الحسن وأبو العالية: قالت اليهود: إن ربنا عتب علينا في أمرنا، فأقسم ~~ليعذبنا أربعين يوما فلن تمسنا النار إلا أربعين يوما تحلة القسم، فقال ~~الله عز وجل تكذيبا لهم: {قل} يا محمد {أتخذتم عند الله} ألف استفهام دخلت ~~على ألف الوصل، عند الله {عهدا} موثقا أن لا يعذبكم إلا هذه المدة {فلن ~~يخلف الله عهده} ووعده قال ابن مسعود: عهدا بالتوحيد، يدل عليه قوله تعالى: ~~"إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا" (87-مريم) يعني: قوله لا إله إلا الله {أم ~~تقولون على الله ما لا تعلمون} # ثم قال {بلى} وبل وبلى: حرفا استدراك ومعناهما نفي الخبر الماضي وإثبات ~~الخبر المستقبل {من كسب سيئة} يعني الشرك {وأحاطت به خطيئته} قرأ أهل ~~المدينة خطيئاته بالجمع، والإحاطة الإحداق بالشيء من جميع نواحيه، قال ابن ~~عباس وعطاء والضحاك وأبو العالية والربيع وجماعة: هي الشرك يموت عليه، ~~وقيل: السيئة الكبيرة. والإحاطة به أن يصر عليها فيموت غير تائب، قاله ~~عكرمة والربيع بن خيثم وقال مجاهد: هي الذنوب تحيط بالقلب، كلما أذنب ذنبا ~~ارتفعت PageV01P116 # (حتى تغشى) (1) القلب وهي الرين. قال الكلبي: أوبقته ذنوبه، دليله قوله ~~تعالى "إلا أن يحاط بكم" (66-يوسف) أي تهلكوا {فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون} # قوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} في التوراة، والميثاق العهد ~~الشديد {لا تعبدون إلا الله} قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي {لا يعبدون} ~~بالياء وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى "وقولوا للناس حسنا" معناه ألا ~~تعبدوا فلما حذف أن ms0091 صار الفعل مرفوعا، وقرأ أبي بن كعب: لا تعبدوا إلا الله ~~على النهي {وبالوالدين إحسانا} أي ووصيناهم بالوالدين إحسانا، برا بهما ~~وعطفا عليهما ونزولا عند أمرهما، فيما لا يخالف أمر الله تعالى {وذي ~~القربى} أي وبذي القرابة والقربى مصدر كالحسنى {واليتامى} جمع يتيم وهو ~~الطفل الذي لا أب له {والمساكين} يعني الفقراء {وقولوا للناس حسنا} صدقا ~~وحقا في شأن محمد صلى الله عليه وسلم فمن سألكم عنه فاصدقوه وبينوا صفته ~~ولا تكتموا أمره، هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير وابن جريج ومقاتل، وقال ~~سفيان الثوري: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، وقيل: هو اللين في القول ~~والمعاشرة بحسن الخلق. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب: حسنا بفتح الحاء والسين ~~أي قولا حسنا {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم} أعرضتم عن العهد ~~والميثاق {إلا قليلا منكم} وذلك أن قوما منهم آمنوا {وأنتم معرضون} كإعراض ~~آبائكم. ### || # {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم ~~أقررتم وأنتم تشهدون (84) ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم ~~من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو ~~محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ~~ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما ~~الله بغافل عما تعملون (85) أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا ~~يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون (86) } # قوله عز وجل {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} أي لا تريقون دماءكم ~~أي: لا يسفك بعضكم دم بعض، وقيل: لا تسفكوا دماء غيركم فتسفك دماءكم، ~~فكأنكم سفكتم دماء أنفسكم، {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} أي لا يخرج بعضكم ~~بعضا من داره، وقيل: لا تسيئوا جوار من جاوركم فتلجؤوهم إلى الخروج بسوء ~~جواركم {ثم أقررتم} بهذا العهد أنه حق وقبلتم {وأنتم تشهدون} اليوم على ذلك ~~يا معشر اليهود وتقرون بالقبول. # قوله عز وجل {ثم أنتم هؤلاء} يعني: يا هؤلاء، وهؤلاء للتنبيه {تقتلون ~~أنفسكم} أي (يقتل) (1) بعضكم بعضا {وتخرجون فريقا منكم من ms0092 ديارهم تظاهرون ~~عليهم} بتشديد الظاء أي تتظاهرون PageV01P117 # أدغمت التاء في الظاء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الظاء فحذفوا تاء ~~التفاعل وأبقوا تاء الخطاب كقوله تعالى: "ولا تعاونوا" معناهما جميعا: ~~تتعاونون، والظهير: العون {بالإثم والعدوان} المعصية والظلم {وإن يأتوكم ~~أسارى} وقرأ حمزة: أسرى، وهما جمع أسير، ومعناهما واحد {تفادوهم} بالمال ~~وتنقذوهم وقرأ أهل المدينة وعاصم والكسائي ويعقوب (تفادوهم) أي تبادلوهم، ~~أراد: مفاداة الأسير بالأسير، وقيل: معنى القراءتين واحد. # ومعنى الآية قال السدي: إن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن ~~لا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وأيما عبد أو أمة ~~وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه، فكانت قريظة ~~حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، وكانوا يقتتلون في حرب سمير؟ فيقاتل ~~بنو قريظة وحلفاؤهم وبنو النضير وحلفاؤهم وإذا غلبوا أخربوا ديارهم ~~وأخرجوهم منها، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه وإن كان ~~الأسير من عدوهم، فتعيرهم العرب وتقول: كيف تقاتلونهم وتفدونهم قالوا: إنا ~~أمرنا أن نفديهم فيقولون: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي أن يستذل ~~حلفاؤنا، فعيرهم الله تعالى بذلك فقال: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} وفي ~~الآية تقديم وتأخير ونظمها {وتخرجون فريقا منكم من 15/أديارهم تظاهرون ~~عليهم بالإثم والعدوان} {وهو محرم عليكم إخراجهم} وإن يأتوكم أسارى ~~تفادوهم، فكأن الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتال، وترك الإخراج، ~~وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم، وفداء أسراهم، فأعرضوا عن الكل إلا ~~الفداء. # قال الله تعالى {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} قال مجاهد: يقول إن ~~وجدته في يد غيرك فديته وأنت تقتله بيدك {فما جزاء من يفعل ذلك منكم} يا ~~معشر اليهود {إلا خزي} عذاب وهوان {في الحياة الدنيا} فكان خزي قريظة القتل ~~والسبي وخزي النضير الجلاء والنفي من منازلهم إلى أذرعات وأريحاء من الشام ~~{ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} عذاب النار {وما الله بغافل # PageV01P118 # عما تعملون} قرأ ابن كثير ونافع (وأبو بكر) (1) بالياء والباقون بالتاء # قوله عز وجل: {أولئك الذين اشتروا} استبدلوا ms0093 {الحياة الدنيا بالآخرة فلا ~~يخفف} يهون {عنهم العذاب ولا هم ينصرون} يمنعون من عذاب الله عز وجل. ### || # {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ~~ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم ~~فقليلا ما يؤمنون (88) } # {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على ~~الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89) ~~بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله ~~على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (90) } # {ولقد آتينا} أعطينا {موسى الكتاب} التوراة، جملة واحدة {وقفينا} وأتبعنا ~~{من بعده بالرسل} رسولا بعد رسول {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} الدلالات ~~الواضحات وهي ما ذكر الله في سورة آل عمران والمائدة وقيل: أراد الإنجيل ~~{وأيدناه} قويناه {بروح القدس} قرأ ابن كثير القدس بسكون الدال والآخرون ~~بضمها وهما لغتان مثل الرعب والرعب، واختلفوا في روح القدس، قال الربيع ~~وغيره: أراد بالروح الذي نفخ فيه، والقدس هو الله أضافه إلى نفسه تكريما ~~وتخصيصا نحو بيت الله، وناقة الله، كما قال: "فنفخنا فيه من روحنا" ~~(12-التحريم) [وروح منه] (1) (171-النساء) وقيل: أراد بالقدس الطهارة، يعني ~~الروح الطاهرة سمى روحه قدسا، لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة ولم تشتمل عليه ~~أرحام الطوامث، إنما كان أمرا من أمر الله تعالى، قال قتادة والسدي ~~والضحاك: روح القدس جبريل عليه السلام قيل: وصف جبريل بالقدس أي بالطهارة ~~لأنه لم يقترف ذنبا، وقال الحسن: القدس هو الله وروحه جبريل قال الله ~~تعالى: "قل نزله روح القدس من ربك بالحق" (102-النحل) PageV01P119 # وتأييد عيسى بجبريل عليهما السلام أنه أمر أن يسير معه حيث سار حتى صعد ~~به الله {إلى السماء} (1) وقيل: سمي جبريل عليه السلام روحا للطافته ~~ولمكانته من الوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: ~~روح القدس ms0094 هو اسم الله تعالى الأعظم به كان يحيي الموتى ويري الناس به ~~العجائب، وقيل: هو الإنجيل جعل له روحا كما {جعل القرآن روحا لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم لأنه سبب لحياة القلوب} (2) قال تعالى: "وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا" (52-الشورى) فلما سمع اليهود ذكر عيسى عليه السلام فقالوا: ~~يا محمد لا مثل عيسى -كما تزعم-عملت، ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت، ~~فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقا. # قال الله تعالى: {أفكلما جاءكم} يا معشر اليهود {رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم} تكبرتم وتعظمتم عن الإيمان {ففريقا} طائفة {كذبتم} مثل عيسى ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم {وفريقا تقتلون} أي قتلتم مثل زكريا ويحيى وشعيبا ~~وسائر من قتلوه من الأنبياء عليهم السلام # {وقالوا} يعني اليهود {قلوبنا غلف} جمع الأغلف وهو الذي عليه غشاء، معناه ~~عليها غشاوة فلا تعي ولا تفقه ما تقول، قاله مجاهد وقتادة، نظيره قوله ~~تعالى: "وقالوا قلوبنا في أكنة" (5-فصلت) وقرأ ابن عباس غلف بضم اللام وهي ~~قراءة الأعرج وهو جمع غلاف أي قلوبنا أوعية لكل علم فلا تحتاج إلى علمك ~~قاله ابن عباس وعطاء وقال الكلبي: معناه أوعية لكل علم فلا تسمع حديثا إلا ~~تعيه إلا حديثك لا تعقله ولا تعيه ولو كان فيه {خير} (3) لوعته وفهمته. # قال الله عز وجل {بل لعنهم الله} طردهم الله وأبعدهم عن كل خير {بكفرهم ~~فقليلا ما يؤمنون} قال قتادة: معناه لن يؤمن منهم إلا قليل لأن من آمن من ~~المشركين أكثر ممن آمن من اليهود، أي فقليلا يؤمنون، ونصب قليلا [على الحال ~~وقال معمر: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره، أي فقليل ~~يؤمنون ونصب قليلا] (4) بنزع الخافض، و (ما) صلة على قولهما، وقال الواقدي: ~~معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا كقول الرجل للآخر: ما أقل ما تفعل كذا أي ~~لا تفعله أصلا # {ولما جاءهم كتاب من عند الله} يعني القرآن {مصدق} موافق {لما معهم} يعني ~~التوراة {وكانوا} يعني اليهود {من قبل} قبل مبعث محمد ms0095 صلى الله عليه وسلم ~~{يستفتحون} يستنصرون {على الذين كفروا} على مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا ~~يقولون إذا حزبهم أمر ودهمهم عدو: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في ~~آخر الزمان، الذي نجد صفته في التوراة، فكانوا ينصرون، وكانوا يقولون ~~لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبي يخرج PageV01P120 # بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وثمود وإرم {فلما جاءهم ما عرفوا} ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم من غير بني إسرائيل وعرفوا نعته وصفته ~~{كفروا به} بغيا وحسدا. {فلعنة الله على الكافرين} # {بئسما اشتروا به أنفسهم} بئس ونعم: فعلان ماضيان وضعا للمدح والذم، لا ~~يتصرفان تصرف الأفعال، معناه: بئس الذي اختاروا لأنفسهم حين استبدلوا ~~الباطل بالحق. وقيل: الاشتراء هاهنا بمعنى البيع والمعنى بئس ما باعوا به ~~حظ أنفسهم أي حين اختاروا الكفر {وبذلوا أنفسهم للنار} (1) {أن يكفروا بما ~~أنزل الله} يعني القرآن {بغيا} أي حسدا وأصل البغي: الفساد ويقال بغى الجرح ~~إذا فسد والبغي: الظلم، وأصله الطلب، والباغي طالب الظلم، والحاسد يظلم ~~المحسود جهده، طلبا لإزالة نعمة الله تعالى عنه {أن ينزل الله من فضله} أي ~~النبوة والكتاب {على من يشاء من عباده} محمد صلى الله عليه وسلم، قرأ أهل ~~مكة والبصرة ينزل بالتخفيف إلا {في سبحان الذي} في موضعين "وننزل من ~~القرآن" (82-الإسراء) و"حتى تنزل" (93-الإسراء) فإن ابن كثير يشددهما، وشدد ~~البصريون في الأنعام "على أن ينزل آية" (37-الأنعام) زاد يعقوب تشديد {بما ~~ينزل} في النحل ووافق حمزة والكسائي في تخفيف {وينزل الغيث} في سورة لقمان ~~وحم عسق، والآخرون يشددون الكل، ولم يختلفوا في تشديد "وما ننزله إلا بقدر" ~~في الحجر (21) {فباءوا بغضب} أي رجعوا بغضب {على غضب} قال ابن عباس ومجاهد: ~~الغضب الأول بتضييعهم التوراة وتبديلهم، والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم والقرآن، وقال قتادة: الأول بكفرهم بعيسى الإنجيل، والثاني ~~بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقال السدي: الأول بعبادة العجل ~~والثاني بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم {وللكافرين} الجاحدين بنبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم من الناس ms0096 كلهم {عذاب مهين} مخز يهانون فيه. ### || # {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون ~~بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن ~~كنتم مؤمنين (91) } # قوله تعالى {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله} يعني القرآن {قالوا نؤمن ~~بما أنزل علينا} يعني التوراة، يكفينا ذلك {ويكفرون بما وراءه} أي بما سواه ~~من الكتب كقوله عز وجل "فمن ابتغى وراء ذلك" (7-المؤمنون) أي سواه، وقال ~~أبو عبيدة: [بما وراءه] (2) أي: بما سواه من الكتب {وهو الحق} يعني القرآن ~~{مصدقا} نصب على الحال {لما معهم} من التوراة {قل} يا محمد {فلم تقتلون} أي ~~قتلتم PageV01P121 # {أنبياء الله من قبل} ولم أصله لما فحذفت الألف فرقا بين الجر والاستفهام ~~كقولهم فيم وبم؟ {إن كنتم مؤمنين} بالتوراة، وقد نهيتم فيها عن قتل ~~الأنبياء عليهم السلام. ### || # {ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (92) ~~وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا ~~سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم ~~إن كنتم مؤمنين (93) } # {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت ~~إن كنتم صادقين (94) } # قوله عز وجل {ولقد جاءكم موسى بالبينات} بالدلالات الواضحة والمعجزات ~~الباهرة 15/ب {ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون} # {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا} أي ~~استجيبوا وأطيعوا سميت الطاعة والإجابة سمعا على المجاورة لأنه سبب للطاعة ~~والإجابة {قالوا سمعنا} {وعصينا} أمرك، وقيل: سمعنا بالأذن وعصينا بالقلوب، ~~قال أهل المعاني: إنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم ولكن لما سمعوه وتلقوه ~~بالعصيان فنسب ذلك إلى القول اتساعا {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} أي ~~حب العجل، أي معناه: أدخل في قلوبهم حب العجل وخالطها، كإشراب اللون لشدة ~~الملازمة يقال: فلان مشرب اللون إذا اختلط بياضه بالحمرة، وفي القصص: أن ~~موسى أمر أن يبرد العجل بالمبرد ثم يذره في النهر وأمرهم (بالشرب) (1) منه ms0097 ~~فمن بقي في قلبه شيء من حب العجل ظهرت سحالة (2) الذهب على شاربه. # قوله عز وجل {قل بئسما يأمركم به إيمانكم} أن تعبدوا العجل من دون الله ~~أي بئس إيمان يأمركم بعبادة العجل {إن كنتم مؤمنين} بزعمكم، وذلك أنهم ~~قالوا: {نؤمن بما أنزل علينا} فكذبهم الله عز وجل. # [قوله تعالى {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله} وذلك أن اليهود ~~ادعوا دعاوى باطلة مثل قولهم "لن تمسنا النار إلا أياما معدودة" ~~(80-البقرة) "وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو PageV01P122 # نصارى" (111-البقرة) وقولهم: "نحن أبناء الله وأحباؤه" (1) (18-المائدة) ~~فكذبهم الله عز وجل وألزمهم الحجة فقال: قل لهم يا محمد {إن كانت لكم الدار ~~الآخرة عند الله} يعني الجنة عند الله {خالصة} أي خاصة {من دون الناس ~~فتمنوا الموت} أي فأريدوه واسألوه لأن من علم أن الجنة مأواه حن إليها ولا ~~سبيل إلى دخولها إلا بعد الموت فاستعجلوه بالتمني {إن كنتم صادقين} في ~~قولكم، وقيل: فتمنوا الموت أي ادعوا بالموت على الفرقة الكاذبة. وروي عن ~~ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو تمنوا الموت لغص كل إنسان ~~منهم بريقه وما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات" (2) . ### || # {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (95) ولتجدنهم ~~أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو ~~بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون (96) } # قال الله تعالى: {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم} لعلمهم أنهم في ~~دعواهم كاذبون وأراد {بما قدمت أيديهم} أي ما قدموه من الأعمال وأضافها إلى ~~اليد [دون سائر الأعضاء] (3) لأن أكثر جنايات الإنسان تكون باليد فأضيف إلى ~~اليد أعماله وإن لم يكن لليد فيها عمل {والله عليم بالظالمين} # {ولتجدنهم} اللام لام القسم والنون تأكيد للقسم، تقديره: والله لتجدنهم ~~يا محمد يعني اليهود {أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا} قيل: هو متصل ~~بالأول، وأحرص من الذين أشركوا، وقيل: تم الكلام بقوله {على حياة} ثم ابتدأ ms0098 ~~{من الذين أشركوا} وأراد بالذين أشركوا المجوس قاله أبو العالية والربيع ~~سموا مشركين لأنهم يقولون بالنور والظلمة. # {يود} يريد ويتمنى {أحدهم لو يعمر ألف سنة} يعني تعمير ألف سنة وهي تحية ~~المجوس فيما بينهم يقولون عش ألف سنة وكل ألف نيروز ومهرجان، يقول الله ~~تعالى: اليهود أحرص على الحياة من المجوس الذي يقولون ذلك {وما هو بمزحزحه} ~~مباعده {من العذاب} النار {أن يعمر} أي طول عمره لا ينقذه. [زحزحه وتزحزح] ~~(4) من العذاب أو وزحزح: لازم ومتعد، ويقال زحزحته فتزحزح {والله بصير بما ~~يعملون} PageV01P123 ### || # {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه ~~وهدى وبشرى للمؤمنين (97) من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ~~فإن الله عدو للكافرين (98) ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا ~~الفاسقون (99) } # قوله عز وجل: {قل من كان عدوا لجبريل} قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن ~~حبرا من أحبار اليهود يقال له عبد الله بن صوريا قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: أي ملك {نزل} (1) من السماء؟ قال {جبريل} قال: ذلك عدونا من الملائكة ~~ولو كان ميكائيل لآمنا بك، إن جبريل ينزل العذاب والقتال والشدة وإنه ~~عادانا مرارا وكان من أشد ذلك علينا، [أن الله تعالى أنزل على نبينا] (2) ~~أن بيت المقدس سيخرب على يد رجل يقال له بختنصر، وأخبرنا بالحين الذي يخرب ~~فيه، فلما كان وقته بعثنا رجلا من أقوياء بني إسرائيل في طلبه لقتله فانطلق ~~حتى لقيه ببابل غلاما مسكينا فأخذه ليقتله فدفع عنه جبريل وكبر بختنصر وقوي ~~وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا نتخذه عدوا فأنزل الله تعالى هذه الآية (3) . # وقال مقاتل: قالت اليهود: إن جبريل عدونا لأنه أمر بجعل النبوة فينا ~~فجعلها في غيرنا، وقال قتادة وعكرمة والسدي: كان لعمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه أرض بأعلى المدينة وممرها على مدارس اليهود فكان إذا أتى أرضه يأتيهم ~~ويسمع منهم (كلاما) (4) فقالوا له: ما في أصحاب محمد أحب إلينا منك، إنهم ~~يمرون علينا فيؤذوننا وأنت لا ms0099 تؤذينا وإنا لنطمع فيك فقال عمر: والله ما ~~آتيكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم [وأنتم تكتمونها] (5) ~~فقالوا: من صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة؟ قال: جبريل فقالوا: ذلك ~~عدونا يطلع محمدا على أسرارنا وهو صاحب كل عذاب وخسف وسنة وشدة، وإن ~~ميكائيل إذا جاء جاء بالخصب والمغنم (6) فقال لهم عمر: تعرفون جبريل ~~وتنكرون محمدا؟ قالوا: نعم قال: فأخبروني عن منزلة جبريل وميكائيل من ~~PageV01P124 # الله عز وجل؟ قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره قال عمر: فإني ~~أشهد أن من كان عدوا لجبريل فهو عدو لميكائيل، ومن كان عدوا لميكائيل فإنه ~~عدو لجبريل، ومن كان عدوا لهما كان الله عدوا له، ثم رجع عمر إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هذه الآية فقال "لقد وافقك ربك يا عمر" فقال عمر: لقد رأيتني بعد ~~ذلك، في دين الله أصلب من الحجر (1) . # قال الله تعالى {قل من كان عدوا لجبريل فإنه} يعني: جبريل {نزله} يعني: ~~القرآن، كناية عن غير مذكور {على قلبك} يا محمد {بإذن الله} بأمر الله ~~{مصدقا} موافقا {لما بين يديه} لما قبله من الكتب {وهدى وبشرى للمؤمنين} # قوله عز وجل: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} خصهما ~~بالذكر من جملة الملائكة مع دخولهما في قوله {وملائكته} تفضيلا وتخصيصا، ~~كقوله تعالى "فيهما فاكهة ونخل ورمان" (68-الرحمن) خص النخل والرمان بالذكر ~~مع دخولهما في ذكر الفاكهة، والواو فيهما بمعنى: أو، يعني من كان عدوا لأحد ~~هؤلاء فإنه عدو للكل، لأن الكافر بالواحد كافر بالكل {فإن الله عدو ~~للكافرين} قال عكرمة: جير وميك وإسراف هي العبد بالسريانية، وإيل هو الله ~~تعالى ومعناهما عبد الله وعبد الرحمن. وقرأ ابن كثير جبريل بفتح الجيم غير ~~مهموز بوزن فعليل قال حسان: # وجبريل رسول الله فينا %~% وروح القدس ليس له كفاء # وقرأ حمزة والكسائي ms0100 بالهمز والإشباع بوزن سلسبيل، وقرأ أبو بكر ~~بالاختلاس، وقرأ الآخرون بكسر الجيم غير مهموز، وميكائيل قرأ أبو عمرو ~~ويعقوب وحفص ميكال بغير همز قال جرير: # عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد %~% وبجبرائيل وكذبوا ميكالا (2) # وقال آخر: # ويوم بدر لقيناكم لنا مدد %~% فيه مع النصر جبريل وميكال (3) # وقرأ نافع: بالهمزة والاختلاس، بوزن ميفاعل، وقرأ الآخرون: بالهمز ~~والإشباع بوزن ميكائيل، وقال ابن صوريا: ما جئتنا بشيء نعرفه، فأنزل الله ~~تعالى (4) # {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات} واضحات PageV01P125 # مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام {وما يكفر بها إلا الفاسقون} ~~الخارجون عن أمر الله عز وجل. ### || # {أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100) ولما ~~جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب ~~الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) } # قوله تعالى {أوكلما} واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام {عاهدوا عهدا} ~~يعني اليهود عاهدوا لئن خرج محمد ليؤمنن به، فلما خرج كفروا به. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~أخذ الله عليهم (من الميثاق) (1) وعهد إليهم في محمد أن يؤمنوا، به قال ~~مالك بن الصيف: والله ما عهد إلينا في محمد عهد، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية (2) يدل عليه قراءة أبي رجاء العطاردي "أو كلما عاهدوا" فجعلهم ~~مفعولين، وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبين اليهود 16/أأن لا يعاونوا المشركين على قتاله فنقضوها كفعل بني قريظة ~~والنضير (3) دليله قوله تعالى "الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم" ~~(56-الأنفال) ، {نبذه} طرحه ونقضه {فريق} طوائف {منهم} اليهود {بل أكثرهم ~~لا يؤمنون} # {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما ~~يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون ~~به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما ~~يضرهم ولا ينفعهم ms0101 ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند ~~الله خير لو كانوا يعلمون (103) } # {ولما جاءهم رسول من عند الله} يعني محمدا {مصدق لما معهم نبذ فريق من ~~الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم} يعني التوراة وقيل: القرآن ~~{كأنهم لا يعلمون} قال الشعبي: كانوا يقرءون التوراة ولا يعملون بها، وقال ~~سفيان بن عيينة: أدرجوها في الحرير والديباج وحلوها بالذهب والفضة ولم ~~يعملوا بها فذلك نبذهم لها (1) # قوله تعالى: {واتبعوا} يعني اليهود {ما تتلو الشياطين} أي: ما تلت، ~~والعرب تضع المستقبل موضع الماضي، والماضي موضع المستقبل، وقيل: ما كنت ~~تتلو أي تقرأ، قال ابن عباس رضي الله عنه: PageV01P126 # تتبع وتعمل به، وقال عطاء تحدث وتكلم به {على ملك سليمان} أي: في ملكه ~~وعهده. # وقصة الآية (1) أن الشياطين كتبوا السحر والنيرنجيات (2) على لسان آصف بن ~~برخيا هذا ما علم آصف بن برخيا سليمان الملك، ثم دفنوها تحت مصلاه حتى نزع ~~الله الملك عنه ولم يشعر بذلك سليمان فلما مات استخرجوها وقالوا للناس: ~~إنما ملكهم سليمان بها فتعلموه فأما علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا: ~~معاذ الله أن يكون هذا من علم الله (3) وأما السفلة، فقالوا: هذا علم ~~سليمان، وأقبلوا على تعلمه، ورفضوا كتب أنبيائهم، وفشت الملامة على سليمان ~~فلم يزل هذا حالهم وفعلهم حتى PageV01P127 # بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه براءة سليمان، هذا قول ~~الكلبي. # وقال السدي: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فيسمعون كلام الملائكة فيما ~~يكون في الأرض من موت وغيره، فيأتون الكهنة ويخلطون بما يسمعون في كل كلمة ~~سبعين كذبة ويخبرونهم بها [فكتب ذلك] (1) وفشا في بني إسرائيل أن الجن ~~يعلمون الغيب، فبعث سليمان في الناس وجمع تلك الكتب وجعلها في صندوق ودفنه ~~تحت كرسيه وقال: لا أسمع أحدا يقول إن الشيطان يعلم الغيب إلا ضربت عنقه، ~~فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنة الكتب، ~~وخلف من ms0102 بعدهم خلف، تمثل الشيطان على صورة إنسان فأتى نفرا من بني إسرائيل ~~فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا قالوا: نعم فذهب معهم فأراهم ~~المكان الذي تحت كرسيه، فحفروا فأقام ناحية فقالوا له: ادن وقال: لا أحضر، ~~فإن لم تجدوه فاقتلوني، وذلك أنه لم يكن أحد من الشياطين يدنو من الكرسي ~~إلا احترق، فحفروا وأخرجوا تلك الكتب، فقال الشيطان لعنه الله: إن سليمان ~~كان يضبط الجن والإنس والشياطين والطير بهذا، ثم طار الشيطان عنهم، وفشا في ~~الناس أن سليمان كان ساحرا، وأخذوا تلك الكتب (واستعملوها) (2) فلذلك أكثر ~~ما يوجد السحر في اليهود، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم برأ الله تعالى ~~سليمان من ذلك، وأنزل في عذر سليمان: {وما كفر سليمان} بالسحر، وقيل: لم ~~يكن سليمان كافرا بالسحر ويعمل به {ولكن الشياطين كفروا} قرأ ابن عباس رضي ~~الله عنه والكسائي وحمزة، "لكن" خفيفة النون "والشياطين" رفع، وقرأ الآخرون ~~ولكن مشددة النون "والشياطين" نصب وكذلك "ولكن الله قتلهم" (17-الأنفال) ~~ومعنى لكن: نفي الخبر الماضي وإثبات المستقبل. # {يعلمون الناس} قيل: معنى السحر العلم والحذق بالشيء قال الله تعالى ~~"وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك" (49-الزخرف) أي العالم، والصحيح: أن ~~السحر عبارة عن التمويه والتخييل، والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة، وعليه ~~أكثر الأمم، ولكن العمل به كفر، حكي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: ~~السحر يخيل ويمرض وقد يقتل، حتى أوجب القصاص على من قتل به فهو من عمل ~~الشيطان، يتلقاه الساحر منه بتعليمه إياه، فإذا تلقاه منه استعمله في غيره، ~~وقيل: إنه يؤثر في قلب الأعيان فيجعل الآدمي على صورة الحمار ويجعل الحمار ~~على صورة الكلب، والأصح أن ذلك تخييل قال الله تعالى: "يخيل إليه من سحرهم ~~أنها تسعى" (66-طه) لكنه يؤثر في الأبدان بالأمراض والموت والجنون، وللكلام ~~تأثير في الطباع والنفوس وقد يسمع الإنسان ما يكره فيحمى ويغضب وربما يحم ~~منه، PageV01P128 # وقد مات قوم بكلام سمعوه فهو بمنزلة العوارض والعلل التي تؤثر في الأبدان ~~(1) . # قوله عز ms0103 وجل {وما أنزل على الملكين ببابل} أي ويعلمون الذي أنزل على ~~الملكين [أي إلهاما وعلما، فالإنزال بمعنى الإلهام والتعليم، وقيل: واتبعوا ~~ما أنزل على الملكين] (2) وقرأ ابن عباس والحسن الملكين بكسر اللام، وقال ~~ابن عباس: هما رجلان ساحران كانا ببابل، وقال الحسن: علجان (3) لأن ~~الملائكة لا يعلمون السحر. # وبابل هي بابل العراق سميت بابل لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود ~~أي تفرقها، قال ابن مسعود: بابل أرض الكوفة، وقيل جبل دماوند، والقراءة ~~المعروفة على الملكين بالفتح. فإن قيل كيف يجوز تعليم السحر من الملائكة؟ ~~قيل: له تأويلان: أحدهما، أنهما لا يتعمدان التعليم لكن يصفان السحر ~~ويذكران بطلانه ويأمران باجتنابه، والتعليم بمعنى الإعلام، فالشقي يترك ~~نصيحتهما ويتعلم السحر من صنعتهما. # والتأويل الثاني: وهو الأصح: أن الله تعالى امتحن الناس بالملكين في ذلك ~~الوقت فمن شقي يتعلم السحر منهما [ويأخذه عنهما ويعمل به] (4) فيكفر به، ~~ومن سعد يتركه فيبقى على الإيمان، ويزداد المعلمان بالتعليم عذابا، ففيه ~~ابتلاء للمعلم [والمتعلم] (5) ولله أن يمتحن عباده بما شاء، فله الأمر ~~والحكم. # قوله عز وجل {هاروت وماروت} اسمان سريانيان وهما في محل الخفض على تفسير ~~الملكين إلا أنهما نصبا لعجمتهما ومعرفتهما، وكانت قصتهما على ما ذكر ابن ~~عباس والمفسرون (6) أن الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم ~~الخبيثة في زمن إدريس عليه السلام فعيروهم وقالوا: هؤلاء الذين جعلتهم في ~~الأرض خليفة واخترتهم فهم يعصونك فقال الله تعالى: لو أنزلتكم إلى الأرض ~~وركبت فيكم ما ركبت فيهم لركبتم مثل ما ركبوا فقالوا: سبحانك ما كان ينبغي ~~لنا أن نعصيك قال لهم الله تعالى: فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى ~~الأرض، فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم، وقال ~~الكلبي: قال الله تعالى لهم: اختاروا ثلاثة فاختاروا عزا وهو هاروت وعزايا ~~وهو ماروت -غير اسمهما لما قارفا الذنب -وعزائيل، فركب الله فيهم الشهوة ~~وأهبطهم إلى الأرض وأمرهم أن يحكموا بين الناس بالحق PageV01P129 # ونهاهم عن الشرك والقتل بغير الحق والزنا وشرب الخمر، فأما عزائيل ms0104 فإنه ~~لما وقعت الشهوة في قلبه استقبل ربه وسأله أن يرفعه إلى السماء، فأقاله ~~فسجد أربعين سنة لم يرفع رأسه، ولم يزل بعد مطأطئا رأسه حياء من الله ~~تعالى. # وأما الآخران: فإنهما ثبتا على ذلك وكانا يقضيان بين الناس يومهما، فإذا ~~أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء، قال قتادة: فما مر عليهما ~~شهر حتى افتتنا. قالوا جميعا إنه اختصمت إليهما ذات يوم الزهرة وكانت من ~~أجمل النساء، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: وكانت من أهل فارس وكانت ~~ملكة في بلدها فلما رأياها أخذت بقلوبهما فراوداها عن نفسها فأبت وانصرفت ~~ثم عادت في اليوم الثاني ففعلا مثل ذلك فأبت وقالت: لا إلا أن تعبدا ما ~~أعبد وتصليا لهذا الصنم وتقتلا النفس وتشربا الخمر فقالا لا سبيل إلى هذه ~~الأشياء فإن الله تعالى قد نهانا عنها، فانصرفت ثم عادت في اليوم الثالث ~~ومعهأ 16/ب قدح من خمر، وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها فراوداها عن ~~نفسها فعرضت عليهما ما قالت بالأمس فقالا الصلاة لغير الله عظيم، وقتل ~~النفس عظيم، وأهون الثلاثة شرب الخمر، فشربا الخمر فانتشيا ووقعا بالمرأة، ~~فزنيا فلما فرغا رآهما إنسان فقتلاه، قال الربيع بن أنس وسجدا للصنم فمسخ ~~الله الزهرة كوكبا -وقال بعضهم: جاءتهما امرأة من أحسن الناس تخاصم زوجها ~~فقال أحدهما للآخر: هل سقط في نفسك مثل الذي سقط في نفسي (من حب هذه) (1) ؟ ~~قال: نعم فقال: وهل لك أن تقضي لها على زوجها بما تقول؟ فقال له صاحبه: أما ~~تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب؟ فقال له صاحبه: أما تعلم ما عند الله ~~من العفو والرحمة فسألاها نفسها، فقالت: لا إلا أن تقتلاه فقال أحدهما: أما ~~تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب؟ فقال صاحبه: أما تعلم ما عند الله من ~~العفو والرحمة فقتلاه ثم سألاها نفسها، فقالت: لا إن لي صنما أعبده، إن ~~أنتما صليتما معي له: فعلت، فقال: أحدهما لصاحبه مثل القول الأول فقال ~~صاحبه مثله، فصليا معها ms0105 له فمسخت شهابا. # قال ابن أبي طالب رضي الله عنه والكلبي والسدي: إنها قالت لهما حين ~~سألاها نفسها: لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء فقالا ~~باسم الله الأكبر، قالت: فما أنتم تدركاني حتى تعلمانيه، فقال أحدهما ~~لصاحبه: علمها فقال: إني أخاف الله رب العالمن، قال الآخر: فأين رحمة الله ~~تعالى؟ فعلماها ذلك فتكلمت، فصعدت إلى السماء فمسخها الله كوكبا، فذهب ~~بعضهم إلى أنها الزهرة بعينها وأنكر الآخرون هذا وقالوا: إن الزهرة من ~~الكواكب السبعة السيارة التي أقسم الله بها فقال "فلا أقسم بالخنس الجواري ~~الكنس" (15-التكوير) والتي فتنت هاروت وماروت امرأة كانت تسمى الزهرة ~~لجمالها فلما بغت مسخها الله تعالى شهابا، قالوا: فلما أمسى هاروت وماروت ~~بعدما قارفا الذنب PageV01P130 # هما بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما أجنحتهما، فعلما ما حل بهما (من ~~الغضب) (1) فقصدا إدريس النبي عليه السلام، فأخبراه بأمرهما وسألاه أن يشفع ~~لهما إلى الله عز وجل وقالا له: إنا رأيناك يصعد لك من العبادات مثل ما ~~يصعد لجميع أهل الأرض فاستشفع لنا، إلى ربك ففعل ذلك إدريس عليه السلام ~~فخيرهما الله بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا إذ علما ~~أنه ينقطع فهما ببابل يعذبان. # واختلفوا في كيفية عذابهما فقال عبد الله بن مسعود: هما معلقان بشعورهما ~~إلى قيام الساعة، وقال عطاء بن أبي رباح: رءوسهما مصوبة تحت أجنحتهما، وقال ~~قتادة (كبلا) (2) من أقدامهما إلى أصول أفخاذهما، وقال مجاهد: جعلا في جب ~~ملئت نارا، وقال عمر بن سعد: منكوسان يضربان بسياط من الحديد. # وروي أن رجلا قصد هاروت وماروت لتعلم السحر فوجدهما معلقين بأرجلهما، ~~مزرقة أعينهما، مسودة جلودهما، ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا أربع أصابع ~~وهما يعذبان بالعطش، فلما رأى ذلك هاله مكانهما فقال: لا إله إلا الله، ~~فلما سمعا كلامه قالا له: من أنت؟ قال: رجل من الناس، قالا من أي أمة أنت؟ ~~قال: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قالا أو قد بعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم؟ قال: نعم قالا ms0106 الحمد لله، وأظهر الاستبشار فقال الرجل: ومم ~~استبشاركما؟ قالا إنه نبي الساعة وقد دنا انقضاء عذابنا. # قوله تعالى: {وما يعلمان من أحد} أي أحدا، و"من" صلة {حتى} ينصحاه أولا و ~~{يقولا إنما نحن فتنة} ابتلاء ومحنة {فلا تكفر} أي لا تتعلم السحر فتعمل به ~~فتكفر، وأصل الفتنة: الاختبار والامتحان، من قولهم: فتنت الذهب والفضة إذا ~~أذبتهما بالنار، ليتميز الجيد من الرديء وإنما وحد الفتنة وهما اثنان، لأن ~~الفتنة مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع، وقيل: إنهما يقولان "إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر" سبع مرات. # قال عطاء والسدي: فإن أبى إلا التعلم قالا له: ائت هذا الرماد (وأقبل ~~عليه) (3) فيخرج منه نور ساطع في السماء فذلك نور المعرفة، وينزل شيء أسود ~~شبه الدخان حتى يدخل مسامعه وذلك غضب الله تعالى، قال مجاهد: إن هاروت ~~وماروت لا يصل إليهما أحد ويختلف فيما بينهما شيطان في كل مسألة اختلافة ~~واحدة، {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} أن (يؤخذ) (4) كل ~~واحد عن PageV01P131 # صاحبه، ويبغض كل واحد إلى صاحبه قال الله تعالى: {وما هم} قيل أي: السحرة ~~وقيل: الشياطين {بضارين به} أي بالسحر {من أحد} أي أحدا، {إلا بإذن الله} ~~أي: بعلمه وتكوينه، فالساحر يسحر والله يكون. # قال سفيان الثوري: معناه إلا بقضائه وقدرته ومشيئته، {ويتعلمون ما يضرهم} ~~يعني: أن السحر يضرهم {ولا ينفعهم ولقد علموا} يعني اليهود {لمن اشتراه} أي ~~اختار السحر {ما له في الآخرة من خلاق} أي في الجنة من نصيب {ولبئس ما شروا ~~به} باعوا به {أنفسهم} حظ أنفسهم، حيث اختارواالسحر والكفر على الدين والحق ~~{لو كانوا يعلمون} فإن قيل: أليس قد قال "ولقد علموا لمن اشتراه" فما معنى ~~قوله تعالى "لو كانوا يعلمون" بعدما أخبر أنهم علموا؟ قيل: أراد بقوله ~~"ولقد علموا" يعني الشياطين وقوله "لو كانوا يعلمون" يعني اليهود وقيل: ~~كلاهما في اليهود يعني: لكنهم لما لم يعلموا بما علموا فكأنهم لم يعلموا # {ولو أنهم آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن {واتقوا} اليهودية ~~والسحر {لمثوبة من ms0107 عند الله خير} لكان ثواب الله إياهم خيرا لهم {لو كانوا ~~يعلمون} ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين ~~عذاب أليم (104) ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل ~~عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ~~(105) } # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} وذلك أن المسلمين ~~كانوا يقولون راعنا يا رسول الله، من المراعاة أي أرعنا سمعك، أي فرغ سمعك ~~لكلامنا، يقال: أرعى إلى الشيء، ورعاه، وراعاه، أي أصغى إليه واستمعه، ~~وكانت هذه اللفظة (شيئا) (1) قبيحا بلغة اليهود، وقيل: كان معناها عندهم ~~اسمع لا سمعت. # وقيل: هي من الرعونة إذا أرادوا أن يحمقوا إنسانا قالوا له: راعنا بمعنى ~~يا أحمق! فلما سمع اليهود هذه اللفظة من المسلمين قالوا فيما بينهم: كنا ~~نسب محمدا سرا، فأعلنوا به الآن، فكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمد، ~~ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ (2) ففطن لها، وكان يعرف لغتهم، ~~فقال لليهود: لئن سمعتها من أحدكم يقولها لرسول صلى الله عليه وسلم لأضربن ~~عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟ فأنزل الله تعالى {لا تقولوا راعنا} ~~PageV01P132 # كيلا يجد اليهود بذلك سبيلا إلى شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ~~{وقولوا انظرنا} أي انظر إلينا وقيل: انتظرنا وتأن بنا، يقال: نظرت فلانا ~~وانتظرته، ومنه قوله تعالى "انظرونا نقتبس من نوركم" (13-الحديد) قال ~~مجاهد: معناها (فهمناه) (2) {واسمعوا} ما تؤمرون به وأطيعوا {وللكافرين} ~~يعني اليهود {عذاب أليم} # قوله تعالى: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب} وذلك أن المسلمين كانوا ~~إذا قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قالوا: ما ~~هذا الذي تدعوننا إليه بخير مما نحن فيه ولوددنا لو كان خيرا، فأنزل الله ~~تكذيبا لهم {ما يود الذين} أي ما يحب ويتمنى الذين كفروا من أهل الكتاب ~~يعني اليهود {ولا المشركين} جره بالنسق على من {أن ينزل عليكم من خير من ~~ربكم} أي خير ونبوة، ومن صلة {والله يختص برحمته} بنبوته ms0108 {من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم} والفضل ابتداء إحسان بلا علة. # وقيل: المراد بالرحمة الإسلام والهداية وقيل: معنى الآية إن الله تعالى ~~بعث الأنبياء من ولد إسحاق فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم من ولد ~~إسماعيل لم يقع ذلك بود اليهود ومحبتهم، (فنزلت الآية) (3) وأما المشركون ~~فإنما لم تقع بودهم لأنه جاء بتضليلهم وعيب آلهتهم. ### || # {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على ~~كل شيء قدير (106) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون ~~الله من ولي ولا نصير (107) أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من ~~قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) } # قوله عز وجل {ما ننسخ من آية أو ننسها} وذلك أن المشركين قالوا: إن محمدا ~~ما يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلاف ما يقوله إلا من تلقاء ~~نفسه يقول [اليوم قولا ويرجع عنه غدا كما أخبر الله "وإذا بدلنا آية مكان ~~آية والله أعلم] (1) بما ينزل قالوا: إنما أنت مفتر" (101-النحل) وأنزل {ما ~~ننسخ من آية أو ننسها} فبين وجه الحكمة من النسخ بهذه الآية. # والنسخ في اللغة شيئان (2) PageV01P133 # أحدهما: بمعنى التحويل والنقل ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحول من كتاب إلى ~~كتاب فعلى هذا الوجه كل القرآن منسوخ لأنه نسخ من اللوح المحفوظ. # والثاني: يكون بمعنى الرفع يقال: نسخت الشمس الظل أي ذهبت به وأبطلته. ~~فعلى هذا يكون بعض القرآن ناسخا وبعضه منسوخا وهو المراد من الآية 17/أوهذا ~~على وجوه، أحدها: أن يثبت الخط وينسخ الحكم مثل آية الوصية للأقارب. وآية ~~عدة الوفاة بالحول وآية التخفيف في القتال وآية الممتحنة ونحوها (1) ، وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى {ما ننسخ من آية} ما نثبت خطها ~~ونبدل حكمها، ومنها أن ترفع تلاوتها ويبقى حكمها مثل آية الرجم، ومنها أن ~~ترفع تلاوته أصلا عن المصحف وعن القلوب كما روي عن أبي أمامة بن سهل بن ~~حنيف: أن ms0109 قوما من الصحابة رضي الله عنهم قاموا ليلة ليقرءوا سورة فلم ~~يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فغدوا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبروه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تلك سورة رفعت تلاوتها ~~وأحكامها" (2) وقيل: كانت سورة الأحزاب مثل سورة البقرة، فرفع أكثرها تلاوة ~~وحكما، ثم من نسخ الحكم ما يرفع ويقام غيره مقامه، كما أن القبلة نسخت من ~~بيت المقدس إلى الكعبة، والوصية للأقارب نسخت بالميراث وعدة الوفاة نسخت من ~~الحول إلى أربعة أشهر وعشر، ومصابرة الواحد العشر في القتال نسخت بمصابرة ~~الاثنين، ومنها ما يرفع ولا يقام غيره مقامه، كامتحان النساء. والنسخ إنما ~~يعترض على الأوامر والنواهي دون الأخبار. # أما معنى الآية فقوله {ما ننسخ من آية} قراءة العامة بفتح النون وكسر ~~السين من النسخ، أي: نرفعها، وقرأ ابن عامر بضم النون وكسر السين من ~~الإنساخ وله وجهان: # أحدهما: أن نجعله كالمنسوخ. # والثاني: أن نجعله نسخة له [يقال: نسخت الكتاب أي كتبته، وأنسخته غيري ~~إذا جعلته نسخة له] (3) {أو ننسها} أي ننسها على قلبك. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما، نتركها لا ننسخها، قال الله تعالى "نسوا ~~الله فنسيهم" (67- PageV01P134 # التوبة) أي تركوه فتركهم وقيل {ننسها} أي: نأمر بتركها، يقال: أنسيت ~~الشيء إذا أمرت بتركه، فيكون النسخ الأول من رفع الحكم وإقامة غيره مقامه، ~~والإنساء يكون ناسخا من غير إقامة غيره مقامه. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أو ننسأها بفتح النون الأول والسين مهموزا أي ~~نؤخرها فلا نبدلها يقال: نسأ الله في أجله وأنسأ الله أجله، وفي معناه ~~قولان: أحدهما: نرفع تلاوتها ونؤخر حكمها كما فعل في آية الرجم فعلى هذا ~~يكون النسخ الأول بمعنى رفع التلاوة والحكم، والقول الثاني: قال سعيد بن ~~المسيب وعطاء: أما ما نسخ من آية فهو ما قد نزل من القرآن جعلاه من النسخة ~~أو ننسأها أي نؤخرها ونتركها في اللوح المحفوظ ولا تنزل. # {نأت بخير منها} أي بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجركم، لا أن آية ~~خير ms0110 من آية، لأن كلام الله واحد وكله خير {أو مثلها} في المنفعة والثواب ~~فكل ما نسخ إلى الأيسر فهو أسهل في العمل وما نسخ إلى الأشق فهو في الثواب ~~أكثر {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} من النسخ والتبديل، لفظه استفهام، ~~ومعناه تقرير، أي: إنك تعلم. # {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم} يا معشر الكفار عند ~~نزول العذاب {من دون الله} مما سوى الله {من ولي} قريب وصديق وقيل: من وال ~~وهو القيم بالأمور {ولا نصير} ناصر يمنعكم من العذاب. # قوله: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم} نزلت في اليهود حين قالوا: يا محمد ~~ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة فقال تعالى {أم تريدون} ~~يعني أتريدون فالميم صلة وقيل: بل تريدون أن تسألوا رسولكم محمدا صلى الله ~~عليه وسلم {كما سئل موسى من قبل} سأله قومه: أرنا الله جهرة وقيل: إنهم ~~سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا (1) ، كما أن موسى سأله قومه فقالوا: أرنا الله جهرة ففيه ~~منعهم عن السؤالات المقبوحة بعد ظهور الدلائل والبراهين {ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمان} يستبدل الكفر بالإيمان {فقد ضل سواء السبيل} أخطأ وسط الطريق ~~وقيل: قصد السبيل. ### || # {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن ~~الله على كل شيء قدير (109) } # قوله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب} الآية نزلت في نفر من اليهود قالوا ~~لحذيفة بن اليمان PageV01P135 # وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: لو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعا إلى ~~ديننا فنحن أهدى سبيلا منكم فقال لهم عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: ~~شديد، قال فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت. ~~فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ وقال حذيفة: أما أنا فقد رضيت بالله ربا، ~~وبمحمد نبيا، وبالإسلام دينا، ms0111 وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين ~~إخوانا، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بذلك فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم "قد أصبتما الخير وأفلحتما" فأنزل الله تعالى "ود كثير ~~من أهل الكتاب" (1) أي تمنى وأراد كثير من أهل الكتاب من اليهود {لو ~~يردونكم} يا معشر المؤمنين {من بعد إيمانكم كفارا حسدا} نصب على المصدر، أي ~~يحسدونكم حسدا {من عند أنفسهم} أي من تلقاء أنفسهم ولم يأمرهم الله بذلك، ~~{من بعد ما تبين لهم الحق} في التوراة أن قول محمد صلى الله عليه وسلم صدق ~~ودينه حق {فاعفوا} فاتركوا {واصفحوا} وتجاوزوا، فالعفو: المحو والصفح: ~~الإعراض، وكان هذا قبل آية القتال {حتى يأتي الله بأمره} بعذابه: القتل ~~والسبي لبني قريظة، والجلاء والنفي لبني النضير (2) ، قاله ابن عباس رضي ~~الله عنهما. وقال قتادة (3) هو أمره بقتالهم في قوله "قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر -إلى قوله -وهم صاغرون" (29-التوبة) وقال ~~ابن كيسان: بعلمه وحكمه فيهم حكم لبعضهم بالإسلام ولبعضهم بالقتل والسبي ~~والجزية {إن الله على كل شيء قدير} ### || # {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~إن الله بما تعملون بصير (110) } # {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا} (تسلفوا) (4) {لأنفسكم من خير} ~~طاعة وعمل صالح {تجدوه عند الله} وقيل: أراد بالخير المال كقوله تعالى "إن ~~ترك خيرا" (180-البقرة) وأراد من زكاة أو صدقة {تجدوه عند الله} حتى الثمرة ~~واللقمة مثل أحد {إن الله بما تعملون بصير} PageV01P136 ### || # {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين (111) بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ~~ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112) } # {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ~~وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (113) } # {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا} أي يهوديا، قال الفراء: حذف ms0112 ~~الياء الزائدة ورجع إلى الفعل من اليهودية، وقال الأخفش: الهود: جمع هائد، ~~مثل عائد وعود، وحائل وحول (1) {أو نصارى} وذلك أن اليهود قالوا: لن يدخل ~~الجنة إلا من كان يهوديا ولا دين إلا دين اليهودية، وقالت النصارى لن يدخل ~~الجنة إلا من كان نصرانيا ولا دين إلا دين النصرانية. # وقيل: نزلت في وفد نجران وكانوا نصارى اجتمعوا في مجلس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مع اليهود فكذب بعضهم بعضا، قال الله تعالى {تلك أمانيهم} ~~أي شهواتهم الباطلة التي تمنوها على الله بغير الحق {قل} يا محمد {هاتوا} ~~أصله آتوا {برهانكم} حجتكم على ما زعمتم {إن كنتم صادقين} ثم قال ردا عليهم # {بلى من أسلم وجهه} أي ليس الأمر كما قالوا، بل الحكم للإسلام وإنما يدخل ~~الجنة من أسلم وجهه {لله} أي أخلص دينه لله وقيل: أخلص عبادته لله وقيل: ~~خضع وتواضع لله، وأصل الإسلام: الاستسلام والخضوع، وخص الوجه لأنه إذا جاد ~~بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه {وهو محسن} في عمله، وقيل: مؤمن ~~وقيل: مخلص {فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} # قوله {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء} نزلت في يهود المدينة ونصارى ~~أهل نجران (2) وذلك أن وفد نجران لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~أتاهم أحبار اليهود: فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم فقالت PageV01P137 # لهم اليهود، ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى والإنجيل، وقالت لهم ~~النصارى: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بموسى والتوراة فأنزل الله ~~تعالى {وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب} [وكلا ~~الفريقين يقرءون الكتاب، قيل: معناه ليس في كتبهم هذا الاختلاف فدل تلاوتهم ~~الكتاب] (1) ومخالفتهم ما فيه على كونهم على الباطل {كذلك قال الذين لا ~~يعلمون} يعني: آباءهم الذين مضوا {مثل قولهم} قال مجاهد: يعني: عوام ~~النصارى، وقال مقاتل: يعني مشركي العرب، كذلك قالوا في نبيهم محمد صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه: إنهم ليسوا على شيء من الدين. # وقال عطاء: أمم كانت قبل اليهود ms0113 والنصارى مثل قوم نوح وهود وصالح ولوط ~~وشعيب عليهم السلام قالوا لنبيهم: إنه ليس على شيء (2) {فالله يحكم بينهم ~~يوم القيامة} يقضي بين المحق والمبطل {فيما كانوا فيه يختلفون} الدين. ### || # {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما ~~كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ~~(114) } # قوله {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر} الآية نزلت في طيطوس بن ~~إسبيسبانوس الرومي وأصحابه، وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتلتهم ~~وسبوا ذراريهم، وحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف وذبحوا ~~فيه الخنازير، فكان خرابا إلى أن بناه المسلمون في أيام عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه. # وقال قتادة والسدي: هو بختنصر وأصحابه غزوا اليهود وخربوا بيت المقدس ~~وأعانهم على ذلك النصارى، طيطوس الرومي وأصحابه من أهل الروم (3) ، قال ~~السدي: من أجل أنهم قتلوا يحيى بن زكريا، وقال قتادة: حملهم بعض اليهود على ~~معاونة بختنصر البابلي (المجوسي) (4) فأنزل الله تعالى {ومن أظلم} أي أكفر ~~وأعتى {ممن منع مساجد الله} يعني بيت المقدس ومحاربيه (5) . {أن يذكر فيها ~~اسمه وسعى} PageV01P138 # عمل {في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} وذلك أن بيت ~~المقدس موضع حج النصارى ومحل زيارتهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لم ~~يدخلها يعني بيت المقدس بعد عمارتها رومي إلا خائفأ 17/ب لو علم به لقتل. ~~وقال قتادة ومقاتل: لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكر لو قدر ~~عليه لعوقب، قال السدي: أخيفوا بالجزية. وقيل: هذا خبر بمعنى الأمر، أي ~~أجهضوهم بالجهاد حتى لا يدخلها أحد (منهم) (1) إلا خائفا من القتل والسبي ~~أي ما ينبغي {لهم في الدنيا خزي} عذاب وهوان، قال قتادة: هو القتل للحربي ~~والجزية للذمي، قال مقاتل (والكلبي) (2) تفتح مدائنهم الثلاثة قسطنطينية، ~~ورومية، وعمورية (3) {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} النار، وقال عطاء وعبد ~~الرحمن بن زيد: نزلت في مشركي مكة، وأراد بالمساجد المسجد الحرام منعوا ~~رسول الله صلى ms0114 الله عليه وسلم وأصحابه من حجه والصلاة فيه عام الحديبية، ~~وإذا منعوا من أن يعمره بذكر فقد سعوا في خرابه {أولئك ما كان لهم أن ~~يدخلوها إلا خائفين} يعني أهل مكة يقول أفتحها عليكم حتى تدخلوها وتكونوا ~~أولى بها منهم، ففتحها عليهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي: ~~"ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك" (4) فهذا خوفهم، وثبت في الشرع أن لا ~~يمكن مشرك من دخول الحرم، {لهم في الدنيا خزي} الذل والهوان والقتل والسبي ~~والنفي. ### || # {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم (115) ~~وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون ~~(116) } # قوله عز وجل {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: خرج نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سفر قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، فأصابهم الضباب وحضرت الصلاة، فتحروا ~~القبلة وصلوا فلما ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا وأنهم مخطئون في ~~تحريهم فلما قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت هذه ~~الآية (5) # وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: نزلت في المسافر يصلي التطوع حيث ~~ما توجهت به راحلته. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أنا زاهر بن أحمد الفقيه السرخسي ~~أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن عبد ~~الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يصلي على راحلته في السفر حيث ما توجهت به (6) # قال عكرمة: نزلت في تحويل القبلة، قال أبو العالية: لما صرفت القبلة إلى ~~الكعبة عيرت اليهود المؤمنين وقالوا: ليست لهم قبلة معلومة فتارة يستقبلون ~~هكذا وتارة هكذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية (7) ، وقال مجاهد والحسن: لما ~~نزلت {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} (60-غافر) قالوا: أين ندعوه فأنزل الله ~~عز وجل (8) {ولله المشرق والمغرب} ملكا وخلقا ms0115 {فأينما تولوا فثم وجه الله} ~~يعني أينما تحولوا وجوهكم فثم أي: هناك {رحمة} (9) الله، قال الكلبي: فثم ~~الله يعلم ويرى والوجه صلة كقوله تعالى: "كل شيء هالك إلا وجهه" (88-القصص) ~~أي إلا هو، وقال الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حبان: فثم قبلة الله، ~~والوجه والوجهة والجهة القبلة، وقيل: رضا الله تعالى. # {إن الله واسع} أي غني يعطي من السعة، قال الفراء: الواسع الجواد الذي ~~يسع عطاؤه كل شيء، PageV01P139 # قال الكلبي: واسع المغفرة {عليم} بنياتهم حيثما صلوا ودعوا. # قوله تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولدا} قرأ ابن عامر قالوا اتخذ الله بغير ~~واو، وقرأ الآخرون بالواو [وقالوا اتخذ الله ولدا] (1) نزلت في يهود ~~المدينة حيث قالوا: "عزير ابن الله" وفي نصارى نجران حيث قالوا: "المسيح ~~ابن الله" وفي مشركي العرب حيث قالوا: الملائكة بنات الله (2) {سبحانه} نزه ~~وعظم نفسه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب عن عبد الرحمن بن أبي ~~حسن نافع بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك، ~~فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله ~~لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا" (3) . # قوله تعالى {بل له ما في السماوات والأرض} عبيدا وملكا {كل له قانتون} ~~قال مجاهد وعطاء والسدي: مطيعون وقال عكرمة ومقاتل: مقرون له بالعبودية، ~~وقال ابن كيسان: قائمون بالشهادة، وأصل القنوت القيام قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "أفضل الصلاة طول القنوت" (4) ، واختلفوا في حكم الآية فذهب ~~جماعة إلى أن حكم الآية خاص، وقال مقاتل: هو راجع إلى عزير والمسيح ~~والملائكة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: هو راجع إلى أهل طاعته ~~دون سائر الناس، وذهب جماعة إلى أن حكم الآية عام في جميع الخلق لأن "كل" ~~تقتضي ms0116 الإحاطة بالشيء بحيث لا يشذ منه شيء (5) ، ثم سلكوا في الكفار ~~طريقين: فقال مجاهد: يسجد ظلالهم لله على كره منهم قال الله تعالى: ~~"وظلالهم بالغدو والآصال" (15-الرعد) وقال السدي: هذا يوم القيامة دليله ~~["وعنت الوجوه للحي القيوم" (111-طه) وقيل {قانتون} مذللون مسخرون لما ~~خلقوا له] (6) . PageV01P141 ### || # {بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (117) وقال ~~الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم ~~مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (118) إنا أرسلناك ~~بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم (119) } # قوله تعالى: {بديع السماوات والأرض} أي مبدعها ومنشئها من غير مثال سبق ~~{وإذا قضى أمرا} أي قدره، وقيل: أحكمه وقدره [وأتقنه، وأصل القضاء: الفراغ، ~~ومنه قيل لمن مات: قضي عليه لفراغه من الدنيا، ومنه قضاء الله وقدره] (1) ~~لأنه فرغ منه تقديرا وتدبيرا. # {فإنما يقول له كن فيكون} قرأ ابن عامر كن فيكون بنصب النون في جميع ~~المواضع إلا في آل عمران "كن فيكون، الحق من ربك" وفي سورة الأنعام "كن ~~فيكون، قوله الحق" وإنما نصبها لأن جواب الأمر بالفاء يكون منصوبا [وافقه ~~الكسائي في النحل ويس (2) ] ، وقرأ الآخرون بالرفع على معنى فهو يكون، فإن ~~قيل كيف قال {فإنما يقول له كن فيكون} والمعدوم لا يخاطب، قال ابن ~~الأنباري: معناه فإنما يقول له أي لأجل تكوينه، فعلى هذا ذهب معنى الخطاب، ~~وقيل: هو وإن كان معدوما ولكنه لما قدر وجوده وهو كائن لا محالة كان ~~كالموجود فصح الخطاب. # قوله تعالى: {وقال الذين لا يعلمون} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~اليهود، وقال مجاهد: النصارى، وقال قتادة: مشركو العرب {لولا} هلا {يكلمنا ~~الله} عيانا بأنك رسوله وكل ما في القرآن "لولا" فهو بمعنى هلا إلا واحدا، ~~وهو قوله "فلولا أنه كان من المسبحين" (143-الصافات) معناه فلو لم يكن {أو ~~تأتينا آية} دلالة وعلامة على صدقك في ادعائك النبوة. # قال الله تعالى: {كذلك قال الذين من قبلهم} أي كفار الأمم الخالية {مثل ~~قولهم ms0117 تشابهت قلوبهم} أي أشبه بعضها بعضا في الكفر والقسوة وطلب المحال {قد ~~بينا الآيات لقوم يوقنون} # {إنا أرسلناك بالحق} أي بالصدق كقوله "ويستنبئونك أحق هو" (53-يونس) أي ~~صدق، قال ابن عباس رضي الله عنهما: بالقرآن دليله "بل كذبوا بالحق لما ~~جاءهم" (5-ق) وقال ابن كيسان: بالإسلام وشرائعه، دليله قوله عز وجل: "وقل ~~جاء الحق" (81-الإسراء) وقال مقاتل: معناه لم PageV01P142 # نرسلك عبثا، إنما أرسلناك بالحق كما قال: "وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق" (85-الحجر) . # قوله عز وجل {بشيرا} أي مبشرا لأوليائي وأهل طاعتي بالثواب الكريم ~~{ونذيرا} أي منذرا مخوفا لأعدائي وأهل معصيتي بالعذاب الأليم، قرأ نافع ~~ويعقوب {ولا تسأل} على النهي قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: "ليت شعري ما فعل أبواي" فنزلت هذه ~~الآية (1) ، وقيل: هو على معنى قولهم ولا تسأل عن شر فلان فإنه فوق ما تحسب ~~وليس على النهي، وقرأ الآخرون "ولا تسأل" بالرفع على النفي بمعنى ولست ~~بمسئول عنهم (2) كما قال الله تعالى: " فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب" ~~(20-آل عمران) ، {عن أصحاب الجحيم} والجحيم معظم النار. ### || # {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو ~~الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا ~~نصير (120) } # قوله عز وجل {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى ~~الله هو الهدى} وذلك أنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة ~~ويطمعونه في أنه إن أمهلهم اتبعوه فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) ، معناه ~~وإنك إن هادنتهم فلا يرضون بها وإنما يطلبون ذلك تعللا ولا يرضون منك إلا ~~باتباع ملتهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا في القبلة وذلك أن يهود ~~المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي ~~إلى قبلتهم فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة أيسوا في أن يوافقهم على دينهم ~~فأنزل ms0118 الله تعالى {ولن ترضى عنك اليهود} إلا باليهودية {ولا النصارى} إلا ~~بالنصرانية (2) والملة الطريقة {ولئن اتبعت أهواءهم} قيل الخطاب مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة كقوله "لئن أشركت ليحبطن عملك" ~~(65-الزمر) PageV01P143 # {بعد الذي جاءك من العلم} البيان بأن دين الله هو الإسلام والقبلة قبلة ~~إبراهيم عليه السلام وهي الكعبة {ما لك من الله من ولي ولا نصير} ### || # {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به ~~فأولئك هم الخاسرون (121) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ~~وأني فضلتكم على العالمين (122) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون (123) وإذ ابتلى إبراهيم ربه ~~بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي ~~الظالمين (124) } # {الذين آتيناهم الكتاب} قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في أهل ~~السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وكانوا أربعين رجلا ~~اثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من رهبان الشام منهم بحيرا (1) ، وقال ~~الضحاك: هم من آمن من اليهود عبد الله بن سلام وسعية بن عمرو وتمام بن ~~يهودا وأسد وأسيد ابنا كعب وابن يامين وعبد الله بن صوريا (2) ، وقال قتادة ~~وعكرمة: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: هم المؤمنون عامة (3) ~~{يتلونه حق تلاوته} قال الكلبي: يصفونه في كتبهم حق صفته لمن سألهم من ~~الناس، والهاء راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الآخرون: هي عائدة ~~إلى الكتاب، واختلفوا في معناه فقال ابن مسعود رضي الله عنه: يقرءونه كما ~~أنزل ولا يحرفونه، ويحلون حلاله ويحرمون حرامه، وقال الحسن: يعملون بمحكمه، ~~ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون علم ما أشكل عليهم إلى عالمه، وقال مجاهد: ~~يتبعونه حق اتباعه. # قوله {أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون يا بني إسرائيل ~~اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين واتقوا يوما لا ~~تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا ms0119 تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون} ~~18/أ # قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} قرأ ابن عامر إبراهام ~~بالألف في أكثر المواضع وهو اسم أعجمي ولذلك لا يجر وهو إبراهيم بن تارخ بن ~~ناخور وكان مولده بالسوس من أرض الأهواز وقيل بابل وقيل: كوفي، وقيل: ~~[لشكر] (4) ، وقيل حران، وكان أبوه نقله إلى أرض بابل أرض نمرود بن ~~PageV01P144 # كنعان، ومعنى الابتلاء الاختبار والامتحان والأمر، وابتلاء الله العباد ~~ليس ليعلم أحوالهم بالابتلاء، لأنه عالم بهم، ولكن ليعلم العباد أحوالهم ~~حتى يعرف بعضهم بعضا. # واختلفوا في الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم عليه السلام، فقال ~~عكرمة وابن عباس رضي الله عنهما: هي ثلاثون سماهن شرائع الإسلام، ولم يبتل ~~بها أحد فأقامها كلها إلا إبراهيم فكتب له البراءة، فقال تعالى: "وإبراهيم ~~الذي وفى" (37-النجم) عشر في براءة "التائبون العابدون" إلى آخرها، وعشر في ~~الأحزاب "إن المسلمين والمسلمات" وعشر في سورة المؤمنين في قوله: "قد أفلح ~~المؤمنون" الآيات، وقوله "إلا المصلين" في سأل سائل (1) . # وقال طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما: ابتلاه الله بعشرة أشياء وهي: ~~الفطرة خمس في الرأس: قص الشارب، والمضمضة والاستنشاق، والسواك، وفرق ~~الرأس، وخمس في الجسد: تقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، ~~والاستنجاء بالماء (2) . # وفي الخبر: "إن إبراهيم عليه السلام أول من قص الشارب، وأول من اختتن، ~~وأول من قلم الأظافر، وأول من رأى الشيب، فلما رآه قال: يا رب ما هذا؟ قال ~~[سمة] (3) الوقار، قال: يا رب زدني وقارا" (4) قال مجاهد: هي الآيات التي ~~بعدها في قوله عز وجل "إني جاعلك للناس إماما" (124-البقرة) إلى آخر القصة، ~~وقال الربيع وقتادة: مناسك الحج، وقال الحسن: ابتلاه الله بسبعة أشياء: ~~بالكواكب والقمر والشمس، فأحسن فيها النظر وعلم أن ربه دائم لا يزول، ~~وبالنار فصبر عليها، وبالهجرة وبذبح ابنه وبالختان فصبر عليها، قال سعيد بن ~~جبير: هو قول إبراهيم وإسماعيل إذ يرفعان البيت "ربنا تقبل منا" ~~(127-البقرة) الآية فرفعاها بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~[والله أكبر] (5) ، قال يمان ms0120 بن رباب: هن محاجة قومه قال الله تعالى: ~~"وحاجه قومه" إلى قوله تعالى -"وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم" (83-الأنعام) ~~وقيل هي قوله: "الذي خلقني فهو يهدين" (78-الشعراء) إلى آخر الآيات. ~~{فأتمهن} قال قتادة: أداهن، قال الضحاك: قام بهن وقال: [نعمان] (6) عمل ~~بهن. قال الله تعالى: {قال إني جاعلك للناس إماما} يقتدى بك في الخير {قال} ~~إبراهيم PageV01P145 # {ومن ذريتي} أي ومن أولادي أيضا فاجعل منهم أئمة يقتدى بهم في الخير ~~{قال} الله تعالى {لا ينال} لا يصيب {عهدي الظالمين} قرأ حمزة وحفص بإسكان ~~الياء والباقون بفتحها أي من كان منهم ظالما لا يصيبه قال عطاء بن أبي ~~رباح: عهدي رحمتي وقال السدي: نبوتي وقيل: الإمامة قال مجاهد: ليس لظالم أن ~~يطاع في ظلمه. ومعنى الآية لا ينال ما عهدت إليك من النبوة والإمامة من كان ~~ظالما من ولدك وقيل: أراد بالعهد الأمان من النار وبالظالم المشرك كقوله ~~تعالى: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن" ~~(82-الأنعام) . ### || # {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا ~~إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) ~~} # قال الله تعالى {وإذ جعلنا البيت} يعني الكعبة {مثابة للناس} مرجعا لهم، ~~قال مجاهد وسعيد بن جبير: يأتون إليه من كل جانب ويحجون، وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: معاذا وملجأ وقال قتادة وعكرمة: مجمعا {وأمنا} أي مأمنا يأمنون ~~فيه من إيذاء المشركين، فإنهم ما كانوا يتعرضون لأهل مكة ويقولون: هم أهل ~~الله ويتعرضون لمن حوله كما قال الله تعالى: "أولم يروا أنا جعلنا حرما ~~آمنا ويتخطف الناس من حولهم" (67-العنكبوت) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا علي بن عبد الله أنا جرير عن منصور عن مجاهد ~~عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو ~~حرام بحرمة الله ms0121 إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده، ولا يلتقط ~~لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه" فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر ~~فإنه لقينهم ولبيوتهم: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إلا الإذخر" ~~(1) . # قوله تعالى: {واتخذوا} قرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على الخبر، وقرأ ~~الباقون بكسر الخاء على الأمر {من مقام إبراهيم مصلى} قال ابن يمان (2) ~~المسجد كله مقام إبراهيم، وقال إبراهيم النخعي: الحرم كله مقام إبراهيم، ~~وقيل: أراد بمقام إبراهيم جميع مشاهد الحج، مثل عرفة ومزدلفة وسائر ~~المشاهد. # والصحيح أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي في المسجد يصلي إليه الأئمة، وذلك ~~الحجر الذي قام PageV01P146 # عليه إبراهيم عليه السلام عند بناء البيت، وقيل: كان أثر أصابع رجليه ~~بينا فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي، قال قتادة ومقاتل والسدي: أمروا ~~بالصلاة عند مقام إبراهيم ولم يؤمروا بمسحه وتقبيله. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد عن يحيى بن حميد عن أنس قال: قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: "وافقت الله في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث -قلت يا ~~رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله تعالى {واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى} وقلت يا رسول الله: يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات ~~المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله عز وجل آية الحجاب، قال وبلغني معاتبة النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فدخلت عليهن فقلت لهن: إن انتهيتن، وليبدلنه ~~الله خيرا منكن، فأنزل الله تعالى: "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن" (1) الآية (5-التحريم) . # ورواه محمد بن إسماعيل أيضا عن عمرو بن عوف أنا هشيم عن حميد عن أنس رضي ~~الله عنه قال: قال عمر رضي الله عنه: وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول الله ~~لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} (2) . # وأما بدء قصة المقام فقد روى سعيد بن جبير عن ابن ms0122 عباس رضي الله عنهما ~~قال: لما أتى إبرهيم عليه وسلم بإسماعيل وهاجر ووضعهما بمكة، وأتت على ذلك ~~مدة، ونزلها الجرهميون وتزوج إسماعيل منهم امرأة وماتت هاجر، واستأذن ~~إبراهيم سارة أن يأتي هاجر، فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل فقدم إبراهيم ~~مكة، وقد ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قال ~~ذهب للصيد وكان إسماعيل عليه السلام يخرج من الحرم فيصيد، فقال لها ~~إبراهيم: هل عندك ضيافة؟ قالت ليس عندي ضيافة، وسألها عن عيشهم؟ فقالت: نحن ~~في ضيق وشدة، فشكت إليه فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له ~~فليغير عتبة بابه، فذهب إبراهيم فجاء إسماعيل فوجد ريح أبيه فقال [لامرأته: ~~هل جاءك أحد؟ قالت: جاءني شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفة بشأنه قال] (3) فما ~~قال لك؟ قالت قال أقرئي زوجك السلام وقولي له فليغير عتبة بابه، قال ذلك ~~أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك، فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث ~~إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت له ~~وشرطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيم عليه السلام حتى انتهى إلى باب ~~إسماعيل فقال PageV01P147 # لامرأته أين صاحبك؟ قالت ذهب يتصيد وهو يجيء الآن إن شاء الله فانزل ~~يرحمك الله، قال: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم فجاءت باللبن واللحم، وسألها عن ~~عيشهم؟ فقالت: نحن بخير وسعة، فدعا لهما بالبركة ولو جاءت يومئذ بخبز بر أو ~~شعير وتمر لكانت أكثر أرض الله برا أو شعيرا أو تمرا، فقالت له: انزل حتى ~~أغسل رأسك، فلم ينزل فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الأيمن فوضع قدمه عليه ~~فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولت إلى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه الأيسر فبقي ~~أثر قدميه عليه، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له قد ~~استقامت عتبة بابك، فلما جاء إسماعيل، وجد ريح أبيه فقال لامرأته: هل جاءك ~~أحد؟ قالت: نعم شيخ أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا، وقال لي كذا وكذا وقلت ~~له كذا وكذا، وغسلت رأسه ms0123 وهذا موضع قدميه فقال: ذاك إبراهيم النبي أبي، ~~وأنت العتبة أمرني أن أمسكك (1) . # وروي عن سعيد بن جبير 18/ب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ثم لبثت عنهم ~~ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا تحت دومة قريبا من زمزم، ~~فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد ثم قال: ~~يا إسماعيل إن الله تعالى أمرني بأمر تعينني عليه؟ قال: أعينك قال: إن الله ~~أمرني أن أبني هاهنا بيتا، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل ~~يأتي بالحجارة وإبراهيم حتى ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام ~~إبراهيم على الحجر المقام وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان ~~{ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} وفي الخبر: "الركن والمقام ياقوتتان ~~من يواقيت الجنة ولولا مامسته أيدي المشركين لأضاء ما بين المشرق والمغرب" ~~(2) . # قوله عز وجل {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} أي أمرناهما وأوحينا إليهما، ~~قيل: سمي إسماعيل لأن إبراهيم كان يدعو الله أن يرزقه ولدا ويقول: اسمع يا ~~إيل وإيل هو الله فلما رزق سماه الله به {أن طهرا بيتي} يعني الكعبة أضافه ~~إليه تخصيصا وتفضيلا أي ابنياه على الطهارة والتوحيد، وقال سعيد بن جبير ~~وعطاء: طهراه من الأوثان والريب وقول الزور، وقيل: بخراه وخلقاه، قرأ أهل ~~المدينة وحفص {بيتي} بفتح الياء هاهنا وفي سورة الحج، وزاد حفص في سورة نوح ~~{للطائفين} الدائرين حوله {والعاكفين} المقيمين المجاورين {والركع} جمع ~~راكع {السجود} جمع ساجد وهم المصلون قال الكلبي ومقاتل: PageV01P148 # الطائفين هم الغرباء والعاكفين أهل مكة، قال عطاء ومجاهد وعكرمة: الطواف ~~للغرباء أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل. ### || # {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن ~~منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار ~~وبئس المصير (126) } # {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم (127) } # قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا} يعني مكة وقيل: الحرم {بلدا ms0124 ~~آمنا} أي ذا أمن يأمن فيه أهله {وارزق أهله من الثمرات} إنما دعا بذلك لأنه ~~كان بواد غير ذي زرع، وفي القصص أن الطائف كانت من مداين الشام بأردن فلما ~~دعا إبراهيم عليه السلام هذا الدعاء أمر الله تعالى جبريل عليه السلام حتى ~~قلعها من أصلها وأدارها حول البيت سبعا ثم وضعها موضعها الذي هي الآن فيه، ~~فمنها أكثر ثمرات مكة {من آمن منهم بالله واليوم الآخر} دعا للمؤمنين خاصة ~~{قال} الله تعالى {ومن كفر فأمتعه قليلا} قرأ ابن عامر فأمتعه خفيفا بضم ~~الهمزة والباقون مشددا ومعناهما واحد قليلا أي سأرزق الكافر أيضا قليلا إلى ~~منتهى أجله وذلك أن الله تعالى وعد الرزق للخلق كافة مؤمنهم وكافرهم، وإنما ~~قيد بالقلة لأن متاع الدنيا قليل {ثم أضطره} أي ألجئه في الآخرة {إلى عذاب ~~النار وبئس المصير} أي المرجع يصير إليه قال مجاهد: وجد عند المقام كتاب ~~فيه: أن الله ذو بكة صنعتها يوم خلقت الشمس والقمر، وحرمتها يوم خلقت ~~السماوات والأرض، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، ~~مبارك لها في اللحم والماء. # قوله عز وجل: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} قال الرواة: ~~(1) إن الله تعالى خلق موضع البيت قبل الأرض بألفي عام، وكانت زبدة بيضاء ~~على الماء فدحيت الأرض من تحتها فلما أهبط الله آدم عليه السلام إلى الأرض ~~استوحش، فشكا إلى الله تعالى فأنزل الله البيت المعمور من ياقوتة من يواقيت ~~الجنة له بابان من زمرد أخضر، باب شرقي وباب غربي فوضعه على موضع البيت ~~وقال: يا آدم إني أهبطت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي، تصلي عنده كما ~~يصلى عند عرشي وأنزل الحجر وكان PageV01P149 # أبيض فاسود من لمس الحيض في الجاهلية فتوجه آدم من أرض الهند إلى مكة ~~ماشيا وقيض الله له ملكا يدله على البيت فحج البيت وأقام المناسك، فلما فرغ ~~تلقته الملائكة وقالوا: بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: ms0125 حج آدم أربعين حجة من الهند إلى مكة على ~~رجليه فكان على ذلك إلى أيام الطوفان، فرفعه الله تعالى إلى السماء الرابعة ~~يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، وبعث جبريل عليه السلام حتى ~~خبأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس صيانة له من الغرق، فكان موضع البيت ~~خاليا إلى زمن إبراهيم، ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم بعدما ولد له إسماعيل ~~وإسحاق ببناء بيت يذكر فيه، فسأل الله عز وجل أن يبين له موضعه، فبعث الله ~~السكينة لتدله على موضع البيت وهي ريح خجوج لها رأسان شبه الحية فأمر ~~إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة فتبعها إبراهيم حتى أتيا مكة فتطوت ~~السكينة على موضع البيت كتطوي الحجفة هذا قول علي والحسن. # وقال ابن عباس: بعث الله تعالى سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وإبراهيم ~~يمشي في ظلها إلى أن وافق مكة ووقفت على موضع البيت فنودي منها إبراهيم أن ~~ابن على ظلها لا تزد ولا تنقص، وقيل: أرسل الله جبريل ليدله على موضع البيت ~~كقوله تعالى {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت ~~فكان إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجر، فذلك قوله تعالى: {وإذ يرفع ~~إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} يعني أسسه واحدتها قاعدة. وقال ~~الكسائي: جدر البيت، قال ابن عباس: إنما بني البيت من خمسة أجبل، طورسيناء ~~وطور زيتا ولبنان وهو جبل بالشام، والجودي وهو جبل بالجزيرة وبنيا قواعده ~~من حراء وهو جبل بمكة فلما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود قال ~~لإسماعيل ائتني بحجر حسن يكون للناس علما فأتاه بحجر فقال: ائتني بأحسن من ~~هذا فمضى إسماعيل يطلبه فصاح أبو قبيس يا إبراهيم إن لك عندي وديعة فخذها ~~فأخذ الحجر الأسود فوضعه مكانه وقيل: إن الله تعالى بنى في السماء بيتا وهو ~~البيت المعمور ويسمى الضراح وأمر الملائكة أن يبنوا الكعبة في الأرض بحياله ~~على قدره ومثاله، وقيل أول من بنى الكعبة آدم واندرس زمن الطوفان ثم أظهره ~~الله لإبراهيم حتى بناه (1) . # قوله: {ربنا ms0126 تقبل منا} فيه إضمار أي ويقولان: ربنا تقبل منا بناءنا {إنك ~~أنت السميع} لدعائنا {العليم} بنياتنا ### || # {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب ~~علينا إنك أنت التواب الرحيم (128) } # {ربنا واجعلنا مسلمين لك} موحدين مطيعين مخلصين خاضعين لك. PageV01P150 # {ومن ذريتنا} أي أولادنا {أمة} جماعة والأمة أتباع الأنبياء {مسلمة لك} ~~خاضعة لك. # {وأرنا} علمنا وعرفنا، قرأ ابن كثير ساكنة الراء وأبو عمرو بالاختلاس ~~والباقون بكسرها ووافق ابن عامر وأبو بكر في الإسكان في حم السجدة، وأصله ~~أرئنا فحذفت الهمزة طلبا للخفة ونقلت حركتها إلى الراء ومن سكنها قال: ذهبت ~~الهمزة فذهبت حركتها، {مناسكنا} شرائع ديننا وأعلام حجنا. # وقيل: مواضع حجنا، وقال مجاهد: مذابحنا والنسك الذبيحة، وقيل: متعبداتنا، ~~وأصل النسك العبادة، والناسك العابد فأجاب الله تعالى دعاءهما فبعث جبريل ~~فأراهما المناسك في يوم عرفة فلما بلغ عرفات قال: عرفت يا إبراهيم؟ قال: ~~نعم فسمى الوقت عرفة والموضع عرفات. # {وتب علينا} تجاوز عنا {إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم} ### || # {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم (129) } # أي في الأمة المسلمة من ذرية إبراهيم وإسماعيل وقيل: من أهل مكة {رسولا ~~منهم} أي مرسلا منهم أراد به محمدا صلى الله عليه وسلم. # حدثنا السيد أبو القاسم علي بن موسى الموسوي حدثني أبو بكر أحمد بن محمد ~~بن عباس 19/أالبلخي أنا الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي ~~أنا محمد بن المكي أنا إسحاق بن إبراهيم أنا ابن أخي ابن وهب أنا عمي أنا ~~معاوية عن صالح عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن العرباض ~~بن سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني عند الله مكتوب خاتم ~~النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم بأول أمري، أنا دعوة إبراهيم ~~وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج منها نور أضاءت لها منه ~~قصور الشام" (1) # وأراد بدعوة إبراهيم هذا فإنه دعا أن ms0127 يبعث في بني إسماعيل رسولا منهم، ~~قال ابن عباس: كل الأنبياء PageV01P151 # من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. # {يتلو} يقرأ {عليهم آياتك} كتابك يعني القرآن والآية من القرآن كلام متصل ~~إلى انقطاعه وقيل هي جماعة حروف يقال خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم ~~{ويعلمهم الكتاب} يعني القرآن {والحكمة} قال مجاهد: فهم القرآن، وقال ~~مقاتل: مواعظ القرآن وما فيه من الأحكام، قال ابن قتيبة: هي العلم والعمل، ~~ولا يكون الرجل حكيما حتى يجمعهما، وقيل: هي السنة، وقيل: هي الأحكام ~~والقضاء وقيل: الحكمة الفقه. # قال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح ~~فهي حكمة. # {ويزكيهم} أي يطهرهم من الشرك والذنوب، وقيل: يأخذ الزكاة من أموالهم، ~~وقال ابن كيسان: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ ~~من التزكية، وهي التعديل إنك أنت العزيز الحكيم قال ابن عباس: العزيز الذي ~~لا يوجد مثله، وقال الكلبي: المنتقم بيانه قوله تعالى "والله عزيز ذو ~~انتقام" (4-آل عمران) وقيل: المنيع الذي لا تناله الأيدي ولا يصل إليه شيء ~~وقيل: القوي، والعزة القوة قال الله تعالى "فعززنا بثالث" (14-يس) أي قوينا ~~وقيل: الغالب قال الله تعالى إخبارا "وعزني في الخطاب" (23-ص) أي غلبني، ~~ويقال في المثل: "من عز بز" أي من غلب سلب. ### || # {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين (130) إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ~~(131) } # {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} وذلك أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ~~ومهاجرا إلى الإسلام فقال لهما: قد علمتما أن الله عز وجل قال في التوراة: ~~إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ومن لم يؤمن ~~به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فأنزل الله عز وجل {ومن يرغب ~~عن ملة إبراهيم} (1) أي يترك دينه ms0128 وشريعته يقال رغب في الشيء إذا أراده، ~~ورغب عنه إذا تركه. # وقوله {ومن} لفظه استفهام معناه التقريع والتوبيخ يعني: ما يرغب عن ملة ~~إبراهيم {إلا من سفه نفسه} قال ابن عباس: من خسر نفسه، وقال الكلبي: ضل من ~~قبل نفسه، وقال أبو عبيدة: أهلك نفسه، وقال ابن كيسان والزجاج: معناه جهل ~~نفسه والسفاهة: الجهل وضعف الرأي: وكل سفيه PageV01P152 # جاهل، وذلك أن من عبد غير الله فقد جهل نفسه. لأنه لم يعرف أن الله ~~خلقها، وقد جاء: "من عرف نفسه فقد عرف ربه" (1) ، وفي الأخبار: "إن الله ~~تعالى أوحى إلى داود اعرف نفسك واعرفني، فقال يا رب كيف أعرف نفسي؟ وكيف ~~أعرفك؟ فأوحى الله إليه اعرف نفسك بالضعف والعجز والفناء، واعرفني بالقوة ~~والقدرة والبقاء". # وقال الأخفش: معناه سفه في نفسه، ونفسه على هذا القول نصب بنزع حرف الصفة ~~وقال الفراء: نصب على التفسير، وكان الأصل سفهت نفسه فلما أضاف الفعل إلى ~~صاحبها خرجت النفس المفسرة ليعلم موضع السفه، كما يقال: ضقت به ذرعا، أي ~~ضاق ذرعي به. # {ولقد اصطفيناه في الدنيا} اخترناه في الدنيا {وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين} يعني مع الأنبياء في الجنة، وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم ~~وتأخير، تقديره ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين # {إذ قال له ربه أسلم} أي استقم على الإسلام، واثبت عليه لأنه كان مسلما. # قال ابن عباس: قال له حين خرج من السرب (2) ، وقال الكلبي: أخلص دينك ~~وعبادتك لله، وقال عطاء أسلم إلى الله عز وجل وفوض أمورك إليه. # {قال أسلمت لرب العالمين} أي فوضت، قال ابن عباس: وقد حقق ذلك حيث لم ~~يستعن بأحد من الملائكة حين ألقي في النار. ### || # {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون (132) } # {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب} قرأ أهل المدينة والشام: "وأوصى" بالألف، ~~وكذلك هو في مصاحفهم، وقرأ الباقون: "ووصى" مشددا، وهما لغتان مثل أنزل ~~ونزل، معناه ووصى بها إبراهيم بنيه ووصى يعقوب بنيه، قال ms0129 الكلبي ومقاتل: ~~يعني بكلمة الإخلاص لا إله إلا الله، قال أبو عبيدة: إن شئت رددت الكناية ~~إلى الملة لأنه ذكر ملة إبراهيم، وإن شئت رددتها إلى الوصية: أي وصى ~~إبراهيم بنيه الثمانية إسماعيل وأمه هاجر القبطية، وإسحاق وأمه سارة، وستة ~~أمهم قنطورة بنت يقطن الكنعانية تزوجها إبراهيم بعد وفاة سارة ويعقوب، سمي ~~بذلك لأنه والعيص كانا توأمين فتقدم عيص في الخروج من بطن أمه وخرج يعقوب ~~على أثره آخذا بعقبه قاله ابن عباس، وقيل: سمي يعقوب لكثرة عقبه يعني: ووصى ~~أيضا يعقوب بنيه الاثني عشر {يا بني} معناه أن يا بني {إن الله اصطفى} ~~اختار {لكم الدين} أي دين PageV01P153 # الإسلام {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} مؤمنون وقيل: مخلصون وقيل: مفوضون ~~والنهي في ظاهر الكلام وقع على الموت، وإنما نهوا في الحقيقة عن ترك ~~الإسلام، معناه: داوموا على الإسلام حتى لا يصادفكم الموت إلا وأنتم ~~مسلمون، وعن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال: {إلا وأنتم مسلمون} أي ~~محسنون بربكم الظن. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح ~~أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي أنا علي بن الجعد ~~أنا أبو جعفر الرازي عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: "لا يموتن أحدكم ~~إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل" (1) . ### || # {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا ~~نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ~~(133) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون (134) } # {أم كنتم شهداء} يعني أكنتم شهداء، يريد ما كنتم شهداء حضورا {إذ حضر ~~يعقوب الموت} أي حين قرب يعقوب من الموت، قيل: نزلت في اليهود حين قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية ~~فعلى ms0130 هذا القول يكون الخطاب لليهود، وقال الكلبي: لما دخل يعقوب مصر رآهم ~~يعبدون الأوثان والنيران، فجمع ولده وخاف عليهم ذلك فقال عز وجل {إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي} قال عطاء إن الله تعالى لم يقبض نبيا حتى يخيره ~~بين الحياة والموت فلما خير يعقوب قال: أنظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم، ففعل ~~الله ذلك به فجمع ولده وولد ولده، وقال لهم قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي ~~{قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} وكان إسماعيل عما ~~لهم والعرب تسمي العم أبا كما تسمي الخالة أما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "عم الرجل صنو أبيه" (2) وقال في عمه 19/ب العباس: "ردوا علي أبي ~~فإني أخشى أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن PageV01P154 # مسعود" (1) . وذلك أنهم قتلوه. # {إلها واحدا} نصب على البدل من قوله إلهك وقيل نعرفه إلها واحدا {ونحن له ~~مسلمون} # {تلك أمة} جماعة {قد خلت} مضت {لها ما كسبت} من العمل {ولكم ما كسبتم ولا ~~تسألون عما كانوا يعملون} يعني: يسأل كل عن عمله لا عن عمل غيره. ### || # {وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين (135) قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136) } # قوله تعالى: {وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا} قال ابن عباس: نزلت في ~~رؤساء يهود المدينة كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وأبي ياسر ~~بن أخطب، وفي نصارى أهل نجران السيد والعاقب وأصحابهما، وذلك أنهم خاصموا ~~المسلمين في الدين كل فرقة تزعم أنها أحق بدين الله، فقالت اليهود: نبينا ~~موسى أفضل الأنبياء، وكتابنا التوراة أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، ~~وكفرت بعيسى والإنجيل وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقالت النصارى: ~~نبينا أفضل الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان ~~وكفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم ms0131 والقرآن، وقال كل واحد من الفريقين ~~للمؤمنين كونوا على ديننا فلا دين إلا ذلك (1) فقال تعالى {قل} يا محمد {بل ~~ملة إبراهيم} بل نتبع ملة إبراهيم، وقال الكسائي: هو نصب على الإغراء، كأنه ~~يقول: اتبعوا ملة إبراهيم، وقيل معناه بل نكون على ملة إبراهيم فحذف "على" ~~فصار منصوبا {حنيفا} نصب على الحال عند نحاة البصرة، وعند نحاة الكوفة نصب ~~على القطع أراد بل ملة إبراهيم الحنيف فلما سقطت الألف واللام لم يتبع ~~المعرفة النكرة فانقطع منه فنصب. # قال مجاهد: الحنيفية اتباع إبراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها ~~إماما للناس قال ابن عباس: الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، ~~وأصله من الحنف، وهو ميل وعوج يكون في القدم، PageV01P155 # وقال سعيد بن جبير: الحنيف هو الحاج المختتن. # وقال الضحاك: إذا كان مع الحنيف المسلم فهو الحاج، وإذا لم يكن مع المسلم ~~فهو المسلم، قال قتادة: الحنيفية: الختان وتحريم الأمهات والبنات والأخوات ~~والعمات والخالات وإقامة المناسك. # {وما كان من المشركين} ثم علم المؤمنين طريق الإيمان فقال جل ذكره: # {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا} يعني القرآن {وما أنزل إلى إبراهيم} ~~عشر صحف {وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} يعني أولاد يعقوب وهم اثنا عشر ~~سبطا واحدهم سبط سموا بذلك لأنه ولد لكل واحد منهم جماعة وسبط الرجل حافده، ~~ومنه قيل للحسن والحسين رضي الله عنهما سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب من بني إسماعيل والشعوب من ~~العجم، وكان في الأسباط أنبياء ولذلك قال: وما أنزل إليهم وقيل هم بنو ~~يعقوب من صلبه صاروا كلهم أنبياء {وما أوتي موسى} يعني التوراة {وعيسى} ~~يعني الإنجيل {وما أوتي} أعطي {النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم} أي ~~نؤمن بالكل لا نفرق بين أحد منهم فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود ~~والنصارى {ونحن له مسلمون} # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا ms0132 محمد بن بشار أنا عثمان بن عمر أنا علي بن ~~المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب ~~يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا ~~بالله الآية" (1) ### || # {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق ~~فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) } # قوله تعالى {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به} أي بما آمنتم به، وكذلك كان ~~يقرؤها ابن عباس، والمثل صلة كقوله تعالى: "ليس كمثله شيء" أي ليس هو كشيء، ~~وقيل: معناه فإن آمنوا بجميع ما آمنتم به أي أتوا بإيمان كإيمانكم وتوحيد ~~كتوحيدكم، وقيل: معناه فإن آمنوا مثل ما أمنتم به والباء زائدة كقوله ~~تعالى: "وهزي إليك بجذع النخلة" (25-مريم) وقال أبو معاذ النحوي: معناه فإن ~~آمنوا بكتابكم كما آمنتم بكتابهم، {فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق} ~~أي في خلاف ومنازعة قاله: ابن عباس PageV01P156 # وعطاء ويقال: شاق مشاقة إذا خالف كأن كل واحد آخذ في شق غير شق صاحبه، ~~قال الله تعالى: "لا يجرمنكم شقاقي" (89-هود) أي خلافي، وقيل: في عداوة، ~~دليله: قوله تعالى: "ذلك بأنهم شاقوا الله" (13-الأنفال) أي عادوا الله ~~{فسيكفيكهم الله} يا محمد أي يكفيك شر اليهود والنصارى وقد كفي بإجلاء بني ~~النضير، وقتل بني قريظة وضرب الجزية على اليهود والنصارى {وهو السميع} ~~لأقوالهم {العليم} بأحوالهم. ### || # {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (138) قل أتحاجوننا في ~~الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون (139) أم ~~تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل ~~أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل ~~عما تعملون (140) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما ~~كانوا يعملون (141) } # {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل ms0133 لله ~~المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142) وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي ~~كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة ~~إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف ~~رحيم (143) } # قوله تعالى: {صبغة الله} قال ابن عباس في رواية الكلبي وقتادة والحسن: ~~دين الله، وإنما سماه صبغة لأنه يظهر أثر الدين على المتدين كما يظهر أثر ~~الصبغ على الثوب، وقيل لأن المتدين يلزمه ولا يفارقه، كالصبغ يلزم الثوب، ~~وقال مجاهد: فطرة الله، وهو قريب من الأول، وقيل: سنة الله، وقيل: أراد به ~~الختان لأنه يصبغ صاحبه بالدم، قال ابن عباس (1) هي أن النصارى إذا ولد ~~لأحدهم ولد فأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم أصفر يقال له المعمودي ~~وصبغوه به ليطهروه بذلك الماء مكان الختان، فإذا فعلوا به ذلك قالوا: الآن ~~صار نصرانيا حقا فأخبر الله أن دينه الإسلام لا ما يفعله النصارى، وهو نصب ~~على الإغراء يعني الزموا دين الله، قال الأخفش هي بدل من قوله ملة إبراهيم ~~{ومن أحسن من الله صبغة} دينا وقيل: تطهيرا {ونحن له عابدون} مطيعون # {قل} يا محمد لليهود والنصارى {أتحاجوننا في الله} أي في دين الله ~~والمحاجة: المجادلة في الله لإظهار الحجة، وذلك بأنهم قالوا إن الأنبياء ~~كانوا منا وعلى ديننا، وديننا أقوم فنحن أولى بالله منكم فقال الله تعالى: ~~قل أتحاجوننا في الله {وهو ربنا وربكم} أي نحن وأنتم سواء في الله فإنه ~~ربنا وربكم {ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم} أي لكل واحد جزاء عمله، فكيف تدعون ~~أنكم أولى بالله {ونحن له مخلصون} وأنتم به مشركون. # قال سعيد بن جبير: الإخلاص أن يخلص العبد دينه وعمله فلا يشرك به في دينه ~~ولا يرائي بعمله قال الفضيل: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل من أجل ~~الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. # قوله تعالى: {أم تقولون} يعني: أتقولون، صيغة ms0134 استفهام ومعناه التوبيخ، ~~وقرأ ابن عامر وحمزة PageV01P157 # والكسائي وحفص بالتاء لقوله تعالى: {قل أتحاجوننا في الله} وقال بعده {قل ~~أأنتم أعلم أم الله} وقرأ الآخرون بالياء يعني يقول اليهود والنصارى {إن ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل} يا محمد ~~{أأنتم أعلم} بدينهم {أم الله} وقد أخبر الله تعالى أن إبراهيم لم يكن ~~20/أيهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما {ومن أظلم ممن كتم} أخفى ~~{شهادة عنده من الله} وهي علمهم بأن إبراهيم وبنيه كانوا مسلمين وأن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم حق ورسول أشهدهم الله عليه في كتبهم {وما الله بغافل ~~عما تعملون} # {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} ~~كرره (1) تأكيدا. # قوله تعالى: {سيقول السفهاء} الجهال {من الناس ما ولاهم} صرفهم وحولهم ~~{عن قبلتهم التي كانوا عليها} يعني بيت المقدس والقبلة فعلة من المقابلة ~~نزلت في اليهود ومشركي مكة طعنوا في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة، ~~فقالوا لمشركي مكة: قد تردد على محمد أمره فاشتاق إلى مولده وقد توجه نحو ~~بلدكم وهو راجع إلى دينكم فقال الله تعالى: {قل لله المشرق والمغرب} له ~~والخلق عبيده. {يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} # {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} نزلت في رؤساء اليهود، قالوا لمعاذ بن جبل: ما ~~ترك محمد قبلتنا إلا حسدا، وإن قبلتنا قبلة الأنبياء، ولقد علم محمد أنا ~~عدل بين الناس، فقال معاذ: إنا على حق وعدل فأنزل الله تعالى: {وكذلك} أي ~~وهكذا، وقيل: الكاف للتشبيه أي كما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم ~~{وكذلك جعلناكم أمة وسطا} مردودة على قوله: "ولقد اصطفيناه في الدنيا" ~~(103-البقرة) أي عدلا خيارا قال الله تعالى: "قال أوسطهم" (28-القلم) أي ~~خيرهم وأعدلهم وخير الأشياء أوسطها، وقال الكلبي يعني أهل دين وسط بين ~~الغلو والتقصير لأنهما مذمومان في الدين. PageV01P158 # وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو معشر إبراهيم بن محمد بن ~~الحسين الوراق أنا أبو عبد الله محمد بن زكريا بن يحيى ms0135 أنا أبو الصلت أنا ~~حماد بن زيد أنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ~~قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد العصر فما ترك شيئا ~~إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رءوس النخل ~~وأطراف الحيطان، قال: "أما إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي ~~من يومكم هذا، ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي آخرها وأخيرها وأكرمها ~~على الله تعالى" (1) # قوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} يوم القيامة أن الرسل قد بلغتهم، ~~قال ابن جريج: قلت لعطاء، ما معنى قوله تعالى لتكونوا شهداء على الناس؟ ~~قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على من يترك الحق من الناس أجمعين ~~{ويكون الرسول} محمد صلى الله عليه وسلم {عليكم شهيدا} معدلا مزكيا لكم، ~~وذلك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار ~~الأمم الماضية: "ألم يأتكم نذير" (8-الملك) فينكرون ويقولون ما جاءنا من ~~بشير ولا نذير، فيسأل الله الأنبياء عليهم السلام عن ذلك فيقولون: كذبوا قد ~~بلغناهم فيسألهم البينة -وهو أعلم بهم -إقامة للحجة، فيؤتى بأمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فيشهدون لهم أنهم قد بلغوا، فتقول الأمم الماضية: من أين ~~علموا وإنما أتوا بعدنا؟ فيسأل هذه الأمة فيقولون أرسلت إلينا رسولا وأنزلت ~~عليه كتابا، أخبرتنا فيه تبليغ الرسل وأنت صادق فيما أخبرت، ثم يؤتى بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا إسحاق بن منصور أخبرنا ~~أبو أسامة قال الأعمش أخبرنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ ~~فيقول: نعم يا رب، فيسأل أمته هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقال: ~~من ms0136 شهودك فيقول محمد وأمته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فيجاء بكم ~~فتشهدون" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا PageV01P159 # شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" (1) قوله تعالى: {وما جعلنا ~~القبلة التي كنت عليها} أي تحويلها يعني بيت المقدس، فيكون من باب حذف ~~المضاف، ويحتمل أن يكون المفعول الثاني للجعل محذوفا، على تقدير وما جعلنا ~~القبلة التي كنت عليها منسوخة، وقيل معناه التي أنت عليها، وهي الكعبة ~~كقوله تعالى "كنتم خير أمة" أي أنتم. # {إلا لنعلم من يتبع الرسول} فإن قيل ما معنى قوله: "إلا لنعلم" وهو عالم ~~بالأشياء كلها قبل كونها قيل: أراد به العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب، ~~فإنه لا يتعلق بما هو عالم به في الغيب، إنما يتعلق بما يوجد معناه ليعلم ~~العلم الذي يستحق العامل عليه الثواب والعقاب، وقيل: إلا لنعلم أي: لنرى ~~ونميز من يتبع الرسول في القبلة {ممن ينقلب على عقبيه} فيرتد وفي الحديث إن ~~القبلة لما حولت ارتد قوم من المسلمين إلى اليهودية، وقالوا: رجع محمد إلى ~~دين آبائه، وقال أهل المعاني: معناه إلا لعلمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب ~~على عقبيه كأنه سبق في علمه أن تحويل القبلة سبب لهداية قوم وضلالة قوم، ~~وقد يأتي لفظ الاستقبال بمعنى الماضي كما قال الله تعالى "فلم تقتلون ~~أنبياء الله" (91-البقرة) أي فلم قتلتموهم {وإن كانت} أي قد كانت أي تولية ~~الكعبة وقيل: الكتابة راجعة إلى القبلة، وقيل: إلى الكعبة قال الزجاج: وإن ~~كانت التحويلة {لكبيرة} ثقيلة شديدة {إلا على الذين هدى الله} أي هداهم ~~الله، قال سيبويه: "وإن" تأكيد يشبه اليمين ولذلك دخلت اللام في جوابها ~~{وما كان الله ليضيع إيمانكم} وذلك أن حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا ~~للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس، إن كانت هدى فقد تحولتم عنها ~~وإن كانت ضلالة فقد دنتم الله بها، ومن مات منكم عليها فقد مات على ~~الضلالة، فقال المسلمون إنما الهدى ما أمر الله ms0137 به، والضلالة ما نهى الله ~~عنه. # قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا؟ وكان قد مات قبل أن تحول ~~القبلة من المسلمين أسعد بن زرارة من بني النجار، والبراء بن معرور من بني ~~سلمة، وكانوا من النقباء ورجال آخرون فانطلق عشائرهم إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فكيف ~~بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى (2) {وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم} يعني صلاتكم إلى بيت المقدس {إن الله بالناس لرءوف ~~رحيم} قرأ أهل الحجاز وابن عامر وحفص لرءوف مشبع على وزن فعول، لأن أكثر ~~أسماء الله تعالى على فعول وفعيل، كالغفور والشكور والرحيم والكريم وغيرها، ~~وأبو جعفر PageV01P160 # يلين الهمزة وقرأ الآخرون بالاختلاس على وزن فعل قال جرير: # ترى للمسلمين عليك حقا %~% كفعل الواحد الرءوف الرحيم # والرأفة أشد الرحمة. ### || # {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه ~~الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144) } # قوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} هذه الآية وإن كانت متأخرة في ~~التلاوة فهي متقدمة في المعنى فإنها رأس القصة، وأمر القبلة أول ما نسخ من ~~أمور الشرع، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون ~~بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يصلي نحو صخرة بيت ~~المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون ~~20/ب من نعته في التوراة فصلى بعد الهجرة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا إلى بيت ~~المقدس وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم عليه ~~السلام، وقال مجاهد: كان يحب ذلك لأجل اليهود لأنهم كانوا يقولون يخالفنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم في ديننا ويتبع قبلتنا، فقال لجبريل عليه السلام: ~~وددت لو حولني الله إلى الكعبة فإنها قبلة أبي إبراهيم عليه ms0138 السلام، فقال ~~جبريل: إنما أنا عبد مثلك وأنت كريم على ربك، فسل أنت ربك فإنك عند الله عز ~~وجل بمكان [فرجع] (1) جبريل عليه السلام وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة (2) فأنزل ~~الله تعالى {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة} فلنحولنك إلى قبلة ~~{ترضاها} أي تحبها وتهواها {فول} أي حول {وجهك شطر المسجد الحرام} أي نحوه ~~وأراد به الكعبة والحرام المحرم {وحيثما كنتم} من بر أو بحر أو شرق أو غرب ~~{فولوا وجوهكم شطره} عند الصلاة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا إسحاق بن نصر أخبرنا ~~عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن عطاء قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما: قال ~~لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى ~~PageV01P161 # خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة (وقال هذه القبلة) (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمرو بن خالد أخبرنا زهير أخبرنا ~~أبو إسحاق عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة ~~نزل على أجداده أو قال أخواله من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر ~~أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة ~~صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد قباء ~~وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ~~مكة فداروا كما هم قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل ~~المقدس لأنه قبلة أهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك، وقال: ~~البراء في حديثه هذا: أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ms0139 ندر ~~ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى {وما كان الله ليضيع إيمانكم} (2) . # وكان تحويل القبلة في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين، قال مجاهد ~~وغيره: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وقد ~~صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وحول ~~الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين. ~~وقيل: كان التحويل خارج الصلاة بين الصلاتين، وأهل قباء وصل إليهم الخبر في ~~صلاة الصبح. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد ~~الفقيه السرخسي أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي السامري ~~أخبرنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري عن مالك بن أنس عن عبد الله بن ~~دينار أن عبد الله بن عمر قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت ~~وقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد ~~أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى ~~الكعبة (3) . PageV01P162 # فلما تحولت القبلة قالت اليهود: يا محمد ما هو إلا شيء تبتدعه من تلقاء ~~نفسك فتارة تصلي إلى بيت المقدس وتارة إلى الكعبة ولو ثبت على قبلتنا لكنا ~~نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره؟ فأنزل الله {وإن الذين أوتوا الكتاب ~~ليعلمون أنه} يعني أمر الكعبة {الحق من ربهم} ثم هددهم فقال {وما الله ~~بغافل عما تعملون} قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء قال ابن ~~عباس يريد أنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتي وما أنا بغافل عن ثوابكم ~~وجزائكم وقرأ الباقون بالياء يعني ما أنا بغافل عما يفعل اليهود فأجازيهم ~~في الدنيا والآخرة. ### || # {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع ~~قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من ~~العلم إنك إذا لمن الظالمين (145) } # قوله تعالى {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب} يعني اليهود والنصارى قالوا: ~~ائتنا ms0140 بآية على ما تقول فقال الله تعالى {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل ~~آية} معجزة {ما تبعوا قبلتك} يعني الكعبة {وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم ~~بتابع قبلة بعض} لأن اليهود تستقبل بيت المقدس وهو المغرب والنصارى تستقبل ~~المشرق وقبلة المسلمين الكعبة. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أخبرنا أبو عيسى ~~محمد بن عيسى الترمذي أخبرنا الحسن بن بكر المروزي أخبرنا المعلى بن منصور ~~أخبرنا عبد الله بن جعفر المخزومي عن عثمان الأخنسي عن سعيد المقبري عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "القبلة ما بين المشرق والمغرب" ~~(1) # وأراد به في حق (2) أهل المشرق، وأراد بالمشرق: مشرق الشتاء في أقصر يوم ~~في السنة، وبالمغرب: مغرب الصيف في أطول يوم من السنة، فمن جعل مغرب الصيف ~~في هذا الوقت على يمينه ومشرق الشتاء على يساره كان وجهه إلى القبلة {ولئن ~~اتبعت أهواءهم} مرادهم الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به ~~PageV01P163 # الأمة، {من بعد ما جاءك من العلم} الحق في القبلة، {إنك إذا لمن ~~الظالمين} ### || # {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون (146) الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) ~~ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن ~~الله على كل شيء قدير (148) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه ~~للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون (149) } # قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب} يعني مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن ~~سلام وأصحابه {يعرفونه} يعني يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم {كما يعرفون ~~أبناءهم} من بين الصبيان، قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام إن الله قد ~~أنزل على نبيه {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} فكيف هذه ~~المعرفة؟ قال عبد الله: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما عرفت ابني ومعرفتي ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ms0141 أشد من معرفتي بابني، فقال عمر: كيف ذلك؟ فقال ~~أشهد أنه رسول الله حق من الله تعالى وقد نعته الله في كتابنا ولا أدري ما ~~تصنع النساء، فقال عمر وفقك الله يا ابن سلام فقد صدقت (1) {وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق} يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأمر الكعبة {وهم يعلمون} ~~ثم قال # {الحق من ربك} أي هذا الحق خبر مبتدأ مضمر وقيل رفع بإضمار فعل أي جاءك ~~الحق من ربك {فلا تكونن من الممترين} الشاكين. # قوله تعالى: {ولكل وجهة} أي لأهل كل ملة قبلة والوجهة اسم للمتوجه إليه ~~{هو موليها} أي مستقبلها ومقبل إليها يقال: وليته ووليت إليه: إذا أقبلت ~~إليه (2) ، ووليت عنه إذا أدبرت عنه. قال مجاهد: هو موليها وجهه، وقال ~~الأخفش، هو كناية عن الله عز وجل يعني الله مولي الأمم إلى قبلتهم وقرأ ابن ~~عامر: مولاها، أي: المستقبل مصروف إليها {فاستبقوا الخيرات} أي إلى ~~الخيرات، يريد: بادروا بالطاعات، والمراد المبادرة إلى القبول {أينما ~~تكونوا} أنتم وأهل الكتاب {يأت بكم الله جميعا} يوم القيامة فيجزيكم ~~بأعمالكم {إن الله على كل شيء قدير} # قوله تعالى {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك ~~وما الله بغافل عما تعملون} PageV01P164 # قرأ أبو عمرو بالياء والباقون بالتاء 21/أ ### || # {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ~~لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم ~~نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) } # {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره} وإنما كرر لتأكيد النسخ {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا} ~~اختلفوا في تأويل هذه الآية ووجه قوله {إلا} فقال بعضهم: معناه حولت القبلة ~~إلى الكعبة {لئلا يكون للناس عليكم حجة} إذا توجهتم إلى غيرها فيقولون ليست ~~لكم قبلة {إلا الذين ظلموا} قريش واليهود فأما قريش فتقول رجع محمد إلى ~~الكعبة، لأنه علم أنها الحق وأنها قبلة آبائه، فكذلك يرجع إلى ديننا، وأما ~~اليهود ms0142 فتقول لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنه حق إلا أنه يعمل برأيه ~~وقال قوم {لئلا يكون للناس عليكم حجة} يعني اليهود وكانت حجتهم على طريق ~~المخاصمة على المؤمنين في صلاتهم إلى بيت المقدس أنهم كانوا يقولون ما درى ~~محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن. # وقوله {إلا الذين ظلموا} مشركو مكة، وحجتهم: أنهم قالوا -لما صرفت قبلتهم ~~إلى الكعبة إن محمدا قد تحير في دينه وسيعود إلى ملتنا كما عاد إلى قبلتنا، ~~وهذا معنى قول مجاهد وعطاء وقتادة، وعلى هذين التأويلين يكون الاستثناء ~~صحيحا، وقوله {إلا الذين ظلموا} يعني لا حجة لأحد عليكم إلا لمشركي قريش ~~فإنهم يحاجونكم فيجادلونكم ويخاصمونكم بالباطل والظلم والاحتجاج بالباطل ~~يسمى حجة كما قال الله تعالى "حجتهم داحضة عند ربهم" (16-الشورى) وموضع ~~{الذين} خفض كأنه قال سوى الذين ظلموا قاله الكسائي وقال الفراء نصب ~~بالاستثناء. # قوله تعالى: {منهم} يعني من الناس وقيل هذا استثناء منقطع عن الكلام ~~الأول، معناه ولكن الذين ظلموا يجادلونكم بالباطل، كما قال الله تعالى "ما ~~لهم به من علم إلا اتباع الظن" (157-النساء) يعني لكن يتبعون الظن فهو كقول ~~الرجل مالك عندي حق إلا أن تظلم. # قال أبو روق {لئلا يكون للناس} يعني اليهود {عليكم حجة} وذلك أنهم عرفوا ~~أن الكعبة قبلة إبراهيم ووجدوا في التوراة أن محمدا سيحول إليها فحوله الله ~~تعالى لئلا يكون لهم حجة فيقولون: إن النبي الذي نجده في كتابنا سيحول ~~إليها ولم تحول أنت، فلما حول إليها ذهبت حجتهم {إلا الذين ظلموا} يعني إلا ~~أن يظلموا فيكتموا ما عرفوا من الحق. # PageV01P165 # وقال أبو عبيدة (1) قوله {إلا الذين ظلموا} ليس باستثناء ولكن "إلا" في ~~موضع واو العطف يعني: والذين ظلموا أيضا لا يكون لهم حجة كما قال الشاعر: # وكل أخ مفارقه أخوه %~% لعمر أبيك إلا الفرقدان # معناه والفرقدان أيضا يتفرقان، فمعنى الآية فتوجهوا إلى الكعبة {لئلا ~~يكون للناس} يعني اليهود {عليكم حجة} فيقولوا لم تركتم الكعبة وهي قبلة ~~إبراهيم وأنتم على دينه ms0143 ولا الذين ظلموا وهم مشركو مكة فيقولون لم ترك محمد ~~قبلة جده وتحول عنها إلى قبلة اليهود {فلا تخشوهم} في انصرافكم إلى الكعبة ~~وفي تظاهرهم عليكم بالمجادلة فإني وليكم أظهركم عليهم بالحجة والنصرة ~~{واخشوني ولأتم نعمتي عليكم} عطف على قوله {لئلا يكون للناس عليكم حجة} ~~ولكي أتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم فتتم لكم الملة ~~الحنيفية، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه تمام النعمة الموت على ~~الإسلام. # قال: سعيد بن جبير لا يتم نعمة على مسلم إلا أن يدخله الله الجنة {ولعلكم ~~تهتدون} لكي تهتدوا من الضلالة ولعل وعسى من الله واجب. ### || # {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب ~~والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) } # قوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم} هذه الكاف للتشبيه وتحتاج إلى شيء يرجع ~~إليه فقال بعضهم: ترجع إلى ما قبلها معناه ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا ~~فيكم رسولا قال محمد بن جرير: دعا إبراهيم عليه السلام بدعوتين -إحداهما ~~-قال: "ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك" (128-البقرة) ~~والثانية قوله: "ربنا وابعث فيهم رسولا منهم" (129-البقرة) فبعث الله ~~الرسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم ووعد إجابة الدعوة الثانية بأن يجعل في ~~ذريته أمة مسلمة، يعني كما أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين ~~وأتم نعمتي عليكم ببيان شرائع الملة الحنيفية (2) وقال مجاهد وعطاء ~~والكلبي: هي PageV01P166 # متعلقة بما بعدها وهو قوله "فاذكروني أذكركم" معناه كما أرسلنا فيكم ~~رسولا منكم فاذكروني (1) وهذه الآية خطاب لأهل مكة والعرب يعني كما أرسلنا ~~فيكم يا معشر العرب. # {رسولا منكم} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم {يتلو عليكم آياتنا} يعني ~~القرآن {ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة} قيل: الحكمة السنة، وقيل: مواعظ ~~القرآن {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} الأحكام وشرائع الإسلام ### || # {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152) } # {فاذكروني أذكركم} قال ابن عباس: اذكروني بطاعتي، أذكركم بمغفرتي، وقال ~~سعيد بن جبير اذكروني في النعمة والرخاء، أذكركم في الشدة والبلاء، بيانه ~~"فلولا أنه كان من المسبحين ms0144 للبث في بطنه إلى يوم يبعثون" (144-الصافات) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمر بن حفص أخبرنا أبي ~~أخبرنا الأعمش قال سمعت أبا صالح عن أبي هريرة قال قال: النبي صلى الله ~~عليه وسلم: يقول الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ~~ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن ~~تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ومن ~~أتاني يمشي أتيته هرولة" (2) # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد بن القاضي وثنا أبو بكر محمد بن ~~عبد الله بن أبي توبة الكشميهني قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن ~~سراج الطحان أخبرنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان أخبرنا أبو عبد الملك ~~الدمشقي أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن أخبرنا منذر بن زياد عن صخر بن جويرية ~~عن الحسن عن أنس قال: إني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عدد أناملي هذه العشر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ~~تعالى يقول: يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ~~ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم، وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا، وإن دنوت ~~مني ذراعا دنوت منك باعا، وإن مشيت إلي هرولت إليك، وإن هرولت إلي سعيت ~~إليك، وإن سألتني أعطيتك، وإن لم تسألني غضبت عليك" (3) . PageV01P167 # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا يحيى بن عبد الله أخبرنا الأوزاعي ~~أخبرنا إسماعيل بن عبد الله عن أبي الدرداء عن أبي هريرة قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي ~~شفتاه" (1) # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو ms0145 القاسم ~~البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرنا إسماعيل بن عياش أخبرنا عمرو بن قيس ~~السكوني عن عبد الله بن بسر قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: "أن تفارق الدنيا ولسانك ~~رطب من ذكر الله تعالى" (2) . # قوله تعالى: {واشكروا لي ولا تكفرون} يعني واشكروا لي بالطاعة ولا ~~تكفروني بالمعصية فإن من أطاع الله فقد شكره ومن عصاه 21/ب فقد كفره. ### || # {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (153) ~~} # {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون (154) ~~} # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع ~~الصابرين} بالعون والنصرة # {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات} نزلت في قتلى بدر من المسلمين ~~وكانوا أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار كان الناس ~~يقولون لمن يقتل في سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها فأنزل ~~الله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا ~~تشعرون} كما قال في شهداء أحد "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون" (169-آل عمران) قال الحسن إن الشهداء أحياء عند ~~الله تعالى تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض ~~النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشية فيصل إليهم الوجع. # PageV01P168 ### || # {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر ~~الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ~~(156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157) } # قوله تعالى: {ولنبلونكم} أي ولنختبرنكم يا أمة محمد، واللام لجواب القسم ~~تقديره والله لنبلونكم والابتلاء من الله لإظهار المطيع من العاصي لا ليعلم ~~شيئا لم يكن عالما به {بشيء من الخوف} قال ابن عباس يعني خوف العدو ~~{والجوع} يعني القحط {ونقص من الأموال} بالخسران والهلاك {والأنفس} يعني ~~بالقتل والموت وقيل بالمرض والشيب {والثمرات} يعني الجوائح في ms0146 الثمار وحكي ~~عن الشافعي أنه قال الخوف خوف الله تعالى، والجوع صيام رمضان، ونقص من ~~الأموال أداء الزكاة والصدقات، والأنفس الأمراض، والثمرات موت الأولاد لأن ~~ولد الرجل ثمرة قلبه. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أخبرنا حميد بن ~~زنجويه أخبرنا الحسن بن موسى أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي سنان قال دفنت ~~ابني سنانا وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر فلما أردت الخروج أخذ بيدي ~~فأخرجني فقال: ألا أبشرك؟: حدثني الضحاك عن عرزب عن أبي موسى الأشعري قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا مات ولد العبد قال الله تعالى ~~لملائكته أقبضتم ولد عبدي؟ قالوا نعم، قال أقبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا نعم، ~~قال فماذا قال عبدي؟ قالوا استرجع وحمدك قال: ابنوا له بيتا في الجنة وسموه ~~بيت الحمد" (1) # {وبشر الصابرين} على البلايا والرزايا، ثم وصفهم فقال: # {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله} عبيدا وملكا {وإنا إليه راجعون} ~~في الآخرة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا محاضر بن ~~المورع أخبرنا سعد عن عمر بن كثير بن أفلح PageV01P169 # أخبرنا مولى أم سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مصيبة تصيب عبدا فيقول إنا ~~لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا آجره ~~الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها" قالت أم سلمة لما توفي أبو سلمة عزم ~~الله لي فقلت: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها. فأخلف الله لي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) # وقال سعيد بن جبير: ما أعطي أحد في المصيبة ما أعطي هذه الأمة يعني ~~الاسترجاع ولو أعطيها أحد لأعطيها يعقوب عليه السلام ألا تسمع لقوله تعالى ~~في ms0147 قصة يوسف عليه السلام "يا أسفى على يوسف" (84-يوسف) # {أولئك} أهل هذه الصفة {عليهم صلوات من ربهم ورحمة} صلوات أي رحمة فإن ~~الصلاة من الله الرحمة ورحمة ذكرها الله تأكيدا وجميع الصلوات، أي: رحمة ~~بعد رحمة {وأولئك هم المهتدون} إلى الاسترجاع وقيل إلى الحق والصواب وقيل ~~إلى الجنة والثواب، قال عمر رضي الله عنه: نعم العدلان ونعمت العلاوة (2) ~~فالعدلان الصلاة والرحمة، والعلاوة الهداية. # وقد وردت أخبار في ثواب أهل البلاء وأجر الصابرين منها ما أخبرنا أبو ~~الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي أخبرنا ~~أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن محمد ~~بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه قال: سمعت أبا الحباب سعيد بن ~~يسار يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من يرد ~~الله به خيرا يصب منه" (3) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن محمد ~~أخبرنا عبد الملك بن عمرو أخبرنا زهير بن محمد عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن ~~عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى ~~الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" (4) . PageV01P170 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو ~~جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أنا محمد بن عبيد أخبرنا محمد بن عمرو ~~عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: جاءت امرأة بها لمم إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت يا رسول الله: ادع الله لي أن يشفيني قال "إن شئت دعوت ~~الله أن يشفيك وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك" قالت: بل أصبر ولا حساب علي ~~(1) . # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد ms0148 القاضي أخبرنا أبو سعيد خلف بن عبد ~~الرحمن بن أبي نزار أخبرنا أبو منصور العباس بن الفضل النضروي أخبرنا أحمد ~~بن نجدة أخبرنا يحيى بن عبد الحميد الحماني أخبرنا حماد بن زيد عن عاصم هو ~~ابن أبي النجود عن مصعب بن سعد عن سعد قال: سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن أشد الناس بلاء قال: "الأنبياء والأمثل فالأمثل يبتلي الله الرجل ~~على حسب دينه فإن كان في دينه صلبا ابتلي على قدر ذلك وإن كان في دينه رقة ~~هون عليه فما يزال كذلك حتى يمشي على الأرض وما له من ذنب" (2) # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث ~~حدثني يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن سنان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "إن عظم الجزاء عند الله مع عظم البلاء فإن الله إذا ~~أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط" (3) # أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن ~~الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا يزيد بن ~~هارون أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وولده ~~حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة" (4) PageV01P171 # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد ~~الله بن بشران أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار أخبرنا أحمد بن منصور ~~الرمادي أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمن كمثل الزرع لا ~~تزال الريح تفيئه ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق 22/أكمثل ~~شجرة الأرزة (1) لا تهتز حتى تستحصد" (2) # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ms0149 أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي أخبرنا عبد الرزاق ~~أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن عمر بن سعد بن أبي وقاص عن ~~أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عجب للمؤمن إن أصابه خير حمد ~~الله وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر. فالمؤمن يؤجر في كل أمره حتى ~~يؤجر في اللقمة يرفعها إلى في امرأته" (3) . ### || # {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) } # قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} الصفا جمع صفاة وهي الصخرة ~~الصلبة الملساء، يقال: صفاة وصفا، مثل: حصاة وحصى ونواة ونوى، والمروة: ~~الحجر الرخو، وجمعها مروات، وجمع الكثير مرو، مثل تمرة وتمرات وتمر. وإنما ~~عنى بهما الجبلين المعروفين بمكة في طرفي المسعى، ولذلك أدخل فيهما الألف ~~واللام، وشعائر الله أعلام دينه، أصلها من الإشعار وهو الإعلام واحدتها ~~شعيرة وكل ما كان معلما لقربان يتقرب به إلى الله تعالى من صلاة ودعاء ~~وذبيحة فهو شعيرة فالمطاف والموقف والنحر كلها شعائر الله ومثلها المشاعر، ~~والمراد بالشعائر هاهنا: المناسك التي جعلها الله أعلاما لطاعته، فالصفا ~~والمروة PageV01P172 # منها حتى يطاف بهما جميعا {فمن حج البيت أو اعتمر} فالحج في اللغة: ~~القصد، والعمرة: الزيارة، وفي الحج والعمرة المشروعين قصد وزيارة {فلا جناح ~~عليه} أي لا إثم عليه، وأصله من جنح أي مال عن القصد {أن يطوف بهما} أي ~~يدور بهما، وأصله يتطوف أدغمت التاء في الطاء. # وسبب نزول هذه الآية أنه كان على الصفا والمروة صنمان أساف ونائلة، وكان ~~أساف على الصفا ونائلة على المروة، وكان أهل الجاهلية يطوفون بين الصفا ~~والمروة تعظيما للصنمين ويتمسحون بهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كان ~~المسلمون يتحرجون عن السعي بين الصفا والمروة لأجل الصنمين فأذن الله فيه ~~وأخبر أنه من شعائر الله (1) . # واختلف أهل العلم في حكم هذه الآية ووجوب السعي ms0150 بين الصفا والمروة في ~~الحج والعمرة فذهب جماعة إلى وجوبه وهو قول ابن عمر وجابر وعائشة وبه قال ~~الحسن وإليه ذهب مالك والشافعي وذهب قوم إلى أنه تطوع وهو قول ابن عباس وبه ~~قال ابن سيرين ومجاهد وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي. وقال الثوري ~~وأصحاب الرأي على من تركه دم (2) . # واحتج من أوجبه بما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي الخطيب أخبرنا عبد ~~العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أخبرنا ~~الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد الله بن مؤمل العائذي عن عمرو ~~بن عبد الرحمن بن محيصن عن عطاء بن أبي رباح عن صفية بنت شيبة قالت: ~~أخبرتني بنت أبي تجراة -اسمها حبيبة إحدى نساء بني عبد الدار -قالت: دخلت ~~مع نسوة PageV01P173 # من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسعى ~~بين الصفا والمروة فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي حتى لأقول إني ~~لأرى ركبتيه، وسمعته يقول "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" (1) . # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو ~~إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: ~~قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت قول الله تعالى {إن الصفا ~~والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} ~~فما أرى على أحد شيئا ألا يطوف بهما، قالت عائشة: كلا لو كانت كما تقول ~~كانت "فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما" إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار ~~كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا ~~والمروة. فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فأنزل الله تعالى {إن الصفا والمروة من شعائر الله} الآية. (2) # قال عاصم: قلت لأنس بن مالك أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: ~~نعم، لأنها كانت من شعائر الجاهلية ms0151 حتى أنزل الله تعالى {إن الصفا والمروة ~~من شعائر الله} # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أنه ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من المسجد وهو يريد الصفا ~~يقول "نبدأ بما بدأ الله تعالى به" فبدأ بالصفا. وقال كان إذا وقف على ~~الصفا يكبر ثلاثا ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شيء قدير. يصنع ذلك ثلاث مرات ويدعو ويصنع على المروة مثل ~~ذلك. وقال: كان إذا نزل من الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي ~~يسعى حتى يخرج منه. (3) PageV01P174 # قال مجاهد: -رحمه الله -حج موسى عليه السلام على جمل أحمر وعليه عباءتان ~~قطوانيتان (1) ، فطاف البيت ثم صعد الصفا ودعا ثم هبط إلى السعي وهو يلبي ~~فيقول لبيك اللهم لبيك. فقال الله تعالى لبيك عبدي وأنا معك فخر موسى عليه ~~السلام ساجدا. # قوله تعالى: {ومن تطوع خيرا} قرأ حمزة والكسائي بالياء وتشديد الطاء وجزم ~~العين وكذلك الثانية "فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا" (184-البقرة) ~~بمعنى يتطوع ووافق يعقوب في الأولى وقرأ الباقون بالتاء وفتح العين في ~~الماضي وقال مجاهد: معناه فمن تطوع بالطواف بالصفا والمروة. وقال مقاتل ~~والكلبي: فمن تطوع: أي زاد في الطواف بعد الواجب. وقيل من تطوع بالحج ~~والعمرة بعد أداء الحجة الواجبة عليه وقال الحسن وغيره: أراد سائر الأعمال ~~يعني فعل غير المفترض عليه من زكاة وصلاة وطواف وغيرها من أنواع الطاعات ~~{فإن الله شاكر} مجاز لعبده بعمله {عليم} بنيته. والشكر من الله تعالى أن ~~يعطي لعبده فوق ما يستحق. يشكر اليسير ويعطي الكثير. ### || # {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في ~~الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) إلا الذين تابوا وأصلحوا ~~وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160) } # قوله تعالى: {إن ms0152 الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما ~~بيناه للناس في الكتاب} نزلت في علماء اليهود كتموا صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وآية الرجم وغيرهما من الأحكام التي كانت في التوراة (2) {أولئك ~~يلعنهم الله} وأصل اللعن الطرد والبعد {ويلعنهم اللاعنون} أي يسألون الله ~~أن يلعنهم ويقولون: اللهم العنهم. واختلفوا في هؤلاء اللاعنين، قال ابن ~~عباس: جميع الخلائق إلا الجن والإنس. وقال قتادة: هم الملائكة وقال عطاء: ~~الجن والإنس وقال الحسن: جميع عباد الله. قال ابن مسعود: ما تلاعن اثنان من ~~المسلمين إلا رجعت تلك اللعنة على اليهود والنصارى الذين كتموا أمر محمد ~~صلى الله عليه وسلم وصفته وقال مجاهد: اللاعنون البهائم تلعن عصاة بني آدم ~~إذا اشتدت السنة وأمسك المطر وقالت هذا من شؤم ذنوب بني آدم ثم استثنى ~~فقال: # {إلا الذين تابوا} من الكفر {وأصلحوا} أسلموا وأصلحوا الأعمال فيما بينهم ~~وبين ربهم {وبينوا} ما كتموا {فأولئك أتوب عليهم} أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم ~~{وأنا التواب} PageV01P175 # الرجاع بقلوب عبادي المنصرفة عني إلي {الرحيم} بهم بعد إقبالهم علي. ### || # {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين (161) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (162) وإلهكم ~~إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) } # {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة} أي ~~لعنة الملائكة 22/ب {والناس أجمعين} قال أبو العالية: هذايوم القيامة يوقف ~~الكافر فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة ثم يلعنه الناس فإن قيل فقد قال ~~{والناس أجمعين} والملعون هو من جملة الناس فكيف يلعن نفسه؟ قيل يلعن نفسه ~~في القيامة قال الله تعالى: "ويلعن بعضكم بعضا" (25-العنكبوت) وقيل إنهم ~~يلعنون الظالمين والكافرين ومن يلعن الظالمين والكافرين وهو منهم فقد لعن ~~نفسه # {خالدين فيها} مقيمين في اللعنة وقيل في النار {لا يخفف عنهم العذاب ولا ~~هم ينظرون} لا يمهلون ولا يؤجلون وقال أبو العالية: لا ينظرون فيعتذروا ~~كقوله تعالى "ولا يؤذن لهم فيعتذرون" (36-المرسلات) . # قوله تعالى: {وإلهكم إله واحد لا ms0153 إله إلا هو الرحمن الرحيم} سبب نزول هذه ~~الآية أن كفار قريش قالوا يا محمد صف لنا ربك وانسبه فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية وسورة الإخلاص (1) والواحد الذي لا نظير له ولا شريك له. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو ~~جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا بكر بن إبراهيم وأبو عاصم عن ~~عبد الله بن أبي زياد عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أنها قالت: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن في هاتين الآيتين اسم الله الأعظم" ~~{وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} و {الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم} (2) . PageV01P176 # قال أبو الضحى (1) لما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن محمدا يقول إن ~~إلهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصادقين فأنزل الله عز وجل ### || # {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ~~لآيات لقوم يعقلون (164) } # {إن في خلق السماوات والأرض} ذكر السماوات بلفظ الجمع والأرض بلفظ الواحد ~~لأن كل سماء ليست من جنس واحد بل من جنس آخر، والأرضون كلها من جنس واحد ~~وهو التراب، فالآية في السماوات سمكها وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة وما ~~ترى فيها من الشمس والقمر والنجوم، والآية في الأرض مدها وبسطها وسعتها وما ~~ترى فيها من الأشجار والأنهار والجبال والبحار والجواهر والنبات. # قوله تعالى: {واختلاف الليل والنهار} أي تعاقبهما في الذهاب والمجيء يخلف ~~أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلفه أي بعده نظيره قوله تعالى: ~~"وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة" (62-الفرقان) قال عطاء: أراد اختلافهما ~~في النور والظلمة والزيادة والنقصان. والليل جمع ليلة، والليالي جمع الجمع. ~~والنهار جمعه نهر وقدم الليل على النهار في الذكر لأنه أقدم منه قال الله ~~تعالى {وآية ms0154 لهم الليل نسلخ منه النهار} (37-يس) . # {والفلك التي تجري في البحر} يعني السفن واحده وجمعه سواء فإذا أريد به ~~الجمع يؤنث وفي الواحد يذكر قال الله تعالى: في الواحد والتذكير "إذ أبق ~~إلى الفلك المشحون" (140-الصافات) وقال في الجمع والتأنيث "حتى إذا كنتم في ~~الفلك وجرين بهم بريح طيبة" (22-يونس) . # {والفلك التي تجري في البحر} الآية في الفلك تسخيرها وجريانها على وجه ~~الماء وهي موقرة لا ترسب تحت الماء {بما ينفع الناس} يعني ركوبها والحمل ~~عليها في التجارات والمكاسب وأنواع المطالب {وما أنزل الله من السماء من ~~ماء} يعني المطر قيل: أراد بالسماء السحاب، يخلق الله الماء في السحاب ثم ~~من السحاب ينزل وقيل أراد به السماء المعروفة يخلق الله تعالى الماء في ~~السماء ثم ينزل من السماء إلى السحاب ثم من السحاب ينزل إلى الأرض {فأحيا ~~به} أي بالماء {الأرض بعد موتها} أي # PageV01P177 # بعد يبوستها وجدوبتها {وبث فيها} أي فرق فيها {من كل دابة وتصريف الرياح} # قرأ حمزة والكسائي الريح بغير ألف وقرأ الباقون بالألف وكل ريح في القرآن ~~ليس فيها ألف ولا لام اختلفوا في جمعها وتوحيدها إلا في الذاريات "الريح ~~العقيم" (41-الذاريات) اتفقوا على توحيدها وفي الحرف الأول من سورة الروم ~~"الرياح مبشرات" (46-الروم) اتفقوا على جمعها، وقرأ أبو جعفر سائرها على ~~الجمع، والقراء مختلفون فيها، والريح يذكر ويؤنث، وتصريفها أنها تتصرف إلى ~~الجنوب والشمال والقبول والدبور والنكباء (1) . # وقيل: تصريفها أنها تارة تكون لينا وتارة تكون عاصفا وتارة تكون حارة ~~وتارة تكون باردة قال ابن عباس: أعظم جنود الله الريح والماء وسميت الريح ~~ريحا لأنها تريح النفوس قال شريح القاضي: ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو ~~لسقم صحيح والبشارة في ثلاث من الرياح في الصبا والشمال والجنوب أما الدبور ~~فهي الريح العقيم لا بشارة فيها وقيل الرياح ثمانية: أربعة للرحمة وأربعة ~~للعذاب. فأما التي للرحمة المبشرات والناشرات والذاريات والمرسلات وأما ~~التي للعذاب فالعقيم والصرصر في البر والعاصف والقاصف في البحر {والسحاب ~~المسخر} أي الغيم المذلل سمي ms0155 سحابا لأنه ينسحب أي يسير في سرعة كأنه يسحب ~~أي يجر {بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} فيعلمون أن لهذه الأشياء ~~خالقا وصانعا قال وهب بن منبه: ثلاثة لا يدرى من أين تجيء الرعد والبرق ~~والسحاب. ### || # {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا ~~أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن ~~الله شديد العذاب (165) } # قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا} أي أصناما يعبدونها ~~{يحبونهم كحب الله} أي يحبون آلهتهم كحب المؤمنين الله، وقال الزجاج: يحبون ~~الأصنام كما يحبون الله لأنهم أشركوها مع الله فسووا بين الله وبين أوثانهم ~~في المحبة {والذين آمنوا أشد حبا لله} أي أثبت وأدوم على حبه لأنهم لا ~~يختارون على الله ما سواه والمشركون إذا اتخذوا صنما ثم رأوا أحسن منه ~~طرحوا الأول واختاروا الثاني قال قتادة: إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت ~~البلاء ويقبل على الله تعالى كما أخبر الله عز وجل عنهم فقال: {فإذا ركبوا ~~في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} (65-العنكبوت) والمؤمن لا يعرض عن ~~الله في السراء PageV01P178 # والضراء والشدة والرخاء (1) . # قال سعيد بن جبير: إن الله عز وجل يأمر يوم القيامة من أحرق نفسه في ~~الدنيا على رؤية الأصنام (2) أن يدخلوا جهنم مع أصنامهم فلا يدخلون لعلمهم ~~أن عذاب جهنم على الدوام، ثم يقول للمؤمنين وهم بين أيدي الكفار: "إن كنتم ~~أحبائي فادخلوا جهنم" فيقتحمون فيها فينادي مناد من تحت العرش {والذين ~~آمنوا أشد حبا لله} وقيل إنما قال {والذين آمنوا أشد حبا لله} لأن الله ~~تعالى أحبهم أولا ثم أحبوه ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتم قال ~~الله تعالى: "يحبهم ويحبونه" (54-المائدة) . # قوله تعالى: {ولو يرى الذين ظلموا} قرأ نافع وابن عامر ويعقوب ولو ترى ~~بالتاء وقرأ الآخرون بالياء وجواب لو هاهنا محذوف ومثله كثير في القرآن ~~كقوله تعالى "ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به" (الرعد-31) يعني ms0156 ~~لكان هذا القرآن فمن قرأ بالتاء معناه ولو ترى يا محمد الذين ظلموا أنفسهم ~~في شدة العذاب لرأيت أمرا عظيما، قيل: معناه قل يا محمد: أيها الظالم لو ~~ترى الذين ظلموا أو أشركوا في شدة العقاب لرأيت أمرا فظيعا، ومن قرأ بالياء ~~معناه ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم عند رؤية العذاب أي لو رأوا شدة عذاب ~~الله وعقوبته حين يرون العذاب لعرفوا مضرة الكفر وأن ما اتخذوا من الأصنام ~~لا ينفعهم. # قوله تعالى: {إذ يرون} قرأ ابن عامر بضم الياء والباقون بفتحها {العذاب ~~أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب} أي بأن القوة لله جميعا معناه ~~لرأوا وأيقنوا أن القوة لله جميعا. # وقرأ أبو جعفر ويعقوب إن القوة وإن الله بكسر الألف على الاستئناف ~~والكلام تام عند قوله {إذ يرون العذاب} مع إضمار الجواب ### || # {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ~~(166) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك ~~يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار (167) } # {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب} هذا في يوم القيامة ~~23/أحين يجمع الله القادة والأتباع فيتبرأ بعضهم من بعض، هذا قول أكثر ~~المفسرين، وقال السدي: هم الشياطين يتبرأون من الإنس {وتقطعت بهم} أي عنهم ~~{الأسباب} أي الصلات التي كانت بينهم في الدنيا من القرابات والصداقات ~~وصارت مخالتهم عداوة، وقال ابن جريج: الأرحام كما قال الله تعالى: "فلا ~~أنساب بينهم يومئذ" (101-المؤمنون) وقال السدي: يعني الأعمال التي كانوا ~~PageV01P179 # يعملونها في الدنيا كما قال الله تعالى "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هباء منثورا" (23-الفرقان) . # وأصل السبب ما يوصل به إلى الشيء من ذريعة أو قرابة أو مودة ومنه يقال ~~للحبل سبب وللطريق سبب # {وقال الذين اتبعوا} يعني الأتباع {لو أن لنا كرة} أي رجعة إلى الدنيا ~~{فنتبرأ منهم} أي من المتبوعين {كما تبرءوا منا} اليوم {كذلك} أي كما أراهم ~~العذاب كذلك {يريهم الله} وقيل كتبرئ بعضهم من ms0157 بعض يريهم الله {أعمالهم ~~حسرات} ندامات {عليهم} جمع حسرة قيل يريهم الله ما ارتكبوا من السيئات ~~فيتحسرون لم عملوا، وقيل يريهم ما تركوا من الحسنات فيندمون على تضييعها ~~وقال ابن كيسان: إنهم أشركوا بالله الأوثان رجاء أن تقربهم إلى الله عز ~~وجل، فلما عذبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسروا وندموا. قال السدي: ترفع ~~لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله فيقال لهم تلك ~~مساكنكم لو أطعتم الله، ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين يندمون (1) ويتحسرون ~~{وماهم بخارجين من النار} ### || # {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ~~ما لا تعلمون (169) } # قوله تعالى: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} نزلت في ثقيف ~~وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فيما حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام ~~والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فالحلال ما أحله الشرع طيبا، قيل: ما ~~يستطاب ويستلذ، والمسلم يستطيب الحلال ويعاف الحرام، وقيل الطيب الطاهر ~~{ولا تتبعوا خطوات الشيطان} قرأ أبو جعفر وابن عامر والكسائي وحفص ويعقوب ~~بضم الطاء والباقون بسكونها وخطوات الشيطان آثاره وزلاته، وقيل هي النذر في ~~المعاصي. وقال أبو عبيدة: هي المحقرات من الذنوب. وقال الزجاج: طرقه {إنه ~~لكم عدو مبين} بين العداوة وقيل مظهر العداوة، وقد أظهر عداوته بإبائه ~~السجود لآدم وغروره إياه حتى أخرجه من الجنة. # وأبان يكون لازما ومتعديا ثم ذكر عداوته # فقال: {إنما يأمركم بالسوء} أي بالإثم وأصل السوء ما يسوء صاحبه وهو مصدر ~~ساء يسوء سوأ ومساءة أي أحزنه، وسوأته فساء أي حزنته فحزن {والفحشاء} ~~المعاصي وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالسراء والضراء. روى باذان عن ~~ابن PageV01P180 # عباس قال: الفحشاء من المعاصي ما يجب فيه الحد والسوء من الذنوب ما لا حد ~~فيه. وقال السدي: هي الزنا وقيل هي البخل {وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون} تحريم الحرث والأنعام. ### || # {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل ms0158 الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ~~أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) ومثل الذين كفروا كمثل ~~الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون (171) } # قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله} قيل هذه قصة مستأنفة ~~والهاء والميم في لهم كناية عن غير مذكور. روي عن ابن عباس قال: دعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام، فقال رافع بن خارجة ومالك بن ~~عوف قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أي ما وجدنا عليه آباءنا فهم ~~كانوا خيرا وأعلم منا، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) ، وقيل الآية متصلة ~~بما قبلها وهي نازلة في مشركي العرب وكفار قريش والهاء والميم عائدة إلى ~~قوله "ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا" (165-البقرة) {قالوا بل نتبع ~~ما ألفينا} أي ما وجدنا {عليه آباءنا} عبادة الأصنام، وقيل معناه: وإذا قيل ~~لهم اتبعوا ما أنزل الله في تحليل ما حرموه على أنفسهم من الحرث والأنعام ~~والبحيرة والسائبة. والهاء والميم عائدة إلى الناس في قوله تعالى {يا أيها ~~الناس كلوا} {قالوا بل نتبع} قرأ الكسائي: بل نتبع بإدغام اللام في النون. ~~وكذلك يدغم لام هل وبل في التاء والثاء والزاي والسين والصاد والطاء والظاء ~~ووافق حمزة في التاء والثاء والسين {ما ألفينا} ما وجدنا {عليه آباءنا} ~~التحريم والتحليل. # قال تعالى: {أولو كان آباؤهم} أي كيف يتبعون آباءهم وآباؤهم {لا يعقلون ~~شيئا} والواو في "أولو" واو العطف، ويقال لها واو التعجب دخلت عليها ألف ~~الاستفهام للتوبيخ والمعنى أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالا لا يعقلون شيئا، ~~لفظه عام ومعناه الخصوص. أي لا يعقلون شيئا من أمور الدين لأنهم كانوا ~~يعقلون أمر الدنيا {ولا يهتدون} ثم ضرب الله مثلا فقال جل ذكره: # {ومثل الذين كفروا كمثل الذين ينعق بما لا يسمع} والنعيق والنعق صوت ~~الراعي بالغنم معناه مثلك يا محمد ومثل الكفار في وعظهم ودعائهم إلى الله ~~عز وجل كمثل الراعي الذي ينعق بالغنم، ms0159 وقيل مثل واعظ الكفار وداعيهم معهم ~~كمثل الراعي ينعق بالغنم وهي لا تسمع {إلا دعاء} صوتا {ونداء} فأضاف المثل ~~إلى الذين كفروا لدلالة الكلام عليه كما في قوله تعالى "واسأل القرية" ~~(82-يوسف) معناه كما أن البهائم تسمع صوت الراعي ولا تفهم ولا تعقل ما يقال ~~لها، كذلك الكافر لا ينتفع PageV01P181 # بوعظك إنما يسمع صوتك. وقيل: معناه: ومثل الذين كفروا في قلة عقلهم ~~وفهمهم عن الله وعن رسوله كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من ~~الأمر والنهي إلا الصوت فيكون المعنى للمنعوق به والكلام خارج عن الناعق ~~وهو فاش في كلام العرب يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لإيضاح المعنى عندهم، ~~يقولون فلان يخافك كخوف الأسد، أي كخوفه من الأسد. وقال تعالى "ما إن ~~مفاتحه لتنوء بالعصبة" (76-القصص) وإنما العصبة تنوء بالمفاتيح وقيل معناه ~~مثل الذين كفروا في دعاء الأصنام التي لا تفقه ولا تعقل كمثل الناعق بالغنم ~~فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنه في غناء من الدعاء والنداء، كذلك الكافر ~~ليس له من دعاء الآلهة وعبادتها إلا العناء والبلاء كما قال تعالى "إن ~~تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم" (14-فاطر) . # وقيل معنى الآية ومثل الذين كفروا في دعاء الأوثان كمثل الذي يصيح في جوف ~~الجبال فيسمع صوتا يقال له: الصدى لا يفهم منه شيئا، فمعنى الآية كمثل الذي ~~ينعق بما لا يسمع منه الناعق إلا دعاء ونداء {صم} تقول العرب لمن لا يسمع ~~ولا يعقل: كأنه أصم {بكم} عن الخير لا يقولونه {عمي} عن الهدى لا يبصرونه ~~{فهم لا يعقلون} ### || # {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه ~~تعبدون (172) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير ~~الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) } # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات} حلالات {ما رزقناكم} # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح ~~أخبرنا أبو ms0160 القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي أخبرنا علي بن ~~الجعد أخبرنا فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا ~~الطيب وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: "يا أيها الرسل ~~كلوا من الطيبات واعملوا صالحا" (51-المؤمنون) وقال {يا أيها الذين آمنوا ~~كلوا من طيبات ما رزقناكم} ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى ~~السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى ~~يستجاب لذلك" (1) PageV01P182 # {واشكروا لله} على نعمه {إن كنتم إياه تعبدون} ثم بين المحرمات فقال: ~~23/ب # {إنما حرم عليكم الميتة} قرأ أبو جعفر الميتة في كل القرآن بالتشديد ~~والباقون يشددون البعض. والميتة كل ما لم تدرك ذكاته مما يذبح {والدم} أراد ~~به الدم الجاري يدل عليه قوله تعالى "أو دما مسفوحا" (145-الأنعام) واستثنى ~~الشرع من الميتة السمك والجراد ومن الدم الكبد والطحال فأحلها. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا ~~عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "أحلت لنا ميتتان ودمان، الميتتان الحوت والجراد، والدمان، ~~أحسبه قال: الكبد والطحال" (1) {ولحم الخنزير} أراد به جميع أجزائه فعبر عن ~~ذلك باللحم لأنه معظمه {وما أهل به لغير الله} أي ما ذبح للأصنام ~~والطواغيت، وأصل الإهلال رفع الصوت. وكانوا إذا ذبحوا لآلهتهم يرفعون ~~أصواتهم بذكرها فجرى ذلك من أمرهم حتى قيل لكل ذابح وإن لم يجهر بالتسمية ~~مهل. وقال الربيع بن أنس وغيره {وما أهل به لغير الله} قال ما ذكر عليه اسم ~~غير الله. {فمن اضطر} بكسر النون وأخواته عاصم وحمزة، ووافق أبو عمرو إلا ~~في اللام والواو مثل "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن" (110-الإسراء) ويعقوب ~~إلا ms0161 في الواو، ووافق ابن عامر في التنوين، والباقون كلهم بالضم، فمن كسر ~~قال: لأن الجزم يحرك إلى الكسر، ومن ضم فلضمة أول الفعل نقل حركتها إلى ما ~~قبلها، وأبو جعفر بكسر الطاء ومعناه فمن اضطر إلى أكل ميتة أي أحوج وألجئ ~~إليه {غير} نصب على الحال، وقيل على الاستثناء وإذا رأيت {غير} يصلح في ~~موضعها {لا} فهي حال، وإذا صلح في موضعها {إلا} فهي استثناء {باغ ولا عاد} ~~أصل البغي قصد الفساد، يقال بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى إلى الفساد، ~~وأصل العدوان الظلم ومجاوزة الحد يقال عدا عليه عدوا وعدوانا إذا ظلم ~~واختلفوا في معنى قوله {غير باغ ولا عاد} فقال بعضهم {غير باغ} أي: خارج ~~على السلطان، ولا عاد: معتد عاص بسفره، بأن خرج لقطع الطريق أو لفساد في ~~الأرض. وهو قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير. وقالوا لا يجوز للعاصي ~~بسفره أن يأكل الميتة إذا اضطر إليها ولا أن يترخص برخص المسافر حتى يتوب، ~~وبه قال الشافعي رحمه الله: لأن إباحته له إعانة له على فساده، وذهب جماعة ~~إلى أن البغي والعدوان راجعان PageV01P183 # إلى الأكل واختلفوا في تفصيله. فقال الحسن وقتادة {غير باغ} لا تأكله من ~~غير اضطرار {ولا عاد} أي لا يعدو لشبعه. وقيل {غير باغ} أي غير طالبها وهو ~~يجد غيرها {ولا عاد} أي غير متعد ما حد له فما يأكل حتى يشبع ولكن يأكل ~~منها قوتا مقدار ما يمسك رمقه. وقال مقاتل بن حيان {غير باغ} أي مستحل لها ~~{ولا عاد} أي متزود منها. وقيل {غير باغ} أي غير مجاوز للقدر الذي أحل له ~~{ولا عاد} أي لا يقصر فيما أبيح له فيدعه قال مسروق: من اضطر إلى الميتة ~~والدم ولحم الخنزير فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار. # واختلف العلماء في مقدار ما يحل للمضطر أكله من الميتة، فقال بعضهم مقدار ~~ما يسد رمقه. وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه وأحد قولي الشافعي رضي الله ~~عنه (1) . والقول الآخر يجوز أن ms0162 يأكل حتى يشبع وبه قال مالك رحمه الله ~~تعالى. وقال سهل بن عبد الله {غير باغ} مفارق للجماعة {ولا عاد} مبتدع ~~مخالف للسنة ولم يرخص للمبتدع في تناول المحرم عند الضرورة {فلا إثم عليه} ~~أي فلا حرج عليه في أكلها {إن الله غفور} لمن أكل في حال الاضطرار {رحيم} ~~حيث رخص للعباد في ذلك. ### || # {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم (174) } # قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} "نزلت في رؤساء ~~اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والمآكل وكانوا يرجون أن ~~يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم من غيرهم خافوا ~~ذهاب مأكلهم وزوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فغيروها ثم أخرجوها إليهم، فلما نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفا ~~لصفة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يتبعوه" فأنزل الله تعالى {إن الذين ~~يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} (2) يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ونبوته {ويشترون به} أي بالمكتوم {ثمنا قليلا} أي عوضا يسيرا يعني المآكل ~~التي يصيبونها من سفلتهم {أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} يعني إلا ~~ما يؤديهم إلى النار وهو الرشوة والحرام وثمن الدين، فلما كان يفضي ذلك بهم ~~إلى النار فكأنهم أكلوا النار وقيل معناه أنه يصير نارا في بطونهم {ولا ~~يكلمهم الله يوم القيامة} أي لا يكلمهم بالرحمة وبما يسرهم إنما يكلمهم ~~بالتوبيخ. وقيل: أراد به أنه يكون عليهم غضبان، كما يقال: فلان PageV01P184 # لا يكلم فلانا إذا كان عليه غضبان {ولا يزكيهم} أي لا يطهرهم من دنس ~~الذنوب {ولهم عذاب أليم} ### || # {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على ~~النار (175) ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب ~~لفي شقاق بعيد (176) } # {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر ms0163 من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) } # {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على ~~النار} قال عطاء والسدي: هو ما: استفهام معناه ما الذي صبرهم على النار وأي ~~شيء يصبرهم على النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل وقال الحسن وقتادة: ~~والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار ~~قال الكسائي: فما أصبرهم على عمل أهل النار أي ما أدومهم عليه # {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق} يعني ذلك العذاب بأن الله نزل الكتاب ~~بالحق فأنكروه وكفروا به وحينئذ يكون ذلك في محل الرفع وقال بعضهم محله نصب ~~معناه فعلنا ذلك بهم بأن الله أي لأن الله نزل الكتاب بالحق فاختلفوا فيه ~~وقيل معناه ذلك أي فعلهم الذي يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على ~~الله من أجل أن الله نزل الكتاب بالحق وهو قوله تعالى "إن الذين كفروا سواء ~~عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم" (7-البقرة) ~~{وإن الذين اختلفوا في الكتاب} فآمنوا ببعض وكفروا ببعض {لفي شقاق بعيد} أي ~~في خلاف وضلال بعيد. # قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} قرأ حمزة ~~وحفص: ليس البر بنصب الراء، والباقون برفعها، فمن رفعها جعل {البر} اسم ~~ليس، وخبره قوله: أن تولوا، تقديره: ليس البر توليتكم وجوهكم. كقوله تعالى ~~"ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا" (25-الجاثية) . والبر كل عمل خير يفضي ~~بصاحبه إلى الجنة واختلفوا في المخاطبين بهذه الآية، فقال قوم: عنى بها ~~اليهود والنصارى، وذلك أن اليهود كانت تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس ~~والنصارى قبل المشرق، وزعم كل # PageV01P185 # فريق منهم: أن البر في ذلك، فأخبر الله تعالى أن البر غير دينهم وعملهم ~~ولكنه ما بينه في هذه الآية وعلى ms0164 هذا القول قتادة ومقاتل بن حيان. وقال ~~الآخرون: المراد بها المؤمنون وذلك أن الرجل كان في ابتداء الإسلام قبل ~~نزول الفرائض إذا أتى بالشهادتين وصلى الصلاة إلى أي جهة كانت ثم مات على ~~ذلك وجبت له 24/أالجنة. # ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الفرائض وحددت الحدود ~~وصرفت القبلة إلى الكعبة أنزل الله هذه الآية فقال: {ليس البر} (1) أي كله ~~أن تصلوا قبل المشرق والمغرب ولا تعملوا على غير ذلك {ولكن البر} ما ذكر في ~~هذه الآية وعلى هذا القول ابن عباس ومجاهد وعطاء والضحاك. {ولكن البر} قرأ ~~نافع وابن عامر ولكن خفيفة النون البر رفع وقرأ الباقون بتشديد النون ونصب ~~البر. # قوله تعالى: {من آمن بالله} جعل من وهي اسم خبر للبر وهو فعل ولا يقال ~~البر زيد واختلفوا في وجهه قيل لما وقع من في موضع المصدر جعله خبرا للبر ~~كأنه قال ولكن البر الإيمان بالله والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل وأنشد ~~الفراء: # لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى %~% ولكنما الفتيان كل فتى ندي # فجعل نبات اللحى خبرا للفتى وقيل فيه إضمار معناه ولكن البر بر من آمن ~~بالله فاستغنى بذكر الأول عن الثاني كقولهم الجود حاتم أي الجود جود حاتم ~~وقيل معناه ولكن ذا البر من آمن بالله كقوله تعالى: "هم درجات عند الله" ~~(163-آل عمران) أي ذو درجات وقيل معناه ولكن البار من آمن بالله كقوله ~~تعالى "والعاقبة للتقوى" (132-طه) أي للمتقي والمراد من البر هاهنا الإيمان ~~والتقوى. # {واليوم الآخر والملائكة} {والكتاب} يعني الكتب المنزلة {والنبيين} أجمع ~~{وآتى المال} أعطى المال {على حبه} اختلفوا في هذه الكناية فقال أكثر أهل ~~التفسير: إنها راجعة إلى المال أي أعطى المال في حال صحته ومحبته المال قال ~~ابن مسعود: أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا موسى بن إسماعيل أخبرنا ~~عبد الواحد ثنا عمارة ms0165 بن القعقاع أنا أبو زرعة أخبرنا أبو هريرة قال: جاء ~~رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرا؟ ~~قال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا ~~بلغت الحلقوم قلت لفلان PageV01P186 # كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان" (1) . # وقيل هي عائدة على الله عز وجل أي على حب الله تعالى. # {ذوي القربى} أهل القرابة. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي أخبرنا أبو العباس المحبوبي أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا ~~قتيبة أخبرنا سفيان بن عيينة عن عاصم الأحول عن حفصة بنت سيرين عن الرباب ~~عن عمها سلمان بن عامر يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصدقة على ~~المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة" (2) . # قوله تعالى: {واليتامى والمساكين وابن السبيل} قال مجاهد: يعني المسافر ~~المنقطع عن أهله يمر عليك ويقال للمسافر ابن السبيل لملازمته الطريق، وقيل: ~~هو الضيف ينزل بالرجل قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فليكرم ضيفه" (3) {والسائلين} يعني الطالبين. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبي بجيد الأنصاري وهو عبد ~~الرحمن بن بجيد عن جدته وهي أم بجيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"ردوا السائل ولو بظلف محرق" وفي رواية قالها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن لم تجدي شيئا إلا ظلفا محرقا فادفعيه إليه" (4) قوله تعالى {وفي ~~الرقاب} يعني المكاتبين قاله أكثر المفسرين، PageV01P187 # وقيل: عتق النسمة وفك الرقبة وقيل: فداء الأسارى {وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة} وأعطى الزكاة {والموفون بعهدهم} فيما بينهم وبين الله عز وجل وفيما ~~بينهم وبين الناس {إذا عاهدوا} يعني إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا ونذروا ~~أوفوا، وإذا عاهدوا أوفوا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا ائتمنوا أدوا، واختلفوا ~~في رفع قوله والموفون قيل هو عطف على خبر معناه ms0166 ولكن ذا البر المؤمنون ~~والموفون بعهدهم وقيل تقديره: وهم الموفون كأنه عد أصنافا ثم قال: هم ~~والموفون كذا، وقيل رفع على الابتداء والخبر يعني وهم الموفون ثم قال ~~{والصابرين} وفي نصبها أربعة أوجه: # قال أبو عبيدة: نصبها على تطاول الكلام ومن شأن العرب أن تغير الإعراب ~~إذا طال الكلام والنسق ومثله في سورة النساء "والمقيمين الصلاة" ~~(سورةالمائدة-162) {والصابئون والنصارى} ، وقيل معناه أعني الصابرين، وقيل ~~نصبه نسقا على قوله ذوي القربى أي وآتى الصابرين. # وقال الخليل: نصب على المدح والعرب تنصب الكلام على المدح والذم [كأنهم ~~يريدون إفراد الممدوح والمذموم فلا يتبعونه أول الكلام وينصبونه فالمدح ~~كقوله تعالى "والمقيمين الصلاة"] (1) (162-النساء) . # والذم كقوله تعالى "ملعونين أينما ثقفوا" (61-الأحزاب) . # قوله تعالى {في البأساء} أي الشدة والفقر {والضراء} المرض والزمانة {وحين ~~البأس} أي القتال والحرب. # أخبرنا المطهر بن علي بن عبد الله الفارسي أخبرنا أبو ذر محمد بن إبراهيم ~~الصالحاني أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان أخبرنا عبد ~~الله بن محمد البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرنا زهير عن أبي إسحاق عن ~~حارثة بن مضرب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا إذا احمر البأس ~~ولقي PageV01P188 # القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى ~~العدو منه (1) . يعني إذا اشتد الحرب {أولئك الذين صدقوا} في إيمانهم ~~{وأولئك هم المتقون} ### || # {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (178) } # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص} قال الشعبي والكلبي ~~وقتادة: نزلت هذه الآية في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل ~~الإسلام بقليل وكانت بينهما قتلى وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتى جاء ~~الإسلام، قال مقاتل بن حيان: كانت بين بني قريظة والنضير، وقال سعيد بن ~~جبير: كانت ms0167 بين الأوس والخزرج، وقالوا جميعا كان لأحد الحيين على الآخر طول ~~في الكثرة والشرف وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهور فأقسموا: لنقتلن بالعبد ~~منا الحر منهم وبالمرأة منا الرجل منهم وبالرجل منا الرجلين منهم، وجعلوا ~~جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية وأمر بالمساواة فرضوا وأسلموا (2) . # قوله {كتب عليكم القصاص} أي فرض عليكم القصاص {في القتلى} والقصاص ~~المساواة والمماثلة في الجراحات والديات، وأصله من قص الأثر إذا اتبعه ~~فالمفعول به يتبع ما فعل به فيفعل مثله. # ثم بين المماثلة فقال: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} وجملة ~~الحكم فيه أنه إذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين ~~أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم قتل من كل صنف منهم الذكر إذا قتل ~~بالذكر وبالأنثى، وتقتل الأنثى إذا قتلت بالأنثى وبالذكر، ولا يقتل مؤمن ~~بكافر ولا حر بعبد، ولا والد بولد، ولا مسلم بذمي، ويقتل الذمي بالمسلم، ~~والعبد بالحر، والولد بالوالد. هذا قول أكثر أهل العلم من الصحابة ومن ~~بعدهم. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أنا الشافعي أخبرنا سفيان ~~بن عيينة عن مطرف عن الشعبي عن أبي جحيفة قال: "سألت عليا رضي الله عنه هل ~~عندك عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء سوى القرآن؟ 24/ب فقال لا ~~PageV01P189 # والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يؤتي الله عبدا فهما في القرآن وما ~~في هذه الصحيفة، قلت وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل ~~مؤمن بكافر" (1) . وروي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقاد بالولد الوالد" (2) . وذهب ~~الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي إلى أن المسلم يقتل بالذمي، وإلى أن الحر يقتل ~~بالعبد، والحديث حجة لمن لم يوجب القصاص على المسلم بقتل الذمي، وتقتل ~~الجماعة بالواحد. "روي عن سعيد بن المسيب أن عمر ms0168 بن الخطاب قتل سبعة أو ~~خمسة برجل قتلوه غيلة، وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا" (3) ~~ويجري القصاص في الأطراف كما يجري في النفوس إلا في شيء واحد وهو أن الصحيح ~~السوي يقتل بالمريض الزمن، وفي الأطراف لو قطع يدا شلاء أو ناقصة بأصبع لا ~~تقطع بها الصحيحة الكاملة، وذهب أصحاب الرأي إلى أن القصاص في الأطراف لا ~~يجري إلا بين حرين أو حرتين ولا يجري بين الذكر والأنثى ولا بين العبيد ولا ~~بين الحر والعبد، وعند الآخرين الطرف في القصاص مقيس على النفس (4) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن منير أنه ~~سمع عبد الله بن بكر السهمي أخبرنا حميد عن أنس بن النضر أن الربيع عمته ~~كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو، فأبوا فعرضوا الأرش (5) فأبوا فأتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع لا ~~والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا ~~أنس كتاب الله القصاص" فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" (6) . PageV01P190 # قوله تعالى {فمن عفي له من أخيه شيء} أي ترك له وصفح عنه من الواجب عليه ~~وهو القصاص في قتل العمد ورضي بالدية هذا قول أكثر المفسرين، قالوا: العفو ~~أن يقبل الدية في قتل العمد وقوله {من أخيه} أي من دم أخيه وأراد بالأخ ~~المقتول والكنايتان في قوله {له} {من أخيه} ترجعان إلى من وهو القاتل، ~~وقوله شيء دليل على أن بعض الأولياء إذا عفا يسقط القود لأن شيئا من الدم ~~قد بطل. # قوله تعالى: {فاتباع بالمعروف} أي على الطالب للدية أن يتبع بالمعروف فلا ~~يطالب بأكثر من حقه. # {وأداء إليه بإحسان} أي على المطلوب منه ms0169 أداء الدية بالإحسان من غير ~~مماطلة، أمر كل واحد منهما بالإحسان فيما له وعليه ومذهب أكثر العلماء من ~~الصحابة والتابعين أن ولي الدم إذا عفا عن القصاص على الدية فله أخذ الدية ~~وإن لم يرض به القاتل، وقال قوم: لا دية له إلا برضاء القاتل، وهو قول ~~الحسن والنخعي وأصحاب الرأي، وحجة المذهب الأول ما أخبرنا عبد الوهاب بن ~~محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم ~~أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن ~~أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا ~~والله عاقله فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا ~~أخذوا العقل" (1) . # قوله تعالى: {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} أي ذلك الذي ذكرت من العفو عن ~~القصاص وأخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة، وذلك أن القصاص في النفس والجراح ~~كان حتما في التوراة على اليهود ولم يكن لهم أخذ الدية، وكان في شرع ~~النصارى الدية ولم يكن لهم القصاص، فخير الله تعالى هذه الأمة بين القصاص ~~وبين العفو عن الدية تخفيفا منه ورحمة. # {فمن اعتدى بعد ذلك} فقتل الجاني بعد العفو وقبول الدية {فله عذاب أليم} ~~أن يقتل قصاصا، قال ابن جريج: يتحتم قتله حتى لا يقبل العفو، وفي الآية ~~دليل على أن القاتل لا يصير كافرا بالقتل، لأن الله تعالى خاطبه بعد القتل ~~بخطاب الإيمان فقال: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص} وقال في آخر ~~الآية {فمن عفي له من أخيه شيء} وأراد به أخوة الإيمان، فلم يقطع الأخوة ~~بينهما بالقتل. ### || # {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179) } # قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} أي بقاء، وذلك أن القاصد للقتل إذا ~~علم أنه إذا قتل PageV01P191 # يقتل يمتنع عن القتل، فيكون فيه بقاؤه وبقاء من هم بقتله، وقيل ms0170 في المثل: ~~"القتل قلل القتل" وقيل في المثل: "القتل أنفى للقتل" وقيل معنى الحياة ~~سلامته من قصاص الآخرة، فإنه إذا اقتص منه حيي في الآخرة وإذا لم يقتص منه ~~في الدنيا اقتص منه في الآخرة {يا أولي الألباب لعلكم تتقون} أي تنتهون عن ~~القتل مخافة القود. ### || # {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ~~بالمعروف حقا على المتقين (180) } # قوله تعالى: {كتب عليكم} أي فرض عليكم {إذا حضر أحدكم الموت} أي جاءه ~~أسباب الموت وآثاره من العلل والأمراض {إن ترك خيرا} أي مالا نظيره قوله ~~تعالى "وما تنفقوا من خير" (272-البقرة) {الوصية للوالدين والأقربين} كانت ~~الوصية فريضة في ابتداء الإسلام للوالدين والأقربين على من مات وله مال ثم ~~نسخت بآية الميراث (1) . # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أخبرنا ~~محمد بن أحمد بن الوليد أخبرنا الهيثم بن جميل أخبرنا حماد بن سلمة عن ~~قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة قال: كنت آخذا ~~بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ~~ولا وصية لوارث" (2) فذهب جماعة إلى أن وجوبها صار منسوخا في حق الأقارب ~~الذين يرثون وبقي وجوبها في حق الذين لا يرثون من الوالدين والأقارب، وهو ~~قول ابن عباس وطاووس وقتادة والحسن قال طاووس: من أوصى لقوم سماهم وترك ذوي ~~قرابته محتاجين انتزعت منهم وردت إلى ذوي قرابته، وذهب الأكثرون إلى أن ~~الوجوب صار منسوخا في حق الكافة وهي حتمية في حق الذين لا يرثون. ~~PageV01P192 # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا طاهر بن أحمد أخبرنا أبو مصعب عن مالك ~~عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما حق امرئ مسلم ~~له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه" (1) . # قوله تعالى: {بالمعروف} يريد يوصي بالمعروف ms0171 ولا يزيد على الثلث ولا يوصي ~~للغني ويدع الفقير، قال ابن مسعود: الوصية للأخل فالأخل أي الأحوج فالأحوج. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن رحيم الشيباني أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي ~~غرزة (2) أخبرنا عبيد الله بن موسى وأبو نعيم عن سفيان الثوري عن سعيد بن ~~إبراهيم عن عامر بن سعيد عن سعد بن مالك قال جاءني النبي صلى الله عليه ~~وسلم يعودني فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصي بمالي كله؟ قال لا ~~قلت: فالشطر؟ قال لا قلت: فالثلث؟ قال: "الثلث والثلث كثير إنك أن تدع ~~ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم" 25/أ (3) . # وعن ابن أبي مليكة أن رجلا قال لعائشة رضي الله عنها: إني أريد أن أوصي، ~~قالت كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: إنما قال ~~الله {إن ترك خيرا} وإن هذا شيء يسير فاترك لعيالك (4) # وقال علي رضي الله عنه: لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع ولأن ~~أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث فمن أوصى بالثلث فلم يترك. وقال ~~الحسن البصري رضي الله عنه يوصي بالسدس أو الخمس أو الربع، وقال الشعبي ~~إنما كانوا يوصون بالخمس أو الربع. # قوله تعالى: {حقا} نصب على المصدر وقيل على المفعول أي جعل الوصية حقا ~~{على المتقين} PageV01P193 # المؤمنين ### || # {فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم ~~(181) } # قوله تعالى: {فمن بدله} أي غير الوصية في الأوصياء أو الأولياء أو الشهود ~~{بعدما سمعه} أي بعد ما سمع قول الموصي، ولذلك ذكر الكناية مع كون الوصية ~~مؤنثة، وقيل الكناية راجعة إلى الإيصاء كقوله تعالى: "فمن جاءه موعظة من ~~ربه" (275-البقرة) رد الكناية إلى الوعظ {فإنما إثمه على الذين يبدلونه} ~~والميت بريء منه {إن الله سميع} لما أوصى به الموصي {عليم} بتبديل المبدل، ~~أو سميع لوصيته عليم بنيته. ### || # {فمن خاف ms0172 من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور ~~رحيم (182) يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون (183) } # قوله تعالى {فمن خاف} أي علم، كقوله تعالى: "فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله" (229-البقرة) أي علمتم {من موص} قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب ~~بفتح الواو وتشديد الصاد، كقوله تعالى: "ما وصى به نوحا" (13-الشورى) ~~"ووصينا الإنسان" (8-العنكبوت) وقرأ الآخرون بسكون الواو وتخفيف الصاد، ~~كقوله تعالى: "يوصيكم الله في أولادكم" (11-النساء) "من بعد وصية يوصي بها ~~أو دين" (12-النساء) {جنفا} أي جورا وعدولا عن الحق، والجنف: الميل {أو ~~إثما} أي ظلما، قال السدي وعكرمة والربيع: الجنف الخطأ والإثم العمد {فأصلح ~~بينهم فلا إثم عليه} واختلفوا في معنى الآية، قال مجاهد: معناها أن الرجل ~~إذا حضر مريضا وهو يوصي فرآه يميل إما بتقصير أو إسراف، أو وضع الوصية في ~~غير موضعها فلا حرج على من حضره أن يأمره بالعدل وينهاه عن الجنف فينظر ~~للموصى وللورثة، وقال آخرون: إنه أراد به أنه إذا أخطأ الميت في وصيته أو ~~جار متعمدا فلا حرج على وليه أو وصيه أو والي أمور المسلمين أن يصلح بعد ~~موته بين ورثته وبين الموصى لهم، ويرد الوصية إلى العدل والحق، فلا إثم ~~عليه أي: فلا حرج عليه {إن الله غفور رحيم} وقال طاووس: جنفة توليجة، وهو ~~أن يوصي لبني بنيه يريد ابنه ولولد ابنته ولزوج ابنته يريد بذلك ابنته. # قال الكلبي: كان الأولياء والأوصياء يمضون وصية الميت بعد نزول قوله ~~تعالى "فمن بدله بعد ما سمعه" الآية وإن استغرق المال كله ولم يبق للورثة ~~شيء، ثم نسخها قوله تعالى: "فمن خاف من موص جنفا" الآية، قال ابن زيد: فعجز ~~الموصي أن يوصي للوالدين والأقربين كما أمر الله تعالى، وعجز الموصي أن ~~يصلح فانتزع الله تعالى ذلك منهم ففرض الفرائض. # روي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرجل ليعمل ~~أو المرأة بطاعة الله ms0173 ستين سنة، ثم # PageV01P194 # يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار" ثم قرأ أبو هريرة: {من ~~بعد وصية يوصي بها أو دين} إلى قوله {غير مضار} (1) . # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} أي فرض وأوجب، ~~والصوم والصيام في اللغة الإمساك يقال: صام النهار إذا اعتدل وقام قائم ~~الظهيرة، لأن الشمس إذا بلغت كبد السماء وقفت وأمسكت عن السير سويعة ومنه ~~قوله تعالى: "فقولي إني نذرت للرحمن صوما" (26-مريم) أي صمتا لأنه إمساك عن ~~الكلام، وفي الشريعة الصوم وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع مع النية ~~في وقت مخصوص {كما كتب على الذين من قبلكم} الأنبياء والأمم، واختلفوا في ~~هذا التشبيه (2) فقال سعيد بن جبير: كان صوم من قبلنا من العتمة إلى الليلة ~~القابلة كما كان في ابتداء الإسلام. # وقال جماعة من أهل العلم: أراد أن صيام رمضان كان واجبا على النصارى كما ~~فرض علينا، فربما كان يقع في الحر الشديد والبرد الشديد، وكان يشق عليهم في ~~أسفارهم ويضرهم في معايشهم، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا ~~صيامهم في فصل من السنة بين الشتاء والصيف، فجعلوه في الربيع وزادوا فيه ~~عشرة أيام كفارة لما صنعوا فصار أربعين، ثم إن ملكهم اشتكى فمه فجعل لله ~~عليه إن هو برئ من وجعه أن يزيد في صومهم. أسبوعا فبرئ فزاد فيه أسبوعا ثم ~~مات ذلك الملك ووليهم ملك آخر فقال: أتموه خمسين يوما، وقال مجاهد: أصابهم ~~موتان، فقالوا زيدوا في صيامكم فزادوا عشرا قبل وعشرا بعد، قال الشعبي: لو ~~صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، فيقال من شعبان ويقال من رمضان، ~~وذلك أن النصارى فرض عليهم شهر رمضان فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها ~~يوما، ثم لم يزل القرن الآخر يستن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا إلى ~~خمسين يوما، فذلك قوله تعالى: PageV01P195 # {كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} يعني بالصوم لأن الصوم وصلة ~~إلى التقوى لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات، وقيل: لعلكم تحذرون عن ms0174 ~~الشهوات من الأكل والشرب والجماع ### || # {أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير ~~لكم إن كنتم تعلمون (184) } # {أياما معدودات} قيل: كان في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر ~~واجبا، وصوم يوم عاشوراء فصاموا كذلك من الربيع إلى شهر رمضان سبعة عشر ~~شهرا، ثم نسخ بصوم رمضان قال ابن عباس: أول ما نسخ بعد الهجرة أمر القبلة ~~والصوم، ويقال: نزل صوم شهر رمضان قبل بدر بشهر وأيام، قال محمد بن إسحاق ~~كانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشر ليلة خلت من شهر رمضان على رأس ثمانية ~~عشر شهرا من الهجرة. # حدثنا أبو الحسن الشيرازي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين ~~أنها قالت: "كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، فلما قدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما فرض رمضان ~~كان هو الفريضة وترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه" (1) . # وقيل المراد من قوله {أياما معدودات} شهر رمضان وهي غير منسوخة ونصب ~~أياما على الظرف، أي في أيام معدودات، وقيل: على التفسير، وقيل: على هو خبر ~~ما لم يسم فاعله {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة} أي فأفطر فعدة {من ~~أيام أخر} أي فعليه عدة، والعدد والعدة واحد {من أيام أخر} أي غير أيام ~~مرضه وسفره، وأخر في موضع خفض لكنها لا تنصرف فلذلك نصبت. # قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه} اختلف العلماء في تأويل هذه الآية ~~وحكمها فذهب أكثرهم إلى أن الآية منسوخة، وهو قول ابن عمر وسلمة بن الأكوع ~~وغيرهما، وذلك أنهم كانوا في ابتداء الإسلام PageV01P196 # مخيرين بين أن يصوموا وبين أن يفطروا ويفدوا، خيرهم الله تعالى لئلا يشق ~~عليهم لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم، ثم نسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله ms0175 ~~تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وقال قتادة: هي خاصة في حق الشيخ 25/ب ~~الكبير الذي يطيق الصوم، ولكن يشق عليه رخص له في أن يفطر ويفدي ثم نسخ. ~~وقال الحسن: هذا في المريض الذي به ما يقع عليه اسم المرض وهو مستطيع للصوم ~~خير بين أن يصوم وبين أن يفطر ويفدي، ثم نسخ بقوله تعالى: {فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه} # وثبتت الرخصة للذين لا يطيقون، وذهب جماعة إلى أن الآية محكمة غير ~~منسوخة، ومعناه: وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال الشباب فعجزوا عنه بعد ~~الكبر فعليهم الفدية بدل الصوم، وقرأ ابن عباس: {وعلى الذين يطيقونه} بضم ~~الياء وفتح الطاء وتخفيفها وفتح الواو وتشديدها، أي يكلفون الصوم وتأويله ~~على الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان الصوم، والمريض الذي لا يرجى ~~زوال مرضه فهم يكلفون الصوم ولا يطيقونه، فلهم أن يفطروا ويطعموا مكان كل ~~يوم مسكينا وهو قول سعيد بن جبير، وجعل الآية محكمة. # قوله تعالى: {فدية طعام مسكين} قرأ أهل المدينة والشام مضافا، وكذلك في ~~المائدة: "كفارة طعام" أضاف الفدية إلى الطعام، وإن كان واحدا لاختلاف ~~اللفظين، كقوله تعالى "وحب الحصيد" (9-ق) وقولهم مسجد الجامع وربيع الأول، ~~وقرأ الآخرون: فدية وكفارة منونة، طعام رفع وقرأ مساكين بالجمع هنا أهل ~~المدينة والشام، والآخرون على التوحيد، فمن جمع نصب النون ومن وحد خفض ~~النون ونونها، والفدية: الجزاء، ويجب أن يطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من ~~الطعام بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رطل وثلث من غالب قوت البلد، هذا ~~قول فقهاء الحجاز، وقال بعض فقهاء أهل العراق: عليه لكل مسكين نصف صاع لكل ~~يوم يفطر، وقال بعضهم: نصف صاع من القمح أو صاع من غيره، وقال بعض الفقهاء ~~ما كان المفطر يتقوته يومه الذي أفطره، وقال ابن عباس: يعطي كل مسكين عشاءه ~~وسحوره. # {فمن تطوع خيرا فهو خير له} أي زاد على مسكين واحد فأطعم مكان كل يوم ~~مسكينين فأكثر، قاله مجاهد وعطاء وطاووس، وقيل: من زاد على القدر الواجب ms0176 ~~عليه فأعطى صاعا وعليه مد فهو خير له. # {وأن تصوموا خير لكم} ذهب إلى النسخ قال معناه الصوم خير له من الفدية، ~~وقيل: هذا في الشيخ الكبير لو تكلف الصوم وإن شق عليه فهو خير له من أن ~~يفطر ويفدي {إن كنتم تعلمون} واعلم أنه لا رخصة لمؤمن مكلف في إفطار رمضان ~~إلا لثلاثة: أحدهم يجب عليه القضاء والكفارة، والثاني عليه القضاء دون ~~الكفارة، والثالث عليه الكفارة دون القضاء (1) أما الذي عليه القضاء ~~والكفارة فالحامل PageV01P197 # والمرضع إذا خافتا على ولديهما فإنهما تفطران وتقضيان وعليهما مع القضاء ~~الفدية، وهذا قول ابن عمر وابن عباس، وبه قال مجاهد وإليه ذهب الشافعي رحمه ~~الله، وقال قوم لا فدية عليهما، وبه قال الحسن وعطاء وإبراهيم النخعي ~~والزهري وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي، وأما الذي عليه القضاء ~~دون الكفارة فالمريض والمسافر والحائض والنفساء. # وأما الذي عليه الكفارة دون القضاء فالشيخ الكبير والمريض الذي لا يرجى ~~زوال مرضه (1) ### || # {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم ولعلكم تشكرون (185) } # ثم بين الله تعالى أيام الصيام فقال: {شهر رمضان} رفعه على معنى هو شهر ~~رمضان، وقال الكسائي: كتب عليكم شهر رمضان وسمي الشهر شهرا لشهرته، وأما ~~رمضان فقد قال مجاهد: هو اسم من أسماء الله تعالى، يقال شهر رمضان كما يقال ~~شهر الله، والصحيح أنه اسم للشهر سمي به من الرمضاء وهي الحجارة المحماة ~~وهم كانوا يصومونه في الحر الشديد فكانت ترمض فيه الحجارة في الحرارة. # قوله تعالى: {الذي أنزل فيه القرآن} سمي القرآن قرآنا لأنه يجمع السور ~~والآي والحروف وجمع فيه القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد. # وأصل القرء الجمع وقد يحذف الهمز منه فيقال، قريت الماء في الحوض إذا ~~جمعته، وقرأ ابن كثير: القران بفتح الراء غير مهموز، وكذلك كان يقرأ ~~الشافعي ms0177 ويقول ليس هو من القراءة ولكنه اسم لهذا الكتاب كالتوراة والإنجيل، ~~وروي عن مقسم عن ابن عباس: أنه سئل عن قوله عز وجل {شهر رمضان الذي أنزل ~~فيه القرآن} "إنا أنزلناه في ليلة القدر" (1-القدر) ، وقوله: "إنا أنزلناه ~~في ليلة مباركة" (3-الدخان) وقد نزل في سائر الشهور، وقال عز وجل: "وقرآنا ~~فرقناه" (106-الإسراء) فقال أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ~~ليلة القدر من شهر رمضان إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل ~~عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة ~~فذلك قوله تعالى "فلا أقسم بمواقع النجوم (75-الواقعة) قال داود بن أبي ~~هند: قلت للشعبي: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} أما كان ينزل في سائر ~~الشهور؟ قال: بلى، ولكن جبرائيل كان يعارض محمدا صلى الله عليه وسلم في ~~رمضان ما نزل إليه فيحكم الله ما يشاء ويثبت ما يشاء، وينسيه ما يشاء. # وروي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلت صحف إبراهيم ~~عليه السلام في ثلاث ليال مضين من رمضان، ويروى في أول ليلة من رمضان، ~~وأنزلت توراة موسى عليه السلام في ست ليال مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل ~~على عيسى عليه السلام في ثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل زبور داود في ~~ثمان عشرة مضت من رمضان وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم في ~~الرابعة والعشرين من PageV01P198 # شهر رمضان لست بقين بعدها (1) . # قوله تعالى: {هدى للناس} من الضلالة، وهدى في محل نصب على القطع لأن ~~القرآن معرفة وهدى نكرة {وبينات من الهدى} أي دلالات واضحات من الحلال ~~والحرام والحدود والأحكام {والفرقان} أي الفارق بين الحق والباطل. # قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} أي فمن كان مقيما في الحضر ~~فأدركه الشهر واختلف أهل العلم فيمن أدركه الشهر وهو مقيم ثم سافر، روي عن ~~علي رضي الله عنه أنه قال: لا يجوز له الفطر، وبه قال عبيدة السلماني لقوله ~~تعالى {فمن ms0178 شهد منكم الشهر فليصمه} أي الشهر كله وذهب أكثر الصحابة ~~والفقهاء إلى أنه إذا أنشأ السفر في شهر رمضان جاز له أن يفطر، ومعنى ~~الآية: فمن شهد منكم الشهر كله فليصمه أي الشهر كله، ومن لم يشهد منكم ~~الشهر كله فليصم ما شهد منه والدليل عليه ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي ~~أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ~~ابن شهاب عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر ~~وأفطر الناس معه، فكانوا يأخذون بالأحدث فلأحدث من أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (2) . # قوله تعالى: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} أباح الفطر ~~لعذر المرض والسفر وأعاد هذا الكلام ليعلم أن هذا الحكم ثابت في الناسخ ~~ثبوته في المنسوخ، واختلفوا في المرض الذي يبيح الفطر، فذهب أهل الظاهر إلى ~~أن ما يطلق عليه اسم المرض يبيح الفطر وهو قول ابن سيرين. قال طريف بن تمام ~~العطاردي دخلت على محمد بن سيرين. في رمضان، وهو يأكل فقال: إنه وجعت أصبعي ~~هذه، وقال الحسن وإبراهيم النخعي هو المرض الذي تجوز معه الصلاة قاعدأ ~~26/أوذهب الأكثرون إلى أنه مرض يخاف معه من الصوم زيادة علة غير محتملة، ~~وفي الجملة أنه إذا أجهده الصوم أفطر وإن لم يجهده فهو كالصحيح. وأما ~~السفر، فالفطر فيه مباح والصوم جائز عند عامة أهل العلم إلا ما روي عن ابن ~~عباس وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين أنهم قالوا لا يجوز الصوم ~~في السفر ومن صام فعليه القضاء، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"ليس من البر الصوم في السفر" (3) وذلك عند الآخرين في حق من PageV01P199 # يجهده الصوم فالأولى له أن يفطر، والدليل عليه ما أخبرنا به عبد الواحد ~~بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف ms0179 ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا آدم أخبرنا شعبة أخبرنا محمد بن عبد الرحمن ~~الأنصاري قال سمعت محمد بن عمرو بن الحسن بن علي بن جابر بن عبد الله قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه ~~فقال ما هذا؟ قالوا هذا صائم، فقال "ليس من البر الصوم في السفر" (1) . # والدليل على جواز الصوم ما حدثنا الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن ~~القشيري أخبرنا أبو نعيم الإسفراييني أخبرنا أبو عوانة أخبرنا أبو أمية ~~أخبرنا عبد الله القواريري أخبرنا حماد بن زيد أخبرنا الجريري عن أبي نضرة ~~عن أبي سعيد قال: "كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ~~فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على ~~الصائم" (2) . # واختلفوا في أفضل الأمرين، فقالت طائفة: الفطر في السفر أفضل من الصوم، ~~روي ذلك عن ابن عمر وإليه ذهب سعيد بن المسيب والشعبي، وذهب قوم إلى أن ~~الصوم أفضل وروي ذلك عن معاذ بن جبل وأنس وبه قال إبراهيم النخعي وسعيد بن ~~جبير، وقالت طائفة: أفضل الأمرين أيسرهما عليه لقوله تعالى: {يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر} وهو قول مجاهد وقتادة وعمر بن عبد العزيز، ومن ~~أصبح مقيما صائما ثم سافر في أثناء النهار لا يجوز له أن يفطر ذلك اليوم ~~عند أكثر أهل العلم، وقالت طائفة: له أن يفطر، وهو قول الشعبي وبه قال ~~أحمد، أما المسافر إذا أصبح صائما فيجوز له أن يفطر بالاتفاق، والدليل عليه ~~ما أخبر عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد العزيز ~~بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس ~~معه، فقيل له يا رسول الله إن الناس قد شق عليهم الصيام فدعا ms0180 بقدح من ماء ~~بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعض الناس وصام بعضهم فبلغه أن ناسا ~~صاموا، فقال "أولئك العصاة" (3) . # واختلفوا في السفر الذي يبيح الفطر، فقال قوم: مسيرة يوم، وذهب جماعة إلى ~~مسيرة يومين، وهو قول الشافعي رحمه الله، وذهب جماعة إلى مسيرة ثلاثة أيام، ~~وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. PageV01P200 # قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر} بإباحة الفطر في المرض والسفر {ولا ~~يريد بكم العسر} قرأ أبو جعفر: العسر واليسر ونحوهما بضم السين، وقرأ ~~الآخرون بالسكون. وقال الشعبي: ما خير رجل بين أمرين فاختار أيسرهما إلا ~~كان ذلك أحبهما إلى الله عز وجل {ولتكملوا العدة} قرأ أبو بكر بتشديد الميم ~~وقرأ الآخرون بالتخفيف، وهو الاختيار لقوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم" ~~(3-المائدة) والواو في قوله تعالى: ولتكملوا العدة واو النسق، واللام لام ~~كي، تقديره: ويريد لكي تكملوا العدة، أي لتكملوا عدة أيام الشهر بقضاء ما ~~أفطرتم في مرضكم وسفركم، وقال عطاء: {ولتكملوا العدة} أي عدد أيام الشهر. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك عن عبد ~~الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الشهر تسع ~~وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم ~~فأكملوا العدة ثلاثين" (1) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري ~~أخبرنا حاجب ابن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا يزيد بن هارون ~~أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقدموا الشهر بصوم يوم ولا يومين إلا أن ~~يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم ~~فعدوا ثلاثين ثم أفطروا" (2) . # {ولتكبروا الله} ولتعظموا الله {على ما هداكم} أرشدكم إلى ما رضي به من ~~صوم شهر رمضان وخصكم به دون سائر أهل الملل. ms0181 # قال ابن عباس: هو تكبيرات ليلة الفطر. وروي عن الشافعي وعن ابن المسيب ~~وعروة وأبي سلمة أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر يجهرون بالتكبير، وشبه ليلة ~~النحر بها إلا من كان حاجا فذكره التلبية. # {ولعلكم تشكرون} الله على نعمه، وقد وردت أخبار في فضل شهر رمضان وثواب ~~الصائمين. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسني المروزي أخبرنا أبو العباس أحمد بن ~~محمد بن سراج الطحان أخبرنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان أخبرنا علي بن ~~عبد العزيز المكي أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام حدثني إسماعيل بن جعفر عن ~~أبي سهل نافع بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "إذا PageV01P201 # دخل رمضان صفدت الشياطين، وفتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار" (1) . # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد بن الجراح أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أخبرنا أبو عيسى ~~محمد بن عيسى الترمذي أخبرنا أبو كريب محمد بن العلاء أخبرنا أبو بكر محمد ~~بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إذا كان أول ليلة في شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت ~~أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، ~~وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار ~~وذلك كل ليلة" (2) . # أخبرنا أبو بكر أحمد بن أبي نصر بن أحمد الكوفاني الهروي بها أخبرنا أبو ~~محمد عبد الرحمن ابن عمر بن محمد التجيبي المصري بها المعروف بابن النحاس ~~(3) قيل له أخبركم أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد العنزي البصري بمكة ~~المعروف بابن الأعرابي؟ أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني أخبرنا ~~سفيان بن عيينة عن الزهري أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما ~~تقدم من ذنبه، ms0182 ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن ~~قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" (4) . # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو سعيد خلف بن عبد ~~الرحمن بن محمد بن أبي نزار حدثنا الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن ~~أسد الصفار أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن أبي إسحاق العنزي أخبرنا علي ~~بن حجر بن إياس السعدي أخبرنا يوسف بن زياد عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد ~~بن المسيب 26/ب عن سلمان قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر ~~يوم PageV01P202 # من شعبان فقال: "يا أيها الناس إنه قد أظلكم شهر عظيم -وفي رواية قد ~~أطلكم بالطاء -أطل: أشرف، شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة القدر خير من ~~ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة ~~من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كمن أدى ~~سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة ~~-أي المساهمة -وشهر يزاد فيه الرزق ومن فطر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه ~~وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء" قالوا ~~يا رسول الله ليس كلنا نجد ما نفطر به الصائم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائما على مذقة لبن أو تمرة أو شربة ~~من ماء، ومن أشبع صائما سقاه الله عز وجل من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى ~~يدخل الجنة، ومن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار حتى يدخل ~~الجنة، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، فاستكثروا فيه ~~من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم عنهما، أما ~~الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، ~~وأما ms0183 اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار" ~~(1) . # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أخبرنا إبراهيم بن ~~عبد الله بن عمر بن بكير الكوفي أخبرنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل عمل ابن آدم يضاعف له ~~الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى إلا الصوم فإنه لي ~~وأنا أجزي به، يدع الصائم طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان، ~~فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك، ~~الصوم جنة، الصوم جنة" (2) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا سعيد بن أبي مريم ~~أخبرنا محمد بن مطرف حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "في الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا ~~الصائمون" (3) . PageV01P203 # أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن ~~الحارث أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمود أخبرنا ~~إبراهيم بن عبد الله الخلال أخبرنا عبد الله بن المبارك عن راشد بن سعد عن ~~يحيى بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو رضي الله ~~عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يقول ~~الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشراب والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ~~ويقول القرآن رب إني منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان" (1) . ### || # {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186) } # قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} روى الكلبي عن أبي صالح عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال يهود ms0184 أهل المدينة: يا محمد كيف يسمع ~~ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام وإن غلظ كل ~~سماء مثل ذلك، فنزلت هذه الآية، وقال الضحاك: سأل بعض الصحابة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقالوا أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله ~~تعالى: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب" (2) وفيه إضمار كأنه قال: فقل لهم ~~إني قريب منهم بالعلم لا يخفى علي شيء كما قال "ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد" (16-ق) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الواحد عن عاصم عن أبي عثمان عن ~~أبي موسى الأشعري قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أو قال: ~~لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، أشرف الناس على واد ~~فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ~~إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم" (3) . PageV01P204 # قوله تعالى: {أجيب دعوة الداع إذا دعان} قرأ أهل المدينة غير قالون وأبو ~~عمرو بإثبات الياء فيهما في الوصل، والباقون بحذفها وصلا ووقفا، وكذلك ~~اختلف القراء في إثبات الياءات المحذوفة من الخط وحذفها في التلاوة، ويثبت ~~يعقوب جميعها وصلا ووقفا، واتفقوا على إثبات ما هو مثبت في الخط وصلا ووقفا ~~{فليستجيبوا} قيل: الاستجابة بمعنى الإجابة، أي: فليجيبوا لي بالطاعة، ~~والإجابة في اللغة: الطاعة وإعطاء ما سئل فالإجابة من الله تعالى العطاء، ~~ومن العبد الطاعة، وقيل: فليستجيبوا لي أي ليستدعوا مني الإجابة، وحقيقته ~~فليطيعوني {وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} لكي يهتدوا، فإن قيل فما وجه قوله ~~تعالى: {أجيب دعوة الداع} {ادعوني أستجب لكم} وقد يدعى كثيرا فلا يجيب؟ ~~قلنا: اختلفوا في معنى الآيتين قيل معنى الدعاء ههنا الطاعة، ومعنى الإجابة ~~الثواب، وقيل معنى الآيتين خاص وإن كان لفظهما عاما، تقديرهما: {أجيب دعوة ~~الداع} إن شئت، كما قال: "فيكشف ms0185 ما تدعون إليه إن شاء" (41-الأنعام) أو ~~أجيب دعوة الداعي إن وافق القضاء أو: أجيبه إن كانت الإجابة خيرا له أو ~~أجيبه إن لم يسأل محالا. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أخبرنا حميد بن ~~زنجويه أخبرنا عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح أن ربيعة بن زيد حدثه ~~عن أبي إدريس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يستجيب الله ~~لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل" قالوا وما الاستعجال يا ~~رسول الله؟ قال: "يقول قد دعوتك يا رب، قد دعوتك يا رب، فلا أراك تستجيب ~~لي، فيستحسر عند ذلك فيدع # PageV01P205 # الدعاء" (1) . # وقيل هو عام، ومعنى قوله {أجيب} أي أسمع، ويقال ليس في الآية أكثر من ~~إجابة الدعوة، فأما إعطاء المنية فليس بمذكور فيها، وقد يجيب السيد عبده، ~~والوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوة، ~~وقيل معنى الآية أنه لا يخيب دعاءه، فإن قدر له ما سأل أعطاه، وإن لم يقدره ~~له ادخر له الثواب في الآخرة، أو كف عنه به سوءا والدليل عليه ما أخبرنا ~~عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني ~~أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا ابن ثوبان وهو عبد ~~الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن عبادة بن ~~الصامت رضي الله عنه حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما على الأرض ~~رجل مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه، الله إياها أو كف عنه من السوء ~~مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم" (2) وقيل: إن الله تعالى يجيب دعاء ~~المؤمن في الوقت ويؤخر 27/أإعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته ويعجل إعطاء من ~~لا يحبه لأنه يبغض صوته، وقيل: إن للدعاء آدابا وشرائط وهي أسباب الإجابة ~~فمن استكملها كان ms0186 من أهل الإجابة، ومن أخل بها فهو من أهل الاعتداء في ~~الدعاء فلا يستحق الإجابة. PageV01P206 ### || # {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ~~ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187) } # قوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} فالرفث كناية عن ~~الجماع، قال ابن عباس: إن الله تعالى حيي كريم يكني كل ما ذكر في القرآن من ~~المباشرة والملامسة والإفضاء والدخول والرفث فإنما عنى به الجماع وقال ~~الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجال من النساء، قال أهل التفسير: ~~كان في ابتداء الأمر إذا أفطر الرجل حل له الطعام والشراب والجماع إلى أن ~~يصلي العشاء الآخرة أو يرقد قبلها، فإذا صلى العشاء أو رقد قبلها حرم عليه ~~الطعام والنساء إلى الليلة القابلة، ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه واقع ~~أهله بعدما صلى العشاء فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، فأتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه ~~الخاطئة، إني رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لي ~~نفسي فجامعت أهلي فهل تجد لي من رخصة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما ~~كنت جديرا بذلك يا عمر" فقام رجال واعترفوا بمثله فنزل في عمر وأصحابه: (1) ~~. PageV01P206 # {أحل لكم} أي أبيح لكم {ليلة الصيام} أي في ليلة الصيام {الرفث إلى ~~نسائكم هن لباس لكم} أي سكن لكم {وأنتم لباس لهن} أي سكن لهن دليله. قوله ~~تعالى: "وجعل منها زوجها ليسكن إليها" (189-الأعراف) وقيل لا يسكن شيء ~~كسكون أحد الزوجين إلى الآخر، وقيل: سمي كل واحد من الزوجين لباسا لتجردهما ~~عند النوم واجتماعهما في ثوب ms0187 واحد حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب ~~الذي يلبسه، وقال الربيع بن أنس: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن، قال أبو ~~عبيدة وغيره: يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وإزارك وقيل: اللباس اسم لما ~~يواري الشيء فيجوز أن يكون كل واحد منهما سترا لصاحبه عما لا يحل كما جاء ~~في الحديث: "من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه" (1) {علم الله أنكم كنتم تختانون ~~أنفسكم} أي تخونونها وتظلمونها بالمجامعة بعد العشاء، قال البراء: لما نزل ~~صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، ~~فأنزل الله تعالى "علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم" {فتاب عليكم} تجاوز ~~عنكم {وعفا عنكم} محا ذنوبكم {فالآن باشروهن} جامعوهن حلالا سميت المجامعة ~~مباشرة لتلاصق بشرة كل واحد منهم لصاحبه، {وابتغوا ما كتب الله لكم} أي ~~فاطلبوا ما قضى الله لكم، وقيل ما كتب الله لكم في اللوح المحفوظ يعني ~~الولد، قاله أكثر المفسرين، قال مجاهد: ابتغوا الولد إن لم تلد هذه فهذه ~~وقال قتادة: وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم بإباحة الأكل والشرب والجماع ~~في اللوح المحفوظ، وقال معاذ بن جبل: وابتغوا ما كتب الله لكم يعني ليلة ~~القدر. # قوله: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض} نزلت في رجل من ~~الأنصار اسمه أبو صرمة بن قيس بن صرمة، وقال عكرمة: أبو قيس بن صرمة، وقال ~~الكلبي: أبو قيس صرمة بن أنس بن أبي صرمة، وذلك أنه ظل نهاره يعمل في أرض ~~له وهو صائم، فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر، وقال لأهله قدمي الطعام فأرادت ~~المرأة أن تطعمه شيئا سخينا فأخذت تعمل له سخينة، وكان في الابتداء من صلى ~~العشاء ونام حرم عليه الطعام والشراب، فلما فرغت من طعامه إذ هي به قد نام ~~وكان قد أعيا وكل فأيقظته فكره أن يعصي الله ورسوله، فأبى أن يأكل فأصبح ~~صائما مجهودا، فلم ينتصف النهار حتى PageV01P207 # غشي عليه، فلما أفاق أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms0188 قال له: يا أبا قيس مالك أمسيت طليحا (1) فذكر له ~~ماله فاغتم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل {وكلوا ~~واشربوا} (2) يعني في ليالي الصوم {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود} يعني بياض النهار من سواد الليل، سميا خيطين لأن كل واحد منهما ~~يبدو في الابتداء ممتدا كالخيط. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا سعيد بن أبي مريم ~~أخبرنا أبو غسان محمد بن مطرف ثنا أبو حازم عن سهل بن سعد قال: أنزلت ~~{وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} ولم ينزل ~~قوله: {من الفجر} فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط ~~الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله ~~تعالى بعده {من الفجر} فعلموا إنما يعني بهما الليل والنهار. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا الحجاج بن منهال أخبرنا هشيم أخبرنا ~~حصين بن عبد الرحمن عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت {حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود} عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما ~~تحت وسادتي فجعلت أنظر إليهما وإلى الليل فلا يستبين لي فغدوت إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال "إنما ذلك سواد الليل وبياض ~~النهار" (3) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا ~~حتى ينادي ابن أم مكتوم" قال "كان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى ~~يقال له أصبحت أصبحت" (4) واعلم أن الفجر فجران كاذب وصادق، فالكاذب يطلع ~~أولا مستطيلا كذنب السرحان يصعد إلى السماء ms0189 فبطلوعه لا يخرج الليل ولا يحرم ~~الطعام والشراب على الصائم، ثم يغيب فيطلع بعده الفجر الصادق مستطيرا ينتشر ~~سريعا في الأفق، فبطلوعه يدخل النهار ويحرم الطعام والشراب على الصائم. ~~PageV01P208 # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي أخبرنا أبو العباس المحبوبي أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا ~~هناد ويوسف بن عيسى قالا أخبرنا وكيع عن أبي هلال عن سوادة بن حنظلة عن ~~سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يمنعكم من سحوركم ~~أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق" (1) . # قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} فالصائم يحرم عليه الطعام ~~والشراب بطلوع الفجر الصادق ويمتد إلى غروب الشمس فإذا غربت حصل الفطر. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا الحميدي أخبرنا سفيان ~~أخبرنا هشام بن عروة قال: سمعت أبي يقول: سمعت عاصم بن عمر بن الخطاب عن ~~أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبل ~~الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" (2) . # قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [وقد نويتم الاعتكاف ~~في المساجد وليس المراد عن مباشرتهن في المساجد لأن ذلك ممنوع منه في غير ~~الاعتكاف] (3) والعكوف هو الإقامة على الشيء والاعتكاف في الشرع هو الإقامة ~~في المسجد على عبادة الله، وهو سنة ولا يجوز في غير المسجد ويجوز في جميع ~~المساجد. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي 27/ب أخبرنا ~~محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن يوسف أخبرنا الليث ~~عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى ~~توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده" (4) والآية نزلت في ms0190 نفر من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعتكفون في المسجد، فإذا عرضت للرجل ~~منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها فجامعها ثم اغتسل، فرجع إلى المسجد فنهوا ~~عن ذلك ليلا ونهارا حتى يفرغوا من اعتكافهم، فالجماع حرام في حال الاعتكاف ~~ويفسد PageV01P209 # به الاعتكاف، أما ما دون الجماع من المباشرات كالقبلة واللمس بالشهوة، ~~فمكروه ولا يفسد به الاعتكاف عند أكثر أهل العلم وهو أظهر قولي الشافعي، ~~كما لا يبطل به الحج، وقالت طائفة يبطل بها اعتكافه وهو قول مالك، وقيل إن ~~أنزل بطل اعتكافه وإن لم ينزل فلا كالصوم، وأما اللمس الذي لا يقصد به ~~التلذذ فلا يفسد به الاعتكاف لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن ~~أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن ~~عروة بن الزبير عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ~~"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف أدنى إلي رأسه فأرجله وكان لا ~~يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" (1) . # قوله تعالى: {تلك حدود الله} يعني تلك الأحكام التي ذكرها في الصيام ~~والاعتكاف، حدود أي: ما منع الله عنها، قال السدي: شروط الله، وقال شهر بن ~~حوشب: فرائض الله، وأصل الحد في اللغة المنع، ومنه يقال للبواب حداد، لأنه ~~يمنع الناس من الدخول، وحدود الله ما منع الناس من مخالفتها {فلا تقربوها} ~~فلا تأتوها {كذلك} هكذا {يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون} لكي يتقوها ~~فينجوا من العذاب. ### || # {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا ~~من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188) } # قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} قيل نزلت هذه الآية في ~~امرئ القيس بن عايش لكندي ادعى عليه ربيعة بن عبدان الحضرمي عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أرضا أنه غلبني عليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~للحضرمي (ألك بينة) ؟ قال لا قال: (فلك يمينه) فانطلق ليحلف فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "أما إن ms0191 حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه ~~معرض) (2) فأنزل الله هذه الآية {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} أي لا ~~يأكل بعضكم مال بعض بالباطل أي من غير الوجه الذي أباحه الله، وأصل الباطل ~~الشيء الذاهب، والأكل بالباطل أنواع، قد يكون بطريق الغصب والنهب وقد يكون ~~بطريق اللهو كالقمار وأجرة المغني ونحوهما، وقد يكون بطريق الرشوة والخيانة ~~{وتدلوا بها إلى الحكام} أي تلقوا أمور تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى ~~الحكام، وأصل الإدلاء: إرسال الدلو وإلقاؤه في البئر يقال: أدلى دلوه إذا ~~أرسله، ودلاه يدلوه إذا أخرجه قال ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال ~~وليس عليه بينة فيجحد المال ويخاصم فيه إلى الحاكم، وهو يعرف أن الحق عليه ~~وإنه أثم بمنعه، قال مجاهد في هذه الآية: لا PageV01P210 # تخاصم وأنت ظالم، قال الكلبي: هو أن يقيم شهادة الزور وقوله {وتدلوا} في ~~محل الجزم بتكرير حرف النهي، معناه ولا تدلوا بها إلى الحكام، وقيل معناه: ~~ولا تأكلوا بالباطل وتنسبونه إلى الحكام، قال قتادة: لا تدل بمال أخيك إلى ~~الحاكم وأنت تعلم أنك ظالم فإن قضاءه لا يحل حراما، وكان شريح القاضي يقول: ~~إني لأقضي لك وإني لأظنك ظالما ولكن لا يسعني إلا أن أقضي بما يحضرني من ~~البينة وإن قضائي لا يحل لك حراما. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك بن أنس ~~عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بشر وإنكم ~~تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما ~~أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه فإنما أقطع له قطعة من ~~النار" (1) . # قوله تعالى: {لتأكلوا فريقا} طائفة {من أموال الناس بالإثم} بالظلم وقال ~~ابن عباس: باليمين الكاذبة يقطع بها ms0192 مال أخيه {وأنتم تعلمون} أنكم مبطلون. ### || # {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت ~~من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (189) } # قوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة} نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم ~~الأنصاريين قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يمتلئ ~~نورا ثم يعود دقيقا كما بدأ ولا يكون على حالة واحدة (2) ؟ فأنزل الله ~~تعالى: {يسألونك عن الأهلة} وهي جمع هلال مثل رداء وأردية سمي هلالا لأن ~~الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته من قولهم استهل الصبي إذا صرخ حين ~~يولد وأهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية {قل هي مواقيت للناس ~~والحج} جمع ميقات أي فعلنا ذلك ليعلم الناس أوقات الحج والعمرة والصوم ~~والإفطار وآجال الديون وعدد النساء وغيرها، فلذلك خالف بينه وبين الشمس ~~التي هي دائمة على حالة واحدة {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} ~~PageV01P211 # قال أهل التفسير: كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل ~~منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه فإن كان من ~~أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته ليدخل منه ويخرج أو يتخذ سلما فيصعد منه ~~وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل ولا يخرج من ~~الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك برا إلا أن يكون من الحمس وهم قريش ~~وكنانة [وخزاعة وثقيف وخثعم وبنو عامر بن صعصعة وبنو مضر بن معاوية سموا ~~حمسا لتشددهم في دينهم والحماسة الشدة والصلابة] (1) فدخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذات يوم بيتا لبعض الأنصار، فدخل رجل من الأنصار يقال له ~~رفاعة بن التابوت على أثره من الباب وهو محرم فأنكروا عليه، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لم دخلت من الباب وأنت محرم؟ قال رأيتك دخلت ~~فدخلت على أثرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني أحمس" فقال ms0193 الرجل ~~إن كنت أحمسيا فإني أحمسي رضيت بهديك وسمتك ودينك فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية (2) وقال الزهري: كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم ~~وبين السماء شيء، وكان الرجل يخرج مهلا بالعمرة فتبدو له الحاجة بعدما يخرج ~~من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين ~~السماء فيفتح الجدار من ورائه، ثم يقول في حجرته فيأمر بحاجته حتى بلغنا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرة فدخل رجل ~~على أثره من الأنصار من بني سلمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لم فعلت ~~ذلك؟ قال لأني رأيتك دخلت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني أحمس" ~~فقال الأنصاري وأنا أحمس يقول وأنا على دينك فأنزل الله تعالى {وليس البر ~~بأن تأتوا البيوت من ظهورها} (3) . # قرأ ابن كثير وابن عامر 28/أوحمزة والكسائي وأبو بكر: والغيوب والجيوب ~~والعيون وشيوخا بكسر أوائلهن لمكان الياء وقرأ الباقون بالضم على الأصل ~~وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي "جيوبهن" بكسر الجيم، وقرأ أبو بكر وحمزة ~~"الغيوب" بكسر العين {ولكن البر من اتقى} أي: البر: بر من اتقى. # {وأتوا البيوت من أبوابها} في حال الإحرام {واتقوا الله لعلكم تفلحون} ### || # {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين (190) } # {وقاتلوا في سبيل الله} أي في طاعة الله {الذين يقاتلونكم} كان في ابتداء ~~الإسلام أمر الله تعالى PageV01P212 # رسوله الله صلى الله عليه وسلم بالكف عن قتال المشركين ثم لما هاجر إلى ~~المدينة أمره بقتال من قاتله منهم بهذه الآية، وقال الربيع بن أنس: هذه أول ~~آية نزلت في القتال ثم أمره بقتال المشركين كافة قاتلوا أو لم يقاتلوا ~~بقوله {فاقتلوا المشركين} فصارت هذه الآية منسوخة بها، وقيل نسخ بقوله ~~{فاقتلوا المشركين} قريب من سبعين آية وقوله {ولا تعتدوا} أي لا تبدؤهم ~~بالقتال وقيل: هذه الآية محكمة غير منسوخة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقتال المقاتلين ومعنى قوله: {ولا ms0194 تعتدوا} أي لا تقتلوا النساء والصبيان ~~والشيخ الكبير والرهبان ولا من ألقى إليكم السلام هذا قول ابن عباس ومجاهد: # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو بكر بن سهل ~~القهستاني المعروف بأبي تراب أخبرنا محمد بن عيسى الطرسوسي أنا يحيى بن ~~بكير أنا الليث بن سعد عن جرير بن حازم عن شعبة عن علقمة بن يزيد عن سليمان ~~بن بريدة عن أبيه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا قال: ~~"اغزوا بسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا ولا تقتلوا ~~امرأة ولا وليدا ولا شيخا كبيرا" (1) وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ~~نزلت هذه الآية في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ~~مع أصحابه للعمرة وكانوا ألفا وأربعمائة فساروا حتى نزلوا الحديبية فصدهم ~~المشركون عن البيت الحرام فصالحهم على أن يرجع عامه ذلك على أن يخلوا له ~~مكة عام قابل ثلاثة أيام فيطوف بالبيت فلما كان العام القابل تجهز رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي قريش بما ~~قالوا وأن يصدوهم عن البيت الحرام وكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم فأنزل الله تعالى {وقاتلوا في سبيل الله} ~~يعني محرمين {الذين يقاتلونكم} يعني قريشا {ولا تعتدوا} فتبدءوا بالقتال في ~~الحرم محرمين {إن الله لا يحب المعتدين} ### || # {واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ~~ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ~~كذلك جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) وقاتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ~~(193) } # قوله تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} قيل نسخت الآية الأولى بهذه الآية، ~~وأصل الثقافة الحذق والبصر بالأمور، ومعناه واقتلوهم حيث بصرتم مقاتلتهم ~~وتمكنتم من قتلهم {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} وذلك أنهم أخرجوا المسلمين من ~~مكة، فقال: أخرجوهم من ديارهم ms0195 كما أخرجوكم من دياركم # PageV01P213 # {والفتنة أشد من القتل} يعني شركهم بالله عز وجل أشد وأعظم من قتلكم ~~إياهم في الحرم والإحرام {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ~~فإن قاتلوكم فاقتلوهم} قرأ حمزة والكسائي: {ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن ~~قتلوكم} بغير ألف فيهن من القتل على معنى ولا تقتلوا بعضهم، تقول العرب: ~~قتلنا بني فلان وإنما قتلوا بعضهم، وقرأ الباقون بالألف من القتال وكان هذا ~~في ابتداء الإسلام كان لا يحل بدايتهم بالقتال في البلد الحرام، ثم صار ~~منسوخا بقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} هذا قول قتادة، وقال ~~مقاتل بن حيان قوله {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي حيث أدركتموهم في الحل ~~والحرم، صارت هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد ~~الحرام} ثم نسختها آية السيف في براءة فهي ناسخة منسوخة. وقال مجاهد ~~وجماعة: هذه الآية محكمة ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم. # {كذلك جزاء الكافرين} # {فإن انتهوا} عن القتال والكفر {فإن الله غفور رحيم} أي غفور لما سلف ~~رحيم بالعباد # {وقاتلوهم} يعني المشركين {حتى لا تكون فتنة} أي شرك يعني قاتلوهم حتى ~~يسلموا فلا يقبل من الوثني إلا الإسلام فإن أبى قتل {ويكون الدين} أي ~~الطاعة والعبادة {لله} وحده فلا يعبد شيء دونه. # قال نافع: جاء رجل إلى ابن عمر في فتنة ابن الزبير فقال ما يمنعك أن ~~تخرج؟ قال: يمنعني أن الله تعالى قد حرم دم أخي، قال: ألا تسمع ما ذكره ~~الله عز وجل "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا" (9-الحجرات) قال يا ابن ~~أخي: لأن أعير بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلي من أن أعير بالآية التي يقول ~~الله عز وجل فيها "ومن يقتل مؤمنا متعمدا" (93-النساء) قال ألم يقل الله ~~{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} قال قد فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذ كان الإسلام قليلا وكان الرجل يفتن في دينه إما يقتلونه أو يعذبونه ~~حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا ms0196 ~~حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله، وعن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن ~~عمر: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: هل تدري ما الفتنة؟ كان محمد صلى الله ~~عليه وسلم يقاتل المشركين وكان الدخول عليهم فتنة وليس بقتالكم على الملك ~~{فإن انتهوا} عن الكفر وأسلموا {فلا عدوان} فلا سبيل {إلا على الظالمين} ~~قاله ابن عباس. يدل عليه قوله تعالى "أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي" ~~(28-القصص) وقال أهل المعاني: العدوان الظلم، أي فإن أسلموا فلا نهب ولا ~~أسر ولا قتل {إلا على الظالمين} الذين بقوا على الشرك وما يفعل بأهل الشرك ~~من هذه الأشياء لا يكون ظلما، وسماه عدوانا على طريق المجازاة والمقابلة، ~~كما قال {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} وكقوله تعالى "وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها" (40-الشورى) وسمي الكافر # PageV01P214 # ظالما لأنه يضع العبادة في غير موضعها. ### || # {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) } # قوله تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام} نزلت في عمرة القضاء وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا في ذي القعدة فصده المشركون عن البيت ~~بالحديبية فصالح أهل مكة على أن ينصرف عامه ذلك ويرجع العام القابل فيقضي ~~عمرته، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عامه ذلك ورجع في العام القابل ~~في ذي القعدة وقضى عمرته سنة سبع من الهجرة فذلك معنى قوله تعالى {الشهر ~~الحرام} يعني ذا القعدة الذي دخلتم فيه مكة وقضيتم فيه عمرتكم سنة سبع ~~{بالشهر الحرام} يعني ذا القعدة الذي صددتم فيه عن البيت سنة ست {والحرمات ~~قصاص} جمع حرمة، وإنما جمعها لأنه أراد حرمة الشهر الحرام والبلد الحرام ~~وحرمة الإحرام، والقصاص المساواة والمماثلة وهو أن يفعل بالفاعل مثل ما ~~فعل، وقيل هذا في أمر القتال معناه: إن بدءوكم بالقتال في الشهر الحرام ~~فقاتلوهم فيه فإنه قصاص بما فعلوا فيه {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} ~~وقاتلوهم {بمثل ما اعتدي عليكم} سمي الجزاء باسم الابتداء ms0197 على ازدواج ~~الكلام كقوله تعالى "وجزاء سيئة سيئة مثلها" (40-الشورى) {واتقوا الله ~~واعلموا أن الله مع المتقين} 28/ب ### || # {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله ~~يحب المحسنين (195) } # قوله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله} أراد به الجهاد وكل خير هو في سبيل ~~الله، ولكن إطلاقه ينصرف إلى الجهاد {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قيل: ~~الباء في قوله تعالى {بأيديكم} زائدة، يريد: ولا تلقوا أيديكم، أي أنفسكم ~~{إلى التهلكة} عبر عن النفس بالأيدي كقوله تعالى "بما كسبت أيديكم" ~~(30-الشورى) أي بما كسبتم، وقيل الباء في موضعها، وفيه حذف، أي لا تلقوا ~~أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة أي الهلاك، وقيل: التهلكة كل شيء يصير عاقبته ~~إلى الهلاك، أي ولا تأخذوا في ذلك، وقيل: التهلكة ما يمكن الاحتراز عنه، ~~والهلاك ما لا يمكن الاحتراز عنه، والعرب لا تقول للإنسان ألقى بيده إلا في ~~الشرك، واختلفوا في تأويل هذه الآية فقال بعضهم: هذا في البخل وترك ~~الإنفاق. يقول {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} بترك الإنفاق في سبيل الله ~~وهو قول حذيفة والحسن وقتادة وعكرمة وعطاء. وقال ابن عباس: في هذه الآية: ~~أنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص، ولا يقولن أحدكم إني لا ~~أجد شيئا، وقال: السدي بها: أنفق في سبيل الله ولو عقالا {ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة} ولا تقل: ليس عندي شيء، وقال: سعيد بن المسيب ومقاتل ~~بن حيان: لما أمر الله تعالى بالإنفاق قال رجل: أمرنا بالنفقة في سبيل ~~الله، ولو أنفقنا أموالنا بقينا فقراء، فأنزل الله هذه الآية، وقال مجاهد ~~فيها: لا يمنعنكم من نفقة في حق خيفة العيلة. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا أبو ~~جعفر محمد بن علي # PageV01P215 # بن دحيم الشيباني أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أخبرنا أبو غسان ~~أخبرنا خالد بن عبد الله الواسطي أخبرنا واصل مولى أبي عيينة عن بشار بن ~~أبي سيف عن الوليد بن عبد الرحمن عن عياض ms0198 بن غضيف قال: أتينا أبا عبيدة ~~نعوده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أنفق نفقة فاضلة ~~في سبيل الله فسبعمائة، ومن أنفق نفقة على أهله فالحسنة بعشر أمثالها" (1) # وقال زيد بن أسلم: كان رجال يخرجون في البعوث بغير نفقة فإما أن يقطع ~~بهم، وإما أن كانوا عيالا فأمرهم الله تعالى بالإنفاق على أنفسهم في سبيل ~~الله، ومن لم يكن عنده شيء ينفقه فلا يخرج بغير نفقة ولا قوت فيلقي بيده ~~إلى التهلكة، فالتهلكة: أن يهلك من الجوع والعطش أو بالمشي، وقيل: أنزلت ~~الآية في ترك الجهاد، قال أبو أيوب الأنصاري: نزلت فينا معشر الأنصار وذلك ~~أن الله تعالى لما أعز دينه ونصر رسوله قلنا فيما بيننا: إنا قد تركنا ~~أهلنا وأموالنا حتى فشا الإسلام ونصر الله نبيه فلو رجعنا إلى أهلينا ~~وأموالنا فأقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى {وأنفقوا في ~~سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} فالتهلكة الإقامة في الأهل ~~والمال وترك الجهاد، فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى كان آخر غزوة ~~غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية فتوفي هناك ودفن في أصل سور القسطنطينية ~~وهم يستسقون به. # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق" (2) . ~~PageV01P216 # وقال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني: الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من ~~رحمة الله تعالى، قال أبو قلابة: هو الرجل يصيب الذنب فيقول: قد هلكت ليس ~~لي توبة فييأس من رحمة الله، وينهمك في المعاصي، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، ~~قال الله تعالى: "إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" (87-يوسف) . # قوله تعالى: {وأحسنوا} [أي أحسنوا أعمالكم وأخلاقكم وتفضلوا على الفقراء ~~{إن الله يحب المحسنين} (1) ] ### || # {وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا ~~رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية ms0199 من ~~صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ~~ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد ~~العقاب (196) } # قوله عز وجل {وأتموا الحج والعمرة لله} قرأ علقمة وإبراهيم النخعي ~~{وأقيموا الحج والعمرة لله} واختلفوا في إتمامهما فقال بعضهم: هو أن يتمهما ~~بمناسكهما وحدودهما وسننهما، وهو قول ابن عباس وعلقمة وإبراهيم النخعي ~~ومجاهد، وأركان الحج خمسة.. الإحرام والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، والسعي ~~بين الصفا والمروة، وحلق الرأس أو التقصير. وللحج تحللان، وأسباب التحلل ~~ثلاثة: رمي جمرة العقبة يوم النحر وطواف الزيارة والحلق، فإذا وجد شيئان من ~~هذه الأشياء الثلاثة حصل التحلل الأول، وبالثلاث حصل التحلل الثاني، وبعد ~~التحلل الأول تستبيح جميع محظورات الإحرام إلا النساء، وبعد الثاني يستبيح ~~الكل، وأركان العمرة أربعة: الإحرام، والطواف بالبيت والسعي بين الصفا ~~والمروة والحلق، وقال سعيد بن جبير وطاووس: تمام الحج والعمرة أن تحرم بهما ~~مفردين مستأنفين من دويرة أهلك، وسئل علي بن أبي طالب عن قوله تعالى: ~~{وأتموا الحج والعمرة لله} قال أن تحرم بهما من دويرة أهلك ومثله عن ابن ~~مسعود، وقال قتادة: تمام العمرة أن تعمل في غير أشهر الحج، [فإن كانت في ~~أشهر الحج] (2) ثم أقام حتى حج فهي متعة، وعليه فيها الهدي إن وجده، أو ~~الصيام إن لم يجد الهدي، وتمام الحج أن يؤتى بمناسكه كلها حتى لا يلزم ~~عامله دم بسبب قران ولا متعة وقال الضحاك: إتمامها أن تكون النفقة حلالا ~~وينتهي عما نهى الله عنه، وقال سفيان الثوري: إتمامها أن تخرج من أهلك ~~لهما، ولا تخرج لتجارة ولا لحاجة. # قال عمر بن الخطاب: الوفد كثير والحاج قليل، واتفقت الأمة على وجوب الحج ~~على من استطاع إليه سبيلا واختلفوا في وجوب العمرة فذهب أكثر أهل العلم إلى ~~وجوبها وهو قول عمر وعلي وابن عمر وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ms0200 والله ~~إن العمرة لقرينة الحج في كتاب الله، قال الله تعالى: "وأتموا الحج والعمرة ~~لله" وبه قال عطاء وطاووس وقتادة وسعيد بن جبير، وإليه ذهب الثوري والشافعي ~~في أصح قوليه، وذهب قوم إلى أنها سنة وهو قول جابر وبه قال (الشافعي) (3) ~~وإليه ذهب مالك وأهل العراق وتأولوا قوله تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله} ~~على معنى أتموهما إذا دخلتم فيهما، أما ابتداء الشروع فيها PageV01P217 # فتطوع، واحتج من لم يوجبهما بما روي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن العمرة أواجبة ~~هي؟ فقال: {لا وأن تعتمروا خير لكم} (1) والقول الأول أصح ومعنى قوله ~~{وأتموا الحج والعمرة لله} أي ابتدءوهما، فإذا دخلتم فيهما فأتموهما فهو ~~أمر بالابتداء والإتمام أي أقيموهما كقوله تعالى: "ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل" (187-البقرة) أي ابتدءوه وأتموه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا ابن أبي شيبة أخبرنا أبو خالد الأحمر ~~عن عمرو بن قيس عن عاصم عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي ~~الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور جزاء إلا الجنة" (2) ~~وقال ابن عمر: ليس من خلق الله أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان إن استطاع ~~إلى ذلك سبيلا كما قال الله تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله} زاد بعد ذلك ~~فهو خير تطوع، واتفقت الأمة على أنه يجوز أداء الحج والعمرة على ثلاثة ~~أوجه: # الإفراد والتمتع والقران، فصورة الإفراد أن يفرد الحج، ثم بعد الفراغ منه ~~يعتمر 29/أوصورة التمتع أن يعتمر في أشهر الحج، ثم بعد الفراغ من أعمال ~~العمرة، يحرم بالحج من مكة فيحج في هذا العام، وصورة القران: أن يحرم بالحج ~~والعمرة معا أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل أن يفتتح الطواف فيصير ~~قارنا، واختلفوا في الأفضل من هذه الوجوه: فذهب ms0201 جماعة إلى أن الإفراد أفضل ~~ثم التمتع ثم القران وهو قول مالك والشافعي لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي ~~أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ~~أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن الزبير عن عائشة أم ~~المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل ~~بحج، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، فأما من أهل بالعمرة ~~PageV01P218 # فحل، وأما من أهل بالحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم ~~النحر. (1) # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مسلم عن ابن ~~جريج عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رضي الله عنه وهو يحدث عن حجة النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ننوي ~~إلا الحج، ولا نعرف غيره ولا نعرف العمرة (2) ، وروي عن ابن عمر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أفرد الحج (3) وذهب قوم إلى أن القران أفضل وهو قول ~~الثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا ~~أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ~~أخبرنا محمد بن هشام بن ملاس النميري أخبرنا مروان بن معاوية الفزاري ~~أخبرنا حميد قال: قال أنس بن مالك رضي الله عنه: أهل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال "لبيك بحج وعمرة" (4) . # وذهب قوم إلى أن التمتع أفضل، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ~~واحتجوا بما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله ~~النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا يحيى بن بكير ~~أخبرنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن ms0202 ابن عمر رضي الله ~~عنهما قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى ~~الحج فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل ~~بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى ~~الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي ~~صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس "من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء ~~حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت، ويسعى بين الصفا ~~والمروة، وليقصر وليتحلل، ثم ليهل بالحج فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام ~~في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، فطاف حين قدم مكة، واستلم الركن أول شيء ~~ثم خب ثلاثة أطواف ومشى أربعا، فركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ~~ركعتين، ثم سلم فانصرف، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم ~~يتحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه PageV01P219 # يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى وساق الهدي من الناس. # وعن عروة أن عائشة رضي الله عنها أخبرته عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~تمتعه بالعمرة إلى الحج فتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) . # قال شيخنا الإمام رضي الله عنه، قد اختلف الرواية في إحرام النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما ذكرنا وذكر الشافعي في كتاب اختلاف الأحاديث كلاما ~~موجزا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان منهم المفرد والقارن ~~والمتمتع وكل كان يأخذ منه أمر نسكه ويصدر عن تعليمه، فأضيف الكل إليه على ~~معنى أنه أمر به وأذن فيها ويجوز في لغة العرب إضافة (الشيء) (2) إلى الآمر ~~به، كما يجوز إضافته إلى الفاعل له كما يقال بنى فلان دارا، وأريد ms0203 أنه أمر ~~ببنائها، وكما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا، وإنما أمر برجمه ~~واختار الشافعي الإفراد لرواية جابر وعائشة وابن عمر، وقدمها على رواية ~~غيرهم لتقدم صحبة جابر النبي صلى الله عليه وسلم وحسن سياقه لابتداء قصة ~~حجة الوداع وآخرها، ولفضل حفظ عائشة رضي الله عنها، وقرب ابن عمر من النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # ومال الشافعي في "اختلاف الأحاديث" إلى التمتع، وقال ليس شيء من الاختلاف ~~أيسر من هذا وإن كان الغلط فيه قبيحا من جهة أنه مباح لأن الكتاب ثم السنة ~~ثم ما لا أعلم فيه خلافا على أن التمتع بالعمرة إلى الحج وإفراد الحج ~~والقران، واسع كله وقال: من قال إنه أفرد الحج يشبه أن يكون قاله على ما لا ~~يعرف من أهل العلم الذين أدرك دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحدا لا ~~يكون مقيما على الحج إلا وقد ابتدأ إحرامه بالحج (3) قال الشيخ الإمام رحمه ~~الله: ومما يدل على أنه كان متمتعا أن الرواية عن ابن عمر وعائشة متعارضة، ~~وقد روينا عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "تمتع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في [حجة الوداع بالعمرة إلى الحج (4) وقال ابن ~~شهاب عن عروة أن عائشة أخبرته عن النبي صلى الله عليه وسلم] (5) في تمتعه ~~بالعمرة إلى الحج، فتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر وقال ~~ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذه عمرة استمتعنا بها". # وقال سعد بن أبي وقاص في المتعة: صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصنعناها معه. # قال الشيخ الإمام: وما روي عن جابر أنه قال: خرجنا لا ننوي إلا الحج -لا ~~ينافي التمتع لأن PageV01P220 # خروجهم كان لقصد الحج، ثم منهم من قدم العمرة، ومنهم من أهل بالحج إلى أن ~~أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعله متعة قوله تعالى: {فإن أحصرتم} ~~اختلف العلماء في الإحصار الذي يبيح للمحرم التحلل من ms0204 إحرامه فذهب جماعة ~~إلى أن كل مانع يمنعه عن الوصول إلى البيت الحرام والمعنى في إحرامه من عدو ~~أو مرض أو جرح أو ذهاب نفقة أو ضلال راحلة، يبيح له التحلل، وبه قال ابن ~~مسعود وهو قول إبراهيم النخعي والحسن ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير، ~~وإليه ذهب سفيان الثوري وأهل العراق وقالوا: لأن الإحصار في كلام العرب هو ~~حبس العلة أو المرض، وقال الكسائي وأبو عبيدة ما كان من مرض أو ذهاب نفقة ~~يقال: منه أحصر فهو محصر وما كان من حبس عدو أو سجن يقال: منه حصر فهو ~~محصور، وإنما جعل هاهنا حبس العدو إحصارا قياسا على المرض إذ كان في معناه، ~~واحتجوا بما روي عن عكرمة عن الحجاج ابن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل" (1) . # قال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة فقالا صدق. وذهب جماعة إلى أنه لا ~~يباح له التحلل إلا بحبس العدو وهو قول ابن عباس وقال لا حصر إلا حصر ~~العدو، وروي معناه 29/ب عن ابن عمر وعبد الله بن الزبير وهو قول سعيد بن ~~المسيب وسعيد بن جبير وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق، وقالوا الحصر ~~والإحصار بمعنى واحد. # وقال ثعلب: تقول العرب حصرت الرجل عن حاجته فهو محصور، وأحصره العدو إذا ~~منعه عن السير فهو محصر، واحتجوا بأن نزول هذه الآية في قصة الحديبية وكان ~~ذلك حبسا من جهة العدو ويدل عليه قوله تعالى في سياق الآية {فإذا أمنتم} ~~والأمن يكون من الخوف، وضعفوا حديث الحجاج بن عمرو بما ثبت عن ابن عباس أنه ~~قال: لا حصر إلا حصر العدو، وتأوله بعضهم على أنه إنما يحل بالكسر والعرج ~~إذا كان قد شرط ذلك في عقد الإحرام كما روي أن ضباعة بنت الزبير كانت وجعة ~~فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث ~~حبستني" (2) . # ثم المحصر يتحلل بذبح الهدي وحلق الرأس، والهدي شاة وهو ms0205 المراد من قوله ~~تعالى {فما استيسر من الهدي} PageV01P221 # ومحل ذبحه حيث أحصر عند أكثر أهل العلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذبح الهدي عام الحديبية بها، وذهب قوم إلى أن المحصر يقيم على إحرامه ويبعث ~~بهديه إلى الحرم، ويواعد من يذبحه هناك ثم يحل، وهو قول أهل العراق. # واختلف القول في المحصر إذا لم يجد هديا ففي قول لا بدل له (1) فيتحلل ~~والهدي في ذمته إلى أن يجد، والقول الثاني: له بدل، فعلى هذا اختلف القول ~~فيه، ففي قول عليه صوم التمتع، وفي قول تقوم الشاة بدراهم ويجعل الدراهم ~~طعاما فيتصدق، به فإن عجز عن الإطعام صام عن كل مد من الطعام يوما كما في ~~فدية الطيب واللبس فإن المحرم إذا احتاج إلى ستر رأسه لحر أو برد أو إلى ~~لبس قميص، أو مرض فاحتاج إلى مداواته بدواء فيه طيب فعل، وعليه الفدية، ~~وفديته على الترتيب والتعديل فعليه ذبح شاة فإن لم يجد يقوم الشاة بدراهم ~~والدراهم يشتري بها طعاما فيتصدق به، فإن عجز صام عن كل مد يوما. ثم المحصر ~~إن كان إحرامه بغرض قد استقر عليه فذلك الغرض في ذمته وإن كان بحج تطوع فهل ~~عليه القضاء؟ اختلفوا فيه فذهب جماعة إلى أنه لا قضاء عليه وهو قول مالك ~~والشافعي، وذهب قوم إلى أن عليه القضاء، وهو قول مجاهد والشعبي والنخعي ~~وأصحاب الرأي. # قوله تعالى {فما استيسر من الهدي} [أي فعليه ما تيسر من الهدي] (2) ومحله ~~رفع وقيل: ما في محل النصب أي فاهدي ما استيسر والهدي جمع هدية وهي اسم لكل ~~ما يهدى إلى بيت الله تقربا إليه، وما استيسر من الهدي شاة، قاله علي بن ~~أبي طالب وابن عباس، لأنه أقرب إلى اليسر، وقال الحسن وقتادة: أعلاه بدنة ~~وأوسطه بقرة وأدناه شاة. # قوله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} اختلفوا في المحل ~~الذي يحل المحصر يبلغ هديه إليه فقال بعضهم: هو ذبحه بالموضع الذي أحصر فيه ~~سواء كان في الحل أو في الحرم، ms0206 ومعنى محله: حيث يحل ذبحه فيه وأكله. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن محمد أخبرنا عبد الرزاق ~~أخبرنا معمر أخبرني الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة في ~~قصة الحديبية قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأصحابه" "قوموا فانحروا ثم احلقوا، فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ~~ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من ~~الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك فاخرج، ثم لا تكلم أحدا منهم ~~بكلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج ولم يكلم أحدا منهم حتى فعل ~~ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم ~~PageV01P222 # يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما" (1) وقال بعضهم: محل هدي المحصر ~~الحرم، فإن كان حاجا فمحله يوم النحر، وإن كان معتمرا فمحله يوم يبلغ هديه ~~الحرم قوله تعالى {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه} معناه لا تحلقوا ~~رءوسكم في حال الإحرام إلا أن تضطروا إلى حلقه لمرض أو لأذى في الرأس من ~~هوام أو صداع {ففدية} فيه إضمار، أي: فحلق فعليه فدية نزلت في كعب بن عجرة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا الحسن بن خلف أخبرنا إسحاق بن يوسف ~~عن أبي بشر ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ~~ليلى عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يسقط على ~~وجهه فقال: أيؤذيك هوامك؟ قال نعم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يحلق وهو بالحديبية ولم يبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا ~~مكة، فأنزل الله الفدية فأمره رسول الله صلى الله عليه ms0207 وسلم أن يطعم فرقا ~~بين ستة مساكين أويهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام (2) . # قوله تعالى: {ففدية من صيام} أي ثلاثة أيام {أو صدقة} أي ثلاثة آصع على ~~ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع {أو نسك} واحدتها نسيكة أي ذبيحة، أعلاها ~~بدنة وأوسطها بقرة وأدناها شاة، أيتها شاء ذبح، فهذه الفدية على التخيير ~~والتقدير، ويتخير بين أن يذبح أو يصوم أو يتصدق، وكل هدي أو طعام يلزم ~~المحرم يكون بمكة ويتصدق به على مساكين الحرم إلا هديا يلزم المحصر فإنه ~~يذبحه حيث أحصر، وأما الصوم فله أن يصوم حيث شاء، قوله تعالى: {فإذا أمنتم} ~~أي من خوفكم وبرأتم من مرضكم {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدي} اختلفوا في هذه المتعة فذهب عبد الله بن الزبير إلى أن معناه: فمن ~~أحصر حتى فاته الحج ولم يتحلل فقدم مكة يخرج من إحرامه بعمل عمرة واستمتع ~~بإحلاله ذلك بتلك العمرة إلى السنة المستقبلة ثم حج فيكون متمتعا بذلك ~~الإحلال إلى إحرامه الثاني في العام القابل، وقال بعضهم معناه {فإذا أمنتم} ~~وقد حللتم من إحرامكم بعد الإحصار ولم تقضوا عمرة، وأخرتم العمرة إلى السنة ~~القابلة، فاعتمرتم في أشهر الحج ثم حللتم فاستمتعتم بإحلالكم إلى الحج ثم ~~أحرمتم بالحج، فعليكم ما استيسر من الهدي، وهو قول علقمة وإبراهيم النخعي ~~وسعيد بن جبير، وقال ابن عباس وعطاء وجماعة: هو الرجل يقدم معتمرا من أفق ~~من الآفاق في أشهر الحج فقضى عمرته وأقام حلالا بمكة حتى أنشأ منها الحج ~~فحج من عامه ذلك فيكون مستمتعا بالإحلال من العمرة إلى إحرامه بالحج، فمعنى ~~التمتع هو الاستمتاع بعد الخروج من العمرة بما كان محظورا عليه في الإحرام ~~إلى إحرامه بالحج. PageV01P223 # ولوجوب دم التمتع أربع شرائط: أحدهما أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ~~والثاني أن يحج بعد الفراغ من العمرة في هذه السنة، والثالث أن يحرم بالحج ~~في مكة ولا يعود إلى الميقات لإحرامه، الرابع أن لا يكون من حاضري المسجد ~~الحرام، فمتى وجدت هذه الشرائط فعليه ما ms0208 استيسر من الهدي، وهو دم شاة يذبحه ~~يوم النحر فلو ذبحها قبله بعد ما أحرم بالحج يجوز عند بعض أهل العلم كدماء ~~الجنايات، وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز قبل يوم النحر 30/أكدم الأضحية. # قوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج} أي صوموا ثلاثة أيام، ~~يصوم يوما قبل التروية ويوم التروية، ويوم عرفة، ولو صام قبله بعدما أحرم ~~بالحج يجوز، ولا يجوز يوم النحر ولا أيام التشريق عند أكثر أهل العلم، وذهب ~~بعضهم إلى جواز صوم الثلاث أيام التشريق. # يروى ذلك عن عائشة وابن عمر وابن الزبير وهو قول مالك والأوزاعي وأحمد ~~وإسحاق. # قوله تعالى: {وسبعة إذا رجعتم} أي صوموا سبعة أيام إذا رجعتم إلى أهليكم ~~وبلدكم، فلو صام السبعة قبل الرجوع إلى أهله لا يجوز، وهو قول أكثر أهل ~~العلم، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وقيل يجوز أن يصومها بعد الفراغ من ~~أعمال الحج، وهو المراد من الرجوع المذكور في الآية. # قوله تعالى {تلك عشرة كاملة} ذكرها على وجه التأكيد وهذا لأن العرب ما ~~كانوا يهتدون إلى الحساب فكانوا يحتاجون إلى فضل شرح وزيادة بيان، وقيل: ~~فيه تقديم وتأخير يعني فصيام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجعتم فهي ~~عشرة كاملة وقيل: كاملة في الثواب والأجر، وقيل: كاملة فيما أريد به من ~~إقامة الصوم بدل الهدي وقيل: كاملة بشروطها وحدودها، وقيل لفظه خبر ومعناه ~~أمر أي فأكملوها ولا تنقصوها {ذلك} أي هذا الحكم {لمن لم يكن أهله حاضري ~~المسجد الحرام} واختلفوا في حاضري المسجد الحرام، فذهب قوم إلى أنهم أهل ~~مكة وهو قول مالك، وقيل: هم أهل الحرم وبه قال طاووس من التابعين وقال ابن ~~جريج: أهل عرفة والرجيع وضجنان ونخلتان، وقال الشافعي رحمه الله: كل من كان ~~وطنه من مكة على أقل من مسافة القصر فهو من حاضري المسجد الحرام، وقال ~~عكرمة: هم من دون الميقات، وقيل هم أهل الميقات فما دونه، وهو قول أصحاب ~~الرأي، ودم القران كدم التمتع والمكي إذا ms0209 قرن أو تمتع فلا هدي عليه، قال ~~عكرمة: سئل ابن عباس عن متعة الحج فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة، قال رسول ~~الله: "اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي". فطفنا بالبيت وبالصفا ~~والمروة، وأتينا النساء ولبسنا الثياب ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، ~~فإذا فرغنا فقد تم حجنا وعلينا الهدي، فجمعوا نسكين في عام بين الحج ~~والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه وأباحه للناس من غير أهل مكة ~~قال الله تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} (1) . ~~PageV01P224 # ومن فاته الحج، وفواته يكون بفوات الوقوف بعرفة حتى يطلع الفجر يوم ~~النحر، فإنه يتحلل بعمل العمرة، وعليه القضاء من قابل والفدية وهي على ~~الترتيب والتقدير كفدية التمتع والقران. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسار أن هناد بن الأسود جاء ~~يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه فقال: يا أمير المؤمنين أخطأنا العدد، ~~كنا نظن أن هذا اليوم يوم عرفة، فقال له عمر: اذهب إلى مكة فطف أنت ومن معك ~~بالبيت واسعوا بين الصفا والمروة وانحروا هديا إن كان معكم، ثم احلقوا أو ~~قصروا ثم ارجعوا، فإذا كان عام قابل فحجوا واهدوا فمن لم يجد فصيام ثلاثة ~~أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم (1) . # {واتقوا الله} في أداء الأوامر {واعلموا أن الله شديد العقاب} على ارتكاب ~~المناهي. ### || # {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ~~وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي ~~الألباب (197) ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن ~~الضالين (198) } # قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} أي وقت الحج أشهر معلومات وهي: شوال وذو ~~القعدة وتسع من ms0210 ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، ويروى عن ابن عمر ~~شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وكل واحد من اللفظين صحيح غير مختلف، فمن ~~قال عشر عبر به عن الليالي ومن قال تسع عبر به عن الأيام، فإن آخر أيامها ~~يوم عرفة، وهو يوم التاسع وإنما قال أشهر بلفظ الجمع وهي شهران وبعض الثالث ~~لأنها وقت والعرب تسمي الوقت تاما بقليله وكثيره فتقول العرب أتيتك يوم ~~الخميس وإنما أتاه في ساعة منه، ويقول زرتك العام، وإنما زاره في بعضه، ~~وقيل الاثنان فما فوقهما جماعة لأن معنى الجمع ضم الشيء إلى الشيء، فإذا ~~جاز أن يسمى الاثنان جماعة جاز أن يسمى الاثنان وبعض الثالث جماعة وقد ذكر ~~الله تعالى الاثنين بلفظ الجمع فقال "فقد صغت قلوبكما" (4-التحريم) أي ~~قلباكما، وقال عروة بن الزبير وغيره: أراد بالأشهر شوالا وذا القعدة وذا ~~الحجة كملا لأنه يبقى على الحاج أمور بعد عرفة يجب عليه فعلها، مثل الرمي ~~والذبح والحلق وطواف الزيارة والبيتوتة بمنى فكانت في حكم الجمع {فمن فرض ~~فيهن الحج} أي فمن أوجب على نفسه # PageV01P225 # الحج بالإحرام والتلبية وفيه دليل على أن من أحرم بالحج في غير أشهر الحج ~~لا ينعقد إحرامه بالحج، وهو قول ابن عباس وجابر وبه قال عطاء وطاووس ومجاهد ~~وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وقال ينعقد إحرامه بالعمرة لأن الله تعالى خص ~~هذه الأشهر بغرض الحج فيها فلو انعقد في غيرها لم يكن لهذا التخصيص فائدة، ~~كما أنه علق الصلوات بالمواقيت ثم من أحرم بفرض الصلاة قبل دخول وقته لا ~~ينعقد إحرامه عن الفرض وذهب جماعة إلى أنه ينعقد إحرامه بالحج وهو قول مالك ~~والثوري وأبي حنيفة رضي الله عنهم، وأما العمرة: فجميع أيام السنة لها إلا ~~أن يكون متلبسا بالحج، وروي عن أنس أنه كان بمكة فكان إذا حمم رأسه خرج ~~فاعتمر. # قوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق} قرأ ابن كثير وأهل البصرة {فلا رفث ولا ~~فسوق} بالرفع والتنوين فيهما، وقرأ الآخرون بالنصب من غير تنوين ms0211 كقوله ~~تعالى {ولا جدال في الحج} وقرأ أبو جعفر كلها بالرفع والتنوين، واختلفوا في ~~الرفث: قال ابن مسعود وابن عباس وابن عمر هو الجماع وهو قول الحسن ومجاهد ~~وعمرو بن دينار وقتادة وعكرمة والربيع وإبراهيم النخعي، وقال علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس: الرفث غشيان النساء والتقبيل والغمز، وأن يعرض لها ~~بالفحش من الكلام قال حصين بن قيس أخذ ابن عباس رضي الله عنه بذنب بعيره ~~فجعل يلويه وهو يحدو ويقول: # وهن يمشين بنا هميسا %~% إن تصدق الطير ننك لميسا # فقلت له أترفث وأنت محرم، فقال إنما الرفث ما قيل عند النساء، قال طاووس: ~~(1) الرفث التعريض للنساء بالجماع وذكره بين أيديهن، وقال عطاء: الرفث قول ~~الرجل للمرأة في حال الإحرام إذا حللت أصبتك، وقيل: الرفث الفحش والقول ~~القبيح، أما الفسوق: قال ابن عباس: هو المعاصي كلها وهو قول طاووس والحسن ~~وسعيد بن جبير وقتادة والزهري والربيع والقرظي، وقال ابن عمر: هو ما نهي ~~عنه المحرم في حال PageV01P226 # الإحرام من قتل الصيد وتقليم الأظافر، وأخذ الأشعار، وما أشبههما وقال ~~إبراهيم وعطاء ومجاهد؛ هو السباب بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم "سباب ~~المسلم فسوق وقتاله كفر" (1) وقال الضحاك هو التنابز بالألقاب بدليل قوله ~~تعالى: "ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان" (11-الحجرات) ~~. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا آدم أخبرنا سيار أبو ~~الحكم 30/ب قال سمعت أبا حازم يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ~~ولدته أمه" (2) . # قوله تعالى {ولا جدال في الحج} قال ابن مسعود وابن عباس: الجدال أن يماري ~~صاحبه ويخاصمه حتى يغضبه، وهو قول عمرو بن دينار وسعيد بن جبير وعكرمة ~~والزهري وعطاء وقتادة، وقال القاسم بن محمد: هو أن يقول بعضهم الحج اليوم ~~ويقول بعضهم الحج غدا، وقال القرظي: كانت قريش إذا ms0212 اجتمعت بمنى قال هؤلاء: ~~حجنا أتم من حجكم، وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم وقال مقاتل: هو أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لهم في حجة الوداع وقد أحرموا بالحج: "اجعلوا ~~إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي" (3) قالوا كيف نجعله عمرة وقد سمينا ~~الحج؟ فهذا جدالهم، وقال ابن زيد: كانوا يقفون مواقف مختلفة كلهم يزعم أن ~~موقفه موقف إبراهيم يتجادلون فيه، وقيل: هو ما كان عليه أهل الجاهلية كان ~~بعضهم يقف بعرفة وبعضهم بالمزدلفة، وكان بعضهم يحج في ذي القعدة وكان بعضهم ~~يحج في ذي الحجة فكل يقول ما فعلته فهو الصواب، فقال جل ذكره {ولا جدال في ~~الحج} أي استقر أمر الحج على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ~~اختلاف فيه من بعد، وذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إن ~~الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض" (4) قال مجاهد: ~~معناه ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة فأبطل النسيء قال أهل المعاني: ظاهر ~~الآية نفي، ومعناها نهي، أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا، كقوله ~~PageV01P227 # تعالى "لا ريب فيه" أي لا ترتابوا "وما تفعلوا من خير يعلمه الله" أي لا ~~يخفى عليه فيجازيكم به. # قوله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} نزلت في ناس من أهل اليمن ~~كانوا يخرجون إلى الحج بغير زاد ويقولون نحن متوكلون، ويقولون: نحن نحج بيت ~~الله فلا يطعمنا؟ فإذا قدموا مكة سألوا الناس، وربما يفضي بهم الحال إلى ~~النهب والغصب، فقال الله عز وجل {وتزودوا} أي ما تتبلغون به وتكفون به ~~وجوهكم، قال أهل التفسير: الكعك والزبيب والسويق والتمر ونحوها {فإن خير ~~الزاد التقوى} من السؤال والنهب {واتقون يا أولي الألباب} يا ذوي العقول. # قوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} أخبرنا عبد الواحد ~~بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا علي بن عبد الله أخبرنا سفيان عن عمرو ms0213 بن ~~دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا ~~في الجاهلية فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها فأنزل الله تعالى ~~{ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} في مواسم الحج، قرأ ابن عباس كذا ~~(1) ، وروي عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري في هذا ~~الوجه، يعني إلى مكة، فيزعمون أن لا حج لنا، فقال: ألستم تحرمون كما يحرمون ~~وتطوفون كما يطوفون وترمون كما يرمون؟ قلت بلى، قال: أنت حاج: جاء رجل إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الذي سألتني عنه فلم يجبه بشيء حتى نزل ~~جبريل بهذه الآية {ليس عليكم جناح} أي حرج {أن تبتغوا فضلا} أي رزقا {من ~~ربكم} يعني بالتجارة في مواسم الحج {فإذا أفضتم} دفعتم، والإفاضة: دفع ~~بكثرة وأصله من قول العرب: أفاض الرجل ماء أي صبه {من عرفات} هي جمع عرفة، ~~جمع بما حولها وإن كانت بقعة واحدة كقولهم ثوب أخلاق. # واختلفوا في المعنى الذي لأجله سمي الموقف عرفات واليوم عرفة فقال عطاء: ~~كان جبريل عليه السلام يري إبراهيم عليه السلام المناسك ويقول عرفت؟ فيقول ~~عرفت فسمي ذلك المكان عرفات واليوم عرفة، وقال الضحاك: إن آدم عليه السلام ~~لما أهبط إلى الأرض وقع بالهند وحواء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه ~~فاجتمعا بعرفات يوم عرفة وتعارفا فسمي اليوم يوم عرفة والموضع عرفات، وقال ~~السدي لما أذن إبراهيم في الناس بالحج وأجابوه بالتلبية وأتاه من أتاه أمره ~~الله أن يخرج إلى عرفات ونعتها له فخرج فلما بلغ الجمرة (2) عند العقبة ~~استقبله الشيطان ليرده فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة فطار فوقع على ~~الجمرة الثانية، فرماه وكبر فطار، فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبر فلما ~~رأى الشيطان أنه لا يطيعه ذهب فانطلق إبراهيم حتى أتى ذا المجاز، فلما نظر ~~إليه لم يعرفه فجاز فسمي ذا المجاز، ثم انطلق حتى وقف بعرفات فعرفها بالنعت ~~فسمي الوقت عرفة والموضع عرفات حتى إذا أمسى ازدلف ms0214 إلى جمع، PageV01P228 # أي قرب إلى جمع، فسمي المزدلفة. # وروي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه أن إبراهيم عليه السلام رأى ~~ليلة التروية في منامه أنه يؤمر بذبح ابنه فلما أصبح روى يومه أجمع أي فكر، ~~أمن الله تعالى هذه الرؤيا أم من الشيطان؟ فسمي اليوم يوم التروية، ثم رأى ~~ذلك ليلة عرفة ثانيا فلما أصبح عرف أن ذلك من الله تعالى فسمي اليوم يوم ~~عرفة، وقيل سمي بذلك لأن الناس يعترفون في ذلك اليوم بذنوبهم، وقيل سمي ~~بذلك من العرف وهو الطيب، وسمي منى لأنه يمنى فيه الدم أي يصب فيكون فيه ~~الفروث والدماء ولا يكون الموضع طيبا وعرفات طاهرة عنها فتكون طيبة. # قوله تعالى: {فاذكروا الله} بالدعاء والتلبية {عند المشعر الحرام} ما بين ~~جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى المحسر، وليس المأزمان ولا المحسر من ~~المشعر، وسمي مشعرا من الشعار وهي العلامة لأنه من معالم الحج، وأصل ~~الحرام: من المنع فهو، ممنوع أن يفعل فيه ما لم يؤذن فيه، وسمي المزدلفة ~~جمعا: لأنه يجمع فيه بين صلاتي العشاء، والإفاضة من عرفات تكون بعد غروب ~~الشمس، ومن جمع قبل طلوعها من يوم النحر. # قال طاووس كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس ومن مزدلفة ~~بعد أن تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير (1) كيما نغير فأخر الله هذه وقدم ~~هذه. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن موسى بن عقبة عن كريب مولى عبد الله بن عباس عن ~~أسامة بن زيد أنه سمعه يقول: "دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة ~~حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، ثم توضأ فلم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة يا ~~رسول الله قال: فقال الصلاة أمامك، فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ ~~الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم ~~أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئا" (2) . # وقال جابر: "دفع ms0215 رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المزدلفة فصلى بها ~~المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع حتى ~~طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى ~~أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا ~~حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس" (3) . PageV01P229 # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا زهير 31/أبن حرب أخبرنا وهب بن جرير ~~أخبرنا أبي عن يونس الأيلي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن أسامة بن زيد كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة ~~إلى المزدلفة ثم أردف الفضل من مزدلفة إلى منى، قال: فكلاهما قال لم يزل ~~النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة" (1) . # قوله تعالى: {واذكروه كما هداكم} أي واذكروه بالتوحيد والتعظيم كما ذكركم ~~بالهداية فهداكم لدينه ومناسك حجه {وإن كنتم من قبله لمن الضالين} أي وقد ~~كنتم، وقيل: وما كنتم من قبله إلا من الضالين. كقوله تعالى: "وإن نظنك لمن ~~الكاذبين" (186-الشعراء) أي: وما نظنك إلا من الكاذبين، والهاء في قوله "من ~~قبله" راجعة إلى الهدى، وقيل: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كناية عن ~~غير مذكور. ### || # {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) ~~فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من ~~يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) ومنهم من يقول ~~ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (201) أولئك لهم ~~نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) } # قوله تعالى: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} قال أهل التفسير، كانت قريش ~~وحلفاؤها ومن دان بدينها، وهم الحمس، يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن أهل ~~الله، وقطان حرمه، فلا نخلف الحرم ولا نخرج منه، ويتعظمون أن يقفوا مع ms0216 سائر ~~العرب بعرفات، وسائر الناس كانوا يقفون بعرفات، فإذا أفاض الناس من عرفات ~~أفاض الحمس من المزدلفة، فأمرهم الله أن يقفوا بعرفات ويفيضوا منها إلى جمع ~~مع سائر الناس، وأخبرهم أنه سنة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وقال ~~بعضهم خاطب به جميع المسلمين. # وقوله تعالى {من حيث أفاض الناس} من جمع أي ثم أفيضوا من جمع إلى منى، ~~وقالوا لأن الإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من جمع، فكيف يسوغ أن يقول فإذا ~~أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ثم أفيضوا من عرفات؟ والأول ~~قول أكثر أهل التفسير. # وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره: فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا ~~الله عند المشعر الحرام. # وقيل: ثم بمعنى الواو أي وأفيضوا، كقوله تعالى: "ثم كان من الذين آمنوا" ~~(17-البلد) وأما الناس فهم العرب كلهم غير الحمس. # وقال الكلبي: هم أهل اليمن وربيعة، وقال الضحاك: الناس هاهنا إبراهيم ~~عليه السلام وحده كقوله تعالى "أم يحسدون الناس" (54-النساء) وأراد محمدا ~~صلى الله عليه وسلم وحده ويقال هذا الذي يقتدى به ويكون PageV01P230 # لسان قومه وقال الزهري: الناس هاهنا آدم عليه السلام وحده دليله قراءة ~~سعيد بن جبير ثم أفيضوا من حيث أفاض الناسي بالياء ويقال: هو آدم نسي عهد ~~الله حين أكل من الشجرة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ~~هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: سئل أسامة وأنا جالس كيف كان يسير رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق فإذا وجد ~~فجوة نص (1) ، قال هشام: والنص فوق العنق. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا إبراهيم بن ~~سويد حدثني عمرو بن ms0217 أبي عمرو مولى المطلب قال أخبرني سعيد بن جبير مولى ~~والبة الكوفي حدثني ابن عباس أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ~~فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا وضربا للإبل فأشار بسوطه ~~إليهم وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع (2) ، ~~{واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} " (3) # قوله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم} أي فرغتم من حجكم وذبحتم نسائككم، أي ~~ذبائحكم، يقال: نسك الرجل ينسك نسكا إذا ذبح نسيكته، وذلك بعد رمي جمرة ~~العقبة والاستقرار بمنى {فاذكروا الله} بالتكبير والتحميد والثناء عليه ~~{كذكركم آباءكم} وذلك أن العرب كانت إذا فرغت من الحج وقفت عند البيت فذكرت ~~مفاخر آبائها، فأمرهم الله تعالى بذكره وقال: فاذكروني فأنا الذي فعلت ذلك ~~بكم وبآبائكم وأحسنت إليكم وإليهم. # قال ابن عباس وعطاء: معناه فاذكروا الله كذكر الصبيان الصغار الآباء، ~~وذلك أن الصبي أول ما يتكلم يلهج (4) بذكر أبيه لا بذكر غيره فيقول الله ~~فاذكروا الله لا غير كذكر الصبي أباه أو أشد، وسئل ابن عباس عن قوله ~~{فاذكروا الله كذكركم آباءكم} فقيل قد يأتي على الرجل اليوم ولا يذكر فيه ~~أباه، قال ابن عباس: ليس كذلك ولكن أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك ~~لوالديك إذا شتما، وقوله تعالى {أو أشد ذكرا} يعني: وأشد ذكرا، وبل أشد، أي ~~وأكثر ذكرا {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا} أراد به المشركين ~~كانوا لا يسألون الله تعالى في الحج إلا الدنيا يقولون اللهم أعطنا غنما ~~وإبلا وبقرا وعبيدا، وكان الرجل يقوم فيقول يارب: إن أبي كان عظيم القبة ~~كبير الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما PageV01P231 # أعطيته، قال قتادة هذا عبد نيته الدنيا لها أنفق ولها عمل ونصب {وما له ~~في الآخرة من خلاق} حظ ونصيب # {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار} يعني المؤمنين، واختلفوا في معنى الحسنتين قال علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه في الدنيا حسنة: امرأة صالحة، وفي ms0218 الآخرة حسنة: الجنة. # أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنيفي أنا أبو الحسن محمد بن يعقوب ~~الطوسي أخبرنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد أنا الحارث بن أبي أسامة أنا ~~أبو عبد الرحمن المقري أخبرنا حيوة وابن لهيعة قالا أخبرنا شرحبيل بن شريك ~~أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله ~~عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الدنيا كلها متاع وخير متاعها ~~المرأة الصالحة" (1) وقال الحسن: في الدنيا حسنة: العلم والعبادة، وفي ~~الآخرة حسنة، الجنة، وقال السدي وابن حبان: {في الدنيا حسنة} رزقا حلالا ~~وعملا صالحا، {وفي الآخرة حسنة} المغفرة والثواب. # أخبرنا أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن ~~محمود أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ثنا عبد الله بن المبارك عن يحيى ~~بن أيوب حدثني عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم أبي عبد الرحمن ~~عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أغبط أوليائي عندي مؤمن ~~خفيف الحاذ (2) ذو حظ من الصلاة أحسن عبادة، ربه فأطاعه في السر، وكان ~~غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا، فصبر على ذلك، ثم ~~(نفض بيده) (3) فقال: عجلت منيته قلت بواكيه قل تراثه" (4) . # وقال قتادة: في الدنيا عافية وفي الآخرة عافية. وقال عوف في هذه الآية: ~~من آتاه الله الإسلام والقرآن وأهلا ومالا فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة. # أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن علي الكركاني الطوسي أخبرنا أبو ~~طاهر محمد بن محمش PageV01P232 # الزيادي أخبرنا أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور السمسار أخبرنا أبو ~~حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري ~~أخبرنا حميد الطويل عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رأى ~~رسول الله صلى ms0219 الله عليه وسلم رجلا قد صار مثل الفرخ فقال: "هل كنت تدعو ~~الله بشيء أو تسأله إياه؟ فقال يا رسول الله كنت أقول: اللهم ما كنت ~~معاقبني به في الآخرة فعجله لي في الدنيا فقال: 31/ب سبحان الله إذن لا ~~تستطيعه ولا تطيقه فهلا قلت "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار" (1) . # أخبرنا [أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا] (2) أبو الحسن أحمد بن ~~محمد بن أبي إسحاق الحجاجي أخبرنا أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدعولي ~~أخبرنا محمد بن مشكان أخبرنا أبو داود أخبرنا شعبة عن ثابت عن أنس قال: ~~"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: "ربنا آتنا في الدنيا ~~حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (3) . # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا ~~سعيد بن سالم القداح عن ابن جريج عن يحيى بن عبيد مولى السائب عن أبيه عبد ~~الله بن السائب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: فيما بين ركن بني ~~جمح والركن الأسود "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار" (4) . # قوله تعالى {أولئك لهم نصيب} حظ {مما كسبوا} من الخير والدعاء والثواب ~~والجزاء {والله سريع الحساب} يعني إذا حاسب فحسابه سريع لا يحتاج إلى عقد ~~يد ولا وعي صدر ولا إلى روية ولا فكر. # قال الحسن: أسرع من لمح البصر وقيل: معناه إتيان القيامة قريب لأن ما هو ~~كائن لا محالة فهو قريب، قال الله تعالى: "وما يدريك لعل الساعة قريب" ~~(17-الشورى) . PageV01P233 ### || # {واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر ~~فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (203) } # قوله تعالى {واذكروا الله} يعني التكبيرات أدبار الصلاة وعند الجمرات ~~يكبر مع كل حصاة وغيرها من الأوقات {في أيام معدودات} الأيام المعدودات: هي ~~أيام التشريق، وهي أيام منى ms0220 ورمي # PageV01P233 # الجمار، سميت معدودات لقلتهن كقوله: "دراهم معدودة" (20-يوسف) والأيام ~~المعلومات: عشر ذي الحجة آخرهن يوم النحر. هذا قول أكثر أهل العلم وروي عن ~~ابن عباس المعلومات: يوم النحر ويومان بعده والمعدودات أيام التشريق، وعن ~~علي قال: المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وقال عطاء عن ابن عباس ~~المعلومات يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. وقال محمد بن كعب: هما شيء ~~واحد وهي أيام التشريق، وروي عن نبيشة الهذلي قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله" (1) . # ومن الذكر في أيام التشريق: التكبير، واختلفوا فيه فروي عن عمر وعبد الله ~~بن عمر أنهما كانا يكبران بمنى تلك الأيام خلف الصلاة وفي المجلس وعلى ~~الفراش والفسطاط وفي الطريق ويكبر الناس بتكبيرهما ويتأولان هذه الآية. ~~والتكبير أدبار الصلاة مشروع في هذه الأيام في حق الحاج وغير الحاج عند ~~عامة العلماء واختلفوا في قدره فذهب قوم إلى أنه يبتدأ التكبير عقيب صلاة ~~الصبح من يوم عرفة ويختتم بعد العصر من آخر أيام التشريق، يروى ذلك عن علي ~~رضي الله عنه، وبه قال مكحول، وإليه ذهب أبو يوسف رضي الله عنه، وذهب قوم ~~إلى أنه يبتدأ التكبير عقيب صلاة الصبح من يوم عرفة ويختتم بعد العصر من ~~يوم النحر، يروى ذلك عن بن مسعود رضي الله عنه وبه قال أبو حنيفة، وقال قوم ~~يبتدأ عقيب صلاة الظهر من يوم النحر ويختتم بعد الصبح من آخر أيام التشريق، ~~يروى ذلك عن ابن عباس وبه قال مالك والشافعي، قال الشافعي لأن الناس فيه ~~تبع للحاج وذكر الحاج قبل هذا الوقت التلبية ويأخذون في التكبير يوم النحر ~~من صلاة الظهر، ولفظ التكبير: كان سعيد بن جبير والحسن يقولان: الله أكبر ~~الله أكبر الله أكبر ثلاثا نسقا -وهو قول أهل المدينة، وإليه ذهب الشافعي، ~~وقال: وما زاد من ذكر الله فهو حسن، وعند أهل العراق يكبر اثنتين يروى ذلك ~~عن ابن مسعود. # قوله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} ms0221 أراد أن من نفر من الحاج ~~في اليوم الثاني من أيام التشريق {فلا إثم عليه} وذلك أن على الحاج أن يبيت ~~بمنى الليلة الأولى والثانية من أيام التشريق ويرمي كل يوم بعد الزوال إحدى ~~وعشرين حصاة، عند كل جمرة سبع حصيات، ورخص في ترك البيتوتة لرعاء الإبل ~~وأهل سقاية الحاج (2) ثم كل من رمى اليوم الثاني من أيام التشريق وأراد أن ~~ينفر فيدع البيتوتة الليلة الثالثة ورمى يومها فذلك له واسع لقوله تعالى ~~{فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن ~~يبيت حتى يرمي اليوم الثالث ثم ينفر، قوله تعالى {ومن تأخر فلا إثم عليه} ~~PageV01P234 # يعني لا إثم على من تعجل فنفر في اليوم الثاني في تعجيله ومن تأخر حتى ~~ينفر في اليوم الثالث {فلا إثم عليه} في تأخره. وقيل: معناه {فمن تعجل} فقد ~~ترخص {فلا إثم عليه} بالترخص {ومن تأخر فلا إثم عليه} بترك الترخص وقيل ~~معناه رجع مغفورا له، لا ذنب عليه تعجل أو تأخر، كما روينا من "حج فلم يرفث ~~ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" (1) وهذا قول علي وابن مسعود. # قوله تعالى: {لمن اتقى} أي لمن اتقى أن يصيب في حجه شيئا نهاه الله عنه ~~كما قال: "من حج فلم يرفث ولم يفسق" قال ابن مسعود: إنما جعلت مغفرة الذنوب ~~لمن اتقى الله تعالى في حجه، وفي رواية الكلبي عن ابن عباس معناه {لمن ~~اتقى} الصيد لا يحل له أن يقتل صيدا حتى تخلو (2) أيام التشريق، وقال أبو ~~العالية ذهب إئمه إن اتقى فيما بقي من عمره [ {واتقوا الله واعلموا أنكم ~~إليه تحشرون} تجمعون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم] (3) . ### || # {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه ~~وهو ألد الخصام (204) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث ~~والنسل والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ~~فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ms0222 ~~والله رءوف بالعباد (207) } # قوله تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} قال الكلبي ~~ومقاتل وعطاء: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة واسمه أبي وسمي ~~الأخنس لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: وكان رجلا حلو الكلام، حلو المنظر، وكان يأتي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيجالسه ويظهر الإسلام، ويقول إني لأحبك، ويحلف بالله ~~على ذلك، وكان منافقا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني مجلسه فنزل ~~قوله تعالى {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} (4) أي تستحسنه ~~ويعظم في قلبك، ويقال في الاستحسان أعجبني كذا وفي الكراهية والإنكار عجبت ~~من كذا {ويشهد الله على ما في قلبه} يعني قول المنافق: والله إني بك مؤمن ~~ولك محب {وهو ألد الخصام} أي شديد الخصومة، يقال لددت يا هذا وأنت تلد لدا ~~ولدادة، فإذا أردت أنه غلب على خصمه قلت: لده يلده لدا، يقال: رجل ألد ~~وامرأة لداء وقوم لد، قال الله تعالى: "وتنذر به قوما لدا" (97-مريم) . قال ~~الزجاج: اشتقاقه من لديدي العنق وهما صفحتاه، وتأويله: أنه في أي وجه أخذ ~~من يمين أو شمال في أبواب الخصومة غلب، PageV01P235 # والخصام مصدر خاصمه خصاما ومخاصمة قاله أبو عبيدة: وقال الزجاج: هو جمع ~~خصم يقال: خصم وخصام وخصوم مثل بحر وبحار وبحور قال الحسن: ألد الخصام أي ~~كاذب القول، قال قتادة: شديد القسوة في المعصية، جدل بالباطل يتكلم بالحكمة ~~ويعمل بالخطيئة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج ~~عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم" (1) # {وإذا تولى} أي أدبر وأعرض عنك {سعى في الأرض} أي عمل فيها، وقيل: سار ~~فيها ومشى {ليفسد فيها} قال ابن جريج قطع الرحم وسفك دماء ms0223 المسلمين {ويهلك ~~الحرث والنسل} وذلك أن الأخنس (2) كان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلة ~~فأحرق زروعهم وأهلك مواشيهم (3) # قال مقاتل: خرج إلى الطائف مقتضيا مالا له على غريم فأحرق له كدسا وعقر ~~له أتانا، والنسل: نسل كل دابة والناس منهم، وقال الضحاك: {وإذا تولى} أي ~~ملك الأمر وصار واليا {سعى في الأرض} قال مجاهد: في قوله عز وجل {وإذا تولى ~~سعى في الأرض} قال إذا ولي فعمل بالعدوان والظلم فأمسك الله المطر وأهلك ~~الحرث والنسل {والله لا يحب الفساد} أي لا يرضى بالفساد، قال سعيد بن ~~المسيب: قطع الدرهم من الفساد في الأرض. # قوله {وإذا قيل له اتق الله} أي خف الله {أخذته العزة بالإثم} أي حملته ~~العزة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم أي بالظلم، والعزة: التكبر والمنعة، ~~وقيل معناه {أخذته العزة} للإثم الذي في قلبه، فأقام الباء مقام اللام. # قوله {فحسبه جهنم} أي كافيه {ولبئس المهاد} أي الفراش، قال عبد الله بن ~~مسعود: إن من أكبر الذنب عند الله أن يقال: للعبد اتق الله فيقول: عليك ~~بنفسك. # وروي أنه قيل لعمر بن الخطاب: اتق الله، فوضع خده على الأرض تواضعا لله ~~عز وجل. # قوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} أي لطلب رضا ~~الله تعالى {والله رءوف بالعباد} روي عن ابن عباس والضحاك: أن هذه الآية ~~نزلت في سرية الرجيع وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو بالمدينة: إنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك ~~يعلموننا دينك، وكان ذلك مكرا منهم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خبيب بن عدي الأنصاري ومرثد بن أبي مرثد الغنوي وخالد بن بكير وعبد الله بن ~~طارق بن شهاب البلوي وزيد بن الدثنة وأمر عليهم عاصم بن PageV01P236 # ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري، قال أبو هريرة: بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عشرة عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري فساروا فنزلوا ببطن ~~الرجيع بين مكة والمدينة ومعهم تمر عجوة فأكلوا ms0224 فمرت عجوز فأبصرت النوى ~~فرجعت إلى قومها بمكة وقالت: قد سلك هذا الطريق أهل يثرب من أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فركب سبعون رجلا منهم معهم الرماح حتى أحاطوا بهم، قال أبو ~~هريرة رضي الله عنه: ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم ~~بقريب من مائة رجل رام فاقتفوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل ~~نزلوه فقالوا: تمر يثرب، فاتبعوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا ~~إلى فدفد (1) فأحاط بهم القوم فقتلوا مرثدا وخالدا وعبد الله بن طارق، ونثر ~~عاصم بن ثابت كنانته وفيها سبعة أسهم فقتل بكل سهم رجلا من عظماء المشركين ~~ثم قال: اللهم إني حميت دينك صدر النهار فاحم لحمي آخر النهار، ثم أحاط به ~~المشركون فقتلوه، فلما قتلوه أرادوا حز رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن ~~شهيد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن ~~في قحفه الخمر فأرسل الله رجلا من الدبر (2) -وهي الزنابير -فحمت عاصما فلم ~~يقدروا عليه فسمي حمي الدبر فقالوا دعوه حتى تسمي فتذهب عنه فنأخذه فجاءت ~~سحابة سوداء وأمطرت مطرا كالعزالي (3) فبعث الله الوادي غديرا فاحتمل عاصما ~~به فذهب به إلى الجنة وحمل خمسين من المشركين إلى النار وكان عاصم قد أعطى ~~الله تعالى عهدا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا. # وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول حين بلغه أن الدبر منعته يقول: ~~عجبا لحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا ~~أبدا فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع عاصم في حياته. # وأسر المشركون خبيب بن عدي الأنصاري، وزيد بن الدثنة فذهبوا بهما إلى ~~مكة، فأما خبيب فابتاعه بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ليقتلوه ~~بأبيهم، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى ~~أجمعوا على قتله فاستعار من بنات الحارث موسى ليستحد بها فأعارته فدرج بني ~~لها وهي غافلة ms0225 فما راع المرأة إلا خبيب قد أجلس الصبي على فخذه والموسى ~~بيده، فصاحت المرأة فقال خبيب: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن الغدر ~~ليس من شأننا، فقالت المرأة بعد: والله ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب، والله ~~لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ~~ثمرة، إن كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا، ثم إنهم خرجوا من الحرم ليقتلوه في ~~الحل وأرادوا أن يصلبوه فقال لهم خبيب دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فكان خبيب ~~هو أول من سن لكل مسلم قتل صبرا (4) الصلاة، فركع ركعتين، ثم قال لولا أن ~~يحسبوا أن ما بي جزع لزدت، اللهم احصهم PageV01P237 # عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا ثم أنشأ يقول: # فلست أبالي حين أقتل مسلما %~% على أي شق كان في الله مصرعي # وذلك في ذات الإله وإن يشأ %~% يبارك على أوصال شلو ممزع # فصلبوه حيا فقال اللهم: إنك تعلم أنه ليس أحد حولي يبلغ سلامي رسولك ~~فأبلغه سلامي، ثم قام أبو سروعة عقبة بن الحرث فقتله. # ويقال: كان رجل من المشركين يقال له سلامان، أبو ميسرة، معه رمح فوضعه ~~بين ثديي خبيب فقال له خبيب: اتق الله فما زاده ذلك إلا عتوا فطعنه فأنفذه ~~وذلك قوله عز وجل {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} يعني سلامان. ~~وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف فبعثه ~~مع مولى له يسمى نسطاس إلى التنعيم ليقتله بأبيه واجتمع رهط من قريش فيهم ~~أبو سفيان بن حرب فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد أتحب ~~أن محمدا عندنا الآن بمكانك نضرب عنقه وإنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم الآن في مكانه الذي هو فيه يصيبه شوكة تؤذيه وأنا ~~جالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب ~~محمد محمدا، ثم قتله النسطاس. فلما بلغ النبي ms0226 صلى الله عليه وسلم هذا الخبر ~~قال لأصحابه أيكم (ينزل) (1) خبيبا عن خشبته وله الجنة؟ فقال الزبير: أنا ~~يا رسول الله وصاحبي المقداد بن الأسود، فخرجا يمشيان بالليل ويكمنان ~~بالنهار حتى أتيا التنعيم ليلأ 31/ب وإذا حول الخشبة أربعون رجلا من ~~المشركين نائمون نشاوى فأنزلاه فإذا هو رطب ينثني لم يتغير منه شيء بعد ~~أربعين يوما، ويده على جراحته وهي تبض دما اللون لون الدم والريح ريح ~~المسك، فحمله الزبير على فرسه وسارا فانتبه الكفار وقد فقدوا خبيبا فأخبروا ~~قريشا فركب منهم سبعون، فلما لحقوهما قذف الزبير خبيبا فابتلعته الأرض فسمي ~~بليع الأرض. # فقال الزبير: ما جرأكم علينا يا معشر قريش، ثم رفع العمامة عن رأسه وقال: ~~أنا الزبير بن العوام وأمي صفية بنت عبد المطلب وصاحبي المقداد بن الأسود ~~أسدان رابضان يدافعان عن شبليهما فإن شئتم ناضلتكم وإن شئتم نازلتكم وإن ~~شئتم انصرفتم، فانصرفوا إلى مكة، وقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وجبريل عنده فقال يا محمد إن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك فنزل في ~~الزبير والمقداد بن الأسود {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} حين ~~شريا أنفسهما لإنزال خبيب عن خشبته (2) . # وقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان الرومي حين أخذه المشركون في ~~رهط من المؤمنين PageV01P238 # فعذبوهم، فقال لهم صهيب إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم فهل ~~لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا، وكان شرط عليهم راحلة ونفقة، ~~فأقام بمكة ما شاء الله ثم خرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر في رجال، ~~فقال له أبو بكر ربح بيعك يا أبا يحيى، فقال له صهيب: وبيعك فلا تتحسر، قال ~~صهيب: ما ذاك؟ فقال قد أنزل الله فيك، وقرأ عليه هذه الآية. # وقال سعيد بن المسيب وعطاء: أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي صلى الله عليه ~~وسلم فاتبعه نفر من مشركي قريش فنزل عن راحلته ونثل ما كان في كنانته، ثم ~~قال: يا معشر قريش لقد علمتم إني لمن أرماكم ms0227 رجلا والله لا أضع سهما مما في ~~كنانتي إلا في قلب رجل منكم وايم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في ~~كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم ~~على مالي بمكة وخليتم سبيلي قالوا: نعم. ففعل ذلك، فأنزل الله هذه الآية ~~(1) . # وقال الحسن: أتدرون فيمن نزلت هذه الآية؟ نزلت في المسلم يلقى الكافر ~~فيقول له قل لا إله إلا الله فيأبى أن يقولها، فقال المسلم والله لأشرين ~~نفسي لله. فتقدم فقاتل وحده حتى قتل. # وقيل نزلت الآية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال ابن عباس: أرى ~~من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله يقوم فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل ~~وأخذته العزة بالإثم، قال وأنا أشري نفسي لله فقاتله فاقتتل الرجلان لذلك، ~~وكان علي إذا قرأ هذه الآية يقول: اقتتلا ورب الكعبة، وسمع عمر بن الخطاب ~~إنسانا يقرأ هذه الآية {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} فقال ~~عمر {إنا لله وإنا إليه راجعون} قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ~~فقتل. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا عبد الرحمن بن شريح أخبرنا أبو القاسم ~~البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرني حماد بن سلمة عن أبي غالب عن أبي أمامة ~~أن رجلا قال: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ قال "أفضل الجهاد من قال كلمة ~~حق عند سلطان جائر" (2) . PageV01P239 ### || # {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين (208) فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله ~~عزيز حكيم (209) هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ~~وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور (210) } # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} قرأ أهل الحجاز ~~والكسائي السلم هاهنا بفتح السين وقرأ الباقون بكسرها، وفي سورة الأنفال ~~"وإن جنحوا للسلم" بالكسر، وقرأ أبو بكر والباقون بالفتح، وفي سورة محمد ~~صلى الله عليه وسلم بالكسر حمزة وأبو بكر. # نزلت ms0228 هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام النضيري وأصحابه، ~~وذلك أنهم كانوا يعظمون السبت ويكرهون لحمان الإبل وألبانها بعد ما أسلموا ~~وقالوا: يا رسول الله إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنقم بها في صلاتنا ~~بالليل فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} (1) ~~أي في الإسلام، قال مجاهد في أحكام أهل الإسلام وأعمالهم {كافة} أي جميعا، ~~وقيل: ادخلوا في الإسلام إلى منتهى شرائعه كافين عن المجاوزة إلى غيره، ~~وأصل السلم من الاستسلام والانقياد، ولذلك قيل للصلح سلم، قال حذيفة بن ~~اليمان في هذه الآية: الإسلام ثمانية أسهم فعد الصلاة، والزكاة، والصوم، ~~والحج، والعمرة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال: قد خاب ~~من لا سهم له. # {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أي آثاره فيما زين لكم من تحريم السبت ولحوم ~~الإبل وغيره {إنه لكم عدو مبين} # أخبرنا محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو العباس الطحان أخبرنا أبو أحمد ~~محمد بن قريش أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي أخبرنا أبو عبيد القاسم بن ~~سلام أخبرنا هشيم أخبرنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين أتاه عمر فقال إنا نسمع أحاديث من يهود فتعجبنا، أفترى ~~أن نكتب بعضها؟ فقال: "أمتهوكون (2) أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد ~~جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي" (3) . ~~PageV01P240 # {فإن زللتم} أي ضللتم، وقيل: ملتم، يقال زلت قدمه تزل زلا وزللا إذا ~~دحضت، قال ابن عباس: يعني الشرك، قال قتادة: قد علم الله أنه سيزل زالون من ~~الناس فتقدم في ذلك وأوعد فيه ليكون له به الحجة عليهم {من بعد ما جاءتكم ~~البينات} أي الدلالات الواضحات {فاعلموا أن الله عزيز} في نقمته {حكيم} في ~~أمره، فالعزيز: هو الغالب الذي لا يفوته شيء والحكيم: ذو الإصابة في الأمر. # قوله تعالى {هل ينظرون} أي هل ينظر التاركون الدخول في السلم والمتبعون ~~خطوات الشيطان يقال: نظرته وانتظرته بمعنى واحد، فإذا كان النظر مقرونا ms0229 ~~بذكر الله أو بذكر الوجه أو إلى، لم يكن إلا بمعنى الرؤية {إلا أن يأتيهم ~~الله في ظلل} جمع ظلة {من الغمام} السحاب الأبيض الرقيق سمي غماما لأنه يغم ~~أي يستر، وقال مجاهد: هو غير السحاب، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم: ~~قال مقاتل: كهيئة الضباب أبيض، قال الحسن: في سترة من الغمام فلا ينظر ~~[إليه] (1) أهل الأرض {والملائكة} قرأ أبو جعفر بالخفض عطفا على الغمام، ~~تقديره: مع الملائكة، تقول العرب: أقبل الأمير في العسكر، أي مع العسكر، ~~وقرأ الباقون الرفع على معنى: إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من ~~الغمام، والأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل ~~علمها إلى الله تعالى، ويعتقد أن الله عز اسمه منزه عن سمات الحدث، على ذلك ~~مضت أئمة السلف وعلماء السنة. # قال الكلبي: هذا من المكتوم الذي لا يفسر، وكان مكحول والزهري والأوزاعي ~~ومالك وابن المبارك وسفيان الثوري والليث بن سعد وأحمد وإسحاق يقولون فيها ~~وفي أمثالها: أمروها كما جاءت بلا كيف، قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله ~~به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته، والسكوت عليه، ليس لأحد أن يفسره إلأ ~~33/أالله تعالى ورسوله. # قوله تعالى: {وقضي الأمر} أي وجب العذاب، وفرغ من الحساب، وذلك فصل ~~{الله} (2) القضاء بالحق بين الخلق يوم القيامة {وإلى الله ترجع الأمور} ~~قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم وقرأ الباقون ~~بضم التاء وفتح الجيم. ### || # {سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما ~~جاءته فإن الله شديد العقاب (211) } # قوله تعالى: {سل بني إسرائيل} أي سل يا محمد يهود المدينة {كم آتيناهم} ~~أعطينا آباءهم وأسلافهم {من آية بينة} دلالة واضحة على نبوة موسى عليه ~~السلام، مثل العصا واليد البيضاء، وفلق # PageV01P241 # البحر وغيرها. وقيل: معناها الدلالات التي آتاهم في التوراة والإنجيل على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # {ومن يبدل} يغير {نعمة الله} كتاب الله، وقيل: عهد الله وقيل: من ينكر ~~الدلالة ms0230 على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {من بعد ما جاءته فإن الله شديد ~~العقاب} ### || # {زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا ~~فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) كان الناس أمة واحدة ~~فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات ~~بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213) } # {زين للذين كفروا الحياة الدنيا} الأكثرون على أن المزين هو الله تعالى، ~~والتزيين من الله تعالى هو أنه خلق الأشياء الحسنة والمناظر العجيبة، فنظر ~~الخلق إليها بأكثر من قدرها فأعجبتهم ففتنوا بها، وقال الزجاج: زين لهم ~~الشيطان، قيل نزلت هذه الآية في مشركي العرب أبي جهل وأصحابه كانوا يتنعمون ~~بما بسط الله لهم في الدنيا من المال ويكذبون بالمعاد {ويسخرون من الذين ~~آمنوا} أي يستهزءون بالفقراء من المؤمنين. # قال ابن عباس: أراد بالذين آمنوا عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وصهيبا ~~وبلالا وخبابا وأمثالهم، وقال مقاتل: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي ~~وأصحابه، كانوا يتنعمون في الدنيا ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء ~~المهاجرين ويقولون انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم، وقال ~~عطاء: نزلت في رؤساء اليهود من بني قريظة والنضير وبني قينقاع سخروا من ~~فقراء المهاجرين فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريظة والنضير بغير قتال ~~(1) {ويسخرون من الذين آمنوا} لفقرهم {والذين اتقوا} يعني هؤلاء الفقراء ~~{فوقهم يوم القيامة} لأنهم في أعلى عليين وهم في أسفل السافلين. # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد ~~الرحمن البزار أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري أخبرنا إسحاق الدبري ~~أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن ~~أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وقفت على باب الجنة ms0231 ~~فرأيت أكثر أهلها المساكين ووقفت على باب النار فرأيت أكثر أهلها النساء ~~وإذا أهل الجد (2) محبوسون إلا من كان منهم من أهل النار فقد أمر به إلى ~~النار" (3) . PageV01P242 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل ثنا إسحاق بن إبراهيم حدثني ~~عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال: مر رجل على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس ما رأيك في هذا؟ فقال: ~~رجل من أشراف الناس: هذا والله حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع، قال: ~~فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مر رجل آخر فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله إن هذا رجل من فقراء ~~المسلمين هذا حري إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يسمع ~~لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا خير من ملء الأرض مثل هذا" ~~(1) . # {والله يرزق من يشاء بغير حساب} قال ابن عباس: يعني كثيرا بغير مقدار، ~~لأن كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل، يريد: يوسع على من يشاء ويبسط لمن ~~يشاء من عباده، وقال الضحاك: يعني من غير تبعة يرزقه في الدنيا ولا يحاسبه ~~في الآخرة، وقيل: هذا يرجع إلى الله تعالى، معناه: يقتر على من يشاء ويبسط ~~لمن يشاء ولا يعطي كل أحد بقدر حاجته بل يعطي الكثير من لا يحتاج إليه ولا ~~يعطي القليل من يحتاج إليه فلا يعترض عليه، ولا يحاسب فيما يرزق ولا يقال ~~لم أعطيت هذا وحرمت هذا؟ ولم أعطيت هذا أكثر مما أعطيت ذاك؟ وقيل معناه لا ~~يخاف نفاذ خزائنه فيحتاج إلى حساب ما يخرج منها لأن الحساب من المعطي إنما ~~يكون بما يخاف من نفاذ خزائنه. # قوله تعالى {كان الناس أمة واحدة} على دين واحد، قال مجاهد: أراد آدم ms0232 ~~وحده، كان أمة واحدة، قال سمي الواحد بلفظ الجمع لأنه أصل النسل وأبو ~~البشر، ثم خلق الله تعالى حواء ونشر منهما الناس فانتشروا وكانوا مسلمين ~~إلى أن قتل قابيل هابيل فاختلفوا {فبعث الله النبيين} قال الحسن وعطاء: كان ~~الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح أمة واحدة على ملة الكفر أمثال ~~البهائم، فبعث الله نوحا وغيره من النبيين (2) . وقال قتادة وعكرمة: كان ~~الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح وكان بينهما عشرة قرون كلهم على شريعة واحدة ~~من الحق والهدى، ثم اختلفوا في زمن نوح فبعث الله إليهم نوحا، فكان أول نبي ~~بعث، ثم بعث بعده النبيين. # وقال الكلبي هم أهل سفينة نوح كانوا مؤمنين ثم اختلفوا بعد وفاة نوح. # وروي عن ابن عباس قال: كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أمة واحدة ~~كفارا كلهم فبعث الله إبراهيم وغيره من النبيين، وقيل: كان العرب على دين ~~إبراهيم إلى أن غيره عمرو بن لحي. وروي عن PageV01P243 # أبي العالية عن أبي بن كعب قال: كان الناس حين عرضوا على آدم، وأخرجوا من ~~ظهره وأقروا بالعبودية أمة واحدة مسلمين كلهم، ولم يكونوا أمة واحدة قط غير ~~ذلك اليوم، ثم اختلفوا بعد آدم نظيره في سورة يونس "وما كان الناس إلا أمة ~~واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين" (19-يونس) وجملتهم مائة ألف وأربعة ~~وعشرون ألفا والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، والمذكورون في القرآن باسم ~~العلم ثمانية وعشرون نبيا {مبشرين} بالثواب من آمن وأطاع {ومنذرين} محذرين ~~بالعقاب من كفر وعصى {وأنزل معهم الكتاب} أي الكتب، تقديره وأنزل مع كل ~~واحد منهم الكتاب {بالحق} بالعدل والصدق {ليحكم بين الناس} قرأ أبو جعفر ~~{ليحكم} بضم الياء وفتح الكاف هاهنا وفي أول آل عمران وفي النور موضعين لأن ~~الكتاب لا يحكم في الحقيقة إنما {الحكم} (1) به، وقراءة العامة بفتح الياء ~~وضم الكاف، أي ليحكم الكتاب ذكره على سعة الكلام كقوله تعالى "هذا كتابنا ~~ينطق عليكم بالحق" (29-الجاثية) . وقيل معناه ليحكم كل نبي بكتابه {فيما ~~اختلفوا فيه وما ms0233 اختلف فيه} أي في الكتاب {إلا الذين أوتوه} أي أعطوا ~~الكتاب {من بعد ما جاءتهم البينات} يعني أحكام التوراة والإنجيل، قال ~~الفراء: ولاختلافهم معنيان: # أحدهما كفر بعضهم بكتاب بعض قال الله تعالى: "ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض" (150-النساء) 32/ب والآخر تحريفهم كتاب الله قال الله تعالى: "يحرفون ~~الكلم عن مواضعه" (46-النساء) وقيل الآية راجعة إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم وكتابه اختلف فيه أهل الكتاب {من بعد ما جاءتهم البينات} صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم في كتبهم {بغيا} ظلما وحسدا {بينهم فهدى الله الذين آمنوا ~~لما اختلفوا فيه} أي لما اختلفوا فيه {من الحق بإذنه} بعلمه وإرادته فيهم. ~~قال ابن زيد في هذه الآية: اختلفوا في القبلة فمنهم من يصلي إلى المشرق ~~ومنهم من يصلي إلى المغرب ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس، فهدانا الله إلى ~~الكعبة، واختلفوا في الصيام فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في الأيام، ~~فأخذت اليهود السبت والنصارى الأحد فهدانا الله للجمعة واختلفوا في إبراهيم ~~عليه السلام، فقالت اليهود كان يهوديا، وقالت النصارى كان نصرانيا فهدانا ~~الله للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى فجعلته اليهود لفرية وجعلته النصارى ~~إلها وهدانا الله للحق فيه {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} ### || # {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ~~ألا إن نصر الله قريب (214) } # قوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} قال قتادة والسدي: نزلت هذه ~~الآية في غزوة الخندق PageV01P244 # حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد وشدة الخوف والبرد وضيق العيش ~~وأنواع الأذى كما قال الله تعالى: "وبلغت القلوب الحناجر" (10-الأحزاب) ~~وقيل نزلت في حرب أحد. # وقال عطاء: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة اشتد ~~عليهم الضر، لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين ~~وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأسر قوم النفاق فأنزل الله تعالى ms0234 تطييبا لقلوبهم {أم حسبتم} أي: ~~أحسبتم، والميم صلة، قاله الفراء، وقال الزجاج: بل حسبتم، ومعنى الآية: ~~أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة {ولما يأتكم} وما صلة {مثل الذين ~~خلوا} شبه الذين مضوا {من قبلكم} النبيين والمؤمنين {مستهم البأساء} الفقر ~~والشدة والبلاء {والضراء} المرض والزمانة {وزلزلوا} أي حركوا بأنواع ~~البلايا والرزايا وخوفوا {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} ~~ما زال البلاء بهم حتى استبطؤوا النصر. # قال الله تعالى: {ألا إن نصر الله قريب} قرأ نافع حتى يقول الرسول بالرفع ~~معناه حتى قال الرسول، وإذا كان الفعل الذي يلي حتى في معنى الماضي ولفظه ~~(لفظ) (1) المستقبل فلك فيه الوجهان الرفع والنصب، فالنصب على ظاهر الكلام، ~~لأن حتى تنصب الفعل المستقبل، والرفع لأن معناه الماضي، وحتى لا تعمل في ~~الماضي. ### || # {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (215) } # {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) } # قوله تعالى: {يسألونك ماذا ينفقون} نزلت في عمرو بن الجموح، وكان شيخا ~~كبيرا ذا مال فقال: يا رسول الله بماذا نتصدق وعلى من ننفق؟ فأنزل الله ~~تعالى {يسألونك ماذا ينفقون} وفي قوله {ماذا} وجهان من الإعراب أحدهما أن ~~يكون محله نصبا بقوله {ينفقون} تقديره أي شيء ينفقون والآخر أن يكون رفعا ~~بما، ومعناه ما الذي ينفقون {قل ما أنفقتم من خير} أي من مال {فللوالدين ~~والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به ~~عليم} يجازيكم به قال أهل التفسير: كان هذا قبل فرض الزكاة فنسخت بالزكاة. # قوله تعالى: {كتب عليكم القتال} أي فرض عليكم الجهاد، واختلف العلماء في ~~حكم هذه الآية # PageV01P245 # فقال عطاء: الجهاد تطوع، والمراد من الآية أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دون غيرهم، وإليه ذهب الثوري واحتج من ذهب إلى هذا بقوله تعالى: "فضل ~~الله ms0235 المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى" ~~(95-النساء) ولو كان القاعد تاركا فرضا لم يكن يعده الحسنى، وجرى بعضهم على ~~ظاهر الآية، وقال: الجهاد فرض على كافة المسلمين إلى قيام الساعة. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي الخوارزمي أخبرنا أبو إسحاق ~~أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرنا أبو عمرو أحمد بن أبي الفراتي ~~أخبرنا أبو الهيثم بن كليب أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أخبرنا سعيد بن ~~عثمان السعيدي عن عمر بن محمد بن المنكدر عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه ~~بالغزو مات على شعبة من النفاق" (1) . # وقال قوم، وعليه الجمهور: إن الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به البعض ~~سقط عن الباقين مثل صلاة الجنازة ورد السلام، قال الزهري والأوزاعي: كتب ~~الله الجهاد على الناس غزوا أو قعودا، فمن غزا فبها ونعمت ومن قعد فهو عدة ~~إن استعين به أعان وإن استنفر نفر وإن استغني عنه قعد. # قوله تعالى: {وهو كره لكم} أي شاق عليكم قال بعض أهل المعاني: هذا الكره ~~من حيث نفور الطبع عنه لما فيه، من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح، لا ~~أنهم كرهوا أمر الله تعالى، وقال عكرمة، نسخها قوله تعالى: {سمعنا وأطعنا} ~~يعني أنهم كرهوه ثم أحبوه فقالوا {سمعنا وأطعنا} . قال الله تعالى: {وعسى ~~أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} لأن في الغزو إحدى الحسنيين إما الظفر ~~والغنيمة وإما الشهادة والجنة {وعسى أن تحبوا شيئا} يعني القعود عن الغزو ~~{وهو شر لكم} لما فيه من فوات الغنيمة والأجر {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ### || # {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من ~~القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد ~~منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت ms0236 أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (217) } # قوله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} سبب نزول هذه الآية أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P246 # بعث عبد الله بن جحش، وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم أخت أبيه في ~~جمادى الآخرة، قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه إلى ~~المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد بن أبي وقاص الزهري وعكاشة ~~بن محصن الأسدي وعتبة بن غزوان السلمي وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسهيل ~~بن بيضاء وعامر بن ربيعة وواقد بن عبد الله وخالد بن بكير وكتب لأميرهم عبد ~~الله بن جحش كتابا وقال له: "سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير ~~يومين فإذا نزلت فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك ثم امض لما أمرتك ولا ~~تستكرهن أحدا من أصحابك على السير معك" فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح ~~الكتاب فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فسر على بركة الله بمن ~~معك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة فترصد بها عير قريش لعلك تأتينا منها ~~بخير، فلما نظر في الكتاب قال: سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه ذلك، وقال إنه ~~نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان يريد الشهادة فلينطلق ومن كره فليرجع، ~~ثم مضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد حتى كان بمعدن فوق الفرع ~~بموضع من الحجاز يقال له بحران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا ~~لهما يعتقبانه فتخلفا في طلبه ومضى ببقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة بين ~~مكة والطائف. # فبينما هم كذلك إذ مرت عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة 34/أمن تجارة ~~الطائف، فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة وعثمان ~~بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان فلما رأوا أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم، فقال عبد الله بن جحش: إن القوم قد ~~ذعروا ms0237 منكم فاحلقوا رأس رجل منكم وليتعرض لهم فحلقوا رأس عكاشة فوق ثم ~~أشرفوا عليهم فقالوا: قوم عمار لا بأس عليكم، فأمنوهم، وكان ذلك في آخر يوم ~~من جمادى الآخرة، وكانوا يرون أنه من جمادى وهو من رجب فتشاور القوم وقالوا ~~لئن تركتموهم الليلة ليدخلن الحرم وليمتنعن منكم، فأجمعوا أمرهم في مواقعة ~~القوم، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله فكان أول ~~قتيل من المشركين [وهو أول قتيل في الهجرة وأدى النبي صلى الله عليه وسلم ~~دية ابن الحضرمي إلى ورثته من قريش. قال مجاهد وغيره لأنه كان بين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش عهد، وادع أهل مكة سنتين أن لا يقاتلهم ~~ولا يقاتلوه] (1) # واستأسر الحكم وعثمان فكانا أول أسيرين في الإسلام وأفلت نوفل فأعجزهم، ~~واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام فسفك فيه الدماء ~~وأخذ الحرائب وعير بذلك أهل مكة من كان فيها من المسلمين وقالوا: يا معشر ~~الصباة PageV01P247 # استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه! # وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لابن جحش وأصحابه: ما أمرتكم ~~بالقتال في الشهر الحرام، ووقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ شيئا من ذلك، ~~فعظم ذلك على أصحاب السرية، وظنوا أنهم قد هلكوا وسقط في أيديهم، وقالوا: ~~يا رسول الله إنا قد قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ~~ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى؟ وأكثر الناس في ذلك، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير فعزل منها الخمس، فكان ~~أول خمس في الإسلام، وقسم الباقي بين أصحاب السرية، وكان أول غنيمة في ~~الإسلام وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال "بل نقفهم حتى يقدم سعد وعقبة ~~وإن لم يقدما قتلناهما بهما" فلما قدما فاداهما، فأما الحكم بن كيسان فأسلم ~~وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقتل يوم بئر معونة ms0238 ~~شهيدا، وأما عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة فمات بها كافرا وأما نوفل فضرب ~~بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا ~~فقتله الله، فطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية، فهذا سبب نزول هذه الآية (1) # قوله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام} يعني رجبا سمي بذلك لتحريم القتال ~~فيه. # {قتال فيه} أي عن قتال فيه {قل} يا محمد {قتال فيه كبير} عظيم، تم الكلام ~~هاهنا ثم ابتدأ فقال {وصد عن سبيل الله} أي فصدكم المسلمين عن الإسلام ~~{وكفر به} أي كفركم بالله {والمسجد الحرام} أي المسجد الحرام وقيل وصدكم عن ~~المسجد الحرام {وإخراج أهله} أي إخراج أهل المسجد {منه أكبر} وأعظم وزرا ~~{عند الله والفتنة} أي الشرك الذي أنتم عليه {أكبر من القتل} أي من قتل ابن ~~الحضرمي في الشهر الحرام، فلما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن أنيس إلى ~~مؤمني مكة إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر ~~وإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ومنعهم المسلمين عن البيت ~~الحرام، ثم قال: {ولا يزالون} يعني مشركي مكة، وهو فعل لا مصدر له مثل عسى ~~{يقاتلونكم} يا معشر المؤمنين {حتى يردوكم} يصرفوكم {عن دينكم إن استطاعوا ~~ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت} جزم بالنسق {وهو كافر فأولئك حبطت} بطلت ~~{أعمالهم} حسناتهم {في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ### || # {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة ~~الله والله غفور رحيم (218) } # قال أصحاب السرية يا رسول الله هل نؤجر على وجهنا هذا، وهل نطمع أن يكون ~~سفرنا هذا غزوا؟ فأنزل الله تعالى {إن الذين آمنوا والذين هاجروا} فارقوا ~~عشائرهم ومنازلهم وأموالهم {وجاهدوا} المشركين {في سبيل الله} طاعة ~~PageV01P248 # لله، فجعلها جهادا، {أولئك يرجون رحمة الله} أخبر أنهم على رجاء الرحمة ~~{والله غفور رحيم} ### || # {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما ms0239 أكبر ~~من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون (219) } # {في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز ~~حكيم (220) } # قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر} الآية، نزلت في عمر بن الخطاب ~~ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما ونفر من الأنصار أتوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل ~~مسلبة للمال؟ فأنزل الله هذه الآية (1) . # وجملة القول في تحريم الخمر على ما قال المفسرون أن الله أنزل في الخمر ~~أربع آيات نزلت بمكة وهي: "ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا" (67-النحل) فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال يومئذ، ثم ~~نزلت في مسألة عمر ومعاذ بن جبل {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم ~~كبير} فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد ~~تقدم في تحريم الخمر" فتركها قوم لقوله {إثم كبير} وشربها قوم لقوله ~~{ومنافع للناس} إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا ناسا من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا، وحضرت صلاة المغرب ~~فقدموا بعضهم ليصلي بهم فقرأ "قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون" هكذا ~~إلى آخر السورة بحذف "لا" فأنزل الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون" (43-النساء) فحرم السكر في أوقات ~~الصلاة، فلما نزلت هذه الآية تركها قوم، وقالوا لا خير في شيء يحول بيننا ~~وبين الصلاة، وتركها قوم في أوقات الصلاة وشربوها في غير حين الصلاة، حتى ~~كان الرجل يشرب بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر، ويشرب بعد صلاة ~~الصبح فيصحوا إذا جاء وقت الظهر، واتخذ عتبان بن مالك صنيعا ودعا رجالا من ~~المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا منه ~~وشربوا ms0240 الخمر حتى أخذت منهم، ثم إنهم افتخروا عند ذلك (وانتسبوا) (2) ~~وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها هجاء للأنصار وفخر لقومه فأخذ رجل ~~من الأنصار لحي البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة (3) فانطلق سعد إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الأنصاري فقال عمر: اللهم بين لنا ~~PageV01P249 # رأيك في الخمر بيانا شافيا، فأنزل الله تعالى تحريم الخمر في سورة ~~المائدة: إلى قوله {فهل أنتم منتهون} . # وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام فقال عمر رضي الله عنه انتهينا يا رب، قال ~~أنس حرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها وما حرم عليهم شيئا أشد ~~من الخمر (1) . # [وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما نزلت الآية في 34/أسورة المائدة ~~حرمت الخمر فخرجنا بالحباب (2) إلى الطريق فصببنا ما فيها فمنا كسر صبه ~~ومنا من غسله بالماء والطين، ولقد غودرت (3) أزقة المدينة بعد ذلك حينا ~~فلما مطرت استبان فيها لون الخمر وفاحت منها ريحها] (4) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ~~أخبرنا ابن علية أخبرنا عبد العزيز بن صهيب قال: قال لي أنس بن مالك ما كان ~~لنا خمر غير فضيخكم (5) وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل ~~فقال: حرمت الخمر. فقالوا أهرق هذه القلال يا أنس قال فما سألوا عنها ولا ~~راجعوها بعد خبر الرجل (6) . # عن أنس: سميت خمرا لأنهم كانوا يدعونها في الدنان حتى تختمر وتتغير، وعن ~~ابن المسيب: لأنها تركت حتى صفا صفوها، ورسب كدرها، واختلف الفقهاء في ~~ماهية الخمر، فقال قوم: هي عصير العنب أو الرطب الذي اشتد وغلا من غير عمل ~~النار فيه، واتفقت الأئمة على أن هذا الخمر نجس يحد شاربه ويفسق ويكفر ~~مستحلها، وذهب سفيان الثوري وأبو حنيفة وجماعة إلى أن التحريم لا يتعدى هذا ~~ولا يحرم ما يتخذ من غيرهما كالمتخذ من الحنطة والشعير والذرة والعسل ~~والفانيد (7) إلا أن يسكر منه فيحرم، ms0241 وقالوا إذا طبخ عصير العنب والرطب حتى ~~ذهب نصفه فهو حلال ولكنه يكره، وإن طبخ حتى ذهب ثلثاه قالوا هو حلال مباح ~~شربه إلا أن السكر منه حرام، ويحتجون بما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه كتب إلى بعض عماله أن ارزق المسلمين من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه. # ورأى أبو عبيدة ومعاذ شرب الطلاء على الثلث. # وقال قوم: إذا طبخ العصير أدنى طبخ صار حلالا وهو قول إسماعيل بن علية. # وذهب أكثر أهل العلم إلى أن كل شراب أسكر كثيره فهو خمر فقليله حرام يحد ~~شاربه. PageV01P250 # واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو ~~إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن البتع (1) فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام" (2) # أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني أنا عبد الله بن عمر الجوهري أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني ~~أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر عن داود بن بكر بن أبي الفرات عن محمد ~~بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (3) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أنا عبد الغفار بن محمد الفارسي ~~أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج ~~أنا أبو الربيع العتكي أخبرنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب ~~الخمر في الدنيا فمات وهو مدمنها ولم يتب لم يشربها في الآخرة" (4) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن ms0242 إسماعيل أنا أحمد بن أبي رجاء أنا يحيى، بن أبي ~~حيان التيمي عن الشعبي عن ابن عمر قال: خطب عمر على منبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: من العنب ~~والتمر، والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل" (5) وروى الشعبي عن ~~النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من العنب ~~خمرا، وإن من التمر PageV01P251 # خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا وإن من الشعير خمرا" (1) فثبت ~~أن الخمر لا يختص بما يتخذ من العنب أو الرطب. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد أنه أخبره أن عمر بن ~~الخطاب خرج عليهم فقال إني وجدت من فلان ريح شراب، وزعم أنه شرب الطلاء، ~~وأنا سائل عما شرب فإن كان يسكر جلدته، فجلده عمر الحد تاما (2) ، وما روي ~~عن عمر وأبي عبيدة ومعاذ في الطلاء فهو فيما طبخ حتى خرج عن أن يكون مسكرا. ~~وسئل ابن عباس عن الباذق (3) فقال سبق محمد الباذق فما أسكر فهو حرام. # قوله تعالى: {والميسر} يعني القمار، قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية ~~يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، والميسر: مفعل من قولهم يسر لي الشيء إذا وجب ييسر يسرا ~~وميسرا، ثم قيل للقمار ميسر وللمقامر ياسر ويسر، وكان أصل الميسر في الجزور ~~وذلك أن أهل الثروة من العرب كانوا يشترون جزورا فينحرونها ويجزؤونها عشرة ~~أجزاء ثم يسهمون عليها بعشرة قداح يقال لها الأزلام والأقلام، لسبعة منها ~~أنصباء وهي: الفذ وله نصيب واحد، والتوأم وله نصيبان، والرقيب وله ثلاثة ~~أسهم، والحلس وله أربعة، والنافس وله خمسة، والمسبل وله ستة، والمعلى وله ~~سبعة، وثلاثة منها: لا أنصباء لها وهي المنيح والسفيح والوغد، ثم يجعلون ~~القداح في خريطة تسمى الربابة ويضعونها على يدي رجل ms0243 عدل عندهم يسمى المجيل ~~والمفيض، ثم يجيلها ويخرج قدحا منها باسم رجل منهم، فأيهم خرج سهمه أخذ ~~نصيبه على قدر ما يخرج، فإن خرج له واحد من الثلاثة التي لا أنصباء لها كان ~~لا يأخذ شيئا ويغرم ثمن الجزور كله. # وقال بعضهم كان لا يأخذ شيئا ولا يغرم ويكون ذلك القدح لغوا ثم يدفعون ~~ذلك الجزور إلى الفقراء ولا يأكلون منه شيئا، وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون ~~من لم يفعل ذلك ويسمونه البرم وهو أصل القمار الذي كانت تفعله العرب. ~~والمراد من الآية أنواع القمار كلها، قال طاووس وعطاء ومجاهد: كل شيء فيه ~~PageV01P252 # قمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب، وروي عن علي رضي ~~الله عنه في النرد والشطرنج أنهما من الميسر. # قوله تعالى: {قل فيهما إثم كبير} وزر عظيم من المخاصمة والمشاتمة وقول ~~الفحش، قرأ حمزة والكسائي إثم كثير بالثاء المثلثة وقرأ الباقون بالباء ~~فالإثم في الخمر والميسر ما ذكره الله في سورة المائدة. "إنما يريد الشيطان ~~أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة فهل أنتم منتهون" (91-المائدة) {ومنافع للناس} فمنفعة الخمر اللذة ~~عند شربها والفرح واستمراء الطعام وما يصيبون من الربح بالتجارة فيها، ~~ومنفعة الميسر إصابة المال من غير كد ولا تعب وارتفاق الفقراء به. والإثم ~~فيه أنه إذا ذهب ماله من غير عوض ساءه ذلك فعادى صاحبه فقصده بالسوء. # {وإثمهما أكبر من نفعهما} قال الضحاك وغيره: إثمهما بعد التحريم أكبر من ~~نفعهما قبل 35/أالتحريم، وقيل: إثمهما أكبر من نفعهما قبل التحريم وهو ما ~~يحصل من العداوة والبغضاء. # قوله تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حثهم على الصدقة فقالوا ماذا ننفق؟ فقال {قل العفو} قرأ أبو عمرو ~~العفو بالرفع، معناه: الذي ينفقون هو العفو. وقرأ الآخرون بالنصب، على معنى ~~قل: أنفقوا العفو. # واختلفوا في معنى العفو، فقال قتادة وعطاء والسدي: هو ما فضل عن الحاجة، ~~وكانت الصحابة يكتسبون المال ويمسكون قدر النفقة ويتصدقون بالفضل ms0244 بحكم هذه ~~الآية، ثم نسخ بآية الزكاة. وقال مجاهد: معناه: التصدق عن ظهر غنى حتى لا ~~يبقى كلا على الناس. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر محمد بن محمد ~~بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أنا إبراهيم بن عبد ~~الله بن عمر الكوفي أنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا ~~خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول" (1) وقال عمرو بن دينار: الوسط من غير ~~إسراف ولا إقتار قال الله تعالى "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا" ~~(67-الفرقان) وقال طاووس: ما يسر، والعفو: اليسر من كل شيء (ومنه قوله ~~تعالى) "خذ العفو" (199-الأعراف) أي الميسور من أخلاق الناس. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو ~~العباس الأصم أنا PageV01P253 # الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أنا سفيان عن محمد بن عجلان عن سعيد بن ~~أبي سعيد عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~رسول الله عندي دينار قال صلى الله عليه وسلم: "أنفقه على نفسك" قال: عندي ~~آخر قال: "أنفقه على ولدك" قال: عندي آخر قال: "أنفقه على أهلك" قال: عندي ~~آخر قال: "أنفقه على خادمك" قال: عندي آخر قال: "أنت أعلم" (1) . # قوله تعالى: {كذلك يبين الله لكم الآيات} قال الزجاج: إنما قال كذلك على ~~الواحد وهو يخاطب جماعة، لأن الجماعة معناها القبيل كأنه قال: كذلك أيها ~~القبيل، وقيل: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لأن خطابه يشتمل على خطاب ~~الأمة كقوله تعالى: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء" (1-الطلاق) . # قوله تعالى: {لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} قيل: معناه يبين الله لكم ~~الآيات في أمر النفقة لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة فتحبسون من أموالكم ~~ما يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى، وقال ms0245 أكثر ~~المفسرين: معناها هكذا: يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة، ~~{لعلكم تتفكرون} في زوال الدنيا وفنائها فتزهدوا فيها وفي إقبال الآخرة ~~وبقائها فترغبوا فيها. # قوله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى} قال ابن عباس وقتادة: لما نزل قوله ~~تعالى: "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن" (152-الأنعام) وقوله ~~تعالى "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما" الآية (10-النساء) تحرج ~~المسلمون من أموال اليتامى تحرجا شديدا حتى عزلوا أموال اليتامى عن أموالهم ~~حتى كان يصنع لليتيم طعام فيفضل منه شيء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد، ~~فاشتد ذلك عليهم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية: {قل إصلاح لهم خير} أي (الإصلاح لأموالهم) (2) من غير أجرة ولا أخذ ~~عوض خير لكم وأعظم أجرا، لما لكم في ذلك من الثواب، وخير لهم، لما في ذلك ~~من توفر أموالهم عليهم، قال مجاهد: يوسع عليهم من طعام نفسه ولا يوسع من ~~طعام اليتيم {وإن تخالطوهم} هذه إباحة المخالطة أي وإن تشاركوهم في أموالهم ~~وتخلطوها بأموالكم في نفقاتكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم فتصيبوا من أموالهم ~~عوضا عن قيامكم بأمورهم وتكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم {فإخوانكم} أي ~~فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضا ويصيب بعضهم من أموال بعض على وجه ~~الإصلاح والرضا {والله يعلم المفسد} لأموالهم {من المصلح} لها يعني الذي ~~يقصد بالمخالطة PageV01P254 # الخيانة وإفساد مال اليتيم وأكله بغير حق من الذي يقصد الإصلاح {ولو شاء ~~الله لأعنتكم} أي لضيق عليكم وما أباح لكم مخالطتهم، وقال ابن عباس: ولو ~~شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا لكم، وأصل العنت الشدة ~~والمشقة. ومعناه: كلفكم في كل شيء ما يشق عليكم {إن الله عزيز} والعزيز ~~الذي يأمر بعزة -سهل على العباد أو شق عليهم {حكيم} فيما صنع من تدبيره ~~وترك الإعنات. ### || # {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون ~~إلى النار والله يدعو إلى ms0246 الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم ~~يتذكرون (221) } # قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} سبب نزول هذه الآية أن أبا ~~مرثد الغنوي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليخرج منها ناسا من ~~المسلمين سرا، فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها عناق، وكانت خليلته ~~في الجاهلية، فأتته وقالت: يا أبا مرثد ألا تخلو؟ فقال لها ويحك يا عناق إن ~~الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك، قالت: فهل لك أن تتزوج بي؟ قال نعم، ولكن ~~أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره، فقالت أبي تتبرم؟ ثم ~~استغاثت عليه فضربوه ضربا شديدا، ثم خلوا سبيله، فلما قضى حاجته بمكة ~~وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه بالذي كان من أمره وأمر ~~عناق وما لقي بسببها وقال: يا رسول الله أيحل لي أن أتزوجها؟ فأنزل الله ~~تعالى {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} (1) . # وقيل: الآية منسوخة في حق الكتابيات بقوله تعالى "والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم" (5-المائدة) فإن قيل: كيف أطلقتم اسم الشرك على من ~~لا ينكر إلا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال أبو الحسن بن فارس لأن من ~~يقول القرآن كلام غير الله فقد أشرك مع الله غيره، وقال قتادة وسعيد بن ~~جبير: أراد بالمشركات الوثنيات، فإن عثمان رضي الله عنه تزوج نائلة بنت ~~فرافصة، وكانت نصرانية فأسلمت تحته، وتزوج طلحة بن عبد الله نصرانية، وتزوج ~~حذيفة يهودية [فكتب إليه عمر رضي الله عنه خل سبيلها. فكتب إليه أتزعم أنها ~~حرام؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن] (2) . # قوله تعالى: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} بجمالها ومالها، ~~نزلت في خنساء وليدة سوداء، كانت لحذيفة بن اليمان، قال حذيفة: يا خنساء قد ~~ذكرت في الملأ الأعلى، على سوادك ودمامتك PageV01P255 # فأعتقها وتزوجها، وقال السدي نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة ~~سوداء فغضب عليها ولطمها ثم فزع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره ms0247 بذلك ~~فقال له صلى الله عليه وسلم وما هي يا عبد الله؟ قال: هي تشهد أن لا إله ~~إلا الله وأنك رسول الله وتصوم رمضان وتحسن الوضوء وتصلي فقال: "هذه مؤمنة" ~~قال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق نبيا لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل ذلك فطعن ~~عليه ناس من المسلمين وقالوا: أتنكح أمة؟ وعرضوا عليه حرة مشركة، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية (1) قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} ~~هذا إجماع: لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو ~~أعجبكم أولئك} يعني المشركين 35/ب {يدعون إلى النار} أي إلى الأعمال ~~الموجبة للنار {والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه} أي بقضائه وإرادته ~~{ويبين آياته للناس} أي أوامره ونواهيه {لعلهم يتذكرون} يتعظون. ### || # {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن ~~حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين (222) نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم ~~واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223) } # قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض} أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز ~~القاشاني أنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي أنا أبو علي ~~محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي أنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني أنا ~~موسى بن إسماعيل أنا حماد بن سلمة أنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن ~~اليهود كانت إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم ~~يشاربوها ولم يجامعوها في البيت فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فأنزل الله تعالى {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في ~~المحيض} الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جامعوهن في البيوت ~~واصنعوا كل شيء إلا النكاح" فقالت اليهود ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئا من ~~أمرنا إلا خالفنا فيه فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشير إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا ms0248 أفلا ننكحهن في ~~المحيض؟ فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما ~~فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث في ~~آثارهما فسقاهما فظننا أنه لم يجد عليهما (2) . PageV01P256 # قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض} أي عن الحيض وهو مصدر حاضت المرأة تحيض ~~حيضا ومحيضا كالسير والمسير، وأصل الحيض الانفجار والسيلان وقوله {قل هو ~~أذى} أي قذر، والأذى كل ما يكره من كل شيء {فاعتزلوا النساء في المحيض} ~~أراد بالاعتزال ترك الوطء {ولا تقربوهن} أي لا تجامعوهن، أما الملامسة ~~والمضاجعة معها فجائزة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا قبيصة أنا سفيان عن منصور عن إبراهيم ~~عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله ~~عليه وسلم من إناء واحد كلانا جنب وكان يأمرني أن أتزر فيباشرني وأنا حائض ~~وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله وأنا حائض" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا سعد بن حفص أنا شيبان عن يحيى عن أبي سلمة عن ~~زينب بنت أبي سلمة حدثته عن أم سلمة قالت: "حضت وأنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الخميلة فانسللت فخرجت منها فأخذت ثياب حيضي فلبستها فقال لي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنفست؟ قلت: نعم، فدعاني فأدخلني معه في ~~الخميلة" (2) . # أخبرنا أبو القاسم بن عبد الله بن محمد الحنيفي أنا أبو الحارث طاهر بن ~~محمد الطاهري أنا أبو محمد الحسن بن محمد حكيم (3) أنا أبو الموجه محمد بن ~~عمرو أنا صدقة أنا وكيع أنا مسعر وسفيان عن المقدام (4) بن شريح عن أبيه عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أشرب وأنا حائض فأناوله النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيضع فاه على موضع في وأتعرق العرق فيتناوله فيضع فاه في موضع ms0249 ~~في" (5) . # فوطء الحائض حرام، ومن فعله يعصي الله عز وجل ويعزره الإمام، إن علم منه ~~ذلك، واختلف أهل العلم في وجوب الكفارة عليه، فذهب أكثرهم (6) إلى أنه لا ~~كفارة عليه فيستغفر الله ويتوب إليه. # وذهب قوم إلى وجوب الكفارة عليه منهم: قتادة والأوزاعي وأحمد وإسحاق، لما ~~أخبرنا عبد الواحد بن PageV01P257 # أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أنا علي ~~بن الجعد أنا أبو جعفر الرازي عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن مقسم عن ابن ~~عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في رجل جامع امرأته وهي حائض قال: ~~"إن كان الدم عبيطا فليتصدق بدينار، وإن كان صفرة فنصف دينار" (1) . # ويروى هذا موقوفا عن ابن عباس، ويمنع الحيض جواز الصلاة ووجوبها، ويمنع ~~جواز الصوم، ولا يمنع وجوبه، حتى إذا طهرت يجب عليها قضاء الصوم ولا يجب ~~قضاء الصلاة، وكذلك النفساء. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد ~~الجراحي أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي أنا ~~علي بن حجر أنا علي بن مسهر عن عبيدة بن معتب الضبي عن إبراهيم النخعي عن ~~الأسود عن عائشة قالت: "كنا نحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نطهر ~~فيأمرنا بقضاء الصيام ولا يأمرنا بقضاء الصلاة" (2) . # ولا يجوز للحائض الطواف بالبيت ولا الاعتكاف في المسجد، ولا مس المصحف، ~~ولا قراءة القرآن، ولا يجوز للزوج غشيانها. # أخبرنا عمر بن عبد العزيز أنا القاسم بن جعفر أنا أبو علي اللؤلؤي أنا ~~أبو داود أنا مسدد أنا عبد الواحد بن زياد أنا أفلت بن خليفة قال: حدثني ~~جسرة بنت دجاجة قالت: سمعت عائشة تقول جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني ~~لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" (3) . # قوله تعالى: {حتى يطهرن} قرأ عاصم برواية أبي بكر وحمزة والكسائي بتشديد ~~الطاء والهاء يعني: حتى يغتسلن، وقرأ ms0250 الآخرون بسكون الطاء وضم الهاء، فخفف، ~~ومعناه حتى يطهرن من الحيض وينقطع PageV01P258 # دمهن {فإذا تطهرن} يعني اغتسلن {فأتوهن} أي فجامعوهن {من حيث أمركم الله} ~~أي من حيث أمركم أن تعتزلوهن منه، وهو الفرج، قاله مجاهد وقتادة وعكرمة، ~~وقال ابن عباس: طؤوهن في الفرج ولا تعدوه إلى غيره أي اتقوا الأدبار، وقيل ~~{من} بمعنى {في} أي في حيث أمركم الله تعالى وهو الفرج، كقوله تعالى: "إذا ~~نودي للصلاة من يوم الجمعة" (9-الجمعة) أي في يوم الجمعة وقيل {فأتوهن} ~~الوجه الذي أمركم الله أن تأتوهن وهو الطهر، وقال ابن الحنفية: من قبل ~~الحلال دون الفجور، وقيل: لا تأتوهن صائمات ولا معتكفات ولا محرمات: وأتوهن ~~وغشيانهن لكم حلال، واعلم أنه لا يرتفع تحريم شيء مما منعه الحيض بانقطاع ~~الدم ما لم تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء إلا تحريم الصوم، فإن الحائض إذا ~~انقطع دمها بالليل ونوت الصوم فوقع غسلها بالنهار صح صومها، والطلاق في حال ~~الحيض يكون بدعيا، وإذا طلقها بعد انقطاع الدم قبل الغسل لا يكون بدعيا، ~~وذهب أبو حنيفة رضي الله عنه إلى أنه إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهي عدة ~~عشرة أيام يجوز للزوج غشيانها قبل الغسل، وقال مجاهد وطاووس: إذا غسلت ~~فرجها جاز للزوج غشيانها قبل الغسل. # وأكثر أهل العلم على التحريم ما لم تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء، لأن ~~الله تعالى علق جواز وطئها بشرطين: 36/أبانقطاع الدم والغسل، فقال {حتى ~~يطهرن} يعني من الحيض {فإذا تطهرن} يعني اغتسلن {فأتوهن} ومن قرأ يطهرن ~~بالتشديد فالمراد من ذلك: الغسل كقوله تعالى "وإن كنتم جنبا فاطهروا" ~~(6-المائدة) أي فاغتسلوا فدل على أن قبل الغسل لا يحل الوطء. # قوله تعالى: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} قال عطاء ومقاتل بن ~~سليمان والكلبي: يحب التوابين من الذنوب، ويحب المتطهرين بالماء من الأحداث ~~والنجاسات، وقال مقاتل بن حيان: يحب التوابين من الذنوب والمتطهرين من ~~الشرك، وقال سعيد بن جبير: التوابين من الشرك والمتطهرين من الذنوب، وقال ~~مجاهد التوابين من الذنوب لا يعودون ms0251 فيها والمتطهرين منها لم يصيبوها، ~~والتواب: الذي كلما أذنب تاب، نظيره قوله تعالى: "فإنه كان للأوابين غفورا" ~~(25-الإسراء) . # قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} أخبرنا أبو سعيد أحمد ~~بن إبراهيم الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرنا عبد الله بن حامد ~~الأصبهاني أخبرنا محمد بن يعقوب أنا ابن المنادي أنا يونس أنا يعقوب القمي ~~عن جعفر بن المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء ~~عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله هلكت، قال وما ~~الذي أهلكك؟ قال: حولت رحلي البارحة، فلم يرد عليه شيئا، وأوحى الله إليه ~~{نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} يقول أدبر وأقبل واتق الدبر والحيضة ~~(1) . PageV01P259 # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أحمد بن الحسين الحيري أنا حاجب ~~بن أحمد الطوسي أنا عبد الرحيم بن منيب أنا ابن عيينة عن ابن المنكدر أنه ~~سمع جابر بن عبد الله يقول: كانت اليهود تقول في الذي يأتي امرأته من دبرها ~~في قبلها: إن الولد يكون أحول، فنزلت {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم} (1) . # وروى مجاهد عن ابن عباس قال كان من شأن أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء ~~إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة، وكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا ~~بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ~~ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، ~~فذهب يصنع بها ذلك فأنكرت عليه وقالت إنا كنا نؤتى على حرف فإن شئت فاصنع ~~ذلك وإلا فاجتنبني، حتى سرى أمرهما، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله تعالى {نساؤكم حرث لكم} الآية يعني موضع الولد {فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم} مقبلات ومدبرات ومستلقيات وأنى حرف استفهام يكون سؤالا عن الحال ~~والمحل معناه: كيف شئتم وحيث شئتم، بعد أن يكون في صمام واحد، وقال عكرمة ~~{أنى شئتم} إنما هو الفرج، ومثله عن الحسن، وقيل {حرث ms0252 لكم} أي مزرع لكم ~~ومنبت للولد، بمنزلة الأرض التي تزرع، وفيه دليل على تحريم الأدبار، لأن ~~محل الحرث والزرع هو القبل لا الدبر. # وقال سعيد بن المسيب هذا في العزل، يعني إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا ~~تعزلوا وسئل ابن عباس عن العزل فقال: حرثك إن شئت فأعطش، وإن شئت فارو، ~~وروي عنه أنه قال: تستأمر الحرة في العزل ولا تستأمر الجارية، وبه قال ~~أحمد، وكره جماعة العزل وقالوا: هو الوأد الخفي، وروى عن مالك عن نافع قال ~~كنت أمسك على ابن عمر المصحف فقرأ هذه الآية {نساؤكم حرث لكم} فقال أتدري ~~فيم نزلت هذه الآية؟ قلت لا قال: نزلت في رجل أتى امرأته في دبرها، فشق ذلك ~~عليه فنزلت هذه الآية (2) . # ويحكى عن مالك إباحة ذلك، وأنكر ذلك أصحابه، وروي عن عبد الله بن الحسن ~~أنه لقي سالم بن عبد الله فقال له يا أبا عمر ما حديث يحدث نافع عن عبد ~~الله أنه لم يكن يرى بأسا بإتيان النساء في أدبارهن فقال: كذب العبد وأخطأ، ~~إنما قال عبد الله: يؤتون في فروجهن من أدبارهن، والدليل على تحريم الأدبار ~~ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد بن الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أخبرنا الشافعي أنا عمر محمد بن علي بن ~~شافع أخبرني عبد الله بن علي بن السائب عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح عن ~~خزيمة بن ثابت أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في ~~PageV01P260 # أدبارهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم "في أي الخرمتين أو في أي ~~الخرزتين أو في أي الخصفتين أمن دبرها في قبلها فنعم أو من دبرها في دبرها ~~فلا فإن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن" (1) . # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا عبد الله ~~الحسين بن محمد الحافظ أنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي أخبرنا محمد بن ~~عبد الله بن سليمان الحضرمي أنا ms0253 عبد الله بن أبان أنا يحيى بن زكريا بن أبي ~~زائدة عن مسلم بن خالد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "ملعون من أتى امرأته في دبرها" (2) . # قوله تعالى: {وقدموا لأنفسكم} قال عطاء: التسمية عند الجماع قال مجاهد ~~{وقدموا لأنفسكم} يعني إذا أتى أهله فليدع. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~إسماعيل أنا عثمان بن أبي شيبة أنا جرير عن منصور عن سالم عن كريب عن ابن ~~عباس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم "لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله ~~قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر ~~بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا" (3) . وقيل قدموا لأنفسكم يعني: طلب ~~الولد. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد الله ~~الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا ~~علي بن حجر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة ~~جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (4) وقيل: هو التزوج بالعفاف ~~ليكون الولد صالحا. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد أنا يحيى عن عبيد الله حدثني سعيد بن ~~أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تنكح ~~المرأة لأربع PageV01P261 # لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" (1) وقيل ~~معنى الآية تقديم الأفراط. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب 36/ب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يموت لأحد من ms0254 المسلمين ثلاثة من ~~الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم" (2) وقال الكلبي والسدي: وقدموا لأنفسكم ~~يعني الخير والعمل الصالح بدليل سياق الآية {واتقوا الله واعلموا أنكم ~~ملاقوه} صائرون إليه فيجزيكم بأعمالكم {وبشر المؤمنين} ### || # {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله ~~سميع عليم (224) } PageV01P262 # {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله ~~غفور حليم (225) } # قوله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} نزلت في عبد الله بن رواحة، ~~كان بينه وبين ختنه على أخته بشير بن النعمان الأنصاري شيء، فحلف عبد الله ~~أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصمه، وإذا قيل له فيه قال: ~~قد حلفت بالله أن لا أفعل، فلا يحل لي إلا أن تبر بيميني، فأنزل الله هذه ~~الآية (1) . # وقال ابن جريج: نزلت في أبي بكر الصديق حين حلف أن لا ينفق على مسطح حين ~~خاض في حديث الإفك (2) ، والعرضة: أصلها الشدة والقوة ومنه قيل للدابة التي ~~تتخذ للسفر عرضة، لقوتها عليه، ثم قيل لكل ما يصلح لشيء هو عرضة له حتى ~~قالوا للمرأة هي عرضة النكاح إذا صلحت له والعرضة كل ما يعترض فيمنع عن ~~الشيء ومعنى الآية {لا تجعلوا} الحلف بالله سببا مانعا لكم من البر والتقوى ~~يدعى أحدكم إلى صلة رحم أو بر فيقول حلفت بالله أن لا أفعله، فيعتل بيمينه ~~في ترك البر {أن تبروا} معناه أن لا تبروا كقوله تعالى "يبين الله لكم أن ~~تضلوا" (176-النساء) أي لئلا تضلوا {وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع ~~عليم} PageV01P262 # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال "من حلف بيمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن ~~يمينه، وليفعل الذي هو خير" (1) . # قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} اللغو كل مطرح من ~~الكلام لا يعتد به، واختلف أهل العلم ms0255 في اللغو في اليمين المذكورة في الآية ~~فقال قوم هو ما يسبق إلى اللسان على عجلة لصلة الكلام، من غير عقد وقصد، ~~كقول القائل: لا والله وبلى والله وكلا والله. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا ~~أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه ~~عن عائشة أنها قالت: لغو اليمين قول الإنسان لا والله وبلى والله، ورفعه ~~بعضهم (2) وإلى هذا ذهب الشعبي وعكرمة وبه قال الشافعي. # ويروى عن عائشة: أيمان اللغو ما كانت في الهزل والمراء والخصومة والحديث ~~الذي لا يعقد عليه القلب، وقال قوم: هو أن يحلف عن شيء يرى أنه صادق فيه ثم ~~يتبين له خلاف ذلك وهو قول الحسن والزهري وإبراهيم النخعي وقتادة ومكحول، ~~وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه، وقالوا لا كفارة فيه ولا إثم عليه، وقال ~~علي: هو اليمين على الغضب، وبه قال طاووس وقال سعيد بن جبير: هو اليمين في ~~المعصية لا يؤاخذه الله بالحنث فيها، بل يحنث ويكفر. وقال مسروق: ليس عليه ~~كفارة أيكفر خطوات الشيطان؟ وقال الشعبي في الرجل يحلف على المعصية كفارته ~~أن يتوب منها وكل يمين لا يحل لك أن تفي بها فليس فيها كفارة ولو أمرته ~~بالكفارة لأمرته أن يتم على قوله وقال زيد بن أسلم: هو دعاء الرجل على نفسه ~~تقول لإنسان أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا [أخرجني الله من مالي إن ~~لم آتك غدا، ويقول: هو كافر إن فعل كذا] (3) . فهذا كله لغو لا يؤاخذه الله ~~به ولو آخذهم به لعجل لهم العقوبة "ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير لقضي إليهم أجلهم" (11-يونس) ، وقال "ويدع الإنسان بالشر دعاءه ~~بالخير" (11-الإسراء) . # قوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} أي عزمتم وقصدتم إلى اليمين، ~~وكسب القلب العقد والنية {والله غفور رحيم} واعلم أن اليمين لا تنعقد إلا ~~بالله أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته: فاليمين بالله أن يقول: ms0256 والذي ~~أعبده، والذي أصلي له، والذي نفسي بيده، ونحو ذلك، واليمين بأسمائه كقوله ~~والله والرحمن ونحوه، واليمين بصفاته كقوله: وعزة الله وعظمة الله وجلال ~~الله وقدرة الله PageV01P263 # ونحوها، فإذا حلف بشيء منها على أمر في المستقبل فحنث يجب عليه الكفارة ~~وإذا حلف على أمر ماض أنه كان ولم يكن أو على أنه لم يكن وقد كان، إن كان ~~عالما به حالة ما حلف فهو اليمين الغموس، وهو من الكبائر، وتجب فيه الكفارة ~~عند بعض أهل العلم، عالما كان أو جاهلا وبه قال الشافعي، ولا تجب عند بعضهم ~~وهو قول أصحاب الرأي وقالوا إن كان عالما فهو كبيرة ولا كفارة لها كما في ~~سائر الكبائر وإن كان جاهلا فهو يمين اللغو عندهم ومن حلف بغير الله مثل أن ~~قال: والكعبة وبيت الله ونبي الله، أو حلف بأبيه ونحو ذلك، فلا يكون يمينا، ~~فلا تجب عليه الكفارة إذا حلف، وهو يمين مكروهة، قال الشافعي: وأخشى أن ~~يكون معصية. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو ~~مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب وهو يحلف بأبيه، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف ~~بالله أو ليصمت" (1) . ### || # {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ~~(226) وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (227) والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله ~~واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي ~~عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم (228) } # قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} يؤلون أي يحلفون، ~~والألية: اليمين والمراد من الآية: اليمين على ترك وطء المرأة، قال قتادة: ~~كان الإيلاء طلاقا لأهل الجاهلية، وقال سعيد بن المسيب: ms0257 كان ذلك من ضرار ~~أهل الجاهلية، كان الرجل لا يحب امرأته ولا يريد أن يتزوجها غيره، فيحلف أن ~~لا يقربها أبدا، فيتركها لا أيما ولا ذات بعل، وكانوا عليه في ابتداء ~~الإسلام، فضرب الله له أجلا في الإسلام، واختلف أهل العلم فيه: فذهب أكثرهم ~~إلى أنه إن حلف أن لا يقرب زوجته أبدا أو سمى مدة أكثر من أربعة أشهر، يكون ~~موليا، فلا يتعرض له قبل مضي أربعة أشهر، وبعد مضيها يوقف ويؤمر ~~PageV01P264 # بالفيء أو بالطلاق بعد مطالبة المرأة، والفيء هو الرجوع عما قاله بالوطء، ~~إن قدر عليه، وإن لم يقدر فبالقول، فإن لم يفء ولم يطلق طلق عليه السلطان ~~واحدة، وذهب إلى الوقوف بعد مضي المدة عمر وعثمان وعلي وأبو الدرداء وابن ~~عمر، قال سليمان بن يسار: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم كلهم يقول بوقف المولي. وإليه ذهب سعيد بن جبير وسليمان بن يسار ~~ومجاهد، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وقال بعض أهل العلم: إذا مضت ~~أربعة أشهر تقع عليها طلقة بائنة، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وبه قال ~~سفيان الثوري وأصحاب الرأي. # وقال سعيد بن المسيب والزهري: تقع طلقة رجعية، ولو حلف أن لا يطأها أقل ~~من أربعة أشهر لا يكون موليا، بل هو حالف، فإذا وطئها قبل مضي تلك المدة ~~تجب عليه كفارة اليمين، ولو حلف أن لا يطأها أربعة أشهر لا يكون موليا عند ~~من يقول بالوقف بعد مضي المدة، لأن بقاء المدة شرط للوقف وثبوت المطالبة ~~بالفيء أو الطلاق، وقد مضت المدة. وعند من لا يقول بالوقف يكون موليا، ويقع ~~الطلاق بمضي المدة. # ومدة الإيلاء: أربعة أشهر في حق الحر والعبد جميعا عند الشافعي رحمه ~~الله، لأنها ضربت لمعنى يرجع إلى الطبع، وهو قلة صبر المرأة عن الزوج، ~~فيستوي فيه الحر والعبد كمدة العنة. # وعند مالك رحمه الله وأبي حنيفة رحمه الله تتنصف مدة العنة بالرق، غير أن ~~عند أبي حنيفة تتنصف برق المرأة، وعند مالك برق الزوج، ms0258 كما قالا في الطلاق. # قوله تعالى: {تربص أربعة أشهر} أي انتظار أربعة أشهر، والتربص: التثبت ~~والتوقف {فإن فاءوا} رجعوا عن اليمين بالوطء {فإن الله غفور رحيم} وإذا وطئ ~~خرج عن الإيلاء وتجب عليه كفارة اليمين عند أكثر أهل العلم، وقال الحسن ~~وإبراهيم النخعي وقتادة: لا كفارة عليه لأن الله تعالى وعد بالمغفرة فقال ~~{فإن الله غفور رحيم} وذلك عند الأكثرين في إسقاط العقوبة لا في الكفارة، ~~ولو قال لزوجته: إن قربتك فعبدي حر أو صرت طالقا، أو لله علي عتق رقبة أو ~~صوم أو صلاة فهو مول لأن المولي من يلزمه أمر بالوطء، ويوقف بعد مضي المدة ~~فإن فاء يقع الطلاق أو العتق المعلق به، وإن التزم في الذمة تلزمه كفارة ~~اليمين في قول، وفي قول يلزمه ما التزم في ذمته من الإعتاق والصلاة والصوم # {وإن عزموا الطلاق} أي حققوه بالإيقاع {فإن الله سميع} {عليم} بنياتهم، ~~وفيه دليل على أنها لا تطلق بعد مضي المدة ما لم يطلقها زوجها، لأنه شرط ~~فيه العزم، وقال: {فإن الله سميع عليم} فدل على أنه يقتضي مسموعا والقول هو ~~الذي يسمع. # قوله تعالى: {والمطلقات} أي المخليات من حبال أزواجهن {يتربصن} ينتظرن ~~{بأنفسهن ثلاثة قروء} فلا يتزوجن، والقروء: جمع قرء، مثل فرع، وجمعه القليل ~~أقرؤ والجمع الكثير أقراء، واختلف أهل # PageV01P265 # العلم في القروء فذهب جماعة إلى أنها الحيض وهو قول عمر وعلي وابن مسعود ~~وابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي ~~37/أواحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة "دعي الصلاة أيام ~~أقرائك" (1) وإنما تدع المرأة الصلاة أيام حيضها. وذهب جماعة إلى أنها ~~الأطهار وهو قول زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعائشة، وهو قول الفقهاء ~~السبعة والزهري وبه قال ربيعة ومالك والشافعي، واحتجوا بأن ابن عمر رضي ~~الله عنه لما طلق امرأته وهي حائض قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: "مره ~~فليراجعها حتى تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة ms0259 ~~التي أمر الله أن يطلق لها النساء" (2) . # فأخبر أن زمان العدة هو الطهر، ومن جهة اللغة قول الشاعر: # ففي كل عام أنت جاشم غزوة %~% تشد لأقصاها عزيم عزائكا # مورثة مالا وفي الحي رفعة %~% لما ضاع فيها من قروء نسائكا # وأراد به أنه كان يخرج إلى الغزو ولم يغش نساءه فتضيع أقراؤهن وإنما تضيع ~~بالسفر زمان الطهر لا زمان الحيضة، وفائدة الخلاف تظهر في أن المعتدة إذا ~~شرعت في الحيضة الثالثة تنقضي عدتها على قول من يجعلها أطهارا وتحسب بقية ~~الطهر الذي وقع فيه الطلاق قرءا، قالت عائشة رضي الله عنها: إذا طعنت ~~المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها. ومن ذهب إلى أن ~~الأقراء هي الحيض يقول لا تنقضي عدتها ما لم تطهر من الحيضة الثالثة، وهذا ~~الاختلاف من حيث أن اسم القرء يقع على الطهر والحيض جميعا، يقال أقرأت ~~المرأة: إذا حاضت وأقرأت: إذا طهرت، فهي مقرئ، واختلفوا في أصله فقال أبو ~~عمرو بن العلاء وأبو عبيدة: هو الوقت لمجيء الشيء وذهابه، يقال: رجع فلان ~~لقرئه ولقارئه أي لوقته الذي يرجع فيه وهذا قارئ الرياح أي وقت هبوبها، قال ~~مالك بن الحارث الهذلي: # كرهت العقر عقر بني شليل %~% إذا هبت لقارئها الرياح # أي لوقتها، والقرء يصلح للوجهين، لأن الحيض يأتي لوقت، والطهر مثله، ~~وقيل: هو من القرأ وهو الحبس والجمع، تقول العرب: ما قرأت الناقة سلا قط أي ~~لم تضم رحمها على ولد ومنه قريت الماء في المقراة وهي الحوض أي جمعته، بترك ~~همزها، فالقرء هاهنا احتباس الدم واجتماعه، فعلى هذا يكون الترجيح ~~PageV01P266 # فيه للطهر لأنه يحبس الدم ويجمعه، والحيض يرخيه ويرسله، وجملة الحكم في ~~العدد: أن المرأة إذا كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل، سواء وقعت الفرقة ~~بينها وبين الزوج بالطلاق أو بالموت لقوله تعالى "وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن" (4-الطلاق) فإن لم تكن حاملا نظر: إن وقعت الفرقة بينهما بموت ~~الزوج فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر، سواء مات الزوج قبل الدخول أو ms0260 ~~بعده، وسواء كانت المرأة ممن تحيض، أو لا تحيض لقول الله تعالى: "والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا" (234-البقرة) ~~وإن وقعت الفرقة بينهما في الحياة نظر فإن كان الطلاق قبل الدخول بها، فلا ~~عدة عليها، لقول الله تعالى: "يا أيها آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها" (49-الأحزاب) . # وإن كان بعد الدخول نظر: إن كانت المرأة ممن لم تحض قط أو بلغت في الكبر ~~سن الآيسات فعدتها ثلاثة أشهر لقول الله تعالى: "واللائي يئسن من المحيض من ~~نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن" (4-الطلاق) . # وإن كانت ممن تحيض فعدتها ثلاثة أقراء لقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء} وقوله {يتربصن بأنفسهن} لفظه خبر ومعناه أمر، وعدة ~~الأمة إن كانت حاملا بوضع الحمل كالحرة، وإن كانت حائلا ففي الوفاة عدتها ~~شهران وخمس ليال، وفي الطلاق، إن كانت ممن تحيض فعدتها قرءان، وإن كانت ممن ~~لا تحيض فشهر ونصف: وقيل شهران كالقرأين في حق من تحيض. قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: ينكح العبد امرأتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين، فإن ~~لم تكن تحيض فشهرين أو شهرا ونصفا. # وقوله عز وجل: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} قال عكرمة: ~~يعني الحيض وهو أن يريد الرجل مراجعتها فتقول: قد حضت الثالثة وقال ابن ~~عباس وقتادة: يعني الحمل، ومعنى الآية: لا يحل للمرأة كتمان ما خلق الله في ~~رحمها من الحيض والحمل لتبطل حق الزوج من الرجعة والولد {إن كن يؤمن بالله ~~واليوم الآخر} معناه أن هذا من فعل المؤمنات وإن كانت المؤمنة والكافرة في ~~هذا الحكم سواء كما تقول، أد حقي إن كنت مؤمنا، يعني أداء الحقوق من فعل ~~المؤمنين. # {وبعولتهن} يعني أزواجهن جمع بعل، كالفحولة جمع فحل، سمي الزوج بعلا ~~لقيامه بأمور زوجته وأصل البعل السيد والمالك {أحق بردهن} أولى برجعتهن ~~إليهم {في ذلك} أي إن أرادوا بالرجعة الصلاح وحسن العشرة ms0261 لا الإضرار كما ~~كانوا يفعلونه في الجاهلية كان الرجل يطلق امرأته فإذا قرب انقضاء عدتها، ~~راجعها ثم تركها مدة، ثم طلقها ثم إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم بعد مدة ~~طلقها يقصد بذلك تطويل العدة عليها {ولهن} أي للنساء على الأزواج مثل # PageV01P267 # الذي عليهن للأزواج بالمعروف قال ابن عباس في معناه: إني أحب أن أتزين ~~لامرأتي كما تحب امرأتي أن تتزين لي لأن الله تعالى قال: {ولهن مثل الذي ~~عليهن بالمعروف} # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو سهل محمد بن عمر ~~بن طرفة السجزي أنا أبو سليمان الخطابي أخبرنا أبو بكر بن داسة أنا أبو ~~داود السجستاني أنا موسى بن إسماعيل أنا حماد أنا أبو قزعة سويد بن حجير ~~الباهلي عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال: قلت يا رسول الله ما حق ~~زوجة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت ولا ~~تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" (1) # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أخبرنا عبد الغافر بن محمد ~~الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان ~~أنا مسلم بن الحجاج أنا أبو بكر بن أبي شيبة أنا حاتم بن إسماعيل المدني عن ~~جعفر بن محمد عن أبيه أنه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فقلت: أخبرني عن ~~حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسرد قصة حجة الوداع إلى أن ذكر خطبته ~~يوم عرفة قال: "فاتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، فإنكم أخذتموهن ~~بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم ~~أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده: كتاب ~~الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ~~ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم ~~اشهد اللهم اشهد" (2) ثلاث مرات. ms0262 # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن ~~أحمد الطوسي، 37/ب أنا محمد بن يحيى أنا يعلى بن عبيد أنا محمد بن عمرو عن ~~أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أكمل ~~المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائكم" (3) . PageV01P268 # قوله تعالى: {وللرجال عليهن درجة} قال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر ~~وأنفق عليها من المال، وقال قتادة: بالجهاد، وقيل بالعقل، وقيل بالشهادة، ~~وقيل بالميراث، وقيل بالدية وقيل بالطلاق، لأن الطلاق بيد الرجال، وقيل ~~بالرجعة، وقال سفيان وزيد بن أسلم: بالإمارة وقال القتيبي وللرجال عليهن ~~درجة معناه فضيلة في الحق {والله عزيز حكيم} # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ~~أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى ~~البرتي أنا حذيفة أنا سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل خرج في ~~غزاة بعثه النبي صلى الله عليه وسلم فيها ثم رجع فرأى رجالا يسجد بعضهم ~~لبعض فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لو ~~أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" (1) . ### || # {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد ~~حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله ~~وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون (230) } # قوله تعالى: {الطلاق مرتان} روي عن عروة بن الزبير قال: كان الناس في ~~الابتداء يطلقون من غير حصر ولا عدد، وكان الرجل يطلق امرأته، فإذا قاربت ~~انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها كذلك ثم راجعها يقصد ms0263 مضارتها فنزلت هذه الآية ~~{الطلاق مرتان} يعني الطلاق الذي يملك الرجعة عقيبه مرتان، فإذا طلق ثلاثا ~~فلا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر. # قوله تعالى: {فإمساك بمعروف} قيل: أراد بالإمساك الرجعة بعد الثانية، ~~والصحيح أن المراد منه: الإمساك بعد الرجعة، يعني إذا راجعها بعد الرجعة ~~الثانية فعليه أن يمسكها بالمعروف، والمعروف كل ما PageV01P269 # يعرف في الشرع، من أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة {أو تسريح بإحسان} أن ~~يتركها بعد الطلاق حتى تنقضي عدتها وقيل الطلقة الثالثة. # قوله تعالى: {أو تسريح بإحسان} وصريح اللفظ الذي يقع به الطلاق من غير ~~نية ثلاثة: الطلاق والفراق والسراح، وعند أبي حنيفة الصريح هو لفظ الطلاق ~~فحسب، وجملة الحكم فيه أن الحر إذا طلق زوجته طلقة أو طلقتين بعد الدخول ~~بها يجوز له مراجعتها بغير رضاها ما دامت في العدة، وإن لم يراجعها حتى ~~انقضت عدتها، أو طلقها قبل الدخول بها أو خالعها فلا تحل له إلا بنكاح جديد ~~بإذنها، وإذن وليها فإن طلقها ثلاثا فلا تحل له، ما لم تنكح زوجا غيره، ~~وأما العبد إذا كانت تحته امرأة، فطلقها طلقتين، فإنها لا تحل له إلا بعد ~~نكاح زوج آخر. # واختلف أهل العلم فيما إذا كان أحد الزوجين رقيقا، فذهب أكثرهم إلى أنه ~~يعتبر عدد الطلاق بالزوج، فالحر يملك على زوجته الأمة ثلاث طلقات، والعبد ~~لا يملك على زوجته الحرة إلا طلقتين، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ~~الطلاق بالرجال والعدة بالنساء، يعني يعتبر في عدد الطلاق حال الرجل وفي ~~قدر العدة حال المرأة، وهو قول عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس رضي الله ~~عنهم، وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، ~~وذهب قوم إلى أن الاعتبار بالمرأة في عدد الطلاق فيملك العبد على زوجته ~~الحرة ثلاث طلقات ولا يملك الحر على زوجته الأمة إلا طلقتين وهو قول سفيان ~~الثوري وأصحاب الرأي. # قوله تعالى {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن} أعطيتموهن {شيئا} ~~المهور وغيرها ثم استثنى الخلع ms0264 فقال {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} ~~نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي أوفى ويقال: حبيبة بنت سهل كانت تحت ~~ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها فكان بينهما كلام فأتت أباها ~~فشكت إليه زوجها وقالت له: إنه يسيء إلي ويضربني فقال: ارجعي إلى زوجك فإني ~~أكره للمرأة أن لا تزال رافعة يديها تشكو زوجها قال: فرجعت إليه الثانية ~~وبها أثر الضرب فقال لها: ارجعي إلى زوجك، فلما رأت أن أباها لا يشكيها أتت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه زوجها وأرته آثارا بها من ضربه ~~وقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا هو، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى ثابت فقال: "ما لك ولأهلك؟ " فقال: والذي بعثك بالحق نبيا ما على وجه ~~الأرض أحب إلي منها غيرك، فقال لها: ما تقولين؟ فكرهت أن تكذب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين سألها فقالت: صدق يا رسول الله ولكن قد خشيت أن ~~يهلكني فأخرجني منه، وقالت: يا رسول الله ما كنت لأحدثك حديثا ينزل الله ~~عليك خلافه، هو من أكرم الناس محبة لزوجته، ولكني أبغضه فلا أنا ولا هو، ~~قال ثابت: قد أعطيتها حديقة فلتردها علي وأخلي سبيلها فقال لها: "تردين ~~عليه حديقته وتملكين أمرك"؟ قالت: نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"يا ثابت خذ # PageV01P270 # منها ما أعطيتها وخل سبيلها" (1) ففعل. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا زاهر بن جميل أخبرنا عبد الوهاب الثقفي أنا ~~خالد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ثابت ما أعتب عليه في خلق ولا ~~دين، ولكني أكره الكفر بعد الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"أتردين عليه حديقته"؟ قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اقبل ~~الحديقة وطلقها تطليقة" ms0265 (2) . # قوله تعالى: {إلا أن يخافا} أي يعلما {ألا يقيما حدود الله} قرأ أبو جعفر ~~وحمزة ويعقوب {إلا أن يخافا} بضم الياء أي يعلم ذلك منهما، يعني: يعلم ~~القاضي والولي ذلك من الزوجين، بدليل قوله تعالى: {فإن خفتم} فجعل الخوف ~~لغير الزوجين، ولم يقل فإن خافا، وقرأ الآخرون {يخافا} بفتح الياء أي يعلم ~~الزوجان من أنفسهما {ألا يقيما حدود الله} تخاف المرأة أن تعصي الله في أمر ~~زوجها، ويخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها، فنهى الله الرجل أن ~~يأخذ من امرأته شيئا مما آتاها، إلا أن يكون النشوز من قبلها، فقالت: لا ~~أطيع لك أمرا ولا أطالك مضجعا ونحو ذلك. # قال الله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به} أي فيما افتدت به المرأة نفسها منه، قال الفراء: أراد بقوله ~~{عليهما} الزوج دون المرأة، فذكرهما جميعا لاقترانهما كقوله تعالى "نسيا ~~حوتهما" (61-الكهف) ، وإنما الناسي فتى موسى دون موسى وقيل: أراد أنه لا ~~جناح 38/أعليهما جميعا، لا جناح على المرأة في النشوز إذا خشيت الهلاك ~~والمعصية، ولا فيما افتدت به وأعطت به المال، لأنها ممنوعة من إتلاف المال ~~بغير الحق، ولا على الزوج فيما أخذ منها من المال إذا أعطته طائعة، وذهب ~~أكثر أهل العلم إلى أن الخلع جائز على أكثر مما أعطاها وقال الزهري: لا ~~يجوز بأكثر مما أعطاها من المهر. # وقال سعيد بن المسيب: لا يأخذ منها جميع ما أعطاها بل يترك منه شيئا، ~~ويجوز الخلع على غير حال النشوز غير أنه يكره لما فيه من قطع الوصلة بلا ~~سبب. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله بن ~~فنجويه الدينوري أنا عبد الله بن PageV01P271 # محمد بن شيبة أنا أحمد بن جعفر المستملي أنا أبو محمد يحيى بن إسحاق بن ~~شاكر بن أحمد بن خباب أنا عيسى بن يونس أنا عبد الله بن الوليد الوصافي عن ~~محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى ms0266 الله عليه وسلم: "إن من ~~أبغض الحلال إلى الله الطلاق" (1) أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق ~~الثعلبي أخبرني ابن فنجويه أنا ابن أبي أنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة أنا ~~أبي أنا أسامة عن حماد بن زيد عن أبي أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء ~~الرحبي عن ثوبان يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرأة سألت ~~زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة" (2) . # وقال طاووس: الخلع يختص بحالة خوف النشوز لظاهر الآية، والآية حرجت على ~~وفق العادة أن الخلع لا يكون إلا في حال خوف النشوز غالبا، وإذا طلق الرجل ~~امرأته بلفظ الطلاق على مال فقلبت وقعت البينونة وانتقص به العدد. # واختلف أهل العلم في الخلع فذهب أكثرهم إلى أنه تطليقة بائنة ينتقص به ~~عدد الطلاق، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وبه قال سعيد بن المسيب ~~وعطاء والحسن والشعبي والنخعي، وإليه ذهب مالك والثوري والأوزاعي وأصحاب ~~الرأي وهو أظهر قولي الشافعي، وذهب قوم إلى أنه فسخ لا ينتقص به عدد الطلاق ~~وهو قول عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وبه قال عكرمة ~~وطاووس وإليه ذهب أحمد وإسحاق، واحتجوا بأن الله تعالى ذكر الطلاق مرتين ثم ~~ذكر بعده الخلع، ثم ذكر بعده الطلقة الثالثة فقال، {فإن طلقها فلا تحل له ~~من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ولو كان الخلع طلاقا لكان الطلاق أربعا، ومن ~~قال بالأول جعل الطلقة الثالثة: {أو تسريح بإحسان} . PageV01P272 # قوله تعالى: {تلك حدود الله} أي هذه أوامر الله ونواهيه، وحدود الله، ما ~~منع الشرع من المجاوزة عنه {فلا تعتدوها} فلا تجاوزوها {ومن يتعد حدود الله ~~فأولئك هم الظالمون} # قوله تعالى: {فإن طلقها} يعني الطلقة الثالثة {فلا تحل له من بعد} أي من ~~بعد الطلقة الثالثة {حتى تنكح زوجا غيره} أي: غير المطلق فيجامعها، والنكاح ~~يتناول الوطء والعقد جميعا، نزلت في تميمة وقيل في عائشة بنت عبد الرحمن بن ~~عتيك القرظي كانت تحت ms0267 ابن عمها رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي فطلقها ثلاثا. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو ~~العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة عن ~~عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنه سمعها تقول: جاءت امرأة رفاعة القرظي ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كنت عند رفاعة القرظي فطلقني ~~فبت طلاقي، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب، ~~فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة" ~~قالت نعم قال: "لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته" (1) . # وروي أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: إن زوجي قد مسني فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم كذبت بقولك ~~الأول فلن نصدقك في الآخر. فلبثت حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فأتت ~~أبا بكر رضي الله عنه فقالت: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجع ~~إلى زوجي الأول فإن زوجي الآخر قد مسني وطلقني فقال لها أبو بكر: قد شهدت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتيته وقال لك ما قال فلا ترجعي إليه، ~~فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه، أتت عمر رضي الله عنه وقالت له: مثل ذلك ~~فقال لها عمر رضي الله عنه: لئن رجعت إليه لأرجمنك" (2) . قوله تعالى: {فإن ~~طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا} يعني فإن طلقها الزوج الثاني بعدما ~~جامعها {فلا جناح عليهما} يعني على المرأة وعلى الزوج الأول {أن يتراجعا} ~~يعني بنكاح جديد {إن ظنا} أي علما وقيل رجوا، لأن أحدا لا يعلم ما هو كائن ~~إلا الله عز وجل {أن يقيما حدود الله} أي يكون بينهما الصلاح وحسن الصحبة، ~~وقال مجاهد: معناه إن علما أن نكاحهما على غير الدلسة، وأراد بالدلسة ~~التحليل، وهو مذهب سفيان الثوري والأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا ~~تزوجت المطلقة ثلاثا زوجا آخر ليحللها للزوج ms0268 الأول: فإن النكاح فاسد، وذهب ~~جماعة إلى أنه إن لم يشرط في النكاح PageV01P273 # مع الثاني أنه يفارقها فالنكاح صحيح ويحصل به التحليل ولها صداق مثلها، ~~غير أنه يكره إذا كان في عزمها ذلك. # أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي أخبرنا أبو القاسم حمزة بن ~~يوسف السهمي أنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ أنا الحسن بن الفرج ~~أخبرنا عمرو بن خالد الحراني عن عبيد الله بن عبد الكريم هو الجزري عن أبي ~~واصل عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: "لعن ~~المحلل والمحلل له" (1) وقال نافع أتى رجل ابن عمر فقال له: إن رجلا طلق ~~امرأته ثلاثا، فانطلق أخ له من غير مؤامرة فتزوجها ليحلها للأول فقال: لا ~~إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "لعن الله المحلل والمحلل له" (2) ~~{وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون} يعني يعلمون ما أمرهم الله تعالى به. ### || # {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله ~~هزوا واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ~~واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم (231) } # قوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} الآية، نزلت في رجل من ~~الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم ~~طلقها، يقصد بذلك مضارتها. (1) . PageV01P274 # قوله تعالى: {فبلغن أجلهن} أي أشرفن على أن يبن بانقضاء العدة، ولم يرد ~~حقيقة انقضاء العدة، لأن العدة إذا انقضت لم يكن للزوج إمساكها، فالبلوغ ~~هاهنا بلوغ مقاربة، وفي قوله تعالى بعد هذا {فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} ~~حقيقة انقضاء العدة، والبلوغ يتناول المعنيين، يقال: بلغ المدينة إذا قرب ~~منها وإذا دخلها {فأمسكوهن} أي راجعوهن {بمعروف} قيل المراجعة بالمعروف أن ~~يشهد على رجعتها وأن يراجعها بالقول لا بالوطء. # {أو سرحوهن ms0269 بمعروف} أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيكن أملك بأنفسهن {ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} أي لا تقصدوا بالرجعة المضارة بتطويل الحبس {ومن ~~يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} أي أضر 38/ب بنفسه بمخالفة أمر الله تعالى {ولا ~~تتخذوا آيات الله هزوا} قال الكلبي يعني قوله تعالى: "فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان" وكل من خالف أمر الشرع فهو متخذ آيات الله هزوا، وقال أبو ~~الدرداء هو أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يقول: كنت لاعبا، ويعتق ويقول: مثل ~~ذلك [وينكح ويقول مثل ذلك] (1) . # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني ~~أخبرنا عبد الله بن عمرو الجوهري أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني أخبرنا علي ~~بن حجر أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن أبي حبيب بن أردك عن عطاء بن أبي رباح عن ~~ابن ماهك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ثلاث جدهن جد، ~~وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة" (2) . {واذكروا نعمة الله عليكم} ~~بالإيمان {وما أنزل عليكم من الكتاب} يعني: القرآن {والحكمة} يعني: السنة، ~~وقيل: مواعظ القرآن {يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم} ~~PageV01P275 ### || # {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا ~~بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى ~~لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) } # {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} نزلت في جميلة بنت يسار أخت معقل بن ~~يسار المزني، كانت تحت أبي البداح عاصم بن عدي بن عجلان فطلقها. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أحمد بن أبي عمرو حدثني أبي حدثني إبراهيم ~~عن يونس عن الحسن قال حدثني معقل بن يسار قال زوجت أختا لي من رجل فطلقها ~~حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له: زوجتك وفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم ~~جئت تخطبها؟ لا والله لا تعود إليك أبدا، وكان رجلا لا بأس به، وكانت ~~المرأة ms0270 تريد أن ترجع إليه فأنزل الله تعالى {فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} ~~فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: فزوجتها إياه (1) . # قوله تعالى: {فبلغن أجلهن} أي انقضت عدتهن {فلا تعضلوهن أن ينكحن ~~أزواجهن} أي لا تمنعوهن عن النكاح، والعضل: المنع، وأصله الضيق والشدة، ~~يقال: عضلت المرأة إذا نشب ولدها في بطنها فضاق عليه الخروج، والداء العضال ~~الذي لا يطاق، وفي الآية دليل على أن المرأة لا تلي عقد النكاح إذ لو كانت ~~تملك ذلك لم يكن هناك عضل ولا لنهي الولي عن العضل معنى، وقيل الآية خطاب ~~مع الأزواج لمنعهم من الإضرار لأن ابتداء الآية خطاب معهم، والأول أصح. # {إذا تراضوا بينهم بالمعروف} بعقد حلال ومهر جائز {ذلك} أي ذلك الذي ذكر ~~من النهي {يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر} وإنما قال ذلك ~~موحدا، والخطاب للأولياء لأن الأصل في مخاطبة الجمع: ذلكم، ثم كثر حتى ~~توهموا أن الكاف من نفس الحرف وليس بكاف خطاب فقالوا ذلك، فإذا قالوا هذا ~~كانت الكاف موحدة منصوبة في الاثنين والجمع والمؤنث والمذكر قيل هو خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فلذلك وحد ثم رجع إلى خطاب المؤمنين فقال {ذلكم ~~أزكى لكم} أي خير لكم {وأطهر} لقلوبكم من الريبة وذلك أنه إذا كان في نفس ~~كل واحد منهما علاقة حب لم يؤمن أن يتجاوز ذلك إلى غير ما أحل الله لهما، ~~ولم يؤمن من الأولياء أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا بريئين ~~من ذلك فيأثمون {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} أي يعلم من حب كل واحد منهما ~~لصاحبه ما لا تعلمون أنتم. PageV01P276 ### || # {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة ~~بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض ~~منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح ~~عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا ms0271 الله واعلموا أن الله بما تعملون ~~بصير (233) } # قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن} يعني: المطلقات اللاتي لهن أولاد ~~من أزواجهن يرضعن، خبر بمعنى الأمر، وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب، لأنه لا ~~يجب عليهن الإرضاع إذا كان يوجد من ترضع الولد لقوله تعالى في سورة الطلاق: ~~"فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن" (-الطلاق) فإن رغبت الأم في الإرضاع فهي ~~أولى من غيرها {حولين كاملين} أي سنتين، وذكر الكمال للتأكيد كقوله تعالى: ~~"تلك عشرة كاملة" (196-البقرة) وقيل إنما قال كاملين لأن العرب قد تسمي بعض ~~الحول حولا وبعض الشهر شهرا كما قال الله تعالى: (الحج أشهر معلومات) ~~(197-البقرة) ، وإنما هو شهران وبعض الثالث وقال: {فمن تعجل في يومين فلا ~~إثم عليه} (203-البقرة) ، وإنما يتعجل في يوم وبعض يوم، ويقال أقام فلان ~~بموضع كذا حولين وإنما أقام به حولا وبعض آخر، فبين الله تعالى أنهما حولان ~~كاملان، أربعة وعشرون شهرا، واختلف أهل العلم في هذا الحد، فمنهم من قال هو ~~حد لبعض المولودين، فروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها إذا وضعت ~~لستة أشهر فإنها ترضعه حولين كاملين، وإن وضعته لسبعة أشهر فإنها ترضعه ~~ثلاثة وعشرين شهرا، وإن وضعت لتسعة أشهر فإنها ترضعه أحدا وعشرين شهرا، وإن ~~وضعت لعشرة أشهر فإنها ترضعه عشرين شهرا، كل ذلك تمام ثلاثين شهرا لقوله ~~تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} (15-الأحقاف) . # وقال قوم: هو حد لكل مولود بأي وقت ولد لا ينقص رضاعه عن حولين إلا ~~باتفاق الأبوين فأيهما أراد الفطام قبل تمام الحولين ليس له ذلك إلا أن ~~يجتمعا عليه لقوله تعالى: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور} وهذا قول ~~ابن جريج والثوري ورواية الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل: المراد ~~من الآية: بيان أن الرضاع الذي تثبت به الحرمة ما يكون في الحولين، فلا ~~يحرم ما يكون بعد الحولين، قال قتادة: فرض الله على الوالدات إرضاع حولين ~~كاملين ثم أنزل التخفيف فقال: {لمن أراد أن يتم الرضاعة} أي هذا منتهى ~~الرضاعة وليس ms0272 فيها دون ذلك حد محدود وإنما هو على مقدار صلاح الصبي وما ~~يعيش به {وعلى المولود له} يعني الأب {رزقهن} طعامهن {وكسوتهن} لباسهن ~~{بالمعروف} أي على قدر الميسرة {لا تكلف نفس إلا وسعها} أي طاقتها {لا تضار ~~والدة بولدها} قرأ ابن كثير # PageV01P277 # وأهل البصرة برفع الراء نسقا على قوله {لا تكلف} وأصله تضارر فأدغمت ~~الراء في الراء، وقرأ الآخرون تضار بنصب الراء، وقالوا: لما أدغمت الراء في ~~الراء حركت إلى أخف الحركات وهو النصب ومعنى الآية {لا تضار والدة بولدها} ~~فينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه {ولا مولود له بولده} أي ~~لا تلقيه المرأة إلى أبيه بعدما ألفها، تضاره بذلك، وقيل معناه {لا تضار ~~والدة} فتكره على إرضاعه إذا كرهت إرضاعه، وقبل الصبي من غيرها، لأن ذلك ~~ليس بواجب عليها {ولا مولود له بولده} فيحتمل أن تعطى الأم أكثر مما يجب ~~لها إذا لم يرتضع من غيرها. # فعلى هذين القولين أصل الكلمة لا تضارر بفتح الراء الأولى على الفعل ~~المجهول، والوالدة والمولود له مفعولان، ويحتمل أن يكون الفعل لهما وتكون ~~تضار بمعنى تضارر بكسر الراء الأولى على تسمية الفاعل والمعنى {لا تضار ~~والدة} فتأبى أن ترضع ولدها ليشق على أبيه {ولا مولود له} أي لا يضار الأب ~~أم الصبي، فينزعه منها ويمنعها من إرضاعه، وعلى هذه الأقوال يرجع الإضرار ~~إلى 39/أالوالدين يضار كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد، ويجوز أن يكون ~~الضرار راجعا إلى الصبي، أي لا يضار كل واحد منهما الصبي، فلا ترضعه الأم ~~حتى يموت أو لا ينفق الأب أو ينتزعه من الأم حتى يضر بالصبي، فعلى هذا تكون ~~الباء زائدة ومعناه {لا تضار والدة بولدها} ولا أب بولده وكل هذه الأقاويل ~~مروية عن المفسرين. # قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} اختلفوا في هذا الوارث، فقال قوم: هو ~~وارث الصبي، معناه: وعلى وارث الصبي الذي لو مات الصبي وله مال ورثه مثل ~~الذي كان على أبيه في حال حياته، ثم اختلفوا في أي وارث هو ms0273 من ورثته فقال ~~بعضهم: هو عصبة الصبي من الرجال مثل: الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن ~~العم، وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وبه قال إبراهيم والحسن ~~ومجاهد وعطاء وهو مذهب سفيان قالوا: إذا لم يكن للصبي ما ينفق عليه أجبرت ~~عصبته الذين يرثونه على أن يسترضعوه، وقيل: هو وارث الصبي من كان من الرجال ~~والنساء: وهو قول قتادة وابن أبي ليلى ومذهب أحمد وإسحاق وقالوا: يجبر على ~~نفقته كل وارث على قدر ميراثه عصبة كانوا أو غيرهم. # وقال بعضهم هو من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود، فمن ليس بمحرم مثل ~~ابن العم والمولى فغير مراد بالآية، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وذهب ~~جماعة إلى أن المراد بالوارث هو الصبي نفسه، الذي هو وارث أبيه المتوفى ~~تكون أجرة رضاعه ونفقته في ماله، فإن لم يكن له مال فعلى الأم، ولا يجبر ~~على نفقة الصبي إلا الوالدان، وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله، وقيل هو ~~الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر عليه مثل ما كان على الأب من أجرة ~~الرضاع والنفقة والكسوة. # وقيل: ليس المراد منه النفقة، بل معناه وعلى الوارث ترك المضارة، وبه قال ~~الشعبي والزهري {فإن أرادا} يعني الوالدين {فصالا} فطاما قبل الحولين {عن ~~تراض منهما} أي اتفاق الوالدين # PageV01P278 # {وتشاور} أي يشاورون أهل العلم به حتى يخبروا أن الفطام في ذلك الوقت لا ~~يضر بالولد، والمشاورة استخراج الرأي {فلا جناح عليهما} أي لا حرج عليهما ~~في الفطام قبل الحولين {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} أي لأولادكم مراضع ~~غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم يرضعنهم أو تعذر لعلة بهن، أي: انقطاع لبن أو ~~أردن النكاح {فلا جناح عليكم إذا سلمتم} إلى أمهاتهم {ما آتيتم} ما سميتم ~~لهن من أجرة الرضاع بقدر ما أرضعن، وقيل إذا سلمتم أجور المراضع إليهن ~~بالمعروف، قرأ ابن كثير {ما آتيتم} وفي الروم "وما أتيتم من ربا" ~~(39-الروم) بقصر الألف ومعناه ما فعلتم يقال: أتيت جميلا إذا فعلته، فعلى ~~هذه ms0274 القراءة يكون التسليم بمعنى الطاعة والانقياد لا بمعنى تسليم الأجرة ~~يعني إذا سلمتم لأمره وانقدتم لحكمه، وقيل إذا سلمتم للاسترضاع عن تراض ~~واتفاق دون الضرار {واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير} ### || # {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا ~~بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون ~~خبير (234) } # قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم} أي يموتون وتتوفى آجالهم، وتوفى ~~واستوفى بمعنى واحد، ومعنى التوفي أخذ الشيء وافيا {ويذرون أزواجا} يتركون ~~أزواجا {يتربصن} ينتظرن {بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} أي يعتددن بترك الزينة ~~والطيب والنقلة على فراق أزواجهن هذه المدة إلا أن يكن حوامل فعدتهن بوضع ~~الحمل، وكانت عدة الوفاة في الابتداء حولا كاملا لقوله تعالى: "والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج" ~~(_240-البقرة) ثم نسخت بأربعة أشهر وعشرا. # وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كانت هذه العدة يعني أربعة أشهر وعشرا واجبة ~~عند أهل زوجها فأنزل الله تعالى: {متاعا إلى الحول} فجعل لها تمام السنة ~~سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول ~~الله عز وجل: "غير إخراج، فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن" (240-البقرة) ~~فالعدة كما هي واجبة عليها. # وقال: عطاء قال: ابن عباس رضي الله عنهما: نسخت هذه الآية عدتها عند أهله ~~وسكنت في وصيتها وإن شاء خرجت، قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى فتعتد ~~حيث شاءت ولا سكنى لها ويجب عليها الإحداد في عدة الوفاة، وهي أن تمتنع من ~~الزينة والطيب فلا يجوز لها تدهين رأسها بأي دهن سواء كان فيه طيب أو لم ~~يكن، ولها تدهين جسدها بدهن لا طيب فيه، فإن كان فيه طيب فلا يجوز، ولا ~~يجوز لها أن تكتحل بكحل فيه طيب أو فيه زينة كالكحل الأسود ولا بأس بالكحل ~~الفارسي # PageV01P279 # الذي لا زينة فيه فإن اضطرت إلى كحل فيه زينة فرخص فيه كثير من أهل العلم ~~منهم سالم بن عبد ms0275 الله وسليمان بن يسار وعطاء والنخعي وبه قال مالك وأصحاب ~~الرأي، وقال الشافعي رحمه الله: تكتحل به ليلا وتمسحه بالنهار. # قالت أم سلمة: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة ~~وقد جعلت علي صبرا فقال "إنه يشب (1) الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه ~~بالنهار" (2) . # ولا يجوز لها الخضاب ولا لبس الوشي والديباج والحلي ويجوز لها لبس البيض ~~من الثياب ولبس الصوف والوبر، ولا تلبس الثوب المصبوغ للزينة كالأحمر ~~والأخضر الناضر والأصفر، ويجوز ما صبغ لغير زينة كالسواد والكحلي وقال ~~سفيان: لا تلبس المصبوغ بحال. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر محمد بن عمر بن حزم عن حميد بن ~~نافع عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته بهذه الأحاديث الثلاثة قالت زينب: ~~دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان ~~بن حرب فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة، خلوق أو غيره، فدهنت به جارية ثم مست ~~به بطنها ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول على المنبر "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" (3) . # وقالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها عبد الله فدعت بطيب ~~فمست به ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول على المنبر "لا يحل لامرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث ~~ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" قالت زينب: وسمعت أمي أم سلمة تقول: # جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ~~ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا"، ثم قال: "إنما هي ms0276 أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في ~~الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول" (4) قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي ~~بالبعرة على رأس الحول؟ PageV01P280 # فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا (1) أي بيتا ~~صغيرا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى ~~بدابة، حمار أو شاة أو طيرا فتفتض به، أي تمسح فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم ~~تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، 39/ب ثم تراجع بعد ذلك ما شاءت من طيب أو غيره، ~~وقال مالك: تفتض أي تمسح جلدها. # وقال سعيد بن المسيب: الحكمة في هذه المدة أن فيها ينفخ الروح في الولد، ~~ويقال إن الولد يرتكض أي يتحرك في البطن لنصف مدة الحمل أربعة أشهر وعشرا ~~قريبا من نصف مدة الحمل، وإنما قال عشرا بلفظ المؤنث لأنه أراد الليالي لأن ~~العرب إذا أبهمت العدد بين الليالي والأيام غلبت عليها الليالي فيقولون ~~صمنا عشرا والصوم لا يكون إلا بالنهار. # وقال المبرد: إنما أنث العشر لأنه أراد المدد أي عشر مدد كل مدة يوم ~~وليلة، وإذا كان المتوفى عنها زوجها حاملا فعدتها بوضع الحمل عند أكثر أهل ~~العلم من الصحابة فمن بعدهم وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم أنها ~~تنتظر آخر الأجلين من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشرا، وقال عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه: أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى أراد بالقصرى ~~سورة الطلاق "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن (4-الطلاق) نزلت بعد قوله ~~تعالى "يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا" في سورة البقرة فحمله على النسخ، ~~وعامة الفقهاء خصوا الآية بحديث سبيعة وهو ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي ~~أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن هشام ~~بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة أن سبيعة نفست بعد وفاة زوجها بليال ~~فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت. ~~(2) # قوله تعالى {فإذا بلغن أجلهن} ms0277 أي انقضت عدتهن {فلا جناح عليكم} خطاب ~~للأولياء {فيما فعلن في أنفسهن} أي من اختيار الأزواج دون العقد فإن العقد ~~إلى الولي، وقيل فيما فعلن من التزين PageV01P281 # للرجال زينة لا ينكرها الشرع {بالمعروف والله بما تعملون خبير} والإحداد ~~واجب على المرأة في عدة الوفاة، أما المعتدة عن الطلاق نظر فإن كانت رجعية ~~فلا إحداد عليها في العدة لأن لها أن تضع ما يشوق قلب الزوج إليها ~~ليراجعها، وفي البائنة بالخلع والطلقات الثلاثة قولان: أحدهما: عليها ~~الإحداد كالمتوفى عنها زوجها، وهو قول سعيد بن المسيب، وبه قال أبو حنيفة، ~~والثاني: لا إحداد عليها وهو قول عطاء، وبه قال مالك. ### || # {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم ~~الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا ~~تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في ~~أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (235) } # قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} أي النساء ~~المعتدات وأصل التعريض هو التلويح بالشيء، والتعريض في الكلام ما يفهم به ~~السامع مراده من غير تصريح والتعريض بالخطبة مباح في العدة وهو أن يقول: رب ~~راغب فيك، من يجد مثلك، إنك لجميلة، وإنك لصالحة، وإنك علي لكريمة، وإني ~~فيك لراغب، وإني من غرضي أن أتزوج وإن جمع الله بيني وبينك بالحلال أعجبني ~~ولئن تزوجتك لأحسنن إليك، ونحو ذلك من الكلام من غير أن يقول أنكحيني ~~والمرأة تجيبه بمثله إن رغبت فيه، وقال إبراهيم: لا بأس أن يهدي لها ويقوم ~~بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه. # روي أن سكينة بنت حنظلة بانت من زوجها فدخل عليها أبو جعفر محمد بن علي ~~الباقر في عدتها وقال: يا بنت حنظلة أنا من قد علمت قرابتي من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وحق جدي علي وقدمي في الإسلام فقالت سكينة أتخطبني وأنا ~~في العدة وأنت يؤخذ العلم عنك؟ فقال: إنما أخبرتك بقرابتي من ms0278 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي في ~~عدة زوجها أبي سلمة فذكر لها منزلته من الله عز وجل وهو متحامل على يده حتى ~~أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده (1) . # والتعريض بالخطبة جائز في عدة الوفاة، أما المعتدة عن فرقة الحياة نظر: ~~إن كانت ممن لا يحل لمن بانت منه نكاحها كالمطلقة ثلاثا والمبانة باللعان ~~والرضاع: يجوز خطبتها تعريضا وإن كانت ممن للزوج نكاحها كالمختلعة والمفسوخ ~~نكاحها يجوز لزوجها خطبتها تعريضا وتصريحا. # وهل يجوز للغير تعريضا؟ فيه قولان: أحدهما يجوز كالمطلقة ثلاثا، والثاني ~~لا يجوز لأن المعاودة لصاحب العدة كالرجعية لا يجوز للغير تعريضها بالخطبة. # وقوله تعالى: {من خطبة النساء} الخطبة التماس النكاح وهي مصدر خطب الرجل ~~المرأة يخطب خطبة، وقال الأخفش: الخطبة الذكر، والخطبة التشهد فيكون معناه: ~~فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهن، {أو أكننتم} أضمرتم {في أنفسكم} نكاحهن ~~يقال: أكننت الشيء وكننته لغتان، وقال ثعلب: أكننت الشيء أي أخفيته في نفسي ~~وكننته سترته، وقال السدي: هو أن يدخل فيسلم ويهدي إن PageV01P282 # شاء ولا يتكلم بشيء {علم الله أنكم ستذكرونهن} بقلوبكم {ولكن لا تواعدوهن ~~سرا} اختلفوا في السر المنهي عنه فقال قوم: هو الزنا كان الرجل يدخل على ~~المرأة من أجل الزنية وهو يتعرض بالنكاح ويقول لها: دعيني فإذا أوفيت عدتك ~~أظهرت نكاحك، هذا قول الحسن وقتادة وإبراهيم وعطاء ورواية عطية عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما، قال زيد بن أسلم: أي لا ينكحها سرا فيمسكها فإذا حلت أظهر ~~ذلك. # وقال مجاهد: هو قول الرجل لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك، وقال الشعبي ~~والسدي لا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره، وقال عكرمة: لا ينكحها ولا يخطبها ~~في العدة. # قال الشافعي: السر هو الجماع، وقال الكلبي: أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة ~~الجماع فيقول آتيك الأربعة والخمسة وأشباه ذلك، ويذكر السر ويراد به الجماع ~~قال امرئ القيس: ألا زعمت بسباسة القوم أنني ... كبرت وألا يحسن ms0279 السر ~~أمثالي # إنما قيل للزنا والجماع سر لأنه يكون في خفاء بين الرجل والمرأة. # قوله تعالى: {إلا أن تقولوا قولا معروفا} ما ذكرنا من التعريض بالخطبة. # قوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} أي لا تحققوا ~~العزم على عقدة النكاح في العدة حتى يبلغ الكتاب أجله أي: حتى تنقضي العدة ~~وسماها الله كتابا لأنها فرض من الله كقوله تعالى: "كتب عليكم" أي فرض ~~عليكم {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه} أي فخافوا الله ~~{واعلموا أن الله غفور حليم} لا يعجل بالعقوبة. ### || # {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ~~ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ~~(236) } # قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة} أي ولم تمسوهن ولم تفرضوا، نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة من ~~بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ثم طلقها قبل أن يمسها فنزلت هذه الآية فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: 40/أ "متعها ولو بقلنسوتك" (1) قرأ حمزة ~~والكسائي " ما لم تماسوهن " بالألف هاهنا وفي الأحزاب على المفاعلة لأن بدن ~~كل واحد منهما يلاقي بدن صاحبه كما قال الله تعالى: "من قبل أن يتماسا" ~~(3-المجادلة) وقرأ الباقون {تمسوهن} PageV01P283 # بلا ألف لأن الغشيان يكون من فعل الرجل دليله قوله تعالى: "ولم يمسسني ~~بشر" (47-آل عمران) . # قوله تعالى {أو تفرضوا لهن فريضة} أي توجبوا لهن صداقا فإن قيل فما الوجه ~~في نفي الجناح عن المطلق قيل: الطلاق قطع سبب الوصلة وجاء في الحديث "أبغض ~~الحلال إلى الله تعالى الطلاق" (1) . # فنفى الجناح عنه إذا كان الفراق أروح من الإمساك، وقيل معناه لا سبيل ~~للنساء عليكم إن طلقتموهن من قبل المسيس والفرض بصداق ولا نفقة، وقيل: لا ~~جناح عليكم في تطليقهن قبل المسيس في أي وقت شئتم حائضا كانت المرأة أو ~~طاهرا لأنه لا سنة ولا بدعة في طلاقهن قبل الدخول بها بخلاف المدخول بها ms0280 ~~فإنه لا يجوز تطليقها في حال الحيض {ومتعوهن} أي أعطوهن من مالكم ما يتمتعن ~~به والمتعة والمتاع ما يتبلغ به من الزاد {على الموسع} أي على الغني {قدره ~~وعلى المقتر} أي الفقير {قدره} أي إمكانه وطاقته قرأ أبو جعفر وابن عامر ~~وحمزة والكسائي وحفص قدره بفتح الدال فيهما وقرأ الآخرون بسكونهما وهما ~~لغتان وقيل: القدر بسكون الدال المصدر وبالفتح الاسم، متاعا: نصب على ~~المصدر أي متعوهن {متاعا بالمعروف} أي بما أمركم الله به من غير ظلم {حقا ~~على المحسنين} وبيان حكم الآية أن من تزوج امرأة ولم يفرض لها مهرا ثم ~~طلقها قبل المسيس تجب لها المتعة بالاتفاق وإن طلقها بعد الفرض قبل المسيس ~~فلا متعة لها على قول الأكثرين ولها نصف المهر المفروض. # واختلفوا في المطلقة بعد الدخول بها فذهب جماعة إلى أنه لا متعة لها ~~لأنها تستحق المهر وهو قول أصحاب الرأي وذهب جماعة إلى أنها تستحق المتعة ~~لقوله تعالى "وللمطلقات متاع بالمعروف" (241-البقرة) وهو قول عبد الله بن ~~عمر وبه قال عطاء ومجاهد والقاسم بن محمد وإليه ذهب الشافعي لأن استحقاقها ~~المهر بمقابلة ما أتلف عليها من منفعة البضع فلها المتعة على وحشة الفراق، ~~فعلى القول الأول لا متعة إلا لواحدة وهي المطلقة قبل الفرض والمسيس، وعلى ~~القول الثاني لكل مطلقة متعة إلا لواحدة وهي المطلقة بعد الفرض قبل المسيس، ~~وقال عبد الله بن عمر: لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم يمسها زوجها ~~فحسبها نصف المهر. # قال الزهري: متعتان يقضي بإحداهما السلطان ولا يقضي بالأخرى بل تلزمه ~~فيما بينه وبين الله تعالى. PageV01P284 # فأما التي يقضي بها السلطان فهي المطلقة قبل الفرض والمسيس وهو قوله ~~تعالى {حقا على المحسنين} والتي تلزمه فيما بينه وبين الله تعالى ولا يقضي ~~بها السلطان فهي المطلقة بعد المسيس وهو قوله تعالى: {حقا على المتقين} # وذهب الحسن وسعيد بن جبير إلى أن لكل مطلقة متعة سواء كان قبل الفرض ~~والمسيس أو بعد الفرض قبل المسيس لقوله تعالى: "وللمطلقات متاع بالمعروف" ~~(241-البقرة) ms0281 ولقوله تعالى في سورة الأحزاب: "فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا" ~~(49-الأحزاب) وقالا معنى قوله تعالى {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم ~~تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} أي أو لم تفرضوا لهن فريضة، وقال بعضهم: ~~المتعة غير واجبة والأمر بها أمر ندب واستحباب. # وروي أن رجلا طلق امرأته وقد دخل بها فخاصمته إلى شريح في المتعة فقال ~~شريح: لا تأب أن تكون من المحسنين ولا تأب أن تكون من المتقين ولم يجبره ~~على ذلك. # واختلفوا في قدر المتعة فروي عن ابن عباس: أعلاها خادم وأوسطها ثلاثة ~~أثواب، درع وخمار وإزار، ودون ذلك وقاية أو شيء من الورق وبه قال الشعبي ~~والزهري وهذا مذهب الشافعي، وقال: أعلاها على الموسع خادم وأوسطها ثوب ~~وأقلها أقل ما له ثمن، وحسن ثلاثون درهما، وطلق عبد الرحمن بن عوف امرأته ~~وحممها جارية سوداء أي متعها ومتع الحسن بن علي رضي الله عنه امرأة له ~~بعشرة آلاف درهم فقالت: "متاع قليل من حبيب مفارق". # وقال أبو حنيفة رحمه الله: مبلغها إذا اختلف الزوجان قدر نصف مهر مثلها ~~لا يجاوز والآية تدل على أنه يعتبر حال الزوج في العسر واليسر، ومن حكم ~~الآية: أن من تزوج امرأة بالغة برضاها على غير مهر يصح النكاح، وللمرأة ~~مطالبته بأن يفرض لها صداقا، فإن دخل بها قبل الفرض فلها عليه مهر مثلها ~~وإن طلقها قبل الفرض والدخول فلها المتعة، وإن مات أحدهما قبل الفرض ~~والدخول اختلف أهل العلم في أنها هل تستحق المهر أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنه ~~لا مهر لها وهو قول علي وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ~~كما لو طلقها قبل الفرض والدخول وذهب قوم إلى أن لها المهر لأن الموت ~~كالدخول في تقرير المسمى كذلك في إيجاب مهر المثل إذا لم يكن في العقد مسمى ~~وهو قول الثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بما روي عن علقمة عن ابن مسعود أنه ~~سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل ms0282 بها حتى مات فقال ابن ~~مسعود: لها صداق نسائها ولا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث فقام ~~معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت ~~واشق امرأة منا مثل # PageV01P285 # ما قضيت ففرح بها ابن مسعود رضي الله عنه (1) . # وقال الشافعي رحمه الله: فإن ثبت حديث بروع بنت واشق فلا حجة في قول أحد ~~دون قول النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يثبت فلا مهر لها ولها الميراث، ~~وكان علي يقول: في حديث بروع لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله ~~وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || # {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا ~~أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا ~~الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير (237) } # وقوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ~~ما فرضتم} هذا في المطلقة بعد الفرض قبل المسيس فلها نصف المفروض، وإن مات ~~أحدهما قبل المسيس فلها كمال المهر المفروض، والمراد بالمس المذكور في ~~الآية: الجماع، واختلف أهل العلم فيما لو خلا الرجل بامرأته ثم طلقها قبل ~~أن يدخل بها فذهب قوم إلى أنه لا يجب لها إلا نصف الصداق، ولا عدة عليها ~~لأن الله تعالى أوجب بالطلاق قبل المسيس نصف المهر، ولم يوجب العدة، وهو ~~قول ابن عباس رضي الله عنه وابن مسعود وبه قال الشافعي رحمه الله. # وقال قوم: يجب لها كمال المهر، وعليها العدة، لما روي عن عمر رضي الله ~~عنه أنه قال: إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق، ومثله عن زيد بن ثابت، وحمل ~~بعضهم قول عمر على وجوب تسليم الصداق إليها إذا سلمت نفسها لا على تقدير ~~الصداق، وقيل هذه الآية ناسخة للآية التي في سورة الأحزاب "فما لكم عليهن ~~من عدة تعتدونها فمتعوهن" (49-الأحزاب) فقد كان للمطلقة قبل المسيس متاع ~~فنسخت بهذه الآية، وأوجب للمطلقة المفروض لها ms0283 قبل المسيس نصف المفروض ولا ~~متاع لها. # 40/ب وقوله تعالى {وقد فرضتم لهن فريضة} أي سميتم لهن مهرا {فنصف ما ~~فرضتم} أي لها نصف المهر المسمى {إلا أن يعفون} يعني النساء أي إلا أن تترك ~~المرأة نصيبها فيعود جميع الصداق إلى الزوج. # قوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} اختلفوا فيه: فذهب بعضهم ~~إلى أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، وبه قال ابن عباس رضي الله عنه، ~~معناه: إلا أن تعفو المرأة بترك نصيبها إلى PageV01P286 # الزوج إن كانت ثيبا من أهل العفو، أو يعفو وليها فيترك نصيبها إن كانت ~~المرأة بكرا أو غير جائزة الأمر فيجوز عفو وليها وهو قول علقمة وعطاء ~~والحسن والزهري وربيعة، وذهب بعضهم إلى أنه إنما يجوز عفو الولي إذا كانت ~~المرأة بكرا فإن كانت ثيبا فلا يجوز عفو وليها، وقال بعضهم: الذي بيده عقدة ~~النكاح هو الزوج، وهو قول علي، وبه قال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ~~والشعبي وشريح ومجاهد وقتادة، وقالوا: لا يجوز لوليها ترك الشيء من الصداق، ~~بكرا كانت أو ثيبا كما لا يجوز له ذلك قبل الطلاق بالاتفاق وكما لا يجوز له ~~أن يهب شيئا من مالها، وقالوا: معنى الآية إلا أن تعفو المرأة بترك نصيبها ~~فيعود جميع الصداق إلى الزوج أو يعفو الزوج بترك نصيبه فيكون لها جميع ~~الصداق، فعلى هذا التأويل وجه الآية: الذي بيده عقدة النكاح نكاح نفسه في ~~كل حال قبل الطلاق أو بعده {وأن تعفوا أقرب للتقوى} موضعه رفع الابتداء أي ~~فالعفو أقرب للتقوى، أي إلى التقوى، والخطاب للرجال والنساء جميعا لأن ~~المذكر والمؤنث إذا اجتمعا كانت الغلبة للمذكر معناه: وعفو بعضكم عن بعض ~~أقرب للتقوى {ولا تنسوا الفضل بينكم} أي إفضال بعضكم على بعض بإعطاء الرجل ~~تمام الصداق أو ترك المرأة نصيبها، حثهما جميعا على الإحسان {إن الله بما ~~تعملون بصير} ### || # {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) فإن خفتم ~~فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا ms0284 تعلمون ~~(239) } # قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} أي واظبوا وداوموا على ~~الصلوات المكتوبات بمواقيتها وحدودها وإتمام أركانها، ثم خص من بينها ~~الصلاة الوسطى بالمحافظة عليها دلالة على فضلها، والوسطى تأنيث الأوسط، ~~ووسط الشيء: خيره وأعدله واختلف العلماء من الصحابة ومن بعدهم في الصلاة ~~الوسطى فقال قوم: هي صلاة الفجر، وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس ومعاذ ~~وجابر، وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد، وإليه مال مالك والشافعي، لأن الله ~~تعالى قال: {وقوموا لله قانتين} والقنوت طول القيام، وصلاة الصبح مخصوصة ~~بطول القيام وبالقنوت لأن الله تعالى خصها في آية أخرى من بين الصلوات فقال ~~الله: "وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا" (78-الإسراء) ، يعني تشهدها ~~ملائكة الليل وملائكة النهار، فهي مكتوبة في ديوان الليل وديوان النهار، ~~ولأنها بين صلاتي جمع وهي لا تقصر ولا تجمع إلى غيرها. # وذهب قوم إلى أنها صلاة الظهر، وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري ~~وأسامة بن زيد، لأنها في وسط النهار وهي أوسط صلاة النهار في الطول. # PageV01P287 # أخبرنا عمر بن عبد العزيز أخبرنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي أنا أبو علي ~~اللؤلؤي أنا أبو داود أنا محمد بن المثنى أنا محمد بن جعفر أنا شعبة حدثني ~~عمرو بن أبي حكيم قال: سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير عن زيد بن ~~ثابت رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر ~~بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منها، ~~فنزلت: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} (1) . # وذهب الأكثرون إلى أنها صلاة العصر رواه جماعة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو قول علي وعبد الله بن مسعود وأبي أيوب وأبي هريرة وعائشة ~~رضوان الله عليهم وبه قال إبراهيم النخعي وقتادة والحسن. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس مولى ~~عائشة أم ms0285 المؤمنين رضي الله عنهما أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا ~~وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فلما ~~بلغتها آذنتها فأملت علي {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} "صلاة العصر" ~~{وقوموا لله قانتين} (2) قالت عائشة رضي الله عنها: سمعتها من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعن حفصة مثل ذلك. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ~~أنا أبو جعفر الرياني أنا حميد بن زنجويه أخبرنا أبو نعيم أنا سفيان عن ~~عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال: قلنا لعبيدة سل عليا عن الصلاة ~~الوسطى فسأله فقال: كنا نرى أنها صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله ~~أجوافهم وقبورهم نارا" (3) ولأنها صلاتي نهار وصلاتي ليل، وقد خصها النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالتغليظ. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسلم بن إبراهيم أنا هشام أنا يحيى بن أبي ~~كثير عن أبي قلابة عن أبي المليح قال: كنا مع PageV01P288 # بريدة في غزوة في يوم ذي غيم فقال: بكروا بصلاة العصر فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" (1) . # وقال قبيصة بن ذؤيب: هي صلاة المغرب لأنها وسط ليس بأقلها ولا بأكثرها، ~~ولم ينقل عن أحد من السلف أنها صلاة العشاء وإنما ذكرها بعض المتأخرين ~~لأنها بين صلاتين لا تقصران، وقال بعضهم هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها، ~~أبهمها الله تعالى تحريضا للعباد على المحافظة على أداء جميعها كما أخفى ~~ليلة القدر في شهر رمضان وساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة وأخفى الاسم ~~الأعظم في الأسماء ليحافظوا على جميعها. # قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} أي مطيعين، قال الشعبي وعطاء وسعيد بن ~~جبير والحسن وقتادة وطاووس؛ والقنوت: الطاعة، قال الله تعالى "أمة قانتا" ~~(120-النحل) أي مطيعا. ms0286 # وقال الكلبي ومقاتل: لكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين فقوموا أنتم لله ~~في صلاتكم مطيعين، وقيل القنوت السكوت عما لا يجوز التكلم به في الصلاة. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد ~~الجراحي أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي أنا ~~أحمد بن منيع أنا هشيم أنا إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن شبيل عن أبي ~~عمرو الشيباني عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه حتى نزلت {وقوموا لله ~~قانتين} فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام (2) . # وقال مجاهد: خاشعين، وقال: من القنوت طول الركوع وغض البصر والركود وخفض ~~الجناح، كان العلماء إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يلتفت أو يقلب ~~الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسيا، وقيل: ~~المراد من القنوت طول القيام. # أخبرنا أبو عثمان الضبي أنا أبو محمد الجراحي أنا أبو العباس المحبوبي ~~أنا أبو عيسى الترمذي أنا ابن أبي عمر أنا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن ~~جابر قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم 41/أأي الصلاة أفضل؟ قال: "طول ~~القنوت" (3) وقيل {قانتين} أي داعين. PageV01P289 # دليله ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شهرا متتابعا يدعو على أحياء من سليم على رعل وذكوان وعصية، (1) ~~وقيل معناه مصلين لقوله تعالى "أمن هو قانت آناء الليل" (9-الزمر) أي مصل. # قوله تعالى: {فإن خفتم فرجالا} {فرجالا} أي رجالة يقال: راجل ورجال مثل ~~صاحب وصحاب وقائم وقيام ونائم ونيام {أو ركبانا} على دوابهم وهو جمع راكب، ~~معناه إن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين للصلاة حقها لخوف فصلوا مشاة على ~~أرجلكم أو ركبانا على ظهور دوابكم، وهذا في حال المقاتلة والمسايفة يصلي ~~حيث كان وجهه راجلا أو راكبا مستقبل القبلة وغير مستقبلها ويومئ بالركوع ~~والسجود ويجعل السجود ms0287 أخفض من الركوع، وكذلك إذا قصده سبع أو غشيه سيل يخاف ~~منه على نفسه فعدا أمامه مصليا بالإيماء يجوز. # والصلاة في حال الخوف على أقسام فهذه صلاة شدة الخوف وسائر الأقسام سيأتي ~~بيانها في سورة النساء إن شاء الله تعالى، ولا ينتقص عدد الركعات بالخوف ~~عند أكثر أهل العلم، وروى عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فرض ~~الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ~~ركعتين وفي الخوف ركعة (2) وهو قول عطاء وطاووس والحسن ومجاهد وقتادة: أنه ~~يصلي في حال شدة الخوف ركعة، وقال سعيد بن جبير: إذا كنت في القتال وضرب ~~الناس بعضهم بعضا فقل "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ~~واذكر الله فتلك صلاتك" {فإذا أمنتم فاذكروا الله} أي فصلوا الصلوات الخمس ~~تامة بحقوقها {كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} ### || # {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز ~~حكيم (240) } # قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم} يا معشر الرجال {ويذرون} أي يتركون ~~{أزواجا} أي زوجات {وصية لأزواجهم} قرأ أهل البصرة وابن عامر وحمزة وحفص ~~وصية بالنصب على معنى PageV01P290 # فليوصوا وصية، وقرأ الباقون بالرفع أي كتب عليكم الوصية {متاعا إلى ~~الحول} متاعا نصب على المصدر أي متعوهن متاعا، وقيل: جعل الله ذلك لهن ~~متاعا، والمتاع نفقة سنة لطعامها وكسوتها وسكنها وما تحتاج إليه {غير ~~إخراج} نصب على الحال، وقيل بنزع حرف على الصفة أي من غير إخراج، نزلت هذه ~~الآية في رجل من أهل الطائف يقال له حكيم بن الحارث هاجر إلى المدينة وله ~~أولاد ومعه أبواه وامرأته فمات، فأنزل الله هذه الآية فأعطى النبي صلى الله ~~عليه وسلم والديه وأولاده من ميراثه ولم يعط امرأته شيئا، وأمرهم أن ينفقوا ~~عليها من تركة زوجها حولا كاملا وكانت عدة الوفاة في ابتداء الإسلام حولا ~~كاملا وكان يحرم على الوارث إخراجها من ms0288 البيت قبل تمام الحول، وكانت نفقتها ~~وسكناها واجبة في مال زوجها تلك السنة ما لم تخرج، ولم يكن لها الميراث، ~~فإن خرجت من بيت زوجها سقطت نفقتها، وكان على الرجل أن يوصي بها فكان كذلك ~~حتى نزلت آية الميراث، فنسخ الله تعالى نفقة الحول بالربع والثمن، ونسخ عدة ~~الحول بأربعة أشهر وعشر. # قوله تعالى: {فإن خرجن} يعني من قبل أنفسهن قبل الحول من غير إخراج ~~الورثة {فلا جناح عليكم} يا أولياء الميت {في ما فعلن في أنفسهن من معروف} ~~يعني التزين للنكاح، ولرفع الجناح عن الرجال وجهان: # أحدهما: لا جناح عليكم في قطع النفقة إذا خرجن قبل انقضاء الحول. # والآخر: لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج لأن مقامها في بيت زوجها ~~حولا غير واجب عليها خيرها الله تعالى بين أن تقيم حولا ولها النفقة ~~والسكنى، وبين أن تخرج فلا نفقة ولا سكنى إلى أن نسخه بأربعة أشهر وعشر. # {والله عزيز حكيم} ### || # {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) كذلك يبين الله لكم ~~آياته لعلكم تعقلون (242) } # {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} إنما أعاد ذكر المتعة هاهنا ~~لزيادة معنى، وذلك أن في غيرها بيان حكم غير الممسوسة، وفي هذه الآية بيان ~~حكم جميع المطلقات في المتعة، وقيل: إنه لما نزل قوله تعالى: {ومتعوهن على ~~الموسع قدره وعلى المقتر قدره} إلى قوله {حقا على المحسنين} (236-البقرة) ~~قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فقال الله ~~تعالى: {وللمطلقات متاع} جعل المتعة لهن بلام التمليك فقال: {حقا على ~~المتقين} يعني المؤمنين المتقين الشرك. # PageV01P291 ### || # {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله ~~موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ~~(243) وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم (244) من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ~~ترجعون (245) } # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} قال أكثر ms0289 أهل التفسير: ~~كانت قرية يقال لها: داوردان قبل واسط بها وقع الطاعون، فخرجت طائفة منها ~~وبقيت طائفة، فهلك أكثر من بقي في القرية وسلم الذين خرجوا، فلما ارتفع ~~الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا كانوا أحزم منا، لو صنعنا ~~كما صنعوا لبقينا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن إلى أرض لا وباء بها، ~~فوقع الطاعون من قابل فهرب عامة أهلها، وخرجوا حتى نزلوا واديا أفيح (1) ~~فلما نزلوا المكان الذي يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر ~~من أعلاه: أن موتوا فماتوا جميعا. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام فلما جاء سرع (2) بلغه أن الوباء قد وقع ~~بالشام فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا ~~فرارا منه" (3) فرجع عمر من سرغ، قال الكلبي ومقاتل والضحاك: إنما فروا من ~~الجهاد وذلك أن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوهم، ~~فعسكروا ثم جبنوا وكرهوا الموت فاعتلوا وقالوا لملكهم: إن الأرض التي ~~تأتيها بها الوباء فلا نأتيها حتى ينقطع منها الوباء، فأرسل الله عليهم ~~الموت فخرجوا من ديارهم فرارا من الموت فلما رأى الملك ذلك قال: اللهم رب ~~يعقوب وإله موسى قد ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم حتى يعلموا أنهم ~~لا يستطيعون الفرار منك، فلما خرجوا قال لهم الله تعالى: موتوا، عقوبة لهم، ~~فماتوا جميعا وماتت دوابهم كموت رجل واحد فأتى عليهم ثمانية أيام حتى ~~انتفخوا وأروحت أجسادهم فخرج إليهم الناس فعجزوا PageV01P292 # عن دفنهم، فحظروا عليهم حظيرة دون السباع وتركوهم فيها (1) . # واختلفوا في مبلغ عددهم، قال عطاء الخراساني: كانوا ثلاثة آلاف، وقال ~~وهب: أربعة آلاف وقال مقاتل والكلبي: ثمانية آلاف، وقال أبو روق: عشرة ~~آلاف، ms0290 وقال السدي: بضعة وثلاثون ألفا، وقال ابن جريج: أربعون ألفا، وقال ~~عطاء بن أبي رباح: سبعون ألفا، وأولى الأقاويل: قول من قال كانوا زيادة على ~~عشرة آلاف، لأن الله تعالى قال "وهم ألوف" والألوف جمع الكثير وجمعه القليل ~~آلاف، ولا يقال لما دون عشرة آلاف ألوف، قالوا: فأتت على ذلك مدة وقد بليت ~~أجسادهم وعريت عظامهم فمر عليهم نبي يقال له حزقيل بن بودى ثالث خلفاء بني ~~إسرائيل من بعد موسى عليه السلام، وذلك أن القيم بأمر بني إسرائيل كان بعد ~~موسى يوشع بن نون (2) ثم كالب بن يوقنا ثم حزقيل وكان يقال له ابن العجوز ~~لأن أمه كانت عجوزا فسألت الله الولد بعد ما كبرت وعقمت فوهبه الله تعالى ~~لها، قال 41/ب الحسن ومقاتل: هو ذو الكفل وسمي حزقيل ذا الكفل لأنه تكفل ~~بسبعين نبيا وأنجاهم من القتل، فلما مر حزقيل على أولئك الموتى وقف عليهم ~~فجعل يتفكر فيهم متعجبا فأوحى الله تعالى إليه تريد أن أريك آية؟ قال نعم: ~~فأحياهم الله وقيل: دعا حزقيل ربه أن يحييهم فأحياهم. # وقال مقاتل والكلبي: هم كانوا قوم حزقيل أحياهم الله بعد ثمانية أيام، ~~وذلك أنه لما أصابهم ذلك خرج حزقيل في طلبهم فوجدهم موتى فبكى وقال: يا رب ~~كنت في قوم يحمدونك ويسبحونك ويقدسونك ويكبرونك ويهللونك فبقيت وحيدا لا ~~قوم لي، فأوحى الله تعالى إليه: أني جعلت حياتهم إليك، قال حزقيل: احيوا ~~بإذن الله فعاشوا. # قال مجاهد: إنهم قالوا حين أحيوا، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا ~~أنت فرجعوا إلى قومهم وعاشوا دهرا طويلا وسحنة الموت على وجوههم، لا يلبسون ~~ثوبا إلا عاد دسما مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: وإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود ~~تلك الريح، قال قتادة: PageV01P293 # مقتهم الله على فرارهم من الموت فأماتهم عقوبة لهم ثم بعثوا ليستوفوا مدة ~~آجالهم [ولو جاءت آجالهم] (1) ما بعثوا فذلك قوله تعالى: {ألم تر} أي ألم ~~تعلم بإعلامي إياك، وهو ms0291 من رؤية القلب. # قال أهل المعاني: هو تعجيب يقول هل رأيت مثلهم؟ كما تقول: ألم تر إلى ما ~~يصنع فلان؟ وكل ما في القرآن ألم تر ولم يعاينه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فهذا وجهه {إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف} جمع ألف وقيل مؤتلفة ~~قلوبهم جمع آلف مثل قاعد وقعود، والصحيح أن المراد منه العدد {حذر الموت} ~~أي خوف الموت {فقال لهم الله موتوا} أمر تحويل كقوله "كونوا قردة خاسئين" ~~(65-البقرة) {ثم أحياهم} بعد موتهم {إن الله لذو فضل على الناس} قيل هو على ~~العموم في حق الكافة في الدنيا، وقيل على الخصوص في حق المؤمنين {ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون} أما الكفار فلم يشكروا وأما المؤمنون فلم يبلغوا غاية ~~الشكر. # {وقاتلوا في سبيل الله} أي في طاعة الله أعداء الله {واعلموا أن الله ~~سميع عليم} قال أكثر أهل التفسير: هذا خطاب للذين أحيوا أمروا بالقتال في ~~سبيل الله فخرجوا من ديارهم فرارا من الجهاد فأماتهم الله ثم أحياهم وأمرهم ~~أن يجاهدوا: وقيل: الخطاب لهذه الأمة، أمرهم بالجهاد. # قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} القرض اسم لكل ما يعطيه ~~الإنسان ليجازى عليه، فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما وعدهم ~~من الثواب قرضا، لأنهم يعملونه لطلب ثوابه، قال الكسائي: القرض ما أسلفت من ~~عمل صالح أو سيئ، وأصل القرض في اللغة القطع، سمي به القرض لأنه يقطع من ~~ماله شيئا يعطيه ليرجع إليه مثله، وقيل في الآية اختصار مجازه: من ذا الذي ~~يقرض عباد الله والمحتاجين من خلقه، كقوله تعالى: "إن الذين يؤذون الله ~~ورسوله" (57-الأحزاب) أي يؤذون عباد الله، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى ~~يقول يوم القيامة يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال: يا رب كيف أطعمك ~~وأنت رب العالمين؟ قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو ~~أطعمته لوجدت ذلك عندي" ms0292 (2) . # قوله تعالى: {يقرض الله} أي ينفق في طاعة الله {قرضا حسنا} قال الحسين بن ~~علي الواقدي: يعني محتسبا، طيبة بها نفسه، وقال ابن المبارك: من مال حلال ~~وقيل لا يمن به ولا يؤذي {فيضاعفه له} قرأ ابن كثير وأبو جعفر وابن عامر ~~ويعقوب " فيضعفه " وبابه بالتشديد، ووافق أبو عمرو في سورة الأحزاب وقرأ ~~الآخرون "فيضاعفه " بالألف مخففا وهما لغتان، ودليل التشديد قوله ~~PageV01P294 # {أضعافا كثيرة} لأن التشديد للتكثير، وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب بنصب ~~الفاء، وكذلك في سورة الحديد على جواب الاستفهام، وقيل بإضمار أن، وقرأ ~~الآخرون برفع الفاء نسقا على قوله: يقرض {أضعافا كثيرة} قال السدي هذا ~~التضعيف لا يعلمه إلا الله عز وجل، وقيل سبعمائة ضعف {والله يقبض ويبسط} ~~قرأ أهل البصرة وحمزة يبسط، هاهنا وفي الأعراف، بسطة، بالسين كنظائرهما، ~~وقرأهما الآخرون بالصاد قيل يقبض بإمساك الرزق والنفس والتقتير ويبسط ~~بالتوسيع وقيل يقبض بقبول التوبة والصدقة ويبسط بالخلف والثواب، وقيل هو ~~الإحياء والإماتة فمن أماته فقد قبضه ومن مد له في عمره فقد بسط له، وقيل ~~هذا في القلوب، لما أمرهم الله تعالى بالصدقة أخبر أنهم لا يمكنهم ذلك إلا ~~بتوفيقه، قال: يقبض بعض القلوب فلا ينشط بخير ويبسط بعضها فيقدم لنفسه خيرا ~~كما جاء في الحديث "القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها الله كيف ~~يشاء" (1) الحديث. # {وإليه ترجعون} أي إلى الله تعودون فيجزيكم بأعمالكم، وقال قتادة: الهاء ~~راجعة إلى التراب كناية عن غير مذكور، أي من التراب خلقهم وإليه يعودون. ### || # {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث ~~لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ~~قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما ~~كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (246) } # قوله تعالى {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل} والملأ من القوم: وجوههم ~~وأشرافهم، وأصل الملأ الجماعة من الناس ولا واحد له من ms0293 لفظه، كالقوم والرهط ~~والإبل والخيل والجيش وجمعه أملاء {من بعد موسى} أي من بعد موت موسى {إذ ~~قالوا لنبي لهم} واختلفوا في ذلك النبي فقال قتادة هو يوشع بن نون بن ~~افرائيم بن يوسف عليه السلام وقال السدي: اسمه شمعون، وإنما سمي شمعون، لأن ~~أمه دعت الله أن يرزقها غلاما فاستجاب الله دعاءها فولدت غلاما فسمته سمعون ~~تقول سمع الله تعالى دعائي والسين تصير شينا بالعبرانية، وهو شمعون بن صفية ~~بن علقمة من ولد لاوي بن يعقوب، وقال سائر المفسرين: هو إشمويل وهو ~~بالعبرانية إسماعيل بن يال بن علقمة، وقال مقاتل: هو من نسل هارون، وقال ~~مجاهد: هو إشمويل وهو بالعبرانية إسماعيل بن يال بن علقمة. # PageV01P295 # وقال وهب وابن إسحاق والكلبي وغيرهم: كان سبب مسألتهم إياه ذلك لما مات ~~موسى عليه السلام خلف بعده في بني إسرائيل يوشع بن نون، يقيم فيهم التوراة ~~وأمر الله تعالى حتى قبضه الله تعالى، ثم خلف فيهم كالب كذلك حتى قبضه الله ~~تعالى، ثم خلف حزقيل حتى قبضه الله، ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل ونسوا ~~عهد لله حتى عبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم إلياس نبيا فدعاهم إلى الله ~~تعالى، وكانت الأنبياء من بني إسرائيل من بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما ~~نسوا من التوراة، ثم خلف من بعد إلياس اليسع فكان فيهم ما شاء الله ثم قبضه ~~الله، وخلف فيهم الخلوف وعظمت الخطايا فظهر لهم عدو يقال له البلشاثا، وهم ~~قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين وهم العمالقة ~~فظهروا على 42/أبني إسرائيل وغلبوا على كثير من أرضهم وسبوا كثيرا من ~~ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعين وأربعمائة غلاما، فضربوا عليهم ~~الجزية وأخذوا توراتهم، ولقي بنو إسرائيل منهم بلاء وشدة ولم يكن لهم نبي ~~يدير أمرهم، وكان سبط النبوة قد هلكوا، فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى ~~فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بني ~~إسرائيل في ولدها وجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها ms0294 غلاما فولدت غلاما، ~~فسمته إشمويل تقول: سمع الله تعالى دعائي، فكبر الغلام فأسلمته ليتعلم ~~التوراة في بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم وتبناه، فلما بلغ الغلام أتاه ~~جبريل وهو نائم إلى جنب الشيخ وكان لا يأتمن عليه أحدا فدعاه جبريل بلحن ~~الشيخ يا إشمويل، فقام الغلام فزعا إلى الشيخ فقال: يا أبتاه دعوتني؟ فكره ~~الشيخ أن يقول لئلا فيفزع الغلام فقال يا بني ارجع فنم، فرجع الغلام فنام ~~ثم دعاه الثانية فقال الغلام يا أبت دعوتني؟ فقال ارجع فنم فإن دعوتك ~~الثالثة فلا تجبني (فرجع الغلام فنام) (1) فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل ~~فقال له: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك، فإن الله عز وجل قد بعثك فيهم ~~نبيا، فلما أتاهم كذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوة ولم تنلك، وقالوا له: إن ~~كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، آية من نبوتك، وإنما كان ~~قوام أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة الملوك لأنبيائهم، فكان ~~الملك هو الذي يسير بالجموع، والنبي يقيم له أمره ويشير عليه برشده ويأتيه ~~بالخبر من ربه، قال وهب بن منبه: بعث الله تعالى إشمويل نبيا فلبثوا أربعين ~~سنة بأحسن حال، ثم كان من أمر جالوت والعمالقة ما كان فقالوا لإشمويل: ~~{ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله} جزم على جواب الأمر فلما قالوا له ذلك ~~{قال هل عسيتم} استفهام شك. # قرأ نافع: عسيتم بكسر السين كل القرآن، وقرأ الباقون بالفتح وهي اللغة ~~الفصيحة بدليل قوله تعالى: {عسى ربكم} {إن كتب} فرض {عليكم القتال} مع ذلك ~~الملك {ألا تقاتلوا} أن لا تفوا بما تقولوا معه {قالوا وما لنا ألا نقاتل ~~في سبيل الله} فإن قيل فما وجه دخول أن في هذا الموضع والعرب لا تقول مالك ~~أن لا تفعل وإنما يقال ما لك لا تفعل؟ قيل: دخول أن وحذفها لغتان صحيحتان ~~PageV01P296 # فالإثبات كقوله تعالى: "ما لك أن لا تكون مع الساجدين" (32-الحجر) والحذف ~~كقوله تعالى: "ما لكم لا تؤمنون بالله" (8-الحديد) وقال الكسائي: معناه وما ~~لنا ms0295 في أن لا نقاتل فحذف "في" وقال الفراء: أي وما يمنعنا أن لا نقاتل في ~~سبيل الله كقوله تعالى: "ما منعك أن لا تسجد" (12-الأعراف) وقال الأخفش: ~~"أن" هاهنا زائدة معناه: وما لنا لا نقاتل في سبيل الله {وقد أخرجنا من ~~ديارنا وأبنائنا} أي أخرج من غلب عليهم من ديارهم، ظاهر الكلام العموم ~~وباطنه الخصوص، لأن الذين قالوا لنبيهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ~~كانوا في ديارهم وأوطانهم وإنما أخرج من أسر منهم، ومعنى الآية أنهم قالوا ~~مجيبين لنبيهم: إنما كنا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا لا يظهر ~~علينا عدونا، فأما إذا بلغ ذلك منا فنطيع ربنا في الجهاد ونمنع نساءنا ~~وأولادنا. # قال الله تعالى: {فلما كتب عليهم القتال تولوا} أعرضوا عن الجهاد وضيعوا ~~أمر الله {إلا قليلا منهم} الذين عبروا النهر مع طالوت واقتصروا على الغرفة ~~على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، {والله عليم بالظالمين} ### || # {وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك ~~علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم ~~وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247) ~~} # {وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا} وذلك أن إشمويل سأل الله ~~تعالى أن يبعث لهم ملكا فأتى بعصا وقرن (1) فيه دهن القدس وقيل: له إن ~~صاحبكم الذي يكون ملكا طوله طول هذه العصا وانظر هذا القرن الذي فيه الدهن ~~فإذا دخل عليك رجل فنش (2) الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل فادهن ~~به رأسه وملكه عليهم، وكان طالوت اسمه بالعبرانية شاول بن قيس من أولاد ~~بنيامين بن يعقوب سمي طالوت لطوله وكان أطول من كل أحد برأسه ومنكبيه، وكان ~~رجلا دباغا يعمل الأديم (3) قاله وهب، وقال السدي: كان رجلا سقاء يسقي على ~~حمار له من النيل فضل حماره فخرج في طلبه، وقيل كان خربندجا، وقال وهب: بل ~~ضلت حمر لأبي ms0296 طالوت فأرسله وغلاما له في طلبها فمر ببيت إشمويل فقال الغلام ~~لطالوت: لو دخلنا على هذا النبي فسألناه عن أمر الحمر ليرشدنا ويدعو لنا، ~~فدخلا عليه فبينما هما عنده يذكران له شأن الحمر إذ نش الدهن الذي في القرن ~~فقام إشمويل عليه السلام فقاس PageV01P297 # طالوت بالعصا فكانت طوله، فقال لطالوت قرب رأسك فقربه فدهنه بدهن القدس، ~~ثم قال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى أن أملكك عليهم فقال ~~طالوت: أما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني ~~إسرائيل؟ (قال بلى) (1) قال فبأي آية قال: بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره ~~فكان كذلك. # ثم قال لبني إسرائيل: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا {قالوا أنى يكون له ~~الملك علينا} أي من أين يكون له الملك علينا {ونحن أحق} أولى {بالملك منه} ~~وإنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل سبطان: سبط نبوة وسبط مملكة، فكان ~~سبط النبوة سبط لاوي بن يعقوب ومنه كان موسى وهارون وسبط المملكة سبط يهوذا ~~بن يعقوب ومنه كان داود وسليمان ولم يكن طالوت من أحدهما إنما كان من سبط ~~بنيامين بن يعقوب وكانوا عملوا ذنبا عظيما، كانوا ينكحون النساء على ظهر ~~الطريق نهارا فغضب الله تعالى عليهم ونزع الملك والنبوة عنهم وكانوا يسمونه ~~سبط الإثم، فلما قال لهم نبيهم ذلك أنكروا عليه لأنه لم يكن من سبط المملكة ~~ومع ذلك قالوا هو فقير {ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه} اختاره ~~{عليكم وزاده بسطة} فضيلة وسعة {في العلم والجسم} وذلك أنه كان أعلم بني ~~إسرائيل في وقته وقيل: إنه أتاه الوحي حين أوتي الملك، وقال الكلبي {وزاده ~~بسطة في العلم} بالحرب وفي (الجسم) بالطول وقيل الجسم بالجمال وكان طالوت ~~أجمل رجل في بني إسرائيل وأعلمهم {والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع ~~عليم} قيل الواسع ذو السعة وهو الذي يعطي عن غنى، والعليم العالم، وقيل ~~العالم بما كان والعليم بما يكون فقالوا له: فما آية ms0297 ملكه؟ فقال لهم نبيهم ~~إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فذلك قوله تعالى: {وقال لهم نبيهم إن آية ~~ملكه أن يأتيكم التابوت} ### || # {وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية ~~مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين (248) } # {وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت} وكانت قصة التابوت أن ~~الله تعالى أنزل تابوتا على آدم فيه صورة الأنبياء عليهم السلام، وكان من ~~عود الشمشاذ نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين، فكان عند آدم إلى أن مات ثم بعد ~~ذلك عند شيث ثم توارثها أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم، ثم كان عند إسماعيل ~~لأنه كان أكبر ولده ثم عند يعقوب ثم كان في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى ~~موسى فكان موسى يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه، فكان عنده إلى أن مات ~~موسى عليه السلام، ثم تداولته PageV01P298 # أنبياء بني إسرائيل إلى وقت إشمويل وكان فيه ذكر الله تعالى (1) {فيه ~~سكينة من ربكم} اختلفوا في السكينة 42/ب ما هي قال علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه: ريح خجوج هفافة لها رأسان ووجه كوجه الإنسان، وعن مجاهد: شيء ~~يشبه الهرة له رأس كرأس الهرة وذنب كذنب الهرة وله جناحان، وقيل له عينان ~~لهما شعاع وجناحان من زمرد وزبرجد فكانوا إذا سمعوا صوته تيقنوا بالنصر ~~وكانوا إذا خرجوا وضعوا التابوت قدامهم فإذا سار ساروا وإذا وقف وقفوا. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هي طست من ذهب من الجنة كان يغسل فيه ~~قلوب الأنبياء، وعن وهب بن منبه قال: هي روح من الله يتكلم إذا اختلفوا في ~~شيء تخبرهم ببيان ما يريدون (2) ، وقال عطاء بن أبي رباح: هي ما يعرفون من ~~الآيات فيسكنون إليها، وقال قتادة والكلبي: السكينة فعيلة من السكون أي ~~طمأنينة من ربكم ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا (3) {وبقية ~~مما ترك آل موسى وآل هارون} يعني موسى وهارون أنفسهما ms0298 كان فيه لوحان من ~~التوراة ورضاض الألواح التي تكسرت وكان فيه عصا موسى ونعلاه وعمامة هارون ~~وعصاه وقفيز من المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل، فكان التابوت عند بني ~~إسرائيل وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم وإذا حضروا القتال ~~قدموه بين أيديهم فيستفتحون به على عدوهم فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم ~~العمالقة فغلبوهم على التابوت. # وكان السبب في ذلك أنه كان لعيلى العالم الذي ربى إشمويل عليه السلام ~~ابنان شابان وكان عيلى حبرهم وصاحب قربانهم فأحدث ابناه في القربان شيئا لم ~~يكن فيه وذلك أنه كان لعيلى منوط القربان الذي كانوا ينوطونه به كلابين، ~~فما أخرجا كان للكاهن الذي ينوطه، فجعل ابناه كلاليب وكان النساء يصلين في ~~بيت المقدس فيتشبثان بهن فأوحى الله تعالى إلى إشمويل عليه السلام انطلق ~~إلى عيلى فقل له منعك حب الولد من أن تزجر ابنيك عن أن يحدثا في قرباني ~~وقدسي وأن يعصياني فلأنزعن الكهانة منك ومن ولدك ولأهلكنك وإياهم، فأخبر ~~إشمويل عيلى بذلك ففزع فزعا شديدا فسار إليهم عدو ممن حولهم PageV01P299 # فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس فيقاتلا ذلك العدو فخرجا وأخرجا معهما ~~التابوت فلما تهيؤوا للقتال جعل عيلى يتوقع الخبر ماذا صنعوا فجاءه رجل وهو ~~قاعد على كرسيه وأخبره أن الناس قد انهزموا وأن ابنيك قد قتلا قال فما فعل ~~التابوت؟ قال ذهب به العدو، فشهق ووقع على قفاه من كرسيه ومات فمرج أمر بني ~~إسرائيل وتفرقوا إلى أن بعث الله طالوت ملكا فسألوه البينة فقال لهم نبيهم: ~~إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت. # وكانت قصة التابوت، أن الذين سبوا التابوت أتوا به قرية من قرى فلسطين ~~يقال لها ازدود وجعلوه في بيت صنم لهم، ووضعوه تحت الصنم الأعظم، فأصبحوا ~~من الغد والصنم تحته فأخذوه ووضعوه فوقه وسمروا قدمي الصنم على التابوت ~~فأصبحوا وقد قطعت يد الصنم ورجلاه وأصبح ملقى تحت التابوت وأصبحت أصنامهم ~~منكسة فأخرجوه من بيت الصنم ووضعوه في ناحية من مدينتهم فأخذ أهل تلك ~~الناحية وجع في ms0299 أعناقهم حتى هلك أكثرهم فقال بعضهم لبعض: أليس قد علمتم أن ~~إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء، فأخرجوه إلى قرية كذا فبعث الله على أهل ~~تلك القرية فأرا فكانت الفأرة تبيت مع الرجل فيصبح ميتا قد أكلت ما في جوفه ~~فأخرجوه إلى الصحراء فدفنوه في مخرأة لهم فكان كل من تبرز هناك أخذه ~~الباسور والقولنج فتحيروا، فقالت لهم امرأة كانت عندهم من سبي بني إسرائيل ~~من أولاد الأنبياء لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا التابوت فيكم ~~فأخرجوه عنكم، فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة وحملوا عليها التابوت ثم ~~علقوها على ثورين وضربوا جنوبهما فأقبل الثوران يسيران ووكل الله تعالى ~~بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما فأقبلا حتى وقفا على أرض بني إسرائيل ~~فكسرا نيريهما وقطعا حبالهما ووضعا التابوت في أرض فيها حصاد بني إسرائيل ~~ورجعا إلى أرضهما فلم يرع بني إسرائيل إلا بالتابوت فكبروا وحمدوا الله (1) ~~فذلك قوله تعالى {تحمله الملائكة} أي تسوقه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته ~~عند طالوت، وقال الحسن: كان التابوت مع الملائكة في السماء فلما ولي طالوت ~~الملك حملته الملائكة ووضعته بينهم، وقال قتادة بل كان التابوت في التيه ~~خلفه موسى عند يوشع بن نون فبقي هناك فحملته الملائكة حتى وضعته في دار ~~طالوت فأقروا بملكه {إن في ذلك لآية} لعبرة {لكم إن كنتم مؤمنين} قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: إن PageV01P300 # التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة (1) . ### || # {فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ~~ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم ~~فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال ~~الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين (249) } # {فلما فصل طالوت بالجنود} أي خرج بهم، وأصل الفصل: ms0300 القطع، يعني قطع ~~مستقره شاخصا إلى غيره فخرج طالوت من بيت المقدس بالجنود، وهم يومئذ سبعون ~~ألف مقاتل، وقيل: ثمانون ألفا لم يتخلف عنه إلا كبير لهرمه أو مريض لمرضه ~~أو معذور لعذره، وذلك أنهم لما رأوا التابوت لم يشكوا في النصر، فتسارعوا ~~إلى الجهاد، فقال طالوت: لا حاجة لي في كل ما أرى، لا يخرج معي رجل بنى ~~بناء لم يفرغ منه ولا صاحب تجارة يشتغل بها ولا رجل عليه دين ولا رجل تزوج ~~امرأة ولم يبن بها ولا أبتغي إلا الشباب النشيط الفارغ فاجتمع له ثمانون ~~ألفا ممن شرطه وكان في حر شديد فشكوا قلة الماء بينهم وبين عدوهم فقالوا: ~~إن المياه قليلة لا تحملنا فادع الله أن يجري لنا نهرا. # {قال} طالوت {إن الله مبتليكم} مختبركم ليرى طاعتكم -وهو أعلم - {بنهر} ~~قال ابن عباس والسدي: هو نهر فلسطين، وقال قتادة نهر بين الأردن وفلسطين ~~عذب {فمن شرب منه فليس مني} أي ليس من أهل ديني وطاعتي {ومن لم يطعمه} ~~يشربه {فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده} قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو "غرفة" ~~بفتح الغين وقرأ الآخرون بضم الغين وهما لغتان، قال الكسائي: الغرفة بالضم ~~الذي يحصل في الكف من الماء إذا غرف، والغرفة: بالفتح الاغتراف فالضم اسم ~~والفتح مصدر {فشربوا منه إلا قليلا منهم} نصب على الاستثناء واختلفوا في ~~القليل الذين لم يشربوا، فقال # PageV01P301 # السدي: كانوا أربعة آلاف وقال غيره: ثلاثمائة وبضعة عشر وهو الصحيح. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن رجاء أنا إسرائيل عن أبي إسحاق ~~عن البراء قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر ~~على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة ~~عشر وثلاثمائة (1) . # ويروى ثلاثمائة وثلاثة عشر 43/أفلما وصلوا إلى النهر وقد ألقي عليهم ~~العطش فشرب منه الكل إلا هذا العدد القليل فمن اغترف غرفة ms0301 كما أمر الله قوي ~~قلبه وصح إيمانه وعبر النهر سالما وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه وحمله ~~ودوابه، والذين شربوا وخالفوا أمر الله اسودت شفاههم وغلبهم العطش فلم ~~يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو فلم يجاوزوا ولم يشهدوا ~~الفتح. # وقيل كلهم جاوزوا ولكن لم يحضر القتال إلا الذين لم يشربوا {فلما جاوزه} ~~يعني النهر {هو} يعني طالوت {والذين آمنوا معه} يعني القليل {قالوا} يعني ~~الذين شربوا وخالفوا أمر الله، وكانوا أهل شك ونفاق {لا طاقة لنا اليوم ~~بجالوت وجنوده} قال ابن عباس رضي الله عنهما والسدي: فانحرفوا ولم يجاوزوا ~~{قال الذين يظنون} يستيقنون {أنهم ملاقو الله} الذين ثبتوا مع طالوت {كم من ~~فئة} جماعة وهي جمع لا واحد له من لفظه وجمعه فئات وفئون في الرفع وفئين في ~~الخفض والنصب {قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} بقضائه وإرادته {والله مع ~~الصابرين} بالنصر والمعونة. ### || # {ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين (250) } # {ولما برزوا} يعني طالوت وجنوده يعني المؤمنين {لجالوت وجنوده} المشركين ~~ومعنى برزوا صاروا بالبراز من الأرض وهو ما ظهر واستوى {قالوا ربنا أفرغ ~~علينا} أنزل واصبب {صبرا وثبت أقدامنا} قلوبنا {وانصرنا على القوم ~~الكافرين} ### || # {فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما ~~يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين (251) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252) } # {فهزموهم بإذن الله} أي بعلم الله تعالى {وقتل داود جالوت} وصفة قتله: ~~قال أهل التفسير (2) PageV01P302 # عبر النهر مع طالوت فيمن عبر إيشا أبو داود في ثلاثة عشر ابنا له وكان ~~داود أصغرهم وكان يرمي بالقذافة فقال لأبيه يوما يا أبتاه ما أرمي بقذافتي ~~شيئا إلا صرعته فقال: أبشر يا بني فإن الله جعل رزقك في قذافتك، ثم أتاه ~~مرة أخرى فقال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبته ~~فأخذت بأذنيه فلم يهجني، فقال: أبشر يا بني فإن ms0302 هذا خير يريده الله بك ثم ~~أتاه يوما آخر فقال: يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبح فما يبقى جبل إلا ~~سبح معي، فقال: أبشر يا بني فإن هذا خير أعطاكه الله تعالى فأرسل جالوت إلى ~~طالوت أن ابرز إلي أو أبرز إلي من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته ~~فلي ملككم فشق ذلك على طالوت فنادى في عسكره من قتل جالوت زوجته ابنتي ~~وناصفته ملكي فهاب الناس جالوت فلم يجبه أحد فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله ~~تعالى فدعا الله في ذلك، فأتى بقرن فيه دهن القدس وتنور في حديد فقيل إن ~~صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي الدهن حتى ~~يدهن منه رأسه ولا يسيل على وجهه ويكون على رأسه كهيئة الإكليل ويدخل في ~~هذا التنور فيملؤه ولا يتقلقل فيه، فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم فلم ~~يوافقه منهم أحد فأوحى الله إلى نبيهم أن في ولد إيشا من يقتل الله به ~~جالوت فدعا طالوت إيشا فقال: اعرض علي بنيك فأخرج له اثني عشر رجلا أمثال ~~السواري (1) فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا فقال: لإيشا هل بقي لك ولد ~~غيرهم فقال لا فقال النبي: يا رب إنه زعم أن لا ولد له غيرهم، فقال كذب، ~~فقال النبي: إن ربي كذبك فقال: صدق الله يا نبي الله إن لي ابنا صغيرا يقال ~~له داود استحييت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته (فخلفته) (2) في الغنم ~~يرعاها وهو في شعب كذا وكذا، وكان داود رجلا قصيرا مسقاما (3) PageV01P303 # مصفارا (1) أزرق (2) أمعر (3) ، فدعاه طالوت، ويقال: بل خرج طالوت إليه ~~فوجد الوادي قد سال بينه وبين الزريبة التي كان يريح إليها، فوجده يحمل ~~شاتين يجيز بهما السيل ولا يخوض بهما الماء فلما رآه قال: هذا هو لا شك ~~فيه، هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم فدعاه ووضع القرن على رأسه ففاض ~~فقال طالوت: هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتي وأجري خاتمك في ملكي قال: ~~نعم قال: وهل ms0303 آنست من نفسك شيئا تتقوى به على قتله؟ قال: نعم، أنا أرعى ~~فيجيء الأسد أو النمر أو الذئب فيأخذ شاة فأقوم إليه فأفتح لحييه عنها ~~وأضرقها إلى قفاه، فرده إلى عسكره، فمر داود عليه السلام في طريقه بحجر ~~فناداه الحجر يا داود احملني فإني حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا، فحمله في ~~مخلاته، ثم مر بحجر آخر فقال: احملني فإني حجر موسى الذي قتل بي ملك كذا ~~وكذا فحمله في مخلاته، ثم مر بحجر آخر فقال: احملني فإني حجرك الذي تقتل بي ~~جالوت فوضعها في مخلاته، فلما تصافوا للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة ~~انتدب له داود فأعطاه طالوت فرسا ودرعا وسلاحا فلبس السلاح وركب الفرس وسار ~~قريبا ثم انصرف إلى الملك فقال: من حوله جبن الغلام فجاء فوقف على الملك ~~فقال: ما شأنك؟ فقال: إن الله إن لم ينصرني لم يغن عني هذا السلاح شيئا، ~~فدعني أقاتل كما أريد، قال: فافعل ما شئت قال: نعم، فأخذ داود مخلاته ~~فتقلدها وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت وكان جالوت من أشد الرجال وأقواهم، ~~وكان يهزم الجيوش وحده وكان له بيضة (4) فيها ثلاثمائة رطل حديد فلما نظر ~~إلى داود ألقي في قلبه الرعب فقال له: أنت تبرز إلي؟ قال: نعم. # وكان جالوت على فرس أبلق (5) عليه السلاح التام، قال: فأتيتني بالمقلاع ~~والحجر كما يؤتى الكلب؟ قال: نعم أنت شر من الكلب، قال لا جرم لأقسمن لحمك ~~بين سباع الأرض وطير السماء قال داود: أو يقسم الله لحمك، فقال داود: باسم ~~إله إبراهيم وأخرج حجرا ثم أخرج الآخر وقال: باسم إله إسحاق ووضعه في ~~مقلاعه ثم أخرج الثالث وقال: باسم إله يعقوب ووضعه في مقلاعه فصارت كلها ~~حجرا واحدا ودور داود المقلاع ورمى به فسخر الله له الريح حتى أصاب الحجر ~~أنف البيضة فخالط دماغه وخرج من قفاه وقتل من ورائه ثلاثين رجلا وهزم الله ~~تعالى الجيش وخر جالوت قتيلا فأخذه يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت، ففرح ~~المسلمون فرحا شديدا، وانصرفوا إلى المدينة ms0304 سالمين غانمين والناس يذكرون ~~داود فجاء داود طالوت وقال انجز لي ما وعدتني، فقال: أتريد ابنة الملك بغير ~~صداق؟ فقال داود: ما PageV01P304 # شرطت علي صداقا وليس لي شيء فقال لا أكلفك إلا ما تطيق أنت رجل جريء وفي ~~حيالنا أعداء لنا غلف (1) فإذا قتلت منهم مائتي رجل وجئتني بغلفهم زوجتك ~~ابنتي فأتاهم فجعل كلما قتل واحدا منهم نظم غلفته في خيط حتى نظم غلفهم ~~فجاء بها إلى طالوت فألقى إليه وقال ادفع إلي امرأتي فزوجه ابنته وأجرى ~~خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود وأحبوه وأكثروا ذكره، فحسده طالوت ~~وأراد قتله فأخبر ذلك ابنة طالوت رجل يقال له ذو العينين فقالت لداود إنك ~~مقتول في هذه الليلة قال: ومن يقتلني؟ قالت أبي 43/ب قال وهل أجرمت جرما ~~قالت: حدثني من لا يكذب ولا عليك أن تغيب هذه الليلة حتى تنظر مصداق ذلك، ~~فقال: لئن كان أراد الله ذلك لا أستطيع خروجا ولكن ائتيني بزق (2) خمر فأتت ~~به فوضعه في مضجعه على السرير وسجاه (3) ودخل تحت السرير فدخل طالوت نصف ~~الليل فقال لها: أين بعلك؟ فقالت: هو نائم على السرير فضربه بالسيف ضربة ~~فسال الخمر فلما وجد ريح الشراب قال: يرحم الله داود ما كان أكثر شربه ~~للخمر، وخرج. # فلما أصبح علم أنه لم يفعل شيئا فقال: إن رجلا طلبت منه ما طلبت لخليق أن ~~لا يدعني حتى يدرك مني ثأره فاشتد حجابه وحراسه وأغلق دونه أبوابه، ثم إن ~~داود أتاه ليلة وقد هدأت العيون فأعمى الله سبحانه الحجبة وفتح له الأبواب ~~فدخل عليه وهو نائم على فراشه، فوضع سهما عند رأسه وسهما عند رجليه وسهما ~~عن يمينه وسهما عن شماله ثم خرج، فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها ~~فقال: يرحم الله تعالى داود هو خير مني ظفرت به فقصدت قتله وظفر بي فكف عني ~~ولو شاء لوضع هذا السهم في حلقي وما أنا بالذي آمنه، فلما كانت القابلة ~~أتاه ثانيا وأعمى الله الحجاب فدخل عليه وهو نائم فأخذ إبريق طالوت ms0305 الذي ~~كان يتوضأ منه وكوزه الذي كان يشرب منه وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هدب ~~ثيابه، ثم خرج وهرب وتوارى، فلما أصبح طالوت ورأى ذلك سلط على داود العيون ~~وطلبه أشد الطلب فلم يقدر عليه، ثم إن طالوت ركب يوما فوجد داود يمشي في ~~البرية فقال: اليوم أقتله فركض على أثره، فاشتد داود وكان إذا فزع لم يدرك، ~~فدخل غارا فأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فنسج عليه بيتا فلما انتهى طالوت ~~إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت قال: لو كان دخل هاهنا لخرق بناء ~~العنكبوت فتركه ومضى، فانطلق داود وأتى الجبل مع المتعبدين فتعبد فيه فطعن ~~العلماء والعباد على طالوت في شأن داود فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن قتل ~~داود إلا قتله، وأغرى بقتل العلماء فلم يكن يقدر على عالم في بني إسرائيل ~~يطيق قتله إلا قتله، حتى أتي بامرأة تعلم اسم الله الأعظم فأمر خبازه ~~بقتلها فرحمها PageV01P305 # الخباز وقال: لعلنا نحتاج إلى عالم فتركها فوقع في قلب طالوت التوبة وندم ~~على ما فعل، وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس. # وكان كل ليلة يخرج إلى القبور فيبكي وينادي: أنشد الله عبدا يعلم أن لي ~~توبة إلا أخبرني بها، فلما أكثر عليهم ناداه مناد من القبور يا طالوت أما ~~ترضى أن قتلتنا حتى تؤذينا أمواتا فازداد بكاء وحزنا فرحمه الخباز فقال: ما ~~لك أيها الملك؟ قال: هل تعلم لي في الأرض عالما أسأله هل لي من توبة فقال ~~الخباز: إنما مثلك مثل ملك نزل قرية عشاء فصاح الديك فتطير منه فقال: لا ~~تتركوا في القرية ديكا إلا ذبحتموه، فلما أراد أن ينام قال لأصحابه: إذا ~~صاح الديك فأيقظونا حتى ندلج فقالوا له: وهل تركت ديكا نسمع صوته؟ ولكن هل ~~تركت عالما في الأرض؟ فازداد حزنا وبكاء فلما رأى الخباز ذلك قال له: ~~أرأيتك إن دللتك على عالم لعلك أن تقتله قال: لا فتوثق عليه الخباز فأخبره ~~أن المرأة العالمة عنده قال: انطلق بي إليها أسألها هل لي من توبة؟ ms0306 وكانت ~~من أهل بيت يعلم الاسم الأعظم فإذا فنيت رجالهم علمت نساؤهم فلما بلغ طالوت ~~الباب قال الخباز إنها إذا رأتك فزعت فخلفه خلفه ثم دخله عليها فقال لها: ~~ألست أعظم الناس منة عليك أنجيتك من القتل وآويتك، قالت: بلى، قال: فإن لي ~~إليك حاجة هذا طالوت يسأل هل لي من توبة؟ فغشي عليها من الفرق فقال لها: ~~إنه لا يريد قتلك ولكن يسألك هل له من توبة؟ قالت: لا والله لا أعلم لطالوت ~~توبة، ولكن هل تعلمون مكان قبر نبي؟ فانطلق بهما إلى قبر إشمويل فصلت ودعت ~~ثم نادت يا صاحب القبر فخرج إشمويل من القبر ينفض رأسه من التراب فلما نظر ~~إليهم ثلاثتهم قال: ما لكم أقامت القيامة؟ قالت: لا ولكن طالوت يسألك هل له ~~من توبة؟ قال إشمويل: يا طالوت ما فعلت بعدي؟ قال: لم أدع من الشر شيئا إلا ~~فعلته وجئت أطلب التوبة قال: كم لك من الولد؟ قال عشرة رجال، قال: ما أعلم ~~لك من توبة إلا أن تتخلى من ملكك وتخرج أنت وولدك في سبيل الله، ثم تقدم ~~ولدك حتى يقتلوا بين يديك ثم تقاتل أنت حتى تقتل آخرهم؟ ثم رجع إشمويل إلى ~~القبر وسقط ميتا، ورجع طالوت أحزن ما كان رهبة أن لا يتابعه ولده وقد بكى ~~حتى سقطت أشفار عينيه ونحل جسمه فدخل عليه أولاده فقال لهم: أرأيتم لو دفعت ~~إلى النار هل كنتم تفدونني؟ قالوا: نعم نفديك بما قدرنا عليه قال: فإنها ~~النار إن لم تفعلوا ما أقول لكم قالوا: فاعرض علينا فذكر لهم القصة، قالوا: ~~وإنك لمقتول قال: نعم، قالوا: فلا خير لنا في الحياة بعدك قد طابت أنفسنا ~~بالذي سألت، فتجهز بماله وولده فتقدم ولده وكانوا عشرة فقاتلوا بين يديه ~~حتى قتلوا ثم شد هو بعدهم حتى قتل فجاء قاتله إلى داود ليبشره وقال: قتلت ~~عدوك فقال داود: ما أنت بالذي تحيا بعده، فضرب عنقه، وكان ملك طالوت إلى أن ~~قتل أربعين سنة وأتى بنو إسرائيل إلى داود وأعطوه ms0307 خزائن طالوت وملكوه على ~~أنفسهم. # PageV01P306 # قال الكلبي والضحاك: ملك داود بعد قتل طالوت سبع سنين ولم يجتمع بنو ~~إسرائيل على ملك واحد إلا على داود فذلك قوله تعالى: {وآتاه الله الملك ~~والحكمة} يعني: النبوة؛ جمع الله لداود بين الملك والنبوة ولم يكن من قبل، ~~بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط، وقيل: الملك والحكمة هو العلم مع ~~العمل. قوله تعالى: {وعلمه مما يشاء} قال الكلبي وغيره يعني: صنعة الدروع ~~وكان يصنعها ويبيعها وكان لا يأكل إلا من عمل يده، وقيل منطق الطير (وكلام ~~الحكل) (1) والنمل والكلام الحسن وقيل هو الزبور وقيل هو الصوت الطيب ~~والألحان فلم يعط الله أحدا من خلقه مثل صوته، وكان إذا قرأ الزبور تدنو ~~الوحوش حتى يأخذ بأعناقها وتظله الطير مصيخة له ويركد الماء (الجاري) (2) ~~ويسكن الريح. # وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما هو أن الله تعالى أعطاه سلسلة ~~موصولة بالمجرة ورأسها عند صومعته قوتها قوة الحديد ولونها لون النار ~~وحلقها مستديرة مفصلة بالجواهر مدسرة بقضبان اللؤلؤ الرطب فلا يحدث في ~~الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة، فعلم داود ذلك الحدث، ولا يمسها ذو عاهة إلا ~~برئ، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود عليه السلام إلى أن رفعت، فمن تعدى ~~على صاحبه وأنكر له حقا أتى السلسلة فمن كان صادقا مد يده إلى السلسلة ~~فتناولها، ومن كان كاذبا لم ينلها فكانت كذلك إلى أن ظهر بهم المكر ~~والخديعة فبلغنا أن بعض ملوكها أودع رجلأ 44/أجوهرة ثمينة فلما استردها ~~أنكر فتحاكما إلى السلسلة، فعمد الذي عنده الجوهرة إلى عكازة فنقرها وضمنها ~~الجوهرة واعتمد عليها حتى حضر السلسلة فقال صاحب الجوهرة: رد علي الوديعة ~~فقال صاحبه: ما أعرف لك عندي من وديعة فإن كنت صادقا فتناول السلسلة، ~~فتناولها بيده فقيل للمنكر قم أنت فتناولها فقال لصاحب الجوهرة: خذ عكازي ~~هذه فاحفظها حتى أتناول السلسلة فأخذها عنده ثم قام المنكر نحو السلسلة ~~فأخذها فقال الرجل: اللهم إن كنت تعلم أن هذه الوديعة التي يدعيها علي قد ~~وصلت إليه ms0308 فقرب مني السلسلة فمد يده فتناولها فتعجب القوم وشكوا فيها ~~فأصبحوا وقد رفع الله السلسلة. # قوله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} قرأ أهل المدينة ويعقوب " ~~دفاع الله ") بالألف هاهنا وفي سورة الحج، وقرأ الآخرون بغير الألف لأن ~~الله تعالى لا يغالبه أحد وهو الدافع وحده، ومن قرأ بالألف قال: قد يكون ~~الدفاع من واحد مثل قول العرب: أحسن الله عنك الدفاع، قال ابن عباس ومجاهد: ~~ولولا دفع الله بجنود المسلمين لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المؤمنين، ~~وخربوا المساجد والبلاد، وقال سائر المفسرين: لولا دفع الله بالمؤمنين ~~والأبرار عن الكفار والفجار لهلكت الأرض بمن فيها، ولكن الله PageV01P307 # يدفع بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد ~~الله بن فنجويه أنا أبو بكر بن خرجة أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل أنا أبو ~~حميد الحمصي أنا يحيى بن سعيد العطار أنا حفص بن سليمان عن محمد بن سوقة عن ~~وبرة عن عبد الرحمن عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إن الله عز وجل ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من ~~جيرانه البلاء" ثم قرأ "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض" (1) {لفسدت الأرض ~~ولكن الله ذو فضل على العالمين} PageV01P308 ### || # {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ~~وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل ~~الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم ~~من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) يا أيها ~~الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة والكافرون هم الظالمون (254) } # {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله} أي كلمه الله تعالى ~~يعني موسى عليه السلام {ورفع بعضهم درجات} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~قال ms0309 الشيخ الإمام رحمة الله عليه: وما أوتي نبي آية إلا وقد أوتي نبينا مثل ~~تلك الآية وفضل على غيره بآيات مثل: انشقاق القمر بإشارته، وحنين الجذع على ~~مفارقته، وتسليم الحجر والشجر عليه، وكلام البهائم والشهادة برسالته، ونبع ~~الماء من بين أصابعه، وغير ذلك من المعجزات والآيات التي لا تحصى، وأظهرها ~~القرآن الذي عجز أهل السماء وأهل الأرض عن الإتيان بمثله. # أخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد بن علي الصيرفي، أنا أبو الحسن ~~محمد بن أحمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس بن محمد بن إسحاق الثقفي، أنا ~~قتيبة بن سعيد، أنا الليث بن سعد عن سعيد بن أبي # PageV01P308 # سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله ~~البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله تعالى إلي فأرجو أن أكون ~~أكثرهم تابعا يوم القيامة" (1) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن سنان، أخبرنا (2) هشيم، ~~أنا سيار، أنا يزيد الفقير، أنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة ~~شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، ~~وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى ~~قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" (3) . # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد الله ~~الطيسفوني، أنا عبد الله بن عمر الجوهري، أنا أحمد بن علي الكشميهني، أنا ~~علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر، أنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فضلت على ~~الأنبياء بست: أوتيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي ms0310 الغنائم، وجعلت ~~لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" (4) . # قوله تعالى: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء ~~الله ما اقتتل الذين من بعدهم} أي من بعد الرسل {من بعد ما جاءتهم البينات ~~ولكن اختلفوا فمنهم من آمن} ثبت على إيمانه بفضل الله {ومنهم من كفر} ~~بخذلانه {ولو شاء الله ما اقتتلوا} أعاده تأكيدا {ولكن الله يفعل ما يريد} ~~يوفق من يشاء فضلا ويخذل من يشاء عدلا. # سأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن ~~القدر؟ فقال: طريق مظلم لا تسلكه، فأعاد السؤال فقال: بحر عميق فلا تلجه، ~~فأعاد السؤال، فقال: سر الله في الأرض قد خفي عليك فلا تفتشه (5) . ~~PageV01P309 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم} قال السدي: أراد ~~به الزكاة المفروضة وقال غيره: أراد به صدقة التطوع والنفقة في الخير {من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه} أي لا فداء فيه، سماه بيعا لأن الفداء شراء ~~نفسه {ولا خلة} لا صداقة {ولا شفاعة} إلا بإذن الله، قرأ ابن كثير ونافع ~~وأهل البصرة كلها بالنصب، وكذلك في سورة إبراهيم (الآية 31) "لا بيع فيه ~~ولا خلال" وفي سورة الطور (الآية 23) "لا لغو فيها ولا تأثيم" وقرأ الآخرون ~~كلها بالرفع والتنوين {والكافرون هم الظالمون} لأنهم وضعوا العبادة في غير ~~موضعها. ### || # {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات ~~وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده ~~حفظهما وهو العلي العظيم (255) لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ~~فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ~~والله سميع عليم (256) } # قوله عز وجل: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} أخبرنا عبد الواحد بن ~~أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد ms0311 بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد ~~بن عبد الجبار الرياني أنا حميد بن زنجويه أنا ابن أبي شيبة أنا عبد الأعلى ~~عن الجريري عن أبي السليل (1) عن عبد الله بن رباح الأنصاري عن أبي بن كعب ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أبا المنذر أي آية من ~~كتاب الله أعظم" قلت {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} قال فضرب في صدري ثم ~~قال: "ليهنك العلم" ثم قال: "والذي نفس محمد بيده إن لهذه الآية لسانا ~~وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش" (2) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أنا محمد بن وسف عن محمد بن إسماعيل قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو: أخبرنا ~~عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته ~~وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني محتاج وعلي عيال ~~ولي حاجة شديدة قال: فخليت سبيله PageV01P310 # فأصبحت 44/ب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أبا هريرة ما فعل ~~أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت ~~سبيله قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود" فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إنه سيعود، فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: ~~لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال ~~ولا أعود، فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال: لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك" قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة ~~وعيالا فرحمته وخليت سبيله قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود" فرصدته الثالثة ~~فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم لا تعود ثم تعود قال: دعني أعلمك كلمات ~~ينفعك الله ms0312 بها قلت: ما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ~~{الله لا إله إلا هو الحي القيوم} حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من ~~الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "ما فعل أسيرك البارحة" قلت يا رسول الله زعم أنه ~~يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال ما هي؟ قلت: قال لي إذا أويت ~~إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية {الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم} وقال: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، ~~وكانوا أحرص الناس على الخير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما إنه قد ~~صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة" قلت: لا قال "ذاك ~~شيطان" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا يحيى بن يحيى أخبرنا أبو معاوية عن ~~عبد الرحمن بن أبي بكر هو المليكي عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"من قرأ حين يصبح آية الكرسي وآيتين من أول "حم تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز العليم" (2-غافر) حفظ في يومه ذلك حتى يمسي ومن قرأهما حين يمسي حفظ ~~في ليلته تلك حتى يصبح" (2) . PageV01P311 # قوله تعالى: {الله} رفع بالابتداء وخبره في {لا إله إلا هو الحي} الباقي ~~الدائم على الأبد وهو من له الحياة، والحياة صفة الله تعالى {القيوم} قرأ ~~عمر وابن مسعود "القيام" وقرأ علقمة "القيم" وكلها لغات بمعنى واحد، قال ~~مجاهد {القيوم} القائم على كل {شيء} (1) وقال الكلبي: القائم على كل نفس ~~بما كسبت وقيل هو القائم بالأمور. وقال أبو عبيدة: الذي لا يزول {لا تأخذه ~~سنة ولا نوم} السنة: النعاس وهو النوم الخفيف، والوسنان بين النائم ~~واليقظان يقال منه وسن يسن وسنا وسنة ms0313 والنوم هو الثقيل المزيل للقوة ~~والعقل، قال المفضل الضبي: السنة في الرأس والنوم في القلب، فالسنة أول ~~النوم وهو النعاس، وقيل السنة في الرأس والنعاس في العين والنوم في القلب ~~فهو غشية ثقيلة تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء، نفى الله تعالى عن ~~نفسه النوم لأنه آفة وهو منزه عن الآفات ولأنه تغير ولا يجوز عليه التغير. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ~~إبراهيم الثعلبي أخبرنا عبد الله بن حامد أخبرنا محمد بن جعفر أخبرنا علي ~~بن حرب أخبرنا أبو معاوية أخبرنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن ~~أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال: "إن ~~الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، ولكنه يخفض القسط، ويرفع إليه عمل ~~الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه ~~لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (2) . ورواه المسعودي عن ~~عمرو بن مرة وقال: حجابه النار. # {له ما في السماوات وما في الأرض} ملكا وخلقا {من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه} بأمره {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} قال مجاهد وعطاء والسدي: {ما ~~بين أيديهم} أمر الدنيا {وما خلفهم} أمر الآخرة، وقال الكلبي: {ما بين ~~أيديهم} يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها {وما خلفهم} الدنيا لأنهم يخلفونها ~~وراء ظهورهم، وقال ابن جريج: ما بين أيديهم ما مضى أمامهم وما خلفهم ما ~~يكون بعدهم، وقال مقاتل: ما بين أيديهم، ما كان قبل خلق الملائكة وما خلفهم ~~أي ما كان بعد خلقهم، وقيل: ما بين أيديهم أي ما قدموه من خير أو شر وما ~~خلفهم ما هم فاعلوه {ولا يحيطون بشيء من علمه} أي من علم الله {إلا بما ~~شاء} أن يطلعهم عليه يعني لا يحيطون بشيء من علم الغيب إلا بما شاء مما ~~أخبر به الرسل كما قال الله تعالى: {فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى ~~من رسول} ms0314 (36-الجن) قوله تعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} أي ملأ وأحاط ~~به، واختلفوا في الكرسي فقال الحسن: هو العرش نفسه PageV01P312 # وقال أبو هريرة رضي الله عنه: الكرسي موضوع أمام العرش ومعنى قوله: "وسع ~~كرسيه السماوات والأرض" أي سعته مثل سعة السماوات والأرض، وفي الأخبار أن ~~السماوات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة، والكرسي في جنب العرش كحلقة ~~في فلاة. ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن السماوات السبع والأرضين ~~السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس (1) . # وقال علي ومقاتل: كل قائمة من الكرسي طولها مثل السماوات السبع والأرضين ~~السبع، وهو بين يدي العرش، ويحمل الكرسي أربعة أملاك، لكل ملك أربعة وجوه، ~~وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة عام، ملك ~~على صورة سيد البشر آدم عليه السلام، وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من ~~السنة إلى السنة، وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور وهو يسأل للأنعام ~~الرزق من السنة إلى السنة وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل، وملك على صورة ~~سيد السباع وهو الأسد يسأل للسباع الرزق من السنة إلى السنة، [وملك على ~~صورة سيد الطير وهو النسر يسأل الرزق للطير من السنة إلى السنة] (2) وفي ~~بعض الأخبار أن ما بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجابا من ظلمة وسبعين ~~حجابا من نور غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام لولا ذلك لاحترق حملة الكرسي ~~من نور حملة العرش. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أراد بالكرسي علمه ~~(3) وهو قول مجاهد، ومنه قيل لصحيفة العلم كراسة، وقيل: كرسيه ملكه ~~وسلطانه، والعرب تسمي الملك القديم كرسيا، {ولا يئوده} أي لا يثقله ولا يشق ~~عليه يقال: آدني الشيء أي أثقلني {حفظهما} أي حفظ السماوات والأرض {وهو ~~العلي} الرفيع فوق خلقه والمتعالي عن الأشياء والأنداد، وقيل العلي بالملك ~~والسلطنة {العظيم} الكبير الذي لا شيء أعظم منه. # قوله تعالى: {لا إكراه في الدين} قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: كانت المرأة ms0315 من الأنصار تكون مقلاة - (المقلاة من النساء) (4) لا ~~يعيش لها ولد -وكانت تنذر لئن عاش لها ولد لتهودنه PageV01P313 # فإذا عاش ولدها جعلته في اليهود، فجاء الإسلام وفيهم منهم 45/أفلما أجليت ~~بنو النضير كان فيهم عدد من أولاد الأنصار فأرادت الأنصار استردادهم ~~وقالوا: هم أبناؤنا وإخواننا فنزلت هذه الآية {لا إكراه في الدين} فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "خيروا أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم وإن ~~اختاروهم فأجلوهم معهم" (1) . # وقال مجاهد: كان ناس مسترضعين في اليهود من الأوس فلما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإجلاء بني النضير قال الذين كانوا مسترضعين فيهم: لنذهبن ~~معهم ولندينن بدينهم، فمنعهم أهلوهم، فنزلت {لا إكراه في الدين} (2) . # وقال مسروق: كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان فتنصرا قبل ~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون ~~الطعام فلزمهما أبوهما وقال: لا أدعكما حتى تسلما، فتخاصما إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر فأنزل ~~الله تعالى {لا إكراه في الدين} فخلى سبيلهما (3) . # وقال قتادة وعطاء: نزلت في أهل الكتاب إذا قبلوا الجزية، وذلك أن العرب ~~كانت أمة أمية لم يكن لهم كتاب فلم يقبل منهم إلا الإسلام، فلما أسلموا ~~طوعا أو كرها أنزل الله تعالى: {لا إكراه في الدين} فأمر بقتال أهل الكتاب ~~إلى أن يسلموا أو يقروا بالجزية فمن أعطى منهم الجزية لم يكره على الإسلام، ~~وقيل كان هذا في الابتداء قبل أن يؤمر بالقتال فصارت منسوخة بآية السيف، ~~وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه {قد تبين الرشد من الغي} أي الإيمان من ~~الكفر والحق من الباطل {فمن يكفر بالطاغوت} يعني الشيطان، وقيل: كل ما عبد ~~من دون الله تعالى فهو طاغوت، وقيل كل ما يطغي الإنسان، فاعول من الطغيان، ~~زيدت التاء فيه بدلا من لام الفعل، كقولهم حانوت وتابوت، فالتاء فيها مبدلة ~~من هاء التأنيث {ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة} أي تمسك واعتصم ms0316 بالعقد ~~الوثيق المحكم في الدين، والوثقى تأنيث الأوثق وقيل العروة الوثقى السبب ~~الذي يوصل إلى رضا الله تعالى: {لا انفصام لها} لا انقطاع لها {والله سميع} ~~قيل: لدعائك إياهم إلى الإسلام {عليم} بحرصك على إيمانهم. PageV01P314 ### || # {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا ~~أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (257) } # قوله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا} ناصرهم ومعينهم، وقيل: محبهم، وقيل ~~متولي أمورهم لا يكلهم إلى غيره، وقال الحسن: ولي هدايتهم {يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور} أي من الكفر إلى الإيمان قال الواقدي: كل ما في القرآن ~~من الظلمات والنور فالمراد منه الكفر والإيمان غير التي في سورة الأنعام، ~~"وجعل الظلمات والنور" فالمراد منه الليل والنهار، سمي الكفر ظلمة لالتباس ~~طريقه وسمي الإسلام نورا لوضوح طريقه {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت} قال ~~مقاتل: يعني كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وسائر رءوس الضلالة {يخرجونهم من ~~النور إلى الظلمات} يدعونهم من النور إلى الظلمات، والطاغوت يكون مذكرا ~~ومؤنثا وواحدا وجمعا، قال تعالى في المذكر والواحد: " {يريدون أن يتحاكموا ~~إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} (60-النساء) وقال في المؤنث: "والذين ~~اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها" (17-الزمر) وقال في الجمع: {يخرجونهم من النور ~~إلى الظلمات} فإن قيل: قال: يخرجونهم من النور وهم كفار لم يكونوا في نور ~~قط؟ قيل: هم اليهود كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث لما ~~يجدون في كتبهم من نعته، فلما بعث كفروا به، وقيل: هو على العموم في حق ~~جميع الكفار، قالوا: منعهم إياهم من الدخول فيه إخراج كما يقول الرجل لأبيه ~~أخرجتني من مالك ولم يكن فيه، كما قال الله تعالى إخبارا عن يوسف عليه ~~السلام: "إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله" (37-يوسف) ولم يكن قط في ملتهم ~~{أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ### || # {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ~~ربي الذي يحيي ويميت قال أنا ms0317 أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ~~(258) } # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} معناه هل انتهى إليك ~~يا محمد خبر الذي حاج إبراهيم أي خاصم وجادل، وهو نمرود وهو أول من وضع ~~التاج على رأسه، وتجبر في الأرض وادعى الربوبية؟ {أن آتاه الله الملك} أي ~~لأن آتاه الله الملك فطغى أي كانت تلك المحاجة من بطر الملك وطغيانه، قال ~~مجاهد: ملك الأرض أربعة، مؤمنان وكافران فأما المؤمنان فسليمان وذو ~~القرنين، وأما الكافران فنمرود وبختنصر. # واختلفوا في وقت هذه المناظرة، قال مقاتل: لما كسر إبراهيم الأصنام سجنه ~~نمرود ثم أخرجه ليحرقه بالنار فقال له: من ربك الذي تدعونا إليه؟ فقال ربي ~~الذي يحيي ويميت، وقال آخرون: كان هذا بعد إلقائه في النار، وذلك أن الناس ~~قحطوا على عهد نمرود وكان الناس يمتارون (1) من عنده الطعام، فكان إذا ~~PageV01P315 # أتاه الرجل في طلب الطعام سأله من ربك؟ فإن قال أنت، باع منه الطعام، ~~فأتاه إبراهيم فيمن أتاه فقال له نمرود: من ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت ~~فاشتغل بالمحاجة ولم يعطه شيئا فرجع إبراهيم فمر على كثيب من رمل أعفر فأخذ ~~منه تطييبا لقلوب أهله إذا دخل عليهم، فلما أتى أهله ووضع متاعه نام، فقامت ~~امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هو أجود طعام ما رآه أحد، فأخذته فصنعت له ~~منه فقربته إليه فقال: من أين هذا؟ قالت من الطعام الذي جئت به فعرف أن ~~الله رزقه، فحمد الله. # قال الله تعالى: {إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت} [وهذا جواب سؤال ~~غير مذكور تقديره قال له: من ربك؟ فقال إبراهيم {ربي الذي يحيي ويميت} (1) ~~] قرأ حمزة {ربي الذي يحيي ويميت} بإسكان الياء وكذلك "حرم ربي الفواحش" ~~(33-الأعراف) و"عن آياتي الذين يتكبرون" (146-الأعراف) و"قل لعبادي الذين" ~~(31-إبراهيم) و"آتاني الكتاب" (30-مريم) و"مسني الضر" (83-الأنبياء) ~~و"عبادي الصالحون" (105-الأنبياء) و"عبادي الشكور" (13-سبأ) و"مسني ~~الشيطان" (41-ص) و"إن أرادني الله" ms0318 (38-الزمر) و"إن أهلكني الله" ~~(28-الملك) أسكن الياء فيهن حمزة، ووافق ابن عامر والكسائي في "لعبادي ~~الذين آمنوا" وابن عامر "آياتي الذين" وفتحها الآخرون، {قال} نمرود {أنا ~~أحيي وأميت} # قرأ أهل المدينة {أنا} بإثبات الألف والمد في الوصل إذا تلتها ألف مفتوحة ~~أو مضمومة والباقون بحذف الألف، ووقفوا جميعا بالألف، قال أكثر المفسرين: ~~دعا نمرود برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر فجعل ترك القتل إحياء له، ~~فانتقل إبراهيم إلى حجة أخرى، لا عجزا، فإن حجته كانت لازمة لأنه أراد ~~بالإحياء إحياء الميت فكان له أن يقول: فأحي من أمت إن كنت صادقا فانتقل ~~إلى حجة أخرى أوضح من الأولى. # {قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت ~~الذي كفر} أي تحير PageV01P316 # ودهش وانقطعت حجته. فإن قيل: كيف بهت وكان يمكنه أن يعارض إبراهيم فيقول ~~له: سل أنت ربك حتى يأتي بها من المغرب قيل: إنما لم يقله لأنه خاف أن لو ~~سأل ذلك دعا إبراهيم ربه فكان زيادة في فضيحته وانقطاعه، والصحيح أن الله ~~صرفه عن تلك المعارضة إظهارا للحجة عليه أو معجزة لإبراهيم عليه السلام ~~{والله لا يهدي القوم الظالمين} ### || # {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد ~~موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم ~~قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ~~ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين ~~له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير (259) } # قوله تعالى: {أو كالذي مر على قرية} وهذه الآية منسوقة على الآية الأولى، ~~تقديره {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم} وإلى الذي مر على قرية، وقيل: تقديره ~~هل رأيت 45/ب الذي حاج إبراهيم في ربه، وهل رأيت الذي مر على قرية؟ ~~واختلفوا في ذلك المار، فقال قتادة وعكرمة والضحاك: هو عزير بن شرخيا، وقال ~~وهب بن منبه: هو أرميا ms0319 بن حلقيا، وكان من سبط هارون، وهو الخضر وقال مجاهد: ~~هو كافر شك في البعث، واختلفوا في تلك القرية فقال وهب وعكرمة وقتادة: هي ~~بيت المقدس، وقال الضحاك: هي الأرض المقدسة، وقال الكلبي: هي دير سابر ~~أباد، وقال السدي: مسلم باذ، وقيل ديرهرقل، وقيل: هي الأرض التي أهلك الله ~~فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف، وقيل: هي قرية العنب، وهي على فرسخين ~~من بيت المقدس {وهي خاوية} ساقطة يقال: خوي البيت بكسر الواو يخوي خوى، ~~مقصورا، إذا سقط وخوى البيت بالفتح خواء ممدودا إذا خلا {على عروشها} ~~سقوفها، واحدها عرش وقيل: كل بناء عرش، ومعناه: أن السقوف سقطت ثم وقعت ~~الحيطان عليها. # {قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها} وكان السبب في ذلك على ما روى محمد بن ~~إسحاق بن منبه (1) أن الله تعالى بعث إرمياء إلى ناشية بن أموص ملك بني ~~إسرائيل يسدده في ذلك ويأتيه بالخبر من الله عز وجل، فعظمت الأحداث في بني ~~إسرائيل وركبوا المعاصي فأوحى الله تعالى إلى إرمياء: أن ذكر قومك نعمي ~~وعرفهم أحداثهم وادعهم إلي، فقال إرمياء إني ضعيف إن لم تقوني، عاجز إن لم ~~تبلغني، مخذول إن لم تنصرني، فقال الله عز وجل: أنا ألهمك، فقام إرمياء ~~فيهم ولم يدر ما يقول فألهمه الله في الوقت خطبة بليغة طويلة بين لهم فيها ~~ثواب الطاعة وعقاب المعصية، وقال في آخرها عن الله تعالى: وإني PageV01P317 # أحلف بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحكيم، ولأسلطن عليهم جبارا ~~فارسيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل ~~المظلم، ثم أوحى الله إلى إرمياء إني مهلك بني إسرائيل بيافث، ويافث من أهل ~~بابل، وهم من ولد يافث بن نوح عليه السلام، فلما سمع إرمياء ذلك صاح وبكى ~~وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فلما سمع الله تضرعه وبكاءه ناداه: يا ~~أرمياء أشق عليك ما أوحيت إليك قال: نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني ~~إسرائيل ما لا أسر به فقال الله ms0320 تعالى: وعزتي لا أهلك بني إسرائيل حتى يكون ~~الأمر في ذلك من قبلك، ففرح إرمياء بذلك وطابت نفسه، فقال: لا والذي بعث ~~موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل، ثم أتى الملك فأخبره بذلك وكان ملكا ~~صالحا فاستبشر وفرح فقال: إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة وإن عفا عنا ~~فبرحمته. # ثم إنهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتماديا في الشر ~~وذلك حين اقترب هلاكهم فقل الوحي، ودعاهم الملك إلى التوبة، فلم يفعلوا، ~~فسلط الله عليهم بختنصر، فخرج في ست مائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس، ~~فلما فصل سائرا أتى الملك الخبر، فقال لإرمياء: أين ما زعمت أن الله أوحى ~~إليك؟ فقال إرمياء: إن الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق فلما قرب الأجل ~~بعث الله إلى إرمياء ملكا قد تمثل له رجلا من بني إسرائيل فقال له إرمياء: ~~من أنت؟ قال: أنا رجل من بني إسرائيل أتيتك أستفتيك في أهل رحمي وصلت ~~أرحامهم ولم آت إليهم إلا حسنا ولا يزيدهم إكرامي إياهم إلا إسخاطا لي ~~فأفتني فيهم، قال: أحسن فيما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير. فانصرف ~~الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فقعد بين يديه فقال: أنا ~~الذي أتيتك في شأن أهلي، فقال له إرمياء: أما طهرت أخلاقهم لك بعد؟ قال: يا ~~نبي الله والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلا رحمة إلا ~~قدمتها إليهم وأفضل، فقال له النبي إرمياء عليه السلام: ارجع فأحسن إليهم ~~اسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم، فقام الملك، فمكث أياما وقد ~~نزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد ففزع منهم بنو إسرائيل ~~فقال ملكهم لإرمياء: يا نبي الله أين ما وعدك الله. قال: إني بربي واثق، ثم ~~أقبل الملك إلى إرمياء وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه ~~عز وجل الذي وعده، فقعد بين يديه فقال: أنا الذي أتيتك في شأن أهلي مرتين، ~~فقال النبي: ms0321 ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه؟ فقال الملك: يا نبي ~~الله كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه، فاليوم رأيتهم في ~~عمل لا يرضي الله: فقال النبي: على أي عمل رأيتهم؟ قال: على عمل عظيم من ~~سخط الله فغضب الله وأتيتك لأخبرك، وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق نبيا ~~إلا ما دعوت الله عليهم ليهلكهم، فقال إرمياء: يا مالك السماوات والأرض إن ~~كانوا على حق وصواب فأبقهم وإن كانوا على عمل لا ترضاه فأهلكهم، فلما خرجت ~~الكلمة من فم إرمياء، أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان ~~القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها، فلما رأى ذلك إرمياء صاح وشق ثيابه ~~ونبذ الرماد على # PageV01P318 # رأسه وقال: يا مالك السماوات أين ميعادك الذي وعدتني؟ فنودي أنه لم ~~يصيبهم ما أصابهم إلا بفتياك ودعائك، فاستيقن النبي عليه السلام أنها فتياه ~~وأن ذلك السائل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فطار إرمياء حتى خالط ~~الوحوش. # ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم ~~وخرب بيت المقدس، ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا فيقذفه في ~~بيت المقدس، ففعلوا حتى ملؤوه، ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت ~~المقدس فاجتمع عندهم صغيرهم وكبيرهم من بني إسرائيل، فاختار منهم سبعين ألف ~~صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه، فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة، ~~وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا، وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث ~~فرق، فثلثا قتلهم، وثلثا سباهم، وثلثا أقرهم بالشام، وكانت هذه الواقعة ~~الأولى التي أنزلها الله في بني إسرائيل بظلمهم فلما ولى عنهم بختنصر راجعا ~~إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل أقبل إرمياء على حمار له معه عصير عنب في ~~ركوة وسلة تين حتى غشى إيلياء، فلما وقف عليها ورأى خرابها قال: {أنى يحيي ~~هذه الله بعد موتها} . # وقال الذي قال إن المار كان عزيرا: وإن بختنصر لما خرب بيت المقدس ms0322 وقدم ~~بسبي بني إسرائيل ببابل كان فيهم عزير ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود ~~فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار له حتى نزل دير هرقل على شط دجلة ~~فطاف في القرية فلم ير فيها أحدا، وعامة شجرها حامل فأكل من الفاكهة، ~~واعتصر من العنب فشرب منه، وجعل فضل الفاكهة في سلة وفضل العصير في زق فلما ~~رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} قالها ~~تعجبا لا شكأ 46/أفي البعث. # رجعنا إلى حديث وهب قال: ثم ربط إرمياء حماره بحبل جديد فألقى الله تعالى ~~عليه النوم فلما نام نزع الله منه الروح مائة عام وأمات حماره، وعصيره ~~وتينه عنده فأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد، وذلك ضحى، ومنع الله السباع ~~والطير لحمه فلما مضى من موته سبعون سنة أرسل الله ملكا إلى ملك من ملوك ~~فارس يقال له نوشك فقال: إن الله يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس ~~وإيلياء حتى يعود أعمر ما كان، فانتدب الملك بألف قهرمان (1) مع كل قهرمان ~~ثلاثمائة ألف عامل وجعلوا يعمرونه، فأهلك الله بختنصر ببعوضة دخلت دماغه، ~~ونجى الله من بقي من بني إسرائيل، ولم يمت ببابل وردهم جميعا إلى بيت ~~المقدس ونواحيه وعمروها ثلاثين سنة وكثروا حتى عادوا على أحسن ما كانوا ~~عليه فلما مضت المائة أحيا الله منه عينيه، وسائر جسده ميت، ثم أحيا جسده ~~وهو ينظر إليه، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه متفرقة بيض، تلوح فسمع صوتا من ~~السماء: أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمع بعضها إلى ~~بعض، واتصل بعضها ببعض ثم نودي أن الله يأمرك أن تكتسي لحما وجلدا ~~PageV01P319 # فكانت كذلك ثم نودي: إن الله يأمرك أن تحيا، فقام بإذن الله ونهق، وعمر ~~الله إرمياء فهو الذي يرى في الفلوات فذلك قوله تعالى: {فأماته الله مائة ~~عام ثم بعثه} أي أحياه {قال كم لبثت} أي: كم مكثت؟ يقال: لما أحياه الله ~~بعث إليه ملكا فسأله كم لبثت؟ {قال ms0323 لبثت يوما} وذلك أن الله تعالى أماته ~~ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، ~~فقال: لبثت يوما وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم التفت فرأى بقية من الشمس ~~فقال {أو بعض يوم} بل بعض يوم {قال} الملك {بل لبثت مائة عام فانظر إلى ~~طعامك} يعني التين {وشرابك} يعني العصير {لم يتسنه} أي لم يتغير، فكان ~~التين كأنه قطف في ساعته والعصير كأنه عصر في ساعته. # قال الكسائي: كأنه لم تأت عليه السنون. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب لم ~~يتسن بحذف الهاء في الوصل وكذلك "فبهداهم اقتده" (90-الأنعام) وقرأ الآخرون ~~بالهاء فيهما وصلا ووقفا، فمن أسقط الهاء في الوصل جعل الهاء صلة زائدة ~~وقال: أصله يتسنى فحذف الياء بالجزم وأبدل منه هاء في الوقف وقال أبو عمرو: ~~هو من التسنن بنونين: وهو التغير كقوله تعالى: "من حمإ مسنون" (26-الحج) أي ~~متغير فعوضت من إحدى النونين ياء كقوله تعالى: "ثم ذهب إلى أهله يتمطى" ~~(33-القيامة) أي يتمطط، وكقوله "وقد خاب من دساها" (10-الشمس) وأصله ~~دسيتها، ومن أثبت الهاء في الحالين جعل الهاء أصلية لام الفعل، وهذا على ~~قول من جعل أصل السنة السنهة وتصغيرها سنيهة والفعل من السانهة وإنما قال: ~~لم يتسنه ولم يثنه مع أنه أخبر عن شيئين رد التغيير إلى أقرب اللفظين وهو ~~الشراب واكتفى بذكر أحد المذكورين لأنه في معنى الآخر {وانظر إلى حمارك} ~~فنظر فإذا هو عظام بيض فركب الله تعالى العظام بعضها على بعض فكساه اللحم ~~والجلد وأحياه وهو ينظر {ولنجعله آية للناس} قيل الواو زائدة مقحمة. وقال ~~الفراء أدخلت الواو فيه دلالة على أنها شرط لفعل بعدها معناه ولنجعلك آية ~~أي: عبرة ودلالة على البعث بعد الموت قاله أكثر المفسرين، وقال الضحاك ~~وغيره: إنه عاد إلى قريته شابا وأولاده وأولاد أولاده شيوخ وعجائز وهو أسود ~~الرأس واللحية. # قوله تعالى: {وانظر إلى العظام كيف ننشزها} قرأ أهل الحجاز والبصرة ~~ننشرها بالراء معناه نحييها يقال: أنشر الله الميت إنشارا ونشرة نشورا ms0324 قال ~~الله تعالى: "ثم إذا شاء أنشره" (22-عبس) وقال في اللازم "وإليه النشور" ~~(15-الملك) وقرأ الآخرون بالزاي أي نرفعها من الأرض ونردها إلى مكانها من ~~الجسد ونركب بعضها على بعض، وإنشاز الشيء رفعه وإزعاجه، يقال: أنشزته فنشز ~~أي رفعته فارتفع. # واختلفوا في معنى الآية، فقال الأكثرون: أراد به عظام حماره، وقال السدي: ~~إن الله تعالى أحيا عزيرا ثم قال له: انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه ~~فبعث الله تعالى ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل وقد ذهبت بها ~~الطير والسباع فاجتمعت فركب بعضها في بعض وهو ينظر، فصار حمارا من # PageV01P320 # عظام ليس فيه لحم ولا دم {ثم نكسوها لحما} ثم كسا العظام لحما ودما فصار ~~حمارا لا روح فيه، ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه فقام ~~الحمار ونهق بإذن الله. # وقال قوم أراد به عظام هذا الرجل، وذلك أن الله تعالى لم يمت حماره بل ~~أماته هو فأحيا الله عينيه ورأسه، وسائر جسده ميت، ثم قال: انظر إلى حمارك ~~فنظر فرأى حماره قائما واقفا كهيئته يوم ربطه حيا لم يطعم ولم يشرب مائة ~~عام ونظر إلى الرمة (1) في عنقه جديدة لم تتغير، وتقدير الآية: {وانظر إلى ~~حمارك} وانظر إلى عظامك كيف ننشزها وفي الآية تقديم وتأخير، وتقديرهما: ~~وانظر إلى حمارك، وانظر إلى العظام كيف ننشزها ولنجعلك آية للناس. # وقال قتادة عن كعب والضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما، والسدي عن مجاهد ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما أحيا الله تعالى عزيرا بعد ما أماته مائة ~~سنة ركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكر الناس ومنازله فانطلق على ~~وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة ~~كانت عرفته وعقلته فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير؟ قالت: نعم هذا ~~منزل عزير وبكت وقالت: ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا قال: فإني ~~أنا عزير، قالت: سبحان الله فإن عزيرا قد فقدناه ms0325 من مائة سنة لم نسمع له ~~بذكر قال: فإني أنا عزير كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني، قالت: فإن ~~عزيرا كان رجلا مستجاب الدعوة ويدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية، فادع ~~الله أن يرد لي بصري حتى أراك فإن كنت عزيرا عرفتك، فدعا ربه ومسح بيده على ~~عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال: قومي بإذن الله تعالى، فأطلق الله رجليها ~~فقامت صحيحة، فنظرت إليه فقالت: أشهد أنك عزير، فانطلقت إلى بني إسرائيل ~~وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ كبير ابن مائة سنة وثمانية عشرة ~~سنة وبنو بنيه شيوخ في المجلس، فنادت هذا عزير قد جاءكم، فكذبوها، فقالت: ~~أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فرد علي بصري وأطلق رجلي وزعم أن الله كان ~~أماته مائة سنة ثم بعثه، فنهض الناس فأقبلوا إليه فقال ولده: كان لأبي شامة ~~سوداء مثل الهلال بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير. # وقال السدي والكلبي: لما رجع عزير إلى قومه وقد أحرق بختنصر التوراة ولم ~~يكن من الله عهد بين الخلق، فبكى عزير على التوراة فأتاه ملك بإناء فيه ماء ~~فسقاه من ذلك الماء فمثلت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل وقد علمه ~~الله التوراة وبعثه نبيا، فقال: أنا عزير فلم يصدقوه فقال: إني عزير قد ~~بعثني الله إليكم لأجدد 46/ب لكم توراتكم قالوا: أملها علينا، فأملاها ~~عليهم عن ظهر قلبه، فقالوا: ما جعل الله التوراة في صدر رجل بعدما ذهبت إلا ~~أنه ابنه، فقالوا: عزير ابن الله، وستأتي القصة في سورة براءة إن شاء الله ~~تعالى (2) . PageV01P321 # قوله تعالى: {فلما تبين له} ذلك عيانا {قال أعلم} قرأ حمزة والكسائي ~~مجزوما موصولا على الأمر على معنى قال الله تعالى له اعلم، وقرأ الآخرون ~~أعلم بقطع الألف ورفع الميم على الخبر عن عزير أنه قال لما رأى ذلك أعلم ~~{أن الله على كل شيء قدير} ### || # {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير ms0326 فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم (260) } # قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى} قال الحسن وقتادة ~~وعطاء الخراساني وابن جريج: كان سبب هذا السؤال من إبراهيم عليه السلام أنه ~~مر على دابة ميتة، قال ابن جريج: كانت جيفة حمار بساحل البحر، قال عطاء: في ~~بحيرة طبرية، قالوا: فرآها وقد توزعتها دواب البحر والبر، فكان إذا مد ~~البحر جاءت الحيتان ودواب البحر فأكلت منها فما وقع منها يصير في البحر، ~~فإذا جزر البحر ورجع جاءت السباع فأكلن منها فما سقط منها يصير ترابا فإذا ~~ذهبت السباع، جاءت الطير فأكلت منها فما سقط منها قطعتها الريح في الهواء، ~~فلما رأى ذلك إبراهيم عليه السلام تعجب منها وقال: يا رب قد علمت لتجمعنها ~~من بطون السباع وحواصل الطير وأجواف دواب البحر فأرني كيف تحييها لأعاين ~~فأزداد يقينا، فعاتبه الله تعالى (1) {قال أولم تؤمن قال بلى} يا رب علمت ~~وآمنت {ولكن ليطمئن قلبي} أي ليسكن قلبي إلى المعاينة والمشاهدة، أراد أن ~~يصير له علم اليقين عين اليقين، لأن الخبر ليس كالمعاينة. # وقيل كان سبب هذا السؤال من إبراهيم أنه لما احتج على نمرود فقال "ربي ~~الذي يحيي ويميت" (258-البقرة) قال نمرود (2) أنا أحيي وأميت فقتل أحد ~~الرجلين، وأطلق الآخر، فقال إبراهيم: إن الله تبارك وتعالى يقصد إلى جسد ~~ميت فيحييه، فقال له نمرود: أنت عاينته، فلم يقدر أن يقول نعم فانتقل إلى ~~حجة أخرى، ثم سأل ربه أن يريه إحياء الموتى. {قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي} بقوة حجتي فإذا قيل أنت عاينته فأقول نعم قد عاينته. # وقال سعيد بن جبير لما اتخذ الله تعالى إبراهيم خليلا سأل ملك الموت ربه ~~أن يأذن له فيبشر إبراهيم بذلك فأذن له فأتى إبراهيم ولم يكن في الدار، ~~فدخل داره وكان إبراهيم عليه السلام أغير الناس إذا خرج أغلق بابه، فلما ~~جاء وجد في داره رجلا فثار عليه ليأخذه وقال ms0327 له: من أذن لك أن تدخل داري؟ ~~فقال: أذن لي رب هذه الدار، فقال إبراهيم: صدقت وعرف أنه ملك، فقال: من ~~أنت؟ قال: أنا ملك الموت جئت أبشرك بأن الله تعالى قد اتخذك خليلا فحمد ~~الله عز وجل، وقال: فما علامة ذلك؟ قال: أن يجيب الله دعاءك ويحيي الله ~~الموتى بسؤالك، فحينئذ قال إبراهيم: {رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن ~~قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} أنك اتخذتني خليلا وتجيبني إذا دعوتك (3) . ~~PageV01P322 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن صالح، أنا ابن ~~وهب، أخبرنا يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب، ~~عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن ~~قال بلى ولكن ليطمئن قلبي، ورحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو ~~لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي" (1) . # وأخرج مسلم بن الحجاج هذا الحديث عن حرملة بن يحيى عن وهب بهذا الإسناد ~~مثله وقال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى" (2) ~~. # حكى محمد بن إسحاق بن خزيمة عن أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني أنه ~~قال على هذا الحديث، لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولا إبراهيم في أن ~~الله قادر على أن يحيي الموتى وإنما شكا في أنه هل يجيبهما إلى ما سألا ~~وقال أبو سليمان الخطابي: ليس في قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم، اعتراف ~~بالشك على نفسه ولا على إبراهيم، لكن فيه نفي الشك عنهما، يقول: إذا لم أشك ~~أنا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بأن لا يشك، وقال ~~ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس، وكذلك قوله: "لو لبثت في السجن طول ~~ما لبث يوسف لأجبت ms0328 الداعي" وفيه الإعلام أن المسألة من إبراهيم عليه السلام ~~لم تعرض من جهة الشك، ولكن من قبل زيادة العلم بالعيان، فإن العيان يفيد من ~~المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال، وقيل: لما نزلت هذه الآية قال ~~قوم: شك إبراهيم ولم يشك نبينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ~~القول تواضعا منه وتقديما لإبراهيم على نفسه. # قوله {أولم تؤمن} معناه قد آمنت فلم تسأل؟ شهد له بالإيمان كقول جرير: ~~ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح # يعني أنتم كذلك، ولكن ليطمئن قلبي بزيادة اليقين. # {قال فخذ أربعة من الطير} قال مجاهد وعطاء وابن جريج: أخذ طاووسا وديكا ~~وحمامة وغرابا، وحكي عن ابن عباس رضي الله عنه: ونسرا بدل الحمامة. # وقال عطاء الخراساني: أوحى إليه أن خذ بطة خضراء وغرابا أسود وحمامة ~~بيضاء وديكا أحمر {فصرهن إليك} قرأ أبو جعفر وحمزة {فصرهن إليك} بكسر الصاد ~~أي قطعهن ومزقهن، يقال صار PageV01P323 # يصير صيرا إذا قطع، وانصار الشيء انصيارا إذا انقطع. # قال الفراء: هو مقلوب من صريت أصري صريا إذا قطعت، وقرأ الآخرون {فصرهن} ~~بضم الصاد ومعناه أملهن إليك ووجههن، يقال: صرت الشيء أصوره إذا أملته، ~~ورجل أصور إذا كان مائل العنق، وقال عطاء: معناه اجمعهن واضممهن إليك يقال: ~~صار يصور صورا إذا اجتمع ومنه قيل لجماعة النحل صور، ومن فسره بالإمالة ~~والضم قال فيه إضمار معناه فصرهن إليك ثم قطعهن فحذفه اكتفاء بقوله: {ثم ~~اجعل على كل جبل منهن جزءا} لأنه يدل عليه، وقال أبو عبيدة: فصرهن معناه ~~قطعهن أيضا، والصور القطع. # قوله تعالى: {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} قرأ عاصم برواية أبي بكر ~~{جزءا} مثقلا مهموزا، والآخرون بالتخفيف والهمز، وقرأ أبو جعفر مشددة الزاي ~~بلا همز وأراد به بعض الجبال. # قال بعض المفسرين: أمر الله إبراهيم أن يذبح تلك الطيور وينتف ريشها ~~ويقطعها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها بعضها ببعض ففعل، ثم أمره أن يجعل ~~أجزاءها على الجبال. # واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال فقال ابن عباس رضي ms0329 الله عنهما وقتادة: ~~أمر أن يجعل كل طائر أربعة أجزاء ويجعلها على أربعة أجبل على كل جبل ربعا ~~من كل طائر وقيل: جبل على جانب الشرق، وجبل على جانب الغرب، وجبل على جانب ~~الشمال، وجبل على جانب الجنوب. # وقال ابن جريج والسدي: جزأها سبعة أجزاء ووضعها على سبعة أجبل وأمسك ~~رءوسهن ثم دعاهن: 47/أتعالين بإذن الله تعالى، فجعلت كل قطرة من دم طائر ~~تطير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى، وكل عظم يصير ~~إلى العظم الآخر، وكل بضعة تصير إلى الأخرى، وإبراهيم ينظر، حتى لقيت كل ~~جثة بعضها بعضا في الهواء بغير رأس ثم أقبلن إلى رءوسهن سعيا فكلما جاء ~~طائر مال برأسه فإن كان رأسه دنا منه، وإن لم يكن تأخر، حتى التقى كل طائر ~~برأسه فذلك قوله تعالى {ثم ادعهن يأتينك سعيا} قيل المراد بالسعي الإسراع ~~والعدو، وقيل المراد به المشي دون الطيران كما قال الله تعالى "فاسعوا إلى ~~ذكر الله" (9-الجمعة) أي فامضوا، والحكمة في المشي دون الطيران كونه أبعد ~~من الشبهة لأنها لو طارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطير وإن أرجلها غير ~~سليمة والله أعلم. وقيل السعي بمعنى الطيران {واعلم أن الله عزيز حكيم} ### || # {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) } # قوله تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} فيه إضمار تقديره ~~مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم {كمثل} زارع {حبة} وأراد بسبيل الله ~~الجهاد، وقيل جميع أبواب الخير {أنبتت} # PageV01P324 # أخرجت {سبع سنابل} جمع سنبلة {في كل سنبلة مائة حبة} فإن قيل فما رأينا ~~سنبلة فيها مائة حبة فكيف ضرب المثل به؟ قيل: ذلك متصور، غير مستحيل، وما ~~لا يكون مستحيلا جاز ضرب المثل به وإن لم يوجد، معناه: {في كل سنبلة مائة ~~حبة} فما حدث من البذر الذي كان فيها كان مضاعفا إليها وكذلك تأوله الضحاك ~~فقال: كل سنبلة أنبتت مائة حبة {والله يضاعف ms0330 لمن يشاء} قيل معناه يضاعف هذه ~~المضاعفة لمن يشاء، وقيل: معناه يضاعف على هذا ويزيد لمن يشاء ما بين سبع ~~إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف مما لا يعلمه إلا الله ~~{والله واسع} غني يعطي عن سعة {عليم} بنية من ينفق ماله. ### || # {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ~~لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) قول معروف ومغفرة ~~خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (263) يا أيها الذين آمنوا لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون ~~على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين (264) } # قوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} قال الكلبي: نزلت هذه ~~الآية في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما، جاء عبد ~~الرحمن بأربعة آلاف درهم صدقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله كانت عندي ثمانية آلاف فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف ~~درهم، وأربعة آلاف أقرضتها ربي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~بارك الله فيما أمسكت لك وفيما أعطيت، وأما عثمان فجهز جيش المسلمين في ~~غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها (1) وأحلاسها (2) فنزلت فيهما هذه الآية. # وقال عبد الرحمن بن سمرة: جاء عثمان رضي الله عنه بألف دينار في جيش ~~العسرة فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يدخل فيها يده ويقلبها ويقول "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم" ~~(3) فأنزل الله تعالى {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله} في طاعة الله ~~{ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا} PageV01P325 # وهو أن يمن عليه بعطائه فيقول أعطيتك كذا، ويعد نعمه عليه فيكدرها {ولا ~~أذى} أن يعيره فيقول إلى كم تسأل وكم تؤذيني؟ وقيل من الأذى هو أن يذكر ~~إنفاقه عليه ms0331 عند من لا يحب وقوفه عليه. # وقال سفيان: {منا ولا أذى} أن يقول قد أعطيتك وأعطيت فما شكرت، قال عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلا شيئا ورأيت أن سلامك ~~يثقل عليه فكف سلامك عنه، فحظر الله على عباده المن بالصنيعة، واختص به صفة ~~لنفسه، لأنه من العباد تعيير. وتكدير ومن الله إفضال وتذكير {لهم أجرهم} أي ~~ثوابهم {عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} # {قول معروف} أي كلام حسن ورد على السائل جميل، وقيل عدة حسنة. وقال ~~الكلبي: دعاء صالح يدعو لأخيه بظهر الغيب، وقال الضحاك: نزلت في إصلاح ذات ~~البين {ومغفرة} أي تستر عليه خلته ولا تهتك عليه ستره، وقال الكلبي ~~والضحاك: بتجاوز عن ظالمه، وقيل يتجاوز عن الفقير إذا استطال عليه عند رده ~~{خير من صدقة} يدفعها إليه {يتبعها أذى} أي من وتعيير للسائل أو قول يؤذيه ~~{والله غني} أي مستغن عن صدقة العباد {حليم} لا يعجل بالعقوبة على من يمن ~~ويؤذي بالصدقة. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم} أي أجور صدقاتكم ~~{بالمن} على السائل، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بالمن على الله تعالى ~~{والأذى} لصاحبها ثم ضرب لذلك مثلا فقال {كالذي ينفق ماله} أي كإبطال الذي ~~ينفق ماله {رئاء الناس} أي مراءاة وسمعة ليروا نفقته ويقولوا إنه كريم سخي ~~{ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} يريد أن الرياء يبطل الصدقة ولا تكون النفقة ~~مع الرياء من فعل المؤمنين وهذا للمنافقين لأن الكافر معلن بكفره غير مراء ~~{فمثله} أي مثل هذا المرائي {كمثل صفوان} الحجر الأملس، وهو واحد وجمع، فمن ~~جعله جمعا فواحده صفوانة ومن جعله واحدا فجمعه صفي {عليه} أي على الصفوان ~~{تراب فأصابه وابل} المطر الشديد العظيم القطر {فتركه صلدا} أي أملس، ~~والصلد الحجر الصلب الأملس الذي لا شيء عليه فهذا مثل ضربه الله تعالى ~~لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن الذي يمن بصدقته ويؤذي ويري الناس في ~~الظاهر أن لهؤلاء أعمالا كما يرى التراب على هذا الصفوان ms0332 فإذا كان يوم ~~القيامة بطل كله واضمحل لأنه لم يكن لله عز وجل كما أذهب الوابل ما على ~~الصفوان من التراب فتركه صلدا {لا يقدرون على شيء مما كسبوا} أي على ثواب ~~شيء مما كسبوا وعملوا في الدنيا {والله لا يهدي القوم الكافرين} # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، ~~أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، أخبرنا علي ~~بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أخبرنا عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن ~~عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن أخوف ما ~~أخاف عليكم الشرك الأصغر" قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال ~~"الرياء يقول الله لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم ~~تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم # PageV01P326 # جزاء" (1) . # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد الحارثي أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن ~~محمد بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن ~~المبارك عن حيوة بن شريح، أخبرني الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان المدائني ~~أن عقبة بن مسلم حدثه أن شفيا الأصبحي حدثه أنه دخل المدينة فإذا هو برجل ~~قد اجتمع عليه الناس فقال من هذا؟ قالوا: أبو هريرة، فدنوت منه حتى قعدت ~~بين يديه وهو يحدث الناس فلما سكت وخلا قلت له: أنشدك الله بحق، لما حدثتني ~~حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول "إن الله إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي ~~بينهم، وكل أمة جاثية فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل ~~الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ ~~فقال: بلى يا رب 47/ب قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء ms0333 ~~الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت ويقول ~~الله تعالى: بل أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل ذلك، ويؤتى بصاحب المال ~~فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب، ~~قال: فما عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق. فيقول الله له: ~~كذبت، وتقول الملائكة كذبت ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال فلان جواد ~~فقد قيل ذلك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول له: فبماذا قتلت؟ فيقول: ~~يا رب أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله: كذبت وتقول ~~الملائكة: كذبت، ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذلك، ~~ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال: يا أبا هريرة أولئك ~~الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة" (2) . ### || # {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل ~~جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما ~~تعملون بصير (265) } # قوله تعالى: {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله} أي طلب رضا ~~الله تعالى {وتثبيتا من أنفسهم} # PageV01P327 # قال قتادة: احتسابا، وقال الشعبي والكلبي: تصديقا من أنفسهم، أي يخرجون ~~الزكاة طيبة بها أنفسهم على يقين بالثواب وتصديق بوعد الله، ويعلمون أن ما ~~أخرجوا خير لهم مما تركوا، وقيل على يقين بإخلاف الله عليهم. # وقال عطاء ومجاهد: يثبتون أي يضعون أموالهم، قال الحسن: كان الرجل إذا هم ~~بصدقة تثبت فإن كان لله أمضى وإن كان يخالطه شك أمسك، وعلى هذا القول يكون ~~التثبيت بمعنى التثبت، كقوله تعالى: "وتبتل إليه تبتيلا (8-المزمل) أي ~~تبتلا {كمثل جنة} أي بستان قال (المبرد) (1) والفراء: إذا كان في البستان ~~نخل فهو جنة وإن كان فيه كرم فهو فردوس {بربوة} قرأ ابن عامر وعاصم بربوة ~~وإلى ربوة في سورة المؤمنون بفتح الراء وقرأ الأخرون بضمها وهي المكان ~~المرتفع المستوي الذي تجري فيه الأنهار فلا يعلوه الماء ولا يعلو عن ms0334 الماء، ~~وإنما جعلها بربوة لأن النبات عليها أحسن وأزكى {أصابها وابل} مطر شديد ~~كثير {فآتت أكلها} ثمرها، قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف، وقرأ ~~الباقون بالتثقيل، وزاد نافع وابن كثير تخفيف أكله والأكل، وخفف أبو عمرو ~~رسلنا ورسلكم ورسلهم وسبلنا. # {ضعفين} أي أضعفت في الحمل قال عطاء: حملت في السنة من الريع (2) ما يحمل ~~غيرها في سنتين، وقال عكرمة: حملت في السنة مرتين {فإن لم يصبها وابل فطل} ~~أي فطش، وهو المطر الضعيف الخفيف ويكون دائما. # قال السدي: هو الندى، وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المؤمن المخلص ~~فيقول: كما أن هذه الجنة تريع في كل حال ولا تخلف سواء قل المطر أو كثر، ~~كذلك يضعف الله صدقة المؤمن المخلص الذي لا يمن ولا يؤذي سواء قلت نفقته أو ~~كثرت، وذلك أن الطل إذا كان يدوم يعمل عمل الوابل الشديد. PageV01P328 # {والله بما تعملون بصير} ### || # {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له ~~فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار ~~فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) يا أيها الذين ~~آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني ~~حميد (267) } # {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار} هذه ~~الآية متصلة بقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى" [قوله أيود يعني: أيحب أحدكم أن تكون له جنة أي بستان من نخيل ~~وأعناب تجري من تحتها الأنهار] (1) . # {له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء} أولاد صغار ضعاف ~~عجزة {فأصابها إعصار} الريح العاصف التي ترتفع إلى السماء كأنها عمود وجمعه ~~أعاصير {فيه نار فاحترقت} هذا مثل ضربه الله لعمل المنافق والمرائي يقول: ~~عمله في حسنه كحسن الجنة ينتفع به كما ينتفع صاحب الجنة بالجنة، فإذا كبر ~~أو ضعف وصار له ms0335 أولاد ضعاف وأصاب جنته إعصار فيه نار فاحترقت فصار أحوج ما ~~يكون إليها وضعف عن إصلاحها لكبره وضعف أولاده عن إصلاحها لصغرهم ولم يجد ~~هو ما يعود به على أولاده ولا أولاده ما يعودون به عليه فبقوا جميعا ~~متحيرين عجزة لا حيلة بأيديهم، كذلك يبطل الله عمل هذا المنافق والمرائي ~~حين لا مغيث (2) لهما ولا توبة ولا إقالة. # قال عبيد بن عمير: قال عمر رضي الله عنه يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم: فيمن ترون هذه الآية نزلت {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل ~~وأعناب} قالوا: الله أعلم، فغضب عمر رضي الله عنه فقال: قولوا نعلم أو لا ~~نعلم، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، ~~فقال عمر رضي الله عنه: ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: ضربت مثلا لعمل، فقال عمر رضي الله عنه: أي عمل؟ فقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: لعمل المرائي قال عمر رضي الله عنه لرجل غني يعمل بطاعة الله ~~بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله" (3) {كذلك يبين الله ~~لكم الآيات لعلكم تتفكرون} # {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات} خيار، قال ابن مسعود رضي الله عنه ~~ومجاهد: من حلالات {ما كسبتم} بالتجارة والصناعة وفيه دلالة على إباحة ~~الكسب وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان، أخبرنا أبو PageV01P329 # جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا يعلى بن عبيد، أخبرنا ~~الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" (1) ~~. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا ~~أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا عبد الله بن صالح، أخبرنا ~~أبو معاوية بن صالح عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن ms0336 المقدام بن معد ~~يكرب أنه حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما أكل أحد طعاما قط ~~خيرا من أن يأكل من عمل يده، وكان داود لا يأكل إلا من عمل يديه" (2) . # أخبرنا أبو القاسم يحيى بن علي بن محمد الكشميهني، أخبرنا نجاح بن يزيد ~~المحاربي بالكوفة، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، أخبرنا ~~أحمد بن حازم، أخبرنا يحيى بن عبيد، أخبرنا أبان بن إسحاق عن الصباح بن ~~محمد بن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لا يكتسب عبد مالا حراما فيتصدق منه فيقبل الله ~~منه، ولا ينفق منه فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى ~~النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث ~~لا يمحو الخبيث" (3) . # والزكاة واجبة في مال التجارة عند أكثر أهل العلم، فبعد الحول يقوم ~~العروض فيخرج من قيمتها ربع العشر إذا كان قيمتها عشرون دينارا أو مائتي ~~درهم، قال سمرة بن جندب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج ~~الصدقة من الذي نعده للبيع" (4) . # وعن أبي عمرو بن حماس أن أباه قال: مررت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وعلى عنقي أدمة (5) PageV01P330 # أحملها فقال عمر: ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟ فقلت: ما لي غير هذا وأهب (1) ~~في القرظ (2) ، فقال ذاك مال، فضع، فوضعتها فحسبها فأخذ منها الزكاة (3) . # قوله تعالى: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} قيل هذا بإخراج العشور من الثمار ~~والحبوب واتفق 48/أأهل العلم على إيجاب العشر في النخيل والكروم وفيما ~~يقتات من الحبوب إن كان مسقيا بماء السماء أو من نهر يجري الماء إليه من ~~غير مؤنة، وإن كان مسقيا بساقية أو بنضح ففيه نصف العشر. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا ~~عبد الله بن وهب، أخبرني ms0337 يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن ~~أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا ~~(4) العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر" (5) . # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد الله ~~بن نافع عن محمد بن صالح التمار عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن ~~أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في زكاة الكرم "يخرص كما يخرص ~~النخل ثم تؤدى زكاته زبيبا كما يؤدي زكاة النخل تمرا" (6) . PageV01P331 # واختلف أهل العلم فيما سوى النخل والكروم، وفيما سوى ما يقتات به من ~~الحبوب، فذهب قوم إلى أنه لا عشر في شيء منها، وهو قول ابن أبي ليلى ~~والشافعي رضي الله عنه. # وقال الزهري والأوزاعي ومالك رضي الله عنهم: يجب في الزيتون، وقال أبو ~~حنيفة رضي الله عنه: يجب العشر في جميع البقول والخضروات كالثمار إلا ~~الحشيش والحطب، وكل ثمرة أوجبنا فيها الزكاة فإنما يجب ببدو الصلاح، ووقت ~~الإخراج بعد الاجتناء والجفاف، وكل حب أوجبنا فيه العشر فوقت وجوبه اشتداد ~~الحب ووقت الإخراج بعد الدياسة والتنقية، ولا يجب العشر في شيء منها حتى ~~تبلغ خمسة أوسق (1) عند أكثر أهل العلم، وعند أبي حنيفة رحمه الله يجب في ~~كل قليل وكثير منها، واحتج من شرط النصاب بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، ~~أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك ~~عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني عن أبيه عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس فيما ~~دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة وليس ~~فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة" (2) . # وروى يحيى بن عبادة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ms0338 قال: "ليس في حب ولا تمر صدقة حتى تبلغ خمسة أوسق" (3) ، وقال ~~قوم: الآية في صدقات التطوع. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا ~~أبو جفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا يحيى بن يحيى أخبرنا أبو ~~عوانة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "ما من مؤمن يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو ~~بهيمة إلا كان له به صدقة" (4) . # قوله تعالى: {ولا تيمموا} قرأ ابن كثير برواية البزي بتشديد التاء في ~~الوصل فيها وفي أخواتها وهي واحد وثلاثون موضعا في القرآن، لأنه في الأصل ~~تاءان أسقطت إحداهما فرد هو الساقطة وأدغم وقرأ الآخرون بالتخفيف ومعناه لا ~~تقصدوا {الخبيث منه تنفقون} # روي عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: كانت الأنصار تخرج إذا كان ~~جذاذ النخل PageV01P332 # أقناء (1) من التمر والبسر فيعلقونه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل منه فقراء المهاجرين، فكان الرجل منهم ~~يعمد فيدخل قنو الحشف (2) وهو يظن أنه جائز عنه في كثرة ما يوضع من ~~الأقناء، فنزل فيمن فعل ذلك {ولا تيمموا الخبيث} أي الحشف والرديء، وقال ~~الحسن ومجاهد والضحاك: كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم ويعزلون ~~الجيد ناحية لأنفسهم، فأنزل الله تعالى {ولا تيمموا الخبيث} الرديء {منه ~~تنفقون} {ولستم بآخذيه} يعني الخبيث {إلا أن تغمضوا فيه} الإغماض غض البصر، ~~وأراد هاهنا التجوز والمساهلة، معناه لو كان لأحدكم على رجل حق فجاءه بهذا ~~لم يأخذه إلا وهو يرى أنه قد أغمض له عن حقه وتركه. وقال الحسن وقتادة: لو ~~وجدتموه يباع في السوق ما أخذتموه بسعر الجيد. # وروي عن البراء قال: لو أهدي ذلك لكم ما أخذتموه إلا على استحياء من ~~صاحبه وغيظ، فكيف ترضون ما لا ترضون لأنفسكم؟ هذا إذا كان المال كله جيدا ~~فليس له إعطاء الرديء، لأن أهل السهمان شركاؤه فيما عنده، فإن كان كل ماله ~~رديئا ms0339 فلا بأس بإعطاء الرديء، {واعلموا أن الله غني} عن صدقاتكم {حميد} ~~محمود في أفعاله. ### || # {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ~~والله واسع عليم (268) يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب (269) } # {الشيطان يعدكم الفقر} أي يخوفكم بالفقر، يقال وعدته خيرا ووعدته شرا، ~~قال الله تعالى في الخير "وعدكم الله مغانم كثيرة" (20-الفتح) وقال في الشر ~~"النار وعدها الله الذين كفروا" (72-الحج) فإذا لم يذكر الخير والشر قلت في ~~الخير: وعدته وفي الشر، أوعدته، والفقر سوء الحال وقلة ذات اليد، وأصله من ~~كسر الفقار، ومعنى الآية: أن الشيطان يخوفكم بالفقر ويقول للرجل أمسك عليك ~~مالك فإنك إذا تصدقت به افتقرت {ويأمركم بالفحشاء} أي بالبخل ومنع الزكاة، ~~وقال الكلبي: كل الفحشاء في القرآن فهو الزنا إلا هذا {والله يعدكم مغفرة ~~منه} أي لذنوبكم {فضلا} أي رزقا خلفا (3) {والله واسع} غني {عليم} # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي أخبرنا محمد بن ~~الحسين القطان أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر ~~عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "إن الله تعالى يقول: ابن آدم أنفق أنفق عليك" وقال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "يمين الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء (4) ~~الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات PageV01P333 # والأرض فإنه لم ينقص ما في يمينه {قال} وعرشه على الماء وبيده الأخرى ~~القسط يرفع ويخفض" (1) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبيد الله بن سعيد ~~أخبرنا عبد الله بن نمير أخبرنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها "أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ~~ولا توعي (2) فيوعي الله عليك" (3) . # قوله تعالى: {يؤتي الحكمة من يشاء} قال السدي: ms0340 هي النبوة، وقال ابن عباس ~~رضي الله عنهما وقتادة: علم القرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ~~ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله، وقال الضحاك: القرآن والفهم فيه، وقال: في ~~القرآن مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة وألف آية حلال وحرام، لا يسع المؤمنين ~~تركهن حتى يتعلموهن، ولا تكونوا كأهل نهروان تأولوا آيات من القرآن في أهل ~~القبلة وإنما أنزلت في أهل الكتاب جهلوأ 48/ب علمها فسفكوا بها الدماء ~~وانتهبوا الأموال وشهدوا علينا بالضلالة، فعليكم بعلم القرآن فإنه من علم ~~فيم أنزل الله لم يختلف في شيء منه. # وقال مجاهد: هي القرآن والعلم والفقه، وروى ابن أبي نجيح عنه: الإصابة في ~~القول والفعل، وقال إبراهيم النخعي: معرفة معاني الأشياء وفهمها. # {ومن يؤت الحكمة} في محل الرفع على ما لم يسم فاعله، والحكمة خبره (4) ، ~~وقرأ يعقوب -يؤت الحكمة -بكسر التاء أي من يؤته الله الحكمة، دليل قراءة ~~الأعمش، ومن يؤته الله، حكي عن الحسن {ومن يؤت الحكمة} قال: الورع في دين ~~الله {فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر} يتعظ {إلا أولو الألباب} ذوو العقول. ~~PageV01P334 ### || # {وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من ~~أنصار (270) إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير ~~لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271) ليس عليك هداهم ~~ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء ~~وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (272) } # قوله تعالى: {وما أنفقتم من نفقة} فيما فرض الله عليكم {أو نذرتم من نذر} ~~أي: ما أوجبتموه [أنتم] (1) على أنفسكم في طاعة الله فوفيتم به {فإن الله ~~يعلمه} يحفظه حتى يجازيكم به، وإنما قال: يعلمه، ولم يقل: يعلمها لأنه رده ~~إلى الآخر منهما كقوله تعالى: "ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا" ~~(112-النساء) وإن شئت حملته على "ما" كقوله: "وما أنزل عليكم من الكتاب ~~والحكمة يعظكم به" (231-البقرة) ولم يقل بهما {وما للظالمين} الواضعين ~~الصدقة في ms0341 غير موضعها بالرياء أو يتصدقون من الحرام {من أنصار} أعوان ~~يدفعون عذاب الله عنهم، وهي جمع نصير، مثل: شريف وأشراف. # قوله تعالى: {إن تبدوا الصدقات} أي تظهروها {فنعما هي} أي: نعمت الخصلة ~~هي و"ما" في محل الرفع "وهي" في محل النصب كما تقول نعم الرجل رجلا فإذا ~~عرفت رفعت، فقلت: نعم الرجل زيد، وأصله نعم ما فوصلت، قرأ أهل المدينة غير ~~ورش وأبو عمرو وأبو بكر: فنعما بكسر النون وسكون العين، وقرأ ابن عامر ~~وحمزة والكسائي: بفتح النون وكسر العين، وقرأ ابن كثير ونافع برواية ورش ~~ويعقوب وحفص بكسرهما، وكلها لغات صحيحة وكذلك في سورة النساء. # {وإن تخفوها} تسروها {وتؤتوها الفقراء} أي تؤتوها الفقراء في السر {فهو ~~خير لكم} وأفضل وكل مقبول إذا كانت النية صادقة ولكن صدقة السر أفضل، وفي ~~الحديث "صدقة السر تطفئ غضب الرب (2) . PageV01P335 # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن ~~أبي سعيد الخدري أو عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ ~~في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ~~ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خاليا ~~ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ~~تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (1) . # وقيل: الآية في صدقة التطوع، أما الزكاة المفروضة فالإظهار فيها أفضل حتى ~~يقتدي به الناس، كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل، والنافلة في البيت ~~[أفضل] (2) وقيل: الآية في الزكاة المفروضة كان الإخفاء فيها خيرا على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما في زماننا فالإظهار أفضل حتى لا يساء به ~~الظن. # قوله تعالى: {ويكفر عنكم من سيئاتكم} قرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو بكر ms0342 ~~بالنون ورفع الراء أي ونحن نكفر، وقرأ ابن عامر وحفص بالياء ورفع الراء، أي ~~ويكفر الله، وقرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي بالنون والجزم نسقا على الفاء ~~التي في قوله "فهو خير لكم" لأن موضعها جزم بالجزاء، وقوله ومن سيئاتكم قيل ~~"من" صلة، تقديره نكفر عنكم سيئاتكم، وقيل: هو للتحقيق والتبعيض، يعني: ~~نكفر الصغائر من الذنوب، {والله بما تعملون خبير} # {ليس عليك هداهم} قال الكلبي سبب نزول هذه الآية أن ناسا من المسلمين ~~كانت لهم قرابة PageV01P336 # وأصهار في اليهود وكانوا ينفقون عليهم قبل أن يسلموا فلما أسلموا كرهوا ~~أن ينفقوا عليهم وأرادوهم على أن يسلموا، وقال سعيد بن جبير (1) كانوا ~~يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين، نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن التصدق على المشركين كي تحملهم الحاجة على الدخول في ~~الإسلام فنزل قوله {ليس عليك هداهم} فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام ~~حاجة منهم إليها، {ولكن الله يهدي من يشاء} وأراد به هداية التوفيق، أما ~~هدى البيان والدعوة فكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطوهم بعد ~~نزول الآية. # {وما تنفقوا من خير} أي مال {فلأنفسكم} أي تعملونه لأنفسكم {وما تنفقون ~~إلا ابتغاء وجه الله} وما جحد، لفظه نفي ومعناه نهي، أي لا تنفقوا إلا ~~ابتغاء وجه الله {وما تنفقوا من خير} شرط كالأول ولذلك حذف النون منهما ~~{يوف إليكم} أي يوفر لكم جزاؤه، ومعناه: يؤدي إليكم، ولذلك دخل فيه إلا ~~{وأنتم لا تظلمون} لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا، وهذا في صدقة التطوع، ~~أباح الله تعالى أن توضع في أهل الإسلام وأهل الذمة، فأما الصدقة المفروضة ~~فلا يجوز وضعها إلا في المسلمين وهم أهل السهمان المذكورون في سورة التوبة. ### || # {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا ~~من خير فإن الله به عليم (273) الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا ~~وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا ms0343 هم يحزنون (274) } # قوله تعالى: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} اختلفوا في موضع هذه ~~اللام: قيل هي مردودة على موضع اللام من قوله "فلأنفسكم" كأنه قال: وما ~~تنفقوا من خير فللفقراء، وإنما تنفقون لأنفسكم، وقيل: معناها الصدقات التي ~~سبق ذكرها، وقيل: خبره محذوف تقديره: للفقراء الذين صفتهم كذا حق واجب، وهم ~~فقراء المهاجرين، كانوا نحوا من أربعمائة رجل، لم يكن لهم مساكن بالمدينة ~~ولا عشائر، وكانوا في المسجد يتعلمون القرآن ويرضخون (2) النوى بالنهار، ~~وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أصحاب ~~الصفة، فحث الله تعالى عليهم الناس فكان من عنده فضل أتاهم به إذا أمسى. # {الذين أحصروا في سبيل الله} فيه أقاويل؛ قال قتادة -وهو أولاها -حبسوا ~~أنفسهم على الجهاد في سبيل الله {لا يستطيعون ضربا في الأرض} لا يتفرغون ~~للتجارة وطلب المعاش وهم أهل الصفة الذين ذكرناهم، وقيل: حبسوا أنفسهم على ~~طاعة الله، وقيل: معناه حبسهم الفقر والعدم عن الجهاد في سبيل الله، وقال ~~سعيد بن جبير: قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الجهاد في سبيل الله فصاروا زمنى، أحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في سبيل ~~الله للجهاد، وقال ابن زيد: معناه: من كثرة ما جاهدوا صارت الأرض كلها حربا ~~عليهم فلا يستطيعون ضربا في الأرض من كثرة أعدائهم، {يحسبهم} قرأ أبو جعفر ~~وابن عامر وعاصم وحمزة: يحسبهم وبابه بفتح السين وقرأ الآخرون بالكسر ~~PageV01P337 # {الجاهل} بحالهم {أغنياء من التعفف} أي من تعففهم عن السؤال 49/أوقناعتهم ~~يظن من لا يعرف حالهم أنهم أغنياء، والتعفف التفعل من العفة وهي الترك ~~يقال: عف عن الشيء إذا كف عنه وتعفف إذا تكلف في الإمساك. # {تعرفهم بسيماهم} السيماء والسيمياء والسمة: العلامة التي يعرف بها ~~الشيء، واختلفوا في معناها هاهنا، فقال مجاهد: هي التخشع والتواضع، وقال ~~السدي: أثر الجهد من الحاجة والفقر، وقال الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع ~~والضر وقيل رثاثة ثيابهم، {لا يسألون الناس إلحافا} قال عطاء: إذا كان ~~عندهم غداء لا يسألون ms0344 عشاء، وإذا كان عندهم عشاء لا يسألون غداء، وقيل: ~~معناه لا يسألون الناس إلحافا أصلا لأنه قال: من التعفف، والتعفف ترك ~~السؤال، ولأنه قال: تعرفهم بسيماهم، ولو كانت المسألة من شأنهم لما كانت ~~إلى معرفتهم بالعلامة من حاجة، فمعنى الآية، ليس لهم سؤال فيقع فيه إلحاف، ~~والإلحاف: الإلحاح واللجاج. # أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، أخبرنا أبو سعيد محمد بن ~~إبراهيم بن الإسماعيلي، أخبرنا محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن ~~الحكم أخبرنا أنس بن عياض عن هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيأتي بحزمة حطب على ~~ظهره فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أشياءهم أعطوه أو منعوه" ~~(1) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس المسكين بهذا ~~الطواف الذي يطوف على الناس، ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان" ~~قالوا: فمن المسكين يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يجد غنى فيغنيه، ولا يفطن ~~له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس" (2) . # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من سأل وله أوقية أو ~~عدلها فقد سأل إلحافا" (3) . PageV01P338 # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي أبو سهل عبد الصمد ~~بن عبد الرحمن البزار، أخبرنا محمد بن زكريا بن عدافر، أخبرنا إسحاق بن ~~إبراهيم بن عباد الدبري، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن هارون بن رياب ~~عن كنانة العدوي عن قبيصة بن مخارق قال: إني تحملت بحمالة في قومي فأتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني تحملت بحمالة في قومي ~~وأتيتك لتعينني فيها قال: "بل نتحملها عنك يا قبيصة ونؤديها إليهم من ~~الصدقة" ثم قال "يا قبيصة إن المسألة حرمت إلا في إحدى ms0345 ثلاث: رجل أصابته ~~جائحة (1) فاجتاحت ماله فيسأل حتى يصيب قواما من عيشه ثم يمسك، وفي رجل ~~أصابته حاجة حتى يشهد له ثلاثة نفر من ذوي الحجا من قومه وأن المسألة قد ~~حلت له فيسأل حتى يصيب القوام من العيش ثم يمسك، وفي رجل تحمل بحمالة فيسأل ~~حتى إذا بلغ أمسك، وما كان غير ذلك فإنه سحت يأكله صاحبه سحتا" (2) . # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى ~~محمد بن عيسى الترمذي، أخبرنا قتيبة، أخبرنا شريك عن حكيم بن جبير عن محمد ~~بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ~~ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح" (3) . # قيل يا رسول الله وما يغنيه؟ قال "خمسون درهما أو قيمتها من الذهب" (4) . # قوله تعالى: {وما تنفقوا من خير} مال {فإن الله به عليم} وعليه مجاز # {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية} روي عن مجاهد عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~كانت عنده أربعة دراهم لا يملك غيرها فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم ~~سرا وبدرهم علانية (5) . PageV01P339 # وعن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهم قال لما نزلت {للفقراء الذين ~~أحصروا في سبيل الله} بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير كثيرة إلى أصحاب ~~الصفة، وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في جوف الليل بوسق من تمر فأنزل ~~الله تعالى فيهما {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار} الآية عنى بالنهار ~~علانية: صدقة عبد الرحمن بن عوف، وبالليل سرا: صدقة علي رضي الله عنه، وقال ~~أبو أمامة وأبو الدرداء ومكحول والأوزاعي: نزلت في الذين يرتبطون الخيل ~~للجهاد فإنها تعلف ليلا ونهارا سرا وعلانية (1) . أخبرنا عبد الواحد بن ~~أحمد المليحي، أخبرنا ms0346 أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا علي بن حفص، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا ~~طلحة بن أبي سعيد قال: سمعت سعيدا المقبري يحدث أنه سمع أبا هريرة رضي الله ~~عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من احتبس فرسا في سبيل الله ~~إيمانا بالله وتصديقا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم ~~القيامة" (2) . # وقوله تعالى: {فلهم أجرهم عند ربهم} قال الأخفش: جعل الخبر بالفاء، لأن ~~"الذين" بمعنى "من" وجواب من بالفاء بالجزاء، أو معنى الآية: من أنفق كذا ~~فله أجره عند ربه {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ### || # {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ~~ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه ~~موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون (275) يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار ~~أثيم (276) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (277) } # قوله تعالى: {الذين يأكلون الربا} أي يعاملون به، وإنما خص الأكل لأنه ~~معظم المقصود من المال {لا يقومون} يعني يوم القيامة من قبورهم {إلا كما ~~يقوم الذي يتخبطه} أي يصرعه {الشيطان} أصل الخبط الضرب والوطء، وهو ضرب على ~~غير استواء يقال: ناقة خبوط للتي تطأ الناس وتضرب الأرض # PageV01P340 # بقوائهما {من المس} أي الجنون يقال: مس الرجل فهو ممسوس إذا كان مجنونا، ~~ومعناه: أن آكل الربا يبعث يوم القيامة وهو كمثل المصروع. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، ~~أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، أخبرنا عبد الله بن ~~يحيى، أخبرنا يعقوب بن سفيان أخبرنا إسماعيل بن سالم، أخبرنا عباد بن عباد ~~عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى ~~الله عليه ms0347 وسلم في قصة الإسراء قال: "فانطلق بي جبريل عليه السلام إلى رجال ~~كثير كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم منضدين على سابلة آل فرعون -وآل ~~فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا -قال: فيقبلون مثل الإبل المنهومة ~~يخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون، فإذا أحس بهم أصحاب تلك ~~البطون قاموا، فتميل بهم بطونهم فيصرعون، ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه ~~فيصرع، فلا يستطيعون أن يبرحوا حتى يغشاهم آل فرعون فيردوهم مقبلين ~~ومدبرين، فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة {قال} 49/ب وآل فرعون ~~يقولون: اللهم لا تقم الساعة أبدا {قال} ويوم القيامة يقال: "أدخلوا آل ~~فرعون أشد العذاب" (46-غافر) قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين ~~يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس" (1) . # قوله تعالى: {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} أي ذلك الذي نزل بهم ~~لقولهم هذا واستحلالهم إياه، وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حل ماله ~~على غريمه فطالبه به فيقول الغريم لصاحب الحق: زدني في الأجل حتى أزيدك في ~~المال، فيفعلان ذلك، ويقولون سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو ~~عند المحل لأجل التأخير فكذبهم الله تعالى وقال: {وأحل الله البيع وحرم ~~الربا} واعلم PageV01P341 # أن الربا في اللغة الزيادة قال الله تعالى: "وما آتيتم من الربا ليربو في ~~أموال الناس" أي ليكثر "فلا يربو عند الله" (39-الروم) وطلب الزيادة بطريق ~~التجارة غير حرام في الجملة، إنما المحرم زيادة على صفة مخصوصة في مال ~~مخصوص بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد ~~الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، ~~أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد الوهاب عن أيوب بن أبي تميمة عن ~~محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار ورجل آخر عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق ~~بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير ms0348 بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح ~~بالملح إلا سواء بسواء، عينا بعين، يدا بيد، ولكن بيعوا الذهب بالورق، ~~والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر، والتمر بالملح، والملح ~~بالتمر يدا بيد كيف شئتم -ونقص أحدهما الملح أو التمر وزاد أحدهما: من زاد ~~وازداد فقد أربى" (1) . وروى هذا الحديث مطرف عن محمد بن سيرين عن مسلم بن ~~يسار وعبد الله بن عتيك عن عبادة فالنبي صلى الله عليه وسلم نص على ستة ~~أشياء. # وذهب عامة أهل العلم إلى أن حكم الربا يثبت في هذه الأشياء الست بالأوصاف ~~فيها فيتعدى إلى كل مال توجد فيه تلك الأوصاف، ثم اختلفوا في تلك الأوصاف، ~~فذهب قوم: إلى أن المعنى في جميعها واحد وهو النفع وأثبتوا الربا في جميع ~~الأموال، وذهب الأكثرون إلى أن الربا يثبت في الدراهم والدنانير بوصف وفي ~~الأشياء المطعومة بوصف آخر، واختلفوا في ذلك الوصف فقال قوم: ثبت في ~~الدراهم والدنانير بوصف، النقدية، وهو قول مالك والشافعي، وقال قوم: ثبت ~~بعلة الوزن وهو قول أصحاب الرأي وأثبتوا الربا في جميع الموزونات مثل ~~الحديد والنحاس والقطن ونحوها. # وأما الأشياء الأربعة فذهب قوم إلى أن الربا ثبت فيها بعلة الكيل وهو قول ~~أصحاب الرأي، وأثبتوا الربا في جميع المكيلات مطعوما كان أو غير مطعوم ~~كالجص والنورة ونحوها، وذهب جماعة إلى أن العلة فيها الطعم مع الكيل ~~والوزن، فكل مطعوم وهو مكيل أو موزون يثبت فيه الربا، ولا يثبت فيما ليس ~~بمكيل ولا موزون، وهو قول سعيد بن المسيب، وقاله الشافعي رحمه الله في ~~القديم، وقال في الجديد: يثبت فيها الربا بوصف الطعم، وأثبت الربا في جميع ~~الأشياء المطعومة من الثمار والفواكه والبقول والأدوية مكيلة كانت أو ~~موزونة لما روي عن معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل" (2) . PageV01P342 # فجملة مال الربا عند الشافعي ما كان ثمنا أو مطعوما، والربا نوعان: ربا ~~الفضل وربا النساء، فإذا باع مال الربا بجنسه مثلا بمثل بأن باع أحد ms0349 ~~النقدين بجنسه أو باع مطعوما بجنسه كالحنطة بالحنطة ونحوها يثبت فيه كلا ~~نوعي الربا حتى لا يجوز إلا متساويين في معيار الشرع، فإن كان موزونا ~~كالدراهم والدنانير فيشترط المساواة في الوزن، وإن كان مكيلا كالحنطة ~~والشعير بيع بجنسه، فيشترط المساواة في الكيل ويشترط التقابض في مجلس ~~العقد، وإذا باع مال الربا بغير جنسه نظر: إن باع بما لا يوافقه في وصف ~~الربا مثل أن باع مطعوما بأحد النقدين فلا ربا فيه، كما لو باعه بغير مال ~~الربا، أو إن باعه بما يوافقه مع الوصف مثل أن باع الدراهم بالدنانير أو ~~باع الحنطة بالشعير أو باع مطعوما بمطعوم آخر من غير جنسه فلا يثبت فيه ربا ~~الفضل حتى يجوز متفاضلا أو جزافا (1) ويثبت فيه ربا النساء حتى يشترط ~~التقابض في المجلس، وقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا تبيعوا الذهب بالذهب ~~-إلى أن قال -إلا سواء بسواء" فيه إيجاب المماثلة وتحريم الفضل عند اتفاق ~~الجنس، وقوله "عينا بعين" فيه تحريم النساء، وقوله "يدا بيد كيف شئتم" فيه ~~إطلاق التفاضل عند اختلاف الجنس مع إيجاب التقابض في المجلس، هذا في ربا ~~المبايعة. # ومن أقرض شيئا بشرط أن يرد عليه أفضل فهو قرض جر منفعة وكل قرض جر منفعة ~~فهو ربا. # قوله تعالى: {فمن جاءه موعظة من ربه} تذكير وتخويف، وإنما ذكر الفعل ردا ~~إلى الوعظ {فانتهى} عن أكل الربا {فله ما سلف} أي ما مضى من ذنبه قبل النهي ~~مغفور له {وأمره إلى الله} بعد النهي إن شاء عصمه حيث يثبت على الانتهاء، ~~وإن شاء خذله حتى يعود، وقيل: {ما سلف وأمره إلى الله} فيما يأمره وينهاه ~~ويحل له ويحرم عليه وليس إليه من أمر نفسه شيء {ومن عاد} بعد التحريم إلى ~~أكل الربا مستحلا له {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن المثنى حدثني ~~غندر، أخبرنا شعبة عن عون ms0350 بن أبي جحيفة عن أبيه أنه قال: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي، ولعن آكل الربا وموكله ~~والواشمة والمستوشمة والمصور" (2) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ~~الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ~~أخبرنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا زهير بن حرب، أخبرنا هشيم أخبرنا أبو الزبير ~~عن جابر رضي الله عنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ~~ومؤكله وكاتبه PageV01P343 # وشاهديه، وقال: "هم سواء" (1) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو محمد ~~المخلدي، أنا أبو حامد بن الشرقي أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا النضر ~~بن محمد، أخبرنا عكرمة بن عمار، أخبرنا يحيى هو ابن أبي كثير قال: حدثني ~~أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~50/أ "الربا سبعون بابا أهونها عند الله عز وجل كالذي ينكح أمه" (2) . # قوله تعالى {يمحق الله الربا} أي ينقصه ويهلكه ويذهب ببركته، وقال الضحاك ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما {يمحق الله الربا} يعني لا يقبل منه صدقة ولا ~~جهادا ولا حجة ولا صلة {ويربي الصدقات} أي يثمرها ويبارك فيها في الدنيا، ~~ويضاعف بها الأجر والثواب في العقبى {والله لا يحب كل كفار} بتحريم الربا ~~{أثيم} فاجر بأكله. ### || # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ~~(278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس ~~أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279) وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن ~~تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون (280) واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم ~~توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (281) } # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} قال ~~عطاء وعكرمة: نزلت في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما ~~وكانا قد أسلفا في التمر ms0351 فلما حضر الجذاذ قال لهما صاحب التمر: إن أنتما ~~أخذتما حقكما لا يبقى لي ما يكفي عيالي فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا ~~النصف وأضعف لكما؟ ففعلا فلما حل الأجل طلبا الزيادة، فبلغ ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنهاهما فأنزل الله تعالى هذه الآية فسمعا وأطاعا وأخذا ~~رءوس أموالهما (3) . # وقال السدي: نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية ~~يسلفان في الربا إلى بني عمرو بن عمير، ناس من ثقيف، فجاء الإسلام ولهما ~~أموال عظيمة في الربا فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في حجة الوداع في خطبته يوم عرفة "ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت ~~قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة ~~بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتله هذيل، وربا الجاهلية كلها، وأول ~~ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب فإنها PageV01P344 # موضوعة كلها" (1) . # وقال مقاتل: نزلت في أربعة إخوة من ثقيف، مسعود وعبد ياليل وحبيب وربيعة ~~وهم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، كانوا يداينون بني المغيرة بن عبد ~~الله بن عمير بن مخزوم وكانوا يربون فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الطائف أسلم هؤلاء الإخوة فطلبوا رباهم من بني المغيرة، فقال بنو المغيرة: ~~والله ما نعطي الربا في الإسلام وقد وضعه الله تعالى عن المؤمنين، فاختصموا ~~إلى عتاب بن أسيد وكان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة فكتب ~~عتاب بن أسيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقصة الفريقين وكان ذلك مالا ~~عظيما فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من ~~الربا} (2) . # {إن كنتم مؤمنين} # {فإن لم تفعلوا} أي إذا لم تذروا ما بقي من الربا {فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله} قرأ حمزة وعاصم برواية أبي بكر فآذنوا بالمد على وزن آمنوا، أي ~~فأعلموا غيركم أنكم حرب لله ورسوله، وأصله من الأذن أي أوقعوا في الآذان، ~~وقرأ الآخرون ms0352 فأذنوا مقصورا بفتح الذال أي فاعلموا أنتم وأيقنوا بحرب من ~~الله ورسوله، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: يقال لآكل ~~الربا يوم القيامة خذ سلاحك للحرب، قال أهل المعاني: حرب الله: النار وحرب ~~رسول الله: السيف. # {وإن تبتم} أي تركتم استحلال الربا ورجعتم عنه {فلكم رءوس أموالكم لا ~~تظلمون} بطلب الزيادة {ولا تظلمون} بالنقصان عن رأس المال فلما نزلت الآية ~~قال بنو عمرو الثقفي ومن كان يعامل بالربا من غيرهم: بل نتوب إلى الله، ~~فإنه لا يدان لنا بحرب الله ورسوله، فرضوا برأس المال، فشكا بنو المغيرة ~~العسرة وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات فأبوا أن يؤخروا فأنزل الله ~~تعالى {وإن كان ذو عسرة} # يعني وإن كان الذي عليه الدين معسرا، رفع الكلام باسم كان ولم يأت لها ~~بخير وذلك جائز في النكرة، تقول، إن كان رجلا صالحا فأكرمه، وقيل "كان" ~~بمعنى وقع، وحينئذ لا يحتاج إلى خبر، قرأ أبو جعفر عسرة بضم السين {فنظرة} ~~أمر في صيغة الخبر تقديره فعليه نظرة {إلى ميسرة} قرأ نافع ميسرة بضم السين ~~وقرأ الآخرون بفتحها وقرأ مجاهد ميسرة بضم السين مضافا ومعناها اليسار ~~والسعة {وأن تصدقوا} أي تتركوا رءوس أموالكم إلى المعسر {خير لكم إن كنتم ~~تعلمون} قرأ عاصم تصدقوا بتخفيف الصاد والآخرون بتشديدها. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو الطيب سهل بن ~~محمد بن سليمان، أخبرنا أبو العباس إسماعيل بن عبد الله الميكالي، أخبرنا ~~عبد الله بن أحمد بن موسى بن عبدان الحافظ، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن عمرو ~~بن السرح، أخبرنا ابن وهب عن جرير عن حازم عن أيوب عن يحيى PageV01P345 # ابن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أنه كان يطلب رجلا بحق ~~فاختبأ منه فقال: ما حملك على ذلك قال: العسرة، فاستحلفه على ذلك فحلف فدعا ~~بصكه فأعطاه إياه وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أنظر ~~معسرا أو وضع عنه أنجاه الله من كرب ms0353 يوم القيامة" (1) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن ~~زنجويه، أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن منصور عن ربعي عن أبي ~~مسعود رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الملائكة ~~لتلقت روح رجل كان قبلكم فقالوا هل عملت خيرا قط؟ قال: لا قالوا: تذكر، ~~قال: لا إلا أني رجل كنت أداين الناس فكنت آمر فتياني أن ينظروا الموسر ~~ويتجاوزوا عن المعسر، قال الله تبارك وتعالى "تجاوزوا عنه" (2) . # أخبرنا عبد الواحد بن المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو ~~جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا أحمد بن عبد الله، أخبرنا ~~زائدة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي عن أبي اليسر قال سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول "من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ~~ظله" (3) . ### ||| فصل في الدين وحسن قضائه وتشديد أمره # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو الوليد، أخبرنا شعبة، ~~أخبرنا سلمة بن كهيل قال: سمعت أبا سلمة بمنى يحدث عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن رجلا تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغلظ له فهم به أصحابه ~~فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا واشتروا له بعيرا فأعطوه إياه، قالوا: لا ~~نجد إلا أفضل من سنه قال: "اشتروه فأعطوه إياه فإن خياركم أحسنكم قضاء" (4) ~~. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي، أخبرنا أبو ~~إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو PageV01P346 # مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنهما أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على ~~مليء فليتبع" (1) . # أخبرنا 50/ب عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد ~~الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا ms0354 الشافعي، أخبرنا ~~إبراهيم بن سعيد بن إبراهيم عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نفس المؤمن ~~معلقة بدينه حتى يقضى عنه" (2) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي، أخبرنا أبو ~~إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن أبي ~~سعيد المقبري عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري عن أبيه أنه قال: جاء رجل ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في ~~سبيل الله صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، يكفر الله عني خطاياي؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "نعم" فلما أدبر ناداه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، أو أمر به فنودي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف قلت؟ " ~~فأعاد عليه قوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعم إلا الدين" كذلك ~~قال جبريل" (3) . # قوله تعالى: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} قرأ أهل البصرة بفتح ~~التاء أي تصيرون إلى الله، وقرأ الآخرون بضم التاء وفتح الجيم، أي: تردون ~~إلى الله تعالى: {ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: هذه آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ~~جبريل عليه السلام ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة وعاش ~~بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا وعشرين يوما، وقال ابن جريج: تسع ~~ليال، وقال سعيد بن جبير: سبع ليال، ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ~~ربيع الأول حين زاغت الشمس سنة إحدى عشرة من الهجرة، قال الشعبي عن ابن ~~عباس PageV01P347 # رضي الله عنهما آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا ~~(1) . PageV01P348 ### || # {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب ~~بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ms0355 فليكتب وليملل الذي ~~عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها ~~أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن ~~تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ~~ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق ~~بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم (282) } # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى} قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما لما حرم الله الربا أباح السلم وقال: أشهد أن ~~السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله تعالى في كتابه وأذن فيه ثم قال ~~"يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه". # قوله: {إذا تداينتم} أي تعاملتم بالدين، يقال: داينته إذا عاملته بالدين ~~وإنما قال {بدين} بعد قوله تداينتم لأن المداينة قد تكون مجازاة وقد تكون ~~معاطاة فقيده بالدين ليعرف المراد من اللفظ، وقيل: ذكره # PageV01P348 # تأكيدا كقوله تعالى: "ولا طائر يطير بجناحيه" (38-الأنعام) {إلى أجل ~~مسمى} الأجل مدة معلومة الأول والآخر، والأجل يلزم في الثمن في البيع وفي ~~السلم حتى لا يكون لصاحب الحق الطلب قبل محله، وفي القرض لا يلزم الأجل عن ~~أكثر أهل العلم {فاكتبوه} أي اكتبوا الذي تداينتم به، بيعا كان أو سلما أو ~~قرضا. # واختلفوا في هذه الكتابة: فقال بعضهم: هي واجبة، والأكثرون على أنه أمر ~~استحباب فإن ترك فلا بأس كقوله تعالى "فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في ~~الأرض" (10-الجمعة) وقال بعضهم كانت كتابة الدين والإشهاد والرهن فرضا ثم ~~نسخ الكل بقوله "فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته" وهو قول ~~الشعبي ثم بين كيفية الكتابة فقال جل ms0356 ذكره {وليكتب بينكم} أي ليكتب كتاب ~~الدين بين الطالب والمطلوب {كاتب بالعدل} أي بالحق من غير زيادة ولا نقصان ~~ولا تقديم أجل ولا تأخير {ولا يأب} أي لا يمتنع {كاتب أن يكتب} واختلفوا في ~~وجوب الكتابة على الكاتب وتحمل الشهادة على الشاهد، فذهب قوم إلى وجوبها ~~إذا طولب وهو قول مجاهد، وقال الحسن تجب إذا لم يكن كاتب غيره، وقال قوم هو ~~على الندب والاستحباب، وقال الضحاك كانت عزيمة واجبة على الكاتب والشاهد ~~فنسخها قوله تعالى "ولا يضار كاتب ولا شهيد" {كما علمه الله} أي كما شرعه ~~الله وأمره {فليكتب وليملل الذي عليه الحق} يعني: المطلوب يقر على نفسه ~~بلسانه ليعلم ما عليه، والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد، جاء ~~بهما القرآن، فالإملال هاهنا، والإملاء قوله تعالى: "فهي تملى عليه بكرة ~~وأصيلا" (5-الفرقان) {وليتق الله ربه} يعني الممل {ولا يبخس منه شيئا} أي ~~ولا ينقص منه، أي من الحق الذي عليه شيئا. # {فإن كان الذي عليه الحق سفيها} أي جاهلا بالإملاء، قاله مجاهد، وقال ~~الضحاك والسدي: طفلا صغيرا، وقال الشافعي رحمه الله، السفيه: المبذر المفسد ~~لماله أو في دينه. # قوله {أو ضعيفا} أي شيخا كبيرا وقيل هو ضعيف العقل لعته أو جنون {أو لا ~~يستطيع أن يمل هو} لخرس أو عي أو عجمة أو حبس أو غيبة لا يمكنه حضور الكاتب ~~أو جهل بما له وعليه {فليملل وليه} أي قيمه {بالعدل} أي بالصدق والحق، وقال ~~ابن عباس رضي الله عنه ومقاتل: أراد بالولي صاحب الحق، يعني إن عجز من عليه ~~الحق من الإملال فليملل ولي الحق وصاحب الدين بالعدل لأنه # PageV01P349 # أعلم بحقه، {واستشهدوا} أي وأشهدوا {شهيدين} أي شاهدين {من رجالكم} يعني ~~الأحرار المسلمين، دون العبيد والصبيان والكفار، وهو قول أكثر أهل العلم، ~~وأجاز شريح وابن سيرين شهادة العبيد {فإن لم يكونا رجلين} أي لم يكن ~~الشاهدان رجلين {فرجل وامرأتان} أي فليشهد رجل وامرأتان. # وأجمع الفقهاء على أن شهادة النساء جائزة مع الرجال في الأموال حتى تثبت ~~برجل وامرأتين واختلفوا في ms0357 غير الأموال فذهب جماعة إلى أنه تجوز شهادتهن مع ~~الرجال في غير العقوبات، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي، وذهب جماعة ~~إلى أن غير المال لا يثبت إلا برجلين عدلين وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن ~~ما يطلع عليه النساء غالبا كالولادة والرضاع والثيوبة والبكارة ونحوها يثبت ~~بشهادة رجل وامرأتين، وبشهادة أربع نسوة، واتفقوا على أن شهادة النساء غير ~~جائزة في العقوبات. # قوله تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} يعني من كان مرضيا في ديانته ~~وأمانته، وشرائط [قبول] (1) الشهادة سبعة: الإسلام والحرية والعقل والبلوغ ~~والعدالة والمروءة وانتفاء التهمة، فشهادة الكافر مردودة لأن المعروفين ~~بالكذب عند الناس لا تجوز شهادتهم، فالذي يكذب على الله تعالى أولى أن يكون ~~مردود الشهادة، وجوز أصحاب الرأي شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، ولا تقبل ~~شهادة العبيد، وأجازها شريح وابن سيرين وهو قول أنس بن مالك رضي الله عنه، ~~ولا قول للمجنون حتى يكون له شهادة، ولا تجوز شهادة الصبيان سئل ابن عباس ~~رضي الله عنهما عن ذلك؟ فقال: لا تجوز، لأن الله تعالى يقول: "ممن ترضون من ~~الشهداء" والعدالة شرط، وهي أن يكون الشاهد مجتنبا للكبائر غير مصر على ~~الصغائر، والمروءة شرط، وهي ما يتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل ~~الحياء، وهي حسن الهيئة والسيرة والعشرة والصناعة، فإن كان الرجل يظهر من ~~نفسه شيء منها ما يستحي أمثاله من إظهاره في الأغلب يعلم به قلة مروءته ~~وترد شهادته، وانتفاء 51/أالتهمة شرط حتى لا تقبل شهادة العدو على العدو ~~وإن كان مقبول الشهادة على غيره، لأنه متهم في حق عدوه، ولا تقبل شهادة ~~الرجل لولده ووالده وإن كان مقبول الشهادة عليهما، ولا تقبل شهادة من يجر ~~بشهادته إلى نفسه نفعا، كالوارث يشهد على رجل يقتل مورثه، أو يدفع عن نفسه ~~بشهادته ضررا كالمشهود عليه يشهد بجرح من يشهد عليه لتمكن التهمة في ~~شهادته. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المروزي، أخبرنا أبو العباس أحمد بن ~~محمد بن سراج الطحان أخبرنا أبو أحمد محمد ms0358 بن قريش بن سليمان، أخبرنا علي ~~بن عبد العزيز المكي، أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام أخبرنا مروان الفزاري ~~عن شيخ من أهل الحيرة يقال له يزيد بن زياد عن الزهري عن عروة عن ~~PageV01P350 # عائشة رضي الله عنها ترفعه "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على ~~أخيه ولا ظنين في ولاء ولا قرابة ولا القانع (1) مع أهل البيت" (2) . # قوله تعالى: {أن تضل إحداهما} قرأ حمزة إن تضل بكسر الألف {فتذكر} برفع ~~الراء، ومعناه الجزاء والابتداء، وموضع تضل جزم بالجزاء إلا أنه لا يتبين ~~في التضعيف "فتذكر" رفع لأن ما بعد فاء الجزاء مبتدأ، وقراءة العامة بفتح ~~الألف ونصب الراء على الاتصال بالكلام الأول، وتضل محله نصب بأن فتذكر ~~منسوق عليه، ومعنى الآية: فرجل وامرأتان كي تذكر {إحداهما الأخرى} ومعنى ~~تضل أي تنسى، يريد إذا نسيت إحداهما شهادتها، تذكرها الأخرى فتقول ألسنا ~~حضرنا مجلس كذا وسمعنا كذا؟ قرأ ابن كثير وأهل البصرة: فتذكر مخففا، وقرأ ~~الباقون مشددا، وذكر واذكر بمعنى واحد، وهما متعديان من الذكر الذي هو ضد ~~النسيان، وحكي عن سفيان بن عيينة أنه قال: هو من الذكر أي تجعل إحداهما ~~الأخرى ذكرا أي تصير شهادتهما كشهادة ذكر، والأول أصح لأنه معطوف على ~~النسيان. # قوله تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} قيل أراد به إذا ما دعوا ~~لتحمل الشهادة، سماهم شهداء على معنى أنهم يكونون شهداء وهو أمر إيجاب عند ~~بعضهم، وقال قوم: تجب الإجابة إذا لم يكن غيره فإن وجد غيره (فهو مخير) (3) ~~وهو قول الحسن، وقال قوم: هو أمر ندب وهو مخير في جميع الأحوال، وقال ~~بعضهم، هذا في إقامة الشهادة وأدائها فمعنى الآية "ولا يأب الشهداء إذا ما ~~دعوا" لأداء الشهادة التي تحملوها، وهو قول مجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن ~~جبير، وقال الشعبي: الشاهد بالخيار ما لم يشهد، وقال الحسن: الآية في ~~الأمرين جميعا في التحمل والإقامة إذا كان فارغا. ### || # {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا ms0359 ~~فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها ~~فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم (283) } # {ولا تسأموا} أي ولا تملوا {أن تكتبوه} والهاء راجعة إلى الحق {صغيرا} ~~كان الحق {أو كبيرا} قليلا كان أو كثيرا {إلى أجله} إلى محل الحق {ذلكم} أي ~~الكتاب {أقسط} أعدل {عند الله} لأنه أمر به، واتباع أمره أعدل من تركه ~~{وأقوم للشهادة} لأن الكتابة تذكر الشهود {وأدنى} وأحرى وأقرب إلى {ألا ~~ترتابوا} تشكوا في الشهادة {إلا أن تكون تجارة حاضرة} قرأهما # PageV01P351 # عاصم بالنصب على خبر كان وأضمر الاسم، مجازه: إلا أن تكون التجارة تجارة ~~{حاضرة} (1) أو المبايعة تجارة، وقرأ الباقون بالرفع وله وجهان: # أحدهما: أن تجعل الكون بمعنى الوقوع معناه إلا أن تقع تجارة. # والثاني: أن تجعل الاسم في التجارة والخبر في الفعل وهو قوله {تديرونها ~~بينكم} تقديره إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم، ومعنى الآية إلا أن ~~تكون تجارة حاضرة يدا بيد تديرونها بينكم ليس فيها أجل {فليس عليكم جناح ~~ألا لا تكتبوها} يعني التجارة {وأشهدوا إذا تبايعتم} قال الضحاك: هو عزم من ~~الله تعالى، والإشهاد واجب في صغير الحق وكبيره نقدا أو نسيئا، وقال أبو ~~سعيد الخدري رضي الله عنه: الأمر فيه إلى الأمانة لقوله تعالى "فإن أمن ~~بعضكم بعضا" الآية، وقال الآخرون هو أمر ندب. # قوله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} هذا نهي للغائب، وأصله يضارر، ~~فأدغمت إحدى الرائين في الأخرى ونصبت لحق التضعيف لاجتماع الساكنين، ~~واختلفوا فيه فمنهم من قال: أصله يضارر بكسر الراء الأولى، وجعل الفعل ~~للكاتب والشهيد، معناه لا يضار الكاتب فيأبى أن يكتب ولا الشهيد فيأبى أن ~~يشهد، ولا يضار الكاتب فيزيد أو ينقص أو يحرف ما أملي عليه ولا الشهيد ~~فيشهد بما لم يستشهد عليه، وهذا قول طاووس والحسن وقتادة، وقال قوم: أصله ~~يضارر بفتح الراء على الفعل المجهول وجعلوا الكاتب والشهيد مفعولين ومعناه ~~أن يدعو الرجل الكاتب أو الشاهد وهما على شغل مهم، فيقولان: نحن على شغل ~~مهم فاطلب غيرنا ms0360 فيقول الداعي إن الله أمركما أن تجيبا ويلح عليهما ~~فيشغلهما عن حاجتهما فنهى عن ذلك وأمر بطلب غيرهما {وإن تفعلوا} ما نهيتكم ~~عنه من الضرر {فإنه فسوق بكم} أي معصية وخروج عن الأمر {واتقوا الله ~~ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم} # {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} قرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~فرهن بضم الهاء والراء، وقرأ الباقون فرهان، وهو جمع رهن مثل بغل وبغال ~~وجبل وجبال، والرهن جمع الرهان جمع الجمع، قاله الفراء والكسائي، وقال أبو ~~عبيد (2) وغيره: هو جمع الرهن أيضا مثل سقف وسقف وقال أبو عمرو وإنما قرأنا ~~فرهن ليكون فرقا بينهما وبين رهان الخيل، وقرأ عكرمة فرهن بضم الراء وسكون ~~الهاء، والتخفيف والتثقيل في الرهن لغتان مثل كتب وكتب ورسل ورسل ومعنى ~~الآية: وإن كنتم على سفر ولم تجدوا آلات الكاتبة فارتهنوا ممن تداينونه ~~رهونا لتكون وثيقة لكم بأموالكم، واتفقوا على أن الرهن لا يتم إلا بالقبض، ~~وقوله "فرهن مقبوضة" أي ارتهنوا واقبضوا حتى لو رهن ولم يسلم فلا يجبر ~~الراهن على التسليم فإذا سلم لزم من جهة الراهن حتى لا يجوز له أن يسترجعه ~~ما دام شيء من الحق باقيا، ويجوز في الحضر الرهن مع وجود الكاتب، وقال ~~مجاهد: لا يجوز الرهن إلا في السفر عند عدم الكاتب لظاهر الآية، وعند ~~الآخرين PageV01P352 # خرج الكلام في الآية على الأعم الأغلب لا على سبيل الشرط. # والدليل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند أبي الشحم ~~اليهودي ولم يكن ذلك في السفر ولا عند عدم كاتب (1) {فإن أمن بعضكم بعضا} ~~وفي حرف أبي "فإن ائتمن" يعني فإن كان الذي عليه الحق أمينا عند صاحب الحق ~~فلم يرتهن منه شيئا لحسن ظنه به. # {فليؤد الذي اؤتمن أمانته} أي فليقضه على الأمانة {وليتق الله ربه} في ~~أداء الحق، ثم رجع إلى خطاب الشهود وقال: {ولا تكتموا الشهادة} 51/ب إذا ~~دعيتم إلى إقامتها نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه فقال {ومن يكتمها فإنه ms0361 ~~آثم قلبه} أي فاجر قلبه، قيل: ما أوعد الله على شيء كإيعاده على كتمان ~~الشهادة، قال: "فإنه آثم قلبه" وأراد به مسخ القلب، نعوذ بالله من ذلك ~~{والله بما تعملون} بيان الشهادة وكتمانها {عليم} ### || # {لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (284) ~~} # {لله ما في السماوات وما في الأرض} ملكا [وأهلها له عبيد وهو مالكهم] (2) ~~{وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء والله على كل شيء قدير} اختلف العلماء في هذه الآية، فقال قوم: هي ~~خاصة ثم اختلفوا في وجه [خصوصها] (3) فقال بعضهم: هي متصلة بالآية الأولى ~~نزلت في كتمان الشهادة (4) أو تخفوا الكتمان يحاسبكم به الله وهو قول ~~الشعبي وعكرمة، وقال بعضهم: نزلت فيمن يتولى الكافرين دون المؤمنين، يعني ~~وإن تعلنوا ما في أنفسكم من ولاية الكفار أو تسروا يحاسبكم به الله، وهو ~~قول مقاتل كما ذكر في سورة آل عمران "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من ~~دون المؤمنين" إلى أن قال "قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله" ~~(29-آل عمران) . PageV01P353 ### || # {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير (285) لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ~~ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا ~~وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286) } # وذهب الأكثرون إلى أن الآية عامة ثم اختلفوا فيها فقال قوم: هي منسوخة ~~بالآية التي بعدها (1) . # والدليل عليه ما أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن ~~محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ms0362 أنا ~~مسلم بن الحجاج، حدثني محمد بن المنهال الضرير وأمية بن بسطام العيشي ~~واللفظ له قالا أخبرنا يزيد بن زريع أنا روح وهو ابن القاسم عن العلاء عن ~~أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما أنزل الله على رسوله صلى الله ~~عليه وسلم "لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله" الآية قال: اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا: ~~أي رسول الله صلى الله عليه وسلم كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام ~~والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا ~~وعصينا، بل قولوا {سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} فلما قرأها ~~القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها {آمن الرسول بما أنزل إليه من ~~ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ~~وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} فلما فعلوا ذلك نسخها الله ~~تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال نعم {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا} قال نعم {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال نعم ~~{واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} قال ~~نعم (2) . # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما بمعناه (3) ،، وقال في كل ~~ذلك: قد فعلت، بدل PageV01P354 # قوله نعم، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وإليه ~~ذهب محمد بن سيرين ومحمد ابن كعب وقتادة والكلبي. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو محمد عبد الله ~~بن يوسف الأصفهاني، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أخبرنا ms0363 يعقوب بن ~~يوسف القزويني، أخبرنا القاسم بن الحكم العرني، أخبرنا مسعر بن كدام عن ~~قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "إن الله عز وجل تجاوز عن أمتي ما وسوست به أنفسها ما لم تتكلم ~~أو تعمل به" (1) . # وقال بعضهم الآية غير منسوخة لأن النسخ لا يرد على الإخبار إنما يرد على ~~الأمر والنهي وقوله {يحاسبكم به الله} خبر لا يرد عليه النسخ، ثم اختلفوا ~~في تأويلها فقال قوم: قد أثبت الله تعالى للقلب كسبا فقال "بما كسبت ~~قلوبكم" (225-البقرة) فليس لله عبد أسر عملا أو أعلنه من حركة من جوارحه أو ~~همسة في قلبه إلا يخبره الله به ويحاسبه عليه ثم يغفر ما يشاء ويعذب بما ~~يشاء، وهذا معنى قول الحسن يدل عليه قوله تعالى "إن السمع والبصر والفؤاد ~~كل أولئك كان عنه مسئولا" (36-الإسراء) . وقال الآخرون: معنى الآية أن الله ~~عز وجل يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم أو أخفوه ويعاقبهم عليه، غير ~~أن معاقبته على ما أخفوه مما لم يعلموه بما يحدث لهم في الدنيا من النوائب ~~والمصائب والأمور التي يحزنون عليها وهذا قول عائشة رضي الله عنها قالت: ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال: "يا عائشة هذه ~~معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة حتى الشوكة والبضاعة يضعها ~~في كمه فيفقدها فيروع لها حتى إن المؤمن يخرج من ذنوبه كما يخرج التبر ~~الأحمر من الكير" (2) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا ~~أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا عبد الله بن صالح، حدثني ~~الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن سنان عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أراد الله بعبده الخير ~~عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عليه بذنبه حتى ~~يوافيه به يوم القيامة" ms0364 (3) . PageV01P355 # وقال بعضهم {وإن تبدوا ما في أنفسكم} يعني ما في قلوبكم مما عزمتم عليه ~~{أو تخفوه يحاسبكم به الله} ولا تبدوه وأنتم عازمون عليه يحاسبكم به الله ~~فأما ما حدثت به أنفسكم مما لم تعزموا عليه فإن ذلك مما لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها ولا يؤاخذكم به، دليله قوله تعالى "لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم" (225-البقرة) . # وقال عبد الله بن المبارك: قلت لسفيان: أيؤاخذ العبد بالهمة قال: إذا كان ~~عزما أخذ بها، وقيل معنى المحاسبة الإخبار والتعريف، ومعنى الآية: وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم فتعملوا به أو تخفوه مما أضمرتم ونويتم يحاسبكم به الله ~~ويجزيكم به ويعرفكم إياه، ثم يغفر للمؤمنين إظهارا لفضله، ويعذب الكافرين ~~إظهارا لعدله، وهذا معنى قول الضحاك، ويروى ذلك عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، يدل عليه أنه قال: يحاسبكم به الله ولم يقل يؤاخذكم به، والمحاسبة ~~غير المؤاخذة والدليل عليه ما أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي الزراد، أخبرنا ~~أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، أنا أبو سعيد الهيثم بن كليب، أنا عيسى بن ~~أحمد العسقلاني، أنا يزيد بن هارون، أنا همام بن يحيى 52/أعن قتادة عن ~~صفوان بن محرز قال: كنت آخذا بيد عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ~~فأتاه رجل فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ ~~فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله تعالى يدني المؤمن ~~يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه يستره من الناس فيقول: أي عبدي أتعرف ذنب ~~كذا وكذا؟ فيقول: نعم أي رب ثم يقول أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم ~~أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال فإني سترتها عليك ~~في الدنيا وقد غفرتها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكافر ~~والمنافقون فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على ~~الظالمين" (1) (18-هود) . # قوله تعالى: {فيغفر لمن يشاء ms0365 ويعذب من يشاء} رفع الراء والياء أبو جعفر ~~وابن عامر وعاصم ويعقوب وجزمهما الآخرون، فالرفع على الابتداء والجزم على ~~النسق، روى طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما، فيغفر لمن يشاء الذنب العظيم ~~ويعذب من يشاء على الذنب الصغير، "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون والله على ~~كل شيء قدير" (230-الأنبياء) . قوله تعالى: {آمن الرسول} أي صدق {بما أنزل ~~إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله} يعني كل واحد منهم، ولذلك وحد الفعل ~~{وملائكته وكتبه ورسله} قرأ حمزة والكسائي: كتابه، على الواحد يعني القرآن، ~~وقيل معناه الجمع وإن ذكر بلفظ التوحيد كقوله تعالى: "فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب" (213-البقرة) وقرأ الآخرون وكتبه بالجمع ~~كقوله تعالى: "وملائكته وكتبه ورسله" (136-النساء) ، {لا نفرق بين أحد من ~~رسله} فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت PageV01P356 # اليهود والنصارى، وفيه إضمار تقديره يقولون لا نفرق، وقرأ يعقوب لا يفرق ~~بالياء فيكون خبرا عن الرسول، أو معناه لا يفرق الكل وإنما قال "بين أحد" ~~ولم يقل بين آحاد لأن الأحد يكون للواحد والجمع قال الله تعالى: "فما منكم ~~من أحد عنه حاجزين" (47-الحاقة) {وقالوا سمعنا} قولك {وأطعنا} أمرك. # روي عن حكيم عن جابر رضي الله عنهما أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية: إن الله قد أثنى عليك وعلى أمتك فسل ~~تعطه، فسأل بتلقين الله تعالى فقال {غفرانك} (1) وهو نصب على المصدر أي ~~اغفر غفرانك، أو نسألك غفرانك {ربنا وإليك المصير لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها} ظاهر الآية قضاء الحاجة، وفيها إضمار السؤال كأنه قال: وقالوا لا ~~تكلفنا إلا وسعنا، وأجاب أي لا يكلف الله نفسا إلا وسعها أي طاقتها، ~~والوسع: اسم لما يسع الإنسان ولا يضيق عليه، واختلفوا في تأويله فذهب ابن ~~عباس رضي الله عنه وعطاء وأكثر المفسرين إلى أنه أراد به حديث النفس الذي ~~ذكر في قوله تعالى {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} كما ذكرنا، وروي عن ~~ابن عباس رضي الله ms0366 عنهما أنه قال: هم المؤمنون خاصة، وسع عليهم أمر دينهم ~~ولم يكلفهم فيه إلا ما يستطيعون كما قال الله تعالى: "يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر" (185-البقرة) وقال الله تعالى: "وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج" (78-الحج) وسئل سفيان بن عيينة عن قوله عز وجل {لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها} قال: إلا يسرها ولم يكلفها فوق طاقتها، وهذا قول حسن لأن ~~الوسع ما دون الطاقة. # قوله تعالى: {لها ما كسبت} أي للنفس ما عملت من الخير، لها أجره وثوابه ~~{وعليها ما اكتسبت} من الشر وعليها وزره {ربنا لا تؤاخذنا} أي لا تعاقبنا ~~{إن نسينا} جعله بعضهم من النسيان الذي هو السهو، قال الكلبي كانت بنو ~~إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به أو أخطأوا عجلت لهم العقوبة، فحرم ~~عليهم من شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب، فأمر الله المؤمنين أن ~~يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك، وقيل هو من النسيان الذي هو الترك كقوله تعالى: ~~"نسوا الله فنسيهم" (67-التوبة) . # قوله تعالى: {أو أخطأنا} قيل معناه القصد والعمد يقال: أخطأ فلان إذا ~~تعمد، قال الله تعالى: "إن قتلهم كان خطأ كبيرا" (31-الإسراء) قال عطاء: إن ~~نسينا أو أخطأنا يعني: إن جهلنا أو تعمدنا، وجعله الأكثرون من الخطإ الذي ~~هو الجهل والسهو، لأن ما كان عمدا من الذنب فغير معفو عنه بل هو في مشيئة ~~الله، والخطأ معفو عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان وما PageV01P357 # استكرهوا عليه (1) . # قوله تعالى: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا} أي عهدا ثقيلا وميثاقا لا نستطيع ~~القيام به فتعذبنا بنقضه وتركه {كما حملته على الذين من قبلنا} يعني ~~اليهود، فلم يقوموا به فعذبتهم، هذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والسدي والكلبي ~~وجماعة. يدل عليه قوله تعالى: "وأخذتم على ذلكم إصري" (81-آل عمران) أي ~~عهدي، وقيل: معناه لا تشدد ولا تغلظ الأمر علينا كما شددت على من قبلنا من ~~اليهود، وذلك أن الله فرض عليهم خمسين صلاة وأمرهم بأداء ms0367 ربع أموالهم في ~~الزكاة ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها ومن أصاب ذنبا أصبح وذنبه مكتوب على بابه ~~ونحوها من الأثقال والأغلال، وهذا معنى قول عثمان وعطاء ومالك بن أنس وأبي ~~عبيدة وجماعة. يدل عليه قوله تعالى: "ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم" (157-الأعراف) وقيل: الإصر ذنب لا توبة له، معناه اعصمنا من مثله، ~~والأصل فيه العقل والإحكام. # قوله تعالى: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} أي لا تكلفنا من ~~الأعمال ما لا نطيقه وقيل هو حديث النفس والوسوسة حكي عن مكحول أنه قال: هو ~~الغلمة، قيل الغلمة: شدة الشهوة، وعن إبراهيم قال: هو الحب، وعن محمد بن ~~عبد الوهاب قال: العشق وقال ابن جريج: هو مسخ القردة والخنازير وقيل هو ~~شماتة الأعداء، وقيل: هو الفرقة والقطيعة نعوذ بالله منها. # قوله تعالى: {واعف عنا} أي تجاوز وامح عنا ذنوبنا {واغفر لنا} استر علينا ~~ذنوبنا ولا تفضحنا {وارحمنا} فإننا لا ننال العمل إلا بطاعتك، ولا نترك ~~معصيتك إلا برحمتك {أنت مولانا} ناصرنا وحافظنا وولينا {فانصرنا على القوم ~~الكافرين} . # روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل {غفرانك ~~ربنا} قال الله تعالى "قد غفرت لكم" وفي قوله لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا قال: "لا أوأخذكم" {ربنا ولا تحمل علينا إصرا} قال: "لا أحمل عليكم ~~إصرا" {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال: "لا أحملكم" {واعف عنا} إلى ~~آخره قال "قد عفوت عنكم، وغفرت لكم، ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين" ~~(2) . # وكان معاذ بن جبل إذا ختم سورة البقرة قال: آمين. PageV01P358 # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن ~~عيسى الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنا مسلم بن الحجاج، أنا أبو ~~بكر بن أبي شيبة 52/ب أنا أبو أسامة حدثني مالك بن مغول عن الزبير بن عدي ~~عن طلحة بن علي بن مصرف عن مرة عن عبد الله قال: لما أسري برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms0368 انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، إليها ~~ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به فوقها ~~فيقبض منها قال: "إذ يغشى السدرة ما يغشى" (16-النجم) قال: فراش من ذهب ~~قال: وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا: الصلوات الخمس وأعطي ~~خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا من المقحمات" (1) ~~كبائر الذنوب. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو نعيم عبد الملك بن ~~الحسين الإسفراييني أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، أنا يونس وأحمد ~~بن شيبان قالا ثنا سفيان بن عيينة عن منصور عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن ~~يزيد عن أبي مسعود رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو منصور السمعاني، أنا أبو جعفر ~~الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أنا العلاء بن عبد الجبار، أنا حماد بن ~~سلمة، أخبرنا الأشعث بن عبد الرحمن الجرمي، عن أبي قلابة عن أبي الأشعث ~~الصنعاني، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "إن الله تعالى كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام ~~فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة فلا تقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها ~~شيطان" (3) . PageV01P359 ### | سورة آل عمران - # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك الكتاب بالحق ~~مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) } # قوله تعالى {الم الله} قال الكلبي والربيع بن أنس وغيرهما: نزلت هذه ~~الآيات في وفد نجران وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر يؤول ~~إليهم أمرهم: العاقب: أمير القوم وصاحب مشورتهم، الذي لا يصدرون إلا عن ~~رأيه، واسمه عبد المسيح، والسيد: ثمالهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم وأبو ms0369 ~~حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم. # دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى العصر، عليهم ثياب ~~الحبرات جبب وأردية في [جمال] (1) رجال بلحارث بن كعب، يقول من رآهم: ما ~~رأينا وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم فقاموا للصلاة في مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوهم" فصلوا إلى ~~المشرق، [فسلم] (2) السيد والعاقب فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"أسلما" قالا أسلمنا قبلك قال "كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما لله ~~ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير" قالا إن لم يكن عيسى ولدا لله فمن ~~يكن أبوه؟ وخاصموه جميعا في عيسى، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~"ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه"؟ قالوا بلى قال: "ألستم ~~تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه" قالوا: بلى، قال: "فهل يملك ~~عيسى من ذلك شيئا؟ " قالوا: لا قال: "ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه ~~شيء في الأرض ولا في السماء؟ " قالوا: بلى، قال: "فهل يعلم عيسى عن ذلك ~~شيئا إلا ما علم؟ " قالوا: لا قال: "فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء ~~[وربنا ليس بذي صورة وليس له مثل] (3) وربنا لا يأكل ولا يشرب" قالوا: بلى، ~~قال: "ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع ~~المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبي ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟ "، قالوا: ~~بلى قال: "فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ " فسكتوا، فأنزل الله تعالى صدر سورة ~~آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها (4) . PageV02P005 # فقال عز من قائل {الم الله} مفتوح الميم، موصول عند العامة، وإنما فتح ~~الميم لالتقاء الساكنين حرك إلى أخف الحركات وقرأ أبو يوسف ويعقوب بن خليفة ~~الأعشى عن أبي بكر {الم الله} مقطوعا سكن الميم على نية الوقف ثم قطع ~~الهمزة للابتداء وأجراه على لغة من يقطع ألف الوصل. # قوله تعالى {الله} ابتداء وما بعده خبر، والحي القيوم نعت له. # {نزل عليك ms0370 الكتاب} أي القرآن {بالحق} بالصدق {مصدقا لما بين يديه} لما ~~قبله من الكتب في التوحيد والنبوات والأخبار وبعض الشرائع {وأنزل التوراة ~~والإنجيل من قبل} وإنما قال: وأنزل التوراة والإنجيل لأن التوراة والإنجيل ~~أنزلا جملة واحدة، وقال في القرآن "نزل" لأنه نزل مفصلا والتنزيل للتكثير، ~~والتوراة قال البصريون: أصلها وورية على وزن فوعلة مثل: دوحلة وحوقلة، ~~فحولت الواو الأولى تاء وجعلت الياء المفتوحة ألفا فصارت توراة، ثم كتبت ~~بالياء على أصل الكلمة، وقال الكوفيون: أصلها تفعلة مثل توصية وتوفية فقلبت ~~الياء ألفا على لغة طيء فإنهم يقولون للجارية جاراة، وللتوصية توصاة، ~~وأصلها من قولهم: ورى الزند إذا خرجت ناره، وأوريته أنا، قال الله تعالى: " ~~أفرأيتم النار التي تورون " (الواقعة -71) فسمي التوراة لأنها نور وضياء، ~~قال الله تعالى: " وضياء وذكرى للمتقين " (الأنبياء -48) وقيل هي من ~~التوراة وهي كتمان [السر] (1) والتعريض بغيره، وكان أكثر التوراة معاريض من ~~غير تصريح. # والإنجيل: إفعيل من النجل وهو الخروج ومنه سمي الولد نجلا لخروجه، فسمي ~~الإنجيل به لأن الله تعالى أخرج به دارسا من الحق عافيا، ويقال: هو من ~~النجل وهو سعة العين، سمي به لأنه أنزل سعة لهم ونورا، وقيل: التوراة ~~بالعبرانية تور، وتور معناه الشريعة، والإنجيل بالسريانية أنقليون ومعناه ~~الإكليل. ### || # {من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب ~~شديد والله عزيز ذو انتقام (4) إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في ~~السماء (5) هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم (6) } # قوله تعالى: {هدى للناس} هاديا لمن تبعه ولم يثنه لأنه مصدر {وأنزل ~~الفرقان} المفرق بين الحق والباطل، وقال السدي: في الآية تقديم وتأخير ~~تقديرها وأنزل التوراة والإنجيل والفرقان هدى للناس. # قوله تعالى {إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو ~~انتقام} # {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} ذكرا أو أنثى، PageV02P006 # أبيض أو أسود، حسنا أو قبيحا، تاما أو ناقصا، {لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم} وهذا في الرد على ms0371 وفد نجران من النصارى، حيث قالوا: عيسى ولد الله، ~~فكأنه يقول: كيف يكون لله ولد وقد صوره الله تعالى في الرحم. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحيم بن أحمد ~~بن محمد الأنصاري، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، ~~أنا علي بن الجعد، أنا أبو خيثمة زهير بن معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن ~~وهب، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: حدثنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو الصادق المصدوق "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ~~ثم يكون علقة مثل ذلك، 53/أثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه الملك" ~~أو قال: "يبعث إليه الملك بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو ~~سعيد" قال: "وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه غير ~~ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل ~~بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل ~~بعمل أهل الجنة فيدخلها" (1) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، ~~أنا أبو أحمد بن عيسى الجلودي، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، ~~أنا مسلم بن الحجاج، أنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا سفيان بن عيينة، ~~عن عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو ~~خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أو سعيد؟ فيكتب ذلك فيقول: يا رب أذكر ~~أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ~~ينقص" (2) . PageV02P007 ### || # {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ms0372 كل من ~~عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب (7) } # قوله تعالى {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات} مبينات مفصلات، ~~سميت محكمات من الإحكام، كأنه أحكمها فمنع الخلق من التصرف فيها لظهورها ~~ووضوح معناها {هن أم الكتاب} أي أصله الذي يعمل عليه في الأحكام وإنما قال: ~~{هن أم الكتاب} ولم يقل أمهات الكتاب لأن الآيات كلها في تكاملها واجتماعها ~~كالآية الواحدة، وكلام الله واحد وقيل: معناه كل آية منهن أم الكتاب كما ~~قال: " وجعلنا ابن مريم وأمه آية " (50 -المؤمنون) أي كل واحد منهما آية ~~{وأخر} جمع أخرى ولم يصرفه لأنه معدول عن الآخر، مثل: عمر وزفر {متشابهات} ~~فإن قيل كيف فرق هاهنا بين المحكم والمتشابه وقد جعل كل القرآن محكما في ~~مواضع أخر؟ . فقال: " الر كتاب أحكمت آياته " (1-هود) وجعله كله متشابها ~~[في موضع آخر] (1) فقال: "الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها " (23 ~~-الزمر) . # قيل: حيث جعل الكل محكما، أراد أن الكل حق ليس فيه عبث ولا هزل، وحيث جعل ~~الكل متشابها أراد أن بعضه يشبه بعضا في الحق والصدق وفي الحسن وجعل هاهنا ~~بعضه محكما وبعضه متشابها. # واختلف العلماء فيهما فقال ابن عباس رضي الله عنهما: المحكمات هن الآيات ~~الثلاث في سورة الأنعام " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " (151) ونظيرها ~~في بني إسرائيل " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " (23 -الإسراء) الآيات ~~وعنه أنه قال: المتشابهات حروف التهجي في أوائل السور. # وقال مجاهد وعكرمة: المحكم ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك متشابه ~~يشبه بعضه بعضا في الحق ويصدق بعضه بعضا، كقوله تعالى: " وما يضل به إلا ~~الفاسقين " (26 -البقرة) " ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون " (100 -يونس) ~~. # وقال قتادة والضحاك والسدي: المحكم الناسخ الذي يعمل به، والمشتابه ~~المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل به. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: محكمات القرآن ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما ~~يؤمن به ويعمل به، والمتشابهات منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه ms0373 وما ~~يؤمن به ولا يعمل به، وقيل: المحكمات ما أوقف الله الخلق على معناه ~~والمتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه لا سبيل لأحد إلى علمه، نحو الخبر عن ~~أشراط الساعة من خروج الدجال، ونزول عيسى عليه السلام، وطلوع الشمس من ~~مغربها، وقيام الساعة وفناء الدنيا. # وقال محمد بن جعفر بن الزبير: المحكم ما لا يحتمل من التأويل غير وجه ~~واحد والمتشابه ما احتمل أوجها. PageV02P008 # وقيل: المحكم ما يعرف معناه وتكون حججها واضحة ودلائلها لائحة لا تشتبه، ~~والمتشابه هو الذي يدرك علمه بالنظر، ولا يعرف العوام تفصيل الحق فيه من ~~الباطل. وقال بعضهم: المحكم ما يستقل بنفسه في المعنى والمتشابه ما لا ~~يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره. # قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية [باذان] (1) المتشابه حروف التهجي ~~في أوائل السور، وذلك أن رهطا من اليهود منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ~~ونظراؤهما، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له حيي: بلغنا أنه أنزل ~~عليك {الم} فننشدك الله أنزلت عليك؟ قال: "نعم" قال: فإن كان ذلك حقا فإني ~~أعلم مدة ملك أمتك، هي إحدى وسبعون سنة فهل أنزل غيرها؟ قال: "نعم {المص} " ~~قال: فهذه أكثر هي إحدى وستون ومائة سنة، قال: فهل غيرها؟ قال: "نعم {الر} ~~". قال: هذه أكثر هي مائتان وإحدى وسبعون سنة ولقد خلطت علينا فلا ندري ~~أبكثيره نأخذ أم بقليله ونحن ممن لا يؤمن بهذا فأنزل الله تعالى: {هو الذي ~~أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} (2) . # {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي ميل عن الحق وقيل شك {فيتبعون ما تشابه ~~منه} واختلفوا في المعني بهذه الآية. قال الربيع: هم وفد نجران خاصموا ~~النبي صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام، وقالوا له: ألست تزعم أنه ~~كلمة الله وروح منه؟ قال: "بلى" قالوا: حسبنا، فأنزل الله هذه الآية. # وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم أجل هذه الأمة واستخراجها بحساب الجمل. ~~وقال ابن جريج: هم المنافقون وقال الحسن: هم الخوارج، ms0374 وكان قتادة إذا قرأ ~~هذه الآية: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} قال: إن لم يكونوا الحرورية ~~والسبأية فلا أدري من هم، وقيل: هم جميع المبتدعة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الله بن مسلمة، أنا يزيد بن ~~إبراهيم التستري، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله ~~عنهما قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {هو الذي أنزل ~~عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} -إلى قوله {أولو ~~الألباب} قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإذا رأيت الذين ~~يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " (3) . PageV02P009 # قوله تعالى: {ابتغاء الفتنة} طلب الشرك قاله الربيع والسدي، وقال مجاهد: ~~ابتغاء الشبهات واللبس ليضلوا بها جهالهم {وابتغاء تأويله} تفسيره وعلمه، ~~دليله قوله تعالى " سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا " (78 -الكهف) ~~وقيل: ابتغاؤه عاقبته، وهو طلب أجل هذه الأمة من حساب الجمل، دليله قوله ~~تعالى " ذلك خير وأحسن تأويلا " (35 -الإسراء) أي عاقبة. # قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} اختلف ~~العلماء في نظم هذه الآية فقال قوم: الواو في قوله والراسخون واو العطف ~~يعني: أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم وهم مع علمهم ~~{يقولون آمنا به} وهذا قول مجاهد والربيع، وعلى هذا يكون قوله "يقولون" ~~حالا معناه: والراسخون في العلم قائلين آمنا به، هذا كقوله تعالى: 53/ب " ~~ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى " (7 ~~-الحشر) ثم قال: " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم " (8 -الحشر) ~~إلى أن قال: " والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم " (9 -الحشر) ثم قال " ~~والذين جاءوا من بعدهم " (10 -الحشر) وهذا عطف على ما سبق، ثم قال: " ~~يقولون ربنا اغفر لنا " (10 -الحشر) يعني هم مع استحقاقهم الفيء يقولون ~~ربنا اغفر لنا، أي قائلين على الحال. ms0375 # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول في هذه الآية: أنا من ~~الراسخين في العلم، وروي عن مجاهد: أنا ممن يعلم تأويله. # وذهب الأكثرون إلى أن الواو في قوله "والراسخون" واو الاستئناف، وتم ~~الكلام عند قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} وهو قول أبي بن كعب وعائشة ~~وعروة بن الزبير رضي الله عنهم ورواية طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما، ~~وبه قال الحسن وأكثر التابعين واختاره الكسائي والفراء والأخفش، وقالوا: لا ~~يعلم تأويل المتشابه إلا الله ويجوز أن يكون للقرآن تأويل استأثر الله ~~بعلمه لم يطلع عليه أحدا من خلقه كما استأثر بعلم الساعة، ووقت طلوع الشمس ~~من مغربها، وخروج الدجال، ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام ونحوها، والخلق ~~متعبدون في المتشابه بالإيمان به وفي المحكم بالإيمان به والعمل، ومما يصدق ~~ذلك قراءة عبد الله إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا ~~به، وفي حرف أبي: ويقول الراسخون في العلم آمنا به. # وقال عمر بن عبد العزيز: في هذه الآية انتهى علم الراسخين في العلم ~~بتأويل القرآن إلى أن قالوا آمنا به كل من عند ربنا. وهذا قول أقيس في ~~العربية وأشبه بظاهر الآية. # قوله تعالى {والراسخون في العلم} أي الداخلون في العلم هم الذين أتقنوا ~~علمهم بحيث لا يدخل في معرفتهم شك، وأصله من رسوخ الشيء في الشيء وهو ثبوته ~~يقال: رسخ الإيمان في قلب فلان يرسخ رسخا ورسوخا وقيل: الراسخون في العلم ~~علماء مؤمني أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام # PageV02P010 # وأصحابه دليله قوله تعالى " لكن الراسخون في العلم منهم " (162 -النساء) ~~يعني (المدارسين) (1) علم التوراة وسئل مالك بن أنس رضي الله عنه عن ~~الراسخين في العلم قال: العالم العامل بما علم المتبع له وقيل: الراسخ في ~~العلم من وجد في علمه أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله، والتواضع بينه ~~وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والسدي: بقولهم آمنا به سماهم ms0376 الله ~~تعالى راسخين في العلم، فرسوخهم في العلم قولهم: آمنا به، أي بالمتشابه {كل ~~من عند ربنا} المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ وما علمنا وما لم نعلم ~~{وما يذكر} وما يتعظ بما في القرآن {إلا أولو الألباب} ذوو العقول. ### || # {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ~~(8) } # قوله تعالى {ربنا لا تزغ قلوبنا} أي ويقول الراسخون: ربنا لا تزغ قلوبنا ~~أي لا تملها عن الحق والهدى كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ {بعد إذ ~~هديتنا} وفقتنا لدينك والإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك {وهب لنا من ~~لدنك} أعطنا من عندك {رحمة} توفيقا وتثبيتا للذي نحن عليه من الإيمان ~~والهدى، وقال الضحاك: تجاوزا ومغفرة {إنك أنت الوهاب} # أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، أنا أبو القاسم حمزة بن ~~يوسف السهمي، أنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، أنا أبو بكر بن عبد الرحمن بن ~~القاسم القرشي يعرف بابن الرواس الكبير بدمشق، أنا أبو مسهر عبد الأعلى بن ~~مسهر الغساني، أنا صدقة، أنا عبد الرحمن بن زيد بن جابر، حدثني بشر بن عبيد ~~الله قال: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: حدثني النواس بن سمعان الكلابي ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من ~~أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه" وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ~~والميزان بيد الرحمن يرفع قوما ويضع آخرين إلى يوم القيامة" (2) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، حدثنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، ~~أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا عبد الرحيم بن منيب، أنا يزيد بن هارون، أنا ~~سعيد بن إياس الجريري عن غنيم بن قيس عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها ~~PageV02P011 # الرياح ظهرا لبطن" (1) . ### || # {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب ms0377 فيه إن الله لا يخلف الميعاد (9) } # {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك ~~هم وقود النار (10) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم ~~الله بذنوبهم والله شديد العقاب (11) قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى ~~جهنم وبئس المهاد (12) } # قوله تعالى: {ربنا إنك جامع الناس ليوم} أي لقضاء يوم، وقيل: اللام بمعنى ~~في، أي في يوم {لا ريب فيه} أي لا شك فيه، وهو يوم القيامة {إن الله لا ~~يخلف الميعاد} مفعال من الوعد. # قوله تعالى: {إن الذين كفروا لن تغني} لن تنفع ولن تدفع {عنهم أموالهم ~~ولا أولادهم من الله} قال الكلبي: من عذاب الله، وقال أبو عبيدة من بمعنى ~~عند، أي عند الله {شيئا وأولئك هم وقود النار} # {كدأب آل فرعون} قال ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة ومجاهد: كفعل آل ~~فرعون وصنيعهم في الكفر والتكذيب، وقال عطاء والكسائي وأبو عبيدة: كسنة آل ~~فرعون، وقال الأخفش: كأمر آل فرعون وشأنهم، وقال النضر بن شميل: كعادة آل ~~فرعون، يريد عادة هؤلاء الكفار في تكذيب الرسول وجحود الحق كعادة آل فرعون، ~~{والذين من قبلهم} كفار الأمم الماضية؛ مثل عاد وثمود وغيرهم {كذبوا ~~بآياتنا فأخذهم الله} فعاقبهم الله {بذنوبهم} وقيل نظم الآية: {إن الذين ~~كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم} عند حلول النقمة والعقوبة مثل آل ~~فرعون وكفار الأمم الخالية أخذناهم فلن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ~~{والله شديد العقاب} . # قوله تعالى: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم} قرأ حمزة ~~والكسائي بالياء فيهما، أي أنهم يغلبون ويحشرون، وقرأ الآخرون بالتاء ~~فيهما، على الخطاب، أي: قل لهم: إنكم ستغلبون وتحشرون. قال مقاتل: أراد ~~مشركي مكة معناه: قل لكفار مكة: ستغلبون يوم بدر وتحشرون إلى جهنم في ~~الآخرة، # PageV02P012 # فلما نزلت هذه الآية قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر "إن الله ~~غالبكم وحاشركم إلى جهنم" (1) . # وقال بعضهم المراد بهذه الآية: اليهود، وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: إن ms0378 يهود أهل المدينة قالوا لما هزم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المشركين يوم بدر: هذا -والله -النبي الذي بشرنا به موسى لا ~~ترد له راية، وأرادوا اتباعه، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا إلى ~~وقعة أخرى، فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوا ~~فغلب عليهم الشقاء، 54/أفلم يسلموا، وقد كان بينهم وبين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد وانطلق كعب بن الأشرف في ستين ~~راكبا إلى مكة ليستفزهم، فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. # وقال محمد بن إسحاق عن رجاله ورواه سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أيضا: أنه لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ببدر ~~ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: "يا معشر اليهود ~~احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر وأسلموا قبل أن ينزل بكم مثل ما ~~نزل بهم فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم" فقالوا: يا محمد لا ~~يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة وإنا والله ~~لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس، فأنزل الله تعالى {قل للذين كفروا ~~ستغلبون} (2) تهزمون {وتحشرون} في الآخرة {إلى جهنم} {وبئس المهاد} الفراش، ~~أي بئس ما مهد لهم يعني النار. ### || # {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ~~يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار (13) } # قوله تعالى: {قد كان لكم آية} ولم يقل قد كانت لكم، والآية مؤنثة لأنه ~~ردها إلى البيان أي قد كان لكم بيان، فذهب إلى المعنى. # وقال الفراء: إنما ذكر لأنه حالت الصفة بين الفعل والاسم المؤنث، فذكر ~~الفعل وكل ما جاء من هذا النحو فهذا وجهه، فمعنى الآية: قد كان لكم آية أي ~~عبرة ودلالة على ms0379 صدق ما أقول إنكم ستغلبون. {في فئتين} فرقتين وأصلها فيء ~~الحرب لأن بعضهم يفيء إلى بعض {التقتا} يوم بدر {فئة تقاتل في سبيل الله} ~~طاعة الله وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانوا ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر رجلا سبعة PageV02P013 # وسبعون رجلا من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار، وصاحب راية ~~المهاجرين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة، ~~وكان فيهم سبعون بعيرا وفرسان فرس للمقداد بن عمرو وفرس لمرثد بن أبي مرثد ~~وأكثرهم رجالة وكان معهم من السلاح ستة أدرع وثمانية سيوف. # قوله تعالى: {وأخرى كافرة} أي فرقة أخرى كافرة وهم مشركو مكة وكانوا ~~تسعمائة وخمسين رجلا من المقاتلة رأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وفيهم ~~مائة فرس وكانت حرب بدر أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{يرونهم مثليهم} قرأ أهل المدينة ويعقوب بالتاء يعني ترون يا معشر اليهود ~~أهل مكة مثلي المسلمين وذلك أن جماعة من اليهود كانوا حضروا قتال بدر ~~لينظروا على من تكون الدائرة فرأوا المشركين مثلي عدد المسلمين ورأوا ~~النصرة مع ذلك للمسلمين فكان ذلك معجزة وآية، وقرأ الآخرون بالياء، ~~واختلفوا في وجهه: فجعل بعضهم الرؤية للمسلمين ثم له تأويلان أحدهما يرى ~~المسلمون المشركين مثليهم كما هم، فإن قيل: كيف قال: مثليهم وهم كانوا ~~ثلاثة أمثالهم؟ قيل: هذا مثل قول الرجل وعنده درهم أنا أحتاج إلى مثلي هذا ~~الدرهم يعني إلى مثليه سواه فيكون ثلاثة دراهم والتأويل الثاني -وهو الأصح ~~-كان المسلمون يرون المشركين مثلي عدد أنفسهم، قللهم الله تعالى في أعينهم ~~حتى رأوهم ستمائة وستة وعشرين ثم قللهم الله في أعينهم في حالة أخرى حتى ~~رأوهم مثل عدد أنفسهم. قال ابن مسعود رضي الله عنه: نظرنا إلى المشركين ~~فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا ~~واحدا. ثم قللهم الله تعالى أيضا في أعينهم حتى رأوهم عددا يسيرا أقل من ~~أنفسهم [قال ابن مسعود رضي الله عنه] (1) حتى قلت لرجل إلى ms0380 جنبي: تراهم ~~سبعين؟ قال: أراهم مائة قال بعضهم: الرؤية راجعة إلى المشركين يعني يرى ~~المشركون المسلمين مثليهم قللهم الله قبل القتال في أعين المشركين ليجترئ ~~المشركون عليهم ولا ينصرفوا فلما أخذوا في القتال كثرهم الله في أعين ~~المشركين ليجبنوا وقللهم في أعين المؤمنين ليجترؤوا فذلك قوله تعالى " وإذ ~~يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم " (44 -الأنفال) . # قوله تعالى: {رأي العين} أي في رأي العين نصب بنزع حرف الصنعة {والله ~~يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك} الذي ذكرت {لعبرة لأولي الأبصار} لذوي ~~العقول، وقيل لمن أبصر الجمعين. ### || # {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده ~~حسن المآب (14) } # قوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات} جمع شهوة وهي ما تدعو النفس إليه {من ~~النساء} PageV02P014 # بدأ بهن لأنهن حبائل الشيطان {والبنين والقناطير} جمع قنطار واختلفوا فيه ~~فقال الربيع بن أنس: القنطار المال الكثير بعضه على بعض، وقال معاذ بن جبل ~~رضي الله عنه: القنطار ألف ومائتا أوقية وقال ابن عباس رضي الله عنهما ~~[والضحاك] (1) ألف ومائتا مثقال. وعنهما رواية أخرى اثنا عشر ألف درهم وألف ~~[دينار] (2) دية أحدكم، وعن الحسن القنطار دية أحدكم، وقال سعيد بن جبير ~~وعكرمة: هو مائة ألف ومائة من ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم، ولقد جاء ~~الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا، وقال سعيد بن المسيب وقتادة: ~~ثمانون ألفا، وقال مجاهد سبعون ألفا، وعن السدي قال: أربعة آلاف مثقال، ~~وقال الحكم: القنطار ما بين السماء والأرض من مال، وقال أبو نضرة: ملء مسك ~~ثور ذهبا أو فضة. # وسمي قنطارا من الإحكام، يقال: قنطرت الشيء إذا أحكمته، ومنه سميت ~~القنطرة. # قوله تعالى: {المقنطرة} قال الضحاك: المحصنة المحكمة، وقال قتادة: هي ~~الكثيرة المنضدة بعضها فوق بعض وقال يمان: [المدفونة] (3) وقال السدي ~~المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير، وقال [الفراء] (4) المضعفة، ~~فالقناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة {من الذهب والفضة} وقيل سمي الذهب ذهبا ms0381 ~~لأنه يذهب ولا يبقى، والفضة لأنها تنفض أي تتفرق {والخيل المسومة} الخيل ~~جمع لا واحد له من لفظه واحدها فرس، كالقوم والنساء ونحوهما، المسومة قال ~~مجاهد: هي المطهمة الحسان، وقال عكرمة: تسويمها حسنها، وقال سعيد بن جبير: ~~هي الراعية، يقال: أسام الخيل وسومها قال الحسن وأبو عبيدة: هي المعلمة من ~~السيماء والسيماء العلامة، ثم منهم من قال: سيماها الشبه واللون وهو قول ~~قتادة وقيل: الكي. # {والأنعام} جمع النعم، وهي الإبل والبقر والغنم جمع لا واحد له من لفظه ~~{والحرث} يعني الزرع {ذلك} الذي ذكرنا {متاع الحياة الدنيا} يشير إلى أنها ~~متاع يفنى {والله عنده حسن المآب} أي المرجع، فيه تزهيد في الدنيا وترغيب ~~في الآخرة. PageV02P015 ### || # {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (15) ~~} # {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16) ~~الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار (17) } # قوله تعالى {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله} قرأه العامة 54/ب ~~بكسر الراء، وروى أبو بكر عن عاصم بضم الراء، وهما لغتان كالعدوان ~~والعدوان. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، ~~حدثني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل ~~الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير كله في يديك، فيقول: ~~هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من ~~خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ ~~فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا" (1) . # قوله تعالى {والله بصير بالعباد} ms0382 # {الذين يقولون} إن شئت جعلت محل الذين خفضا ردا على قوله {للذين اتقوا} ~~وإن شئت جعلته رفعا على الابتداء، ويحتمل أن يكون نصبا تقديره أعني الذين ~~يقولون {ربنا إننا آمنا} صدقنا {فاغفر لنا ذنوبنا} استرها علينا وتجاوز عنا ~~{وقنا عذاب النار} # {الصابرين والصادقين} إن شئت نصبتها على المدح، وإن شئت خفضتها على ~~النعت، يعني الصابرين في أداء الأمر وعن ارتكاب النهي، وعلى البأساء ~~والضراء وحين البأس، والصادقين في إيمانهم، قال قتادة: هم قوم صدقت نياتهم ~~واستقامت قلوبهم وألسنتهم فصدقوا في السر والعلانية {والقانتين} المطيعين ~~المصلين {والمنفقين} أموالهم في طاعة الله {والمستغفرين بالأسحار} قال ~~مجاهد وقتادة والكلبي: يعني المصلين بالأسحار وعن زيد بن أسلم أنه قال: هم ~~الذين يصلون الصبح في الجماعة، وقيل بالسحر لقربه من PageV02P016 # الصبح وقال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر ثم استغفروا، وقال نافع كان ابن ~~عمر رضي الله عنه يحيي الليل ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فأقول لا فيعاود ~~الصلاة فإذا قلت: نعم قعد يستغفر الله ويدعو حتى يصبح. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد بن الحسن بن أحمد ~~المخلدي، حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، أنا قتيبة [بن سعيد] (1) ~~أنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ينزل الله إلى السماء ~~الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول: أنا الملك أنا الملك، من ذا الذي ~~يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر ~~له" (2) . # وحكي عن الحسن أن لقمان قال لابنه: يا بني لا تكن أعجز من هذا الديك يصوت ~~من الأسحار وأنت نائم على فراشك. ### || # {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم (18) } # قوله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو} قيل: نزلت هذه الآية في نصارى ~~نجران. وقال الكلبي: قدم حبران من أحبار الشام على ms0383 النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلما أبصرا المدينة قال: أحدهما لصاحبه ما أشبه هذه المدينة بصفة ~~مدينة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخرج في آخر الزمان؟ فلما دخلا عليه ~~عرفاه بالصفة، فقالا له: أنت محمد، قال: نعم، قالا له: وأنت أحمد؟ قال: ~~"أنا محمد وأحمد" قالا له: فإنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنا بك ~~وصدقناك، فقال اسألا فقالا أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأسلم الرجلان (3) . # قوله {شهد الله} أي بين الله لأن الشهادة تبين، وقال مجاهد: حكم الله ~~[وقيل: علم الله] (4) وقيل: أعلم الله أنه لا إله إلا هو. PageV02P017 # قال ابن عباس رضي الله عنهما: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف ~~سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، فشهد بنفسه لنفسه قبل أن ~~خلق الخلق حين كان ولم تكن سماء ولا أرض ولا بر ولا بحر (1) فقال: {شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو} # وقوله: {والملائكة} أي وشهدت الملائكة قيل: معنى شهادة الله الإخبار ~~والإعلام، ومعنى شهادة الملائكة والمؤمنين الإقرار. قوله تعالى {وأولو ~~العلم} يعني الأنبياء عليهم السلام. # وقال ابن كيسان يعني: المهاجرين والأنصار وقال مقاتل: علماء مؤمني أهل ~~الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه. قال السدي والكلبي: يعني جميع علماء ~~المؤمنين. {قائما بالقسط} أي بالعدل. ونظم هذه الآية شهد الله قائما ~~بالقسط، نصب على الحال، وقيل: نصب على القطع، ومعنى قوله {قائما بالقسط} أي ~~قائما بتدبير الخلق كما يقال: فلان قائم بأمر فلان، أي مدبر له ومتعهد ~~لأسبابه، وقائم بحق فلان أي مجاز له فالله جل جلاله مدبر رازق مجاز ~~بالأعمال. {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} ### || # {إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) } # {إن الدين عند الله الإسلام} يعني الدين المرضي الصحيح، كما قال تعالى: " ~~ورضيت لكم الإسلام دينا " (3 -المائدة) وقال " ومن يبتغ غير ms0384 الإسلام دينا ~~فلن يقبل منه " (85 -آل عمران) وفتح الكسائي الألف من أن الدين ردا على أن ~~الأولى تقديره شهد الله أنه لا إله إلا هو وشهد أن الدين عند الله الإسلام، ~~أو شهد الله أن الدين عند الله الإسلام بأنه لا إله إلا هو، وكسر الباقون ~~الألف على الابتداء والإسلام هو الدخول في السلم وهو الانقياد والطاعة، ~~يقال: أسلم أي دخل في السلم واستسلم، قال قتادة في قوله تعالى {إن الدين ~~عند الله الإسلام} قال: شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء من عند ~~الله تعالى وهو دين الله الذي شرع لنفسه وبعث به رسله ودل عليه أولياءه ~~[ولا يقبل غيره ولا يجزي إلا به] (2) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو عمرو الفراتي، ~~أنا أبو موسى عمران بن موسى، أنا الحسن بن سفيان، أنا عمار بن عمر بن ~~المختار، حدثني أبي عن غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبا ~~من الأعمش وكنت أختلف إليه فلما كانت ذات ليلة أردت أن أنحدر إلى ~~PageV02P018 # البصرة، فإذا الأعمش قائم من الليل يتهجد، فمر بهذه الآية {شهد الله أنه ~~لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم} ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه ~~الشهادة وهي لي عند الله وديعة {إن الدين عند الله الإسلام} قالها مرارا ~~قلت لقد سمع فيها شيئا، فصليت معه وودعته، ثم قلت: إني سمعتك تقرأ آية ~~ترددها فما بلغك فيها؟ [قال لي: أوما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ ~~سنتين لم تحدثني] (1) قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة، فكتبت على بابه ذلك ~~اليوم وأقمت سنة، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة قال: حدثني ~~أبو وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يجاء بصاحبها ~~يوم القيامة فيقول الله: إن لعبدي هذا عندي عهدا، وأنا أحق من وفى بالعهد، ms0385 ~~أدخلوا عبدي الجنة" (2) . # قوله تعالى: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب } قال الكلبي: نزلت في اليهود ~~والنصارى حين تركوا الإسلام أي وما اختلف الذين أوتوا الكتاب في نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما جاءهم العلم، يعني بيان نعته في كتبهم، ~~وقال الربيع: إن موسى عليه السلام لما حضره الموت دعا سبعين رجلا من أحبار ~~بني إسرائيل فاستودعهم 55/أالتوراة واستخلف يوشع بن نون، فلما مضى القرن ~~الأول والثاني والثالث وقعت الفرقة بينهم وهم الذين أوتوا الكتاب من أبناء ~~أولئك السبعين حتى أهرقوا بينهم الدماء، ووقع الشر والاختلاف، وذلك من بعد ~~ما جاءهم العلم يعني بيان ما في التوراة {بغيا بينهم} أي طلبا للملك ~~والرياسة، فسلط الله عليهم الجبابرة وقال محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت في ~~نصارى نجران ومعناها {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب} يعني الإنجيل في أمر ~~عيسى عليه السلام وفرقوا القول فيه إلا من بعد ما جاءهم العلم بأن الله ~~واحد وأن عيسى عبده ورسوله {بغيا بينهم} أي للمعاداة والمخالفة {ومن يكفر ~~بآيات الله فإن الله سريع الحساب} PageV02P019 ### || # {فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب ~~والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله ~~بصير بالعباد (20) } # قوله تعالى: {فإن حاجوك} أي خاصموك يا محمد في الدين، وذلك أن اليهود ~~والنصارى قالوا لسنا على ما سميتنا به يا محمد إنما اليهودية والنصرانية ~~نسب، والدين هو الإسلام ونحن عليه فقال الله تعالى {فقل أسلمت وجهي لله} أي ~~انقدت لله وحده بقلبي ولساني وجميع جوارحي، وإنما خص الوجه لأنه أكرم ~~الجوارح من الإنسان وفيه بهاؤه، فإذا خضع وجهه للشيء خضع له جميع جوارحه، ~~وقال الفراء: معناه أخلصت عملي لله {ومن اتبعن} أي ومن اتبعني أسلم كما ~~أسلمت، وأثبت نافع وأبو عمرو الياء في قوله تعالى {اتبعني} على الأصل ~~وحذفها الآخرون على الخط لأنها في المصحف بغير ياء. # وقوله: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين} يعني العرب {أأسلمتم} لفظه ~~استفهام ومعناه أمر، أي ms0386 أسلموا كما قال " فهل أنتم منتهون " (91 -المائدة) ~~أي انتهوا، {فإن أسلموا فقد اهتدوا} فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ~~الآية فقال أهل الكتاب: أسلمنا، فقال لليهود: أتشهدون أن عيسى كلمة الله ~~وعبده ورسوله قالوا: معاذ الله، وقال النصارى: أتشهدون أن عيسى عبد الله ~~ورسوله (1) ؟ قالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبدا فقال الله عز وجل {وإن ~~تولوا فإنما عليك البلاغ} أي تبليغ الرسالة وليس عليك الهداية {والله بصير ~~بالعباد} عالم بمن يؤمن وبمن لا يؤمن. ### || # {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) } # قوله تعالى: {إن الذين يكفرون بآيات الله} يجحدون بآيات الله يعني ~~القرآن، وهم اليهود والنصارى {ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس} قرأ حمزة: ويقاتلون الذين يأمرون، قال ابن جريج: ~~كان الوحي يأتي على [أنبياء] (2) بني إسرائيل ولم يكن يأتيهم كتاب، فيذكرون ~~قومهم فيقتلون، فيقوم رجال ممن اتبعهم وصدقهم فيذكرون قومهم فيقتلون أيضا ~~فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو عبد الله ~~الحسين بن محمد بن فنجويه الدينوري، أنا أبو نصر منصور بن جعفر النهاوندي، ~~أنا أحمد بن يحيى بن الجارود، أنا محمد بن عمرو بن حيان، أنا محمد بن ~~(حمير) (3) ، أنا أبو الحسن مولى بني أسد عن مكحول عن قبيصة بن ذؤيب ~~الخزاعي PageV02P020 # عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: "رجل قتل نبيا أو رجلا (1) أمر ~~بالمعروف ونهى عن المنكر" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {ويقتلون ~~النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} إلى أن انتهى إلى ~~قوله {وما لهم من ناصرين} ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ~~عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا في أول النهار في ساعة واحدة، ~~فقام مائة واثنا عشر رجلا ms0387 من عباد بني إسرائيل أمروا من قتلهم بالمعروف ~~ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم جميعا في آخر النهار في ذلك اليوم فهم الذين ~~ذكرهم الله في كتابه وأنزل الآية فيهم" (2) {فبشرهم} أخبرهم {بعذاب أليم} ~~وجيع، وإنما أدخل الفاء على خبر إن وتقديره الذين يكفرون ويقتلون فبشرهم، ~~لأنه لا يقال: إن زيدا فقائم. ### || # {أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (22) } # {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم ~~بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (23) } # {أولئك الذين حبطت} بطلت {أعمالهم في الدنيا والآخرةوما لهم من ناصرين} ~~وبطلان العمل في الدنيا أن لا يقبل وفي الآخرة ألا يجازى عليه. # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} يعني اليهود ~~{يدعون إلى كتاب الله} اختلفوا في هذا الكتاب، فقال قتادة: هم اليهود دعوا ~~إلى حكم القرآن فأعرضوا عنه. # وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: إن الله تعالى جعل ~~القرآن حكما فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم القرآن على ~~اليهود والنصارى أنهم على غير الهدى فأعرضوا عنه، وقال الآخرون: هو ~~التوراة. # وروى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بيت المدارس على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله عز ~~وجل. فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: ~~على ملة إبراهيم، قالا إن إبراهيم كان يهوديا، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # PageV02P021 # "فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم" فأبيا عليه، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية (1) # وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا وامرأة من ~~أهل خيبر زنيا وكان في كتابهم الرجم، فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم فرفعوا ~~أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجوا أن يكون عنده رخصة فحكم ~~عليهما بالرجم فقال له النعمان بن أوفى وبحري بن عمرو: جرت ms0388 عليهما يا محمد ~~ليس عليهما الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بيني وبينكم ~~التوراة" قالوا: قد أنصفتنا قال "فمن أعلمكم بالتوراة" قالوا رجل أعور يسكن ~~فدك يقال له ابن صوريا، فأرسلوا إليه فقدم المدينة، وكان جبريل قد وصفه ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنت ~~ابن صوريا؟ " قال: نعم، قال: "أنت أعلم اليهود"؟ قال: كذلك يزعمون قال: ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من التوراة، فيها الرجم مكتوب، ~~فقال له: "اقرأ" فلما أتى على آية الرجم وضع كفه عليها وقرأ ما بعدها على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله قد ~~جاوزها فقام فرفع كفه عنها ثم قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ~~اليهود بأن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما، وإن كانت ~~المرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما في بطنها، فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم باليهوديين فرجما، فغضب اليهود لذلك وانصرفوا فأنزل الله عز وجل {ألم ~~تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله} (2) {ليحكم بينهم ~~ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون} ### || # {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما ~~كانوا يفترون (24) فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون (25) } # {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم} ~~والغرور هو الإطماع فيما لا يحصل منه شيء {ما كانوا يفترون} والافتراء ~~اختلاق الكذب. # 55/ب قوله تعالى: {فكيف إذا جمعناهم} أي فكيف حالهم أو كيف يصنعون إذا ~~جمعناهم {ليوم لا ريب فيه} [وهو يوم القيامة] (3) {ووفيت} [وفرت] {كل نفس ~~ما كسبت} أي جزاء ما كسبت PageV02P022 # من خير أو شر {وهم لا يظلمون} أي لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على ~~سيئاتهم. ### || # {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من ms0389 ~~تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (26) } # قوله تعالى {قل اللهم مالك الملك} قال قتادة ذكر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته فأنزل الله تعالى هذه الآية. ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما وأنس بن مالك رضي الله عنه لما افتتح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم قال المنافقون ~~واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد صلى الله عليه وسلم ملك فارس والروم؟ ~~وهم أعز وأمنع من ذلك ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس ~~والروم؟ فأنزل الله هذه الآية {قل اللهم} (1) قيل: معناه يا الله فلما حذف ~~حرف النداء زيد الميم في آخره، وقال قوم: للميم فيه معنى، ومعناها يا ألله ~~أمنا بخير أي: اقصدنا، حذف منه حرف النداء كقولهم: هلم إلينا، كان أصله هل ~~أم إلينا، ثم كثرت في الكلام فحذفت الهمزة استخفافا وربما خففوا أيضا ~~فقالوا: لا هم، قوله {مالك الملك} [يعني يا مالك الملك] (2) أي مالك العباد ~~وما ملكوا، وقيل يا مالك السموات والأرض، وقال الله تعالى في بعض الكتب: ~~"أنا الله ملك الملوك، ومالك الملوك وقلوب الملوك ونواصيهم بيدي فإن العباد ~~أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة وإن عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسب ~~الملوك ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم " (3) . # قوله تعالى: {تؤتي الملك من تشاء} قال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني ملك ~~النبوة وقال الكلبي: تؤتي الملك من تشاء محمدا وأصحابه {وتنزع الملك ممن ~~تشاء} أبي جهل وصناديد قريش وقيل: تؤتي الملك من تشاء: العرب وتنزع الملك ~~ممن تشاء: فارس والروم، وقال السدي تؤتي الملك من تشاء، آتى الله الأنبياء ~~عليهم السلام وأمر العباد بطاعتهم {وتنزع الملك ممن تشاء} نزعه من الجبارين ~~وأمر العباد بخلافهم، وقيل تؤتي من تشاء: آدم وولده وتنزع الملك ممن تشاء ~~إبليس وجنوده. # وقوله تعالى: {وتعز من تشاء وتذل من تشاء} قال عطاء تعز من تشاء: ~~المهاجرين والأنصار وتذل من ms0390 تشاء: فارس والروم، وقيل تعز من تشاء محمدا صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه حتى دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها، وتذل من ~~تشاء: أبا جهل وأصحابه حتى حزت رؤوسهم وألقوا في القليب، وقيل تعز من ~~PageV02P023 # تشاء بالإيمان والهداية، وتذل من تشاء بالكفر والضلالة، وقيل تعز من تشاء ~~بالطاعة وتذل من تشاء بالمعصية، وقيل تعز من تشاء بالنصر وتذل من تشاء ~~بالقهر، وقيل تعز من تشاء بالغنى وتذل من تشاء بالفقر، وقيل تعز من تشاء ~~بالقناعة والرضى وتذل من تشاء بالحرص والطمع {بيدك الخير} أي بيدك الخير ~~والشر فاكتفى بذكر أحدهما قال تعالى: " سرابيل تقيكم الحر " (81 -النحل) أي ~~الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما {إنك على كل شيء قدير} ### || # {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج ~~الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب (27) } # قوله تعالى {تولج الليل في النهار} أي تدخل الليل في النهار حتى يكون ~~النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات {وتولج النهار في الليل} حتى يكون ~~الليل خمس عشرة ساعة والنهار تسع ساعات، فما نقص من أحدهما زاد في الآخر ~~{وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} قرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي ~~وحفص عن عاصم "الميت" بتشديد الياء هاهنا وفي الأنعام ويونس والروم وفي ~~الأعراف "لبلد ميت" وفي فاطر "إلى بلد ميت" زاد نافع " أو من كان ميتا ~~فأحييناه " (122 -الأنعام) و" لحم أخيه ميتا " (12 -الحجرات) و" الأرض ~~الميتة أحييناها " (33 -يس) فشددها، والآخرون يخففونها، وشدد يعقوب " يخرج ~~الحي من الميت " "لحم أخيه ميتا" قال ابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد ~~وقتادة: معنى الآية: يخرج الحيوان من النطفة وهي ميتة، ويخرج النطفة من ~~الحيوان. # وقال عكرمة والكلبي: يخرج الحي من الميت أي الفرخ من البيضة ويخرج البيضة ~~من الطير، وقال الحسن وعطاء. يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من ~~المؤمن، فالمؤمن حي الفؤاد، والكافر ميت الفؤاد قال الله تعالى: " أو من ~~كان ميتا فأحييناه " (122 -الأنعام) وقال الزجاج: ms0391 يخرج النبات الغض الطري ~~من الحب اليابس، ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي {وترزق من تشاء ~~بغير حساب} من غير تضييق [ولا تقتير] (1) . # أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنفي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن ~~الحيري، أنا أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي، أنا محمد بن ~~علي بن زيد الصائغ، أنا محمد بن أبي الأزهر، أنا الحارث بن عمير، أنا جعفر ~~بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: قال ~~PageV02P024 # رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن فاتحة الكتاب وآية الكرسي والآيتين من ~~آل عمران (شهد الله -إلى قوله -إن الدين عند الله الإسلام -و -قل اللهم ~~مالك الملك -إلى قوله -بغير حساب) معلقات، ما بينهن وبين الله عز وجل حجاب، ~~قلن: يا رب تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك؟ قال الله عز وجل: بي حلفت لا ~~يقرؤكن أحد من عبادي دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مثواه على ما كان منه ~~ولأسكننه في حظيرة القدس ولنظرت إليه بعيني المكنونة كل يوم سبعين مرة ~~ولقضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة ولأعذته من كل عدو وحاسد ~~ونصرته منهم" (1) رواه الحارث عن عمرو وهو ضعيف. ### || # {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من ~~الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ~~(28) } # قوله عز وجل: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} قال ~~ابن عباس رضي الله عنه: كان الحجاج بن عمرو بن أبي الحقيق وقيس بن زيد ~~{يظنون} (2) بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبد ~~الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود لا ~~يفتنونكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية. # وقال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره وكانوا يظهرون المودة لكفار ~~مكة. # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن ms0392 عباس رضي الله عنهما نزلت في المنافقين ~~عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ~~ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز ~~وجل هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل [فعلهم] (3) . # قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك} أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم ~~وإظهارهم على عورة المسلمين {فليس من الله في شيء} [أي ليس من دين الله في ~~شيء] (4) ثم استثنى فقال {إلا أن تتقوا منهم تقاة} يعني: إلا أن تخافوا ~~منهم مخافة، قرأ مجاهد ويعقوب "تقية" على وزن بقية لأنهم كتبوها بالياء ولم ~~يكتبوها بالألف، مثل حصاة ونواة، وهي مصدر يقال تقيته 56/أتقاة وتقى تقية ~~وتقوى فإذا قلت اتقيت كان المصدر الاتقاء، وإنما قال تتقوا من الاتقاء ثم ~~قال: تقاة ولم يقل اتقاء لأن معنى اللفظين إذا كان واحدا يجوز إخراج مصدر ~~أحدهما على لفظ الآخر كقوله تعالى: " وتبتل إليه تبتيلا " (8 -المزمل) ~~PageV02P025 # ومعنى الآية: أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ~~ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار ~~يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه من غير أن ~~يستحل دما حراما أو مالا حراما، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين، والتقية ~~لا تكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية، قال الله تعالى: " إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان " (106 -النحل) ثم هذا رخصة، فلو صبر حتى قتل فله أجر ~~عظيم وأنكر قوم التقية [اليوم] (1) قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في ~~[بدو] (2) الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، وأما اليوم فقد أعز ~~الله الإسلام فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم، وقال يحيى ~~البكاء: قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج: إن الحسن كان يقول لكم التقية ~~باللسان والقلب مطمئن بالإيمان؟ فقال سعيد: ليس في الإسلام تقية إنما ~~التقية في أهل الحرب {ويحذركم الله نفسه} أي يخوفكم الله عقوبته على موالاة ~~الكفار وارتكاب المنهي عنه ومخالفة ms0393 المأمور {وإلى الله المصير} ### || # {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما ~~في الأرض والله على كل شيء قدير (29) } # {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها ~~وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد (30) } # {قل إن تخفوا ما في صدوركم} أي قلوبكم من مودة الكفار {أو تبدوه} ~~موالاتهم قولا وفعلا {يعلمه الله} وقال الكلبي: إن تسروا ما في قلوبكم ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم من التكذيب أو تظهروه، بحربه وقتاله، يعلمه ~~الله ويحفظه عليكم حتى يجازيكم به ثم قال: {ويعلم} رفع على الاستئناف {ما ~~في السماوات وما في الأرض} يعني إذا كان لا يخفى عليه شيء في السموات ولا ~~في الأرض فكيف تخفى عليه موالاتكم الكفار وميلكم إليهم بالقلب؟ {والله على ~~كل شيء قدير} # قوله تعالى: {يوم تجد كل نفس} نصب يوما بنزع حرف الصفة أي في يوم، وقيل: ~~بإضمار فعل أي: اذكروا واتقوا يوم تجد كل نفس {ما عملت من خير محضرا} لم ~~يبخس منه شيء كما قال الله تعالى: " ووجدوا ما عملوا حاضرا " (49 -الكهف) ~~{وما عملت من سوء} جعله بعضهم خبرا في موضع النصب أي تجد محضرا ما عملت من ~~الخير [والشر فتسر بما عملت من الخير] (1) وجعله PageV02P026 # بعضهم خيرا مستأنفا، دليل هذا التأويل: قراءة ابن مسعود رضي الله عنهما ~~"وما عملت من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا". # قوله تعالى: {تود لو أن بينها} أي بين النفس {وبينه} يعني وبين السوء ~~{أمدا بعيدا} قال السدي: مكانا بعيدا، وقال مقاتل: كما بين المشرق والمغرب، ~~والأمد الأجل والغاية التي ينتهى إليها، وقال الحسن: يسر أحدهم أن لا يلقى ~~عمله أبدا، وقيل يود أنه لم يعمله {ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد} ### || # {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله ~~غفور رحيم (31) قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ~~(32) } # قوله ms0394 تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} نزلت في ~~اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه (1) . # وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: وقف النبي صلى الله عليه وسلم ~~على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام ~~وجعلوا في آذانها (الشنوف) (2) وهم يسجدون لها، فقال: يا معشر قريش والله ~~لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل" (3) فقالت له قريش إنما نعبدها حبا ~~لله ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى: قل يا محمد إن كنتم تحبون ~~الله وتعبدون الأصنام ليقربوكم إليه فاتبعوني يحببكم الله، فأنا رسوله ~~إليكم وحجته عليكم، أي اتبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله فحب المؤمنين لله ~~اتباعهم أمره وإيثار طاعته وابتغاء مرضاته، وحب الله للمؤمنين ثناؤه عليهم ~~وثوابه لهم وعفوه عنهم فذلك قوله تعالى: {ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور ~~رحيم} . # وقيل لما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أبي لأصحابه إن محمدا يجعل ~~طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى ابن مريم فنزل ~~قوله تعالى: {قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا} أعرضوا عن طاعتهما {فإن ~~الله لايحب الكافرين} لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن سنان، أنا فليح، أنا هلال بن علي ~~عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا ومن يأبى؟ قال "من ~~أطاعني دخل PageV02P027 # الجنة ومن عصاني فقد أبى" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن عبادة، أنا يزيد نا سليم بن حيان ~~[وأثنى عليه] ، (2) أنا سعيد بن ميناء قال: حدثنا أو سمعت جابر بن عبد الله ~~يقول: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم. فقال بعضهم: إنه ~~نائم ms0395 وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا ~~فاضربوا له مثلا فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث ~~داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم ~~يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له يفقهها، فقالوا: أما ~~الدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله ~~ومن عصى محمدا فقد عصى الله ومحمد صلى الله عليه وسلم فرق بين الناس" (3) ### || # {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (33) ذرية ~~بعضها من بعض والله سميع عليم (34) } # وقوله تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا} الآية قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: قالت اليهود نحن من أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ونحن على دينهم ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. يعني: إن الله اصطفى هؤلاء بالإسلام وأنتم على ~~غير دين الإسلام {اصطفى} اختار، افتعل من الصفوة وهي الخالص من كل شيء ~~{آدم} أبو البشر {ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران} قيل: أراد بآل إبراهيم وآل ~~عمران إبراهيم عليه السلام وعمران أنفسهما كقوله تعالى " وبقية مما ترك آل ~~موسى وآل هرون " (248 -البقرة) يعني موسى وهارون. # وقال آخرون: آل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وكان محمد صلى ~~الله عليه وسلم من آل إبراهيم عليه السلام، وأما آل عمران فقال مقاتل: هو ~~عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوي بن يعقوب عليه السلام {والد} (4) موسى ~~وهارون. وقال الحسن ووهب: هو عمران بن أشهم بن أمون من ولد سليمان بن ~~PageV02P028 # داود عليهما السلام [والد] مريم وعيسى. وقيل: عمران بن ماثان وإنما خص ~~هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء والرسل كلهم من نسلهم {على العالمين ذرية} ~~اشتقاقها من ذرأ بمعنى خلق، وقيل: من الذر لأنه استخراجهم من صلب آدم 56/ب ~~كالذر، ويسمى الأولاد والآباء ذرية، فالأبناء ذرية لأنه ذرأهم، والآباء ~~ذرية لأنه ذرأ الأبناء منهم، قال الله تعالى: " وآية لهم أنا حملنا ذريتهم ~~" (41 -يس) أي آباءهم # {ذرية} نصب على ms0396 معنى واصطفى ذرية {بعضها من بعض} أي بعضها من ولد بعض، ~~[وقيل بعضها من بعض في التناصر] (1) وقيل: بعضها على دين بعض {والله سميع ~~عليم} ### || # {إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت ~~السميع العليم (35) } # قوله تعالى: {إذ قالت امرأة عمران} وهي حنة بنت قافوذا أم مريم، وعمران ~~هو عمران بن ماثان وليس بعمران أبي موسى عليه السلام، وبينهما ألف وثمانون ~~سنة، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم وقيل: عمران بن ~~أشهم. # قوله تعالى: {رب إني نذرت لك ما في بطني محررا} أي جعلت الذي في بطني ~~محررا نذرا مني لك {فتقبل مني إنك أنت السميع العليم} والنذر: ما يوجبه ~~الإنسان على نفسه {محررا} أي عتيقا خالصا لله مفرغا لعبادة الله ولخدمة ~~الكنيسة لا أشغله بشيء من الدنيا، وكل ما أخلص فهو محرر يقال: حررت العبد ~~إذا أعتقته وخلصته من الرق. # قال الكلبي ومحمد بن إسحاق وغيرهما: كان المحرر إذا حرر جعل في الكنيسة ~~يقوم عليها ويكنسها ويخدمها ولا يبرحها حتى يبلغ الحلم، ثم يخير إن أحب ~~أقام وإن أحب ذهب حيث شاء وإن أراد أن يخرج بعد التخيير لم يكن له ذلك، ولم ~~يكن أحد من الأنبياء والعلماء إلا ومن نسله محررا لبيت المقدس، ولم يكن ~~محررا إلا الغلمان، ولا تصلح له الجارية لما يصيبها من الحيض والأذى، فحررت ~~أم مريم ما في بطنها، وكانت القصة في ذلك أن زكريا وعمران تزوجا أختين، ~~وكانت أشياع بنت قافوذا أم يحيى عند زكريا، وكانت حنة بنت قافوذا أم مريم ~~عند عمران، وكان قد أمسك عن حنة الولد حتى أسنت وكانوا أهل بيت من الله ~~بمكان، فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخا فتحركت بذلك نفسها للولد ~~فدعت الله أن يهب لها ولدا وقالت: اللهم لك علي إن رزقتني ولدا أن أتصدق به ~~على بيت المقدس PageV02P029 # فيكون من سدنته وخدمته، فحملت بمريم فحررت ما في بطنها، ولم تعلم ما هو ms0397 ~~فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت، أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى لا تصلح لذلك؟ ~~فوقعا جميعا في هم من ذلك فهلك عمران وحنة حامل بمريم ### || # {فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر ~~كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36) } # {فلما وضعتها} أي ولدتها إذا هي جارية، والهاء في قوله "وضعتها" راجعة ~~إلى النذير لا إلى ما ولد لذلك أنث {قالت} حنة وكانت ترجو أن يكون غلاما ~~{رب إني وضعتها أنثى} اعتذارا إلى الله عز وجل {والله أعلم بما وضعت} بجزم ~~التاء إخبارا عن الله عز وجل وهي قراءة العامة وقرأ ابن عامر وأبو بكر ~~ويعقوب وضعت برفع التاء جعلوها من كلام أم مريم {وليس الذكر كالأنثى} في ~~خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها لعورتها وضعفها وما يعتريها من الحيض ~~والنفاس {وإني سميتها مريم} ومريم بلغتهم العابدة والخادمة، وكانت مريم ~~أجمل النساء في وقتها وأفضلهن {وإني أعيذها} أمنعها وأجيرها {بك وذريتها} ~~أولادها {من الشيطان الرجيم} فالشيطان الطريد اللعين، والرجيم المرمي ~~بالشهب. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب عن الزهري، حدثني ~~سعيد بن المسيب، قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل ~~الصبي صارخا من الشيطان غير مريم وابنها" ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ~~"وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن أبي الزناد عن ~~الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب ~~يطعن فطعن في الحجاب" (2) . PageV02P030 ### || # {فتقبلها ربها ms0398 بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ~~إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37) } # قوله {فتقبلها ربها بقبول حسن} أي تقبل الله مريم من حنة مكان المحرر، ~~وتقبل بمعنى قبل ورضي، والقبول مصدر قبل يقبل قبولا مثل الولوع والوزوع ولم ~~يأت غير هذه الثلاثة. وقيل: معنى التقبل التكفل في التربية والقيام بشأنها ~~{وأنبتها نباتا حسنا} معناه: وأنبتها فنبتت نباتا حسنا وقيل هذا مصدر على ~~غير [اللفظ] (1) وكذلك قوله {فتقبلها ربها بقبول حسن} [ومثله شائع كقولك ~~تكلمت كلاما وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما {فتقبلها ~~ربها بقبول حسن} ] (2) أي سلك بها طريق السعداء {وأنبتها نباتا حسنا} يعني ~~سوى خلقها من غير زيادة ولا نقصان فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في ~~العام {وكفلها زكريا} قال أهل الأخبار: أخذت حنة مريم حين ولدتها فلفتها في ~~خرقة وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار، أبناء هرون وهم يومئذ يلون ~~من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، ~~فتنافس فيها الأحبار لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم فقال لهم زكريا: ~~أنا أحقكم بها، عندي خالتها، فقالت له الأحبار: لا نفعل ذلك، فإنها لو تركت ~~لأحق الناس لها لتركت لأمها التي ولدتها لكنا نقترع عليها فتكون عند من خرج ~~سهمه، فانطلقوا وكانوا [تسعة وعشرين] (3) رجلا إلى نهر جار، قال السدي: هو ~~نهر الأردن فألقوا أقلامهم في الماء على أن من ثبت قلمه في الماء فصعد فهو ~~أولى بها. # وقيل: كان على كل قلم اسم واحد منهم. # وقيل: كانوا يكتبون التوراة فألقوا أقلامهم التي كانت بأيديهم في الماء ~~[فارتز] (4) قلم زكريا فارتفع فوق الماء وانحدرت أقلامهم ورسبت في النهر، ~~قاله محمد بن إسحاق وجماعة. # وقيل: جرى قلم زكريا مصعدا إلى أعلى الماء وجرت أقلامهم بجري الماء. # وقال السدي وجماعة: بل ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء كأنه في ms0399 طين، وجرت ~~أقلامهم مع جرية الماء PageV02P031 # فذهب بها الماء فسهمهم وقرعهم زكريا، وكان زكريا رأس الأحبار ونبيهم فذلك ~~قوله تعالى {وكفلها زكريا} قرأ حمزة والكسائي وعاصم بتشديد الفاء فيكون ~~زكريا في محل النصب أي ضمنها الله زكريا وضمها إليه بالقرعة، وقرأ الآخرون ~~بالتخفيف فيكون زكريا في محل الرفع أي ضمها زكريا إلى نفسه وقام بأمرها، ~~وهو زكريا بن آذن بن مسلم بن صدوق، من أولاد سليمان بن داود عليهما السلام. # وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: زكريا مقصورا والآخرون يمدونه. # فلما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها، بيتا واسترضع لها وقال محمد بن ~~إسحاق ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى 57/أإذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها ~~محرابا في المسجد، وجعل بابه في وسطها لا يرقى إليها إلا بالسلم مثل باب ~~الكعبة لا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كل يوم ~~{كلما دخل عليها زكريا المحراب} وأراد بالمحراب الغرفة، والمحراب أشرف ~~المجالس ومقدمها، وكذلك هو من المسجد، ويقال للمسجد أيضا محراب قال المبرد: ~~لا يكون المحراب إلا أن يرتقى إليه بدرجة، وقال الربيع بن أنس: كان زكريا ~~إذا خرج يغلق عليها سبعة أبواب فإذا دخل عليها غرفتها {وجد عندها رزقا} أي ~~فاكهة في غير حينها، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف {قال يا ~~مريم أنى لك هذا} قال أبو عبيدة: معناه من أين لك هذا؟ وأنكر بعضهم عليه، ~~وقال: معناه من أي جهة لك هذا؟ لأن "أنى" للسؤال عن الجهة وأين للسؤال عن ~~المكان {قالت هو من عند الله} أي من قطف الجنة، قال الحسن: حين ولدت مريم ~~لم تلقم ثديا قط، كان يأتيها رزقها من الجنة، فيقول لها زكريا: أنى لك هذا؟ ~~قالت: هو من عند الله تكلمت وهي صغيرة {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} # وقال محمد بن إسحاق: ثم أصابت بني إسرائيل أزمة وهي على ذلك من حالها حتى ~~ضعف زكريا عن حملها فخرج على بني إسرائيل فقال يا بني إسرائيل: ms0400 تعلمون ~~والله لقد كبرت سني وضعفت عن حمل مريم بنت عمران فأيكم يكفلها بعدي؟ قالوا: ~~والله لقد جهدنا وأصابنا من السنة ما ترى، فتدافعوها بينهم ثم لم يجدوا من ~~حملها بدا، فتقارعوا عليها بالأقلام فخرج السهم على رجل نجار من بني ~~إسرائيل يقال له: يوسف بن يعقوب وكان ابن عم مريم فحملها، فعرفت مريم في ~~وجهه شدة مؤنة ذلك عليه فقالت له: يا يوسف أحسن بالله الظن فإن الله ~~سيرزقنا، فجعل يوسف يرزق بمكانها منه، فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها ~~فإذا أدخله عليها في الكنيسة أنماه الله، فيدخل عليها زكريا فيرى عندها ~~فضلا من الرزق، ليس بقدر ما يأتيها به يوسف، فيقول: يا مريم أنى لك هذا ~~قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (1) . # قال أهل الأخبار فلما رأى ذلك زكريا قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم ~~بالفاكهة في غير حينها PageV02P032 # من غير سبب لقادر على أن يصلح زوجتي ويهب لي ولدا في غير حينه من الكبر ~~فطمع في الولد، وذلك أن أهل بيته كانوا قد انقرضوا وكان زكريا قد شاخ وأيس ~~من الولد. ### || # {هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ~~(38) فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا ~~بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) } # قال الله تعالى {هنالك} أي عند ذلك {دعا زكريا ربه} فدخل المحراب [وأغلق ~~الباب] (1) وناجى ربه {قال رب} أي يا رب {هب لي} أعطني {من لدنك} أي من ~~عندك {ذرية طيبة} أي ولدا مباركا تقيا صالحا رضيا، والذرية تكون واحدا ~~وجمعا ذكرا وأنثى، وهو هاهنا واحد، بدليل قوله عز وجل " فهب لي من لدنك ~~وليا " (5 -مريم) وإنما قال: طيبة لتأنيث لفظ الذرية {إنك سميع الدعاء} أي ~~سامعه، وقيل مجيبه، كقوله تعالى: " إني آمنت بربكم فاسمعون " (25 -يس) أي ~~فأجيبوني # {فنادته الملائكة} قرأ حمزة والكسائي فناداه بالياء، والآخرون بالتاء، ~~فمن قرأ بالتاء ms0401 فلتأنيث لفظ الملائكة وللجمع مع أن الذكور إذا تقدم فعلهم ~~وهم جماعة كان التأنيث فيها أحسن كقوله تعالى: " قالت الأعراب " (14 ~~-الحجرات) وعن إبراهيم قال: كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما يذكر ~~الملائكة في القرآن. قال أبو عبيدة: إنما نرى عبد الله اختار ذلك خلافا ~~للمشركين في قولهم الملائكة بنات الله تعالى، وروى الشعبي أن ابن مسعود رضي ~~الله عنه قال: إذا اختلفتم في التاء والياء فاجعلوها ياء وذكروا القرآن. # وأراد بالملائكة هاهنا: جبريل عليه السلام وحده كقوله تعالى في سورة ~~النحل " ينزل الملائكة" يعني جبريل (بالروح) بالوحي، ويجوز في العربية أن ~~يخبر عن الواحد بلفظ الجمع كقولهم: سمعت هذا الخبر من الناس، وإنما سمع من ~~واحد، نظيره قوله تعالى: " الذين قال لهم الناس " (173 -آل عمران) يعني ~~نعيم بن مسعود "إن الناس" يعني أبا سفيان بن حرب، وقال المفضل بن سلمة: إذا ~~كان القائل رئيسا يجوز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه، وكان جبريل ~~عليه السلام رئيس الملائكة وقل ما يبعث إلا ومعه جمع، فجرى على ذلك. # قوله تعالى: {وهو قائم يصلي في المحراب} أي في المسجد وذلك أن زكريا كان ~~الحبر الكبير الذي يقرب القربان، فيفتح باب المذبح فلا يدخلون حتى يأذن لهم ~~في الدخول، فبينما هو قائم يصلي في المحراب، يعني في المسجد عند المذبح ~~يصلي، والناس ينتظرون أن يأذن لهم في الدخول فإذا هو برجل PageV02P033 # شاب عليه ثياب بيض ففزع منه فناداه، وهو جبريل عليه السلام يا زكريا {إن ~~الله يبشرك} قرأ ابن عامر وحمزة {إن الله} بكسر الألف على إضمار القول ~~تقديره: فنادته الملائكة فقالت {إن الله يبشرك} وقرأ الآخرون بالفتح بإيقاع ~~النداء عليه، كأنه قال: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك، قرأ حمزة يبشرك ~~وبابه بالتخفيف كل القرآن إلا قوله: " فبم تبشرون " (54 -الحجر) فإنهم ~~اتفقوا على تشديدها ووافقه الكسائي هاهنا في الموضعين وفي سبحان والكهف ~~وعسق ووافق ابن كثير وأبو عمرو في "عسق" والباقون بالتشديد، فمن قرأ ~~بالتشديد فهو من بشر يبشر ms0402 تبشيرا، وهو أعرب اللغات وأفصحها. دليل التشديد ~~قوله تعالى " فبشر عباد " (الزمر -17) " وبشرناه بإسحاق " (112 -الصافات) ~~"قالوا بشرناك بالحق" (55 -الحجر) وغيرها من الآيات، ومن خفف فهو من بشر ~~يبشر وهي لغة تهامة، وقرأه ابن مسعود رضي الله عنه {بيحيى} هو اسم لا يجر ~~لمعرفته وللزائد في أوله مثل يزيد ويعمر، وجمعه يحيون، مثل موسون وعيسون ~~واختلفوا في أنه لم سمي يحيى؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: لأن الله أحيا ~~به عقر أمه، قال قتادة: لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان وقيل: لأن الله ~~تعالى أحياه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية {مصدقا} نصب على الحال ~~{بكلمة من الله} يعني عيسى عليه السلام، سمي عيسى كلمة الله لأن الله تعالى ~~قال له: كن من غير أب فكان، فوقع عليه اسم الكلمة لأنه بها كان، وقيل: سمي ~~كلمة لأنه يهتدى به كما يهتدى بكلام الله تعالى، وقيل: هي بشارة الله تعالى ~~مريم بعيسى عليه السلام بكلامه على لسان جبريل عليه السلام. وقيل: لأن الله ~~تعالى أخبر الأنبياء بكلامه في كتبه أنه يخلق نبيا بلا أب، فسماه كلمة ~~لحصوله بذلك الوعد. وكان يحيى عليه السلام أول من آمن بعيسى عليه السلام ~~وصدقه، وكان يحيى عليه السلام أكبر من عيسى بستة أشهر، وكانا ابني الخالة، ~~ثم قتل يحيى قبل أن يرفع عيسى عليه السلام. وقال أبو عبيدة {بكلمة من الله} ~~أي بكتاب من الله وآياته، تقول العرب: أنشدني كلمة فلان أي قصيدته. # قوله تعالى: {وسيدا} فعيل من ساد يسود وهو الرئيس الذي يتبع وينتهى إلى ~~قوله، قال المفضل: أراد سيدا في الدين. قال الضحاك: السيد 57/ب الحسن ~~الخلق. قال سعيد بن جبير: السيد الذي يطيع ربه عز وجل. وقال سعيد بن ~~المسيب: السيد الفقيه العالم، وقال قتادة: سيد في العلم والعبادة والورع، ~~وقيل: الحليم الذي لا يغضبه شيء. قال مجاهد: الكريم على الله تعالى، وقال ~~الضحاك: السيد التقي، قال سفيان الثوري: الذي لا يحسد وقيل: الذي يفوق قومه ~~في جميع خصال ms0403 الخير، وقيل: هو القانع بما قسم الله له. وقيل: السخي، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "من سيدكم يا بني سلمة"؟ قالوا: جد بن قيس ~~على أنا نبخله قال: "وأي داء أدوأ من البخل، لكن سيدكم عمرو بن الجموح" (1) ~~. PageV02P034 # قوله تعالى: {وحصورا ونبيا من الصالحين} الحصور أصله من الحصر وهو الحبس. ~~والحصور في قول ابن مسعود رضي الله عنه وابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة رضي ~~الله عنهم وعطاء والحسن: الذي لا يأتي النساء ولا يقربهن، وهو على هذا ~~القول فعول بمعنى فاعل يعني أنه يحصر نفسه عن الشهوات [وقيل: هو الفقير ~~الذي لا مال] (1) له فيكون الحصور بمعنى المحصور يعني الممنوع من النساء. ~~قال سعيد بن المسيب: كان له مثل هدبة الثوب وقد تزوج مع ذلك ليكون أغض ~~لبصره. وفيه قول آخر: إن الحصور هو الممتنع من الوطء مع القدرة عليه. ~~واختار قوم هذا القول لوجهين {أحدهما} : لأن الكلام خرج مخرج الثناء، وهذا ~~أقرب إلى استحقاق الثناء، و {الثاني} : أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء. ### || # {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله ~~يفعل ما يشاء (40) } # قوله تعالى {قال رب} أي يا سيدي، قال لجبريل عليه السلام، هذا قول الكلبي ~~وجماعة، وقيل: قاله لله عز وجل {أنى يكون} أين يكون {لي غلام} أي ابن {وقد ~~بلغني الكبر} هذا من المقلوب أي وقد بلغت الكبر وشخت كما يقال بلغني الجهد ~~أي أنا في الجهد، وقيل: معناه وقد الكبر وأدركني وأضعفني. قال الكلبي: كان ~~زكريا يوم بشر بالولد ابن ثنتين وتسعين سنة، وقيل: ابن تسع وتسعين سنة. ~~وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان ابن عشرين ومائة سنة، وكانت ~~امرأته بنت ثمان وتسعين سنة فذلك قوله تعالى: {وامرأتي عاقر} أي عقيم لا ~~تلد يقال: رجل عاقر وامرأة عاقر، وقد عقر بضم القاف يعقر عقرا، وعقارة {قال ~~كذلك الله يفعل ما يشاء} فإن قيل لم قال زكريا بعدما وعده الله تعالى: {أنى ~~يكون ms0404 لي غلام} أكان شاكا في وعد الله وفي قدرته؟ قيل: إن زكريا لما سمع ~~نداء الملائكة جاءه الشيطان فقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس هو من ~~الله إنما هو من الشيطان، ولو كان من الله لأوحاه إليك كما يوحي إليك في ~~سائر الأمور، فقال ذلك دفعا للوسوسة، قاله عكرمة والسدي، وجواب آخر: وهو ~~أنه لم يشك في وعد الله إنما شك في كيفيته أي كيف ذلك؟ PageV02P035 ### || # {قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ~~ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار (41) وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله ~~اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين (42) } # قوله تعالى {قال رب اجعل لي آية} أي علامة أعلم بها وقت حمل امرأتي فأزيد ~~في العبادة شكرا لك {قال آيتك ألا تكلم الناس} تكف عن الكلام {ثلاثة أيام} ~~وتقبل بكليتك على عبادتي، لا أنه حبس لسانه عن الكلام، ولكنه نهي عن الكلام ~~وهو صحيح سوي، كما قال في سورة مريم الآية (10) {ألا تكلم الناس ثلاث ليال ~~سويا} يدل عليه قوله تعالى: {وسبح بالعشي والإبكار} فأمره بالذكر ونهاه عن ~~كلام الناس. # وقال أكثر المفسرين: عقل لسانه عن الكلام مع الناس ثلاثة أيام، وقال ~~قتادة: أمسك لسانه عن الكلام عقوبة له لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة ~~إياه فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام، وقوله {إلا رمزا} أي إشارة، والإشارة ~~قد تكون باللسان وبالعين وباليد، وكانت إشارته بالإصبع المسبحة، وقال ~~الفراء: قد يكون الرمز باللسان من غير أن يبين، وهو الصوت الخفي أشبه ~~الهمس، وقال عطاء: أراد به صوم ثلاثة أيام لأنهم كانوا إذا صاموا لم ~~يتكلموا إلا رمزا {واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار} قيل: المراد ~~بالتسبيح الصلاة، والعشي ما بين زوال الشمس إلى غروب الشمس ومنه سمي صلاة ~~الظهر والعصر صلاتي العشي، والإبكار ما بين صلاة الفجر إلى الضحى. # قوله تعالى: {وإذ قالت الملائكة} يعني جبريل {يا مريم إن الله اصطفاك} ~~اختارك {وطهرك} قيل من مسيس الرجال وقيل من ms0405 الحيض والنفاس، قال السدي: كانت ~~مريم لا تحيض، وقيل: من الذنوب {واصطفاك على نساء العالمين} قيل: على عالمي ~~زمانها وقيل: على جميع نساء العالمين في أنها ولدت بلا أب، ولم يكن ذلك ~~لأحد من النساء، وقيل: بالتحرير في المسجد ولم تحرر أنثى. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن رجاء، أخبرنا النضر ~~عن هشام أخبرنا أبي قال: سمعت عبد الله بن جعفر قال: سمعت عليا رضي الله ~~عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " خير نسائها مريم بنت ~~عمران وخير نسائها خديجة رضي الله عنهما " (1) ورواه وكيع وأبو معاوية عن ~~هشام بن عروة وأشار وكيع PageV02P036 # إلى السماء والأرض. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا آدم، أنا شعبة، عن عمرو بن ~~مرة عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كمل من ~~الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وفضل ~~عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (1) . # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الرحمن بن عبد ~~الصمد البزار، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق الديري، أخبرنا ~~عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت ~~خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وآسية امرأة فرعون" (2) . ### || # {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) } # قوله تعالى {يا مريم اقنتي لربك} قالت لها الملائكة شفاها أي أطيعي ربك، ~~وقال مجاهد أطيلي القيام في الصلاة لربك [والقنوت الطاعة] (3) وقيل: القنوت ~~طول القيام قال الأوزاعي: لما قالت لها الملائكة ذلك قامت في الصلاة حتى ~~ورمت قدماها وسالت دما وقيحا {واسجدي واركعي} قيل: إنما قدم السجود على ~~الركوع لأنه كان ms0406 كذلك في شريعتهم وقيل: بل كان الركوع قبل السجود في ~~الشرائع كلها وليس الواو للترتيب بل للجمع، ويجوز أن يقول الرجل: رأيت زيدا ~~وعمرا، وإن كان قد رأى عمرا قبل زيد {مع الراكعين} ولم يقل 58/أمع الراكعات ~~ليكون أعم وأشمل فإنه يدخل فيه الرجال والنساء وقيل: معناه مع المصلين في ~~الجماعة. PageV02P037 ### || # {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم ~~يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (44) إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله ~~يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن ~~المقربين (45) } # {ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) } # قوله تعالى: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك} يقول لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم {ذلك} الذي ذكرت من حديث زكريا ويحيى ومريم وعيسى {من أنباء الغيب} أي ~~من أخبار الغيب {نوحيه إليك} رد الكناية إلى ذلك فلذلك ذكره {وما كنت} يا ~~محمد {لديهم إذ يلقون أقلامهم} سهامهم في الماء للاقتراع {أيهم يكفل مريم} ~~يحضنها ويربيها {وما كنت لديهم إذ يختصمون} في كفالتها. # قوله تعالى: {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه ~~المسيح عيسى ابن مريم} إنما قال: اسمه رد الكناية إلى عيسى واختلفوا في أنه ~~لم سمي مسيحا، منهم من قال: هو فعيل بمعنى المفعول يعني أنه مسح من الأقذار ~~وطهر من الذنوب، وقيل: لأنه مسح بالبركة، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا ~~بالدهن، وقيل مسحه جبريل بجناحه حتى لم يكن للشيطان عليه سبيل، وقيل: لأنه ~~كان مسيح القدم لا أخمص له، وسمي الدجال مسيحا لأنه كان ممسوح إحدى ~~العينين، وقال بعضهم هو فعيل بمعنى الفاعل، مثل عليم وعالم. قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما سمي مسيحا لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برأ، وقيل: سمي بذلك ~~لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان، وعلى هذا القول تكون الميم فيه ~~زائدة. وقال إبراهيم النخعي: المسيح الصديق. ويكون المسيح بمعنى الكذاب وبه ~~سمي الدجال والحرف ms0407 من الأضداد {وجيها} أي شريفا رفيعا ذا جاه وقدر {في ~~الدنيا والآخرة ومن المقربين} عند الله # {ويكلم الناس في المهد} صغيرا قبل أوان الكلام كما ذكره في سورة مريم ~~قال: " إني عبد الله آتاني الكتاب " (الآية -30) وحكي عن مجاهد قال: قالت ~~مريم: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني وحدثته فإذا شغلني عنه إنسان سبح في ~~بطني وأنا أسمع (1) قوله {وكهلا} قال مقاتل: يعني إذا اجتمع قبل أن يرفع ~~إلى السماء وقال الحسين بن الفضل: {وكهلا} بعد نزوله من السماء. وقيل: ~~أخبرها أنه يبقى حتى يكتهل، وكلامه بعد الكهولة إخباره عن الأشياء المعجزة، ~~وقيل: {وكهلا} نبيا بشرها بنبوة عيسى عليه السلام وكلامه في المهد معجزة ~~وفي الكهولة دعوة. وقال مجاهد: {وكهلا} أي حليما. والعرب تمدح الكهولة ~~لأنها الحالة الوسطى في احتناك (2) السن واستحكام العقل وجودة الرأي ~~والتجربة {ومن الصالحين} PageV02P038 # أي: هو من العباد الصالحين. ### || # {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47) ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل (48) ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق ~~لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه ~~والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ~~إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (49) } # {قالت رب} يا سيدي تقوله لجبريل. وقيل: تقول لله عز وجل {أنى يكون لي ولد ~~ولم يمسسني بشر} يصبني رجل، قالت ذلك تعجبا إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد ~~ولد لا أب له {قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا} أي كون الشيء ~~{فإنما يقول له كن فيكون} كما يريد. # قوله تعالى: {ويعلمه الكتاب} قرأ أهل المدينة وعاصم ويعقوب بالياء لقوله ~~تعالى: {كذلك الله يخلق ما يشاء} وقيل: رده على قوله: {إن الله يبشرك} ~~{ويعلمه} وقرأ الآخرون بالنون على التعظيم كقوله تعالى: {ذلك من أنباء ~~الغيب نوحيه إليك} قوله: {الكتاب} أي ms0408 الكتابة والخط {والحكمة} العلم والفقه ~~{والتوراة والإنجيل} علمه الله التوراة والإنجيل # {ورسولا} أي ونجعله رسولا {إلى بني إسرائيل} قيل: كان رسولا في حال ~~الصبا، وقيل: إنما كان رسولا بعد البلوغ، وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف ~~وآخرهم عيسى عليهما السلام فلما بعث قال: {أني} قال الكسائي: إنما فتح لأنه ~~أوقع الرسالة عليه، وقيل: معناه بأني {قد جئتكم بآية} علامة {من ربكم} تصدق ~~قولي وإنما قال: بآية وقد أتى بآيات لأن الكل دل على شيء واحد وهو صدقه في ~~الرسالة، فلما قال ذلك عيسى عليه السلام لبني إسرائيل قالوا: وما هي قال: ~~{أني} قرأ نافع بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الباقون بالفتح على معنى ~~بإني {أخلق} أي أصور وأقدر {لكم من الطين كهيئة الطير} قرأ أبو جعفر كهيئة ~~الطائر هاهنا وفي المائدة، والهيئة الصورة المهيأة من قولهم: هيأت الشيء ~~إذا قدرته وأصلحته {فأنفخ فيه} أي في الطير {فيكون طيرا بإذن الله} قراءة ~~الأكثرين بالجمع لأنه خلق طيرا كثيرا، وقرأ أهل المدينة ويعقوب فيكون طائرا ~~على الواحد هاهنا. وفي سورة المائدة ذهبوا إلى نوع واحد من الطير لأنه لم ~~يخلق غير الخفاش وإنما خص الخفاش، لأنه أكمل الطير خلقا لأن لها ثديا ~~وأسنانا وهي تحيض. قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن ~~أعينهم سقط ميتا، ليتميز فعل الخلق من فعل الخالق، # PageV02P039 # وليعلم أن الكمال لله عز وجل {وأبرئ الأكمه والأبرص} أي أشفيهما ~~وأصححهما، واختلفوا في الأكمه، قال ابن عباس وقتادة: هو الذي ولد أعمى، ~~وقال الحسن والسدي: هو الأعمى. وقال عكرمة: هو الأعمش. وقال مجاهد: هو الذي ~~يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، {والأبرص} الذي به وضح، وإنما خص هذين ~~لأنهما داءان عياءان، وكان الغالب في زمن عيسى عليه السلام الطب، فأراهم ~~المعجزة من جنس ذلك. قال وهب: ربما اجتمع عند عيسى عليه السلام من المرضى ~~في اليوم الواحد خمسون ألفا من أطاق منهم أن يبلغه بلغه ومن لم يطق مشى ~~إليه عيسى عليه السلام وكان يداويهم بالدعاء ms0409 على شرط الإيمان. # قوله تعالى: {وأحيي الموتى بإذن الله} قال ابن عباس رضي الله عنهما (1) ~~قد أحيا أربعة أنفس، عازر وابن العجوز، وابنة العاشر، وسام بن نوح، فأما ~~عازر فكان صديقا له فأرسلت أخته إلى عيسى عليه السلام: أن أخاك عازر يموت ~~وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ~~ثلاثة أيام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، فانطلقت معهم إلى قبره، فدعا ~~الله تعالى فقام عازر وودكه يقطر فخرج من قبره وبقي وولد له. # وأما ابن العجوز مر به ميتا على عيسى عليه السلام على سرير يحمل فدعا ~~الله عيسى فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل السرير ~~على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له. # وأما ابنة العاشر كان [أبوها] (2) رجلا يأخذ العشور ماتت له بنت بالأمس، ~~فدعا الله عز وجل [باسمه الأعظم] (3) فأحياها [الله تعالى] (4) وبقيت [بعد ~~ذلك زمنا] (5) وولد لها. وأما سام بن نوح عليه السلام فإن عيسى عليه السلام ~~جاء إلى قبره فدعا باسم الله الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه خوفا من ~~قيام الساعة، ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان فقال: قد قامت القيامة؟ قال: ~~لا ولكن دعوتك باسم الله الأعظم، ثم قال له: مت قال: بشرط أن يعيذني الله ~~من سكرات الموت فدعا الله ففعل. # قوله تعالى: {وأنبئكم} وأخبركم {بما تأكلون} مما لم أعاينه {وما تدخرون} ~~ترفعونه {في بيوتكم} حتى تأكلوه وقيل: كان يخبر 58/ب الرجل بما أكل البارحة ~~وبما يأكل اليوم وبما ادخره للعشاء. # وقال السدي: كان عيسى عليه السلام في الكتاب يحدث الغلمان بما يصنع ~~آباؤهم ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا، ورفعوا لك كذا وكذا، ~~فينطلق الصبي إلى أهله ويبكي عليهم حتى يعطوه ذلك الشيء فيقولون: من أخبرك ~~بهذا؟ . فيقول: عيسى فحبسوا صبيانهم عنه وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر ~~فجمعوهم في بيت فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم فقالوا: ليسوا هاهنا، فقال: ~~فما في هذا PageV02P040 # البيت؟ قالوا خنازير، ms0410 قال عيسى كذلك يكونون ففتحوا عليهم فإذا هم خنازير ~~ففشى ذلك في بني إسرائيل فهمت به بنو إسرائيل، فلما خافت عليه أمه حملته ~~على [حمير] (1) لها وخرجت (هاربة منهم) (2) إلى أهل مصر، وقال قتادة: إنما ~~هذا في المائدة وكان خوانا ينزل عليهم أينما كانوا كالمن والسلوى، وأمروا ~~أن لا يخونوا ولا يخبؤا لغد فخانوا وخبؤا فجعل عيسى يخبرهم بما أكلوا من ~~المائدة وبما ادخروا منها فمسخهم الله خنازير. ### || # قوله تعالى {إن في ذلك} الذي ذكرت {لآية لكم إن كنتم مؤمنين} # {ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم ~~بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50) إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط ~~مستقيم (51) فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال ~~الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52) } # {ومصدقا} عطف على قوله ورسولا {لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض ~~الذي حرم عليكم} من اللحوم والشحوم، وقال أبو عبيدة: أراد بالبعض الكل ~~يعني: كل الذي حرم عليكم، وقد يذكر البعض ويراد به الكل كقول لبيد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها %~% أو ترتبط بعض النفوس حمامها # يعني: كل النفوس (3) . # قوله تعالى: {وجئتكم بآية من ربكم} يعني ما ذكر من الآيات وإنما وحدها ~~لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على رسالته {فاتقوا الله وأطيعون} # قوله تعالى: {فلما أحس عيسى منهم الكفر} أي وجد قاله الفراء، وقال أبو ~~عبيدة: عرف، وقال مقاتل: رأى {منهم الكفر} وأرادوا قتله استنصر عليهم و ~~{قال من أنصاري إلى الله} قال السدي: كان سبب ذلك أن عيسى عليه السلام لما ~~بعثه الله عز وجل إلى بني إسرائيل وأمره بالدعوة نفته بنو إسرائيل وأخرجوه، ~~فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فنزل في قرية على رجل فأضافهما وأحسن ~~إليهما، PageV02P041 # وكان لتلك المدينة جبار متعد فجاء ذلك الرجل يوما مهتما حزينا فدخل منزله ~~ومريم عند امرأته فقالت لها مريم: ما شأن زوجك أراه كئيبا، قالت: لا ~~تسأليني، قالت: أخبريني لعل الله ms0411 يفرج كربته، قالت: إن لنا ملكا يجعل على ~~كل رجل منا يوما أن يطعمه وجنوده ويسقيهم الخمر فإن لم يفعل عاقبه، واليوم ~~نوبتنا وليس لذلك عندنا سعة، قالت: فقولي له لا يهتم فإني آمر ابني فيدعو ~~له فيكفى ذلك، فقالت مريم لعيسى عليه السلام في ذلك، فقال عيسى: إن فعلت ~~ذلك وقع شر، قالت: فلا تبال فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، قال عيسى عليه ~~السلام فقولي له إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني ففعل ~~ذلك، فدعا الله تعالى عيسى عليه السلام، فتحول ماء القدور مرقا ولحما وماء ~~الخوابي خمرا لم ير الناس مثله قط فلما جاء الملك أكل فلما شرب الخمر قال: ~~من أين هذا الخمر قال: من أرض كذا، قال [الملك] (1) فإن خمري من تلك الأرض ~~وليست مثل هذه قال: هي من أرض أخرى، فلما خلط على الملك واشتد عليه قال: ~~فأنا أخبرك عندي غلام لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، وإنه دعا الله ~~فجعل الماء خمرا وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيام، وكان ~~أحب الخلق إليه، فقال: إن رجلا دعا الله حتى جعل الماء خمرا [ليستجاب له] ~~(2) حتى يحيي ابني، فدعا عيسى فكلمه في ذلك فقال عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش ~~وقع شر، فقال الملك: لا أبالي أليس أراه قال عيسى: إن أحييته تتركوني وأمي ~~نذهب حيث نشاء، قال: نعم فدعا الله فعاش الغلام فلما رآه أهل مملكته قد عاش ~~تبادروا بالسلاح، وقالوا: أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ~~ابنه فيأكلنا كما أكل أبوه فاقتتلوا فذهب عيسى وأمه فمر بالحواريين وهم ~~يصطادون السمك، فقال: ما تصنعون؟ فقالوا: نصطاد السمك قال: أفلا تمشون حتى ~~نصطاد الناس، قالوا: ومن أنت قال: أنا عيسى بن مريم عبد الله ورسوله من ~~أنصاري إلى الله فآمنوا به وانطلقوا معه. # قوله تعالى: {من أنصاري إلى الله} قال السدي وابن جريج: مع الله تعالى ~~تقول العرب: الذود إلى الذود إبل أي مع ms0412 الذود وكما قال الله تعالى: " ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم " (2 -النساء) أي مع أموالكم. وقال الحسن وأبو ~~عبيدة: إلى بمعنى في أي من أعواني في الله أي في ذات الله وسبيله، وقيل إلى ~~في موضعه معناه من يضم نصرته إلى نصرة الله لي واختلفوا في الحواريين قال ~~مجاهد والسدي: كانوا صيادين يصطادون السمك سموا حواريين لبياض ثيابهم، ~~وقيل: كانوا ملاحين. وقال الحسن: كانوا قصارين سموا بذلك لأنهم كانوا ~~يحورون الثياب أي يبيضونها. وقال عطاء: سلمت مريم عيسى عليه السلام إلى ~~أعمال شتى فكان آخر ما دفعته إلى الحواريين، وكانوا قصارين وصباغين فدفعته ~~إلى رئيسهم ليتعلم منه فاجتمع عنده ثياب وعرض له سفر، فقال لعيسى: إنك قد ~~تعلمت هذه الحرفة وأنا خارج في سفر لا PageV02P042 # أرجع إلى عشرة أيام وهذه ثياب الناس مختلفة الألوان، وقد أعلمت على كل ~~واحد منها بخيط على اللون الذي يصبغ به فيجب أن تكون فارغا منها وقت قدومي، ~~وخرج فطبخ عيسى جبا واحدا على لون واحد وأدخل جميع الثياب وقال: كوني بإذن ~~الله على ما أريد منك، فقدم الحواري والثياب كلها في الجب، فقال: ما فعلت؟ ~~فقال: فرغت منها، قال: أين هي؟ قال: في الجب، قال: كلها، قال: نعم قال: لقد ~~أفسدت تلك الثياب فقال: قم فانظر، فأخرج عيسى ثوبا أحمر، وثوبا أصفر، وثوبا ~~أخضر، إلى أن أخرجها على الألوان التي أرادها، فجعل الحواري يتعجب فعلم أن ~~ذلك من الله، فقال للناس: تعالوا فانظروا فآمن به هو وأصحابه فهم ~~الحواريون، وقال الضحاك: سموا حواريين لصفاء [قلوبهم] (1) وقال ابن ~~المبارك: سموا به لما عليهم من أثر العبادة ونورها، وأصل الحور عند العرب ~~شدة البياض، يقال: رجل أحور وامرأة حوراء أي شديدة بياض العين، وقال الكلبي ~~وعكرمة: الحواريون هم الأصفياء وهم كانوا أصفياء عيسى عليه السلام، وكانوا ~~اثني عشر رجلا قال روح بن القاسم: سألت قتادة عن الحواريين قال: هم الذين ~~يصلح لهم الخلافة، وعنه أنه قال: الحواريون هم الوزراء، وقال الحسن: ~~الحواريون الأنصار، والحواري الناصر، والحواري ms0413 في كلام العرب خاصة الرجل ~~الذي يستعين به 59/أفيما ينوبه. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا الحميدي، أخبرنا ~~سفيان، أخبرنا محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ~~يقول: ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ~~ندبهم فانتدب الزبير فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إن لكل نبي حواريا ~~وحواريي الزبير" (2) . # قال سفيان الحواري الناصر، قال معمر: قال قتادة: إن الحواريين كلهم من ~~قريش أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن ~~مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن ~~العوام رضي الله عنهم أجمعين. # {قال الحواريون نحن أنصار الله} أعوان دين الله ورسوله {آمنا بالله ~~واشهد} يا عيسى {بأنا مسلمون} PageV02P043 ### || # {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) } # {ربنا آمنا بما أنزلت} من كتابك {واتبعنا الرسول} عيسى {فاكتبنا مع ~~الشاهدين} الذين شهدوا لأنبيائك بالصدق. وقال عطاء: مع النبيين لأن كل نبي ~~شاهد أمته. # PageV02P043 # قال ابن عباس رضي الله عنهما مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته لأنهم ~~يشهدون للرسل بالبلاغ. ### || # {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54) } # قوله تعالى: {ومكروا} يعني كفار بني إسرائيل الذي أحس عيسى منهم الكفر ~~وبروا في قتل عيسى عليه السلام، وذلك أن عيسى عليه السلام بعد إخراج قومه ~~إياه وأمه عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطؤوا ~~على الفتك به فذلك مكرهم، قال الله تعالى: {ومكر الله والله خير الماكرين} ~~فالمكر من المخلوقين: الخبث والخديعة والحيلة، والمكر من الله: استدراج ~~العبد وأخذه بغتة من حيث لا يعلم كما قال: " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " ~~(182 -الأعراف) وقال الزجاج: مكر الله عز وجل مجازاتهم على مكرهم فسمى ~~الجزاء باسم الابتداء لأنه في مقابلته كقوله تعالى: " الله يستهزئ بهم " ~~(15 -البقرة) " وهو خادعهم " (142 -النساء) ومكر ms0414 الله تعالى خاصة بهم في ~~هذه الآية، وهو إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى عليه السلام ~~حتى قتل. # قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عيسى استقبل رهطا ~~من اليهود فلما رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن ~~الفاعلة، وقذفوه وأمه فلما سمع ذلك عيسى عليه السلام دعا عليهم ولعنهم ~~فمسخهم الله خنازير. فلما رأى ذلك يهوذا رأس اليهود وأميرهم فزع لذلك وخاف ~~دعوته فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى عليه السلام، وثاروا إليه ليقتلوه ~~فبعث الله إليه جبريل فأدخله في خوخة في سقفها روزنة فرفعه الله إلى السماء ~~من تلك الروزنة، فأمر يهوذا رأس اليهود رجلا من أصحابه يقال له: ططيانوس أن ~~يدخل الخوخة ويقتله، فلما دخل لم ير عيسى، فأبطأ عليهم فظنوا أنه يقاتله ~~فيها، فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام، فلما خرج ظنوا أنه عيسى عليه ~~السلام فقتلوه وصلبوه، قال وهب: طرقوا عيسى في بعض الليل، ونصبوا خشبة ~~ليصلبوه، فأظلمت الأرض، فأرسل الله الملائكة فحالت بينهم وبينه، فجمع عيسى ~~الحواريين تلك الليلة وأوصاهم ثم قال: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ~~ويبيعني بدراهم يسيرة، فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأتى أحد ~~الحواريين إلى اليهود فقال لهم: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا ~~له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه. ولما دخل البيت ألقى الله عليه شبه ~~عيسى، فرفع عيسى وأخذ الذي دلهم علي فقال: أنا الذي دللتكم عليه فلم ~~يلتفتوا إلى قوله وقتلوه وصلبوه، وهم يظنون أنه عيسى، فلما صلب شبه عيسى، ~~جاءت مريم أم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأها الله من الجنون تبكيان ~~عند المصلوب، فجاءهما عيسى عليه السلام فقال لهما: علام تبكيان؟ إن الله ~~تعالى قد رفعني ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبه لهم، فلما كان بعد سبعة ~~أيام قال الله عز وجل لعيسى عليه السلام: اهبط على مريم المجدلانية اسم ~~موضع في جبلها، فإنه لم يبك عليك أحد ms0415 بكاءها، ولم يحزن حزنها ثم ليجتمع لك ~~الحواريون فبثهم في # PageV02P044 # الأرض دعاة إلى الله عز وجل فأهبطه الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط ~~نورا، فجمعت له الحواريين فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله عز وجل إليه ~~وتلك الليلة هي التي تدخن فيها النصارى، فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد ~~منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله تعالى {ومكروا ومكر الله والله ~~خير الماكرين} # وقال السدي: إن اليهود حبسوا عيسى في بيت وعشرة من الحواريين فدخل عليهم ~~رجل منهم فألقى الله عليه شبهه، وقال قتادة ذكر لنا أن نبي الله عيسى عليه ~~السلام قال لأصحابه أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول، فقال رجل من القوم: ~~أنا يا نبي الله فقتل ذلك الرجل ومنع الله عيسى عليه السلام ورفعه إليه ~~وكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار مع ~~الملائكة فهو معهم حول العرش، وكان إنسيا ملكيا سمائيا أرضيا، قال أهل ~~التواريخ: حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وولدت عيسى ببيت لحم من أرض ~~أوري شلم لمضي خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل فأوحى الله ~~إليه على رأس ثلاثين سنة، ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من شهر ~~رمضان، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فكانت نبوته ثلاث سنين، وعاشت أمه مريم ~~بعد رفعه ست سنين. ### || # {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم ~~فيما كنتم فيه تختلفون (55) } # {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} اختلفوا في بعض التوفي ~~هاهنا، قال الحسن والكلبي وابن جريج: إني قابضك ورافعك في الدنيا إلي من ~~غير موت، يدل عليه قوله تعالى: " فلما توفيتني " (117 -المائدة) أي قبضتني ~~إلى السماء وأنا حي، لأن قومه إنما تنصروا بعد رفعه إلى السماء لا بعد ~~موته، فعلى هذا للتوفي تأويلان، أحدهما: إني رافعك إلي وافيا لم ينالوا منك ~~شيئا، ms0416 من قولهم توفيت كذا واستوفيته إذا أخذته تاما والآخر: أني [مستلمك] ~~(1) من قولهم توفيت منه كذا أي تسلمته، وقال الربيع بن أنس: المراد بالتوفي ~~النوم [وكل ذي عين نائم] (2) وكان عيسى قد نام فرفعه الله نائما إلى ~~السماء، معناه: أني منومك ورافعك إلي كما قال الله تعالى: " وهو الذي ~~يتوفاكم بالليل " (60 -الأنعام) أي ينيمكم. PageV02P045 # وقال بعضهم: المراد بالتوفي الموت، روي [عن] (1) علي بن طلحة عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن معناه: أني مميتك يدل عليه قوله تعالى: " قل يتوفاكم ملك ~~الموت " (11 -السجدة) فعلى هذا له تأويلان: أحدهما ما قاله وهب: توفى 59/ب ~~الله عيسى ثلاث ساعات من النهار ثم رفعه الله إليه، وقال محمد بن إسحاق: إن ~~النصارى يزعمون أن الله تعالى توفاه سبع ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه، ~~والآخر ما قاله الضحاك وجماعة: إن في هذه الآية تقديما وتأخيرا معناه أني ~~رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالك من السماء. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، ~~أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، أخبرنا علي بن ~~الجعد، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن ابن شهاب، ~~عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "والذي نفس محمد بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عادلا يكسر ~~الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" (2) . # ويروى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول ~~عيسى عليه السلام قال: "وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك ~~الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون" (3) . # وقيل للحسين بن الفضل هل تجد نزول عيسى في القرآن؟ قال نعم: {وكهلا} ولم ~~يكتهل في الدنيا وإنما معناه وكهلا بعد نزوله من السماء. # قوله تعالى: {ومطهرك من الذين كفروا} أي مخرجك من بينهم ms0417 ومنجيك منهم ~~{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} قال قتادة والربيع ~~والشعبي ومقاتل والكلبي: هم أهل الإسلام الذين صدقوه واتبعوا دينه في ~~التوحيد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهو فوق الذين كفروا ظاهرين قاهرين ~~بالعزة والمنعة والحجة، وقال الضحاك: يعني الحواريين فوق الذين كفروا، ~~وقيل: هم أهل الروم، وقيل: أراد بهم النصارى فهم فوق اليهود إلى يوم ~~القيامة، فإن اليهود قد ذهب ملكهم، وملك النصارى دائم إلى قريب من قيام ~~الساعة، فعلى هذا يكون الاتباع بمعنى الادعاء والمحبة لا اتباع الدين. {ثم ~~إلي مرجعكم} في الآخرة PageV02P046 # {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} من أمر الدين وأمر عيسى. ### || # {فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ~~ناصرين (56) وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب ~~الظالمين (57) ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم (58) إن مثل عيسى ~~عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59) الحق من ربك فلا ~~تكن من الممترين (60) } # {فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا} بالقتل والسبي والجزية ~~والذلة {والآخرة} أي وفي الآخرة بالنار {وما لهم من ناصرين} # {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم} قرأ الحسن وحفص ~~بالياء، والباقون بالنون أي نوفي أجور أعمالهم {والله لا يحب الظالمين} أي ~~لا يرحم الكافرين ولا يثني عليهم بالجميل. # قوله تعالى: {ذلك} أي هذا الذي ذكرته لك من الخبر عن عيسى ومريم ~~والحواريين {نتلوه عليك} [نخبرك به بتلاوة جبريل عليك] (1) {من الآيات ~~والذكر الحكيم} يعني القرآن والذكر ذي الحكمة، وقال مقاتل: الذكر الحكيم أي ~~المحكم الممنوع من الباطل وقيل: الذكر الحكيم هو اللوح المحفوظ، وهو معلق ~~بالعرش من درة بيضاء. وقيل من الآيات أي العلامات الدالة على نبوتك لأنها ~~أخبار لا يعلمها إلا قارئ كتاب أو من يوحى إليه وأنت أمي لا تقرأ. # قوله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} الآية نزلت في وفد نجران ~~وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله ms0418 عليه وسلم: مالك تشتم صاحبنا؟ قال: ~~وما أقول قالوا: تقول إنه عبد الله قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم العذراء البتول فغضبوا وقالوا هل رأيت إنسانا قط من غير ~~أب؟ فأنزل الله تعالى {إن مثل عيسى عند الله} (2) في كونه خلقه من غير أب ~~كمثل آدم لأنه خلق من غير أب وأم {خلقه من تراب ثم قال له} يعني لعيسى عليه ~~السلام {كن فيكون} يعني فكان فإن قيل ما معنى قوله {خلقه من تراب ثم قال له ~~كن فيكون} ولا تكوين بعد الخلق؟ قيل معناه ثم خلقه ثم أخبركم أني قلت له: ~~كن فكان من غير ترتيب في الخلق كما يكون في الولادة وهو مثل قول الرجل: ~~أعطيتك اليوم درهما ثم أعطيتك أمس درهما أي ثم أخبرك أني أعطيتك أمس درهما. ~~وفيما سبق من التمثيل دليل على جواز القياس لأن القياس هو رد فرع إلى أصل ~~بنوع شبه وقد رد الله تعالى خلق عيسى إلى آدم عليهم السلام بنوع شبه. ~~PageV02P047 # قوله تعالى: {الحق من ربك} أي هو الحق وقيل جاءك الحق من ربك {فلا تكونن ~~من الممترين} الشاكين الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. ### || # {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ~~ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ~~(61) } # قوله عز وجل: {فمن حاجك فيه} أي جادلك في عيسى أو في الحق {من بعد ما ~~جاءك من العلم} بأن عيسى عبد الله ورسوله {فقل تعالوا} وأصله تعاليوا ~~تفاعلوا من العلو فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، قال الفراء: بمعنى تعال ~~كأنه يقول: ارتفع. قوله {ندع} جزم لجواب الأمر وعلامة الجزم سقوط الواو ~~{أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} قيل: أبناءنا أراد ~~الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة. وأنفسنا عنى نفسه وعليا رضي الله عنه والعرب ~~تسمي ابن عم الرجل نفسه، كما قال الله تعالى: " ولا تلمزوا أنفسكم " (11 ~~-الحجرات) يريد إخوانكم وقيل هو على العموم الجماعة ms0419 أهل الدين {ثم نبتهل} ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي نتضرع في الدعاء، وقال الكلبي: نجتهد ~~ونبالغ في الدعاء، وقال الكسائي وأبو عبيدة: نلتعن والابتهال الالتعان ~~يقال: عليه بهلة الله أي لعنته: {فنجعل لعنة الله على الكاذبين} منا ومنكم ~~في أمر عيسى، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد ~~نجران ودعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا ثم نأتيك غدا، ~~فخلا بعضهم ببعض فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ قال: ~~والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، والله ما لاعن قوم ~~نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم ذلك لنهلكن فإن أبيتم إلا ~~الإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى ~~بلادكم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم محتضنا للحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو ~~يقول لهم: "إذا أنا دعوت فأمنوا" فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إني ~~لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تبتهلوا ~~فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض منكم نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا يا ~~أبا القاسم: قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونثبت على ديننا، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 60/أ /"فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن ~~لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم" فأبوا فقال: "فإني أنابذكم" فقالوا: ما ~~لنا بحرب العرب طاقة، ولكنا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا ~~عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة ألفا في صفر وألفا في رجب، ~~فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال: "والذي نفسي بيده إن ~~العذاب قد تدلى على أهل نجران ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم ~~عليهم الوادي نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولما ~~حال الحول على النصارى ms0420 كلهم حتى هلكوا" (1) . PageV02P048 ### || # {إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم ~~(62) فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (63) قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى ~~كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا ~~بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (64) } # قال الله تعالى: {إن هذا لهو القصص الحق} النبأ الحق {وما من إله إلا ~~الله} و"من" صلة تقديره وما إله إلا الله {وإن الله لهو العزيز الحكيم} # {فإن تولوا} أعرضوا عن الإيمان {فإن الله عليم بالمفسدين} الذين يعبدون ~~غير الله، ويدعون الناس إلى عبادة غير الله. # قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} الآية ~~قال المفسرون: قدم وفد نجران المدينة فالتقوا مع اليهود فاختصموا في ~~إبراهيم عليه السلام، فزعمت النصارى أنه كان نصرانيا وهم على دينه وأولى ~~الناس به، وقالت اليهود: بل كان يهوديا وهم على دينه وأولى الناس به، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان ~~إبراهيم حنيفا مسلما وأنا على دينه فاتبعوا دينه دين الإسلام، فقالت ~~اليهود: يا محمد ما تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا، ~~وقالت النصارى: يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير، ~~فأنزل الله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة} (1) والعرب تسمي كل ~~قصة لها شرح كلمة ومنه سميت القصيدة كلمة {سواء} عدل بيننا وبينكم مستوية، ~~أي أمر مستو يقال: دعا فلان إلى السواء، أي إلى النصفة، وسواء كل شيء وسطه ~~ومنه قوله تعالى: " فرآه في سواء الجحيم " (55 -الصافات) وإنما قيل للنصف ~~سواء لأن أعدل الأمور وأفضلها أوسطها وسواء نعت لكلمة إلا أنه مصدر، ~~والمصادر لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث، فإذا فتحت السين مددت، وإذا كسرت أو ~~ضممت قصرت كقوله تعالى: "مكانا سوى" (58 -طه) ثم فسر الكلمة فقال: {ألا ~~نعبد إلا ms0421 الله} ومحل أن رفع على إضمار هي، وقال الزجاج: PageV02P049 # رفع بالابتداء، وقيل: محله نصب بنزع حرف الصفة معناه بأن لا نعبد إلا ~~الله وقيل: محله خفض بدلا من الكلمة أي تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله ~~{ولا نشرك به شيئاولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} كما فعلت اليهود ~~والنصارى، قال الله تعالى: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " ~~(31 -التوبة) وقال عكرمة: هو سجود بعضهم لبعض، أي لا تسجدوا لغير الله، ~~وقيل: معناه لا نطيع أحدا في معصية الله {فإن تولوا فقولوا اشهدوا} فقولوا ~~أنتم لهم اشهدوا {بأنا مسلمون} مخلصون بالتوحيد. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو اليمان الحكم بن ~~نافع، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن ~~مسعود أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره ~~أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه وهو ~~بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ودعا بكتاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذي بعث به دحية بن خليفة الكلبي إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل ~~فقرأه فإذا هو: # "بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، ~~سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، ~~أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين {يا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به ~~شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا ~~مسلمون} (1) . ### || # {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده أفلا تعقلون (65) ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم ms0422 به علم فلم تحاجون ~~فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) } # قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة ~~والإنجيل إلا من بعده} تزعمون أنه كان على دينكم، وإنما دينكم اليهودية ~~والنصرانية، وقد حدثت اليهودية بعد نزول التوراة والنصرانية بعد نزول ~~الإنجيل، وإنما أنزلت التوراة والإنجيل من بعد إبراهيم بزمان طويل، وكان ~~بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى ألفا سنة {أفلا تعقلون} بطلان ~~قولكم؟ # قوله تعالى: {ها أنتم} بتليين الهمزة حيث كان مدني، وأبو عمرو والباقون ~~بالهمز، واختلفوا في أصله PageV02P050 # فقال بعضهم: أصله: أأنتم وها تنبيه وقال الأخفش: أصله أأنتم فقلبت الهمزة ~~الأولى هاء كقولهم هرقت الماء وأرقت {هؤلاء} أصله أولاء دخلت عليه هاء ~~التنبيه وهي في موضع النداء، يعني يا هؤلاء أنتم {حاججتم} جادلتم {فيما لكم ~~به علم} يعني في أمر موسى وعيسى وادعيتم أنكم على دينهما وقد أنزلت التوراة ~~والإنجيل عليكم {فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} وليس في كتابكم أنه كان ~~يهوديا أو نصرانيا، وقيل حاججتم فيما لكم به علم يعني في أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم لأنهم وجدوا نعته في كتابهم، فجادلوا فيه بالباطل، فلم تحاجون في ~~إبراهيم وليس في كتابكم، ولا علم لكم به؟ {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ثم ~~برأ الله تعالى إبراهيم مما قالوا: فقال: ### || # {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين (67) إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا والله ولي المؤمنين (68) } # {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين} والحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى الدين المستقيم، وقيل: ~~الحنيف: الذي يوحد ويحج ويضحي ويختن ويستقبل الكعبة. وهو أسهل الأديان ~~وأحبها إلى الله عز وجل. # قوله تعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه} أي: من اتبعه في ~~زمانه، {وهذا النبي} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم {والذين آمنوا} معه، ~~يعني من هذه الأمة {والله ولي المؤمنين} ms0423 # روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ورواه محمد بن إسحاق عن ابن شهاب ~~بإسناده، حديث هجرة الحبشة، لما هاجر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأناس ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة واستقرت بهم الدار وهاجر ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة 60/ب وكان من أمر بدر ما كان فاجتمعت ~~قريش في دار الندوة وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي من أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم ثأرا ممن قتل منكم ببدر، فاجمعوا مالا وأهدوه إلى النجاشي ~~لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم ولينتدب لذلك رجلان من ذوي رأيكم فبعثوا ~~عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد مع الهدايا الأدم وغيره، فركبا البحر وأتيا ~~الحبشة فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له: إن قومنا لك ~~ناصحون شاكرون ولصلاحك محبون وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء الذين قدموا ~~عليك، لأنهم قوم رجل كذاب خرج فينا يزعم أنه رسول الله ولم يتابعه أحد منا ~~إلا السفهاء، وإنا كنا قد ضيقنا عليهم الأمر وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا ~~يدخل عليهم أحد، ولا يخرج منهم أحد قد قتلهم الجوع والعطش فلما اشتد عليهم ~~الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك فاحذرهم وادفعهم ~~إلينا لنكفيكهم، وقالا وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا ~~يحيونك بالتحية التي يحييك بها الناس رغبة عن دينك وسنتك، قال: فدعاهم ~~النجاشي فلما حضروا، صاح جعفر بالباب: يستأذن عليك حزب الله، فقال النجاشي: ~~مروا هذا الصائح فليعد كلامه، ففعل جعفر فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان ~~الله وذمته، فنظر عمرو بن # PageV02P051 # العاص إلى صاحبه فقال: ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به ~~النجاشي، فساءهما ذلك ثم دخلوا عليه فلم يسجدوا له، فقال عمرو بن العاص: ~~ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك، فقال لهم النجاشي: ما منعكم أن تسجدوا ~~لي وتحيوني بالتحية التي يحييني بها من أتاني من الآفاق؟ قالوا: نسجد لله ~~الذي ms0424 خلقك وملكك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان، فبعث الله ~~فينا نبيا صادقا فأمرنا بالتحية التي رضيها الله وهي السلام تحية أهل ~~الجنة، فعرف النجاشي أن ذلك حق وأنه في التوراة والإنجيل قال: أيكم الهاتف: ~~يستأذن عليك حزب الله؟ قال جعفر: أنا، قال: فتكلم، قال: إنك ملك من ملوك ~~أهل الأرض ومن أهل الكتاب ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم وأنا أحب أن ~~أجيب عن أصحابي فمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ولينصت الآخر فتسمع ~~محاورتنا. فقال عمرو لجعفر: تكلم، فقال جعفر للنجاشي: سل هذين الرجلين ~~أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنا عبيدا أبقنا من أربابنا فارددنا إليهم، فقال ~~النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟ فقال عمرو: بل أحرار كرام، فقال النجاشي: نجوا ~~من العبودية. ثم قال جعفر: سلهما هل أهرقنا دما بغير حق فيقتص منا؟ قال ~~النجاشي: إن كان قنطارا فعلي قضاؤه، فقال عمرو: لا ولا قيراطا، قال ~~النجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال عمرو: كنا وهم على دين واحد وأمر واحد على ~~دين آبائنا فتركوا ذلك وابتغوا غيره فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا، فقال ~~النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعتموه اصدقني، قال ~~جعفر: أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين الشيطان، كنا نكفر بالله ~~ونعبد الحجارة، وأما الدين الذي تحولنا إليه فدين الله الإسلام جاءنا به من ~~الله رسول وكتاب مثل كتاب عيسى بن مريم موافقا له، فقال النجاشي: يا جعفر ~~تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك، ثم أمر النجاشي فضرب بالناقوس فاجتمع إليه كل ~~قسيس وراهب، فلما اجتمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل ~~على عيسى هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيا مرسلا فقالوا: اللهم ~~نعم، قد بشرنا به عيسى وقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي، ~~فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم به وما ينهاكم ~~عنه؟ فقال: يقرأ علينا كتاب الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر ~~بحسن ms0425 الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم ويأمرنا بأن نعبد الله وحده لا شريك له، ~~فقال: اقرأ علي مما يقرأ عليكم فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت عينا ~~النجاشي وأصحابه من الدمع وقالوا: زدنا يا جعفر من هذا الحديث الطيب فقرأ ~~عليهم سورة الكهف فأراد عمرو أن يغضب النجاشي فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه، ~~فقال النجاشي: ما تقولون في عيسى وأمه فقرأ عليهم سورة مريم فلما أتى جعفر ~~على ذكر مريم وعيسى عليهما السلام رفع النجاشي نفثة من سواكه قدر ما تقذى ~~العين فقال: والله ما زاد المسيح على ما تقولون هذا، ثم أقبل على جعفر ~~وأصحابه فقال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي [يقول] : (1) آمنون من سبكم أو ~~آذاكم غرم، ثم قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة (2) اليوم على حزب ~~إبراهيم، قال عمرو: يا نجاشي ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم ~~الذي جاءوا من عنده ومن تبعهم. فأنكر ذلك المشركون وادعوا في دين إبراهيم، ~~ثم رد النجاشي على عمرو وصاحبه المال الذي حملوه وقال: إنما هديتكم لي رشوة ~~فاقبضوها فإن الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة، قال جعفر: فانصرفنا فكنا في ~~خير دار وأكرم جوار، وأنزل الله تعالى ذلك اليوم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في خصومتهم في إبراهيم وهو بالمدينة قوله عز وجل {إن أولى الناس ~~بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} (3) . ### || # {ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون ~~(69) يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) } PageV02P052 # {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71) ~~وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ~~واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) } # قوله عز وجل {ودت طائفة من أهل الكتاب} نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة بن ~~اليمان وعمار بن ياسر حين دعاهم اليهود إلى دينهم، فنزلت {ودت طائفة} (1) ~~[تمنيت جماعة من أهل الكتاب] (2) يعني اليهود {لو يضلونكم} عن دينكم ~~ويردونكم إلى الكفر {وما يضلون ms0426 إلا أنفسهم وما يشعرون} # {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} يعني القرآن وبيان نعت محمد صلى ~~الله عليه وسلم {وأنتم تشهدون} أن نعته في التوراة والإنجيل مذكور. # {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل} تخلطون الإسلام باليهودية ~~والنصرانية، وقيل: لم تخلطون الإيمان بعيسى عليه السلام وهو الحق بالكفر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الباطل؟ وقيل: التوراة التي أنزلت على موسى ~~بالباطل الذي حرفتموه وكتبتموه بأيديكم {وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ودينه حق. # قوله تعالى {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا} الآية. قال الحسن والسدي: ~~تواطأ اثنا عشر حبرا من يهود خيبر وقرى عيينة وقال 61/ب بعضهم لبعض: ادخلوا ~~في دين محمد أول النهار باللسان دون PageV02P053 # الاعتقاد ثم اكفروا آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا ~~علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذلك، وظهر لنا كذبه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه ~~في دينهم واتهموه وقالوا: إنهم أهل الكتاب وهم أعلم منا به فيرجعون عن ~~دينهم (1) . # وقال مجاهد ومقاتل والكلبي (2) هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة شق ~~ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بالذي أنزل على محمد من ~~أمر الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم اكفروا وارجعوا إلى قبلتكم آخر ~~النهار لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم فيرجعون إلى قبلتنا، فأطلع ~~الله تعالى رسوله على سرهم وأنزل {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا} {بالذي ~~أنزل على الذين آمنوا وجه النهار} أوله سمي وجها لأنه أحسنه وأول ما يواجه ~~الناظر فيراه {واكفروا آخره لعلهم يرجعون} فيشكون ويرجعون عن دينهم. ### || # {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع ~~عليم (73) } # قوله تعالى {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} هذا متصل بالأول من قول ~~اليهود بعضهم لبعض {ولا تؤمنوا} أي لا تصدقوا {إلا لمن تبع دينكم} وافق ~~ملتكم واللام في "لمن" ms0427 صلة، أي لا تصدقوا إلا من تبع دينكم اليهودية كقوله ~~تعالى: " قل عسى أن يكون ردف لكم " (72 -النحل) أي: ردفكم. {قل إن الهدى ~~هدى الله} هذا خبر من الله عز وجل أن البيان بيانه ثم اختلفوا: فمنهم من ~~قال: كلام معترض بين كلامين، وما بعده متصل بالكلام الأول، إخبار عن قول ~~اليهود بعضهم لبعض، ومعناه: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن ~~يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والكتاب والحكمة والآيات من المن والسلوى ~~وفلق البحر وغيرها من الكرامات. ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنكم أصح ~~دينا منهم. وهذا معنى قول مجاهد. # وقيل: إن اليهود قالت لسفلتهم {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} {أن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم} من العلم أي: لئلا يؤتى أحد، و"لا" فيه مضمرة، كقوله ~~تعالى يبين الله لكم أن تضلوا (النساء -176) أي: لئلا تضلوا، يقول: لا ~~تصدقوهم لئلا يعلموا مثل ما علمتم فيكون لكم الفضل عليهم في العلم، ولئلا ~~يحاجوكم عند ربكم فيقولوا: عرفتم أن ديننا حق، وهذا معنى قول ابن جريج. # وقرأ الحسن والأعمش {إن يؤتى} بكسر الألف، فيكون قول اليهود تاما عند ~~قوله: {إلا لمن تبع دينكم} وما بعده من قول الله تعالى يقول: قل يا محمد ~~{إن الهدى هدى الله أن يؤتى} أن بمعنى الجحد، PageV02P054 # أي ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم {أو ~~يحاجوكم عند ربكم} يعني: إلا أن يجادلكم اليهود بالباطل فيقولوا: نحن أفضل ~~منكم، فقوله عز وجل {عند ربكم} أي عند فضل ربكم بكم ذلك، وهذا معنى قول ~~سعيد بن جبير والحسن والكلبي ومقاتل. وقال الفراء: ويجوز أن يكون أو بمعنى ~~حتى كما يقال: تعلق به أو يعطيك حقك أي حتى يعطيك حقك، ومعنى الآية: ما ~~أعطي أحد مثل ما أعطيتم يا أمة محمد من الدين والحجة حتى يحاجوكم عند ربكم. # وقرأ ابن كثير {آن يؤتى} بالمد على الاستفهام وحينئذ يكون فيه اختصار ~~تقديره: أن يؤتى أحد مثل ms0428 ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة ~~تحسدونه ولا تؤمنون به، هذا قول قتادة والربيع وقالا هذا من قول الله تعالى ~~يقول: قل لهم يا محمد {إن الهدى هدى الله} بأن أنزل كتابا مثل كتابكم وبعث ~~نبيا حسدتموه وكفرتم به. # {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} قوله أو يحاجوكم ~~على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين وتكون "أو" بمعنى أن لأنهما حرفا ~~شرط وجزاء يوضع أحدهما موضع الآخر أي وإن يحاجوكم يا معشر المؤمنين عند ~~ربكم فقل يا محمد: إن الهدى هدى الله ونحن عليه، ويجوز أن يكون الجميع ~~خطابا للمؤمنين، ويكون نظم الآية: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر ~~المؤكمنين حسدوكم فقل {إن الفضل بيد الله} وإن حاجوكم {قل إن الهدى هدى ~~الله} # ويجوز أن يكون الخبر عن اليهود قد تم عند قوله {لعلهم يرجعون} وقوله ~~تعالى: {ولا تؤمنوا} كلام الله يثبت به قلوب المؤمنين لئلا يشكوا عند تلبيس ~~اليهود وتزويرهم في دينهم، يقول لا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع ~~دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين والفضل، ولا تصدقوا ~~أن يحاجوكم في دينكم عند ربكم أو يقدروا على ذلك فإن الهدى هدى الله، و {إن ~~الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} فتكون الآية كلها خطاب الله ~~للمؤمنين عند تلبيس اليهود لئلا يرتابوا. ### || # {يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (74) ومن أهل الكتاب من إن ~~تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت ~~عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله ~~الكذب وهم يعلمون (75) } # قوله تعالى: {يختص برحمته} أي بنبوته {من يشاء والله ذو الفضل العظيم} # قوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} الآية نزلت ~~في اليهود أخبر الله # PageV02P055 # تعالى أن فيهم أمانة وخيانة، والقنطار عبارة عن المال الكثير، والدينار ~~عبارة عن المال القليل، يقول: ms0429 منهم من يؤدي الأمانة وإن كثرت، ومنهم من لا ~~يؤديها وإن قلت قال مقاتل: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} ~~هم مؤمنوا أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه، {ومنهم من إن تأمنه ~~بدينار لا يؤده إليك} يعني: كفار اليهود، ككعب بن الأشرف وأصحابه، وقال ~~جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله عز وجل {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه ~~بقنطار يؤده إليك} يعني: عبد الله بن سلام، أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية من ~~ذهب فأداها إليه، {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} يعني: فنحاص بن ~~عازوراء، استودعه رجل من قريش دينارا فخانه، قوله {يؤده إليك} قرأ أبو عمرو ~~وأبو بكر وحمزة {يؤده} {لا يؤده} و {نصله} و {نؤته} و {نوله} ساكنة الهاء ~~وقرأ أبو جعفر وقالون ويعقوب بالاختلاس كسرا، والباقون بالإشباع كسرا، فمن ~~سكن الهاء قال لأنها وضعت في موضع الجزم وهو الياء الذاهبة، ومن اختلس ~~فاكتفى بالكسرة عن الياء، ومن أشبع فعلى الأصل، لأن الأصل في الهاء ~~الإشباع، {إلا ما دمت عليه قائما} قال ابن عباس ملحا يريد يقوم عليه يطالبه ~~بالإلحاح، وقال الضحاك: مواظبا أي تواظب عليه بالاقتضاء، وقيل: أراد أودعته ~~ثم استرجعته وأنت قائم على رأسه ولم تفارقه رده إليك، فإن فارقته وأخرته ~~أنكره ولم يؤده {ذلك} أي: ذلك الاستحلال والخيانة، {بأنهم قالوا ليس علينا ~~في الأميين سبيل} أي: في مال العرب إثم وحرج كقوله تعالى: {ما على المحسنين ~~من سبيل} وذلك أن اليهود قالوا: أموال العرب حلال لنا، لأنهم ليسوا على ~~ديننا ولا حرمة 61/ألهم في كتابنا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم. # وقال الكلبي: قالت اليهود إن الأموال كلها كانت لنا فما في يد العرب منها ~~فهو لنا وإنما ظلمونا وغصبونا فلا سبيل علينا في أخذنا إياه منهم. # وقال الحسن وابن جريج ومقاتل: بايع اليهود رجالا من المسلمين في الجاهلية ~~فلما أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم فقالوا: ليس لكم علينا حق، ولا عندنا ~~قضاء لأنكم تركتم دينكم، وانقطع ms0430 العهد بيننا وبينكم وادعوا أنهم وجدوا ذلك ~~في كتبهم فكذبهم الله عز وجل وقال عز من قائل: {ويقولون على الله الكذب وهم ~~يعلمون} ثم قال ردا عليهم: ### || # {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76) } # {بلى} أي: ليس كما قالوا بل عليهم سبيل، ثم ابتدأ فقال {من أوفى} أي: ~~ولكن من أوفى {بعهده} أي: بعهد الله الذي عهد إليه في التوراة من الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وأداء الأمانة، وقيل: الهاء في عهده ~~راجعة إلى الموفي {واتقى} الكفر والخيانة ونقض العهد، {فإن الله يحب ~~المتقين} # PageV02P056 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا قبيصة بن عقبة، أنا سفيان عن الأعمش عن عبد ~~الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~" أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة ~~من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا ~~خاصم فجر" (1) . ### || # {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في ~~الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب ~~أليم (77) } # قوله تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} قال عكرمة: ~~نزلت في رؤوس اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد صلى ~~الله عليه وسلم وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله لئلا ~~يفوتهم المآكل والرشا التي كانت لهم من أتباعهم. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا موسى بن إسماعيل، أنا أبو عوانة عن ~~الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو ~~عليه غضبان" فأنزل ms0431 الله تعالى تصديق ذلك {إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا} إلى آخر الآية، فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما يحدثكم ~~أبو عبد الرحمن؟ فقالوا: كذا وكذا، فقال: في أنزلت كانت لي بئر في أرض ابن ~~عم لي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال: "هات بينتك أو ~~يمينه " قلت: إذا يحلف عليها يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي ~~الله يوم القيامة وهو عليه غضبان" (2) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا ~~قتيبة بن سعيد أنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل بن حجر، عن ~~أبيه قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي، فقال PageV02P057 # الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقال ~~الكندي: هي أرض في يدي أزرعها، ليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم للحضرمي: "ألك بينة"؟ قال: لا قال: "فلك يمينه" قال: يا رسول الله إن ~~الرجل فاجر لا يبالي على ما يحلف عليه، قال: "ليس لك منه إلا ذلك" فانطلق ~~ليحلف له، فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما لئن حلف على ~~ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض" (1) ورواه عبد الملك بن عمير ~~عن علقمة، وقال هو امرؤ القيس بن عابس الكندي وخصمه ربيعة بن عبدان. # وروي لما هم أن يحلف نزلت هذه الآية فامتنع امرؤ القيس أن يحلف، وأقر ~~لخصمه بحقه ودفعه إليه. أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا ~~زاهر بن أحمد السرخسي، أنا أبو مصعب عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن ~~سعيد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك عن أبي أمامة أن رسول الله ~~صلى ms0432 الله عليه وسلم قال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه ~~الجنة وأوجب له النار" قالوا: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: "وإن ~~كان قضيبا من أراك" قالها ثلاث مرات (2) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمرو بن محمد، أنا هشيم بن محمد ~~أنا العوام بن حوشب عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبي أوفى أن ~~رجلا أقام سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط ليوقع فيها ~~رجلا من المسلمين، فنزلت: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} ~~(3) . # قوله تعالى: {إن الذين يشترون} أي: يستبدلون {بعهد الله} وأراد الأمانة، ~~{وأيمانهم} الكاذبة {ثمنا قليلا} أي: شيئا قليلا من حطام الدنيا، {أولئك لا ~~خلاق لهم} لا نصيب لهم {في الآخرة} ونعيمها، {ولا يكلمهم الله} كلاما ~~ينفعهم ويسرهم، وقيل: هو بمعنى الغضب، كما يقول الرجل: إني لا أكلم فلانا ~~إذا كان غضب عليه، {ولا ينظر إليهم يوم القيامة} أي: لا يرحمهم ولا يحسن ~~إليهم ولا ينيلهم خيرا، {ولا يزكيهم} أي: لا يثني عليهم بالجميل ولا يطهرهم ~~من الذنوب، {ولهم عذاب أليم} # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغفار بن محمد الفارسي، أنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد، أنا سفيان، أنا مسلم بن الحجاج، أنا ~~محمد بن جعفر، عن شعبة عن علي بن مدرك عن أبي PageV02P058 # زرعة عن خرشة بن الحر عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ~~ولهم عذاب أليم" قال: قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقال ~~أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: "المسبل والمنان والمنفق ~~سلعته بالحلف الكاذب" (1) في رواية: "المسبل إزاره". # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أسيد أبو الحسن محمد ms0433 ~~بن الحسين العلوي أنا أبو نصر محمد بن حمدويه المروزي، أنا سفيان بن عيينة، ~~عن عمرو بن دينار عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم رجل حلف يمينا على مال مسلم فاقتطعه، ورجل حلف على يمين كاذبة ~~بعد صلاة العصر أنه أعطي بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل منع فضل ماله ~~فإن الله تعالى يقول: اليوم أمنعك فضل ما لم تعمل يداك" (2) . PageV02P059 ### || # {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من ~~الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب ~~وهم يعلمون (78) ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول ~~للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) } # قوله تعالى: {وإن منهم لفريقا} يعني: من أهل الكتاب لفريقا أي: طائفة، ~~وهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وأبو ياسر وشعبة بن عمر ~~الشاعر، {يلوون ألسنتهم بالكتاب} أي: يعطفون ألسنتهم بالتحريف والتغيير وهو ~~ما غيروا من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك، يقال: لوى ~~لسانه على كذا أي: غيره، {لتحسبوه} أي: لتظنوأ 62/أما حرفوا {من الكتاب} ~~الذي أنزله الله تعالى، {وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو ~~من عند الله ويقولون على الله الكذب} عمدا، {وهم يعلمون} أنهم كاذبون، وقال ~~الضحاك عن ابن عباس: إن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعا وذلك أنهم ~~حرفوا التوراة والإنجيل وألحقوا بكتاب الله ما ليس منه. # قوله تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب} الآية قال مقاتل ~~والضحاك: ما كان لبشر يعني: عيسى عليه السلام، وذلك أن نصارى نجران كانوا ~~يقولون: إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربا فقال # PageV02P059 # تعالى: {ما كان لبشر} يعني: عيسى {أن يؤتيه الله الكتاب} الإنجيل (1) . # وقال ابن ms0434 عباس وعطاء: {ما كان لبشر} يعني محمدا {أن يؤتيه الله الكتاب} ~~أي القرآن، وذلك أن أبا رافع القرظي من اليهود، والرئيس (2) من نصارى أهل ~~نجران قالا يا محمد تريد أن نعبدك ونتخذك ربا فقال: معاذ الله أن نأمر ~~بعبادة غير الله ما بذلك أمرني الله، ولا بذلك أمرني (3) فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية (4) {ما كان لبشر} أي ما ينبغي لبشر، كقوله تعالى: " ما يكون لنا ~~أن نتكلم بهذا " (سورة، النور الآية: 16) أي ما ينبغي لنا، والبشر: جميع ~~بني آدم لا واحد له من لفظه، كالقوم والجيش ويوضع موضع الواحد والجمع، {أن ~~يؤتيه الله الكتاب والحكم} الفهم والعلم وقيل: إمضاء الحكم عن الله عز وجل، ~~{والنبوة} المنزلة الرفيعة بالأنبياء، {ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من ~~دون الله ولكن كونوا} أي: ولكن يقول كونوا، {ربانيين} # واختلفوا فيه قال علي وابن عباس والحسن: كونوا فقهاء علماء وقال قتادة: ~~حكماء وعلماء وقال سعيد بن جبير: العالم الذي يعمل بعلمه، وعن سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس: فقهاء معلمين. # وقيل: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وقال عطاء: علماء ~~حكماء نصحاء لله في خلقه، قال أبو عبيدة: سمعت رجلا عالما يقول: الرباني ~~العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، (5) العالم بأنباء الأمة (6) ما كان ~~وما يكون، وقيل: الربانيون فوق الأحبار، والأحبار: العلماء، والربانيون: ~~الذين جمعوا مع العلم البصارة بسياسة الناس. # قال المؤرج: كونوا ربانيين تدينون لربكم، من الربوبية، كان في الأصل ربي ~~فأدخلت الألف للتفخيم، ثم أدخلت النون لسكون الألف، كما قيل: صنعاني ~~وبهراني. # وقال المبرد: هم أرباب العلم سموا به لأنهم يربون العلم، ويقومون به ~~ويربون المتعلمين بصغار العلوم PageV02P060 # قبل كبارها، وكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه فقد ربه يربه، واحدها: "ربان" ~~(كما قالوا: ريان) (1) وعطشان وشبعان وعريان ثم ضمت إليه ياء النسبة (2) ~~كما قالوا: لحياني ورقباني. # وحكي عن علي رضي الله عنه أنه قال: هو الذي يرب علمه، بعمله قال محمد بن ~~الحنفية لما مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة. ms0435 {بما كنتم} أي: بما ~~أنتم، كقوله تعالى: " من كان في المهد صبيا " (سورة مريم الآية 29) أي: من ~~هو في المهد {تعلمون الكتاب} قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي " تعلمون " ~~بالتشديد من التعليم وقرأ الآخرون " تعلمون " بالتخفيف من العلم كقوله: ~~{وبما كنتم تدرسون} أي: تقرؤون. ### || # {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون (80) وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81) } # قوله {ولا يأمركم} قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب بنصب الراء عطفا على ~~قوله: ثم يقول، فيكون مردودا على البشر، أي: ولا يأمر ذلك البشر، وقيل: على ~~إضمار "أن" أي: ولا أن يأمركم ذلك البشر، وقرأ الباقون بالرفع على ~~الاستئناف، معناه: ولا يأمركم الله، وقال ابن جريج وجماعة: ولا يأمركم ~~محمد، {أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا} كفعل قريش والصابئين حيث ~~قالوا: الملائكة بنات الله واليهود والنصارى حيث قالوا في المسيح وعزير ما ~~قالوا، {أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} قاله على طريق التعجب ~~والإنكار، يعني: لا يقول هذا. # قوله عز وجل: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة} قرأ ~~حمزة " لما " بكسر اللام وقرأ الآخرون بفتحها فمن كسر اللام فهي لام ~~الإضافة دخلت على ما، ومعناه الذي يريد للذي آتيتكم أي: أخذ ميثاق النبيين ~~لأجل الذي آتاهم من الكتاب والحكمة يعني أنهم أصحاب الشرائع ومن فتح اللام ~~فمعناه: للذي آتيتكم بمعنى الخبر وقيل: بمعنى الجزاء أي: لئن آتيتكم ومهما ~~آتيتكم وجواب الجزاء قوله {لتؤمنن} PageV02P061 # قوله: {لما آتيتكم} قرأ نافع وأهل المدينة " آتيناكم " على التعظيم كما ~~قال: " وآتينا داوود زبورا " (النساء -163) " وآتيناه الحكم صبيا " (سورة ~~مريم 12) وقرأ الآخرون بالتاء لموافقة الخط ولقوله: {وأنا معكم} # واختلفوا في المعني بهذه الآية: فذهب قوم إلى أن الله تعالى أخذ الميثاق ~~على النبيين خاصة أن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده، وأن ms0436 يصدق بعضهم ~~بعضا وأخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء وينصره إن ~~أدركه، وإن لم يدركه أن يأمر قومه بنصرته إن أدركوه، فأخذ الميثاق من موسى ~~أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. # (وقال الآخرون: بما أخذ الله الميثاق منهم في أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم) (1) فعلى هذا اختلفوا: منهم من قال: إنما أخذ الميثاق على أهل الكتاب ~~الذين أرسل منهم النبيين، وهذا قول مجاهد والربيع، ألا ترى إلى قوله {ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} وإنما كان محمد صلى الله ~~عليه وسلم مبعوثا إلى أهل الكتاب دون النبيين يدل عليه أن في قراءة عبد ~~الله بن مسعود وأبي بن كعب {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} وأما ~~القراءة المعروفة {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} فأراد: أن الله أخذ ميثاق ~~النبيين أن يأخذوا الميثاق على أممهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~ويصدقوه وينصروه إن أدركوه. # وقال بعضهم: أراد أخذ الله الميثاق على النبيين، وأممهم جميعا في أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم فاكتفى بذكر الأنبياء لأن العهد مع المتبوع عهد ~~على الأتباع، وهذا معنى قول ابن عباس، وقال علي بن أبي طالب: لم يبعث الله ~~نبيا آدم ومن بعده إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد، وأخذ العهد على قومه ~~ليؤمنن به ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه. # قوله: {ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~{لتؤمنن به ولتنصرنه} يقول الله تعالى للأنبياء حين استخرج الذرية من صلب ~~آدم عليه السلام، والأنبياء فيهم كالمصابيح والسرج، وأخذ عليهم الميثاق في ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم {قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري} أي: قبلتم ~~على ذلكم عهدي، والإصر: العهد الثقيل، {قالوا أقررنا قال} الله تعالى: ~~{فاشهدوا} أي: فاشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم، {وأنا معكم من ~~الشاهدين} عليكم وعليهم، وقال ابن عباس: فاشهدوا، أي: فاعلموا، وقال سعيد ~~بن المسيب 62/ب ms0437 قال الله تعالى للملائكة فاشهدوا عليهم كناية عن غير مذكور. ### || # {فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (82) } # {فمن تولى بعد ذلك} الإقرار، {فأولئك هم الفاسقون} العاصون الخارجون عن ~~الإيمان. PageV02P062 ### || # {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه ~~يرجعون (83) } # {قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون (84) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين (85) كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن ~~الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) أولئك جزاؤهم ~~أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (87) خالدين فيها لا يخفف عنهم ~~العذاب ولا هم ينظرون (88) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله ~~غفور رحيم (89) إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم ~~وأولئك هم الضالون (90) } # قوله عز وجل: {أفغير دين الله يبغون} وذلك أن أهل الكتاب اختلفوا فادعى ~~كل واحد أنه على دين إبراهيم عليه السلام واختصموا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلا الفريقين بريء من دين ~~إبراهيم عليه السلام" فغضبوا وقالوا: لا نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنزل ~~الله تعالى: {أفغير دين الله يبغون} (1) قرأ أبو جعفر وأهل البصرة وحفص عن ~~عاصم {يبغون} بالياء لقوله تعالى {وأولئك هم الفاسقون} وقرأ الآخرون بالتاء ~~لقوله تعالى {لما آتيتكم} ، {وله أسلم} خضع وانقاد، {من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها} فالطوع: الانقياد والاتباع بسهولة، والكره: ما كان بمشقة وإباء ~~من النفس. # واختلفوا في قوله {طوعا وكرها} قال الحسن: أسلم أهل السموات طوعا وأسلم ~~من في الأرض بعضهم طوعا وبعضهم كرها، خوفا من السيف والسبي، وقال مجاهد: ~~طوعا المؤمن، وكرها ذلك الكافر، بدليل: " ولله يسجد من في السموات والأرض ~~طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال " (الرعد -15) وقيل: هذا يوم الميثاق ~~حين قال لهم: " ألست بربكم قالوا ms0438 بلى " (الأعراف -172) فقال بعضهم: طوعا ~~وبعضهم: كرها، وقال قتادة: المؤمن أسلم طوعا فنفعه، والكافر أسلم كرها في ~~وقت البأس فلم ينفعه، قال الله تعالى: " فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا ~~بأسنا " (غافر -85) وقال الشعبي: هو استعاذتهم به عند اضطرارهم كما قال ~~الله تعالى: " فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين " (العنكبوت ~~-65) . # وقال الكلبي: طوعا الذي {ولد} (2) في الإسلام، وكرها الذين أجبروا على ~~الإسلام ممن يسبى منهم فيجاء بهم في السلاسل، {وإليه يرجعون} قرأ بالياء ~~حفص عن عاصم ويعقوب كما قرأ {يبغون} بالياء وقرأ الباقون بالتاء فيهما إلا ~~أبا عمرو فإنه قرأ {يبغون} بالياء و {ترجعون} بالتاء، وقال: لأن الأول خاص ~~والثاني عام، لأن مرجع جميع الخلق إلى الله عز وجل. # قوله تعالى: {قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} PageV02P063 # ذكر الملل والأديان واضطراب الناس فيها، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يقول: {آمنا بالله} الآية. # قوله: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} نزلت في اثني عشر رجلا ~~ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفارا، منهم الحارث بن سويد ~~الأنصاري، فنزلت فيهم {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين} # {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} لفظه استفهام ومعناه جحد، أي: لا ~~يهدي الله، وقيل معناه: كيف يهديهم الله في الآخرة إلى الجنة والثواب ~~{وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين} # {خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} وذلك: أن الحارث بن ~~سويد لما لحق بالكفار ندم، فأرسل إلى قومه: أن سلوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: هل لي من توبة؟ ففعلوا ذلك فأنزل الله تعالى: {إلا الذين تابوا ~~من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} # {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور ms0439 رحيم} (1) لما كان ~~منه، فحملها إليه رجل من قومه وقرأها عليه فقال الحارث: إنك -والله -ما ~~علمت لصدوق وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك وإن الله عز وجل ~~لأصدق الثلاثة، فرجع الحارث إلى المدينة وأسلم وحسن إسلامه. # قوله عز وجل: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا} قال قتادة ~~والحسن: نزلت في PageV02P064 # اليهود كفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم، ثم ~~ازدادوا كفرا بكفرهم (1) بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. # وقال أبو العالية: نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم لما رأوه بعد إيمانهم بنعته وصفته في كتبهم ثم ازدادوا كفرا يعني: ~~ذنوبا في حال كفرهم. # قال مجاهد: نزلت في جميع الكفار أشركوا بعد إقرارهم بأن الله خالقهم، ثم ~~ازدادوا كفرا أي: أقاموا على كفرهم حتى هلكوا عليه (2) . # قال الحسن: ازدادوا كفرا كلما نزلت آية كفروا بها، فازدادوا كفرا وقيل: ~~ازدادوا كفرا بقولهم: نتربص بمحمد ريب المنون. # قال الكلبي: نزلت في الأحد عشر من أصحاب الحارث بن سويد، لما رجع الحارث ~~إلى الإسلام أقاموا هم على الكفر بمكة وقالوا: نقيم على الكفر ما بدا لنا ~~فمتى أردنا الرجعة ينزل فينا ما نزل في الحارث، فلما افتتح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مكة فمن دخل منهم في الإسلام قبلت توبته ونزل فيمن مات منهم ~~كافرا # {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار} الآية. # فإن قيل: قد وعد الله قبول توبة من تاب، فما معنى قوله: {لن تقبل توبتهم ~~وأولئك هم الضالون} قيل: لن تقبل توبتهم إذا (رجعوا في حال المعاينة) (3) ~~كما قال: " وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال ~~إني تبت الآن " سورة النساء الآية (18) . # وقيل هذا في أصحاب الحارث بن سويد حيث أمسكوا عن الإسلام، وقالوا: نتربص ~~بمحمد فإن ساعده الزمان نرجع إلى دينه، لن يقبل منهم ذلك لأنهم متربصون غير ~~محققين، وأولئك هم الضالون. ### || # {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ms0440 ولو ~~افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين (91) } # قوله عز وجل: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء ~~الأرض} أي: قدر ما يملأ الأرض من شرقها إلى غربها، {ذهبا} نصب على التفسير، ~~كقولهم: عشرون درهما. {ولو افتدى به} قيل: معناه لو افتدى به، والواو زائدة ~~مقحمة، {أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين} PageV02P065 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن بشار، أخبرنا غندر، أخبرنا ~~شعبة، عن أبي عمران قال: سمعت أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "يقول الله لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة: لو أن لك ما في الأرض ~~من شيء أكنت تفدي به؟ فيقول: نعم فيقول: أردت منك أهون من ذلك وأنت في صلب ~~آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي" (1) . PageV02P066 ### || # {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به ~~عليم (92) } # قوله تعالى: {لن تنالوا البر} يعني: الجنة، قاله ابن عباس وابن مسعود ~~ومجاهد، وقال مقاتل بن حيان: التقوى، وقيل: الطاعة، وقيل: الخير، وقال ~~الحسن: أن تكونوا أبرارا. # أخبرنا محمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا ~~حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن حماد قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش ~~عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال 63/أرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وما ~~يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن ~~الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ~~ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا" (1) . # قوله تعالى: {حتى تنفقوا مما تحبون} أي: من أحب أموالكم إليكم، روى ~~الضحاك عن ابن عباس: أن المراد منه أداء الزكاة. # وقال مجاهد ms0441 والكلبي: هذه الآية نسختها آية الزكاة، وقال الحسن: كل إنفاق ~~يبتغي به المسلم وجه الله حتى الثمرة ينال به هذا البر وقال عطاء: لن ~~تنالوا البر أي: شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحاء أشحاء. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا ~~أبو مصعب، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك ~~يقول "كان أبو طلحة الأنصاري أكثر أنصاري بالمدينة مالا وكان أحب أمواله ~~إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ~~PageV02P066 # ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية {لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون} قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله إن الله تعالى يقول في كتابه: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} ~~وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، ~~فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخ بخ ذلك ~~مال رابح. أو قال: ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت فيها وإني أرى أن تجعلها ~~في الأقربين، فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه ~~وبني عمه" (1) . # وروي عن مجاهد قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري ~~أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت فدعا بها فأعجبته، فقال: إن الله ~~عز وجل يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} فأعتقها عمر (2) . # وعن حمزة بن عبد الله بن عمر قال: خطرت على قلب عبد الله بن عمر هذه ~~الآية {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} قال ابن عمر: فذكرت ما أعطاني ~~الله عز وجل، فما كان شيء أعجب إلي من فلانة، هي حرة لوجه الله تعالى، قال: ~~لولا أنني لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها (3) . # {وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم} أي: يعلمه ويجازي ms0442 به. ### || # {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن ~~تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) فمن افترى على ~~الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) } # قوله تعالى: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على ~~نفسه من قبل أن تنزل التوراة} سبب نزول هذه الآية: أن اليهود قالوا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: تزعم أنك على ملة إبراهيم؟ وكان إبراهيم لا يأكل ~~لحوم الإبل وألبانها وأنت تأكلها، فلست على ملته! فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "كان ذلك حلالا لإبراهيم عليه السلام" فقالوا: كل ما نحرمه ~~اليوم كان ذلك حراما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية (4) {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل} يريد: سوى الميتة والدم، ~~فإنه لم يكن حلالا قط. PageV02P067 # {إلا ما حرم إسرائيل على نفسه} وهو يعقوب عليه السلام {من قبل أن تنزل ~~التوراة} يعني: ليس الأمر على ما قالوا من حرمة لحوم الإبل وألبانها على ~~إبراهيم، بل كان الكل حلالا له ولبني إسرائيل، وإنما حرمها إسرائيل على ~~نفسه قبل نزول التوراة، يعني: ليست في التوراة حرمتها. # واختلفوا في الطعام الذي حرمه يعقوب على نفسه وفي سببه، قال أبو العالية ~~وعطاء ومقاتل والكلبي: كان ذلك الطعام: لحمان الإبل وألبانها، وروي أن ~~يعقوب مرض مرضا شديدا فطال سقمه فنذر لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب ~~الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل وأحب الشراب إليه ~~ألبانها فحرمهما. # وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك: هي العروق. # وكان السبب في ذلك أنه اشتكى عرق النسا وكان أصل وجعه فيما روى جويبر ~~ومقاتل عن الضحاك: أن يعقوب كان نذر إن وهبه الله اثنى عشر ولدا وأتى بيت ~~المقدس صحيحا أن يذبح آخرهم فتلقاه ملك [من الملائكة] (1) فقال: يا يعقوب ~~إنك رجل قوي فهل لك في الصراع، فعالجه فلم يصرع واحد منهما صاحبه فغمزه ~~الملك غمزة فعرض له ms0443 عرق النسا من ذلك، ثم قال له: أما إني لو شئت أن أصرعك ~~لفعلت ولكن غمزتك هذه الغمزة لأنك كنت نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحا ذبحت ~~آخر ولدك، فجعل الله لك بهذه الغمزة من ذلك مخرجا، فلما قدمها يعقوب أراد ~~ذبح ولده ونسي قول الملك فأتاه الملك وقال: إنما غمزتك للمخرج وقد وفي نذرك ~~فلا سبيل لك إلى ولدك. # وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أقبل يعقوب من حران يريد بيت المقدس ~~حين هرب من أخيه عيصو: وكان رجلا بطيشا قويا فلقيه ملك فظن يعقوب أنه لص ~~فعالجه أن يصرعه فغمز الملك فخذ يعقوب، ثم صعد إلى السماء ويعقوب عليه ~~السلام ينظر إليه، فهاج به عرق النسا ولقي من ذلك بلاء وشدة وكان لا ينام ~~بالليل من الوجع، ويبيت وله زقاء، أي: صياح، فحلف يعقوب لئن شفاه الله أن ~~لا يأكل عرقا ولا طعاما فيه عرق، فحرمه على نفسه، فكان بنوه بعد ذلك يتبعون ~~العروق يخرجونها من اللحم. # وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: لما أصاب يعقوب عرق النس وصف له ~~الأطباء أن يجتنب لحمان الإبل فحرمها يعقوب على نفسه. # وقال الحسن: حرم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبدا لله تعالى: فسأل ربه ~~أن يجيز له ذلك فحرمه الله على ولده (2) . PageV02P068 # ثم اختلفوا في حال هذا الطعام المحرم على بني إسرائيل بعد نزول التوراة، ~~وقال السدي: حرم الله عليهم في التوراة ما كانوا يحرمونه قبل نزولها، وقال ~~عطية: إنما كان محرما عليهم بتحريم إسرائيل فإنه كان قد قال: لئن عافاني ~~الله لا يأكله لي ولد، ولم يكن محرما عليهم في التوراة، وقال الكلبي: لم ~~يحرمه الله {عليهم} (1) في التوراة وإنما حرم عليهم بعد التوراة بظلمهم، ~~كما قال الله تعالى: " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم " ~~(سورة النساء الآية 160) وقال الله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ~~ظفر} إلى أن قال: " ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون " (سورة الأنعام الآية ~~(146) وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا ms0444 عظيما حرم الله عليهم طعاما طيبا ~~أو صب عليهم رجزا وهو الموت. # وقال الضحاك: لم يكن شيء من ذلك حراما عليهم ولا حرمه الله في التوراة، ~~وإنما حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم، ثم أضافوا تحريمه إلى الله، فكذبهم ~~الله عز وجل فقال: {قل} يا محمد {فأتوا بالتوراة فاتلوها} حتى يتبين أنه ~~كما قلتم، {إن كنتم صادقين} فلم يأتوا. 63/ب فقال الله عز وجل: # فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ### || # {قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (95) إن أول ~~بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) فيه آيات بينات مقام ~~إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ~~ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97) قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات ~~الله والله شهيد على ما تعملون (98) } # {قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} وإنما ~~دعاهم إلى اتباع ملة إبراهيم لأن في اتباع ملة إبراهيم اتباعه صلى الله ~~عليه وسلم. # قوله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا} سبب [نزول هذه ~~الآية] (2) أن اليهود قالوا للمسلمين: بيت المقدس قبلتنا، وهو أفضل من ~~الكعبة وأقدم، وهو مهاجر الأنبياء، وقال المسلمون بل الكعبة أفضل، فأنزل ~~الله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين} # {فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا} وليس شيء من هذه ~~الفضائل لبيت المقدس. PageV02P069 # واختلف العلماء في قوله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة} فقال ~~بعضهم: هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق [السماء] (1) والأرض، خلقه ~~الله قبل الأرض بألفي عام، وكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من ~~تحته، هذا قول عبد الله بن عمر ومجاهد وقتادة والسدي. # وقال بعضهم: هو أول بيت بني في الأرض، روي عن علي بن الحسين: أن الله ~~تعالى وضع تحت العرش بيتا وهو البيت المعمور، وأمر الملائكة أن يطوفوا به، ms0445 ~~ثم أمر الملائكة الذين هم سكان الأرض أن يبنوا في الأرض بيتا على مثاله ~~وقدره، فبنوا واسمه الضراح، وأمر من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل ~~السماء بالبيت المعمور. # وروي أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي عام، وكانوا يحجونه، فلما حجه ~~آدم، قالت الملائكة: بر حجك يا آدم حججنا هذا البيت قبلك بألف عام، ويروى ~~عن ابن عباس أنه قال: أراد به أنه أول بيت بناه آدم في الأرض، وقيل: هو أول ~~بيت مبارك وضع [في الأرض] (2) هدى للناس، يروى ذلك عن علي بن أبي طالب، قال ~~الضحاك: أول بيت وضع فيه البركة وقيل: أول بيت وضع للناس يحج إليه. وقيل: ~~أول بيت جعل قبلة للناس. وقال الحسن والكلبي: معناه: أول مسجد ومتعبد وضع ~~للناس يعبد الله فيه كما قال الله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع} يعني ~~المساجد (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا عبد الواحد، ~~أنا الأعمش، أخبرنا إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، قال سمعت أبا ذر ~~يقول: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولا؟ قال: "المسجد الحرام، ~~قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم ~~أينما أدركتك الصلاة بعد فصل فإن الفضل فيه" (4) . # قوله تعالى: {للذي ببكة} قال جماعة: هي مكة نفسها، وهو قول الضحاك، ~~والعرب تعاقبت بين الباء والميم، فتقول: سبد رأسه وسمده وضربة لازب ولازم، ~~وقال الآخرون: بكة موضع البيت ومكة اسم البلد كله. # وقيل: بكة موضع البيت والمطاف، سميت بكة: لأن الناس يتباكون فيها، أي ~~يزدحمون يبك بعضهم بعضا، ويصلي بعضهم بين يدي بعض ويمر بعضهم بين يدي بعض. ~~PageV02P070 # وقال عبد الله بن الزبير: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة، أي تدقها ~~فلم يقصدها جبار بسوء إلا قصمه الله. # وأما مكة سميت بذلك لقلة مائها من قول العرب: مك الفصيل ضرع أمه وامتكه ms0446 ~~إذا امتص كل ما فيه من اللبن، وتدعى أم رحم لأن الرحمة تنزل بها. # {مباركا} نصب على الحال أي: ذا بركة {وهدى للعالمين} لأنه قبلة المؤمنين ~~{فيه آيات بينات} قرأ ابن عباس {آية بينة} على الواحدان، وأراد مقام ~~إبراهيم وحده، وقرأ الآخرون {آيات بينات} بالجمع فذكر منها مقام إبراهيم ~~[وهو الحجر] (1) الذي قام عليه إبراهيم، وكان أثر قدميه فيه فاندرس من كثرة ~~المسح بالأيدي، ومن تلك الآيات: الحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر كلها، ~~وقيل: مقام إبراهيم جميع الحرم، ومن الآيات في البيت أن الطير تطير فلا ~~تعلو فوقه، وأن الجارحة إذا قصدت صيدا فإذا دخل الصيد الحرم كفت عنه، وإنه ~~بلد صدر إليه الأنبياء والمرسلون والأولياء والأبرار، وإن الطاعة والصدقة ~~فيها تضاعف بمائة ألف. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي، أخبرنا ~~أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، أخبرنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري، ~~أنا مالك بن أنس عن زيد بن رباح وعبيد الله بن أبي عبد الله عن أبي عبد ~~الله الأغر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة في ~~مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" (2) . # قوله عز وجل: {ومن دخله كان آمنا} أن يحاج فيه، وذلك بدعاء إبراهيم عليه ~~السلام حيث قال: رب اجعل هذا بلدا آمنا، وكانت العرب في الجاهلية يقتل ~~بعضهم بعضا ويغير بعضهم على بعض ومن دخل الحرم أمن من القتل والغارة، وهو ~~المراد من الآية على قول الحسن وقتادة وأكثر المفسرين قال الله تعالى: " ~~أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم " (سورة العنكبوت ~~الآية 67) وقيل: المراد به أن من دخله عام عمرة القضاء مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان آمنا، كما قال تعالى: " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله آمنين " (سورة الفتح الآية 27) وقيل: هو خبر بمعنى الأمر تقديره: ومن ~~دخله فأمنوه، كقوله تعالى: " فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " (البقرة ms0447 ~~-197) أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا، حتى ذهب بعض أهل العلم إلى أن من وجب عليه ~~القتل قصاصا أو حدا فالتجأ إلى الحرم فلا يستوفى منه فيه، ولكنه [لا يطعم] ~~(3) ولا يبايع ولا يشارى حتى يخرج منه فيقتل، قاله ابن عباس، PageV02P071 # وبه قال أبو حنيفة، وذهب قوم إلى أن القتل الواجب بالشرع يستوفى فيه أما ~~إذا ارتكب الجريمة في الحرم يستوفى فيه عقوبته بالاتفاق. # وقيل: معناه ومن دخله معظما له متقربا إلى الله عز وجل كان آمنا يوم ~~القيامة من العذاب. # قوله عز وجل: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} أي: ولله ~~فرض واجب على الناس حج البيت، قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وحفص {حج البيت} ~~بكسر الحاء في هذا الحرف خاصة، وقرأ الآخرون بفتح الحاء، وهي لغة أهل ~~الحجاز، وهما لغتان فصيحتان ومعناهما واحد. # والحج أحد أركان الإسلام، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد ~~بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد ~~الله بن موسى، أنا حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~64/أوالحج وصوم رمضان (1) . # قال أهل العلم: ولوجوب الحج خمس شرائط: الإسلام والعقل والبلوغ والحرية ~~والاستطاعة، فلا يجب على الكافر ولا على المجنون، ولو حجا بأنفسهما لا يصح ~~لأن الكافر ليس من أهل القربة ولا حكم [لفعل] (2) المجنون، ولا يجب على ~~الصبي ولا على العبد، ولو حج صبي يعقل، أو عبد يصح حجهما تطوعا لا يسقط به ~~فرض الإسلام عنهما فلو بلغ الصبي، أو عتق العبد بعدما حج واجتمع في حقه ~~شرائط [وجوب] (3) الحج وجب عليه أن يحج ثانيا، ولا يجب على غير المستطيع، ~~لقوله تعالى: {من استطاع إليه سبيلا} غير أنه لو تكلف فحج يسقط عنه فرض ~~الإسلام. # والاستطاعة نوعان، أحدهما: أن يكون ms0448 مستطيعا [بنفسه] (4) والآخر: أن يكون ~~مستطيعا بغيره، أما الاستطاعة بنفسه أن يكون قادرا بنفسه على الذهاب ووجد ~~الزاد والراحلة، أخبرنا عبد الواحد بن محمد الكسائي الخطيب، ثنا عبد العزيز ~~بن أحمد الخلال، ثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا ~~الشافعي، أخبرنا سعيد بن سالم، عن إبراهيم بن يزيد، عن محمد بن عباد بن ~~جعفر، قال: قعدنا إلى عبد الله PageV02P072 # ابن عمر فسمعته يقول: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما ~~الحاج؟ قال: "الشعث التفل" فقام رجل آخر فقال: يا رسول الله: أي الحج أفضل؟ ~~قال: "العج والثج" فقام رجل آخر فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: "زاد ~~وراحلة" (1) . # وتفصيله: أن يجد راحلة تصلح لمثله، ووجد الزاد للذهاب والرجوع، فاضلا عن ~~نفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم وكسوتهم لذهابه ورجوعه، وعن دين يكون عليه، ~~ووجد رفقة يخرجون في وقت جرت عادة أهل بلده بالخروج في ذلك الوقت، فإن ~~خرجوا قبله أو أخروا الخروج إلى وقت لا يصلون إلا أن يقطعوا كل يوم أكثر من ~~مرحلة لا يلزمهم الخروج [في ذلك الوقت] (2) ويشترط أن يكون الطريق آمنا فإن ~~كان فيه خوف من عدو مسلم أو كافر أو رصدي يطلب شيئا لا يلزمه، ويشترط أن ~~تكون المنازل المأهولة معمورة يجد فيها الزاد والماء، فإن كان زمان جدوبة ~~تفرق أهلها أو غارت مياهها فلا يلزمه، ولو لم يجد الراحلة لكنه قادر على ~~المشي، أو لم يجد الزاد ولكن يمكنه أن يكتسب في الطريق لا يلزمه الحج، ~~ويستحب لو فعل، وعند مالك يلزمه. # أما الاستطاعة بالغير هو: أن يكون الرجل عاجزا بنفسه، بأن كان زمنا أو به ~~مرض غير مرجو الزوال، لكن له مال يمكنه أن يستأجر من يحج عنه، يجب عليه أن ~~يستأجر، أو لم يكن له مال لكن بذل له ولده أو أجنبي الطاعة في أن يحج عنه، ~~يلزمه أن يأمره إذا كان يعتمد صدقه، لأن وجوب الحج [يتعلق] (3) بالاستطاعة، ~~ويقال في العرف: فلان مستطيع لبناء دار وإن ms0449 كان لا يفعله بنفسه، وإنما ~~يفعله بماله أو بأعوانه. # وعند أبي حنيفة لا يجب الحج ببذل الطاعة، وعند مالك لا يجب على المعضوب ~~في المال. # وحجة من أوجبه ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا ~~أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار ~~عن عبد الله بن عباس أنه قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر ~~إليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، ~~فقالت: يا رسول الله إن فريضة PageV02P073 # الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على ~~الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم" (1) . # قوله تعالى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} قال ابن عباس والحسن ~~وعطاء: جحد فرض الحج، وقال مجاهد: من كفر بالله واليوم الآخر. # وقال سعيد بن المسيب: نزلت في اليهود حيث قالوا: الحج إلى مكة غير واجب. # وقال السدي: هو من وجد ما يحج به ثم لم يحج حتى مات فهو كفر به أخبرنا ~~أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو ~~الحسن الكلماتي، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر، أخبرنا سهل بن عمار، أخبرنا ~~يزيد بن هارون، أخبرنا شريك، عن الليث عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لم تحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو ~~سلطان جائر، ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا" (2) . ### || # {قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم ~~شهداء وما الله بغافل عما تعملون (99) } # قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لما تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما ~~تعملون} # {قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله} أي: لم تصرفون عن دين الله، ~~{من آمن تبغونها} PageV02P074 # تطلبونها، {عوجا} زيغا وميلا يعني: ms0450 لم تصدون عن سبيل الله باغين لها ~~عوجا؟ قال أبو عبيدة: العوج -بالكسر -في الدين والقول والعمل والعوج ~~-بالفتح -في الجدار، وكل شخص قائم، {وأنتم شهداء وما الله بغافل عما ~~تعملون} [أن في التوراة مكتوبا] (1) نعت محمد صلى الله عليه وسلم وإن دين ~~الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام. ### || # {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد ~~إيمانكم كافرين (100) } # {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب} قال زيد بن ~~أسلم: إن شاس بن قيس اليهودي -وكان شيخا عظيم الكفر شديد الطعن على ~~المسلمين -مر على نفر من الأوس والخزرج في مجلس جمعهم يتحدثون، فغاظه ما ~~رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهلية ~~من العداوة، قال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد لا والله ما لنا معهم ~~إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شابا من اليهود كان معه فقال: اعمد إليهم ~~واجلس معهم ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا ~~فيه من الأشعار، وكان بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس مع الخزرج وكان الظفر فيه ~~للأوس على الخزرج، ففعل وتكلم فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى ~~تواثب رجلان من الحيين على الركب، أوس بن قبطي أحد بني حارثة من الأوس، ~~وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن ~~شئتم والله رددتها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعا وقالا قد فعلنا السلاح ~~السلاح موعدكم الظاهرة، وهي حرة فخرجوا إليها، وانضمت الأوس والخزرج بعضها ~~إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية فبلغ ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم. فقال صلى الله ~~عليه وسلم: يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ ~~أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر (2) الجاهلية، وألف بينكم؟ ترجعون ~~إلى ما كنتم عليه كفارا، الله الله!! فعرف القوم أنها ms0451 نزغة من 64/ب الشيطان ~~وكيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين فأنزل الله تعالى فيهم هذه ~~PageV02P075 # الآية (1) . # {يردوكم بعد إيمانكم كافرين} قال جابر: فما رأيت قط يوما أقبح أولا وأحسن ~~آخرا من ذلك اليوم، ثم قال الله تعالى على وجه التعجب: PageV02P076 ### || # {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله ~~فقد هدي إلى صراط مستقيم (101) } # {وكيف تكفرون} يعني: ولم تكفرون؟ {وأنتم تتلى عليكم آيات الله} القرآن، ~~{وفيكم رسوله} محمد صلى الله عليه وسلم. # قال قتادة في هذه الآية علمان بينان: كتاب الله ونبي الله أما نبي الله ~~فقد مضى وأما كتاب الله فأبقاه بين أظهركم رحمة من الله ونعمة. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي، أخبرنا أبو عبد الله ~~محمد بن عبد الله الحافظ، أنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب بن يوسف العدل، ~~أخبرنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب العبدي أنا أبو جعفر بن عوف أخبرنا أبو ~~حيان يحيى بن سعيد بن حبان [عن يزيد بن حيان] (1) قال: سمعت زيد بن أرقم ~~قال: "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خطيبا، فحمد الله ~~وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ~~ربي فأجيبه، وإني تارك فيكم الثقلين أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، ~~فتمسكوا بكتاب الله وخذوا به فحث عليه ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي أذكركم ~~الله في أهل بيتي (2) . # قوله تعالى {ومن يعتصم بالله} أي: يمتنع بالله ويستمسك بدينه وطاعته، ~~{فقد هدي إلى صراط مستقيم} طريقا واضح، وقال ابن جريج ومن يعتصم بالله أي: ~~يؤمن بالله، وأصل العصمة: المنع، فكل مانع شيئا فهو عاصم له. PageV02P076 ### || # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~(102) } # قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} قال مقاتل بن ~~حيان: كان بين الأوس والخزرج ms0452 عداوة في الجاهلية وقتال حتى هاجر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأصلح بينهم فافتخر بعده منهم رجلان: ~~ثعلبة بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج، فقال الأوسي: منا خزيمة ~~بن ثابت ذو الشهادتين، ومنا حنظلة غسيل الملائكة، ومنا عاصم بن ثابت بن ~~أفلح حمي الدبر، ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز [لموته] (1) عرش الرحمن ورضي ~~الله بحكمه في بني قريظة. # وقال الخزرجي: منا أربعة أحكموا القرآن: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد ~~بن ثابت، وأبو زيد، ومنا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم، فجرى الحديث ~~بينهما فغضبا وأنشدا الأشعار وتفاخرا، فجاء الأوس والخزرج ومعهم السلاح ~~فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} (2) . # وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس: هو أن يطاع فلا يعصى، قال مجاهد: أن ~~تجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لومة لائم وتقوموا لله ~~بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم. وعن أنس أنه قال: لا يتقي الله ~~عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه. # قال أهل التفسير: فلما نزلت هذه الآية شق ذلك عليهم، فقالوا: يا رسول ~~الله ومن يقوى على هذا؟ فأنزل الله تعالى: " فاتقوا الله ما استطعتم " ~~(التغابن 16) فنسخت هذه الآية وقال مقاتل: ليس في آل عمران من المنسوخ إلا ~~هذا. (3) . # {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} أي: مؤمنون، وقيل مخلصون مفوضون أموركم إلى ~~الله عز وجل وقال الفضيل: محسنون الظن بالله. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو بكر العبدوسي، أخبرنا أبو ~~بكر بن محمد بن حمدون بن خالد بن يزيد، أخبرنا سليمان بن سيف، أخبرنا وهب ~~بن جرير، أنا شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد عن عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس اتقوا الله ~~حق تقاته فلو أن قطرة من الزقوم قطرت على الأرض لأمرت على أهل الدنيا ~~معيشتهم، فكيف بمن ms0453 هو طعامه وليس له طعام غيره"؟ (4) . PageV02P077 ### || # {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم ~~أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103) } # قوله عز وجل: {واعتصموا بحبل الله جميعا} الحبل: السبب الذي [يتوصل] (1) ~~به إلى البغية وسمي الإيمان حبلا لأنه سبب يتوصل به إلى زوال الخوف. # واختلفوا في معناه هاهنا، قال ابن عباس: معناه تمسكوا بدين الله، وقال ~~ابن مسعود: هو الجماعة، وقال: عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر الله ~~به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة. وقال مجاهد ~~وعطاء: بعهد الله، وقال قتادة والسدي: هو القرآن، وروي عن ابن مسعود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور ~~المبين، والشفاء النافع، وعصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه" (2) وقال مقاتل ~~بن حيان: بحبل الله: أي بأمر الله وطاعته، {ولا تفرقوا} كما PageV02P078 # [افترقت] (1) اليهود والنصارى، أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن ~~أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي ~~صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ~~ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن تناصحوا من ولى الله ~~أمركم، ويسخط لكم: قيل وقال، وإضاعة المال وكثرة السؤال" (2) . # قوله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم} ~~قال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره من أهل الأخبار: كانت الأوس والخزرج أخوين ~~لأب وأم فوقعت بينهما عداوة بسبب قتيل، فتطاولت تلك العداوة والحرب بينهم ~~عشرين ومائة سنة إلى أن أطفأ الله عز وجل ذلك بالإسلام وألف [بينهم] (3) ~~برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وكان سبب ألفتهم أن سويد بن الصامت أخا بني ~~عمرو بن عوف وكان ms0454 شريفا يسميه قومه الكامل لجلده ونسبه، قدم مكة حاجا أو ~~معتمرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث وأمر بالدعوة، فتصدى له ~~حين سمع به ودعاه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام فقال له سويد: فلعل الذي ~~معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: [وما الذي معك ~~قال: مجلة لقمان يعني حكمته فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم] (4) ~~اعرضها علي فعرضها، فقال: إن هذا لكلام حسن، معي أفضل من هذا قرآن أنزله ~~الله علي نورا وهدى فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم [يبعد] (5) منه ~~وقال: إن هذا [لقول] (6) حسن، ثم انصرف إلى المدينة فلم يلبث أن قتلته ~~الخزرج قبل يوم بعاث فإن قومه ليقولون: قد قتل وهو مسلم. # ثم قدم أبو الحيسر أنس بن رافع ومعه 65/أفئة من بني الأشهل فيهم إياس بن ~~معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قوم من الخزرج، فلما سمع بهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أتاهم فجلس إليهم، فقال: هل لكم إلى خير مما جئتم له؟ ~~فقالوا: وما ذلك؟ قال: أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن لا ~~يشركوا بالله شيئا، وأنزل علي الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم ~~القرآن، فقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا: أي قوم هذا والله خير مما جئتم ~~له، فأخذ أبو الحيسر حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس PageV02P079 # وقال: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس وقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عنهم، وانصرفوا إلى المدينة وكانت وقعة بعاث بين الأوس ~~والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. # فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل ~~العرب كما كان يصنع في كل موسم، فلقي عند العقبة رهطا من الخزرج أراد الله ~~بهم خيرا، وهم ستة نفر: أسعد بن زرارة، ms0455 وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء، ~~ورافع بن مالك العجلاني، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، ~~وجابر بن عبد الله، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنتم؟ ~~قالوا: نفر من الخزرج، قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم: قال: أفلا تجلسون ~~حتى أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم ~~الإسلام وتلا عليهم القرآن. # قالوا: وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام أن يهودا كانوا معهم ~~ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وهم كانوا أهل أوثان وشرك، وكانوا إذا كان ~~منهم شيء قالوا: إن نبيا الآن مبعوث قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل ~~عاد وإرم، فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى ~~الله عز وجل قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه النبي الذي توعدكم به ~~يهود، فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه وصدقوه وأسلموا، وقالوا: إنا قد تركنا ~~قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم وعسى الله أن يجمعهم بك، ~~وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. # ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم قد آمنوا ~~به صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم يبق دار من دور الأنصار إلا ~~وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان العام المقبل وافى ~~الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا وهم: أسعد بن زرارة، وعوف، ومعاذ ابنا ~~عفراء، ورافع بن مالك بن العجلان، وذكوان بن عبد القيس، وعبادة بن الصامت، ~~ويزيد بن ثعلبة، وعباس بن عبادة، وعقبة بن عامر، وقطبة بن عامر، وهؤلاء ~~خزرجيون وأبو الهيثم بن التيهان، وعويمر بن ساعدة من الأوس، فلقوه بالعقبة ~~وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، ~~على أن لا يشركوا بالله شيئا ولا ms0456 يسرقوا ولا يزنوا، إلى آخر الآية فإن ~~وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم شيئا من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة ~~له، وإن ستر عليكم فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم، قال: ~~وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب. # قال: فلما انصرف القوم بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن ~~عمير بن هاشم بن عبد مناف، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم ~~في الدين، وكان مصعب يسمى بالمدينة المقرئ، وكان منزله على أسعد بن زرارة، ~~ثم إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب فدخل به حائطا، من حوائط بني ظفر، # PageV02P080 # فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن ~~حضير: انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا ~~فازجرهما، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي ولولا ذاك لكفيتكه، وكان سعد بن ~~معاذ وأسيد بن حضير سيدي قومهما من بني عبد الأشهل وهما مشركان، فأخذ أسيد ~~بن حضير حربته ثم أقبل إلى مصعب وأسعد وهما جالسان في الحائط، فلما رآه ~~أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: ~~إن يجلس أكلمه قال: فوقف عليهما متشتما فقال: ما جاء بكم إلينا تسفهان ~~ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أو تجلس ~~فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره، قال: أنصفت ثم ركز ~~حربته وجلس إليهما فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن فقالا والله ~~لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به، في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما ~~أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ ~~قالا له: تغتسل وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق [ثم تصلي ركعتين فقام ~~فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق] (1) ثم قام وركع ركعتين ثم قال لهما: ~~إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، ~~سعد بن معاذ، ثم ms0457 أخذ حربته فانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم فلما ~~نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه ~~الذي ذهب من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت ~~الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا فافعل ما أحببت، وقد ~~حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ~~ابن خالتك ليحقروك فقام سعد [مغضبا] (2) مبادرا للذي ذكر له من بني حارثة، ~~فأخذ الحربة ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا فلما رآهما مطمئنين عرف أن ~~أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما فوقف عليهما متشتما ثم قال لأسعد بن زرارة: ~~لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره ~~وقد قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد قومه، إن يتبعك لم يخالفك منهم أحد، ~~فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته ~~عزلنا عنك ما تكره، قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام ~~وقرأ عليه القرآن قالأ 65/ب فعرفنا والله في وجهه الإسلام: قبل أن يتكلم به ~~في إشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا ~~الدين؟ قالا تغتسل وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم [تصلي] (3) ركعتين ~~فقام واغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل ~~عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف ~~بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم ~~قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا ~~وأيمننا نقيبة قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ~~ورسوله، قال: فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلم أو ~~مسلمة، ورجع أسعد بن زرارة ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده ms0458 يدعو ~~الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال مسلمون ~~ونساء مسلمات إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف، وذلك ~~أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت الشاعر، وكانوا يسمعون منه ويطيعونه فوقف ~~بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى ~~بدر وأحد والخندق. # قالوا: ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار من المسلمين ~~سبعون رجلا مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق وهي بيعة العقبة الثانية. # قال كعب بن مالك -وكان قد شهد ذلك -فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي ~~واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو ~~جابر أخبرناه وكنا نكتم عمن معنا من المشركين من قومنا أمرنا فكلمناه، ~~وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك ~~عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ودعوناه إلى الإسلام فأسلم، وأخبرناه ~~بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معنا العقبة، وكان نقيبا، فبتنا ~~تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشعب ~~عند العقبة، ونحن سبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب أم ~~عمارة إحدى نساء بني النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي أم منيع إحدى نساء بني ~~سلمة، فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه ~~عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ~~ابن أخيه، ويتوثق له، فلما جلسنا كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب، ~~فقال: يا معشر الخزرج -وكانت العرب يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج ~~خزرجها وأوسها -إن محمدا صلى ms0459 الله عليه وسلم منا حيث قد علمتم، وقد منعناه ~~من قومنا ممن هو على مثل رأينا وهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وأنه قد ~~أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما ~~دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون ~~أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة. # قال: فقلنا قد سمعنا ما قلت: فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك ولربك ما شئت. # قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب ~~في الإسلام، ثم قال أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه [أنفسكم ~~ونساءكم] (4) وأبناءكم، قال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي ~~PageV02P081 # بعثك بالحق نبيا لنمنعك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن ~~أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر. # قال: [فاعترض] (1) القول -والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~-أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالا ~~يعني العهود، وإنا قاطعوها فهل عسيت إن فعلنا نحن ذلك ثم أظهرك الله أن ~~ترجع إلى قومك وتدعنا، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: الدم ~~الدم والهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ~~كفلاء على قومهم بما فيهم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم" فأخرجوا اثني ~~عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. # قال عاصم بن عمرو بن قتادة: إن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج هل ~~تدرون علاما تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإن ~~كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلى أسلمتموه، فمن الآن، ~~فهو والله إن فعلتم خزي في الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم ms0460 وافون له ~~بما دعوتموه إليه من تهلكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير ~~الدنيا والآخرة. # قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول ~~الله إن نحن وفينا؟ قال: "الجنة" قال: ابسط يدك فبسط يده فبايعوه، وأول من ~~ضرب على يده البراء بن معرور ثم تتابع (2) القوم، فلما بايعنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت ما سمعته قط: يا ~~أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصباة قد اجتمعوا على حربكم، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: هذا عدو الله، هذا أزب العقبة، اسمع أي عدو الله أما ~~والله لأفرغن لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفضوا إلى رحالكم. # فقال العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق لئن شئت [لنميلن] (3) ~~غدا على أهل منى بأسيافنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم نؤمر ~~بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم. # قال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا ~~جلة قريش حتى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم ~~صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا PageV02P083 # وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب ~~الحرب بيننا وبينهم [منكم] (1) قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون ~~لهم بالله: ما كان من هذا شيء وما علمناه وصدقوا، ولم يعلموا، وبعضنا ينظر ~~إلى بعض، وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة [المخزومي] (2) وعليه ~~نعلان جديدان، قال فقلت له كلمة كأني أريد أن 66/أأشرك القوم بها فيما ~~قالوا يا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى ~~من قريش، قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلي وقال: والله ~~لتنتعلنهما قال يقول أبو جابر رضي الله عنه: مه والله أحفظت الفتى فاردد ~~إليه نعليه، قال: لا أردهما فأل -والله -صالح والله لئن صدق الفأل ~~[لأسلبنه] (3) . # قال: ثم انصرف الأنصار إلى ms0461 المدينة وقد شددوا العقد، فلما قدموها أظهروا ~~الإسلام بها وبلغ ذلك قريشا فآذوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "إن الله تعالى قد جعل لكم إخوانا ~~ودارا تأمنون فيها" فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من ~~الأنصار. # فأول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ثم عامر بن ~~ربيعة ثم عبد الله بن جحش ثم تتابع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أرسالا إلى المدينة فجمع الله أهل المدينة أوسها وخزرجها بالإسلام، وأصلح ~~ذات بينهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (4) . # قال الله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم} يا معشر الأنصار {إذ كنتم ~~أعداء} قبل الإسلام {فألف بين قلوبكم} بالإسلام، {فأصبحتم} أي فصرتم، ~~{بنعمته} برحمته وبدينه الإسلام، {إخوانا} في الدين والولاية بينكم {وكنتم} ~~يا معشر الأوس والخزرج {على شفا حفرة من النار} أي على طرف حفرة مثل شفا ~~البئر معناه: كنتم على طرف حفرة من النار ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا ~~أن تموتوا على كفركم، {فأنقذكم} الله {منها} بالإيمان، {كذلك يبين الله لكم ~~آياته لعلكم تهتدون} ### || # {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وأولئك هم المفلحون (104) } # {ولتكن منكم أمة} أي: كونوا أمة، {من} صلة ليست للتبعيض، كقوله تعالى: " ~~فاجتنبوا الرجس من الأوثان " PageV02P084 # (الحج -30) لم يرد اجتناب بعض الأوثان بل أراد فاجتنبوا الأوثان، واللام ~~في قوله {ولتكن} لام الأمر، {يدعون إلى الخير} إلى الإسلام، {ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} # أخبرنا إسماعيل عبد القاهر، قال أنا عبد الغافر بن محمد، قال أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم (1) بن محمد بن سفيان، ثنا مسلم بن ~~الحجاج، حدثنا أبو بكر محمد بن أبي شيبة، أخبرنا وكيع، عن سفيان، عن قيس بن ~~مسلم، عن طارق بن شهاب، قال قال أبو سعيد رضي الله عنهما سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه فإن ms0462 لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" (2) . # أخبرنا أبو عبد الله بن الفضل الخرقي، قال أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، ~~أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، أخبرنا علي ~~بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أنا عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد ~~الرحمن الأشهلي، عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي ~~بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم ~~عذابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم" (3) . # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنا علي بن ~~الحسين الدراوردي أخبرنا أبو النعمان، أخبرنا عبد العزيز بن مسلم القسملي، ~~أنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت أبا بكر الصديق رضي ~~الله عنه يقول: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا ~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} فإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله ~~تعالى بعذابه" (4) . PageV02P085 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمرو بن حفص بن غياث، أخبرنا أبي ~~أنا الأعمش حدثني الشعبي أنه سمع النعمان بن بشير رضي الله عنه يقول: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل المداهن في حدود الله تعالى والواقع فيها، ~~كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها، ~~فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به فأخذ ~~فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: مالك؟ فقال تأذيتم بي ولا بد ~~لي من الماء (1) فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم وإن تركوه أهلكوه ~~وأهلكوا أنفسهم" (2) . ### || # {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم ~~عذاب ms0463 عظيم (105) } # قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات} قال أكثر المفسرين: هم اليهود والنصارى، وقال بعضهم: المبتدعة من ~~هذه الأمة، وقال أبو أمامة رضي الله عنه هم الحرورية بالشام. # قال عبد الله بن شداد: وقف أبو أمامة وأنا معه على رأس (3) الحرورية ~~بالشام فقال: هم كلاب النار، كانوا مؤمنين فكفروا بعد إيمانهم ثم قرأ {ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} إلى قوله تعالى ~~{أكفرتم بعد إيمانكم} # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسن بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، ~~أخبرنا معمر، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن الزبير، أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سره أن ~~سره بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد" ~~(4) . PageV02P086 # قوله تعالى: {وأولئك لهم عذاب عظيم} ### || # {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) } # {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} {يوم} نصب على الظرف أي: في يوم وانتصاب ~~الظرف على التشبيه بالمفعول، يريد: تبيض وجوه المؤمنين وتسود وجوه الكافرين ~~وقيل: تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين. # وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ هذه الآية قال تبيض ~~وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. # قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس إذا كان يوم القيامة رفع لكل قوم ما ~~كانوا يعبدونه، فيسعى كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، وهو قوله تعالى: " نوله ~~ما تولى " (النساء -115) فإذا انتهوا إليه حزنوا فتسود وجوههم من الحزن، ~~وبقي أهل القبلة واليهود والنصارى لم يعرفوا شيئا مما رفع لهم فيأتيهم الله ~~فيسجد له من كان يسجد في الدنيا مطيعا مؤمنا ويبقى أهل الكتاب والمنافقون ~~لا يستطيعون السجود، ثم يؤذن لهم فيرفعون رؤوسهم ووجوه المؤمنين مثل الثلج ~~بياضا والمنافقون ms0464 وأهل الكتاب إذا نظروا إلى وجوه المؤمنين حزنوا حزنا ~~شديدا فاسودت وجوههم فيقولون: ربنا ما لنا مسودة وجوهنا فوالله ما كنا ~~مشركين؟ فيقول الله للملائكة: " انظروا كيف كذبوا على أنفسهم " (الأنعام ~~-24) . # قال أهل المعاني: ابيضاض الوجوه: إشراقها واستبشارها وسرورها بعلمها ~~وبثواب الله، واسودادها: حزنها وكآبتها وكسوفها بعملها وبعذاب الله، يدل ~~عليه قوله تعالى: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ~~ذلة " (يونس -26) وقال تعالى: " والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ~~وترهقهم ذلة " 66/ب (يونس -27) وقال: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ~~ووجوه يومئذ باسرة " (القيامة 22 -24) وقال " وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة ~~مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة " (عبس 37 -40) . # {فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} معناه: يقال لهم: أكفرتم ~~بعد إيمانكم؟ {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} # PageV02P087 # فإن قيل: كيف قال: أكفرتم بعد إيمانكم وهم (1) لم يكونوا مؤمنين؟ حكي عن ~~أبي بن كعب أنه أراد به: الإيمان يوم الميثاق، حين قال لهم: ألست بربكم؟ ~~قالوا: بلى يقول: أكفرتم بعد إيمانكم يوم الميثاق؟ وقال الحسن: هم ~~المنافقون تكلموا بالإيمان بألسنتهم، وأنكروا بقلوبهم. # وعن عكرمة: أنهم أهل الكتاب، آمنوا بأنبيائهم وبمحمد صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به. # وقال قوم: هم من أهل قبلتنا، وقال أبو أمامة: هم الخوارج، وقال قتادة: هم ~~أهل البدع. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا سعيد بن أبي مريم، عن نافع بن عمر، ~~حدثني ابن أبي مليكة، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إني فرطكم على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم (2) وسيؤخذ ناس ~~دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي فيقال لي هل شعرت بما عملوا بعدك؟ والله ما ~~برحوا يرجعون على أعقابهم". (3) . # وقال الحارث الأعور: سمعت عليا رضي الله عنه على المنبر يقول: إن الرجل ~~ليخرج من أهله فما يؤوب إليهم حتى يعمل عملا يستوجب به الجنة ms0465 وإن الرجل ~~ليخرج من أهله فما يعود إليهم حتى يعمل عملا يستوجب به النار ثم قرأ {يوم ~~تبيض وجوه وتسود وجوه} الآية ثم نادى: هم الذين كفروا بعد الإيمان -ورب ~~الكعبة. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، ~~أنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، أنا علي بن ~~حجر، أنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل ~~المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه ~~بعرض من الدنيا". (4) . ### || # {وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون (107) تلك آيات ~~الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين (108) } # {ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور (109) } # قوله تعالى: {وأما الذين ابيضت وجوههم} هؤلاء أهل الطاعة، {ففي رحمة ~~الله} جنة الله. {هم فيها خالدون} # PageV02P088 # {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين} # {ولله ما في السموات وما في الأرض، وإلى الله ترجع الأمور} ### || # {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ~~(110) } # {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال عكرمة ومقاتل: نزلت في ابن مسعود وأبي بن ~~كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهم، وذلك أن مالك بن ~~الصيف ووهب بن يهودا (1) اليهوديين قالا لهم: نحن أفضل منكم وديننا خير مما ~~تدعوننا إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما {كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس} الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقال جويبر ~~عن الضحاك: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة الرواة والدعاة الذين ~~أمر الله المسلمين بطاعتهم. # وروي عن عمر بن الخطاب قال: كنتم خير أمة أخرجت للناس تكون لأولنا ms0466 ولا ~~تكون لآخرنا. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي ~~شريح، أنا أبو القاسم البغوي، أنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة عن أبي حمزة: ~~سمعت زهدم بن مضرب بن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم". قال عمران: لا ~~أدري أذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثا وقال: إن ~~بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون وينذرون ولا يوفون ~~ويظهر فيهم السمن (2) ". # وبهذا الإسناد عن علي بن الجعد أخبرنا شعبة وأبو معاوية عن الأعمش عن ~~ذكوان عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسبوا أصحابي ~~فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد PageV02P089 # أحدهم ولا نصيفه" (1) . # وقال الآخرون: هم جميع المؤمنين من هذه الأمة. # وقوله {كنتم} أي: أنتم كقوله تعالى: " واذكروا إذ كنتم قليلا " (الأعراف ~~-86) وقال في موضع آخر: " واذكروا إذ أنتم قليل " (الأنفال -26) وقيل: ~~معناه كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ وقال قوم: قوله {للناس} "من" ~~صلة قوله " خير أمة" أي: أنتم خير الناس للناس. # قال أبو هريرة معناه: كنتم خير الناس تجيئون بهم في السلاسل فتدخلونهم في ~~الإسلام (2) . # قال قتادة: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم يؤمر نبي قبله بالقتال فهم ~~يقاتلون الكفار فيدخلونهم في دينهم فهم خير أمة للناس. # وقيل "للناس" صلة قوله "أخرجت" معناه: ما أخرج الله للناس أمة خيرا من ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو عبد الله ~~الحسين بن محمد الحافظ، أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن حبيش المقري، أنا ~~علي بن زنجويه، أخبرنا سلمة بن شبيب أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن بهز بن ~~حكيم، عن أبيه، عن جده، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله ~~تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت ms0467 للناس} قال: "إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها ~~وأكرمها على الله عز وجل" (3) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو معشر إبراهيم بن محمد ~~الفيركي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن زكريا بن يحيى، أخبرنا أبو الصلت، ~~أخبرنا حماد بن زيد، أخبرنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي ~~أخيرها وأكرمها على الله عز وجل" (4) . PageV02P090 # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله ~~الحسين بن محمد، أنا الفضل، بن الفضل أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، ~~قال عبد الرحمن يعني ابن المبارك أخبرنا حماد بن يحيى الأبح أنا ثابت ~~البناني عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل ~~أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره" (1) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو محمد المخلدي، ~~أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي، أخبرنا محمد بن عيسى التنيسي، ~~أخبرنا عمرو بن أبي سلمة، أخبرنا صدقة بن عبد الله، عن زهير بن محمد، عن ~~عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 67/أقال: "إن الجنة حرمت على ~~الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم كلهم حتى تدخلها أمتي" (2) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، قال: أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو عبد ~~الله الحسين بن محمد، أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد بن عبد الله بن حاتم ~~الترمذي، أخبرنا جدي لأمي محمد بن عبد الله بن مرزوق، أنا عفان بن مسلم، ~~أنا عبد العزيز بن مسلم، أخبرنا أبو سنان يعني ضرار بن مرة، عن محارب بن ~~دثار، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون من هذه الأمة" ms0468 (3) . PageV02P091 # قوله تعالى: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن ~~أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} أي: الكافرون. ### || # {لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111) ضربت ~~عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من ~~الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) ليسوا سواء من أهل ~~الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113) } # قوله تعالى: {لن يضروكم إلا أذى} قال مقاتل: إن رؤوس اليهود عمدوا إلى من ~~آمن منهم عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم فأنزل الله تعالى: {لن يضروكم ~~إلا أذى} يعني لا يضروكم أيها المؤمنون هؤلاء اليهود إلا أذى باللسان: ~~وعيدا وطعنا وقيل: كلمة كفر تتأذون بها {وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار} ~~منهزمين، {ثم لا ينصرون} بل يكون لكم النصر عليهم. # {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا} حيث ما وجدوا {إلا بحبل من الله} يعني: ~~أينما وجدوا استضعفوا وقتلوا وسبوا فلا يأمنون "إلا بحبل من الله": عهد من ~~الله تعالى بأن يسلموا، {وحبل من الناس} المؤمنين ببذل جزية أو أمان يعني: ~~إلا أن يعتصموا بحبل فيأمنوا. # قوله تعالى: {وباءوا بغضب من الله} رجعوا به، {وضربت عليهم المسكنة ذلك ~~بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون} # قوله تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة} قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه قالت أحبار اليهود: ما ~~آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا شرارنا ولولا ذلك لما تركوا دين آبائهم ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) . # واختلفوا في وجهها فقال قوم: فيه اختصار تقديره: ليسوا سواء من أهل ~~الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة، فترك الأخرى اكتفاء بذكر أحد الفريقين ~~وقال الآخرون: تمام الكلام عند قوله {ليسوا سواء} PageV02P092 # وهو وقف لأنه قد جرى ذكر الفريقين من أهل الكتاب ms0469 في قوله تعالى: {منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} [ثم قال: {ليسوا سواء} يعني: المؤمنين ~~والفاسقين] (1) ثم وصف الفاسقين فقال: {لن يضروكم إلا أذى} ووصف المؤمنين ~~بقوله {أمة قائمة} # وقيل: قوله {من أهل الكتاب} ابتداء بكلام آخر، لأن ذكر الفريقين قد جرى، ~~ثم قال: ليس هذان الفريقان سواء ثم ابتدأ فقال: من أهل الكتاب. # قال ابن مسعود رضي الله عنه معناه: لا يستوي اليهود وأمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم القائمة بأمر الله الثابتة على الحق، المستقيمة، وقوله تعالى: ~~{أمة قائمة} قال ابن عباس: أي مهتدية قائمة على أمر الله لم يضيعوه ولم ~~يتركوه. # وقال مجاهد: عادلة. وقال السدي: مطيعة قائمة على كتاب الله وحدوده، وقيل: ~~قائمة في الصلاة. وقيل: الأمة الطريقة. # ومعنى الآية: أي ذو أمة أي: ذو طريقة مستقيمة. # {يتلون آيات الله} يقرؤون كتاب الله وقال مجاهد: يتبعون {آناء الليل} ~~ساعاته، واحدها: إنى مثل نحى وأنحاء، وإنى وآناء مثل: معى وأمعاء وإنى مثل ~~منا وأمناء. # {وهم يسجدون} أي: يصلون لأن التلاوة لا تكون في السجود. # واختلفوا في معناها فقال بعضهم: هي في قيام الليل، وقال ابن مسعود هي ~~صلاة العتمة يصلونها ولا يصليها من سواهم من أهل الكتاب. # وقال عطاء: "ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة" الآية يريد: أربعين ~~رجلا من أهل نجران من العرب واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم ~~كانوا على دين عيسى وصدقوا محمدا صلى الله عليه وسلم وكان من الأنصار فيهم ~~عدة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم منهم أسعد بن زرارة والبراء بن ~~معرور ومحمد بن سلمة ومحمود ابن مسلمة وأبو قيس صرمة (2) بن أنس كانوا ~~موحدين، يغتسلون من الجنابة، ويقومون بما عرفوا من شرائع الحنيفية حتى ~~جاءهم الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم فصدقوه ونصروه. PageV02P093 ### || # {يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون ~~في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله ~~عليم بالمتقين (115) إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من ~~الله ms0470 شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (116) مثل ما ينفقون في هذه ~~الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ~~ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (117) } # قوله تعالى: {يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك هم الصالحون} # {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه} قرأ حمزة والكسائي وحفص بالياء فيهما ~~إخبار عن الأمة القائمة وقرأ الآخرون بالتاء فيهما لقوله {كنتم خير أمة} ~~وأبو عمرو يرى القراءتين جميعا ومعنى الآية: وما تفعلوا من خير فلن تعدموا ~~ثوابه بل يشكر لكم وتجازون عليه، {والله عليم بالمتقين} بالمؤمنين. # {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} أي: لا ~~تدفع أموالهم بالفدية ولا أولادهم بالنصرة شيئا من عذاب الله، وخصهما ~~بالذكر لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال وتارة بالاستعانة ~~بالأولاد. {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} وإنما جعلهم من أصحابها ~~لأنهم أهلها لا يخرجون منها ولا يفارقونها، كصاحب الرجل لا يفارقه. # {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا} قيل: أراد نفقات أبي سفيان وأصحابه ~~ببدر وأحد على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مقاتل: نفقة اليهود ~~على علمائهم، قال مجاهد: يعني جميع نفقات الكفار [في الدنيا] (1) وصدقاتهم ~~وقيل: أراد إنفاق المرائي الذي لا يبتغي به وجه الله تعالى، {كمثل ريح فيها ~~صر} [حكي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها السموم الحارة التي تقتل وقيل: ~~(2) ] فيها صر أي: صوت، وأكثر المفسرين قالوا: فيها برد شديد، {أصابت حرث ~~قوم} زرع قوم، {ظلموا أنفسهم} بالكفر والمعصية ومنع حق الله تعالى، ~~{فأهلكته} # فمعنى الآية: مثل نفقات الكفار في ذهابها وقت الحاجة إليها كمثل زرع ~~أصابته ريح باردة فأهلكته أو نار فأحرقته فلم ينتفع أصحابه منه بشيء، {وما ~~ظلمهم الله} بذلك، {ولكن أنفسهم يظلمون} بالكفر والمعصية. PageV02P094 ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما ~~عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد ms0471 بينا لكم الآيات ~~إن كنتم تعقلون (118) ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب ~~كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا ~~بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور (119) } # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} الآية قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: كان رجال من المسلمين يواصلون اليهود لما بينهم ~~من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة عليهم. # وقال مجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين، فنهاهم ~~الله تعالى عن ذلك (1) فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم} أي: أولياء وأصفياء من غير أهل ملتكم، وبطانة الرجل: خاصته تشبيها ~~ببطانة الثوب التي تلي بطنه لأنهم يستبطنون أمره ويطلعون منه على ما لا ~~يطلع عليه غيرهم. # ثم بين العلة في النهي عن مباطنتهم فقال جل ذكره {لا يألونكم خبالا} 67/ب ~~أي: لا يقصرون ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم الشر والفساد، والخبال: الشر ~~والفساد، ونصب "خبالا" على المفعول الثاني لأن يألو يتعدى (2) إلى مفعولين ~~وقيل: بنزع الخافض، أي بالخبال كما يقال أوجعته ضربا، {ودوا ما عنتم} أي: ~~يودون ما يشق عليكم من الضر والشر والهلاك. والعنت: المشقة {قد بدت ~~البغضاء} أي: البغض، معناه ظهرت أمارة العداوة، {من أفواههم} بالشتيمة ~~والوقيعة في المسلمين، وقيل: بإطلاع المشركين على أسرار المؤمنين {وما تخفي ~~صدورهم} من العداوة والغيظ، {أكبر} أعظم، {قد بينا لكم الآيات إن كنتم ~~تعقلون} # {ها أنتم} ها تنبيه وأنتم كناية للمخاطبين من الذكور، {أولاء} اسم للمشار ~~إليهم يريد أنتم أيها المؤمنون، {تحبونهم} أي: تحبون هؤلاء اليهود الذين ~~نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم من PageV02P095 # القرابة والرضاع والمصاهرة، {ولا يحبونكم} هم لما بينكم من مخالفة الدين، ~~قال مقاتل: هم المنافقون يحبهم المؤمنون لما أظهروا من الإيمان، ولا يعلمون ~~ما في قلوبهم، {وتؤمنون بالكتاب كله} يعني: بالكتب كلها وهم لا يؤمنون ~~بكتابكم، {وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا} وكان بعضهم مع ms0472 بعض {عضوا عليكم ~~الأنامل من الغيظ} يعني: أطراف الأصابع واحدتها أنملة بضم الميم وفتحها، من ~~الغيظ لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم، وعض الأنامل عبارة عن ~~شدة الغيظ وهذا من مجاز الأمثال، وإن لم يكن ثم عض، {قل موتوا بغيظكم} أي: ~~ابقوا إلى الممات بغيظكم، {إن الله عليم بذات الصدور} أي: بما في القلوب من ~~خير وشر. ### || # {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (120) وإذ غدوت من أهلك تبوئ ~~المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (121) } # وقوله تعالى: {إن تمسسكم حسنة} أي: تصبكم أيها المؤمنون بظهوركم على ~~عدوكم وغنيمة تنالونها منهم، وتتابع الناس في الدخول في دينكم، وخصب في ~~معايشكم {تسؤهم} تحزنهم، {وإن تصبكم سيئة} مساءة بإخفاق سرية لكم أو إصابة ~~عدو منكم، أو اختلاف يكون بينكم أو جدب أو نكبة تصبكم {يفرحوا بها وإن ~~تصبروا} على أذاهم {وتتقوا} وتخافوا ربكم {لا يضركم} أي: لا ينقصكم، {كيدهم ~~شيئا} قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة {لا يضركم} بكسر الضاد خفيفة يقال: ~~ضار يضير ضيرا، وهو جزم على جواب الجزاء، وقرأ الباقون بضم الضاد وتشديد ~~الراء من ضر يضر ضرا مثل رد يرد ردا وفي رفعه وجهان. أحدهما: أنه أراد ~~الجزم وأصله يضرركم فأدغمت الراء في الراء ونقلت ضمة الراء الأولى إلى ~~الضاد وضمت الثانية اتباعا، والثاني: أن يكون لا بمعنى ليس ويضمر فيه الفاء ~~تقديره: وإن تصبروا وتتقوا فليس يضركم كيدهم شيئا، {إن الله بما يعملون ~~محيط} عالم. # قوله تعالى: {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} قال الحسن: ~~هو يوم بدر، وقال مقاتل: يوم الأحزاب، وقال سائر المفسرين: هو يوم أحد لأن ~~ما بعده إلى قريب من آخر السورة في حرب أحد. # قال مجاهد والكلبي والواقدي: غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل ~~عائشة رضي الله عنها فمشى على رجليه إلى أحد فجعل يصف أصحابه للقتال كما ~~يقوم القدح (1) . PageV02P096 # قال محمد بن إسحاق ms0473 والسدي عن رجالهما: إن المشركين نزلوا بأحد يوم ~~الأربعاء فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه ~~ودعا عبد الله بن أبي بن سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره، فقال عبد الله ~~بن أبي وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما ~~خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف ~~وأنت فينا، فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا ~~قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن ~~رجعوا رجعوا خائبين. فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأي. # وقال بعض أصحابه: يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب، لا يرون أنا ~~جبنا عنهم وضعفنا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني رأيت في منامي ~~بقرا تذبح، فأولتها خيرا، ورأيت في ذباب سيفي ثلما فأولتها هزيمة ورأيت أني ~~أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة" ~~وكان يعجبه أن يدخلوا عليه بالمدينة (1) فيقاتلوا في الأزقة فقال رجال (2) ~~من المسلمين ممن فاتهم يوم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا ~~إلى أعدائنا. فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من حبهم للقاء ~~القوم، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته، فلما رأوه قد لبس ~~السلاح ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا، نشير على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل" (3) . # وكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس فراح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم الجمعة، بعدما صلى بأصحابه الجمعة وقد مات في ذلك اليوم ~~رجل من الأنصار فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إليهم، ~~فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، فكان من ~~حرب أحد ms0474 ما كان، فذلك قوله تعالى: {وإذ غدوت من أهلك} أي: واذكر إذا غدوت ~~من أهلك {تبوئ المؤمنين} أي: تنزل المؤمنين {مقاعد للقتال} أي: مواطن، ~~ومواضع للقتال، يقال: بوأت القوم إذا وطنتهم وتبؤوا هم إذا تواطنوا قال ~~الله تعالى: " ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق " (يونس -93) وقال " أن ~~تبوآ لقومكما بمصر بيوتا " (يونس -87) وقيل تتخذ معسكرا، {والله سميع عليم} ~~PageV02P097 ### || # {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~(122) } # {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} أي: تجبنا وتضعفا وتتخلفا والطائفتان بنو ~~سلمة # PageV02P097 # من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، ودنا جناحي العسكر وذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد في ألف رجل، وقيل: في تسعمائة وخمسين رجلا ~~فلما بلغوا الشوط (1) انخذل عبد الله بن أبي بثلث الناس ورجع في ثلاث مائة ~~وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال: أنشدكم ~~بالله في نبيكم وفي أنفسكم، فقال عبد الله بن أبي: لو نعلم قتالا ~~لاتبعناكم، وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أبي فعصمهم ~~الله فلم ينصرفوا فذكرهم الله عظيم نعمته (2) فقال عز وجل {إذ همت طائفتان ~~منكم أن تفشلا والله وليهما} ناصرهما وحافظهما. # {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن ~~عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل، 68/أأنا محمد ~~بن يوسف عن ابن عيينة عن عمرو عن جابر قال: نزلت هذه الآية فينا {إذ همت ~~طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما} بنو سلمة وبنو حارثة، وما أحب أنها لم ~~تنزل والله يقول: {والله وليهما} (3) . ### || # {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (123) إذ ~~تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ~~(124) } # قوله تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر} وبدر موضع بين مكة والمدينة وهو اسم ~~لموضع، وعليه الأكثرون وقيل: اسم لبئر هناك، وقيل: كانت بدر بئرا لرجل يقال ~~له بدر، قاله الشعبي وأنكر الآخرون عليه. # يذكر الله تعالى ms0475 في هذه الآية منته عليهم بالنصرة يوم بدر، {وأنتم أذلة} ~~جمع: ذليل وأراد به قلة العدد فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فنصرهم ~~الله مع قلة عددهم، {فاتقوا الله لعلكم تشكرون} # {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم} اختلفوا في هذه الآية فقال ~~قتادة: كان هذا يوم بدر أمدهم الله تعالى بألف من الملائكة كما قال: " ~~فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة " (الأنفال -9) ثم صاروا ثلاثة ~~آلاف ثم صاروا خمسة آلاف كما ذكر هاهنا {بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} ~~PageV02P098 ### || # {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين (125) } # {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين} فصبروا يوم بدر فاتقوا فأمدهم الله بخمسة آلاف كما وعد ~~قال الحسن: وهؤلاء الخمسة آلاف ردء المؤمنين إلى يوم القيامة. # وقال ابن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدر، وفيما ~~سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون، إنما يكونون عددا ومددا. # قال محمد بن إسحاق: لما كان يوم أحد انجلى القوم عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبقي سعد بن مالك يرمي وفتى شاب يتنبل له كلما فني النبل أتاه به ~~فنثره فقال ارم أبا إسحاق مرتين، فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل ~~يعرف. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد العزيز بن عبد الله، أنا ~~إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم أحد (1) ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض ~~كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد (2) . # ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال أخبرنا محمد بن بشر وأبو أسامة، ~~عن مسعر، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سعد يعني ابن أبي وقاص قال: "رأيت ~~عن يمين رسول الله صلى الله عليه ms0476 وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب ~~بيض ما رأبتهما قبل ولا بعد" يعني: جبريل وميكائيل (3) . # وقال الشعبي: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر: أن ~~كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك عليهم، فأنزل الله ~~تعالى: {ألن يكفيكم أن يمدكم} إلى قوله {مسومين} فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ~~فلم يأتهم ولم يمدهم فلم يمدهم الله أيضا بالخمسة آلاف، وكانوا قد أمدوا ~~بألف. # وقال الآخرون: إنما وعد الله تعالى المسلمين يوم بدر إن صبروا على طاعته ~~واتقوا محارمه: أن يمدهم أيضا في حروبهم كلها فلم يصبروا إلا في يوم ~~الأحزاب، فأمدهم الله حتى حاصروا قريظة والنضير، قال PageV02P099 # عبد الله بن أبي أوفى: كنا محاصري قريظة والنضير (1) ما شاء الله فلم ~~يفتح علينا فرجعنا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل فهو يغسل رأسه ~~إذ جاءه جبريل عليه السلام، فقال: وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها؟ ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة فلف بها رأسه ولم يغسله، ثم نادى ~~فينا فقمنا حتى أتينا قريظة والنضير (2) فيومئذ أمدنا الله تعالى بثلاثة ~~آلاف من الملائكة، ففتح لنا فتحا يسيرا. # وقال الضحاك وعكرمة: كان هذا يوم أحد وعدهم الله المدد إن صبروا فلم ~~يصبروا فلم يمدوا به (3) . # قوله تعالى: {أن يمدكم ربكم} والإمداد: إعانة الجيش بالجيش، وقيل: ما كان ~~على جهة القوة والإعانة يقال فيه: أمده إمدادا وما كان على جهة الزيادة ~~يقال: مده مدا، ومنه قوله تعالى: " والبحر يمده " (لقمان -27) وقيل: المد ~~في الشر والإمداد في الخير، يدل عليه قوله تعالى: " ويمدهم في طغيانهم ~~يعمهون " (البقرة -15) " ونمد له من العذاب مدا " (مريم -79) وقال في ~~الخير: {أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين} وقال: " وأمددناكم بأموال ~~وبنين " (الإسراء -26) . # قوله تعالى: {بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} قرأ ابن عامر بتشديد الزاي ~~على التكثير لقوله تعالى: " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة " (سورة الأنعام ~~-111) وقرأ الآخرون بالتخفيف دليله قوله تعالى: " لولا أنزل علينا الملائكة ~~" (الفرقان -21) وقوله: " وأنزل جنودا لم ms0477 تروها " (التوبة -26) . # ثم قال: {بلى} نمدكم (4) {إن تصبروا} لعدوكم {وتتقوا} أي: مخالفة نبيكم ~~{ويأتوكم} يعني المشركين {من فورهم هذا} قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~وقتادة والحسن وأكثر المفسرين: من وجههم (5) هذا، وقال مجاهد والضحاك: من ~~غضبهم هذا، لأنهم إنما رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر، {يمددكم ~~ربكم بخمسة آلاف من الملائكة} لم يرد خمسة آلاف سوى ما ذكر (6) من ثلاثة ~~آلاف بل أراد معهم وقوله {مسومين} أي: معلمين قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ~~بكسر الواو وقرأ الآخرون بفتحها فمن كسر الواو فأراد أنهم سوموا خيلهم ومن ~~فتحها أراد به أنفسهم، والتسويم: الإعلام من السومة وهي العلامة. ~~PageV02P100 # واختلفوا في تلك العلامة فقال عروة بن الزبير: كانت الملائكة على خيل بلق ~~عليهم عمائم صفر، وقال علي وابن عباس رضي الله عنهم: كانت عليهم عمائم بيض ~~قد أرسلوها بين أكتافهم، (وقال هشام بن عروة والكلبي: عمائم صفر مرخاة على ~~أكتافهم) (1) وقال الضحاك وقتادة: كانوا قد أعلموا بالعهن في نواصي الخيل ~~وأذنابها، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: "تسوموا ~~فإن الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم" (2) . ### || # {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند ~~الله العزيز الحكيم (126) ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا ~~خائبين (127) ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ~~(128) ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله ~~غفور رحيم (129) } # قوله تعالي (وما جعله الله) يعني هذا الوعد والمدد، (إلا بشرى لكم) أي: ~~بشارة لتستبشروا به (ولتطمئن) ولتسكن (قلوبكم به) فلا تجزعوا من كثرة عدوكم ~~وقلة عددكم (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) يعني: لا تحيلوا ~~بالنصر على الملائكة والجند، فإن النصر من الله تعالى فاستعينوا به وتوكلوا ~~عليه، لأن العز والحكم له. # قوله تعالى: {ليقطع طرفا من الذين كفروا} يقول: لقد نصركم الله ببدر ~~ليقطع طرفا أي: لكي يهلك طائفة ms0478 من الذين كفروا وقال السدي: معناه ليهدم ~~ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر، فقتل من قادتهم وسادتهم يوم بدر سبعون ~~وأسر سبعون ومن حمل الآية على حرب أحد فقد قتل منهم يومئذ ستة عشر وكانت ~~النصرة للمسلمين حتى خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فانقلب عليهم، ~~{أو يكبتهم} قال الكلبي: يهزمهم وقال يمان: يصرعهم لوجوههم، قال السدي: ~~يلعنهم، وقال أبو عبيدة: يهلكهم، وقيل: يحزنهم، والمكبوت: الحزين وقيل ~~أصله: يكبدهم أي: يصيب الحزن والغيظ 68/ب أكبادهم، والتاء والدال يتعاقبان ~~كما يقال سبت رأسه وسبده: إذا حلقه، وقيل: يكبتهم بالخيبة، {فينقلبوا ~~خائبين} ينالوا شيئا مما كانوا يرجون من الظفر بكم. # قوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} الآية، اختلفوا في سبب نزول هذه الآية ~~فقال قوم: نزلت PageV02P101 # في أهل بئر معونة، وهم سبعون رجلا من القراء، بعثهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من ~~أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم أميرهم المنذر بن عمرو، فقتلهم عامر بن ~~الطفيل فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا، وقنت شهرا في ~~الصلوات كلها يدعو على جماعة من تلك القبائل باللعن والسنين فنزلت: {ليس لك ~~من الأمر شيء} (1) # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا حبان بن موسى، أخبرنا ~~عبد الله يعني ابن المبارك، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه، ~~أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة ~~الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعد ما يقول: سمع الله ~~لمن حمده ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تعالى {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب ~~عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} (2) . # وقال قوم: نزلت يوم أحد، أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر ~~(3) بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن ms0479 ~~سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، أخبرنا ~~حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: "كيف ~~يفلح قوم شجوا [رأس] (4) نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى (5) [الله ~~عز وجل] فأنزل الله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} (6) . # وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم أحد: "اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم ~~العن صفوان بن أمية" فنزلت: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم} فأسلموا ~~وحسن إسلامهم (7) . # وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن إسحاق (8) لما رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمون يوم أحد ما PageV02P102 # بأصحابهم من جدع الآذان والأنوف وقطع المذاكير، قالوا: لئن أدالنا الله ~~تعالى منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا، ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من ~~العرب بأحد فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وقيل: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم بالاستئصال فنزلت هذه ~~الآية (1) وذلك لعلمه فيهم بأن كثيرا منهم يسلمون. فقوله تعالى: {ليس لك من ~~الأمر شيء} أي: ليس إليك، فاللام بمعنى "إلى" كقوله تعالى: " ربنا إننا ~~سمعنا مناديا ينادي للإيمان " (سورة آل عمران -193) أي: إلى الإيمان: قوله ~~تعالى: {أو يتوب عليهم} (قال بعضهم: معناه حتى يتوب عليهم) (2) أو: إلى أن ~~يتوب عليهم، وقيل: هو نسق على قوله "ليقطع طرفا" وقوله: {ليس لك من الأمر ~~شيء} اعتراض بين نظم الكلام ونظم الآية (3) ليقطع طرفا من الذين كفروا أو ~~يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء، بل ~~الأمر أمري في ذلك كله. # ثم قال: {ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ~~والله غفور رحيم} ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (130) واتقوا النار ms0480 التي أعدت للكافرين (131) } # {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} أراد به ما كانوا ~~يفعلونه عند حلول أجل الدين من زيادة المال وتأخير الطلب، {واتقوا الله} في ~~أمر الربا فلا تأكلوه، {لعلكم تفلحون} # ثم خوفهم فقال: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} # {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (132) } # {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ~~(133) } # {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} لكي ترحموا. # {وسارعوا} قرأ أهل المدينة والشام سارعوا بلا واو، {إلى مغفرة من ربكم} ~~أي بادروا وسابقوا إلى الأعمال التي توجب المغفرة. # PageV02P103 # قال ابن عباس رضي الله عنهما: إلى الإسلام، وروي عنه: إلى التوبة، وبه ~~قال عكرمة، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إلى أداء الفرائض، وقال أبو ~~العالية: إلى الهجرة، وقال الضحاك: إلى الجهاد، وقال مقاتل: إلى الأعمال ~~الصالحة. روي عن أنس بن مالك أنها التكبيرة الأولى. # {وجنة} أي وإلى جنة {عرضها السماوات والأرض} أي: عرضها كعرض السموات ~~والأرض، كما قال في سورة الحديد: " وجنة عرضها كعرض السماء والأرض " (سورة ~~الحديد -21) أي: سعتها، وإنما ذكر العرض على المبالغة لأن طول كل شيء في ~~الأغلب أكثر من عرضه يقول: هذه صفة عرضها فكيف طولها؟ قال الزهري: إنما وصف ~~عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلا الله، وهذا على التمثيل لا أنها كالسموات ~~والأرض لا غير، معناه: كعرض السموات السبع والأرضين السبع عند ظنكم كقوله ~~تعالى: " خالدين فيها ما دامت السموات والأرض " (سورة هود -107) يعني: عند ~~ظنكم وإلا فهما زائلتان، وروي عن طارق بن شهاب أن ناسا من اليهود سألوا عمر ~~بن الخطاب وعنده أصحابه رضي الله عنهم وقالوا: أرأيتم قوله {وجنة عرضها ~~السماوات والأرض} فأين النار؟ فقال عمر: أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون ~~النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا: إنه لمثلها في التوراة ~~(1) ومعناه أنه حيث يشاء الله. # فإن قيل: قد قال الله تعالى: " وفي السماء رزقكم وما توعدون " (سورة ~~الذاريات -22) وأراد بالذي وعدنا: الجنة فإذا كانت الجنة في السماء فكيف ~~يكون ms0481 عرضها السموات والأرض؟ وقيل: إن باب الجنة في السماء وعرضها السموات ~~والأرض كما أخبر، وسئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن الجنة: أفي السماء أم ~~في الأرض؟ فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة؟ قيل: فأين هي؟ قال: فوق السموات ~~السبع تحت العرش. وقال قتادة: كانوا يرون أن الجنة فوق السموات السبع وأن ~~جهنم تحت الأرضين السبع {أعدت للمتقين} ### || # {الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ~~والله يحب المحسنين (134) } # {الذين ينفقون في السراء والضراء} أي: في اليسر والعسر فأول ما ذكر من ~~أخلاقهم الموجبة للجنة ذكر السخاوة وقد جاء في الحديث. أخبرنا أبو سعيد ~~الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا PageV02P104 # أبو عمرو الفراتي، أخبرنا أبو العباس أحمد بن إسماعيل العنبري، أخبرنا ~~أبو عبد الله بن حازم البغوي بمكة، أخبرنا أبو صالح بن أيوب الهاشمي، ~~أخبرنا إبراهيم بن سعد، أخبرنا سعيد بن محمد، عن يحيى بن سعيد عن الأعرج عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السخي ~~قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من ~~الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى ~~الله من عابد بخيل" (1) . # {والكاظمين الغيظ} أي: الجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، والكظم: ~~حبس الشيء عند امتلائه 69/أوكظم الغيظ أن يمتلئ غيظا فيرده في جوفه ولا ~~يظهره. ومنه قوله تعالى: " إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين " (سورة غافر -18) ~~أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عمرو ~~الفراتي، أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الإسفرايني، أخبرنا أبو عبد الله ~~بن محمد زكريا العلاني، أخبرنا روح بن عبد المؤمن، أخبرنا أبو عبد الرحمن ~~المقري أخبرنا سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني أبو مرحوم عن سهل بن معاذ بن ~~أنس الجهني عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كظم غيظا ~~وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس ms0482 الخلائق حتى يخيره ~~من أي الحور شاء ". (2) . # {والعافين عن الناس} قال الكلبي عن المملوكين سوء الأدب، وقال زيد بن ~~أسلم ومقاتل: عمن ظلمهم وأساء إليهم. {والله يحب المحسنين} (3) . ### || # {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ~~ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) } # قوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} الآية قال ابن ~~مسعود: قال المؤمنون: يا PageV02P105 # رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا، كان أحدهم إذا أذنب أصبحت ~~كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه اجدع أنفك وأذنك، افعل كذا فسكت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) . # وقال عطاء: نزلت في نبهان التمار وكنيته أبو معبد أتته امرأة حسناء تبتاع ~~منه تمرا فقال لها إن هذا التمر ليس بجيد، وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى ~~بيته فضمها إلى نفسه وقبلها فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية (2) . # وقال مقاتل والكلبي: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين أحدهما ~~من الأنصار والآخر من ثقيف فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله ~~فاشترى لهم اللحم ذات يوم فلما أرادت المرأة أن تأخذ منه دخل على أثرها ~~وقبل يدها، ثم ندم وانصرف ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع ~~الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن حاله فقالت: لا أكثر الله في ~~الإخوان مثله ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائبا مستغفرا، ~~فطلبه الثقفي حتى وجده فأتى به أبا بكر رجاء أن يجد عنده راحة وفرجا. فقال ~~الأنصاري: هلكت: وذكر له القصة فقال أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله تعالى ~~يغار للغازي مالا يغار للمقيم، ثم أتيا عمر رضي الله عنه فقال مثل ذلك، ~~فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية {والذين إذا فعلوا فاحشة} (3) يعني: قبيحة ms0483 خارجة عما أذن الله ~~تعالى له فيه، وأصل الفحش القبح والخروج عن الحد قال جابر: الفاحشة الزنا. # {أو ظلموا أنفسهم} ما دون الزنا من القبلة والمعانقة والنظر واللمس. # وقال مقاتل والكلبي: الفاحشة ما دون الزنا من قبلة أو لمسة أو نظرة فيما ~~لا يحل أو ظلموا أنفسهم بالمعصية. # وقيل: فعلوا فاحشة الكبائر، أو ظلموا أنفسهم بالصغائر. # وقيل: فعلوا فاحشة فعلا أو ظلموا أنفسهم قولا. PageV02P106 # {ذكروا الله} أي: ذكروا وعيد الله، وأن الله سائلهم، وقال مقاتل بن حيان: ~~ذكروا الله باللسان عند الذنوب. # {فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله} أي: وهل يغفر الذنوب إلا ~~الله. # {ولم يصروا على ما فعلوا} أي: لم يقيموا ولم يثبتوا عليه ولكن تابوا ~~وأنابوا واستغفروا، وأصل الإصرار: الثبات على الشيء وقال الحسن: إتيان ~~العبد ذنبا عمدا إصرار حتى يتوب. # وقال السدي: الإصرار: السكوت وترك الاستغفار. أخبرنا عبد الواحد المليحي، ~~أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن ~~زنجويه، أنا يحيى بن يحيى، أنا عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن عثمان بن واقد ~~العمري، عن أبي نصيرة، قال: لقيت مولى لأبي بكر رضي الله عنه فقلت له: ~~أسمعت من أبي بكر شيئا؟ قال: نعم سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة" (1) . # {وهم يعلمون} قال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبي: وهم يعلمون أنها ~~معصية، وقيل: وهم يعلمون أن الإصرار ضار، وقال الضحاك: وهم يعلمون أن الله ~~يملك مغفرة الذنوب، وقال الحسين بن الفضل وهم يعلمون أن لهم ربا يغفر ~~الذنوب، وقيل: وهم يعلمون أن الله لا يتعاظمه العفو عن الذنوب وإن كثرت ~~وقيل: وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غفر لهم. ### || # {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ونعم أجر العاملين (136) } # {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ونعم أجر العاملين} PageV02P107 # ثواب المطيعين. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو منصور ~~السمعاني، ms0484 أخبرنا أبو جعفر الرياني، أنا حميد بن زنجويه، أنا عفان بن مسلم، ~~أنا أبو عوانة، أنا عثمان بن المغيرة عن علي بن ربيعة الأسدي، عن أسماء بن ~~الحكم الفزاري، قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: إني كنت رجلا إذا سمعت ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ينفعني الله منه بما شاء أن ينفعني ~~وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وإنه حدثني أبو بكر ~~وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله يقول: "ما من عبد مؤمن يذنب ذنبا فيحسن ~~الطهور ثم يقوم فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له" ورواه أبو عيسى عن ~~قتيبة عن أبي عوانة وزاد: ثم قرأ: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم} الآية (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو منصور السمعاني، أنا أبو جعفر ~~الرياني، أنا حميد بن زنجويه، أنا هشام بن عبد الملك، أخبرنا همام، عن ~~إسحاق، عن عبد الله بن أبي طلحة، قال: كان قاض بالمدينة يقال له عبد الرحمن ~~بن أبي عمرة فسمعته يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "إن عبدا أذنب ذنبا فقال: أي رب أذنبت ذنبا فاغفره لي قال: ~~فقال ربه عز وجل: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له فمكث ما ~~شاء الله، ثم أصاب ذنبا آخر فقال: رب أذنبت ذنبا فاغفره لي فقال ربه عز ~~وجل: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء" ~~(2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو منصور السمعاني، أنا أبو جعفر ~~الرياني، أنا حميد بن زنجويه، أخبرنا النعمان السدوسي، أخبرنا المهدي بن ~~ميمون، أخبرنا غيلان بن جرير، عن شهر بن حوشب عن معدي كرب عن أبي ذر 69/ب ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: ~~"قال يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك، ابن آدم ms0485 ~~إنك إن تلقاني بقراب الأرض خطايا لقيتك PageV02P108 # بقرابها مغفرة بعد أن لا تشرك بي شيئا، ابن آدم إنك إن تذنب حتى تبلغ ~~ذنوبك عنان السماء ثم تستغفرني أغفر لك" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين الحسني ~~الشرفي، أنا أبو الأزهر، أحمد بن الأزهر أخبرنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، ~~حدثني أبي عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: قال الله تعالى: " من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب ~~غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئا" (2) قال ثابت البناني: بلغني أن ~~إبليس بكى حين نزلت هذه الآية {والذين إذا فعلوا فاحشة} إلى آخرها. ### || # {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ~~(137) هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (138) } # قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن} قال عطاء: شرائع، وقال الكلبي: مضت ~~لكل أمة سنة ومنهاج إذا اتبعوها رضي الله عنهم، وقال مجاهد: قد خلت من ~~قبلكم سنن بالهلاك فيمن كذب قبلكم، وقيل: سنن أي: أمم والسنة: الأمة قال ~~الشاعر: ما عاين الناس من فضل كفضلكم ... ولا رأوا مثلكم في سالف السنن # وقيل معناه: أهل السنن، والسنة هي: الطريقة المتبعة في الخير والشر، ~~يقال: سن فلان سنة حسنة وسنة سيئة إذا عمل عملا اقتدي به من خير وشر. # ومعنى الآية: قد مضت وسلفت مني سنن فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية ~~الكافرة، بإمهالي واستدراجي إياهم حتى يبلغ الكتاب فيهم أجلي الذي أجلته ~~لإهلاكهم، وإدالة أنبيائي عليهم. {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين} أي: آخر أمر المكذبين، وهذا في حرب أحد، يقول الله عز وجل: فأنا ~~أمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي أجلت في نصرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأوليائه وإهلاك أعدائه. # {هذا} أي: هذا القرآن، {بيان للناس} عامة، {وهدى} من الضلالة، {وموعظة ~~للمتقين} PageV02P109 # خاصة. ### || # {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) إن يمسسكم قرح ~~فقد مس القوم ms0486 قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين ~~آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) } # قوله تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا} هذا حث لأصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم على الجهاد، زيادة على ما أصابهم من القتل والجرح يوم أحد يقول الله ~~تعالى: ولا تهنوا أي: لا تضعفوا ولا تجبنوا عن جهاد أعدائكم بما نالكم من ~~القتل والجرح، وكان قد قتل يومئذ من المهاجرين خمسة منهم: حمزة بن عبد ~~المطلب ومصعب بن عمير، وقتل من الأنصار سبعون رجلا. # {ولا تحزنوا} فإنكم {أنتم الأعلون} أي تكون لكم العاقبة بالنصرة والظفر، ~~{إن كنتم مؤمنين} يعني: إذ كنتم مؤمنين: أي: لأنكم مؤمنون، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: لما انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب ~~فأقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك وثاب ~~نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم (1) فذلك ~~قوله تعالى: {وأنتم الأعلون} وقال الكلبي: نزلت هذه الآية بعد يوم أحد حين ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بطلب القوم ما أصابهم من الجراح فاشتد ~~ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، دليله قوله تعالى: " ولا ~~تهنوا في ابتغاء القوم " (النساء -104) . # {إن يمسسكم قرح} قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر " قرح " بضم القاف حيث جاء، ~~وقرأ الآخرون بالفتح وهما لغتان معناهما واحد كالجهد والجهد وقال الفراء ~~القرح بالفتح: الجراحة وبالضم: ألم الجراحة هذا خطاب مع المسلمين حيث ~~انصرفوا من أحد مع الكآبة والحزن، يقول الله تعالى: {إن يمسسكم قرح} يوم ~~أحد، {فقد مس القوم قرح مثله} يوم بدر، {وتلك الأيام نداولها بين الناس} ~~فيوم لهم ويوم عليهم أديل المسلمون على المشركين يوم بدر حتى قتلوا منهم ~~سبعين وأسروا سبعين وأديل المشركون من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم ~~سبعين وقتلوا خمسا وسبعين. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا ms0487 أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمرو بن خالد، أنا زهير، أخبرنا ~~أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الرجالة يوم أحد وكانوا خمسين رجلا عبد الله بن جبير، فقال: "إن رأيتمونا ~~تخطفنا الطير فلا PageV02P110 # تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم ~~فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم فهزموهم (1) قال: فأنا والله رأيت النساء يتشددن ~~قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: ~~الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: ~~أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: والله لنأتين ~~الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين. فذاك ~~إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني ~~عشر رجلا فأصابوا منا سبعين. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة ~~وأربعين، سبعين أسيرا وسبعين قتيلا فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد ثلاث ~~مرات، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن ~~أبي قحافة ثلاث مرات ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات ثم رجع إلى ~~أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا ~~عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك قال: يوم بيوم ~~بدر، والحرب سجال إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، ثم أخذ ~~يرتجز: اعل هبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبوه"؟ قالوا: يا ~~رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا الله أعلى وأجل" قال: إن لنا العزى ولا عزى ~~لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تجيبوه"؟ قالوا: يا رسول الله ما ~~نقول؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم" (2) # وروي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما ms0488 وفي حديثه قال أبو سفيان: ~~يوم بيوم وإن الأيام دول والحرب سجال، فقال عمر رضي الله عنه: لا سواء ~~قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" (3) . # قال الزجاج: الدولة تكون للمسلمين على الكفار، لقوله تعالى: {وإن جندنا ~~لهم الغالبون} وكانت 70/أيوم أحد للكفار على المسلمين لمخالفتهم أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: {وليعلم الله الذين آمنوا} يعني: إنما كانت هذه المداولة ~~ليعلم أي (أي: ليرى الله) (4) الذين آمنوا فيميز (5) المؤمن من المنافق، ~~{ويتخذ منكم شهداء} يكرم أقواما بالشهادة، {والله لا يحب الظالمين} ~~PageV02P111 ### || # {وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) } # {وليمحص الله الذين آمنوا} أي: يطهرهم من الذنوب، {ويمحق الكافرين} ~~يفنيهم ويهلكهم معناه: أنهم إن قتلوكم فهو تطهير لكم، وإن قتلتموهم فهو ~~محقهم واستئصالهم. # {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين (142) ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم ~~تنظرون (143) وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين (144) } # {أم حسبتم} أحسبتم؟ {أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله} [أي: ولم يعلم ~~الله] (1) {الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} # {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه} وذلك أن قوما من المسلمين تمنوا ~~يوما كيوم بدر ليقاتلوا ويستشهدوا فأراهم الله يوم أحد وقوله {تمنون الموت} ~~أي: سبب الموت وهو الجهاد من قبل أن تلقوه، {فقد رأيتموه} يعني: أسبابه. # فإن قيل: ما معنى قوله {وأنتم تنظرون} بعد قوله: {فقد رأيتموه} قيل: ذكره ~~تأكيدا وقيل: الرؤية قد تكون بمعنى العلم، فقال: {وأنتم تنظرون} ليعلم أن ~~المراد بالرؤية النظر، وقيل: وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} قال أصحاب ~~المغازي (2) خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من أحد في ~~سبعمائة رجل، وجعل عبد الله بن جبير وهو أخو خوات بن جبير ms0489 على الرجالة ~~وكانوا خمسين رجلا وقال: أقيموا بأصل الجبل وانضحوا عنا بالنبل لا يأتونا ~~من خلفنا، فإن كانت لنا أو علينا فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم فإنا لن ~~نزال غالبين ما ثبتم مكانكم فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ~~ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ومعهم النساء يضربن بالدفوف ويقلن الأشعار ~~فقاتلوا حتى حميت الحرب فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا فقال من ~~يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى يثخن، فأخذه أبو دجانة سماك بن ~~خرشة (3) الأنصاري فلما PageV02P112 # أخذه اعتم بعمامة حمراء وجعل يتبختر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع" ففلق به هام المشركين ~~وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين فهزموهم. # وروينا عن البراء بن عازب قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت ~~خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة والله ~~لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة فلما أتوهم صرفت وجوههم. # وقال الزبير بن العوام: فرأيت هندا وصواحباتها هاربات مصعدات في الجبل، ~~باديات خدامهن ما دون أخذهن شيء فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ~~ورأوا أصحابهم ينتهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب. # فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة، ورأى ~~ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم من خلفهم فهزموهم وقتلوهم، ورمى عبد الله بن قمئة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بحجر (1) فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه ~~أصحابه ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة يعلوها، وكان قد ظاهر ~~بين درعين فلم يستطع فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "أوجب طلحة" (2) ووقعت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند ~~من ذلك قلائد، وأعطتها وحشيا وبقرت عن كبدة حمزة ms0490 ولاكتها فلم تستطع أن ~~تسيغها فلفظتها، وأقبل عبد الله بن قمئة يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذب مصعب بن عمير -وهو صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم -عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقتله ابن قمئة، وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فرجع إلى المشركين وقال: إني قتلت محمدا وصاح صارخ ألا إن ~~محمدا قد قتل، ويقال: إن ذلك الصارخ كان إبليس، فانكفأ الناس وجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: "إلي عباد الله {إلي عباد الله} (3) ~~فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين ورمى سعد بن أبي ~~وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل (4) له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته، ~~وقال له: ارم فداك أبي وأمي، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديدا النزع كسر ~~يومئذ (5) قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر بجعبة من النبل فيقول: انثرها ~~لأبي طلحة، وكان إذا رمى أشرف النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى موضع ~~نبله وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست حين وقى بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصيبت عين قتادة بن PageV02P113 # النعمان يومئذ حين وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مكانها، فعادت كأحسن ما كانت. # فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبي بن خلف الجمحي، وهو ~~يقول: لا نجوت إن نجوت فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا؟ ~~فقال صلى الله عليه وسلم: دعوه حتى إذا دنا منه وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك ~~عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله، فلما ~~دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ثم ~~استقبله فطعنه في عنقه فخدشه خدشة فتدهدأ عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور، ~~ويقول: قتلني محمد، ms0491 فأخذه أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس قال: بلى لو كانت ~~هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم، أليس قال لي: أقتلك؟ فلو بزق علي بعد تلك ~~المقالة لقتلني، فلم يلبث إلا يوما حتى مات بموضع يقال له سرف. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمرو بن علي، أنا أبو عاصم، عن ابن جريج عن ~~عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اشتد غضب الله ~~على من قتله نبي 70/ب واشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (1) . # قالوا: وفشا في الناس أن محمدا قد قتل فقال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا ~~إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وبعض الصحابة جلسوا ~~وألقوا بأيديهم، وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمدا قد قتل فالحقوا ~~بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم إن كان قتل محمد ~~فإن رب محمد لم يقتل وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وموتوا على ما مات ~~عليه ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء يعني المسلمين، وأبرأ ~~إليك مما جاء به هؤلاء يعني المنافقين، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل. # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس ~~فأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك، قال عرفت عينيه تحت ~~المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأشار إلي أن اسكت فانحازت إليه طائفة من أصحابه، ~~فلامهم النبي صلى الله عليه وسلم على الفرار فقالوا: يا نبي الله فديناك ~~بآبائنا وأمهاتنا، أتانا الخبر بأنك قد قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية (2) {وما محمد إلا رسول قد ms0492 خلت من قبله الرسل} ~~PageV02P114 # ومحمد هو المستغرق لجميع المحامد، لأن الحمد لا يستوجبه إلا الكامل ~~والتحميد فوق الحمد، فلا يستحقه إلا المستولي على الأمر في الكمال، وأكرم ~~الله نبيه وصفيه باسمين مشتقين من اسمه جل جلاله (محمد وأحمد) وفيه يقول ~~حسان بن ثابت: # ألم تر أن الله أرسل عبده %~% ببرهانه والله أعلى وأمجد # وشق له من اسمه ليجله %~% فذو العرش محمود وهذا محمد # قوله تعالى: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} رجعتم إلى دينكم ~~الأول، {ومن ينقلب علىعقبيه} فيرتد عن دينه، {فلن يضر الله شيئا} بارتداده ~~وإنما يضر نفسه، {وسيجزي الله الشاكرين} ### || # {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا ~~نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145) } # {وما كان لنفس أن تموت} قال الأخفش: اللام في {لنفس} منقولة تقديره: وما ~~كانت نفس لتموت، {إلا بإذن الله} بقضاء الله وقدره، وقيل: بعلمه وقيل: ~~بأمره، {كتابا مؤجلا} أي: كتب لكل نفس أجلا لا يقدر أحد على تغييره ~~وتأخيره، ونصب الكتاب على المصدر، أي: كتب كتابا، {ومن يرد ثواب الدنيا ~~نؤته منها} يعني: من يرد بطاعته الدنيا ويعمل لها نؤته منها ما يكون جزاء ~~لعمله، يريد نؤته منها ما نشاء بما قدرناه له كما قال: " من كان يريد ~~العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد " (سورة الإسراء -18) نزلت في ~~الذين تركوا المركز يوم أحد طلبا للغنيمة، {ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها} ~~أي أراد بعمله الآخرة، قيل: أراد الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير ~~حتى قتلوا. {وسنجزي الشاكرين} أي: المؤمنين المطيعين. # أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن ~~موسى بن الصلت أنا أبو إسحاق إبراهيم عبد الصمد الهاشمي، أنا أبو يحيى محمد ~~بن عبد الله بن يزيد بن عبد الرحمن بن المقرئ، أنا أبي، أنا الربيع بن ~~صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ms0493 قال: "من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع له ~~شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين ~~عينيه وشتت عليه أمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب له" (1) . PageV02P115 # أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن محمد بن علي بن توبة الزراد، أخبرنا أبو ~~بكر محمد بن إدريس بن محمد الجرجاني، وأبو أحمد محمد بن أحمد المعلم ~~الهروي، قالا أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى الماليني، أخبرنا أبو العباس ~~الحسن بن سفيان النسوي، أخبرنا حيان بن موسى وعبد الله بن أسماء ابن أخي ~~جويرية بن أسماء، قال أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن سعيد، عن ~~محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات ~~وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ~~ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما ~~هاجر إليه" (1) . ### || # {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ~~وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) } # قوله تعالى: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} قرأ ابن كثير " وكائن " ~~بالمد والهمزة على وزن فاعل وتليين الهمزة أبو جعفر، وقرأ الآخرون " وكأين ~~" بالهمز والتشديد على وزن كعين، ومعناه: وكم، وهي كاف التشبيه ضمت إلى أي ~~الاستفهامية، ولم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة ويقف بعض ~~القراء على " وكأي " بلا نون والأكثرون على الوقوف بالنون قوله {قاتل} قرأ ~~ابن كثير ونافع وأهل البصرة بضم القاف وقرأ الآخرون {قاتل} فمن قرأ {قاتل} ~~فلقوله: {فما وهنوا} ويستحيل وصفهم بأنهم لم يهنوا بعدما قتلوا لقول سعيد ~~بن جبير: ما سمعنا أن نبيا قتل في القتال ولأن {قاتل} أعم. # قال أبو عبيد: إن الله تعالى إذا حمد من قاتل كان من قتل داخلا فيه، وإذا ms0494 ~~حمد من قتل لم يدخل فيه غيرهم، فكان {قاتل} أعم. # ومن قرأ "قتل") فله ثلاثة أوجه: أحدها: # أن يكون القتل راجعا إلى النبي وحده، فيكون تمام الكلام عند قوله " قتل " ~~ويكون في الآية إضمار معناه: ومعه ربيون كثير، كما يقال: قتل فلان معه جيش ~~كثير أي: ومعه. # والوجه الثاني: أن يكون القتل نال النبي ومن معه من الربيين ويكون ~~المراد: بعض من معه، تقول العرب قتلنا بني فلان وإنما قتلوا بعضهم ويكون ~~قوله {فما وهنوا} راجعا إلى الباقين. PageV02P116 # والوجه الثالث: أن يكون القتل للربيين لا غير. # وقوله {ربيون كثير} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: جموع كثيرة، وقال ابن ~~مسعود: الربيون الألوف، وقال الكلبي الربية الواحدة: عشرة آلاف، وقال ~~الضحاك: الربية الواحدة: ألف، وقال الحسن: فقهاء علماء وقيل: هم الأتباع ~~والربانيون الولاة، والربيون الرعية، وقيل: منسوب إلى الرب وهم الذين ~~يعبدون الرب، {فما وهنوا} أي: فما جبنوا، {لما أصابهم في سبيل الله وما ~~ضعفوا} عن الجهاد بما نالهم من ألم الجراح (1) وقتل الأصحاب. {وما ~~استكانوا} قال مقاتل: وما استسلموا وما خضعوا لعدوهم وقال السدي: وما ذلوأ ~~71/أقال عطاء وما تضرعوا وقال أبو العالية: وما جبنوا ولكنهم صبروا على أمر ~~ربهم وطاعة نبيهم وجهاد عدوهم، {والله يحب الصابرين} ### || # {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ~~وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147) فآتاهم الله ثواب الدنيا ~~وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (148) } # قوله تعالى: {وما كان قولهم} نصب على خبر كان والاسم في أن قالوا، ~~ومعناه: وما كان قولهم عند قتل نبيهم، {إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا} ~~أي: الصغائر، {وإسرافنا في أمرنا} أي: الكبائر، {وثبت أقدامنا} كي لا تزول، ~~{وانصرنا على القوم الكافرين} يقول فهلا فعلتم وقلتم مثل ذلك يا أصحاب ~~محمد. # {فآتاهم الله ثواب الدنيا} النصرة والغنيمة، {وحسن ثواب الآخرة} الأجر ~~والجنة، {والله يحب المحسنين} # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا} يعني: اليهود ~~والنصارى وقال علي رضي الله عنه يعني: ms0495 المنافقين في قولهم للمؤمنين عند ~~الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم. # {يردوكم على أعقابكم} يرجعوكم إلى أول أمركم الشرك بالله، {فتنقلبوا ~~خاسرين} مغبونين. # ثم قال: {بل الله مولاكم} ناصركم وحافظكم على دينكم، {وهو خير الناصرين} ~~PageV02P117 ### || # {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا ~~خاسرين (149) بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (150) سنلقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس ~~مثوى الظالمين (151) ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم ~~وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ~~ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل ~~على المؤمنين (152) } # {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} وذلك أن أبا سفيان والمشركين لما ~~ارتحلوا يوم أحد متوجهين نحو مكة انطلقوا حتى إذا بلغوا بعض الطريق ندموا ~~وقالوا: بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ~~ارجعوا فاستأصلوهم فلما عزموا على ذلك قذف الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا ~~عما هموا به. # سنلقي أي: سنقذف في قلوب الذين كفروا الرعب الخوف وقرأ (1) أبو جعفر وابن ~~عامر والكسائي ويعقوب {الرعب} بضم العين وقرأ الآخرون بسكونها، {بما أشركوا ~~باللهما لم ينزل به سلطانا} حجة وبرهانا، {ومأواهم النار وبئس مثوى ~~الظالمين} مقام الكافرين. # قوله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده} قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة من أحد وقد أصابهم ما ~~أصابهم، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا؟ وقد وعدنا الله النصر فأنزل ~~الله تعالى: # {ولقد صدقكم الله وعده} بالنصر والظفر وذلك أن النصر والظفر كان للمسلمين ~~في الابتداء، {إذ تحسونهم بإذنه} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ~~أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل عينين، وهو جبل عن يساره وأقام عليه ~~الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: احموا ظهورنا فإن ms0496 رأيتمونا ~~قد غنمنا فلا تشركونا وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وأقبل المشركون ~~فأخذوا في القتال فجعل الرماة يرشقون خيل المشركين بالنبل والمسلمون ~~يضربونهم بالسيوف، حتى ولوا هاربين فذلك قوله تعالى {إذ تحسونهم بإذنه} أي ~~تقتلونهم قتلا ذريعا بقضاء الله. PageV02P118 # قال أبو عبيدة: الحس: هو الاستئصال بالقتل. # {حتى إذا فشلتم} أي: إن جبنتم وقيل: معناه فلما فشلتم، {وتنازعتم في ~~الأمر وعصيتم} والواو زائدة في {وتنازعتم} يعني: حتى إذا فشلتم تنازعتم، ~~وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: حتى إذا تنازعتم في الأمر وعصيتم فشلتم ~~ومعنى التنازع الاختلاف. # وكان اختلافهم أن الرماة اختلفوا حين انهزم المشركون فقال بعضهم: انهزم ~~القوم فما مقامنا؟ وأقبلوا على الغنيمة وقال بعضهم: لا تجاوزوا أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وثبت عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة. # فلما رأى خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ذلك حملوا على الرماة فقتلوا ~~عبد الله بن جبير وأصحابه، وأقبلوا على المسلمين وحالت الريح فصارت دبورا ~~بعد ما كانت صبا (1) وانتقضت صفوف المسلمين واختلطوا فجعلوا يقتلون على غير ~~شعار يضرب بعضهم بعضا ما يشعرون من الدهش، ونادى إبليس أن محمدا قد قتل ~~وكان ذلك سبب الهزيمة للمسلمين. # قوله تعالى: {وعصيتم} يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم وخالفتم أمره، {من ~~بعدما أراكم} الله {ما تحبون} يا معشر المسلمين من الظفر والغنيمة، {منكم ~~من يريد الدنيا} يعني: الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب، {ومنكم من ~~يريد الآخرة} يعني: الذين ثبتوا مع عبد الله بن جبير حتى قتلوا قال عبد ~~الله بن مسعود: ما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يريد ~~الدنيا حتى كان يوم أحد ونزلت هذه الآية {ثم صرفكم عنهم} أي: ردكم عنهم ~~بالهزيمة، {ليبتليكم} ليمتحنكم وقيل: لينزل البلاء عليكم {ولقد عفا عنكم} ~~يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، {والله ذو فضل على المؤمنين} ### || # {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير ms0497 بما تعملون (153) } # {إذ تصعدون} يعني: ولقد عفا عنكم إذ تصعدون هاربين، وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي والحسن وقتادة {تصعدون} بفتح التاء والعين والقراءة المعروفة بضم ~~التاء وكسر العين. # والإصعاد: السير في مستوى الأرض والصعود: الارتفاع على الجبال والسطوح، ~~قال أبو حاتم: يقال PageV02P119 # أصعدت إذا مضيت حيال وجهك وصعدت إذا ارتقيت في جبل أو غيره، وقال المبرد: ~~أصعد إذا أبعد في الذهاب، وكلتا القراءتين صواب فقد كان يومئذ من المنهزمين ~~مصعد وصاعد وقال المفضل: صعد وأصعد وصعد بمعنى واحد. # {ولا تلوون على أحد} أي: لا تعرجون ولا تقيمون على أحد ولا يلتفت بعضكم ~~إلى بعض، {والرسول يدعوكم في أخراكم} أي: في آخركم ومن ورائكم إلي عباد ~~الله فأنا رسول الله من يكر فله الجنة (1) ، {فأثابكم} فجازاكم جعل الإثابة ~~بمعنى العقاب، وأصلها في الحسنات لأنه وضعها موضع الثواب كقوله تعالى: ~~{فبشرهم بعذاب أليم} جعل البشارة في العذاب (2) ومعناه: جعل مكان الثواب ~~الذي كنتم ترجون (3) {غما بغم} وقيل: الباء بمعنى على أي: غما على غم وقيل: ~~غما متصلا بغم فالغم الأول: ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والغم الثاني: ما ~~نالهم من القتل والهزيمة. # وقيل: الغم الأول ما أصابهم من القتل والجراح، والغم الثاني: ما سمعوا أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل فأنساهم الغم الأول. # وقيل: الغم الأول: إشراف خالد بن الوليد عليهم بخيل المشركين، والغم ~~الثاني: حين أشرف عليهم أبو سفيان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~انطلق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل ~~سهما في قوسه وأراد أن يرميه، فقال أنا رسول الله ففرحوا حين وجدوأ 71/ب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في ~~أصحابه من يمتنع، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم ~~الذين قتلوا فأقبل أبو سفيان وأصحابه حتى وقفوا بباب الشعب، فلما نظر ~~المسلمون إليهم أهمهم ذلك وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم فأنساهم هذا ~~ما نالهم، فقال رسول الله ms0498 صلى الله عليه وسلم: ليس لهم أن يعلونا اللهم إن ~~تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض، ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى ~~أنزلوهم. # وقيل: إنهم غموا الرسول بمخالفة أمره، فجازاهم الله بذلك الغم غم القتل ~~والهزيمة. # قوله تعالى: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} من الفتح والغنيمة، {ولا ما ~~أصابكم} أي: ولا على ما أصابكم من القتل والهزيمة، {والله خبير بما تعملون} ~~PageV02P120 ### || # {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم ~~أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل ~~إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من ~~الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم ~~القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله ~~عليم بذات (154) } # {ثم أنزل عليكم} يا معشر المسلمين، {من بعد الغم أمنة نعاسا} يعني: أمنا ~~والأمن الأمنة بمعنى واحد وقيل: الأمن يكون مع زوال سبب الخوف والأمنة مع ~~بقاء سبب الخوف وكان سبب الخوف هنا قائما، {نعاسا} بدل من الأمنة {يغشى ~~طائفة منكم} قرأ حمزة والكسائي " تغشى " بالتاء ردا إلى الأمنة وقرأ ~~الآخرون بالياء ردا على النعاس. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم وإنما ينعس من ~~يأمن، والخائف لا ينام. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد ~~بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن، أنا ~~حسين بن محمد، أخبرنا شيبان عن قتادة أخبرنا أنس أن أبا طلحة قال: غشينا ~~النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد قال: فجعل سيفي يسقط من يدي فآخذه ويسقط ~~وآخذه" (1) . # وقال ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت ما أرى أحدا ~~من القوم إلا وهو يميل تحت جحفته من النعاس (2) . # وقال عبد الله بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام لقد ms0499 رأيتني مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الحرب، أرسل الله علينا النوم ~~والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم، ~~PageV02P121 # يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا (1) فذلك قوله تعالى: ~~{يغشى طائفة منكم} يعني: المؤمنين، {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} يعني: ~~المنافقين: قيل: أراد الله به تمييز المنافقين من المؤمنين فأوقع النعاس ~~على المؤمنين حتى أمنوا ولم يوقع على المنافقين فبقوا في الخوف وقد أهمتهم ~~أنفسهم أي: حملتهم على الهم يقال: أمر مهم. # {يظنون بالله غير الحق} أي: لا ينصر محمدا، وقيل: ظنوا أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم قد قتل، {ظن الجاهلية} أي: كظن أهل الجاهلية والشرك، {يقولون هل ~~لنا} ما لنا لفظه استفهام ومعناه: حجد، {من الأمر من شيء} يعني: النصر، {قل ~~إن الأمر كله لله} قرأ أهل البصرة برفع اللام على الابتداء وخبره في {لله} ~~وقرأ الآخرون بالنصب على البدل وقيل: على النعت. # {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما ~~قتلنا ها هنا} وذلك أن المنافقين قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقول لم نخرج ~~(2) مع محمد إلى قتال أهل مكة ولم يقتل رؤساؤنا، وقيل: لو كنا على الحق ما ~~قتلنا هاهنا. # قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: يظنون بالله غير الحق ظن ~~الجاهلية يعني: التكذيب بالقدر وهو قولهم {لو كان لنا من الأمر شيء ما ~~قتلنا ها هنا} {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب} قضي، {عليهم القتل ~~إلى مضاجعهم} مصارعهم، {وليبتلي الله} وليمتحن الله، {ما في صدوركم وليمحص} ~~يخرج ويظهر {ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور} بما في القلوب من خير ~~وشر. ### || # {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (155) } # {إن الذين تولوا منكم} أي انهزموا، {منكم} يا معشر المسلمين، {يوم التقى ~~الجمعان} جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد ms0500 وكان قد انهزم أكثر المسلمين ~~ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة عشر رجلا ستة من المهاجرين: ~~وهم أبو بكر وعمر وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص رضي الله ~~عنهم. # قوله تعالى: {إنما استزلهم الشيطان} أي: طلب زلتهم كما يقال: استعجلت ~~فلانا إذا طلبت PageV02P122 # عجلته وقيل: حملهم على الزلة وهي الخطيئة وقيل: أزل واستزل بمعنى واحد، ~~{ببعض ما كسبوا} أي: بشؤم ذنوبهم، قال بعضهم: بتركهم المركز، وقال الحسن: ~~ما كسبوا هو قبولهم من الشيطان ما وسوس إليهم من الهزيمة، {ولقد عفا الله ~~عنهم إن الله غفور حليم} ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا ~~في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك ~~حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (156) ولئن قتلتم ~~في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون (157) } # {ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) فبما رحمة من الله لنت لهم ~~ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في ~~الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (159) } # {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا} يعني: المنافقين عبد الله ~~بن أبي وأصحابه، {وقالوا لإخوانهم} في النفاق والكفر وقيل: في النسب، {إذا ~~ضربوا في الأرض} أي: سافروا فيها لتجارة أو غيرها، {أو كانوا غزى} أي: غزاة ~~جمع غاز فقتلوا، {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك} يعني: ~~قولهم وظنهم، {حسرة} غما {في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون ~~بصير} قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي " يعملون " بالياء وقرأ الآخرون بالتاء. # {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم} قرأ نافع وحمزة والكسائي " متم " بكسر ~~الميم وقرأ الآخرون بالضم فمن ضمه فهو من مات يموت كقولك: من قال يقول قلت ~~بضم القاف ومن كسره فهو من مات يمات كقولك من خاف يخاف: خفت، {لمغفرة من ms0501 ~~الله} في العاقبة، {ورحمة خير مما يجمعون} من الغنائم قراءة العامة، ~~"تجمعون") بالتاء لقوله {ولئن قتلتم} وقرأ حفص عن عاصم {يجمعون} بالياء ~~يعني: خير (1) مما يجمع الناس. # {ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون} في العاقبة. # قوله تعالى: {فبما رحمة من الله} أي: فبرحمة من الله و" ما ") صلة كقوله ~~{فبما نقضهم} PageV02P123 # {لنت لهم} أي: سهلت لهم أخلاقك وكثرة احتمالك ولم تسرع إليهم فيما كان ~~منهم يوم أحد، {ولو كنت فظا} يعني: جافيا سيء الخلق قليل الاحتمال، {غليظ ~~القلب} قال الكلبي: فظا في القول غليظ القلب في الفعل، {لانفضوا من حولك} ~~أي: لنفروا وتفرقوا عنك، يقال: فضضتهم فانفضوا أي فرقتهم فتفرقوا {فاعف ~~عنهم} تجاوز عنهم ما أتوا يوم أحد، {واستغفر لهم} حتى أشفعك فيهم، {وشاورهم ~~في الأمر} أي: استخرج آراءهم واعلم ما عندهم من قول العرب: شرت الدابة ~~وشورتها إذا استخرجت جريها وشرت العسل وأشرته إذا أخذته من موضعه ~~واستخرجته. # واختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة (1) رأيه ونزول الوحي عليه ووجوب طاعته على ~~الخلق فيما أحبوا وكرهوا. # فقال بعضهم: هو خاص في المعنى أي: وشاروهم فيما ليس عندك فيه من الله ~~تعالى عهد، قال الكلبي: يعني ناظرهم في لقاء العدو ومكايد الحرب عند الغزو. # وقال مقاتل وقتادة: أمر الله تعالى بمشاورتهم تطييبا لقلوبهم، فإن ذلك ~~أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم، فإن سادات العرب كانوا إذا لم يشاوروا في ~~الأمر شق ذلك عليهم. # وقال الحسن: قد علم الله عز وجل 72/أأنه ما به إلى مشاورتهم حاجة ولكنه ~~أراد أن يستن به من بعده. # أخبرنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبد الله الفارسي: أخبرنا أبو ذر محمد ~~بن إبراهيم بن علي الصالحاني، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، ~~أخبرنا علي بن العباس المقانعي أخبرنا أحمد بن ما هان، أخبرني أبي، أخبرنا ~~طلحة بن زيد، عن عقيل عن الزهري عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما ms0502 ~~رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم" (2) . # قوله تعالى: {فإذا عزمت فتوكل على الله} لا على مشاورتهم أي: قم بأمر ~~الله وثق به واستعنه، {إن الله يحب المتوكلين} . PageV02P124 ### || # {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون (160) } # {إن ينصركم الله} يعنكم الله ويمنعكم من عدوكم، {فلا غالب لكم} مثل يوم ~~بدر، {وإن يخذلكم} يترككم فلم ينصركم كما كان بأحد والخذلان: القعود عن ~~النصرة والإسلام للهلكة، {فمن ذا الذي ينصركم من بعده} أي: من بعد خذلانه، ~~{وعلى الله فليتوكل المؤمنون} قيل: التوكل أن لا تعصي الله من أجل رزقك ~~وقيل: أن لا تطلب لنفسك ناصرا غير الله ولا لرزقك خازنا غيره ولا لعملك ~~شاهدا غيره. # أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، أخبرنا أبو عبد الله ~~الحسين بن شجاع البزار ببغداد، أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد الهيثم ~~الأنباري، أخبرنا محمد بن أبي العوام أخبرنا وهب بن جرير، أخبرنا هشام بن ~~حسان عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "يدخل سبعون ألفا من أمتي الجنة بغير حساب" قيل: يا رسول الله ~~من هم؟ قال: "هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم ~~يتوكلون" فقال عكاشة بن محصن: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: ~~"أنت منهم" ثم قام آخر فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: ~~"سبقك بها عكاشة" (1) . # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن ~~الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا ~~إبراهيم بن عبد الله الخلال، أنا عبد الله بن المبارك، عن حياة بن شريح، ~~حدثني بكر بن عمرو، عن عبد الله بن هبيرة، أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: ~~سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى ms0503 الله عليه وسلم ~~يقول: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو ~~خماصا وتروح بطانا" (2) . PageV02P125 ### || # {وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت وهم لا يظلمون (161) } # قوله عز وجل: {وما كان لنبي أن يغل} الآية روى عكرمة ومقسم عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: إن هذه الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض ~~الناس أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) . # وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز للغنيمة ~~وقالوا: نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئا فهو له وأن لا ~~يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر، فتركوا المركز ووقعوا في الغنائم، فقال ~~لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "لم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى ~~يأتيكم أمري"؟ قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم" فأنزل الله تعالى هذه الآية (2) . # وقال قتادة: ذكر لنا أنها نزلت في طائفة غلت من أصحابه. (3) . # وقيل: إن الأقوياء ألحوا عليه يسألونه من المغنم، فأنزل الله تعالى: {وما ~~كان لنبي أن يغل} فيعطي قوما ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم بينهم بالسوية ~~(4) . # وقال محمد بن إسحاق بن يسار: هذا في الوحي، يقول: ما كان لنبي أن يكتم ~~شيئا من الوحي رغبة أو رهبة أو مداهنة. # قوله تعالى: {وما كان لنبي أن يغل} قرأ ابن كثير وأهل البصرة وعاصم ~~"يغل") بفتح الياء وضم الغين معناه: أن يخون والمراد منه الأمة وقيل: اللام ~~فيه منقولة معناه: ما كان النبي ليغل وقيل: معناه ما كان يظن به ذلك ولا ~~يليق به، وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الغين، وله وجهان أحدهما: أن يكون من ~~الغلول أيضا أي: ما كان لنبي أن يخان يعني: أن تخونه أمته والوجه الآخر: أن ~~يكون من الإغلال، معناه: ما كان لنبي أن يخون أي ينسب إلى ms0504 الخيانة. ~~PageV02P126 # {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} قال الكلبي: يمثل له ذلك الشيء في ~~النار ثم يقال له: انزل فخذه فينزل فيحمله على ظهره فإذا بلغ موضعه وقع في ~~النار ثم يكلف أن ينزل إليه، فيخرجه ففعل ذلك به. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه، ~~أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، ~~عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث مولى بن مطيع عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا ~~فضة إلا الأموال والثياب والمتاع، قال فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نحو وادي القرى وكان رفاعة بن زيد وهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا ~~أسود يقال له مدعم قال فخرجنا حتى إذا كنا بوادي القرى فبينما مدعم يحط رحل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر فأصابه فقتله فقال الناس: ~~هنيئا له الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلا والذي نفسي بيده ~~إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم تشتعل عليه ~~نارا" فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شراك من نار أو شراكان من نار" ~~(1) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، ~~أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حيان، عن ~~أبي عمرة الأنصاري، عن زيد بن خالد الجهني، قال: توفي رجل يوم خيبر فذكروه ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا على صاحبكم" فتغيرت وجوه الناس ~~لذلك فزعم زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن صاحبكم قد غل في ~~سبيل الله" قال: ففتحنا متاعه فوجدنا خرزات من خرزات اليهود يساوين درهمين ~~(2) . # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ms0505 المروزي، أنا عبد العزيز بن أحمد ~~الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، ~~أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد الساعدي قال: ~~استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على ~~الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ~~على المنبر فقال: "ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول هذا لكم وهذا ~~أهدي لي، فهلا جلس في بيت أمه أو في بيت أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا ~~فوالذي نفسي بيده لا يأخذ 72/ب أحد منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله ~~على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو PageV02P127 # بقرة لها خوار أو شاة لها تيعر" ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه ثم ~~قال: "اللهم هل بلغت" (1) . # وروى قيس بن أبي حازم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: "لا تصيبن شيئا بغير إذني فإنه غلول، ~~ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة" (2) . # وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه" (3) . # وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه" (4) . قوله تعالى: ~~{ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} ### || # {أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ~~(162) هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون (163) } # {أفمن اتبع رضوان الله} وترك الغلول، {كمن باء بسخط من الله} فعل، ~~{ومأواه جهنم وبئس المصير} PageV02P128 # {هم درجات عند الله} يعني: ذو درجات عند الله، قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: يعني من اتبع رضوان الله ومن باء بسخط من الله مختلفو المنازل عند ms0506 ~~الله فلمن اتبع رضوان الله الثواب العظيم، ولمن باء بسخط من الله العذاب ~~الأليم. {والله بصير بما يعملون} ### || # {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (164) ~~أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن ~~الله على كل شيء قدير (165) } # {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} قيل: أراد به ~~العرب لأنه ليس حي من أحياء العرب إلا وله فيهم نسب إلا بني تعلبة دليله ~~قوله تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} وقال الآخرون: أراد به ~~جميع المؤمنين ومعنى قوله تعالى: {من أنفسهم} أي: بالإيمان والشفقة لا ~~بالنسب ودليله قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} {يتلو عليهم آياته ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} وقد كانوا، {من قبل} أي: من قبل بعثه {لفي ~~ضلال مبين} # {أولما} أي: حين {أصابتكم مصيبة} بأحد، {قد أصبتم مثليها} يوم بدر وذلك ~~أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين وقتل المسلمون منهم ببدر ~~سبعين وأسروا سبعين، {قلتم أنى هذا} من أين لنا هذا القتل والهزيمة ونحن ~~مسلمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا؟ {قل هو من عند أنفسكم} روى ~~عبيدة السلماني عن علي رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، ~~وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء ~~على أن يقتل منهم عدتهم فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس، ~~فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا، لا بل نأخذ فداءهم فنقوى بها على ~~قتال عدونا، ويستشهد منا عدتهم [فقتل منهم يوم أحد] (1) سبعون عدد أسارى ~~أهل بدر فهذا معنى قوله تعالى: {قل هو من عند أنفسكم} (2) أي: بأخذكم ~~الفداء واختياركم القتل، {إن الله على كل شيء قدير} PageV02P129 ### || # {وما أصابكم يوم ms0507 التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم ~~الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم ~~قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس ~~في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو ~~أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (168) ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) } # {وما أصابكم يوم التقى الجمعان} بأحد من القتل والجرح والهزيمة، {فبإذن ~~الله} أي: بقضائه وقدره، {وليعلم المؤمنين} أي: ليميز وقيل ليرى. # {وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله} أي: لأجل دين ~~الله وطاعته، {أو ادفعوا} عن أهلكم وحريمكم، وقال السدي: أي كثروا سواد ~~المسلمين ورابطوا إن لم تقاتلوا يكون ذلك دفعا وقمعا للعدو، {قالوا لو نعلم ~~قتالا لاتبعناكم} وهم عبد الله بن أبي وأصحابه الذين انصرفوا عن أحد وكانوا ~~ثلاثمائة قال الله تعالى: {هم للكفر يومئذ أقرب} أي: إلى الكفر يومئذ أقرب ~~{منهم للإيمان} (أي: إلى الإيمان) (1) ، {يقولون بأفواههم} يعني: كلمة ~~الإيمان {ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون} # {الذين قالوا لإخوانهم} في النسب لا في الدين وهم شهداء أحد {وقعدوا} ~~يعني: قعد هؤلاء القائلون عن الجهاد {لو أطاعونا} وانصرفوا عن محمد صلى ~~الله عليه وسلم وقعدوا في بيوتهم {ما قتلوا قل} يا محمد، {فادرءوا} ~~فادفعوا، {عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} إن الحذر لا يغني عن القدر. # قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} الآية قيل: ~~نزلت في شهداء بدر (2) وكانوا أربعة عشر رجلا ثمانية من الأنصار وستة من ~~المهاجرين. # وقال الآخرون: نزلت في شهداء أحد وكانوا سبعين رجلا أربعة من المهاجرين ~~حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعثمان بن شماس وعبد الله بن جحش وسائرهم ~~من الأنصار (3) . PageV02P130 # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، ~~أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا محمد بن حماد، أنا أبو معاوية ms0508 عن الأعمش، عن ~~عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: سألنا عبد الله (هو بن مسعود) رضي الله ~~عنهما عن هذه الآية: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء ~~عند ربهم يرزقون} الآية قال أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: "أرواحهم كطير ~~خضر" ويروى "في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة في أيها ~~شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربك ~~اطلاعة فقال: سلوني ما شئتم فقالوا: يا رب كيف نسألك ونحن نسرح في الجنة في ~~أيها شئنا؟ فلما رأوا أن لا يتركوا من أن يسألوا شيئا قالوا: إنا نسألك أن ~~ترد أرواحنا إلى أجسادنا نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أنهم لا يسألون ~~إلا هذا تركوا" (1) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا عبد الله بن حامد ~~أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان، أنا جيعوية أنا صالح بن محمد، أنا سليمان بن ~~عمرو، عن إسماعيل بن أمية، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما أصيب إخوانكم يوم أحد ~~جعل الله عز وجل أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها ~~وتسرح من الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، فلما رأوا طيب ~~مقيلهم ومطعمهم ومشربهم ورأوا ما أعد الله لهم من الكرامة قالوا: ياليت ~~قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله بنا كي يرغبوا في الجهاد ~~ولا يتكلوا عنه فقال الله عز وجل أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم ففرحوا بذلك ~~واستبشروا فأنزل الله تعالى {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} ~~إلى قوله {لا يضيع أجر المؤمنين} " (2) . # سمعت عبد الواحد بن أحمد المليحي، قال: سمعت الحسن بن أحمد القتيبي (3) ~~قال: سمعت محمد (4) بن عبد الله بن يوسف قال: سمعت محمد بن إسماعيل البكري، ~~قال: سمعت يحيى بن حبيب بن ms0509 عربي PageV02P131 # قال: سمعت موسى بن إبراهيم قال: سمعت طلحة بن خراش قال: سمعت جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنهما يقول: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: ~~"يا جابر ما لي أراك منكسرا"؟ قلت يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالا ~~ودينا قال: "أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك"؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: ~~73/أ "ما كلم الله تعالى أحدا قط إلا من وراء حجاب، وإنه أحيا أباك فكلمه ~~كفاحا قال: يا عبدي تمن علي أعطك قال: يا رب أحيني فأقتل فيك الثانية، قال ~~الرب تبارك وتعالى: إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون فأنزلت فيهم {ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} (1) . # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أنا أبو الحسن الطيسفوني، أنا ~~عبد الله بن عمر الجوهري، أنا أحمد بن علي الكشميهني، أنا علي بن حجر أنا ~~إسماعيل بن جعفر، أنا حميد عن أنس رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "ما من عبد يموت له عند الله خير يحب أن يرجع إلى الدنيا ~~وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يحب أن ~~يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى" (2) . # وقال قوم: نزلت هذه الآية في شهداء بئر معونة (3) وكان سبب ذلك على ما ~~روى محمد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار عن المغيرة بن عبد الرحمن بن ~~الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعن حميد ~~الطويل عن أنس بن مالك وغيرهم من أهل العلم قال: قدم أبو براء عامر بن مالك ~~بن جعفر، ملاعب الأسنة وكان سيد بني عامر بن صعصعة، على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المدينة وأهدى إليه هدية فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يقبلها وقال لا أقبل هدية مشرك، فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك؟ ثم عرض عليه ~~الإسلام وأخبره بما له فيه وما ms0510 أعد الله للمؤمنين وقرأ عليه القرآن فلم ~~يسلم، ولم يبعد وقال: يا محمد إن الذي تدعو إليه حسن جميل فلو بعثت رجالا ~~من أصحابك إلى أهل نجد فيدعونهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أخشى عليهم أهل نجد". # فقال أبو البراء: أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك. # فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في ~~سبعين رجلا من خيار المسلمين منهم PageV02P132 # الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي ونافع بن ~~يزيد ابن ورقاء الخزاعي وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنه، وذلك في ~~صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد، فساروا حتى نزلوا بئر ~~معونة وهي أرض بين أرض بني عامر وحرة بني سليم فلما نزلوها قال بعضهم لبعض ~~أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء؟ فقال حرام بن ~~ملحان: أنا فخرج بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل ~~وكان على ذلك الماء فلما أتاهم حرام بن ملحان لم ينظر عامر بن الطفيل في ~~كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حرام بن ملحان: يا أهل بئر معونة ~~إني رسول رسول الله إليكم إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله فآمنوا بالله ورسوله فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضرب به في ~~جنبه حتى خرج من الشق الآخر فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة. # ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين فأبوا أن يجيبوه إلى ما ~~دعاهم إليه وقالوا: لن نخفر أبا براء قد عقد لهم عقدا وجوارا ثم استصرخ ~~عليهم قبائل من بني سليم -عصية ورعلا وذكوان -فأجابوه فخرجوا حتى غشوا ~~القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا السيوف فقاتلوهم حتى قتلوا ~~من عند آخرهم إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق فارتث ms0511 من بين القتلى ~~فضلوه فيهم (1) فعاش حتى قتل يوم الخندق، وكان في سرح القوم عمرو بن أمية ~~الضمري ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف فلم ينبههما بمصاب أصحابهما ~~إلا الطير تحوم على المعسكر! فقالا والله إن لهذا الطير لشأنا فأقبلا ~~لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة فقال الأنصاري ~~لعمرو بن أمية الضمري: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنخبره فقال الأنصاري الله أكبر (2) لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن ~~موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل القوم حتى قتل وأخذوا عمرو بن أمية ~~الضمري أسيرا فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته ~~وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه فقدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأخبره الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا عمل ~~أبي براء قد كنت لهذا كارها متخوفا" فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر ~~إياه وما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره. # وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة، فروى محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن ~~أبيه أن عامر بن الطفيل كان يقول: من الرجل منهم لما قتل رأيته رفع بين ~~السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه؟ قالوا: هو عامر بن فهيرة، ثم بعد ~~ذلك حمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل فطعنه على فرسه فقتله (3) . ~~PageV02P133 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الأعلى بن حماد، أنا يزيد بن زريع، أنا ~~سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: "أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدو لهم فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا ~~نسميهم القراء في زمانهم، وكانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل، حتى كانوا ~~ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم فبلغ النبي صلى الله عليه ms0512 وسلم فقنت شهرا ~~يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان. # قال أنس رضي الله عنه: فقرأنا، فيهم قرآنا، ثم إن ذلك رفع: "بلغوا عنا ~~قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" (1) ثم نسخت (فرفع بعدما قرأناه) ~~(2) زمانا وأنزل الله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} ~~الآية. # وقيل: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة تحسروا على الشهداء، ~~وقالوا: نحن في النعمة وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فأنزل الله ~~تعالى تنفيسا عنهم وإخبارا عن حال قتلاهم (3) {ولا تحسبن} ولا تظنن {الذين ~~قتلوا في سبيل الله} قرأ ابن عامر "قتلوا") بالتشديد، والآخرون بالتخفيف ~~"أمواتا ") كأموات من لم يقتل في سبيل الله {بل أحياء عند ربهم} قيل أحياء ~~في الدين وقيل: في الذكر، وقيل: لأنهم يرزقون ويأكلون ويتمتعون كالأحياء، ~~وقيل: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة، وقيل: ~~لأن الشهيد لا يبلى في القبر ولا تأكله الأرض. # وقال عبيدة بن عمير: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد ~~على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له 73/أثم قرأ {من المؤمنين ~~رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، ألا فأتوهم وزوروهم وسلموا ~~عليهم فوالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه" ~~(4) . {يرزقون} من ثمار الجنة وتحفها. ### || # {فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ~~ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) } # {فرحين بما آتاهم الله من فضله} رزقه وثوابه، {ويستبشرون} ويفرحون ~~{بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} PageV02P134 # من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على مناهج الإيمان والجهاد ~~لعلمهم أنهم إذا استشهدوا ولحقوا بهم ونالوا من الكرامة ما نالوا فهم لذلك ~~مستبشرون، {ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ### || # {يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (171) الذين ms0513 ~~استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر ~~عظيم (172) } # {يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله} أي: وبأن الله، وقرأ الكسائي ~~بكسر الألف على الاستئناف. # {لا يضيع أجر المؤمنين} أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، ~~حدثنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن ~~الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق ~~كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر ~~وغنيمة" (1) . # وقال: "والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم ~~في سبيله -إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون الدم والريح ريح ~~المسك" (2) . # أخبرنا الإمام أبو علي الحسن بن محمد القاضي، أنا أبو طاهر محمد بن محمد ~~بن محمش الزيادي، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنا علي بن الحسن ~~الدارابجردي أنا عبد الله بن يزيد المقرئ، أنا سعيد، حدثني محمد بن عجلان، ~~عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم ~~القرصة" (3) . PageV02P135 # قوله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول} الآية، وذلك أن أبا سفيان ~~وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا على انصرافهم وتلاوموا ~~وقالوا: لا محمدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم، قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا ~~الشريد تركتموهم؟ ارجعوا فاستأصلوهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأراد أن يرهب العدو ويريهم من نفسه وأصحابه قوة فندب أصحابه للخروج في طلب ~~أبي سفيان، فانتدب عصابة منهم مع ما بهم من الجرح والقرح الذي أصابهم يوم ~~أحد ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا لا يخرجن معنا أحد إلا ~~من حضر يومنا بالأمس فكلمه جابر ms0514 بن عبد الله، فقال: يا رسول الله إن أبي ~~كان قد خلفني على أخوات لي سبع، وقال لي يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن ~~نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ولست بالذي أوثرك على نفسي في الجهاد مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهن فأذن له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه. # وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو وليبلغهم أنه خرج في ~~طلبهم فيظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم فينصرفوا. # فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة ~~والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن ~~اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا رضي الله عنهم حتى بلغوا حمراء ~~الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال (1) . # وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعبد الله بن الزبير: يا ابن أختي ~~أما والله إن أباك وجدك -تعني أبا بكر والزبير -لمن الذين قال الله عز وجل ~~فيهم: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} (2) فمر برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم معبد الخزاعي بحمراء الأسد وكانت خزاعة -مسلمهم ~~وكافرهم -عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا ~~يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد والله لقد عز ~~علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله تعالى كان قد أعفاك منهم، ثم خرج ~~من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء ~~قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لقد أصبنا جل ~~أصحابه وقادتهم لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدا ~~قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر ~~مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في ms0515 يومكم ~~وندموا على صنيعهم، وفيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما ~~تقول؟ قال: والله ما أراك ترحل حتى ترى نواصي الخيل، PageV02P136 # قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني والله ~~أنهاك عن ذلك فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا: كادت تهد من ~~الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل # فذكر أبياتا فرد ذلك أبا سفيان ومن معه. # ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة قال: ~~(ولم؟ قالوا: نريد الميرة) (1) قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة وأحمل ~~لكم إبلكم هذه زبيبا بعكاظ غدا إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا ~~جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم ~~وانصرف أبو سفيان إلى مكة، ومر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ~~بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه: "حسبنا الله ونعم الوكيل" ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة بعد الثالثة (2) . هذا قول أكثر المفسرين. # وقال مجاهد وعكرمة: نزلت هذه الآية في غزوة بدر الصغرى وذلك أن أبا سفيان ~~يوم أحد حين أراد أن ينصرف قال: يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر ~~الصغرى لقابل إن شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلك بيننا وبينك ~~إن شاء الله" فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة ~~من ناحية مر الظهران ثم ألقى الله الرعب في قلبه فبدا له الرجوع فلقي نعيم ~~بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال له أبو سفيان: يا نعيم إني واعدت ~~محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى وإن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلا ~~عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها وأكره أن ~~يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة ولأن يكون الخلف من قبلهم أحب إلي ~~من أن ms0516 يكون من قبلي فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أني في جمع كثير لا طاقة ~~لهم بنا، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها لك على يدي سهيل بن عمرو ويضمنها ~~قال: فجاء سهيل فقال له نعيم يا أبا يزيد: أتضمن لي هذه القلائص وأنطلق إلى ~~محمد وأثبطه؟ قال: نعم فخرج نعيم حتى أتى المدينة 74/أفوجد الناس يتجهزون ~~لميعاد أبي سفيان فقال: أين تريدون؟ فقالوا: واعدنا أبو سفيان بموسم بدر ~~الصغرى أن نقتتل بها فقال: بئس الرأي رأيتم أتوكم في دياركم وقراركم فلم ~~يفلت منكم إلا الشريد، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، والله ~~لا يفلت منكم أحد، فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده لأخرجن ولو وحدي" فأما ~~الجبان فإنه رجع وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال وقال: "حسبنا الله ونعم ~~الوكيل". PageV02P137 # فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى وافوا بدرا الصغرى ~~فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون قد جمعوا لكم يريدون أن ~~يرعبوا المسلمين فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى بلغوا بدرا ~~وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام فأقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ينتظر أبا سفيان وقد انصرف أبو سفيان من ~~مجنة إلى مكة فلم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحدا من ~~المشركين ووافقوا السوق وكانت معهم تجارات ونفقات فباعوا وأصابوا بالدرهم ~~درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين (1) فذلك قوله تعالى: {الذين ~~استجابوا لله والرسول} أي أجابوا ومحل "الذين" خفض على صفة المؤمنين ~~تقديره: إن الله لا يضيع أجر المؤمنين المستجيبين لله والرسول، {من بعد ما ~~أصابهم القرح} أي: (نالتهم الجراح) (2) تم الكلام هاهنا ثم ابتداء فقال: ~~{للذين أحسنوا منهم} بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجابته إلى ~~الغزو، {واتقوا} معصيته {أجر عظيم} ### || # {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ~~وقالوا حسبنا الله ms0517 ونعم الوكيل (173) } PageV02P138 # {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو ~~فضل عظيم (174) } # {الذين قال لهم الناس} ومحل "الذين " خفض أيضا مردود على الذين الأول ~~وأراد بالناس: نعيم بن مسعود، في قول مجاهد وعكرمة فهو من العام الذي أريد ~~به الخاص كقوله تعالى: {أم يحسدون الناس} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وحده وقال محمد بن إسحاق وجماعة: أراد بالناس الركب من عبد القيس، {إن ~~الناس قد جمعوا لكم} يعني أبا سفيان وأصحابه، {فاخشوهم} فخافوهم واحذروهم ~~فإنه لا طاقة لكم بهم، {فزادهم إيمانا} تصديقا ويقينا وقوة {وقالوا حسبنا ~~الله} أي: كافينا الله، {ونعم الوكيل} أي: الموكول إليه الأمور فعيل بمعنى ~~مفعول. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن يونس، أخبرنا ~~أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ~~{حسبنا الله ونعم الوكيل} قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد صلى ~~الله عليه وسلم حين قالوا: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ~~وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} (1) . # {فانقلبوا} فانصرفوا، {بنعمة من الله} بعافية لم يلقوا عدوا {وفضل} تجارة ~~وربح وهو ما أصابوا PageV02P138 # في السوق {لم يمسسهم سوء} يصبهم أذى ولا مكروه، {واتبعوا رضوان الله} في ~~طاعة الله وطاعة رسوله وذلك أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوا فأعطاهم الله ~~ثواب الغزو ورضي عنهم، {والله ذو فضل عظيم} ### || # {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ~~(175) ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ~~ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) إن الذين اشتروا الكفر ~~بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (177) ولا يحسبن الذين كفروا ~~أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ~~(178) } # قوله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان} يعني: ذلك الذي قال لكم: {إن الناس قد ms0518 ~~جمعوا لكم فاخشوهم} من فعل الشيطان ألقى في أفواههم ليرهبوهم ويجبنوا عنهم، ~~{يخوف أولياءه} أي يخوفكم بأوليائه، وكذلك هو في قراءة أبي بن كعب يعني: ~~يخوف المؤمنين بالكافرين قال السدي: يعظم أولياءه في صدورهم ليخافوهم يدل ~~عليه قراءة عبد الله بن مسعود "يخوفكم أولياءه") {فلا تخافوهم وخافون} في ~~ترك أمري {إن كنتم مؤمنين} مصدقين بوعدي فإني متكفل لكم بالنصرة والظفر. # قوله عز وجل: {ولا يحزنك} قرأ نافع " يحزنك " بضم الياء وكسر الزاي، ~~وكذلك جميع القرآن إلا قوله {لا يحزنهم الفزع الأكبر} ضده أبو جعفر وهما ~~لغتان: حزن يحزن وأحزن يحزن إلا أن اللغة الغالبة حزن يحزن، {الذين يسارعون ~~في الكفر} قال الضحاك: هم كفار قريش وقال غيره: هم المنافقون يسارعون في ~~الكفر بمظاهرة الكفار. {إنهم لن يضروا الله شيئا} بمسارعتهم في الكفر، ~~{يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة} نصيبا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم ~~حتى سارعوا في الكفر، {ولهم عذاب عظيم} # {إن الذين اشتروا} استبدلوا {الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا} وإنما ~~يضرون أنفسهم، {ولهم عذاب أليم} # {ولا يحسبن الذين كفروا} قرأ حمزة هذا والذي بعده بالتاء فيهما، وقرأ ~~الآخرون بالياء فمن قرأ بالياء "فالذين " في محل الرفع على الفاعل وتقديره ~~(1) ولا يحسبن الكفار إملاءنا لهم خيرا، ومن قرأ بالتاء PageV02P139 # يعني: ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا، وإنما نصب على البدل من الذين، ~~{أنما نملي لهم خير لأنفسهم} والإملاء الإمهال والتأخير، يقال: عشت طويلا ~~حميدا وتمليت حينا ومنه قوله تعالى: "واهجرني مليا" (مريم -46) أي: حينا ~~طويلا ثم ابتدأ فقال: {إنما نملي لهم} نمهلهم {ليزدادوا إثما ولهم عذاب ~~مهين} # قال مقاتل: نزلت في مشركي مكة وقال عطاء: في قريظة والنضير. # أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله القفال، أنا أبو منصور أحمد بن الفضل ~~البرونجردي، أنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي، أنا محمد بن يونس ~~أنا أبو داود الطيالسي، أنا شعبة عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي ~~بكرة، عن أبيه قال: سئل رسول الله ms0519 صلى الله عليه وسلم أي الناس خير؟ قال: ~~"من طال عمره وحسن عمله" قيل: فأي الناس شر؟ قال: "من طال عمره وساء عمله" ~~(1) . ### || # {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ~~وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا ~~بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (179) } # قوله تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز ~~الخبيث من الطيب} اختلفوا فيها، فقال الكلبي: قالت قريش: يا محمد تزعم أن ~~من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو في ~~الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # وقال السدي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عرضت علي أمتي في صورها ~~في الطين كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر بي" فبلغ ذلك ~~المنافقين فقالوا استهزاء: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ممن لم ~~يخلق بعد، ونحن معه وما يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ما بال أقوام طعنوا في علمي ~~لا تسألوني 74/ب عن شيء فيما بينكم وبين PageV02P140 # الساعة إلا أنبأتكم به" فقام عبد الله بن حذافة السهمي: فقال: من أبي يا ~~رسول الله؟ قال: حذافة فقام عمر فقال: يا رسول الله رضينا بالله ربا ~~وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبك نبيا فاعف عنا عفا الله عنك فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "فهل أنتم منتهون"؟ ثم نزل عن المنبر فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية (1) . # واختلفوا في حكم الآية ونظمها، فقال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك ~~ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين: الخطاب للكفار والمنافقين يعني {ما كان ~~الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه} يا معشر الكفار والمنافقين من الكفر ~~والنفاق {حتى يميز الخبيث من الطيب} # وقال قوم: الخطاب للمؤمنين الذين أخبر ms0520 عنهم، معناه: ما كان الله ليذركم ~~يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق، فرجع من ~~الخبر إلى الخطاب. # {حتى يميز} قرأ حمزة والكسائي ويعقوب بضم الياء والتشديد وكذلك التي في ~~الأنفال، وقرأ الباقون بالخفيف يقال: ماز الشيء يميزه ميزا وميزه تمييزا ~~إذا فرقه فامتاز، وإنما هو بنفسه، قال أبو معاذ إذا فرقت بين شيئين قلت: ~~مزت ميزا، فإذا كانت أشياء قلت: ميزتها تمييزا وكذلك إذا جعلت الشيء الواحد ~~شيئين قلت: فرقت بالتخفيف ومنه فرق الشعر، فإن جعلته أشياء قلت: فرقته ~~تفريقا، ومعنى الآية حتى يميز المنافق من المخلص، فميز الله المؤمنين من ~~المنافقين يوم أحد حيث أظهروا النفاق وتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # وقال قتادة: حتى يميز الكافر من المؤمن بالهجرة والجهاد. # وقال الضحاك: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه} في أصلاب ~~الرجال وأرحام النساء يا معشر المنافقين والمشركين حتى يفرق بينكم وبين من ~~في أصلابكم وأرحام نسائكم من المؤمنين وقيل: {حتى يميز الخبيث} وهو المذنب ~~{من الطيب} وهو المؤمن يعني: حتى يحط الأوزار عن المؤمن بما يصيبه من نكبة ~~ومحنة ومصيبة، {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} لأنه لا يعلم الغيب (2) ~~أحد غيره، {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} فيطلعه على بعض علم الغيب، ~~نظيره قوله تعالى: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من ~~رسول" (سورة الجن الآيتان: 26،27) . # وقال السدي: معناه وما كان الله ليطلع محمدا صلى الله عليه وسلم على ~~الغيب ولكن الله اجتباه، {فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر ~~عظيم} PageV02P141 ### || # {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر ~~لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما ~~تعملون خبير (180) } # {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم} أي: ولا ~~يحسبن الباخلون البخل خيرا لهم، {بل هو} يعني: البخل، {شر لهم سيطوقون} أي: ~~سوف يطوقون ms0521 {ما بخلوا به يوم القيامة} يعني: يجعل ما منعه من الزكاة حية ~~تطوق في عنقه يوم القيامة تنهشه من فوقه (1) إلى قدمه وهذا قول ابن مسعود ~~وابن عباس وأبي وائل والشعبي والسدي. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا علي بن عبد الله المديني، أنا هاشم بن ~~القاسم، أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح ~~السمان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من آتاه ~~الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان ~~يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالك، أنا ~~كنزك، ثم تلا {ولا يحسبن الذين يبخلون} الآية" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمرو بن حفص بن غياث، أنا أبي، أنا الأعمش، ~~عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: انتهيت إليه يعني: النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال (3) . "والذي نفسي بيده، أو والذي لا إله غيره، أو ~~كما حلف ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم ~~القيامة أعظم ما يكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت ~~أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس" (4) . # قال إبراهيم النخعي: معنى الآية يجعل يوم القيامة في أعناقهم طوقا من ~~النار قال مجاهد: يكلفون يوم القيامة أن يأتوا بما بخلوا به في الدنيا من ~~أموالهم. # وروى عطية عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا ~~صفة محمد صلى الله عليه وسلم PageV02P142 # ونبوته وأراد بالبخل كتمان العلم (1) كما قال في سورة النساء "الذين ~~يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله" (النساء -37) ~~. # ومعنى قوله "سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة" أي: يحملون وزره وإثمه ~~كقوله تعالى: ms0522 "وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم" (الأنعام -31) . # {ولله ميراث السماوات والأرض} يعني: أنه الباقي الدائم بعد فناء خلقه ~~وزوال أملاكهم فيموتون ويرثهم، نظيره قوله تعالى: "إنا نحن نرث الأرض ومن ~~عليها" (مريم -40) {والله بما تعملون خبير} قرأ أهل البصرة ومكة يعلمون ~~بالياء وقرأ الآخرون بالتاء. PageV02P143 ### || # {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) } # قوله تعالى: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} ~~قال الحسن ومجاهد: لما نزلت: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} قالت ~~اليهود: إن الله فقير استقرض منا ونحن أغنياء، وذكر الحسن: أن قائل هذه ~~المقالة حيي بن أخطب (1) . # وقال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق: كتب النبي صلى الله عليه وسلم ~~مع أبي بكر رضي الله عنه إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا فدخل أبو بكر رضي الله عنه ~~ذات يوم بيت مدارسهم فوجد ناسا كثيرا من اليهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم ~~يقال له فنحاص بن عازوراء وكان من علمائهم، ومعه حبر آخر يقال له أشيع. ~~فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله ~~قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة فآمن وصدق ~~وأقرض الله قرضا حسنا يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب. # فقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أن ربنا يستقرض أموالنا وما يستقرض إلا ~~الفقير من الغني؟ فإن كان ما تقول حقا فإن الله إذا لفقير ونحن أغنياء، ~~وإنه ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنيا ما أعطانا الربا. # فغضب أبو بكر رضي الله عنه وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال: والذي نفسي ~~بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله فذهب فنحاص إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك، فقال ~~رسول الله صلى الله ms0523 عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: "ما حملك على ما ~~صنعت"؟ PageV02P143 # فقال: يا رسول الله إن عدو الله قال قولا عظيما زعم أن الله فقير وأنهم ~~أغنياء فغضبت لله فضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص، فأنزل الله تعالى ردا على ~~فنحاص وتصديقا لأبي بكر رضي الله عنه: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن ~~الله فقير ونحن أغنياء} " (1) 75/أ # {سنكتب ما قالوا} من الإفك والفرية على الله {فنجازيهم به} (2) وقال ~~مقاتل: سنحفظ عليهم، وقال الواقدي: سنأمر الحفظة بالكتابة، نظيره قوله ~~تعالى: {وإنا له كاتبون} ، {وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب ~~الحريق} قرأ حمزة "سيكتب" بضم الياء، " وقتلهم " برفع اللام "ويقول" بالياء ~~و {ذوقوا عذاب الحريق} أي: النار وهو بمعنى المحرق كما يقال: لهم عذاب أليم ~~أي: مؤلم. ### || # {ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (182) الذين قالوا إن ~~الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم ~~رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين (183) } # {ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد} فيعذب بغير ذنب. # قوله تعالى: {الذين قالوا إن الله عهد إلينا} الآية قال الكلبي: نزلت في ~~كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا وزيد بن التابوت (3) وفنحاص بن ~~عازوراء وحيي بن أخطب أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد تزعم ~~أن الله تعالى بعثك إلينا رسولا وأنزل عليك الكتاب وأن الله تعالى قد عهد ~~إلينا في التوراة {ألا نؤمن لرسول} يزعم أنه جاء من عند الله، {حتى يأتينا ~~بقربان تأكله النار} فإن جئتنا به صدقناك؛ قال فأنزل الله تعالى: {الذين ~~قالوا} (4) أي: سمع الله قول الذين قالوا ومحل {الذين} خفض ردا على {الذين} ~~الأول، {إن الله عهد إلينا} أي: أمرنا وأوصانا في كتبه أن لا نؤمن برسول ~~أي: لا نصدق رسولا يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار ~~فيكون دليلا على صدقه، والقربان: كل ما يتقرب به العبد ms0524 إلى الله تعالى من ~~نسيكة وصدقة وعمل صالح فعلان من القربة وكانت القرابين والغنائم لا تحل ~~لبني إسرائيل وكانوا إذا قربوا قربانا أو غنموا غنيمة جاءت نار PageV02P144 # بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي وحفيف (1) فتأكله وتحرق ذلك ~~القربان وتلك الغنيمة فيكون ذلك علامة القبول وإذا لم يقبل بقيت على حالها. # وقال السدي: إن الله تعالى أمر بني إسرائيل من جاءكم يزعم أنه رسول الله ~~فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد، فإذا ~~أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان قال الله تعالى إقامة للحجة ~~عليهم، {قل} يا محمد {قد جاءكم} يا معشر اليهود {رسل من قبلي بالبينات ~~وبالذي قلتم} القربان {فلم قتلتموهم} يعني: زكريا ويحيى وسائر من قتلوا من ~~الأنبياء، وأراد بذلك أسلافهم فخاطبهم بذلك لأنهم رضوا بفعل أسلافهم {إن ~~كنتم صادقين} معناه تكذيبهم مع علمهم بصدقك، كقتل آبائهم الأنبياء، مع ~~الإتيان بالقربان والمعجزات، ثم قال معزيا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ### || # {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير ~~(184) كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن ~~النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (185) } # {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر} قرأ ابن عامر " ~~وبالزبر " أي: بالكتب المزبورة يعني: المكتوبة، واحدها زبور مثل: رسول ~~ورسل، {والكتاب المنير} الواضح المضيء. # قوله عز وجل: {كل نفس} منفوسة، {ذائقة الموت} وفي الحديث: "لما خلق الله ~~تعالى آدم اشتكت الأرض إلى ربها لما أخذ منها فوعدها أن يرد فيها ما أخذ ~~منها فما من أحد إلا يدفن في التربة التي خلق منها" (2) ، {وإنما توفون ~~أجوركم} توفون جزاء أعمالكم، {يوم القيامة} إن خيرا فخير وإن شرا فشر، {فمن ~~زحزح} نجي وأزيل، {عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} ظفر بالنجاة ونجا من ~~الخوف، {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} يعني منفعة ومتعة كالفأس ~~والقدر والقصعة ثم تزول ولا تبقى. # وقال الحسن: كخضرة النبات ولعب ms0525 البنات لا حاصل له. PageV02P145 # قال قتادة: هي متاع متروكة يوشك أن تضمحل بأهلها فخذوا من هذا المتاع ~~بطاعة الله ما استطعتم والغرور: الباطل. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، ~~أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا بن هارون، أخبرنا ~~محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" واقرءوا إن شئتم "فلا تعلم نفس ما ~~أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون" (السجدة -17) وإن في الجنة ~~شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرءوا إن شئتم: "وظل ممدود" ~~(الواقعة -30) ولموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما عليها واقرءوا إن ~~شئتم {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع ~~الغرور} (1) . ### || # {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن ~~الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (186) } # {لتبلون في أموالكم وأنفسكم} الآية قال عكرمة ومقاتل والكلبي وابن جريج: ~~نزلت الآية في أبي بكر وفنحاص بن عازوراء. وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعث أبا بكر إلى فنحاص بن عازوراء سيد بني قينقاع ليستمده، وكتب إليه ~~كتابا وقال لأبي بكر رضي الله عنه "لا تفتاتن (2) علي بشيء حتى ترجع" فجاء ~~أبو بكر رضي الله عنه وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب فلما قرأه قال: قد ~~احتاج ربك إلى أن نمده، فهم أبو بكر رضي الله عنه أن يضربه بالسيف ثم ذكر ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تفتاتن علي بشيء حتى ترجع" فكف فنزلت ~~هذه الآية (3) . # وقال الزهري: نزلت في كعب بن الأشرف فإنه كان يهجو رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويسب المسلمين، PageV02P146 # ويحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره ms0526 ويشبب ~~بنساء المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من لي بابن الأشرف فإنه ~~قد آذى الله ورسوله"؟. # فقال محمد بن مسلمة الأنصاري: أنا لك يا رسول الله، أنا أقتله قال: ~~"فافعل إن قدرت على ذلك". # فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما تعلق نفسه، فذكر ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه وقال له: لم تركت الطعام والشراب؟ ~~قال: يا رسول الله قلت قولا ولا أدري هل أفي به أم لا فقال: إنما عليك ~~الجهد. # فقال: يا رسول الله إنه لا بد لنا من أن نقول قال: قولوا ما بدا لكم ~~فأنتم في حل من ذلك، فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلام وأبو ~~نائلة، وكان أخا كعب من الرضاعة، وعباد بن بشر والحارث بن أوس وأبو عيسى بن ~~جبير فمشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم، ~~وقال: "انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم" ثم رجع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وذلك في ليلة مقمرة. # فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فقدموا أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة ~~وتناشدا الشعر، وكان أبو نائلة يقول الشعر، ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف إني ~~قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم علي قال أفعل قال: كان قدوم هذا الرجل ~~بلادنا بلاء عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة، وانقطعت عنا السبل حتى ضاعت ~~العيال وجهدت الأنفس، فقال كعب: أنا ابن الأشرف أما والله لقد كنت أخبرتك ~~يا بن سلامة أن الأمر سيصير إلى هذا، فقال أبو نائلة: 75/ب إن معي أصحابا ~~أردنا أن تبيعنا طعامك ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك قال: أترهنوني أبناءكم ~~قال: إنا نستحي إن يعير أبناؤنا فيقال هذا رهينة وسق وهذا رهينة وسقين قال: ~~ترهنوني نساءكم قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ولا نأمنك وأية ~~امرأة تمتنع منك لجمالك؟ ولكنا نرهنك الحلقة يعني: السلاح وقد علمت حاجتنا ~~إلى السلاح، قال: نعم وأراد أبو ms0527 نائلة أن لا ينكر السلاح إذا رآه فوعده أن ~~يأتيه فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم خبره. # فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه ليلا فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس، ~~فوثب من ملحفته فقالت امرأته: أسمع صوتا يقطر منه الدم، وإنك رجل محارب وإن ~~صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة فكلمهم من فوق الحصن فقال: إنما هو ~~أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة وإن هؤلاء لو وجدوني نائما ما أيقظوني، ~~وإن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب، فنزل إليهم فتحدث معهم ساعة ثم ~~قالوا: يا بن الأشرف هل لك إلى أن نتماشى إلى شعب العجوز نتحدث فيه بقية ~~ليلتنا هذه؟ قال: إن شئتم؟ فخرجوا يتماشون وكان أبو نائلة قال: لأصحابه إني ~~فاتل شعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت # PageV02P147 # من رأسه فدونكم فاضربوه، ثم إنه شام يده في فود رأسه ثم شم يده فقال: ما ~~رأيت كالليلة طيب عروس قط، قال: إنه طيب أم فلان يعني امرأته، ثم مشى ساعة ~~ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة فعاد لمثلها ثم أخذ بفودي رأسه حتى ~~استمكن ثم قال: اضربوا عدو الله فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا قال ~~محمد بن مسلمة فذكرت مغولا في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق ~~حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، قال فوضعته في ثندوته ثم تحاملت عليه حتى ~~بلغت عانته ووقع عدو الله، وقد أصيب الحارث بن أوس بجرح في رأسه أصابه بعض ~~أسيافنا، فخرجنا وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة ~~ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله آخر الليل وهو قائم ~~يصلي فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل كعب وجئنا برأسه إليه وتفل على ~~جرح صاحبنا. # فرجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود وقعتنا بعدو الله فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه" فوثب محيصة بن ~~مسعود على سنينة رجل من تجار اليهود كان ms0528 يلابسهم ويبايعهم فقتله وكان حويصة ~~بن مسعود إذ ذاك لم يسلم وكان أسن من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضربه ~~ويقول: أي عدو الله قتلته أما والله لرب شحم في بطنك من ماله. # قال محيصة: والله لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لضربت عنقك، قال: لو ~~أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ قال: نعم قال والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب؟ ! ~~فأسلم حويصة (1) وأنزل الله تعالى في شأن كعب: {لتبلون} لتخبرن اللام ~~للتأكيد وفيه معنى القسم، والنون لتأكيد القسم {في أموالكم} بالجوائح ~~والعاهات والخسران {وأنفسكم} بالأمراض وقيل: بمصائب الأقارب والعشائر، قال ~~عطاء: هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم ورباعهم وعذبوهم وقال الحسن: هو ~~ما فرض عليهم في أموالهم وأنفسهم من الحقوق، كالصلاة والصيام والحج والجهاد ~~والزكاة، {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} يعني: اليهود والنصارى، ~~{ومن الذين أشركوا} يعني: مشركي العرب، {أذى كثيرا وإن تصبروا} على أذاهم ~~{وتتقوا} الله، {فإن ذلك من عزم الأمور} من حق الأمور وخيرها وقال عطاء: من ~~حقيقة الإيمان. PageV02P148 ### || # {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ~~فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (187) } # {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} قرأ ~~ابن كثير وأهل البصرة # PageV02P148 # وأبو بكر بالياء فيهما لقوله تعالى: {فنبذوه وراء ظهورهم} وقرأ الآخرون ~~بالتاء فيها على إضمار القول، {فنبذوه وراء ظهورهم} أي: طرحوه وضيعوه ~~وتركوا العمل به، {واشتروا به ثمنا قليلا} يعني: المآكل والرشا، {فبئس ما ~~يشترون} قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله تعالى على أهل العلم فمن علم شيئا ~~فليعلمه وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة. # وقال أبو هريرة رضي الله عنه: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم ~~بشيء ثم تلا هذه الآية {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} الآية. # حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو معاذ الشاه بن عبد ~~الرحمن، أخبرنا أبو بكر عمر بن سهل بن إسماعيل الدينوري، أخبرنا أحمد بن ~~محمد بن عيسى ms0529 البرتي، أخبرنا أبو حذيفة موسى بن مسعود أخبرنا إبراهيم بن ~~طهمان عن سماك بن حرب، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم ~~يوم القيامة بلجام من نار" (1) . # وقال الحسن بن عمارة: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه ~~فقلت: إن رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث؟ فقلت: إما أن ~~تحدثني وإما أن أحدثك فقال: حدثني فقلت: حدثني الحكم بن عتيبة عن يحيى بن ~~الجزار قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: ما أخذ الله على أهل ~~الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا قال: فحدثني أربعين ~~حديثا (2) . ### || # {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (188) } # قوله: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} الآية قرأ عاصم وحمزة والكسائي ~~{لا تحسبن} بالتاء، PageV02P149 # أي: لا تحسبن يا محمد الفارحين وقرأ الآخرون بالياء "لا يحسبن" الفارحون ~~فرحهم منجيا لهم من العذاب {فلا يحسبنهم} وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالياء ~~وضم الباء خبرا عن الفارحين، أي فلا يحسبن أنفسهم، وقرأ الآخرون بالتاء ~~وفتح الباء أي: فلا تحسبنهم يا محمد وأعاد قوله {فلا تحسبنهم} تأكيدا وفي ~~حرف عبد الله بن مسعود {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا ~~بما لم يفعلوا بمفازة من العذاب} غير تكرار. # واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا ~~أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا ~~سعيد بن أبي مريم، أنا محمد بن جعفر، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار ~~عن أبي سعيد الخدري 76/أأن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا ~~عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول ms0530 الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ~~فنزلت {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} (1) الآية. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا إبراهيم بن موسى، أنا هشام، أن ابن جريج ~~أخبرهم: أخبرني ابن أبي مليكة أن علقمة بن وقاص أخبره أن مروان قال لبوابه: ~~اذهب يا رافع إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقل له: لئن كان كل امرئ فرح بما ~~أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون فقال ابن عباس: ما لكم ~~ولهذه إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه ~~فأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، ~~وفرحوا بما أتوا من كتمانهم، ثم قرأ ابن عباس رضي الله عنهما {وإذ أخذ الله ~~ميثاق الذين أوتوا الكتاب} كذلك حتى قوله: {يفرحون بما أتوا ويحبون أن ~~يحمدوا بما لم يفعلوا} (2) . # قال عكرمة: نزلت في فنحاص وأشيع وغيرهما من الأحبار يفرحون بإضلالهم ~~الناس وبنسبة الناس إياهم إلى العلم وليسوا بأهل العلم (3) . وقال مجاهد: ~~هم اليهود فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب وحمدهم إياهم عليه (4) . ~~PageV02P150 # وقال سعيد بن جبير: هم اليهود فرحوا بما أعطى الله آل إبراهيم وهم برآء ~~من ذلك (1) . # وقال قتادة ومقاتل: أتت يهود خيبر نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~نحن نعرفك ونصدقك وإنا على رأيكم ونحن لكم ردء، وليس ذلك في قلوبهم فلما ~~خرجوا قال لهم المسلمون: ما صنعتم؟ قالوا: عرفناه وصدقناه فقال لهم ~~المسلمون: أحسنتم هكذا فافعلوا فحمدوهم ودعوا لهم فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية (2) وقال: {يفرحون بما أتوا} قال الفراء بما فعلوا كما قال الله ~~تعالى: "لقد جئت شيئا فريا" (مريم -27) أي: فعلت، {ويحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة} بمنجاة، {من العذاب ولهم عذاب أليم} ### || # {ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء ms0531 قدير (189) إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (190) } # {ولله ملك السماوات والأرض} يصرفها كيف يشاء، {والله على كل شيء قدير} # {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} ~~أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو نعيم عبد الملك بن ~~الحسين الإسفرايني، أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، أنا أحمد بن عبد ~~الجبار، أنا ابن فضيل، عن حصين بن عبد الرحمن، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ~~محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عن عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما أنه رقد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه استيقظ فتسوك ثم توضأ ~~وهو يقول: {إن في خلق السماوات والأرض} حتى ختم السورة ثم قام فصلى ركعتين ~~فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ~~ثلاث مرات ست ركعات كل ذلك يستاك ثم يتوضأ ثم يقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر ~~بثلاث ركعات ثم أتاه المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول: "اللهم اجعل في بصري ~~نورا وفي سمعي نورا وفي لساني نورا واجعل خلفي نورا وأمامي نورا واجعل من ~~فوقي نورا ومن تحتي نورا اللهم أعطني نورا" (3) . # ورواه كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما وزاد: "اللهم اجعل في قلبي نورا ~~وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني نورا وعن يساري نورا" (4) . ~~PageV02P151 # قوله تعالى: {لآيات لأولي الألباب} ذوي العقول ثم وصفهم فقال: ### || # {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات ~~والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) ربنا إنك من ~~تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) } # {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} قال علي بن أبي طالب وابن ~~عباس رضي الله عنهم والنخعي وقتادة: هذا في الصلاة يصلي قائما فإن لم يستطع ~~فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جنب. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار ms0532 بن ~~محمد الجراحي، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى محمد ~~بن عيسى الترمذي، أنا هناد أنا وكيع عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، ~~عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين قال سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن صلاة المريض فقال: "صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع ~~فعلى جنب". (1) . # وقال سائر المفسرين أراد به المداومة على الذكر في عموم الأحوال لأن ~~الإنسان قل ما يخلو من إحدى هذه الحالات الثلاث، نظيره في سورة النساء ~~"فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم" {النساء -103} ~~، {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} وما أبدع فيهما ليدلهم ذلك على قدرة ~~الله ويعرفوا أن لها صانعا قادرا مدبرا حكيما قال ابن عون: الفكرة تذهب ~~الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب ~~بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة، {ربنا} أي: ويقولون ربنا {ما خلقت ~~هذا} رده إلى الخلق فلذلك لم يقل هذه، {باطلا} أي: عبثا وهزلا بل خلقته ~~لأمر عظيم وانتصب الباطل بنزع الخافض، أي: بالباطل، {سبحانك فقنا عذاب ~~النار} # {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} أي: أهنته، وقيل: أهلكته، وقيل: ~~فضحته، لقوله تعالى: {ولا تخزون في ضيفي} (هود -78) فإن قيل: قد قال الله ~~تعالى: "يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه" (التحريم -8) ومن أهل ~~الإيمان من يدخل النار وقد قال: {إنك من تدخل النار فقد أخزيته} قيل: قال ~~أنس وقتادة معناه: إنك من تخلد في النار فقد أخزيته (2) وقال سعيد بن ~~المسيب هذه خاصة لمن لا يخرج منها (3) فقد روى أنس رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "إن الله يدخل قوما النار ثم يخرجون منها" (4) . {وما ~~للظالمين من أنصار} PageV02P152 ### || # {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) ربنا وآتنا ما وعدتنا ~~على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد (194) } # {فاستجاب ms0533 لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من ~~بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا ~~لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند ~~الله والله عنده حسن الثواب (195) } # {ربنا إننا سمعنا مناديا} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم قاله ابن مسعود ~~وابن عباس رضي الله عنهما، وأكثر الناس، وقال القرظي: يعني القرآن فليس كل ~~أحد يلقى النبي صلى الله عليه وسلم، {ينادي للإيمان} أي إلى الإيمان، {أن ~~آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع ~~الأبرار} أي: في جملة الأبرار. # {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} أي: على ألسنة رسلك، {ولا تخزنا} ولا ~~تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنا، {يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد} # فإن قيل: ما وجه قولهم: {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} وقد علموا أن ~~الله لا يخلف الميعاد؟ قيل: لفظه دعاء ومعناه خبر أي: لتؤتينا ما وعدتنا ~~على رسلك تقديره: {فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا} {ولا تخزنا يوم ~~القيامة} لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك من الفضل والرحمة وقيل: معناه ربنا ~~واجلعنأ 76/ب ممن يستحقون ثوابك وتؤتيهم ما وعدتهم على ألسنة رسلك لأنهم لم ~~يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها، وقيل: إنما ~~سألوه تعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء، قالوا: قد علمنا أنك لا تخلف ~~ولكن لا صبر لنا على حلمك فعجل خزيهم وانصرنا عليهم. # قوله تعالى: {فاستجاب لهم ربهم أني} أي: بأني، {لا أضيع} لا أحبط، {عمل ~~عامل منكم} أيها المؤمنون {من ذكر أو أنثى} قال مجاهد: قالت أم سلمة يا ~~رسول الله إني أسمع الله يذكر # PageV02P153 # الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فأنزل الله تعالى هذه الآية {بعضكم من ~~بعض} (1) قال الكلبي: في الدين والنصرة والموالاة، وقيل: كلكم من آدم ~~وحواء، وقال الضحاك: رجالكم شكل نسائكم ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة، كما ~~قال: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" (التوبة -71) . # {فالذين ms0534 هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي} أي: في طاعتي وديني، ~~وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة، {وقاتلوا وقتلوا} قرأ ابن ~~عامر وابن كثير " وقتلوا " بالتشديد وقال الحسن: يعني أنهم قطعوا في ~~المعركة، والآخرون بالتخفيف وقرأ أكثر القراء: {وقاتلوا وقتلوا} يريد أنهم ~~قاتلوا العدو ثم أنهم قتلوا وقرأ حمزة والكسائي {وقتلوا وقاتلوا} وله وجهان ~~أحدهما: معناه وقاتل من بقي منهم، ومعنى قوله {وقتلوا} أي: قتل بعضهم تقول ~~العرب قتلنا بني فلان وإنما قتلوا بعضهم والوجه الآخر {وقتلوا} وقد قاتلوا، ~~{لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتهاالأنهار ثوابا من عند ~~الله} نصب على القطع قاله الكسائي، وقال المبرد: مصدر أي: لأثيبنهم ثوابا، ~~{والله عنده حسن الثواب} ### || # {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم ~~وبئس المهاد (197) لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار (198) } # قوله عز وجل: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} نزلت في المشركين، ~~وذلك أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين: ~~إن أعداء الله تعالى فيما نرى من الخير ونحن في الجهد؟ فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} وضربهم في الأرض وتصرفهم ~~في البلاد للتجارات وأنواع المكاسب فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد منه غيره. # {متاع قليل} أي: هو متاع قليل وبلغة فانية ومتعة زائلة، {ثم مأواهم} ~~مصيرهم، {جهنم وبئس المهاد} الفراش. # {لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا} ~~جزاء وثوابا، {من عند الله} نصب على التفسير وقيل: جعل ذلك نزلا {وما عند ~~الله خير للأبرار} من متاع الدنيا. PageV02P154 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد العزيز بن عبد الله، أنا سليمان بن ~~بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد بن حنين أنه سمع ابن عباس رضي ms0535 الله عنهما ~~قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في مشربة وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم ~~حشوها ليف وإن عند رجليه قرظا مصبورا، وعند رأسه أهب معلقة فرأيت أثر ~~الحصير في جنبه، فبكيت فقال: ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر ~~فيما هما فيه وأنت رسول الله؟ فقال: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا ~~الآخرة" (1) ؟ . ### || # {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين ~~لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله ~~سريع الحساب (199) } # قوله عز وجل: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} الآية قال ابن عباس ~~وجابر وأنس وقتادة: نزلت في النجاشي ملك الحبشة، واسمه أصحمة وهو بالعربية ~~عطية وذلك أنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ~~اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم النجاشي، فخرج إلى البقيع وكشف له ~~إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات، واستغفر ~~له فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني (2) لم يره قط ~~وليس على دينه فأنزل الله تعالى هذه الآية (3) . # وقال عطاء: نزلت في أهل نجران أربعين رجلا [من بني حارث بن كعب] (4) ~~اثنين وثلاثين من أرض الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه ~~السلام فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن جريج: نزلت في عبد الله ~~بن سلام وأصحابه (5) . PageV02P155 # وقال مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم (1) ، {وإن من أهل الكتاب لمن ~~يؤمن بالله} {وما أنزل إليكم} يعني: القرآن، {وما أنزل إليهم} يعني: ~~التوراة والإنجيل، {خاشعين لله} خاضعين متواضعين لله، {لا يشترون بآيات ~~الله ثمنا قليلا} يعني: لا يحرفون كتبهم ولا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم لأجل الرياسة ms0536 والمأكلة كفعل غيرهم من رؤساء اليهود، {أولئك لهم أجرهم ~~عند ربهم إن الله سريع الحساب} ### || # {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ~~(200) } # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} قال الحسن: ~~اصبروا على دينكم ولا تدعوه لشدة ولا رخاء، وقال قتادة: اصبروا على طاعة ~~الله. # وقال الضحاك ومقاتل بن سليمان: على أمر الله. # وقال مقاتل بن حيان: على أداء فرائض الله تعالى، وقال زيد بن أسلم: على ~~الجهاد. وقال الكلبي: على البلاء، وصابروا يعني: الكفار، ورابطوا يعني: ~~المشركين، قال أبو عبيدة، أي داوموا واثبتوا، والربط الشد، وأصل الرباط أن ~~يربط هؤلاء خيولهم، وهؤلاء خيولهم، ثم قيل: لكل مقيم في ثغر يدفع عمن ~~وراءه، وإن لم يكن له مركب. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الله بن منير، سمع أبا النضر، ~~أنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من ~~الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، ~~والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها" (2) ~~. . # أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن ~~محمد بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر الجوربذي، ~~أنا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن عبد ~~الكريم بن الحارث، عن أبي عبيدة بن عقبة، عن شرحبيل بن السمط عن سلمان ~~الخير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من رابط يوما وليلة في سبيل ~~الله كان له أجر صيام PageV02P156 # شهر مقيم، ومن مات مرابطا جرى له مثل ذلك الأجر، وأجري عليه من الرزق، ~~وأمن من الفتان" (1) . # وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: ms0537 لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ~~غزو يرابط فيه، ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة، ودليل هذا التأويل ما ~~أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أنا زاهر بن أحمد الفقيه، أنا أبو ~~إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن العلاء بن ~~عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "ألا أخبركم بما يمحو الله الخطايا ويرفع 77/أبه الدرجات؟ إسباغ ~~الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ~~فذلكم الرباط فذلكم الرباط" (2) . # {واتقوا الله لعلكم تفلحون} قال بعض أرباب اللسان: اصبروا على النعماء ~~وصابروا على البأساء والضراء ورابطوا في دار الأعداء واتقوا إله الأرض ~~والسماء لعلكم تفلحون في دار البقاء. PageV02P157 ### | سورة النساء - # مدنية بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان ~~عليكم رقيبا (1) وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) } # PageV02P158 # قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} يعني: ~~آدم عليه السلام، {وخلق منها زوجها} يعني: حواء، {وبث منهما} نشر وأظهر، ~~{رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به} أي: تتساءلون به، وقرأ ~~أهل الكوفة بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين، كقوله تعالى: {ولا تعاونوا} ~~، {والأرحام} قراءة العامة بالنصب، أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ ~~حمزة بالخفض، أي: به وبالأرحام كما يقال: سألتك بالله والأرحام، والقراءة ~~الأولى أفصح لأن العرب لا تكاد تنسق بظاهر على مكنى، إلا أن تعيد الخافض ~~فتقول: مررت به وبزيد، إلا أنه جائز مع قلته، {إن الله كان عليكم رقيبا} ~~أي: حافظا. # قوله تعالى: {وآتوا اليتامى أموالهم} قال مقاتل والكلبي: نزلت في رجل من ~~غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه ~~عمه ms0538 فترافعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فلما سمعها ~~العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول نعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع إليه ~~ماله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه ~~يحل داره"، يعني: جنته، فلما قبض الفتى ماله أنفق في سبيل الله، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "ثبت الأجر وبقي الوزر" فقالوا: كيف بقي الوزر؟ فقال: ~~"ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده" (1) . # وقوله {وآتوا} خطاب للأولياء والأوصياء، واليتامى: جمع يتيم، واليتيم: ~~اسم لصغير لا أب له ولا جد، وإنما يدفع المال إليهم بعد البلوغ، وسماهم ~~يتامى هاهنا على معنى أنهم كانوا يتامى. PageV02P159 # {ولا تتبدلوا} أي: لا تستبدلوا، {الخبيث بالطيب} أي: مالهم الذي هو حرام ~~عليكم بالحلال من أموالكم، واختلفوا في هذا التبدل، قال سعيد بن المسيب ~~والنخعي والزهري والسدي: كان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم ~~ويجعلونه مكان الرديء، فربما كان أحدهما يأخذ الشاة السمينة من مال اليتيم ~~ويجعل مكانها المهزولة، ويأخذ الدرهم الجيد ويجعل مكانه الزيف، ويقول: درهم ~~بدرهم، فنهوا عن ذلك. # وقيل: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث، ~~فنصيبه من الميراث طيب، وهذا الذي يأخذه خبيث، وقال مجاهد: لا تتعجل الرزق ~~الحرام قبل أن يأتيك الحلال. # {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} أي: مع أموالكم، كقوله تعالى: {من ~~أنصاري إلى الله} أي: مع الله، {إنه كان حوبا كبيرا} أي: إثما عظيما. ### || # {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ~~وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا ~~تعولوا (3) } # وقوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع} الآية. اختلفوا في تأويلهم، فقال بعضهم: معناه إن ~~خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن فانكحوا غيرهن من ~~الغرائب مثنى وثلاث ورباع. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله ms0539 النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، ~~قال: كان عروة بن الزبير يحدث أنه سأل عائشة رضي الله عنها {وإن خفتم ألا ~~تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} قالت: هي اليتيمة تكون في ~~حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها، ~~فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن ~~من النساء، قالت عائشة رضي الله عنها: ثم استفتى الناس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} ~~إلى قوله تعالى {وترغبون أن تنكحوهن} (1) . فبين الله تعالى في هذه الآية ~~أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال أو مال، رغبوا في نكاحها ولم يلحقوها بسنتها ~~بإكمال الصداق، وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها ~~والتمسوا غيرها من النساء، قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ~~ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها الأوفى من الصداق ويعطوها حقها. ~~PageV02P160 # قال الحسن: كان الرجل من أهل المدينة يكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له ~~نكاحها فيتزوجها لأجل مالها وهي لا تعجبه كراهية أن يدخله غريب فيشاركه في ~~مالها، ثم يسيء صحبتها ويتربص بها أن تموت ويرثها، فعاب الله تعالى ذلك، ~~وأنزل الله هذه الآية. # وقال عكرمة: كان الرجل من قريش يتزوج العشر من النساء والأكثر فإذا صار ~~معدما من مؤن نسائه مال إلى مال يتيمه الذي في حجره فأنفقه، فقيل لهم: لا ~~تزيدوا على أربع حتى لا يحوجكم إلى أخذ أموال اليتامى، وهذه رواية طاووس عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما. # وقال بعضهم: كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء، ~~فيتزوجون ما شاءوا وربما عدلوا وربما لم يعدلوا، فلما أنزل الله تعالى في ~~أموال اليتامى {وآتوا اليتامى أموالهم} أنزل هذه الآية {وإن خفتم ألا ~~تقسطوا في اليتامى} يقول كما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في ms0540 ~~النساء أن لا تعدلوا فيهن فلا تتزوجوا أكثر مما يمكنكم القيام بحقهن، لأن ~~النساء في الضعف كاليتامى، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والضحاك والسدي ~~(1) ، ثم رخص في نكاح أربع فقال: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا} فيهن {فواحدة} وقال مجاهد: معناه إن تحرجتم من ~~ولاية اليتامى وأموالهم إيمانا فكذلك تحرجوا من الزنا فانكحوا النساء ~~الحلال نكاحا طيبا ثم بين لهم عددا، وكانوا يتزوجون ما شاءوا من غير عدد، ~~قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} أي: من طاب كقوله تعالى: ~~"والسماء وما بناها" (الشمس -5) أي ومن بناها "قال فرعون وما رب العالمين" ~~(الشعراء -23) والعرب تضع "من" و"ما" كل واحدة موضع الأخرى، كقوله تعالى: ~~"فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين" (النور -45) ، وطاب أي: ~~حل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، معدولات عن اثنين، وثلاث، وأربع، ولذلك ~~لا ينصرفن، والواو بمعنى أو، للتخيير، كقوله تعالى: "أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى" (سبأ -46) : "أولي أجنحة مثنى وثلاث 77/ب ورباع" (غافر -1) وهذا ~~إجماع أن أحدا من الأمة لا يجوز له أن يزيد على أربع نسوة، وكانت الزيادة ~~من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، لا مشاركة معه لأحد من الأمة فيها، ~~وروي أن قيس بن الحارث كان تحته ثمان نسوة فلما نزلت هذه الآية قال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "طلق أربعا وأمسك أربعا" قال فجعلت أقول للمرأة ~~التي لم تلد يا فلانة أدبري والتي قد ولدت يا فلانة أقبلي (2) . وروي أن ~~غيلان بن سلمة الثقفي أسلم PageV02P161 # وعنده عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أمسك أربعا وفارق ~~سائرهن" (1) . # وإذا جمع الحر بين أربع نسوة حرائر يجوز، فأما العبد فلا يجوز له أن ينكح ~~أكثر من امرأتين عند أكثر أهل العلم أخبرنا عبد الوهاب بن أحمد الخطيب، أنا ~~عبد العزيز أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، ~~أنا سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن مولى ms0541 أبي طلحة، عن سليمان بن يسار، عن ~~عبد الله بن عتبة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ينكح العبد ~~امرأتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين، فإن لم تكن تحيض فبشهرين أو شهر ~~ونصف" (2) وقال ربيعة: يجوز للعبد أن ينكح أربع نسوة كالحر. # {فإن خفتم} خشيتم، وقيل: علمتم، {ألا تعدلوا} بين الأزواج الأربع، ~~{فواحدة} أي فانكحوا واحدة. وقرأ أبو جعفر {فواحدة} بالرفع، {أو ما ملكت ~~أيمانكم} يعني السراري لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق ما يلزم في الحرائر، ~~ولا قسم لهن، ولا وقف في عددهن، وذكر الأيمان بيان، تقديره: أو ما ملكتم، ~~وقال بعض أهل المعاني: أو ما ملكت أيمانكم أي: ما ينفذ فيه إقسامكم، جعله ~~من يمين الحلف، لا يمين الجارحة، {ذلك أدنى} أقرب، {ألا تعولوا} أي: لا ~~تجوروا ولا تميلوا، يقال: ميزان عائل، أي: جائر مائل، هذا قول أكثر ~~المفسرين، وقال مجاهد: أن لا تضلوا، وقال الفراء: أن لا تجاوزوا ما فرض ~~الله عليكم، وأصل العول: المجاوزة، ومنه عول الفرائض، وقال الشافعي رحمه ~~الله: أن لا تكثر عيالكم، وما قاله أحد، إنما يقال من كثرة العيال: أعال ~~يعيل إعالة، إذا كثر عياله. وقال أبو حاتم: كان الشافعي رضي الله عنه أعلم ~~بلسان العرب منا ولعله لغة، ويقال: هي لغة حمير، وقرأ طلحة بن مصرف {" أن ~~لا تعيلوا "} وهي حجة لقول الشافعي رضوان الله عليه. ### || # {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا (4) } # {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} قال الكلبي ومجاهد: هذا الخطاب للأولياء، ~~وذلك أن ولي المرأة PageV02P162 # كان إذا زوجها فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلا ولا ~~كثيرا، وإن كان زوجها غريبا حملوها إليه على بعير ولم يعطوها من مهرها غير ~~ذلك. فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى أهله. # [قال الحضرمي: كان أولياء النساء يعطي هذا أخته على أن يعطيه الآخر أخته، ~~ولا مهر بينهما، فنهوا عن ذلك وأمروا بتسمية المهر في العقد. أخبرنا ms0542 أبو ~~الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن ~~مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "نهى عن الشغار". # والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوج الرجل الآخر ابنته، وليس ~~بينهما صداق" (1) # وقال الآخرون: الخطاب للأزواج أمروا بإيتاء نسائهم الصداق، وهذا أصح، لأن ~~الخطاب فيما قبل مع الناكحين، والصدقات: المهور، واحدها صدقة {نحلة} قال ~~قتادة: فريضة، وقال ابن جريج: فريضة مسماة، قال أبو عبيدة: ولا تكون النحلة ~~إلا مسماة معلومة، وقال الكلبي: عطية وهبة، وقال أبو عبيدة: عن طيب نفس] ~~(2) ، وقال الزجاج: تدينا. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا الليث، ~~حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" ~~(3) . # {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} يعني: فإن طابت نفوسهن بشيء من ذلك فوهبن ~~منكم، فنقل الفعل من النفوس إلى أصحابها فخرجت النفس مفسرا، فلذلك وحد ~~النفس، كما قال الله تعالى: "وضاق بهم ذرعا" (هود -77) (العنكبوت -33) " ~~وقري عينا" (مريم -26) وقيل: لفظها واحد ومعناها جمع، {فكلوه هنيئا مريئا} ~~سائغا طيبا، يقال هنأ في الطعام يهنأ بفتح النون في الماضي وكسرها في ~~الباقي (4) ، وقيل: الهنأ: الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء، والمريء: ~~المحمود العاقبة التام PageV02P163 # الهضم الذي لا يضر، قرأ أبو جعفر {هنيئا مريئا} بتشديد الياء فيهما من ~~غير همز، وكذلك "بري"، "وبريون"، "وبريا" "وكهية" والآخرون يهمزونها. ### || # {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها ~~واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5) } # قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} ~~اختلفوا في هؤلاء السفهاء فقال قوم: هم النساء، وقال الضحاك: النساء من ~~أسفه السفهاء، وقال مجاهد: نهى الرجال أن يؤتوا ms0543 النساء أموالهم وهن سفهاء، ~~من كن، أزواجا أو بنات أو أمهات، وقال آخرون: هم الأولاد، قال الزهري: يقول ~~لا تعط ولدك السفيه مالك الذي هو قيامك بعد الله تعالى فيفسده، وقال بعضهم: ~~هم النساء والصبيان، وقال الحسن: هي امرأتك السفيهة وابنك السفيه، وقال ابن ~~عباس: لا تعمد إلى مالك الذي خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو ~~بنيك فيكونوا هم الذين يقومون عليك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك ~~مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في رزقهم ومؤنتهم، قال الكلبي: إذا ~~علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي أن يسلط ~~واحدا منهما على ماله فيفسده. وقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مال اليتيم ~~يكون عندك، يقول لا تؤته إياه وأنفق عليه حتى يبلغ، وإنما أضاف إلى ~~الأولياء فقال: {أموالكم} لأنهم قوامها ومدبروها. # والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله هو المستحق للحجر عليه، وهو أن ~~يكون مبذرا في ماله أو مفسدا في دينه، فقال جل ذكره: {ولا تؤتوا السفهاء} ~~أي: الجهال بموضع الحق أموالكم التي جعل الله لكم قياما. # قرأ نافع وابن عامر {قياما} بلا ألف، وقرأ الآخرون {قياما} وأصله: قواما، ~~فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وهو ملاك الأمر وما يقوم به الأمر. ~~وأراد هاهنا قوام عيشكم الذي تعشيون به. قال الضحاك: به يقام الحج والجهاد ~~وأعمال البر وبه فكاك الرقاب من النار. # {وارزقوهم فيها} 78/أأي: أطعموهم، {واكسوهم} لمن يجب عليكم رزقه ومؤنته، ~~وإنما قال {فيها} يقل: منها، لأنه أراد: اجعلوا لهم فيها رزقا فإن الرزق من ~~الله: العطية من غير حد، ومن العباد إجراء (1) موقت محدود. {وقولوا لهم ~~قولا معروفا} عدة جميلة، وقال عطاء: إذا ربحت أعطيتك وإن غنمت جعلت لك حظا، ~~وقيل: هو الدعاء، وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن تجب عليكم نفقته، فقل له: ~~PageV02P164 # عافاك الله وإيانا، بارك الله فيك، وقيل: قولا لينا تطيب به أنفسهم. ### || # {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم ms0544 رشدا فادفعوا ~~إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ~~ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ~~وكفى بالله حسيبا (6) } # قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى} الآية نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه، ~~وذلك أن رفاعة توفي وترك. ابنه ثابتا وهو صغير، فجاء عمه إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله ومتى ~~أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) {وابتلوا اليتامى} ~~اختبروهم في عقولهم وأديانهم وحفظهم أموالهم، {حتى إذا بلغوا النكاح} أي: ~~مبلغ الرجال والنساء، {فإن آنستم} أبصرتم، {منهم رشدا} فقال المفسرون يعني: ~~عقلا وصلاحا في الدين وحفظا للمال وعلما بما يصلحه. وقال سعيد بن جبير ~~ومجاهد والشعبي: لا يدفع إليه ماله وإن كان شيخا حتى يؤنس منه رشده. # والابتلاء يختلف باختلاف أحوالهم فإن كان ممن يتصرف في السوق فيدفع الولي ~~إليه شيئا يسيرا من المال وينظر في تصرفه وإن كان ممن لا يتصرف في السوق ~~فيتخبره في نفقة داره، والإنفاق على عبيده وأجرائه، وتختبر المرأة في أمر ~~بيتها وحفظ متاعها وغزلها واستغزالها، فإذا رأى حسن تدبيره، وتصرفه في ~~الأمور مرارا يغلب على القلب رشده، دفع المال إليه. # واعلم أن الله تعالى علق زوال الحجر عن الصغير وجواز دفع المال إليه ~~بشيئين: بالبلوغ والرشد، فالبلوغ يكون بأحد {أشياء أربعة} (2) ، اثنان ~~يشترك فيهما الرجال والنساء، واثنان تختصان بالنساء: # فما يشترك فيه الرجال والنساء أحدهما السن، والثاني الاحتلام، أما السن ~~فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة حكم ببلوغه غلاما كان أو جارية، لما ~~أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو ~~العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الله ~~بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عرضت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ثم عرضت عليه عام ~~الخندق وأنا ms0545 ابن خمس عشرة سنة فأجازني (3) ، قال نافع: PageV02P165 # فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: هذا فرق بين المقاتلة ~~والذرية، وكتب أن يفرض لابن خمس عشرة سنة في المقاتلة، ومن لم يبلغها في ~~الذرية. وهذا قول أكثر أهل العلم. # وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: بلوغ الجارية باستكمال سبع عشرة، وبلوغ ~~الغلام باستكمال ثماني عشرة سنة. # وأما الاحتلام فنعني به نزول المني سواء كان بالاحتلام أو بالجماع، أو ~~غيرهما، فإذا وجدت ذلك بعد استكمال تسع سنين من أيهما كان حكم ببلوغه، ~~لقوله تعالى: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا} وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لمعاذ في الجزية حين بعثه إلى اليمن: "خذ من كل حالم ~~دينارا" (1) . # وأما الإنبات، وهو نبات الشعر الخشن حول الفرج: فهو بلوغ في أولاد ~~المشركين، لما روي عن عطية القرظي قال: كنت من سبي قريظة، فكانوا ينظرون ~~فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت ممن لم ينبت (2) . # وهل يكون ذلك بلوغا في أولاد المسلمين؟ فيه قولان، أحدهما: يكون بلوغا ~~كما في أولاد الكفار، والثاني: لا يكون بلوغا لأنه يمكن الوقوف على مواليد ~~المسلمين بالرجوع إلى آبائهم، وفي الكفار لا يوقف على مواليدهم، ولا يقبل ~~قول آبائهم فيه لكفرهم، فجعل الإنبات الذي هو أمارة البلوغ بلوغا في حقهم. # وأما ما يختص بالنساء: فالحيض والحبل، فإذا حاضت المرأة بعد استكمال تسع ~~سنين يحكم ببلوغها، وكذلك إذا ولدت يحكم ببلوغها قبل الوضع بستة أشهر لأنها ~~أقل مدة الحمل. # وأما الرشد: فهو أن يكون مصلحا في دينه وماله، فالصلاح في الدين هو أن ~~يكون مجتنبا عن الفواحش والمعاصي التي تسقط العدالة، والصلاح في المال هو ~~أن لا يكون مبذرا، والتبذير: هو أن ينفق ماله فيما لا يكون فيه محمدة ~~دنيوية ولا مثوبة أخروية، أو لا يحسن التصرف فيها، فيغبن في البيوع فإذا ~~بلغ الصبي وهو مفسد في دينه وغير مصلح لماله، دام الحجر عليه، ولا يدفع ~~إليه ماله ولا ينفذ تصرفه. # وعند أبي حنيفة رضي الله ms0546 عنه إذا كان مصلحا لماله زال الحجر عنه وإن كان ~~مفسدا في دنيه، وإذا PageV02P166 # كان مفسدا لماله قال: لا يدفع إليه المال حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، غير ~~أن تصرفه يكون نافذا قبله. والقرآن حجة لمن استدام الحجر عليه، لأن الله ~~تعالى قال: {حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم} أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد، والفاسق لا يكون ~~رشيدا وبعد بلوغه خمسا وعشرين سنة، وهو مفسد لماله بالاتفاق غير رشيد، فوجب ~~أن لا يجوز دفع المال إليه كما قبل بلوغ هذا السن. # وإذا بلغ وأونس منه الرشد، زال الحجر عنه، ودفع إليه المال رجلا كان أو ~~امرأة تزوج أو لم يتزوج. # وعند مالك رحمه الله تعالى: إن كانت امرأة لا يدفع المال إليها ما لم ~~تتزوج، فإذا تزوجت دفع إليها، ولكن لا ينفذ تصرفها إلا بإذن الزوج، ما لم ~~تكبر وتجرب. # فإذا بلغ الصبي رشيدا وزال الحجر عنه ثم عاد سفيها، نظر: فإن عاد مبذرا ~~لماله حجر عليه، وإن عاد مفسدا في دينه فعلى وجهين: أحدهما: يعاد الحجر ~~عليه كما يستدام الحجر عليه إذا بلغ بهذه الصفة، والثاني: لا يعاد لأن حكم ~~الدوام أقوى من حكم الابتداء. # وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لا حجر على الحر العاقل البالغ بحال، ~~والدليل على إثبات الحجر من اتفاق الصحابة رضي الله عنهم ما روي عن هشام بن ~~عروة عن أبيه أن عبد الله بن جعفر ابتاع أرضا سبخة بستين ألف درهم، فقال ~~علي: لآتين عثمان فلأحجرن عليك فأتى ابن جعفر الزبير فأعلمه بذلك [فقال ~~الزبير: أنا شريكك في بيعتك، فأتى علي عثمان وقال: احجر على هذا] (1) ، ~~فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه ~~الزبير (2) ، فكان ذلك اتفاقا منهم على جواز الحجر حتى احتال الزبير في ~~دفعه. # قوله تعالى: {ولا تأكلوها} يا معشر الأولياء {إسرافا} بغير حق، {وبدارا} ~~أي مبادرة {أن يكبروا} {أن} في محل النصب، يعني: لا تبادروا ms0547 كبرهم ورشدهم ~~حذرا من أن يبلغوا فيلزمكم تسليمها إليهم، ثم بين ما يحل لهم من مالهم ~~فقال: {ومن كان غنيا فليستعفف} أي ليمتنع من مال اليتيم فلا يرزأه قليلا ~~ولا كثيرا، والعفة: الامتناع مما لا يحل {ومن كان فقيرا} محتاجا إلى مال ~~اليتيم وهو يحفظه ويتعهده فليأكل 78/ب بالمعروف. # أخبرنا محمد بن الحسن المروزي، أخبرنا أبو سهل محمد بن عمر السجزي، ~~أخبرنا الإمام أبو سليمان الخطابي، أخبرنا أبو بكر بن داسة التمار، أخبرنا ~~أبو داؤد السجستاني، أخبرنا حميد بن مسعدة، أن خالد بن الحارث PageV02P167 # حدثهم أخبرنا حسين يعني المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله ~~عنه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني فقير وليس لي شيء ~~ولي يتيم؟ فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل" (1) . # واختلفوا في أنه هل يلزمه القضاء؟ فذهب بعضهم إلى أنه يقضي إذا أيسر، وهو ~~المراد من قوله {فليأكل بالمعروف} فالمعروف القرض، أي: يستقرض من مال ~~اليتيم إذا احتاج إليه، فإذا أيسر قضاه، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير، قال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة مال ~~اليتيم: إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت (2) ~~. # وقال الشعبي: لا يأكله إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة. # وقال قوم: لا قضاء عليه. # ثم اختلفوا في كيفية هذا الأكل بالمعروف، فقال عطاء وعكرمة: يأكل بأطراف ~~أصابعه، ولا يسرف ولا يكتسي منه، ولا يلبس الكتان ولا الحلل، ولكن ما سد ~~الجوعة ووارى العورة. # وقال الحسن وجماعة: يأكل من ثمر نخيله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء ~~عليه، فأما الذهب والفضة فلا؛ فإن أخذ شيئا منه رده. # وقال الكلبي: المعروف ركوب الدابة وخدمة الخادم، وليس له أن يأكل من ماله ~~شيئا. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، ~~أنا أبو مصعب، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، أنه قال سمعت القاسم ms0548 بن محمد ~~يقول: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن لي يتيما وإن له إبلا ~~أفأشرب من لبن إبله؟ فقال: إن كنت تبغي ضالة إبله وتهنأ جرباها وتليط حوضها ~~وتسقيها يوم وردها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب (3) . PageV02P168 # وقال بعضهم: والمعروف أن يأخذ من جميع ماله بقدر قيامه وأجرة عمله، ولا ~~قضاء عليه، وهو قول عائشة وجماعة من أهل العلم. # قوله تعالى: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} هذا أمر إرشاد، ~~ليس بواجب، أمر الولي بالإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعدما بلغ لتزول ~~عنه التهمة وتنقطع الخصومة، {وكفى بالله حسيبا} محاسبا ومجازيا وشاهدا. ### || # {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (7) وإذا حضر القسمة أولو القربى ~~واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (8) } # قوله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} الآية، نزلت في ~~أوس بن ثابت الأنصاري، توفي وترك امرأة يقال لها أم كجة وثلاث بنات له ~~منها. فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصياه سويد وعرفجة، فأخذا ماله ولم ~~يعطيا امرأته ولا بناته شيئا، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا ~~الصغار، وإن كان الصغير ذكرا وإنما كانوا يورثون الرجال، ويقولون: لا نعطي ~~إلا من قاتل وحاز الغنيمة، فجاءت أم كجة فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ~~ثابت مات وترك علي بنات وأنا امرأته، وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك ~~أبوهن مالا حسنا، وهو عند سويد وعرفجة، ولم يعطياني ولا بناتي شيئا وهن في ~~حجري، لا يطعمن ولا يسقين، فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا ~~رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا، فأنزل الله عز ~~وجل، {للرجال} يعني: للذكور من أولاد الميت وأقربائه {نصيب} حظ {مما ترك ~~الوالدان والأقربون} من الميراث، {وللنساء} للإناث منهم، {نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون مما قل منه} أي: من المال، {أو كثر} منه {نصيبا مفروضا} ms0549 ~~نصب على القطع، وقيل: جعل ذلك نصيبا فأثبت لهن الميراث، ولم يبين كم هو، ~~فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة لا تفرقا من مال أوس ~~بن ثابت شيئا، فإن الله تعالى جعل لبناته نصيبا مما ترك، ولم يبين كم هو ~~حتى أنظر ما ينزل فيهن، فأنزل الله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم} فلما ~~نزلت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة "أن ادفع إلى أم ~~كجة الثمن مما رك وإلى بناته الثلثين، ولكما باقي المال (1) . PageV02P169 # قوله تعالى: {وإذا حضر القسمة} يعني: قسمة المواريث، {أولو القربى} الذين ~~لا يرثون، {واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} أي: فارضخوا لهم من المال قبل ~~القسمة، {وقولوا لهم قولا معروفا} # اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هي منسوخة، وقال سعيد بن ~~المسيب والضحاك: كانت هذه قبل آية الميراث، فلما نزلت آية الميراث جعلت ~~المواريث لأهلها، ونسخت هذه الآية. # وقال الآخرون: هي محكمة، وهو قول ابن عباس والشعبي والنخعي والزهري، وقال ~~مجاهد: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم (1) . # وقال الحسن: كانوا يعطون التابوت والأواني ورث الثياب والمتاع والشيء ~~الذي يستحيا من قسمته. # وإن كان بعض الورثة طفلا فقد اختلفوا فيه، فقال ابن عباس رضي الله عنهما ~~وغيره: إن كانت الورثة كبارا رضخوا لهم، وإن كانت صغارا اعتذروا إليهم، ~~فيقول الولي والوصي: إني لا أملك هذا المال إنما هو للصغار، ولو كان لي منه ~~شيء لأعطيتكم، وإن يكبروا فسيعرفون حقوقك، هذا هو القول بالمعروف. # وقال بعضهم: ذلك حق واجب في أموال الصغار والكبار، فإن كانوا كبارا تولوا ~~إعطاءهم، وإن كانوا صغارا أعطى وليهم. روى محمد بن سيرين أن عبيدة السلماني ~~قسم أموال أيتام فأمر بشاة فذبحت فصنع طعاما لأهل هذه الآية، وقال: لولا ~~هذه الآية لكان هذا من مالي. # وقال قتادة عن يحيى بن يعمر: ثلاث آيات محكمات مدنيات تركهن الناس، هذه ~~الآية وآية الاستئذان: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذي ملكت أيمانكم} ~~(النور -58) الآية، وقوله تعالى ms0550 {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} ~~(الحجرات -13) الآية. # وقال بعضهم -وهو أولى الأقاويل -: إن هذا على الندب والاستحباب، لا على ~~الحتم والإيجاب. ### || # {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا (9) } # قوله تعالى: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا} أولادا صغارا، ~~خافوا عليهم، PageV02P170 # الفقر، هذا في الرجل يحضره الموت، فيقول من بحضرته: انظر لنفسك فإن ~~أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا، قدم لنفسك، أعتق وتصدق وأعط فلانا كذا ~~وفلانا كذا، حتى يأتي على عامة ماله، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم أن ~~يأمروه أن ينظر لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث، ولا يجحف بورثته كما لو ~~كان هذا القائل هو الموصي يسره أن يحثه من بحضرته على حفظ ماله لولده، ولا ~~يدعهم عالة مع ضعفهم وعجزهم. # وقال الكلبي: هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول: من كان في حجره يتيم فليحسن ~~إليه وليأت إليه في حقه ما يجب أن يفعل بذريته من بعده. # قوله تعالى: {فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا} أي: عدلا والسديد: ~~العدل، والصواب من القول، وهو أن يأمره بأن يتصدق 79/أبما دون الثلث ويخلف ~~الباقي لولده. ### || # {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون ~~سعيرا (10) } # قوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} قال مقاتل بن حيان: ~~نزلت في رجل من بني غطفان، يقال له مرثد بن زيد ولي مال ابن أخيه وهو يتيم ~~صغير فأكله، فأنزل الله تعالى فيه {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} ~~(1) حراما بغير حق، {إنما يأكلون في بطونهم نارا} أخبر عن مآله، أي عاقبته ~~تكون كذلك، {وسيصلون سعيرا} قراءة العامة بفتح الياء، أي: يدخلونها يقال: ~~صلي النار يصلاها صلا قال الله تعالى: "إلا من هو صال الجحيم" (الصافات ~~-163) ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر بضم الياء، أي: يدخلون النار ويحرقون، ~~نظيره قوله تعالى: "فسوف نصليه نارا" (النساء -30) "سأصليه سقر" (المدثر ~~-26) وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رأيت ليلة أسري ms0551 بي قوما ~~لهم مشافر كمشافر الإبل، إحداهما قالصة على منخريه والأخرى على بطنه، وخزنة ~~النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما (2) . PageV02P171 ### || # {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس ~~مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان ~~له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما (11) } # قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} الآية، اعلم ~~أن الوراثة كانت في الجاهلية بالذكورة والقوة فكانوا يورثون الرجال دون ~~النساء والصبيان، فأبطل الله ذلك بقوله: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون} الآية، وكانت أيضا في الجاهلية وابتداء الإسلام بالمحالفة، قال ~~الله تعالى: "والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم" (النساء -33) ثم صارت ~~الوراثة بالهجرة، قال الله تعالى "والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا" (الأنفال -72) فنسخ ذلك كله وصارت الوراثة ~~بأحد الأمور الثلاثة بالنسب أو النكاح أو الولاء، فالمعني بالنسب أن ~~القرابة يرث بعضهم من بعض، لقوله تعالى "وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله" (الأحزاب -6) ، والمعني بالنكاح: أن أحد الزوجين يرث صاحبه، ~~وبالولاء: أن المعتق وعصباته يرثون المعتق، فنذكر بعون الله تعالى فصلا ~~وجيزا في بيان من يرث من الأقارب. وكيفية توريث الورثة فنقول: # إذا مات ميت وله مال فيبدأ بتجهيزه ثم بقضاء ديونه ثم بإنفاذ وصاياه فما ~~فضل يقسم بين الورثة. (ثم الورثة) (1) على ثلاثة أقسام: منهم من يرث بالفرض ~~ومنهم من يرث بالتعصيب، ومنهم من يرث بهما جميعا، فمن يرث بالنكاح لا يرث ~~إلا بالفرض، ومن يرث بالولاء لا يرث إلا بالتعصيب، أما من يرث بالقرابة ~~فمنهم من يرث بالفرض كالبنات والأخوات والأمهات والجدات، وأولاد الأم، ~~ومنهم من ms0552 يرث بالتعصيب كالبنين والإخوة وبني الإخوة والأعمام وبنيهم، ومنهم ~~من يرث بهما كالأب يرث بالتعصيب إذا لم يكن للميت ولد، فإن كان للميت ابن: ~~يرث الأب بالفرض السدس، وإن كان للميت بنت فيرث الأب السدس بالفرض ويأخذ ~~الباقي بعد نصيب البنت بالتعصيب، وكذلك الجد، وصاحب التعصيب من يأخذ جميع ~~المال عند الانفراد ويأخذ ما فضل عن أصحاب الفرائض. # وجملة الورثة سبعة عشر: عشرة من الرجال وسبع من النساء، فمن الرجال: ~~الابن وابن الابن وإن PageV02P172 # سفل والأب والجد أبو الأب وإن علا والأخ سواء كان لأب وأم أو لأب أو لأم، ~~وابن الأخ للأب والأم أو للأب وإن سفل والعم للأب والأم أو للأب وأبناؤهما ~~وإن سفلوا، والزوج ومولى العتاق، ومن النساء البنت وبنت الابن وإن سفلت، ~~والأم والجدة أم الأم وأم الأب، والأخت سواء كانت لأب وأم أو لأب أو لأم، ~~والزوجة ومولاة العتاق. # وستة من هؤلاء لا يلحقهم حجب الحرمان بالغير: الأبوان والولدان، ~~والزوجان، لأنه ليس بينهم وبين الميت واسطة. # والأسباب التي توجب حرمان الميراث أربعة: اختلاف الدين والرق والقتل وعمي ~~الموت. # ونعني باختلاف الدين أن الكافر لا يرث المسلم والمسلم لا يرث الكافر، لما ~~أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أنا ابن عيينة عن ~~الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر ~~المسلم" (1) . # فأما الكفار فيرث بعضهم من بعض مع اختلاف مللهم، لأن الكفر كله ملة ~~واحدة، لقوله تعالى: "والذين كفروا بعضهم أولياء بعض" (الأنفال -73) . # وذهب بعضهم إلى أن اختلاف الملل في الكفر يمنع التوارث حتى لا يرث ~~اليهودي النصراني ولا النصراني المجوسي، وإليه ذهب الزهري والأوزاعي وأحمد ~~وإسحاق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" (2) ، ~~وتأوله الآخرون على الإسلام مع الكفر فكله ملة واحدة فتوريث بعضهم ms0553 من بعض ~~لا يكون فيه إثبات التوارث بين أهل ملتين شتى. # والرقيق لا يرث أحدا ولا يرثه أحد لأنه لا ملك له، ولا فرق فيه بين القن ~~والمدبر والمكاتب وأم الولد. # والقتل يمنع الميراث عمدا كان أو خطأ لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه PageV02P173 # قال: "القاتل لا يرث" (1) . # ونعني بعمي الموت أن المتوارثين إذا عمي موتهما بأن غرقا في ماء أو انهدم ~~عليهما بناء فلم يدر أيهما سبق موته فلا يورث أحدهما من الآخر، بل ميراث كل ~~واحد منهما لمن كانت حياته يقينا بعد موته من ورثته. # والسهام المحدودة في الفرائض ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث ~~والسدس. # فالنصف فرض ثلاثة: فرض الزوج عند عدم الولد وفرض البنت الواحدة للصلب أو ~~بنت الابن عند عدم ولد الصلب، وفرض الأخت الواحدة للأب والأم أو للأب إذا ~~لم يكن ولد لأب وأم. # والربع فرض الزوج إذا كان للميتة ولد وفرض الزوجة إذا لم يكن للميت ولد. # والثمن: فرض الزوجة إذا كان للميت ولد. # والثلثان فرض البنتين للصلب فصاعدا ولبنتي الابن فصاعدا عند عدم ولد ~~الصلب، وفرض الأختين لأب وأم أو للأب فصاعدا. # والثلث فرض ثلاثة: فرض الأم إذا لم يكن للميت ولد ولا اثنان من الأخوات ~~والإخوة، إلا في مسألتين: إحداهما زوج وأبوان، والثانية زوجة وأبوان، فإن ~~للأم فيهما ثلث ما بقي بعد نصيب الزوج أو الزوجة، وفرض الاثنين فصاعدا من ~~أولاد الأم، ذكرهم وأنثاهم فيه سواء، وفرض الجد مع الإخوة إذ لم يكن في ~~المسألة صاحب فرض، وكان الثلث خيرا للجد من المقاسمة مع الإخوة. # وأما السدس ففرض سبعة: فرض الأب إذا كان للميت ولد، وفرض الأم إذا كان ~~للميت ولد أو اثنان من الإخوة والأخوات، وفرض الجد إذا كان للميت ولد ومع ~~الإخوة والأخوات إذا كان في المسألة صاحب فرض، وكان السدس خيرا للجد من ~~المقاسمة مع الإخوة، وفرض الجدة والجدات وفرض الواحد من أولاد الأم ذكرا أو ~~أنثى، وفرض بنات ms0554 الابن إذا كان للميت بنت واحدة للصلب تكملة 79/ب الثلثين، ~~وفرض الأخوات للأب إذا كان للميت أخت واحدة لأب وأم تكملة الثلثين. ~~PageV02P174 # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أنا وهيب أنا ابن طاوس ~~عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" (1) . # وفي الحديث دليل على أن بعض الورثة يحجب البعض، والحجب نوعان حجب نقصان ~~وحجب حرمان: # فأما حجب النقصان فهو أن الولد وولد الابن يحجب الزوج من النصف إلى الربع ~~والزوجة من الربع إلى الثمن، والأم من الثلث إلى السدس، وكذلك الاثنان ~~فصاعدا من الإخوة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس. # وحجب الحرمان هو أن الأم تسقط الجدات، وأولاد الأم -وهم الإخوة والأخوات ~~للأم -يسقطون بأربعة: بالأب والجد وإن علا وبالولد وولد الابن وإن سفل، ~~وأولاد الأب والأم يسقطون بثلاثة بالأب والابن وابن الابن وإن سفلوا، ولا ~~يسقطون بالجد على مذهب زيد بن ثابت، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود ~~رضي الله عنهم، وبه قال مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق رحمهم الله. # وأولاد الأب يسقطون بهؤلاء الثلاثة وبالأخ للأب والأم، وذهب قوم إلى أن ~~الإخوة جميعا يسقطون بالجد كما يسقطون بالأب، وهو قول أبي بكر الصديق وابن ~~عابس ومعاذ وأبي الدرداء وعائشة رضي الله عنهم، وبه قال الحسن وعطاء وطاوس ~~وأبو حنيفة رحمهم الله. # وأقرب العصبات يسقط الأبعد من العصوبة، وأقربهم الابن ثم ابن الابن وإن ~~سفل، ثم الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا فإن كان مع الجد أحد من الإخوة أو ~~الأخوات للأب والأم أو للأب فيشتركان في الميراث، فإن لم يكن جد فالأخ للأب ~~والأم ثم الأخ للأب ثم بنو الإخوة يقدم أقربهم سواء كان لأب وأم أو لأب، ~~فإن استويا في الدرجة فالذي هو لأب وأم أولى ثم العم للأب والأم ثم ms0555 العم ~~للأب ثم بنوهم على ترتيب بني الإخوة، ثم عم الأب ثم عم الجد على هذا ~~الترتيب. # فإن لم يكن أحد من عصبات النسب وعلى الميت ولاء فالميراث للمعتق، فإن لم ~~يكن حيا فلعصبات المعتق. # وأربعة من الذكور يعصبون الإناث، الابن وابن الابن والأخ للأب والأم ~~والأخ للأب، حتى لو مات عن ابن وبنت أو عن أخ وأخت لأب وأم أو لأب فإنه ~~يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا يفرض PageV02P175 # للبنت والأخت. # وكذلك ابن الابن يعصب من في درجته من الإناث، ومن فوقه إذا لم يأخذ من ~~الثلثين شيئا حتى لو مات عن بنتين وبنت ابن فللبنتين الثلثان ولا شيء لبنت ~~الابن، فإن كان في درجتها ابن ابن أو أسفل منها ابن ابن ابن كان الباقي ~~بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. # والأخت للأب والأم وللأب تكون عصبة مع البنت حتى لو مات عن بنت وأخت كان ~~النصف للبنت والباقي للأخت، فلو مات عن بنتين وأخت فللبنتين الثلثان ~~والباقي للأخت. # والدليل عليه ما أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله ~~النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا آدم، أنا شعبة، أنا ~~أبو قيس، قال: سمعت هذيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى عن ابنة وبنت ابن ~~وأخت فقال: للبنت النصف وللأخت النصف، وائت ابن مسعود فسيتابعني فسئل ابن ~~مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين أقضي ~~فيها بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم: للبنت النصف ولابنة الابن ~~السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن ~~مسعود رضي الله عنه، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم (1) . # رجعنا إلى تفسير الآية: واختلفوا في سبب نزولها. أخبرنا عبد الواحد ~~المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن ~~إسماعيل، أخبرنا أبو الوليد، أنا شعبة عن محمد بن المنكدر: سمعت جابرا يقول ~~جاء رسول الله صلى الله عليه ms0556 وسلم يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب علي ~~من وضوئه فعقلت، فقلت: يا رسول الله لمن الميراث إنما يرثني كلالة؟ فنزلت ~~آية الفرائض (2) . # وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أم كجة امرأة أوس بن ثابت وبناته (3) . # وقال عطاء: استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أحد وترك امرأة وبنتين وأخا، ~~فأخذ الأخ المال فأتت امرأة سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنتي ~~سعد [فقالت: يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد وإن سعد] (4) قتل يوم أحد ~~شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما ولا تنكحان إلا ولهما مال، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك"، فنزل {يوصيكم الله} إلى ~~آخرها، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمهما فقال له: "أعط ابنتي سعد ~~الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك" (5) ، فهذا أول ميراث قسم في ~~الإسلام. PageV02P176 # قوله عز وجل: {يوصيكم الله في أولادكم} أي: يعهد إليكم ويفرض عليكم في ~~أولادكم، أي: في أمر أولادكم إذا متم، للذكر مثل حظ الأنثيين. {فإن كن} ~~يعني: المتروكات من الأولاد، {نساء فوق اثنتين} أي: ابنتين فصاعدا {فوق} ~~صلة، كقوله تعالى: "فاضربوا فوق الأعناق" (الأنفال -12) ، {فلهن ثلثا ما ~~ترك وإن كانت} يعني: البنت، {واحدة} قراءة العامة بالنصب على خبر كان، ~~ورفعها أهل المدينة على معنى: إن وقعت واحدة، {فلها النصف ولأبويه} يعني ~~لأبوي الميت، كناية عن غير مذكور، {لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ~~ولد} أراد أن الأب والأم يكون لكل واحد منهما سدس الميراث عند وجود الولد ~~أو ولد الابن، والأب يكون صاحب فرض {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه ~~الثلث} قرأ حمزة والكسائي {فلأمه} بكسر الهمزة استثقلالا للضمة بعد الكسرة، ~~وقرأ الآخرون بالضم على الأصل {فإن كان له إخوة} اثنان أو أكثر ذكورا أو ~~إناثا {فلأمه السدس} والباقي يكون للأب إن كان معها أب، والإخوة لا ميراث ~~لهم مع الأب، ولكنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ms0557 لا يحجب الإخوة الأم من الثلث إلى السدس ~~إلا أن يكونوا ثلاثة، وقد تفرد به، وقال: لأن الله تعالى قال: {فإن كان له ~~إخوة فلأمه السدس} ولا يقال للاثنين إخوة، فنقول اسم الجمع قد يقع على ~~التثنية لأن الجمع ضم شيء إلى شيء وهو موجود في الاثنين كما قال الله ~~تعالى: "فقد صغت قلوبكما" (التحريم -4) ذكر القلب بلفظ الجمع، وأضافه إلى ~~الاثنين 80/أ # قوله تعالى: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو ~~بكر {يوصي} بفتح الصاد على ما لم يسم فاعله، وكذلك الثانية، ووافق حفص في ~~الثانية، وقرأ الآخرون بكسر الصاد لأنه جرى ذكر الميت من قبل، بدليل قوله ~~تعالى: {من بعد وصية يوصين بها} و {توصون} # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه "إنكم تقرؤون الوصية قبل الدين، وبدأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية" (1) . وهذا إجماع أن ~~الدين مقدم على الوصية. ومعنى الآية الجمع لا الترتيب، وبيان أن ~~PageV02P177 # الميراث مؤخر عن الدين والوصية جميعا، معناه: من بعد وصية إن كانت، أو ~~دين إن كان، فالإرث مؤخر عن كل واحد منهما. # {آباؤكم وأبناؤكم} يعني: الذين يرثونكم آباؤكم وأبناؤكم، {لا تدرون أيهم ~~أقرب لكم نفعا} أي: لا تعلمون أنهم أنفع لكم في الدين والدنيا فمنكم من يظن ~~أن الأب أنفع له، فيكون الابن أنفع له، ومنكم من يظن أن الابن أنفع له ~~فيكون الأب أنفع له، وأنا العالم بمن هو أنفع لكم، وقد دبرت أمركم على ما ~~فيه المصلحة فاتبعوه، وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أطوعكم لله عز ~~وجل من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة، والله تعالى يشفع ~~المؤمنين بعضهم في بعض، فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة رفع إليه ولده ~~وإن كان الولد أرفع درجة رفع إليه والده لتقر بذلك أعينهم، {فريضة من الله} ~~أي: ما قدر من المواريث، {إن الله كان عليما} بأمور العباد، {حكيما} بنصب ~~الأحكام. ### || # {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن ms0558 لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع ~~مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ~~ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ~~وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن ~~كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير ~~مضار وصية من الله والله عليم حليم (12) } # قوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد ~~فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين} وهذا في ميراث الأزواج، ~~{ولهن الربع} يعني: للزوجات الربع، {مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان ~~لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين} هذا في ميراث ~~الزوجات وإذا كان للرجل أربع نسوة فهن يشتركن في الربع والثمن. # قوله تعالى: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة} تورث كلالة، ونظم الآية: ~~وإن كان رجل أو # PageV02P178 # امرأة يورث كلالة وهو نصب على المصدر، وقيل: على خبر ما لم يسم فاعله، ~~وتقديره: إن كان رجل يورث ماله كلالة. # واختلفوا في الكلالة فذهب أكثر الصحابة إلى أن الكلالة من لا ولد له ولا ~~والد له. وروي عن الشعبي قال: سئل أبو بكر رضي الله عنه عن الكلالة فقال: ~~إني سأقول فيها قولا برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن ~~الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد، فلما استخلف عمر رضي الله عنهما قال: ~~إني لأستحيي من الله أن أرد شيئا قاله أبو بكر رضي الله عنه (1) . # وذهب طاوس إلى أن الكلالة من لا ولد له، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما، وأحد القولين عن عمر رضي الله عنه (2) ، واحتج من ذهب إلى ~~هذا بقول الله تعالى: {قل الله يفتيكم في الكلالة ms0559 إن امرؤ هلك ليس له ولد} ~~وبيانه عند العامة مأخوذ من حديث جابر بن عبد الله، لأن الآية نزلت فيه ولم ~~يكن له يوم نزولها أب ولا ابن، لأن أباه عبد الله بن حرام قتل يوم أحد، ~~وآية الكلالة نزلت في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم، فصار شأن جابر ~~بيانا لمراد الآية لنزولها فيه. # واختلفوا في أن الكلالة اسم لمن؟ منهم من قال: اسم للميت، وهو قول علي ~~وابن مسعود رضي الله عنهما، لأنه مات عن ذهاب طرفيه، فكل عمود نسبه، ومنهم ~~من قال: اسم للورثة، وهو قول سعيد بن جبير، لأنهم يتكللون الميت من جوانبه، ~~وليس في عمود نسبه أحد، كالإكليل يحيط بالرأس ووسط الرأس منه خال، وعليه ~~يدل حديث جابر رضي الله عنه حيث قال: إنما يرثني كلالة، أي: يرثني ورثة ~~ليسوا بولد ولا والد،. # وقال النضر بن شميل: الكلالة اسم للمال، وقال أبو الخير: سأل رجل عقبة عن ~~الكلالة فقال: ألا تعجبون من هذا يسألني عن الكلالة، وما أعضل بأصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما أعضلت بهم الكلالة. # وقال عمر رضي الله عنه "ثلاث لأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بينهن ~~لنا أحب إلينا من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة وأبواب الربا" (3) . # وقال معدان بن أبي طلحة: خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني لا ~~أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في PageV02P179 # شيء ما أغلظ لي في الكلالة، حتى طعن بأصبعه في صدري قال: "يا عمر ألا ~~تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء" وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي ~~بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن (1) . # وقوله ألا تكفيك آية الصيف؟ أراد: أن الله عز وجل أنزل في الكلالة آيتين ~~إحداهما في الشتاء وهي التي في أول سورة النساء والأخرى في الصيف، وهي التي ~~في آخرها، وفيها من البيان ms0560 ما ليس في آية الشتاء، فلذلك أحاله عليها. # قوله تعالى: {وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس} أراد به الأخ والأخت ~~من الأم بالاتفاق، قرأ سعد بن أبي وقاص "وله أخ أو أخت من أم" ولم يقل لهما ~~مع ذكر الرجل والمرأة من قبل، على عادة العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت ~~عنهما، وكانا في الحكم سواء ربما أضافت إلى أحدهما، وربما أضافت إليهما، ~~كقوله تعالى: "واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة" (البقرة -153) ، ~~{فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} فيه إجماع أن أولاد الأم إذا ~~كانوا اثنين فصاعدا يشتركون في الثلث ذكرهم وأنثاهم، قال أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه في خطبته: ألا إن الآية التي أنزل الله تعالى في أول سورة ~~النساء في شأن الفرائض أنزلها في الولد والوالد. والآية الثانية في الزوج ~~والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء في الإخوة ~~والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، {من بعد وصية يوصى بها أو دين غير ~~مضار} أي: غير مدخل الضرر على الورثة بمجاوزته الثلث في الوصية، قال الحسن ~~هو أن يوصي بدين ليس عليه، {وصية من الله والله عليم حليم} قال قتادة: كره ~~الله الضرار في الحياة وعند الموت، ونهى عنه وقدم فيه. ### || # {تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ~~نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14) } # {تلك حدود الله} يعني: ما ذكر من الفروض المحدودة، {ومن يطع الله ورسوله ~~يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم} # {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} ~~80/ب قرأ أهل PageV02P180 # المدينة وابن عامر "ندخله جنات، وندخله نارا"، وفي سورة الفتح {ندخله} و ~~{نعذبه} وفي سورة التغابن {نكفر} و {ندخله} وفي سورة الطلاق {ندخله} بالنون ms0561 ~~فيهن، وقرأ الآخرون بالياء. # PageV02P181 ### || # {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا ~~فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (15) } # قوله عز وجل: {واللاتي يأتين الفاحشة} يعني: الزنا، {من نسائكم فاستشهدوا ~~عليهن أربعة منكم} يعني: من المسلمين، وهذا خطاب للحكام، أي: فاطلبوا عليهن ~~أربعة من الشهود، وفيه بيان أن الزنا لا يثبت إلا بأربعة من الشهود. {فإن ~~شهدوا فأمسكوهن} فاحبسوهن، {في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن ~~سبيلا} وهذا كان في أول الإسلام قبل نزول الحدود، كانت المرأة إذا زنت حبست ~~في البيت حتى تموت، ثم نسخ ذلك في حق البكر بالجلد والتغريب، وفي حق الثيب ~~بالجلد والرجم. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أخبرنا الشافعي رضي الله عنه أخبرنا عبد ~~الوهاب عن يونس عن الحسن عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "خذوا عني خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلا البكر ~~بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (1) ، قال ~~الشافعي رضي الله عنه: وقد حدثني الثقة أن الحسن كان يدخل بينه وبين عبادة ~~حطان الرقاشي، ولا أدري أدخله عبد الوهاب بينهما فنزل عن كتابي أم لا. # قال شيخنا الإمام: الحديث صحيح رواه مسلم بن الحجاج عن محمد بن المثنى عن ~~عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله عن عبادة (2) ، ~~ثم نسخ الجلد في حق الثيب وبقي الرجم عند أكثر أهل العلم. # وذهب طائفة إلى أنه يجمع بينهما. روي عن علي رضي الله عنه: أنه جلد شراحة ~~الهمدانية يوم PageV02P181 # الخميس مائة ثم رجمها يوم الجمعة، وقال: "جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم" (1) . # وعامة العلماء على أن الثيب لا يجلد مع الرجم لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رجم ماعزا والغامدية ولم يجلدهما. # وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: ms0562 التغريب أيضا منسوخ في حق البكر. وأكثر أهل ~~العلم على أنه ثابت، روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ضرب وغرب، وأن أبا بكر رضي الله عنه ضرب وغرب، وأن عمر رضي الله ~~عنه ضرب وغرب (2) . # واختلفوا في أن الإمساك في البيت كان حدا فنسخ أم كان حبسا ليظهر الحد؟ ~~على قولين. ### || # {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله ~~كان توابا رحيما (16) } # قوله تعالى: {واللذان يأتيانها منكم} يعني: الرجل والمرأة، والهاء راجعة ~~إلى الفاحشة، قرأ ابن كثير "اللذان، واللذين، وهاتان، وهذان" مشددة النون ~~للتأكيد، ووافقه أهل البصرة في {فذانك} والآخرون بالتخفيف، قال أبو عبيد: ~~خص أبو عمرو {فذانك} بالتشديد لقلة الحروف في الاسم {فآذوهما} قال عطاء ~~وقتادة: فعيروهما باللسان: أما خفت الله؟ أما استحييت من الله حيث زنيت؟ ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: سبوهما واشتموهما، قال ابن عباس: هو باللسان ~~واليد يؤذى بالتعيير وضرب النعال. # فإن قيل: ذكر الحبس في الآية الأولى وذكر في هذه الآية الإيذاء، فكيف وجه ~~الجمع؟. قيل: الآية الأولى في النساء وهذه في الرجال، وهو قول مجاهد، وقيل: ~~الآية الأولى في الثيب وهذه في البكر. # {فإن تابا} من الفاحشة {وأصلحا} العمل فيما بعد، {فأعرضوا عنهما} فلا ~~تؤذوهما، {إن الله كان توابا رحيما} # وهذا كله كان قبل نزول الحدود، فنسخت بالجلد والرجم، فالجلد في القرآن ~~قال الله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" (النور ~~-2) والرجم في السنة. أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا أبو ~~علي زاهر بن أحمد السرخسي، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، ~~أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود، عن ~~أبي هريرة وزيد بن PageV02P182 # خالد الجهني رضي الله عنهما أنهما أخبراه أن رجلين اختصما إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: اقض يا رسول الله بيننا بكتاب الله، وقال ~~الآخر وكان أفقههما: أجل يا رسول ms0563 الله فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي أن ~~أتكلم، قال: تكلم، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته فأخبروني ~~أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل ~~العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب سنة، وإنما الرجم على ~~امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما والذي نفسي بيده لأقضين ~~بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد عليك، وجلد ابنه مائة وغربه عاما، ~~وأمر أنيس الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها" فاعترفت، فرجمها ~~(1) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله، ~~حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب عن عبيد بن عبد الله بن عتبة بن ~~مسعود عن ابن عباس قال: قال عمر رضي الله عنه "أن الله تعالى بعث محمدا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله ~~تعالى آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد ~~آية الرجم في كتاب الله تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، ~~والرجم في كتاب الله تعالى حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا ~~قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف" (2) . # وجملة حد الزنا: أن الزاني إذا كان محصنا -وهو الذي اجتمع فيه أربعة ~~أوصاف: العقل والبلوغ والحرية والإصابة بالنكاح الصحيح -فحده الرجم، مسلما ~~كان أو ذميا، وهو المراد من الثيب المذكور في الحديث، وذهب أصحاب الرأي إلى ~~أن الإسلام من شرائط الإحصان، ولا يرجم الذمي (3) ، وقد صح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه رجم يهوديين زنيا، وكانا قد أحصنا. # وإن كان الزاني غير محصن بأن لم تجتمع فيه هذه الأوصاف نظر: إن كان غير ~~بالغ أو كان مجنونا فلا حد عليه، ms0564 وإن كان حرا عاقلا بالغا، غير أنه لم يصب ~~بنكاح صحيح فعليه جلد مائة وتغريب عام، وإن كان عبدا فعليه جلد خمسين، وفي ~~تغريبه قولان، إن قلنا يغرب فيه قولان، أصحهما نصف سنة، كما يجلد خمسين على ~~نصف حد الحر. PageV02P183 ### || # {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ~~فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) } # قوله تعالى: {إنما التوبة على الله} قال الحسن: يعني التوبة التي يقبلها، ~~فيكون على بمعنى عند، وقيل: من الله، {للذين يعملون السوء بجهالة} قال ~~قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عصي به الله ~~فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن، وكل من عصى الله فهو جاهل. وقال مجاهد: ~~المراد من الآية: العمد، قال الكلبي: لم يجهل أنه ذنب 81/ألكنه جهل عقوبته، ~~وقيل: معنى الجهالة: اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية. # {ثم يتوبون من قريب} قيل: معناه قبل أن يحيط السوء بحسناته فيحبطها، وقال ~~السدي والكلبي: القريب: أن يتوب في صحته قبل مرض موته، وقال عكرمة: قبل ~~الموت، وقال الضحاك: قبل معاينة ملك الموت. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو ~~القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، أنا علي بن الجعد، أنا ابن ~~ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول، عن جبير بن نفير، ~~عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن ~~الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" (1) . # وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان، أنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أنا حميد بن ~~زنجويه، أنا أبو الأسود، أنا ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن ~~الشيطان قال: وعزتك يا رب لا ms0565 أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، ~~فقال الرب: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني" (2) ~~. PageV02P184 # قوله تعالى: {فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما} ### || # {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت ~~الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (18) يا أيها ~~الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ~~آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى ~~أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) } # {وليست التوبة للذين يعملون السيئات} يعني: المعاصي {حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت} ووقع في النزع، {قال إني تبت الآن} وهي حالة السوق حين تساق روحه، ~~لا يقبل من كافر إيمان ولا من عاص توبة، قال الله تعالى: "فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا" (غافر -85) ، ولذلك لم ينفع إيمان فرعون حين أدركه ~~الغرق. {ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا} أي: هيأنا وأعددنا، {لهم ~~عذابا أليما} # {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} نزلت في أهل ~~المدينة كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات الرجل وله امرأة جاء ~~ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فألقى ثوبه على تلك المرأة وعلى خبائها، ~~فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق ~~الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها ~~ومنعها من الأزواج يضارها لتفتدي منه بما ورثته من الميت، أو تموت هي ~~فيرثها، فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي ~~أحق بنفسها، فكانوا على هذا حتى توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري وترك ~~امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له حصن، وقال ~~مقاتل بن حيان: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم ~~تركها ولم ينفق عليها، يضارها لتفتدي منه، فأتت كبيشة ms0566 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه فلا هو ~~ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال: "اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك ~~أمر الله"، فأنزل الله تعالى هذه الآية: # PageV02P185 # {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} (1) . # قرأ حمزة والكسائي: كرها بضم الكاف، هاهنا وفي التوبة وقرأ الباقون ~~بالفتح، قال الكسائي: هما لغتان. قال الفراء: الكره بالفتح ما أكره عليه، ~~وبالضم ما كان من قبل نفسه من المشقة. # {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} أي: لا تمنعوهن من الأزواج لتضجر ~~فتفتدي ببعض مالها، قيل: هذا خطاب لأولياء الميت، والصحيح أنه خطاب ~~للأزواج. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره ~~لصحبتها ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي وترد إليه ما ساق إليها من المهر، ~~فنهى الله تعالى عن ذلك، ثم قال: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} فحينئذ يحل ~~لكم إضرارهن ليفتدين منكم. # واختلفوا في الفاحشة، قال ابن مسعود وقتادة: هي النشوز، وقال بعضهم وهو ~~قول الحسن: هي الزنا، يعني: المرأة إذا نشزت، أو زنت حل للزوج أن يسألها ~~الخلع، وقال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها ~~وأخرجها، فنسخ الله تعالى ذلك بالحدود. # وقرأ ابن كثير وأبو بكر " مبينة ومبينات " بفتح الياء، ووافق أهل المدينة ~~والبصرة في " مبينات " والباقون بكسرها،. # {وعاشروهن بالمعروف} قال الحسن: رجع إلى أول الكلام، يعني {وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة} {وعاشروهن بالمعروف} والمعاشرة بالمعروف: هي الإجمال في ~~القول والمبيت والنفقة، وقيل: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له، {فإن كرهتموهن ~~فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} قيل: هو ولد صالح، أو ~~يعطفه الله عليها. PageV02P186 ### || # {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) } # {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} أراد بالزوج الزوجة ولم يكن من قبلها ~~نشوز ولا فاحشة، {وآتيتم إحداهن ms0567 قنطارا} وهو المال الكثير، صداقا، {فلا ~~تأخذوا منه} من القنطار، {شيئا أتأخذونه} استفهام بمعنى التوبيخ، {بهتانا ~~وإثما مبينا} انتصابهما من وجهين أحدهما بنزع الخافض، والثاني بالإضمار ~~تقديره: تصيبون في أخذه بهتانا وإثما ثم قال: {وكيف تأخذونه} # PageV02P186 ### || # {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21) ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء ~~سبيلا (22) } # {وكيف تأخذونه} على طريق الاستعظام، {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} أراد به ~~المجامعة، ولكن الله حيي يكني، وأصل الإفضاء: الوصول إلى الشيء من غير ~~واسطة. # {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} قال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة: هو قول ~~الولي عند العقد: زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان، وقال الشعبي وعكرمة: هو ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ~~تعالى واستحللتم فروجهن بكلمة الله تعالى " (1) . # قوله عز وجل: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} كان أهل الجاهلية ~~ينكحون أزواج آبائهم، قال الأشعث بن سوار: توفي أبو قيس وكان من صالحي ~~الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت: إني اتخذتك ولدا وأنت من صالحي ~~قومك، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره، فأتته فأخبرته، ~~فأنزل الله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} (2) ~~، قيل: بعد ما سلف، وقيل: معناه لكن ما سلف، أي: ما مضى في الجاهلية فهو ~~معفو عنه، {إنه كان فاحشة} أي: إنه فاحشة، و"كان" فيه صلة، والفاحشة أقبح ~~المعاصي، {ومقتا} أي: يورث مقت الله، والمقت: أشد البغض، {وساء سبيلا} وبئس ~~ذلك طريقا وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه {مقيت} وكان منهم ~~الأشعث بن قيس وأبو معيط بن أبي عمرو بن أمية (3) . # أخبرنا محمد بن 81/ب الحسن المروزي، أخبرنا أبو سهل محمد بن عمرو السجزي، ~~أنا الإمام أبو سليمان الخطابي، أنا أحمد بن هشام الحضرمي، أنا أحمد بن ms0568 عبد ~~الجبار العطاردي، عن حفص بن غياث، عن أشعث بن سوار، عن عدي بن ثابت، عن ~~البراء بن عازب قال: مر بي خالي ومعه لواء فقلت: أين تذهب؟ قال: بعثني ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه برأسه" (4) . ~~PageV02P187 ### || # {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات ~~الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا ~~جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ~~قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (23) } # قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} الآية، بين الله تعالى في هذه الآية ~~المحرمات بسبب الوصلة، وجملة المحرمات في كتاب الله تعالى أربع عشرة: سبع ~~بالنسب، وسبع بالسبب. # فأما السبع بالسبب فمنها اثنتان بالرضاع وأربع بالصهرية والسابعة ~~المحصنات، وهن ذوات الأزواج. # وأما السبع بالنسب فقوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} وهي جمع أم فيدخل ~~فيهن الجدات وإن علون من قبل الأم ومن قبل الأب، {وبناتكم} جمع: البنت، ~~فيدخل فيهن بنات الأولاد وإن سفلن، {وأخواتكم} جمع الأخت سواء كانت من قبل ~~الأب والأم أو من قبل أحدهما، {وعماتكم} جمع العمة، ويدخل فيهن جميع أخوات ~~آبائك وأجدادك وإن علون، {وخالاتكم} جمع خالة، ويدخل فيهن جميع أخوات ~~أمهاتك وجداتك، {وبنات الأخ وبنات الأخت} ويدخل فيهن بنات أولاد الأخ ~~والأخت وإن سفلن، وجملته: أنه يحرم على الرجل أصوله وفصوله وفصول أول أصوله ~~وأول فصل من كل أصل بعده، والأصول هي الأمهات والجدات، والفصول البنات ~~وبنات الأولاد، وفصول أول أصوله هي الأخوات وبنات الإخوة والأخوات، وأول ~~فصل من كل أصل بعده هن العمات والخالات وإن علون. # وأما المحرمات بالرضاع فقوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم ~~من الرضاعة} # PageV02P188 # وجملته: أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، أخبرنا أبو الحسن ~~السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، ~~عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن ms0569 يسار عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يحرم من ~~الرضاعة ما يحرم من الولادة" (1) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، ~~قال: أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد ~~الرحمن، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها أخبرتها أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان عندها وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، ~~فقالت عائشة رضي الله عنها فقلت: يا رسول الله لو كان فلان حيا -لعمها من ~~الرضاعة -أيدخل علي؟ فقال رسول الله صلى الله "نعم إن الرضاعة تحرم ما يحرم ~~من الولادة" (2) . # وإنما تثبت حرمة الرضاع بشرطين، أحدهما: أن يكون قبل استكمال المولود ~~حولين، لقوله تعالى "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين" (البقرة -233) ~~وروي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء" (3) . وعن ابن مسعود رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم" ~~(4) ، وإنما يكون هذا في حال الصغر. # وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: مدة الرضاع ثلاثون شهرا، لقوله تعالى: ~~"وحمله وفصاله ثلاثون شهرا" (الأحقاف -15) ، وهو عند الأكثرين لأقل مدة ~~الحمل، وأكثر مدة الرضاع وأقل مدة الحمل ستة أشهر. # والشرط الثاني أن يوجد خمس رضعات متفرقات، يروى ذلك عن عائشة رضي الله ~~عنها، وبه قال عبد الله بن الزبير وإليه ذهب الشافعي رحمه الله تعالى. # وذهب أكثر أهل العلم إلى أن قليل الرضاع وكثيره يحرم، وهو قول ابن عباس ~~وابن عمر، وبه قال PageV02P189 # سعيد بن المسيب وإليه ذهب سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي وعبد الله بن ~~المبارك وأصحاب الرأي (1) . # واحتج من ذهب إلى أن القليل لا يحرم بما أخبرنا أحمد بن عبد الله ~~الصالحي، أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، أنا أبو العباس ms0570 الأصم، أنا ~~محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن ~~أبيه، عن عبد الله بن الزبير يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"لا تحرم المصة من الرضاع والمصتان" هكذا روى بعضهم هذا الحديث (2) ، ورواه ~~عبد الله بن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصحيح (3) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا ~~أبو مصعب، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم، عن عمرة ~~بنت عبد الرحمن، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: كان فيما ~~أنزل الله في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن (4) . # وأما المحرمات بالصهرية فقوله: {وأمهات نسائكم} وجملته: أن كل من عقد ~~النكاح على امرأة تحرم على الناكح أمهات المنكوحة وجداتها وإن علون من ~~الرضاعة والنسب بنفس العقد. # {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} والربائب جمع: ~~ربيبة: وهي بنت المرأة، سميت ربيبة لتربيته إياها، وقوله: {في حجوركم} أي: ~~في تربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان إذا كان في تربيته، {دخلتم بهن} أي: ~~جامعتموهن. # ويحرم عليه أيضا بنات المنكوحة وبنات أولادها، وإن سفلن من الرضاع والنسب ~~بعد الدخول بالمنكوحة، حتى لو فارق المنكوحة قبل الدخول بها أو ماتت جاز له ~~أن ينكح بنتها، [ولا يجوز له أن ينكح أمها] (5) لأن الله تعالى أطلق تحريم ~~الأمهات وقال في تحريم الربائب. # {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} يعني: في نكاح بناتهن إذا ~~فارقتموهن أو متن، وقال علي رضي الله عنه: أم المرأة لا تحرم إلا بالدخول ~~بالبنت كالربيبة. # {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} يعني: أزواج أبنائكم، واحدتها: حليلة، ~~والذكر حليل، PageV02P190 # سميا بذلك لأن كل واحد منهما [حلال لصاحبه، وقيل: سميا بذلك لأن ms0571 كل واحد ~~منهما] (1) يحل حيث يحل صاحبه من الحلول وهو النزول، وقيل: إن كل واحد ~~منهما يحل إزار صاحبه من الحل وهو ضد العقل. # وجملته: أنه يحرم على الرجل حلائل أبنائه وأبناء أولاده وإن سفلوا من ~~الرضاع والنسب بنفس العقد، وإنما قال "من أصلابكم" ليعلم أن حليلة المتبنى ~~لا تحرم على الرجل الذي تبناه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة ~~زيد بن حارثة، وكان زيد تبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والرابع من المحرمات بالصهرية: حليلة الأب والجد وإن علا فيحرم على الولد ~~وولد الولد بنفس العقد سواء كان الأب من الرضاع أو من النسب، لقوله تعالى: ~~{ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} وقد سبق ذكره. # وكل امرأة تحرم عليك بعقد النكاح تحرم بالوطء في ملك اليمين، والوطء ~~بشبهة النكاح، حتى لو وطئ امرأة 82/أبالشبهة أو جارية بملك اليمين فتحرم ~~على الواطئ أم الموطوءة وابنتها وتحرم الموطوءة على أب الواطئ وعلى ابنه. # ولو زنى بامرأة فقد اختلف فيه أهل العلم: فذهبت جماعة إلى أنه لا تحرم ~~على الزاني أم المزني بها وابنتها، وتحرم الزانية على أب الزاني وابنه، وهو ~~قول علي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال سعيد بن المسيب ~~وعروة والزهري، وإليه ذهب مالك والشافعي رحمهم الله تعالى. # وذهب قوم إلى التحريم، يروى ذلك عن عمران بن حصين وأبي هريرة رضي الله ~~عنهما، وبه قال جابر بن زيد والحسن وهو قول أصحاب الرأي. # ولو لمس امرأة بشهوة أو قبلها، فهل يجعل ذلك كالدخول في إثبات حرمة ~~المصاهرة؟ وكذلك لو لمس امرأة بشهوة فهل يجعل كالوطء في تحريم الربيبة؟ فيه ~~قولان، أصحهما وهو قول أكثر أهل العلم: أنه تثبت به الحرمة، والثاني: لا ~~تثبت كما لا تثبت بالنظر بالشهوة. # قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} لا يجوز للرجل أن يجمع بين الأختين ~~في النكاح سواء كانت الأخوة بينهما بالنسب أو بالرضاع، فإذا نكح امرأة ثم ~~طلقها بائنا جاز له نكاح أختها، وكذلك لو ms0572 ملك أختين بملك اليمين لم يجز له ~~أن يجمع بينهما في الوطء، فإذا وطئ إحداهما لم يحل له وطء الأخرى حتى يحرم ~~الأولى على نفسه. # وكذلك لا يجوز أن يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها، لما ~~أخبرنا أبو الحسن السرخسي، PageV02P191 # أخبرنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن ~~أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (1) . # قوله تعالى: {إلا ما قد سلف} يعني: لكن ما مضى فهو معفو عنه، لأنهم كانوا ~~يفعلونه قبل الإسلام، وقال عطاء والسدي: إلا ما كان من يعقوب عليه السلام ~~فإنه جمع بين ليا أم يهوذا وراحيل أم يوسف، وكانتا أختين. {إن الله كان ~~غفورا رحيما} ### || # {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن ~~فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن ~~الله كان عليما حكيما (24) } # قوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} يعني: ذوات ~~الأزواج، لا يحل للغير نكاحهن قبل مفارقة الأزواج، وهذه السابعة من النساء ~~اللاتي حرمت (1) بالسبب. # قال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كن يهاجرن إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولهن أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين، ثم قدم أزواجهن مهاجرين فنهى ~~الله المسلمين عن نكاحهن (2) ، ثم استثنى فقال: {إلا ما ملكت أيمانكم} ~~يعني: السبايا اللواتي سبين ولهن أزواج في دار الحرب فيحل لمالكهن وطؤهن ~~بعد الاستبراء، لأن بالسبي يرتفع النكاح بينها وبين زوجها. # قال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين جيشا ~~إلى أوطاس فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا غشيانهن، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية (3) . # وقال عطاء: أراد بقوله {إلا ما ملكت أيمانكم} أن تكون أمته في نكاح عبده ~~فيجوز أن ينزعها منه. ms0573 PageV02P192 # وقيل: أراد بالمحصنات الحرائر، ومعناه: أن ما فوق الأربع حرام منهن إلا ~~ما ملكت أيمانكم، فإنه لا عدد عليكم في الجواري. # قوله تعالى: {كتاب الله عليكم} نصب على المصدر، أي: كتب الله عليكم كتاب ~~الله، وقيل: نصب على الإغراء، أي: الزموا كتاب الله عليكم، أي: فرض الله ~~تعالى. # قوله تعال: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وحفص ~~"أحل " بضم الأول وكسر الحاء، لقوله {حرمت عليكم} وقرأ الآخرون بالنصب، أي: ~~أحل الله لكم ما وراء ذلكم، أي: ما سوى ذلكم الذي ذكرت من المحرمات، {أن ~~تبتغوا} تطلبوا، {بأموالكم} أي تنكحوا بصداق أو تشتروا بثمن، {محصنين} أي: ~~متزوجين أو متعففين، {غير مسافحين} أي: غير زانين، مأخوذ من سفح الماء وصبه ~~وهو المني، {فما استمتعتم به منهن} اختلفوا في معناه، فقال الحسن ومجاهد: ~~أراد ما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح، {فآتوهن ~~أجورهن} أي: مهورهن، وقال آخرون: هو نكاح المتعة وهو أن ينكح امرأة إلى مدة ~~فإذا انقضت تلك المدة بانت منه بلا طلاق، وتستبرئ رحمها وليس بينهما ميراث، ~~وكان ذلك مباحا في ابتداء الإسلام، ثم نهى عنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنا مسلم بن الحجاج، أنا ~~محمد بن عبد الله بن نمير، أنا أبي، أنا عبد العزيز بن عمر، حدثني الربيع ~~بن سبرة الجهني، أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: "يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله ~~تعالى قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا" (1) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا ~~أبو مصعب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن ~~أبيهما، عن علي بن أبي ms0574 طالب رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية (2) . # وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم: أن نكاح المتعة حرام، والآية منسوخة. ~~PageV02P193 # وكان ابن عباس رضي الله عنهما يذهب إلى أن الآية محكمة، ويرخص في نكاح ~~المتعة. وروي عن أبي نضرة قال سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن المتعة، ~~فقال: أما تقرأ في سورة النساء: " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى "؟ ~~قلت: لا أقرأها هكذا، قال ابن عباس: هكذا أنزل الله، ثلاث مرات. # وقيل: إن ابن عباس رضي الله عنهما رجع عن ذلك (1) . # وروى سالم عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب صعد المنبر فحمد الله ~~وأثنى عليه، وقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عنها؟، لا أجد رجلا نكحها إلا رجمته بالحجارة، وقال: هدم ~~المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث (2) . # قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: لا أعلم في ~~الإسلام شيئا أحل ثم حرم ثم أحل ثم حرم غير المتعة. # قوله تعالى: {فآتوهن أجورهن} أي: مهورهن، {فريضة ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم به من بعد الفريضة} فمن حمل ما قبله على نكاح المتعة أراد أنهما ~~[إذا عقد عقدا إلى أجل بمال] (3) PageV02P194 # فإذا تم الأجل فإن شاءت المرأة زادت في الأجل وزاد الرجل في الأجر، وإن ~~لم يتراضيا فارقها، ومن حمل الآية على الاستمتاع بالنكاح الصحيح، قال ~~المراد بقوله {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به} الإبراء عن المهر والافتداء ~~والاعتياض {إن الله كان عليما حكيما} ### ||| [فصل في قدر الصداق وفيما يستحب منه] # اعلم أنه لا تقدير لأكثر الصداق لقوله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه شيئا} والمستحب أن لا يغالى فيه، قال عمر بن الخطاب: ألا لا ~~تغالوا صدقة النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا وتقوى عند الله لكان ~~أولاكم بها نبي الله صلى الله عليه وسلم ما علمت رسول الله ms0575 صلى الله عليه ~~وسلم نكح شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من بناته على أكثر من اثنتي عشرة ~~أوقية (1) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا جعفر بن محمد المفلس، ~~أنا هارون بن إسحاق، أنا يحيى بن محمد الحارثي، أنا عبد العزيز بن محمد، عن ~~يزيد بن عبد الله بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة قال: سألت ~~عائشة رضي الله عنها كم كان صداق النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه؟ قالت: ~~كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا، قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا ~~قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم، هذا صداق النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأزواجه (2) . # أما أقل الصداق فقد اختلفوا فيه: فذهب جماعة إلى أنه لا تقدير لأقله، بل ~~ما جاز أن يكون مبيعا أو ثمنا جاز أن يكون صداقا، وهو قول ربيعة وسفيان ~~الثوري والشافعي وأحمد وإسحق، قال عمر بن الخطاب: في ثلاث قبضات زبيب مهر، ~~وقال سعيد بن المسيب: لو أصدقها سوطا جاز. # وقال قوم: يتقدر: بنصاب السرقة، وهو قول مالك وأبي حنيفة، غير أن نصاب ~~السرقة عند مالك ثلاثة دراهم وعند أبي حنيفة عشرة دراهم. # والدليل على أنه لا يتقدر: ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، قال: أخبرنا ~~زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي ~~حازم، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياما طويلا ~~فقام PageV02P195 # رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك فيها حاجة، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم "هل عندك من شيء تصدقها"؟ قال: ما عندي إلا إزاري هذا، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أعطيتها جلست لا إزار لك، فالتمس ~~شيئا"، فقال: ما أجد، فقال: "فالتمس ولو خاتما من حديد"، فالتمس فلم يجد ~~شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل معك ms0576 من القرآن شيء"؟ قال: ~~نعم سورة كذا وسورة كذا -لسور سماها -فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد ~~زوجتكها بما معك من القرآن" (1) . # وفيه دليل على أنه لا تقدير لأقل الصداق، لأنه قال: "التمس شيئا" فهذا ~~يدل على جواز أي شيء كان من المال، وقال: "ولو خاتما من حديد" ولا قيمة ~~لخاتم الحديد إلا القليل التافه. # وفي الحديث دليل على أنه يجوز تعليم القرآن صداقا وهو قول الشافعي رحمه ~~الله، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز، وهو قول أصحاب الرأي، وكل عمل ~~جاز الاستئجار عليه مثل البناء والخياطة وغير ذلك من الأعمال جاز أن يجعل ~~صداقا، ولم يجوز أبو حنيفة رضي الله عنه أن يجعل منفعة الحر صداقا، والحديث ~~حجة لمن جوزه بعدما أخبر الله تعالى عن شعيب عليه السلام حيث زوج ابنته من ~~موسى عليهما السلام على العمل، فقال: "إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ~~على أن تأجرني ثماني حجج" (القصص -27) . ### || # {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم ~~من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن ~~وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم ~~وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (25) } # قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا} أي: فضلا وسعة، {أن ينكح المحصنات} ~~الحرائر {المؤمنات} قرأ الكسائي {المحصنات} بكسر الصاد حيث كان، إلا قوله ~~في هذه السورة والمحصنات من النساء، وقرأ الآخرون بفتح جميعها، {فمن ما ~~ملكت أيمانكم من فتياتكم} إمائكم، {المؤمنات} PageV02P196 # أي: من لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة، فليتزوج الأمة المؤمنة. # وفيه دليل على أنه لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا بشرطين، أحدهما: أن لا ~~يجد مهر حرة، والثاني أن يكون خائفا على نفسه من العنت، وهو الزنا، لقوله ~~تعالى في آخر الآية: {ذلك لمن خشي العنت منكم} وهو قول جابر رضي الله عنه، ~~وبه ms0577 قال طاوس وعمرو بن دينار، وإليه ذهب مالك والشافعي. # وجوز أصحاب الرأي للحر نكاح الأمة إلا أن تكون في نكاحه حرة، أما العبد ~~فيجوز له نكاح الأمة وإن كان في نكاحه حرة أو أمة، وعند أبي حنيفة رضي الله ~~عنه لا يجوز إذا كانت تحته حرة، كما يقول في الحر. # وفي الآية دليل على أنه لا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية لأنه قال ~~{فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} جوز نكاح الأمة بشرط أن تكون ~~مؤمنة، وقال في موضع آخر: "وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب" (المائدة -5) أي: ~~الحرائر، جوز نكاح الكتابية، بشرط أن تكون حرة، وجوز أصحاب الرأي للمسلم ~~نكاح الأمة الكتابية، وبالاتفاق يجوز وطؤها بملك اليمين. # [ {والله أعلم بإيمانكم} أي: لا تتعرضوا للباطن في الإيمان وخذوا بالظاهر ~~فإن الله أعلم بإيمانكم] (1) . # {بعضكم من بعض} قيل: بعضكم إخوة لبعض، وقيل: كلكم من نفس واحدة فلا ~~تستنكفوا من نكاح الإماء، {فانكحوهن} يعني: الإماء {بإذن أهلهن} أي: ~~مواليهن، {وآتوهن أجورهن} مهورهن، {بالمعروف} من غير مطل وضرار، {محصنات} ~~عفائف بالنكاح، {غير مسافحات} أي: غير زانيات، {ولا متخذات أخدان} أي: ~~أحباب تزنون بهن في السر، قال الحسن: المسافحة هي أن كل من دعاها تبعته، ~~وذات أخدان أي: تختص بواحد لا تزني إلا معه، والعرب كانت تحرم الأولى وتجوز ~~الثانية، {فإذا أحصن} قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بفتح الألف والصاد، أي: ~~حفظن فروجهن، وقال ابن مسعود: أسلمن، وقرأ الآخرون: {أحصن} بضم الألف وكسر ~~الصاد، أي: زوجن {فإن أتين بفاحشة} يعني: الزنا، {فعليهن نصف ما على ~~المحصنات} أي: ما على الحرائر الأبكار إذا زنين، {من العذاب} يعني: الحد، ~~فيجلد الرقيق إذا زنى خمسين جلدة، وهل يغرب؟ فيه قولان، فإن قلنا يغرب ~~فيغرب نصف سنة على القول الأصح ولا رجم على العبيد. # روي عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال: أمرني عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه في فتية من PageV02P197 # قريش فجلدنا ms0578 ولائد من ولائد (1) الإمارة خمسين في الزنا. # ولا فرق في حد المملوك بين من تزوج أو لم يتزوج عند أكثر أهل العلم، وذهب ~~بعضهم إلى أنه لا حد على من لم يتزوج من المماليك إذا زنى، لأن الله تعالى ~~قال: {فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات} وروي ذلك عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما، وبه قال طاوس. # ومعنى الإحصان عند الآخرين الإسلام، وإن كان المراد منه التزويج فليس ~~المراد منه أن التزويج شرط لوجوب الحد عليه، بل المراد منه التنبيه على أن ~~المملوك وإن كان محصنا بالتزويج فلا رجم عليه، إنما حده الجلد بخلاف الحر، ~~83/أفحد الأمة ثابت بهذه الآية، وبيان أنه بالجلد في الخبر وهو ما أخبرنا ~~عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني الليث، عن ~~سعيد يعني المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال: سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ~~ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب ثم إن زنت الثالثة فتبين ~~زناها فليبعها ولو بحبل من شعر" (2) . # قوله تعالى: {ذلك} يعني: نكاح الأمة عند عدم الطول، {لمن خشي العنت منكم} ~~يعني: الزنا، يريد المشقة لغلبة الشهوة، {وإن تصبروا} عن نكاح الإماء ~~متعففين، {خير لكم} لئلا يخلق الولد رقيقا {والله غفور رحيم} ### || # {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم ~~حكيم (26) } # قوله تعالى: {يريد الله ليبين لكم} أي: أن يبين لكم، كقوله تعالى: "وأمرت ~~لأعدل بينكم" (الشورى -15) أي: أن أعدل، وقوله: "وأمرنا لنسلم لرب ~~العالمين" (الأنعام -71) ، وقال في موضع آخر "وأمرت أن أسلم" (غافر -66) . # ومعنى الآية: يريد الله أن يبين لكم، أي: يوضح لكم شرائع دينكم ومصالح ~~أموركم، قال عطاء: يبين لكم ما يقربكم منه، قال الكلبي: يبين لكم أن الصبر ~~عن نكاح الإماء خير لكم، {ويهديكم} ms0579 ويرشدكم، {سنن} شرائع، {الذين من قبلكم} ~~في تحريم الأمهات والبنات والأخوات، فإنها كانت محرمة على من قبلكم. ~~PageV02P198 # وقيل: ويهديكم الملة الحنيفية وهي ملة إبراهيم عليه السلام، {ويتوب ~~عليكم} ويتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبين لكم، وقيل: يرجع بكم من المعصية ~~التي كنتم عليها إلى طاعته، وقيل: يوفقكم للتوبة {والله عليم} بمصالح عباده ~~في أمر دينهم ودنياهم، {حكيم} فيما دبر من أمورهم. ### || # {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا ~~عظيما (27) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28) يا أيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا ~~تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) } # {والله يريد أن يتوب عليكم} إن وقع منكم تقصير في أمر دينه {ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات أن تميلوا} عن الحق، {ميلا عظيما} بإتيانكم ما حرم عليكم، ~~واختلفوا في الموصوفين باتباع الشهوات، قال السدي: هم اليهود والنصارى، ~~وقال بعضهم: هم المجوس لأنهم يحلون نكاح الأخوات وبنات الأخ والأخت، وقال ~~مجاهد: هم الزناة يريدون أن تميلوا عن الحق فتزنون كما يزنون، وقيل: هم ~~جميع أهل الباطل. # {يريد الله أن يخفف عنكم} يسهل عليكم في أحكام الشرع، وقد سهل كما قال جل ~~ذكره: "ويضع عنهم إصرهم" (الأعراف -157) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"بعثت بالحنيفية السمحة السلهة" (1) ، {وخلق الإنسان ضعيفا} قال طاووس ~~والكلبي وغيرهما في أمر النساء: لا يصبر عنهن، وقال ابن كيسان: {وخلق ~~الإنسان ضعيفا} يستميله هواه وشهوته، وقال الحسن: هو أنه خلق من ماء مهين، ~~بيانه قوله تعالى: "الله الذي خلقكم من ضعف" (الروم -54) . # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} ~~بالحرام، يعني: بالربا والقمار والغصب والسرقة والخيانة ونحوها، وقيل: هو ~~العقود الفاسدة {إلا أن تكون تجارة} ، قرأ أهل الكوفة {تجارة} نصب على خبر ~~كان، أي: إلا أن تكون الأموال تجارة، وقرأ الآخرون بالرفع، أي: إلا أن تقع ~~تجارة، {عن تراض منكم} أي: بطيبة نفس كل واحد منكم. # وقيل: هو ms0580 أن يجيز كل واحد من المتبايعين صاحبه بعد البيع، فيلزم، وإلا ~~فلهما الخيار ما لم يتفرقا PageV02P199 # لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما ~~لم يتفرقا إلا بيع الخيار" (1) . # {ولا تقتلوا أنفسكم} قال أبو عبيدة: أي لا تهلكوها، كما قال: "ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة" (البقرة -195) ، وقيل: لا تقتلوا أنفسكم بأكل المال ~~بالباطل. # وقيل: أراد به قتل المسلم نفسه، أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا ~~عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا ~~الشافعي، أنا ابن عيينة، عن أيوب، عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم ~~القيامة" (2) . # حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو معاذ عبد الرحمن ~~المزني، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن حماد القاضي، أنا أبو موسى الزمن، أنا ~~وهب بن جرير، أخبرنا أبي، قال سمعت الحسن: أخبرنا جندب بن عبد الله رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خرج برجل فيمن كان قبلكم ~~أراب فجزع منه، فأخرج سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات" فقال الله ~~عز وجل: بادرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة" (3) # وقال الحسن: {ولا تقتلوا أنفسكم} يعني: إخوانكم، أي: لا يقتل بعضكم بعضا، ~~{إن الله كان بكم رحيما} أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله ~~النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا سليمان بن حرب، أنا ~~شعبة، عن علي بن مدرك، قال: سمعت أبا زرعة بن عمرو بن جرير عن جده قال: قال ~~لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "استنصت الناس" ثم قال: ~~"لا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" (4) . ### || # {ومن يفعل ms0581 ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا ~~(30) إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ~~(31) } # {ومن يفعل ذلك} يعني: ما سبق ذكره من المحرمات، {عدوانا وظلما} فالعدوان ~~مجاوزة PageV02P200 # الحد والظلم وضع الشيء في غير موضعه، {فسوف نصليه} ندخله في الآخرة، ~~{نارا} يصلى فيها، {وكان ذلك على الله يسيرا} هينا. # قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} اختلفوا في الكبائر التي ~~جعل الله اجتنابها تكفيرا للصغائر: أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا ~~أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا ~~محمد بن مقاتل، أنا النضر، أخبرنا شعبة، أنا فراس، قال: سمعت الشعبي عن عبد ~~الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الكبائر: ~~الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا مسدد، أنا بشر بن المفضل، أنا الجريري، عن ~~عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " ثلاثا قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ~~"الإشراك بالله عز وجل، وعقوق الوالدين، وجلس وكان متكئا فقال: ألا وقول ~~الزور ألا وقول الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت" (2) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، ~~أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، أنا أحمد بن محمد بن عيسى ~~البرتي، أنا محمد بن كثير، أنا سفيان الثوري، عن الأعمش ومنصور، وواصل ~~الأحدب عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله رضي الله عنهما قال: قلت ~~يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك، ~~قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن ~~تزاني حليلة جارك"، 83/ب فأنزل الله ms0582 تعالى تصديق قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق ولا يزنون} (3) الآية. PageV02P201 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني سليمان، عن ~~ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات:، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ ~~قال: "الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا ~~وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" (1) ~~. # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أكبر الكبائر: الإشراك بالله ~~والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أنا أبو القاسم ~~عبد الله بن محمد البغوي، أنا علي بن الجعد، أنا شعبة، عن سعيد بن إبراهيم، ~~قال: سمعت حميد بن عبد الرحمن يحدث عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "من الكبائر أن يسب الرجل والديه، قالوا: وكيف يسب الرجل ~~والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه" (3) . # وعن سعيد بن جبير: أن رجلا سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن الكبائر: أسبع ~~هي؟ قال: هن إلى السبعمائة أقرب إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة ~~مع الإصرار، وقال: كل شيء عصي الله به فهو كبيرة، فمن عمل شيئا منها ~~فليستغفر فإن الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلا راجعا عن الإسلام أو ~~جاحدا فريضة أو مكذبا بقدر (4) . # وقال عبد الله بن مسعود: ما نهى الله تعالى عنه في هذه السورة إلى قوله ~~تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه" فهو كبيرة. # وقال علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. ~~PageV02P202 # وقال ms0583 الضحاك: ما أوعد الله عليه حدا في الدنيا أو عذابا في الآخرة. # وقال الحسن (1) بن الفضل: ما سماه الله في القرآن كبيرا أو عظيما نحو ~~قوله تعالى: "إنه كان حوبا كبيرا" (النساء -2) ، "إن قتلهم كان خطئا كبيرا" ~~(الإسراء -31) ، "إن الشرك لظلم عظيم" (لقمان -13) ، "إن كيدكن عظيم" (يوسف ~~-28) "سبحانك هذا بهتان عظيم" (النور -16) "إن ذلكم كان عند الله عظيما" ~~(الأحزاب -53) . # قال سفيان الثوري: الكبائر ما كان فيه المظالم بينك وبين العباد، ~~والصغائر ما كان بينك وبين الله تعالى، لأن الله كريم يعفو (2) ، واحتج بما ~~أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن علي الكرماني، أنا أبو طاهر محمد بن ~~محمد بن محمش الزيادي، أنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد، أنا الحسين بن ~~داؤد البلخي، أنا يزيد بن هارون، أنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ينادي مناد من بطنان العرش ~~يوم القيامة: يا أمة محمد إن الله عز وجل قد عفا عنكم جميعا المؤمنين ~~والمؤمنات، تواهبوا المظالم وادخلوا الجنة برحمتي" (3) . # وقال مالك بن مغول: الكبائر ذنوب أهل البدع، والسيئات ذنوب أهل السنة. # وقيل: الكبائر ذنوب العمد، والسيئات الخطأ والنسيان وما أكره عليه، وحديث ~~النفس المرفوع عن هذه الأمة. # وقيل: الكبائر ذنوب المستحلين مثل ذنب إبليس، والصغائر ذنوب المستغفرين ~~مثل ذنب آدم عليه السلام. # وقال السدي: الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبائر، والسيئات ~~مقدماتها وتوابعها مما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة ~~والقبلة وأشباهها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "العينان تزنيان، واليدان ~~تزنيان، والرجلان تزنيان، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه" (4) . # وقيل: الكبائر ما يستحقره العباد، والصغائر ما يستعظمونه فيخافون ~~مواقعته، كما أخبرنا عبد الواحد PageV02P203 # المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن ~~إسماعيل، أنا أبو الوليد، أنا مهدي بن غيلان، عن أنس قال: إنكم لتعملون ~~أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا نعدها على عهد رسول الله صلى ms0584 ~~الله عليه وسلم من الموبقات (1) . # وقيل: الكبائر الشرك وما يؤدي إليه، وما دون الشرك فهو السيئات، قال الله ~~تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" (النساء ~~-48، 116) . # وقوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} أي: من ~~الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد، أنا محمد بن عيسى ~~الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنا مسلم بن الحجاج، حدثني هارون ~~بن سعيد الأيلي أنا ابن وهب عن أبي صخر أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن ~~أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ~~"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ~~إذا اجتنب الكبائر" (2) . # قوله تعالى: {وندخلكم مدخلا كريما} أي: حسنا وهو الجنة، قرأ أهل المدينة ~~{مدخلا} بفتح الميم هاهنا وفي الحج، وهو موضع الدخول، وقرأ الباقون بالضم ~~على المصدر بمعنى الإدخال. ### || # {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا ~~وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما ~~(32) } # قوله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} الآية، قال ~~مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله إن الرجال يغزون ولا نغزو ولهم ضعف ما ~~لنا من الميراث، فلو كنا رجالا غزونا كما غزوا وأخذنا من الميراث مثل ما ~~أخذوا. فنزلت هذه الآية (3) . # وقيل: لما جعل الله عز وجل للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث، قالت ~~النساء: نحن أحق وأحوج إلى الزيادة من الرجال، لأنا ضعفاء وهم أقوى وأقدر ~~على طلب المعاش، فأنزل الله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على ~~بعض} PageV02P204 # وقال قتادة والسدي لما نزل قوله: {للذكر مثل حظ الأنثيين} قال الرجال إنا ~~لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة فيكون أجرنا على الضعف من أجر ms0585 ~~النساء كما فضلنا عليهن في الميراث (1) فقال الله تعالى: {للرجال نصيب مما ~~اكتسبوا} من الأجر {وللنساء نصيب مما اكتسبن} # معناه: أن الرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء، وذلك أن الحسنة تكون ~~بعشر أمثالها يستوي فيها الرجال والنساء، وإن فضل الرجال في الدنيا على ~~النساء. # وقيل: معناه للرجال نصيب مما اكتسبوا من أمر الجهاد وللنساء نصيب مما ~~اكتسبن من طاعة الأزواج وحفظ الفروج، يعني إن كان للرجال فضل الجهاد ~~فللنساء فضل طاعة الأزواج وحفظ الفروج. # قوله تعالى: {واسألوا الله من فضله} قرأ ابن كثير والكسائي وسلوا، وسل، ~~وفسل إذا كان قبل السين واو أو فاء بغير همز، ونقل حركة الهمزة إلى السين، ~~والباقون بسكون السين مهموزا. فنهى الله تعالى عن التمني لما فيه من دواعي ~~الحسد، والحسد أن يتمنى زوال النعمة عن صاحبه ويتمناها لنفسه، وهو حرام، ~~والغبطة أن يتمنى لنفسه 84/أمثل ما لصاحبه وهو جائز. قال الكلبي: لا يتمنى ~~الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه، ولكن ليقل اللهم ارزقني مثله، وهو ~~كذلك في التوراة كذلك في القرآن. قوله: {واسألوا الله من فضله} قال ابن ~~عباس: واسألوا الله من فضله: أي: من رزقه، قال سعيد بن جبير: من عبادته، ~~فهو سؤال التوفيق للعبادة، قال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالمسألة إلا ~~ليعطي. {إن الله كان بكل شيء عليما} ### || # {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم ~~فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا (33) } # قوله تعالى: {ولكل جعلنا موالي} أي: ولكل واحد من الرجال والنساء جعلنا ~~موالي، أي: عصبة يعطون {مما ترك الوالدان والأقربون} والوالدان والأقربون ~~هم المورثون، [وقيل: معناه ولكل جعلنا موالي أي: ورثة، مما ترك أي: من ~~الذين تركهم ويكون " ما " بمعنى {من} ، ثم فسر {الموالي} فقال: "الوالدان ~~والأقربون"، هم الوارثون] (2) . # {والذين عقدت أيمانكم} قرأ أهل الكوفة {عقدت} بلا ألف، أي: عقدت لهم ~~أيمانكم، وقرأ PageV02P205 # الآخرون: " عاقدت أيمانكم " والمعاقدة: المحالفة والمعاهدة، والأيمان جمع ~~يمين، من اليد والقسم، وذلك أنهم كانوا عند المحالفة يأخذ بعضهم ms0586 بيد بعض ~~على الوفاء والتمسك بالعهد. ومحالفتهم أن الرجل كان في الجاهلية يعاقد ~~الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني ~~وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من مال ~~الحليف، وكان ذلك ثابتا في ابتداء الإسلام فذلك قوله تعالى: {فآتوهم ~~نصيبهم} أي: أعطوهم حظهم من الميراث، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى "وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله" (الأحزاب 6) . # وقال إبراهيم ومجاهد: أراد فآتوهم نصيبهم من النصر والرفد ولا ميراث، ~~وعلى هذا تكون هذه الآية غير منسوخة لقوله تعالى: "أوفوا بالعقود" (المائدة ~~-1) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة يوم فتح مكة: "لا تحدثوا ~~حلفا في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا فيه فإنه لم يزده ~~الإسلام إلا شدة" (1) . # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أنزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار حين قدموا المدينة وكانوا ~~يتوارثون بتلك المؤاخاة دون الرحم، فلما نزلت {ولكل جعلنا موالي} نسخت، ثم ~~قال: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} النصر والرفادة والنصيحة، وقد ~~ذهب الميراث فيوصي له (2) . وقال سعيد بن المسيب: كانوا يتوارثون بالتبني ~~وهذه الآية فيه ثم نسخ. {إن الله كان على كل شيء شهيدا} PageV02P206 ### || # {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من ~~أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن ~~فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن ~~الله كان عليا كبيرا (34) } # قوله عز وجل: {الرجال قوامون على النساء} الآية نزلت في سعد بن الربيع ~~وكان من النقباء وفي # PageV02P206 # امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، قاله مقاتل، وقال الكلبي: امرأته ~~حبيبة بنت محمد بن مسلمة، وذلك أنها نشزت عليه فلطمها، فانطلق أبوها معها ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم [فقال: أفرشته كريمتي فلطمها، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لتقتص من زوجها"، فانصرفت مع أبيها] ms0587 (1) لتقتص منه فجاء ~~جبريل عليه السلام [فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ارجعوا هذا جبريل ~~أتاني بشيء"، فأنزل الله هذه الآية] (2) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"أردنا أمرا وأراد الله أمرا، والذي أراد الله خير"، ورفع القصاص (3) . # قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} أي: مسلطون على تأديبهن، والقوام ~~والقيم بمعنى واحد، والقوام أبلغ وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب. # {بما فضل الله بعضهم على بعض} يعني: فضل الرجال على النساء بزيادة العقل ~~والدين والولاية، وقيل: بالشهادة، لقوله تعالى: "فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان" (البقرة -282) وقيل: بالجهاد، وقيل: بالعبادات من الجمعة ~~والجماعة، وقيل: هو أن الرجل ينكح أربعا ولا يحل للمرأة إلا زوج واحد، ~~وقيل: بأن الطلاق بيده، وقيل: بالميراث، وقيل: بالدية، وقيل: بالنبوة. # {وبما أنفقوا من أموالهم} يعني: إعطاء المهر والنفقة، أخبرنا أحمد بن عبد ~~الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، قال: أخبرنا أبو عبد ~~الله محمد بن عبد الله الصفار، أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي أنا أبو ~~حذيفة، أنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت ~~المرأة أن تسجد لزوجها" (4) . # قوله تعالى: {فالصالحات قانتات} أي: مطيعات {حافظات للغيب} أي: حافظات ~~للفروج في غيبة الأزواج، وقيل: حافظات لسرهم {بما حفظ الله} قرأ أبو جعفر ~~{بما حفظ الله} بالنصب، أي: يحفظن الله في الطاعة، وقراءة العامة بالرفع، ~~أي: بما حفظهن الله بإيصاء الأزواج بحقهن وأمرهم بأداء المهر والنفقة. # وقيل: حافظات للغيب بحفظ الله، أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق ~~الثعلبي، أنا أبو عبد الله بن فنجويه، أخبرنا عمر بن الخطاب، أنا محمد بن ~~إسحاق المسوحي، أنا الحارث بن عبد الله، أنا أبو معشر PageV02P207 # عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإذا غبت ~~عنها حفظتك ms0588 في مالها ونفسها" (1) ، ثم تلا {الرجال قوامون على النساء} ~~الآية. # {واللاتي تخافون نشوزهن} عصيانهن، وأصل النشوز: التكبر والارتفاع، ومنه ~~النشز للموضع المرتفع، {فعظوهن} بالتخويف من الله والوعظ بالقول، ~~{واهجروهن} يعني: إن لم ينزعن عن ذلك بالقول فاهجروهن {في المضاجع} قال ابن ~~عباس: يوليها ظهره في الفراش ولا يكلمها، وقال غيره: يعتزل عنها إلى فراش ~~آخر، {واضربوهن} يعني: إن لم ينزعن مع الهجران فاضربوهن ضربا غير مبرح ولا ~~شائن، وقال عطاء: ضربا بالسواك وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "حق المرأة أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب ~~الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت" (2) . # {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} أي: لا تجنوا عليهن الذنوب، وقال ابن ~~عيينة: لا تكلفوهن محبتكم فإن القلب ليس بأيديهن. {إن الله كان عليا كبيرا} ~~متعاليا من أن يكلف العباد مالا يطيقونه، وظاهر الآية يدل على أن الزوج ~~يجمع عليها بين الوعظ والهجران والضرب، فذهب بعضهم إلى ظاهرها وقال: إذا ~~ظهر منها النشوز جمع بين هذه الأفعال، وحمل الخوف في قوله {واللاتي تخافون ~~نشوزهن} على العلم كقوله تعالى: "فمن خاف من موص جنفا" (البقرة -182) أي: ~~علم، ومنهم من حمل الخوف على الخشية لا على حقيقة العلم، كقوله تعالى: ~~"وإما تخافن من قوم خيانة" (الأنفال -58) ، وقال: هذه الأفعال على ترتيب ~~الجرائم، فإن خاف نشوزها بأن ظهرت أمارته منها من المخاشنة وسوء الخلق ~~وعظها، 84/ب فإن أبدت النشوز هجرها، فإن أصرت على ذلك ضربها. ### || # {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا ~~إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35) } # قوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما} يعني: شقاقا بين الزوجين، [والخوف ~~بمعنى اليقين، وقيل: PageV02P208 # هو بمعنى الظن يعني: إن ظننتم شقاق بينهما. # وجملته: أنه إذا ظهر بين الزوجين] (1) شقاق واشتبه حالهما فلم يفعل الزوج ~~الصفح ولا الفرقة ولا المرأة تأدية الحق ولا الفدية وخرجا إلى ما لا يحل ~~قولا وفعلا بعث الإمام ms0589 حكما من أهله إليه وحكما من أهلها إليها، رجلين حرين ~~عدلين، ليستطلع كل واحد من الحكمين رأي من بعث إليه إن كانت رغبته في ~~الوصلة (2) أو في الفرقة، ثم يجتمع الحكمان فينفذان ما يجتمع عليه رأيهما ~~من الصلاح، فذلك قوله عز وجل: {فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن ~~يريدا إصلاحا} يعني: الحكمين، {يوفق الله بينهما} يعني: بين الزوجين، وقيل: ~~بين الحكمين، {إن الله كان عليما خبيرا} [أخبرنا عبد الوهاب بن محمد ~~الكسائي، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا ~~الربيع، أنا الشافعي، أنا الثقفي، عن أيوب عن ابن سيرين عن] (3) عبيدة أنه ~~قال في هذه الآية {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من ~~أهلها} قال: جاء رجل وامرأة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومع كل واحد ~~منهما فئام من الناس، فأمرهم علي رضي الله عنه فبعثوا حكما من أهله وحكما ~~من أهلها ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما ~~وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، قالت المرأة رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي، ~~فقال الرجل: أما الفرقة فلا فقال علي رضي الله عنه: كذبت والله حتى تقر ~~بمثل الذي أقرت به (4) . # واختلف القول في جواز بعث الحكمين من غير رضا الزوجين: وأصح القولين أنه ~~لا يجوز إلا برضاهما، وليس لحكم الزوج أن يطلق دون رضاه، ولا لحكم المرأة ~~أن يخالع على مالها إلا بإذنها، وهو قول أصحاب الرأي لأن عليا رضي الله ~~عنه، حين قال الرجل: أما الفرقة فلا قال: كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به. ~~فثبت أن تنفيذ الأمر موقوف على إقراره ورضاه. # والقول الثاني: يجوز بعث الحكمين دون رضاهما، ويجوز لحكم الزوج أن يطلق ~~دون رضاه ولحكم المرأة أن يخلع دون رضاها، إذا رأيا الصلاح، كالحاكم يحكم ~~بين الخصمين وإن لم يكن على وفق مرادهما، وبه قال مالك، ومن قال بهذا قال: ~~ليس المراد من قول علي رضي الله عنه للرجل ms0590 حتى تقر: أن رضاه شرط، بل معناه: ~~أن المرأة رضيت بما في كتاب الله [فقال الرجل: أما الفرقة فلا يعني: الفرقة ~~ليست في كتاب الله] (5) ، فقال علي: كذبت، حيث أنكرت أن الفرقة في كتاب ~~الله، بل هي في كتاب الله، [فإن PageV02P209 # قوله تعالى: {يوفق الله بينهما} يشتمل على الفراق وغيره] (1) لأن التوفيق ~~أن يخرج كل واحد منهما من الوزر وذلك تارة يكون بالفرقة وتارة بصلاح حالهما ~~في الوصلة. ### || # {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ~~واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن ~~السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) } # قوله تعالى: {واعبدوا الله} أي: وحدوه وأطيعوه، {ولا تشركوا به شيئا} ~~[أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسن علي بن محمد بن ~~عبد الله بن بشران، أنا علي أبو إسماعيل محمد بن محمد الصفار، أنا أحمد بن ~~منصور الرمادي، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون ~~الأودي] (2) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: "هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟ قال قلت: الله ~~ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري يا معاذ ~~ما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإن ~~حق الناس على الله أن لا يعذبهم، قال قلت: يا رسول الله ألا أبشر الناس؟ ~~قال: دعهم يعملون" (3) . # قوله تعالى: {وبالوالدين إحسانا} برا بهما وعطفا عليهما، {وبذي القربى} ~~أي: أحسنوا بذي القربى، {واليتامى والمساكين} [أخبرنا عبد الواحد بن أحمد ~~المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن ~~إسماعيل، أنا عمرو بن زرارة، أنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل ~~بن سعد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم] (4) "أنا وكافل ~~اليتيم في الجنة هكذا، ms0591 وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا" (5) . # [أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنا عبد الله بن محمود، أنا إبراهيم بن ~~عبد الله الخلال، أنا عبد الله بن مبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن ~~زحر، عن علي بن يزيد عن القاسم] (6) عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "من مسح رأس يتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل ~~شعرة تمر عليها يده PageV02P210 # حسنات، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين ~~وقرن بين أصبعيه" (1) # قوله تعالى: {والجار ذي القربى} أي: ذي القرابة، {والجار الجنب} أي: ~~البعيد الذي ليس بينك وبينه قرابة. [أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، ~~أنا أبو عبد الرحمن بن أبي شريح، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد ~~العزيز البغوي، أنا علي بن الجعد، أنا شعبة عن أبي عمران الجوني قال: سمعت] ~~طلحة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما ~~أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابا" (2) . # أخبرنا الأستاذ الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، أنا أبو ~~نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفرايني، أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق، أنا ~~يزيد بن سنان، أخبرنا عثمان بن عمر، أخبرنا أبو عامر الخزاز، عن أبي عمران ~~الجوني، عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، ~~وإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها واغرف لجيرانك منها" (3) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن منهال، أنا يزيد بن ~~زريع، أنا عمر بن محمد، عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ~~سيورثه" (4) . # قوله تعالى: {والصاحب بالجنب} ms0592 يعني: الرفيق في السفر، قاله ابن عباس رضي ~~الله عنهما وجماعة وعكرمة وقتادة، وقال علي وعبد الله والنخعي: هو المرأة ~~تكون معه إلى جنبه، وقال ابن جريج وابن زيد: هو الذي يصحبك رجاء نفعك. # {وابن السبيل} قيل: هو المسافر لأنه ملازم للسبيل، والأكثرون: على أنه ~~الضيف، أخبرنا الأستاذ الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، أنا ~~أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الاسفراييني، أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق، ~~أنا شعيب بن عمرو الدمشقي، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، أنه ~~سمع نافع بن جبير، عن أبي شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر PageV02P211 # فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" (1) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب، عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ~~جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، ~~وما كان بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل أن يثوي -أي: أن يقيم -عنده حتى يحرجه" ~~(2) . # قوله تعالى: {وما ملكت أيمانكم} أي: المماليك أحسنوا إليهم، أخبرنا محمد ~~بن الحسن المروزي أخبرنا أبو العباس الطحان، أنا أبو أحمد محمد بن قريش، ~~أنا علي بن عبد العزيز المكي أنا أبو عبيد القاسم بن سلام، أنا يزيد، عن ~~همام، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن سفينة، عن أم سلمة رضي الله عنها ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في مرضه: "الصلاة وما ملكت ~~أيمانكم" (3) ، فجعل يتكلم وما يفيض بها لسانه. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، ms0593 أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمر بن حفص، أنا أبي، أنا ~~الأعمش، عن المعرور، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: رأيت عليه بردا وعلى ~~غلامه برد، فقلت: لو أخذت هذا فلبسته كانا حلة وأعطيته ثوبا آخر، فقال: كان ~~بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها فذكرني إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقال لي أساببت فلانا؟ قلت: نعم، قال: أفنلت أمه؟ قلت: نعم، قال ~~إنك امرؤ فيك جاهلية، قلت: على ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: نعم، هم ~~إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما ~~يأكل وليلبسه مما يلبس ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه ~~فليعنه عليه" (4) . # أخبرنا الإمام أبو الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا ~~أبو بكر محمد بن عمرو بن PageV02P212 # حفص التاجر، أنا سهل بن عمار، أنا يزيد بن هارون، أخبرنا صدقة بن موسى، ~~عن فرقد السبخي، عن مرة الطيب، عن أبي بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة سيئ الملكة" (1) . # {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} المختال: المتكبر، والفخور: الذي ~~يفتخر على الناس بغير الحق تكبرا، ذكر هذا بعدما ذكر من الحقوق، لأن ~~المتكبر يمنع الحق تكبرا. # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أنا أبو طاهر الزيادي، أنا محمد بن الحسين ~~القطان، أنا أحمد بن يوسف السلمي، أنا عبد الرزاق أنا معمر، عن همام بن ~~منبه، قال: أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "بينما رجل يتبختر في بردين وقد أعجبته نفسه خسف الله به الأرض فهو ~~يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" (2) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا ~~أبو مصعب، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه ms0594 ~~خيلاء" (3) . ### || # {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (37) } # {الذين يبخلون} البخل في كلام العرب: منع السائل من فضل ما لديه، وفي ~~الشرع: منع الواجب، {ويأمرون الناس بالبخل} قرأ حمزة والكسائي {بالبخل} ~~بفتح الباء والخاء، وكذلك في سورة الحديد، وقرأ الآخرون بضم الباء وسكون ~~الخاء، نزلت في اليهود بخلوا ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتموها ~~(4) . PageV02P213 # قال سعيد بن جبير: هذا في كتمان العلم (1) . # وقال ابن عباس رضي الله عنهما وابن زيد: نزلت في كردم بن زيد وحيي بن ~~أخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع وبحري بن ~~عمرو كانوا يأتون رجالا من الأنصار ويخالطونهم فيقولون لا تنفقوا أموالكم ~~فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون فأنزل الله تعالى هذه الآية: (2) ~~{ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} يعني المال، وقيل: يعني يبخلون بالصدقة ~~{وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} PageV02P214 ### || # {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ~~ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (38) وماذا عليهم لو آمنوا بالله ~~واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما (39) إن الله لا ~~يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما (40) } # {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} ~~محل "الذين" نصب، عطفا على الذين يبخلون، وقيل: خفض عطفا على قوله: و ~~{أعتدنا للكافرين} نزلت في اليهود، وقال السدي: في المنافقين، وقيل: في ~~مشركي مكة 85/أالمتفقين على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم (1) . # {ومن يكن الشيطان له قرينا} صاحبا وخليلا {فساء قرينا} أي: فبئس الشيطان ~~قرينا وهو نصب على التفسير، وقيل: على القطع بإلقاء الألف واللام كما تقول: ~~نعم رجلا عبد الله، وكما قال تعالى: "بئس للظالمين بدلا" (الكهف -50) "ساء ~~مثلا" (الأعراف -177) . # {وماذا عليهم} أي: ما الذي عليهم وأي شيء عليهم؟ {لو آمنوا بالله واليوم ~~الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما} # {إن الله لا يظلم ms0595 مثقال ذرة} [أدخل ابن عباس يده في التراب ثم نفخ فيها ~~وقال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة، والمراد أنه لا يظلم. لا قليلا ولا ~~كثيرا] (2) . ونظمه: وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا فإن ~~الله لا يظلم أي: لا يبخس ولا ينقص أحدا من ثواب عمله مثقال ذرة، وزن ذرة، ~~PageV02P214 # والذرة: هي النملة الحمراء الصغيرة، وقيل: الذر أجزاء الهباء في الكوة ~~وكل جزء منها ذرة ولا يكون لها وزن، وهذا مثل، يريد: إن الله لا يظلم شيئا، ~~كما قال في آية أخرى: "إن الله لا يظلم الناس شيئا" (يونس 44) # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو عمر بكر بن محمد المزني، أنا ~~أبو بكر محمد بن عبد الله الحفيد، أنا الحسين بن الفضل البجلي، أنا عفان، ~~أنا همام، أنا قتادة عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها ~~في الآخرة"، قال: "وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى ~~الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو الطيب الربيع بن محمد بن أحمد بن ~~حاتم البزار الطوسي، أنا أحمد بن محمد بن الحسن، أن محمد بن يحيى حدثهم، ~~أخبرنا عبد الرزاق وأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي ~~أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، أنا أبو بكر محمد بن زكريا ~~العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ~~زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا، فما ~~مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشد مجادلة من المؤمنين ~~لربهم في إخوانهم الذين أدخلو النار، قال: يقولون ربنا إخواننا كانوا يصلون ~~معنا ويصومون معنا ويحجون معنا فأدخلتهم النار، قال: فيقول ذهبوا ms0596 فأخرجوا ~~من عرفتم منهم فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم فمنهم من ~~أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من أخذته إلى كعبيه فيخرجونهم، فيقولون: ~~ربنا قد أخرجنا من أمرتنا، قال: ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار ~~من الإيمان، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار، حتى يقول: من كان في قلبه ~~مثقال ذرة"، قال أبو سعيد رضي الله عنه: فمن لم يصدق هذا فليقرأ هذه الآية: ~~"إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما" ~~قال: فيقولون ربنا قد أخرجنا من أمرتنا فلم يبق في النار أحد فيه خير، ثم ~~يقول الله عز وجل: شفعت الملائكة، وشفعت الأنبياء، وشفع المؤمنون، وبقي ~~أرحم الراحمين، قال: فيقبض قبضة من النار، أو قال: قبضتين لم يعملوا لله ~~خيرا قط قد احترقوا حتى صاروا حمما فيؤتى بهم إلى ماء يقال له: ماء الحياة ~~فيصب عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، قال: فتخرج أجسادهم مثل ~~اللؤلؤ في أعناقهم الخاتم: عتقاء الله فيقال لهم: ادخلوا الجنة فما تمنيتم ~~أو رأيتم من شيء فهو لكم، قال فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من ~~العالمين، قال: فيقول فإن لكم أفضل منه، فيقولون: ربنا وما أفضل من ذلك؟ ~~فيقول: "رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا" (2) . PageV02P215 # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أنا محمد بن أحمد بن ~~الحرث، أنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنا عبد الله بن محمود، أنا إبراهيم بن ~~عبد الله بن الخلال، أنا عبد الله بن المبارك، عن ليث بن سعد، حدثني عامر ~~بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن المعافري، ثم الجيلي، قال: سمعت عبد الله بن ~~عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ~~الله يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة ~~وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول الله: أتنكر من هذا شيئا؟ ms0597 أظلمك ~~كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر أو حسنة؟ فبهت الرجل، ~~قال: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج ~~له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول: أحضر ~~وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقول: إنك لا تظلم، ~~قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ~~قال: فلا يثقل مع اسم الله شيء" (1) . وقال قوم: هذا في الخصوم. # وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا كان يوم القيامة جمع الله ~~الأولين والآخرين ثم نادى مناد ألا من كان يطلب مظلمة فليجيء إلى حقه ~~فليأخذه، فيفرح المرء أن يذوب (2) له الحق على والده أو ولده أو زوجته أو ~~أخيه، فيأخذ منه وإن كان صغيرا، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: {فإذا نفخ ~~في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} ويؤتى بالعبد فينادي مناد ~~على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان ابن فلان فمن كان له عليه حق فليأت ~~إلى حقه فيأخذه، ويقال آت هؤلاء حقوقهم فيقول: يا رب من أين وقد ذهبت ~~الدنيا، فيقول الله عز وجل لملائكته انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها ~~فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة: يا ربنا بقي له مثقال ذرة من ~~حسنة، فيقول: ضعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة. ومصداق ذلك في كتاب ~~الله تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها} وإن كان عبدا ~~شقيا قالت الملائكة: إلهنا فنيت حسناته وبقي طالبون؟ فيقول الله عز وجل: ~~خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكا إلى النار (3) . # فمعنى الآية (4) هذا التأويل: أن الله لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم ~~بل أخذ له منه ولا PageV02P216 # يظلم مثقال ذرة تبقى له بل يثيبه عليها ويضعفها له، فذاك قوله تعالى: ~~{وإن تك حسنة يضاعفها} قرأ أهل الحجاز {حسنة} بالرفع، أي: وإن توجد ms0598 حسنة، ~~وقرأ الآخرون بالنصب على معنى: وإن تك زنة الذرة حسنة يضاعفها، أي: يجعلها ~~أضعافا كثيرة. {ويؤت من لدنه أجرا عظيما} قال أبو هريرة رضي الله عنه: إذا ~~قال الله تعالى أجرا عظيما فمن يقدر قدره؟ . ### || # {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) يومئذ يود ~~الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا (42) } # قوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} [أي: فكيف الحال وكيف ~~يصنعون إذا جئنا من كل أمة بشهيد] (1) يعني: بنبيها يشهد عليهم بما عملوا، ~~{وجئنا بك} يا محمد، {على هؤلاء شهيدا} شاهدا يشهد على جميع الأمم على من ~~رآه وعلى من لم يره. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن يوسف، أنا سفيان، عن الأعمش، عن ~~إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه 85/ب قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "اقرأ علي"، قلت: يا رسول الله أأقرأ عليك وعليك ~~أنزل؟ قال: نعم فقرأت سورة النساء حتى إذا أتيت هذه الآية {فكيف إذا جئنا ~~من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} قال: "حسبك الآن" فالتفت إليه ~~فإذا عيناه تذرفان (2) . # قوله عز وجل: {يومئذ} أي يوم القيامة، {يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو ~~تسوى بهم الأرض} قرأ أهل المدينة وابن عامر "تسوى " بفتح التاء وتشديد ~~السين على معنى تتسوى، فأدغمت التاء الثانية في السين، وقرأ حمزة والكسائي ~~بفتح التاء وتخفيف السين على حذف تاء التفعل كقوله تعالى "لا تكلم نفس إلا ~~بإذنه" (هود -11) وقرأ الباقون بضم التاء وتخفيف السين على المجهول، أي: لو ~~سويت بهم الأرض وصاروا هم والأرض شيئا واحدا. # وقال قتادة وأبو عبيدة: يعني لو تخرقت الأرض فساخوا فيها وعادوا إليها ثم ~~تسوى بهم، أي: عليهم الأرض. # وقيل: ودوا لو أنهم لم يبعثوا لأنهم إنما نقلوا من التراب، وكانت الأرض ~~مستوية عليهم. PageV02P217 # وقال الكلبي: ms0599 يقول الله عز وجل للبهائم والوحوش والطير والسباع: كونوا ~~ترابا فتسوى بهن الأرض، فعند ذلك يتمنى الكافر أن لو كان ترابا كما قال ~~الله تعالى: "ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا" (النبإ 40) . # {ولا يكتمون الله حديثا} قال عطاء: ودوا لو تسوى بهم الأرض وأنهم لم ~~يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا نعته. وقال الآخرون: بل هو ~~كلام مستأنف، يعني: ولا يكتمون الله حديثا لأن ما عملوا لا يخفى على الله ~~ولا يقدرون على كتمانه. وقال الكلبي وجماعة: {ولا يكتمون الله حديثا} لأن ~~جوارحهم تشهد عليهم. # قال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: إني أجد في القرآن ~~أشياء تختلف علي، قال: هات ما اختلف عليك، قال: "فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون" (المؤمنون -101) ، "وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون" (الطور -25) ~~وقال: "ولا يكتمون الله حديثا"، وقال "والله ربنا ما كنا مشركين" (الأنعام ~~-23) فقد كتموا، وقال: "أم السماء بناها"، إلى قوله تعالى: "والأرض بعد ذلك ~~دحاها"، فذكر خلق السماء قبل الأرض، ثم قال: "أإنكم لتكفرون بالذي خلق ~~الأرض في يومين"، إلى قوله: "طائعين" (فصلت 9-11) فذكر في هذه الآية خلق ~~الأرض قبل السماء، وقال: "وكان الله غفورا رحيما" "وكان الله عزيزا حكيما" ~~فكأنه كان ثم مضى؟ . # فقال ابن عباس رضي الله عنهما: فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى قال ~~الله تعالى: "ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء ~~الله" (الزمر -68) ، فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة ~~{أقبل بعضهم على بعض يتساءلون} ، وأما قوله: {ما كنا مشركين} {ولا يكتمون ~~الله حديثا} ، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فيقول المشركون: تعالوا ~~نقل لم نكن مشركين، فيختم على أفواههم وتنطق أيديهم فعند ذلك عرف أن الله ~~لا يكتم حديثا، وعنده {يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض} ، ~~و {خلق الأرض في يومين} ، ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في ~~يومين آخرين ثم دحا الأرض، ودحيها: ms0600 أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال ~~والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فقال:: خلق الأرض في يومين فجعلت الأرض ~~وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السموات في يومين، {وكان الله غفورا ~~رحيما} أي: لم يزل كذلك، فلا يختلف عليك القرآن فإن كلا من عند الله (1) . # وقال الحسن: إنها مواطن، ففي موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همسا، وفي ~~موطن يتكلمون ويكذبون ويقولون: ما كنا مشركين، وما كنا نعمل من سوء، وفي ~~موضع يعترفون على أنفسهم وهو قوله: PageV02P218 # {فاعترفوا بذنبهم} وفي موضع لا يتساءلون، وفي موطن يسألون الرجعة، وآخر ~~(1) تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم، وهو قوله تعالى: {ولا ~~يكتمون الله حديثا} 86/أ ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ~~ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (43) } # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} الآية، ~~والمراد من السكر: السكر من الخمر، عند الأكثرين، وذلك أن عبد الرحمن بن ~~عوف رضي الله عنه صنع طعاما ودعا ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأتاهم بخمر فشربوها قبل تحريم الخمر وسكروا فحضرت صلاة المغرب فقدموا رجلا ~~ليصلي بهم فقرأ {قل يا أيها الكافرون} أعبد ما تعبدون، بحذف {لا} هكذا إلى ~~آخر السورة، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فكانوا بعد نزول هذه الآية ~~يجتنبون السكر أوقات الصلوات حتى نزل تحريم الخمر (2) . # وقال الضحاك بن مزاحم: أراد به سكر النوم، نهى عن الصلاة عند غلبة النوم، ~~أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو القاسم جعفر بن محمد ~~بن المغلس أنا هارون بن إسحاق الهمذاني، أخبرنا عبدة بن سليمان عن هشام بن ~~عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه ms0601 ~~وسلم: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا ~~صلى وهو ينعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه" (3) . # قوله تعالى: {حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا} نصب على الحال، يعني: ولا ~~تقربوا الصلاة وأنتم جنب، يقال: رجل جنب وامرأة جنب، ورجال جنب ونساء جنب. ~~PageV02P219 # وأصل الجنابة: البعد وسمي جنبا لأنه يتجنب موضع الصلاة، أو لمجانبته ~~الناس وبعده منهم، حتى يغتسل. # قوله تعالى: {إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} اختلفوا في معناه، فقالوا: ~~[إلا أن تكونوا مسافرين ولا تجدون الماء فتيمموا، منع الجنب من الصلاة حتى ~~يغتسل] (1) إلا أن يكون في سفر ولا يجد ماء فيصلي بالتيمم، وهذا قول علي ~~وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد رضي الله عنهم. # وقال الآخرون: المراد من الصلاة موضع الصلاة، كقوله تعالى: "وبيع وصلوات" ~~(الحج -40) ، ومعناه: لا تقربوا المسجد وأنتم جنب إلا مجتازين فيه للخروج ~~منه، مثل أن ينام في المسجد فيجنب أو تصيبه جنابة والماء في المسجد أو يكون ~~طريقه عليه، فيمر فيه ولا يقيم وهذا قول عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيب ~~والضحاك والحسن وعكرمة والنخعي والزهري، وذلك أن قوما من الأنصار كانت ~~أبوابهم في المسجد فتصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم ولا ممر لهم إلا في ~~المسجد، فرخص لهم في العبور. # واختلف أهل العلم فيه: فأباح بعضهم المرور فيه على الإطلاق، وهو قول ~~الحسن وبه قال مالك والشافعي رحمهم الله، ومنع بعضهم على الإطلاق وهو قول ~~أصحاب الرأي، وقال بعضهم: يتيمم للمرور فيه. # أما المكث فلا يجوز عند أكثر أهل العلم لما روينا عن عائشة رضي الله عنها ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا ~~أحل المسجد لحائض ولا جنب" (2) ، وجوز أحمد المكث فيه وضعف الحديث لأن ~~راويه مجهول، وبه قال المزني. # ولا يجوز للجنب الطواف كما لا يجوز له الصلاة ولا يجوز له قراءة القرآن، ~~أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو ~~القاسم ms0602 البغوي أنا علي بن الجعد أنا شعبة أخبرني عمرو بن مرة قال سمعت عبد ~~الله بن سلمة (3) يقول: دخلت على علي رضي الله عنه فقال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقضي الحاجة ويأكل معنا اللحم ويقرأ القرآن وكان لا يحجبه ~~أو لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة" (4) . PageV02P220 # وغسل الجنابة يجب بأحد الأمرين: إما بنزول المني أو بالتقاء الختانين، ~~وهو تغييب الحشفة في الفرج وإن لم ينزل، وكان الحكم في الابتداء أن من جامع ~~امرأته فأكسل لا يجب عليه الغسل ثم صار منسوخا. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا ~~أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا سفيان، عن علي بن زيد عن ~~سعيد بن المسيب أن أبا موسى الأشعري سأل عائشة رضي الله عنها عن التقاء ~~الختانين فقالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى ~~الختانان، أو مس الختان الختان فقد وجب الغسل" (1) . # قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى} جمع مريض، وأراد به مريضا يضره إمساس (2) ~~الماء مثل الجدري ونحوه، أو كان على موضع طهارته جراحة يخاف من استعمال ~~الماء فيها التلف أو زيادة الوجع، فإنه يصلي بالتيمم وإن كان الماء موجودا، ~~وإن كان بعض أعضاء طهارته صحيحا والبعض جريحا غسل الصحيح منها وتيمم ~~للجريح، لما أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أنا أبو عمر ~~القاسم بن جعفر الهاشمي، أنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي، أنا ~~أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، أنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، ~~أنا محمد بن سلمة عن الزبير بن خريق عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا في سفر ~~فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه، فاحتلم فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في ~~التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما ~~قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: "قتلوه قتلهم الله، ~~ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما ms0603 شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ~~ويعصر أو يعصب -شك الراوي - 86/ب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر ~~جسده" (3) . # ولم يجوز أصحاب الرأي الجمع بين التيمم والغسل، وقالوا: إن كان أكثر ~~أعضائه صحيحا غسل PageV02P221 # الصحيح ولا يتيمم عليه، وإن كان الأكثر جريحا اقتصر على التيمم. # والحديث حجة لمن أوجب الجمع بينهما. # قوله تعالى: {أو على سفر} أراد أنه إذا كان في سفر طويلا كان أو قصيرا، ~~وعدم الماء فإنه يصلي بالتيمم ولا إعادة عليه، لما روي عن أبي ذر قال: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء ~~عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشره" (1) . # أما إذا لم يكن الرجل مريضا ولا في سفر لكنه عدم الماء في موضع لا يعدم ~~فيه الماء غالبا بأن كان في قرية انقطع ماؤها فإنه يصلي بالتيمم ثم يعيد ~~إذا قدر على الماء عند الشافعي، وعند مالك والأوزاعي لا إعادة عليه، وعند ~~أبي حنيفة رضي الله عنه يؤخر الصلاة حتى يجد الماء (2) . # قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} أراد به إذا أحدث، والغائط: اسم ~~للمطمئن من الأرض، وكانت عادة العرب إتيان الغائط للحدث فكني عن الحدث ~~بالغائط، {أو لامستم النساء} قرأ حمزة والكسائي " لمستم " هاهنا وفي ~~المائدة، وقرأ الباقون {لامستم النساء} # واختلفوا في معنى اللمس والملامسة، فقال قوم: المجامعة، وهو قول ابن عباس ~~والحسن ومجاهد وقتادة، وكني باللمس [عن الجماع لأن الجماع لا يحصل إلا ~~باللمس] (3) . # وقال قوم: هما التقاء البشرتين سواء كان بجماع أو غير جماع، وهو قول ابن ~~مسعود وابن عمر، والشعبي والنخعي. # واختلف الفقهاء في حكم الآية فذهب جماعة إلى أنه إذا أفضى الرجل بشيء من ~~بدنه إلى شيء من بدن المرأة ولا حائل بينهما، ينتقض وضوؤهما، وهو قول ابن ~~مسعود وابن عمر رضي الله عنهما، وبه قال الزهري والأوزاعي والشافعي رضي ~~الله عنهم. # وقال مالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق: إن كان اللمس بشهوة نقض الطهر، ~~وإن ms0604 لم يكن PageV02P222 # بشهوة فلا ينتقض. # وقال قوم: لا ينتقض الوضوء باللمس بحال، وهو قول ابن عباس وبه قال الحسن ~~والثوري. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا ينتقض إلا أن يحدث الانتشار (1) . # واحتج من لم يوجب الوضوء باللمس بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر ~~بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي النضر مولى ~~عمر بن عبد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنها زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتهما، ~~قالت والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح (2) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا ~~أبو مصعب، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، ~~أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كنت نائمة إلى ~~جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففقدته من الليل فلمسته بيدي فوضعت يدي ~~على قدميه وهو ساجد وهو يقول: "أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك ~~منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (3) . # واختلف قول الشافعي رضي الله عنه فيما لو لمس امرأة من محارمه كالأم ~~والبنت والأخت أو لمس أجنبية صغيرة، أصح القولين أنه لا ينقض الوضوء لأنها ~~ليست بمحل الشهوة كما لو لمس رجلا. # واختلف قوله في انتقاض وضوء الملموس على قولين، أحدهما: ينتقض لاشتراكهما ~~في الالتذاذ كما يجب الغسل عليهما بالجماع، والثاني: لا ينتقض لحديث عائشة ~~رضي الله عنها حيث قالت: فوضعت يدي على قدميه وهو ساجد. # ولو لمس شعر امرأة أو سنها أو ظفرها لم ينتقض وضوؤه عنده. # واعلم أن المحدث لا تصح صلاته ما لم يتوضأ إذا وجد الماء أو يتيمم إذا لم ~~يجد الماء. أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أنا أبو ~~بكر ms0605 محمد بن الحسين القطان، أنا أحمد بن يوسف السلمي، أنا عبد الرزاق، أنا ~~معمر، عن همام بن منبه، أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~PageV02P223 # صلى الله عليه وسلم: " لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (1) . # والحدث هو خروج الخارج من أحد الفرجين عينا كان أو أثرا، والغلبة على ~~العقل بجنون أو إغماء على أي حال كان، وأما النوم فمذهب الشافعي رضي الله ~~عنه أنه يوجب الوضوء إلا أن ينام قاعدا متمكنا فلا وضوء عليه، لما أخبرنا ~~عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز الخلال، أنا أبو العباس ~~الأصم، أخبرنا الربيع، أنا الشافعي، أنا الثقة عن حميد الطويل، عن أنس رضي ~~الله عنهما قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء ~~فينامون، أحسبه قال قعودا حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون (2) . # وذهب قوم إلى أن النوم يوجب الوضوء بكل حال وهو قول أبي هريرة رضي الله ~~عنه وعائشة رضي الله عنها، وبه قال الحسن وإسحاق والمزني، وذهب قوم إلى أنه ~~لو نام قائما أو قاعدا أو ساجدا فلا وضوء عليه حتى ينام مضطجعا وبه قال ~~الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي. # واختلفوا في مس الفرج من نفسه أو من غيره فذهب جماعة إلى أنه يوجب الوضوء ~~وهو قول عمر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنها، ~~وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعروة بن الزبير، وإليه ذهب ~~الأوزاعي والشافعي، وأحمد وإسحاق، وكذلك المرأة تمس فرجها، غير أن الشافعي ~~رضي الله عنه يقول لا ينتقض إلا أن يمس ببطن الكف أو بطون الأصابع. # واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو ~~إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر محمد بن ~~محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول: دخلت على مروان بن الحكم ~~فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: من مس الذكر ms0606 الوضوء، فقال عروة: ما ~~علمت ذلك، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ" (3) . PageV02P224 # وذهب جماعة إلى أنه لا يوجب الوضوء، روي ذلك عن علي وابن مسعود وأبي ~~الدرداء وحذيفة وبه قال الحسن، وإليه ذهب الثوري وابن المبارك وأصحاب ~~الرأي. # واحتجوا بما روي عن طلق بن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سئل عن مس الرجل ذكره، فقال: "هل هو إلا بضعة منك"؟ ويروى "هل هو إلا بضعة ~~أو مضغة منه" (1) . # ومن أوجب الوضوء منه قال: هذا منسوخ بحديث بسرة لأن أبا هريرة يروي أيضا: ~~أن الوضوء من مس الذكر (2) ، وهو متأخر الإسلام، وكان قدوم طلق بن علي على ~~رسول الله 87/أصلى الله عليه وسلم أول زمن الهجرة حين كان يبني المسجد. # واختلفوا في خروج النجاسة من غير الفرجين بالفصد والحجامة وغيرهما من ~~القيء ونحوه، فذهب جماعة إلى أنه لا يوجب الوضوء، روي ذلك عن عبد الله بن ~~عمر وعبد الله بن عباس، وبه قال عطاء وطاوس والحسن وسعيد بن المسيب وإليه ~~ذهب مالك والشافعي. # وذهبت جماعة إلى إيجاب الوضوء بالقيء والرعاف والفصد والحجامة منهم سفيان ~~الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق. # واتفقوا على أن القليل منه وخروج الريح من غير السبيلين لا يوجب الوضوء ~~ولو أوجب الوضوء كثيره لأوجب قليله كالفرج. # {فلم تجدوا ماء فتيمموا} اعلم أن التيمم من خصائص هذه الأمة، روى حذيفة ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضلنا على الناس ~~بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا PageV02P225 # الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء" (1) . # وكان بدء التيمم ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا أبو ~~علي زاهر بن أحمد السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، ~~أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي ~~الله عنها زوج النبي صلى ms0607 الله عليه وسلم قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي ~~فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه، وليسوا ~~على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس أبا بكر رضي الله عنه فقالوا ألا ترى ما ~~صنعت عائشة أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس معه، وليسوا على ~~ماء وليس معهم ماء فجاء أبو بكر رضي الله عنه ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: أحبست رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء، قالت: فعاتبني أبو بكر رضي الله عنه ~~وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك ~~إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله تعالى آية التيمم {فتيمموا} ~~فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء: ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر، ~~قالت عائشة رضي الله عنها: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته ~~(2) . # وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبيد بن إسماعيل، أنا أبو أسامة، ~~عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أنها استعارت من أسماء قلادة ~~فهلكت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من أصحابه في طلبها ~~فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ~~ذلك إليه فنزلت آية التيمم. فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيرا فوالله ما ~~نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا وجعل للمسلمين فيه بركة (3) . # {فتيمموا} أي: اقصدوا، {صعيدا طيبا} أي: ترابا طاهرا نظيفا، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: الصعيد هو التراب. # واختلف أهل العلم فيما يجوز ms0608 به التيمم، فذهب الشافعي رحمه الله تعالى إلى ~~أنه يختص بما يقع عليه اسم التراب مما يعلق باليد منه غبار، لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "وجعلت تربتها لنا طهورا" (4) . PageV02P226 # وجوز أصحاب الرأي التيمم بالزرنيخ والجص والنورة وغيرها من طبقات الأرض، ~~حتى قالوا: لو ضرب يديه على صخرة لا غبار عليها أو على التراب ثم نفخ فيه ~~حتى زال كله فمسح به وجهه ويديه صح تيممه، وقالوا: الصعيد وجه الأرض، لما ~~روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جعلت لي الأرض ~~مسجدا وطهورا" (1) . # وهذا مجمل، وحديث حذيفة في تخصيص التراب مفسر، والمفسر من الحديث يقضي ~~على المجمل. # وجوز بعضهم التيمم بكل ما هو متصل بالأرض من شجر ونبات، ونحوهما وقال: إن ~~الصعيد اسم لما تصاعد على وجه الأرض. # والقصد إلى التراب شرط لصحة التيمم، لأن الله تعالى قال: {فتيمموا} ~~والتيمم: القصد، حتى لو وقف في مهب الريح فأصاب الغبار وجهه ونوى لم يصح. # قوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا} اعلم أن ~~مسح الوجه واليدين واجب في التيمم، واختلفوا في كيفيته: فذهب أكثر أهل ~~العلم إلى أنه يمسح الوجه واليدين مع المرفقين، بضربتين، يضرب كفيه على ~~التراب فيمسح جميع وجهه، ولا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعور، ثم يضرب ~~ضربة أخرى فيمسح يديه إلى المرفقين، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد بن ~~الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، ~~أنا الشافعي، أنا إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث، عن الأعرج، عن أبي ~~الصمة قال: مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد ~~علي حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح ~~وجهه وذراعيه ثم رد علي" (2) ففيه دليل على وجوب مسح اليدين إلى المرفقين ~~كما يجب غسلهما في الوضوء إلى المرفقين، ودليل على أن التيمم لا يصح ما لم ~~يعلق باليد غبار ms0609 التراب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حت الجدار بالعصا، ~~ولو كان مجرد الضرب كافيا لما كان حته. # وذهب الزهري إلى أنه يمسح اليدين إلى المنكبين، لما روي عن عمار أنه قال: ~~تيممنا إلى المناكب. # وذلك حكاية فعله لم ينقله عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما روي أنه قال: ~~أجنبت فتمعكت في التراب، فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالوجه ~~والكفين. # وذهب جماعة إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو قول علي وابن ~~عباس رضي الله عنهم، PageV02P227 # وبه قال الشعبي وعطاء بن أبي رباح ومكحول، وإليه ذهب الأوزاعي وأحمد ~~وإسحاق، واحتجوا بما أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله ~~النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا آدم، أنا شعبة، ~~أخبرنا الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قال: جاء رجل ~~إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار ~~بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم ~~تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم ~~بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه" (1) . # وقال محمد بن إسماعيل أنا محمد بن كثير عن شعبة بإسناده فقال عمار لعمر ~~رضي الله عنه: تمعكت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يكفيك الوجه ~~والكفان" (2) . # وفي الحديث دليل على أن الجنب إذا لم يجد الماء يصلي بالتيمم، وكذا ~~الحائض والنفساء إذا طهرتا وعدمتا الماء. # وذهب عمر وابن مسعود رضي الله عنهما إلى أن الجنب لا يصلي 87/ب بالتيمم ~~بل يؤخر الصلاة إلى أن يجد الماء فيغتسل، وحملا قوله تعالى: {أو لامستم ~~النساء} على اللمس باليد دون الجماع، وحديث عمار رضي الله عنه حجة، وكان ~~عمر نسي ما ذكر له عمار فلم يقنع بقوله. وروي أن ms0610 ابن مسعود رضي الله عنه ~~رجع عن قوله وجوز التيمم للجنب، والدليل عليه أيضا: ما أخبرنا عبد الوهاب ~~بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا ~~الربيع، أنا الشافعي، أنا إبراهيم بن محمد بن عياد بن منصور، عن أبي رجاء ~~العطاردي، عن عمران بن حصين رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~رجلا كان جنبا أن يتيمم ثم يصلي فإذا وجد الماء اغتسل (3) . # وأخبرنا عمر بن عبد العزيز، أنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي، أنا أبو علي ~~اللؤلؤي، أنا أبو داود السجستاني، أنا مسدد، أنا خالد الواسطي، عن خالد ~~الحذاء، عن أبي عمرو، عن بجدان، عن أبي ذر رضي الله عنهم قال: اجتمعت غنيمة ~~من الصدقة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر ابد فيها، ~~فبدوت إلى الربذة PageV02P228 # وكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والست، فأتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء ~~فأمسه جلدك فإن ذلك خير" (1) . # ومسح الوجه واليدين في التيمم، تارة يكون بدلا من غسل جميع البدن في حق ~~الجنب والحائض والنفساء والميت، وتارة يكون بدلا عن غسل الأعضاء الأربع في ~~حق المحدث، وتارة يكون بدلا عن غسل بعض أعضاء الطهارة، بأن يكون على بعض ~~أعضاء طهارته جراحة لا يمكنه غسل محلها، فعليه أن يتيمم بدلا عن غسله. # ولا يصح التيمم لصلاة الوقت إلا بعد دخول الوقت، ولا يجوز أن يجمع بين ~~فريضتين بتيمم واحد، لأن الله تعالى قال: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم} إلى أن قال: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} ظاهر الآية يدل ~~على وجوب الوضوء أو التيمم إذا لم يجد الماء عند كل صلاة، إلا أن الدليل قد ~~قام في الوضوء فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم فتح مكة الصلوات بوضوء ~~واحد، (2) فبقي التيمم على ظاهره، وهذا قول علي وابن عباس وابن عمر رضي ~~الله عنهم، وبه ms0611 قال الشعبي والنخعي وقتادة، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد ~~وإسحاق. # وذهب جماعة إلى أن التيمم كالطهارة بالماء يجوز تقديمه على وقت الصلاة، ~~ويجوز أن يصلي به ما شاء من الفرائض ما لم يحدث، وهو قول سعيد بن المسيب ~~والحسن والزهري والثوري وأصحاب الرأي. # واتفقوا على أنه يجوز أن يصلي بتيمم واحد مع الفريضة ما شاء من النوافل، ~~قبل الفريضة وبعدها، وأن يقرأ القرآن إن كان جنبا، وإن كان تيممه بعذر ~~السفر وعدم الماء فيشترط طلب الماء، وهو أن يطلبه من رحله ورفقائه. # وإن كان في صحراء لا حائل دون نظره ينظر حواليه، وإن كان دون نظره حائل ~~قريب من تل أو جدار عدل عنه، لأن الله تعالى قال: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} ~~ولا يقال: لم يجد الماء: إلا لمن طلب. # وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: طلب الماء ليس بشرط، فإن رأى الماء ولكن ~~بينه وبين الماء حائل من عدو أو سبع يمنعه من الذهاب إليه، أو كان الماء في ~~البئر وليس معه آلة الاستقاء، فهو كالمعدوم، يصلي بالتيمم ولا إعادة عليه. ~~PageV02P229 ### || # {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن ~~تضلوا السبيل (44) } # {والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45) من الذين ~~هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ~~ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا ~~لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (46) } # قوله عز وجل {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} يعني: يهود ~~المدينة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في رفاعة بن زيد ومالك بن ~~دخشم، كان إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لويا بألسنتهما (1) ~~وعاباه، فأنزل الله تعالى هذه الآية (2) {يشترون} يستبدلون، {الضلالة} ~~يعني: بالهدى، {ويريدون أن تضلوا السبيل} أي: عن السبيل يا معشر المؤمنين # {والله أعلم بأعدائكم} منكم فلا تستنصحوهم فإنهم أعداؤكم، {وكفى بالله ~~وليا وكفى بالله نصيرا} قال الزجاج: معناه ms0612 اكتفوا بالله وليا واكتفوا بالله ~~نصيرا. # {من الذين هادوا} قيل: هي متصلة بقوله {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب} {من الذين هادوا} وقيل: هي مستأنفة، معناه: من الذين هادوا من ~~يحرفون، كقوله تعالى: "وما منا إلا له مقام معلوم" (الصافات -164) أي: من ~~له مقام معلوم، يريد: فريق، {يحرفون الكلم} يغيرون الكلم {عن مواضعه} يعني: ~~صفة محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت اليهود ~~يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن الأمر، فيخبرهم، فيرى أنهم ~~يأخذون بقوله، فإذا انصرفوا من عنده حرفوا كلامه، {ويقولون سمعنا} قولك ~~{وعصينا} أمرك، {واسمع غير مسمع} أي: اسمع منا ولا نسمع منك، {غير مسمع} ~~أي: غير مقبول منك، وقيل: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: اسمع، ثم ~~يقولون في أنفسهم: لا سمعت، {وراعنا} أي: ويقولون راعنا، يريدون به النسبة ~~إلى الرعونة، {ليا بألسنتهم} تحريفا {وطعنا} قدحا {في الدين} أن قوله: ~~"وراعنا" من المراعاة، وهم يحرفونه، يريدون به الرعونة، {ولو أنهم قالوا ~~سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا} أي: انظر إلينا مكان قولهم راعنا، {لكان خيرا ~~لهم وأقوم} أي أعدل وأصوب، {ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} ~~إلا نفرا قليلا منهم، وهو عبد الله بن سلام ومن أسلم معه منهم. PageV02P230 ### || # {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن ~~نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر ~~الله مفعولا (47) } # قوله عز وجل: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب} يخاطب اليهود، {آمنوا بما ~~نزلنا} يعني: القرآن، {مصدقا لما معكم} يعني: التوراة، وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كلم أحبار اليهود: عبد الله بن صوريا وكعب بن الأشرف، فقال: ~~"يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به ~~لحق"، قالوا: ما نعرف ذلك، وأصروا على الكفر، فنزلت هذه الآية (1) . # {من قبل أن نطمس وجوها} قال ابن عباس: نجعلها كخف البعير، وقال قتادة ~~والضحاك: نعميها (2) ، والمراد ms0613 بالوجه العين، {فنردها على أدبارها} أي: ~~نطمس الوجه فنرده على القفا، وقيل: نجعل الوجوه منابت الشعر كوجوه القردة، ~~لأن منابت شعور الآدميين في أدبارهم دون وجوههم، وقيل: معناه نمحو آثارها ~~وما فيها من أنف وعين وفم وحاجب فنجعلها كالأقفاء، وقيل: نجعل عينيه على ~~القفا فيمشي قهقرى. # روي أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه لما سمع هذه الآية جاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله، ويده على وجهه، وأسلم وقال: يا رسول ~~الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي، وكذلك كعب الأحبار ~~لما سمع هذه الآية أسلم في زمن عمر رضي الله عنه، فقال: يا رب آمنت، يا رب ~~أسلمت، مخافة أن يصيبه وعيد هذه الآية (3) . # فإن قيل: قد أوعدهم (4) بالطمس إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل بهم ~~ذلك؟ . # قيل: هذا الوعيد باق، ويكون طمس ومسخ في اليهود قبل قيام الساعة. # وقيل: كان هذا وعيدا بشرط، فلما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه دفع ذلك ~~عن الباقين. # وقيل: أراد به القيامة، وقال مجاهد 88/أأراد بقوله: {نطمس وجوها} أي: ~~نتركهم في الضلالة، فيكون المراد طمس وجه القلب، والرد عن بصائر الهدى على ~~أدبارها في الكفر والضلالة. # وأصل الطمس: المحو والإفساد والتحويل، وقال ابن زيد: نمحو آثارهم من ~~وجوههم ونواحيهم التي PageV02P231 # هم بها، فنردها على أدبارهم؟ حتى يعودوا إلى حيث جاؤوا منه بدءا وهو ~~الشام، وقال: قد مضى ذلك، وتأوله في إجلاء بني النضير إلى أذرعات وأريحاء ~~من الشام {أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت} فنجعلهم قردة وخنازير، {وكان ~~أمر الله مفعولا} ### || # {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله ~~فقد افترى إثما عظيما (48) } # {إن الله لا يغفر أن يشرك به} قال الكلبي: نزلت في وحشي بن حرب وأصحابه، ~~وذلك أنه لما قتل حمزة كان قد جعل له على قتله أن يعتق فلم يوف له بذلك، ~~فلما قدم مكة ندم على صنيعه ms0614 هو وأصحابه فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنا قد ندمنا على الذي صنعنا وأنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا ~~سمعناك تقول وأنت بمكة: "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر" الآيات ~~(الفرقان -68) ، وقد دعونا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس التي حرم الله ~~وزنينا، فلولا هذه الآيات لاتبعناك، فنزلت: "إلا من تاب وآمن وعمل عملا ~~صالحا" الآيتين، (الفرقان -70 -71) فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليهم، فلما قرأوا كتبوا إليه: إن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا ~~صالحا، فنزل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ، ~~فبعث بها إليهم فبعثوا إليه: إنا نخاف أن لا نكون من أهل المشيئة فنزلت: ~~"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله" (الزمر -53) ~~، فبعث بها إليهم فدخلوا في الإسلام ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقبل منهم، ثم قال لوحشي: أخبرني كيف قتلت حمزة؟ فلما أخبره قال: "ويحك غيب ~~وجهك عني"، فلحق وحشي بالشام فكان بها إلى أن مات (1) . # وقال أبو مجلز عن ابن عمر رضي الله عنه لما نزلت: "قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم"، الآية قام رجل فقال: والشرك يا رسول الله، فسكت ثم قام ~~إليه مرتين أو ثلاثا فنزلت {إن الله لا يغفر أن يشرك به} (2) . # وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير: قال ابن عمر رضي الله عنه: كنا على عهد ~~محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل على كبيرة شهدنا أنه من ~~أهل النار حتى نزلت هذه الآية {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء} فأمسكنا عن الشهادات (3) . PageV02P232 # حكي عن علي رضي الله عنه أن هذه الآية أرجى آية في القرآن "ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء" (1) . # {ومن يشرك بالله فقد افترى} اختلق، {إثما عظيما} أخبرنا أحمد بن عبد الله ~~الصالحي، أنا أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد ms0615 الطوسي، أنا محمد ~~بن حماد، أنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: "من مات لا ~~يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو معمر، أنا عبد الوارث، عن الحسين ~~يعني: المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر حدثه أن أبا الأسود ~~الدؤلي حدثه أن أبا ذر حدثه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب ~~أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: "ما من عبد قال: لا إله إلا ~~الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال "وإن زنى ~~وإن سرق" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق" قلت: وإن زنى وإن ~~سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر"، وكان أبو ذر إذا حدث بهذا ~~قال: وإن رغم أنف أبي ذر (3) . ### || # {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا ~~(49) } # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} الآية، قال الكلبي: نزلت في ~~رجال من اليهود منهم بحري بن عمرو والنعمان بن أوفى ومرحب بن زيد، أتوا ~~بأطفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء من ~~ذنب؟ فقال: لا قالوا: ما نحن إلا كهيئتهم، ما عملنا بالنهار يكفر عنا ~~بالليل، وما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ~~(4) . # وقال مجاهد وعكرمة: كانوا يقدمون أطفالهم في الصلاة، يزعمون أنهم لا ذنوب ~~لهم، فتلك التزكية. # وقال الحسن والضحاك وقتادة ومقاتل: نزلت في اليهود والنصارى حين قالوا ~~نحن أبناء الله وأحباؤه، "وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى" ~~(البقرة -111) وقال عبد الله بن مسعود رضي PageV02P233 # الله عنه: ms0616 هو تزكية بعضهم لبعض، روى طارق بن شهاب عن ابن مسعود قال: إن ~~الرجل ليغدو من بيته ومعه دينه فيأتي الرجل لا يملك له ولا لنفسه ضرا ولا ~~نفعا فيقول: والله إنك كيت وكيت!! ويرجع إلى بيته وما معه من دينه شيء، ثم ~~قرأ: "ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم"، الآية. قوله تعالى: {بل الله يزكي} ~~أي: يطهر ويبرئ من الذنوب ويصلح، {من يشاء ولا يظلمون فتيلا} وهو اسم لما ~~في شق النواة، والقطمير اسم للقشرة التي على النواة، والنقير اسم للنقطة ~~التي على ظهر النواة، وقيل: الفتيل من الفتل وهو ما يجعل بين الأصبعين من ~~الوسخ عند الفتل. ### || # {انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا (50) ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا ~~هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) } # {أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (52) } # قوله تعالى: {انظر} يا محمد، {كيف يفترون على الله} يختلقون على الله، ~~{الكذب} في تغييرهم كتابه، {وكفى به} بالكذب {إثما مبينا} # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت} اختلفوا فيهما فقال عكرمة: هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من ~~دون الله، وقال أبو عبيدة: هما كل معبود يعبد من دون الله. قال الله تعالى ~~"أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" (النحل -36) ، وقال عمر: الجبت: السحر، ~~والطاغوت: الشيطان. وهو قول الشعبي ومجاهد. وقيل: الجبت: الأوثان، ~~والطاغوت: شياطين الأوثان. ولكل صنم شيطان، يعبر عنه، فيغتر به الناس. وقال ~~محمد بن سيرين ومكحول: الجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر. وقال سعيد بن جبير ~~وأبو العالية: الجبت: الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت: الكاهن. وروي عن ~~عكرمة: الجبت بلسان الحبشة: شيطان. # وقال الضحاك: الجبت: حيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف. دليله قوله ~~تعالى: "يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت" (النساء -60) أخبرنا أحمد بن عبد ~~الله الصالحي أنا أبو الحسين بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، أنا ~~أحمد بن منصور الرمادي، أنا عبد الرزاق ms0617 أنا معمر عن عوف العبدي عن حيان عن ~~قطن بن قبيصة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العيافة والطرق ~~والطيرة من الجبت" (1) . PageV02P234 # وقيل: الجبت كل ما حرم الله، والطاغوت كل ما يطغي الإنسان. # {ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} قال المفسرون: ~~خرج كعب بن الأشرف في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا ~~قريشا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم 88/ب ~~وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ~~ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب ~~ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين ~~الصنمين وآمنوا بهما ففعلوا ذلك، فذلك قوله تعالى: {يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت} # ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا ~~بالكعبة فنعاهد رب هذا البيت لنجهدن على قتال محمد ففعلوا. # ثم قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، ~~فأينا أهدى طريقة، نحن أم محمد؟ # قال كعب: اعرضوا علي دينكم. # فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقيهم الماء ونقري الضيف ونفك ~~العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين ~~آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث. # فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد فأنزل الله تعالى: {ألم ~~تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} (1) يعني: كعبا وأصحابه {يؤمنون ~~بالجبت والطاغوت} يعني: الصنمين {ويقولون للذين كفروا} أبي سفيان وأصحابه ~~{هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي ~~الله عنهم {سبيلا} دينا. PageV02P235 ### || # {أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} # {أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53) أم يحسدون الناس ~~على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ms0618 ~~ملكا عظيما (54) فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (55) } # {أم لهم} يعني: ألهم؟ والميم صلة {نصيب} حظ {من الملك} وهذا على جهة ~~الإنكار، يعني: ليس لهم من الملك شيء ولو كان لهم من الملك شيء، {فإذا لا ~~يؤتون الناس نقيرا} لحسدهم وبخلهم، والنقير: النقطة التي تكون في ظهر ~~النواة ومنها تنبت النخلة، وقال أبو العالية: هو نقر الرجل الشيء بطرف ~~أصبعه كما ينقر الدرهم. # {أم يحسدون الناس} يعني: اليهود، ويحسدون الناس: قال قتادة: المراد ~~بالناس العرب، حسدهم اليهود على النبوة، وما أكرمهم الله تعالى بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم. وقيل: أراد محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقال ابن ~~عباس والحسن ومجاهد وجماعة: المراد بالناس: رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وحده حسدوه على ما أحل الله له من النساء، وقالوا: ما له هم إلا النكاح، ~~وهو المراد من قوله: {على ما آتاهم الله من فضله} وقيل: حسدوه على النبوة ~~وهو المراد من الفضل المذكور في الآية، {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة} أراد بآل إبراهيم: داود وسليمان، وبالكتاب: ما أنزل الله عليهم ~~وبالحكمة النبوة {وآتيناهم ملكا عظيما} فمن فسر الفضل بكثرة النساء فسر ~~الملك العظيم في حق داود وسليمان عليهما السلام بكثرة النساء، فإنه كان ~~لسليمان ألف امرأة ثلاثمائة حرة وسبعمائة سرية، وكان لداود مائة امرأة (1) ~~، ولم يكن يومئذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تسع نسوة، فلما قال لهم ~~ذلك سكتوا. # قال الله تعالى: {فمنهم من آمن به} يعني: بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهم ~~عبد الله بن سلام وأصحابه، {ومنهم من صد عنه} أعرض عنه ولم يؤمن به، {وكفى ~~بجهنم سعيرا} وقودا، وقيل: الملك العظيم: ملك سليمان. وقال السدي: الهاء في ~~قوله {من آمن به ومنهم من صد عنه} راجعة إلى إبراهيم، وذلك أن إبراهيم زرع ~~ذات سنة، وزرع الناس فهلك زرع الناس وزكا زرع إبراهيم عليه السلام، فاحتاج ~~إليه الناس فكان يقول: من آمن بي أعطيته فمن آمن به أعطاه، ومن ms0619 لم يؤمن به ~~منعه. PageV02P236 ### || # {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (56) } # قوله تعالى: {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا} ندخلهم نارا، ~~{كلما نضجت} احترقت {جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} غير الجلود المحترقة، قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: يبدلون جلودا بيضاء كأمثال القراطيس. # وروي أن هذه الآية قرئت عند عمر رضي الله عنه، فقال عمر رضي الله عنه ~~للقارئ: أعدها فأعادها، وكان عنده معاذ بن جبل، فقال معاذ: عندي تفسيرها: ~~تبدل في ساعة مائة مرة، فقال عمر رضي الله عنه: هكذا سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (1) . # قال الحسن: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم عودوا ~~فيعودون كما كانوا. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا معاذ بن أسيد، أنا الفضل بن موسى، ~~أنا الفضيل، عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ما بين منكبي ~~الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع" (2) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد، أنا محمد بن عيسى ~~الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنا مسلم بن الحجاج، أنا شريح بن ~~يونس، أنا حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح، عن هارون بن سعد، عن أبي ~~حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام" (3) . # فإن قيل: كيف تعذب جلود لم تكن في الدنيا ولم تعصه؟ # قيل يعاد الجلد الأول في كل مرة. # وإنما قال: {جلودا غيرها} لتبدل صفتها، كما تقول: صنعت من خاتمي خاتما ~~غيره، فالخاتم الثاني هو الأول إلا أن الصناعة والصفة تبدلت، وكمن يترك ~~أخاه صحيحا ثم بعد مرة يراه مريضا دنفا فيقول: PageV02P237 # أنا غير الذي عهدت، وهو عين الأول، إلا أن صفته تغيرت. ms0620 # وقال السدي: يبدل الجلد جلدا غيره من لحم الكافر ثم يعيد الجلد لحما ثم ~~يخرج من اللحم جلدا آخر وقيل: يعذب الشخص في الجلد لا الجلد، بدليل أنه ~~قال: {ليذوقوا العذاب} ولم يقل: لتذوق وقال عبد العزيز بن يحيى: إن الله عز ~~وجل يلبس أهل النار جلودا لا تألم، فيكون زيادة عذاب عليهم، كلما احترق جلد ~~بدلهم جلدا غيره، كما قال: "سرابيلهم من قطران" (إبراهيم -50) فالسرابيل ~~تؤلمهم وهي لا تألم. قوله تعالى: {ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما} ### || # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (57) إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ~~إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (58) } # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا} كنينا لا تنسخه ~~الشمس ولا يؤذيهم حر ولا برد. # قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} نزلت في عثمان ~~بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار، وكان سادن الكعبة، فلما دخل النبي صلى ~~الله عليه وسلم مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المفتاح، فقيل: إنه مع عثمان، فطلبه منه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأبى، وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه المفتاح، ~~فلوى علي رضي الله عنه يده فأخذ منه المفتاح وفتح الباب فدخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم البيت وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس المفتاح، أن ~~يعطيه ويجمع له بين السقاية والسدانة، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ~~ذلك علي رضي الله عنه، فقال له عثمان: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق، فقال علي: ~~لقد أنزل الله تعالى في شأنك قرآنأ 89/أوقرأ عليه ms0621 الآية، فقال عثمان: أشهد ~~أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وكان المفتاح معه، فلما مات ~~دفعه إلى أخيه شيبة، فالمفتاح والسدانة في أولادهم إلى يوم القيامة (1) . # وقيل: المراد من الآية جميع الأمانات. أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي ~~الزراد، أنا أبو بكر محمد بن PageV02P238 # إدريس الجرجاني وأبو أحمد بن محمد بن أحمد المعلم الهروي، قال: أنا أبو ~~الحسن علي بن عيسى الماليني، أنا الحسن بن سفيان النسوي، أنا شيبان بن أبي ~~شيبة، أخبرنا أبو هلال عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: قلما خطبنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن ~~لا عهد له" (1) . # قوله تعالى: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} أي: بالقسط، {إن ~~الله نعما} أي: نعم الشيء الذي {يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} أخبرنا ~~عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أنا أبو ~~جعفر محمد بن حمد بن عبد الجبار الزيات، أنا حميد بن زنجويه، حدثنا ابن ~~عباد، ثنا بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، أنه سمع عبد الله بن ~~عمرو بن العاص رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"المقسطون عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، هم ~~الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" (2) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أنا ~~القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، أنا علي بن الجعد، أنا فضيل ~~بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام ~~عادل، وإن أبغض الناس إلى الله وأشدهم عذابا إمام جائر" (3) . ### || # {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى ms0622 الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا (59) } # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم} اختلفوا في {أولي الأمر} قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهم: هم ~~الفقهاء والعلماء الذين يعلمون الناس معالم دينهم، وهو قول الحسن والضحاك ~~ومجاهد، ودليله قوله تعالى: "ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم" (النساء -83) . # وقال أبو هريرة: هم الأمراء والولاة. PageV02P239 # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ~~ويؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا. # أخبرنا أبو علي حسان بن سعد المنيعي، أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش ~~الزيادي، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنا أحمد بن يوسف السلمي، أنا ~~عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام بن منبه أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني ~~فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني" (1) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد، أنا يحيى بن سعيد، عن ~~عبيد الله حدثني، نافع، عن عبد الله رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر ~~بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (2) . # [أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن محمد الدراوردي] (3) أنا أبو الحسن أحمد بن ~~محمد بن موسى بن الصلت أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أنا ~~أبو مصعب، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، أخبرنا عبادة بن الوليد بن ~~عبادة أن أباه أخبره عن عبادة بن الصامت قال: "بايعنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على السمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة ~~علينا ms0623 وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف ~~في الله لومة لائم" (4) . # أخبرنا أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبيد الله بن أحمد القفال، أنا أبو ~~منصور أحمد بن الفضل البروجردي، أنا أبو بكر بن محمد بن همدان الصيرفي، أنا ~~محمد بن يوسف الكديمي، قال أخبرنا أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي ~~التياح، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: ~~"اسمع وأطع ولو لعبد حبشي كأن رأسه زبيبة" (5) . PageV02P240 # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي، أنا أبو العباس، أنا محمد بن أحمد المحبوبي، أنا أبو عيسى ~~الترمذي، أنا موسى بن عبد الرحمن الكندي، أنا زيد بن الحباب، أنا معاوية بن ~~صالح، حدثني سليم بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة رضي الله عنه يقول: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال: "اتقوا الله وصلوا ~~خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم" ~~(1) . # وقيل: المراد أمراء السرايا، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا ~~أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا ~~صدقة بن الفضل، أنا حجاج بن محمد، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس، في قوله تعالى: {وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} قال: نزلت في عبيد ~~الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية (2) # وقال عكرمة: أراد بأولي الأمر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. حدثنا أبو ~~المظفر محمد بن أحمد التيمي أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم، ~~أخبرنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي، أنا عمرو بن أبي عرزة ~~بالكوفة، أخبرنا ثابت بن موسى العابد، عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن ~~عمير عن ربعي، عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ms0624 عليه ~~وسلم: "إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" ~~(3) ، رضي الله عنهما. # وقال عطاء: هم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان بدليل قوله تعالى ~~{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} الآية. أخبرنا أبو بكر محمد بن ~~عبد الله بن محمود، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال، أنا عبد ~~الله بن المبارك، عن إسماعيل المكي، عن الحسن، عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل أصحابي في أمتي كالملح ~~في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح" (4) قال: قال PageV02P241 # الحسن: قد ذهب ملحنا فكيف نصلح. # قوله عز وجل: {فإن تنازعتم} أي: اختلفتم، {في شيء} من أمر دينكم، ~~والتنازع، اختلاف الآراء وأصله من النزع فكأن المتنازعين يتجاذبان ~~ويتمانعان، {فردوه إلى الله والرسول} أي: إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام ~~حيا وبعد وفاته إلى سنته، والرد إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما، 89/ب ~~فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد. وقيل: الرد إلى الله تعالى والرسول أن يقول ~~لما لا يعلم: الله ورسوله أعلم. {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك} ~~أي: الرد إلى الله والرسول، {خير وأحسن تأويلا} أي: أحسن مآلا وعاقبة. # PageV02P242 ### || # {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن ~~يضلهم ضلالا بعيدا (60) } # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} الآية قال الشعبي: كان بين رجل من ~~اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد، لأنه عرف ~~أنه لا يأخذ الرشوة ولا يميل في الحكم، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود ~~لعلمه أنهم يأخذون الرشوة ويميلون في الحكم، فاتفقا على أن يأتيا كاهنا في ~~جهينة فيتحاكما إليه، فنزلت هذه الآية (1) . # قال جابر: كانت الطواغيت التي يتحاكمون إليها واحد في جهينة وواحد في ~~أسلم، وفي كل ms0625 حي كهان. # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت في رجل من المنافقين يقال له ~~بشر، كان بينه وبين يهودي خصومة فقال اليهودي: ننطلق إلى محمد، وقال ~~المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله الطاغوت، فأبى اليهودي ~~أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المنافق ذلك أتى ~~معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لليهودي، فلما خرجا من عنده لزمه المنافق، وقال: انطلق بنا إلى عمر رضي ~~الله عنه، فأتيا عمر، فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه ~~فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك، فقال عمر رضي الله عنه للمنافق: ~~أكذلك؟ قال: نعم، قال لهما رويدكما PageV02P242 # حتى أخرج إليكما فدخل عمر البيت وأخذ السيف واشتمل عليه ثم خرج فضرب به ~~المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله. ~~فنزلت هذه الآية. وقال جبريل: إن عمر رضي الله عنه فرق بين الحق والباطل، ~~فسمي الفاروق (1) . # وقال السدي: كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم وكانت قريظة والنضير ~~في الجاهلية إذا قتل رجل من بني قريظة رجلا من بني النضير قتل به أو أخذ ~~ديته مائة وسق من تمر، وإذا قتل رجل من بني النضير رجلا من قريظة لم يقتل ~~به وأعطى ديته ستين وسقا، وكانت النضير وهم حلفاء الأوس أشرف وأكثر من ~~قريظة وهم حلفاء الخزرج، فلما جاء الله بالإسلام وهاجر النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة، قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فاختصموا في ذلك، فقالت ~~بنو النضير: كنا وأنتم قد اصطلحنا على أن نقتل منكم ولا تقتلون منا، وديتكم ~~ستون وسقا وديتنا مائة وسق، فنحن نعطيكم ذلك، فقالت الخزرج: هذا شيء كنتم ~~فعلتموه في الجاهلية لكثرتكم وقلتنا فقهرتمونا، ونحن وأنتم اليوم إخوة ~~وديننا ودينكم واحد فلا فضل لكم علينا، فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى ~~أبي بردة الكاهن الأسلمي، وقال ms0626 المسلمون من الفريقين: لا بل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأبى المنافقون وانطلقوا إلى أبي بردة ليحكم بينهم، فقال: ~~أعظموا اللقمة، يعني الحظ، فقالوا: لك عشرة أوسق، قال: لا بل مائة وسق ~~ديتي، فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل الله تعالى ~~آية القصاص، وهذه الآية: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} (2) يعني الكاهن أو ~~كعب بن الأشرف، {وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا ~~بعيدا} ### || # {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون ~~عنك صدودا (61) فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون ~~بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (62) } # {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون ~~عنك صدودا} أي: يعرضون عنك إعراضا. # {فكيف إذا أصابتهم مصيبة} هذا وعيد، أي: فكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة، ~~{بما قدمت أيديهم} يعني: عقوبة صدودهم، وقيل: هي كل مصيبة تصيب جميع ~~المنافقين في الدنيا PageV02P243 # والآخرة، وتم الكلام هاهنا، ثم عاد الكلام إلى ما سبق، يخبر عن فعلهم ~~فقال: {ثم جاؤوك} يعني: يتحاكمون إلى الطاغوت، {ثم جاءوك} [يحيونك ويحلفون] ~~(1) . # وقيل: أراد بالمصيبة قتل عمر رضي الله عنه المنافق، ثم جاؤوا يطلبون ~~ديته، {يحلفون بالله إن أردنا} ما أردنا بالعدول عنه في المحاكمة أو ~~بالترافع إلى عمر، {إلا إحسانا وتوفيقا} قال الكلبي: إلا إحسانا في القول، ~~وتوفيقا: صوابا، وقال ابن كيسان: حقا وعدلا نظيره: "ليحلفن إن أردنا إلا ~~الحسنى"، وقيل: هو إحسان بعضهم إلى بعض، وقيل: هو تقريب الأمر من الحق، لا ~~القضاء على أمر الحكم، والتوفيق: هو موافقة الحق، وقيل: هو التأليف والجمع ~~بين الخصمين. ### || # {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم ~~قولا بليغا (63) وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا ms0627 الله توابا رحيما ~~(64) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) } # {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} من النفاق، أي: علم أن ما في ~~قلوبهم خلاف ما في ألسنتهم، {فأعرض عنهم} أي: عن عقوبتهم وقيل: فأعرض عن ~~قبول عذرهم وعظهم باللسان، وقل لهم قولا بليغا، وقيل: هو التخويف بالله، ~~وقيل: أن توعدهم بالقتل إن لم يتوبوا، قال الحسن: القول البليغ أن يقول ~~لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق قتلتم لأنه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ، ~~وقال الضحاك: {فأعرض عنهم وعظهم} في الملإ {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} ~~في السر والخلاء، وقال: قيل هذا منسوخ بآية القتال. # وله عز وجل {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} أي: بأمر الله لأن ~~طاعة الرسول وجبت بأمر الله، قال الزجاج: ليطاع بإذن الله لأن الله قد أذن ~~فيه وأمر به، وقيل: إلا ليطاع كلام تام كاف، بإذن الله تعالى أي: بعلم الله ~~وقضائه، أي: وقوع طاعته يكون بإذن الله، {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} ~~بتحاكمهم إلى الطاغوت {جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا ~~الله توابا رحيما} # قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك} الآية. PageV02P244 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، أخبرني ~~عروة بن الزبير: أن الزبير رضي الله عنه كان يحدث أنه خاصم رجلا من الأنصار ~~قد شهد بدرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج (1) من الحرة كانا ~~يسقيان به. كلاهما، فقال رسول الله للزبير: اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك، ~~فغضب الأنصاري، ثم قال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ثم قال للزبير: اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر، ~~فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ للزبير حقه، وكان رسول ms0628 الله ~~صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار 90/أعلى الزبير برأي أراد به سعة له ~~وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى للزبير ~~حقه في صريح الحكم. # قال عروة: قال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك {فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} (2) الآية. # وروي أن الأنصاري الذي خاصم الزبير كان اسمه حاطب بن أبي بلتعة فلما خرجا ~~مر على المقداد فقال: لمن كان القضاء، فقال الأنصاري: قضى لابن عمته ولوى ~~شدقه ففطن له يهودي كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول ~~الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وايم الله لقد أذنبنا ذنبا مرة في ~~حياة موسى عليه السلام فدعا موسى إلى التوبة منه، فقال: اقتلوا أنفسكم ~~ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفا في طاعة ربنا حتى رضي عنا، فقال ثابت بن قيس ~~بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق ولو أمرني محمد أن أقتل نفسي ~~لفعلت، فأنزل الله في شأن حاطب بن أبي بلتعة: {فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك} (3) . # وقال مجاهد والشعبي: نزلت في بشر المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى عمر ~~رضي الله عنه (4) . # قوله تعالى: {فلا} أي: ليس الأمر كما يزعمون أنهم مؤمنون ثم لا يرضون ~~بحكمك، ثم استأنف PageV02P245 # القسم {وربك لا يؤمنون} ويجوز أن يكون {لا} في قوله {فلا} صلة، كما في ~~قوله {فلا أقسم} حتى يحكموك: أي يجعلوك حكما، {فيما شجر بينهم} أي: اختلف ~~واختلط من أمورهم والتبس عليهم حكمه، ومنه الشجر لالتفاف أغصانه بعضها ~~ببعض، {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا} قال مجاهد: شكا، وقال غيره: ضيقا، {مما ~~قضيت} قال الضحاك: إثما، أي: يأثمون بإنكارهم ما قضيت، {ويسلموا تسليما} ~~أي: وينقادوا لأمرك انقيادا. # PageV02P246 ### || # {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا ~~قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) ~~وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما ms0629 (68) ومن ~~يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) } # قوله تعالى: {ولو أنا كتبنا} أي: فرضنا وأوجبنا، {عليهم أن اقتلوا ~~أنفسكم} كما أمرنا بني إسرائيل {أو اخرجوا من دياركم} كما أمرنا بني ~~إسرائيل بالخروج من مصر، {ما فعلوه} معناه: أنا ما كتبنا عليهم إلا طاعة ~~الرسول والرضى بحكمه، ولو كتبنا عليهم القتل والخروج عن الدور ما كان ~~يفعله، {إلا قليل منهم} نزلت في ثابت بن قيس وهو من القليل الذي استثنى ~~الله، قال الحسن ومقاتل لما نزلت هذه الآية قال عمر وعمار بن ياسر وعبد ~~الله بن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم القليل، والله ~~لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: "إن من أمتي لرجالا الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي" ~~(1) . # قرأ ابن عامر وأهل الشام {إلا قليلا} بالنصب على الاستثناء، وكذلك هو في ~~مصحف أهل الشام، وقيل: فيه إضمار، تقديره: إلا أن يكون قليلا منهم، وقرأ ~~الآخرون قليل بالرفع على الضمير الفاعل في قوله {فعلوه} تقديره: إلا نفر ~~قليل فعلوه، {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} من طاعة الرسول والرضى بحكمه، ~~{لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا} تحقيقا وتصديقا لإيمانهم. # {وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما} ثوابا وافرا. # {ولهديناهم صراطا مستقيما} أي: إلى الصراط المستقيم. PageV02P246 # قوله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين} الآية، نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ~~شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم ~~وقد تغير لونه يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"ما غير لونك"؟ فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك ~~استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك لأنك ترفع ~~مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة ms0630 كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل ~~الجنة لا أراك أبدا، فنزلت هذه الآية (1) . # وقال قتادة: قال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يكون الحال في ~~الجنة وأنت في الدرجات العلى ونحن أسفل منك؟ فكيف نراك؟ فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية (2) . # {ومن يطع الله} في أداء الفرائض، {والرسول} في السنن {فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين} أي لا تفوتهم رؤية الأنبياء ومجالستهم لا أنهم ~~(3) يرفعون إلى درجة الأنبياء، {والصديقين} أفاضل أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، والصديق المبالغ في الصدق، {والشهداء} قيل: هم الذين استشهدوا ~~في يوم أحد، وقيل: الذين استشهدوا في سبيل الله، وقال عكرمة: النبيون ~~هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم والصديقون أبو بكر، والشهداء عمر وعثمان ~~وعلي رضي الله عنهم، {والصالحين} سائر الصحابة رضي الله عنهم، {وحسن أولئك ~~رفيقا} يعني: رفقاء الجنة، والعرب تضع الواحد موضع الجمع، كقوله تعالى: {ثم ~~نخرجكم طفلا} (غافر -67) أي: أطفالا {ويولون الدبر} أي: الأدبار. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي، ~~أنا أبو العباس السراج، أنا قتيبة بن سعد، أنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن ~~أنس أن رجلا قال: يا رسول الله الرجل يحب قوما ولما يلحق بهم؟ فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب" (4) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي وأبو عمرو محمد بن عبد الرحمن النسوي ~~قالا أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري، أنا أبو العباس الأصم، أنا أبو يحيى ~~زكريا بن يحيى المروزي، أنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: "وما أعددت لها"؟ ~~قال: فلم يذكر كثيرا، إلا أنه يحب الله ورسوله قال: "فأنت مع من أحببت" (5) ~~. PageV02P247 ### || # {ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما (70) يا أيها الذين آمنوا خذوا ~~حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (71) وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم ~~مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم ms0631 أكن معهم شهيدا (72) } # {ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما} أي: بثواب الآخرة، وقيل: بمن (1) ~~أطاع رسول الله وأحبه، وفيه بيان أنهم لن ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم، وإنما ~~نالوها بفضل الله عز وجل. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا ~~حاجب بن أحمد الطوسي، أنا عبد الرحيم بن منيب، أنا يعلى بن عبيد، عن ~~الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"قاربوا وسددوا واعلموا أنه لا ينجو أحد منكم بعمله"، قالوا: ولا أنت يا ~~رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" (2) . # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} من عدوكم، أي: عدتكم ~~وآلتكم من السلاح، والحذر والحذر واحد، كالمثل والمثل والشبه والشبه، ~~{فانفروا} اخرجوا {ثبات} أي: سرايا متفرقين سرية بعد سرية، والثبات جماعات ~~في تفرقة واحدتها ثبة، {أو انفروا جميعا} أي: مجتمعين كلكم مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # قوله تعالى: {وإن منكم لمن ليبطئن} نزلت في المنافقين (3) 90/ب # وإنما قال {منكم} لاجتماعهم مع أهل الإيمان في الجنسية والنسب وإظهار ~~الإسلام، لا في حقيقة الإيمان، {ليبطئن} أي: ليتأخرن، وليتثاقلن عن الجهاد، ~~وهو عبد الله بن أبي المنافق، واللام في {ليبطئن} لام القسم، والتبطئة: ~~التأخر عن الأمر، يقال: ما أبطأ بك؟ أي: ما أخرك عنا؟ ويقال: أبطأ إبطاء ~~وبطأ يبطئ تبطئة. {فإن أصابتكم مصيبة} أي: قتل وهزيمة، {قال قد أنعم الله ~~علي} بالقعود، {إذ لم أكن معهم شهيدا} أي: حاضرا في تلك الغزاة فيصيبني ما ~~أصابهم. PageV02P248 ### || # {ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني ~~كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73) فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة ~~الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما (74) } # {ولئن أصابكم فضل من الله} فتح وغنيمة {ليقولن} هذا المنافق، وفيه تقديم ~~وتأخير، وقوله {كأن لم تكن بينكم وبينه مودة} متصل بقوله {فإن أصابتكم ms0632 ~~مصيبة} تقديره: فإن أصابتكم مصيبة قال: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم ~~شهيدا، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة أي: معرفة. # قرأ ابن كثير وحفص ويعقوب {تكن} بالتاء، والباقون بالياء، أي: ولئن ~~أصابكم فضل من الله ليقولن: {يا ليتني كنت معهم} في تلك الغزاة، {فأفوز ~~فوزا عظيما} أي: آخذ نصيبا وافرا من الغنيمة، وقوله {فأفوز} نصب على جواب ~~التمني بالفاء، كما تقول: وددت أن أقوم فيتبعني الناس. # قوله تعالى: {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة} ~~قيل: نزلت في المنافقين، ومعنى يشرون أي: يشترون، يعني الذين يختارون ~~الدنيا على الآخرة، معناه: آمنوا ثم قاتلوا، وقيل: نزلت في المؤمنين ~~المخلصين، معناه فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون أي: يبيعون الحياة ~~الدنيا بالآخرة ويختارون الآخرة {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل} يعني ~~يستشهد، {أو يغلب} يظفر، {فسوف نؤتيه} في كلا الوجهين {أجرا عظيما} ويدغم ~~أبو عمرو والكسائي الباء في الفاء حيث كان. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو ~~إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تكفل الله لمن جاهد في سبيله ~~لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو ~~يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة" (1) . # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني، أنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر الجوهري، أنا أحمد بن ~~علي الكشميهني أنا علي بن حجر، أنا إسماعيل بن جعفر، أنا محمد بن عمرو بن ~~علقمة، عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "مثل المجاهد PageV02P249 # في سبيل الله كمثل القانت الصائم الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى ~~يرجعه الله إلى أهله بما يرجعه من غنيمة وأجر، أو يتوفاه ms0633 فيدخله الجنة" (1) ~~. ### || # {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء ~~والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا ~~من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (75) الذين آمنوا يقاتلون في سبيل ~~الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد ~~الشيطان كان ضعيفا (76) ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس ~~كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى ~~أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) ~~} # قوله تعالى: {وما لكم لا تقاتلون} لا تجاهدون {في سبيل الله} في طاعة ~~الله، يعاتبهم على ترك الجهاد، {والمستضعفين} أي: عن المستضعفين، وقال ابن ~~شهاب: في سبيل المستضعفين لتخليصهم، وقيل: في تخليص المستضعفين من أيدي ~~المشركين، وكان بمكة جماعة، {من الرجال والنساء والولدان} يلقون من ~~المشركين أذى كثيرا، {الذين} يدعون و {يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية ~~الظالم أهلها} يعني: مكة، الظالم أي: المشرك، أهلها يعني القرية التي من ~~صفتها أن أهلها مشركون، وإنما خفض (1) {الظالم} لأنه نعت للأهل، فلما عاد ~~الأهل إلى القرية صار كأن الفعل لها، كما يقال مررت برجل حسنه عينه، {واجعل ~~لنا من لدنك وليا} أي: من يلي أمرنا، {واجعل لنا من لدنك نصيرا} أي: من ~~يمنع العدو عنا، فاستجاب الله دعوتهم، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مكة ولى عليهم عتاب بن أسيد وجعله الله لهم نصيرا ينصف المظلومين من ~~الظالمين. # قوله تعالى: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله} أي: في طاعته، {والذين ~~كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} أي: في طاعة الشيطان، {فقاتلوا} أيها ~~المؤمنون {أولياء الشيطان} أي: حزبه وجنوده وهم الكفار، {إن كيد الشيطان} ~~مكره، {كان ضعيفا} كما فعل يوم بدر لما رأى الملائكة خاف أن يأخذوه فهرب ~~وخذلهم. # قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} الآية، قال ms0634 الكلبي: ~~نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري، والمقداد بن الأسود الكندي، وقدامة بن ~~مظعون الجمحي، وسعد بن أبي وقاص، PageV02P250 # وجماعة كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيرا قبل أن يهاجروا، ويقولون: ~~يا رسول الله ائذن لنا في قتالهم فإنهم قد آذونا، فيقول لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "كفوا أيديكم فإني لم أؤمر بقتالهم" (1) . # {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله ~~بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم، قال الله تعالى: {فلما كتب} فرض، {عليهم ~~القتال إذا فريق منهم يخشون الناس} يعني: يخشون مشركي مكة، {كخشية الله} ~~أي: كخشيتهم من الله، {أو أشد} أكثر، {خشية} وقيل: معناه وأشد خشية، ~~{وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال} الجهاد {لولا} هلا {أخرتنا إلى أجل ~~قريب} يعني: الموت أي: هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا؟ . # واختلفوا في هؤلاء الذين قالوا ذلك، قيل: قاله قوم من المنافقين لأن ~~قوله: {لم كتبت علينا القتال} لا يليق بالمؤمنين. # وقيل: قاله جماعة من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم قالوه خوفا ~~وجبنا لا اعتقادا، ثم تابوا، وأهل الإيمان يتفاضلون في الإيمان. # وقيل: هم قوم كانوا مؤمنين فلما فرض عليهم القتال نافقوا من الجبن ~~وتخلفوا عن الجهاد، {قل} يا محمد، {متاع الدنيا} أي: منفعتها والاستمتاع ~~بها {قليل والآخرة} أي: وثواب الآخرة خير وأفضل، {لمن اتقى} الشرك ومعصية ~~الرسول، {ولا تظلمون فتيلا} قرأ ابن كثير وأبو جعفر وحمزة والكسائي بالياء ~~والباقون تظلمون بالتاء. # أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن ~~معاوية الصيدلاني، أخبرنا الأصم، أنا عبد الله بن محمد بن شاكر، أنا محمد ~~بن بشر العبدي، أنا مسعر بن كدام عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي ~~حازم، حدثني المستورد بن شداد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ~~الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع" (2) ~~. PageV02P251 ### || # {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة ~~يقولوا هذه ms0635 من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند ~~الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) ما أصابك من حسنة فمن ~~الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ~~(79) } # قوله عز وجل: {أينما تكونوا يدرككم الموت} أي: ينزل بكم الموت، نزلت في ~~المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، ~~فرد 91/أالله عليهم بقوله: {أينما تكونوا يدرككم الموت} (1) ، {ولو كنتم في ~~بروج مشيدة} والبروج: الحصون والقلاع، والمشيدة: المرفوعة المطولة، قال ~~قتادة: معناه في قصور محصنة، وقال عكرمة: مجصصة، والشيد: الجص، {وإن تصبهم ~~حسنة} نزلت في اليهود والمنافقين، وذلك أنهم قالوا لما قدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المدينة: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم ~~علينا هذا الرجل وأصحابه. # قال الله تعالى: {وإن تصبهم} يعني: اليهود {حسنة} أي خصب ورخص في السعر، ~~{يقولوا هذه من عند الله} لنا، {وإن تصبهم سيئة} يعني: الجدب وغلاء الأسعار ~~{يقولوا هذه من عندك} أي: من شؤم محمد وأصحابه، وقيل: المراد بالحسنة الظفر ~~والغنيمة يوم بدر، وبالسيئة القتل والهزيمة يوم أحد، يقولوا هذه من عندك ~~أي: أنت الذي حملتنا عليه يا محمد، فعلى هذا يكون هذا من قول المنافقين، ~~{قل} لهم يا محمد، {كل من عند الله} أي: الحسنة والسيئة كلها من عند الله، ~~ثم عيرهم بالجهل فقال: {فمال هؤلاء القوم} يعني: المنافقين واليهود، {لا ~~يكادون يفقهون حديثا} أي: لا يفقهون قولا وقيل: الحديث هاهنا هو القرآن أي: ~~لا يفقهون معاني القرآن. # قوله: {فمال هؤلاء} قال الفراء: كثرت في الكلام هذه الكلمة حتى توهموا أن ~~اللام متصلة بها وأنهما حرف واحد، ففصلوا اللام مما بعدها في بعضه، ووصلوها ~~في بعضه، والاتصال القراءة، ولا يجوز الوقف على اللام لأنها لام خافضة. # قوله عز وجل: {ما أصابك من حسنة} خير ونعمة {فمن الله وما أصابك من سيئة} ~~بلية أو أمر تكرهه، {فمن نفسك} أي: بذنوبك، والخطاب للنبي صلى ms0636 الله عليه ~~وسلم والمراد غيره، نظيره قوله تعالى: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم" (الشورى -30) ويتعلق (2) أهل القدر بظاهر هذه الآية، PageV02P252 # فقالوا: نفى الله تعالى السيئة عن نفسه ونسبها إلى العبد، فقال: {وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك} ولا متعلق لهم فيه، لأنه ليس المراد من الآية ~~حسنات الكسب ولا سيآته من الطاعات والمعاصي، بل المراد منهم ما يصيبهم من ~~النعم والمحن، وذلك ليس من فعلهم بدليل أنه نسبها إلى غيرهم ولم ينسبها ~~إليهم، فقال: {ما أصابك} ولا يقال في الطاعة والمعصية أصابني، إنما يقال: ~~أصبتها، ويقال في النعم: أصابني، بدليل أنه لم يذكر عليه ثوابا ولا عقابا، ~~فهو كقوله تعالى {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا ~~بموسى ومن معه} (الأعراف -131) ، ولما ذكر حسنات الكسب وسيئاته نسبها إليه، ~~ووعد عليها الثواب والعقاب، فقال {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} (الأنعام -160) . # وقيل: معنى الآية: ما أصابك من حسنة من النصر والظفر يوم بدر فمن الله، ~~أي: من فضل الله، وما أصابك من سيئة من القتل والهزيمة يوم أحد فمن نفسك، ~~أي: بذنب نفسك من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم. # فإن قيل كيف وجه الجمع بين قوله {قل كل من عند الله} وبين قوله {فمن ~~نفسك} قيل: قوله {قل كل من عند الله} أي: الخصب والجدب والنصر والهزيمة ~~كلها من عند الله، وقوله: {فمن نفسك} أي: ما أصابك من سيئة من الله فبذنب ~~نفسك عقوبة لك، كما قال الله تعالى: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم" (الشورى -30) يدل عليه ما روى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~أنه قرأ {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} وأنا كتبتها عليك. # وقال بعضهم: هذه الآية متصلة بما قبلها، والقول فيه مضمر تقديره: فمال ~~هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا، يقولون: {ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك} {قل كل من عند الله} {وأرسلناك} يا محمد ms0637 ~~{للناس رسولا وكفى بالله شهيدا} على إرسالك وصدقك، وقيل: وكفى بالله شهيدا ~~على أن الحسنة والسيئة كلها من الله تعالى. # PageV02P253 ### || # {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (80) } # قوله تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقول: "من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد أحب الله" فقال بعض ~~المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى بن ~~مريم ربا، فأنزل الله تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} (1) أي: من يطع ~~الرسول فيما أمر به فقد أطاع الله، {ومن تولى} عن طاعته، {فما أرسلناك} يا ~~محمد، PageV02P253 # {عليهم حفيظا} أي: حافظا ورقيبا، بل كل أمورهم إليه تعالى، وقيل: نسخ ~~الله عز وجل هذا بآية السيف، وأمره بقتال من خالف الله ورسوله. ### || # {ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله ~~يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (81) أفلا ~~يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82) ~~وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي ~~الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (83) } # {ويقولون طاعة} يعني: المنافقين يقولون باللسان للرسول صلى الله عليه ~~وسلم: إنا آمنا بك فمرنا فأمرك طاعة، قال النحويون: أي أمرنا وشأننا أن ~~نطيعك، {فإذا برزوا} خرجوا، {من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول} قال ~~قتادة والكلبي: بيت أي: غير وبدل الذي عهد إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ويكون التبييت بمعنى التبديل، وقال أبو عبيدة والقتيبي: معناه: قالوا ~~وقدروا ليلا غير ما أعطوك نهارا، وكل ما قدر بليل فهو تبييت، وقال أبو ~~الحسن الأخفش: تقول العرب للشيء إذا قدر، قدبيت، يشبهونه بتقدير بيوت ~~الشعر، {والله يكتب} أي: يثبت ويحفظ، {ما يبيتون} ما يزورون ويغيرون ~~ويقدرون، وقال الضحاك عن ابن عباس: يعني ما يسرون ms0638 من النفاق، {فأعرض عنهم} ~~يا محمد ولا تعاقبهم، وقيل: لا تخبر بأسمائهم، منع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من الإخبار بأسماء المنافقين، {وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} أي: ~~اتخذه وكيلا وكفى بالله وكيلا وناصرا. # قوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن} يعني: أفلا يتفكرون في القرآن، ~~والتدبر هو النظر في آخر الأمر، ودبر كل شيء آخره. {ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} أي تفاوتا وتناقضا كثيرا، قاله ابن عباس، ~~وقيل: لوجدوا فيه أي: في الإخبار عن الغيب بما كان وبما يكون اختلافا ~~كثيرا، أفلا يتفكرون فيه فيعرفوا -بعدم التناقض فيه وصدق ما يخبر -أنه كلام ~~الله تعالى لأن ما لا يكون من عند الله لا يخلو عن تناقض واختلاف. # قوله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا فإذا غلبوا أو غلبوا بادر المنافقون ~~يستخبرون عن حالهم، فيفشون ويحدثون به قبل أن # PageV02P254 # يحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم 91/ب فيضعفون به قلوب المؤمنين ~~فأنزل الله تعالى {وإذا جاءهم} (1) يعني: المنافقين {أمر من الأمن} أي: ~~الفتح والغنيمة {أو الخوف} القتل والهزيمة {أذاعوا به} أشاعوه وأفشوه، {ولو ~~ردوه إلى الرسول} أي: لو لم يحدثوا به حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم ~~هو الذي يحدث به، {وإلى أولي الأمر منهم} أي: ذوي الرأي من الصحابة مثل أبي ~~بكر وعمرو وعثمان وعلي رضي الله عنهم، {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} أي: ~~يستخرجونه وهم العلماء، أي: علموا ما ينبغي أن يكتم وما ينبغي أن يفشى، ~~والاستنباط: الاستخراج، يقال: استنبط الماء إذا استخرجه، وقال عكرمة: ~~يستنبطونه أي: يحرصون عليه ويسألون عنه، وقال الضحاك: يتبعونه، يريد الذين ~~سمعوا تلك الأخبار من المؤمنين والمنافقين، لو ردوه إلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وإلى ذوي الرأي والعلم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم، أي: يحبون ~~أن يعلموه على حقيقته كما هو. # {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان} كلكم {إلا قليلا} فإن ~~قيل: كيف ms0639 استثنى القليل ولولا فضله لاتبع الكل الشيطان؟ قيل: هو راجع إلى ~~ما قبله، قيل: معناه أذاعوا به إلا قليلا لم يفشه، عني بالقليل المؤمنين، ~~وهذا قول الكلبي واختيار الفراء، وقال: لأن علم السر إذا ظهر علمه المستنبط ~~وغيره، والإذاعة قد تكون في بعض دون بعض، وقيل: لعلمه الذين يستنبطونه منهم ~~إلا قليلا ثم قوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان} كلام ~~تام. # وقيل: فضل الله: الإسلام ورحمته: القرآن، يقول لولا ذلك لابتعتم الشيطان ~~إلا قليلا وهم قوم اهتدوا قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم ونزول ~~القرآن، مثل زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل وجماعة سواهما. # وفي الآية دليل على جواز القياس، فإن من العلم ما يدرك بالتلاوة والرواية ~~وهو النص، ومنه ما يدرك بالاستنباط وهو القياس على المعاني المودعة في ~~النصوص. ### || # {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس ~~الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا (84) } # قوله تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم واعد أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة ~~فلما بلغ الميعاد دعا الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم، فأنزل الله عز وجل ~~{فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} (2) أي: لا تدع جهاد العدو ~~والانتصار للمستضعفين من المؤمنين ولو وحدك، فإن الله قد وعدك النصرة ~~وعاتبهم على ترك القتال، والفاء PageV02P255 # في قوله تعالى: {فقاتل} جواب عن قوله {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو ~~يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما} فقاتل، {وحرض المؤمنين} على القتال أي حضهم ~~على الجهاد ورغبهم في الثواب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين ~~راكبا فكفاهم الله القتال، فقال جل ذكره {عسى الله} أي: لعل الله، {أن يكف ~~بأس الذين كفروا} أي: قتال الذين كفروا المشركين و"عسى" من الله واجب، ~~{والله أشد بأسا} أي: أشد صولة وأعظم سلطانا، {وأشد تنكيلا} أي: عقوبة. ### || # {من يشفع شفاعة حسنة ms0640 يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل ~~منها وكان الله على كل شيء مقيتا (85) } # قوله عز وجل: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة ~~يكن له كفل منها} أي: نصيب منها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الشفاعة ~~الحسنة هي الإصلاح بين الناس، والشفاعة السيئة هي المشي بالنميمة بين ~~الناس. # وقيل: الشفاعة الحسنة هي حسن القول في الناس ينال به الثواب والخير، ~~والسيئة هي: الغيبة وإساءة القول في الناس ينال به الشر. # وقوله {كفل منها} أي: من وزرها، وقال مجاهد: هي شفاعة الناس بعضهم لبعض، ~~ويؤجر الشفيع على شفاعته وإن لم يشفع. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا سفيان الثوري، عن أبي بردة، ~~أخبرني جدي أبو بردة، عن أبيه عن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا جاءه رجل يسأل أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه، فقال: ~~"اشفعوا لتؤجروا ليقضي الله على لسان نبيه ما شاء" (1) . # قوله تعالى: {وكان الله على كل شيء مقيتا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~مقتدرا مجازيا، قال الشاعر: وذي ظعن كففت النفس ... عنه وكنت على مساءته ~~مقيتا # وقال مجاهد: شاهدا: وقال قتادة: حافظا، وقيل: معناه على كل حيوان مقيتا ~~(2) أي: يوصل القوت إليه. PageV02P256 # وجاء في الحديث "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ويقيت" (1) . ### || # {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء ~~حسيبا (86) } # قوله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} التحية: هي ~~دعاء الحياة، والمراد بالتحية ها هنا، السلام، يقول: إذا سلم عليكم مسلم ~~فأجيبوا بأحسن منها أو ردوها كما سلم، فإذا قال: السلام عليكم، فقل: وعليكم ~~السلام ورحمة الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله، فقل: وعليكم السلام ~~ورحمة الله وبركاته، فإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد مثله، ~~روي أن رجلا سلم ms0641 على ابن عباس رضي الله عنهما، قال: السلام عليكم ورحمة ~~الله وبركاته، ثم زاد شيئا، فقال ابن عباس: إن السلام ينتهي إلى البركة (2) ~~. # وروي عن عمران بن حصين: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~السلام عليكم، فرد عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عشر" ثم جاء آخر ~~فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه فجلس، فقال: "عشرون" ثم جاء آخر ~~فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، فقال: "ثلاثون" (3) . # واعلم أن السلام سنة ورد السلام فريضة، وهو فرض على الكفاية، وكذلك ~~السلام سنة على الكفاية فإذا سلم واحد من جماعة كان كافيا في السنة، وإذا ~~سلم واحد على جماعة ورد واحد منهم سقط الفرض عن جميعهم. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو طاهر محمد بن محمد ~~بن محمش الزيادي، أنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر، أنا إبراهيم بن ~~عبد الله بن عمر بن بكير الكوفي، أنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي ~~بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على ~~شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" (4) . PageV02P257 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا قتيبة، أنا الليث، عن يزيد بن أبي ~~حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: " أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من ~~عرفت ومن لم تعرف" (1) . ومعنى قوله: أي الإسلام خير، يريد أي خصال الإسلام ~~خير. # وقيل: {فحيوا بأحسن منها} معناه أي إذا كان الذي سلم مسلما، {أو ردوها} ~~بمثلها إذا لم يكن مسلما. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن عبد الله ms0642 بن دينار، عن عبد الله 92/أبن عمر رضي الله ~~عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن اليهود إذا سلم عليكم ~~أحدهم: فإنما يقول السام عليكم، فقل عليك" (2) . # قوله تعالى: {إن الله كان على كل شيء حسيبا} أي: على كل شيء من رد السلام ~~بمثله أو بأحسن منه، حسيبا أي: محاسبا مجازيا، وقال مجاهد: حفيظا، وقال أبو ~~عبيدة: كافيا، يقال: حسبي هذا أي كفاني. PageV02P2583 ### || # {الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من ~~الله حديثا (87) فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ~~أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) } # قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو ليجمعنكم} اللام لام القسم تقديره: ~~والله ليجمعنكم في الموت وفي القبور، {إلى يوم القيامة} وسميت القيامة ~~قيامة لأن الناس يقومون من قبورهم، قال الله تعالى: "يوم يخرجون من الأجداث ~~سراعا" (المعارج -43) وقيل: لقيامهم إلى الحساب، قال الله تعالى: "يوم يقوم ~~الناس لرب العالمين"، (المطففين-6) {ومن أصدق من الله حديثا} أي: قولا ~~ووعدا، وقرأ حمزة والكسائي {أصدق} صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الزاي. # {فما لكم في المنافقين فئتين} اختلفوا في سبب نزولها فقال قوم: نزلت في ~~الذين تخلفوا يوم أحد # PageV02P258 # من المنافقين، فلما رجعوا قال بعض الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: اقتلهم فإنهم منافقون، وقال بعضهم: اعف عنهم فإنهم تكلموا ~~بالإسلام. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو الوليد، أنا شعبة، عن عدي بن ثابت، ~~قال: سمعت عبد الله بن يزيد، يحدث عن زيد بن ثابت، قال: لما خرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه وكان أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم فرقتين، فرقة تقول نقاتلهم وفرقة تقول لا نقاتلهم، فنزلت: {فما ~~لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا} وقال: "إنها طيبة تنفي ~~الذنوب ms0643 كما تنفي النار خبث الفضة" (1) . # وقال مجاهد: قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا ثم ارتدوا واستأذنوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها فخرجوا ~~وأقاموا بمكة، فاختلف المسلمون فيهم، فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: ~~هم مؤمنون (2) . # وقال بعضهم: نزلت في ناس من قريش قدموا المدينة وأسلموا ثم ندموا على ذلك ~~فخرجوا كهيئة المتنزهين حتى باعدوا (3) من المدينة فكتبوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: إنا على الذي فارقناك عليه من الإيمان ولكنا اجتوينا ~~المدينة واشتقنا إلى أرضنا، ثم إنهم خرجوا في تجارة لهم نحو الشام فبلغ ذلك ~~المسلمين، فقال بعضهم: نخرج إليهم فنقتلهم ونأخذ ما معهم لأنهم رغبوا عن ~~ديننا، وقالت طائفة: كيف تقتلون قوما على دينكم إن لم يذروا ديارهم، وكان ~~هذا بعين النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساكت لا ينهى واحدا من الفريقين، ~~فنزلت هذه الآية (4) . # وقال بعضهم: هم قوم أسلموا بمكة ثم لم يهاجروا وكانوا يظاهرون المشركين، ~~فنزلت (5) {فما لكم} يا معشر المؤمنين {في المنافقين فئتين} أي: صرتم فيهم ~~فئتين، أي: فرقتين، {والله أركسهم} أي: نكسهم وردهم إلى الكفر، {بما كسبوا} ~~بأعمالهم غير الزاكية {أتريدون أن تهدوا} أي: أن ترشدوا {من أضل الله} ~~وقيل: معناه أتقولون أن هؤلاء مهتدون وقد أضلهم الله، {ومن يضلل الله} أي: ~~من يضلله الله عن الهدى، {فلن تجد له سبيلا} أي: طريقا إلى الحق. ~~PageV02P259 ### || # {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى ~~يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا ~~منهم وليا ولا نصيرا (89) إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو ~~جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم ~~عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل ~~الله لكم عليهم سبيلا (90) } # قوله تعالى: {ودوا} تمنوا، يعني أولئك الذين رجعوا عن الدين تمنوا {لو ~~تكفرون كما كفروا فتكونون سواء} في الكفر، وقوله {فتكونون} لم يرد به جواب ~~التمني ms0644 لأن جواب التمني بالفاء منصوب، إنما أراد النسق، أي: ودوا لو تكفرون ~~وودوا لو تكونون سواء، مثل قوله "ودوا لو تدهن فيدهنون" (القلم -9) أي: ~~ودوا لو تدهن وودوا لو تدهنون، {فلا تتخذوا منهم أولياء} منع من موالاتهم، ~~{حتى يهاجروا في سبيل الله} معكم. # قال عكرمة: هي هجرة أخرى، والهجرة على ثلاثة أوجه: هجرة المؤمنين في أول ~~الإسلام، وهي قوله تعالى " للفقراء المهاجرين " (الحشر -8) وقوله: "ومن ~~يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله" (النساء -100) ، ونحوهما من الآيات، ~~وهجرة المنافقين: وهي الخروج في سبيل الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صابرا محتسبا [كما حكى ها هنا] (1) منع من موالاتهم حتى يهاجروا في سبيل ~~الله، وهجرة سائر المؤمنين وهي ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المهاجر ~~من هجر ما نهى الله عنه" (2) . # قوله تعالى: {فإن تولوا} أعرضوا عن التوحيد والهجرة، {فخذوهم} أي: خذوهم ~~أسارى، ومنه يقال للأسير أخيذ، {واقتلوهم حيث وجدتموهم} في الحل والحرم، ~~{ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا} ثم استثنى طائفة منهم فقال: # {إلا الذين يصلون إلى قوم} وهذا الاستثناء يرجع إلى القتل لا إلى ~~الموالاة، لأن موالاة الكفار والمنافقين لا تجوز بحال، ومعنى {يصلون} أي: ~~ينتسبون إليهم ويتصلون بهم ويدخلون فيهم بالحلف والجوار، وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: يريدون ويلجأون إلى قوم، {بينكم وبينهم ميثاق} أي: عهد، وهم ~~الأسلميون، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن عويمر ~~الأسلمي قبل خروجه إلى مكة على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن وصل إلى ~~هلال من قومه وغيرهم ولجأ إليه فلهم من الجوار مثل ما لهلال،. PageV02P260 # وقال الضحاك عن ابن عباس: أراد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق بني بكر ~~بن زيد بن مناة كانوا في الصلح والهدنة، وقال مقاتل: هم خزاعة. # وقوله: {أو جاءوكم} أي: يتصلون بقوم جاءوكم، {حصرت صدورهم} أي: ضاقت ~~صدورهم، قرأ الحسن ويعقوب "حصرة ") منصوبة منونة أي: ضيقة صدورهم، [يعني ~~القوم الذين جاءوكم وهم بنو مدلج، كانوا عاهدوا أن لا يقاتلوا ms0645 المسلمين ~~وعاهدوا قريشا أن لا يقاتلوهم، حصرت: ضاقت صدورهم] (1) ، {أن يقاتلوكم} أي: ~~عن قتالكم للعهد الذي بينكم، {أو يقاتلوا قومهم} يعني: من أمن منهم، ويجوز ~~أن يكون معناه أنهم لا يقاتلونكم مع قومهم ولا يقاتلون قومهم معكم، يعني ~~قريشا قد ضاقت صدورهم لذلك. # وقال بعضهم: أو بمعنى الواو، كأنه يقول: إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو ~~جاءوكم حصرت صدورهم، أي: حصرت صدورهم عن قتالكم والقتال معكم، وهم قوم هلال ~~الأسلميون وبنو بكر، نهى الله سبحانه عن قتال هؤلاء المرتدين إذا اتصلوا ~~بأهل عهد للمسلمين، لأن من انضم إلى قوم ذوي عهد فله حكمهم في حقن الدم. # قوله تعالى: {ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم} يذكر منته على ~~المسلمين بكف بأس المعاهدين، يقول: إن ضيق صدورهم عن قتالكم لما ألقى الله ~~في قلوبهم من الرعب وكفهم عن قتالكم، ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ~~مع قومهم، {فإن اعتزلوكم} أي: اعتزلوا قتالكم، {فلم يقاتلوكم} ومن اتصل ~~بهم، ويقال: يوم فتح مكة يقاتلوكم مع قومهم، {وألقوا إليكم السلم} أي: ~~الصلح فانقادوا واستسلموا {فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} أي: طريقا بالقتل ~~والقتال. ### || # {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة ~~أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا (91) } # قوله تعالى: {ستجدون آخرين} قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: هم أسد وغطفان كانوا حاضري المدينة تكلموا بالإسلام رياء وهم غير ~~مسلمين، وكان الرجل منهم يقول له قومه بماذا أسلمت؟ فيقول آمنت بهذا القرد ~~وبهذا العقرب والخنفساء، وإذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم 92/ب ~~قالوا: إنا على دينكم، يريدون بذلك الأمن في الفريقين. PageV02P261 # وقال الضحاك عن ابن عباس هم بنو عبد الدار كانوا بهذه الصفة، {يريدون أن ~~يأمنوكم} فلا تتعرضوا لهم، {ويأمنوا قومهم} فلا يتعرضوا لهم، {كلما ردوا ~~إلى الفتنة} أي: دعوا إلى الشرك، {أركسوا فيها} أي: رجعوا وعادوا إلى ~~الشرك، {فإن لم ms0646 يعتزلوكم} أي: فإن لم يكفوا عن قتالكم حتى تسيروا إلى مكة، ~~{ويلقوا إليكم السلم} أي: المفاداة والصلح، {ويكفوا أيديهم} ولم يقبضوا ~~أيديهم عن قتالكم، {فخذوهم} أسراء، {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} أي: وجدتموهم، ~~{وأولئكم} أي: أهل هذه الصفة، {جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا} أي: [حجة ~~بينة ظاهرة بالقتل والقتال] (1) . PageV02P262 ### || # {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله ~~عليما حكيما (92) } # قوله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا} الآية نزلت في عياش (بن أبي ~~ربيعة) (1) المخزومي، وذلك أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل ~~الهجرة فأسلم ثم خاف أن يظهر إسلامه لأهله فخرج هاربا إلى المدينة، وتحصن ~~في أطم من آطامها، فجزعت أمه لذلك جزعا شديدا وقالت لابنيها الحارث وأبي ~~جهل بن هشام وهما أخواه لأمه: والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاما ولا شرابا ~~حتى تأتوني به، فخرجا في طلبه، وخرج معهما الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى ~~أتوا المدينة، فأتوا عياشا وهو في الأطم، قالا له: انزل فإن أمك لم يؤوها ~~سقف بيت بعدك، وقد حلفت ألا تأكل طعاما ولا تشرب شرابا حتى ترجع إليها (ولك ~~عهد الله) (2) علينا أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ~~ذكروا له جزع أمه وأوثقوا له بالله نزل إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه ~~بنسعة، فجلده كل واحد منهم مائة جلدة، ثم قدموا به على أمه فلما أتاها ~~قالت: والله لا أحلك (3) من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، ثم تركوه موثقا ~~مطروحا في الشمس ما شاء الله، فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث بن زيد ~~فقال: يا عياش أهذا الذي PageV02P262 # كنت عليه فوالله لئن كان هدى لقد ms0647 تركت الهدى، ولئن كانت ضلالة لقد كنت ~~عليها، فغضب عياش من مقالته، وقال: والله لا ألقاك خاليا أبدا إلا قتلتك، ~~ثم إن عياشا أسلم بعد ذلك وهاجر ثم أسلم الحارث بن زيد بعده وهاجر إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وليس عياش حاضرا يومئذ ولم يشعر بإسلامه، فبينا ~~عياش يسير بظهر قباء إذ لقي الحارث فقتله، فقال الناس: ويحك أي شيء صنعت؟ ~~إنه قد أسلم، فرجع عياش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول ~~الله قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، وإني لم أشعر بإسلامه حتى ~~قتلته، فنزل: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} (1) . # وهذا نهي عن قتل المؤمن كقوله تعالى: "وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله" ~~(الأحزاب -53) . # {إلا خطأ} استثناء منقطع معناه: لكن إن وقع خطأ، {ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة} أي: فعليه إعتاق رقبة مؤمنة كفارة، {ودية مسلمة} كاملة، ~~{إلى أهله} أي: إلى أهل القتيل الذي يرثونه، {إلا أن يصدقوا} أي: يتصدقوا ~~بالدية فيعفوا ويتركوا الدية، {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير ~~رقبة مؤمنة} أراد به إذا كان الرجل مسلما في دار الحرب منفردا مع الكفار ~~فقتله من لم يعلم بإسلامه فلا دية فيه، وعليه الكفارة، وقيل: المراد منه ~~إذا كان المقتول مسلما في دار الإسلام وهو من نسب قوم كفار، وقرابته في دار ~~الحرب حرب للمسلمين ففيه الكفارة ولا دية لأهله، وكان الحارث بن زيد من قوم ~~كفار حرب للمسلمين وكان فيه تحرير رقبة ولم يكن فيه دية لأنه لم يكن بين ~~قومه وبين المسلمين عهد. # قوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة} أراد به إذا كان المقتول كافرا ذميا أو معاهدا فيجب فيه ~~الدية والكفارة، والكفارة تكون بإعتاق رقبة مؤمنة سواء كان المقتول مسلما ~~أو معاهدا، رجلا كان أو امرأة، حرا كان أو عبدا، وتكون في مال القاتل، {فمن ~~لم يجد فصيام ms0648 شهرين متتابعين} والقاتل إن كان واجدا للرقبة أو قادرا على ~~تحصيلها بوجود ثمنها فاضلا عن نفقته ونفقة عياله وحاجته من مسكن ونحوه ~~فعليه الإعتاق، ولا يجوز أن ينتقل إلى الصوم فإن عجز عن تحصيلها فعليه صوم ~~شهرين متتابعين، فإن أفطر يوما متعمدا في خلال الشهرين أو نسي النية ونوى ~~صوما آخر وجب عليه استئناف الشهرين. # وإن أفطر يوما بعذر مرض أو سفر فهل ينقطع التتابع؟ اختلف أهل العلم فيه، ~~فمنهم من قال: ينقطع وعليه استئناف الشهرين، وهو قول النخعي وأظهر قولي ~~الشافعي رضي الله عنه لأنه أفطر مختارا، ومنهم من قال: لا ينقطع وعليه أن ~~يبني، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي. PageV02P263 # ولو حاضت المرأة في خلال الشهرين أفطرت أيام الحيض ولا ينقطع التتابع، ~~فإذا طهرت بنت على ما صامت، لأنه أمر مكتوب على النساء لا يمكنهن الاحتراز ~~عنه. # فإن عجز عن الصوم فهل يخرج عنه بإطعام ستين مسكينا؟ فيه قولان، أحدهما: ~~يخرج كما في كفارة الظهار، والثاني: لا يخرج لأن الشرع لم يذكر له بدلا ~~فقال: {فصيام شهرين متتابعين} # {توبة من الله} أي: جعل الله ذلك توبة لقاتل الخطإ {وكان الله عليما} بمن ~~قتل خطأ {حكيما} فيما حكم به عليكم. # أما الكلام في بيان الدية، فاعلم أن القتل على ثلاثة أنواع: عمد محض، ~~وشبه عمد، وخطأ محض. # أما العمد المحض فهو: أن يقصد قتل إنسان بما يقصد به القتل غالبا فقتله ~~ففيه القصاص عند وجود التكافؤ، أو دية مغلظة في مال القاتل حالة. # وشبه العمد: أن يقصد ضربه بما لا يموت مثله من مثل ذلك الضرب غالبا، بأن ~~ضربه بعصا خفيفة، أو حجر صغير ضربة أو ضربتين، فمات فلا قصاص فيه، بل يجب ~~فيه دية مغلظة على عاقلته مؤجلة إلى ثلاث سنين. # والخطأ المحض هو: أن لا يقصد ضربه بل قصد شيئا آخر فأصابه فمات منه فلا ~~قصاص فيه، بل تجب دية مخففة على عاقلته مؤجلة إلى ثلاث سنين. # وتجب الكفارة في ماله في الأنواع كلها، وعند أبي ms0649 حنيفة رضي الله عنه: قتل ~~العمد لا يوجب الكفارة، لأنه كبيرة كسائر الكبائر. # ودية الحر المسلم مائة من الإبل فإذا عدمت الإبل وجبت قيمتها من الدراهم ~~أو الدنانير في قول، وفي قول يجب بدل مقدر منها وهو ألف دينار، أو اثنا عشر ~~ألف درهم، لما روي عن عمر رضي الله عنه: فرض الدية على أهل الذهب ألف ~~دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشر ألف درهم" (1) . # وذهب قوم إلى أن الواجب في الدية مائة من الإبل، أو ألف دينار أو اثنا ~~عشر ألف درهم، وهو قول عروة بن الزبير والحسن البصري رضي الله عنهما، وبه ~~قال مالك. # وذهب قوم إلى أنها مائة من الإبل أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، وهو ~~قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. PageV02P264 # 93/أودية المرأة نصف دية الرجل، ودية أهل الذمة والعهد ثلث دية المسلم، ~~إن كان كتابيا، وإن كان مجوسيا فخمس الدية، روي عن عمر رضي الله عنه أنه ~~قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة (1) ، ~~وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه. # وذهب قوم إلى أن دية الذمي والمعاهد مثل دية المسلم، روي ذلك عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. # وقال قوم: دية الذمي نصف دية المسلم وهو قول عمر بن عبد العزيز، وبه قال ~~مالك وأحمد رحمهما الله. # والدية في العمد المحض وشبه العمد مغلظة بالسن فيجب ثلاثون حقة وثلاثون ~~جذعة وأربعون خلفة (2) في بطونها أولادها، وهو قول عمر بن الخطاب وزيد بن ~~ثابت رضي الله عنهما، وبه قال عطاء، وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه، لما ~~أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو ~~العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي رضي الله عنه، أنا ابن عيينة، عن ~~علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم بن ربيعة، عن عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا ms0650 إن في قتل العمد الخطإ ~~بالسوط أو العصا مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها" ~~(3) . # وذهب قوم إلى أن الدية المغلظة أرباع: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون ~~بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وهو قول الزهري وربيعة وبه ~~قال مالك وأحمد وأصحاب الرأي. # وأما دية الخطإ فمخففة، وهي أخماس بالاتفاق، غير أنهم اختلفوا في ~~تقسيمها، فذهب قوم إلى أنها عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن ~~لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وهو قول عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار ~~والزهري وربيعة، وبه قال مالك والشافعي رحمهم الله، وأبدل قوم بني اللبون ~~ببنات المخاض، يروى ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه، وبه قال أحمد وأصحاب ~~الرأي. # ودية الأطراف على هذا التقدير، ودية المرأة فيها على النصف من دية الرجل، ~~والدية في قتل الخطإ وشبه العمد على العاقلة، وهم عصبات القاتل من الذكور، ~~ولا يجب على الجاني منها شيء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجبها على ~~العاقلة. PageV02P265 ### || # {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ~~وأعد له عذابا عظيما (93) } # قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} الآية، نزلت في مقيس بن صبابة ~~الكناني، وكان قد أسلم هو وأخوه هشام، فوجد أخاه هشام قتيلا في بني النجار ~~فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم معه رجلا من بني فهر إلى بني النجار أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن صبابة أن تدفعوه إلى مقيس فيقتص منه، ~~وإن لم تعلموا أن تدفعوا إليه ديته، فأبلغهم الفهري ذلك فقالوا: سمعا وطاعة ~~لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي ديته، فأعطوه مائة من ~~الإبل، ثم انصرفا راجعين نحو المدينة فأتى الشيطان مقيسا فوسوس إليه، فقال: ~~تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبة، اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل ~~الدية؛ فتغفل الفهري فرماه بصخرة فشدخه، ms0651 ثم ركب بعيرا وساق بقيتها راجعا ~~إلى مكة كافرا فنزل فيه: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} (1) {فجزاؤه جهنم خالدا ~~فيها} بكفره وارتداده، وهو الذي استثناه النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح ~~مكة، عمن أمنه فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة. # قوله تعالى: {وغضب الله عليه ولعنه} أي: طرده عن الرحمة، {وأعد له عذابا ~~عظيما} اختلفوا في حكم هذه الآية. # فحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن قاتل المؤمن عمدا لا توبة له، فقيل ~~له: أليس قد قال الله في سورة الفرقان: "ولا يقتلون النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق" إلى أن قال "ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم ~~القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب" (الفرقان 67 -70) ، فقال: كانت هذه في ~~الجاهلية، وذلك أن أناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا فأتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تدعوا إليه لحسن، لو تخبرنا أن ~~لما عملنا كفارة، فنزلت "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر" إلى قوله "إلا ~~من تاب وآمن" (2) فهذه لأولئك. # وأما التي في النساء فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم. ~~PageV02P266 # وقال زيد بن ثابت: لما نزلت التي في الفرقان "والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر"، عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة ~~فنسخت اللينة، وأراد بالغليظة هذه الآية، وباللينة آية الفرقان. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: تلك آية مكية وهذه مدنية نزلت ولم ينسخها ~~شيء. # والذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة: أن قاتل المسلم عمدا توبته ~~مقبولة لقوله تعالى: "وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا" (طه -82) وقال: ~~"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" (النساء -48) وما ~~روي عن ابن عباس رضي الله عنهما فهو تشديد ومبالغة في الزجر عن القتل، كما ~~روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: إن لم يقتل يقال له: لا توبة لك، وإن قتل ~~ثم جاء يقال: لك توبة. ms0652 ويروى مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما. # وليس في الآية متعلق لمن يقول بالتخليد في النار بارتكاب الكبائر، لأن ~~الآية نزلت في قاتل وهو كافر، وهو مقيس بن صبابة، وقيل: إنه وعيد لمن قتل ~~مؤمنا مستحلا لقتله بسبب إيمانه، ومن استحل قتل أهل الإيمان لإيمانهم كان ~~كافرا مخلدا في النار، وقيل في قوله تعالى: {فجزاؤه جهنم خالدا فيها} ~~معناه: هي جزاؤه إن جازاه، ولكنه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له بكرمه، فإنه ~~وعد أن يغفر لمن يشاء. # حكي أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء فقال له: هل يخلف الله ~~وعده؟ فقال: لا فقال: أليس قد قال الله تعالى {ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم خالدا فيها} فقال له أبو عمرو بن العلاء: من العجمة أتيت يا ~~أبا عثمان! إن العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد خلفا وذما، وإنما تعد إخلاف ~~الوعد خلفا وذما، وأنشد: # وإني وإن أوعدته أو وعدته %~% لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # والدليل على أن غير الشرك لا يوجب التخليد في النار ما روينا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة" (1) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، ~~قال أخبرني أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله أن، عبادة بن PageV02P267 # الصامت رضي الله عنه -وكان شهد يوم بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة ~~-وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: ~~"بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا ~~أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم 93/ب وأرجلكم ولا تعصوا في ~~معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا ~~فهو كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفا ~~عنه وإن شاء ms0653 عاقبه"، فبايعناه على ذلك (1) . ### || # {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ~~ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم ~~كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون ~~خبيرا (94) } # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا} ~~الآية، قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية ~~في رجل من بني مرة بن عوف يقال له مرداس بن نهيك، وكان من أهل فدك وكان ~~مسلما لم يسلم من قومه غيره، فسمعوا بسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تريدهم، وكان على السرية رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي، فهربوا وأقام ~~الرجل لأنه كان على دين المسلمين، فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، وصعد هو ~~إلى الجبل فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون، فلما سمع التكبير عرف أنهم من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكبر ونزل وهو يقول: لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله، السلام عليكم، فتغشاه أسامة بن زيد فقتله واستاق غنمه ثم رجعوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فوجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من ذلك وجدا شديدا، وكان قد سبقهم قبل ذلك الخبر، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "قتلتموه إرادة ما معه"؟ ثم قرأ هذه الآية على أسامة بن ~~زيد، فقال: يا رسول الله استغفر لي، فقال فكيف بلا إله إلا الله؟ قالها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، قال أسامة: فما زال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعيدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم استغفر لي بعد ثلاث مرات، وقال: "اعتق رقبة" (2) . # وروى أبو ظبيان عن أسامة رضي الله عنه قال قلت: يا رسول الله إنما قال ms0654 ~~خوفا من السلاح، قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفا أم لا" (3) ~~؟ # وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رجل من بني سليم على نفر ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومعه غنم له فسلم عليهم، قالوا: ما سلم ~~عليكم إلا ليتعوذ منكم فقاموا فقتلوه وأخذوا غنمه فأتوا PageV02P268 # بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله} (1) . . # {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله} يعني إذا سافرتم في سبيل ~~الله، يعني: الجهاد. # {فتبينوا} قرأ حمزة والكسائي هاهنا في موضعين وفي سورة الحجرات بالتاء ~~والثاء من التثبيت، أي: قفوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر، وقرأ الآخرون ~~بالياء والنون من التبين، يقال: تبينت الأمر إذا تأملته، {ولا تقولوا لمن ~~ألقى إليكم السلم} هكذا قراءة أهل المدينة وابن عامر وحمزة، أي: المقادة، ~~وهو قول "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وقرأ الآخرون السلام، وهو ~~السلام الذي هو تحية المسلمين لأنه كان قد سلم عليهم، وقيل: السلم والسلام ~~واحد، أي: لا تقولوا لمن سلم عليكم لست مؤمنا، {تبتغون عرض الحياة الدنيا} ~~يعني: تطلبون الغنم والغنيمة، و"عرض الحياة الدنيا" منافعها ومتاعها، {فعند ~~الله مغانم} أي غنائم، {كثيرة} وقيل: ثواب كثير لمن اتقى قتل المؤمن، {كذلك ~~كنتم من قبل} قال سعيد بن جبير: كذلك كنتم تكتمون إيمانكم من المشركين {فمن ~~الله عليكم} بإظهار الإسلام، وقال قتادة: كنتم ضلالا من قبل فمن الله عليكم ~~بالإسلام والهداية. # وقيل معناه: كذلك كنتم من قبل تأمنون في قومكم بلا إله إلا الله قبل ~~الهجرة فلا تخيفوا من قالها فمن الله عليكم بالهجرة، فتبينوا أن تقتلوا ~~مؤمنا. # {إن الله كان بما تعملون خبيرا} قلت: إذا رأى الغزاة في بلد أو قرية شعار ~~الإسلام فعليهم أن يكفوا عنهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا ~~قوما فإن سمع أذانا كف عنهم، وإن لم يسمع أغار عليهم. # أخبرنا عبد الوهاب ms0655 بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا ~~أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا سفيان، عن عبد الملك بن ~~نوفل بن مساحق، عن ابن عصام، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV02P269 # كان إذا بعث سرية قال: "إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا" ~~(1) . ### || # {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ~~وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) } # قوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} الآية، أخبرنا عبد الواحد ~~بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا ~~محمد بن إسماعيل، ثنا عبد العزيز بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن عبد الله، ~~حدثنا إبراهيم بن سعد الزهري، حدثني صالح بن كيسان، عن ابن شهاب عن سهل بن ~~سعد الساعدي رضي الله عنه أنه قال: رأيت مروان بن الحكم جالسا في المسجد ~~فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أنا زيد بن ثابت رضي الله عنه أخبره أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه {لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله} قال: فجاء ابن أم مكتوم وهو ~~يمليها علي، فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان رجلا أعمى، ~~فأنزل الله تعالى عليه وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم ~~سري عنه فأنزل الله {غير أولي الضرر} (1) . # فهذه الآية في الجهاد والحث عليه، فقال: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} ~~عن الجهاد {غير أولي الضرر} قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي بنصب ~~الراء، أي: إلا أولي الضرر، وقرأ الآخرون برفع الراء على نعت " القاعدين " ~~يريد: لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر، أي: غير أولي الزمانة ~~والضعف في البدن والبصر، {والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} غير ~~أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين، لأن العذر أقعدهم. # أخبرنا أحمد بن عبد ms0656 الله الصالحي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا ~~حاجب بن أحمد الطوسي، أنا عبد الرحيم بن منيب، أنا يزيد بن هارون، أخبرنا ~~حميد الطويل، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع ~~من غزوة تبوك، فدنا من المدينة قال: "إن في المدينة لأقواما ما سرتم من ~~مسير ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه"، قالوا: يا رسول الله وهم ~~بالمدينة؟ قال: "نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر" (2) PageV02P270 # وروى القاسم عن ابن عباس قال: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} عن بدر ~~والخارجون إلى بدر. # قوله تعالى: {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة} ~~أي: فضيلة، وقيل: أراد بالقاعدين هاهنا أولي الضرر، فضل الله المجاهدين ~~عليهم درجة لأن المجاهد باشر الجهاد مع النية وأولو الضرر كانت لهم نية ~~ولكنهم لم يباشروا، فنزلوا عنهم بدرجة، {وكلا} يعني المجاهد والقاعد {وعد ~~الله الحسنى} يعني: الجنة بإيمانهم، وقال مقاتل: يعني المجاهد والقاعد ~~المعذور، {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما} يعني: 94/أعلى ~~القاعدين من غير عذر. ### || # {درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96) } # {درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما} قال ابن محيريز في هذه ~~الآية: هي سبعون درجة ما بين كل درجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين ~~خريفا. # وقيل: الدرجات هي الإسلام والجهاد والهجرة والشهادة فاز بها المجاهدون، ~~أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد ~~بن شريك الشافعي، أنا عبد الله بن مسلم أبو بكر الجوربذي، أنا يونس بن عبد ~~الأعلى، أنا ابن وهب، حدثني أبو هانئ الخولاني، عن أبي عبد الرحمن الجبلي، ~~عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا ~~أبا سعيد من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة" قال ~~فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها علي يا رسول الله، ففعل، قال: "وأخرى يرفع ~~الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما ms0657 بين كل درجتين كما بين السماء ~~والأرض" قال: وما هي يا رسول الله؟ فقال: "الجهاد في سبيل الله الجهاد في ~~سبيل الله" (1) . # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو القاسم إبراهيم بن ~~محمد بن علي بن الشاه، أنا أبي، أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن صالح المطرز، ~~أنا محمد بن يحيى، أنا شريح بن النعمان، أنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء ~~بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله عز ~~وجل أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها"، ~~قالوا: أفلا ننذر الناس بذلك؟ قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله ~~للمجاهدين في سبيله، ما بين كل من الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا ~~سألتم الله فاسألوه الفردوس PageV02P271 # فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة" ~~(1) . # واعلم أن الجهاد في الجملة فرض، غير أنه ينقسم إلى فرض العين وفرض ~~الكفاية. # ففرض العين: أن يدخل الكفار دار قوم من المؤمنين، فيجب على كل مكلف من ~~الرجال، ممن لا عذر له من أهل تلك البلدة الخروج إلى عدوهم، حرا كان أو ~~عبدا، غنيا كان أو فقيرا، دفعا عن أنفسهم وعن جيرانهم. # وهو في حق من بعد منهم من المسلمين فرض على الكفاية، فإن لم تقع الكفاية ~~بمن نزل بهم يجب على من بعد منهم من المسلمين عونهم، وإن وقعت الكفاية ~~بالنازلين بهم فلا فرض على الأبعدين إلا على طريق الاختيار، ولا يدخل في ~~هذا القسم العبيد والفقراء، ومن هذا القبيل أن يكون الكفار قارين في ~~بلادهم، فعلى الإمام أن لا يخلي سنة عن غزوة يغزوها بنفسه أو بسراياه حتى ~~لا يكون الجهاد معطلا والاختيار للمطيق الجهاد مع وقوع الكفاية بغيره: أن ~~لا يقعد عن الجهاد، ولكن لا يفترض، لأن الله تعالى وعد المجاهد والقاعد ~~الثواب ms0658 في هذه الآية فقال: {وكلا وعد الله الحسنى} ولو كان فرضا على الكافة ~~لاستحق القاعد العقاب لا الثواب. ### || # {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) } # قوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية، نزلت في ناس ~~من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا، منهم: قيس بن الفاكه بن المغيرة ~~وقيس بن الوليد بن المغيرة وأشباههما، فلما خرج المشركون إلى بدر خرجوا ~~معهم فقتلوا مع الكفار، فقال الله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة} أراد ~~به ملك الموت وأعوانه، أو أراد ملك الموت وحده، كما قال تعالى: "قل يتوفاكم ~~ملك الموت الذي وكل بكم" (السجدة -11) ، والعرب قد تخاطب الواحد بلفظ الجمع ~~{ظالمي أنفسهم} بالشرك، وهو نصب على الحال أي: في حال ظلمهم، قيل: أي ~~بالمقام في دار الشرك لأن الله تعالى لم يقبل الإسلام بعد هجرة النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا بالهجرة، ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح" (2) ، وهؤلاء قتلوا يوم بدر وضربت الملائكة ~~وجوههم وأدبارهم، وقالوا لهم: فيم كنتم؟ فذلك قوله تعالى: {قالوا فيم كنتم} ~~أي: في ماذا كنتم؟ أو في أي الفريقين كنتم؟ أفي المسلمين؟ PageV02P272 # أم في المشركين؟ سؤال توبيخ وتعيير فاعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك، ~~و {قالوا كنا مستضعفين} عاجزين، {في الأرض} يعني أرض مكة، {قالوا} يعني: ~~الملائكة {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} يعني: إلى المدينة ~~وتخرجوا من مكة، من بين أهل الشرك؟ فأكذبهم الله تعالى وأعلمنا بكذبهم، ~~وقال: {فأولئك مأواهم} منزلهم {جهنم وساءت مصيرا} أي: بئس المصير إلى جهنم. ### || # {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون ~~سبيلا (98) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (99) ومن ~~يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت ms0659 فقد وقع أجره على الله وكان الله ~~غفورا رحيما (100) } # ثم استثنى أهل العذر منهم، فقال: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء ~~والولدان لا يستطيعون حيلة} لا يقدرون على حيلة ولا على نفقة ولا قوة ~~للخروج منها، {ولا يهتدون سبيلا} أي: لا يعرفون طريقا إلى الخروج. وقال ~~مجاهد: لا يعرفون طريق المدينة. # {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} يتجاوز عنهم، وعسى من الله واجب، لأنه ~~للإطماع، والله تعالى إذا أطمع عبدا وصله إليه، {وكان الله عفوا غفورا} قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: كنت أنا وأمي ممن عذر الله، يعني المستضعفين، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لهؤلاء المستضعفين في الصلاة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا معاذ بن فضالة، أنا هشام، عن يحيى ~~هو ابن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه "أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا قال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد في الركعة ~~الآخرة من صلاة العشاء قنت اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة اللهم أنج الوليد ~~اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك ~~على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف " (1) . # قوله تعالى: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة} ~~قال علي بن أبي PageV02P273 # طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {مراغما} أي: متحولا يتحول إليه، وقال ~~مجاهد: متزحزحا عما يكره، وقال أبو عبيدة: المراغم: يقال: راغمت قومي ~~وهاجرتهم، وهو المضطرب والمذهب. # روي أنه لما نزلت هذه الآية سمعها رجل من بني ليث شيخ كبير مريض يقال له ~~جندع بن ضمرة، فقال: والله ما أبيت الليلة بمكة، أخرجوني، فخرجوا به ~~يحملونه على سرير حتى أتوا به التنعيم فأدركه الموت، فصفق يمينه على شماله ~~ثم قال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك، فمات ~~فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلى ms0660 الله عليه وسلم، فقالوا: لو وافى المدينة ~~لكان أتم وأوفى أجرا، وضحك المشركون وقالوا: 94/ب ما أدرك هذا ما طلب، ~~فأنزل الله: {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت} (1) ~~. أي: قبل بلوغه إلى مهاجره، {فقد وقع} أي: وجب {أجره على الله} بإيجابه ~~على نفسه فضلا منه، {وكان الله غفورا رحيما} ### || # {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (101) } # قوله عز وجل: {وإذا ضربتم في الأرض} أي: سافرتم، {فليس عليكم جناح} أي: ~~حرج وإثم {أن تقصروا من الصلاة} يعني من أربع ركعات إلى ركعتين، وذلك في ~~صلاة الظهر والعصر والعشاء {إن خفتم أن يفتنكم} أي: يغتالكم ويقتلكم {الذين ~~كفروا} في الصلاة، نظيره قوله تعالى: "على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم" ~~(يونس -83) أي: يقتلهم. # {إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا} أي: ظاهر العداوة. # اعلم أن قصر الصلاة في السفر جائز بإجماع الأمة، واختلفوا في جواز ~~الإتمام: فذهب أكثرهم إلى أن القصر واجب، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وجابر ~~وابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة وهو ~~قول مالك وأصحاب الرأي، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "الصلاة ~~أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر" (2) . # وذهب قوم إلى جواز الإتمام، روي ذلك عن عثمان وسعد بن أبي وقاص رضي الله ~~عنهما، وبه قال الشافعي رضي الله عنه، إن شاء أتم وإن شاء قصر، والقصر ~~أفضل. PageV02P274 # [أخبرنا الإمام عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد ~~الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا إبراهيم بن ~~محمد، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة أم المؤمنين رضي ~~الله عنها قالت: "كل ذلك قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة ~~وأتم" (1) . # وظاهر القرآن يدل على هذا، لأنه قال: {فليس عليكم جناح ms0661 أن تقصروا من ~~الصلاة} ولفظ لا جناح إنما يستعمل في الرخص لا فيما يكون حتما، فظاهر الآية ~~[يوجب أن القصر] (2) لا يجوز إلا عند الخوف وليس الأمر على ذلك، إنما نزلت ~~الآية على غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثرها لم يخل عن خوف ~~العدو. # والقصر جائز في السفر في حال الأمن عند عامة أهل العلم، والدليل عليه ما ~~أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو ~~العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا مسلم بن خالد وعبد المجيد بن ~~عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن جريج، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ~~عمار، عن عبد الله بن باباه، عن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: إنما قال الله تعالى {أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا} وقد أمن الناس، فقال عمر رضي الله عنه: عجبت مما عجبت منه، ~~فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، ~~فاقبلوا صدقته" (3) . # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا ~~أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا عبد الوهاب، عن أيوب ~~السختياني، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سافر رسول ~~الله بين مكة والمدينة آمنا لا يخاف إلا الله فصلى ركعتين" (4) . # وذهب قوم إلى أن ركعتي المسافر ليستا بقصر إنما القصر أن يصلي ركعة واحدة ~~في الخوف، يروى ذلك عن جابر رضي الله عنه وهو قول عطاء وطاووس والحسن ~~ومجاهد، وجعلوا شرط الخوف المذكور في الآية: باقيا وذهب أكثر أهل العلم إلى ~~أن الاقتصار على ركعة واحدة لا يجوز خائفا كان أو آمنا. # واختلف أهل العلم في مسافة القصر، فقالت طائفة: يجوز القصر في السفر ~~الطويل والقصير، روي PageV02P275 # ذلك عن أنس رضي الله عنه، وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: اقصر ~~بعرفة، أما عامة الفقهاء فلا ms0662 يجوزون القصر في السفر القصير. # واختلف في حد ما يجوز به القصر، فقال الأوزاعي: مسيرة يوم، وكان ابن عمر ~~وابن عباس رضي الله عنهم يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخا، ~~وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحاق، وقول الحسن والزهري قريب من ذلك، قالا مسيرة ~~يومين، وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه، قال: مسيرة ليلتين قاصدتين، وقال ~~في موضع: ستة وأربعون ميلا بالهاشمي، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: ~~مسيرة ثلاثة أيام. # وقيل: قوله {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} متصل بما بعده من صلاة الخوف ~~منفصل عما قبله، روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: نزل قوله {فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة} هذا القدر، ثم بعد حول سألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن صلاة الخوف فنزل: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين ~~كانوا لكم عدوا مبينا} {وإذا كنت فيهم} (1) الآية. ومثله في القرآن كثير أن ~~يجيء الخبر بتمامه ثم ينسق عليه خبر آخر، وهو في الظاهر كالمتصل به، وهو ~~منفصل عنه، كقوله تعالى: " الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين" (يوسف -51) ، وهذه حكاية عن امرأة العزيز، وقوله: "ذلك ليعلم أني ~~لم أخنه بالغيب" (يوسف -52) إخبار عن يوسف عليه السلام. PageV02P276 ### || # {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102) ~~} # قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} روى الكلبي عن أبي صالح عن ~~ابن عباس (1) PageV02P276 # وجابر (1) رضي الله عنهم أن المشركين لما رأوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه قاموا إلى الظهر يصلون جماعة ندموا أن لو كانوا كبوا عليهم، ~~فقال بعضهم لبعض: دعوهم فإن لهم بعدها ms0663 صلاة هي أحب إليهم من آبائهم ~~وأبنائهم، يعني صلاة العصر، فإذا قاموا فيها فشدوا عليهم فاقتلوهم، فنزل ~~جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إنها صلاة الخوف وإن الله عز وجل يقول: ~~{وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} فعلمه صلاة الخوف. # وجملته: أن العدو إذا كانوا في معسكرهم في غير ناحية القبلة فيجعل الإمام ~~القوم فرقتين فتقف طائفة وجاه العدو تحرسهم، ويشرع الإمام مع طائفة في ~~الصلاة، فإذا صلى بهم ركعة قام وثبت قائما حتى أتموا صلاتهم، ذهبوا إلى ~~وجاه العدو ثم أتت الطائفة الثانية فصلى بهم الركعة الثانية، وثبت جالسا ~~حتى أتموا لأنفسهم الصلاة، ثم يسلم بهم، وهذه رواية سهل بن أبي حثمة رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بذات الرقاع، وإليه ذهب ~~مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. # أنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا ~~أبو مصعب، عن مالك، عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه وصفت ~~طائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم، ثم ~~انصرفوا وصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت ~~ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسم ثم سلم بهم (2) . قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت ~~في صلاة الخوف (3) . # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا مسدد أنا يحيى عن شعبة عن عبد الرحمن بن ~~القاسم، عن أبيه عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنهم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بهذا (4) . # وذهب قوم إلى أن الإمام إذا قام إلى الركعة الثانية تذهب الطائفة الأولى ~~في خلال الصلاة إلى وجاه العدو وتأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم الركعة ~~الثانية ويسلم وهم لا يسلمون بل يذهبون إلى وجاه العدو، وتعود الطائفة ~~الأولى فتتم صلاتها، ثم تعود الطائفة ms0664 الثانية فتتم صلاتها، وهذه رواية عبد ~~الله بن عمر رضي PageV02P277 # الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك. وهو قول أصحاب الرأي. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، أنا أبو عيسى ~~الترمذي، أنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، أنا يزيد بن زريع، أنا ~~معمر، عن الزهري، عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة ~~الخوف بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا ~~فقاموا في مقام أولئك وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم بهم، فقام ~~هؤلاء فصلوا ركعتهم (1) . # وكلتا الروايتين صحيحة، فذهب قوم إلى أن هذا من الاختلاف المباح، وذهب ~~الشافعي رضي الله عنه إلى حديث سهل بن أبي حثمة لأنه أشد موافقة لظاهر ~~القرآن وأحوط للصلاة وأبلغ في حراسة العدو، وذلك لأن الله تعالى قال: {فإذا ~~سجدوا فليكونوا من ورائكم} أي: إذا صلوا، ثم قال: {ولتأت طائفة أخرى لم ~~يصلوا} وهذا يدل على أن الطائفة الأولى قد صلوا، 95/أوقال: {فليصلوا معك} ~~فمقتضاه أن يصلوا تمام الصلاة، فظاهره يدل أن كل طائفة تفارق الإمام بعد ~~تمام الصلاة، والاحتياط لأمر الصلاة من حيث أنه لا يكثر فيها العمل والذهاب ~~والمجيء والاحتياط لأمر الحرب من حيث أنهم إذا لم يكونوا في الصلاة كان ~~أمكن للحرب والهرب إن احتاجوا إليه. # ولو صلى الإمام أربع ركعات بكل طائفة ركعتين جاز. أنا الإمام أبو علي ~~الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين الإسفرايني، أنا ~~أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، قال أنا الضعاني، أنا عفان بن مسلم، ثنا ~~أبان العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله قال: ~~أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع وكنا إذا ~~أتينا على شجرة ظليلة تركنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال فجاء رجل ~~من ms0665 المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بشجرة فأخذ سيف نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم فاخترطه فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أتخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك، قال فتهدده ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأغمد السيف وعلقه فنودي ~~بالصلاة، قال فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين: ~~قال: فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان" (2) . # أخبرنا عبد الوهاب بن الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو ~~العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي أخبرني الثقة ابن علية أو غيره، عن ~~يونس، عن الحسن، عن جابر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV02P278 # كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن نخل، فصلى بطائفة ركعتين ثم ~~سلم، ثم جاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعتين ثم سلم (1) . # وروي عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف ~~أنه صلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا" (2) ورواه زيد بن ثابت وقال: ~~"كانت للقوم ركعة واحدة وللنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان" (3) . # وتأوله قوم على صلاة شدة الخوف، وقالوا: الفرض في هذه الحالة ركعة واحدة. # وأكثر أهل العلم على أن الخوف لا ينقص عدد الركعات، وإن كان العدو في ~~ناحية القبلة في مستوى إن حملوا عليهم رأوهم صلى الإمام بهم جميعا وحرسوا ~~في السجود، كما أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو نعيم ~~الإسفرايني، أنا أبو عوانة الحافظ، أنا عمار، أنا يزيد بن هارون، أخبرنا ~~عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر رضي الله عنهما قال: صلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصففنا خلفه صفين، والعدو بيننا وبين ~~القبلة فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعا ثم ركع وركعنا جميعا ثم ~~رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر للسجود والصف الذي يليه، وقام ~~الصف المؤخر نحر العدو ms0666 فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود وقام ~~الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود [ثم قاموا ثم] (4) تقدم الصف ~~المؤخر، وتأخر المقدم ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعا، ثم ~~رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي ~~كان مؤخرا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود ~~فسجدوا، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعا قال جابر رضي الله ~~عنه: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم (5) . # واعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. عند عامة أهل ~~العلم. ويحكى عن بعضهم عدم الجواز ولا وجه له. PageV02P279 # وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: كل حديث روي في أبواب صلاة ~~الخوف فالعمل به جائز، روي فيها ستة أوجه أو سبعة أوجه. # وقال مجاهد (1) في سبب نزول هذه الآية عن ابن عياش الزرقي قال: كنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلينا ~~الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة لو حملنا عليهم، وهم في الصلاة فنزلت ~~الآية بين الظهر والعصر. # قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم} أي: شهيدا معهم فأقمت لهم الصلاة، {فلتقم ~~طائفة منهم معك} أي: فلتقف، كقوله تعالى: "وإذا أظلم عليهم قاموا" (البقرة ~~-20) أي: وقفوا، {وليأخذوا أسلحتهم} واختلفوا في الذين يأخذون أسلحتهم، ~~فقال بعضهم: أراد هؤلاء الذين وقفوا مع الإمام يصلون يأخذون الأسلحة في ~~الصلاة، فعلى هذا إنما يأخذه إذا كان لا يشغله عن الصلاة، ولا يؤذي من ~~بجنبه [فإذا شغلته حركته وثقلته عن الصلاة كالجعبة والترس الكبير أو كان ~~يؤذي من جنبه] (2) كالرمح فلا يأخذه. # وقيل: وليأخذوا أسلحتهم أي: الباقون الذين قاموا في وجه العدو، {فإذا ~~سجدوا} أي: صلوا، {فليكونوا من ورائكم} يريد مكان الذين هم وجاه العدو، ~~{ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا} وهم الذين كانوا في وجه العدو، {فليصلوا معك ms0667 ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} قيل: هؤلاء الذين أتوا، وقيل: هم الذين صلوا، {ود ~~الذين كفروا} يتمنى الكفار، {لو تغفلون} أي: لو وجدوكم غافلين، {عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة} فيقصدونكم ويحملون عليكم حملة واحدة. # {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم} ~~رخص في وضع السلاح في حال المطر والمرض، لأن السلاح يثقل حمله في هاتين ~~الحالتين، {وخذوا حذركم} أي: راقبوا العدو كيلا يتغفلوكم، والحذر ما يتقى ~~به من العدو. # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه غزا محاربا وبنى أنمار، فنزلوا ولا يرون من ~~العدو أحدا، فوضع الناس أسلحتهم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة ~~له قد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش، فحال الوادي بين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل ~~شجرة فبصر به غورث بن الحارث المحاربي فقال: قتلني الله إن لم أقتله، ثم ~~انحدر من الجبل ومعه السيف فلم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ~~وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سله من غمده فقال: يا محمد من يعصمك مني ~~الآن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله، ثم قال: اللهم اكفني ~~PageV02P280 # غورث بن الحارث بما شئت، ثم أهوى بالسيف إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليضربه فأكب لوجهه من زلخة زلخها من بين كتفيه، وندر سيفه فقام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخذه ثم قال: يا غورث من يمنعك مني الآن؟ قال: لا ~~أحد، قال تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأعطيك سيفك؟ 95/ب ~~قال: لا ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبدا ولا أعين عليك عدوا، فأعطاه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سيفه، فقال غورث: والله لأنت خير مني، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أجل أنا أحق ms0668 بذلك منك، فرجع غورث إلى أصحابه فقالوا: ويلك ~~ما منعك منه؟ قال: لقد أهويت إليه بالسيف لأضربه فوالله ما أدري من زلخني ~~بين كتفي فخررت لوجهي، وذكر حاله قال: وسكن الوادي فقطع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الوادي إلى أصحابه فأخبرهم الخبر وقرأ عليهم هذه الآية: (1) {ولا ~~جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا ~~حذركم} أي: من عدوكم. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية كان عبد الرحمن بن عوف ~~جريحا. # {إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا} يهانون فيه، والجناح: الإثم، من ~~جنحت: إذا عدلت عن القصد. ### || # {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103) } # {فإذا قضيتم الصلاة} يعني: صلاة الخوف، أي: فرغتم منها، {فاذكروا الله} ~~أي صلوا لله {قياما} في حال الصحة، {وقعودا} في حال المرض، {وعلى جنوبكم} ~~عند الحرج والزمانة، وقيل: اذكروا الله بالتسبيح والتحميد والتهليل ~~والتمجيد، على كل حال. # أخبرنا عمرو بن عبد العزيز الكاشاني، أنا القاسم بن جعفر الهاشمي، أنا ~~أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، أنا أبو داود السجستاني، أنا محمد بن ~~العلاء، أنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن خالد بن سلمة، عن الزهري، عن عروة، ~~عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله ~~على كل أحيانه" (2) . # {فإذا اطمأننتم} أي: سكنتم وأمنتم، {فأقيموا الصلاة} أي: أتموها أربعا ~~بأركانها، {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} قيل: واجبا مفروضا ~~مقدرا في الحضر أربع ركعات وفي السفر PageV02P281 # ركعتان، وقال مجاهد: أي فرضا مؤقتا وقته الله عليهم. # وقد جاء بيان أوقات الصلاة في الحديث، أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، ~~أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا أبو بكر ~~عبد الله بن هاشم، حدثنا وكيع، أنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارس، عن ~~عياش بن أبي ربيعة الزرقي، عن حكيم ms0669 بن حكيم عن عباد بن حنيف، عن نافع بن ~~جبير بن مطعم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، ~~وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على ~~الصائم، وصلى بي الغد الظهر حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى بي العصر حين كان ~~ظل كل شيء مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء ثلث ~~الليل الأول، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلي قال: يا محمد هذا وقت ~~النبيين من قبلك، الوقت ما بين هذين الوقتين" (1) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو بكر بن الحسن الحيري، أنا ~~وكيع، أنا حاجب بن أحمد، ثنا عبد الله بن هشام، ثنا وكيع ثنا بدر بن عثمان، ~~ثنا أبو بكر بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن سائلا أتاه فسأله عن مواقيت الصلاة، قال: فلم يرد عليه شيئا ~~ثم أمر بلالا فأذن ثم أمره فأقام الصلاة حين انشق الفجر فصلى، ثم أمره ~~فأقام الظهر، والقائل يقول: قد زالت الشمس أو لم تزل، وهو كان أعلم منهم، ~~ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين ~~وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين سقوط الشفق، قال: وصلى الفجر من ~~الغد، والقائل يقول: طلعت الشمس أو لم تطلع، وصلى الظهر قريبا من وقت العصر ~~بالأمس وصلى العصر والقائل يقول قد احمرت الشمس وصلى المغرب قبل أن يغيب ~~الشفق الأحمر، وصلى العشاء ثلث الليل الأول، ثم قال: أين السائل عن الوقت؟ ~~فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: "ما بين هذين الوقتين وقت" (2) . ### || # {ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (104) } # قوله تعالى: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم} الآية، سبب نزولها ms0670 أن أبا سفيان ~~وأصحابه لما رجعوا يوم PageV02P282 # أحد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طائفة في آثارهم فشكوا ألم ~~الجراحات، فقال الله تعالى: {ولا تهنوا} (1) أي: لا تضعفوا {في ابتغاء ~~القوم} في طلب أبي سفيان وأصحابه، {إن تكونوا تألمون} تتوجعون من الجراح، ~~{فإنهم يألمون} أي: يتوجعون، يعني الكفار، {كما تألمون وترجون من الله ما ~~لا يرجون} أي: وأنتم مع ذلك تأملون من الأجر والثواب في الآخرة والنصر في ~~الدنيا ما لا يرجون، وقال بعض المفسرين: المراد بالرجاء الخوف، لأن كل راج ~~خائف أن لا يدرك مأموله. # ومعنى الآية: وترجون من الله أي: تخافون من الله أي: تخافون من عذاب الله ~~ما لا يخافون، قال الفراء رحمه الله: ولا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلا مع ~~الجحد، كقوله تعالى: "قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله" ~~(الجاثية -14) أي: لا يخافون، وقال تعالى: "ما لكم لا ترجون لله وقارا" ~~(نوح -13) أي: لا تخافون لله عظمته، ولا يجوز رجوتك بمعنى: خفتك ولا خفتك ~~وأنت تريد رجوتك {وكان الله عليما حكيما} ### || # {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن ~~للخائنين خصيما (105) } # قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك ~~الله} الآية، روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في ~~رجل من الأنصار يقال له طعمة بن أبيرق من بني ظفر بن الحارث سرق درعا من ~~جار له يقال له قتادة بن النعمان، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق فجعل ~~الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار، ثم خبأها عند رجل من ~~اليهود، يقال له زيد بن السمين، فالتمست الدرع عند طعمة فحلف: بالله ما ~~أخذها وما له بها من علم، فقال أصحاب الدرع: لقد رأينا أثر الدقيق حتى دخل ~~داره، فلما حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي فأخذوه منه، ~~فقال اليهودي دفعها إلي طعمة بن أبيرق، فجاء بنو ظفر وهم قوم طعمة إلى ms0671 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا له: إنك إن لم ~~تفعل افتضح صاحبنا، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاقب اليهودي. ~~ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أخرى أن طعمة سرق الدرع في جراب ~~فيه نخالة فخرق الجراب حتى كان يتناثر منه النخالة طول الطريق فجاء به إلى ~~دار زيد السمين وتركه على بابه، وحمل الدرع إلى بيته، فلما أصبح صاحب الدرع ~~جاء على أثر النخالة إلى دار زيد السمين فأخذه وحمله إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع يد زيد اليهودي، وقال ~~مقاتل: إن زيدا PageV02P283 # السمين أودع درعا عند طعمة فجحدها طعمة فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) ، ~~فقال: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} بالأمر والنهي والفصل، {لتحكم بين ~~الناس بما أراك الله} بما علمك الله وأوحى إليك، {ولا تكن للخائنين} [طعمة] ~~(2) {خصيما} معينا مدافعا عنه. PageV02P284 ### || # {واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106) ولا تجادل عن الذين يختانون ~~أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما (107) يستخفون من الناس ولا ~~يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما ~~يعملون محيطا (108) } # {واستغفر الله} مما هممت من معاقبة اليهودي، وقال مقاتل: واستغفر الله من ~~جدالك عن طعمة {إن الله كان غفورا رحيما} # {ولا تجادل} لا تخاصم، {عن الذين يختانون أنفسهم} أي: يظلمون أنفسهم ~~بالخيانة والسرقة، {إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما} يريد خوانا في ~~الدرع، أثيما في رميه اليهودي، قيل: إنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد به غيره، كقوله تعالى: "فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك"، ~~والاستغفار في حق الأنبياء بعد النبوة على أحد الوجوه الثلاثة: إما لذنب ~~تقدم على النبوة أو لذنوب أمته وقرابته، أو لمباح جاء الشرع بتحريه (1) ~~فيتركه بالاستغفار، فالاستغفار يكون معناه: السمع والطاعة لحكم الشرع. # {يستخفون من الناس} أي: يستترون ويستحيون من الناس، يريد بني ظفر ms0672 بن ~~الحارث، {ولا يستخفون من الله} أي: لا يستترون ولا يستحيون من الله، {وهو ~~معهم إذ يبيتون} يقولون ويؤلفون، والتبييت: تدبير الفعل ليلا {ما لا يرضى ~~من القول} وذلك أن قوم طعمة قالوا فيما بينهم: نرفع الأمر إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإنه يسمع قوله ويمينه لأنه مسلم ولا يسمع من اليهودي فإنه ~~كافر، فلم يرض الله ذلك PageV02P284 # منهم، {وكان الله بما يعملون محيطا} ثم يقول لقوم طعمة: ### || # {ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم ~~القيامة أم من يكون عليهم وكيلا (109) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم ~~يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (110) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على ~~نفسه وكان الله عليما حكيما (111) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا ~~فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا (112) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة ~~منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك ~~الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (113) } # PageV02P285 # {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ~~ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114) } # {ها أنتم هؤلاء} أي: يا هؤلاء، {جادلتم} أي: خاصمتم، {عنهم} يعني: عن ~~طعمة، وفي قراءة أبي بن كعب: عنه {في الحياة الدنيا} والجدال: شدة المخاصمة ~~من الجدل، وهو شدة الفتل، فهو يريد فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج، وقيل: ~~الجدال من الجدالة، وهي الأرض، فكأن كل واحد من الخصمين يروم قهر صاحبه ~~وصرعه على الجدالة، {فمن يجادل الله عنهم} يعني: عن طعمة، {يوم القيامة} ~~إذا أخذه الله بعذابه، {أم من يكون عليهم وكيلا} كفيلا أي: من الذي يذب ~~عنهم، ويتولى أمرهم يوم القيامة؟ ثم استأنف فقال: # {ومن يعمل سوءا} يعني السرقة، {أو يظلم نفسه} برميه البريء، وقيل: ومن ~~يعمل سوءا أي: شركا أو يظلم نفسه: يعني: إثما دون الشرك، {ثم يستغفر الله} ~~أي: يتب إليه ms0673 ويستغفره، {يجد الله غفورا رحيما} يعرض التوبة على طعمة في ~~هذه الآية. # {ومن يكسب إثما} يعني: يمين طعمة بالباطل، أي: ما سرقته إنما سرقه ~~اليهودي {فإنما يكسبه على نفسه} فإنما يضر به نفسه، {وكان الله عليما} ~~بسارق الدرع {حكيما} حكم بالقطع على السارق. # {ومن يكسب خطيئة} أي: سرقة الدرع، {أو إثما} يمينه الكاذبة، {ثم يرم به} ~~أي: يقذف بما جنى {بريئا} منه وهو نسبة السرقة إلى اليهودي {فقد احتمل ~~بهتانا} البهتان: هو البهت، وهو الكذب الذي يتحير في عظمه، {وإثما مبينا} ~~أي: ذنبا بينا، وقوله {ثم يرم به} ولم يقل بهما بعد ذكر الخطيئة والإثم، رد ~~الكناية إلى الإثم، أو جعل الخطيئة والإثم كالشيء الواحد. # قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليك ورحمته} يقول للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: {لهمت} لقد همت أي: # PageV02P285 # أضمرت، {طائفة منهم} يعني: قوم طعمة، {أن يضلوك} يخطئوك في الحكم ويلبسوا ~~عليك الأمر حتى تدافع عن طعمة، {وما يضلون إلا أنفسهم} يعني يرجع وباله ~~عليهم، {وما يضرونك من شيء} يريد أن ضرره يرجع إليهم، {وأنزل الله عليك ~~الكتاب} يعني: القرآن، {والحكمة} يعني: القضاء بالوحي {وعلمك ما لم تكن ~~تعلم} من الأحكام، وقيل: من علم الغيب، {وكان فضل الله عليك عظيما} . # قوله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم} يعني: قوم طعمة، وقال مجاهد: ~~الآية عامة في حق جميع الناس، والنجوى: هي الإسرار في التدبير، وقيل: ~~النجوى ما ينفرد بتدبيره قوم سرا كان أو جهرا، فمعنى الآية: لا خير في كثير ~~مما يدبرونه بينهم، {إلا من أمر بصدقة} أي: إلا في نجوى من أمر بصدقة، ~~فالنجوى تكون فعلا وقيل: هذا استثناء منقطع، يعني: لكن من أمر بصدقة، وقيل ~~النجوى ها هنا: الرجال المتناجون، كما قال الله تعالى "وإذ هم نجوى" ~~(الإسراء -47) . {إلا من أمر بصدقة} أي: حث عليها، {أو معروف} أي: بطاعة ~~الله وما يعرفه الشرع، وأعمال البر كلها معروف، لأن العقول تعرفها. # {أو إصلاح بين الناس} أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو بكر أحمد ~~بن ms0674 الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا محمد بن حماد، أنا أبو ~~معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم هو ابن أبي الجعد، عن أم ~~الدرداء رضي الله عنها، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة"؟ قال: قلنا بلى، ~~قال: "إصلاح ذات البين. وفساد ذات البين هي الحالقة" (1) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد ~~الله بن بشران، أنا إسماعيل PageV02P286 # ابن محمد الصفار، أنا أحمد بن منصور الرمادي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، ~~عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة، وكانت من ~~المهاجرات الأول، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس ~~بالكذاب من أصلح بين الناس فقال خيرا أو نمى خيرا" (1) . # قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك} أي: هذه الأشياء التي ذكرها، {ابتغاء مرضاة ~~الله} أي: طلب رضاه، {فسوف نؤتيه} في الآخرة، {أجرا عظيما} قرأ أبو عمرو ~~وحمزة {يؤتيه} بالياء، يعني: يؤتيه الله، وقرأ الآخرون بالنون. ### || # {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا (116) } # قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول} نزلت في طعمة بن أبيرق وذلك أنه لما ظهرت ~~عليه السرقة خاف على نفسه من قطع اليد والفضيحة، فهرب إلى مكة وارتد عن ~~الدين، فقال تعالى: {ومن يشاقق الرسول} أي: يخالفه، {من بعد ما تبين له ~~الهدى} التوحيد والحدود {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [أي: غير طريق المؤمنين ~~{نوله ما تولى} أي: نكله في الآخرة] (2) 96/ب إلى ما تولى في الدنيا، ~~{ونصله جهنم وساءت مصيرا} # روي أن طعمة بن أبيرق نزل على رجل من بني سليم من أهل مكة يقال له الحجاج ~~بن علاط، فنقب بيته فسقط عليه حجر فلم ms0675 يستطع أن يدخل ولا أن يخرج حتى أصبح، ~~فأخذ ليقتل، فقال بعضهم: دعوه فإنه قد لجأ إليكم فتركوه فأخرجوه من مكة، ~~فخرج مع تجار من قضاعة نحو الشام، فنزلوا منزلا فسرق بعض متاعهم وهرب، ~~فطلبوه وأخذوه ورموه بالحجارة حتى قتلوه، فصار قبره تلك الحجارة، وقيل: إنه ~~ركب سفينة إلى جدة فسرق فيها كيسا فيه دنانير فأخذ، فألقي في البحر، وقيل: ~~إنه نزل في حرة بني سليم وكان يعبد صنما إلى أن مات فأنزل الله تعالى فيه: # {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله ~~فقد ضل ضلالا بعيدا} أي: ذهب عن الطريق وحرم الخير كله، وقال الضحاك عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما (3) إن PageV02P287 # هذه الآية نزلت في شيخ من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا نبي الله إني شيخ متهتك (1) في الذنوب، إلا أني لم أشرك بالله ~~شيئا منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه وليا ولم أواقع المعاصي جرأة ~~على الله، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربا، وإني لنادم تائب مستغفر ~~فما حالي؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. ### || # {إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا (117) لعنه الله ~~وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (118) } # قوله تعالى: {إن يدعون من دونه إلا إناثا} نزلت في أهل مكة، أي: ما ~~يعبدون، كقوله تعالى: "وقال ربكم ادعوني" (غافر -60) أي: اعبدوني، بدليل ~~قوله تعالى: "إن الذين يستكبرون عن عبادتي" (غافر -60) ، قوله: {من دونه} ~~أي: من دون الله، {إلا إناثا} أراد بالإناث الأوثان لأنهم كانوا يسمونها ~~باسم الإناث، فيقولون: اللات والعزى ومناة، وكانوا يقولون لصنم كل قبيلة: ~~أنثى بني فلان فكان في كل واحدة منهن شيطان يتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم، ~~ولذلك قال: {وإن يدعون إلا شيطانا} هذا قول أكثر المفسرين. # يدل على صحة هذا التأويل -أن المراد بالإناث الأوثان -: قراءة ابن عباس ~~رضي الله عنه {إن يدعون من دونه إلا أثنا} جمع جمع الوثن ms0676 فصير الواو همزة ~~(2) ، وقال الحسن وقتادة: إلا إناثا أي: مواتا لا روح فيه، لأن أصنامهم ~~كانت من الجمادات، سماها إناثا لأنه يخبر عن الموات، كما يخبر عن الإناث، ~~ولأن الإناث أدون الجنسين، كما أن الموات أرذل من الحيوان، وقال الضحاك: ~~أراد بالإناث الملائكة، وكان بعضهم يعبدون الملائكة ويقولون: الملائكة ~~إناث، كما قال الله تعالى: "وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا" ~~(الزخرف -19) {وإن يدعون إلا شيطانا مريدا} أي: وما يعبدون إلا شيطانا ~~مريدا لأنهم إذا عبدوا الأصنام فقد أطاعوا الشيطان، والمريد: المارد، وهو ~~المتمرد العاتي الخارج عن الطاعة، وأراد: إبليس. # {لعنه الله} أي: أبعده الله من رحمته، {وقال} يعني: قال إبليس، {لأتخذن ~~من عبادك نصيبا مفروضا} أي: حظا معلوما، فما أطيع فيه إبليس فهو مفروضه، ~~وفي بعض التفاسير: من كل ألف واحد لله تعالى وتسعمائة وتسعة وتسعون لإبليس، ~~وأصل الفرض في اللغة: القطع، ومنه الفرضة في PageV02P288 # النهر وهي الثلمة تكون فيه، وفرض القوس والشراك: للشق الذي يكون فيه ~~الوتر والخيط الذي يشد به الشراك. ### || # {ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (119) يعدهم ~~ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120) أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون ~~عنها محيصا (121) } # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (122) ليس بأمانيكم ~~ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا ~~نصيرا (123) } # {ولأضلنهم} يعني: عن الحق، أي: لأغوينهم، يقوله إبليس، وأراد به التزيين، ~~وإلا فليس إليه من الإضلال شيء، كما قال: "لأزينن لهم في الأرض" (الحجر ~~-39) {ولأمنينهم} قيل: أمنينهم ركوب الأهواء، وقيل: أمنينهم أن لا جنة ولا ~~نارولا بعث، وقيل: أمنينهم إدراك الآخرة مع ركوب المعاصي، {ولآمرنهم ~~فليبتكن آذان الأنعام} أي: يقطعونها ويشقونها، وهي البحيرة {ولآمرنهم ~~فليغيرن خلق الله} قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن ومجاهد وسعيد بن ~~المسيب والضحاك: يعني ms0677 دين الله، نظيره قوله تعالى: "لا تبديل لخلق الله" ~~(الروم -30) أي: لدين الله، يريد وضع الله في الدين بتحليل الحرام وتحريم ~~الحلال. # وقال عكرمة وجماعة من المفسرين: فليغيرن خلق الله بالخصاء والوشم وقطع ~~الآذان حتى حرم بعضهم الخصاء وجوزه بعضهم في البهائم، لأن فيه غرضا ظاهرا، ~~وقيل: تغيير خلق الله هو أن الله تعالى خلق الأنعام للركوب والأكل فحرموها، ~~وخلق الشمس والقمر والأحجار لمنفعة العباد فعبدوها من دون الله، {ومن يتخذ ~~الشيطان وليا من دون الله} أي: ربا يطيعه، {فقد خسر خسرانا مبينا} # {يعدهم ويمنيهم} فوعده وتمنيته ما يوقع في قلب الإنسان من طول العمر ونيل ~~الدنيا، وقد يكون بالتخويف بالفقر فيمنعه من الإنفاق وصلة الرحم كما قال ~~الله تعالى: "الشيطان يعدكم الفقر" (البقرة -268) ويمنيهم بأن لا بعث ولا ~~جنة ولا نار {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} أي: باطلا. # {أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا} أي: مفرا ومعدلا عنها. # قوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار} # PageV02P289 # أي: من تحت الغرف والمساكن، {خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من ~~الله قيلا} # قوله تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} الآية. قال مسروق ~~وقتادة والضحاك: أراد ليس بأمانيكم أيها المسلمون ولا أماني أهل الكتاب ~~يعني اليهود والنصارى، وذلك أنهم افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل ~~نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نبينا خاتم ~~الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب، وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا ~~فنحن أولى (1) . # وقال مجاهد: {ليس بأمانيكم} يا مشركي أهل الكتاب، وذلك أنهم قالوا: لا ~~بعث ولا حساب، وقال أهل الكتاب: "لن تمسنا النار إلا أياما معدودة" (البقرة ~~-80) "لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى" (البقرة -111) ، فأنزل الله ~~تعالى: {ليس بأمانيكم} (2) أي: ليس الأمر بالأماني وإنما الأمر بالعمل ~~الصالح. # {من يعمل سوءا يجز به} وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وجماعة: الآية عامة ~~في حق كل عامل. # وقال الكبي عن أبي صالح عن ابن عباس ms0678 رضي الله عنهما: لما نزلت هذه الآية ~~شقت على المسلمين وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءا غيرك فكيف ~~الجزاء؟ قال: "منه ما يكون في الدنيا، فمن يعمل حسنة فله عشر حسنات، ومن ~~جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشر، وبقيت له تسع حسنات، فويل لمن غلبت آحاده ~~أعشاره، وأما ما يكون جزاء في الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته، فيلقى ~~مكان كل سيئة حسنة وينظر في الفضل، فيعطى الجزاء في الجنة فيؤتي كل ذي فضل ~~فضله" (3) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد العبدوسي، ~~ثنا أبو بكر أحمد بن سليمان الفقيه ببغداد، ثنا يحيى بن جعفر بن الزبرقان ~~والحرث بن محمد، قالا ثنا روح هو ابن عبادة، ثنا موسى بن عبيدة، أخبرني ~~مولى بن سباع: سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~قال: كنت عند 97/أرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه هذه الآية: {من ~~يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا} قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت علي؟ قال: قلت بلى، ~~قال: فأقرأنيها، قال: ولا أعلم إلا أني وجدت انفصاما في ظهري حتى تمطيت ~~لها، فقال رسول PageV02P290 # الله صلى الله عليه وسلم: ما لك يا أبا بكر؟ فقلت يا رسول الله بأبي أنت ~~وأمي وأينا لم يعمل سوءا؟ إنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فتجزون بذلك في ~~الدنيا حتى تلقوا الله، وليست لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى ~~يجزوا يوم القيامة" (1) . ### || # {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا ~~يظلمون نقيرا (124) ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا (125) } # قوله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون ms0679 الجنة ولا يظلمون نقيرا} أي: مقدار النقير، وهو النقرة التي تكون في ~~ظهر النواة، قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأهل البصرة وأبو بكر {يدخلون} بضم ~~الياء وفتح الخاء هاهنا وفي سورة مريم وحم المؤمن، زاد أبو عمرو: " ~~يدخلونها " في سورة فاطر، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الخاء. # روى الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: لما نزلت {ليس بأمانيكم ولا أماني ~~أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به} قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء، فنزلت ~~هذه الآية: {ومن يعمل من الصالحات} الآية (2) ، ونزلت أيضا: # {ومن أحسن دينا} أحكم دينا {ممن أسلم وجهه لله} أي أخلص عمله لله، وقيل: ~~فوض أمره إلى الله، {وهو محسن} أي: موحد، {واتبع ملة إبراهيم} يعني: دين ~~إبراهيم عليه السلام، {حنيفا} أي: مسلما مخلصا، قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: ومن دين إبراهيم الصلاة إلى الكعبة PageV02P291 # والطواف بها ومناسك الحج، وإنما خص إبراهيم لأنه كان مقبولا عند الأمم ~~أجمع، وقيل: لأنه بعث على ملة إبراهيم وزيد له أشياء. # {واتخذ الله إبراهيم خليلا} صفيا، والخلة: صفاء المودة، وقال الكلبي عن ~~أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان إبراهيم عليه السلام أبا ~~الضيفان، وكان منزله على ظهر الطريق يضيف من مر به من الناس، فأصاب الناس ~~سنة فحشروا إلى باب إبراهيم عليه السلام يطلبون الطعام وكانت الميرة له كل ~~سنة من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي له بمصر، فقال ~~خليله لغلمانه: لو كان إبراهيم عليه السلام إنما يريده لنفسه احتملنا ذلك ~~له، فقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل إبراهيم عليه ~~السلام، فمروا ببطحاء فقالوا: [إنا لو] (1) حملنا من هذه البطحاء ليرى ~~الناس أنا قد جئنا بميرة، فإنا نستحي أن نمر بهم وإبلنا فارغة، فملؤوا تلك ~~الغرائر سهلة، ثم أتوا إبراهيم فأعلموه وسارة نائمة، فاهتم إبراهيم لمكان ~~الناس ببابه، فغلبته عيناه فنام واستيقظت سارة وقد ارتفع النهار، فقالت: ~~سبحان الله ما جاء الغلمان؟ قالوا: بلى، قالت: فما جاءوا ms0680 بشيء؟ قالوا: بلى، ~~فقامت إلى الغرائر ففتحتها فإذا هي أجود دقيق حواري يكون، فأمرت الخبازين ~~فخبزوا وأطعموا الناس فاستيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام، فقال: يا سارة من ~~أين هذا؟ قالت: من عند خليلك المصري، فقال: هذا من عند خليلك الله، قال: ~~فيومئذ اتخذه الله خليلا (2) . قال الزجاج: معنى الخليل الذي ليس في محبته ~~خلل، والخلة: الصداقة، فسمي خليلا لأن الله أحبه واصطفاه. وقيل: هو من ~~الخلة وهي الحاجة، سمي خليلا أي: فقيرا إلى الله [لأنه لم يجعل فقره وفاقته ~~إلا إلى الله عز وجل] (3) والأول أصح لأن قوله {واتخذ الله إبراهيم خليلا} ~~يقتضي الخلة من الجانبين، ولا يتصور الحاجة من الجانبين. # ثنا أبو المظفر بن أحمد التيمي، ثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن ~~القاسم، ثنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي، ثنا أبو قلابة الرقاشي، ~~ثنا بشر بن عمر، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذا ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أبا بكر أخي وصاحبي، ولقد اتخذ الله ~~صاحبكم خليلا" (4) . ### || # {ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا (126) } # قوله عز وجل: {ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء ~~محيطا} أي: أحاط PageV02P292 # علمه بجميع الأشياء. ### || # {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في ~~يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين ~~من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به ~~عليما (127) } # قوله تعالى: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} الآية: قال ~~الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في بنات أم ~~كجة وميراثهن وقد مضت القصة في أول السورة (1) . # وقالت عائشة رضي الله عنها: هي اليتيمة تكون في حجر الرجل، وهو وليها ~~فيرغب في نكاحها إذا كانت ذات جمال ms0681 ومال بأقل من سنة صداقها، وإذا كانت ~~مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركها، وفي رواية هي اليتيمة تكون في حجر ~~الرجل قد شركته في ماله فيرغب أن يتزوجها لدمامتها ويكره أن يزوجها غيره ~~فيدخل عليه في ماله فيحبسها حتى تموت فيرثها، فنهاهم الله عن ذلك. (2) # قوله عز وجل: {ويستفتونك} أي: يستخبرونك في النساء، {قل الله يفتيكم فيهن ~~وما يتلى عليكم في الكتاب} قيل معناه ويفتيكم في ما يتلى عليكم، وقيل ~~معناه: ونفتيكم ما يتلى عليكم، يريد: الله يفتيكم وكتابه يفتيكم فيهن، وهو ~~قوله عز وجل: {وآتوا اليتامى أموالهم} قوله {في يتامى النساء} هذا إضافة ~~الشيء إلى نفسه لأنه أراد باليتامى النساء، {اللاتي لا تؤتونهن} أي: لا ~~تعطونهن، {ما كتب لهن} من صداقهن، {وترغبون أن تنكحوهن} أي: في نكاحهن ~~لمالهن وجمالهن بأقل من صداقهن، وقال الحسن وجماعة أراد أن تؤتونهن حقهن من ~~الميراث، لأنهم كانوا لا يورثون النساء، وترغبون أن تنكحوهن، أي: عن نكاحهن ~~لدمامتهن. # {والمستضعفين من الولدان} يريد: ويفتيكم في المستضعفين من الولدان وهم ~~الصغار، أن تعطوهم حقوقهم، لأنهم كانوا لا يورثون الصغار، يريد ما يتلى ~~عليكم في باب اليتامى من قوله {وآتوا اليتامى أموالهم} PageV02P293 # يعني بإعطاء حقوق الصغار، {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} أي: ويفتيكم في أن ~~تقوموا لليتامى بالقسط بالعدل في مهورهن ومواريثهن، {وما تفعلوا من خير فإن ~~الله كان به عليما} يجازيكم عليه. ### || # {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا ~~بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان ~~بما تعملون خبيرا (128) } # قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} الآية، نزلت في ~~عمرة ويقال في خولة (1) بنت محمد بن مسلمة، وفي زوجها سعد بن الربيع -ويقال ~~رافع بن خديج-تزوجها وهي شابة فلما علاها الكبر تزوج عليها امرأة شابة، ~~وآثرها عليها، وجفا ابنة محمد بن سلمة، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فشكت إليه فنزلت فيها هذه الآية (2) . # وقال سعيد بن جبير: كان رجل ms0682 له امرأة قد كبرت وله منها أولاد فأراد أن ~~يطلقها ويتزوج عليها غيرها، فقالت: لا تطلقني ودعني أقوم على أولادي واقسم ~~لي من كل شهرين إن شئت، وإن شئت فلا تقسم لي. فقال: إن كان يصلح ذلك فهو ~~أحب إلي، فأتى 97/ب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فأنزل الله ~~تعالى: {وإن امرأة خافت} (3) أي علمت {من بعلها} أي: من زوجها {نشوزا} أي: ~~بغضا، قال الكلبي: يعني ترك مضاجعتها، {أو إعراضا} بوجهه عنها وقلة ~~مجالستها، {فلا جناح عليهما} أي: على الزوج والمرأة، أن يصالحا أي: ~~يتصالحا، وقرأ أهل الكوفة {أن يصلحا} من أصلح، {بينهما صلحا} يعني: في ~~القسمة والنفقة، وهو أن يقول الزوج لها: إنك قد دخلت في السن وإني أريد أن ~~أتزوج امرأة شابة جميلة أوثرها عليك في القسمة ليلا ونهارا فإن رضيت بهذا ~~فأقيمي وإن كرهت خليت سبيلك، فإن رضيت كانت هي المحسنة ولا تجبر على ذلك، ~~وإن لم ترض بدون حقها من القسم كان على الزوج أن يوفيها حقها من القسم ~~والنفقة أو يسرحها بإحسان، فإن أمسكها ووفاها حقها مع كراهية فهو محسن. ~~PageV02P294 # وقال سليمان بن يسار في هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما: فإن ~~صالحته عن بعض حقها من القسم والنفقة فذلك جائز ما رضيت، فإن أنكرته بعد ~~الصلح فذلك لها ولها حقها (1) . # وقال مقاتل بن حيان في هذه الآية: هو أن الرجل يكون تحته المرأة الكبيرة ~~فيتزوج عليها الشابة، فيقول للكبيرة: [أعطيتك من] (2) مالي نصيبا على أن ~~أقسم لهذه الشابة أكثر مما أقسم لك فترضى بما اصطلحا عليه، فإن أبت أن ترضى ~~فعليه أن يعدل بينهما في القسم. # وعن علي رضي الله عنه في هذه الآية قال: تكون المرأة عند الرجل فتنبو ~~عينه عنها من دمامة أو كبر فتكره فرقته، فإن أعطته من مالها فهو له حل، وإن ~~أعطته من أيامها فهو له حل (3) {والصلح خير} يعني: إقامتها بعد تخييره ~~إياها، والمصالحة على ترك بعض حقها من القسم والنفقة خير ms0683 من الفرقة، كما ~~يروى أن سودة رضي الله عنها كانت امرأة كبيرة وأراد النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يفارقها، فقالت: لا تطلقني وإنما بي أن أبعث في نسائك وقد جعلت ~~نوبتي لعائشة رضي الله عنها فأمسكها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ~~يقسم لعائشة يومها ويوم سودة رضي الله عنها (4) . # قوله تبارك وتعالى: {وأحضرت الأنفس الشح} يريد: شح كل واحد من الزوجين ~~بنصيبه من الآخر، والشح: أقبح البخل، وحقيقته. الحرص على منع الخير، {وإن ~~تحسنوا} أي: تصلحوا {وتتقوا} الجور، وقيل: هذا خطاب مع الأزواج، أي: وإن ~~تحسنوا بالإقامة معها على الكراهة وتتقوا ظلمها {فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا} فيجزيكم بأعمالكم. ### || # {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما (129) } # قوله تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} أي: لن تقدروا أن تسووا ~~بين النساء في الحب وميل القلب، {ولو حرصتم} على العدل، {فلا تميلوا} أي: ~~إلى التي تحبونها، {كل الميل} في القسم والنفقة، أي: لا تتبعوا أهواءكم ~~أفعالكم، {فتذروها كالمعلقة} أي فتدعوا الأخرى كالمنوطة لا أيما ولا ذات ~~بعل. وقال قتادة: كالمحبوسة، وفي قراءة أبي بن كعب: كأنها مسجونة. ~~PageV02P295 # وروي عن أبي قلابة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه، ~~فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" (1) ~~، ورواه بعضهم عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة رضي الله عنها ~~متصلا. # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ~~كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل" (2) . {وإن ~~تصلحوا وتتقوا} الجور، {فإن الله كان غفورا رحيما} ### || # {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما (130) } # {وإن يتفرقا} يعني: الزوج والمرأة بالطلاق، {يغن الله كلا من سعته} من ~~رزقه، يعني: المرأة بزوج آخر والزوج بامرأة أخرى، {وكان الله واسعا حكيما} ~~واسع الفضل ms0684 والرحمة حكيما فيما أمر به ونهى عنه. # وجملة حكم الآية: أن الرجل إذا كانت تحته امرأتان أو أكثر فإنه يجب عليه ~~التسوية بينهن في القسم، فإن ترك التسوية بينهن في فعل القسم عصى الله ~~تعالى، وعليه القضاء للمظلومة، والتسوية، شرط في البيتوتة، أما في الجماع ~~فلا لأنه يدور على النشاط وليس ذلك إليه ولو كانت في نكاحه حرة وأمة فإنه ~~يبيت عند الحرة ليلتين وعند الأمة ليلة واحدة، وإذا تزوج جديدة على قديمات ~~عنده يخص الجديدة بأن يبيت عندها سبع ليال على التوالي إن كانت بكرا، وإن ~~كانت ثيبا فثلاث ليال ثم يسوي بعد ذلك بين الكل، ولا يجب قضاء هذه الليالي ~~للقديمات. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، ثنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ثنا محمد بن ~~يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا يوسف بن راشد، ثنا أبو أسامة، ثنا سفيان ~~الثوري، ثنا أيوب وخالد، عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال: من السنة ~~إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا، ثم قسم، وإذا تزوج PageV02P296 # الثيب أقام عندها ثلاثا، ثم قسم. قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت: إن أنسا ~~رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم (1) . # وإذا أراد الرجل سفر حاجة فيجوز له أن يحمل بعض نسائه مع نفسه بعد أن ~~يقرع بينهن فيه، ثم لا يجب عليه أن يقضي للباقيات مدة سفره، وإن طالت إذا ~~لم يزد مقامه في بلده على مدة المسافرين، والدليل عليه ما أخبرنا عبد ~~الوهاب بن محمد الخطيب، ثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ثنا أبو العباس ~~الأصم، ثنا الربيع، ثنا الشافعي، ثنا عمي محمد بن علي بن شافع، عن ابن ~~شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد السفر أقرع بين ~~نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها، أما إذا أراد سفر نقلة فليس له تخصيص ~~بعضهن لا بالقرعة ولا بغيرها" (2) . ### || # {ولله ما في السماوات ms0685 وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وكان الله غنيا حميدا (131) ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى ~~بالله وكيلا (132) } # قوله تعالى: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} عبيدا وملكا {ولقد وصينا ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} يعني: أهل التوراة والإنجيل وسائر الأمم ~~المتقدمة في كتبهم، {وإياكم} أهل القرآن في كتابكم، {أن اتقوا الله} أي: ~~وحدوا الله وأطيعوه، {وإن تكفروا} بما أوصاكم الله به {فإن لله ما في ~~السماوات وما في الأرض} قيل: فإن لله ملائكة في السموات والأرض هي أطوع له ~~منكم، {وكان الله غنيا} عن جميع خلقه غير محتاج إلى طاعتهم، {حميدا} محمودا ~~على نعمه. # {ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} قال عكرمة عن ابن ~~عباس: يعني شهيدا أن فيها عبيدا، وقيل: دافعا ومجيرا. # فإن قيل: فأي فائدة في تكرار قوله تعالى {ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض} قيل: لكل واحد منهما وجه، أما الأول: فمعناه لله ما في السموات وما ~~في الأرض وهو يوصيكم بالتقوى فاقبلوا وصيته، وأما الثاني فيقول: فإن لله ما ~~في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا أي: هو الغني وله الملك فاطلبوا ~~منه ما تطلبون وأما الثالث فيقول: {ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى ~~بالله وكيلا} أي: له الملك فاتخذوه وكيلا ولا تتوكلوا على غيره. ~~PageV02P297 ### || # {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا (133) من ~~كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا ~~(134) } # {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ~~أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (135) } # قوله تعالى: {إن يشأ يذهبكم} يهلككم (1) {أيها الناس} يعني: الكفار، ~~{ويأت بآخرين} يقول بغيركم خير منكم وأطوع، ms0686 {وكان الله على ذلك قديرا} ~~قادرا. # {من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} يريد من كان ~~يريد بعمله عرضا من الدنيا ولا يريد بها الله عز وجل آتاه الله من عرض ~~الدنيا أو دفع عنه فيها ما أراد الله، وليس له في الآخرة من ثواب، ومن أراد ~~بعمله ثواب الآخرة آتاه الله من الدنيا ما أحب وجزاه الجنة في الآخرة: ~~{وكان الله سميعا بصيرا} # {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} يعني: كونوا قائمين ~~بالشهادة بالقسط، أي: بالعدل لله، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كونوا ~~قوامين بالعدل في الشهادة على من كانت، {ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين} في الرحم، أي: قولوا الحق ولو على أنفسكم بالإقرار أو الوالدين ~~والأقربين، فأقيموها عليهم لله، ولا تحابوا غنيا لغناه ولا ترحموا فقيرا ~~لفقره، فذلك قوله تعالى: {إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما} منكم أي ~~أقيموا على المشهود عليه وإن كان غنيا وللمشهود له وإن كان فقيرا فالله ~~أولى بهما منكم، أي كلوا أمرهما إلى الله. وقال الحسن: معناه الله أعلم ~~بهما، {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} أي تجوروا وتميلوا إلى الباطل من الحق، ~~وقيل: معناه لا تتبعوا الهوى لتعدلوا، أي: لتكونوا عادلين كما يقال: لا ~~تتبع الهوى لترضي ربك. # {وإن تلووا} أي: تحرفوا الشهادة لتبطلوا الحق {أو تعرضوا} عنها فتكتموها ~~ولا تقيموها، ويقال: تلووا أي تدافعوا في إقامة الشهادة، يقال: لويته حقه ~~إذا دفعته، ومطلته، وقيل: هذا خطاب مع الحكام في ليهم الأشداق، يقول: وإن ~~تلووا أي تميلوا إلى أحد الخصمين أو تعرضوا عنه، قرأ ابن عامر وحمزة ~~{تلووا} بضم اللام، قيل: أصله تلووا، فحذفت إحدى الواوين تخفيفا، وقيل: ~~معناه وإن تلوا القيام بأداء PageV02P298 # الشهادة أو تعرضوا فتتركوا أداءها {فإن الله كان بما تعملون خبيرا} ### || # {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ~~والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ms0687 (136) } # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله} الآية، قال الكلبي ~~عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام وأسد وأسيد ~~ابني كعب، وثعلبة بن قيس وسلام بن أخت عبد الله بن سلام، وسلمة بن أخيه ~~ويامين بن يامين فهؤلاء مؤمنوا أهل الكتاب أتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقالوا: إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه ~~من الكتب والرسل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بل آمنوا بالله ورسوله ~~محمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن وبموسى والتوارة، وبكل كتاب قبله"، فأنزل ~~الله هذه الآية (1) {يا أيها الذين آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن وبموسى عليه السلام والتوراة {آمنوا بالله ورسوله} محمد صلى الله ~~عليه وسلم، {والكتاب الذي نزل على رسوله} يعني القرآن، {والكتاب الذي أنزل ~~من قبل} من التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب (2) . # قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو " نزل وأنزل " بضم النون والألف، وقرأ ~~الآخرون " نزل وأنزل " بالفتح أي أنزل الله. # {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} ~~فلما نزلت هذه الآية قالوا: فإنا نؤمن بالله ورسوله والقرآن وبكل رسول ~~وكتاب كان قبل القرآن، والملائكة واليوم الآخر لا نفرق بين أحد منهم ونحن ~~له مسلمون. # وقال الضحاك: أراد به اليهود والنصارى، يقول: {يا أيها الذين آمنوا} ~~بموسى وعيسى {آمنوا} بمحمد والقرآن، وقال مجاهد: أراد به المنافقين، يقول: ~~يا أيها الذين آمنوا باللسان آمنوا بالقلب وقال أبو العالية وجماعة: هذا ~~خطاب للمؤمنين يقول: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا} أي أقيموا واثبتوا على ~~الإيمان، كما يقال للقائم: قم حتى أرجع إليك، أي اثبت قائما، وقيل: المراد ~~به أهل الشرك، يعني {يا أيها الذين آمنوا} باللات والعزى {آمنوا} بالله ~~ورسوله. PageV02P299 ### || # {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ~~ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (137) بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ~~(138) الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ms0688 أيبتغون عندهم العزة ~~فإن العزة لله جميعا (139) } # قوله تعالى: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا ~~كفرا} قال قتادة: هم اليهود آمنوا بموسى ثم كفروا من بعد بعبادتهم العجل، ~~ثم آمنوا بالتوراة ثم كفروا بعيسى عليه السلام، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم. # وقيل: هو في جميع أهل الكتاب آمنوا بنبيهم ثم كفروا به، وآمنوا بالكتاب ~~الذي نزل عليه ثم كفروا به، وكفرهم به: تركهم إياه ثم ازدادوا كفرا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هذا في قوم مرتدين آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ~~ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتدوا. # ومثل هذا هل تقبل توبته؟ حكي عن علي رضي الله عنه: أنه لا تقبل توبته بل ~~يقتل، لقوله تعالى: {لم يكن الله ليغفر لهم} وأكثر أهل العلم على قبول ~~توبته، وقال مجاهد: ثم ازدادوا كفرا أي ماتوا عليه، {لم يكن الله ليغفر ~~لهم} ما أقاموا على ذلك، {ولا ليهديهم سبيلا} أي طريقا إلى الحق، فإن قيل: ~~ما معنى قوله {لم يكن الله ليغفر لهم} ومعلوم أنه لا يغفر الشرك إن كان أول ~~مرة؟ . # قيل: معناه أن الكافر إذا أسلم أول مرة ودام عليه يغفر له كفره السابق، ~~فإن أسلم ثم كفر ثم أسلم ثم كفر لا يغفر له كفره السابق، الذي كان يغفر له ~~لو دام على الإسلام. # {بشر المنافقين} أخبرهم يا محمد، {بأن لهم عذابا أليما} والبشارة: كل خبر ~~يتغير به بشرة الوجه سارا كان أو غير سار، وقال الزجاج: معناه اجعل في موضع ~~بشارتك لهم العذاب، كما تقول العربك تحيتك الضرب وعتابك السيف، أي: [بدلا ~~لك] (1) من التحية، ثم وصف المنافقين فقال: # {الذين يتخذون الكافرين أولياء} يعني: يتخذون اليهود أولياء وأنصارا أو ~~بطانة {من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة} أي: المعونة والظهور على محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه: وقيل: أيطلبون عندهم القوة والغلبة، {فإن ~~العزة} أي: الغلبة والقوة والقدرة، {لله جميعا} PageV02P300 ### || # {وقد نزل عليكم في الكتاب أن ms0689 إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ~~فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع ~~المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (140) } # {الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان ~~للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم ~~بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) } # {وقد نزل عليكم في الكتاب} قرأ عاصم ويعقوب "نزل " بفتح النون والزاي، ~~أي: نزل الله، وقرأ الآخرون "نزل " بضم النون وكسر الزاي، أي: عليكم يا ~~معشر المسلمين، {أن إذا سمعتم آيات الله} يعني القرآن، {يكفر بها ويستهزأ ~~بها فلا تقعدوا معهم} يعني: مع الذي يستهزئون، {حتى يخوضوا في حديث غيره} ~~أي: يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وهذا ~~إشارة إلى ما أنزل الله في سورة الأنعام "وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره" (الأنعام -68) . # وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: دخل في هذه الآية كل محدث في ~~الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة، {إنكم إذا مثلهم} أي: إن قعدتم عندهم وهم ~~يخوضون ويستهزئون ورضيتم به فأنتم كفار مثلهم، وإن خاضوا في حديث غيره فلا ~~بأس بالقعود معهم مع الكراهة، وقال الحسن: لا يجوز القعود معهم وإن خاضوا ~~في حديث غيره، لقوله تعالى: {وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع ~~القوم الظالمين} والأكثرون على الأول. وآية الأنعام مكية وهذه مدنية ~~والمتأخر أولى: {إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا} # {الذين يتربصون بكم} [ينتظرون بكم الدوائر] (1) ، يعني: المنافقين، {فإن ~~كان لكم فتح من الله} يعني: ظفر وغنيمة، {قالوا} لكم {ألم نكن معكم} على ~~دينكم في الجهاد، كنا معكم فاجعلوا لنا نصيبا من الغنيمة، {وإن كان ~~للكافرين نصيب} يعني دولة وظهور على المسلمين، {قالوا} يعني: المنافقين ~~للكافرين، 98/ب {ألم نستحوذ عليكم} والاستحواذ: هو الاستيلاء والغلبة، قال ~~تعالى: "استحوذ عليهم الشيطان" (المجادلة -19) أي: استولى وغلب، يقول: ms0690 ألم ~~نخبركم بعورة محمد PageV02P301 # صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونطلعكم على سرهم؟ # قال المبرد: يقول المنافقون للكفار ألم نغلبكم على رأيكم {ونمنعكم} ~~ونصرفكم، {من المؤمنين} أي: عن الدخول في جملتهم، وقيل: معناه ألم نستول ~~عليكم بالنصرة لكم ونمنعكم من المؤمنين؟ أي: ندفع عنكم صولة المؤمنين ~~بتخذيلهم عنكم ومراسلتنا إياكم بأخبارهم وأمورهم، ومراد المنافقين بهذا ~~الكلام إظهار المنة على الكافرين. # {فالله يحكم بينكم يوم القيامة} يعني: بين أهل الإيمان وأهل النفاق، {ولن ~~يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} قال علي: في الآخرة، وقال عكرمة عن ~~ابن عباس رضي الله عنهم: أي حجة، وقيل: ظهورا على أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ### || # {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا ~~كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) مذبذبين بين ذلك لا ~~إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (143) } # {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} أي يعاملونه معاملة المخادعين ~~وهو خادعهم، أي: مجازيهم على خداعهم وذلك أنهم يعطون نورا يوم القيامة كما ~~للمؤمنين، فيمضي المؤمنون بنورهم على الصراط، ويطفأ نور المنافقين، {وإذا ~~قاموا إلى الصلاة} يعني: المنافقين {قاموا كسالى} أي: متثاقلين لا يريدون ~~بها الله فإن رآهم أحد صلوا وإلا انصرفوا فلا يصلون، {يراءون الناس} أي: ~~يفعلون ذلك مراءاة للناس لا اتباعا لأمر الله، {ولا يذكرون الله إلا قليلا} ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن: إنما قال ذلك لأنهم يفعلونها رياء ~~وسمعة، ولو أرادوا بذلك القليل وجه الله تعالى لكان كثيرا، وقال قتادة: ~~إنما قل ذكر المنافقين لأن الله تعالى لم يقبله، وكل ما قبل الله فهو كثير. # {مذبذبين بين ذلك} أي: مترددين متحيرين بين الكفر والإيمان، {لا إلى ~~هؤلاء ولا إلى هؤلاء} أي: ليسوا من المؤمنين فيجب لهم ما يجب للمؤمنين، ~~وليسوا من الكفار فيؤخذ منهم ما يؤخذ من الكفار، {ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا} أي: طريقا إلى الهدى. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، قال أخبرنا عبد الغافر بن ms0691 محمد ~~الفارسي، أنا محمد بن عيسى الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنا ~~مسلم بن الحجاج، أنا محمد بن المثنى، أنا عبد الوهاب، يعني الثقفي أنا عبد ~~الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل المنافق كمثل الشاة ~~العائرة بين الغنمين، تعير إلى # PageV02P302 # هذه مرة وإلى هذه مرة" (1) . ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون ~~أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا (144) إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار ولن تجد لهم نصيرا (145) إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله ~~وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ~~(146) ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (147) } # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين} نهى الله المؤمنين عن موالاة الكفار، وقال: {أتريدون أن تجعلوا ~~لله عليكم سلطانا مبينا} أي حجة بينة في عذابكم، ثم ذكر منازل المنافقين، ~~فقال جل ذكره: # {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} قرأ أهل الكوفة {في الدرك} ~~بسكون الراء والباقون بفتحها وهما لغتان كالظعن والظعن والنهر والنهر، وقال ~~ابن مسعود رضي الله عنه: {في الدرك الأسفل} في توابيت من حديد مقفلة في ~~النار، وقال أبو هريرة: بيت مقفل عليهم تتوقد فيه النار من فوقهم ومن ~~تحتهم، {ولن تجد لهم نصيرا} مانعا من العذاب. # {إلا الذين تابوا} من النفاق وآمنوا {وأصلحوا} عملهم {واعتصموا بالله} ~~وثقوا بالله {وأخلصوا دينهم لله} أراد الإخلاص بالقلب، لأن النفاق كفر ~~القلب، فزواله يكون بإخلاص القلب، {فأولئك مع المؤمنين} قال الفراء: من ~~المؤمنين، {وسوف يؤت الله المؤمنين} في الآخرة {أجرا عظيما} يعني: الجنة، ~~وحذفت الياء من {يؤت الله} في الخط لسقوطها في اللفظ، وسقوطها في اللفظ ~~لسكون اللام في "الله". # قوله تعالى: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم} أي: إن شكرتم نعماءه ~~{وآمنتم} به، فيه تقديم وتأخير، تقديره: إن آمنتم وشكرتم، لأن الشكر لا ~~ينفع مع عدم الإيمان، وهذا استفهام بمعنى التقرير، معناه: ms0692 إنه لا يعذب ~~المؤمن الشاكر، فإن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم ~~لا ينقص من سلطانه، والشكر: ضد الكفر والكفر ستر النعمة، والشكر: إظهارها، ~~{وكان الله شاكرا عليما} فالشكر من الله تعالى هو الرضى بالقليل من عباده ~~وإضعاف الثواب عليه، والشكر من العبد: PageV02P303 # الطاعة، ومن الله: الثواب. # PageV02P304 ### || # {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما ~~(148) إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا ~~(149) } # قوله: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} يعني: لا يحب الله ~~الجهر بالقبح من القول إلا من ظلم، فيجوز للمظلوم أن يخبر عن ظلم الظالم ~~وأن يدعو عليه، قال الله تعالى: "ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل" (الشورى -41) ، قال الحسن: دعاؤه عليه أن يقول: اللهم أعني عليه ~~اللهم استخرج حقي منه، وقيل: إن شتم جاز أن يشتم بمثله لا يزيد عليه. # أخبرنا أبو عبد الله الخرقي، أنا أبو الحسن الطيسفوني، أنا عبد الله بن ~~عمر الجوهري، أنا أحمد بن علي الكشميهني، أنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل ~~بن جعفر، أنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم ~~يعتد المظلوم" (1) . # وقال مجاهد هذا في الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه ولم يحسنوا ضيافته فله ~~أن يشكو ويذكر ما صنع به. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن ~~عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل، أنا قتيبة بن ~~سعيد، أنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، أنه ~~قال: قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا فما ترى؟ فقال ~~لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي ~~للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق ms0693 الضيف الذي ينبغي لهم" (2) . # وقرأ الضحاك بن مزاحم وزيد بن أسلم: {إلا من ظلم} بفتح الظاء واللام، ~~معناه: لكن الظالم اجهروا له بالسوء من القول، وقيل معناه: لا يحب الله ~~الجهر بالسوء من القول لكن يجهر من ظلم، والقراءة الأولى هي المعروفة، ~~{وكان الله سميعا} لدعاء المظلوم، {عليما} بعقاب الظالم. # قوله تعالى: {إن تبدوا خيرا} يعني: حسنة فيعمل بها كتبت له عشرا، وإن هم ~~بها ولم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وهو قوله {أو تخفوه} وقيل المراد من ~~الخير: المال، يريد: إن تبدوا صدقة تعطونها جهرا أو تخفوها فتعطوها سرا، ~~{أو تعفوا عن سوء} أي: عن مظلمة، {فإن الله كان عفوا قديرا} أولى بالتجاوز ~~عنكم يوم القيامة. PageV02P304 ### || # {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون ~~نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) أولئك هم ~~الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) والذين آمنوا بالله ورسله ~~ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ~~(152) يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر ~~من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من ~~بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا (153) } # قوله عز وجل: {إن الذين يكفرون بالله ورسله} الآية، نزلت في اليهود، وذلك ~~أنهم آمنوا بموسى عليه السلام والتوراة وعزير، وكفروا بعيسى والإنجيل ~~وبمحمد والقرآن، {ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا} أي: دينا بين اليهودية ~~والإسلام ومذهبا يذهبون إليه. # {أولئك هم الكافرون حقا} حقق كفرهم ليعلم أن الكفر ببعضهم كالكفر بجميعهم ~~{وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} # {والذين آمنوا بالله ورسله} كلهم {ولم يفرقوا بين أحد منهم} يعني: بين ~~الرسل وهم المؤمنون، يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله، {أولئك سوف يؤتيهم ~~أجورهم} بإيمانهم بالله وكتبه ورسله، قرأ حفص عن عاصم {يؤتيهم} بالياء، أي: ~~{يؤتيهم الله} (1) ، والباقون بالنون 99/أ {وكان ms0694 الله غفورا رحيما} # قوله تعالى: {يسألك أهل الكتاب} الآية، وذلك أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن ~~عازوراء من اليهود قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبيا فأتنا ~~بكتاب جملة من السماء، كما أتى به موسى عليه السلام، فأنزل الله عليه: ~~{يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء} (2) . PageV02P305 # وكان هذا السؤال منهم سؤال تحكم واقتراح، لا سؤال انقياد، والله تعالى لا ~~ينزل الآيات على اقتراح العباد. قوله: {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك} أي: ~~أعظم من ذلك، يعني: السبعين الذي خرج بهم موسى عليه السلام إلى الجبل، ~~{فقالوا أرنا الله جهرة} أي: عيانا، قال أبو عبيدة: معناه قالوا جهرة أرنا ~~الله، {فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل} يعني إلها، {من بعد ما ~~جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك} ولم نستأصلهم، قيل: هذا استدعاء إلى التوبة، ~~معناه: أن أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم، فتوبوا أنتم (1) حتى نعفو ~~عنكم، {وآتينا موسى سلطانا مبينا} أي: حجة بينة من المعجزات، وهي الآيات ~~التسع. ### || # {ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا ~~تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (154) } PageV02P306 # {فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم ~~قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) وبكفرهم ~~وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك ~~منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا (157) } # قوله تعالى: {ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا ~~وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} قرأ أهل المدينة بتشديد الدال وفتح العين ~~نافع برواية ورش ويجزمها الآخرون، ومعناه: لا تعتدوا ولا تظلموا باصطياد ~~الحيتان فيه، {وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} # قوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم} أي: فبنقضهم، و"ما" صلة كقوله تعالى: ~~"فبما رحمة من الله" (آل عمران -159) ، ونحوها، {وكفرهم بآيات الله وقتلهم ~~الأنبياء بغير حق ms0695 وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم} أي: ختم ~~عليها، {فلا يؤمنون إلا قليلا} يعني: ممن كذب الرسل لا ممن طبع على قلبه، ~~لأن من طبع الله على قلبه لا يؤمن أبدا، وأراد بالقليل: عبد الله بن سلام ~~وأصحابه، وقيل: معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا. # {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما} حين رموها بالزنا. # {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه} # PageV02P306 # وذلك أن الله تعالى ألقى شبه عيسى عليه السلام على الذي دل اليهود عليه، ~~وقيل: إنهم حبسوا عيسى عليه السلام في بيت وجعلوا عليه رقيبا فألقى الله ~~تعالى شبه عيسى عليه السلام على الرقيب فقتلوه، وقيل غير ذلك، كما ذكرنا في ~~سورة آل عمران (1) . # قوله تبارك وتعالى: {وإن الذين اختلفوا فيه} في قتله، {لفي شك منه} أي: ~~في قتله، قال الكلبي: اختلافهم فيه هو أن اليهود قالت نحن قتلناه، وقالت ~~طائفة من النصارى نحن قتلناه، وقالت طائفة منهم ما قتله هؤلاء ولا هؤلاء بل ~~رفعه الله إلى السماء، ونحن ننظر إليه، وقيل: كان الله تعالى ألقى شبه وجه ~~عيسى عليه السلام على وجه صطيافوس ولم يلقه على جسده، فاختلفوا فيه فقال ~~بعضهم قتلنا عيسى، فإن الوجه وجه عيسى عليه السلام وقال بعضهم لم نقتله لأن ~~جسده ليس جسد عيسى عليه السلام، فاختلفوا. قال السدي: اختلافهم من حيث أنهم ~~قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ قال ~~الله تعالى: {ما لهم به من علم} حقيقة أنه قتل أو لم يقتل، {إلا اتباع ~~الظن} لكنهم يتبعون الظن في قتله. قال الله جل جلاله: {وما قتلوه يقينا} ~~أي: {ما قتلوا عيسى يقينا} (2) . ### || # {بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158) وإن من أهل الكتاب إلا ~~ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (159) } # {بل رفعه الله إليه} وقيل قوله "يقينا" ترجع إلى ما بعده وقوله "وما ~~قتلوه" كلام تام تقديره: بل رفعه الله إليه يقينا، والهاء في ms0696 "ما قتلوه" ~~كناية عن عيسى عليه السلام، وقال الفراء رحمه الله: معناه وما قتلوا الذي ~~ظنوا أنه عيسى يقينا، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما معناه: ما قتلوا ~~ظنهم يقينا، {وكان الله عزيزا} منيعا بالنقمة من اليهود، {حكيما} حكم ~~باللعنة والغضب عليهم، فسلط عليهم ضيطوس بن اسبسيانوس الرومي فقتل منهم ~~مقتلة عظيمة. # قوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} أي: وما من أهل ~~الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى عليه السلام، هذا قول أكثر المفسرين وأهل العلم، ~~وقوله "قبل موته" اختلفوا في هذه الكناية: فقال عكرمة ومجاهد والضحاك ~~والسدي: إنها كناية عن الكتابي، ومعناه: وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن ~~بعيسى عليه السلام قبل موته، إذا وقع في البأس حين لا ينفعه إيمانه سواء ~~احترق أو غرق أو تردى في بئر أو سقط عليه جدار أو أكله سبع أو مات فجأة، ~~وهذه رواية عن أبي طلحة عن ابن PageV02P307 # عباس رضي الله عنهم. قال: فقيل لابن عباس رضي الله عنهما: أرأيت إن خر من ~~فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهواء قال: فقيل أرأيت إن ضرب عنق أحدهم؟ قال: ~~يتلجلج به لسانه. # وذهب قوم إلى أن الهاء في "موته" كناية عن عيسى عليه السلام، معناه: وإن ~~من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى عليه السلام، وذلك عند نزوله ~~من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد إلا آمن به حتى تكون الملة واحدة، ~~ملة الإسلام. # وروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع ~~الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، ويهلك في زمانه الملل كلها إلا ~~الإسلام، ويقتل الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه ~~المسلمون"، وقال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن ~~به قبل موته} قبل موت عيسى بن مريم، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات (1) . # وروي ms0697 عن عكرمة: أن الهاء في قوله {ليؤمنن به} كناية عن محمد صلى الله ~~عليه وسلم يقول لا يموت كتابي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هي راجعة إلى الله عز وجل يقول: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن بالله ~~عز وجل، قبل موته عند المعاينة حين لا ينفعه إيمانه. # قوله تعالى: {ويوم القيامة يكون} يعني: عيسى عليه السلام، {عليهم شهيدا} ~~أنه قد بلغهم رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه [كما قال تعالى مخبرا عنه ~~"وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم" (المائدة -117) وكل نبي شاهد على أمته] (2) ~~قال الله تعالى: "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا" ~~(النساء -41) . . ### || # {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله ~~كثيرا (160) } # قوله عز وجل: {فبظلم من الذين هادوا} وهو ما تقدم ذكره من نقضهم الميثاق ~~وكفرهم بآيات الله وبهتانهم على مريم، وقولهم: إنا قتلنا المسيح {حرمنا ~~عليهم طيبات أحلت لهم} وهي ما ذكر في PageV02P308 # سورة الأنعام (1) ، فقال: "وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر" (الأنعام ~~-146) . # ونظم الآية: فبظلم من الذين هادوا وهو ما ذكرنا، {وبصدهم} وبصرفهم أنفسهم ~~وغيرهم، {عن سبيل الله كثيرا} أي: عن دين الله صدا كثيرا. ### || # {وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين ~~منهم عذابا أليما (161) لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون ~~بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما (162) } # {وأخذهم الربا وقد نهوا عنه} في التوراة {وأكلهم أموال الناس بالباطل} من ~~الرشا في الحكم، والمآكل التي يصيبونها من عوامهم، عاقبناهم بأن حرمنا ~~عليهم طيبات، فكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حرم عليهم شيء من الطيبات التي ~~كانت حلالا لهم، قال الله تعالى: "ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون" ~~(الأنعام -146) ، {وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما} # {لكن الراسخون في العلم منهم} يعني: ليس كل أهل الكتاب بهذه الصفة، لكن ~~الراسخون البالغون في العلم أولو البصائر منهم، وأراد به الذين ms0698 أسلموا من ~~علماء اليهود مثل عبد الله بن سلام وأصحابه، {والمؤمنون} يعني: المهاجرون ~~والأنصار، {يؤمنون بما أنزل إليك} يعني: القرآن، {وما أنزل من قبلك} يعني: ~~سائر الكتب المنزلة، {والمقيمين الصلاة} اختلفوا في وجه انتصابه، فحكي عن ~~عائشة 99/ب رضي الله عنها وأبان بن عثمان: أنه غلط من الكاتب ينبغي أن يكتب ~~والمقيمون الصلاة وكذلك قوله في سورة المائدة "إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئون" (المائدة -62) ، وقوله "إن هذان لساحران" (طه -63) قالوا: ذلك ~~خطأ من الكاتب (2) . PageV02P309 # وقال عثمان: إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها، فقيل له: ألا ~~تغيره؟ فقال: دعوه فإنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا (1) . # وعامة الصحابة وأهل العلم على أنه صحيح، واختلفوا فيه، قيل: هو نصب على ~~المدح، وقيل: نصب بإضمار فعل تقديره: أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون ~~الزكاة، وقيل: موضعه خفض. # واختلفوا في وجهه، فقال بعضهم: معناه لكن الراسخون في العلم منهم ومن ~~المقيمين الصلاة، وقيل: معناه يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة، ~~ثم قوله: {والمؤتون الزكاة} رجوع إلى النسق الأول، {والمؤمنون بالله واليوم ~~الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما} قرأ حمزة سيؤتيهم بالياء والباقون بالنون. ~~PageV02P310 ### || # {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان ~~وآتينا داود زبورا (163) } # قوله تعالى: {إنا أوحينا إليك} هذا بناء على ما سبق من قوله "يسألك أهل ~~الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء" {النساء -153} ، فلما ذكر الله ~~عيوبهم وذنوبهم غضبوا وجحدوا كل ما أنزل الله عز وجل، وقالوا: ما أنزل الله ~~على بشر من شيء، فنزل: "وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على ~~بشر من شيء" (الأنعام -91) وأنزل: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده} فذكر عدة من الرسل الذين أوحى إليهم، وبدأ بذكر نوح عليه ~~السلام لأنه كان أبا البشر مثل آدم عليه السلام، قال الله تعالى: "وجعلنا ~~ذريته هم الباقين" (الصافات -77) ولأنه أول نبي من أنبياء الشريعة، وأول ms0699 ~~نذير على الشرك، وأول من عذبت أمته لردهم دعوته، وأهلك أهل الأرض بدعائه ~~وكان أطول الأنبياء # PageV02P310 # عمرا وجعلت معجزته في نفسه، لأنه عمر ألف سنة فلم تسقط له سن ولم تشب له ~~شعرة ولم تنتقص له قوة، ولم يصبر نبي على أذى قومه ما صبر هو على طول عمره. # قوله تعالى: {وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} وهم ~~أولاد يعقوب، {وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا} قرأ ~~الأعمش وحمزة: {زبورا} والزبور بضم الزاي حيث كان، بمعنى: جمع زبور، أي ~~آتينا داود كتبا وصحفا مزبورة، أي: مكتوبة، وقرأ الآخرون بفتح الزاي وهو ~~اسم الكتاب الذي أنزل الله تعالى على داود عليه السلام، وكان فيه التحميد ~~والتمجيد والثناء على الله عز وجل، وكان داود يبرز إلى البرية فيقوم ويقرأ ~~الزبور ويقوم معه علماء بني إسرائيل، فيقومون خلفه ويقوم الناس خلف ~~العلماء، ويقوم الجن خلف الناس، الأعظم فالأعظم، والشياطين خلف الجن وتجيء ~~الدواب التي في الجبال فيقمن بين يديه تعجبا لما يسمعن منه، والطير ترفرف ~~على رؤوسهم، فلما قارف الذنب لم ير ذلك، فقيل له: ذاك أنس الطاعة، وهذه ~~وحشة المعصية. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو بكر ~~الجوزقي، أنا أبو العباس، أنا يحيى بن زكريا، أنا الحسن بن حماد، حدثنا ~~يحيى بن سعيد الأموي، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو رأيتني البارحة وأنا أستمع ~~لقراءتك لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود"، فقال: أما والله يا رسول ~~الله لو علمت أنك تستمع لحبرته لحبرته" (1) وكان عمر رضي الله عنه إذا رآه ~~يقول: ذكرنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده. ### || # {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى ~~تكليما (164) } # قوله تعالى: {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل} أي: وكما أوحينا إلى نوح ~~وإلى الرسل، {ورسلا} نصب بنزع حرف الصفة، وقيل: معناه وقصصنا عليك رسلا وفي ~~قراءة أبي ms0700 " ورسل قد قصصناهم عليك من قبل " {ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم ~~الله موسى تكليما} قال الفراء: العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلاما بأي ~~طريق وصل، ولكن لا تحققه بالمصدر، فإذا حقق بالمصدر، ولم يكن إلا حقيقة ~~الكلام -كالإرادة -يقال: أراد فلان إرادة، يريد (2) حقيقة الإرادة، ~~PageV02P311 # ويقال: أراد الجدار، ولا يقال أراد الجدار إرادة لأنه مجاز غير حقيقة. ### || # {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله ~~عزيزا حكيما (165) لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة ~~يشهدون وكفى بالله شهيدا (166) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ~~ضلالا بعيدا (167) } # قوله تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل} فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسولا وما أنزلت إلينا كتابا، وفيه دليل ~~على أن الله تعالى لا يعذب الخلق قبل بعثه الرسول، قال الله تعالى: "وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا" (الإسراء -15) ، {وكان الله عزيزا حكيما} ~~أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، ثنا موسى بن إسماعيل، أنا أبو عوانة، أنا عبد ~~الملك، عن وراد كاتب المغيرة، عن المغيرة قال: قال سعد بن عبادة رضي الله ~~عنه: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: "تعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله ~~أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا ~~أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين، ولا أحد ~~أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة" (1) . # قوله تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك} (2) قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد ~~سألنا عنك اليهود وعن صفتك في كتابهم فزعموا أنهم لا يعرفونك، ودخل عليه ~~جماعة من اليهود فقال لهم: إني ms0701 -والله -أعلم إنكم لتعلمون أني رسول الله، ~~فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله عز وجل: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك} إن ~~جحدوك وكذبوك {أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا} # {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} بكتمان نعت محمد صلى الله عليه ~~وسلم، {قد ضلوا ضلالا بعيدا} PageV02P312 ### || # {إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (168) ~~إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (169) يا أيها ~~الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ~~ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (170) } # {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا ~~بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه ~~أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (171) } # {إن الذين كفروا وظلموا} قيل: إنما قال "وظلموا" -مع أن ظلمهم بكفرهم ~~-تأكيدا، وقيل: معناه كفروا بالله وظلموا محمدا صلى الله عليه وسلم بكتمان ~~نعته، {لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا} يعني: دين الإسلام. # {إلا طريق جهنم} يعني اليهودية، {خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله ~~يسيرا} وهذا في حق من سبق حكمه فيهم أنهم لا يؤمنون. # {يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم} تقديره: ~~فآمنوا يكن الإيمان خيرا لكم، {وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض ~~وكان الله عليما حكيما} # {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} نزلت في النصارى وهم أصناف: اليعقوبية ~~والملكانية والنسطورية والمرقوسية فقالت اليعقوبية: عيسى هو الله، وكذلك ~~الملكانية، وقالت النسطورية: عيسى هو ابن الله، وقالت: المرقوسية ثالث ~~ثلاثة، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) . # ويقال الملكانية يقولون: عيسى هو الله، واليعقوبية يقولون: ابن الله، ~~والنسطورية يقولون: ثالث ثلاثة. علمهم رجل من اليهود يقال له بولس، سيأتي ~~في ms0702 سورة التوبة إن شاء الله تعالى. PageV02P313 # وقال الحسن: يجوز أن تكون نزلت في اليهود والنصارى، فإنهم جميعا غلوا في ~~أمر عيسى، فاليهود بالتقصير، والنصارى بمجاوزة الحد، وأصل الغلو: مجاوزة ~~الحد، وهو في الدين حرام. # قال الله تعالى: {لا تغلوا في دينكم} لا تشددوا في دينكم فتفتروا على ~~الله {ولا تقولوا على الله إلا الحق} لا تقولوا إن له شريكا وولدا {إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته} وهي قوله "كن" فكان بشرا من غير ~~أب، [وقيل غيره] (1) ، {ألقاها إلى مريم} أي أعلمها وأخبرها بها، كما يقال: ~~ألقيت إليك كلمة حسنة، {وروح منه} قيل: هو روح كسائر الأرواح إلا أن الله ~~تعالى أضافه إلى نفسه [تشريفا] (2) . # وقيل: الروح هو النفخ الذي نفخه جبريل عليه السلام في درع مريم فحملته ~~بإذن الله تعالى، سمي النفخ روحا لأنه ريح 99/ب يخرج من الروح وأضافه إلى ~~نفسه لأنه كان بأمره. # وقيل: "روح منه" أي ورحمة، فكان عيسى عليه السلام رحمة لمن تبعه وأمن به. # وقيل: الروح: الوحي، أوحى إلى مريم بالبشارة، وإلى جبريل عليه السلام ~~بالنفخ، وإلى عيسى أن كن فكان، كما قال الله تعالى: "ينزل الملائكة بالروح ~~من أمره" (النحل -2) يعني: بالوحي، وقيل: أراد بالروح جبريل عليه السلام، ~~معناه: وكلمته ألقاها إلى مريم، وألقاها إليها أيضا روح منه بأمره وهو ~~جبريل عليه السلام، كما قال: "تنزل الملائكة والروح" (القدر -4) يعني: ~~جبريل فيها، وقال: "فأرسلنا إليها روحنا" (مريم -17) ، يعني: جبريل. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أنا صدقة بن الفضل، أنا الوليد، عن ~~الأوزاعي، حدثنا عمرو بن هاني، حدثني جنادة بن أمية، عن عبادة رضي الله ~~عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة والنار حق أدخله الله الجنة على ما ms0703 ~~كان من العمل" (3) . PageV02P314 # {فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة} أي: ولا تقولوا هم ثلاثة، وكانت ~~النصارى تقول: أب وابن وروح قدس، {انتهوا خيرا لكم} تقديره: انتهوا يكن ~~الانتهاء خيرا لكم، {إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد} واعلم أن ~~التبني لا يجوز لله تعالى، لأن التبني إنما يجوز لمن يتصور له ولد، {له ما ~~في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} ### || # {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن ~~عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) } # قوله تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله} وذلك أن وفد نجران ~~قالوا: يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول: إنه عبد الله فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " إنه ليس بعار لعيسى عليه السلام أن يكون عبدا لله"، فنزل: {لن ~~يستنكف المسيح} لن يأنف ولن يتعظم، والاستنكاف: التكبر مع الأنفة، {ولا ~~الملائكة المقربون} وهم حملة العرش، لا يأنفون أن يكونوا عبيدا لله، ويستدل ~~بهذه الآية من يقول بتفضيل الملائكة على البشر، لأن الله تعالى ارتقى من ~~عيسى إلى الملائكة، ولا يرتقى إلا إلى الأعلى، لا يقال: لا يستنكف فلان من ~~هذا ولا عبده، إنما يقال: فلان لا يستنكف من هذا ولا مولاه، ولا حجة لهم ~~فيه لأنه لم يقل ذلك رفعا لمقامهم على مقام البشر، بل ردا على الذين يقولون ~~الملائكة آلهة، كما رد على النصارى قولهم المسيح ابن الله، وقال ردا على ~~النصارى بزعمهم، فإنهم يقولون بتفضيل الملائكة. قوله تعالى: {ومن يستنكف عن ~~عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} قيل الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة، ~~والاستكبار هو العلو والتكبر من غير أنفة. ### || # {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما ~~الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله ~~وليا ولا نصيرا (173) يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم ~~نورا مبينا (174) } # {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} من ~~التضعيف ما لا عين رأت ولا ms0704 أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، {وأما الذين ~~استنكفوا واستكبروا} عن عبادته، {فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون ~~الله وليا ولا نصيرا} # قوله عز وجل: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم} يعني: محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، هذا قول أكثر المفسرين، وقيل: هو القرآن، والبرهان: الحجة، ~~{وأنزلنا إليكم نورا مبينا} مبينا يعني القرآن. # PageV02P315 ### || # {فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم ~~إليه صراطا مستقيما (175) يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ~~ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا ~~اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم (176) } # {فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به} امتنعوا به من زيغ الشيطان، ~~{فسيدخلهم في رحمة منه وفضل} يعني الجنة، {ويهديهم إليه صراطا مستقيما} # PageV02P316 # قوله تعالى: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} نزلت في جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنه، قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا ~~أعقل، فتوضأ وصب علي من وضوئه، فعقلت فقلت: يا رسول الله لمن الميراث إنما ~~يرثني الكلالة؟ فنزلت "يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة" (1) ، وقد ~~ذكرنا معنى الكلالة وحكم الآية في أول السورة (2) . # وفي هذه الآية بيان حكم ميراث الأخوة للأب والأم أو للأب. # قوله {يستفتونك} أي: يستخبرونك ويسألونك، {قل الله يفتيكم في الكلالة} ~~{إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها} يعني إذا ماتت ~~الأخت فجميع ميراثها للأخ، {إن لم يكن لها ولد} فإن كان لها ابن فلا شيء ~~للأخ، وإن كان ولدها أنثى فللأخ ما فضل عن فرض البنات، {فإن كانتا اثنتين ~~فلهما الثلثان مما ترك} أراد اثنتين فصاعدا، وهو أن من مات وله أخوات فلهن ~~الثلثان، {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} ، {يبين ~~الله لكم أن ms0705 تضلوا} قال الفراء رحمة الله عليه وأبو عبيدة: معناه أن لا ~~تضلوا، وقيل: معناه يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، {والله بكل شيء عليم} # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الله بن رجاء، أنا إسرائيل، عن ~~أبي إسحاق، عن البراء رضي الله عنهم قال: آخر سورة نزلت PageV02P316 # كاملة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء {يستفتونك قل الله يفتيكم ~~في الكلالة} (1) # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن آخر آية نزلت آية الربا، وآخر سورة ~~نزلت {إذا جاء نصر الله والفتح} . وروي عنه أن آخر آية نزلت قوله تعالى ~~"واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله" (البقرة -281) . # وروي بعد ما نزلت سورة النصر عاش النبي صلى الله عليه وسلم عاما، ونزلت ~~بعدها سورة براءة وهي آخر سورة نزلت كاملة فعاش النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعدها ستة أشهر، ثم نزلت في طريق حجة الوداع "يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة" فسميت آية الصيف، ثم نزلت وهو واقف بعرفة: "اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي" (المائدة -3) فعاش بعدها أحدا وثمانين يوما، ثم نزلت ~~آيات الربا، ثم نزلت "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله" فعاش بعدها أحدا ~~وعشرين يوما (2) . PageV02P317 ### | سورة المائدة # مائة وعشرون آية، نزلت بالمدنية كلها إلا قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} ~~الآية، فإنها نزلت بعرفات. بسم الله الرحمن الرحيم # روي عن أبي ميسرة قال: أنزل الله تعالى في هذه السورة ثمانية عشر حكما لم ~~ينزلها في غيرها، قوله: {والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل ~~السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام} {وما علمتم ~~من الجوارح مكلبين تعلمونهن} {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل ~~لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ~~وتمام الطهور في قوله: {إذا قمتم إلى الصلاة} {والسارق والسارقة} {لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم حرم} الآية، {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ms0706 ولا وصيلة ~~ولا حام} ذوقوله: {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} (1) . بسم الله الرحمن ~~الرحيم ### || # {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) } # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} أي بالعهود، قال ~~الزجاج: هي أوكد العهود، يقال: عاقدت فلانا وعقدت عليه أي: ألزمته ذلك ~~باستيثاق، وأصله من عقد الشيء بغيره ووصله به، كما PageV02P005 # يعقد الحبل بالحبل [إذا وصل] (1) . # واختلفوا في هذه العقود، قال ابن جريج: هذا خطاب لأهل الكتاب، يعني: يا ~~أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة أوفوا بالعهود التي عهدتها إليكم في شأن ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قوله: "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب لتبيننه للناس" (سورة آل عمران، 187) . # وقال الآخرون: هو عام، وقال قتادة: أراد بها الحلف الذي تعاقدوا عليه في ~~الجاهلية، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: هي عهود الإيمان والقرآن، وقيل: هي ~~العقود التي يتعاقدها الناس بينهم. # {أحلت لكم بهيمة الأنعام} قال 100/ب الحسن وقتادة: هي الأنعام كلها، وهي ~~الإبل والبقر والغنم، وأراد تحليل ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم من ~~الأنعام. # وروى أبو ظبيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بهيمة الأنعام هي ~~الأجنة، ومثله عن الشعبي قال: هي الأجنة التي توجد ميتة في بطون أمهاتها ~~إذا ذبحت أو نحرت، ذهب أكثر أهل العلم إلى تحليله. # [قال الشيخ الإمام] (2) قرأت على أبي عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ~~فقلت: قرئ على أبي سهل محمد بن عمر بن طرفة وأنت حاضر، فقيل له: حدثكم أبو ~~سليمان الخطابي أنا أبو بكر ابن داسة أنا أبو داود السجستاني أنا مسدد أنا ~~هشيم عن مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم قال قلنا: ~~يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين، ~~أنلقيه أم نأكله؟ فقال: "كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه" (3) . وروى أبو ~~الزبير عن جابر عن رسول الله ms0707 صلى الله عليه وسلم PageV02P006 # قال" "ذكاة الجنين ذكاة أمه" (1) . # وشرط بعضهم الإشعار، قال ابن عمر: ذكاة ما في بطنها في ذكاتها إذا تم ~~خلقه ونبت شعره، ومثله عن سعيد بن المسيب. # وعند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يحل أكل الجنين إذا خرج ميتا بعد ذكاة ~~الأم. # وقال الكلبي: بهيمة الأنعام: وحشيها، وهي الظباء وبقر الوحش، سميت بهيمة ~~لأنها أبهمت عن التمييز، وقيل: لأنها لا نطق لها، {إلا ما يتلى عليكم} أي: ~~ما ذكر في قوله: "حرمت عليكم الميتة" إلى قوله: "وما ذبح على النصب"، {غير ~~محلي الصيد} وهو نصب على الحال، أي: لا محلي الصيد، ومعنى الآية: أحلت لكم ~~بهيمة الأنعام كلها إلا ما كان منها وحشيا فإنه صيد لا يحل لكم في حال ~~الإحرام، فذلك قوله تعالى: {وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد} ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ~~ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم ~~فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب (2) } # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} نزلت في الحطم ~~واسمه شريح بن ضبيعة البكري، أتى المدينة وخلف خيله [خارج] (2) المدينة، ~~ودخل وحده على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إلى ما تدعو الناس؟ فقال: ~~إلى شهادة أن لا إله إلا الله، [وأن محمدا رسول الله] (3) وإقام الصلاة ~~PageV02P007 # وإيتاء الزكاة، فقال: [حسن] (1) إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم، ~~ولعلي أسلم وآتي بهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: يدخل ~~عليكم رجل من ربيعة يتكلم [بلسان] (2) شيطان، ثم خرج شريح من عنده، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل ~~بمسلم، فمر بسرح المدينة فاستاقه وانطلق، فاتبعوه فلم يدركوه، فلما كان ~~العام القابل خرج حاجا في ms0708 حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة، ~~وقد قلد الهدي، فقال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا الحطم قد خرج ~~حاجا فخل بيننا وبينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه قد قلد الهدي، ~~فقالوا: يا رسول الله هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية، فأبى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} ~~(3) . # قال ابن عباس ومجاهد: هي مناسك الحج، وكان المشركون يحجون ويهدون، فأراد ~~المسلمون أن يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك. # وقال أبو عبيدة: شعائر الله هي الهدايا المشعرة، والإشعار من الشعار، وهي ~~العلامة، وإشعارها: إعلامها بما يعرف أنها هدي، والإشعار هاهنا: أن يطعن في ~~صفحة سنام البعير بحديدة حتى يسيل الدم، فيكون ذلك علامة أنها هدي، وهي سنة ~~في الهدايا إذا كانت من الإبل، لما أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن ~~عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا أبو نعيم أنا ~~أفلح عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فتلت قلائد بدن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها وأشعرها وأهداها، فما حرم عليه شيء كان ~~أحل له (4) . # وقاس الشافعي البقر على الإبل في الإشعار، وأما الغنم فلا تشعر بالجرح، ~~فإنها لا تحتمل الجرح لضعفها، وعند أبي حنيفة: لا يشعر الهدي. # وقال عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا تحلوا شعائر الله هي أن تصيد ~~وأنت محرم، بدليل قوله تعالى: "وإذا حللتم فاصطادوا"، وقال السدي: أراد حرم ~~الله، وقيل: المراد منه النهي عن القتل في الحرم، وقال عطاء: شعائر الله ~~حرمات الله واجتناب سخطه واتباع طاعته. # قوله: {ولا الشهر الحرام} أي: بالقتال فيه، وقال ابن زيد: هو النسيء، ~~وذلك أنهم كانوا يحلونه في الجاهلية عاما ويحرمونه عاما، {ولا الهدي} وهو ~~كل ما يهدى إلى بيت الله من بعير أو PageV02P008 # بقرة أو شاة، {ولا القلائد} أي: الهدايا المقلدة، يريد ذوات القلائد، ~~وقال عطاء: أراد أصحاب القلائد، ms0709 وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا أرادوا ~~الخروج من الحرم قلدوا أنفسهم وإبلهم بشيء من لحاء شجر الحرم كيلا يتعرض ~~لهم، فنهى الشرع عن استحلال شيء منها. وقال مطرف بن الشخير: هي القلائد ~~نفسها وذلك أن المشركين كانوا يأخذون من لحاء شجر مكة ويتقلدونها فنهوا عن ~~نزع شجرها. # قوله تعالى: {ولا آمين البيت الحرام} أي: قاصدين البيت الحرام، يعني: ~~الكعبة فلا تتعرضوا لهم، {يبتغون} يطلبون {فضلا من ربهم} يعني الرزق ~~بالتجارة، {ورضوانا} أي: على زعمهم؛ لأن الكافرين لا نصيب له في الرضوان، ~~وقال قتادة: هو أن يصلح معاشهم في الدنيا ولا يعجل لهم العقوبة فيها، وقيل: ~~ابتغاء الفضل للمؤمنين والمشركين عامة، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة؛ لأن ~~المسلمين والمشركين كانوا يحجون، وهذه الآية إلى هاهنا منسوخة بقوله: ~~"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" (سورة التوبة، 5) وبقوله: "فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا" (سورة التوبة، 28) ، فلا يجوز أن يحج مشرك ~~ولا أن يأمن كافر بالهدي والقلائد. # قوله عز وجل: {وإذا حللتم} من إحرامكم، {فاصطادوا} أمر إباحة، أباح ~~للحلال أخذ الصيد، كقوله تعالى: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض" ~~(الجمعة، 10) . # {ولا يجرمنكم} قال ابن عباس وقتادة: لا يحملنكم، يقال: جرمني فلان على أن ~~صنعت كذا، أي حملني، وقال الفراء: لا يكسبنكم، يقال: جرم أي: كسب، وفلان ~~جريمة أهله، أي: كاسبهم، وقيل: لا يدعونكم، {شنآن قوم} أي: بغضهم وعداوتهم، ~~وهو مصدر شنئت، قرأ ابن ابن عامر وأبو بكر {شنآن قوم} بسكون النون الأولى، ~~وقرأ الآخرون بفتحها، وهما لغتان، والفتح أجود، لأن المصادر أكثرها فعلان، ~~بفتح العين مثل الضربان والسيلان والنسلان ونحوها، {أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام} قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون ~~بفتح الألف، أي: لأن صدوكم، ومعنى الآية: ولا يحملنكم عداوة قوم على ~~الاعتداء لأنهم صدوكم. وقال محمد بن جرير: لأن هذه السورة نزلت بعد قصة ~~الحديبية، وكان الصد قد تقدم، {أن تعتدوا} عليهم بالقتل وأخذ الأموال، ~~{وتعاونوا} أي: ليعين بعضكم بعضا، {على البر والتقوى} قيل: البر متابعة ~~الأمر، ms0710 والتقوى مجانبة النهي، وقيل: البر: الإسلام، والتقوى: السنة، {ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان} قيل: الإثم: الكفر، والعدوان: الظلم، وقيل: ~~الإثم: المعصية، والعدوان: البدعة. # PageV02P009 # 101\أأخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري أنا أبو عبد الله ~~محمد بن أحمد بن محمد بن أبي طاهر الدقاق ببغداد أخبرنا أبو الحسن علي بن ~~محمد بن الزبير القرشي أنا الحسن بن علي بن عفان أنا زيد بن الحباب عن ~~معاوية بن صالح حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير بن مالك الحضرمي عن أبيه ~~عن النواس بن سمعان الأنصاري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~البر والإثم، قال: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع ~~عليه الناس" (1) . {واتقوا الله إن الله شديد العقاب} . PageV02P010 ### || # {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على ~~النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا ~~تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (3) } # قوله عز وجل {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله ~~به} أي: ما ذكر على ذبحه اسم غير الله تعالى، {والمنخنقة} وهي التي تختنق ~~فتموت، قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها، ~~{والموقوذة} هي المقتولة بالخشب، قال قتادة: كانوا يضربونها بالعصا فإذا ~~ماتت أكلوها، {والمتردية} هي التي تتردى من مكان عال أو في بئر فتموت، ~~{والنطيحة} وهي التي تنطحها أخرى فتموت، وهاء التأنيث تدخل في الفعيل إذا ~~كان بمعنى الفاعل، فإذا كان بمعنى المفعول استوى فيه المذكر والمؤنث، نحو ~~عين كحيل وكف خضيب، فإذا حذفت الاسم وأفردت الصفة، أدخلوا الهاء فقالوا: ~~رأينا كحيلة وخضيبة، وهنا أدخل الهاء لأنه لم يتقدمها الاسم، فلو أسقط ~~الهاء لم يدر أنها صفة مؤنث أم مذكر، ومثله الذبيحة والنسيكة، وأكيلة ms0711 السبع ~~{وما أكل السبع} يريد ما بقي مما أكل السبع، وكان أهل الجاهلية يأكلونه، ~~{إلا ما ذكيتم} يعني: إلا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء. # PageV03P010 # وأصل التذكية الإتمام، يقال: ذكيت النار إذا أتممت إشعالها، والمراد هنا: ~~إتمام فري الأوداج وإنهار الدم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أنهر ~~الدم وذكر اسم الله عليه فكل غير السن والظفر" (1) . # وأقل الذكاة في الحيوان المقدور عليه قطع المري والحلقوم وكما له أن يقطع ~~الودجين معهما، ويجوز بكل محدد يقطع من حديد أو قصب أو زجاج أو حجر إلا ~~السن والظفر، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذبح بهما، وإنما يحل ما ~~ذكيته بعدما جرحه السبع وأكل شيئا منه إذا أدركته والحياة فيه مستقرة ~~فذبحته، فأما ما صار بجرح السبع إلى حالة المذبوح، فهو في حكم الميتة، فلا ~~يكون حلالا وإن ذبحته، وكذلك المتردية والنطيحة إذا أدركتها حية قبل أن ~~تصير إلى حالة المذبوح فذبحتها تكون حلالا ولو رمى إلى صيد في الهواء ~~فأصابه فسقط على الأرض فمات كان حلالا؛ لأن الوقوع على الأرض من ضرورته، ~~فإن سقط على جبل أو شجر أو سطح ثم تردى منه فمات فلا يحل، وهو من المتردية ~~إلا أن يكون السهم أصاب مذبحه في الهواء فيحل كيف ما وقع؛ لأن الذبح قد حصل ~~بإصابة السهم المذبح. # {وما ذبح على النصب} قيل: النصب جمع واحده نصاب، وقيل: هو واحد وجمعه ~~أنصاب مثل عنق وأعناق، وهو الشيء المنصوب. # واختلفوا فيه، فقال مجاهد وقتادة: كانت حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا ~~منصوبة، كان أهل الجاهلية يعبدونها ويعظمونها ويذبحون لها، وليست هي ~~بأصنام، إنما الأصنام هي المصورة المنقوشة، وقال الآخرون: هي الأصنام ~~المنصوبة، ومعناه: وما ذبح على اسم النصب، قال ابن زيد: وما ذبح على النصب ~~وما أهل لغير الله به: هما واحد، قال قطرب: على بمعنى اللام أي: وما ذبح ~~لأجل النصب. # {وأن تستقسموا بالأزلام} أي: ويحرم عليكم الاستقسام بالأزلام، والاستقسام ~~هو طلب القسم والحكم من الأزلام، والأزلام هي: القداح ms0712 التي لا ريش لها ولا ~~نصل، واحدها: زلم، وزلم بفتح الزاي وضمها، وكانت أزلامهم سبعة قداح مستوية ~~من شوحط (2) يكون عند سادن الكعبة، مكتوب على واحد: نعم، وعلى واحد: لا ~~وعلى واحد: منكم، وعلى واحد: من غيركم، وعلى PageV03P011 # واحد: ملصق، وعلى واحد: العقل، وواحد غفل ليس عليه شيء، فكانوا إذا ~~أرادوا أمرا من سفر أو نكاح أو ختان أو غيره، أو تدارءوا في نسب أو اختلفوا ~~في تحمل عقل جاءوا إلى هبل، وكان أعظم أصنام قريش بمكة، وجاءوا بمائة درهم ~~فأعطوها صاحب القداح حتى يجيل القداح، ويقولون: يا إلهنا إنا أردنا كذا ~~وكذا، فإن خرج نعم، فعلوا، وإن خرج لا لم يفعلوا ذلك حولا ثم عادوا إلى ~~القداح ثانية، فإذا أجالوا على نسب، فإن خرج منكم كان وسطا منهم، وإن خرج ~~من غيركم كان حليفا، وإن خرج ملصق كان على منزلته لا نسب له ولا حلف، وإذا ~~اختلفوا في عقل فمن خرج عليه قدح العقل حمله، وإن خرج الغفل أجالوا ثانيا ~~حتى يخرج المكتوب، فنهى الله عز وجل عن ذلك وحرمه، وقال: {ذلكم فسق} قال ~~سعيد بن جبير: الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها، وقال مجاهد: هي كعاب فارس ~~والروم التي يتقامرون بها، وقال الشعبي وغيره: الأزلام للعرب، والكعاب ~~للعجم، وقال سفيان بن وكيع: هي الشطرنج، وروينا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "العيافة والطرق والطيرة من الجبت" (1) والمراد من الطرق: الضرب ~~بالحصى. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنا ابن فنجويه أنا ~~ابن الفضل الكندي أخبرنا الحسن بن داود الخشاب أنا سويد بن سعيد أنا [أبو ~~المختار] (2) عن عبد الملك بن عمير عن رجاء بن حيوة عن أبي الدرداء قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده ~~عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة" (3) . # قوله عز وجل: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} يعني: أن ترجعوا إلى ~~دينهم كفارا، وذلك أن الكفار كانوا يطمعون ms0713 في عود المسلمين إلى دينهم فلما ~~قوي الإسلام يئسوا، ويئس وأيس بمعنى واحد. # {فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا} نزلت هذه الآية يوم الجمعة، يوم عرفة بعد العصر في حجة ~~الوداع، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء، فكادت ~~عضد الناقة تندق من ثقلها فبركت. PageV03P012 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل حدثني الحسن بن الصباح سمع جعفر بن عون ~~أنا أبو العميس أنا قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه أن رجلا من اليهود قال له: "يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرأونها، ~~لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: أية آية؟ قال: ~~"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" قال ~~عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة (1) . أشار عمر إلى أن ذلك اليوم كان عيدا ~~لنا". # قال ابن عباس: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد: جمعة وعرفة وعيد اليهود ~~101/ب والنصارى والمجوس، ولم تجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده. # روى هارون بن عنترة عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله ~~عنه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يبكيك يا عمر"؟ فقال: أبكاني ~~أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا كمل فإنه لم يكن شيء قط إلا نقص، قال: ~~صدقت (2) . # وكانت هذه الآية نعي النبي صلى الله عليه وسلم وعاش بعدها إحدى وثمانين ~~يوما، ومات يوم الاثنين بعدما زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول ~~[سنة إحدى عشرة من الهجرة، وقيل: توفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول] ~~(3) وكانت هجرته في الثاني عشر. # قوله عز وجل: {اليوم أكملت لكم دينكم} يعني: يوم نزول هذه الآية أكملت ms0714 ~~لكم دينكم، يعني الفرائض والسنن والحدود والجهاد والأحكام والحلال والحرام، ~~فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام، ولا شيء من الفرائض. هذا معنى قول ~~ابن عباس رضي الله عنهما، وروي عنه أن آية الربا نزلت بعدها. # وقال سعيد بن جبير وقتادة: أكملت لكم دينكم فلم يحج معكم مشرك. # وقيل: أظهرت دينكم وأمنتكم من العدو. PageV03P013 # قوله عز وجل: {وأتممت عليكم نعمتي} يعني: وأنجزت وعدي في قول "ولأتم ~~نعمتي عليكم" (سورة البقرة، 150) ، فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة آمنين ~~وعليها ظاهرين، وحجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين، {ورضيت لكم ~~الإسلام دينا} سمعت عبد الواحد المليحي قال: سمعت أبا محمد بن أبي حاتم، ~~قال: سمعت أبا بكر النيسابوري سمعت أبا بكر محمد بن الحسن بن المسيب ~~المروزي، سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، سمعت عبد الملك بن مسلمة ~~أنا مروان المصري سمعت إبراهيم بن أبي بكر بن المنكدر رضي الله عنه، سمعت ~~عمي محمد بن المنكدر سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال جبريل عليه السلام قال الله تعالى: هذا ~~دين ارتضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما ~~صحبتموه" (1) # قوله عز وجل: {فمن اضطر في مخمصة} أي: أجهد في مجاعة، والمخمصة خلو البطن ~~من الغذاء، يقال: رجل خميص البطن إذا كان طاويا خاويا، {غير متجانف لإثم} ~~أي: مائل إلى إثم وهو أن يأكل فوق الشبع، وقال قتادة غير متعرض لمعصية في ~~مقصده، {فإن الله غفور رحيم} وفيه إضمار، أي: فأكله فإن الله غفور رحيم. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المروزي أنا أبو العباس أحمد بن محمد ~~بن سراج الطحان أنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان أنا أبو الحسن علي بن ~~عبد العزيز المكي أنا أبو عبيد القاسم بن سلام أنا محمد بن كثير عن ~~الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي واقد الليثي قال رجل: يا رسول الله إنا ~~نكون ms0715 بالأرض فتصيبنا بها المخمصة فمتى تحل لنا الميتة؟ فقال: "ما لم ~~تصطبحوا أو PageV03P014 # تغتبقوا أو تحتفئوا بها بقلا فشأنكم بها" (1) . ### || # {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ~~واتقوا الله إن الله سريع الحساب (4) } # قوله عز وجل: {يسألونك ماذا أحل لهم} الآية، قال سعيد بن جبير: نزلت هذه ~~الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين وهو زيد الخيل الذي سماه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، قالا يا رسول الله إنا قوم نصيد ~~بالكلاب والبزاة فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت هذه الآية (2) . # وقيل: سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل الكلاب ~~قالوا: يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت ~~هذه الآية (3) فلما نزلت أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتناء ~~الكلاب التي ينتفع بها، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله ~~بن بشران أنا إسماعيل بن محمد الصفار أنا أحمد بن منصور الرمادي أنا عبد ~~الرزاق أنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص ~~من أجره كل يوم قيراط" (4) والأول أصح في سبب نزول هذه الآية. # {قل أحل لكم الطيبات} يعني: الذبائح على اسم الله تعالى، وقيل: كل ما ~~تستطيبه العرب PageV03P015 # وتستلذه من غير أن يرد بتحريمه نص من كتاب أو سنة {وما علمتم من الجوارح} ~~يعني: وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح. # واختلفوا في هذه الجوارح، فقال الضحاك والسدي: هي الكلاب دون غيرها، ولا ~~يحل ما صاده غير الكلب إلا أن يدرك ذكاته، وهذا غير معمول به، بل عامة أهل ~~العلم على أن المراد من الجوارح ms0716 والكواسب من سباع البهائم كالفهد والنمر ~~والكلب، ومن سباع الطير كالبازي والعقاب والصقر ونحوها مما يقبل التعليم، ~~فيحل صيد جميعها، سميت جارحة: لجرحها لأربابها أقواتهم من الصيد، أي: ~~كسبها، يقال: فلان جارحة أهله، أي: كاسبهم، {مكلبين} والمكلب الذي يغري ~~الكلاب على الصيد، ويقال للذي يعلمها أيضا: مكلب، والكلاب: صاحب الكلاب، ~~ويقال للصائد بها أيضا كلاب، ونصب مكلبين على الحال، أي: في حال تكليبكم ~~هذه الجوارح أي إغرائكم إياها على الصيد، وذكر الكلاب لأنها أكثر وأعم، ~~والمراد جميع جوارح الصيد، {تعلمونهن} تؤدبونهن آداب أخذ الصيد، {مما علمكم ~~الله} أي: من العلم الذي علمكم الله، وقال السدي: أي كما علمكم الله، "من" ~~بمعنى الكاف، {فكلوا مما أمسكن عليكم} أراد أن الجارحة المعلمة إذا خرجت ~~بإرسال صاحبها فأخذت الصيد وقتلته كان حلالا والتعليم هو أن يوجد فيها ~~ثلاثة أشياء: إذا أشليت استشلت، وإذا زجرت انزجرت، وإذا أخذت الصيد أمسكت ~~ولم تأكل، وإذا وجد ذلك منه مرارا وأقله ثلاث مرات كانت معلمة، يحل قتلها ~~إذا خرجت بإرسال صاحبها. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا موسى بن إسماعيل أنا ثابت بن زيد عن ~~عاصم عن الشعبي عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ~~أرسلت كلبك المعلم وسميت فأمسك وقتل فكل، وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على ~~نفسه، وإذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل فإنك ~~لا تدري أيها قتل، وإذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر ~~سهمك فكل وإن وقع في الماء فلا تأكل" (1) # واختلفوا فيما إذا أخذت الصيد وأكلت منه شيئا: فذهب أكثر أهل العلم إلى ~~تحريمه، وروي ذلك عن ابن عباس، وهو قول عطاء وطاوس والشعبي، وبه قال الثوري ~~وابن المبارك وأصحاب الرأي PageV03P016 # وهو أصح قولي الشافعي لقوله صلى الله عليه وسلم: "وإن أكل فلا تأكل فإنما ~~أمسك على نفسه". # ورخص بعضهم ms0717 في أكله، روي ذلك عن ابن عمر، وسلمان الفارسي، وسعد بن أبي ~~وقاص، وبه قال مالك: لما روي عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله تعالى فكل وإن أكل منه" ~~(1) . # وأما غير المعلم من 102\أالجوارح إذا أخذ صيدا، أو المعلم إذا خرج بغير ~~إرسال صاحبه فأخذ وقتل فلا يكون حلالا إلا أن يدركه صاحبه حيا فيذبحه، ~~فيكون حلالا. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن يزيد أنا حيوة أخبرني ~~ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس عن أبي ثعلبة الخشني قال قلت: يا نبي ~~الله إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم، وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي ~~الذي ليس بمعلم، وبكلبي المعلم فما يصح لي؟ قال: "أما ما ذكرت من آنية أهل ~~الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها ~~وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم ~~الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل" (2) . # قوله عز وجل: {واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب} ~~ففيه بيان أن ذكر اسم الله عز وجل على الذبيحة شرط حالة ما يذبح، وفي الصيد ~~حالة ما يرسل الجارحة أو السهم. # أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي أنا أبو الحسن علي بن محمد ~~بن إبراهيم بن الحسن بن علوية الجوهري قال: حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد ~~بن الأثرم المقري بالبصرة حدثنا عمر بن شيبة أنا ابن أبي عدي عن سعيد عن ~~قتادة عن أنس قال: "ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ~~ذبحهما بيده وسمى وكبر، قال: رأيته واضعا قدمه على صفاحهما ويذبحهما بيده ~~PageV03P017 # ويقول بسم الله والله أكبر" (1) . ### || # {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل ms0718 لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا ~~آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد ~~حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين (5) } # قوله عز وجل: {اليوم أحل لكم الطيبات} يعني: الذبائح على اسم الله عز ~~وجل، {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} يريد ذبائح اليهود والنصارى ومن ~~دخل في دينهم من سائر الأمم قبل مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم حلال ~~لكم، فأما من دخل في دينهم بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فلا تحل ~~ذبيحته، ولو ذبح يهودي أو نصراني على اسم غير الله كالنصراني يذبح باسم ~~المسيح فاختلفوا فيه، قال عمر (2) لا يحل، وهو قول ربيعة، وذهب أكثر أهل ~~العلم إلى أنه يحل، وهو قول الشعبي وعطاء والزهري ومكحول، سئل الشعبي ~~ومكحول عن النصراني يذبح باسم المسيح، قالا يحل فإن الله تعالى قد أحل ~~ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون، وقال الحسن: إذا ذبح اليهودي أو النصراني فذكر ~~اسم غير الله وأنت تسمع فلا تأكله فإذا غاب عنك فكل فقد أحل الله لك. # قوله عز وجل: {وطعامكم حل لهم} فإن قيل: كيف شرع لهم حل طعامنا وهم كفار ~~ليسوا من أهل الشرع؟ قال الزجاج: معناه حلال لكم أن تطعموهم فيكون خطاب ~~الحل مع المسلمين، وقيل: لأنه ذكر عقيبه حكم النساء، ولم يذكر حل المسلمات ~~لهم فكأنه قال حلال لكم أن تطعموهم حرام عليكم أن تزوجوهم. # قوله عز وجل: {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم} هذا راجع إلى الأول منقطع عن قوله: "وطعامكم حل لهم". PageV03P018 # اختلفوا في معنى " المحصنات " فذهب أكثر العلماء إلى أن المراد منهن ~~الحرائر، وأجازوا نكاح كل حرة، مؤمنة كانت أو كتابية، فاجرة كانت أو عفيفة، ~~وهو قول مجاهد، وقال هؤلاء: لا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية لقوله ~~تعالى: "فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات" (سورة النساء، 25) جوز ~~نكاح الأمة بشرط أن تكون مؤمنة، وجوز أكثرهم نكاح الأمة الكتابية الحربية، ~~وقال ابن ms0719 عباس: لا يجوز وقرأ "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله" إلى قوله "حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة، 29) ، فمن أعطى الجزية حل لنا ~~نساؤه ومن لم يعطها فلا يحل لنا نساؤه. # وذهب قوم إلى أن المراد من المحصنات في الآية: العفائف من الفريقين حرائر ~~كن أو إماء وأجازوا نكاح الأمة الكتابية، وحرموا البغايا من المؤمنات ~~والكتابيات، وهو قول الحسن، وقال الشعبي: إحصان الكتابية أن تستعف من الزنا ~~وتغتسل من الجنابة. # {إذا آتيتموهن أجورهن} مهورهن {محصنين غير مسافحين} غير معالنين بالزنا، ~~{ولا متخذي أخدان} أي: يسرون بالزنا، قال الزجاج: حرم الله الجماع على جهة ~~السفاح وعلى جهة اتخاذ الصديقة، وأحله على جهة الإحصان وهو التزوج. # {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} قال مقاتل ~~بن حيان: يقول ليس إحصان المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من الكفر أو يغني ~~عنهن شيئا وهي للناس عامة: "ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة ~~من الخاسرين". # قال ابن عباس ومجاهد في معنى قوله تعالى: "ومن يكفر بالإيمان" أي: بالله ~~الذي يجب # PageV03P019 # الإيمان به. # وقال الكلبي: بالإيمان أي: بكلمة التوحيد وهي شهادة أن لا إله إلا الله. # وقال مقاتل: بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن، وقيل: من ~~يكفر بالإيمان أي: يستحل الحرام ويحرم الحلال فقد حبط عمله، وهو في الآخرة ~~من الخاسرين قال ابن عباس: خسر الثواب. ### || # {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) ~~} # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} أي: إذا أردتم ~~القيام إلى الصلاة، كقوله تعالى: "فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله"، (سورة ~~النحل، 98) ، أي: ms0720 إذا أردت القراءة. # وظاهر الآية يقتضي وجوب الوضوء عند كل مرة يريد القيام إلى الصلاة، لكن ~~أعلمنا ببيان السنة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد من الآية: ~~"إذا قمتم إلى الصلاة" وأنتم على غير طهر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (1) . # وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بين أربع صلوات بوضوء واحد، ~~أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنيفي أنا أبو الحارث طاهر بن محمد ~~الطاهري أنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حليم أنا أبو الموجه محمد بن عمرو ~~بن الموجه أنا عبدان أنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن ~~أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم فتح مكة الصلوات بوضوء واحد، ~~ومسح على خفيه (2) . # وقال زيد بن أسلم: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من النوم. # وقال بعضهم: هو أمر على طريق الندب، ندب من قام إلى الصلاة أن يجدد لها ~~طهارته وإن كان على طهر، روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات" (3) . # وروي عن عبد الله بن حنظلة بن عامر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ~~بالوضوء عند كل صلاة طاهرا أو PageV03P020 # غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة" (1) . # وقال بعضهم: هذا إعلام من الله سبحانه وتعالى لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال، فأذن ~~له أن يفعل بعد الحدث ما بدا له من الأفعال غير الصلاة، أخبرنا أبو القاسم ~~الحنيفي أنا أبو الحارث الطاهري أنا الحسن بن محمد بن حليم أنا أبو الموجه ~~أنا صدقة أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار سمع سعيد بن الحويرث سمع ابن عباس ~~رضي الله عنهما يقول: (كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فرجع من الغائط ms0721 ~~فأتي بطعام فقيل له: ألا تتوضأ؟ "فقال: لم؟ أأصلي فأتوضأ؟) . (2) # قوله عز وجل: {فاغسلوا وجوهكم} وحد الوجه من منابت شعر الرأس 102/ب إلى ~~منتهى الذقن طولا وما بين الأذنين عرضا يجب غسل جميعه في الوضوء، ويجب أيضا ~~إيصال الماء إلى ما تحت الحاجبين وأهداب العينين والشارب والعذار أو ~~العنفقة وإن كانت كثيفة وأما العارض واللحية فإن كانت كثيفة لا ترى البشرة ~~من تحتها لا يجب غسل باطنها في الوضوء، بل يجب غسل ظاهرها. # وهل يجب إمرار الماء على ظاهر ما استرسل من اللحية عن الذقن؟ فيه قولان: # أحدهما: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة، لأن الشعر النازل عن حد الرأس لا ~~يكون حكمه حكم الرأس في جواز المسح عليه، كذلك النازل عن حد الوجه لا يكون ~~حكمه حكم الوجه في وجوب غسله. # والقول الثاني: يجب إمرار الماء على ظاهره، لأن الله تعالى أمر بغسل ~~الوجه، والوجه ما يقع به المواجهة من هذا العضو، ويقال في اللغة بقل وجه ~~فلان وخرج وجهه: إذا نبتت لحيته. # قوله تعالى: {وأيديكم إلى المرافق} أي: مع المرافق، كما قال الله تعالى: ~~"ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم" (سورة النساء، 2) أي: مع أموالكم، وقال: ~~"من أنصاري إلى الله" (سورة آل عمران، 52 وسورة الصف، 14) ، أي: مع الله. # وأكثر العلماء على أنه يجب غسل المرفقين، وفي الرجل يجب غسل الكعبين، ~~وقال الشعبي PageV03P021 # ومحمد بن جرير: لا يجب غسل المرفقين والكعبين في غسل اليد والرجل لأن حرف ~~"إلى" للغاية والحد، فلا يدخل في المحدود. # قلنا: ليس هذا بحد ولكنه بمعنى مع كما ذكرنا، وقيل: الشيء إذا حد إلى ~~جنسه يدخل فيه الغاية، وإذا حد إلى غير جنسه لا يدخل، كقوله تعالى: "ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل" (سورة البقرة، 187) ، لم يدخل الليل فيه لأنه ليس ~~من جنس النهار. # قوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} اختلف العلماء في قدر الواجب من مسح ~~الرأس، فقال مالك: يجب مسح جميع الرأس كما يجب مسح جميع الوجه في التيمم، ~~وقال أبو حنيفة: يجب مسح ربع الرأس، ms0722 وعند الشافعي رحمه الله: يجب قدر ما ~~يطلق عليه اسم المسح. # واحتج من أجاز مسح بعض الرأس بما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا ~~عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي ~~أنا يحيى بن حسان عن حماد بن زيد وابن علية عن أيوب السختياني عن ابن سيرين ~~عن عمرو بن وهب الثقفي عن المغيرة بن شعبة "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخفيه"، (1) فأجاز بعض أهل العلم المسح على ~~العمامة بهذا الحديث، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق. # ولم يجوز أكثر أهل العلم المسح على العمامة بدلا من المسح على الرأس، ~~وقالوا: في حديث المغيرة إن فرض المسح سقط عنه بمسح الناصية، وفيه دليل على ~~أن مسح جميع الرأس غير واجب. # قوله عز وجل: {وأرجلكم إلى الكعبين} ، قرأ نافع وابن عامر والكسائي ~~ويعقوب وحفص "وأرجلكم" بنصب اللام، وقرأ الآخرون "وأرجلكم" بالخفض، فمن قرأ ~~"وأرجلكم" بالنصب فيكون عطفا على قوله: "فاغسلوا وجوهكم وأيديكم" أي: ~~واغسلوا أرجلكم، ومن قرأ بالخفض فقد ذهب قليل من أهل العلم إلى أنه يمسح ~~على رجلين، وروي عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان، ويروى ذلك عن ~~عكرمة وقتادة، وقال الشعبي: نزل جبريل بالمسح وقال: ألا ترى المتيمم يمسح ~~ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا؟ # وقال محمد بن جرير الطبري يتخير المتوضئ بين المسح على الخفين وبين غسل ~~الرجلين. # وذهب عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم إلى وجوب غسل الرجلين، ~~وقالوا: PageV03P022 # خفض اللام في الأرجل على مجاورة اللفظ لا على موافقة الحكم، كما قال ~~تبارك وتعالى: "عذاب يوم أليم"، فالأليم صفة العذاب، ولكنه أخذ إعراب اليوم ~~للمجاورة، وكقولهم: جحر ضب خرب، فالخرب نعت للجحر، وأخذ إعراب الضب ~~للمجاورة. # والدليل على وجوب غسل الرجلين: ما أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن ~~العباس الحميدي الخطيب أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو عبد الله محمد بن ~~يعقوب أنا يحيى بن محمد بن يحيى أنا ms0723 الحجبي ومسدد قالا أخبرنا أبو عوانة عن ~~أبي بشر عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو قال: "تخلف عنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في سفر سافرناه فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر، ~~ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادانا بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من ~~النار". (1) # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبدان أنا عبد الله أنا معمر حدثني الزهري ~~عن عطاء بن يزيد عن حمران مولى عثمان قال: "رأيت عثمان رضي الله عنه توضأ ~~فأفرغ على يديه ثلاثا ثم مضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل ~~يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاثا، ثم مسح ~~رأسه، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ثم اليسرى ثلاثا ثم قال: رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ وضوئي هذا ثم صلى ~~ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء غفر الله له ما تقدم من ذنبه". (2) # وقال بعضهم: أراد بقوله {وأرجلكم} المسح على الخفين كما روي "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع وضع يديه على ركبتيه" (3) وليس المراد منه ~~أنه لم يكن بينهما حائل، ويقال: قبل فلان رأس الأمير ويده، وإن كانت ~~العمامة على رأسه، ويده في كمه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم أنا زكريا عن عامر عن عروة بن ~~المغيرة عن أبيه رضي الله عنهما قال: "كنت مع PageV03P023 # النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في سفر فقال: "أمعك ماء" فقلت: نعم، ~~فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى عني في سواد الليل، ثم جاء فأفرغت عليه من ~~الإداوة فغسل وجهه ويديه، وعليه جبة من صوف فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها ~~حتى أخرجهما من أسفل الجبة فغسل ذراعيه، ثم مسح برأسه، ثم أهويت لأنزع ms0724 خفيه ~~فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين"، فمسح عليهما. (1) # قوله تعالى: {إلى الكعبين} فالكعبان هما العظمان الناتئان من جانبي ~~القدمين، وهما مجتمع مفصل الساق والقدم، فيجب غسلهما مع القدمين كما ذكرنا ~~في المرفقين. # وفرائض الوضوء: غسل الأعضاء الثلاثة كما ذكر الله تعالى، ومسح الرأس، ~~واختلف أهل العلم في وجوب النية: فذهب أكثرهم إلى وجوبها لأن الوضوء فيفتقر ~~إلى النية كسائر العبادات، وذهب بعضهم إلى أنها غير واجبة وهو قول الثوري ~~وأصحاب الرأي. # واختلفوا في وجوب الترتيب، وهو أن يغسل أعضاءه على الولاء كما ذكر الله ~~تبارك وتعالى: فذهب جماعة إلى وجوبه، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ~~رحمهم الله، ويروى ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه. # واحتج الشافعي بقول الله تعالى: "إن الصفا والمروة من شعائر الله"، (سورة ~~البقرة، 158) . وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالصفا، وقال: "نبدأ بما بدأ ~~الله به" (2) وكذلك هاهنا بدأ الله تعالى بذكر غسل الوجه فيجب علينا أن ~~نبدأ فعلا بما بدأ الله تعالى به ذكرا. # وذهب جماعة إلى أن الترتيب 103\أسنة، وقالوا: الواوات المذكورة في الآية ~~للجميع لا للترتيب كما قال الله تعالى: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين" ~~الآية (سورة التوبة، 60) ، واتفقوا على أنه لا تجب مراعاة الترتيب في صرف ~~الصدقات إلى أهل السهمان، ومن أوجب الترتيب أجاب بأنه لم ينقل عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه راعى الترتيب بين أهل السهمان، وفي الوضوء لم ينقل أنه ~~توضأ إلا مرتبا كما ذكر الله تعالى، وبيان الكتاب يؤخذ من السنة كما قال ~~الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا" (سورة الحج، 77) ، لما ~~قدم ذكر الركوع على السجود، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل ~~إلا كذلك PageV03P024 # فكان مراعاة الترتيب فيه واجبة، كذلك الترتيب هنا. # قوله عز وجل: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} أي: اغتسلوا، أخبرنا أبو الحسن ~~السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ~~هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها ms0725 "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم ~~يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات ~~بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله" (1) # قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه} فيه دليل على أنه يجب مسح الوجه واليدين بالصعيد وهو التراب، {ما يريد ~~الله ليجعل عليكم} بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم، {من حرج} ضيق، ~~{ولكن يريد ليطهركم} من الأحداث والجنابات والذنوب، {وليتم نعمته عليكم ~~لعلكم تشكرون} قال محمد بن كعب القرظي: إتمام النعمة تكفير الخطايا بالوضوء ~~كما قال الله تعالى: "ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر" (سورة ~~الفتح، 2) ، فجعل تمام نعمته غفران ذنوبه. # أخبرنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا عبد العزيز بن أحمد ~~الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان عن هشام بن ~~عروة عن أبيه عن حمران: أن عثمان توضأ بالمقاعد ثلاثا ثلاثا ثم قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من توضأ وضوئي هذا خرجت خطاياه من ~~وجهه ويديه ورجليه" (2) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو ~~مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران مولى عثمان: أن عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه جلس على المقاعد يوما فجاءه المؤذن فآذنه بصلاة العصر ~~فدعا بماء فتوضأ، ثم قال: والله لأحدثنكم حديثا لولا PageV03P025 # آية في كتاب الله ما حدثتكموه، ثم قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "ما من امرئ [مسلم] (1) يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة إلا ~~غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها" قال مالك: أراه يريد هذه ~~الآية {وأقم الصلاة لذكري} (2) ورواه ابن شهاب (3) وقال عروة: الآية "إن ~~الذين يكتمون ms0726 ما أنزلنا من البينات" (سورة البقرة، 159) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا يحيى بن بكير أنا الليث عن خالد عن سعيد بن ~~أبي هلال عن نعيم المجمر قال رقيت مع أبي هريرة رضي الله عنه على ظهر ~~المسجد، فتوضأ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أمتي ~~يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع أن يطيل منكم ~~غرته فليفعل" (4) . ### || # {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ~~واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (7) يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (8) وعد الله الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم (9) } # قوله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم} يعني: النعم كلها، {وميثاقه الذي ~~واثقكم به} عهده الذي عاهدكم به أيها المؤمنون، {إذ قلتم سمعنا وأطعنا} ~~وذلك حين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما ~~أحبوا وكرهوا، وهو قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد ومقاتل: يعني الميثاق ~~الذي أخذ عليهم حين أخرجهم من صلب آدم عليه السلام، {واتقوا الله إن الله ~~عليم بذات الصدور} بما في القلوب من خير وشر. PageV03P026 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} أي: ~~كونوا قائمين بالعدل [قوالين] (1) بالصدق، أمرهم بالعدل والصدق في أفعالهم ~~وأقوالهم، {ولا يجرمنكم} ولا يحملنكم، {شنآن قوم} بغض قوم، {على ألا ~~تعدلوا} أي: على ترك العدل فيهم لعداوتهم. ثم قال: {اعدلوا} يعني: في ~~أوليائكم وأعدائكم، {هو أقرب للتقوى} يعني: إلى التقوى، {واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون} # {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم} وهذا في ~~موضع النصب؛ لأن فعل الوعد واقع على المغفرة، ورفعها على تقدير أي: وقال ~~لهم مغفرة وأجر عظيم. PageV03P027 ### || # {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ms0727 الجحيم (10) يا أيها الذين ~~آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم ~~عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) } # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} بالدفع عنكم، ~~{إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} بالقتل. # قال قتادة: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل فأراد ~~بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا به وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلاة فأطلع ~~الله تبارك وتعالى نبيه على ذلك، وأنزل الله صلاة الخوف (1) . # وقال الحسن: كان النبي صلى الله عليه وسلم محاصرا غطفان بنخل، فقال رجل ~~من المشركين: هل لكم في أن أقتل محمدا؟ قالوا: وكيف تقتله؟ قال: أفتك به، ~~قالوا: وددنا أنك قد فعلت ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى ~~الله عليه وسلم متقلد سيفه، فقال: يا محمد أرني سيفك فأعطاه إياه فجعل ~~الرجل يهز السيف وينظر مرة إلى السيف ومرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: الله، فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فشام السيف ومضى، فأنزل الله تعالى هذه الآية (2) . PageV03P027 # وقال مجاهد وعكرمة والكلبي وابن يسار عن رجاله: بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المنذر بن عمرو الساعدي، وهو أحد النقباء ليلة العقبة، في ثلاثين ~~راكبا من المهاجرين والأنصار إلى بني عامر بن صعصعة، فخرجوا فلقوا عامر بن ~~الطفيل على بئر معونة، وهي من مياه بني عامر، فاقتتلوا، فقتل المنذر بن ~~عمرو وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم، أحدهم عمرو بن أمية ~~الضمري، فلم يرعهم إلا الطير تحوم في السماء، يسقط من بين خراطيمها علق ~~الدم، فقال أحد النفر: قتل أصحابنا، ثم تولى يشتد حتى لقي رجلا فاختلفا ~~ضربتين فلما خالطته الضربة رفع [رأسه] (1) إلى السماء وفتح عينيه وقال: ~~الله أكبر الجنة ورب العالمين، فرجع صاحباه فلقيا رجلين من بني سليم وكان ~~بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة، فانتسبا ms0728 لهما إلى بني ~~عامر فقتلاهما وقدم قومهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون الدية، ~~فخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف رضي الله ~~عنهم، حتى دخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستعينهم في عقلهما، وكانوا ~~قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى أن يعينوه في ~~الديات، قالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة اجلس ~~حتى نطعمك ونعطيك الذي سألته 103/ب فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمدا أقرب منه الآن فمن ~~يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمر بن جحاش: أنا، ~~فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله تعالى يده وجاء جبريل وأخبره، ~~فخرج النبي صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة ثم دعا عليا فقال: لا ~~تبرح مقامك، فمن خرج عليك من أصحابي فسألك عني فقل: توجه إلى المدينة، ففعل ~~ذلك علي رضي الله عنه حتى تناهوا إليه ثم تبعوه، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية وقال: {فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} (2) ~~. ### || # {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله ~~إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم ~~الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) } # قوله عز وجل: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر ~~نقيبا} وذلك أن الله عز وجل وعد موسى عليه السلام أن يورثه وقومه الأرض ~~المقدسة وهي الشام، وكان يسكنها الكنعانيون الجبارون، فلما استقرت لبني ~~إسرائيل الدار بمصر أمرهم الله تعالى بالسير إلى أريحاء من أرض الشام وهي ~~الأرض المقدسة، وكانت لها ألف قرية في كل قرية ألف بستان، وقال: يا موسى ~~إني كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإني ناصرك ~~عليهم، ms0729 وخذ من قومك اثني عشر نقيبا PageV03P028 # من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به، ~~فاختار موسى النقباء وسار موسى ببني إسرائيل حتى قربوا من أريحاء فبعث ~~هؤلاء النقباء يتجسسون له الأخبار ويعلمون علمها، فلقيهم رجل من الجبابرة ~~يقال له عوج بن عنق، وكان طوله ثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاث وثلاثين ذراعا ~~وثلث ذراع، وكان يحتجر بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من قرار البحر ~~فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله، ويروى أن الماء طبق ما على الأرض ~~من جبل وما جاوز ركبتي عوج وعاش ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله على يدي ~~موسى عليه السلام، وذلك أنه جاء [وقلع] (1) صخرة من الجبل على قدر عسكر ~~موسى عليه السلام، وكان فرسخا في فرسخ، وحملها ليطبقها عليهم فبعث الله ~~الهدهد فقور الصخرة بمنقاره فوقعت في عنقه فصرعته، فأقبل موسى عليه السلام ~~وهو مصروع فقتله، وكانت أمه [عنق] (2) إحدى بنات آدم وكان مجلسها [جريبا] ~~(3) من الأرض، فلما لقي عوج النقباء وعلى رأسه حزمة حطب أخذ الاثني عشر ~~وجعلهم في حجزته وانطلق بهم إلى امرأته، وقال انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون ~~أنهم يريدون قتالنا، وطرحهم بين يديها وقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت ~~امرأته: لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك (4) . # وروي أنه جعلهم في كمه وأتى بهم إلى الملك فطرحهم (5) بين يديه، فقال ~~الملك: ارجعوا فأخبروهم بما رأيتم، وكان لا يحمل عنقودا من عنبهم إلا خمسة ~~أنفس منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع منها حبها خمسة أنفس، ~~فرجع النقباء وجعلوا يتعرفون أحوالهم، وقال بعضهم لبعض يا قوم: إنكم إن ~~أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدوا عن نبي الله ولكن اكتموا، وأخبروا ~~موسى وهارون فيريان رأيهما وأخذ بعضهم على بعضهم الميثاق بذلك، ثم إنهم ~~نكثوا العهد وجعل كل واحد PageV03P029 # منهم ينهى سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما رأى: إلا رجلان فذلك قوله تعالى: ~~"ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا. ms0730 # {وقال الله إني معكم} ناصركم على عدوكم، ثم ابتدأ الكلام فقال: {لئن ~~أقمتم الصلاة} يا معشر بني إسرائيل، {وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي ~~وعزرتموهم} نصرتموهم، وقيل: ووقرتموهم وعظمتموهم؛ {وأقرضتم الله قرضا حسنا} ~~قيل: هو إخراج الزكاة، وقيل: هو النفقة على الأهل، {لأكفرن عنكم سيئاتكم} ~~لأمحون عنكم سيئاتكم، {ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ~~ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل} أي: أخطأ قصد السبيل، يريد طريق [الحق] (1) ~~وسواء كل شيء: وسطه. ### || # {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف ~~عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13) } # {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ~~فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما ~~كانوا يصنعون (14) } # {فبما نقضهم} أي: فبنقضهم، و"ما" صلة، {ميثاقهم} قال قتادة: نقضوه من ~~وجوه لأنهم كذبوا الرسل الذين جاءوا بعد موسى وقتلوا أنبياء الله ونبذوا ~~كتابه وضيعوا فرائضه {لعناهم} قال [عطاء] (1) أبعدناهم من رحمتنا، قال ~~الحسن ومقاتل: عذبناهم بالمسخ، {وجعلنا قلوبهم قاسية} قرأ حمزة والكسائي ~~قسية بتشديد الياء من غير ألف، وهما لغتان مثل الذاكية والذكية، وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: قاسية أي يابسة، وقيل: غليظة لا تلين، وقيل معناه: إن ~~قلوبهم ليست بخالصة للإيمان بل إيمانهم مشوب بالكفر والنفاق، ومنه الدراهم ~~القاسية وهي الردية المغشوشة. # {يحرفون الكلم عن مواضعه} قيل: هو تبديلهم نعت النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقيل: تحريفهم بسوء التأويل، {ونسوا حظا مما ذكروا به} أي: وتركوا نصيب ~~أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته، {ولا ~~تزال} [يا محمد] (2) {تطلع على خائنة منهم} أي: على خيانة، فاعلة بمعنى ~~المصدر كالكاذبة واللاغية، وقيل: هو بمعنى الفاعل والهاء للمبالغة مثل ~~[رواية] (3) ونسابة وعلامة وحسابة، وقيل: على فرقة خائنة، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: على خائنة أي: على معصية، وكانت خيانتهم نقضهم العهد ومظاهرتهم ~~المشركين ms0731 على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمهم بقتله وسمه، ونحوهما ~~من خياناتهم التي ظهرت، {إلا قليلا منهم} لم يخونوا ولم ينقضوا العهد وهم ~~الذين أسلموا من أهل الكتاب، {فاعف عنهم واصفح} أي: أعرض عنهم ولا تتعرض ~~لهم، {إن الله يحب المحسنين} PageV03P031 # وهذا منسوخ بآية السيف (1) . # قوله عز وجل: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم} قيل: أراد بهم ~~اليهود والنصارى فاكتفى بذكر أحدهما، والصحيح أن الآية في النصارى خاصة ~~لأنه قد تقدم ذكر اليهود، وقال الحسن: فيه دليل على أنهم نصارى بتسميتهم لا ~~بتسمية الله تعالى، أخذنا ميثاقهم في التوحيد والنبوة، {فنسوا حظا مما ~~ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} بالأهواء ~~المختلفة والجدال في الدين، قال مجاهد وقتادة: يعني بين اليهود والنصارى، ~~وقال قوم: هم النصارى وحدهم صاروا فرقا منهم اليعقوبية والنسطورية ~~والملكانية، وكل فرقة تكفر الأخرى، {وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} في ~~الآخرة. ### || # {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ~~ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم (16) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك ~~من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ~~ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير ~~(17) } # قوله عز وجل: {يا أهل الكتاب} يريد: يا أهل الكتابين، {قد جاءكم رسولنا ~~يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب} PageV03P032 # أي: من التوارة والإنجيل مثل صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم ~~وغير ذلك، {ويعفو عن كثير} أي: يعرض عن كثير مما أخفيتم فلا يتعرض له ولا ~~يؤاخذكم به، {قد جاءكم من الله نور} يعني: محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: ~~الإسلام، {وكتاب مبين} أي: بين، وقيل: مبين وهو القرآن. # {يهدي به الله من ms0732 اتبع رضوانه} رضاه، {سبل السلام} قيل: السلام هو الله ~~عز وجل، وسبيله دينه الذي شرع لعباده، وبعث به رسله، وقيل: السلام هو ~~السلامة، كاللذاذ واللذاذة بمعنى واحد، والمراد به طرق السلامة، {ويخرجهم ~~من الظلمات إلى النور} أي: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، {بإذنه} ~~بتوفيقه وهدايته، {ويهديهم إلى صراط مستقيم} 104\أوهو الإسلام. # قوله عز وجل: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} وهم ~~اليعقوبية من النصارى يقولون المسيح هو الله تعالى، {قل فمن يملك من الله ~~شيئا} أي: من يقدر أن يدفع من أمر الله شيئا إذا قضاه؟ {إن أراد أن يهلك ~~المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما ~~بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير} # PageV03P033 ### || # {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل ~~أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما وإليه المصير (18) } # قوله عز وجل: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه} قيل: ~~أرادوا أن الله تعالى لنا كالأب في الحنو والعطف، ونحن كالأبناء له في ~~القرب والمنزلة، وقال إبراهيم النخعي: إن اليهود وجدوا في التوراة يا أبناء ~~أحباري، فبدلوا يا أبناء أبكاري، فمن ذلك قالوا: نحن أبناء الله، وقيل: ~~معناه نحن أبناء رسل الله. # PageV03P033 # قوله تعالى: {قل فلم يعذبكم بذنوبكم} يريد إن كان الأمر كما زعمتم أنكم ~~أبناؤه وأحباؤه فإن الأب لا يعذب ولده، والحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم مقرون ~~أنه معذبكم؟ وقيل: فلم يعذبكم أي: لم عذب من قبلكم بذنوبهم فمسخهم قردة ~~وخنازير؟ {بل أنتم بشر ممن خلق} كسائر بني آدم مجزيون بالإساءة والإحسان، ~~{يغفر لمن يشاء} فضلا {ويعذب من يشاء} عدلا {ولله ملك السماوات والأرض وما ~~بينهما وإليه المصير} ### || # {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير (19) ~~وإذ قال موسى لقومه ms0733 يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ~~وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20) } # {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا} محمد صلى الله عليه وسلم، {يبين لكم} ~~أعلام الهدى وشرائع الدين، {على فترة من الرسل} أي انقطاع من الرسل. # واختلفوا في مدة الفترة بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، ~~قال أبو عثمان النهدي: ستمائة سنة، وقال قتادة: خمسمائة وستون سنة، وقال ~~معمر والكلبي، خمسمائة وأربعون سنة (1) وسميت فترة لأن الرسل كانت تترى بعد ~~موسى عليه السلام من غير انقطاع إلى زمن عيسى عليه السلام، ولم يكن بعد ~~عيسى عليه السلام سوى رسولنا صلى الله عليه وسلم. {أن تقولوا} كيلا تقولوا، ~~{ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير} ~~PageV03P034 # قوله عز وجل: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل ~~فيكم أنبياء} [أي: منكم أنبياء] (1) {وجعلكم ملوكا} قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: يعني أصحاب خدم وحشم، قال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم ولم يكن ~~لمن قبلهم خدم. وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ~~ملكا" (2) . # وقال أبو عبد الرحمن الحبلي: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل ~~فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ ~~قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإن ~~لي خادما، قال: فأنت من الملوك (3) . # قال السدي: وجعلكم ملوكا أحرارا تملكون أمر أنفسكم بعدما كنتم في أيدي ~~القبط يستعبدونكم، قال الضحاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن كان ~~مسكنه واسعا وفيه ماء جار فهو ملك {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} ~~يعني عالمي زمانكم، قال مجاهد: يعني المن والسلوى والحجر وتظليل الغمام. ### || # {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا ms0734 على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين (21) قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها ~~حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون (22) } # قوله تعالى: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} اختلفوا في ~~الأرض المقدسة، قال مجاهد: هي الطور وما حوله، وقال الضحاك: إيليا وبيت ~~المقدس، وقال عكرمة والسدي: هي أريحاء، وقال الكلبي: هي دمشق وفلسطين وبعض ~~الأردن، وقال قتادة: هي الشام PageV03P035 # كلها، قال كعب: وجدت في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله في أرضه ~~[وبها أكثر] (1) عباده. # قوله عز وجل: {كتب الله لكم} يعني: كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكن لكم، ~~وقال ابن إسحاق: وهب الله لكم، وقيل: جعلها لكم، وقال السدي: أمركم الله ~~بدخولها، [وقال قتادة] (2) أمروا بها كما أمروا بالصلاة، أي: فرض عليكم. ~~{ولا ترتدوا على أدباركم} أعقابكم بخلاف أمر الله، {فتنقلبوا خاسرين} قال ~~الكلبي: صعيد إبراهيم عليه السلام جبل لبنان فقيل له: انظر فما أدركه بصرك ~~فهو مقدس وهو ميراث لذريتك. # {قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين} وذلك أن النقباء الذين خرجوا ~~يتجسسون الأخبار لما رجعوا إلى موسى وأخبروه بما عاينوا، قال لهم موسى: ~~اكتموا شأنهم ولا تخبروا به أحدا من أهل العسكر فيفشلوا، فأخبر كل رجل منهم ~~قريبه وابن عمه إلا رجلان وفيا بما قال لهما موسى، أحدهما يوشع بن نون بن ~~أفرائيم بن يوسف عليهم السلام فتى موسى، والآخر كالب بن يوفنا ختن موسى ~~عليه السلام على أخته مريم بنت عمران، وكان من سبط يهود وهما من النقباء ~~فعلمت جماعة من بني إسرائيل ذلك ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا يا ليتنا في ~~أرض مصر، وليتنا نموت في هذه [البرية] (3) ولا يدخلنا الله أرضهم فتكون ~~نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم، وجعل الرجل يقول لصاحبه: تعال نجعل ~~علينا رأسا وننصرف إلى مصر، فذلك قوله تعالى إخبارا عنهم {قالوا يا موسى إن ~~فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا ~~داخلون} أصل الجبار: المتعظم الممتنع عن القهر، يقال: نخلة ms0735 جبارة إذا كانت ~~طويلة ممتنعة عن وصول الأيدي إليها، وسمي أولئك القوم جبارين لامتناعهم ~~بطولهم وقوة أجسادهم، وكانوا من العمالقة وبقية قوم عاد، فلما قال بنو ~~إسرائيل ما قالوا وهموا بالانصراف إلى مصر خر موسى وهارون ساجدين، وخرق ~~يوشع وكالب ثيابهما وهما اللذان أخبر الله تعالى عنهما في قوله تعالى: {قال ~~رجلان من الذين يخافون} ### || # {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا ~~دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) } # {قال رجلان من الذين يخافون} أي: يخافون الله تعالى، قرأ سعيد بن جبير ~~"يخافون" PageV03P036 # بضم الياء، وقال: الرجلان كانا من الجبارين فأسلما واتبعا موسى، {أنعم ~~الله عليهما} بالتوفيق والعصمة قالا {ادخلوا عليهم الباب} يعني: قرية ~~الجبارين، {فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} لأن الله تعالى منجز وعده، وإنا ~~رأيناهم وأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة، فلا تخشوهم، {وعلى الله فتوكلوا إن ~~كنتم مؤمنين} فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوهما. # PageV03P037 ### || # {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا ~~إنا ها هنا (24) قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم ~~الفاسقين (25) قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس ~~على القوم الفاسقين (26) } # {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا ~~إنا هاهنا قاعدون} أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم أنا إسرائيل عن مخارق ~~عن طارق بن شهاب قال سمعت ابن مسعود يقول: لقد شهدت من المقداد بن الأسود ~~مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى عليه السلام: "اذهب ~~أنت وربك فقاتلا" ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك، ~~فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره ما قال (1) . فلما فعلت بنو ~~إسرائيل ms0736 ما فعلت من مخالفتهم أمر ربهم وهمهم بيوشع وكالب غضب موسى عليه ~~السلام ودعا عليهم. # {قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} [قيل: معناه وأخي 104/ب لا يملك إلا ~~نفسه، وقيل: معناه لا يطيعني إلا نفسي وأخي] (2) {فافرق} فافصل، {بيننا} ~~قيل: فاقض بيننا، {وبين القوم الفاسقين} العاصين. # قال الله تعالى: {فإنها محرمة عليهم} قيل: هاهنا تم الكلام معناه تلك ~~البلدة محرمة PageV03P037 # عليهم أبدا لم يرد به تحريم تعبد، وإنما أراد تحريم منع، فأوحى الله ~~تعالى إلى موسى: [بي حلفت] (1) لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي ~~يوشع وكالب، ولأتيهنهم في هذه البرية {أربعين سنة} [يتيهون] (2) مكان كل ~~يوم من الأيام التي تحبسون فيها سنة، ولألقين جيفهم في هذه القفار، وأما ~~بنوهم الذين لم يعلموا الشر فيدخلونها، فذلك قوله تعالى: {فإنها محرمة ~~عليهم أربعين سنة} {يتيهون} يتحيرون، {في الأرض فلا تأس على القوم ~~الفاسقين} أي: لا تحزن على مثل هؤلاء القوم، فلبثوا أربعين سنة في ستة ~~فراسخ وهم ستمائة ألف مقاتل، وكانوا يسيرون كل يوم جادين فإذا أمسوا كانوا ~~في الموضع الذي ارتحلوا عنه. # وقيل: إن موسى وهارون عليهما السلام لم يكونا فيهم، والأصح أنهما كانا ~~فيهم ولم يكن لهما عقوبة إنما كانت العقوبة لأولئك القوم، ومات في التيه كل ~~من دخلها ممن جاوز عشرين سنة غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحاء أحد ممن ~~قالوا إنا لن ندخلها أبدا فلما هلكوا وانقضت الأربعون سنة، ونشأت النواشئ ~~من ذراريهم ساروا إلى حرب الجبارين. # واختلفوا فيمن تولى تلك الحرب وعلى يدي من كان الفتح، فقال قوم: وإنما ~~فتح موسى أريحاء وكان يوشع على مقدمته، فسار موسى عليه السلام إليهم فيمن ~~بقي من بني إسرائيل، فدخلها يوشع فقاتل الجبابرة ثم دخلها موسى عليه السلام ~~فأقام فيها ما شاء الله تعالى، ثم قبضه الله تعالى إليه، ولا يعلم قبره ~~أحد، وهذا أصح الأقاويل لاتفاق العلماء أن عوج بن عنق قتله موسى عليه ~~السلام. # وقال الآخرون: إنما قاتل الجبارين يوشع ولم يسر إليهم إلا بعد ms0737 موت موسى ~~عليه السلام، [وقالوا: مات موسى] (3) وهارون جميعا في التيه. PageV03P038 ### ||| قصة وفاة هارون # قال السدي: أوحى الله عز وجل إلى موسى أني متوفي هارون فأت به جبل كذا ~~وكذا، فانطلق موسى وهارون عليهما السلام نحو ذلك الجبل فإذا هما بشجرة لم ~~ير مثلها وإذا ببيت مبني وفيه سرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة، فلما نظر ~~هارون إلى ذلك أعجبه، فقال: يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير قال: ~~فنم عليه، فقال: إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي، قال له موسى: لا ~~ترهب إني أكفيك أمر رب هذا البيت فنم، قال: يا موسى نم أنت معي فإن جاء رب ~~البيت غضب علي وعليك جميعا فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد منيته قال: ~~يا موسى خدعتني، فلما قبض رفع البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير به إلى ~~السماء، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون قالوا: إن موسى قتل ~~هارون وحسده لحب بني إسرائيل له، فقال موسى عليه السلام: ويحكم كان أخي ~~فكيف أقتله، فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله تعالى ونزل ~~السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه. # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: صعد موسى وهارون عليهما السلام ~~الجبل فمات هارون [وبقي موسى] (1) فقالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام أنت ~~قتلته فآذوه فأمر الله الملائكة فحملوه حتى مروا به على بني إسرائيل وتكلمت ~~الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنه مات، فبرأه الله تعالى مما قالوا، ~~ثم إن الملائكة حملوه ودفنوه فلم يطلع على موضع قبره أحد إلا الرخم فجعله ~~الله أصم وأبكم. # وقال عمرو بن ميمون: مات هارون قبل موت موسى عليه السلام في التيه، وكانا ~~قد خرجا إلى بعض الكهوف فمات هارون ودفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل، ~~فقالوا: قتلته لحبنا إياه، وكان محببا في بني إسرائيل، فتضرع موسى عليه ~~السلام إلى ربه عز وجل فأوحى الله إليه أن انطلق بهم ms0738 إلى قبره فإني باعثه، ~~فانطلق بهم إلى قبره [فناداه موسى] (2) فخرج من قبره ينفض رأسه، فقال: أنا ~~قتلتك؟ قال: لا ولكني مت، قال: فعد إلى مضجعك، وانصرفوا. PageV03P039 # وأما وفاة موسى عليه السلام، قال ابن إسحاق: كان موسى عليه الصلاة ~~والسلام قد كره الموت وأعظمه فأراد الله أن يحبب إليه الموت، فنبأ يوشع بن ~~نون فكان يغدو ويروح عليه، قال: فيقول له موسى عليه السلام يا نبي الله ما ~~أحدث الله إليك؟ [فيقول له يوشع: يا نبي الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة، فهل ~~كنت أسألك شيئا مما أحدث الله إليك] (1) حتى تكون أنت الذي تبتدئ به ~~وتذكره؟ ولا يذكر له شيئا، فلما رأى ذلك كره موسى الحياة وأحب الموت. # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش ~~الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا ~~عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه قال: أخبرنا أبو هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جاء ملك الموت إلى موسى بن عمران، ~~فقال له: أجب ربك، قال: فلطم موسى عليه السلام عين ملك الموت ففقأها، قال: ~~فرجع ملك الموت إلى الله تعالى فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ~~وقد فقأ عيني قال فرد الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي فقل له: الحياة ~~تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فما وارت يدك من شعرة فإنك ~~تعيش بها سنة، قال: ثم مه؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، رب أدنني من ~~الأرض المقدسة رمية بحجر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله لو أني ~~عنده لأريتكم قبره إلى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر" (2) . # وقال وهب: خرج موسى لبعض حاجته فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرا لم ير ~~شيئا قط أحسن منه ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ~~ملائكة الله لم تحفرون ms0739 هذا القبر؟ قالوا: لعبد كريم على ربه، فقال: إن هذا ~~العبد من الله لهو بمنزلة ما رأيت كاليوم مضجعا قط، فقالت الملائكة: يا صفي ~~الله تحب أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل واضطجع فيه وتوجه إلى ربك، ~~قال: فاضطجع فيه وتوجه إلى ربه ثم تنفس أسهل تنفس فقبض الله تبارك وتعالى ~~روحه، ثم سوت عليه الملائكة. # وقيل: إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض روحه. # وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة فلما مات موسى عليه السلام وانقضت ~~الأربعون سنة بعث PageV03P040 # الله يوشع نبيا فأخبرهم أن الله قد أمره بقتال الجبابرة، فصدقوه وتابعوه ~~فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء ومعه تابوت الميثاق، فأحاط بمدينة أريحاء ~~ستة أشهر، فلما كان السابع نفخوا في القران وضج الشعب ضجة واحدة فسقط سور ~~المدينة، ودخلوا فقاتلوا الجبارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم، وكانت ~~العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها حتى يقطعونها، فكان ~~القتال يوم الجمعة فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت، ~~فقال: اللهم اردد الشمس علي وقال للشمس: إنك في طاعة الله سبحانه وتعالى ~~وأنا في طاعته فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله ~~تعالى قبل دخول السبت، فردت عليه الشمس وزيدت في النهار ساعة حتى قتلتهم ~~أجمعين، وتتبع ملوك الشام فاستباح منهم أحدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع ~~أرض الشام، وصارت الشام كلها لبني إسرائيل وفرق عماله في نواحيهأ 105\أوجمع ~~الغنائم، فلم تنزل النار، فأوحى الله إلى يوشع أن فيها غلولا فمرهم ~~فليبايعوا فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال: هلم ما عندك فأتاه برأس ~~ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجواهر كان قد غله، فجعله في القربان وجعل ~~الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان، ثم مات يوشع ودفن في جبل ~~أفرائيم، وكان عمره مائة وستا وعشرين سنة، وتدبيره أمر بني إسرائيل من بعد ~~موسى عليه السلام سبعا وعشرين سنة. ### || # {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من ms0740 أحدهما ولم ~~يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) } # قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} وهما هابيل وقابيل (1) ~~ويقال له قابين، {إذ قربا قربانا} وكان سبب قربانهما على ما ذكره أهل العلم ~~أن حواء كانت تلد لآدم عليه السلام في كل بطن غلاما وجارية، وكان جميع ما ~~ولدته أربعين ولدا في عشرين بطنا أولهم قابيل وتوأمته أقليما، وآخرهم عبد ~~المغيث وتوأمته أمة المغيث، ثم بارك الله عز وجل في نسل آدم عليه السلام، ~~قال ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا. # واختلفوا في مولد قابيل وهابيل، فقال بعضهم: غشي آدم حواء بعد مهبطهما ~~إلى الأرض بمائة سنة، فولدت له قابيل وتوأمته أقليما في بطن واحد، ثم ولدت ~~هابيل وتوأمته لبودا في بطن. PageV03P041 # وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: إن آدم كان يغشى ~~حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة، فحملت فيها بقابيل وتوأمته أقليما، فلم ~~تجد عليهما وحما ولا وصبا ولا طلقا حتى ولدتهما، ولم تر معهما دما فلما هبط ~~إلى الأرض تغشاها فحملت بهابيل وتوأمته، فوجدت عليهما الوحم والوصب والطلق ~~والدم، وكان آدم إذا شب أولاده يزوج غلام هذا البطن جارية بطن أخرى، فكان ~~الرجل منهم يتزوج أية أخواته شاء إلا توأمته التي ولدت معه لأنه لم يكن ~~يومئذ نساء إلا أخواتهم، فلما ولد قابيل وتوأمته أقليما ثم هابيل وتوأمته ~~لبودا، وكان بينهما سنتان في قول الكلبي وأدركوا، أمر الله تعالى آدم عليه ~~السلام أن ينكح قابيل لبودا أخت هابيل وينكح هابيل أقليما أخت قابيل، وكانت ~~أخت قابيل أحسن من أخت هابيل، فذكر ذلك آدم لولده فرضي هابيل وسخط قابيل، ~~وقال: هي أختي أنا أحق بها، ونحن من [ولادة] (1) الجنة وهما من [ولادة] (2) ~~الأرض، فقال له أبوه: إنها لا تحل لك فأبى أن يقبل ذلك، وقال: إن الله لم ~~يأمره بهذا وإنما هو من رأيه، فقال لهما آدم عليه السلام: فقربا قربانا ~~فأيكما يقبل ms0741 قربانه فهو أحق بها، وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت نار ~~من السماء بيضاء فأكلتها، وإذا لم تكن مقبولة لم تنزل النار وأكلته الطير ~~والسباع، فخرجا ليقربا [قربانا] (3) وكان قابيل صاحب زرع فقرب صبرة من ~~الطعام من أردأ زرعه وأضمر في نفسه ما أبالي أيقبل مني أم لا لا يتزوج أختي ~~أبدا، وكان هابيل صاحب غنم فعمد إلى أحسن كبش في غنمه فقرب به وأضمر في ~~نفسه رضا الله عز وجل فوضعا قربانهما أعلى الجبل، ثم دعا آدم عليه السلام ~~فنزلت نار من السماء وأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل (4) فذلك قوله ~~عز وجل: {فتقبل من أحدهما} [يعني هابيل] (5) {ولم يتقبل من الآخر} يعني: ~~قابيل فنزلوا على الجبل وقد غضب قابيل لرد قربانه وكان يضمر الحسد في نفسه ~~إلى أن أتى آدم مكة لزيارة البيت، فلما غاب آدم أتى قابيل هابيل وهو في ~~غنمه، {قال لأقتلنك} قال: ولم؟ قال: لأن الله تعالى قبل قربانك ورد قرباني، ~~وتنكح أختي الحسناء وأنكح أختك الدميمة، فيتحدث الناس أنك خير مني ويفتخر ~~ولدك على ولدي، {قال} هابيل: وما ذنبي؟ {إنما يتقبل الله من المتقين} ~~PageV03P042 ### || # {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله ~~رب العالمين (28) إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك ~~جزاء الظالمين (29) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) } # {لئن بسطت} أي: مددت، {إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني ~~أخاف الله رب العالمين} قال عبد الله بن عمر: وايم الله إن كان المقتول ~~لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط إلى أخيه يده، وهذا في الشرع آدم ~~جائز لمن أريد قتله أن ينقاد ويستسلم طلبا للأجر كما فعل عثمان رضي الله ~~عنه، قال مجاهد: كتب عليهم في ذلك الوقت إذا أراد رجل قتل رجل أن لا يمتنع ~~ويصبر. # {إني أريد أن تبوء} ترجع، وقيل: تحتمل، {بإثمي وإثمك} أي: بإثم قتلي إلى ~~إثمك، أي: إثم معاصيك التي ms0742 عملت من قبل، هذا قول أكثر المفسرين. وروى ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد قال: معناه إني أريد أن يكون عليك خطيئتي التي عملتها ~~أنا إذا قتلتني وإثمك فتبوء بخطيئتي ودمي جميعا، وقيل: معناه أن ترجع بإثم ~~قتلي وإثم معصيتك التي لم يتقبل لأجلها قربانك، أو إثم حسدك. # فإن قيل: كيف قال إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك، وإرادة القتل والمعصية ~~لا تجوز؟ قيل ليس ذلك بحقيقة إرادة ولكنه لما علم أنه يقتله لا محالة وطن ~~نفسه على الاستسلام طلبا للثواب فكأنه صار مريدا لقتله مجازا، وإن لم يكن ~~مريدا حقيقة، وقيل: معناه إني أريد أن تبوء بعقاب قتلي فتكون إرادة صحيحة، ~~لأنها موافقة لحكم الله عز وجل، فلا يكون هذا إرادة للقتل، بل لموجب القتل ~~من الإثم والعقاب، {فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين} # قوله عز وجل: {فطوعت له نفسه} أي: طاوعته وشايعته وعاونته، {قتل أخيه} أي ~~في قتل أخيه، [وقال مجاهد: فشجعته، وقال قتادة: فزينت له نفسه، وقال يمان: ~~سهلت له نفسه ذلك، أي: جعلته سهلا] (1) تقديره: صورت له نفسه أن قتل أخيه ~~طوع له أي سهل عليه، فقتله فلما قصد قابيل قتل هابيل لم يدر كيف يقتله، قال ~~ابن جريج: فتمثل له إبليس وأخذ طيرا فوضع رأسه على حجر ثم شدخ رأسه بحجر ~~آخر وقابيل ينظر إليه فعلمه القتل، فرضخ قابيل رأس هابيل بين PageV03P043 # حجرين (1) قيل: قتل وهو مستسلم، وقيل: اغتاله وهو في النوم فشدخ رأسه ~~فقتله، وذلك قوله تعالى: {فقتله فأصبح من الخاسرين} وكان لهابيل يوم قتل ~~عشرون سنة. # واختلفوا في موضع قتله [قيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم فاسود جسم ~~القاتل وسأله آدم عليه السلام عن أخيه فقال لم أكن عليه وكيلا فقال: بل ~~قتلته ولذلك اسود جسدك، مكث آدم مائة سنة لم يضحك قط منذ قتله] (2) . # قال ابن عباس رضي الله عنهما: على جبل [ثور] (3) وقيل عند عقبة حراء، ~~فلما قتله تركه بالعراء ولم يدر ما يصنع به لأنه كان أول ميت على وجه ms0743 الأرض ~~من بني آدم، وقصدته السباع، فحمله في جراب على ظهره أربعين يوما، وقال ابن ~~عباس: سنة، حتى أروح، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمى به فتأكله، ~~فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره وبرجله حتى ~~مكن له ثم ألقاه في الحفرة وواراه، وقابيل ينظر إليه، فذلك قوله تعالى: ~~105/ب {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه} ### || # {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين (31) } # {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه} فلما رأى ~~قابيل ذلك قال يا ويلتا كلمة تحسر فقيل لما رأى الدفن من الغراب أنه أكبر ~~علما منه وأن ما فعله كان جهلا فندم وتحسر {قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل ~~هذا الغراب فأواري سوأة أخي} أي: جيفته، وقيل: عورته لأنه قد سلب ثيابه، ~~{فأصبح من النادمين} على حمله على عاتقه لا على قتله، وقيل: على فراق أخيه، ~~وقيل: ندم لقلة النفع بقتله فإنه أسخط والديه، وما انتفع بقتله شيئا ولم ~~يكن ندمه على القتل وركوب الذنب. # قال عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب: لما قتل ابن آدم أخاه وجفت الأرض ~~بما عليها سبعة أيام ثم شربت الأرض دمه كما يشرب الماء، فناداه آدم أين ~~أخوك هابيل؟ قال: ما أدري ما كنت عليه PageV03P044 # رقيبا، فقال الله تعالى: إن دم أخيك ليناديني من الأرض، فلم قتلت أخاك؟ ~~قال: فأين دمه إن كنت قتلته؟ فحرم الله عز وجل على الأرض يومئذ أن تشرب دما ~~بعده أبدا. # وقال مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما قتل ~~قابيل هابيل وآدم عليه السلام بمكة اشتاك الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت ~~الفواكه، وأمر الماء واغبرت الأرض، فقال آدم عليه السلام: قد حدث في الأرض ~~حدث، فأتى الهند فإذا قابيل قد قتل هابيل فأنشأ يقول وهو أول ms0744 من قال الشعر: ~~تغيرت البلاد ومن عليها %~% فوجه الأرض مغبر قبيح # تغير كل ذي لون وطعم %~% وقل بشاشة الوجه المليح # وروي: المليح. # وروي عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من قال إن آدم ~~عليه السلام قال شعرا فقد كذب، إن محمدا صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم ~~عليهم السلام في النهي عن الشعر سواء، ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم ~~وهو سرياني، فلما قال آدم مرثيته قال لشيث: يا بني إنك وصي احفظ هذا الكلام ~~ليتوارث فيرق الناس عليه، لم يزل ينقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان ~~يتكلم بالعربية والسريانية وهو أول من خط بالعربية، وكان يقول الشعر فنظر ~~في المرثية فرد المقدم إلى المؤخر والمؤخر إلى المقدم، فوزنه شعرا وزاد فيه ~~أبيات منها: # وما لي لا أجود بسكب دمع %~% وهابيل تضمنه الضريح # أرى طول الحياة علي غما %~% فهل أنا من حياتي مستريح # فلما مضى من عمر آدم عليه السلام مائة وثلاثون سنة، وذلك بعد قتل هابيل ~~بخمس سنين ولدت له حواء شيثا، وتفسيره: هبة الله، يعني إنه خلف من هابيل ~~علمه الله تعالى ساعات الليل والنهار، وعلمه عبادة الخلق في كل ساعة منها، ~~وأنزل عليه خمسين صحيفة فصار وصي آدم وولي عهده، وأما قابيل فقيل له اذهب ~~طريدا شريدا فزعا مرعوبا لا تأمن من تراه، فأخذ بيد أخته أقليما وهرب بها ~~إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس فقال له إنما أكلت النار قربان هابيل ~~لأنه كان يعبد النار فانصب أنت نارا أيضا تكون لك ولعقبك، فبنى بيتا للنار ~~فهو أول من عبد النار، وكان لا يمر به أحد إلا رماه، فأقبل ابن له أعمى ~~ومعه ابن له، فقال ابنه: هذا أبوك قابيل، مرمى الأعمى أباه فقتله، فقال ابن ~~الأعمى: قتلت أباك؟ فرفع يده فلطم ابنه، فمات فقال الأعمى: ويل لي قتلت أبي ~~برميتي وقتلت ابني بلطمتي. # PageV03P045 # وقال مجاهد: فعلقت إحدى رجلي قابيل إلى فخدها وساقها وعلقت من يومئذ إلى ~~يوم ms0745 القيامة ووجهه إلى الشمس ما دارت عليه، في الصيف حظيرة من نار وفي ~~الشتاء حظيرة من ثلج. # قال: واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطبول والمزامير والعيدان ~~والطنابير، وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنا والفواحش حتى ~~غرقهم الله بالطوفان أيام نوح عليه السلام، وبقي نسل شيث. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف ثنا محمد بن إسماعيل أنا عمر بن حفص بن غياث ثنا أبي ثنا الأعمش حدثني ~~عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل ~~من دمها لأنه أول من سن القتل" (1) . PageV03P046 ### || # {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد ~~جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (32) } # قوله عز وجل: {من أجل ذلك} قرأ أبو جعفر من اجل ذلك بكسر النون موصولا ~~وقراءة العامة بجزم النون، أي: من جراء ذلك القاتل وجنايته، يقال: أجل يأجل ~~أجلا إذا جنى، مثل أخذ يأخذ أخذا، {كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا ~~بغير نفس} قتلها فيقاد منه، {أو فساد في الأرض} يريد بغير نفس وبغير فساد ~~في الأرض من كفر أو زنا أو قطع طريق، أو نحو ذلك {فكأنما قتل الناس جميعا} ~~اختلفوا في تأويلها، قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عكرمة: من قتل ~~نبيا أو إماما عدلا فكأنما قتل الناس جميعا، ومن شد عضد نبي أو إمام عدل ~~فكأنما أحيا الناس جميعا. # قال مجاهد: من قتل نفسا محرمة يصلى النار بقتلها، كما يصلاها لو قتل ~~الناس جميعا "ومن أحياها" من سلم من قتلها فقد سلم من قتل الناس جميعا. # PageV03P046 # قال قتادة: عظم الله أجرها وعظم وزرها، معناه من ms0746 استحل قتل مسلم بغير حق ~~فكأنما قتل الناس جميعا في الإثم لأنهم لا يسلمون منه، {ومن أحياها} وتورع ~~عن قتلها، {فكأنما أحيا الناس جميعا} [في الثواب لسلامتهم منه. قال الحسن: ~~فكأنما قتل الناس جميعا] (1) يعني: أنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي ~~يجب عليه لو قتل الناس جميعا، ومن أحياها: أي عفى عمن وجب عليه القصاص له ~~فلم يقتله فكأنما أحيا الناس جميعا، قال سليمان بن علي قلت للحسن: يا أبا ~~سعيد: هي لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ قال: إي والذي لا إله غيره ما كانت ~~دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا، {ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم ~~إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون} ### || # {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا ~~أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي ~~في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) } # {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} الآية. قال ~~الضحاك: نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عهد، فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض (2) . # وقال الكلبي: نزلت في قوم هلال بن عويمر، وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وداع هلال بن عويمر وهو أبو بردة الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين ~~عليه، وممن مر بهلال بن عويمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو آمن لا ~~يهاج، فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بناس من أسلم من قوم هلال بن ~~عويمر، ولم يكن هلال شاهدا [فشدوا] (3) عليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزل ~~جبريل عليه السلام بالقضاء فيهم، وقال سعيد بن جبير: نزلت في ناس من عرينة ~~وعكل أتو النبي صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام وهم كذبة فبعثهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة، فارتدوا وقتلوا الراعي ~~106\أواستاقوا الإبل. PageV03P047 # [أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ms0747 محمد بن ~~يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا علي بن عبد الله ثنا الوليد بن مسلم ثنا ~~الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير حدثني أبو قلابة الجرمي] (1) عن أنس بن ~~مالك رضي الله عنه قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم نفر من عكل ~~فأسلموا واجتووا المدينة فأمرهم [النبي صلى الله عليه وسلم] (2) أن يأتوا ~~إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا فارتدوا وقتلوا ~~رعاتها واستاقوا الإبل، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فأتي بهم ~~فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ثم لم يحسمهم حتى ماتوا. # ورواه أيوب عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال: فقطع أيديهم وأرجلهم ~~ثم أمر بمسامير فكحلهم بها وطرحهم بالحرة يستسقون فما يسقون حتى ماتوا، قال ~~أبو قلابة: قتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا (3) ~~[وهو المراد من قوله تعالى: "ويسعون في الأرض فسادا] (4) . # واختلفوا في حكم هؤلاء العرنيين: فقال بعضهم: هي منسوخة لأن المثلة لا ~~تجوز، وقال بعضهم: حكمه ثابت إلا السمل [والمثلة] (5) وروى قتادة عن ابن ~~سيرين أن ذلك كان قبل أن [ينزل الحد] (6) وقال أبو الزناد: فلما فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذلك بهم أنزل الله الحدود ونهاه عن المثلة فلم ~~يعد. # وعن قتادة قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث ~~على الصدقة وينهى عن المثلة (7) وقال سليمان التيمي عن أنس: إنما سمل النبي ~~صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سلموا أعين الرعاة. وقال الليث بن ~~سعد: نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليما منه ~~إياه عقوبتهم، وقال: إنما جزاؤهم هذا لا المثلة، ولذلك ما قام النبي صلى ~~الله عليه وسلم خطيبا إلا نهى عن المثلة. # واختلفوا في المحاربين الذين يستحقون هذا الحد، فقال قوم: هم الذين ~~يقطعون الطريق ويحملون السلاح، والمكابرون في الأمصار، وهو قول الأوزاعي ~~ومالك والليث بن سعد والشافعي رحمهم الله. PageV03P048 # وقال قوم: المكابرون في الأمصار ليس لهم حكم ms0748 المحاربين في استحقاق هذه ~~الحدود وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه. # وعقوبة المحاربين ما ذكر الله سبحانه وتعالى: {أن يقتلوا أو يصلبوا أو ~~تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} فذهب قوم إلى أن الإمام ~~بالخيار في أمر المحاربين بين القتل والقطع والصلب، [والنفي] (1) كما هو ~~ظاهر الآية، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والنخعي ومجاهد. # وذهب الأكثرون إلى أن هذه العقوبات على ترتيب الجرائم لا على التخيير، ~~[لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمدد الخلال أنا ~~أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا إبراهيم بن محمد عن صالح مولى ~~التوأمة] (2) عن ابن عباس رضي الله عنهما في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا ~~المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا ~~أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، فإذا أخافوا السبيل ~~ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض (3) . # وهو قول قتادة والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي رحمهم الله تعالى. # [وإذا قتل قاطع الطريق يقتل] (4) حتما حتى لا يسقط بعفو ولي الدم، وإذا ~~أخذ من المال نصابا وهو ربع دينار تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وإذا قتل ~~وأخذ المال يقتل ويصلب. # واختلفوا في كيفيته: فظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه أن يقتل ثم يصلب ~~وقيل: يصلب حيا ثم يطعن حتى يموت مصلوبا، وهو قول الليث بن سعد، وقيل: يصلب ~~ثلاثة أيام حيا ثم ينزل فيقتل، وإذا أخاف السبيل ينفى. # واختلفوا في النفي: فذهب قوم إلى أن الإمام يطلبه ففي كل بلدة يوجد ينفى ~~عنه، وهو قول سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز، وقيل: يطلب لتقام الحدود ~~عليه، وهو قول ابن عباس والليث بن PageV03P049 # سعد، وبه قال الشافعي: وقال أهل الكوفة: النفي هو الحبس، وهو نفي من ~~الأرض، وقال محمد بن جرير: ينفى من بلده إلى غيره ويحبس في السجن [في البلد ~~الذي نفي إليه حتى تظهر توبته. كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من حبس ms0749 ~~في السجون] (1) وقال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه إلى بلد ~~فيؤذيهم، {ذلك} الذي ذكرت من الحد، {لهم خزي} عذاب وهوان وفضيحة، {في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} ### || # {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34) ~~} # {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} فمن ~~ذهب إلى أن الآية نزلت في الكفار، قال معناه: إلا الذين تابوا من شركهم ~~وأسلموا قبل القدرة عليهم فلا سبيل عليهم بشيء من الحدود ولا تبعة عليهم ~~فيما أصابوا في حال الكفر من دم أو مال، وأما المسلمون المحاربون فمن [تاب] ~~(2) منهم قبل القدرة عليهم وهو قبل أن يظفر به الإمام تسقط عنه كل عقوبة ~~وجبت حقا لله، ولا يسقط ما كان من حقوق العباد فإن كان قد قتل في قطع ~~الطريق يسقط عنه بالتوبة قبل القدرة عليه تحتم القتل، ويبقى عليه القصاص ~~لولي القتيل فإن شاء عفا عنه وإن شاء استوفاه، وإن كان قد أخذ المال يسقط ~~عنه [القطع] (3) وإن كان قد جمع بينهما يسقط عنه تحتم القتل والصلب، ويجب ~~ضمان المال وهو قول الشافعي رضي الله عنه. # وقال بعضهم: إذا جاء تائبا قبل القدرة عليه لا يكون لأحد عليه تبعة في دم ~~ولا مال إلا أن يوجد معه مال بعينه فيرده إلى صاحبه. # وروي عن علي رضي الله عنه في حارثة بن يزيد كان خرج محاربا فسفك الدماء ~~وأخذ المال، ثم جاء تائبا قبل أن يقدر عليه فلم يجعل علي رضي الله عنه عليه ~~تبعة [في دم ولا مال، إلا أن يوجد معه مال فيرد إلى صاحبه] (4) أما من تاب ~~بعد القدرة عليه فلا يسقط عنه شيء منها. # وقيل: كل عقوبة تجب حقا لله عز وجل من عقوبات قطع الطريق وقطع السرقة وحد ~~الزنا والشرب تسقط بالتوبة بكل حال، والأكثرون على أنها لا تسقط. ~~PageV03P050 ### || # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله ~~لعلكم تفلحون (35) إن الذين كفروا ms0750 لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (36) } # {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم (37) ~~والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز ~~حكيم (38) } # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا} اطلبوا، {إليه الوسيلة} أي: ~~القربة، فعيلة من توسل إلى فلان بكذا، أي: تقرب إليه وجمعها وسائل، ~~{وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون} [تلخيصه: امتثلوا أمر الله تنجوا] (1) . # {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من ~~عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم} أخبر أن الكافر لو ملك الدنيا كلها ومثلها ~~معها ثم فدى بذلك نفسه من العذاب لم يقبل منه ذلك الفداء، {ولهم عذاب أليم} # {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها} فيه وجهان، أحدهما: ~~أنهم يقصدون ويطلبون المخرج منها، كما قال الله تعالى: "كلما أرادوا أن ~~يخرجوا منها" (الحج -22) والثاني: أنهم يتمنون ذلك بقلوبهم، كما قال الله ~~تعالى إخبارا عنهم: "ربنا أخرجنا منها" (المؤمنون -107) {ولهم عذاب مقيم} # {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} أراد به أيمانهما، وكذلك هو في مصحف ~~عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. # وحكمه أن من سرق [نصابا] (2) من المال من حرز لا شبهة له فيه تقطع يده ~~اليمنى من الرسغ، ولا يجب القطع في سرقة ما دون النصاب عند عامة أهل العلم، ~~حكي عن ابن الزبير أنه كان يقطع في الشيء القليل، وعامة العلماء على خلافه. ~~PageV03P051 # واختلفوا في القدر الذي يقطع فيه: فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقطع في أقل من ~~ربع دينار، فإن سرق ربع دينار أو متاعا قيمته ربع دينار يقطع، وهو قول أبي ~~بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم، وبه قال عمر بن عبد العزيز ~~والأوزاعي والشافعي رحمهم الله، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا ~~عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي ~~أنا ms0751 ابن عيينة عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "القطع في ربع دينار فصاعدا" (1) . # أخبرنا أبو الحسن الشيرزي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في مجن [ثمنه] (2) ثلاثة دراهم (3) . # وروي عن عثمان أنه قطع سارقا في أترجة قومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر ~~درهما بدينار. وهذا قول مالك رحمه الله تعالى أنه يقطع في ثلاثة دراهم. # وذهب قوم إلى أنه لا تقطع في أقل من دينار أو عشرة دراهم، يروى ذلك عن ~~ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي. # وقال قوم لا يقطع إلا في خمسة دراهم يروى ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~وبه قال ابن أبي ليلى، أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله ~~النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمر بن حفص بن غياث ~~أخبرني أبي أنا الأعمش قال: سمعت أبا صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع ~~يده" (4) وقال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد والحبل. يرون أن منها ما ~~يساوي دراهم. # ويحتج بهذا الحديث من يرى القطع في الشيء القليل، وهو عند الأكثرين محمول ~~على ما قاله الأعمش] (5) 106/ب لحديث عائشة رضي الله عنها "وإذا سرق شيئا ~~من غير حرز كثمر في حائط لا PageV03P052 # حارس له أو حيوان في برية لا حافظ له، أو متاع في بيت منقطع عن البيوت لا ~~قطع عليه". # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا قطع في ثمر معلق ولا ~~في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" (1) . # وروي عن ابن جريج عن أبي الزبير ms0752 عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع" (2) . # وإذا سرق مالا له فيه شبهة كالعبد يسرق من مال سيده أو الولد يسرق من مال ~~والده أو الوالد يسرق من مال ولده أو أحد الشريكين يسرق من مال المشترك ~~شيئا: لا قطع عليه. # وإذا سرق السارق أول مرة تقطع يده اليمنى من الكوع، ثم إذا سرق ثانيا ~~تقطع رجله اليسرى من مفصل القدم. # واختلفوا فيما إذا سرق ثالثا: فذهب أكثرهم إلى أنه تقطع يده اليسرى، ثم ~~إذا سرق رابعا تقطع رجله اليمنى، ثم إذا سرق بعده شيئا يعزر ويحبس حتى تظهر ~~توبته، وهو المروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو قول قتادة، وبه قال ~~مالك والشافعي لما روي عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال "في السارق يسرق إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق ~~فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله" (3) . # وذهب قوم إلى أنه إن سرق ثالثا بعدما قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى لا ~~يقطع بل يحبس، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه، وقال: "إني لأستحي أن لا أدع ~~له يدا يستنجي بها ولا رجلا PageV03P053 # يمشي بها" (1) وهو قول الشعبي والنخعي، وبه قال الأوزاعي وأحمد وأصحاب ~~الرأي. قوله تعالى: {جزاء بما كسبا} نصب على الحال والقطع، ومثله: {نكالا} ~~أي: عقوبة، {من الله والله عزيز حكيم} ### || # {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم (39) ~~ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ~~والله على كل شيء قدير (40) يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا ~~سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه ~~يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ms0753 ومن يرد الله فتنته فلن ~~تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في ~~الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (41) } # {فمن تاب من بعد ظلمه} أي: سرقته، {وأصلح} العمل، {فإن الله يتوب عليه إن ~~الله غفور رحيم} هذا فيما بينه وبين الله تعالى، فأما القطع فلا يسقط عنه ~~بالتوبة عند الأكثرين، قال مجاهد: قطع السارق توبته، فإذا قطع حصلت التوبة، ~~والصحيح أن القطع للجزاء على الجناية، كما قال: {جزاء بما كسبا} فلا بد من ~~التوبة بعد، وتوبته الندم على ما مضى والعزم على تركه في المستقبل، وإذا ~~قطع السارق يجب عليه غرم ما سرق من المال عند أكثر أهل العلم، وقال سفيان ~~الثوري وأصحاب الرأي: لا غرم عليه، وبالاتفاق إن كان المسروق باقيا عنده ~~يسترد وتقطع يده لأن القطع حق الله تعالى والغرم حق العبد، فلا يمنع أحدهما ~~الآخر، كاسترداد العين. PageV03P054 # قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض} الخطاب مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمراد به الجميع، وقيل: معناه ألم تعلم أيها الإنسان ~~فيكون خطابا لكل أحد من الناس، {يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء} قال السدي ~~واالكلبي: يعذب من يشاء: من مات على كفره، ويغفر لمن يشاء: [الكبيرة] (1) ~~من تاب من كفره، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يعذب من يشاء على الصغيرة، ~~ويغفر لمن يشاء على الكبيرة، {والله على كل شيء قدير} # قوله تعالى: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} أي: في ~~موالاة الكفار فإنهم لم يعجزوا الله، {من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم ~~تؤمن قلوبهم} وهم المنافقون، {ومن الذين هادوا} يعني: اليهود، {سماعون} أي: ~~قوم سماعون، {للكذب} أي: قائلون للكذب، كقول المصلي: سمع الله لمن حمده، ~~أي: قبل الله، وقيل: سماعون لأجل الكذب، أي يسمعون منك ليكذبوا عليك، وذلك ~~أنهم كانوا يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون ويقولون سمعنا ~~منه كذا ولم يسمعوا ذلك منه، {سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} ms0754 أي هم جواسيس، ~~يعني: بني قريظة لقوم آخرين، وهم أهل خيبر. # وذلك أن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا وكانا محصنين، وكان حدهما ~~الرجم في التوراة، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، فقالوا: إن هذا الرجل الذي ~~بيثرب ليس في كتابه الرجم ولكنه الضرب، فأرسلوا إلى إخوانكم من بني قريظة ~~فإنهم جيرانه وصلح له فليسألوه عن ذلك. فبعثوا رهطا منهم مستخفين وقالوا ~~لهم: سلوا محمدا عن الزانيين إذا أحصنا ما حدهما؟ فإن أمركم بالجلد فاقبلوا ~~منه، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه، وأرسلوا معهم الزانيين فقدم ~~الرهط حتى نزلوا على بني قريظة والنضير فقالوا لهم: إنكم جيران هذا الرجل ~~ومعه في بلده وقد حدث، فينا حدث فلان وفلانة قد فجرا وقد أحصنا، فنحب أن ~~تسألوا لنا محمدا عن قضائه فيه، فقالت لهم قريظة والنضير: إذا والله يأمركم ~~بما تكرهون. # ثم انطلق قوم، منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسد وسعية بن عمرو ومالك بن ~~الصيف وكنانة بن أبي الحقيق وغيرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدهما في كتابك؟ # فقال صلى الله عليه وسلم: هل ترضون بقضائي؟ قالوا: نعم، فنزل جبريل عليه ~~السلام بالرجم فأخبرهم بذلك PageV03P055 # فأبوا أن يأخذوا به. # فقال له جبريل عليه السلام: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، ووصفه له. # فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل تعرفون شابا أمرد أعور يسكن ~~فدك يقال له ابن صوريا؟ قالوا: نعم، قال: فأي رجل هو فيكم؟ فقالوا: هو أعلم ~~يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام ~~في التوراة. # قال: فأرسلوا إليه، ففعلوا فأتاهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"أنت ابن صوريا"؟ قال: نعم، قال: وأنت أعلم اليهود؟ قال: كذلك يزعمون، قال: ~~أتجعلونه بيني وبينكم؟ قالوا: نعم. # فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو، ~~الذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام وأخرجكم ms0755 من مصر، وفلق لكم البحر ~~وأنجاكم وأغرق آل فرعون، والذي ظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى، ~~وأنزل عليكم كتابه وفيه حلاله وحرامه هل تجدون في كتابكم الرجم على من ~~أحصن؟ ". # قال ابن صوريا: نعم والذي ذكرتني به لولا خشية أن تحرقني التوراة إن كذبت ~~أو غيرت ما اعترفت لك، ولكن كيف هي في كتابك يا محمد؟ قال: "إذا شهد أربعة ~~رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم"، ~~فقال ابن صوريا: والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله عز وجل في ~~التوراة على موسى عليه السلام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "فما كان ~~أول ما ترخصتم به أمر الله؟ "، قال: كنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا ~~أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنا ابن عم ملك ~~لنا فلم نرجمه، ثم زنى رجل آخر من الناس فأراد ذلك الملك رجمه فقام دونه ~~قومه، فقالوا: والله لا ترجمه حتى يرجم فلان -لابن عم الملك -فقلنا: تعالوا ~~نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم يكون على الوضيع والشريف، فوضعنا الجلد ~~والتحميم، وهو أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي بالقار ثم يسود وجوههما، ثم ~~يحملان على حمارين ووجوههما من قبل دبر الحمار ويطاف بهما، فجعلوا هذا مكان ~~الرجم، فقالت اليهود [لابن صوريا] (1) ما أسرع ما أخبرته به، وما كنا لما ~~أثنينا عليك بأهل ولكنك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك، فقال لهم: إنه قد ~~أنشدني بالتوراة ولولا خشية التوراة أن تهلكني لما أخبرته، فأمر بهما النبي ~~صلى الله عليه وسلم فرجما عند باب مسجده، وقال: اللهم PageV03P056 # إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، فأنزل 107\أالله عز وجل {يا أيها الرسول ~~لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} (1) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال: إن اليهود ~~جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه ms0756 وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة ~~زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تجدون في التوراة في شأن ~~الرجم؟ " فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: [كذبتم] (2) إن ~~فيها لآية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم ~~فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها ~~آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فرجما، فقال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يحني على المرأة ~~يقيها الحجارة (3) . # وقيل: سبب نزول هذه الآية القصاص، وذلك أن بني النضير كان لهم فضل على ~~بني قريظة فقال بنو قريظة: يا محمد إخواننا بنو النضير وأبونا واحد وديننا ~~واحد ونبينا واحد، إذا قتلوا منا قتيلا واحدا لم يقيدونا وأعطونا ديته ~~سبعين وسقا من تمر، وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتل وأخذوا منا الضعف مائة ~~وأربعين وسقا من تمر، وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها الرجل منا وبالرجل ~~منهم الرجلين منا، وبالعبد الحر منا، وجراحتنا على التضعيف من جراحاتهم، ~~فاقض بيننا وبينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية (4) . # والأول أصح لأن الآية في الرجم. # قوله: {ومن الذين هادوا سماعون للكذب} قيل: اللام بمعنى إلى، وقيل: هي ~~لام كي، أي: يسمعون لكي يكذبوا عليك، واللام في قوله: {لقوم} أي: لأجل قوم ~~{آخرين لم يأتوك} وهم أهل خيبر، {يحرفون الكلم} [جمع كلمة] (5) {من بعد ~~مواضعه} أي: من بعد وضعه مواضعه، ذكر الكناية ردا على لفظ الكلم، {يقولون ~~إن أوتيتم هذا فخذوه} أي: [إن] (6) أفتاكم PageV03P057 # محمد صلى الله عليه وسلم بالجلد والتحميم فاقبلوا، {وإن لم تؤتوه فاحذروا ~~ومن يرد الله فتنته} كفره وضلالته، قال الضحاك: هلاكه، وقال قتادة: عذابه، ~~{فلن تملك له من الله شيئا} فلن تقدر على دفع أمر الله فيه، {أولئك الذين ~~لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} وفيه رد على من ينكر القدر، {لهم في الدنيا ~~خزي} أي: للمنافقين واليهود، فخزي المنافقين الفضيحة وهتك ms0757 الستر بإظهار ~~نفاقهم، وخزي اليهود الجزية والقتل والسبي والنفي، ورؤيتهم من محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه فيهم ما يكرهون، {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} الخلود ~~في النار. # PageV03P058 ### || # {سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ~~(42) } # قوله تعالى: {سماعون للكذب أكالون للسحت} قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأهل ~~البصرة والكسائي "للسحت" بضم الحاء، والآخرون بسكونها، وهو الحرام، وأصله ~~الهلاك والشدة، قال الله تعالى: {فيسحتكم بعذاب} (طه، 61) ، نزلت في حكام ~~اليهود كعب بن الأشرف وأمثاله، كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم. # قال الحسن: كان الحاكم منهم إذا أتاه أحد برشوة جعلها في كمه فيريها إياه ~~ويتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيسمع الكذب ويأكل الرشوة. # وعنه أيضا قال: إنما ذلك في الحكم إذا رشوته ليحق لك باطلا أو يبطل [عنك] ~~(1) حقا (2) . فأما أن يعطي الرجل الوالي يخاف ظلمه ليدرأ به عن نفسه فلا ~~بأس، فالسحت هو الرشوة في الحكم على قول الحسن ومقاتل وقتادة والضحاك، وقال ~~ابن مسعود: هو الرشوة في كل شيء، وقال ابن مسعود: من يشفع شفاعة ليرد بها ~~حقا أو يدفع بها [ظلما (3) فأهدي له فقبل فهو سحت، فقيل له: يا أبا عبد ~~الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم، فقال: الأخذ على الحكم كفر (4) ~~قال الله PageV03P058 # تعالى: {يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} "سورة المائدة، 44". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو ~~القاسم البغوي ثنا علي بن الجعد أنا ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن ~~عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله الراشي والمرتشي". (1) . # والسحت كل كسب لا يحل. # قوله عز وجل: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن ~~يضروك شيئا} خير الله تعالى رسوله ms0758 صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم إن ~~شاء حكم وإن شاء ترك. # واختلفوا في حكم الآية اليوم هل للحاكم الخيار في الحكم بين أهل الذمة ~~إذا تحاكموا إلينا؟ فقال أكثر أهل العلم: هو حكم ثابت، وليس في سورة ~~المائدة منسوخ، وحكام المسلمين بالخيار في الحكم بين أهل الكتاب إن شاءوا ~~حكموا وإن شاءوا لم يحكموا، وإن حكموا حكموا بحكم الإسلام، وهو قول النخعي ~~والشعبي وعطاء وقتادة. # وقال قوم: يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بينهم، والآية منسوخة نسخها ~~قوله تعالى: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله" (سورة المائدة، 49) ، وهو قول ~~مجاهد وعكرمة، وروي ذلك عن ابن عباس (2) وقال: لم ينسخ من المائدة إلا ~~آيتان، قوله تعالى: "لا تحلوا شعائر الله" نسخها قوله تعالى: "اقتلوا ~~المشركين" وقوله: "فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم" نسخها قوله تعالى: ~~"وأن احكم بينهم بما أنزل الله" فأما إذا تحاكم إلينا مسلم وذمي فيجب علينا ~~الحكم بينهما لا يختلف القول فيه، لأنه لا يجوز للمسلم الانقياد لحكم أهل ~~الذمة. قوله {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} أي: بالعدل، {إن الله يحب ~~المقسطين} أي: العادلين، روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"المقسطون عند الله على منابر من نور" (3) . PageV03P059 ### || # {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (43) إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله ~~وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (44) } # قوله تعالى: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة} هذا تعجيب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وفيه اختصار، أي: كيف يجعلونك حكما بينهم فيرضون بحكمك وعندهم ~~التوراة؟ {فيها حكم الله} وهو الرجم، {ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك ~~بالمؤمنين} أي بمصدقين لك. # قوله عز وجل: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا} أي: أسلموا وانقادوا [لأمر] (1) الله ms0759 تعالى، كما أخبر عن إبراهيم ~~عليه السلام: "إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين" (سورة البقرة، ~~131) ، وكما قال: "وله أسلم من في السموات والأرض" (سورة آل عمران، 83) ، ~~وأراد بهم النبيين الذين بعثوا من بعد موسى عليه السلام ليحكموا بما في ~~التوراة، وقد أسلموا لحكم التوراة وحكموا بها، فإن من النبيين من لم يؤمر ~~بحكم التوراة منهم عيسى عليه السلام، قال الله سبحانه وتعالى: "لكل جعلنا ~~منك شرعة ومنهاجا" (سورة المائدة، 48) . # وقال الحسن والسدي: أراد به محمدا صلى الله عليه وسلم حكم على اليهود ~~بالرجم، ذكر بلفظ الجمع كما قال: "إن إبراهيم كان أمة قانتا" (سورة النحل، ~~120) . # وقوله تعالى: {للذين هادوا} فيه تقديم وتأخير، تقديره: فيها هدى ونور ~~للذين هادوا. ثم قال: يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون، وقيل: هو ~~على موضعه، ومعناه: يحكم بها النبيون الذين أسلموا على الذين هادوا، كما ~~قال: "وإن أسأتم فلها" (سورة الإسراء، 7) أي: فعليها، وقال: "أولئك لهم ~~اللعنة" (سورة الرعد، 25) أي: عليهم، وقيل: فيه حذف، كأنه قال: للذين هادوا ~~وعلى الذين هادوا فحذف أحدهما اختصارا. PageV03P060 # {والربانيون والأحبار} يعني العلماء: واحدهم حبر، وحبر بفتح الحاء ~~وكسرها، والكسر أفصح، وهو العالم المحكم للشيء، قال الكسائي وأبو عبيد: هو ~~من الحبر الذي يكتب به وقال قطرب هو من الحبر الذي هو بمعنى الجمال بفتح ~~الحاء وكسرها، وفي الحديث "يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره" (1) أي: ~~حسنه وهيئته، ومنه التحبير وهو التحسين، فسمي العالم حبرا لما عليه من جمال ~~العلم وبهائه، وقيل: الربانيون هاهنا من النصارى، والأحبار من اليهود، ~~وقيل: كلاهما من اليهود. # قوله عز وجل: {بما استحفظوا من كتاب الله} أي: استودعوا من كتاب الله، ~~{وكانوا عليه شهداء} أنه كذلك. # {فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال قتادة 107/ب والضحاك: نزلت هذه الآيات ~~الثلاث في اليهود دون من أساء من هذه الأمة. روي عن البراء بن عازب رضي ~~الله عنه في قوله: ms0760 {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ~~والظالمون والفاسقون كلها في الكافرين، وقيل: هي على الناس كلهم. # وقال ابن عباس (2) وطاووس: ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله فهو به ~~[كافر] (3) وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر. # قال عطاء: هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وقال عكرمة ~~معناه: ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم ~~به فهو ظالم فاسق. # وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات، فقال: إنها تقع على جميع ~~ما أنزل الله لا على بعضه، فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ~~ظالم فاسق، فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك، ثم لم يحكم ~~[بجميع] (4) ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات. وقال ~~العلماء: هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا، فأما من خفي عليه أو أخطأ في ~~تأويل فلا (5) . PageV03P061 ### || # {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن ~~بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الظالمون (45) } # قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها} أي: أوجبنا على بني إسرائيل في التوراة، ~~{أن النفس بالنفس} يعني: نفس القاتل بنفس المقتول وفاء يقتل به، {والعين ~~بالعين} تفقأ بها، {والأنف بالأنف} يجدع به، {والأذن بالأذن} تقطع بها، قال ~~ابن عباس: أخبر الله تعالى بحكمه في التوراة وهو: أن النفس بالنفس إلى ~~آخرها، فما بالهم يخالفون فيقتلون بالنفس النفسين، ويفقأون بالعين العينين، ~~وخفف نافع الأذن في جميع القرآن وثقلها الآخرون، {والسن بالسن} تقلع بها ~~وسائر الجوارح قياس عليها في القصاص، {والجروح قصاص} فهذا تعميم بعد تخصيص، ~~لأنه ذكر العين والأنف والأذن والسن، ثم قال: {والجروح قصاص} أي فيما يمكن ~~الاقتصاص منه كاليد والرجل واللسان ونحوها، وأما ما لا يمكن الاقتصاص منه ~~من كسر عظم أو جرح لحم كالجائفة ونحوها فلا قصاص فيه، لأنه ms0761 لا يمكن الوقوف ~~على نهايته، وقرأ الكسائي "والعين" وما بعدها بالرفع، وقرأ ابن كثير وابن ~~عامر وأبو جعفر وأبو عمرو "والجروح" بالرفع فقط وقرأ الآخرون كلها بالنصب ~~كالنفس. # PageV03P062 # قوله تعالى: {فمن تصدق به} أي بالقصاص {فهو كفارة له} قيل: الهاء في "له" ~~كناية عن المجروح وولي القتيل، أي: كفارة للمتصدق وهو قول عبد الله بن عمرو ~~بن العاص والحسن والشعبي وقتادة. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ~~إبراهيم الثعلبي أنا عبد الله الحسين بن محمد الدينوري أنا عمر بن الخطاب ~~أنا عبد الله بن الفضل أخبرنا أبو خيثمة أنا جرير عن مغيرة عن الشعبي عن ~~عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ~~تصدق من جسده بشيء كفر الله عنه بقدره من ذنوبه" (1) . # وقال جماعة: هي كناية عن الجارح والقاتل، يعني: إذا عفا المجني عليه من ~~الجاني فعفوه كفارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به في الآخرة، كما أن القصاص ~~كفارة له، فأما أجر العافي فعلى الله عز وجل، قال الله تعالى: "فمن عفا ~~وأصلح فأجره على الله" (الشورى-40) ، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، ~~وهو قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الظالمون} PageV03P064 ### || # {وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة ~~وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة ~~للمتقين (46) وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الفاسقون (47) وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ~~عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة ~~واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا ~~فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (48) } # قوله تعالى: {وقفينا على آثارهم} أي: على آثار النبيين الذين ms0762 أسلموا، ~~{بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه} # PageV03P064 # أي: في الإنجيل، {هدى ونور ومصدقا} يعني الإنجيل، {لما بين يديه من ~~التوراة وهدى وموعظة للمتقين} # {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} قرأ الأعمش وحمزة "وليحكم" بكسر ~~اللام وفتح الميم، أي لكي يحكم، وقرأ الآخرون بسكون اللام وجزم الميم على ~~الأمر، قال مقاتل بن حيان: أمر الله الربانيين والأحبار أن يحكموا بما في ~~التوراة، وأمر القسيسين والرهبان أن يحكموا بما في الإنجيل، فكفروا وقالوا ~~عزير ابن الله والمسيح ابن الله، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون} الخارجون عن أمر الله تعالى. # قوله سبحانه وتعالى: {وأنزلنا إليك} يا محمد {الكتاب} القرآن، {بالحق ~~مصدقا لما بين يديه من الكتاب} أي: من الكتب المنزلة من قبل، {ومهيمنا ~~عليه} روى الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أي شاهدا عليه وهو قول ~~مجاهد وقتادة والسدي والكسائي. # قال حسان: # إن الكتاب مهيمن لنبينا %~% والحق يعرفه ذوو الألباب # يريد: شاهدا ومصدقا. # وقال عكرمة: دالا وقال سعيد بن جبير وأبو عبيدة، مؤتمنا عليه، وقال ~~الحسن: أمينا (1) وقيل: أصله مؤيمن، مفيعل من أمين، كما قالوا: مبيطر من ~~البيطار، فقلبت الهمزة هاء، كما قالوا: أرقت الماء وهرقته، وإيهات وهيهات، ~~ونحوها. ومعنى أمانة القرآن ما قال ابن جريج: القرآن أمين على ما قبله من ~~الكتب، فما أخبر أهل الكتاب عن [كتابهم] (2) فإن كان في القرآن فصدقوا وإلا ~~فكذبوا. # وقال سعيد بن المسيب والضحاك قاضيا، وقال الخليل: رقيبا وحافظا، والمعاني ~~متقاربة، ومعنى الكل: أن كل كتاب يشهد بصدقه القرآن فهو كتاب الله تعالى، ~~وما لا فلا. {فاحكم} PageV03P065 # يا محمد، {بينهم} بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك، {بما أنزل الله} ~~بالقرآن، {ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} أي لا تعرض عما جاءك من الحق ~~ولا تتبع أهواءهم، {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} قال ابن عباس والحسن ~~ومجاهد: أي سبيلا وسنة، فالشرعة والمنهاج الطريق الواضح، وكل ما شرعت فيه ~~فهو شريعة وشرعة، ومنه شرائع الإسلام ms0763 لشروع أهلها فيها، وأراد بهذا أن ~~الشرائع مختلفة، ولكل أهل ملة شريعة. # قال قتادة: الخطاب للأمم الثلاث: أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وعليهم أجمعين، للتوراة شريعة والإنجيل شريعة وللفرقان شريعة، ~~والدين واحد وهو التوحيد. {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} أي: على ملة ~~واحدة، {ولكن ليبلوكم} ليختبركم، {في ما آتاكم} من الكتب وبين لكم من ~~الشرائع فيتبين المطيع من العاصي والموافق من المخالف، {فاستبقوا الخيرات} ~~فبادروا إلى الأعمال الصالحة، {إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون} ### || # {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن ~~بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ~~ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من ~~الله حكما لقوم يوقنون (50) } # قوله عز وجل: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن ~~يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال كعب بن ~~[أسد] (1) وعبد الله بن [صوريا] (2) وشاس بن قيس من رؤساء اليهود بعضهم ~~لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا يا محمد قد ~~عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك لم يخالفنا اليهود، وإن ~~بيننا وبين الناس خصومات فنحاكمهم إليك فاقض لنا عليهم نؤمن بك، ويتبعنا ~~غيرنا، ولم يكن قصدهم الإيمان، وإنما كان قصدهم التلبيس ودعوته إلى الميل ~~في الحكم فأنزل الله عز وجل الآية (3) . {فإن تولوا} أي: أعرضوا عن الإيمان ~~والحكم بالقرآن، {فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} أي: فاعلم ~~أن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ~~ذنوبهم، {وإن كثيرا من الناس} يعني اليهود، {لفاسقون} PageV03P066 # {أفحكم الجاهلية يبغون} 108\أقرأ ابن عامر "تبغون" بالتاء وقرأ الآخرون ~~بالياء، أي: يطلبون، {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} # PageV03P067 ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ~~ومن يتولهم منكم ms0764 فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (51) فترى الذين ~~في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي ~~بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين (52) } # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} اختلفوا في نزول ~~هذه الآية وإن كان حكمها عاما لجميع المؤمنين. # فقال قوم: نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي بن سلول، وذلك أنهما ~~اختصما، فقال عبادة: إن لي أولياء من اليهود كثير عددهم شديدة شوكتهم، وإني ~~أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم وولاية اليهود، ولا مولى لي إلا الله ~~ورسوله، فقال عبد الله: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود، لأني أخاف الدوائر، ~~ولا بد لي منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا الحباب ما نفست به ~~من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه، قال: إذا أقبل، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية (1) . # قال السدي: لما كانت وقعة أحد اشتدت على طائفة من الناس وتخوفوا أن يدال ~~عليهم الكفار فقال رجل من المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي وآخذ منه أمانا ~~إني أخاف أن يدال علينا اليهود، وقال رجل آخر: أما أنا فألحق بفلان ~~النصراني من أهل الشام وآخذ منه أمانا، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهما ~~(2) . # وقال عكرمة: نزلت في [أبي لبابة] (3) بن عبد المنذر بعثه النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى بني قريظة [حين حاصرهم] (4) فاستشاروه في النزول، وقالوا: ~~ماذا يصنع بنا إذا نزلنا، فجعل أصبعه على حلقه أنه PageV03P067 # الذبح، أي: يقتلكم، فنزلت هذه الآية (1) . # {بعضهم أولياء بعض} في العون والنصرة ويدهم واحدة على المسلمين، {ومن ~~يتولهم منكم} [فيوفقهم ويعنهم] (2) {فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين} # {فترى الذين في قلوبهم مرض} أي: نفاق يعني عبد الله بن أبي وأصحابه من ~~المنافقين الذين يوالون اليهود، {يسارعون فيهم} في معونتهم وموالاتهم، ~~{يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} دولة، يعني: أن يدول الدهر دولة فنحتاج إلى ~~نصرهم إيانا، وقال ms0765 ابن عباس رضي الله عنهما: معناه نخشى أن لا يتم أمر محمد ~~فيدور الأمر علينا، وقيل: نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه من جدب وقحط فلا ~~يعطونا الميرة والقرض، {فعسى الله أن يأتي بالفتح} قال قتادة ومقاتل: ~~بالقضاء الفصل من نصر محمد صلى الله عليه وسلم على من خالفه، وقال الكلبي ~~والسدي: فتح مكة، وقال الضحاك: فتح قرى اليهود مثل خيبر وفدك، {أو أمر من ~~عنده} قيل: بإتمام أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو عذاب لهم، وقيل: ~~إجلاء بني النضير، {فيصبحوا} يعني هؤلاء المنافقون، {على ما أسروا في ~~أنفسهم} من موالاة اليهود ودس الأخبار إليهم، {نادمين} ### || # {ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ~~حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53) يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن ~~دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله واسع عليم (54) } # {و} حينئذ، {يقول الذين آمنوا} [قرأ أهل الكوفة: "ويقول" بالواو والرفع] ~~(3) وقرأ أهل PageV03P068 # البصرة بالواو ونصب اللام عطفا على {أن يأتي} أي: وعسى أن يقول الذين ~~آمنوا، وقرأ الآخرون بحذف الواو ورفع اللام، وكذلك هو في مصاحف أهل ~~[العالية] (1) استغناء عن حرف العطف بملابسة هذه الآية بما قبلها، يعني ~~يقول الذين آمنوا في وقت إظهار الله تعالى نفاق المنافقين، {أهؤلاء الذين ~~أقسموا بالله} حلفوا بالله، {جهد أيمانهم} أي: حلفوا بأغلظ الأيمان، {إنهم ~~لمعكم} أي: إنهم مؤمنون، يريد: أن المؤمنين حينئذ يتعجبون من كذبهم وحلفهم ~~بالباطل. قال الله تعالى: {حبطت أعمالهم} بطل كل خير عملوه، {فأصبحوا ~~خاسرين} خسروا الدنيا بافتضاحهم، والآخرة بالعذاب وفوات الثواب. # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه} قرأ أهل المدينة والشام "يرتدد" بدالين على إظهار ~~التضعيف "عن دينه" فيرجع إلى الكفر. # قال الحسن: علم الله تبارك وتعالى أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد موت ~~نبيهم ms0766 صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم الله ويحبونه. # واختلفوا في أولئك القوم من هم؟ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن ~~وقتادة: هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومانعي الزكاة (2) وذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض ارتد عامة العرب إلا أهل مكة والمدينة ~~والبحرين من عبد القيس، ومنع بعضهم الزكاة، وهم أبو بكر رضي الله عنه ~~بقتالهم فكره ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال عمر رضي الله عنه: ~~كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا ~~بحقه وحسابه على الله عز وجل؟ " فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين ~~الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني [عناقا] (3) كانوا ~~يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها" (4) . # قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة وقالوا: ~~أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بدا من الخروج على ~~أثره. PageV03P069 # قال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء ثم حمدناه عليه في الانتهاء. # قال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا حصين يقول: ما ولد بعد النبيين مولود أفضل ~~من أبي بكر رضي الله عنه، لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة. # وكان قد ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق: # منهم [بنو مذحج] (1) ورئيسهم ذو الخمار، عبهلة بن كعب، العنسي، ويلقب ~~بالأسود، وكان كاهنا مشعبذا فتنبأ باليمن واستولى على بلادها، فكتب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين، وأمرهم أن ~~يحثوا الناس على التمسك بدينهم، وعلى النهوض إلى حرب الأسود، فقتله فيروز ~~الديلمي على فراشه، قال ابن عمر رضي الله عنه فأتى الخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها، فقال ms0767 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "قتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك"، قيل: ومن هو؟ قال: "فيروز، ~~[فازفيروز] (2) فبشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بهلاك الأسود، وقبض ~~صلى الله عليه وسلم من الغد؛ وأتى [خبر] (3) مقتل العنسي المدينة في آخر ~~شهر ربيع الأول بعدما خرج أسامة وكان ذلك أول فتح جاء أبا بكر رضي الله عنه ~~(4) . # والفرقة الثانية: بنو حنيفة باليمامة، ورئيسهم مسيلمة الكذاب، [واسمه ~~ثمامة بن قيس] (5) وكان قد تنبأ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~آخر سنة عشر، وزعم أنه أشرك مع محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة، وكتب ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، ~~أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك، وبعث [بذلك] (6) إليه مع رجلين من ~~أصحابه، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أتشهدان أن مسيلمة رسول ~~الله؟ قالا نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم] (7) "لولا أن الرسل لا تقتل ~~لضربت أعناقكما"، ثم أجاب: "من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد ~~فإن الأرض لله يروثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين"، ومرض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وتوفي، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب ~~في جيش كثير حتى أهلكه الله على يدي وحشي، غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة ~~بن عبد المطلب، بعد حرب شديد، وكان وحشي يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية ~~وشر الناس في الإسلام (8) . PageV03P070 # والفرقة الثالثة: بنو أسد، ورئيسهم طليحة بن خويلد بن الوليد، وكان طليحة ~~آخر من ارتد، وادعى النبوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأول من قوتل ~~بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من أهل 108/ب الردة، فبعث أبو بكر خالد ~~بن الوليد إليه، فهزمهم خالد بعد قتال شديد، وأفلت طليحة فمر على وجهه ~~هاربا نحو الشام، ثم إنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه (1) . # وارتد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم [في ms0768 خلافة أبي بكر رضي الله ~~عنه] (2) خلق كثير، حتى كفى الله المسلمين أمرهم ونصر دينه على يدي أبي بكر ~~رضي الله عنه (3) . # قالت عائشة: "توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب واشرأب ~~النفاق، ونزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها" (4) . # وقال قوم: المراد بقوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} هم ~~الأشعريون، روي عن عياض بن غنم الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية: {فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم قوم ~~هذا، وأشار إلى أبي موسى الأشعري" (5) وكانوا من اليمن. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أنا ~~أبو عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن [علي الكشميهني، حدثنا علي بن] ~~(6) حجر أنا إسماعيل بن جعفر أنا محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتاكم أهل اليمن ~~هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة، الإيمان يمان والحكمة يمانية" (7) # وقال الكلبي: هم أحياء من اليمن ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة ~~وبجيلة، وثلاثة آلاف من أفياء الناس، فجاهدوا في سبيل الله يوم القادسية في ~~أيام عمر رضي الله عنه. PageV03P071 # قوله عز وجل: {أذلة على المؤمنين} يعني: أرقاء رحماء، لقوله عز وجل: ~~"واخفض لهما جناح الذل من الرحمة"، ولم يرد به الهوان، بل أراد به أن ~~جانبهم لين على المؤمنين، وقيل: هو من الذل من قولهم دابة ذلول، يعني أنهم ~~متواضعون كما قال الله تعالى: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا"، ~~{أعزة على الكافرين} أي: أشداء غلاظ على الكفار يعادونهم ويغالبونهم، من ~~قولهم: عزه أي غلبه، قال عطاء: أذلة على المؤمنين: كالولد لوالده والعبد ~~لسيده، أعزة على الكافرين: كالسبع على فريسته، نظيره قوله تعالى: "أشداء ~~على الكفار رحماء بينهم". {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} ~~يعني: لا يخافون في الله لوم الناس، وذلك أن المنافقين كانوا يراقبون ~~الكفار ms0769 ويخافون لومهم، وروينا عن عبادة بن الصامت قال: "بايعنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا ~~نخاف في الله لومة لائم" (1) . # {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} أي محبتهم لله ولين جانبهم للمسلمين، ~~وشدتهم على الكافرين، من فضل الله عليهم، {والله واسع عليم} ### || # {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون (55) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون (56) } # {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} [روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنها نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي بن سلول حين تبرأ عبادة من ~~اليهود، وقال: أتولى الله ورسوله والذين آمنوا، فنزل فيهم من قوله: "يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء"، إلى قوله: "إنما ~~وليكم الله ورسوله والذين آمنوا" (2) يعني عبادة بن الصامت وأصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (3) . وقال جابر بن عبد الله: جاء عبد الله بن ~~سلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن قومنا قريظة ~~والنضير قد هجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا، فنزلت هذه الآية، ~~فقرأها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا رسول الله رضينا ~~بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء" (4) . وعلى هذا التأويل أراد بقوله: {وهم ~~راكعون} PageV03P072 # صلاة التطوع بالليل والنهار، قاله ابن عباس رضي الله عنهما. # وقال السدي: قوله: "والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون"، أراد به علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مر به سائل وهو راكع في ~~المسجد فأعطاه خاتمه (1) . # وقال جوبير عن الضحاك في قوله: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} ~~قال: هم المؤمنون بعضهم أولياء بعض، وقال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: ~~{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} نزلت في المؤمنين، فقيل له: إن ~~أناسا يقولون إنها نزلت في علي رضي الله عنه، فقال: هو من المؤمنين (2) . # {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا} يعني: ms0770 يتولى القيام بطاعة الله ~~ونصرة رسوله والمؤمنين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد المهاجرين ~~والأنصار، {فإن حزب الله} يعني: أنصار دين الله، {هم الغالبون} ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (57) } # {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ~~(58) قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون (59) } # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ~~ولعبا} قال ابن عباس كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا ~~الإسلام، ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله عز وجل هذه ~~الآية (1) "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا"، ~~بإظهار ذلك بألسنتهم قولا وهم مستبطنون الكفر، {من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم} يعني: اليهود، {والكفار} قرأ أهل البصرة والكسائي "الكفار"، بخفض ~~الراء، [يعني: PageV03P073 # ومن الكفار] (1) وقرأ الآخرون بالنصب، أي: لا تتخذوا الكفار، و {أولياء ~~واتقوا الله إن كنتم مؤمنين} # قوله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم ~~لا يعقلون} قال الكلبي: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى ~~إلى الصلاة وقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا، وصلوا لا ~~صلوا، على طريق الاستهزاء، وضحكوا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية (2) . # وقال السدي: نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: ~~أشهد أن محمدا رسول الله، قال: حرق الكاذب، فدخل خادمه ذات ليلة بنار [وهو ~~وأهله نيام] (3) فتطايرت منها شرارة فاحترق البيت واحترق هو وأهله (4) . # وقال الآخرون: إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا المسلمين فدخلوا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئا لم نسمع به ~~فيما مضى من الأمم فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت -فيما أحدثت ms0771 -الأنبياء ~~قبلك، ولو كان فيه خير لكان أولى الناس به الأنبياء، فمن أين لك صياح كصياح ~~[العنز] (5) ؟ فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، ونزل "ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله"، الآية (6) . # قوله عز وجل: {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا} الآية. قرأ الكسائي: "هل ~~تنقمون"، بإدغام اللام في التاء، وكذلك يدغم لام هل في التاء والثاء ~~والنون، ووافقه حمزة في التاء والثاء وأبو عمرو في "هل ترى" في موضعين. # قال ابن عباس: أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود، أبو ياسر بن ~~أخطب ورافع بن أبي رافع وغيرهما، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال: أومن ~~"بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل" إلى قوله: "ونحن له ~~مسلمون"، فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم ~~أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شرا من دينكم، فأنزل ~~الله هذه الآية (7) "قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا" PageV03P074 # أي: تكرهون منا، {إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن ~~أكثركم فاسقون} أي: هل تكرهون منا إلا إيماننا وفسقكم، أي: إنما كرهتم ~~إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق، لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لحب ~~الرياسة وحب الأموال. ### || # {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل ~~منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل ~~(60) وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم ~~بما كانوا يكتمون (61) وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم ~~السحت لبئس ما كانوا يعملون (62) لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم ~~الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون (63) } # ثم قال: {قل} يا محمد، {هل أنبئكم} أخبركم، {بشر من ذلك} الذي ذكرتم، ~~يعني قولهم لم نر أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من ~~دينكم، فذكر الجواب ms0772 بلفظ الابتداء، 109\أوإن لم يكن الابتداء شرا كقوله ~~تعالى: "أفأنبأكم بشر من ذلكم النار" (الحج، 72) ، {مثوبة} ثوابا وجزاء، ~~نصب على التفسير، {عند الله من لعنه الله} أي: هو من لعنه الله، {وغضب ~~عليه} يعني: اليهود، {وجعل منهم القردة والخنازير} فالقردة أصحاب السبت، ~~والخنازير كفار مائدة عيسى عليه السلام. # وروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الممسوخين ~~كلاهما من أصحاب السبت، فشبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير. {وعبد ~~الطاغوت} أي: جعل منهم من عبد الطاغوت، أي: أطاع الشيطان فيما سول له، ~~وتصديقها قراءة ابن مسعود: ومن عبدوا الطاغوت، وقرأ حمزة "وعبد" بضم الباء ~~"الطاغوت" بجر التاء، أراد العبد وهما لغتان عبد بجزم الباء وعبد بضم ~~الباء، مثل سبع وسبع، وقيل: هو جمع العباد، وقرأ الحسن وعبد الطاغوت، على ~~الواحد، {أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل} أي: عن طريق الحق. # {وإذا جاءوكم قالوا} يعني: هؤلاء المنافقين، وقيل: هم الذين قالوا: ~~"آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وكفروا آخره"، دخلوا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: آمنا بك وصدقناك فيما قلت، وهم يسرون ~~الكفر، {وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} يعني: دخلوا كافرين وخرجوا ~~كافرين، {والله أعلم بما كانوا يكتمون} # PageV03P075 # {وترى كثيرا منهم} يعني: من اليهود {يسارعون في الإثم والعدوان} قيل: ~~الإثم المعاصي والعدوان الظلم، وقيل: الإثم ما كتموا من التوراة، والعدوان ~~ما زادوا فيها، {وأكلهم السحت} الرشا، {لبئس ما كانوا يعملون} # {لولا} هلا {ينهاهم الربانيون والأحبار} يعني: العلماء، قيل: الربانيون ~~علماء النصارى والأحبار علماء اليهود، {عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ~~ما كانوا يصنعون} ### || # {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا ~~للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (64) } # {وقالت اليهود يد الله مغلولة} قال ابن عباس وعكرمة والضحاك ms0773 وقتادة: إن ~~الله تعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالا وأخصبهم ~~ناحية فلما عصوا الله في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به كف الله ~~عنهم ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء: يد الله ~~مغلولة، أي: محبوسة مقبوضة عن الرزق نسبوه إلى البخل، تعالى الله عن ذلك. # قيل: إنما قال هذه المقالة فنحاص، فلما لم ينهه الآخرون ورضوا بقوله ~~أشركهم الله فيها. # وقال الحسن: معناه يد الله مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلا ما تبر به ~~قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل. والأول أولى لقوله: "ينفق كيف يشاء". # {غلت أيديهم} أي: [أمسكت] (1) أيديهم عن الخيرات. وقال الزجاج: أجابهم ~~الله تعالى فقال: أنا الجواد وهم البخلاء وأيديهم هي المغلولة الممسكة. ~~وقيل: هو من الغل في النار يوم القيامة لقوله تعالى: "إذ الأغلال في ~~أعناقهم والسلاسل" (غافر، 71) . {ولعنوا} عذبوا، {بما قالوا} فمن لعنهم ~~أنهم مسخوا قردة وخنازير وضربت عليهم الذلة والمسكنة في الدنيا وفي الآخرة ~~بالنار، {بل يداه مبسوطتان} ويد الله صفة من [صفاته] (2) كالسمع، والبصر ~~والوجه، وقال جل PageV03P076 # ذكره: "لما خلقت بيدي" (ص، 75) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلتا ~~يديه يمين" (1) والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم. # وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: "أمروها كما جاءت بلا كيف". # {ينفق} يرزق، {كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا} أي: كلما نزلت آية كفروا بها وازدادوا طغيانا وكفرا، [كلما نزلت ~~آية] (2) {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء} يعني: بين اليهود والنصارى، ~~قاله الحسن ومجاهد: وقيل بين طوائف اليهود جعلهم الله مختلفين في دينهم ~~متباغضين {إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} يعني: ~~اليهود أفسدوا وخالفوا حكم التوراة، فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا ~~فبعث الله عليهم طيطوس الرومي، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس، ثم ~~أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين. # وقيل: كلما أجمعوا أمرهم ليفسدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ms0774 وأوقدوا ~~نار المحاربة أطفأها الله، فردهم وقهرهم ونصر نبيه ودينه، هذا معنى قول ~~الحسن، وقال قتادة: هذا عام في كل حرب طلبته اليهود فلا تلقى اليهود في ~~البلد إلا وجدتهم من أذل الناس، {ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب ~~المفسدين} PageV03P077 ### || # {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات ~~النعيم (65) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ~~(66) يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (67) } # {ولو أن أهل الكتاب آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم، {واتقوا} الكفر، ~~{لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم} # PageV03P077 # {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} يعني: أقاموا أحكامهما وحدودهما ~~وعملوا بما فيهما، {وما أنزل إليهم من ربهم} يعني: القرآن، وقيل: كتب ~~أنبياء بني إسرائيل، {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} قيل: من فوقهم هو ~~المطر، ومن تحت أرجلهم نبات الأرض. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: لأنزلت عليهم القطر وأخرجت لهم من نبات ~~الأرض. # وقال الفراء أراد به التوسعة في الرزق كما يقال فلان في الخير من قرنه ~~إلى قدمه، ونظيره قوله تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم ~~بركات من السماء والأرض" (الأعراف، 96) . # {منهم أمة مقتصدة} يعني: مؤمني أهل الكتاب، عبد الله بن سلام وأصحابه، ~~مقتصدة أي عادلة غير غالية، ولا مقصرة جافية، ومعنى الاقتصاد في اللغة: ~~الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير. # {وكثير منهم} كعب بن الأشرف وأصحابه، {ساء ما يعملون} بئس شيئا عملهم، ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: عملوا القبيح مع التكذيب بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم. # قوله عز وجل: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} الآية، روي عن ~~مسروق قال: قالت عائشة رضي الله عنها من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~كتم شيئا مما أنزل الله ms0775 فقد كذب، وهو يقول: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك من ربك" الآية (1) . روى الحسن: أن الله تعالى لما بعث رسوله ضاق ذرعا ~~وعرف أن من الناس من يكذبه، فنزلت هذه الآية (2) . # وقيل: نزلت في عيب اليهود، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى ~~الإسلام، فقالوا أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزئون به، فيقولون له: تريد أن ~~نتخذك حنانا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا، فلما رأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك سكت فنزلت هذه الآية، وأمره أن يقول لهم: "يا أهل ~~الكتاب لستم على شيء" الآية. # وقيل: بلغ ما أنزل إليك من الرجم والقصاص، نزلت في قصة اليهود. # وقيل: نزلت في أمر زينب بنت جحش ونكاحها. # وقيل: في الجهاد، وذلك أن المنافقين كرهوه، كما قال الله تعالى: "فإذا ~~أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك ~~نظر المغشي عليه من الموت" PageV03P078 # (محمد، 20) وكرهه بعض المؤمنين قال الله تعالى: "ألم تر إلى الذين قيل ~~لهم كفوا أيديكم" الآية (النساء، 70) ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك ~~في بعض الأحايين عن الحث على الجهاد لما يعلم من كراهة بعضهم، فأنزل الله ~~هذه الآية. # قوله تعالى: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} قرأ أهل المدينة (رسالاته) ، ~~على الجمع والباقون رسالته على التوحيد. # ومعنى الآية: إن لم تبلغ الجميع وتركت بعضه، فما بلغت شيئا، أي: جرمك في ~~ترك تبليغ البعض كجرمك 109/ب في ترك تبليغ الكل، كقوله: "ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا" ~~(النساء، 150-151) ، أخبر أن كفرهم بالبعض محبط للإيمان بالبعض. # وقيل: بلغ ما أنزل إليك أي: أظهر تبليغه، كقوله: "فاصدع بما تؤمر" ~~(الحجر، 94) وإن لم تفعل: فإن لم تظهر تبليغه فما بلغت رسالته، أمره بتبليغ ~~ما أنزل إليه مجاهرا محتسبا صابرا، غير خائف، فإن أخفيت منه شيئا لخوف ~~يلحقك فما بلغت رسالته. # {والله يعصمك من الناس} يحفظك ويمنعك من الناس، فإن قيل: أليس قد ms0776 شج رأسه ~~وكسرت رباعيته وأوذي بضروب من الأذى؟ # قيل: معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك. # وقيل: نزلت هذه الآية بعدما شج رأسه لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من ~~القرآن. # وقيل: والله يخصك بالعصمة من بين الناس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~معصوم. # {إن الله لا يهدي القوم الكافرين} أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا ~~أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو ~~اليمان أنا شعيب عن الزهري أنا سنان بن أبي سنان الدولي وأبو سلمة بن عبد ~~الرحمن أن جابر بن عبد الله أخبره أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قبل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قفل معه وأدركتهم القائلة ~~في واد كثير العضاة، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس ~~يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة وعلق بها سيفه ~~ونمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا وإذا عنده أعرابي، ~~فقال: "إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال: من ~~يمنعك مني؟ فقلت: الله "ثلاثا"، ولم يعاقبه وجلس. (1) . PageV03P079 # وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الأعرابي سل سيفه ~~وقال: من يمنعك مني يا محمد قال: الله، فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من ~~يده وجعل يضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إسماعيل بن خليل أخبرنا علي بن مسهر ~~أنا يحيى بن سعيد أنا عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: سمعت عائشة رضي الله ~~عنها تقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم سهر فلما قدم المدينة قال ليت ~~رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة، إذ سمعنا صوت سلاح، فقال: من هذا؟ ~~قال: أنا سعد بن أبي ms0777 وقاص جئت لأحرسك، فنام النبي صلى الله عليه وسلم (1) . # وقال عبد الله بن شقيق عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية: {والله يعصمك من الناس} فأخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم: "أيها الناس انصرفوا فقد ~~عصمني الله سبحانه وتعالى" (2) . ### || # {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا ~~تأس على القوم الكافرين (68) إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ~~والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (69) لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم ~~رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) } PageV03P080 # {وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير ~~منهم والله بصير بما يعملون (71) } # قوله عز وجل: {قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة ~~والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} # PageV03P080 # أي: تقيموا أحكامهما وما يجب عليكم فيهما، {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل ~~إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس} فلا تحزن، {على القوم الكافرين} # {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى} وكان حقه: {والصائبين} ~~وقد ذكرنا في سورة البقرة وجه ارتفاعه (1) . وقال سيبويه: فيه تقديم وتأخير ~~تقديره: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله إلى آخر الآية، ~~والصابئون كذلك، وقوله: {إن الذين آمنوا} أي: باللسان، وقوله: {من آمن ~~بالله} أي: بالقلب، وقيل: الذين آمنوا على حقيقة الإيمان {من آمن بالله} ~~أي: ثبت على الإيمان، {واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون} # قوله تعالى: {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل} في التوحيد والنبوة، {وأرسلنا ~~إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا} عيسى ومحمدا ~~صلوات الله وسلامه عليهما، {وفريقا يقتلون} يحيى وزكريا. PageV03P081 # {وحسبوا} ظنوا {ألا تكون فتنة} أي: عذاب وقتل، وقيل: ms0778 ابتلاء واختبار، أي: ~~ظنوا أن لا يبتلوا ولا يعذبهم الله، قرأ أهل البصرة وحمزة والكسائي " تكون ~~" برفع النون على معنى أنها لا تكون، ونصبها الآخرون كما لو لم يكن قبله لا ~~{فعموا} عن الحق فلم يبصروه، {وصموا} عنه فلم يسمعوه، يعني عموا وصموا بعد ~~موسى صلوات الله وسلامه عليه، {ثم تاب الله عليهم} ببعث عيسى عليه السلام، ~~{ثم عموا وصموا كثير منهم} بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، {والله بصير ~~بما يعملون} ### || # {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني ~~إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا ~~منهم عذاب أليم (73) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) ~~} # {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} وهم الملكانية ~~واليعقوبية منهم، {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه ~~من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من ~~أنصار} # {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} يعني: المرقوسية، وفيه إضمار ~~معناه: ثالث ثلاثة آلهة، لأنهم يقولون: الإلهية مشتركة بين الله تعالى ~~ومريم وعيسى، وكل واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة، يبين هذا قوله عز وجل ~~للمسيح: "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله"؟ (المائدة، 116) ~~، ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة ولم يرد به الإلهية لا يكفر، فإن الله يقول: ~~"ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم" (المجادلة، 7) ، وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" (1) . ~~ثم قال ردا عليهم: {وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ~~ليمسن} [ليصيبن] (2) {الذين كفروا منهم عذاب أليم} خص الذين كفروا لعلمه أن ~~بعضهم يؤمنون. # {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه} ms0779 ؟ قال الفراء: هذا أمر بلفظ الاستفهام ~~كقوله تعالى: "فهل أنتم منتهون" (المائدة، 91) ، أي: انتهوا، والمعنى: أن ~~الله [يأمركم] (3) بالتوبة والاستغفار من هذا الذنب العظيم، {والله غفور ~~رحيم} # قوله تعالى: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت} [مضت] (4) {من قبله ~~الرسل} أي: ليس هو بإله بل هو كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة، {وأمه ~~صديقة} أي: كثيرة الصدق. PageV03P082 # وقيل: سميت صديقة لأنها صدقت بآيات الله، كما قال عز وجل في وصفها: ~~"وصدقت بكلمات ربها" (التحريم، 12) ، {كانا يأكلان الطعام} أي: كانا يعيشان ~~بالطعام والغذاء كسائر الآدميين، فكيف يكون إلها من لا يقيمه إلا أكل ~~الطعام؟ # وقيل: هذا كناية عن الحدث، وذلك أن من أكل وشرب لا بد له من البول ~~والغائط، ومن هذه صفته كيف يكون إلها؟ # ثم قال: {انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} أي يصرفون عن ~~الحق. ### || # {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا ~~يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (75) قل ~~أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم ~~(76) } # {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ~~ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77) لعن الذين كفروا من ~~بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) ~~} # {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق} أي: لا تتجاوزوا الحد، ~~والغلو والتقصير كل واحد منهما مذموم في الدين، وقوله: {غير الحق} أي: في ~~دينكم المخالف للحق، وذلك أنهم خالفوا الحق في دينهم، ثم غلوا فيه بالإصرار ~~عليه، {ولا تتبعوا أهواء قوم} والأهواء جمع الهوى وهو ما تدعو إليه شهوة ~~النفس {قد ضلوا من قبل} يعني: رؤساء الضلالة من فريقي اليهود والنصارى، ~~والخطاب للذين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم نهوا عن اتباع أسلافهم فيما ~~ابتدعوه بأهوائهم 110\أ {وأضلوا كثيرا} يعني: من اتبعهم ms0780 [على أهوائهم] (1) ~~{وضلوا عن سواء السبيل} عن قصد الطريق، أي: بالإضلال، فالضلال الأول من ~~الضلالة، والثاني بإضلال من اتبعهم. # قوله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود} يعني: أهل ~~أيلة لما اعتدوا PageV03P083 # في السبت، وقال داود عليه السلام: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة، ~~{وعيسى ابن مريم} أي: على لسان عيسى عليه السلام، يعني: كفار أصحاب ~~المائدة، لما لم يؤمنوا، قال عيسى: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا ~~خنازير، {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} # {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} [أي: لا ينهى بعضهم بعضا] (1) {لبئس ما ~~كانوا يفعلون} # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا الحسن محمد بن الحسين ~~أنا أحمد بن محمد بن إسحاق أنا أبو يعلى الموصلي أنا وهب بن بقية أنا خالد ~~-يعني ابن عبد الله الواسطي -عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن أبي ~~عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل منهم الخطيئة ~~نهاه الناهي تعذيرا فإذا كان من الغد جالسه وآكله وشاربه كأنه لم يره على ~~الخطيئة بالأمس، فلما رأى الله تبارك وتعالى ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على ~~بعض، وجعل منهم القردة والخنازير، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ~~عليهما السلام ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفسي بيده لتأمرن ~~بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا ~~أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم" (2) . ### || # {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (79) ترى كثيرا ~~منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي ~~العذاب هم خالدون (80) ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما ~~اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون (81) } # قوله تعالى: {ترى كثيرا منهم} قيل: من اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه، ~~{يتولون الذين كفروا} PageV03P084 # مشركي مكة حين خرجوا إليهم ms0781 يجيشون على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ~~ابن عباس ومجاهد والحسن: منهم يعني من المنافقين يتولون اليهود، {لبئس ما ~~قدمت لهم أنفسهم} بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة، {أن سخط الله ~~عليهم} غضب الله عليهم، {وفي العذاب هم خالدون} # {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي} محمد صلى الله عليه وسلم، {وما أنزل ~~إليه} يعني القرآن، {ما اتخذوهم} يعني الكفار، {أولياء ولكن كثيرا منهم ~~فاسقون} أي خارجون عن أمر الله سبحانه وتعالى. # قوله عز وجل: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} ~~يعني: مشركي العرب، {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا ~~نصارى} لم يرد به جميع النصارى لأنهم في عداوتهم المسلمين كاليهود في قتلهم ~~المسلمين وأسرهم وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم وإحراق مصاحفهم، لا ولاء، ولا ~~كرامة لهم، بل الآية فيمن أسلم منهم مثل النجاشي وأصحابه، [وقيل: نزلت في ~~جميع اليهود وجميع النصارى، لأن اليهود أقسى قلبا والنصارى ألين قلبا منهم، ~~وكانوا أقل مظاهرة للمشركين من اليهود] (1) . # قال أهل التفسير: ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كل ~~قبيلة على من فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم، فافتتن من افتتن، وعصم ~~الله منهم من شاء، ومنع الله تعالى رسوله بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد ~~بالجهاد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: "إن بها ملكا صالحا لا يظلم ~~ولا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا" وأراد به ~~النجاشي، واسمه أصحمة وهو بالحبشة عطية، وإنما النجاشي اسم الملك، كقولهم ~~قيصر وكسرى، فخرج إليهم سرا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وهم عثمان بن عفان ~~وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام وعبد ~~الله بن مسعود، [وعبد الرحمن بن عوف] (2) وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة ~~بنت سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة ~~بنت أبي أمية، وعثمان بن ms0782 مظعون وعامر بن ربيعة وامرأته PageV03P085 # ليلى بنت أبي [حثمة] (1) وحاطب بن عمرو و [سهل] (2) بن بيضاء رضي الله ~~عنهم، فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار وذلك في ~~رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة ~~الأولى ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إليها وكان جميع من هاجر ~~إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان. # فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص وصاحبه بالهدايا إلى النجاشي ~~وبطارقته ليردوهم إليهم، فعصمه الله، وذكرت القصة في سورة آل عمران. # فلما انصرفا خائبين، أقام المسلمون هناك بخير دار وأحسن جوار إلى أن هاجر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلا أمره، وذلك في سنة ستة من الهجرة كتب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري ~~ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان -وكانت قد هاجرت إليه مع زوجها فمات زوجها، ~~-ويبعث إليه من عنده من المسلمين فأرسل النجاشي إلى أم حبيبة جارية يقال ~~لها أبرهة تخبرها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، فأعطتها ~~أوضاحا لها سرورا بذلك، فأذنت لخالد بن سعيد بن العاص حتى أنكحها على صداق ~~أربعمائة دينار، وكان الخاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي رحمه ~~الله فأنفذ إليها النجاشي أربعمائة دينار على يد أبرهة، فلما جاءتها بها ~~أعطتها خمسين دينارا فردته وقالت: أمرني الملك أن لا آخذ منك شيئا، وقالت: ~~أنا صاحبة دهن الملك وثيابه، وقد صدقت محمدا صلى الله عليه وسلم وآمنت به، ~~وحاجتي منك أن تقرئيه منك السلام، قالت نعم: وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن ~~إليك بما عندهن من عود وعنبر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه ~~عليها وعندها فلا ينكر. # قالت أم حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، ~~فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلت ~~عليه وكان يسألني ms0783 عن النجاشي فقرأت عليه من أبرهة السلام فرد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عليهما السلام، وأنزل الله عز وجل: "عسى الله أن يجعل بينكم ~~وبين الذين عاديتم منهم مودة" يعني: أبا سفيان مودة، يعني: بتزويج أم ~~حبيبة، ولما جاء أبا سفيان تزويج أم حبيبة، قال: ذلك الفحل لا يقرع أنفه ~~(3) . # وبعث النجاشي بعد قدوم جعفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابنه أزهى ~~بن أصحمة بن أبجر في ستين رجلا من الحبشة، وكتب إليه: يا رسول الله أشهد ~~أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت PageV03P086 # ابن عمك وأسملت لله رب العالمين، وقد بعثت إليك ابني أزهى، وإن شئت أن ~~آتيك بنفسي فعلت والسلام عليك يا رسول الله، فركبوا سفينة في أثر جعفر ~~وأصحابه حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا، ووافى جعفر وأصحابه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من ~~الحبشة وثمانية من [أهل] (1) الشام، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا، وقال: آمنوا، ~~وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السلام، فأنزل الله سبحانه ~~وتعالى هذه الآية (2) {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا ~~نصارى} 110/ب يعني: وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر وهم السبعون، وكانوا ~~أصحاب الصوامع. # وقال مقاتل والكلبي كانوا أربعين رجلا اثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية ~~روميون من أهل الشام. # [وقال عطاء: كانوا ثمانين رجلا أربعون من أهل نجران من بني الحرث بن كعب، ~~واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية روميون من أهل الشام] (3) . # وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء ~~به عيسى عليه السلام، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم صدقوه وآمنوا ~~به فأثنى الله عز وجل بذلك عليهم (4) . {ذلك بأن منهم قسيسين} أي علماء، ~~قال قطرب: القس والقسيس العالم بلغة الروم، {ورهبانا} الرهبان العباد أصحاب ~~الصوامع، واحدهم راهب، مثل ms0784 فارس وفرسان، وراكب وركبان، وقد يكون واحدا ~~وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، {وأنهم لا يستكبرون} لا يتعظمون عن ~~الإيمان والإذعان للحق. ### || # {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم ~~لا يستكبرون (82) } PageV03P087 # {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من ~~الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (83) } # {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول} محمد صلى الله عليه وسلم، {ترى أعينهم ~~تفيض} تسيل، {من الدمع مما عرفوا من الحق} قال ابن عباس رضي الله عنهما في ~~رواية عطاء: يريد النجاشي ولأصحابه قرأ عليهم جعفر بالحبشة كهيعص، فما ~~زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة. {يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع ~~الشاهدين} # PageV03P087 # يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم، دليله قوله تعالى: "لتكونوا شهداء على ~~الناس" (البقرة، 143) . # {وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق} وذلك أن اليهود عيروهم وقالوا ~~لهم: لم آمنتم؟ فأجابوهم بهذا، {ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} ~~أي: في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بيانه ( {أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون} (الأنبياء، 105) . ### || # {وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم ~~الصالحين (84) فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها وذلك جزاء المحسنين (85) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ~~الجحيم (86) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (87) } # {فأثابهم الله} أعطاهم الله، {بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها} وإنما أنجح قولهم وعلق الثواب بالقول لاقترانه بالإخلاص، ~~بدليل قوله: {وذلك جزاء المحسنين} يعني: الموحدين المؤمنين، وقوله من قبل: ~~"ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق" يدل على أن الإخلاص والمعرفة ~~بالقلب مع القول يكون إيمانا. # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ~~الآية قال أهل التفسير: ذكر ms0785 النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوما ووصف ~~القيامة، فرق له الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من أصحابه في بيت عثمان بن مظعون ~~الجمحي، وهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ~~وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر، وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي ~~حذيفة، والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي، ومعقل بن مقرن رضي الله عنهم، ~~وتشاوروا واتفقوا على أن يترهبوا ويلبسوا المسوح ويجبوا مذاكيرهم، ويصوموا ~~الدهر، ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا ~~يقربوا النساء والطيب، ويسيحوا في الأرض، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه، فقال لامرأته أم حكيم بنت أبي ~~أمية، واسمها الخولاء، وكانت عطارة: أحق ما بلغني # PageV03P088 # عن زوجك وأصحابه؟ فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرهت أن ~~تبدي على زوجها، فقالت: يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان بشيء فقد صدقك، ~~فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل عثمان أخبرته بذلك فأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا) ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، ~~وما أردنا إلا الخير، فقال صلى الله عليه وسلم: (إني لم أؤمر بذلك) ، ثم ~~قال: (إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام ~~وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ، ~~ثم جمع الناس وخطبهم فقال: (ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب ~~والنوم وشهوات [النساء] (1) ؟ أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا ~~فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء، ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي ~~الصوم ورهبانيتهم الجهاد، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم، فإنما هلك ~~من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم ~~في الديار ms0786 والصوامع) ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية (2) . # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني أنا أبو طاهر ~~محمد بن أحمد بن الحارث أنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبد الله ~~بن محمود أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن رشدين ~~بن سعد حدثني ابن أنعم عن سعد بن مسعود أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ائذن لنا في الاختصاء، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (ليس منا من خصى ولا اختصى، خصاء أمتي الصيام) ، فقال: يا ~~رسول الله ائذن لنا في السياحة، فقال: (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله) ~~، فقال: يا رسول الله ائذن لنا في الترهب، فقال: (إن ترهب أمتي الجلوس في ~~المساجد وانتظار الصلاة) (3) . # وروي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال: يا رسول الله إني ~~أصبت من اللحم فانتشرت وأخذتني شهوة، فحرمت اللحم، فأنزل الله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} (4) PageV03P089 # يعني: اللذات التي تشتهيها النفوس، مما أحل لكم من المطاعم الطيبة ~~والمشارب اللذيذة، {ولا تعتدوا} أي: ولا تجاوزوا الحلال إلى الحرام، وقيل: ~~هو جب المذاكير {إن الله لا يحب المعتدين} # {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} قال عبد الله بن المبارك: الحلال ما ~~أخذته من وجهه، والطيب ما غذى وأنمى، فأما الجوامد كالطين والتراب وما لا ~~يغذي فمكروه إلا على وجه التداوي. # {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد ~~الصمد الجوزجاني أنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أنا أبو سعيد الهيثم ~~بن كليب أنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا أحمد بن إبراهيم الدورقي وسلمة بن ~~شبيب ومحمود بن غيلان قالوا: أخبرنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء ~~والعسل) (1) . ### || # (لا يؤاخذكم الله باللغو في ms0787 أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ~~فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا ~~أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (89)) # قوله عز وجل: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: لما نزلت: (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) ، قالوا: يا رسول الله ~~كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه، ~~فأنزل الله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} (2) {ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان} قرأ حمزة والكسائي [وأبو بكر] (3) (عقدتم) بالتحفيف، وقرأ ~~ابن عامر (عاقدتم) بالألف وقرأ الآخرون (عقدتم) بالتشديد، أي: وكدتم، ~~والمراد من الآية قصدتم PageV03P090 # وتعمدتم، {فكفارته} أي: كفارة ما عقدتم الأيمان إذا حنثتم، {إطعام عشرة ~~مساكين} واختلفوا في قدره: فذهب قوم إلى أنه يطعم كل مسكين مدا من الطعام ~~بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رطل وثلث من غالب قوت البلد، وكذلك في ~~جميع الكفارات، وهو قول زيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر، وبه قال سعيد بن ~~المسيب والقاسم وسليمان بن اليسار وعطاء والحسن. # وقال أهل العراق: عليه لكل مسكين مدان، 11\أوهو نصف صاع، يروى ذلك عن عمر ~~وعلي رضي الله عنهما. # وقال أبو حنيفة: إن أطعم من الحنطة فنصف صاع، وإن أطعم من غيرها فصاع، ~~وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والحكم. # ولو غداهم وعشاهم لا يجوز، وجوز أبو حنيفة، ويروى ذلك عن علي رضي الله ~~عنه. # ولا تجوز الدراهم والدنانير ولا الخبز ولا الدقيق، بل يجب إخراج الحب ~~إليهم، وجوز أبو حنيفة رضي الله عنه كل ذلك. # ولو صرف الكل إلى مسكين واحد [لا يجوز] (1) وجوز أبو حنيفة أن يصرف طعام ~~عشرة إلى مسكين واحد في عشرة أيام، ولا يجوز أن يصرف إلا إلى مسلم حر ~~محتاج، فإن صرف إلى ذمي أو عبد أو غني لا يجوز، وجوز أبو حنيفة صرفها إلى ~~أهل ms0788 الذمة، واتفقوا على أن صرف الزكاة إلى أهل الذمة لا يجوز. # قوله تعالى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} أي: من خير قوت عيالكم، وقال ~~عبيدة السلماني: الأوسط الخبز والخل، والأعلى الخبز واللحم، والأدنى الخبز ~~البحت والكل [يجزئ] (2) . # قوله تعالى: {أو كسوتهم} كل من لزمته كفارة اليمين فهو فيها مخير إن شاء ~~أطعم عشرة من المساكين، وإن شاء كساهم، وإن شاء أعتق رقبة، فإن اختار ~~الكسوة، فاختلفوا في قدرها: # فذهب قوم إلى أنه يكسو كل مسكين ثوبا واحدا مما يقع عليه اسم الكسوة، ~~إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو كساء ونحوها، وهو قول ابن عباس ~~والحسن ومجاهد وعطاء وطاووس، وإليه ذهب الشافعي رحمه الله تعالى. ~~PageV03P091 # وقال مالك: يجب لكل إنسان ما تجوز فيه صلاته، فيكسو الرجال ثوبا واحدا ~~والنساء ثوبين درعا وخمارا. # وقال سعيد بن المسيب لكل مسكين ثوبان. # قوله عز وجل: {أو تحرير رقبة} وإذا اختار العتق يجب إعتاق رقبة مؤمنة، ~~وكذلك جميع الكفارات مثل كفارة القتل والظهار والجماع في نهار رمضان يجب ~~فيها إعتاق رقبة مؤمنة، وأجاز أبو حنيفة رضي الله عنه والثوري رضي الله عنه ~~إعتاق الرقبة الكافرة في جميعها إلا في كفارة القتل، لأن الله تعالى قيد ~~الرقبة فيها بالإيمان، قلنا: المطلق يحمل على المقيد [كما أن الله تعالى ~~قيد الشهادة بالعدالة في موضع فقال: "وأشهدوا ذوي عدل منكم"، (الطلاق، 2) ، ~~وأطلق في موضع، فقال: "واستشهدوا شهيدين من رجالكم" (البقرة، 282) ، ثم ~~العدالة شرط في جميعها حملا للمطلق على المقيد] (1) كذلك هاهنا، ولا يجوز ~~إعتاق المرتد بالاتفاق عن الكفارة. # ويشترط أن يكون سليم الرق حتى لو أعتق عن كفارته مكاتبا أو أم ولد أو ~~عبدا اشتراه بشرط العتق أو اشترى قريبه الذي يعتق عليه بنية الكفارة، يعتق ~~ولكن لا يجوز عن الكفارة، وجوز أصحاب الرأي عتق المكاتب إذا لم يكن أدى ~~شيئا من النجوم، وعتق القريب عن الكفارة ويشترط أن تكون الرقبة سليمة من كل ~~عيب يضر بالعمل ضررا بينا حتى لا يجوز مقطوع إحدى ms0789 اليدين، أو إحدى الرجلين، ~~ولا الأعمى ولا الزمن ولا المجنون المطبق، ويجوز الأعور والأصم ومقطوع ~~الأذنين والأنف لأن هذه العيوب لا تضر بالعمل ضررا بينا. # وعند أبي حنيفة رضي الله عنه كل عيب يفوت جنسا من المنفعة [على الكمال] ~~(2) يمنع الجواز، حتى جوز مقطوع إحدى اليدين، ولم يجوز مقطوع الأذنين. # قوله عز وجل: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} إذا عجز الذي لزمته كفارة ~~اليمين عن الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة، يجب عليه صوم ثلاثة أيام، والعجز ~~أن لا يفضل من ماله عن قوته وقوت عياله وحاجته ما يطعم أو يكسو أو يعتق ~~فإنه يصوم ثلاثة أيام. # وقال بعضهم: إذا ملك ما يمكنه الإطعام وإن لم يفضل عن كفايته فليس له ~~الصيام، وهو قول الحسن وسعيد بن جبير. PageV03P092 # واختلفوا في وجوب التتابع في هذا الصوم: فذهب جماعة إلى أنه لا يجب فيه ~~التتابع بل إن شاء تابع وإن شاء فرق، والتتابع أفضل وهو أحد قولي الشافعي، ~~وذهب قوم إلى أنه يجب فيه التتابع قياسا على كفارة القتل والظهار، وهو قول ~~الثوري وأبي حنيفة، ويدل عليه قراءة ابن مسعود رضي الله عنه صيام ثلاثة ~~أيام متتابعات. {ذلك} أي: ذلك الذي ذكرت، {كفارة أيمانكم إذا حلفتم} ~~وحنثتم، فإن الكفارة لا تجب إلا بعد الحنث. # واختلفوا في تقديم الكفارة على الحنث: فذهب قوم إلى جوازه، لما روينا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ~~فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير" (1) . وهو قول عمر [وابن عمر] (2) ~~وابن عباس وعائشة وبه قال الحسن وابن سيرين، وإليه ذهب مالك والأوزاعي ~~والشافعي، إلا أن الشافعي يقول: إن كفر بالصوم قبل الحنث لا يجوز لأنه ~~بدني، إنما يجوز بالإطعام أو الكسوة أو العتق كما يجوز تقديم الزكاة على ~~الحول، ولا يجوز تعجيل صوم رمضان قبل وقته، وذهب قوم إلى أنه لا يجوز تقديم ~~الكفارة على الحنث، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه. # قوله عز وجل {واحفظوا أيمانكم} قيل: أراد ms0790 به ترك الحلف، أي: لا تحلفوا، ~~وقيل: وهو الأصح، أراد به: إذا حلفتم فلا تحنثوا، فالمراد منه حفظ اليمين ~~عن الحنث هذا إذا لم تكن يمينه على ترك مندوب أو فعل مكروه، فإن حلف على ~~فعل مكروه أو ترك مندوب، فالأفضل أن يحنث نفسه ويكفر، لما أخبرنا عبد ~~الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا ~~محمد بن إسماعيل أنا حجاج بن منهال أنا جرير بن حازم عن الحسن عن عبد ~~الرحمن بن سمرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الرحمن بن سمرة ~~لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير ~~مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ~~وأت الذي هو خير" (3) . # قوله تعالى: {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} PageV03P093 ### || # {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم ~~منتهون (91) } # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} أي: القمار ~~{والأنصاب} يعني: الأوثان، سميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها، واحدها نصب ~~بفتح النون وسكون الصاد، ونصب بضم النون مخففا ومثقلا {والأزلام} يعني: ~~الأقداح التي كانوا يستقسمون بها واحدها زلم {رجس} خبيث مستقذر، {من عمل ~~الشيطان} من تزيينه، {فاجتنبوه} رد الكناية إلى الرجس، {لعلكم تفلحون} # PageV03P094 # {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} ~~أما العدواة في الخمر فإن الشاربين إذا سكروا عربدوا وتشاجروا، كما فعل ~~الأنصاري الذي شج سعد بن أبي وقاص بلحي الجمل أما العداوة في الميسر، قال ~~قتادة: كان الرجل يقامر على الأهل والمال ثم يبقى حزينا مسلوب الأهل والمال ~~مغتاظا على [حرفائه] (1) . {ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} وذلك أن من ~~اشتغل بشرب الخمر أو القمار ألهاه ذلك عن ذكر الله، وشوش عليه صلاته ms0791 كما ~~فعل بأضياف عبد الرحمن بن عوف، تقدم رجل ليصلي بهم صلاة المغرب 111/ب بعدما ~~شربوا فقرأ "قل يا أيها الكافرون": أعبد ما تعبدون، بحذف لا (2) {فهل أنتم ~~منتهون} أي: انتهوا، استفهام ومعناه أمر، كقوله تعالى: "فهل أنتم شاكرون"؟ ~~(سورة الأنبياء، 80) . # {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا} المحارم والمناهي، {فإن توليتم ~~فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} # وفي وعيد شارب الخمر أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الفوراني أنا ~~أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني ثنا أبو الحسن محمد بن محمود المحمودي ~~أنا أبو العباس الماسرجسي بنيسابور أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا ~~صالح بن قدامة حدثنا أخي عبد الملك بن قدامة PageV03P094 # عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "كل مسكر حرام، وإن ختما على الله أن لا يشربه عبد في الدنيا إلا سقاه ~~الله تعالى يوم القيامة من طينة الخبال، هل تدرون ما طينة الخبال؟ " قال: ~~"عرق أهل النار" (1) . # وأخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في ~~الآخرة" (2) . # وأخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أحمد بن أبي أخبرنا ~~أبو العباس الأصم أنا محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد ~~العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي من أهل مصر ~~عن عبد الله بن عمر أنه قال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو يقول: "لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ~~ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها" (3) . ### || # {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على ~~رسولنا البلاغ المبين (92) ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم ms0792 اتقوا وآمنوا ثم اتقوا ~~وأحسنوا والله يحب المحسنين (93) } # قوله عز وجل: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} سبب ~~نزول هذه الآية أن الصحابة رضوان الله عليهم قالوا لما نزل تحريم الخمر: يا ~~رسول الله كيف بإخواننا الذين PageV03P095 # ماتوا وهم يشربون الخمر [ويأكلون] (1) من مال الميسر؟ فأنزل الله تعالى: ~~{ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} وشربوا من الخمر ~~وأكلوا من مال الميسر، {إذا ما اتقوا} الشرك، {وآمنوا} وصدقوا، {وعملوا ~~الصالحات ثم اتقوا} الخمر والميسر بعد تحريمهما، {وآمنوا ثم اتقوا} ما حرم ~~الله عليهم أكله وشربه، {وأحسنوا والله يحب المحسنين} وقيل: معنى الأول إذ ~~ما اتقوا الشرك، وآمنوا وصدقوا ثم اتقوا، أي: داوموا على ذلك التقوى، ~~{وآمنوا} ازدادوا إيمانا، ثم اتقوا المعاصي كلها وأحسنوا، وقيل: أي: اتقوا ~~بالإحسان، وكل محسن متق، {والله يحب المحسنين} # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد} الآية، ~~نزلت عام الحديبية وكانوا محرمين ابتلاهم الله بالصيد، وكانت الوحوش تغشى ~~رحالهم من كثرتها فهموا بأخذها فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله} ~~ليختبركم الله، وفائدة البلوى إظهار المطيع من العاصي، وإلا فلا حاجة له ~~إلى البلوى بشيء من الصيد، وإنما بعض، فقال {بشيء} لأنه ابتلاهم بصيد البر ~~خاصة. {تناله أيديكم} يعني: الفرخ والبيض وما لا يقدر أن يفر من صغار ~~الصيد، {ورماحكم} يعني: الكبار من الصيد، {ليعلم الله} ليرى الله، لأنه قد ~~علمه، {من يخافه بالغيب} أي: يخاف الله ولم يره، كقوله تعالى: "الذين يخشون ~~ربهم بالغيب" (الأنبياء، 49) أي: يخافه فلا يصطاد في حال الإحرام {فمن ~~اعتدى بعد ذلك} أي: صاد بعد تحريمه، {فله عذاب أليم} روي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه قال: [يوجع] (2) ظهره وبطنه جلدا، ويسلب ثيابه. ### || # (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا ~~فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة ~~طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال ms0793 أمره عفا الله عما سلف ومن عاد ~~فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (95)) # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} أي: ~~محرمون بالحج والعمرة، وهو جمع حرام، يقال: رجل حرام وامرأة حرام، وقد يكون ~~[من] (3) دخول الحرم، يقال: PageV03P096 # أحرم الرجل إذا عقد الإحرام، وأحرم إذا دخل الحرم. نزلت في رجل يقال له ~~أبو اليسر شد على حمار وحش وهو محرم فقتله. # قوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا} اختلفوا في هذا العمد فقال قوم: هو ~~العمد بقتل الصيد مع نسيان الإحرام، أما إذا قتله عمدا وهو ذاكر لإحرامه ~~فلا حكم عليه، وأمره إلى الله لأنه أعظم من أن يكون له كفارة، وهو قول ~~مجاهد والحسن. # وقال آخرون: هو أن يعمد المحرم قتل الصيد ذاكرا لإحرامه فعليه الكفارة. # واختلفوا فيما لو قتله خطأ، فذهب أكثر الفقهاء إلى أن العمد والخطأ سواء ~~في لزوم الكفارة، قال الزهري: على المتعمد بالكتاب وعلى المخطئ بالسنة، ~~وقال سعيد بن [جبير] (1) لا تجب كفارة الصيد بقتل الخطأ، بل يختص بالعمد. # قوله عز وجل: {فجزاء مثل} قرأ أهل الكوفة ويعقوب " فجزاء " منون، {مثل} ~~رفع على البدل من الجزاء، وقرأ الآخرون بالإضافة {فجزاء مثل} {ما قتل من ~~النعم} معناه أنه يجب عليه مثل ذلك الصيد من النعم، وأراد به ما يقرب من ~~الصيد المقتول شبها من حيث الخلقة لا من حيث القيمة. # {يحكم به ذوا عدل منكم} أي: يحكم بالجزاء رجلان عدلان، وينبغي أن يكونا ~~فقيهين ينظران إلى أشبه الأشياء من النعم فيحكمان به، وممن ذهب إلى إيجاب ~~المثل من النعم عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر وابن عباس، ~~وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، حكموا في بلدان مختلفة وأزمان شتى بالمثل ~~من النعم، يحكم حاكم في النعامة ببدنة وهي لا تساوي بدنة، وفي حمار الوحش ~~ببقرة [وهي لا تساوي بقرة] (2) وفي الضبع بكبش وهي لا تساوي كبشا، فدل على ~~أنهم نظروا إلى ما يقرب من الصيد شبها من حيث ms0794 الخلقة [لا من حيث القيمة] ~~(3) وتجب في الحمام شاة، وهو كل ما عب وهدر من الطير، كالفاختة والقمري. # وروي عن عمر وعثمان وابن عباس رضي الله عنهم أنهم قضوا في حمام مكة بشاة، ~~أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك عن أبي PageV03P097 # الزبير المكي عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في ~~الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة (1) . # قوله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} أي: يهدي تلك الكفارة إلى الكعبة، ~~فيذبحها بمكة ويتصدق بلحمها على مساكين الحرم، {أو كفارة طعام مساكين أو ~~عدل ذلك صياما} قال الفراء رحمه الله: العدل بالكسر: المثل من جنسه، والعدل ~~بالفتح: المثل من غير جنسه، وأراد به: أنه في جزاء الصيد مخير بين أن يذبح ~~المثل من النعم، فيتصدق بلحمه على المساكين الحرم، وبين أن يقوم المثل ~~دراهم، والدراهم طعاما، فيتصدق بالطعام على المساكين الحرم، أو يصوم عن كل ~~مد من الطعام يوما وله أن يصوم حيث شاء لأنه لا نفع فيه للمساكين. # وقال مالك: إن لم يخرج المثل يقوم الصيد ثم يجعل القيمة طعاما فيتصدق به، ~~أو يصوم. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يجب المثل من النعم، بل يقوم الصيد فإن ~~شاء صرف تلك القيمة إلى شيء من النعم، وإن شاء إلى الطعام فيتصدق به، وإن ~~شاء صام عن كل نصف صاع من بر أو صاع من غيره يوما. # وقال الشعبي والنخعي جزاء الصيد على الترتيب والآية حجة لمن ذهب إلى ~~التخيير. # قوله 112\أتعالى: {ليذوق وبال أمره} أي: جزاء معصيته، {عفا الله عما سلف} ~~يعني: قبل التحريم، ونزول الآية، قال السدي: عفا الله عما سلف في الجاهلية، ~~{ومن عاد فينتقم الله منه} في الآخرة. {والله عزيز ذو انتقام} وإذا تكرر من ~~المحرم قتل الصيد فيتعدد عليه الجزاء عند عامة أهل العلم، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: إذا قتل المحرم صيدا متعمدا ms0795 يسأل هل قتلت قبله شيئا من الصيد؟ ~~فإن قال نعم لم يحكم عليه، وقيل له: اذهب ينتقم الله منك، وإن قال لم أقتل ~~قبله شيئا حكم عليه، فإن عاد بعد ذلك لم يحكم عليه، ولكن يملأ ظهره وصدره ~~ضربا وجيعا، وكذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وج وهو واد بالطائف ~~(2) . PageV03P098 # واختلفوا في المحرم هل يجوز له أكل لحم الصيد أو لا؟ فذهب قوم إلى أنه لا ~~يحل له بحال، ويروى ذلك عن ابن عباس، وهو قول طاووس وبه قال سفيان الثوري، ~~واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق ~~الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن ~~عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا، وهو بالأبواء أو بودان، فرده ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما في وجهي، قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" (1) . # وذهب الأكثرون إلى أنه يجوز للمحرم أكله إذا لم يصطد بنفسه ولا اصطيد ~~لأجله أو بإشارته، وهو قول عمر وعثمان وأبي هريرة، وبه قال عطاء ومجاهد ~~وسعيد بن جبير، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وإنما ~~رد النبي صلى الله عليه وسلم على الصعب بن جثامة لأنه ظن أنه صيد من أجله. # والدليل على جوازه ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو ~~إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله ~~التيمي عن نافع مولى أبي قتادة عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه ~~أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببعض طريق مكة، تخلف ~~مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه وسأل ~~أصحابه أن يناولوه سوطه ms0796 فأبوا فسألهم رمحه فأبوا فأخذه ثم شد على الحمار ~~فقتله، فأكل منه بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى بعضهم فلما ~~أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن ذلك، فقال: "إنما هي طعمة ~~أطعمكموها الله تعالى" (2) . # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو ~~العباس الأصم أخبرنا الربيع أنا الشافعي أنا إبراهيم بن محمد عن عمرو بن ~~أبي عمرو عن المطلب بن حنطب عن PageV03P099 # جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لحم الصيد لكم ~~في الإحرام حلال، ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" (1) قال أبو عيسى: المطلب لا ~~نعرف له سماعا من جابر بن عبد الله رضي الله عنه. # وإذا أتلف المحرم شيئا من الصيد لا مثل له من النعم مثل بيض أو طائر دون ~~الحمام ففيه قيمة يصرفها إلى الطعام، فيتصدق به أو يصوم عن كل مد يوما، ~~واختلفوا في الجراد فرخص فيه قوم للمحرم وقالوا هو من صيد البحر، روي ذلك ~~عن كعب الأحبار، والأكثرون على أنها لا تحل، فإن أصابها فعليه صدقة، قال ~~عمر: في الجراد تمرة، وروي عنه وعن ابن عباس: قبضة من طعام. ### || # {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96) } # قوله عز وجل: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة} والمراد ~~بالبحر جميع المياه، قال عمر رضي الله عنه: "صيده ما اصطيد وطعامه ما رمي ~~به" (2) . وعن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة: طعامه ما قذفه الماء إلى ~~الساحل ميتا. # وقال قوم: هو المالح منه وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة وسعيد بن المسيب ~~وقتادة والنخعي. # وقال مجاهد: صيده: طريه، وطعامه: مالحه، متاعا لكم أي: منفعة لكم، ~~وللسيارة يعني: المارة. # وجملة حيوانات الماء على قسمين: سمك وغيره، أما السمك فميتته حلال مع ~~اختلاف أنواعها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أحلت لنا ميتتان [ودمان: ~~الميتتان] الحوت ms0797 والجراد، والدمان: [الكبد والطحال] (3) ولا فرق بين أن ~~يموت بسبب أو بغير سبب، وعند أبي حنيفة لا يحل إلا أن يموت بسبب من وقوع ~~على حجر أو انحسار الماء عنه ونحو ذلك. PageV03P100 # أما غير السمك فقسمان: قسم يعيش في البر كالضغدع والسرطان، فلا يحل أكله، ~~وقسم يعيش في الماء ولا يعيش في البر إلا عيش المذبوح، فاختلف القول فيه، ~~فذهب قوم إلى أنه لا يحل شيء منها إلا السمك، وهو معنى قول أبي حنيفة رضي ~~الله عنه وذهب قوم إلى أن [ميت الماء كلها حلال] (1) لأن كلها سمك، وإن ~~اختلفت صورها، [كالجريث] (2) يقال له حية الماء، وهو على شكل الحية وأكله ~~مباح بالاتفاق، وهو قول أبي بكر وعمر وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي ~~هريرة، وبه قال شريح والحسن وعطاء، وهو قول مالك وظاهر مذهب الشافعي. # وذهب قوم إلى أن ما له نظير في البر يؤكل، فميتته من حيوانات البحر حلال، ~~مثل بقر الماء ونحوه، وما لا يؤكل نظيره في البر لا يحل ميتته من حيوانات ~~البحر، مثل كلب الماء والخنزير والحمار ونحوها. # وقال الأوزاعي كل شيء عيشه في الماء فهو حلال، قيل: فالتمساح؟ قال نعم. # وقال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم، وقال سفيان الثوري: ~~أرجو أن لا يكون بالسرطان بأسا. # وظاهر الآية حجة لمن أباح جميع حيوانات البحر، وكذلك الحديث. أخبرنا أبو ~~الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن ~~مالك عن صفوان بن [سلمان] (3) عن سعيد بن سلمة من آل بني الأزرق أن المغيرة ~~بن أبي بردة وهو من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه ~~يقول سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا نركب في ~~البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفتوضأ بماء ~~البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ~~(4) . PageV03P101 # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن ms0798 عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد أنا يحيى عن ابن جريج أخبرني عمر أنه ~~سمع جابرا رضي الله عنه يقول: غزوت جيش الخبط وأمر أبو عبيدة، فجعنا جوعا ~~شديدا فألقى البحر حوتا ميتا لم نر مثله، يقال له العنبر، فأكلنا منه نصف ~~شهر، فأخذ أبو عبيدة عظما من عظامه، فمر الراكب تحته. وأخبرني أبو الزبير ~~أنه سمع جابرا يقول: قال أبو عبيدة: كلوا فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "كلوا رزقا أخرجه الله إليكم، أطعمونا إن ~~كان معكم" فأتاه بعضهم بشيء منه فأكلوه (1) . # قوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه ~~تحشرون} 112/ب صيد البحر حلال للمحرم، كما هو حلال لغير المحرم، أما صيد ~~البر فحرام على المحرم وفي الحرم، والصيد هو الحيوان الوحشي الذي يحل أكله، ~~أما ما لا يحل أكله فلا يحرم بسبب الإحرام، وللمحرم أخذه وقتله، ولا جزاء ~~على من قتله إلا المتولد بين ما لا يؤكل لحمه وما يؤكل، كالمتولد بين الذئب ~~والظبي لا يحل أكله ويجب بقتله الجزاء على المحرم، لأن فيه جزاء من الصيد. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا ~~أبو مصعب عن مالك PageV03P102 # عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب ~~والفأرة والكلب العقور" (1) . # وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "يقتل المحرم السبع العادي" (2) وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "خمس قتلهن حلال في الحرم: الحية والعقرب والحدأة ~~والفأرة والكلب العقور" (3) . # وقال سفيان بن عيينة: الكلب العقور كل سبع يعقر، ومثله عن مالك، وذهب ~~أصحاب الرأي إلى وجوب الجزاء في قتل ما لا يؤكل لحمه، من الفهد والنمر ~~والخنزير ونحوها إلا الأعيان ms0799 المذكورة في الخبر، وقاسوا عليها الذئب فلم ~~يوجبوا فيه الكفارة، وقاس الشافعي رحمه الله عليها جميع ما لا يؤكل لحمه ~~لأن الحديث يشتمل على أعيان بعضها سباع ضارية وبعضها هوام قاتلة وبعضها طير ~~لا يدخل في معنى السباع ولا هي من جملة [الهوام] (4) وإنما هي حيوان مستخبث ~~اللحم، وتحريم الأكل يجمع الكل فاعتبره ورتب الحكم عليه. PageV03P103 ### || # {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي ~~والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله ~~بكل شيء عليم (97) اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (98) } # قوله عز وجل: {جعل الله الكعبة البيت الحرام} قال مجاهد: سميت كعبة ~~لتربيعها، والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة، قال مقاتل: سميت كعبة لانفرادها ~~من البناء، وقيل: سميت كعبة لارتفاعها من الأرض، وأصلها من الخروج ~~والارتفاع، وسمي الكعب عكبا لنتوئه، وخروجه من جانبي # PageV03P103 # القدم، ومن قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرج ثديها: تكعبت. وسمي البيت ~~الحرام: لأن الله تعالى حرمه وعظم حرمته. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض" (1) {قياما للناس} قرأ ابن ~~عامر (قيما) بلا ألف والآخرون: "قياما" بالألف، أي: قواما لهم في أمر دينهم ~~ودنياهم، أما الدين لأن به يقوم الحج والمناسك، وأما الدنيا فيما يجبى إليه ~~من الثمرات، وكانوا يأمنون فيه من النهار والغارة فلا يتعرض لهم أحد في ~~الحرم، قال الله تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من ~~حولهم} (العنكبوت-67) {والشهر الحرام} أراد به الأشهر الحرم وهي ذو العقده ~~وذو الحجة والمحرم ورجب، أراد أنه جعل الأشهر الحرم قياما للناس يأمنون ~~فيها القتال، {والهدي والقلائد} أراد أنهم كانوا يؤمنون بتقليد الهدي، فذلك ~~القوام فيه. # {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء ~~عليم} فإن قيل: أي اتصال لهذا الكلام بما قبله؟ قيل: أراد أن الله عز وجل ~~جعل الكعبة قياما للناس لأنه يعلم صلاح العباد كما ms0800 يعلم ما في السموات وما ~~في الأرض، وقال الزجاج: قد سبق في هذه السورة الإخبار عن الغيوب والكشف عن ~~الأسرار، مثل قوله (سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين) ، ومثل إخباره ~~بتحريفهم الكتب ونحو ذلك، فقوله {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات ~~وما في الأرض} راجع إليه. ### || # {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (98) ما على الرسول إلا ~~البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (99) قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو ~~أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون (100) } # {ما على الرسول إلا البلاغ} [التبليغ] (2) {والله يعلم ما تبدون وما ~~تكتمون} # {قل لا يستوي الخبيث والطيب} أي الحلال والحرام، {ولو أعجبك} سرك {كثرة ~~الخبيث} PageV03P104 # نزلت في شريح بن [ضبيعة] (1) البكري، وحجاج بن بكر بن وائل (2) {فاتقوا ~~الله} ولا تتعرضوا للحجاج وإن كانوا مشركين، وقد مضت القصة في أول السورة، ~~{يا أولي الألباب لعلكم تفلحون} ### || # يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا ~~عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (101) # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} ~~الآية أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا حفص بن عمر أنا هشام عن قتادة عن أنس رضي ~~الله عنه: سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فغضب ~~فصعد المنبر فقال: "لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم"، فجعلت أنظر ~~يمينا وشمالا فإذا كان رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي، فإذا رجل كان إذا لاحى ~~الرجال يدعى لغير أبيه، فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال "حذافة": ثم أنشأ ~~عمر، فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم ~~رسولا نعوذ بالله من الفتن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما رأيت ~~في الخير والشر كاليوم قط، إني صورت لي الجنة والنار ms0801 حتى رأيتهما وراء ~~الحائط"، وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} (3) . # قال يونس عن ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله قال: قالت أم عبد ~~الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت بابن قط أعق منك، أأمنت أن تكون ~~أمك قد فارقت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ قال ~~عبد الله بن حذافة والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته (4) . وروي عن عمر ~~قال: يا رسول الله إنا حديثو عهد بجاهلية فاعف عنا يعف الله سبحانه وتعالى ~~عنك، فسكن غضبه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا الفضل بن سهل أخبرنا أبو النضر أنا أبو خيثمة ~~أنا أبو جويرية عن ابن عباس قال: كان PageV03P105 # قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ~~ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} حتى فرغ من الآية كلها ~~(1) . وروي عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت: (ولله على الناس حج البيت) ~~قال رجل: يا رسول الله أفي كل عام فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت نعم لوجبت، ~~ولو وجبت ما استطعتم، فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة ~~سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، ~~وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه"، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} (2) أي: إن تظهر لكم تسؤكم، أي: إن ~~أمرتم بالعمل بها فإن من سأل عن الحج لم يأمن أن يؤمر به في كل عام فيسوءه، ~~ومن سأل عن نسبه لم يأمن من أن يلحقه بغيره فيفتضح. ms0802 # وقال مجاهد (3) نزلت حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحام، ألا تراه ذكرها بعد ذلك؟ {وإن تسألوا عنها حين ~~ينزل القرآن تبد لكم} 113\أمعناه صبرتم حتى ينزل القرآن بحكم من فرض أو نهي ~~أو حكم، وليس في ظاهره شرح ما بكم إليه حاجة ومست جاحتكم إليه، فإذا سألتم ~~عنها حينئذ تبد لكم، {عفا الله عنها والله غفور حليم} ### || # {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (102) } # {قد سألها قوم من قبلكم} كما سألت ثمود صالحا الناقة وسأل قوم عيسى ~~المائدة، {ثم أصبحوا بها كافرين} فأهلكوا، قال أبو ثعلبة الخشني: "إن الله ~~فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى PageV03P106 # عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير ~~نسيان فلا تبحثوا عنها (1) . ### || # (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا ~~يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون (103)) # قوله عز وجل: {ما جعل الله من بحيرة} أي: ما أنزل الله ولا أمر به، {ولا ~~سائبة ولا وصيلة ولا حام} قال ابن عباس في بيان هذه [الأوضاع] (2) البحيرة ~~هي الناقة التي كانت إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها، أي: شقوها وتركوا ~~الحمل عليها وركوبها، ولم يجزوا وبرها ولم يمنعوها الماء والكلأ ثم نظروا ~~إلا خامس ولدها فإن كان ذكرا نحروه وأكله الرجال والنساء، وإن كان أنثى ~~بحروا أذنها، أي: شقوها وتركوها وحرم على النساء لبنها ومنافعها، وكانت ~~منافعها خاصة للرجال، فإذا ماتت حلت للرجال والنساء. # وقيل: كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثا سيبت فلم يركب ظهرها ~~ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ~~ثم خلي سبيلها مع أمها في الإبل، فلم تركب ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها ~~إلا ضيف، كما فعل بأمها، فهي البحيرة بنت السائبة. # وقال أبو عبيد: السائبة البعير الذي يسيب، وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية ~~كان إذا مرض وغاب له قريب نذر ms0803 فقال إن شفاني الله تعالى أو شفي مريضي أو ~~عاد غائبي، فناقتي هذه سائبة، ثم يسيبها فلا تحبس عن رعي ولا ماء ولا ~~يركبها أحد فكانت بمنزلة البحيرة. # وقال علقمة: هو العبد يسيب على أن لا ولاء عليه ولا عقل ولا ميراث. وقال ~~صلى الله عليه وسلم: "إنما الولاء لمن أعتق" (3) . # والسائبة فاعلة بمعنى المفعولة، وهي المسيبة، كقوله تعالى {ماء دافق} أي: ~~مدفوق و {عيشة راضية} PageV03P107 # وأما الوصيلة: فمن الغنم كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإذا كان السابع ~~ذكرا ذبحوه، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركوها في الغنم وإن ~~كان ذكرا وأنثى استحيوا الذكر من أجل الأنثى، وقالوا: وصلت أخاها فلم ~~يذبحوه، وكان لبن الأنثى حراما على النساء، فإن مات منها شيء أكله الرجال ~~والنساء جميعا. # وأما الحام: فهو الفحل إذا ركب ولد ولده، ويقال: إذا نتج من صلبه عشرة ~~أبطن، قالوا: حمي ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من كلأ ولا ماء، ~~فإذا مات أكله الرجال والنساء. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ~~ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنح درها للطواغيت فلا ~~يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. # قال أبو هريرة: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت عمرو بن عامر ~~الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب" (1) . # روى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح السمان عن أبي ~~هريرة] (2) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكثم بن جون الخزاعي: ~~"يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة [بن خندق] (3) يجر قصبه في النار فما ~~رأيت رجل أشبه برجل منك به ولا به منك" وذلك أنه أول من غير دين إسماعيل ~~ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحام، ms0804 "فلقد ~~رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه"، فقال أكثم: أيضرني شبهه يا رسول ~~الله؟ فقال: "لا إنك مؤمن وهو كافر" (4) . # قوله عز وجل: {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} في قولهم الله ~~أمرنا بها {وأكثرهم لا يعقلون} PageV03P108 ### || # {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا ~~عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (104) } # {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} في تحليل الحرث ~~والأنعام وبيان الشرائع والأحكام، {قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} من ~~الدين، قال الله تعالى: {أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} # PageV03P109 # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم} روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس ~~إنكم تقرءون هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم} وتضعونها في غير موضعها ولا تدرون ما هي، وإني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن ~~يعمهم الله تعالى بعقابه" (1) . # وفي رواية "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن الله سبحانه ~~وتعالى عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب، ثم ليدعون الله عز وجل خياركم ~~فلا يستجاب [لكم] (2) " (3) . # قال أبو عبيد: خاف الصديق أن يتأول الناس الآية على غير متأولها فيدعوهم ~~إلى ترك الأمر بالمعروف [والنهي عن المنكر] (4) فأعلمهم أنها ليست كذلك وأن ~~الذي أذن في الإمساك عن تغييره من المنكر، هو الشرك الذي ينطق به المعاهدون ~~من أجل أنهم يتدينون به، وقد صولحوا عليه، فأما PageV03P109 # الفسوق والعصيان والريب من أهل الإسلام فلا يدخل فيه. # وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الآية في اليهود والنصارى، يعني: عليكم أنفسكم ~~لا يضركم من ضل من أهل الكتاب فخذوا منهم الجزية واتركوهم. # وعن ابن مسعود قال في هذه الآية: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل ~~منكم فإن رد عليكم فعليكم أنفسكم، ms0805 ثم قال: إن القرآن قد نزل منه آي: قد مضى ~~تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آي: قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ومنه آي يقع تأويلهن بعد رسول الله بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن ~~في آخر الزمان، ومنه آي: يقع تأويلهن يوم القيامة، ما ذكر من الحساب والجنة ~~والنار، فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس ~~بعض، فأمروا وانهوا، وإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا، وذاق بعضكم ~~بأس بعض، فامرؤ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية (1) # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا أبو جعفر ~~أحمد بن محمد العنزي أخبرنا عيسى بن نصر أنا عبد الله بن المبارك أنا عتبة ~~بن أبي حكيم حدثني عمرو 113/ب بن جارية اللخمي أنا أبو أمية الشعباني قال: ~~أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية ~~آية؟ قلت: قول الله عز وجل {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} ~~فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا ~~وهوى متبعا ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرا لا بد لك منه ~~فعليك نفسك ودع أمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، فمن صبر فيهن قبض ~~على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله" قال ابن ~~المبارك: وزادني غيره قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: "أجر خمسين ~~منكم" (2) . # وقيل: نزلت في أهل الأهواء، قال أبو جعفر الرازي: دخل على صفوان بن محرز ~~شاب من أهل الأهواء فذكر شيئا من أمره، فقال صفوان ألا أدلك على خاصة الله ~~التي خص بها أولياءه: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم} PageV03P110 # قوله عز وجل: {إلى الله مرجعكم جميعا} الضال والمهتدي، {فينبئكم بما كنتم ~~تعملون} ### || # {يا ms0806 أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله ~~مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون (105) } # {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ~~ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة ~~الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ~~ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين (106) فإن عثر ~~على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ~~الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن ~~الظالمين (107) } # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} سبب نزول هذه الآية ما ~~روي أن تميم بن أوس الداري وعدي بن [بداء] (1) قد خرجا من المدينة للتجارة ~~إلى أرض الشام، وهما نصرانيان، ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما ~~فلما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي، وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى ~~أهله، ومات بديل ففتشا متاعه وأخذا منه إناء من فضة منقوشا بالذهب فيه ~~ثلاثمائة مثقال فضة فغيباه، ثم قضيا حاجتهما، فانصرفا إلى المدينة، فدفعا ~~المتاع إلى أهل البيت، ففتشوا وأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما كان معه ~~فجاءوا تميما وعديا فقالوا: هل باع صاحبنا شيئا من متاعه؛ قالا لا قالوا: ~~فهل اتجر تجارة؟ قالا لا قالوا: هل طال مرضه فأنفق على نفسه قالا لا ~~فقالوا: إنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما كان معه وإنا قد فقدنا ~~منها إناء من فضة مموها بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة، قالا ما ندري إنما ~~أوصى لنا بشيء فأمرنا أن ندفعه إليكم فدفعناه وما لنا علم بالإناء، ~~فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأصرا على الإنكار، وحلفا فأنزل ~~الله عز وجل هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم ~~الموت حين الوصية اثنان} (2) أي: ليشهد اثنان، لفضه خبر ومعناه أمر. # وقيل: معناه: أن الشهادة فيما بينكم على الوصية ms0807 عند الموت اثنان، ~~واختلفوا في هذين الاثنين PageV03P111 # فقال قوم: هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصي. # وقال آخرون: هما الوصيان، لأن الآية نزلت فيهما ولأنه قال: {تحبسونهما من ~~بعد الصلاة فيقسمان} ولا يلزم الشاهد يمين، وجعل الوصي اثنين تأكيدا، فعلى ~~هذا تكون الشهادة بمعنى الحضور، كقولك: شهدت وصية فلان، بمعنى حضرت، قال ~~الله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) (النور -2) يريد الحضور ~~{ذوا عدل} أي: أمانة وعقل {منكم} أي: من أهل دينكم يا معشر المؤمنين {أو ~~آخران من غيركم} أي: من غير دينكم وملتكم في قول أكثر المفسرين، قاله ابن ~~عباس وأبو موسى الأشعري، وهو قول سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وسعيد بن ~~جبير ومجاهد وعبيدة. # ثم اختلف هؤلاء في حكم الآية (1) فقال النخعي وجماعة: هي منسوخة وكانت ~~شهادة أهل الذمة مقبولة في الابتداء ثم نسخت. # وذهب قوم إلى أنها ثابتة، وقالوا: إذا لم نجد مسلمين فنشهد كافرين. # وقال شريح: من كان بأرض غربة ولم يجد مسلما يشهده على وصيته فأشهد كافرين ~~على أي دين كانا من دين أهل الكتاب أو عبدة الأوثان، فشهادتهم جائزة، ولا ~~تجوز شهادة كافر على مسلم إلا على وصية في سفر. # وعن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ولم يجد مسلما يشهده ~~على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة بتركته وأتيا الأشعري، ~~فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأحلفهما، وأمضى شهادتهما. # وقال آخرون: قوله {ذوا عدل منكم} أي: من حي الموصي أو آخران من غير حيكم ~~وعشيرتكم، وهو قول الحسن والزهري وعكرمة، وقالوا: لا تجوز شهادة كافر في ~~شيء من الأحكام، {إن أنتم ضربتم} أي سرتم وسافرتم، {في الأرض فأصابتكم ~~مصيبة الموت} فأوصيتم إليهما ودفعتم إليهما مالكم فاتهمهما بعض الورثة ~~وادعوا عليهما خيانة فالحكم فيه أن {تحبسونهما} أي: تستوقفونهما، {من بعد ~~الصلاة} أي: بعد الصلاة، و {من} صلة يريد بعد صلاة العصر، هذا PageV03P112 # قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير وقتادة وعامة ms0808 المفسرين، لأن جميع أهل ~~الأديان يعظمون ذلك الوقت، ويجتنبون فيه الحلف الكاذب، وقال الحسن: أراد من ~~بعد صلاة العصر، وقال السدي: من بعد صلاة أهل دينهما وملتهما لأنهما لا ~~يباليان بصلاة العصر، {فيقسمان} يحلفان، {بالله إن ارتبتم} أي: شككتم ووقعت ~~لكم الريبة في قول الشاهدين وصدقهما، أي: في قول اللذين ليسا من أهل ملتكم، ~~فإن كانا مسلمين فلا يمين عليهما، {لا نشتري به ثمنا} أي: لا نحلف بالله ~~كاذبين على عوض نأخذه أو مال نذهب به أو حق نجحده، {ولو كان ذا قربى} ولو ~~كان المشهود له ذا قرابة منا، {ولا نكتم شهادة الله} أضاف الشهادة إلى الله ~~لأنه أمر بإقامتها ونهى عن كتمانها، وقرأ يعقوب " شهادة " بتنوين، " الله " ~~ممدود، وجعل الاستفهام عوضا عن حرف القسم، ويروى عن أبي جعفر " شهادة " ~~بتنوين، " الله " بقطع الألف وكسر الهاء من غير استفهام على ابتداء اليمين، ~~أي: والله: {إنا إذا لمن الآثمين} أي إن كتمناها كنا من الآثمين. # فلما نزلت هذه الآية صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا ~~تميما وعديا فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم ~~يختانا شيئا مما دفع إليهما فحلفا على ذلك، وخلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سبيلهما. # ثم ظهر الإناء واختلفوا في كيفية ظهوره (1) فروى سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس رضي الله عنهم أنه وجد بمكة، فقالوا: إنا اشتريناه من تميم وعدي، وقال ~~آخرون: لما طالت المدة أظهروه فبلغ ذلك بني سهم فأتوهما في ذلك، فقالا إنا ~~كنا قد اشتريناه منه فقالوا لهما: ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع شيئا من ~~متاعه؟ قالا لم يكن عندنا بينة وكرهنأ 114\أأن نقر لكم به فكتمناه لذلك، ~~فرفعهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {فإن عثر} # {فإن عثر} أي: اطلع على خيانتهما، وأصل العثور: الوقوع على الشيء، {على ~~أنهما} يعني: الوصيين {استحقا} استوجبا، {إثما} بخيانتهما وبأيمانهما ~~PageV03P113 # الكاذبة، {فآخران} من أولياء الميت، {يقومان مقامهما} يعني: مقام ~~الوصيين، ms0809 {من الذين استحق} بضم التاء على المجهول، هذا قراءة العامة، يعني: ~~الذين استحق، {عليهم} أي فيهم ولأجلهم الإثم وهم ورثة الميت استحق الحالفان ~~بسببهم الإثم و (على) بمعنى في، كما قال الله (على ملك سليمان) (البقرة، ~~102) أي: في ملك سليمان، وقرأ حفص (استحق) بفتح التاء والحاء، وهي قراءة ~~علي والحسن، أي: حق ووجب عليهم الإثم، يقال: حق واستحق بمعنى واحد، ~~{الأوليان} نعت للآخران، أي: فآخران الأوليان، وإنما جاز ذلك و {الأوليان} ~~معرفة والآخران نكرة لأنه لما وصف ال"آخران"، فقال {من الذين} صار كالمعرفة ~~و {الأوليان} تثنية الأولى، والأولى هو الأقرب، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم ~~ويعقوب " الأولين " بالجمع فيكون بدلا من الذين، والمراد منهم أيضا أولياء ~~الميت. # ومعنى الآية: إذا ظهرت خيانة الحالفين يقوم اثنان آخران من أقارب الميت، ~~{فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما} يعني: يميننا أحق من يمينهما، ~~نظيره قوله تعالى في اللعان: (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) (النور -6) ~~. والمراد بها الأيمان، فهو كقول القائل: أشهد بالله، أي: أقسم بالله، {وما ~~اعتدينا} في أيماننا، وقولنا أن شهادتنا أحق من شهادتهما، {إنا إذا لمن ~~الظالمين} # فلما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان، ~~فحلفا بالله بعد العصر فدفعا الإناء إليهما وإلى أولياء الميت، وكان تميم ~~الداري بعدما أسلم يقول صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله ~~وأستغفره، وإنما انتقل اليمين إلى الأولياء لأن الوصيين ادعيا أنهما ~~ابتاعاه. # والوصي إذا أخذ شيئا من مال الميت وقال: إنه أوصى لي به حلف الوارث، إذا ~~أنكر ذلك، وكذلك لو ادعى رجل سلعة في يد رجل فاعترف ثم ادعى أنه اشتراها من ~~المدعي، حلف المدعي أنه لم يبعها منه. # ويروى عن ابن عباس (1) رضي الله عنهما عن تميم الداري قال: كنا بعنا ~~الإناء بألف درهم فقسمتها أنا وعدي، فلما أسلمت تأثمت فأتيت موالي الميت ~~فأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وحلف عمرو والمطلب فنزعت الخمسمائة من عدي، ms0810 ورددت أنا الخمسمائة. ~~PageV03P114 # فذلك قوله تعالى: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} # {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} أي: ذلك الذي حكمنا به من رد ~~اليمين أجدر وأحرى أن يأتي الوصيان بالشهادة على وجهها وسائر الناس ~~أمثالهم، أي أقرب إلى الإتيان بالشهادة على ما كانت، {أو يخافوا أن ترد ~~أيمان بعد أيمانهم} أي: أقرب إلى أن يخافوا رد اليمن بعد يمينهم على ~~[المدعي] (1) فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا ويغرموا فلا يحلفون ~~كاذبين إذا خافوا هذا الحكم، {واتقوا الله} أن تحلفوا أيمانا كاذبة أو ~~تخونوا أمانة، {واسمعوا} الموعظة، {والله لا يهدي القوم الفاسقين} ~~PageV03P115 ### || # {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام ~~الغيوب (109) إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ ~~أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون ~~طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني ~~إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ~~(110) وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا ~~مسلمون (111) } # قوله عز وجل {يوم يجمع الله الرسل} وهو يوم القيامة، {فيقول ماذا أجبتم} ~~أي: ما الذي أجابتكم أمتكم؟ وما الذي رد عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى ~~توحيدي وطاعتي؟ {قالوا} أي: فيقولون {لا علم لنا} قال ابن عباس معناه: لا ~~علم لنا إلا العلم الذي أنت أعلم به منا، وقيل: لا علم لنا بوجه الحكمة عن ~~سؤالك إيانا عن أمر أنت أعلم به منا، وقال ابن جريج: لا علم لنا بعاقبة ~~أمرهم وبما أحدثوا من بعد، دليله أنه قال: {إنك أنت علام الغيوب} أي: أنت ~~الذي تعلم ما غاب ونحن لا نعلم إلا ما نشاهد. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسلم ms0811 بن إبراهيم أنا وهيب أنا عبد العزيز عن ~~أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليردن علي ناس من ~~أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: أصحابي، فيقال: # PageV03P115 # لا تدري ما أحدثوا بعدك" (1) . # وقال ابن عباس والحسن ومجاهد والسدي: إن للقيامة أهوالا وزلازل تزول فيها ~~القلوب عن مواضعها، فيفزعون من هول ذلك اليوم ويذهلون عن الجواب، ثم بعدما ~~ثابت إليهم عقولهم يشهدون على أممهم. # قوله تعالى: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك} قال الحسن: ~~ذكر النعمة شكرها، وأراد بقوله {نعمتي} أي: نعمي، [قال الحسن] (2) لفظه ~~واحد ومعناه جمع، كقوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) ، {وعلى ~~والدتك} مريم ثم ذكر النعم فقال: {إذ أيدتك} قويتك، {بروح القدس} يعني ~~جبريل عليه السلام، {تكلم الناس} يعني: وتكلم الناس، {في المهد} صبيا، ~~{وكهلا} نبيا قال ابن عباس: أرسله وهو ابن ثلاثين سنة، فمكث في رسالته ~~ثلاثين شهرا ثم رفعه الله إليه، {وإذ علمتك الكتاب} يعني الخط، {والحكمة} ~~يعني العلم والفهم، {والتوراة والإنجيل وإذ تخلق} تجعل وتصور، {من الطين ~~كهيئة الطير} كصورة الطير، {بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا} حيا يطير، {بإذني ~~وتبرئ} وتصحح، {الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى} من قبورهم أحياء، ~~{بإذني وإذ كففت} منعت وصرفت، {بني إسرائيل} يعني اليهود، {عنك} حين هموا ~~بقتلك، {إذ جئتهم بالبينات} يعني: الدلالات والمعجزات، وهي التي ذكرنا. # {فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين} يعني: ما جاءهم به من ~~البينات، قرأ حمزة والكسائي " ساحر مبين " هاهنا وفي سورة هود والصف، فيكون ~~راجعا إلى عيسى عليه السلام، وفي هود يكون راجعا إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # {وإذ أوحيت إلى الحواريين} ألهمتهم وقذفت في قلوبهم، وقال أبو عبيدة يعني ~~أمرت PageV03P116 # و {إلى} صلة، والحواريون خواص أصحاب عيسى عليه السلام، {أن آمنوا بي ~~وبرسولي} [عيسى] (1) {قالوا} حين وافقتهم {آمنا واشهد بأننا مسلمون} ### || # {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة ~~من ms0812 السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) قالوا نريد أن نأكل منها ~~وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين (113) قال عيسى ~~ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا ~~وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114) قال الله إني منزلها ~~عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} # إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك (115) # قرأ الكسائي "هل تستطيع" بالتاء "ربك" بنصب الباء وهو قراءة علي وعائشة ~~وابن عباس ومجاهد، أي: هل تستطيع أن تدعو وتسأل ربك، وقرأ الآخرون "هل ~~يستطيع" بالياء و"ربك" برفع الباء، ولم يقولوه شاكين في قدرة الله عز وجل، ~~ولكن معناه: هل ينزل ربك أم لا؟ كما يقول الرجل لصاحبه هل تستطيع أن تنهض ~~معي وهو يعلم أنه يستطيع، وإنما يريد هل يفعل ذلك أم لا وقيل: يستطيع بمعنى ~~يطيع، يقال: أطاع واستطاع بمعنى واحد، كقولهم: أجاب واستجاب، معناه: هل ~~يطيعك ربك بإجابة سؤالك؟ وفي الآثار من أطاع الله أطاعه الله، وأجرى بعضهم ~~على الظاهر 114/ب فقالوا: غلط القوم، وقالوه قبل استحكام المعرفة وكانوا ~~بشرا، فقال لهم عيسى عليه السلام عند الغلط، استعظاما لقولهم {اتقوا الله ~~إن كنتم مؤمنين} أي: لا تشكوا في قدرته. # {أن ينزل علينا مائدة من السماء} المائدة الخوان الذي عليه الطعام، وهي ~~فاعلة من: ماده يميده إذا أعطاه وأطعمه، كقوله ماره يميره، وامتاد: افتعل ~~منه، والمائدة هي المطعمة للآكلين الطعام، وسمي الطعام أيضا مائدة على ~~الجواز، لأنه يؤكل على المائدة، وقال أهل الكوفة: سميت مائدة لأنها تميد ~~بالآكلين، أي: تميل. وقال أهل البصرة: فاعلة بمعنى المفعول، أي تميد ~~بالآكلين إليها، كقوله تعالى (عيشة راضية) أي: مرضية، {قال} عيسى عليه ~~السلام مجيبا لهم: {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} فلا تشكوا في قدرته، وقيل: ~~اتقوا الله أن تسألوه شيئا لم يسأله الأمم قبلكم، فنهاهم عن اقتراح الآيات ~~بعد الإيمان. PageV03P117 # {قالوا نريد} أي: إنما سألنا لأنا نريد، {أن نأكل ms0813 منها} أكل تبرك لا أكل ~~حاجة فنستيقن # PageV03P117 # قدرته، {وتطمئن} وتسكن، {قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا} بأنك رسول الله، أي: ~~نزداد إيمانا ويقينا، وقيل: إن عيسى ابن مريم أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوما، ~~فإذا أفطروا لا يسألون الله شيئا إلا أعطاهم، ففعلوا وسألوا المائدة، ~~وقالوا: "ونعلم أن قد صدقتنا" في قولك، إنا إذا صمنا ثلاثين يوما لا نسأل ~~الله تعالى شيئا إلا أعطانا، {ونكون عليها من الشاهدين} لله بالوحدانية ~~والقدرة، ولك بالنبوة والرسالة، وقيل: ونكون من الشاهدين لك عند بني ~~إسرائيل إذا رجعنا إليهم. # {قال عيسى ابن مريم} عند ذلك، {اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء} ~~وقيل: إنه اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وغض بصره وبكى، ثم قال: ~~اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء، {تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا} أي: ~~عائدة من الله علينا حجة وبرهانا، والعيد: يوم السرور، سمي به للعود من ~~الترح إلى الفرح، وهو اسم لما اعتدته ويعود إليك، وسمي يوم الفطر والأضحى ~~عيدا لأنهما يعودان كل سنة، قال السدي: معناه نتخذ اليوم الذي أنزلت فيه ~~عيدا لأولنا وآخرنا، أي: نعظمه نحن ومن بعدنا، وقال سفيان: نصلي فيه، قوله ~~{لأولنا} أي: لأهل زماننا {وآخرنا} أي: لمن يجيء بعدنا، وقال ابن عباس: ~~يأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم، {وآية منك} دلالة وحجة، {وارزقنا وأنت ~~خير الرازقين} # {قال الله} تعالى مجيبا لعيسى عليه السلام، {إني منزلها عليكم} يعني: ~~المائدة وقرأ أهل المدنة وابن عامر وعاصم "منزلها" بالتشديد لأنها نزلت ~~مرات، والتفعيل يدل على التكرير مرة بعد أخرى، وقرأ الآخرون بالتخفيف ~~لقوله: أنزل علينا، {فمن يكفر بعد منكم} أي: بعد نزول المائدة {فإني أعذبه ~~عذابا} أي جنس عذاب، {لا أعذبه أحدا من العالمين} يعني: عالمي زمانه، فجحد ~~القوم وكفروا بعد نزول المائدة فمسخوا قردة وخنازير، قال عبد الله بن عمر: ~~إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل ~~فرعون (1) . # واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟ فقال مجاهد والحسن: لم ms0814 تنزل ~~لأن الله عز وجل لما أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر ~~بعضهم فاستعفوا، وقالوا: لا نريدها، فلم تنزل، وقوله: "إني منزلها عليكم"، ~~يعني: إن سألتم (2) . PageV03P118 # والصحيح الذي عليه الأكثرون: أنها نزلت، لقوله تعالى: "إني منزلها ~~عليكم"، ولا خلف في خبره، لتواتر الأخبار فيه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والصحابة والتابعين. # واختلفوا في صفتها فروى خلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنها نزلت خبزا ولحما، وقيل لهم: إنها مقيمة لكم ما لم ~~تخونوا [وتخبؤوا] (1) فما مضى يومهم حتى خانوا وخبؤوا فمسخوا قردة وخنازير ~~(2) . # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن عيسى عليه السلام قال لهم: صوموا ~~ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه، فصاموا فلما فرغوا قالوا: يا ~~عيسى إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا، وسألوا الله المائدة فأقبلت ~~الملائكة بمائدة يحملونها، علها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين ~~أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم (3) . # قال كعب الأحبار: نزلت [مائدة] منكوسة تطير بها الملائكة بين السماء ~~والأرض، عليها كل الطعام إلا اللحم. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز ~~واللحم، قال قتادة كان عليها ثمر من ثمار الجنة. # وقال عطية العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء. # وقال الكلبي: كان عليها خبز ورز وبقل. # وقال وهب بن منبه: أنزل الله أقرصة من شعير وحيتانا وكان قوم يأكلون ثم ~~يخرجون ويجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوا جميعهم وفضل. PageV03P119 # وعن الكلبي ومقاتل: أنزل الله خبزا وسمكا وخمسة أرغفة، فأكلوا ما شاء ~~الله تعالى، والناس ألف ونيف فلما رجعوا إلى قراهم، ونشروا الحديث ضحك منهم ~~من لم يشهد، وقالوا: ويحكم إنما سحر أعينكم، فمن أراد الله به الخير ثبته ~~على بصيرته، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، ومسخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا ~~امرأة، فمكثوا بذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا، ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم ~~يشربوا، وكذلك ms0815 كل ممسوخ. # وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشيا حيث كانوا كالمن والسلوى لبني ~~إسرائيل، وقال عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي لما سأل الحوارين المائدة ~~لبس عيسى عليه السلام صوفا وبكى، وقال: "اللهم أنزل علينا مائدة من السماء" ~~الآية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها، وهم ~~ينظرون إليها وهي تهوي منقضة حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى، وقال: اللهم ~~اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة، واليهود ينظرون ~~إلى شيء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه، فقال عيسى عليه ~~السلام: ليقم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله تعالى، فقال شمعون ~~الصفار رأس الحواريين: أنت أولى بذلك منا [فقام عيسى عليه السلام] (1) ~~فتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى كثيرا، ثم كشف المنديل عنها، وقال: بسم الله ~~خير الرازقين فإذا هو سمكة مشوية ليس عليها فلوسها ولا شوك عليها تسيل من ~~الدسم وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل، وحولها من ألوان البقول ما خلا ~~الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث ~~سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام ~~الدنيا هذا أم من 115\أطعام الآخرة؟ فقال: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ~~ولا من طعام الآخرة، ولكنه شيء افتعله الله تعالى بالقدرة الغالبة، كلوا ~~مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله، قالوا: يا روح الله كن أول من يأكل منها، ~~فقال عيسى عليه السلام: معاذ الله أن آكل منها ولكن يأكل منها من سألها ~~فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا لها أهل الفاقة والمرضى وأهل البرص والجذام ~~والمقعدين والمبتلين، فقال: كلوا من رزق الله ولكم المهنأ ولغيركم البلاء، ~~فأكلوا وصدر عنها ألف وثلاثمائة رجل وامرأة من فقير ومريض وزمن ومبتلى كلهم ~~شبعان، وإذا السمكة بهيئتها حين نزلت، ثم طارت سفرة المائدة صعدا وهم ~~ينظرون إليها حتى توارت، فلم يأكل منها زمن ولا مريض ولا مبتلى إلا عوفي ~~ولا فقير ms0816 إلا استغنى، وندم من لم يأكل منها فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى، ~~فإذا نزلت اجتمعت الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء، ولا ~~تزال منصوبة يؤكل PageV03P120 # منها حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم، وكانت ~~تنزل غبا تنزل يوما ولا تنزل يوما كناقة ثمود، فأوحى الله تعالى [إلى عيسى ~~عليه السلام] (1) اجعل مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على ~~الأغنياء حتى شكوا وشككوا الناس فيها، وقالوا: أترون المائدة حقا تنزل من ~~السماء؟ فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: إني شرطت أن من كفر بعد ~~نزولها عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فقال عيسى عليه السلام: (إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) فمسخ منهم ~~ثلاثمائة وثلاثون رجلا باتوا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم فأصبحوا خنازير ~~يسعون في الطرقات والكناسات، ويأكلون العذرة في الحشوش فلما رأى الناس ذلك ~~فزعوا إلى عيسى عليه السلام وبكوا فلما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام ~~بكت وجعلت تطيف بعيسى عليه السلام وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم فيشيرون ~~برءوسهم ويبكون ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا. ### || # وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته ~~تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) ما قلت لهم ~~إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ~~فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117) (إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118) # قوله عز وجل: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله} واختلفوا في أن هذا القول متى يكون، فقال السدي: ~~قال الله تعالى هذا القول لعيسى عليه السلام حين رفعه إلى السماء لأن حرف ms0817 ~~"إذ" يكون للماضي، وقال سائر المفسرين: إنما يقول الله له هذا القول يوم ~~القيامة بدليل قوله [من قبل] (2) (يوم يجمع الله الرسل) (المائدة، 109) . ~~وقال من بعدها (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) (المائدة، 119) ، وأراد بهما ~~يوم القيامة، وقد تجيء "إذ" بمعنى "إذا" كقوله عز وجل: (ولو ترى إذ فزعوا) ~~أي: إذا فزعوا [يوم القيامة] (3) والقيامة وإن لم تكن بعد ولكنها كالكائنة ~~لأنها آتية لا محالة. # قوله: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} ؟ فإن قيل: فما ~~وجه هذا السؤال مع علم الله عز وجل أن عيسى لم يقله؟ # قيل هذا السؤال عنه لتوبيخ قومه وتعظيم أمر هذه المقالة كما يقول القائل ~~لآخر: أفعلت كذا PageV03P121 # وكذا؟ فيما يعلم أنه لم يفعله، إعلاما واستعظاما لا استخبارا واستفهاما. # وأيضا: أراد الله عز وجل أن يقر [عيسى عليه السلام عن] (1) نفسه ~~بالعبودية، فيسمع قومه، ويظهر كذبهم عليه أنه أمرهم بذلك، قال أبو روق: ~~وإذا سمع عيسى عليه السلام هذا الخطاب أرعدت مفاصله وانفجرت من أصل كل شعرة ~~في جسده عين من دم، ثم يقول مجيبا لله عز وجل: {قال سبحانك} تنزيها وتعظيما ~~لك {ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في ~~نفسي ولا أعلم ما في نفسك} قال ابن عباس: تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في ~~غيبك، وقيل معناه: تعلم سري ولا أعلم سرك، وقال أبو روق تعلم ما كان مني في ~~دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منك في الآخرة، وقال الزجاج: النفس عبارة عن ~~جملة الشيء وحقيقته، يقول: تعلم جميع ما أعلم من حقيقة أمري ولا أعلم حقيقة ~~أمرك، {إنك أنت علام الغيوب} ما كان وما يكون. # {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ~~ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117) ~~} # {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} [وحدوه] (2) ولا ms0818 ~~تشركوا به شيئا، {وكنت عليهم شهيدا ما دمت} أقمت، {فيهم فلما توفيتني} ~~قبضتني ورفعتني إليك، {كنت أنت الرقيب عليهم} والحفيظ عليهم، تحفظ أعمالهم، ~~{وأنت على كل شيء شهيد} # قوله تعالى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم} فإن قيل كيف طلب المغفرة لهم وهم كفار، وكيف قال: وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم، وهذا لا يليق بسؤال المغفرة، قيل: أما الأول ~~فمعناه إن تعذبهم بإقامتهم على كفرهم وإن تغفر لهم بعد الإيمان وهذا يستقيم ~~على قول السدي: إن هذا السؤال قبل يوم القيامة لأن الإيمان لا ينفع في ~~القيامة. # وقيل: هذا في فريقين منهم، معناه: إن تعذب من كفر منهم وإن تغفر لمن آمن ~~منهم. # وقيل: ليس هذا على وجه طلب المغفرة ولو كان كذلك لقال: فإنك أنت الغفور ~~الرحيم، ولكنه على تسليم الأمر وتفويضه إلى مراده. PageV03P122 # وأما السؤال الثاني: فكان ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ وإن تغفر لهم فإنك ~~أنت الغفور لالرحيم، وكذلك هو في مصحفه، وأما على القراءة المعروفة قيل فيه ~~تقديم وتأخير تقديره: إن تغفر لهم فإنهم عبادك وإن تعذبهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم. # وقيل: معناه إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز في ~~الملك الحكيم في القضاء لا ينقص من عزك شيء، ولا يخرج من حكمك شيء، ويدخل ~~في حكمته ومغفرته وسعة رحمته ومغفرته الكفار، لكنه أخبر أنه لا يغفر وهو لا ~~يخلف خبره. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ثنا محمد ~~بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج ~~حدثني يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني عمر بن الحارث أن بكر بن ~~سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم: "رب إنهن أضللن كثيرا ~~من الناس فمن تبعني فإنه مني"، الآية. وقول عيسى عليه السلام: "إن ms0819 تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" فرفع يديه وقال: اللهم ~~أمتي وبكى فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم فسله ما ~~يبكيه؟ فأتاه جبريل فسأله، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال ~~الله، فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ~~ولا نسوءك" (1) . ### || # {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118) قال ~~الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) } # {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} 115/ب قرأ نافع (يوم) بنصب ~~الميم، يعني: تكون هذه الأشياء في يوم، فحذف في فانتصب، وقرأ الآخرون ~~بالرفع على أنه خبر (هذا) أي: ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم في الآخرة، ~~ولو كذبوا ختم الله على أفواههم ونطقت به جوارحهم فافتضحوا، وقيل: أرادوا ~~بالصادقين النبيين. PageV03P123 # وقال الكلبي: ينفع المؤمنين إيمانهم، قال قتادة: متكلمان لا يخطئان يوم ~~القيامة عيسى عليه السلام، وهو ما قص الله عز وجل، وعدو الله إبليس، وهو ~~قوله: "وقال الشيطان لما قضي الأمر"، الآية، فصدق عدو الله يومئذ، وكان قبل ~~ذلك كاذبا فلم ينفعه صدقه، وأما عيسى عليه السلام فكان صادقا في الدنيا ~~والآخرة، فنفعه صدقه. # وقال عطاء: هذا يوم من أيام الدنيا لأن الدار الآخرة دار جزاء لا دار ~~عمل، ثم بين ثوابهم فقال: {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم} ثم عظم نفسه. فقال: {لله ~~ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير} # PageV03P124 ### | سورة الأنعام # مكية، وهي مائة وخمس وستون آية، نزلت بمكة [جملة] (1) ليلا معها سبعون ~~ألف ملك قد سدوا ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتمجيد، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم "سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم وخر ~~ساجدا" (2) . # وروي مرفوعا: "من قرأ سورة الأنعام # يصلي عليه أولئك السبعون ألف ms0820 ملك ليله ونهاره" (3) . # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت سورة الأنعام ~~بمكة، إلا قوله: "وما قدروا الله حق قدره"، إلى آخر ثلاث آيات، وقوله ~~تعالى: "قل تعالوا أتل"، إلى قوله: "لعلكم تتقون"، فهذه الست آيات مدنيات ~~(4) . ### || # {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون (1) } # {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض} قال كعب الأحبار: هذه الآية أول ~~آية في التوراة، وآخر آية في التوراة، قوله: "الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا" ~~الآية (الإسراء-111) . # قال ابن عباس رضي الله عنهما: افتتح الله الخلق بالحمد، فقال: (الحمد لله ~~الذي خلق السموات والأرض) ، وختمه بالحمد فقال: (وقضي بينهم بالحق) ، أي: ~~بين الخلائق، (وقيل: الحمد لله رب العالمين) [الزمر-75] . PageV03P125 # قوله: "الحمد لله" حمد الله نفسه تعليما لعباده، أي: احمدوا الله الذي ~~خلق السموات والأرض، خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، ~~وفيهما العبر والمنافع للعباد، {وجعل الظلمات والنور} والجعل بمعنى الخلق، ~~قال الواقدي: كل ما في القرآن من الظلمات والنور فهو الكفر والإيمان، إلا ~~في هذه الآية فإنه يريد بهما الليل والنهار. # وقال الحسن: وجعل الظلمات والنور يعني الكفر والإيمان، وقيل: أراد ~~بالظلمات الجهل وبالنور العلم. # وقال قتادة: يعني الجنة والنار. # وقيل: معناه خلق الله السموات والأرض، وقد جعل الظلمات والنور، لأنه خلق ~~الظلمة والنور قبل السموات والأرض. # قال قتادة: خلق الله السموات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل ~~النار، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "إن الله تعالى خلق الخلق فى ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه ~~من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل" (1) . # {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} أي: ثم الذين كفروا بعد هذا البيان بربهم ~~يعدلون، أي: يشركون، وأصله من مساواة الشيء بالشيء، ومنه العدل، أي: يعدلون ~~بالله غير الله تعالى، يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته، وبه قال النضر بن ~~شميل، الباء بمعنى عن، أي: عن ms0821 ربهم يعدلون، أي يميلون وينحرفون من العدول، ~~قال الله تعالى (عينا يشرب بها عباد الله) أي: منها. # وقيل: تحت قوله "ثم الذين كفروا بربهم يعدلون" معنى لطيف، وهو مثل قول ~~القائل: أنعمت عليكم بكذا وتفضلت عليكم بكذا، ثم تكفرون بنعمتي. ### || # {هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون (2) ~~وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3) } # قوله عز وجل: {هو الذي خلقكم من طين} يعني آدم عليه السلام، خاطبهم به إذ ~~كانوا من PageV03P126 # ولده. قال السدي: بعث الله تعالى جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه ~~بطائفة منها، فقالت الأرض إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني، فرجع جبريل ولم ~~يأخذ وقال: يا رب إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل، فاستعاذت فرجع، فبعث ملك ~~الموت فعاذت منه بالله، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أخالف أمره، فأخذ من وجه ~~الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء، فلذلك اختلفت ألوان بني آدم، ثم ~~عجنها بالماء العذب والملح والمر، فلذا اختلفت أخلاقهم فقال الله تعالى ~~لملك الموت: رحم جبريل وميكائيل الأرض ولم ترحمها، لا جرم أجعل أرواح من ~~أخلق من هذا الطين بيدك. # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال "خلق الله آدم عليه السلام من تراب ~~وجعله طينا، ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا ثم خلقه وصوره وتركه حتى كان ~~صلصالا كالفخار، ثم نفخ فيه روحه" (1) . # قوله عز وجل: {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} قال الحسن وقتادة والضحاك: ~~الأجل الأول من الولادة إلى الموت، والأجل الثاني من الموت إلى البعث، وهو ~~البرزخ، وروي ذلك عن ابن عباس، وقال: لكل أحد أجلان أجل إلى الموت وأجل من ~~الموت إلى البعث، فإن كان برا تقيا وصولا للرحم زيد له من أجل البعث في أجل ~~العمر، وإن كان فاجرا قاطعا للرحم نقص من أجل العمر وزيد في أجل البعث، ~~وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الأجل الأول أجل الدنيا، والأجل الثاني أجل ~~الآخرة، وقال عطية عن ابن عباس ms0822 رضي الله عنهما {ثم قضى أجلا} يعني: النوم ~~تقبض فيه الروح ثم ترجع عند اليقظة، {وأجل مسمى عنده} يعني: أجل الموت، ~~وقيل: هما واحد معناه: [ثم قضى أجلا] (2) يعني: جعل لأعماركم مدة تنتهون ~~إليها، "وأجل مسمى عنده" يعني: وهو أجل مسمى عنده، لا يعلمه غيره، {ثم أنتم ~~تمترون} تشكون في البعث. # قوله عز وجل: {وهو الله في السماوات وفي الأرض} يعني: وهو إله السموات ~~والأرض، كقوله: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) ، وقيل: هو المعبود ~~في السموات والأرض، وقال محمد بن جرير: معناه هو في السموات يعلم سركم ~~وجهركم في الأرض، [وقال الزجاج: فيه تقديم وتأخير تقديره: وهو الله، {يعلم ~~سركم وجهركم} في السموات والأرض] (3) {ويعلم ما تكسبون} تعملون من الخير ~~والشر. PageV03P127 ### || # {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) فقد كذبوا ~~بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون (5) ألم يروا كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء ~~عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من ~~بعدهم قرنا آخرين (6) ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) } # {وما تأتيهم} يعني: أهل مكة، {من آية من آيات ربهم} مثل انشقاق القمر ~~وغيره، وقال عطاء: يريد من آيات القرآن، {إلا كانوا عنها معرضين} لها ~~تاركين بها مكذبين. # {فقد كذبوا بالحق} بالقرآن، وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم، {لما جاءهم ~~فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} أي: أخبار استهزائهم وجزاؤه، أي: ~~سيعلمون عاقبة 116\أاستهزائهم إذا عذبوا. # قوله عز وجل: {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن} يعني: الأمم الماضية، ~~والقرن: الجماعة من الناس، وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ~~ثمانون سنة، وقيل: ستون سنة، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ثلاثون سنة، ويقال: ~~مائة سنة، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بسر ~~المازني: "إنك تعيش قرنا"، فعاش مائة ms0823 سنة (1) # فيكون معناه على هذه الأقاويل من أهل قرن، {مكناهم في الأرض ما لم نمكن ~~لكم} أي: أعطيناهم ما لم نعطكم، وقال ابن عباس: أمهلناهم في العمر مثل قوم ~~نوح وعاد وثمود، يقال: مكنته ومكنت له، {وأرسلنا السماء عليهم مدرارا} ~~يعني: المطر، مفعال، من الدر، قال ابن عباس: مدرارا أي: متتابعا في أوقات ~~الحاجات، وقوله: "ما لم نمكن لكم" من خطاب التلوين، رجع من الخبر من قوله: ~~"ألم يروا" إلى خطاب، كقوله: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) [يونس، 22] ~~. # وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله "ألم يروا" وفيهم محمد صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، ثم خاطبهم معهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه، وقلت: ~~لعبد الله ما أكرمك، {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم ~~وأنشأنا} خلقنا وابتدأنا، {من بعدهم قرنا آخرين} PageV03P128 # قوله عز وجل: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس} الآية، قال الكلبي ومقاتل ~~(1) نزلت في النضر بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد، قالوا: ~~يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة ~~يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله، فأنزل الله عز وجل: {ولو نزلنا ~~عليك كتابا في قرطاس} مكتوبا من عندي، {فلمسوه بأيديهم} أي: عاينوه ومسوه ~~بأيديهم، وذكر اللمس ولم يذكر المعاينة لأن اللمس أبلغ في إيقاع العلم من ~~[الرؤية] (2) فإن السحر يجري على المرئي ولا يجري على الملموس، {لقال الذين ~~كفروا إن هذا إلا سحر مبين} معناه: لا ينفع معهم شيء لما سبق فيهم من علمي. ### || # {وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) ~~} PageV03P129 # {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) ولقد استهزئ ~~برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون (10) قل سيروا ~~في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) } # {وقالوا لولا أنزل عليه} على محمد صلى الله عليه وسلم، {ملك ولو أنزلنا ~~ملكا لقضي الأمر} أي: لوجب العذاب، وفرغ من الأمر، ms0824 وهذا سنة الله في الكفار ~~أنهم متى اقترحوا آية فأنزلت ثم لم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب، {ثم لا ~~ينظرون} أي: لا يؤجلون ولا يمهلون، وقال قتادة: لو أنزلنا ملكا ثم لم ~~يؤمنوا لعجل لهم العذاب ولم يؤخروا طرفة عين، وقال مجاهد: لقضي الأمر أي ~~لقامت القيامة، وقال الضحاك: لو أتاهم ملك فى صورته لماتوا. # {ولو جعلناه ملكا} [يعني: لو أرسلنا إليهم ملكا] (1) {لجعلناه رجلا} يعني ~~في صورة [رجل] (2) آدمي، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة، وكان جبريل ~~عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي، وجاء ~~الملكان إلى داود في صورة رجلين. # قوله عز وجل: {وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي: خلطنا عليهم ما يخلطون ~~وشبهنا عليهم فلا يدرون أملك هو أم آدمي، وقيل معناه شبهوا على ضعفائهم ~~فشبه عليهم، وعن ابن عباس رضي الله PageV03P129 # عنهما قال: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وحرفوا الكلم عن مواضعه، فلبس الله ~~عليهم ما لبسوا على أنفسهم وقرأ الزهري {وللبسنا} بالتشديد على التكرير ~~والتأكيد. # {ولقد استهزئ برسل من قبلك} كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيه صلى الله ~~عليه وسلم {فحاق} قال الربيع [بن أنس] (1) فنزل، وقال عطاء: حل، وقال ~~الضحاك: أحاط، {بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} أي: جزاء ~~استهزائهم من العذاب والنقمة. # {قل} يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين، {سيروا في الأرض} معتبرين، ~~يحتمل هذا: السير بالعقول والفكر، ويحتمل السير بالأقدام، {ثم انظروا كيف ~~كان عاقبة المكذبين} أي: آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والتكذيب الهلاك، ~~فحذر كفار مكة عذاب الأمم الخالية. ### || # {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) وله ما سكن ~~في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) } # قوله عز وجل: {قل لمن ما في السماوات والأرض} فإن أجابوك وإلا ف {قل} ~~أنت، {لله} أمره بالجواب عقيب السؤال ليكون أبلغ في التأثير وآكد في الحجة، ~~{كتب} أي: قضى، {على نفسه الرحمة} هذا استعطاف ms0825 منه تعالى للمؤمنين عنه إلى ~~الإقبال عليه وإخباره بأنه رحيم بالعباد لا يعجل بالعقوبة، ويقبل الإنابة ~~والتوبة. # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أخبرنا أبو طاهر الزيادي أخبرنا أبو ~~بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا ~~معمر عن همام بن منبه قال ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش: إن ~~رحمتي غلبت غضبي" (2) . # وروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: "إن رحمتي [سبقت] (3) غضبي (4) ~~. PageV03P130 # أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن علي الكركاني أنا أبو طاهر الزيادي ~~أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا عبد الرحمن المروزي أخبرنا عبد الله بن ~~المبارك أنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله رحمة واحدة بين الجن ~~والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تتعاطف ~~الوحوش على أولادها، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم ~~القيامة" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا ابن أبي مريم ثنا أبو غسان حدثني زيد بن أسلم ~~عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم قال: قدم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم سبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها، تسعى إذا وجدت صبيا في السبي ~~أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: "أترون ~~هذه طارحة ولدها في النار؟ فقلنا: لا وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: الله ~~أرحم بعباده من هذه بولدها" (2) . # قوله عز وجل: {ليجمعنكم} اللام فيه لام القسم والنون نون التأكيد مجازه: ~~والله ليجمعنكم، {إلى يوم القيامة} أي: في يوم القيامة، وقيل: معناه ~~ليجمعنكم في قبوركم إلى يوم القيامة، {لا ريب فيه الذين خسروا} غبنوا، ~~{أنفسهم فهم لا يؤمنون} # {وله ما ms0826 سكن في الليل والنهار} أي: استقر، قيل: أراد ما سكن وما تحرك، ~~كقوله: (سرابيل تقيكم الحر) أي: الحر والبرد، وقيل: إنما خص السكون بالذكر ~~لأن النعمة فيه أكثر، قال محمد بن جرير: كل ما طلعت عليه الشمس وغربت فهو ~~من ساكن الليل والنهار، والمراد منه جميع ما في الأرض. وقيل معناه: ما يمر ~~عليه الليل والنهار، {وهو السميع} لأصواتهم، {العليم} بأسرارهم. ### || # {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني ~~أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) } # قوله تعالى: {قل أغير الله أتخذ وليا} ؟ وهذا حين دعا إلى 116/ب دين ~~آبائه، فقال تعالى: قل يا PageV03P131 # محمد أغير الله أتخذ وليا، [ربا ومعبودا وناصرا ومعينا] (1) ؟ {فاطر ~~السماوات والأرض} أي: خالقهما ومبدعهما ومبتديهما، {وهو يطعم ولا يطعم} أي: ~~وهو يرزق ولا يرزق كما قال: (ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) . ~~{قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} يعني: من هذه الأمة، والإسلام بمعنى ~~الاستسلام لأمر الله، وقيل: أسلم أخلص، {ولا تكونن} يعني: وقيل لي ولا ~~تكونن، {من المشركين} ### || # {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه ~~وذلك الفوز المبين (16) وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك ~~بخير فهو على كل شيء قدير (17) } # {قل إني أخاف إن عصيت ربي} [فعبدت غيره] (2) {عذاب يوم عظيم} يعني: عذاب ~~يوم القيامة. # {من يصرف عنه} يعني: من يصرف العذاب عنه، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن ~~عاصم ويعقوب " يصرف " بفتح الياء وكسر الراء، أي: من يصرف الله عنه العذاب، ~~لقوله: "فقد رحمه" وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الراء، {يومئذ} يعني: يوم ~~القيامة، {فقد رحمه وذلك الفوز المبين} أي: النجاة البينة. # قوله عز وجل: {وإن يمسسك الله بضر} بشدة وبلية، {فلا كاشف له} لا رافع، ~~{إلا هو وإن يمسسك بخير} عافية ونعمة، {فهو على كل شيء قدير} من الخير ~~والضر. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا ms0827 أبو عبد الله السلمي أنا أبو العباس الأصم ~~أنا أحمد بن شيبان الرملي أنا عبد الله بن ميمون القداح أنا شهاب بن خراش، ~~[هو ابن عبد الله] (3) عن عبد الملك بن عمير عن ابن عباس قال: أهدي للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بغلة، أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني ~~خلفه، ثم سار بي مليا ثم التفت إلي فقال: يا غلام، فقلت: لبيك يا رسول ~~الله، قال: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في ~~الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، ~~وقد مضى القلم بما هو كائن، فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقضه الله ~~PageV03P132 # تعالى لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروك بما لم يكتب الله تعالى ~~عليك، ما قدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين، فافعل فإن لم ~~تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر، ~~وأن مع الكرب الفرج، وأن مع العسر يسرا" (1) . ### || # {وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) } # {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن ~~لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما ~~هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (19) الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما ~~يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) ومن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون (21) } # {وهو القاهر فوق عباده} القاهر الغالب، وفي القهر زيادة معنى على القدرة، ~~وهي منع غيره عن بلوغ المراد، وقيل: هو المنفرد بالتدبير الذي يجبر الخلق ~~على مراده، فوق عباده هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله عز وجل. {وهو ~~الحكيم} في أمره، {الخبير} بأعمال عباده. # قوله عز وجل: {قل أي شيء أكبر شهادة} ؟ الآية، قال الكلبي: أتى أهل مكة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أرنا من يشهد أنك رسول ms0828 الله فإنا لا ~~نرى أحدا يصدقك، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ~~ذكر، فأنزل الله تعالى: {قل أي شيء أكبر} أعظم، {شهادة} ؟ فإن أجابوك، وإلا ~~{قل الله} هو {شهيد بيني وبينكم} على ما أقول، ويشهد لي بالحق وعليكم ~~بالباطل، {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به} لأخوفكم به يا أهل مكة، {ومن ~~بلغ} يعني: ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم من الأمم إلى يوم القيامة. # حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد بن الحنفي أنا محمد بن بشر بن محمد المزني ~~أنا أبو بكر # PageV03P133 # محمد بن الحسن بن بشر النقاش أنا أبو شعيب الحراني أنا يحيى بن عبد الله ~~بن الضحاك البابلي أنا الأوزاعي حدثني حسان بن عطية عن أبي كبشة [السلولي] ~~(1) عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بلغوا ~~عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ ~~معقده من النار" (2) . # أخبرنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد ~~الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان بن عيينة عن ~~عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها ~~وأداها. فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا ~~يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، ~~فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" (3) . # قال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له، وقال محمد بن كعب ~~القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا صلى الله عليه وسلم وسمع منه، ~~أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ ولم يقل أخر لأن الجمع يلحقه التأنيث، ~~كقوله عز وجل: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) (الأعراف، 180) ، وقال: ~~(فما بال القرون الأولى) . (طه، 51) {قل} يا محمد إن شهدتم أنتم، ف {لا ~~أشهد} ، أنا ms0829 أن معه إلها، {قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون} # قوله عز وجل: {الذين آتيناهم الكتاب} ، يعني: التوراة والإنجيل، ~~{يعرفونه} ، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته، {كما يعرفون ~~أبناءهم} ، من بين الصبيان. {الذين خسروا أنفسهم} ، غبنوا أنفسهم {فهم لا ~~يؤمنون} ، وذلك أن الله جعل لكل آدمي منزلا في الجنة ومنزلا في النار، وإذا ~~كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة، ولأهل النار ~~منازل أهل الجنة في النار، وذلك الخسران. PageV03P134 # قوله عز وجل: {ومن أظلم} ، أكفر، {ممن افترى} ، اختلق، {على الله كذبا} ، ~~فأشرك به غيره، {أو كذب بآياته} ، يعني: القرآن، {إنه لا يفلح الظالمون} ، ~~الكافرون. ### || # {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ~~(22) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) انظر ~~كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24) } # {ويوم نحشرهم جميعا} ، أي: العابدين والمعبودين، يعني: يوم القيامة، قرأ ~~يعقوب " يحشرهم " هاهنا، وفي سبأ بالياء، ووافق حفص في سبأ، وقرأ الآخرون ~~بالنون، {ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون} ، أنها تشفع ~~لكم عند ربكم. # {ثم لم تكن فتنتهم} ، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب "يكن" بالياء لأن الفتنة ~~بمعنى الافتتان، فجاز تذكيره، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث الفتنة، وقرأ ابن ~~كثير وابن عامر وحفص عن عاصم "فتنتهم" بالرفع جعلوه اسم كان، وقرأ الآخرون ~~بالنصب، فجعلوا الاسم قوله "أن قالوا" وفتنتهم الخبر، ومعنى قوله "فتنتهم" ~~أي: قولهم وجوابهم، وقال ابن عباس وقتادة: معذرتهم والفتنة التجربة، فلما ~~كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم قيل فتنة. # قال الزجاج في قوله: {ثم لم تكن فتنتهم} معنى لطيف وذلك مثل الرجل يفتتن ~~بمحبوب ثم يصيبه فيه [محنة] (1) فيتبرأ من محبوبه، فيقال: لم تكن فتنت إلا ~~هذا، كذلك الكفار فتنوا بمحبة الأصنام ولما رأوا العذاب تبرأوا منها، يقول ~~الله عز وجل: {ثم لم تكن فتنتهم} في محبتهم الأصنام، {إلا أن قالوا والله ~~ربنا ما كنا مشركين} ، قرأ حمزة والكسائي ms0830 " ربنا " بالنصب على نداء المضاف، ~~وقرأ الآخرون بالخفض على نعت والله، وقيل: 117\أإنهم إذا رأوا يوم القيامة ~~مغفرة الله تعالى وتجاوزه عن أهل التوحيد قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم ~~الشرك لعلنا ننجوا مع أهل التوحيد، فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، ~~فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالكفر. # فقال عز وجل: {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} ، باعتذارهم بالباطل وتبريهم ~~عن الشرك، {وضل عنهم} زال وذهب عنهم {ما كانوا يفترون} من الأصنام، وذلك ~~أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها، فبطل كله في ذلك اليوم. PageV03P135 ### || # {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ~~وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن ~~هذا إلا أساطير الأولين (25) وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا ~~أنفسهم وما يشعرون (26) } # قوله عز وجل: {ومنهم من يستمع إليك} الآية، قال الكلبي: اجتمع أبو سفيان ~~بن حرب وأبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة ~~ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحارث بن عامر، يستمعون القرآن فقالوا ~~للنضر: يا أبا قتيلة ما يقول محمد؟ قال: ما أدري ما يقول إلا أني أراه يحرك ~~لسانه ويقول أساطير الأولين، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان ~~النضر كثير الحديث عن القرون وأخبارها (1) . فقال أبو سفيان: إني أرى بعض ~~ما يقول حقا، فقال أبو جهل: كلا لا نقر بشيء من هذا، وفي رواية: للموت أهون ~~علينا من هذا، فأنزل الله عز وجل: "ومنهم من يستمع إليك" وإلى كلامك، ~~{وجعلنا على قلوبهم أكنة} ، أغطية، جمع كنان، كالأعنة جمع عنان، {أن ~~يفقهوه} ، أن يعلموه، قيل: معناه أن لا يفقهوه، وقيل: كراهة أن يفقهوه، ~~{وفي آذانهم وقرا} ، صمما وثقلا هذا دليل على أن الله تعالى يقلب القلوب ~~فيشرح بعضها للهدى، ويجعل بعضها في أكنة فلا تفقه كلام الله ولا تؤمن، {وإن ~~يروا كل آية} ، من المعجزات والدلالات، {لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك ~~يجادلونك يقول الذين كفروا إن ms0831 هذا إلا أساطير الأولين} ، يعني: أحاديثهم ~~وأقاصيصهم، والأساطير جمع: أسطورة، وإسطارة، وقيل: هي الترهات والأباطيل، ~~وأصلها من سطرت، أي: كتبت. # {وهم ينهون عنه} أي: ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ~~{وينأون عنه} ، أي: يتباعدون عنه بأنفسهم، نزلت في كفار مكة، قاله محمد بن ~~الحنفية والسدي والضحاك، وقال قتادة: ينهون عن القرآن وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويتباعدون عنه. # وقال ابن عباس ومقاتل (2) نزلت في أبي طالب كان ينهى الناس عن أذى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويمنعهم وينأى عن الإيمان به، أي: يبعد، حتى روي أنه ~~اجتمع إليه رءوس المشركين وقالوا: خذ شابا من أصبحنا وجها، وادفع إلينا ~~محمدا، فقال أبو طالب: ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي لتقتلوه وأربي ~~PageV03P136 # ولدكم؟ وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإيمان، فقال: لولا ~~أن تعيرني قريش لأقررت بها عينك، ولكن أذب عنك ما حييت. وقال فيه أبياتا: ~~والله لن يصلوا إليك بجمعهم %~% حتى أوسد في التراب دفينا # فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة %~% وابشر بذاك وقر بذاك منك عيونا # ودعوتني وعرفت أنك ناصحي %~% ولقد صدقت وكنت ثم أمينا # وعرضت دينا قد علمت بأنه %~% من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذار سبة %~% لوجدتني سمحا بذاك مبينا # {وإن يهلكون} ، أي: ما يهلكون، {إلا أنفسهم} أي: لا يرجع وبال فعلهم إلا ~~إليهم، وأوزار الذين يصدونهم عليهم، {وما يشعرون} . . ### || # {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ~~ونكون من المؤمنين (27) } # {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون (28) وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) ولو ~~ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون (30) } # قوله عز وجل: {ولو ترى إذ وقفوا على النار} يعني: في النار، كقوله تعالى: ~~(على ملك سليمان) أي: في ملك سليمان، وقيل: عرضوا على النار، وجواب "لو" ~~محذوف معناه: لو ms0832 تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا، {فقالوا يا ليتنا نرد} ~~يعني: إلى الدنيا، {ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} قراءة العامة ~~كلها بالرفع على معنى: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب، ونكون من المؤمنين، وقرأ ~~حمزة وحفص ويعقوب "ولا نكذب ونكون" بنصب الباء والنون على جواب التمني، أي: ~~ليت ردنا وقع، وأن لا نكذب ونكون، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصب ~~بالفاء، وقرأ ابن عامر "نكذب" بالرفع و"نكون" بالنصب لأنهم تمنوا أن يكونوا ~~من المؤمنين، وأخبروا عن أنفسهم أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردوا إلى ~~الدنيا. # {بل بدا لهم} قوله: "بل" تحته رد لقولهم، أي: ليس الأمر على ما قالوا ~~إنهم لو ردوا لآمنوا، بل بدا لهم، ظهر لهم، {ما كانوا يخفون} يسرون، {من ~~قبل} في الدنيا من كفرهم # PageV03P137 # ومعاصيهم، وقيل: ما كانوا يخفون وهو قولهم "والله ربنا ما كنا مشركين" ~~(الأنعام، 23) ، فأخفوا شركهم وكتموا حتى شهدت عليهم جوارحهم بما كتموا ~~وستروا، لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا، إلا أن تجعل الآية في ~~المنافقين، وقال المبرد: بل بدا لهم جزاء ما كانوا يخفون، وقال النضر بن ~~شميل: بل بدا عنهم. # ثم قال {ولو ردوا} إلى الدنيا {لعادوا لما} يعني إلى ما {نهوا عنه} من ~~الكفر، {وإنهم لكاذبون} في قولهم، لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا ~~وكنا من المؤمنين. # {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} هذا إخبار عن إنكارهم ~~البعث، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، هذا من قولهم لو ردوا لقالوه. # قوله عز وجل: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} أي: على حكمه وقضائه ومسألته، ~~وقيل: عرضوا على ربهم، {قال} لهم وقيل: تقول لهم الخزنة بأمر الله، {أليس ~~هذا بالحق} ؟ يعني: أليس هذا البعث والعذاب بالحق؟ {قالوا بلى وربنا} إنه ~~حق، قال ابن عباس: هذا في موقف، وقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين في موقف ~~آخر، وفي القيامة مواقف، ففي موقف يقرون، وفي موقف ينكرون. {قال فذوقوا ~~العذاب بما كنتم ms0833 تكفرون} ### || # {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا ~~حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ~~(31) وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون (32) قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون (33) } # {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} أي: خسروا أنفسهم بتكذيبهم المصير إلى ~~الله بالبعث بعد الموت، {حتى إذا جاءتهم الساعة} أي: القيامة {بغتة} أي: ~~فجأة، {قالوا يا حسرتنا} ندامتنا، [ذكر] (1) على وجه النداء للمبالغة، وقال ~~سيبويه: كأنه يقول: أيتها الحسرة هذا أوانك، {على ما فرطنا} أي: قصرنا ~~{فيها} أي: في الطاعة، وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة. PageV03P138 # قال محمد بن جرير: (1) الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك أنه لما تبين لهم ~~خسران صفقتهم ببيعهم الآخرة بالدنيا قالوا: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها، ~~أي: في الصفقة [فترك ذكر الصفقة] (2) اكتفاء بذكر بقوله {قد خسر} لأن ~~الخسران إنما يكون في صفقة بيع، والحسرة شدة الندم، حتى يتحسر النادم، كما ~~يتحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد، {وهم يحملون أوزارهم} أثقالهم ~~وآثامهم، {على ظهورهم} قال السدي وغيره: إن المؤمن +إذ أخرج من قبره ~~استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا فيقول: ~~أنا عملك الصالح فاركبني، فقد طالما ركبتك في الدنيا، فذلك قوله عز وجل: ~~(يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) (مريم، 85) أي: ركبانا، وأما الكافر ~~فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا. فيقول: ~~أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيأ 117/ب فأنا اليوم أركبك، فهذا معنى ~~قوله: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} {ألا ساء ما يزرون} يحملون قال ابن ~~عباس: بئس الحمل حملوا. # {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} باطل وغرور لا بقاء لها {وللدار ~~الآخرة} قرأ ابن عامر {ولدار الآخرة} مضافا أضاف الدار إلى الآخرة، ويضاف ~~الشيء إلى نفسه عند اختلاف اللفظين، كقوله: (وحب الحصيد) ، وقولهم: ms0834 ربيع ~~الأول ومسجد الجامع، سميت الدنيا لدنوها، وقيل: لدناءتها، وسميت الآخرة ~~لأنها بعد الدنيا، {خير للذين يتقون} الشرك، {أفلا تعقلون} أن الآخرة أفضل ~~من الدنيا، قرأ أهل المدينة وابن عامر ويعقوب (أفلا تعقلون) بالتاء هاهنا ~~وفي الأعراف وسورة يوسف ويس، ووافق أبو بكر في سورة يوسف، ووافق حفص إلا في ~~سورة يس، وقرأ الآخرون بالياء فيهن. # قوله عز وجل: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} قال السدي: التقى الأخنس ~~بن شريق وأبو جهل بن هشام، فقال الأخنس لأبي جهل يا أبا الحكم أخبرني عن ~~محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيري، قال أبو جهل: ~~والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء ~~والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله عز ~~وجل هذه الآية (3) . # وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم لا نتهمك ولا ~~نكذبك، ولكنا نكذب الذي جئت PageV03P139 # به، فأنزل الله تعالى: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} (1) . # {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} بأنك كاذب، {فإنهم لا يكذبونك} قرأ ~~نافع والكسائي بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد من التكذيب، والتكذيب هو أن ~~تنسبه إلى الكذب، وتقول له: كذبت، والإكذاب هو أن تجده كاذبا، تقول العرب: ~~أجدبت الأرض وأخصبتها إذا وجدتها جدبة ومخصبة، {ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون} يقول: إنهم لا يكذبونك في السر لأنهم عرفوا صدقك فيما مضى، وإنما ~~يكذبون وحيي ويجحدون آياتي، كما قال: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم" ~~(النمل، 94) . ### || # {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا ~~مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين (34) وإن كان كبر عليك إعراضهم ~~فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء ~~الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين (35) } # {ولقد كذبت رسل من قبلك} كذبهم قومهم كما كذبتك قريش، {فصبروا على ما ~~كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا} بتعذيب من كذبهم، {ولا ms0835 مبدل لكلمات الله} لا ~~ناقض لما حكم به، وقد حكم في كتابه بنصر أنبيائه عليهم السلام، فقال: (ولقد ~~سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) ~~(الصافات، 171-172) ، وقال: (إنا لننصر رسلنا) (غافر، 51) وقال: (كتب الله ~~لأغلبن أنا ورسلي) (المجادلة، 21) ، وقال الحسن بن الفضل: لا خلف [لعداته] ~~(2) {ولقد جاءك من نبأ المرسلين} و {من} صلة كما تقول: أصابنا من مطر. # {وإن كان كبر عليك إعراضهم} أي: عظم عليك وشق أن أعرضوا عن الإيمان بك، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان قومه أشد الحرص، وكانوا ~~إذ سألوا آية أحب أن يريهم الله تعالى ذلك طمعا في إيمانهم، فقال الله عز ~~وجل: {فإن استطعت أن تبتغي نفقا} تطلب وتتخد نفقا سربا PageV03P140 # {وفي الأرض} ومنه نافقاء اليربوع، وهو أحد جحريه فيذهب فيه، {أو سلما} ~~أي: درجا ومصعدا، {في السماء} فتصعد فيه، {فتأتيهم بآية} فافعل، {ولو شاء ~~الله لجمعهم على الهدى} فآمنوا كلهم، {فلا تكونن من الجاهلين} أي: بهذا ~~الحرف، وهو قوله: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} وأن من يكفر لسابق علم ~~الله فيه. # PageV03P141 ### || # {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (36) ~~وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (37) وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون (38) } # {إنما يستجيب الذين يسمعون} يعني: المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه ~~وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه، {والموتى} يعني الكفار، {يبعثهم ~~الله ثم إليه يرجعون} فيجزيهم بأعمالهم. # قوله عز وجل: {وقالوا} يعني: رؤساء قريش، {لولا} هلا {نزل عليه آية من ~~ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون} ما عليهم في ~~إنزالها. # قوله عز وجل: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه} قيد الطيران ~~بالجناح تأكيدا كما يقال نظرت بعيني وأخذت بيدي، {إلا ms0836 أمم أمثالكم} قال ~~مجاهد: أصناف مصنفة تعرف بأسمائها يريد أن كل جنس من الحيوان أمة، فالطير ~~أمة، والدواب أمة، والسباع أمة، تعرف بأسمائها مثل بني آدم، يعرفون ~~بأسمائهم، يقال: الإنس والناس. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو ~~القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا المبارك هو ابن فضالة عن الحسن عن عبد ~~الله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن الكلاب أمة لأمرت ~~بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم) (1) . PageV03P141 # وقيل: أمم أمثالكم يفقه بعضهم عن بعض، وقيل: أمم أمثالكم في الخلق والموت ~~والبعث، وقال عطاء: أمم أمثالكم في التوحيد والمعرفة، قال ابن قتيبة: أمم ~~أمثالكم في الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك. # {ما فرطنا في الكتاب} أي: في اللوح المحفوظ، {من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} ~~قال ابن عباس والضحاك: حشرها موتها، وقال أبو هريرة: يحشر الله الخلق كلهم ~~يوم القيامة البهائم والدواب والطير، وكل شيء فيأخذ للجماء من القرناء، ثم ~~يقول: كوني ترابا فحينئذ يتمنى الكافر ويقول: (يا ليتني كنت ترابا) . # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني ~~أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر ~~أنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لتردن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة ~~الجلحاء من القرناء" (1) . ### || # {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم (39) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ~~أغير الله تدعون إن كنتم صادقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن ~~شاء وتنسون ما تشركون (41) ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء ~~والضراء لعلهم يتضرعون (42) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم ~~وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون (43) } # قوله عز وجل: {والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم} لا يسمعون الخير ms0837 ولا ~~يتكلمون به، {في الظلمات} في ضلالات الكفر، {من يشأ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم} وهو الإسلام. # قوله تعالى: {قل أرأيتكم} هل رأيتم؟ والكاف فيه للتأكيد، وقال الفراء: ~~العرب تقول أرأيتك، وهم يريدون أخبرنا، كما يقول: أرأيتك إن فعلت كذا ماذا ~~تفعل؟ أي: أخبرني، وقرأ أهل PageV03P142 # المدينة "أرايتكم، وأرايتم، وأرايت" بتليين الهمزة الثانية، والكسائي ~~بحذفها، قال ابن عباس: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أرأيتكم، {إن أتاكم عذاب ~~الله} قبل الموت، {أو أتتكم الساعة} يعني: القيامة، {أغير الله تدعون} في ~~صرف العذاب عنكم، {إن كنتم صادقين} وأراد أن الكفار يدعون الله في أحوال ~~الاضطرار كما أخبر الله عنهم: (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له ~~الدين) (لقمان، 32) . # ثم قال: {بل إياه تدعون} أي: تدعون الله ولا تدعون غيره، {فيكشف ما تدعون ~~إليه إن شاء} قيد الإجابة بالمشيئة [والأمور كلها بمشيئته] (1) {وتنسون} ~~وتتركون، {ما تشركون} # {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء} بالشدة والجوع، ~~{والضراء} المرض والزمانة، {لعلهم يتضرعون} أي يتوبون ويخضعون، والتضرع ~~السؤال بالتذلل. # {فلولا} فهلا {إذ جاءهم بأسنا} عذابنا، {تضرعوا} فآمنوا فكشف عنهم، ~~118\أأخبر الله عز وجل أنه قد أرسل إلى قوم بلغوا من القسوة إلى أنهم أخذوا ~~بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا، فذلك قوله: {ولكن قست ~~قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} من الكفر والمعاصي. ### || # {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما ~~أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) } PageV03P143 # {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (45) قل أرأيتم إن ~~أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر ~~كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) } # {فلما نسوا ما ذكروا به} تركوا ما وعظوا وأمروا به، {فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء} قرأ أبو جعفر، "فتحنا" بالتشديد، في كل القرآن، وقرأ ابن عامر كذلك ~~إذا كان عقيبه جمع والباقون بالتخفيف وهذا فتح استدراج ومكر، أي: بدلنا ~~مكان البلاء والشدة الرخاء ms0838 والصحة، {حتى إذا فرحوا بما أوتوا} وهذا فرح بطر ~~مثل فرح قارون بما أصاب من الدنيا، {أخذناهم بغتة} فجأة آمن ما كانوا، ~~وأعجب ما كانت الدنيا إليهم، {فإذا هم مبلسون} آيسون من كل خير، وقال أبو ~~عبيدة: # PageV03P143 # المبلس النادم الحزين، وأصل الإبلاس: الإطراق من الحزن والندم، وروى عقبة ~~بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيت الله يعطي العبد ~~ما يحب وهو مقيم على معصيته، فإنما ذلك استدراج) ، ثم تلا "فلما نسوا ما ~~ذكروا به" الآية (1) . # {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} أي: آخرهم [الذين بدبرهم، يقال: دبر فلان ~~القوم يدبرهم دبرا ودبورا إذا كان آخرهم] (2) ومعناه أنهم استؤصلوا بالعذاب ~~فلم يبق منهم باقية، {والحمد لله رب العالمين} حمد الله نفسه على أن قطع ~~دابرهم لأنه نعمة على الرسل، فذكر الحمد لله تعليما لهم ولمن آمن بهم، أن ~~يحمدوا الله على كفايته شر الظالمين، وليحمد محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه ربهم إذا أهلك المكذبين. # قوله تعالى: {قل أرأيتم} أيها المشركون، {إن أخذ الله سمعكم} حتى لا ~~تسمعوا شيئا أصلا {وأبصاركم} حتى لا تبصروا شيئا، {وختم على قلوبكم} حتى لا ~~تفقهوا شيئا ولا تعرفوا مما تعرفون من أمور الدنيا، {من إله غير الله ~~يأتيكم به} ولم يقل بها مع أنه ذكر أشياء، قيل: معناه يأتيكم بما أخذ منكم، ~~وقيل: الكناية ترجع إلى السمع الذي ذكر أولا ويندرج غيره تحته، كقوله ~~تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه) (التوبة، 62) . فالهاء راجعة إلى الله، ~~ورضى رسوله يندرج في رضى الله تعالى، {انظر كيف نصرف الآيات} أي: نبين لهم ~~العلامات الدالة على التوحيد والنبوة، {ثم هم يصدفون} يعرضون عنها مكذبين. ### || # {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون ~~(47) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون (48) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون ~~(49) قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ms0839 ملك ~~إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50) } # {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة} فجأة، {أو جهرة} معاينة ترونه عند ~~نزوله، قال PageV03P144 # ابن عباس والحسن ليلا أو نهارا، {هل يهلك إلا القوم الظالمون} المشركون. # قوله عز وجل: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح} ~~العمل، {فلا خوف عليهم} حين يخاف أهل النار، {ولا هم يحزنون} إذا حزنوا. # {والذين كذبوا بآياتنا يمسهم} يصيبهم {العذاب بما كانوا يفسقون} يكفرون. # {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله} نزل حين اقترحوا الآيات فأمره أن يقول ~~لهم: {لا أقول لكم عندي خزائن الله} أي خزائن رزقه فأعطيكم ما تريدون، {ولا ~~أعلم الغيب} فأخبركم بما غاب مما مضى ومما سيكون، {ولا أقول لكم إني ملك} ~~قال ذلك لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه الآدمي ويشاهد ما لا يشاهده ~~الآدمي، يريد لا أقول لكم شيئا من ذلك فتنكرون قولي وتجحدون أمري، {إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلي} أي: ما آتيكم به فمن وحي الله تعالى، وذلك غير مستحيل في ~~العقل مع قيام الدليل والحجج البالغة، {قل هل يستوي الأعمى والبصير} ؟ قال ~~قتادة: الكافر والمؤمن، وقال مجاهد: الضال والمهتدي، وقيل: الجاهل والعالم، ~~{أفلا تتفكرون} أي: أنهما لا يستويان. ### || # {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ~~لعلهم يتقون (51) ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما ~~عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من ~~الظالمين (52) } # قوله عز وجل: {وأنذر به} خوف به أي: بالقرآن، {الذين يخافون أن يحشروا} ~~يجمعوا ويبعثوا إلى ربهم، وقيل: يخافون أي يعلمون، لأن خوفهم إنما كان من ~~علمهم، {ليس لهم من دونه} من دون الله، {ولي} قريب ينفعهم، {ولا شفيع} يشفع ~~لهم، {لعلهم يتقون} فينتهون عما نهوا عنه، وإنما نفى الشفاعة لغيره -مع أن ~~الأنبياء والأولياء يشفعون -لأنهم لا يشفعون إلا بإذنه. # {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ms0840 والعشي} قرأ ابن عامر "بالغدوة" بضم ~~الغين وسكون الدال وواو بعدها، هاهنا وفي سورة الكهف، وقرأ الآخرون: بفتح ~~العين والدال وألف بعدها. # PageV03P145 # قال سلمان وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية، جاء الأقرع بن حابس ~~التميمي وعيينة بن حصن الفزاري وذووهم من المؤلفة قلوبهم، فوجدوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المؤمنين، ~~فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ~~ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم، وكان عليهم جباب صوف لم يكن عليهم غيرها، ~~لجالسناك وأخذنا عنك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: "ما أنا بطارد ~~المؤمنين" قالوا فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف به العرب فضلنا، فإن ~~وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك ~~فأقمهم عنا، فإذا فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: اكتب لنا عليك ~~بذلك كتابا، قال: فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب، قالوا ونحن قعود في ناحية ~~إذ نزل جبريل بقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه} إلى قوله: {بالشاكرين} فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة ~~من يده، ثم دعانا فأثبته، وهو يقول: (سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة) ~~، فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله عز وجل: (واصبر ~~نفسك ممع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (الكهف، 28) ، فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد وندنو منه حتى كادت ركبنا تمس ~~ركبته، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم، وقال لنا: ~~"الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي، معكم ~~المحيا ومعكم الممات" (1) . # وقال الكلبي: قالوا له اجعل لنا يوما ولهم يوما، فقال: لا أفعل، قالوا: ~~فاجعل المجلس واحدا فأقبل إلينا وول ظهرك عليهم، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} # قال مجاهد: قالت ms0841 قريش: لولا بلال وابن أم عبد لبايعنا محمدا، فأنزل الله ~~هذه الآية: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} (2) قال ابن عباس: ~~يعني يعبدون ربهم بالغداة والعشي، يعني: صلاة الصبح وصلاة العصر، ويروى ~~عنه: أن المراد منه الصلوات الخمس، وذلك أن أناسا من الفقراء كانوا مع ~~النبي عليه السلام، فقال ناس من الأشراف: إذا صلينا فأخر هؤلاء فليصلوا ~~خلفنا، فنزلت الآية. وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلم ~~الإمام ابتدر PageV03P146 # الناس القاص، فقال سعيد: ما أسرع الناس إلى هذا المجلس! قال مجاهد: فقلت ~~يتأولون قوله تعالى {يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: أفي هذا هو، إنمأ ~~118/ب ذلك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن، وقال إبراهيم النخعي: يعني ~~يذكرون ربهم، وقيل المراد منه: حقيقة الدعاء، {يريدون وجهه} أي: يريدون ~~الله بطاعتهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يطلبون ثواب الله فقال: {ما ~~عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} أي: لا تكلف أمرهم ولا ~~يتكلفون أمرك، وقيل: ليس رزقهم عليك فتملهم، {فتطردهم} ولا رزقك عليهم، ~~قوله {فتطردهم} جواب لقوله {ما عليك من حسابهم من شيء} وقوله: {فتكون من ~~الظالمين} جواب لقوله {ولا تطرد} أحدهما جواب النفي والآخر جواب النهي. # PageV03P147 ### || # {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين (53) وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ~~ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح ~~فأنه غفور رحيم (54) } # قوله عز وجل: {وكذلك فتنا} أي: ابتلينا، {بعضهم ببعض} أراد ابتلاء الغني ~~بالفقير والشريف بالوضيع، وذلك أن الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد سبقه ~~بالإيمان امتنع من الإسلام بسببه فكان فتنة له فذلك قوله: {ليقولوا أهؤلاء ~~من الله عليهم من بيننا} فقال الله تعالى: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} فهو ~~جواب لقوله {أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} فهو استفهام بمعنى التقرير، ~~أي: الله أعلم بمن شكر الإسلام إذ هداه الله عز وجل. # أخبرنا ms0842 الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو العباس عبد الله بن ~~محمد بن هارون الطيسفوني أنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي ثنا أبو بكر ~~أحمد بن محمد بن عمرو بن بسطام ثنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي أنا مسدد ~~أنا جعفر بن سليمان عن المعلى بن زياد عن العلاء بن بشير المزني عن أبي ~~الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: جلست في نفر من ضعفاء المهاجرين وإن ~~بعضهم ليستتر ببعض من العري، وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقام علينا، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت القارئ، ~~فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "ما كنتم تصنعون؟ قلنا يا رسول ~~الله كان قارئ يقرأ علينا فكنا نستمع إلى كتاب الله تعالى، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله # PageV03P147 # الذي جعل من أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم" قال: ثم جلس وسطنا ليدل ~~نفسه فينا ثم قال بيده هكذا فتحلقوا، وبرزت وجوههم له، قال فما رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عرف منهم أحدا غيري، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون ~~الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك مقدار خمسمائة سنة" (1) . # قوله عز وجل: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم} قال ~~عكرمة: نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه عن طردهم، وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام (2) . # وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة ~~ومصعب بن عمير وحمزة وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر والأرقم بن أبي ~~الأرقم وأبي سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنهم أجمعين. # {كتب ربكم على نفسه الرحمة} أي: قضى على نفسه الرحمة، {أنه من عمل منكم ~~سوءا بجهالة} قال مجاهد: لا يعلم حلالا من حرام فمن جهالته ركب الذنب، ~~وقيل: جاهل بما يورثه ms0843 ذلك الذنب، وقيل: جهالته من حيث أنه آثر المعصية على ~~الطاعة والعاجل القليل على الآجل الكثير، {ثم تاب من بعده} رجع عن ذنبه، ~~{وأصلح} عمله، قيل: أخلص توبته، {فإنه غفور رحيم} قرأ ابن عامر وعاصم ~~ويعقوب " أنه من عمل منكم " " فأنه غفور رحيم " بفتح الألف فيهما بدلا من ~~الرحمة، أي: كتب على نفسه أنه من عمل منكم، ثم جعل الثانية بدلا عن الأولى، ~~كقوله تعالى: "أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون"، ~~(المؤمنون، 35) ، وفتح أهل المدينة الأولى منهما وكسروا الثانية على ~~الاستئناف، وكسرهما الآخرون على الاستئناف. ### || # {وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) قل إني نهيت أن أعبد ~~الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من ~~المهتدين (56) } # {وكذلك نفصل الآيات} أي: وهكذا، وقيل: معناه وكما فصلنا لك في هذه السورة ~~دلائلنا PageV03P148 # وإعلامنا على المشركين كذلك نفصل الآيات، أي: نميز ونبين لك حجتنا في كل ~~حق ينكره أهل الباطل، {ولتستبين سبيل المجرمين} أي: طريق المجرمين، وقرأ ~~أهل المدينة "ولتستبين" بالتاء، "سبيل" نصب على خطاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم، أي: ولتعرف يا محمد سبيل المجرمين، يقال: استبنت الشيء وتبينته إذا ~~عرفته، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر "وليستبين" بالياء "سبيل" بالرفع، وقرأ ~~الآخرون {ولتستبين} بالتاء "سبيل" رفع، أي: ليظهر ويتضح السبيل، يذكر ~~ويؤنث، فدليل التذكير قوله تعالى: "وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا" ~~(الأعراف، 146) ، ودليل الثأنيت قوله تعالى: "لم تصدون عن سبيل الله من آمن ~~به تبغونها عوجا" (آل عمران، 99) . # قوله عز وجل: {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع ~~أهواءكم} في عبادة الأوثان وطرد الفقراء، {قد ضللت إذا وما أنا من ~~المهتدين} يعني: إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير طريق الهدى. ### || # {قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا ~~لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (57) قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي ~~الأمر بيني ms0844 وبينكم والله أعلم بالظالمين (58) } # {قل إني على بينة} أي: على بيان وبصيرة وبرهان، {من ربي وكذبتم به} أي: ~~ما جئت به، {ما عندي ما تستعجلون به} قيل: أراد به استعجالهم العذاب، كانوا ~~يقولون: "إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة" (الأنفال، 32) ~~الآية، قيل: أراد به القيامة، قال الله تعالى: "يستعجل بها الذين لا يؤمنون ~~بها" (الشورى، 18) ، {إن الحكم إلا لله يقص الحق} قرأ أهل الحجاز وعاصم يقص ~~بضم القاف والصاد مشددا أي يقول الحق، لأنه في جميع المصاحف بغير ياء، ~~ولأنه قال الحق ولم يقل بالحق، وقرأ الآخرون (يقضي) بسكون القاف والضاد ~~مكسورة، من قضيت، أي: يحكم بالحق بدليل أنه قال: {وهو خير الفاصلين} والفصل ~~يكون في القضاء وإنما حذفوا الياء لاستثقال الألف واللام، كقوله تعالى: ~~(صال الجحيم) ونحوها، ولم يقل بالحق لأن الحق صفة المصدر، كأنه قال: يقضي ~~القضاء الحق. # {قل لو أن عندي} وبيدي، {ما تستعجلون به} من العذاب {لقضي الأمر بيني ~~وبينكم} # PageV03P149 # أي: فرغ من العذاب [وأهلكتم] (1) أي: لعجلته حتى أتخلص منكم، {والله أعلم ~~بالظالمين} ### || # {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط ~~من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين (59) } PageV03P150 # {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى ~~أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) } # قوله عز وجل: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} مفاتح الغيب خزائنه، ~~جمع مفتح. # واختلفوا في مفاتح الغيب، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا ~~أبو الحسن الطيسفوني أنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي ~~الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر أنا عبد الله بن دينار أنه ~~سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله: "مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا ~~يعلم ما تغيض الأرحام أحد إلا الله تعالى، [ولا يعلم ما في الغد إلا الله ms0845 ~~عز وجل] (1) ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري 119\أنفس بأي ~~أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة أحد إلا الله" (2) . # وقال الضحاك ومقاتل: مفاتح الغيب خزائن الأرض، وعلم نزول العذاب. # وقال عطاء: ما غاب عنكم من الثواب والعقاب. # وقيل: انقضاء الآجال، وقيل: أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم ~~أعمالهم، وقيل: هي ما لم يكن بعد أنه يكون أم لا يكون، وما يكون كيف يكون، ~~وما لا يكون أن لو كان كيف يكون؟ وقال ابن مسعود: "أوتي نبيكم علم كل شيء ~~إلا علم مفاتيح الغيب" (3) . PageV03P150 # {ويعلم ما في البر والبحر} قال مجاهد: البر: المفاوز والقفار، والبحر: ~~القرى والأمصار، لا يحدث فيهما شيء إلا يعلمه، وقيل: هو البر والبحر ~~المعروف، {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} يريد ساقطة وثابتة، يعني: يعلم عدد ~~ما يسقط من ورق الشجر وما يبقى عليه، وقيل: يعلم كم انقلبت (1) ظهرا لبطن ~~إلى أن سقطت (2) على الأرض، {ولا حبة في ظلمات الأرض} قيل: هو الحب المعروف ~~في بطون الأرض، وقيل: هو تحت الصخرة في أسفل الأرضين، {ولا رطب ولا يابس} ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: الرطب الماء، واليابس البادية، وقال عطاء: ~~يريد ما ينبت وما لا ينبت، وقيل: ولا حي ولا ميت، وقيل: هو عبارة عن كل ~~شيء، {إلا في كتاب مبين} يعني أن الكل مكتوب في اللوح المحفوظ. # قوله تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل} أي: يقبض أرواحكم إذا نمتم ~~بالليل، {ويعلم ما جرحتم} كسبتم، {بالنهار ثم يبعثكم فيه} أي: يوقظكم في ~~النهار، {ليقضى أجل مسمى} يعني: أجل الحياة إلى الممات، يريد استيفاء العمر ~~على التمام، {ثم إليه مرجعكم} في الآخرة، {ثم ينبئكم} يخبركم، {بما كنتم ~~تعملون} ### || # {وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا وهم لا يفرطون (61) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو ~~أسرع الحاسبين (62) قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية ~~لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين ms0846 (63) } # قوله عز وجل: {وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة} يعني: الملائكة ~~الذين يحفظون أعمال بني آدم، وهو جمع حافظ، نظيره "وإن عليكم لحافظين كراما ~~كاتبين" (الانفطار، 11) ، {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته} قرأ حمزة ~~(توفيه) و (استهويه) بالياء وأمالهما، {رسلنا} يعني: PageV03P151 # أعوان ملك الموت يقبضونه فيدفعونه إلى ملك الموت فيقبض روحه، كما قال: ~~(قل يتوفاكم ملك الموت) ، وقيل الأعوان يتوفونه بأمر ملك الموت، فكأن ملك ~~الموت توفاه لأنهم يصدرون عن أمره، وقيل: أراد بالرسل ملك الموت وحده، فذكر ~~الواحد بلفظ الجمع، وجاء في الأخبار: أن الله تعالى جعل الدنيا بين يدي ملك ~~الموت كالمائدة الصغيرة فيقبض من هاهنا ومن هاهنا فإذا كثرت الأرواح يدعو ~~الأرواح فتجيب له، {وهم لا يفرطون} لا يقصرون. # {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} يعني: الملائكة، وقيل: يعني العباد يردون ~~بالموت إلى الله مولاهم الحق، فإن قيل الآية في المؤمنين والكفار جميعا وقد ~~قال في آية أخرى: "وأن الكافرين لا مولى لهم" (محمد، 11) ، فكيف وجه الجمع؟ ~~فقيل: المولى في تلك الآية بمعنى الناصر ولا ناصر للكفار، والمولى هاهنا ~~بمعنى الملك الذي يتولى أمورهم، والله عز وجل مالك الكل ومتولي الأمور، ~~وقيل: أراد هنا المؤمنين خاصة يردون إلى مولاهم، والكفار فيه تبع، {ألا له ~~الحكم} أي: القضاء دون خلقه، {وهو أسرع الحاسبين} أي: إذا حاسب فحسابه سريع ~~لأنه لا يحتاج إلى فكرة ورؤية وعقد يد. # قوله عز وجل: {قل من ينجيكم} قرأ يعقوب بالتخفيف، وقرأ العامة بالتشديد، ~~{من ظلمات البر والبحر} أي: من شدائدهما وأهوالهما، كانوا إذا سافروا في ~~البر والبحر فضلوا الطريق وخافوا الهلاك، دعوا الله مخلصين له الدين ~~فينجيهم، فذلك قوله تعالى: {تدعونه تضرعا وخفية} أي: علانية وسرا، قرأ أبو ~~بكر عن عاصم " وخفية " بكسر الخاء هاهنا وفي الأعراف، وقرأ الآخرون بضمها ~~وهما لغتان، {لئن أنجانا} أي: يقولون لئن أنجيتنا، وقرأ أهل الكوفة: لئن ~~أنجانا الله، {من هذه} يعني: من هذه الظلمات، {لنكونن من الشاكرين} والشكر: ~~هو معرفة النعمة مع القيام بحقها. ### || # {قل الله ms0847 ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (64) قل هو القادر على ~~أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم ~~بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (65) } # {قل الله ينجيكم منها} قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر " ينجيكم " بالتشديد، ~~مثل قوله تعالى: # PageV03P152 # "قل من ينجيكم" وقرأ الآخرون هذا بالتخفيف، {ومن كل كرب} والكرب غاية ~~الغم الذي يأخذ بالنفس، {ثم أنتم تشركون} يريد أنهم يقرون أن الذي يدعونه ~~عند الشدة هو الذي ينجيهم ثم تشركون معه الأصنام التي قد علموا أنها لا تضر ~~ولا تنفع. # قوله عز وجل: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} قال الحسن ~~وقتادة: نزلت الآية في أهل الإيمان، وقال قوم نزلت في المشركين. # قوله {عذابا من فوقكم} يعني: الصيحة والحجارة والريح والطوفان، كما فعل ~~بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح، {أو من تحت أرجلكم} يعني: الرجفة ~~والخسف كما فعل بقوم شعيب وقارون. # وعن ابن عباس ومجاهد: {عذابا من فوقكم} السلاطين الظلمة، ومن تحت أرجلكم ~~العبيد السوء، وقال الضحاك: {من فوقكم} من قبل كباركم {أو من تحت أرجلكم} ~~أي من أسفل منكم، {أو يلبسكم شيعا} أي: يخلطكم فرقا ويبث فيكم الأهواء ~~المختلفة، {ويذيق بعضكم بأس بعض} يعني: السيوف المختلفة، يقتل بعضكم بعضا. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو النعمان أنا حماد بن زيد عن عمرو ~~بن دينار عن جابر قال: لما نزلت هذه الآية {قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعوذ بوجهك"، قال: {أو ~~من تحت أرجلكم} قال: "أعوذ بوجهك"، قال: {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس ~~بعض} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا أهون أو هذا أيسر" (1) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا ~~أبو جعفر محمد بن ms0848 علي دحيم الشيباني أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أنا ~~يعلى بن عبيد الطنافسي أنا عثمان بن حكيم عن عامر بن سعد بن وقاص عن أبيه، ~~قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بني ~~معاوية فدخل فصلى ركعتين وصلينا معه فناجى ربه طويلا ثم قال: سألت ربي ~~ثلاثا: سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي ~~بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها" (2) ~~PageV03P153 # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا السيد أبو الحسن محمد ~~بن الحسين بن داود العلوي أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن دلويه الدقاق ثنا ~~محمد بن إسماعيل البخاري ثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن ~~بلال عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري أن عبد الله ~~بن عمر جاءهم ثم قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد فسأل الله ~~ثلاثا فأعطاه اثنتين ومنعه واحدة، سأله أن لا يسلط على أمته عدوا من غيرهم ~~يظهر عليهم فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاه ذلك 119/ب وسأله ~~أن لا يجعل بأس بعضهم على بعض، فمنعه ذلك" (1) . # قوله عز وجل: {انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون} ### || # {وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) لكل نبأ مستقر وسوف ~~تعلمون (67) وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) ~~} PageV03P154 # {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) } # {وكذب به قومك} أي: بالقرآن، وقيل: بالعذاب، {وهو الحق قل لست عليكم ~~بوكيل} برقيب، وقيل: بمسلط ألزمكم الإسلام شئتم أو أبيتم، إنما أنا رسول. # {لكل نبأ} خبر من أخبار القرون، {مستقر} حقيقة ومنتهى ينتهي إليه فيتبين ~~صدقه من كذبه وحقه من باطله، إما في الدنيا وإما في الآخرة، {وسوف تعلمون} ~~وقال مقاتل: لكل خبر يخبره الله ms0849 وقت [وقته] (1) ومكان يقع فيه من غير خلف ~~ولا تأخير، وقال الكلبي: [لكل] (2) قول وفعل حقيقة، إما في الدنيا وإما في ~~الآخرة وسوف تعلمون ما كان في الدنيا فستعرفونه وما كان في الآخرة فسوف ~~يبدو لكم. PageV03P154 # قوله عز وجل: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} يعني: في القرآن ~~بالاستهزاء {فأعرض عنهم} فاتركهم [ولا تجالسهم] (1) {حتى يخوضوا في حديث ~~غيره وإما ينسينك} قرأ ابن عامر بفتح النون وتشديد السين وقرأ الآخرون ~~بسكون النون وتخفيف السين، {الشيطان} نهينا، {فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظالمين} يعني: إذا جلست معهم ناسيا فقهم من عندهم بعدما تذكرت. # {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} روي عن ابن عباس أنه قال: لما ~~نزلت هذه الآية: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم} قال ~~المسلمون: كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبدا؟ وفي ~~رواية قال المسلمون: فإنا نخاف الإثم حين نتركهم ولا ننهاهم، فأنزل الله عز ~~وجل: {وما على الذين يتقون} الخوض، {من حسابهم} أي: من آثام الخائضين {من ~~شيء ولكن ذكرى} أي: ذكروهم وعظوهم بالقرآن، والذكر والذكرى واحد، يريد ~~ذكروهم ذكري، فتكون في محل النصب، {لعلهم يتقون} الخوض إذا وعظتموهم فرخص ~~في مجالستهم على الوعظ لعله يمنعهم من ذلك الخوض، وقيل: لعلهم يستحيون. ### || # {وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن ~~تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا ~~يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما ~~كانوا يكفرون (70) قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على ~~أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب ~~يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين ~~(71) } # قوله عز وجل: {وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا} يعني: الكفار الذين ~~إذا سمعوا آيات الله استهزءوا بها وتلاعبوا عند ذكرها، وقيل: إن ms0850 الله تعالى ~~جعل لكل قوم عيدا فاتخذ كل قوم دينهم -أي: عيدهم -لعبا ولهوا، وعيد ~~المسلمين الصلاة والتكبير وفعل الخير مثل الجمعة والفطر والنحر، {وغرتهم ~~الحياة الدنيا وذكر به} أي: وعظ بالقرآن، {أن تبسل} أي: لأن لا تبسل، أي: ~~لا PageV03P155 # تسلم، {نفس} للهلاك، {بما كسبت} قاله مجاهد وعكرمة والسدي، وقال ابن ~~عباس: تهلك، وقال قتادة: أن تحبس، وقال الضحاك: تحرق، وقال ابن زيد: تؤخذ، ~~ومعناه: ذكرهم ليؤمنوا، كيلا تهلك نفس بما كسبت، قال الأخفش: تبسل تجازى، ~~وقيل: تفضح، وقال الفراء: ترتهن، وأصل الإبسال التحريم، والبسل الحرام، ثم ~~جعل نعتا لكل شدة تتقى وتترك، {ليس لها} أي لتلك النفس، {من دون الله ولي} ~~قريب، {ولا شفيع} يشفع في الآخرة، {وإن تعدل كل عدل} أي: تفد كل فداء، {لا ~~يؤخذ منها} {أولئك الذين أبسلوا} أسلموا للهلاك، {بما كسبوا لهم شراب من ~~حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} # {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا} إن عبدناه، {ولا يضرنا} إن تركناه، ~~يعني: الأصنام ليس إليها نفع ولا ضر، {ونرد على أعقابنا} إلى الشرك ~~[مرتدين] (1) {بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض} ، أي: ~~يكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين، أي: أضلته، {حيران} قال ابن عباس: ~~كالذي استهوته الغيلان في +المهامة فأضلوه فهو حائر بائر، والحيران: ~~المتردد في الأمر، لا يهتدي إلى مخرج منه، {له أصحاب يدعونه إلى الهدى ~~ائتنا} هذا مثل ضربه الله تعالى لمن يدعو إلى الآلهة ولمن يدعو إلى الله ~~تعالى، كمثل رجل في رفقة ضل به الغول عن الطريق يدعوه أصحابه من أهل الرفقة ~~هلم إلى الطريق، ويدعوه الغول [هلم] (2) فيبقى حيران لا يدري أين يذهب، فإن ~~أجاب الغول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الطريق ~~اهتدى (3) . # {قل إن هدى الله هو الهدى} يزجر عن عبادة الأصنام، كأنه يقول: لا تفعل ~~ذلك فإن الهدى هدى الله، لا هدى غيره، {وأمرنا لنسلم} أي: أن نسلم، {لرب ~~العالمين} والعرب تقول: أمرتك لتفعل وأن تفعل وبأن ms0851 تفعل. ### || # {وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72) وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في ~~الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير (73) } # {وأن أقيموا الصلاة واتقوه} أي: وأمرنا بإقامة الصلاة والتقوى، {وهو الذي ~~إليه تحشرون} PageV03P156 # أي: تجمعون في الموقف للحساب. # {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق} قيل: الباء بمعنى اللام، أي: ~~إظهارا للحق لأنه جعل صنعه دليلا على وحدانيته، {ويوم يقول كن فيكون} قيل: ~~هو راجع إلى السموات والأرض والخلق، بمعنى: القضاء والتقدير، أي كل شيء ~~قضاه وقدره قال له: كن، فيكون. # وقيل: يرجع إلى القيامة، يدل على سرعة أمر البعث والساعة، كأنه قال: ويوم ~~يقول للخلق: موتوا فيمومون، وقوموا فيقومون، {قوله الحق} أي: الصدق الواقع ~~لا محالة، يريد أن ما وعده حق كائن، {وله الملك يوم ينفخ في الصور} يعني: ~~ملك الملوك يومئذ زائل، كقوله: "مالك يوم الدين"، وكما قال: "والأمر يومئذ ~~لله"، والأمر له في كل وقت، ولكن لا أمر في ذلك اليوم لأحد مع أمر الله، ~~والصور: قرن ينفخ فيه، قال مجاهد: كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، ~~وقال أبو عبيدة: الصور هو الصور وهو جمع الصورة، وهو قول الحسن: والأول ~~أصح. # والدليل عليه ما أخبرنا محمد بن عبد الله [بن أبي توبة أنا أبو طاهر ~~المحاربي أنا محمد بن يعقوب الكسائي أنا أبو عبد الله] (1) بن محمود أنا ~~إبراهيم بن عبد الله الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن سليمان التيمي عن ~~أسلم عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال جاء أعرابي إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الصور؟ قال: "قرن ينفخ فيه" (2) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا ~~أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الصفار أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي ~~أنا أبو حذيفة أنا سفيان عن الأعمش عن عطية بن سعد العوفي عن أبي ms0852 سعيد ~~الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه، ~~وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر"؟ فقالوا: يا رسول الله وما تأمرنا؟ ~~قال: "قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل" (3) . # وقال أبو العلاء عن عطية: متى يؤمر بالنفخ فينفخ. PageV03P157 # {عالم الغيب والشهادة} يعلم ما غاب عن العباد وما يشاهدونه، لا يغيب عن ~~علمه شيء، {وهو الحكيم الخبير} # PageV03P158 ### || # {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال ~~مبين (74) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ~~(75) فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب ~~الآفلين (76) } # قوله عز وجل: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} قرأ يعقوب " آزر " بالرفع، ~~يعني: " آزر " والقراءة المعروفة بالنصب، وهو اسم أعجمي لا ينصرف فينتصب في ~~موضع الخفض. # قال محمد بن إسحاق والضحاك والكلبي: آزر اسم أبي إبراهيم وهو تارخ أيضا ~~مثل إسرائيل ويعقوب وكان من كوثى (1) قرية من سواد الكوفة، وقال مقاتل بن ~~حيان وغيره: آزر لقب لأبي إبراهيم، واسمه تارخ 120\أ # وقال سليمان التيمي: هو سب وعيب، ومعناه في كلامهم المعوج، وقيل: معناه ~~الشيخ الهم بالفارسية، وقال سعيد بن المسيب ومجاهد: آزر اسم صنم، فعلى هذا ~~يكون في محل النصب تقديره أتتخذ آزر إلها، قوله {أصناما آلهة} دون الله، ~~{إني أراك وقومك في ضلال مبين} # {وكذلك نري إبراهيم} أي: كما أريناه البصيرة في دينه، والحق في خلاف ~~قومه، نريه {ملكوت السماوات والأرض} والملكوت: الملك، زيدت فيه التاء ~~للمبالغة، كالجبروت والرحموت والرهبوت، قال ابن عباس: يعني خلق السموات ~~والأرض، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني آيات السموات والأرض، وذلك أنه ~~أقيم على صخر وكشف له عن السموات والأرض حتى العرش وأسفل الأرضين ونظر إلى ~~مكانه في الجنة، فذلك قوله تعالى: "وآتيناه أجره في الدنيا" يعني: أريناه ~~مكانه في الجنة. # وروي عن سلمان رضي الله عنه، ورفعه بعضهم [عن علي رضي الله عنه] (2) لما ~~أري إبراهيم PageV03P158 # ملكوت السموات والأرض أبصر رجلا على فاحشة ms0853 فدعا عليه فهلك، ثم أبصر آخر ~~فدعا عليه فهلك، ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو عليه فقال له الرب عز وجل: "يا ~~إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة، فلا تدعون على عبادي فإنما أنا من عبدي على ~~ثلاث خصال إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه نسمة تعبدني، وإما أن ~~يبعث إلي فإن شئت عفوت عنه، وإن شئت عاقبته" وفي رواية: "وإما أن يتولى فإن ~~جهنم من ورائه" (1) . # وقال قتادة: ملكوت السموات: الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال ~~والشجر والبحار. {وليكون من الموقنين} عطف على المعنى، ومعناه: نريه ملكوت ~~السموات والأرض، ليستدل به وليكون من الموقنين. # {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا} الآية، قال أهل التفسير: ولد إبراهيم ~~عليه السلام في زمن نمرود بن كنعان، وكان نمرود أول من وضع التاج على رأسه ~~ودعا الناس إلى عبادته، وكان له كهان ومنجمون، فقالوا له: إنه يولد في بلدك ~~هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه، يقال: ~~إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء عليهم السلام. # وقال السدي: رأى نمرود في منامه كأن كوكبا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر ~~حتى لم يبق لهما ضوء، ففزع من ذلك فزعا شديدا، فدعا السحرة والكهنة فسألهم ~~عن ذلك، فقالوا: هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة، فيكون هلاكك وهلاك ~~ملكك وأهل بيتك على يديه، قالوا: فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته في تلك ~~السنة، وأمر بعزل الرجال عن النساء، وجعل على كل عشرة رجال رجلا فإذا حاضت ~~المرأة خلى بينها وبين زوجها، لأنهم كانوا لا يجامعون في الحيض، فإذا طهرت ~~حال بينهما، فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقعها، فحملت ~~بإبراهيم عليه السلام (2) . # وقال محمد بن إسحاق: بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقرية، فحبسها عنده إلا ~~ما كان من أم إبراهيم عليه السلام، فإنه لم يعلم بحبلها لأنها كانت جارية ~~حديثة السن، لم يعرف الحبل في بطنها. # وقال السدي: خرج نمرود بالرجال إلى معسكر ms0854 ونحاهم عن النساء تخوفا من ذلك ~~المولود أن PageV03P159 # يكون، فمكث بذلك ما شاء الله ثم بدت له حاجة إلى المدينة، فلم يأتمن ~~عليها أحدا من قومه إلا آزر، فبعث إليه ودعاه وقال له: إن لي حاجة أحببت أن ~~أوصيك بها ولا أبعثك إلا لثقتي بك، فأقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك، فقال ~~آزر: أنا أشح على ديني من ذلك، فأوصاه بحاجته، فدخل المدينة وقضى حاجته، ثم ~~قال: لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم فلما نظر إلى أم إبراهيم عليه السلام لم ~~يتمالك حتى واقعها، فحملت بإبراهيم عليه السلام. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لما حملت أم إبراهيم قال الكهان لنمرود: ~~إن الغلام الذي أخبرناك به قد حملته أمه الليلة، فأمر نمرود بذبح الغلمان، ~~فلما دنت ولادة أم إبراهيم عليه السلام وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة أن ~~يطلع عليها فيقتل ولدها، فوضعته في نهر يابس ثم لفته في خرقة ووضعته في ~~حلفاء، فرجعت فأخبرت زوجها بأنها ولدت، وأن الولد في موضع كذا وكذا فانطلق ~~أبوه فأخذه من ذلك المكان وحفر له سربا عند نهر، فواراه فيه وسد عليه بابه ~~بصخرة مخافة السباع، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه. # وقال محمد بن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت ~~قريبة منها فولدت فيها إبراهيم عليه السلام وأصلحت من شأنه ما يصنع ~~بالمولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها ثم كانت تطالعه لتنظر ما ~~فعل فتجده حيا يمص إبهامه. # قال أبو روق: وقالت أم إبراهيم ذات يوم لأنظرن إلى أصابعه، فوجدته يمص من ~~أصبع ماء، ومن أصبع لبنا، ومن أصبع عسلا ومن أصبع تمرا، ومن أصبع سمنا. # وقال محمد بن إسحاق: كان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل؟ فقالت: ~~ولدت غلاما فمات، فصدقها فسكت عنها، وكان اليوم على إبراهيم في الشباب ~~كالشهر والشهر كالسنة فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرا حتى ~~قال لأمه أخرجيني فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السموات ms0855 والأرض، وقال: إن ~~الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي الذي ما لي إله غيره، ثم نظر إلى ~~السماء فرأى كوكبا فقال: هذا ربي، ثم أتبعه بصره لينظر إليه حتى غاب، فلما ~~أفل، قال: لا أحب الآفلين، ثم رأى القمر بازغا قال هذا ربي وأتبعه ببصره ~~حتى غاب، ثم طلعت الشمس هكذا إلى آخره، ثم رجع إلى أبيه آزر وقد استقامت ~~وجهته وعرف ربه وبرئ من دين قومه إلا أنه لم ينادهم بذلك، فأخبره أنه ابنه ~~وأخبرته أم إبراهيم أنه ابنه، وأخبرته بما كانت صنعت في شأنه فسر آزر بذلك ~~وفرح فرحا شديدا. # PageV03P160 # وقيل: إنه كان في السرب سبع سنين، وقيل: ثلاثة عشرة سنة، وقيل: سبعة عشرة ~~سنة، قالوا: فلما شب إبراهيم عليه السلام، وهو في السرب قال لأمه: من ربي؟ ~~قالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن رب أبي؟ قالت: نمرود، قال: ~~فمن ربه؟ قالت له: اسكت فسكت، ثم رجعت إلى زوجها، فقالت: أرأيت الغلام الذي ~~كنا نحدث أنه يغير دين أهل الأرض فإنه ابنك، ثم أخبرته بما قال، فأتاه أبوه ~~آزر، فقال له إبراهيم عليه السلام: يا أبتاه من ربي؟ قال: أمك، قال: ومن رب ~~أمي؟ قال: أنا قال: ومن ربك؟ قال: نمرود قال: فمن رب نمرود؟ فلطمه لطمة ~~وقال له: اسكت فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة ~~فأبصر كوكبا، قال: هذا ربي. # ويقال: إنه قال لأبويه أخرجاني فأخرجاه من السرب وانطلقا به حين غابت ~~الشمس، فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم، فسأل أباه ما هذه؟ فقال: إبل ~~120/ب وخيل وغنم، فقال: ما لهذه بد من أن يكون لها رب وخالق، ثم نظر فإذا ~~المشتري قد طلع، ويقال: الزهرة، وكانت تلك الليلة في آخر الشهر فتأخر طلوع ~~القمر فيها، فرأى الكوكب قبل القمر، فذلك قوله عز وجل: {فلما جن عليه ~~الليل} أي: دخل، يقال: جن الليل وأجن الليل، وجنه الليل، وأجن عليه الليل ~~يجن جنونا وجنانا إذا أظلم وغطى كل شيء، ms0856 وجنون الليل سواده، {رأى كوكبا} ~~قرأ أبو عمرو (رأى) بفتح الراء وكسر الألف، وبكسرهما ابن عامر وحمزة ~~والكسائي وأبو بكر، فإن اتصل بكاف أو هاء فتحهما ابن عامر، وإن لقيها ساكن ~~كسر الراء وفتح الهمزة حمزة وأبو بكر، وفتحهما الآخرون. {قال هذا ربي} # واختلفوا في قوله ذلك: فأجراه بعضهم على الظاهر، وقالوا: كان إبراهيم ~~عليه السلام مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه الله تعالى وآتاه رشده فلم ~~يضره ذلك في حال الاستدلال، وأيضا كان ذلك في حال طفوليته قبل قيام الحجة ~~عليه، فلم يكن كفرا (1) . # وأنكر الآخرون هذا القول، وقالوا: لا يجوز أن يكون لله رسول يأتي عليه ~~وقت من الأوقات إلا وهو لله موحد وبه عارف، ومن كل معبود سواه بريء وكيف ~~يتوهم هذا على من عصمه الله وطهره وآتاه رشده من قبل وأخبر عنه فقال: "إذ ~~جاء ربه بقلب سليم" (الصافات، 84) وقال: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات ~~والأرض"، أفتراه أراه الملكوت ليوقن فلما أيقن رأى كوكبا قال: هذا ربي ~~معتقدا؟ فهذا ما لا يكون أبدا. # ثم قالوا: فيه أربعة أوجه من التأويل: # أحدها: أن إبراهيم عليه السلام أراد أن يستدرج القوم بهذا القول ويعرفهم ~~خطأهم وجهلهم PageV03P161 # في تعظيم ما عظموه، وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها، ويرون أن الأمور ~~كلها إليها فأراهم أنه معظم ما عظموه وملتمس الهدى من حيث ما التمسوه، فلما ~~أفل أراهم النقص الداخل على النجوم ليثبت خطأ ما يدعون، ومثل هذا مثل ~~الحواري الذي ورد على قوم يعبدون الصنم، فأظهر تعظيمه فأكرموه حتى صدروا في ~~كثير من الأمور عن رأيه إلى أن دهمهم عدو فشاوروه في أمره، فقال: الرأي أن ~~ندعو هذا الصنم حتى يكشف عنا ما قد أظلنا، فاجتمعوا حوله يتضرعون فلما تبين ~~لهم أنه لا ينفع ولا يدفع دعاهم إلى أن يدعوا الله فدعوه فصرف عنهم ما ~~كانوا يحذرون، فأسلموا. # والوجه الثاني من التأويل: أنه قاله على وجه الاستفهام تقديره: أهذا ربي؟ ~~كقوله تعالى: (أفإن مت فهم الخالدون) (الأنبياء، 34) ؟ أي: أفهم الخالدون؟ ~~وذكره على وجه ms0857 التوبيخ منكرا لفعلهم، يعني: ومثل هذا يكون ربا، أي: ليس هذا ~~ربي. # والوجه الثالث: أنه على وجه الاحتجاج عليهم، يقول: هذا ربي بزعمكم؟ فلما ~~غاب قال: لو كان إلها لما غاب، كما قال: [ذق إنك أنت العزيز الكريم] ~~(الدخان، 49) ، أي: عند نفسك وبزعمك، وكما أخبر عن موسى أنه قال:] (1) ~~(وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه) (طه 97) يريد إلهك بزعمك. # والوجه الرابع: فيه إضمار وتقديره يقولون هذا ربي، كقوله (وإذ يرفع ~~إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا) ، (البقرة، 127) أي: ~~يقولون ربنا تقبل منا. {فلما أفل قال لا أحب الآفلين} وما لا يدوم. ### || # {فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن ~~من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما ~~أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79) } # {فلما رأى القمر بازغا} طالعا، {قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ~~ربي} قيل: لئن لم يثبتني على الهدى، ليس أنه لم يكن مهتديا، والأنبياء لم ~~يزالوا يسألون الله تعالى الثبات على PageV03P162 # الإيمان، وكان إبراهيم يقول: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} (إبراهيم، ~~35) ، {لأكونن من القوم الضالين} أي: عن الهدى. # {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر} أي: أكبر من الكوكب والقمر، ~~ولم يقل هذه مع أن الشمس مؤنثة لأنه أراد هذا الطالع، أو رده إلى المعنى، ~~وهو الضياء والنور، لأنه رآه أضوأ من النجوم والقمر، {فلما أفلت} غربت، ~~{قال يا قوم إني بريء مما تشركون} ### || # {وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا ~~أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) وكيف أخاف ما ~~أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي ~~الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) } # قوله عز وجل: {وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني} ms0858 ولما رجع ~~إبراهيم عليه السلام إلى أبيه، وصار من الشباب بحالة سقط عنه طمع الذباحين، ~~وضمه آزر إلى نفسه جعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها إبراهيم ليبيعها، فيذهب ~~بها [إبراهيم عليه السلام] (1) وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه، فلا ~~يشتريها أحد، فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر [فضرب] (2) فيه رءوسها، وقال: ~~اشربي، استهزاء بقومه، وبما هم فيه من الضلالة، حتى فشا استهزاؤه بها في ~~قومه [وأهل] (3) قريته، فحاجه أي خاصمه وجادله قومه في دينه، {قال أتحاجوني ~~في الله} قرأ أهل المدينة وابن عامر بتخفيف النون، وقرأ الآخرون بتشديدها ~~إدغاما لإحدى النونين في الأخرى، ومن خفف حذف إحدى النونين تخفيفا يقول: ~~أتجادلونني في توحيد الله، وقد هداني للتوحيد والحق؟ {ولا أخاف ما تشركون ~~به} وذلك أنهم قالوا له: احذر الأصنام فإنا نخاف أن تمسك بسوء من خبل أو ~~جنون لعيبك إياها، فقال لهم: ولا أخاف ما تشركون به، {إلا أن يشاء ربي ~~شيئا} وليس هذا باستثناء عن الأول بل هو استثناء منقطع، معناه لكن إن يشأ ~~ربي شيئا أي سوء، فيكون ما شاء، {وسع ربي كل شيء علما} أي: أحاط علمه بكل ~~شيء، {أفلا تتذكرون} PageV03P163 # {وكيف أخاف ما أشركتم} يعني الأصنام، وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا ~~تنفع، {ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا} حجة ~~وبرهانا، وهو القاهر القادر على كل شيء، {فأي الفريقين أحق} أولى، {بالأمن} ~~أنا وأهل ديني أم أنتم؟ {إن كنتم تعلمون} # PageV03P164 ### || # {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (82) ~~وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ~~(83) ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود ~~وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) } # فقال الله تعالى قاضيا بينهما: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} لم ~~يخلطوا إيمانهم بشرك، {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ms0859 أنا ~~محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا إسحاق ثنا عيسى بن يونس أنا الأعمش ~~أنا إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لما نزلت: (الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم) شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله فأينا لا يظلم ~~نفسه؟ فقال: ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان لابنه ~~وهو يعظه: "يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم" (1) ؟ (لقمان، 13) . # قوله عز وجل: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} حتى خصمهم وغلبهم ~~بالحجة، قال مجاهد: هي قوله: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك ~~لهم الأمن} وقيل: أراد به الحجاج الذي حاج نمرود على ما سبق في سورة البقرة ~~(2) . # {نرفع درجات من نشاء} بالعلم قرأ أهل الكوفة ويعقوب (درجات) بالتنوين ~~هاهنا وفي سورة يوسف، أي: نرفع درجات من نشاء بالعلم والفهم والفضيلة ~~والعقل، كما رفعنا درجات إبراهيم حتى اهتدى وحاج قومه في التوحيد، {إن ربك ~~حكيم عليم} PageV03P164 # {ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا} 121\أووفقنا وأرشدنا. {ونوحا هدينا ~~من قبل} أي: من قبل إبراهيم، {ومن ذريته} أي ومن ذرية نوح عليه السلام، ولم ~~يرد من ذرية إبراهيم لأنه ذكر في جملتهم يونس ولوطا ولم يكونا من ذرية ~~إبراهيم {داود} يعني: داود بن أيشا، {وسليمان} يعني ابنه، {وأيوب} وهو أيوب ~~بن أموص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم، {ويوسف} هو يوسف بن ~~يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، {وموسى} وهو موسى بن عمران بن يصهر ~~بن فاهث بن لاوي بن يعقوب. {وهارون} هو أخو موسى أكبر منه بسنة، {وكذلك} ~~أي: وكما جزينا إبراهيم على توحيده بأن رفعنا درجته ووهبنا له أولادا ~~أنبياء أتقياء كذلك، {نجزي المحسنين} على إحسانهم، وليس ذكرهم على ترتيب ~~أزمانهم. ### || # {وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ~~ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (86) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ~~واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (87) ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من ~~عباده ولو أشركوا ms0860 لحبط عنهم ما كانوا يعملون (88) أولئك الذين آتيناهم ~~الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين (89) } # {وزكريا} وهو زكريا بن آذن، {ويحيى} وهو ابنه، {وعيسى} وهو ابن مريم بنت ~~عمران، {وإلياس} اختلفوا فيه، قال ابن مسعود: هو إدريس، وله اسمان مثل ~~يعقوب وإسرائيل، والصحيح أنه غيره، لأن الله تعالى ذكره في ولد نوح، وإدريس ~~جد أبي نوح وهو إلياس ياسين بن فنحاص بن عيزار بن هارون بن عمران {كل من ~~الصالحين} # {وإسماعيل} وهو ولد إبراهيم، {واليسع} وهو ابن أخطوب بن العجوز، وقرأ ~~حمزة والكسائي " واليسع " بتشديد اللام وسكون الياء هنا وفي ص {ويونس} وهو ~~يونس بن متى، {ولوطا} وهو لوط بن هاران بن أخي إبراهيم، {وكلا فضلنا على ~~العالمين} أي: عالمي زمانهم. # {ومن آبائهم} من فيه للتبعيض، لأن آباء بعضهم كانوا مشركين، {وذرياتهم} ~~أي: ومن ذرياتهم. وأراد به ذرية بعضهم: لأن عيسى ويحيى لم يكن لهما ولد، ~~وكان في ذرية بعضهم من كان # PageV03P165 # كافرا، {وإخوانهم واجتبيناهم} اخترناهم واصطفيناهم، {وهديناهم} أرشدناهم، ~~{إلى صراط مستقيم} # {ذلك هدى الله} دين الله، {يهدي به} يرشد به، {من يشاء من عباده ولو ~~أشركوا} أي: هؤلاء الذين سميناهم، {لحبط} لبطل وذهب، {عنهم ما كانوا ~~يعملون} # {أولئك الذين آتيناهم الكتاب} أي: الكتب المنزلة عليهم، {والحكم} يعني: ~~العلم والفقه، {والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء} الكفار يعني: أهل مكة، {فقد ~~وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} يعني: الأنصار وأهل المدينة، قاله ابن ~~عباس ومجاهد، وقال قتادة: فإن يكفر بها هؤلاء الكفار فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين، يعني: الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم الله هاهنا، ~~وقال أبو رجاء العطاردي: معناه فإن يكفر بها أهل الأرض فقد وكلنا بها أهل ~~السماء، وهم الملائكة، ليسوا بها بكافرين. ### || # {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ~~ذكرى للعالمين (90) } # {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من ~~أنزل الكتاب الذي جاء به ms0861 موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها ~~وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في ~~خوضهم يلعبون (91) } # {أولئك الذين هدى الله} أي: هداهم الله، {فبهداهم} فبسنتهم وسيرتهم، ~~{اقتده} الهاء فيها هاء الوقف، وحذف حمزة والكسائي الهاء في الوصل، ~~والباقون بإثباتها وصلا ووقفا، وقرأ ابن عامر: " اقتده " بإشباع الهاء كسرا ~~{قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو} ما هو، {إلا ذكرى} أي: تذكرة وعظة، ~~{للعالمين} # قوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره} أي ما عظموه حق عظمته، وقيل: ما ~~وصفوه حق صفته، {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} قال سعيد بن جبير: ~~جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمكة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أنشدك بالذي أنزل التوراة على ~~موسى أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين" وكان حبرا سمينا فغضب، ~~وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء (1) . PageV03P166 # وقال السدي: نزلت في فنخاص بن عازوراء، وهو قائل هذه المقالة (1) . # وفي القصة: أن مالك بن الصيف لما سمعت اليهود منه تلك المقالة عتبوا ~~عليه، وقالوا: أليس أن الله أنزل التوراة على موسى؟ فلم قلت ما أنزل الله ~~على بشر من شيء؟ فقال مالك بن الصيف أغضبني محمد فقلت ذلك، فقالوا له: وأنت ~~إذا غضبت تقول [على الله] (2) غير الحق فنزعوه من الحبرية، وجعلوا مكانه ~~كعب بن الأشرف. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قالت اليهود: يا محمد أنزل الله عليك ~~كتابا؟ قال: نعم، قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا، فأنزل الله: ~~"وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء"، فقال الله ~~تعالى: {قل} لهم، {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} (3) ~~يعني التوراة، {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} أي: تكتبون عنه دفاتر ~~وكتبا مقطعة تبدونها، أي: تبدون ما تحبون وتخفون كثيرا من نعت محمد صلى ~~الله عليه ms0862 وسلم وآية الرجم. قرأ ابن كثير وأبو عمرو " يجعلونه " " ويبدونها ~~" " ويخفونها "، بالياء جميعا، لقوله تعالى {وما قدروا الله حق قدره} وقرأ ~~الآخرون بالتاء، لقوله تعالى {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} # وقوله {وعلمتم ما لم تعلموا} [الأكثرون على أنها خطاب لليهود، يقول: ~~علمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تعلموا] (4) {أنتم ولا ~~آباؤكم} قال الحسن: جعل لهم علم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فضيعوه ~~ولم ينتفعوا به. # وقال مجاهد: هذا خطاب للمسلمين يذكرهم النعمة فيما علمهم على لسان محمد ~~صلى الله عليه وسلم. # {قل الله} هذا راجع إلى قوله {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} فإن ~~أجابوك وإلا فقل أنت: الله، أي: قل أنزله الله، {ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} ~~PageV03P167 ### || # {وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها ~~والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (92) ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ~~ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم ~~أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق ~~وكنتم عن آياته تستكبرون (93) } # {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} أي: القرآن كتاب مبارك أنزلناه {مصدق الذي بين ~~يديه ولتنذر} يا محمد، قرأ أبو بكر عن عاصم " ولينذر " بالياء أي: ولينذر ~~الكتاب، {أم القرى} يعني: مكة سميت أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها، فهي ~~أصل الأرض كلها كالأم أصل النسل، وأراد أهل أم القرى {ومن حولها} أي: أهل ~~الأرض كلها شرقا وغربا {والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به} بالكتاب، {وهم ~~على صلاتهم} يعني: الصلواات الخمس، {يحافظون} يداومون، يعني: المؤمنين. # قوله عز وجل: {ومن أظلم ممن افترى} أي: اختلق {على الله كذبا} فزعم أن ~~الله تعالى بعثه نبيا، {أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} قال قتادة: نزلت ~~في مسيلمة الكذاب الحنفي، وكان يسجع ويتكهن، ms0863 فادعى النبوة وزعم أن الله ~~أوحى إليه، وكان قد أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولين، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لهما: أتشهدان أن مسيلمة نبي؟ قالا نعم، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما" (1) . # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر الزيادي أنا أبو بكر محمد بن ~~الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن ~~منبه أنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا أنا نائم ~~إذ أتيت خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب، فكبرا علي وأهماني 121/ب ~~فأوحي إلي أن انفخهما، فنفختهما فذهبا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا ~~بينهما: صاحب صنعاء وصاحب اليمامة" (2) أراد بصاحب صنعاء الأسود العنسي ~~وبصاحب اليمامة مسيلمة الكذاب. . PageV03P168 # قوله تعالى: {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} قيل: نزلت في عبد الله بن ~~سعد بن أبي سرح وكان قد أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وكان +إذ ~~أملى عليه: سميعا بصيرا، كتب عليما حكيما، وإذا قال: عليما حكيما، كتب: ~~غفورا رحيما، فلما نزلت: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" (المؤمنون، ~~12) أملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد الله من تفصيل خلق ~~الإنسان، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~اكتبها فهكذا نزلت، فشك عبد الله، وقال: لئن كان محمد صادقا فقد أوحي إلي ~~كما أوحي إليه، فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، ثم رجع عبد الله إلى ~~الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران (1) . # وقال ابن عباس: قوله {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} يريد المستهزئين، ~~وهو جواب لقولهم: {لو نشاء لقلنا مثل هذا} # قوله عز وجل: {ولو ترى} يا محمد، {إذ الظالمون في غمرات الموت} سكراته ~~وهي جمع غمرة، وغمرة كل شيء: معظمه، وأصلها: الشيء الذي [يعم] (2) الأشياء ~~فيغطيها، ثم وضعت في موضع الشدائد والمكاره، ms0864 {والملائكة باسطو أيديهم} ~~بالعذاب والضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم، وقيل بقبض الأرواح، {أخرجوا} أي: ~~يقولون أخرجوا، {أنفسكم} أي: أرواحكم كرها، لأن نفس المؤمن تنشط للقاء ~~ربها، والجواب محذوف، يعني: لو تراهم في هذه الحال لرأيت عجبا، {اليوم ~~تجزون عذاب الهون} أي: الهوان، {بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم ~~عن آياته تستكبرون} تتعظمون عن الإيمان بالقرآن ولا تصدقونه. ### || # {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ~~وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ~~ما كنتم تزعمون (94) } # {ولقد جئتمونا فرادى} هذا خبر من الله أنه يقول للكفار يوم القيامة: ولقد ~~جئتمونا فرادى وحدانا، لا مال معكم ولا زوج ولا ولد ولا خدم، وفرادى جمع ~~فردان، مثل سكران وسكارى، وكسلان وكسالى، وقرأ الأعرج فردى بغير ألف مثل ~~سكرى، {كما خلقناكم أول مرة} عراة حفاة غرلا PageV03P169 # {وتركتم} خلفتم {ما خولناكم} أعطيناكم من الأموال والأولاد والخدم، {وراء ~~ظهوركم} خلف ظهوركم في الدنيا، {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم ~~فيكم شركاء} وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام لأنهم شركاء الله ~~وشفعاؤهم عنده، {لقد تقطع بينكم} قرأ أهل المدينة والكسائي وحفص عن عاصم ~~بنصب النون، أي: لقد تقطع ما بينكم من الوصل، أو تقطع الأمر بينكم. وقرأ ~~الآخرون "بينكم" برفع النون، أي: لقد تقطع [وصلكم] (1) وذلك مثل قوله: ~~"وتقطعت بهم الأسباب" (البقرة، 166) ، أي: الوصلات، والبين من الأضداد يكون ~~وصلا ويكون هجرا، {وضل عنكم ما كنتم تزعمون} PageV03P170 ### || # {إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم ~~الله فأنى تؤفكون (95) فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ~~ذلك تقدير العزيز العليم (96) وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ~~ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون (97) وهو الذي أنشأكم من ~~نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون (98) } # قوله عز وجل: {إن الله فالق الحب والنوى} الفلق الشق، قال الحسن وقتادة ~~والسدي: معناه يشق الحبة عن السنبلة ms0865 والنواة عن النخلة فيخرجها منها، والحب ~~جمع الحبة، وهي اسم لجميع البذور والحبوب من البر والشعير والذرة، وكل ما ~~لم يكن له نوى، [وقال الزجاج: يشق الحبة اليابسة والنواة اليابسة فيخرج ~~منها أوراقا خضرا. # وقال مجاهد: يعني الشقين اللذين فيهما، أي: يشق الحب عن النبات ويخرجه ~~منه ويشق النوى عن النخل ويخرجها منه] (1) . # والنوى جمع النواة، وهي كل ما لم يكن حبا، كالتمر والمشمش والخوخ ونحوها. # وقال الضحاك: فالق الحب والنوى يعني: خالق الحب والنوى، {يخرج الحي من ~~الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون} تصرفون عن الحق. # {فالق الإصباح} شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وكاشفه [وهو أول ما يبدو من ~~النهار PageV03P170 # يريد مبدئ الصبح وموضحه] (1) . # وقال الضحاك: خالق النهار، والإصباح مصدر كالإقبال والإدبار، وهو الإضاءة ~~وأراد به الصبح. {وجعل الليل سكنا} يسكن فيه خلقه، وقرأ أهل الكوفة: " وجعل ~~" على الماضي، " الليل " نصب اتباعا للمصحف، وقرأ إبراهيم النخعي {فالق ~~الإصباح} {وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا} أي: جعل الشمس والقمر ~~بحساب معلوم لا يجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما، والحسبان مصدر ~~كالحساب، {ذلك تقدير العزيز العليم} # قوله عز وجل: {وهو الذي جعل لكم النجوم} أي خلقها لكم، {لتهتدوا بها في ~~ظلمات البر والبحر} # والله تعالى خلق النجوم لفوائد: # أحدها هذا: وهو أن [راكب البحر] (2) والسائر في القفار يهتدي بها في ~~الليالي إلى مقاصده. # والثاني: أنها زينة للسماء كما قال: "ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح" ~~(الملك، 5) . # ومنها: رمي الشياطين، كما قال: "وجعلناها رجوما للشياطين"، (الملك، 5) . # {قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون} # {وهو الذي أنشأكم} خلقكم وابتدأكم، {من نفس واحدة} يعني: آدم عليه ~~السلام، {فمستقر ومستودع} قرأ ابن كثير وأهل البصرة " فمستقر " بكسر القاف، ~~يعني: فمنكم مستقر ومنكم مستودع، وقرأ الآخرون بفتح القاف، أي: فلكم مستقر ~~ومستودع. # واختلفوا في المستقر والمستودع، قال عبد الله بن مسعود: فمستقر في الرحم ~~إلى أن يولد، ومستودع في القبر إلى أن يبعث. # وقال سعيد بن جبير وعطاء: فمستقر في أرحام الأمهات ومستودع في أصلاب ms0866 ~~الآباء، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس قال سعيد بن جبير: قال لي ابن عباس هل ~~تزوجت قلت: لا قال: إنه ما كان من مستودع في ظهرك فيستخرجه الله عز وجل. # وروي عن أبي أنه قال: مستقر في أصلاب الآباء، ومستودع في أرحام الأمهات. # وقيل: مستقر في الرحم ومستودع فوق الأرض، قال الله تعالى: "ونقر في ~~الأرحام ما نشاء" (الحج، 5) . PageV03P171 # وقال مجاهد: مستقر على ظهر الأرض في الدنيا ومستودع عند الله في الآخرة، ~~ويدل عليه قوله تعالى: "ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين" (البقرة، 36) . # وقال الحسن: المستقر في القبور والمستودع في الدنيا، وكان يقول: يا ابن ~~آدم أنت وديعة في أهلك ويوشك أن تلحق بصاحبك. # وقيل: المستودع القبر والمستقر الجنة والنار، لقوله عز وجل في صفة الجنة ~~والنار: "حسنت مستقرا" (الفرقان، 76) "وساءت مستقرا" (الفرقان، 66) ، {قد ~~فصلنا الآيات لقوم يفقهون} ### || # {وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا ~~نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب ~~والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ~~ذلكم لآيات لقوم يؤمنون (99) } # {وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به} أي: بالماء، {نبات كل شيء ~~فأخرجنا منه} أي من الماء، وقيل: من النبات، {خضرا} يعني: أخضر، مثل العور ~~والأعور، يعني: ما كان رطبا أخضر مما ينبت من القمح والشعير ونحوهما، {نخرج ~~منه حبا متراكبا} أي متراكما بعضه على بعض 122\أمثل سنابل البر والشعير ~~والأرز وسائر الحبوب، {ومن النخل من طلعها} والطلع أول ما يخرج من ثمر ~~النخل، {قنوان} جمع قنو وهو العذق، مثل صنو وصنوان، ولا نظير لهما في ~~الكلام، {دانية} أي: قريبة المتناول ينالها القائم والقاعد، وقال مجاهد: ~~متدلية، وقال الضحاك: قصار ملتزقة بالأرض، وفيه اختصار معناه: ومن النخل ما ~~قنوانها دانية ومنها ما هي بعيدة، فاكتفى بذكر القريبة عن البعيدة لسبقه ~~إلى الأفهام، كقوله تعالى: "سرابيل تقيكم الحر" (النمل، 81) يعني: الحر ~~والبرد فاكتفى بذكر أحدهما {وجنات ms0867 من أعناب} أي: وأخرجنا منه جنات، وقرأ ~~الأعمش عن عاصم " وجنات " بالرفع نسقا على قوله " قنوان " وعامة القراء على ~~خلافه، {والزيتون والرمان} يعني: وشجر الزيتون [وشجر] (1) الرمان، {مشتبها ~~وغير متشابه} قال قتادة: معناه مشتبها ورقها مختلفا ثمرها، لأن ورق الزيتون ~~يشبه ورق الرمان، وقيل: مشتبه في المنظر مختلف في الطعم، {انظروا إلى ثمره} ~~قرأ حمزة والكسائي بضم الثاء والميم، هذا وما بعده وفي "يس" على جمع ~~PageV03P172 # الثمار، وقرأ الآخرون [بفتحهما] (1) على جمع الثمرة، مثل: بقرة وبقر، ~~{إذا أثمر وينعه} ونضجه وإدراكه، {إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} ### || # {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه ~~وتعالى عما يصفون (100) بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له ~~صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) } PageV03P173 # {ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ~~(102) } # قوله عز وجل: {وجعلوا لله شركاء الجن} يعني: الكافرين جعلوا لله الجن ~~شركاء، {وخلقهم} يعني: وهو خلق الجن. # قال الكلبي: نزلت في الزنادقة، أثبتوا الشركة لإبليس في الخلق، فقالوا: ~~[الله خالق] (1) النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة ~~والسباع والحيات والعقارب، وهذا كقوله: "وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا"، ~~(الصافات، 158) وإبليس من الجنة، {وخرقوا} قرأ أهل المدينة "وخرقوا"، ~~بتشديد الراء على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف، أي: اختلقوا {له بنين ~~وبنات بغير علم} وذلك مثل قول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى المسيح ~~ابن الله، وقول كفار العرب الملائكة بنات الله، ثم نزه نفسه فقال: {سبحانه ~~وتعالى عما يصفون} # {بديع السماوات والأرض} أي: مبدعهما لا على مثال سبق، {أنى يكون له ولد} ~~أي: كيف يكون له ولد؟ {ولم تكن له صاحبة} زوجة، {وخلق كل شيء وهو بكل شيء ~~عليم} # {ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه} فأطيعوه، {وهو على ~~كل شيء وكيل} بالحفظ له وبالتدبير فيه، {لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار} الآية، يتمسك أهل الاعتزال بظاهر هذه الآية في نفي رؤية ms0868 الله عز ~~وجل عيانا. # ومذهب أهل السنة: إثبات رؤية الله عز وجل عيانا جاء به القرآن والسنة، ~~قال الله تعالى: "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"، (القيامة، 23) ، وقال: ~~"كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" PageV03P173 # (المطففين، 15) ، قال مالك رضي الله عنه: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم ~~القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"للذين أحسنوا الحسنى وزيادة" (يونس، 26) ، وفسره بالنظر إلى وجه الله عز ~~وجل (1) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا ~~محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا يوسف بن موسى ثنا عاصم بن يوسف ~~اليربوعي أنا أبو شهاب عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير ~~بن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم سترون ربكم عيانا" ~~(2) . ### || # {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) قد جاءكم ~~بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ (104) ~~وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون (105) } # وأما قوله: {لا تدركه الأبصار} علم أن الإدراك غير الرؤية لأن الإدراك ~~هو: الوقوف على كنه الشيء والإحاطة به، والرؤية: المعاينة، وقد تكون الرؤية ~~بلا إدراك، قال الله تعالى في قصة موسى "فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى ~~إنا لمدركون قال: كلا" (سورة الشعراء، 61) ، وقال "لا تخاف دركا ولا تخشى" ~~(سورة طه، 77) ، فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية، فالله عز وجل يجوز أن يرى ~~من غير إدراك وإحاطة كما يعرف في الدنيا ولا يحاط به، قال الله تعالى: (ولا ~~يحيطون به علما) ، (سورة طه، 110) ، فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم، قال سعيد ~~بن المسيب: لا تحيط به الأبصار، وقال عطاء: كلت أبصار المخلوقبن عن الإحاطة ~~به، وقال ابن عباس ومقاتل: لا تدركه الأبصار في الدنيا، وهو يرى في الآخرة، ~~قوله تعالى: {وهو يدرك الأبصار} لا يخفى عليه شيء ولا يفوته، {وهو اللطيف ~~الخبير} قال ابن عباس رضي الله عنهما: اللطيف بأوليائه [الخبير ms0869 بهم، وقال ~~الأزهري: معنى {اللطيف} ] (3) الرفيق بعباده، وقيل: اللطيف الموصل الشيء ~~باللين والرفق، وقيل: اللطيف الذي ينسي العباد ذنوبهم لئلا يخجلوا، وأصل ~~اللطف دقة النظر في الأشياء. # قوله عز وجل: {قد جاءكم بصائر من ربكم} يعني الحجج البينة التي تبصرون ~~بها الهدى PageV03P174 # من الضلالة والحق من الباطل، {فمن أبصر فلنفسه} أي: فمن عرفها وآمن بها ~~فلنفسه عمل، ونفعه له، {ومن عمي فعليها} أي: من عمي عنها فلم يعرفها ولم ~~يصدقها فعليها، أي: فبنفسه ضر، ووبال العمى عليه، {وما أنا عليكم بحفيظ} ~~برقيب أحصي عليكم أعمالكم، إنما أنا رسول إليكم أبلغكم رسالات ربي وهو ~~الحفيظ عليكم الذي لا يخفى عليه شيء من أفعالكم. # {وكذلك نصرف الآيات} نفصلها ونبينها في كل وجه، {وليقولوا} قيل: معناه ~~لئلا يقولوا، {درست} وقيل: هذه اللام لام العاقبة أي عاقبة أمرهم أن ~~يقولوا: درست، أي: قرأت على غيرك، وقيل: قرأت كتب أهل الكتاب، كقوله تعالى: ~~(فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) ، (القصص، 8) ، ومعلوم أنهم لم ~~يلتقطوه لذلك، ولكن أراد أن عاقبة أمرهم أن كان عدوا لهم. # قال ابن عباس: وليقولوا يعني: أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن درست، أي: ~~تعلمت من يسار وجبر، كانا عبدين من سبي الروم، ثم قرأت علينا تزعم أنه من ~~عند الله، من قولهم: درست الكتاب أدرس درسا ودراسة. # وقال الفراء: يقولون تعلمت من اليهود، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: "دارست" ~~بالألف، [أي: قارأت أهل الكتاب من المدارسة بين اثنين، تقول:] (1) قرأت ~~عليهم وقرأوا عليك. وقرأ ابن عامر ويعقوب: "درست" بفتح السين وسكون التاء، ~~أي: هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة، قد درست وانمحت، من قولهم: درس ~~الأثر يدرس دروسا. {ولنبينه لقوم يعلمون} قال ابن عباس: يريد أولياءه الذين ~~هداهم إلى سبيل الرشاد، وقيل: يعني أن تصريف الآيات ليشقى به قوم ويسعد به ~~قوم آخرون، فمن قال درست فهو شقي ومن تبين له الحق فهو سعيد. ### || # {اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) ولو ~~شاء الله ms0870 ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل (107) ولا ~~تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل ~~أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) } # {اتبع ما أوحي إليك من ربك} يعني: القرآن اعمل به، {لا إله إلا هو وأعرض ~~عن المشركين} فلا تجادلهم. PageV03P175 # {ولو شاء الله ما أشركوا} أي: لو شاء لجعلهم مؤمنين، {وما جعلناك عليهم ~~حفيظا} رقيبا قال عطاء: وما جعلناك عليهم حفيظا تمنعهم مني، أي: لم تبعث ~~لتحفظ المشركين عن العذاب إنما بعثت مبلغا. {وما أنت عليهم بوكيل} # قوله عز وجل: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} الآية 122/ب قال ابن ~~عباس: لما نزلت "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم" (الأنبياء، 98) قال ~~المشركون: يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك، فنهاهم الله تعالى ~~أن يسبوا أوثانهم. # وقال قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فنهاهم الله عز وجل عن ~~ذلك، لئلا يسبوا الله فإنهم قوم جهلة. # وقال السدي: لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا ~~الرجل فلنأمرنه أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول ~~العرب: كان يمنعه عمه فلما مات قتلوه. فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن ~~الحارث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة [بن أبي معيط وعمرو بن العاص، والأسود ~~بن] (1) البختري إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن ~~محمدا قد آذانا وآلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعنه ~~وإلهه، فدعاه فقال: هؤلاء قومك يقولون نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك، ~~فقد أنصفك قومك فاقبل منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أرأيتم إن ~~أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها ~~العجم؟ " قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها، فما هي؟ قال: ~~"قولوا لا إله إلا الله" فأبوا ونفروا، فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن ~~أخي، فقال: يا ms0871 عم ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في ~~يدي، فقالوا: لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك، فأنزل ~~الله عز وجل: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} (2) يعني الأوثان، ~~{فيسبوا الله عدوا} أي: اعتداء وظلما، {بغير علم} # وقرأ يعقوب " عدوا " بضم العين والدال وتشديد الواو، فلما نزلت هذه الآية ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "لا تسبوا ربكم"، فأمسك ~~المسلمون عن سب آلهتهم. # فظاهر الآية، وإن كان نهيا عن سب الأصنام، فحقيقته النهي عن سب الله، ~~لأنه سبب لذلك. PageV03P176 # {كذلك زينا لكل أمة عملهم} [أي: كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة الأوثان ~~وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان، كذلك زينا لكل أمة عملهم] (1) من الخير ~~والشر والطاعة والمعصية، {ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم} ويجازيهم، {بما ~~كانوا يعملون} ### || # {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات ~~عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) } # قوله عز وجل: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} الآية. قال محمد بن كعب القرظي ~~والكلبي: قالت قريش يا محمد إنك تخبرنا أن موسى كان معه عصى يضرب بها الحجر ~~فينفجر منه اثنتا عشرة عينا، وتخبرنا أن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى ~~فأتنا من الآيات حتى نصدقك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي شيء ~~تحبون؟ قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا أو ابعث لنا بعض أمواتنا حتى نسأله عنك ~~أحق ما تقول أم باطل، أو أرنا الملائكة يشهدون لك، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني؟ قالوا: نعم والله لئن فعلت ~~لنتبعنك أجمعين، وسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها ~~عليهم حتى يؤمنوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يجعل ~~الصفا ذهبا فجاءه جبريل عليه السلام، فقال له: اختر ما شئت إن شئت أصبح ~~ذهبا ولكن إن لم يصدقوا عذبتهم، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: بل ms0872 يتوب تائبهم، فأنزل الله عز وجل: {وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم} (2) أي: حلفوا بالله جهد أيمانهم، أي: بجهد أيمانهم، ~~يعني أوكد ما قدروا عليه من الأيمان وأشدها. # قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله، فهو جهد يمينه. # {لئن جاءتهم آية} كما جاءت من قبلهم من الأمم، {ليؤمنن بها قل} يا محمد، ~~{إنما الآيات عند الله} والله قادر على إنزالها، {وما يشعركم} وما يدريكم. # واختلفوا في المخاطبين بقوله {وما يشعركم} فقال بعضهم: الخطاب للمشركين ~~الذين أقسموا. # وقال بعضهم: الخطاب للمؤمنين. # وقوله تعالى: {أنها إذا جاءت لا يؤمنون} قرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو ~~بكر عن عاصم PageV03P177 # " إنها " بكسر الألف على الابتداء، وقالوا: تم الكلام عند قوله {وما ~~يشعركم} فمن جعل الخطاب للمشركين قال: معناه: وما يشعركم أيها [المشركون] ~~(1) أنها لو جاءت آمنتم؟ ومن جعل الخطاب للمؤمنين قال معناه: وما يشعركم ~~أيها المؤمنون أنها لو جاءت آمنوا؟ لأن المسلمين كانوا يسألون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله حتى يريهم ما اقترحوا حتى يؤمنوا فخاطبهم ~~بقوله: {وما يشعركم} ثم ابتدأ فقال جل ذكره: {أنها إذا جاءت لا يؤمنون} ~~وهذا في قوم مخصوصين [حكم الله عليهم بأنهم لا يؤمنون] ، وقرأ الآخرون: ~~"أنها" بفتح الألف وجعلوا الخطاب للمؤمنين، واختلفوا في قوله: {لا يؤمنون} ~~(2) فقال الكسائي: {لا} صلة، ومعنى الآية: وما يشعركم أيها المؤمنون أن ~~الآيات إذا جاءت المشركين يؤمنون؟ كقوله تعالى "وحرام على قرية أهلكناها ~~أنهم لا يرجعون" (الأنبياء، 95) ، أي: يرجعون وقيل: إنها بمعنى لعل، وكذلك ~~هو في قراءة أبي، تقول العرب: اذهب إلى السوق أنك تشتري شيئا، أي: لعلك، ~~وقال عدي بن زيد: # أعاذل ما يدريك أن منيتي %~% إلى ساعة في اليوم أو في ضحى ~~الغد (3) # أي: لعل منيتي، وقيل: فيه حذف وتقديره: وما يشعركم أنها إذا جاءت [يؤمنون ~~أو لا يؤمنون؟ وقرأ ابن عامر وحمزة " لا تؤمنون " بالتاء على الخطاب للكفار ~~واعتبروا بقراءة أبي: إذا جاءتكم] (4) لا تؤمنون، وقرأ الآخرون بالياء على ~~الخبر، دليلها قراءة الأعمش: أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون. ms0873 ### || # {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون (110) } PageV03P178 # {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ~~ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (111) } # {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} قال ابن عباس: يعني ~~ونحول بينهم وبين الإيمان، فلو جئناهم بالآيات التي سألوا ما آمنوا بها كما ~~لم يؤمنوا به أول مرة، أي: كما لم يؤمنوا بما قبلها من الآيات من انشقاق ~~القمر وغيره، وقيل: كما لم يؤمنوا به أول مرة، يعني معجزات موسى وغيره من ~~الأنبياء عليهم السلام، كقوله تعالى (أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل) ، ~~(القصص، 48) ، وفي الآية محذوف تقديره فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة، وقال علي بن أبي طلحة عن # PageV03P178 # ابن عباس: المرة الأولى دار الدنيا، يعني لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا ~~نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان كما لم يؤمنوا في الدنيا قبل مماتهم، كما ~~قال: "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه" (الأنعام، 28) {ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون} قال عطاء: نخذلهم وندعهم في ضلالتهم يتمادون. # {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة} فرأوهم عيانا، {وكلمهم الموتى} بإحيائنا ~~إياهم فشهدوا لك بالنبوة كما سألوا، {وحشرنا} وجمعنا، {عليهم كل شيء قبلا} ~~قرأ أهل المدينة وابن عامر " قبلا " بكسر القاف وفتح الباء، أي معاينة، ~~وقرأ الآخرون بضم القاف والباء، هو جمع قبيل، وهو الكفيل، مثل رغيف ورغف، ~~وقضيب وقضب 123\أأي: ضمناء وكفلاء، وقيل: هو جمع قبيل وهو القبيلة، أي: ~~فوجا فوجا، وقيل: هو بمعنى المقابلة والمواجهة، من قولهم: أتيتك قبلا لا ~~دبرا إذا أتاه من قبل وجهه، {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} ذلك، ~~{ولكن أكثرهم يجهلون} ### || # {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) ولتصغى إليه ~~أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون (113) } # {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا} أي: أعداء فيه تعزية للنبي صلى ms0874 الله عليه ~~وسلم، يعني كما ابتليناك بهؤلاء القوم، فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك أعداء، ثم ~~فسرهم فقال: {شياطين الإنس والجن} قال عكرمة والضحاك والسدي والكلبي: معناه ~~شياطين الإنس التي مع الإنس، وشياطين الجن التي مع الجن، وليس للإنس ~~شياطين، وذلك أن إبليس جعل جنده فريقين فبعث فريقا منهم إلى الإنس وفريقا ~~منهم إلى الجن، وكلا الفريقين أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ولأوليائه، ~~وهم الذين يلتقون في كل حين، فيقول [شيطان] (1) الإنس [لشيطان] الجن: أضللت ~~صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله، وتقول شياطين الجن لشياطين الإنس كذلك، فذلك ~~وحي بعضهم إلى بعض. # قال قتادة ومجاهد والحسن: إن من الإنس شياطين كما أن من الجن شياطين، ~~والشيطان: العاتي المتمرد من كل شيء، قالوا: إن الشيطان إذا أعياه المؤمن ~~وعجز من إغوائه ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ~~ليفتنه، يدل عليه ما روي عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس"؟ فقلت: يا رسول الله وهل ~~للإنس من شياطين؟ PageV03P179 # قال: "نعم، هم شر من شياطين الجن" (1) . # وقال مالك بن دينار: إن شياطين الإنس أشد علي من شياطين الجن، وذلك أني ~~إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى ~~المعاصي عيانا. # قوله تعالى: {يوحي بعضهم إلى بعض} أي: يلقي، {زخرف القول} وهو قول مموه ~~مزين بالباطل لا معنى تحته، {غرورا} يعني: لهؤلاء الشياطين يزينون الأعمال ~~القبيحة لبني آدم، يغرونهم غرورا، والغرور: القول الباطل، {ولو شاء ربك ما ~~فعلوه} أي: ما ألقاه الشيطان من الوسوسة [في القلوب] (2) {فذرهم وما ~~يفترون} # {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي: تميل إليه، والصغو: ~~الميل، يقال: صغو فلان معك، أي: ميله، والفعل منه: صغى يصغي، صغا، وصغى ~~يصغى، ويصغو صغوا، والهاء في "إليه" راجعة إلى زخرف القول: {وليرضوه ~~وليقترفوا} ليكتسبوا، {ما هم مقترفون} يقال: اقترف فلان مالا إذا اكتسبه، ~~وقال تعالى: (ومن يقترف حسنة) (الشورى، 23) ، وقال الزجاج: أي ليعملوا ms0875 من ~~الذنوب ما هم عاملون. ### || # {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) وتمت ~~كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115) وإن تطع أكثر ~~من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ~~(116) إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117) } # قوله عز وجل: {أفغير الله} فيه إضمار أي: قل لهم يا محمد أفغير الله، ~~{أبتغي} أطلب {حكما} قاضيا بيني وبينكم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك حكما فأجابهم به، {وهو الذي أنزل إليكم ~~الكتاب مفصلا} مبينا فيه أمره ونهيه، يعني: القرآن، وقيل: مفصلا أي خمسا ~~خمسا وعشرا وعشرا، كما قال: (لنثبت به فؤادك) (الفرقان، 32) ، {والذين ~~آتيناهم الكتاب} PageV03P180 # يعني: علماء اليهود والنصارى الذين آتيناهم التوراة والإنجيل، وقيل: هم ~~مؤمنو أهل الكتاب، وقال عطاء: هم رءوس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد بالكتاب هو القرآن، {يعلمون أنه منزل} يعني: القرآن، قرأ ابن عامر ~~[وحفص] (1) " منزل " بالتشديد من التنزيل لأنه أنزل نجوما متفرقة، وقرأ ~~الآخرون بالتخفيف من الإنزال، لقوله تعالى: "وهو الذي أنزل إليكم الكتاب"، ~~{من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين} من الشاكين أنهم يعلمون ذلك. # قوله عز وجل: {وتمت كلمة ربك} قرأ أهل الكوفة ويعقوب " كلمة " على ~~التوحيد، وقرأ الآخرون (كلمات) بالجمع، وأراد بالكلمات أمره ونهيه ووعده ~~ووعيده، {صدقا وعدلا} أي: صدقا في الوعد والوعيد، وعدلا في الأمر والنهي، ~~قال قتادة ومقاتل: صادقا فيما وعد وعدلا فيما حكم، {لا مبدل لكلماته} قال ~~ابن عباس: لا راد لقضائه ولا مغير لحكمه ولا خلف لوعده، {وهو السميع ~~العليم} قيل: أراد بالكلمات القرآن لا مبدل له، لا يزيد فيه المفترون ولا ~~ينقصون. # {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} عن دين الله، وذلك أن ~~أكثر أهل الأرض كانوا على الضلالة، وقيل: أراد أنهم جادلوا رسول الله ms0876 صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين في أكل الميتة، وقالوا: أتأكلون ما تقتلون ولا ~~تأكلون ما قتله الله عز وجل؟ فقال: {وإن تطع أكثر من في الأرض} أي: وإن ~~تطعهم في أكل الميتة يضلوك عن سبيل الله، {إن يتبعون إلا الظن} يريد أن ~~دينهم الذي هم عليه ظن [وهوى] (2) لم يأخذوه عن بصيرة، {وإن هم إلا يخرصون} ~~يكذبون. # {إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله} قيل: موضع "من" نصب بنزع حرف الصفة، ~~أي: بمن يضل، وقال الزجاج: موضعه رفع بالابتداء، ولفظها لفظ الاستفهام، ~~والمعنى: إن ربك هو أعلم أي الناس من يضل عن سبيله، {وهو أعلم بالمهتدين} ~~أخبر أنه أعلم بالفريقين الضالين والمعتدين فيجازي كلا بما يستحقه. ### || # {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118) } PageV03P181 # {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ~~ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين (119) } # قوله عز وجل: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} أي: كلوا مما ذبح على اسم ~~الله، {إن كنتم بآياته مؤمنين} # PageV03P181 # وذلك أنهم كانوا يحرمون أصنافا من النعم ويحلون الأموات، فقيل لهم: أحلوا ~~ما أحل الله وحرموا ما حرم الله. # ثم قال: {وما لكم} يعني: أي شيء لكم، {ألا تأكلوا} وما يمنعكم من أن ~~تأكلوا {مما ذكر اسم الله عليه} من الذبائح، {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} ~~قرأ أهل المدينة ويعقوب وحفص " فصل " و" حرم " بالفتح فيهما أي فصل الله ما ~~حرمه عليكم، لقوله {اسم الله} وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بضم الفاء ~~والحاء وكسر الصاد والراء على غير تسمية الفاعل، لقوله {ذكر} وقرأ حمزة ~~والكسائي وأبو بكر " فصل " بالفتح و" حرم " بالضم، وأراد بتفصيل المحرمات ~~ما ذكر في قوله تعالى "حرمت عليكم الميتة والدم" (المائدة، 3) ، {إلا ما ~~اضطررتم إليه} من هذه الأشياء فإنه حلال لكم عند الاضطرار، {وإن كثيرا ~~ليضلون} قرأ أهل الكوفة بضم الياء وكذلك قوله (ليضلوا) في سورة ms0877 يونس، لقوله ~~تعالى: (يضلوك عن سبيل الله) ، وقيل: أراد به عمرو بن لحي فمن دونه من ~~المشركين الذين اتخذوا البحائر والسوائب، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله: {من ~~يضل} {بأهوائهم بغير علم} حين امتنعوا من أكل ما ذكر اسم الله عليه ودعوا ~~إلى أكل الميتة 123/ب {إن ربك هو أعلم بالمعتدين} الذين يجاوزون الحلال إلى ~~الحرام. ### || # {وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا ~~يقترفون (120) ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) } # {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} يعني: الذنوب كلها لأنها لا تخلو من هذين ~~الوجهين، قال قتادة: علانيته وسره، وقال مجاهد: ظاهر الإثم ما يعمله ~~بالجوارح من الذنوب، وباطنه ما ينويه ويقصده بقلبه كالمصر على الذنب القاصد ~~له. # وقال الكلبي: ظاهره الزنا وباطنه المخالة، وأكثر المفسرين على أن ظاهر ~~الإثم الإعلان بالزنا، وهم أصحاب الروايات، وباطنه الاستسرار به، وذلك أن ~~العرب كانوا يحبون الزنا فكان الشريف منهم يتشرف، فيسر به، وغير الشريف لا ~~يبالي به فيظهره، فحرمهما الله عز وجل، وقال سعيد بن جبير: ظاهر الإثم نكاح ~~المحارم وباطنه الزنا. # PageV03P182 # وقال ابن زيد: ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعري في [الطواف] (1) ~~والباطن الزنا، وروى حبان عن الكلبي: ظاهر الإثم طواف الرجال بالبيت نهارا ~~عراة، وباطنه طواف النساء بالليل عراة، {إن الذين يكسبون الإثم سيجزون} في ~~الآخرة، {بما كانوا يقترفون} [يكتسبون في الدنيا] (2) . # قوله عز وجل: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: الآية في تحريم الميتات وما في معناها من المنخنقة وغيرها. # وقال عطاء: الآية في تحريم الذبائح التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام. # واختلف أهل العلم في ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم الله عليها: فذهب قوم ~~إلى تحريمها سواء ترك التسمية عامدا أو ناسيا، وهو قول ابن سيرين والشعبي، ~~واحتجوا بظاهر هذه الآية. # وذهب قوم إلى تحليلها، يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول مالك والشافعي وأحمد ms0878 ~~رضوان الله عليهم أجمعين. # وذهب قوم إلى أنه إن ترك التسمية عامدا لا يحل، وإن تركها ناسيا يحل، حكى ~~الخرقي من أصحاب أحمد: أن هذا مذهبه، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي. # من أباحها قال: المراد من الآية الميتات أو ما ذبح على غير اسم الله ~~بدليل أنه قال: {وإنه لفسق} والفسق في ذكر اسم غير الله كما قال في آخر ~~السورة {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم} إلى قوله {أو فسقا أهل ~~لغير الله به} # واحتج من أباحها بما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد ~~الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا يوسف بن موسى ~~ثنا أبو خالد الأحمر قال سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة رضي الله ~~عنها، قالت: قالوا: يا رسول الله إن هنا أقواما حديث عهدهم بشرك يأتونا ~~بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: اذكروا أنتم اسم الله ~~وكلوا" (3) . # ولو كانت التسمية شرطا للإباحة لكان الشك في وجودها مانعا من أكلها كالشك ~~في أصل [الذبح] (4) . PageV03P183 # قوله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} أراد أن ~~الشياطين ليوسوسون إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوكم، وذلك أن المشركين ~~قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: الله قتلها، ~~قالوا: أفتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتله الكلب والصقر حلال، ~~وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله هذه الآية، {وإن أطعتموهم} في أكل الميتة، ~~{إنكم لمشركون} قال الزجاج: وفيه دليل على أن من أحل شيئا مما حرم الله أو ~~حرم ما أحل الله فهو مشرك. ### || # {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122) } # قوله عز وجل: {أومن كان ميتا فأحييناه} قرأ نافع " ميتا " و (لحم أخيه ~~ميتا) (الحجرات، 12) و (الأرض الميتة أحييناها) (سورة يس، 33) بالتشديد ~~فيهن، والآخرون بالتخفيف {فأحييناه} أي: كان ضالا ms0879 فهديناه، كان ميتا بالكفر ~~فأحييناه بالإيمان، {وجعلنا له نورا} يستضيء به، {يمشي به في الناس} على ~~قصد السبيل، قيل: النور هو الإسلام، لقوله تعالى "يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور" (البقرة، 257) ، وقال قتادة: هو كتاب الله بينة من الله مع المؤمن، ~~بها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي، {كمن مثله في الظلمات} المثل صلة، أي: ~~كمن هو في الظلمات، {ليس بخارج منها} يعني: من ظلمة الكفر. # قيل: نزلت هذه الآية في رجلين بأعيانهما، ثم اختلفوا فيهما، قال ابن ~~عباس: جعلنا له نورا، يريد حمزة بن عبد المطلب، كمن مثله في الظلمات يريد ~~أبا جهل بن هشام، وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث، ~~فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس، وحمزة لم يؤمن ~~بعد، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه، ويقول: يا أبا ~~يعلى أما ترى ما جاء به؟ سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا، فقال حمزة: ~~ومن أسفه منكم؟ تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله، فأنزل الله هذه الآية (1) . # وقال الضحاك: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل (2) . PageV03P184 # وقال عكرمة والكلبي: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل (1) . # {كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} من الكفر والمعصية، قال ابن عباس: ~~يريد زين لهم الشيطان عبادة الأصنام. ### || # {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا ~~بأنفسهم وما يشعرون (123) وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما ~~أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله ~~وعذاب شديد بما كانوا يمكرون (124) } # قوله عز وجل: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها} أي: كما أن فساق ~~مكة أكابرها، كذلك جعلنا فساق كل [قرية] (2) أكابرها، أي: عظماءها، جمع ~~أكبر، مثل أفضل وأفاضل، وأسود وأساود، وذلك سنة الله تعالى أنه جعل في كل ~~قرية أتباع الرسل ضعفاءهم، كما قال في قصة ms0880 نوح عليه السلام: (أنؤمن لك ~~واتبعك الأرذلون) (الشعراء، 111) ، وجعل فساقهم أكابرهم، {ليمكروا فيها} ~~وذلك أنهم أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس عن ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، يقولون لكل من يقدم: إياك وهذا الرجل ~~فإنه كاهن ساحر كذاب. {وما يمكرون إلا بأنفسهم} لأن وبال مكرهم يعود عليهم ~~{وما يشعرون} أنه كذلك. # قوله تعالى: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل ~~الله} يعني: مثل ما أوتي رسل الله من النبوة، وذلك أن الوليد بن المغيرة ~~قال: لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سنا وأكثر منك ~~مالا فأنزل الله تعالى هذه الآية (3) . # وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه قال: زاحمنا بنو عبد مناف في ~~الشرف حتى إنا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يوحى إليه، والله لا نؤمن ~~به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فأنزل الله عز وجل: {وإذا ~~جاءتهم} (4) حجة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: يعني أبا جهل، {لن ~~نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم. ~~PageV03P185 # ثم قال الله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} قرأ ابن كثير وحفص ~~رسالته على التوحيد، وقرأ الآخرون رسالاته بالجمع، يعني: الله أعلم بمن هو ~~أحق بالرسالة. {سيصيب الذين أجرموا صغار} ذل وهوان {عند الله} أي: من عند ~~الله، {وعذاب شديد بما كانوا يمكرون} 124\أقيل: صغار في الدنيا وعذاب شديد ~~في الآخرة. ### || # {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ~~(125) } # قوله عز وجل: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} أي: يفتح قلبه ~~وينوره حتى يقبل الإسلام، ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن شرح الصدر، فقال: "نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له ~~وينفسح"، قيل: ms0881 فهل لذلك [أمارة؟] (1) قال: "نعم، الإنابة إلى دار الخلود ~~والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت" (2) . # قوله تعالى: {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا} قرأ ابن كثير " ضيقا " ~~بالتخفيف هاهنا وفي الفرقان، والباقون بالتشديد، وهما لغتان مثل: هين وهين ~~ولين ولين، {حرجا} قرأ أهل المدينة وأبو بكر بكسر الراء والباقون بفتحها، ~~وهما لغتان أيضا مثل: الدنف والدنف، وقال سيبويه الحرج بالفتح: المصدر ~~[كالطلب، ومعناه ذا حرج] (3) وبالكسر الاسم، وهو أشد الضيق، يعني: يجعل ~~قلبه ضيقا حتى لا يدخله الإيمان، وقال الكلبي: ليس للخير فيه منفذ. وقال ~~ابن عباس: إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه، وإذا ذكر شيئا من عبادة الأصنام ~~ارتاح إلى ذلك. # وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية، فسأل أعرابيا من كنانة: ما ~~الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها ~~راعية ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر رضي الله عنه: كذلك قلب المنافق لا يصل ~~إليه شيء من الخير. PageV03P186 # {كأنما يصعد في السماء} قرأ ابن كثير: " يصعد "، بالتخفيف، وقرأ أبو بكر ~~عن عاصم " يصاعد " بالألف، أي يتصاعد، وقرأ الآخرون {يصعد} بتشديد الصاد ~~والعين، أي: يتصعد، يعني: يشق عليه الإيمان كما يشق عليه صعود السماء، وأصل ~~الصعود المشقة، ومنه قوله تعالى (سأرهقه صعودا) أي: عقبة شاقة، {كذلك يجعل ~~الله الرجس على الذين لا يؤمنون} قال ابن عباس: الرجس هو الشيطان، أي: يسلط ~~عليه، وقال الكلبي: هو المأثم، وقال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه. وقال ~~عطاء: الرجس العذاب مثل الرجس. وقيل: هو النجس. روي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال: " [اللهم إني] (1) أعوذ بك من الرجس ~~+والنجس" (2) . وقال الزجاج: الرجس اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة. ### || # {وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (126) لهم دار ~~السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) ويوم يحشرهم جميعا يا ~~معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ms0882 ~~ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء ~~الله إن ربك حكيم عليم (128) } # قوله عز وجل: {وهذا صراط ربك مستقيما} [أي: هذا الذي بينا، وقيل هذا الذي ~~أنت عليه يا محمد طريق ربك ودينه الذي ارتضاه لنفسه مستقيما] (3) لا عوج ~~فيه وهو الإسلام. {قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون} # {لهم دار السلام عند ربهم} يعني: الجنة: قال أكثر المفسرين: السلام هو ~~الله وداره الجنة، وقيل: السلام هو السلامة، [أي: لهم دار السلامة] (4) من ~~الآفات، وهي الجنة. وسميت دار السلام لأن كل من دخلها سلم من البلايا ~~والرزايا. PageV03P187 # وقيل: سميت بذلك لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلام، يقال في الابتداء: ~~(ادخلوها بسلام آمنين) (الحجر، 46) ، (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ~~سلام عليكم) (الرعد، 23) ، وقال: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا ~~سلاما سلاما) (الواقعة، 26) ، وقال: (تحيتهم فيها سلام) (إبراهيم، 23) ~~(سلام قولا من رب رحيم) (يس، 58) . {وهو وليهم بما كانوا يعملون} قال ~~[الحسين] (1) بن الفضل: يتولاهم في الدنيا بالتوفيق وفي الآخرة بالجزاء. # قوله عز وجل: {ويوم يحشرهم} قرأ حفص: {يحشرهم} بالياء، {جميعا} يعني: ~~الجن والإنس يجمعهم في موقف القيامة فيقول: {يا معشر الجن} والمراد بالجن: ~~الشياطين، {قد استكثرتم من الإنس} أي: استكثرتم من الإنس بالإضلال والإغواء ~~أي: أضللتم كثيرا، {وقال أولياؤهم من الإنس} يعني: أولياء الشياطين الذي ~~أطاعوهم من الإنس، {ربنا استمتع بعضنا ببعض} # قال الكلبي: استمتاع الإنس بالجن هو أن الرجل كان إذا سافر ونزل بأرض قفر ~~وخاف على نفسه من الجن قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت في ~~جوارهم. # وأما استمتاع الجن بالإنس: هو أنهم قالوا قد سدنا الإنس مع الجن، حتى ~~عاذوا بنا فيزدادون شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم، وهذا كقوله تعالى (وأنه ~~كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) (الجن، 6) . # وقيل: استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر ~~والكهانة وتزيينهم لهم الأمور التي يهوونها، وتسهيل سبيلها عليهم، واستمتاع ~~الجن بالإنس طاعة الإنس لهم ms0883 فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي. # قال محمد بن كعب: هو طاعة بعضهم بعضا وموافقة بعضهم [لبعض] (2) . # {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} يعني: القيامة والبعث، {قال} الله تعالى ~~{النار مثواكم} مقامكم، {خالدين فيها إلا ما شاء الله} # اختلفوا في هذا الاستثناء كما اختلفوا في قوله: (خالدين فيها ما دامت ~~السموات والأرض إلا ما شاء ربك) (هود، 107) . PageV03P188 # قيل: أراد إلا قدر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم، يعني: هم خالدون في ~~النار إلا هذا المقدار. # وقيل: الاستثناء يرجع إلى العذاب، وهو قوله {النار مثواكم} أي: خالدين في ~~النار سوى ما شاء الله من أنواع العذاب. # وقال ابن عباس: الاستثناء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون ~~فيخرجون من النار، و"ما" بمعنى "من" على هذا التأويل، {إن ربك حكيم عليم} ~~قيل: عليم بالذي استثناه وبما في قلوبهم من البر والتقوى. ### || # {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129) يا معشر الجن ~~والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين (130) } # {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} [قيل: أي] (1) كما ~~خذلنا عصاة الجن والإنس حتى استمتع بعضهم ببعض نولي بعض الظالمين بعضا، أي: ~~نسلط بعضهم على بعض، فنأخذ من الظالم بالظالم، كما جاء: "من أعان ظالما ~~سلطه الله عليه" (2) . # وقال قتادة: نجعل بعضهم أولياء بعض، فالمؤمن ولي المؤمن [أين كان] (3) ~~والكافر ولي الكافر حيث كان. وروي عن معمر عن قتادة: نتبع بعضهم بعضا في ~~النار، من الموالاة، وقيل: معناه نولي ظلمة الإنس ظلمة الجن، ونولي ظلمة ~~الجن ظلمة الإنس، أي: نكل بعضهم إلى بعض، كقوله تعالى: (نوله ما تولى) ~~(النساء، 115) ، وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في ~~تفسيرها هو: أن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولى أمرهم خيارهم، وإذا أراد ~~بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم. PageV03P189 # قوله عز وجل: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} ms0884 اختلفوا في أن ~~الجن هل أرسل إليهم منهم [رسول] (1) ؟ فسئل الضحاك عنه، فقال: بلى ألم تسمع ~~الله يقول {ألم يأتكم رسل منكم} يعني: بذلك رسلا من الإنس ورسلا من الجن. ~~قال الكلبي: كانت الرسل من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يبعثون إلى ~~الجن وإلى الإنس جميعا. # قال مجاهد: الرسل من الإنس، والنذر من الجن، ثم قرأ (ولوا إلى قومهم ~~منذرين) (الأحقاف، 29) ، وهم قوم يسمعون كلام الرسل فيبلغون الجن ما سمعوا، ~~وليس للجن رسل، فعلى هذا قوله "رسل منكم" ينصرف إلى أحد الصنفين وهم الإنس، ~~كما قال تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) (الرحمن، 22) 124/ب وإنما ~~يخرج من الملح دون العذب، قال: (وجعل القمر فيهن نورا) (نوح، 16) ، وإنما ~~هو في سماء واحدة. # {يقصون عليكم} أي: يقرؤن عليكم، {آياتي} كتبي {وينذرونكم لقاء يومكم هذا} ~~وهو يوم القيامة، {قالوا شهدنا على أنفسنا} أنهم قد بلغوا، قال مقاتل: وذلك ~~حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر. قال الله عز وجل: {وغرتهم الحياة ~~الدنيا} حتى لم يؤمنوا، {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} ### || # {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (131) } PageV03P190 # {ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (132) وربك الغني ذو ~~الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم ~~آخرين (133) إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين (134) } # {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم} أي: ذلك الذي قصصنا عليك من أمر ~~الرسل وعذاب من كذبهم، لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم، [أي: لم يكن ~~مهلكهم بظلم] (1) أي: بشرك من أشرك، {وأهلها غافلون} لم ينذروا حتى يبعث ~~إليهم رسلا ينذرونهم. # وقال الكلبي: لم يهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم الرسل. # وقيل: معناه لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل فيكون قد ظلمهم، ~~وذلك أن الله PageV03P190 # تعالى أجرى السنة أن لا يأخذ أحدا إلا بعد وجود الذنب، وإنما يكون مذنبا ~~إذا أمر فلم يأتمر ونهي فلم ينته، يكون ذلك بعد إنذار الرسل. # {ولكل درجات ms0885 مما عملوا} يعني في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في ~~الدنيا، فمنهم من هو أشد عذابا ومنهم من هو أجزل ثوابا، {وما ربك بغافل عما ~~يعملون} قرأ ابن عامر تعملون بالتاء والباقون بالياء. # {وربك الغني} عن خلقه، {ذو الرحمة} قال ابن عباس: [ذو الرحمة] (1) ~~بأوليائه وأهل طاعته، وقال الكلبي: بخلقه ذو التجاوز، {إن يشأ يذهبكم} ~~يهلككم، وعيد لأهل مكة، {ويستخلف} [يخلق] (2) وينشئ، {من بعدكم ما يشاء} ~~خلقا غيركم أمثل وأطوع، {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} أي: آبائهم الماضين ~~قرنا بعد قرن. # {إن ما توعدون} أي: ما توعدون من مجيء الساعة والحشر، {لآت} كائن، {وما ~~أنتم بمعجزين} أي: بفائتين، يعني: يدرككم الموت حيث ما كنتم. ### || # {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة ~~الدار إنه لا يفلح الظالمون (135) وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى ~~الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (136) وكذلك زين لكثير ~~من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء ~~الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (137) } # {قل} يا محمد {يا قوم اعملوا على مكانتكم} قرأ أبو بكر عن عاصم {مكانتكم} ~~بالجمع حيث كان أي: على تمكنكم، قال عطاء: على حالاتكم التي أنتم عليها. ~~قال الزجاج: اعملوا على ما أنتم عليه. يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على ~~حالة: على مكانتك يا فلان، أي: اثبت على ما أنت PageV03P191 # عليه، وهذا أمر وعيد على المبالغة يقول: قل لهم اعملوا على ما أنتم ~~عاملون، {إني عامل} ما أمرني به ربي عز وجل، {فسوف تعلمون من تكون له عاقبة ~~الدار} أي: الجنة، قرأ حمزة والكسائي: يكون بالياء هنا وفي القصص، وقرأ ~~الآخرون بالتاء لتأنيث العاقبة، {إنه لا يفلح الظالمون} قال ابن عباس: ~~معناه لا يسعد من كفر بي وأشرك. قال الضحاك: لا يفوز. # قوله عز وجل: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} الآية، ms0886 كان ~~المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا، ~~وللأوثان نصيبا فما جعلوه لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين، وما جعلوه ~~للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها، فإن سقط شيء مما جعلوه لله تعالى في ~~نصيب الأوثان تركوه وقالوا: إن الله غني عن هذا، وإن سقط شيء من [نصيب] (1) ~~الأصنام فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان، وقالوا: إنها محتاجة، وكان إذا ~~هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به، وإذا هلك أو انتقص شيء مما ~~جعلوا للأصنام جبروه بما جعلوه لله، فذلك قوله تعالى {وجعلوا لله مما ذرأ} ~~خلق {من الحرث والأنعام نصيبا} وفيه اختصار مجازه: وجعلوا لله نصيبا ~~ولشركائهم نصيبا. # {فقالوا هذا لله بزعمهم} قرأ الكسائي (بزعمهم) بضم الزاي، والباقون ~~بفتحها، وهما لغتان، وهو القول من غير حقيقة، {وهذا لشركائنا} يعني: ~~الأوثان، {فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم} ومعناه: ما قلنا أنهم [كانوا يتمون ما جعلوه للأوثان مما جعلوه ~~لله، ولا] (2) يتمون ما جعلوه لله مما جعلوه للأوثان. وقال قتادة كانوا إذا ~~أصابتهم سنة استعانوا بما جزءوا لله وأكلوا منه ووفروا ما جزءوا لشركائهم ~~ولم يأكلوا منه [شيئا] (3) {ساء ما يحكمون} أي: بئس ما [يصنعون] (4) . # {وكذلك زين لكثير من المشركين} أي: كما زين لهم تحريم الحرث والأنعام ~~كذلك زين لكثير من المشركين، {قتل أولادهم شركاؤهم} قال مجاهد شركاؤهم، أي: ~~شياطينهم زينوا وحسنوا لهم وأد البنات خيفة العيلة، سميت الشياطين شركاء ~~لأنهم أطاعوهم في معصية الله وأضيف الشركاء إليهم لأنهم اتخذوها. # وقال الكلبي: شركاؤهم: سدنة آلهتهم الذين كانوا يزينون للكفار قتل ~~الأولاد، فكان الرجل PageV03P192 # منهم يحلف لئن ولد له كذا غلاما لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ~~ابنه عبد الله. # وقرأ ابن عامر: "زين" بضم الزاي وكسر الياء، "قتل" رفع "أولادهم" نصب، ~~"شركائهم" بالخفض على التقديم، كأنه قال: زين لكثير من المشركين قتل ~~شركائهم أولادهم، فصل بين الفعل وفاعله بالمفعول به، وهم الأولاد، كما قال ~~الشاعر: # فزججته متمكنا %~% زج ms0887 القلوص أبي مزاده # أي: زج أبي مزادة القلوص، فأضيف الفعل وهو القتل إلى الشركاء، وإن لم ~~يتولوا ذلك لأنهم هم الذين زينوا ذلك ودعوا إليه، فكأنهم فعلوه. قوله عز ~~وجل {ليردوهم} ليهلكوهم، {وليلبسوا عليهم} ليخلطوا عليهم، {دينهم} قال ابن ~~عباس: ليدخلوا عليهم الشك في دينهم، وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه ~~بلبس الشيطان، {ولو شاء الله ما فعلوه} أي: لو شاء الله لعصمهم حتى ما ~~فعلوا ذلك من تحريم الحرث والأنعام وقتل الأولاد، {فذرهم} يا محمد، {وما ~~يفترون} يختلقون من الكذب، فإن الله تعالى لهم بالمرصاد. # PageV03P193 ### || # {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ~~ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون (138) وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على ~~أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) } # {وقالوا} يعني: المشركين، {هذه أنعام وحرث حجر} أي حرام، يعني: ما جعلوا ~~لله ولآلهتهم من الحرث والأنعام على ما مضى ذكره. وقال مجاهد: يعني ~~بالأنعام: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، {لا يطعمها إلا من نشاء ~~بزعمهم} يعنون الرجال دون النساء، {وأنعام حرمت ظهورها} يعني: الحوامي ~~كانوا لا يركبونها، {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} أي: يذبحونها باسم ~~الأصنام لا باسم الله، وقال أبو وائل: معناه لا يحجون عليها ولا يركبونها ~~لفعل الخير، لأنه لما جرت العادة بذكر اسم الله على فعل الخير عبر بذكر ~~الله تعالى عن فعل الخير. {افتراء عليه} يعني: أنهم يفعلون ذلك ويزعمون أن ~~الله أمرهم به افتراء عليه {سيجزيهم بما كانوا يفترون} # {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} أي: ~~نسائنا. قال # PageV03P193 # ابن عباس وقتادة والشعبي: أراد أجنة البحائر والسوائب، فما ولد منها حيا ~~فهو خالص للرجال دون النساء، وما ولد ميتا أكله الرجال والنساء جميعا، ~~وأدخل الهاء في ال " خالصة " للتأكيد كالخاصة والعامة، كقولهم: نسابة ~~وعلامة، وقال الفراء: أدخلت الهاء لتأنيث الأنعام لأن ما في بطونها مثلها ~~فأنثت ms0888 بتأنيثها. وقال الكسائي: خالص وخالصة واحد، مثل وعظ وموعظة. # {وإن يكن ميتة} قرأ ابن عامر [وأبو جعفر] (1) " تكن " بالتاء {ميتة} رفع، ~~ذكر الفعل بعلامة التأنيث، لأن الميتة في اللفظ مؤنثة. وقرأ أبو بكر عن ~~عاصم " تكن " بالتاء 125\أ {ميتة} نصب، أي: وإن تكن الأجنة ميتة، وقرأ ابن ~~كثير: {وإن يكن} بالياء {ميتة} رفع، لأن المراد بالميتة الميت، أي: وإن يقع ~~ما في البطون ميتا، وقرأ الآخرون {وإن يكن} بالياء {ميتة} نصب، رده إلى ~~{ما} أي: وإن يكن ما في البطون ميتة، [يدل عليه أنه قال] (2) {فهم فيه ~~شركاء} ولم يقل فيها، وأراد أن الرجال والنساء فيه شركاء، {سيجزيهم وصفهم} ~~أي: بوصفهم، أو على وصفهم الكذب على الله تعالى {إنه حكيم عليم} ### || # {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء ~~على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (140) وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير ~~معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه ~~كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ~~(141) } # {قد خسر الذين قتلوا أولادهم} قرأ ابن عامر وابن كثير " قتلوا " بتشديد ~~التاء على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف. {سفها} جهلا. {بغير علم} نزلت ~~في ربيعة ومضر وبعض العرب من غيرهم، كانوا يدفنون البنات أحياء مخافة السبي ~~والفقر، وكان بنو كنانة لا يفعلون ذلك (3) . # {وحرموا ما رزقهم الله} يعني: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، {افتراء ~~على الله} حيث قالوا: إن الله أمرهم بها، {قد ضلوا وما كانوا مهتدين} ~~PageV03P194 # قوله تعالى: {وهو الذي أنشأ} ابتدع. {جنات} بساتين، {معروشات وغير ~~معروشات} أي: +مسموكات مرفوعات وغير مرفوعات، وقال ابن عباس: معروشات: ما ~~انبسط على وجه الأرض وانتشر مما يعرش، مثل: الكرم والقرع والبطيخ وغيرها، ~~وغير معروشات. ما قام على ساق وبسق، مثل النخل والزرع وسائر الأشجار. # وقال الضحاك: كلاهما، الكرم خاصة، منها ما عرش ومنها ما لم يعرش. # {والنخل والزرع} أي: وأنشأ النخل والزرع، {مختلفا أكله} ثمره وطعمه منها ~~الحلو والحامض والجيد والرديء، ms0889 {والزيتون والرمان متشابها} في المنظر، ~~{وغير متشابه} في المطعم مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف، {كلوا ~~من ثمره إذا أثمر} هذا أمر إباحة. # {وآتوا حقه يوم حصاده} قرأ أهل البصرة وابن عامر وعاصم {حصاده} بفتح ~~الحاء، وقرأ الآخرون بكسرها ومعناهما واحد، كالصرام والصرام والجزاز ~~والجزاز. # واختلفوا في هذا الحق: فقال ابن عباس وطاووس والحسن وجابر بن زيد وسعيد ~~بن المسيب: إنها الزكاة المفروضة من العشر ونصف العشر. # وقال علي بن الحسين وعطاء ومجاهد وحماد والحكم: هو حق في المال سوى ~~الزكاة، أمر بإتيانه، لأن الآية مكية وفرضت الزكاة بالمدينة. # قال إبراهيم: هو الضغث. وقال الربيع: لقاط السنبل. # وقال مجاهد: كانوا [يعلقون] (1) العذق عند الصرام فيأكل منه من مر. # وقال يزيد بن الأصم: كان أهل المدينة إذا صرموا يجيئون بالعذق فيعلقونه ~~في جانب المسجد، فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فيسقط منه فيأخذه. # وقال سعيد بن جبير: كان هذا حقا يؤمر بإتيانه في ابتداء الإسلام فصار ~~منسوخا بإيجاب العشر. # وقال مقسم عن ابن عباس: نسخت الزكاة كل نفقة في القرآن. # {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} قيل: أراد بالإسراف إعطاء الكل. قال ~~ابن عباس في رواية الكلبي: إن ثابت بن قيس بن شماس صرم خمسمائة نخلة وقسمها ~~في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. (2) ~~PageV03P195 # قال السدي: لا تسرفوا أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. قال الزجاج: ~~على هذا إذا أعطى الإنسان كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف، لأنه ~~قد جاء في الخبر "ابدأ بمن تعول" (1) . وقال سعيد بن المسيب: معناه لا ~~تمنعوا الصدقة. فتأويل الآية على هذا: لا تتجاوز الحد في البخل والإمساك ~~حتى تمنعوا الواجب من الصدقة. # وقال مقاتل: لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام. # وقال الزهري: لا تنفقوا في المعصية، وقال مجاهد: الإسراف ما قصرت به عن ~~حق الله عز وجل، وقال: لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل فأنفقه في طاعة الله لم ~~يكن مسرفا ولو أنفق درهما أو مدا في معصية ms0890 الله كان مسرفا. وقال إياس بن ~~معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف. وروى ابن وهب عن أبي زيد. ~~قال: الخطاب للسلاطين، يقول: لا تأخذوا فوق حقكم. ### || # {ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (142) } PageV03P196 # {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم ~~الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (143) ~~} # قوله عز وجل: {ومن الأنعام} أي: وأنشأ من الأنعام، {حمولة} وهي كل ما ~~يحمل عليها من الإبل، {وفرشا} وهي الصغار من الإبل التي لا تحمل. {كلوا مما ~~رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان} لا تسلكوا طريقه وآثاره في تحريم ~~الحرث والأنعام، {إنه لكم عدو مبين} # ثم بين الحمولة والفرش فقال: {ثمانية أزواج} نصبها على البدل من الحمولة ~~والفرش، أي: وأنشأ من الأنعام ثمانية أزواج أصناف، {من الضأن اثنين} أي: ~~الذكر والأنثى، [فالذكر زوج والأنثى] (1) زوج، والعرب تسمي الواحد زوجا إذا ~~كان لا ينفك عن الآخر، والضأن النعاج، وهي ذوات الصوف من الغنم، والواحد ~~ضائن والأنثى ضائنة، والجمع ضوائن، {ومن المعز اثنين} قرأ ابن كثير وابن ~~عامر وأهل البصرة "من المعز" بفتح العين، والباقون بسكونها، والمعز والمعزى ~~جمع لا PageV03P196 # واحد له من لفظه، وهي ذوات الشعر من الغنم، وجمع الماعز معير، وجميع ~~الماعزة مواعز، {قل} يا محمد {آلذكرين حرم} الله عليكم، يعني ذكر الضأن ~~والمعز، {أم الأنثيين} يعني أنثى الضأن والمعز، {أما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين} منهما، فإنها لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى، {نبئوني} أخبروني ~~{بعلم} قال الزجاج: فسروا ما حرمتم بعلم، {إن كنتم صادقين} أن الله تعالى ~~حرم ذلك. ### || # {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (144) ~~قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ms0891 إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ~~ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) } # {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين} وذلك أنهم كانوا يقولون: هذه أنعام وحرث حجر، وقالوا: ~~ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وحرموا البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحام، وكانوا يحرمون بعضها على الرجال والنساء، وبعضها ~~على النساء دون الرجال، فلما قام الإسلام وثبتت الأحكام جادلوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وكان خطيبهم مالك بن عوف أبو الأحوض الجشمي، فقال: يا محمد ~~[بلغنا] (1) أنك تحرم أشياء مما كان آباؤنا يفعلونه، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إنكم قد حرمتم أصنافا من الغنم على غير أصل، وإنما خلق ~~الله هذه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها، فمن أين جاء هذا التحريم؟ ~~من قبل الذكر أم من قبل الأنثى"؟ فسكت مالك بن عوف وتحير فلم يتكلم. فلو ~~قال جاء التحريم بسبب الذكور وجب أن يحرم جميع الذكور، وإن قال بسبب ~~الأنوثة وجب أن يحرم جميع الإناث، وإن كان باشتمال الرحم عليه فينبغي أن ~~يحرم الكل، لأن الرحم لا يشتمل إلا على ذكر أو أنثى، فأما تخصيص التحريم ~~بالولد الخامس أو السابع أو البعض دون البعض 125/ب فمن أين؟. PageV03P197 # ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمالك: "يا مالك: ما لك لا تتكلم؟ ~~قال له مالك: بل تكلم وأسمع منك". # {أم كنتم شهداء} حضورا {إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا ليضل الناس بغير علم} قيل: أراد به: عمرو بن لحي ومن جاء بعده على ~~طريقته، {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} # ثم بين أن التحريم والتحليل يكون بالوحي والتنزيل، فقال: {قل لا أجد في ~~ما أوحي إلي محرما} وروي أنهم قالوا: فما المحرم إذا فنزل: {قل} يا محمد ~~{لا أجد في ما أوحي إلي محرما} أي: شيئا ms0892 محرما، {على طاعم يطعمه} آكل ~~يأكله، {إلا أن يكون ميتة} قرأ ابن عامر وأبو جعفر "تكون" بالتاء، {ميتة} ~~رفع أي: إلا أن تقع ميتة، وقرأ ابن كثير وحمزة " تكون " بالتاء، {ميتة} نصب ~~على تقدير اسم مؤنث، أي: إلا أن تكون النفس، أو: الجثة ميتة، وقرأ الباقون ~~"يكون" بالياء "ميتة" نصب، يعني إلا أن يكون [المطعوم] (1) ميتة، {أو دما ~~مسفوحا} أي: مهراقا سائلا قال ابن عباس: يريد ما خرج من الحيوان، وهن أحياء ~~وما خرج من الأرواح وما يخرج من الأدواج عند الذبح، ولا يدخل فيه الكبد ~~والطحال، لأنهما جامدان، وقد جاء الشرع بإباحتهما، ولا ما اختلط باللحم من ~~الدم، لأنه غير سائل. # قال عمران بن حدير: سألت أبا مجلز عما يختلط باللحم من الدم، وعن القدر ~~يرى فيها حمرة الدم؟ فقال: لا بأس به، إنما نهى عن الدم المسفوح. # وقال إبراهيم: لا بأس بالدم في عرق أو مخ، إلا المسفوح الذي تعمد ذلك، ~~وقال عكرمة: لولا هذه الآية لاتبع المسلمون من العروق ما يتبع اليهود. # {أو لحم خنزير فإنه رجس} حرام، {أو فسقا أهل لغير الله به} وهو ما ذبح ~~على غير اسم الله تعالى. فذهب بعض أهل العلم إلى أن التحريم مقصور على هذه ~~الأشياء. يروى ذلك عن عائشة وابن عباس قالوا: ويدخل في الميتة: المنخنقة ~~والموقوذة، وما ذكر في أول سورة المائدة (2) . # وأكثر العلماء على أن التحريم لا يختص بهذه الأشياء، والمحرم بنص الكتاب ~~ما ذكر هنا (3) . PageV03P198 # ذلك معنى قوله تعالى: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما"، وقد حرمت السنة ~~أشياء يجب القول بها. # منها: ما أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ثنا عبد الغافر بن محمد بن عيسى ~~الجلودي ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج، قال ثنا عبيد ~~الله بن معاذ العنبري أخبرنا أبي أنا شعبة عن الحكم عن ميمون بن مهران عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ~~ناب من السباع، وكل ms0893 ذي مخلب من الطير" (1) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي ثنا زاهر بن أحمد ثنا أبو إسحاق الهاشمي ثنا ~~أبو مصعب عن مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أكل كل ذي ناب من السباع ~~حرام" (2) . # والأصل عند الشافعي: أن ما لم يرد فيه نص تحريم أو تحليل، فإن كان مما ~~أمر الشرع بقتله -كما قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم" (3) أو نهى عن ~~قتله، كما روي أنه نهى عن قتل النحلة والنملة -فهو حرام، وما سوى ذلك ~~فالمرجع فيه إلى الأغلب من عادات العرب، فما يأكله الأغلب منهم فهو حلال، ~~وما لا يأكله الأغلب منهم فهو حرام، لأن الله تعالى خاطبهم بقوله: (قل أحل ~~لكم الطيبات) ، فثبت أن ما استطابوه فهو حلال. # {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم} أباح أكل هذه المحرمات عند ~~الاضطرار في غير العدوان. ### || # {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ~~إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا ~~لصادقون (146) } # قوله عز وجل: {وعلى الذين هادوا} يعني اليهود، {حرمنا كل ذي ظفر} وهو ما ~~لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير مثل: البعير والنعامة والإوز ~~والبط، قال القتيبي: هو كل ذي مخلب PageV03P199 # من الطير وكل ذي حافر من [الدواب] (1) وحكاه عن بعض المفسرين، وقال: سمي ~~الحافر ظفرا على الاستعارة. # {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما} يعني شحوم الجوف، وهي الثروب، ~~وشحم الكليتين، {إلا ما حملت ظهورهما} أي: إلا ما علق بالظهر والجنب من ~~داخل بطونهما، {أو الحوايا} وهي المباعر، واحدتها: حاوية وحوية، أي: ما ~~حملته الحوايا من الشحم. {أو ما اختلط بعظم} يعني: شحم الألية، هذا كله ~~داخل في الاستثناء، والتحريم مختص بالثرب (2) وشحم الكلية. أخبرنا عبد ~~الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن ~~إسماعيل ثنا قتيبة أنا ms0894 الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن ~~جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~عام الفتح وهو بمكة "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير ~~والأصنام" فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن ~~بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام. ثم قال رسول الله عند ~~ذلك: "قاتل الله اليهود إن الله عز وجل لما حرم شحومهما جملوه ثم باعوه ~~فأكلوا ثمنه" (3) . # {ذلك جزيناهم} أي: ذلك التحريم عقوبة لهم {ببغيهم} أي: بظلمهم من قتلهم ~~الأنبياء وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا واستحلال أموال الناس بالباطل، ~~{وإنا لصادقون} في الإخبار عما حرمنا عليهم وعن بغيهم. PageV03P200 ### || # {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين (147) ~~سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ~~كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ~~إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) } # {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة} بتأخير العذاب عنكم، {ولا يرد بأسه} # PageV03P200 # [عذابه] (1) {عن القوم المجرمين} إذا جاء وقته. # {سيقول الذين أشركوا} لما لزمتهم الحجة وتيقنوا بطلان ما كانوا عليه من ~~الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله [قالوا] (2) {لو شاء الله ما أشركنا ~~ولا آباؤنا} من قبل، {ولا حرمنا من شيء} من البحائر والسوائب وغيرهما، ~~أرادوا أن يجعلوا قوله: {لو شاء الله ما أشركنا} حجة لهم على إقامتهم على ~~الشرك، وقالوا إن الله تعالى قادر على أن يحول بيننا وبين ما نحن عليه حتى ~~لا نفعله، فلولا أنه رضي بما نحن عليه وأراده منا وأمرنا به لحال بيننا ~~وبين ذلك، فقال الله تعالى تكذيبا لهم: {كذلك كذب الذين من قبلهم} من كفار ~~الأمم الخالية، {حتى ذاقوا بأسنا} عذابنا. # ويستدل أهل القدر بهذه الآية، يقولون: إنهم لما قالوا: لو شاء الله ما ~~أشركنا كذبهم ms0895 الله ورد عليهم، فقال: "كذلك كذب الذين من قبلهم". # قلنا: التكذيب ليس في قولهم "لو شاء الله ما أشركنا" بل ذلك القول صدق ~~ولكن في قولهم: إن الله تعالى أمرنا بها ورضي بما نحن عليه، كما أخبر عنهم ~~في سورة الأعراف (الآية 28) : (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ~~والله أمرنا بها) ، فالرد عليهم في هذا كما قال تعالى: (قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء) . # والدليل على أن التكذيب ورد فيما قلنا لا في قولهم: "لو شاء الله ما ~~أشركنا"، قوله: {كذلك كذب الذين من قبلهم} بالتشديد 126\أولو كان ذلك خبرا ~~من الله عز وجل عن كذبهم في قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا} لقال كذب الذين ~~[من قبلهم] (3) بالتخفيف فكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب. وقال الحسن ~~بن الفضل: لو ذكروا هذه المقالة تعظيما وإجلالا لله عز وجل، ومعرفة منهم به ~~لما عابهم بذلك، لأن الله تعالى قال: {ولو شاء الله ما أشركوا} وقال: (وما ~~كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) (الأنعام، 111) ، والمؤمنون يقولون ذلك، ~~ولكنهم قالوه تكذيبا وتخرصا وجدلا من غير معرفة بالله وبما يقولون، نظيره ~~قوله عز وجل: (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم) (الزخرف، 20) ، قال الله ~~تعالى: (ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون) (الأنعام، 116) . # وقيل في معنى الآية: إنهم كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة إلا أنهم كانوا ~~يعدونه عذرا لأنفسهم ويجعلونه حجة لأنفسهم في ترك الإيمان، ورد عليهم في ~~هذا لأن أمر الله بمعزل عن مشيئته وإرادته، فإنه مريد لجميع الكائنات غير ~~آمر بجميع ما يريد، وعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق PageV03P201 # بمشيئته، فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد. # {قل هل عندكم من علم} أي: كتاب وحجة من الله، {فتخرجوه لنا} حتى يظهر ما ~~تدعون على الله تعالى من الشرك أو تحريم ما حرمتم، {إن تتبعون} ما تتبعون ~~فيما أنتم عليه، {إلا الظن} من غير علم ويقين، {وإن أنتم إلا تخرصون} ~~تكذبون. ### || # {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم ms0896 أجمعين (149) قل هلم شهداءكم ~~الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء ~~الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون (150) قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا ~~تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تعقلون (151) } # {قل فلله الحجة البالغة} التامة على خلقه بالكتاب [والرسول] (1) والبيان، ~~{فلو شاء لهداكم أجمعين} فهذا يدل على أنه لم يشأ إيمان الكافر، ولو شاء ~~لهداه. # {قل هلم} يقال للواحد والاثنين والجمع، {شهداءكم الذين يشهدون} أي: ائتوا ~~بشهدائكم الذين يشهدون، {أن الله حرم هذا} هذا راجع إلى ما تقدم من تحريمهم ~~الأشياء على أنفسهم ودعواهم أن الله أمرهم به، {فإن شهدوا} كاذبين، {فلا ~~تشهد} أنت، {معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وهم بربهم يعدلون} أي: يشركون. # قوله عز وجل: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} وذلك ~~أنهم سألوا وقالوا: أي شيء الذي حرم الله تعالى؟ فقال عز وجل: "قل تعالوا ~~أتل" أقرأ ما حرم ربكم عليكم حقا يقينا لا ظنا ولا كذبا كما تزعمون. # فإن قيل: ما معنى قوله "حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا" والمحرم هو ~~الشرك لا ترك الشرك؟ . PageV03P202 # قيل: موضع " أن " رفع، معناه هو أن لا تشركوا، وقيل: محله نصب، واختلفوا ~~في وجه انتصابه، قيل: معناه حرم عليكم أن تشركوا به، و"لا" صلة كقوله ~~تعالى: (ما منعك أن لا تسجد) (الأعراف، 12) ، أي: منعك أن تسجد. وقيل: تم ~~الكلام عند قوله "حرم ربكم" ثم قال: عليكم أن لا تشركوا به شيئا على ~~الإغراء. قال الزجاج: يجوز أن يكون هذا محمولا على المعنى، أي: أتل عليكم ~~تحريم الشرك، وجائز أن يكون على معنى: أوصيكم ألا تشركوا به شيئا. ~~{وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} فقر، {نحن نرزقكم وإياهم} ms0897 ~~أي: لا تئدوا بناتكم خشية العيلة، فإني رازقكم وإياهم، {ولا تقربوا الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن} [ما ظهر يعني: العلانية، وما بطن] (1) يعني: السر. # وكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأسا في السر ~~فحرم الله تعالى الزنا في العلانية والسر. # وقال الضحاك: ما ظهر: الخمر، وما بطن: الزنا. # {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} حرم الله تعالى قتل المؤمن ~~والمعاهد إلا بالحق، إلا بما يبيح قتله من ردة أو قصاص أو زنا يوجب الرجم. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ثنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري ثنا ~~حاجب بن أحمد الطوسي ثنا محمد بن حماد ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد ~~الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ~~وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك ~~لدينه المفارق للجماعة" (2) . # {ذلكم} الذي ذكرت {وصاكم به} أمركم به، {لعلكم تعقلون} PageV03P203 ### || # {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل ~~والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ~~وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) } # {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} يعني: بما فيه صلاحه وتثميره. ~~وقال مجاهد: # PageV03P203 # هو التجارة فيه. وقال الضحاك: هو أن يبتغي له فيه ولا يأخذ من ربحه شيئا، ~~{حتى يبلغ أشده} قال الشعبي ومالك: الأشد: الحلم، حتى يكتب له الحسنات ~~[وتكتب عليه] (1) السيئات. قال أبو العالية: حتى يعقل وتجتمع قوته. وقال ~~الكلبي: الأشد ما بين الثمانية عشر سنة إلى ثلاثين سنة. وقيل: إلى أربعين ~~سنة. وقيل: إلى ستين سنة. وقال الضحاك: عشرون سنة. وقال السدي: ثلاثون سنة. ~~وقال مجاهد: الأشد ثلاث وثلاثون سنة. # والأشد جمع شد، مثل قد وأقد، وهو استحكام قوة شبابه وسنه، ومنه شد النهار ~~وهو ms0898 ارتفاعه. وقيل بلوغ الأشد أن يؤنس رشده بعد البلوغ. # وتقدير الآية: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى ~~يبلغ أشده، فادفعوا إليه ماله إن كان رشيدا. # {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} بالعدل، {لا نكلف نفسا إلا وسعها} أي: ~~طاقتها في إيفاء الكيل والميزان، أي: لم يكلف المعطي أكثر مما وجب عليه، ~~ولم يكلف صاحب الحق الرضا بأقل من حقه، حتى لا تضيق نفسه عنه، بل أمر كل ~~واحد منهما بما يسعه مما لا حرج عليه فيه. # {وإذا قلتم فاعدلوا} فاصدقوا في الحكم والشهادة، {ولو كان ذا قربى} أي: ~~ولو كان المحكوم والمشهود عليه ذا قرابة، {وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تذكرون} تتعظون، قرأ حمزة والكسائي وحفص تذكرون [خفيفة] (2) الذال، ~~كل القرآن، والآخرون بتشديدها. # قال ابن عباس: هذه الآيات محكمات في جميع الكتب، لم ينسخهن شيء وهن ~~محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن ~~دخل النار. ### || # {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ~~ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (153) ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ~~وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) } # {وأن هذا} أي: هذا الذي وصيتكم به في هاتين الآيتين {صراطي} طريقي وديني، ~~PageV03P204 # {مستقيما} مستويا قويما، {فاتبعوه} قرأ حمزة والكسائي "وإن" بكسر الألف ~~على الاستئناف، وقرأ الآخرون: بفتح الألف، قال الفراء: والمعنى وأتل عليكم ~~أن هذا صراطي مستقيما. وقرأ ابن عامر ويعقوب: بسكون النون. {ولا تتبعوا ~~السبل} أي: الطرق المختلفة التي عدا هذا الطريق، مثل اليهودية والنصرانية ~~وسائر الملل، وقيل: الأهواء والبدع، {فتفرق} فتميل، {بكم} وتشتت، {عن ~~سبيله} عن طريقه ودينه الذي ارتضى، وبه أوصى، {ذلكم} الذي ذكرت، {وصاكم به ~~لعلكم تتقون} # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي المعروف 126/ب بأبي بكر بن أبي ~~الهيثم أنا الحاكم أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي ثنا أبو يزيد محمد بن ~~يحيى بن خالد ثنا أبو يعقوب إسحاق بن ms0899 إبراهيم الحنظلي ثنا عبد الرحمن بن ~~مهدي عن حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله قال: خط لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال: "هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن ~~يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ" ~~"وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه" الآية. (1) # قوله عز وجل: {ثم آتينا موسى الكتاب} فإن قيل: لم قال: "ثم آتينا" وحرف ~~"ثم" للتعقيب وإيتاء موسى الكتاب كان قبل مجيء القرآن؟ قيل: معناه ثم ~~أخبركم أنا آتينا موسى الكتاب، فدخل "ثم" لتأخير الخبر لا لتأخير النزول. # {تماما على الذي أحسن} اختلفوا فيه، قيل: تماما على المحسنين من قومه، ~~فتكون "الذي" بمعنى من، أي: على من أحسن من قومه، وكان بينهم محسن ومسيء، ~~يدل عليه قراءة ابن مسعود: "على الذين أحسنوا" وقال أبو عبيدة: معناه على ~~كل من أحسن، أي: أتممنا فضيلة موسى بالكتاب على المحسنين، يعني: أظهرنا ~~فضله عليهم، والمحسنون هم الأنبياء والمؤمنون، وقيل: "الذي أحسن" هو موسى، ~~و"الذي" بمعنى ما، أي: على ما أحسن موسى، تقديره: آتيناه الكتاب، يعني ~~التوراة، إتماما عليه للنعمة، لإحسانه في الطاعة والعبادة، وتبليغ الرسالة ~~وأداء الأمر. # وقيل: الإحسان بمعنى العلم، وأحسن بمعنى علم، ومعناه: تماما على الذي ~~أحسن موسى PageV03P205 # من العلم والحكمة، أي آتيناه الكتاب زيادة على ذلك. # وقيل: معناه تماما مني على إحساني إلى موسى. # {وتفصيلا} بيانا {لكل شيء} يحتاج إليه من شرائع الدين، {وهدى ورحمة} هذا ~~في صفة التوراة، {لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون} قال ابن عباس: كي يؤمنوا بالبعث ~~ويصدقوا بالثواب والعقاب. ### || # {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155) أن تقولوا ~~إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين (156) ~~أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم ~~وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن ~~آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون ms0900 (157) } # {وهذا} يعني: القرآن، {كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه} واعملوا بما فيه، ~~{واتقوا} وأطيعوا، {لعلكم ترحمون} # {أن تقولوا} يعني: لئلا تقولوا، كقوله تعالى: "يبين الله لكم أن تضلوا" ~~(النساء، 176) ، أي: لئلا تضلا وقيل: معناه أنزلناه كراهة {أن تقولوا} قال ~~الكسائي: معناه اتقوا أن تقولوا يا أهل مكة، {إنما أنزل الكتاب على طائفتين ~~من قبلنا} يعني: اليهود والنصارى، {وإن كنا} وقد كنا، {عن دراستهم} ~~قراءتهم، {لغافلين} لا نعلم ما هي، معناه أنزلنا عليكم القرآن لئلا تقولوا ~~إن الكتاب أنزل على من قبلنا بلسانهم ولغتهم فلم نعرف ما فيه وغفلنا عن ~~دراسته، فتجعلونه عذرا لأنفسكم. # {أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم} وقد كان جماعة من ~~الكفار قالوا ذلك لو أنا أنزل علينا ما أنزل على اليهود والنصارى لكنا خيرا ~~منهم، قال الله تعالى: {فقد جاءكم بينة من ربكم} حجة واضحة بلغة تعرفونها، ~~{وهدى} بيان {ورحمة} ونعمة لمن اتبعه، {فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف} ~~أعرض، {عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب} شدة العذاب {بما ~~كانوا يصدفون} [يعرضون] (1) . PageV03P206 ### || # {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم ~~يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون (158) } # قوله تعالى: {هل ينظرون} أي: هل ينتظرون بعد تكذيبهم الرسل وإنكارهم ~~القرآن، {إلا أن تأتيهم الملائكة} لقبض أرواحهم، وقيل: بالعذاب، قرأ حمزة ~~والكسائي "يأتيهم" بالياء هاهنا وفي النحل، والباقون بالتاء، {أو يأتي ربك} ~~بلا كيف، لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة، {أو يأتي بعض آيات ربك} ~~يعني طلوع الشمس من مغربها، عليه أكثر المفسرين ورواه أبو سعيد الخدري ~~مرفوعا (1) . {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من ~~قبل} أي: لا ينفعهم الإيمان عند ظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان، {أو ~~كسبت في إيمانها خيرا} يريد: لا يقبل إيمان كافر ولا توبة فاسق {قل ~~انتظروا} يا أهل مكة، ms0901 {إنا منتظرون} بكم العذاب. # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي ثنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش ~~الزيادي ثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ثنا أحمد بن يوسف السلمي ثنا ~~عبد الرزاق ثنا معمر عن همام بن منبه ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ~~فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعين، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ~~آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا" (2) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ~~أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا محمد بن حماد ثنا أبو معاوية الأعمش عن عمرو ~~بن مرة عن عبيدة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "يدا الله بسطان لمسيء الليل ليتوب بالنهار، ولمسيء النهار ~~ليتوب بالليل، حتى تطلع الشمس من مغربها" (3) . PageV03P207 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ثنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أنا حميد بن زنجويه ~~أنا النضر بن شميل أنا هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها ~~تاب الله عليه" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الرياني ~~أنا حميد بن زنجويه أنا أحمد بن عبد الله أنا حماد بن زيد أنا عاصم بن أبي ~~النجود عن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي فذكر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "أن الله عز وجل جعل بالمغرب بابا مسيرة عرضه سبعون ~~عاما للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله"، وذلك قول الله تعالى: "يوم ~~يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل" (2) . # وروى أبو حازم عن ms0902 أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ~~أو كسبت في إيمانها خيرا: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها". (3) . ### || # {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ~~ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (159) } # قوله عز وجل: {إن الذين فرقوا دينهم} قرأ حمزة والكسائي: " فارقوا "، ~~بالألف هاهنا وفي سورة الروم، أي: خرجوا من دينهم وتركوه وقرأ الآخرون: ~~"فرقوا" مشددا، أي: جعلوا دين الله وهو واحد -دين إبراهيم عليه السلام ~~الحنيفية -أديانا مختلفة، فتهود قوم وتنصر قوم، يدل عليه قوله عز وجل: ~~{وكانوا شيعا} أي: صاروا فرقا مختلفة وهم اليهود والنصارى في قول مجاهد ~~وقتادة والسدي. # وقيل: هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة. وروي عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه PageV03P208 # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: "يا عائشة 127\أإن الذين ~~فارقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة" (1) . # حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد بن زياد الحنفي أنا أبو محمد عبد الرحمن بن ~~أحمد بن محمد الأنصاري أنا أبو عبد الله محمد بن عقيل بن الأزهري بن عقيل ~~الفقيه البلخي أنا الرمادي أحمد بن منصور أنا الضحاك بن مخلد أنا ثور بن ~~يزيد نا خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية ~~قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فوعظنا موعظة بليغة ذرفت ~~منها العيون، ووجلت منها القلوب، وقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع ~~فأوصنا: فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا، فإن ~~من يعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~المهديين، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" ~~(2) . # وروي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بني ~~إسرائيل تفرقت على اثنين وسبعين فرقة، وتفرقت ms0903 أمتي على ثلاث وسبعين ملة، ~~كلهم في النار إلا واحدة"، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه ~~وأصحابي" (3) . # قال عبد الله بن مسعود: "فإن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي ~~محمد صلى الله عليه وسلم PageV03P209 # وشر الأمور محدثاتها" (1) . ورواه جابر مرفوعا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (2) . # قوله عز وجل: {لست منهم في شيء} قبل: لست من قتالهم في شيء، نسختها آية ~~القتال (3) وهذا على قول من يقول: المراد في الآية اليهود والنصارى، ومن ~~قال: أراد بالآية أهل الأهواء قال: المراد من قوله: "لست منهم في شيء" أي ~~أنت منهم بريء وهم منك برآء، تقول العرب: إن فعلت كذا فلست مني ولست منك ~~أي: كل واحد منا بريء من صاحبه، {إنما أمرهم إلى الله} يعني: في الجزاء ~~والمكافآت، {ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} إذا وردوا للقيامة. ### || # {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم ~~لا يظلمون (160) قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين (161) قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين (162) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (163) } # قوله عز وجل: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} أي: له عشر حسنات ~~أمثالها، وقرأ يعقوب "عشر" منون، "أمثالها" بالرفع، {ومن جاء بالسيئة فلا ~~يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون} # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ثنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ~~ثنا أبو بكر محمد بن الحسن القطان ثنا محمد بن يوسف القطان ثنا محمد بن ~~يوسف السلمي ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه ثنا أبو هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أحسن أحدكم إسلامه ~~فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها ~~تكتب له بمثلها PageV03P210 # حتى يلقى الله عز وجل" (1) . # وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني ثنا عبد الغافر بن محمد ms0904 الفارسي ~~ثنا محمد بن عيسى الجلودي ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج ~~ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا وكيع ثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تبارك ~~وتعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة ~~بمثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا ~~تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة ~~لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة" (2) . # قال ابن عمر: الآية في غير الصدقات من الحسنات، فأما الصدقات تضاعف ~~سبعمائة ضعف. # قوله عز وجل: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما} قرأ أهل ~~الكوفة والشام "قيما" بكسر القاف وفتح الياء خفيفة، وقرأ الآخرون بفتح ~~القاف وكسر الياء مشددا ومعناهما واحد وهو القويم المستقيم، وانتصابه على ~~معنى هداني دينا قيما، {ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} # {قل إن صلاتي ونسكي} قيل: أراد بالنسك الذبيحة في الحج والعمرة، وقال ~~مقاتل: نسكي: حجي، وقيل: ديني، {ومحياي ومماتي} أي: حياتي ووفاتي، {لله رب ~~العالمين} أي: هو يحييني ويميتني، وقيل: محياي بالعمل الصالح ومماتي إذا مت ~~على الإيمان لله رب العالمين، وقيل: طاعتي في حياتي لله وجزائي بعد مماتي ~~من الله رب العالمين. قرأ أهل المدينة: "ومحياي" بسكون الياء و"مماتي" ~~بفتحها، وقراءة العامة "محياي" بفتح الياء لئلا يجتمع ساكنان. # قوله تعالى: {لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} قال قتادة: وأنا ~~أول المسلمين من هذه الأمة. PageV03P211 ### || # {قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (164) وهو ~~الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ~~ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم (165) } # {قل أغير الله أبغي ربا} قال ابن عباس ms0905 رضي الله عنهما: سيدا وإلها {وهو ~~رب كل شيء} وذلك أن الكفار كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع ~~إلى ديننا. قال ابن عباس: كان الوليد بن المغيرة يقول: اتبعوا سبيلي أحمل ~~عنكم أوزاركم، فقال الله تعالى: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} لا تجني كل ~~نفس إلا ما كان من إثمه على الجاني، {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي لا تحمل ~~نفس حمل أخرى، أي: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، {ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم ~~بما كنتم فيه تختلفون} # {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} يعني: أهلك أهل القرون الماضية وأورثكم ~~الأرض يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم من بعدهم، فجعلكم خلائف منهم فيها ~~تخلفونهم فيها وتعمرونها بعدهم، والخلائف جمع خليفة كالوصائف جمع وصيفة، ~~وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة لأنه يخلفه. {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} ~~أي: خالف بين أحوالكم فجعل بعضكم فوق بعض في الخلق والرزق والمعاش والقوة ~~والفضل، {ليبلوكم في ما آتاكم} ليختبركم فيما رزقكم، يعني: يبتلي الغني ~~والفقير والشريف والوضيع والحر والعبد، ليظهر منكم ما يكون عليه من الثواب ~~والعقاب، {إن ربك سريع العقاب} لأن ما هو آت فهو سريع قريب، قيل: هو الهلاك ~~في الدنيا، {وإنه لغفور رحيم} قال عطاء: سريع العقاب لأعدائه غفور لأوليائه ~~رحيم بهم. # PageV03P212 ### | سورة الأعراف ### || # {المص (1) كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين (2) اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ~~قليلا ما تذكرون (3) وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ~~(4) } # سورة الأعراف # مكية كلها إلا خمس آيات، أولها "واسألهم عن القرية التي كانت" 128/أ # {المص} # {كتاب} أي: هذا كتاب، {أنزل إليك} وهو القرآن، {فلا يكن في صدرك حرج منه} ~~قال مجاهد: شك، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة. وقال ~~أبو العالية: حرج أي ضيق، معناه لا يضيق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به، ~~{لتنذر به} أي: كتاب أنزل إليك لتنذر به، ms0906 {وذكرى للمؤمنين} أي: عظة لهم، ~~وهو رفع، مردود على الكتاب. # {اتبعوا} أي: وقل لهم اتبعوا: {ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه ~~أولياء} أي: لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله تعالى، {قليلا ~~ما تذكرون} تتعظون، وقرأ ابن عامر: " يتذكرون " بالياء والتاء. # {وكم من قرية أهلكناها} بالعذاب، {وكم} للتكثير و"رب" للتقليل، {فجاءها ~~بأسنا} # PageV03P213 # عذابنا، {بياتا} ليلا {أو هم قائلون} من القيلولة، تقديره: فجاءها بأسنا ~~ليلا وهم نائمون، أو نهارا وهم قائلون، أي نائمون ظهيرة، والقيلولة ~~الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نوم. ومعنى الآية: أنهم جاءهم بأسنا ~~وهم غير متوقعين له إما ليلا أو نهارا. قال الزجاج: و"أو" لتصريف العذاب، ~~مرة ليلا ومرة نهارا، وقيل: معناه من أهل القرى من أهلكناهم ليلا ومنهم من ~~أهلكناهم نهارا. # فإن قيل: ما معنى أهلكناها فجاءها بأسنا؟ فكيف يكون مجيء البأس بعد ~~الهلاك؟ قيل: معنى قوله: "أهلكنا" أي: حكمنا بإهلاكها فجاءها بأسنا. وقيل: ~~فجاءها بأسنا هو بيان قوله "أهلكناها" مثل قول القائل: أعطيتني فأحسنت إلي، ~~لا فرق بينه وبين قوله: أحسنت إلي فأعطيتني، فيكون أحدهما بدلا من الآخر. ### || # {فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5) فلنسألن ~~الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين (6) فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين ~~(7) والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8) } # {فما كان دعواهم} أي: قولهم ودعاؤهم وتضرعهم، والدعوى تكون بمعنى الادعاء ~~وبمعنى الدعاء، قال سيبويه: تقول العرب اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين ~~أي في دعائهم، {إذ جاءهم بأسنا} عذابنا، {إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} ~~معناه لم يقدروا على رد العذاب، وكان حاصل أمرهم الاعتراف بالجناية حين لا ~~ينفع الاعتراف. # {فلنسألن الذين أرسل إليهم} يعني: الأمم عن إجابتهم الرسل، وهذا سؤال ~~توبيخ لا سؤال استعلام، يعني: لنسألهم عما عملوا فيما بلغتهم الرسل، ~~{ولنسألن المرسلين} عن الإبلاغ. # {فلنقصن عليهم بعلم} أي: لنخبرنهم عن علم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~ينطق عليهم كتاب أعمالهم، كقوله تعالى: (هذا كتابنا ينطق ms0907 عليكم بالحق) . ~~(الجاثية، 29) ، {وما كنا غائبين} عن الرسل فيما بلغوا، وعن الأمم فيما ~~أجابوا. # قوله عز وجل: {والوزن يومئذ الحق} يعني: يوم السؤال، قال مجاهد: معناه ~~والقضاء يومئذ العدل. وقال الأكثرون: أراد به وزن الأعمال بالميزان، وذاك ~~أن الله تعالى ينصب ميزانا له لسان وكفتان كل كفة بقدر ما بين المشرق ~~والمغرب. # PageV03P214 # واختلفوا في كيفية الوزن، فقال بعضهم: توزن صحائف الأعمال: وروينا: "أن ~~رجلا ينشر عليه تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر، فيخرج له بطاقة فيها ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فتوضع السجلات في ~~كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة" (1) . # وقيل: توزن الأشخاص، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة" (2) ~~. # وقيل: توزن الأعمال، روي ذلك عن ابن عباس، فيؤتى بالأعمال الحسنة على ~~صورة حسنة وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان، والحكمة في ~~وزن الأعمال امتحان الله عباده بالإيمان في الدنيا وإقامة الحجة عليهم في ~~العقبى، {فمن ثقلت موازينه} قال مجاهد: حسناته، {فأولئك هم المفلحون} ### || # {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ~~(9) ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون (10) ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن ~~من الساجدين (11) } PageV03P215 # {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين (12) } # {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون} ~~يجحدون، قال أبو بكر رضي الله عنه حين حضره الموت في وصيته لعمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق ~~في الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا وإنما ~~خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في # PageV03P215 # الدنيا، وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا. ms0908 # فإن قيل: قد قال: "من ثقلت موازينه" ذكر بلفظ الجمع، والميزان واحد؟ قيل: ~~يجوز أن يكون لفظه جمعا ومعناه واحد كقوله: "يا أيها الرسل"، وقيل: لكل عبد ~~ميزان، وقيل: الأصل ميزان واحد عظيم، ولكل عبد فيه ميزان معلق به، وقيل ~~جمعه: لأن الميزان يشتمل على الكفتين والشاهدين واللسان، ولا يتم الوزن إلا ~~باجتماعها. # قوله تعالى: {ولقد مكناكم في الأرض} أي: مكناكم والمراد من التمكين ~~التمليك والقدرة، {وجعلنا لكم فيها معايش} أي: أسبابا تعيشون بها أيام ~~حياتكم من التجارات والمكاسب والمآكل والمشارب والمعايش جمع المعيشة، ~~{قليلا ما تشكرون} فيما صنعت إليكم. # قوله عز وجل: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} قال ابن عباس: خلقناكم، أي: ~~أصولكم وآباءكم ثم صورناكم في أرحام أمهاتكم. وقال قتادة والضحاك والسدي: ~~أما "خلقناكم" فآدم، وأما "صورناكم" فذريته. وقال مجاهد في خلقناكم: آدم، ~~ثم صورناكم في ظهر آدم بلفظ الجمع، لأنه أبو البشر ففي خلقه خلق من يخرج من ~~صلبه، وقيل: خلقناكم في ظهر آدم ثم صورناكم يوم الميثاق حين أخرجكم كالذر. ~~وقال عكرمة: خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء. وقال ~~يمان: خلق الإنسان في الرحم ثم صوره وشق سمعه وبصره وأصابعه. وقيل: الكل ~~آدم خلقه وصوره و"ثم" بمعنى الواو. # {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} فإن قيل: الأمر بسجود الملائكة كان قبل ~~خلق بني آدم، فما وجه قوله "ثم قلنا" وثم للترتيب وللتراخي؟ قيل: على قول ~~من يصرف الخلق والتصوير إلى آدم وحده يستقيم هذا الكلام، أما على قول من ~~يصرفه إلى الذرية: فعنه أجوبة: # أحدها "ثم" بمعنى الواو، أي: وقلنا للملائكة، فلا تكون للترتيب والتعقيب. # وقيل: أراد "ثم" أخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا. # وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره ولقد خلقناكم، يعني: آدم ثم قلنا للملائكة ~~اسجدوا ثم صورناكم. # قوله تعالى: {فسجدوا} يعني الملائكة، {إلا إبليس لم يكن من الساجدين} ~~لآدم. # {قال} الله تعالى يا إبليس: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} أي: وما منعك أن ~~تسجد # PageV03P216 # و"لا" زائدة كقوله تعالى: "وحرام على قرية أهلكناها أنهم ms0909 لا يرجعون" ~~128/ب (الأنبياء، 95) . {قال} إبليس مجيبا {أنا خير منه} لأنك {خلقتني من ~~نار وخلقته من طين} والنار خير وأنور من الطين. # قال ابن عباس: أول من قاس إبليس فأخطأ القياس، فمن قاس الدين بشيء من ~~رأيه قرنه الله مع إبليس. # قال ابن سيرين: ما عبدت الشمس إلا بالقياس. # قال محمد بن جرير: ظن الخبيث أن النار خير من الطين ولم يعلم أن الفضل ~~لمن جعل الله له الفضل، وقد فضل الله الطين على النار من وجوه منها: أن من ~~جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم والصبر وهو الداعي لآدم بعد السعادة ~~التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثه الاجتباء والتوبة ~~والهداية، ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع وهو الداعي لإبليس ~~بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار، فأورثه اللعنة والشقاوة، ~~ولأن الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفرقها ولأن التراب سبب الحياة، فإن ~~حياة الأشجار والنبات به، والنار سبب الهلاك. ### || # {قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13) ~~قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) قال إنك من المنظرين (15) قال فبما أغويتني ~~لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17) } # قوله تعالى: {قال فاهبط منها} أي: من الجنة، وقيل: من السماء إلى الأرض ~~وكان له ملك الأرض فأخرجه منها إلى جزائر البحر وعرشه في البحر الأخضر، فلا ~~يدخل الأرض إلا خائفا على هيئة السارق مثل شيخ عليه أطمار يروع فيها حتى ~~يخرج منها. # قوله تعالى: {فما يكون لك أن تتكبر} بمخالفة الأمر، {فيها} أي: في الجنة، ~~فلا ينبغي أن يسكن في الجنة ولا السماء متكبر مخالف لأمر الله تعال: {فاخرج ~~إنك من الصاغرين} من الأذلاء، والصغار: الذل والمهانة. # {قال} إبليس عند ذلك، {أنظرني} أخرني وأمهلني فلا تمتني، {إلى يوم ~~يبعثون} من قبورهم وهو النفخة الأخيرة عند قيام الساعة، أراد الخبيث أن لا ~~يذوق الموت. # PageV03P217 # {قال} الله تعالى، {إنك من المنظرين} المؤخرين، وبين مدة ms0910 النظر والمهلة ~~في موضع آخر فقال: (إلى يوم الوقت المعلوم) ، (الحجر، 38) ، وهو النفخة ~~الأولى حين يموت الخلق كلهم. # {قال فبما أغويتني} اختلفوا في "ما" قيل: هو استفهام يعني فبأي شيء ~~أغويتني؟ ثم ابتدأ فقال: {لأقعدن لهم} وقيل: "ما" الجزاء، أي: لأجل أنك ~~أغويتني لأحقدن لهم. وقيل: هو "ما" المصدرية موضع القسم تقديره: فبإغوائك ~~إياي لأقعدن لهم، كقوله "بما غفر لي ربي" (يس، 27) ، يعني: لغفران ربي. # والمعنى بقدرتك علي ونفاذ سلطانك في. وقال ابن الأنباري: أي فيما أوقعت ~~في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء، أغويتني: أضللتني عن الهدى. ~~وقيل: أهلكتني، وقيل: خيبتني، {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} أي: لأجلسن لبني ~~آدم على طريقك القويم وهو الإسلام. # {ثم لآتينهم من بين أيديهم} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: من بين ~~أيديهم أي من قبل الآخرة فأشككهم فيها، {ومن خلفهم} أرغبهم في دنياهم، {وعن ~~أيمانهم} أشبه عليهم أمر دينهم. {وعن شمائلهم} أشهي لهم المعاصي، وروى عطية ~~عن ابن عباس: {من بين أيديهم} من قبل دنياهم، يعني أزينها في قلوبهم، {ومن ~~خلفهم} من قبل الآخرة فأقول: لا بعث، ولا نشور، ولا جنة، ولا نار، {وعن ~~أيمانهم} من قبل حسناتهم، {وعن شمائلهم} من قبل سيئاتهم. # وقال الحكم: من بين أيديهم: من قبل الدنيا يزينها لهم، ومن خلفهم: من قبل ~~الآخرة يثبطهم عنها، وعن أيمانهم: من قبل الحق يصدهم عنه، وعن شمائلهم: من ~~قبل الباطل يزينه لهم. وقال قتادة: أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ~~ولا جنة ولا نار، ومن خلفهم: من أمور الدنيا يزينها لهم ويدعوهم إليها، وعن ~~أيمانهم: من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وعن شمائلهم: زين لهم السيئات ~~والمعاصي ودعاهم إليها أتاك يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك ~~لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله. وقال مجاهد: من بين أيديهم وعن ~~أيمانهم من حيث يبصرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون. وقال ابن ~~جريج: معنى قوله حيث لا يبصرون ms0911 أي لا يخطئون وحيث لا يبصرون أي لا يعلمون ~~أنهم يخطئون. # {ولا تجد أكثرهم شاكرين} مؤمنين، فإن قيل: كيف علم الخبيث ذلك؟ قيل: قاله ~~ظنا فأصاب، قال الله تعالى "ولقد صدق عليهم إبليس ظنه" (سبأ، 20) . # PageV03P218 ### || # {قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ~~(18) ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين (19) فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من ~~سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا ~~من الخالدين (20) وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21) } # {قال} الله تعالى لإبليس، {اخرج منها مذءوما مدحورا} أي: معيبا، والذيم ~~والذأم أشد العيب، يقال: ذأمه يذأمه ذأما فهو مذءوم وذامه يذيمه ذاما فهو ~~مذيم، مثل سار يسير سيرا، والمدحور: المبعد المطرود، يقال: دحره يدحره دحرا ~~إذا أبعده وطرده. قال ابن عباس: مذءوما أي ممقوتا. وقال قتادة: مذءوما ~~مدحورا: أي لعينا منفيا. وقال الكلبي: مذءوما، مدحورا: مقصيا من الجنة ومن ~~كل خير. {لمن تبعك منهم} من بني آدم، {لأملأن جهنم} اللام لام القسم، {منكم ~~أجمعين} أي: منك ومن ذريتك ومن كفار ذرية آدم أجمعين. # {فوسوس لهما الشيطان} أي: إليهما، والوسوسة: حديث يلقيه الشيطان في قلب ~~الإنسان {ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما} أي: أظهر لهما ما غطي وستر ~~عنهما من عوراتهما، قيل: اللام فيه لام العاقبة وذلك أن إبليس لم يوسوس ~~بهذا ولكن كان عاقبة أمرهم ذلك، وهو ظهور عورتهما، كقوله تعالى: "فالتقطته ~~آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا" (القصص، 8) ، ثم بين الوسوسة فقال: {وقال} ~~يعني: إبليس لآدم وحواء {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ~~ملكين} يعني: لئلا تكونا، كراهية أن تكونا ملكين من الملائكة يعلمان الخير ~~والشر، {أو تكونا من الخالدين} من الباقين الذين لا يموتون كما قال في موضع ~~آخر: "هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى" (طه، 120) . # {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} أي: وأقسم وحلف لهما وهذا من ms0912 المفاعلة ~~التي تختص بالواحد، قال قتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن ~~بالله، فقال: إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما، وإبليس ~~أول من حلف بالله كاذبا، فلما حلف ظن # PageV03P219 # آدم أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، فاغتر به. ### || # {فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما ~~من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن ~~الشيطان لكما عدو مبين (22) } # {فدلاهما بغرور} أي: خدعهما، يقال: ما زال فلان يدلي لفلان بغرور، يعني: ~~ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف باطل من القول. # وقيل: حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة المعصية، ولا يكون التدلي إلا من ~~علو إلى أسفل، والتدلية: إرسال الدلو في البئر، يقال: تدلى بنفسه ودلى ~~غيره، قال الأزهري: أصله: تدلية العطشان البئر ليروى من الماء ولا يجد ~~الماء 128/ب فيكون مدلى بغرور، والغرور: إظهار النصح مع إبطان الغش. # {فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما} قال الكلبي: فلما أكلا منها، وروي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قبل أن ازدردا أخذتهما العقوبة، ~~والعقوبة أن "بدت" ظهرت لهما "سوآتهما" عوراتهما، وتهافت عنهما لباسهما حتى ~~أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه من عورة صاحبه، وكانا لا يريان ذلك. قال ~~وهب: كان لباسهما من النور. وقال قتادة: كان ظفرا ألبسهما الله من الظفر ~~لباسا فلما وقعا في الذنب بدت لهما سوآتهما فاستحيا، {وطفقا} أقبلا وجعلا ~~{يخصفان} يرقعان ويلزقان ويصلان، {عليهما من ورق الجنة} وهو ورق التين حتى ~~صار كهيئة الثوب. # قال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سوآتهما، وروي عن أبي بن كعب عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان آدم رجلا طوالا كأنه نخلة سحوق (1) كثير ~~شعر الرأس، فلما وقع في الخطيئة بدت له سوأته، وكان لا يراها فانطلق هاربا ~~في الجنة، فعرضت له شجرة من شجر الجنة فحبسته بشعره، فقال لها: أرسليني، ~~قالت: لست بمرسلتك، فناداه ربه: يا آدم أمني تفر؟ قال: لا يا رب، ولكن ~~استحييتك" (2) . # {وناداهما ms0913 ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} يعني: الأكل منها، {وأقل ~~لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} PageV03P220 # أي: بين العداوة، قال محمد بن قيس: ناداه ربه يا آدم أكلت منها وقد ~~نهيتك؟ قال: رب أطعمتني حواء، قال لحواء: لم أطعمتيه؟ قالت: أمرتني الحية، ~~قال للحية: لم أمرتيها؟ قالت: أمرني إبليس، فقال الله تعالى: أما أنت يا ~~حواء فكما أدميت الشجرة فتدمين كل شهر، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك ~~فتمشين على بطنك ووجهك، وسيشدخ رأسك من لقيك، وأما أنت يا إبليس فملعون ~~مدحور (1) . PageV03P221 ### || # {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ~~(23) قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (24) ~~قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون (25) يا بني آدم قد أنزلنا عليكم ~~لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم ~~يذكرون (26) } # {قال فيها تحيون} يعني في الأرض تعيشون، {وفيها تموتون ومنها تخرجون} أي: ~~من الأرض تخرجون من قبوركم للبعث، قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: {تخرجون} ~~بفتح التاء هاهنا وفي الزخرف، وافق يعقوب هاهنا وزاد حمزة والكسائي: "وكذلك ~~تخرجون" في أول الروم، والباقون بضم التاء وفتح الراء فيهن. # {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم} أي: خلقنا لكم {لباسا} وقيل: إنما قال: ~~"أنزلنا" لأن اللباس إنما يكون من نبات الأرض، والنبات يكون بما ينزل من ~~السماء، فمعنى قوله: {أنزلنا} أي: أنزلنا أسبابه. وقيل: كل بركات الأرض ~~منسوبة إلى بركات السماء كما قال تعالى: "وأنزلنا الحديد" (سورة الحديد، ~~25) ، وإنما يستخرج الحديد من الأرض. # وسبب نزول هذه الآية: أنهم كانوا في الجاهلية يطوفون بالبيت عراة، ~~ويقولون: لا نطوف في # PageV03P221 # ثياب عصينا الله فيها، فكان الرجال يطوفون بالنهار والنساء بالليل عراة. # وقال قتادة: كانت المرأة تطوف وتضع يدها على فرجها وتقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله %~% وما بدا منه فلا أحله # فأمر الله سبحانه بالستر فقال: {قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم} (1) ~~يستر عوراتكم، واحدتها سوأة، سميت بها لأنه يسوء صاحبها انكشافها، فلا ms0914 ~~تطوفوا عراة، {وريشا} يعني: مالا في قول ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي: ~~يقال: تريش الرجل إذا تمول، وقيل: الريش الجمال، أي: ما يتجملون به من ~~الثياب، وقيل: هو اللباس. # {ولباس التقوى ذلك خير} قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي " ولباس " ~~بنصب السين عطفا على قوله {لباسا} وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وخبره ~~{خير} وجعلوا {ذلك} صلة في الكلام، ولذلك قرأ ابن مسعود وأبي بن كعب {ولباس ~~التقوى ذلك خير} # واختلفوا في {ولباس التقوى} قال قتادة والسدي: لباس التقوى هو الإيمان. ~~وقال الحسن: هو الحياء لأنه يبعث على التقوى. # وقال عطية عن ابن عباس: هو العمل الصالح. وعن عثمان بن عفان، أنه قال: ~~السمت الحسن. # وقال عروة بن الزبير: لباس التقوى خشية الله، وقال الكلبي: هو العفاف. ~~والمعنى: لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به مما خلق له من اللباس للتجمل. # وقال ابن الأنباري: لباس التقوى هو اللباس الأول وإنما أعاده إخبارا أن ~~ستر العورة خير من التعري في الطواف. # وقال زيد بن علي: لباس التقوى الآلات التي يتقى بها في الحرب كالدرع ~~والمغفر والساعد والساقين. # وقيل: لباس التقوى هو الصوف والثياب الخشنة التي يلبسها أهل الورع. {ذلك ~~من آيات الله لعلهم يذكرون} PageV03P222 ### || # {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (27) وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما ~~لا تعلمون (28) قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه ~~مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون (29) } # {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان} لا يضلنكم الشيطان، {كما أخرج أبويكم} ~~أي: كما فتن أبويكم آدم وحواء فأخرجهما، {من الجنة ينزع عنهما لباسهما ~~ليريهما سوآتهما} ليرى كل واحد سوأة الآخر، {إنه يراكم} يعني أن الشيطان ~~يراكم يا بني آدم، {هو وقبيله} جنوده. قال ابن عباس: هو وولده. وقال ms0915 قتادة: ~~قبيله: الجن والشياطين، {من حيث لا ترونهم} قال مالك بن دينار: إن عدوا ~~يراك ولا تراه لشديد الخصومة والمؤنة إلا من عصم الله، {إنا جعلنا الشياطين ~~أولياء} قرناء وأعوانا، {للذين لا يؤمنون} وقال الزجاج: سلطانهم عليهم ~~يزيدون في غيهم كما قال: (أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا) ~~[مريم-83] . # {وإذا فعلوا فاحشة} قال ابن عباس ومجاهد: هي طوافهم بالبيت عراة. وقال ~~عطاء: الشرك والفاحشة، اسم لكل فعل قبيح بلغ النهاية في القبح. {قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا} وفيه إضمار معناه: وإذا فعلوا فاحشة فنهوا عنها قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا. قيل: ومن أين أخذ آباؤكم؟ قالوا: {والله أمرنا بها قل ~~إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} # {قل أمر ربي بالقسط} قال ابن عباس: بلا إله إلا الله، وقال الضحاك: ~~بالتوحيد. وقال مجاهد والسدي: بالعدل. {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} قال ~~مجاهد والسدي: يعني وجهوا وجوهكم حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة. وقال ~~الضحاك: إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحدكم أصلي في ~~مسجدي. وقيل: معناه اجعلوا سجودكم لله خالصا، {وادعوه} واعبدوه، {مخلصين له ~~الدين} الطاعة والعبادة، {كما بدأكم تعودون} قال ابن عباس: إن الله تعالى ~~بدأ خلق بني آدم مؤمنا وكافرا 129/أكما قال: "هو الذي خلقكم فمنكم كافر ~~ومنكم مؤمن" (التغابن، 2) ، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا. ~~قال مجاهد: يبعثون على ما ماتوا عليه. # PageV03P223 # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي حدثنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ~~أنبأنا محمد بن عبد الله الصفار حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي حدثنا ~~أبو حذيفة حدثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يبعث كل عبد على ما مات عليه، ~~المؤمن على إيمانه والكافر على كفره" (1) . # وقال أبو العالية: عادوا على عمله فيهم. قال سعيد بن جبير: كما كتب عليكم ~~تكونون. # قال محمد بن كعب: من ابتدأ الله ms0916 خلقه على الشقاوة صار إليها وإن عمل أهل ~~السعادة، كما أن إبليس كان يعمل بعمل أهل السعادة ثم صار إلى الشقاوة، ومن ~~ابتداء خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل بعمل أهل الشقاء، وكما أن ~~السحرة كانت تعمل بعمل أهل الشقاوة فصاروا إلى السعادة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنبأنا أبو ~~القاسم البغوي ثنا علي بن الجعد حدثنا أبو غسان عن أبي حازم قال: سمعت سهل ~~بن سعد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد يعمل فيما يرى ~~الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل ~~أهل النار وإنه من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم" (2) . # وقال الحسن ومجاهد: كما بدأكم وخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا، كذلك ~~تعودون أحياء يوم القيامة كما قال الله تعالى: "كما بدأنا أول خلق نعيده" ~~(الأنبياء، 104) ، قال قتادة: بدأهم من PageV03P224 # التراب وإلى التراب يعودون، نظيره قوله تعالى: "منها خلقناكم وفيها ~~نعيدكم" (طه، 55) . ### || # {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون ~~الله ويحسبون أنهم مهتدون (30) } # {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا ~~يحب المسرفين (31) قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ~~قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات ~~لقوم يعلمون (32) } # قوله عز وجل: {فريقا هدى} أي هداهم الله، {وفريقا حق} وجب {عليهم ~~الضلالة} أي: بالإرادة السابقة، {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ~~ويحسبون أنهم مهتدون} فيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على ~~الحق والجاحد والمعاند سواء. # قوله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} قال أهل التفسير: كانت ~~بنو عامر يطوفون بالبيت عراة، فأنزل الله عز وجل: "يا بني آدم خذوا زينتكم ~~عند كل مسجد"، يعني الثياب. قال مجاهد: ما يواري عورتك ولو عباءة. # قال الكلبي: الزينة ما يواري العورة عند كل مسجد لطواف ms0917 أو صلاة. # {وكلوا واشربوا} قال الكلبي: كانت بنو عامر لا يأكلون في أيام حجهم من ~~الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: نحن ~~أحق أن نفعل ذلك يا رسول الله، فأنزل الله عز وجل: "وكلوا" يعني اللحم ~~والدسم "واشربوا" اللبن (1) {ولا تسرفوا} بتحريم ما أحل الله لكم من اللحم ~~والدسم، {إنه لا يحب المسرفين} الذين يفعلون ذلك. قال ابن عباس: كل ما شئت ~~والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة. قال علي بن الحسين بن واقد: قد ~~جمع الله الطب كله في نصف آية فقال: "كلوا واشربوا ولا تسرفوا". # قوله عز وجل: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} يعني لبس الثياب في ~~الطواف، {والطيبات من الرزق} يعني اللحم والدسم في أيام الحج. # وعن ابن عباس وقتادة: والطيبات من الرزق ما حرم أهل الجاهلية من البحائر ~~والسوائب. # {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} فيه حذف تقديره: ~~هي للذين آمنوا وللمشركين في الحياة الدنيا فإن أهل الشرك يشاركون المؤمنين ~~في طيبات الدنيا، وهي في الآخرة خالصة للمؤمنين لا حظ للمشركين فيها. # وقيل: هي خالصة يوم القيامة من التنغيص والغم للمؤمنين، فإنها لهم في ~~الدنيا مع التنغيص والغم. # قرأ نافع {خالصة} رفع، أي: قل هي للذين آمنوا مشتركين في الدنيا، وهي في ~~الآخرة خالصة يوم القيامة للمؤمنين. وقرأ الآخرون بالنصب على القطع، {كذلك ~~نفصل الآيات لقوم يعلمون} PageV03P225 ### || # {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ~~وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ~~(33) ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (34) يا ~~بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (35) } # {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} يعني: الطواف عراة {ما ~~ظهر} طواف الرجال بالنهار {وما بطن} طواف النساء بالليل. وقيل: هو الزنا ms0918 ~~سرا وعلانية. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة ~~عن عمرو بن مرة عن أبي وائل عن عبد الله قال قلت: أنت سمعت هذا من عبد ~~الله؟ قال: نعم، فرفعه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أحد ~~أغير من الله، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه ~~المدح من الله فلذلك مدح نفسه" (1) . # قوله عز وجل: {والإثم} يعني: الذنب والمعصية. وقال الضحاك: الذنب الذي لا ~~حد فيه. قال الحسن: الإثم: الخمر. قال الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي ... ~~كذاك الإثم تذهب بالعقول # {والبغي} الظلم والكبر، {بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا} حجة وبرهانا، {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} في تحريم الحرث ~~والأنعام، في قول مقاتل. وقال غيره: هو عام في تحريم القول في الدين من غير ~~يقين. # {ولكل أمة أجل} مدة، وأكل وشرب. وقال ابن عباس وعطاء والحسن: يعني وقتا ~~لنزول العذاب بهم، {فإذا جاء أجلهم} وانقطع أكلهم، {لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون} أي: ولا يتقدمون. وذلك حين سألوا العذاب فأنزل الله هذه الآية. # قوله تعالى: {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم} أي: أن يأتيكم. قيل: أراد ~~جميع الرسل. PageV03P226 # وقال مقاتل: أراد بقوله: {يا بني آدم} مشركي العرب وبالرسل محمدا صلى ~~الله عليه وسلم وحده، {يقصون عليكم آياتي} قال ابن عباس: فرائضي وأحكامي، ~~{فمن اتقى وأصلح} أي: اتقى الشرك وأصلح عمله. وقيل: أخلص ما بينه وبين ربه ~~{فلا خوف عليهم} إذا خاف الناس، {ولا هم يحزنون} أي: إذا حزنوا. ### || # {والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(36) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم ~~من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون ~~الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ms0919 كافرين (37) } # {والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها} تكبروا عن الإيمان بها، وإنما ذكر ~~الاستكبار لأن كل مكذب وكافر متكبر. قال الله تعالى "نهم كانوا إذا قيل لهم ~~لا إله إلا الله يستكبرون" (الصافات، 35) ، {أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون} # قوله تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا} جعل له شريكا، {أو كذب ~~بآياته} بالقرآن، {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} أي: حظهم مما كتب لهم في ~~اللوح المحفوظ. واختلفوا فيه، قال الحسن والسدي: ما كتب لهم من العذاب وقضى ~~عليهم من سواد الوجوه وزرقة العيون. قال عطية عن ابن عباس: كتب لمن يفتري ~~على الله أن وجهه مسود، قال الله تعالى: "ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على ~~الله وجوههم مسودة" (الزمر، 60) . # وقال سعيد بن جبير ومجاهد: ما سبق لهم من الشقاوة والسعادة. # وقال ابن عباس وقتادة 129/ب والضحاك: يعني أعمالهم التي عملوها وكتب ~~عليهم من خير وشر يجزي عليها. # وقال محمد بن كعب القرظي: ما كتب لهم من الأرزاق والآجال والأعمال فإذا ~~فنيت، {جاءتهم رسلنا يتوفونهم} يقبضون أرواحهم يعني ملك الموت وأعوانه، ~~{قالوا} يعني يقول الرسل للكافر، {أين ما كنتم تدعون} تعبدون، {من دون ~~الله} سؤال تبكيت وتقريع، {قالوا ضلوا عنا} بطلوا وذهبوا عنا، {وشهدوا على ~~أنفسهم} اعترفوا عند معاينة الموت، {أنهم كانوا كافرين} # PageV03P227 ### || # {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت ~~أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء ~~أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون (38) وقالت ~~أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ~~(39) إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين (40) } # {قال ادخلوا في أمم} يعني: يقول الله لهم يوم القيامة ادخلوا في أمم، أي: ~~مع جماعات، {قد خلت} مضت، {من قبلكم من الجن والإنس في النار} يعني كفار ~~الأمم الخالية، ms0920 {كلما دخلت أمة لعنت أختها} يريد أختها في الدين لا في ~~النسب، فتلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى، وكل فرقة تلعن أختها ويلعن ~~الأتباع القادة، ولم يقل أخاها لأنه عنى الأمة والجماعة، {حتى إذا اداركوا ~~فيها} أي: تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا في النار، {جميعا قالت أخراهم} قال ~~مقاتل: يعني أخراهم دخولا النار وهم الأتباع، {لأولاهم} أي: لأولاهم دخولا ~~وهم القادة، لأن القادة يدخلون النار أولا. وقال ابن عباس: يعني آخر كل أمة ~~لأولاها، وقال السدي: أهل آخر الزمان لأولاهم الذين شرعوا لهم ذلك الدين، ~~{ربنا هؤلاء} الذين، {أضلونا} عن الهدى يعني القادة {فآتهم عذابا ضعفا من ~~النار} أي: ضعف عليهم العذاب، {قال} الله تعالى، {لكل ضعف} يعني للقادة ~~والأتباع ضعف من العذاب، {ولكن لا تعلمون} ما لكل فريق منكم من العذاب. # قرأ الجمهور: "ولكن لا تعلمون"، وقرأ أبو بكر "لا يعلمون" بالياء، أي: لا ~~يعلم الأتباع ما للقادة ولا القادة ما للأتباع. # {وقالت أولاهم} يعني القادة {لأخراهم} للأتباع، {فما كان لكم علينا من ~~فضل} لأنكم كفرتم كما كفرنا فنحن وأنتم في الكفر سواء وفي العذاب سواء، ~~{فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} # {إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم} بالتاء، خفف أبو ~~عمرو، وبالياء # PageV03P228 # خفف حمزة والكسائي، والباقون بالتاء مشددة، {أبواب السماء} لأدعيتهم ولا ~~لأعمالهم. وقال ابن عباس: لأرواحهم لأنها خبيثة لا يصعد بها بل يهوى بها ~~إلى سجين، إنما تفتح أبواب السماء لأرواح المؤمنين وأدعيتهم وأعمالهم، {ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} أي: حتى يدخل البعير في ثقب ~~الإبرة، والخياط والمخيط الإبرة، والمراد منه: أنهم لا يدخلون الجنة أبدا ~~لأن الشيء إذا علق بما يستحيل كونه يدل ذلك على تأكيد المنع، كما يقال: لا ~~أفعل كذا حتى يشيب الغراب أو يبيض القار، يريد لا أفعله أبدا. {وكذلك نجزي ~~المجرمين} ### || # {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين (41) والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ~~(42) ونزعنا ما في ms0921 صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله ~~الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا ~~بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون (43) } # {لهم من جهنم مهاد} أي: فراش، {ومن فوقهم غواش} أي: لحف، وهي جمع غاشية، ~~يعني ما غشاهم وغطاهم، يريد إحاطة النار بهم من كل جانب، كما قال الله، ~~"لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل" (الزمر، 16) ، {وكذلك نجزي ~~المجرمين} # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها} أي: طاقتها وما ~~لا تحرج فيه ولا تضيق عليه، {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} # {ونزعنا} وأخرجنا، {ما في صدورهم من غل} من غش وعداوة كانت بينهم في ~~الدنيا فجعلناهم إخوانا على سرر متقابلين لا يحسد بعضهم بعضا على شيء خص ~~الله به بعضهم. {تجري من تحتهم الأنهار} روى الحسن عن علي رضي الله عنه ~~قال: فينا والله أهل بدر نزلت: {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين} (1) . # وقال علي رضي الله عنه أيضا: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ~~من الذين قال PageV03P229 # لهم الله عز وجل: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد ~~بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الصلت بن محمد حدثنا يزيد بن زريع ~~حدثنا سعيد عن قتادة عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة ~~بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى ~~إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى ~~بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا" (1) . # وقال السدي في هذه الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند ~~بابها شجرة، في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من ~~غل، فهو الشراب ms0922 الطهور، واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلن ~~يشعثوا ولن يسحنوا بعدها أبدا، أي إلى هذا، يعني طريق الجنة. # وقال سفيان الثوري: معناه هدانا لعمل هذا ثوابه، {وما كنا} قرأ ابن عامر: ~~"ما كنا" بلا واو، {لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق} ~~هذا قول أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا، {ونودوا أن تلكم الجنة ~~أورثتموها بما كنتم تعملون} قيل: هذا النداء إذا رأوا الجنة من بعيد نودوا ~~أن تلكم الجنة. # وقيل: هذا النداء يكون في الجنة. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الخطيب أنبأنا أبو طاهر ~~محمد بن الحارث أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي أنبأنا عبد الله بن محمد ~~أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن ~~أبي إسحاق عن الأغر عن أبي سعيد وعن أبي هريرة قالا ينادي مناد: إن لكم أن ~~تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن ~~تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، فذلك قوله: ~~"ونودوا أن تلكم الجنة، أورثتموها بما كنتم تعملون"، هذا حديث صحيح أخرجه ~~مسلم بن الحجاج عن إسحاق بن إبراهيم وعبد الرحمن بن حميد عن عبد الرزاق عن ~~سفيان الثوري بهذا الإسناد مرفوعا (2) . PageV03P230 # وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد ~~إلا وله منزله في الجنة ومنزله في النار، فأما الكافر فإنه يرث المؤمن ~~منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة" (1) . PageV03P231 ### || # {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44) ~~الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (45) وبينهما ~~حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام ~~عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) } # قوله تعالى: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن ms0923 قد وجدنا ما وعدنا ربنا} ~~من الثواب، {حقا} أي صدقا، {فهل وجدتم ما وعد ربكم} من العذاب، {حقا قالوا ~~نعم} قرأ الكسائي بكسر العين حيث كان، والباقون بفتحها وهما لغتان، {فأذن ~~مؤذن بينهم} أي: نادى مناد أسمع الفريقين، {أن لعنة الله على الظالمين} قرأ ~~أهل المدينة والبصرة وعاصم: "أن" خفيف، "لعنة"، رفع، وقرأ الآخرون ~~بالتشديد، "لعنة الله" نصب على الظالمين، أي: الكافرين، 130/أ # {الذين يصدون} أي: يصرفون الناس، {عن سبيل الله} طاعة الله، {ويبغونها ~~عوجا} أي: يطلبونها زيغا وميلا أي: يطلبون سبيل الله جائرين عن القصد. # قال ابن عباس: يصلون لغير الله، ويعظمون ما لم يعظمه الله. والعوج -بكسر ~~العين -في الدين والأمر والأرض وكل ما لم يكن قائما، وبالفتح في كل ما كان ~~قائما كالحائط والرمح ونحوهما. {وهم بالآخرة كافرون} # {وبينهما حجاب} يعني: بين الجنة والنار، وقيل: بين أهل الجنة وبين أهل ~~النار حجاب، وهو السور الذي ذكر الله تعالى في قوله: "فضرب بينهم بسور له ~~باب" (الحديد، 13) . # قوله تعالى: {وعلى الأعراف رجال} والأعراف هي ذلك السور الذي بين الجنة ~~والنار، وهي جمع عرف، وهو اسم للمكان المرتفع، ومنه عرف الديك لارتفاعه عما ~~سواه من جسده. وقال السدي: سمي ذلك السور أعرافا لأن أصحابه يعرفون الناس. # واختلفوا في الرجال الذين أخبر الله عنهم أنهم على الأعراف: فقال حذيفة ~~وابن عباس: هم # PageV03P231 # قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم ~~حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما يشاء، ثم يدخلهم ~~الجنة بفضل رحمته، وهم آخر من يدخل الجنة. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنا أبو طاهر محمد بن أحمد ~~بن الحارث أنا محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبد الله بن محمود أنا إبراهيم بن ~~عبد الله الخلال ثنا عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي قال: قال سعيد ~~بن جبير، يحدث عن ابن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته ~~أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ms0924 ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة ~~دخل النار، ثم قرأ قول الله تعالى: (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ~~ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم) (الأعراف 8-9) . ثم قال: إن ~~الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح (1) . قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان ~~من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار فإذا ~~نظروا إلى أهل الجنة نادوا سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار ~~قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون ~~نورا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعط كل عبد [يومئذ] (2) نورا فإذا ~~أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة، [فلما] (3) رأى أهل الجنة ~~ما لقي المنافقون قالوا ربنا أتمم لنا نورنا. # فأما أصحاب الأعراف فإن النور لم ينزع من بين أيديهم، ومنعتهم [سيئاتهم] ~~(4) أن يمضوا فبقي في قلوبهم الطمع إذ لم ينزع النور من بين أيديهم، فهنالك ~~يقول الله: "لم يدخلوها وهم يطمعون"، وكان الطمع النور الذي [بين أيديهم] ~~(5) ثم أدخلوا الجنة، وكانوا آخر أهل الجنة دخولا. # وقال شرحبيل بن سعد: أصحاب الأعراف قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم، ~~ورواه مقاتل في تفسيره مرفوعا: هم رجال غزوا في سبيل الله [عصاة لآبائهم ~~فقتلوا، فأعتقوا من النار بقتلهم في سبيل الله] (6) وحبسوا عن الجنة بمعصية ~~آبائهم، فهم آخر من يدخل الجنة. # وروي عن مجاهد: أنهم أقوام رضي عنهم أحد الأبوين دون الآخر، يحبسون على ~~PageV03P232 # [الأعراف] (1) إلى أن يقضي الله بين الخلق، ثم يدخلون الجنة. # وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: هم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدلوا ~~دينهم. # وقيل: هم أطفال المشركين. وقال الحسن: هم أهل الفضل من المؤمنين علوا على ~~الأعراف فيطلعون على أهل الجنة وأهل النار جميعا، ويطالعون أحوال الفريقين. # قوله تعالى: {يعرفون كلا بسيماهم} أي: يعرفون أهل الجنة ببياض وجوههم ~~وأهل النار بسواد وجوههم. {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم} أي: إذا رأوا ~~أهل الجنة قالوا سلام عليكم، {لم يدخلوها} يعني: أصحاب الأعراف ms0925 لم يدخلوا ~~الجنة، {وهم يطمعون} في دخولها، قال أبو العالية: ما جعل الله ذلك الطمع ~~فيهم إلا كرامة [يريد] (2) بهم، قال الحسن: الذي جعل الطمع في قلوبهم ~~يوصلهم إلى ما يطمعون. ### || # {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين (47) ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى ~~عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48) أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون (49) } # {وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار} تعوذوا بالله، {قالوا ربنا لا ~~تجعلنا مع القوم الظالمين} يعني: الكافرين في النار. # {ونادى أصحاب الأعراف رجالا} كانوا عظماء في الدنيا من أهل النار، ~~{يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم} في الدنيا من المال والولد، ~~{وما كنتم تستكبرون} عن الإيمان. قال الكلبي: ينادون وهم على السور: يا ~~وليد بن المغيرة ويا أبا جهل بن هشام ويا فلان، ثم ينظرون إلى الجنة فيرون ~~فيها الفقراء والضعفاء ممن كانوا يستهزءون بهم، مثل سلمان وصهيب وخباب ~~وبلال وأشباههم، فيقول أصحاب الأعراف لأولئك الكفار: {أهؤلاء الذين أقسمتم} # {أهؤلاء الذين أقسمتم} حلفتم، {لا ينالهم الله برحمة} أي: حلفتم أنهم لا ~~يدخلون الجنة. ثم يقال لأهل الأعراف: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم ~~تحزنون} وفيه قول آخر: أن PageV03P233 # أصحاب الأعراف إذا قالوا لأهل النار ما قالوا، قال لهم أهل النار: إن دخل ~~أولئك الجنة وأنتم لم تدخلوها. فيعيرونهم بذلك، ويقسمون أنهم يدخلون النار، ~~فتقول الملائكة الذين حبسوا أصحاب الأعراف على الصراط لأهل النار: أهؤلاء، ~~يعني: أصحاب الأعراف، الذين أقسمتم يا أهل النار أنهم لا ينالهم الله ~~برحمة، ثم قالت الملائكة لأصحاب الأعراف: "ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا ~~أنتم تحزنون" فيدخلون الجنة. ### || # {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم ~~الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) الذين اتخذوا دينهم لهوا ~~ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما ~~كانوا بآياتنا يجحدون (51) } # {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه ms0926 على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52) هل ينظرون ~~إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ~~فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا ~~أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) } # قوله تعالى: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا} أي: صبوا، {علينا ~~من الماء أو مما رزقكم الله} أي: أوسعوا علينا مما رزقكم الله من طعام ~~الجنة. # قال عطاء عن ابن عباس: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار في ~~الفرج، وقالوا: يا رب إن لنا قرابات من أهل الجنة، فأذن لنا حتى نراهم ~~ونكلمهم، فينظروا إلى قرابتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فيعرفونهم ولم ~~يعرفهم أهل الجنة لسواد وجوههم، فينادي أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم، ~~وأخبروهم بقراباتهم: أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، {قالوا ~~إن الله حرمهما على الكافرين} يعني: الماء والطعام. # {الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا} وهو ما زين لهم الشيطان من تحريم ~~البحيرة وأخواتها، والمكاء والتصدية حول البيت، وسائر الخصال الذميمة، التي ~~كانوا يفعلونها في الجاهلية. وقيل: دينهم أي عيدهم، {وغرتهم الحياة الدنيا ~~فاليوم ننساهم} نتركهم في النار، {كما نسوا لقاء يومهم هذا} أي: كما تركوا ~~العمل للقاء يومهم هذا، {وما كانوا بآياتنا يجحدون} # PageV03P234 # {ولقد جئناهم بكتاب} يعني: القرآن {فصلناه} بيناه، {على علم} منا لما ~~يصلحهم، {هدى ورحمة} أي: جعلنا القرآن هاديا وذا رحمة، {لقوم يؤمنون} 130/ب # {هل ينظرون} أي: هل ينتظرون، {إلا تأويله} قال مجاهد: جزاءه. وقال السدي: ~~عاقبته. ومعناه: هل ينتظرون إلا ما يئول إليه أمرهم، في العذاب ومصيرهم إلى ~~النار. {يوم يأتي تأويله} أي: جزاؤه وما يئول إليه أمرهم، {يقول الذين نسوه ~~من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق} اعترفوا به حين لا ينفعهم الاعتراف، {فهل ~~لنا} اليوم، {من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد} إلى الدنيا، {فنعمل غير الذي ~~كنا نعمل قد خسروا أنفسهم} أهلكوها بالعذاب، {وضل} [وبطل] (1) {عنهم ما ~~كانوا يفترون} ### || # {إن ms0927 ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54) } # قوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام} أراد ~~به في مقدار ستة أيام لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، ولم يكن ~~يومئذ يوم ولا شمس ولا سماء، قيل: ستة أيام كأيام الآخرة وكل يوم كألف سنة. ~~وقيل: كأيام الدنيا، قال سعيد بن جبير: كان الله عز وجل قادرا على خلق ~~السموات والأرض في لمحة ولحظة، فخلقهن في ستة أيام [تعليما] (2) لخلقه ~~التثبت والتأني في الأمور وقد جاء في الحديث: "التأني من الله والعجلة من ~~الشيطان" (3) . # {ثم استوى على العرش} قال الكلبي ومقاتل: استقر. وقال أبو عبيدة: صعد. ~~وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء على ~~العرش صفة لله تعالى، بلا كيف، يجب على الرجل الإيمان به، ويكل العلم فيه ~~إلى الله عز وجل. وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله: (الرحمن على العرش استوى) ~~[طه-5] ، كيف استوى؟ فأطرق رأسه مليا، وعلاه PageV03P235 # الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به ~~واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالا ثم أمر به فأخرج. # وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله ~~بن المبارك وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات ~~المتشابهة: أمروها كما جاءت بلا كيف. # والعرش في اللغة: هو السرير. وقيل: هو ما علا فأظل، ومنه عرش الكروم. ~~وقيل: العرش الملك. # {يغشي الليل النهار} قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب: "يغشي" بالتشديد ~~هاهنا وفي سورة الرعد، والباقون بالتخفيف، أي: يأتي الليل على النهار ~~فيغطيه، وفيه حذف أي: ويغشي النهار الليل، ولم يذكره لدلالة الكلام عليه ~~وذكر في آية أخرى فقال: "يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل" ~~[الزمر-5] ، {يطلبه حثيثا} أي: سريعا، وذلك أنه إذا كان يعقب أحدهم ms0928 الآخر ~~ويخلفه، فكأنه يطلبه. {والشمس والقمر والنجوم مسخرات} قرأ ابن عامر كلها ~~بالرفع على الابتداء والخبر، والباقون بالنصب، وكذلك في سورة النحل عطفا ~~على قوله: "خلق السموات والأرض"، أي: خلق هذه الأشياء مسخرات، أي: مذللات ~~{بأمره ألا له الخلق والأمر} له الخلق لأنه [خلقهم] (1) وله الأمر، يأمر في ~~خلقه بما يشاء. قال سفيان بن عيينة: فرق الله بين الخلق والأمر فمن جمع ~~بينهما فقد كفر. # {تبارك الله} أي: تعالى الله وتعظم. وقيل: ارتفع. والمبارك المرتفع. ~~وقيل: تبارك تفاعل من البركة وهي النماء والزيادة، أي: البركة تكتسب وتنال ~~بذكره. # وعن ابن عباس قال: جاء بكل بركة. وقال الحسن: تجيء البركة من قبله وقيل: ~~تبارك: تقدس. والقدس: الطهارة. وقيل: تبارك الله أي: باسمه يتبرك في كل ~~شيء. وقال المحققون: معنى هذه [الصفة] (2) ثبت ودام بما لم يزل ولا يزال. ~~وأصل البركة الثبوت. ويقال: تبارك الله ولا يقال: متبارك ولا مبارك، لأنه ~~لم يرد به التوقيف. {رب العالمين} PageV03P236 ### || # {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) ولا تفسدوا في الأرض ~~بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين (56) } # {ادعوا ربكم تضرعا} تذللا واستكانة، {وخفية} أي سرا. قال الحسن: بين دعوة ~~السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما ~~يسمع لهم صوت، وإن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله سبحانه ~~يقول: "ادعوا ربكم تضرعا وخفية"، وإن الله ذكر عبدا صالحا ورضي فعله فقال: ~~"إذ نادى ربه نداء خفيا" [مريم-3] . {إنه لا يحب المعتدين} قيل: المعتدين ~~في الدعاء، وقال أبو مجلز: هم الذين يسألون منازل الأنبياء عليهم السلام. # أخبرنا عمر بن عبد العزيز الفاشاني، أنبأنا القاسم بن جعفر الهاشمي، ~~أنبأنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، ثنا أبو داود السجستاني، حدثنا موسى ~~بن إسماعيل، حدثنا حماد يعني ابن سلمة، أنبأنا سعيد الجريري، عن أبي نعامة ~~أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين ~~الجنة إذا دخلتها، فقال: يا ms0929 بني سل الله الجنة وتعوذ من النار، فإني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في ~~الطهور والدعاء" (1) . # وقيل: أراد به الاعتداء بالجهر [والصياح] (2) قال ابن جريج: من الاعتداء ~~رفع الصوت والنداء بالدعاء والصياح. # وروينا عن أبي موسى قال لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أشرف ~~الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا ~~قريبا" (3) . وقال عطية: هم الذين يدعون على المؤمنين فيما لا يحل، ~~فيقولون: اللهم أخزهم اللهم العنهم. PageV03P237 # {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} أي لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء ~~إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة، والدعاء ~~إلى طاعة الله، وهذا معنى قول الحسن والسدي والضحاك والكلبي. # وقال عطية: لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم. ~~فعلى هذا معنى قوله: "بعد إصلاحها" أي: بعد إصلاح الله إياها بالمطر ~~والخصب. # {وادعوه خوفا وطمعا} أي: خوفا منه ومن عذابه، وطمعا فيما عنده من مغفرته ~~وثوابه. وقال ابن جريج: خوف العدل وطمع الفضل. {إن رحمة الله قريب من ~~المحسنين} ولم يقل قريبة، قال سعيد بن جبير: الرحمة هاهنا الثواب فرجع ~~النعت إلى المعنى دون اللفظ كقوله: (وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه) [النساء-8] ولم يقل منها لأنه أراد الميراث ~~والمال. # وقال الخليل بن أحمد: القريب والبعيد يستوي فيهما في اللغة: المذكر ~~والمؤنث والواحد والجمع. قال أبو عمرو بن العلاء: القريب في اللغة يكون ~~بمعنى القرب وبمعنى المسافة، تقول العرب: هذه امرأة قريبة منك إذا كانت ~~بمعنى القرابة، وقريب منك إذا كانت بمعنى المسافة. ### || # {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا ~~سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج ~~الموتى لعلكم تذكرون (57) } # {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا ms0930 يخرج إلا نكدا كذلك نصرف ~~الآيات لقوم يشكرون (58) } # قوله تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا} قرأ عاصم "بشرا" بالباء وضمها ~~وسكون الشين 131/أهاهنا وفي الفرقان وسورة النمل، ويعني: أنها تبشر بالمطر ~~بدليل قوله تعالى: (الرياح مبشرات) [الروم-46] ، [وقرأ حمزة والكسائي ~~"نشرا" بالنون وفتحها، وهي الريح الطيبة اللينة، قال الله تعالى] : (1) ~~(والناشرات نشرا) [المرسلات-3] ، وقرأ ابن عامر بضم النون وسكون الشين، ~~وقرأ الآخرون بضم النون والشين، جمع نشور، مثل صبور وصبر ورسول ورسل، أي: ~~متفرقة وهي الرياح التي تهب من كل ناحية {بين يدي رحمته} أي: قدام المطر. ~~PageV03P238 # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنبأنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ~~أنبأنا أبو العباس الأصم أنبأنا الربيع أنبأنا الشافعي أنبأنا الثقة عن ~~الزهري عن ثابت بن قيس عن أبي هريرة قال: أخذت الناس ريح بطريق مكة وعمر ~~حاج فاشتدت، فقال عمر رضي الله عنه لمن حوله: ما بلغكم في الريح فلم يرجعوا ~~إليه شيئا، فبلغني الذي سأل [عمر عنه من أمر الريح] (1) فاستحثثت راحلتي ~~حتى أدركت عمر رضي الله عنه، وكنت في مؤخر الناس، فقلت: يا أمير المؤمنين ~~أخبرت أنك سألت عن الريح وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب فلا تسبوها، وسلوا الله من خيرها ~~وتعوذوا به من شرها" (2) ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري بإسناده (3) . # {حتى إذا أقلت} حملت الرياح {سحابا ثقالا} بالمطر، {سقناه} ورد الكناية ~~إلى السحاب، {لبلد ميت} أي: إلى بلد ميت محتاج إلى الماء، وقيل: معناه ~~لإحياء بلد ميت لا نبات فيه {فأنزلنا به} أي: بالسحاب. وقيل: بذلك البلد ~~الميت {الماء} يعني: المطر، {فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى} ~~استدل بإحياء الأرض بعد موتها على إحياء الموتى، {لعلكم تذكرون} قال أبو ~~هريرة وابن عباس: إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أرسل الله عليهم ~~مطرا كمني الرجال من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان، فينبتون في قبورهم ~~نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم ms0931 الروح، ثم يلقي عليهم النوم ~~فينامون في قبورهم، ثم يحشرون بالنفخة الثانية وهم يجدون طعم النوم في ~~رءوسهم وأعينهم، فعند ذلك يقولون: (يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) [يس-52] . # قوله عز وجل: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه} هذا مثل ضربه الله عز ~~وجل للمؤمن والكافر فمثل المؤمن مثل البلد الطيب، يصيبه المطر فيخرج نباته ~~بإذن ربه، {والذي خبث} يريد الأرض السبخة التي {لا يخرج} نباتها، {إلا ~~نكدا} قرأ أبو جعفر بفتح الكاف، وقرأ الآخرون بكسرها، أي: عسرا قليلا بعناء ~~ومشقة. PageV03P239 # فالأول: مثل المؤمن الذي إذا سمع القرآن وعاه وعقله وانتفع به، والثاني: ~~مثل الكافر الذي يسمع القرآن فلا يؤثر فيه، كالبلد الخبيث الذي لا يتبين ~~أثر المطر فيه {كذلك نصرف الآيات} نبينها، {لقوم يشكرون} # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن العلاء حدثنا ~~حماد بن أسامة عن يزيد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم ~~كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت ~~الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس ~~فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا ~~تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ~~ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" (1) . ### || # {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال ~~مبين (60) قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين (61) أبلغكم ~~رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون (62) } # قوله تعالى: {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه} وهو نوح ms0932 بن لمك بن متوشلخ بن ~~أخنوخ وهو إدريس، وهو أول نبي بعث بعد إدريس، وكان نجارا بعثه الله إلى ~~قومه وهو ابن خمسين سنة. وقال ابن عباس: ابن أربعين سنة. وقيل: بعث وهو ابن ~~مائتين وخمسين سنة (2) . وقال مقاتل: ابن مائة سنة. وقال ابن عباس: سمي ~~نوحا لكثرة ما ناح على نفسه. # واختلفوا في سبب نوحه فقال بعضهم: لدعوته على قومه بالهلاك، وقيل: ~~لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان. وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال: اخسأ يا ~~قبيح فأوحى الله تعالى إليه: أعبتني أم عبت الكلب؟ {فقال} لقومه، {يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} قرأ أبو جعفر والكسائي {من إله غيره} ~~PageV03P240 # بكسر الراء حيث كان، على نعت الإله، وافق حمزة في سورة فاطر: (هل من خالق ~~غير الله) (فاطر-3) ، وقرأ الآخرون برفع الراء على التقديم، تقديره: ما لكم ~~غيره من إله، {إني أخاف عليكم} إن لم تؤمنوا، {عذاب يوم عظيم} # {قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال} خطأ وزوال عن الحق، {مبين} بين. # {قال} نوح، {يا قوم ليس بي ضلالة} ولم يقل ليست، لأن معنى الضلالة: ~~الضلال أو على تقديم الفعل، {ولكني رسول من رب العالمين} # {أبلغكم} قرأ أبو عمرو: "أبلغكم" بالتخفيف حيث كان من الإبلاغ. لقوله: ~~(لقد أبلغتكم) [الأعراف-93] ، {رسالات ربي} ["ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ~~ربهم"، وقرأ الآخرون بالتشديد من التبليغ، لقوله تعالى: (بلغ ما أنزل إليك) ~~(المائدة-67) ، رسالات ربي] (1) {وأنصح لكم} يقال نصحته ونصحت له، والنصح ~~أن يريد لغيره من الخير ما يريد لنفسه، {وأعلم من الله ما لا تعلمون} أن ~~عذابه لا يرد عن القوم المجرمين. ### || # {أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ~~ترحمون (63) فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين (64) وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (65) قال الملأ الذين كفروا من قومه ~~إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من ms0933 الكاذبين (66) قال يا قوم ليس بي سفاهة ~~ولكني رسول من رب العالمين (67) } # {أوعجبتم} ألف استفهام دخلت على واو العطف، {أن جاءكم ذكر من ربكم} قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: موعظة. وقيل: بيان. وقيل: رسالة. {على رجل منكم ~~لينذركم} عذاب الله إن لم تؤمنوا، {ولتتقوا} أي: لكي تتقوا الله، {ولعلكم ~~ترحمون} لكي ترحموا. # {فكذبوه} يعني: كذبوا نوحا، {فأنجيناه} من الطوفان، {والذين معه في ~~الفلك} في PageV03P241 # السفينة، {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين} أي: كفارا، ~~قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة الله. قال الزجاج: عموا عن الحق ~~والإيمان، يقال رجل عم عن الحق وأعمى في البصر. وقيل: العمي والأعمى كالخضر ~~والأخضر. قال مقاتل: عموات عن نزول العذاب بهم وهو الغرق. # قوله تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودا} أي: وأرسلنا إلى عاد -وهو عاد بن عوص ~~بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام -، وهي عاد الأولى "أخاهم" في النسب لا ~~في الدين "هودا"، وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الجلود بن عاد بن عوص. ~~وقال ابن إسحاق: هو بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، {قال يا قوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} أفلا تخافون نقمته؟ # {قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك} يا هود، {في سفاهة} في حمق ~~وجهالة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: تدعونا إلى دين لا نعرفه، {وإنا ~~لنظنك من الكاذبين} أنك رسول الله إلينا. # {قال} هود، {يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين} 131/ب # PageV03P242 ### || # {أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (68) أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ~~ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم ~~في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون (69) قالوا أجئتنا لنعبد ~~الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ~~(70) قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما نزل الله بها ms0934 من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) ~~فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا ~~مؤمنين (72) } # {أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين} ناصح أدعوكم إلى التوبة أمين على ~~الرسالة. قال الكلبي: كنت فيكم قبل اليوم أمينا. # {أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم} يعني نفسه، {لينذركم ~~واذكروا إذ جعلكم خلفاء} # PageV03P242 # يعني في الأرض، {من بعد قوم نوح} أي: من بعد إهلاكهم، {وزادكم في الخلق ~~بسطة} أي: طولا وقوة. قال الكلبي والسدي: كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع، ~~وقامة القصير منهم ستون ذراعا. وقال أبو حمزة الثمالي: سبعون ذراعا. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: ثمانون ذراعا. وقال مقاتل: كان طول كل رجل اثني ~~عشر ذراعا. وقال وهب: كان رأس أحدهم مثل القبة العظيمة وكان عين الرجل تفرخ ~~فيها الضباع، وكذلك مناخرهم. {فاذكروا آلاء الله} نعم الله، واحدها إلى ~~وآلاء مثل معى وأمعاء، وقفا وأقفاء، ونظيرها: (آناء الليل) (الزمر-9) ، ~~واحدها أنا وآناء، {لعلكم تفلحون} # {قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا} من الأصنام، ~~فأتنا بما تعدنا، من العذاب، {إن كنت من الصادقين} # {قال} هود، {قد وقع} وجب ونزل، {عليكم من ربكم رجس} أي عذاب، والسين ~~مبدلة من الزاي، {وغضب} أي: سخط، {أتجادلونني في أسماء سميتموها} وضعتموها، ~~{أنتم وآباؤكم} قال أهل التفسير: كانت لهم أصنام يعبدونها سموها أسماء ~~مختلفة، {ما نزل الله بها من سلطان} حجة وبرهان، {فانتظروا} نزول العذاب، ~~{إني معكم من المنتظرين} # {فأنجيناه} يعني هودا عند نزول العذاب، {والذين معه برحمة منا وقطعنا ~~دابر الذين كذبوا بآياتنا} أي: استأصلناهم وأهلكناهم عن آخرهم، {وما كانوا ~~مؤمنين} # وكانت قصة عاد على ما ذكر محمد بن إسحاق وغيره: (1) أنهم كانوا قوما ~~ينزلون اليمن وكانت مساكنهم بالأحقاف، وهي رمال بين عمان وحضرموت، وكانوا ~~قد فشوا في الأرض كلها وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله عز وجل، ~~وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها، صنم يقال له صدى، وصنم يقال له صمود، وصنم ~~يقال له الهباء، فبعث ms0935 الله إليهم هودا نبيا، وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم ~~حسبا، فأمرهم أن يوحدوا الله ويكفوا عن ظلم الناس ولم يأمرهم بغير ذلك، ~~فكذبوه فقالوا من أشد منا قوة فبنوا المصانع وبطشوا بطشة الجبارين، فلما ~~فعلوا ذلك أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك. PageV03P243 # وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء فطلبوا الفرج كانت طلبتهم إلى ~~الله عز وجل عند بيته الحرام بمكة مسلمهم ومشركهم، فيجتمع بمكة ناس كثير ~~شتى، مختلفة أديانهم وكلهم معظم لمكة، وأهل مكة يومئذ العماليق سموا ~~عماليق، لأن أباهم عمليق بن لاذا بن سام بن نوح، وكان سيد العماليق إذ ذاك ~~بمكة رجل يقال له معاوية بن بكر وكانت أم معاوية كلهدة بنت الخيبري رجل من ~~عاد، فلما قحط المطر عن عاد وجهدوا قالوا جهزوا وافدا منكم إلى مكة ~~فليستسقوا لكم، فبعثوا قيل بن عنز ولقيم بن هزال من هزيل، وعقيل بن صندين ~~بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد بن عفير وكان مسلما يكتم إسلامه، وجلهمة بن ~~الخيبري خال معاوية بن بكر، ثم بعثوا لقمان بن عاد الأصغر بن صندين بن عاد ~~الأكبر، فانطلق كل رجل من هؤلاء ومعه رهط من قومه حتى بلغ عدد وفدهم سبعين ~~رجلا. # فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا من الحرم، ~~فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر ~~وتغنيهم الجرادتان، قينتان لمعاوية بن بكر، وكان مسيرهم شهرا ومقامهم شهرا ~~فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوثون بهم من البلاء ~~الذي أصابهم شق ذلك عليه، وقال هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي وهم ~~ضيفي، والله ما أدري كيف أصنع بهم، أستحي أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا ~~إليه، فيظنون أنه ضيق مني بمقامهم عندي، وقد هلك من وراءهم من قومهم جهدا ~~وعطشا، فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين، فقالتا: قل شعرا نغنيهم ~~به، لا يدرون من قاله، لعل ذلك أن يحركهم، فقال معاوية بن بكر: ms0936 # ألا يا قيل ويحك قم فهينم %~% لعل الله يسقينا غماما # فيسقي أرض عاد إن عادا %~% قد أمسوا لا يبينون الكلاما # من العطش الشديد فليس نرجو %~% به الشيخ الكبير ولا الغلاما # وقد كانت نساؤهم بخير %~% فقد أمست نساؤهم أيامى # وإن الوحش تأتيهم جهارا %~% فلا تخشى لعادي سهاما # وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم %~% نهاركمو وليلكمو التماما # فقبح وفدكم من وفد قوم %~% ولا لقوا التحية والسلاما # فلما غنتهم الجرادتان هذا قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم ~~يتغوثون بكم من البلاء الذي نزل بهم، وقد أبطأتم عليهم، فادخلوا هذا الحرم ~~فاستسقوا لقومكم، فقال مرثد بن سعد بن # PageV03P244 # عفير، وكان قد آمن بهود سرا: إنكم والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم ~~نبيكم وأنبتم إلى ربكم سقيتم، فأظهر إسلامه عند ذلك وقال: # عصت عاد رسولهم فأمسوا %~% عطاشا ما تبلهم السماء # لهم صنم يقال له صمود %~% يقابله صداء والهباء # فبصرنا الرسول سبيل رشد %~% فأبصرنا الهدى وجلى العماء # وإن إله هود هو إلهي %~% على الله التوكل والرجاء # فقالوا لمعاوية بن بكر: احبس عنا مرثد بن سعد فلا يقدمن معنا مكة، فإنه ~~قد اتبع دين هود، وترك ديننا، ثم خرجوا إلى مكة يستسقون لعاد، فلما ولوا ~~إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية حتى أدركهم قبل أن يدعوا الله بشيء ~~مما خرجوا له، فلما انتهى إليهم قام يدعو الله، وبها وفد عاد يدعون، فقال: ~~اللهم أعطني سؤلي وحدي ولا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد، وكان قيل ~~بن عنز رأس وفد عاد، فقال وفد عاد: اللهم أعط قيلا ما سألك واجعل سؤلنا مع ~~سؤله. # وكان قد تخلف عن وفد عاد -حين دعوا -لقمان بن عاد، وكان سيد عاد، حتى إذا ~~فرغوا من دعوتهم قام، فقال: اللهم إني جئتك وحدي في حاجتي فأعطني سؤلي، ~~وسأل الله طول العمر فعمر عمر سبعة أنسر، وقال قيل بن عنز حين دعا: يا ~~إلهنا إن كان هود صادقا فاسقنا فإنا قد هلكنا، فأنشأ الله سحائب ثلاثا ~~بيضاء وحمراء ms0937 وسوداء، ثم ناداه مناد من السحايب [يا قيل] (1) اختر لنفسك ~~وقومك من هذه السحائب [ما شئت] (2) فقال قيل: 132/أاخترت السحابة السوداء ~~فإنها أكثر السحاب ماء فناداه مناد: اخترت رمادا رمددا لا تبقي من آل عاد ~~أحدا، وساق الله سبحانه وتعالى السحابة السوداء التي اختارها قيل بما فيها ~~من النقمة إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له "المغيث" فلما رأوها ~~استبشروا وقالوا: هذا عارض ممطرنا، يقول الله تعالى: (بل هو ما استعجلتم به ~~ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها) (الأحقاف-24-25) أي: كل شيء مرت ~~به. # وكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح مهلكة امرأة من عاد يقال لها ~~مهدد، فلما تبينت ما فيها صحت ثم صعقت، فلما أفاقت قالوا لها: ماذا رأيت؟ ~~قالت: رأيت الريح فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها، فسخرها الله عليهم ~~سبع ليال وثمانية أيام حسوما، فلم تدع من آل عاد أحدا إلا هلك، واعتزل هود ~~ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه هو ومن معه من الريح إلا ما تلين ~~عليه الجلود وتلذ الأنفس، وإنها لتمر من عاد بالظعن فتحملهم بين السماء ~~والأرض وتدمغهم بالحجارة، PageV03P245 # وخرج وفد عاد من مكة حتى مروا بمعاوية بن بكر فنزلوا عليها فبينما هم ~~عنده إذا أقبل رجل على ناقة في ليلة مقمرة مساء ثالثة من مصاب عاد فأخبرهم ~~الخبر، فقالوا له فأين فارقت هودا وأصحابه؟ فقال: فارقتهم بساحل البحر ~~فكأنهم شكوا فيما حدثهم به، فقالت هزيلة بنت بكر: صدق ورب مكة. # وذكروا أن مرثد بن سعد ولقمان بن عاد، وقيل بن عنز حين دعوا بمكة، قيل ~~لهم: قد أعطيتكم مناكم فاختاروا لأنفسكم، إلا أنه لا سبيل إلى الخلود، ولا ~~بد من الموت، فقال مرثد: اللهم أعطني صدقا وبرا فأعطي ذلك، وقال لقمان: ~~أعطني يا رب عمرا، فقيل له: اختر، فاختار عمر سبعة أنسر، فكان يأخذ الفرخ ~~حين يخرج من بيضته فيأخذ الذكر منها لقوته، حتى إذا مات أخذ غيره فلم يزل ~~يفعل ms0938 ذلك حتى أتى على السابع، وكان كل نسر يعيش ثمانين سنة، وكان آخرها لبد ~~فلما مات لبد مات لقمان معه. # وأما قيل فإنه قال: أختار أن يصيبني ما أصاب قومي فقيل له: إن الهلاك، ~~فقال: لا أبالي لا حاجة لي في البقاء بعدهم، فأصابه الذي أصاب عادا من ~~العذاب فهلك. # قال السدي: بعث الله على عاد الريح العقيم فلما دنت منهم نظروا إلى الإبل ~~والرجال، تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلما رأواها تبادروا البيوت ~~فدخلوها وأغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح فقلعت أبوابهم فدخلت عليهم فأهلكتهم ~~فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فلما أهلكهم الله أرسل عليهم طيرا سوداء ~~فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه. # وروي أن الله عز وجل أمر الريح فأهالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمل ~~سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين تحت الرمل، ثم أمر الريح فكشفت عنهم الرمال ~~فاحتملتهم فرمت بهم في البحر ولم تخرج ريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ فإنها ~~عتت على الخزنة فغلبتهم فلم يعلموا كم كان مكيالها. # وفي الحديث: "إنها خرجت عليهم على قدر خرق الخاتم" (1) وروي عن علي رضي ~~الله عنه: أن قبر هود عليه السلام بحضرموت في كثيب أحمر. وقال عبد الرحمن ~~بن سابط: بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيا، وإن قبر هود وشعيب ~~وصالح وإسماعيل عليهم السلام في تلك البقعة. ويروى: أن النبي من الأنبياء ~~إذا هلك قومه جاء هو والصالحون معه إلى مكة يعبدون الله فيها حتى يموتوا. ~~PageV03P246 ### || # {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) } # {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها ~~قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ~~(74) قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ~~أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل ms0939 به مؤمنون (75) } # قوله عز وجل: {وإلى ثمود أخاهم صالحا} وهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن ~~نوح، وأراد هاهنا القبيلة. # قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد: الماء القليل، ~~وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى {أخاهم صالحا} أي: ~~أرسلنا إلى ثمود أخاهم في النسب، لا في الدين صالحا، وهو صالح بن عبيد بن ~~آسف بن ماشيح بن عبيد بن خادر بن ثمود، {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم} حجة من ربكم على صدقي، {هذه ناقة الله} ~~أضافها إليه على التفضيل والتخصيص، كما يقال بيت الله، {لكم آية} نصب على ~~الحال، {فذروها تأكل} العشب، {في أرض الله ولا تمسوها بسوء} لا تصيبوها ~~بعقر، {فيأخذكم عذاب أليم} # {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم} أسكنكم وأنزلكم، {في الأرض ~~تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا} كانوا ينقبون في الجبال ~~البيوت ففي الصيف يسكنون بيوت الطين، وفي الشتاء بيوت الجبال. وقيل: كانوا ~~ينحتون البيوت في الجبل لأن بيوت الطين ما كانت تبقى مدة أعمارهم لطول ~~أعمارهم، {فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين} والعيث: أشد ~~الفساد. # {قال الملأ} قرأ ابن عامر: (وقال الملأ) بالواو {الذين استكبروا من قومه} ~~يعني الأشراف والقادة الذين تعظموا عن الإيمان بصالح، {للذين استضعفوا} ~~يعني الأتباع، {لمن آمن منهم} # PageV03P247 # يعني: قال الكفار للمؤمنين، {أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه} إليكم، ~~{قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون} ### || # {قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (76) فعقروا الناقة وعتوا ~~عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين (77) ~~فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (78) فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ~~أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين (79) } # {قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون} جاحدون. # {فعقروا الناقة} قال الأزهري: العقر هو قطع عرقوب البعير، ثم جعل النحر ~~عقرا لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره، {وعتوا ms0940 عن أمر ربهم} والعتو الغلو في ~~الباطل، يقال: عتا يعتو عتوا: إذا استكبروا، والمعنى: عصوا الله وتركوا ~~أمره في الناقة وكذبوا نبيهم. {وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا} أي: من ~~العذاب، {إن كنت من المرسلين} # {فأخذتهم الرجفة} وهي زلزلة الأرض وحركتها وأهلكوا بالصيحة والرجفة، ~~{فأصبحوا في دارهم} قيل: أراد الديار. وقيل: أراد في أرضهم وبلدتهم، ولذلك ~~وحد الدار، {جاثمين} خامدين ميتين. قيل: سقطوا على وجوههم موتى عن آخرهم. # {فتولى} أعرض صالح، {عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ~~ولكن لا تحبون الناصحين} فإن قيل: كيف خاطبهم بقوله لقد أبلغتكم رسالة ربي ~~ونصحت لكم بعدما هلكوا بالرجفة؟ # قيل: كما خاطب النبي صلى الله عليه وسلم الكفار من قتلى بدر حين ألقاهم ~~في القليب، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: أيسركم أنكم أطعتم الله ~~ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال ~~عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ["والذي نفس محمد بيده"] (1) ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن ~~لا يجيبون" (2) . PageV03P248 # وقيل: خاطبهم ليكون عبرة لمن خلفهم. # وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: فتولى عنهم، وقال يا قوم لقد ~~أبلغتكم رسالة 132/ب ربي فأخذتهم الرجفة. # وكان قصة ثمود على ما ذكره محمد بن إسحاق ووهب وغيرهما: أن عاد لما هلكت ~~وانقضى أمرها عمرت ثمود بعدها، واستخلفوا في الأرض فدخلوا فيها وكثروا ~~وعمروا، حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم والرجل حي، فلما رأوا ~~ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا، وكانوا في سعة من معاشهم فعثوا وأفسدوا في ~~الأرض وعبدوا غير الله، فبعث الله إليهم صالحا وكانوا قوما عربا، وكان صالح ~~من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا وموضعا، فبعثه الله إليهم غلاما شابا، فدعاهم ~~إلى الله حتى شمط وكبر لا يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون، فلما ألح عليهم ~~صالح بالدعاء والتبليغ وأكثر لهم التحذير والتخويف سألوه أن يريهم آية تكون ~~مصداقا لما يقول، فقال ms0941 لهم: أي آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا غدا إلى ~~عيدنا، وكان لهم عيد يخرجون فيه بأصنامهم في يوم معلوم من السنة فتدعو إلهك ~~وندعو آلهتنا، فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا، فقال لهم ~~صالح: نعم، فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم، وخرج صالح معهم فدعوا أوثانهم، ~~وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به، ثم قال جندع بن عمرو بن ~~حواس وهو يومئذ سيد ثمود: يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة -لصخرة منفردة في ~~ناحية من الحجر يقال لها الكاثبة -ناقة مخترجة جوفاء وبراء عشراء # PageV03P249 # -والمخترجة ما شاكل البخت من الإبل -، فإن فعلت صدقناك وآمنا بك، فأخذ ~~عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت لتصدقني ولتؤمنن بي، قالوا: نعم، فصلى صالح ~~ركعتين ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، ثم تحركت الهضبة ~~فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها عظما ~~إلا الله، وهم ينظرون ثم نتجت سقيا مثلها في العظم، فآمن به جندع بن عمرو ~~ورهط من قومه، وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويصدقوه فنهاهم ذؤاب بن عمرو ~~بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صمغر وكان كاهنهم وكانوا من أشراف ~~ثمود. # فلما خرجت الناقة قال لهم صالح: هذه ناقة الله، لها شرب ولكم شرب يوم ~~معلوم، فمكثت الناقة ومعها سقيها في أرض ثمود، ترعى الشجر وتشرب الماء، ~~فكانت ترد الماء غبا، فإذا كان يومها وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال لها ~~بئر الناقة فما ترفع رأسها حتى تشرب كل ماء فيها، فلا تدع قطرة، ثم ترفع ~~رأسها فتنفشخ حتى تفحج لهم فيحلبون ما شاءوا من لبن، فيشربون ويدخرون، حتى ~~+يملئوا أوانيهم كلها ثم تصدر من غير الفج الذي وردت منه لا تقدر أن تصدر ~~من حيث ترد، يضيق عنها، حتى إذا كان الغد كان يومهم فيشربون ما شاءوا من ~~الماء ويدخرون ما شاءوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في سعة ودعة، وكانت الناقة ~~تصيف إذا كان الحر بظهر الوادي، فتهرب ms0942 منها المواشي، أغنامهم وبقرهم ~~وإبلهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حره وجدبه، وتشتو ببطن الوادي إذا كان ~~الشتاء، فتهرب مواشيهم إلى [ظهر] (1) الوادي في البرد والجدب فأضر ذلك ~~بمواشيهم للبلاء والاختبار، فكبر ذلك عليهم فعتوا عن أمر ربهم وحملهم ذلك ~~على عقر الناقة، فأجمعوا على عقرها. # وكانت امرأتان من ثمود إحداهما يقال لها عنيزة بنت غنم بن مجلز تكنى بأم ~~غنم، وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو وكانت عجوزا مسنة، وكانت ذات بنات حسان وذات ~~مال من إبل وبقر وغنم، وامرأة أخرى يقال لها صدوف بنت المحيا وكانت جميلة ~~غنية ذات مواشي كثيرة، وكانتا من أشد الناس عداوة لصالح وكانتا تحبان عقر ~~الناقة [لما أضرت] (2) بهما من مواشيهما فتحيلتا في عقر الناقة فدعت صدوف ~~رجلا من ثمود يقال له الحباب لعقر الناقة، وعرضت عليه نفسها إن هو فعل فأبى ~~عليها فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا، وجعلت له نفسها على ~~أن يعقر الناقة وكانت من أحسن الناس وأكثرهم مالا فأجابها إلى ذلك ودعت ~~عنيزة بنت غنم قدار بن سالف، وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا، يزعمون أنه كان ~~لزانية، ولم يكن لسالف، ولكنه ولد على فراش سالف، فقالت: أعطيك أي ~~PageV03P250 # بناتي شئت على أن تعقر الناقة، وكان قدار عزيزا منيعا في قومه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن ~~يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا هشام ~~عن أبيه أنه أخبره عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ~~وذكر الناقة والذي عقرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذ انبعث ~~أشقاها) (الشمس-12) ، انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في قومه مثل أبي زمعة ~~(1) . # رجعنا إلى القصة، قالوا: فانطلق قدار بن سالف ومصدع بن مهرج فاستغويا ~~غواة ثمود فاتبعهم سبعة نفر فكانوا تسعة رهط، فانطلق قدار وصدع وأصحابهما ~~فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، وقد كمن لها قدار في أصل صخرة ms0943 على ~~طريقها، وكمن لها مصدع في طريق آخر فمرت على مصدع، فرماها بسهم فانتظم به ~~في عضلة ساقها، وخرجت بنت غنم عنيزة، وأمرت ابنتها، وكانت من أحسن الناس، ~~فأسفرت لقدار ثم ذمرته (2) فشد على الناقة بالسيف فكشفت عرقوبها فخرت ورغت ~~رغاة واحدة تحذر سقبها (3) ثم طعن في لبتها فنحرها، وخرج أهل البلدة ~~واقتسموا لحمها وطبخوه، فلما رأى سقبها ذلك انطلق حتى أتى جبلا منيفا يقال ~~له: صنو، وقيل: اسمه قارة، وأتى صالح فقيل له: أدرك الناقة فقد عقرت، فأقبل ~~وخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه: يا نبي الله إنما عقرها فلان ولا ذنب لنا، ~~فقال صالح: انظروا هل تدكرون فصيلها، فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم ~~العذاب، فخرجوا يطلبونه، فلما رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله ~~تعالى إلى الجبل فتطاول في السماء حتى ما تناله الطير. # وجاء صالح فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه، ثم رغا ثلاثا، وانفجرت ~~الصخرة فدخلها. فقال صالح لكل رغوة أجل يوم فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام ~~ذلك وعد غير مكذوب. # وقال ابن إسحاق: اتبع السقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، ~~وفيهم مصدع بن مهرج وأخوه ذاب بن مهرج، فرماه مصدع بسهم فانتظم قلبه، ثم جر ~~برجله فأنزله، فألقوا لحمه مع لحم أمه، وقال لهم صالح: انتهكتم حرمة الله ~~فأبشروا بعذاب الله ونقمته، قالوا وهم يهزءون به: ومتى ذلك يا صالح؟ وما ~~آية ذلك؟ وكانوا يسمون الأيام فيهم: الأحد أول، والاثنين أهون، والثلاثاء ~~PageV03P251 # دبار والأربعاء 133/أجبار، والخميس مؤنس والجمعة العروبة، والسبت شيار، ~~وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء، فقال لهم صالح حين قالوا ذلك: تصبحون ~~غداة يوم مؤنس ووجوهكم مصفرة، ثم تصبحون يوم العروبة ووجوهكم محمرة، ثم ~~تصبحون يوم شيار ووجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب يوم أول. # فلما قال لهم صالح ذلك قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلم فلنقتل صالحا ~~فإن كان صادقا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبا قد كنا ألحقناه بناقته، فأتوه ~~ليلا ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطأوا على أصحابهم ~~أتوا ms0944 منزل صالح فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم، ثم ~~هموا به فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: والله لا تقتلونه ~~أبدا فقد وعدكم أن العذاب نازل بكم بعد ثلاث، فإن كان صادقا لم تزيدوا ربكم ~~عليكم إلا غضبا وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون، فانصرفوا عنهم ~~ليلتهم فأصبحوا يوم الخميس ووجوههم مصفرة كأنما طليت بالخلوق، صغيرهم ~~وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، فأيقنوا بالعذاب وعرفوا أن صالحا قد صدقهم، فطلبوه ~~ليقتلوه، وخرج صالح هاربا منهم حتى جاء إلى بطن من ثمود يقال لهم بني غنم، ~~فنزل على سيدهم، رجل يقال له نفيل ويكنى بأبي هدب، وهو مشرك فغيبه، ولم ~~يقدروا عليه، فغدوا على أصحاب صالح يعذبونهم ليدلوهم عليه، فقال رجل من ~~أصحاب صالح يقال له مبدع بن هرم: يا نبي الله إنهم ليعذبوننا لندلهم عليك، ~~أفندلهم؟ قال: نعم، فدلهم عليه، وأتوا أبا هدب فكلموه في ذلك، فقال: نعم ~~عندي صالح وليس لكم عليه سبيل، فأعرضوا عنه وتركوه وشغلهم عنه ما أنزل الله ~~بهم من عذابه، فجعل بعضهم يخبر بعضا بما يرون في وجوههم فلما أمسوا صاحوا ~~بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الأجل، فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم ~~محمرة كأنما خضبت بالدماء فصاحوا وضجوا وبكوا، وعرفوا أنه العذاب، فلما ~~أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب، فلما ~~أصبحوا اليوم الثالث إذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار، فصاحوا جميعا: ~~ألا قد حضركم العذاب. # فلما كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشام، ~~فنزل رملة فلسطين، فلما أصبح القوم تكفنوا وتحنطوا وألقوا أنفسهم إلى الأرض ~~يقلبون أبصارهم إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة، لا يدرون من أين يأتيهم ~~العذاب، فلما اشتد الضحى من يوم الأحد أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل ~~صاعقة، وصت كل شيء له صوت في الأرض، فقطعت قلوبهم في صدورهم، فلم يبق منهم ~~صغير ولا كبير إلا هلك كما قال الله تعالى: "فأصبحوا في دارهم جاثمين" ms0945 # PageV03P252 # إلا جارية مقعدة يقال لها ذريعة بنت سالف، وكانت كافرة شديدة الكفر ~~والعداوة لصالح، فأطلق الله رجليها بعدما عاينت العذاب، فخرجت كأسرع ما يرى ~~شيء قط حتى أتت قزح، وهو واد القرى، فأخبرتهم بما عاينته من العذاب وما ~~أصاب ثمود، ثم استقت من الماء فسقيت فلما شربت ماتت. # وذكر السدي في عقر الناقة وجها آخر قال: فأوحى الله تعالى إلى صالح عليه ~~السلام أن قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم ذلك فقالوا: ما كنا نفعل، فقال ~~صالح: إنه يولد في شهركم هذا غلام يعقرها فيكون هلاككم على يديه، فقالوا: ~~لا يولد لنا ولد في هذا الشهر إلا قتلناه، قال: فولد لتسعة منهم في ذلك ~~الشهر فذبحوا أبناءهم ثم ولد للعاشر فأبى أن يذبح ابنه، وكان لم يولد له ~~قبل ذلك، وكان ابنه أزرق أحمر فنبت نباتا سريعا وكان إذا مر بالتسعة ورأوه ~~قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا، فغضب التسعة على صالح لأنه ~~كان سبب قتل أولادهم، فتقاسموا بالله لنبيتنه وأهله، قالوا: نخرج ليرى ~~الناس أنا قد خرجنا إلى سفر فنأتي الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج ~~صالح إلى مسجده أتيناه فقتلناه، ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه فانصرفنا إلى ~~رحلنا فقلنا: ما شهدنا مهلك أهله، وإنا لصادقون، فيصدقوننا، يظنون أنا قد ~~خرجنا إلى سفر. وكان صالح لا ينام معهم في القرية، وكان يبيت في مسجد يقال ~~له مسجد صالح، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم وإذا أمسى خرج إلى المسجد ~~فبات فيه فانطلقوا فدخلوا الغار، فسقط عليهم الغار فقتلهم، فانطلق رجال ممن ~~قد اطلع على ذلك منهم فإذا هم رضخ، فرجعوا يصيحون في القرية: أي عباد الله ~~ما رضي صالح أن أمرهم بقتل أولادهم حتى قتلهم، فاجتمع أهل القرية على عقر ~~الناقة. # وقال ابن إسحاق: كان تقاسم التسعة على تبييت صالح بعد عقرهم الناقة كما ~~ذكرنا. # قال السدي وغيره: فلما ولد ابن العاشر، يعني: قذار، شب في اليوم شباب ~~غيره في الجمعة، وشب في شهر شباب غيره ms0946 في السنة، فلما كبر جلس مع أناس ~~يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجون به شرابهم، وكان ذلك اليوم شرب ~~الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتد ذلك عليهم وقالوا: ما نصنع ~~نحن باللبن؟ لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة فنسقيه أنعامنا ~~وحروثنا كان خيرا لنا، فقال ابن العاشر: هل لكم في أن أعقرها لكم؟ قالوا: ~~نعم، فعقروها. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد ~~بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا محمد بن مسكين ثنا يحيى بن حسان بن حيان ~~أبو زكريا ثنا سليمان عن عبد الله بن دينار # PageV03P253 # عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر، في غزوة ~~تبوك، أمرهم أن لا يشربوا من بئر بها ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا ~~منها واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء" (1) . ~~وقال نافع عن ابن عمر: فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما ~~استقوا من آبارها وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي ~~كانت تردها الناقة (2) . # وروى أبو الزبير عن جابر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من ~~مائهم ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما ~~أصابهم، ثم قال: أما بعد فلا تسألوا رسولكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا ~~رسولهم، فبعث الله الناقة فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج وتشرب ~~ماءهم يوم ورودها، وأراهم مرتقى الفصيل من القارة، فعتوا عن أمر ربهم ~~وعقروها، فأهلك الله تعالى من تحت أديم السماء منهم في مشارق الأرض ~~ومغاربها إلا رجلا واحدا يقال له أبو رغال، وهو أبو ثقيف كان في حرم الله، ~~فمنعه 133/ب حرم الله من عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن ودفن ~~معه غصن من ذهب، وأراهم قبر أبي رغال، فنزل القوم ms0947 فابتدروا بأسيافهم وحفروا ~~عنه واستخرجوا ذلك الغصن (3) . # وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف خرج بهم صالح إلى حضرموت، ~~فلما دخلوها مات صالح فسمى حضرموت ثم بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها ~~حاصوراء، قال قوم من أهل العلم توفي بمكة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام ~~في قومه عشرين سنة. ### || # {ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ~~(80) إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون (81) } # قوله تعالى: {ولوطا} أي: وأرسلنا لوطا. وقيل: معناه واذكر لوطا. وهو لوط ~~بن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم، {إذ قال لقومه} وهم أهل سدوم وذلك أن ~~لوطا شخص من أرض بابل [سافر] (4) مع عمه إبراهيم عليه السلام مؤمنا به ~~مهاجرا معه إلى الشام، فنزل إبراهيم فلسطين وأنزل PageV03P254 # لوطا الأردن، فأرسله الله عز وجل إلى أهل سدوم فقال لهم، {أتأتون ~~الفاحشة} يعني: إتيان الذكران، {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} قال عمرو ~~بن دينار ما يرى ذكر على ذكر في الدنيا إلا كان من قوم لوط. # {إنكم} قرأ أهل المدينة وحفص (إنكم) بكسر الألف على الخبر، وقرأ الآخرون ~~على الاستئناف، {لتأتون الرجال} في أدبارهم، {شهوة من دون النساء} فسر تلك ~~الفاحشة يعني أدبار الرجال أشهى عندكم من فروج النساء، {بل أنتم قوم ~~مسرفون} مجاوزون الحلال إلى الحرام. # قال محمد بن إسحاق: كانت لهم ثمار وقرى لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم ~~الناس فآذوهم، فعرض لهم إبليس في صورة شيخ، فقال: إن فعلتم بهم كذا نجوتم، ~~فأبوا فلما ألح عليهم الناس قصدوهم فأصابوهم غلمانا صباحا، فأخذوهم وقهروهم ~~على أنفسهم فأخبثوا واستحكم ذلك فيهم. قال الحسن: كانوا لا ينكحون إلا ~~الغرباء. # وقال الكلبي: إن أول من عمل عمل قوم لوط إبليس، لأن بلادهم أخصبت ~~فانتجعها أهل البلدان، أي: فتمثل لهم إبليس في صورة شاب، ثم دعا إلى دبره، ~~فنكح في دبره، فأمر الله تعالى السماء أن تحصبهم وأمر الأرض أن تخسف بهم. # PageV03P255 ### || # {وما كان جواب قومه ms0948 إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ~~(82) فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (83) وأمطرنا عليهم مطرا ~~فانظر كيف كان عاقبة المجرمين (84) وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل ~~والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم ~~خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) } # قوله عز وجل: {وما كان جواب قومه إلا أن قالوا} قال بعضهم لبعض: ~~{أخرجوهم} يعني: لوطا وأهل دينه، {من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} يتنزهون عن ~~أدبار الرجال. # PageV03P255 # {فأنجيناه} يعني: لوطا، {وأهله} المؤمنين، وقيل: أهله: ابنتاه، {إلا ~~امرأته كانت من الغابرين} يعني: الباقين في العذاب، وقيل: معناه كانت من ~~الباقين المعمرين، قد أتى عليها دهر طويل فهلكت مع من هلك من قوم لوط، ~~وإنما قال: "من الغابرين" لأنه أراد: ممن بقي من الرجال فلما ضم ذكرها إلى ~~ذكر الرجال قال: "من الغابرين". # {وأمطرنا عليهم مطرا} يعني: حجارة من سجيل. قال وهب: الكبريت والنار، ~~{فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} قال أبو عبيدة: يقال في العذاب: أمطر، وفي ~~الرحمة: مطر. # قوله تعالى: {وإلى مدين أخاهم شعيبا} أي: وأرسلنا إلى ولد مدين -وهو مدين ~~بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام -وهم أصحاب الأيكة: أخاهم شعيبا في ~~النسب لا في الدين. قال عطاء: هو شعيب بن توبة بن مدين بن إبراهيم. وقال ~~ابن إسحاق: هو شعيب بن ميكائيل بن يسخر بن مدين بن إبراهيم، وأم ميكائيل ~~بنت لوط. وقيل: هو شعيب بن يثرون بن مدين وكان شعيب أعمى وكان يقال له خطيب ~~الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وكان قومه أهل كفر وبخس للمكيال والميزان. # {قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم} فإن ~~قيل: ما معنى قوله تعالى: "قد جاءتكم بينة من ربكم" ولم تكن لهم آية؟. # قيل: قد كانت لهم آية إلا أنها لم تذكر، وليست كل الآيات مذكورة في ~~القرآن. # وقيل: أراد بالبينة مجيء شعيب. ms0949 # {فأوفوا الكيل} أتموا الكيل، {والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم} لا ~~تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوهم إياها، {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} ~~أي: ببعث الرسل والأمر بالعدل، وكل نبي بعث إلى قوم فهو صلاحهم، {ذلكم} ~~الذي ذكرت لكم وأمرتكم به، {خير لكم إن كنتم مؤمنين} مصدقين بما أقول. ### || # {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها ~~عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86) } # {ولا تقعدوا بكل صراط} أي: على كل طريق، {توعدون} تهددون، {وتصدون عن ~~سبيل الله} # PageV03P256 # دين الله، {من آمن به وتبغونها عوجا} زيغا، وقيل: تطلبون الاعوجاج في ~~الدين والعدول عن القصد، وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطريق فيقولون لمن ~~يريد الإيمان بشعيب، إن شعيب كذاب فلا يفتننك عن دينك ويتوعدون المؤمنين ~~بالقتل ويخوفونهم، وقال السدي: كانوا عشارين. {واذكروا إذ كنتم قليلا ~~فكثركم} فكثر عددهم، {وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} أي: آخر أمر قوم ~~لوط. ### || # {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى ~~يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين (87) } # {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من ~~قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين (88) قد افترينا على الله ~~كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها ~~إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح ~~بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (89) } # {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا} أي: إن ~~اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين مكذبين ومصدقين، {فاصبروا حتى يحكم الله ~~بيننا} بتعذيب المكذبين وإنجاء المصدقين، {وهو خير الحاكمين} # {قال الملأ الذين استكبروا من قومه} يعني الرؤساء الذين تعظموا عن ~~الإيمان به، {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ~~ملتنا} لترجعن إلى ديننا الذي نحن عليه، {قال} شعيب {أولو كنا كارهين} ~~يعني: لو كنا، أي: ms0950 وإن كنا كارهين لذلك فتجبروننا عليه؟ # {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما ~~يكون لنا أن نعود فيها} بعد إذ أنقذنا الله منها، {إلا أن يشاء الله ربنا} ~~يقول إلا أن يكون قد سبق لنا في علم الله ومشيئته أنا نعود فيها فحينئذ ~~يمضي قضاء الله فينا وينفذ حكمه علينا. # فإن قيل: ما معنى قوله: "أو لتعودن في ملتنا"، "وما يكون لنا أن نعود ~~فيها"، ولم يكن شعيب قط على ملتهم حتى يصح قولهم ترجع إلى ملتنا؟ # PageV03P257 # قيل: معناه: أو لتدخلن في ملتنا، فقال: وما كان لنا أن ندخل فيها. # وقيل: معناه إن صرنا في ملتكم. ومعنى عاد صار. # وقيل: أراد به قوم شعيب لأنهم كانوا كفارا فآمنوا فأجاب شعيب عنهم. # قوله تعال: {وسع ربنا كل شيء علما} أحاط علمه بكل شيء، {على الله توكلنا} ~~فيما توعدوننا به، ثم عاد شعيب بعدما أيس من فلاحهم فقال: {ربنا افتح بيننا ~~وبين قومنا} أي: اقض بيننا، {بالحق} والفتاح: القاضي، {وأنت خير الفاتحين} ~~أي: الحاكمين. ### || # {وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (90) ~~فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) الذين كذبوا شعيبا كأن لم ~~يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (92) } # {وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا} وتركتم دينكم، {إنكم ~~إذا لخاسرون} مغبونون، وقال عطاء: جاهدون. قال الضحاك: عجزة. # {فأخذتهم الرجفة} قال الكلبي: الزلزلة، وقال ابن عباس وغيره: فتح الله ~~عليهم بابا من جهنم، فأرسل عليهم حرا شديدا، فأخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ظل ~~ولا ماء، فكانوا يدخلون الأسراب ليتبردوا فيها، فإذا دخلوها وجدوها أشد حرا ~~من الظاهر، فخرجوا هربا إلى البرية فبعث الله سحابة فيها ريح طيبة فأظلتهم ~~134/أوهي الظلة، فوجدوا لها بردا ونسيما فنادى بعضهم بعضا حتى اجتمعوا تحت ~~السحابة، رجالهم ونساؤهم وصبيانهم، ألهبها الله عليهم نارا، ورجفت بهم ~~الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلي، وصاروا رمادا. # وروي أن الله تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام ms0951 ثم سلط عليهم الحر. قال ~~يزيد الجريري: سلط الله عليهم الحر سبعة أيام ثم رفع لهم جبل من بعيد، ~~فأتاه رجل فإذا تحته أنهار وعيون فاجتمعوا تحته كلهم فوقع ذلك الجبل عليهم، ~~فذلك قوله (عذاب يوم الظلة) (الشعراء-89) ، قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى ~~أصحاب الأيكة وأصحاب مدين، أما أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة، وأما أصحاب ~~مدين فأخذتهم الصيحة، صاح بهم جبريل عليه السلام صيحة فهلكوا جميعا. قال ~~أبو عبد الله البجلي: كان أبو جاد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت ملوك مدين، ~~وكان ملكهم في زمن شعيب عليه # PageV03P258 # السلام يوم الظلة كلمن، فلما هلك قالت ابنته تبكيه: # كلمن قد هد ركني %~% هلكه وسط المحله # سيد القوم أتاه %~% الحتف نارا تحت ظله # جعلت نارا عليهم %~% دارهم كالمضمحله # وقوله تعالى: {كأن لم يغنوا فيها} أي: لم يقيموا ولم ينزلوا فيها، من ~~قولهم: غنيت بالمكان إذا قمت به، والمغاني المنازل واحدها مغنى، وقيل: كأن ~~لم يتنعموا فيها. {الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين} لا المؤمنين كما ~~زعموا. ### || # {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على ~~قوم كافرين (93) وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء ~~والضراء لعلهم يضرعون (94) ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد ~~مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون (95) } # {فتولى} أعرض {عنهم} شعيب شاخصا من بين أظهرهم حين أتاهم العذاب، {وقال ~~يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى} أحزن {على قوم كافرين} ~~والأسى: الحزن، والأسى: الصبر. # قوله تعالى: {وما أرسلنا في قرية من نبي} فيه إضمار، يعني: فكذبوه، {إلا ~~أخذنا} عاقبنا {أهلها} حين لم يؤمنوا، {بالبأساء والضراء} قال ابن مسعود: ~~البأساء: الفقر، والضراء: المرض، وهذا معنى قول من قال: البأساء في المال، ~~والضراء في النفس، وقيل: البأساء البؤس وضيق العيش، والضراء والضر سوء ~~الحال. وقيل: البأساء في الحرب والضراء: الجدب، {لعلهم يضرعون} لكي يتضرعوا ~~فيتوبوا. # {ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة} يعني: مكان البأساء والضراء الحسنة، يعني: ms0952 ~~النعمة والسعة والخصب والصحة، {حتى عفوا} أي: كثروا وازدادوا، وكثرت ~~أموالهم، [يقال: عفا الشعر إذا كثر. قال مجاهد: كثرت أموالهم وأولادهم] (1) ~~{وقالوا} من غرتهم وغفلتهم بعد ما صاروا إلى PageV03P259 # الرخاء، {قد مس آباءنا الضراء والسراء} أي: هكذا كانت عادة الدهر قديما ~~لنا ولآبائنا، ولم يكن ما مسنا من الضراء عقوبة من الله، فكونوا على ما ~~أنتم عليه كما كان آباؤكم فإنهم لم يتركوا دينهم لما أصابهم من الضراء، قال ~~الله تعالى: {فأخذناهم بغتة} فجأة آمن ما كانوا {وهم لا يشعرون} بنزول ~~العذاب. # PageV03P260 ### || # {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ~~ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (96) أفأمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا بياتا وهم نائمون (97) أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم ~~يلعبون (98) أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (99) ~~أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع ~~على قلوبهم فهم لا يسمعون (100) } # {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} ~~يعني: المطر من السماء والنبات من الأرض. وأصل البركة: المواظبة على الشيء، ~~أي: تابعنا عليهم المطر والنبات ورفعنا عنهم القحط والجدب، {ولكن كذبوا ~~فأخذناهم بما كانوا يكسبون} من الأعمال الخبيثة. # {أفأمن أهل القرى} الذين كفروا وكذبوا، يعني: أهل مكة وما حولها، {أن ~~يأتيهم بأسنا} عذابنا، {بياتا} ليلا {وهم نائمون} # {أوأمن} قرأ أهل الحجاز والشام: "أو أمن" بسكون الواو، والباقون بفتحها، ~~{أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى} أي: نهارا، والضحى: صدر النهار، ووقت ~~انبساط الشمس، {وهم يلعبون} ساهون لاهون. # {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} ومكر الله ~~استدراجه إياهم بما أنعم عليهم في دنياهم. وقال عطية: يعني أخذه وعذابه. # {أولم يهد} قرأ قتادة ويعقوب: "نهد" بالنون على التعظيم، والباقون بالياء ~~على التفريد # PageV03P260 # يعني أولم نبين، {للذين يرثون الأرض من بعد} هلاك {أهلها} الذين كانوا ~~فيها قبلهم {أن لو نشاء أصبناهم} أي: أخذناهم وعاقبناهم، {بذنوبهم} كما ~~عاقبنا من قبلهم، ms0953 {ونطبع} نختم {على قلوبهم فهم لا يسمعون} الإيمان ولا ~~يقبلون الموعظة، قال الزجاج: قوله {ونطبع على} منقطع عما قبله لأن قوله ~~{أصبناهم} ماض و" نطبع " مستقبل. # {تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين (101) وما ~~وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (102) } # {تلك القرى} أي: هذه القرى التي ذكرت لك أمرها وأمر أهلها، يعني: قرى قوم ~~نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب، {نقص عليك من أنبائها} أخبارها لما فيها من ~~الاعتبار، {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات} بالآيات والمعجزات والعجائب، {فما ~~كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} أي: فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات ~~والعجائب بما كذبوا من قبل رؤيتهم تلك العجائب، نظيره قوله عز وجل: (قد ~~سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين) (المائدة-102) . # قال ابن عباس والسدي: يعني فما كان هؤلاء الكفار الذين أهلكناهم ليؤمنوا ~~عند إرسال الرسل بما كذبوا من قبل يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم، ~~فأقروا باللسان وأضمروا التكذيب. وقال مجاهد: معناه فما كانوا لو أحييناهم ~~بعد إهلاكهم ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم، لقوله عز وجل: (ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه) (الأنعام-28) . # قال يمان بن رباب: هذا على معنى أن كل نبي أنذر قومه بالعذاب فكذبوه، ~~يقول: ما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأمم الخالية، بل كذبوا بما ~~كذب أوائلهم، نظيره قوله عز وجل: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا ~~قالوا ساحر أو مجنون) (الذاريات-52) . {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين} ~~أي: كما طبع الله على قلوب الأمم الخالية التي أهلكها، كذلك يطبع الله على ~~قلوب الكفار الذين كتب عليهم أن لا يؤمنوا من قومك. # {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} أي: وفاء بالعهد الذي عاهدهم يوم الميثاق، ~~حين أخرجهم من صلب آدم {وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} أي: ما وجدنا أكثرهم إلا ~~فاسقين ناقضين للعهد. # PageV03P261 ### || # {ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا ms0954 إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف ~~كان عاقبة المفسدين (103) وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ~~(104) } # {حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل ~~معي بني إسرائيل (105) قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ~~(106) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107) } # قوله تعالى: {ثم بعثنا من بعدهم} أي: من بعد نوح وهود وصالح وشعيب، {موسى ~~بآياتنا} بأدلتنا، {إلى فرعون وملئه فظلموا بها} فجحدوا بها، والظلم: وضع ~~الشيء في غير موضعه، فظلمهم وضع الكفر موضع الإيمان، {فانظر كيف كان عاقبة ~~المفسدين} وكيف فعلنا بهم. # {وقال موسى} لما دخل على فرعون، {يا فرعون إني رسول من رب العالمين} ~~إليك، فقال فرعون: كذبت فقال موسى: # {حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق} 134/ب أي: أنا خليق بأن لا أقول ~~على الله إلا الحق، فتكون " على " بمعنى الباء كما يقال: رميت بالقوس ورميت ~~على القوس، وجئت على حال حسنة وبحال حسنة، يدل عليه قراءة أبي والأعمش " ~~حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق " وقال أبو عبيدة: معناه حريص على أن ~~لا أقول على الله إلا الحق، وقرأ نافع (علي) بتشديد الياء أي حق واجب علي ~~أن لا أقول على الله إلا الحق. {قد جئتكم ببينة من ربكم} يعني العصا، ~~{فأرسل معي بني إسرائيل} أي: أطلق عنهم وخلهم يرجعون إلى الأرض المقدسة، ~~وكان فرعون قد استخدمهم في الأعمال الشاقة من ضرب اللبن ونقل التراب ~~ونحوهما. # فقال فرعون مجيبا لموسى: {قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من ~~الصادقين} # {فألقى} موسى {عصاه} من يده {فإذا هي ثعبان مبين} والثعبان: الذكر العظيم ~~من الحيات، فإن قيل: أليس قال في موضع: (كأنها جان) (النمل-10) ، والجان ~~الحية الصغيرة؟ قيل: إنها كانت كالجان في الحركة والخفة، وهي في جثتها حية ~~عظيمة. # قال ابن عباس والسدي: إنه لما ألقى العصا صارت حية عظيمة صفراء شعراء ~~فاغرة فاها ما بين لحييها ثمانون ذراعا وارتفعت ms0955 من الأرض بقدر ميل، وقامت ~~له على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في # PageV03P262 # الأرض والأعلى على سور القصر، وتوجهت نحو فرعون لتأخذه، وروي أنها أخذت ~~قبة فرعون بين نابيها فوثب فرعون من سريره هاربا وأحدث. # قيل: أخذه البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرة، وحملت على الناس فانهزموا ~~وصاحوا ومات منهم خمسة وعشرون ألفا قتل بعضهم بعضا ودخل فرعون البيت وصاح ~~يا موسى أنشدك بالذي أرسلك خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل، ~~فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت ثم قال فرعون: هل معك آية أخرى؟ قال: نعم. ### || # {ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (108) قال الملأ من قوم فرعون إن هذا ~~لساحر عليم (109) يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون (110) قالوا أرجه ~~وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين (111) يأتوك بكل ساحر عليم (112) } # {ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين} فأدخل يده في جيبه ثم نزعها، وقيل: ~~أخرجها من تحت إبطه فإذا هي بيضاء لها شعاع غلب نور الشمس، وكان موسى آدم، ~~ثم أدخلها جيبه فصارت كما كانت. # {قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم} يعنون أنه ليأخذ بأعين الناس ~~حتى يخيل إليهم العصا حية والآدم أبيض، ويري الشيء بخلاف ما هو به. # {يريد أن يخرجكم} يا معشر القبط، {من أرضكم} مصر، {فماذا تأمرون} أي: ~~تشيرون إليه، هذا يقوله فرعون وإن لم يذكره، وقيل: هذا من قول الملأ لفرعون ~~وخاصته. # {قالوا} يعني الملأ {أرجه} قرأ ابن كثير وأهل البصرة وابن عامر بالهمزة ~~وضم الهاء، وقرأ الآخرون بلا همز، ثم نافع برواية ورش والكسائي يشبعان ~~الهاء كسرا، ويسكنها عاصم وحمزة، ويختلسها أبو جعفر وقالون. # قال عطاء، معناه أخره. وقيل: احبسه، {وأخاه} معناه أشاروا عليه بتأخير ~~أمره وترك التعرض له بالقتل، {وأرسل في المدائن حاشرين} يعني الشرط ~~والمدائن، وهي مدائن الصعيد من نواحي مصر، قالوا: أرسل إلى هذا المدائن ~~رجالا يحشرون إليك من فيها من السحرة، وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن ~~الصعيد، فإن غلبهم موسى صدقناه وإن غلبوا علمنا أنه ساحر. # PageV03P263 # فذلك قوله: {يأتوك ms0956 بكل ساحر عليم} قرأ حمزة والكسائي: "سحار" هاهنا وفي ~~سورة يونس، ولم يختلفوا في الشعراء أنه "سحار". # قيل: الساحر: الذي يعلم السحر ولا يعلم، والسحار: الذي يعلم، وقيل: ~~الساحر من يكون سحره في وقت دون وقت، والسحار من يديم السحر. # قال ابن عباس وابن إسحاق والسدي: قال فرعون لما رأى من سلطان الله في ~~العصا ما رأى: إنا لا نغالب إلا بمن هو +أعلم منه، فاتخذ غلمانا من بني ~~إسرائيل فبعث بهم إلى قرية يقال لها الفرحاء يعلمونهم السحر، فعلموهم سحرا ~~كثيرا، وواعد فرعون موسى موعدا فبعث إلى السحرة فجاءوا ومعلمهم معهم، فقال ~~له: ماذا صنعت؟ قال: قد علمتهم سحرا لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون ~~أمرا من السماء، فإنه لا طاقة لهم به، ثم بعث فرعون في مملكته فلم يترك في ~~سلطانه ساحرا +إلا أتى به. # واختلفوا في عددهم، فقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين، اثنان من القبط، ~~وهما رأسا القوم، وسبعون من بني إسرائيل. # وقال الكلبي: كان الذين يعملونهم رجلين مجوسيين من أهل نينوى، وكانوا ~~سبعين غير رئيسهم. # وقال كعب: كانوا اثني عشر ألفا. وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين ألفا. # وقال عكرمة: كانوا سبعين ألفا. وقال محمد بن المنكدر: كانوا ثمانين ألفا، ~~وقال مقاتل: كان رئيس السحرة شمعون. وقال ابن جريج: رئيس السحرة يوحنا. ### || # {وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (113) قال ~~نعم وإنكم لمن المقربين (114) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن ~~الملقين (115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا ~~بسحر عظيم (116) وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون ~~(117) } # {وجاء السحرة فرعون} واجتمعوا، {قالوا} لفرعون {إن لنا لأجرا} أي جعلا ~~ومالا # PageV03P264 # {إن كنا نحن الغالبين} قرأ أهل الحجاز وحفص: "إن لنا" على الخبر، وقرأ ~~الباقون بالاستفهام، ولم يختلفوا في الشعراء أنه مستفهم. # {قال} فرعون {نعم وإنكم لمن المقربين} في المنزلة الرفيعة عندي مع الأجر، ~~قال الكلبي: يعني أول من يدخل وآخر من يخرج. ms0957 # {قالوا} يعني السحرة {يا موسى إما أن تلقي} عصاك {وإما أن نكون نحن ~~الملقين} لعصينا وحبالنا. # {قال} موسى بل {ألقوا} أنتم، {فلما ألقوا سحروا أعين الناس} أي: صرفوا ~~أعينهم عن إدراك حقيقة ما فعلوه من التمويه والتخييل، وهذا هو السحر، ~~{واسترهبوهم} أي: أرهبوهم وأفزعوهم، {وجاءوا بسحر عظيم} وذلك أنهم ألقوا ~~حبالا غلاظا وخشبا طوالا فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب ~~بعضها بعضا. وفي القصة أن الأرض كانت ميلا في ميل صارت حيات وأفاعي في أعين ~~الناس. # {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك} فألقاها فصارت حية عظيمة حتى سدت الأفق. ~~قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالإسكندرية. ويقال: بلغ ذنب الحية من وراء ~~البحيرة ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا، {فإذا هي تلقف} قرأ حفص: "تلقف" ساكنة ~~اللام، خفيفة، حيث كان، وقرأ الآخرون: بفتح اللام وتشديد القاف، أي: تبتلع، ~~{ما يأفكون} يكذبون من التخاييل وقيل: يزورون على الناس. فكانت تلتقم ~~حبالهم وعصيهم واحدا واحدا حتى ابتعلت الكل وقصدت القوم الذين حضروا فوقع ~~الزحام عليهم فهلك منهم في الزحام خمسة وعشرون ألفا، ثم أخذها موسى فصارت ~~عصا كما كانت. ### || # {فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ~~(119) وألقي السحرة ساجدين (120) } # PageV03P265 # {قالوا آمنا برب العالمين (121) رب موسى وهارون (122) قال فرعون آمنتم به ~~قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف ~~تعلمون (123) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين (124) } # {فوقع الحق} قال الحسن ومجاهد: ظهر الحق، {وبطل ما كانوا يعملون} 135/أمن ~~السحر # PageV03P265 # وذلك أن السحرة قالوا: لو كان ما يصنع موسى سحرا لبقيت حبالنا وعصينا ~~فلما فقدت علموا أن ذلك من أمر الله. # {فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين} ذليلين مقهورين. # {وألقي السحرة ساجدين} لله تعالى. قال مقاتل: ألقاهم الله. وقيل: ألهمهم ~~الله أن يسجدوا فسجدوا. وقال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا. # {قالوا آمنا برب العالمين} فقال فرعون: إياي تعنون فقالوا، {رب موسى ~~وهارون} # {رب موسى وهارون} قال مقاتل: قال موسى لكبير السحرة تؤمن ms0958 بي إن غلبتك؟ ~~فقال: لآتين بسحر لا يغلبه سحر، ولئن غلبتني لأومنن بك، وفرعون ينظر. # {قال} لهم {فرعون} حين آمنوا {آمنتم به} قرأ حفص "آمنتم" على الخبر هاهنا ~~وفي طه والشعراء، وقرأ الآخرون بالاستفهام أآمنتم به، {قبل أن آذن لكم} ~~أصدقتم موسى من غير أمري إياكم، {إن هذا لمكر مكرتموه} أي: صنيع صنعتموه ~~أنتم وموسى: {في المدينة} في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع لتستولوا على ~~مصر، {لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون} ما أفعل بكم. # {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} وهو أن يقطع من كل شق طرفا. قال الكلبي: ~~لأقطعن أيديكم اليمنى وأرجلكم اليسرى، {ثم لأصلبنكم أجمعين} على شاطئ [نهر] ~~(1) مصر. ### || # {قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا ~~لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين (126) وقال الملأ من قوم ~~فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ~~ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (127) } # {قالوا} يعني السحرة لفرعون، {إنا إلى ربنا منقلبون} راجعون في الآخرة. # {وما تنقم منا} أي: ما تكره منا. وقال الضحاك وغيره: وما تطعن علينا. ~~وقال عطاء: ما لنا عندك من ذنب تعذبنا عليه، {إلا أن آمنا بآيات ربنا لما ~~جاءتنا} ثم فزعوا إلى الله عز وجل فقالوا: PageV03P266 # {ربنا أفرغ} اصبب، {علينا صبرا وتوفنا مسلمين} ذكر الكلبي: أن فرعون قطع ~~أيديهم وأرجلهم وصلبهم وذكر غيره: أنه لم يقدر عليهم لقوله تعالى: (فلا ~~يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) [القصص-35] . # {وقال الملأ من قوم فرعون} له {أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض} ~~وأرادوا بالإفساد في الأرض دعاءهم الناس إلى مخالفة فرعون في عبادته، ~~{ويذرك} أي: وليذرك، {وآلهتك} فلا يعبدك ولا يعبدها. قال ابن عباس: كان ~~لفرعون بقرة يعبدها، وكان إذا رأى بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، فلذلك أخرج ~~السامري لهم عجلا. وقال الحسن: كان قد علق على عنقه صليبا يعبده. وقال ~~السدي: كان فرعون قد اتخذ لقومه أصناما وأمرهم بعبادتها، وقال لقومه هذه ~~آلهتكم وأنا ربها وربكم، فذلك ms0959 قوله (أنا ربكم الأعلى) (النازعات-24) ، وقرأ ~~ابن مسعود وابن عباس والشعبي والضحاك: "ويذرك وإلاهتك" بكسر الألف، أي: ~~عبادتك فلا يعبدك، لأن فرعون كان يعبد ولا يعبد وقيل: أراد بالآلهة الشمس. ~~وكانوا يعبدونها قال الشاعر: تروحنا من اللعباء قصرا ... وأعجلنا الإلاهة ~~أن تؤبا # {قال} فرعون {سنقتل أبناءهم} قرأ أهل الحجاز: "سنقتل" بالتخفيف من القتل، ~~وقرأ الآخرون بالتشديد من التقتيل على التكثير، {ونستحيي نساءهم} نتركهن ~~أحياء، {وإنا فوقهم قاهرون} غالبون. قال ابن عباس: كان فرعون يقتل أبناء ~~بني إسرائيل في العام الذي قيل أنه يولد مولود يذهب بملكك، فلم يزل يقتلهم ~~حتى أتاهم موسى بالرسالة، وكان من أمره ما كان، فقال فرعون: أعيدوا عليهم ~~القتل، فأعادوا عليهم القتل، فشكت ذلك بنو إسرائيل. ### || # {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من ~~عباده والعاقبة للمتقين (128) قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما ~~جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ~~(129) ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون (130) } # {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله} يعني أرض مصر، ~~{يورثها} يعطيها {من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} بالنصر والظفر. وقيل: ~~السعادة والشهادة. وقيل: الجنة. # PageV03P267 # {قالوا أوذينا} قال ابن عباس: لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من ~~بني إسرائيل، فقالوا -يعني قوم موسى -إنا أوذينا، {من قبل أن تأتينا} ~~بالرسالة بقتل الأبناء، {ومن بعد ما جئتنا} بإعادة القتل علينا. وقيل: ~~فالمراد منه أن فرعون كان يستسخرهم قبل مجيء موسى إلى نصف النهار، فلما جاء ~~موسى استسخرهم جميع النهار بلا أجر. وذكر الكلبي أنهم كانوا يضربون له ~~اللبن بتبن فرعون، فلما جاء موسى أجبرهم أن يضربوه بتبن من عندهم. {قال} ~~موسى {عسى ربكم أن يهلك عدوكم} فرعون، {ويستخلفكم في الأرض} أي: يسكنكم أرض ~~مصر من بعدهم، {فينظر كيف تعملون} فحقق الله ذلك بإغراق فرعون واستخلافهم ~~في ديارهم وأموالهم فعبدوا العجل. # قوله عز وجل: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين} أي: بالجدوب ms0960 والقحط. تقول ~~العرب: مستهم السنة، أي: جدب السنة وشدة السنة. وقيل: أراد بالسنين القحط ~~سنة بعد سنة، {ونقص من الثمرات} والغلات بالآفات والعاهات. وقال قتادة: أما ~~السنين فلأهل البوادي، وأما نقص الثمرات فلأهل الأمصار، {لعلهم يذكرون} أي: ~~يتعظون وذلك لأن الشدة ترقق القوب وترغبها فيما عند الله عز وجل. # PageV03P268 ### || # {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ~~ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون (131) وقالوا مهما تأتنا ~~به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (132) فأرسلنا عليهم الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ~~(133) } # {فإذا جاءتهم الحسنة} يعني: الخصب والسعة والعافية، {قالوا لنا هذه} أي: ~~نحن أهلها ومستحقوها على العادة التي جرت لنا في سعة أرزاقنا ولم يروها ~~تفضلا من الله عز وجل فيشكروا عليها، {وإن تصبهم سيئة} جدب وبلاء ورأوا ما ~~يكرهون، {يطيروا} يتشاءموا، {بموسى ومن معه} وقالوا: ما أصابنا بلاء حتى ~~رأيناهم، فهذا من شؤم موسى وقومه. # قال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر: كان ملك فرعون أربعمائة سنة، وعاش ~~ستمائة وعشرين سنة لا يرى مكروها، ولو كان له في تلك المدة جوع يوم أو حمى ~~ليلة، أو وجع ساعة، لما ادعى الربوبية قط. قال الله تعالى {ألا إنما طائرهم ~~عند الله} أي: انصباؤهم من الخصب والجدب # PageV03P268 # والخير والشر كله من الله. وقال ابن عباس: طائرهم ما قضى الله عليهم وقدر ~~لهم. وفي رواية عنه: شؤمهم عند الله ومن قبل الله. أي: إنما جاءهم الشؤم ~~بكفرهم بالله. وقيل: معناه الشؤم العظيم الذي لهم عند الله من عذاب النار، ~~{ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن الذي أصابهم من الله. # {وقالوا} يعني: القبط لموسى {مهما تأتنا} متى ما كلمة تستعمل للشرط ~~والجزاء، {تأتنا به من آية} من علامة، {لتسحرنا بها} لتنقلنا عما نحن عليه ~~من الدين، {فما نحن لك بمؤمنين} بمصدقين. # {فأرسلنا عليهم الطوفان} قال ابن عباس 135/ب وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد ~~بن إسحاق -دخل كلام بعضهم في ms0961 بعض -: لما آمنت السحرة، ورجع فرعون مغلوبا، ~~أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع الله عليهم ~~الآيات وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات، فلما عالج منهم بالآيات الأربع: ~~العصا، واليد، والسنين، ونقص الثمار، فأبوا أن يؤمنوا فدعا عليهم، فقال: يا ~~رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا وإن قومه قد نقضوا عهدك، رب فخذهم ~~بعقوبة تجعلها لهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة، فبعث الله عليهم ~~الطوفان، وهو الماء، أرسل الله عليهم الماء وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط ~~مشتبكة مختلطة، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ومن جلس ~~منهم غرق، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة، وركد الماء على أرضهم ~~لا يقدرون أن يحرثوا ولا يعملوا شيئا، ودام ذلك عليهم سبعة أيام من السبت ~~إلى السبت. # وقال مجاهد وعطاء: الطوفان الموت. وقال وهب: الطوفان الطاعون بلغة اليمن، ~~وقال أبو قلابة: الطوفان الجدري، وهم أول من عذبوا به فبقي في الأرض. # وقال مقاتل: الطوفان الماء طغى فوق حروثهم. # وروى ابن ظبيان عن ابن عباس قال: الطوفان أمر من الله طاف بهم، ثم قرأ ~~(فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون) (القلم-19) . # قال نحاة الكوفة: الطوفان مصدر لا يجمع، كالرجحان والنقصان. # وقال أهل البصرة: هو جمع، واحدها طوفانة، فقال لموسى ادع لنا ربك يكشف ~~عنا المطر فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان، ~~فأنبت الله لهم في تلك السنة شيئا لم ينتبه لهم قبل ذلك من الكلأ والزرع ~~والثمر وأخصبت بلادهم، فقالوا: ما كان هذا الماء إلا # PageV03P269 # نعمة علينا وخصبا، فلم يؤمنوا وأقاموا شهرا في عافية، فبعث الله عليهم ~~الجراد فأكل عامة زروعهم وثمارهم وأوراق الشجر حتى كانت تأكل الأبواب وسقوف ~~البيوت والخشب والثياب والأمتعة ومسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم، ~~وابتلي الجراد بالجوع، فكان لا يشبع ولم يصب بني إسرائيل شيء من ذلك فعجوا ~~وضجوا، وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز ms0962 لنؤمنن لك، وأعطوه ~~عهد الله وميثاقه، فدعا موسى عليه السلام فكشف الله عنهم الجراد بعدما أقام ~~عليه سبعة أيام من السبت إلى السبت. # وفي الخبر: "مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم" (1) . # ويقال إن موسى برز إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت ~~الجراد من حيث جاءت، وكانت قد بقيت من زروعهم وغلاتهم بقية، فقالوا: قد بقي ~~لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا، فلم يفوا بما عاهدوا، وعادوا ~~لأعمالهم السوء، فأقاموا شهرا في عافية، ثم بعث الله عليهم القمل. # [واختلفوا في القمل] (2) فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: القمل السوس ~~الذي يخرج من الحنطة. وقال مجاهد والسدي وقتادة والكلبي: القمل الدبى ~~والجراد الطيارة التي لها أجنحة، والدبى الصغار التي لا أجنحة لها. وقال ~~[عكرمة: هي بنات] (3) الجراد. وقال أبو عبيدة: وهو الحمنان وهو ضرب من ~~القراد. وقال عطاء الخرساني: هو القمل. وبه قرأ أبو الحسن (القمل) بفتح ~~القاف وسكون الميم. # قالوا: أمر الله موسى أن يمشي إلى كثيب أعفر، بقرية من قرى مصر تدعى عين ~~الشمس، فمشى موسى إلى ذلك الكثيب وكان أهيل فضربه بعصاه فانثال عليهم ~~القمل، فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم وبناتهم فأكله، ولحس الأرض كلها ~~وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيعضه، وكان أحدهم يأكل الطعام فيمتلئ قملا. # قال سعيد بن المسيب: القمل السوس الذي يخرج من الحبوب، وكان الرجل يخرج ~~عشرة أجربة إلى الرحا فلا يرد منها ثلاثة أقفزة، فلم يصابوا ببلاء كان أشد ~~عليهم من القمل، وأخذ أشعارهم PageV03P270 # وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري عليهم ومنعهم ~~النوم والقرار فصرخوا وصاحوا إلى موسى أنا نتوب فادع لنا ربك يكشف عنا ~~البلاء، فدعا موسى عليه السلام الله فرفع الله القمل عنهم بعدما أقام عليهم ~~سبعة أيام من السبت إلى السبت، فنكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم. وقالوا: ما ~~كنا قط أحق أن نستيقن أنه ساحر منا اليوم يجعل الرمل دواب. فدعا موسى بعدما ~~أقاموا شهرا في عافية، فأرسل الله ms0963 عليهم الضفادع فامتلأت منها بيوتهم ~~وأفنيتهم وأطعمتهم وآنيتهم، فلا يكشف أحد إناء ولا طعاما إلا وجد فيه ~~الضفادع، وكان الرجل يجلس في الضفادع إلى ذقنه، ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع ~~في فيه، وكانت تثب في قدورهم فتفسد عليهم طعامهم وتطفئ نيرانهم، وكان أحدهم ~~يضطجع فتركبه الضفادع فتكون عليه ركاما حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى شقه ~~الآخر، ويفتح فاه لأكلته فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه، ولا يعجن عجينا إلا ~~تشدخت فيه، ولا يفتح قدرا إلا امتلأت ضفادع، فلقوا منها أذى شديدا. # روى عكرمة عن ابن عباس قال: كانت الضفادع برية، فلما أرسلها الله على آل ~~فرعون سمعت وأطاعت فجعلت تقذف أنفسها في القدور وهي تغلي، وفي التنانير وهي ~~تفور، فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء، فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا ذلك ~~(1) إلى موسى، وقالوا هذه المرة نتوب ولا نعود، فأخذ عهودهم ومواثيقهم، ثم ~~دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بعدما أقام سبعا من السبت إلى السبت، فأقاموا ~~شهرا في عافية ثم نقضوا العهد وعادوا لكفرهم، فدعا عليهم موسى فأرسل الله ~~عليهم الدم، فسال النيل عليهم دما وصارت مياههم دما وما يستقون من الآبار ~~والأنهار إلا وجدوه دما عبيطا أحمر، فشكوا إلى فرعون وقالوا ليس لنا شراب، ~~فقال: إنه سحركم، فقالوا: من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من ~~الماء إلا دما عبيطا؟ وكان فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلي على الإناء ~~الواحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء والقبطي دما [ويقومان إلى الجرة فيها ~~الماء فيخرج للإسرائيلي ماء وللقبطي دم] (2) حتى كانت المرأة من آل فرعون ~~تأتي المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول اسقني من مائك فتصب لها ~~من قربتها فيعود في الإناء دما حتى كانت تقول اجعليه في فيك ثم مجيه في في ~~فتأخذ في فيها ماء فإذا مجته 136/أفي فيها صار دما، وإن فرعون اعتراه العطش ~~حتى إنه ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة، فإذا مضغها يصير ماؤها في فيه ملحا ~~أجاجا، فمكثوا في ذلك سبعة أيام لا ms0964 يشربون إلا الدم. PageV03P271 # قال زيد بن أسلم: الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف، فأتوا موسى وقالوا يا ~~موسى ادع ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه ~~عز وجل فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، فذلك قوله عز وجل: {فأرسلنا عليهم الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات} يتبع بعضها بعضا. وتفصيلها أن ~~كل عذاب يمتد أسبوعا، وبين كل عذابين شهرا، {فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين} ### || # {ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت ~~عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) فلما كشفنا عنهم الرجز ~~إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون (135) فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم ~~بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (136) } # {ولما وقع عليهم الرجز} أي: نزل بهم العذاب وهو ما ذكر الله عز وجل من ~~الطوفان وغيره.. وقال سعيد بن جبير: الرجز الطاعون، وهو العذاب السادس بعد ~~الآيات [الخمس] (1) حتى مات منهم سبعون ألفا في يوم احد، فأمسوا وهو لا ~~يتدافنون {قالوا} لموسى {يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك} أي: بما أوصاك. # وقال عطاء: بما نبأك. وقيل: بما عهد عندك من إجابة دعوتك {لئن كشفت عنا ~~الرجز} وهو الطاعون {لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل} # أخبرنا أبو الحسن السرخسي ثنا زاهر بن أحمد ثنا أبو إسحاق الهاشمي ثنا ~~أبو مصعب عن مالك عن محمد بن المنكدر عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله ~~عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد: أسمعت من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون؟ فقال أسامة بن زيد: [قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم] (2) "الطاعون رجز أرسل على بني إسرائيل أو على من ~~كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها ~~فلا تخرجوا فرارا منه" (3) # قوله عز وجل: {فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه} يعني: إلى الغرق ~~في اليم {إذا هم ms0965 ينكثون} ينقضون العهد. PageV03P272 # {فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم} يعني: البحر {بأنهم كذبوا بآياتنا ~~وكانوا عنها غافلين} أي: عن النقمة قبل حلولها غافلين. وقيل: معناه عن ~~آياتنا معرضين. ### || # {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا ~~فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع ~~فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (137) } # {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا ~~يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون (138) إن هؤلاء ~~متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون (139) قال أغير الله أبغيكم إلها وهو ~~فضلكم على العالمين (140) } # {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} يقهرون ويستذلون بذبح الأبناء ~~واستخدام النساء [والاستعباد وهم بنو إسرائيل] (1) {مشارق الأرض ومغاربها} ~~يعني مصر والشام {التي باركنا فيها} بالماء والأشجار والثمار والخصب والسعة ~~{وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل} يعني: وفت كلمة الله وهي وعده ~~إياهم بالنصر والتمكين في الأرض، وذلك قوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض) [القصص-5) {بما صبروا} على دينهم وعلى عذاب فرعون ~~{ودمرنا} أهلكنا {ما كان يصنع فرعون وقومه} في أرض مصر من العمارات، {وما ~~كانوا يعرشون} قال مجاهد: يبنون من البيوت والقصور. وقال الحسن: يعرشون من ~~الأشجار والثمار والأعناب. وقرأ ابن عامر وأبو بكر {يعرشون} بضم الراء ~~هاهنا وفي النحل، وقرأ الآخرون بكسرها. # قوله تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} قال الكلبي: عبر بهم موسى ~~البحر يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصامه شكرا لله عز وجل {فأتوا} ~~فمروا {على قوم يعكفون} يقيمون قرأ حمزة والكسائي " يعكفون " بكسر الكاف ~~وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان، {على أصنام} أوثان {لهم} يعبدونها من دون ~~الله. # قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر، وذلك أول شأن العجل. قال قتادة: كان ~~أولئك القوم من PageV03P273 # لخم وكانوا نزولا بالرقة، فقالت بنو إسرائيل لما رأوا ذلك: {قالوا يا ~~موسى اجعل لنا إلها} أي: مثالا نعبده {كما لهم آلهة} ولم يكن ذلك شكا من ~~بني إسرائيل ms0966 في وحدانية الله، وإنما معناه: اجعل لنا شيئا نعظمه ونتقرب ~~بتعظيمه إلى الله عز وجل وظنوا أن ذلك لا يضر الديانة وكان ذلك لشدة جهلهم. ~~{قال} موسى {إنكم قوم تجهلون} عظمة الله. # {إن هؤلاء متبر} مهلك، {ما هم فيه} والتتبير الإهلاك، {وباطل ما كانوا ~~يعملون} # {قال} يعني موسى {أغير الله أبغيكم} أي: أبغي لكم وأطلب، {إلها وهو فضلكم ~~على العالمين} أي: على عالمي زمانكم. # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أنا جدي أبو سهل عبد الصمد بن ~~عبد الرحمن البزار، أنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، أنا إسحاق بن ~~إبراهيم الديري أنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن سنان بن أبي سنان ~~الديلي عن أبي واقد الليثي، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل ~~حنين، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما كان ~~للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة يعكفون حولها، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى ~~"اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إنكم تركبون سنن من قبلكم" (1) . ### || # {وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (141) وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ~~وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في ~~قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين (142) } # قوله عز وجل: {وإذ أنجيناكم} قرأ ابن عامر "أنجاكم" وكذلك هو في مصاحف ~~أهل الشام، {من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم} قرأ نافع ~~"يقتلون" خفيفة، من القتل، وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير من التقتيل، ~~{ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} PageV03P274 # {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} ذي القعدة، {وأتممناها بعشر} من ذي الحجة، ~~{فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى} عند انطلاقه إلى الجبل للمناجاة ~~{لأخيه هارون اخلفني} كن خليفتي، {في قومي وأصلح} أي أصلحهم بحملك إياهم ~~على طاعة الله. وقال ابن عباس: يريد الرفق بهم والإحسان إليهم {ولا ms0967 تتبع ~~سبيل المفسدين} أي: لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره، وذلك أن موسى ~~عليه السلام وعد بني إسرائيل وهم بمصر: أن الله إذا أهلك عدوهم أتاهم بكتاب ~~فيه بيان ما يأتون وما يذرون! فلما فعل الله ذلك بهم سأل موسى ربه الكتاب، ~~فأمره الله عز وجل أن يصوم ثلاثين يوما، فلما تمت ثلاثون أنكر خلوف فمه، ~~فتسوك بعود خروب. # وقال أبو العالية: أكل من لحاء شجرة، فقالت له الملائكة: كنا نشم من فيك ~~رائحة المسك، فأفسدته بالسواك، فأمره الله تعالى أن يصوم عشرة أيام من ذي ~~الحجة، وقال: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، فكانت ~~فتنتهم في العشر التي زادها. ### || # {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ~~ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله ~~دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143) ~~} # قوله عز وجل: {ولما جاء موسى لميقاتنا} أي: للوقت الذي 136/ب ضربنا له أن ~~نكلمه فيه. قال أهل التفسير: إن موسى عليه السلام تطهر وطهر ثيابه لميعاد ~~ربه لما أتى طور سيناء. وفي القصة: إن الله عز وجل أنزل ظلمة على سبعة ~~فراسخ وطرد عنه الشيطان وطرد عنه هوام الأرض ونحى عنه الملكين وكشط له ~~السماء ورأى الملائكة قياما في الهواء ورأى العرش بارزا وكلمه الله وناجاه ~~حتى أسمعه، وكان جبريل عليه السلام معه فلم يسمع ما كلمه ربه وأدناه حتى ~~سمع صرير القلم فاستحلى موسى عليه السلام كلام ربه واشتاق إلى رؤيته {قال ~~رب أرني أنظر إليك} قال الزجاج: فيه اختصار تقديره: أرني نفسك أنظر إليك. ~~قال ابن عباس: أعطني النظر إليك. فإن قيل: كيف سأل الرؤية وقد علم أن الله ~~تعالى لا يرى في الدنيا؟ قال الحسن: هاج به الشوق فسأل الرؤية. وقيل: سأل ~~الرؤية ظنا منه أنه يجوز أن يرى في الدنيا {قال} الله تعالى {لن تراني} ~~وليس ms0968 لبشر أن يطيق النظر [إلي في الدنيا من نظر إلي] (1) في الدنيا مات ~~فقال إلهي سمعت كلامك فاشتقت إلى النظر إليك ولأن أنظر PageV03P275 # إليك ثم أموت أحب إلي من أن أعيش ولا أراك فقال الله عز وجل: {ولكن انظر ~~إلى الجبل} وهو أعظم جبل بمدين يقال له زبير. # قال السدي: لما كلم الله موسى غاص الخبيث إبليس في الأرض حتى خرج بين ~~قدمي موسى، فوسوس إليه: أن يكلمك شيطان فعند ذلك سأل موسى الرؤية فقال الله ~~عز وجل: {لن تراني} وتعلقت نفاة الرؤية بظاهر هذه الآية، وقالوا: قال الله ~~تعالى: {لن تراني} ولن تكون للتأبيد، ولا حجة لهم فيها ومعنى الآية: لن ~~تراني في الدنيا أو في الحال، لأنه كان يسأل الرؤية في الحال و"لن" لا تكون ~~للتأبيد، كقوله تعالى: (ولن يتمنوه أبدا) [البقرة-95] ، إخبارا عن اليهود، ~~ثم أخبر عنهم أنهم يتمنون الموت في الآخرة يقولون (يا مالك ليقض علنيا ربك) ~~[الزخرف-77] ، و (يا ليتها كانت القاضية) [الحاقة-27] ، والدليل عليه أنه ~~لم ينسبه إلى الجهل بسؤال الرؤية ولم يقل إني لا أرى حتى تكون لهم حجة بل ~~علق الرؤية على استقرار الجبل واستقرار الجبل على التجلي غير مستحيل إذا ~~جعل الله تعالى له تلك القوة، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالا. # قال الله تعالى: {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} قال ~~وهب وابن إسحاق لما سأل موسى ربه الرؤية أرسل الله الضباب والصواعق والظلمة ~~والرعد والبرق وأحاطت بالجبل الذي عليه موسى أربعة فراسخ من كل جانب، وأمر ~~الله (1) ملائكة السماء أن يعترضوا على موسى فمرت به ملائكة السماء الدنيا ~~كثيران البقر تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد ~~الشديد، ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى فاعترضوا ~~عليه، فهبطوا عليه أمثال الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس، ففزع العبد ~~الضعيف ابن عمران مما رأى وسمع واقشعرت كل شعرة في رأسه وجسده، ثم قال: لقد ~~ندمت على مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي أنا ms0969 فيه شيء؟ فقال له خير ~~الملائكة ورأسهم: يا موسى اصبر لم سألت، فقليل من كثير ما رأيت. # ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، ~~فهبطوا أمثال النسور لهم قصف ورجف شديد، وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس ~~كجلب الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار، ففزع موسى واشتد نفسه وأيس من ~~الحياة، فقال له خير الملائكة: مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا تصبر ~~عليه، ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا فاعترضوا على ~~موسى بن PageV03P276 # عمران فهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم ألوانهم كلهب ~~النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم علية بالتقديس والتسبيح لا ~~يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به قبلهم، فاصطكت ركبتاه وأرعد قلبه واشتد ~~بكاؤه فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران اصبر لما سألت فقليل من ~~كثير ما رأيت. # ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الخامسة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى ~~فهبطوا عليه لهم سبعة ألوان فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره، لم ير مثلهم ~~ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفا واشتد حزنه وكثر بكاؤه، فقال له خير ~~الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران مكانك حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه. # ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي الذي طلب ليراني، ~~فهبطوا عليه في يد كل ملك منهم مثل النخلة الطويلة، نار أشد ضوءا من الشمس، ~~ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة ~~السموات، كلهم يقولون بشدة أصواتهم: سبوح قدوس، رب العزة أبدا لا يموت، في ~~رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم [حين ~~سبحوا] (1) وهو يبكي ويقول: رب اذكرني ولا تنس عبدك لا أدري أأنفلت مما أنا ~~فيه أم لا؟ إن خرجت احترقت وإن مكثت مت، فقال له كبير الملائكة ورأسهم: قد ~~أوشكت يا ابن عمران أن يشتد خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي سألت. # ثم أمر الله تعالى أن يحمل ms0970 عرشه في ملائكة السماء السابعة فلما بدا نور ~~العرش انفرج الجبل من عظمة الرب جل جلاله، ورفعت ملائكة السموات أصواتهم ~~جميعا يقولون: سبحان القدوس رب العزة أبدا لا يموت بشدة أصواتهم، فارتج ~~الجبل واندكت كل شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه ليس ~~معه روحه، فأرسل الله برحمته الروح فتغشاه، وقلب عليه الحجر الذي كان عليه ~~موسى وجعله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى، فأقامه الروح مثل اللامة، فقام ~~موسى يسبح الله تعالى ويقول آمنت بك ربي وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا، من ~~نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه فما أعظمك وأعظم ملائكتك أنت رب الأرباب وإله ~~الآلهة وملك الملوك، ولا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء، رب تبت إليك الحمد لك ~~لا شريك لك ما أعظمك وما أجلك رب العالمين، فذلك قوله تعالى: {فلما تجلى ~~ربه للجبل جعله دكا} قال ابن عباس: ظهر 137/أنور ربه للجبل، جبل زبير. وقال ~~الضحاك: أظهر الله من نور الحجب مثل منخر ثور. وقال عبد الله بن سلام وكعب ~~الأحبار: ما PageV03P277 # تجلى من عظمة الله للجبل إلا مثل سم الخياط حتى صار دكا. وقال السدي: ما ~~تجلى إلا قدر الخنصر، يدل عليه ما روى ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قرأ هذه الآية وقال: "هكذا" ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من ~~الخنصر، فساخ الجبل (1) . # وحكي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نورا ~~قدر الدرهم فجعل الجبل دكا، أي: مستويا بالأرض، قرأ حمزة والكسائي (دكاء) ~~ممدودا غير منون هاهنا وفي سورة الكهف، [وافق عاصم في الكهف] (2) وقرأ ~~الآخرون (دكا) مقصورا منونا، فمن قصره فمعناه جعله مدقوقا: والدك والدق ~~واحد، وقيل: معناه دكه الله دكا، أي: فتته كما قال: (كلا إذا دكت الأرض دكا ~~دكا) [الفجر-21] ، ومن قرأ بالمد أي: جعله مستويا أرضا دكاء. # وقيل: معناه جعله مثل دكاء وهي الناقة التي لا سنام لها قال ابن عباس: ~~جعله ترابا. وقال سفيان: ساخ الجبل ms0971 في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب ~~فيه. وقال عطية العوفي: صار رملا هائلا. وقال الكلبي: جعله دكا أي كسرا ~~جبالا صغارا. # ووقع في تعض التفاسير: صار لعظمته ستة أجبل وقعت ثلاثة بالمدينة: أحد ~~وورقان ورضوى، ووقعت ثلاثة بمكة ثور وثبير وحراء (3) . # قوله عز وجل: {وخر موسى صعقا} قال ابن عباس والحسن: مغشيا عليه. وقال ~~قتادة: ميتا. وقال الكلبي: خر موسى صعقا يوم الخميس يوم عرفة وأعطي التوراة ~~يوم الجمعة يوم النحر. # قال الواقدي: لما خر موسى صعقا قالت ملائكة السموات: ما لابن عمران وسؤال ~~الرؤية؟ وفي بعض الكتب (4) أن ملائكة السموات أتوا موسى وهو مغشي عليه ~~فجعلوا يركلونه بأرجلهم ويقولون يا PageV03P278 # ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة. {فلما أفاق} موسى من صعقته ~~وثاب إليه عقله عرف أنه قد سأل أمرا لا ينبغي له {قال سبحانك تبت إليك} عن ~~سؤال الرؤية {وأنا أول المؤمنين} بأنك لا ترى في الدنيا. وقال مجاهد ~~والسدي: وأنا أول من آمن بك من بني إسرائيل. # PageV03P279 ### || # {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن ~~من الشاكرين (144) } # {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس} اخترتك على الناس، قرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو "إني" بفتح الياء وكذلك "أخي اشدد" [طه-31] ، {برسالاتي} قرأ أهل ~~الحجاز برسالتي على التوحيد، والآخرون بالجمع، {وبكلامي فخذ ما آتيتك} ~~أعطيتك {وكن من الشاكرين} لله على نعمه. # فإن قيل: فما معنى قوله "اصطفيتك على الناس برسالاتي" وقد أعطي غيره ~~الرسالة؟ قيل:لما لم تكن الرسالة على العموم في حق الناس كافة استقام قوله ~~اصطفيتك على الناس وإن شاركه فيه غيره، كما يقول الرجل: خصصتك بمشورتي وإن ~~شاور غيره إذا لم تكن المشورة على العموم يكون مستقيما. # وفي بعض القصة: أن موسى عليه السلام كان بعدما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ~~ينظر إليه لما غشي وجهه من النور، ولم يزل على وجهه برقع حتى مات. وقالت له ~~امرأته: أنا أيم منك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه ms0972 فأخذها مثل شعاع الشمس ~~فوضعت يدها على وجهها وخرجت لله ساجدة، وقالت: ادع الله أن يجعلني زوجتك في ~~الجنة، قال: ذاك لك إن لم تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله محمد بن ~~أحمد بن علي المزكي أنا أبو العباس محمد بن أحمد بن إسحاق السراج حدثنا ~~قتيبة بن سعيد حدثنا راشد بن أسعد بن عبد الرحمن المغافري عن أبيه عن كعب ~~الأحبار: أن موسى نظر في التوراة فقال: إني أجد أمة خير الأمم أخرجت للناس ~~يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وبالكتاب الأول وبالكتاب ~~الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال، رب اجعلهم أمتي، ~~قال: هي أمة محمد يا موسى، فقال: ربي إني أجد أمة هم الحمادون رعاة الشمس ~~المحكمون إذا أرادوا أمرا # PageV03P279 # قالوا نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد، فقال: رب إني ~~أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم، وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار، ~~وهم المستجيبون والمستجاب لهم الشافعون المشفوع لهم فاجعلهم أمتي، قال: هي ~~أمة محمد، قال: يا رب إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله فإذا ~~هبط واديا حمد الله، الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيث ما كانوا، ~~يتطهرون من الجنابة طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غر ~~محجلون من آثار الوضوء فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد، فقال: رب إني أجد ~~أمة إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة مثلها وإن عملها كتبت له ~~ضعف عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه ~~وإن عملها كتبت له سيئة مثلها، فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة أحمد، فقال: رب ~~إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب من الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ~~ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ولا أجد أحدا منهم إلا مرحوما ~~فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد، فقال: يا رب إني أجد أمة [مصاحفهم] (1) في ms0973 ~~صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة يصفون في صلاتهم صفوف الملائكة أصواتهم ~~في مساجدهم كدوي النحل لا يدخل النار أحد منهم أبدا إلا من يرى الحساب مثل ~~ما يرى الحجر من وراء الشحر، فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة أحمد، فلما عجب ~~موسى من الخير الذي أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته قال: يا ~~ليتني من أصحاب محمد وأمته، فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهن: "يا موسى ~~إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي" إلى قوله: "سأريكم دار الفاسقين، ~~ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون"، فرضي موسى كل الرضا" (2) . ### || # {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر ~~قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145) } # قوله عز وجل: {وكتبنا له} يعني لموسى، {في الألواح} قال ابن عباس: يريد ~~ألواح PageV03P280 # التوراة، وفي الحديث: "كانت من سدر الجنة طول اللوح اثنا عشر ذراعا" (1) ~~. وجاء في أحاديث خلق الله آدم بيده: "وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى ~~بيده" (2) . # وقال الحسن: كانت الألواح من خشب. قال الكلبي 137/ب كانت من زبرجدة ~~خضراء. وقال سعيد بن جبير: كانت من ياقوت أحمر، وقال الربيع بن أنس: كانت ~~الألواح من برد. قال ابن جريج: كانت من زمرد، أمر الله جبريل حتى جاء بها ~~من عدن، وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وقال وهب: ~~أمره الله بقطع الألواح من صخرة صماء لينها الله له فقطعها بيده ثم شققها ~~بأصبعه، وسمع موسى صرير القلم بالكلمات العشرة وكان ذلك في أول يوم من ذي ~~القعدة، وكانت الألواح عشرة أذرع على طول موسى. وقال مقاتل ووهب: {وكتبنا ~~له في الألواح} كنقش الخاتم. وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون ~~وقر بعير، يقرأ الجزء منه في سنة، لم يقرأه إلا أربعة نفر: موسى، ويوشع، ~~وعزير، وعيسى. # وقال الحسن: هذه الآية في التوراة ألف آية يعني "وكتبنا له في الألواح" ~~{من كل شيء} مما أمروا به ونهوا عنه، {موعظة} نهيا عن ms0974 الجهل، وحقيقة ~~الموعظة: التذكرة والتحذير بما يخاف عاقتبه، {وتفصيلا لكل شيء} أي: تبيينا ~~لكل شيء من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والحدود والأحكام. {فخذها بقوة} ~~أي: بجد واجتهاد، وقيل: بقوة القلب وصحة العزيمة، لأنه إذا أخذه بضعف النية ~~أداه إلى الفتور، {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} قال عطاء عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: يحلوا حلالها، ويحرموا حرامها، ويتدبروا أمثالها، ويعملوا ~~بمحكمها، ويقفوا عند متشابهها وكان موسى عليه السلام أشد عبادة من قومه، ~~فأمر بما لم يؤمروا به. # قال قطرب: بأحسنها أي بحسنها، وكلها حسن. وقيل: أحسنها الفرائض والنوافل، ~~وهي ما يستحق عليها الثواب، وما دونها المباح، لأنه لا يستحق عليه الثواب. ~~وقيل: بأحسنها بأحسن الأمرين في كل شيء كالعفو أحسن من القصاص، والصبر أحسن ~~من الانتصار. # {سأريكم دار الفاسقين} قال مجاهد: مصيرها في الآخرة. قال الحسن وعطاء: ~~يعني PageV03P281 # جهنم، يحذركم أن تكونوا مثلهم. وقال قتادة وغيره: سأدخلكم الشأم فأريكم ~~منازل القرون الماضية الذين خالفوا أمر الله لتعتبروا بها. قال عطية ~~العوفي: أراد دار فرعون وقومه وهي مصر، يدل عليه قراءة قسامة بن زهير: ~~"سأوريكم دار الفاسقين"، وقال السدي: دار الفاسقين مصارع الكفار. وقال ~~الكلبي: ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا. ### || # {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه ~~سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) والذين كذبوا ~~بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (147) } # قوله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} قال ابن ~~عباس: يريد الذين يتجبرون على عبادي ويحاربون أوليائي حتى لا يؤمنوا بي، ~~يعني: سأصرفهم عن قبول آياتي والتصديق بها عوقبوا بحرمان الهداية لعنادهم ~~للحق، كقوله: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) . # قال سفيان بن عيينة: سأمنعهم فهم القرآن. قال ابن جريج: يعني عن خلق ~~السموات والأرض وما فيها أي أصرفهم عن أن يتفكروا فيها ms0975 ويعتبروا بها. وقيل: ~~حكم الآية لأهل مصر خاصة، وأراد بالآيات الآيات التسع التي أعطاها الله ~~تعالى موسى عليه السلام. والأكثرون على أن الآية عامة {وإن يروا} [يعني: ~~هؤلاء المتكبرين] (1) {كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد} قرأ حمزة ~~والكسائي "الرشد" بفتح الراء والشين، والآخرون بضم الراء وسكون الشين وهما ~~لغتان كالسقم والسقم والبخل والبخل والحزن والحزن. # وكان أبو عمرو يفرق بينهما، فيقول: الرشد -بالضم -الصلاح في الأمر، ~~وبالفتح الاستقامة في الدين. معنى الآية: إن يروا طريق الهدى والسداد {لا ~~يتخذوه} لأنفسهم {سبيلا} {وإن يروا سبيل الغي} أي طريق الضلال {يتخذوه ~~سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} عن التفكير فيها ~~والاتعاظ بها غافلين ساهين. PageV03P282 # {والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} أي: ولقاء الدار الآخرة التي هي ~~موعد الثواب والعقاب، {حبطت أعمالهم} بطلت وصارت كأن لم تكن، {هل يجزون} في ~~العقبى {إلا ما كانوا} أي إلا جزاء ما كانوا {يعملون} في الدنيا. ### || # {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) ولما سقط في أيديهم ~~ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ~~(149) } # قوله عز وجل: {واتخذ قوم موسى من بعده} أي: بعد انطلاقه إلى الجبل {من ~~حليهم} التي استعاروها من قوم فرعون. قرأ حمزة والكسائي {من حليهم} بكسر ~~الحاء [وقرأ يعقوب بفتح الحاء وسكون اللام] (1) واتخذ السامري منها {عجلا} ~~وألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام فتحول عجلا {جسدا} حيا ~~ولحما ودما {له خوار} وهو صوت البقر، وهذا قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ~~وجماعة أهل التفسير. # وقيل: كان جسدا مجسدا من ذهب لا روح فيه، كان يسمع منه صوت. # وقيل: كان يسمع صوت حفيف الريح يدخل في جوفه ويخرج، والأول أصح. # وقيل: إنه ما خار إلا مرة واحدة، وقيل: كان يخور كثيرا كلما خار سجدوا له ~~وإذا سكت رفعوا رءوسهم. وقال وهب: كان يسمع منه الخوار ms0976 وهو لا يتحرك. # وقال السدي: كان يخور ويمشي {ألم يروا} يعني: الذين عبدوا العجل {أنه لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا} قال الله عز وجل: {اتخذوه وكانوا ظالمين} أي: ~~اتخذوه إلها وكانوا كافرين. # {ولما سقط في أيديهم} أي ندموا على عبادة العجل، تقول العرب لكل نادم على ~~أمر: قد سقط في يديه، {ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا} يتب ~~علينا ربنا، {ويغفر لنا} يتجاوز عنا، {لنكونن من الخاسرين} قرأ حمزة ~~والكسائي: "ترحمنا وتغفر لنا" بالتاء فيهما "ربنا" بنصب الباء. وكان هذا ~~الندم والاستغفار منهم بعد رجوع موسى إليهم. PageV03P283 ### || # {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم ~~أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم ~~استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم ~~الظالمين (150) قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ~~(151) } # قوله عز وجل: {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا} قال أبو الدرداء: ~~الأسف شديد الغضب. وقال ابن عباس والسدي: أسفا أي حزينا. والأسف أشد الحزن، ~~{قال بئسما خلفتموني من بعدي} أي: بئس ما عملتهم بعد ذهابي، يقال: خلفه ~~بخير أو بشر إذا أولاه في أهله بعد شخوصه عنهم خيرا أو شرا، {أعجلتم} ~~أسبقتم {أمر ربكم} قال الحسن: وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين 138/أليلة. ~~وقال الكلبي: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم. {وألقى الألواح} ~~التي فيها التوراة وكان حاملا لها، فألقاها على الأرض من شدة الغضب. # قالت الرواة: كانت التوراة سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت فرفعت ~~ستة أسباعها وبقي سبع، فرفع ما كان من أخبار الغيب، وبقي ما فيه الموعظة ~~والأحكام والحلال والحرام، {وأخذ برأس أخيه} بذوائبه ولحيته {يجره إليه} ~~وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين وأحب إلى بني إسرائيل من موسى، لأنه ~~كان لين الغضب. {قال} هارون عند ذلك {ابن أم} قرأ أهل الكوفة والشام هاهنا ~~وفي طه بكسر الميم، يريد يا ابن أمي، ms0977 فحذف ياء الإضافة وأبقيت الكسرة لتدل ~~على الإضافة كقوله: "يا عباد" وقرأ أهل الحجاز والبصرة وحفص: بفتح الميم ~~على معنى يا ابن أماه. # وقيل: جعله اسما واحدا وبناه على الفتح، كقولهم: حضرموت، وخمسة عشر، ~~ونحوهما، وإنما قال ابن أم وكان هارون أخاه لأبيه وأمه ليرققه ويستعطفه. # وقيل: كان أخاه لأمه دون أبيه، {إن القوم استضعفوني} يعني عبدة العجل، ~~{وكادوا يقتلونني} هموا وقاربوا أن يقتلوني، {فلا تشمت بي الأعداء ولا ~~تجعلني} في مؤاخذتك علي {مع القوم الظالمين} يعني عبدة العجل. # {قال} موسى لما تبين له عذر أخيه، {رب اغفر لي} ما صنعت إلى أخي، {ولأخي} ~~إن كان منه تقصير في الإنكار على عبدة العجل، {وأدخلنا} جميعا {في رحمتك ~~وأنت أرحم الراحمين} # PageV03P284 ### || # {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك ~~نجزي المفترين (152) والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك ~~من بعدها لغفور رحيم (153) ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها ~~هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون (154) } # قوله تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل} أي: اتخذوه إلها {سينالهم غضب من ~~ربهم} في الآخرة {وذلة في الحياة الدنيا} قال أبو العالية: هو ما أمروا به ~~من قتل أنفسهم. وقال عطية العوفي: "إن الذين اتخذوا العجل" أراد اليهود ~~الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم عيرهم بصنيع آبائهم فنسبه ~~إليهم {سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا} أراد ما أصاب بني قريظة ~~والنضير من القتل والجلاء. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الجزية، {وكذلك نجزي المفترين} ~~الكاذبين، قال أبو قلابة هو -والله -جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة أن يذله ~~الله. قال سفيان بن عيينة: هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة. # قوله تبارك وتعالى: {ولما سكت} أي: سكن، {عن موسى الغضب أخذ الألواح} ~~التي كان ألقاها وقد ذهبت ستة أسباعها {وفي نسختها} اختلفوا فيه، قيل: أراد ~~بها الألواح، لأنها نسخت من اللوح المحفوظ. # وقيل: إن موسى لما ألقى الألواح تكسرت فنسخ ms0978 منها نسخة أخرى فهو المراد من ~~قوله: {وفي نسختها} # وقيل: أراد: وفيما نسخ منها. وقال عطاء: فيما بقي منها. وقال ابن عباس ~~وعمرو بن دينار: لما ألقى موسى الألواح فتكسرت صام أربعين يوما فردت عليه ~~في لوحين فكان فيه، {هدى ورحمة} أي: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب، ~~{للذين هم لربهم يرهبون} أي: للخائفين من ربهم، واللام في {لربهم} زيادة ~~توكيد، كقوله: (ردف لكم) [النمل-72] ، وقال # PageV03P285 # الكسائي: لما تقدمت قبل الفعل حسنت، كقوله: (للرؤيا تعبرون) [يوسف-43] ، ~~وقال قطرب: أراد من ربهم يرهبون. وقيل: أراد راهبون. وقيل: أراد راهبون ~~لربهم. ### || # {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها ~~من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ~~(155) } # قوله تعالى: {واختار موسى قومه} أي: من قومه، فانتصب لنزع حرف الصفة، ~~{سبعين رجلا لميقاتنا} فيه دليل على أن كلهم لم يعبدوا العجل. قال السدي: ~~أمر الله تعال موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة ~~العجل، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا {فلما} أتوا ذلك المكان قالوا: لن ~~نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا. # قال ابن إسحاق: اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوا ويسألوا التوبة على من ~~تركوا وراءهم من قومهم، فهذا يدل على أن كلهم عبدوا العجل. # وقال قتادة، وابن جريج، ومحمد بن كعب: {أخذتهم الرجفة} لأنهم لم يزايلوا ~~قومهم حين عبدوا العجل، ولم يأمروهم بالمعروف لم ينهوهم عن المنكر. # وقال ابن عباس: إن السبعين الذين قالوا: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ~~فأخذتهم الصاعقة) [البقرة-55] ، كانوا قبل السبعين الذين أخذتهم الرجفة، ~~وإنما أمر الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام أن يختار من قومه سبعين ~~رجلا فاختارهم وبرز بهم ليدعوا ربهم، فكان فيما دعوا أن قالوا: اللهم أعطنا ~~ما لم تعطه أحدا قبلنا، ولا تعطه أحدا بعدنا، فكره الله ذلك من ms0979 دعائهم، ~~فأخذتهم الرجفة. # وقال وهب: لم تكن الرجفة صوتا، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أخذتهم ~~الرعدة وقلقوا ورجفوا، حتى كادت أن تبين مفاصلهم، فلما رأى موسى ذلك رحمهم ~~وخاف عليهم الموت، فاشتد عليه فقدهم، وكانوا له وزراء على الخير، سامعين ~~مطيعين، فعند ذلك دعا وبكى وناشد ربه، فكشف الله عنهم تلك الرجفة، فاطمأنوا ~~وسمعوا كلام ربهم، فذلك قوله عز وجل: {قال} يعني موسى {رب لو شئت أهلكتهم ~~من قبل} يعني عن عبادة العجل {وإياي} بقتل القبطي. {أتهلكنا بما فعل ~~السفهاء منا} # PageV03P286 # يعني عبدة العجل، وظن موسى أنهم عوقبوا باتخاذهم العجل، وقال هذا على ~~طريق السؤال، يسأل: أتهلكنا بفعل السفهاء؟. # وقال المبرد: قوله "أهلكنا بما فعل السفهاء منا" استفهام استعطاف، أي: لا ~~تهلكنا، وقد علم موسى عليه السلام أن الله تعالى أعدل من أن يأخذ بجريرة ~~الجاني غيره. # قوله تعالى {إن هي إلا فتنتك} أي: التي وقع فيها السفهاء، لم تكن إلا ~~اختبارك وابتلاءك، أضللت بها قوما فافتتنوا، وهديت قوما فعصمتهم حتى ثبتوا ~~على دينك، فذلك هو معنى قوله: {تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا} ~~ناصرنا وحافظنا، {فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} # PageV03P287 ### || # {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب ~~به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين ~~هم بآياتنا يؤمنون (156) الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون (157) } # {واكتب لنا} أوجب لنا {في هذه الدنيا حسنة} النعمة والعافية، {وفي ~~الآخرة} أي: وفي الآخرة {حسنة} أي المغفرة والجنة، {إنا هدنا إليك} أي: ~~تبنا إليك، {قال} الله تعالى: {عذابي أصيب به من أشاء} من خلقي، {ورحمتي ~~وسعت كل شيء} عمت كل شيء، قال الحسن وقتادة: 138/ب وسعت رحمته في الدنيا ~~البر ms0980 والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة. وقال عطية العوفي: وسعت كل ~~شيء ولكن لا تجب إلا للذين يتقون، وذلك أن الكافر يرزق، ويدفع عنه ~~بالمؤمنين لسعة رحمة الله للمؤمنين، فيعيش فيها، فإذا صار إلى الآخرة وجبت ~~للمؤمنين خاصة، كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه. # PageV03P287 # قال ابن عباس -رضي الله عنهما -وقتادة، وابن جريج: لما نزلت: "ورحمتي ~~وسعت كل شيء" قال إبليس: أنا من ذلك الشيء، فقال الله سبحانه وتعالى: ~~{فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} فتمناها ~~اليهود والنصارى، وقالوا: نحن نتقي ونؤمن، ونؤتي الزكاة، فجعلها الله لهذه ~~الأمة فقال: # {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} الآية. قال نوف البكالي الحميري: لما ~~اختار موسى قومه سبعين رجلا قال الله تعالى لموسى: أجعل لكم الأرض مسجدا ~~وطهورا، تصلون حيث أردكتكم الصلاة إلا عند مرحاض أو حمام أو قبر، وأجعل ~~السكينة في قلوبكم، وأجعلكم تقرأون التوراة عن ظهر قلوبكم، يقرؤها الرجل ~~والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير، فقال ذلك موسى لقومه، فقالوا: لا ~~نريد أن نصلي إلا في الكنائس، ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا، ولا ~~نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهور قلوبنا، ولا نريد أن نقرأها إلا نظرا، فقال ~~الله تعالى: "فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة" إلى قوله: "أولئك هم ~~المفلحون"، فجعلها الله لهذه الأمة. فقال موسى عليه السلام: يا رب اجعلني ~~نبيهم، فقال: نبيهم منهم، قال: رب اجعلني منهم فقال: إنك لن تدركهم، فقال ~~موسى عليه السلام: يا رب إني أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا، ~~فأنزل الله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) ~~[الأعراف-159] ، فرضي موسى (1) . # قوله تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} وهو محمد صلى الله عليه ~~وسلم. قال ابن عباس رضي الله عنهما هو نبيكم كان أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا ~~يحسب. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" (2) ~~وهو منسوب إلى الأم، أي هو على ما ولدته أمه. وقيل هو منسوب إلى أمته، ms0981 أصله ~~أمتي فسقطت التاء في النسبة كما سقطت في المكي والمدني وقيل: هو منسوب إلى ~~أم القرى وهي مكة. # {الذي يجدونه} أي: يجدون صفته ونعته ونبوته، {مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل} # أخبرنا عبد الواحد المليحي أن أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ~~حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن سنان حدثنا فليح حدثنا هلال عن عطاء ~~بن يسار قال لقيت عبد الله بن PageV03P288 # عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~التوراة: قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، يا ~~أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ~~ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ لا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع ~~بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة ~~العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما ~~وقلوبا غلفا" (1) . # تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال عن عطاء عن ابن سلام أخبرنا ~~الإمام الحسين بن محمد القاضي أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون ~~الطيسفوني أنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي أنا أبو بكر أحمد بن محمد بن ~~عمر بن بسطام أنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي حدثنا عبد الله بن عثمان ~~عن أبي حمزة عن الأعمش عن أبي صالح عن عبد الله بن ضمرة عن كعب -رضي الله ~~عنه -قال: إني أجد في التوراة مكتوبا محمد رسول الله لا فظ ولا غليظ ولا ~~سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون ~~يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل نجد، يأتزرون على أنصافهم ~~+ويوضئون أطرافهم، صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء، مناديهم ينادي في ~~جو السماء، لهم في جوف الليل دوي كدوي النحل، مولده بمكة ومهاجره بطابة ~~وملكه بالشام (2) . # قوله تعالى: {يأمرهم بالمعروف} أي: بالإيمان، {وينهاهم عن المنكر} أي: عن ~~الشرك، وقيل: المعروف: الشريعة ms0982 والسنة، والمنكر: ما لا يعرف في شريعة ولا ~~سنة. وقال عطاء: يأمرهم بالمعروف: بخلع الأنداد، ومكارم الأخلاق، وصلة ~~الأرحام، وينهاهم عن المنكر: عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام. {ويحل لهم ~~الطيبات} يعني: ما كانوا يحرمونه في الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصيلة ~~والحام {ويحرم عليهم الخبائث} يعني: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والزنا ~~وغيرها من المحرمات. {ويضع عنهم إصرهم} قرأ ابن عامر "آصارهم" بالجمع. ~~والإصر: كل ما يثقل على الإنسان من قول أو فعل. # قال ابن عباس والحسن والضحاك والسدي ومجاهد: يعني العهد الثقيل كان أخذ ~~على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة. PageV03P289 # وقال قتادة: يعني التشديد الذي كان عليهم في الدين، {والأغلال} يعني: ~~الأثقال {التي كانت عليهم} وذلك مثل: قتل الأنفس في التوبة، وقطع الأعضاء ~~الخاطئة، وقرض النجاسة عن الثوب بالمقراض، وتعيين القصاص في القتل وتحريم ~~أخذ الدية، وترك العمل في السبت، وأن صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس وغير ~~ذلك من الشدائد. وشبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق. {فالذين آمنوا ~~به} أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم. {وعزروه} وقروه، {ونصروه} على الأعداء ~~{واتبعوا النور الذي أنزل معه} يعني: القرآن {أولئك هم المفلحون} ### || # {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات ~~والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي ~~يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) ومن قوم موسى أمة يهدون ~~بالحق وبه يعدلون (159) } # قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك ~~السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ~~الذي يؤمن بالله وكلماته} أي: آياته وهي القرآن. وقال مجاهد والسدي: يعني ~~عيسى ابن مريم، ويقرأ "كلمته" {واتبعوه لعلكم تهتدون} # قوله عز وجل: {ومن قوم موسى} يعني: بني إسرائيل 139/أ {أمة} أي: جماعة، ~~{يهدون بالحق} أي: يرشدون ويدعون إلى الحق. وقيل: معناه يهتدون ويستقيمون ~~عليه، {وبه يعدلون} أي: بالحق يحكمون وبالعدل يقومون. قال الكلبي والضحاك ~~والربيع: هم قوم خلف الصين، بأقصى ms0983 الشرق على نهر [يجري الرمل] (1) يسمى نهر ~~أوداف، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل ويصحون بالنهار، ~~ويزرعون حتى لا يصل إليهم منا أحد، وهم على الحق (2) . # وذكر: أن جبرائيل عليه السلام ذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري ~~به، فكلمهم [فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا فقال لهم: هذا ~~محمد النبي الأمي فآمنوا به] (3) فقالوا: يا رسول الله إن موسى عليه السلام ~~أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه منا السلام، فرد النبي صلى الله ~~عليه وسلم على PageV03P290 # موسى وعليهم، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن أنزلت بمكة، وأمرهم بالصلاة ~~والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون، فأمرهم أن يجمعوا ~~ويتركوا السبت (1) . # وقيل: هم الذين أسلموا من اليهود في زمن النبي (2) صلى الله عليه وسلم. ~~والأول أصح (3) . PageV03P291 ### || # {وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن ~~اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم ~~وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية ~~وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم ~~سنزيد المحسنين (161) فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا ~~عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون (162) } # قوله عز وجل: {وقطعناهم} أي: فرقناهم، يعني بني إسرائيل، {اثنتي عشرة ~~أسباطا أمما} # PageV03P291 # قال الفراء: إنما قال: "اثنتي عشرة"، والسبط مذكر لأنه قال: "أمما" فرجع ~~التأنيث إلى الأمم، وقال الزجاج: المعنى وقطعناهم اثنتي عشرة أمما، وإنما ~~قال: "أسباطا أمما"، بالجمع وما فوق العشرة لا يفسر بالجمع، فلا يقال: ~~أتاني اثنا عشر رجالا لأن الأسباط في الحقيقة نعت المفسر المحذوف وهو ~~الفرقة، أي: وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة أمما. # وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: وقطعناهم أسباطا أمما اثنتي عشرة، ~~والأسباط القبائل واحدها سبط. # قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه} في التيه، {أن اضرب ~~بعصاك الحجر فانبجست} ms0984 انفجرت. وقال أبو عمرو بن العلاء: عرقت وهو الانبجاس، ~~ثم انفجرت، {منه اثنتا عشرة عينا} لكل سبط عين {قد علم كل أناس} كل سبط، ~~{مشربهم} وكل سبط بنو أب واحد. # قوله تعالى: {وظللنا عليهم الغمام} في التيه تقيهم حر الشمس، {وأنزلنا ~~عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون} # {وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا ~~الباب سجدا نغفر لكم} قرأ أهل المدينة وابن عامر ويعقوب: "نغفر" بالتاء ~~وضمها وفتح الفاء. وقرأ الآخرون بالنون وفتحها وكسر الفاء، {خطيئاتكم} قرأ ~~ابن عامر "خطيئتكم" على التوحيد ورفع التاء، [وقرأ أبو عمرو: "خطاياكم"، ~~وقرأ أهل المدينة ويعقوب: "خطيئاتكم" بالجمع ورفع التاء] (1) . وقرأ ~~الآخرون بالجمع وكسر التاء {سنزيد المحسنين} # {فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا} عذابا ~~{من السماء بما كانوا يظلمون} ### || # {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون (163) } # قوله تعالى: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} قيل: هي "مدين"، ~~[أي: سل PageV03P292 # يا محمد هؤلاء اليهود الذي هم جيرانك سؤال توبيخ وتقريع عن القرية التي ~~كانت حاضرة البحر] (1) أي: بقربه. قال ابن عباس: هي قرية يقال لها "إيلة" ~~بين "مدين" و"الطور" على شاطئ البحر. وقال الزهري: هي "طبرية الشام". {إذ ~~يعدون في السبت} أي: يظلمون فيه ويجاوزون أمر الله تعالى بصيد السمك، إذ ~~تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا أي: ظاهرة على الماء كثيرة، جمع شارع. وقال ~~الضحاك: متتابعة. # وفي القصة: أنها كانت تأتيهم يوم السبت مثل الكباش السمان البيض. # {ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} كإتيانهم يوم السبت، قرأ الحسن: "لا يسبتون" ~~بضم الياء أي: لا يدخلون في السبت، والقراءة المعروفة بنصب الياء، ومعناه: ~~لا يعظمون السبت، {كذلك نبلوهم} نختبرهم، {بما كانوا يفسقون} فوسوس إليهم ~~الشيطان وقال: إن الله لم ينهكم عن الاصطياد وإنما نهاكم عن الأكل، ms0985 ~~فاصطادوا. أو قيل: وسوس إليهم أنكم إنما نهيتم عن الأخذ، فاتخذوا حيضا على ~~شاطئ البحر، تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، ثم تأخذونها يوم الأحد. ~~ففعلوا ذلك زمانا ثم تجرأوا على السبت، وقالوا: ما نرى السبت إلا قد أحل ~~لنا، فأخذوا وأكلوا وباعوا، فصار أهل القرية أثلاثا، وكانوا نحوا من سعين ~~ألفا، ثلث نهوا، وثلث لم ينهوا وسكتوا وقالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم؟ ~~وثلث هم أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا قال الناهون: لا نساكنكم في قرية ~~واحدة فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب، ولعنهم داود عليه ~~السلام، فأصبح الناهون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن لهم ~~شأنا لعل الخمر غلبتهم فعلوا على الجدار، فإذا هم قردة، فعرفت القرود ~~أنسابها من الإنس ولم تعرف الإنس أنسابها من القرود، فجعلت القرود يأتيها ~~نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم فتقول برأسها: نعم، ~~فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم. PageV03P293 ### || # {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ~~قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا ~~الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون ~~(165) } # قوله تعالى: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم} اختلفوا في ~~الذين قالوا هذا، # PageV03P293 # قيل: كانوا من الفرقة الهالكة، وذلك أنهم لما قيل لهم انتهوا عن هذا ~~العمل السيئ، قبل أن ينزل بكم العذاب وإنا نعلم أن الله منزل بكم بأسه إن ~~لم تنتهوا أجابوا وقالوا: (لم تعظون قوما الله مهلكهم) ، {أو} علمتهم أنه ~~{معذبهم عذابا شديدا قالوا} أي: قال الناهون {معذرة} أي: موعظتنا معذرة ~~{إلى ربكم} قرأ حفص: "معذرة" بالنصب أي نفعل ذلك معذرة إلى ربكم. والأصح ~~أنها من قول الفرقة الساكنة، قالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم، قالوا معذرة ~~إلى ربكم، ومعناه أن الأمر بالمعروف واجب علينا فعلينا موعظة هؤلاء عذرا ~~إلى الله، {ولعلهم يتقون} أي: يتقون الله ويتركوا المعصية، ولو كان الخطاب ~~مع المعتدين لكان ms0986 يقول ولعلكم تتقون. # {فلما نسوا ما ذكروا به} أي: تركوا ما وعظوا به، {أنجينا الذين ينهون عن ~~السوء وأخذنا الذين ظلموا} يعني الفرقة العاصية، {بعذاب بئيس} أي: شديد ~~وجيع، من البأس وهو الشدة. # واختلف القراء فيه قرأ أهل المدينة وابن عامر "بئيس" بكسر الباء على وزن ~~فعل، إلا أن ابن عامر يهمزه، وأبو جعفر ونافع لا يهمزان، وقرأ عاصم في ~~رواية أبي بكر بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة على وزن فيعل مثل صيقل، ~~وقرأ الآخرون على وزن فعيل مثل بعير وصغير. # {بما كانوا يفسقون} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أسمع الله يقول: ~~"أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس"، فلا أدري ما ~~فعل بالفرقة الساكتة؟ قال عكرمة: قلت له: جعلني الله فداك ألا تراهم قد ~~أنكروا وكرهوا ما هم عليه، وقالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم؟ وإن لم يقل ~~الله أنجيتهم لم يقل: أهلكتهم، فأعجبه قولي، فرضي وأمر لي ببردين ~~فكسانيهما. # وقال يمان بن رباب: نجت 139/ب الطائفتان الذين قالوا لم تعظون قوما ~~والذين قالوا معذرة إلى ربكم، وأهلك الله الذين أخذوا الحيتان. وهذا قول ~~الحسن. # وقال ابن زيد: نجت الناهية، وهلكت الفرقتان، وهذه أشد آية في ترك النهي ~~عن المنكر. ### || # {فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين (166) وإذ تأذن ~~ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع ~~العقاب وإنه لغفور رحيم (167) } # قوله تعالى: {فلما عتوا عن ما نهوا عنه} قال ابن عباس: أبوا أن يرجعوا عن ~~المعصية {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} # PageV03P294 # مبعدين، فمكثوا ثلاثة أيام ينظر إليهم الناس ثم هلكوا. # {وإذ تأذن ربك} أي: آذن وأعلم ربك، يقال: تأذن وآذن، مثل: توعد وأوعد. ~~وقال ابن عباس: تأذن ربك قال ربك. وقال مجاهد: أمر ربك. وقال عطاء: حكم ~~ربك. {ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة} أي: على اليهود، {من يسومهم سوء ~~العذاب} بعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته يقاتلونهم حتى ~~يسلموا أو يعطوا ms0987 الجزية، {إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} ### || # {وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات لعلهم يرجعون (168) فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض ~~هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ~~ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة ~~خير للذين يتقون أفلا تعقلون (169) } # {وقطعناهم} وفرقناهم {في الأرض أمما} فرقا فرقهم الله فتشتت أمرهم ولم ~~تجتمع لهم كلمة، {منهم الصالحون} قال ابن عباس ومجاهد: يريد الذين أدركوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به {ومنهم دون ذلك} يعني الذين بقوا ~~على الكفر. # وقال الكلبي: منهم الصالحون هم الذين وراء نهر أوداف من وراء الصين (1) ~~ومنهم دون ذلك، يعني: من هاهنا من اليهود، {وبلوناهم بالحسنات} بالخصب ~~والعافية، {والسيئات} الجدب والشدة، {لعلهم يرجعون} لكي يرجعوا إلى طاعة ~~ربهم ويتوبوا. # قوله عز وجل: {فخلف من بعدهم} أي: جاء من هؤلاء الذين وصفناهم {خلف} ~~والخلف: القرن الذي يجيء بعد قرن. قال أبو حاتم: الخلف بسكون اللام ~~الأولاد، الواحد والجمع فيه سواء، والخلف بفتح اللام: البدل سواء كان ولدا ~~أو غريبا. # وقال ابن الأعرابي: الخلف بالفتح: الصالح، وبالجزم: الطالح. # وقال النضر بن شميل: الخلف بتحريك اللام وإسكانها في القرن السوء واحد، ~~وأما في PageV03P295 # القرن الصالح فبتحريك اللام لا غير. # وقال محمد بن جرير: أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام، وفي الذم بتسكينها ~~وقد يحرك في الذم ويسكن في المدح. {ورثوا الكتاب} أي: انتقل إليهم الكتاب ~~من آبائهم وهو التوراة، {يأخذون عرض هذا الأدنى} فالعرض متاع الدنيا، ~~والعرض، بسكون الراء، ما كان من الأموال سوى الدراهم والدنانير. وأراد ~~بالأدنى العالم، وهو هذه الدار الفانية، فهو تذكير الدنيا، وهؤلاء اليهود ~~ورثوا التوراة فقرؤوها وضيعوا العمل بما فيها، وخالفوا حكمها، يرتشون في ~~حكم الله وتبديل كلماته، {ويقولون سيغفر لنا} ذنوبنا يتمنون على الله ~~الأباطيل. # أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنبأنا أبو طاهر، محمد بن أحمد ms0988 بن ~~الحارث، أنبأنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبد الله بن ~~محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أنبأنا عبد الله بن المبارك عن ~~أبي بكر بن أبي مريم الغساني عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز ~~من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله" (1) . # {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وإصرارهم على ~~الذنوب، يقول إذا أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه حلالا كان أو حراما، ~~ويتمنون على الله المغفرة وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه. وقال السدي: كانت ~~بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم، فيقال له: ما لك ترتشي؟ ~~فيقول: سيغفر لي، فيطعن عليه الآخرون، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن ~~كان يطعن عليه فيرتشي أيضا. يقول: وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه. # {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق} أي: أخذ ~~عليهم العهد في التوراة أن لا يقولوا على الله الباطل، وهي تمني المغفرة مع ~~الإصرار، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار، {ودرسوا ما فيه} قرأوا ~~ما فيه، فهم ذاكرون لذلك، ولو عقلوه لعملوا للدار الآخرة، PageV03P296 # ودرس الكتاب: قراءته وتدبره مرة بعد أخرى، {والدار الآخرة خير للذين ~~يتقون أفلا تعقلون} ### || # {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (170) } # {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم ~~بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171) وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم ~~القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172) } # {والذين يمسكون بالكتاب} قرأ أبو بكر عن عاصم: "يمسكون" بالتخفيف، وقراءة ~~العامة بالتشديد، لأنه يقال: مسكت بالشيء، ولا يقال أمسكت بالشيء، إنما ~~يقال: أمسكته، وقرأ أبي بن كعب: "والذين تمسكوا بالكتاب"، على الماضي وهو ~~جيد لقوله تعالى: {وأقاموا ms0989 الصلاة} إذ قل ما يعطف ماض على مستقبل إلا في ~~المعنى، [وأراد] (1) الذين يعملون بما في الكتاب، قال مجاهد: هم المؤمنون ~~من أهل الكتاب، عبد الله بن سلام وأصحابه، تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى ~~فلم يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة. وقال عطاء: هم أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. {وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين} # قوله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم} أي: فلقنا الجبل، وقيل: رفعناه ~~{كأنه ظلة} قال عطاء: سقيفة، والظلة: كل ما أظلك، {وظنوا} علموا {أنه واقع ~~بهم خذوا} أي: وقلنا لهم خذوا، {ما آتيناكم بقوة} بجد واجتهاد، {واذكروا ما ~~فيه} واعلموا به، {لعلكم تتقون} وذلك حين أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة، ~~فرفع الله على رءوسهم جبلا. قال الحسن: فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل ~~منهم ساجدا على حاجبه الأيسر ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من أن يسقط ~~عليه، ولذلك لا تجد يهوديا إلا ويكون سجوده على حاجبه الأيسر. # قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} الآية. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن ~~عبد الرحمن، عن زيد بن PageV03P297 # الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل ~~عن هذه الآية: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} الآية. قال عمر ~~بن الخطاب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [يسأل عنها؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم] (1) "إن الله عز وجل خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه، ~~فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ~~ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، ~~فقال رجل: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~الله عز وجل إذا خلق العبد للجنة استعمله للجنة بعمل ms0990 أهل الجنة، حتى يموت ~~على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة 140/أوإذا خلق العبد للنار ~~استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به ~~النار" (2) وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن. ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، ~~وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وعمر رجلا. # قال مقاتل وغيره من أهل التفسير: إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج ~~منه ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ~~ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: يا آدم هذه ذريتك، ثم قال لهم: ألست بربكم؟ ~~قالوا: بلى، فقال للبيض: هؤلاء في الجنة برحمتي ولا أبالي وهم أصحاب ~~اليمين، وقال للسود: هؤلاء في النار ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال، ثم ~~أعادهم جميعا في صلبه، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من ~~أصلاب الرجال وأرحام النساء. قال الله تعالى فيمن نقض العهد الأول: "وما ~~وجدنا لأكثرهم من عهد" [الأعراف-102] . # وقال بعض أهل التفسير: إن أهل السعادة أقروا طوعا وقالوا: بلى، وأهل ~~الشقاوة قالوه تقية وكرها، وذلك معنى قوله: "وله أسلم من في السموات والأرض ~~طوعا وكرها" [آل عمران-83] . # واختلفوا في موضع الميثاق؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: ببطن نعمان -واد ~~إلا جنب PageV03P298 # عرفة - (1) وروي عنه أيضا: أنه بدهناء من أرض الهند (2) وهو الموضع الذي ~~هبط آدم عليه السلام عليه. وقال الكلبي: بين مكة والطائف، وقال السدي: أخرج ~~الله آدم عليه السلام من الجنة فلم يهبط من السماء ثم مسح ظهره فأخرج ~~ذريته. وروي: أن الله أخرجهم جميعا وصورهم وجعل لهم عقولا يعلمون بها ~~وألسنا ينطقون بها ثم كلمهم قبلا -يعني عيانا -وقال ألست بربكم؟ وقال ~~الزجاج وجائز أن يكون الله تعالى جعل لأمثال الذر فهما تعقل به، كما قال ~~تعالى: "قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم" [النمل-18] . # وروي أن الله تعالى قال لهم جميعا: اعملوا أنه لا إله غيري وأنا ربكم لا ~~رب لكم غيري ms0991 فلا تشركوا بي شيئا، فإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي، ~~وإني مرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي، ومنزل عليكم كتبا، فتكلموا ~~جميعا، وقالوا: شهدنا أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك، فأخذ بذلك مواثيقهم، ~~ثم كتب آجالهم وأرزقاهم ومصائبهم، فنظر إليهم آدم فرأى منهم الغني والفقير ~~وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب لولا سويت بينهم؟ قال: إني أحب أن أشكر، ~~فلما قررهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض أعادهم إلى صلبه فلا تقوم الساعة ~~حتى يولد كل من أخذ ميثاقه (3) فذلك قوله تعالى: "وإذ أخذ ربك من بني آدم ~~من ظهورهم" أي: من ظهور بني آدم ذريتهم، قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وابن ~~عامر: "ذرياتهم" بالجمع وكسر التاء، وقرأ الآخرون "ذريتهم" على التوحيد، ~~ونصب التاء. # فإن قيل: ما معنى قوله "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم" وإنما أخرجهم ~~من ظهر آدم؟ قيل: إن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ذرية آدم بعضهم من ظهور ~~بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب، فاستغنى عن ذكر ظهر ~~آدم لما علم أنهم كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره (4) PageV03P299 # قوله تعالى: {وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} أي: أشهد بعضهم ~~على بعض: {شهدنا أن تقولوا} قرأ أبو عمرو: "أن يقولوا" ويقولوا بالياء ~~فيهما، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما. # واختلفوا في قوله: "شهدنا" قال السدي: هو خبر من الله عن نفسه وملائكته ~~أنهم شهدوا على إقرار بني آدم. وقال بعضهم: هو خبر عن قول بني آدم حين أشهد ~~الله بعضهم على بعض، فقالوا بلى شهدنا. وقال الكلبي: ذلك من قول الملائكة، ~~وفيه حذف تقديره: لما قالت الذرية: بلى قال الله للملائكة: اشهدوا، قالوا: ~~شهدنا، قوله: "أن يقولوا" يعني: وأشهدهم على أنفسهم أن يقولوا، أي: لئلا ~~يقولوا أو كراهية أن يقولوا، ومن قرأ بالتاء فتقدير الكلام: أخاطبكم: ألست ~~بربكم لئلا تقولوا: {يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} أي: عن هذا ~~الميثاق والإقرار، فإن قيل: كيف تلزم الحجة على أحد لا ms0992 يذكر الميثاق؟ قيل: ~~قد أوضح الله الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا، فمن أنكره كان ~~معاندا ناقضا للعهد ولزمته الحجة، وبنسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج ~~بعد إخبار المخبر الصادق صاحب المعجزة. ### || # {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون (173) وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174) واتل عليهم نبأ الذي ~~آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) } # قوله تعالى: {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم} ~~يقول: إنما أخذ الميثاق عليكم لئلا تقولوا أيها المشركون: إنما أشرك آباؤنا ~~من قبل ونقضوا العهد وكنا ذرية من بعدهم، أي كنا أتباعا لهم فاقتدينا بهم، ~~فتجعلوا هذا عذرا لأنفسكم وتقولوا: {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} أفتعذبنا ~~بجناية آبائنا المبطلين، فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير ~~الله تعالى بأخذ الميثاق على التوحيد. # {وكذلك نفصل الآيات} أي: نبين الآيات ليتدبرها العباد، {ولعلهم يرجعون} ~~من الكفر إلى التوحيد. # PageV03P300 # قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} الآية. ~~اختلفوا فيه، قال ابن عباس (1) : هو بلعم بن باعوراء. وقال مجاهد (1) : ~~بلعام بن باعر. وقال عطية عن ابن عباس (1) : كان من بني إسرائيل. وروي عن ~~علي بن أبي طلحة رضي الله عنه أنه كان من الكنعانيين من مدينة الجبارين (2) ~~وقال مقاتل: هو من مدينة بلقا. # وكانت قصته -على ما ذكره ابن عباس وابن إسحاق والسدي وغيرهم - (3) أن ~~موسى لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعم ~~إلى بلعم -وكان عنده اسم الله الأعظم -فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جند ~~كثير، وإنه جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وأنت رجل ~~مجاب الدعوة، فاخرج فادع الله أن يردهم عنا، فقال: ويلكم نبي الله ومعه ~~الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم، وإني إن ~~فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي، فراجعوه وألحوا عليه فقال: حتى أؤامر ربي، ~~وكان لا يدعوه حتى ينظر ما ms0993 يؤمر به في المنام فآمر في الدعاء عليهم، فقيل ~~له في المنام لا تدع عليهم، فقال لقومه: إني قد آمرت ربي وإني قد نهيت ~~فأهدوا إليه هدية فقبلها، ثم راجعوه فقال: حتى أؤامر، فآمر، فلم يوح إليه ~~شيء، فقال: قد آمرت فلم يجز إلي شيء، فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم ~~لنهاك كما نهاك في المرة الأولى، فلم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن ~~فركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال له حسبان، ~~فلما سار 140/ب عليها غير كثير ربضت به، فنزل عنها فضربها حتى إذا أذلقها ~~قامت فركبها، فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، ففعل بها مثل ذلك فقامت، فركبها ~~فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، فضربها حتى أذلقها، أذن الله لها بالكلام ~~فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب بي؟ ألا ترى الملائكة أمامي ~~تردني عن وجهي هذا؟ أتذهب بي إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم؟ فلم ينزع، ~~فخلى الله سبيلها فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حسبان جعل يدعو عليهم ~~ولا يدعو عليهم بشيء إلا صرف الله به لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير ~~إلا صرف الله به لسانه إلى بني إسرائيل. فقال له قومه: يا بلعم أتدري ماذا ~~تصنع إنما تدعو لهم علينا؟! فقال: هذا ما لا أملكه، هذا شيء قد غلب الله ~~عليه، فاندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت الآن مني الدنيا ~~والآخرة فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جملوا النساء ~~وزينوهن وأعطوهن PageV03P301 # السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها ~~من رجل أرادها، فإنهم إن زنا رجل واحد منهم كفيتموهم، ففعلوا فلما دخل ~~النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين، اسمها كستى بنت صور، برجل من عظماء ~~بني إسرائيل يقال له زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب، فقام إليها فأخذ ~~بيدها حين [أعجبه جمالها] (1) ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى، فقال: إني ms0994 ~~أظنك ستقول هذه حرام عليك؟ قال: أجل هي حرام عليك لا تقربها، قال: فوالله ~~لا أطيعك في هذا، ثم دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله الطاعون على بني ~~إسرائيل في الوقت، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى، وكان ~~رجلا قد أعطي بسطة في الخلق وقوة في البطش، وكان غائبا حين صنع زمري بن ~~شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس بني إسرائيل، فأخبر الخبر، فأخذ حربته ~~وكانت من حديد كلها، ثم دخل عليهما القبة، وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته، ~~ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه ~~على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته وكان بكر العيزار، وجعل يقول: اللهم ~~هكذا نفعل بمن يعصيك، ورفع الطاعون، فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون ~~فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوا قد هلك منهم سبعون ~~ألفا في ساعة من النهار، فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ~~ذبحوها القبة والذراع واللحي، لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها ~~بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان ~~بكر العيزار وفي بلعم أنزل الله تعالى: "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه ~~آياتنا" الآية. # وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: ادع الله على موسى، فقال: إنه من ~~أهل ديني لا أدعو عليه، فنحت خشبة ليصلبه فلما رأى ذلك خرج على أتان له ~~ليدعو عليه، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان ووقفت فضربها، فقالت: لم ~~تضربني؟ إني مأمورة وهذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي فرجع وأخبر الملك ~~فقال: لتدعون عليه أو لأصلبنك، فدعا على موسى بالاسم الأعظم: أن لا يدخل ~~المدينة، فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه، فقال موسى: ~~يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: بدعاء بلعام. قال: فكما سمعت دعاءه ~~علي فاسمع دعائي عليه، [فدعا موسى عليه السلام] (2) أن ينزع عنه الاسم ~~الأعظم والإيمان، فنزع الله عنه المعرفة وسلخه منها فخرجت من ms0995 صدره كحمامة ~~بيضاء، فذلك قوله: "فانسلخ منها". PageV03P302 # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم: نزلت ~~هذه الآية في أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكانت قصته: أنه كان قد قرأ الكتب ~~وعلم أن الله مرسل رسولا فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل محمد صلى ~~الله عليه وسلم حسده وكفر به، وكان صاحب حكمة وموعظة حسنة، وكان قصد بعض ~~الملوك فلما رجع مر على قتلى بدر، فسأل عنهم فقيل: قتلهم محمد، فقال: لو ~~كان نبيا ما قتل أقرباءه، فلما مات أمية أتت أخته فارعة إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وفاة أخيها فقالت: ~~بينما هو راقد أتاه آتيان فكشفا سقف البيت، فنزلا فقعد أحدهما عند رجليه ~~والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: وعى؟ قال أزكى؟ قال: ~~أبى، قالت: فسألته عن ذلك فقال: خير أريد بي، فصرف عني فغشي عليه، فلما ~~أفاق قال: # كل عيش وإن تطاول دهرا %~% صائر مرة إلى أن يزولا # ليتني كنت قبل ما قد بدا لي %~% في قلال الجبال أرعى الوعولا # إن يوم الحساب يوم عظيم %~% شاب فيه الصغير يوما ثقيلا # ثم قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشديني من شعر أخيك، فأنشدته ~~بعض قصائده، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آمن شعره وكفر قلبه"، ~~فأنزل الله عز وجل {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} الآية ~~(1) . # وفي رواية عن ابن عباس: أنها نزلت في البسوس، رجل من بني إسرائيل وكان قد ~~أعطي له ثلاث دعوات مستجابات، وكانت له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعل لي ~~منها دعوة، فقال لك منها واحدة فما تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل ~~امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها فجعلت أجمل النساء في بني إسرائيل، فلما ~~علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فغضب الزوج ودعا عليها فصارت كلبة ~~نباحة، فذهبت فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: ms0996 ليس لنا على هذا قرار، قد ~~صارت أمنا كلبة نباحة، والناس يعيروننا بها، ادع الله أن يردها إلى الحال ~~التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات كلها (2) . ~~والقولان الأولان أظهر (3) . PageV03P303 # وقال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون ~~النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم. # وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله عز وجل لمن عرض عليه الهدى فأبى أن يقبله، ~~فذلك قوله "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا". قال ابن عباس والسدي: اسم ~~الله الأعظم. قال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه. وقال ابن عباس ~~في رواية أخرى: أوتي كتابا من كتب الله فانسلخ، أي: خرج منها كما تنسلخ، ~~أي: خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها. {فأتبعه الشيطان} أي: لحقه وأدركه، ~~{فكان من الغاوين} ### || # {ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ~~إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص ~~القصص لعلهم يتفكرون (176) } # {ولو شئنا لرفعناه بها} أي: رفعنا درجته ومنزلته 141/أبتلك الآيات. وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: لرفعناه بعلمه بها. وقال مجاهد وعطاء: لرفعنا عنه ~~الكفر وعصمناه بالآيات. {ولكنه أخلد إلى الأرض} أي: سكن إلى الدنيا ومال ~~إليها. قال الزجاج: خلد وأخلد واحد. وأصله من الخلود وهو الدوام والمقام، ~~يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به، والأرض هاهنا عبارة عن الدنيا، لأن ~~ما فيها من القفار والرباع كلها أرض، وسائر متاعها مستخرج من الأرض. {واتبع ~~هواه} انقاد لما دعاه إليه الهوى، قال ابن زيد: كان هواه مع القوم. قال ~~عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه. وهذه أشد آية على العلماء، وذلك أن الله ~~أخبر أنه آتاه [آية] (1) من اسمه الأعظم والدعوات المستجابة والعلم ~~والحكمة، فاستوجب بالسكون إلى الدنيا واتباع الهوى تغيير النعمة عليه ~~والانسلاخ عنها، ومن الذي يسلم من هاتين الخلتين إلا من عصمه الله؟ # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة ms0997 أنا محمد بن أحمد بن ~~الحارث، أنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنا عبد الله بن محمود، أنا إبراهيم بن ~~عبد الله الخلال، أنا عبد الله بن المبارك عن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد ~~بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن كعب بن مالك الأنصاري عن PageV03P304 # أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ذئبان جائعان أرسلا في ~~غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه" (1) . # قوله تعالى: {فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} يقال: ~~لهث الكلب يلهث لهثا: إذا أدلع لسانه. قال مجاهد: هو مثل الذي يقرأ الكتاب ~~ولا يعمل به. # والمعنى: إن هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته لم يهتد، فالحالتان ~~عنده سواء، كحالتي الكلب: إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثا، وإن ترك وربض ~~كان لاهثا. قال القتيبي: كل شيء يلهث إنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب، ~~فإنه يلهث في حال الكلال وفي حال الراحة وفي حال العطش، فضربه الله مثلا ~~لمن كذب بآياته فقال: إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته ~~لهث، وإن تركته على حاله لهث، نظيره قوله تعالى: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا ~~يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) [الأعراف-193] ، ثم عم بهذا ~~التمثيل جميع من يكذب بآيات الله فقال: {ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ~~فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} وقيل: هذا مثل لكفار مكة وذلك أنهم كانوا ~~يتمنون هاديا يهديهم ويدعوهم إلى طاعة الله، فلما جاءهم نبي لا يشكون في ~~صدقه كذبوه فلم يهتدوا تركوا أو دعوا. ### || # {ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) من يهد ~~الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) } # {ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا} أي: بئس مثل القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا، وتقديره: ساء مثلا مثل القوم، فحذف مثل وأقيم القوم مقامه فرفع، ~~{وأنفسهم كانوا يظلمون} PageV03P305 ### || # {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ms0998 ولهم ~~أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل ~~أولئك هم الغافلون (179) ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين ~~يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (180) } # {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} أخبر الله تعالى أنه خلق كثيرا ~~من الجن والإنس للنار، وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة، ومن ~~خلقه الله لجهنم فلا حيلة له في الخلاص منها. # أخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد بن علي الصيرفي، أنا أبو محمد ~~الحسن بن أحمد المخلدي، أنا أحمد بن محمد بن أبي حمزة البلخي، حدثنا موسى ~~بن محمد بن الحكم الشطوي، حدثنا حفص بن غياث، عن طلحة بن يحيى، عن عائشة ~~بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم جنازة ~~صبي من صبيان الأنصار، فقالت عائشة: طوبى له عصفور من عاصفير الجنة، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما يدريك؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها ~~أهلا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم" ~~(1) . وقيل: اللام في قوله "لجهنم" لام العاقبة، أي: ذرأناهم، وعاقبة أمرهم ~~جهنم، كقوله تعالى: "فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا" (القصص 8) ، ~~ثم وصفهم فقال: {لهم قلوب لا يفقهون بها} أي لا يعلمون بها الخير والهدى. ~~{ولهم أعين لا يبصرون بها} طريق الحق وسبيل الرشاد، {ولهم آذان لا يسمعون ~~بها} مواعظ القرآن فيتفكرون فيها ويعتبرون بها، ثم ضرب لهم مثلا في الجهل ~~والاقتصار على الأكل والشرب، فقال: {أولئك كالأنعام بل هم أضل} أي: ~~كالأنعام في أن همتهم في الأكل والشرب والتمتع بالشهوات، بل هم أضل لأن ~~الأنعام تميز بين المضار والمنافع، فلا تقدم على المضار، وهؤلاء يقدمون على ~~النار معاندة، مع العلم بالهلاك، {أولئك هم الغافلون} # قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} قال مقاتل: وذلك أن رجلا ~~دعا الله في صلاته ودعا الرحمن، فقال بعض مشركي مكة: إن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه يدعون ms0999 (2) أنهم يعبدون ربا PageV03P306 # واحدا، فما بال هذا يدعو اثنين؟ فأنزل الله عز وجل: "ولله الأسماء الحسنى ~~فادعوه بها". والحسنى تأنيث الأحسن كالكبرى والصغرى، فادعوه بها. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد ~~الله بن بشران، أنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، أنا أحمد بن منصور ~~المرادي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، ~~من أحصاها دخل الجنة إنه وتر يحب الوتر" (1) . # {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} قرأ حمزة: "يلحدون" -بفتح الياء والحاء ~~حيث كان -وافقه الكسائي في النحل، والباقون بضم الياء وكسر الحاء، ومعنى ~~الإلحاد هو: الميل عن [المقصد] (2) يقال: ألحد يلحد إلحادا، ولحد يلحد ~~لحودا: إذا مال. قال يعقوب بن السكيت: الإلحاد هو العدول عن الحق، وإدخال ~~ما ليس منه فيه، يقال: ألحد في الدين، ولحد، وبه قرأ حمزة. # {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} هم المشركون عدلوا بأسماء الله تعالى عما ~~هي عليه، فسموا بها أوثانهم فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من "الله" والعزى ~~من "العزيز"، ومناة من "المنان"، هذا قول ابن عباس ومجاهد. # وقيل: هو تسميتهم الأصنام آلهة. وروي عن ابن عباس: يلحدون في أسمائه أي ~~يكذبون. وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته بما لم يسم به، ~~ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وجملته: أن أسماء الله تعالى على التوقيف 141/ب فإنه يسمى جوادا ولا يسمى ~~سخيا، وإن كان في معنى الجواد، ويسمى رحيما ولا يسمى رفيقا، ويسمى عالما ~~ولا يسمى عاقلا وقال تعالى: "يخادعون الله وهو خادعهم" (النساء 142) وقال ~~عز من قائل: "ومكروا ومكر الله" (آل عمران-54) ، ولا يقال في الدعاء: يا ~~مخادع، يا مكار، بل يدعى بأسمائه التي ورد بها التوقيف على وجه التعظيم، ~~فيقال: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا عزيز، يا كريم ونحو ذلك. {سيجزون ما ~~كانوا ms1000 يعملون} في الآخرة. PageV03P307 ### || # {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) والذين كذبوا بآياتنا ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) وأملي لهم إن كيدي متين (183) أولم ~~يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) } # قوله تعالى: {وممن خلقنا أمة} أي: عصابة، {يهدون بالحق وبه يعدلون} قال ~~عطاء عن ابن عباس: يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم المهاجرون ~~والتابعون لهم بإحسان. وقال قتادة: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا قرأ هذه الآية قال: "هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها، ومن قوم ~~موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثني الوليد، حدثني ابن جابر، ~~وهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني عمير بن هانئ أنه سمع معاوية رضي ~~الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تزال من أمتي ~~أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ~~وهم على ذلك" (2) . وقال الكلبي: هم من جميع الخلق. # {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} قال عطاء: سنمكر بهم ~~من حيث لا يعلمون. وقيل: نأتيهم من مأمنهم، كما قال: "فأتاهم الله من حيث ~~لم يحتسبوا" (الحشر-2) ، قال الكلبي: يزين لهم أعمالهم ويهلكهم. وقال ~~الضحاك: كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة. قال سفيان الثوري: نسبغ عليهم ~~النعمة وننسيهم الشكر. قال أهل المعاني: الاستدراج أن يتدرج إلى الشيء في ~~خفية قليلا قليلا فلا يباغت ولا يجاهر، ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه ~~في المشي، ومنه درج الكتاب إذا طواه شيئا بعد شيء. # {وأملي لهم} أي: أمهلهم وأطيل لهم مدة عمرهم ليتمادوا في المعاصي، {إن ~~كيدي متين} أي: إن أخذي قوي شديد، قال ابن عباس: إن مكري شديد. قيل: نزلت ~~في المستهزئين، فقتلهم الله في ليلة واحدة. PageV03P308 # قوله تعالى: {أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة} قال قتادة ms1001 ذكر لنا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قام على الصفا ليلا فجعل يدعو قرشا فخذا فخذا: يا ~~بني فلان، يا بني فلان، يحذرهم بأس الله ووقائعه، فقال قائلهم: إن صاحبكم ~~هذا لمجنون، بات يصوت إلى الصباح، فأنزل الله تعالى: "أولم يتفكروا ما ~~بصاحبهم" (1) محمد صلى الله عليه وسلم: {من جنة} جنون، {إن هو} ما هو، {إلا ~~نذير مبين} ثم حثهم على النظر المؤدي إلى العلم فقال: ### || # {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) من يضلل الله فلا هادي له ~~ويذرهم في طغيانهم يعمهون (186) يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما ~~علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم ~~إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون (187) } # {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله} فيهما {من شيء} أي: ~~وينظروا إلى ما خلق الله من شيء ليستدلوا بها على وحدانيته. {وأن عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم} أي: لعل أن يكون قد اقترب أجلهم فيموتوا قبل أن ~~يؤمنوا ويصيروا إلى العذاب، {فبأي حديث بعده يؤمنون} أي: بعد القرآن ~~يؤمنون. يقول: بأي كتاب غير ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يصدقون، ~~وليس بعده نبي ولا كتاب، ثم ذكر علة إعراضهم عن الإيمان فقال: # {من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم} قرأ أهل البصرة وعاصم بالياء ورفع ~~الراء، وقرأ حمزة والكسائي بالياء وجزم الراء، لأن ذكر الله قد مر قبله، ~~وجزم الراء مردود على "يضلل" وقرأ الآخرون: بالنون ورفع الراء على أنه كلام ~~مستأنف. {في طغيانهم يعمهون} يترددون متحيرين. # قوله تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} قال قتادة: قالت قريش لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة؟ ~~فأنزل الله تعالى: "يسئلونك عن الساعة" (2) يعني: القيامة، {أيان مرساها} ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: ms1002 منتهاها. وقال قتادة: قيامها، وأصله الثبات، ~~أي: مثبتها؟ {قل} يا محمد {إنما علمها عند ربي} استأثر بعملها ولا يعلمها ~~إلا هو، {لا يجليها} PageV03P309 # لا يكشفها ولا يظهرها. وقال مجاهد: لا يأتي بها، {لوقتها إلا هو ثقلت في ~~السماوات والأرض} يعني: ثقل علمها وخفي أمرها على أهل السموات والأرض، وكل ~~خفي ثقيل. قال الحسن: يقول إذا جاء ثقلت وعظمت على أهل السموات والأرض، {لا ~~تأتيكم إلا بغتة} فجأة على غفلة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو ~~الزناد عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال "لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا ~~يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن ~~الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه ~~فلا يطعمها" (1) . # {يسألونك كأنك حفي عنها} أي: عالم بها من قولهم أحفيت في المسألة، أي: ~~بالغت فيها، معناه: كأنك بالغت في السؤال عنها حتى علمتها، {قل إنما علمها ~~عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أن علمها عند الله حتى سألوا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم عنها. PageV03P310 ### || # {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) ~~} # {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: إن أهل مكة قالوا: يا محمد، ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن ~~يغلو فتشتريه وتربح فيه عند الغلاء؟ وبالأرض التي يريد أن تجذب فترتحل منها ~~إلى ما قد أخصبت؟ فأنزل الله تعالى "قل لا أملك لنفسي نفعا" (1) أي: لا ~~أقدر لنفسي نفعا، أي: اجتلاب نفع بأن أربح ولا ضرا، أي دفع ضر بأن أرتحل من ~~أرض تريد أن تجدب إلا ما شاء ms1003 الله أن أملكه. # {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} أي: لو كنت أعلم ~~الخصب والجدب لاستكثرت من الخير، أي: من المال لسنة القحط {وما مسني السوء} ~~أي: الضر والفقر والجوع. PageV03P310 # وقال ابن جريج: "قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا" يعني: الهدى والضلالة، ~~(ولو كنت أعلم الغيب) أي: متى أموت، لاستكثرت من الخير، يعني: من العمل ~~الصالح وما مسني السوء. # قال ابن زيد: واجتنبت ما يكون من الشر واتقيته. # وقيل: معناه ولو كنت أعلم الغيب أي متى الساعة لأخبرتكم حتى تؤمنوا وما ~~مسني السوء بتكذيبكم. وقيل: ما مسني السوء: ابتداء، يريد: وما مسني الجنون ~~لأنهم كانوا ينسبونه إلى الجنون. {إن أنا إلا نذير} لمن لا يصدق بما جئت ~~به، {وبشير} بالجنة، {لقوم يؤمنون} يصدقون. ### || # {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها ~~حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ~~لنكونن من الشاكرين (189) فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ~~فتعالى الله عما يشركون (190) } # قوله تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} يعني: آدم، {وجعل} وخلق {منها ~~زوجها} يعني: حواء، {ليسكن إليها} ليأنس بها ويأوي إليها 142/أ {فلما ~~تغشاها} أي: واقعها وجامعها {حملت حملا خفيفا} وهو أول ما تحمل المرأة من ~~النطفة يكون خفيفا عليها، {فمرت به} أي: استمرت به وقامت وقعدت به، لم ~~يثقلها، {فلما أثقلت} أي: كبر الولد في بطنها وصارت ذات ثقل بحملها ودنت ~~ولادتها، {دعوا الله ربهما} يعني آدم وحواء، {لئن آتيتنا} يا ربنا {صالحا} ~~أي: بشرا سويا مثلنا، {لنكونن من الشاكرين} قال المفسرون: فلما حملت حواء ~~أتاها إبليس في صورة رجل، فقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري. قال: ~~إني أخاف أن يكون بهمية، أو كلبا، أو خنزيرا، وما يدريك من أين يخرج؟ من ~~دبرك فيقتلك، أو من [قبلك] (1) وينشق بطنك، فخافت حواء من ذلك، وذكرت ذلك ~~لآدم عليه السلام فلم يزالا في هم من ذلك، ثم عاد ms1004 إليها فقال: إني من الله ~~بمنزلة، فإن دعوت الله أن يجعله خلقا سويا مثلك ويسهل عليك خروجه تسميه عبد ~~الحارث؟ -وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث -فذكرت ذلك لآدم، فقال: لعله ~~صاحبنا الذي قد علمت، فعاودها إبليس، فلم يزل بهما حتى غرهما، فلما ولدت ~~سمياه PageV03P311 # عبد الحارث (1) . # قال الكلبي: قال إبليس لها: إن دعوت الله فولدت إنسانا أتسمينه بي؟ قالت: ~~نعم، فلما ولدت قال سميه بي، قالت: وما اسمك قال الحارث، ولو سمى لها نفسه ~~لعرفته فسمته عبد الحارث. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت حواء تلد لآدم فيسميه عبد ~~الله، وعبيد الله PageV03P312 # وعبد الرحمن، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس وقال: إن سركما أن يعيش لكما ~~ولد فسمياه عبد الحارث، فولدت فسمياه عبد الحارث فعاش. وجاء في الحديث: ~~"خدعهما إبليس مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض". # وقال ابن زيد: ولد لآدم ولد فسماه عبد الله فأتاهما إبليس فقال لهما: ما ~~سميتما ابنكما؟ قالا عبد الله -وكان قد ولد لهما قبل ذلك ولد فسمياه عبد ~~الله فمات -فقال إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما، لا والله ليذهبن ~~به كما ذهب بالآخر، ولكن أدلكم على اسم يبقى لكما ما بقيتما، فسمياه عبد ~~شمس. والأول أصح، فذلك قوله: {فلما آتاهما صالحا} # {فلما آتاهما صالحا} بشرا سويا {جعلا له شركاء فيما آتاهما} قرأ أهل ~~المدينة وأبو بكر: "شركا" بكسر الشين والتنوين، أي: شركة. قال أبو عبيدة: ~~أي حظا ونصيبا، وقرأ الآخرون: "شركاء" بضم الشين ممدودا على جمع شريك، ~~يعني: إبليس، أخبر عن الواحد بلفظ الجمع. أي: جعلا له شريكا إذ سمياه عبد ~~الحارث، ولمن يكن هذا إشراكا في العبادة ولا أن الحارث ربهما، فإن آدم كان ~~نبيا معصوما من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة ~~أمه، وقد يطلق اسم # PageV03P313 # العبد على من لا يراد به أنه مملوك، كما يطلق اسم الرب على ما لا يراد به ~~أنه معبود هذا، كالرجل إذا نزل به ضيف يسمي ms1005 نفسه عبد الضيف، على وجه الخضوع ~~لا على أن الضيف ربه، ويقول للغير: أنا عبدك. وقال يوسف لعزيز مصر: إنه ~~ربي، ولم يرد به أنه معبوده، كذلك هذا. # وقوله: {فتعالى الله عما يشركون} قيل: هذا ابتداء كلام وأراد به إشراك ~~أهل مكة، ولئن أراد به ما سبق فمستقيم من حيث أنه كان الأولى بهما أن لا ~~يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم. # وفي الآية قول آخر: وهو أنه راجع إلى جميع المشركين من ذرية آدم، وهو قول ~~الحسن وعكرمة، ومعناه: جعل أولادهما شركاء، فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم، ~~كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تعييرهم بفعل الآباء فقال: "ثم اتخذتم ~~العجل"، "وإذ قتلتم نفسا" خاطب به اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وكان ذلك الفعل من آبائهم. وقيل: هم اليهود والنصارى، ~~رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا، وقال ابن كيسان: هم الكفار سموا أولادهم ~~عبد العزى وعبد اللات وعبد مناة ونحوه. وقال عكرمة: خاطب كل واحد من الخلق ~~بقوله خلقكم أي خلق كل واحد من أبيه وجعل منها زوجها، أي: جعل من جنسها ~~زوجها، وهذا قول حسن، لولا قول السلف مثل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ~~ومجاهد وسعيد بن المسيب وجماعة المفسرين أنه في آدم وحواء. ### || # {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) ولا يستطيعون لهم نصرا ولا ~~أنفسهم ينصرون (192) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم ~~أم أنتم صامتون (193) إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم ~~فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين (194) } # قال الله تعالى: {أيشركون ما لا يخلق شيئا} يعني: إبليس والأصنام، {وهم ~~يخلقون} أي: هم مخلوقون. # {ولا يستطيعون لهم نصرا} أي: الأصنام لا تنصر من أطاعها، {ولا أنفسهم ~~ينصرون} قال الحسن: لا يدفعون عن أنفسهم مكروه من أراد بهم بكسر أو نحوه ثم ~~خاطب المؤمنين فقال: {وإن تدعوهم إلى الهدى} # PageV03P314 # {وإن تدعوهم إلى الهدى} إن تدعوا المشركين إلى الإسلام، {لا يتبعوكم} قرأ ~~نافع بالتخفيف وكذلك: "يتبعهم الغاوون" ms1006 في الشعراء (الآية 224) وقرأ ~~الآخرون بالتشديد فيهما وهما لغتان، يقال: تبعه تبعا وأتبعه إتباعا. {سواء ~~عليكم أدعوتموهم} إلى الدين، {أم أنتم صامتون} عن دعائهم لا يؤمنون، كما ~~قال: "سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون" (البقرة-6) وقيل: "وإن ~~تدعهم إلى الهدى" يعني: الأصنام، لا يتبعوكم لأنها غير عاقلة. # {إن الذين تدعون من دون الله} يعني الأصنام، {عباد أمثالكم} يريد أنها ~~مملوكة أمثالكم. وقيل: أمثالكم في التسخير، أي: أنهم مسخرون مذللون لما ~~أريد منهم. قال مقاتل: قوله "عباد أمثالكم" أراد به الملائكة، والخطاب مع ~~قوم كانوا يعبدون الملائكة. والأول أصح. # {فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين} أنها آلهة، قال ابن عباس: ~~فاعبدوهم، هل يثيبونكم أو يجاوزونكم إن كنتم صادقين أن لكم عندها منفعة؟ ثم ~~بين عجزهم فقال: {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها} ### || # {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم ~~لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (195) } # {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196) والذين تدعون من ~~دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (197) وإن تدعوهم إلى الهدى لا ~~يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198) خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض ~~عن الجاهلين (199) } # {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها} قرأ أبو جعفر بضم الهاء هنا ~~وفي القصص والدخان، وقرأ الآخرون بكسر الطاء، {أم لهم أعين يبصرون بها أم ~~لهم آذان يسمعون بها} أراد أن قدرة المخلوقين تكون بهذه الجوارح والآلات، ~~وليست للأصنام هذه الآلات، فأنتم مفضلون عليها بالأرجل الماشية والأيدي ~~الباطشة والأعين الباصرة والآذان السامعة، فكيف تعبدون من أنتم أفضل وأقدر ~~منهم؟ {قل ادعوا شركاءكم} يا معشر المشركين، {ثم كيدون} أنتم وهم، {فلا ~~تنظرون} أي: لا تمهلوني واعجلوا في كيدي. # قوله: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب} يعني القرآن، أي أنه يتولاني ~~وينصرني كما أيدني بإنزال الكتاب، {وهو يتولى الصالحين} قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: يريد الذين لا يعدلون ms1007 # PageV03P315 # بالله شيئا فالله يتولاهم بنصره فلا يضرهم عداوة من عاداهم 142/ب # {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا} يعني الأصنام، {وتراهم} يا محمد ~~{ينظرون إليك} يعني الأصنام، {وهم لا يبصرون} وليس المراد من النظر حقيقة ~~النظر، إنما المراد منه: المقابلة، تقول العرب: داري تنظر إلى دارك، أي: ~~تقابلها. وقيل: وتراهم ينظرون إليك أي: كأنهم ينظرون إليك، كقوله تعالى: ~~"وترى الناس سكارى" (الحج 2) ، أي: كأنهم سكارى هذا قول [أكثر] (1) ~~المفسرين. وقال الحسن: "وإن تدعوهم إلى الهدى" يعني: المشركين لا يسمعوا ~~ولا يعقلوا ذلك بقلوبهم، وتراهم ينظرون إليك بأعينهم وهم لا يبصرون ~~بقلوبهم. # قوله تعالى: {خذ العفو} قال عبد الله بن الزبير: أمر الله نبيه عليه ~~الصلاة والسلام أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وقال مجاهد: خذ العفو يعني ~~العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس، وذلك مثل قبول الاعتذار والعفو ~~والمساهلة وترك البحث عن الأشياء ونحو ذلك. # وروي أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ~~"ما هذا؟ قال لا أدري حتى أسأله، ثم رجع فقال: إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك ~~وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك" (2) . # وقال ابن عباس رضي الله عنهما والسدي والضحاك والكلبي: يعي خذ ما عفا لك ~~من الأموال وهو الفضل عن العيال، وذلك معنى قوله: "يسألونك ماذا ينفقون قل ~~العفو" (البقرة-219) ، ثم نسخت هذه بالصدقات المفروضات. قوله تعالى: {وأمر ~~بالعرف} أي: بالمعروف، وهو كل ما يعرفه الشرع. وقال عطاء: وأمر بالعرف يعني ~~بلا إله إلا الله. {وأعرض عن الجاهلين} أبي جهل وأصحابه، نسختها آية السيف. ~~وقيل: إذا تسفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه، وذلك مثل قوله: "وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما" (الفرقان-63) ، وذلك سلام المتاركة. قال جعفر ~~الصادق: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن ~~آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية. PageV03P316 # أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد [الجرجاني] (1) ثنا أبو القاسم علي بن أحمد ~~الخزاعي، ثنا الهيثم بن كليب، ثنا أبو عيسى الترمذي، ms1008 ثنا محمد بن بشار، ثنا ~~محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الله الجدلي عن عائشة ~~رضي الله عنها أنها قالت: "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا ~~متفحشا ولا سخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح" ~~(2) . # ثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي ثنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان ~~الواعظ ثنا عماد بن محمد البغدادي ثنا أحمد بن محمد عن سعيد الحافظ ثنا ~~محمد بن إسماعيل ثنا عمر بن إبراهيم يعني الكوفي ثنا يوسف بن محمد بن ~~المنكدر عن أبيه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق وإتمام محاسن الأفعال" (3) . ### || # {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) } # قوله تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ} أي: يصيبك ويعتريك ويعرض لك من ~~الشيطان نزغ نخسة، والنزغ من الشيطان الوسوسة. وقال الزجاج: النزغ أدنى ~~حركة تكون من الآدمي، ومن الشيطان أدنى وسوسة. وقال عبد الرحمن بن زيد: لما ~~نزلت هذه الآية: "خذ العفو"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كيف يا رب ~~والغضب"؟ فنزل: "وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله" (4) أي: استجر ~~بالله {إنه سميع عليم} # {إن الذين اتقوا} يعني المؤمنين، {إذا مسهم طائف من الشيطان} قرأ ابن ~~كثير وأهل البصرة والكسائي: "طيف"، وقرأ الآخرون "طائف" بالمد والهمز، وهما ~~لغتان كالميت والمائت، ومعناهما: الشيء يلم بك. وفرق قوم بينهما، فقال أبو ~~عمرو: الطائف ما يطوف حول الشيء والطيف: اللمة والسوسة، وقيل: الطائف ما ~~طاف به من وسوسة الشيطان، والطيف اللمم والمس. PageV03P317 # {تذكروا} عرفوا، قال سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله ~~تعالى فيكظم الغيظ. وقال مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب فيذكر الله فيدعه. ~~{فإذا هم مبصرون} أي يبصرون مواقع خطاياهم بالتذكر والتفكر. قال السدي: إذا ~~زلوا تابوا. وقال مقاتل: إن ms1009 المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان تذكر وعرف أنه ~~معصية، فأبصر فنزغ عن مخالفة الله. ### || # {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (202) وإذا لم تأتهم بآية قالوا ~~لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون (203) وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ~~(204) } # قوله: {وإخوانهم يمدونهم} يعني إخوان الشياطين من المشركين يمدونهم، أي: ~~يمدهم الشيطان. قال الكلبي: لكل كافر أخ من الشياطين. {في الغي} أي: يطلبون ~~هم الإغواء حتى يستمروا عليه. وقيل: يزيدونهم في الضلالة. وقرأ أهل ~~المدينة: "يمدونهم" بضم الياء وكسر الميم، من الإمداد، والآخرون: بفتح ~~الياء وضم الميم وهما لغتان بمعنى واحد. {ثم لا يقصرون} أي: لا يكفون. قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا ~~الشياطين يمسكون عنهم، فعلى هذا قوله: "ثم لا يقصرون" من فعل المشركين ~~والشياطين جميعا. قال الضحاك ومقاتل: يعني المشركين لا يقصرون عن الضلالة ~~ولا يبصرونها، بخلاف ما قال في المؤمنين: "تذكروا فإذا هم مبصرون". # {وإذا لم تأتهم بآية} يعني: إذا لم تأت المشركين بآية، {قالوا لولا ~~اجتبيتها} هلا افتعلتها وأنشأتها من قبل نفسك واختيارك؟ تقول العرب: اجتبيت ~~الكلام إذا اختلقته. قال الكلبي: كان أهل مكة يسألون النبي صلى الله عليه ~~وسلم الآيات تعنتا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا: لولا اجتبيتها؟ أي: هلا ~~أحدثتها وأنشأتها من عندك؟ {قل} لهم يا محمد {إنما أتبع ما يوحى إلي من ~~ربي} ثم قال: {هذا} يعني: القرآن {بصائر} حجج وبيان وبرهان {من ربكم} ~~واحدتها بصيرة، وأصلها ظهور الشيء واستحكامه حتى يبصره الإنسان، فيهتدي به ~~يقول: هذا دلائل تقودكم إلى الحق. {وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} # قوله عز وجل: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} ~~اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فذهب جماعة إلى أنها في القراءة في الصلاة، ~~روي عن أبي هريرة كانوا يتكلمون 143/أ # PageV03P318 # في الصلاة بحوائجهم فأمروا بالسكوت والاستماع إلى قراءة القرآن (1) . ~~وقال قوم: نزلت في ترك الجهر بالقراءة ms1010 خلف الإمام (2) . # وروى زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في رفع ~~الأصوات وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة (3) . # وقال الكلبي: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة ~~والنار (4) . # وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سمع ناسا يقرأون مع الإمام فلما انصرف ~~قال: أما آن لكم أن تفقهوا وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا كما أمركم ~~الله (5) ؟ وهذا قول الحسن والزهري والنخعي: أن الآية في القراءة في ~~الصلاة. # وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد: إن الآية في الخطبة، أمروا بالإنصات ~~لخطبة الإمام يوم الجمعة (6) . # وقال سعيد بن جبير: هذا في الإنصات يوم الأضحى والفطر ويوم الجمعة، وفيما ~~يجهر به الإمام (7) . # وقال عمر بن عبد العزيز: [يجب] (8) الإنصات لقول كل واعظ. PageV03P319 # والأول أولاها، وهو أنها في القراءة في الصلاة لأن الآية مكية والجمعة ~~وجبت بالمدينة (1) . واتفقوا على أنه مأمور بالإنصات حالة ما يخطب الإمام. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ثنا أبو ~~العباس الأصم ثنا الربيع ثنا الشافعي ثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قلت لصاحبك أنصت ~~والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت" (2) . # واختلف أهل العلم في القراءة خلف الإمام في الصلاة: فذهب جماعة إلى ~~إيحابها سواء جهر الإمام بالقراءة أو أسر. روي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، ~~وابن عباس، ومعاذ، وهو قول الأوزاعي والشافعي. # وذهب قوم إلى أنه يقرأ فيما أسر الإمام فيه بالقراءة ولا يقرأ إذا جهر، ~~يروى ذلك عن ابن عمر، وهو قول عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وبه قال ~~الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق. # وذهب قوم إلى أنه لا يقرأ سواء أسر الإمام أو جهر، يروى ذلك عن جابر، وبه ~~قال الثوري وأصحاب الرأي (3) ويتمسك من لا يرى القراءة خلف الإمام بظاهر ~~هذه الآية، ومن أوجبها قال الآية في غير الفاتحة وإذا قرأ الفاتحة ms1011 يتبع ~~سكتات الإمام ولا ينازع الإمام في القراءة. # والدليل عليه: ما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، ثنا أبو محمد ~~عبد الجبار بن محمد الجراحي، ثنا أبو العباس المحبوبي، ثنا أبو عيسى ~~الترمذي، ثنا هناد، ثنا عبدة بن سليمان، عن PageV03P320 # محمد بن إسحاق عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت رضي ~~الله عنه، قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة، ~~فلما انصرف قال: "إني أراكم تقرأون وراء إمامكم"؟ قال: قلنا يا رسول الله ~~إي والله، قال: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" ~~(1) . ### || # {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا ~~تكن من الغافلين (205) إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه ~~وله يسجدون (206) } # قوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك} قال ابن عباس: يعني بالذكر: القراءة في ~~الصلاة، يريد يقرأ سرا في نفسه، {تضرعا وخيفة} خوفا، أي: تتضرع إلي وتخاف ~~مني هذا في صلاة السر. وقوله: {ودون الجهر من القول} أراد في صلاة الجهر لا ~~تجهر جهرا شديدا، بل في خفض وسكون، يسمع من خلفك، وقال مجاهد وابن جريج: ~~أمر أن يذكروه في الصدور بالتضرع إليه في الدعاء والاستكانة دون رفع الصوت ~~والصياح بالدعاء {بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين} أي: بالبكر ~~والعشيات، واحد آصال: أصيل مثل يمين وأيمان، وهو ما بين العصر والمغرب. # {إن الذين عند ربك} يعني: الملائكة المقربين بالفضل والكرامة، {لا ~~يستكبرون} لا يتكبرون، {عن عبادته ويسبحونه} وينزهونه ويذكرونه، فيقولون: ~~سبحان الله. {وله يسجدون} # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنبأنا أحمد بن الحسن الحيري، أنبأنا ~~حاجب بن أحمد الطوسي، ثنا عبد الرحيم بن منيب، ثنا يعلى بن عبيد عن الأعمش، ~~عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قرأ ~~ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، فيقول: يا ويله أمر هذا بالسجود ~~فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار" ms1012 (2) # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ثنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~ثنا أبو جعفر PageV03P321 # محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، ثنا حميد بن زنجويه، ثنا محمد بن ~~يوسف، ثنا الأوزاعي، عن الوليد بن هشام، عن معدان قال: سألت ثوبان مولى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: حدثني حديثا ينفعني الله به، قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه ~~الله بها درجة وحط عنه بها سيئة" (1) . PageV03P322 ### | سورة الأنفال # مدنية وهي خمس وسبعون آية قيل: إلا سبع آيات من قوله: «وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا» إلى آخر سبع آيات فإنها نزلت بمكة والأصح أنها نزلت بالمدينة، وإن ~~كانت الواقعة بمكة. ### || # {يسألونك عن الأنفال # قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ~~ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) } # {يسألونك عن الأنفال} الآية، قال أهل التفسير: سبب نزول هذه الآية هو أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: "من أتى مكان كذا فله من النفل كذا ~~ومن قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا"، فلما التقوا تسارع إليه ~~الشبان وأقام الشيوخ ووجوه الناس عند الرايات، فلما فتح الله على المسلمين ~~جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الأشياخ: كنا ردءا ~~لكم ولو انهزمتم لانحزتم إلينا، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا، وقام أبو اليسر ~~بن عمرو الأنصاري أخو بني سلمة فقال: يا رسول الله إنك وعدت أن من قتل ~~قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا وإنا قد قتلنا منهم سبعين وأسرنا منهم ~~سبعين، فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: والله يا رسول الله ما منعنا ~~أن نطلب ما طلب هؤلاء زهادة في الأجر ولا جبن عن العدو، ولكن كرهنا أن نعري ~~مصافك [فيعطف عليه] (1) خيل من المشركين 143/ب فيصيبوك، فأعرض PageV03P323 # عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال سعيد: يا رسول الله إن الناس ~~كثير والغنيمة دون ذلك، ms1013 فإن تعط هؤلاء [الذين] (1) ذكرت لا يبقى لأصحابك ~~كبير شيء، فنزلت: "يسألونك عن الأنفال" (2) . # وقال ابن إسحاق: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما في العسكر فجمع ~~فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا، قد كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نفل كل امرئ ما أصاب، وقال الذين كانوا يقاتلون العدو: لولا نحن ~~ما أصبتموه، وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد ~~رأينا أن نقتل العدو وأن نأخذ المتاع ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كرة العدو، وقمنا دونه فما أنتم بأحق به منا (3) . # وروى مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، ~~قال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، ~~فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بيننا عن بواء -يقول على السواء -وكان في ذلك تقوى ~~الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين (4) . # وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير، وقتلت ~~سعيد بن العاص بن أمية، وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكثيفة، فأعجبني فجئت به ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله إن الله قد شفى صدري من ~~المشركين فهب لي هذا السيف. فقال: ليس هذا لي ولا لك، اذهب فاطرحه في ~~القبض، فطرحته ورجعت، وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلاحي، ~~وقلت: عسى أن يعطى هذا السيف من لم يبل بلائي فما جاوزت إلا قليلا حتى ~~جاءني الرسول، وقد أنزل الله عز وجل: "يسألونك عن الأنفال"، الآية. فخفت أن ~~يكون قد نزل في شيء، فلما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي الآن فاذهب فخذه فهو لك" ~~(5) . PageV03P324 # وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ms1014 كانت المغانم ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء، وما أصاب سرايا ~~المسلمين من شيء أتوه به فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول (1) . # قوله: {يسألونك عن الأنفال} أي: عن حكم الأنفال وعلمها، وهو سؤال استخبار ~~لا سؤال طلب، وقيل: هو سؤال طلب. قاله الضحاك وعكرمة. وقوله: {عن الأنفال} ~~أي: من الأنفال، عن بمعنى من. وقيل: عن صلة أي: يسألونك الأنفال، وهكذا ~~قراءة ابن مسعود بحذف عن. والأنفال: الغنائم، واحدها: نفل، وأصله الزيادة، ~~يقال: نفلتك وأنفلتك، أي: زدتك، سميت الغنائم أنفالا لأنها زيادة من الله ~~تعالى لهذه الأمة على الخصوص. # وأكثر المفسرين على أن الآية في غنائم بدر. وقال عطاء: هي ما شذ من ~~المشركين إلى المسلمين بغير قتال، من عبد أو أمة ومتاع فهو للنبي صلى الله ~~عليه وسلم يصنع به ما شاء. # قوله تعالى: {قل الأنفال لله والرسول} [يقسمها كما شاء] (2) واختلفوا ~~فيه، فقال مجاهد وعكرمة والسدي: هذه الآية منسوخة بقوله عز وجل: "واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول" الآية. كانت الغنائم يومئذ للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فنسخها الله عز وجل بالخمس (3) . # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي ثابتة غير منسوخة، ومعنى الآية: قل ~~الأنفال لله مع الدنيا والآخرة وللرسول يضعها حيث أمره الله تعالى، أي: ~~الحكم فيها لله ولرسوله، وقد بين الله مصارفها في قوله عز وجل: "واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه" الآية (4) . PageV03P325 # {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} أي: اتقوا الله بطاعته وأصلحوا الحال ~~بينكم بترك المنازعة والمخالفة، وتسليم أمر الغنيمة إلى الله والرسول صلى ~~الله عليه وسلم. {وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} ### || # {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4) ~~} # {إنما المؤمنون} يقول ليس المؤمن الذي يخالف الله ورسوله، إنما المؤمنون ~~الصادقون في إيمانهم، {الذين ms1015 إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} خافت وفرقت قلوبهم، ~~وقيل: إذا خوفوا بالله انقادوا خوفا من عقابه. {وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا} تصديقا ويقينا. وقال عمير بن حبيب وكانت له صحبة: إن ~~للإيمان زيادة ونقصانا، قيل: فما زيادته؟ قال: إذا ذكرنا الله عز وجل ~~وحمدناه فذلك زيادته، وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه، وكتب عمر بن عبد ~~العزيز إلى عدي بن عدي: إن للإيمان فرائض وشرائط وشرائع وحدودا وسننا فمن ~~استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. {وعلى ربهم ~~يتوكلون} أي: يفوضون إليه أمورهم ويثقون به ولا يرجون غيره ولا يخافون ~~سواه. # {أولئك هم المؤمنون حقا} يعني يقينا: قال ابن عباس: برئوا من الكفر. قال ~~مقاتل: حقا لا شك في إيمانهم. وفيه دليل على أنه ليس لكل أحد أن يصف نفسه ~~بكونه مؤمنا حقا لأن الله تعالى إنما وصف بذلك قوما مخصوصين على أوصاف ~~مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه. # وقال ابن أبي نجيح: سأل رجل الحسن فقال: أمؤمن أنت؟ فقال: إن كنت تسألني ~~عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث ~~والحساب، فأنا بها مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله: "إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم" الآية، فلا أدري أمنهم أنا أم لا؟ # وقال علقمة: كنا في سفر فلقينا قوما فقلنا: من القوم؟ قالوا: نحن ~~المؤمنون حقا، فلم ندر ما نجيبهم حتى لقينا عبد الله بن مسعود فأخبرناه بما ~~قالوا، قال: فما رددتم عليهم؟ قلنا: لم نرد عليهم # PageV03P326 # شيئا، قال أفلا قلتم أمن أهل الجنة أنتم؟ إن المؤمنين أهل الجنة. # وقال سفيان الثوري: من زعم أنه مؤمن حقا أو عند الله، ثم لم يشهد أنه في ~~الجنة فقد آمن بنصف الآية دون النصف. # {لهم درجات عند ربهم} قال عطاء: يعني درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم. ~~وقال الربيع بن أنس: سبعون درجة ما بين كل درجتين حضر الفرس المئضمر سبعين ~~144/أسنة (1) . {ومغفرة} لذنوبهم {ورزق كريم} حسن يعني ما أعد لهم في ~~الجنة. ms1016 ### || # {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) ~~يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) وإذ ~~يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ~~ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) } # قوله تعالى: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} اختلفوا في الجالب لهذه الكاف ~~التي في قوله {كما أخرجك ربك} قال المبرد: تقديره الأنفال لله وللرسول وإن ~~كرهوا، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن كرهوا. وقيل: تقديره امض لأمر الله ~~في الأنفال وإن كرهوا كما مضيت لأمر الله في الخروج من البيت لطلب العير ~~وهم كارهون. # وقال عكرمة: معناه فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن ذلك خير لكم، كما ~~أن إخراج محمد صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق خير لكم، وإن كرهه فريق ~~منكم. # وقال مجاهد: معناه كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق منهم، كذلك ~~يكرهون القتال ويجادلون فيه. # وقيل: هو راجع إلى قوله: "لهم درجات عند ربهم"، تقديره: وعد [الله] (2) ~~الدرجات لهم حق ينجزه الله عز وجل كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، فأنجز ~~الوعد بالنصر والظفر. PageV03P327 # وقيل: الكاف بمعنى على، تقديره: امض على الذي أخرجك ربك. # وقال أبو عبيدة: هي بمعنى القسم مجازا، والذي أخرجك، لأن "ما" في موضع ~~الذي، وجوابه "يجادلونك"، وعليه يقع القسم، تقديره: يجادلونك والله الذي ~~أخرجك ربك من بيتك بالحق. وقيل: الكاف بمعنى "إذ" تقديره: واذكر إذ أخرجك ~~ربك. # قيل: المراد بهذا الإخراج هو إخراجه من مكة إلى المدينة. والأكثرون على ~~أن المراد منه إخراجه من المدينة إلى بدر، أي: كما أمرك ربك بالخروج من ~~بيتك إلى المدينة بالحق قيل: بالوحي لطلب المشركين {وإن فريقا من المؤمنين} ~~منهم، {لكارهون} # {يجادلونك في الحق} أي: في القتال، {بعد ما تبين} وذلك أن المؤمنين لما ~~أيقنوا بالقتال كرهوا ذلك، وقالوا: لم تعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد ~~لقتالهم، وإنما خرجنا للعير، فذلك جدالهم بعدما تبين لهم أنك لا تصنع ms1017 إلا ~~ما أمرك، وتبين صدقك في الوعد، {كأنما يساقون إلى الموت} لشدة كراهيتهم ~~القتال، {وهم ينظرون} فيه تقديم وتأخير، تقديره: وإن فريقا من المؤمنين ~~لكارهون كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون يجادلونك في الحق بعدما تبين. ~~قال ابن زيد: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يساقون إلى الموت حين ~~يدعون إلى الإسلام لكراهيتهم إياه وهم ينظرون. # قوله تعالى: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} قال ابن عباس وابن ~~الزبير ومحمد بن إسحاق والسدي (1) أقبل أبو سفيان من الشام في عير لقريش في ~~أربعين راكبا من كفار قريش، فيهم: عمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل الزهري، ~~وفيها تجارة كثيرة، وهي اللطيمة (2) حتى إذا كانوا قريبا من بدر، فبلغ ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فندب أصحابه إليه وأخبرهم بكثرة المال وقلة ~~العدد، وقال: هذه عير قريش فيها أموالكم فاخرجوا إليها لعل الله تعالى أن ~~ينفلكموها، فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا. # فلما سمع أبو سفيان بمسير النبي صلى الله عليه وسلم استأجر ضمضم بن عمرو ~~الغفاري، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم ويخبرهم أن محمدا ~~قد عرض لعيرهم في أصحابه، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة. PageV03P328 # وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها ~~فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له: يا أخي والله لقد رأيت ~~الليلة رؤيا أفزعتني وخشيت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم علي ما ~~أحدثك. قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف ~~بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر (1) لمصارعكم في ثلاث، ~~فأرى الناس قد اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله ~~مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها بأعلى صوته ألا انفروا يا آل ~~غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس، فصرخ ms1018 بمثلها، ثم ~~أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت ~~من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلتها منها فلقة (2) . # فقال العباس: والله إن هذه لرؤيا رأيت! فاكتميها ولا تذكريها لأحد. # ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان له صديقا ~~فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت ~~به قريش. # قال العباس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود ~~يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من ~~طوافك فأقبل إلينا، قال: فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: ~~يا بني عبد المطلب متى حدثت هذه النبية فيكم؟ # قلت: وما ذاك؟ # قال: الرؤيا التي رأت عاتكة؟ # قلت: وما رأت؟ # قال: يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟ قد ~~زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن ~~يك ما قالت حقا فسيكون، وإن تمض الثلاث، ولم يكن من ذلك شيء، نكتب عليكم ~~كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب. # فقال العباس: والله ما كان مني إليه كبير إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن ~~تكون رأت شيئا، ثم PageV03P329 # تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت: ~~أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ~~ثم لم تكن عندك غيرة لشيء مما سمعت؟ # قال: قلت والله قد فعلت ما كان مني إليه من كثير، وأيم الله لأتعرضن له ~~فإن عاد لأكفينكه. # قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أن قد ~~فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه، قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني ~~لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلا خفيفا، حديد ~~الوجه، حديد اللسان، حديد النظر، إذ خرج نحو باب المسجد ms1019 يشتد. # قال: قلت في نفسي: ما له لعنه الله؟ أكل هذا فرقا 144/ب مني أن أشاتمه؟ ~~قال: فإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عمرو، وهو يصرخ ببطن الوادي ~~واقفا على بعيره، وقد جدع بعيره (1) وحول رحله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر ~~قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا ~~أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر، ~~فتجهز الناس سراعا فلم يتخلف من أشراف قريش أحد إلا أن أبا لهب قد تخلف ~~وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة. # فلما اجتمعت قريش للمسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة بن ~~كنانة بن الحارث، فقالوا: نخشى أن يأتونا من خلفنا فكاد ذلك أن يثنيهم، ~~فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وكان من أشراف بني بكر، ~~فقال: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه. # فخرجوا سراعا، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، في ليال مضت ~~من شهر رمضان، حتى إذا بلغ واديا يقال له ذفران، فأتاه الخبر عن مسير قريش ~~ليمنعوا عيرهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالروحاء ~~أخذ عينا للقوم فأخبره بهم. # وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا عينا له من جهينة حليفا للأنصار ~~يدعى عبد الله بن أريقط فأتاه بخبر القوم وسبقت العير رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فنزل جبريل وقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما ~~قريشا، وكانت العير أحب إليهم، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في ~~طلب العير وحرب النفير، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ~~ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض PageV03P330 # لما أراك الله فنحن معك فوالله ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ~~اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب أنت ms1020 وربك فقاتلا ~~إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد يعني ~~مدينة الحبشة، لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خيرا ودعا له بخير. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشيروا علي أيها الناس" وإنما ~~يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا ~~رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ~~ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا على من دهمه بالمدينة ~~من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. # فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ: والله ~~لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ # قال: أجل. # قال: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئتنا به هو الحق أعطيناك على ذلك ~~[عهودا ومواثيق] (1) على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي ~~بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل ~~واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر عند الحرب صدق في اللقاء ~~ولعل الله تعالى يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: "سيروا على بركة الله ~~وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى ~~مصارع القوم". # قال ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا مصرع فلان ~~وهذا مصرع فلان"، قال ويضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا، قال فما ماط أحد عن ~~موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: {وإذ يعدكم الله ~~إحدى الطائفتين أنها لكم} أي: الفريقين إحداهما أبو سفيان مع العير والأخرى ~~أبو جهل مع النفير. # {وتودون} أي: تريدون ms1021 {أن غير ذات الشوكة تكون لكم} يعني العير التي ليس ~~فيها قتال. والشوكة: الشدة والقوة. ويقال السلاح. PageV03P331 # {ويريد الله أن يحق الحق} أي يظهره ويعليه، {بكلماته} بأمره إياكم ~~بالقتال. وقيل [بعداته] (1) التي سبقت من إظهار الدين وإعزازه، {ويقطع دابر ~~الكافرين} أي: يستأصلهم حتى لا يبقى منهم أحد، يعني: كفار العرب. ### || # {ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) } # {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (9) } # {ليحق الحق} ليثبت الإسلام، {ويبطل الباطل} أي: يفني الكفر {ولو كره ~~المجرمون} المشركون. وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة ليلة من شهر ~~رمضان. # قوله تعالى: {إذ تستغيثون ربكم} تستجيرون به من عدوكم وتطلبون منه الغوث ~~والنصر. روي عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لما كان يوم ~~بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، وهم ألف وأصحابه ~~ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا دخل العريش هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه، ~~واستقبل القبلة ومد يده فجعل يهتف بربه عز وجل: اللهم أنجز لي ما وعدتني، ~~اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال ~~يهتف بربه عز وجل مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأخذ أبو بكر رداءه ~~فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك منا شدتك ~~ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله عز وجل "إذ تستغيثون ربكم" (1) ~~{فاستجاب لكم أني ممدكم} مرسل إليكم مددا وردءا لكم، {بألف من الملائكة ~~مردفين} قرأ أهل المدينة ويعقوب "مردفين" بفتح الدال، أي: أردف الله ~~المسلمين وجاء بهم مددا. وقرأ الآخرون بكسر الدال، أي: متتابعين بعضهم في ~~إثر بعض، يقال: أردفته وردفته بمعنى تبعته. # يروى أنه نزل جبريل في خمسمائة وميكائيل في خمسمائة في [صورة] (2) الرجال ~~على خيل بلق عليهم ثياب بيض وعلى رءوسهم عمائم بيض، قد أرخوا أطرافها بين ~~أكتافهم (3) . # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ناشد ربه عز وجل وقال ms1022 أبو بكر: إن ~~الله منجز لك ما وعدك فخفق رسول PageV03P332 # الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ثم انتبه، فقال: "يا أبا بكر ~~أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده على ثناياه النقع" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا إبراهيم بن موسى، ثنا عبد الوهاب، ثنا ~~خالد، عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: ~~"هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب" (2) . # وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم ~~بيض ويوم حنين عمائم خضر، ولم تقاتل الملائكة 145/أفي يوم سوى يوم بدر من ~~الأيام، وكانوا يكونون فيما سواه عددا ومددا (3) . # وروي عن أبي أسيد مالك بن ربيعة قد شهد بدرا أنه قال بعدما ذهب بصره: لو ~~كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة (4) . ### || # {وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن ~~الله عزيز حكيم (10) إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ~~ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ~~(11) إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) } # قوله تعالى: {وما جعله الله} يعني: الإمداد بالملائكة، {إلا بشرى} أي: ~~بشارة {ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم} # {إذ يغشيكم النعاس} قرأ ابن كثير وأبو عمرو: "يغشاكم" بفتح الياء، ~~"النعاس" رفع على أن الفعل له، كقوله تعالى في سورة آل عمران "أمنة نعاسا ~~يغشى طائفة منكم" (آل عمران-154) PageV03P333 # وقرأ أهل المدينة: "يغشيكم" بضم الياء وكسر الشين مخففا، "النعاس" نصب، ~~كقوله تعالى: "كأنما أغشيت وجوههم"، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الشين ~~مشددا، "النعاس" نصب، على أن الفعل لله عز وجل، كقوله تعالى: ms1023 "فغشاها ما ~~غشى" (النجم-54) ، والنعاس: النوم الخفيف. {أمنة} أمنا {منه} مصدر أمنت ~~أمنا وأمنة وأمانا. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: النعاس في القتال ~~أمنة من الله وفي الصلاة وسوسة من الشيطان. # {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} وذلك أن المسلمين نزلوا يوم بدر ~~على كثيب أعفر، تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب، وسبقهم المشركون إلى ماء ~~بدر وأصبح المسلمون بعضهم محدثين وبعضهم مجنبين، وأصابهم الظمأ، ووسوس ~~إليهم الشيطان، وقال: تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبي الله وأنكم أولياء ~~الله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون محدثين ومجنبين، فكيف ترجون ~~أن تظهروا عليهم؟ فأرسل الله عز وجل عليهم مطرا سال منه الوادي فشرب ~~المؤمنون واغتسلوا، وتوضأوا وسقوا الركاب، +وملأوا الأسقية، وأطفأ الغبار، ~~ولبد الأرض حتى ثبتت عليها الأقدام، وزالت عنهم وسوسة الشيطان، وطابت ~~أنفسهم، فذلك قوله تعالى: "وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به" من ~~الأحداث والجنابة. # {ويذهب عنكم رجز الشيطان} وسوسته، {وليربط على قلوبكم} باليقين والصبر ~~{ويثبت به الأقدام} حتى لا تسوخ في الرمل بتلبيد الأرض. وقيل: يثبت به ~~الأقدام بالصبر وقوة القلب. # {إذ يوحي ربك إلى الملائكة} الذين أمد بهم المؤمنين، {أني معكم} بالعون ~~والنصر، {فثبتوا الذين آمنوا} أي: قووا قلوبهم. قيل: ذلك التثبيت حضورهم ~~معهم القتال ومعونتهم، أي: ثبتوهم بقتالكم معهم المشركين. # وقال مقاتل: أي: بشروهم بالنصر، وكان الملك يمشي أمام الصف في صورة الرجل ~~ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم. {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} قال ~~عطاء: يريد الخوف من أوليائي، {فاضربوا فوق الأعناق} قيل: هذا خطاب مع ~~المؤمنين. وقيل: هذا خطاب مع الملائكة، وهو متصل بقوله "فثبتوا الذين ~~آمنوا"، وقوله: "فوق الأعناق" قال عكرمة: يعني الرءوس لأنها فوق الأعناق. ~~وقال الضحاك: معناه فاضربوا الأعناق، وفوق صلة كما قال تعالى: "فإذا لقيتم ~~الذين كفروا فضرب الرقاب"، (محمد-4) ، وقيل: معناه فاضربوا على الأعناق. ~~فوق بمعنى: على. # PageV03P334 # {واضربوا منهم كل بنان} قال عطية: يعني كل مفصل. وقال ابن عباس وابن جريج ~~والضحاك: يعني الأطراف. والبنان ms1024 جمع بنانة، وهي أطراف أصابع اليدين ~~والرجلين. قال ابن الأنباري: ما كانت الملائكة تعلم كيف يقتل الآدميون، ~~فعلمهم الله عز وجل. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القادر الجرجاني، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، ~~أنا محمد بن عيسى الجلودي، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ثنا مسلم بن ~~الحجاج، ثنا زهير بن حرب، ثنا عمرو بن يونس الحنفي، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا ~~أبو زميل هو سماك الحنفي ثنا عبد الله بن عباس قال: بينما رجل من المسلمين ~~يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذا سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت ~~الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا، فنظر إليه ~~فإذا هو قد حطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري ~~فحدث ذلك رسول صلى الله عليه وسلم فقال: "صدقت، ذلك من مدد السماء ~~الثالثة". فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين (1) وروي عن أبي داود المازني ~~وكان شهد بدرا قال: إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن ~~يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري (2) . # وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: والله، لقد رأيتنا يوم بدر، ~~وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك، فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه ~~السيف (3) . # وقال عكرمة، قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كنت غلاما ~~للعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، ~~وأسلمت أم الفضل وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم، وكان يكتم ~~إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب عدو الله قد تخلف عن ~~بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب ~~بدر كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا وكنت رجلا ضعيفا وكنت ~~أعمل القداح وأنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس أنحت القداح، وعندي أم ~~الفضل جالسة، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه حتى ms1025 جلس على طنب (4) ~~الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فبينما هو جالس إذ قال الناس هذا أبو سفيان بن ~~الحارث بن عبد المطلب قد قدم، فقال أبو لهب: إلي يا ابن أخي فعندك الخبر، ~~فجلس PageV03P335 # إليه والناس قيام عليه، قال: يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: ~~لا شيء والله إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا ~~كيف شاءوا وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق ~~بين السماء والأرض، لا والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء، قال أبو رافع ~~فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة، قال فرفع أبو لهب يده ~~فضرب وجهي ضربة شديدة، فثاورته، فاحتملني فضرب بي الأرض، ثم برك علي ~~يضربني، وكنت رجلا ضعيفا فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته ~~فضربته به ضربة 145/ب فلقت في رأسه شجة منكرة، وقالت: تستضعفه أن غاب عنه ~~سيده؟ فقام موليا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة ~~فقتلته" (1) . # وروى مقسم عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبو اليسر، كعب بن عمرو ~~أخو بني سلمة، وكان أبو اليسر رجلا مجموعا، وكان العباس رجلا جسيما، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر، كيف أسرت العباس؟ قال: يا رسول ~~الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أعانك عليه ملك كريم" (2) . ### || # {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد ~~العقاب (13) ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) يا أيها الذين آمنوا ~~إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) ومن يولهم يومئذ دبره ~~إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير (16) } # {ذلك بأنهم شاقوا الله} خالفوا الله، {ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن ~~الله شديد العقاب} # {ذلكم} أي: هذا العذاب والضرب الذي عجلته لكم ms1026 أيها الكفار ببدر، {فذوقوه} ~~عاجلا {وأن للكافرين} أي: واعلموا وأيقنوا أن للكافرين أجلا في المعاد، ~~{عذاب النار} PageV03P336 # روى عكرمة عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ ~~من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس وهو أسير في وثاقه: لا ~~يصلح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لمه؟ قال: لأن الله تعالى وعدك ~~إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك (1) . # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا} أي ~~مجتمعين متزاحمين بعضكم إلى بعض، والتزاحف: التداني في القتال: والزحف ~~مصدر؛ لذلك لم يجمع، كقولهم: قوم عدل ورضا. قال: الليث: الزحف جماعة يزحفون ~~إلى عدولهم بمرة، فهم الزحف والجمع: الزحوف. {فلا تولوهم الأدبار} يقول: ~~فلا تولوهم ظهوركم، أي تنهزموا فإن المنهزم يولي دبره. # {ومن يولهم يومئذ دبره} ظهره، {إلا متحرفا لقتال} أي منعطفا يرى من نفسه ~~الانهزام، وقصده طلب الغرة وهو يريد الكرة، {أو متحيزا إلى فئة} أي: منضما ~~صائرا إلى جماعة من المؤمنين [يريد] (2) العود إلى القتال. ومعنى الآية ~~النهي عن الانهزام من الكفار والتولي عنهم، إلا على نية التحرف للقتال ~~والانضمام إلى جماعة من المسلمين ليستعين بهم ويعودون إلى القتال، فمن ولى ~~ظهره لا على هذه النية لحقه الوعيد، كما قال تعالى: {فقد باء بغضب من الله ~~ومأواه جهنم وبئس المصير} اختلف العلماء في هذه الآية فقال أبو سعيد ~~الخدري: هذا في أهل بدر خاصة، ما كان يجوز لهم الانهزام لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان معهم، ولم يكن لهم فئة يتحيزون إليها دون النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولو انحازوا لانحازوا إلى المشركين، فأما بعد ذلك فإن المسلمين ~~بعضهم فئة لبعض (3) فيكون الفار متحيزا إلى فئة فلا يكون فراره كبيرة، وهو ~~قول الحسن وقتادة والضحاك. # قال يزيد بن أبي حبيب (4) أوجب الله النار لمن فر يوم بدر، فلما كان يوم ~~أحد بعد ذلك قال: PageV03P337 # "إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم" (آل عمران ~~-155) ، ثم ms1027 كان يوم حنين بعده فقال: "ثم وليتم مدبرين" (التوبة 0 25) "ثم ~~يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء" (التوبة -27) . # وقال عبد الله بن عمر: كنا في جيش بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فحاص الناس حيصة فانهزمنا، فقلنا: يا رسول الله نحن [الفرارون] (1) قال: ~~"بل أنتم الكرارون، أنا فئة المسلمين" (2) . # وقال محمد بن سيرين: لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال: لو انحاز ~~إلي كنت له فئة فأنا فئة كل مسلم (3) . # وقال بعضهم: حكم الآية عام في حق كل من ولى منهزما. جاء في الحديث: "من ~~الكبائر الفرار من الزحف" (4) . # وقال عطاء بن أبي رباح: هذه الآية منسوخة بقوله عز وجل: "الآن خفف الله ~~عنكم" (الأنفال -66) فليس لقوم أن يفروا من [مثلهم] (5) فنسخت تلك إلا في ~~هذه العدة (6) وعلى هذا أكثر أهل العلم أن المسلمين إذا كانوا على الشطر من ~~عدوهم لا يجوز لهم أن يفروا أو يولوا ظهورهم إلا متحرفا لقتال أو متحيزا ~~إلى فئة، وإن كانوا أقل من ذلك جاز لهم أن يولوا ظهورهم وينحازوا عنهم (7) ~~قال ابن عباس:"من فر من ثلاثة فلم يفر، ومن اثنين فقد فر" (8) . ~~PageV03P338 ### || # {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي ~~المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17) } # قوله تعالى: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} قال مجاهد (1) سبب هذه الآية ~~أنهم لما انصرفوا عن القتال كان الرجل يقول: أنا قتلت فلانا ويقول الآخر ~~مثله، فنزلت الآية. ومعناه: فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم ولكن الله قتلهم ~~[بنصره] (2) إياكم وتقويته لكم. # وقيل: لكن الله قتلهم بإمداد الملائكة. # {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} قال أهل التفسير والمغازي: ندب (3) ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرا، ووردت عليهم ~~روايا قريش، وفيهم أسلم، غلام أسود لبني الحجاج، وأبو يسار، غلام لبني ~~العاص بن سعيد، فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: أين ~~قريش؟ قالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى ms1028 بالعدوة القصوى -والكثيب: العقنقل ~~-فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما: كم القوم؟ قالا كثير، قال: ما ~~عدتهم؟ قالا لا ندري، قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا يوما عشرة ويوما تسعة، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القوم ما بين التسعمائة إلى الألف" ثم ~~قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ~~وأبو البختري ابن هشام، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي، ~~والنضر بن الحارث، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا ~~الحجاج، وسهيل بن عمرو. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذه مكة قد ~~ألقت إليكم أفلاذ كبدها" (4) فلما أقبلت قريش ورآها رسول الله تصوب من ~~العقنقل، وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي، قال لهم: هذه قريش قد ~~أقبلت بخيلائها وفخرها [تحادك] (5) وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، ~~فأتاه جبريل عليه السلام وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى ~~الجمعان تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من حصى عليه تراب، فرمى به ~~في وجوه القوم، وقال: شاهت PageV03P339 # الوجوه، فلم يبق منهم مشرك إلا دخل في عينيه وفمه ومنخريه منها شيء، ~~فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم (1) . # وقال قتادة، وابن زيد: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم ~~بدر ثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم وبحصاة في ميسرة القوم وبحصاة ~~بين أظهرهم، وقال: شاهت الوجوه، فانهزموا، فذلك قوله تعالى: "وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى"، إذ ليس في وسع أحد من البشر أن يرمي كفا من ~~146/أالحصا إلى وجوه جيش فلا يبقى فيهم عين إلا ويصيبها منه شيء. # وقيل: معناه الآية وما بلغت إذ رميت ولكن الله بلغ. # وقيل: وما رميت بالرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى بالرعب ~~في قلوبهم حتى انهزموا، {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} أي: ولينعم على ~~المؤمنين نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة، {إن الله سميع} لدعائكم، {عليم} ~~بنياتكم. ms1029 ### || # {ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين (18) إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن ~~تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن ~~الله مع المؤمنين (19) } # {ذلكم} الذي ذكرت من القتل والرمي والبلاء الحسن، {وأن الله} قيل: فيه ~~إضمار، أي: [واعلموا] (2) أن الله {موهن} مضعف، {كيد الكافرين} قرأ ابن ~~كثير ونافع وأهل البصرة: "موهن" بالتشديد والتنوين، "كيد" نصب، وقرأ ~~الآخرون "موهن" بالتخفيف والتنوين إلا حفصا، فإنه يضيفه فلا ينون ويخفض ~~"كيد". # قوله تعالى: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر ~~لما التقى الناس: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لم نعرف فأحنه الغداة، ~~فكان هو المستفتح على نفسه (3) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم ~~بن سعد عن أبيه عن جده قال: قال PageV03P340 # عبد الرحمن بن عوف: إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن ~~يساري فتيان، حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرا من ~~صاحبه: يا عم أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي وما تصنع به؟ فقال: عاهدت ~~الله عز وجل إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه. فقال لي الآخر سرا من صاحبه ~~مثله، فما سرني أني بين رجلين بمكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل ~~الصقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء (1) . # وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا محمد بن المثنى، ثنا ابن أبي عدي، ~~عن سليمان التيمي عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم: "من ينظر لنا ما صنع أبو جهل"؟ قال: فانطلق ابن مسعود فوجده قد ~~ضربه ابنا عفراء حتى برد، قال: فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ فقال: وهل ~~فوق رجل قتله قومه أو قتلتموه (2) . # [قال محمد بن ms1030 إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر قال: قال معاذ بن عمرو بن ~~الجموح لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه أمر بأبي جهل بن هشام ~~أن يلتمس في القتلى، فقال: اللهم لا يعجزنك، قال فلما سمعتها جعلته من شأني ~~فعمدت نحوه فضربته ضربة أطنت (3) قدمه بنصف ساقه. قال: وضربني ابنه عكرمة ~~على عاتقي، فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني (4) القتال عنه، فلقد ~~قاتلت عامة يومي، وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني جعلت عليها قدمي، ثم تمطيت ~~بها حتى طرحتها، ثم مر بأبي جهل وهو عقير معوذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته، ~~فتركه وبه رمق، فمر عبد الله بن مسعود [بأبي جهل] (5) قال عبد الله بن ~~مسعود: وجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على عنقه، ثم قلت: هل أخزاك الله ~~يا عدو الله؟ قال: وبماذا أخزاني، أعمد من رجل قتلتموه (6) أخبرني لمن ~~الدائرة؟ قلت: لله ولرسوله. # وروي عن ابن مسعود أنه قال: قال لي أبو جهل: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم ~~مرتقى صعبا، ثم PageV03P341 # احتززت رأسه، ثم جئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول ~~الله هذا رأس أبي جهل، فقال: آلله الذي لا إله غيره (1) ؟ قلت: نعم، والذي ~~لا إله غيره، ثم ألقيته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله عز ~~وجل] (2) . # وقال السدي والكلبي: كان المشركون حين خرجوا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى ~~الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين ففيه نزلت: "إن تستفتحوا فقد جاءكم ~~الفتح" أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر (3) . # وقال عكرمة: قال المشركون والله لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا ~~وبينه بالحق، فأنزل الله عز وجل: "إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح" (4) أي: إن ~~تستقضوا فقد جاءكم القضاء (5) . # وقال أبي بن كعب: هذا خطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ~~الله تعالى للمسلمين: "إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح" أي: إن تستنصروا ms1031 فقد ~~جاءكم الفتح والنصر. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن ~~أحمد، ثنا عبد الرحيم بن منيب، ثنا الفضل بن موسى، ثنا إسماعيل بن أبي خالد ~~عن قيس عن خباب رضي الله عنه قال: شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~متوسد بردة له في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: ألا تدعو ~~الله لنا، ألا تستنصر لنا؟ فجلس محمارا لونه أو وجهه فقال لنا: قد كان من ~~قبلكم يؤخذ الرجل، ويحفر له في الأرض ثم يجاء بالمنشار فيجعل فوق رأسه ثم ~~يجعل بفرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من ~~عظم وعصب، وما يصرفه عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب منكم ~~من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله، ولكنكم تعجلون" (6) . PageV03P342 # قوله: {وإن تنتهوا} يقول للكفار، إن تنتهوا عن الكفر بالله وقتال نبيه ~~صلى الله عليه وسلم، {فهو خير لكم وإن تعودوا} لحربه وقتاله، {نعد} بمثل ~~الواقعة التي وقعت بكم يوم بدر. وقيل: وإن تعودوا إلى الدعاء والاستفتاح ~~نعد للفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم، {ولن تغني عنكم فئتكم} جماعتكم، {شيئا ~~ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين} قرأ أهل المدينة وابن عامر وحفص "وأن الله" ~~بفتح الهمزة، أي: ولأن الله مع المؤمنين، كذلك "لن تغني عنكم فئتكم شيئا"، ~~وقيل: هو عطف على قوله: "ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين"، وقرأ الآخرون: ~~"وإن الله" بكسر الألف على الابتداء. ### || # {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ~~(20) ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) إن شر الدواب عند ~~الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) } # قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه} أي: ~~لا تعرضوا عنه، {وأنتم تسمعون} القرآن ومواعظه. # {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} أي: يقولون بألسنتهم ~~سمعنا بآذاننا ms1032 وهم لا يسمعون، أي لا يتعظون ولا ينتفعون بسماعهم فكأنهم لم ~~يسمعوا. # قوله تعالى: {إن شر الدواب عند الله} أي: شر من دب على وجه الأرض [من خلق ~~الله] (1) {الصم البكم} عن الحق فلا يسمعونه ولا يقولونه، {الذين لا ~~يعقلون} أمر الله عز وجل، سماهم دواب لقلة انتفاعهم بعقولهم، كما قال ~~تعالى: "أولئك كالأنعام بل هم أضل"، (الأعراف -179) قال ابن عباس: هم نفر ~~من بني عبد الدار بن قصي، كانوا يقولون: نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد، ~~فقتلوا جميعا بأحد، وكانوا أصحاب اللواء لم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن ~~عمير وسويبط بن حرملة. # 146/ب {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} أي: لأسمعهم سماع التفهم ~~والقبول، {ولو أسمعهم} بعد أن علم أن لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك، {لتولوا ~~وهم معرضون} لعنادهم وجحودهم الحق PageV03P343 # بعد ظهوره. وقيل: إنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: أحيي لنا ~~قصيا فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك بالنبوة فنؤمن بك، فقال الله عز ~~وجل: "ولو أسمعهم" كلام قصي "لتولوا وهم معرضون". ### || # {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا ~~أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (24) واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب (25) } # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول} يقول أجيبوهما ~~بالطاعة، {إذا دعاكم} الرسول صلى الله عليه وسلم، {لما يحييكم} أي: إلى ما ~~يحييكم. قال السدي: هو الإيمان، لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان. # وقال قتادة: هو القرآن فيه الحياة وبه النجاة والعصمة في الدارين. # وقال مجاهد: هو الحق. # وقال ابن إسحاق: هو الجهاد أعزكم الله به بعد الذل. # وقال القتيبي: بل الشهادة قال الله تعالى في الشهداء: "بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون" (آل عمران 0 169) . # وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أبي بن كعب، رضي الله عنه، ~~وهو يصلي، فدعاه فعجل أبي في صلاته، ثم جاء فقال رسول الله: "ما منعك ms1033 أن ~~تجيبني إذ دعوتك؟ قال: كنت في الصلاة، قال: أليس يقول الله عز وجل: {يا ~~أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} ؟ [فقال: لا ~~جرم يا رسول الله لا تدعوني إلا أجبت وإن كنت مصليا" (1) ] (2) . # قوله تعالى: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} قال سعيد بن جبير ~~وعطاء: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان. PageV03P344 # وقال الضحاك: يحول بين الكافر والطاعة، ويحول بين المؤمن والمعصية. # وقال مجاهد: يحول بين المرء وقلبه فلا يعقل ولا يدري ما يعمل. # وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا ~~بإذنه. # وقيل: هو أن القوم لما دعوا إلى القتال في حالة الضعف ساءت ظنونهم ~~واختلجت صدورهم فقيل لهم: قاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله يحول بين ~~المرء وقلبه فيبدل الخوف أمنا والجبن جرأة. {وأنه إليه تحشرون} فيجزيكم ~~بأعمالكم. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن ~~أحمد الطوسي، أنا محمد بن حماد، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، ~~عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان رسول الله يكثر أن يقول: "يا مقلب ~~القلوب ثبت قلبي على دينك"، قالوا: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل ~~تخاف علينا؟ قال: "القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها" (1) . # {واتقوا فتنة} اختبارا وبلاء {لا تصيبن} قوله: "لا تصيبن" ليس بجزاء محض، ~~ولو كان جزاء لم تدخل فيه النون، لكنه [نفي] (2) وفيه طرف من الجزاء كقوله ~~تعالى: "يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده" (النمل ~~-18) وتقديره واتقوا فتنة إن لم تتقوها أصابتكم، فهو كقول القائل: انزل عن ~~الدابة لا تطرحنك، فهذا جواب الأمر بلفظ النهي، معناه إن تنزل لا تطرحك. # قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومعناه: اتقوا فتنة تصيب الظالم وغير الظالم. # قال الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير رضي الله عنهم. قال الزبير: ~~لقد قرأنا ms1034 هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها، يعني ~~ما كان يوم الجمل (3) . PageV03P345 # وقال السدي ومقاتل والضحاك وقتادة: هذا في قوم مخصوصين من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم الفتنة يوم الجمل (1) . # وقال ابن عباس: أمر الله عز وجل المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم ~~فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم (2) . # أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أنا أبو طاهر الحارثي، أنا محمد بن ~~يعقوب الكسائي، أنا عبد الله بن محمود، أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، ~~ثنا عبد الله بن المبارك، عن سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت عدي بن عدي ~~الكندي يقول: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ~~ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله ~~العامة والخاصة" (3) . وقال ابن زيد: أراد بالفتنة افتراق الكلمة ومخالفة ~~بعضهم بعضا (4) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، أخبرني ~~أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، ~~والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذا ~~فليعذ به" (5) . # قوله {لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} يعني: العذاب، {واعلموا أن الله ~~شديد العقاب} PageV03P346 ### || # {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم ~~وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (26) } # قوله تعالى: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض} يقول: واذكروا يا ~~معشر # PageV03P346 # المهاجرين إذ أنتم قليل في العدد، مستضعفون في أرض مكة، في ابتداء ~~الإسلام، {تخافون أن يتخطفكم الناس} يذهب بكم الناس، يعني: كفار مكة. وقال ~~عكرمة: كفار العرب: وقال وهب: فارس ms1035 والروم، {فآواكم} إلى المدينة، {وأيدكم ~~بنصره} أي: قواكم يوم بدر بالأنصار. وقال الكلبيك قواكم يوم بدر بالملائكة، ~~{ورزقكم من الطيبات} يعني: الغنائم، أحلها لكم ولم يحلها لأحد قبلكم، ~~{لعلكم تشكرون} ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم ~~تعلمون (27) واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم ~~(28) } # {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول} قال السدي: كانوا يسمعون ~~الشيء من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفشونه، حتى يبلغ المشركين (1) . # وقال الزهري والكلبي: نزلت الآية في أبي لبابة، هارون بن عبد المنذر ~~الأنصاري، من بني عوف بن مالك، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر ~~يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح ~~على ما صالح عليه إخوانهم من بني النضير، على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى ~~أذرعات وأريحاء من أرض الشام، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ~~ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا ~~لبابة بن عبد المنذر، وكان مناصحا لهم، لأن ما له وولده وعياله كانت عندهم، ~~فبعثه 147/أرسول الله صلى الله عليه وسلم، وآتاهم، فقالوا له: يا أبا لبابة ~~ما ترى أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبو لبابة بيده على حلقه أنه ~~الذبح، فلا تفعلوا، قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي من مكانهما حتى ~~عرفت أني قد خنت الله ورسوله ثم انطلق على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاما ~~ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خبره قال: أما لو جاءني لاستغفرت له فأما إذا فعل ما فعل فإني لا ~~أطلقه حتى يتوب الله عليه، فمكث سبعة أيام، لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر ~~مغشيا عليه ثم تاب الله عليه، فقيل له: يا أبا لبابة قد ms1036 تيب عليك، فقال: لا ~~والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، ~~فجاءه فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله إن من تمام توبتي أن أهجر ~~دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي كله، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "يجزيك الثلث فتصدق به"، فنزلت فيه "لا تخونوا PageV03P347 # الله والرسول" (1) . {وتخونوا أماناتكم} أي: [ولا تخونوا أماناتكم] (2) ~~{وأنتم تعلمون} أنها أمانة. وقيل: وأنتم تعلمون أن ما فعلتم، من الإشارة ~~إلى الحلق، خيانة. # قال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم. # وقال ابن عباس: لا تخونوا الله بترك فرائضه والرسول بترك سنته وتخونوا ~~أمانتكم. # قال ابن عباس: هي ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله، والأعمال التي ~~ائتمن الله عليها. # قال قتادة: اعلموا أن دين الله أمانة فأدوا إلى الله عز وجل ما ائتمنكم ~~عليه من فرائضه وحدوده، ومن كانت عليه أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. # {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} قيل: هذا أيضا في أبي لبابة، وذلك ~~أن أمواله وأولاده كانوا في بني قريظة، فقال ما قال خوفا عليهم. # وقيل: هذا في جميع الناس. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي -إملاء ~~-وأخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، قالا حدثنا أبو إسحاق ~~إبراهيم بن محمد الإسفراييني أنا محمد بن محمد بن [رزمويه] (3) حدثنا يحيى ~~بن محمد بن غالب، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا عبد الله بن لهيعة عن أبي ~~الأسود عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصبي فقبله وقال: ~~"أما إنهم مبخلة مجبنة وإنهم لمن ريحان الله عز وجل" (4) . # {وأن الله عنده أجر عظيم} لمن نصح الله ورسوله وأدى أمانته. ### || # {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ~~ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (29) } # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله} بطاعته وترك معصيته، ~~{يجعل لكم فرقانا} PageV03P348 # قال مجاهد: مخرجا في ms1037 الدنيا والآخرة. # وقال مقاتل بن حيان: مخرجا في الدين من الشبهات. # وقال عكرمة: نجاة أي يفرق بينكم وبين ما تخافون. # وقال الضحاك: بيانا. وقال ابن إسحاق: فصلا بين الحق والباطل يظهر الله به ~~حقكم ويطفىء باطل من خالفكم. والفرقان مصدر كالرجحان والنقصان. {ويكفر عنكم ~~سيئاتكم} يمح عنكم ما سلف من ذنوبكم، {ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم} ### || # {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر ~~الله والله خير الماكرين (30) } # قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} هذه الآية معطوفة [على قوله] (1) ~~{واذكروا إذ أنتم قليل} واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا، وإذ قالوا اللهم، ~~لأن هذه السورة مدنية وهذا المكر والقول إنما كانا بمكة، ولكن الله ذكرهم ~~بالمدينة كقوله تعالى "إلا تنصروه فقد نصره الله" (التوبة آية 40) وكان هذا ~~المكر على ما ذكره ابن عباس وغيره من أهل التفسير: # أن قريشا فرقوا لما أسلمت الأنصار أن يتفاقم أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فاجتمع نفر من كبارهم في دار الندوة، ليتشاوروا في أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكانت رءوسهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، ~~وأبو سفيان، وطعيمة بن عدي، وشيبة بن ربيعة، والنضر بن الحارث، وأبو ~~البختري بن هشام وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، ~~وأمية بن خلف، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: ~~شيخ من نجد، سمعت باجتماعكم، فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا مني رأيا ونصحا، ~~قالوا: ادخل فدخل، فقال أبو البختري: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمدا وتحبسوه ~~في بيت، وتشدوا وثاقه، وتسدوا باب البيت غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه، ~~وتتربصوا به ريب المنون حتى يهلك فيه، كما هلك من كان قبله من الشعراء. ~~قال: فصرخ عدوا الله الشيخ النجدي وقال: بئس الرأي رأيتم والله لئن حبستموه ~~في بيت فخرج أمره من وراء الباب الذي غلقتم دونه إلى أصحابه فيوشك أن يثبوا ~~عليكم ويقاتلوكم ويأخذوه من أيديكم، قالوا: ms1038 صدق الشيخ، فقال هشام بن عمرو ~~من بني عامر بن لؤي: أما أنا فأرى أن تحملوه على بعير تخرجوه من أظهركم فلا ~~PageV03P349 # يضركم ما صنع ولا أين وقع إذا غاب عنكم واسترحتم منه، فقال إبليس: ما هذا ~~لكم برأي تعتمدون عليه، تعمدون إلى رجل قد أفسد أحلامكم فتخرجونه إلى غيركم ~~فيفسدهم ألم تروا إلى حلاوة منطقه وحلاوة لسانه وأخذ القلوب بما تسمع من ~~حديثه؟ والله لئن فعلتم ذلك ليذهبن وليستميل قلوب قوم ثم يسير بهم إليكم ~~فيخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق الشيخ: فقال أبو جهل والله لأشيرن عليكم ~~برأي ما أرى غيره إني أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابا نسيبا وسيطا ~~فتيا ثم يعطى كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه ~~تفرق دمه في القبائل كلها ولا أظن هذا الحي من بني هاشم +يقوون على حرب ~~قريش كلها، وأنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل فتؤدي قريش ديته، فقال إبليس: ~~صدق هذا الفتى، وهو أجودكم رأيا، القول ما قال لا أرى رأيا غيره فتفرقوا ~~على قول أبي جهل وهم مجمعون له. فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأذن الله له ~~عند ذلك بالخروج إلى المدينة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن ~~أبي طالب أن ينام في مضجعه وقال له: تسيح ببردتي هذه فإنه لن يخلص إليك ~~منهم أمر تكرهه، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ قبضة من تراب فأخذ ~~الله أبصارهم عنه فجعل ينثر التراب على رءوسهم وهو يقرأ: "إنا جعلنا في ~~أعناقهم أغلالا" إلى قوله "فهم لا يبصرون" (سورة يس 8 -9) 147/ب ومضى إلى ~~الغار من ثور هو وأبو بكر، وخلف عليا بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي قبلها ~~وكانت الودائع تودع عنده صلى الله عليه وسلم لصدقه وأمانته، وبات المشركون ~~يحرسون عليا في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسبون أنه النبي ms1039 صلى ~~الله عليه وسلم فلما أصبحوا ثاروا إليه فرأوا عليا رضي الله عنه، فقالوا: ~~أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه فلما بلغوا الغار ~~رأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخله لم يكن نسج العنكبوت على ~~بابه، فمكث فيه ثلاثا، ثم قدم المدينة، ذلك قوله تعالى: "وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا" (1) . # {ليثبتوك} ليحبسوك ويسجنوك ويوثقوك، {أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر ~~الله} قال الضحاك: يصنعون ويصنع الله، والمكر التدبير وهو من الله التدبير ~~بالحق. وقيل: يجازيهم جزاء المكر {والله خير الماكرين} ### || # {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا ~~إلا أساطير الأولين (31) } # {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا} يعني النضر بن الحارث، {قد سمعنا لو نشاء ~~لقلنا مثل هذا} PageV03P350 # وذلك أنه كان يختلف تاجرا إلى فارس والحيرة فيسمع أخبار رستم واسفنديار، ~~وأحاديث العجم ويمر باليهود والنصارى فيراهم +يقرؤن التوراة والإنجيل ~~ويركعون ويسجدون، فجاء إلى مكة فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~ويقرأ القرآن فقال النضر: قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا (1) {إن هذا إلا ~~أساطير الأولين} أخبار الأمم الماضية وأسماؤهم وما سطر الأولون في كتبهم. ~~والأساطير: جمع أسطورة، وهي المكتوبة، من قولهم سطرت أي كتبت (2) . ### || # {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء أو ائتنا بعذاب أليم (32) وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون (33) } # قوله تعالى: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} الآية نزلت في ~~النضر بن الحارث من بني عبد الدار (3) . # قال ابن عباس: لما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم شأن القرون الماضية، ~~قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين -أي: ما هذا إلا ~~ما سطره الأولون في كتبهم -فقال له عثمان بن مظعون رضي الله عنه: اتق الله ~~فإن محمدا يقول الحق، قال: فأنا أقول الحق، قال عثمان: فإن محمدا يقول لا ~~إله ms1040 إلا الله، قال وأنا أقول لا إله إلا الله، ولكن هذه بنات الله، يعني ~~الأصنام، ثم قال: اللهم إن كان هذا الذي يقول محمد هو الحق من عندك ~~-"والحق" نصب بخبر كان، وهو عماد وصلة - {فأمطر علينا حجارة من السماء} كما ~~أمطرتها على قوم لوط، {أو ائتنا بعذاب أليم} أي: ببعض ما عذبت به الأمم، ~~وفيه نزل: "سأل سائل بعذاب واقع" (4) . (المعارج -1) . . # وقال عطاء: لقد نزل في النضر بن الحارث بضع عشرة آية فحاق به ما سأل من ~~العذاب يوم بدر (5) . # قال سعيد بن جبير: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلاثة صبرا ~~من قريش: طعيمة بن عدي PageV03P351 # وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث (1) . # وروى أنس رضي الله عنه أن الذي قاله أبو جهل. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا ~~محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا محمد بن النضر، ثنا عبيد الله بن ~~معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة، عن عبد الحميد صاحب الزيادي، سمع أنس بن مالك ~~قال: قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلت: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما ~~كان الله معذبهم وهم يستغفرون وما لهم ألا يعذبهم الله} (2) . # قوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} اختلفوا في معنى هذه ~~الآية، فقال محمد بن إسحاق: هذا حكاية عن المشركين أنهم قالوها وهي متصلة ~~بالآية الأولى، وذلك أنهم كانوا يقولون إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفره، ~~ولا يعذب أمة ونبيها معها، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم يذكر ~~جهالتهم وغرتهم واستفتاحهم على أنفسهم: "وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك" الآية، وقالوا (3) "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون" ثم قال ردا عليهم: "وما لهم ألا يعذبهم الله"؟ ~~وإن كنت بين أظهرهم وإن كانوا يستغفرون "وهم يصدون عن المسجد الحرام" ms1041 (4) . # وقال الآخرون: هذا كلام +مستأنف يقول الله عز وجل إخبارا عن نفسه: "وما ~~كان الله ليعذبهم". # واختلفوا في تأويلها، فقال الضحاك وجماعة: تأويلها وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم مقيم بين أظهرهم، قالوا: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو مقيم بمكة، ثم خرج من بين أظهرهم وبقيت بها بقية من المسلمين ~~يستغفرون، فأنزل الله تعالى: "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون"، ثم خرج ~~أولئك من بينهم فعذبوا، وأذن الله في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم (5) . ~~PageV03P352 # قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لم يعذب الله قرية حتى يخرج النبي ~~منها والذين آمنوا ويلحق بحيث أمر. فقال: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ~~وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" (1) يعني المسلمين فلما خرجوا قال الله ~~تعالى: "وما لهم ألا يعذبهم الله"، فعذبهم الله يوم بدر. # وقال أبو موسى الأشعري: كان فيكم أمانان "وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم"، "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" فأما النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقد مضى والاستغفار كائن فيكم إلى يوم القيامة (2) . # وقال بعضهم: هذا الاستغفار راجع إلى المشركين وذلك أنهم كانوا يقولون بعد ~~الطواف: غفرانك غفرانك (3) . # وقال يزيد بن رومان: قالت قريش إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء، فلما أمسوا ندموا على ما قالوا، فقالوا غفرانك اللهم، ~~فقال الله عز وجل "وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" (4) . # وقال قتادة والسدي: معناه: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون، أي: لو ~~استغفروا، ولكنهم لم يكونوا يستغفرون، ولو أنهم أقروا بالذنب، واستغفروا، ~~لكانوا مؤمنين (5) . # وقيل: هذا دعاء إلى الإسلام والاستغفار بهذه الكلمة، كالرجل يقول لغيره ~~لا أعاقبك وأنت تطيعني، أي أطعني حتى لا أعاقبك. # وقال مجاهد وعكرمة: وهم يستغفرون أي يسلمون. يقول: لو أسلموا لما عذبوا ~~(6) . وروى الوالبي عن ابن عباس: أي وفيهم من سبق له من الله أن يسلم ويؤمن ~~ويستغفر (7) وذلك مثل: أبي سفيان، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، ~~وسهيل بن ms1042 عمرو، وحكيم بن حزام وغيرهم. PageV03P353 # وروى عبد الوهاب عن مجاهد: وهم يستغفرون أي وفي أصلابهم من يستغفر (1) . ~~PageV03P354 ### || # {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه ~~إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون (34) وما كان صلاتهم عند ~~البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (35) } # قوله تعالى: {وما لهم ألا يعذبهم الله} أي: وما يمنعهم من أن يعذبوا، ~~يريد بعد خروجك من بينهم، {وهم يصدون عن المسجد الحرام} أي: يمنعون ~~المؤمنين 148/أمن الطواف بالبيت. # وقيل: أراد بالعذاب الأول عذاب الاستئصال، وأراد بقوله "وما لهم أن ألا ~~يعذبهم الله" أي: بالسيف. # وقيل: أراد بالأول عذاب الدنيا، وبهذه الآية عذاب الآخرة. # وقال الحسن: الآية الأولى وهي قوله: "وما كان الله ليعذبهم" منسوخة بقوله ~~تعالى: "وما لهم ألا يعذبهم الله" (1) . # {وما كانوا أولياءه} قال الحسن: كان المشركون يقولون نحن أولياء المسجد ~~الحرام، فرد الله عليهم بقوله: "وما كانوا أولياءه" أي: أولياء البيت، {إن ~~أولياؤه} أي: ليس أولياء البيت، {إلا المتقون} يعني: المؤمنين الذين يتقون ~~الشرك، {ولكن أكثرهم لا يعلمون} # قوله تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} قال ابن عباس ~~والحسن: PageV03P354 # المكاء: الصفير، وهي في اللغة اسم طائر أبيض، يكون بالحجاز له صفير، كأنه ~~قال: إلا صوت مكاء، والتصدية التصفيق. # قال ابن عباس: كانت قريش تطوف بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون (1) . # قال مجاهد: كل نفر من بني عبد الدار يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الطواف، +ويستهزءون به، ويدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون. فالمكاء: جعل ~~الأصابع في الشدق. والتصدية الصفير، ومنه الصدى الذي يسمعه المصوت في ~~الجبل. # قال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن قوله عز وجل "إلا ~~مكاء وتصدية" فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيرا (2) . # قال مقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى في المسجد قام رجلان عن ~~يمينه فيصفران ورجلان عن شماله فيصفقان ليخلطوا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلاته، وهم من بني عبد الدار ms1043 (3) . # قال سعيد بن جبير: التصدية صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام، وعن الدين، ~~والصلاة. وهي على هذا التأويل: التصددة بدالين، فقلبت إحدى الدالين ياء، ~~كما يقال تظنيت من الظن، وتقضى البازي إذا البازي كسر، أي تقضض البازي. قال ~~ابن الأنباري: إنما سماه صلاة لأنهم أمروا بالصلاة في المسجد فجعلوا ذلك ~~صلاتهم. {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} ### || # {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون ~~عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36) } # قوله تعالى: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} أي: ~~ليصرفوا عن دين الله. # قال الكلبي ومقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثنى عشر رجلا أبو ~~جهل بن هشام، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس، ونبيه ومنبه ابنا ~~الحجاج، وأبو البختري بن هشام، والنضر بن الحرث، وحكيم بن حزام، وأبي بن ~~خلف، وزمعة بن الأسود، والحارث بن عامر بن نوفل PageV03P355 # والعباس بن عبد المطلب، وكلهم من قريش، كان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر ~~جزر (1) . # وقال الحكم بن عيينة: نزلت في أبي سفيان أنفق على المشركين يوم أحد ~~أربعين أوقية (2) . # قال الله تعالى: {فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة} يريد: ما أنفقوا في ~~الدنيا يصير حسرة عليهم في الآخرة، {ثم يغلبون} ولا يظفرون، {والذين كفروا} ~~منهم، {إلى جهنم يحشرون} خص الكفار لأن منهم من أسلم. ### || # {ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ~~فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون (37) قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ~~ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين (38) } # {ليميز الله الخبيث} [في سبيل الشيطان] (3) {من الطيب} يعني: الكافر من ~~المؤمن فينزل المؤمن الجنان والكافر النيران. # وقال الكلبي: العمل الخبيث من العمل الصالح الطيب، فيثب على الأعمال ~~الصالحة الجنة، وعلى الأعمال الخبيثة النار. # وقيل: يعني: الإنفاق الخبيث في سبيل الشيطان من الإنفاق الطيب في سبيل ~~الله. # {ويجعل الخبيث بعضه على بعض} أي: فوق بعض، {فيركمه جميعا} أي: يجمعه ومنه ~~السحاب ms1044 المركوم، وهو المجتمع الكثيف، فيجعله في جهنم {أولئك هم الخاسرون} ~~رده إلى قوله: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم} . . . {أولئك هم الخاسرون} ~~الذين خسرت تجارتهم، لأنهم اشتروا بأموالهم عذاب الآخرة. # {قل للذين كفروا إن ينتهوا} عن الشرك {يغفر لهم ما قد سلف} أي: ما مضى من ~~ذنوبهم قبل الإسلام، {وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين} في نصر الله أنبياءه ~~وإهلاك أعدائه. قال يحيى بن معاذ الرازي: توحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من ~~كفر، أرجو أن لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب. PageV03P356 ### || # {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما ~~يعملون بصير (39) وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير ~~(40) } # {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير (41) } # {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} أي: شرك. قال الربيع: حتى لا يفتن مؤمن عن ~~دينه {ويكون الدين كله لله} أي: ويكون الدين خالصا لله لا شرك فيه، {فإن ~~انتهوا} عن الكفر، {فإن الله بما يعملون بصير} قرأ يعقوب "تعملون" بالتاء، ~~وقرأ الآخرون بالياء. # {وإن تولوا} عن الإيمان وعادوا إلى قتال أهله، {فاعلموا أن الله مولاكم} ~~ناصركم ومعينكم، {نعم المولى ونعم النصير} # قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} الآية. الغنيمة ~~والفيء: اسمان لمال يصيبه المسلمون من أموال الكفار. فذهب جماعة إلى أنهما ~~واحد، وذهب قوم إلى أنهما مختلفان: فالغنيمة: ما أصابه المسلمون منهم عنوة ~~بقتال، والفيء: ما كان عن صلح بغير قتال. فذكر الله عز وجل في هذه الآية ~~حكم الغنيمة فقال: "فأن لله خمسه وللرسول" (1) . # ذهب أكثر المفسرين والفقهاء إلى أن قوله: "لله" افتتاح كلام على سبيل ~~التبرك وإضافة هذا المال إلى نفسه لشرفه، وليس المراد منه أن سهما من ~~الغنيمة لله منفردا، فإن الدنيا والآخرة كلها لله عز وجل. وهو قول الحسن ms1045 ~~وقتادة وعطاء وإبراهيم والشعبي، قالوا: سهم الله وسهم الرسول واحد. ~~والغنيمة تقسم خمسة أخماس، أربعة أخماسها لمن قاتل عليها، والخمس لخمسة ~~أصناف كما ذكر الله عز وجل، "وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل". # قال بعضهم: يقسم الخمس على ستة أسهم، وهو قول أبي العالية، سهم لله: ~~فيصرف إلى PageV03P357 # الكعبة. والأول أصح، أن خمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهم، سهم كان لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في حياته، واليوم هو لمصالح المسلمين وما فيه قوة ~~الإسلام، وهو قول الشافعي رحمه الله. # وروى الأعمش عن إبراهيم قال: كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يجعلان سهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح. # وقال قتادة: هو للخليفة بعده. وقال بعضهم: سهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مردود في الخمس والخمس لأربعة أصناف. # قوله: {ولذي القربى} أراد أن سهما من الخمس 148/ب لذوي القربى وهم أقارب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، واختلفوا فيهم، فقال قوم: جميع قريش. وقال قوم: ~~هم الذين لا تحل لهم الصدقة. # وقال مجاهد وعلي بن الحسين: هم بنو هاشم. # وقال الشافعي: هم بنو هاشم وبنو المطلب وليس لبني عبد شمس ولا لبني نوفل ~~منه شيء، وإن كانوا إخوة، والدليل عليه ما: # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز أحمد الخلال، ثنا أبو ~~العباس الأصم، أنبأنا الربيع، أنبأنا الشافعي، أنبأنا الثقة، عن ابن شهاب، ~~عن ابن المسيب، عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، ولم يعط منه أحدا من بني عبد شمس ~~ولا بني نوفل شيئا (1) . # وأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ثنا ~~أبو العباس الأصم، أنا الربيع أنا الشافعي، أنا مطرف بن مازن عن معمر بن ~~راشد، عن ابن شهاب، أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: لما قسم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى بين بني هاشم ms1046 وبني المطلب أتيته ~~أنا وعثمان بن عفان فقلنا: يا رسول الله هؤلاء إخواننا من بني هاشم لا ننكر ~~فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم ~~وتركتنا أو منعتنا، وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا وشبك PageV03P358 # بين أصابعه" (1) . # واختلف أهل العلم في سهم ذوي القربى هل هو ثابت اليوم؟ . # فذهب أكثرهم إلى أنه ثابت، وهو قول مالك والشافعي. # وذهب أصحاب الرأي إلى أنه غير ثابت، وقالوا: سهم رسول الله وسهم ذوي ~~القربى مردودان في الخمس، وخمس الغنيمة لثلاثة أصناف اليتامى والمساكين ~~وابن السبيل. # وقال بعضهم: يعطى للفقراء منهم دون الأغنياء. # والكتاب والسنة يدلان على ثبوته، والخلفاء بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~كانوا يعطونه، ولا يفضل فقير على غني لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~والخلفاء بعده كانوا يعطون العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله، فألحقه ~~الشافعي بالميراث الذي يستحق باسم القرابة، غير أنه يعطى القريب والبعيد. ~~وقال: يفضل الذكر على الأنثى فيعطى الرجل سهمين والأنثى سهما واحدا. # قوله: {واليتامى} وهو جمع اليتيم، واليتيم الذي له سهم في الخمس هو ~~الصغير المسلم، الذي لا أب له، إذا كان فقيرا، {والمساكين} هم أهل الفاقة ~~والحاجة من المسلمين، {وابن السبيل} هو المسافر البعيد عن ماله، فهذا مصرف ~~خمس الغنيمة ويقسم أربعة أخماس الغنيمة بين الغانمين الذين شهدوا الوقعة، ~~للفارس منهم ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد، لما: # أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن، أنا عبد الله بن يوسف أنا أبو ~~سعيد بن الأعرابي ثنا سعدان بن نصر ثنا أبو معاوية عن عبيد الله عن عمر عن ~~نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة ~~أسهم: سهما له وسهمين لفرسه" (2) وهذا قول أكثر أهل العلماء وإليه ذهب ~~الثوري، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، والشافعي وأحمد وإسحاق. # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: للفارس سهمان، وللراجل سهم واحد. ~~PageV03P359 # ويرضخ ms1047 (1) للعبيد والنسوان والصبيان إذا حضروا القتال، ويقسم العقار الذي ~~استولى عليه المسلمون كالمنقول. وعند أبي حنيفة: يتخير الإمام في العقار: ~~بين أن يقسمه بينهم، وبين أن يجعله وقفا على المصالح. # وظاهر الآية لا يفرق بين العقار والمنقول. # ومن قتل مشركا في القتال يستحق سلبه من رأس الغنيمة، لما روي عن أبي ~~قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين: "من قتل قتيلا له عليه ~~بينة فله سلبه" (2) . والسلب: كل ما يكون على المقتول من ملبوس وسلاح، ~~وفرسه الذي هو راكبه. # ويجوز للإمام أن ينفل بعض الجيش من الغنيمة، لزيادة عناء وبلاء يكون منهم ~~في الحرب، يخصهم به من بين سائر الجيش ويجعله أسوة الجماعة في سهمان ~~الغنيمة: # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا ~~محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، ~~عن ابن شهاب، عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة ~~الجيش (3) . # وروي عن حبيب بن مسلمة الفهري، قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم نفل ~~الربع في البدأة والثلث في الرجعة (4) . # واختلفوا في أن النفل من أين يعطى؟ فقال قوم: من خمس الخمس، سهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وهو قول سعيد بن المسيب، وبه قال الشافعي، وهذا معنى ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مالي مما أفاء الله عليكم إلا PageV03P360 # الخمس والخمس مردود فيكم" (1) . # وقال قوم: هو من الأربعة الأخماس بعد إفراز الخمس كسهام الغزاة، وهو قول ~~أحمد وإسحاق. # وذهب بعضهم إلى أن النفل من رأس الغنيمة قبل الخمس كالسلب للقاتل. وأما ~~الفيء: وهو ما أصابه المسلمون من أموال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب، ~~بأن صالحهم على مال يؤدونه، ومال الجزية، وما يؤخذ من أموالهم إذا دخلوا ~~دار الإسلام للتجارة، أو يموت واحد منهم في دار الإسلام ولا وارث له، فهذا ms1048 ~~كله فيء. # ومال الفيء كان خالصا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، قال عمر ~~رضي الله عنه: إن الله قد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء ~~بشيء لم يعطه أحدا غيره (2) ثم قرأ: "وما أفاء الله على رسوله منهم" # إلى قوله: "قدير" "الحشر -6"، وكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان ينفق على أهله وعياله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي ~~فيجعله مجعل مال الله عز وجل. # واختلف أهل العلم في مصرف الفيء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ~~قوم: هو للأئمة بعده. وللشافعي فيه قولان: أحدهما، للمقاتلة الذين أثبتت ~~أساميهم في ديوان الجهاد، لأنهم القائمون مقام النبي صلى الله عليه وسلم في ~~إرهاب العدو. والقول الثاني: أنه لمصالح المسلمين، ويبدأ بالمقاتلة فيعطون ~~منه كفايتهم، ثم بالأهم فالأهم من المصالح. # واختلف أهل العلم في تخميس الفيء: فذهب الشافعي إلى أنه يخمس خمسه لأهل ~~الغنيمة، على خمسة أسهم. وأربعة أخماسه للمقاتلة وللمصالح. # وذهب الأكثرون: إلى أن الفيء لا يخمس، بل مصرف جميعه واحد، 149/أولجميع ~~المسلمين فيه حق: # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أنا جدي عبد الصمد بن عبد ~~الرحمن البزاز، أنا محمد بن زكريا العذافري، أنا إسحاق الدبري، ثنا عبد ~~الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان: أنه سمع عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه يقول: "ما على وجه الأرض PageV03P361 # مسلم إلا له في هذا الفيء حق، إلا ما ملكت أيمانكم" (1) . # وأخبرنا أبو سعيد الطاهري أنبأنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز ~~أنبأنا محمد بن زكريا العذافري أنبأنا أبو إسحاق الدبري ثنا عبد الرزاق أنا ~~معمر عن أيوب عن عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس بن الحدثنان قال: قرأ عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه "إنما الصدقات للفقراء والمساكين" حتى بلغ "عليم حكيم" ~~"التوبة -60" فقال: هذه لهؤلاء ثم قرأ: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه" حتى بلغ ms1049 "وابن السبيل"، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ "ما أفاء الله ~~على رسوله من أهل القرى" حتى بلغ "للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا" "الحشر ~~-7 -9" ثم قال: هذه استوعبت المسلمين عامة، فلئن عشت، فليأتين الراعي وهو ~~بسرو حمير نصيبه منها، لم يعرق فيها جبينه" (2) . # قوله تعالى: {إن كنتم آمنتم بالله} قيل: أراد "اعلموا أنما غنمتم من شيء ~~فأن لله خمسه وللرسول" يأمر فيه بما يريد، فاقبلوه إن كنتم آمنتم بالله ~~{وما أنزلنا على عبدنا} أي: إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا على عبدنا، ~~يعني: قوله: "يسألونك عن الأنفال" {يوم الفرقان} يعني يوم بدر، فرق الله ~~بين الحق والباطل وهو {يوم التقى الجمعان} حزب الله وحزب الشيطان، وكان يوم ~~الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، {والله على كل شيء قدير} على نصركم مع ~~قلتكم وكثرتهم. ### || # {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو ~~تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك ~~عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) } # {إذ أنتم} أي: إذ أنتم نزول يا معشر المسلمين، {بالعدوة الدنيا} أي: ~~بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة، والدنيا. تأنيث الأدنى، {وهم} يعني عدوكم ~~من المشركين، {بالعدوة القصوى} PageV03P362 # بشفير الوادي الأقصى من المدينة، والقصوى تأنيث الأقصى. # قرأ ابن كثير وأهل البصرة "بالعدوة" بكسر العين فيهما، والباقون بضمهما، ~~وهما لغتان كالكسوة والكسوة والرشوة والرشوة. {والركب} يعني: العير يريد ~~أبا سفيان وأصحابه، {أسفل منكم} أي: في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر، على ~~ثلاثة أميال من بدر، {ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد} وذلك أن المسلمين ~~خرجوا ليأخذوا العير وخرج الكفار ليمنعوها، فالتقوا على غير ميعاد، فقال ~~تعالى: "ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد"، لقلتكم وكثرة عدوكم، {ولكن} ~~الله جمعكم على غير ميعاد، {ليقضي الله أمرا كان مفعولا} من نصر أوليائه ~~وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه، {ليهلك من هلك عن بينة} أي: ليموت من يموت على ~~بينة رآها وعبرة عاينها وحجة قامت عليه. {ويحيا من حي عن بينة} ms1050 ويعيش من ~~يعيش على بينة لوعده: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" "الإسراء -15) . ~~وقال محمد بن إسحاق: معناه ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه، ويؤمن من آمن ~~على مثل ذلك، فالهلاك هو الكفر، والحياة هي الإيمان. # وقال قتادة: ليضل من ضل عن بينة، ويهدي من اهتدى على بينة. # قرأ أهل الحجاز وأبو بكر ويعقوب: "حيي" ببائين، مثل "خشي" وقرأ الآخرون: ~~بياء واحدة مشددة، لأنه مكتوب بياء واحدة. # {وإن الله لسميع} لدعائكم، {عليم} بنياتكم. ### || # {إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في ~~الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) وإذ يريكموهم إذ التقيتم في ~~أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع ~~الأمور (44) } # قوله تعالى: {إذ يريكهم الله} يريك يا محمد المشركين، {في منامك} أي: ~~نومك. وقال الحسن: في منامك أي في عينك، لأن العين موضع النوم، {قليلا ولو ~~أراكهم كثيرا لفشلتم} لجبنتم {ولتنازعتم} أي: اختلفتم {في الأمر} أي: في ~~الإحجام والإقدام، {ولكن الله سلم} أي سلمكم من المخالفة والفشل، {إنه عليم ~~بذات الصدور} قال ابن عباس: علم ما # PageV03P363 # في صدوركم من الحب لله عز وجل: # {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا} قال مقاتل: وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رأى في المنام أن العدو قليل قبل لقاء العدو، وأخبر أصحابه ~~بما رأى، فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين المؤمنين. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي ~~أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا فقلنا كم كنتم؟ قال: ألفا. # {ويقللكم} يا معشر المؤمنين {في أعينهم} قال السدي: قال ناس من المشركين: ~~إن العير قد انصرفت فارجعوا، فقال أبو جهل: الآن إذا برز لكم محمد وأصحابه؟ ~~فلا ترجعوا حتى تستأصلوهم، إنما محمد وأصحابه أكلة جزور، فلا تقتلوهم، ~~واربطوهم بالحبال -يقوله من القدرة التي في نفسه -: قال الكلبي: استقل ~~بعضهم بعضا ليجترؤا على القتال، فقلل المشركين في أعين المؤمنين لكي ms1051 لا ~~يجبنوا، وقلل المؤمنين في أعين المشركين لكي لا يهربوا، {ليقضي الله أمرا} ~~من إعلاء الإسلام وإعزاز أهله وإذلال الشرك وأهله. {كان مفعولا} كائنا، ~~{وإلى الله ترجع الأمور} ### || # {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون (45) } # {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله ~~مع الصابرين (46) } # قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة} أي: جماعة كافرة ~~{فاثبتوا} لقتالهم، {واذكروا الله كثيرا} أي: ادعوا الله بالنصر والظفر ~~بهم، {لعلكم تفلحون} أي: كونوا على رجاء الفلاح. # قوله تعالى: {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا} لا تختلفوا، {فتفشلوا} ~~أي: تجبنوا وتضعفوا، {وتذهب ريحكم} قال مجاهد: نصرتكم. وقال السدي: جراءتكم ~~وجدكم. وقال مقاتل بن حيان: حدتكم. وقال النضر بن شميل: قوتكم. وقال ~~الأخفش: دولتكم. والريح ها هنا كناية عن نفاذ الأمر وجريانه على المراد، ~~تقول العرب: هبت ريح فلان إذا أقبل أمره على ما يريد. # قال قتادة وابن زيد: هو ريح النصر لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله عز ~~وجل تضرب وجوه العدو. # PageV03P364 # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور" ~~(1) . # وعن النعمان بن مقرن قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا ~~لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر (2) . # قوله عز وجل: {واصبروا إن الله مع الصابرين} أخبرنا عبد الواحد بن أحمد ~~المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن ~~إسماعيل، ثنا عبد الله بن محمد، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا أبو إسحاق، عن ~~موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله وكان كاتبا له قال: ~~كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى فقرأته أن رسول 149/ب الله صلى الله عليه ~~وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في ~~الناس فقال: "يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا ~~لقيتموهم ms1052 فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"، ثم قال: اللهم منزل ~~الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم" (3) . ### || # {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل ~~الله والله بما يعملون محيط (47) وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب ~~لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال ~~إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48) } # قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا} فخرا وأشرا، ~~{ورئاء الناس} قال الزجاج: البطر الطغيان في النعمة وترك شكرها، والرياء: ~~إظهار الجميل ليرى وإبطان القبيح، {ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون ~~محيط} نزلت في المشركين حين أقبلوا إلى بدر ولهم PageV03P365 # بغي وفخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم هذه قريش قد أقبلت ~~بخيلائها وفخرها تجادلك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني"، قالوا: لما ~~رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش إنكم إنما خرجتم لتمنعوا ~~عيركم فقد نجاها الله، فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، ~~وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام، فنقيم بها ثلاثا ~~فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا ~~العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا، فوافوها فسقوا +كئوس المنايا مكان الخمر، ~~وناحت عليهم النوائح مكان القيان، فنهى الله عباده المؤمنين أن يكونوا ~~مثلهم وأمرهم بإخلاص النية والحسبة في نصر دينه ومؤازرة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم (1) . # قوله تعالى: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم} وكان تزيينه أن قريشا لما ~~اجتمعت للسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من الحرب، فكاد ذلك أن يثنيهم ~~فجاء إبليس في جند من الشياطين معه رايته، فتبدى لهم في صورة سراقة بن مالك ~~بن جعشم، {وقال} لهم {لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} أي: مجير ~~لكم من كنانة، {فلما تراءت الفئتان} أي التقى الجمعان رأى إبليس الملائكة ~~نزلوا من ms1053 السماء علم أنه لا طاقة له بهم، {نكص على عقبيه} قال الضحاك: ولى ~~مدبرا. وقال النضر بن شميل: رجع القهقرى على قفاه هاربا. قال الكلبي: لم ~~التقوا كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة آخذا بيد الحارث بن هشام، ~~فنكص على عقبيه، فقال له الحارث: أفرارا من غير قتال؟ فجعل يمسكه فدفع في ~~صدره وانطلق وانهزم الناس، فلما قدموا مكة قالوا هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك ~~سراقة، فقال: بلغني أنكم تقولون: إني هزمت الناس، فوالله ما شعرت بمسيركم، ~~حتى بلغني هزيمتكم! فقالوا: أما أتيتنا في يوم كذا؟ فحلف لهم. فلما أسلموا ~~علموا أن ذلك كان الشيطان. # قال الحسن في قوله: {وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون} قال: رأى ~~إبليس جبريل متعجرا ببرد يمشي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي يده ~~اللجام يقود الفرس، ما ركب. # وقال قتادة: كان إبليس يقول: إني أرى ما لا ترون وصدق. وقال {إني أخاف ~~الله} وكذب والله ما به من مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة به ولا منعة ~~فأوردهم وأسلمهم، وذلك عادة عدو الله لمن أطاعه، إذا التقى الحق والباطل ~~أسلمهم وتبرأ منهم. # وقال عطاء: إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك. PageV03P366 # وقال الكلبي: خاف أن يأخذه جبريل عليه السلام ويعرف حاله فلا يطيعوه. # وقيل: معناه إني أخاف الله أي أعلم صدق وعده لأوليائه لأنه كان على ثقة ~~من أمره. # {والله شديد العقاب} وقيل: معناه إني أخاف الله عليكم والله شديد العقاب. ~~وقيل: انقطع الكلام عند قوله أخاف الله ثم يقول الله: والله شديد العقاب. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا ~~أبو مصعب، عن مالك، عن إبراهيم بن أبي علية، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ~~ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل ~~الرحمة وتجاوز ms1054 الله تعالى عن الذنوب العظام، إلا ما كان من يوم بدر"، فقيل: ~~وما رأى يوم بدر؟ قال: "أما إنه قد رأى جبريل عليه السلام وهو يزع ~~الملائكة". هذا حديث مرسل (1) . ### || # {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على ~~الله فإن الله عزيز حكيم (49) ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق (50) } # قوله تعالى: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض} شك ونفاق، {غر ~~هؤلاء دينهم} يعني: غر المؤمنين دينهم، هؤلاء قوم كانوا مستضعفين بمكة قد ~~أسلموا، وحبسهم أقرباؤهم من الهجرة، فلما خرجت قريش إلى بدر، أخرجوهم كرها، ~~فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا وارتدوا، وقالوا: غر هؤلاء دينهم، ~~فقتلوا جميعا، منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن ~~المغيرة المخزوميان، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بن أمية بن ~~خلف الجمحي، والعاص بن منبه بن الحجاج. قال الله تعالى: {ومن يتوكل على ~~الله} أي: ومن يسلم أمره إلى الله ويثق به، {فإن الله عزيز} قوي يفعل ~~بأعدائه ما يشاء، {حكيم} # {ولو ترى} يا محمد، {إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون} أي: يقبضون ~~أرواحهم. اختلفوا فيه، قيل: هذا عند الموت، تضرب الملائكة وجوه الكفار ~~وأدبارهم بسياط النار. PageV03P367 # وقيل: أراد الذين قتلوا من المشركين ببدر كانت الملائكة يضربون، {وجوههم ~~وأدبارهم} قال سعيد بن جبير ومجاهد: يريد أستاههم، ولكن الله حيي يكني. قال ~~ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربت الملائكة ~~وجوههم بالسيوف، وإذا ولو أدركتهم الملائكة فضربوا أدبارهم. # وقال ابن جريج: يريد ما أقبل منهم وما أدبر، أي: يضربون أجسادهم كلها، ~~والمراد بالتوفي: القتل. {وذوقوا عذاب الحريق} أي: وتقول لهم الملائكة: ~~ذوقوا عذاب الحريق. وقيل: كان مع الملائكة مقامع من حديد يضربون بها ~~الكفار، فتلتهب النار في جراحاتهم، فذلك قوله تعالى: "وذوقوا عذاب الحريق". ~~وقال الحسن: هذا يوم القيامة تقول لهم خزنة جهنم: ذوقوا عذاب الحريق. وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: يقولون لهم ms1055 ذلك بعد الموت. ### || # {ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (51) كدأب آل فرعون ~~والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد ~~العقاب (52) } # {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~وأن الله سميع عليم (53) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم ~~فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54) } # {ذلك} أي: ذلك الضرب الذي وقع بكم، {بما قدمت أيديكم} أي: بما كسبت ~~أيديكم، {وأن الله ليس بظلام للعبيد} # {كدأب آل فرعون} كفعل آل فرعون وصنيعهم وعادتهم، معناه: أن عادة هؤلاء في ~~كفرهم كعادة آل فرعون. قال ابن عباس: هو أن آل فرعون أيقنوا أن موسى نبي من ~~الله فكذبوه، كذلك هؤلاء جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق فكذبوه، ~~فأنزل الله بهم عقوبة كما أنزل بآل فرعون. 150/أ {والذين من قبلهم} أي: ~~{كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب} # {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} ~~أراد: أن الله تعالى لا يغير ما أنعم على قوم حتى يغيروا هم ما بهم، ~~بالكفران وترك الشكر، فإذا فعلوا ذلك غير الله ما بهم، فسلبهم النعمة. # PageV03P368 # وقال السدي: نعمة الله محمد صلى الله عليه وسلم أنعم الله به على قريش ~~وأهل مكة، فكذبوه وكفروا به فنقله الله إلى الأنصار، {وأن الله سميع عليم} # {كدأب آل فرعون} كصنع آل فرعون، {والذين من قبلهم} من كفار الأمم، {كذبوا ~~بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم} أهلكنا بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم ~~بالمسخ وبعضهم بالريح وبعضهم بالغرق، فكذلك أهلكنا كفار بدر بالسيف، لما ~~كذبوا بآيات ربهم، {وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين} يعني: الأولين ~~والآخرين. ### || # {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) الذين عاهدت منهم ~~ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56) فإما تثقفنهم في الحرب فشرد ~~بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ ms1056 إليهم على ~~سواء إن الله لا يحب الخائنين (58) } # {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون} قال الكلبي ومقاتل: ~~يعني يهود بني قريظة، منهم كعب بن الأشرف وأصحابه. # {الذين عاهدت منهم} يعني عاهدتهم وقيل: أي: عاهدت معهم. وقيل أدخل "من" ~~لأن معناه: أخذت منهم العهد، {ثم ينقضون عهدهم في كل مرة} وهم بنو قريظة، ~~نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعانوا ~~المشركين بالسلاح على قتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم قالوا: ~~نسينا وأخطأنا فعاهدهم الثانية، فنقضوا العهد +ومالئوا الكفار على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة، فوافقهم ~~على مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، {وهم لا يتقون} لا يخافون الله تعالى ~~في نقض العهد. # {فإما تثقفنهم} تجدنهم، {في الحرب} قال مقاتل: إن أدركتهم في الحرب ~~وأسرتهم، {فشرد بهم من خلفهم} قال ابن عباس: فنكل بهم من ورائهم. وقال سعيد ~~بن جبير: أنذر بهم من خلفهم. وأصل التشريد: التفريق والتبديد، معناه فرق ~~بهم جمع كل ناقض، أي: افعل بهؤلاء الذين نقضوا عهدك وجاءوا لحربك فعلا من ~~القتل والتنكيل، يفرق منك ويخافك من خلفهم من أهل مكة واليمن، {لعلهم ~~يذكرون} يتذكرون ويعتبرون فلا ينقضون العهد. # PageV03P369 # {وإما تخافن} أي: تعلمن يا محمد، {من قوم} معاهدين، {خيانة} نقض عهد بما ~~يظهر لكم منهم آثار الغدر كما ظهر من قريظة والنضير، {فانبذ إليهم} فاطرح ~~إليهم عهدهم، {على سواء} يقول: أعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد ~~بينك وبينهم حتى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواء، فلا [يتوهموا] (1) ~~أنك نقضت العهد بنصب الحرب معهم، {إن الله لا يحب الخائنين} # أخبرنا محمد بن الحسن المروزي، أنا أبو سهل محمد بن عمر بن طرفة السجزي، ~~أنا أبو سليمان الخطابي أنا أبو بكر محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق بن ~~داسة التمار، ثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، ثنا حفص بن عمر ~~النمري، ثنا شعبة ms1057 عن أبي الفيض عن [سليم] (2) بن عامر عن رجل من حمير قال: ~~كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد ~~غزاهم، فجاء رجل على فرس وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، وفاء لا غدر، فنظر ~~فإذا هو عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها ~~حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء". فرجع معاوية رضي الله عنه (3) . ### || # {ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) وأعدوا لهم ما استطعتم ~~من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا ~~تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا ~~تظلمون (60) } # قوله عز وجل: {ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا} قرأ أبو جعفر وابن عامر ~~وحمزة وحفص "يحسبن" بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، "سبقوا" أي: فأتوا، نزلت ~~في الذين انهزموا يوم بدر من المشركين. فمن قرأ بالياء يقول "لا يحسبن ~~الذين كفروا" أنفسهم سابقين فائتين في عذابنا، ومن قرأ PageV03P370 # بالتاء فعلى الخطاب. قرأ ابن عامر: {أنهم لا يعجزون} بفتح الألف، أي: ~~لأنهم لا يعجزون، ولا يفوتونني. وقرأ الآخرون بكسر الألف على الابتداء. # قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} الإعداد: اتخاذ الشيء لوقت ~~الحاجة. {من قوة} أي: من الآلات التي تكون لكم قوة عليهم من الخيل والسلاك. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أنا محمد بن ~~عيسى الجلودي، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم بن الحجاج ثنا هارون ~~بن معروف ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي علي، ثمامة بن شفى أنه ~~سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وهو على ~~المنبر: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة ~~الرمي، ألا إن القوة الرمي" (1) . # وبهذا الإسناد قال: سمعت ms1058 رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ستفتح عليكم ~~الروم ويكفيكم الله عز وجل فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبو نعيم، ثنا عبد الرحمن بن الغسيل، عن ~~حمزة بن أبي أسيد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ~~حين صففنا لقريش وصفوا لنا: "إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل" (3) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان، ثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، ثنا حميد بن ~~زنجويه، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا هشام الدستوائي عن قتادة عن سالم ~~بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي نجيح السلمي قال: حاصرنا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم الطائف فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من ~~بلغ بسهم في سبيل الله فهو له درجة في الجنة"، قال: فبلغت يومئذ ستة عشر ~~سهما. وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رمى بسهم في سبيل الله ~~فهو عدل محرر" (4) . PageV03P371 # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران، ~~أنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا أحمد بن منصور الرمادي، ثنا عبد الرزاق، ~~أنا معمر، عن يحيى بن كثير، عن زيد بن سلام، عن عبد الله بن زيد بن الأزرق ~~عن عقبة بن عامر الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يدخل ~~بالسهم الواحد الجنة ثلاثة: صانعه، والممد به، والرامي به في سبيل الله" ~~(1) . # وروي عن خالد بن زيد عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة: صانعه يحتسب في ~~صنعته الخير، والرامي به ومنبله، وارموا واركبوا، وإن ترموا أحب 150/ب إلي ~~من أن تركبوا، كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه ms1059 فرسه ~~وملاعبته امرأته فإنهن من الحق. ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنه ~~نعمة تركها أو قال كفرها" (2) . # قوله: {ومن رباط الخيل} يعني: ربطها واقتناؤها للغزو. وقال عكرمة: القوة ~~الحصون ومن رباط الخيل الإناث. وروي عن خالد بن الوليد أنه كان لا يركب في ~~القتال إلا الإناث لقلة صهيلها. وعن أبي محيريز قال: كان الصحابة رضي الله ~~عنهم يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف وإناث الخيل عند البيات والغارات. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبو نعيم، ثنا زكريا عن ~~عامر، ثنا عروة البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الخيل معقود في ~~نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم" (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن ~~يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا علي بن حفص، ثنا ابن المبارك، ثنا طلحة بن ~~أبي سعيد قال: سمعت سعيدا المقبري يحدث أنه سمع أبا هريرة يقول: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا وتصديقا بوعده، ~~فإن شبعه، وريه، وروثه، وبوله في ميزانه يوم القيامة" (4) . PageV03P372 # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي، ~~أنبأنا أبو مصعب، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الخيل ثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وهي ~~لرجل وزر، فأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال لها في مرج ~~أو روضة فما أصابت في طيلها من ذلك المرج أو الروضة كان له حسنات، ولو أنها ~~قطعت طيلها ذلك فاستنت شرفا أو شرفين، كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو ~~أنها مرت بنهر فشربت منه، ولم يرد أن يسقيها كان ذلك له حسنات، فهي لذلك ~~الرجل أجر، وأما التي هي له ستر: فرجل ربطها تغنيا وتعففا، ثم لم ينس حق ~~الله في ظهورها ms1060 ولا رقابها، فهي له ستر، وأما التي هي له وزر: فرجل ربطها ~~فخرا ورياء، ونواء لأهل الإسلام، فهي على ذلك وزر" وسئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الحمر فقال: "ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة ~~الفاذة: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" (1) ~~{ترهبون به} تخوفون {عدو الله وعدوكم وآخرين} أي: وترهبون آخرين، {من دونهم ~~لا تعلمونهم الله يعلمهم} قال مجاهد ومقاتل وقتادة: هم بنو قريظة. وقال ~~السدي: هم أهل فارس. وقال الحسن وابن زيد: هم المنافقون، لا تعلمونهم، ~~لأنهم معكم يقولون: لا إله إلا الله. وقيل: هم كفار الجن. # {وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم} يوفى لكم أجره، {وأنتم لا ~~تظلمون} لا تنقص أجوركم. ### || # {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61) } # {وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) ~~وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ~~ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين (64) } # قوله تعالى: {وإن جنحوا للسلم} أي: مالوا إلى الصلح، {فاجنح لها} أي: مل ~~إليها وصالحهم. روي عن قتادة والحسن: أن هذه الآية منسوخة (1) بقوله تعالى: ~~"فاقتلوا المشركين حيث PageV03P373 # وجدتموهم" "براءة -5" {وتوكل على الله} ! ثم بالله، {إنه هو السميع ~~العليم} # {وإن يريدوا أن يخدعوك} يغدروا ويمكروا بك. قال مجاهد: يعني بني قريظة. ~~{فإن حسبك الله} كافيك الله، {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} أي: ~~بالأنصار. # {وألف بين قلوبهم} أي: بين الأوس والخزرج، كانت بينهم إحن وثارات في ~~الجاهلية، فصيرهم الله إخوانا بعد أن كانوا أعداء، {لو أنفقت ما في الأرض ~~جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} # قوله تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} قال سعيد ~~بن جبير: أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست ~~نسوة، ثم ms1061 أسلم عمر بن الخطاب فتم به الأربعون، فنزلت هذه الآية (1) . # واختلفوا في محل "من" فقال أكثر المفسرين محله خفض، عطفا على الكاف في ~~قوله: "حسبك الله" وحسب من اتبعك، وقال بعضهم: هو رفع عطفا على اسم الله ~~معناه: حسبك الله ومتبعوك من المؤمنين. ### || # {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ~~(65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66) ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد ~~الآخرة والله عزيز حكيم (67) } # قوله تعالى: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} أي: حثهم على ~~القتال. PageV03P374 # {إن يكن منكم عشرون} رجلا {صابرون} محتسبون، {يغلبوا مائتين} من عدوهم ~~يقهروهم، {وإن يكن منكم مائة} صابرة محتسبة، {يغلبوا ألفا من الذين كفروا} ~~ذلك {بأنهم قوم لا يفقهون} أي: إن المشركون يقاتلون على غير احتساب ولا طلب ~~ثواب، ولا يثبتون إذا صدقتموهم القتال، خشية أن يقتلوا. وهذا خبر بمعنى ~~الأمر، وكان هذا يوم بدر فرض الله على الرجل الواحد من المؤمنين قتال عشرة ~~من الكافرين، فثقلت على المؤمنين، فخفف الله عنهم، فنزل: # {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} أي: ضعفا في الواحد عن قتال ~~العشرة وفي المائة عن قتال الألف، وقرأ أبو جعفر: "ضعفاء" بفتح العين والمد ~~على الجمع، وقرأ الآخرون بسكون العين، {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين} من الكفار، {وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع ~~الصابرين} فرد من العشرة إلى الاثنين، فإن كان المسلمون على الشطر من عدوهم ~~لا يجوز لهم أن يفروا. # وقال سفيان قال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل ~~هذا. # قرأ أهل الكوفة: "وإن يكن منكم مائة"، بالياء فيهما وافق أهل البصرة في ~~الأول والباقون بالتاء ms1062 فيهما. وقرأ عاصم وحمزة "ضعفاء" بفتح الضاد هاهنا ~~وفي سورة الروم، والباقون بضمها. # وقوله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} قرأ أبو جعفر وأهل البصرة: ~~"تكون" بالتاء والباقون بالياء، وقرأ أبو جعفر: "أسارى"، والآخرون. "أسرى". # وروى الأعمش عن عمر بن مرة عن أبي عبيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله ~~عنه قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "ما تقولون في هؤلاء"؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك ~~فاستبقهم +واستأن بهم، لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية، تكون لنا ~~قوة على الكفار، وقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك قدمهم ~~نضرب أعناقهم، مكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، ومكني من فلان -نسيب لعمر ~~-فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر، 151/أوقال عبد الله بن رواحة يا رسول ~~الله انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرم عليهم نارا. فقال له ~~العباس: قطعت رحمك. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم، ثم دخل، ~~فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ ~~بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "إن الله تعالى ~~ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من ~~الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: "فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم" # PageV03P375 # "إبراهيم -36"، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى حيث قال: "إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" "المائدة -118"، وإن مثلك يا ~~عمر مثل نوح حيث قال: "رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا" "نوح -26"، ~~ومثل موسى قال: "ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم" "يونس -88"، ثم ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتم اليوم عالة فلا يفلتن منهم أحد ~~إلا بفداء أو ضرب عنق"، قال عبد الله ابن مسعود إلا سهيل بن بيضاء ms1063 فإني ~~سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيتني في يوم ~~أخوف من أن تقع علي الحجارة من السماء من ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إلا سهيل بن بيضاء" (1) . قال ابن عباس: قال عمر بن ~~الخطاب فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، ~~فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين ~~[يبكيان] (2) قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت ~~بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى ~~من هذه الشجرة، لشجرة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله ~~تعالى: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض" إلى قوله: "فكلوا ~~مما غنمتم حلالا طيبا" "الأنفال 67 -69" فأحل الله الغنيمة لهم (3) . ~~بقوله: "له أسرى" جمع أسير مثل قتلى وقتيل. # قوله: {حتى يثخن في الأرض} أي: يبالغ في قتال المشركين وأسرهم، {تريدون} ~~أيها المؤمنون {عرض الدنيا} بأخذكم الفداء، {والله يريد الآخرة} يريد لكم ~~ثواب الآخرة بقهركم المشركين ونصر دين الله عز وجل، "والله عزيز حكيم". # وكان الفداء لكل أسير أربعين أوقية، والأوقية أربعون درهما. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، ~~فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله في الأسارى "فإما منا بعد وإما فداء"، ~~"محمد -4" فجعل الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أمر ~~الأسارى بالخيار إن شاءوا قتلوهم وإن شاءوا استبعدوهم، وإن شاءوا فادوهم، ~~PageV03P376 # وإن شاءوا أعتقوهم (1) . ### || # {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) فكلوا مما غنمتم ~~حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (69) } # قوله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق} قال ابن عباس: كانت الغنائم حراما ~~على الأنبياء والأمم فكانوا إذا ms1064 أصابوا شيئا من الغنائم [جعلوه] (2) ~~للقربان، فكانت تنزل نار من السماء فتأكله، فلما كان يوم بدر أسرع المؤمنون ~~في الغنائم وأخذوا الفداء، فأنزل الله عز وجل: "لولا كتاب من الله سبق" (3) ~~يعني لولا قضاء من الله سبق في اللوح المحفوظ بأنه يحل لكم الغنائم. # وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب ~~أحدا ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم (4) . # وقال ابن جريج: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى ~~يبين لهم ما يتقون، وأنه لا يأخذ قوما فعلوا أشياء بجهالة (5) {لمسكم} لنا ~~لكم وأصابكم، {فيما أخذتم} من الفداء قبل أن تؤمروا به، {عذاب عظيم} # قال ابن إسحاق: لم يكن من المؤمنين أحد ممن أحضر إلا حب الغنائم إلا عمر ~~بن الخطاب فإنه أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الأسرى، وسعد ~~بن معاذ قال: يا رسول الله كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء ~~الرجال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو نزل عذاب من السماء ما نجا ~~منه غير عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ" (6) . # فقال الله تعالى: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور ~~رحيم} روي أنه لما نزلت الآية الأولى كف أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أيديهم عما أخذوا من الفداء فنزل: {فكلوا مما غنمتم} PageV03P377 # الآية. وروينا عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي" (1) . # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أنا أبو طاهر الزيادي، أنا محمد بن الحسين ~~القطان، ثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن همام، ~~ثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله: "لم تحل الغنائم لأحد من قبلنا، وذلك ~~بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا". (2) . PageV03P378 ### || # {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ~~يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ms1065 ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) وإن يريدوا خيانتك ~~فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71) } # قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} قرأ أبو عمرو ~~وأبو جعفر: "من الأسارى" بالألف، والباقون بلا ألف. # نزلت في العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وكأن أسر يوم بدر، وكان أحد ~~العشرة الذين ضمنوا طعام أهل بدر، وكان يوم بدر نوبته، وكان خرج بعشرين ~~أوقية من الذهب ليطعم بها الناس، فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا [وبقيت] ~~(1) العشرون أوقية معه، فأخذت منه في الحرب، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يحتسب العشرين أوقية من فدائه فأبى وقال: "أما شيء خرجت تستعين به علينا ~~فلا أتركه لك" وكلف فداء ابني أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فقال ~~العباس: يا محمد تركتني أتكفف قريشا ما بقيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: إني ~~لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي حدث فهو لك ولعبد الله ولعبيد ~~الله وللفضل وقثم"، يعني نبيه، فقال له العباس: وما يدريك؟ قال: أخبرني به ~~ربي عز وجل، قال العباس: أشهد أنك صادق! وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ~~ورسوله، ولم يطلع عليه أحد إلا الله عز وجل، فذلك قوله تعالى: "يا أيها ~~النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى" الذين أخذت منهم الفداء، {إن يعلم الله ~~في قلوبكم خيرا} أي إيمانا، {يؤتكم خيرا مما أخذ منكم} من الفداء، {ويغفر ~~لكم} PageV03P378 # ذنوبكم {والله غفور رحيم} [قال العباس رضي الله عنه] (1) فأبدلني الله ~~عنها عشرين عبدا 151/ب كلهم تاجر يضرب بمال كثير وأدناهم يضرب بعشرين ألف ~~درهم مكان عشرين أوقية، وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل ~~مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي عز وجل (2) . # قوله عز وجل: {وإن يريدوا خيانتك} يعني الأسارى، {فقد خانوا الله من قبل ~~فأمكن منهم} ببدر، ms1066 {والله عليم حكيم} قال ابن جريج: أراد بالخيانة الكفر، ~~أي: إن كفروا بك فقد كفروا بالله من قبل فأمكن منهم المؤمنين ببدر حتى ~~قتلوهم وأسروهم، وهذا تهديد لهم إن عادوا إلى قتال المؤمنين ومعاداتهم. ### || # {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ~~آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72) والذين كفروا بعضهم ~~أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (73) والذين آمنوا ~~وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا ~~لهم مغفرة ورزق كريم (74) } # قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا} أي: هجروا قومهم وديارهم، يعني ~~المهاجرين. {وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا} رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه، أي: أسكنوهم منازلهم، {ونصروا} أي: ~~ونصروهم على أعدائهم وهم الأنصار رضي الله عنهم، {أولئك بعضهم أولياء بعض} ~~دون أقربائهم من الكفار. قيل: في العون والنصرة. وقال ابن عباس: في الميراث ~~وكانوا يتوارثون بالهجرة، فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون دون ذوي ~~الأرحام، وكان من آمن ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر حتى كان فتح مكة ~~وانقطعت الهجرة، وتوارثوا بالأرحام حيث PageV03P379 # ما كانوا، وصار ذلك منسوخا بقوله عز وجل: (1) "وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله" "الأحزاب -6" {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء} يعني الميراث، {حتى يهاجروا} قرأ حمزة: "ولا يتهم" بكسر ~~الواو، والباقون بالفتح، وهما واحد كالدلالة والدلالة. {وإن استنصروكم في ~~الدين} أي: استنصركم المؤمنون الذين لم يهاجروا، {فعليكم النصر إلا على قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق} عهد فلا تنصروهم عليهم، {والله بما تعملون بصير} # {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} في العون والنصرة. وقال ابن عباس: في ~~الميراث، أي: يرث المشركون بعضهم من بعض، {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض} ~~قال ابن عباس: إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم ms1067 به. # وقال ابن جريج: إلا تعاونوا وتناصروا. # وقال ابن إسحاق: جعل الله المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون من ~~سواهم، وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض، ثم قال: {إلا تفعلوه} وهو أن يتولى ~~المؤمن الكافر دون المؤمن {تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} فالفتنة في الأرض ~~قوة الكفر، والفساد الكبير ضعف الإسلام. # {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم ~~المؤمنون حقا} لا مرية ولا ريب في إيمانهم. قيل: حققوا إيمانهم بالهجرة ~~والجهاد وبذل المال في الدين، {لهم مغفرة ورزق كريم} في الجنة. فإن قيل: أي ~~معنى في تكرار هذه الآية؟ قيل: المهاجرون كانوا على طبقات: فكان بعضهم أهل ~~الهجرة الأولى، وهم الذي هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل الهجرة الثانية، ~~وهم الذين هاجروا بعد صلح الحديبية قبل فتح مكة، وكان بعضهم ذا هجرتين هجرة ~~الحبشة والهجرة إلى المدينة، فالمراد من الآية الأولى الهجرة الأولى، ومن ~~الثانية الهجرة الثانية. ### || # {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم (75) } # قوله: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} أي: معكم، ~~يريد: أنتم PageV03P380 # منهم وهو منكم، {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} وهذا نسخ التوارث ~~بالهجرة ورد الميراث إلى ذوي الأرحام. # قوله {في كتاب الله} أي: في حكم الله عز وجل. وقيل: أراد بكتاب الله ~~القرآن، يعني: القسمة التي بينها في سورة النساء، {إن الله بكل شيء عليم} # PageV03P381 ### | سورة التوبة # قال مقاتل: هذه السورة مدنية إلا آيتين من آخر السورة. # قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: هي الفاضحة ما زالت ~~تنزل: "ومنهم.."، "ومنهم.." حتى ظنوا أنها لم تبق أحدا منهم إلا ذكر فيها، ~~قال: قلت سورة الأنفال؟ قال: تلك سورة بدر، قال: قلت: سورة الحشر؟ قال: قل ~~سورة بني النضير (1) . # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنا أبو إسحاق أحمد بن محمد ~~إبراهيم الثعلبي، أنبأنا أبو الحسين علي بن محمد بن ms1068 الحسين الجرجاني، ~~أنبأنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، أنبأنا أحمد بن علي بن المثنى، ~~حدثنا عبيد الله القواريري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا عوف بن أبي جميلة ~~الأعرابي، حدثني يزيد الفارسي، حدثني ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت ~~لعثمان بن عفان رضي الله عنه: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من ~~المثاني، وإلى براءة، وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما "بسم ~~الله الرحمن الرحيم" ووضعتموها في السبع الطوال؟. # فقال عثمان: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يأتي عليه الزمان، ~~وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فإذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب ~~عنده، فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت ~~الأنفال مما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل، وكانت قصتها شبيهة ~~بقصتها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، فمن ثم ~~قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها في السبع ~~الطوال (2) . PageV04P007 ### || # {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين (2) } # قوله تعالى: {براءة من الله ورسوله} أي هذه براءة من الله. وهي مصدر ~~كالنشاءة والدناءة. # قال المفسرون: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، كان ~~المنافقون يرجفون الأراجيف وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الله عز وجل بنقض عهودهم، وذلك قوله عز ~~وجل: "وإما تخافن من قوم خيانة" الآية (الأنفال -58) . # قال الزجاج: براءة أي: قد برئ الله تعالى ورسوله من إعطائهم العهود ~~والوفاء لهم بها إذا نكثوا. # {إلى الذين عاهدتم من المشركين} الخطاب مع أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي عاهدهم وعاقدهم، لأنه ~~عاهدهم وأصحابه راضون بذلك، فكأنهم عاقدوا وعاهدوا. # {فسيحوا في الأرض} رجع من الخبر إلى الخطاب، أي: ms1069 قل لهم: سيحوا، أي: ~~سيروا في الأرض، مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين أحدا من المسلمين. ~~{أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله} أي: غير فائتين ولا سابقين، {وأن ~~الله مخزي الكافرين} أي: مذلهم بالقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة. # واختلف العلماء في هذا التأجيل وفي هؤلاء الذين برئ الله ورسوله إليهم من ~~العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم: # فقال جماعة: هذا تأجيل من الله تعالى 152/أللمشركين، فمن كانت مدة عهده ~~أقل من أربعة # PageV04P008 # أشهر: رفعه إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر: حطه ~~إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدة عهده بغير أجل محدود: حده بأربعة أشهر، ثم هو ~~حرب بعد ذلك لله ورسوله، فيقتل حيث أدرك ويؤسر إلا أن يتوب (1) . # وابتداء هذا الأجل: يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه إلى عشر من شهر ربيع ~~الآخر. # فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك خمسون يوما. ~~وقال الزهري: الأشهر الأربعة شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم (2) لأن ~~هذه الآية نزلت في شوال، والأول هو الأصوب، وعليه الأكثرون. # وقال الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان له عهد دون أربعة أشهر، ~~فأتم له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد أكثر من أربعة أشهر فهذا أمر ~~بإتمام عهده بقوله تعالى: "فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم". (3) قال الحسن: ~~أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بقتال من قاتله من المشركين، ~~فقال: "قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم" فكان لا يقاتل إلا من قاتله، ~~ثم أمره بقتال المشركين والبراءة منهم، وأجلهم أربعة أشهر، فلم يكن لأحد ~~منهم أجل أكثر من أربعة أشهر، لا من كان له عهد قبل البراءة ولا من لم يكن ~~له عهد، فكان الأجل لجميعهم أربعة أشهر، وأحل دماء جميعهم من أهل العهد ~~وغيرهم بعد انقضاء الأجل. # وقيل: نزلت هذه قبل تبوك. # قال محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما: نزلت في أهل مكة، وذلك أن رسول الله ~~صلى الله ms1070 عليه وسلم عاهد قريشا عام الحديبية على: أن يضعوا الحرب عشر سنين ~~يأمن فيها الناس، ودخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل ~~بنو بكر في عهد قريش، ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالت منها، وأعانتهم قريش ~~بالسلاح، فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم، خرج عمرو بن ~~سالم الخزاعي، حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # لا هم إني ناشد محمدا %~% حلف أبينا وأبيه الأتلدا # فانصر هداك الله نصرا أبدا %~% وادع عباد الله يأتوا مددا # أبيض مثل الشمس يسمو صعدا %~% إن سيم خسفا وجهه تربدا # هم بيتونا بالهجير هجدا %~% وقتلونا ركعا وسجدا # كنت لنا أبا وكنا ولدا %~% ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا # فيهم رسول الله قد تجردا %~% في فيلق كالبحر يجري مزبدا # إن قريشا أخلفوك الموعدا %~% ونقضوا ميثاقك المؤكدا # وزعموا أن لست تنجي أحدا %~% وهم أذل وأقل عددا PageV04P009 # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نصرت إن لم أنصركم"، وتجهز إلى ~~مكة سنة ثمان من الهجرة. # فلما كان سنة تسع أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج، ثم قال: إنه ~~يحضر المشركون فيطوفون عراة، فبعث أبا بكر تلك السنة أميرا على الموسم ~~ليقيم للناس الحج، وبعث معه بأربعين آية من صدر براءة ليقرأها على أهل ~~الموسم، ثم بعث بعده عليا، كرم الله وجهه، على ناقته العضباء ليقرأ على ~~الناس صدر براءة، وأمره أن يؤذن بمكة ومنى وعرفة: أن قد برئت ذمة الله وذمة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم من كل مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. # فرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء؟ قال: ~~لا ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي، أما ترضى يا أبا بكر ~~أنك كنت معي في الغار وأنك صاحبي على الحوض؟ قال: بلى يا رسول الله. # فسار أبو بكر رضي الله عنه أميرا على الحج، وعلي رضي الله عنه ليؤذن ~~ببراءة، فلما ms1071 كان قبل يوم التروية بيوم خطب أبو بكر الناس وحدثهم عن ~~مناسكهم، وأقام للناس الحج، والعرب في تلك السنة على منازلهم التي كانوا ~~عليها في الجاهلية من الحج، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب كرم ~~الله وجهه، فأذن في الناس بالذي أمر به، وقرأ عليهم سورة براءة (1) . # وقال زيد بن يثيع (2) سألنا عليا بأي شيء بعثت في تلك الحجة؟ قال: بعثت ~~بأربع: لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ~~عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة PageV04P010 # أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد ~~عامهم هذا (1) . # ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع. # فإن قال قائل: كيف بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله ~~عنه ثم عزله وبعث عليا رضي الله عنه؟. # قلنا: ذكر العلماء أن رسول الله لم يعزل أبا بكر رضي الله عنه، وكان هو ~~الأمير، وإنما بعث عليا رضي الله عنه لينادي بهذه الآيات، وكان السبب فيه: ~~أن العرب تعارفوا فيما بينهم في عقد العهود ونقضها، أن لا يتولى ذلك إلا ~~سيدهم، أو رجل من رهطه، فبعث عليا رضي الله عنه إزاحة للعلة، لئلا يقولوا: ~~هذا خلاف ما نعرفه فينافي نقض العهد. # والدليل على أن أبا بكر رضي الله عنه كان هو الأمير: ما أخبرنا عبد ~~الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، ~~حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن ~~أخي ابن شهاب، عن عمه، أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني ~~أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر نؤذن بمنى: ألا لا ~~يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد بن عبد الرحمن: ثم ~~أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو ~~هريرة فأذن ms1072 معنا علي في أهل منى يوم النحر: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا ~~يطوف بالبيت عريان (2) . ### || # {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من ~~المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي ~~الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3) } . # قوله عز وجل: {وأذان} عطف على قوله: "براءة" أي: إعلام. ومنه الأذان ~~بالصلاة، يقال: آذنته فأذن، أي: أعلمته. وأصله من الأذن، أي: أوقعته في ~~أذنه. # {من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} واختلفوا في يوم الحج ~~الأكبر: روى عكرمة عن ابن عباس: أنه يوم عرفة، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ~~وابن الزبير. وهو قول عطاء وطاوس PageV04P011 # ومجاهد وسعيد بن المسيب. # وقال جماعة: هو يوم النحر، روي عن يحيى بن الجزار قال: خرج علي رضي الله ~~عنه يوم النحر على بغلة بيضاء، يريد الجبانة، فجاءه رجل وأخذ بلجام دابته ~~وسأله عن يوم الحج الأكبر؟ فقال: يومك هذا، خل سبيلها. ويروى ذلك عن عبد ~~الله بن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة. وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير ~~والسدي. # وروى ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر حين الحج أيام منى كلها، وكان ~~سفيان الثوري يقول: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها، مثل: يوم صفين ويوم ~~الجمل ويوم بعاث، يراد به: الحين والزمان، لأن هذه الحروب دامت أياما ~~كثيرة. # وقال عبد الله بن الحارث بن نوفل: يوم الحج الأكبر اليوم الذي حج فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو قول ابن سيرين، لأنه اجتمع فيه حج ~~المسلمين وعيد اليهود والنصارى والمشركين، 152/ب ولم يجتمع قبله ولا بعده. # واختلفوا في الحج الأكبر: فقال مجاهد: الحج الأكبر: القران، والحج ~~الأصغر: إفراد الحج. # وقال الزهري والشعبي وعطاء: الحج الأكبر: الحج، والحج الأصغر: العمرة؛ ~~قيل لها الأصغر لنقصان أعمالها. # قوله تعالى: {أن الله بريء من المشركين ورسوله} أي: ورسوله أيضا بريء من ~~المشركين. وقرأ يعقوب "ورسوله" بنصب اللام أي: أن الله ورسوله برئ، {فإن ms1073 ~~تبتم} رجعتم من كفركم وأخلصتم التوحيد، {فهو خير لكم وإن توليتم} أعرضتم عن ~~الإيمان، {فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} . ### || # {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم ~~أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4) } . # {إلا الذين عاهدتم من المشركين} هذا استثناء من قوله: "براءة من الله ~~ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين" إلا من عهد الذين عاهدتم من ~~المشركين، وهم بنو ضمرة، حي من كنانة، أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بإتمام عهدهم إلى مدتهم، وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر، وكان السبب # PageV04P012 # فيه: أنهم لم ينقضوا العهد، وهذا معنى قوله تعالى: {ثم لم ينقصوكم شيئا} ~~من عهدهم الذي عاهدتموهم عليه، {ولم يظاهروا} لم يعاونوا، {عليكم أحدا} من ~~عدوكم. وقرأ عطاء بن يسار: "لم ينقضوكم" بالضاد المعجمة من نقض العهد، ~~{فأتموا إليهم عهدهم} فأوفوا لهم بعهدهم، {إلى مدتهم} إلى أجلهم الذي ~~عاهدتموهم عليه، {إن الله يحب المتقين} . ### || # {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ~~واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ~~إن الله غفور رحيم (5) } . # قوله تعالى {فإذا انسلخ} انقضى ومضى {الأشهر الحرم} قيل: هي الأشهر ~~الأربعة: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. # وقال مجاهد وابن إسحاق: هي شهور العهد، فمن كان له عهد فعهده أربعة أشهر، ~~ومن لا عهد له: فأجله إلى انقضاء المحرم خمسون يوما، وقيل لها "حرم" لأن ~~الله تعالى حرم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتعرض لهم. # فإن قيل: هذا القدر بعض الأشهر الحرم والله تعالى يقول: "فإذا انسلخ ~~الأشهر الحرم"؟. # قيل: لما كان هذا القدر متصلا بما مضى أطلق عليه اسم الجمع، ومعناه: مضت ~~المدة المضروبة التي يكون معها انسلاخ الأشهر الحرم. # قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} في الحل والحرم، {وخذوهم} ~~وأسروهم، {واحصروهم} أي: احبسوهم. # قال ابن عباس رضي الله عنه: يريد إن تحصنوا فاحصروهم، أي: امنعوهم من ~~الخروج. # وقيل: امنعوهم ms1074 من دخول مكة والتصرف في بلاد الإسلام. # {واقعدوا لهم كل مرصد} أي: على كل طريق، والمرصد: الموضع الذي يرقب فيه ~~العدو، من رصدت الشيء أرصده: إذا ترقبته، يريد: كونوا لهم رصدا لتأخذوهم من ~~أي وجه توجهوا. # وقيل: اقعدوا لهم بطريق مكة، حتى لا يدخلوها. # PageV04P013 # {فإن تابوا} من الشرك، {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} يقول: ~~دعوهم فليتصرفوا في أمصارهم ويدخلوا مكة، {إن الله غفور} لمن تاب، {رحيم} ~~به. # وقال الحسين بن الفضل: هذه الآية نسخت كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض ~~والصبر على أذى الأعداء (1) . ### || # {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ~~ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) } . PageV04P014 # {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد ~~الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) } . # قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك} أي: وإن استجارك أحد من ~~المشركين الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم، أي: استأمنك بعد انسلاخ الأشهر الحرم ~~ليسمع كلام الله. {فأجره} فأعذه وآمنه، {حتى يسمع كلام الله} فيما له وعليه ~~من الثواب والعقاب، {ثم أبلغه مأمنه} أي: إن لم يسلم أبلغه مأمنه، أي: ~~الموضع الذي يأمن فيه وهو دار قومه، فإن قاتلك بعد ذلك فقدرت عليه فاقتله، ~~{ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} أي: لا يعلمون دين الله تعالى وتوحيده فهم ~~محتاجون إلى سماع كلام الله. قال الحسن: وهذه الآية محكمة إلى يوم القيامة. # قوله تعالى: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله} هذا على وجه ~~التعجب، ومعناه جحد، أي: لا يكون لهم عهد عند الله، ولا عند رسوله، وهم ~~يغدرون وينقضون العهد، ثم استثنى فقال جل وعلا {إلا الذين عاهدتم عند ~~المسجد الحرام} قال ابن عباس: هم قريش. وقال قتادة: هم أهل مكة الذين ~~عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية. # قال الله تعالى: {فما استقاموا لكم} أي: على العهد، {فاستقيموا لهم} فلم ~~يستقيموا، ونقضوا العهد، وأعانوا بني بكر على خزاعة، فضرب لهم رسول ms1075 الله ~~صلى الله عليه وسلم بعد الفتح أربعة أشهر يختارون من أمرهم: إما أن يسلموا، ~~وإما أن يلحقوا بأي بلاد شاؤوا، فأسلموا قبل الأربعة الأشهر. # PageV04P014 # قال السدي والكلبي وابن إسحاق: هم من قبائل بكر: بنو خزيمة وبنو مدلج ~~وبنو ضمرة وبنو الديل، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية، ~~ولم يكن نقض العهد إلا قريش وبنو الديل من بني بكر، فأمر بإتمام العهد لمن ~~لم ينقض وهم بنو ضمرة. # وهذا القول أقرب إلى الصواب؛ لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد ~~وبعد فتح مكة، فكيف يقول لشيء قد مضى: "فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم"؟ ~~وإنما هم الذين قال عز وجل: "إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم ~~شيئا" كما نقصتكم قريش، ولم يظاهروا عليكم أحدا كما ظاهرت قريش بني بكر على ~~خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. {إن الله يحب المتقين} . ### || # {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم ~~وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) } . # قوله تعالى: {كيف وإن يظهروا عليكم} هذا مردود على الآية الأولى تقديره: ~~كيف يكون لهم عهد عند الله [كيف] (1) وإن يظهروا عليكم! {لا يرقبوا فيكم ~~إلا ولا ذمة} قال الأخفش: كيف لا تقتلونهم وهم إن يظهروا عليكم أي: يظفروا ~~بكم، لا يرقبوا: لا يحفظوا؟ وقال الضحاك: لا ينتظروا. وقال قطرب: لا يراعوا ~~فيكم إلا. قال ابن عباس والضحاك: قرابة. وقال يمان: رحما. وقال قتادة: الإل ~~الحلف. وقال السدي: هو العهد. وكذلك الذمة، إلا أنه كرر لاختلاف اللفظين. ~~وقال أبو مجلز ومجاهد: الإل هو الله عز وجل. وكان عبيد بن عمير يقرأ: "جبر ~~إل" بالتشديد، يعني: "عبد الله". وفي الخبر أن ناسا قدموا على أبي بكر من ~~قوم مسيلمة الكذاب، فاستقرأهم أبو بكر كتاب مسيلمة فقرؤوا، فقال أبو بكر ~~رضي الله عنه: إن هذا الكلام لم يخرج من إل، أي: من الله. # والدليل على هذا التأويل قراءة عكرمة "لا يرقبون في مؤمن إيلا" بالياء، ~~يعني: الله عز ms1076 وجل. مثل جبرائيل وميكائيل. ولا ذمة أي: عهدا. {يرضونكم ~~بأفواههم} أي: يعطونكم بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم، {وتأبى قلوبهم} ~~الإيمان، {وأكثرهم فاسقون} . # فإن قيل: هذا في المشركين وكلهم فاسقون فكيف قال: "وأكثرهم فاسقون"؟ ~~PageV04P015 # قيل: أراد بالفسق: نقض العهد، وكان في المشركين من وفى بعهده، وأكثرهم ~~نقضوا، فلهذا قال: "وأكثرهم فاسقون". ### || # {اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون ~~(9) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون ~~(11) } . # {اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا} وذلك أنهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكلة أطعمهم إياها أبو سفيان. قال مجاهد: ~~أطعم أبو سفيان 153/أحلفاءه، {فصدوا عن سبيله} فمنعوا الناس من الدخول في ~~دين الله. وقال ابن عباس رضي الله عنه: وذلك أن أهل الطائف أمدوهم بالأموال ~~ليقووهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، {إنهم ساء} بئس {ما كانوا ~~يعملون} . # {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} يقول: لا تبقوا عليهم أيها المؤمنون كما ~~لا يبقون عليكم لو ظهروا، {وأولئك هم المعتدون} بنقض العهد. # {فإن تابوا} من الشرك، {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم} أي: فهم ~~إخوانكم، {في الدين} لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، {ونفصل الآيات} ونبين ~~الآيات {لقوم يعلمون} قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة. قال ~~ابن مسعود: أمرتهم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان الحكم بن ~~نافع، حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن ~~عتبة بن مسعود أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وكان أبو بكر رضي الله عنه بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه ms1077 لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال ~~لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله"؟ فقال أبو ~~بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله ~~لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى # PageV04P016 # رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر رضي الله عنه: ~~فوالله ما هو إلا أن قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق (1) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن عباس، حدثنا ~~ابن المهدي، حدثنا منصور بن سعد عن ميمون بن سياه عن أنس بن مالك قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ~~ذبيحتنا: فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله" (2) . ### || # {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر ~~إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12) } . # قوله تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم} نقضوا عهودهم، {من بعد عهدهم} عقدهم، ~~يعني: مشركي قريش، {وطعنوا} قدحوا {في دينكم} عابوه. فهذا دليل على أن ~~الذمي إذا طعن في دين الإسلام ظاهرا لا يبقى له عهد، {فقاتلوا أئمة الكفر} ~~قرأ أهل الكوفة والشام: "أئمة" بهمزتين حيث كان، وقرأ الباقون بتليين ~~الهمزة الثانية. وأئمة الكفر: رؤوس المشركين وقادتهم من أهل مكة. # قال ابن عباس: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وأبي جهل بن هشام، وسهيل بن ~~عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وسائر رؤساء قريش يومئذ الذين نقضوا العهد، وهم ~~الذين هموا بإخراج الرسول (3) وقال مجاهد: هم أهل فارس والروم (4) . # وقال حذيفة بن اليمان: ما قوتل أهل هذه الآية ولم يأت أهلها بعد (5) ~~{إنهم لا أيمان لهم} أي: لا عهود لهم، جمع يمين. قال قطرب: لا وفاء لهم ~~بالعهد. وقرأ ابن عامر: "لا إيمان لهم" بكسر الألف، ms1078 أي: لا تصديق لهم ولا ~~دين لهم. وقيل: هو من الأمان، أي لا تؤمنوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، {لعلهم ~~ينتهون} أي: لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم. وقيل: عن ~~الكفر. PageV04P017 ### || # {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة ~~أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13) } . # {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ~~(14) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم (15) } . # ثم حض المسلمين على القتال، فقال جل ذكره: {ألا تقاتلون قوما نكثوا ~~أيمانهم} نقضوا عهودهم، وهم الذين نقضوا عهد الصلح بالحديبية وأعانوا بني ~~بكر على قتال خزاعة. {وهموا بإخراج الرسول} من مكة حين اجتمعوا في دار ~~الندوة، {وهم بدءوكم} بالقتال، {أول مرة} يعني: يوم بدر، وذلك أنهم قالوا ~~حين سلم العير: لا ننصرف حتى نستأصل محمدا وأصحابه. # وقال جماعة من المفسرين: أراد أنهم بدؤوا بقتال خزاعة حلفاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # {أتخشونهم} أتخافونهم فتتركون قتالهم؟ {فالله أحق أن تخشوه} في ترك ~~قتالهم، {إن كنتم مؤمنين} . # {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} يقتلهم الله بأيديكم، {ويخزهم} ويذلهم ~~بالأسر والقهر، {وينصركم عليهم ويشف صدور قوم} ويبرئ داء قلوب قوم، ~~{مؤمنين} مما كانوا ينالونه من الأذى منهم. وقال مجاهد والسدي: أراد صدور ~~خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أعانت قريش بني بكر عليهم، ~~حتى نكؤوا فيهم فشفى الله صدورهم من بني بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~وبالمؤمنين. # {ويذهب غيظ قلوبهم} كربها ووجدها بمعونة قريش بكرا عليهم، ثم قال ~~مستأنفا: {ويتوب الله على من يشاء} فيهديه إلى الإسلام كما فعل بأبي سفيان ~~وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، {والله عليم حكيم} وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: "ارفعوا السيف إلا خزاعة من بني بكر إلى ~~العصر". (1) PageV04P018 ### || # {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون ~~الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16) ما ms1079 كان ~~للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت ~~أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) } . # قوله تعالى: {أم حسبتم} أظننتم {أن تتركوا} قيل: هذا خطاب للمنافقين. ~~وقيل: للمؤمنين الذين شق عليهم القتال. فقال: أم حسبتم أن تتركوا فلا ~~تؤمروا بالجهاد، ولا تمتحنوا، ليظهر الصادق من الكاذب، {ولما يعلم الله} ~~ولم ير الله {الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا ~~المؤمنين وليجة} بطانة وأولياء يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم. وقال قتادة: ~~وليجة خيانة. وقال الضحاك: خديعة. وقال عطاء: أولياء. وقال أبو عبيدة: كل ~~شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم ~~وليجة. فوليجة الرجل: من يختص بدخيلة أمره دون الناس، يقال: هو وليجتي، وهم ~~وليجتي للواحد والجمع. {والله خبير بما تعملون} . # قوله تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} الآية. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أسر العباس يوم بدر عيره المسلمون ~~بالكفر وقطيعة الرحم، وأغلظ علي رضي الله عنه له القول. فقال العباس: ما ~~لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟. # فقال له علي رضي الله عنه: ألكم محاسن؟ فقال نعم: إنا لنعمر المسجد ~~الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج، فأنزل الله عز وجل ردا على العباس: "ما ~~كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله" (1) أي: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا ~~مساجد الله. # أوجب على المسلمين منعهم من ذلك؛ لأن المساجد إنما تعمر لعبادة الله ~~وحده، فمن كان كافرا بالله فليس من شأنه أن يعمرها. فذهب جماعة إلى أن ~~المراد منه: العمارة المعروفة من بناء المساجد 153/ب ومرممته عند الخراب ~~فيمنع منه الكافر حتى لو أوصى به لا تمتثل. وحمل بعضهم PageV04P019 # العمارة ها هنا على دخول المسجد والقعود فيه. قال الحسن: ما كان للمشركين ~~أن يتركوا فيكونوا أهل المسجد الحرام. # قرأ ابن كثير وأهل البصرة: "مسجد الله" على التوحيد، وأراد به المسجد ~~الحرام، لقوله تعالى: "وعمارة المسجد الحرام"، ولقوله تعالى "فلا يقربوا ~~المسجد الحرام"، وقرأ الآخرون: {مساجد الله} بالجمع والمراد ms1080 منه أيضا ~~المسجد الحرام. قال الحسن: إنما قال مساجد لأنه قبلة المساجد كلها. قال ~~الفراء: ربما ذهبت العرب بالواحد إلى الجمع وبالجمع إلى الواحد، ألا ترى أن ~~الرجل يركب البرذون فيقول: أخذت في ركوب البراذين؟ ويقال: فلان كثير الدرهم ~~والدينار، يريد الدراهم والدنانير؟. # قوله تعالى: {شاهدين على أنفسهم بالكفر} أراد: وهم شاهدون، فلما طرحت ~~"وهم" نصبت، قال الحسن: لم يقولوا نحن كفار، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم ~~بالكفر. # وقال الضحاك عن ابن عباس: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام، ~~وذلك أن كفار قريش كانوا نصبوا أصنامهم خارج البيت الحرام عند القواعد، ~~وكانوا يطوفون بالبيت عراة، كلما طافوا شوطا سجدوا لأصنامهم، ولم يزدادوا ~~بذلك من الله تعالى إلا بعدا. # وقال السدي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يسأل من أنت؟ ~~فيقول: أنا نصراني، واليهودي يقول: أنا يهودي، ويقال للمشرك: ما دينك؟ ~~فيقول: مشرك. قال الله تعالى: {أولئك حبطت أعمالهم} لأنها لغير الله عز ~~وجل، {وفي النار هم خالدون} . # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: معناه شاهدين على رسولهم بالكفر؛ ~~لأنه ما من بطن إلا ولدته. ### || # {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (18) } . # ثم قال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله} ولم يخف في الدين غير الله، ولم يترك ~~أمر الله لخشية غيره، {فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} و"عسى" من الله ~~واجب، أي: فأولئك هم المهتدون، والمهتدون هم المتمسكون بطاعة الله عز وجل ~~التي تؤدي إلى الجنة. # PageV04P020 # أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن النسوي، حدثنا محمد بن الحسين ~~الحيري، حدثنا محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن الفرج الحجازي، حدثنا بقية، ~~حدثنا أبو الحجاج، المهدي، عن عمرو بن الحارث، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم ~~الرجل ms1081 يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان" فإن الله قال: {إنما يعمر مساجد ~~الله من آمن بالله واليوم الآخر} (1) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، أنبأنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، ~~حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن مطرف، عن يزيد بن أسلم، عن عطاء بن ~~يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من غدا ~~إلى المسجد أو راح أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح" (2) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن ~~زنجويه، حدثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، حدثني أبي عن محمود بن ~~لبيد، أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك، ~~وأحبوا أن يدعه، فقال عثمان: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من بنى ~~لله مسجدا بنى الله له كهيئته في الجنة" (3) . # وأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو طاهر الزيادي، ~~أخبرنا محمد بن الحسين القطان، حدثنا علي بن الحسين الدارابجردي، حدثنا أبو ~~عاصم بهذا الإسناد، وقال: "بنى الله له بيتا في الجنة" (4) . PageV04P021 ### || # {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ~~وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (19) ~~} . # قوله عز وجل: {أجعلتم سقاية الحاج} الآية. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، حدثنا أبو إسحاق أحمد بن محمد ~~بن إبراهيم الثعلبي، حدثنا عبد الله بن حامد بن محمد الوزان، حدثنا أحمد بن ~~محمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المعافري، حدثنا أبو داود سليمان بن ~~الأشعث السجستاني، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي، حدثنا معاوية بن ~~سلام، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، حدثنا النعمان بن بشير قال: كنت عند ~~منبر رسول الله ms1082 صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد ~~أن أسقي الحاج. وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أعمر المسجد ~~الحرام. وقال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتما، فزجرهم عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت دخلت، فاستفتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيما اختلفتم فيه، ففعل فأنزل الله عز وجل: "أجعلتم سقاية ~~الحاج وعمارة المسجد الحرام"، إلى قوله: "والله لا يهدي القوم الظالمين" ~~(1) . # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قال العباس حين أسر يوم بدر: لئن كنتم ~~سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي ~~الحاج، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأخبر أن عمارتهم المسجد الحرام ~~وقيامهم على السقاية لا ينفعهم مع الشرك بالله، والإيمان بالله، والجهاد مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم خير مما هم عليه (2) . # وقال الحسن، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، نزلت في علي بن أبي طالب، ~~والعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن شيبة، افتخروا فقال طلحة: أنا صاحب البيت ~~بيدي مفتاحه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، وقال علي، ما ~~أدري ما تقولون لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد ~~فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {أجعلتم سقاية الحاج} (3) . PageV04P022 # والسقاية: مصدر كالرعاية والحماية. # قوله: {وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر} فيه اختصار ~~تقديره: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله ~~وجهاد من جاهد في سبيل الله؟. # وقيل: السقاية والعمارة بمعنى الساقي والعامر. وتقديره: أجعلتم ساقي ~~الحاج وعامر المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله؟ ~~وهذا كقوله تعالى: "والعاقبة للتقوى" أي: للمتقين، يدل عليه قراءة عبد الله ~~بن الزبير وأبي بن كعب "أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام"، على جمع ~~الساقي والعامر. # {كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا ms1083 يستوون عند الله ~~والله لا يهدي القوم الظالمين} أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا ~~أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني ~~إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو أسامة، حدثنا يحيى بن مهلب، عن حسين، عن عكرمة ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى ~~السقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بشراب من عندها، 154/أفقال: اسقني، فقال: يا رسول الله إنهم ~~يجعلون أيديهم فيه، قال: اسقني، فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون ~~فيها، فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح، ثم قال: لولا أن تغلبوا لنزلت حتى ~~أضع الحبل على هذه، وأشار إلى عاتقه (1) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد بن ~~عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم بن الحجاج، حدثني ~~محمد بن منهال الضرير، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حميد الطويل عن بكر بن ~~عبد الله المزني قال: كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة فأتاه أعرابي فقال: ~~ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ؟ أمن حاجة بكم؟ ~~أم من بخل؟ فقال ابن عباس: الحمد لله ما بنا حاجة ولا بخل، قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى، فأتيناه بإناء من نبيذ ~~فشرب وسقى فضله أسامة، وقال: أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوا، فلا نريد تغيير ~~ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. (2) PageV04P023 ### || # {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة ~~عند الله وأولئك هم الفائزون (20) } . # PageV04P024 # {يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (21) خالدين ~~فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم ~~فأولئك هم الظالمون (23) } . # قوله تعالى: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ms1084 وأنفسهم ~~أعظم درجة} فضيلة، {عند الله} من الذين افتخروا بسقاية الحاج وعمارة المسجد ~~الحرام. {وأولئك هم الفائزون} الناجون من النار. # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء} قال مجاهد: هذه ~~الآية متصلة بما قبلها، نزلت في قصة العباس وطلحة وامتناعهما من الهجرة (1) ~~. # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: قال: لما أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم الناس بالهجرة إلى المدينة، فمنهم من يتعلق به أهله وولده، يقولون: ~~ننشدك بالله أن لا تضيعنا. فيرق لهم فيقيم عليهم ويدع الهجرة، فأنزل الله ~~عز وجل هذه الآية (2) . # وقال مقاتل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، فنهى ~~الله عن ولايتهم، فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم ~~وإخوانكم أولياء} (3) بطانة وأصدقاء فتفشون إليهم أسراركم وتؤثرون المقام ~~معهم على الهجرة، {إن استحبوا} اختاروا {الكفر على الإيمان ومن يتولهم ~~منكم} PageV04P024 # فيطلعهم على عورة المسلمين ويؤثر المقام معهم على الهجرة والجهاد، ~~{فأولئك هم الظالمون} وكان في ذلك الوقت لا يقبل الإيمان إلا من مهاجر، ~~فهذا معنى قوله: {فأولئك هم الظالمون} . ### || # {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ~~(24) لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن ~~عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) } . # ثم قال تعالى: {قل} يا محمد للمتخلفين عن الهجرة: {إن كان آباؤكم} وذلك ~~أنه لما نزلت الآية الأولى قال الذين أسلموا ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا ~~ضاعت أموالنا وذهبت تجاراتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا، فنزل: {قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم} قرأ أبو بكر عن عاصم: ~~"عشيراتكم" بالألف على الجمع، والآخرون بلا ألف على التوحيد، لأن جمع ~~العشيرة عشائر {وأموال اقترفتموها} اكتسبتموها {وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها} أي: تستطيبونها يعني القصور والمنازل، {أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله ms1085 فتربصوا} فانتظروا، {حتى يأتي الله بأمره} قال عطاء: ~~بقضائه. وقال مجاهد ومقاتل: بفتح مكة وهذا أمر تهديد، {والله لا يهدي} لا ~~يوفق ولا يرشد {القوم الفاسقين} الخارجين عن الطاعة. # قوله تعالى: {لقد نصركم الله في مواطن} أي مشاهد، {كثيرة ويوم حنين} ~~وحنين واد بين مكة والطائف. وقال عروة: إلى جنب ذي المجاز. # وكانت قصة حنين على ما نقله الرواة (1) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فتح مكة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان، ثم خرج إلى حنين لقتال هوازن ~~وثقيف في اثني عشر ألفا، -عشرة آلاف من المهاجرين PageV04P025 # وألفان من الطلقاء، قال عطاء كانوا ستة عشر ألفا. # وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف، وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا قط، والمشركون ~~أربعة آلاف من هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف النصري، وعلى ثقيف ~~كنانة بن عبد ياليل الثقفي، فلما التقى الجمعان قال رجل من الأنصار يقال له ~~سلمة بن سلامة بن وقش: لن نغلب اليوم عن قلة، فساء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل. وفي رواية: فلم يرض الله قوله، ووكلهم ~~إلى أنفسهم فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم المشركون وخلوا عن الذراري، ثم ~~نادوا: يا حماة السواد اذكروا الفضائح، فتراجعوا وانكشف المسلمون. # قال قتادة: وذكر لنا أن الطلقاء انجفلوا يومئذ بالناس فلما انجفل القوم ~~هربوا. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، [أخبرنا عبد العزيز] (1) أخبرنا عبد ~~الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ~~سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو خيثمة عن أبي ~~إسحاق قال: قال رجل للبراء بن عازب: يا أبا عمارة فررتم يوم حنين؟ قال: لا ~~والله ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه خرج شبان أصحابه ~~وأخفاؤهم وهم حسر ليس عليهم سلاح، أو كثير سلاح، فلقوا قوما رماة لا يكاد ~~يسقط لهم سهم، جمع هوازن وبني نصر، فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون، فأقبلوا ~~هناك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1086 على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن ~~الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل واستنصر وقال: أنا النبي لا كذب، أنا ~~ابن عبد المطلب، ثم صفهم (2) . # ورواه محمد بن إسماعيل عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق. ~~وزاد قال: فما رئي من الناس يومئذ أشد منه (3) . # ورواه زكريا عن أبي إسحاق. وزاد قال البراء: كنا إذا احمر البأس نتقي به، ~~وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي صلى الله عليه وسلم (4) . ~~PageV04P026 # وروى شعبة عن أبي إسحاق قال: قال البراء: إن هوازن كانوا قوما رماة، وإنا ~~لما لقيناهم حملنا عليهم، فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم فاستقبلونا ~~بالسهام، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفر. # قال الكلبي: كان حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة من المسلمين ~~وانهزم سائر الناس. # وقال آخرون: لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ غير: العباس بن ~~عبد المطلب، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، فقتل يومئذ بين يدي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان 154/ب حدثنا مسلم بن ~~الحجاج، قال: حدثنا أبو طاهر، أحمد بن عمرو بن سرح، حدثنا أبو وهب، أخبرنا ~~يونس عن ابن شهاب، قال: حدثني كثير بن عباس بن عبد المطلب قال: قال عباس: ~~شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن ~~الحارث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى ~~المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يركض بغلته قبل الكفار، وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركابه، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أي عباس: ناد أصحاب ms1087 السمرة، فقال عباس -وكان رجلا صيتا-فقلت ~~بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي ~~عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، ~~والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار، ثم قصرت ~~الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال: هذا حين حمي الوطيس (1) ثم ~~أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: ~~انهزموا ورب محمد، فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ~~ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا (2) . # وقال سلمة بن الأكوع: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا قال ~~فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من ~~تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال "شاهت الوجوه"، فما خلق PageV04P027 # الله منهم إنسانا إلا ملأ عينه ترابا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم ~~الله عز وجل فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين (1) . # قال سعيد بن جبير: أمد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين (2) . # وفي الخبر: أن رجلا من بني نضر يقال له شجرة، قال للمؤمنين بعد القتال: ~~أين الخيل البلق والرجال الذين عليهم ثياب بيض، ما كنا نراكم فيهم إلا ~~كهيئة الشامة وما كنا قتلنا إلا بأيديهم؟ فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: تلك الملائكة. # قال الزهري: وبلغني أن شيبة بن عثمان بن طلحة (3) قال: استدبرت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم حنين وأنا أريد قتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن ~~طلحة، وكانا قد قتلا يوم أحد، فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على ما ~~في نفسي فالتفت إلي وضرب في صدري وقال: أعيذك بالله يا شيبة، فأرعدت ~~فرائصي، فنظرت إليه فهو أحب إلي من سمعي وبصري، فقلت: أشهد ms1088 أنك رسول الله، ~~وأن الله قد أطلعك على ما في نفسي. # فلما هزم الله المشركين وولوا مدبرين، انطلقوا حتى أتوا أوطاس وبها ~~عيالهم وأموالهم، فبعث رسول الله رجلا من الأشعريين يقال له أبو عامر وأمره ~~على جيش المسلمين إلى أوطاس، فسار إليهم فاقتتلوا، وقتل دريد بن الصمة، ~~وهزم الله المشركين وسبى المسلمون عيالهم، وهرب أميرهم مالك بن عوف النصري، ~~فأتى الطائف فتحصن بها وأخذ ماله وأهله فيمن أخذ. وقتل أمير المسلمين أبو ~~عامر (4) . # قال الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبي، ثم ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الطائف فحاصرهم بقية ذلك الشهر، فلما ~~دخل ذو القعدة وهو شهر حرام انصرف عنهم، فأتى الجعرانة فأحرم منها بعمرة ~~وقسم فيها غنائم حنين وأوطاس، وتألف أناسا، منهم أبو سفيان بن حرب، والحارث ~~بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس، فأعطاهم (5) . PageV04P028 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، حدثنا ~~شعيب، حدثنا الزهري، أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه أن أناسا من الأنصار ~~قالوا لرسول الله -حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق ~~يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل-فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعطي قريشا ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ قال أنس: فحدث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من ~~أدم ولم يدع معهم أحدا غيرهم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: ما كان حديث بلغني عنكم؟ فقال له فقهاؤهم أما ذوو رأينا يا رسول ~~الله، فلم يقولوا شيئا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويترك الأنصار وسيوفنا تقطر من ~~دمائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعطي رجالا حديثي عهد ~~بكفر، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال ms1089 وترجعون إلى رحالكم برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، قالوا: بلى يا ~~رسول الله قد رضينا، فقال لهم: "إنكم سترون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى ~~تلقوا الله ورسوله على الحوض" (1) . # وقال يونس عن ابن شهاب: "فإني أعطي رجالا حديثي عهد بالكفر أتألفهم"، ~~وقال: "فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض"، قالوا: سنصبر (2) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا عمرو بن ~~يحيى عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء الله على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط ~~الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصابه الناس، فخطبهم فقال: "يا ~~معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ~~وكنتم عالة فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن قال: ما ~~يمنعكم أن تجيبوا رسول الله كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن قال: لو ~~شئتم قلتم كذا وكذا، أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبوا بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك ~~الناس واديا أو شعبا لسلكت وادي PageV04P029 # الأنصار وشعبهم، الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة ~~فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" (1) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا محمد بن 155/أأبي عمر المكي، حدثنا سفيان عن عمر بن سعيد بن مسروق عن ~~أبيه عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: أعطى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع ~~بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس ms1090 بن مرداس دون ذلك، فقال ~~عباس بن مرداس: # فما كان حصن ولا حابس %~% يفوقان مرداس في المجمع # أتجعل نهبي ونهب العبي %~% د بين عيينة والأقرع # وما كنت دون امرئ منهما %~% ومن تخفض اليوم لا يرفع # قال: فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة (2) . # وفي الحديث: أن ناسا من هوازن أقبلوا مسلمين بعد ذلك، فقالوا: يا رسول ~~الله أنت خير الناس وأبر الناس، وقد أخذت أبناؤنا ونساؤنا وأموالنا (3) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن عفير، حدثني ~~الليث، حدثني عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير: أن مروان والمسور بن ~~مخرمة أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن ~~مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إن معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى ~~الطائفتين: إما السبي، وإما المال. قالوا: فإنا نختار سبينا. فقام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأثنى على الله عز وجل بما هو أهله ثم قال: أما ~~بعد فإن إخوانكم هؤلاء جاؤوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن ~~أحب منكم أن يطيب ذلك لهم فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظ حتى نعطيه إياه ~~من أول ما يفيء الله علينا، فليفعل فقال الناس: قد طيبنا ذلك PageV04P030 # يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا ندري من أذن ~~منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع ~~الناس، فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه ~~أنهم قد طيبوا وأذنوا (1) . فأنزل الله تعالى في قصة حنين: {لقد نصركم الله ~~في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم} حتى قلتم: لن نغلب اليوم من ~~قلة، {فلم تغن عنكم} كثرتكم، {شيئا} يعني أن الظفر لا يكون بالكثرة، {وضاقت ~~عليكم الأرض بما ms1091 رحبت} أي برحبها وسعتها، {ثم وليتم مدبرين} منهزمين. ### || # {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب ~~الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين26} . PageV04P031 # {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم (27) يا أيها ~~الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن ~~خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم (28) } . # {ثم أنزل الله} بعد الهزيمة، {سكينته} يعني: الأمنة والطمأنينة، وهي ~~فعيلة من السكون {على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها} يعني: ~~الملائكة. قيل: لا للقتال، ولكن لتجبين الكفار وتشجيع المسلمين، لأنه يروى: ~~أن الملائكة لم يقاتلوا إلا يوم بدر، {وعذب الذين كفروا} بالقتل والأسر ~~وسبي العيال وسلب الأموال، {وذلك جزاء الكافرين} . # {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء} فيهديه إلى الإسلام، {والله غفور ~~رحيم} . # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} الآية، قال الضحاك ~~وأبو عبيدة: نجس: قذر. وقيل: خبيث. وهو مصدر يستوي فيه الذكر والأنثى ~~والتثنية والجمع، فأما النجس: بكسر النون وسكون الجيم، فلا يقال على ~~الانفراد، إنما يقال: رجس نجس، فإذا أفرد قيل: نجس، بفتح النون وكسر الجيم، ~~وأراد به: نجاسة الحكم لا نجاسة العين، سموا نجسا على الذم. وقال قتادة: ~~سماهم نجسا لأنهم يجنبون فلا يغتسلون ويحدثون فلا يتوضؤون. # PageV04P031 # قوله تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام} أراد منعهم من دخول الحرم لأنهم ~~إذا دخلوا الحرم فقد قربوا من المسجد الحرام، وأراد به الحرم وهذا كما قال ~~الله تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام" [الإسراء -1] ، ~~وأراد به الحرم لأنه أسري به من بيت أم هانئ. # قال الشيخ الإمام الأجل: وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار على ثلاثة ~~أقسام: # أحدها: الحرم، فلا يجوز للكافر أن يدخله بحال، ذميا كان أو مستأمنا، ~~لظاهر هذه الآية، وإذا جاء رسول من بلاد الكفار إلى الإمام والإمام في ~~الحرم لا يأذن له في دخول الحرم، بل يبعث إليه من يسمع ms1092 رسالته خارج الحرم. ~~وجوز أهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم. # والقسم الثاني من بلاد الإسلام: الحجاز، فيجوز للكافر دخولها بالإذن ولكن ~~لا يقيم فيها أكثر من مقام السفر وهو ثلاثة أيام، لما روي عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لئن عشت إن شاء ~~الله تعالى لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا ~~مسلما" (1) . فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصى فقال: "أخرجوا ~~المشركين من جزيرة العرب" (2) فلم يتفرغ لذلك أبو بكر رضي الله عنه، ~~وأجلاهم عمر رضي الله عنه في خلافته، وأجل لمن يقدم منهم تاجرا ثلاثا. ~~وجزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض فمن ~~جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام. # والقسم الثالث: سائر بلاد الإسلام، يجوز للكافر أن يقيم فيها بذمة وأمان، ~~ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم. # قوله: {بعد عامهم هذا} يعني: العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه ~~بالناس، ونادى علي كرم الله وجهه ببراءة، وهو سنة تسع من الهجرة. # قوله {وإن خفتم عيلة} وذلك أن أهل مكة كانت معايشهم من التجارات وكان ~~المشركون يأتون مكة بالطعام ويتجرون، فلما منعوا من دخول الحرم خافوا ~~الفقر، وضيق العيش، وذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ~~تعالى: {وإن خفتم عيلة} فقرا وفاقة. يقال: عال يعيل عيلة، {فسوف يغنيكم ~~الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم} PageV04P032 # قال عكرمة: فأغناهم الله عز وجل بأن أنزل عليهم المطر مدرارا فكثر خيرهم. ~~وقال مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجريش من اليمن وجلبوا الميرة الكثيرة إلى ~~مكة فكفاهم الله ما كانوا يخافون. وقال الضحاك وقتادة: عوضهم الله منها ~~الجزية فأغناهم بها. ### || # {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون (29) } . # وذلك: قوله تعالى: ms1093 {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} قال مجاهد: نزلت هذه ~~الآية حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الروم، فغزا بعد نزولها ~~غزوة تبوك (1) . # وقال الكلبي: نزلت في قريظة والنضير من اليهود، فصالحهم وكانت أول جزية ~~أصابها أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل الكتاب 155/ب بأيدي المسلمين. # قال الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} فإن ~~قيل: أهل الكتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر؟ قيل: لا يؤمنون كإيمان ~~المؤمنين، فإنهم إذا قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله، لا يكون ذلك ~~إيمانا بالله. {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق} أي: لا ~~يدينون الدين الحق، أضاف الاسم إلى الصفة. وقال قتادة: الحق هو الله، أي: ~~لا يدينون دين الله، ودينه الإسلام. وقال أبو عبيدة: معناه ولا يطيعون الله ~~تعالى طاعة أهل الحق. {من الذين أوتوا الكتاب} يعني: اليهود والنصارى. {حتى ~~يعطوا الجزية} وهي الخراج المضروب على رقابهم، {عن يد} عن قهر وذل. قال أبو ~~عبيدة: يقال لكل من أعطى شيئا كرها من غير طيب نفس: أعطاه عن يد. وقال ابن ~~عباس: يعطونها بأيديهم ولا يرسلون بها على يد غيرهم. وقيل: عن يد أي: عن ~~نقد لا نسيئة. وقيل: عن إقرار بإنعام المسلمين عليهم بقبول الجزية منهم، ~~{وهم صاغرون} أذلاء مقهورون. قال عكرمة: يعطون الجزية عن قيام، والقابض ~~جالس. وعن ابن عباس قال: تؤخذ منه ويوطأ عنقه. # وقال الكلبي: إذا أعطى صفع في قفاه. # وقيل: يؤخذ بلحيته ويضرب في لهزمتيه. PageV04P033 # وقيل: يلبب ويجر إلى موضع الإعطاء بعنف. # وقيل: إعطاؤه إياها هو الصغار. # وقال الشافعي رحمه الله: الصغار هو جريان أحكام الإسلام عليهم. # واتفقت الأمة على جواز أخذ الجزية من أهل الكتابين، وهم اليهود والنصارى ~~إذا لم يكونوا عربا. # واختلفوا في الكتابي العربي وفي غير أهل الكتاب من كفار العجم، فذهب ~~الشافعي: إلى أن الجزية على الأديان لا على الأنساب، فتؤخذ من أهل الكتاب ~~عربا كانوا أو عجما، ولا تؤخذ من أهل الأوثان بحال، واحتج بأن ms1094 النبي صلى ~~الله عليه وسلم أخذها من أكيدر دومة، وهو رجل من العرب يقال: إنه من غسان، ~~وأخذ من أهل ذمة اليمن، وعامتهم عرب. # وذهب مالك والأوزاعي: إلى أنها تؤخذ من جميع الكفار إلا المرتد. # وقال أبو حنيفة: تؤخذ من أهل الكتاب على العموم، وتؤخذ من مشركي العجم، ~~ولا تؤخذ من مشركي العرب. وقال أبو يوسف: لا تؤخذ من العربي، كتابيا كان أو ~~مشركا، وتؤخذ من العجمي كتابيا كان أو مشركا. # وأما المجوس: فاتفقت الصحابة رضي الله عنهم على أخذ الجزية منهم. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان عن ~~عمرو بن دينار سمع بجالة يقول: لم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ ~~الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخذها من مجوس هجر (1) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي، ~~أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر ~~المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع PageV04P034 # في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (1) . # وفي امتناع عمر رضي الله عنه عن أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن ~~[بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، دليل على أن رأي ~~الصحابة كان على أنها لا تؤخذ] (2) من كل مشرك، وإنما تؤخذ من أهل الكتاب. # واختلفوا في أن المجوس: هل هم من أهل الكتاب أم لا؟ فروي عن علي رضي الله ~~عنه قال: كان لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا، وقد أسري على كتابهم، فرفع من بين ~~أظهرهم (3) . # واتفقوا على تحريم ذبائح المجوس ومناكحتهم بخلاف أهل الكتابين. # أما من دخل في دين اليهود والنصارى من غيرهم من المشركين نظر: إن دخلوا ~~فيه قبل النسخ والتبديل يقرون بالجزية، وتحل مناكحتهم ms1095 وذبائحهم، وإن دخلوا ~~في دينهم بعد النسخ بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم لا يقرون بالجزية، ولا ~~تحل مناكحتهم وذبائحهم، ومن شككنا في أمرهم أنهم دخلوا فيه بعد النسخ أو ~~قبله: يقرون بالجزية تغليبا لحقن الدم، ولا تحل مناكحتهم وذبائحهم تغليبا ~~للتحريم، فمنهم نصارى العرب من تنوخ وبهراء وبني تغلب، أقرهم عمر رضي الله ~~عنه على الجزية، وقال: لا تحل لنا ذبائحهم. # وأما قدر الجزية: فأقله دينار، لا يجوز أن ينقص منه، ويقبل الدينار من ~~الفقير والغني والوسط لما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا ~~أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد ~~المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا عبد الرزاق ~~أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ~~قال: PageV04P035 # بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل حالم ~~دينارا أو عدله معافر (1) . فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ من كل ~~حالم، أي بالغ، دينارا ولم يفصل بين الغني والفقير والوسط، وفيه دليل على ~~أنها لا تجب على الصبيان وكذلك لا تجب على النسوان، إنما تؤخذ من الأحرار ~~العاقلين البالغين من الرجال. # وذهب قوم إلى أنه على كل موسر أربعة دنانير، وعلى كل متوسط ديناران، وعلى ~~كل فقير دينار، وهو قول أصحاب الرأي. ### || # {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم ~~بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30) } . # قوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} ~~روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جماعة من اليهود: سلام بن مشكم، والنعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك ~~بن الصيف، فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن ~~الله؟ فأنزل الله عز وجل: {وقالت اليهود عزير ابن الله} (2) . # قرأ عاصم ms1096 والكسائي ويعقوب " عزير " بالتنوين والآخرون بغير تنوين؛ لأنه ~~اسم أعجمي ويشبه اسما مصغرا، ومن نون قال: لأنه اسم خفيف، فوجهه أن يصرف، ~~وإن كان أعجميا مثل نوح وهود ولوط. واختار أبو عبيدة التنوين وقال: لأن هذا ~~ليس بمنسوب إلى أبيه، إنما هو كقولك زيد ابن الأمير وزيد ابن أختنا، فعزيز ~~مبتدأ وما بعده خبر له. # وقال عبيد بن عمير: إنما قال هذه المقالة رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص ~~بن عازوراء (3) . PageV04P036 # وهو الذي قال: "إن الله فقير ونحن أغنياء" "آل عمران -181". # وروى عطية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما قالت اليهود عزير ~~ابن الله من أجل أن عزيرا كان فيهم وكانت التوراة عندهم والتابوت فيهم، ~~فأضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق، فرفع الله عنهم التابوت وأنساهم التوراة ~~ونسخها من صدورهم، فدعا الله عزير وابتهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من ~~صدورهم، فبينما هو يصلي مبتهلا إلى الله تعالى نزل نور من السماء فدخل جوفه ~~فعادت إليه التوراة فأذن في قومه، وقال: يا قوم قد آتاني الله التوراة ردها ~~إلي! فعلق به 156/أالناس يعلمهم، فمكثوا ما شاء الله تعالى، ثم إن التابوت ~~نزل بعد ذهابه منهم، فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان ~~يعلمهم عزير فوجدوه مثله، فقالوا: ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله (1) . # وقال الكلبي: إن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل وقتل منهم من قرأ ~~التوراة، وكان عزير إذ ذاك صغيرا فاستصغره فلم يقتله، فلما رجع بنو إسرائيل ~~إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله عزيرا ليجدد لهم ~~التوراة وتكون لهم آية بعد مائة سنة، يقال: أتاه ملك بإناء فيه ماء فسقاه ~~فمثلت التوراة في صدره، فلما أتاهم قال أنا عزير فكذبوه وقالوا: إن كنت كما ~~تزعم فأمل علينا التوراة، فكتبها لهم، ثم إن رجلا قال: إن أبي حدثني عن جدي ~~أن التوراة جعلت في خابية ودفنت في كرم، فانطلقوا معه حتى أخرجوها، ~~فعارضوها بما كتب لهم عزير ms1097 فلم يجدوه غادر منها حرفا، فقالوا: إن الله لم ~~يقذف التوراة في قلب رجل إلا لأنه ابنه، فعند ذلك قالت اليهود: عزير ابن ~~الله. # وأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله، وكان السبب فيه أنهم كانوا على ~~دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع عيسى عليه السلام يصلون إلى ~~القبلة، ويصومون رمضان، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب، وكان في ~~اليهود رجل شجاع يقال له "بولص" قتل جملة من أصحاب عيسى عليه السلام، ثم ~~قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا به والنار مصيرنا، فنحن مغبونون ~~إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، فإني أحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار، وكان له ~~فرس يقال له العقاب يقاتل عليه فعرقب فرسه وأظهر الندامة، ووضع على رأسه ~~التراب، فقال له النصارى: من أنت؟ قال: بولص عدوكم، فنوديت من السماء: ليست ~~لك توبة إلا أن تتنصر، وقد تبت. فأدخلوه الكنيسة، ودخل بيتا PageV04P037 # سنة لا يخرج منه ليلا ولا نهارا حتى تعلم الإنجيل، ثم خرج وقال: نوديت أن ~~الله قبل توبتك، فصدقوه وأحبوه، ثم مضى إلى بيت المقدس، واستخلف عليهم ~~نسطورا وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، ثم توجه إلى الروم وعلمهم ~~اللاهوت والناسوت، وقال: لم يكن عيسى بإنس ولا بجسم، ولكنه ابن الله، وعلم ~~ذلك رجلا يقال له "يعقوب" ثم دعا رجلا يقال له ملكا، فقال: إن الإله لم يزل ~~ولا يزال عيسى، فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا، وقال لكل ~~واحد منهم: أنت خالصتي، وقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني. وقال لكل واحد ~~منهم: إني غدا أذبح نفسي، فادع الناس إلى نحلتك. ثم دخل المذبح نفسه وقال: ~~إنما أفعل ذلك لمرضاة عيسى، فلما كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم الناس إلى ~~نحلته، فتبع كل واحد طائفة من الناس، فاختلفوا واقتتلوا فقال الله عز وجل: ~~{وقالت النصارى المسيح ابن الله} ، {ذلك قولهم بأفواههم} يقولون بألسنتهم ~~من غير علم. قال أهل المعاني: لم يذكر الله تعالى قولا مقرونا بالأفواه ~~والألسن ms1098 إلا كان ذلك زورا. # {يضاهئون} قرأ عاصم بكسر الهاء مهموزا، والآخرون بضم الهاء غير مهموز، ~~وهما لغتان يقال: ضاهيته وضاهأته، ومعناهما واحد. قال ابن عباس رضي الله ~~عنه: يشابهون. والمضاهاة المشابهة. وقال مجاهد: يواطئون وقال الحسن: ~~يوافقون، {قول الذين كفروا من قبل} قال قتادة والسدي: ضاهت النصارى قول ~~اليهود من قبل، فقالوا: المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: عزير ابن الله. ~~وقال مجاهد: يضاهئون قول المشركين من قبل الذين كانوا يقولون اللات والعزى ~~ومناة بنات الله. وقال الحسن: شبه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأمم الكافرة ~~كما قال في مشركي العرب: "كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت ~~قلوبهم" (البقرة -188) . وقال القتيبي: يريد أن من كان في عصر النبي صلى ~~الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يقولون ما قال أولهم، {قاتلهم الله} قال ~~ابن عباس: لعنهم الله. وقال ابن جريج: أي: قتلهم الله. وقيل: ليس هو على ~~تحقيق المقاتلة ولكنه بمعنى التعجب، {أنى يؤفكون} أي: يصرفون عن الحق بعد ~~قيام الأدلة عليه. ### || # {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) } . # {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا} أي: علماءهم وقراءهم، والأحبار: ~~العلماء، واحدها حبر، # PageV04P038 # وحبر بكسر الحاء وفتحها، والرهبان من النصارى أصحاب الصوامع فإن قيل: ~~إنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان؟ قلنا: معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله ~~واستحلوا ما أحلوا وحرموا ما حرموا، فاتخذوهم كالأرباب. روي عن عدي بن حاتم ~~رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب ~~فقال لي: "يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك"، فطرحته ثم انتهيت إليه وهو ~~يقرأ: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} حتى فرغ منها، قلت له: ~~إنا لسنا نعبدهم، فقال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم ~~الله فتستحلونه"؟ قال قلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم" (1) . # قال عبد الله بن المبارك: # وهل بدل الدين إلا الملوك %~% وأحبار سوء ورهبانها ms1099 # {والمسيح ابن مريم} أي: اتخذوه إلها، {وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ~~لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} . PageV04P039 ### || # {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكافرون (32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ولو كره المشركون (33) } . # {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم} أي: يبطلوا دين الله بألسنتهم ~~وتكذيبهم إياه. وقال الكلبي: النور القرآن، أي: يريدون أن يردوا القرآن ~~بألسنتهم تكذيبا، {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} أي: يعلي دينه ويظهر كلمته ~~ويتم الحق الذي بعث به محمدا صلى الله عليه وسلم {ولو كره الكافرون} . # {هو الذي أرسل رسوله} يعني: الذي يأبى إلا إتمام دينه هو الذي أرسل رسوله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، {بالهدى} قيل: بالقرآن. وقيل: ببيان الفرائض، ~~{ودين الحق} وهو الإسلام، {ليظهره} # PageV04P039 # ليعليه وينصره، {على الدين كله} على سائر الأديان، {ولو كره المشركون} . # واختلفوا في معنى هذه الآية: فقال ابن عباس: الهاء عائدة إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أي: ليعلمه شرائع الدين كلها فيظهره عليها حتى لا يخفى ~~عليه منها شيء. # وقال الآخرون: الهاء راجعة إلى دين الحق، وظهوره على الأديان هو أن لا ~~يدان الله تعالى إلا به. وقال أبو هريرة والضحاك: وذلك عند نزول عيسى بن ~~مريم لا يبقى أهل دين إلا دخل في الإسلام. 156 / ب وروينا عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول عيسى عليه السلام قال: ~~"ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام" (1) وروى المقداد قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا ~~أدخله الله كلمة الإسلام إما بعز عزيز أو ذل ذليل" (2) إما يعزهم الله ~~فيجعلهم من أهله، فيعز به، أو يذلهم فيدينون له. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو القاسم ~~الحسن بن محمد بن حبيب، حدثنا أبو جعفر محمد سليمان بن منصور، حدثنا أبو ~~مسلم ms1100 بن إبراهيم بن عبد الله الكجي، حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا عبد ~~الحميد، هو ابن جعفر، عن الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله ~~عنه قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يذهب الليل والنهار حتى ~~تعبد اللات والعزى"، قالت: قلت: يا رسول الله ما كنت أظن أن يكون ذلك بعدما ~~أنزل الله تعالى عليك: "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله ولو كره المشركون". ثم قال: "يكون ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ~~تعالى ريحا طيبة، فتقبض من كان في قلبه مثقال ذرة من خير، ثم يبقى من لا ~~خير فيه، فيرجع الناس إلى دين آبائهم" (3) . # قال الحسين بن الفضل: معنى الآية ليظهره على الدين كله بالحجج الواضحة. # وقيل: ليظهره على الأديان التي حول النبي صلى الله عليه وسلم فيغلبهم. # قال الشافعي رحمه الله: فقد أظهر الله رسوله صلى الله عليه وسلم على ~~الأديان كلها بأن أبان لكل من سمعه أنه PageV04P040 # الحق، وما خالفه من الأديان باطل، وقال: وأظهره بأن جماع الشرك دينان: ~~دين أهل الكتاب، ودين أميين فقهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأميين حتى ~~دانوا بالإسلام طوعا وكرها، وقتل أهل الكتاب وسبى، حتى دان بعضهم بالإسلام، ~~وأعطى بعضهم الجزية صاغرين، وجرى عليهم حكمه، فهذا ظهوره على الدين كله، ~~والله أعلم. ### || # {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) } . # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان} يعني، ~~العلماء والقراء من أهل الكتاب، {ليأكلون أموال الناس بالباطل} [يريد: ~~ليأخذون] (1) الرشا في أحكامهم، ويحرفون كتاب الله، ويكتبون بأيديهم كتبا ~~يقولون: هذه من عند الله، ويأخذون بها ثمنا قليلا من سفلتهم، وهي المآكل ~~التي يصيبونها منهم على تغيير نعت النبي صلى الله عليه وسلم، يخافون لو ~~صدقوهم لذهبت عنهم تلك المآكل، {ويصدون} ويصرفون الناس، {عن ms1101 سبيل الله} دين ~~الله عز وجل. # {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~أليم} قال ابن عمر رضي الله عنهما: كل مال تؤدى زكاته فليس بكنز وإن كان ~~مدفونا. وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن لم يكن مدفونا. ومثله عن ابن ~~عباس. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد بن ~~عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثني سويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم أن أبا صالح بن ~~ذكوان أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم ~~القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جبينه، ~~وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي الله ~~بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولا صاحب إبل لا ~~يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة، بطح ~~لها بقاع قرقر، أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلا واحدا، تطؤه بأخفافها، ~~وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه PageV04P041 # أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين ~~العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولا صاحب بقر ولا غنم، ~~لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر لا يفقد ~~منها شيئا ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء، ولا عضباء، تنطحه بقرونها، وتطؤه ~~بأظلافها، كلما مر عليه أولاها، رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ~~ألف سنة، حتى يقضي الله بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى ~~النار" (1) . # وروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته، ms1102 مثل له ماله يوم القيامة شجاعا ~~أقرع، له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، فيأخذ بلهزمتيه، يعني: شدقيه، ثم ~~يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله} ~~الآية (2) . # وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: كل مال زاد على أربعة ~~آلاف درهم فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد، وما دونها نفقة (3) . # وقيل: ما فضل عن الحاجة فهو كنز. أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا ~~عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد ~~بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، ~~حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: انتهيت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: "هم الأخسرون ورب ~~الكعبة"، قال: فجئت حتى جلست، فلم أتقار أن قمت فقلت: يا رسول الله فداك ~~أبي وأمي، من هم؟ قال: "هم الأكثرون أموالا إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا، ~~من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، وقليل ما هم" (4) # وروي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يقول: من ترك بيضاء، أو حمراء، كوي ~~بها يوم القيامة (5) . PageV04P042 # وروي عن أبي أمامة قال: مات رجل من أهل الصفة، فوجد في مئزره دينار، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم "كية"، ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "كيتان" (1) . # والقول الأول أصح؛ لأن الآية في منع الزكاة لا في جمع المال الحلال. قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "نعم المال الصالح للرجل الصالح" (2) . # وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية، كبر ذلك ~~على المسلمين وقالوا: ما يستطيع أحد منا أن يدع لولده شيئا، فذكر عمر ذلك ~~لرسول الله فقال: "إن الله عز وجل لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من ~~أموالكم" (3) . # وسئل ابن عمر رضي الله عنهما ms1103 عن هذه الآية؟ فقال: كان ذلك قبل أن تنزل ~~الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال. # وقال ابن عمر: ما أبالي لو أن لي مثل أحد ذهبا أعلم عدده 157/أأزكيه ~~وأعمل بطاعة الله. # قوله عز وجل: {ولا ينفقونها في سبيل الله} ولم يقل: ولا ينفقونهما، وقد ~~ذكر الذهب والفضة جميعا. قيل: أراد الكنوز وأعيان الذهب والفضة. وقيل: رد ~~الكناية إلى الفضة لأنها أعم، كما قال تعالى: "واستعينوا بالصبر والصلاة ~~وإنها لكبيرة" "البقرة -45"، رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم، وكقوله ~~تعالى: "وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها" (الجمعة -11) رد الكناية ~~إلى التجارة لأنها أعم، {فبشرهم بعذاب أليم} أي: أنذرهم. ### || # {يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) } . # {يوم يحمى عليها في نار جهنم} أي: تدخل النار فيوقد عليها أي على الكنوز، ~~PageV04P043 # {فتكوى بها} فتحرق بها، {جباههم} أي: جباه كانزيها، {وجنوبهم وظهورهم} ~~روي عن ابن مسعود قال: إنه لا يوضع دينار على دينار ولا درهم على درهم، ~~ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم في موضع على حدة. # وسئل أبو بكر الوراق: لم خص الجباه والجنوب والظهور بالكي؟ قال: لأن ~~الغني صاحب الكنز إذا رأى الفقير قبض وجهه، وزوى ما بين عينيه، وولاه ظهره، ~~وأعرض عنه بكشحه. # قوله تعالى: {هذا ما كنزتم} أي: يقال لهم: هذا ما كنزتم، {لأنفسكم فذوقوا ~~ما كنتم تكنزون} أي: تمنعون حقوق الله تعالى في أموالكم. وقال بعض الصحابة: ~~هذه الآية في أهل الكتاب. وقال الأكثرون: هي عامة في أهل الكتاب والمسلمين، ~~وبه قال أبو ذر رضي الله عنه. ### || # {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات ~~والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا ~~المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) } . # {إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه ~~عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما ms1104 حرم الله زين لهم سوء أعمالهم ~~والله لا يهدي القوم الكافرين (37) } . # قوله تعالى: {إن عدة الشهور} أي: عدد الشهور، {عند الله اثنا عشر شهرا في ~~كتاب الله} وهي المحرم وصفر وربيع الأول وشهر ربيع الثاني وجمادى الأولى ~~وجمادى الآخرة ورجب وشعبان وشهر رمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة. وقوله: ~~{في كتاب الله} أي: في حكم الله. وقيل: في اللوح المحفوظ. قرأ أبو جعفر: ~~اثنا عشر، وتسعة عشر، وأحد عشر، بسكون الشين، وقرأ العامة بفتحها، {يوم خلق ~~السموات والأرض} والمراد منه: الشهور الهلالية، وهي الشهور التي يعتد بها ~~المسلمون في صيامهم وحجهم وأعيادهم وسائر أمورهم، وبالشهور الشمسية تكون ~~السنة ثلاث مائة وخمسة وستين يوما وربع يوم، والهلالية تنقص عن ثلاث مائة ~~وستين يوما بنقصان الأهلة. والغالب أنها تكون ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما، ~~{منها أربعة حرم} من الشهور أربعة حرم وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة ~~والمحرم، واحد فرد وثلاثة سرد، {ذلك الدين القيم} أي: الحساب المستقيم. # {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} قيل: قوله "فيهن" ينصرف إلى جميع شهور السنة، ~~أي: فلا تظلموا فيهن أنفسكم بفعل المعاصي وترك الطاعة. وقيل: "فيهن" أي: في ~~الأشهر الحرم. قال قتادة: العمل الصالح أعظم أجرا في الأشهر الحرم، والظلم ~~فيهن أعظم من الظلم فيما سواهن، وإن # PageV04P044 # كان الظلم على كل حال عظيما. وقال ابن عباس: فلا تظلموا فيهن أنفسكم يريد ~~استحلال الحرام والغارة فيهن. قال محمد بن إسحاق بن يسار: لا تجعلوا حلالها ~~حراما، ولا حرامها حلالا كفعل أهل الشرك وهو النسيء. # {وقاتلوا المشركين كافة} جميعا عامة، {كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن ~~الله مع المتقين} واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم. فقال ~~قوم: كان كبيرا ثم نسخ بقوله: {وقاتلوا المشركين كافة} كأنه يقول فيهن وفي ~~غيرهن. وهو قول قتادة، وعطاء الخراساني، والزهري، وسفيان الثوري، وقالوا: ~~إن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين، وثقيفا بالطائف، وحاصرهم في ~~شوال وبعض ذي القعدة. وقال آخرون: إنه غير منسوخ: قال ابن جريج: حلف بالله ~~عطاء بن أبي ms1105 رباح: ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، ~~إلا أن يقاتلوا فيها وما نسخت. # قوله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر} قيل: هو مصدر كالسعير والحريق. ~~وقيل: هو مفعول كالجريح والقتيل، وهو من التأخير. ومنه النسيئة في البيع، ~~يقال: أنسأ الله في أجله أي أخر، وهو ممدود مهموز عند أكثر القراء، وقرأ ~~ورش عن نافع من طريق البخاري: بتشديد الياء من غير همز، وقد قيل: أصله ~~الهمزة فخفف. # وقيل: هو من النسيان على معنى المنسي أي: المتروك. ومعنى النسيء: هو ~~تأخير تحريم شهر إلى شهر آخر، وذلك أن العرب كانت تعتقد تعظيم الأشهر ~~الحرم، وكان ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم عليه السلام، وكانت عامة ~~معايشهم من الصيد والغارة، فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر على ~~التوالي، وربما وقعت لهم حرب في بعض الأشهر الحرم فيكرهون تأخير حربهم، ~~فنسؤوا أي: أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم ~~إلى صفر، فيحرمون صفر ويستحلون المحرم، فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر ~~أخروه إلى ربيع، هكذا شهرا بعد شهر، حتى استدار التحريم على السنة كلها. ~~فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله عز وجل فيه، وذلك ~~بعد دهر طويل، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجته. # PageV04P045 # كما: أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف الفربري، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا محمد ~~بن سلام، حدثنا عبد الواحد حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب عن محمد بن سيرين، ~~عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الزمان قد استدار كهيئته ~~يوم خلق السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة ~~متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". ~~وقال: "أي شهر هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير ~~اسمه، فقال: أليس ذو الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أي بلد هذا؟ قلنا ms1106 الله ورسوله ~~أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس البلد الحرام؟ قلنا: ~~بلى، قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه ~~بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم، قال ~~محمد: أحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في ~~شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا ~~يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون ~~أوعى له من بعض من سمعه، ألا هل بلغت ألا هل بلغت" (1) ؟ # قالوا: وكان قد استمر النسيء بهم، فكانوا ربما يحجون في بعض السنين في ~~شهر 157/ب ويحجون من قابل في شهر آخر. # قال مجاهد: كانوا يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في شهر ذي الحجة عامين، ~~ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور، فوافقت ~~حجة أبي بكر رضي الله عنه قبل حجة الوداع السنة الثانية من ذي القعدة، ثم ~~حج النبي صلى الله عليه وسلم في العام القابل حجة الوداع، فوافق حجه شهر ~~الحج المشروع وهو ذو الحجة، فوقف بعرفة يوم التاسع، وخطب اليوم العاشر ~~بمنى، وأعلمهم أن أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان، وعاد الأمر إلى ~~ما وضع الله عليه حساب الأشهر يوم خلق الله السموات والأرض، وأمرهم ~~بالمحافظة عليه لئلا يتبدل في مستأنف الأيام. # واختلفوا في أول من نسأ النسيء: فقال ابن عباس والضحاك وقتادة ومجاهد: ~~أول من نسأ النسيء بنو مالك بن كنانة، وكانوا ثلاثة: أبو ثمامة جناد بن عوف ~~بن أمية الكناني. وقال الكلبي: أول PageV04P046 # من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال: له نعيم بن ثعلبة، وكان يكون أميرا ~~على الناس بالموسم، فإذا هم الناس بالصدر، قام فخطب الناس فقال: لا مرد لما ~~قضيت، أنا الذي لا أعاب ولا أجاب، فيقول له المشركون: لبيك، ثم يسألونه أن ~~ينسأهم شهرا يغيرون فيه، فيقول: فإن صفرا العام حرام، فإذا ms1107 قال ذلك حلوا ~~الأوتار، ونزعوا الأسنة والأزجة، وإن قال حلال عقدوا الأوتار وشدوا الأزجة، ~~وأغاروا. وكان من بعد نعيم بن ثعلبة رجل يقال له: جنادة بن عوف، وهو الذي ~~أدركه النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو رجل من بني كنانة يقال له: القلمس، ~~قال شاعرهم: "وفينا ناسئ الشهر القلمس"، وكانوا لا يفعلون ذلك إلا في ذي ~~الحجة إذا اجتمعت العرب للموسم. # وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن أول من سن النسيء ~~عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أنبأنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن ~~خندف أبا بني كعب، وهو يجر قصبه في النار" (1) . # فهذا الذي ذكرنا هو النسيء الذي ذكره الله تعالى فقال: {إنما النسيء ~~زيادة في الكفر} يريد زيادة كفر على كفرهم، {يضل به الذين كفروا} قرأ حمزة ~~والكسائي وحفص: {يضل} بضم الياء وفتح الضاد، كقوله تعالى: "زين لهم سوء ~~أعمالهم"، وقرأ يعقوب بضم الياء وكسر الضاد، وهي قراءة الحسن ومجاهد على ~~معنى " يضل " به الذين كفروا الناس، وقرأ الآخرون بفتح الياء وكسر الضاد، ~~لأنهم هم الضالون لقوله: {يحلونه} يعني النسيء {عاما ويحرمونه عاما ~~ليواطئوا} أي: ليوافقوا، والمواطأة: الموافقة، {عدة ما حرم الله} يريد أنهم ~~لم يحلوا شهرا من الحرام إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال، ولم يحرموا شهرا ~~من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام، لئلا يكون الحرام أكثر من أربعة ~~أشهر، كما حرم الله فيكون موافقة العدد، {فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء ~~أعمالهم} قال ابن عباس: زين لهم الشيطان، {والله لا يهدي القوم الكافرين} ~~PageV04P047 ### || # {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل ms1108 لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم ~~إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا قليل (38) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ~~ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير (39) } . # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الأرض} الآية، نزلت في الحث على غزوة تبوك، وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف أمر بالجهاد لغزوة الروم، وكان ذلك ~~في زمان عسرة من الناس، وشدة من الحر، حين طابت الثمار والظلال، ولم يكن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك ~~الغزوة، غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا ~~بعيدا، ومفاوز هائلة، وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة ~~عدوهم، فشق عليهم الخروج وتثاقلوا فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~ما لكم إذا قيل لكم} (1) أي: قال لكم رسول الله صلى الله: {انفروا} اخرجوا ~~في سبيل الله {اثاقلتم إلى الأرض} أي: لزمتم أرضكم ومساكنكم، {أرضيتم ~~بالحياة الدنيا من الآخرة} أي: بخفض الدنيا ودعتها من نعيم الآخرة. {فما ~~متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} . # ثم أوعدهم على ترك الجهاد، فقال تعالى: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} ~~في الآخرة. وقيل: هو احتباس المطر عنهم في الدنيا. وسأل نجدة بن نفيع ابن ~~عباس عن هذه الآية، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حيا من ~~أحياء العرب، فتثاقلوا عليه، فأمسك عنهم المطر، فكان ذلك عذابهم (2) ~~{ويستبدل قوما غيركم} خيرا منكم وأطوع. قال سعيد بن جبير: هم أبناء فارس. ~~وقيل: هم أهل اليمن، {ولا تضروه شيئا} بترككم النفير. {والله على كل شيء ~~قدير} PageV04P048 ### || # {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده ~~بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا ms1109 السفلى وكلمة الله هي العليا والله ~~عزيز حكيم (40) } . # قوله تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله} هذا إعلام من الله عز وجل أنه ~~المتكفل بنصر رسوله وإعزاز دينه، أعانوه أو لم يعينوه، وأنه قد نصره عند ~~قلة الأولياء، وكثرة الأعداء، فكيف به اليوم وهو في كثرة من العدد والعدد؟ ~~{إذ أخرجه الذين كفروا} من مكة حين مكروا به وأرادوا تبيينه وهموا بقتله، ~~{ثاني اثنين} أي هو أحد الاثنين، والاثنان: أحدهما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، والآخر أبو بكر الصديق رضي الله عنه، {إذ هما في الغار} وهو نقب في ~~جبل ثور بمكة، {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} قال الشعبي: عاتب ~~الله عز وجل أهل الأرض جميعا في هذه الآية غير أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه. # أخبرنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن بن ~~عثمان، أنبأنا خيثمة بن سليمان، حدثنا أحمد بن عبد الله الدورقي، حدثنا ~~سعيد بن سليمان، عن علي بن هاشم عن كثير النواء عن جميع بن عمير قال: أتيت ~~ابن عمر رضي الله عنهما فسمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأبي بكر رضي الله عنه: "أنت صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض" (1) . # قال الحسين بن الفضل: من قال إن أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهو كافر لإنكاره نص القرآن. وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون ~~مبتدعا، لا يكون كافرا. # وقوله عز وجل: {لا تحزن إن الله معنا} لم يكن حزن أبي بكر جبنا منه، ~~وإنما كان إشفاقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال: إن أقتل فأنا ~~رجل واحد وإن قتلت هلكت الأمة 158/أ PageV04P049 # وروي أنه حين انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار جعل يمشي ~~ساعة بين يديه، وساعة خلفه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك يا ~~أبا بكر؟ قال: أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، فلما ~~انتهيا ms1110 إلى الغار قال مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الغار، فدخل فاستبرأه ~~ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل فقال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة ~~خير من آل عمر (1) . # أخبرنا أبو المظفر التميمي، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن عثمان المعروف ~~بابن أبي النظر، أخبرنا خيثمة بن سليمان، حدثنا أبو قلابة الرقاشي، حدثنا ~~حيان بن هلال، حدثنا همام بن يحيى، حدثنا ثابت البناني، حدثنا أنس بن مالك ~~أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حدثهم، قال: نظرت إلى أقدام المشركين فوق ~~رؤوسنا ونحن في الغار فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه ~~أبصرنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ (2) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ~~الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي ~~صلى الله عليه وسلم قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر ~~علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة ~~وعشيا، فلما ابتلي المسلمون.. قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: "إني ~~أريت دار هجرتكم، ذات نخل، بين لابتين وهما الحرتان". فهاجر من هاجر قبل ~~المدينة ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر رضي ~~الله عنه قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على رسلك ~~فإني أرجو أن يؤذن لي" فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: "نعم" ~~فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين ~~-كانتا عنده-ورق السمر، وهو الخبط، أربعة أشهر. # قال ابن شهاب. قال عروة: قالت عائشة رضي الله عنها: فبينما نحن يوما جلوس ~~في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن ms1111 يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي ~~وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك PageV04P050 # بأبي أنت يا رسول الله، قال: "فإني قد أذن لي في الخروج" فقال أبو بكر: ~~الصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم" ~~قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال رسول الله: ~~"بالثمن" قالت عائشة رضي الله عنها: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما ~~سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم ~~الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله ~~بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش ~~بمكة، كبائت فيها، فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك ~~حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر، منحة من غنم، ~~فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما ~~ورضيفهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك ~~الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من ~~بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا، والخريت: الماهر بالهداية، ~~قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش فأمناه، ~~فدفعا إليه راحلتيهما وواعده غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، ~~وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم على طريق السواحل. # قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي، وهو ابن أخي سراقة بن ~~مالك بن جعشم: أن أباه أخبره ms1112 أنه سمع سراقة بن مالك بن جعشم يقول: جاءنا ~~رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله ~~عنه دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس ~~قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم، حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة ~~إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت ~~أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا ~~بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت البيت فأمرت جاريتي أن تخرج ~~بفرسي وهي من وراء أكمة، فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، ~~فخططت بزجه الأرض، وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها تقرب بي حتى ~~دنوت منهم فعثرت بي فرسي، فخررت عنها فقمت، فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت ~~منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت ~~الأزلام، تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لا ~~يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا ~~الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها فلما استوت ~~قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام ~~فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في ~~نفسي حين لقيت ما لقيت # PageV04P051 # من الحبس عنهم أن سيظهر أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له: إن قومك ~~قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم خبر ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد ~~والمتاع، فلم يرزآني ولم يسألاني شيئا إلا أن قالا أخف عنا، فسألته أن يكتب ~~لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، ms1113 فكسا الزبير ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة ~~بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة ~~فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعدما أطالوا انتظارهم، ~~فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، ~~فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم ~~يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون، ~~فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر ~~الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم ~~الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عند ذلك، فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع ~~عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان ~~مربدا للتمر، لسهيل وسهل، غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل. ثم ~~دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا ~~فقالا بل نهبه لك يا رسول الله، ثم بناه مسجدا، وطفق رسول الله ينقل معهم ~~اللبن في بنيانه ويقول وهو ينقل اللبن: # هذا الحمال لا حمال خيبر %~% هذا أبر ربنا وأطهر # ويقول: # اللهم إن الأجر أجر الآخره %~% فارحم ms1114 الأنصار والمهاجره # فتمثل ببيت رجل من المسلمين لم يسم لي. # PageV04P052 # قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات (1) . # قال الزهري: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الغار أرسل ~~الله تعالى زوجا من حمام حتى باضا في أسفل النقب، والعنكبوت حتى نسجت بيتا، ~~وفي القصة: أنبت يمامة على فم الغار، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم ~~أعم أبصارهم 158/ب عنا فجعل الطلب يضربون يمينا وشمالا حول الغار يقولون: ~~لو دخلا هذا الغار لتكسر بيض الحمام وتفسخ بيت العنكبوت (2) . # قوله عز وجل: {فأنزل الله سكينته عليه} قيل: على النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وقال ابن عباس: على أبي بكر رضي الله عنه، فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كانت عليه السكينة من قبل، {وأيده بجنود لم تروها} وهم الملائكة نزلوا ~~يصرفون وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته. وقيل: ألقوا الرعب في قلوب الكفار ~~حتى رجعوا. وقال مجاهد والكلبي: أعانه بالملائكة يوم بدر، أخبر أنه صرف عنه ~~كيد الأعداء في الغار ثم أظهر نصره بالملائكة يوم بدر. # {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى} وكلمتهم الشرك، وهي السفلى إلى يوم ~~القيامة، {وكلمة الله هي العليا} إلى يوم القيامة. قال ابن عباس: هي قول لا ~~إله إلا الله. وقيل كلمة الذين كفروا: ما قدروا بينهم في الكيد به ليقتلوه، ~~وكلمة الله: وعد الله أنه ناصره. وقرأ يعقوب: {وكلمة الله} بنصب التاء على ~~العطف {والله عزيز حكيم} . PageV04P053 ### || # {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير ~~لكم إن كنتم تعلمون (41) } . # قوله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا} قال الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة ~~وعكرمة: شبانا وشيوخا. وعن ابن عباس: نشاطا وغير نشاط. وقال عطية العوفي: ~~ركبانا ومشاة. وقال أبو صالح: خفافا من المال، أي فقراء، وثقالا أي: ~~أغنياء. وقال ابن زيد: الثقيل الذي له الضيعة، فهو ثقيل يكره أن يدع ضيعته، ~~والخفيف الذي لا ضيعة له. ويروى عن ابن عباس قال: ms1115 خفافا أهل الميسرة # PageV04P053 # من المال، وثقالا أهل العسرة. وقيل: خفافا من السلاح، أي: مقلين منه، ~~وثقالا أي: مستكثرين منه. وقال الحكم بن عتيبة: مشاغيل وغير مشاغيل. وقال ~~مرة الهمذاني: أصحاء ومرضى. وقال يمان بن رباب: عزابا ومتأهلين. وقيل: ~~خفافا من حاشيتكم وأتباعكم، وثقالا مستكثرين بهم. وقيل: خفافا مسرعين ~~خارجين ساعة سماع النفير، وثقالا بعد التروي فيه والاستعداد له. # {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} ~~قال الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: ~~إنك عليل صاحب ضر، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب ~~كثرت السواد وحفظت المتاع. # وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس: نسخت هذه الآية بقوله: {وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة} (1) . # وقال السدي: لما نزلت هذه الآية اشتد شأنها على الناس فنسخها الله تعالى ~~وأنزل: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} (2) الآية. # ثم نزل في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: (3) . ### || # {لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون ~~بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42) ~~عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43) لا ~~يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~والله عليم بالمتقين (44) إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون (45) ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ~~ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (46) } . # {لو كان عرضا قريبا} واسم كان مضمر، أي: لو كان ما تدعونهم إليه عرضا ~~قريبا، أي: غنيمة قريبة المتناول، {وسفرا قاصدا} أي قريبا هينا، {لاتبعوك} ~~لخرجوا معك، {ولكن بعدت عليهم الشقة} أي: المسافة، والشقة: السفر البعيد، ~~لأنه يشق على الإنسان. وقيل: الشقة الغاية التي يقصدونها، {وسيحلفون بالله ~~لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم} يعني باليمين الكاذبة، {والله يعلم ~~إنهم لكاذبون} في أيمانهم وإيمانهم، لأنهم كانوا مستطيعين. # {عفا الله عنك} قال عمرو بن ميمون: اثنان فعلهما ms1116 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه الفدية من أسارى بدر، فعاتبه ~~الله كما تسمعون. PageV04P054 # قال سفيان بن عيينة: انظروا إلى هذا اللطف بدأ بالعفو قبل أن يعيره ~~بالذنب. # وقيل: إن الله عز وجل وقره ورفع محله بافتتاح الكلام بالدعاء له، كما ~~يقول الرجل لمن يخاطبه إذا كان كريما عنده: عفا الله عنك ما صنعت في حاجتي؟ ~~ورضي الله عنك ألا زرتني. وقيل معناه: أدام الله لك العفو. # {لم أذنت لهم} أي: في التخلف عنك {حتى يتبين لك الذين صدقوا} في أعذارهم، ~~{وتعلم الكاذبين} فيها، أي: تعلم من لا عذر له. قال ابن عباس رضي الله عنه: ~~لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين يومئذ. # {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم} أي: لا يستأذنك في التخلف، {والله عليم بالمتقين} . # {إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم} أي ~~شكت ونافقت، {فهم في ريبهم يترددون} متحيرين. # {ولو أرادوا الخروج} إلى الغزو، {لأعدوا له} أي: لهيؤوا له {عدة} أهبة ~~وقوة من السلاح والكراع، {ولكن كره الله انبعاثهم} خروجهم، {فثبطهم} منعهم ~~وحبسهم عن الخروج، {وقيل اقعدوا} في بيوتكم، {مع القاعدين} يعني: مع المرضى ~~والزمنى. وقيل: مع النسوان والصبيان. قوله عز وجل: {وقيل} أي: قال بعضهم ~~لبعض: اقعدوا. وقيل: أوحى إلى قلوبهم وألهموا أسباب الخذلان. # PageV04P055 ### || # {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ~~وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47) } . # {لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله ~~وهم كارهون (48) ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن ~~جهنم لمحيطة بالكافرين (49) إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد ~~أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (50) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله ~~لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51) قل هل تربصون بنا إلا إحدى ~~الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ms1117 أو بأيدينا فتربصوا ~~إنا معكم متربصون (52) قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم ~~قوما فاسقين (53) وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) } ~~. # {لو خرجوا فيكم} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالجهاد ~~لغزوة تبوك، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكره على ثنية الوداع، ~~وضرب عبد الله بن أبي على [ذي جدة (1) ] أسفل من ثنية الوداع، ولم يكن بأقل ~~العسكرين، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي ~~فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، فأنزل الله تعالى يعزي نبيه صلى الله ~~عليه وسلم (2) {لو خرجوا} يعني المنافقين {فيكم} أي معكم، {ما زادوكم إلا ~~خبالا} أي: فسادا وشرا. ومعنى الفساد: إيقاع الجبن والفشل بين المؤمنين ~~بتهويل الأمر، {ولأوضعوا} أسرعوا، {خلالكم} وسطكم بإيقاع العداوة والبغضاء ~~بينكم بالنميمة ونقل الحديث من البعض إلى البعض. وقيل: {ولأوضعوا خلالكم} ~~أي: أسرعوا فيما يخل بكم. {يبغونكم الفتنة} أي: يطلبون لكم ما تفتنون به، ~~يقولون: لقد جمع لكم كذا وكذا، وإنكم مهزومون وسيظهر عليكم عدوكم ونحو ذلك. ~~وقال الكلبي: يبغونكم الفتنة يعني: العيب والشر. وقال الضحاك: الفتنة ~~الشرك، ويقال: بغيته الشر والخير أبغيه بغاء إذا التمسته له، يعني: بغيت ~~له. # {وفيكم سماعون لهم} قال مجاهد: معناه وفيكم محبون لهم يؤدون إليهم ما ~~يسمعون منكم، وهم الجواسيس. وقال قتادة: معناه وفيكم مطيعون لهم، أي: ~~يسمعون كلامهم ويطيعونهم. {والله عليم بالظالمين} . # {لقد ابتغوا الفتنة من قبل} أي: طلبوا صد أصحابك عن الدين وردهم إلى ~~الكفر، وتخذيل الناس عنك قبل هذا اليوم، كفعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين ~~انصرف عنك بأصحابه. {وقلبوا لك الأمور} وأجالوا فيك وفي إبطال دينك الرأي، ~~بالتخذيل عنك 159/أوتشتيت أمرك، {حتى جاء الحق} النصر والظفر، {وظهر أمر ~~الله} دين الله، {وهم كارهون} . # قوله تعالى: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} نزلت في جد بن قيس ms1118 ~~المنافق، وذلك PageV04P056 # أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تجهز لغزوة تبوك قال: يا أبا وهب هل لك ~~في جلاد بني الأصفر؟ يعني الروم، تتخذ منهم سراري ووصفاء، فقال جد: يا رسول ~~الله لقد عرف قومي أني رجل مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بنات بني ~~الأصفر أن لا أصبر عنهن، ائذن لي في القعود ولا تفتني بهن وأعينك بمالي. ~~قال ابن عباس: اعتل جد بن قيس ولم تكن له علة إلا النفاق، فأعرض عنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: أذنت لك فأنزل الله عز وجل (1) : {ومنهم} يعني ~~من المنافقين {من يقول ائذن لي} في التخلف {ولا تفتني} ببنات الأصفر. قال ~~قتادة: ولا تؤثمني: {ألا في الفتنة سقطوا} أي: في الشرك والإثم وقعوا ~~بنفاقهم وخلافهم أمر الله وأمر رسوله، {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} [مطبقة ~~بهم] (2) وجامعة لهم فيها. # {إن تصبك حسنة} نصرة وغنيمة، {تسؤهم} تحزنهم، يعني: المنافقين، {وإن تصبك ~~مصيبة} قتل وهزيمة، {يقولوا قد أخذنا أمرنا} حذرنا، أي: أخذنا بالحزم في ~~القعود عن الغزو، {من قبل} أي: من قبل هذه المصيبة، {ويتولوا} ويدبروا {وهم ~~فرحون} مسرورون بما نالك من المصيبة. # {قل} لهم يا محمد {لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} أي: علينا في اللوح ~~المحفوظ {هو مولانا} ناصرنا وحافظنا. وقال الكلبي: هو أولى بنا من أنفسنا ~~في الموت والحياة، {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} . # {قل هل تربصون بنا} تنتظرون بنا أيها المنافقون، {إلا إحدى الحسنيين} إما ~~النصر والغنيمة أو الشهادة والمغفرة. وروينا عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "تكفل الله لمن جاهد في PageV04P057 # سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلمته: أن يدخله ~~الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة" (1) . # قوله عز وجل {ونحن نتربص بكم} إحدى السوءتين إما: {أن يصيبكم الله بعذاب ~~من عنده} فيهلككم كما أهلك الأمم الخالية، {أو بأيدينا} أي: بأيدي المؤمنين ~~إن أظهرتم ما في قلوبكم، {فتربصوا إنا معكم متربصون} ms1119 قال الحسن: فتربصوا ~~مواعيد الشيطان إنا متربصون مواعيد الله من إظهار دينه واستئصال من خالفه. # {قل أنفقوا طوعا أو كرها} أمر بمعنى الشرط والجزاء، أي: إن أنفقتم طوعا ~~أو كرها. نزلت في جد بن قيس حين استأذن في القعود، قال أعينكم بمالي، يقول: ~~إن أنفقتم طوعا أو كرها {لن يتقبل منكم إنكم} أي: لأنكم، {كنتم قوما ~~فاسقين} . # {وما منعهم أن تقبل منهم} قرأ حمزة والكسائي: " يقبل " بالياء لتقدم ~~الفعل، وقرأ الباقون بالتاء لأن الفعل مسند إلى جمع مؤنث وهو النفقات، فأنث ~~الفعل ليعلم أن الفاعل مؤنث، {نفقاتهم} صدقاتهم، {إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله} أي: المانع من قبول نفقاتهم كفرهم، {ولا يأتون الصلاة إلا وهم ~~كسالى} متثاقلون لأنهم لا يرجون على أدائها ثوابا، ولا يخافون على تركها ~~عقابا، فإن قيل: كيف [ذم] (2) الكسل في الصلاة ولا صلاة لهم أصلا؟ قيل: ~~الذم واقع على الكفر الذي يبعث على الكسل، فإن الكفر مكسل، والإيمان منشط، ~~{ولا ينفقون إلا وهم كارهون} لأنهم يعدونها مغرما ومنعها مغنما. ~~PageV04P058 ### || # {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55) ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ~~ولكنهم قوم يفرقون (56) لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم ~~يجمحون (57) } . # {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم} والإعجاب هو السرور بما يتعجب منه، ~~يقول: لا تستحسن ما أنعمنا عليهم من الأموال والأولاد لأن العبد إذا كان من ~~الله في استدراج كثر الله ماله وولده، {إنما يريد الله ليعذبهم بها في ~~الحياة الدنيا} فإن قيل: أي تعذيب في المال والولد وهم يتنعمون بها في ~~الحياة الدنيا؟ # قيل: قال مجاهد وقتادة: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: فلا تعجبك ~~أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في ~~الآخرة. # وقيل: التعذيب بالمصائب الواقعة في المال والولد. # وقال الحسن: يعذبهم بها في الدنيا بأخذ الزكاة منها والنفقة في سبيل ~~الله. وقيل: يعذبهم بالتعب في جمعه، والوجل في حفظه، والكره في إنفاقه، ~~والحسرة على ms1120 تخليفه عند من لا يحمده، ثم يقدم على ملك لا يعذره. {وتزهق ~~أنفسهم} أي: تخرج، {وهم كافرون} أي: يموتون على الكفر. # {ويحلفون بالله إنهم لمنكم} أي: على دينكم، {وما هم منكم ولكنهم قوم ~~يفرقون} [يخافون أن يظهروا ما هم عليه] (1) . # {لو يجدون ملجأ} حرزا وحصنا ومعقلا. وقال عطاء: مهربا. وقيل: قوما يأمنون ~~فيهم. {أو مغارات} غيرانا في الجبال، جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور فيه، ~~أي يستتر. وقال عطاء: سراديب. {أو مدخلا} موضع دخول فيه، وأصل: مدتخل ~~مفتعل، من أدخل يدخل. قال مجاهد: محرزا. وقال قتادة: سربا. وقال الكلبي: ~~نفقا في الأرض كنفق اليربوع. وقال الحسن: وجها يدخلونه على خلاف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وقرئ: {مدخلا} بفتح الميم وتخفيف الدال، وكذلك قرأ ~~PageV04P059 # يعقوب، {لولوا إليه} لأدبروا إليه هربا منكم، {وهم يجمحون} يسرعون في ~~إباء ونفور لا يرد وجوههم شيء. ومعنى الآية: أنهم لو يجدون مخلصا منكم ~~ومهربا لفارقوكم. ### || # {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا ~~هم يسخطون (58) } . # قوله تعالى {ومنهم من يلمزك في الصدقات} الآية نزلت في ذي الخويصرة ~~التميمي، واسمه حرقوص بن زهير، أصل الخوارج. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا ~~شعيب عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدري رضي ~~الله عنه قال: "بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما ~~فينا، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول اعدل، فقال: ~~"ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل"، فقال عمر رضي ~~الله عنه: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال له: "دعه فإن له ~~أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا ~~يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله ~~فلا يوجد ms1121 فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه، ~~وهو قدحه، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق ~~الفرث والدم آيتهم: رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة ~~تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس". قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا ~~الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس، فوجد، فأتي به حتى نظرت ~~إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعته (1) . # وقال الكلبي: قال رجل 159/ب من المنافقين يقال له [أبو الجواظ] (2) : ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تقسم بالسوية، فأنزل الله تعالى (3) ~~{ومنهم من يلمزك في الصدقات} أي: يعيبك في أمرها وتفريقها PageV04P060 # ويطعن عليك فيها. يقال: لمزه وهمزه، أي: عابه، يعني أن المنافقين كانوا ~~يقولون إن محمدا لا يعطي إلا من أحب. وقرأ يعقوب {يلمزك} حيث كان. وقال ~~مجاهد: يلمزك أي: يروزك يعني: يختبرك. {فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا ~~منها إذا هم يسخطون} قيل: إن أعطوا كثيرا فرحوا وإن أعطوا قليلا سخطوا. ### || # {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن ~~السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (60) } . # {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله} أي: قنعوا بما قسم لهم الله ورسوله ~~{وقالوا حسبنا الله} كافينا الله، {سيؤتينا الله من فضله ورسوله} ما نحتاج ~~إليه {إنا إلى الله راغبون} في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقة ~~وغيرها من أموال الناس. وجواب "لو " محذوف أي: لكان خيرا لهم وأعود عليهم. # قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} الآية، بين الله تعالى في ~~هذه الآية أهل سهمان الصدقات وجعلها لثمانية أصناف. وروي عن زياد بن الحارث ms1122 ~~الصدائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته، فأتاه رجل وقال: ~~أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لم يرض ~~بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء، فإن ~~كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك" (1) # قوله تعالى {للفقراء والمساكين} فأحد أصناف الصدقة: الفقراء، والثاني: ~~المساكين. # واختلف العلماء في صفة الفقير والمسكين، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد ~~وقتادة وعكرمة والزهري: الفقير الذي لا يسأل، والمسكين: الذي يسأل. # وقال ابن عمر: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة، ~~ولكن من أنقى PageV04P061 # نفسه وثيابه لا يقدر على شيء، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف. # وقال قتادة: الفقير: المحتاج الزمن، والمسكين: الصحيح المحتاج. # وروي عن عكرمة أنه قال: الفقراء من المسلمين، والمساكين من أهل الكتاب. # وقال الشافعي: الفقير من لا مال له ولا حرفة تقع منه موقعا، زمنا كان أو ~~غير زمن، والمسكين من كال له مال أو حرفة ولا يغنيه، سائلا أو غير سائل. ~~فالمسكين عنده أحسن حالا من الفقير لأن الله تعالى قال: "أما السفينة فكانت ~~لمساكين" {الكهف -79} أثبت لهم ملكا مع اسم المسكنة. # وعند أصحاب الرأي: الفقير أحسن حالا من المسكين. # وقال القتيبي: الفقير: الذي له البلغة من العيش، والمسكين: الذي لا شيء ~~له. # وقيل: الفقير من له المسكن والخادم، والمسكين من لا ملك له. وقالوا: كل ~~محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنيا عن غيره، قال الله تعالى: "أنتم ~~الفقراء إلى الله" (غافر -15) ، والمسكين المحتاج إلى كل شيء ألا ترى كيف ~~حض على إطعامه، وجعل طعام الكفارة له ولا فاقة أشد من الحاجة إلى سد ~~الجوعة. # وقال إبراهيم النخعي: الفقراء هم المهاجرون، والمساكين من لم يهاجروا من ~~المسلمين. # وفي الجملة: الفقر والمسكنة عبارتان عن الحاجة وضعف الحال، فالفقير ~~المحتاج الذي كسرت الحاجة فقار ظهره، والمسكين الذي ضعفت نفسه وسكنت عن ~~الحركة في طلب القوت. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، حدثنا عبد العزيز ms1123 بن أحمد الخلال، ~~حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا الربيع، أنبأنا الشافعي، أنبأنا سفيان بن ~~عيينة عن هشام، يعني: ابن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار: ~~أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله فسألاه عن الصدقة [فصعد فيهما وصوب] ~~(1) فقال: "إن شئتما أعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب" (2) . # واختلفوا في حد الغنى الذي يمنع أخذ الصدقة: فقال الأكثرون: حده أن يكون ~~عنده ما يكفيه وعياله سنة، وهو قول مالك والشافعي. # وقال أصحاب الرأي: حده أن يملك مائتي درهم. PageV04P062 # وقال قوم: من ملك خمسين درهما لا تحل له الصدقة، لما روينا عن عبد الله ~~بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سأل الناس وله ما ~~يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح"، قيل: يا ~~رسول الله وما يغنيه؟ قال: "خمسون درهما أو قيمتها من الذهب" (1) . وهو قول ~~الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق. وقالوا لا يجوز أن يعطى الرجل من الزكاة ~~أكثر من خمسين درهما. وقيل: أربعون درهما لما روى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا" (2) . # قوله تعالى: {والعاملين عليها} وهم السعاة الذين يتولون قبض الصدقات من ~~أهلها ووضعها في حقها، فيعطون من مال الصدقة، فقراء كانوا أو أغنياء، ~~فيعطون أجر مثل عملهم. # وقال الضحاك ومجاهد: لهم الثمن من الصدقة. # {والمؤلفة قلوبهم} فالصنف الرابع من المستحقين للصدقة هم: المؤلفة ~~قلوبهم، وهم قسمان: قسم مسلمون، وقسم كفار. فأما المسلمون: فقسمان، قسم ~~دخلوا في الإسلام ونيتهم ضعيفة فيه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم ~~تألفا كما أعطى عيينة بن بدر، والأقرع بن حابس، والعباس بن مرداس، أو ~~أسلموا ونيتهم قوية في الإسلام، وهم شرفاء في قومهم مثل: عدي بن حاتم، ~~والزبرقان بن بدر، فكان يعطيهم تألفا لقومهم، وترغيبا لأمثالهم في الإسلام، ~~فهؤلاء يجوز للإمام أن يعطيهم من خمس خمس الغنيمة، والفيء سهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وكان النبي ms1124 صلى الله عليه وسلم يعطيهم من ذلك ولا يعطيهم ~~من الصدقات. # والقسم الثاني من مؤلفة المسلمين: أن يكون قوم من المسلمين بإزاء قوم ~~كفار في موضع متناط (3) لا تبلغهم جيوش المسلمين إلا بمؤنة كثيرة وهم لا ~~يجاهدون، إما لضعف نيتهم أو لضعف حالهم، فيجوز للإمام أن يعطيهم من سهم ~~الغزاة من مال الصدقة. وقيل: من سهم المؤلفة. ومنهم قوم بإزاء جماعة من ~~مانعي الزكاة يأخذون منهم الزكاة يحملونها إلى الإمام، فيعطيهم الإمام من ~~سهم المؤلفة من الصدقات. وقيل: من سهم سبيل الله. PageV04P063 # روي أن عدي بن حاتم جاء أبا بكر الصديق بثلاثمائة من الإبل من صدقات قومه ~~فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيرا. # وأما الكفار من المؤلفة: فهو من يخشى شره منهم، أو يرجى إسلامه، فيريد ~~الإمام أن يعطي هذا حذرا من شره، أو يعطي ذلك ترغيبا له في الإسلام ~~160/أفقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من خمس الخمس، كما أعطى ~~صفوان بن أمية لما يرى من ميله إلى الإسلام، أما اليوم فقد أعز الله ~~الإسلام فله الحمد، وأغناه أن يتألف عليه رجال، فلا يعطى مشرك تألفا بحال، ~~وقد قال بهذا كثير من أهل العلم أن المؤلفة منقطعة وسهمهم ساقط. روي ذلك عن ~~عكرمة، وهو قول الشعبي، وبه قال مالك والثوري، وأصحاب الرأي، وإسحاق بن ~~راهويه. # وقال قوم: سهمهم ثابت، يروى ذلك عن الحسن، وهو قول الزهري، وأبي جعفر ~~محمد بن علي، وأبي ثور، وقال أحمد: يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك. # قوله تعالى: {وفي الرقاب} والصنف الخامس: هم الرقاب، وهم المكاتبون، لهم ~~سهم من الصدقة، هذا قول أكثر الفقهاء، وبه قال سعيد بن جبير، والنخعي، ~~والزهري، والليث بن سعد، والشافعي. وقال جماعة: يشترى بسهم الرقاب عبيد ~~فيعتقون. وهذا قول الحسن، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق. # قوله تعالى: {والغارمين} الصنف السادس هم: الغارمون، وهم قسمان: قسم ~~دانوا لأنفسهم في غير معصيته، فإنهم يعطون من الصدقة إذا لم يكن لهم من ~~المال ما يفي بديونهم، فإن كان عندهم وفاء ms1125 فلا يعطون، وقسم أدانوا في ~~المعروف وإصلاح ذات البين فإنهم يعطون من مال الصدقة ما يقضون به ديونهم، ~~وإن كانوا أغنياء. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنبأنا زاهر بن أحمد، أنبأنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل ~~الله، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على ~~المساكين فأهدى المسكين للغني، أو لعامل عليها" (1) . # ورواه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم متصلا بمعناه (2) . PageV04P064 # أما من كان دينه في معصية فلا يدفع إليه. # وقوله تعالى: {وفي سبيل الله} أراد بها: الغزاة، فلهم سهم من الصدقة، ~~يعطون إذا أرادوا الخروج إلى الغزو، وما يستعينون به على أمر الغزو من: ~~النفقة، والكسوة، والسلاح، والحمولة، وإن كانوا أغنياء، ولا يعطى منه شيء ~~في الحج عند أكثر أهل العلم. # وقال قوم: يجوز أن يصرف سهم في سبيل الله إلى الحج. ويروى ذلك عن ابن ~~عباس، وهو قول الحسن، وأحمد، وإسحاق. # قوله تعالى: {وابن السبيل} الصنف الثامن: هم أبناء السبيل، فكل من يريد ~~سفرا مباحا ولم يكن له ما يقطع به المسافة يعطى من الصدقة بقدر ما يقطع به ~~تلك المسافة، سواء كان له في البلد المنتقل إليه مال أو لم يكن. # وقال قتادة: ابن السبيل هو الضيف. # وقال فقهاء العراق: ابن السبيل: الحاج المنقطع. # قوله تعالى: {فريضة} أي: واجبة {من الله} وهو نصب على القطع، وقيل: على ~~المصدر، أي: فرض الله هذه الأشياء فريضة. {والله عليم حكيم} . # اختلف الفقهاء في كيفية قسم الصدقات، وفي جواز صرفها إلى بعض الأصناف: # فذهب جماعة إلى أنه لا يجوز صرفها كلها إلى بعضهم مع وجود سائر الأصناف، ~~وهو قول عكرمة، وبه قال الشافعي، قال: يجب أن تقسم زكاة كل صنف من ماله على ~~الموجودين من الأصناف ms1126 الستة، الذين سهمانهم ثابتة قسمة على السواء، لأن سهم ~~المؤلفة ساقط، وسهم العامل إذا قسم بنفسه، ثم حصة كل صنف منهم لا يجوز أن ~~تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم إن وجد منهم ثلاثة أو أكثر، فلو فاوت بين أولئك ~~الثلاث يجوز، فإن لم يوجد من بعض الأصناف إلا واحد صرف حصة ذلك الصنف إليه ~~ما لم يخرج عن حد الاستحقاق، فإن انتهت حاجته وفضل شيء رده إلى الباقين. # وذهب جماعة إلى أنه لو صرف الكل إلى صنف واحد من هذه الأصناف، أو إلى شخص ~~واحد منهم يجوز، وإنما سمى الله تعالى هذه الأصناف الثمانية إعلاما منه أن ~~الصدقة لا تخرج عن هذه # PageV04P065 # الأصناف، لا إيجابا لقسمها بينهم جميعا. وهو قول عمر، وابن عباس، وبه قال ~~سعيد بن جبير وعطاء، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي، وبه قال أحمد، ~~قال: يجوز أن يضعها في صنف واحد وتفريقها أولى. # وقال إبراهيم: إن كان المال كثيرا يحتمل الإجزاء قسمه على الأصناف، وإن ~~كان قليلا جاز وضعه في صنف واحد. # وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الأولى فالأولى من أهل الخلة ~~والحاجة، فإن رأى الخلة في الفقراء في عام أكثر قدمهم، وإن رآها في عام في ~~صنف آخر حولها إليهم. # وكل من دفع إليه شيء من الصدقة لا يزيد على قدر الاستحقاق، فلا يزيد ~~الفقير على قدر غناه، فإذا حصل أدنى اسم الغنى لا يعطى بعده، فإن كان ~~محترفا لكنه لا يجد آلة حرفته: فيعطى قدر ما يحصل به آلة حرفته، ولا يزاد ~~العامل على أجر عمله، والمكاتب على قدر ما يعتق به، وللغريم على قدر دينه، ~~وللغازي على قدر نفقته للذهاب والرجوع والمقام في مغزاه وما يحتاج إليه من ~~الفرس والسلاح، ولابن السبيل على قدر إتيانه مقصده أو مآله. # واختلفوا في نقل الصدقة عن بلد المال إلى موضع آخر، مع وجود المستحقين ~~فيه: فكرهه أكثر أهل العلم، لما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، ~~أنبأنا أبو محمد عبد الجبار بن ms1127 محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن ~~أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، حدثنا ~~زكريا بن إسحاق المكي، حدثنا يحيى بن عبد الله بن الصيفي عن أبي معبد عن ~~ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال: "إنك ~~تأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم ~~والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من ~~أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق ~~دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب" (1) . # فهذا يدل على أن صدقة أغنياء كل قوم ترد على فقراء ذلك القوم. # واتفقوا على أنه إذا نقل من بلد إلى بلد آخر أدي مع الكراهة، وسقط الفرض ~~عن ذمته، إلا ما PageV04P066 # حكي 160/ب عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه رد صدقة حملت من خراسان ~~إلى الشام إلى مكانها من خراسان. ### || # {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ~~ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب ~~أليم (61) } . # {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن} نزلت في جماعة من المنافقين ~~كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم: ~~لا تفعلوا، فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا. فقال الجلاس بن سويد ~~منهم: بل نقول ما شئنا، ثم نأتيه فننكر ما قلنا، ونحلف فيصدقنا بما نقول، ~~فإنما محمد أذن (1) أي: أذن سامعة، يقال: فلان أذن وأذنة على وزن فعلة إذا ~~كان يسمع كل ما قيل له ويقبله. وأصله من أذن يأذن أذنا أي: استمع. وقيل: هو ~~أذن أي: ذو أذن سامعة. # وقال محمد بن إسحاق بن يسار: نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن ~~الحارث، وكان رجلا أذلم، ثائر ms1128 شعر الرأس، أحمر العينين، أسفع الخدين، مشوه ~~الخلقة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن ينظر إلى الشيطان ~~فلينظر إلى نبتل بن الحارث"، وكان ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~المنافقين، فقيل له: لا تفعل، فقال: إنما محمد أذن فمن حدثه شيئا صدقه، ~~فنقول ما شئنا، ثم نأتيه ونحلف بالله فيصدقنا. فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~(2) . # قوله تعالى: {قل أذن خير لكم} قرأه العامة بالإضافة، أي: مستمع خير وصلاح ~~لكم، لا مستمع شر وفساد. وقرأ الأعمش والبرجمي عن أبي بكر: {أذن خير لكم} ~~مرفوعين منونين، يعني: أن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل ~~قولكم، ثم كذبهم فقال: {يؤمن بالله} أي: لا بل يؤمن بالله، {ويؤمن ~~للمؤمنين} أي: يصدق المؤمنين ويقبل منهم لا من المنافقين. يقال: أمنته ~~وأمنت له بمعنى صدقته. {ورحمة} قرأ حمزة: " ورحمة " بالخفض على معنى أذن ~~خير لكم، وأذن رحمة، وقرأ الآخرون: "ورحمة" بالرفع، أي: هو أذن خير، وهو ~~رحمة {للذين آمنوا منكم} لأنه كان سبب إيمان المؤمنين. {والذين يؤذون رسول ~~الله لهم عذاب أليم} . PageV04P067 ### || # {يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ~~(62) ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك ~~الخزي العظيم (63) يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم ~~قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون (64) } . # {يحلفون بالله لكم ليرضوكم} قال قتادة والسدي: اجتمع ناس من المنافقين ~~فيهم الجلاس بن سويد، ووديعة بن ثابت، فوقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقالوا: إن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير، وكان عندهم غلام من ~~الأنصار يقال له عامر بن قيس، فحقروه وقالوا هذه المقالة، فغضب الغلام ~~وقال: والله إن ما يقول محمد حق وأنتم شر من الحمير، ثم أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره، فدعاهم وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحلفوا أن ~~عامرا كذاب. وحلف عامر أنهم كذبة فصدقهم النبي ms1129 صلى الله عليه وسلم، فجعل ~~عامر يدعو ويقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~(1) . # وقال مقاتل والكلبي: نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما ~~رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوه يعتذرون إليه ويحلفون، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية" {يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن ~~كانوا مؤمنين} . # {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله} يخالف الله ورسوله أن يكونوا في ~~جانب واحد من الله ورسوله، {فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم} ~~أي: الفضيحة العظيمة. # {يحذر المنافقون} أي: يخشى المنافقون، {أن تنزل عليهم} أي: تنزل على ~~المؤمنين، {سورة تنبئهم بما في قلوبهم} أي: بما في قلوب المنافقين من الحسد ~~والعداوة للمؤمنين، كانوا يقولون فيما بينهم ويسرون ويخافون الفضيحة بنزول ~~القرآن في شأنهم. # قال قتادة: هذه السورة تسمى الفاضحة والمبعثرة والمثيرة، أثارت مخازيهم ~~ومثالبهم. # قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أنزل الله تعالى ذكر سبعين رجلا من ~~المنافقين بأسمائهم وأسماء آبائهم ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة للمؤمنين، لئلا ~~يعير بعضهم بعضا، لأن أولادهم كانوا مؤمنين. PageV04P068 # {قل استهزئوا إن الله مخرج} مظهر {ما تحذرون} . # قال ابن كيسان: نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلا من المنافقين، وقفوا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم على العقبة لما رجع من غزوة تبوك ليفتكوا به ~~إذا علاها، ومعهم رجل مسلم يخفيهم شأنه، وتنكروا له في ليلة مظلمة، فأخبر ~~جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدروا، وأمره أن يرسل إليهم من ~~يضرب وجوه رواحلهم، وعمار بن ياسر يقود برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~راحلته، وحذيفة يسوق به، فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم فضربها حتى نحاها، ~~فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحذيفة: من عرفت من القوم؟ قال: ~~لم أعرف منهم أحدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإنهم فلان وفلان ~~حتى عدهم كلهم، فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم؟ فقال: أكره أن تقول ms1130 ~~العرب. لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم، بل يكفيناهم الله بالدبيلة" (1) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن عيسى، حدثنا إبراهيم ~~بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد ~~بن جعفر، حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن قيس بن عبادة قال: قلنا ~~لعمار: أرأيت قتالكم أرأيا رأيتموه؟ فإن الرأي يخطئ ويصيب، أو عهدا عهده ~~إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس كافة، وقال: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "إن في أمتي -قال شعبة وأحسبه قال: حدثني حذيفة قال في ~~أمتي-اثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها، حتى يلج الجمل في ~~سم الخياط، ثمانية منهم تكفيهم الدبيلة، سراج من النار يظهر في أكتافهم، ~~حتى ينجم من صدورهم" (2) . ### || # {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزئون (65) } . # قوله تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} الآية، وسبب نزول ~~هذه الآية على ما قال الكلبي ومقاتل وقتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين، اثنان يستهزئان ~~بالقرآن والرسول، والثالث يضحك. # قيل: كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم ما أبعده ~~من ذلك! # وقيل كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين بالمدينة ~~قرآن، وإنما هو قوله وكلامه، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك؛ ~~فقال: احبسوا علي الركب، فدعاهم وقال لهم: قلتم PageV04P069 # كذا وكذا، فقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب، أي كنا نتحدث ونخوض في الكلام ~~كما يفعل الركب لقطع الطريق بالحديث واللعب. # قال عمر (1) فلقد 161/أرأيت عبد الله بن أبي يشتد قدام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والحجارة تنكبه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، ما يلتفت ~~إليه ولا ms1131 يزيد عليه (2) . # قوله تعالى: {قل} أي: قل يا محمد {أبالله وآياته} كتابه، {ورسوله كنتم ~~تستهزئون} . ### || # {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم ~~كانوا مجرمين (66) } . # {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} فإن قيل: كيف قال: كفرتم بعد إيمانكم، ~~وهم لم يكونوا مؤمنين؟. # قيل: معناه: أظهرتم الكفر بعدما أظهرتم الإيمان. # {إن نعف عن طائفة منكم} أي: نتب على طائفة منكم، وأراد بالطائفة واحدا، ~~{نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} بالاستهزاء. قرأ عاصم: "نعف" بالنون ~~وفتحها وضم الفاء، "نعذب" بالنون وكسر الذال، {طائفة} نصب. وقرأ الآخرون: ~~"يعف" بالياء وضمها وفتح الفاء، {تعذب} بالتاء وفتح الذال، "طائف" رفع على ~~غير تسمية الفاعل. # وقال محمد بن إسحاق: الذي عفا عنه رجل واحد، هو مخشي بن حمير الأشجعي، ~~يقال هو الذي كان يضحك ولا يخوض، وكان يمشي مجانبا لهم وينكر بعض ما يسمع، ~~فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه، وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تقرأ ~~أعنى بها تقشعر الجلود منها، وتجب (3) منها القلوب، اللهم اجعل وفاتي قتلا ~~في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة، فما ~~أحد من المسلمين إلا عرف مصرعه غيره (4) . PageV04P070 ### || # {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ~~ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون (67) وعد الله ~~المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ~~ولهم عذاب مقيم (68) } . # {كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا ~~بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي ~~خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون (69) ألم ~~يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين ~~والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون (70) والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم ~~الله إن الله عزيز حكيم (71) وعد ms1132 الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ~~ذلك هو الفوز العظيم (72) } . # قوله تعالى: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} أي: هم على دين واحد. ~~وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاق، {يأمرون بالمنكر} بالشرك والمعصية، ~~{وينهون عن المعروف} أي عن الإيمان والطاعة، {ويقبضون أيديهم} أي: يمسكونها ~~عن الصدقة والإنفاق في سبيل الله ولا يبسطونها بخير، {نسوا الله فنسيهم} ~~تركوا طاعة الله، فتركهم الله من توفيقه وهدايته في الدنيا، ومن رحمته في ~~الآخرة، وتركهم في عذابه، {إن المنافقين هم الفاسقون} . # {وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم} ~~كافيتهم جزاء على كفرهم، {ولعنهم الله} أبعدهم من رحمته، {ولهم عذاب مقيم} ~~دائم. # {كالذين من قبلكم} أي: فعلتم كفعل الذين من قبلكم بالعدول من أمر الله، ~~فلعنتم كما لعنوا {كانوا أشد منكم قوة} بطشا ومنعة، {وأكثر أموالا وأولادا ~~فاستمتعوا بخلاقهم} فتمتعوا أو انتفعوا بخلاقهم؛ بنصيبهم من الدنيا باتباع ~~الشهوات ورضوا به عوضا عن الآخرة، {فاستمتعتم بخلاقكم} أيها الكفار ~~والمنافقون، {كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} وسلكتم سبيلهم، {وخضتم} ~~في الباطل والكذب على الله تعالى، وتكذيب رسله، وبالاستهزاء بالمؤمنين، ~~{كالذي خاضوا} أي: كما خاضوا. وقيل: كالذي يعني كالذين خاضوا، وذلك أن ~~"الذي" اسم ناقص، مثل "ما" و"من" يعبر به عن الواحد والجميع، نظيره قوله ~~تعالى: "كمثل الذي استوقد نارا" ثم قال: "ذهب الله بنورهم" (البقرة -17) . # PageV04P071 # {أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون} أي: كما حبطت ~~أعمالهم وخسروا كذلك حبطت أعمالكم وخسرتم. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبد العزيز، ~~حدثنا أبو عمر الصنعاني من اليمن، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لتتبعن سنن من ~~قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم"، قلنا: ms1133 يا ~~رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن"؟ وفي رواية أبي هريرة: "فهل الناس ~~إلا هم"، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا ~~وهديا تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟ ~~" (1) . # قوله تعالى: {ألم يأتهم} يعني المنافقين، {نبأ} خبر، {الذين من قبلهم} ~~حين عصوا رسلنا، وخالفوا أمرنا كيف عذبناهم وأهلكناهم. ثم ذكرهم، فقال: ~~{قوم نوح} أهلكوا بالطوفان، {وعاد} أهلكوا بالريح {وثمود} بالرجفة، {وقوم ~~إبراهيم} بسلب النعمة وهلاك نمرود، {وأصحاب مدين} يعني قوم شعيب أهلكوا ~~بعذاب يوم الظلة، {والمؤتفكات} المنقلبات التي جعلنا عاليها سافلها وهم قوم ~~لوط، {أتتهم رسلهم بالبينات} فكذبوهم وعصوهم كما فعلتم يا معشر الكفار، ~~فاحذروا تعجيل النقمة، {فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} . # قوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} في الدين واتفاق ~~الكلمة والعون والنصرة. {يأمرون بالمعروف} بالإيمان والطاعة والخير، ~~{وينهون عن المنكر} عن الشرك PageV04P072 # والمعصية وما لا يعرف في الشرع، {ويقيمون الصلاة} المفروضة، {ويؤتون ~~الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم} . # {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ومساكن طيبة} منازل طيبة، {في جنات عدن} أي: بساتين خلد وإقامة، يقال: عدن ~~بالمكان إذا أقام به. # قال ابن مسعود: هي بطنان الجنة، أي: وسطها. # قال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن في الجنة قصرا يقال له: "عدن" حوله ~~البروج والمروج، له خمسة آلاف باب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد. # وقال الحسن: قصر من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل. # وقال عطاء بن السائب: "عدن" نهر في الجنة [جنانه] (1) على حافتيه. # وقال مقاتل والكلبي: "عدن" أعلى درجة في الجنة، وفيها عين التسنيم، ~~والجنان حولها، محدقة بها، وهي مغطاة من حين خلقها الله تعالى حتى ينزلها ~~أهلها: الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، ومن شاء الله، وفيها قصور ~~الدر واليواقيت والذهب، فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان ~~المسك ms1134 الأذفر الأبيض. # {ورضوان من الله أكبر} أي: رضا الله عنهم أكبر من ذلك، {ذلك هو الفوز ~~العظيم} روينا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "يقول الله عز وجل لأهل الجنة يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ~~ربنا ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحدا من خلقك، فيقول: أفلا ~~أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم ~~رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا" (2) . PageV04P073 ### || # {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير (73) يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ~~فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ~~والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير (74) } . # قوله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار} بالسيف والقتل، {والمنافقين} ~~واختلفوا في صفة جهاد المنافقين، قال ابن 161/ب مسعود: بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه، وقال لا تلق المنافقين إلا بوجه مكفهر (1) . ~~وقال ابن عباس: باللسان وترك الرفق. وقال الضحاك: بتغليظ الكلام. وقال ~~الحسن وقتادة: بإقامة الحدود عليهم. {واغلظ عليهم ومأواهم} في الآخرة،. ~~{جهنم وبئس المصير} قال عطاء: نسخت هذه الآية كل شيء من العفو والصفح. # قوله تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا} قال ابن عباس: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جالسا في ظل حجرة فقال: "إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم ~~بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه"، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "علام تشتمني أنت وأصحابك"؟ فانطلق ~~الرجل، فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله، ما قالوا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية ~~(2) . # وقال الكلبي: نزلت في الجلاس بن سويد، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين وسماهم رجسا وعابهم، فقال جلاس: ~~لئن كان محمد صادقا لنحن ms1135 شر من الحمير. فسمعه عامر بن قيس، فقال: أجل إن ~~محمدا لصادق وأنتم شر من الحمير، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس، فقال الجلاس: كذب علي ~~يا رسول الله، وأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلفا عند المنبر، ~~فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما قاله، ~~ولقد كذب علي عامر، ثم قام عامر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد قاله ~~وما PageV04P074 # كذبت عليه، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم أنزل على نبيك تصديق ~~الصادق منا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون: آمين. فنزل ~~جبريل عليه السلام قبل أن يتفرقا بهذه الآية، حتى بلغ: {فإن يتوبوا يك خيرا ~~لهم} فقام الجلاس فقال: يا رسول الله أسمع [الله عز وجل] (1) قد عرض علي ~~التوبة، صدق عامر بن قيس فيما قاله، لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، ~~فقبل رسول الله ذلك منه وحسنت توبته. # قوله تعالى: {ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} أي: أظهروا ~~الكفر بعد إظهار الإيمان والإسلام. وقيل: هي سب النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: كلمة الكفر قول الجلاس: لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير. وقيل: ~~كلمة الكفر قولهم "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، ~~(المنافقين -8) وستأتي تلك القصة [في موضعها في سورة المنافقين] (2) {وهموا ~~بما لم ينالوا} قال مجاهد: هم المنافقون بقتل المسلم الذي سمع قولهم: لنحن ~~شر من الحمير، لكي لا يفشيه. # وقيل: هم اثنا عشر رجلا من المنافقين وقفوا على العقبة في طريق تبوك ~~ليفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء جبريل عليه السلام وأمره أن ~~يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، فأرسل حذيفة لذلك. # وقال السدي: قالوا إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبي ~~تاجا، فلم يصلوا إليه. # {وما نقموا} وما كرهوا وما أنكروا منهم، {إلا أن أغناهم الله ورسوله ms1136 من ~~فضله} وذلك أن مولى الجلاس قتل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته ~~اثني عشر ألف درهم فاستغنى. وقال الكلبي: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله ~~عليه وسلم في ضنك من العيش، فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~استغنوا بالغنائم. # {فإن يتوبوا} من نفاقهم وكفرهم {يك خيرا لهم وإن يتولوا} يعرضوا عن ~~الإيمان، {يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا} بالخزي، {والآخرة} أي: وفي ~~الآخرة بالنار، {وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير} . ### || # {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) ~~} . # قوله تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} الآية. ~~أخبرنا أبو سعيد الشريحي، حدثنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله بن ~~حامد الأصفهاني، حدثنا أحمد بن PageV04P075 # محمد بن إبراهيم السمرقندي، حدثنا محمد بن نصر، حدثني أبو الأزهر أحمد بن ~~الأزهر، حدثنا مروان بن محمد بن شعيب حدثنا معان (1) بن رفاعة عن علي بن ~~يزيد (2) عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة الباهلي قال: جاء ثعلبة بن ~~حاطب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع ~~الله أن يرزقني مالا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويحك يا ثعلبة ~~قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه"، ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ~~ادع الله أن يرزقني مالا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما لك في ~~رسول الله أسوة حسنة؟ والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا ~~وفضة لسارت" ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا ~~فوالذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم ارزق ثعلبة مالا". # قال: فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها، ~~فنزل واديا من أوديتها وهي تنمو كالدود، فكان يصلي مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم الظهر والعصر، ms1137 ويصلي في غنمه سائر الصلوات، ثم كثرت ونمت حتى تباعد ~~بها عن المدينة، فصار لا يشهد إلا الجمعة، ثم كثرت فنمت فتباعد أيضا حتى ~~كان لا يشهد جمعة ولا جماعة. فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس ~~يسألهم عن الأخبار، فذكره صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: ما فعل ثعلبة؟ ~~قالوا: يا رسول الله اتخذ ثعلبة غنما ما يسعها واد، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة". فأنزل الله آية ~~الصدقات، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني سليم ورجلا من ~~جهينة وكتب لهما أسنان الصدقة، كيف يأخذان؟ وقال لهما: "مرا بثعلبة بن ~~حاطب، و [بفلان] ، رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما، فخرجا حتى أتيا ثعلبة ~~فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذه إلا ~~جزية ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي، فانطلقا وسمع ~~بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلما ~~رأوها قالوا: ما هذه عليك. قال: خذاه فإن نفسي بذلك طيبة، فمرا على الناس ~~فأخذا الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما فقرأه، ثم قال: ما ~~هذه إلا أخت الجزية، اذهبا حتى أرى رأيي. # قال فأقبلا فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلماه قال: ~~يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة، ثم دعا للسلمي بخير، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، ~~فأنزل الله تعالى فيه: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} ~~162/أالآية، إلى قوله: {وبما كانوا يكذبون} وعند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجل من أقارب ثعلبة PageV04P076 # فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة لقد أنزل الله فيك كذا وكذا، ~~فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه الصدقة، ~~فقال: إن الله عز وجل منعني أن أقبل منك صدقتك، فجعل يحثو التراب على رأسه، ~~فقال رسول ms1138 الله صلى الله عليه وسلم: هذا عملك وقد أمرتك فلم تطعني، فلما ~~أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبض صدقته، رجع إلى منزله. وقبض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ثم أتى أبا بكر فقال: اقبل صدقتي، فقال أبو بكر: ~~لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أنا أقبلها؟ فقبض أبو بكر ~~ولم يقبلها. فلما ولي عمر أتاه فقال: اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها منك رسول ~~الله ولا أبو بكر، أنا أقبلها منك؟ فلم يقبلها فلما ولي عثمان أتاه فلم ~~يقبلها منه، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان (1) . # قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: أتى ثعلبة مجلسا من الأنصار فأشهدهم ~~لئن آتاني الله من فضله آتيت منه كل ذي حق حقه، وتصدقت منه، ووصلت الرحم، ~~وأحسنت إلى القرابة، فمات ابن عم له [فورثه] (2) مالا فلم يف بما قال، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية (3) . # وقال الحسن ومجاهد: نزلت في ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير، وهما من بني ~~عمرو بن عوف، خرجا على ملأ قعود وقالا والله لئن رزقنا الله [مالا] (4) ~~لنصدقن، فلما رزقهما الله عز وجل بخلا به (5) فقوله عز وجل {ومنهم} يعني: ~~المنافقين {من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} ولنؤدين حق الله منه. ~~{ولنكونن من الصالحين} نعمل بعمل أهل الصلاح فيه؛ من صلة الرحم والنفقة في ~~الخير. PageV04P077 ### || # {فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) ~~ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب (78) الذين ~~يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون ~~منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) } . # "فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون". {فأعقبهم} فأخلفهم، ~~{نفاقا في قلوبهم} أي: صير عاقبة أمرهم النفاق، يقال: أعقب فلانا ندامة إذا ~~صير عاقبة أمره ذلك. وقيل: عاقبهم بنفاق قلوبهم. يقال: عاقبته وأعقبته ~~بمعنى واحد. {إلى يوم يلقونه} ms1139 يريد حرمهم التوبة إلى يوم القيامة، {بما ~~أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} . # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، حدثنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني، حدثنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرنا أبو سهيل نافع ~~بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "آية ~~المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" (1) . # قوله عز وجل: {ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم} يعني: ما أضمروا في ~~قلوبهم وما تناجوا به بينهم، {وأن الله علام الغيوب} . # قوله عز وجل: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات} الآية. # قال أهل التفسير: حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فجاء عبد ~~الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف جئتك ~~بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكت أربعة آلاف لعيالي، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم "بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت"، فبارك ~~الله في PageV04P078 # ماله حتى إنه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف ~~درهم. وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر. وجاء أبو عقيل ~~الأنصاري واسمه الحباب بصاع من تمر، وقال: يا رسول الله بت ليلتي أجر ~~بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لأهلي وأتيتك بالآخر ~~فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره في الصدقة، فلمزهم المنافقون، ~~فقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء، وإن الله ورسوله لغنيان عن صاع ~~أبي عقيل، ولكنه أراد أن يذكر بنفسه ليعطى من الصدقة، فأنزل الله عز وجل: ~~(1) # {الذين يلمزون} أي: يعيبون {المطوعين} المتبرعين {من المؤمنين في ~~الصدقات} يعني: عبد الرحمن بن عوف وعاصما. {والذين لا يجدون إلا جهدهم} أي: ~~طاقتهم، يعني: أبا عقيل. والجهد: الطاقة، بالضم لغة قريش وأهل الحجاز. وقرأ ~~الأعرج بالفتح. قال ms1140 القتيبي: الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة. {فيسخرون ~~منهم} يستهزئون منهم، {سخر الله منهم} أي: جازاهم الله على السخرية، {ولهم ~~عذاب أليم} . PageV04P079 ### || # {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ~~ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80) فرح ~~المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ~~(81) فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82) فإن رجعك ~~الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا ~~معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83) } . # {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} لفظه أمر، ومعناه خبر، تقديره: استغفرت ~~لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم. {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر ~~الله لهم} وذكر عدد السبعين للمبالغة في اليأس على طمع المغفرة. # قال الضحاك: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ~~الله قد رخص لي فلأزيدن على السبعين لعل الله أن يغفر لهم"، فأنزل الله على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن ~~يغفر الله لهم} (1) . # {ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين} . # {فرح المخلفون} عن غزوة تبوك. والمخلف: المتروك {بمقعدهم} أي بقعودهم ~~PageV04P079 # {خلاف رسول الله} قال أبو عبيدة: أي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار وأقاموا، {وكرهوا أن ~~يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر} وكانت ~~غزوة تبوك في شدة الحر، {قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} يعلمون ~~وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود. # {فليضحكوا قليلا} في الدنيا، {وليبكوا كثيرا} في الآخرة. تقديره: ~~فليضحكوا قليلا فسيبكون كثيرا، {جزاء بما كانوا يكسبون} . # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنبأنا السيد أبو ms1141 الحسن ~~محمد بن [الحسين العلوي] قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الحسين الشرقي، ~~حدثنا عبد الله بن هاشم، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا شعبة عن موسى بن أنس عن ~~أنس رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولو تعلمون ما ~~أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" (1) . # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، حدثنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد الحارث، حدثنا [أبو الحسن محمد بن] (2) يعقوب الكسائي حدثنا عبد الله ~~بن محمود، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن ~~المبارك عن عمران بن زيد الثعلبي، حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يا أيها الناس ابكوا، فإن لم ~~تستطيعوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم ~~كأنها جداول، ثم تنقطع الدموع، فتسيل الدماء فتقرح العيون، فلو أن سفنا ~~أجريت فيها لجرت" (3) . PageV04P080 # قوله تعالى: {فإن رجعك الله} أي: ردك يا محمد من غزوة تبوك، {إلى طائفة ~~منهم} يعني: من المخلفين. وإنما قال: "طائفة منهم" لأنه ليس كل من تخلف عن ~~غزوة تبوك كان منافقا، {فاستأذنوك للخروج} معك في غزوة أخرى، {فقل} لهم {لن ~~تخرجوا معي أبدا} في سفر، {ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول ~~مرة} في غزوة تبوك {فاقعدوا مع الخالفين} أي: مع النساء والصبيان، وقيل مع ~~الزمنى والمرضى. # وقال 162/ب ابن عباس: مع الذين تخلفوا بغير عذر. # وقيل: {مع الخالفين} قال الفراء: يقال: صاحب خالف إذا كان مخالفا. ### || # {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ~~ورسوله وماتوا وهم فاسقون (84) ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله ~~أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) وإذا أنزلت سورة أن ~~آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع ~~القاعدين (86) } . # {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (87) لكن ~~الرسول ms1142 والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات ~~وأولئك هم المفلحون (88) أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ذلك الفوز العظيم (89) وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين ~~كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم (90) } . # {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} الآية. قال أهل التفسير: بعث عبد الله ~~بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض، فلما دخل عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أهلكك حب اليهود؟ فقال: يا رسول الله ~~إني لم أبعث إليك لتؤنبني، إنما بعثت إليك لتستغفر لي، وسأله أن يكفنه في ~~قميصه ويصلي عليه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثني الليث، عن ~~عقيل، عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنهم أنه قال: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليصلي عليه، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت ~~إليه، فقلت: يا رسول الله أتصلي على ابن أبي بن سلول وقد قال يوم كذا وكذا ~~كذا وكذا؟ أعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "أخر ~~عني يا عمر" فلما أكثرت عليه قال: إني خيرت فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على ~~السبعين يغفر له لزدت عليها، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة: {ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} إلى قوله: {وهم فاسقون} قال: فعجبت بعد من ~~جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، والله ورسوله أعلم (1) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ms1143 علي بن عبد الله، حدثنا ~~سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله قال: أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عبد الله بن أبي بعدما أدخل في حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه ~~ونفث في فيه من ريقه وألبسه قميصه. فالله أعلم وكان كسا عباسا قميصا. # قال سفيان: وقال هارون: وكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصان ~~فقال ابن عبد الله: يا رسول الله [ألبس أبي] قميصك الذي يلي جلدك (2) . # وروي عن جابر قال: لما كان يوم بدر أتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب فوجدوا ~~قميص عبد الله بن PageV04P081 # أبي يقدر عليه، فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه، فلذلك نزع النبي ~~صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه عبد الله. قال ابن عيينة: كانت له عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم يد فأحب أن يكافئه (1) . # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم فيما فعل بعبد الله بن أبي فقال ~~صلى الله عليه وسلم: "وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله شيئا والله إني ~~كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه"، وروي أنه أسلم به ألف من قومه لما رأوه ~~يتبرك بقميص النبي صلى الله عليه وسلم (2) . # قوله: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} ولا تقف عليه، ~~ولا تتول دفنه، من قولهم: قام فلان بأمر فلان: إذا كفاه أمره. {إنهم كفروا ~~بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} فما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعدها ~~على منافق ولا قام على قبره حتى قبض. # قوله تعالى: " ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم ~~بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون " # {وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول ~~منهم} ذوو الغنى والسعة منهم في القعود، {وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين} في ~~رحالهم. # {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} يعني النساء. وقيل: مع أدنياء الناس ~~وسفلتهم. يقال: فلان خالفة قومه إذا كان دونهم. {وطبع على قلوبهم ms1144 فهم لا ~~يفقهون} . # {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم ~~الخيرات} يعني: PageV04P082 # الحسنات، وقيل: الجواري الحسان في الجنة. قال الله تعالى: {فيهن خيرات ~~حسان} ، جمع خيرة (1) وحكي عن ابن عباس: أن [الخير] (2) لا يعلم معناه إلا ~~الله كما قال جل ذكره: "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين" (السجدة-17) ~~. {وأولئك هم المفلحون} # قوله تعالى: {وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم} الآية، قرأ يعقوب ~~ومجاهد: { المعذرون} بالتخفيف وهم المبالغون في العذر، يقال في المثل: "لقد ~~أعذر من أنذر" أي: بالغ في العذر من قدم النذارة، وقرأ الآخرون " المعذرون ~~" بالتشديد أي: المقصرون، يقال: عذر أي: قصر، وقال الفراء: المعذرون ~~المعتذرون أدغمت التاء في الذال ونقلت حركة التاء إلى العين. # وقال الضحاك: المعذرون هم رهط عامر بن الطفيل جاؤوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم دفاعا عن أنفسهم فقالوا: يا نبي الله إن نحن غزونا معك تغير ~~أعراب طيء على حلائلنا وأولادنا ومواشينا، فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "قد أنبأني الله من أخباركم وسيغني الله عنكم" (3) . # وقال ابن عباس: هم الذين تخلفوا بعذر بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(4) . # {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} يعني: المنافقين. # قال أبو عمرو بن العلاء: كلا الفريقين كان مسيئا قوم تكلفوا عذرا ~~بالباطل، وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: {وجاء المعذرون} وقوم تخلفوا ~~عن غير تكلف عذر فقعدوا جرأة على الله تعالى، وهم PageV04P083 # المنافقون فأوعدهم الله بقوله: {سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم} . ### || # {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ~~إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) ولا ~~على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم ~~تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) } . # ثم ذكر أهل العذر، فقال جل ذكره: {ليس على الضعفاء} قال ابن عباس: يعني ~~الزمنى والمشايخ والعجزة. وقيل: هم الصبيان وقيل: النسوان، {ولا على المرضى ms1145 ~~ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون} يعني الفقراء {حرج} مأثم. وقيل: ضيق في ~~القعود عن الغزو، {إذا نصحوا لله ورسوله} في مغيبهم وأخلصوا الإيمان والعمل ~~لله وبايعوا الرسول. {ما على المحسنين من سبيل} أي: من طريق بالعقوبة، ~~{والله غفور رحيم} . # قال قتادة: نزلت في عائذ بن عمرو وأصحابه (1) . # وقال الضحاك: نزلت في عبد الله بن أم مكتوم وكان ضرير البصر (2) . # قوله تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} معناه: أنه لا سبيل على ~~الأولين ولا على هؤلاء الذين أتوك وهم سبعة نفر سموا البكائين: معقل بن ~~يسار، وصخر بن خنساء، وعبد الله بن كعب الأنصاري، وعلبة (3) بن زيد ~~الأنصاري، وسالم بن عمير، وثعلبة بن غنمة (4) وعبد الله بن مغفل المزني، ~~أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن الله قد ندبنا ~~إلى الخروج معك فاحملنا (5) . # واختلفوا في قوله: {لتحملهم} قال ابن عباس: سألوه أن يحملهم على الدواب. # وقيل سألوه أن يحملهم على الخفاف المرفوعة والنعال 163/أالمخصوفة، ليغزوا ~~معه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا أجد ما أحملكم عليه" تولوا، وهم ~~يبكون، فذلك قوله تعالى: {تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ~~ينفقون} PageV04P084 ### || # {إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ~~وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (93) } . # {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله ~~من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون (94) سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا ~~عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) ~~يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ~~(96) } . # {إنما السبيل} بالعقوبة، {على الذين يستأذنونك} في التخلف {وهم أغنياء ~~رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} مع النساء والصبيان، {وطبع الله على قلوبهم ~~فهم لا يعلمون} . # {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم} يروى أن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة ~~تبوك ms1146 كانوا بضعة وثمانين نفرا، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جاؤوا يعتذرون بالباطل. قال الله تعالى: {قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم} لن ~~نصدقكم، {قد نبأنا الله من أخباركم} فيما سلف، {وسيرى الله عملكم ورسوله} ~~في المستأنف أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه؟ {ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} . # {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم} إذا انصرفتم إليهم من غزوكم، ~~{لتعرضوا عنهم} لتصفحوا عنهم ولا تؤنبوهم، {فأعرضوا عنهم} فدعوهم وما ~~اختاروا لأنفسهم من النفاق، {إنهم رجس} نجس أي: إن عملهم قبيح، {ومأواهم} ~~في الآخرة، {جهنم جزاء بما كانوا يكسبون} . # قال ابن عباس: نزلت في جد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما وكانوا ثمانين ~~رجلا من المنافقين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: "لا ~~تجالسوهم ولا تكلموهم" (1) . # وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أبي حلف للنبي صلى الله عليه وسلم بالله ~~الذي لا إله إلا هو لا يتخلف عنه بعدها، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يرضى عنه، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ونزل: PageV04P085 # {يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين} (1) . ### || # {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ~~والله عليم حكيم (97) ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم ~~الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم (98) ومن الأعراب من يؤمن بالله ~~واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة ~~لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم (99) } . # {الأعراب} أي: أهل البدو، {أشد كفرا ونفاقا} من أهل الحضر، {وأجدر} أخلق ~~وأحرى، {ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} وذلك لبعدهم عن سماع ~~القرآن ومعرفة السنن، {والله عليم} بما في قلوب خلقه {حكيم} فيما فرض من ~~فرائضه. # {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما} قال عطاء: لا يرجو (2) على إعطائه ~~ثوابا، ولا يخاف على إمساكه عقابا، إنما ينفق خوفا ms1147 أو رياء والمغرم التزام ~~ما لا يلزم. {ويتربص} وينتظر {بكم الدوائر} يعني: صروف الزمان، التي تأتي ~~مرة بالخير ومرة بالشر. وقال يمان بن رئاب: يعني ينقلب الزمان عليكم فيموت ~~الرسول ويظهر المشركون، {عليهم دائرة السوء} [عليهم] (3) يدور البلاء ~~والحزن. ولا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوءهم. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: {دائرة السوء} ها هنا وفي سورة الفتح، بضم ~~السين، معناه: الضر والبلاء والمكروه. وقرأ الآخرون بفتح السين على المصدر. ~~وقيل: بالفتح الردة والفساد، وبالضم الضر والمكروه. # {والله سميع عليم} نزلت في أعراب أسد وغطفان وتميم (4) . ثم استثنى فقال: # {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر} قال مجاهد: هم بنو مقرن من ~~مزينة. وقال الكلبي: أسلم وغفار وجهينة. PageV04P086 # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أنبأنا جدي عبد الصمد بن عبد ~~الرحمن البزار، أنبأنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، أنبأنا إسحاق بن ~~إبراهيم الدبري، أنبأنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسلم وغفار وشيء من ~~جهينة ومزينة خير عند الله يوم القيامة من تميم وأسد بن خزيمة وهوازن ~~وغطفان" (1) . # {ويتخذ ما ينفق قربات عند الله} القربات جمع القربة، أي: يطلب القربة إلى ~~الله تعالى، {وصلوات الرسول} أي: دعاءه واستغفاره، قال عطاء: يرغبون في ~~دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. {ألا إنها قربة لهم} قرأ نافع برواية ورش ~~"قربة" بضم الراء، والباقون بسكونها. {سيدخلهم الله في رحمته} في جنته، {إن ~~الله غفور رحيم} . PageV04P087 ### || # {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ~~ذلك الفوز العظيم (100) } . # {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} الآية. قرأ يعقوب بالرفع عطفا ~~على قوله: "والسابقون". # واختلفوا في السابقين الأولين، قال سعيد بن المسيب، وقتادة، وابن سيرين ~~وجماعة: هم الذين صلوا إلى القبلتين. # وقال عطاء بن أبي رباح: هم أهل بدر. # وقال الشعبي: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان، وكانت ms1148 بيعة الرضوان ~~بالحديبية. # واختلفوا في أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد امرأته خديجة، ~~مع اتفاقهم على أنها أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ~~بعضهم: أول من آمن وصلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو قول جابر، وبه ~~قال مجاهد وابن إسحاق، أسلم وهو ابن عشر سنين. # وقال بعضهم: أول من آمن بعد خديجة أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو قول ~~ابن عباس وإبراهيم النخعي والشعبي. # وقال بعضهم: أول من أسلم زيد بن حارثة، وهو قول الزهري وعروة بن الزبير. # وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يجمع بين هذه الأقوال فيقول: أول من أسلم ~~من الرجال أبو بكر # PageV04P087 # رضي الله عنه، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، ومن العبيد زيد بن حارثة. # قال ابن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر رضي الله عنه أظهر إسلامه ودعا إلى ~~الله وإلى رسوله، وكان رجلا محببا سهلا وكان أنسب قريش وأعلمها بما كان ~~فيها، وكان تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد ~~من الأمر؛ لعلمه وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه، ~~فأسلم على يديه -فيما بلغني-: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد ~~الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول ~~صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا، فكان هؤلاء الثمانية ~~النفر الذين سبقوا إلى الإسلام (1) . ثم تتابع الناس في الدخول في الإسلام، ~~أما السابقون من الأنصار: فهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلة العقبة، وكانوا ستة (2) في العقبة الأولى، وسبعين في الثانية، والذين ~~آمنوا حين قدم عليهم مصعب بن عمير يعلمهم القرآن، فأسلم معه خلق كثير ~~وجماعة من النساء والصبيان. # قوله عز وجل: {والسابقون الأولون من المهاجرين} الذين هاجروا قومهم ~~وعشيرتهم وفارقوا أوطانهم. {والأنصار} أي: ومن الأنصار، وهم الذين نصروا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على ms1149 أعدائه من أهل المدينة وآووا أصحابه، ~~{والذين اتبعوهم بإحسان} قيل: هم بقية المهاجرين والأنصار سوى 163/ب ~~السابقين الأولين. # وقيل: هم الذين سلكوا سبيلهم في الإيمان والهجرة أو النصرة إلى يوم ~~القيامة. # وقال عطاء: هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار بالترحم والدعاء. # وقال أبو صخر حميد بن زياد: أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له: ما قولك في ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: جميع أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الجنة محسنهم ومسيئهم، فقلت من أين تقول هذا؟ فقال: يا هذا ~~اقرأ قول الله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} إلى أن ~~قال: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} وقال: {والذين اتبعوهم بإحسان} شرط في ~~التابعين شريطة وهي أن يتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة. # قال أبو صخر: فكأني لم أقرأ هذه الآية قط (3) . # روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي ~~بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا PageV04P088 # ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" (1) . # ثم جمعهم الله عز وجل في الثواب فقال: {رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم ~~جنات تجري تحتها الأنهار} قرأ ابن كثير: {من تحتها الأنهار} ، وكذلك هو في ~~مصاحف أهل مكة، {خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} . ### || # {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا ~~تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) } . # قوله تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون} وهم من مزينة وجهينة وأشجع ~~وأسلم وغفار، كانت منازلهم حول المدينة، يقول: من هؤلاء الأعراب منافقون، ~~{ومن أهل المدينة} أي: ومن أهل المدينة من الأوس والخزرج قوم منافقون، ~~{مردوا على النفاق} أي: مرنوا على النفاق، يقال: تمرد فلان على ربه أي: ~~عتا، ومرد على معصيته، أي: مرن وثبت عليها واعتادها. ومنه: المريد والمارد. ~~قال ابن إسحاق: لجوا فيه وأبوا غيره. # وقال ابن زيد: أقاموا عليه ولم يتوبوا. # {لا تعلمهم} أنت يا محمد، {نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين} اختلفوا في هذين ~~العذابين. # قال ms1150 الكلبي والسدي: قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال: ~~"اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان. أخرج ناسا من المسجد وفضحهم، فهذا ~~هو العذاب الأول. والثاني: عذاب القبر" (2) . # وقال مجاهد: الأول: القتل والسبي، والثاني: عذاب القبر. وعنه رواية أخرى: ~~عذبوا بالجوع مرتين. # وقال قتادة: الدبيلة في الدنيا وعذاب القبر. # وقال ابن زيد: الأولى المصائب في الأموال والأولاد في الدنيا، والأخرى ~~عذاب الآخرة. # وعن ابن عباس: الأولى إقامة الحدود عليهم، والأخرى عذاب القبر. # وقال ابن إسحاق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه من غير ~~حسبة ثم عذاب القبر. # وقيل: إحداهما ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، والأخرى ~~عذاب القبر. # وقيل: الأولى إحراق مسجدهم، مسجد الضرار، والأخرى إحراقهم بنار جهنم (3) ~~. {ثم يردون إلى عذاب عظيم} أي: إلى عذاب جهنم يخلدون فيه. PageV04P089 ### || # {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم إن الله غفور رحيم (102) } . # قوله تعالى: {وآخرون} أي: ومن أهل المدينة، أو: من الأعراب آخرون، ولا ~~يرجع هذا إلى المنافقين، {اعترفوا} أقروا، {بذنوبهم خلطوا عملا صالحا} وهو ~~إقرارهم بذنوبهم وتوبتهم {وآخر سيئا} أي: بعمل آخر سيئ، وضع الواو موضع ~~الباء، كما يقال: خلطت الماء واللبن، أي: باللبن. # والعمل السيئ: هو تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والعمل الصالح: هو ندامتهم وربطهم أنفسهم بالسواري وقيل: غزواتهم مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # {عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم} نزلت هذه الآية في قوم ~~تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ثم ندموا على ذلك، ~~وقالوا: نكون في الظلال مع النساء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~في الجهاد واللأواء! فلما قرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ~~قالوا والله لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هو الذي يطلقها، ويعذرنا، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد ~~فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ms1151 بهم فرآهم فقال: من هؤلاء؟ ~~فقالوا: هؤلاء الذين تخلفوا عنك فعاهدوا الله عز وجل أن لا يطلقوا أنفسهم ~~حتى تكون أنت تطلقهم وترضى عنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا ~~أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن ~~الغزو مع المسلمين! فأنزل الله هذه الآية فأرسل إليهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم، فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا ~~التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا واستغفر لنا فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا"، فأنزل الله تعالى: {خذ من ~~أموالهم صدقة} الآية (1) . # واختلفوا في أعداد هؤلاء التائبين، فروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أنه قال: كانوا عشرة منهم أبو لبابة. وروى عطية عنه: أنهم ~~كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة. وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم: كانوا ~~ثمانية. وقال الضحاك وقتادة: كانوا سبعة. وقالوا جميعا: أحدهم أبو لبابة ~~(2) . # وقال قوم: نزلت في أبي لبابة خاصة. واختلفوا في ذنبه، قال مجاهد: نزلت في ~~أبي لبابة حين قال لقريظة: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح وأشار إلى حلقه (3) ~~. PageV04P090 # وقال الزهري: نزلت في تخلفه عن غزوة تبوك فربط نفسه بسارية، وقال: والله ~~لا أحل نفسي ولا أذوق طعاما ولا شرابا، حتى أموت أو يتوب الله علي! فمكث ~~سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية، فقيل له: قد تيب عليك!، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي ~~التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، ~~قال: يجزيك يا أبا لبابة الثلث (1) . # قالوا جميعا: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث أموالهم، وترك ~~الثلثين، ms1152 لأن الله تعالى قال: {خذ من أموالهم} ولم يقل: خذ أموالهم. قال ~~الحسن وقتادة: هؤلاء سوى الثلاثة الذين خلفوا. ### || # {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ~~والله سميع عليم (103) } . # قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} بها من ذنوبهم، {وتزكيهم بها} ~~أي: ترفعهم من منازل المنافقين إلى منازل المخلصين. وقيل: تنمي أموالهم ~~{وصل عليهم} أي: ادع لهم واستغفر لهم. وقيل: هو قول الساعي [للمصدق] (2) ~~إذا أخذ الصدقة منه: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت. والصلاة في ~~اللغة: الدعاء. {إن صلاتك} قرأ حمزة والكسائي: 164/أ "صلاتك" على التوحيد؛ ~~ونصب التاء ها هنا وفي سورة هود "أصلاتك" وفي سورة المؤمنين "على صلاتهم" ~~[كلهن على التوحيد] (3) وافقهما حفص ها هنا وفي سورة هود. وقرأ الآخرون ~~بالجمع فيهن ويكسرون التاء ها هنا. # {سكن لهم} أي: إن دعاءك رحمة لهم. قاله ابن عباس. وقيل: طمأنينة لهم، ~~وسكون لهم، أن الله عز وجل قد قبل منهم. وقال أبو عبيدة: تثبيت لقلوبهم. ~~{والله سميع عليم} . # واختلفوا في وجوب الدعاء على الإمام عند أخذ الصدقة: قال بعضهم: يجب. ~~وقال بعضهم: يستحب. وقال بعضهم: يجب في صدقة الفرض ويستحب في صدقة التطوع. ~~وقيل: يجب على الإمام، ويستحب للفقير أن يدعو للمعطي. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا ~~شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى -وكان من أصحاب ~~الشجرة-قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قومه بصدقة قال: "اللهم ~~صل عليهم"، فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى" (4) . ~~PageV04P091 # وقال ابن كيسان: ليس هذا في صدقة الفرض إنما هو في صدقة كفارة اليمين. # وقال عكرمة: هي صدقة الفرض، فلما نزلت توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا من ~~المتخلفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا [يكلمون] (1) ولا يجالسون، فما لهم؟ ### || # {ألم يعلموا أن الله هو ms1153 يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو ~~التواب الرحيم (104) وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون ~~إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) وآخرون مرجون لأمر ~~الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم (106) } . # فقال تعالى: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} ~~أي: يقبلها، {وأن الله هو التواب الرحيم} . # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، أنبأنا الربيع بن سليمان، أنبأنا ~~الشافعي، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن سعيد بن يسار عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه. قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: "والذي ~~نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا طيبا ولا ~~يصعد إلى السماء إلا طيب إلا كأنما يضعها في يد الرحمن عز وجل فيربيها له ~~كما يربي أحدكم فلوه، حتى إن اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها لمثل الجبل ~~العظيم، ثم قرأ: {أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} (2) . # قوله تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى ~~عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} قال مجاهد: هذا وعيد لهم. ~~قيل: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بإعلام الله تعالى إياه، ورؤية ~~المؤمنين بإيقاع المحبة في قلوبهم لأهل الصلاح، والبغضة لأهل الفساد. # قوله تعالى: {وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله ~~عليم حكيم} قرأ أهل المدينة والكوفة غير أبي بكر: "مرجون" بغير همز، ~~والآخرون: بالهمز، والإرجاء: التأخير، مرجون: مؤخرون. لأمر الله: لحكم الله ~~عز وجل فيهم، وهم الثلاثة الذين تأتي قصتهم من بعد: كعب بن مالك، ~~PageV04P092 # وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، لم يبالغوا في التوبة والاعتذار كما ~~فعل أبو لبابة، فوقفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين ليلة ونهى الناس ~~عن مكالمتهم (1) ومخالطتهم، حتى شقهم القلق وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ~~وكانوا من أهل بدر ms1154 فجعل أناس يقولون: هلكوا، وآخرون يقولون: عسى الله أن ~~يغفر لهم، فصاروا مرجئين لأمر الله [لا يدرون] (2) أيعذبهم أم يرحمهم، حتى ~~نزلت توبتهم بعد خمسين ليلة (3) . PageV04P093 ### || # {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب ~~الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون ~~(107) } . # قوله تعالى: {والذين اتخذوا} قرأ: أهل المدينة والشام "الذين" بلا واو، ~~وكذلك هو في مصاحفهم، وقرأ الآخرون: "والذين" بالواو. {مسجدا ضرارا} نزلت ~~هذه الآية في جماعة من المنافقين، بنوا مسجدا يضارون به مسجد قباء، وكانوا ~~اثني عشر رجلا من أهل النفاق: وديعة بن ثابت، وجذام بن خالد، ومن داره أخرج ~~هذا المسجد، وثعلبة بن حاطب، وجارية بن عامر، وابناه مجمع وزيد، ومعتب بن ~~قشير، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وأبو حبيبة بن الأزعر، ونبتل بن ~~الحارث، وبجاد بن عثمان، ورجل يقال له: بحزج، (1) بنوا هذا المسجد ضرارا، ~~يعني: مضارة للمؤمنين، {وكفرا} بالله ورسوله، {وتفريقا بين المؤمنين} ؛ ~~لأنهم كانوا جميعا يصلون في مسجد قباء، فبنوا مسجد الضرار، ليصلي فيه ~~بعضهم، فيؤدي ذلك إلى الاختلاف وافتراق الكلمة، وكان يصلي بهم مجمع بن ~~جارية. # فلما فرغوا من بنائه أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى ~~تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة، والليلة ~~المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا وتصلي بنا فيه وتدعوا لنا ~~بالبركة، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني على جناح سفر، ولو ~~قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه" (2) . PageV04P093 # {وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل} أي: انتظارا وإعدادا لمن حارب ~~الله ورسوله. يقال: أرصدت له: إذا أعددت له. وهو أبو عامر الراهب وكان أبو ~~عامر هذا رجلا منهم، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة، وكان قد ترهب في ~~الجاهلية وتنصر ولبس المسوح، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ~~قال له أبو عامر: ما هذا الذي جئت به؟ قال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال ms1155 ~~أبو عامر: فإنا عليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك لست عليها"، ~~قال: بلى ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "ما فعلت ولكني جئت بها بيضاء نقية"، فقال أبو عامر: أمات الله ~~الكاذب منا طريدا وحيدا غريبا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "آمين". ~~وسماه أبا عامر الفاسق. # فلما كان يوم أحد قال أبو عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجد ~~قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت ~~هوازن يئس وخرج هاربا إلى الشام فأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما ~~استطعتم من قوة ومن سلاح، وابنوا لي مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم ~~فآت بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه، فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد ~~قباء، فذلك قوله تعالى: {وإرصادا لمن حارب الله ورسوله} وهو أبو عامر ~~الفاسق، ليصلي فيه إذا رجع من الشام. # قوله: {من قبل} يرجع إلى أبي عامر يعني حارب الله ورسوله من قبل أي: من ~~قبل بناء مسجد الضرار. # {وليحلفن إن أردنا} ما أردنا ببنائه، {إلا الحسنى} إلا الفعلة الحسنى وهو ~~الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعجز عن المسير إلى مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # {والله يشهد إنهم لكاذبون} في قيلهم وحلفهم. روي لما انصرف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من تبوك ونزل بذي أوان موضع قريب من المدينة أتوه فسألوه ~~إتيان مسجدهم فدعا 164/ب بقميصه ليلبسه ويأتيهم، فنزل عليه القرآن وأخبره ~~الله تعالى خبر مسجد الضرار وما هموا به، فدعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي، وعامر بن السكن، ووحشيا قاتل حمزة، وقال ~~لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه واحرقوه، فخرجوا سريعا ~~حتى أتوا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك: أنظروني حتى ~~أخرج إليكم بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا، ثم ~~خرجوا يشتدون، حتى ms1156 دخلوا المسجد وفيه أهله، فحرقوه وهدموه، وتفرق عنه أهله، ~~وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ذلك كناسة تلقى فيه الجيف والنتن ~~والقمامة. ومات أبو عامر الراهب بالشام وحيدا فريدا غريبا. # PageV04P094 # وروي أن بني عمرو بن عوف، الذين بنوا مسجد قباء، أتوا عمر بن الخطاب في ~~خلافته ليأذن لمجمع بن حارثة فيؤمهم في مسجدهم، فقال: لا ولا نعمة عين، ~~أليس بإمام مسجد الضرار؟ فقال له مجمع: يا أمير المؤمنين: لا تعجل علي، ~~فوالله لقد صليت فيه وإني لا أعلم ما أضمروا عليه، ولو علمت ما صليت معهم ~~فيه، كنت غلاما قارئا للقرآن، وكانوا شيوخا لا يقرؤون القرآن فصليت ولا ~~أحسب إلا أنهم يتقربون إلى الله تعالى، ولم أعلم ما في أنفسهم، فعذره عمر ~~وصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء. # وقال عطاء: لما فتح الله على عمر الأمصار أمر المسلمين أن يبنوا المساجد، ~~وأمرهم أن لا يبنوا في مدينتهم مسجدين يضار أحدهما صاحبه. ### || # {لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) } . # قوله تعالى: {لا تقم فيه أبدا} قال ابن عباس: "لا تصل فيه" منع الله ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي في مسجد الضرار. {لمسجد أسس على ~~التقوى} اللام لام الابتداء. وقيل: لام القسم، تقديره: والله لمسجد أسس، ~~أي: بني أصله على التقوى، {من أول يوم} أي: من أول يوم بني ووضع أساسه، ~~{أحق أن تقوم فيه} مصليا. # واختلفوا في المسجد الذي أسس على التقوى: فقال ابن عمر، وزيد بن ثابت، ~~وأبو سعيد الخدري: هو مسجد المدينة، مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~والدليل عليه: # ما أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن حميد الخراط قال: سمعت أبا ~~سلمة عبد الرحمن قال: مر بي عبد الرحمن ms1157 بن أبي سعيد، قال: فقلت له: كيف ~~سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: قال أبي: دخلت على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله أي ~~المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من الحصباء فضرب به الأرض، ثم ~~قال: هو مسجدكم هذا، مسجد المدينة، قال: فقلت: أشهد أني سمعت أباك هكذا ~~يذكره (1) . # وأخبرنا أبو الحسن الشيرزي أنبأنا زاهر بن أحمد، أنبأنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أنبأنا أبو مصعب، عن مالك عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، ~~عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما بين بيتي ومنبري ~~روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي" (2) . PageV04P095 # وذهب قوم إلى أنه مسجد قباء، وهو رواية عطية عن ابن عباس، وهو قول عروة ~~بن الزبير [وسعيد بن جبير] (1) وقتادة: # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد ~~العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا، وكان عبد ~~الله بن عمر يفعله (2) . # وزاد نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه ركعتين ~~(3) . # قوله تعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} من الأحداث والجنابات ~~والنجاسات. وقال عطاء: كانوا يستنجون بالماء ولا ينامون بالليل على ~~الجنابة. # أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أنبأنا أبو عمر القاسم بن ~~جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، أنبأنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي، ~~حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، أخبرنا محمد بن العلاء، حدثنا ~~معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي ~~صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نزلت هذه الآية في ~~أهل قباء": {فيه رجال يحبون ms1158 أن يتطهروا} قال: "كانوا يستنجون بالماء فنزلت ~~فيهم هذه الآية" (4) . {والله يحب المطهرين} أي المتطهرين. ### || # {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا ~~جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين (109) } . # {أفمن أسس بنيانه} قرأ نافع وابن عامر "أسس" بضم الهمزة وكسر السين، ~~"بنيانه" برفع النون فيهما جميعا على غير تسمية الفاعل. وقرأ الآخرون "أسس" ~~فتح الهمزة والسين، "بنيانه": بنصب النون، PageV04P096 # على تسمية الفاعل. {على تقوى من الله ورضوان خير} أي: على طلب التقوى ~~ورضا الله تعالى خير {أم من أسس بنيانه على شفا} على شفير، {جرف} قرأ أبو ~~عمرو وحمزة وأبو بكر "جرف" ساكنة الراء، وقرأ الباقون بضم الراء وهما ~~لغتان، وهي البئر التي لم تطو. قال أبو عبيدة: هو الهوة وما يجرفه السيل من ~~الأودية فينجرف (1) بالماء فيبقى واهيا، {هار} أي: هائر وهو الساقط يقال: ~~هار يهور فهو هائر، ثم يقلب فيقال: هار مثل شاك وشائك وعاق وعائق. وقيل: هو ~~من يهار: إذا انهدم، ومعناه: الساقط الذي يتداعى بعضه في إثر بعض، كما ~~ينهار الرمل والشيء الرخو. {فانهار به} أي: سقط بالباني {في نار جهنم} يريد ~~بناء هذا المسجد الضرار كالبناء على شفير جهنم فيهور بأهلها فيها. قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: يريد صيرهم النفاق إلى النار. # {والله لا يهدي القوم الظالمين} قال قتادة (2) : والله ما تناهى أن وقع ~~في النار، وذكر لنا أنه حفرت بقعة فيه، فرئي الدخان يخرج منها. وقال جابر ~~بن عبد الله: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار (3) . ### || # {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله ~~عليم حكيم (110) إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو ~~الفوز العظيم (111) } . # {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة} أي: شكا ونفاقا، {في قلوبهم} يحسبون ms1159 ~~أنهم كانوا في بنيانه محسنين كما حبب العجل إلى قوم موسى. قاله ابن عباس ~~رضي الله عنهما. وقال الكلبي: حسرة وندامة لأنهم ندموا على بنائه. وقال ~~السدي: لا يزال هدم بنائهم ريبة وحزازة وغيظا في قلوبهم. # {إلا أن تقطع قلوبهم} أي: تتصدع قلوبهم فيموتوا. قرأ ابن عامر، وأبو ~~جعفر، وحمزة، وحفص: "تقطع" بفتح التاء أي: تتقطع. والآخرون بضمها. وقرأ ~~يعقوب وحده: "إلى أن" خفيف، على الغاية، "تقطع" بضم التاء، خفيف، من القطع ~~يدل عليه تفسير الضحاك وقتادة: لا يزالون في شك منه إلى أن PageV04P097 # يموتوا فيستيقنوا. {والله عليم حكيم} . # قوله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} الآية. قال ~~محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ~~العقبة 165/أبمكة وهم سبعون نفسا، قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله ~~اشترط لربك ولنفسك ما شئت. # فقال: أشترط لربي عز وجل: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي، ~~أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. # قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ # قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل (1) فنزلت: {إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} (2) . # وقرأ الأعمش: " بالجنة ". # {يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} قرأ حمزة والكسائي: "فيقتلون" ~~بتقديم المفعول على الفاعل بمعنى يقتل بعضهم بعضا، ويقتل الباقون. وقرأ ~~الآخرون بتقديم الفاعل. {وعدا عليه حقا} أي: ثواب الجنة لهم وعد وحق {في ~~التوراة والإنجيل والقرآن} يعني أن الله عز وجل وعدهم هذا الوعد، وبينه في ~~هذه الكتب. وقيل (3) : فيه دليل على أن أهل الملل كلهم أمروا بالجهاد على ~~ثواب الجنة، ثم هنأهم فقال: {ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا} فافرحوا ~~{ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} قال عمر رضي الله عنه: إن ~~الله عز وجل بايعك وجعل الصفقتين لك. # وقال قتادة: ثامنهم الله عز وجل فأغلى لهم (4) . # وقال الحسن: اسمعوا إلى بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن. وعنه أنه قال: ~~إن الله أعطاك الدنيا ms1160 فاشتر الجنة ببعضها. # ثم وصفهم فقال: {التائبون} قال الفراء: استؤنفت بالرفع لتمام الآية ~~وانقطاع الكلام. وقال PageV04P098 # الزجاج: التائبون رفع للابتداء، وخبره مضمر. المعنى: التائبون -إلى آخر ~~الآية-لهم الجنة أيضا. أي: من لم يجاهد غير معاند ولا قاصد لترك الجهاد، ~~لأن بعض المسلمين يجزي عن بعض في الجهاد، [فمن كانت هذه صفته] (1) فله ~~الجنة أيضا، وهذا أحسن، فكأنه وعد الجنة لجميع المؤمنين، كما قال: "وكلا ~~وعد الله الحسنى" (النساء-95) ، فمن جعله تابعا للأول كان الوعد بالجنة ~~خاصا للمجاهدين الموصوفين بهذه الصفة (2) . PageV04P099 ### || # {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون ~~بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112) } . # قوله تعالى: {التائبون} أي: الذين تابوا من الشرك وبرئوا من النفاق، ~~{العابدون} المطيعون الذين أخلصوا العبادة لله عز وجل {الحامدون} الذين ~~يحمدون الله على كل حال في السراء والضراء. # وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء" ~~(1) . {السائحون} قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: هم الصائمون (2) ~~. # وقال سفيان بن عيينة: إنما سمي الصائم سائحا لتركه اللذات كلها من المطعم ~~والمشرب والنكاح. # وقال عطاء: السائحون الغزاة المجاهدون في سبيل الله. روي عن عثمان بن ~~مظعون، رضي الله عنه، أنه قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة، فقال: "إن ~~سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله" (3) . # وقال عكرمة: السائحون هم طلبة العلم. # {الراكعون الساجدون} يعني: المصلين، {الآمرون بالمعروف} بالإيمان، ~~{والناهون عن المنكر} عن الشرك. وقيل: المعروف: السنة، والمنكر: البدعة. ~~{والحافظون لحدود الله} القائمون بأوامر الله. وقال الحسن: أهل الوفاء ~~ببيعة الله. {وبشر المؤمنين} PageV04P099 ### || # {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) } . # {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} اختلفوا في سبب نزول ~~هذه الآية. # قال قوم: سبب نزولها: ما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد ~~بن عبد الله النعيمي، ms1161 أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ~~أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري، حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه. قال: ~~لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا ~~جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة: فقال: أي عم قل: لا إله إلا الله ~~كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ~~ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدان ~~بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن ~~يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لأستغفرن ~~لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب ~~الجحيم} وأنزل في أبي طالب: "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء" ~~(1) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أنبأنا محمد ~~بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني ~~محمد بن حاتم بن ميمون، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا يزيد بن كيسان، حدثني ~~أبو حازم الأشجعي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله لعمه: "قل لا إله إلا ~~الله أشهد لك بها يوم القيامة" فقال: لولا أن تعيرني قريش، فيقولون: إنما ~~حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك. فأنزل الله عز وجل: {إنك لا تهدي من ~~أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} (2) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل [ثنا عبد الله بن يوسف] (3) ~~حدثني الليث حدثني يزيد بن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر عنده عمه فقال: "لعله ~~تنفعه شفاعتي يوم ms1162 القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه ~~دماغه" (4) . PageV04P100 # وقال أبو هريرة وبريدة: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أتى ~~قبر أمه آمنة فوقف عليه حتى حميت الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت: ~~{ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} (1) الآية. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، حدثنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد بن ~~عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أنبأنا محمد بن عبيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي ~~حازم، عن أبي هريرة قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى ~~من حوله فقال: "استأذنت ربي عز وجل في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته ~~في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت" (2) . ### || # {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له ~~أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (114) } . # قال قتادة قال النبي صلى الله عليه وسلم: ": "لأستغفرن لأبي. كما استغفر ~~إبراهيم لأبيه" فأنزل الله تعالى هذه الآية: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب ~~الجحيم} (3) . # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لما أنزل الله عز وجل خبرا عن ~~إبراهيم عليه السلام قال لأبيه: "سلام عليك سأستغفر لك ربي" سمعت رجلا ~~يستغفر لوالديه وهما مشركان، فقلت له: 165/ب تستغفر لهما وهما مشركان؟ ~~فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ~~ذلك له فأنزل الله عز وجل: "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم"، إلى قوله: ~~"إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك" (4) (الممتحنة -4) . # قوله تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} ~~قال بعضهم: الهاء في إياه عائدة إلى إبراهيم عليه السلام. والوعد كان من ~~أبيه، وذلك أن أباه كان وعده أن يسلم، فقال له ms1163 إبراهيم: سأستغفر لك ربي ~~يعني إذا أسلمت. # وقال بعضهم: الهاء راجعة إلى الأب، وذلك أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر ~~له رجاء إسلامه. وهو قوله: "سأستغفر لك ربي". يدل عليه قراءة الحسن: "وعدها ~~أباه" بالباء الموحدة. PageV04P101 # والدليل على أن الوعد من إبراهيم، وكان الاستغفار في حال شرك الأب، قوله ~~تعالى: "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم"، إلى أن قال: "إلا قول إبراهيم ~~لأبيه لأستغفرن لك" (الممتحنة -4) فصرح أن إبراهيم ليس بقدوة في هذا ~~الاستغفار، وإنما استغفر له وهو مشرك لمكان الوعد رجاء أن يسلم. # {فلما تبين له أنه عدو لله} لموته على الكفر، {تبرأ منه} وقيل: فلما تبين ~~له في الآخرة أنه عدو لله تبرأ منه [أي: يتبرأ منه] (1) وذلك ما: # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني ~~أخي عبد الحميد عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر ~~قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟! فيقول له أبوه: ~~فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم عليه السلام: يا رب إنك وعدتني أن لا ~~تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني ~~حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال يا إبراهيم: ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو ~~بذبح (2) ملتطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار" (3) وفي رواية: يتبرأ منه ~~يومئذ. # قوله تعالى: {إن إبراهيم لأواه حليم} اختلفوا في معنى الأواه، جاء في ~~الحديث: "إن الأواه الخاشع المتضرع" (4) . # وقال عبد الله بن مسعود: الأواه الدعاء. # وعن ابن عباس قال: هو المؤمن التواب. # وقال الحسن وقتادة: الأواه الرحيم بعباد الله. # وقال مجاهد: الأواه الموقن. # وقال عكرمة: هو المستيقن بلغة الحبشة. # وقال كعب الأحبار: هو الذي يكثر التأوه، وكان إبراهيم عليه السلام يكثر ~~أن يقول: آه من النار، قبل أن لا ينفع آه. ms1164 # وقيل: هو الذي يتأوه من الذنوب. PageV04P102 # وقال عقبة بن عامر: الأواه الكثير الذكر لله تعالى. # وعن سعيد بن جبير قال: الأواه المسبح. وروي عنه: الأواه: المعلم للخير. # وقال النخعي: هو الفقيه. # وقال عطاء: هو الراجع عن كل ما يكره الله. وقال أيضا: هو الخائف من ~~النار. # وقال أبو عبيدة: هو المتأوه شفقا وفرقا المتضرع يقينا. يريد أن يكون ~~تضرعه يقينا ولزوما للطاعة. # قال الزجاج: قد انتظم في قول أبي عبيدة أكثر ما قيل في الأواه. # وأصله: من التأوه وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء، والفعل منه أوه ~~وتأوه، والحليم الصفوح عمن سبه أو ناله بالمكروه، كما قال لأبيه، عند ~~وعيده، وقوله: "لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا سلام عليك سأستغفر لك ~~ربي" {مريم -46} . # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الحليم السيد (1) ### || # {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل ~~شيء عليم} . # قوله تعالى: "وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم" الآية. معناه: ما كان ~~الله ليحكم عليكم بالضلالة بترك الأوامر باستغفاركم للمشركين، {حتى يبين ~~لهم ما يتقون} يريد حتى يتقدم إليكم بالنهي، فإذا تبين ولم تأخذوا به فعند ~~ذلك تستحقون الضلال. # قال مجاهد: (2) بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة، ~~وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة، فافعلوا أو ذروا. # وقال الضحاك: ما كان الله ليعذب قوما حتى يبين لهم ما يأتون وما يذرون. # وقال مقاتل والكلبي: هذا في المنسوخ وذلك أن قوما قدموا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأسلموا، ولم تكن الخمر حراما، ولا القبلة مصروفة إلى ~~الكعبة، فرجعوا إلى قومهم وهم على ذلك ثم حرمت الخمر وصرفت القبلة، ولا علم ~~لهم بذلك، ثم قدموا بعد ذلك المدينة فوجدوا الخمر قد حرمت والقبلة قد صرفت، ~~فقالوا: يا رسول الله قد كنت على دين ونحن على غيره فنحن ضلال؟ فأنزل الله ~~تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم} (3) يعني: ما كان الله ليبطل ~~عمل ms1165 قوم قد علموا بالمنسوخ حتى يتبين (4) لهم الناسخ. {إن الله بكل شيء ~~عليم} . ### || # {إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا نصير (116) لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه ~~في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم ~~رءوف رحيم (117) } . # ثم عظم نفسه فقال: PageV04P103 # {إن الله له ملك السموات والأرض} يحكم بما يشاء، {يحيي ويميت وما لكم من ~~دون الله من ولي ولا نصير} . # قوله عز وجل: {لقد تاب الله على النبي} الآية، تاب الله أي: تجاوز وصفح. ~~ومعنى توبته على النبي صلى الله عليه وسلم بإذنه للمنافقين بالتخلف عنه. ~~وقيل: افتتح الكلام به لأنه كان سبب توبتهم، فذكره معهم، كقوله تعالى: " ~~فأن لله خمسه وللرسول " (الأنفال -41) ، ونحوه. {والمهاجرين والأنصار الذين ~~اتبعوه في ساعة العسرة} أي: في وقت العسرة، ولم يرد ساعة بعينها، وكانت ~~غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة، والجيش يسمى جيش العسرة. والعسرة: الشدة، ~~وكانت عليهم غزوة عسرة في الظهر والزاد والماء. # قال الحسن: كان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد يعتقبونه، يركب الرجل ~~ساعة، ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك، وكان زادهم التمر المسوس والشعير المتغير، ~~وكان النفر منهم يخرجون ما معهم إلا التمرات بينهم، فإذا بلغ الجوع من ~~أحدهما أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه فيمصها، ثم يشرب ~~عليها جرعة من ماء كذلك حتى يأتي على آخرهم، ولا يبقى من التمرة إلا ~~النواة، فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك على صدقهم ويقينهم ~~(1) . # وقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ ~~شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، وحتى إن كان ~~الرجل ليذهب فيلتمس الماء فلا يرجع حتى نظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل ~~لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر ~~الصديق: يا رسول الله إن الله ms1166 قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا.. قال: ~~"أتحب ذلك؟ " قل: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلت ثم ~~سكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت (2) العسكر (3) . {من ~~بعد ما كاد يزيغ} قرأ حمزة وحفص: "يزيغ" بالياء لقوله: "كاد" PageV04P104 # ولم يقل: كادت. وقرأ الآخرون بالتاء. والزيغ: الميل، أي: من بعد ما ~~166/أكاد تميل، {قلوب فريق منهم} أي: قلوب بعضهم، ولم يرد الميل عن الدين، ~~بل أراد الميل إلى التخلف والانصراف للشدة التي عليهم. قال الكلبي: هم ناس ~~بالتخلف ثم لحقوه. # {ثم تاب عليهم} فإن قيل: كيف أعاد ذكر التوبة وقد قال في أول الآية: {لقد ~~تاب الله على النبي} ؟ . # قيل: ذكر التوبة في أول الآية قبل ذكر الذنب، وهو محض الفضل من الله عز ~~وجل، فلما ذكر الذنب أعاد ذكر التوبة، والمراد منه قبولها. # {إنه بهم رءوف رحيم} قال ابن عباس: من تاب الله عليه لم يعذبه أبدا. # قوله عز وجل: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} أي خلفوا عن غزوة تبوك. وقيل: ~~خلفوا أي: أرجئ أمرهم، عن توبة أبي لبابة وأصحابه، وهؤلاء الثلاثة هم: كعب ~~بن مالك الشاعر، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، كلهم من الأنصار. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ~~الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن ~~عبد الله بن كعب بن مالك -وكان قائد كعب من بنيه حين عمي-قال: سمعت كعب بن ~~مالك يحدث حين تخلف عن [غزوة] (1) تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت ~~عن غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد ~~شهدت ms1167 مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على ~~الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، ~~وكان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، ~~والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك ~~الغزوة، غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ~~ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم ~~بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا ~~يجمعهم كتاب حافظ -يريد الديوان-قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ~~ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله، وغزا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فتجهز رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمون PageV04P105 # معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي: أنا ~~قادر عليه إذا أردت، فلم يزل يتمادى بي الأمر حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا. فقلت: ~~أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم ~~أقض شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا، ~~وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت ~~إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني ~~أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله ~~من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال ~~وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فعل كعب؟ " فقال رجل من بني سلمة: يا رسول ~~الله حبسه برداه ms1168 ونظره في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا ~~رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، فطفقت أتذكر ~~الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، ~~فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل، ~~وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ~~ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ~~ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته فلما ~~سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، ~~فقال لي: "ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ " فقلت: بلى يا رسول الله، إني ~~والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد ~~أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ~~ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه ~~عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت أقوى قط ولا أيسر مني ~~حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم ~~حتى يقضي الله فيك. # فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت ~~أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع وأكذب ~~نفسي، ثم قلت ms1169 لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، ~~فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما قالوا: مرارة بن الربيع العمري، ~~وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة، ~~فمضيت حين ذكروهما لي. # قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة ~~من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا # PageV04P106 # الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، ~~فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، ~~وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، ~~وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد ~~السلام علي أم لا؟. ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي ~~أقبل إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس ~~مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت ~~عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل ~~تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت فنشدته فقال: ~~الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار. # قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم ~~بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون ~~له نحوي، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان فقرأته فإذا فيه: أما ~~بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، ~~فالحق بنا نواسك، فقلت لما قرأته: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت به التنور ~~فسجرته. # حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك ms1170 أن تعتزل امرأتك، ~~فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: لا بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى ~~صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي الحقي بأهلك وكوني عندهم حتى يقضي الله في ~~هذا الأمر. # قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ~~يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ ~~قال: "لا ولكن لا يقربك"، قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما ~~زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. # قال كعب: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. فقلت: والله لا أستأذن فيها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ما يقول لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب، فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى ~~كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، ~~فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا ~~جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت ~~سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. ~~فخررت لله ساجدا وعرفت أنه قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي ~~مبشرون، وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل فكان الصوت ~~أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته ~~إياهما # PageV04P107 # ببشراه، ووالله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني ~~بالتوبة ويقولون: ليهنك توبة الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1171 جالس حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله ~~يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، ولا ~~أنساها لطلحة. # قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك ~~أمك"! قال قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند ~~الله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة ~~قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: [يا رسول الله] (1) إن من ~~توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، قلت: فإني أمسك سهمي الذي ~~بخيبر. # فقلت: يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا ~~صدقا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث ~~منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ~~ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا، وإني لأرجو أن ~~يحفظني الله فيما بقيت. وأنزل الله على رسوله: {لقد تاب الله على النبي ~~والمهاجرين والأنصار} إلى قوله: {وكونوا مع الصادقين} (2) . # وروى إسحاق بن راشد عن الزهري بهذا الإسناد عن كعب، قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي، فلبثت كذلك حتى طال علي الأمر، ~~وما من شيء أهم إلي من أن أموت ولا يصلي علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أو يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا ~~يكلمني أحد منهم ولا يصلي علي! وأنزل الله توبتنا على نبيه صلى الله عليه ~~وسلم حين بقي الثلث الأخير من الليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم ~~سلمة وكانت أم ms1172 سلمة محسنة في شأني، معينة في أمري، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "يا أم سلمة تيب على كعب" قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره؟ قال: ~~إذا يحطمكم الناس، فيمنعونكم النوم سائر الليلة، حتى إذا صلى صلى الله عليه ~~وسلم صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا (3) . PageV04P108 ### || # {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت ~~عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن ~~الله هو التواب الرحيم (118) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين (119) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن ~~رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ~~إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) } . # قوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما ~~رحبت} اتسعت، {وضاقت عليهم أنفسهم} غما وهما، {وظنوا} أي: تيقنوا، {أن لا ~~ملجأ من الله} لا مفزع من الله، {إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا} أي: ~~ليستقيموا على التوبة فإن توبتهم قد سبقت. {إن الله هو التواب الرحيم} . # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} قال نافع: مع محمد ~~وأصحابه. وقال سعيد بن جبير: مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وقال ابن ~~جريج: مع المهاجرين، لقوله تعالى: " للفقراء المهاجرين " إلى قوله " أولئك ~~هم الصادقون " (الحشر -8) . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: مع الذين ~~صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وأعمالهم وخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى تبوك بإخلاص نية. وقيل: مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب ولم ~~يعتذروا بالأعذار الكاذبة. # وكان ابن مسعود يقرأ: {وكونوا مع الصادقين} وقال ابن مسعود: إن الكذب لا ~~يصلح في جد ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيه شيئا ثم لا ينجز له، اقرؤوا إن ~~شئتم وقرأ هذه الآية. # قوله ms1173 تعالى: {ما كان لأهل المدينة} ظاهره خبر، ومعناه نهي، كقوله تعالى: ~~"وما كان لكم أن تؤذوا 167/أرسول الله" (الأحزاب -53) {ومن حولهم من ~~الأعراب} سكان البوادي: مزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، وغفار. {أن يتخلفوا ~~عن رسول الله} إذا غزا. {ولا يرغبوا} أي: ولا أن يرغبوا، {بأنفسهم عن نفسه} ~~في مصاحبته ومعاونته والجهاد معه. قال الحسن: لا يرغبوا بأنفسهم أن يصيبهم # PageV04P109 # من الشدائد فيختاروا الخفض والدعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مشقة السفر ومقاساة التعب. {ذلك بأنهم لا يصيبهم} في سفرهم، {ظمأ} عطش، ~~{ولا نصب} تعب، {ولا مخمصة} مجاعة، {في سبيل الله ولا يطئون موطئا} أرضا، ~~{يغيظ الكفار} وطؤهم إياه {ولا ينالون من عدو نيلا} أي: لا يصيبون من عدوهم ~~قتلا أو أسرا أو غنيمة أو هزيمة، {إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين} . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الوليد ~~بن مسلم، حدثنا يزيد بن أبي مريم، حدثنا عباية بن رفاعة قال: أدركني أبو ~~عبس وأنا ذاهب إلى الجمعة فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار" (1) . # واختلفوا في حكم هذه الآية، قال قتادة: هذه خاصة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، إذا غزا بنفسه لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر، فأما غيره من ~~الأئمة والولاة فيجوز لمن شاء من المسلمين أن يتخلف عنه إذا لم يكن ~~بالمسلمين إليه ضرورة (2) . # وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي، وابن المبارك، وابن جابر، وعمر (3) ~~بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية: إنها لأول هذه الأمة وآخرها (4) . # وقال ابن زيد: هذا حين كان أهل الإسلام قليلا فلما كثروا نسخها الله ~~تعالى وأباح التخلف لمن يشاء، فقال: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} (5) . ### || # {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم ~~الله أحسن ما كانوا ms1174 يعملون (121) } . # قوله تعالى: {ولا ينفقون نفقة} أي: في سبيل الله، {صغيرة ولا كبيرة} ولو ~~علاقة (6) سوط، {ولا يقطعون واديا} لا يجاوزون واديا في مسيرهم مقبلين أو ~~مدبرين. {إلا كتب لهم} يعني: آثارهم وخطاهم، {ليجزيهم الله أحسن ما كانوا ~~يعملون} روي عن خريم بن فاتك قال: قال رسول PageV04P110 # الله صلى الله عليه وسلم: "من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ~~ضعف" (1) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا جرير عن الأعمش، عن أبي عمرو ~~الشيباني، عن أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في ~~سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لك بها يوم القيامة ~~سبعمائة ناقة كلها مخطومة" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، ~~حدثنا الحسين [حدثني يحيى بن أبي كثير] (3) حدثني أبو سلمة، حدثني بسر بن ~~سعيد، حدثني زيد بن خالد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير ~~فقد غزا" (4) . ### || # {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) } . # قوله عز وجل: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} الآية. قال ابن عباس في ~~رواية الكلبي: لما أنزل الله عز وجل عيوب المنافقين في غزوة تبوك كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا فكان المسلمون ينفرون جميعا إلى الغزو ~~ويتركون النبي صلى الله عليه وسلم وحده، فأنزل الله عز وجل هذه الآية (5) ~~وهذا نفي بمعنى النهي. # قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} أي: فهلا خرج إلى الغزو ~~من كل قبيلة جماعة [ويبقى مع رسول الله صلى ms1175 الله عليه وسلم جماعة] (6) ~~{ليتفقهوا في الدين} يعني الفرقة القاعدين، يتعلمون القرآن والسنن والفرائض ~~والأحكام، فإذا رجعت السرايا أخبروهم بما أنزل بعدهم، فتمكث السرايا ~~يتعلمون ما نزل بعدهم، وتبعث سرايا أخر، فذلك قوله: {ولينذروا قومهم} ~~وليعلموهم بالقرآن ويخوفوهم به، {إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} لا يعملون ~~بخلافه. # وقال الحسن: هذا التفقه والإنذار راجع إلى الفرقة النافرة، ومعناه: هلا ~~نفر فرقة ليتفقهوا، أي: ليتبصروا بما يريهم الله من الظهور على المشركين ~~ونصرة الدين، ولينذروا قومهم من الكفار إذا رجعوا إليهم PageV04P111 # من الجهاد فيخبروهم بنصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لعلهم ~~يحذرون أن يعادوا النبي صلى الله عليه وسلم، فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من ~~الكفار (1) . # وقال الكلبي: لها وجه آخر وهو أن أحياء من بني أسد من خزيمة أصابتهم سنة ~~شديدة فأقبلوا بالذراري حتى نزلوا المدينة فأفسدوا طرقها بالعذرات وأغلوا ~~أسعارها فنزل قوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة} (2) أي: لم يكن لهم أن ينفروا كافة ولكن من كل قبيلة طائفة ~~ليتفقهوا في الدين. # وقال مجاهد: نزلت في ناس خرجوا في البوادي ابتغاء الخير من أهلها فأصابوا ~~منهم معروفا، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم: ما نراكم ~~إلا وقد تركتم صاحبكم وجئتمونا، فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجا، وأقبلوا ~~كلهم من البادية حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه ~~الآية، أي: هلا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ويستمعوا ما أنزل ~~بعدهم ولينذروا قومهم، يعني: الناس كلهم إذا رجعوا إليهم ويدعوهم إلى الله، ~~لعلهم يحذرون بأس الله ونقمته، وقعدت طائفة يبتغون الخير (3) . # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أنبأنا أبو الحسن الطيسفوني، ~~حدثنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني حدثنا علي بن ~~حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا عبد الله بن أبي سعيد بن أبي هند عن ~~أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ms1176 صلى الله عليه وسلم قال: "من ~~يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" (4) . # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، حدثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أنبأنا سفيان، عن ~~أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "تجدون الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، فخيارهم في الجاهلية خيارهم ~~في الإسلام إذا فقهوا" (5) . # والفقه: هو معرفة أحكام الدين، وهو ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية، ففرض ~~العين مثل: علم الطهارة والصلاة، والصوم، فعلى كل مكلف معرفته، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل PageV04P112 # مسلم" (1) . وكذلك كل عبادة أوجبها الشرع على كل واحد، يجب عليه معرفة ~~علمها، مثل: علم الزكاة إن كان له مال، وعلم الحج إن وجب عليه. # وأما فرض الكفاية فهو: أن يتعلم حتى يبلغ درجة 167/ب الاجتهاد ورتبة ~~الفتيا، فإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعا، وإذا قام من كل بلد واحد ~~فتعلمه سقط الفرض عن الآخرين، وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث، روى ~~أبو أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضل ~~العالم على العابد كفضلي على أدناكم" (2) . # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" (3) . # قال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. ### || # {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ~~واعلموا أن الله مع المتقين} . # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} ~~الآية، أمروا بقتال الأقرب فالأقرب إليهم في الدار والنسب، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: مثل بني قريظة والنضير وخيبر ونحوها. # PageV04P113 # وقيل: أراد بهم الروم لأنهم كانوا سكان الشام [وكان الشام] (1) أقرب إلى ~~المدينة من العراق، {وليجدوا فيكم غلظة} شدة وحمية. قال الحسن: صبرا على ~~جهادهم، {واعلموا أن الله مع المتقين} بالعون والنصرة. ### || # {وإذا ما أنزلت سورة ms1177 فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين ~~آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم ~~رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام ~~مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (126) } . # قوله تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا} ~~يقينا. كان المنافقون يقولون هذا استهزاء، قال الله تعالى: {فأما الذين ~~آمنوا فزادتهم إيمانا} يقينا وتصديقا، {وهم يستبشرون} يفرحون بنزول القرآن. # {وأما الذين في قلوبهم مرض} شك ونفاق، {فزادتهم رجسا إلى رجسهم} أي: كفرا ~~إلى كفرهم، فعند نزول كل سورة ينكرونها يزداد كفرهم بها. # قال مجاهد: هذه الآية إشارة إلى الإيمان: يزيد وينقص. # وكان عمر يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: تعالوا حتى نزداد ~~إيمانا. # وقال علي بن أبي طالب: إن الإيمان يبدو لمظة (2) بيضاء في القلب، فكلما ~~ازداد الإيمان عظما ازداد ذلك البياض حتى يبيض القلب كله، وإن النفاق يبدو ~~لمظة سوداء في القلب فكلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد حتى يسود القلب ~~كله، وايم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض ولو شققتم عن قلب منافق ~~لوجدتموه أسود (3) . # قوله: {وماتوا وهم كافرون} . # قوله: {أولا يرون} قرأ حمزة ويعقوب: "ترون" بالتاء على خطاب النبي ~~المؤمنين، وقرأ الآخرون بالياء، خبر عن المنافقين المذكورين. {أنهم يفتنون} ~~يبتلون {في كل عام مرة أو مرتين} بالأمراض PageV04P114 # والشدائد. وقال مجاهد: بالقحط والشدة. وقال قتادة: بالغزو والجهاد. وقال ~~مقاتل بن حيان: يفضحون بإظهار نفاقهم. وقال عكرمة: ينافقون ثم يؤمنون ثم ~~ينافقون. وقال يمان: ينقضون عهدهم في السنة مرة أو مرتين. {ثم لا يتوبون} ~~من نقض العهد ولا يرجعون إلى الله من النفاق، {ولا هم يذكرون} أي: لا ~~يتعظون بما يرون من تصديق وعد الله بالنصر والظفر للمسلمين. ### || # {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف ~~الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (127) لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ~~ما عنتم حريص ms1178 عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (128) فإن تولوا فقل حسبي الله لا ~~إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129) } . # {وإذا ما أنزلت سورة} فيها عيب المنافقين وتوبيخهم، {نظر بعضهم إلى بعض} ~~يريدون الهرب يقول بعضهم لبعض إشارة، {هل يراكم من أحد} أي: أحد من ~~المؤمنين، إن قمتم، فإن لم يرهم أحد خرجوا من المسجد، وإن علموا أن أحدا ~~يراهم أقاموا وثبتوا، {ثم انصرفوا} عن الإيمان بها. وقيل: انصرفوا عن ~~مواضعهم التي يسمعون فيها، {صرف الله قلوبهم} عن الإيمان. قال أبو إسحاق ~~الزجاج: أضلهم الله مجازاة على فعلهم ذلك، {بأنهم قوم لا يفقهون} عن الله ~~دينه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا تقولوا إذا صليتم انصرفنا من ~~الصلاة فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا قد قضينا الصلاة" ~~(1) . # قوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} تعرفون نسبه وحسبه، قال السدي: ~~من العرب، من بني إسماعيل. قال ابن عباس: ليس من العرب قبيل إلا وقد ولدت ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وله فيهم نسب. # وقال جعفر بن محمد الصادق: لم يصبه شيء من ولاد الجاهلية من زمان آدم ~~عليه السلام. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد، حدثنا حامد بن محمد، أخبرنا علي بن عبد ~~العزيز، حدثنا محمد بن أبي نعيم، حدثنا هشيم، حدثني المدني -يعني: أبا ~~معشر-عن أبي الحويرث، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء، ما ولدني إلا نكاح ~~كنكاح الإسلام" (2) . # وقرأ ابن عباس والزهري وابن محيصن "من أنفسكم" بفتح الفاء، أي: من أشرفكم ~~وأفضلكم. {عزيز عليه} شديد عليه، {ما عنتم} قيل "ما" صلة أي: عنتكم، وهو ~~دخول المشقة والمضرة PageV04P115 # عليكم. وقال القتيبي: ما أعنتكم وضركم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما ~~ضللتم. # وقال الضحاك والكلبي: ما أتممتم. # {حريص عليكم} أي: على إيمانكم وصلاحكم. وقال قتادة: حريص عليكم أي: على ~~ضالكم أن يهديه ms1179 الله، {بالمؤمنين رءوف رحيم} قيل: رؤوف بالمطيعين رحيم ~~بالمذنبين. # {فإن تولوا} إن أعرضوا عن الإيمان وناصبوك الحرب {فقل حسبي الله لا إله ~~إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم} . # روي عن أبي بن كعب قال: آخر ما نزل من القرآن هاتان الآيتان {لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم} إلى آخر السورة. وقال: هما أحدث الآيات بالله عهدا (1) . ~~PageV04P116 ### | سورة يونس # سورة يونس عليه الصلاة والسلام مكية إلا ثلاث آيات من قوله: {فإن كنت في شك مما ~~أنزلنا إليك} إلى آخرها. بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) } . # {الر} و"المر" قرأ أهل الحجاز والشام وحفص: بفتح الراء فيهما. وقرأ ~~الآخرون: بالإمالة. قال ابن عباس والضحاك: " الر " أنا الله أرى، و" المر " ~~أنا الله أعلم وأرى. # وقال سعيد بن جبير " الر " و" حم " و" ن " حروف اسم الرحمن، وقد سبق ~~الكلام في حروف التهجي (1) . # {تلك آيات الكتاب الحكيم} أي: هذه، وأراد بالكتاب الحكيم القرآن. وقيل: ~~أراد بها الآيات التي أنزلها من قبل ذلك، ولذلك قال: "تلك"، وتلك إشارة إلى ~~غائب مؤنث، والحكيم: المحكم بالحلال والحرام، والحدود والأحكام، فعيل بمعنى ~~مفعل، بدليل قوله: " كتاب أحكمت آياته " (هود -1) . # وقيل: هو بمعنى الحاكم، فعيل بمعنى فاعل، دليله قوله عز وجل: " وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس " (البقرة -213) . # وقيل: هو بمعنى المحكوم، فعيل بمعنى المفعول. قال الحسن: حكم فيه بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى، وبالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وحكم فيه ~~بالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه. PageV04P117 ### || # {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا ~~أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين (2) إن ربكم الله ~~الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من ~~شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون (3) } . # قوله تعالى: {أكان للناس عجبا} العجب: حالة تعتري الإنسان من رؤية شيء ~~على خلاف العادة. # وسبب نزول الآية: 168/أأن الله عز وجل ms1180 لما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ~~رسولا قال المشركون: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. فقال تعالى: {أكان ~~للناس} (1) يعني: أهل مكة، الألف فيه للتوبيخ، {عجبا أن أوحينا إلى رجل ~~منهم} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، {أن أنذر الناس} أي: أعلمهم مع ~~التخويف، {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} واختلفوا فيه: قال ~~ابن عباس: أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم. قال الضحاك: ثواب صدق. وقال ~~الحسن: عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه ~~قال: هو السعادة في الذكر الأول. وقال زيد بن أسلم: هو شفاعة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. وقال عطاء: مقام صدق لا زوال له، ولا بؤس فيه. وقيل: منزلة ~~رفيعة (2) . # وأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته، كقولهم: مسجد الجامع، وحب الحصيد، وقال ~~أبو عبيدة: كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم، يقال: لفلان قدم في ~~الإسلام، وله عندي قدم صدق وقدم سوء، وهو يؤنث فيقال: قدم حسنة، وقدم ~~صالحة. {قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} قرأ نافع وأهل البصرة والشام: ~~"لسحر" بغير ألف يعنون القرآن، وقرأ ابن كثير وأهل الكوفة: "لساحر" بالألف ~~يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يدبر الأمر} يقضيه وحده، {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} ~~معناه: أن الشفعاء لا يشفعون PageV04P120 # إلا بإذنه، وهذا رد على النضر بن الحارث فإنه كان يقول: إذا كان يوم ~~القيامة تشفعني اللات والعزى. # قوله تعالى: {ذلكم الله ربكم} يعني: الذي فعل هذه الأشياء ربكم لا رب لكم ~~غيره، {فاعبدوه أفلا تذكرون} تتعظون. ### || # {إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم ~~بما كانوا يكفرون (4) هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل ~~لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ms1181 الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم ~~يعلمون (5) } . # {إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا} صدقا لا خلف فيه. نصب على المصدر، أي: ~~وعدكم وعدا حقا {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده} أي: يحييهم ابتداء ثم يميتهم ثم ~~يحييهم، قراءة العامة: {إنه} بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ أبو جعفر ~~"أنه" بالفتح على معنى بأنه {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} ~~بالعدل، {والذين كفروا لهم شراب من حميم} ماء حار انتهى حره، {وعذاب أليم ~~بما كانوا يكفرون} . # {هو الذي جعل الشمس ضياء} بالنهار، {والقمر نورا} بالليل. وقيل: جعل ~~الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور، {وقدره منازل} أي: قدر له، يعني: هيأ له ~~منازل لا يجاوزها ولا يقصر دونها، ولم يقل: قدرهما. # قيل: تقدير المنازل ينصرف إليهما غير أنه اكتفى بذكر أحدهما، كما قال: " ~~والله ورسوله أحق أن يرضوه " (التوبة -62) . # وقيل: هو ينصرف إلى القمر خاصة لأن القمر يعرف به انقضاء الشهور والسنين، ~~لا بالشمس. # ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلا وأسماؤها: الشرطين، والبطين، والثرياء، ~~والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنسر، والطوف، والجبهة، والزبرة، ~~والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، ~~والنعايم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، ~~وفرع الدلو المقدم، وفرع الدلو المؤخر، وبطن الحوت. # وهذه المنازل مقسومة على البروج، وهي اثنا عشر برجا: الحمل، والثور، ~~والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، ~~والدلو، والحوت. # PageV04P121 # ولكل برج منزلان وثلث منزل، فينزل القمر كل ليلة منزلا منها، ويستتر ~~ليلتين إن كان الشهر ثلاثين، وإن كان تسعا وعشرين فليلة واحدة، فيكون تلك ~~المنازل ويكون مقام الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يوما، فيكون انقضاء السنة ~~مع انقضائها. # قوله تعالى: {لتعلموا عدد السنين} أي: قدر المنازل "لتعلموا عدد السنين" ~~دخولها وانقضاءها، {والحساب} يعني: حساب الشهور والأيام والساعات. {ما خلق ~~الله ذلك} رده إلى الخلق والتقدير، ولو رده إلى الأعيان المذكورة لقال: ~~تلك. {إلا بالحق} أي: لم يخلقه باطلا بل إظهارا لصنعه ودلالة على قدرته. ~~{يفصل الآيات لقوم يعلمون} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ms1182 وحفص ويعقوب: "يفصل" ~~بالياء، لقوله: "ما خلق" وقرأ الباقون: "نفصل" بالنون على التعظيم. ### || # {إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم ~~يتقون (6) } . # {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم ~~عن آياتنا غافلون (7) أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون (8) إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات ~~النعيم (9) } . # {إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم ~~يتقون} يؤمنون. # {إن الذين لا يرجون لقاءنا} أي: لا يخافون عقابنا ولا يرجون ثوابنا. ~~والرجاء يكون بمعنى الخوف والطمع، {ورضوا بالحياة الدنيا} فاختاروها وعملوا ~~لها، {واطمأنوا بها} سكنوا إليها. {والذين هم عن آياتنا غافلون} أي: عن ~~أدلتنا غافلون لا يعتبرون. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: عن آياتنا عن ~~محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن غافلون معرضون. # {أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} من الكفر والتكذيب. # قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم} فيه ~~إضمار، أي: يرشدهم ربهم بإيمانهم إلى جنة، {تجري من تحتهم الأنهار} قال ~~مجاهد: يهديهم على الصراط إلى الجنة، يجعل لهم نورا يمشون به. # وقيل: " يهديهم " معناه يثيبهم ويجزيهم. # وقيل: معناه بإيمانهم يهديهم ربهم لدينه، أي: بتصديقهم هداهم " تجري من ~~تحتهم الأنهار " أي: بين # PageV04P122 # أيديهم، كقوله عز وجل: " قد جعل ربك تحتك سريا " (مريم -24) لم يرد به ~~أنه تحتها وهي قاعدة عليه، بل أراد بين يديها. # وقيل: تجري من تحتهم أي: بأمرهم، {في جنات النعيم} . ### || # {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله ~~رب العالمين (10) ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم ~~أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) } . # {دعواهم} أي: قولهم وكلامهم. وقيل: دعاؤهم. {فيها سبحانك اللهم} وهي كلمة ~~تنزيه، تنزه الله من كل سوء. وروينا: "أن أهل الجنة يلهمون الحمد والتسبيح، ~~كما يلهمون النفس" (1) . # قال أهل التفسير: هذه الكلمة علامة بين أهل الجنة والخدم في الطعام، فإذا ~~أرادوا ms1183 الطعام قالوا: سبحانك اللهم، فأتوهم في الوقت بما يشتهون على ~~الموائد، كل مائدة ميل في ميل، على كل مائدة سبعون ألف صحفة، وفي كل صحفة ~~لون من الطعام لا يشبه بعضها بعضا، فإذا فرغوا من الطعام حمدوا الله، فذلك، ~~قوله تعالى: 168/ب {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} (2) # قوله تعالى: {وتحيتهم فيها سلام} أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام. وقيل: ~~تحية الملائكة لهم بالسلام. # وقيل: تأتيهم الملائكة من عند ربهم بالسلام. # {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} يريد: يفتتحون كلامهم بالتسبيح، ~~ويختمونه بالتحميد. # قوله عز وجل: {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير} قال ابن عباس: ~~هذا في قول الرجل عند الغضب لأهله وولده: لعنكم الله، ولا بارك فيكم. قال ~~قتادة: هو دعاء الرجل على نفسه وأهله وماله بما يكره أن يستجاب. معناه: لو ~~يعجل الله الناس إجابة دعائهم في الشر والمكروه استعجالهم PageV04P123 # بالخير، أي: كما يحبون استعجالهم بالخير، {لقضي إليهم أجلهم} قرأ ابن ~~عامر ويعقوب: "لقضى" بفتح القاف والضاد، {أجلهم} نصب، أي: لأهلك من دعا ~~عليه وأماته. وقال الآخرون: "لقضي" بضم القاف وكسر الضاد "أجلهم" رفع، أي: ~~لفرغ من هلاكهم وماتوا جميعا. # وقيل: إنها نزلت في النضر بن الحارث حين قال: " اللهم إن كان هذا هو الحق ~~من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء " (1) الآية (الأنفال -32) يدل عليه ~~قوله عز وجل: {فنذر الذين لا يرجون لقاءنا} لا يخافون البعث والحساب، {في ~~طغيانهم يعمهون} . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصلاحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد ~~الله بن بشران، حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، أنبأنا أحمد بن ~~منصور الزيادي، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، أنه سمع ~~أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني اتخذت عندك ~~عهدا لن تخلفنيه، فإنما أنا بشر فيصدر مني ما يصدر من البشر، فأي المؤمنين ~~آذيته، أو شتمته، أو جلدته، أو لعنته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة، تقربه ~~بها إليك يوم القيامة" ms1184 (2) . ### || # {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره ~~مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (12) ولقد ~~أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ~~ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) } . # قوله تعالى: {وإذا مس الإنسان الضر} الجهد والشدة، {دعانا لجنبه} أي: على ~~جنبه مضطجعا، {أو قاعدا أو قائما} يريد في جميع حالاته، لأن الإنسان لا ~~يعدو إحدى هذه الحالات. {فلما كشفنا} دفعنا {عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ~~ضر مسه} أي استمر على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضر، ونسي ما كان فيه من ~~الجهد والبلاء، كأنه لم يدعنا إلى ضر مسه أي: لم يطلب منا كشف ضر مسه. ~~{كذلك زين للمسرفين} المجاوزين الحد في الكفر والمعصية، {ما كانوا يعملون} ~~من العصيان. قال ابن جريج: كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون من الدعاء ~~عند البلاء وترك الشكر عند الرخاء. وقيل: معناه كما زين لكم أعمالكم زين ~~للمسرفين الذين كانوا من قبلكم أعمالهم. # قوله عز وجل: {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا} أشركوا، {وجاءتهم ~~رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك} PageV04P124 # أي: كما أهلكناهم بكفرهم، {نجزي} نعاقب ونهلك، {القوم المجرمين} الكافرين ~~بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، يخوف كفار مكة بعذاب الأمم الخالية ~~المكذبة. ### || # {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون (14) } . # {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير ~~هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ~~ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون (16) } . # {ثم جعلناكم خلائف} أي: خلفاء، {في الأرض من بعدهم} أي: من بعد القرون ~~التي أهلكناهم، {لننظر كيف تعملون} وهو أعلم بهم. وروينا عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ms1185 أنه قال: "ألا إن هذه ~~الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون" (1) . # قوله عز وجل: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} قال قتادة (2) : يعني مشركي ~~مكة. وقال مقاتل (3) هم خمسة نفر: عبد الله بن أمية المخزومي، والوليد بن ~~المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري، والعاص بن ~~عامر بن هاشم. {قال الذين لا يرجون لقاءنا} هم السابق ذكرهم قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: إن كنت تريد أن نؤمن بك {ائت بقرآن غير هذا} ليس فيه ~~ترك عبادة اللات والعزى ومناة، وليس فيه عيبها، وإن لم ينزلها الله فقل أنت ~~من عند نفسك، {أو بدله} فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة، أو مكان حرام حلالا ~~أو مكان حلال حراما، {قل} لهم يا محمد، {ما يكون لي أن أبدله من تلقاء ~~نفسي} من قبل نفسي {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي: ما أتبع إلا ما يوحى إلي ~~فيما آمركم به وأنهاكم عنه، {إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} . # {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم} يعني: لو شاء الله ما أنزل القرآن علي. ~~{ولا أدراكم به} أي: ولا أعلمكم الله. قرأ البزي عن ابن كثير: "ولأدراكم ~~به" بالقصر به على الإيجاب، يريد: ولا علمكم PageV04P125 # به من غير قراءتي عليكم. وقرأ ابن عباس: "ولا أنذرتكم به" من الإنذار. ~~{فقد لبثت فيكم عمرا} حينا وهو أربعون سنة، {من قبله} من قبل نزول القرآن ~~ولم آتكم بشيء. {أفلا تعقلون} أنه ليس من قبلي، ولبث النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيهم قبل الوحي أربعين سنة ثم أوحى الله إليه فأقام بمكة بعد الوحي ~~ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر فأقام بالمدينة عشر سنين وتوفي وهو ابن ثلاث وستين ~~سنة. # وروى أنس: أنه أقام بمكة بعد الوحي عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، وتوفي ~~وهو ابن ستين سنة. والأول أشهر وأظهر (1) . ### || # {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون ~~(17) ويعبدون من دون ms1186 الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه ~~وتعالى عما يشركون (18) وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة ~~سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون (19) } . # قوله تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا} فزعم أن له شريكا أو ~~ولدا {أو كذب بآياته} بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، {إنه لا يفلح ~~المجرمون} لا ينجو المشركون. # {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم} إن عصوه وتركوا عبادته، {ولا ينفعهم} ~~إن عبدوه، يعني: الأصنام، {ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون ~~الله} أتخبرون الله، {بما لا يعلم} الله صحته. ومعنى الآية: أتخبرون الله ~~أن له شريكا، أو عنده شفيعا بغير إذنه، ولا يعلم الله لنفسه شريكا؟! {في ~~السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} قرأ حمزة والكسائي: ~~"تشركون" بالتاء، ها هنا وفي سورة النحل موضعين، وفي سورة الروم، وقرأ ~~الآخرون كلها بالياء. # قوله تعالى: {وما كان الناس إلا أمة واحدة} أي: على الإسلام. وقد ذكرنا ~~الاختلاف فيه في سورة البقرة (2) {فاختلفوا} وتفرقوا إلى مؤمن وكافر، ~~{ولولا كلمة سبقت من ربك} بأن جعل PageV04P126 # لكل أمة أجلا. وقال الكلبي: هي إمهال هذه الأمة وأنه لا يهلكهم بالعذاب ~~في الدنيا، {لقضي بينهم} بنزول العذاب وتعجيل العقوبة للمكذبين، وكان ذلك ~~فصلا بينهم، {فيما فيه يختلفون} وقال الحسن: ولولا كلمة سبقت من ربك، مضت ~~في حكمه أنه: لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة، ~~لقضي بينهم في الدنيا فأدخل المؤمن الجنة والكافر النار، ولكنه سبق من الله ~~الأجل فجعل موعدهم يوم القيامة. ### || # {ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني ~~معكم من المنتظرين (20) } . # {وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله ~~أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21) هو الذي يسيركم في البر والبحر ~~حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ms1187 طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف ~~وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين ~~لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين (22) } . # {ويقولون} يعني: أهل مكة، {لولا أنزل عليه} أي: على محمد صلى الله عليه ~~وسلم {آية من ربه} على ما نقترحه، {فقل إنما الغيب لله} يعني: قل إنما ~~سألتموني الغيب وإنما الغيب لله، لا يعلم أحد لم لم يفعل ذلك ولا يعلمه إلا ~~هو. وقيل: الغيب نزول الآية 169/ألا يعلم متى ينزل أحد غيره، {فانتظروا} ~~نزولها {إني معكم من المنتظرين} وقيل: فانتظروا قضاء الله بيننا بالحق ~~بإظهار المحق على المبطل. # قوله عز وجل: {وإذا أذقنا الناس} يعني: الكفار، {رحمة من بعد ضراء} أي: ~~راحة ورخاء من بعد شدة وبلاء. وقيل: القطر بعد القحط، {مستهم} أي: أصابتهم، ~~{إذا لهم مكر في آياتنا} قال مجاهد: تكذيب واستهزاء. وقال مقاتل بن حيان: ~~لا يقولون: هذا من رزق الله، إنما يقولون: سقينا بنوء كذا، وهو قوله: " ~~وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون " (الواقعة -82) . # {قل الله أسرع مكرا} أعجل عقوبة وأشد أخذا وأقدر على الجزاء، يريد عذابه ~~في إهلاككم أسرع إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق، {إن رسلنا} حفظتنا، ~~{يكتبون ما تمكرون} وقرأ يعقوب: "يمكرون" بالياء. # قوله تعالى: {هو الذي يسيركم} يجريكم ويحملكم، وقرأ أبو جعفر وابن عامر: ~~"ينشركم" بالنون والشين من النشر وهو البسط والبث، "في البر"، على ظهور ~~الدواب، وفي {البحر} على # PageV04P127 # الفلك، {حتى إذا كنتم في الفلك} أي: في السفن، تكون واحدا وجمعا {وجرين ~~بهم} يعني: جرت السفن بالناس، رجع من الخطاب إلى الخبر، {بريح طيبة} لينة، ~~{وفرحوا بها} أي: بالريح، {جاءتها ريح} أي: جاءت الفلك ريح، {عاصف} شديدة ~~الهبوب، ولم يقل ريح عاصفة، لاختصاص الريح بالعصوف. وقيل: الريح تذكر ~~وتؤنث. {وجاءهم} يعني: ركبان السفينة، {الموج} وهو حركة الماء واختلاطه، ~~{من كل مكان وظنوا} أيقنوا {أنهم أحيط بهم} دنوا من الهلكة، أي: أحاط بهم ~~الهلاك، {دعوا الله مخلصين له الدين} أي: أخلصوا في الدعاء لله ولم يدعوا ms1188 ~~أحدا سوى الله. وقالوا {لئن أنجيتنا} يا ربنا، {من هذه} الريح العاصف، ~~{لنكونن من الشاكرين} لك بالإيمان والطاعة. ### || # {فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم ~~على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ~~(23) إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ~~مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم ~~قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ~~كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) } . # {فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض} يظلمون ويتجاوزون إلى غير أمر الله ~~عز وجل في الأرض، {بغير الحق} أي: بالفساد. {يا أيها الناس إنما بغيكم على ~~أنفسكم} لأن وباله راجع عليها، ثم ابتدأ فقال: {متاع الحياة الدنيا} أي: ~~هذا متاع الحياة الدنيا، خبر ابتداء مضمر، كقوله: " لم يلبثوا إلا ساعة من ~~نهار بلاغ " (الأحقاف -35) ، أي: هذا بلاغ. وقيل: هو كلام متصل والبغي: ~~ابتداء، ومتاع: خبره. # ومعناه: إنما بغيكم متاع الحياة الدنيا، لا يصلح [زادا لمعاد] (1) لأنكم ~~تستوجبون به غضب الله. # وقرأ حفص: "متاع" بالنصب، أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا، {ثم إلينا ~~مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون} . # قوله عز وجل: {إنما مثل الحياة الدنيا} في فنائها وزوالها، {كماء أنزلناه ~~من السماء فاختلط به} PageV04P128 # أي: بالمطر، {نبات الأرض} قال ابن عباس: نبت بالماء من كل لون، {مما يأكل ~~الناس} من الحبوب والثمار، {والأنعام} من الحشيش، {حتى إذا أخذت الأرض ~~زخرفها} حسنها وبهجتها، وظهر الزهر أخضر وأحمر وأصفر وأبيض {وازينت} أي: ~~تزينت، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود: "تزينت". {وظن أهلها أنهم قادرون ~~عليها} على جذاذها وقطافها وحصادها، رد الكناية إلى الأرض. والمراد: النبات ~~إذ كان مفهوما، وقيل: ردها إلى الغلة. وقيل: إلى الزينة. {أتاها أمرنا} ~~قضاؤنا، بإهلاكها، {ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا} أي: محصودة مقطوعة، {كأن ~~لم تغن بالأمس} كأن لم تكن بالأمس، وأصله من غني بالمكان إذا أقام به. وقال ~~قتادة: معناه أن ms1189 المتشبث بالدنيا يأتيه أمر الله وعذابه أغفل ما يكون. ~~{كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} . ### || # {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (25) } . # قوله تعالى: {والله يدعو إلى دار السلام} قال قتادة: السلام هو الله، ~~وداره: الجنة. وقيل: السلام بمعنى السلامة، سميت الجنة دار السلام لأن من ~~دخلها سلم من الآفات. وقيل: المراد بالسلام التحية سميت الجنة دار السلام، ~~لأن أهلها يحيي بعضهم بعضا بالسلام والملائكة تسلم عليهم. قال الله تعالى: ~~" والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم " (الرعد -23) . # وروينا عن جابر قال: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم ~~[فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا:] ~~(1) إن لصاحبكم هذا مثلا. قال: فاضربوا له مثلا. فقال بعضهم: مثله كمثل رجل ~~بنى دارا، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيا، فمن أجاب الداعي: دخل الدار، وأكل ~~من المأدبة، ومن لم يجب الداعي: لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، ~~[فقالوا أولوها له يفقهها، قال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين ~~نائمة والقلب يقظان، فقالوا:] (2) فالدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا فقد عصى الله، ومحمد ~~فرق بين الناس" (3) . # {ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} فالصراط المستقيم هو الإسلام، عم ~~بالدعوة لإظهار الحجة، وخص بالهداية استغناء عن الخلق. PageV04P129 ### || # {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون (26) } . # قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} أي: للذين أحسنوا العمل في ~~الدنيا الحسنى، وهي الجنة، وزيادة: وهي النظر إلى وجه الله الكريم، هذا قول ~~جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وحذيفة، وأبو موسى، ~~وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم، وهو قول الحسن، وعكرمة وعطاء، ومقاتل، ~~والضحاك، والسدي. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن [محمد بن] (1) العباس الحميدي، أنبأنا أبو عبد ~~الله محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس محمد بن يعقوب إملاء، ~~حدثنا أبو ms1190 بكر محمد بن إسحاق الصنعاني، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا حماد ~~بن سلمة عن ثابت -يعني البناني-عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب رضي ~~الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة} قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: ~~يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، قالوا: ما هذا ~~الموعود؟ (2) ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من ~~النار؟ قال: فيرفع الحجاب فينظرون إلى وجه الله عز وجل. قال: فما أعطوا ~~شيئا أحب إليهم من النظر إليه" (3) . # وروي عن ابن عباس: أن الحسنى هي: أن الحسنة بمثلها والزيادة هي التضعيف ~~عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف (4) . وقال مجاهد: الحسنى: حسنة مثل حسنة، ~~والزيادة المغفرة والرضوان (5) . # {ولا يرهق} لا يغشى {وجوههم قتر} غبار، جمع قترة. قال ابن عباس وقتادة: ~~سواد الوجه، {ولا ذلة} هوان. قال قتادة: كآبة. قال ابن أبي ليلى: هذا بعد ~~نظرهم إلى ربهم. {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} . PageV04P130 ### || # {والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من ~~عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (27) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم ~~فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) فكفى بالله شهيدا ~~بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين (29) هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت ~~وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون (30) } . # {والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها} 169/ب أي: لهم مثلها، كما قال: ~~" ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها " (الأنعام -160) . {وترهقهم ذلة ما ~~لهم من الله من عاصم} و"من" صلة، أي: مالهم من الله عاصم، {كأنما أغشيت} ~~ألبست، {وجوههم قطعا} جمع قطعة، {من الليل مظلما} نصبت على الحال دون ~~النعت، ولذلك لم يقل: مظلمة، تقديره: قطعا من الليل في حال ظلمته، أو قطعا ~~من الليل المظلم. وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب: ms1191 "قطعا" ساكنة الطاء، أي ~~بعضا، كقوله: "بقطع من الليل" (هود -81) . {أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون} . # قوله تعالى: {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم} [أي: ~~الزموا مكانكم] (1) {أنتم وشركاؤكم} يعني: الأوثان، معناه: ثم نقول للذين ~~أشركوا: الزموا أنتم وشركاؤكم مكانكم، ولا تبرحوا. {فزيلنا} ميزنا وفرقنا ~~{بينهم} أي: بين المشركين وشركائهم، وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في ~~الدنيا، وذلك حين يتبرأ كل معبود من دون الله ممن عبده، {وقال شركاؤهم} ~~يعني: الأصنام، {ما كنتم إيانا تعبدون} بطلبتنا فيقولون: بلى، كنا نعبدكم، ~~فتقول الأصنام: # {فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين} أي: ما كنا ~~عن عبادتكم إيانا إلا غافلين، ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل. # قال الله تعالى: {هنالك تبلو} أي: تختبر. وقيل: معناه: تعلم وتقف عليه، ~~وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب: "تتلو" بتاءين، أي: تقرأ، {كل نفس} صحيفتها. ~~وقيل: معناه تتبع كل نفس {ما أسلفت} PageV04P131 # ما قدمت من خير أو شر. وقيل: معناه تعاين، {وردوا إلى الله} إلى حكمه ~~فيتفرد فيهم بالحكم، {مولاهم الحق} الذي يتولى ويملك أمورهم: فإن قيل: أليس ~~قد قال: " وأن الكافرين لا مولى لهم " (محمد -11) ؟ قيل: المولى هناك بمعنى ~~الناصر، وها هنا بمعنى: المالك، {وضل عنهم} زال عنهم وبطل، {ما كانوا ~~يفترون} في الدنيا من التكذيب. ### || # {قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي ~~من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ~~(31) فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (32) ~~كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) } . # {قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده ~~فأنى تؤفكون (34) } . # قوله تعالى: {قل من يرزقكم من السماء والأرض} أي: من السماء بالمطر، ومن ~~الأرض بالنبات، {أمن يملك السمع والأبصار} أي: من إعطائكم السمع والأبصار، ~~{ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} يخرج الحي من النطفة والنطفة ~~من ms1192 الحي، {ومن يدبر الأمر} أي: يقضي الأمر، {فسيقولون الله} هو الذي يفعل ~~هذه الأشياء، {فقل أفلا تتقون} أفلا تخافون عقابه في شرككم؟ وقيل: أفلا ~~تتقون الشرك مع هذا الإقرار؟. # {فذلكم الله ربكم} الذي يفعل هذه الأشياء هو ربكم، {الحق فماذا بعد الحق ~~إلا الضلال فأنى تصرفون} أي: فأين تصرفون عن عبادته وأنتم مقرون به؟. # {كذلك} قال الكلبي: هكذا، {حقت} وجبت، {كلمة ربك} حكمه السابق، {على ~~الذين فسقوا} كفروا، {أنهم لا يؤمنون} قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر "كلمات ~~ربك" بالجمع ها هنا موضعين، وفي المؤمن، والآخرون على التوحيد. # قوله: {قل هل من شركائكم} أوثانكم {من يبدأ الخلق} ينشئ الخلق من غير أصل ~~ولا مثال، {ثم يعيده} ثم يحييه من بعد الموت كهيئته، فإن أجابوك وإلا ف ~~{قل} أنت: {الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون} أي: تصرفون عن قصد ~~السبيل. # PageV04P132 ### || # {قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى ~~الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) وما ~~يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون ~~(36) } . # {قل هل من شركائكم من يهدي} يرشد، {إلى الحق} فإذا قالوا: لا -ولا بد لهم ~~من ذلك- {قل الله يهدي للحق} أي إلى الحق. # {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي} قرأ حمزة والكسائي: ساكنة ~~الهاء، خفيفة الدال، وقرأ الآخرون: بتشديد الدال، ثم قرأ أبو جعفر، وقالون: ~~بسكون الهاء، وأبو عمرو بروم الهاء بين الفتح والسكون، وقرأ حفص: بفتح ~~الياء وكسر الهاء، وأبو بكر بكسرهما، والباقون بفتحهما، ومعناه: يهتدي -في ~~جميعها-فمن خفف الدال، قال: يقال: هديته فهدي، أي: اهتدى، ومن شدد الدال ~~أدغم التاء في الدال، ثم أبو عمرو يروم على مذهبه في إيثار التخفيف، ومن ~~سكن الهاء تركها على حالتها كما فعل في "تعدوا" و"يخصمون" ومن فتح الهاء ~~نقل فتحة التاء المدغمة إلى الهاء، ومن كسر الهاء فلالتقاء الساكنين، وقال ms1193 ~~الجزم يحرك إلى الكسر، ومن كسر الياء، مع الهاء أتبع الكسرة الكسرة. # قوله تعالى: {إلا أن يهدى} معنى الآية: الله الذي يهدي إلى الحق أحق ~~بالاتباع أم الصنم الذي لا يهتدي إلا أن يهدى؟. # فإن قيل: كيف قال: "إلا أن يهدى"، والصنم لا يتصور أن يهتدي ولا أن ~~يهدى؟. # قيل: معنى الهداية في حق الأصنام الانتقال، أي: أنها لا تنتقل من مكان ~~إلى مكان إلا أن تحمل وتنقل، يتبين به عجز الأصنام. # وجواب آخر وهو: أن ذكر الهداية على وجه المجاز، وذلك أن المشركين لما ~~اتخذوا الأصنام آلهة وأنزلوها منزلة من يسمع ويعقل عبر عنها بما يعبر عمن ~~يعلم ويعقل، ووصفت بصفة من يعقل. # {فما لكم كيف تحكمون} كيف تقضون حين زعمتم أن لله شريكا؟ # قوله تعالى: {وما يتبع أكثرهم إلا ظنا} منهم، يقولون: إن الأصنام آلهة، ~~وإنها تشفع لهم في الآخرة ظنا منهم، لم يرد به كتاب ولا رسول، وأراد ~~بالأكثر: جميع من يقول ذلك، {إن الظن لا يغني من الحق شيئا} أي: لا يدفع ~~عنهم من عذاب الله شيئا. وقيل: لا يقوم مقام العلم، {إن الله عليم بما ~~يفعلون} # PageV04P133 ### || # {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (37) أم يقولون افتراه قل فأتوا ~~بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (38) بل كذبوا ~~بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف ~~كان عاقبة الظالمين (39) ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم ~~بالمفسدين (40) وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل ~~وأنا بريء مما تعملون (41) } . # قوله تعالى: {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله} قال الفراء: ~~معناه: وما ينبغي لمثل هذا القرآن أن يفترى من دون الله، كقوله تعالى: " ~~وما كان لنبي أن يغل " (آل عمران -161) . # وقيل: "أن" بمعنى اللام، أي: وما كان هذا القرآن ليفترى من دون ms1194 الله. # قوله: {ولكن تصديق الذي بين يديه} أي: بين يدي القرآن من التوراة ~~والإنجيل. # وقيل: تصديق الذي بين يدي القرآن من القيامة والبعث، {وتفصيل الكتاب} ~~تبيين ما في الكتاب من الحلال والحرام والفرائض والأحكام، {لا ريب فيه من ~~رب العالمين} . # {أم يقولون} قال أبو عبيدة: "أم" بمعنى الواو، أي: ويقولون، {افتراه} ~~اختلق محمد القرآن من قبل نفسه، {قل فأتوا بسورة مثله} شبه القرآن {وادعوا ~~من استطعتم} ممن تعبدون، {من دون الله} ليعينوكم على ذلك، {إن كنتم صادقين} ~~أن محمدا افتراه ثم قال: # {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه} يعني: القرآن، كذبوا به ولم يحيطوا ~~بعلمه، {ولما يأتهم تأويله} أي: عاقبة ما وعد الله في القرآن، أنه يؤول ~~إليه أمرهم من العقوبة، يريد: أنهم لم يعلموا ما يؤول إليه عاقبة أمرهم. ~~{كذلك كذب الذين من قبلهم} أي: كما كذب هؤلاء الكفار بالقرآن كذلك كذب ~~الذين من قبلهم من كفار الأمم الخالية، {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} آخر ~~أمر المشركين بالهلاك. # {ومنهم من يؤمن به} أي: من قومك من يؤمن بالقرآن، {ومنهم من لا يؤمن به} ~~لعلم الله السابق فيهم، {وربك أعلم بالمفسدين} 170/أالذين لا يؤمنون. # {وإن كذبوك} يا محمد، {فقل لي عملي} وجزاؤه، {ولكم عملكم} وجزاؤه، {أنتم ~~بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} هذا كقوله تعالى: " لنا أعمالنا ~~ولكم أعمالكم " (القصص -55) ، # PageV04P134 # " لكم دينكم ولي دين " (الكافرون -6) . # قال الكلبي ومقاتل: هذه الآية منسوخة بآية الجهاد (1) . # ثم أخبر أن التوفيق للإيمان به لا بغيره: ### || # {ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) } . # {ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (43) إن الله ~~لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44) ويوم يحشرهم كأن لم ~~يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ~~وما كانوا مهتدين (45) } . # فقال: {ومنهم من يستمعون إليك} بأسماعهم الظاهرة فلا ينفعهم، {أفأنت تسمع ~~الصم} يريد: سمع القلب، {ولو كانوا لا يعقلون} . # {ومنهم من ينظر إليك} بأبصارهم الظاهرة، {أفأنت ms1195 تهدي العمي} يريد عمى ~~القلب، {ولو كانوا لا يبصرون} وهذا تسلية من الله عز وجل لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم يقول: إنك لا تقدر أن تسمع من سلبته السمع، ولا أن تهدي من سلبته ~~البصر، ولا أن توفق للإيمان من حكمت عليه أن لا يؤمن. # {إن الله لا يظلم الناس شيئا} لأنه في جميع أفعاله متفضل عادل، {ولكن ~~الناس أنفسهم يظلمون} بالكفر والمعصية. # قوله تعالى: {ويوم يحشرهم} قرأ حفص بالياء، والآخرون بالنون، {كأن لم ~~يلبثوا إلا ساعة من النهار} قال الضحاك: كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة ~~من النهار. وقال ابن عباس: كأن لم يلبثوا في قبورهم إلا قدر ساعة من ~~النهار، {يتعارفون بينهم} يعرف بعضهم بعضا حين بعثوا من القبور كمعرفتهم في ~~الدنيا، ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال القيامة. وفي بعض الآثار: أن ~~الإنسان يعرف يوم القيامة من بجنبه ولا يكلمه هيبة وخشية. (1) # {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين} والمراد من الخسران: ~~خسران النفس، ولا شيء أعظم منه. PageV04P135 ### || # {وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ~~ما يفعلون (46) ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا ~~يظلمون (47) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) قل لا أملك لنفسي ~~ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون (49) قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل ~~منه المجرمون (50) } . # قوله تعالى: {وإما نرينك} يا محمد، {بعض الذي نعدهم} في حياتك من العذاب، ~~{أو نتوفينك} قبل تعذيبهم، {فإلينا مرجعهم} في الآخرة، {ثم الله شهيد على ~~ما يفعلون} فيجزيهم به، "ثم" بمعنى الواو، تقديره: والله شهيد. قال مجاهد: ~~فكان البعض الذي أراه قتلهم ببدر، وسائر أنواع العذاب بعد موتهم. # قوله عز وجل: {ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم} وكذبوه، {قضي بينهم ~~بالقسط} أي عذبوا في الدنيا وأهلكوا بالعذاب، يعني: قبل مجيء الرسول، لا ~~ثواب ولا عقاب. وقال مجاهد ومقاتل: ms1196 فإذا جاء رسولهم الذي أرسل إليهم يوم ~~القيامة قضي بينه وبينهم بالقسط، {وهم لا يظلمون} لا يعذبون بغير ذنب ولا ~~يؤاخذون بغير حجة ولا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم. # {ويقولون} أي: ويقول المشركون: {متى هذا الوعد} الذي تعدنا يا محمد من ~~العذاب. وقيل: قيام الساعة، {إن كنتم صادقين} أنت يا محمد وأتباعك. # {قل لا أملك لنفسي} لا أقدر لها على شيء، {ضرا ولا نفعا} أي: دفع ضر ولا ~~جلب نفع، {إلا ما شاء الله} أن أملكه، {لكل أمة أجل} مدة مضروبة، {إذا جاء ~~أجلهم} وقت فناء أعمارهم، {فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} أي: لا يتأخرون ~~ولا يتقدمون. # قوله تعالى: {قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا} ليلا {أو نهارا ماذا ~~يستعجل منه المجرمون} أي: ماذا يستعجل من الله المشركون. وقيل: ماذا يستعجل ~~من العذاب المجرمون، وقد وقعوا فيه؟ وحقيقة المعنى: أنهم كانوا يستعجلون ~~العذاب، فيقولون: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء أو ائتنا بعذاب أليم " (الأنفال -32) . فيقول الله تعالى: {ماذا ~~يستعجل} يعني: أيش (1) يعلم PageV04P136 # المجرمون ماذا يستعجلون ويطلبون، كالرجل يقول لغيره وقد فعل قبيحا ماذا ~~جنيت على نفسك. ### || # {أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون (51) ثم قيل للذين ~~ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52) ويستنبئونك أحق ~~هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) } . # {ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا ~~العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (54) ألا إن لله ما في السموات ~~والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (55) هو يحيي ويميت وإليه ~~ترجعون (56) } . # {أثم إذا ما وقع} قيل: معناه أهنالك؟ وحينئذ، وليس بحرف عطف، " إذا ما ~~وقع " نزل العذاب، {آمنتم به} أي بالله في وقت اليأس. وقيل: آمنتم به أي ~~صدقتم بالعذاب وقت نزوله، {آلآن} فيه إضمار، أي: يقال لكم: آلآن تؤمنون حين ~~وقع العذاب؟ {وقد كنتم به تستعجلون} تكذيبا ms1197 واستهزاء. # {ثم قيل للذين ظلموا} أشركوا، {ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم ~~تكسبون} في الدنيا. # {ويستنبئونك} أي: يستخبرونك يا محمد، {أحق هو} أي: ما تعدنا من العذاب ~~وقيام الساعة، {قل إي وربي} أي: نعم وربي، {إنه لحق} لا شك فيه، {وما أنتم ~~بمعجزين} أي: بفائتين من العذاب، لأن من عجز عن شيء فقد فاته. # {ولو أن لكل نفس ظلمت} أي: أشركت، {ما في الأرض لافتدت به} يوم القيامة، ~~والافتداء ها هنا: بذل ما ينجو به من العذاب. {وأسروا الندامة} قال أبو ~~عبيدة: معناه: أظهروا الندامة، لأنه ليس ذلك اليوم يوم تصبر وتصنع. وقيل: ~~معناه أخفوا أي: أخفى الرؤساء الندامة من الضعفاء، خوفا من ملامتهم ~~وتعبيرهم، {لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط} فرغ من عذابهم، {وهم لا ~~يظلمون} # PageV04P137 # {ألا إن لله ما في السموات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون هو يحيي ويميت وإليه ترجعون} . ### || # {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة ~~للمؤمنين (57) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) ~~قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن ~~لكم أم على الله تفترون (59) } . # قوله تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة} تذكرة، {من ربكم وشفاء لما ~~في الصدور} أي: دواء للجهل، لما في الصدور. أي: شفاء لعمى القلوب، والصدر: ~~موضع القلب، وهو أعز موضع في الإنسان لجوار القلب، {وهدى} من الضلالة، ~~{ورحمة للمؤمنين} والرحمة هي النعمة على المحتاج، فإنه لو أهدى ملك إلى ملك ~~شيئا لا يقال قد رحمه، وإن كان ذلك نعمة لأنه لم يضعها في محتاج. # قوله تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته} قال مجاهد وقتادة: فضل الله: ~~الإيمان، ورحمته: القرآن (1) . وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن ~~ورحمته أن جعلنا من أهله (2) . # وقال ابن عمر: فضل الله: الإسلام، ورحمته: تزيينه في القلب. # وقال خالد بن معدان: فضل الله: الإسلام، ورحمته: السنن. # وقيل: فضل الله: الإيمان، ورحمته: ms1198 الجنة. # {فبذلك فليفرحوا} أي: ليفرح المؤمنون أن جعلهم الله من أهله، {هو خير مما ~~يجمعون} أي: مما يجمعه الكفار من الأموال. وقيل: كلاهما خبر عن الكفار. # وقرأ أبو جعفر وابن عامر: "فليفرحوا" بالياء، و"تجمعون" بالتاء، وقرأ ~~يعقوب كليهما بالتاء مختلف عنه خطابا للمؤمنين. # {قل} يا محمد لكفار مكة، {أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق} عبر عن الخلق ~~بالإنزال، لأن ما في الأرض من خير، فمما أنزل الله من رزق، من زرع وضرع، ~~{فجعلتم منه حراما وحلالا} هو ما حرموا من الحرث ومن الأنعام كالبحيرة، ~~والسائبة، والوصيلة والحام. قال الضحاك: هو قوله تعالى: " وجعلوا لله مما ~~ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا " 170/ب (الأنعام -136) . {قل آلله أذن لكم} ~~في هذا التحريم والتحليل، {أم} بل، {على الله تفترون} وهو قولهم: " والله ~~أمرنا بها ". PageV04P138 ### || # {وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60) وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ~~ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من ~~مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب ~~مبين (61) } . # {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون (63) } . # {وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة} أيحسبون أن الله لا ~~يؤاخذهم به ولا يعاقبهم عليه، {إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا ~~يشكرون} . # قوله عز وجل: {وما تكون} يا محمد، {في شأن} عمل من الأعمال، وجمعه شؤون، ~~{وما تتلو منه} من الله، {من قرآن} نازل، وقيل: منه أي من الشأن من قرآن، ~~نزل فيه ثم خاطبه وأمته فقال: {ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه} أي: تدخلون وتخوضون فيه، الهاء عائدة إلى العمل، والإفاضة: ~~الدخول في العمل. وقال ابن الأنباري: تندفعون فيه. وقيل: تكثرون فيه. ~~والإفاضة: الدفع بكثرة. # {وما يعزب عن ربك} يغيب عن ربك، ms1199 وقرأ الكسائي "يعزب" بكسر الزاي، وقرأ ~~الآخرون بضمها، وهما لغتان. {من مثقال ذرة} أي: مثقال ذرة، و"من" صلة، ~~والذرة هي: النملة الحميراء الصغيرة. {في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ~~ذلك} أي: من الذرة، {ولا أكبر} قرأ حمزة ويعقوب: برفع الراء فيهما، عطفا ~~على موضع المثقال قبل دخول "من"، وقرأ الآخرون: بنصبهما، إرادة للكسرة، ~~عطفا على الذرة في الكسر. {إلا في كتاب مبين} وهو اللوح المحفوظ. # قوله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} واختلفوا ~~فيمن يستحق هذا الاسم. قال بعضهم: هم الذين ذكرهم الله تعالى فقال: # {الذين آمنوا وكانوا يتقون} وقال قوم: هم المتحابون في الله عز وجل. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن ~~بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا ~~عبد الرزاق أخبرنا معمر عن [ابن] (1) أبي حسين PageV04P139 # عن شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: كنت عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: "إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم ~~النبيون والشهداء لقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة"، قال: وفي ناحية ~~القوم أعرابي فجثا على ركبتيه ورمى بيديه ثم قال: حدثنا يا رسول الله عنهم ~~من هم؟ قال: فرأيت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم البشر، فقال: "هم عباد ~~من عباد الله من بلدان شتى وقبائل، لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها، ولا ~~دنيا يتباذلون بها، يتحابون بروح الله، يجعل الله وجوههم نورا، ويجعل لهم ~~منابر من لؤلؤ قدام الرحمن، يفزع الناس ولا يفزعون، ويخاف الناس ولا ~~يخافون" (1) . # ورواه عبد الله بن المبارك عن عبد الحميد بن بهرام قال: حدثنا شهر بن ~~حوشب، حدثني عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سئل: من أولياء الله؟ فقال: الذين إذا رؤوا ذكر الله" (2) . # ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: "إن أوليائي من ~~عبادي الذين يذكرون ms1200 بذكري وأذكر بذكرهم" (3) . ### || # {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو ~~الفوز العظيم (64) } . # {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} اختلفوا في هذه البشرى: روي عن ~~عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ~~"لهم البشرى في الحياة الدنيا"، قال: "هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ~~ترى له" (4) . PageV04P140 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن ~~الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات"، قالوا: وما المبشرات؟ ~~قال: "الرؤيا الصالحة" (1) . # وقيل: البشرى في الدنيا هي: الثناء الحسن، وفي الآخرة: الجنة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبد الرزاق بن أبي شريح، ~~أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة عن أبي عمران ~~الجوني قال: سمعت عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر: يا رسول الله الرجل ~~يعمل لنفسه ويحبه الناس؟ قال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" (2) . وأخرج مسلم بن ~~الحجاج هذا الحديث عن يحيى بن يحيى عن حماد بن زيد عن أبي عمران، وقال: ~~"ويحمده الناس عليه". (3) . # وقال الزهري وقتادة: هي نزول الملائكة بالبشارة من الله تعالى عند الموت، ~~قال الله تعالى: " تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا ~~بالجنة التي كنتم توعدون " (فصلت -30) # وقال عطاء عن ابن عباس: البشرى في الدنيا، يريد: عند الموت تأتيهم ~~الملائكة بالبشارة، وفي الآخرة عند خروج نفس المؤمن، يعرج بها إلى الله، ~~ويبشر برضوان الله. # وقال الحسن: هي ما بشر الله المؤمنين في كتابه من جنته وكريم ثوابه، ~~كقوله: " وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات " (البقرة -25) ، " وبشر ~~المؤمنين " (الأحزاب -47) " وأبشروا بالجنة " (فصلت -30) . # وقيل: بشرهم في الدنيا بالكتاب والرسول أنهم أولياء الله، ويبشرهم في ~~القبور وفي كتب أعمالهم بالجنة (4) . # {لا تبديل لكلمات الله} لا تغيير لقوله، ولا خلف لوعده. ms1201 {ذلك هو الفوز ~~العظيم} PageV04P141 ### || # {ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (65) ألا إن لله ~~من في السموات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن ~~يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (66) هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (67) قالوا اتخذ الله ولدا ~~سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون (68) قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون (69) } . # {ولا يحزنك قولهم} يعني: قول المشركين تم الكلام ها هنا ثم ابتدأ، فقال: ~~{إن العزة لله} يعني الغلبة والقدرة لله {جميعا} هو ناصرك، وناصر دينك، ~~والمنتقم منهم. # قال سعيد بن المسيب: إن العزة لله جميعا يعني: أن الله يعز من يشاء، كما ~~قال في آية أخرى: " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " (المنافقون -8) ، وعزة ~~الرسول والمؤمنين بالله فهي كلها لله. # {هو السميع العليم} . # {ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون ~~الله شركاء} هو استفهام معناه: وأي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله ~~شركاء؟ # وقيل: وما يتبعون حقيقة، لأنهم يعبدونها على ظن أنهم شركاء فيشفعون لنا، ~~وليس على ما يظنون. {إن يتبعون إلا الظن} يظنون أنها تقربهم إلى الله ~~تعالى، {وإن هم إلا يخرصون} يكذبون. # {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا} مضيئا يبصر فيه، ~~كقولهم: ليل نائم وعيشة راضية. قال قطرب: تقول العرب: أظلم الليل وأضاء ~~النهار وأبصر، أي: صار ذا ظلمة وضياء وبصر، {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} ~~سمع الاعتبار أنه مما لا يقدر عليه إلا عالم قادر. # {قالوا} يعني: المشركين، {اتخذ الله ولدا} وهو قولهم الملائكة بنات الله، ~~{سبحانه هو الغني} عن خلقه، {له ما في السموات وما في الأرض} عبيدا وملكا، ~~{إن عندكم} ما عندكم، {من سلطان} حجة وبرهان، و"من" صلة. # {قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا ms1202 يفلحون} 171/ألا ينجون، وقيل: لا ~~يبقون في الدنيا ولكن: # PageV04P142 ### || # {متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا ~~يكفرون (70) } . # {واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري ~~بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم ~~غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (71) فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري ~~إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين (72) } . # {متاع} قليل يتمتعون به وبلاغ ينتفعون به إلى انقضاء آجالهم: و"متاع" رفع ~~بإضمار، أي: هو متاع، {في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد ~~بما كانوا يكفرون} . # قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ نوح} أي: اقرأ يا محمد على أهل مكة خبر نوح ~~{إذ قال لقومه} وهم ولد قابيل، {يا قوم إن كان كبر عليكم} عظم وثقل عليكم، ~~{مقامي} طول مكثي فيكم {وتذكيري} ووعظي إياكم {بآيات الله} بحججه وبيناته، ~~فعزمتم على قتلي وطردي {فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم} أي: أحكموا أمركم ~~واعزموا عليه، {وشركاءكم} أي: وادعوا شركاءكم، أي: آلهتكم، فاستعينوا بها ~~لتجتمع معكم. # وقال الزجاج: معناه: فأجمعوا أمركم مع شركائكم، فلما ترك "مع" انتصب. ~~وقرأ يعقوب: "وشركاؤكم" رفع، أي: فأجمعوا أمركم أنتم وشركاؤكم. # {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة} أي: خفيا مبهما، من قولهم: غم الهلال على ~~الناس، أي: أشكل عليهم، {ثم اقضوا إلي} أي: أمضوا ما في أنفسكم وافرغوا ~~منه، يقال: قضى فلان إذا مات ومضى وقضى دينه إذا فرغ منه. # وقيل: معناه: توجهوا إلي بالقتل والمكروه. # وقيل فاقضوا ما أنتم قاضون، وهذا مثل قول السحرة لفرعون: " فاقض ما أنت ~~قاض " (طه -72) ، أي: اعمل ما أنت عامل. # {ولا تنظرون} ولا تؤخرون وهذا على طريق التعجيز، أخبر الله عن نوح أنه ~~كان واثقا بنصر الله تعالى غير خائف من كيد قومه، علما منه بأنهم وآلهتهم ~~ليس إليهم نفع ولا ضر إلا أن يشاء الله. # {فإن توليتم} أعرضتم عن قولي وقبول نصحي، {فما سألتكم} على تبليغ الرسالة ~~والدعوة، {من ms1203 أجر} جعل وعوض، {إن أجري} ما أجري وثوابي، {إلا على الله ~~وأمرت أن أكون من المسلمين} أي: من المؤمنين. وقيل: من المستسلمين لأمر ~~الله. # PageV04P143 ### || # {فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) ثم بعثنا من بعده رسلا إلى ~~قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع ~~على قلوب المعتدين (74) ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه ~~بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (75) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا ~~إن هذا لسحر مبين (76) قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح ~~الساحرون (77) قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما ~~الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) } . # {فكذبوه} يعني نوحا {فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف} أي: جعلنا ~~الذين معه في الفلك سكان الأرض خلفاء عن الهالكين. {وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} أي: آخر أمر الذين أنذرتهم الرسل ~~فلم يؤمنوا. # {ثم بعثنا من بعده رسلا} أي: من بعد نوح رسلا. {إلى قومهم فجاءوهم ~~بالبينات} بالدلالات الواضحات، {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل} ~~أي: بما كذب به قوم نوح من قبل، {كذلك نطبع} أي: نختم، {على قلوب المعتدين} ~~. # {ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه} يعني: أشراف قومه، ~~{بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين} . # {فلما جاءهم} يعني: جاء فرعون وقومه، {الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر ~~مبين} . # {قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا} تقدير الكلام: أتقولون للحق ~~لما جاءكم سحر أسحر هذا، فحذف السحر الأول اكتفاء بدلالة الكلام عليه. {ولا ~~يفلح الساحرون} . # {قالوا} يعني: فرعون وقومه لموسى، {أجئتنا لتلفتنا} لتصرفنا. وقال قتادة: ~~لتلوينا، {عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء} الملك والسلطان، {في ~~الأرض} أرض مصر. وقرأ أبو بكر: "ويكون" بالياء، {وما نحن لكما بمؤمنين} ~~بمصدقين. # PageV04P144 ### || # {وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم79 فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ~~ما أنتم ملقون80 فلما ms1204 ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن ~~الله لا يصلح عمل المفسدين (81) ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون ~~(82) فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم ~~وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) } . # {وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم} # {فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون} {فلما ألقوا قال ~~موسى ما جئتم به السحر} قرأ أبو عمرو وأبو جعفر: "آلسحر" بالمد على ~~الاستفهام، وقرأ الآخرون بلا مد، يدل عليه قراءة ابن مسعود "ما جئتم به ~~سحر" بغير الألف واللام. {إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين} . # {ويحق الله الحق بكلماته} بآياته، {ولو كره المجرمون} . # {فما آمن لموسى} لم يصدق موسى مع ما آتاهم به من الآيات، {إلا ذرية من ~~قومه} اختلفوا في الهاء التي في "قومه"، قيل: هي راجعة إلى موسى، وأراد بهم ~~مؤمني بني إسرائيل الذين كانوا بمصر وخرجوا معه. قال مجاهد: كانوا أولاد ~~الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل، هلك الآباء وبقي الأبناء. # وقال الآخرون: الهاء راجعة إلى فرعون. روى عطية عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: هم ناس يسير من قوم فرعون آمنوا، منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل ~~فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه، وماشطته، وعن ابن عباس رواية أخرى: أنهم ~~كانوا سبعين ألف بيت من القبط من آل فرعون، وأمهاتهم من بني إسرائيل فجعل ~~الرجل يتبع أمه وأخواله. # وقيل: هم قوم نجوا من قتل فرعون، وذلك أن فرعون لما أمر بقتل أبناء بني ~~إسرائيل كانت المرأة من بني إسرائيل إذا ولدت ابنا وهبته لقبطية خوفا من ~~القتل، فنشؤوا عند القبط، وأسلموا في اليوم الذي غلبت السحرة. # قال الفراء: سموا ذرية؛ لأن آباءهم كانوا من القبط وأمهاتهم من بني ~~إسرائيل، كما يقال لأولاد أهل فارس الذين سقطوا إلى اليمن: الأبناء، لأن ~~أمهاتهم من غير جنس آبائهم. # PageV04P145 # {على خوف من فرعون وملئهم} قيل: أراد بفرعون آل فرعون، أي: على خوف ms1205 من آل ~~فرعون وملئهم، كما قال: " واسئل القرية " (يوسف -82) أي: أهل القرية. وقيل: ~~إنما قال: "وملئهم" وفرعون واحد؛ لأن الملك إذا ذكر يفهم منه هو وأصحابه، ~~كما يقال: قدم الخليفة يراد هو ومن معه. وقيل: أراد ملأ الذرية، فإن ملأهم ~~كانوا من قوم فرعون. {أن يفتنهم} أي: يصرفهم عن دينهم ولم يقل يفتنوهم لأنه ~~أخبر عن فرعون وكان قومه على مثل ما كان عليه فرعون، {وإن فرعون لعال} ~~لمتكبر، {في الأرض وإنه لمن المسرفين} المجاوزين الحد، لأنه كان عبدا فادعى ~~الربوبية. ### || # {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) ~~فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين (85) ونجنا ~~برحمتك من القوم الكافرين (86) وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما ~~بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين (87) } . # {وقال موسى} لمؤمني قومه، {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ~~كنتم مسلمين} . # {فقالوا على الله توكلنا} اعتمدنا، ثم دعوا فقالوا، {ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للقوم الظالمين} أي: لا تظهرهم علينا ولا تهلكنا بأيديهم، فيظنوا أنا لم ~~نكن على الحق فيزدادوا طغيانا. وقال مجاهد: لا تعذبنا بعذاب من عندك، فيقول ~~قوم فرعون: لو كانوا على الحق لما عذبوا ويظنوا أنهم خير منا فيفتتنوا. # {ونجنا برحمتك من القوم الكافرين} . # قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى وأخيه} هارون، {أن تبوآ لقومكما بمصر ~~بيوتا} يقال: تبوأ فلان لنفسه بيتا ومضجعا إذا اتخذه، وبوأته أنا إذا ~~اتخذته له، {واجعلوا بيوتكم قبلة} قال أكثر المفسرين: 171/ب كانت بنو ~~إسرائيل لا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم، وكانت ظاهرة، فلما أرسل موسى أمر ~~فرعون بتخريبها ومنعهم من الصلاة فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا ~~فيها خوفا من فرعون، هذا قول إبراهيم وعكرمة عن ابن عباس. # وقال مجاهد: خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلوا في الكنائس الجامعة، ~~فأمروا بأن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة، يصلون فيها سرا. معناه: ~~واجعلوا بيوتكم إلى القبلة. # وروى ابن جريج عن ابن عباس ms1206 رضي الله عنهما قال: كانت الكعبة قبلة موسى ~~ومن معه. # {وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين} يا محمد. # PageV04P146 ### || # {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ~~ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا ~~حتى يروا العذاب الأليم (88) } . # {قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون (89) } ~~. # قوله تعالى: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة} من متاع الدنيا، ~~{وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك} اختلفوا في هذه اللام، ~~قيل: هي لام كي، معناه: آتيتهم كي تفتنهم فيضلوا ويضلوا، كقوله: " ~~لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه " (الجن -16) . # وقيل: هي لام العاقبة يعني: فيضلوا وتكون عاقبة أمرهم الضلال، كقوله: " ~~فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " (القصص -8) . # قوله: {ربنا اطمس على أموالهم} قال مجاهد: أهلكها، والطمس: المحق. وقال ~~أكثر أهل التفسير: امسخها وغيرها عن هيئتها. # وقال قتادة: صارت أموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم حجارة. # وقال محمد بن كعب: جعل سكرهم حجارة (1) ، وكان الرجل مع أهله في فراشه ~~فصارا حجرين، والمرأة قائمة تخبز فصارت حجرا. # قال ابن عباس رضي الله عنه: بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة ~~منقوشة كهيئتها صحاحا وأنصافا وأثلاثا. # ودعا عمر بن عبد العزيز بخريطة فيها أشياء من بقايا آل فرعون فأخرج منها ~~البيضة مشقوقة والجوزة مشقوقة وإنها لحجر. # قال السدي: مسخ الله أموالهم حجارة، والنخيل والثمار والدقيق والأطعمة، ~~فكانت إحدى الآيات التسع. # {واشدد على قلوبهم} أي: أقسها واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح ~~للإيمان، {فلا يؤمنوا} قيل: هو نصب بجواب الدعاء بالفاء. وقيل: هو عطف على ~~قوله "ليضلوا" أي: ليضلوا فلا يؤمنوا. وقال الفراء: هو دعاء محله جزم، ~~فكأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا، {حتى يروا العذاب الأليم} وهو الغرق. قال ~~السدي: معناه أمتهم على الكفر. # {قال} " الله تعالى لموسى وهارون، {قد أجيبت دعوتكما} إنما نسب إليهما ~~والدعاء كان من موسى لأنه روي أن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، والتأمين ~~دعاء. وفي بعض القصص: كان بين دعاء PageV04P147 # موسى ms1207 وإجابته أربعون سنة (1) . {فاستقيما} على الرسالة والدعوة، وامضيا ~~لأمري إلى أن يأتيهم العذاب {ولا تتبعان} نهي بالنون الثقيلة، ومحله جزم، ~~يقال في الواحد: لا تتبعن بفتح النون؛ لالتقاء الساكنين، وبكسر النون في ~~التثنية لهذه العلة. وقرأ ابن عامر بتخفيف النون لأن نون التأكيد تثقل ~~وتخفف، {سبيل الذين لا يعلمون} يعني: ولا تسلكا طريق الذين يجهلون حقيقة ~~وعدي، فإن وعدي لا خلف فيه، ووعيدي نازل بفرعون وقومه. ### || # {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا ~~أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من ~~المسلمين (90) آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) } . # {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} عبرنا بهم {فأتبعهم} لحقهم وأدركهم، {فرعون ~~وجنوده} يقال: "أتبعه وتبعه" إذا أدركه ولحقه، و"اتبعه" بالتشديد إذا سار ~~خلفه واقتدى به. وقيل: هما واحد. {بغيا وعدوا} أي: ظلما واعتداء. وقيل: ~~بغيا في القول وعدوا في الفعل. وكان البحر قد انفلق لموسى وقومه، فلما وصل ~~فرعون بجنوده إلى البحر هابوا دخوله فتقدمهم جبريل على فرس وديق (2) وخاض ~~البحر، فاقتحمت الخيول خلفه، فلما دخل آخرهم وهم أولهم أن يخرج انطبق عليهم ~~الماء. وقوله تعالى: {حتى إذا أدركه الغرق} أي: غمره الماء وقرب هلاكه، ~~{قال آمنت أنه} قرأ حمزة والكسائي "إنه" بكسر الألف أي: آمنت وقلت إنه. ~~وقرأ الآخرون "أنه" بالفتح على وقوع آمنت عليها {لا إله إلا الذي آمنت به ~~بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} فدس جبريل عليه السلام في فيه من حمأة ~~البحر. # وقال: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} وروي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما أغرق الله فرعون قال: آمنت ~~أنه لا إله إلا الذين آمنت به بنو إسرائيل، فقال جبريل عليه السلام: يا ~~محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال (3) البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه ~~(4) الرحمة" (5) . فلما أخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قالت بنو إسرائيل ~~ما مات فرعون فأمر الله البحر PageV04P148 # فألقى فرعون ms1208 على الساحل أحمر قصيرا كأنه ثور فرآه بنو إسرائيل فمن ذلك ~~الوقت لا يقبل الماء ميتا فذلك قوله: {فاليوم ننجيك} . ### || # {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا ~~لغافلون (92) ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما ~~اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون (93) } . # {فاليوم ننجيك} أي نلقيك على نجوة من الأرض، وهي: المكان المرتفع. وقرأ ~~يعقوب "ننجيك" بالتخفيف، {ببدنك} بجسدك لا روح فيه. وقيل: ببدنك: بدرعك، ~~وكان له درع مشهور مرصع بالجواهر، فرأوه في درعه فصدقوا. {لتكون لمن خلفك ~~آية} عبرة وعظة، {وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون} . # {ولقد بوأنا بني إسرائيل} [أنزلنا بني إسرائيل] (1) بعد هلاك فرعون، ~~{مبوأ صدق} منزل صدق، يعني: مصر. وقيل الأردن وفلسطين، وهي الأرض المقدسة ~~التي كتب الله [ميراثا] (2) لإبراهيم وذريته. قال الضحاك: هي مصر والشام، ~~{ورزقناهم من الطيبات} الحلالات، {فما اختلفوا} يعني PageV04P149 # اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في تصديقه وأنه نبي، ~~{حتى جاءهم العلم} يعني: القرآن والبيان بأنه رسول [الله] (1) صدق، ودينه ~~حق. # وقيل: حتى جاءهم معلومهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا ~~يعلمونه قبل خروجه، فالعلم بمعنى المعلوم كما يقال للمخلوق: خلق، قال الله ~~تعالى: " هذا خلق الله " (لقمان -11) ، ويقال: هذا الدرهم ضرب الأمير، أي: ~~مضروبه. # {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} من الدين. ### || # {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد ~~جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من الذين كذبوا ~~بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) } . # قوله تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك} يعني: القرآن {فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك} فيخبرونك أنه مكتوب عندهم في التوراة. # قيل: هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره على عادة ~~العرب، فإنهم يخاطبون الرجل ويريدون به غيره، كقوله تعالى: " يا أيها النبي ~~اتق الله ms1209 " 172/أ (الأحزاب -1) ، خاطب النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به ~~المؤمنون، بدليل أنه قال: " إن الله كان بما تعملون خبيرا " ولم يقل: "بما ~~تعمل" وقال: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " (الطلاق -1) . # وقيل: كان الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بين مصدق ومكذب وشاك، ~~فهذا الخطاب مع أهل الشك، معناه: إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا ~~إليك من الهدى على لسان رسولنا محمد، فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك. # قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: يعني من آمن من أهل الكتاب؛ كعبد الله بن ~~سلام وأصحابه، فيشهدون على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ويخبرونك بنبوته. # قال الفراء: علم الله سبحانه وتعالى أن رسوله غير شاك، لكنه ذكره على ~~عادة العرب، يقول الواحد منهم لعبده: إن كنت عبدي فأطعني، ويقول لولده: ~~افعل كذا وكذا إن كنت ابني، ولا يكون بذلك على وجه الشك. # {لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} من الشاكين. # {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين} وهذا كله خطاب ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه غيره. PageV04P150 ### || # {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون (96) ولو جاءتهم كل آية حتى يروا ~~العذاب الأليم (97) } . # {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم ~~عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (98) } . # قوله تعالى: {إن الذين حقت عليهم} وجبت عليهم، {كلمة ربك} قيل: لعنته. ~~وقال قتادة: سخط الله. وقيل: "الكلمة" هي قوله: هؤلاء في النار ولا أبالي. ~~{لا يؤمنون} . # {ولو جاءتهم كل آية} دلالة، {حتى يروا العذاب الأليم} قال الأخفش: أنث ~~فعل "كل" لأنه مضاف إلى المؤنث وهي قوله: "آية" ولفظ "كل" للمذكر والمؤنت ~~سواء. # قوله تعالى: {فلولا كانت} أي: فهلا كانت، {قرية} ومعناه: فلم تكن قرية ~~لأن في الاستفهام ضربا من الجحد، أي: أهل قرية، {آمنت} عند معاينة العذاب، ~~{فنفعها إيمانها} في [حالة البأس] (1) {إلا قوم يونس} فإنه نفعهم إيمانهم ~~في ذلك الوقت. و"قوم" نصب ms1210 على الاستثناء المنقطع، تقديره: ولكن قوم يونس، ~~{لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} وهو ~~وقت انقضاء آجالهم. # واختلفوا في أنهم هل رأوا العذاب عيانا أم لا؟ فقال بعضهم: رأوا دليل ~~العذاب؟ والأكثرون على أنهم رأوا العذاب عيانا بدليل قوله: " كشفنا عنهم ~~عذاب الخزي " والكشف يكون بعد الوقوع أو إذا قرب. # وقصة الآية -على ما ذكره عبد الله بن مسعود، وسعيد بن جبير، ووهب وغيرهم ~~(2) -أن قوم يونس كانوا بنينوى، من أرض الموصل، فأرسل الله إليهم يونس ~~يدعوهم إلى الإيمان فدعاهم فأبوا، فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ~~ثلاث، فأخبرهم بذلك، فقالوا: إنا لم نجرب عليه كذبا فانظروا فإن بات فيكم ~~تلك الليلة فليس بشيء، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم، فلما كان في ~~جوف تلك الليلة خرج يونس من بين أظهرهم، فلما أصبحوا تغشاهم العذاب فكان ~~فوق رؤوسهم قدر ميل. # وقال وهب: غامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا، فهبط حتى ~~[تغشاهم في PageV04P151 # مدينتهم] (1) واسودت سطوحهم، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا يونس ~~نبيهم فلم يجدوه، وقذف الله في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ~~ونسائهم [وصبيانهم] (2) ودوابهم، ولبسوا المسوح وأظهروا الإيمان والتوبة، ~~وأخلصوا النية وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام فحن بعضها إلى ~~بعض، وعلت أصواتها، واختلطت أصواتها بأصواتهم، وعجوا وتضرعوا إلى الله عز ~~وجل، وقالوا آمنا بما جاء به يونس، فرحمهم ربهم فاستجاب دعاءهم وكشف عنهم ~~العذاب بعد ما أضلهم، وذلك يوم عاشوراء، وكان يونس قد خرج فأقام ينتظر ~~العذاب وهلاك قومه فلم ير شيئا، وكان من كذب ولم تكن له بينة قتل، فقال ~~يونس: كيف أرجع إلى قومي وقد كذبتهم؟ فانطلق عاتبا على ربه مغاضبا لقومه، ~~فأتى البحر فإذا قوم يركبون سفينة، فعرفوه فحملوه بغير أجر، فلما دخلها ~~وتوسطت بهم ولججت، ووقفت السفينة لا ترجع ولا تتقدم، قال أهل السفينة: إن ~~لسفينتنا لشأنا، قال يونس: قد عرفت شأنها ركبها رجل ذو خطيئة عظيمة، قالوا ~~ومن هو؟ ms1211 قال: أنا، اقذفوني في البحر، قالوا: ما كنا لنطرحك من بيننا حتى ~~نعذر في شأنك، واستهموا فاقترعوا ثلاث مرات فأدحض سهمه، والحوت عند رجل ~~السفينة فاغرا فاه ينتظر أمر ربه فيه، فقال يونس: إنكم والله لتهلكن جميعا ~~أو لتطرحنني فيها، فقذفوه فيه وانطلقوا وأخذه الحوت. # وروي: أن الله تعالى أوحى إلى حوت عظيم حتى قصد السفينة، فلما رآه أهل ~~السفينة مثل الجبل العظيم وقد فغر فاه ينظر إلى من في السفينة كأنه يطلب ~~شيئا خافوا منه، ولما رآه يونس زج نفسه في الماء. # وعن ابن عباس: أنه خرج مغاضبا لقومه فأتى بحر الروم فإذا سفينة مشحونة، ~~فركبها فلما لججت السفينة، تكفأت حتى كادوا أن يغرقوا، فقال الملاحون: ها ~~هنا رجل عاص أو عبد آبق، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري، ومن ~~رسمنا أن نقترع في مثل هذا فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر، ولأن ~~يغرق واحد خير من أن تغرق السفينة بما فيها، فاقترعوا ثلاث مرات، فوقعت ~~القرعة في كلها على يونس، فقال يونس: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق، فألقى ~~نفسه في الماء فابتلعه حوت، ثم جاء حوت آخر أكبر منه وابتلع هذا الحوت، ~~وأوحى الله إلى الحوت لا تؤذي منه شعرة، فإني جعلت بطنك سجنه ولم أجعله ~~طعاما لك. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نودي الحوت: إنا لم نجعل يونس لك ~~قوتا، إنما جعلنا بطنك له حرزا ومسجدا. # وروي: أنه قام قبل القرعة فقال: أنا العبد العاصي والآبق، قالوا: من أنت؟ ~~قال: أنا يونس بن متى، فعرفوه فقالوا: لا نلقيك يا رسول الله، ولكن نساهم ~~فخرجت القرعة عليه، فألقى نفسه في الماء. PageV04P152 # قال ابن مسعود رضي الله عنه: ابتلعه الحوت فأهوى به إلى قرار الأرض ~~السابعة، وكان في بطنه أربعين ليلة فسمع تسبيح الحصى، فنادى في الظلمات: أن ~~لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فأجاب الله له فأمر الحوت، ~~فنبذه على ساحل البحر، وهو كالفرخ الممعط، فأنبت الله عليه ms1212 شجرة من يقطين، ~~وهو الدباء، فجعل يستظل تحتها ووكل به وعلة يشرب من 172/ب لبنها، فيبست ~~الشجرة، فبكى عليها فأوحى الله إليه: تبكي على شجرة يبست، ولا تبكي على ~~مائة ألف أو يزيدون وأردت أن أهلكهم، فخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال: ~~من أنت يا غلام؟ قال: من قوم يونس، قال: إذا رجعت إليهم فأخبرهم أني لقيت ~~يونس، فقال الغلام: قد تعلم أنه إن لم تكن لي بينة قتلت، قال يونس عليه ~~السلام: تشهد لك هذه البقعة وهذه الشجرة، فقال له الغلام: فمرها، فقال ~~يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام، فقال ~~للملك: إني لقيت يونس فأمر الملك بقتله، فقال: إن لي بينة، فأرسلوا معي، ~~فأتى البقعة والشجرة، فقال: أنشدكما بالله هل أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم، ~~فرجع القوم مذعورين، وقالوا للملك: شهد له الشجرة والأرض، فأخذ الملك بيد ~~الغلام وأجلسه في مجلسه، وقال: أنت أحق بهذا المكان مني، فأقام لهم أمرهم ~~ذلك الغلام أربعين سنة. ### || # {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين (99) وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا ~~يعقلون (100) قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن ~~قوم لا يؤمنون (101) } . # قوله تعالى: {ولو شاء ربك} يا محمد، {لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت ~~تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك ~~أنه كان حريصا على أن يؤمن جميع الناس، فأخبره الله جل ذكره: أنه لا يؤمن ~~إلا من قد سبق له من الله السعادة، ولا يضل إلا من سبق له الشقاوة. # {وما كان لنفس} وما ينبغي لنفس. وقيل: ما كانت نفس، {أن تؤمن إلا بإذن ~~الله} قال ابن عباس: بأمر الله. وقال عطاء: بمشيئة الله. وقيل: بعلم الله. ~~{ويجعل الرجس} قرأ أبو بكر: "ونجعل" بالنون، والباقون بالياء، أي: ويجعل ~~الله الرجس أي: العذاب وهو الرجز، {على الذين لا يعقلون} عن الله ms1213 أمره ~~ونهيه. # {قل انظروا} أي: قل للمشركين الذين يسألونك الآيات انظروا، {ماذا في ~~السموات والأرض} من الآيات والدلائل والعبر، ففي السموات الشمس والقمر ~~والنجوم وغيرها، وفي الأرض # PageV04P153 # الجبال والبحار والأنهار والأشجار وغيرها، {وما تغني الآيات والنذر} ~~الرسل، {عن قوم لا يؤمنون} وهذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون. ### || # {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين (102) ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ~~(103) قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من ~~دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين (104) وأن ~~أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) } . # {فهل ينتظرون} يعني: مشركي مكة، {إلا مثل أيام الذين خلوا} مضوا، {من ~~قبلهم} من مكذبي الأمم، قال قتادة: يعني وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود. ~~والعرب تسمى العذاب أياما، والنعيم أياما، كقوله: " وذكرهم بأيام الله " ~~(إبراهيم -5) ، وكل ما مضى عليك من خير وشر فهو أيام، {قل فانتظروا إني ~~معكم من المنتظرين} . # {ثم ننجي رسلنا} قرأ يعقوب "ننجي" خفيف مختلف عنه، {والذين آمنوا} معهم ~~عند نزول العذاب معناه: نجينا، مستقبل بمعنى الماضي، {كذلك} كما نجيناهم، ~~{حقا} واجبا، {علينا ننج المؤمنين} قرأ الكسائي وحفص ويعقوب "ننجي" ~~بالتخفيف والآخرون بالتشديد، ونجى وأنجى بمعنى واحد. # قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني} الذي أدعوكم إليه. # فإن قيل: كيف قال: إن كنتم في شك، وهم كانوا يعتقدون بطلان ما جاء به؟. # قيل: كان فيهم شاكون، فهم المراد بالآية، أو أنهم لما رأوا الآيات ~~اضطربوا وشكوا في أمرهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله عز وجل: {فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله} من الأوثان، {ولكن ~~أعبد الله الذي يتوفاكم} يميتكم ويقبض أرواحكم، {وأمرت أن أكون من ~~المؤمنين} . # قوله: {وأن أقم وجهك للدين حنيفا} قال ابن عباس: عملك. وقيل: استقم على ~~الدين حنيفا. {ولا تكونن من المشركين} # PageV04P154 ### || # {ولا تدع ms1214 من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من ~~الظالمين (106) } . # {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ~~يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (107) قل يا أيها الناس قد ~~جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ~~وما أنا عليكم بوكيل (108) واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير ~~الحاكمين (109) } . # {ولا تدع} ولا تعبد، {من دون الله ما لا ينفعك} إن أطعته، {ولا يضرك} إن ~~عصيته، {فإن فعلت} فعبدت غير الله، {فإنك إذا من الظالمين} الضارين لأنفسهم ~~الواضعين للعبادة في غير موضعها. # {وإن يمسسك الله بضر} أي: يصبك بشدة وبلاء، {فلا كاشف له} فلا دافع له، ~~{إلا هو وإن يردك بخير} رخاء ونعمة وسعة، {فلا راد لفضله} فلا مانع لرزقه، ~~{يصيب به} بكل واحد من الضر والخير، {من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم} ~~. # {قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم} يعني: القرآن والإسلام، {فمن ~~اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها} أي: على نفسه، ووباله ~~عليه، {وما أنا عليكم بوكيل} بكفيل، أحفظ أعمالكم. قال ابن عباس: نسختها ~~آية القتال (1) . # {واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله} بنصرك وقهر عدوك وإظهار دينه، ~~{وهو خير الحاكمين} فحكم بقتال المشركين وبالجزية على أهل الكتاب يعطونها ~~عن يد وهم صاغرون. PageV04P155 ### | سورة هود # مكية إلا قوله: {وأقم الصلاة طرفي النهار} وهي مائة وثلاث وعشرون آية. ~~بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) ألا تعبدوا إلا الله ~~إنني لكم منه نذير وبشير (2) وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا ~~حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~كبير (3) } . # {الر كتاب} أي: هذا كتاب، {أحكمت آياته} قال ابن عباس: لم ينسخ بكتاب كما ~~نسخت الكتب والشرائع به، {ثم فصلت} بينت بالأحكام والحلال والحرام. ms1215 وقال ~~الحسن: أحكمت بالأمر والنهي، ثم فصلت بالوعد والوعيد. قال قتادة: أحكمت ~~أحكمها الله فليس فيها اختلاف ولا تناقض وقال مجاهد: فصلت أي: فسرت. وقيل: ~~فصلت أي: أنزلت شيئا فشيئا، {من لدن حكيم خبير} . # {ألا تعبدوا إلا الله} أي: وفي ذلك الكتاب: أن لا تعبدوا إلا الله، ويكون ~~محل "أن" رفعا. وقيل: محله خفض، تقديره: بأن لا تعبدوا إلا الله، {إنني لكم ~~منه} أي: من الله {نذير} للعاصين، {وبشير} للمطيعين. # {وأن} عطف على الأول، {استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} أي: ارجعوا إليه ~~بالطاعة. قال الفراء: "ثم" هنا بمعنى الواو، أي: وتوبوا إليه، لأن ~~الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار. # PageV04P156 # وقيل: أن استغفروا [ربكم من المعاصي ثم توبوا] (1) إليه في المستأنف (2) ~~. # {يمتعكم متاعا حسنا} يعيشكم عيشا [حسنا في خفض ودعة وأمن وسعة] (3) . قال ~~بعضهم: العيش الحسن هو الرضا بالميسور والصبر على المقدور. # {إلى أجل مسمى} إلى حين الموت، {ويؤت كل ذي فضل فضله} أي: ويؤت كل ذي عمل ~~صالح في الدنيا أجره وثوابه في الآخرة. وقال أبو العالية: من كثرت طاعته في ~~الدنيا زادت درجاته في الآخرة [في الجنة] (4) ، لأن الدرجات تكون بالأعمال. # وقال ابن عباس: من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن زادت سيئاته ~~على حسناته دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب (5) الأعراف، ~~ثم يدخل الجنة بعد. # وقيل: يؤت كل ذي فضل فضله 173/أيعني: من عمل لله عز وجل وفقه الله فيما ~~يستقبل على طاعته. # {وإن تولوا} أعرضوا، {فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} وهو يوم القيامة. ### || # {إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير (4) ألا إنهم يثنون صدورهم ~~ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم ~~بذات الصدور (5) } . # قوله تعالى: {ألا إنهم يثنون صدورهم} قال ابن عباس: (6) نزلت في الأخنس ~~بن شريق وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر، يلقى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بما يحب، وينطوي بقلبه على ما يكره. # قوله: " يثنون صدورهم " أي: يخفون (7) ما في صدورهم ms1216 من الشحناء والعداوة. # قال عبد الله بن شداد: نزلت في بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره، وطأطأ رأسه، وغطى وجهه كي لا يراه النبي ~~صلى الله عليه وسلم (8) . PageV04P160 # وقال قتادة: كانوا يحنون صدورهم كي لا يسمعوا كتاب (1) الله تعالى ولا ~~ذكره (2) . # وقيل: كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخي ستره ويحني ظهره ويتغشى ~~بثوبه. ويقول: هل يعلم الله ما في قلبي. # وقال السدي: يثنون أي: يعرضون بقلوبهم، من قولهم: ثنيت عناني. وقيل: ~~يعطفون، ومنه: ثني الثوب. # وقرأ ابن عباس: "يثنوني" (3) على وزن "يحلولي" جعل الفعل للمصدر، ومعناه ~~المبالغة في الثني. # {ليستخفوا منه} أي: من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: ~~ليستخفوا من الله إن استطاعوا، {ألا حين يستغشون ثيابهم} يغطون رؤوسهم ~~بثيابهم، {يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور} قال الأزهري: ~~معنى الآية من أولها إلى آخرها: إن الذين أضمروا عداوة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يخفى علينا حالهم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحسن (4) بن محمد بن صباح، ~~حدثنا حجاج قال: قال ابن جريج أخبرني محمد بن عباد بن جعفر أنه سمع ابن ~~عباس رضي الله عنهما يقرأ: {ألا إنهم يثنون صدورهم} فقال: سألته عنها قال: ~~كان أناس يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا ~~إلى السماء، فنزل ذلك فيهم (5) . PageV04P161 ### || # {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في ~~كتاب مبين (6) } . # قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض} أي: ليس دابة، "من" صلة. والدابة: كل ~~حيوان يدب على وجه الأرض. # وقوله {إلا على الله رزقها} أي: هو المتكفل بذلك فضلا وهو إلى مشيئته إن ~~شاء رزق وإن شاء لم يرزق. # وقيل: "على" بمعنى: "من" أي: من الله رزقها. # PageV04P161 # وقال مجاهد (1) : ما جاءها من رزق فمن الله عز وجل، وربما لم يرزقها حتى ~~تموت ms1217 جوعا. # {ويعلم مستقرها ومستودعها} قال ابن مقسم (2) : ويروى ذلك عن ابن عباس، ~~مستقرها: المكان الذي تأوي إليه، وتستقر فيه ليلا ونهارا، ومستودعها: ~~الموضع الذي تدفن فيه إذا ماتت. # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (3) : المستقر أرحام الأمهات، ~~والمستودع [المكان الذي تموت فيه] (4) [وقال عطاء: المستقر: أرحام الأمهات ~~والمستودع: أصلاب الآباء] (5) . # ورواه سعيد بن جبير، وعلي بن أبي طلحة، وعكرمة عن ابن عباس (6) . # وقيل المستقر: الجنة أو النار، والمستودع القبر، لقوله تعالى في صفة ~~الجنة والنار: "حسنت مستقرا ومقاما" (الفرقان -76) . # {كل في كتاب مبين} أي: كل مثبت في اللوح المحفوظ قبل أن خلقها. ### || # {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن ~~هذا إلا سحر مبين (7) } . # قوله تعالى: {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على ~~الماء} قبل أن خلق [السماء والأرض] (7) وكان ذلك الماء على متن الريح (8) . # قال كعب: (9) خلق الله عز وجل ياقوتة خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ~~ماء يرتعد، ثم خلق الريح، فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء. ~~PageV04P162 # قال ضمرة: إن الله تعالى كان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض، وخلق ~~القلم فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ~~ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئا من خلقه (1) # {ليبلوكم} ليختبركم، وهو أعلم، {أيكم أحسن عملا} أعمل بطاعة الله، وأورع ~~عن محارم الله تعالى. {ولئن قلت} يا محمد، {إنكم مبعوثون} أي: {من بعد ~~الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} يعنون القرآن. # وقرأ حمزة والكسائي: "ساحر" يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم. ### || # {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ~~ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (8) ولئن أذقنا الإنسان منا ~~رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور (9) } . # {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى ms1218 أمة معدودة} إلى أجل محدود، وأصل الأمة: ~~الجماعة، فكأنه قال: إلى انقراض أمة ومجيء أمة أخرى {ليقولن ما يحبسه} أي ~~شيء يحبسه؟ يقولونه استعجالا للعذاب واستهزاء، يعنون: أنه ليس بشيء. # قال الله تعالى: {ألا يوم يأتيهم} يعني: العذاب، {ليس مصروفا عنهم} لا ~~يكون مصروفا عنهم، {وحاق بهم} نزل بهم، {ما كانوا به يستهزئون} أي: وبال ~~استهزائهم. # قوله تعالى: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة} نعمة وسعة، {ثم نزعناها منه} ~~أي: سلبناها منه، {إنه ليئوس} قنوط في الشدة، {كفور} في النعمة. ~~PageV04P163 ### || # {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ~~(10) إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) ~~فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ~~أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل (12) } . # {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته} بعد بلاء أصابه، {ليقولن ذهب السيئات ~~عني} زالت الشدائد عني، {إنه لفرح فخور} أشر بطر، والفرح: لذة في القلب ~~بنيل المشتهى، والفخر: هو التطاول على الناس بتعديد المناقب، وذلك منهي ~~عنه. # {إلا الذين صبروا} قال الفراء: هذا استثناء منقطع، معناه: لكن الذين ~~صبروا {وعملوا الصالحات} فإنهم إن نالتهم شدة صبروا، وإن نالوا نعمة شكروا، ~~{أولئك لهم مغفرة} لذنوبهم، {وأجر كبير} وهو الجنة. # {فلعلك} يا محمد، {تارك بعض ما يوحى إليك} فلا تبلغه إياهم. وذلك أن كفار ~~مكة لما قالوا: " ائت بقرآن غير هذا " (يونس -15) ليس فيه سب آلهتنا، هم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يدع آلهتهم ظاهرا، فأنزل الله تعالى: # {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك} (1) يعني: سب الآلهة، {وضائق به صدرك} أي: ~~فلعلك يضيق صدرك {أن يقولوا} أي: لأن يقولوا، {لولا أنزل عليه كنز} ينفقه ~~{أو جاء معه ملك} يصدقه، قاله عبد الله بن أمية المخزومي. # قال الله تعالى: {إنما أنت نذير} ليس عليك إلا البلاغ، {والله على كل شيء ~~وكيل} حافظ. PageV04P164 ### || # {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من ms1219 استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين (13) فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم ~~الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (14) من كان يريد الحياة الدنيا ~~وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (15) } . # {أم يقولون افتراه} بل يقولون اختلقه، {قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} ~~. # فإن قيل: قد قال في سورة يونس: " فأتوا بسورة مثله "، وقد عجزوا عنه فكيف ~~قال: {فأتوا بعشر سور} فهو كرجل يقول لآخر: أعطني درهما فيعجز، فيقول: ~~أعطني عشرة؟. # الجواب: قد قيل سورة 172/ب هود نزلت أولا. # وأنكر المبرد هذا، وقال: بل نزلت سورة يونس أولا وقال: معنى قوله في سورة ~~يونس: "فأتوا بسورة مثله"، أي: مثله في الخبر عن الغيب والأحكام والوعد ~~والوعيد، [فعجزوا فقال لهم في سورة هود: إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثله في ~~الأخبار والأحكام والوعد والوعيد] (1) فأتوا بعشر سور مثله من غير خبر ولا ~~وعد ولا وعيد، وإنما هي مجرد البلاغة (2) ، {وادعوا من استطعتم} واستعينوا ~~بمن استطعتم، {من دون الله إن كنتم صادقين} . # {فإن لم يستجيبوا لكم} يا أصحاب محمد. وقيل: لفظه جمع والمراد به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وحده. {فاعلموا} قيل: هذا خطاب مع المؤمنين. وقيل: مع ~~المشركين، {أنما أنزل بعلم الله} يعني: القرآن. وقيل: أنزله وفيه علمه، ~~{وأن لا إله إلا هو} أي: فاعلموا أن لا إله إلا هو، {فهل أنتم مسلمون} لفظه ~~استفهام ومعناه أمر، أي: أسلموا. # قوله تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا} أي: من كان يريد بعمله الحياة ~~الدنيا، {وزينتها} نزلت في كل من عمل عملا يريد به غير الله عز وجل (3) ~~{نوف إليهم أعمالهم فيها} أي: نوف لهم PageV04P165 # أجور أعمالهم في الدنيا بسعة الرزق ودفع المكاره وما أشبهها. {وهم فيها ~~لا يبخسون} أي: في الدنيا لا ينقص حظهم. ### || # {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما ~~كانوا يعملون (16) أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب ~~موسى إماما ورحمة ms1220 أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا ~~تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) } . # {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها} [أي: في ~~الدنيا] (1) {وباطل} {ما كانوا يعملون} . # اختلفوا في معنى هذه الآية (2) قال مجاهد: هم أهل الرياء. وروينا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، ~~قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء" (3) . # قيل: هذا في الكفار (4) ، وأما المؤمن: فيريد الدنيا والآخرة، وإرادته ~~الآخرة غالبة فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة. # وروينا عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن ~~الله عز وجل لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في ~~الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم ~~تكن له حسنة يعطى بها خيرا" (5) . # قوله تعالى: {أفمن كان على بينة} بيان، {من ربه} قيل: في الآية حذف، ~~ومعناه: أفمن كان PageV04P166 # على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها، أو من كان على بينة من ~~ربه كمن هو في الضلالة والجهالة، والمراد بالذي هو على بينة من ربه: النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # {ويتلوه شاهد منه} أي: يتبعه من يشهد به بصدقه. واختلفوا في هذا الشاهد ~~(1) فقال ابن عباس، وعلقمة، وإبراهيم، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وأكثر أهل ~~التفسير: إنه جبريل عليه السلام. # وقال الحسن وقتادة: هو لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وروى ابن جريج عن مجاهد قال: هو ملك يحفظه ويسدده. # وقال الحسين بن الفضل: هو القرآن ونظمه وإعجازه. # وقيل: هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال علي: ما من رجل من قريش إلا ~~وقد نزلت فيه آية من القرآن، فقال له رجل: وأنت أي شيء نزل فيك؟ قال: ~~{ويتلوه شاهد منه} (2) . # وقيل: شاهد منه هو الإنجيل (3) . # {ومن قبله} أي: ومن قبل مجيء محمد صلى ms1221 الله عليه وسلم. وقيل: من قبل نزول ~~القرآن. {كتاب موسى} أي: كان كتاب موسى، {إماما ورحمة} لمن اتبعها، يعني: ~~التوراة، وهي مصدقة للقرآن، شاهدة للنبي صلى الله عليه وسلم، {أولئك يؤمنون ~~به} يعني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أراد الذين أسلموا من أهل ~~الكتاب. # {ومن يكفر به} أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: بالقرآن، {من ~~الأحزاب} من الكفار من أهل الملل كلها، {فالنار موعده} . # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا محمد بن ~~الحسين القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا ~~معمر، عن همام بن منبه، حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، ~~ولا يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب ~~النار" (4) . PageV04P167 # قوله تعالى: {فلا تك في مرية منه} أي: في شك منه، {إنه الحق من ربك ولكن ~~أكثر الناس لا يؤمنون} . ### || # {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) } . # {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} فزعم أن له ولدا أو شريكا، أي: لا ~~أحد أظلم منه، {أولئك} يعني: الكاذبين والمكذبين، {يعرضون على ربهم} ~~فيسألهم عن أعمالهم. # {ويقول الأشهاد} يعني: الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم، قاله مجاهد ~~(1) . # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إنهم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة ~~والسلام، وهو قول الضحاك (2) . # وقال قتادة: الخلائق كلهم. # وروينا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ ~~أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد ~~هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب ~~حسناته"، وأما الكفار والمنافقون [فينادي بهم على رؤوس ms1222 الخلائق] (3) ، ~~{هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} (4) . ~~PageV04P168 ### || # {الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (19) } . # {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء ~~يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) أولئك ~~الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) لا جرم أنهم في الآخرة ~~هم الأخسرون (22) } . # {الذين يصدون عن سبيل الله} يمنعون عن دين الله، {ويبغونها عوجا وهم ~~بالآخرة هم كافرون} . # {أولئك لم يكونوا معجزين} قال ابن عباس: سابقين. قال قتادة: هاربين. وقال ~~مقاتل: فائتين. {في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء} يعني أنصارا ~~وأعوانا يحفظونهم من عذابنا، {يضاعف لهم العذاب} أي: يزاد في عذابهم. قيل: ~~يضاعف العذاب عليهم لإضلالهم الغير واقتداء الأتباع بهم. # {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} قال قتادة: صم عن سماع الحق ~~فلا يسمعونه، وما كانوا يبصرون الهدى. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أخبر ~~الله عز وجل أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، أما في ~~الدنيا قال: " ما كانوا يستطيعون السمع " وهو طاعته، وفي الآخرة قال: " فلا ~~يستطيعون "، خاشعة أبصارهم. # {أولئك الذين خسروا أنفسهم} غبنوا أنفسهم، {وضل عنهم ما كانوا يفترون} ~~يزعمون من شفاعة 174/أالملائكة والأصنام. # {لا جرم} أي: حقا. وقيل: بلى. وقال الفراء: لا محالة، {أنهم في الآخرة هم ~~الأخسرون} يعني: من غيرهم، وإن كان الكل في الخسار (1) . PageV04P169 ### || # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون (23) مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان ~~مثلا أفلا تذكرون (24) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25) ~~أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) } . # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا} قال ابن عباس: خافوا. قال ~~قتادة: أنابوا. وقال مجاهد: اطمأنوا. وقيل: خشعوا. وقوله: {إلى ربهم} أي: ~~لربهم. {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} . # {مثل الفريقين} المؤمن والكافر، {كالأعمى والأصم والبصير والسميع ms1223 هل ~~يستويان مثلا} قال الفراء: لم يقل هل يستوون، لأن الأعمى والأصم في حيز ~~كأنهما واحد؛ لأنهما من وصف الكافر، والبصير والسميع في حيز كأنهما واحد، ~~لأنهما من وصف المؤمن، {أفلا تذكرون} أي (1) تتعظون. # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين} قرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو والكسائي ويعقوب (2) "أني" بفتح الهمزة أي: بأني، وقرأ الباقون ~~بكسرها، أي: فقال إني، لأن في الإرسال معنى القول: إني لكم نذير مبين. # {أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} أي: مؤلم. قال ابن ~~عباس: بعث نوح عليه السلام بعد أربعين سنة، ولبث يدعو قومه تسعمائة وخمسين ~~سنة، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، وكان عمره ألفا وخمسين سنة. # وقال مقاتل: بعث وهو ابن مائة سنة. # وقيل: بعث وهو ابن خمسين سنة. # وقيل: بعث وهو ابن مائتين وخمسين سنة، ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين ~~سنة، وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة، فكان عمره ألفا وأربعمائة وخمسين ~~سنة، قال الله تعالى: " فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما " (العنكبوت -14) ~~أي: فلبث فيهم داعيا. PageV04P170 ### || # {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك ~~إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ~~(27) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت ~~عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28) } . # {ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين ~~آمنوا إنهم ملاقو ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (29) } . # {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} والملأ هم الأشراف والرؤساء. {وما ~~نراك} يا نوح، {إلا بشرا} آدميا، {مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا} سفلتنا، والرذل: الدون من كل شيء والجمع: أرذل، ثم يجمع على ~~أراذل، مثل: كلب وأكلب وأكالب، وقال في سورة الشعراء: " واتبعك الأرذلون " ~~يعني: السفلة. وقال عكرمة: الحاكة والأساكفة، {بادي الرأي} قرأ أبو عمرو ~~"بادئ" بالهمز، أي: أول الرأي، يريدون ms1224 أنهم اتبعوك في أول الرأي من غير ~~روية وتفكر، ولو تفكروا لم يتبعوك. وقرأ الآخرون بغير همز، أي ظاهر الرأي ~~من قولهم: بدا الشيء: إذا ظهر، معناه: اتبعوك ظاهرا من غير أن يتدبروا ~~ويتفكروا باطنا. قال مجاهد: رأي العين، {وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم ~~كاذبين} . # {قال} نوح، {يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي} أي: بيان من ربي ~~{وآتاني رحمة} أي: هدى ومعرفة، {من عنده فعميت عليكم} أي: خفيت والتبست ~~عليكم. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: "فعميت عليكم" بضم العين وتشديد الميم، ~~أي: شبهت ولبست عليكم. {أنلزمكموها} أي: أنلزمكم البينة والرحمة، {وأنتم ~~لها كارهون} لا تريدونها. قال قتادة: لو قدر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~أن يلزموا [قومهم الإيمان لألزموهم] (1) ولكن لم يقدروا. # قوله: {ويا قوم لا أسألكم عليه مالا} أي: على الوحي وتبليغ الرسالة، ~~كناية عن غير مذكور، {إن أجري} ما ثوابي، {إلا على الله وما أنا بطارد ~~الذين آمنوا} هذا دليل على أنهم طلبوا منه طرد المؤمنين، {إنهم ملاقو ربهم} ~~[أي: صائرون إلى] (2) ربهم في المعاد فيجزي من طردهم، {ولكني أراكم قوما ~~تجهلون} PageV04P171 ### || # {ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) ولا أقول لكم ~~عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري ~~أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين ~~(31) قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين (32) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33) ولا ~~ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ~~ترجعون (34) } . # {ويا قوم من ينصرني من الله} من يمنعني من عذاب الله، {إن طردتهم أفلا ~~تذكرون} تتعظون. # {ولا أقول لكم عندي خزائن الله} فآتي منها ما تطلبون، {ولا أعلم الغيب} ~~فأخبركم بما تريدون. وقيل: إنهم لما قالوا لنوح: إن الذين آمنوا بك إنما ~~اتبعوك في ظاهر ما ترى منهم، قال ms1225 نوح مجيبا لهم: ولا أقول لكم: عندي خزائن ~~غيوب الله، التي يعلم منها ما يضمر الناس، ولا أعلم الغيب، فأعلم ما ~~يسترونه في نفوسهم، فسبيلي قبول ما ظهر من إيمانهم، {ولا أقول إني ملك} هذا ~~جواب قولهم: " وما نراك إلا بشرا مثلنا ". {ولا أقول للذين تزدري أعينكم} ~~أي: تحتقره وتستصغره أعينكم، يعني: المؤمنين، وذلك أنهم قالوا: هم أراذلنا، ~~{لن يؤتيهم الله خيرا} أي: توفيقا وإيمانا وأجرا، {الله أعلم بما في ~~أنفسهم} من الخير والشر مني، {إني إذا لمن الظالمين} لو قلت هذا. # {قالوا يا نوح قد جادلتنا} خاصمتنا، {فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا} من ~~العذاب {إن كنت من الصادقين} . # {قال إنما يأتيكم به الله إن شاء} يعني: بالعذاب، {وما أنتم بمعجزين} ~~بفائتين. # {ولا ينفعكم نصحي} أي نصيحتي، {إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم} يضلكم، {هو ربكم} له الحكم والأمر {وإليه ترجعون} فيجزيكم ~~بأعمالهم. # PageV04P172 ### || # {أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون (35) ~~وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون (36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون (37) } . # {أم يقولون افتراه} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني نوحا عليه السلام. ~~وقال مقاتل: يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. {قل إن افتريته فعلي إجرامي} ~~أي: إثمي ووبال جرمي. والإجرام: كسب الذنب. {وأنا بريء مما تجرمون} لا ~~أؤاخذ بذنوبكم. # قوله تعالى: {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} روى ~~الضحاك عن ابن عباس: أن قوم نوح عليه السلام كانوا يضربون نوحا حتى يسقط، ~~فيلقونه في لبد (1) ويلقونه في قعر بيت، يظنون أنه قد مات فيخرج في اليوم ~~الثاني ويدعوهم إلى الله عز وجل. # روي أن شيخا منهم جاء يتوكأ على عصا، ومعه ابنه، فقال: يا بني لا يغرنك ~~هذا الشيخ المجنون، فقال له: يا أبت أمكني من العصا، فأخذ العصا من أبيه، ~~فضرب نوحا حتى شجه ms1226 شجة منكرة، فأوحى الله عز وجل إليه (2) {أنه لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن} {فلا تبتئس} أي: فلا تحزن، {بما كانوا يفعلون} فإني ~~مهلكهم ومنقذك منهم فحينئذ دعا نوح عليهم: " فقال رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا " (نوح -26) . # وحكى محمد بن إسحاق عن عبيد بن عمير الليثي أنه بلغه (3) أنهم كانوا ~~يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: رب اغفر لقومي فإنهم لا ~~يعلمون، حتى إذا تمادوا في المعصية واشتد عليه منهم البلاء، وانتظر الجيل ~~بعد الجيل فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من الذي قبله حتى إن كان الآخر منهم ~~ليقول: قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنونا لا يقبلون منه شيئا، ~~فشكا إلى الله تعالى فقال: 174/ب " رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا " إلى أن ~~قال: " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا "، فأوحى الله تعالى إليه: # {واصنع الفلك بأعيننا} قال ابن عباس بمرأى منا. وقال مقاتل: بعلمنا. ~~وقيل: بحفظنا. PageV04P173 # {ووحينا} بأمرنا. {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} بالطوفان، ~~قيل: معناه لا تخاطبني في إمهال (1) الكفار، فإني قد حكمت بإغراقهم. وقيل: ~~لا تخاطبني في ابنك كنعان وامرأتك واعلة فإنهما هالكان مع القوم. # وفي القصة (2) أن جبريل أتى نوحا عليه السلام فقال: إن ربك عز وجل يأمرك ~~أن تصنع الفلك، قال: كيف أصنع ولست بنجار؟ فقال: إن ربك يقول اصنع فإنك ~~بعيني، فأخذ القدوم وجعل يصنع ولا يخطئ. وقيل: أوحى الله إليه أن يصنعها ~~مثل جؤجؤ (3) الطائر. PageV04P174 ### || # {ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا ~~فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) } . # قوله تعالى: {ويصنع الفلك} فلما أمره الله تعالى أن يصنع الفلك أقبل نوح ~~عليه السلام على عمل الفلك ولها عن قومه، وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد، ~~ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره، وجعل قومه يمرون به وهو في عمله ويسخرون ~~منه، ويقولون: يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة؟ وأعقم الله أرحام نسائهم ~~فلا ms1227 يولد لهم ولد (1) . # وزعم أهل التوراة (2) أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج، وأن ~~يصنعه من أزور (3) ، وأن يطليه بالقار (4) من داخله وخارجه، وأن يجعل طوله ~~ثمانين ذراعا وعرضه خمسين ذراعا وطوله في السماء ثلاثين ذراعا، والذراع إلى ~~المنكب، وأن يجعله ثلاثة أطباق: سفلى ووسطى وعليا ويجعل فيه كوى، ففعله نوح ~~كما أمره الله عز وجل. # وقال ابن عباس: اتخذ نوح السفينة في سنتين وكان طول السفينة ثلثمائة ذراع ~~وعرضها خمسون ذراعا وطولها في السماء ثلاثون ذراعا، وكانت من خشب الساج ~~وجعل لها ثلاثة بطون، فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي ~~البطن الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن PageV04P174 # الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد. # وقال قتادة: كان بابها في عرضها. # وروي عن الحسن: كان طولها ألفا ومائتي ذراع وعرضها ست مائة ذراع. ~~والمعروف الأول: أن طولها ثلثمائة ذراع. # وعن زيد بن أسلم قال: مكث نوح عليه السلام مائة سنة يغرس الأشجار ~~ويقطعها، ومائة سنة يعمل الفلك. # وقيل: غرس الشجر أربعين سنة وجففه أربعين سنة. # وعن كعب الأحبار أن نوحا عمل السفينة في ثلاثين سنة، وروي أنها كانت ثلاث ~~طبقات، الطبقة السفلى للدواب والوحوش، والطبقة الوسطى فيها الإنس، والطبقة ~~العليا فيها الطير، فلما كثرت أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب ~~الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر ~~بجوف السفينة فجعل يقرضها ويقرض حبالها، فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بين ~~عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبلا على الفأر (1) . # قوله تعالى: {وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه} كانوا يقولون: إن هذا ~~الذي يزعم أنه نبي قد صار نجارا، وروي أنهم كانوا يقولون له: يا نوح ماذا ~~تصنع؟ فيقول أصنع بيتا يمشي على الماء، فيضحكون منه، {قال إن تسخروا منا ~~فإنا نسخر منكم} إذا عاينتم عذاب الله، {كما تسخرون} فإن قيل: كيف تجوز ~~السخرية من النبي؟ قيل: هذا على ازدواج الكلام، يعني ms1228 إن تستجهلوني فإني ~~أستجهلكم إذا نزل العذاب بكم. وقيل: معناه إن تسخروا منا فسترون عاقبة ~~سخريتكم. ### || # {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39) } . # {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه} يهينه، {ويحل عليه} يجب عليه، {عذاب ~~مقيم} دائم. PageV04P175 # {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك ~~إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40) } . # {حتى إذا جاء أمرنا} عذابنا، {وفار التنور} اختلفوا في التنور (1) قال ~~عكرمة والزهري: هو وجه الأرض، وذلك أنه قيل لنوح: إذا رأيت الماء فار على ~~وجه الأرض فاركب السفينة. # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: فار التنور أي: طلع الفجر ونور الصبح. # وقال الحسن ومجاهد والشعبي: إنه التنور الذي يخبز فيه، وهو قول أكثر ~~المفسرين (2) . # ورواية عطية عن ابن عباس قال الحسن: كان تنورا من حجارة، كانت حواء تخبز ~~فيه فصار إلى نوح عليه السلام، فقيل لنوح: إذا رأيت الماء يفور من التنور ~~فاركب أنت وأصحابك. # واختلفوا في موضعه (3) ، قال مجاهد والشعبي: كان في ناحية الكوفة، [وكان ~~الشعبي يحلف: ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة] (4) . وقال: اتخذ نوح ~~السفينة في جوف مسجد الكوفة. وكان التنور على يمين الداخل مما يلي باب ~~كندة، وكان فوران الماء منه علما لنوح عليه السلام. # وقال مقاتل: كان ذلك تنور آدم، وكان بالشام بموضع يقال له: عين وردة. # وروي عن ابن عباس: أنه كان بالهند. # والفوران: الغليان. # قوله تعالى: {قلنا احمل فيها} أي في السفينة، {من كل زوجين اثنين} ~~الزوجان: كل اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر، يقال لكل واحد منهما زوج، ~~يقال: زوج خف وزوج نعل، والمراد بالزوجين ها هنا: الذكر والأنثى. # قرأ حفص ها هنا وفي سورة المؤمنين" "من كل" بالتنوين أي: من كل صنف زوجين ~~اثنين، ذكره تأكيدا. # وفي القصة: أن نوحا عليه الصلاة والسلام قال: يا رب كيف أحمل من كل زوجين ~~اثنين؟ فحشر الله إليه السباع والطير، فجعل يضرب بيده في ms1229 كل جنس فيقع الذكر ~~في يده اليمنى والأنثى في يده اليسرى، فيحملها في السفينة. # {وأهلك} أي: واحمل أهلك، أي: ولدك وعيالك، {إلا من سبق عليه القول} ~~بالهلاك، PageV04P176 # يعني: امرأته واعلة وابنه كنعان، {ومن آمن} يعني: واحمل من آمن بك، كما ~~قال الله تعالى: # {وما آمن معه إلا قليل} واختلفوا في عددهم (1) : قال قتادة وابن جريج ~~ومحمد بن كعب القرظي: لم يكن في السفينة إلا ثمانية نفر: نوح، وامرأته (2) ~~، وثلاثة بنين له سام وحام ويافث، ونساؤهم. # [وقال الأعمش: كانوا سبعة نوح وثلاثة بنين له، وثلاث كنائن له] (3) . # وقال ابن إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم، نوح وبنوه سام وحام ويافث وستة ~~أناس ممن كان آمن به وأزواجهم جميعا. # وقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين نفرا رجلا وامرأة وبنيه الثلاثة ونساءهم، ~~فجميعهم ثمانية وسبعون، نصفهم رجال ونصفهم نساء. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان في سفينة نوح ثمانون رجلا أحدهم ~~جرهم. # قال مقاتل: 175/أحمل نوح معه جسد آدم فجعله معترضا بين الرجال والنساء ~~وقصد نوحا جميع الدواب والطيور ليحملها. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: أول ما حمل نوح الدرة وآخر ما حمل الحمار، ~~فلما دخل الحمار ودخل صدره تعلق إبليس بذنبه، فلم يستقل رجلاه، فجعل نوح ~~يقول: ويحك ادخل: فنهض فلم يستطع، حتى قال نوح: ويحك ادخل وإن الشيطان معك ~~كلمة زلت على لسانه، فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله فدخل ودخل الشيطان، ~~فقال له نوح: ما أدخلك علي يا عدو الله؟ قال: ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان ~~معك، قال: اخرج عني يا عدو الله، قال: مالك بد من أن تحملني معك، فكان فيما ~~يزعمون في ظهر الفلك. # وروي عن بعضهم: أن الحية والعقرب أتيا نوحا فقالتا: احملنا، فقال: إنكما ~~سبب الضر والبلاء، فلا أحملكما، فقالتا له: احملنا ونحن نضمن لك أن لا نضر ~~أحدا ذكرك فمن قرأ حين خاف مضرتهما " سلام على نوح في العالمين " ما ضرتاه. # قال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما ms1230 ما يتولد من ~~الطين من حشرات الأرض كالبق والبعوض فلم يحمل منها شيئا (4) . PageV04P177 ### || # {وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41) وهي ~~تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا ~~تكن مع الكافرين (42) قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم ~~من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43) } . # {وقال اركبوا فيها} أي: وقال لهم نوح اركبوا فيها أي في السفينة، {بسم ~~الله مجراها ومرساها} قرأ حمزة والكسائي وحفص: "مجريها" بفتح الميم أي: ~~جريها "ومرساها" [بضمها] (1) ، وقرأ محمد بن محيصن "مجريها ومرساها بفتح ~~الميمين من جرت ورست، أي" [بسم الله] (2) جريها ورسوها، وهما مصدران. وقرأ ~~الآخرون: "مجراها ومرساها" بضم الميمين من أجريت وأرسيت، أي: بسم الله ~~إجراؤها وإرساؤها [وهما أيضا مصدران] (3) ، كقوله: " أنزلني منزلا مباركا " ~~(المؤمنون -29) و" أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق " (الإسراء 80) ~~والمراد منها: الإنزال والإدخال والإخراج. {إن ربي لغفور رحيم} قال الضحاك: ~~كان نوح إذا أراد أن تجري السفينة قال: بسم الله، فجرت، وإذا أراد أن ترسو ~~قال: بسم الله، فرست. # {وهي تجري بهم في موج كالجبال} والموج ما ارتفع من الماء إذا اشتدت عليه ~~الريح، شبهه بالجبال في عظمه وارتفاعه على الماء. {ونادى نوح ابنه} كنعان، ~~وقال عبيد بن عمير: سام، وكان كافرا، {وكان في معزل} عنه لم يركب في ~~السفينة: {يا بني اركب معنا} [قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب] (4) بإظهار ~~الباء، والآخرون يدغمونها في الميم، {ولا تكن مع الكافرين} فتهلك. # {قال} له ابنه {سآوي} سأصير وألتجئ، {إلى جبل يعصمني من الماء} يمنعني من ~~الغرق، {قال} له نوح {لا عاصم اليوم من أمر الله} من عذاب الله، {إلا من ~~رحم} قيل: "من" في محل الرفع، أي لا مانع من عذاب الله إلا الله الراحم. ~~وقيل: "من" في محل النصب، معناه لا معصوم إلا من رحمه الله، كقوله: " في ~~عيشة راضية " (الحاقة -21) أي: مرضية، {وحال بينهما الموج فكان} ms1231 فصار، {من ~~المغرقين} PageV04P178 # وروي أن الماء علا على رؤوس الجبال قدر أربعين ذراعا. [وقيل: خمسة عشر ~~ذراعا] (1) . # وروي أنه لما كثر الماء في السكك خشيت أم لصبي عليه، وكانت تحبه حبا ~~شديدا، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ~~ثلثيه، فلما بلغها ذهبت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعت ~~الصبي بيديها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي (2) ~~. ### || # {وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت ~~على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (44) } . # {وقيل} يعني: بعدما تناهى أمر الطوفان: {يا أرض ابلعي} تشربي، {ماءك ويا ~~سماء أقلعي} أمسكي، {وغيض الماء} نقص ونضب، يقال: غاض الماء يغيض غيضا إذا ~~نقص، وغاضه الله أي أنقصه، {وقضي الأمر} فرغ من الأمر وهو هلاك القوم ~~{واستوت} يعني السفينة استقرت، {على الجودي} جبل بالجزيرة بقرب الموصل، ~~{وقيل بعدا} هلاكا، {للقوم الظالمين} . # وروي أن نوحا عليه السلام بعث الغراب ليأتيه بخبر الأرض فوقع على جيفة ~~فلم يرجع فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون في منقارها ولطخت رجليها بالطين، ~~فعلم نوح أن الماء قد نضب، فقيل إنه دعا على الغراب بالخوف فلذلك لا يألف ~~البيوت، وطوق الحمامة الخضرة التي في عنقها ودعا لها بالأمان، فمن ثم تأمن ~~وتألف البيوت (3) . # وروي أن نوحا عليه السلام ركب السفينة لعشر مضت من رجب وجرت بهم السفينة ~~ستة أشهر، ومرت بالبيت فطافت به سبعا (4) وقد رفعه الله من الغرق وبقي ~~موضعه، وهبطوا يوم عاشوراء، فصام نوح، وأمر جميع من معه بالصوم شكرا لله عز ~~وجل. PageV04P179 # وقيل: ما نجا من الكفار من الغرق غير عوج بن عنق كان الماء إلى حجزته، ~~وكان سبب نجاته أن نوحا احتاج إلى خشب ساج للسفينة فلم يمكنه نقله فحمله ~~عوج إليه من الشام، فنجاه الله تعالى من الغرق لذلك (1) . ### || # {ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم ~~الحاكمين (45) } . # {قال يا نوح إنه ليس من ms1232 أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به ~~علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين (46) } . # قوله تعالى: {ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي} وقد وعدتني أن ~~تنجيني وأهلي؟ {وإن وعدك الحق} لا خلف فيه، {وأنت أحكم الحاكمين} حكمت على ~~قوم بالنجاة وعلى قوم بالهلاك. # {قال} الله عز وجل: {يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} قرأ ~~الكسائي ويعقوب: "عمل" بكسر الميم وفتح اللام "غير" بنصب الراء على الفعل، ~~أي: عمل الشرك والتكذيب. وقرأ الآخرون بفتح الميم ورفع اللام وتنوينه، ~~"غير" برفع الراء معناه: أن سؤالك إياي أن أنجيه عمل غير صالح، {فلا تسألن} ~~يا نوح، {ما ليس لك به علم} . # قرأ أهل الحجاز والشام "فلا تسألن" (1) بفتح اللام وتشديد النون، ويكسرون ~~النون غير ابن كثير فإنه يفتحها، وقرأ الآخرون بجزم اللام وكسر النون ~~خفيفة، ويثبت أبو جعفر وأبو عمرو وورش ويعقوب الياء في الوصل. # {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} PageV04P180 # واختلفوا في هذا الابن؛ (1) قال مجاهد والحسن: كان ولد حنث (2) من غير ~~نوح، ولم يعلم بذلك نوح، ولذلك قال: {ما ليس لك به علم} وقرأ الحسن ~~"فخانتاهما" (التحريم -10) . # وقال أبو جعفر الباقر: كان ابن امرأته وكان يعلمه نوح ولذلك قال "من ~~أهلي" ولم يقل مني. # وقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والأكثرون (3) : إنه كان ابن ~~نوح عليه السلام من صلبه. وقال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط. وقوله: {إنه ~~ليس من أهلك} أي: من أهل الدين (4) 175/ب لأنه كان مخالفا له في الدين، ~~وقوله: "فخانتاهما" أي: في الدين والعمل الصالح لا في الفراش. # وقوله: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} يعني: أن تدعو بهلاك الكفار ثم ~~تسأل نجاة كافر. ### || # {قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن ~~من الخاسرين (47) قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ~~وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48) } . # {قال} ms1233 نوح {رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي ~~وترحمني أكن من الخاسرين} . # {قيل يا نوح اهبط} انزل من السفينة، {بسلام منا} أي [بأمن وسلامة منا] ~~(5) ، PageV04P181 # {وبركات عليك} البركة هي: ثبوت الخير، ومنه: بروك البعير. وقيل: البركة ~~ها هنا هي: أن الله تعالى جعل ذريته هم الباقين إلى يوم القيامة، {وعلى أمم ~~ممن معك} أي: على ذرية أمم ممن كان معك في السفينة، يعني على قرون تجيء من ~~بعدك، من ذرية من معك، من ولدك وهم المؤمنون، قال محمد بن كعب القرظي: دخل ~~فيه كل مؤمن إلى قيام الساعة {وأمم سنمتعهم} هذا ابتداء، أي: أمم سنمتعهم ~~في الدنيا، {ثم يمسهم منا عذاب أليم} وهم الكافرون وأهل الشقاوة. ### || # {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ~~فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (50) يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن ~~أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (51) ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين ~~(52) } . # {تلك من أنباء الغيب} أخبار الغيب، {نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا ~~قومك من قبل هذا} من قبل نزول القرآن، {فاصبر} على القيام بأمر الله وتبليغ ~~الرسالة وما تلقى من أذى الكفار كما صبر نوح، {إن العاقبة} آخر الأمر ~~بالسعادة والنصرة {للمتقين} . # قوله تعالى: {وإلى عاد} أي: وأرسلنا إلى عاد، {أخاهم هودا} في النسب لا ~~في الدين، {قال يا قوم اعبدوا الله} [وحدوا الله] (1) {ما لكم من إله غيره ~~إن أنتم إلا مفترون} ما أنتم [في إشراككم] (2) إلا كاذبون. # {يا قوم لا أسألكم عليه} أي: على تبليغ الرسالة، {أجرا} جعلا {إن أجري} ~~ما ثوابي، {إلا على الذي فطرني} خلقني، {أفلا تعقلون} . # {ويا قوم استغفروا ربكم} أي: آمنوا به، والاستغفار ها هنا بمعنى الإيمان، ~~{ثم توبوا إليه} من ms1234 عبادة غيره ومن سالف ذنوبكم، {يرسل السماء عليكم ~~مدرارا} أي: يرسل المطر عليكم متتابعا، مرة بعد أخرى في أوقات الحاجة، ~~{ويزدكم قوة إلى قوتكم} أي: شدة مع شدتكم. وذلك أن الله عز وجل PageV04P182 # حبس عنهم القطر ثلاث سنين، وأعقم أرحام نسائهم فلم يلدن، فقال لهم هود ~~عليه السلام: إن آمنتم أرسل الله عليكم المطر، فتزدادون مالا ويعيد أرحام ~~الأمهات إلى ما كانت، فيلدن فتزدادون قوة بالأموال والأولاد. وقيل: تزدادون ~~قوة في الدين إلى قوة البدن. {ولا تتولوا مجرمين} أي: لا تدبروا مشركين. ### || # {قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك ~~بمؤمنين (53) } . # {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء ~~مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظروني (55) إني توكلت على ~~الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ~~(56) } . # {قالوا يا هود ما جئتنا ببينة} أي: ببرهان وحجة واضحة على ما تقول، {وما ~~نحن بتاركي آلهتنا عن قولك} أي: بقولك، {وما نحن لك بمؤمنين} بمصدقين. # {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا} أي: أصابك {بسوء} يعني: لست تتعاطى ما ~~نتعاطاه من مخالفتنا وسب آلهتنا إلا أن (1) بعض آلهتنا اعتراك، أي: أصابك ~~بسوء بخبل وجنون، وذلك أنك سببت آلهتنا فانتقموا منك بالتخبيل لا نحمل أمرك ~~إلا على هذا، {قال} لهم هود، {إني أشهد الله} على نفسي، {واشهدوا} يا قوم ~~{أني بريء مما تشركون} . # {من دونه} يعني: الأوثان، {فكيدوني جميعا} فاحتالوا في مكركم (2) وضري ~~أنتم وأوثانكم، {ثم لا تنظرون} [لا تؤخرون ولا تمهلون] (3) . # {إني توكلت} أي: اعتمدت {على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ ~~بناصيتها} قال الضحاك: يحييها ويميتها. # قال الفراء: مالكها والقادر عليها. # وقال القتيبي: يقهرها، لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته. # وقيل: إنما خص الناصية بالذكر لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا ~~بالذلة، فتقول: ناصية فلان بيد فلان، وكانوا إذا أسروا إنسانا وأرادوا ~~إطلاقه والمن عليه جزوا ms1235 ناصيته ليعتدوا بذلك فخرا عليه، فخاطبهم الله بما ~~يعرفون. PageV04P183 # {إن ربي على صراط مستقيم} يعني: إن ربي وإن كان قادرا عليهم فإنه لا ~~يظلمهم ولا يعمل إلا بالإحسان والعدل، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء ~~بعصيانه. وقيل: معناه أن دين ربي إلى صراط مستقيم. # وقيل (1) فيه إضمار، أي: إن ربي يحثكم ويحملكم على صراط مستقيم. ### || # {فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا ~~تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57) ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ (58) وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم ~~وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم ~~القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (60) } . # {فإن تولوا} أي: تتولوا، يعني: تعرضوا عما دعوتكم إليه، {فقد أبلغتكم ما ~~أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم} أي: إن أعرضتم يهلككم الله عز وجل ~~ويستبدل بكم قوما غيركم أطوع منكم، يوحدونه ويعبدونه، {ولا تضرونه شيئا} ~~بتوليكم وإعراضكم، إنما تضرون أنفسكم. وقيل: لا تنقصونه شيئا إذا أهلككم ~~لأن وجودكم وعدمكم عنده سواء، {إن ربي على كل شيء حفيظ} أي: لكل شيء حافظ، ~~يحفظني من أن تنالوني بسوء. # قوله تعالى: {ولما جاء أمرنا} عذابنا، {نجينا هودا والذين آمنوا معه} ~~وكانوا أربعة آلاف. {برحمة} بنعمة {منا ونجيناهم من عذاب غليظ} وهو الريح ~~التي أهلك بها عادا، وقيل: العذاب الغليظ: عذاب يوم القيامة، أي: كما ~~نجيناهم في الدنيا من العذاب كذلك نجيناهم في الآخرة. # {وتلك عاد} رده إلى القبيلة، {جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله} يعني: هودا ~~وحده، ذكره بلفظ الجمع لأن من كذب رسولا كان كمن كذب جميع الرسل، {واتبعوا ~~أمر كل جبار عنيد} أي: واتبع السفلة والسقاط أهل التكبر والعناد، والجبار: ~~المتكبر، والعنيد: الذي لا يقبل الحق، يقال: عند الرجل يعند عنودا إذا أبى ~~أن يقبل الشيء وإن عرفه. قال أبو عبيدة (2) العنيد والعاند والعنود ~~والمعاند: المعارض لك بالخلاف. # {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة} ms1236 أي: أردفوا لعنة تلحقهم وتنصرف معهم ~~واللعنة: هي الإبعاد والطرد عن الرحمة، {ويوم القيامة} أي: وفي يوم القيامة ~~أيضا لعنوا كما لعنوا في الدنيا والآخرة، PageV04P184 # {ألا إن عادا كفروا ربهم} أي: بربهم، [يقال: كفرته وكفرت به، كما] (1) ~~يقال: شكرته وشكرت له ونصحته ونصحت له. {ألا بعدا لعاد قوم هود} قيل: بعدا ~~من رحمة الله. وقيل: هلاكا. وللبعد معنيان: أحدهما ضد القرب، يقال منه: بعد ~~يبعد بعدا، [والآخر: بمعنى الهلاك، يقال منه: بعد يبعد بعدا وبعدا] (2) . ### || # {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو ~~أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ~~(61) قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد ~~آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (62) } . # قوله تعالى: {وإلى ثمود أخاهم صالحا} أي: أرسلناإلى ثمود أخاهم صالحا في ~~النسب [لا في الدين] (3) {قال يا قوم اعبدوا الله} وحدوا الله عز وجل (4) ، ~~{ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض} ابتدأ خلقكم، {من الأرض} وذلك ~~أنهم من آدم عليه السلام وآدم خلق من الأرض، {واستعمركم فيها} أي: جعلكم ~~عمارها وسكانها، وقال الضحاك: أطال عمركم فيها حتى كان الواحد منهم يعيش ~~ثلثمائة سنة إلى ألف سنة. وكذلك 176/أقوم عاد. # قال مجاهد: أعمركم من العمرى، أي: جعلها لكم ما عشتم. وقال قتادة: أسكنكم ~~فيها. # {فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب} من المؤمنين، {مجيب} لدعائهم. # {قالوا} يعني ثمود، {يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا} القول، [أي: كنا ~~نرجو] (5) أن تكون سيدا فينا. وقيل: كنا نرجو أن تعود إلى ديننا، وذلك أنهم ~~كانوا يرجون رجوعه إلى دين عشيرته، فلما أظهر دعاءهم إلى الله عز وجل وترك ~~الأصنام زعموا أن رجاءهم انقطع عنه، فقالوا {أتنهانا أن نعبد ما يعبد ~~آباؤنا} [من قبل] (6) من الآلهة، {وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب} موقع ~~للريبة والتهمة، يقال: أربته إرابة إذا فعلت به فعلا يوجب له ms1237 الريبة. ~~PageV04P185 ### || # {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني ~~من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) ويا قوم هذه ناقة الله لكم ~~آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب (64) ~~فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب (65) } . # {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة} نبوة وحكمة، ~~{فمن ينصرني من الله} أي: من يمنعني من [عذاب] (1) الله، {إن عصيته فما ~~تزيدونني غير تخسير} قال ابن عباس: معناه: غير بصارة في خسارتكم. # قال الحسين (2) بن الفضل: لم يكن صالح عليه السلام في خسارة حتى قال: " ~~فما تزيدونني غير تخسير "، وإنما المعنى: ما تزيدونني بما تقولون إلا نسبتي ~~إياكم إلى الخسارة. # والتفسيق والتفجير في اللغة هو: النسبة إلى الفسق والفجور، وكذلك التخسير ~~هو: النسبة إلى الخسران. # {ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية} نصب على الحال والقطع، وذلك أن قومه ~~طلبوا منه أن يخرج ناقة عشراء من هذه الصخرة، وأشاروا إلى صخرة، فدعا صالح ~~عليه السلام فخرجت منها ناقة وولدت في الحال ولدا مثلها (3) ، فهذا معنى ~~قوله: {هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله} من العشب والنبات ~~فليست عليكم مؤنتها، {ولا تمسوها بسوء} ولا تصيبوها بعقر، {فيأخذكم} إن ~~قتلتموها، {عذاب قريب} . # {فعقروها فقال} صالح، {تمتعوا} عيشوا (4) ، {في داركم} أي: في دياركم، ~~{ثلاثة أيام} ثم تهلكون، {ذلك وعد غير مكذوب} أي: غير كذب. # روي أنه قال لهم: يأتيكم العذاب بعد ثلاثة أيام فتصبحون في اليوم الأول ~~ووجوهكم مصفرة، وفي اليوم الثاني محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، فكان كما ~~قال، وأتاهم العذاب اليوم الرابع. PageV04P186 ### || # {فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ ~~إن ربك هو القوي العزيز (66) وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم ~~جاثمين (67) كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود (68) ~~ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال ms1238 سلام فما لبث أن جاء بعجل ~~حنيذ (69) } . # قوله تعالى: {فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا} ~~بنعمة منا، {ومن خزي يومئذ} أي: من عذابه وهوانه. قرأ أبو جعفر ونافع ~~والكسائي: "خزي يومئذ" و"عذاب يومئذ" بفتح الميم. وقرأ الباقون بالكسر. {إن ~~ربك هو القوي العزيز} . # {وأخذ الذين ظلموا} كفروا، {الصيحة} وذلك أن جبريل عليه السلام صاح عليهم ~~صيحة واحدة فهلكوا جميعا. وقيل: أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة ~~وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم. وإنما قال: "وأخذ" الصيحة ~~مؤنثة، لأن الصيحة بمعنى الصياح. {فأصبحوا في ديارهم جاثمين} صرعى هلكى. # {كأن لم يغنوا فيها} يقيموا ويكونوا فيها {ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا ~~بعدا لثمود} قرأ حمزة وحفص ويعقوب: "ثمود" غير منون، وكذلك في سورة الفرقان ~~والعنكبوت والنجم، وافق أبو بكر في النجم، وقرأ الباقون بالتنوين، وقرأ ~~الكسائي: "لثمود" بخفض الدال والتنوين، والباقون بنصب الدال، فمن جره فلأنه ~~اسم مذكر، ومن لم يجره جعله اسما للقبيلة. # قوله تعالى: {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى} أراد بالرسل الملائكة. ~~واختلفوا في عددهم (1) ، فقال ابن عباس وعطاء: كانوا ثلاثة: جبريل، ~~وميكائيل، وإسرافيل. # وقال الضحاك: كانوا تسعة. # وقال مقاتل: كانوا اثني عشر ملكا. # وقال محمد بن كعب: كان جبريل ومعه سبعة. # وقال السدي: كانوا أحد عشر ملكا على صورة الغلمان الوضاء وجوههم. # {بالبشرى} بالبشارة بإسحاق ويعقوب. وقيل: بإهلاك قوم لوط. PageV04P187 # {قالوا سلاما} أي: سلموا سلاما، {قال} إبراهيم {سلام} أي: عليكم سلام: ~~وقيل: هو رفع على الحكاية، كقوله تعالى: " وقولوا حطة " {البقرة 85 ~~والأعراف 161} ، وقرأ حمزة والكسائي "سلم" ها هنا وفي سورة الذاريات بكسر ~~السين بلا ألف. قيل: هو بمعنى السلام. كما يقال: حل وحلال، وحرم وحرام. ~~وقيل: هو بمعنى الصلح، أي: نحن سلم أي صلح لكم غير حرب. # {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} والحنيذ والمحنوذ: هو المشوي على الحجارة في ~~خد من الأرض، وكان سمينا يسيل دسما، كما قال في موضع آخر: " فجاء بعجل سمين ~~" {الذاريات -26} : قال قتادة: ms1239 كان عامة مال إبراهيم البقر. ### || # {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا ~~أرسلنا إلى قوم لوط (70) وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب (71) } . # {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه} أي: إلى العجل، {نكرهم} أنكرهم، {وأوجس} ~~أضمر، {منهم خيفة} خوفا. قال مقاتل: وقع في قلبه، وأصل الوجوس: الدخول، كان ~~الخوف دخل قلبه. وقال قتادة: وذلك أنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من ~~طعامهم ظنوا أنه لم يأت بخير وإنما جاء بشر. {قالوا لا تخف} يا إبراهيم ~~[إنا رسل ربك. يعني:] (1) ، {إنا} ملائكة الله {أرسلنا إلى قوم لوط} . # {وامرأته} سارة بنت هاران بن أحور (2) وهي ابنة عم إبراهيم. {قائمة} من ~~وراء الستر تسمع كلامهم. وقيل: كانت قائمة تخدم الرسل، وإبراهيم جالس معهم. ~~{فضحكت} قال مجاهد وعكرمة: ضحكت أي: حاضت في الوقت، تقول العرب: ضحكت ~~الأرنب، أي: حاضت. والأكثرون على أن المراد منه الضحك المعروف. # واختلفوا في سبب ضحكها، قيل: ضحكت لزوال الخوف عنها وعن إبراهيم حين ~~قالوا: لا تخف. وقال السدي: لما قرب إبراهيم الطعام إليهم فلم يأكلوا خاف ~~إبراهيم وظنهم لصوصا فقال لهم: ألا تأكلون؟ قالوا: إنا لا نأكل طعاما إلا ~~بثمن، فقال إبراهيم: فإن له ثمنا، قالوا وما ثمنه؟ قال تذكرون اسم الله على ~~أوله وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل وقال: حق لهذا أن يتخذه ~~ربه خليلا. فلما رأى إبراهيم وسارة أيديهم لا تصل إليه ضحكت سارة، وقالت: ~~يا عجبا لأضيافنا إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا. ~~PageV04P188 # وقال قتادة: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم. # وقال مقاتل والكلبي: ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة [في بيته] (1) وهو ~~فيما بين خدمه وحشمه. # وقال: ضحكت سرورا بالبشارة. # وقال ابن عباس ووهب: ضحكت تعجبا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن ~~زوجها. # وعلى هذا القول تكون الآية على التقديم والتأخير، تقديره: وامرأته قائمة ~~فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فضحكت، وقالت: يا ويلتا ms1240 أألد وأنا ~~عجوز؟. # قوله تعالى: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق} أي: من بعد إسحاق، {يعقوب} ~~أراد به والد الولد فبشرت أنها تعيش حتى 176/ب ترى ولد ولدها قرأ ابن عامر ~~وحمزة وحفص يعقوب بنصب الباء، أي: من وراء إسحاق يعقوب. وقيل: بإضمار فعل، ~~أي: ووهبنا له [من وراء] (2) يعقوب. وقرأ الباقون بالرفع على حذف حرف ~~الصفة. وقيل: ومن بعد إسحاق يحدث يعقوب، فلما بشرت بالولد ضحكت فصكت وجهها، ~~أي: ضربت وجهها تعجبا. PageV04P189 ### || # {قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (72) ~~قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد ~~مجيد (73) } . # {قالت يا ويلتى} نداء ندبة (1) وهي كلمة يقولها الإنسان عند رؤية ما ~~يتعجب منه، أي: يا عجبا. والأصل يا ويلتاه. {أألد وأنا عجوز} وكانت ابنة ~~تسعين سنة في قول ابن إسحاق. وقال مجاهد: تسعا وتسعين سنة. {وهذا بعلي} ~~زوجي، سمي بذلك لأنه قيم أمرها، {شيخا} ؛ نصب على الحال، وكان سن إبراهيم ~~مائة وعشرين سنة في قول ابن إسحاق. وقال مجاهد: مائة سنة، وكان بين البشارة ~~والولادة سنة، {إن هذا لشيء عجيب} . # {قالوا} يعني الملائكة، {أتعجبين من أمر الله} معناه: لا تعجبي من أمر ~~الله، فإن الله عز وجل إذا أراد شيئا كان. {رحمة الله وبركاته عليكم أهل ~~البيت} أي: بيت إبراهيم عليه السلام. قيل: هذا على معنى الدعاء من ~~الملائكة، وقيل: معنى الخير والرحمة والنعمة. PageV04P189 # والبركات جمع البركة، وهي ثبوت الخير. وفيه دليل على أن الأزواج من أهل ~~البيت. # {إنه حميد مجيد} فالحميد: المحمود في أفعاله، والمجيد: الكريم، وأصل ~~المجد الرفعة. ### || # {فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) إن ~~إبراهيم لحليم أواه منيب (75) يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك ~~وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76) ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ~~ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) } . # {فلما ذهب عن إبراهيم الروع} الخوف، {وجاءته البشرى} بإسحاق ويعقوب، ~~{يجادلنا في قوم لوط} فيه إضمار، ms1241 أي: أخذ وظل يجادلنا. # قيل: معناه يكلمنا لأن إبراهيم عليه السلام لا يجادل ربه عز وجل إنما ~~يسأله ويطلب إليه. # وقال عامة أهل التفسير: معناه يجادل رسلنا، وكانت مجادلته أنه قال ~~للملائكة: أرأيتم لو كان في مدائن لوط خمسون من المؤمنين أتهلكونهم؟ قالوا: ~~لا قال: أو أربعون؟ قالوا: لا قال: أو ثلاثون؟ قالوا: لا حتى بلغ خمسة، ~~[قالوا: لا] (1) ، قال: أرأيتم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ ~~قالوا: لا قال إبراهيم عليه السلام عند ذلك: إن فيها لوطا. قالوا: نحن أعلم ~~بمن فيها، لننجيه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. # {إن إبراهيم لحليم أواه منيب} قال ابن جريج: وكان في قرى قوم لوط أربعة ~~آلاف ألف، فقالت الرسل عند ذلك لإبراهيم. # {يا إبراهيم أعرض عن هذا} أي: أعرض عن هذا المقال ودع عنك الجدال، {إنه ~~قد جاء أمر ربك} أي: عذاب ربك [وحكم ربك] (2) ، {وإنهم آتيهم} نازل بهم، ~~{عذاب غير مردود} أي: غير مصروف عنهم. # قوله تعالى: {ولما جاءت رسلنا} يعني: هؤلاء الملائكة، {لوطا} على صورة ~~غلمان مرد حسان الوجوه، {سيء بهم} أي: حزن لوط بمجيئهم، يقال: سؤته فسيء، ~~كما يقال: سررته فسر. {وضاق بهم ذرعا} أي: قلبا. يقال: ضاق ذرع فلان بكذا: ~~إذا وقع في مكروه لا يطيق الخروج منه، وذلك أن لوطا عليه السلام لما نظر ~~إلى حسن وجوههم وطيب روائحهم أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بالفاحشة، وعلم ~~أنه سيحتاج إلى المدافعة عنهم. # {وقال هذا يوم عصيب} أي: شديد كأنه عصب به الشر والبلاء، أي: شد. ~~PageV04P190 # قال قتادة والسدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم عليه السلام نحو قرية ~~لوط فأتوا لوطا نصف النهار، وهو في أرض له يعمل فيها. # وقيل: إنه كان يحتطب. وقد قال الله تعالى لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم ~~لوط أربع شهادات، فاستضافوه فانطلق بهم، فلما مشى ساعة قال لهم: ما بلغكم ~~أمر أهل هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشر قرية في ~~الأرض عملا. يقول ذلك أربع مرات، ms1242 فدخلوا معه منزله. # وروي: أنه حمل الحطب وتبعته الملائكة فمر على جماعة من قومه فغمزوا فيما ~~بينهم، فقال لوط: إن قومي شر خلق الله، ثم مر على قوم آخرين، فغمزوا، فقال ~~مثله، ثم مر بقوم آخرين فقال مثله، فكان كلما قال لوط هذا القول قال جبريل ~~للملائكة: اشهدوا، حتى أتى منزله. # وروي: أن الملائكة جاؤوا إلى بيت لوط فوجدوه في داره ولم يعلم بذلك أحد ~~إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، وقالت: إن في بيت لوط رجالا ~~ما رأيت مثل وجوههم قط (1) . ### || # {وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء ~~بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) ~~} . # {وجاءه قومه يهرعون إليه} قال ابن عباس [وقتادة] (2) : يسرعون إليه. وقال ~~مجاهد: يهرولون، وقال الحسن: مشي بين مشيتين. قال شمر بن عطية: بين الهرولة ~~[والجمز] (3) . # {ومن قبل} أي: من قبل مجيئهم إلى لوط، {كانوا يعملون السيئات} كانوا ~~يأتون الرجال في أدبارهم. {قال} لهم لوط حين قصدوا أضيافه وظنوا أنهم ~~غلمان، {يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} يعني: بالتزويج، وفي (4) أضيافه ~~ببناته، وكان في ذلك الوقت، تزويج المسلمة من الكافر جائزا كما زوج النبي ~~صلى الله عليه وسلم ابنته من عتبة بن أبي لهب، وأبي العاص بن الربيع قبل ~~الوحي، وكانا كافرين (5) . # وقال الحسين بن الفضل: عرض بناته عليهم بشرط الإسلام. # وقال مجاهد وسعيد بن جبير: قوله: {هؤلاء بناتي} أراد: نساءهم، وأضاف إلى ~~نفسه لأن كل PageV04P191 # نبي أبو أمته. وفي قراءة أبي بن كعب: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~وأزواجه أمهاتهم " {الأحزاب -6} وهو أب لهم. # وقيل: ذكر ذلك على سبيل الدفع لا على التحقيق، ولم يرضوا هذا. # {فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي} [أي: خافوا الله ولا تخزون في ضيفي] ~~(1) ، أي: لا تسوءوني ولا تفضحوني في أضيافي. {أليس منكم رجل رشيد} صالح ~~سديد. قال عكرمة: رجل يقول لا إله إلا الله. وقال ابن إسحاق: رجل يأمر ~~بالمعروف وينهى عن ms1243 المنكر. ### || # {قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) قال لو ~~أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا ~~إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ~~ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81) } . # {قالوا لقد علمت} يا لوط، {ما لنا في بناتك من حق} أي: لسن أزواجا لنا ~~فنستحقهن بالنكاح. وقيل: معناه ما لنا فيهن من حاجة وشهوة. {وإنك لتعلم ما ~~نريد} من إتيان الرجال. # {قال} لهم لوط عند ذلك: {لو أن لي بكم قوة} أراد قوة البدن، أو القوة ~~بالأتباع، {أو آوي إلى ركن شديد} أي: أنضم إلى عشيرة مانعة. وجواب "لو" ~~مضمر أي لقاتلناكم وحلنا بينكم وبينهم. قال أبو هريرة: ما بعث الله بعده ~~نبيا إلا في منعة من عشيرته. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا أبو اليمان، أنبأنا ~~شعيب بن أبي حمزة، أنبأنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يغفر الله للوط إن كان ليأوي إلى ركن ~~شديد" (2) . # قال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو ~~يناظرهم ويناشدهم من وراء الباب 177/أوهم يعالجون تسور الجدار، فلما رأت ~~الملائكة ما يلقى لوط بسببهم: # {قالوا يا لوط} إن ركنك لشديد، {إنا رسل ربك لن يصلوا إليك} فافتح الباب ~~ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل ربه عز وجل في عقوبتهم، ~~فأذن له، فقام في الصورة التي PageV04P192 # يكون فيها فنشر جناحه وعليه وشاح من در منظوم، وهو براق الثنايا، أجلى ~~الجبين، ورأسه حبك (1) مثل المرجان، كأنه الثلج بياضا وقدماه إلى الخضرة، ~~فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم، فصاروا لا يعرفون الطريق ولا ~~يهتدون إلى بيوتهم، فانصرفوا وهم يقولون: النجاء النجاء، فإن في بيت لوط ~~أسحر قوم في ms1244 الأرض سحرونا، وجعلوا يقولون: يا لوط كما أنت حتى تصبح فسترى ~~ما تلقى منا غدا. يوعدونه، فقال (2) لوط للملائكة: متى موعد إهلاكهم؟ ~~فقالوا: الصبح، فقال: أريد أسرع من ذلك فلو أهلكتموهم الآن، فقالوا {أليس ~~الصبح بقريب} ثم قالوا، {فأسر} يا لوط، {بأهلك} . # قرأ أهل الحجاز "فاسر وأن اسر" بوصل الألف [حيث وقع في القرآن] (3) من ~~سرى يسري، وقرأ الباقون بقطع الألف من أسرى يسري، ومعناهما واحد وهو المسير ~~بالليل. # {بقطع من الليل} قال ابن عباس: بطائفة من الليل. وقال الضحاك: ببقية. ~~وقال قتادة: بعد مضي أوله وقيل: إنه السحر الأول. # {ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك} قرأ ابن كثير وأبو عمرو: "امرأتك" برفع ~~التاء على الاستثناء من الالتفات، أي: لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنها ~~تلتفت فتهلك، وكان لوط قد أخرجها معه ونهى من تبعه، ممن أسرى بهم أن يلتفت، ~~سوى (4) زوجته، فإنها لما سمعت هدة العذاب التفتت، وقالت: يا قوماه، ~~فأدركها حجر فقتلها. # وقرأ الآخرون: بنصب التاء على الاستثناء من الإسراء، أي: فأسر بأهلك إلا ~~امرأتك فلا تسر بها وخلفها مع قومها، فإن هواها إليهم، وتصديقه قراءة ابن ~~مسعود "فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك ولا يلتفت منكم أحد". # {إنه مصيبها ما أصابهم} من العذاب، {إن موعدهم الصبح} أي: موعد هلاكهم ~~وقت الصبح، فقال لوط: أريد أسرع من ذلك، فقالوا {أليس الصبح بقريب} . ~~PageV04P193 ### || # {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ~~(82) مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (83) وإلى مدين أخاهم شعيبا ~~قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان ~~إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط (84) } . # قوله: {فلما جاء أمرنا} عذابنا، {جعلنا عاليها سافلها} وذلك أن جبريل ~~عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط المؤتفكات وهي خمس مدائن، وفيها ~~أربعمائة ألف، وقيل: أربعة آلاف ألف، فرفع المدائن كلها حتى سمع أهل السماء ~~صياح الديكة، ونباح الكلاب، فلم يكفأ لهم إناء ولم ينتبه ms1245 نائم، ثم قلبها ~~فجعل عاليها سافلها. {وأمطرنا عليها} أي على شذاذها ومسافريها. وقيل: بعدما ~~قلبها أمطر # PageV04P193 # عليها، {حجارة من سجيل} قال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير: (سنك ~~وكل) فارسي معرب. # وقال قتادة وعكرمة: السجيل الطين، دليله قوله عز وجل: {لنرسل عليهم حجارة ~~من طين} (الذاريات -33) . # قال مجاهد: (1) أولها حجر وآخرها طين. # وقال الحسن: كان أصل الحجارة طينا فشددت. # وقال الضحاك: يعني الآجر. # وقيل: السجيل اسم السماء الدنيا. (2) # وقيل: هو جبال في السماء، قال الله تعالى {وينزل من السماء من جبال فيها ~~من برد} (النور -43) . # قوله تعالى: {منضود} قال ابن عباس رضي الله عنهما: متتابع، يتبع بعضها ~~بعضا، مفعول من النضد، وهو وضع الشيء بعضه فوق بعض. # {مسومة} من نعت الحجارة، وهي نصب على الحال، ومعناها معلمة: قال ابن ~~جريج: عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض. # وقال قتادة وعكرمة: عليها خطوط حمر على هيئة الجزع. # وقال الحسن والسدي: كانت مختومة عليها أمثال الخواتيم. # وقيل: مكتوب على كل حجر اسم من رمي به. # {عند ربك وما هي} يعني: تلك الحجارة، {من الظالمين} أي: من مشركي مكة، ~~{ببعيد} وقال قتادة وعكرمة: يعني ظالمي هذه الأمة، والله ما أجار الله منها ~~ظالما بعد. # وفي بعض الآثار: "ما من ظالم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ~~ساعة". # وروي: أن الحجر اتبع شذاذهم ومسافريهم أين كانوا في البلاد، ودخل رجل ~~منهم الحرم فكان الحجر معلقا في السماء أربعين يوما حتى خرج فأصابه فأهلكه. # قوله عز وجل: {وإلى مدين} أي: وأرسلنا إلى ولد مدين، PageV04P194 # {أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا ~~المكيال والميزان} أي: لا تبخسوا، وهم كانوا يطففون مع شركهم، {إني أراكم ~~بخير} قال ابن عباس: موسرين في نعمة. وقال مجاهد: في خصب وسعة، فحذرهم زوال ~~النعمة، وغلاء السعر، وحلول النقمة، إن لم يتوبوا. فقال: {وإني أخاف عليكم ~~عذاب يوم محيط} يحيط بكم فيهلككم. ### || # {ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس ms1246 أشياءهم ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين (85) بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا ~~عليكم بحفيظ (86) قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن ~~نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد (87) } . # {ويا قوم أوفوا المكيال والميزان} أتموهما، {بالقسط} بالعدل. وقيل: ~~بتقويم لسان الميزان، {ولا تبخسوا} لا تنقصوا، {الناس أشياءهم ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين} . # {بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني ~~ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير مما تأخذونه ~~بالتطفيف. وقال مجاهد: بقية الله: أي طاعة الله، خير لكم إن كنتم مؤمنين ~~بأن ما عندكم من رزق الله وعطائه. {وما أنا عليكم بحفيظ} بوكيل. وقيل: إنما ~~قال ذلك لأنه لم يؤمر بقتالهم. # {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا} من الأوثان. قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: كان شعيب عليه السلام كثير الصلاة. لذلك قالوا ~~هذا. وقال الأعمش: يعني: أقراءتك. {أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} من ~~الزيادة والنقصان. # وقيل: كان شعيب عليه السلام نهاهم عن قطع الدنانير والدراهم وزعم أنه ~~محرم عليهم، فقالوا: أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء من قطعها (1) . # {إنك لأنت الحليم الرشيد} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أرادوا: السفيه ~~الغاوي، والعرب تصف الشيء بضده فتقول: للديغ سليم وللفلاة مفازة. [وقيل] ~~(2) قالوا على وجه الاستهزاء. # وقيل: معناه الحليم الرشيد بزعمك. # وقيل: هو على الصحة أي إنك يا شعيب فينا حليم رشيد، لا يجمل بك شق عصا ~~قومك ومخالفة دينهم، كما قال قوم صالح عليه السلام: {قد كنت فينا مرجوا قبل ~~هذا} (هود -62) . PageV04P195 ### || # {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما ~~أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما ~~توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (88) } . # {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم ms1247 هود أو ~~قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي ~~رحيم ودود (90) } . # {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة} بصيرة وبيان، {من ربي ورزقني منه ~~رزقا حسنا} حلالا. وقيل: كثيرا. وكان شعيب 177/ب عليه السلام كثير المال. ~~وقيل: الرزق الحسن: العلم والمعرفة. {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم ~~عنه} أي: ما أريد أن أنهاكم عن شيء ثم أرتكبه. {إن أريد} ما أريد فيما ~~[آمركم به وأنهاكم عنه] (1) {إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله} ~~والتوفيق: تسهيل سبيل الخير والطاعة. {عليه توكلت} اعتمدت، {وإليه أنيب} ~~أرجع فيما ينزل بي من النوائب. وقيل: في المعاد. # {ويا قوم لا يجرمنكم} لا يحملنكم، {شقاقي} خلافي {أن يصيبكم} أي: على فعل ~~ما أنهاكم عنه، {مثل ما أصاب قوم نوح} من الغرق، {أو قوم هود} من الريح، ~~{أو قوم صالح} من الصيحة، {وما قوم لوط منكم ببعيد} وذلك أنهم كانوا [حديثي ~~عهد بهلاك] (2) قوم لوط. # [وقيل: معناه وما دار قوم لوط منكم ببعيد، وذلك أنهم كانوا جيران قوم ~~لوط] (3) . # {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود} وللودود (4) معنيان: ~~أحدهما، أنه محب للمؤمنين، وقيل: هو بمعنى المودود أي محبوب المؤمنين. وجاء ~~في الخبر: إن شعيبا عليه السلام كان خطيب الأنبياء عليهم السلام (5) . ~~PageV04P196 ### || # {قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك ~~لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله ~~واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (92) ويا قوم اعملوا على ~~مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني ~~معكم رقيب (93) ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا ~~وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (94) } . # {قالوا يا شعيب ما نفقه} ما نفهم، {كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ~~ضعيفا} وذلك أنه كان ضرير البصر، فأرادوا ضعف البصر (1) ، {ولولا رهطك} ~~عشيرتك وكان في منعة من قومه، {لرجمناك} ms1248 لقتلناك. والرجم: أقبح القتل. {وما ~~أنت علينا} عندنا، {بعزيز} . # {يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله} أي: مكان رهطي أهيب عندكم من الله، أي: ~~إن تركتم قتلي لمكان رهطي فالأولى أن تحفظوني في الله. {واتخذتموه وراءكم ~~ظهريا} أي: نبذتم أمر الله وراء ظهوركم وتركتموه، {إن ربي بما تعملون محيط} ~~. # {ويا قوم اعملوا على مكانتكم} أي: على تؤدتكم وتمكنكم. يقال: فلان يعمل ~~على مكانته إذا عمل على تؤدة وتمكن. {إني عامل} على تمكني، {سوف تعلمون} ~~أينا الجاني على نفسه، والمخطئ في فعله، فذلك قوله: {من يأتيه عذاب يخزيه} ~~يذله {ومن هو كاذب} قيل: "من" في محل النصب، أي: فسوف تعلمون الكاذب. وقيل: ~~محله رفع، تقديره: ومن هو كاذب يعلم كذبه ويذوق وبال أمره. {وارتقبوا} ~~وانتظروا العذاب {إني معكم رقيب} منتظر. # {ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ~~ظلموا الصيحة} قيل: إن جبريل عليه السلام صاح بهم صيحة فخرجت أرواحهم. ~~وقيل: أتتهم صيحة من السماء فأهلكتهم. {فأصبحوا في ديارهم جاثمين} ميتين. ~~PageV04P197 ### || # {كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود (95) ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنا وسلطان مبين (96) إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون ~~برشيد (97) } . # {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود (98) وأتبعوا ~~في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود (99) ذلك من أنباء القرى نقصه ~~عليك منها قائم وحصيد (100) وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم ~~آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير ~~تتبيب (101) وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ~~(102) إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم ~~مشهود (103) وما نؤخره إلا لأجل معدود (104) يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه ~~فمنهم شقي وسعيد (105) } . # {كأن لم يغنوا} أي: كأن لم [يقيموا ولم يكونوا] (1) {فيها ألا بعدا} ~~هلاكا، {لمدين كما بعدت} هلكت {ثمود} . # قوله عز وجل: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان ms1249 مبين} حجة بينة. # {إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد} بسديد. # {يقدم قومه} يتقدمهم، {يوم القيامة فأوردهم} فأدخلهم {النار وبئس الورد ~~المورود} أي: بئس المدخل والمدخول فيه. # {وأتبعوا في هذه} أي: في هذه الدنيا، {لعنة ويوم القيامة بئس الرفد ~~المرفود} أي: العون المعان. وقيل: العطاء المعطى، وذلك أنهم ترادفت عليهم ~~اللعنتان، لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة. # {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم} عامر، {وحصيد} خراب. وقيل: ~~منها قائم بقيت الحيطان وسقطت السقوف. وحصيد أي: انمحى أثره. وقال مقاتل: ~~قائم يرى له أثر وحصيد لا يرى له أثر، وحصيد بمعنى محصود. # {وما ظلمناهم} بالعذاب والهلاك، {ولكن ظلموا أنفسهم} بالكفر والمعصية. ~~{فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك} ~~عذاب ربك، {وما زادوهم غير تتبيب} أي: غير تخسير، وقيل: تدمير. # {وكذلك} وهكذا، {أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} ~~أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن اسماعيل، حدثنا PageV04P198 # صدقة بن الفضل، أنبأنا أبو معاوية، أنبأنا يزيد بن أبي بردة، عن أبي موسى ~~الأشعري رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ~~ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"، قال: ثم قرأ: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ ~~القرى وهي ظالمة} (1) الآية. # قوله عز وجل: {إن في ذلك لآية} لعبرة، {لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم ~~مجموع له الناس} يعني يوم القيامة، {وذلك يوم مشهود} أي: يشهده أهل السماء ~~والأرض. # {وما نؤخره} أي: وما نؤخر ذلك اليوم، فلا نقيم عليكم القيامة [وقرأ ~~يعقوب، وما يؤخره بالياء] (2) {إلا لأجل معدود} [معلوم] (3) عند الله. # {يوم يأت} قرئ بإثبات الياء وحذفها، {لا تكلم} أي: لا تتكلم {نفس إلا ~~بإذنه فمنهم شقي وسعيد} أي: فمنهم من سبقت له الشقاوة ومنهم من سبقت له ~~السعادة. # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أنبأنا جدي أبو سهل ms1250 عبد الصمد ~~بن عبد الرحمن البزار، أنبأنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، أنبأنا ~~إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدبري، أنبأنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ~~منصور، عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قال: خرجنا على جنازة فبينا نحن بالبقيع إذ خرج علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبيده مخصرة، فجاء فجلس، ثم نكت بها الأرض ساعة، ثم ~~قال: "ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة أو النار، إلا وقد كتبت ~~شقية أو سعيدة"، قال: فقال رجل: أفلا نتكل على كتابنا يا رسول الله وندع ~~العمل؟ قال: "لا ولكن اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل الشقاء فييسرون ~~لعمل أهل الشقاء، وأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة"، قال: ثم تلا ~~{فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب ~~بالحسنى فسنيسره للعسرى} (4) (الليل -10) PageV04P199 ### || # {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) خالدين فيها ما ~~دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد (107) } . # قوله: {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق} قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: الزفير: الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. وقال الضحاك ~~ومقاتل: الزفير أول نهيق الحمار، والشهيق آخره إذا ردده في جوفه. وقال أبو ~~العالية: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر. # {خالدين فيها} لابثين مقيمين فيها، {ما دامت السموات والأرض} قال الضحاك: ~~ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما وكل ما علاك وأظلك فهو سماء، وكل ما ~~استقرت عليه قدمك فهو أرض. # وقال أهل المعاني: هذا عبارة عن التأبيد على عادة العرب، يقولون: لا آتيك ~~ما دامت السموات والأرض، ولا يكون كذا ما اختلف الليل والنهار، يعنون: ~~أبدا. # قوله تعالى: {إلا ما شاء ربك} . # اختلفوا في هذين الاستثناءين، فقال بعضهم: الاستثناء في أهل الشقاء يرجع ~~إلى قوم من المؤمنين يدخلهم الله النار بذنوب اقترفوها، ثم يخرجهم منها ~~فيكون ذلك 178/أاستثناء ms1251 من غير الجنس، لأن الذين أخرجوا من النار سعداء ~~استثناهم [الله من جملة الأشقياء] (1) وهذا كما: # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، ~~حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر، حدثنا هشام، عن قتادة، عن أنس ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليصيبن أقواما سفع من ~~النار بذنوب أصابوها، عقوبة، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، فيقال لهم: ~~الجهنميون" (2) . # وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله ~~النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا مسدد، ~~أخبرنا يحيى، عن الحسن بن ذكوان، أنبأنا أبو رجاء، حدثني عمران بن حصين رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة ~~محمد، فيدخلون الجنة ويسمون الجهنميين" (3) . # وأما الاستثناء في أهل السعادة فيرجع إلى مدة لبثهم في النار قبل دخول ~~الجنة. PageV04P200 # وقيل: إلا ما شاء ربك من الفريقين من تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في ~~البرزخ ما بين الموت والبعث، قبل مصيرهم إلى الجنة أو النار. يعني: هم ~~خالدون في الجنة أو النار إلا هذا المقدار. # وقيل: إلا ما شاء ربك: سوى ما شاء ربك، [معناه خالدين فيها ما دامت ~~السموات والأرض سوى ما شاء ربك] (1) . من الزيادة على قدر مدة بقاء السموات ~~والأرض، وذلك هو الخلود فيها، كما تقول: لفلان علي ألف إلا الألفين، أي: ~~سوى الألفين اللتين تقدمتا. # وقيل: إلا بمعنى الواو، أي: وقد شاء ربك خلود هؤلاء في النار وهؤلاء في ~~الجنة، كقوله: {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا} (البقرة -150) ~~، أي: ولا الذين ظلموا. # وقيل: معناه ولو شاء ربك لأخرجهم منها ولكنه لا يشاء أنه حكم لهم ~~بالخلود. # قال الفراء: هذا الاستثناء استثناه الله ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنك ~~إلا أن أرى غير ذلك، وعزيمتك أن تضربه (2) . # {إن ربك فعال لما يريد} . ### || # {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شاء ربك ms1252 عطاء غير مجذوذ (108) } . # {وأما الذين سعدوا} قرأ حمزة والكسائي وحفص {سعدوا} بضم السين [وكسر ~~العين] ، أي: رزقوا السعادة، وسعد وأسعد بمعنى واحد. وقرأ الآخرون بفتح ~~السين قياسا على "شقوا". {ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ~~إلا ما شاء ربك} قال الضحاك: إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة. قال ~~قتادة: الله أعلم بثنياه. {عطاء غير مجذوذ} أي غير مقطوع. قال ابن زيد: ~~أخبرنا الله تعالى بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: {عطاء غير مجذوذ} ولم ~~يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار. PageV04P201 # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد، ~~وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا (1) . # وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله (2) . # ومعناه عند أهل السنة إن ثبت: أن لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان. وأما ~~مواضع الكفار فممتلئة أبدا. PageV04P202 ### || # {فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل ~~وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ~~ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (110) وإن كلا ~~لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير (111) } . # {فلا تك في مرية} في شك، {مما يعبد هؤلاء} أنهم ضلال، {ما يعبدون إلا كما ~~يعبد} فيه إضمار، أي: كما كان يعبد، {آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم} ~~حظهم من الجزاء. {غير منقوص} . # {ولقد آتينا موسى الكتاب} التوراة، {فاختلف فيه} فمن مصدق به ومكذب، كما ~~فعل قومك بالقرآن، يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم {ولولا كلمة سبقت من ربك} ~~في تأخير العذاب عنهم، {لقضي بينهم} أي: لعذبوا في الحال وفرغ من عذابهم ~~وإهلاكهم، {وإنهم لفي شك منه مريب} موقع في الريبة والتهمة. # {وإن كلا} قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر: "وإن كلا" ساكنة النون على تخفيف ~~إن الثقيلة، والباقون بتشديدها، {لما} شددها هنا وفي يس والطارق: ابن عامر ~~وعاصم وحمزة، [وافق أبو جعفر ها هنا، وفي الطارق وفي الزخرف، بالتشديد عاصم ~~وحمزة] (1) والباقون بالتخفيف، فمن ms1253 شدد قال الأصل فيه: {وإن كلا} [لمن ما، ~~فوصلت من الجارة بما، فانقلبت النون ميما للإدغام، فاجتمعت ثلاث ميمات ~~فحذفت إحداهن، فبقيت لما بالتشديد، و"ما" ها هنا بمعنى: من، هو اسم لجماعة ~~من الناس، كما قال تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم} (النساء -3) ، أي: من طاب ~~لكم، والمعنى: وإن كلا لمن جماعة ليوفينهم] (2) . # ومن قرأ بالتخفيف قال: "ما" صلة [زيدت بين اللامين ليفصل بينهما كراهة ~~اجتماعهما، والمعنى] (3) وإن كلا ليوفينهم. PageV04P202 # وقيل "ما" بمعنى من، تقديره: لمن ليوفينهم، واللام في "لما" لام التأكيد ~~[التي تدخل على خبر إن] (1) ، وفي ليوفينهم لام القسم، [والقسم مضمر] (2) ~~تقديره: والله، {ليوفينهم ربك أعمالهم} أي: جزاء أعمالهم، {إنه بما يعملون ~~خبير} . ### || # {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (112) ولا ~~تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا ~~تنصرون (113) } . # قوله عز وجل: {فاستقم كما أمرت} أي: استقم على دين ربك، والعمل به، ~~والدعاء إليه كما أمرت، {ومن تاب معك} أي: ومن آمن معك فليستقيموا، قال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ ~~روغان الثعلب (3) . # أخبرنا الإمام الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو الطيب سهل بن محمد بن ~~سليمان، أخبرنا والدي إملاء، حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن ~~العلاء بن كريب، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان بن ~~عبد الله الثقفي قال: قلت، يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه ~~أحدا بعدك، قال: "قل آمنت بالله ثم استقم" (4) . # {ولا تطغوا} لا تجاوزوا أمري ولا تعصوني، وقيل: معناه ولا تغلوا فتزيدوا ~~على ما أمرت ونهيت. # {إنه بما تعملون بصير} لا يخفى عليه من أعمالكم شيء. قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من ~~هذه الآية، ولذلك قال: "شيبتني هود وأخواتها" (5) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن ms1254 عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام بن مطهر، ثنا عمر ~~بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدين يسر ولن ~~يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة ~~والروحة وشيء من الدلجة" (6) . # قوله عز وجل: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~ولا تميلوا. والركون: PageV04P203 # هو المحبة والميل بالقلب، وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم. قال ~~السدي: لا تداهنوا الظلمة. وعن عكرمة: لا تطيعوهم. وقيل: لا تسكنوا إلى ~~الذين ظلموا. {فتمسكم} فتصيبكم، {النار وما لكم من دون الله من أولياء} أي: ~~أعوان يمنعونكم من عذابه، {ثم لا تنصرون} . ### || # {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ~~ذكرى للذاكرين (114) } . # قوله عز وجل: {وأقم الصلاة طرفي النهار} أي: الغداة والعشي. [يعني: صلاة ~~الصبح والمغرب] (1) ، قال مجاهد: طرفا النهار صلاة [الصبح] (2) والظهر ~~والعصر. "وزلفا من الليل"، صلاة المغرب والعشاء. # وقال مقاتل: صلاة الفجر والظهر طرف، وصلاة العصر والمغرب طرف، وزلفا من ~~الليل، يعني: صلاة العشاء. # وقال الحسن: طرفا النهار. الصبح والعصر، وزلفا من الليل: المغرب والعشاء. ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما: طرفا النهار الغداة والعشي، يعني صلاة الصبح ~~والمغرب. # قوله: {وزلفا من الليل} أي: 178/ب ساعاته واحدتها زلفة. وقرأ أبو جعفر ~~"زلفا" بضم اللام. # {إن الحسنات يذهبن السيئات} يعني: إن الصلوات الخمس يذهبن الخطيئات. # روي أنها نزلت في أبي اليسر، قال: أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت لها: إن ~~في البيت تمرا أطيب منه: فدخلت معي البيت، فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا ~~بكر رضي الله عنه فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب، فأتيت عمر رضي ~~الله عنه فذكرت ذلك له، فقال: استر على نفسك وتب، فلم أصبر فأتيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: "أخلفت غازيا في سبيل الله ms1255 في أهله ~~بمثل هذا، حتى ظن أنه من أهل النار؟ فأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى أوحى الله إليه: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} الآية، فقال ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: "بل ~~للناس عامة" (3) . PageV04P204 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل أنبأنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ~~يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، ~~فأنزل الله تعالى {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات ~~يذهبن السيئات} قال الرجل: يا رسول الله ألي هذا؟ قال: "لجميع أمتي كلهم" ~~(1) . # وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثني أبو طاهر، وهارون بن سعيد الأيلي، قالا حدثنا ابن وهب، عن أبي صخر، ~~أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يقول: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى ~~رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" (2) . # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد الحسين بن أحمد المخلدي، أنبأنا ~~أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، أنبأنا قتيبة، أنبأنا الليث وبكر بن مضر، ~~عن ابن الهادي، عن محمد ابن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أرأيتم لو أن نهرا بباب ~~أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا. قال: ~~فكذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا" (3) . # قوله عز وجل: {ذلك} أي: ذلك الذي ذكرنا. وقيل: هو إشارة إلى القرآن، ~~{ذكرى} عظة {للذاكرين} أي لمن ذكره. ### || # {واصبر فإن الله لا يضيع ms1256 أجر المحسنين (115) } . # {واصبر} يا محمد على ما تلقى من الأذى. وقيل: على الصلاة، ونظيره {وأمر ~~أهلك بالصلاة واصطبر عليها} (طه -132) {فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} في ~~أعمالهم.. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني المصلين. PageV04P205 ### || # {فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا ~~قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ~~(116) وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) } . # {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ~~ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119) } ~~. # قوله عز وجل: {فلولا} فهلا {كان من القرون} التي أهلكناهم، {من قبلكم} ~~والآية للتوبيخ {أولو بقية} أي: أولو تمييز. وقيل: أولو طاعة. وقيل: أولو ~~خير. يقال: فلان ذو بقية إذا كان فيه خير. معناه: فهلا كان من القرون من ~~قبلكم من فيه خير ينهى عن الفساد في الأرض؟ [وقيل: معناه أولو بقية من خير. ~~يقال: فلان على بقية من الخير إذا كان على خصلة محمودة] (1) . # {ينهون عن الفساد في الأرض} أي يقومون بالنهي عن الفساد، ومعناه جحد، أي: ~~لم يكن فيهم أولو بقية. {إلا قليلا} هذا استثناء منقطع معناه: لكن قليلا ~~{ممن أنجينا منهم} وهم أتباع الأنبياء كانوا ينهون عن الفساد في الأرض. ~~{واتبع الذين ظلموا ما أترفوا} نعموا، {فيه} والمترف: المنعم. وقال مقاتل ~~بن حيان: خولوا. وقال الفراء: [عودوا من النعيم واللذات وإيثار الدنيا] (2) ~~أي: واتبع الذين ظلموا ما عودوا من النعيم واللذات وإيثار الدنيا على ~~الآخرة. {وكانوا مجرمين} كافرين. # {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم} أي: لا يهلكهم بشركهم، {وأهلها مصلحون} ~~فيما بينهم يتعاطون الإنصاف ولا يظلم بعضهم بعضا، وإنما يهلكهم إذا ~~تظالموا، وقيل: لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون في أعمالهم، ولكن يهلكهم ~~بكفرهم وركوبهم السيئات. # قوله عز وجل: {ولو شاء ربك لجعل الناس} كلهم {أمة واحدة} على دين واحد. ~~{ولا يزالون مختلفين} على أديان شتى من بين يهودي ونصراني، ومجوسي، ومشرك. ms1257 # {إلا من رحم ربك} معناه: لكن من رحم ربك فهداهم إلى الحق، فهم لا ~~يختلفون، {ولذلك خلقهم} قال الحسن وعطاء: وللاختلاف خلقهم. وقال أشهب: سألت ~~مالكا عن هذه الآية، فقال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير. ~~PageV04P206 # وقال أبو عبيدة: الذي أختاره قول من قال: خلق فريقا لرحمته وفريقا ~~لعذابه. # وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: وللرحمة خلقهم، يعني الذين رحمهم. # وقال الفراء: خلق أهل الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف. # وحاصل (1) الآية: أن أهل الباطل مختلفون، وأهل الحق متفقون، فخلق الله ~~أهل الحق للاتفاق، وأهل الباطل للاختلاف. # {وتمت كلمة ربك} وتم حكم ربك، {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} . ### || # {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق ~~وموعظة وذكرى للمؤمنين (120) وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا ~~عاملون (121) وانتظروا إنا منتظرون (122) ولله غيب السموات والأرض وإليه ~~يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون (123) } . # {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} معناه: وكل الذي تحتاج ~~إليه من أنباء الرسل، أي: من أخبارهم وأخبار أممهم نقصها عليك لنثبت به ~~فؤادك، لنزيدك يقينا ونقوي قلبك، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~سمعها كان في ذلك تقوية لقلبه على الصبر على أذى قومه. # {وجاءك في هذه الحق} قال الحسن وقتادة: في هذه الدنيا. # وقال غيرهما: في هذه السورة. وهذا قول الأكثرين. # خص هذه السورة تشريفا، وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور. # {وموعظة} أي: وجاءتك موعظة، {وذكرى للمؤمنين} . # {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم} أمر تهديد ووعيد، {إنا عاملون} ~~. # {وانتظروا} ما يحل بنا من رحمة الله، {إنا منتظرون} ما يحل بكم من نقمة ~~الله. # {ولله غيب السموات والأرض} أي: علم ما غاب عن العباد فيهما، {وإليه يرجع ~~الأمر كله} في المعاد. # قرأ نافع وحفص: "يرجع" بضم الياء وفتح الجيم: أي: يرد. وقرأ الآخرون بفتح ~~الياء وكسر الجيم، أي: يعود الأمر كله إليه حتى لا يكون ms1258 للخلق أمر. ~~PageV04P207 # {فاعبده وتوكل عليه} وثق به، {وما ربك بغافل عما تعملون} قرأ أهل المدينة ~~والشام وحفص ويعقوب: "تعملون" بالتاء ها هنا وفي آخر سورة النمل. وقرأ ~~الآخرون بالياء فيهما. # قال كعب: خاتمة التوراة خاتمة سورة هود (1) . # أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أنبأنا أبو القاسم علي ~~بن أحمد الخزاعي، أنبأنا أبو سعيد 179/أالهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى ~~الترمذي، حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، ~~عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال أبو بكر رضي ~~الله عنه: يا رسول الله قد شبت، فقال صلى الله عليه وسلم: "شيبتني هود، ~~والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت" (2) . # ويروى: "شيبتني هود وأخواتها" (3) . PageV04P208 ### | سورة يوسف # (سورة يوسف عليه السلام مكية (1)) # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {الر تلك آيات الكتاب المبين (1) إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ~~(2) نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله ~~لمن الغافلين (3) } . # {الر تلك آيات الكتاب المبين} أي: البين حلاله وحرامه، وحدوده وأحكامه. ~~قال قتادة: مبين -والله-بركته وهداه ورشده، فهذا من بان أي: ظهر. # وقال الزجاج: مبين الحق من الباطل والحلال من الحرام، فهذا من أبان بمعنى ~~أظهر. # {إنا أنزلناه} يعني: الكتاب، {قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} أي: أنزلناه ~~بلغتكم، لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه. # {نحن نقص عليك} أي: نقرأ عليك {أحسن القصص} والقاص هو الذي يتبع (2) ~~الآثار ويأتي بالخبر على وجهه. # معناه: نبين لك أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية أحسن البيان. ~~PageV04P209 # وقيل: المراد منه: قصة يوسف عليه السلام خاصة، سماها أحسن القصص لما فيها ~~من العبر والحكم والنكت والفوائد التي تصلح للدين والدنيا، من سير الملوك ~~والمماليك، والعلماء، ومكر النساء، والصبر على أذى الأعداء، وحسن التجاوز ~~عنهم بعد الالتقاء، وغير ذلك من الفوائد. # قال خالد بن معدان: سورة يوسف وسورة مريم يتفكه بهما أهل الجنة في الجنة. # وقال ابن عطاء: لا يسمع (1) سورة يوسف محزون إلا استراح ms1259 إليها. # قوله عز وجل: {بما أوحينا إليك} "ما" المصدر، أي: بإيحائنا إليك، {هذا ~~القرآن وإن كنت} وقد كنت، {من قبله} أي: [قبل وحينا] (2) {لمن الغافلين} ~~لمن الساهين عن هذه القصة لا تعلمها. # قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أنزل القرآن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فتلاه عليهم زمانا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله ~~عز وجل: {الله نزل أحسن الحديث} (الزمر -23) فقالوا: يا رسول الله لو قصصت ~~علينا، فأنزل الله عز وجل: {نحن نقص عليك أحسن القصص} فقالوا: يا رسول الله ~~لو ذكرتنا، فأنزل الله عز وجل (3) ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ~~الله} (الحديد -16) . ### || # {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم ~~لي ساجدين (4) } . # قوله عز وجل: {إذ قال يوسف لأبيه} أي: واذكر إذ قال يوسف لأبيه، ويوسف ~~اسم عبري [عرب] (4) ، ولذلك لا يجري [عليه الإعراب] وقيل هو عربي (5) . # سئل أبو الحسن الأقطع عن يوسف؟ فقال: الأسف في اللغة: الحزن، والأسيف: ~~العبد، واجتمعا في يوسف عليه السلام فسمي به. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل قال: قال عبد الله بن محمد، ~~حدثنا عبد الصمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، PageV04P212 # عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن ~~الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم (1) . # {يا أبت} قرأ أبو جعفر وابن عامر {يا أبت} بفتح التاء في جميع القرآن على ~~تقدير: يا أبتاه. # وقرأ الآخرون: {يا أبت} بكسر التاء لأن أصله: يا أبت، والجزم يحرك إلى ~~الكسر. # {إني رأيت أحد عشر كوكبا} أي نجما من نجوم السماء، ونصب الكواكب على ~~التفسير. # {والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} ولم يقل رأيتها إلي ساجدة، والهاء ~~والميم والياء والنون من كنايات من يعقل، لأنه لما أخبر عنها بفعل ms1260 من يعقل ~~عبر عنها بكناية من يعقل كقوله تعالى: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} ~~(النمل -18) . # وكان النجوم في التأويل أخواته (2) ، وكانوا أحد عشر رجلا يستضاء بهم كما ~~يستضاء بالنجوم، والشمس أبوه، والقمر أمه. قاله قتادة. # وقال السدي: القمر خالته، لأن أمه راحيل كانت قد ماتت. # وقال ابن جريج: القمر أبوه والشمس أمه؛ لأن الشمس مؤنثة والقمر مذكر. # وكان يوسف عليه السلام ابن اثنتي عشرة سنة حين رأى هذه الرؤيا. # وقيل: رآها ليلة الجمعة ليلة القدر فلما قصها على أبيه. PageV04P213 ### || # {قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان ~~عدو مبين (5) } . # {قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك} وذلك أن رؤيا الأنبياء عليهم ~~السلام وحي فعلم يعقوب أن الإخوة إذا سمعوها حسدوه فأمره بالكتمان، ~~{فيكيدوا لك كيدا} فيحتالوا في إهلاكك لأنهم يعلمون تأويلها فيحسدونك. ~~واللام في قوله "لك" صلة، كقوله تعالى: {لربهم يرهبون} (الأعراف -154) . ~~وقيل: هو مثل قولهم نصحتك ونصحت لك، وشكرتك وشكرت لك. {إن الشيطان للإنسان ~~عدو مبين} أي: يزين لهم الشيطان، ويحملهم على الكيد، لعداوته القديمة. # PageV04P213 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح، ~~أنبأنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا شعبة عن عبد ربه بن ~~سعيد قال: سمعت أبا سلمة قال: كنت أرى الرؤيا تهمني حتى سمعت أبا قتادة ~~يقول: كنت أرى الرؤيا فتمرضني، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~يقول: "الرؤيا الصالحة من الله تعالى، [والحلم من الشيطان] (1) ، فإذا رأى ~~أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من ~~شرها، ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثا، ولا يحدث به أحدا فإنها لن تضر" (2) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح، ~~أنبأنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا شعبة عن يعلى بن ~~عطاء، عن وكيع بن عدس، عن أبي رزين العقيلي قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "الرؤيا جزء ms1261 من أربعين أو ستة وأربعين جزءا من النبوة وهو على ~~رجل طائر فإذا حدث بها وقعت"، وأحسبه قال: "لا تحدث بها إلا حبيبا أو ~~لبيبا" (3) . ### || # {وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل ~~يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم (6) } . # قوله عز وجل: {وكذلك يجتبيك ربك} يصطفيك ربك يقوله يعقوب ليوسف، أي: كما ~~رفع منزلتك بهذه الرؤيا، فكذلك يصطفيك ربك، {ويعلمك من تأويل الأحاديث} ~~يريد تعبير الرؤيا، سمي تأويلا لأنه يؤول أمره إلى ما رأى في منامه، ~~والتأويل ما يؤول إلى عاقبة الأمر، {ويتم نعمته عليك} يعني: بالنبوة، {وعلى ~~آل يعقوب} أي: على أولاده فإن أولاده كلهم كانوا أنبياء، {كما أتمها على ~~أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق} فجعلهما نبيين، {إن ربك عليم حكيم} . # وقيل: المراد من إتمام النعمة على إبراهيم الخلة. PageV04P214 # وقيل: إنجاؤه من النار، وعلى إسحاق إنجاؤه من الذبح (1) . PageV04P215 # وقيل: بإخراج يعقوب 179/ب والأسباط من صلبه. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بين رؤيا يوسف هذه وبين تحقيقها بمصير ~~أبويه وإخوته إليه أربعون سنة، وهو قول أكثر أهل التفسير. # وقال الحسن البصري: كان بينهما ثمانون سنة. فلما بلغت هذه الرؤيا إخوة ~~يوسف حسدوه وقالوا: ما رضي أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه فبغوه. ### || # {لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) } . # يقول الله تعالى: {لقد كان في يوسف وإخوته} أي: في خبره وخبر إخوته. ~~وأسماؤهم: روبيل، وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وزبالون، وقيل: ~~زبلون، وآشر، وأمهم ليا بنت ليان وهي ابنة خال يعقوب عليه السلام، وولد له ~~من سريتين له، اسم إحداهما زلفة والأخرى يلهمة (1) أربعة أولاد: دان، ~~ونفتالي، وقيل: نفتولي، وجاد، وأشير. ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب عليه السلام ~~أختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين. [وقيل: وابن يامين] (2) ، فكان بنو ~~يعقوب عليه السلام اثني عشر رجلا. PageV04P216 # {آيات} قرأ ابن كثير " آية " على التوحيد، أي: عظة وعبرة، وقيل: عجب. # وقرأ الآخرون: {آيات} على الجمع. # {للسائلين} وذلك أن ms1262 اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة ~~يوسف عليه السلام. # وقيل: سألوه عن سبب انتقال ولد يعقوب من كنعان إلى مصر. فذكر لهم قصة ~~يوسف، فوجدوها موافقة لما في التوراة [فتعجبوا منها] (1) . فهذا معنى قوله: ~~{آيات للسائلين} [أي: دلالة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~آيات للسائلين ولمن لم يسأل، كقوله: {سواء للسائلين} (فصلت -10) ] (2) . # وقيل: معناه عبرة للمعتبرين، فإنها تشتمل على حسد إخوة يوسف، وما آل إليه ~~أمرهم في الحسد، وتشتمل على رؤياه، وما حقق الله منها، وتشتمل على صبر يوسف ~~عليه السلام عن قضاء الشهوة، وعلى الرق وفي السجن، وما آل إليه أمره من ~~الملك، وتشتمل على حزن يعقوب وصبره وما آل إليه أمره من الوصول إلى المراد ~~وغير ذلك من الآيات. ### || # {إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال ~~مبين (8) } . # {إذ قالوا ليوسف} اللام فيه جواب القسم تقديره: والله ليوسف، {وأخوه} ~~بنيامين، {أحب إلى أبينا منا} كان يوسف وأخوه بنيامين من أم واحدة، وكان ~~يعقوب عليه السلام شديد الحب ليوسف عليه السلام، وكان إخوته يرون من الميل ~~إليه ما لا يرونه مع أنفسهم فقالوا هذه المقالة (3) ، {ونحن عصبة} جماعة ~~وكانوا عشرة. # قال الفراء: العصبة هي العشرة فما زاد. # وقيل: العصبة ما بين الواحد إلى العشرة. # وقيل: ما بين الثلاثة إلى العشرة. # وقال مجاهد: ما بين العشرة إلى خمسة عشر. # وقيل: ما بين العشرة إلى الأربعين. # وقيل: جماعة يتعصب بعضها لبعض لا واحد لها من لفظها كالنفر والرهط. # {إن أبانا لفي ضلال مبين} أي خطإ بين في إيثاره يوسف وأخاه علينا، وليس ~~المراد من الضلال PageV04P217 # عن الدين، ولو أرادوه لكفروا به، بل المراد منه: الخطأ في تدبير أمر ~~الدنيا، يقولون: نحن أنفع له في أمر الدنيا وإصلاح أمر معاشه ورعي مواشيه، ~~فنحن أولى بالمحبة منه، فهو مخطئ في صرف محبته إليه. ### || # {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما ~~صالحين (9) قال قائل ms1263 منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض ~~السيارة إن كنتم فاعلين (10) } . # {اقتلوا يوسف} اختلفوا في قائل هذا القول؛ فقال وهب: قاله شمعون. وقال ~~كعب: قاله دان. # {أو اطرحوه أرضا} أي: إلى أرض يبعد (1) عن أبيه. وقيل: في أرض تأكله ~~السباع. # {يخل لكم} يخلص لكم ويصف لكم. {وجه أبيكم} عن (2) شغله بيوسف، {وتكونوا ~~من بعده} من بعد قتل يوسف، {قوما صالحين} تائبين، أي: توبوا بعدما فعلتم ~~هذا يعف الله عنكم. وقال مقاتل: يصلح أمركم فيما بينكم وبين أبيكم. # {قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف} وهو يهوذا، وقال [قتادة] (3) : روبيل، ~~وكان ابن خالة يوسف، وكان أكبرهم سنا وأحسنهم رأيا فيه. والأول أصح أنه ~~يهوذا، نهاهم عن قتله، وقال: القتل كبيرة عظيمة. {وألقوه في غيابة الجب} ~~قرأ أبو جعفر، ونافع: "غيابات الجب" على الجمع في الحرفين، وقرأ الباقون ~~"غيابة الجب" على الواحد، أي: في أسفل الجب وظلمته. والغيابة: كل موضع ستر ~~عنك الشيء وغيبه. والجب: البئر غير المطوية لأنه جب، أي: قطع ولم يطو. # {يلتقطه} يأخذه، والالتقاط: أخذ الشيء من حيث لا يحتسبه (4) ، {بعض ~~السيارة} أي: بعض المسافرين، فيذهب به إلى ناحية أخرى، فتستريحوا منه، {إن ~~كنتم فاعلين} أي: إن عزمتم على فعلكم، وهم كانوا يومئذ بالغين، ولم يكونوا ~~أنبياء بعد. # وقيل: لم يكونوا بالغين، وليس بصحيح؛ بدليل أنهم قالوا: "وتكونوا من بعده ~~قوما صالحين" (5) . PageV04P218 # " وقالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا " والصغير لا ذنب له. # وقال محمد بن إسحاق: اشتمل فعلهم على جرائم من قطع الرحم، وعقوق ~~الوالدين، وقلة الرأفة بالصغير، الذي لا ذنب له، والغدر بالأمانة، وترك ~~العهد والكذب مع أبيهم. وعفا الله عنهم ذلك كله حتى لا ييئس أحد من رحمة ~~الله. # وقال بعض [أهل العلم] (1) إنهم عزموا على قتله وعصمهم الله رحمة بهم، ولو ~~فعلوا لهلكوا أجمعين، وكل ذلك كان قبل أن أنبأهم الله تعالى (2) . # وسئل أبو عمرو بن العلاء: كيف قالوا "نرتع ونلعب" وهم أنبياء؟ قال: كان ~~ذلك قبل أن نبأهم الله تعالى، فلما أجمعوا على ms1264 التفريق بينه وبين والده ~~بضرب من الحيل. ### || # {قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون (11) } . # {قالوا} ليعقوب، {يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف} قرأ أبو جعفر: ~~{تأمنا} بلا إشمام (3) ، وهو رواية عن نافع [وقرأ الباقون: {تأمنا} بإشمام ~~الضمة في النون الأولى المدغمة، وهو إشارة إلى الضمة، من غير إمحاض، ليعلم ~~أن أصله: لا تأمننا بنونين على تفعلنا، فأدغمت النون الأولى في الثانية] ~~(4) ، بدؤوا بالإنكار عليه في ترك إرساله معهم كأنهم قالوا: إنك لا ترسله ~~معنا أتخافنا عليه؟. # {وإنا له لناصحون} قال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وذلك أنهم قالوا ~~لأبيهم: "أرسله معنا" فقال أبوهم: "إني ليحزنني أن تذهبوا به" فحينئذ ~~قالوا: {ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون} النصح ها هنا هو: القيام ~~بالمصلحة، وقيل: البر والعطف، معناه: إنا عاطفون عليه، قائمون بمصلحته، ~~نحفظه حتى نرده إليك. PageV04P219 ### || # {أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) قال إني ليحزنني أن ~~تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (13) قالوا لئن أكله ~~الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون (14) } . # {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم ~~بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) } . # {أرسله معنا غدا} إلى الصحراء، {يرتع ويلعب} قرأ أبو عمرو، وابن عامر، ~~بالنون فيهما وجزم العين من "نرتع" وقرأ أهل الكوفة بالياء فيهما وجزم ~~العين من "يرتع" يعني يوسف، وقرأ يعقوب: "نرتع" بالنون "ويلعب" بالياء. # والرتع هو: الاتساع في الملاذ. يقال: رتع فلان في ماله إذا أنفقه في ~~شهواته، يريد ونتنعم ونأكل ونشرب ونلهو وننشط. # وقرأ أهل الحجاز: {يرتع} بكسر العين، وهو [يفتعل] (1) من الرعي. # ثم ابن كثير قرأ بالنون فيهما أي: نتحارس ويحفظ بعضنا بعضا. # وقرأ أبو جعفر ونافع بالياء إخبارا عن يوسف، أي: يرعى الماشية كما نرعى ~~نحن. # {وإنا له لحافظون} 180/أ # {قال} لهم يعقوب، {إني ليحزنني أن تذهبوا به} أي: يحزنني ذهابكم به، ~~والحزن ها هنا: ألم القلب بفراق المحبوب، {وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم ms1265 عنه ~~غافلون} وذلك أن يعقوب كان رأى في المنام أن ذئبا شد على يوسف، فكان يخاف ~~من ذلك، فمن ثم قال هذه المقالة (2) . # {قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة} عشرة، {إنا إذا لخاسرون} عجزة ضعفاء. # {فلما ذهبوا به وأجمعوا} أي: عزموا، {أن يجعلوه} يلقوه، {في غيابة الجب ~~وأوحينا إليه} PageV04P220 # هذه الواو زائدة (1) ، تقديره: أوحينا إليه، كقوله تعالى: {فلما أسلما ~~وتله للجبين وناديناه} (الصافات -103) أي: ناديناه، {لتنبئنهم بأمرهم هذا ~~وهم لا يشعرون} يعني: أوحينا إلى يوسف عليه السلام لتصدقن رؤياك ولتخبرن ~~إخوتك بصنيعهم هذا وهم لا يشعرون بوحي الله وإعلامه إياه ذلك، قاله مجاهد. # وقيل: معناه: وهم لا يشعرون يوم تخبرهم أنك يوسف، وذلك حين دخلوا عليه ~~فعرفهم وهم له منكرون. # وذكر وهب وغيره: أنهم أخذوا يوسف عليه السلام بغاية الإكرام وجعلوا ~~يحملونه، فلما برزوا إلى البرية ألقوه وجعلوا يضربونه فإذا ضربه واحد منهم ~~استغاث بالآخر فضربه الآخر، فجعل لا يرى منهم رحيما فضربوه حتى كادوا ~~يقتلونه وهو يصيح: يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء، فلما كادوا ~~أن يقتلوه قال لهم يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه، فانطلقوا ~~به إلى الجب ليطرحوه فيه، وكان ابن اثنتي عشرة سنة -وقيل: ثماني عشرة سنة- ~~فجاؤوا به إلى بئر على غير الطريق واسعة الأسفل ضيقة الرأس. قال مقاتل: على ~~ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السلام. وقال كعب: بين مدين ومصر. وقال ~~وهب: بأرض الأردن. وقال قتادة: هي بئر بيت المقدس فجعلوا يدلونه في البئر ~~فيتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال: يا إخوتاه ردوا علي ~~القميص أتوارى به في الجب، فقالوا: ادع الشمس والقمر والكواكب تواريك (2) ، ~~قال: إني لم أر شيئا، فألقوه فيها. # وقيل: جعلوه في دلو وأرسلوه فيها حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت ~~فكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها. # إنهم لما ألقوه فيها جعل يبكي فنادوه فظن أن رحمة أدركتهم فأجابهم ~~فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه، فمنعهم ms1266 يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام، ~~وبقي فيها ثلاث ليال (3) . PageV04P221 # {وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا} الأكثرون على أن الله تعالى أوحى ~~إليه بهذا وبعث إليه جبريل عليه السلام يؤنسه ويبشره بالخروج، ويخبره أنه ~~ينبئهم بما فعلوه ويجازيهم عليه وهم لا يشعرون (1) . # قال ابن عباس رضي الله عنهما: ثم إنهم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص ~~يوسف عليه السلام. ### || # {وجاءوا أباهم عشاء يبكون (16) قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا ~~يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (17) وجاءوا ~~على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان ~~على ما تصفون (18) } . # {وجاءوا أباهم عشاء يبكون} قال أهل المعاني: جاؤوا في ظلمة العشاء ~~ليكونوا أجرأ على الاعتذار بالكذب. وروي أن يعقوب عليه السلام سمع صياحهم ~~وعويلهم فخرج وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا. قال: ~~فما أصابكم وأين يوسف؟؟. # {قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق} أي: نترامى وننتضل، وقال السدي: نشتد ~~على أقدامنا. {وتركنا يوسف عند متاعنا} أي: عند ثيابنا وأقمشتنا. {فأكله ~~الذئب وما أنت بمؤمن لنا} بمصدق لنا، {ولو كنا} وإن كنا {صادقين} . # فإن قيل: كيف قالوا ليعقوب أنت لا تصدق الصادق؟. # قيل: معناه إنك تتهمنا في هذا الأمر لأنك خفتنا في الابتداء واتهمتنا في ~~حقه. # وقيل: معناه لا تصدقنا لأنه لا دليل لنا على صدقنا وإن كنا صادقين عند ~~الله. # {وجاءوا على قميصه بدم كذب} أي: بدم هو كذب، لأنه لم يكن دم يوسف. وقيل: ~~بدم مكذوب فيه، فوضع المصدر موضع الاسم. # وفي القصة: أنهم لطخوا القميص بالدم ولم يشقوه، فقال يعقوب عليه السلام: ~~كيف أكله الذئب ولم يشق قميصه؟ فاتهمهم. # {قال بل سولت} زينت، {لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل} معناه: فأمري صبر جميل ~~أو فعلي صبر جميل. PageV04P222 # وقيل: فصبر جميل أختاره. # والصبر الجميل الذي لا شكوى فيه ولا جزع. # {والله المستعان على ما تصفون} أي: أستعين بالله على الصبر، على ما ~~تكذبون. # وفي القصة: أنهم جاؤوا ms1267 بذئب، وقالوا: هذا الذي أكله. فقال له يعقوب: يا ~~ذئب أنت أكلت ولدي وثمرة فؤادي؟ فأنطقه الله عز وجل، فقال: تالله ما رأيت ~~وجه ابنك قط. # قال: كيف وقعت بأرض كنعان؟. # قال: جئت لصلة قرابة [فصادني هؤلاء] (1) فمكث يوسف في البئر ثلاثة أيام ~~(2) . ### || # {وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه ~~بضاعة والله عليم بما يعملون (19) } . # {وجاءت سيارة} وهم القوم المسافرون، سموا سيارة لأنهم يسيرون في الأرض، ~~كانت رفقة من مدين تريد مصر، فأخطؤوا الطريق فنزلوا قريبا من الجب، وكان ~~الجب في [قفر بعيد] (3) من العمران للرعاة والمارة، وكان ماؤه مالحا (4) ~~فعذب حين ألقي يوسف عليه السلام فيه، فلما نزلوا أرسلوا رجلا من أهل مدين ~~يقال له مالك بن ذعر (5) ، [لطلب الماء] (6) فذلك قوله عز وجل: {فأرسلوا ~~واردهم} والوارد الذي يتقدم الرفقة إلى الماء فيهيئ الأرشية والدلاء. # {فأدلى دلوه} أي: أرسلها في البئر، يقال: أدليت الدلو إذا أرسلتها في ~~البئر، ودلوتها إذا أخرجتها، فتعلق يوسف بالحبل فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ~~ما يكون. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعطي يوسف شطر الحسن" (7) . PageV04P223 # ويقال: إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة، وكانت قد أعطيت سدس الحسن. # قال ابن إسحاق ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن (1) . # فلما رآه مالك بن ذعر، {قال يا بشرى} قرأ الأكثرون هكذا بالألف وفتح ~~الياء، بشر المستقي أصحابه يقول (2) : أبشروا. وقرأ أهل الكوفة: يا بشرى، ~~بغير إضافة، يريد نادى المستقي رجلا من أصحابه اسمه بشرى. {هذا غلام} وروى ~~ابن مجاهد عن أبيه: أن جدران البئر كانت تبكي على يوسف حين أخرج منها. ~~{وأسروه} أخفوه، {بضاعة} قال مجاهد: أسره مالك بن ذعر وأصحابه من التجار ~~الذين معهم وقالوا: هو بضاعة استبضعها بعض أهل الماء إلى مصر خيفة أن ~~يطلبوا منهم فيه المشاركة. # وقيل: أراد أن إخوة يوسف أسروا 180/ب شأن يوسف وقالوا هذا عبد لنا [أبق] ~~(3) . # قال الله تعالى: {والله عليم بما يعملون} فأتى يهوذا يوسف بالطعام فلم ~~يجده في البئر، فأخبر بذلك ms1268 إخوته، فطلبوه فإذا هم بمالك وأصحابه نزولا ~~فأتوهم فإذا هم بيوسف، فقالوا هذا عبد آبق منا. ويقال: إنهم هددوا يوسف حتى ~~لم يعرف حاله. وقال مثل قولهم، ثم باعوه، فذلك قوله عز وجل: ### || # {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (20) } . # {وشروه} أي: باعوه، {بثمن بخس} قال الضحاك، ومقاتل، والسدي: حرام لأن ثمن ~~الحر حرام، وسمي الحرام بخسا لأنه مبخوس البركة. # وعن ابن عباس وابن مسعود: بخس أي زيوف. # وقال عكرمة والشعبي: بثمن قليل. # {دراهم} بدل من الثمن، {معدودة} ذكر العدد عبارة عن قلتها. # وقيل: إنما قال معدودة لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان أقل من ~~أربعين درهما، إنما كانوا يعدونها عدا، فإذا بلغت أوقية وزنوها. # واختلفوا في عدد تلك الدراهم: قال ابن عباس وابن مسعود وقتادة: عشرون ~~درهما، فاقتسموها درهمين درهمين. # وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهما. # وقال عكرمة: أربعون درهما (4) . PageV04P224 # {وكانوا} يعني: إخوة يوسف، {فيه} أي: في يوسف {من الزاهدين} لأنهم لم ~~يعلموا منزلته عند الله. # وقيل: كانوا في الثمن من الزاهدين، لأنهم لم يكن قصدهم تحصيل الثمن، إنما ~~كان قصدهم تبعيد يوسف عن أبيه. # ثم انطلق مالك بن ذعر وأصحابه بيوسف، فتبعهم إخوته يقولون: استوثقوا منه ~~لا يأبق، قال: فذهبوا به حتى قدموا مصر، وعرضه مالك على البيع فاشتراه ~~قطفير قاله ابن عباس. # وقيل: إظفير صاحب أمر الملك، وكان على خزائن مصر يسمى العزيز، وكان الملك ~~يومئذ بمصر ونواحيها الريان بن الوليد بن شروان من العمالقة. # وقيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه، ثم مات ويوسف ~~حي. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما دخلوا مصر تلقى قطفير مالك بن ذعر ~~فابتاع منه يوسف بعشرين دينارا وزوج نعل وثوبين أبيضين. # وقال وهب بن منبه: قدمت السيارة بيوسف مصر فدخلوا به السوق يعرضونه ~~للبيع، فترافع الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه ذهبا ووزنه فضة ووزنه مسكا ~~وحريرا، وكان وزنه أربعمائة رطل، وهو ابن ثلاث عشرة سنة فابتاعه قطفير من ms1269 ~~مالك بن ذعر بهذا الثمن، فذلك قوله تعالى: ### || # {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ~~ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على ~~أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) } . # {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته} واسمها: راعيل، وقيل: زليخا، {أكرمي ~~مثواه} أي: منزله ومقامه، والمثوى: موضع الإقامة. # وقيل: أكرميه في المطعم والملبس والمقام. # وقال قتادة وابن جريج: منزلته. # {عسى أن ينفعنا} أي: نبيعه بالربح إن أردنا البيع، أو يكفينا إذا بلغ بعض ~~أمورنا. # {أو نتخذه ولدا} أي: نتبناه. # PageV04P225 # قال ابن مسعود رضي الله عنه: أفرس الناس ثلاثة: العزيز في يوسف، حيث قال ~~لامرأته: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا، وابنة شعيب عليه السلام حيث قالت ~~لأبيها في موسى عليه السلام: يا أبت استأجره، وأبو بكر في عمر رضي الله ~~عنهما حيث استخلفه (1) . # {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} [أي: في أرض مصر] (2) أي: كما أنقذنا يوسف ~~من القتل وأخرجناه من الجب، كذلك [مكنا له] (3) في الأرض فجعلناه على ~~خزائنها. # {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} أي: [مكنا له] (4) في الأرض لكي نعلمه من ~~تأويل الأحاديث، وهي عبارة عن الرؤيا. # {والله غالب على أمره} قيل: الهاء في أمره كناية عن الله تعالى، يقول: إن ~~الله غالب على أمره يفعل ما يشاء، لا يغلبه شيء ولا يرد حكمه راد. # وقيل: هي راجعة إلى يوسف عليه السلام معناه: إن الله مستول على أمر يوسف ~~بالتدبير [والحياطة] (5) لا يكله إلى أحد حتى يبلغ منتهى علمه فيه. # {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ما الله به صانع. ### || # {ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22) } . # {ولما بلغ أشده} منتهى شبابه وشدته وقوته. قال مجاهد: ثلاثا وثلاثين سنة. # وقال السدي: ثلاثين سنة. # وقال الضحاك: عشرين سنة. # وقال الكلبي: الأشد ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة. # وسئل مالك رحمه الله عن الأشد قال: هو الحلم (6) . # {آتيناه حكما وعلما} فالحكم: النبوة، والعلم: الفقه في الدين. ~~PageV04P226 # وقيل: حكما يعني: إصابة ms1270 في القول: وعلما: بتأويل الرؤيا. # وقيل: الفرق بين الحكيم والعالم، أن العالم: هو الذي يعلم الأشياء، ~~والحكيم: الذي يعمل بما يوجبه العلم. # {وكذلك نجزي المحسنين} قال ابن عباس رضي الله عنهما: المؤمنين. وعنه ~~أيضا: المهتدين. وقال الضحاك: الصابرين على النوائب كما صبر يوسف عليه ~~السلام. # PageV04P227 ### || # {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ ~~الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) } . # {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه} يعني: امرأة العزيز. والمراودة: طلب ~~الفعل، والمراد ها هنا أنها دعته إلى نفسها ليواقعها، {وغلقت الأبواب} أي: ~~أطبقتها، وكانت سبعة، {وقالت هيت لك} أي: هلم وأقبل. # قرأه أهل الكوفة والبصرة: {هيت لك} بفتح الهاء والتاء. # وقرأ أهل المدينة والشام: {هيت} بكسر الهاء وفتح التاء. # وقرأ ابن كثير: {هيت} بفتح الهاء وضم التاء. # وقرأ السلمي وقتادة: {هئت لك} بكسر الهاء وضم التاء مهموزا، يعني: تهيأت ~~لك، وأنكره أبو عمرو والكسائي، وقالا لم يحك هذا عن العرب. # والأول هو المعروف عند العرب. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم {هيت لك} ~~(1) . # قال أبو عبيدة (2) كان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حوران رفعت إلى الحجاز ~~معناها [إلي] (3) تعال. # وقال عكرمة: هي أيضا بالحورانية هلم. # وقال مجاهد وغيره: هي لغة عربية وهي كلمة حث وإقبال على الشيء. # قال أبو عبيدة: إن العرب لا تثني {هيت} ولا تجمع ولا تؤنث، وإنها بصورة ~~(4) واحدة في كل حال. PageV04P227 # {قال} يوسف لها عند ذلك: {معاذ الله} أي: أعوذ بالله وأعتصم بالله مما ~~دعوتني إليه، {إنه ربي} يريد أن زوجك قطفير (1) سيدي {أحسن مثواي} أي: أكرم ~~منزلي. هذا قول أكثر المفسرين. # وقيل: الهاء راجعة إلى الله تعالى، يريد: أن الله تعالى ربي أحسن مثواي، ~~أي: آواني، ومن بلاء الجب عافاني. # {إنه لا يفلح الظالمون} يعني: إن فعلت هذا فخنته في أهله بعد ما أكرم ~~مثواي فأنا ظالم، ولا يفلح الظالمون. # وقيل: لا يفلح الظالمون: أي لا يسعد الزناة. ### || # {ولقد ms1271 همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24) } . # {ولقد همت به وهم بها} والهم هو: المقاربة من الفعل من غير دخول فيه. ~~فهمها: عزمها على المعصية والزنى. # وأما همه: فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: حل الهميان وجلس ~~منها مجلس الخائن (2) . # وعن مجاهد قال: حل سراويله وجعل يعالج ثيابه. وهذا قول أكثر المتقدمين ~~مثل سعيد بن جبير والحسن (3) . # وقال الضحاك: جرى الشيطان فيما بينهما فضرب بإحدى يديه إلى جيد يوسف ~~وباليد 181/أالأخرى إلى جيد المرأة حتى جمع بينهما. # قال أبو عبيد القاسم بن سلام: وقد أنكر قوم هذا القول، والقول ما قال ~~متقدمو هذه الأمة، وهم كانوا أعلم بالله أن يقولوا في الأنبياء عليهم ~~السلام من غير علم. # وقال السدي وابن إسحاق: لما أرادت امرأة العزيز مراودة يوسف عليه السلام ~~عن نفسه جعلت تذكر له محاسن نفسه، وتشوقه إلى نفسها، فقالت: يا يوسف ما ~~أحسن شعرك!. # قال: هو أول ما ينتثر من جسدي. # قالت: ما أحسن عينيك! PageV04P228 # قال: هي أول ما تسيل على وجهي في قبري. # قالت: ما أحسن وجهك! # قال: هو للتراب يأكله (1) . # وقيل: إنها قالت: إن فراش الحرير مبسوط، فقم فاقض حاجتي. # قال: إذا يذهب نصيبي من الجنة. # فلم تزل تطمعه وتدعوه إلى اللذة، وهو شاب يجد من شبق الشباب ما يجده ~~الرجل، وهي امرأة حسناء جميلة، حتى لان لها مما يرى من كلفها، وهم بها، ثم ~~إن الله تعالى تدارك عبده ونبيه بالبرهان الذي ذكره (2) . # وزعم بعض المتأخرين: أن هذا لا يليق بحال الأنبياء عليهم السلام (3) ، ~~وقال: تم الكلام عند قوله: {ولقد همت به} ثم ابتدأ الخبر عن يوسف عليه ~~السلام فقال: {وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} على التقديم والتأخير، أي: ~~لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، ولكنه رأى البرهان فلم يهم. # وأنكره النحاة وقالوا: إن العرب لا تؤخر {لولا} عن الفعل، فلا تقول: لقد ~~قمت (4) لولا زيد، [وهو يريد لولا ms1272 زيد لقمت] (5) . # وقيل: همت بيوسف أن يفترشها، وهم بها يوسف أي: تمنى أن تكون له زوجة. ~~PageV04P229 # وهذا التأويل وأمثاله غير مرضية لمخالفتها أقاويل القدماء من العلماء ~~الذين يؤخذ عنهم الدين والعلم (1) . # وقال بعضهم: إن القدر الذي فعله يوسف عليه السلام كان من الصغائر، ~~والصغائر تجوز على الأنبياء عليهم السلام (2) . PageV04P230 # روي أن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك حين خرج من السجن وأقرت ~~المرأة، قال يوسف: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} قال له جبريل: ولا حين ~~هممت بها يا يوسف؟ فقال يوسف عند ذلك: {وما أبرئ نفسي} الآية (1) . # وقال الحسن البصري: إن الله تعالى لم يذكر ذنوب الأنبياء عليهم السلام في ~~القرآن ليعيرهم، ولكن ذكرها ليبين موضع النعمة عليهم، ولئلا ييئس أحد من ~~رحمته (2) . # وقيل: إنه ابتلاهم بالذنوب ليتفرد بالطهارة والعزة، ويلقاه جميع الخلق ~~يوم القيامة على انكسار المعصية. # وقيل: ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء الرحمة وترك الإياس من المغفرة ~~والعفو. # وقال بعض أهل الحقائق: الهم همان: هم ثابت، وهو إذا كان معه عزم وعقد ~~ورضا، مثل هم امرأة العزيز، والعبد مأخوذ به، وهم عارض وهو الخطرة، وحديث ~~النفس من غير اختيار ولا عزم، مثل هم يوسف عليه السلام، فالعبد غير مأخوذ ~~به ما لم يتكلم أو يعمل. # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد محمش ~~الزيادي، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، ~~حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قال الله عز وجل: إذا ~~تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها، فإذا عملها ~~فأنا أكتبها له بعشر أمثالها، PageV04P231 # وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له، ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا ~~أكتبها له بمثلها" (1) . # قوله عز وجل: {لولا أن رأى برهان ربه} اختلفوا في ذلك البرهان: قال قتادة ~~وأكثر المفسرين: إنه رأى ms1273 صورة يعقوب، وهو يقول له: يا يوسف تعمل عمل ~~السفهاء وأنت مكتوب في الأنبياء!. # وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك: انفرج له سقف البيت ~~فرأى يعقوب عليه السلام عاضا على أصبعه (2) . # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: مثل له يعقوب عليه السلام ~~فضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله (3) . # وقال السدي: نودي يا يوسف تواقعها! إنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في ~~جوف السماء لا يطاق، ومثلك إن تواقعها مثله إذا مات ووقع على الأرض لا ~~يستطيع أن يدفع عن نفسه، ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا ~~يطاق، ومثلك إن واقعتها مثل الثور يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا يستطيع ~~أن يدفعه عن نفسه. # وعن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وهم بها} قال: حل ~~سراويله وقعد منها مقعد الرجل من امرأته، فإذا بكف قد بدت بينهما بلا معصم ~~ولا عضد مكتوب عليها {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون} ~~(الانفطار -11) ، فقام هاربا وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد فظهرت ~~تلك الكف مكتوبا عليها: {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا} ~~(الإسراء -32) فقام هاربا وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد، فظهر، ~~ورأى تلك الكف مكتوبا عليها: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} (البقرة ~~-281) فقام هاربا وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد، فقال الله عز وجل ~~لجبريل عليه السلام: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل عليه ~~السلام عاضا على أصبعه، يقول: يا يوسف تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند ~~الله في الأنبياء (4) . # وروي أنه مسحه بجناحه فخرجت شهوته من أنامله. PageV04P232 # وقال محمد بن كعب القرظي: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت حين هم بها فرأى ~~كتابا في حائط البيت: "لا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا". # وروى عطية عن ابن عباس: في البرهان أنه رأى مثال الملك (1) . # وقال جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما: البرهان النبوة التي ms1274 أودعها ~~الله في صدره حالت بينه وبين ما يسخط الله عز وجل (2) . # وعن علي بن الحسين قال: كان في البيت صنم فقامت المرأة وسترته بثوب، فقال ~~لها يوسف:لم فعلت هذا؟. # فقالت: استحييت منه أن يراني على المعصية. # فقال يوسف: أتستحين مما لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه؟ فأنا أحق أن أستحي من ~~ربي، وهرب (3) . PageV04P233 # قوله عز وجل: {لولا أن رأى برهان ربه} جواب لولا محذوف، تقديره: لولا أن ~~رأى برهان ربه لواقع المعصية. # {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} فالسوء: الإثم. وقيل: السوء القبيح. ~~والفحشاء: الزنى. # {إنه من عبادنا المخلصين} قرأ أهل المدينة والكوفة: {المخلصين} بفتح ~~اللام حيث كان إذا لم يكن بعده ذكر الدين، زاد الكوفيون " مخلصا " في سورة ~~مريم ففتحوا. # ومعنى 181/ب {المخلصين} المختارين للنبوة، دليله: {إنا أخلصناهم بخالصة} ~~(ص -146) . # وقرأ الآخرون بكسر اللام، أي: المخلصين لله الطاعة والعبادة. ### || # {واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء ~~من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) قال هي راودتني عن نفسي ~~وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) } . # {واستبقا الباب} وذلك أن يوسف لما رأى البرهان قام مبادرا إلى باب البيت ~~هاربا، وتبعته المرأة لتمسك الباب حتى لا يخرج يوسف، فسبق يوسف، وأدركته ~~المرأة، فتعلقت بقميصه من خلفه، فجذبته إليها حتى لا يخرج. # {وقدت قميصه} أي: فشقته {من دبر} أي: من خلف، فلما خرجا لقيا العزيز، وهو ~~قوله: # {وألفيا سيدها لدى الباب} أي: وجدا زوج المرأة قطفير عند الباب جالسا مع ~~ابن عم لراعيل، فلما رأته هابته و {قالت} سابقة بالقول لزوجها {ما جزاء من ~~أراد بأهلك سوءا} يعني: الزنى، ثم خافت عليه أن يقتله فقالت: {إلا أن يسجن} ~~أي: يحبس، {أو عذاب أليم} أي: ضرب بالسياط، فلما سمع يوسف مقالتها. # {قال هي راودتني عن نفسي} يعني: طلبت مني الفاحشة فأبيت وفررت. # وقيل: ما كان يريد يوسف أن يذكره، فلما قالت المرأة: ما جزاء من أراد ms1275 ~~بأهلك سوءا؟ ذكره، فقال: هي راودتني عن نفسي. # {وشهد شاهد} وحكم حاكم، {من أهلها} اختلفوا في ذلك الشاهد: # فقال سعيد بن جبير، والضحاك: كان صبيا في المهد، أنطقه الله عز وجل (1) ، ~~وهو رواية العوفي عن PageV04P234 # ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تكلم ~~أربعة وهم صغار: ابن ماشطة ابنة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى بن ~~مريم عليه السلام" (1) . # وقيل: كان ذلك الصبي ابن خال المرأة. # وقال الحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: لم يكن صبيا ولكنه كان رجلا حكيما ذا ~~رأي (2) . # قال السدي: هو ابن عم راعيل (3) ، فحكم فقال: {إن كان قميصه قد من قبل} ~~أي: من قدام، {فصدقت وهو من الكاذبين} . ### || # {وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27) فلما رأى قميصه قد ~~من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28) يوسف أعرض عن هذا واستغفري ~~لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29) } . # {فلما رأى} قطفير، {قميصه قد من دبر} عرف خيانة امرأته وبراءة يوسف عليه ~~السلام، {قال} لها {إنه} أي: إن هذا الصنيع، {من كيدكن إن كيدكن عظيم} ~~وقيل: إن هذا من قول الشاهد ثم أقبل قطفير على يوسف فقال: # {يوسف} أي: يا يوسف، {أعرض عن هذا} أي: عن هذا الحديث، فلا تذكره لأحد ~~حتى لا يشيع. # وقيل: معناه لا تكترث له، فقد بان عذرك وبراءتك. # ثم قال لامرأته: {واستغفري لذنبك} أي: توبي إلى الله، {إنك كنت من ~~الخاطئين} PageV04P235 # وقيل: إن هذا من قول الشاهد ليوسف ولراعيل. # وأراد بقوله: {واستغفري لذنبك} ، أي سلي زوجك أن لا يعاقبك ويصفح عنك ~~{إنك كنت من الخاطئين} من المذنبين، حتى راودت شابا عن نفسه وخنت زوجك، ~~فلما استعصم كذبت عليه، وإنما قال: "من الخاطئين" ولم يقل: من الخاطئات، ~~لأنه لم يقصد به الخبر عن النساء بل قصد به الخبر عمن يفعل ذلك، تقديره: من ~~القوم الخاطئين، كقوله تعالى: {وكانت من القانتين} (التحريم -12) بيانه ~~قوله تعالى: {إنها كانت من قوم كافرين} (النمل -43) . ### || # {وقال نسوة في المدينة امرأة ms1276 العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا ~~إنا لنراها في ضلال مبين (30) } . # {فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا ~~وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا ~~إن هذا إلا ملك كريم (31) } . # قوله تعالى: {وقال نسوة في المدينة} الآية. # يقول: شاع أمر يوسف والمرأة في المدينة مدينة مصر. وقيل: مدينة عين ~~الشمس، وتحدث النساء بذلك وقلن -وهن خمس نسوة: امرأة حاجب (1) الملك، ~~وامرأة صاحب الدواب، وامرأة الخباز، وامرأة الساقي، وامرأة صاحب السجن، ~~قاله مقاتل. # وقيل: هن نسوة من أشراف مصر-: # {امرأة العزيز تراود فتاها} أي: عبدها الكنعاني، {عن نفسه} أي: تطلب من ~~عبدها الفاحشة، {قد شغفها حبا} أي: علقها حبا. # قال الكلبي: حجب حبه قلبها حتى لا تعقل سواه. # وقيل: أحبته حتى دخل حبه شغاف قلبها، أي: داخل قلبها. # قال السدي: الشغاف جلدة رقيقة على القلب، يقول: دخل الحب الجلد حتى أصاب ~~القلب. # وقرأ الشعبي والأعرج (2) {شعفها} بالعين غير المعجمة، معناه: ذهب الحب ~~بها كل مذهب. ومنه شعف الجبال وهو رؤوسها. {إنا لنراها في ضلال مبين} أي: ~~خطإ ظاهر. وقيل: معناه إنها تركت ما يكون عليه أمثالها من العفاف والستر. # {فلما سمعت} راعيل، {بمكرهن} بقولهن وحديثهن، قاله قتادة والسدي. ~~PageV04P236 # قال ابن إسحاق إنما قلن ذلك مكرا بها لتريهن يوسف، وكان يوصف لهن حسنه ~~وجماله. # وقيل: إنها أفشت إليهن سرها واستكتمتهن فأفشين ذلك، فلذلك سماه مكرا. # {أرسلت إليهن} قال وهب: اتخذت مأدبة، ودعت أربعين امرأة، منهن هؤلاء ~~اللاتي عيرنها. {وأعتدت} أي: أعدت، {لهن متكأ} أي: ما يتكأ عليه. # وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومجاهد: متكأ أي: طعاما، سماه ~~متكأ لأن أهل الطعام إذا جلسوا يتكئون على الوسائد، فسمى الطعام متكأ على ~~الاستعارة. يقال: اتكأنا عند فلان أي: طعمنا (1) . ويقال: المتكأ ما اتكأت ~~عليه للشرب أو الحديث أو الطعام (2) ، ويقرأ في الشواذ متكأ بسكون التاء. # واختلفوا في معناه: فقال ابن عباس: [هو الأترج. ويروى عن مجاهد ms1277 مثله. ~~وقيل] (3) هو الأترج بالحبشة. # وقال الضحاك: هو الرباورد (4) . # وقال عكرمة: هو كل شيء يقطع بالسكين. # وقال أبو زيد الأنصاري: كل ما يجز بالسكين فهو عند العرب متك، والمتك ~~والبتك بالميم والباء: القطع، فزينت [المأدبة بألوان] (5) الفواكه ~~والأطعمة، ووضعت الوسائد ودعت النسوة. # {وآتت} وأعطت، {كل واحدة منهن سكينا} فكن يأكلن اللحم حزا بالسكين. # {وقالت} ليوسف، {اخرج عليهن} وذلك أنها كانت أجلسته في مجلس آخر، فخرج ~~عليهن يوسف. # قال عكرمة: كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على ~~سائر النجوم. # وروي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت ~~ليلة أسري بي إلى السماء يوسف كالقمر ليلة البدر" (6) . # قال إسحاق بن أبي فروة: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على ~~الجدران. PageV04P237 # {فلما رأينه أكبرنه} أعظمنه، قال أبو العالية: هالهن أمره وبهتن. وقيل: ~~أكبرنه أي: حضن لأجله من جماله (1) . ولا يصح. # {وقطعن} أي: حززن بالسكاكين التي معهن، {أيديهن} وهن يحسبن أنهن يقطعن ~~الأترج، ولم يجدن الألم لشغل قلوبهن بيوسف. # قال مجاهد: 182/أفما أحسسن إلا بالدم. # وقال قتادة (2) : أبن أيديهن حتى ألقينها. # والأصح كان قطعا بلا إبانة. # وقال وهب: ماتت جماعة منهن (3) . # {وقلن حاش لله ما هذا بشرا} أي: معاذ الله أن يكون هذا بشرا. قرأ أبو ~~عمرو: حاشى لله، بإثبات الياء في الوصل، على الأصل. وقرأ الآخرون بحذف ~~الياء لكثرة ورودها على الألسن، واتباعا للكتاب. # وقوله: {ما هذا بشرا} نصب بنزع حرف الصفة، أي: ليس هذا ببشر، {إن هذا} ~~أي: ما هذا، {إلا ملك} من الملائكة، {كريم} على الله تعالى. ### || # {قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ~~ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) } . # {قالت} يعني: راعيل، {فذلكن الذي لمتنني فيه} أي: في حبه، ثم صرحت بما ~~فعلت، فقالت: {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} أي: فامتنع، وإنما صرحت به ~~لأنها علمت أنه لا ملامة عليها منهن وقد أصابهن ما أصابها من رؤيته، فقلن ~~له: ms1278 أطع مولاتك. فقالت راعيل: {ولئن لم يفعل ما آمره} ولئن لم يطاوعني فيما ~~دعوته إليه، {ليسجنن} أي: ليعاقبن بالحبس، {وليكونن من الصاغرين} من ~~الأذلاء. ونون التوكيد تثقل وتخفف، والوقف على قوله: {ليسجنن} بالنون لأنها ~~مشددة، وعلى قوله {"وليكونا "} بالألف لأنها مخففة، وهي شبيهة بنون الإعراب ~~في الأسماء، كقوله: رأيت رجلا وإذا وقفت، قلت: رأيت رجلا بالألف، ومثله: ~~{لنسفعن بالناصية ناصية} (العلق -15، 16) . فاختار يوسف عليه السلام السجن ~~على المعصية حين توعدته المرأة. PageV04P238 ### || # {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن ~~وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ~~(34) ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35) } . # {قال رب} أي: يا رب، {السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} قيل: كان الدعاء ~~منها خاصة، ولكنه أضاف إليهن خروجا من التصريح إلى التعريض. # وقيل: إنهن جميعا دعونه إلى أنفسهن. # وقرأ يعقوب وحده: السجن بفتح السين. وقرأ العامة بكسرها. # وقيل: لو لم يقل: السجن أحب إلي لم يبتل بالسجن، والأولى بالمرء أن يسأل ~~الله العافية. # قوله تعالى: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن} أمل إليهن وأتابعهن، يقال: ~~صبا فلان إلى كذا يصبو صبوا وصبوا وصبوة إذا مال واشتاق إليه. # {وأكن من الجاهلين} فيه دليل على أن المؤمن إذا ارتكب ذنبا يرتكبه عن ~~جهالة. # {فاستجاب له} أجاب له. {ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم} ~~[لدعائه] (1) العليم بمكرهن. # {ثم بدا لهم} أي: للعزيز وأصحابه في الرأي، وذلك أنهم أرادوا أن يقتصروا ~~من أمر يوسف على الأمر بالإعراض. ثم بدا لهم أن يحبسوه. {من بعد ما رأوا ~~الآيات} الدالة على براءة يوسف من قد القميص، وكلام الطفل وقطع النساء ~~أيديهن وذهاب عقولهن، {ليسجننه حتى حين} إلى مدة يرون فيه رأيهم. # وقال عطاء: إلى أن تنقطع مقالة (2) الناس. # قال عكرمة: سبع سنين. # وقال الكلبي: خمس سنين. # قال السدي: وذلك أن المرأة قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني ~~في الناس، يخبرهم أني ms1279 راودته عن نفسه، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر إلى ~~الناس، وإما أن تحبسه، فحبسه، وذكر أن الله تعالى جعل ذلك الحبس تطهيرا ~~ليوسف عليه السلام من همه بالمرأة (3) . PageV04P239 # قال ابن عباس: عثر يوسف ثلاث عثرات: حين هم بها فسجن، وحين قال "اذكرني ~~عند ربك" فلبث في السجن بضع سنين، وحين قال للإخوة "إنكم لسارقون"، فقالوا: ~~"إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل" (1) . ### || # {ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني ~~أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من ~~المحسنين (36) } . # قوله تعالى: {ودخل معه السجن فتيان} وهما غلامان كانا [للريان بن الوليد ~~بن شروان العمليق] (2) ملك مصر الأكبر، أحدهما: خبازه وصاحب طعامه، والآخر: ~~ساقيه وصاحب شرابه. غضب الملك عليهما فحبسهما. # وكان السبب فيه: أن جماعة من أهل مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله، ~~فضمنوا لهذين مالا ليسما الملك في طعامه وشرابه فأجاباهم، ثم إن الساقي نكل ~~عنه، وقبل الخباز الرشوة فسم الطعام، فلما أحضر الطعام والشراب قال الساقي: ~~لا تأكل أيها الملك فإن الطعام مسموم، وقال الخباز: لا تشرب فإن الشراب ~~مسموم. # فقال الملك للساقي: اشرب فشربه فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك، ~~[فأبى فجرب] (3) ذلك الطعام على دابة فأكلته فهلكت، فأمر الملك بحبسهما. # وكان يوسف حين دخل السجن جعل ينشر علمه ويقول: إني أعبر الأحلام، فقال ~~أحد الفتيين لصاحبه: هلم فلنجرب هذا العبد العبراني، فتراءيا له فسألاه من ~~غير أن يكونا رأيا شيئا، قال ابن مسعود: ما رأيا شيئا وإنما تحالما ليجربا ~~يوسف. # وقال قوم: بل كانا رأيا حقيقة، فرآهما يوسف وهما مهمومان، فسألهما عن ~~شأنهما، فذكرا أنهما صاحبا الملك، حبسهما، وقد رأيا رؤيا غمتهما. فقال ~~يوسف: قصا علي ما رأيتما، فقصا عليه. # {قال أحدهما} وهو صاحب الشراب، {إني أراني أعصر خمرا} أي: عنبا، سمى ~~العنب خمرا باسم ما يؤول إليه، كما يقال: فلان يطبخ الآجر أي: يطبخ اللبن ~~للآجر. وقيل: الخمر العنب بلغة عمان، وذلك أنه قال: ms1280 إني رأيت كأني في ~~بستان، فإذا بأصل حبلة عليها ثلاث عناقيد من عنب فجنيتها، وكان كأس الملك ~~بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه. PageV04P240 # {وقال الآخر} وهو الخباز: {إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه} ~~وذلك أنه قال: إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الأطعمة ~~وسباع الطير تنهش منه. {نبئنا بتأويله} أخبرنا بتفسيره وتعبيره وما يؤول ~~إليه أمر هذه الرؤيا. # {إنا نراك من المحسنين} أي: العالمين بعبارة الرؤيا، والإحسان بمعنى ~~العلم. # وروي أن الضحاك بن مزاحم سئل عن قوله: {إنا نراك من المحسنين} ما كان ~~إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان في السجن عاده وقام عليه، وإذا ضاق [عليه ~~المجلس] (1) وسع له، وإذا احتاج جمع له شيئا، وكان مع هذا يجتهد في ~~العبادة، ويقوم الليل كله للصلاة (2) . # وقيل (3) : إنه لما دخل السجن وجد فيه قوما اشتد بلاؤهم وانقطع رجاؤهم ~~وطال حزنهم، فجعل يسليهم ويقول: أبشروا واصبروا تؤجروا، فيقولون: بارك الله ~~فيك يا فتى ما أحسن وجهك وخلقك وحديثك، لقد بورك لنا في جوارك فمن أنت يا ~~فتى؟ قال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق (4) بن خليل الله ~~إبراهيم، فقال له عامل السجن: يا فتى والله لو استطعت لخليت سبيلك، ولكن ~~سأحسن جوارك فتمكن في أي بيوت السجن شئت. # ويروى أن الفتيين لما رأيا يوسف قالا له: لقد أحببناك حين رأيناك، فقال ~~لهما يوسف: أنشدكما بالله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل ~~علي من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل علي بلاء، ثم أحبني أبي فألقيت في ~~الجب، وأحبتني 182/ب امرأة العزيز فحبست. فلما قصا عليه الرؤيا كره يوسف أن ~~يعبر لهما ما سألاه لما علم في ذلك من المكروه على أحدهما، فأعرض عن ~~سؤالهما وأخذ في غيره في إظهار المعجزة والدعاء إلى التوحيد (5) . ### || # {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما ~~مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة ms1281 هم كافرون ~~(37) } . # {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه} قيل: أراد به في النوم يقول: لا يأتيكما ~~طعام ترزقانه في نومكما، {إلا نبأتكما بتأويله} في اليقظة. PageV04P241 # وقيل: أراد به في اليقظة، يقول: لا يأتيكما طعام من منازلكما ترزقانه، ~~تطعمانه وتأكلانه إلا نبأتكما بتأويله بقدره ولونه والوقت الذي يصل فيه ~~إليكما. # {قبل أن يأتيكما} قبل أن يصل إليكما، وأي طعام أكلتم وكم أكلتم ومتى ~~أكلتم، فهذا مثل معجزة عيسى عليه السلام حيث قال: {وأنبئكم بما تأكلون وما ~~تدخرون في بيوتكم} (آل عمران -49) فقالا هذا فعل العرافين والكهنة (1) ، ~~فمن أين لك هذا العلم؟ فقال: ما أنا بكاهن وإنما {ذلكما} العلم، {مما علمني ~~ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} وتكرار {هم} ~~على التأكيد. PageV04P242 ### || # {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من ~~شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) يا ~~صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39) } . # {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} أظهر أنه من ولد الأنبياء {ما ~~كان لنا} ما ينبغي لنا، {أن نشرك بالله من شيء} معناه: أن الله قد عصمنا من ~~الشرك، {ذلك} التوحيد والعلم، {من فضل الله علينا وعلى الناس} ما بين لهم ~~من الهدى، {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} ثم دعاهما إلى الإسلام فقال: # {يا صاحبي السجن} جعلهما صاحبي السجن لكونهما فيه، كما يقال لسكان الجنة: ~~أصحاب الجنة، ولسكان النار: أصحاب النار، {أأرباب متفرقون} أي: آلهة شتى، ~~هذا من ذهب، وهذا من فضة، وهذا من حديد، وهذا أعلى، وهذا أوسط، وهذا أدنى، ~~متباينون لا تضر ولا تنفع، {خير أم الله الواحد القهار} الذي لا ثاني له. ~~القهار: الغالب على الكل. ثم بين عجز الأصنام فقال: # PageV04P242 ### || # {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون (40) يا صاحبي السجن أما ms1282 أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر ~~فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41) وقال للذي ظن ~~أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع ~~سنين (42) } . # {ما تعبدون من دونه} أي: من دون الله، وإنما ذكر بلفظ الجمع وقد ابتدأ ~~الخطاب للاثنين لأنه أراد جميع أهل السجن، وكل من هو على مثل حالهما من ~~[أهل] (1) الشرك، {إلا أسماء سميتموها} آلهة وأربابا خالية عن المعنى لا ~~حقيقة لتلك الأسماء، {أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان} حجة وبرهان، ~~{إن الحكم} ما القضاء والأمر والنهي، {إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك ~~الدين القيم} المستقيم، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ثم فسر رؤياهما فقال: ~~{يا صاحبي السجن أما أحدكما} . # {يا صاحبي السجن أما أحدكما} وهو صاحب الشراب، {فيسقي ربه} [يعني الملك] ~~(2) {خمرا} والعناقيد الثلاثة ثلاثة أيام يبقى في السجن ثم يدعوه الملك بعد ~~الثلاثة (3) أيام، ويرده إلى منزلته التي كان عليها، {وأما الآخر} يعني: ~~صاحب الطعام فيدعوه الملك بعد ثلاثة أيام، والسلال الثلاث الثلاثة (4) أيام ~~يبقى في السجن، ثم يخرجه، {فيصلب فتأكل الطير من رأسه} . # قال ابن مسعود: لما سمعا قول يوسف قالا ما رأينا شيئا إنما كنا نلعب، قال ~~يوسف: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} (5) ، أي: فرغ من الأمر الذي عنه ~~تسألان، ووجب حكم الله عليكما الذي أخبرتكما به، رأيتما أو لم تريا. # {وقال} يعني: يوسف عند ذلك، {للذي ظن} علم {أنه ناج منهما} وهو الساقي، ~~{اذكرني عند ربك} يعني: سيدك الملك، وقل له: إن في السجن غلاما محبوسا ظلما ~~طال حبسه. PageV04P243 # {فأنساه الشيطان ذكر ربه} قيل: أنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف للملك، ~~تقديره: فأنساه الشيطان ذكره لربه. # قال ابن عباس وعليه الأكثرون: أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه حين ابتغى ~~الفرج، من غيره واستعان بمخلوق، وتلك غفلة عرضت ليوسف من الشيطان (1) . # {فلبث} فمكث، {في السجن بضع سنين} واختلفوا في معنى البضع، فقال مجاهد: ~~ما بين الثلاث إلى السبع. # وقال قتادة: ما ms1283 بين الثلاث إلى التسع. # وقال ابن عباس: ما دون العشرة. # وأكثر المفسرين على أن البضع في هذه الآية سبع سنين، وكان قد لبث قبله ~~خمس سنين فجملته اثنتا عشرة سنة. # وقال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب ~~بختنصر فحول في السباع سبع سنين (2) . # قال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك، قيل له: يا يوسف ~~اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن حبسك، فبكى يوسف، وقال: يا رب أنسى قلبي كثرة ~~البلوى فقلت كلمة ولن أعود (3) . # وقال الحسن: دخل جبريل على يوسف في السجن، فلما رآه يوسف عرفه فقال له: ~~يا أخا المنذرين PageV04P244 # مالي أراك بين الخاطئين؟ فقال له جبريل: يا طاهر الطاهرين يقرأ عليك ~~السلام رب العالمين، ويقول لك: أما استحييت مني أن استشفعت بالآدميين، ~~فوعزتي لألبثنك في السجن بضع سنين، قال يوسف: وهو في ذلك عني راض؟ قال: ~~نعم، قال: إذا لا أبالي. # وقال كعب: قال جبريل ليوسف إن الله تعالى يقول من خلقك؟ قال: الله، قال: ~~فمن حببك إلى أبيك؟ قال: الله، قال: فمن نجاك من كرب البئر؟ قال: الله، ~~قال: فمن علمك تأويل الرؤيا؟ قال: الله، قال: فمن صرف عنك السوء والفحشاء؟ ~~قال: الله، قال: فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟ (1) . # فلما انقضت سبع سنين -قال الكلبي: وهذا السبع سوى الخمسة (2) التي كانت ~~قبل ذلك-ودنا فرج يوسف، رأى ملك مصر الأكبر رؤيا عجيبة هالته، وذلك أنه رأى ~~سبع بقرات سمان، خرجت من البحر، ثم خرج عقبهن سبع بقرات عجاف في غاية ~~الهزال، فابتلعت العجاف السمان فدخلن في بطونهن، ولم ير منهن شيء ولم يتبين ~~على العجاف منها شيء، ثم رأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، [وسبعا أخرى] ~~(3) يابسات قد استحصدت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، ولم يبق ~~من خضرتها شيء، فجمع السحرة والكهنة والحازة (4) والمعبرين وقص عليهم ~~رؤياه، فذلك قوله تعالى: PageV04P245 ### || # {وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر ~~وأخر يابسات يا ms1284 أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون (43) } . # {قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) وقال الذي نجا ~~منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلوني (45) يوسف أيها الصديق ~~أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي ~~أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (46) } . # {وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر ~~وأخر يابسات} فقال لهم، {يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا ~~تعبرون} . # {قالوا أضغاث أحلام} أخلاط أحلام مشتبهة، أهاويل، واحدها (1) ضغث، وأصله ~~الحزمة من أنواع الحشيش، والأحلام جمع الحلم، وهو الرؤيا، والفعل منه حلمت ~~أحلم، بفتح اللام في الماضي وضمها في الغابر، حلما وحلما، مثقلا ومخففا. ~~{وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} . # {وقال الذي نجا} من القتل، {منهما} من الفتيين وهو الساقي، {وادكر} أي: ~~تذكر قول يوسف اذكرني عند ربك، {بعد أمة} بعد حين وهو سبع سنين. {أنا ~~أنبئكم بتأويله} وذلك أن الغلام جثا بين يدي الملك، وقال: إن في السجن رجلا ~~يعبر الرؤيا، {فأرسلون} وفيه اختصار تقديره: فأرسلني أيها الملك إليه، ~~فأرسله فأتى السجن 183/أقال ابن عباس: ولم يكن السجن في المدينة. # فقال: {يوسف} يعني: يا يوسف، {أيها الصديق} والصديق الكثير الصدق، {أفتنا ~~في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات} فإن الملك ~~رأى هذه الرؤيا، {لعلي أرجع إلى الناس} أهل مصر، {لعلهم يعلمون} تأويل ~~الرؤيا. وقيل: لعلهم يعلمون منزلتك في العلم. # فقال لهم يوسف معبرا ومعلما: أما البقرات السمان والسنبلات الخضر: فسبع ~~سنين مخاصيب، والبقرات العجاف والسنبلات [اليابسات] (2) فالسنون المجدبة، ~~فذلك قوله تعالى إخبارا عن يوسف: PageV04P246 ### || # {قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما ~~تأكلون (47) ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما ~~تحصنون (48) ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49) وقال ~~الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال ms1285 النسوة ~~اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50) } . # {قال تزرعون سبع سنين دأبا} هذا خبر بمعنى الأمر، يعني: ازرعوا سبع سنين ~~على عادتكم في الزراعة. # والدأب: العادة. وقيل: بجد واجتهاد. # وقرأ عاصم برواية حفص: {دأبا} بفتح الهمزة، وهما لغتان، يقال: دأبت في ~~الأمر أدأب دأبا ودأبا إذا اجتهدت فيه. {فما حصدتم فذروه في سنبله} أمرهم ~~بترك الحنطة في السنبلة لتكون أبقى على الزمان ولا تفسد، {إلا قليلا مما ~~تأكلون} أي: مما تدرسون قليلا للأكل، أمرهم بحفظ الأكثر والأكل بقدر ~~الحاجة. # {ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد} سمى السنين المجدبة شدادا لشدتها على ~~الناس، {يأكلن} أي: يفنين ويهلكن، {ما قدمتم لهن} أي: يؤكل فيهن ما أعددتم ~~(1) لهن من الطعام، أضاف الأكل إلى السنين على طريق التوسع {إلا قليلا مما ~~تحصنون} تحرزون وتدخرون للبذر. # {ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس} أي: يمطرون، من الغيث: وهو ~~المطر. وقيل: ينقذون من قول العرب استغثت فلانا فأغاثني، {وفيه يعصرون} قرأ ~~حمزة والكسائي: " تعصرون " بالتاء، لأن الكلام كله على الخطاب، وقرأ ~~الآخرون بالياء ردا إلى الناس، ومعناه: يعصرون العنب خمرا، والزيتون زيتا، ~~والسمسم دهنا. وأراد به كثرة النعيم والخير. وقال أبو عبيدة: يعصرون أي ~~ينجون من الكروب والجدب، والعصر والعصرة: المنجاة والملجأ (2) . # {وقال الملك ائتوني به} وذلك أن الساقي لما رجع إلى الملك وأخبره بما ~~أفتاه (3) يوسف من تأويل رؤياه، وعرف الملك أن الذي قاله كائن، قال: ائتوني ~~به. PageV04P247 # {فلما جاءه الرسول} وقال له: أجب الملك، أبى أن يخرج مع الرسول حتى تظهر ~~براءته ثم {قال} للرسول: {ارجع إلى ربك} يعني: سيدك الملك، {فاسأله ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن} ولم يصرح بذكر امرأة العزيز أدبا واحتراما. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت ~~الداعي" (1) . # {إن ربي بكيدهن عليم} أي: إن الله بصنيعهن عالم، وإنما أراد يوسف بذكرهن ~~بعد طول المدة حتى لا ينظر إليه الملك بعين التهمة، ويصير إليه بعد زوال ~~الشك عن ms1286 أمره، فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته، فدعا الملك ~~النسوة وامرأة العزيز. ### || # {قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ~~قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ~~(51) ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52) } . # {قال} لهن {ما خطبكن} ما شأنكن وأمركن، {إذ راودتن يوسف عن نفسه} خاطبهن ~~والمراد امرأة العزيز، وقيل: إن امرأة العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة ~~أمرنه بطاعتها فلذلك خاطبهن. # {قلن حاش لله} معاذ لله، {ما علمنا عليه من سوء} خيانة. # {قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق} ظهر وتبين. وقيل: إن النسوة أقبلن ~~على امرأة العزيز فقررنها [فأقرت] (2) ، وقيل: خافت أن يشهدن عليها فأقرت. ~~{أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} في قوله: هي راودتني عن نفسي، فلما ~~سمع ذلك يوسف قال (3) : # {ذلك} أي: ذلك الذي فعلت من ردي رسول الملك إليه، {ليعلم} العزيز، {أني ~~لم أخنه} PageV04P248 # في زوجته، {بالغيب} أي: في حال غيبته، {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} ~~قوله ذلك ليعلم من كلام يوسف اتصل بقول امرأة العزيز: أنا راودته عن نفسه، ~~من غير تميز، لمعرفة السامعين (1) . # وقيل: فيه تقديم وتأخير: معناه: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة ~~اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم، ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب (2) ~~. # قيل: لما قال يوسف هذه المقالة، قال له جبريل: ولا حين هممت بها؟ فقال ~~يوسف عند ذلك: وما أبرئ نفسي (3) . # قال السدي: إنما قالت له امرأة العزيز: ولا حين حللت سراويلك يا يوسف؟ ~~فقال يوسف: (4) PageV04P249 ### || # {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم ~~(53) وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا ~~مكين أمين (54) } . # {وما أبرئ نفسي} من الخطإ والزلل فأزكيها، {إن النفس لأمارة بالسوء} ~~بالمعصية {إلا ما رحم ربي} أي: إلا من رحم ربي فعصمه، " ما " بمعنى من ~~-كقوله تعالى: {فانكحوا ms1287 ما طاب لكم} (النساء -3) أي: من طاب لكم-وهم ~~الملائكة، عصمهم الله عز وجل فلم يركب فيهم الشهوة. # وقيل: "إلا ما رحم ربي" إشارة إلى حالة العصمة عند رؤية البرهان. # {إن ربي غفور رحيم} فلما تبين للملك عذر يوسف عليه السلام وعرف أمانته ~~وعلمه: # {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي} أي: أجعله خالصا لنفسي، {فلما ~~كلمه} فيه اختصار تقديره: فجاء الرسول يوسف فقال له: أجب الملك الآن. # روي أنه قام ودعا لأهل السجن فقال: اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار، ولا ~~تعم عليهم الأخبار، فهم أعلم الناس بالأخبار في كل بلد، فلما خرج من السجن ~~كتب على باب السجن: هذا قبر الأحياء، وبيت الأحزان، وتجربة الأصدقاء، ~~وشماتة الأعداء. ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثيابا حسانا وقصد الملك ~~(1) . PageV04P249 # قال وهب: فلما وقف بباب الملك قال: حسبي ربي من دنياي، وحسبي ربي من ~~خلقه، عز جاره، وجل ثناؤه، ولا إله غيره. ثم دخل الدار فلما دخل على الملك ~~قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شره وشر غيره. فلما نظر ~~إليه الملك سلم عليه يوسف بالعربية فقال: الملك ما هذا اللسان؟ قال: لسان ~~عمي إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية فقال الملك: ما هذا اللسان؟ قال هذا ~~لسان آبائي، ولم يعرف الملك هذين اللسانين. # قال وهب: وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا فكلما تكلم بلسان أجابه يوسف ~~بذلك اللسان وزاد عليه بلسان العربية والعبرانية، فأعجب الملك [ما رأى منه] ~~(1) مع حداثة سنه، وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة، فأجلسه و، {قال إنك ~~اليوم لدينا مكين} [المكانة في الجاه] (2) ، {أمين} أي: صادق. # وروي أن الملك قال له: إني أحب أن أسمع رؤياي منك شفاها. # فقال يوسف: نعم أيها الملك، رأيت سبع بقرات سمان شهب غر حسان، كشف لك ~~عنهن النيل، فطلعن عليك من شاطئه تشخب أخلافهن لبنا، فبينما أنت تنظر إليهن ~~ويعجبك حسنهن إذ نضب النيل فغار ماؤه وبدا يبسه، فخرج من حمأته سبع بقرات ~~عجاف شعث غبر متقلصات [البطون، ليس لهن ms1288 ضروع ولا أخلاف] (3) ، ولهن أنياب ~~وأضراس وأكف كأكف الكلاب، وخراطيم كخراطيم السباع، فافترسن السمان افتراس ~~السبع، فأكلن لحومهن، ومزقن جلودهن، وحطمن عظامهن، وتمششن مخهن، فبينما أنت ~~تنظر وتتعجب 183/ب إذ سبع سنابل خضر وسبع أخر سود في منبت واحد [عروقهن في ~~الثرى والماء، فبينما أنت تقول في نفسك أنى هذا؟ خضر مثمرات وهؤلاء سود ~~يابسات، والمنبت واحد وأصولهن في الماء] (4) إذ هبت ريح فذرت الأوراق من ~~اليابسات السود على الخضر المثمرات فاشتعلت فيهن النار، فاحترقن فصرن سودا ~~فهذا ما رأيت، ثم انتبهت من نومك مذعورا. # فقال الملك: والله ما شأن هذه الرؤيا -وإن كانت عجيبة-بأعجب مما سمعت ~~منك، فما ترى في رؤياي أيها الصديق؟ # فقال يوسف عليه السلام: أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا في هذه ~~السنين المخصبة، وتجعل الطعام في الخزائن بقصبه وسنبله ليكون القصب والسنبل ~~علفا للدواب، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس، فيكفيك من الطعام الذي ~~جمعته لأهل مصر ومن حولها، ويأتيك الخلق من النواحي للميرة فيجتمع عندك من ~~الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك. PageV04P250 # فقال الملك: ومن لي بهذا ومن يجمعه ويبيعه ويكفيني الشغل فيه؟. ### || # {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) } . # ف {قال} يوسف، {اجعلني على خزائن الأرض} الخزائن: جمع خزانة، وأراد خزائن ~~الطعام والأموال، والأرض: أرض مصر، أي: خزائن أرضك. # وقال الربيع بن أنس: على خراج مصر ودخله. # {إني حفيظ عليم} أي: [حفيظ للخزائن عليم بوجوه مصالحها. وقيل: حفيظ عليم] ~~(1) كاتب حاسب. # وقيل: حفيظ لما استودعتني، عليم بما وليتني. # وقيل: حفيظ للحساب (2) عليم بالألسن أعلم لغة كل من يأتيني. # وقال الكلبي: حفيظ بتقديره في السنين الخصبة [في الأرض الجدبة] (3) عليم ~~بوقت الجوع حين يقع، فقال له الملك. ومن أحق به منك؟! فولاه ذلك وقال له: ~~إنك اليوم لدينا مكين، ذو مكانة ومنزلة، أمين على الخزائن. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني أبو عبد الله ~~الحسين بن محمد الفنجوي، حدثنا مخلد بن جعفر البقرجي، حدثنا الحسن بن ~~علويه، حدثنا إسماعيل ms1289 بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر، عن جويبر، عن الضحاك، ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم ~~الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، ولكنه ~~أخره لذلك سنة فأقام في بيته سنة مع الملك" (4) . # وبإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما انصرمت السنة من اليوم ~~الذي سأل الإمارة دعاه الملك فتوجه [وقلده بسيفه] (5) ووضع له سريرا من ذهب ~~مكلل بالدر والياقوت، وضرب عليه حلة من إستبرق، وطول السرير ثلاثون ذراعا، ~~وعرضه عشرة أذرع، عليه ثلاثون فراشا وستون مقرمة، ثم أمره أن يخرج، فخرج ~~متوجا، ولونه كالثلج، ووجهه كالقمر، يرى الناظر وجهه في صفاء لون وجهه، ~~فانطلق PageV04P251 # حتى جلس على السرير، ودانت له الملوك، ودخل الملك بيته وفوض إليه أمر ~~مصر، وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه قاله ابن إسحاق (1) . # وقال ابن زيد: وكان لملك مصر خزائن كثيرة فسلم سلطانه كله إليه وجعل أمره ~~وقضاءه نافذا، قالوا: ثم إن قطفير هلك في تلك الليالي فزوج الملك يوسف ~~راعيل امرأة قطفير، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟ ~~فقالت: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى في ملك ~~ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك ~~فغلبتني نفسي فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له ولدين: أفراثيم بن يوسف، ~~وميشا بن يوسف (2) . # واستوثق ليوسف ملك مصر، أي: اجتمع، فأقام فيهم العدل، وأحبه الرجال ~~والنساء، فذلك قوله تعالى: ### || # {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ~~ولا نضيع أجر المحسنين (56) ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ~~(57) } . # {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} يعني: أرض مصر ملكناه (3) ، {يتبوأ منها} ~~أي: ينزل {حيث يشاء} ويصنع فيها ما يشاء. # قرأ ابن كثير: " نشاء " بالنون ردا على قوله: {مكنا} وقرأ الآخرون بالياء ~~ردا على قوله {يتبوأ} . # {نصيب برحمتنا من نشاء} أي: بنعمتنا، {ولا ms1290 نضيع أجر المحسنين} قال ابن ~~عباس ووهب: يعني الصابرين. # قال مجاهد وغيره: فلم يزل يوسف عليه السلام يدعو الملك إلى الإسلام ~~ويتلطف له حتى أسلم الملك وكثير من الناس. فهذا في الدنيا. # {ولأجر الآخرة} ثواب الآخرة، {خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} . # فلما اطمأن يوسف في ملكه دبر في جمع الطعام بأحسن التدبير، وبنى الحصون ~~والبيوت الكثيرة، وجمع فيها الطعام للسنين المجدبة، وأنفق بالمعروف حتى خلت ~~السنون المخصبة ودخلت السنون المجدبة بهول لم يعهد الناس بمثله. ~~PageV04P252 # وروي أنه كان قد دبر في طعام الملك وحاشيته كل يوم مرة واحدة نصف النهار ~~(1) ، فلما دخلت سنة القحط كان أول من أخذه الجوع هو الملك في نصف الليل ~~فنادى يا يوسف الجوع الجوع!. # فقال يوسف: هذا أوان القحط. # ففي السنة الأولى من سني الجدب هلك كل شيء أعدوه في السنين المخصبة، فجعل ~~أهل مصر يبتاعون من يوسف الطعام، فباعهم أول سنة بالنقود حتى لم يبق بمصر ~~دينار ولا درهم إلا قبضه، وباعهم السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق ~~في أيدي الناس منها شيء، وباعهم السنة الثالثة بالمواشي والدواب حتى احتوى ~~عليها أجمع، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى لم يبق في يد أحد ~~عبد ولا أمة، وباعهم السنة الخامسة بالضياع والعقار والدور حتى احتوى ~~عليها، وباعهم السنة السادسة بأولادهم حتى استرقهم، وباعهم السنة السابعة ~~برقابهم [حتى استرقهم] (2) ، ولم يبق بمصر حر ولا حرة إلا صار عبدا له. # فقال الناس: ما رأينا يوما كاليوم ملكا أجل ولا أعظم من هذا. # ثم قال يوسف للملك: كيف رأيت صنع ربي فيما خولني فما ترى في ذلك؟ # فقال له الملك: الرأي رأيك ونحن لك تبع. # قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم، ورددت عليهم ~~أملاكهم (3) . # وروي أن يوسف كان لا يشبع من طعام في تلك الأيام، فقيل له: أتجوع وبيدك ~~خزائن الأرض؟. # فقال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع، وأمر يوسف عليه السلام طباخي الملك ~~أن يجعلوا غداءه نصف النهار، وأراد بذلك ms1291 أن يذوق الملك طعم الجوع فلا ينسى ~~الجائعين، فمن ثم جعل الملوك غذاءهم نصف النهار. # قال: وقصد الناس مصر من كل أوب يمتارون الطعام فجعل يوسف لا يمكن أحدا ~~منهم -وإن كان عظيما-من أكثر من حمل بعير تقسيطا بين الناس، وتزاحم الناس ~~عليه وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام ما أصاب الناس في سائر البلاد من القحط ~~والشدة، ونزل بيعقوب ما نزل بالناس، فأرسل بنيه إلى مصر للميرة، وأمسك ~~بنيامين أخا يوسف لأمه، فذلك قوله تعالى: PageV04P253 ### || # {وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) } . # {وجاء إخوة يوسف} وكانوا عشرة، وكان منزلهم بالعرنات من أرض فلسطين، بغور ~~الشام، وكانوا أهل بادية وإبل وشاة، فدعاهم يعقوب عليه السلام وقال: يا بني ~~بلغني أن بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام، فتجهزوا لتشتروا 184/أمنه الطعام، ~~فأرسلهم فقدموا مصر، {فدخلوا عليه} على يوسف، {فعرفهم} يوسف عليه السلام. # قال ابن عباس ومجاهد: عرفهم بأول ما نظر إليهم. # وقال الحسن: لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه. # {وهم له منكرون} أي: لم يعرفوه. قال ابن عباس: وكان بين أن قذفوه في ~~البئر وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة، فلذلك أنكروه. # وقال عطاء: إنما لم يعرفوه لأنه كان على سرير الملك وعلى رأسه تاج الملك. # وقيل: لأنه كان بزي ملوك مصر، عليه ثياب من حرير وفي عنقه طوق من ذهب، ~~فلما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية، قال لهم: أخبروني من أنتم وما ~~أمركم فإني أنكرت شأنكم؟ قالوا نحن قوم من أرض الشام رعاة، أصابنا الجهد ~~فجئنا نمتار. # فقال: لعلكم جئتم تنظرون عورة بلادي. # قالوا: لا والله ما نحن بجواسيس، إنما نحن إخوة بنو أب واحد، وهو شيخ ~~صديق يقال له يعقوب (1) نبي من أنبياء الله. # قال: وكم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر، فذهب أخ لنا معنا إلى البرية، فهلك ~~فيها، وكان أحبنا إلى أبينا. # قال: فكم أنتم ها هنا؟. # قالوا: عشرة. # قال: وأين الآخر؟ # قالوا: عند أبينا، لأنه أخو الذي هلك لأمه (2) ، فأبونا يتسلى به. # قال: فمن يعلم أن الذي تقولون ms1292 حق؟ # قالوا: أيها الملك إنا ببلاد لا يعرفنا أحد [من أهلها] (3) . PageV04P254 # فقال يوسف: فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين، وأنا أرضى بذلك. # قالوا: فإن أبانا يحزن على فراقه وسنراود عنه أباه. # قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم، فاقترعوا بينهم، فأصابت ~~القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأيا في يوسف، فخلفوه عنده. فذلك قوله عز وجل: ### || # {ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي ~~الكيل وأنا خير المنزلين (59) فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا ~~تقربون (60) قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (61) وقال لفتيانه اجعلوا ~~بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون (62) ~~} . # {ولما جهزهم بجهازهم} أي: حمل لكل واحد بعيرا بعدتهم، {قال ائتوني بأخ ~~لكم من أبيكم} يعني ينيامين، {ألا ترون أني أوفي الكيل} أي: أتمه ولا أبخس ~~الناس شيئا، فأزيدكم حمل بعير لأجل أخيكم، وأكرم منزلتكم وأحسن إليكم، ~~{وأنا خير المنزلين} قال مجاهد: أي خير المضيفين. وكان قد أحسن ضيافتهم. # {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي} أي: ليس لكم عندي طعام أكيله لكم ~~{ولا تقربون} أي: لا تقربوا داري [وبلادي] (1) بعد ذلك وهو جزم على النهي. # {قالوا سنراود عنه أباه} أي: نطلبه ونسأله أن يرسله معنا، {وإنا لفاعلون} ~~ما أمرتنا به. # {وقال لفتيانه} قرأ حمزة والكسائي وحفص: {لفتيانه} بالألف والنون، وقرأ ~~الباقون: (2) " لفتيته " بالتاء من غير ألف يريد لغلمانه، وهما لغتان مثل ~~الصبيان والصبية، {اجعلوا بضاعتهم} ثمن طعامهم وكانت دراهم. # وقال الضحاك عن ابن عباس: كانت النعال والأدم. # وقيل: كانت ثمانية جرب من سويق المقل. والأول أصح. # {في رحالهم} أوعيتهم، وهي جمع رحل، {لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا} ~~انصرفوا، {إلى أهلهم لعلهم يرجعون} . # واختلفوا في السبب الذي فعله يوسف من أجله، قيل: أراد أن يريهم كرمه في ~~رد البضاعة وتقديم PageV04P255 # الضمان في البر والإحسان، ليكون أدعى لهم إلى العود، لعلهم يعرفونها، أي: ~~كرامتهم علينا. # وقيل: رأى لؤما أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع حاجتهم إليه، ms1293 فرده ~~عليهم من حيث لا يعلمون تكرما. # وقال الكلبي: تخوف أن لا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى. # وقيل: فعل ذلك لأنه علم أن ديانتهم تحملهم على رد البضاعة نفيا للغلط ولا ~~يستحلون إمساكها. ### || # {فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا ~~نكتل وإنا له لحافظون (63) } . # {قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو ~~أرحم الراحمين (64) } . # {فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا} إنا قدمنا على خير رجل، أنزلنا ~~وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من أولاد يعقوب ما أكرمنا كرامته، فقال لهم ~~يعقوب: إذا أتيتم ملك مصر فأقرئوه مني السلام، وقولوا له: إن أبانا يصلي ~~عليك ويدعو لك بما أوليتنا، ثم قال: أين شمعون؟ قالوا: ارتهنه ملك مصر، ~~وأخبروه بالقصة، فقال لهم: ولم أخبرتموه؟ قالوا: إنه أخذنا وقال أنتم ~~جواسيس -حيث كلمناه بلسان العبرانية-وقصوا عليه القصة، وقالوا يا أبانا: # {منع منا الكيل} [قال الحسن: معناه يمنع منا الكيل] (1) إن لم تحمل أخانا ~~معنا. # وقيل: معناه أعطى باسم كل واحد حملا ومنع منا الكيل لبنيامين، والمراد ~~بالكيل: الطعام، لأنه يكال. # {فأرسل معنا أخانا} بنيامين، {نكتل} قرأ حمزة والكسائي: {يكتل} بالياء، ~~يعني: يكتل لنفسه كما نحن نكتال، [وقرأ الآخرون: {نكتل} بالنون، يعني: نكتل ~~نحن] (2) وهو الطعام. وقيل: نكتل له، {وإنا له لحافظون} . # {قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه} يوسف {من قبل} أي: كيف ~~آمنكم عليه وقد فعلتم بيوسف ما فعلتم؟ {فالله خير حافظا} قرأ حمزة والكسائي ~~وحفص: {حافظا} بالألف على التفسير، كما يقال: هو خير رجلا وقرأ الآخرون: ~~{حفظا} بغير ألف على المصدر، يعني: خيركم حفظا، يقول: حفظه خير من حفظكم. ~~{وهو أرحم الراحمين} PageV04P256 ### || # {ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه ~~بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ~~(65) قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن ms1294 يحاط ~~بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) } . # {ولما فتحوا متاعهم} الذي حملوه من مصر، {وجدوا بضاعتهم} ثمن الطعام، ~~{ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي} أي: ماذا نبغي وأي شيء نطلب؟ وذلك أنهم ~~ذكروا ليعقوب عليه السلام إحسان الملك إليهم، وحثوه على إرسال بنيامين ~~معهم، فلما فتحوا المتاع ووجدوا البضاعة، {هذه بضاعتنا ردت إلينا} أي شيء ~~نطلب بالكلام، فهذا هو العيان من الإحسان والإكرام، أوفى لنا الكيل ورد ~~علينا الثمن. أرادوا تطييب نفس أبيهم، {ونمير أهلنا} أي: نشتري لهم الطعام ~~فنحمله إليهم. يقال: مار أهله يمير ميرا: إذا حمل إليهم الطعام من بلد [إلى ~~بلد آخر] (1) . ومثله: امتار يمتار امتيارا. {ونحفظ أخانا} بنيامين، أي: ~~مما تخاف عليه. {ونزداد} على أحمالنا، {كيل بعير} أي: حمل بعير يكال لنا من ~~أجله، لأنه كان يعطي باسم كل رجل حمل بعير، {ذلك كيل يسير} [أي: ما حملناه ~~قليل لا يكفينا وأهلنا. وقيل: معناه نزداد كيل بعير ذلك كيل يسير] (2) لا ~~مؤنة فيه ولا مشقة. # وقال مجاهد: البعير ها هنا هو الحمار. كيل بعير، أي: حمل حمار، وهي لغة، ~~يقال للحمار: بعير. وهم كانوا أصحاب حمر، والأول أصح أنه البعير المعروف. # {قال} لهم يعقوب، {لن أرسله معكم حتى تؤتون} تعطوني {موثقا} ميثاقا ~~وعهدا، {من الله} والعهد الموثق: المؤكد بالقسم. وقيل: هو المؤكد [بإشهاد ~~الله] (3) على نفسه {لتأتنني به} وأدخل اللام فيه لأن معنى الكلام اليمين، ~~{إلا أن يحاط بكم} قال مجاهد إلا أن تهلكوا جميعا. # وقال قتادة: إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك. # وفي القصة: أن الإخوة ضاق الأمر عليهم وجهدوا أشد الجهد، فلم يجد يعقوب ~~بدا من إرسال بنيامين معهم. # {فلما آتوه موثقهم} 184/ب أعطوه عهودهم (4) ، {قال} يعني: يعقوب ~~PageV04P257 # {الله على ما نقول وكيل} شاهد. وقيل: حافظ. قال كعب: لما قال يعقوب فالله ~~خير حافظا، قال الله عز وجل: وعزتي لأردن عليك كليهما بعدما توكلت علي. ### || # {وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما ms1295 أغني ~~عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ~~(67) ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا ~~حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون (68) } . # {وقال} لهم يعقوب لما أرادوا الخروج من عنده، {يا بني لا تدخلوا من باب ~~واحد وادخلوا من أبواب متفرقة} وذلك أنه خاف عليهم العين؛ لأنهم كانوا ~~أعطوا جمالا وقوة وامتداد قامة، وكانوا ولد رجل واحد، فأمرهم أن يتفرقوا في ~~دخولهم لئلا يصابوا بالعين، فإن العين حق (1) ، وجاء في الأثر: "إن العين ~~تدخل الرجل القبر، والجمل القدر" (2) . # وعن إبراهيم النخعي: أنه قال ذلك لأنه كان يرجو أن يروا يوسف في التفرق. ~~والأول أصح. # ثم قال: {وما أغني عنكم من الله من شيء} معناه: إن كان الله قضى فيكم ~~قضاء فيصيبكم مجتمعين كنتم أو متفرقين، فإن المقدور كائن والحذر لا ينفع من ~~القدر، {إن الحكم} ما الحكم، {إلا لله} هذا تفويض يعقوب أموره إلى الله، ~~{عليه توكلت} اعتمدت، {وعليه فليتوكل المتوكلون} . # {ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم} أي: من الأبواب المتفرقة. وقيل: كانت ~~المدينة مدينة الفرماء ولها أربعة أبواب، فدخلوها من أبوابها، {ما كان ~~يغني} يدفع {عنهم من الله من شيء} صدق الله تعالى يعقوب فيما قال، {إلا ~~حاجة} مرادا، {في نفس يعقوب قضاها} أشفق عليهم إشفاق الآباء على أبنائهم ~~وجرى الأمر عليه، {وإنه} يعني: يعقوب عليه السلام، {لذو علم} يعني: كان ~~يعمل ما يعمل عن علم لا عن جهل، {لما علمناه} أي: لتعليمنا إياه. وقيل: إنه ~~لعامل بما علم. PageV04P258 # قال سفيان: من لا يعمل بما يعلم لا يكون عالما. وقيل: وإنه لذو حفظ لما ~~علمناه. # {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ما يعلم يعقوب لأنهم لم يسلكوا طريق إصابة ~~العلم. وقال ابن عباس: لا يعلم المشركون ما ألهم الله أولياءه. ### || # {ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما ~~كانوا يعملون (69) } . # قوله ms1296 عز وجل: {ولما دخلوا على يوسف} قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن ~~نأتيك به قد جئناك به، فقال: أحسنتم وأصبتم، وستجدون جزاء ذلك عندي، ثم ~~أنزلهم وأكرمهم (1) ، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، فبقي ~~بنيامين وحيدا، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه، فقال يوسف: ~~لقد بقي أخوكم هذا وحيدا، فأجلسه معه على مائدته، فجعل يواكله فلما كان ~~الليل أمر لهم [بمثل ذلك] (2) وقال: لينم كل أخوين منكم على مثال، فبقي ~~بنيامين وحده، فقال يوسف: هذا ينام معي على فراشي، فنام معه، فجعل يوسف ~~يضمه إليه ويشم ريحه حتى أصبح، وجعل روبين يقول: ما رأينا مثل هذا، فلما ~~أصبح، قال لهم: إني أرى هذا الرجل ليس معه ثان فسأضمه إلي فيكون منزله معي، ~~ثم أنزلهم منزلا وأجرى عليهم الطعام، وأنزل أخاه لأمه معه، فذلك قوله ~~تعالى: # {آوى إليه أخاه} أي: ضم إليه أخاه فلما خلا به قال: ما اسمك؟ قال: ~~بنيامين، قال: وما بنيامين؟ قال: ابن المثكل، وذلك أنه لما ولد هلكت أمه. ~~قال: وما اسم أمك؟ قال: راحيل بنت لاوي، فقال: فهل لك من ولد؟ قال: نعم ~~عشرة بنين، [قال: فهل لك من أخ لأمك، قال: كان لي أخ فهلك، قال يوسف] (3) ~~أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك، فقال بنيامين: ومن يجد أخا مثلك أيها ~~الملك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف عند ذلك وقام إليه وعانقه ~~(4) ، وقال له: {قال إني أنا أخوك فلا تبتئس} أي: لا تحزن، {بما كانوا ~~يعملون} بشيء فعلوه بنا فيما مضى، فإن الله تعالى قد أحسن إلينا، ولا ~~تعلمهم شيئا مما أعلمتك، ثم أوفى يوسف لإخوته الكيل، وحمل لهم بعيرا بعيرا، ~~ولبنيامين بعيرا باسمه، ثم أمر بسقاية الملك فجعلت في رحل بنيامين. ~~PageV04P259 # قال السدي: جعلت السقاية في رحل أخيه، والأخ لا يشعر. # وقال كعب: لما قال له يوسف إني أنا أخوك، قال بنيامين: أنا لا أفارقك، ~~فقال له يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي وإذا حبستك ازداد ms1297 غمه ولا يمكنني ~~هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع وأنسبك إلى ما لا يحمد (1) ، قال: لا ~~أبالي، فافعل، ما بدا لك، فإني لا أفارقك، قال: فإني أدس صاعي في رحلك ثم ~~أنادي عليكم بالسرقة، ليهيأ لي ردك بعد تسريحك. قال: فافعل فذلك قوله ~~تعالى: PageV04P260 ### || # {فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير ~~إنكم لسارقون (70) قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون (71) قالوا نفقد صواع ~~الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) } . # {فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه} وهي المشربة التي كان ~~الملك يشرب منها. # قال ابن عباس: كانت من زبرجد. # وقال ابن إسحاق: كانت من فضة. وقيل: من ذهب، وقال عكرمة: كانت مشربة من ~~فضة مرصعة بالجواهر، جعلها يوسف مكيالا لئلا يكال بغيرها، وكان يشرب منها. # والسقاية والصواع واحد، وجعلت في وعاء طعام بنيامين، ثم ارتحلوا وأمهلهم ~~يوسف حتى انطلقوا وذهبوا منزلا. # وقيل: حتى خرجوا من العمارة، ثم بعث خلفهم من استوقفهم وحبسهم. # {ثم أذن مؤذن} نادى مناد، {أيتها العير} وهي القافلة التي فيها الأحمال. ~~قال مجاهد: كانت العير حميرا. وقال الفراء: كانوا أصحاب إبل. {إنكم ~~لسارقون} قفوا. قيل: قالوه من غير أمر يوسف. وقيل: قالوه بأمره، وكان هفوة ~~منه. وقيل: قالوه على تأويل أنهم سرقوا يوسف من أبيه، فلما انتهى إليهم ~~الرسول، قال لهم: ألم نكرم ضيافتكم ونحسن منزلتكم، ونوفكم كيلكم، ونفعل بكم ~~ما لم نفعل بغيركم؟ قالوا: بلى، وما ذاك؟ قالوا: سقاية الملك فقدناها، ولا ~~نتهم عليها غيركم. فذلك قوله عز وجل: # {قالوا وأقبلوا عليهم} عطفوا على المؤذن وأصحابه، {ماذا تفقدون} ما الذي ~~ضل عنكم. والفقدان: ضد الوجد. # {قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير} من الطعام، {وأنا به زعيم} ~~كفيل، يقوله المؤذن. # PageV04P260 ### || # {قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) ~~قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ~~كذلك نجزي الظالمين (75) فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم ms1298 استخرجها من وعاء ~~أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله ~~نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76) } . # {قالوا} يعني: إخوة يوسف، {تالله} أي: والله، وخصت هذه الكلمة بأن أبدلت ~~الواو فيها بالتاء في اليمين دون سائر أسماء الله تعالى. {لقد علمتم ما ~~جئنا لنفسد في الأرض} لنسرق في أرض مصر. # فإن قيل: كيف قالوا لقد علمتم؟ ومن أين علموا ذلك؟. # قيل: قالوا لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض، فإنا منذ قطعنا هذا الطريق ~~لم نرزأ أحدا شيئا فاسألوا عنا من مررنا به: هل ضررنا أحدا؟ # وقيل: لأنهم ردوا البضاعة التي جعلت في رحالهم،قالوا: فلو كنا سارقين ما ~~رددناها. # وقيل: قالوا ذلك لأنهم كانوا معروفين بأنهم لا يتناولون ما ليس لهم، ~~وكانوا إذا دخلوا مصر كمموا أفواه دوابهم كيلا تتناول شيئا من حروث الناس. # {وما كنا سارقين} . # {قالوا} يعني المنادي وأصحابه {فما جزاؤه} أي: جزاء السارق، {إن كنتم ~~كاذبين} في قولكم "وما كنا سارقين". # {قالوا} [يعني: إخوة يوسف] (1) ، {جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه} أي: ~~فالسارق جزاؤه أن يسلم السارق بسرقته إلى المسروق منه فيسترقه سنة، وكان ~~ذلك سنة آل يعقوب في حكم السارق، وكان حكم ملك مصر أن يضرب السارق ~~185/أويغرم ضعفي قيمة المسروق، فأراد يوسف أن يحبس أخاه عنده، فرد الحكم ~~إليهم ليتمكن من حبسه عنده على حكمهم. # {وكذلك نجزي الظالمين} الفاعلين ما ليس لهم فعله من سرقة مال الغير. # فقال الرسول عند ذلك: لا بد من تفتيش أمتعتكم. # فأخذ في تفتيشها. وروي أنه ردهم إلى يوسف فأمر بتفتيش أوعيتهم بين يديه. # {فبدأ بأوعيتهم} لإزالة التهمة، {قبل وعاء أخيه} فكان يفتش أوعيتهم واحدا ~~واحدا. قال PageV04P261 # قتادة: ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعا ولا ينظر في وعاء إلا استغفر الله ~~تأثما مما قذفهم به حتى إذا لم يبق إلا رحل بنيامين، قال: ما أظن هذا أخذه، ~~فقال إخوته: والله لا نترك حتى تنظر في رحله فإنه أطيب ms1299 لنفسك ولأنفسنا، ~~فلما فتحوا متاعه استخرجوه منه. فذلك قوله تعالى: # {ثم استخرجها من وعاء أخيه} وإنما أنث الكناية في قوله "ثم استخرجها" ~~والصواع مذكر، بدليل قوله: "ولمن جاء به حمل بعير"؛ لأنه رد الكناية ها هنا ~~إلى السقاية. # وقيل: الصواع يذكر ويؤنث. فلما أخرج الصواع من رحل بنيامين نكس إخوته ~~رؤوسهم من الحياء، وأقبلوا على بنيامين وقالوا: ما الذي صنعت فضحتنا وسودت ~~وجوهنا يا بني راحيل؟ ما يزال لنا منكم البلاء، متى أخذت هذا الصواع؟ فقال ~~بنيامين: بل بنو راحيل لا يزال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه في ~~البرية، ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم، فأخذوا ~~بنيامين رقيقا (1) . # وقيل: إن ذلك الرجل أخذ برقبته ورده إلى يوسف كما يرد (2) السراق. {كذلك ~~كدنا ليوسف} والكيد ها هنا جزاء الكيد، يعني: كما فعلوا في الابتداء بيوسف ~~من الكيد فعلنا بهم. وقد قال يعقوب عليه السلام ليوسف: "فيكيدوا لك كيدا"، ~~فكدنا ليوسف في أمرهم. # والكيد من الخلق: الحيلة، ومن الله تعالى التدبير بالحق. وقيل: كدنا: ~~ألهمنا. وقيل: دبرنا. وقيل: أردنا. ومعناه: صنعنا ليوسف حتى ضم أخاه إلى ~~نفسه، وحال بينه وبين إخوته. # {ما كان ليأخذ أخاه} فيضمه إلى نفسه، {في دين الملك} أي: في حكمه. قاله ~~قتادة. وقال ابن عباس: في سلطانه. {إلا أن يشاء الله} يعني: إن يوسف لم يكن ~~يتمكن من حبس أخيه في حكم الملك لولا ما كدنا له بلطفنا حتى وجد السبيل إلى ~~ذلك، وهو ما أجرى على ألسنة الإخوة أن جزاء السارق الاسترقاق، فحصل مراد ~~يوسف بمشيئة الله تعالى. # {نرفع درجات من نشاء} بالعلم كما رفعنا درجة يوسف على إخوته. وقرأ يعقوب: ~~" يرفع " و" يشاء " بالياء فيهما [وإضافة درجات إلى {من} في هذه السورة. ~~والوجه أن الفعل فيهما مسند إلى الله تعالى وقد تقدم ذكره في قوله: {إلا أن ~~يشاء الله} أي: يرفع الله درجات من يشاء. وقرأ الباقون بالنون فيهما إلا أن ~~الكوفيين قرؤوا: " درجات " بالتنوين، ومن سواهم بالإضافة، أي: نرفع به ms1300 نحن، ~~والرافع أيضا هو الله تعالى] (3) . PageV04P262 # {وفوق كل ذي علم عليم} قال ابن عباس: فوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي ~~العلم إلى الله تعالى. فالله تعالى فوق كل عالم. ### || # {قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ~~قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) } . # {قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} يريدون أخا له من أمه، يعني: يوسف. ~~واختلفوا في السرقة التي وصفوا بها يوسف عليه السلام، فقال سعيد بن جبير ~~وقتادة: كان لجده، أبي أمه، صنم يعبده، فأخذه سرا، أو كسره وألقاه في ~~الطريق لئلا يعبد (1) . # وقال مجاهد: إن يوسف جاءه سائل يوما، فأخذ بيضة من البيت فناولها للسائل. ~~وقال سفيان بن عيينة: أخذ دجاجة من الطير التي كانت في بيت يعقوب فأعطاها ~~سائلا. وقال وهب: كان يخبئ الطعام من المائدة للفقراء (2) . # وذكر محمد بن إسحاق: أن يوسف كان عند عمته ابنة إسحاق، بعد موت أمه ~~راحيل، فحضنته عمته وأحبته حبا شديدا، فلما ترعرع وقعت محبة يعقوب عليه، ~~فأتاها وقال: يا أختاه سلمي إلي يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ~~ساعة. قالت: لا والله، فقال: والله ما أنا بتاركه، فقالت: دعه عندي أياما ~~أنظر إليه لعل ذلك يسليني عنه، ففعل ذلك، فعمدت إلى منطقة لإسحاق كانوا ~~يتوارثونها بالكبر، فكانت عندها لأنها كانت أكبر ولد إسحاق، فحزمت المنطقة ~~على يوسف تحت ثيابه وهو صغير، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق اكشفوا أهل ~~البيت فكشفوا فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه لسلم لي، فقال يعقوب: إن ~~كان فعل ذلك فهو سلم لك (3) ، فأمسكته حتى ماتت، فذلك الذي قال إخوة يوسف: ~~{إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} (4) . # {فأسرها} أضمرها {يوسف في نفسه ولم يبدها لهم} وإنما أتت الكناية لأنه ~~عني بها الكلمة، وهي قوله: {قال أنتم شر مكانا} [ذكرها سرا في نفسه ولم ~~يصرح بها، يريد أنتم شر مكانا] (5) PageV04P263 # أي: منزلة عند الله ممن رميتموه بالسرقة ms1301 في صنيعكم بيوسف، لأنه لم يكن من ~~يوسف سرقة حقيقية، وخيانتكم (1) حقيقة، {والله أعلم بما تصفون} تقولون. ### || # {قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من ~~المحسنين (78) } . # {قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون (79) } ~~. # {قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا} وفي القصة أنهم غضبوا غضبا ~~شديدا لهذه الحالة، وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، وكان روبيل إذا ~~غضب لم يقم لغضبه شيء، وإذا صاح ألقت كل امرأة حامل سمعت صوته ولدها، وكان ~~مع هذا إذا مسه أحد من ولد يعقوب سكن غضبه. # وقيل: كان هذا صفة شمعون من ولد يعقوب. # وروي أنه قال لإخوته: كم عدد الأسواق بمصر؟ فقالوا عشرة، فقال: اكفوني ~~أنتم الأسواق وأنا أكفيكم الملك، أو اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم ~~الأسواق، فدخلوا على يوسف فقال روبيل: لتردن علينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا ~~تبقي بمصر امرأة حامل إلا ألقت ولدها وقامت كل شعرة في جسد روبيل فخرجت من ~~ثيابه، فقال يوسف لابن له صغير: قم إلى جنب روبيل فمسه. وروي: خذ بيده ~~فأتني به، فذهب الغلام فمسه فسكن غضبه. فقال روبيل: إن ها هنا لبزرا من بزر ~~(1) يعقوب، فقال يوسف: من يعقوب؟. # وروي أنه غضب ثانيا فقام إليه يوسف فركضه برجله وأخذ بتلابيبه، فوقع على ~~الأرض وقال: أنتم معشر العبرانيين تظنون أن لا أحد أشد منكم؟ # فلما صار أمرهم إلى هذا ورأوا أن لا سبيل لهم إلى تخليصه خضعوا وذلوا، ~~وقالوا: يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا يحبه، {فخذ أحدنا مكانه} بدلا ~~منه، {إنا نراك من المحسنين} في أفعالك (2) . وقيل: من المحسنين إلينا في ~~توفية الكيل وحسن الضيافة ورد البضاعة. وقيل: يعنون إن فعلت ذلك كنت من ~~المحسنين. # {قال} يوسف، {معاذ الله} أعوذ بالله، {أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} ~~ولم يقل إلا من سرق تحرزا من الكذب، {إنا إذا لظالمون} إن أخذنا بريئا ~~بمجرم. PageV04P264 ### || # {فلما استيأسوا منه ms1302 خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ ~~عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي ~~أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين (80) } . # {فلما استيئسوا منه} أي: أيسوا من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوه. وقال أبو ~~عبيدة: استيئسوا استيقنوا أن الأخ لا يرد إليهم. {خلصوا نجيا} أي: خلا ~~بعضهم ببعض يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم غيرهم. # والنجي يصلح للجماعة كما قال ها هنا، ويصلح للواحد كقوله: {وقربناه نجيا} ~~(مريم -52) 185/ب وإنما جاز للواحد والجمع لأنه مصدر جعل نعتا كالعدل ~~والزور، ومثله النجوى يكون اسما ومصدرا، قال الله تعالى: {وإذ هم نجوى} ~~(الإسراء -47) ، أي: متناجون. وقال: {ما يكون من نجوى ثلاثة} (المجادلة -7) ~~، وقال في المصدر {إنما النجوى من الشيطان} (المجادلة -10) . # {قال كبيرهم} يعني: في العقل والعلم لا في السن. قال ابن عباس والكلبي: ~~هو يهوذا وهو أعقلهم. وقال مجاهد: هو شمعون، وكانت له الرئاسة على إخوته. ~~وقال قتادة والسدي والضحاك: هو روبيل، وكان أكبرهم في السن، وهو الذي نهى ~~الإخوة عن قتل يوسف (1) . # {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا} عهدا. {من الله ومن قبل ما ~~فرطتم} قصرتم {في يوسف} واختلفوا في محل " ما "؛ قيل: هو نصب بإيقاع العلم ~~عليه، يعني: ألم تعلموا من قبل تفريطكم في يوسف. PageV04P265 # [وقيل: وهو في محل الرفع على الابتداء وتم الكلام عند قوله: {من الله} ثم ~~قال {ومن قبل} هذا تفريطكم في يوسف] (1) وقيل: {ما} صلة. أي: ومن قبل هذا ~~فرطتم في يوسف. # {فلن أبرح الأرض} التي أنا بها وهي أرض مصر {حتى يأذن لي أبي} بالخروج ~~منها ويدعوني، {أو يحكم الله لي} برد أخي إلي، أو بخروجي وترك أخي. وقيل: ~~أو يحكم الله لي بالسيف فأقاتلهم وأسترد أخي. # {وهو خير الحاكمين} أعدل من فصل بين الناس. ### || # {ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا ~~وما كنا للغيب حافظين (81) } . # {ارجعوا إلى أبيكم} يقول الأخ المحتبس [بمصر] (2) لإخوته ms1303 ارجعوا إلى ~~أبيكم، {فقولوا يا أبانا إن ابنك} بنيامين، {سرق} قرأ ابن عباس والضحاك ~~"سرق" بضم السين وكسر الراء وتشديدها، يعني: نسب إلى السرقة، كما يقال: ~~خونته أي نسبته إلى الخيانة. # {وما شهدنا إلا بما علمنا} [يعني: ما قلنا هذا إلا بما علمنا] (3) فإنا ~~رأينا إخراج الصاع من متاعه. وقيل: معناه: وما شهدنا، أي: ما كانت منا ~~شهادة في عمرنا على شيء إلا بما علمنا، وليست هذه شهادة منا إنما هو خبر عن ~~صنيع ابنك بزعمهم. # وقيل: قال لهم يعقوب عليه السلام: ما يدري هذا الرجل أن السارق يؤخذ ~~بسرقته إلا بقولكم، فقالوا: ما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترق إلا بما ~~علمنا، وكان الحكم ذلك عند الأنبياء؛ يعقوب وبنيه. # {وما كنا للغيب حافظين} قال مجاهد وقتادة: ما كنا نعلم أن ابنك سيسرق ~~ويصير أمرنا إلى هذا ولو علمنا ذلك ما ذهبنا إليه، وإنما قلنا ونحفظ أخانا ~~مما لنا إلى حفظه منه سبيل. وعن ابن عباس: ما كنا لليله ونهاره ومجيئه ~~وذهابه حافظين. وقال عكرمة: وما كنا للغيب حافظين فلعلها دست بالليل في ~~رحله. PageV04P266 ### || # {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون (82) ~~قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه ~~هو العليم الحكيم (83) وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من ~~الحزن فهو كظيم (84) } . # {واسأل القرية التي كنا فيها} أي: أهل القرية وهي مصر. قال ابن عباس: هي ~~قرية من قرى مصر كانوا ارتحلوا منها إلى مصر. {والعير التي أقبلنا فيها} ~~أي: القافلة التي كنا فيها. وكان صحبهم قوم من كنعان من جيران يعقوب. قال ~~ابن إسحاق: عرف الأخ المحتبس بمصر أن إخوته أهل تهمة عند أبيهم لما كانوا ~~صنعوا في أمر يوسف، فأمرهم أن يقولوا هذا لأبيهم. # {وإنا لصادقون} فإن قيل: كيف استجاز يوسف أن يعمل مثل هذا بأبيه ولم ~~يخبره بمكانه، وحبس أخاه مع علمه بشدة وجد أبيه عليه، وفيه معنى العقوق ~~وقطيعة الرحم وقلة الشفقة؟. ms1304 قيل: قد أكثر الناس فيه، والصحيح أنه عمل ذلك ~~بأمر الله سبحانه وتعالى، أمره بذلك، ليزيد في بلاء يعقوب، فيضاعف له ~~الأجر، ويلحقه في الدرجة بآبائه الماضين. وقيل: إنه لم يظهر نفسه لإخوته؛ ~~لأنه لم يأمن أن يدبروا في أمره تدبيرا فيكتموه عن أبيه. والأول أصح. # {قال بل سولت لكم} زينت، {أنفسكم أمرا} وفيه اختصار معناه: فرجعوا إلى ~~أبيهم وذكروا لأبيهم ما قال كبيرهم، فقال يعقوب: {بل سولت لكم أنفسكم أمرا} ~~، أي: حمل أخيكم إلى مصر لطلب نفع عاجل. {فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم ~~جميعا} يعني: يوسف، وبنيامين، وأخاهم المقيم بمصر. {إنه هو العليم} بحزني ~~ووجدي على فقدهم، {الحكيم} في تدبير خلقه. # قوله تعالى: {وتولى عنهم} وذلك أن يعقوب عليه السلام لما بلغه خبر ~~بنيامين تتام حزنه وبلغ جهده، وتهيج حزنه على يوسف فأعرض عنهم، {وقال يا ~~أسفى} يا حزناه، {على يوسف} والأسف أشد الحزن، {وابيضت عيناه من الحزن} عمي ~~بصره. قال مقاتل: لم يبصر بهما ست سنين، {فهو كظيم} أي: مكظوم مملوء من ~~الحزن ممسك عليه لا يبثه. وقال قتادة: يردد حزنه في جوفه ولم يقل إلا خيرا. ~~قال الحسن: كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقى معه ثمانون عاما، ~~لا تجف عينا يعقوب وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على الله من يعقوب. # PageV04P267 ### || # {قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85) قال ~~إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86) } . # {قالوا} يعني: أولاد يعقوب، {تالله تفتأ تذكر يوسف} أي: لا تزال تذكر ~~يوسف، لا تفتر من حبه، و" لا " محذوفة من قوله {تفتأ} يقال: ما فتئ يفعل ~~كذا أي: ما زال، كقول امرئ القيس: فقلت يمين الله أبرح قائما ... ولو قطعوا ~~رأسي لديك وأوصالي (1) # أي: لا أبرح. {حتى تكون حرضا} قال ابن عباس: دفنا (2) وقال مجاهد: الحرض ~~ما دون الموت، يعني: قريبا من الموت. وقال ابن إسحاق: فاسدا لا عقل لك. # والحرض: الذي فسد جسمه ms1305 وعقله. وقيل: ذائبا من الهم. ومعنى الآية: حتى ~~تكون دنف الجسم مخبول العقل. # وأصل الحرض: الفساد في الجسم والعقل من الحزن والهرم، أو العشق (3) ، ~~يقال: رجل حرض وامرأة حرض، ورجلان وامرأتان حرض، ورجال ونساء كذلك، يستوي ~~فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث، لأنه مصدر وضع موضع الاسم (4) ~~. {أو تكون من الهالكين} أي: من الميتين. # {قال} يعقوب عليه السلام عند ذلك لما رأى غلظتهم {إنما أشكو بثي وحزني ~~إلى الله} والبث: أشد الحزن، سمي بذلك لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يثبته أي ~~يظهره، قال الحسن: بثي أي: حاجتي. # ويروى أنه دخل على يعقوب جار له وقال: يا يعقوب مالي أراك قد تهشمت وفنيت ~~ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك؟ قال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من ~~هم يوسف، فأوحى الله إليه: يا يعقوب PageV04P268 # أتشكوني إلى خلقي؟ فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي، فقال: قد ~~غفرتها لك، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله (1) . # وروي أنه قيل له: يا يعقوب ما الذي أذهب بصرك وقوس ظهرك؟ قال: أذهب بصري ~~بكائي على يوسف، وقوس ظهري حزني على أخيه. فأوحى الله إليه: أتشكوني؟ ~~فوعزتي وجلالي لا أكشف ما بك حتى تدعوني. # فعند ذلك قالإنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فأوحى الله إليه: وعزتي ~~وجلالي لو كانا ميتين لأخرجتهما لك، وإنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة ~~186/أفقام ببابكم مسكين فلم تطعموه منها شيئا، وإن أحب خلقي إلي الأنبياء، ~~ثم المساكين، فاصنع طعاما وادع إليه المساكين. # فصنع طعاما ثم قال: من كان صائما فليفطر الليلة عند آل يعقوب (2) . # وروي أنه كان بعد ذلك إذا تغدى أمر من ينادي: من أراد الغداء فليأت ~~يعقوب، وإذا أفطر أمر من ينادي: من أراد أن يفطر فليأت يعقوب، فكان يتغدى ~~ويتعشى مع المساكين (3) . وعن وهب بن منبه قال: أوحى الله تعالى إلى يعقوب: ~~أتدري لم عاقبتك وحبست عنك يوسف ثمانين سنة؟ قال: لا يا إلهي، قال: لأنك قد ~~شويت عناقا وقترت ms1306 على جارك، وأكلت ولم تطعمه. # وروي: أن سبب ابتلاء يعقوب أنه ذبح عجلا بين يدي أمه وهي تخور (4) . وقال ~~وهب والسدي وغيرهما: أتى جبريل يوسف عليه السلام في السجن فقال: هل تعرفني ~~أيها الصديق؟ PageV04P269 # قال: أرى صورة طاهرة وريحا طيبة. # قال: إني رسول رب العالمين وأنا الروح الأمين. # قال: فما أدخلك مدخل المذنبين وأنت أطيب الطيبين ورأس المقربين [وأمين رب ~~العالمين] (1) ? # قال: ألم تعلم يا يوسف أن الله تعالى يطهر البيوت بطهر النبيين، وأن ~~الأرض التي يدخلونها هي أطهر الأرضين، وأن الله تعالى قد طهر بك السجن وما ~~حوله، يا طهر الطاهرين وابن الصالحين المخلصين. # قال: وكيف لي باسم الصديقين وتعدني من المخلصين الطاهرين، وقد أدخلت مدخل ~~المذنبين وسميت باسم الفاسقين؟ # قال جبريل: لأنه لم يفتن قلبك ولم تطع سيدتك في معصية ربك لذلك سماك الله ~~في الصديقين، وعدك من المخلصين، وألحقك بآبائك الصالحين. # قال يوسف: هل لك علم بيعقوب أيها الروح الأمين؟ # قال: نعم، وهبه الله الصبر الجميل وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم. # قال: فكم قدر حزنه؟ # قال: حزن سبعين ثكلى. # قال: فما زاد له من الأجر يا جبريل؟ # قال: أجر مائة شهيد. # قال: أفتراني لاقيه؟ # قال: نعم، فطابت نفس يوسف، وقال: ما أبالي بما لقيت إن رأيته (2) . # قوله تعالى: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} يعني: أعلم من حياة يوسف ما لا ~~تعلمون. # روي أن ملك الموت زار يعقوب فقال له: أيها الملك الطيب ريحه، الحسن ~~صورته، هل قبضت روح ولدي في الأرواح؟ قال: لا فسكن يعقوب وطمع في رؤيته، ~~وقال: وأعلم أن رؤيا يوسف صادقة وإني وأنتم سنسجد له. # وقال السدي: لما أخبره ولده بسيرة الملك أحست نفس يعقوب وطمع وقال لعله ~~يوسف، فقال: يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه (3) . PageV04P270 # وروي عن عبد الله بن يزيد بن أبي فروة: أن يعقوب عليه السلام كتب كتابا ~~إلى يوسف عليه السلام حين حبس بنيامين: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ~~ذبيح الله (1) بن إبراهيم خليل الله [إلى ملك ms1307 مصر] (2) أما بعد: فإنا أهل ~~بيت وكل بنا البلاء؛ أما جدي إبراهيم فشدت يداه ورجلاه وألقي في النار، ~~فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وأما أبي فشدت يداه ورجلاه ووضع السكين على ~~قفاه، ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته ~~إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم، فقالوا: قد أكله الذئب، فذهبت ~~عيناي [من البكاء عليه] (3) ، ثم كان لي ابن وكان أخاه لأمه، وكنت أتسلى ~~به، وإنك حبسته وزعمت أنه سرق، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا، فإن ~~رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك، فلما قرأ يوسف الكتاب ~~لم يتمالك البكاء وعيل صبره، فأظهر نفسه على ما نذكره إن شاء الله تعالى ~~(4) . PageV04P271 ### || # {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ~~ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون (87) فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها ~~العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن ~~الله يجزي المتصدقين (88) } . # قوله عز وجل: {يا بني اذهبوا فتحسسوا} تخبروا واطلبوا الخبر، {من يوسف ~~وأخيه} والتحسس بالحاء والجيم لا يبعد أحدهما من الآخر، إلا أن التحسس ~~بالحاء في الخير وبالجيم في الشر، والتحسس هو طلب الشيء بالحاسة. قال ابن ~~عباس: معناه التمسوا {ولا تيئسوا} ولا تقنطوا {من روح الله} أي: من رحمة ~~الله، وقيل: من فرج الله. {إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون} . # {فلما دخلوا عليه} وفيه إضمار تقديره: فخرجوا راجعين إلى مصر حتى وصلوا ~~إليها فدخلوا على يوسف عليه السلام. {قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا ~~الضر} أي: الشدة والجوع، {وجئنا ببضاعة مزجاة} أي: قليلة رديئة كاسدة، لا ~~تنفق في ثمن الطعام إلا بتجوز من البائع فيها، وأصل الإزجاء: السوق والدفع. ~~وقيل: للبضاعة مزجاة لأنها غير نافقة، وإنما تجوز على دفع من آخذها. # PageV04P271 # واختلفوا فيها، فقال ابن عباس: كانت دراهم رديئة زيوفا (1) . # وقيل: كانت خلق الغرائر والحبال (2) . # وقيل: كانت من متاع ms1308 الأعراب من الصوف والأقط. # وقال الكلبي ومقاتل: كانت الحبة الخضراء. # وقيل: كانت من سويق المقل (3) . # وقيل: كانت الأدم والنعال (4) . # {فأوف لنا الكيل} أي: أعطنا ما كنت تعطينا قبل بالثمن الجيد الوافي. # {وتصدق علينا} أي: تفضل علينا بما بين الثمنين الجيد والرديء ولا تنقصنا. ~~هذا قول أكثر المفسرين. # وقال ابن جريج والضحاك: وتصدق علينا برد أخينا إلينا (5) . # {إن الله يجزي} يثيب، {المتصدقين} . # وقال الضحاك: لم يقولوا إن الله يجزيك؛ لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن. # وسئل سفيان بن عيينة: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء سوى نبينا عليه ~~الصلاة والسلام؟ فقال سفيان: ألم تسمع قوله تعالى: {وتصدق علينا إن الله ~~يجزي المتصدقين} (6) ، يريد أن الصدقة كانت حلالا لهم. # وروي أن الحسن سمع رجلا يقول: اللهم تصدق علي، فقال: إن الله لا يتصدق ~~وإنما يتصدق من يبغي الثواب، قل: اللهم أعطني أو تفضل علي (7) . ~~PageV04P272 ### || # {قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89) قالوا أئنك لأنت ~~يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين (90) } . # {قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون} اختلفوا في السبب ~~الذي حمل يوسف على هذا القول، قال ابن إسحاق: ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا ~~الكلام أدركته الرقة فارفض دمعه (1) ، فباح بالذي كان يكتم منهم (2) . # وقال الكلبي: إنما قال ذلك حين حكى لإخوته أن مالك بن ذعر قال: إني وجدت ~~غلاما في بئر، من حاله كيت وكيت، فابتعته بكذا درهما فقالوا: أيها الملك، ~~نحن بعنا ذلك الغلام، فغاظ يوسف ذلك وأمر بقتلهم فذهبوا بهم ليقتلوهم، فولى ~~يهوذا وهو يقول: كان يعقوب يحزن ويبكي لفقد واحد منا حتى كف بصره، فكيف إذا ~~أتاه قتل بنيه كلهم؟ ثم قالوا له: إن فعلت ذلك فابعث بأمتعتنا إلى أبينا ~~فإنه بمكان كذا وكذا، فذلك حين رحمهم وبكى، وقال ذلك القول (3) . # وقيل: قاله حين قرأ كتاب أبيه إليه فلم يتمالك البكاء 186/ب فقال: هل ~~علمتم ما فعلتم ms1309 بيوسف وأخيه إذ فرقتم بينهما، وصنعتم ما صنعتم إذ أنتم ~~جاهلون بما يؤول إليه أمر يوسف؟ وقيل: مذنبون وعاصون. وقال الحسن: إذ أنتم ~~شباب ومعكم جهل الشباب. # فإن قيل: كيف قال ما فعلتم بيوسف وأخيه، وما كان منهم إلى أخيه، وهم لم ~~يسعوا في حبسه؟ قيل: قد قالوا له في الصاع ما يزال لنا بلاء، وقيل: ما ~~رأينا منكم يا بني راحيل خيرا. وقيل: لما كانا من أم واحدة كانوا يؤذونه من ~~بعد فقد يوسف. # {قالوا أئنك لأنت يوسف} قرأ ابن كثير وأبو جعفر: " إنك " على الخبر، وقرأ ~~الآخرون على الاستفهام. # قال ابن إسحاق: كان يوسف يتكلم من وراء ستر فلما قال يوسف: هل علمتم ما ~~فعلتم، كشف عنهم الغطاء ورفع الحجاب، فعرفوه. # وقال الضحاك عن ابن عباس: لما قال هذا القول تبسم يوسف فرأوا ثناياه ~~كاللؤلؤ المنظوم فشبهوه بيوسف، فقالوا استفهاما أئنك لأنت يوسف؟. ~~PageV04P273 # وقال عطاء عن ابن عباس: إن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه، ~~وكان له في قرنه علامة وكان ليعقوب مثلها ولإسحاق مثلها ولسارة مثلها شبه ~~الشامة، فعرفوه فقالوا: أئنك لأنت يوسف. # وقيل: قالوه على التوهم حتى، {قال أنا يوسف وهذا أخي} (1) ، بنيامين، {قد ~~من الله علينا} أنعم علينا بأن جمع بيننا. # {إنه من يتق} بأداء الفرائض واجتناب المعاصي، {ويصبر} عما حرم الله عز ~~وجل عليه. قال ابن عباس: يتقي الزنى ويصبر عن العزوبة. وقال مجاهد: يتقي ~~المعصية ويصبر على السجن، {فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} . ### || # {قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين (91) قال لا تثريب ~~عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (92) اذهبوا بقميصي هذا ~~فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين (93) } . # {قالوا} معتذرين، {تالله لقد آثرك الله علينا} أي: اختارك الله وفضلك ~~علينا، {وإن كنا لخاطئين} أي: وما كنا في صنيعنا بك إلا مخطئين مذنبين. ~~يقال: خطئ خطئا إذا تعمد، وأخطأ إذا كان غير متعمد (2) . # {قال} يوسف وكان حليما، {لا تثريب عليكم اليوم} لا تعيير ms1310 عليكم اليوم، ~~ولا أذكر لكم ذنبكم بعد اليوم، {يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} . # فلما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه، فقال: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: ذهبت ~~عيناه فأعطاهم قميصه، وقال: # {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا} أي: يعد مبصرا. وقيل: ~~يأتيني بصيرا لأنه كان قد دعاه. PageV04P274 # قال الحسن: لم يعلم أنه يعود بصيرا إلا بعد أن أعلمه الله عز وجل. # وقال الضحاك: كان ذلك القميص من نسج الجنة. # وعن مجاهد قال: أمره جبريل أن يرسل إليه قميصه، وكان ذلك القميص قميص ~~إبراهيم عليه السلام، وذلك أنه جرد من ثيابه وألقي في النار عريانا، فأتاه ~~جبريل بقميص من حرير الجنة، فألبسه إياه فكان ذلك القميص عند إبراهيم عليه ~~السلام، فلما مات ورثه إسحاق، فلما مات ورثه يعقوب، فلما شب يوسف جعل يعقوب ~~ذلك القميص في قصبة، وسد رأسها، وعلقها في عنقه، لما كان يخاف عليه من ~~العين، فكان لا يفارقه. فلما ألقي في البئر عريانا جاءه جبريل عليه السلام ~~وعلى يوسف ذلك التعويذ، فأخرج القميص منه وألبسه إياه، ففي هذا الوقت جاء ~~جبريل عليه السلام إلى يوسف عليه السلام وقال: أرسل ذلك القميص، فإن فيه ~~ريح الجنة لا يقع على سقيم ولا مبتلى إلا عوفي، فدفع يوسف ذلك القميص إلى ~~إخوته وقال: ألقوه على وجه أبي يأت بصيرا، {وأتوني بأهلكم أجمعين} (1) . ### || # {ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون (94) } . # {ولما فصلت العير} أي خرجت من عريش مصر متوجهة إلى كنعان {قال أبوهم} أي: ~~قال يعقوب لولد ولده، {إني لأجد ريح يوسف} . # روي أن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه ~~البشير. # قال مجاهد: أصاب يعقوب ريح يوسف من مسيرة ثلاثة أيام. وحكي عن ابن عباس: ~~من مسيرة ثمان (2) ليال. # وقال الحسن: كان بينهما ثمانون فرسخا (3) . # وقيل: هبت ريح فصفقت القميص، فاحتملت ريح القميص إلى يعقوب، فوجد ريح ~~الجنة فعلم أن ليس في الأرض من ريح الجنة، ms1311 إلا ما كان من ذلك القميص، فلذلك ~~قال: إني لأجد ريح يوسف. # {لولا أن تفندون} تسفهوني، وعن ابن عباس: تجهلوني. وقال الضحاك: تهرمون ~~فتقولون: شيخ كبير قد خرف وذهب عقله. وقيل: تضعفوني. وقال أبو عبيدة: ~~تضللوني. وأصل الفند: الفساد. PageV04P275 ### || # {قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) } . # {فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني ~~أعلم من الله ما لا تعلمون (96) قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خاطئين (97) قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (98) } . # {قالوا} يعني: أولاد أولاده، {تالله إنك لفي ضلالك القديم} أي: خطئك ~~القديم من ذكر يوسف لا تنساه، والضلال هو الذهاب عن طريق الصواب، فإن عندهم ~~أن يوسف قد مات ويرون يعقوب قد لهج بذكره. # {فلما أن جاء البشير} وهو المبشر عن يوسف، قال ابن مسعود: جاء البشير بين ~~يدي العير. قال ابن عباس: هو يهوذا. # قال [السدي: قال يهوذا] (1) أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إلى يعقوب ~~فأخبرته أن يوسف أكله الذئب، فأنا أذهب إليه اليوم بالقميص فأخبره أن ولده ~~حي فأفرحه كما أحزنته (2) . # قال ابن عباس: حمله يهوذا وخرج حافيا حاسرا يعدو ومعه سبعة أرغفة لم ~~يستوف أكلها حتى أتى أباه، وكانت المسافة ثمانين فرسخا. # وقيل: البشير مالك بن ذعر. # {ألقاه على وجهه} يعني: ألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب، {فارتد ~~بصيرا} فعاد بصيرا بعدما كان عمي وعادت إليه قوته بعد الضعف، وشبابه بعد ~~الهرم وسروره بعد الحزن. # {قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون} من حياة يوسف وأن الله ~~يجمع بيننا. # وروي أنه قال للبشير: كيف تركت يوسف؟ قال: إنه ملك مصر، فقال يعقوب: ما ~~أصنع بالملك على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمت النعمة ~~(3) . # {قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين} مذنبين. # {قال سوف أستغفر لكم ربي} قال أكثر المفسرين: أخر الدعاء إلى السحر، وهو ~~الوقت الذي PageV04P276 # يقول الله تعالى: "هل من داع فأستجيب ms1312 له" (1) فلما انتهى يعقوب إلى ~~الموعد قام إلى الصلاة بالسحر، فلما فرغ منها رفع يديه إلى الله عز وجل ~~وقال: اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه، واغفر لأولادي ما أتوا ~~إلى أخيهم يوسف، فأوحى الله تعالى إليه أني قد غفرت لك ولهم أجمعين. # وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: سوف أستغفر لكم [ربي يعني ليلة ~~الجمعة (2) . قال وهب: كان يستغفر لهم كل] (3) ليلة جمعة في نيف وعشرين ~~سنة. # وقال طاوس: أخر الدعاء إلى السحر من ليلة الجمعة فوافق ليلة عاشوراء (4) ~~. وعن الشعبي قال: سوف أستغفر لكم ربي، قال: أسأل يوسف إن عفا عنكم أستغفر ~~لكم ربي (5) {إنه هو الغفور الرحيم} . # روي أن يوسف كان 187/أقد بعث مع البشير إلى يعقوب مائتي راحلة وجهازا ~~كثيرا ليأتوا بيعقوب وأهله وأولاده، فتهيأ يعقوب للخروج إلى مصر، فخرجوا ~~وهم اثنان وسبعون من بين رجل وامرأة. وقال مسروق: كانوا ثلاثة وتسعين (6) ، ~~فلما دنا من مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه، فخرج يوسف والملك في أربعة آلاف ~~من الجنود وركب أهل مصر معهما يتلقون يعقوب، وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على ~~يهوذا فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا هذا فرعون مصر، قال: لا هذا ~~ابنك، فلما دنا كل واحد من صاحبه ذهب يوسف يبدأ بالسلام، فقال جبريل: لا ~~حتى يبدأ يعقوب بالسلام، فقال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان (7) . # وروي أنهما نزلا وتعانقا. وقال الثوري: لما التقى يعقوب ويوسف عليهما ~~السلام عانق كل واحد منهما صاحبه وبكيا، فقال PageV04P277 # يوسف: يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ قال: بلى يا ~~بني، ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك (1) . ### || # {فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ~~(99) ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من ~~قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من ~~بعد أن نزغ ms1313 الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم ~~الحكيم (100) } . # فذلك قوله تعالى: {فلما دخلوا على يوسف آوى إليه} أي: ضم إليه، {أبويه} ~~قال أكثر المفسرين: هو أبوه وخالته ليا، وكانت أمه راحيل قد ماتت في نفاس ~~بنيامين (2) . # وقال الحسن: هو أبوه وأمه، وكانت حية (3) . # وفي بعض التفاسير أن الله عز وجل أحيا أمه حتى جاءت مع يعقوب إلى مصر (4) ~~. # {وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} فإن قيل: فقد قال فلما دخلوا على ~~يوسف آوى إليه أبويه فكيف قال ادخلوا مصر [إن شاء الله آمنين] (5) بعدما ~~أخبر أنهم دخلوها؟ وما وجه هذا الاستثناء وقد حصل الدخول؟ # قيل: إن يوسف إنما قال لهم هذا القول حين تلقاهم قبل دخولهم مصر. وفي ~~الآية تقديم وتأخير، والاستثناء يرجع إلى الاستغفار وهو من قول يعقوب لبنيه ~~سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله (6) . PageV04P278 # وقيل: الاستثناء يرجع إلى الأمن من الجواز لأنهم كانوا لا يدخلون مصر ~~قبله إلا بجواز (1) من ملوكهم، يقول: آمنين [من الجواز إن شاء الله تعالى ~~(2) ، كما قال: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} (الفتح -27) ] ~~(3) . # وقيل: " إن " ها هنا بمعنى إذ، يريد: إذ شاء الله، كقوله تعالى: {وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين} (آل عمران -139) . أي: إذ كنتم مؤمنين (4) . # {ورفع أبويه على العرش} أي: على السرير: أجلسهما. والرفع: هو النقل إلى ~~العلو. {وخروا له سجدا} يعني: يعقوب وخالته وإخوته. PageV04P279 # وكانت تحية الناس يومئذ السجود، ولم يرد بالسجود وضع الجباه على الأرض، ~~وإنما هو الانحناء والتواضع (1) . # وقيل: وضعوا الجباه على الأرض وكان ذلك على طريق التحية والتعظيم، لا على ~~طريق العبادة. وكان ذلك جائزا في الأمم السالفة فنسخ في هذه الشريعة (2) . # وروي عن ابن عباس أنه قال: معناه: خروا لله عز وجل سجدا بين يدي يوسف (3) ~~. والأول أصح (4) . # {وقال} يوسف عند ذلك: {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا} ~~وهو قوله: "إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين". # {وقد أحسن بي} [ربي، ms1314 أي] (5) : أنعم علي، {إذ أخرجني من السجن} ولم يقل ~~من الجب مع كونه أشد بلاء من السجن، استعمالا للكرم، لكيلا يخجل إخوته ~~بعدما قال لهم: "لا تثريب عليكم اليوم"، ولأن نعمة الله عليه في إخراجه من ~~السجن أعظم، لأنه بعد الخروج من الجب صار إلى العبودية PageV04P280 # والرق، وبعد الخروج من السجن صار إلى الملك، ولأن وقوعه في البئر كان ~~لحسد إخوته، وفي السجن مكافأة من الله تعالى لزلة كانت منه. # {وجاء بكم من البدو} والبدو بسيط من الأرض يسكنه أهل المواشي بماشيتهم، ~~وكانوا أهل بادية ومواش، يقال: بدا يبدو إذا صار إلى البادية. {من بعد أن ~~نزغ} أفسد، {الشيطان بيني وبين إخوتي} بالحسد. # {إن ربي لطيف} أي: ذو لطف، {لما يشاء} وقيل: معناه بمن (1) يشاء. # وحقيقة اللطيف: الذي (2) يوصل الإحسان إلى غيره بالرفق {إنه هو العليم ~~الحكيم} . # قال أهل التاريخ: أقام يعقوب بمصر عند يوسف أربعا وعشرين سنة في أغبط حال ~~وأهنإ عيش، ثم مات بمصر، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل ~~جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق، ففعل يوسف ذلك، ومضى به حتى دفنه بالشام، ~~ثم انصرف إلى مصر. # قال سعيد بن جبير: نقل يعقوب عليه السلام في تابوت من ساج إلى بيت ~~المقدس، فوافق ذلك اليوم الذي مات فيه العيص فدفنا في قبر واحد، وكانا ولدا ~~في بطن واحد، وكان عمرهما مائة وسبعا وأربعين سنة (3) . # فلما جمع الله تعالى ليوسف شمله على أن نعيم الدنيا لا يدوم سأل الله ~~تعالى حسن العاقبة، فقال: ### || # {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض ~~أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (101) } . # {رب قد آتيتني من الملك} يعني: ملك مصر، والملك: اتساع المقدور لمن له ~~السياسة والتدبير. {وعلمتني من تأويل الأحاديث} يعني: تعبير الرؤيا. {فاطر} ~~أي: يا فاطر، {السموات والأرض} أي: خالقهما {أنت وليي} أي: معيني ومتولي ~~أمري، {في الدنيا والآخرة توفني مسلما} يقول اقبضني إليك مسلما، {وألحقني ~~بالصالحين} يريد بآبائي النبيين. # قال ms1315 قتادة: لم يسأل نبي من الأنبياء الموت إلا يوسف (4) . PageV04P281 # وفي القصة: لما جمع الله شمله وأوصل إليه أبويه وأهله اشتاق إلى ربه عز ~~وجل فقال هذه المقالة. # قال الحسن: عاش بعد هذا سنين كثيرة. وقال غيره: لما قال هذا القول لم يمض ~~عليه أسبوع حتى توفي. # واختلفوا في مدة غيبة يوسف عن أبيه، فقال الكلبي: اثنتان وعشرون سنة. # وقيل: أربعون سنة. # وقال الحسن: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وغاب عن أبيه ~~ثمانين سنة، وعاش بعد لقاء يعقوب ثلاثا وعشرين سنة، ومات وهو ابن مائة ~~وعشرين سنة. # وفي التوراة مات وهو ابن مائة وعشر سنين، وولد ليوسف من امرأة العزير ~~ثلاثة أولاد: أفرائيم وميشا ورحمة امرأة أيوب المبتلى عليه السلام. # وقيل: عاش يوسف بعد أبيه ستين سنة. وقيل: أكثر. واختلفت الأقاويل فيه. # وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة، فدفنوه في النيل في صندوق من رخام، وذلك ~~أنه لما مات تشاح الناس فيه فطلب أهل كل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء ~~بركته، حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يدفنوه في النيل حيث يتفرق الماء بمصر ~~ليجري الماء عليه وتصل بركته إلى جميعهم. # وقال عكرمة: دفن في الجانب الأيمن 187/ب من النيل، فأخصب ذلك الجانب ~~وأجدب الجانب الآخر، [فنقل إلى الجانب الأيسر فأخصب ذلك الجانب وأجدب ~~الجانب الآخر] (1) ، فدفنوه في وسطه وقدروا ذلك بسلسلة فأخصب الجانبان ~~جميعا إلى أن أخرجه موسى فدفنه بقرب آبائه بالشام (2) . ### || # {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم ~~يمكرون (102) وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) } . # {ذلك} الذي ذكرت، {من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم} أي: ما كنت ~~يا محمد عند أولاد يعقوب، {إذ أجمعوا أمرهم} أي: عزموا على إلقاء يوسف في ~~الجب، {وهم يمكرون} بيوسف. # {وما أكثر الناس} يا محمد، {ولو حرصت بمؤمنين} على إيمانهم. # وروي أن اليهود وقريشا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف، ~~فلما أخبرهم على موافقة التوراة لم يسلموا، فحزن ms1316 النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقيل له: إنهم لا يؤمنون وإن حرصت على إيمانهم (3) . PageV04P282 ### || # {وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين (104) وكأين من آية في ~~السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون (105) وما يؤمن أكثرهم بالله ~~إلا وهم مشركون (106) } . # {وما تسألهم عليه} أي: على تبليغ الرسالة والدعاء إلى الله تعالى، {من ~~أجر} جعل (1) وجزاء، {إن هو} ما هو يعني القرآن، {إلا ذكر} عظة وتذكير، ~~{للعالمين} . # {وكأين} وكم {من آية} عبرة ودلالة، {في السموات والأرض يمرون عليها وهم ~~عنها معرضون} لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. # {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} فكان من إيمانهم إذا سئلوا: من ~~خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، وإذا قيل لهم: من ينزل القطر؟ قالوا: ~~الله، ثم مع ذلك يعبدون الأصنام ويشركون (2) . # وعن ابن عباس أنه قال: إنها نزلت في تلبية المشركين من العرب كانوا ~~يقولون في تلبيتهم، لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه ~~وما ملك (3) . # وقال عطاء: هذا في الدعاء، وذلك أن الكفار نسوا ربهم في الرخاء، فإذا ~~أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء (4) ، كما قال الله تعالى: {وظنوا أنهم ~~أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين} الآية (يونس -22) وقال تعالى: {فإذا ~~ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم ~~يشركون} (العنكبوت -65) ، وغير ذلك من الآيات. PageV04P283 ### || # {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا ~~يشعرون (107) قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان ~~الله وما أنا من المشركين (108) } . # {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله} أي: عقوبة مجللة. قال مجاهد: ~~عذاب يغشاهم، نظيره قوله تعالى: "يوم يغشاهم العذاب من فوقهم" الآية ~~{العنكبوت -55} . قال قتادة: وقيعة. وقال الضحاك: يعني الصواعق والقوارع. ~~{أو تأتيهم الساعة بغتة} فجأة، {وهم لا يشعرون} بقيامها. قال ابن عباس: ~~تهيج الصيحة بالناس وهم في أسواقهم. # {قل} يا محمد، {هذه} الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها، ~~{سبيلي} ms1317 سنتي ومنهاجي. وقال مقاتل: ديني، نظيره قوله: {ادع إلى سبيل ربك} ~~(النحل -125) أي: إلى دينه. {أدعو إلى الله على بصيرة} على يقين. والبصيرة: ~~هي المعرفة التي تميز بها بين الحق والباطل، {أنا ومن اتبعني} أي: ومن آمن ~~بي وصدقني أيضا يدعو إلى الله. هذا قول الكلبي وابن زيد، قالوا: حق على من ~~اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكر بالقرآن (1) . # وقيل: تم الكلام عند قوله: {أدعو إلى الله} ثم استأنف: {على بصيرة أنا ~~ومن اتبعني} يقول: إني على بصيرة من ربي، وكل من اتبعني. # قال ابن عباس: يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على أحسن طريقة ~~وأقصد هداية، معدن العلم، وكنز الإيمان وجند الرحمن. PageV04P284 # قال عبد الله بن مسعود: من كان مستنا فليستن بمن قد مات [فإن الحي لا ~~تؤمن عليه الفتنة] (1) أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه ~~الأمة، وأبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، [فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في ~~آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم] (2) ، فإنهم كانوا على ~~الهدى المستقيم (3) . # قوله تعالى: {وسبحان الله} أي: وقل سبحان الله تنزيها له عما أشركوا به. ~~{وما أنا من المشركين} . ### || # {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ~~أفلا تعقلون (109) } . # {وما أرسلنا من قبلك} يا محمد، {إلا رجالا} لا ملائكة، {نوحي إليهم} قرأ ~~حفص: {نوحي} بالنون وكسر الحاء وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء. # {من أهل القرى} يعني: من أهل الأمصار دون البوادي، لأن أهل الأمصار أعقل ~~وأفضل وأعلم وأحلم. # [وقال الحسن: لم يبعث الله نبيا من بدو، ولا من الجن، ولا من النساء. ~~وقيل: إنما لم يبعث] (4) من أهل البادية لغلظهم وجفائهم. # {أفلم يسيروا في الأرض} يعني: هؤلاء المشركين المكذبين، {فينظروا كيف كان ~~عاقبة} آخر أمر، {الذين من قبلهم} يعني: الأمم المكذبة فيعتبروا. # {ولدار ms1318 الآخرة خير للذين اتقوا} يقول جل ذكره: هذا فعلنا بأهل ولايتنا ~~وطاعتنا؛ أن ننجيهم عند نزول العذاب، وما في الدار الآخرة خير لهم، فترك ما ~~ذكرنا اكتفاء، لدلالة الكلام عليه. # قوله تعالى: {ولدار الآخرة} قيل: معناه ولدار الحال الآخرة. # وقيل: هو إضافة الشيء إلى نفسه، كقوله: {إن هذا لهو حق اليقين} (الواقعة ~~-95) وكقولهم: يوم الخميس، وربيع الآخر، {أفلا تعقلون} فتؤمنون. ~~PageV04P285 ### || # {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا ~~يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) } . # {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا} اختلف القراء في ~~قوله: {كذبوا} . # فقرأ أهل الكوفة وأبو جعفر: {كذبوا} بالتخفيف وكانت عائشة تنكر هذه ~~القراءة (1) . # وقرأ الآخرون بالتشديد. # فمن شدد قال: معناه حتى استيئس الرسل من إيمان قومهم. # [روي عن مجاهد أنه قرأ: وقد كذبوا بفتح الكاف والذال مخففة ولها تأويلان: ~~أحدهما معناه: أن القوم المشركين ظنوا أن الرسل قد كذبوا. والثاني: معناه: ~~أن الرسل ظنوا -أي: علموا-أن قومهم قد افتروا على الله بكفرهم من إيمان ~~قومهم] (2) . # وظنوا: أي أيقنوا -يعني الرسل-أن الأمم قد كذبوهم تكذيبا لا يرجى بعد ~~إيمانهم. # والظن بمعنى اليقين: وهذا معنى قول قتادة. # وقال بعضهم: معناه: حتى إذا استيئس الرسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم ~~وظنوا أن من آمن بهم من قومهم قد كذبوهم وارتدوا عن دينهم لشدة المحنة ~~والبلاء عليهم واستبطاء النصر. ومن قرأ بالتخفيف قال: معناه: حتى إذا ~~استيئس الرسل من إيمان قومهم وظنوا أي: ظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم في ~~وعيد العذاب. # وروي عن ابن عباس: معناه ضعف قلوب الرسل يعني: وظنت الرسل أنهم كذبوا ~~فيما وعدوا من النصر. وكانوا بشرا فضعفوا ويئسوا وظنوا أنهم أخلفوا ثم تلا ~~{حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} PageV04P286 # (البقرة -214) أي: جاء الرسل نصرنا (1) . # {فنجي من نشاء} [قرأ العامة بنونين أي: نحن ننجي من نشاء] (2) . وقرأ ابن ~~عامر وحمزة وعاصم ويعقوب بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم وفتح الياء على ما ~~لم يسم ms1319 فاعله لأنها مكتوبة في المصحف بنون واحدة فيكون محل {من} رفعا على ~~هذه القراءة. وعلى القراءة الأولى يكون نصبا فنجي من نشاء عند نزول العذاب ~~وهم المؤمنون المطيعون. # {ولا يرد بأسنا} عذابنا {عن القوم المجرمين} يعني: المشركين. ### || # {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق ~~الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111) } . # {لقد كان في قصصهم} 188/أأي: في خبر يوسف وإخوته {عبرة} عظة {لأولي ~~الألباب ما كان} يعني: القرآن {حديثا يفترى} أي: يختلق {ولكن تصديق الذي} ~~أي: ولكن كان تصديق الذي {بين يديه} من التوراة والإنجيل {وتفصيل كل شيء} ~~مما يحتاج العباد إليه من الحلال والحرام والأمر والنهي {وهدى ورحمة} بيانا ~~ونعمة {لقوم يؤمنون} . PageV04P287 ### | سورة الرعد # مكية إلا قوله: "ولا يزال الذين كفروا"، وقوله: "ويقول الذين كفروا لست ~~مرسلا" (1) [وهي ثلاث وأربعون آية] (2) . بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون (1) } . # {المر} قال ابن عباس: معناه: أنا الله أعلم وأرى (3) {تلك آيات الكتاب} ~~يعني: تلك الأخبار التي قصصتها [عليك] (4) آيات التوراة والإنجيل والكتب ~~المتقدمة، {والذي أنزل إليك} يعني: وهذا القرآن الذي أنزل إليك، {من ربك ~~الحق} أي: هو الحق فاعتصم به. فيكون محل "الذي" رفعا على الابتداء، والحق ~~خبره. PageV04P288 # وقيل: محله خفض، يعني: تلك آيات الكتاب وآيات الذي أنزل إليك، ثم ابتدأ: ~~"الحق"، يعني: ذلك الحق (1) . # وقال ابن عباس: أراد بالكتاب القرآن، ومعناه: هذه آيات الكتاب، يعني ~~القرآن، ثم قال: وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق. # {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} قال مقاتل: نزلت في مشركي مكة حين قالوا: إن ~~محمدا يقوله من تلقاء نفسه (2) فرد قولهم ثم بين دلائل ربوبيته، فقال عز من ~~قائل: {الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها} . ### || # {الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون ms1320 ~~(2) } . # {الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها} يعني: السواري، واحدها عمود، ~~مثل: أديم وأدم، وعمد أيضا جمعه، مثل: رسول ورسل. # ومعناه نفي العمد أصلا وهو الأصح، يعني: ليس من دونها دعامة تدعمها ولا ~~فوقها علاقة تمسكها. # قال إياس بن معاوية: السماء مقببة على الأرض مثل القبة (3) # وقيل: "ترونها" راجعة إلى العمد، [معناه] (4) لها عمد ولكن لا ترونها (5) ~~PageV04P292 # وزعم: أن عمدها جبل قاف، وهو محيط بالدنيا، والسماء عليه مثل القبة (1) . # {ثم استوى على العرش} علا [عليه] (2) {وسخر الشمس والقمر} ذللهما لمنافع ~~خلقه فهما مقهوران، {كل يجري} أي: يجريان على ما يريد الله عز وجل، {لأجل ~~مسمى} أي: إلى وقت معلوم وهو فناء الدنيا. [وقال ابن عباس] (3) : أراد ~~بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما ينتهيان إليها لا يجاوزانها، {يدبر ~~الأمر} يقضيه وحده، {يفصل الآيات} يبين الدلالات، {لعلكم بلقاء ربكم ~~توقنون} لكي توقنوا بوعده وتصدقوه. ### || # {وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها ~~زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3) } . # {وهو الذي مد الأرض} بسطها، {وجعل فيها رواسي} جبالا ثابتة، واحدتها ~~راسية، قال ابن عباس: كان أبو قبيس أول جبل وضع على الأرض (4) {وأنهارا} ~~وجعل فيها أنهارا. {ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين} أي: [صنفين ~~اثنين] (5) أحمر وأصفر، وحلوا PageV04P293 # وحامضا، {يغشي الليل النهار} أي: يلبس النهار بظلمة الليل، ويلبس الليل ~~بضوء النهار، {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} فيستدلون. والتفكر (1) تصرف ~~القلب في طلب معاني الأشياء. ### || # {وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان ~~يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ~~(4) } . # {وفي الأرض قطع متجاورات} متقاربات يقرب بعضها من بعض، وهي مختلفة: هذه ~~طيبة تنبت، وهذه سبخة لا تنبت، وهذه قليلة الريع، وهذه كثيرة الريع، ~~{وجنات} بساتين، {من أعناب وزرع ونخيل صنوان} رفعها كلها ابن كثير، وأبو ~~عمرو، وحفص، ويعقوب، عطفا على الجنات، وجرها الآخرون نسقا على الأعناب. ~~والصنوان: جمع صنو، وهو النخلات ms1321 يجمعهن أصل واحد. # {وغير صنوان} هي النخلة المنفردة بأصلها. وقال أهل التفسير (2) صنوان: ~~مجتمع، وغير صنوان: متفرق. نظيره من الكلام: قنوان جمع قنو. ومنه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم في العباس: "عم الرجل صنو أبيه" (3) . ولا فرق في ~~الصنوان والقنوان بين التثنية والجمع إلا في الإعراب، وذلك أن النون في ~~التثنية مكسورة غير منونة، وفي الجمع منونة. # {يسقى بماء واحد} قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب " يسقى " بالياء أي يسقى ذلك ~~كله بماء واحد، وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى: {وجنات} ولقوله تعالى من ~~بعد "بعضها على بعض"، ولم يقل بعضه. والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام. # {ونفضل بعضها على بعض في الأكل} في الثمر والطعم. قرأ حمزة والكسائي " ~~ويفضل " بالياء، لقوله تعالى: {يدبر الأمر يفصل الآيات} (الرعد -2) . # وقرأ الآخرون بالنون على معنى: ونحن نفضل بعضها على بعض في الأكل، وجاء ~~في الحديث [في قوله] : "ونفضل بعضها على بعض في الأكل"، قال: "الفارسي، ~~والدقل، والحلو، والحامض" (4) . PageV04P294 # قال مجاهد: كمثل بني آدم، صالحهم وخبيثهم، وأبوهم واحد (1) . # قال الحسن: هذا مثل ضربه الله تعالى لقلوب بني آدم، ويقول: كانت الأرض ~~طينة واحدة في يد الرحمن عز وجل، فسطحها، فصارت قطعا متجاورة، فينزل عليها ~~المطر (2) من السماء، فتخرج هذه زهرتها، وشجرها وثمرها ونباتها، وتخرج هذه ~~سبخها وملحها وخبيثها (3) وكل يسقى بماء واحد، كذلك الناس خلقوا من آدم ~~عليه السلام فينزل من السماء تذكرة فترق قلوب فتخشع، وتقسو قلوب فتلهو. # قال الحسن: والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان، ~~قال الله تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا} (الإسراء -82) . (4) # {إن في ذلك} الذي ذكرت {لآيات لقوم يعقلون} . ### || # {وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين ~~كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(5) } . # {وإن تعجب فعجب قولهم} العجب تغير النفس برؤية المستبعد في العادة، ~~والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه: ms1322 إنك إن تعجب من إنكارهم ~~النشأة الآخرة مع إقرارهم بابتداء الخلق [من الله عز وجل] (5) فعجب أمرهم. # وكان المشركون ينكرون البعث، مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله تعالى، ~~وقد تقرر في القلوب أن الإعادة أهون من الابتداء، فهذا موضع العجب. ~~PageV04P295 # وقيل: معناه: وإن تعجب من تكذيب المشركين واتخاذهم ما لا يضر ولا ينفع ~~آلهة يعبدونها وهم قد رأوا من قدرة الله تعالى ما ضرب لهم به الأمثال فعجب ~~قولهم، أي: فتعجب أيضا من قولهم: {أئذا كنا ترابا} بعد الموت، {أئنا لفي ~~خلق جديد} أي: نعاد خلقا جديدا كما كنا قبل الموت. # قرأ نافع والكسائي ويعقوب "أئذا" مستفهما "إنا" بتركه، على الخبر، ضده: ~~أبو جعفر وابن عامر. وكذلك في "سبحان" في موضعين، والمؤمنون، والم السجدة، ~~وقرأ الباقون بالاستفهام فيهما وفي 188/ب الصافات في موضعين هكذا إلا أن ~~أبا جعفر يوافق نافعا في أول الصافات فيقدم الاستفهام ويعقوب لا يستفهم ~~الثانية {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون} (الصافات -53) . # قال الله تعالى: {أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم} ~~يوم القيامة {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} . # PageV04P296 ### || # {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو ~~مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ويقول الذين كفروا لولا ~~أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (7) } . # قوله عز وجل: {ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} الاستعجال: طلب تعجيل ~~الأمر قبل مجيء وقته، والسيئة ها هنا هي: العقوبة، والحسنة: العافية. وذلك ~~أن مشركي مكة كانوا يطلبون العقوبة بدلا من العافية استهزاء منهم يقولون: ~~"اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم" (الأنفال -32) . # {وقد خلت من قبلهم المثلات} أي: مضت من قبلهم في الأمم التي عصت ربها ~~وكذبت رسلها العقوبات. والمثلات جمع المثلة بفتح الميم وضم الثاء، مثل: ~~صدقة وصدقات (1) . # {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} . # {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه} أي: على محمد ms1323 صلى الله عليه وسلم ~~{آية من ربه} أي: علامة وحجة على نبوته، قال الله تعالى: {إنما أنت منذر} ~~مخوف، {ولكل قوم هاد} أي: لكل قوم نبي يدعوهم إلى الله تعالى. وقال الكلبي: ~~داع يدعوهم إلى الحق أو إلى الضلالة. PageV04P296 # وقال عكرمة: الهادي محمد صلى الله عليه وسلم، يقول: إنما أنت منذر وأنت ~~هاد لكل قوم، أي: داع. وقال سعيد بن جبير: الهادي هو الله تعالى (1) . ### || # {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده ~~بمقدار (8) } . # قوله تعالى: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} من ذكر أو أنثى، سوي الخلق أو ~~ناقص الخلق، واحدا أو اثنين أو أكثر {وما تغيض الأرحام} أي ما تنقص {وما ~~تزداد} . # قال أهل التفسير (2) غيض الأرحام: الحيض على الحمل؛ فإذا حاضت الحامل كان ~~نقصانا في الولد، لأن دم الحيض غذاء الولد في الرحم، فإذا أهرقت الدم ينقص ~~الغذاء فينتقص الولد، وإذا لم تحض يزداد الولد ويتم، فالنقصان نقصان خلقة ~~الولد بخروج الدم، والزيادة تمام خلقته باستمساك الدم. # وقيل: إذا حاضت ينتقص (3) الغذاء وتزداد مدة الحمل حتى تستكمل تسعة (4) ~~أشهر ظاهرا، فإن رأت (5) خمسة أيام دما وضعت لتسعة أشهر وخمسة أيام، ~~فالنقصان في الغذاء، والزيادة في المدة (6) . PageV04P297 # وقال الحسن: غيضها: نقصانها من تسعة أشهر والزيادة، زيادتها على تسعة ~~أشهر. وقيل النقصان: السقط، والزيادة: تمام الخلق. وأقل مدة الحمل: ستة ~~أشهر، فقد يولد المولود لهذه المدة ويعيش (1) . # واختلفوا في أكثرها: فقال قوم: أكثرها سنتان، وهو قول عائشة رضي الله ~~عنها، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله. وذهب جماعة إلى أن أكثرها أربع سنين، ~~وإليه ذهب الشافعي رحمه الله، قال حماد بن سلمة. إنما سمي هرم بن حيان هرما ~~لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين (2) . {وكل شيء عنده بمقدار} أي: بتقدير وحد ~~لا يجاوزه ولا يقصر عنه. PageV04P298 ### || # {عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال (9) سواء منكم من أسر القول ومن جهر ~~به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار (10) له معقبات من بين يديه ومن خلفه ms1324 ~~يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا ~~أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال (11) } . # {عالم الغيب والشهادة الكبير} الذي كل شيء دونه، {المتعال} المستعلي على ~~كل شيء بقدرته. # قوله تعالى: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به} أي: يستوي في علم الله ~~المسر بالقول والجاهر به، {ومن هو مستخف بالليل} أي: مستتر بظلمة الليل، ~~{وسارب بالنهار} أي: ذاهب في سربه ظاهر. والسرب -بفتح السين وسكون الراء-: ~~الطريق (1) . # قال القتيبي: سارب بالنهار: أي متصرف في حوائجه. قال ابن عباس [في هذه ~~الآية] (2) هو صاحب ريبة، مستخف بالليل، فإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه ~~بريء من الإثم (3) . وقيل: مستخف بالليل، أي: ظاهر، من قولهم: خفيت الشيء؛ ~~إذا أظهرته، وأخفيته: إذا كتمته. وسارب بالنهار: أي متوار داخل في سرب. # {له معقبات} أي: لله تعالى ملائكة يتعاقبون فيكم بالليل والنهار، فإذا ~~صعدت ملائكة الليل جاء في عقبها ملائكة النهار، وإذا صعدت ملائكة النهار ~~جاء في عقبها ملائكة الليل. والتعقيب: العود بعد البدء، وإنما ذكر بلفظ ~~التأنيث لأن واحدها معقب، وجمعه معقبة، ثم PageV04P299 # جمع الجمع معقبات، كما قيل: أبناوات (1) سعد ورجالات بكر. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يتعاقبون فيكم، ~~ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم ~~يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم -وهو أعلم بهم-: كيف تركتم عبادي؟ ~~فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون" (2) . # قوله تعالى: {من بين يديه ومن خلفه} يعني: من قدام هذا المستخفي بالليل ~~والسارب بالنهار، ومن خلفه: من وراء ظهره، {يحفظونه من أمر الله} يعني: ~~بأمر الله، أي: يحفظونه بإذن الله ما لم يجئ المقدور، فإذا جاء المقدور ~~خلوا عنه. وقيل: يحفظونه من أمر الله: أي مما أمر الله به ms1325 من الحفظ عنه. # قال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك موكل به، يحفظه في نومه ويقظته من الجن ~~والإنس والهوام، فما منهم شيء يأتيه يريده إلا قال وراءك! إلا شيء يأذن ~~الله فيه فيصيبه. # قال كعب الأحبار: لولا أن الله عز وجل وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في ~~مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفكم الجن. وقال عكرمة: الآية في الأمراء ~~وحرسهم يحفظونهم من بين أيديهم ومن خلفهم (3) . PageV04P300 # وقيل: الآية في الملكين القاعدين عن اليمين وعن الشمال يكتبان الحسنات ~~والسيئات، كما قال الله تعالى: {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد} (ق -17) . قال ابن جريج: معنى يحفظونه أي: يحفظون عليه أعماله من أمر ~~الله، يعني: الحسنات والسيئات. وقيل: الهاء في قوله "له": راجعة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. روى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: له ~~معقبات يعني لمحمد صلى الله عليه وسلم حراس من الرحمن من بين يديه ومن خلفه ~~يحفظونه من أمر الله [يعني: من شر الجن] (1) وطوارق الليل والنهار (2) . # وقال عبد الرحمن بن زيد: نزلت هذه الآيات في عامر بن الطفيل، وأربد بن ~~ربيعة، وكانت قصتهما على ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة، وهما عامريان، يريدان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد في نفر من أصحابه، فدخلا ~~المسجد فاستشرف الناس لجمال عامر، وكان أعور وكان من [أجل] (3) الناس ~~189/أفقال رجل: يا رسول الله، هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك، فقال: دعه ~~فإن يرد الله به خيرا يهده. # فأقبل حتى قام عليه، فقال: يا محمد مالي إن أسلمت؟ # قال: "لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين". # قال: تجعل لي الأمر بعدك. # قال: ليس ذلك إلي، إنما ذلك إلى الله عز وجل، يجعله حيث يشاء. # قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر، قال: لا. # قال: فماذا تجعل لي؟ # قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها. # قال: أوليس ms1326 ذلك إلي اليوم؟ قم معي أكلمك. فقام معه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وكان [عامر] (4) أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه ~~فاضربه بالسيف، فجعل يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه فدار أربد ~~خلف النبي صلى الله عليه وسلم ليضربه، فاخترط من سيفه PageV04P301 # شبرا، ثم حبسه الله تعالى عنه، فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومئ إليه، ~~فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى أربد وما صنع بسيفه، فقال: ~~اللهم اكفنيهما بما شئت. فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صحو قائظ ~~فأحرقته، وولى عامر هاربا وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها ~~عليك خيلا جردا وفتيانا مردا. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يمنعك الله تعالى من ذلك، وأبناء قيلة ~~يريد: الأوس والخزرج. فنزل عامر بيت امرأة سلولية، فلما أصبح ضم عليه سلاحه ~~وقد تغير لونه، فجعل يركض في الصحراء، ويقول: ابرز يا ملك الموت، ويقول ~~الشعر، ويقول: واللات والعزى لئن أبصرت محمدا وصاحبه يعني ملك الموت ~~لأنفذنهما برمحي، فأرسل الله إليه ملكا فلطمه بجناحه فأرداه في التراب ~~وخرجت على ركبتيه في الوقت غدة عظيمة، فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: غدة ~~كغدة البعير وموت في بيت سلولية. ثم دعا بفرسه فركبه ثم أجراه حتى مات على ~~ظهره فأجاب الله دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل عامر بن الطفيل ~~بالطعن وأربد بالصاعقة، وأنزل الله عز وجل في هذه القصة قوله: {سواء منكم ~~من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من ~~بين يديه} يعني لرسول الله صلى الله عليه وسلم معقبات يحفظونه من بين يديه ~~ومن خلفه من أمر الله (1) . [يعني تلك المعقبات من أمر الله] (2) . وفيه ~~تقديم وتأخير. # وقال لهذين: {إن الله لا يغير ما بقوم} من العافية والنعمة، {حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم} PageV04P302 # من الحال الجميلة فيعصوا ربهم. # {وإذا أراد الله بقوم سوءا} أي: عذابا وهلاكا {فلا مرد له} أي: ms1327 لا راد له ~~{وما لهم من دونه من وال} أي: ملجأ يلجؤون إليه. وقيل: وال يلي أمرهم ويمنع ~~العذاب عنهم. ### || # {هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) ويسبح الرعد ~~بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في ~~الله وهو شديد المحال (13) } . # قوله عز وجل: {هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا} قيل: خوفا من الصاعقة، ~~طمعا في نفع المطر. وقيل: الخوف للمسافر، يخاف منه الأذى والمشقة والطمع ~~للمقيم يرجو منه البركة والمنفعة. # وقيل: الخوف من المطر في غير مكانه وإبانه، والطمع إذا كان في مكانه ~~وإبانه، ومن البلدان ما إذا أمطروا وقحطوا وإذا لم يمطروا أخصبوا. # {وينشئ السحاب الثقال} بالمطر. يقال: أنشأ الله السحابة فنشأت أي: أبداها ~~فبدت، والسحاب جمع، واحدتها سحابة، قال علي رضي الله عنه: السحاب غربال ~~الماء. # {ويسبح الرعد بحمده} أكثر المفسرين على أن الرعد اسم ملك يسوق السحاب، ~~والصوت المسموع منه تسبيحه (1) . # قال ابن عباس: من سمع صوت الرعد فقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، ~~والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقة فعلي ديته. # وعن عبد الله بن الزبير: أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث: وقال" ~~سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، ويقول: إن هذا الوعيد لأهل ~~الأرض شديد (2) . # وفي بعض الأخبار يقول الله تعالى: "لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر ~~بالليل، ولأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد" (3) ~~PageV04P303 # وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: الرعد ملك موكل بالسحاب يصرفه إلى حيث ~~يؤمر، وأن بحور الماء في نقرة إبهامه، وأنه يسبح الله تعالى، فإذا سبح لا ~~يبقى ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل القطر. {والملائكة ~~من خيفته} أي: تسبح الملائكة من خيفة الله عز وجل وخشيته. وقيل: أراد ~~بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد، جعل الله تعالى له أعوانا، فهم خائفون خاضعون ~~طائعون. # قوله تعالى: {ويرسل الصواعق} جمع صاعقة، وهي: العذاب المهلك، ينزل من ~~البرق فيحرق من يصيبه، {فيصيب ms1328 بها من يشاء} كما أصاب أربد بن ربيعة. وقال ~~محمد بن علي الباقر: الصاعقة تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب الذاكر. # {وهم يجادلون} يخاصمون، {في الله} نزلت في شأن أربد بن ربيعة حيث قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: مم ربك أمن در أم من ياقوت أم من ذهب؟ فنزلت ~~صاعقة من السماء فأحرقته (1) . # وسئل الحسن عن قوله عز وجل: {ويرسل الصواعق} الآية، قال: كان رجل من ~~طواغيت العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم نفرا يدعونه إلى الله ~~ورسوله. فقال لهم: أخبروني عن رب محمد هذا الذي تدعونني إليه مم هو؟ من ذهب ~~أو فضة أو حديد أو نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته فانصرفوا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ما رأينا رجلا أكفر قلبا ولا أعتى على الله ~~منه؟ فقال: ارجعوا إليه، فرجعواإليه فجعل لا يزيدهم على مثل مقالته الأولى، ~~وقال: أجيب محمدا إلى رب لا أراه ولا أعرفه. فانصرفوا وقالوا: يا رسول الله ~~ما زادنا على مقالته الأولى وأخبث. # فقال: ارجعوا إليه، فرجعوا، فبينما هم عنده ينازعونه ويدعونه، وهو يقول ~~هذه المقالة إذ ارتفعت سحابة، فكانت فوق رؤوسهم، فرعدت وبرقت، ورمت بصاعقة، ~~فاحترق الكافر، وهم جلوس، فجاؤوا يسعون ليخبروا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فاستقبلهم قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا لهم: احترق ~~صاحبكم. فقالوا: من أين علمتم فقالوا: أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم: {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله} (2) . ~~PageV04P304 # {وهو شديد المحال} قال علي رضي الله عنه: شديد الأخذ (1) . # وقال ابن عباس: شديد الحول (2) . # وقال الحسن: شديد الحقد (3) . # وقال مجاهد: شديد القوة (4) . # وقال 189/ب أبو عبيدة: شديد العقوبة. # وقيل: شديد المكر. # والمحال والمماحلة: المماكرة والمغالبة. PageV04P305 ### || # {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه ~~إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (14) } . # {له دعوة الحق} أي: لله دعوة الصدق. # قال علي ms1329 رضي الله عنه: دعوة الحق التوحيد (1) . # وقال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله (2) . # وقيل: الدعاء بالإخلاص، والدعاء الخالص لا يكون إلا لله عز وجل (3) . # {والذين يدعون من دونه} أي: يعبدون الأصنام من دون الله تعالى. {لا ~~يستجيبون لهم بشيء} أي: لا يجيبونهم بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضر، {إلا ~~كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه} PageV04P305 # أي: إلا كباسط كفيه ليقبض على الماء [والقابض على الماء] (1) لا يكون في ~~يده شيء، ولا يبلغ إلى فيه منه شيء، كذلك الذي يدعو الأصنام، وهي لا تضر ~~ولا تنفع، لا يكون بيده شيء. # وقيل: معناه كالرجل العطشان الذي يرى الماء من بعيد، فهو يشير بكفه إلى ~~الماء، ويدعوه بلسانه، فلا يأتيه أبدا، هذا معنى قول مجاهد. # ومثله عن علي وعطاء: كالعطشان الجالس على شفير (2) البئر، يمد يده إلى ~~البئر فلا يبلغ قعر البئر إلى الماء، ولا يرتفع إليه الماء، فلا ينفعه بسط ~~الكف إلى الماء ودعاؤه له، ولا هو يبلغ فاه، كذلك الذين يدعون الأصنام لا ~~ينفعهم دعاؤها، وهي لا تقدر على شيء. # وعن ابن عباس: كالعطشان إذا بسط كفيه في الماء لا ينفعه ذلك ما لم يغرف ~~بهما الماء، ولا يبلغ الماء فاه ما دام باسطا كفيه. وهو مثل ضربه لخيبة ~~الكفار (3) . # {وما دعاء الكافرين} أصنامهم، {إلا في ضلال} يضل عنهم إذا احتاجوا إليه، ~~كما قال: {وضل عنهم ما كانوا يفترون} (الأنعام -24 وغيرها) . # وقال الضحاك عن ابن عباس: وما دعاء الكافرين ربهم إلا في ضلال لأن ~~أصواتهم محجوبة عن الله تعالى. ### || # {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (15) ~~} . # قوله عز وجل: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا} يعني: الملائكة ~~والمؤمنين، {وكرها} يعني: المنافقين والكافرين الذين أكرهوا على السجود ~~بالسيف. # {وظلالهم} يعني: ظلال الساجدين طوعا وكرها تسجد لله عز وجل طوعا. قال ~~مجاهد: ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره. # {بالغدو والآصال} يعني إذا سجد بالغدو أو ms1330 العشي يسجد معه ظله. و"الآصال": ~~جمع "الأصل"، و"الأصل" جمع "الأصيل"، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس. ~~PageV04P306 # وقيل: ظلالهم أي: أشخاصهم، بالغدو والآصال: بالبكر والعشايا. وقيل: سجود ~~الظل تذليله لما أريد له. ### || # {قل من رب السموات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات ~~والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل ~~شيء وهو الواحد القهار (16) } . # قوله تعالى: {قل من رب السموات والأرض} أي: خالقهما ومدبرهما [فسيقولون ~~الله] (1) لأنهم يقرون بأن الله خالقهم وخالق السموات والأرض، فإذا أجابوك ~~فقل أنت أيضا يا محمد: "الله". وروي أنه لما قال هذا للمشركين عطفوا عليه ~~فقالوا: أجب أنت، فأمره الله عز وجل فقال: {قل الله} . # ثم قال الله لهم إلزاما للحجة: {قل أفاتخذتم من دونه أولياء} معناه: إنكم ~~مع إقراركم بأن الله خالق السموات والأرض اتخذتم من دونه أولياء فعبدتموها ~~من دون الله، يعني: الأصنام، وهم {لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا} فكيف ~~يملكون لكم؟ # ثم ضرب لهم مثلا فقال: {قل هل يستوي الأعمى والبصير} كذلك لا يستوي ~~الكافر والمؤمن، {أم هل تستوي} قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر " يستوي " ~~بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء لأنه لا حائل بين الاسم والفعل المؤنث. ~~{الظلمات والنور} أي: كما لا يستوي الظلمات والنور لا يستوي الكفر ~~والإيمان. # {أم جعلوا} أي: جعلوا، {شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم} أي: اشتبه ~~ما خلقوه بما خلقه الله تعالى فلا يدرون ما خلق الله وما خلق آلهتهم. # {قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار} ثم ضرب الله تعالى مثلين للحق ~~والباطل، فقال عز وجل: PageV04P307 ### || # {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما ~~يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك ~~يضرب الله الأمثال (17) } . # {أنزل} يعني: الله عز ms1331 وجل، {من السماء ماء} يعني: المطر، {فسالت} من ذلك ~~الماء، {أودية بقدرها} أي: في الصغر والكبر، {فاحتمل السيل} الذي حدث من ~~ذلك الماء، {زبدا رابيا} الزبد: الخبث الذي يظهر على وجه الماء، وكذلك على ~~وجه القدر، "رابيا" أي عاليا مرتفعا فوق الماء، فالماء الصافي الباقي هو ~~الحق، والذاهب الزائل الذي يتعلق بالأشجار وجوانب الأودية هو الباطل. # وقيل: قوله "أنزل من السماء ماء": هذا مثل للقرآن، والأودية مثل للقلوب، ~~يريد: ينزل القرآن، فتحمل منه القلوب على قدر اليقين والعقل والشك والجهل. ~~فهذا أحد المثلين. والمثل الآخر: قوله عز وجل: {ومما يوقدون عليه في النار} ~~. # قرأ حمزة والكسائي وحفص {يوقدون} بالياء لقوله تعالى: {ما ينفع الناس} ~~ولا مخاطبة هاهنا. وقرأ الآخرون بالتاء " ومما توقدون " أي: ومن الذي ~~توقدون عليه في النار. والإيقاد: جعل النار تحت الشيء ليذوب. # {ابتغاء حلية} أي: لطلب زينة، وأراد الذهب والفضة؛ لأن الحلية تطلب ~~منهما، {أو متاع} أي: طلب متاع وهو ما ينتفع به، وذلك مثل الحديد، والنحاس، ~~والرصاص، والصفر تذاب فيتخذ منها الأواني وغيرها مما ينتفع بها، {زبد مثله} ~~. # {كذلك يضرب الله الحق والباطل} أي: إذا أذيب فله أيضا زبد مثل زبد الماء، ~~فالباقي الصافي من هذه الجواهر مثل الحق، والزبد الذي لا ينتفع به مثل ~~الباطل. # {فأما الزبد} الذي علا السيل والفلز، {فيذهب جفاء} أي: ضائعا باطلا ~~والجفاء ما رمى به الوادي من الزبد، والقدر إلى جنباته. يقال: جفا الوادي ~~وأجفأ: إذا ألقى غثاءه، وأجفأت القدر وجفأت: إذا غلت وألقت زبدها، فإذا ~~سكنت لم يبق فيها شيء. # PageV04P308 # معناه: إن الباطل وإن علا في وقت فإنه يضمحل. وقيل: "جفاء" أي: متفرقا. ~~يقال: جفأت الريح الغيم إذا فرقته وذهبت به. # {وأما ما ينفع الناس} يعني: الماء والفلز من الذهب والفضة والصفر ~~والنحاس، {فيمكث في الأرض} أي: يبقى ولا يذهب. # {كذلك يضرب الله الأمثال} جعل الله تعالى هذا مثلا للحق والباطل، أي: أن ~~الباطل كالزبد يذهب ويضيع، والحق كالماء والفلز يبقى في القلوب. وقيل: هذا ~~تسلية للمؤمنين، يعني: أن ms1332 أمر المشركين كالزبد يرى في الصورة شيئا وليس له ~~حقيقة، وأمر المؤمنين كالماء المستقر في مكانه له البقاء والثبات. ### || # {للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في ~~الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس ~~المهاد (18) } . # {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو ~~الألباب (19) } . # قوله تعالى: {للذين استجابوا لربهم} أجابوا لربهم فأطاعوه، {الحسنى} ~~الجنة، {والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~لافتدوا به} أي: لبذلوا ذلك يوم القيامة افتداء من النار، {أولئك لهم سوء ~~الحساب} قال إبراهيم النخعي: سوء الحساب: أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر ~~له من شيء 190/أ {ومأواهم} في الآخرة {جهنم وبئس المهاد} الفراش، أي: بئس ~~ما مهد لهم. # قوله تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق} فيؤمن به ويعمل بما ~~فيه، {كمن هو أعمى} عنه لا يعلمه ولا يعمل به. قيل: نزلت في حمزة وأبي جهل. ~~وقيل: في عمار وأبي جهل (1) . # فالأول حمزة أو عمار، والثاني أبو جهل، وهو الأعمى. أي: لا يستوي من يبصر ~~الحق ويتبعه ومن لا يبصره ولا يتبعه. # {إنما يتذكر} يتعظ، {أولو الألباب} ذوو العقول. PageV04P309 ### || # {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (20) والذين يصلون ما أمر ~~الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (21) } . # {الذين يوفون بعهد الله} بما أمرهم الله تعالى به وفرضه عليهم فلا ~~يخالفونه، {ولا ينقضون الميثاق} وقيل: أراد العهد الذي أخذه على ذرية آدم ~~عليه السلام حين أخرجهم من صلبه. # {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} قيل: أراد به الإيمان بجميع الكتب ~~والرسل ولا يفرقون بينهما. والأكثرون على أنه أراد به (1) صلة الرحم (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن ~~زنجويه، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، ms1333 عن أبي سلمة ~~أن عبد الرحمن بن عوف عاد أبا الدرداء فقال -يعني عبد الرحمن-: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: فيما يحكي عن ربه عز وجل: "أنا الله، وأنا ~~الرحمن، وهي الرحم، شققت لها من اسمي اسما، فمن وصلها وصلته ومن قطعها ~~بتته" (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثني حميد بن زنجويه، حدثنا ابن أبي أويس (4) ، قال: حدثني ~~سليمان بن بلال عن معاوية بن أبي مزرد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الله الخلق فلما فرغ ~~منه قامت الرحم فأخذت بحقوي الرحمن، فقال: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من ~~القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، ~~قال: فذلك لك"، ثم PageV04P310 # قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم (1) "} (محمد -22) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، أنبأنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا كثير بن عبد ~~الله اليشكري، حدثنا الحسن بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "ثلاثة تحت العرش يوم القيامة: القرآن يحاج العباد، له ظهر ~~وبطن، والأمانة، والرحم تنادي ألا من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله" ~~(2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن ~~سعد، حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره ~~فليصل رحمه" (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو ~~القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا ~~شعبة، عن ms1334 عيينة بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي يحدث عن أبي بكر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في ~~الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم" (4) . PageV04P311 # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الزيادي، حدثنا عبد الرزاق، ~~حدثنا معمر، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة قاطع" (1) . # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~محمد بن محمش الزيادي، حدثنا أحمد بن إسحاق الصيدلاني، أخبرنا أبو نصر أحمد ~~بن محمد بن نصر، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا عمرو بن عثمان قال ~~سمعت موسى بن طلحة يذكر عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أن أعرابيا عرض ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له فقال: أخبرني بما يقربني من ~~الجنة ويباعدني من النار، قال صلى الله عليه وسلم: "تعبد الله، لا تشرك به ~~شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا أبو يعلى وأبو نعيم قالا حدثنا قطر، ~~عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها" ~~(3) [رواه محمد بن إسماعيل عن محمد بن كثير عن سفيان عن قطر وقال: إذا قطعت ~~رحمه وصلها] (4) . # قوله تعالى: {ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} . ### || # {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) } . # {والذين صبروا} على طاعة الله، وقال ابن عباس: على أمر الله عز وجل. وقال ~~عطاء: على المصائب والنوائب. وقيل: عن الشهوات. وقيل: عن المعاصي. # {ابتغاء وجه ms1335 ربهم} طلب تعظيمه أن يخالفوه. PageV04P312 # {وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية} يعني يؤدون الزكاة. # {ويدرءون بالحسنة السيئة} روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ~~يدفعون بالصالح من العمل السيئ من العمل، وهو معنى قوله: {إن الحسنات يذهبن ~~السيئات} (هود -114) . وجاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها، السر بالسر والعلانية ~~بالعلانية" (1) . # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد بن ~~الحارث، أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبد الله بن محمود، أنبأنا ~~إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة، ~~حدثني يزيد بن أبي حبيب، حدثنا أبو الخير، أنه سمع عقبة بن عامر رضي الله ~~عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مثل الذي يعمل السيئات ثم ~~يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته، ثم عمل حسنة، فانفكت ~~عنه حلقة، ثم عمل أخرى فانفكت أخرى، حتى يخرج إلى الأرض" (2) . # وقال ابن كيسان: معنى الآية: يدفعون الذنب بالتوبة. # وقيل: لا يكافئون الشر بالشر، ولكن يدفعون الشر بالخير. # وقال القتيبي: معناه: إذا سفه عليهم حلموا، فالسفه: السيئة، والحلم: ~~الحسنة. # وقال قتادة: ردوا عليهم معروفا، نظيره قوله تعالى: {وإذا خاطبهم الجاهلون ~~قالوا سلاما} (الفرقان -63) . # وقال الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا. # قال عبد الله بن المبارك: هذه ثمان خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنة. # {أولئك لهم عقبى الدار} يعني الجنة، أي: عاقبتهم دار الثواب. ثم بين ذلك ~~فقال: {جنات عدن} . ### || # {جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة ~~يدخلون عليهم من كل باب (23) } . # {جنات عدن} بساتين إقامة، 190/ب {يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب} PageV04P313 # قيل: من أبواب الجنة. وقيل: من أبواب القصور. ### || # {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) والذين ينقضون عهد الله من ~~بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله ms1336 به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم ~~اللعنة ولهم سوء الدار (25) } . # {سلام عليكم} أي: يقولون سلام عليكم. # وقيل: يقولون: سلمكم الله من الآفات التي كنتم تخافون منها. # قال مقاتل: يدخلون عليهم في مقدار يوم وليلة من أيام الدنيا ثلاث كرات، ~~معهم الهدايا والتحف من الله عز وجل، يقولون سلام عليكم، {بما صبرتم فنعم ~~عقبى الدار} . # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله ~~بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، ~~عن بقية بن الوليد، حدثني أرطاة بن المنذر قال: سمعت رجلا من مشيخة الجند ~~يقال له أبو الحجاج يقول: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن ليكون متكئا ~~على أريكته إذا أدخل الجنة، وعنده سماطان من خدم، وعند طرف السماطين باب ~~مبوب (1) . فيقبل ملك من ملائكة الله يستأذن، فيقوم أقصى الخدم (2) إلى ~~الباب، فإذا هو بالملك يستأذن، فيقول للذي يليه: ملك يستأذن ويقول الذي ~~يليه للذي يليه ملك يستأذن كذلك حتى يبلغ المؤمن، فيقول: ائذنوا له، [فيقول ~~أقربهم إلى المؤمن] (3) : ائذنوا له، [ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا ~~له] (4) كذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له فيدخل، فيسلم ثم ~~ينصرف (5) . # {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} هذا في الكفار. {ويقطعون ما أمر ~~الله به أن يوصل} أي: يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض. وقيل: يقطعون ~~الرحم (6) . PageV04P314 # {ويفسدون في الأرض} أي: يعملون بالمعاصي، {أولئك لهم اللعنة ولهم سوء ~~الدار} يعني: النار، وقيل: سوء المنقلب لأن منقلب الناس دورهم. ### || # {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة ~~الدنيا في الآخرة إلا متاع (26) ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ~~ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب (27) الذين آمنوا وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) } . # قوله عز وجل: {الله يبسط الرزق لمن يشاء ms1337 ويقدر} أي: يوسع على من يشاء ~~ويضيق على من يشاء. # {وفرحوا بالحياة الدنيا} يعني: مشركي مكة أشروا وبطروا، والفرح: لذة في ~~القلب بنيل المشتهى، وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا حرام. # {وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} أي: قليل ذاهب. قال الكلبي: كمثل ~~السكرجة والقصعة والقدح والقدر ينتفع بها [ثم تذهب] (1) . # {ويقول الذين كفروا} من أهل مكة، {لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله ~~يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} [أي: يهدي إليه من يشاء بالإنابة. وقيل: ~~يرشد إلى دينه من يرجع إليه بقلبه] (2) . # {الذين آمنوا} في محل النصب، بدل من قوله: "من أناب"، {وتطمئن} تسكن، ~~{قلوبهم بذكر الله} قال مقاتل: بالقرآن، والسكون يكون باليقين، والاضطراب ~~يكون بالشك، {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} تسكن قلوب المؤمنين ويستقر فيها ~~اليقين. # قال ابن عباس: هذا في الحلف، يقول: إذا حلف المسلم (3) بالله على شيء ~~تسكن قلوب المؤمنين إليه (4) . # فإن قيل: أليس قد قال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم} (الأنفال -2) فكيف تكون الطمأنينة والوجل في حالة واحدة؟ ~~PageV04P315 # قيل: الوجل عند ذكر الوعيد والعقاب، والطمأنينة عند ذكر الوعد والثواب، ~~فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه، وتطمئن إذا ذكرت فضل الله ~~وثوابه (1) وكرمه. PageV04P316 ### || # {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (29) } . # {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ابتداء، {طوبى لهم} خبره. # واختلفوا في تفسير {طوبى} (1) . # روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: فرح لهم وقرة عين. # وقال عكرمة: نعم مالهم. # وقال قتادة: حسنى لهم. # وقال معمر عن قتادة: هذه كلمة عربية، يقول الرجل للرجل: طوبى لك، أي: ~~أصبت خيرا. # وقال إبراهيم: خير لهم وكرامة. # وقال الفراء: [أصله من الطيب، والواو فيه لضمة الطاء، وفيه لغتان، تقول ~~العرب: طوباك وطوبى لك أي: لهم الطيب] (2) . # {وحسن مآب} أي: حسن المنقلب. # قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: طوبى اسم الجنة بالحبشية. # قال الربيع: هو البستان بلغة الهند. # وروي عن أبي أمامة وأبي هريرة وأبي الدرداء قالوا: [طوبى شجرة ms1338 في الجنة ~~تظل الجنان كلها. وقال عبيد بن عمير] (3) : هي شجرة في جنة عدن أصلها في ~~دار النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كل دار وغرفة غصن منها لم يخلق الله ~~لونا ولا زهرة إلا وفيها منها إلا السواد، ولم يخلق الله تعالى فاكهة ولا ~~ثمرة إلا وفيها منها. تنبع من أصلها عينان: الكافور والسلسبيل. # قال مقاتل: كل ورقة منها تظل أمة عليها ملك يسبح الله عز وجل بأنواع ~~التسبيح (4) . PageV04P316 # وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا سأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما طوبى؟ قال: "شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة ~~تخرج من أكمامها" (1) . # وعن معاوية بن قرة عن أبيه يرفعه: "طوبى شجرة غرسها الله تعالى بيده، ~~ونفخ فيها من روحه، تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة" ~~(2) . # أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، ~~أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أنبأنا إبراهيم ~~بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن إسماعيل بن أبي خالد، عن ~~زياد مولى بني مخزوم، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: إن في الجنة ~~لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة [لا يقطعها] (3) اقرؤوا إن شئتم: {وظل ~~ممدود} (الواقعة -30) فبلغ ذلك (4) كعبا فقال: صدق والذي أنزل التوراة على ~~موسى عليه السلام والقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، لو أن رجلا ركب حقة ~~أو جذعة ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما، إن الله تعالى ~~غرسها بيده ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة، ما في ~~الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة (5) . # وبهذا الإسناد عن عبد الله بن المبارك عن معمر عن الأشعث بن عبد الله عن ~~شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يقول الله عز ~~وجل لها: تفتقي لعبدي عما شئت فتنفتق ms1339 له عن فرس بسرجه ولجامه وهيئته كما ~~شاء، يفتق له عن الراحلة برحلها وزمامها PageV04P317 # [وهيئتها] (1) كما شاء وعن الثياب (2) . ### || # {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك ~~وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب (30) } ~~. # قوله عز وجل {كذلك أرسلناك في أمة} كما أرسلنا الأنبياء إلى الأمم ~~أرسلناك إلى هذه الأمة، {قد خلت} مضت، {من قبلها أمم لتتلو} لتقرأ، {عليهم ~~الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن} . # قال قتادة، ومقاتل، وابن جريج: الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية، وذلك ~~أن سهيل بن عمرو لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم واتفقوا على أن ~~يكتبوا كتاب الصلح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم 191/ألعلي رضي الله ~~عنه: اكتب " بسم الله الرحمن الرحيم "، قالوا: لا نعرف الرحمن إلا صاحب ~~اليمامة -يعنون مسيلمة الكذاب-اكتب كما كنت تكتب: "باسمك اللهم"، فهذا معنى ~~قوله: {وهم يكفرون بالرحمن} (3) . # والمعروف أن الآية مكية، وسبب نزولها: أن أبا جهل سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو في الحجر يدعو يا الله يا رحمن، فرجع إلى المشركين فقال: إن ~~محمدا يدعو إلهين؛ يدعو الله، ويدعو إلها آخر يسمى الرحمن، ولا نعرف الرحمن ~~إلا رحمن اليمامة فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى (4) } (الإسراء -110) . # وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت في كفار قريش حين قال ~~لهم النبي صلى الله عليه وسلم: اسجدوا للرحمن، قالوا: وما الرحمن (5) ؟ قال ~~الله تعالى: {قل} لهم يا محمد إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته، {هو ربي لا ~~إله إلا هو عليه توكلت} اعتمدت {وإليه متاب} أي: توبتي ومرجعي. PageV04P318 ### || # {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله ~~الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا ~~يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا ms1340 من دارهم حتى يأتي ~~وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (31) } . # قوله عز وجل: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} الآية. نزلت في نفر من مشركي ~~مكة؛ منهم أبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية؛ جلسوا خلف الكعبة ~~وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاهم، فقال له عبد الله بن أبي ~~أمية: إن سرك أن نتبعك فسير جبال مكة بالقرآن فأذهبها عنا حتى تنفسح، فإنها ~~أرض ضيقة لمزارعنا، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا، لنغرس فيها الأشجار ~~ونزرع، ونتخذ البساتين، فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود عليه السلام ~~حيث سخر له الجبال تسبح معه، أو سخر لنا الريح فنركبها إلى الشام لميرتنا ~~وحوائجنا ونرجع في يومنا، فقد سخرت الريح لسليمان كما زعمت، ولست بأهون على ~~ربك من سليمان، وأحي لنا جدك قصيا أو من شئت من آبائنا وموتانا لنسأله عن ~~أمرك أحق ما تقول أم باطل؟ فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولست بأهون على الله ~~منه فأنزل الله عز وجل: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} (1) فأذهبت عن وجه ~~الأرض، {أو قطعت به الأرض} أي: شققت فجعلت أنهارا وعيونا {أو كلم به ~~الموتى} واختلفوا في جواب "لو": # فقال قوم جوابه محذوف، اكتفى بمعرفة السامعين مراده (2) وتقديره: لكان ~~هذا القرآن، كقول الشاعر: (3) . # فأقسم لو شيء أتانا رسوله %~% سواك ولكن لم نجد ~~لك مدفعا # أراد: لرددناه، وهذا معنى قول قتادة قال: لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم ~~لفعل بقرآنكم. # وقال آخرون: جواب لو مقدم. وتقدير الكلام: وهم يكفرون بالرحمن "ولو أن ~~قرآنا سيرت به الجبال" (4) كأنه قال: لو سيرت به الجبال "أو قطعت به الأرض ~~أو كلم به الموتى" لكفروا PageV04P319 # بالرحمن ولم يؤمنوا، لما سبق من علمنا فيهم، كما قال: {ولو أننا نزلنا ~~إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا} ~~(الأنعام -111) ثم قال: # {بل لله الأمر جميعا} أي: في هذه الأشياء إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل. # {أفلم ييئس الذين آمنوا} قال ms1341 أكثر المفسرين: معناه أفلم يعلم. قال ~~الكلبي: هي لغة النخع (1) . # وقيل: لغة هوازن، يدل عليه قراءة ابن عباس: "أفلم يتبين الذين آمنوا" (2) ~~. # وأنكر الفراء أن يكون ذلك بمعنى العلم، وزعم أنه لم يسمع أحدا من العرب ~~يقول: يئست، بمعنى: علمت، ولكن معنى العلم فيه مضمر (3) . # وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا هذا من المشركين ~~طمعوا في أن يفعل الله ما سألوا فيؤمنوا فنزل: {أفلم ييئس الذين آمنوا} ~~يعني: الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من إيمان هؤلاء، أي لم ييئسوا علما، ~~وكل من علم شيئا يئس من خلافه، يقول: ألم ييئسهم العلم: {أن لو يشاء الله ~~لهدى الناس جميعا} . # {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا} من كفرهم وأعمالهم الخبيثة ~~{قارعة} أي: نازلة وداهية تقرعهم من أنواع البلاء، أحيانا بالجدب، وأحيانا ~~بالسلب، وأحيانا بالقتل والأسر. # وقال ابن عباس: أراد بالقارعة: السرايا التي كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يبعثهم إليهم. # {أو تحل} يعني: السرية والقارعة، {قريبا من دارهم} وقيل: أو تحل: أي تنزل ~~أنت يا محمد بنفسك قريبا من ديارهم، {حتى يأتي وعد الله} قيل: يوم القيامة. ~~وقيل: الفتح والنصر وظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه. {إن الله لا ~~يخلف الميعاد} وكان الكفار يسألون هذه الأشياء على سبيل الاستهزاء فأنزل ~~الله تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولقد استهزئ برسل من قبلك} ~~PageV04P320 ### || # {ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب ~~(32) أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم ~~تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم ~~وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (33) } . # {ولقد استهزئ برسل من قبلك} كما استهزؤوا بك، {فأمليت للذين كفروا} ~~أمهلتهم وأطلت لهم المدة، ومنه "الملوان"، وهما: الليل والنهار، {ثم ~~أخذتهم} عاقبتهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار، {فكيف كان عقاب} أي: ~~عقابي لهم. # {أفمن هو قائم على ms1342 كل نفس بما كسبت} أي: حافظها، ورازقها، وعالم بها، ~~ومجازيها بما عملت. وجوابه محذوف، تقديره: كمن ليس بقائم بل عاجز عن نفسه. # {وجعلوا لله شركاء قل سموهم} بينوا أسماءهم. # وقيل: صفوهم ثم انظروا: هل هي أهل لأن تعبد؟ # {أم تنبئونه} أي: تخبرون الله تعالى: {بما لا يعلم في الأرض} فإنه لا ~~يعلم لنفسه شريكا ولا في الأرض إلها غيره، {أم بظاهر} يعني: أم تتعلقون ~~بظاهر، {من القول} مسموع، وهو في الحقيقة باطل لا أصل له. # وقيل: بباطل من القول: قال الشاعر: وعيرني الواشون أني أحبها وتلك شكاة ~~ظاهر عنك عارها # أي: زائل (1) . # {بل زين للذين كفروا مكرهم} كيدهم. وقال مجاهد: شركهم وكذبهم على الله. # {وصدوا عن السبيل} أي: صرفوا عن الدين. PageV04P321 # قرأ أهل الكوفة ويعقوب {وصدوا} وفي حم المؤمن {وصد} بضم الصاد فيهما، ~~وقرأ الآخرون بالفتح لقوله تعالى: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} ~~(الحج -25) ، وقوله {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} (النحل -88 وغيرها) . # {ومن يضلل الله} بخذلانه إياه، {فما له من هاد} . ### || # {لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق ~~(34) } . # {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك ~~عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار (35) والذين آتيناهم الكتاب يفرحون ~~بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا ~~أشرك به إليه أدعو وإليه مآب (36) } . # {لهم عذاب في الحياة الدنيا} بالقتل والأسر، {ولعذاب الآخرة أشق} أشد، ~~{وما لهم من الله من واق} مانع يمنعهم من العذاب. # قوله عز وجل: {مثل الجنة التي وعد المتقون} أي: صفة الجنة، كقوله تعالى: ~~{ولله المثل الأعلى} (النحل -60) أي: الصفة العليا، {تجري من تحتها ~~الأنهار} أي: صفة الجنة التي وعد المتقون أن الأنهار تجري من تحتها. # وقيل: "مثل" صلة مجازها "الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار". # {أكلها دائم} أي: لا ينقطع ثمرها ونعيمها، {وظلها} أي: ظلها ظليل، لا ~~يزول، وهو رد على الجهمية حيث قالوا ms1343 إن نعيم الجنة يفنى (1) . # {تلك عقبى} أي: عاقبة {الذين اتقوا} يعني: الجنة، {وعقبى الكافرين النار} ~~. # قوله عز وجل: {والذين آتيناهم الكتاب} يعني: القرآن، وهم أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم PageV04P322 # {يفرحون بما أنزل إليك} من القرآن، {ومن الأحزاب} يعني: الكفار الذين ~~تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم اليهود والنصارى، {من ينكر ~~بعضه} هذا قول مجاهد وقتادة (1) . # وقال الآخرون: كان ذكر الرحمن قليلا في القرآن في الابتداء فلما أسلم ~~191/ب عبد الله بن سلام وأصحابه ساءهم قلة ذكره في القرآن مع كثرة ذكره في ~~التوراة، فلما كرر الله ذكره في القرآن فرحوا به فأنزل الله سبحانه وتعالى: ~~{والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه} ~~(2) يعني: مشركي مكة حين كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الصلح: ~~بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون ~~مسيلمة الكذاب، فأنزل الله عز وجل (3) {وهم بذكر الرحمن هم كافرون} ~~(الأنبياء -36) {وهم يكفرون بالرحمن} (الرعد -30) . وإنما قال "بعضه" لأنهم ~~كانوا لا ينكرون ذكر الله وينكرون ذكر الرحمن. # {قل} يا محمد، {إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب} ~~أي: مرجعي. ### || # {وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك ~~من الله من ولي ولا واق (37) ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا ~~وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) } . # {وكذلك أنزلناه حكما عربيا} يقول: كما أنزلنا إليك الكتاب يا محمد، ~~فأنكره الأحزاب، كذلك أنزلنا الحكم والدين عربيا. نسب إلى العرب لأنه نزل ~~بلغتهم فكذب به الأحزاب. وقيل: نظم الآية: كما أنزلت الكتب على الرسل ~~بلغاتهم، فكذلك أنزلنا عليك الكتاب حكما عربيا. # {ولئن اتبعت أهواءهم} في الملة. وقيل: في القبلة، {بعدما جاءك من العلم ~~ما لك من الله من ولي ولا واق} يعني: من ناصر ولا حافظ. # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك} روي أن اليهود، -وقيل: ms1344 إن ~~المشركين-قالوا: PageV04P323 # إن هذا الرجل ليست له همة إلا في النساء فأنزل الله تعالى: {ولقد أرسلنا ~~رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} (1) وما جعلناهم ملائكة لا يأكلون ~~ولا يشربون ولا ينكحون. # {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} هذا جواب عبد الله بن أبي ~~أمية. ثم قال: # {لكل أجل كتاب} يقول: لكل أمر قضاه الله كتاب قد كتبه فيه ووقت يقع فيه. # وقيل: لكل آجل أجله الله كتاب أثبت فيه. وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: ~~أي، لكل كتاب أجل ومدة، أي: الكتب المنزلة لكل واحد منها وقت ينزل فيه. ### || # {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (39) } . # {يمحو الله ما يشاء ويثبت} قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وعاصم ويعقوب " ويثبت ~~" بالتخفيف وقرأ الآخرون بالتشديد. واختلفوا في معنى الآية: # فقال سعيد بن جبير، وقتادة: يمحو الله ما يشاء من الشرائع والفرائض ~~فينسخه ويبدله، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه (2) . # وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة ~~والشقاوة (3) . # وروينا عن حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يدخل الملك على ~~النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين، أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب ~~أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله ~~وأثره وأجله ورزقه، ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص" (4) . # وعن عمر وابن مسعود -رضي الله عنهما-أنهما قالا يمحو السعادة والشقاوة ~~أيضا، ويمحو الرزق والأجل ويثبت ما يشاء. # وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن ~~كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت علي الشقاوة فامحني، ~~وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم ~~الكتاب. ومثله عن ابن مسعود. PageV04P324 # وفي بعض الآثار: أن الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه ~~فترد إلى ثلاثة أيام، والرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه ~~فيمد إلى ثلاثين سنة. ms1345 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن ~~سعد، حدثني زيادة بن محمد الأنصاري، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن ~~عبيد، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "ينزل الله عز وجل في آخر ثلاث ساعات يبقين من الليل، فينظر في ~~الساعة الأولى منهن في أم الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ~~ويثبت" (1) . # وقيل: معنى الآية: إن الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم، فيمحو ~~الله من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قوله: أكلت، شربت، ~~دخلت، خرجت، ونحوها من كلام هو صادق فيه، ويثبت ما فيه ثواب وعقاب، هذا قول ~~الضحاك والكلبي. # وقال الكلبي: يكتب القول كله، حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس ~~فيه ثواب ولا عقاب. # وقال عطية عن ابن عباس: هو الرجل يعمل بطاعة الله عز وجل ثم يعود لمعصية ~~الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو، والذي يثبت: الرجل يعمل بطاعة الله، ~~فيموت وهو في طاعة الله عز وجل فهو الذي يثبت. # وقال الحسن: {يمحو الله ما يشاء} أي من جاء أجله يذهب به ويثبت من لم يجئ ~~أجله إلى أجله. # وعن سعيد بن جبير قال: {يمحو الله ما يشاء} من ذنوب العباد فيغفرها ويثبت ~~ما يشاء فلا يغفرها. # وقال عكرمة: {يمحو الله ما يشاء} من الذنوب بالتوبة، ويثبت بدل الذنوب ~~حسنات، كما قال الله تعالى: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} (الفرقان ~~-70) . وقال السدي: {يمحو الله ما يشاء} يعني القمر {ويثبت} يعني الشمس، ~~بيانه قوله تعالى: {فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} (الإسراء ~~-12) . # وقال الربيع: هذا في الأرواح يقبضها الله عند النوم، فمن أراد موته محاه ~~(2) فأمسكه، PageV04P325 # ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه، بيانه قوله عز وجل: {الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها} الآية (الزمر -42) . {وعنده أم الكتاب} ms1346 أي: أصل الكتاب، ~~وهو اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير. # وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب، ~~يمحو منه ما يشاء ويثبت، وأم الكتاب الذي لا يغير منه شيء. # وعن عطاء عن ابن عباس قال: إن لله تعالى لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام، ~~من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت، لله في كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة {يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} وسأل ابن عباس كعبا عن أم الكتاب؟ ~~فقال: علم الله، ما هو خالق، وما خلقه عاملون (1) . ### || # {وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا ~~الحساب (40) أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا ~~معقب لحكمه وهو سريع الحساب (41) } . # {وإما نرينك بعض الذي نعدهم} من العذاب قبل وفاتك، {أو نتوفينك} قبل ذلك، ~~{فإنما عليك البلاغ} ليس عليك إلا ذلك، {وعلينا الحساب} الجزاء يوم ~~القيامة. # قوله تعالى {أولم يروا} يعني: أهل مكة، الذين يسألون محمدا صلى الله عليه ~~وسلم الآيات، {أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} أكثر المفسرين على أن ~~المراد منه فتح ديار (2) الشرك، فإن ما زاد في ديار الإسلام فقد نقص من ~~ديار الشرك، يقول: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} فنفتحها ~~لمحمد أرضا بعد أرض حوالي أرضهم، أفلا يعتبرون؟ هذا قول ابن عباس وقتادة ~~وجماعة (3) . PageV04P326 # وقال قوم: هو خراب 192/أالأرض، معناه: أو لم يروا أنا نأتي الأرض ~~فنخربها، ونهلك أهلها، أفلا يخافون أن نفعل بهم ذلك (1) ؟ # وقال مجاهد: هو خراب الأرض وقبض أهلها (2) . # وعن عكرمة قال: قبض الناس. وعن الشعبي مثله. # وقال عطاء وجماعة: نقصانها موت العلماء، وذهاب الفقهاء (3) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، ~~حدثني مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي ~~الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى ms1347 الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا يقبض ~~العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم ~~يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" ~~(4) . # وقال الحسن: قال عبد الله بن مسعود: موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها ~~شيء ما اختلف الليل والنهار (5) . # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهله ~~(6) . # وقال علي رضي الله عنه: إنما مثل الفقهاء كمثل الأكف إذا قطعت كف لم تعد. # وقال سليمان: لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخر، فإذا هلك ~~الأول قبل أن يتعلم الآخر هلك الناس. # وقيل لسعيد بن جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: هلاك علمائهم (7) . ~~PageV04P327 # {والله يحكم لا معقب لحكمه} لا راد لقضائه، ولا ناقض لحكمه، {وهو سريع ~~الحساب} . ### || # {وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم ~~الكفار لمن عقبى الدار (42) } . # {ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده ~~علم الكتاب (43) } . # {وقد مكر الذين من قبلهم} يعني: من قبل مشركي مكة، والمكر: إيصال المكروه ~~إلى الإنسان من حيث لا يشعر. # {فلله المكر جميعا} أي: عند الله جزاء مكرهم وقيل: إن الله خالق مكرهم ~~جميعا، بيده الخير والشر، وإليه النفع والضر، فلا يضر مكر أحد أحدا إلا ~~بإذنه. # {يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار} قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو " الكافر ~~" على التوحيد، وقرأ الآخرون: {الكفار} على الجمع. {لمن عقبى الدار} أي: ~~عاقبة الدار الآخرة حين يدخلون النار، ويدخل المؤمنون الجنة. # {ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم} إني رسوله ~~إليكم {ومن عنده علم الكتاب} يريد: مؤمني أهل الكتاب يشهدون أيضا على ذلك. # قال قتادة: هو عبد الله بن سلام (1) . # وأنكر الشعبي هذا وقال: السورة مكية، وعبد الله بن سلام أسلم بالمدينة. # وقال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير {ومن عنده علم الكتاب} أهو عبد الله بن ~~سلام؟ ms1348 فقال: وكيف يكون عبد الله بن سلام وهذه السورة مكية (2) ؟ # وقال الحسن ومجاهد: {ومن عنده علم الكتاب} هو الله عز وجل (3) يدل عليه: ~~قراءة عبد الله بن عباس، {ومن عنده} بكسر الميم والدال، أي: من عند الله عز ~~وجل، وقرأ الحسن PageV04P328 # وسعيد بن جبير: {ومن عنده} بكسر الميم والدال {علم الكتاب} على الفعل ~~المجهول (1) دليل هذه القراءة قوله تعالى: {وعلمناه من لدنا علما} (الكهف ~~-65) وقوله: {الرحمن علم القرآن} (الرحمن -1، 2) . ### | سورة إبراهيم # مكية [وهي إحدى وخمسون] (2) آية إلا آيتين من قوله تعالى: "ألم تر إلى ~~الذين بدلوا نعمة الله كفرا" إلى قوله: "فإن مصيركم إلى النار" (3) بسم ~~الله الرحمن الرحيم ### | # {الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى ~~صراط العزيز الحميد (1) } . # {الر كتاب} أي: هذا كتاب {أنزلناه إليك} يا محمد يعني: القرآن، {لتخرج ~~الناس من الظلمات إلى النور} أي: لتدعوهم من ظلمات الضلالة إلى نور الإيمان ~~(4) . {بإذن ربهم} [بأمر ربهم] (5) . # وقيل: بعلم ربهم (6) . PageV04P329 # {إلى صراط العزيز الحميد} أي: إلى دينه، و"العزيز"، هو الغالب، ~~و"الحميد": هو المستحق للحمد. ### || # {الله الذي له ما في السموات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد ~~(2) الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها ~~عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) } . # {الله الذي} قرأ أبو جعفر، وابن عامر: " الله " بالرفع على الاستئناف، ~~وخبره فيما بعده. وقرأ الآخرون بالخفض نعتا للعزيز الحميد (1) . وكان يعقوب ~~إذا وصل خفض. # وقال أبو عمرو: الخفض على التقديم والتأخير، مجازه: إلى صراط الله العزيز ~~الحميد (2) {الذي له ما في السموات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب ~~شديد} (3) . # {الذين يستحبون} يختارون، {الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل ~~الله} أي: PageV04P334 # يمنعون الناس عن قبول دين الله، {ويبغونها عوجا} أي: يطلبونها زيغا وميلا ~~يريد: يطلبون سبيل الله جائرين عن القصد. # وقيل: الهاء راجعة إلى الدنيا، معناه: يطلبون الدنيا على طريق الميل عن ~~الحق، أي: لجهة الحرام. {أولئك في ضلال بعيد} (1) . ### || # {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ms1349 ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي ~~من يشاء وهو العزيز الحكيم (4) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من ~~الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) } ~~. # قوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} بلغتهم ~~ليفهموا عنه. فإن قيل: كيف هذا وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى كافة ~~الخلق؟ # قيل: بعث من العرب بلسانهم، والناس تبع لهم، ثم بث الرسل إلى الأطراف ~~يدعونهم إلى الله عز وجل ويترجمون لهم بألسنتهم (2) . # {فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم} . # {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور} أي: من ~~الكفر إلى الإيمان بالدعوة، {وذكرهم بأيام الله} قال ابن عباس وأبي بن كعب ~~ومجاهد وقتادة: بنعم الله (3) PageV04P335 # وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة. يقال: فلان عالم بأيام العرب، ~~أي بوقائعهم، وإنما أراد بما كان في أيام الله من النعمة والمحنة، فاجتزأ ~~بذكر الأيام عنها لأنها كانت معلومة عندهم (1) . # {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} و"الصبار": الكثير الصبر، و"الشكور": ~~الكثير الشكر، وأراد: لكل مؤمن، لأن الصبر والشكر من خصال المؤمنين. ~~PageV04P336 ### || # {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ~~ربكم عظيم (6) وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ~~(7) } . # {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم} (1) قال الفراء: العلة الجالبة لهذه ~~الواو أن الله تعالى أخبرهم أن آل فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب ~~غير التذبيح، وبالتذبيح، وحيث طرح الواو في "يذبحون" و"يقتلون" أراد تفسير ~~العذاب الذي كانوا يسومونهم (2) {ويستحيون نساءكم} يتركوهن أحياء {وفي ذلكم ~~بلاء من ربكم عظيم} (3) . # {وإذ تأذن ربكم} أي: أعلم، يقال: أذن وتأذن بمعنى واحد، مثل أوعد وتوعد، ~~PageV04P336 # {لئن شكرتم} نعمتي فآمنتم وأطعتم {لأزيدنكم} في النعمة. # وقيل: الشكر: قيد الموجود، وصيد ms1350 المفقود. # وقيل: لئن شكرتم بالطاعة لأزيدنكم في الثواب. # {ولئن كفرتم} نعمتي فجحدتموها ولم تشكروها، {إن عذابي لشديد} (1) . ### || # {وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (8) ~~ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا ~~يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا ~~كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) } . # {وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد} أي: ~~غني عن خلقه، حميد: محمود في أفعاله، لأنه فيها متفضل وعادل. # {ألم يأتكم نبأ الذين} خبر الذين، {من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين ~~من بعدهم لا يعلمهم إلا الله} يعني: من كان بعد قوم نوح وعاد 192/ب وثمود. # وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ثم قال: كذب ~~النسابون (2) . # وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: بين إبراهيم وبين عدنان ثلاثون ~~قرنا لا يعلمهم إلا الله تعالى (3) . # وكان مالك بن أنس يكره أن ينسب الإنسان نفسه أبا إلى آدم، وكذلك في حق ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعلم أولئك الآباء أحد إلا الله عز وجل. ~~PageV04P337 # {جاءتهم رسلهم بالبينات} بالدلالات الواضحات، {فردوا أيديهم في أفواههم} ~~قال ابن مسعود: عضوا على أيديهم غيظا (1) كما قال {عضوا عليكم الأنامل من ~~الغيظ} (آل عمران -119) . # قال ابن عباس: لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم (2) ~~. # قال مجاهد وقتادة: كذبوا الرسل وردوا ما جاؤوا به (3) يقال: رددت قول ~~فلان في فيه أي كذبته. # وقال الكلبي: يعني أن الأمم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم، أي: وضعوا ~~الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا. # وقال مقاتل: فردوا أيديهم على أفواه الرسل يسكتونهم بذلك (4) . # وقيل: الأيدي بمعنى النعم. معناه: ردوا ما لو قبلوا كانت أيادي ونعما في ~~أفواههم، أي: بأفواههم، يعني بألسنتهم. # {وقالوا} يعني الأمم للرسل، {إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك ms1351 مما ~~تدعوننا إليه مريب} موجب للريبة موقع للتهمة. ### || # {قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما ~~كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10) } . # {قالت رسلهم أفي الله شك} هذا استفهام بمعنى نفي ما اعتقدوه، {فاطر ~~السموات والأرض} خالقهما (5) {يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم} أي: ذنوبكم ~~و"من" صلة، PageV04P338 # {ويؤخركم إلى أجل مسمى} إلى حين استيفاء آجالكم فلا يعاجلكم بالعذاب. # {قالوا} للرسل: {إن أنتم إلا بشر مثلنا} في الصورة، ولستم ملائكة وإنما ~~{تريدون} بقولكم، {أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين} حجة ~~بينة على صحة دعواكم. # PageV04P339 ### || # {قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من ~~عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون (11) وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما ~~آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) وقال الذين كفروا لرسلهم ~~لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ~~(13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14) } . # {قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من ~~عباده} بالنبوة والحكمة، {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون} (1) . # {وما لنا ألا نتوكل على الله} وقد عرفنا أن لا ننال شيئا إلا بقضائه ~~وقدره، {وقد هدانا سبلنا} بين لنا الرشد، وبصرنا طريق النجاة. {ولنصبرن} ~~اللام لام القسم، مجازه: والله لنصبرن، {على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل ~~المتوكلون} . # {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا} يعنون: ~~إلا أن ترجعوا، أو حتى ترجعوا إلى ديننا (2) . # {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين} . # {ولنسكننكم الأرض من بعدهم} أي: من بعد هلاكهم. PageV04P339 # {ذلك لمن خاف مقامي} أي: قيامه بين يدي كما قال: {ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان} (الرحمن -46) ، فأضاف قيام العبد إلى نفسه، كما ms1352 تقول: ندمت على ~~ضربك، أي: على ضربي إياك، {وخاف وعيد} أي عقابي. ### || # {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) ~~} . # قوله عز وجل: {واستفتحوا} أي: استنصروا. قال ابن عباس ومقاتل: يعني ~~الأمم، وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا، نظيره ~~قوله تعالى: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء} (الأنفال -32) . # وقال مجاهد وقتادة: واستفتحوا يعني الرسل، وذلك أنهم لما يئسوا من إيمان ~~قومهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب كما قال نوح عليه السلام، {رب ~~لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} (نوح -26) وقال موسى عليه السلام: ~~{ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم} (يونس -88) .، الآية # {وخاب} خسر. وقيل: هلك، {كل جبار عنيد} والجبار: الذي لا يرى فوقه أحدا. ~~والجبرية: طلب العلو بما لا غاية وراءه (1) . وهذا الوصف لا يكون إلا لله ~~عز وجل. # وقيل: الجبار: الذي يجبر الخلق على مراده، والعنيد: المعاند للحق ~~ومجانبه. قاله مجاهد. # وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: هو المعرض عن الحق. # وقال مقاتل: هو المتكبر. # وقال قتادة: "العنيد" الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله (2) . # {من ورائه جهنم} أي: أمامه، كقوله تعالى {وكان وراءهم ملك} (الكهف -76) ~~أي: أمامهم (3) . PageV04P340 # قال أبو عبيدة: هو من الأضداد (1) . # وقال الأخفش: هو كما يقال هذا الأمر من ورائك يريد أنه سيأتيك، وأنا من ~~وراء فلان يعني أصل إليه (2) . # وقال مقاتل: "من ورائه جهنم" أي: بعده (3) . # {ويسقى من ماء صديد} أي: من ماء هو صديد، وهو ما يسيل من أبدان الكفار من ~~القيح والدم (4) . # وقال محمد بن كعب: ما يسيل من فروج الزناة، يسقاه الكافر (5) . ### || # {يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه ~~عذاب غليظ (17) } . # {يتجرعه} أي: يتحساه ويشربه، لا بمرة واحدة، بل جرعة جرعة، لمرارته ~~وحرارته، {ولا يكاد يسيغه} و"يكاد": صلة، أي: لا يسيغه، كقوله تعالى: {لم ~~يكد يراها} (النور -40) أي: لم يرها. # قال ابن عباس -رضي ms1353 الله عنهما-: لا يجيزه. # وقيل: معناه يكاد لا يسيغه، ويسيغه فيغلي في جوفه. PageV04P341 # أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، ~~أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم ~~بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن عبد ~~الله بن بسر عن أبي أمامة -رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله: "ويسقى من ماء صديد يتجرعه"، قال: يقرب إلى فيه فيتكرهه، فإذا أدني ~~منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه، حتى يخرج من دبره، ~~يقول الله عز وجل: {وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم} (محمد -15) ، ويقول: ~~{وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه} (1) (الكهف -29) . # وقوله عز وجل: {ويأتيه الموت من كل مكان} يعني: يجد هم الموت وألمه من كل ~~مكان من أعضائه. # قال إبراهيم التيمي: حتى من تحت كل شعرة من جسده. # وقيل: يأتيه الموت من قدامه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته، وعن يمينه وعن ~~شماله. # {وما هو بميت} فيستريح، قال ابن جريج: تعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من ~~فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة. نظيرها {ثم لا يموت ~~فيها ولا يحيا} (الأعلى -13) . # {ومن ورائه} أمامه، {عذاب غليظ} شديد، وقيل: العذاب الغليظ الخلود في ~~النار. ### || # {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا ~~يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد (18) } . # {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم} يعني: أعمال الذين كفروا بربهم -كقوله ~~تعالى: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم} (الزمر -60) -أي: ~~ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة، {كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف} ~~وصف اليوم بالعصوف، والعصوف من صفة الريح لأن الريح تكون فيها، كما يقال: ~~يوم حار ويوم بارد، لأن الحر والبرد فيه. # وقيل: معناه: في يوم عاصف الريح، فحذف الريح لأنها قد ذكرت من قبل. وهذا ~~مثل ضربه PageV04P342 # الله لأعمال الكفار، ms1354 يريد: أنهم لا ينتفعون بأعمالهم التي عملوها في ~~الدنيا لأنهم أشركوا فيها غير الله كالرماد الذي ذرته الريح لا ينتفع به، ~~فذلك قوله تعالى: # {لا يقدرون} يعني: الكفار {مما كسبوا} في الدنيا، {على شيء} في الآخرة، ~~193/أ {ذلك هو الضلال البعيد} . # PageV04P343 ### || # {ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ~~(19) وما ذلك على الله بعزيز (20) وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا ~~لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21) } ~~. # {ألم تر أن الله خلق السموات والأرض} قرأ حمزة والكسائي "خالق السموات ~~والأرض" وفي سورة النور "خالق كل دابة" مضافا. # وقرأ الآخرون " خلق " على الماضي " والأرض " وكل بالنصب. # و" بالحق " أي: لم يخلقهما باطلا وإنما خلقهما لأمر عظيم، {إن يشأ يذهبكم ~~ويأت بخلق جديد} سواكم أطوع لله منكم. # {وما ذلك على الله بعزيز} منيع شديد، يعني أن الأشياء تسهل في القدرة، لا ~~يصعب على الله تعالى شيء وإن جل وعظم. # قوله عز وجل: {وبرزوا لله جميعا} [أي: خرجوا من قبورهم إلى الله وظهروا ~~جميعا] (1) {فقال الضعفاء} يعني: الأتباع، {للذين استكبروا} أي: تكبروا على ~~الناس وهم القادة والرؤساء: {إنا كنا لكم تبعا} جمع تابع، مثل: حرس وحارس، ~~{فهل أنتم مغنون} دافعون، {عنا من عذاب الله من شيء} . # {قالوا} يعني القادة المتبوعين: {لو هدانا الله لهديناكم} أي: لو هدانا ~~الله لدعوناكم إلى الهدى، فلما أضلنا دعوناكم إلى الضلالة (2) ، {سواء ~~علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} مهرب ولا منجاة. PageV04P343 # قال مقاتل: يقولون في النار: تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام، فلا ~~ينفعهم الجزع، ثم يقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم، ~~فحينئذ يقولون: {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} (1) . # قال محمد بن كعب القرظي (2) بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة. فقال ~~الله تعالى: {وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما ms1355 من ~~العذاب} (غافر -49) ، فردت الخزنة عليهم: "أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات ~~قالوا بلى"، فردت الخزنة عليهم: {ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} ~~(غافر -50) فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا: {يا مالك ليقض علينا ربك} ~~(الزخرف -77) سألوا الموت، فلا يجيبهم ثمانين سنة والسنة ستون وثلاثمائة ~~يوما، واليوم كألف سنة مما تعدون، ثم لحظ إليهم بعد الثمانين إنكم ماكثون، ~~فلما يئسوا مما قبله قال بعضهم لبعض: إنه قد نزل بكم من البلاء ما ترون ~~فهلموا فلنصبر، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله ~~فنفعهم، فأجمعوا على الصبر، فطال صبرهم ثم جزعوا فنادوا: "سواء علينا ~~أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص"، أي: من منجى. # قال: فقام إبليس عند ذلك فخطبهم، فقال: "إن الله وعدكم وعد الحق" الآية، ~~فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم فنودوا: {لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم ~~إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} (غافر -10) قالوا فنادوا الثانية: "فارجعنا ~~نعمل صالحا إنا موقنون"، فرد عليهم: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} الآيات ~~(السجدة -12، 13) فنادوا الثالثة: {ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ~~ونتبع الرسل} (إبراهيم 44) ، فرد عليهم: {أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم ~~من زوال} الآيات (إبراهيم -44) ، ثم نادوا الرابعة: {ربنا أخرجنا نعمل ~~صالحا غير الذي كنا نعمل} فرد عليهم: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~وجاءكم النذير} ، الآية (فاطر -37) قال: فمكث عليهم ما شاء الله، ثم ~~ناداهم: "ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون"، فلما سمعوا ذلك ~~قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: "ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ~~ضالين، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون"، قال عند ذلك: {اخسئوا فيها ~~ولا تكلمون} (المؤمنون 105-108) فانقطع عند ذلك الرجاء والدعاء عنهم، فأقبل ~~بعضهم على بعض ينبح بعضهم في وجوه بعض، وأطبقت عليهم النار. PageV04P344 ### || # {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ~~وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم ما أنا ms1356 بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن ~~الظالمين لهم عذاب أليم (22) } . # قوله تعالى: {وقال الشيطان} يعني: إبليس، {لما قضي الأمر} أي: فرغ منه ~~فأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. # وقال مقاتل: يوضع له منبر في النار، فيرقاه فيجتمع عليه الكفار باللائمة ~~فيقول لهم: # {إن الله وعدكم وعد الحق} فوفى لكم به، {ووعدتكم فأخلفتكم} وقيل: يقول ~~لهم: قلت لكم لا بعث ولا جنة ولا نار. {وما كان لي عليكم من سلطان} ولاية. ~~وقيل: لم آتكم بحجة فيما دعوتكم إليه، {إلا أن دعوتكم} هذا استثناء منقطع ~~معناه: لكن {دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} بإجابتي ~~ومتابعتي من غير سلطان ولا برهان، {ما أنا بمصرخكم} بمغيثكم، {وما أنتم ~~بمصرخي} بمغيثي. # قرأ الأعمش وحمزة " بمصرخي " بكسر الياء، والآخرون بالنصب لأجل التضعيف، ~~ومن كسر فلالتقاء الساكنين، حركت إلى الكسر، لأن الياء أخت الكسرة، وأهل ~~النحو لم يرضوه، وقيل: إنه لغة بني يربوع. والأصل (بمصرخيني) فذهبت النون ~~لأجل الإضافة، وأدغمت ياء الجماعة في ياء الإضافة (1) . # {إني كفرت بما أشركتمون من قبل} أي: كفرت بجعلكم إياي شريكا في عبادته ~~وتبرأت من ذلك. # {إن الظالمين} الكافرين، {لهم عذاب أليم} . # أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد الحارث، ~~أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبد الله بن محمود، حدثنا إبراهيم بن ~~عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن رشدين بن سعد، أخبرني عبد ~~الرحمن بن زياد، عن دخين الحجري، عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه-عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة ذكر الحديث ثم قال: "يقول عيسى ~~عليه السلام ذلكم النبي الأمي، فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم فيثور من ~~مجلسي من أطيب ريح شمها أحد، حتى PageV04P345 # آتي ربي عز وجل فيشفعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول ~~الكفار: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ فيقولون: ما هو غير ~~إبليس، هو الذي أضلنا، فيأتونه ms1357 فيقولون له: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم ~~فقم أنت فاشفع لنا، فإنك أنت أضللتنا. فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها ~~أحد، ثم تعظم جهنم (1) ويقول عند ذلك: {إن الله وعدكم وعد الحق} الآية (2) ~~. ### || # {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23) ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) } . # قوله عز وجل: {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام} يسلم بعضهم على بعض، ~~وتسلم الملائكة عليهم. # وقيل: المحيي بالسلام هو الله عز وجل. # {ألم تر كيف ضرب الله مثلا} ألم تعلم، والمثل: قول سائر لتشبيه شيء بشيء. ~~{كلمة طيبة} وهي قول: لا إله إلا الله، {كشجرة طيبة} وهي النخلة يريد كشجرة ~~طيبة الثمر (3) . PageV04P346 # وقال ظبيان عن ابن عباس (1) هي شجرة في الجنة (2) . # {أصلها ثابت} في الأرض، {وفرعها} أعلاها، {في السماء} كذلك أصل هذه ~~الكلمة: راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق، فإذا تكلم بها عرجت، فلا ~~تحجب حتى تنتهي إلى الله عز وجل. قال الله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه} (فاطر -10) . PageV04P347 ### || # {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ~~(25) } . # {تؤتي أكلها} تعطي ثمرها، {كل حين بإذن ربها} 193/ب والحين في اللغة هو ~~الوقت. # وقد اختلفوا في معناه ها هنا فقال مجاهد وعكرمة: الحين ها هنا: سنة ~~كاملة، لأن النخلة تثمر كل سنة. # وقال سعيد بن جبير وقتادة والحسن: ستة أشهر من وقت إطلاعها إلى صرامها. ~~وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما. # وقيل: أربعة أشهر من حين ظهورها إلى إدراكها. # وقال سعيد بن المسيب: شهران من حين تؤكل إلى حين الصرام. # وقال الربيع بن أنس: "كل حين": أي: كل غدوة وعشية، لأن ثمر النخل يؤكل ~~أبدا ليلا ونهارا، صيفا وشتاء، إما تمرا أو رطبا أو بسرا، كذلك عمل المؤمن ~~يصعد أول النهار وآخره وبركة إيمانه ms1358 لا تنقطع أبدا، بل تصل إليه في كل وقت ~~(1) . # والحكمة في تمثيل الإيمان بالشجرة: هي أن الشجرة لا تكون شجرة إلا بثلاثة ~~أشياء: عرق راسخ، وأصل قائم، وفرع عال، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة ~~أشياء: تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان. PageV04P347 # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أنبأنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني، أنبأنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا عبد الله بن ~~دينار أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟ ~~قال عبد الله: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة ~~فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة. قال عبد ~~الله: فذكرت ذلك لعمر، فقال: لأن تكون قلت هي النخلة كان أحب إلي من كذا ~~وكذا" (1) . # وقيل: الحكمة في تشبيهها بالنخلة من بين سائر الأشجار: أن النخلة شبه (2) ~~الأشجار بالإنسان من حيث إنها إذا قطع رأسها يبست، وسائر الأشجار تتشعب من ~~جوانبها بعد قطع رؤوسها (3) ولأنها تشبه الإنسان في أنها لا تحمل إلا ~~بالتلقيح ولأنها خلقت من فضل طينة آدم عليه السلام، ولذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "أكرموا عمتكم" قيل: ومن عمتنا؟ قال: "النخلة" (4) {ويضرب ~~الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} (5) . ### || # {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (26) } ~~. # {ومثل كلمة خبيثة} وهي الشرك، {كشجرة خبيثة} وهي الحنظل (6) . ~~PageV04P348 # وقيل: هي الثوم. # وقيل: هي الكشوث (1) وهي العشقة (2) {اجتثت} يعني انقلعت، {من فوق الأرض ~~ما لها من قرار} ثبات. # معناه: وليس لها أصل ثابت في الأرض، ولا فرع صاعد إلى السماء، كذلك ~~الكافر لا خير فيه، ولا يصعد له قول طيب ولا عمل صالح. ### || # {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل ~~الله الظالمين ويفعل ms1359 الله ما يشاء (27) } . # قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} كلمة التوحيد، وهي ~~قول: لا إله إلا الله {في الحياة الدنيا} يعني قبل الموت، {وفي الآخرة} ~~يعني في القبر. هذا قول أكثر أهل التفسير. # وقيل: "في الحياة الدنيا": عند السؤال في القبر، "وفي الآخرة": عند ~~البعث. # والأول أصح (3) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو الوليد، حدثنا ~~شعبة، أخبرني علقمة بن مرثد قال: سمعت سعيد بن عبيدة، عن البراء بن عازب ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم إذا سئل في ~~القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فلذلك قوله تعالى: ~~{يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} (4) . ~~PageV04P349 # وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أنبأنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنبأنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة بهذا الإسناد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} قال: نزلت ~~في عذاب القبر يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد، فذلك قوله ~~تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} الآية (1) . # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عياش بن الوليد، حدثنا عبد ~~الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه حدثهم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه ~~أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول ~~في هذا الرجل، لمحمد صلى الله عليه وسلم؟ فأما المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبد ~~الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا ~~من الجنة، فيراهما جميعا" قال ms1360 قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره، ثم رجع ~~إلى حديث أنس قال: # وأما المنافق والكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا ~~أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق ~~من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين" (2) . # أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، حدثنا أبو القاسم حمزة بن ~~يوسف السهمي، أنبأنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، حدثنا عبد الله بن ~~سعيد، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا عنبسة بن سعيد بن كثير، حدثني جدي عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الميت يسمع حس ~~النعال إذا ولى عنه الناس مدبرين، ثم يجلس ويوضع كفنه في عنقه ثم يسأل" (3) ~~. # وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ~~قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر النكير، ~~فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله، فيقولان له: قد كنا نعلم أنك تقول ~~هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال: ~~نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله تعالى، ~~وإن كان منافقا أو كافرا قال: PageV04P350 # سمعت الناس يقولون قولا فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك ~~تقول ذلك فيقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال ~~فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك" (1) . # وروي عن البراء بن عازب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذكر قبض روح المؤمن وقال: "فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه في ~~قبره فيقولان له من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ [فيقول: ربي الله وديني ~~الإسلام ونبيي محمد فينتهرانه ويقولان له الثانية: من ربك وما دينك ومن ~~نبيك] ms1361 (2) وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فيثبته الله عز وجل، فيقول: ربي ~~الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فينادي مناد من السماء: ~~أن صدق عبدي، قال: فذلك قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ~~في الحياة الدنيا وفي الآخرة} (3) . 194/أ # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنبأنا أبو العباس عبد ~~الله بن محمد بن هارون الطيسفوني، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي، ~~أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن ~~سيار القرشي، حدثنا إبراهيم بن موسى (4) الفراء أبو إسحاق حدثنا هشام بن ~~يوسف حدثنا عبد الله بن يحيى عن هانئ مولى عثمان قال: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا ~~الله له التثبيت، فإنه الآن يسأل" (5) . # وقال عمرو بن العاص في سياق الموت وهو يبكي: فإذا أنا مت فلا تصحبني ~~نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا، ثم أقيموا حول قبري ~~قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ~~ربي. # قوله تعالى: {ويضل الله الظالمين} أي: لا يهدي المشركين إلى الجواب ~~بالصواب في القبر {ويفعل الله ما يشاء} من التوفيق والخذلان والتثبيت وترك ~~التثبيت. PageV04P351 ### || # {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) ~~جهنم يصلونها وبئس القرار (29) وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل ~~تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) } . # قوله عز وجل: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا} الآية. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا ~~عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس: [في قوله تعالى] (1) {الذين بدلوا نعمة الله ~~كفرا} قال: هم والله كفار قريش (2) . # وقال عمرو: هم قريش، ومحمد صلى الله عليه وسلم نعمة الله (3) . # {وأحلوا قومهم دار البوار} قال: البوار يوم بدر، قوله {بدلوا نعمة ms1362 الله} ~~أي: غيروا نعمة الله عليهم في محمد صلى الله عليه وسلم حيث ابتعثه الله ~~تعالى منهم كفرا كفروا به فأحلوا، أي: أنزلوا، قومهم ممن تابعهم على كفرهم ~~دار البوار الهلاك، ثم بين البوار فقال: # {جهنم يصلونها} يدخلونها {وبئس القرار} المستقر. # وعن علي كرم الله وجهه: الذين بدلوا نعمة الله كفرا: هم كفار قريش نحروا ~~يوم بدر (4) . # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة، ~~وبنو أمية، أما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى ~~حين (5) . # {وجعلوا لله أندادا} أمثالا [وليس لله تعالى ند] (6) {ليضلوا} قرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو بفتح الياء، وكذلك في الحج وسورة لقمان والزمر: {ليضل} وقرأ ~~الآخرون بضم الياء على معنى ليضلوا الناس، {عن سبيله قل تمتعوا} عيشوا في ~~الدنيا، {فإن مصيركم إلى النار} PageV04P352 ### || # {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ~~من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (31) الله الذي خلق السموات والأرض ~~وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في ~~البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم ~~الليل والنهار (33) } . # {وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان ~~لظلوم كفار (34) } . # {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة} قال الفراء: هو جزم على الجزاء، ~~{وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال} ~~مخاللة وصداقة. [قرأ ابن كثير، وابن عمرو، ويعقوب: "لا بيع فيه ولا خلال" ~~بالنصب فيهما على النفي العام. وقرأ الباقون: "لا بيع ولا خلال" بالرفع ~~والتنوين] (1) . # {الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره} {وسخر لكم الأنهار} ذللها ~~لكم، تجرونها (2) حيث شئتم. # {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} يجريان فيما يعود إلى مصالح العباد ولا ~~يفتران، قال ابن عباس دؤوبهما في طاعة الله عز ms1363 وجل (3) . # {وسخر لكم الليل والنهار} يتعاقبان في الضياء والظلمة، والنقصان ~~والزيادة. # {وآتاكم من كل ما سألتموه} [يعني: وآتاكم من كل شيء سألتموه] (4) شيئا، ~~فحذف الشيء الثاني اكتفاء بدلالة الكلام، على التبعيض. # وقيل: هو على التكثير نحو قولك: فلان يعلم كل شيء، وآتاه كل الناس، وأنت ~~تعني بعضهم، PageV04P353 # نظيره قوله تعالى: {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} (الأنعام -44) . # وقرأ الحسن " من كل " بالتنوين {ما} على النفي يعني من كل ما لم تسألوه، ~~يعني: أعطاكم أشياء ما طلبتموها ولا سألتموها (1) . # {وإن تعدوا نعمة الله} أي: نعم الله، {لا تحصوها} أي: لا تطيقوا عدها ولا ~~القيام بشكرها. # {إن الإنسان لظلوم كفار} أي: ظالم لنفسه بالمعصية، كافر بربه عز وجل في ~~نعمته. # وقيل: الظلوم، الذي يشكر غير من أنعم عليه، والكافر: من يجحد منعمه. ### || # {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ~~(35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم (36) } . # قوله عز وجل: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد} يعني: الحرم، {آمنا} ~~ذا أمن يؤمن فيه، {واجنبني} أبعدني، {وبني أن نعبد الأصنام} يقال: جنبته ~~الشيء، وأجنبته جنبا، وجنبته تجنيبا واجتنبته اجتنابا بمعنى واحد. # فإن قيل: قد كان إبراهيم عليه السلام معصوما من عبادة الأصنام، فكيف ~~يستقيم السؤال؟ وقد عبد كثير من بنيه الأصنام فأين الإجابة؟ # قيل: الدعاء في حق إبراهيم عليه السلام لزيادة العصمة والتثبيت، وأما ~~دعاؤه لبنيه: فأراد بنيه من صلبه، ولم يعبد منهم أحد الصنم. # وقيل: إن دعاءه لمن كان مؤمنا من بنيه (2) . # {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} يعني ضل بهن كثير [من الناس] (3) عن طريق ~~الهدى حتى عبدوهن، وهذا هو المقلوب، نظيره قوله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان ~~يخوف أولياءه} (آل عمران -175) ، PageV04P354 # أي: يخوفهم (1) بأوليائه. # وقيل: نسب الإضلال إلى الأصنام لأنهن سبب فيه، كما يقول القائل: فتنتني ~~الدنيا، نسب الفتنة إلى الدنيا لأنها سبب الفتنة (2) . # {فمن تبعني فإنه مني} أي: من أهل ديني، {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} قال ms1364 ~~السدي: معناه: ومن عصاني ثم تاب. # وقال مقاتل بن حيان: ومن عصاني فيما دون الشرك. # وقيل: قال ذلك قبل أن يعلمه الله أنه لا يغفر الشرك (3) . ### || # {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا ~~الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ~~(37) } . # قوله عز وجل: {ربنا إني أسكنت من ذريتي} أدخل "من" للتبعيض، ومجاز الآية: ~~أسكنت من ذريتي ولدا، {بواد غير ذي زرع} وهو مكة؛ لأن مكة واد بين جبلين، ~~{عند بيتك المحرم} سماه محرما لأنه يحرم عنده ما لا يحرم عند غيره. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن محمد، ~~حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب السختياني وكثير بن [أبي كثير بن] ~~(4) المطلب بن أبي وداعة -يزيد أحدهما على الآخر-عن سعيد بن جبير [قال] (5) ~~قال ابن عباس: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقا ~~لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم عليه السلام، وبابنها إسماعيل، ~~وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس ~~بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر، ~~وسقاء فيه ماء، ثم قفل إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا ~~إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ~~ذلك مرارا، PageV04P355 # وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا ~~يضيعنا 194/ب ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه ~~استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه، فقال: {ربنا إني ~~أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع} حتى بلغ "يشكرون". # وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في ~~السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلبط أو قال يتلوى، وانطلقت ms1365 ~~كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم ~~استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا ~~بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ~~ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع ~~مرات. # قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فلذلك سعى الناس بينهما". # فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه -تريد نفسها-ثم تسمعت فسمعت ~~أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، ~~فبحث بعقبه -أو قال بجناحه-حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه وتقول بيدها هكذا، ~~وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف. # قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يرحم الله أم إسماعيل لو ~~تركت زمزم" أو قال: "لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا". # قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة فإن هاهنا ~~بيت الله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. # وكان موضع البيت مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه ~~وشماله فكانت كذلك، حتى مرت بهم رفقة من جرهم -أو أهل بيت من جرهم-مقبلين ~~من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا، فقالوا: إن هذا ~~الطائر ليدور على ماء، ولعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو ~~جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأم إسماعيل عند ~~الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في ~~الماء، قالوا: نعم. # قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فألفى ذلك أم إسماعيل وهي ~~تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل ~~أبيات منهم وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما ~~أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعدما تزوج # PageV04P356 # إسماعيل يطالع ms1366 تركته (1) ... ذكرنا تلك القصة في سورة البقرة (2) . # قوله تعالى: {ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس} الأفئدة: جمع ~~الفؤاد {تهوي إليهم} تشتاق وتحن إليهم. # قال السدي: معناه أمل قلوبهم إلى هذا الموضع. # قال مجاهد: لو قال أفئدة الناس لزاحمتكم فارس والروم والترك والهند. # وقال سعيد بن جبير: لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: "أفئدة من ~~الناس" وهم المسلمون. # {وارزقهم من الثمرات} ما رزقت سكان القرى ذوات الماء، {لعلهم يشكرون} . ### || # {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا ~~في السماء (38) الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي ~~لسميع الدعاء (39) } . # {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن} من أمورنا. وقال ابن عباس ومقاتل: من ~~الوجد بإسماعيل وأمه حيث أسكنتهما بواد غير ذي زرع. {وما يخفى على الله من ~~شيء في الأرض ولا في السماء} قيل: هذا صلة قول إبراهيم. # وقال الأكثرون: يقول الله عز وجل: {وما يخفى على الله من شيء في الأرض ~~ولا في السماء} (3) . # {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر} أعطاني، {إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع ~~الدعاء} قال ابن عباس: ولد إسماعيل لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد ~~إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة. # وقال سعيد بن جبير: بشر إبراهيم بإسحاق وهو ابن مائة وسبع عشرة سنة (4) . ~~PageV04P357 ### || # {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) ربنا اغفر لي ~~ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار (42) } . # {رب اجعلني مقيم الصلاة} يعني: ممن يقيم الصلاة بأركانها ويحافظ عليها، ~~{ومن ذريتي} يعني: اجعل من ذريتي من يقيمون الصلاة. # {ربنا وتقبل دعاء} أي: عملي وعبادتي، سمى العبادة دعاء، وجاء في الحديث: ~~"الدعاء مخ العبادة" (1) . # وقيل: معناه: استجب دعائي. # {ربنا اغفر لي ولوالدي} فإن قيل: كيف استغفر لوالديه وهما غير مؤمنين؟ ~~قيل: قد قيل إن أمه أسلمت. # وقيل: أراد إن أسلما وتابا (2) . # وقيل: قال ذلك قبل أن يتبين ms1367 له أمر أبيه، وقد بين الله تعالى عذر خليله ~~صلى الله عليه وسلم في استغفاره لأبيه في سورة التوبة (3) . # {وللمؤمنين} أي: اغفر للمؤمنين كلهم، {يوم يقوم الحساب} أي: يبدو ويظهر. ~~وقيل: أراد يوم يقوم الناس للحساب، فاكتفى بذكر الحساب لكونه مفهوما. # قوله عز وجل: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون} الغفلة معنى يمنع ~~الإنسان من الوقوف على حقيقة الأمور، والآية لتسلية المظلوم وتهديد للظالم. ~~PageV04P358 # {إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} أي: لا تغمض من هول ما ترى في ذلك ~~اليوم، وقيل: ترتفع وتزول عن أماكنها. # PageV04P359 ### || # {مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43) وأنذر ~~الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب ~~دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (44) } . # {مهطعين} قال قتادة: مسرعين. # قال سعيد بن جبير: الإهطاع النسلان كعدو الذئب. # وقال مجاهد: مديمي النظر. # ومعنى "الإهطاع": أنهم لا يلتفون يمينا ولا شمالا ولا يعرفون مواطن ~~أقدامهم. # {مقنعي رؤوسهم} أي: رافعي رؤوسهم. # قال القتيبي: المقنع: الذي يرفع رأسه ويقبل ببصره على ما بين يديه (1) . # وقال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء، لا ينظر أحد إلى أحد. # {لا يرتد إليهم طرفهم} أي: لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر، وهي ~~شاخصة قد شغلهم ما بين أيديهم. # {وأفئدتهم هواء} أي: خالية. قال قتادة: خرجت قلوبهم عن صدورهم، فصارت في ~~حناجرهم، لا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أماكنها، فالأفئدة هواء لا شيء ~~فيها، ومنه سمي ما بين السماء والأرض هواء لخلوه. # وقيل: خالية لا تعي شيئا ولا تعقل من (2) الخوف. # وقال الأخفش: جوفاء لا عقول لها، والعرب تسمي كل أجوف خاو هواء. # وقال سعيد بن جبير: "وأفئدتهم هواء" أي: مترددة، تمور في أجوافهم، ليس ~~لها مكان تستقر فيه. # وحقيقة المعنى: أن القلوب زائلة عن أماكنها، والأبصار شاخصة من هول ذلك ~~اليوم. # {وأنذر الناس} خوفهم، {يوم} أي: بيوم، {يأتيهم العذاب} وهو يوم القيامة، ~~195/أ {فيقول الذين ظلموا} أشركوا، {ربنا أخرنا} ms1368 أمهلنا، {إلى أجل قريب} ~~هذا سؤالهم الرد PageV04P359 # إلى الدنيا، أي: ارجعنا إليها، {نجب دعوتك ونتبع الرسل} فيجابون: # {أولم تكونوا أقسمتم من قبل} حلفتم في دار الدنيا، {ما لكم من زوال} عنها ~~أي: لا تبعثون. وهو قوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله ~~من يموت} (النحل -38) . ### || # {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم ~~الأمثال (45) وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال (46) } . # {وسكنتم} في الدنيا، {في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} بالكفر والعصيان، قوم ~~نوح وعاد وثمود وغيرهم. {وتبين لكم كيف فعلنا بهم} أي: عرفتم عقوبتنا ~~إياهم، {وضربنا لكم الأمثال} أي: بينا أن مثلكم كمثلهم. # {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم} أي: جزاء مكرهم، {وإن كان مكرهم} قرأ ~~علي وابن مسعود: {وإن كان مكرهم} بالدال، وقرأ العامة بالنون. # {لتزول منه الجبال} قرأ العامة لتزول بكسر اللام الأولى ونصب الثانية. # معناه: وما كان مكرهم. # قال الحسن: إن كان مكرهم لأضعف من أن تزول منه الجبال. # وقيل: معناه إن مكرهم لا يزيل أمر محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ثابت ~~كثبوت الجبال. # وقرأ ابن جريج والكسائي: " لتزول " بفتح اللام الأولى ورفع الثانية، ~~معناه: إن مكرهم وإن عظم حتى بلغ محلا يزيل الجبال لم يقدروا على إزالة أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال قتادة: معناه وإن كان شركهم لتزول منه الجبال، وهو قوله تعالى: ~~{وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا} (مريم -19) . # ويحكى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في معنى الآية: أنها نزلت في ~~نمرود الجبار الذي حاج إبراهيم في ربه، وذلك أنه قال: إن كان ما يقول ~~إبراهيم حقا فلا أنتهي حتى أصعد السماء فأعلم ما فيها، فعمد إلى أربعة أفرخ ~~من النسور فرباها حتى شبت واتخذ تابوتا، وجعل له بابا من أعلى وبابا من ~~أسفل، وقعد نمرود مع رجل في التابوت، ونصب خشبات في أطراف التابوت، وجعل ~~على رؤوسها اللحم وربط التابوت بأرجل النسور، فطرن وصعدن ms1369 طمعا في اللحم، ~~حتى مضى يوم وأبعدن في الهواء، فقال نمرود لصاحبه: افتح الباب الأعلى وانظر ~~إلى السماء هل قربناها، ففتح # PageV04P360 # [الباب ونظر] (1) فقال: إن السماء كهيئتها ثم قال: افتح الباب الأسفل ~~وانظر إلى الأرض كيف تراها؟ ففعل، فقال: أرى الأرض مثل اللجة والجبال مثل ~~الدخان، فطارت النسور يوما آخر، وارتفعت حتى حالت الريح بينها وبين ~~الطيران، فقال لصاحبه: افتح البابين ففتح الأعلى فإذا السماء كهيئتها، وفتح ~~الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة، فنودي: أيها الطاغية أين تريد؟ # قال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل معه القوس والنشاب فرمى بسهم ~~فعاد إليه السهم متلطخا بدم سمكة قذفت نفسها من بحر في الهواء -وقيل: طائر ~~أصابها السهم-فقال: كفيت شغل إله السماء. # قال: ثم أمر نمرود صاحبه أن يصوب الخشبات وينكص اللحم، ففعل، فهبطت ~~النسور بالتابوت، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور، ففزعت وظنت أنه قد ~~حدث حدث من السماء، وأن الساعة قد قامت، فكادت تزول عن أماكنها، فذلك قوله ~~تعالى: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} (2) . ### || # {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) يوم تبدل ~~الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار (48) } . # {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله} بالنصر لأوليائه وهلاك أعدائه، وفيه ~~تقديم وتأخير، تقديره: ولا تحسبن الله مخلف رسله وعده، {إن الله عزيز ذو ~~انتقام} . # قوله عز وجل: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن يوسف، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد، عن محمد بن جعفر بن أبي ~~كثير، حدثني أبو حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه -قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء ~~عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد" (3) . PageV04P361 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أنبأنا ms1370 محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ~~الليث عن خالد -هو ابن يزيد-عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء ~~بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ ~~أحدكم خبزته في السفر، نزلا لأهل الجنة" (1) . # وعن ابن مسعود رضي الله عنه في هذه الآية قال: تبدل الأرض بأرض كفضة ~~بيضاء نقية لم يسفك فيها دم ولم تعمل فيها خطيئة (2) . # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: تبدل الأرض من فضة والسماء من ذهب ~~(3) . # وقال محمد بن كعب وسعيد بن جبير: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من ~~تحت قدميه (4) . # وقيل: معنى التبديل جعل السموات جنانا وجعل الأرض نيرانا. # وقيل: تبديل الأرض تغييرها من هيئة إلى هيئة، وهي تسيير جبالها، وطم ~~أنهارها، وتسوية أوديتها وقطع أشجارها، وجعلها قاعا صفصفا، وتبديل السموات: ~~تغيير حالها بتكوير شمسها، وخسوف قمرها وانتثار نجومها، وكونها مرة ~~كالدهان، ومرة كالمهل. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر، عن داود -وهو ابن أبي هند- ~~عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات" فأين ~~يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال: "على الصراط" (5) . PageV04P362 # وروي عن ثوبان أن حبرا من اليهود سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؛ قال: "هم في الظلمة دون الجسر" ~~(1) . # وقوله تعالى: {وبرزوا} خرجوا من قبورهم، {لله الواحد القهار} الذي يفعل ~~ما يشاء ويحكم ما يريد. ### || # {وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) } . # {وترى المجرمين يومئذ مقرنين} مشدودين بعضهم ببعض، {في الأصفاد} في ~~القيود ms1371 والأغلال، واحدها صفد، وكل من شددته شدا وثيقا فقد صفدته. # قال أبو عبيدة: صفدت الرجل فهو مصفود، وصفدته بالتشديد فهو مصفد. # وقيل: يقرن كل كافر مع شيطانه في سلسلة، بيانه قوله تعالى: {احشروا الذين ~~ظلموا وأزواجهم} (الصافات -22) ، يعني: قرناءهم من الشياطين. # وقيل: معناه مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد والقيود، ومنه قيل ~~للحبل: قرن. ### || # {سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار (50) } . # {سرابيلهم} أي: قمصهم، واحدها سربال. {من قطران} هو الذي تهنأ به الإبل. # وقرأ عكرمة ويعقوب " من قطرآن " على كلمتين منونتين 195/ب والقطر: ~~النحاس، والصفر المذاب، والآن: الذي انتهى حره، قال الله تعالى: {يطوفون ~~بينها وبين حميم آن} (الرحمن -44) . # {وتغشى وجوههم النار} أي: تعلو. ### || # {ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51) هذا بلاغ للناس ~~ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب (52) } . # {ليجزي الله كل نفس ما كسبت} من خير وشر، {إن الله سريع الحساب} . # {هذا} أي: هذا القرآن، {بلاغ} أي: تبليغ وعظة، {للناس ولينذروا} ~~وليخوفوا، {به وليعلموا أنما هو إله واحد} أي: ليستدلوا بهذه الآيات على ~~وحدانية الله تعالى: {وليذكر أولو الألباب} أي: ليتعظ أولو العقول. ~~PageV04P363 ### | سورة الحجر # مكية (1) # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) ربما يود الذين كفروا لو كانوا ~~مسلمين (2) } . # {الر} قيل: معناه: أنا الله أرى (2) {تلك آيات الكتاب} أي: هذه آيات ~~الكتاب، {وقرآن} أي: وآيات قرآن {مبين} أي: بين (3) الحلال من الحرام والحق ~~من الباطل. # فإن قيل: لم ذكر الكتاب ثم قال {وقرآن مبين} وكلاهما واحد؟ # قلنا: قد قيل كل واحد يفيد فائدة أخرى، فإن الكتاب: ما يكتب، والقرآن: ما ~~يجمع بعضه إلى بعض. # وقيل: المراد بالكتاب: التوراة والإنجيل، وبالقرآن هذا الكتاب. # {ربما} قرأ أبو جعفر ونافع وعاصم بتخفيف الباء والباقون بتشديدها، وهما ~~لغتان، ورب للتقليل وكم للتكثير، ورب تدخل على الاسم، وربما على الفعل، ~~يقال: رب رجل جاءني، وربما جاءني رجل، وأدخل ما هاهنا للفعل بعدها. {يود} ~~يتمنى {الذين كفروا لو كانوا مسلمين} . # واختلفوا في الحال التي ms1372 يتمنى الكافر فيها الإسلام. # قال الضحاك: حالة المعاينة (4) . PageV04P364 # وقيل: يوم القيامة. # والمشهور أنه (1) حين يخرج الله المؤمنين من النار. # وروي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال ~~الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟ قالوا بلى، قالوا: فما ~~أغنى عنكم إسلامكم وأنتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، ~~فيغضب الله تعالى لهم [بفضل رحمته] (2) فيأمر بكل من كان من أهل القبلة في ~~النار فيخرجون منها، فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (3) . # فإن قيل: كيف قال "ربما" وهي للتقليل وهذا التمني يكثر من الكفار؟ # قلنا: قد تذكر "ربما" للتكثير، أو أراد: أن شغلهم بالعذاب لا يفرغهم ~~للندامة إنما يخطر ذلك ببالهم أحيانا. ### || # {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3) } . # {ذرهم} يا محمد، يعني: الذين كفروا {يأكلوا} في الدنيا {ويتمتعوا} من ~~لذاتهم (4) {ويلههم} يشغلهم {الأمل} عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة ~~{فسوف يعلمون} إذا وردوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا، وهذا تهديد ووعيد. # وقال بعض أهل العلم: "ذرهم" تهديد، وقوله: "فسوف يعلمون" تهديد آخر، فمتى ~~(5) يهنأ العيش بين تهديدين؟ # والآية نسختها آية القتال (6) . PageV04P368 ### || # {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون (5) وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) لو ما ~~تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (7) ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما ~~كانوا إذا منظرين (8) إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) } . # {وما أهلكنا من قرية} أي: من أهل قرية {إلا ولها كتاب معلوم} أي: أجل ~~مضروب لا يتقدم عليه، ولا يأتيهم العذاب حتى يبلغوه، ولا يتأخر عنهم. # {ما تسبق من أمة أجلها} "من" صلة، {وما يستأخرون} أي: الموت لا يتقدم ولا ~~يتأخر، وقيل: العذاب المضروب. # {وقالوا} يعني: مشركي مكة {يا أيها الذي نزل عليه الذكر} أي: القرآن، ~~وأرادوا به محمدا صلى الله عليه وسلم {إنك ms1373 لمجنون} وذكروا تنزيل الذكر على ~~سبيل (1) الاستهزاء. # {لو ما} هلا {تأتينا بالملائكة} شاهدين لك بالصدق على ما تقول {إن كنت من ~~الصادقين} أنك نبي (2) . # {ما ننزل الملائكة} قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر بنونين "الملائكة" نصب، ~~وقرأ أبو بكر بالتاء وضمها وفتح الزاي "الملائكة" رفع، وقرأ الباقون بالتاء ~~وفتحها (3) وفتح الزاي "الملائكة" رفع. {إلا بالحق} أي: بالعذاب ولو نزلت ~~يعني الملائكة لعجلوا بالعذاب، {وما كانوا إذا منظرين} أي: مؤخرين، وقد كان ~~الكفار يطلبون إنزال الملائكة عيانا فأجابهم الله تعالى بهذا. ومعناه: إنهم ~~لو نزلوا أعيانا لزال عن الكفار الإمهال وعذبوا في الحال. # {إنا نحن نزلنا الذكر} يعني القرآن {وإنا له لحافظون} أي: نحفظ القرآن من ~~الشياطين أن PageV04P369 # يزيدوا فيه، أو ينقصوا منه، أو يبدلوا، قال الله تعالى: {لا يأتيه الباطل ~~من بين يديه ولا من خلفه} (فصلت-42) والباطل: هو إبليس، لا يقدر أن يزيد ~~فيه ما ليس منه ولا أن ينقص منه ما هو منه. # وقيل الهاء في "له" راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم أي: إنا لمحمد ~~لحافظون ممن أراده بسوء كما قال جل ذكره: {والله يعصمك من الناس} ~~(المائدة-67) . ### || # {ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) وما يأتيهم من رسول إلا كانوا ~~به يستهزئون (11) كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12) لا يؤمنون به وقد خلت ~~سنة الأولين (13) ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14) } ~~. # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا من قبلك} أي: رسلا {في شيع الأولين} أي: في ~~[الأمم والقرون الماضية] (1) . # والشيعة: هم القوم المجتمعون (2) المتفقة كلمتهم. # {وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} كما فعلوا بك، ذكره (3) ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. # {كذلك نسلكه} أي: كما سلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء بالرسل (4) في ~~قلوب شيع الأولين، كذلك [نسلكه: ندخله] (5) {في قلوب المجرمين} يعني: مشركي ~~مكة قومك. وفيه رد على القدرية (6) . # {لا يؤمنون به} يعني: لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن {وقد ~~خلت} مضت {سنة الأولين} أي: وقائع الله تعالى بالإهلاك فيمن كذب الرسل ms1374 من ~~الأمم الخالية، يخوف أهل مكة. # {ولو فتحنا عليهم} يعني: على الذين يقولون لو ما تأتينا بالملائكة {بابا ~~من السماء فظلوا فيه يعرجون} أي: فظلت الملائكة يعرجون فيها، وهم يرونها ~~عيانا، هذا قول الأكثرين. PageV04P370 # وقال الحسن: معناه فظل هؤلاء الكفار يعرجون فيها أي: يصعدون. والأول أصح ~~(1) . ### || # {لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15) } . PageV04P371 # {ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16) } . # {لقالوا إنما سكرت} سدت {أبصارنا} قاله ابن عباس (1) . # وقال الحسن: سحرت. # وقال قتادة: أخذت (2) . # وقال الكلبي: عميت (3) . # وقرأ ابن كثير " سكرت " بالتخفيف، أي: حبست ومنعت النظر كما يسكر النهر ~~لحبس الماء. {بل نحن قوم مسحورون} أي: عمل فينا السحر فسحرنا محمد -صلى ~~الله عليه وسلم -. # قوله عز وجل {ولقد جعلنا في السماء بروجا} والبروج: هي النجوم الكبار، ~~مأخوذة من الظهور، يقال: تبرجت المرأة أي: ظهرت. # وأراد بها: المنازل التي تنزلها الشمس، والقمر، والكواكب السيارة، وهي ~~اثنا عشر برجا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، ~~والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت (4) . # وقال عطية: هي قصور في السماء عليها الحرس (5) . PageV04P371 # {وزيناها} أي: السماء بالشمس والقمر والنجوم {للناظرين} . ### || # {وحفظناها من كل شيطان رجيم (17) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ~~(18) } . # {وحفظناها من كل شيطان رجيم} مرجوم. وقيل: ملعون. # قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات وكانوا يدخلونها، ~~ويأتون بأخبارها فيلقون على الكهنة، فلما ولد عيسى عليه السلام 196/أمنعوا ~~من ثلاث سموات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات أجمع، ~~فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب، فلما منعوا من تلك ~~المقاعد ذكروا ذلك لإبليس، فقال (1) لقد حدث في الأرض حدث، قال: فبعثهم ~~فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن، فقالوا: هذا والله ما ~~حدث (2) . # {إلا من استرق السمع} لكن من استرق السمع {فأتبعه شهاب مبين} والشهاب: ~~الشعلة من النار. # وذلك أن الشياطين يركب بعضهم بعضا إلى السماء الدنيا، ويسترقون السمع من ~~الملائكة، فيرمون بالكواكب فلا تخطئ أبدا، فمنهم من تقتله، ومنهم من ms1375 تحرق ~~وجهه أو جنبه أو يده أو حيث يشاء الله، ومنهم من تخبله فيصير غولا يضل ~~الناس في البوادي (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا ~~عمرو، قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إن نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها ~~PageV04P372 # خضعانا (1) لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا ~~قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ~~ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض -ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه ~~-فيسمع أحدهم الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، ~~حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، ~~وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا ~~يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن أبي مريم، حدثنا ~~الليث، حدثنا ابن جعفر، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عروة بن الزبير، عن ~~عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "إن الملائكة تنزل في العنان، وهو السحاب، فتذكر ~~الأمر الذي قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان، ~~فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم" (3) . # واعلم أن هذا لم يكن ظاهرا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكره ~~شاعر من العرب قبل زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ظهر في بدء أمره ~~وكان ذلك أساسا لنبوته عليه السلام (4) . # وقال يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق: إن أول من فزع للرمي ~~بالنجوم هذا الحي من ثقيف وإنهم جاؤوا إلى ms1376 رجل منهم يقال له عمرو بن أمية ~~أحد بني علاج، وكان أهدى (5) العرب، فقالوا له: ألم تر ما حدث في السماء من ~~القذف بالنجوم؟ قال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها في ~~البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس من معايشهم ~~هي التي يرمى بها فهي -والله -طي الدنيا وهلاك الخلق الذي فيها، وإن كانت ~~PageV04P373 # نجوما غيرها، وهي والله ثابتة على حالها فهذا الأمر أراده الله تعالى ~~بهذا الخلق (1) . # قال معمر قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، قلت: ~~أفرأيت قوله تعالى: {وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع} [جن-6] الآية؟ قال: ~~غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم (2) . # وقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعثه -صلى الله عليه وسلم -ولكن لم ~~يكن [مثله] (3) في شدة الحراسة بعد مبعثه (4) . # وقيل: إن النجم ينقض فيرمي الشياطين ثم يعود إلى مكانه، والله أعلم. ### || # {والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (19) ~~وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) } . # قوله تعالى: {والأرض مددناها} بسطناها على وجه الماء، يقال: إنها مسيرة ~~خمسمائة سنة في مثلها دحيت من تحت الكعبة (5) {وألقينا فيها رواسي} جبالا ~~ثوابت، وقد كانت الأرض تميد إلى أن أرساها الله بالجبال {وأنبتنا فيها} أي: ~~في الأرض {من كل شيء موزون} مقدر معلوم. # وقيل: يعني في الجبال، وهي جواهر من الذهب والفضة والحديد والنحاس ~~وغيرها، حتى الزرنيخ والكحل كل ذلك يوزن وزنا. # وقال ابن زيد: هي الأشياء التي توزن وزنا (6) . # {وجعلنا لكم فيها معايش} جمع معيشة، قيل: أراد بها المطاعم والمشارب ~~والملابس [وهي ما] (7) يعيش به الآدمي (8) في الدنيا {ومن لستم له برازقين} ~~أي: جعلنا فيها من لستم له برازقين من الدواب والأنعام، أي: جعلناها لكم ~~وكفيناكم رزقها، و"من" في الآية بمعنى "ما" كقوله تعالى: {فمنهم من يمشي ~~على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين} (النور-45) . PageV04P374 # وقيل: "من" في موضعها؛ لأنه أراد المماليك مع الدواب. # وقيل: "من" ms1377 في محل الخفض عطفا على الكاف والميم في "لكم". ### || # {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) وأرسلنا ~~الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين (22) ~~} . # {وإن من شيء} [أي: وما من شيء] (1) {إلا عندنا خزائنه} أي مفاتيح خزائنه. ~~وقيل: أراد به المطر. # {وما ننزله إلا بقدر معلوم} لكل أرض حد مقدر، ويقال: لا تنزل من السماء ~~قطرة إلا ومعها ملك يسوقها حيث يريد الله عز وجل ويشاء. # وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: في العرش مثال جميع ما خلق الله ~~في البر والبحر، وهو تأويل قوله تعالى: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه" (2) ~~. # {وأرسلنا الرياح لواقح} أي: حوامل، لأنها تحمل الماء إلى السحاب، وهو جمع ~~لاقحة، يقال: ناقة لاقحة إذا حملت الولد. # قال ابن مسعود: يرسل الله الريح فتحمل الماء فيمر به السحاب، فيدر كما ~~تدر اللقحة ثم تمطر (3) . # وقال أبو عبيدة: أراد باللواقح الملاقح واحدتها ملقحة، لأنها تلقح ~~الأشجار. # قال عبيد بن عمير: يبعث الله الريح المبشرة فتقم الأرض قما، ثم يبعث الله ~~المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة السحاب بعضه إلى بعض فتجعله ~~ركاما، ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر (4) . # وقال أبو بكر بن عياش: لا تقطر قطرة من السحاب إلا بعد أن تعمل الرياح ~~الأربع فيه، فالصبا تهيجه، والشمال تجمعه، والجنوب تذره، والدبور تفرقه. # وفي الخبر أن: اللقح رياح الجنوب. PageV04P375 # وفي [بعض] الآثار: ما هبت ريح الجنوب إلا وبعث عينا غدقة (1) . # وأما الريح العقيم: فإنها تأتي بالعذاب ولا تلقح. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا من لا أتهم ~~بحديثه، حدثنا العلاء بن راشد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما هبت ريح قط ~~إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وقال: اللهم اجعلها رحمة ولا ~~تجعلها عذابا، اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا. قال ابن عباس: في كتاب ~~الله عز ms1378 وجل: {إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا} (القمر-19) {إذ أرسلنا عليهم ~~الريح العقيم} (الذاريات-41) وقال: {وأرسلنا الرياح لواقح} (الحجر-22) ~~وقال: {أن يرسل الرياح مبشرات} (2) (الروم-41) . # قوله: {فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه} أي: جعلنا المطر لكم سقيا، ~~يقال: أسقى فلان فلانا: إذا جعل له سقيا، وسقاه: إذا أعطاه ما يشرب. وتقول ~~العرب: سقيت الرجل ماء ولبنا إذا كان لسقيه (3) 196/ب فإذا جعلوا له ماء ~~لشرب أرضه ودوابه تقول: أسقيته. # {وما أنتم له بخازنين} يعني المطر في خزائننا لا في خزائنكم. وقال سفيان: ~~بمانعين. ### || # {وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (23) } . # {وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون} بأن نميت جميع الخلائق، فلا يبقى ~~حي سوانا. # والوارث من صفات الله عز وجل. قيل: الباقي بعد فناء الخلق. # وقيل: معناه إن مصير الخلق إليه (4) . PageV04P376 ### || # {ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) } . # {ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين} قال ابن عباس: أراد ~~بالمستقدمين الأموات وبالمستأخرين الأحياء. # قال الشعبي: الأولين والآخرين. # وقال عكرمة: المستقدمون (1) من خلق الله، والمستأخرون (2) من لم يخلق ~~الله. # قال مجاهد: المستقدمون القرون الأولى والمستأخرون أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # وقال الحسن: المستقدمون في الطاعة والخير، والمستأخرون المبطئون عنها (3) ~~. # وقيل: المستقدمون في الصفوف في الصلاة والمستأخرون فيها. وذلك أن النساء ~~كن يخرجن إلى صلاة الجماعة فيقفن خلف الرجال، فربما كان من الرجال من في ~~قلبه ريبة فيتأخر إلى آخر صفوف الرجال، ومن النساء من كانت في قلبها ريبة ~~فتتقدم إلى أول صفوف النساء لتقرب من الرجال. فنزلت هذه الآية (4) . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، ~~وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" (5) . # وقال الأوزاعي: أراد المصلين في أول الوقت والمؤخرين إلى آخره. # وقال مقاتل: أراد بالمستقدمين والمستأخرين في صف القتال. # وقال ابن عيينة: أراد من يسلم ومن لا يسلم (6) . PageV04P377 ### || # {وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم (25) ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من ~~حمإ مسنون (26) } . # {وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم} على ما علم منهم. # وقيل: يميت الكل، ms1379 ثم يحشرهم، الأولين والآخرين. # أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن، أخبرنا أبو سعيد الصيرفي، ~~حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية، عن ~~الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "من مات على شيء بعثه الله عليه" (1) . # قوله تعالى {ولقد خلقنا الإنسان} يعني: آدم عليه السلام، سمي إنسانا ~~لظهوره وإدراك البصر إياه. وقيل: من النسيان لأنه عهد إليه فنسي. {من ~~صلصال} وهو الطين اليابس الذي إذا نقرته سمعت له صلصلة، أي: صوتا. # قال ابن عباس: هو الطين الحر، الذي نضب عنه الماء تشقق، فإذا حرك تقعقع. # وقال مجاهد: هو الطين المنتن. واختاره الكسائي، وقال: هو من صل اللحم ~~وأصل، إذا أنتن (2) {من حمإ} والحمأ: الطين الأسود {مسنون} أي: متغير. قال ~~مجاهد وقتادة: هو المنتن المتغير. PageV04P378 # وقال أبو عبيدة: هو المصبوب. تقول العرب: سننت الماء أي صببته. # قال ابن عباس: هو التراب المبتل المنتن، جعل صلصالا كالفخار (1) . # وفي بعض الآثار: إن الله عز وجل خمر طينة آدم وتركه حتى صار متغيرا أسود، ~~ثم خلق منه آدم عليه السلام (2) . ### || # {والجان خلقناه من قبل من نار السموم (27) } . # {والجان خلقناه من قبل} قال ابن عباس: هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر. # وقال قتادة: هو إبليس خلق قبل آدم. # ويقال: الجان: أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين. # وفي الجن مسلمون وكافرون، ويحيون ويموتون، وأما الشياطين؛ فليس منهم ~~مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس. # وذكر وهب: إن من الجن من يولد لهم ويأكلون ويشربون [بمنزلة الآدميين] (3) ~~ومن الجن من هم بمنزلة الريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون. # {من نار السموم} والسموم ريح حارة تدخل مسام الإنسان فتقتله. ويقال: ~~السموم بالنهار والحرور بالليل. # وعن الكلبي عن أبي صالح: السموم نار لا دخان لها، والصواعق تكون منها وهي ~~نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمرا خرقت الحجاب فهوت إلى ما ~~أمرت، فالهدة التي تسمعون في خرق ذلك الحجاب. # وقيل: نار ms1380 السموم لهب النار. # وقيل: من نار السموم أي: من نار جهنم. # وعن الضحاك عن ابن عباس قال: كان إبليس من حي من الملائكة يقال لهم الجن ~~خلقوا من نار السموم (4) وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، ~~فأما الملائكة فإنهم خلقوا PageV04P379 # من النور (1) . ### || # {وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون (28) فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (29) فسجد الملائكة كلهم أجمعون ~~(30) } . # قوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا} أي: سأخلق بشرا {من ~~صلصال من حمإ مسنون} . # {فإذا سويته} عدلت صورته، وأتممت خلقه، {ونفخت فيه من روحي} فصار بشرا ~~حيا، والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان، وأضافه إلى نفسه تشريفا {فقعوا له ~~ساجدين} سجود تحية لا سجود عبادة. # {فسجد الملائكة} الذين أمروا بالسجود {كلهم أجمعون} . # فإن قيل: لم قال {كلهم أجمعون} وقد حصل المقصود بقوله فسجد الملائكة؟ # قلنا: زعم الخليل وسيبويه أنه ذكر ذلك تأكيدا. # وذكر المبرد: أن قوله {فسجد الملائكة} كان من المحتمل أنه سجد بعضهم فذكر ~~"كلهم" ليزول هذا الإشكال، ثم كان [يحتمل أنهم سجدوا] (2) في أوقات مختلفة ~~فزال ذلك الإشكال بقوله "أجمعون" (3) # وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه: إن الله عز وجل قال لجماعة من ~~الملائكة: اسجدوا لآدم فلم يفعلوا فأرسل الله عليهم نارا فأحرقتهم، ثم قال ~~لجماعة أخرى: اسجدوا لآدم فسجدوا (4) . PageV04P380 ### || # {إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (31) } . # {قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين (32) قال لم أكن لأسجد لبشر ~~خلقته من صلصال من حمإ مسنون (33) قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) وإن عليك ~~اللعنة إلى يوم الدين (35) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) قال فإنك من ~~المنظرين (37) إلى يوم الوقت المعلوم (38) قال رب بما أغويتني لأزينن لهم ~~في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك منهم المخلصين (40) } # {قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون} أراد: أنا [أفضل] ~~(1) منه لأنه طيني، وأنا ناري، والنار تأكل الطين. # {قال فاخرج منها} أي: ms1381 من الجنة {فإنك رجيم} طريد. # {وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين} قيل: إن أهل السموات يلعنون إبليس كما ~~يلعنه أهل الأرض، فهو ملعون في السماء والأرض. # {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} أراد الخبيث أن لا يموت. # {قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم إلى يوم الوقت المعلوم} أي: ~~الوقت الذي يموت فيه الخلائق، وهو النفخة الأولى. # ويقال: إن مدة موت إبليس أربعون سنة وهي ما بين النفختين. # ويقال: لم تكن إجابة الله تعالى إياه في الإمهال إكراما له، بل كانت ~~زيادة في بلائه وشقائه. # {قال رب بما أغويتني} أضللتني. وقيل: خيبتني من رحمتك {لأزينن لهم في ~~الأرض} حب الدنيا ومعاصيك {ولأغوينهم} أي: لأضلنهم، {أجمعين} # {إلا عبادك منهم المخلصين} المؤمنين الذين أخلصوا لك الطاعة والتوحيد، ~~ومن فتح اللام، أي: من أخلصته بتوحيدك واصطفيته. PageV04P381 ### || # {قال هذا صراط علي مستقيم (41) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك ~~من الغاوين (42) وإن جهنم لموعدهم أجمعين (43) لها سبعة أبواب لكل باب منهم ~~جزء مقسوم (44) } # {قال} الله تعالى {هذا صراط علي مستقيم} قال الحسن: معناه صراط إلي ~~مستقيم. # وقال مجاهد: الحق يرجع إلى الله تعالى، وعليه طريقه، ولا يعوج عليه شيء. # وقال الأخفش: يعني: علي الدلالة على الصراط المستقيم. # قال الكسائي: هذا على التهديد والوعيد كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقك ~~علي، أي: لا تفلت مني، كما قال عز وجل: {إن ربك لبالمرصاد} (الفجر-14) . # وقيل: معناه على استقامته بالبيان والبرهان والتوفيق والهداية. # وقرأ ابن سيرين، وقتادة، ويعقوب: علي، من العلو أي: رفيع، وعبر بعضهم ~~عنه: رفيع أن ينال، مستقيم أن يمال. # {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} 197/أأي: قوة. # قال أهل المعاني: يعني على قلوبهم. # وسئل سفيان بن عيينة عن هذه الآية فقال: معناه ليس لك عليهم سلطان تلقيهم ~~في ذنب يضيق عنه عفوي، وهؤلاء ثنية الله الذين هداهم واجتباهم. {إلا من ~~اتبعك من الغاوين} # {وإن جهنم لموعدهم أجمعين} يعني موعد إبليس ومن تبعه. # {لها سبعة أبواب} أطباق. # قال علي رضي الله عنه: ms1382 تدرون كيف أبواب النار؟ هكذا، ووضع [شعبة] إحدى ~~يديه على الأخرى (1) أي: سبعة أبواب بعضها فوق بعض وإن الله وضع الجنان على ~~العرض ووضع النيران بعضها فوق بعض. # قال ابن جريج: النار سبع دركات: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم ~~السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. # {لكل باب منهم جزء مقسوم} أي: لكل دركة قوم يسكنونها. # وقال الضحاك: في الدركة الأولى أهل التوحيد الذين أدخلوا النار، يعذبون ~~بقدر ذنوبهم ثم PageV04P382 # يخرجون، وفي الثانية النصارى، وفي الثالثة اليهود، وفي الرابعة الصابئون، ~~وفي الخامسة المجوس، وفي السادسة أهل الشرك، وفي السابعة المنافقون، فذلك ~~قوله تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} (النساء-145) . # وروي عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لجهنم ~~سبعة أبواب باب منها لمن سل السيف على أمتي أو قال على أمة محمد" (1) . ### || # {إن المتقين في جنات وعيون (45) ادخلوها بسلام آمنين (46) ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) لا يمسهم فيها نصب وما هم منها ~~بمخرجين (48) نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) } # قوله تعالى: {إن المتقين في جنات وعيون} أي: في بساتين وأنهار. # {ادخلوها} أي: يقال لهم ادخلوا الجنة {بسلام} أي: بسلامة {آمنين} من ~~الموت والخروج والآفات. # {ونزعنا} أخرجنا {ما في صدورهم من غل} هو الشحناء والعداوة والحقد ~~والحسد، {إخوانا} نصب على الحال {على سرر} جمع سرير {متقابلين} يقابل بعضهم ~~بعضا، لا ينظر أحد منهم إلى قفا صاحبه. # وفي بعض الأخبار: إن المؤمن في الجنة إذا ود أن يلقى أخاه المؤمن سار ~~سرير كل واحد منهما إلى صاحبه فيلتقيان ويتحدثان. # {لا يمسهم} لا يصيبهم {فيها نصب} أي: تعب {وما هم منها بمخرجين} هذه أنص ~~آية في القرآن على الخلود. # قوله تعالى: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم} قال ابن عباس: يعني لمن ~~تاب منهم. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما على نفر من أصحابه وهم ~~يضحكون، فقال: "أتضحكون وبين أيديكم النار" فنزل جبريل عليه السلام ms1383 بهذه ~~الآية، وقال: "يقول لك ربك يا محمد لم تقنط عبادي من رحمتي" (2) ? ~~PageV04P383 ### || # {وأن عذابي هو العذاب الأليم (50) ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) } # {إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون (52) قالوا لا توجل إنا ~~نبشرك بغلام عليم (53) قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشروني (54) } # {وأن عذابي هو العذاب الأليم} قال قتادة: بلغنا أن نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع عن حرام، ولو يعلم ~~قدر عذابه لبخع نفسه" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن ~~عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله خلق ~~الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه ~~كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييئس من ~~الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار" (2) ~~. # قوله تعالى: {ونبئهم عن ضيف إبراهيم} أي: عن أضيافه. والضيف: اسم يقع على ~~الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله ~~تعالى ليبشروا إبراهيم عليه السلام بالولد، ويهلكوا قوم لوط. # {إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال} إبراهيم: {إنا منكم وجلون} خائفون ~~لأنهم لم يأكلوا طعامه. # {قالوا لا توجل} لا تخف {إنا نبشرك بغلام عليم} أي: غلام في صغره، عليم ~~في كبره، يعني: إسحاق، فتعجب إبراهيم عليه السلام من كبره وكبر امرأته. # {قال أبشرتموني} أي: بالولد {على أن مسني الكبر} أي: على حال الكبر، قاله ~~على طريق التعجب {فبم تبشرون} فبأي شيء تبشرون؟ قرأ نافع بكسر النون ~~وتخفيفها أي: تبشرون، وقرأ ابن كثير بتشديد النون أي: تبشرونني، أدغمت نون ~~الجمع في نون الإضافة، وقرأ الآخرون بفتح النون وتخفيفها. PageV04P384 ### || # {قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من ms1384 القانطين (55) قال ومن يقنط من رحمة ربه ~~إلا الضالون (56) قال فما خطبكم أيها المرسلون (57) قالوا إنا أرسلنا إلى ~~قوم مجرمين (58) إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين (59) إلا امرأته قدرنا إنها ~~لمن الغابرين (60) } # {قالوا بشرناك بالحق} أي بالصدق {فلا تكن من القانطين} # {قال ومن يقنط} قرأ أبو عمرو والكسائي ويعقوب: بكسر النون، والآخرون ~~بفتحها، وهما لغتان: قنط يقنط، وقنط يقنط (1) أي: من ييئس {من رحمة ربه إلا ~~الضالون} أي: الخاسرون، والقنوط من رحمة الله كبيرة كالأمن من مكره (2) . # {قال} إبراهيم لهم {فما خطبكم} ما شأنكم {أيها المرسلون} ؟ # {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} مشركين. # {إلا آل لوط} أتباعه وأهل دينه، {إنا لمنجوهم أجمعين} خفف الجيم حمزة ~~والكسائي، وشدده الباقون. # {إلا امرأته} أي: امرأة لوط، {قدرنا} قضينا {إنها لمن الغابرين} الباقين ~~في العذاب، PageV04P385 # والاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، فاستثنى امرأة لوط من ~~الناجين فكانت ملحقة بالهالكين. # قرأ أبو بكر "قدرنا" هاهنا وفي سورة النمل بتخفيف الدال. والباقون ~~بتشديدها. ### || # {فلما جاء آل لوط المرسلون (61) قال إنكم قوم منكرون (62) قالوا بل جئناك ~~بما كانوا فيه يمترون (63) وأتيناك بالحق وإنا لصادقون (64) فأسر بأهلك ~~بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون (65) ~~وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (66) } # {قال} لوط لهم {إنكم قوم منكرون} أي: أنا لا أعرفكم. # {قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون} أي: يشكون في أنه نازل بهم، وهو ~~العذاب، لأنه كان يوعدهم بالعذاب ولا يصدقونه. # {وأتيناك بالحق} باليقين. وقيل: بالعذاب {وإنا لصادقون} # {فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم} أي: سر خلفهم {ولا يلتفت منكم ~~أحد} حتى لا يرتاعوا من العذاب إذا نزل بقومهم. # وقيل: جعل الله ذلك علامة لمن ينجو من آل لوط. # {وامضوا حيث تؤمرون} قال ابن عباس: يعني الشام. وقال مقاتل: يعني زغر (1) ~~وقيل: الأردن. # {وقضينا إليه ذلك الأمر} أي: فرغنا إلى آل لوط من ذلك الأمر، أي: أحكمنا ~~الأمر الذي أمرنا في قوم لوط، وأخبرناه: {أن دابر هؤلاء} يدل ms1385 عليه قراءة ~~عبد الله: وقلنا له إن دابر هؤلاء، يعني: أصلهم، {مقطوع} مستأصل، {مصبحين} ~~إذا دخلوا في الصبح. PageV04P386 ### || # {وجاء أهل المدينة يستبشرون (67) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) ~~واتقوا الله ولا تخزون (69) قالوا أولم ننهك عن العالمين (70) } # {قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين (71) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) ~~} # {وجاء أهل المدينة} يعني سدوم {يستبشرون} بأضياف لوط، أي: يبشر بعضهم ~~بعضا، طمعا في ركوب الفاحشة منهم. # {قال} لوط لقومه {إن هؤلاء ضيفي} وحق على الرجل إكرام ضيفه {فلا تفضحون} ~~فيهم. # {واتقوا الله ولا تخزون} ولا تخجلون. # {قالوا أولم ننهك عن العالمين} أي: ألم ننهك عن أن تضيف أحدا من ~~العالمين. # وقيل: ألم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة، فإنا نركب منهم الفاحشة. # {قال هؤلاء بناتي} أزوجهن إياكم إن أسلمتم (1) فأتوا الحلال ودعوا الحرام ~~{إن كنتم فاعلين} ما آمركم به. # وقيل: أراد بالبنات نساء قومه لأن النبي كالوالد لأمته. # قال الله تعالى: {لعمرك} يا محمد أي وحياتك {إنهم لفي سكرتهم} حيرتهم ~~وضلالتهم، {يعمهون} يترددون. # قال قتادة: يلعبون. # روي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما خلق الله نفسا ~~أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما أقسم الله تعالى بحياة أحد إلا ~~بحياته (2) . PageV04P387 ### || # {فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة ~~من سجيل (74) إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75) وإنها لبسبيل مقيم (76) إن في ~~ذلك لآية للمؤمنين (77) وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (78) } # {فأخذتهم الصيحة مشرقين} 197/ب أي: حين أضاءت الشمس، فكان ابتداء العذاب ~~حين أصبحوا، وتمامه حين أشرقوا. # " فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ". # {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} قال ابن عباس: للناظرين. # وقال مجاهد: للمتفرسين. # وقال قتادة: للمعتبرين. # وقال مقاتل: للمتفكرين (1) . # {وإنها} يعني: قرى قوم لوط {لبسبيل مقيم} أي: بطريق واضح. # وقال مجاهد: بطريق معلم (2) ليس يخفى ولا زائل. # {إن في ذلك لآية للمؤمنين} (3) . # {وإن كان} وقد كان {أصحاب الأيكة} الغيضة {لظالمين} لكافرين، واللام ~~للتأكيد، وهم قوم شعيب عليه السلام، كانوا أصحاب غياض وشجر ملتف، ms1386 وكان عامة ~~شجرهم الدوم، وهو المقل (4) . PageV04P388 ### || # {فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79) ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين ~~(80) وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين (81) وكانوا ينحتون من الجبال ~~بيوتا آمنين (82) فأخذتهم الصيحة مصبحين (83) فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون (84) } # {فانتقمنا منهم} بالعذاب، وذلك (1) أن الله سلط عليهم الحر سبعة أيام ~~فبعث الله سحابة فالتجؤوا إليها يلتمسون الروح، فبعث الله عليهم منها نارا ~~فأحرقتهم، فذلك قوله تعالى: {فأخذهم عذاب يوم الظلة} (الشعراء-189) . # {وإنهما} يعني مدينتي قوم لوط وأصحاب الأيكة {لبإمام مبين} بطريق واضح ~~مستبين. # قوله تعالى: {ولقد كذب أصحاب الحجر} وهي مدينة ثمود قوم صالح، وهي بين ~~المدينة والشام، {المرسلين} أراد صالحا وحده. (2) . # {وآتيناهم آياتنا} يعني: الناقة وولدها والبئر، فالآيات في الناقة؛ ~~خروجها من الصخرة، وكبرها، وقرب ولادها، وغزارة لبنها {فكانوا عنها معرضين} # {وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين} من الخراب ووقوع الجبل عليهم. # {فأخذتهم الصيحة} يعني: صيحة العذاب، {مصبحين} أي: داخلين في وقت الصبح. # {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} من الشرك والأعمال الخبيثة. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد بن ~~الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، حدثنا عبد الله بن محمود، أنبأنا ~~إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن ~~الزهري، أخبرنا سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه لما مر بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا ~~باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم". PageV04P389 # قال: وتقنع بردائه وهو على الرحل (1) . # وقال عبد الرزاق عن معمر: "ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى اجتاز الوادي" ~~(2) . ### || # {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح ~~الصفح الجميل (85) إن ربك هو الخلاق العليم (86) ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني والقرآن العظيم (87) } # قوله تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة} ~~يعني: القيامة {لآتية} يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته {فاصفح الصفح ~~الجميل} فأعرض عنهم واعف عفوا حسنا. نسختها آية ms1387 القتال (3) . # {إن ربك هو الخلاق العليم} [بخلقه] (4) . # قوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني} قال عمر وعلي: هي فاتحة ~~الكتاب. وهو قول قتادة وعطاء والحسن وسعيد بن جبير. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ~~ذئب، حدثنا سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم" (5) . # وعن ابن مسعود قال في السبع المثاني: هي فاتحة الكتاب، والقرآن العظيم: ~~هو سائر القرآن (6) . # واختلفوا في أن الفاتحة لم سميت مثاني؟ # قال ابن عباس والحسن وقتادة: لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة (7) ~~. PageV04P390 # وقيل: لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين، نصفها ثناء ونصفها دعاء، ~~كما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول ~~الله عز وجل: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" (1) . # وقال الحسين (2) بن الفضل: سميت مثاني لأنها نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة ~~بالمدينة، كل مرة معها سبعون ألف ملك. # وقال مجاهد: سميت مثاني لأن الله تعالى استثناها وادخرها لهذه الأمة فما ~~أعطاها غيرهم. وقال أبو زيد البلخي: [سميت مثاني] (3) لأنها تثني أهل الشر ~~عن الفسق، من قول العرب: ثنيت عناني. # وقيل: لأن أولها ثناء. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: إن السبع المثاني هي السبع الطوال، أولها ~~سورة البقرة، وآخرها الأنفال مع التوبة. وقال بعضهم: سورة يونس بدل ~~الأنفال. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، [أنا أبو إسحاق الثعلبي، حدثنا ~~أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي] (4) أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد ~~وعبد الله بن محمد بن مسلم قالا أنبأنا هلال بن العلاء، حدثنا حجاج بن محمد ~~عن أيوب بن عتبة، عن يحيى بن كثير، عن شداد بن عبد الله، عن أبي أسماء ~~الرحبي عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن ~~الله ms1388 تعالى أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل ~~وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضلني ربي بالمفصل" (5) . # وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أوتي النبي صلى الله ~~عليه وسلم السبع الطوال، وأعطي موسى ستا فلما ألقى الألواح رفع ثنتان وبقي ~~أربع (6) . PageV04P391 # قال ابن عباس: وإنما سميت السبع الطوال مثاني لأن الفرائض والحدود ~~والأمثال والخبر والعبر ثنيت فيها. # وقال طاوس: القرآن كله مثاني قال الله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث ~~كتابا متشابها مثاني} (الزمر-23) . وسمي القرآن مثاني لأن الأنباء والقصص ~~ثنيت فيه. # وعلى هذا القول: المراد بالسبع: سبعة أسباع القرآن، فيكون تقديره على ~~هذا: وهي القرآن العظيم وقيل: الواو مقحمة، مجازه: ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني القرآن العظيم (1) . ### || # {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك ~~للمؤمنين (88) } # قوله تعالى: {لا تمدن عينيك} يا محمد {إلى ما متعنا به أزواجا} أصنافا ~~{منهم} أي: من الكفار متمنيا لها. نهى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ~~عن الرغبة في الدنيا ومزاحمة أهلها [عليها] (2) . {ولا تحزن عليهم} أي: لا ~~تغتم على ما فاتك من مشاركتهم في الدنيا. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا أبو ~~جعفر أحمد بن محمد بن العنزي، حدثنا عيسى بن نصر، أنبأنا عبد الله بن ~~المبارك، أخبرنا جهم بن أوس، قال: سمعت عبد الله بن أبي مريم -ومر به عبد ~~الله بن رستم في موكبه، فقال لابن أبي مريم: إني لأشتهي مجالستك وحديثك، ~~فلما مضى قال ابن مريم -سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا تغبطن فاجرا بنعمته، فإنك لا تدري ما هو لاق بعد ~~موته، إن له عند الله قاتلا لا يموت" فبلغ ذلك وهب بن منبه فأرسل إليه وهب ~~أبا داود الأعور، قال: يا أبا فلان ما قاتلا لا يموت؟ قال ابن أبي مريم: ~~النار" (3) . # أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك المظفري السرخسي، أخبرنا ms1389 أبو سعيد ~~أحمد بن محمد بن الفضل الفقيه، حدثنا أبو الحسن بن إسحاق، حدثنا إبراهيم بن ~~عبد الله العبسي، أخبرنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انظروا PageV04P392 # إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا ~~نعمة الله عليكم" (1) . # وقيل: هذه الآية متصلة بما قبلها لما من الله تعالى عليه بالقرآن نهاه عن ~~الرغبة في الدنيا. # روي أن سفيان بن عيينة 198/أ -رحمه الله -تأول قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (2) أي: لم يستغن بالقرآن. فتأول هذه ~~الآية (3) . # قوله تعالى: {واخفض جناحك} لين جناحك {للمؤمنين} وارفق بهم، والجناحان ~~لابن آدم جانباه. ### || # {وقل إني أنا النذير المبين (89) كما أنزلنا على المقتسمين (90) } # {الذين جعلوا القرآن عضين (91) } # {كما أنزلنا على المقتسمين} قال الفراء: مجازه: أنذركم عذابا كعذاب ~~المقتسمين. حكي عن ابن عباس -رضي الله عنهما -أنه قال: هم اليهود والنصارى. # {الذين جعلوا القرآن عضين} جزؤوه فجعلوه أعضاء فآمنوا ببعضه وكفروا ~~ببعضه. وقال مجاهد: هم اليهود والنصارى قسموا كتابهم ففرقوه وبدلوه (1) . ~~PageV04P393 # وقيل: "المقتسمون" قوم اقتسموا القرآن. فقال بعضهم: سحر. وقال بعضهم: ~~شعر. وقال بعضهم: كذب، وقال بعضهم: أساطير الأولين. # وقيل: الاقتسام هو أنهم فرقوا القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: ساحر كاهن شاعر. # وقال مقاتل: كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، ~~فاقتسموا عقاب (1) مكة وطرقها، وقعدوا على أنقابها يقولون لمن جاء من ~~الحجاج: لا تغتروا بهذا الرجل الخارج الذي يدعي النبوة منا. وتقول طائفة ~~منهم: إنه مجنون، وطائفة: إنه كاهن، وطائفة: إنه شاعر، والوليد قاعد على ~~باب المسجد نصبوه حكما فإذا سئل عنه قال: صدق (2) أولئك [يعني] (3) ~~المقتسمين (4) . # وقوله: {عضين} قيل: هو جمع عضو مأخوذ من قولهم: عضيت الشيء تعضية، إذا ~~فرقته. ومعناه: أنهم جعلوا القرآن أعضاء، فقال بعضهم: سحر. وقال بعضهم: ~~كهانة. وقال بعضهم: أساطير الأولين. # وقيل: هو جمع ms1390 عضة: يقال: عضة وعضين مثل برة وبرين وعزة وعزين، وأصلها: ~~عضهة ذهبت هاؤها الأصلية، كما نقصوا من الشفة وأصلها شفهة، بدليل: أنك تقول ~~في التصغير شفيهة، والمراد بالعضة الكذب والبهتان. # وقيل: المراد بالعضين العضه، وهو السحر، يريد: أنهم سموا القرآن سحرا (5) ~~. ### || # {فوربك لنسألنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون (93) } # {فوربك لنسألنهم أجمعين} يوم القيامة. # {عما كانوا يعملون} في الدنيا، قال محمد بن إسماعيل قال عدة من أهل ~~العلم: عن قوله "لا إله إلا الله" (6) . # فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {فيومئذ لا يسأل عن ~~ذنبه إنس ولا جان} (الرحمن-39) . # قال ابن عباس: لا يسألهم هل عملتم، لأنه أعلم بهم منهم، ولكن يقول: لم ~~عملتم كذا وكذا؟ واعتمده قطرب فقال: السؤال ضربان، سؤال استعلام، وسؤال ~~توبيخ، فقوله تعالى: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} (الرحمن-39) ~~PageV04P394 # يعني: استعلاما. وقوله: "لنسألنهم أجمعين" يعني توبيخا وتقريعا. # وقال عكرمة عن ابن عباس في الآيتين: إن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف ~~يسألون في بعض المواقف، ولا يسألون في بعضها. نظيره قوله تعالى: {هذا يوم ~~لا ينطقون} (المرسلات-35) ، وقال في آية أخرى: {ثم إنكم يوم القيامة عند ~~ربكم تختصمون} (1) (الزمر-31) . ### || # {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) إنا كفيناك المستهزئين (95) } # قوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر} قال ابن عباس: أظهره. ويروى عنه: أمضه. # وقال الضحاك: أعلم. # وقال الأخفش: افرق، أي: افرق بالقرآن بين الحق والباطل. # وقال سيبويه: اقض بما تؤمر، وأصل الصدع: الفصل، والفرق: أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم في هذه الآية بإظهار الدعوة. # وروي عن عبد الله بن عبيدة قال: كان مستخفيا حتى نزلت هذه الآية فخرج هو ~~وأصحابه (2) . # {وأعرض عن المشركين} نسختها آية القتال (3) . # {إنا كفيناك المستهزئين} يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ~~فاصدع بأمر الله، ولا تخف أحدا غير الله عز وجل، فإن الله كافيك من عاداك ~~كما كفاك المستهزئين، وهم خمسة نفر من رؤساء قريش: الوليد بن المغيرة ~~المخزومي -وكان رأسهم -والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن ms1391 عبد المطلب بن ~~الحارث بن أسد بن عبد العزى بن زمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~دعا عليه فقال: "اللهم أعم بصره واثكله بولده، والأسود بن عبد يغوث بن وهب ~~بن عبد مناف بن زهرة، والحارث بن قيس بن الطلاطلة، فأتى جبريل محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، والمستهزئون يطوفون بالبيت، فقام جبريل وقام النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى جنبه، فمر به الوليد بن المغيرة، فقال جبريل: يا محمد ~~كيف تجد هذا؟ فقال: بئس عبد الله، فقال: قد كفيته، وأومأ إلى ساق الوليد، ~~فمر برجل من خزاعة نبال يريش نبلا له وعليه برد يمان، وهو يجر إزاره، ~~فتعلقت شظية من نبل بإزاره فمنعه الكبر أن "يطاطئ رأسه" (4) فينزعها، وجعلت ~~تضرب ساقه، فخدشته، فمرض منها فمات. PageV04P395 # ومر به العاص بن وائل فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: بئس عبد ~~الله، فأشار جبريل إلى أخمص رجليه، وقال: قد كفيته، فخرج على راحلته ومعه ~~ابنان له يتنزه فنزل شعبا من تلك الشعاب فوطئ على شبرقة فدخلت منها شوكة في ~~أخمص رجله، فقال: لدغت لدغت، فطلبوا فلم يجدوا شيئا، وانتفخت رجله حتى صارت ~~مثل عنق البعير، فمات مكانه. # ومر به الأسود بن المطلب، فقال جبريل: كيف تجد هذا؟ قال عبد سوء، فأشار ~~بيده إلى عينيه، وقال: قد كفيته، فعمي. # قال ابن عباس رماه جبريل بورقة خضراء فذهب بصره ووجعت عيناه، فجعل يضرب ~~برأسه الجدار حتى هلك. # وفي رواية الكلبي: أتاه جبريل وهو قاعد في أصل شجرة ومعه غلام له فجعل ~~ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك، فاستغاث بغلامه، فقال غلامه: لا أرى ~~أحدا يصنع بك شيئا غير نفسك، حتى مات، وهو يقول قتلني رب محمد. # ومر به الأسود بن عبد يغوث، فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: بئس ~~عبد الله على أنه ابن خالي. فقال: قد كفيته، وأشار إلى بطنه فاستسقى [بطنه] ~~(1) فمات حينا. # وفي رواية للكلبي أنه خرج من أهله فأصابه السموم فاسود حتى عاد حبشيا، ms1392 ~~فأتى أهله فلم يعرفوه، وأغلقوا دونه الباب حتى مات، وهو يقول: قتلني رب ~~محمد. # ومر به الحارث بن قيس فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؛ فقال: عبد سوء ~~فأومأ إلى رأسه وقال: قد كفيته فامتخط قيحا فقتله. # وقال ابن عباس: إنه أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فلم يزل يشرب عليه من ~~الماء حتى انقد بطنه فمات (2) فذلك قوله تعالى: {إنا كفيناك المستهزئين} بك ~~وبالقرآن. # {الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون} ### || # {الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96) } # وقيل: [استهزاؤهم] (3) واقتسامهم: هو أن الله عز وجل لما أنزل في القرآن ~~سورة البقرة، PageV04P396 # وسورة وسورة النمل، وسورة العنكبوت، كانوا يجتمعون ويقولون استهزاء: هذا في (1) ~~سورة البقرة، ويقول هذا في سورة النحل، ويقول هذا في سورة العنكبوت (2) ~~فأنزل الله تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} ### || # {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين ~~(98) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99) } # {فسبح بحمد ربك} قال ابن عباس: فصل بأمر ربك {وكن من الساجدين} 198/ب من ~~المصلين (3) المتواضعين. # وقال الضحاك: "فسبح بحمد ربك": قل سبحان الله وبحمده "وكن من الساجدين" ~~المصلين. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ~~(4) . # {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} أي الموت الموقن به، وهذا معنى ما ذكر في ~~سورة مريم: "وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا". # أخبرنا المطهر بن علي الفارسي، أخبرنا محمد بن إبراهيم الصالحي، أخبرنا ~~عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ، حدثنا أمية بن محمد الصواف ~~البصري، حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا أبي والهيثم بن خارجة قالا حدثنا ~~إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي مسلم الخولاني عن جبير بن نفير ~~رضي الله عنه قال: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما أوحي إلي أن ~~أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من ~~الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك ms1393 اليقين (5) . PageV04P397 # وروي عن عمر رضي الله عنه قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن ~~عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تنطق به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"انظروا إلى هذا الذي قد نور الله قلبه لقد رأيته بين أبويه يغذيانه (1) ~~بأطيب الطعام والشراب، ولقد رأيت عليه حلة شراها، أو شريت له، بمائتي درهم، ~~فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترونه" (2) . والله أعلم. PageV04P398 ### | سورة النحل # مكية [مائة وثمان وعشرون آية] (1) إلا قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا ~~بمثل ما عوقبتم به} إلى آخر السورة (2) . بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) } # {أتى} أي جاء ودنا وقرب، {أمر الله} قال ابن عرفة: تقول العرب: أتاك ~~الأمر وهو متوقع بعد، أي: أتى أمر الله وعدا فلا تستعجلوه وقوعا. # {أمر الله} قال الكلبي وغيره: المراد منه القيامة. # قال ابن عباس لما نزل قوله تعالى "اقتربت الساعة" (القمر-1) قال الكفار ~~بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون ~~حتى تنظروا ما هو كائن، فلما لم ينزل شيء [قالوا: ما نرى شيئا فنزل قوله ~~"اقترب للناس حسابهم" (الأنبياء-1) ، فأشفقوا، فلما امتدت الأيام قالوا: يا ~~محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به] (3) فأنزل الله تعالى: {أتى أمر الله} ~~فوثب PageV04P007 # النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رءوسهم وظنوا أنها قد أتت حقيقة ~~فنزلت {فلا تستعجلوه} فاطمأنوا (1) . # والاستعجال: طلب الشيء قبل حينه. # ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بعثت أنا والساعة ~~كهاتين وأشار بأصبعيه، وإن كادت لتسبقني" (2) . # قال ابن عباس: كان بعث النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة ولما مر ~~جبريل عليه السلام بأهل السموات مبعوثا إلى محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: ~~الله أكبر قامت الساعة. # وقال قوم: المراد بالأمر هاهنا: عقوبة المكذبين والعذاب بالسيف وذلك أن ~~النضر بن الحارث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ~~من السماء، ms1394 فاستعجل العذاب، فنزلت هذه الآية (3) . وقتل النضر يوم بدر ~~صبرا. # {سبحانه وتعالى عما يشركون} معناه تعاظم بالأوصاف الحميدة عما يصفه به ~~المشركون. ### || # {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا ~~إله إلا أنا فاتقون (2) } # {ينزل الملائكة} قرأ العامة بضم الياء وكسر الزاي، و {الملائكة} نصب. ~~وقرأ يعقوب بالتاء وفتحها وفتح الزاي و" الملائكة " رفع، {ينزل الملائكة ~~بالروح} بالوحي، سماه روحا لأنه يحيي به القلوب والحق. # قال عطاء: بالنبوة. # وقال قتادة: بالرحمة. # قال أبو عبيدة: "بالروح" يعني مع الروح، وهو جبريل. {من أمره على من يشاء ~~من عباده أن أنذروا} أعلموا: {أنه لا إله إلا أنا فاتقون} # وقيل: معناه مروهم بقول "لا إله إلا الله" منذرين مخوفين بالقرآن إن لم ~~يقولوا. PageV04P008 # وقوله: "فاتقون" أي فخافون. ### || # {خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) خلق الإنسان من نطفة ~~فإذا هو خصيم مبين (4) والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ~~(5) ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) } # {وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف ~~رحيم (7) } # {خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون} أي: ارتفع عما يشركون. ~~{خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم} جدل بالباطل، {مبين} # نزلت في أبي بن خلف الجمحي، وكان ينكر البعث جاء بعظم رميم فقال: أتقول ~~إن الله تعالى يحيي هذا بعدما قد رم؟ كما قال جل ذكره "وضرب لنا مثلا ونسي ~~خلقه" (يس-77) ، نزلت فيه أيضا (1) . # والصحيح أن الآية عامة، وفيها بيان القدرة وكشف قبيح ما فعلوه، من جحد ~~نعم الله مع ظهورها عليهم (2) . قوله تعالى {والأنعام خلقها} يعني الإبل ~~والبقر والغنم، {لكم فيها دفء} يعني: من أوبارها وأشعارها وأصوافها ملابس ~~ولحفا تستدفئون بها، {ومنافع} بالنسل والدر والركوب والحمل وغيرها، {ومنها ~~تأكلون} يعني لحومها. {ولكم فيها جمال} زينة، {حين تريحون} أي: حين تردونها ~~بالعشي من مراعيها إلى مباركها التي تأوي إليها، {وحين تسرحون} أي: ~~تخرجونها بالغداة من مراحها إلى مسارحها، وقدم الرواح لأن المنافع تؤخذ ~~منها ms1395 بعد الرواح، ومالكها يكون أعجب بها إذا راحت. {وتحمل أثقالكم} ~~أحمالكم، {إلى بلد} آخر غير بلدكم. قال عكرمة: البلد مكة، {لم تكونوا ~~بالغيه إلا بشق الأنفس} أي: بالمشقة والجهد. والشق: النصف أيضا أي: لم ~~تكونوا بالغيه PageV05P009 # إلا بنقصان قوة النفس وذهاب نصفها. # وقرأ أبو جعفر {بشق} بفتح الشين، وهما لغتان، مثل: رطل ورطل. # {إن ربكم لرءوف رحيم} بخلقه حيث جعل لهم هذه المنافع. ### || # {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) } # {والخيل} يعني: وخلق الخيل، وهي اسم جنس لا واحد له من لفظه كالإبل ~~والنساء، {والبغال والحمير لتركبوها وزينة} يعني وجعلها زينة لكم مع ~~المنافع التي فيها. # واحتج بهذه الآية من حرم لحوم الخيل، وهو قول ابن عباس، وتلا هذه الآية، ~~فقال: هذه للركوب [وإليه ذهب] (1) الحكم، ومالك، وأبو حنيفة. # وذهب جماعة إلى إباحة لحوم الخيل، وهو قول الحسن، وشريح، وعطاء، وسعيد بن ~~جبير، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق (2) . # ومن أباحها قال: ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم بل المراد ~~منه تعريف الله عباده نعمه وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، واحتجوا بما: # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن ~~زيد عن عمرو -هو ابن دينار-عن محمد بن علي، عن جابر رضي الله عنه قال: "نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخص في لحوم الخيل". (3) ~~. # أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، أخبرنا أبو القاسم حمزة بن ~~يوسف السهمي، أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، حدثنا الحسن بن ~~الفرج، حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا عبد الله بن عبد الكريم، عن عطاء بن أبي ~~رباح، عن جابر: أنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (4) . PageV05P010 # ونهى عن لحوم البغال والحمير؛ روي عن المقدام بن معدي كرب عن خالد بن ~~الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل ms1396 لحوم الخيل والبغال ~~والحمير (1) وإسناده ضعيف. # {ويخلق ما لا تعلمون} قيل: يعني ما أعد الله في الجنة لأهلها، وفي النار ~~لأهلها، مما لم تره عين ولم تسمعه أذن ولا خطر على قلب بشر. # وقال قتادة يعني: السوس في النبات والدود في الفواكه. ### || # {وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) هو الذي ~~أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) } # قوله تعالى: {وعلى الله قصد السبيل} يعني: بيان طريق الهدى من الضلالة. ~~وقيل: بيان الحق بالآيات والبراهين 199/أوالقصد: الصراط المستقيم. # {ومنها جائر} يعني: ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوج، فالقصد من ~~السبيل: دين الإسلام، والجائر منها: اليهودية، والنصرانية، وسائر ملل ~~الكفر. # قال جابر بن عبد الله: "قصد السبيل": بيان الشرائع والفرائض. # وقال عبد الله بن المبارك، وسهل بن عبد الله: "قصد السبيل" السنة، "ومنها ~~جائر" الأهواء والبدع، دليله قوله تعالى: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوا السبل" (الأنعام-153) . # {ولو شاء لهداكم أجمعين} نظيره قوله تعالى: "ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها" (السجدة-13) . قوله عز وجل: {هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه ~~شراب} تشربونه، {ومنه شجر} أي: من ذلك الماء شرب أشجاركم، وحياة نباتكم، ~~{فيه} يعني: في الشجر، {تسيمون} ترعون مواشيكم. PageV05P011 ### || # {ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك ~~لآية لقوم يتفكرون (11) وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (12) وما ذرأ لكم في الأرض ~~مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (13) وهو الذي سخر البحر لتأكلوا ~~منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا ~~من فضله ولعلكم تشكرون (14) } # {ينبت لكم به} أي: ينبت الله لكم به، يعني بالماء الذي أنزل، وقرأ أبو ~~بكر عن عاصم " ننبت " بالنون. {الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل ~~الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} {وسخر لكم} [ذلل لكم] (1) {الليل ~~والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات} مذللات، {بأمره} أي: بإذنه، وقرأ ms1397 ~~حفص (2) {والنجوم مسخرات} بالرفع على الابتداء. {إن في ذلك لآيات لقوم ~~يعقلون} {وما ذرأ} خلق، {لكم} لأجلكم، أي: وسخر ما خلق لأجلكم، {في الأرض} ~~من الدواب والأشجار والثمار وغيرها، {مختلفا} نصب على الحال، {ألوانه} # {إن في ذلك لآية لقوم يذكرون} يعتبرون. {وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه ~~لحما طريا} يعني: السمك، {وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} يعني: اللؤلؤ ~~والمرجان، {وترى الفلك مواخر فيه} جواري. # قال قتادة: مقبلة ومدبرة، وهو أنك ترى سفينتين إحداهما تقبل والأخرى ~~تدبر، تجريان بريح واحدة. # وقال الحسن: "مواخر" أي: مملوءة. PageV05P012 # وقال الفراء والأخفش: شواق تشق الماء بجناحيها. # قال مجاهد: تمخر السفن الرياح. # وأصل المخر: الرفع والشق، وفي الحديث: "إذا أراد أحدكم البول فليستمخر ~~الريح" (1) أي لينظر من أين مجراها وهبوبها، فليستدبرها حتى لا يرد عليه ~~البول. # وقال أبو عبيدة: صوائخ، والمخر: صوت هبوب الريح عند شدتها. # {ولتبتغوا من فضله} يعني: التجارة، {ولعلكم تشكرون} إذا رأيتم صنع الله ~~فيما سخر لكم. PageV05P013 ### || # {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (15) ~~وعلامات وبالنجم هم يهتدون (16) } # {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} أي: [لئلا تميد بكم] (1) أي تتحرك ~~وتميل. # والميد: هو الاضطراب والتكفؤ، ومنه قيل للدوار الذي يعتري راكب البحر: ~~ميد. # قال وهب: لما خلق الله الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة: إن هذه غير مقرة ~~أحدا على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال. # {وأنهارا وسبلا} أي: وجعل فيها أنهارا وطرقا مختلفة، {لعلكم تهتدون} إلى ~~ما تريدون فلا تضلون. {وعلامات} يعني: معالم الطرق. قال بعضهم: هاهنا تم ~~الكلام ثم ابتدأ، {وبالنجم هم يهتدون} # قال محمد بن كعب، والكلبي: أراد بالعلامات الجبال، فالجبال تكون علامات ~~النهار، والنجوم علامات الليل. # وقال مجاهد: أراد بالكل النجوم، منها ما يكون علامات ومنها ما يهتدون به. # قال السدي: أراد بالنجم، الثريا، وبنات نعش، والفرقدين، والجدي، يهتدى ~~بها إلى الطرق والقبلة. PageV05P013 # وقال قتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: لتكون زينة للسماء، ~~ومعالم للطرق، ورجوما للشياطين، فمن قال غير ms1398 هذا فقد تكلف ما لا علم له به ~~(1) ### || # {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ~~إن الله لغفور رحيم (18) والله يعلم ما تسرون وما تعلنون (19) والذين يدعون ~~من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20) أموات غير أحياء وما يشعرون ~~أيان يبعثون (21) إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ~~وهم مستكبرون (22) } # {أفمن يخلق} يعني: الله تعالى، {كمن لا يخلق} يعني الأصنام، {أفلا ~~تذكرون} {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور} لتقصيركم في شكر ~~نعمه، {رحيم} بكم حيث وسع عليكم النعم، ولم يقطعها عنكم بالتقصير والمعاصي. ~~{والذين يدعون من دون الله} يعني: الأصنام، وقرأ عاصم ويعقوب " يدعون " ~~بالياء. {لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} {أموات} أي: الأصنام {غير أحياء وما ~~يشعرون} يعني: الأصنام {أيان} متى (2) {يبعثون} والقرآن يدل على أن الأصنام ~~تبعث وتجعل فيها الحياة فتتبرأ من عابديها. # وقيل: ما يدري الكفار عبدة الأصنام متى يبعثون. قوله تعالى: {إلهكم إله ~~واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة} جاحدة، {وهم مستكبرون} ~~متعظمون. PageV05P014 ### || # {لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (23) ~~وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) ليحملوا أوزارهم ~~كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) ~~} # {لا جرم} حقا {أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين} # أخبرنا أبو سعيد بكر بن محمد بن محمد بن محمي البسطامي، أخبرنا أبو الحسن ~~عبد الرحمن بن إبراهيم بن سختويه، أخبرنا أبو الفضل سفيان بن محمد الجوهري، ~~حدثنا علي بن الحسن بن أبي عيسى الهلالي حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا شعبة، ~~عن أبان بن تغلب، عن فضيل الفقيمي، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن ~~عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة من في قلبه ~~مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان"، فقال ~~رجل: يا رسول الله ms1399 إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا؟ قال: "إن الله جميل يحب ~~الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس" (1) . {وإذا قيل لهم} يعني: لهؤلاء ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة، وهم مشركو مكة الذين اقتسموا عقابها (2) إذا سأل ~~منهم الحاج: {ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} أحاديثهم وأباطيلهم. ~~{ليحملوا أوزارهم} ذنوب أنفسهم، {كاملة} وإنما ذكر الكمال لأن البلايا التي ~~تلحقهم في الدنيا وما يفعلون من الحسنات لا تكفر عنهم شيئا، {يوم القيامة ~~ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} بغير حجة فيصدونهم عن الإيمان، {ألا ساء ~~ما يزرون} يحملون. # أنبأنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد ~~الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ~~دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ~~ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من ~~آثامهم شيئا" (3) . PageV05P015 ### || # {قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من ~~فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) } # {ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال ~~الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين (27) الذين تتوفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم ~~بما كنتم تعملون (28) } # قوله تعالى: {قد مكر الذين من قبلهم} وهو نمرود بن كنعان، بنى الصرح ~~ببابل ليصعد إلى السماء. # قال ابن عباس ووهب: كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع. # وقال كعب ومقاتل: كان طوله فرسخين، فهبت ريح (1) وألقت رأسه في البحر، ~~وخر عليهم الباقي وهم تحته، ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع ~~يومئذ فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا فلذلك سميت بابل، وكان لسان الناس ms1400 قبل ~~ذلك بالسريانية (2) فذلك قوله تعالى: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} أي: ~~قصد تخريب بنيانهم 199/ب من أصولها {فخر عليهم السقف} يعني أعلى البيوت {من ~~فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} من مأمنهم. {ثم يوم القيامة يخزيهم} ~~يهينهم بالعذاب، {ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم} تخالفون ~~المؤمنين فيهم، ما لهم لا يحضرونكم فيدفعون عنكم العذاب؟ # وكسر نافع النون من "تشاقون" على الإضافة، والآخرون بفتحها. # {قال الذين أوتوا العلم} [وهم المؤمنون] (3) {إن الخزي} الهوان، {اليوم ~~والسوء} أي: العذاب، {على الكافرين} {الذين تتوفاهم الملائكة} يقبض أرواحهم ~~ملك الموت وأعوانه، قرأ حمزة " يتوفاهم " بالياء وكذا ما بعده، {ظالمي ~~أنفسهم} بالكفر، ونصب على الحال أي: في حال كفرهم، {فألقوا السلم} ~~PageV05P016 # أي: استسلموا وانقادوا وقالوا: {ما كنا نعمل من سوء} شرك، فقال لهم ~~الملائكة: {بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون} قال عكرمة: عنى بذلك من قتل ~~من الكفار ببدر. ### || # {فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين (29) وقيل للذين ~~اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار ~~الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها ~~الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين (31) الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون (32) } # {فادخلوا} أي: قال لهم ادخلوا {أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى ~~المتكبرين} عن الإيمان. # {وقيل للذين اتقوا} وذلك أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من ~~يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاء سأل الذين قعدوا على الطرق ~~عنه، فيقولون: ساحر، كاهن، شاعر، كذاب، مجنون، ولو لم تلقه خير لك، فيقول ~~السائل: أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل مكة فألقاه، فيدخل مكة ~~فيرى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث. فذلك ~~قوله: {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا} يعني: أنزل خيرا (1) . # ثم ابتدأ فقال: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} كرامة من الله. # قال ابن عباس: ms1401 هي تضعيف الأجر إلى العشر. # وقال الضحاك: هي النصر والفتح. # وقال مجاهد: هي الرزق الحسن. # {ولدار الآخرة} أي ولدار الحال الآخرة، {خير ولنعم دار المتقين} قال ~~الحسن: هي الدنيا؛ لأن أهل التقوى يتزودون فيها للآخرة. وقال أكثر ~~المفسرين: هي الجنة، ثم فسرها فقال: {جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها ~~الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين} {الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين} مؤمنين طاهرين من الشرك. # قال مجاهد: زاكية أفعالهم وأقوالهم. PageV05P017 # وقيل: معناه: إن وفاتهم تقع طيبة سهلة. {يقولون} يعني: الملائكة لهم، ~~{سلام عليكم} وقيل: يبلغونهم سلام الله، {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} ### || # {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من ~~قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) فأصابهم سيئات ما ~~عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (34) } # {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا ~~البلاغ المبين (35) ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (36) } # قوله عز وجل {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة} لقبض أرواحهم، {أو يأتي ~~أمر ربك} يعني: يوم القيامة، وقيل: العذاب. {كذلك فعل الذين من قبلهم} أي: ~~كفروا، {وما ظلمهم الله} بتعذيبه إياهم، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} ~~{فأصابهم سيئات ما عملوا} عقوبات كفرهم وأعمالهم الخبيثة، {وحاق بهم} [نزل ~~بهم] (1) {ما كانوا به يستهزئون} {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا ~~من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء} يعني: البحيرة، ~~والسائبة، والوصيلة، والحام، فلولا أن الله رضيها لغير ذلك وهدانا إلى ~~غيرها، {كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} أي: ليس ~~إليهم الهداية إنما إليهم التبليغ. {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا} أي: كما ~~بعثنا فيكم، ms1402 {أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وهو كل معبود من دون الله، ~~{فمنهم من هدى الله} أي: هداه الله إلى دينه، {ومنهم من حقت عليه الضلالة} ~~PageV05P018 # أي: وجبت بالقضاء السابق حتى مات على كفره، {فسيروا في الأرض فانظروا كيف ~~كان عاقبة المكذبين} أي: مآل أمرهم، وهو خراب منازلهم بالعذاب والهلاك. ### || # {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين (37) ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون (38) ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا ~~أنهم كانوا كاذبين (39) إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ~~(40) } # {إن تحرص على هداهم} يا محمد، {فإن الله لا يهدي من يضل} قرأ أهل الكوفة ~~" يهدي " بفتح الياء وكسر الدال أي: لا يهدي الله من أضله. وقيل: معناه لا ~~يهتدي من أضله الله. # وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الدال يعني من أضله الله فلا هادي له كما ~~قال: "ومن يضلل الله فلا هادي له" (الأعراف-186) . # {وما لهم من ناصرين} أي: مانعين من العذاب. قوله تعالى: {وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} وهم منكرو البعث، قال الله تعالى ردا ~~عليهم: {بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون} {ليبين لهم الذي ~~يختلفون فيه} أي: ليظهر لهم الحق فيما يختلفون فيه {وليعلم الذين كفروا ~~أنهم كانوا كاذبين} {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} يقول ~~الله تعالى: إذا أردنا أن نبعث الموتى فلا تعب علينا في إحيائهم، ولا في ~~شيء مما يحدث، إنما نقول له: كن، فيكون. # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش ~~الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، ~~حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، حدثنا أبو هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله: كذبني عبدي، ولم يكن ذلك له، ~~وشتمني عبدي ms1403 ولم يكن ذلك له، فأما تكذيبه إياي، أن يقول: لن يعيدنا كما ~~بدأنا، وأما شتمه إياي، أن يقول: اتخذ الله ولدا، وأنا الصمد، لم ألد، ولم ~~يكن لي كفوا أحد" (1) . PageV05P019 ### || # {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) } # {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون (43) } # قوله تعالى {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا} عذبوا وأوذوا في ~~الله. # نزلت في بلال، وصهيب، وخباب، وعمار، وعابس، وجبر، وأبي جندل بن سهيل، ~~أخذهم المشركون بمكة فعذبوهم (1) . # وقال قتادة: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ظلمهم أهل مكة، وأخرجوهم ~~من ديارهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك ~~فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين (2) . # {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} وهو أنه أنزلهم المدينة. # روي عن عمر بن الخطاب كان إذا أعطى الرجل [من المهاجرين] (3) عطاء يقول: ~~خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة ~~أفضل، ثم تلا هذه الآية (4) . # وقيل: معناه لنحسنن إليهم في الدنيا. # وقيل: الحسنة في الدنيا التوفيق والهداية. # {ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} وقوله: "لو كانوا يعلمون"، ينصرف ~~إلى المشركين لأن المؤمنين كانوا يعلمونه. {الذين صبروا} في الله على ما ~~نابهم (5) {وعلى ربهم يتوكلون} {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم} ~~نزلت في مشركي مكة حيث أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وقالوا: الله ~~أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فهلا بعث إلينا ملكا (6) ؟ PageV05P020 # {فاسألوا أهل الذكر} يعني مؤمني أهل الكتاب، {إن كنتم لا تعلمون} ### || # {بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون (44) أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون (45) أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين (46) أو ~~يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم ms1404 (47) } # {بالبينات والزبر} واختلفوا في الجالب للباء في قوله {بالبينات} قيل: هي ~~راجعة إلى قوله: {وما أرسلنا} وإلا بمعنى غير، مجازه: وما أرسلنا من قبلك ~~بالبينات 200/أوالزبر غير رجال يوحى إليهم ولم نبعث ملائكة. # وقيل: تأويله وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم [أرسلناهم] (1) ~~بالبينات والزبر. {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} أراد ~~بالذكر الوحي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مبينا للوحي، وبيان الكتاب ~~يطلب من السنة، {ولعلهم يتفكرون} {أفأمن الذين مكروا} عملوا {السيئات} من ~~قبل، يعني: نمرود بن كنعان وغيره من الكفار، {أن يخسف الله بهم الأرض أو ~~يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون} {أو يأخذهم} بالعذاب، {في تقلبهم} تصرفهم ~~في الأسفار. وقال ابن عباس: في اختلافهم. وقال ابن جريج: في إقبالهم ~~وإدبارهم، {فما هم بمعجزين} بسابقين الله. {أو يأخذهم على تخوف} والتخوف: ~~التنقص، أي: ينقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يهلك جميعهم، ~~يقال: تخوفه الدهر وتخونه: إذا نقصه وأخذ ماله وحشمه. # ويقال: هذا لغة بني هزيل. # وقال الضحاك والكلبي: من الخوف، أي: يعذب طائفة فيتخوف الآخرون أن يصيبهم ~~مثل ما أصابهم. # {فإن ربكم لرءوف رحيم} حين لم يعجل بالعقوبة. PageV05P021 ### || # {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا ~~لله وهم داخرون (48) ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة ~~والملائكة وهم لا يستكبرون (49) } # قوله عز وجل: {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء} -قرأ حمزة والكسائي ~~بالتاء على الخطاب، وكذلك في سورة العنكبوت، والآخرون بالياء، خبرا عن ~~الذين مكروا السيئات-إلى ما خلق الله من شيء من جسم قائم، له ظل، {يتفيأ} ~~قرأ أبو عمرو، ويعقوب بالتاء والآخرون بالياء. {ظلاله} أي: تميل وتدور من ~~جانب إلى جانب، فهي في أول النهار على حال، ثم تتقلص، ثم تعود في آخر ~~النهار إلى حال أخرى سجدا لله، فميلانها ودورانها: سجودها لله عز وجل. ~~ويقال للظل بالعشي: فيء؛ لأنه فاء، أي: رجع من المغرب إلى المشرق، فالفيء ~~الرجوع. والسجود ms1405 الميل. ويقال: سجدت النخلة إذا مالت. # قوله عز وجل: {عن اليمين والشمائل سجدا لله} قال قتادة والضحاك: أما ~~اليمين: فأول النهار، والشمال: آخر النهار، تسجد الظلال لله. # وقال الكلبي: الظل قبل طلوع الشمس عن يمينك وعن شمالك وقدامك وخلفك، ~~وكذلك إذا غابت، فإذا طلعت كان من قدامك، وإذا ارتفعت كان عن يمينك، ثم ~~بعده كان خلفك، فإذا كان قبل أن تغرب الشمس كان عن يسارك، فهذا تفيؤه، ~~وتقلبه، وهو سجوده. # وقال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله. # وقيل: المراد من الظلال: سجود الأشخاص. # فإن قيل لم وحد اليمين وجمع الشمائل؟ # قيل من شأن العرب في اجتماع العلامتين الاكتفاء بواحدة، كقوله تعالى: ~~"ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم" (البقرة-7) ، وقوله: "يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور" (البقرة-257) . # وقيل: اليمين يرجع إلى قوله: "ما خلق الله". ولفظ "ما" واحد، والشمائل: ~~يرجع إلى المعنى. # {وهم داخرون} صاغرون. {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض} إنما أخبر ~~بما لغلبة ما لا يعقل على من يعقل في العدد، والحكم للأغلب كتغليب المذكر ~~على المؤنث، {من دابة} أراد من كل حيوان يدب. ويقال: السجود: الطاعة، ~~والأشياء كلها مطيعة لله عز وجل من حيوان وجماد، قال الله تعالى: "قالتا ~~أتينا طائعين" (فصلت-11) . # PageV05P022 # وقيل: سجود الأشياء تذللها وتسخرها لما أريدت له وسخرت له. # وقيل: سجود الجمادات وما لا يعقل: ظهور أثر الصنع فيه، على معنى أنه يدعو ~~الغافلين إلى السجود عند التأمل والتدبر فيه، قال الله تعالى: "سنريهم ~~آياتنا في الآفاق" (فصلت-53) . # {والملائكة} خص الملائكة بالذكر مع كونهم من جملة ما في السموات والأرض ~~تشريفا ورفعا لشأنهم. # وقيل: لخروجهم من الموصوفين بالدبيب إذ لهم أجنحة يطيرون بها. # وقيل؛ أراد: ولله يسجد ما في السموات من الملائكة وما في الأرض من دابة، ~~وتسجد الملائكة. {وهم لا يستكبرون} ### || # {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (50) وقال الله لا تتخذوا إلهين ~~اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون (51) وله ما في السماوات والأرض وله ~~الدين واصبا أفغير الله تتقون ms1406 (52) } # {يخافون ربهم من فوقهم} كقوله: "وهو القاهر فوق عباده" (الأنعام-18) . # {ويفعلون ما يؤمرون} # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا محمد بن سمعان، حدثنا أبو بكر ~~محمد بن إبراهيم الشعراني، حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، حدثنا عبيد الله بن ~~موسى العبسي، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن مورق، عن ~~أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أرى ما لا ترون، وأسمع ~~ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، والذي نفسي بيده ما فيها موضع ~~أربع أصابع إلا وفيها ملك يمجد الله، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ~~ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولصعدتم إلى الصعدات ~~تجأرون"، قال أبو ذر: "يا ليتني كنت شجرة تعضد". رواه أبو عيسى عن أحمد بن ~~منيع، عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل وقال: "إلا وملك واضع جبهته ساجدا ~~لله" (1) . # قوله تعالى: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي ~~فارهبون} {وله ما في السماوات والأرض وله الدين} الطاعة والإخلاص {واصبا} ~~دائما ثابتا. PageV05P023 # معناه: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك عنه بزوال أو هلاك، غير ~~الله عز وجل، فإن الطاعة تدوم له ولا تنقطع. # {أفغير الله تتقون} أي: تخافون، استفهام على طريق الإنكار. ### || # {وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون (53) ثم إذا ~~كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) } # {ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (55) ويجعلون لما لا يعلمون ~~نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون (56) ويجعلون لله البنات ~~سبحانه ولهم ما يشتهون (57) وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ~~(58) } # قوله تعالى {وما بكم من نعمة فمن الله} أي: وما يكن بكم من نعمة فمن ~~الله، {ثم إذا مسكم الضر} القحط والمرض، {فإليه تجأرون} تضجون وتصيحون ~~بالدعاء والاستغاثة. # {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} . {ليكفروا} ليجحدوا، ~~[وهذه اللام تسمى لام العاقبة، أي: حاصل أمرهم هو كفرهم] ms1407 (1) {بما آتيناهم} ~~أعطيناهم من النعماء وكشف الضراء والبلاء، {فتمتعوا} أي: عيشوا في الدنيا ~~المدة التي ضربتها لكم، {فسوف تعلمون} عاقبة أمركم. هذا وعيد لهم. {ويجعلون ~~لما لا يعلمون} له حقا، أي: الأصنام، {نصيبا مما رزقناهم} من الأموال، وهو ~~ما جعلوا للأوثان من حروثهم وأنعامهم، فقالوا: هذا لله بزعمهم، وهذا ~~لشركائنا. # ثم رجع من الخبر إلى الخطاب فقال: {تالله لتسألن} يوم القيامة، {عما كنتم ~~تفترون} في الدنيا. {ويجعلون لله البنات} وهم خزاعة وكنانة، قالوا: ~~الملائكة بنات الله تعالى: {سبحانه ولهم ما يشتهون} أي: ويجعلون لأنفسهم ~~البنين الذين يشتهونهم، فتكون "ما" في محل النصب، ويجوز أن تكون على ~~الابتداء فتكون "ما" في محل الرفع. {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا} ~~متغيرا من الغم والكراهية، {وهو كظيم} وهو ممتلئ حزنا وغيظا فهو يكظمه أي: ~~يمسكه ولا يظهره. PageV05P024 ### || # {يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ~~ساء ما يحكمون (59) للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى ~~وهو العزيز الحكيم (60) } # {يتوارى} أي: يختفي، {من القوم من سوء ما بشر به} من الحزن والعار، ثم ~~يتفكر: {أيمسكه} ذكر الكناية ردا على "ما" {على هون} أي: هوان، {أم يدسه في ~~التراب} 200/ب أي: يخفيه منه، فيئده. # وذلك: أن مضر وخزاعة وتميما كانوا يدفنون البنات أحياء، خوفا من الفقر ~~عليهم، وطمع غير الأكفاء فيهن، وكان الرجل من العرب إذا ولدت له بنت وأراد ~~أن يستحييها: ألبسها جبة من صوف أو شعر، وتركها ترعى له الإبل والغنم في ~~البادية، وإذا أراد أن يقتلها: تركها حتى إذا صارت سداسية، قال لأمها: ~~زينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فإذا بلغ ~~بها البئر قال لها: انظري إلى هذه البئر، فيدفعها من خلفها في البئر، ثم ~~يهيل على رأسها التراب حتى يستوي البئر بالأرض، فذلك قوله عز وجل: {أيمسكه ~~على هون أم يدسه في التراب} # وكان صعصعة عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه إلى ms1408 والد البنت إبلا ~~يحييها بذلك، فقال الفرزدق يفتخر به (1) . وعمي الذي منع الوائدات ... ~~فأحيا الوئيد فلم توأد # {ألا ساء ما يحكمون} بئس ما يقضون لله البنات ولأنفسهم البنين، نظيره: ~~"ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى" (النجم-22) ، وقيل: بئس حكمهم ~~وأد البنات. {للذين لا يؤمنون بالآخرة} يعني لهؤلاء الذين يصفون لله البنات ~~ولأنفسهم البنين {مثل السوء} صفة السوء من الاحتياج إلى الولد، وكراهية ~~الإناث، وقتلهن خوف الفقر، {ولله المثل الأعلى} الصفة العليا، وهي التوحيد ~~وأنه لا إله إلا هو. # وقيل: جميع صفات الجلال والكمال، من العلم، والقدرة، والبقاء، وغيرها من ~~الصفات. # قال ابن عباس: "مثل السوء": النار، و"المثل الأعلى": شهادة أن لا إله إلا ~~الله. # {وهو العزيز الحكيم} PageV05P025 ### || # {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) ويجعلون لله ما ~~يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار (62) } # {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم} فيعاجلهم بالعقوبة على كفرهم وعصيانهم، ~~{ما ترك عليها} أي: على الأرض، كناية عن غير مذكور، {من دابة} # قال قتادة في الآية: قد فعل الله ذلك في زمن نوح، فأهلك من على الأرض، ~~إلا من كان في سفينة نوح عليه السلام (1) # روي أن أبا هريرة سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال: بئس ~~ما قلت إن الحبارى تموت في وكرها بظلم الظالم (2) . # وقال ابن مسعود: إن الجعل لتعذب في جحرها بذنب ابن آدم (3) . # وقيل: معنى الآية: لو يؤاخذ الله آباء الظالمين بظلمهم انقطع النسل، ولم ~~توجد الأبناء فلم يبق في الأرض أحد. # {ولكن يؤخرهم إلى أجل} يمهلهم بحلمه إلى أجل، {مسمى} إلى منتهى آجالهم ~~وانقطاع أعمارهم. {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} قوله عز ~~وجل: {ويجعلون لله ما يكرهون} لأنفسهم يعني البنات، {وتصف} أي: تقول، ~~{ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} يعني البنين، محل "أن" نصب بدل عن الكذب. # قال يمان: يعني ب "الحسنى": الجنة ms1409 في المعاد، إن كان محمد صادقا في ~~البعث. # {لا جرم} حقا. قال ابن عباس: بلى، {أن لهم النار} في الآخرة، {وأنهم ~~مفرطون} قرأ نافع بكسر الراء أي: مسرفون. # وقرأ أبو جعفر بتشديد الراء وكسرها أي: مضيعون أمر الله. # وقرأ الآخرون بفتح الراء وتخفيفها أي: منسيون في النار، قاله ابن عباس. ~~PageV05P026 # وقال سعيد بن جبير: مبعدون. # وقال مقاتل: متروكون. # قال قتادة: معجلون إلى النار. # قال الفراء: مقدمون إلى النار، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "أنا فرطكم ~~على الحوض" (1) أي: متقدمكم. ### || # {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم ~~اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي ~~اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) } PageV05P027 # {والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم ~~يسمعون (65) وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم ~~لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) } # {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} كما أرسلنا إلى هذه الأمة، {فزين لهم ~~الشيطان أعمالهم} الخبيثة، {فهو وليهم} ناصرهم، {اليوم} وقرينهم، سماه وليا ~~لهم، لطاعتهم إياه، {ولهم عذاب أليم} في الآخرة. {وما أنزلنا عليك الكتاب ~~إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه} من الدين والأحكام، {وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون} أي: ما أنزلنا عليك الكتاب إلا بيانا وهدى ورحمة، فالهدى والرحمة ~~عطف على قوله "لتبين". {والله أنزل من السماء ماء} يعني: المطر: {فأحيا به ~~الأرض} بالنبات، {بعد موتها} يبوستها، {إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} سمع ~~القلوب لا سمع الآذان. {وإن لكم في الأنعام لعبرة} لعظة، {نسقيكم} بفتح ~~النون هاهنا وفي المؤمنين، قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب والباقون ~~بضمها وهما لغتان. {مما في بطونه} قال الفراء: رد الكناية إلى النعم، ~~والنعم والأنعام واحد. # ولفظ النعم مذكر، قال أبو عبيدة، والأخفش: النعم يذكر ويؤنث، فمن أنث ~~فلمعنى الجمع، # PageV05P027 # ومن ذكر فلحكم اللفظ. # قال الكسائي: رده إلى ما يعني في بطون ما ذكرنا. # وقال المؤرج: الكناية مردودة ms1410 إلى البعض والجزء، كأنه قال نسقيكم مما في ~~بطونه اللبن، إذ ليس لكلها لبن، واللبن فيه مضمر. # {من بين فرث} وهو ما في الكرش من الثقل، فإذا خرج منه لا يسمى فرثا، {ودم ~~لبنا خالصا} من الدم والفرث ليس عليه لون دم ولا رائحة فرث. # {سائغا للشاربين} هنيئا يجري على السهولة في الحلق. # وقيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط. # قال ابن عباس: إذا أكلت الدابة العلف واستقر في كرشها وطحنته فكان أسفله ~~فرثا، وأوسطه اللبن، وأعلاه الدم، والكبد مسلطة عليها، تقسمها بتقدير الله ~~تعالى، فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو (1) . ### || # {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية ~~لقوم يعقلون (67) } # {ومن ثمرات النخيل والأعناب} يعني: ولكم أيضا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم ~~من ثمرات النخيل والأعناب، {تتخذون منه} والكناية في {منه} عائدة إلى "ما" ~~محذوفة أي: ما تتخذون منه، {سكرا ورزقا حسنا} # قال قوم: "السكر": الخمر، و"الرزق الحسن": الخل، والزبيب، والتمر والرب، ~~قالوا: وهذا قبل تحريم الخمر. وإلى هذا ذهب ابن مسعود، وابن عمر، وسعيد بن ~~جبير، والحسن، ومجاهد. # وقال الشعبي: "السكر": ما شربت و"الرزق الحسن": ما أكلت (2) . # وروى العوفي عن ابن عباس: أن "السكر" هو الخل، بلغة الحبشة (3) . # وقال بعضهم: "السكر" النبيذ المسكر، وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد، ~~والمطبوخ من العصير، وهو قول الضحاك والنخعي (4) . # ومن يبيح شرب النبيذ ومن حرمه يقول: المراد من الآية: الإخبار لا ~~الإحلال. PageV05P028 # وأولى الأقاويل أن قوله: {تتخذون منه سكرا} منسوخ، روي عن ابن عباس قال: ~~"السكر" [ما حرم] (1) من ثمرها، و"الرزق الحسن": ما أحل. # وقال أبو عبيدة: "السكر": الطعم، يقال هذا سكر لك أي: طعم (2) . # {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} ### || # {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ~~(68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ~~ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69) } # {وأوحى ربك إلى النحل} ms1411 أي: ألهمها وقذف في أنفسها، ففهمته، والنحل: ~~زنابير العسل، واحدتها نحلة. # {أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون} يبنون، وقد جرت العادة ~~أن أهلها يبنون لها الأماكن، فهي تأوي إليها، قال ابن زيد: هي الكروم. {ثم ~~كلي من كل الثمرات} 201/أليس معنى الكل العموم، وهو كقوله تعالى: "وأوتيت ~~من كل شيء" (النمل-23) . # {فاسلكي سبل ربك ذللا} قيل: هي نعت الطرق، يقول: هي مذللة للنحل سهلة ~~المسالك. # قال مجاهد: لا يتوعر عليها مكان سلكته. # وقال آخرون: الذلل نعت النحل، أي: مطيعة منقادة بالتسخير. يقال: إن ~~أربابها ينقلونها من مكان إلى مكان ولها يعسوب إذا وقف وقفت وإذا سار سارت. # {يخرج من بطونها شراب} يعني: العسل {مختلف ألوانه} أبيض وأحمر وأصفر. ~~{فيه شفاء للناس} أي: في العسل. وقال مجاهد: أي في القرآن، والأول أولى. # أنبأنا إسماعيل بن عبد القاهر، حدثنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد بن ~~عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا محمد بن المثنى، أخبرنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي ~~المتوكل، عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV05P029 # فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسقه عسلا ~~فسقاه ثم جاء فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم له ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال: اسقه عسلا قال: قد سقيته فلم ~~يزده إلا استطلاقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق الله وكذب بطن ~~أخيك"، فسقاه فبرأ (1) . # قال عبد الله بن مسعود: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في ~~الصدور (2) . # وروي عنه أنه قال عليكم بالشفاءين القرآن والعسل (3) . # {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} فيعتبرون. ### || # {والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد ~~علم شيئا إن الله عليم قدير (70) } # {والله خلقكم ثم يتوفاكم} صبيانا أو شبانا أو كهولا {ومنكم من يرد إلى ms1412 ~~أرذل العمر} أردئه، قال مقاتل: يعني الهرم. # قال قتادة: أرذل العمر تسعون سنة. # روي عن علي قال: أرذل العمر خمس وسبعون سنة. وقيل: ثمانون سنة. # {لكي لا يعلم بعد علم شيئا} لكيلا يعقل بعد عقله الأول شيئا، {إن الله ~~عليم قدير} # أنبأنا عبد الواحد المليحي، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، [حدثنا موسى بن ~~إسماعيل] (4) حدثنا هارون بن موسى، حدثنا أبو عبد الله الأعور، عن شعيب، عن ~~أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: "أعوذ بك من البخل، ~~والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات" ~~(5) . PageV05P030 ### || # {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ~~ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) والله جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل ~~يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون (72) } # {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} بسط عن واحد، وضيق على الآخر، وقلل ~~وكثر. # {فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم} من العبيد، {فهم فيه ~~سواء} أي: حتى يستووا هم وعبيدهم في ذلك. يقول الله تعالى: لا يرضون أن ~~يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقهم الله سواء، وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي ~~وسلطاني. يلزم به الحجة على المشركين. # قال قتادة: هذا مثل ضربه الله عز وجل، فهل منكم أحد يشركه مملوكه في ~~زوجته وفراشه وماله؟ أفتعدلون بالله خلقه وعباده؟؟ # {أفبنعمة الله يجحدون} بالإشراك به، وقرأ أبو بكر بالتاء لقوله "والله ~~فضل بعضكم على بعض في الرزق"، والآخرون بالياء لقوله: "فهم فيه سواء". قوله ~~تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا} يعني: النساء، خلق من آدم زوجته ~~حواء. وقيل: "من أنفسكم" أي: من جنسكم أزواجا. # {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} قال ابن مسعود، والنخعي: الحفدة أختان ~~الرجل على بناته. # وعن ابن مسعود أيضا: أنهم الأصهار، فيكون معنى الآية على ms1413 هذا القول: وجعل ~~لكم من أزواجكم بنين وبنات، تزوجونهم فيحصل بسببهم الأختان والأصهار. # وقال عكرمة، والحسن، والضحاك: هم الخدم. # قال مجاهد: هم الأعوان، من أعانك فقد حفدك. # وقال عطاء: هم ولد ولد الرجل، الذين يعينونه ويخدمونه. # وقال قتادة: مهنة يمتهنونكم ويخدمونكم من أولادكم (1) . # قال الكلبي ومقاتل: "البنين": الصغار، و"الحفدة": كبار الأولاد الذين ~~يعينونه على عمله. # وروى مجاهد، وسعيد بن جبير عن ابن عباس: أنهم ولد الولد. PageV05P031 # وروى العوفي عنه: أنهم بنو امرأة الرجل ليسوا منه (1) . # {ورزقكم من الطيبات} من النعم والحلال، {أفبالباطل} يعني الأصنام، ~~{يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون} ؟ يعني التوحيد والإسلام. # وقيل: "الباطل": الشيطان، أمرهم بتحريم البحيرة، والسائبة، و"بنعمة الله" ~~أي: بما أحل الله لهم "يكفرون": يجحدون تحليله. PageV05P032 ### || # {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا ~~يستطيعون (73) فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74) } # {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات} يعني المطر، ~~{والأرض} يعني النبات، {شيئا} قال الأخفش: هو بدل من الرزق، معناه: أنهم لا ~~يملكون من أمر الرزق شيئا قليلا ولا كثيرا. # وقال الفراء: نصب "شيئا" بوقوع الرزق عليه، أي: لا يرزق شيئا، {ولا ~~يستطيعون} ولا يقدرون على شيء، يذكر عجز الأصنام عن إيصال نفع أو دفع ضر. ~~{فلا تضربوا لله الأمثال} يعني الأشباه. فتشبهونه بخلقه، وتجعلون له شريكا، ~~فإنه واحد لا مثل له، {إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} خطأ ما تضربون من ~~الأمثال. ### || # {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا ~~فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75) وضرب ~~الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه ~~لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (76) } # ثم ضرب مثلا [للكافرين والمؤمنين] (1) فقال جل ذكره: PageV05P032 # {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} هذا مثل الكافر، رزقه الله ~~مالا ms1414 فلم يقدم فيه خيرا، {ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا ~~وجهرا} هذا مثل المؤمن، أعطاه الله مالا فعمل فيه بطاعة الله، وأنفقه في ~~رضاء الله، سرا وجهرا، فأثابه الله عليه الجنة (1) . {هل يستوون} ولم يقل ~~يستويان لمكان "من" وهو اسم يصلح للواحد والاثنين والجمع، وكذلك قوله "لا ~~يستطيعون" بالجمع لأجل ما. # معناه: هل يستوي هذا الفقير البخيل والغني السخي؟ كذلك لا يستوي الكافر ~~العاصي والمؤمن المطيع. وروى ابن جريج عن عطاء في قوله تعالى: {عبدا ~~مملوكا} أي: أبو جهل بن هشام {ومن رزقناه منا رزقا حسنا} أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه (2) . ثم قال: # {الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} يقول ليس الأمر كما تقولون، ما للأوثان ~~عندهم من يد ولا معروف فتحمد عليه، إنما الحمد الكامل لله عز وجل، لأنه ~~المنعم والخالق والرازق، ولكن أكثر الكفار لا يعلمون. ثم ضرب مثلا للأصنام ~~فقال: {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على ~~مولاه} كل: ثقل ووبال "على مولاه" ابن عمه، وأهل ولايته، {أينما يوجهه} ~~يرسله، {لا يأت بخير} لأنه لا يفهم ما يقال له، ولا يفهم عنه، هذا مثل ~~الأصنام، لا تسمع، ولا تنطق، ولا تعقل، {وهو كل على مولاه} عابده، يحتاج ~~إلى أن يحمله ويضعه ويخدمه. # {هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل} يعني: الله تعالى قادر، متكلم، يأمر ~~بالتوحيد، {وهو على صراط مستقيم} [قال الكلبي: يعني يدلكم على صراط مستقيم. ~~PageV05P033 # وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ~~(1) . # وقيل: كلا المثلين للمؤمن والكافر، يرويه عطية عن ابن عباس. # وقال عطاء: الأبكم: أبي بن خلف، ومن يأمر بالعدل: حمزة، وعثمان بن عفان، ~~وعثمان بن مظعون 201/ب # وقال مقاتل: نزلت في هاشم بن عمرو بن الحارث بن ربيعة القرشي، وكان قليل ~~الخير يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقيل: نزلت في عثمان بن عفان ومولاه، كان عثمان ينفق عليه، وكان مولاه ~~يكره الإسلام (2) . ### || # {ولله غيب السماوات ms1415 والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن ~~الله على كل شيء قدير (77) والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (78) } # {ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة} في قرب كونها، {إلا كلمح ~~البصر} إذا قال له: "كن" فيكون، {أو هو أقرب} بل هو أقرب، {إن الله على كل ~~شيء قدير} نزلت في الكفار الذين يستعجلون القيامة استهزاء. قوله عز وجل: ~~{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم} قرأ الكسائي "بطون إمهاتكم" بكسر الهمزة، ~~وقرأ حمزة بكسر الميم والهمزة، الباقون بضم الهمزة وفتح الميم، {لا تعلمون ~~شيئا} تم الكلام، ثم ابتدأ فقال جل وعلا {وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة} لأن الله تعالى جعل هذه الأشياء لهم قبل الخروج من بطون الأمهات، ~~وإنما أعطاهم العلم بعد الخروج، {لعلكم تشكرون} نعمة الله. PageV05P034 ### || # {ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون (79) } # {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ~~يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى ~~حين (80) والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم ~~سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ~~(81) } # {ألم يروا} قرأ ابن عامر، وحمزة، ويعقوب: بالتاء، والباقون بالياء لقوله: ~~"ويعبدون" (1) . {إلى الطير مسخرات} مذللات، {في جو السماء} وهو الهواء بين ~~السماء والأرض. عن كعب الأحبار أن الطير ترتفع اثني عشر ميلا ولا يرتفع فوق ~~هذا، وفوق الجو السكاك، وفوق السكاك السماء {ما يمسكهن} في الهواء {إلا ~~الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} {والله جعل لكم من بيوتكم} [التي هي من ~~الحجر والمدر] (2) {سكنا} أي: مسكنا تسكنونه، {وجعل لكم من جلود الأنعام ~~بيوتا} يعني الخيام، والقباب، والأخبية، والفساطيط من الأنطاع والأدم (3) ~~{تستخفونها} أي: يخف عليكم حملها، {يوم ظعنكم} رحلتكم في سفركم، قرأ ابن ~~عامر، وأهل الكوفة، ساكنة العين، والآخرون بفتحها، وهو أجزل ms1416 اللغتين، {ويوم ~~إقامتكم} في بلدكم لا تثقل عليكم في الحالين. # {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} يعني: أصواف الضأن، وأوبار الإبل، ~~وأشعار المعز، والكنايات راجعة إلى الأنعام، {أثاثا} قال ابن عباس: مالا. ~~قال مجاهد: متاعا. # قال القتيبي: "الأثاث": المال أجمع، من الإبل والغنم والعبيد، والمتاع. # وقال غيره: هو متاع البيت من الفرش والأكسية. # {ومتاعا} بلاغا ينتفعون بها، {إلى حين} يعني الموت. وقيل: إلى حين تبلى. ~~{والله جعل لكم مما خلق ظلالا} تستظلون بها من شدة الحر، وهي ظلال الأبنية ~~والأشجار، PageV05P035 # {وجعل لكم من الجبال أكنانا} يعني: الأسراب، والغيران، واحدها كن {وجعل ~~لكم سرابيل} قمصا من الكتان والقز، والقطن، والصوف، {تقيكم} تمنعكم، {الحر} ~~قال أهل المعاني: أراد الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما لدلالة الكلام عليه. ~~{وسرابيل تقيكم بأسكم} يعني: الدروع، والبأس: الحرب، يعني: تقيكم في بأسكم ~~السلاح أن يصيبكم. # {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} تخلصون له الطاعة. # قال عطاء الخراساني: إنما أنزل القرآن على قدر معرفتهم، فقال: وجعل لكم ~~من الجبال أكنانا، وما جعل [لهم] (1) من السهول أكثر وأعظم، ولكنهم كانوا ~~أصحاب جبال كما قال: "ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها" لأنهم كانوا أصحاب ~~وبر، وشعر، وكما قال: "وينزل من السماء من جبال فيها من برد" (النور-43) ~~وما أنزل من الثلج أكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون الثلج. وقال: "تقيكم الحر" ~~وما تقي من البرد أكثر، ولكنهم كانوا أصحاب حر. ### || # {فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ~~وأكثرهم الكافرون (83) } # {فإن تولوا} فإن أعرضوا فلا يلحقك في ذلك عتب ولا سمة تقصير، {فإنما عليك ~~البلاغ المبين} {يعرفون نعمة الله} قال السدي يعني: محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، {ثم ينكرونها} يكذبون به. # وقال قوم: هي الإسلام. # وقال مجاهد، وقتادة: يعني ما عد لهم من النعم في هذه السورة، يقرون أنها ~~من الله، ثم إذا قيل لهم: تصدقوا وامتثلوا أمر الله فيها، ينكرونها ~~فيقولون: ورثناها من آبائنا. # وقال الكلبي: هو أنه لما ذكر لهم هذه النعم قالوا: نعم، هذه كلها من ~~الله، ولكنها بشفاعة ms1417 آلهتنا. # وقال عوف بن عبد الله: هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا، ولولا فلان لما ~~كان كذا (2) . {وأكثرهم الكافرون} الجاحدون. PageV05P036 ### || # {ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون (84) ~~وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (85) وإذا رأى ~~الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك ~~فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون (87) } # {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا ~~يفسدون (88) } # قوله عز وجل: {ويوم نبعث من كل أمة شهيدا} يعني رسولا {ثم لا يؤذن للذين ~~كفروا} في الاعتذار، وقيل: في الكلام أصلا {ولا هم يستعتبون} يسترضون، ~~يعني: لا يكلفون أن يرضوا ربهم، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يرجعون ~~إلى الدنيا فيتوبون. وحقيقة المعنى في الاستعتاب: أنه التعرض لطلب الرضا، ~~وهذا الباب منسد في الآخرة على الكفار. {وإذا رأى الذين ظلموا} كفروا، ~~{العذاب} يعني جهنم، {فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون} {وإذا رأى الذين ~~أشركوا} يوم القيامة، {شركاءهم} أوثانهم، {قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين ~~كنا ندعوا من دونك} أربابا ونعبدهم، {فألقوا} يعني الأوثان، {إليهم القول} ~~أي: قالوا لهم، {إنكم لكاذبون} في تسميتنا آلهة ما دعوناكم إلى عبادتنا. ~~{وألقوا} يعني المشركين {إلى الله يومئذ السلم} استسلموا وانقادوا لحكمه ~~فيهم، ولم تغن عنهم آلهتهم شيئا، {وضل} وزال، {عنهم ما كانوا يفترون} من ~~أنها تشفع لهم. {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} منعوا الناس عن طريق الحق ~~{زدناهم عذابا فوق العذاب} قال عبد الله: عقارب لها أنياب أمثال النخل ~~الطوال. # وقال سعيد بن جبير: حيات أمثال البخت (1) وعقارب أمثال البغال، تلسع ~~إحداهن اللسعة يجد صاحبها حمتها أربعين خريفا. # وقال ابن عباس ومقاتل: يعني خمسة أنهار من صفر مذاب كالنار تسيل من تحت ~~العرش، يعذبون بها ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار. ~~PageV05P037 # وقيل: إنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير، فيبادرون من شدة ms1418 ~~الزمهرير إلى النار مستغيثين بها. # وقيل: يضاعف لهم العذاب (1) . {بما كانوا يفسدون} في الدنيا بالكفر وصد ~~الناس عن الإيمان. ### || # {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ~~ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89) إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ~~يعظكم لعلكم تذكرون (90) } # {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم} يعني نبيها من أنفسهم، لأن ~~الأنبياء كانت تبعث إلى الأمم منها. # {وجئنا بك} يا محمد، {شهيدا على هؤلاء} الذين بعثت إليهم. # {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا} بيانا، {لكل شيء} يحتاج إليه من الأمر ~~والنهي، والحلال والحرام، والحدود والأحكام، {وهدى} من الضلالة، {ورحمة ~~وبشرى} بشارة {للمسلمين} قوله عز وجل: {إن الله يأمر بالعدل} بالإنصاف، ~~{والإحسان} إلى الناس. # وعن ابن عباس: "العدل": التوحيد، و"الإحسان": أداء الفرائض. # وعنه: "الإحسان": الإخلاص في التوحيد، وذلك معنى قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" (2) . # وقال مقاتل: "العدل": التوحيد، و"الإحسان": العفو عن الناس. # {وإيتاء ذي القربى} صلة الرحم. # {وينهى عن الفحشاء} 202/أما قبح من القول والفعل. وقال ابن عباس: الزنا، ~~{والمنكر} ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، {والبغي} الكبر والظلم. ~~PageV05P038 # وقال ابن عيينة: العدل استواء السر والعلانية، و"الإحسان" أن تكون سريرته ~~أحسن من علانيته، و"الفحشاء والمنكر" أن تكون علانيته أحسن من سريرته. # {يعظكم لعلكم تذكرون} تتعظون. # قال ابن مسعود: أجمع آية في القرآن هذه الآية (1) . # وقال أيوب عن عكرمة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الوليد: {إن ~~الله يأمر بالعدل} إلى آخر الآية فقال له: يا ابن أخي أعد فعاد عليه، فقال: ~~إن له والله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما ~~هو بقول البشر (2) . ### || # {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم ~~الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91) ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ~~من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ms1419 أن تكون أمة هي أربى من أمة ~~إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون (92) } # قوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} والعهد هاهنا هو: اليمين. # قال الشعبي: العهد يمين وكفارته كفارة يمين، {ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها} تشديدها، فتحنثوا فيها، {وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} شهيدا ~~بالوفاء. # {إن الله يعلم ما تفعلون} واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية وإن كان حكمها ~~عاما؟. # قيل: نزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرهم الله ~~بالوفاء بها (3) . # وقال مجاهد وقتادة: نزلت في حلف أهل الجاهلية (4) . # ثم ضرب الله مثلا لنقض العهد فقال: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد ~~قوة} {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة} أي: من بعد غزله وإحكامه. # قال الكلبي، ومقاتل: هي امرأة خرقاء حمقاء من قريش، يقال لها "ريطة بنت ~~عمرو بن سعد PageV05P039 # بن كعب بن زيد مناة بن تميم" وتلقب بجعر، وكانت بها وسوسة، وكانت اتخذت ~~مغزلا بقدر ذراع وصنارة مثل الأصبع، وفلكة عظيمة، على قدرها، وكانت تغزل ~~الغز من الصوف والشعر والوبر، وتأمر جواريها بذلك، فكن يغزلن من الغداة إلى ~~نصف النهار، فإذا انتصف النهار أمرتهن بنقض جميع ما غزلن فهذا كان دأبها ~~(1) . # ومعناه: أنها لم تكف عن العمل، ولا حين عملت كفت عن النقض، فكذلك أنتم ~~إذا نقضتم العهد، لا كففتم عن العهد، ولا حين عاهدتم وفيتم به. # {أنكاثا} يعني أنقاضا واحدتها "نكث" وهو ما نقض بعد الفتل، غزلا كان أو ~~حبلا. # {تتخذون أيمانكم دخلا بينكم} أي: دخلا وخيانة وخديعة، و"الدخل" ما يدخل ~~في الشيء للفساد. # وقيل: "الدخل" و"الدغل": أن يظهر الوفاء ويبطن النقض. # {أن تكون} أي: لأن تكون، {أمة هي أربى} أي: أكثر وأعلى، {من أمة} قال ~~مجاهد: وذلك أنهم كانوا يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا قوما أكثر منهم وأعز ~~نقضوا حلف هؤلاء وحالفوا الأكثر، فمعناه: طلبتم العز بنقض العهد، بأن كانت ~~أمة أكثر من أمة. فنهاهم الله عن ذلك. # {إنما يبلوكم الله به} يختبركم الله بأمره ms1420 إياكم بالوفاء بالعهد، ~~{وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون} في الدنيا. ### || # {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن ~~عما كنتم تعملون (93) } PageV05P040 # {ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما ~~صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) } # {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} على ملة واحدة، وهي الإسلام، {ولكن يضل ~~من يشاء} بخذلانه إياهم، عدلا منه، {ويهدي من يشاء} بتوفيقه إياهم، فضلا ~~منه، {ولتسألن عما كنتم تعملون} يوم القيامة. {ولا تتخذوا أيمانكم دخلا} ~~خديعة وفسادا، {بينكم} فتغرون بها الناس، فيسكنون إلى أيمانكم، ويأمنون، ثم ~~تنقضونها، {فتزل قدم بعد ثبوتها} فتهلكوا بعدما كنتم آمنين والعرب تقول # PageV05P040 # لكل مبتلى بعد عافية، أو ساقط في ورطة بعد سلامة: زلت قدمه، {وتذوقوا ~~السوء بما صددتم عن سبيل الله} قيل: معناه: سهلتم طريق نقض العهد على الناس ~~بنقضكم العهد، {ولكم عذاب عظيم} ### || # {ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (95) ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون (96) من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه ~~حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97) } # {ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا} يعني لا تنقضوا عهودكم، تطلبون بنقضها ~~عرضا قليلا من الدنيا، ولكن أوفوا بها. {إنما عند الله هو} من الثواب لكم ~~على الوفاء، {خير لكم إن كنتم تعلمون} [فضل ما بين العوضين، ثم بين ذلك] ~~(1) . فقال: {ما عندكم ينفد} أي: الدنيا وما فيها يفنى، {وما عند الله باق} # {ولنجزين} [قرأ أبو جعفر وابن كثير وعاصم بالنون والباقون بالياء] (2) ~~{الذين صبروا} على الوفاء في السراء والضراء، {أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون} # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، ~~أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي ~~بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، ms1421 عن ~~أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب دنياه أضر ~~بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى" (3) . قوله ~~تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} قال ~~سعيد بن جبير وعطاء: هي الرزق الحلال. PageV05P041 # قال الحسن: هي القناعة. # وقال مقاتل بن حيان: يعني العيش في الطاعة. # قال أبو بكر الوراق: هي حلاوة الطاعة. # وقال مجاهد وقتادة: هي الجنة. ورواه عوف عن الحسن. وقال: لا تطيب الحياة ~~لأحد إلا في الجنة (1) . # {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} ### || # {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) } # قوله سبحانه وتعالى: {فإذا قرأت القرآن} أي: أردت قراءة القرآن {فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم} كقوله تعالى: "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا" ~~(المائدة-6) . # والاستعاذة سنة عند قراءة القرآن (2) . # وأكثر العلماء على أن الاستعاذة قبل القراءة (3) . # وقال أبو هريرة: بعدها (4) . PageV05P042 # ولفظه: أن يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي ~~شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة عن عمرو ~~بن مرة، سمعت عاصما عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه أنه رأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يصلي، قال: فكبر، فقال: الله أكبر كبيرا، ثلاث مرات، [والحمد لله ~~كثيرا، ثلاث مرات، وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاث مرات] (1) اللهم إني أعوذ ~~بك من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه، ونفثه. # قال عمرو: ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر، وهمزه: الموتة، والموتة الجنون، ~~والاستعاذة بالله هي الاعتصام به (2) . ### || # {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطانه ~~على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (100) وإذا بدلنا آية مكان آية ~~والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101) } # {إنه ليس له سلطان} حجة وولاية، {على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} قال ~~سفيان: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر. {إنما سلطانه على ms1422 ~~الذين يتولونه} يطيعونه ويدخلون في ولايته، {والذين هم به مشركون} أي: ~~بالله مشركون. وقيل: الكناية راجعة إلى الشيطان، ومجازه الذين هم من أجله ~~مشركون بالله. {وإذا بدلنا آية مكان آية} يعني وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا ~~مكانه حكما آخر، {والله أعلم بما ينزل} أعلم بما هو أصلح لخلقه فيما يغير ~~ويبدل من أحكامه، {قالوا إنما أنت} يا محمد، {مفتر} مختلق، وذلك أن ~~المشركين قالوا: إن محمدا يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر، وينهاهم عنه ~~غدا، 202/ب ما هو إلا مفتر، يتقوله من تلقاء نفسه (3) . # قال الله تعالى {بل أكثرهم لا يعلمون} حقيقة القرآن، وبيان الناسخ من ~~المنسوخ. PageV05P043 ### || # {قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ~~(102) } # {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا ~~لسان عربي مبين (103) } # {قل نزله} يعني القرآن، {روح القدس} جبريل، {من ربك بالحق} بالصدق، ~~{ليثبت الذين آمنوا} أي: ليثبت قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا ويقينا، ~~{وهدى وبشرى للمسلمين} {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر} آدمي، وما ~~هو من عند الله، واختلفوا في هذا البشر: قال ابن عباس: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعلم قينا بمكة، اسمه "بلعام"، وكان نصرانيا، أعجمي اللسان، ~~فكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج، فكانوا ~~يقولون إنما يعلمه "بلعام" (1) . # وقال عكرمة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئ غلاما لبني المغيرة يقال ~~له "يعيش" (2) وكان يقرأ الكتب، فقالت قريش: إنما يعلمه "يعيش" (3) . # وقال الفراء: قال المشركون إنما يتعلم من عايش مملوك كان لحويطب بن عبد ~~العزى، وكان قد أسلم وحسن إسلامه، وكان أعجم اللسان (4) . # وقال ابن إسحاق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني كثيرا ما ~~يجلس عند المروة إلى غلام رومي نصراني، عبد لبعض بني الحضرمي، يقال له ~~"جبر"، وكان يقرأ الكتب (5) . # وقال عبد الله بن مسلم الحضرمي كان لنا عبدان من أهل عين التمر يقال ~~لأحدهما يسار، ويكنى "أبا فكيهة"، ويقال للآخر "جبر" ms1423 وكانا يصنعان السيوف ~~بمكة، وكانا يقرآن التوراة والإنجيل، فربما مر بهما النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وهما يقرآن، فيقف ويستمع. # قال الضحاك: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا آذاه الكفار يقعد إليهما ~~ويستروح بكلامهما، فقال المشركون: إنما يتعلم محمد منهما، فنزلت هذه الآية ~~(6) . PageV05P044 # قال الله تعالى تكذيبا لهم: {لسان الذي يلحدون إليه} أي يميلون ويشيرون ~~إليه، {أعجمي} "الأعجمي" الذي لا يفصح وإن كان ينزل بالبادية، والعجمي ~~منسوب إلى العجم، وإن كان فصيحا، والأعرابي البدوي، والعربي منسوب إلى ~~العرب، وإن لم يكن فصيحا، {وهذا لسان عربي مبين} فصيح وأراد باللسان ~~القرآن، والعرب تقول: اللغة لسان، وروي أن الرجل الذي كانوا يشيرون إليه ~~أسلم وحسن إسلامه. ### || # {إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم (104) ~~إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون (105) من ~~كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) } # {إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله} لا يرشدهم الله، {ولهم ~~عذاب أليم} ثم أخبر الله تعالى أن الكفار هم المفترون. فقال: {إنما يفتري ~~الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون} لا محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # فإن قيل: قد قال: "إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون"، فما معنى قوله ~~"وأولئك هم الكاذبون"؟ قيل: "إنما يفتري الكذب": إخبار عن فعلهم، "وهم ~~الكاذبون" نعت لازم لهم، كقول الرجل لغيره: كذبت وأنت كاذب، أي: كذبت في ~~هذا القول، ومن عادتك الكذب. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو حفص عمر ~~بن أحمد الجوهري، أخبرنا جدي أبو بكر محمد بن عمر بن حفص، حدثنا أبو بكر ~~محمد بن الفرج الأزرق، حدثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، حدثنا يعلى بن ~~الأشدق، عن عبد الله بن جراد قال قلت: يا رسول الله المؤمن يزني؟ قال: قد ~~يكون ذلك، قال قلت: المؤمن يسرق؟ قال: قد يكون ms1424 ذلك، قلت المؤمن يكذب؟ قال: ~~لا". قال الله: "إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله" (1) . {من ~~كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره} # قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عمار، وذلك أن المشركين أخذوه، وأباه ~~ياسرا، وأمه سمية، وصهيبا، وبلالا وخبابا، وسالما، فعذبوهم، فأما سمية: ~~فإنها ربطت بين بعيرين ووجئ قبلها PageV05P045 # بحربة فقتلت، وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام، وأما ~~عمار: فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها (1) . # قال قتادة: أخذ بنو المغيرة عمارا وغطوه في بئر ميمون، وقالوا له: اكفر ~~بمحمد، فتابعهم (2) على ذلك، وقلبه كاره، فأخبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأن عمارا كفر فقال: كلا إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، ~~واختلط الإيمان (3) بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو يبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول ~~الله، نلت منك وذكرت آلهتهم (4) قال: كيف وجدت قلبك، قال مطمئنا بالإيمان، ~~فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال: إن عادوا لك فعد لهم بما ~~قلت، فنزلت هذه الآية (5) . # قال مجاهد: نزلت في ناس من أهل مكة، آمنوا فكتب إليهم بعض أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أن هاجروا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا، ~~فخرجوا يريدون المدينة، فأدركتهم قريش في الطريق فكفروا كارهين (6) . # وقال مقاتل: نزلت في جبر، مولى عامر بن الحضرمي، أكرهه سيده على الكفر ~~فكفر مكرها (7) . {وقلبه مطمئن بالإيمان} ثم أسلم مولى جبر وحسن إسلامه ~~وهاجر جبر مع سيده، {ولكن من شرح بالكفر صدرا} أي: فتح صدره للكفر بالقبول ~~واختاره، {فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} # وأجمع العلماء على: أن من أكره على كلمة الكفر، يجوز له أن يقول بلسانه، ~~وإذا قال بلسانه غير معتقد لا يكون كفرا، وإن أبى أن يقول حتى يقتل كان ~~أفضل (8) . # واختلف أهل العلم في طلاق المكره. فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقع (9) . ~~PageV05P046 ### || # {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا ms1425 على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين (107) أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم ~~الغافلون (108) لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109) ثم إن ربك للذين ~~هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110) ~~} # {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين} لا يرشدهم. {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ~~وأولئك هم الغافلون} عما يراد بهم. {لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون} أي ~~المغبونون. {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} عذبوا ومنعوا من ~~الإسلام، فتنهم المشركون، {ثم جاهدوا وصبروا} على الإيمان والهجرة والجهاد، ~~{إن ربك من بعدها} من بعد تلك الفتنة والغفلة {لغفور رحيم} # نزلت في عياش بن أبي ربيعة، أخي أبي جهل من الرضاعة، وفي أبي جندل بن ~~سهيل بن عمرو، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام وعبد الله بن ~~أسيد الثقفي، فتنهم المشركون فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم، ثم ~~إنهم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا (1) . # وقال الحسن وعكرمة: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان يكتب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فاستزله الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقتله يوم فتح مكة، فاستجاره له عثمان، وكان أخاه لأمه من ~~الرضاعة، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه، ~~فأنزل الله هذه الآية (2) . PageV05P047 # وقرأ ابن عامر " فتنوا " بفتح الفاء والتاء، ورده إلى من أسلم من ~~المشركين فتنوا المسلمين. # PageV05P048 ### || # {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ~~(111) وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (112) } # {يوم تأتي كل نفس تجادل} تخاصم وتحتج، {عن نفسها} بما أسلفت من خير وشر، ~~مشتغلا بها لا تتفرغ إلى غيرها، {وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون} ms1426 # روي أن عمر بن الخطاب قال 203/ألكعب الأحبار: خوفنا، قال: يا أمير ~~المؤمنين، والذي نفسي بيده، لو وافيت يوم القيامة بمثل عمل سبعين نبيا لأتت ~~عليك ساعات وأنت لا تهمك إلا نفسك، وإن لجهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا ~~نبي مرسل منتخب، إلا وقع جاثيا على ركبتيه، حتى إبراهيم خليل الرحمن، يقول: ~~يا رب لا أسألك إلا نفسي، وإن تصديق ذلك: الذي أنزل الله عليكم "يوم تأتي ~~كل نفس تجادل عن نفسها" (1) . # وروى عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: ما تزال الخصومة بين الناس يوم ~~القيامة، حتى تخاصم الروح الجسد، فتقول الروح: يا رب، لم يكن لي يد أبطش ~~بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها. ويقول الجسد: خلقتني كالخشب ليست ~~لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، فجاء هذا كشعاع ~~النور، فبه نطق لساني، وأبصرت عيني، ومشت رجلي. فيضرب الله لهما مثلا أعمى ~~ومقعد، دخلا حائطا فيه ثمار، فالأعمى لا يبصر الثمر، والمقعد لا يناله، ~~فحمل الأعمى المقعد فأصابا من الثمر فعليهما العذاب (2) . قوله تعالى {وضرب ~~الله مثلا قرية كانت آمنة} يعني: مكة، كانت آمنة، لا يهاج أهلها ولا يغار ~~عليها، {مطمئنة} قارة بأهلها، لا يحتاجون إلى الانتقال للانتجاع كما يحتاج ~~إليه سائر العرب، {يأتيها رزقها رغدا من كل مكان} يحمل إليها من البر ~~والبحر نظيره: "يجبى إليه ثمرات كل شيء" (القصص-57) . PageV05P048 # {فكفرت بأنعم الله} جمع النعمة، وقيل: جمع نعماء مثل بأساء وأبؤس، ~~{فأذاقها الله لباس الجوع} ابتلاهم الله بالجوع سبع سنين، وقطعت العرب عنهم ~~الميرة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جهدوا فأكلوا العظام ~~المحرقة، والجيف، والكلاب الميتة، والعهن، وهو الوبر يعالج بالدم، حتى كان ~~أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع، ثم إن رؤساء مكة كلموا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: هذا عاديت الرجال، فما بال النساء ~~والصبيان؟ فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس بحمل الطعام إليهم وهم ~~بعد ms1427 مشركون. وذكر اللباس لأن ما أصابهم من الهزال والشحوب وتغير ظاهرهم عما ~~كانوا عليه من قبل كاللباس لهم {والخوف} يعني: بعوث النبي صلى الله عليه ~~وسلم وسراياه التي كانت تطيف بهم. {بما كانوا يصنعون} ### || # {ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113) فكلوا مما ~~رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون (114) إنما ~~حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ~~هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب ~~لا يفلحون (116) } # {ولقد جاءهم رسول منهم} محمد صلى الله عليه وسلم، {فكذبوه فأخذهم العذاب ~~وهم ظالمون} {فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم ~~إياه تعبدون} (1) . {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ~~لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم} (2) . قوله ~~تعالى {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب} أي: لا تقولوا لوصف ألسنتكم، أو ~~PageV05P049 # لأجل وصفكم الكذب، أي: أنكم تحلون وتحرمون لأجل الكذب لا لغيره، {هذا ~~حلال وهذا حرام} يعني البحيرة والسائبة، {لتفتروا على الله الكذب} فتقولون ~~إن الله أمرنا بهذا، {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} لا ينجون ~~من عذاب الله. ### || # {متاع قليل ولهم عذاب أليم (117) وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك ~~من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (118) } # {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك ~~من بعدها لغفور رحيم (119) إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من ~~المشركين (120) } # {متاع قليل} يعني: الذي هم فيه متاع قليل، أو لهم متاع قليل في الدنيا. ~~{ولهم عذاب أليم} في الآخرة. {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من ~~قبل} يعني في سورة الأنعام، وهو قوله تعالى: # "وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر" (الأنعام-146) الآية (1) . # {وما ظلمناهم} بتحريم ms1428 ذلك عليهم، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} فحرمنا ~~عليهم ببغيهم. {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا} معنى الإصلاح: الاستقامة على التوبة، {إن ربك من بعدها} أي: من ~~بعد الجهالة، {لغفور رحيم} قوله تعالى" {إن إبراهيم كان أمة} قال ابن ~~مسعود: الأمة، معلم الخير، أي: كان معلما للخير، يأتم به أهل الدنيا، وقد ~~اجتمع فيه من الخصال الحميدة ما يجتمع في أمة. # قال مجاهد: كان مؤمنا (2) وحده والناس كلهم كفار. # قال قتادة: ليس من أهل دين إلا يتولونه ويرضونه. # {قانتا لله} مطيعا له، وقيل: قائما بأوامر الله تعالى، {حنيفا} مسلما ~~مستقيما على دين الإسلام. وقيل: مخلصا. {ولم يك من المشركين} PageV05P050 ### || # {شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) وآتيناه في الدنيا ~~حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (122) ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123) إنما جعل السبت على الذين اختلفوا ~~فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (124) } # {شاكرا لأنعمه اجتباه} اختاره، {وهداه إلى صراط مستقيم} أي: إلى دين ~~الحق. {وآتيناه في الدنيا حسنة} يعني الرسالة والخلة وقيل: لسان الصدق ~~والثناء والحسن. # وقال مقاتل بن حيان: يعني الصلوات في قول هذه الأمة: اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم. # وقيل: أولادا أبرارا على الكبر. # وقيل: القبول العام في جميع الأمم. # {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} مع آبائه الصالحين في الجنة. وفي الآية ~~تقديم وتأخير، مجازه: وآتيناه في الدنيا والآخرة حسنة، وإنه لمن الصالحين. ~~{ثم أوحينا إليك} يا محمد، {أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} حاجا مسلما، (1) ~~{وما كان من المشركين} # وقال أهل الأصول: كان النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بشريعة إبراهيم إلا ~~ما نسخ في شريعته، وما لم ينسخ صار شرعا له (2) . قوله تعالى: {إنما جعل ~~السبت على الذين اختلفوا فيه} قيل: معناه إنما جعل السبت لعنة على الذين ~~اختلفوا فيه أي: خالفوا فيه. # وقيل: معناه ما فرض الله تعظيم السبت وتحريمه إلا على ms1429 الذين اختلفوا فيه ~~أي: خالفوا فيه فقال قوم: هو أعظم الأيام، لأن الله تعالى فرغ من خلق ~~الأشياء يوم الجمعة ثم سبت يوم السبت. # وقال قوم: بل أعظم الأيام يوم الأحد، لأن الله تعالى ابتدأ فيه خلق ~~الأشياء، فاختاروا تعظيم غير ما فرض الله عليهم، وقد افترض الله عليهم ~~تعظيم يوم الجمعة. PageV05P051 # قال الكلبي: أمرهم موسى عليه السلام بالجمعة، فقال: تفرغوا لله في كل ~~سبعة أيام يوما فاعبدوه يوم الجمعة، ولا تعملوا فيه لصنعتكم، وستة أيام ~~لصناعتكم، فأبوا وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق يوم ~~السبت، فجعل ذلك اليوم عليهم وشدد عليهم فيه ثم جاءهم عيسى عليه السلام ~~بيوم الجمعة، فقالوا لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا -يعنون اليهود- ~~فاتخذوا الأحد فأعطى الله الجمعة هذه الأمة، فقبلوها وبورك لهم فيها. # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن ~~محمش الزيادي، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف ~~السلمي، أنبأنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو ~~هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم 203/ب قال: "نحن الآخرون ~~السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ~~فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فهم لنا فيه تبع، ~~فاليهود غدا، والنصارى بعد غد" (1) . # قال الله تعالى: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} [قال قتادة: ~~الذين اختلفوا فيه هم] (2) اليهود، استحله بعضهم، وحرمه بعضهم. # {وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} ### || # {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) } # {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} بالقرآن، {والموعظة الحسنة} يعني مواعظ ~~القرآن. # وقيل: الموعظة الحسنة هي الدعاء إلى الله بالترغيب والترهيب. # وقيل: هو القول اللين الرقيق من غير غلظة ولا تعنيف. # {وجادلهم بالتي هي أحسن} وخاصمهم وناظرهم بالخصومة التي ms1430 هي أحسن، أي: ~~أعرض عن أذاهم، ولا تقصر في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق، نسختها آية ~~القتال (3) . PageV05P052 # {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} ### || # {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ~~(126) } # {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} هذه الآيات نزلت بالمدينة في ~~شهداء أحد (1) وذلك أن المسلمين لما رأوا ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أحد، ~~من تبقير البطون، والمثلة السيئة -حتى لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلا مثل ~~به غير حنظلة بن الراهب فإن أباه أبا عامر الراهب كان مع أبي سفيان، فتركوا ~~حنظلة لذلك-فقال المسلمون حين رأوا ذلك: لئن أظهرنا الله عليهم لنزيدن على ~~صنيعهم، ولنمثلن بهم مثلة لم يفعلها أحد من العرب بأحد، فوقف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على عمه حمزة بن عبد المطلب وقد جدعوا أنفه وأذنه، وقطعوا ~~مذاكيره وبقروا بطنه، وأخذت هند بنت عتبة قطعة من كبده فمضغتها، ثم ~~استرطبتها لتأكلها فلم تلبث في بطنها حتى رمت بها فبلغ ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: أما إنها لو أكلته لم تدخل النار أبدا، حمزة أكرم على الله ~~تعالى من أن يدخل شيئا من جسده النار فلما نظر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى عمه حمزة، ونظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "رحمة الله عليك فإنك ما علمت ما كنت إلا ~~فاعلا للخيرات، وصولا للرحم، ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى ~~تحشر من أفواج شتى، أما والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم ~~مكانك"، فأنزل الله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا} الآية. {ولئن صبرتم لهو ~~خير للصابرين} أي: ولئن عفوتم لهو خير للعافين فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: بل نصبر، وأمسك عما أراد وكفر عن يمينه (2) . PageV05P053 # قال ابن عباس والضحاك: كان هذا قبل نزول براءة حين أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقتال من قاتله ومنع ms1431 من الابتداء بالقتال، فلما أعز الله الإسلام ~~وأهله نزلت براءة، وأمروا بالجهاد نسخت هذه الآية (1) . # وقال النخعي، والثوري، ومجاهد، وابن سيرين: الآية محكمة نزلت في من ظلم ~~بظلامة، فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما نال الظالم منه، أمر بالجزاء ~~والعفو، ومنع من الاعتداء (2) . ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ### || # {واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ~~(127) إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128) } # {واصبر وما صبرك إلا بالله} أي: بمعونة الله وتوفيقه، {ولا تحزن عليهم} ~~في إعراضهم عنك، {ولا تك في ضيق مما يمكرون} أي: فيما فعلوا من الأفاعيل. # قرأ ابن كثير هاهنا وفي النمل {ضيق} بكسر الضاد وقرأ الآخرون بفتح الضاد، ~~قال أهل الكوفة: هما لغتان مثل رطل ورطل. # وقال أبو عمرو: "الضيق" بالفتح: الغم، وبالكسر: الشدة. # وقال أبو عبيدة: "الضيق" بالكسر في قلة المعاش وفي المساكن، فأما ما كان ~~في القلب والصدر فإنه بالفتح. # وقال ابن قتيبة: الضيق تخفيف ضيق مثل هين وهين، ولين ولين، فعلى هذا هو ~~صفة، كأنه قال: ولا تكن في أمر ضيق من مكرهم. {إن الله مع الذين اتقوا} ~~المناهي، {والذين هم محسنون} بالعون والنصرة. PageV05P054 ### | سورة الإسراء # مكية وهي مائة وإحدى عشرة آية (1) . # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي ~~باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (1) } # {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} سبحان الله: تنزيه الله تعالى من كل سوء، ~~ووصفه بالبراءة من كل نقص على طريق المبالغة، ويكون "سبحان" بمعنى التعجب، ~~"أسرى بعبده" أي: سيره، وكذلك سرى به، والعبد هو: محمد صلى الله عليه وسلم. # {من المسجد الحرام} قيل: كان الإسراء # من مسجد مكة، روى قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر بين النائم واليقظان ~~إذ أتاني جبريل بالبراق" (2) فذكر حديث المعراج. # وقال قوم: عرج ms1432 به من دار أم هانئ بنت أبي طالب (3) ومعنى قوله: {من ~~المسجد الحرام} PageV05P055 # أي: من الحرم (1) . # قال مقاتل: كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة، ويقال: كان في رجب. وقيل: ~~كان في شهر رمضان (2) . # {إلى المسجد الأقصى} يعني: بيت المقدس، وسمي أقصى لأنه أبعد المساجد التي ~~تزار. وقيل: لبعده من المسجد الحرام. # {الذي باركنا حوله} بالأنهار والأشجار والثمار، وقال مجاهد: سماه مباركا ~~لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي، ومنه يحشر الناس يوم القيامة. # {لنريه من آياتنا} من عجائب قدرتنا، وقد رأى هناك الأنبياء والآيات ~~الكبرى. # {إنه هو السميع البصير} ذكر "السميع" لينبه على أنه المجيب لدعائه، وذكر ~~"البصير" لينبه على أنه الحافظ له في ظلمة الليل. # وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: ما فقد جسد النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولكن الله أسرى بروحه (3) . # والأكثرون على أنه أسري بجسده في اليقظة، وتواترت الأخبار الصحيحة على ~~ذلك (4) . PageV05P058 # أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد ~~الله النعيمي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف، حدثنا أبو عبد الله محمد ~~بن إسماعيل البخاري، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا همام بن يحيى، حدثنا قتادة ~~(ح) (1) قال البخاري: وقال لي خليفة العصفري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا ~~سعيد وهشام. قالا حدثنا قتادة (ح) عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه أن نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم، حدثهم عن ليلة أسري به، (ح) قال البخاري: حدثنا ~~يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس عن ابن شهاب عن أنس قال: كان أبو ذر ~~يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ح) ، وأخبرنا أبو سعيد إسماعيل ~~بن عبد القاهر، أخبرنا أبو الحسن عبد الغافر بن محمد 204/أ [الفارسي أنبأنا ~~أبو أحمد محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد] (2) بن ~~سفيان، حدثنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا حماد ~~بن سلمة، حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول ms1433 الله صلى الله عليه ~~وسلم قال -[دخل حديث بعضهم في بعض (3) -قال أبو ذر: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال:] (4) فرج عني سقف بيتي، وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ~~ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا، فأفرغه في ~~صدري، ثم أطبقه". # وقال مالك بن صعصعة: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري ~~به قال: "بينما أنا في الحطيم، PageV05P059 # وربما قال في الحجر (1) بين النائم واليقظان"، وذكر بين رجلين (2) "فأتيت ~~بطست من ذهب مملوء حكمة وإيمانا فشق من النحر إلى مراق البطن (3) واستخرج ~~قلبي فغسل ثم حشي ثم أعيد" (4) . # وقال سعيد وهشام: ثم غسل البطن بماء زمزم ثم ملئ إيمانا وحكمة، ثم أوتيت ~~بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى ~~طرفه، فركبته فانطلقت مع جبريل حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة ~~التي تربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، ~~فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت ~~الفطرة، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، قيل من هذا؟ قال: ~~جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا ~~به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، فإذا فيها آدم، فقال لي: هذا أبوك ~~آدم، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالنبي الصالح ~~والابن الصالح. # وفي حديث أبي ذر: علونا السماء الدنيا، فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعن ~~يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبا ~~بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه ~~الأسودة التي عن يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، ~~والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل ~~شماله بكى. # ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، ms1434 قيل: ~~ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم ~~المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا PageV05P060 # بيحيى وعيسى عليهما السلام، وهما ابنا خالة، قال: هذا يحيى وعيسى، فسلم ~~عليهما، فسلمت فردا، ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. # ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ~~ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم ~~المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت فإذا يوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، قال: ~~هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فرد علي، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح، ~~والنبي الصالح. # ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، ~~قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ~~فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا إدريس، قال هذا إدريس فسلم عليه، ~~فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. # ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، ~~قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ~~فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمت ~~عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. # ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، ~~قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ~~فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت ~~عليه فرد ثم قال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، فلما جاوزت بكى قيل ~~له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن ~~يدخلها من أمتي (1) . # ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال جبريل، ~~قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ~~فنعم المجيء جاء، فلما ms1435 خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم، فسلم ~~عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، ~~فرفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل ~~يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم. PageV05P061 # وقال ثابت عن أنس: فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور، وإذا ~~هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى ~~فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: فلما غشيها من ~~أمر الله ما غشى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، في ~~أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ ~~فقال: أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات. # وأوحى إلي ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى ~~موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك ~~فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، ~~قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف على أمتي فحط عني خمسا فرجعت إلى موسى ~~فقلت: حط عني خمسا، قال: إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله ~~التخفيف. # قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل ~~يوم وليلة لكل صلاة عشر هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي، ومن هم بحسنة ~~فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها ~~لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. # قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله ~~التخفيف لأمتك. فقلت: سألت ربي حتى استحييت ولكني أرضى وأسلم، قال: فلما ~~جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها ~~جنابذ اللؤلؤ (1) وإذا ترابها 204/ب المسك. # قال ابن شهاب: فأخبرني ms1436 ابن حزم (2) أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري، كانا ~~يقولان: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى فيه صريف ~~الأقلام (3) . # قال ابن حزم وأنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ففرض الله على أمتي ~~خمسين صلاة (4) . PageV05P062 # وروى معمر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: أتي بالبراق ~~ليلة أسري به ملجما مسرجا، فاستصعب عليه، فقال جبريل: أبمحمد تفعل هذا؟ فما ~~ركبك أحد أكرم على الله منه، فارفض عرقا (1) . # وقال ابن بريدة عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لما انتهينا ~~إلى بيت المقدس قال جبريل بأصبعه فخرق بها الحجر وشد بها البراق (2) . # أنبأنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني محمود، أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا ~~معمر عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "ليلة أسري بي لقيت موسى، قال: فنعته فإذا هو رجل -حسبته ~~قال مضطرب-رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة". قال: ولقيت عيسى فنعته النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: "ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس يعني: الحمام ورأيت ~~إبراهيم وأنا أشبه ولده به، قال: وأتيت بإناءين: أحدهما لبن والآخر فيه ~~خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت فأخذت اللبن فشربته، فقيل لي: هديت الفطرة [أو ~~أصبت الفطرة] (3) أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك" (4) . # أنبأنا عبد الواحد المليحي حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد بن ~~يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو عن عكرمة ~~عن ابن عباس في قوله: "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس"، قال: ~~هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس. ~~قال: والشجرة الملعونة في القرآن قال: هي شجرة الزقوم (5) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبد ms1437 العزيز بن عبد الله حدثني سليمان ~~عن شريك بن عبد الله قال: سمعت PageV05P063 # أنس بن مالك يقول: ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد ~~الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، ~~فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، ~~فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه، وتنام عينه ~~ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى ~~احتملوه ووضعوه عند بئر زمزم، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من ~~صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده. وساق حديث المعراج بقصته. فقال: فإذا ~~هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، قال: هذا النيل والفرات عنصرهما واحد، ~~ثم مضى به في السماء الثانية فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد ~~فضرب يده فإذا هو مسك أذفر، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي ~~خبأ لك ربك. وساق الحديث، وقال: ثم عرج بي إلى السماء السابعة، وقال: قال ~~موسى: رب لم أظن أن ترفع علي أحدا، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا ~~الله حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب ~~قوسين أو أدنى فأوحى إليه فيما أوحى إليه خمسين صلاة كل يوم وليلة وقال فلم ~~يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات ثم احتبسه موسى عند الخمس ~~فقال: يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا ~~عنه وتركوه فأمتك أضعف قلوبا وأجسادا وأبدانا وأبصارا وأسماعا، فارجع ~~فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير ~~عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: يا رب إن أمتي ضعفاء ~~أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم فخفف عنا فقال الجبار: يا محمد، قال: ~~لبيك وسعديك، قال: إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في ms1438 أم الكتاب فكل ~~حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك فقال موسى: ارجع ~~إلى ربك فليخفف عنك أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد والله ~~استحييت من ربي مما اختلفت إليه"، قال: فاهبط بسم الله، فاستيقظ وهو في ~~المسجد الحرام. # وروى مسلم هذا الحديث مختصرا عن هارون بن سعيد الإيلي عن ابن وهب عن ~~سليمان بن بلال (1) . # قال شيخنا الإمام رضي الله عنه: قد قال بعض أهل الحديث ما وجدنا لمحمد بن ~~إسماعيل ولمسلم في كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجا إلا هذا، وأحال الأمر فيه ~~إلى شريك بن عبد الله، وذلك أنه ذكر فيه أن ذلك قبل أن يوحى إليه، واتفق ~~أهل العلم على أن المعراج كان بعد الوحي بنحو من اثنتي عشرة سنة قبل الهجرة ~~بسنة. PageV05P064 # وفيه أيضا: "أن الجبار دنا فتدلى". وذكرت عائشة أن الذي دنا فتدلى جبريل ~~عليه السلام (1) . # قال شيخنا الإمام رضي الله عنه: وهذا الاعتراض عندي لا يصح، لأن هذا كان ~~رؤيا في النوم، أراه الله عز وجل قبل الوحي بدليل آخر الحديث: قال فاستيقظ ~~وهو في المسجد الحرام، ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي قبل الهجرة بسنة ~~تحقيقا لرؤياه من قبل كما أنه رأى فتح مكة في المنام عام الحديبية سنة ست ~~من الهجرة، ثم كان تحقيقه سنة ثمان ونزل قوله عز وجل (2) "لقد صدق الله ~~رسوله الرؤيا بالحق" (الفتح-27) . # وروي أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وكان بذي ~~طوى قال: يا جبريل إن قومي لا يصدقوني، قال: يصدقك أبو بكر وهو الصديق (3) ~~. # قال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما ~~كانت ليلة أسري بي فأصبحت بمكة فضقت بأمري وعرفت أن الناس مكذبي فروي أنه ~~عليه الصلاة والسلام قعد معتزلا حزينا فمر به أبو جهل فجلس إليه فقال له ~~كالمستهزئ: هل استفدت من شيء؟ قال: نعم إني أسري بي الليلة قال: إلى أين؟ ~~قال: ms1439 إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا قال: نعم، فلم ير أبو جهل ~~أنه ينكر مخافة أن يجحده الحديث قال: أتحدث قومك ما حدثتني؟ قال: نعم، قال ~~أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا، قال: فانفضت إليه المجالس فجاؤوا ~~حتى جلسوا إليهما، قال: فحدث قومك ما حدثتني قال: نعم إني أسري بي الليلة، ~~قالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: ~~نعم قال: فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا، وارتد ناس ممن ~~كان آمن به وصدقه وسعى رجل من المشركين إلى أبي بكر فقال: هل لك في صاحبك ~~يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس قال: أوقد قال ذلك؟ قال: نعم، ~~205/أقال: لئن كان قال ذلك لقد صدق قالوا: وتصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس ~~في ليلة وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك أصدقه ~~بخبر السماء في غدوة أو روحة فلذلك سمي أبو بكر الصديق. PageV05P065 # قال: وفي القوم من قد أتى المسجد الأقصى، فقالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا ~~المسجد؟ قال: نعم قال: فذهبت أنعت وأنعت فما زلت أنعت حتى التبس علي [بعض ~~النعت] قال: فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل فنعت المسجد ~~وأنا أنظر إليه فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب ثم قالوا: يا محمد ~~أخبرنا عن عيرنا هي أهم إلينا فهل لقيت منها شيئا؟ قال: نعم مررت على عير ~~بني فلان وهي بالروحاء وقد أضلوا بعيرا لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قدح من ~~ماء فعطشت فأخذته فشربته ثم وضعته كما كان فسلوهم هل وجدوا الماء في القدح ~~حين رجعوا إليه؟ قالوا: هذه آية قال: ومررت بعير بني فلان، وفلان وفلان ~~راكبان قعودا لهما بذي طوى فنفر بعيرهما مني فرمى بفلان فانكسرت يده ~~فسلوهما عن ذلك قالوا: وهذه آية قالوا: فأخبرنا عن عيرنا نحن؟ قال: مررت ~~بها بالتنعيم قالوا: فما عدتها وأحمالها وهيئتها ms1440 ومن فيها؟ قال: نعم هيئتها ~~كذا وكذا وفيها فلان وفلان يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان تطلع ~~عليكم عند طلوع الشمس قالوا: وهذه آية ثم خرجوا يشتدون نحو الثنية وهم ~~يقولون والله لقد قص محمد شيئا وبينه حتى أتوا كدى فجلسوا عليه فجعلوا ~~ينتظرون متى تطلع الشمس فيكذبونه إذ قال قائل منهم: والله هذه الشمس قد ~~طلعت وقال آخر: وهذه والله الإبل قد طلعت يقدمها بعير أورق فيها فلان وفلان ~~كما قال لهم فلم يؤمنوا "وقالوا إن هذا إلا سحر مبين" (1) . # أنبأنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد أنبأنا محمد بن ~~عيسى الجلودي أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثني ~~زهير بن حرب حدثنا حجر بن المثنى أنبأنا عبد العزيز -وهو ابن أبي سلمة-عن ~~عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنهم ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني ~~عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت ~~مثله قط قال: فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به ~~ولقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد ~~كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود ~~الثقفي وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم -يعني نفسه-فجاءت ~~الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال لي قائل: يا محمد هذا مالك صاحب ~~النار فسلم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام" (2) . PageV05P066 ### || # {وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ~~(2) ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) وقضينا إلى بني إسرائيل ~~في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4) } # قوله عز وجل {وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا} بأن لا ~~{تتخذوا من دوني وكيلا} ربا وكفيلا. # قرأ أبو عمرو "لا يتخذوا" بالياء ms1441 لأنه خبر عنهم والآخرون: بالتاء يعني: ~~قلنا لهم لا تتخذوا. {ذرية من حملنا} قال مجاهد: هذا نداء يعني: يا ذرية من ~~حملنا، {مع نوح} في السفينة فأنجيناهم من الطوفان، {إنه كان عبدا شكورا} ~~كان نوح عليه السلام إذا أكل طعاما أو شرب شرابا أو لبس ثوبا قال: الحمد ~~لله فسمي عبدا شكورا (1) أي كثير الشكر. قوله عز وجل: {وقضينا إلى بني ~~إسرائيل في الكتاب} الآيات. # روى سفيان بن سعيد الثوري عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن حذيفة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) "إن بني إسرائيل لما اعتدوا ~~وقتلوا الأنبياء بعث الله عليهم ملك فارس PageV05P067 # "بختنصر"، وكان الله ملكه سبعمائة سنة فسار إليهم حتى دخل بيت المقدس ~~فحاصرها وفتحها وقتل على دم يحيى بن زكريا عليه السلام سبعين ألفا ثم سبى ~~أهلها [والأبناء] (1) وسلب حلي بيت المقدس واستخرج منها سبعين ألفا ومائة ~~ألف عجلة من حلي، قلت: يا رسول الله كان بيت المقدس عظيما؟ قال: أجل بناه ~~سليمان بن داود من ذهب وفضة وياقوت وزبرجد، وكان عمده ذهبا، أعطاه الله ~~ذلك، وسخر له الشياطين يأتونه بهذه الأشياء في طرفة عين فسار بها بختنصر ~~حتى نزل بابل فأقام بنو إسرائيل في يده مائة سنة يستعبدهم المجوس وأبناء ~~المجوس فيهم الأنبياء ثم إن الله رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس يقال له ~~"كورش" وكان مؤمنا أن يسير إليهم ليستنقذ بقايا بني إسرائيل فسار كورش لبني ~~إسرائيل وأخذ حلي بيت المقدس حتى ردها إليه فأقام بنو إسرائيل بها مطيعين ~~لله تعالى مائة سنة ثم إنهم عادوا في المعاصي فسلط الله عليهم ملكا يقال له ~~"أنطانيوس" فغزا بني إسرائيل حتى أتاهم بيت المقدس فسبى أهلها وأحرق بيت ~~المقدس وقال لهم يا بني إسرائيل إن عدتم في المعاصي عدنا عليكم ثانيا ~~[بالسبي] (2) فعادوا فسلط الله عليهم ملك رومية يقال له "فاقس بن ~~أستيانوس"، فغزاهم في البر والبحر فسباهم وسبى حلي بيت المقدس وأحرق بيت ~~المقدس قال رسول الله صلى ms1442 الله عليه وسلم فهذا من صفة حلي بيت المقدس ويرده ~~المهدي إلى بيت المقدس وهو ألف وسبعمائة سفينة يرمي بها على يافا حتى تنقل ~~إلى بيت المقدس وبها يجمع الله الأولين والآخرين". # قال محمد بن إسحاق: كانت بنو إسرائيل فيهم الأحداث والذنوب وكان الله في ~~ذلك متجاوزا عنهم محسنا إليهم وكان أول ما نزل بهم بسبب ذنوبهم كما أخبر ~~على لسان موسى عليه السلام أن ملكا منهم كان يدعى "صديقة" (3) وكان الله ~~تعالى إذا ملك الملك عليهم بعث معه نبيا يسدده ويرشده لا ينزل عليهم الكتب ~~إنما يؤمرون باتباع التوراة والأحكام التي فيها. # فلما ملك ذلك الملك بعث الله معه "شعياء بن أصفيا" وذلك قبل مبعث زكريا ~~ويحيى وعيسى عليهم السلام و"شعياء" هو الذي بشر بعيسى ومحمد عليهما السلام، ~~فقال: أبشري أورشليم، الآن يأتيك راكب الحمار ومن بعده صاحب البعير فملك ~~ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانا فلما انقضى ملكه عظمت فيهم ~~الأحداث وشعياء معه بعث الله عليهم "سنجاريب" (4) ملك بابل معه ستمائة ألف ~~راية فأقبل سائرا حتى نزل حول بيت المقدس والملك مريض في ساقه قرحة فجاء ~~النبي شعياء وقال له: يا ملك بني إسرائيل إن سنجاريب ملك بابل قد نزل بك هو ~~وجنوده بستمائة ألف راية وقد هابهم الناس وفرقوا فكبر ذلك على الملك فقال ~~يا نبي الله هل أتاك وحي من الله فيما حدث فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا ~~وبسنجاريب وجنوده؟ # فقال: لم يأتني وحي فبينما هم على ذلك أوحى الله إلى شعياء النبي أن ائت ~~ملك بني إسرائيل فمره أن يوصي وصيته ويستخلف -على ملكه من يشاء من أهل ~~بيته-فأتى شعياء ملك بني إسرائيل "صديقة" فقال له: إن ربك قد أوحى إلي أن ~~آمرك أن توصي وصيتك وتستخلف من شئت على ملكك من أهل بيتك فإنك ميت فلما قال ~~ذلك شعياء لصديقة أقبل على القبلة فصلى ودعا وبكى فقال وهو يبكي وتضرع إلى ~~الله بقلب مخلص: اللهم رب الأرباب وإله الآلهة يا قدوس المتقدس ms1443 يا رحمن يا ~~رحيم يا رءوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم اذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على ~~بني إسرائيل وذلك كله كان منك وأنت أعلم به مني سري وعلانيتي لك وأنت ~~الرحمن فاستجاب له وكان عبدا صالحا فأوحى الله تعالى إلى شعياء أن يخبر ~~صديقة أن ربه قد استجاب له ورحمه وأخر له أجله خمس عشرة سنة وأنجاه من عدوه ~~سنجاريب فأتاه شعياء فأخبره بذلك فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع وانقطع عنه ~~الحزن وخر ساجدا وقال: يا إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبحت وكبرت وعظمت أنت ~~الذي تعطي الملك لمن تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ~~عالم الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم وتستجيب ~~دعوة المضطرين وأنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي. PageV05P068 # فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعياء أن قل للملك صديقه 205/ب فيأمر عبدا ~~من عبيده فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى يصبح وقد برأ ففعل ~~وشفي. # وقال الملك لشعياء: سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدونا هذا. # قال الله لشعياء: قل له: إني قد كفيتك عدوك وأنجيتك منهم وإنهم سيصبحون ~~موتى كلهم إلا سنجاريب وخمسة نفر من كتابه. # فلما أصبحوا جاء صارخ فصرخ على باب المدينة يا ملك بني إسرائيل إن الله ~~قد كفاك عدوك فاخرج فإن سنجاريب ومن معه قد هلكوا فلما خرج الملك التمس ~~سنجاريب فلم يوجد في الموتى فبعث الملك في طلبه فأدركه الطلب في مغارة ~~وخمسة نفر من كتابه أحدهم بختنصر فجعلوهم في الجوامع ثم أتوا بهم إلى ملك ~~بني إسرائيل فلما رآهم خر ساجدا من حين طلعت الشمس إلى العصر ثم قال ~~لسنجاريب: كيف ترى فعل ربنا بكم؟ ألم يقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم ~~غافلون؟ فقال سنجاريب له: قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي ~~يرحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي فلم أطع مرشدا ولم يلقني في الشقوة إلا ~~[ذلة في الدنيا وعذاب في الآخرة] ms1444 فلو سمعت أو عقلت ما غزوتكم. # فقال صديقة: الحمد لله رب العالمين الذي كفاناكم بما شاء وإن ربنا لم ~~يبقك ومن معك لكرامتك على ربك ولكنه إنما أبقاك ومن معك لتزدادوا شقوة في ~~الدنيا وعذابا في الآخرة ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا بكم ~~فتنذروا من بعدكم ولولا ذلك لقتلكم ولدمك ولدم من معك أهون على الله من دم ~~قراد لو قتلت. # ثم إن ملك بني إسرائيل أمر أمير حرسه فقذف في رقابهم الجوامع فطاف بهم ~~سبعين يوما حول بيت المقدس وإيليا وكان يرزقهم كل يوم خبزتين من شعير لكل ~~رجل منهم فقال سنجاريب لملك بني إسرائيل: القتل خير مما تفعل بنا فأمر بهم ~~الملك إلى سجن القتل فأوحى الله إلى شعياء عليه السلام: أن قل لملك بني ~~إسرائيل يرسل سنجاريب ومن معه لينذروا من وراءهم وليكرمهم وليحملهم حتى ~~يبلغوا بلادهم فبلغ شعياء الملك ذلك ففعل [الملك صديقة] ما أمر به فخرج ~~سنجاريب ومن معه حتى قدموا بابل فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله ~~بجنوده فقال له كهانه وسحرته يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر ~~نبيهم ووحي الله إلى نبيهم فلم تطعنا وهي أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم وكان ~~أمر سنجاريب تخويفا لهم ثم كفاهم الله تذكرة وعبرة. # ثم لبث سنجاريب بعد ذلك سبع سنين ثم مات واستخلف بختنصر ابن ابنه على ما ~~كان عليه جده يعمل عمله فلبث سبع عشرة سنة ثم قبض الله ملك بني إسرائيل ~~صديقة فمرج أمر # PageV05P070 # بني إسرائيل وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضا ونبيهم شعياء معهم ولا ~~يقبلون منه، فلما فعلوا ذلك قال الله لشعياء قم في قومك أوحي على لسانك ~~فلما قام النبي شعياء أنطق الله لسانه بالوحي فقال: يا سماء اسمعي ويا أرض ~~أنصتي فإن الله يريد أن يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته واصطنعهم ~~لنفسه وخصهم بكرامته وفضلهم على عباده وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها ~~فآوى شاردتها وجمع ضالتها ms1445 وجبر كسرها وداوى مريضها وأسمن مهزولها وحفظ ~~سمينها فلما فعل ذلك بطرت فتناطحت كباشها فقتل بعضها بعضا حتى لم يبق منها ~~عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير فويل لهذه الأمة الخاطئة الذين لا يدرون أنى ~~جاءهم الخير أن البعير مما يذكر وطنه فينتابه وأن الحمار مما يذكر الأري ~~الذي شبع عليه فيراجعه وأن الثور مما يذكر المرج الذي سمن فيه فينتابه وأن ~~هؤلاء القوم لا يذكرون من حيث جاءهم الخير وهم أولو الألباب والعقول ليسوا ~~ببقر ولا حمير وإني ضارب لهم مثلا فليسمعوه قل لهم كيف ترون في أرض كانت ~~خواء زمانا خرابا مواتا لا عمران فيها وكان لها رب حكيم قوي فأقبل عليها ~~بالعمارة وكره أن تخرب أرضه وهو قوي أو أن يقال ضيع وهو حكيم فأحاط عليها ~~جدارا وشيد فيها قصورا وأنبط نهرا وصنف فيها غراسا من الزيتون والرمان ~~والنخيل والأعناب وألوان الثمار كلها وولى ذلك واستحفظه ذا رأي وهمة حفيظا ~~قويا أمينا فلما أطلعت جاء طلعها خروبا؟ # قالوا بئست الأرض هذه فنرى أن يهدم جدارها وقصرها ويدفن نهرها ويقبض ~~قيمها ويحرق غرسها حتى تصير كما كانت أول مرة خرابا مواتا لا عمران فيها ~~قال الله: قال لهم: فإن الجدار ديني وإن القصر شريعتي وإن النهر كتابي وإن ~~القيم نبيي وإن الغراس هم وإن الخروب الذي أطلع الغراس أعمالهم الخبيثة ~~وإني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم وإنه مثل ضربته لهم يتقربون إلي بذبح ~~البقر والغنم وليس ينالني اللحم ولا آكله ويدعون أن يتقربوا إلي بالتقوى ~~والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها فأيديهم مخضوبة منها وثيابهم متزملة ~~بدمائها يشيدون لي البيوت مساجد ويطهرون أجوافها وينجسون قلوبهم وأجسادهم ~~ويدنسونها ويزوقون إلي المساجد ويزينونها ويخربون عقولهم وأحلامهم ~~ويفسدونها فأي حاجة لي إلى تشييد البيوت ولست أسكنها؟ وأي حاجة لي إلى ~~تزويق المساجد ولست أدخلها؟ إنما أمرت برفعها لأذكر وأسبح فيها. # يقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا [وصلينا فلم تنور صلاتنا] (1) وتصدقنا فلم ~~يزك صدقتنا ودعونا بمثل حنين الحمام وبكينا بمثل عواء ms1446 الذئاب في كل ذلك لا ~~يستجاب لنا. # قال الله: فاسألهم ما الذي يمنعني أن أستجيب لهم؟ ألست أسمع السامعين ~~وأبصر الناظرين وأقرب PageV05P071 # المجيبين وأرحم الراحمين؟ فكيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور ~~ويتقوون عليه بطعمة الحرام؟ أم كيف أنور صلاتهم وقلوبهم صاغية إلى من ~~يحاربني ويحادني وينتهك محارمي؟ أم كيف تزكى عندي صدقاتهم وهم يتصدقون ~~بأموال غيرهم؟ إنما آجر عليها أهلها المغصوبين؟ أم كيف أستجيب دعاءهم وإنما ~~هو قول بألسنتهم والفعل من ذلك بعيد إنما أستجيب للداعي اللين وإنما أسمع ~~قول المستعفف المسكين وإن من علامة رضاي رضا المساكين. # يقولون لما سمعوا كلامي وبلغتهم رسالتي: إنها أقاويل منقولة وأحاديث ~~متوارثة وتأليف مما يؤلف السحرة والكهنة وزعموا أنهم لو شاءوا أن يأتوا ~~بحديث مثله فعلوا ولوا شاءوا أن يطلعوا 206/أعلى علم الغيب بما يوحي إليهم ~~الشياطين اطلعوا وإني قد قضيت يوم خلقت السماء والأرض قضاء أثبته وحتمته ~~على نفسي وجعلت دونه أجلا مؤجلا لا بد أنه واقع فإن صدقوا فيما ينتحلون من ~~علم الغيب فليخبروك متى أنفذه؟ أو في أي زمان يكون؟ وإن كانوا يقدرون على ~~أن يأتوا بما يشاؤون فليأتوا بمثل هذه القدرة التي بها أمضيت فإني مظهره ~~على الدين كله ولو كره المشركون وإن كانوا يقدرون على أن يقولوا ما يشاؤون ~~فليقولوا مثل الحكمة التي بها أدبر أمر ذلك القضاء إن كانوا صادقين وإني قد ~~قضيت يوم خلقت السماء والأرض أن أجعل النبوة في الأجراء وأن أجعل الملك في ~~الرعاء والعز في الأذلاء والقوة في الضعفاء والغنى في الفقراء والعلم في ~~الجهالة والحكمة في الأميين فسلهم متى هذا ومن القائم به ومن أعوان هذا ~~الأمر وأنصاره إن كانوا يعلمون فإني باعث لذلك نبيا أميا أمينا ليس بفظ ولا ~~غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا متزين بالفحش ولا قوال للخنا أسدده لكل جميل ~~وأهب له كل خلق كريم أجعل السكينة لباسه والبر شعاره والتقوى ضميره والحكمة ~~معقوله والصدق والوفاء طبيعته والعفو والمعروف خلقه والعدل سيرته [والحق ~~شريعته] (1) والهدى [والقرآن] إمامه، ms1447 والإسلام ملته وأحمد اسمه أهدي به بعد ~~الضلالة وأعلم به بعد الجهالة وأرفع به بعد الخمالة وأشهر به بعد النكرة ~~وأكثر به بعد القلة وأغني به بعد العيلة وأجمع به بعد الفرقة وأؤلف به بين ~~قلوب مختلفة وأهواء متشتة وأمم متفرقة وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر توحيدا لي وإيمانا وإخلاصا لي يصلون ~~قياما وقعودا وركعا وسجودا ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا ويخرجون من ~~ديارهم وأموالهم ابتغاء رضواني ألهمهم التكبير والتوحيد والتسبيح والتحميد ~~والمدحة والتمجيد في مسيرهم ومجالسهم ومضاجعهم ومناقبهم ومثواهم يكبرون ~~ويهللون ويقدسون على رءوس الأشراف ويطهرون لي الوجوه والأطراف يعقدون لي ~~الثياب على الأنصاف قربانهم دماؤهم وأناجيلهم في صدورهم رهبان بالليل ليوث ~~بالنهار ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم. PageV05P072 # فلما فرغ شعياء من مقالته عدوا عليه ليقتلوه فهرب منهم فلقيته شجرة ~~فانفلقت له فدخل فيها فأدركه الشيطان فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها ~~فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها واستخلف الله ~~على بني إسرائيل بعد ذلك رجلا منهم يقال له ناشية بن أموص وبعث لهم أرمياء ~~بن حلقيا نبيا وكان من سبط هارون بن عمران. # وذكر ابن إسحاق أنه الخضر واسمه أرمياء سمي الخضر لأنه جلس على فروة ~~بيضاء فقام عنها وهي تهتز خضراء. # فبعث الله أرمياء إلى ذلك الملك ليسدده ويرشده ثم عظمت الأحداث في بني ~~إسرائيل وركبوا المعاصي واستحلوا المحارم فأوحى الله إلى أرمياء أن ائت ~~قومك من بني إسرائيل فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمتي وعرفهم بأحداثهم ~~فقال أرمياء: يا رب إني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخذول إن لم ~~تنصرني قال الله تعالى: أولم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي وأن ~~القلوب والألسنة بيدي أقلبها كيف شئت إني معك ولن يصل إليك شيء معي فقام ~~أرمياء فيهم ولم يدر ما يقول فألهمه الله عز وجل في الوقت خطبة بليغة بين ~~فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية وقال في ms1448 آخرها عن الله تعالى: وإني حلفت ~~بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم ولأسلطن عليهم جبارا قاسيا ألبسه ~~الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم ثم أوحى الله ~~إلى أرمياء: إني مهلك بني إسرائيل بيافث ويافث من أهل بابل -على ما ذكرنا ~~في سورة البقرة-فسلط الله عليهم بختنصر فخرج في ستمائة ألف راية ودخل بيت ~~المقدس بجنوده ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس ~~وأمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه في بيت المقدس ففعلوا ~~ذلك حتى ملأوه ثم أمرهم أن يجمعوا من في بلدان بيت المقدس كلهم فاجتمع عنده ~~كل صغير وكبير من بني إسرائيل فاختار منهم سبعين ألف صبي فلما خرجت غنائم ~~جنده وأراد أن يقسمها فيهم قالت له الملوك الذين كانوا معه: أيها الملك لك ~~غنائمنا كلها واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل ~~فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمان وفرق من ~~بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق فثلثا أقر بالشام وثلثا سبى وثلثا قتل وذهب ~~بناشئة بيت المقدس وبالصبيان السبعين الألف حتى أقدمهم بابل فكانت هذه ~~الوقعة الأولى التي أنزل الله ببني إسرائيل بظلمهم فذلك قوله تعالى: "فإذا ~~جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد" يعني: بختنصر ~~وأصحابه. # PageV05P073 # ثم إن بختنصر أقام في سلطانه ما شاء الله ثم رأى رؤيا أعجبته إذ رأى شيئا ~~أصابه فأنساه الله الذي رأى فدعا دانيال وحنانيا وعزازيا وميشائيل وكانوا ~~من ذراري الأنبياء وسألهم عنها قالوا أخبرنا بها نخبرك بتأويلها قال: ما ~~أذكرها ولئن لم تخبروني بها وبتأويلها لأنزعن أكتافكم فخرجوا من عنده فدعوا ~~الله وتضرعوا إليه فأعلمهم بالذي سألهم عنه، فجاؤوه وقالوا: رأيت تمثالا ~~قدماه وساقاه من فخار وركبتاه وفخذاه من نحاس وبطنه من فضة وصدره من ذهب ~~ورأسه وعنقه من حديد قال: صدقتم قالوا: فبينما أنت تنظر إليه وقد أعجبك ~~أرسل الله تعالى صخرة من السماء فدقته ms1449 فهي التي أنستكها قال: صدقتم قال: ~~فما تأويلها؟ قالوا: تأويلها أنك رأيت ملك الملوك فبعضهم كان ألين ملكا ~~وبعضهم كان أحسن ملكا وبعضهم كان أشد ملكا الفخار أضعفه ثم فوقه النحاس أشد ~~منه ثم فوق النحاس الفضة أحسن من ذلك وأفضل والذهب أحسن من الفضة وأفضل ثم ~~الحديد ملكك فهو أشد وأعز مما كان قبله والصخرة التي رأيت أرسل الله من ~~السماء فدقته نبي يبعثه الله من السماء فيدق ذلك أجمع ويصير الأمر إليه. # ثم إن أهل بابل قالوا 206/ب لبختنصر: أرأيت هؤلاء الغلمان من بني إسرائيل ~~الذين كنا سألناك أن تعطيناهم ففعلت فإنا قد أنكرنا نساءنا منذ كانوا معنا ~~لقد رأينا نساءنا انصرفت عنا وجوههن إليهم فأخرجهم من بين أظهرنا أو اقتلهم ~~قال شأنكم بهم فمن أحب منكم أن يقتل من كان في يده فليفعل. # فلما قربوهم للقتل بكوا إلى الله تعالى وقالوا: يا رب أصابنا البلاء ~~بذنوب غيرنا فوعد الله أن يجيبهم، فقتلوا إلا من استبقى بختنصر منهم دانيال ~~وحنانيا وعزازيا وميشائيل. # ثم لما أراد الله هلاك بختنصر انبعث فقال لمن في يده من بني إسرائيل: ~~أرأيتم هذا البيت الذي خربته والناس الذين قتلت منهم؟ وما هذا البيت؟ ~~قالوا: هذا بيت الله وهؤلاء أهله كانوا من ذراري الأنبياء فظلموا وتعدوا ~~فسلطت عليهم بذنوبهم وكان ربهم رب السموات والأرض ورب الخلق كلهم يكرمهم ~~ويعزهم فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله وسلط عليهم غيرهم فاستكبر وظن أنه ~~بجبروته فعل ذلك ببني إسرائيل. قال: فأخبروني كيف لي أن أطلع إلى السماء ~~العليا فأقتل من فيها وأتخذها ملكا لي فإني قد فرغت من الأرض، قالوا: ما ~~يقدر عليها أحد من الخلائق قال: لتفعلن أو لأقتلنكم عن آخركم، فبكوا ~~وتضرعوا إلى الله تعالى فبعث الله عليه بقدرته بعوضة فدخلت منخره حتى عضت ~~بأم دماغه فما كان يقر ولا يسكن حتى يوجأ له رأسه على أم دماغه فلما مات ~~شقوا رأسه فوجدوا البعوضة عاضة على أم دماغه ليري الله العباد قدرته ونجى ~~الله من ms1450 بقي من بني إسرائيل في يديه فردوهم إلى الشام فبنوا فيه وكثروا حتى ~~كانوا على أحسن ما كانوا عليه. # PageV05P074 # ويزعمون: أن الله تعالى أحيا أولئك الذين قتلوا فلحقوا بهم، ثم إنهم لما ~~دخلوا الشام دخلوها وليس معهم عهد من الله تعالى وكانت التوراة قد احترقت ~~وكان عزير من السبايا الذين كانوا ببابل فرجع إلى الشام يبكي عليها ليله ~~ونهاره وقد خرج من الناس فهو كذلك إذ أقبل إليه رجل فقال يا عزير ما يبكيك؟ ~~قال أبكي على كتاب الله وعهده الذي كان بين أظهرنا الذي لا يصلح دنيانا ~~وآخرتنا غيره قال: أفتحب أن يرد إليك؟ ارجع فصم وتطهر وطهر ثيابك ثم موعدك ~~هذا المكان غدا فرجع عزير فصام وتطهر وطهر ثيابه ثم عمد إلى المكان الذي ~~وعده فجلس فيه فأتاه ذلك الرجل بإناء فيه ماء وكان ملكا بعثه الله إليه ~~فسقاه من ذلك الإناء فمثلت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل فوضع لهم ~~التوراة فأحبوه حتى لم يحبوا حبه شيئا قط ثم قبضه الله وجعلت بنو إسرائيل ~~بعد ذلك يحدثون الأحداث ويعود الله عليهم ويبعث فيهم الرسل ففريقا يكذبون ~~وفريقا يقتلون حتى كان آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى ~~وكانوا من بيت آل داود فمات زكريا وقيل قتل زكريا فلما رفع الله عيسى من ~~بين أظهرهم وقتلوا يحيى بعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوش ~~فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام فلما ظهر عليهم أمر رأسا من رءوس ~~جنوده يدعى بيورزاذان صاحب القتل فقال: إني قد كنت حلفت بإلهي لئن أنا ظفرت ~~على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماءهم في وسط عسكري إلا أني لا أجد ~~أحدا أقتله فأمره أن يقتلهم حتى بلغ ذلك منهم بيورزاذان ودخل بيت المقدس ~~فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم فوجد فيها دما يغلي فسألهم ~~فقال: يا بني إسرائيل ما شأن هذا الدم يغلي؟ أخبروني خبره قالوا: هذا دم ~~قربان لنا قربناه ms1451 فلم يقبل منا فلذلك يغلي ولقد قربنا منذ ثمانمائة سنة ~~القربان فيقبل منا إلا هذا فقال: ما صدقتموني فقالوا: لو كان كأول زماننا ~~لتقبل منا ولكن قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي فلذلك لم يقبل منا فذبح ~~منهم بيورزاذان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين زوجا من رءوسهم فلم يهدأ فأمر ~~فأتي بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحهم على الدم فلم يهدأ فأمر بسبعة آلاف ~~من شيبهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد فلما رأى بيورزاذان الدم لا ~~يهدأ قال لهم: يا بني إسرائيل ويلكم اصدقوني واصبروا على أمر ربكم فقد طال ~~ما ملكتم في الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار أنثى ~~ولا ذكر إلا قتلته فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوا الخبر فقالوا: إن هذا ~~الدم دم نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله فلو أنا أطعناه فيها ~~لكان أرشد لنا وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه فقال لهم ~~بيورزاذان: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكريا قال الآن صدقتموني لمثل هذا ~~انتقم ربكم منكم فلما رأى بيورزاذان أنهم صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله: ~~أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوش وخلا في بني ~~إسرائيل ثم قال: يا يحيى بن # PageV05P075 # زكريا قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم فاهدأ بإذن ~~ربك قبل أن لا أبقي من قومك أحدا فهدأ الدم بإذن الله ورفع بيورزاذان عنهم ~~القتل وقال آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل وأيقنت أنه لا رب غيره وقال لبني ~~إسرائيل: إن خردوش أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره وإني لست ~~أستطيع [أن أعصيه] (1) قالوا له: افعل ما أمرت به فأمرهم فحفروا خندقا وأمر ~~بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم فذبحها حتى سال ~~الدم في العسكر وأمر بالقتلى الذين قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من ~~مواشيهم فلم يظن خردوش إلا أن ما في الخندق ms1452 من بني إسرائيل فلما بلغ الدم ~~عسكره أرسل إلى بيورزاذان أن ارفع عنهم القتل. # ثم انصرف إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد [أن يفنيهم] (2) وهي ~~الوقعة الأخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل وذلك قوله: {لتفسدن في الأرض ~~مرتين} فكانت الوقعة الأولى بختنصر وجنوده [والأخرى خردوش وجنوده] وكانت ~~أعظم الوقعتين فلم تقم لهم بعد ذلك راية وانتقل الملك بالشام ونواحيها إلى ~~الروم اليونانية إلا 207/أأن بقايا من بني إسرائيل كثروا وكانت لهم الرياسة ~~ببيت المقدس ونواحيها على غير وجه الملك وكانوا في نعمة إلى أن بدلوا ~~وأحدثوا الأحداث فسلط الله عليهم ططيوس بن إسبيانوس الرومي فأخرب بلادهم ~~وطردهم عنها ونزع الله عنهم الملك والرياسة وضربت عليهم الذلة فليسوا في ~~أمة إلا وعليهم الصغار والجزية وبقي بيت المقدس خرابا إلى أيام عمر بن ~~الخطاب فعمره المسلمون بأمره. # وقال قتادة: بعث الله عليهم جالوت في الأولى فسبى وقتل وخرب {ثم رددنا ~~لكم الكرة عليهم} يعني في زمان داود، فإذا جاء وعد الآخرة بعث الله عليهم ~~بختنصر فسبى وخرب، ثم قال: {عسى ربكم أن يرحمكم} فعاد الله عليهم بالرحمة ~~ثم عاد القوم بشر ما بحضرتهم فبعث الله عليهم ما شاء من نقمته وعقوبته، ثم ~~بعث الله عليهم العرب كما قال: {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة ~~من يسومهم سوء العذاب} فهم في العذاب إلى يوم القيامة. # وذكر السدي بإسناده: أن رجلا من بني إسرائيل رأى في النوم أن خراب بيت ~~المقدس على يدي غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل يدعى بختنصر وكانوا يصدقون ~~فتصدق رؤياهم فأقبل ليسأل عنه حتى نزل على أمه وهو يحتطب فجاء وعلى رأسه ~~حزمة حطب فألقاها ثم قعد فكلمه ثم أعطاه ثلاثة دراهم فقال: اشتر بهذا طعاما ~~وشرابا فاشترى بدرهم لحما وبدرهم خبزا وبدرهم خمرا فأكلوا وشربوا وفعل في ~~اليوم الثاني كذلك وفي اليوم الثالث كذلك، ثم قال: إني أحب PageV05P076 # أن تكتب لي أمانا إن أنت ملكت يوما من الدهر [فقال: تسخر مني؟ فقال: إني ms1453 ~~لا أسخر منك، ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندي يدا فكتب له أمانا وقال: ~~أرأيت] (1) إن جئت والناس حولك قد حالوا بيني وبينك، قال: ترفع صحيفتك على ~~قصبة فأعرفك فكتب له وأعطاه ثم إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكريا ~~ويدني مجلسه وأنه هوي ابنة امرأته وقال ابن عباس: ابنة أخته فسأل يحيى بن ~~زكريا عن تزويجها فنهاه عن نكاحها فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى بن زكريا ~~وعمدت حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمرا وطيبتها وألبستها ~~الحلي وأرسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه، فإن أرادها عن نفسها أبت عليه ~~حتى يعطيها ما سألته فإذا أعطاها سألت رأس يحيى بن زكريا أن يؤتى به في طست ~~ففعلت، فلما أرادها قالت لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك قال: ما تسأليني؟ ~~قالت: رأس يحيى بن زكريا في هذا الطست، فقال: ويحك سليني غير هذا، فقالت: ~~ما أريد إلا هذا فلما أبت عليه بعث فأتي برأسه حتى وضع بين يديه والرأس ~~يتكلم ويقول: لا تحل لك فلما أصبح إذا دمه يغلي فأمر بتراب فألقي عليه فرقى ~~الدم يعني صعد الدم يغلي ويلقي عليه من التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ~~ذلك يغلي، فبعث صخابين ملك بابل جيشا إليهم وأمر عليهم بختنصر فسار بختنصر ~~وأصحابه حتى بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم فلما اشتد عليهم ~~المقام أراد الرجوع فخرجت إليه عجوز من عجائز بني إسرائيل فقالت: تريد أن ~~ترجع قبل المدينة؟ قال: نعم قد طال مقامي وجاع أصحابي قالت: أرأيت إن فتحت ~~لك المدينة تعطيني ما أسألك فتقتل من أمرتك بقتله وتكف إذا أمرتك أن تكف؟ ~~قال: نعم، قالت: إذا أصبحت تقسم جندك أربعة أرباع ثم أقم على كل زاوية ربعا ~~ثم ارفعوا أيديكم إلى السماء فنادوا: إنا نستفتحك يا ألله بدم يحيى بن ~~زكريا فإنها سوف تتساقط ففعلوا فتساقطت المدينة ودخلوا من جوانبها، فقالت: ~~كف يدك وانطلقت به إلى دم يحيى بن زكريا وقالت: اقتل ms1454 على هذا الدم حتى يسكن ~~فقتل عليه سبعين ألفا حتى سكن، فلما سكن قالت: كف يدك فإن الله لم يرض إذا ~~قتل نبي حتى يقتل من قتله ومن رضي بقتله وأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته فكف ~~عنه وعن أهل بيته فخرب بيت المقدس وطرح فيه الجيف وأعانه على خرابه الروم ~~من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا وذهب معه بوجوه بني إسرائيل ~~وذهب بدانيال وقوم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت فلما قدم بابل ~~وجد صخابين قد مات فملك مكانه وكان أكرم الناس عنده دانيال وأصحابه فحسدهم ~~المجوس ووشوا بهم إليه وقالوا: إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا ~~يأكلون ذبيحتك فسألهم فقالوا: أجل إن لنا ربا نعبده ولسنا نأكل من ذبيحتكم، ~~فأمر الملك بخد فخد لهم فألقوا فيه وهم ستة وألقى معهم بسبع ضار ليأكلهم ~~فذهبوا ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه معهم لم يخدش منهم أحدا ~~ووجدوا معهم رجلا سابعا فقال: ما هذا السابع إنما كانوا ستة فخرج السابع ~~وكان ملكا فلطمه لطمة فصار في الوحوش ومسخه الله سبع سنين. # وذكر وهب: أن الله مسخ بختنصر نسرا في الطير ثم مسخه ثورا في الدواب ثم ~~مسخه أسدا في الوحوش فكان مسخه سبع سنين وقلبه في ذلك قلب إنسان ثم رد الله ~~إليه ملكه فآمن فسئل وهب أكان مؤمنا؟ فقال وجدت أهل الكتاب اختلفوا فيه ~~فمنهم من قال مؤمنا ومنهم من قال أحرق بيت المقدس وكتبه وقتل الأنبياء فغضب ~~الله عليه فلم يقبل توبته. # وقال السدي: ثم إن بختنصر لما رجع إلى صورته بعد المسخ ورد الله إليه ~~ملكه كان دانيال وأصحابه أكرم الناس عليه فحسدهم المجوس وقالوا لبختنصر: إن ~~دانيال إذا شرب الخمر لم يملك نفسه أن يبول وكان ذلك فيهم عارا فجعل لهم ~~طعاما وشرابا فأكلوا وشربوا وقال للبواب: انظر أول من يخرج ليبول فاضربه ~~بالطبرزين فإن قال أنا بختنصر فقل كذبت بختنصر أمرني فكان أول من قام للبول ~~بختنصر فلما رآه البواب شد ms1455 عليه فقال: ويحك أنا بختنصر فقال: كذبت بختنصر ~~أمرني فضربه فقتله هذا ما ذكره في المبتدأ إلا أن رواية من روى أن بختنصر ~~غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا غلط عند أهل السير بل هم مجمعون ~~على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم شعياء في عهد أرمياء ومن وقت ~~أرمياء وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكريا أربعمائة وإحدى ~~وستون سنة، 207/ب وذلك أنهم كانوا يعدون من لدن تخريب بختنصر بيت المقدس ~~إلى حين عمارته في عهد كيرش بن أخشورش بن أصيهيد ببابل من قبل بهمن بن ~~إسفنديار [سبعين سنة ثم من بعد عمارته إلى ظهور الإسكندر على بيت المقدس ~~ثمان وثمانون سنة ثم من بعد مملكته] (2) إلى مولد يحيى بن زكريا ثلثمائة ~~وستون سنة. # والصحيح من ذلك ما ذكر محمد بن إسحاق. # قوله عز وجل: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب} أي: أعلمناهم وأخبرناهم ~~فيما آتيناهم من الكتب أنهم سيفسدون. # والقضاء على وجوه: يكون أمرا، كقوله: "وقضى ربك" (الإسراء-23) . # ويكون حكما، كقوله: "إن ربك يقضي بينهم" (يونس-93، والنحل-78) . # ويكون خلقا كقوله: "فقضاهن سبع سماوات" (فصلت-2) . PageV05P078 # وقال ابن عباس وقتادة: يعني وقضينا عليهم، و"إلى" بمعنى "على"، والمراد ~~بالكتاب: اللوح المحفوظ. # {لتفسدن} لام القسم مجازه: والله لتفسدن، {في الأرض مرتين} بالمعاصي ~~والمراد بالأرض: أرض الشام وبيت المقدس، {ولتعلن} ولتستكبرن ولتظلمن الناس ~~{علوا كبيرا} ### || # {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال ~~الديار وكان وعدا مفعولا (5) ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال ~~وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (6) إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ~~فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ~~وليتبروا ما علوا تتبيرا (7) } # {فإذا جاء وعد أولاهما} يعني: أولى المرتين. # قال قتادة: إفسادهم في المرة الأولى ما خالفوا من أحكام التوراة، وركبوا ~~المحارم. # وقال ابن إسحاق: إفسادهم في المرة الأولى قتل شعياء بين الشجرة وارتكابهم ~~المعاصي. # {بعثنا عليكم عبادا لنا} قال قتادة: يعني جالوت ms1456 الخزري وجنوده وهو الذي ~~قتله داود. # وقال سعيد بن جبير: يعني سنجاريب من أهل نينوى. # وقال ابن إسحاق: بختنصر البابلي وأصحابه. وهو الأظهر. # {أولي بأس} ذوي بطش، {شديد} في الحرب، {فجاسوا} أي فطافوا وداروا {خلال ~~الديار} وسطها يطلبونكم ويقتلونكم والجوس طلب الشيء بالاستقصاء. قال ~~الفراء: جاسوا قتلوكم بين بيوتكم. # {وكان وعدا مفعولا} قضاء كائنا لا خلف فيه. {ثم رددنا لكم الكرة} يعني: ~~الرجعة والدولة، {عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا} عددا، ~~أي: من ينفر معهم وعاد البلد أحسن مما كان. {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} أي: ~~لها ثوابها، {وإن أسأتم فلها} أي: فعليها كقوله تعالى: "فسلام لك" ~~(الواقعة-91) أي: عليك وقيل: فلها الجزاء والعقاب. # PageV05P079 # {فإذا جاء وعد الآخرة} أي: المرة الأخيرة من إفسادكم، وذلك قصدهم قتل ~~عيسى عليه السلام حين رفع، وقتلهم يحيى بن زكريا عليهما السلام، فسلط الله ~~عليهم الفرس والروم خردوش وطيطوس حتى قتلوهم وسبوهم ونفوهم عن ديارهم، فذلك ~~قوله تعالى {ليسوءوا وجوهكم} أي: تحزن وجوهكم وسوء الوجه بإدخال الغم ~~والحزن. # قرأ الكسائي [ويعقوب] (1) . " لنسوء " بالنون وفتح الهمزة على التعظيم ~~كقوله: "وقضينا" و"بعثنا" وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر بالياء [وفتح] (2) ~~الهمزة [على التوحيد] (3) أي: ليسوء الله وجوهكم وقيل: ليسوء الوعد وجوهكم. # وقرأ الباقون بالياء وضم الهمزة على الجمع أي ليسوء العباد أولوا البأس ~~الشديد وجوهكم. {وليدخلوا المسجد} يعني: بيت المقدس ونواحيه {كما دخلوه أول ~~مرة وليتبروا} وليهلكوا {ما علوا} أي: ما غلبوا عليه من بلادكم {تتبيرا} ~~PageV05P080 ### || # {عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا (8) إن ~~هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم ~~أجرا كبيرا (9) وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (10) } # {عسى ربكم} يا بني إسرائيل {أن يرحمكم} بعد انتقامه منكم فيرد الدولة ~~إليكم {وإن عدتم عدنا} أي: إن عدتم إلى المعصية عدنا إلى العقوبة. قال ~~قتادة: فعادوا فبعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم فهم يعطون الجزية ~~عن يد وهم صاغرون. # {وجعلنا جهنم للكافرين ms1457 حصيرا} سجنا ومحبسا من الحصر وهو الحبس. # قال الحسن: حصيرا أي: فراشا. وذهب إلى الحصير الذي يبسط ويفرش. {إن هذا ~~القرآن يهدي للتي هي أقوم} أي: إلى الطريقة التي هي أصوب. وقيل: الكلمة ~~التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا الله، {ويبشر} يعني: القرآن ~~{المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم} بأن لهم {أجرا كبيرا} وهو الجنة. ~~{وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما} وهو النار. # PageV05P080 ### || # {ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا (11) وجعلنا الليل ~~والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ~~ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا (12) } # وقوله تعالى: {ويدع الإنسان} حذف الواو لفظا لاستقبال اللام الساكنة ~~كقوله: "سندع الزبانية" (العلق-18) ، وحذف في الخط أيضا وهي غير محذوفة في ~~المعنى. ومعناه: ويدعو الإنسان على ماله وولده ونفسه، {بالشر} فيقول عند ~~الغضب: اللهم العنه وأهلكه ونحوهما، {دعاءه بالخير} أي: كدعائه ربه ~~[بالخير] (1) أن يهب له النعمة والعافية ولو استجاب الله دعاءه على نفسه ~~لهلك ولكن الله لا يستجيب بفضله {وكان الإنسان عجولا} بالدعاء على ما يكره ~~أن يستجاب له فيه. قال جماعة من أهل التفسير وقال ابن عباس: ضجرا لا صبر له ~~على السراء والضراء. قوله عز وجل {وجعلنا الليل والنهار آيتين} أي: علامتين ~~دالتين على وجودنا ووحدانيتنا وقدرتنا {فمحونا آية الليل} قال ابن عباس: ~~جعل الله نور الشمس سبعين جزءا ونور القمر كذلك فمحا من نور القمر تسعة ~~وستين جزءا فجعلها مع نور الشمس (2) . # وحكى أن الله تعالى أمر جبريل فأمر جناحه على وجه القمر ثلاث مرات فطمس ~~عنه الضوء وبقي فيه النور. # وسأل ابن الكواء عليا عن السواد الذي في القمر؟ قال: هو أثر المحو (3) . # {وجعلنا آية النهار مبصرة} منيرة مضيئة يعني يبصر بها. قال الكسائي: تقول ~~العرب أبصر النهار إذا أضاء بحيث يبصر بها {لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا ~~عدد السنين والحساب} أي: لو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم يعرف ~~الليل من النهار ms1458 ولم يدر الصائم متى يفطر ولم يدر وقت الحج ولا وقت حلول ~~الآجال ولا وقت السكون والراحة. {وكل شيء فصلناه تفصيلا} PageV05P081 ### || # {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا (13) اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14) من اهتدى فإنما ~~يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا (15) } # قوله عز وجل {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} قال ابن عباس: عمله وما ~~قدر عليه فهو ملازمه أينما كان. # وقال الكلبي ومقاتل: خيره وشره معه لا يفارقه حتى يحاسبه به. # وقال الحسن: يمنه وشؤمه. # وعن مجاهد: ما من مولود إلا في عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد. # وقال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قضى الله عليه أنه عامله وما هو صائر ~~إليه من سعادة أو شقاوة سمي 208/أ "طائرا" على عادة العرب فيما كانت تتفاءل ~~وتتشاءم به من سوانح الطير وبوارحها. وقال أبو عبيدة والقتيبي: أراد ~~بالطائر حظه من الخير والشر من قولهم: طار سهم فلان بكذا وخص العنق من بين ~~سائر الأعضاء لأنه موضع القلائد والأطواق وغيرهما مما يزين أو يشين فجرى ~~كلام العرب بتشبيه الأشياء اللازمة إلى الأعناق. # {ونخرج له} يقول الله تعالى: ونحن نخرج {يوم القيامة كتابا} وقرأ الحسن ~~ومجاهد ويعقوب: " ويخرج له " بفتح الياء وضم الراء معناه: ويخرج له الطائر ~~يوم القيامة كتابا. وقرأ أبو جعفر " يخرج " بالياء وضمها وفتح الراء. # {يلقاه} قرأ ابن عامر وأبو جعفر " يلقاه " بضم الياء وفتح اللام وتشديد ~~القاف يعني: يلقى الإنسان ذلك الكتاب أي: يؤتاه وقرأ الباقون بفتح الياء ~~خفيفة أي يراه {منشورا} وفي الآثار: إن الله تعالى يأمر الملك بطي الصحيفة ~~إذا تم عمر العبد فلا تنشر إلى يوم القيامة. {اقرأ كتابك} أي: يقال له: ~~اقرأ كتابك قوله تعالى: {كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} محاسبا. قال الحسن: ~~لقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك. قال قتادة: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئا ~~في الدنيا. {من ms1459 اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} لها ثوابه {ومن ضل فإنما يضل ~~عليها} لأن عليها عقابه. # {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي: لا تحمل حاملة حمل أخرى من الآثام أي: لا ~~يؤخذ أحد بذنب أحد. {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} إقامة للحجة وقطعا ~~للعذر، وفيه دليل على أن ما وجب وجب بالسمع لا بالعقل. # PageV05P082 ### || # {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ~~فدمرناها تدميرا (16) } # {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها} قرأ مجاهد: " أمرنا " بالتشديد ~~أي: سلطنا شرارها فعصوا وقرأ الحسن وقتادة ويعقوب " آمرنا " بالمد أي: ~~أكثرنا. # وقرأ الباقون مقصورا مخففا أي: أمرناهم بالطاعة فعصوا ويحتمل أن يكون ~~معناه جعلناهم أمراء ويحتمل أن تكون بمعنى أكثرنا يقال: أمرهم الله أي ~~كثرهم الله. وفي الحديث: "خير المال مهرة مأمورة" (1) أي كثيرة النسل (2) . ~~ويقال: منه أمر القوم يأمرون أمرا إذا كثروا وليس من الأمر بمعنى الفعل فإن ~~الله لا يأمر بالفحشاء. # واختار أبو عبيدة قراءة العامة وقال: لأن المعاني الثلاثة تجتمع فيها ~~يعني الأمر والإمارة والكثرة. # {مترفيها} منعميها وأغنياءها {ففسقوا فيها فحق عليها القول} وجب عليها ~~العذاب {فدمرناها تدميرا} أي: خربناها وأهلكنا من فيها. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد ~~بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا يحيى بن بكر حدثنا الليث عن عقيل عن ~~ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة حدثته عن أم حبيبة بنت ~~أبي سفيان عن زينب بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا وهو ~~يقول: "لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ~~ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها" قالت زينب فقلت: يا رسول ~~الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث" (3) . PageV05P083 ### || # {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ~~(17) } # {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ms1460 ~~يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك ~~كان سعيهم مشكورا (19) كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك ~~محظورا (20) } # قوله: {وكم أهلكنا من القرون} أي: المكذبة {من بعد نوح} يخوف كفار مكة ~~{وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا} قال عبد الله بن أبي أوفى: القرن مائة ~~وعشرون سنة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول قرن وكان في آخره ~~يزيد بن معاوية. # وقيل: مائة سنة. وروي عن محمد بن القاسم عن عبد الله بن بسر المازني أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسه وقال: "سيعيش هذا الغلام ~~قرنا" (1) قال محمد بن القاسم فما زلنا نعد له حتى تم له مائة سنة ثم مات. # قال الكلبي: ثمانون سنة. وقيل: أربعون سنة. {من كان يريد العاجلة} يعني ~~الدنيا أي: الدار العاجلة، {عجلنا له فيها ما نشاء} من البسط والتقتير {لمن ~~نريد} أن نفعل به ذلك أو إهلاكه {ثم جعلنا له} في الآخرة {جهنم يصلاها} ~~يدخل نارها {مذموما مدحورا} مطرودا مبعدا. {ومن أراد الآخرة وسعى لها ~~سعيها} عمل عملها، {وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} مقبولا. {كلا نمد ~~هؤلاء وهؤلاء} أي: نمد كلا الفريقين من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة، {من ~~عطاء ربك} أي: يرزقهما جميعا ثم يختلف بهما الحال في المآل {وما كان عطاء ~~ربك} رزق ربك {محظورا} ممنوعا عن عباده فالمراد من العطاء: العطاء في ~~الدنيا وإلا فلا حظ للكفار في الآخرة. PageV05P084 ### || # {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (21) لا ~~تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (22) وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل ~~لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) } # {انظر} يا محمد {كيف فضلنا بعضهم على بعض} في الرزق والعمل [الصالح] (1) ~~يعني: طالب العاجلة وطالب الآخرة، {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} {لا ~~تجعل مع الله إلها آخر} الخطاب مع ms1461 النبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره. # وقيل: معناه لا تجعل أيها الإنسان [مع الله إلها آخر] (2) {فتقعد مذموما ~~مخذولا} مذموما من غير حمد مخذولا من غير نصر. قوله عز وجل {وقضى ربك} وأمر ~~ربك قاله ابن عباس وقتادة والحسن. # قال الربيع بن أنس: وأوجب ربك. # قال مجاهد: وأوصى ربك. # وحكي عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأ ووصى ربك. وقال: إنهم ألصقوا الواو ~~بالصاد فصارت قافا (3) . # {ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} أي: وأمر بالوالدين إحسانا برا ~~بهما وعطفا عليهما. # {إما يبلغن عندك الكبر} قرأ حمزة والكسائي بالألف على التثنية فعلى هذا ~~قوله: {أحدهما أو كلاهما} كلام مستأنف كقوله تعالى: "ثم عموا وصموا كثير ~~منهم" (المائدة-71) وقوله: "وأسروا النجوى الذين ظلموا" (الأنبياء-3) ~~وقوله: "الذين ظلموا" ابتداء وقرأ الباقون " يبلغن " على التوحيد. ~~PageV05P085 # {فلا تقل لهما أف} فيه ثلاث لغات قرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: بفتح ~~الفاء وقرأ أبو جعفر ونافع وحفص بالكسر والتنوين والباقون بكسر الفاء غير ~~منون ومعناها واحد وهي كلمة كراهية. # قال أبو عبيدة: أصل التف والأف الوسخ على الأصابع إذا فتلتها. # وقيل: "الأف": ما يكون في المغابن من الوسخ و"التف": ما يكون في الأصابع. # وقيل: "الأف": وسخ الأذن و"التف" وسخ الأظافر. # وقيل: "الأف": وسخ الظفر و"التف": ما رفعته بيدك من الأرض من شيء حقير. # {ولا تنهرهما} ولا تزجرهما. # {وقل لهما قولا كريما} حسنا جميلا لينا قال ابن المسيب: كقول العبد ~~المذنب للسيد الفظ. # وقال مجاهد: لا تسميهما ولا تكنهما وقل: يا أبتاه [يا أماه] (1) . # وقال مجاهد في هذه الآية أيضا: إذا بلغا عندك من الكبر ما يبولان فلا ~~تتقذرهما ولا تقل لهما أف حين تميط عنهما الخلاء والبول كما كانا يميطانه ~~عنك صغيرا. ### || # {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (24) } # {واخفض لهما جناح الذل} أي: ألن جانبك لهما واخضع. قال عروة 208/ب بن ~~الزبير: لن لهما حتى لا تمتنع عن شيء أحباه {من الرحمة} من الشفقة {وقل رب ~~ارحمهما كما ربياني صغيرا} ms1462 أراد: إذا كانا مسلمين. # قال ابن عباس: هذا منسوخ بقوله: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين" (التوبة-13) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا ~~أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا ~~سليمان بن حرب حدثنا حماد بن يزيد عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن ~~-يعني السلمي-عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ إن شئت أو ضيع" (2) . PageV05P086 # أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي الزراد أخبرنا أبو بكر محمد بن إدريس ~~الجرجاني أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين الماليني أخبرنا حسن بن سفيان ~~حدثنا يحيى بن حبيب بن عدي حدثنا خالد بن الحارث عن شعبة عن يعلى بن عطاء ~~عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رضا الله ~~في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد" (1) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ~~أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب ~~بن تمتام الضبي حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز بن مسلم عن يزيد ~~بن أبي زياد عن مجاهد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا يدخل الجنة منان ولا عاق ولا مدمن خمر" (2) . # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو محمد عبد الله ~~بن يوسف بن محمد بن بامويه الأصفهاني أخبرنا أبو سعيد أحمد بن زياد البصري ~~أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا ربعي بن علية عن عبد الرحمن بن إسحاق ~~عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي ورغم أنف رجل أتى ~~عليه شهر رمضان فلم يغفر له ورغم أنف رجل أدرك ms1463 أبويه الكبر فلم يدخلاه ~~الجنة" (3) . PageV05P087 ### || # {ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا (25) ~~} # {ربكم أعلم بما في نفوسكم} من بر الوالدين وعقوقهما {إن تكونوا صالحين} ~~أبرارا مطيعين بعد تقصير كان منكم في القيام بما لزمكم من حق الوالدين وغير ~~ذلك {فإنه كان للأوابين} بعد المعصية {غفورا} # قال سعيد بن جبير في هذه الآية: هو الرجل يكون منه البادرة إلى أبويه لا ~~يريد بذلك إلا الخير فإنه لا يؤاخذ به. # قال سعيد بن المسيب: "الأواب": الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. # قال سعيد بن جبير: الرجاع إلى الخير. # وعن ابن عباس قال: هو الرجاع إلى الله فيما يحزبه وينوبه. # وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: هم المسبحون، دليله قوله: "يا جبال ~~أوبي معه" (سبأ-10) . # قال قتادة: هم المصلون. # قال عوف (1) العقيلي: هم الذين يصلون صلاة الضحى. # أخبرنا أبو الحسن طاهر بن الحسين الروقي (2) الطوسي أخبرنا أبو الحسن ~~محمد بن يعقوب أخبرنا أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف حدثنا الحسن بن سفيان ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن هشام صاحب الدستوائي عن قتادة عن ~~القاسم بن عوف عن زيد بن أرقم قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أهل قباء وهم يصلون صلاة الضحى فقال: "صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من ~~الضحى" (3) . # وقال محمد بن المنكدر: "الأواب": الذي يصلي بين المغرب والعشاء. # وروي عن ابن عباس أنه قال: إن الملائكة لتحف بالذين يصلون بين المغرب ~~والعشاء وهي صلاة الأولين (4) . PageV05P088 ### || # {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (26) إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) } # {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28) } # قوله تعالى: {وآت ذا القربى حقه} يعني صلة الرحم وأراد به: قرابة الإنسان ~~وعليه الأكثرون. # عن علي بن الحسين: أراد به قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم (1) . # {والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا} أي: لا تنفق مالك في ms1464 المعصية. # وقال مجاهد: لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيرا ولو أنفق ~~مدا في باطل كان تبذيرا. # وسئل ابن مسعود عن التبذير فقال: إنفاق المال في غير حقه. # قال شعبة: كنت أمشي مع أبي إسحاق في طريق الكوفة فأتى على باب دار بني ~~بجص وآجر فقال: هذا التبذير. # وفي قول عبد الله: إنفاق المال في غير حقه (2) . {إن المبذرين كانوا ~~إخوان الشياطين} أي: أولياؤهم والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم هو أخوهم ~~{وكان الشيطان لربه كفورا} جحودا لنعمه. {وإما تعرضن عنهم} نزلت في مهجع ~~وبلال وصهيب وسالم وخباب كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الأحايين ما يحتاجون إليه ولا يجد فيعرض عنهم حياء منهم ويمسك عن القول ~~فنزل {وإما تعرضن عنهم} (3) وإن تعرض عن هؤلاء الذين أمرتك أن تؤتيهم ~~{ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} انتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك {فقل لهم ~~قولا ميسورا} لينا وهي العدة أي: عدهم وعدا جميلا وقيل: القول الميسور أن ~~تقول: يرزقنا الله وإياك. PageV05P089 ### || # {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ~~(29) إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30) ~~ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا ~~(31) } # {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} قال جابر: إني صبي فقال: يا رسول الله إن ~~أمي تستكسيك درعا ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قميصه فقال ~~للصبي: من ساعة إلى ساعة يظهر فعد وقتا آخر فعاد إلى أمه فقالت: قل له إن ~~أمي تستكسيك الدرع الذي عليك فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم داره فنزع ~~قميصه فأعطاه إياه وقعد عريانا فأذن بلال بالصلاة فانتظروه فلم يخرج فشغل ~~قلوب أصحابه فدخل عليه بعضهم فرآه عريانا فأنزل الله تعالى: "ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك" (1) يعني: ولا تمسك يدك عن النفقة في الحق كالمغلولة يده ~~لا يقدر على مدها. {ولا تبسطها} بالعطاء {كل البسط} فتعطي ms1465 جميع ما عندك ~~{فتقعد ملوما} يلومك [سائلوك] (2) بالإمساك إذا لم تعطهم و"الملوم": الذي ~~أتى بما يلوم نفسه أو يلومه غيره {محسورا} منقطعا بك لا شيء عندك تنفقه ~~يقال: حسرته بالمسألة إذا ألحفت عليه ودابة حسيرة إذا كانت كالة رازحة. # قال قتادة: "محسورا" نادما على ما فرط منك. {إن ربك يبسط} يوسع {الرزق ~~لمن يشاء ويقدر} أي: يقتر ويضيق {إنه كان بعباده خبيرا بصيرا} قوله تعالى: ~~{ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} فقر {نحن نرزقهم وإياكم} وذلك أن أهل ~~الجاهلية كانوا يئدون بناتهم خشية الفاقة فنهوا عنه وأخبروا أن رزقهم ورزق ~~أولادهم على الله تعالى {إن قتلهم كان خطئا كبيرا} قرأ ابن عامر وأبو جعفر ~~"خطأ" بفتح الخاء والطاء مقصورا. وقرأ ابن كثير بكسر الخاء ممدودا وقرأ ~~الآخرون 209/أبكسر الخاء وجزم الطاء ومعنى الكل واحد أي: إثما كبيرا. ~~PageV05P090 ### || # {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32) ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في ~~القتل إنه كان منصورا (33) } # {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} {ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق} وحقها ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل ~~دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمانه أو زنى بعد إحصانه أو قتل ~~نفسا بغير نفس فيقتل بها" (1) . # {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} أي: قوة وولاية على القاتل ~~بالقتل قاله مجاهد وقال الضحاك: سلطانه هو أنه يتخير فإن شاء استقاد منه ~~وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا. # {فلا يسرف في القتل} قرأ حمزة والكسائي: " فلا تسرف " بالتاء يخاطب ولي ~~القتيل وقرأ الآخرون: بالياء على الغائب أي: لا يسرف الولي في القتل. # واختلفوا في هذا الإسراف الذي منع منه فقال ابن عباس، وأكثر المفسرين: ~~معناه لا يقتل غير القاتل وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا قتل منهم قتيل ~~لا يرضون بقتل قاتله حتى يقتلوا أشرف منه. # وقال سعيد بن جبير: إذا ms1466 كان القاتل واحدا فلا يقتل جماعة بدل واحد وكان ~~أهل الجاهلية إذا كان المقتول شريفا لا يرضون بقتل القاتل [وحده] (2) حتى ~~يقتلوا معه جماعة من أقربائه. # وقال قتادة: معناه لا يمثل بالقاتل (3) . # {إنه كان منصورا} فالهاء راجعة إلى المقتول في قوله: {ومن قتل مظلوما} ~~يعني: إن المقتول منصور في الدنيا بإيجاب القود على قاتله وفي الآخرة ~~بتكفير خطاياه وإيجاب النار لقاتله هذا قول مجاهد. # وقال قتادة: الهاء راجعة إلى ولي المقتول معناه: أنه منصور على القاتل ~~باستيفاء القصاص منه أو الدية. PageV05P091 # وقيل في قوله: {فلا يسرف في القتل} إنه أراد به القاتل المعتدي يقول: لا ~~يتعدى بالقتل بغير الحق فإنه إن فعل ذلك فولي المقتول منصور من قبلي عليه ~~باستيفاء القصاص منه. ### || # {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد ~~إن العهد كان مسئولا (34) وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ~~ذلك خير وأحسن تأويلا (35) ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا (36) } # {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد} ~~بالإتيان بما أمر الله به والانتهاء عما نهى الله عنه. وقيل: أراد بالعهد ~~ما يلتزمه الإنسان على نفسه. # {إن العهد كان مسئولا} قال السدي: كان مطلوبا وقيل: العهد يسأل عن صاحب ~~العهد فيقال: فيما نقضت كالمؤودة تسأل فيم قتلت؟ {وأوفوا الكيل إذا كلتم ~~وزنوا بالقسطاس} قرأ حمزة والكسائي وحفص " بالقسطاس " بكسر القاف والباقون ~~بضمه وهما لغتان وهو الميزان صغر أو كبر أي: بميزان العدل وقال الحسن: هو ~~القبان قال مجاهد: هو رومي وقال غيره: هو عربي مأخوذ من القسط وهو العدل ~~أي: زنوا بالعدل {المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا} أي: عاقبة. {ولا تقف ما ~~ليس لك به علم} قال قتادة: لا تقل: رأيت ولم تره وسمعت ولم تسمعه وعلمت ولم ~~تعلمه. # وقال مجاهد: لا ترم أحدا بما ليس لك به علم. # قال القتيبي: لا تتبعه بالحدس والظن. وهو في اللغة اتباع ms1467 الأثر يقال: ~~قفوت فلانا أقفوه وقفيته وأقفيته إذا اتبعت أثره وبه سميت القافية لتتبعهم ~~الآثار. # قال القتيبي: هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور أي: يكون في إقفائها ~~يتبعها ويتعرفها (1) . # وحقيقة المعنى: لا تتكلم [أيها الإنسان] (2) بالحدس والظن. # {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} قيل: معناه يسأل ~~المرء عن سمعه وبصره وفؤاده. PageV05P092 # وقيل: يسأل السمع والبصر والفؤاد عما فعله المرء. # وقوله: {كل أولئك} أي: كل هذه الجوارح والأعضاء وعلى القول الأول يرجع ~~"أولئك" [إلى] (1) أربابها. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن الحسين ~~أخبرنا أبو علي حامد بن محمد الرفاء حدثنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز ~~أخبرنا الفضل بن دكين حدثنا سعد بن أوس العبسي حدثني بلال بن يحيى العبسي ~~أن شتير بن شكل أخبره عن أبيه شكل بن حميد قال: أتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقلت: يا نبي الله علمني تعويذا أتعوذ به فأخذ بيدي ثم قال: "قل: ~~اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وشر بصري وشر لساني وشر قلبي وشر مني" قال: ~~فحفظتها قال سعد المني ماؤه (2) . ### || # {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (37) } # {ولا تمش في الأرض مرحا} أي بطرا وكبرا وخيلاء وهو تفسير المشي فلذلك ~~أخرجه على المصدر، {إنك لن تخرق الأرض} أي لن تقطعها بكبرك حتى تبلغ آخرها ~~{ولن تبلغ الجبال طولا} أي لا تقدر أن تطاول الجبال وتساويها بكبرك. معناه: ~~أن الإنسان لا ينال بكبره وبطره شيئا كمن يريد خرق الأرض ومطاولة الجبال لا ~~يحصل على شيء. # وقيل: ذكر ذلك لأن من مشى مختالا يمشي مرة على عقبيه ومرة على صدور قدميه ~~فقيل له: إنك لن تنقب الأرض إن مشيت على عقبيك ولن تبلغ الجبال طولا إن ~~مشيت على صدور قدميك. # أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي ~~بن أحمد الخزاعي أخبرنا الهيثم بن كليب حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا سفيان ~~بن ms1468 وكيع حدثنا أبي عن المسعودي عن عثمان بن مسلم بن هرمز عن نافع بن جبير ~~بن مطعم عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا مشى يتكفأ ~~تكفؤا كأنما ينحط من صبب" (3) . PageV05P093 # أخبرنا أبو محمد الجرجاني أخبرنا أبو القاسم الخزاعي أخبرنا الهيثم بن ~~كليم حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن أبي ~~يونس عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه وما رأيت أحدا أسرع في مشيه من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كأنما الأرض تطوى له إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير ~~مكترث" (1) . ### || # {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) } PageV05P094 # {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في ~~جهنم ملوما مدحورا (39) } # {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} قرأ ابن عامر وأهل الكوفة: برفع الهمزة ~~وضم الهاء على الإضافة ومعناه: كل الذي ذكرنا من قوله: {وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه} {كان سيئه} أي: سيئ ما عددنا عليك عند ربك مكروها؛ لأنه ~~قد عد أمورا حسنة كقوله: {وآت ذا القربى حقه} {واخفض لهما جناح الذل} وغير ~~ذلك. # وقرأ الآخرون: " سيئة " منصوبة منونة يعني: كل الذي ذكرنا من قوله: {ولا ~~تقتلوا أولادكم} إلى هذا 209/ب الموضع سيئة لا حسنة فيه إذ الكل يرجع إلى ~~المنهي عنه دون غيره ولم يقل مكروهة لأن فيه تقديما وتأخيرا وتقديره: كل ~~ذلك كان مكروها سيئة. [وقوله {مكروها} على التكرير لا على الصفة مجازه: كل ~~ذلك كان سيئة وكان مكروها] (1) أو رجع إلى المعنى دون اللفظ لأن السيئة ~~الذنب وهو مذكر. {ذلك} الذي ذكرنا {مما أوحى إليك ربك من الحكمة} وكل ما ~~أمر الله به أو نهى عنه فهو حكمة. # {ولا تجعل مع الله إلها آخر} خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الآيات والمراد منه الأمة {فتلقى في جهنم ملوما مدحورا} مطرودا مبعدا ms1469 من كل ~~خير. PageV05P094 ### || # {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما ~~(40) ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا (41) قل لو ~~كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (42) سبحانه ~~وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43) تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ~~(44) } # قوله عز وجل: {أفأصفاكم ربكم} أي: اختاركم فجعل لكم الصفوة ولنفسه ما ليس ~~بصفوة يعني: اختاركم {بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا} لأنهم كانوا يقولون ~~الملائكة بنات الله {إنكم لتقولون قولا عظيما} يخاطب مشركي مكة. قوله عز ~~وجل: {ولقد صرفنا في هذا القرآن} يعني: [ما ذكر من] (1) العبر والحكم ~~والأمثال والأحكام والحجج والإعلام والتشديد للتكثير والتكرير {ليذكروا} ~~أي: ليتذكروا ويتعظوا وقرأ حمزة والكسائي بإسكان الذال وضم الكاف وكذلك في ~~الفرقان. {وما يزيدهم} تصريفنا وتذكيرنا {إلا نفورا} ذهابا وتباعدا عن ~~الحق. {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين {لو كان معه آلهة كما يقولون} قرأ حفص ~~وابن كثير " يقولون " بالياء وقرأ الآخرون بالتاء {إذا لابتغوا} لطلبوا ~~يعني الآلهة {إلى ذي العرش سبيلا} بالمبالغة والقهر ليزيلوا ملكه كفعل ملوك ~~الدنيا بعضهم ببعض. # وقيل: معناه لطلبوا إلى ذي العرش سبيلا بالتقرب إليه. # قال قتادة: لعرفوا الله وفضله وابتغوا ما يقربهم إليه. # والأول أصح. ثم نزه نفسه فقال عز من قائل: {سبحانه وتعالى عما يقولون} ~~قرأ حمزة والكسائي " تقولون " بالتاء والآخرون بالياء {علوا كبيرا} {تسبح ~~له السماوات السبع والأرض ومن فيهن} قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص ~~ويعقوب: " تسبح " بالتاء وقرأ الآخرون بالياء للحائل بين الفعل والتأنيث. ~~PageV05P095 # {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} روي عن ابن عباس أنه قال: وإن من شيء حي إلا ~~يسبح بحمده. # وقال قتادة: يعني الحيوانات والناميات. # وقال عكرمة: الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح. # وعن المقدام بن معد يكرب قال: إن التراب يسبح ما لم يبتل فإذا ابتل ترك ~~التسبيح وإن الخرزة تسبح ما لم ترفع من موضعها فإذا ms1470 رفعت تركت التسبيح وإن ~~الورقة لتسبح ما دامت على الشجرة فإذا سقطت تركت التسبيح وإن الثوب ليسبح ~~ما دام جديدا فإذا وسخ ترك التسبيح وإن الماء يسبح ما دام جاريا فإذا ركد ~~ترك التسبيح وإن الوحش والطير تسبح إذا صاحت فإذا سكنت تركت التسبيح. # وقال إبراهيم النخعي: وإن من شيء جماد إلا يسبح بحمده حتى صرير الباب ~~ونقيض السقف. # وقال مجاهد: كل الأشياء تسبح لله حيا كان أو ميتا أو جمادا، وتسبيحها ~~سبحان الله وبحمده. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن المثنى أخبرنا أبو أحمد ~~الزبير أخبرنا إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كنا ~~نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في سفر فقل الماء فقال: "اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل ~~فأدخل يده في الإناء ثم قال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله فلقد ~~رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع ~~تسبيح الطعام وهو يؤكل" (1) . # وقال بعض أهل المعاني: تسبح السموات والأرض والجمادات وسائر الحيوانات ~~سوى العقلاء ما دلت بلطيف تركيبها وعجيب هيئتها على خالقها فيصير ذلك ~~بمنزلة التسبيح منها. # والأول هو المنقول عن السلف (2) . # واعلم أن لله تعالى علما في الجمادات لا يقف عليه غيره فينبغي أن يوكل ~~علمه إليه. # {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} أي لا تعلمون تسبيح ما عدا من يسبح بلغاتكم ~~وألسنتكم {إنه كان حليما غفورا} PageV05P096 ### || # {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ~~(45) وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في ~~القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا (46) نحن أعلم بما يستمعون به إذ ~~يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (47) ~~} # قوله عز وجل: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ms1471 يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا} يحجب قلوبهم عن فهمه والانتفاع به. # قال قتادة: هو الأكنة والمستور بمعنى الساتر كقوله: "إنه كان وعده مأتيا" ~~(مريم-61) مفعول بمعنى فاعل. # وقيل مستور عن أعين الناس فلا يرونه. # وفسره بعضهم بالحجاب عن الأعين الظاهرة، كما روي عن سعيد بن جبير أنه لما ~~نزلت: "تبت يدا أبي لهب" جاءت امرأة أبي لهب ومعها حجر والنبي صلى الله ~~عليه وسلم مع أبي بكر فلم تره فقالت لأبي بكر: أين صاحبك لقد بلغني أنه ~~هجاني؟ فقال: والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله فرجعت وهي تقول قد كنت جئت ~~بهذا الحجر لأرضخ رأسه فقال أبو بكر: ما رأتك يا رسول الله قال: لا لم يزل ~~ملك بيني وبينها يسترني (1) . {وجعلنا على قلوبهم أكنة} أغطية {أن يفقهوه} ~~كراهية أن يفقهوه. وقيل: لئلا يفقهوه، {وفي آذانهم وقرا} ثقلا لئلا يسمعوه ~~{وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده} يعني إذا قلت: لا إله إلا الله في القرآن ~~وأنت تتلوه {ولوا على أدبارهم نفورا} جمع "نافر" مثل: قاعد وقعود وجالس ~~وجلوس أي نافرين. {نحن أعلم بما يستمعون به} قيل: "به" صلة أي: يطلبون ~~سماعه، {إذ يستمعون إليك} وأنت تقرأ القرآن {وإذ هم نجوى} يتناجون في أمرك ~~وقيل: ذو نجوى فبعضهم يقول: هذا مجنون وبعضهم يقول كاهن وبعضهم يقول: ساحر ~~وبعضهم يقول: شاعر {إذ يقول الظالمون} يعني: الوليد بن المغيرة وأصحابه، ~~{إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} مطبوبا [وقال مجاهد] (2) PageV05P097 # مخدوعا. وقيل: مصروفا عن الحق. يقال: ما سحرك عن كذا أي ما صرفك؟ # وقال أبو عبيدة: أي رجلا له سحر، والسحر: الرئة أي: إنه بشر مثلكم معلل ~~بالطعام والشراب يأكل ويشرب قال الشاعر: # أرانا موضعين لحتم غيب %~% ونسحر بالطعام وبالشراب # (1) أي نغذى ونعلل. ### || # {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (48) وقالوا أئذا ~~كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا (49) } PageV05P098 # {قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من ~~يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو ms1472 قل عسى ~~أن يكون قريبا (51) } # {انظر} يا محمد {كيف ضربوا لك الأمثال} 210/أالأشباه، قالوا: شاعر وساحر ~~وكاهن ومجنون {فضلوا} فحاروا وحادوا {فلا يستطيعون سبيلا} أي: وصولا إلى ~~طريق الحق. {وقالوا أئذا كنا عظاما} بعد الموت، {ورفاتا} قال مجاهد: ترابا ~~وقيل: حطاما. و"الرفات": كل ما تكسر وبلى من كل شيء كالفتات والحطام. {أئنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا} {قل} لهم يا محمد: {كونوا حجارة أو حديدا} في الشدة ~~والقوة وليس هذا بأمر إلزام بل هو أمر تعجيز أي: استشعروا في قلوبكم أنكم ~~حجارة أو حديد في القوة. {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} قيل: السماء والأرض ~~[والجبال] (1) . # وقال مجاهد وعكرمة (2) وأكثر المفسرين: إنه الموت فإنه ليس في نفس ابن ~~آدم شيء أكبر من الموت أي: لو كنتم الموت بعينه لأميتنكم ولأبعثنكم. # {فسيقولون من يعيدنا} من يبعثنا بعد الموت؟ {قل الذي فطركم} خلقكم {أول ~~مرة} ومن قدر على الإنشاء قدر على الإعادة {فسينغضون إليك رءوسهم} أي: ~~يحركونها PageV05P098 # إذا قلت لهم ذلك مستهزئين بها {ويقولون متى هو} أي: البعث والقيامة {قل ~~عسى أن يكون قريبا} أي: هو قريب لأن عسى من الله واجب نظيره قوله تعالى: ~~"وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا" (الأحزاب-63) . ### || # {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52) وقل لعبادي ~~يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا ~~مبينا (53) ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك ~~عليهم وكيلا (54) } # {يوم يدعوكم} من قبوركم إلى موقف القيامة {فتستجيبون بحمده} قال ابن ~~عباس: بأمره وقال قتادة: بطاعته وقيل: مقرين بأنه خالقهم وباعثهم ويحمدونه ~~حين لا ينفعهم الحمد وقيل: هذا خطاب مع المؤمنين فإنهم يبعثون حامدين. ~~{وتظنون إن لبثتم} في الدنيا وفي القبور {إلا قليلا} لأن الإنسان لو مكث ~~ألوفا من السنين في الدنيا وفي القبر عد ذلك قليلا في مدة القيامة والخلود ~~قال قتادة: يستحقرون مدة الدنيا في جنب القيامة. قوله تعالى: {وقل لعبادي ~~يقولوا التي هي أحسن} قال الكلبي: كان المشركون يؤذون المسلمين ms1473 فشكوا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنزل الله تعالى: {وقل لعبادي} المؤمنين ~~{يقولوا} للكافرين {التي هي أحسن} ولا يكافؤوهم بسفههم. قال الحسن: يقول ~~له: يهديك الله وكان هذا قبل الإذن في الجهاد والقتال (1) . # وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب شتمه بعض الكفار فأمره الله بالعفو (2) . # وقيل: أمر الله المؤمنين بأن يقولوا ويفعلوا التي هي أحسن أي: الخلة التي ~~هي أحسن. # وقيل: "الأحسن" كلمة الإخلاص لا إله إلا الله. # {إن الشيطان ينزغ بينهم} أي: يفسد ويلقي العداوة بينهم {إن الشيطان كان ~~للإنسان عدوا مبينا} ظاهر العداوة. {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم} يوفقكم ~~فتؤمنوا {أو إن يشأ يعذبكم} يميتكم على الشرك فتعذبوا قاله ابن جريج. ~~PageV05P099 # وقال الكلبي: إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أهل مكة، وإن يشأ يعذبكم فيسلطهم ~~عليكم. {وما أرسلناك عليهم وكيلا} حفيظا وكفيلا قيل: نسختها آية القتال. ### || # {وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ~~وآتينا داود زبورا (55) قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا (56) أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57) } # {وربك أعلم بمن في السماوات والأرض} أي: ربك العالم بمن في السموات ~~والأرض فجعلهم مختلفين في صورهم وأخلاقهم وأحوالهم ومللهم. # {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} قيل جعل أهل السموات والأرض مختلفين ~~كما فضل بعض النبيين على بعض. # قال قتادة في هذه الآية: اتخذ الله إبراهيم خليلا وكلم موسى تكليما وقال ~~لعيسى: كن فيكون (1) وآتى سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده وآتى داود ~~زبورا كما قال: {وآتينا داود زبورا} والزبور: كتاب علمه الله داود يشتمل ~~على مائة وخمسين سورة كلها دعاء وتمجيد وثناء على الله عز وجل وليس فيها ~~حرام ولا حلال ولا فرائض ولا حدود. # معناه: إنكم لم تنكروا تفضيل النبيين فكيف تنكرون فضل النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإعطاءه القرآن؟ وهذا خطاب مع من يقر بتفضيل الأنبياء عليهم ~~السلام من أهل ms1474 الكتاب وغيرهم. قوله عز وجل: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه} ~~وذلك أن المشركين أصابهم قحط شديد حتى أكلوا الكلاب (2) والجيف فاستغاثوا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم قال الله تعالى: {قل} للمشركين {ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه} أنها آلهة {فلا يملكون كشف الضر} القحط والجوع {عنكم ~~ولا تحويلا} إلى غيركم أو تحويل الحال من العسر إلى اليسر. {أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} يعني الذين يدعونهم المشركون آلهة ~~يعبدونهم. PageV05P100 # قال ابن عباس ومجاهد: وهم عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر ~~والنجوم "يبتغون" أي يطلبون إلى ربهم "الوسيلة" أي القربة. وقيل: الوسيلة ~~الدرجة العليا أي: يتضرعون إلى الله في طلب الدرجة العليا. # وقيل: الوسيلة كل ما يتقرب به إلى الله تعالى. # وقوله: {أيهم أقرب} معناه: ينظرون أيهم أقرب إلى الله فيتوسلون به وقال ~~الزجاج: أيهم أقرب يبتغي الوسيلة إلى الله تعالى ويتقرب إليه بالعمل الصالح ~~{ويرجون رحمته} جنته {ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} أي يطلب منه ~~الحذر. # وقال عبد الله بن مسعود: نزلت الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا ~~من الجن فأسلم الجنيون ولم يعلم الإنس الذين كانوا يعبدونهم بإسلامهم ~~فتمسكوا بعبادتهم فعيرهم الله وأنزل هذه الآية (1) . # وقرأ ابن مسعود " أولئك الذين تدعون " بالتاء. ### || # {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا ~~كان ذلك في الكتاب مسطورا (58) } # {وإن من قرية} وما من قرية {إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة} أي: ~~مخربوها ومهلكوها أهلها {أو معذبوها عذابا شديدا} بأنواع العذاب إذا كفروا ~~وعصوا وقال مقاتل وغيره: مهلكوها في حق المؤمنين بالإماتة ومعذبوها في حق ~~الكفار بأنواع العذاب. # قال عبد الله بن مسعود: إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله في هلاكها ~~(2) . # {كان ذلك في الكتاب} في اللوح المحفوظ {مسطورا} مكتوبا. # قال عبادة بن الصامت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول ~~ما خلق الله القلم فقال اكتب فقال ما أكتب؟ قال القدر وما كان وما هو ms1475 كائن ~~إلى الأبد" (3) . PageV05P101 # قوله عز وجل: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} قال ~~ابن عباس: سأل أهل مكة [رسول الله صلى الله عليه وسلم] (1) أن يجعل لهم ~~الصفا ذهبا وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا فأوحى الله تعالى إلى رسوله صلى ~~الله عليه وسلم: إن شئت أن أستأني بهم فعلت وإن شئت أن أوتيهم ما سألوا ~~210/ب فعلت فإن لم يؤمنوا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم [من الأمم] (2) ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا بل تستأني بهم" فأنزل الله عز وجل (3) ~~PageV05P102 ### || # {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) وإذ قلنا لك إن ربك ~~أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة ~~في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا (60) } # {وما منعنا أن نرسل بالآيات} التي سألها كفار قريش {إلا أن كذب بها ~~الأولون} فأهلكناهم فإن لم يؤمن قومك بعد إرسال الآيات أهلكتهم لأن من ~~سنتنا في الأمم إذا سألوا الآيات ثم لم يؤمنوا بعد إتيانها أن نهلكهم ولا ~~نمهلهم وقد حكمنا بإهلاك هذه الأمة بالعذاب فقال جل ذكره: "بل الساعة ~~موعدهم والساعة أدهى وأمر" (القمر-46) ثم قال: # {وآتينا ثمود الناقة مبصرة} مضيئة بينة {فظلموا بها} أي: جحدوا بها أنها ~~من عند الله كما قال: "بما كانوا بآياتنا يظلمون" (الأعراف-9) أي: يجحدون ~~وقيل: ظلموا أنفسهم بتكذيبها يريد فعاجلناهم بالعقوبة. # {وما نرسل بالآيات} أي: العبر والدلالات {إلا تخويفا} للعباد ليؤمنوا # قال قتادة إن الله تعالى يخوف الناس (1) بما شاء من آياته لعلهم يرجعون. ~~قوله عز وجل: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} أي: هم في قبضته لا يقدرون ~~على الخروج عن مشيئته فهو حافظك ومانعك منهم فلا تهبهم وامض إلى ما أمرك به ~~من تبليغ الرسالة PageV05P102 # كما قال: "والله يعصمك من الناس" (المائدة-67) # {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} فالأكثرون على أن المراد ~~منه ما رأى ms1476 النبي صلى الله عليه وسلم [ليلة المعراج من العجائب والآيات. # قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم] (1) وهو قول ~~سعيد بن جبير والحسن ومسروق وقتادة ومجاهد وعكرمة وابن جريج والأكثرين (2) ~~والعرب تقول: رأيت بعين رؤية ورؤيا فلما ذكرها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم للناس أنكر بعضهم ذلك وكذبوا فكان فتنة للناس. # وقال قوم: [أسري بروحه دون بدنه (3) . # وقال بعضهم: كان له معراجان: معراج رؤية بالعين ومعراج رؤيا بالقلب. # وقال قوم] (4) . أراد بهذه الرؤيا ما رأى صلى الله عليه وسلم عام ~~الحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه فجعل السير إلى مكة قبل الأجل فصده ~~المشركون فرجع إلى المدينة وكان رجوعه في ذلك العام بعدما أخبر أنه يدخلها ~~فتنة لبعضهم حتى دخلها في العام المقبل فأنزل الله تعالى: "لقد صدق الله ~~رسوله الرؤيا بالحق" (الفتح-27) (5) . # {والشجرة الملعونة في القرآن} يعني شجرة الزقوم، مجازه: والشجرة الملعونة ~~المذكورة في القرآن والعرب تقول لكل طعام كريه: طعام ملعون. وقيل: [معناه ~~الملعون] (6) آكلها ونصب الشجرة عطفا على الرؤيا أي: وما جعلنا الرؤيا التي ~~أريناك والشجرة الملعونة إلا فتنة للناس فكانت الفتنة في الرؤيا ما ذكرنا. # والفتنة في الشجرة الملعونة من وجهين أحدهما: أن أبا جهل قال: إن ابن أبي ~~كبشة يوعدكم بنار تحرق الحجارة ثم يزعم أنه ينبت فيها شجرة وتعلمون أن ~~النار تحرق الشجرة. # والثاني أن عبد الله بن الزبعرى قال: إن محمدا يخوفنا بالزقوم ولا نعرف ~~الزقوم إلا الزبد والتمر وقال أبو جهل: يا جارية تعالي فزقمينا فأتت بالتمر ~~والزبد فقال: يا قوم [تزقموا] (7) فإن هذا ما يخوفكم به محمد فوصفها الله ~~تعالى في الصافات (8) . PageV05P103 # وقيل: الشجرة الملعونة هي: التي تلتوي على الشجر فتجففه يعني الكشوث (1) ~~. # {ونخوفهم فما يزيدهم} التخويف {إلا طغيانا كبيرا} أي: تمردا وعتوا عظيما. ### || # {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت ~~طينا (61) قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا (62) قال اذهب فمن ms1477 تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء ~~موفورا (63) واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم ~~في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64) } # {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت ~~طينا} أي: خلقته من طين أنا جئت به وذلك ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس: أن الله تعالى بعث إبليس حتى أخذ كفا من تراب الأرض من عذبها وملحها ~~فخلق منه آدم فمن خلقه من العذب فهو سعيد وإن كان ابن كافرين ومن خلقه من ~~الملح فهو شقي وإن كان ابن نبيين (2) . {قال} يعني: إبليس {أرأيتك} أي: ~~أخبرني والكاف لتأكيد المخاطبة {هذا الذي كرمت علي} أي: فضلته علي {لئن ~~أخرتني} أمهلتني {إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته} أي: لأستأصلنهم بالإضلال ~~يقال: احتنك الجراد الزرع إذا أكله كله وقيل هو من قول العرب حنك الدابة ~~يحنكها: إذا شد في حنكها الأسفل حبلا يقودها أي: لأقودنهم كيف شئت وقيل ~~لأستولين عليهم بالإغواء {إلا قليلا} يعني المعصومين الذين استثناهم الله ~~عز وجل في قوله: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان" (الحجر-42) . {قال} الله: ~~{اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم} أي: جزاءك وجزاء أتباعك {جزاء ~~موفورا} وافرا مكملا يقال: وفرته أوفره وفرا. وقوله: {واستفزز} واستخفف ~~واستجهد {من استطعت منهم} أي: من ذرية آدم PageV05P104 # {بصوتك} قال ابن عباس وقتادة: بدعائك إلى معصية الله. وكل داع إلى معصية ~~الله [فهو من جند إبليس. # قال الأزهري: معناه ادعهم دعاء تستفزهم به إلى جانبك أي: تستخفهم] (1) . # وقال مجاهد: بالغناء والمزامير (2) . # {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك} قيل: اجمع عليهم مكايدك وخيلك، ويقال: ~~"أجلبوا" و"جلبوا" إذا صاحوا يقول: صح بخيلك ورجلك وحثهم عليه بالإغواء. # قال مقاتل: استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم والخيل: الركبان والرجل: ~~المشاة. # قال أهل التفسير: كل راكب وماش في معاصي الله فهو من جند إبليس. # وقال مجاهد وقتادة: إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس، وهو كل من يقاتل في ~~المعصية والرجل والرجالة والراجلة واحد يقال: راجل ms1478 ورجل مثل: تاجر وتجر ~~وراكب وركب وقرأ حفص ورجلك بكسر الجيم وهما لغتان. # {وشاركهم في الأموال والأولاد} فالمشاركة في الأموال: كل ما أصيب من حرام ~~أو أنفق في حرام هذا قول مجاهد والحسن وسعيد بن جبير. # وقال عطاء: هو الربا وقال قتادة هو ما كان المشركون يحرمونه من الأنعام ~~كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام. # وقال الضحاك: هو ما كانوا يذبحونه لآلهتهم (3) . # وأما الشركة في الأولاد: روي عن ابن عباس: أنها المؤودة. # وقال مجاهد والضحاك: هم أولاد الزنا. # وقال الحسن، وقتادة: هو أنهم هودوا أولادهم ونصروهم ومجسوهم. # وعن ابن عباس رواية أخرى: هو تسميتهم الأولاد عبد الحارث وعبد شمس وعبد ~~العزى وعبد الدار ونحوها (4) 211/أ PageV05P105 # وروي عن جعفر بن محمد أن الشيطان يقعد على ذكر الرجل فإذا لم يقل: "بسم ~~الله" أصاب معه امرأته وأنزل في فرجها كما ينزل الرجل. # وروي في بعض الأخبار: إن فيكم مغربين قيل: وما المغربون؟ قال: الذين ~~يشارك فيهم الجن (1) . # وروي أن رجلا قال لابن عباس: إن امرأتي استيقظت وفي فرجها شعلة من نار؟ ~~قال: ذلك من وطء الجن. # وفي الآثار: أن إبليس لما أخرج إلى الأرض قال: يا رب أخرجتني من الجنة ~~لأجل آدم فسلطني عليه وعلى ذريته قال: أنت مسلط فقال: لا أستطيعه إلا بك ~~فزدني قال: استفزز من استطعت منهم بصوتك الآية فقال آدم: يا رب سلطت إبليس ~~علي وعلى ذريتي وإني لا أستطيعه إلا بك قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من ~~يحفظونه قال: زدني قال: الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها قال: زدني قال: ~~التوبة معروضة ما دام الروح في الجسد فقال: زدني قال: "يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم" الآية (2) (الزمر-53) . # وفي الخبر: أن إبليس قال: يا رب بعثت أنبياء وأنزلت كتبا فما قراءتي؟ ~~قال: الشعر قال: فما كتابي؟ قال: الوشم قال: ومن رسلي؟ قال: الكهنة قال: ~~وأين مسكني؟ قال الحمامات قال: وأين مجلسي؟ قال: الأسواق قال: أي شيء ~~مطعمي؟ قال: ما لم يذكر عليه اسمي قال: ما شرابه؟ قال: ms1479 كل مسكر قال: وما ~~حبالي؟ قال النساء قال: وما أذاني؟ قال: المزامير (3) . # قوله عز وجل {وعدهم} أي: منهم الجميل في طاعتك. وقيل: قل لهم: لا جنة ولا ~~نار ولا بعث. # {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} والغرور تزيين الباطل بما يظن أنه حق. # فإن قيل: كيف ذكر الله هذه الأشياء وهو يقول: "إن الله لا يأمر بالفحشاء" ~~(الأعراف-28) ؟ # قيل: هذا على طريق التهديد كقوله تعالى: "اعملوا ما شئتم" (فصلت-40) ~~وكقول القائل: افعل ما شئت فسترى (4) . PageV05P106 ### || # {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (65) ربكم الذي يزجي لكم ~~الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما (66) } # {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم وكان الإنسان كفورا (67) أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل ~~عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ~~فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا (69) } # قوله {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا} أي حافظا من يوكل ~~الأمر إليه. قوله عز وجل {ربكم الذي يزجي لكم الفلك} أي: يسوق ويجري لكم ~~الفلك {في البحر لتبتغوا من فضله} لتطلبوا من رزقه {إنه كان بكم رحيما} ~~{وإذا مسكم الضر} الشدة وخوف الغرق {في البحر ضل} أي: بطل وسقط {من تدعون} ~~من الآلهة {إلا إياه} إلا الله فلم تجدوا مغيثا غيره وسواه {فلما نجاكم} ~~أجاب دعاءكم وأنجاكم من هول البحر وأخرجكم {إلى البر أعرضتم} عن الإيمان ~~والإخلاص والطاعة كفرا منكم لنعمه {وكان الإنسان كفورا} {أفأمنتم} بعد ذلك ~~{أن يخسف بكم} يغور بكم {جانب البر} ناحية البر وهي الأرض {أو يرسل عليكم ~~حاصبا} أي: يمطر عليكم حجارة من السماء كما أمطر على قوم لوط وقال أبو ~~عبيدة والقتيبي: الحاصب الريح التي ترمي بالحصباء وهي الحصا الصغار {ثم لا ~~تجدوا لكم وكيلا} قال قتادة: مانعا. {أم أمنتم أن يعيدكم فيه} يعني في ~~البحر {تارة} مرة {أخرى ms1480 فيرسل عليكم قاصفا من الريح} قال ابن عباس: أي: ~~عاصفا وهي الريح الشديدة. # وقال أبو عبيدة: هي الريح التي تقصف كل شيء أي تدقه وتحطمه. # وقال القتيبي: هي التي تقصف الشجر أي تكسره. # PageV05P107 # {فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا} ناصرا ولا ثائرا ~~و"تبيع" بمعنى تابع أي تابعا مطالبا بالثأر. وقيل: من يتبعنا بالإنكار. # قرأ ابن كثير وأبو عمرو "أن نخسف ونرسل ونعيدكم فنرسل فنغرقكم" بالنون ~~فيهن لقوله "علينا" وقرأ الآخرون بالياء لقوله" "إلا إياه" وقرأ أبو جعفر ~~ويعقوب: " فتغرقكم " بالتاء يعني الريح. ### || # {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) } # قوله عز وجل {ولقد كرمنا بني آدم} روي عن ابن عباس أنه قال: هو أنهم ~~يأكلون بالأيدي وغير الآدمي يأكل بفيه من الأرض وروي عنه أنه قال: بالعقل. # وقال الضحاك: بالنطق وقال عطاء: بتعديل القامة وامتدادها والدواب منكبة ~~على وجوهها وقيل: بحسن الصورة وقيل: الرجال باللحى والنساء بالذوائب وقيل: ~~بأن سخر لهم سائر الأشياء وقيل: بأن منهم خير أمة أخرجت للناس (1) . # {وحملناهم في البر والبحر} أي: حملناهم في البر على الدواب وفي البحر على ~~السفن. # {ورزقناهم من الطيبات} يعني: لذيذ المطاعم والمشارب قال مقاتل: السمن ~~والزبد والتمر والحلوى وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى. # {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} وظاهر الآية أنه فضلهم على كثير ~~ممن خلقهم لا على الكل. # وقال قوم: فضلوا على جميع الخلق إلا على الملائكة. # وقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم إلا على طائفة من الملائكة: جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وأشباههم. # وفي تفضيل الملائكة على البشر اختلاف فقال قوم: فضلوا على جميع الخلق ~~وعلى الملائكة كلهم وقد يوضع الأكثر موضع الكل كما قال تعالى: "هل أنبئكم ~~على من تنزل الشياطين" إلى قوله تعالى: "وأكثرهم كاذبون" (الشعراء-221-222) ~~أي: كلهم. PageV05P108 # وفي الحديث عن جابر يرفعه قال: "لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: ~~يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون فاجعل لهم الدنيا ولنا ms1481 الآخرة فقال ~~تعالى: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له: كن فكان" (1) ~~. # والأولى أن يقال: عوام المؤمنين أفضل من عوام الملائكة وخواص المؤمنين ~~أفضل من خواص الملائكة قال الله تعالى: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك هم خير البرية" (البينة-7) . # وروي عن أبي هريرة أنه قال: "المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين ~~عنده" (2) . ### || # {يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ~~ولا يظلمون فتيلا (71) } # قوله عز وجل {يوم ندعوا كل أناس بإمامهم} قال مجاهد وقتادة: بنبيهم وقال ~~أبو صالح والضحاك: بكتابهم الذي أنزل عليهم. # وقال الحسن وأبو العالية: بأعمالهم. # وقال قتادة أيضا: بكتابهم الذي فيه أعمالهم بدليل سياق الآية. # {فمن أوتي كتابه بيمينه} ويسمى الكتاب إماما كما قال عز وجل: "وكل شيء ~~أحصيناه في إمام مبين" (يس-12) . # وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: بإمام زمانهم الذي دعاهم ~~في الدنيا إلى ضلالة أو هدى قال الله تعالى: "وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا" ~~(الأنبياء-73) وقال: "وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار" (القصص-41) . ~~PageV05P109 # وقيل: بمعبودهم وعن سعيد بن المسيب قال: كل قوم يجتمعون إلى رئيسهم في ~~الخير والشر. # وقال محمد بن كعب: {بإمامهم} قيل: يعني بأمهاتهم وفيه ثلاثة أوجه من ~~الحكمة أحدها: لأجل عيسى عليه السلام والثاني: لشرف الحسن والحسين والثالث: ~~لئلا يفتضح أولاد الزنا (1) . # {فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا} أي لا ~~ينقص من حقهم قدر فتيل (2) . ### || # {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (72) } # {ومن كان في هذه أعمى} اختلفوا في هذه الإشارة فقال قوم: هي راجعة إلى ~~النعم التي عددها الله تعالى في هذه الآيات من قوله: {ربكم الذي يزجي لكم ~~الفلك} إلى قوله {تفضيلا} يقول: من كان منكم في هذه النعم التي قد عاين ~~أعمى {فهو في} أمر {الآخرة} التي لم يعاين ولم ير {أعمى وأضل سبيلا} يروى ~~هذا عن ابن عباس (3) . # وقال الآخرون: هي راجعة إلى الدنيا يقول: من ms1482 كان في هذه الدنيا أعمى ~~القلب عن رؤية قدرة الله وآياته ورؤية الحق فهو في الآخرة أعمى أي: أشد عمى ~~وأضل سبيلا أي: أخطأ طريقا (4) . # وقيل: من كان في هذه الدنيا أعمى عن الاعتبار فهو في الآخرة أعمى عن ~~الاعتذار. # وقال الحسن: من كان في هذه الدنيا ضالا كافرا فهو في الآخرة أعمى وأضل ~~سبيلا لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته (5) . ~~PageV05P110 # وأمال بعض القراء هذين الحرفين وفتحهما بعضهم وكان أبو عمرو يكسر الأول ~~ويفتح الثاني فهو في الآخرة أشد عمى لقوله "وأضل سبيلا". ### || # {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك ~~خليلا (73) } # قوله عز وجل: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك} الآية اختلفوا في ~~سبب نزولها: # قال سعيد بن جبير: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود ~~فمنعته قريش وقالوا: [لا تلم] (1) حتى تلم بآلهتنا وتمسها فحدث نفسه: ما ~~علي أن أفعل ذلك والله تعالى يعلم أني لها كاره بعد أن يدعوني حتى أستلم ~~الحجر الأسود (2) . # وقيل: طلبوا منه أن يمس آلهتهم حتى يسلموا ويتبعوه فحدث نفسه بذلك فأنزل ~~الله هذه الآية (3) . # قال ابن عباس: قدم وفد ثقيف على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نبايعك ~~على أن تعطينا ثلاث خصال قال: وما هن؟ قالوا: أن لا ننحني -أي في الصلاة- ~~ولا نكسر أصنامنا بأيدينا وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود وأما أن ~~تكسروا أصنامكم بأيديكم فذاك لكم وأما الطاغية -يعني اللات والعزى-فإني غير ~~ممتعكم بها" فقالوا: يا رسول الله إنا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم ~~تعط غيرنا فإن خشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل: الله أمرني ~~بذلك؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطمع القوم في سكوته أن يعطيهم ~~ذلك فأنزل الله عز وجل هذه الآية (4) . {وإن كادوا ليفتنونك} ليصرفونك {عن ~~الذي أوحينا إليك} {لتفتري} ms1483 لتختلق {علينا غيره وإذا} لو فلعت ما دعوك إليه ~~{لاتخذوك خليلا} أي: والوك وصافوك. PageV05P111 ### || # {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) إذا لأذقناك ضعف ~~الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) } # {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا ~~قليلا (76) } # {ولولا أن ثبتناك} على الحق بعصمتنا {لقد كدت تركن} أي: تميل {إليهم شيئا ~~قليلا} أي: قريبا من الفعل. # فإن قيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما فكيف يجوز أن يقرب مما ~~طلبوه وما طلبوه كفر؟ # قيل: كان ذلك خاطر قلب ولم يكن عزما وقد غفر (1) الله عز وجل عن حديث ~~النفس. # قال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك: "اللهم لا تكلني ~~إلى نفسي طرفة عين" (2) . # والجواب الصحيح هو أن الله تعالى قال: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا} وقد ثبته الله ولم يركن وهذا مثل قوله تعالى: "ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا" (النساء-83) [وقد تفضل فلم ~~يتبعوا] (3) . {إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} أي: لو فعلت ذلك ~~لأذقناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات يعني: أضعفنا لك العذاب في ~~الدنيا والآخرة. # وقيل: "الضعف": هو العذاب سمي ضعفا لتضاعف الألم فيه. # {ثم لا تجد لك علينا نصيرا} أي: ناصرا يمنعك من عذابنا. قوله تعالى: {وإن ~~كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها} اختلفوا في معنى الآية فقال بعضهم: ~~هذه الآية مدنية قال الكلبي: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~كره اليهود مقامه بالمدينة حسدا منهم فأتوه وقالوا: يا أبا القاسم لقد علمت ~~ما هذه بأرض الأنبياء فإن أرض الأنبياء الشام [وهي الأرض المقدسة وكان بها ~~إبراهيم والأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن كنت نبيا مثلهم فأت الشام] (4) ~~وإنما يمنعك من الخروج إليها مخافتك الروم وإن الله سيمنعك من الروم إن كنت ~~رسوله PageV05P112 # فعسكر النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أميال من المدينة وفي رواية: ~~إلى ذي الحليفة حتى يجتمع ms1484 إليه أصحابه ويخرج فأنزل الله هذه الآية و"الأرض" ~~هاهنا هي المدينة (1) . # وقال مجاهد وقتادة: "الأرض" أرض مكة والآية مكية هم المشركون أن يخرجوه ~~منها فكفهم الله عنه حتى أمره بالهجرة فخرج بنفسه وهذا أليق بالآية لأن ما ~~قبلها خبر عن أهل مكة والسورة مكية (2) . # وقيل: هم الكفار كلهم أرادوا أن يستفزوه من أرض العرب باجتماعهم وتظاهرهم ~~عليه فمنع الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم ولم ينالوا منه ما أملوا ~~والاستفزاز هو الإزعاج بسرعة. # {وإذا لا يلبثون خلافك} أي بعدك وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص ~~ويعقوب {خلافك} اعتبارا بقوله تعالى: "فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول ~~الله" (التوبة-81) ومعناهما واحد (3) . {إلا قليلا} أي: لا يلبثون بعدك إلا ~~قليلا حتى يهلكوا فعلى هذا القول الأول: مدة حياتهم وعلى الثاني: ما بين ~~خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إلى أن قتلوا ببدر. ### || # {سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77) } # قوله عز وجل: {سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا} أي: كسنتنا فانتصب بحذف ~~الكاف وسنة الله في الرسل إذا كذبتهم الأمم أن لا يعذبهم ما دام نبيهم بين ~~أظهرهم فإذا خرج نبيهم من بين أظهرهم عذبهم. # {ولا تجد لسنتنا تحويلا} أي تبديلا. PageV05P113 ### || # {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا (78) } # قوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} اختلفوا في الدلوك: روي عن عبد الله بن ~~مسعود أنه قال: الدلوك هو الغروب وهو قول إبراهيم النخعي ومقاتل بن حيان ~~والضحاك والسدي. # وقال ابن عباس: وابن عمر وجابر: هو زوال الشمس وهو قول عطاء وقتادة ~~ومجاهد والحسن وأكثر التابعين. # ومعنى اللفظ يجمعهما لأن أصل الدلوك الميل والشمس تميل إذا زالت وغربت. # والحمل على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به ولأنا إذا حملناه عليه ~~كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها "فدلوك الشمس": يتناول صلاة الظهر ~~والعصر و"إلى غسق الليل": يتناول المغرب والعشاء و"قرآن الفجر": هو صلاة ~~الصبح (1) . # قوله عز وجل: {إلى غسق الليل} أي: ms1485 ظهور ظلمته وقال ابن عباس: بدو الليل ~~وقال قتادة: وقت صلاة المغرب وقال مجاهد: غروب الشمس. # {وقرآن الفجر} يعني: صلاة الفجر سمى صلاة الفجر قرآنا لأنها لا تجوز إلا ~~بقرآن وانتصاب القرآن من وجهين أحدهما: أنه عطف على الصلاة أي: وأقم قرآن ~~الفجر قاله الفراء وقال أهل البصرة: على الإغراء أي وعليك قرآن الفجر. # {إن قرآن الفجر كان مشهودا} أي: يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب ~~عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تفضل صلاة الجميع على صلاة ~~أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءا وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة ~~الفجر" ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {إن قرآن الفجر كان مشهودا} (2) ~~. PageV05P114 ### || # {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (79) } # قوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به} أي: قم بعد نومك والتهجد لا يكون إلا ~~بعد النوم يقال: تهجد إذا قام بعدما نام وهجد إذا نام. # والمراد من الآية: قيام الليل للصلاة. # وكانت صلاة الليل 212/أفريضة على النبي صلى الله عليه وسلم في الابتداء ~~وعلى الأمة لقوله تعالى: "يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا" (المزمل-1) ~~ثم نزل التخفيف فصار الوجوب منسوخا في حق الأمة بالصلوات الخمس وبقي ~~الاستحباب: قال الله تعالى: "فاقرؤوا ما تيسر منه" (المزمل-20) وبقي الوجوب ~~في حق النبي صلى الله عليه وسلم (1) . # وروي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث هن ~~علي فريضة وهن سنة لكم الوتر [والسواك] (2) وقيام الليل" (3) . # قوله عز وجل: {نافلة لك} أي: زيادة لك يريد: فضيلة زائدة على سائر ~~الفرائض فرضها الله عليك. # وذهب قوم إلى أن الوجوب صار منسوخا في حقه كما في حق الأمة فصارت نافلة ~~وهو قول مجاهد وقتادة ms1486 لأن الله تعالى قال: "نافلة لك" ولم يقل عليك (4) . # فإن قيل: فما معنى التخصيص وهي زيادة في حق كافة المسلمين كما في حقه صلى ~~الله عليه وسلم؟ # قيل: التخصيص من حيث إن نوافل العباد كفارة لذنوبهم والنبي صلى الله عليه ~~وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكانت نوافله لا تعمل في كفارة ~~الذنوب فتبقى له زيادة في رفع الدرجات. PageV05P115 # أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي ~~بن أحمد الخزاعي أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب حدثنا أبو عيسى الترمذي ~~حدثنا قتيبة وبشر بن معاذ قالا حدثنا أبو عوانة عن زياد بن علاقة عن ~~المغيرة بن شعبة قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه فقيل ~~له: أتتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا ~~شكورا" (1) . # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو ~~إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله ~~بن أبي بكرة عن أبيه عن عبد الله بن قيس بن مخرمة أنه أخبره عن زيد بن خالد ~~الجهني أنه قال: "لأرمقن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة (2) ~~فتوسدت عتبته أو فسطاطه فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين ثم ~~صلى ركعتين دون اللتين قبلهما [ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما ثم صلى ~~ركعتين دون التين قبلهما] (3) ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة (4) . # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو ~~إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي ~~سلمة بن عبد الرحمن أنه أخبره أنه سأل عائشة رضي الله عنها: كيف كانت صلاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قال: فقالت ما كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا ms1487 ~~فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ~~ثلاثا. قالت عائشة فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: "يا عائشة ~~إن عيني تنامان ولا ينام قلبي" (5) . # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو نعيم عبد الملك ~~بن الحسن الإسفرايني أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق أخبرنا يونس بن هارون ~~بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس وابن أبي ذئب وعمر بن الحارث أن ~~ابن شهاب أخبرهم عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى ~~PageV05P116 # عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ثم يوتر بواحدة فيسجد السجدة قدر ما يقرأ ~~أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه فإذا سكت المؤذن من أذان الفجر وتبين له ~~الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن ~~للإقامة فيخرج" وبعضهم يزيد على بعض (1) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ~~أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا عبد الرحمن بن منيب أخبرنا يزيد بن ~~هارون أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما كنا نشاء أن ~~نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل مصليا إلا رأيناه ولا نشاء أن ~~نراه نائما إلا رأيناه وقال: كان يصوم من الشهر حتى نقول لا يفطر منه شيئا ~~ويفطر حتى نقول لا يصوم منه شيئا (2) . # قوله عز وجل: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} عسى من الله تعالى واجب ~~لأنه لا يدع أن يعطي عباده أو يفعل بهم ما أطمعهم فيه. # والمقام المحمود هو: مقام الشفاعة لأمته لأنه يحمده فيه الأولون ~~والآخرون: أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن ~~محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا ~~حميد بن زنجويه أخبرنا عبد الله بن ms1488 يزيد المقري أخبرنا حياة عن كعب عن ~~علقمة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول: ثم صلوا ~~علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة ~~فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن ~~أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة" (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا علي بن عباس حدثنا سعيد بن أبي حمزة ~~عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ~~آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي ~~يوم القيامة" (4) . PageV05P117 # أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن ~~الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا عبد الرحيم (1) بن منيب أخبرنا ~~يعلى عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة ~~لأمتي وهي نائلة منكم -إن شاء الله-من مات لا يشرك بالله شيئا" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل قال: وقال حجاج بن منهال حدثنا همام بن يحيى ~~حدثنا قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يحبس المؤمنون يوم ~~القيامة حتى يهتموا بذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا ~~فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو الناس خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد ~~لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا ~~فيقول: لست هناكم ويذكر ms1489 خطيئته التي أصاب وأكله من الشجرة وقد نهي عنها ~~ولكن ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض. # فيأتون نوحا فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب سؤاله ربه بغير علم ~~ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن قال فيأتون إبراهيم فيقول: إني لست هناكم ~~ويذكر ثلاث كذبات كذبهن ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة وكلمه ~~وقربه نجيا. # قال: فيأتون موسى فيقول إني لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب بقتل النفس ~~(3) ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وروح الله وكلمته. # فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم 212/ب ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ~~ما تقدم من ذنبه وما تأخر. # قال: فيأتوني فأستأذن على ربي في داره (4) فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ~~ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد وقل تسمع ~~واشفع تشفع وسل تعطه قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ~~ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج فأخرجهم فأدخلهم الجنة. PageV05P118 # قال قتادة: وسمعته أيضا يقول: فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم ~~أعود فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ~~ما شاء الله أن يدعني ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل ~~تعطه قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي ~~حدا فأخرج فأدخلهم الجنة [ثم أعود الثالثة فأستأذن على ربي في داره فيؤذن ~~لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول ارفع ~~رأسك يا محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي ~~بثناء وتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج فأدخلهم الجنة"] (1) . # قال قتادة: وقد سمعته أيضا يقول: "فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ~~حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن" -أي وجب عليه الخلود-قال: ثم تلا ~~هذه الآية: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [قال: "وهذا المقام المحمود] ~~(2) الذي وعده ms1490 نبيكم صلى الله عليه وسلم" (3) . # وبهذا الإسناد قال: حدثنا [محمد بن إسماعيل حدثنا] (4) سليمان بن حرب ~~حدثنا حماد بن زيد حدثنا معبد بن هلال الغزي قال: ذهبنا إلى أنس بن مالك ~~فذكر حديث الشفاعة بمعناه وقال: "فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد ~~أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال: يا ~~محمد ارفع رأسك وقل تسمع [وسل تعطه] (5) واشفع تشفع فأقول: يا رب أمتي أمتي ~~فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل ~~ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا وذكر مثله فيقال: "انطلق ~~فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من الإيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود ~~فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا وذكر مثله ثم يقال: انطلق فأخرج من ~~كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأنطلق فأفعل فلما ~~خرجنا من عند أنس مررنا بالحسن فسلمنا عليه فحدثناه بالحديث إلى هذا الموضع ~~فقال: هيه فقلنا: لم يزدنا على هذا فقال: لقد حدثني وهو [يومئذ جميع] (6) ~~منذ عشرين سنة كما حدثكم ثم قال: ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم ~~أخر له ساجدا فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول ~~يا ربي أتأذن فيمن قال لا إله إلا الله؟ فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي ~~وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله" (7) . PageV05P119 # وروي عن عبد الله بن عمر قال: "إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق ~~نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم [فيشفع ليقضى بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله ~~مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلهم" (1) . # وأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو محمد عبد الله ~~بن يوسف بن محمد] (2) بن مامويه حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان حدثنا ~~محمد بن حمويه حدثنا سعيد بن سليمان ms1491 حدثنا منصور بن أبي الأسود حدثنا الليث ~~عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "أنا أولهم خروجا [إذا بعثوا] (3) وأنا قائدهم إذا وفدوا وأنا ~~خطيبهم إذا أنصتوا وأنا شفيعهم إذا حبسوا [وأنا مبشرهم إذا أيسوا] (4) ~~الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي ولواء الحمد يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم ~~على ربي يطوف علي ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور" (5) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد بن ~~عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثني ~~الحكم بن موسى حدثنا معقل بن زياد عن الأوزاعي حدثني أبو عمار حدثني عبد ~~الله بن فروخ حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا ~~سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع" (6) # والأخبار في الشفاعة كثيرة وأول من أنكرها عمرو بن عبيد وهو مبتدع باتفاق ~~أهل السنة (7) . PageV05P120 # وروي عن يزيد بن صهيب الفقير قال: كنت قد شغفني رأي من رأي (1) الخوارج ~~وكنت رجلا شابا فخرجنا في عصابة نريد أن نحج فمررنا على المدينة فإذا جابر ~~بن عبد الله يحدث القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الجهنميين ~~فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي يحدثون والله عز وجل يقول: "إنك من ~~تدخل النار فقد أخزيته" (آل عمران-192) و"كلما أرادوا أن يخرجوا منها ~~أعيدوا فيها" (السجدة-20) ؟ فقال لي: يا فتى تقرأ القرآن؟ قلت: نعم قال: هل ~~سمعت بمقام محمد المحمود الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم قال: فإنه مقام ~~محمد المحمود الذي يخرج الله به من يخرج من النار [ثم نعت وضع الصراط ومر ~~الناس عليه] (2) وأن قوما يخرجون من النار بعدما يكونون فيها قال: فرجعنا ~~وقلنا أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) ؟. # وروي عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي صلى الله ms1492 عليه وسلم قال: "إن الله ~~عز وجل اتخذ إبراهيم خليلا وإن صاحبكم حبيب (4) الله وأكرم الخلق على الله" ~~ثم قرأ: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} (5) [قال: يقعد على العرش] (6) . # [وعن مجاهد في قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} قال: يجلسه ~~على العرش] (7) . # وعن عبد الله بن سلام قال: يقعده على الكرسي (8) . ### || # {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ~~(80) } # قوله عز وجل: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} والمراد من ~~PageV05P121 # المدخل والمخرج: الإدخال والإخراج واختلف أهل التفسير فيه: # فقال ابن عباس والحسن وقتادة: "أدخلني مدخل صدق": المدينة. "وأخرجني مخرج ~~صدق": مكة، نزلت حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة (1) . # وقال الضحاك: "وأخرجني مخرج صدق": من مكة آمنا من المشركين "وأدخلني مدخل ~~صدق": مكة ظاهرا عليها بالفتح. # وقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مدخل صدق الجنة ~~وأخرجني من الدنيا وقد قمت بما وجب علي من حقها مخرج صدق. # وعن الحسن أنه قال: "أدخلني مدخل صدق": الجنة "وأخرجني مخرج صدق": من ~~مكة. # وقيل: أدخلني في طاعتك وأخرجني من المناهي وقيل: معناه أدخلني حيث ما ~~أدخلتني بالصدق وأخرجني بالصدق، أي: لا تجعلني ممن يدخل بوجه ويخرج بوجه ~~فإن ذا الوجهين لا يكون آمنا ووجيها عند الله. # ووصف الإدخال والإخراج بالصدق لما يؤول إليه الخروج والدخول من النصر ~~والعز ودولة الدين كما وصف القدم بالصدق فقال: "أن لهم قدم صدق عند ربهم" ~~(يونس-2) . # {واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} قال مجاهد: حجة بينة وقال الحسن: ملكا ~~قويا تنصرني به على من ناوأني (2) وعزا ظاهرا أقيم به دينك. فوعده الله ~~لينزعن ملك فارس والروم وغيرهما فيجعله له. # قال قتادة: علم نبي الله صلى الله عليه وسلم أن لا طاقة له بهذا الأمر ~~إلا بسلطان [نصير] (3) فسأل سلطانا نصيرا: كتاب الله وحدوده وإقامة دينه. ### || # {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (81) } # قوله عز وجل: {وقل جاء الحق} يعني ms1493 القرآن {وزهق الباطل} أي: الشيطان قال ~~قتادة وقال السدي: "الحق": الإسلام و"الباطل": الشرك وقيل: "الحق": عبادة ~~الله و"الباطل": عبادة الأصنام. # {إن الباطل كان زهوقا} ذاهبا يقال: زهقت نفسه أي خرجت. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد ~~بن يوسف حدثنا PageV05P122 # محمد بن إسماعيل حدثنا صدقة بن الفضل حدثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم ~~الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود [في يده] (1) ويقول: ~~"جاء الحق وزهق الباطل" "جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد" (2) . ### || # {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ~~(82) وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا ~~(83) } # 213/أقوله عز وجل: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} قيل: ~~"من" ليس للتبعيض ومعناه: وننزل من القرآن ما كله شفاء أي: بيان من الضلالة ~~والجهالة يتبين به المختلف ويتضح به المشكل ويستشفى به من الشبهة ويهتدى به ~~من الحيرة فهو شفاء القلوب بزوال الجهل عنها ورحمة للمؤمنين. # {ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} لأن الظالم لا ينتفع به والمؤمن من ينتفع ~~به فيكون رحمة له. # وقيل: زيادة الخسارة للظالم من حيث أن كل آية تنزل يتجدد منهم تكذيب ~~ويزداد لهم خسارة. # قال قتادة: لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان قضى ~~الله الذي قضى شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا. قوله ~~تعالى: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض} عن ذكرنا ودعائنا {ونأى بجانبه} أي ~~تباعد عنا بنفسه أي ترك التقرب إلى الله بالدعاء وقال عطاء: تعظم وتكبر ~~ويكسر النون والهمزة حمزة والكسائي ويفتح النون ويكسر الهمزة أبو بكر وقرأ ~~ابن عامر وأبو جعفر "وناء" مثل جاء قيل: هو بمعنى نأى وقيل: ناء من النوء ~~وهو النهوض والقيام. # {وإذا مسه الشر} الشدة والضرر {كان يئوسا} أي آيسا قنوطا. وقيل: معناه ~~أنه ms1494 يتضرع ويدعو عند الضر والشدة فإذا تأخرت الإجابة يئس ولا ينبغي للمؤمن ~~أن ييأس من الإجابة وإن تأخرت فيدع الدعاء. PageV05P123 ### || # {قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) ويسألونك عن ~~الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (85) } # قوله عز وجل: {قل كل يعمل على شاكلته} قال ابن عباس: على ناحيته. # قال الحسن وقتادة (1) على نيته. # وقال مقاتل: على خليقته. # قال الفراء على طريقته التي جبل عليها. # وقال القتيبي: على طبيعته وجبلته. # وقيل: على السبيل الذي اختاره لنفسه وهو من الشكل يقال: لست على شكلي ولا ~~شاكلتي وكلها متقاربة تقول العرب: طريق ذو شواكل إذا تشعبت منه الطرق. ~~ومجاز الآية: كل يعمل على ما يشبهه كما يقال في المثل: كل امرئ يشبهه فعله. # {فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا} أوضح طريقا. قوله تعالى: {ويسألونك عن ~~الروح قل الروح من أمر ربي} الآية. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا قيس بن حفص حدثنا عبد ~~الواحد -يعني ابن زياد-حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: ~~بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث (2) المدينة وهو يتوكأ ~~على عسيب (3) معه فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح وقال ~~بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه فقال بعضهم لنسألنه فقام رجل ~~منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت فقلت: إنه يوحى إليه فقمت فلما ~~انجلى عنه الوحي قال: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم ~~من العلم إلا قليلا} (4) قال الأعمش: هكذا في قراءتنا. PageV05P124 # وروي عن ابن عباس أنه قال: إن قريشا قد اجتمعوا وقالوا: إن محمدا نشأ ~~فينا بالأمانة والصدق وما اتهمناه بكذب وقد ادعى ما ادعى فابعثوا نفرا إلى ~~اليهود بالمدينة واسألوهم عنه فإنهم أهل كتاب فبعثوا جماعة إليهم فقالت ~~اليهود: سلوه عن ثلاثة أشياء فإن ms1495 أجاب عن كلها أو لم يجب عن شيء منها فليس ~~بنبي وإن أجاب عن اثنين ولم يجب عن واحدة فهو نبي فسلوه عن فتية فقدوا في ~~الزمن الأول ما كان من أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب وعن رجل بلغ شرق ~~الأرض وغربها ما خبره وعن الروح؟ فسألوه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أخبركم بما سألتم غدا ولم يقل إن شاء الله فلبث الوحي -قال مجاهد: اثني ~~عشرة ليلة وقيل: خمسة عشر يوما وقال عكرمة: أربعين يوما-وأهل مكة يقولون: ~~وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء حتى حزن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من مكث الوحي وشق عليه ما يقوله أهل مكة ثم (1) نزل جبريل بقوله: "ولا ~~تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله" ونزل في قصة الفتية (2) "أم ~~حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا" ونزل فيمن بلغ الشرق ~~والغرب "ويسئلونك عن ذي القرنين" ونزل في الروح "ويسئلونك عن الروح قل ~~الروح من أمر ربي" (3) . # واختلفوا في الروح الذي وقع السؤال عنه فروي عن ابن عباس: أنه جبريل وهو ~~قول الحسن وقتادة. # وروي عن علي أنه قال: هو ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف لسان ~~يسبح الله تعالى بكلها. # وقال مجاهد: خلق على صور بني آدم لهم أيد وأرجل ورءوس وليسوا بملائكة ولا ~~ناس يأكلون الطعام. # وقال سعيد بن جبير: لم يخلق الله تعالى خلقا أعظم من الروح غير العرش لو ~~شاء أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيها بلقمة واحدة لفعل صورة ~~خلقه على صورة خلق الملائكة وصورة وجهه على صورة الآدميين يقوم يوم القيامة ~~عن يمين العرش وهو أقرب الخلق إلى الله عز وجل اليوم عند الحجب السبعين ~~وأقرب إلى الله يوم القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد ولولا أن بينه وبين ~~الملائكة سترا من نور لاحترق أهل السموات من نوره. # وقيل: الروح هو القرآن. PageV05P125 # وقيل: المراد منه عيسى عليه السلام فإنه روح الله وكلمه ومعناه: ms1496 أنه ليس ~~كما يقول اليهود ولا كما يقوله النصارى. # وقال قوم: هو الروح المركب في الخلق الذي يحيا به الإنسان وهو الأصح. # وتكلم فيه قوم فقال بعضهم: هو الدم ألا ترى أن الحيوان إذا مات لا يفوت ~~منه شيء إلا الدم؟ # وقال قوم: هو نفس الحيوان بدليل أنه يموت باحتباس النفس. # وقال قوم: هو عرض. # وقال قوم: هو جسم لطيف. # وقال بعضهم: الروح معنى اجتمع فيه النور والطيب والعلو والبقاء ألا ترى ~~أنه إذا كان موجودا يكون الإنسان موصوفا بجميع هذه الصفات (1) فإذا خرج ذهب ~~الكل (2) ؟ # وأولى الأقاويل: أن يوكل علمه إلى الله عز وجل وهو قول أهل السنة. قال ~~عبد الله بن بريدة: إن الله لم يطلع على الروح ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا. # وقوله عز وجل: {قل الروح من أمر ربي} قيل من علم ربي. # {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} أي: في جنب علم الله (3) قيل هذا خطاب ~~للرسول صلى الله عليه وسلم. # وقيل: خطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون أوتينا التوراة وفيها العلم ~~الكثير. # وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم معنى الروح ولكن لم يخبر به ~~أحدا لأن ترك إخباره به كان علما لنبوته. # والأول أصح لأن الله عز وجل استأثر بعلمه. ### || # {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا (86) } # قوله تعالى: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} يعني القرآن. معناه: ~~إنا كما منعنا علم الروح عنك وعن غيرك لو شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ~~يعني القرآن {ثم لا تجد لك به علينا وكيلا} أي: من يتوكل برد القرآن إليك. ~~PageV05P126 ### || # {إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87) قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ~~(88) } # {إلا رحمة من ربك} هذا استثناء منقطع معناه: ولكن (1) لا نشاء ذلك رحمة ~~من ربك. # {إن فضله كان عليك كبيرا} فإن قيل: كيف يذهب القرآن وهو كلام الله عز ~~وجل؟ # قيل: المراد ms1497 منه: محوه من المصاحف وإذهاب ما في الصدور. # وقال عبد الله بن مسعود: اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع فإنه لا تقوم الساعة ~~حتى يرفع. قيل: هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الناس؟ قال يسري عليه ~~ليلا فيرفع ما في صدورهم فيصبحون لا يحفظون شيئا ولا يجدون في المصاحف شيئا ~~ثم يفيضون في الشعر (2) . # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من ~~حيث نزل له دوي حول العرش كدوي النحل فيقول الرب ما لك وهو أعلم؟ فيقول: يا ~~رب أتلى ولا يعمل بي (3) . 213/ب قوله جل وعلا {قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} لا يقدرون على ذلك {ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا} عونا ومظاهرا. # نزلت حين قال الكفار: لو نشاء لقلنا مثل هذا فكذبهم الله تعالى (4) # فالقرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب وهو كلام في أعلى ~~طبقات البلاغة لا يشبه كلام الخلق لأنه غير مخلوق ولو كان مخلوقا لأتوا ~~بمثله PageV05P127 ### || # {ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا ~~(89) وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) } # قوله عز وجل: {ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} من كل وجه من ~~العبر والأحكام والوعد والوعيد وغيرها {فأبى أكثر الناس إلا كفورا} جحودا ~~(1) . قوله عز وجل: {وقالوا لن نؤمن لك} لن نصدقك {حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا} قرأ أهل الكوفة ويعقوب " تفجر " بفتح التاء وضم الجيم مخففا لأن ~~الينبوع واحد وقرأ الباقون بالتشديد من التفجير واتفقوا على تشديد قوله: ~~{فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا} لأن الأنهار جمع والتشديد يدل على التكثير ~~ولقوله "تفجيرا" من بعد. # وروى عكرمة عن ابن عباس: أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب ~~والنضر بن الحارث وأبا البختري بن هشام والأسود بن عبد المطلب وزمعة بن ~~الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية ms1498 وأمية ~~بن خلف والعاص بن وائل ونبيها ومنبها ابني الحجاج اجتمعوا ومن اجتمع معهم ~~بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه ~~وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك ~~فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا وهو يظن أنه بدا لهم في أمره ~~بدء وكان عليهم حريصا يحب رشدهم حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد إنا بعثنا ~~إليك لنعذر فيك وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت ~~على قومك لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت ~~الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بينك وبيننا فإن كنت جئت بهذا ~~الحديث تطلب به مالا جعلنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت ~~تطلب الشرف سودناك علينا وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الأمر ~~الذي بك رئي تراه حتى قد غلب عليك لا تستطيع رده بذلنا لك أموالنا في طلب ~~الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك وكانوا يسمون التابع من الجن: الرئي. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون ما جئتكم بما جئتكم ~~به لطلب أموالكم ولا الشرف عليكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم ~~رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالة ربي ~~ونصحت لكم فإن تقبلوا مني فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر ~~لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. PageV05P128 # فقالوا: يا محمد إن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد ~~أضيق منا بلادا ولا أشد منا عيشا فسل لنا ربك الذي بعثك فليسير عنا هذه ~~الجبال فقد ضيقت علينا ويبسط لنا بلادنا ويفجر فيها أنهارا كأنهار الشام ~~والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخا ~~صدوقا فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل؟ فإن صدقوك صدقناك. # فقال ms1499 رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهذا بعثت فقد بلغتكم ما أرسلت به ~~فإن تقبلوه مني فهوحظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه أصبر لأمر الله. # قالوا: فإن لم تفعل هذا فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك، واسأله أن يجعل ~~لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك فإنك تقوم بالأسواق ~~وتلتمس المعاش كما نلتمسه. # فقال: ما بعثت بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا. # قالوا: فأسقط السماء كما زعمت أن ربك لو شاء فعل. # فقال: ذلك إلى الله إن شاء فعل ذلك بكم فعله. # وقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا. # فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام معه عبد الله بن ~~أبي أمية وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال: يا محمد عرض عليك قومك ~~ما عرضوا عليك فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أمورا يعرفون بها منزلتك من ~~الله تعالى فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل ~~فوالله لا أؤمن لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ترقى فيها وأنا أنظر حتى ~~تأتيها وتأتي بنسخة منشورة معك ونفر من الملائكة يشهدون لك بما تقول وايم ~~الله لو فعلت ذلك لظننت أن لا أصدقك فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى أهله حزينا لما رأى من مباعدتهم فأنزل الله تعالى {وقالوا لن نؤمن لك ~~حتى تفجر لنا من الأرض} (1) يعني: أرض مكة {ينبوعا} أي: عيونا. ### || # {أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) } # {أو تكون لك جنة} بستان {من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا} ~~تشقيقا. ### || # {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (92) ~~أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا ~~كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا (93) } # {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا} قرأ نافع وابن عامر وعاصم ms1500 بفتح ~~السين أي: قطعا وهي جمع "كسفة" وهي: القطعة والجانب مثل: كسرة وكسر. وقرأ ~~الآخرون بسكون السين على التوحيد وجمعه أكساف وكسوف أي: تسقطها طبقا ~~[واحدا] (1) وقيل: أراد جانبها علينا وقيل: معناه أيضا القطع وهي جمع ~~التكسير مثل سدرة وسدر في الشعراء وسبأ {كسفا} بالفتح حفص وفي الروم ساكنة ~~أبو جعفر وابن عامر. # {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} قال ابن عباس: كفيلا أي: يكفلون بما ~~تقول وقال الضحاك: ضامنا وقال مجاهد: هو جمع القبيلة أي: بأصناف الملائكة ~~قبيلة قبيلة [وقال قتادة: عيانا أي: تراهم القابلة] (2) أي معاينة [وقال ~~الفراء: هو من قول العرب لقيت فلانا قبيلا وقبيلا أي: معاينة] (3) . {أو ~~يكون لك بيت من زخرف} أي: من ذهب وأصله الزينة {أو ترقى} تصعد {في السماء} ~~هذا قول عبد الله بن أبي أمية {ولن نؤمن لرقيك} لصعودك {حتى تنزل علينا ~~كتابا نقرؤه} أمرنا فيه باتباعك {قل سبحان ربي} وقرأ ابن كثير وابن عامر " ~~قال " يعني محمدا وقرأ الآخرون على الأمر أي: قل يا محمد {هل كنت إلا بشرا ~~رسولا} أمره بتنزيهه وتمجيده على معنى أنه لو أراد أن ينزل ما طلبوا لفعل ~~ولكن الله لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر وما أنا إلا بشر وليس ما ~~سألتم في طوق البشر. # واعلم أن الله تعالى قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات ~~والمعجزات ما يغني عن هذا كله مثل: القرآن وانشقاق القمر وتفجير العيون من ~~بين الأصابع وما أشبهها والقوم عامتهم كانوا متعنتين لم يكن قصدهم طلب (4) ~~الدليل ليؤمنوا فرد الله عليهم سؤالهم. PageV05P130 ### || # {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا ~~رسولا (94) قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا (95) قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده ~~خبيرا بصيرا (96) } # {ومن يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم ~~يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم ms1501 سعيرا ~~(97) } # قوله عز وجل: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا} ~~جهلا منهم {أبعث الله بشرا رسولا} أراد: أن الكفار كانوا يقولون لن نؤمن لك ~~لأنك بشر وهلا بعث الله إلينا ملكا؟ فأجابهم الله تعالى: {قل لو كان في ~~الأرض ملائكة يمشون مطمئنين} {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين} ~~مستوطنين مقيمين {لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} من جنسهم لأن القلب ~~إلى الجنس أميل منه إلى غير الجنس. {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم} أني ~~رسول الله إليكم (1) {إنه كان بعباده خبيرا بصيرا} 214/أقوله عز وجل: {ومن ~~يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه} يهدونهم ~~{ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم} # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا الحسن بن شجاع الصوفي المعروف ~~بابن الموصلي أنبأنا أبو بكر بن الهيثم حدثنا جعفر بن محمد الصائغ حدثنا ~~حسين بن محمد حدثنا سفيان عن قتادة عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله كيف ~~يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الذي ~~أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه" (2) . # وجاء في الحديث: "إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك" (3) . {عميا وبكما ~~وصما} PageV05P131 # فإن قيل: كيف وصفهم بأنهم عمي وبكم وصم وقد قال: "ورأى المجرمون النار" ~~(الكهف-53) وقال: "دعوا هنالك ثبورا" (الفرقان-13) وقال: "سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا" (الفرقان-12) أثبت الرؤية والكلام والسمع؟ # قيل: يحشرون على ما وصفهم الله ثم تعاد إليهم هذه الأشياء. # وجواب آخر قال ابن عباس: عميا لا يرون ما يسرهم بكما لا ينطقون بحجة صما ~~لا يسمعون شيئا يسرهم. # وقال الحسن: هذا حين يساقون إلى الموقف إلى أن يدخلوا النار. # وقال مقاتل: هذا حين يقال لهم: "اخسئوا فيها ولا تكلمون" (المؤمنون-108) ~~فيصيرون بأجمعهم عميا وبكما وصما لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون {مأواهم ~~جهنم كلما خبت} قال ابن عباس: كلما سكنت أي سكن لهيبها وقال مجاهد: طفئت ~~وقال قتادة: ضعفت وقيل: هو الهدو ms1502 من غير أن يوجد نقصان في ألم الكفار لأن ~~الله تعالى قال: "لا يفتر عنهم" (الزخرف-75) وقيل "كلما خبت" أي: أرادت أن ~~تخبو {زدناهم سعيرا} أي: وقودا. # وقيل: المراد من قوله: {كلما خبت} أي: نضجت جلودهم واحترقت أعيدوا فيها ~~إلى ما كانوا عليه وزيد في تسعير النار لتحرقهم. ### || # {ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا (98) أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر ~~على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا (99) ~~} # {ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا} فأجابهم الله تعالى فقال: {أولم يروا أن الله الذي ~~خلق السموات والأرض} {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض} في ~~عظمتها وشدتها {قادر على أن يخلق مثلهم} في صغرهم وضعفهم نظيره قوله تعالى: ~~"لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس" (غافر-57) . # {وجعل لهم أجلا} أي: وقتا لعذابهم {لا ريب فيه} أنه يأتيهم قيل: هو الموت ~~وقيل: هو يوم القيامة {فأبى الظالمون إلا كفورا} أي: جحودا وعنادا. # PageV05P132 ### || # {قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان ~~الإنسان قتورا (100) ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ ~~جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا (101) } # {قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي} أي: نعمة ربي وقيل: رزق ربي {إذا ~~لأمسكتم} لبخلتم وحبستم {خشية الإنفاق} أي: خشية الفاقة قاله قتادة. # وقيل: خشية النفاد يقال: أنفق الرجل أي أملق وذهب ماله ونفق الشيء أي: ~~ذهب. # وقيل: لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفقر. # {وكان الإنسان قتورا} أي: بخيلا ممسكا عن الإنفاق. قوله عز وجل: {ولقد ~~آتينا موسى تسع آيات بينات} أي: دلالات واضحات فهي الآيات التسع. # قال ابن عباس والضحاك: هي العصا واليد البيضاء والعقدة التي كانت بلسانه ~~فحلها وفلق البحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. # وقال عكرمة وقتادة ومجاهد وعطاء: هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم والعصا واليد والسنون ms1503 ونقص الثمرات. # وذكر محمد بن كعب القرظي: الطمس والبحر بدل السنين ونقص من الثمرات قال: ~~فكان الرجل منهم مع أهله في فراشه وقد صار حجرين والمرأة منهم قائمة تخبز ~~وقد صارت حجرا. # وقال بعضهم: هن آيات الكتاب (1) . # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد ~~بن إبراهيم الثعلبي أخبرني الحسن بن محمد الثقفي أخبرنا هارون بن محمد بن ~~هارون العطار أنبأنا يوسف بن عبد الله بن ماهان حدثنا الوليد الطيالسي ~~حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن مسلمة عن صفوان بن عسال المرادي ~~أن يهوديا قال لصاحبه: تعال حتى نسأل هذا النبي فقال الآخر: لا تقل نبي ~~فإنه لو سمع صارت أربعة أعين فأتياه فسألاه عن هذه الآية: {ولقد آتينا موسى ~~تسع آيات بينات} فقال لا تشركوا بالله شيئا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق ولا تزنوا ولا تأكلوا الربا ولا تسحروا ولا تمشوا بالبريء إلى ~~سلطان ليقتله ولا تسرفوا ولا تقذفوا PageV05P133 # المحصنة ولا تفروا من الزحف وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت ~~فقبلا يده وقالا نشهد أنك نبي قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قالا إن داود ~~دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن تبعناك أن يقتلنا اليهود (1) ~~. # {فاسأل} يا محمد {بني إسرائيل إذ جاءهم} موسى يجوز أن يكون الخطاب معه ~~والمراد غيره ويجوز أن يكون خاطبه عليه السلام وأمره بالسؤال ليتبين كذبهم ~~مع قومهم. {فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا} أي: مطبوبا سحروك قاله ~~الكلبي. # وقال ابن عباس: مخدوعا. # وقيل مصروفا عن الحق. # وقال الفراء وأبو عبيدة: ساحرا فوضع المفعول موضع الفاعل. # وقال محمد بن جرير: معطى علم السحر فهذه العجائب التي تفعلها من سحرك (2) ~~. ### || # {قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا ~~فرعون مثبورا (102) } # {قال} موسى {لقد علمت} قرأ العامة بفتح التاء خطابا لفرعون وقرأ الكسائي ~~بضم التاء ويروى ذلك عن علي وقال: لم ms1504 يعلم الخبيث أن موسى على الحق ولو علم ~~لآمن ولكن موسى هو الذي علم (3) قال ابن عباس: علمه فرعون ولكنه عاند قال ~~الله تعالى: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا" (النمل-14) . # وهذه القراءة وهي نصب التاء أصح في المعنى وعليه أكثر القراء لأن موسى لا ~~يحتج عليه بعلم نفسه ولا يثبت عن علي رفع التاء لأنه روي عن رجل من مراد عن ~~علي وذلك أن الرجل مجهول ولم يتمسك بها أحد من القراء غير الكسائي (4) . ~~PageV05P134 # {ما أنزل هؤلاء} هذه الآيات التسع {إلا رب السماوات والأرض بصائر} جمع ~~بصيرة أي يبصر بها. # {وإني لأظنك يا فرعون مثبورا} قال ابن عباس: ملعونا. وقال مجاهد: هالكا ~~وقال قتادة: مهلكا. وقال الفراء: أي مصروفا ممنوعا عن الخير. يقال: ما ثبرك ~~عن هذا الأمر أي ما منعك وصرفك عنه (1) . ### || # {فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا (103) وقلنا من بعده ~~لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا (104) } # {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (105) وقرآنا ~~فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (106) } # {فأراد أن يستفزهم} أي: أراد فرعون أن يستفز موسى وبني إسرائيل أي: ~~يخرجهم {من الأرض} يعني: أرض مصر {فأغرقناه ومن معه جميعا} ونجينا موسى ~~وقومه. {وقلنا من بعده} أي من بعد هلاك فرعون {لبني إسرائيل اسكنوا الأرض} ~~يعني أرض مصر والشام {فإذا جاء وعد الآخرة} يعني يوم القيامة {جئنا بكم ~~لفيفا} أي: جميعا إلى موقف القيامة واللفيف: الجمع الكثير إذا كانوا ~~مختلطين من كل نوع. يقال: لفت الجيوش إذا اختلطوا وجمع القيامة كذلك فيهم ~~المؤمن والكافر والبر والفاجر. # وقال الكلبي: "فإذا جاء وعد الآخرة": يعني مجيء عيسى من السماء "جئنا بكم ~~لفيفا" أي: النزاع (1) من كل قوم من هاهنا ومن هاهنا لفوا جميعا. قوله عز ~~وجل: {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل} يعني القرآن {وما أرسلناك إلا مبشرا} ~~للمطيعين {ونذيرا} للعاصين. {وقرآنا فرقناه} قيل: معناه: أنزلناه نجوما لم ~~ينزل مرة واحدة بدليل قراءة ابن عباس: {وقرآنا فرقناه} ms1505 بالتشديد وقراءة ~~العامة بالتخفيف أي: فصلناه وقيل: بيناه وقال الحسن: معناه فرقنا به بين ~~الحق والباطل {لتقرأه على الناس على مكث} أي: على تؤدة وترتيل (2) وترسل في ~~PageV05P135 # ثلاث وعشرين سنة {ونزلناه تنزيلا} ### || # {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم ~~يخرون للأذقان سجدا (107) ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ~~(108) ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (109) } # {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا} هذا على طريق الوعيد والتهديد {إن الذين ~~أوتوا العلم من قبله} قيل: هم مؤمنوا أهل الكتاب وهم الذين كانوا يطلبون ~~الدين قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أسلموا بعد مبعثه مثل زيد ~~بن عمر بن نفيل 214/ب وسلمان الفارسي وأبي ذر وغيرهم (1) . # {إذا يتلى عليهم} يعني: القرآن (2) {يخرون للأذقان} أي: يسقطون على ~~الأذقان قال ابن عباس: أراد بها الوجوه {سجدا} {ويقولون سبحان ربنا إن كان ~~وعد ربنا لمفعولا} أي: كائنا واقعا. {ويخرون للأذقان يبكون} أي: يقعون على ~~الوجوه يبكون، البكاء مستحب عند قراءة القرآن (3) {ويزيدهم} نزول القرآن ~~{خشوعا} خضوعا لربهم. نظيره قوله تعالى: "إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا ~~سجدا وبكيا" (مريم-58) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو عمرو بن بكر بن محمد المزني ~~حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجنيد حدثنا الحسن بن الفضل البجلي أخبرنا ~~عاصم عن علي بن عاصم حدثنا المسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله عن محمد بن ~~عبد الرحمن مولى أبي طلحة (4) عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لا يلج النار من بكى من خشية الله حتى يعود ~~PageV05P136 # اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مسلم ~~أبدا" (1) . # أخبرنا أبو القاسم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري أخبرنا أبو القاسم عبد ~~الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن أخبرنا أحمد بن بكر بن محمد بن حمدان ~~حدثنا محمد بن يونس الكديمي أنبأنا عبد الله بن ms1506 محمد الباهلي حدثنا أبو ~~حبيب الغنوي حدثنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "حرمت النار على ثلاث أعين: عين بكت من خشية الله وعين ~~سهرت في سبيل الله وعين غضت عن محارم الله" (2) . ### || # {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) } # قوله عز وجل {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} قال ابن عباس: سجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات ليلة فجعل يبكي ويقول في سجوده: يا ألله ~~يا رحمن فقال أبو جهل: إن محمدا ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين! فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية (3) . ومعناه: أنهما اسمان لواحد. # {أيا ما تدعوا} "ما" صلة معناه: أيا ما تدعوا من هذين الاسمين ومن جميع ~~أسمائه {فله الأسماء الحسنى} # {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ~~أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن ~~إسماعيل أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس في قوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} قال: نزلت ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته ~~بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولا تجهر بصلاتك} أي بقراءتك فيسمع ~~المشركون فيسبوا القرآن ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم: PageV05P137 # {وابتغ بين ذلك سبيلا} (1) . # وبهذا الإسناد عن محمد بن إسماعيل قال: حدثنا مسدد عن هشيم عن أبي بشر ~~بإسناده مثله وزاد {وابتغ بين ذلك سبيلا} أسمعهم ولا تجهر حتى يأخذوا عنك ~~القرآن (2) . # وقال قوم: الآية في الدعاء وهو قول عائشة رضي الله عنها والنخعي ومجاهد ~~ومكحول: أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا ~~محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل ms1507 حدثنا طلق بن غنام حدثنا زائدة عن هشام ~~عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها في قوله: "ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها" ~~قالت: أنزل ذلك في الدعاء (3) . # وقال عبد الله بن شداد: كان أعراب من بني تميم إذا سلم النبي صلى الله ~~عليه وسلم قالوا: "اللهم ارزقنا مالا وولدا فيجهرون بذلك فأنزل الله هذه ~~الآية: {ولا تجهر بصلاتك} (4) أي: لا ترفع صوتك بقراءتك أو بدعائك ولا ~~تخافت بها (5) . # والمخافتة: خفض الصوت والسكوت "وابتغ بين ذلك سبيلا" أي: بين الجهر ~~والإخفاء. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الخزاعي أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي حدثنا أبو عيسى ~~الترمذي حدثنا محمود بن غيلان حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا حماد بن سلمة عن ~~ثابت عن عبد الله بن أبي رباح الأنصاري عن أبي قتادة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لأبي بكر: "مررت بك وأنت تقرأ وأنت تخفض من صوتك فقال: إني ~~أسمعت من ناجيت فقال: ارفع قليلا وقال لعمر: مررت بك وأنت تقرأ وأنت ترفع ~~صوتك فقال إني (6) أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان فقال اخفض قليلا" (7) . ~~PageV05P138 ### || # {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ~~ولي من الذل وكبره تكبيرا (111) } # {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا} أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن ~~يحمده على وحدانيته ومعنى الحمد لله هو: الثناء عليه بما هو أهله. # قال الحسين بن الفضل: يعني: الحمد لله الذي عرفني أنه لم يتخذ ولدا. # {ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل} قال مجاهد: لم يذل ~~فيحتاج إلى ولي يتعزز به. # {وكبره تكبيرا} أي: وعظمه عن أن يكون له شريك أو ولي. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا الإمام أبو الطيب ~~سهل [بن محمد بن سليمان حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا محمد بن يعقوب حدثنا ~~محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا نضر بن ms1508 حماد أبو الحارث الوراق حدثنا شعبة] ~~(1) عن حبيب بن أبي ثابت قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين ~~يحمدون الله في السراء والضراء" (2) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو الحسن بن بشران أخبرنا إسماعيل ~~بن محمد الصفار أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي أنبأنا عبد الرزاق حدثنا معمر ~~عن قتادة أن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"الحمد لله رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده" (3) . # أخبرنا أبو الفضل بن زياد بن محمد الحنفي أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن ~~أحمد الأنصاري PageV05P139 # أخبرنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا يحيى بن خالد بن أيوب ~~المخزومي حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشر الخزامي الأنصاري عن طلحة ~~بن خراش عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن ~~أفضل الدعاء الحمد لله وأفضل الذكر لا إله إلا الله" (1) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح أخبرنا ~~أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حدثنا علي بن الجعد ~~حدثنا زهير حدثنا منصور عن هلال بن بشار عن الربيع بن عميلة عن سمرة بن ~~جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحب الكلام إلى الله تعالى ~~أربع: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله لا يضرك بأيهن ~~بدأت" (2) . PageV05P140 ### | سورة الكهف # مائة وعشر آيات 215/أوهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) قيما لينذر ~~بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ~~(2) } # {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} أثنى الله (1) على نفسه بإنعامه ~~على خلقه وخص رسوله صلى الله عليه ms1509 وسلم بالذكر لأن إنزال القرآن عليه كان ~~نعمة عليه على الخصوص وعلى سائر الناس على العموم {ولم يجعل له عوجا} ~~{قيما} فيه تقديم وتأخير معناه: أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له ~~عوجا "قيما" أي: مستقيما. قال ابن عباس: عدلا. وقال الفراء: قيما على الكتب ~~كلها أي: مصدقا لها ناسخا لشرائعها. # وقال قتادة: ليس على التقديم والتأخير بل معناه: أنزل على عبده الكتاب ~~ولم يجعل له عوجا ولكن جعله قيما ولم يكن مختلف على ما قال الله تعالى: ~~"ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا" (النساء-82) . # وقيل: معناه لم يجعله مخلوقا وروي عن ابن عباس في قوله: "قرآنا عربيا غير ~~ذي عوج" (الزمر-28) أي: غير مخلوق. # {لينذر بأسا شديدا} أي: لينذر ببأس شديد {من لدنه} أي: من عنده {ويبشر ~~المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا} أي: الجنة. PageV05P141 ### || # {ماكثين فيه أبدا (3) وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) } # {ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا (5) فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6) ~~إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) وإنا لجاعلون ~~ما عليها صعيدا جرزا (8) أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا ~~عجبا (9) } # {ماكثين فيه أبدا} أي: مقيمين فيه. {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} . ~~{ما لهم به من علم ولا لآبائهم} أي: قالوه عن جهل لا عن علم {كبرت} أي: ~~عظمت {كلمة} نصب على التمييز يقال تقديره: كبرت الكلمة كلمة وقيل: من كلمة ~~فحذف "من" فانتصب {تخرج من أفواههم} أي: تظهر من أفواههم {إن يقولون} ما ~~يقولون {إلا كذبا} {فلعلك باخع نفسك على آثارهم} من بعدهم {إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث} أي: القرآن {أسفا} أي حزنا وقيل غضبا. {إنا جعلنا ما على ~~الأرض زينة لها} فإن قيل: أي: زينة في الحيات والعقارب والشياطين؟ # قيل: فيها زينة على معنى أنها تدل على وحدانية الله تعالى. # وقال مجاهد: ms1510 أراد به الرجال خاصة وهم زينة الأرض. وقيل: أراد بهم العلماء ~~والصلحاء وقيل: الزينة بالنبات والأشجار والأنهار كما قال: "حتى إذا أخذت ~~الأرض زخرفها وازينت" (يونس-24) . # {لنبلوهم} لنختبرهم {أيهم أحسن عملا} أي: أصلح عملا. وقيل: أيهم أترك ~~للدنيا. {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} فالصعيد وجه الأرض. وقيل: هو ~~التراب "جرزا" يابسا أملس لا ينبت شيئا. يقال: جرزت الأرض إذا أكل نباتها. ~~قوله تعالى: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} يعني: ~~أظننت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا أي: هم عجب من ~~آياتنا. # وقيل: معناه إنهم ليسوا بأعجب من آياتنا فإن ما خلقت من السموات والأرض ~~وما فيهن من العجائب أعجب منهم. # PageV05P144 # و"الكهف": هو الغار في الجبل واختلفوا في "الرقيم": قال سعيد بن جبير: هو ~~لوح كتب فيه أسماء أصحاب الكهف وقصصهم (1) -وهذا أظهر الأقاويل-ثم وضعوه ~~على باب الكهف وكان اللوح من رصاص وقيل: من حجارة فعلى هذا يكون الرقيم ~~بمعنى المرقوم أي: المكتوب والرقم: الكتابة. # وحكي عن ابن عباس أنه اسم للوادي الذي فيه أصحاب الكهف وعلى هذا هو من ~~رقمة الوادي وهو جانبه. # وقال كعب الأحبار: هو اسم للقرية التي خرج منها أصحاب الكهف. # وقيل: اسم للجبل الذي فيه الكهف. ### || # {إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من ~~أمرنا رشدا (10) } # ثم ذكر الله قصة أصحاب الكهف فقال: {إذ أوى الفتية إلى الكهف} أي صاروا ~~إليه واختلفوا في سبب مصيرهم إلى الكهف (2) PageV05P145 # فقال محمد بن إسحاق بن يسار: مرج أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا وطغت ~~فيهم الملوك حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت وفيهم بقايا على دين المسيح ~~متمسكين بعبادة الله وتوحيده فكان ممن فعل ذلك من ملوكهم ملك من الروم يقال ~~له "دقيانوس" عبد الأصنام وذبح للطواغيت وقتل من خالفه وكان ينزل قرى الروم ~~ولا يترك في فدية نزلها أحدا إلا فتنه حتى يعبد الأصنام ويذبح للطواغيت أو ~~قتله حتى نزل مدينة أصحاب الكهف وهي ms1511 "أفسوس" فلما نزلها كبر على أهل ~~الإيمان فاستخفوا منه وهربوا في كل وجه وكان "دقيانوس" حين قدمها أمر أن ~~يتبع أهل الإيمان فيجمعوا له واتخذ شرطا من الكفار من أهلها يتبعون أهل ~~الإيمان في أماكنهم فيخرجونهم إلى "دقيانوس" فيخيرهم بين القتل وبين عبادة ~~الأوثان والذبح للطواغيت فمنهم من يرغب في الحياة ومنهم من يأبى أن يعبد ~~غير الله فيقتل فلما رأى ذلك أهل الشدة في الإيمان بالله جعلوا يسلمون ~~أنفسهم للعذاب والقتل فيقتلون ويقطعون ثم يربط ما قطع من أجسامهم على سور ~~المدينة من نواحيها وعلى كل باب من أبوابها حتى عظمت الفتنة فلما رأى ذلك ~~الفتية حزنوا حزنا شديدا فقاموا واشتغلوا بالصلاة والصيام والصدقة والتسبيح ~~والدعاء وكانوا من أشراف الروم وكانوا ثمانية نفر بكوا وتضرعوا إلى الله ~~وجعلوا يقولون: ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا ~~شططا إن عبدنا غيره اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة وارفع عنهم هذا ~~البلاء حتى يعلنوا عبادتك فبينما هم على مثل ذلك وقد دخلوا في مصلى لهم ~~أدركهم الشرط فوجدوهم وهم سجود على وجوههم يبكون ويتضرعون إلى الله فقالوا ~~لهم: ما خلفكم عن أمر الملك؟ انطلقوا إليه ثم خرجوا فرفعوا أمرهم إلى ~~"دقيانوس" فقالوا: تجمع الناس للذبح لآلهتك وهؤلاء الفتية من أهل بيتك ~~يستهزؤون بك ويعصون أمرك! فلما سمع بذلك بعث إليهم فأتى بهم تفيض أعينهم من ~~الدمع معفرة وجوههم بالتراب فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا ~~التي تعبد في الأرض وتجعلوا أنفسكم أسوة لسادات من أهل مدينتكم؟ اختاروا: ~~إما أن تذبحوا لآلهتنا وإما أن أقتلكم. فقال مكسلمينا وهو أكبرهم: إن لنا ~~إلها ملأ السموات والأرض عظمة لن ندعو من دونه إلها أبدا له الحمد والتكبير ~~والتسبيح من أنفسنا خالصا أبدا إياه نعبد وإياه نسأل النجاة والخير فأما ~~الطواغيت فلن نعبدها أبدا فاصنع بنا ما بدا لك وقال أصحاب مكسلمينا ~~لدقيانوس مثل ما قال # PageV05P146 # مكسلمينا فلما قالوا ذلك أمر فنزع عنهم لبوسا كان عليهم من لبوس ms1512 عظمائهم ~~ثم قال: سأفرغ لكم فأنجز لكم ما أوعدتكم من العقوبة وما يمنعني أن أعجل ذلك ~~لكم إلا أني أراكم شبانا حديثة أسنانكم فلا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم ~~أجلا تذكرون فيه وتراجعون عقولكم ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة ~~فنزعت عنهم ثم أمر بهم فأخرجوا من عنده. # وانطلق دقيانوس إلى مدينة سوى مدينتهم قريبا منهم لبعض أموره فلما رأى ~~الفتية خروجه بادروا قدومه وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكرهم [وأن يعذبهم] ~~(1) فائتمروا بينهم أن يأخذ كل رجل منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدقوا منها ~~ويتزودوا بما بقي ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يقال له بخلوس ~~فيمكثون فيه ويعبدون الله حتى إذا جاء دقيانوس أتوه فقاموا بين يديه فيصنع ~~بهم ما شاء فلما قال ذلك بعضهم لبعض عمد كل فتى منهم إلى بيت أبيه فأخذ ~~نفقة فتصدق منها ثم انطلقوا بما بقي معهم واتبعهم كلب كان لهم حتى أتوا ذلك ~~الكهف فلبثوا فيه. # قال كعب الأحبار: مروا بكلب فتبعهم فطردوه ففعل ذلك مرارا فقال لهم ~~الكلب: يا قوم ما تريدون مني؟ لا تخشون جانبي أنا أحب أحباب الله فناموا ~~حتى أحرسكم. # وقال ابن عباس: هربوا ليلا من دقيانوس وكانوا سبعة فمروا براع معه كلب ~~فتبعهم على دينهم وتبعه كلبه فخرجوا من البلد إلى الكهف وهو قريب من البلد. # قال ابن إسحاق: فلبثوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح ~~والتكبير والتحميد ابتغاء وجه الله وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم يقال له: ~~تمليخا فكان يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سرا وكان من أحملهم وأجلدهم وكان ~~إذا دخل المدينة يضع ثيابا كانت عليه حسانا ويأخذ ثيابا كثياب المساكين ~~الذين يستطعمون فيها ثم يأخذ ورقه فينطلق إلى المدينة فيشتري لهم طعاما ~~وشرابا ويتجسس لهم الخبر هل ذكر هو وأصحابه بشيء ثم يرجع إلى أصحابه فلبثوا ~~بذلك ما لبثوا 215/ب ثم قدم دقيانوس المدينة فأمر عظماء أهلها فذبحوا ~~للطواغيت ففزع من ذلك أهل الإيمان وكان تمليخا ms1513 بالمدينة يشتري لأصحابه ~~طعامهم فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل وأخبرهم أن الجبار قد دخل ~~المدينة وأنهم قد ذكروا والتمسوا مع عظماء المدينة ففزعوا ووقعوا سجودا ~~يدعون الله ويتضرعون إليه ويتعوذون من الفتنة ثم إن تمليخا قال لهم: يا ~~إخوتاه ارفعوا رءوسكم واطعموا وتوكلوا على ربكم فرفعوا رءوسهم وأعينهم تفيض ~~من الدمع فطعموا وذلك غروب الشمس ثم جلسوا يتحدثون ويتدارسون ويذكر بعضهم ~~بعضا فبينما هم على ذلك إذ ضرب الله على آذانهم النوم في الكهف وكلبهم باسط ~~ذراعيه بباب الكهف فأصابه ما أصابهم وهم مؤمنون موقنون ونفقتهم عند رءوسهم. ~~PageV05P147 # فلما كان من الغد فقدهم دقيانوس فالتمسهم فلم يجدهم فقال لبعضهم: لقد ~~ساءني شأن هؤلاء الفتية الذين ذهبوا لقد كانوا ظنوا أن بي غضبا عليهم ~~لجهلهم ما جهلوا من أمري ما كنت لأحمل عليهم إن هم تابوا وعبدوا آلهتي فقال ~~عظماء المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قوما فجرة مردة عصاة قد كنت أجلت لهم ~~أجلا ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل ولكنهم لم يتوبوا فلما قالوا ذلك غضب ~~غضبا شديدا ثم أرسل إلى آبائهم فأتى بهم فسألهم عنهم فقال: أخبروني عن ~~أبنائكم المردة الذين عصوني [ووعدهم بالقتل] (1) فقالوا له: أما نحن فلم ~~نعصك فلم تقتلنا بقوم مردة قد ذهبوا بأموالنا فأهلكوها في أسواق المدينة ثم ~~انطلقوا وارتقوا إلى جبل يدعى بخلوس؟ فلما قالوا له ذلك خلى سبيلهم وجعل لا ~~يدري ما يصنع بالفتية فألقى الله في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم وأراد ~~الله أن يكرمهم ويجعلهم آية لأمة تستخلف من بعدهم وأن يبين لهم أن الساعة ~~آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور فأمر دقيانوس بالكهف أن يسد ~~عليهم وقال: دعوهم كما هم في الكهف يموتون جوعا وعطشا ويكون كهفهم الذي ~~اختاروا قبرا لهم وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم وقد توفى الله ~~أرواحهم وفاة النوم وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف قد غشيهم ما غشيهم ~~يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال. # ثم إن ms1514 رجلين مؤمنين في بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما اسم أحدهما ~~"يندروس" واسم الآخر "روناس" ائتمرا أن يكتبا شأن الفتية وأنسابهم وأسمائهم ~~وخبرهم في لوح (2) من رصاص ويجعلاهما في تابوت من نحاس ويجعلا التابوت في ~~البنيان وقالا لعل الله أن يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم ~~القيامة فيعلم من فتح عنهم حين يقرأ هذا الكتاب [خبرهم] (3) ففعلا وبنيا ~~عليه فبقي "دقيانوس" ما بقي ثم مات هو وقومه وقرون بعده كثيرة وخلفت الملوك ~~بعد الملوك. # وقال عبيد بن عمير كان أصحاب الكهف فتيانا مطوقين مسورين ذوي ذوائب وكان ~~معهم كلب صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم في زي عظيم (4) وموكب وأخرجوا معهم ~~آلهتهم التي يعبدونها وقد قذف الله في قلوب الفتية الإيمان وكان أحدهم وزير ~~الملك فآمنوا وأخفى كل واحد منهم إيمانه فقالوا في أنفسهم نخرج من بين أظهر ~~هؤلاء القوم لا يصيبنا عقاب بجرمهم فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة ~~فجلس فيه ثم خرج آخر فرآه جالسا وحده فرجا أن يكون على مثل أمره من غير أن ~~يظهر ذلك ثم خرج الآخر فاجتمعوا في مكان فقال بعضهم لبعض: ما جمعكم؟ وكل ~~واحد يكتم صاحبه إيمانه مخافة على نفسه ثم قالوا: ليخرج كل فتى فيخلوا ~~PageV05P148 # بصاحبه (1) ثم يفشي واحد سره إلى صاحبه ففعلوا فإذا هم جميعا على الإيمان ~~وإذا كهف في الجبل قريب منهم فقال بعضهم لبعض: فأووا إلى الكهف ينشر لكم ~~ربكم من رحمته، فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم فناموا ثلاثمائة سنين ~~وازدادوا تسعا وفقدهم قومهم فطلبوهم فعمى الله عليهم آثارهم وكهفهم فكتبوا ~~أسماءهم وأنسابهم في لوح: فلان وفلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر ~~كذا في سنة كذا في مملكة فلان بن فلان ووضعوا اللوح (2) في خزانة الملك ~~وقالوا: ليكونن لهذا شأن ومات ذلك الملك وجاء قرن بعد قرن. # وقال وهب بن منبه: جاء حواري عيسى عليه السلام إلى مدينة أصحاب الكهف ~~فأراد أن يدخلها فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد ms1515 له فكره ~~أن يدخلها فأتى حماما قريبا من المدينة فكان يؤاجر نفسه من الحمامي ويعمل ~~فيه ورأى صاحب الحمام في حمامه البركة وعلقه فتية من أهل المدينة فجعل ~~يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا وصدقوه وكان شرط على صاحب ~~الحمام أن الليل لي لا يحول بيني وبينه ولا بين الصلاة أحد وكان على ذلك ~~حتى أتى ابن الملك بامرأة فدخل بها الحمام فعيره الحواري وقال: أنت ابن ~~الملك وتدخل مع هذه؟ فاستحيا وذهب فرجع مرة أخرى فقال له مثل ذلك فسبه ~~وانتهره ولم يلتفت إلى ذلك حتى دخلا معا فماتا في الحمام وأتى الملك فقيل ~~له: قتل صاحب الحمام ابنك فالتمس فلم يقدر عليه وهرب (3) فقال: من كان ~~يصحبه؟ فسموا الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم على مثل ~~إيمانهم فانطلق معهم ومعه كلب حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوه (4) ~~وقالوا: [نلبث هاهنا إلى الليل] (5) ثم نصبح إن شاء الله تعالى فترون رأيكم ~~فضرب الله على آذانهم فخرج الملك في أصحابه يبتغونهم حتى وجدوهم فدخلوا ~~الكهف فلما أراد رجل منهم دخوله أرعب فلم يطق أحد أن يدخله فقال قائل منهم: ~~أليس لو قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى قال: فابن عليهم باب الكهف [واتركهم ~~فيه يموتون جوعا وعطشا ففعل. # قال وهب: فعبر زمان بعد زمان] (6) بعدما سد عليهم باب الكهف ثم إن راعيا ~~أدركه المطر عند الكهف فقال لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي فيه من المطر ~~لكان حسنا فلم يزل يعالجه حتى فتح ورد الله عليهم أرواحهم من الغد حين ~~أصبحوا. PageV05P149 # وقال محمد بن إسحاق: ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له: "بيدروس" ~~فلما ملك بقي في ملكه ثمانيا وستين سنة فتحزب الناس في ملكه فكانوا أحزابا ~~منهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق ومنهم من يكذب بها فكبر ذلك على ~~الملك الصالح فبكى وتضرع إلى الله وحزن حزنا شديدا لما رأى أهل الباطل ~~يزيدون ويظهرون على أهل الحق ويقولون لا حياة إلا حياة ms1516 الدنيا وإنما تبعث ~~الأرواح ولا تبعث الأجساد فجعل "بيدروس" يرسل أن من يظن فيه خيرا وأنهم ~~أئمة في الخلق فجعلوا يكذبون بالساعة حتى كادوا أن يحولوا الناس عن الحق ~~وملة الحواريين فلما رأى ذلك الملك الصالح دخل بيته وأغلقه عليه ولبس مسحا ~~وجعل تحته رمادا فجلس عليه فدأب ليله ونهاره زمانا يتضرع إلى الله تعالى ~~ويبكي ويقول: أي رب قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث إليهم آية تبين لهم [بطلان ~~ما هم عليه] (1) ثم إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد أراد أن يظهر ~~الفتية أصحاب الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية وحجة عليهم ليعلموا أن ~~الساعة آتية لا ريب فيها ويستجيب لعبده الصالح بيدروس ويتم نعمته عليه وأن ~~يجمع من كان تبدد من المؤمنين فألقى الله في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي ~~فيه الكهف وكان اسم ذلك الرجل "أوليانوس" أن يهدم ذلك البنيان الذي على فم ~~الكهف فيبني به حظيرة لغنمه فاستأجر غلامين فجعلا (2) ينزعان تلك الحجارة ~~ويبنيان تلك الحظيرة حتى نزعا ما على فم الكهف وفتحا باب الكهف وحجبهم الله ~~عن الناس بالرعب فلما فتحا باب الكهف أذن الله ذو القدرة والسلطان محيي ~~الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهراني الكهف فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة ~~أنفسهم فسلم بعضهم على بعض فكأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون ~~فيها إذا أصبحوا من ليلتهم ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كالذي كانوا يفعلون ~~لا يرى في جوههم ولا ألوانهم شيء ينكرونه كهيئتهم حين رقدوا وهم يرون أن ~~دقيانوس في طلبهم فلما قضوا صلاتهم قالوا ليمليخا صاحب نفقاتهم: أنبئنا ما ~~الذي قال الناس في شأننا عشية أمس عند هذا الجبار؟ وهم يظنون أنهم رقدوا ~~كبعض ما كانوا يرقدون وقد تخيل إليهم أنهم قد ناموا أطول مما كانوا ينامون ~~حتى يتساءلوا بينهم فقال بعضهم لبعض كم لبثتم نياما؟ قالوا: لبثنا يوما أو ~~بعض يوم ثم قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم وكل ذلك في أنفسهم يسير فقال لهم ~~يمليخا: التمستم في المدينة فلم ms1517 توجدوا وهو يريد أن يؤتى بكم اليوم فتذبحون ~~للطواغيت أو يقتلكم فما شاء الله بعد ذلك فعل فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه ~~اعلموا أنكم ملاقوا الله فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله. # ثم قالوا ليمليخا: انطلق إلى المدينة فتسمع ما يقال عليلنا بها وما الذي ~~يذكر عند دقيانوس وتلطف ولا تشعرن بك أحدا وابتع لنا طعاما PageV05P150 # فائتنا به وزدنا على الطعام الذي جئنا به فقد أصبحنا جياعا ففعل يمليخا ~~كما كان يفعل ووضع ثيابه وأخذ الثياب التي يتنكر فيها وأخذ ورقا [من نفقتهم ~~التي كانت معهم والتي ضربت بطابع دقيانوس فكانت كخفاف الربع فانطلق يمليخا ~~خارجا] (1) فلما مر بباب الكهف رأى الحجارة منزوعة 216/أعن باب الكهف فعجب ~~منها ثم مر ولم يبال بها حتى أتى باب المدينة مستخفيا فصد عن الطريق تخوفا ~~أن يراه أحد من أهلها فيعرفه ولا يشعر أن دقيانوس وأهله قد هلكوا قبل ذلك ~~بثلثمائة سنة فلما أتى يمليخا باب المدينة رفع بصره فرأى فوق ظهر الباب ~~علامة تكون لأهل الإيمان إذا كان الإيمان ظاهرا فيها فلما رآها عجب وجعل ~~ينظر إليها مستخفيا وجعل ينظر يمينا وشمالا ثم ترك ذلك الباب فتحول إلى باب ~~آخر من أبوابها فرأى مثل ذلك فجعل يخيل إليه أن المدينة ليست بالتي كان ~~يعرف ورأى ناسا كثيرا محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك فجعل يمشي ويتعجب ويخيل ~~إليه أنه حيران ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه فجعل يتعجب بينه وبين نفسه ~~ويقول: يا ليت شعري ما هذا؟ أما عشية أمس كان المسلمون يخفون (2) هذه ~~العلامة ويستخفون بها وأما اليوم فإنها ظاهرة لعلي نائم؟ ثم يرى أنه ليس ~~بنائم فأخذ كساءه فجعله على رأسه ثم دخل المدينة فجعل يمشي بين ظهري سوقها ~~فيسمع ناسا يحلفون باسم عيسى ابن مريم فزاده فرقا ورأى أنه حيران فقام ~~مسندا ظهره إلى جدار من جدر المدينة يقول في نفسه: والله ما أدري ما هذا ~~أما عيشة أمس فليس على ظهر الأرض إنسان يذكر عيسى ms1518 ابن مريم إلا قتل وأما ~~الغداة فأسمعهم وكل إنسان يذكر اسم عيسى ولا يخاف أحدا ثم قال في نفسه: لعل ~~هذه ليست بالمدينة التي أعرف والله ما أعرف مدينة قرب مدينتنا فقام ~~كالحيران ثم لقي فتى فقال له: ما اسم هذه المدينة يا فتى؟ قال اسمها ~~"أفسوس" فقال في نفسه: لعل بي مسا أو أمرا أذهب عقلي والله يحق لي أن أسرع ~~الخروج منها قبل أن أخزى فيها أو يصيبني شر فأهلك ثم إنه أفاق فقال: والله ~~لو عجلت الخروج من المدينة قبل أن يفطن بي لكان أيسر (3) بي. # فدنا من الذين يبيعون الطعام فأخرج الورق التي كانت معه فأعطاها رجلا ~~منهم فقال: بعني بهذه الورق طعاما فأخذها الرجل فنظر إلى ضرب الورق ونقشها ~~فعجب منه ثم طرحها إلى رجل من أصحابه فنظر إليها ثم جعلوا يتطارحونها بينهم ~~من رجل إلى رجل يتعجبون منها ثم جعلوا يتشاورون بينهم ويقول بعضهم لبعض: إن ~~هذا أصاب كنزا خبيئا في الأرض منذ زمان ودهر طويل فلما رآهم يمليخا ~~يتشاورون من أجله فرق فرقا شديدا وجعل يرتعد ويظن أنهم قد فطنوا به وعرفوه ~~وأنهم إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقيانوس وجعل PageV05P151 # أناس آخرون يأتونه فيتعرفونه [فلا يعرفونه] (1) فقال لهم وهو شديد الفرق ~~منهم: افضلوا علي قد أخذتم ورقي فأمسكوها وأما طعامكم فلا حاجة لي به ~~فقالوا له: من أنت يا فتى وما شأنك؟ والله لقد وجدت كنزا من كنوز الأولين ~~وأنت تريد أن تخفيه عنا (2) فانطلق معنا وأرنا وشاركنا فيه نخف عليك ما ~~وجدت فإنك إن لم تفعل نأت بك إلى السلطان فنسلمك إليه فيقتلك فلما سمع ~~قولهم قال في نفسه (3) قد وقعت في كل شيء كنت أحذر منه فقالوا: يا فتى إنك ~~والله لا تستطيع أن تكتم ما وجدت فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم وما يرجع ~~إليهم وفرق حتى ما [وجد ما] (4) يخبر إليهم شيئا فلما رأوه لا يتكلم أخذوا ~~كساءه فطرحوه في عنقه ثم جعلوا يقودونه في سكك ms1519 المدينة [صغيرهم وكبيرهم] ~~(5) حتى سمع به من فيها [فسألوه؟ ما الخبر؟] (6) فقيل: هذا رجل عنده كنز ~~فاجتمع إليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم فجعلوا ينظرون إليه ويقولون: والله ~~ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة وما رأيناه فيها قط وما نعرفه قط فجعل ~~يمليخا لا يدري ما يقول لهم فلما اجتمع عليه أهل المدينة فرق فسكت فلم ~~يتكلم وكان مستيقنا أن أباه وإخوته بالمدينة وأن حسبه ونسبه من أهل المدينة ~~من عظماء أهلها وأنهم سيأتونه إذا سمعوا به فبينا هو قائم كالحيران ينتظر ~~متى يأتيه بعض أهله فيخلصه من أيديهم إذ اختطفوه وانطلقوا به إلى رئيسي ~~المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها وهما رجلان صالحان اسم أحدهما ~~"أريوس" واسم الآخر "طنطيوس" (7) فلما انطلق به إليهما ظن يمليخا أنه ينطلق ~~به إلى دقيانوس الجبار فجعل يلتفت يمينا وشمالا وجعل الناس يسخرون منه كما ~~يسخرون من المجنون وجعل يمليخا يبكي ثم رفع رأسه إلى السماء فقال في نفسه ~~(8) اللهم إله السماء وإله الأرض أفرغ اليوم علي صبرا وأولج معي روحا منك ~~تؤيدني به عند هذا الجبار وجعل يبكي ويقول في نفسه: فرق بيني وبين إخوتي يا ~~ليتهم يعلمون ما لقيت ولو أنهم يعلمون فيأتوني فنقوم جميعا بين يدي هذا ~~الجبار فإنا كنا تواثقنا لنكونن معا ولا نكفر بالله ولا نشرك به شيئا، فرق ~~بيني وبينهم فلن يروني ولن أراهم أبدا وكنا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ~~ولا موت أبدا يحدث به نفسه يمليخا فيما أخبر أصحابه حين رجع إليهم حتى ~~انتهى إلى الرجلين الصالحين "أريوس" و"طنطيوس" (9) . # فلما رأى يمليخا أنه لا يذهب به إلى دقيانوس PageV05P152 # أفاق وذهب (1) عنه البكاء فأخذ أريوس [وطنطيوس] (2) الورق فنظرا إليها ~~وعجبا منها ثم قال له أحدهما: أين الكنز الذي وجدت يا فتى؟ فقال يمليخا: ما ~~وجدت كنزا ولكن هذا ورق آبائي ونقش هذه المدينة وضربها ولكن والله ما أدري ~~ما شأني وما أقول لكم فقال أحدهما: فمن أنت؟ فقال يمليخا: أما أنا فكنت أرى ~~أني من أهل هذه ms1520 المدينة، فقالوا: ومن أبوك ومن يعرفك فيها فأنبأهم باسم ~~أبيه فلم يجدوا أحدا يعرفه ولا أباه فقال له أحدهما: أنت رجل كذاب لا ~~تنبئنا بالحق، فلم يدر يمليخا ما يقول لهم غير أنه نكس رأسه [وأطرق بصره] ~~(3) إلى الأرض فقال بعض من حوله: هذا رجل مجنون، وقال بعضهم: ليس بمجنون ~~ولكنه يحمق نفسه عمدا لكي ينفلت منكم فقال له أحدهما ونظر إليه نظرا شديدا: ~~أتظن أنا نرسلك ونصدقك بأن هذا مال أبيك ونقش هذا الورق وضربها أكثر من ~~ثلثمائة سنة وإنما أنت غلام شاب أتظن أنك تأفكنا وتسخر بنا ونحن شمط كما ~~ترى وحولك سراة أهل المدينة وولاة أمرها وخزائن هذه البلدة بأيدينا وليس ~~عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار وإني لأظنني سآمر بك فتعذب عذابا شديدا ~~ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدته. # فلما قال ذلك قال لهم يمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه فإن فعلتم ~~صدقتكم عما عندي، قالوا: سل لا نكتمك شيئا قال لهم: ما فعل الملك دقيانوس؟ ~~قالوا: لا نعرف اليوم على وجه الأرض ملكا يسمى دقيانوس ولم يكن إلا ملك هلك ~~منذ زمان ودهر طويل وهلكت بعده قرون كثيرة فقال يمليخا: إني إذا لحيران وما ~~يصدقني أحد من الناس بما أقول لقد كنا فتية [على دين واحد وهو الإسلام] (4) ~~وإن الملك أكرهنا على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت فهربنا منه عشية أمس ~~فنمنا فلما انتبهنا خرجت لأشتري لهم طعاما وأتجسس الأخبار فإذا أنا كما ~~ترون فانطلقوا معي إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أريكم أصحابي فلما سمع ~~أريوس ما يقول يمليخا قال: يا قوم لعل هذه آية من آيات الله جعلها الله لكم ~~على يدي هذا الفتى فانطلقوا بنا معه يرينا أصحابه. # فانطلق معه أريوس وأسطيوس وانطلق معهم أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو ~~أصحاب الكهف لينظروا إليهم ولما رأى الفتية أصحاب الكهف يمليخا قد احتبس ~~عنهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي به ظنوا أنه قد أخذ فذهب به ~~إلى ملكهم دقيانوس فبينما ms1521 هم يظنون ذلك ويتخوفونه إذ سمعوا الأصوات وجلب ~~الخيل مصعدة نحوهم فظنوا أنهم رسل الجبار دقيانوس بعث إليهم ليؤتى بهم ~~فقاموا إلى الصلاة وسلم بعضهم على بعض وأوصى بعضهم بعضا قالوا انطلقوا بنا ~~نأت أخانا يمليخا فإنه الآن بين يدي الجبار ينتظر متى نأتيه فبينما هم ~~يقولون ذلك PageV05P153 # وهم جلوس بين ظهري الكهف لم يروا إلا أريوس وأصحابه وقوفا على باب الكهف. # وسبقهم يمليخا فدخل عليهم وهو يبكي فلما رأوه يبكي بكوا معه ثم سألوه عن ~~شأنه فأخبرهم وقص عليهم النبأ كله فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نياما بأمر ~~الله ذلك الزمان كله بأمر الله وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس وتصديقا ~~للبعث وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. # ثم دخل على أثر يمليخا أريوس فرأى تابوتا من نحاس مختوما بخاتم من فضة ~~فقام بباب الكهف ثم دعا رجلا من عظماء أهل المدينة ففتح التابوت عندهم (1) ~~فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوبا فيهما: أن مكسلمينا ومخشلمينا ويمليخا ~~ومرطونس وكشطونس ويبرونس وديموس وبطيوس وحالوش كانوا فتية هربوا من ملكهم ~~دقيانوس الجبار مخافة أن يفتنهم عن دينهم فدخلوا هذا الكهف فلما أخبر ~~بمكانهم أمر بالكهف فسد عليهم بالحجارة وإنا كتبنا شأنهم وخبرهم ليعلمه من ~~بعدهم إن عثر عليهم فلما قرأوه وعجبوا وحمدوا الله الذي أراهم آية البعث ~~فيهم ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه ثم دخلوا على الفتية إلى الكهف ~~فوجدوهم جلوسا بين ظهرانيهم مشرقة وجوههم لم تبل ثيابهم فخر أريوس وأصحابه ~~سجودا وحمدوا الله الذي أراهم آية من آياته ثم كلم بعضهم بعضا وأنبأهم ~~الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقيانوس [من إكراههم على عبادة الأوثان ~~والذبح للطواغيت وإخفاء إيمانهم عنه وهربهم إلى الكهف] (2) ثم إن أريوس ~~وأصحابه بعثوا بريدا إلى ملكهم الصالح بيدروس أن عجل إلينا لعلك تنظر إلى ~~آية من آيات الله جعلها الله في ملكك وجعلها آية للعالمين لتكون لهم نورا ~~وضياء وتصديقا للبعث فاعجل إلى فتية بعثهم الله عز وجل وقد كان توفاهم منذ ~~أكثر من ثلثمائة ms1522 سنة فلما أتى الملك الخبر رجع إليه عقله وذهب همه فقال: ~~أحمدك الله رب السموات والأرض وأعبدك وأسبح لك تطولت علي ورحمتني فلم تطفئ ~~النور الذي كنت جعلته لآبائي للعبد الصالح أسطنطينوس الملك. # فلما نبأ به أهل المدينة ركبوا إليه وساروا معه حتى أتوا مدينة أفسوس ~~فتلقاهم أهل المدينة وساروا معه حتى صعدوا نحو الكهف فلما رأى الفتية ~~بيدروس فرحوا به وخروا سجدا على وجوههم وقام بيدروس فاعتنقهم وبكى وهم جلوس ~~بين يديه على الأرض يسبحون الله ويحمدونه ثم قال الفتية لبيدروس: نستودعك ~~الله [إيمانك وخواتيم أعمالك] (3) والسلام عليك ورحمة الله حفظك الله وحفظ ~~ملكك ونعيذك بالله من شر الإنس والجن فبينما الملك قائم إذ رجعوا إلى ~~مضاجعهم فناموا وتوفى الله تعالى أنفسهم وقام الملك إليهم فجعل ثيابهم ~~عليهم وأمر أن يجعل كل رجل منهم في تابوت من ذهب فلما أمسى ونام أتوه في ~~المنام فقالوا له: PageV05P154 # إننا لم نخلق من ذهب ولا من فضة ولكنا خلقنا من تراب وإلى التراب نصير ~~فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله منه فأمر الملك حينئذ ~~بتابوت من ساج فجعلوا فيه وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب فلم يقدر ~~أحد على أن يدخل عليهم فأمر الملك فجعل على باب الكهف مسجدا يصلى فيه وجعل ~~لهم عيدا عظيما وأمر أن يؤتى كل سنة. # وقيل: إن يمليخا لما حمل إلى الملك الصالح قال له الملك: من أنت قال: أن ~~رجل من أهل هذه المدينة وذكر أنه خرج أمس أو منذ أيام وذكر منزله وأقواما ~~لم يعرفهم أحد وكان الملك قد سمع أن فتية فقدوا في الزمن الأول وأن أسماءهم ~~مكتوبة على اللوح بالخزانة فدعا باللوح وقد نظر في أسمائهم فإذا هو من ~~أولئك القوم وذكر أسماء الآخرين فقال يمليخا هم أصحابي فلما سمع الملك ذلك ~~ركب ومن معه من القوم فلما أتوا باب الكهف قال يمليخا: دعوني حتى أدخل على ~~أصحابي فأبشرهم فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم فدخل فبشرهم فقبض الله ms1523 ~~أرواحهم وأعمى عليهم أثرهم فلم يهتدوا إليهم وذلك قوله عز وجل: # {إذ أوى الفتية إلى الكهف} أي: صاروا إلى الكهف، يقال: أوى فلان إلى موضع ~~كذا أي: اتخذه منزلا إلى الكهف وهو غار في جبل بنجلوس واسم الكهف: "خيرم" ~~(1) . # {فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة} ومعنى الرحمة: الهداية في الدين. وقيل: ~~الرزق {وهيئ لنا} يسر لنا {من أمرنا رشدا} أي: ما يلتمس من رضاك وما فيه ~~رشدنا وقال ابن عباس: رشدا أي مخرجا من الغار في سلامة. ### || # {فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين ~~أحصى لما لبثوا أمدا (12) } # {فضربنا على آذانهم} أي: أنمناهم وألقينا عليهم النوم. وقيل: معناه منعنا ~~نفوذ الأصوات إلى مسامعهم فإن النائم إذا سمع الصوت ينتبه {في الكهف سنين ~~عددا} أي: أنمناهم سنين معدودة وذكر العدد على سبيل التأكيد وقيل: ذكره يدل ~~على الكثرة فإن القليل لا يعد في العادة. {ثم بعثناهم} يعني من نومهم ~~{لنعلم} أي: علم المشاهدة {أي الحزبين} أي الطائفتين {أحصى لما لبثوا أمدا} ~~وذلك أن أهل القرية تنازعوا في مدة لبثهم في الكهف. واختلفوا في قوله: ~~"أحصى لما لبثوا" أحفظ لما مكثوا في كهفهم نياما أمدا أي: غاية وقال مجاهد: ~~عددا ونصبه على التفسير. PageV05P155 ### || # {نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (13) ~~وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من ~~دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14) هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا ~~يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا (15) } # {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من ~~رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (16) } # {نحن نقص عليك} [نقرأ عليك] (1) {نبأهم} خبر أصحاب الكهف {بالحق} بالصدق ~~{إنهم فتية} شبان {آمنوا بربهم وزدناهم هدى} إيمانا وبصيرة. {وربطنا} شددنا ~~{على قلوبهم} بالصبر والتثبيت وقويناهم بنور الإيمان حتى صبروا على هجران ~~دار قومهم ومفارقة ما كانوا فيه من العز وخصب العيش وفروا بدينهم إلى الكهف ms1524 ~~{إذ قاموا} بين يدي دقيانوس حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم {فقالوا ربنا ~~رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها} قالوا ذلك لأن قومهم كانوا ~~يعبدون الأوثان {لقد قلنا إذا شططا} يعني: إن دعونا غير الله لقد قلنا إذا ~~شططا، قال ابن عباس: جورا. وقال قتادة: كذبا. وأصل الشطط والإشطاط مجاوزة ~~القدر والإفراط. {هؤلاء قومنا} يعني: أهل بلدهم {اتخذوا من دونه} أي: من ~~دون الله {آلهة} يعني: الأصنام يعبدونها {لولا} أي: هلا {يأتون عليهم} أي: ~~على عبادتهم {بسلطان بين} بحجة واضحة تبين وتوضح أن الأصنام لا تستحق ~~العبادة من دون الله] (2) {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا} وزعم أن له ~~شريكا وولدا. ثم قال بعضهم لبعض: {وإذ اعتزلتموهم} يعني قومهم (3) {وما ~~يعبدون إلا الله} قرأ ابن مسعود "وما يعبدون من دون الله" وأما القراءة ~~المعروفة فمعناها: أنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون PageV05P156 # معه الأوثان يقولون (1) وإذ اعتزلتموهم وجميع ما يعبدون إلا الله فإنكم ~~لم تعتزلوا عبادته {فأووا إلى الكهف} فالجأوا إليه {ينشر لكم} يبسط لكم ~~{ربكم من رحمته ويهيئ لكم} يسهل لكم {من أمركم مرفقا} أي: ما يعود إليه ~~يسركم ورفقكم قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر "مرفقا" بفتح الميم وكسر الفاء ~~وقرأ الآخرون بكسر الميم وفتح الفاء ومعناهما واحد، وهو ما يرتفق به ~~الإنسان. ### || # {وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات ~~الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا مرشدا (17) وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين ~~وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ~~ولملئت منهم رعبا (18) } # قوله تعالى: {وترى الشمس إذا طلعت تزاور} قرأ ابن عامر ويعقوب: "تزور" ~~بسكون الزاي وتشديد الراء على وزن تحمر وقرأ أهل الكوفة: بفتح الزاي خفيفة ~~وألف بعدها وقرأ الآخرون بتشديد الزاي 217/أوكلها بمعنى واحد أي: تميل ~~وتعدل {عن كهفهم ذات اليمين} أي: جانب اليمين {وإذا غربت تقرضهم} أي: ms1525 ~~تتركهم وتعدل عنهم {ذات الشمال} أصل القرض القطع {وهم في فجوة منه} أي: ~~متسع من الكهف وجمعها فجوات قال ابن قتيبة: كان كهفهم مستقبل بنات نعش لا ~~تقع فيه الشمس عند الطلوع ولا عند الغروب ولا فيما بين ذلك قال: اختار الله ~~لهم مضطجعا (2) في مقناة لا تدخل عليهم الشمس فتؤذيهم بحرها وتغير ألوانهم ~~وهم في متسع ينالهم برد الريح ونسيمها ويدفع عنهم كرب الغار وغمومه. # وقال بعضهم (3) هذا القول خطأ وهو أن الكهف كان مستقبل بنات نعش فكانت ~~الشمس لا تقع عليهم ولكن الله صرف الشمس عنهم بقدرته وحال بينها وبينهم ألا ~~ترى أنه قال: # {ذلك من آيات الله} من عجائب صنع الله ودلالات قدرته التي يعتبر بها {من ~~يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل} أي: من يضلله الله ولم يرشده {فلن تجد له ~~وليا} معينا {مرشدا} قوله تعالى: {وتحسبهم أيقاظا} أي: منتبهين جمع يقظ ~~ويقظ {وهم رقود} نيام جمع PageV05P157 # راقد مثل قاعد وقعود وإنما اشتبه حالهم لأنهم كانوا مفتحي الأعين (1) ~~يتنفسون ولا يتكلمون. # {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} مرة للجنب الأيمن ومرة للجنب الأيسر. ~~قال ابن عباس: كانوا يقلبون في السنة مرة من جانب إلى جانب لئلا تأكل الأرض ~~لحومهم. وقيل كان يوم عاشوراء يوم تقلبهم. وقال أبو هريرة: كان لهم في كل ~~سنة تقلبان. # {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} أكثر أهل التفسير على أنه كان من جنس ~~الكلاب. # وروي عن ابن جريج: أنه كان أسدا وسمي الأسد كلبا فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم دعا على عتبة بن أبي لهب فقال: "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك" ~~فافترسه أسد (2) . # والأول أصح (3) . # قال ابن عباس: كان كلبا أغر. ويروى عنه: فوق القلطي (4) ودون الكردي ~~[والقلطي: كلب صيني] (5) . # وقال مقاتل: كان أصفر. وقال القرظي: كان شدة (6) صفرته تضرب إلى الحمرة. ~~وقال الكلبي: لونه كالخلنج وقيل: لون الحجر. # قال ابن عباس: كان اسمه قطمير وعن علي: اسمه ريان. وقال الأوزاعي: بتور. ~~وقال السدي: تور وقال كعب: صهيلة (7) . # قال خالد بن معدان: ms1526 ليس في الجنة شيء من الدواب سوى كلب أصحاب الكهف ~~وحمار بلعام. # قوله {بالوصيد} قال مجاهد والضحاك: "والوصيد": فناء الكهف وقال عطاء: ~~"الوصيد" عتبة الباب. وقال السدي: "الوصيد" الباب وهو رواية عكرمة عن ابن ~~عباس. # فإن قيل: لم يكن للكهف باب ولا عتبة؟ # قيل: معناه موضع الباب والعتبة كان الكلب قد بسط ذراعيه وجعل وجهه عليهم. # قال السدي: كان أصحاب الكهف إذا انقلبوا انقلب الكلب معهم وإذا انقلبوا ~~إلى اليمين كسر الكلب أذنه اليمنى ورقد عليها وإذا انقلبوا إلى الشمال كسر ~~أذنه اليسر ورقد عليها. PageV05P158 # {لو اطلعت عليهم} يا محمد {لوليت منهم فرارا} لما ألبسهم الله من الهيبة ~~حتى لا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب أجله فيوقظهم الله تعالى من رقدتهم ~~{ولملئت منهم رعبا} خوفا قرأ أهل الحجاز بتشديد اللام والآخرون بتخفيفها. # واختلفوا في أن الرعب كان لماذا (1) قيل من وحشة المكان. # وقال الكلبي: لأن أعينهم كانت (2) مفتحة كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم ~~وهم نيام. # وقيل: لكثرة شعورهم وطول أظفارهم ولتقبلهم من غير حس ولا إشعار. # وقيل: إن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يراهم أحد. # وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية نحو الروم فمررنا ~~بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا ~~إليهم. فقال ابن عباس رضي الله عنهم: لقد منع ذلك من هو خير منك، فقال: "لو ~~اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا" فبعث معاوية ناسا فقال: اذهبوا فانظروا فلما ~~دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأخرجتهم (3) . ### || # {وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما ~~أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى ~~المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم ~~أحدا (19) } # قوله تعالى: {وكذلك بعثناهم} أي: كما أنمناهم في الكهف وحفظنا أجسادهم من ~~البلى على طول الزمان فكذلك (4) بعثناهم من النومة التي تشبه الموت ~~{ليتساءلوا بينهم} ليسأل بعضهم بعضا واللام فيه لام العاقبة لأنهم ms1527 لم ~~يبعثوا للسؤال. # {قال قائل منهم} وهو رئيسهم مكسلمينا {كم لبثتم} في نومكم؟ وذلك أنهم ~~استنكروا طول نومهم ويقال: إنهم راعهم ما فاتهم من الصلاة فقالوا ذلك. # {قالوا لبثنا يوما} وذلك أنهم دخلوا الكهف غدوة فقالوا فانتبهوا [حين ~~انتبهوا] (5) عشية PageV05P159 # فقالوا: لبثنا يوما ثم نظروا وقد بقيت من الشمس بقية فقالوا: {أو بعض ~~يوم} فلما نظروا إلى طول شعورهم وأظفارهم علموا أنهم لبثوا أكثر من يوم. # {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} وقيل: إن رئيسهم مكلسلمينا لما سمع الاختلاف ~~بينهم قال: دعوا الاختلاف ربكم أعلم بما لبثتم {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه} ~~يعني يمليخا. # قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر: بورقكم ساكنة الراء والباقون بكسرهما ~~ومعناهما واحد وهي الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة. # {إلى المدينة} قيل: هي طرسوس وكان اسمها في الجاهلية أفسوس فسموها في ~~الإسلام طرسوس. # {فلينظر أيها أزكى طعاما} أي: أحل طعاما حتى لا يكون من غصب أو سبب حرام ~~وقيل: أمروه أن يطلب ذبيحة مؤمن ولا يكون من ذبيحة من يذبح لغير الله وكان ~~فيهم مؤمنون يخفون إيمانهم وقال الضحاك: أطيب طعاما وقال مقاتل بن حيان: ~~أجود طعاما وقال عكرمة: أكثر وأصل الزكاة الزيادة وقيل: أرخص طعاما. # {فليأتكم برزق منه} أي: قوت وطعام تأكلونه {وليتلطف} وليترفق في الطريق ~~وفي المدينة وليكن في ستر وكتمان 217/ب {ولا يشعرن} ولا يعلمن {بكم أحدا} ~~من الناس. ### || # {إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا ~~(20) } # {وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ ~~يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين ~~غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (21) } # {إنهم إن يظهروا عليكم} أي: يعلموا بمكانكم {يرجموكم} قال ابن جريج: ~~يشتمونكم ويؤذونكم بالقول وقيل: يقتلوكم وقيل: كان من عاداتهم القتل ~~بالحجارة وهو أخبث القتل وقيل: يضربوكم {أو يعيدوكم في ملتهم} أي: إلى ~~الكفر {ولن تفلحوا إذا أبدا} إن عدتم إليه. قوله عز وجل: {وكذلك أعثرنا} ~~أي: أطلعنا {عليهم} يقال: ms1528 عثرت على الشيء: إذا اطلعت عليه وأعثرت غيري أي: ~~أطلعته {ليعلموا أن وعد الله حق} يعني قوم (1) بيدروس الذين أنكروا البعث ~~{وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم} قال ابن عباس: ~~PageV05P160 # يتنازعون في البنيان فقال المسلمون: نبني عليهم مسجدا يصلي فيه الناس ~~لأنهم على ديننا وقال المشركون: نبني عليهم (1) بنيانا لأنهم من أهل نسبنا. # وقال عكرمة: تنازعوا في البعث، فقال المسلمون: البعث للأجساد والأرواح ~~معا، وقال قوم: للأرواح دون الأجساد فبعثهم الله تعالى وأراهم أن البعث ~~للأجساد والأرواح. # وقيل: تنازعوا في مدة لبثهم. وقيل: في عددهم. # {فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم} ~~بيدروس الملك وأصحابه {لنتخذن عليهم مسجدا} ### || # {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ~~ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا ~~تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا (22) } # {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم} روي أن السيد والعاقب وأصحابهما من نصارى ~~أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال ~~السيد -وكان يعقوبيا-: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم وقال العاقب -وكان ~~نسطوريا-: كانوا خمسة سادسهم كلبهم وقال المسلمون: كانوا سبعة ثامنهم كلبهم ~~فحقق الله قول المسلمين بعدما حكى قول النصارى فقال: {سيقولون ثلاثة رابعهم ~~كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب} (2) أي: ظنا وحدسا من غير ~~يقين ولم يقل هذا في حق السبعة فقال: {ويقولون} يعني: المسلمين {سبعة ~~وثامنهم كلبهم} # اختلفوا في الواو في قوله: {وثامنهم} قيل: تركها وذكرها سواء. # وقيل: هي واو الحكم والتحقيق كأنه حكى اختلافهم وتم الكلام عند قوله ~~ويقولون سبعة ثم حقق هذا القول بقوله {وثامنهم كلبهم} والثامن لا يكون إلا ~~بعد السابع. # وقيل: هذه واو الثمانية وذلك أن العرب تعد فتقول واحد اثنان ثلاثة أربعة ~~خمسة ستة سبعة وثمانية لأن العقد كامن عندهم سبعة كما هو اليوم عندنا عشرة ~~نظيره قوله تعالى (3) "التائبون PageV05P161 # العابدون الحامدون" إلى قوله: "والناهون عن المنكر" (التوبة-112) وقال ms1529 في ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا" ~~(التحريم-5) . # {قل ربي أعلم بعدتهم} أي: بعددهم {ما يعلمهم إلا قليل} أي: إلا قليل من ~~الناس. قال ابن عباس: أنا من القليل كانوا سبعة. # وقال محمد بن إسحاق: كانوا ثمانية قرأ: {وثامنهم كلبهم} أي: حافظهم ~~والصحيح هو الأول. # وروي عن ابن عباس أنه قال: هم مكسلمينا ويمليخا ومرطونس وبينونس ~~وسارينونس وذو نوانس وكشفيططنونس وهو الراعي والكلب قطمير (1) . # {فلا تمار فيهم} أي: لا تجادل ولا تقل في عددهم وشأنهم {إلا مراء ظاهرا} ~~إلا بظاهر ما قصصنا عليك يقول: حسبك ما قصصت عليك فلا تزد عليه وقف عنده ~~{ولا تستفت فيهم منهم} من أهل الكتاب {أحدا} أي: لا ترجع إلى قولهم بعد أن ~~أخبرناك. ### || # {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا ~~نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا (24) } # {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} يعني: إذا عزمت على ~~أن تفعل غدا شيئا فلا تقل: أفعل غدا حتى تقول إن شاء الله وذلك أن أهل مكة ~~سألوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فقال: أخبركم غدا ولم يقل ~~إن شاء الله فلبث الوحي أياما ثم نزلت هذه الآية (2) . # {واذكر ربك إذا نسيت} قال ابن عباس ومجاهد والحسن: معناه إذا نسيت ~~الاستثناء ثم ذكرت فاستثن. # وجوز ابن عباس الاستثناء المنقطع وإن كان إلى سنة وجوزه الحسن ما دام في ~~المجلس وجوزه بعضهم إذا قرب الزمان فإن بعد فلا يصح. ولم [يجوز باستثناء] ~~(3) جماعة حتى يكون متصلا بالكلام (4) PageV05P162 # وقال عكرمة: معنى الآية: واذكر ربك إذا غضبت (1) . # وقال وهب: مكتوب في الإنجيل: ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب. # وقال الضحاك والسدي: هذا في الصلاة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا الحسن بن أحمد المخلدي حدثنا أبو ~~العباس السراج حدثنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن ms1530 قتادة عن أنس قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها" (2) . PageV05P163 # {وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا} أي: يثبتني على طريق هو أقرب ~~إليه وأرشد (1) . # وقيل: أمر الله نبيه أن يذكره إذا نسي شيئا ويسأله أن يهديه لما هو خير ~~له من ذكر ما نسيه (2) . # ويقال: هو أن القوم لما سألوه عن قصة أصحاب الكهف على وجه العناد أمره ~~الله عز وجل أن يخبرهم أن الله سيؤتيه من الحجج على صحة نبوته ما هو أدل ~~لهم من قصة أصحاب الكهف وقد فعل حيث أتاه من علم الغيب المرسلين ما كان ~~أوضح لهم في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف (3) . # وقال بعضهم: هذا شيء أمر أن يقوله مع قوله "إن شاء الله" إذا ذكر ~~الاستثناء بعد النسيان وإذا نسي الإنسان "إن شاء الله" فتوبته من ذلك أن ~~يقول: "عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا" (4) . ### || # {ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) } # قوله عز وجل {ولبثوا في كهفهم} يعني: أصحاب الكهف. قال بعضهم: هذا خبر عن ~~أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك. ولو كان خبرا من الله عز وجل عن قدر لبثهم لم ~~يكن لقوله "قل الله أعلم بما لبثوا" وجه وهذا قول قتادة. ويدل عليه قراءة ~~ابن مسعود: "وقالوا لبثوا في كهفهم" ثم رد الله تعالى عليهم فقال: "قل الله ~~أعلم بما لبثوا" (5) . # وقال الآخرون: هذا إخبار من الله تعالى عن قدر لبثهم في الكهف وهو الأصح. # [وأما قوله: "قل الله أعلم بما لبثوا" فمعناه: أن الأمر من مدة لبثهم] ~~(6) كما ذكرنا فإن نازعوك فيها فأجبهم وقل: الله أعلم بما لبثوا أي: هو ~~أعلم منكم وقد أخبرنا بمدة لبثهم. PageV05P164 # وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إن هذه المدة من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا ~~هذا ثلثمائة وتسع سنين فرد الله عليهم وقال: "قل الله أعلم بما لبثوا" ~~يعني: بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلمه إلا الله 218/أ # قوله ms1531 تعالى: {ثلاث مائة سنين} قرأ حمزة والكسائي "ثلثمائة" بلا تنوين ~~وقرأ الآخرون بالتنوين. # فإن قيل: لم قال ثلثمائة سنين [ولم يقل سنة؟] (1) . # قيل: نزل قوله: "ولبثوا في كهفهم ثلثمائة" فقالوا: أياما أو شهورا أو ~~سنين؟ فنزلت "سنين". # قال الفراء: ومن العرب من يضع سنين في موضع سنة. # وقيل: معناه ولبثوا في كهفهم سنين ثلثمائة. # {وازدادوا تسعا} قال الكلبي (2) قالت نصارى نجران أما ثلثمائة فقد عرفنا ~~وأما التسع فلا علم لنا بها فنزلت. ### || # {قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من ~~دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا (26) } # {قل الله أعلم بما لبثوا} روي عن علي أنه قال: عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ~~ثلثمائة شمسية والله تعالى ذكر ثلثمائة قمرية والتفاوت بين الشمسية ~~والقمرية في كل مائة سنة ثلاث سنين فيكون في ثلثمائة تسع سنين فلذلك قال: ~~"وازدادوا تسعا". # {له غيب السماوات والأرض} فالغيب ما يغيب عن إدراك والله عز وجل لا يغيب ~~عن إدراكه شيء. # {أبصر به وأسمع} أي: ما أبصر الله بكل موجود وأسمعه لكل مسموع! أي: لا ~~يغيب عن سمعه وبصره شيء. # {ما لهم} أي: ما لأهل السموات والأرض {من دونه} أي من دون الله {من ولي} ~~ناصر {ولا يشرك في حكمه أحدا} قرأ ابن عامر ويعقوب: " ولا تشرك " بالتاء ~~على المخاطبة والنهي وقرأ الآخرون بالياء أي: لا يشرك الله في حكمه أحدا. ~~وقيل: "الحكم" هنا علم الغيب أي: لا يشرك في علم غيبه أحدا. PageV05P165 ### || # {واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا ~~(27) } # {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد ~~عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا (28) } # قوله عز وجل: {واتل} واقرأ يا محمد {ما أوحي إليك من كتاب ربك} يعني ~~القرآن واتبع ما فيه {لا مبدل لكلماته} قال الكلبي: لا مغير للقرآن. وقيل: ~~لا مغير لما ms1532 أوعد بكلماته أهل معاصيه. {ولن تجد} أنت {من دونه} إن لم تتبع ~~القرآن {ملتحدا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: حرزا. وقال الحسن: مدخلا. ~~وقال مجاهد: ملجأ. وقيل: معدلا. وقيل: مهربا. وأصله من الميل. قوله عز وجل: ~~{واصبر نفسك} الآية نزلت في عيينة بن حصن الفزاري أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل أن يسلم وعنده جماعة من الفقراء فيهم سلمان وعليه شملة قد عرق ~~فيها وبيده خوصة يشقها ثم ينسجها فقال عيينة للنبي صلى الله عليه وسلم: أما ~~يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات مضر وأشرافها فإن أسلمنا أسلم الناس وما يمنعنا ~~من اتباعك إلا هؤلاء فنحهم عنك حتى نتبعك أو اجعل لنا مجلسا ولهم مجلسا ~~فأنزل الله عز وجل: {واصبر نفسك} (1) أي: احبس يا محمد نفسك {مع الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي} طرفي النهار {يريدون وجهه} أي: يريدون الله لا ~~يريدون به عرضا من الدنيا. # قال قتادة: نزلت في أصحاب الصفة وكانوا سبعمائة رجل فقراء في مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يرجعون إلى تجارة ولا إلى زرع ولا ضرع يصلون ~~صلاة وينتظرون أخرى فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم " (2) . # {ولا تعد} أي: لا تصرف ولا تتجاوز {عيناك عنهم} إلى غيرهم {تريد زينة ~~الحياة الدنيا} أي: طلب مجالسة الأغنياء والأشراف وصحبة أهل الدنيا. # {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} أي: جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا يعني: ~~عيينة بن PageV05P166 # حصن. وقيل: أمية بن خلف {واتبع هواه} أي مراده في طلب الشهوات {وكان أمره ~~فرطا} قال قتادة ومجاهد: ضياعا وقيل: معناه ضيع أمره (1) وعطل أيامه وقيل: ~~ندما. وقال مقاتل ابن حيان: سرفا. وقال الفراء: متروكا. وقيل باطلا. وقيل: ~~مخالفا للحق. وقال الأخفش: مجاوزا للحد (2) . قيل: معنى التجاوز في الحد هو ~~قول عيينة: إن أسلمنا أسلم الناس وهذا إفراط عظيم. ### || # {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ms1533 ~~نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس ~~الشراب وساءت مرتفقا (29) } # {وقل الحق من ربكم} أي: ما ذكر من الإيمان والقرآن معناه: قل يا محمد ~~لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: أيها الناس [قد جاءكم من ربكم الحق] ~~(3) وإليه التوفيق والخذلان وبيده الهدى والضلال ليس إلي من ذلك شيء. # {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} هذا على طريق التهديد والوعيد كقوله: ~~"اعملوا ما شئتم" (فصلت-40) (4) . # وقيل معنى الآية: وقل الحق من ربكم ولست بطارد المؤمنين لهواكم فإن شئتم ~~فآمنوا وإن شئتم فاكفروا فإن كفرتم فقد أعد لكم ربكم نارا أحاط بكم سرادقها ~~وإن آمنتم فلكم ما وصف الله عز وجل لأهل طاعته (5) . # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية: من شاء الله له الإيمان ~~آمن ومن شاء له الكفر كفر (6) وهو قوله: "وما تشاؤن إلا أن يشاء الله" ~~(الإنسان-30) . # {إنا أعتدنا} أعددنا وهيأنا من الإعداد (7) وهو العدة {للظالمين} ~~للكافرين {نارا أحاط بهم سرادقها} "السرادق": الحجرة التي تطيف (8) ~~بالفساطيط. PageV05P167 # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنبأنا محمد بن أحمد بن ~~الحارث أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي أنبأنا عبد الله بن محمود أنبأنا ~~إبراهيم بن عبد الله الخلال أنبأنا عبد الله بن المبارك عن رشدين بن سعد ~~حدثني عمرو بن الحارث عن دراج بن أبي السمح عن أبي الهيثم بن عبد الله عن ~~أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "سرادق النار أربعة ~~جدر كثف كل جدار مثل مسيرة أربعين سنة" (1) . # قال ابن عباس: هو حائط من نار. # وقال الكلبي: هو عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة. # وقيل: هو دخان يحيط بالكفار وهو الذي ذكره الله تعالى: "انطلقوا إلى ظل ~~ذي ثلاث شعب" (المرسلات-30) . # {وإن يستغيثوا} من شدة العطش {يغاثوا بماء كالمهل} # أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث ~~أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي أنبأنا عبد الله بن محمود ms1534 أنبأنا إبراهيم بن ~~عبد الله الخلال حدثنا عبد الله بن المبارك عن رشدين 218/ب بن سعد حدثنا ~~عمرو بن الحارث عن دراج بن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {بماء كالمهل} قال كعكر الزيت ~~فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه" (2) . # وقال ابن عباس: هو ماء غليظ مثل دردي الزيت. # وقال مجاهد: هو القيح والدم. # وسئل ابن مسعود عن: "المهل" فدعا بذهب وفضة فأوقد عليهما النار حتى ذابا ~~ثم قال: هذا أشبه شيء بالمهل (3) . # {يشوي الوجوه} ينضج الوجوه من حره. # {بئس الشراب وساءت} النار {مرتفقا} قال ابن عباس: منزلا وقال مجاهد: ~~مجتمعا وقال عطاء: مقرا. وقال القتيبي: مجلسا. وأصل "المرتفق": المتكأ (4) ~~. PageV05P168 ### || # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) ~~أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ~~ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب ~~وحسنت مرتفقا (31) واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ~~وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32) } # قوله تعالى {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن ~~عملا} فإن قيل: أين جواب قوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ؟ # قيل: جوابه قوله: {أولئك لهم جنات عدن تجري} وأما قوله: {إنا لا نضيع} ~~فكلام معترض (1) . # وقيل: فيه إضمار معناه: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنا لا نضيع ~~أجرهم بل نجازيهم ثم ذكر الجزاء فقال (2) . {أولئك لهم جنات عدن} أي: إقامة ~~يقال: عدن فلان بالمكان إذا أقام به سميت عدنا لخلود المؤمنين فيها {تجري ~~من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب} قال سعيد بن جبير: يحلى كل ~~واحد منهم ثلاث أساور واحد من ذهب وواحد من فضة وواحد من لؤلؤ ويواقيت ~~{ويلبسون ثيابا خضرا من سندس} وهو ما رق من الديباج {وإستبرق} وهو ما غلظ ~~منه ومعنى الغلظ في ثياب الجنة: إحكامه وعن أبي عمران الجوني قال: ms1535 السندس ~~هو الديباج المنسوج بالذهب {متكئين فيها} في الجنان {على الأرائك} وهي ~~السرر في الحجال واحدتها أريكة {نعم الثواب} أي نعم الجزاء {وحسنت} الجنان ~~{مرتفقا} أي: مجلسا ومقرا. {واضرب لهم مثلا رجلين} الآية قيل: نزلت في ~~أخوين من أهل مكة من بني مخزوم أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد ~~الأسد بن عبد ياليل (3) [وكان زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV05P169 # والآخر كافر وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل] (1) . # وقيل: هذا مثل لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان وأصحابه شبههما برجلين من ~~بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه يهوذا في قول ابن عباس وقال مقاتل: ~~يمليخا والآخر كافر واسمه قطروس وقال وهب: قطفير وهما اللذان وصفهما الله ~~تعالى في سورة "والصافات" وكانت قصتهما على ما حكى عبد الله بن المبارك عن ~~معمر عن عطاء الخراساني قال: كان رجلان شريكين لهما ثمانية آلاف دينار ~~وقيل: كانا أخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها فعمد أحدهما ~~فاشترى أرضا بألف دينار فقال صاحبه: اللهم إن فلانا قد اشترى أرضا بألف ~~دينار فإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدق بألف دينار ثم إن ~~صاحبه بنى دارا بألف دينار فقال هذا: اللهم إن فلانا بنى دارا بألف دينار ~~فإني أشتري منك دارا في الجنة بألف دينار فتصدق بذلك ثم تزوج صاحبه امرأة ~~فأنفق عليها ألف دينار فقال هذا المؤمن: اللهم إني أخطب إليك امرأة من نساء ~~الجنة بألف دينار فتصدق بألف دينار ثم اشترى صاحبه خدما ومتاعا بألف دينار ~~فقال هذا: اللهم إني أشتري منك متاعا وخدما في الجنة بألف دينار فتصدق بألف ~~دينار ثم أصابته حاجة شديدة فقال: لو أتيت صاحبي لعله ينالني منه معروف ~~فجلس على طريقه حتى مر به في حشمه فقام إليه فنظر إليه الآخر فعرفه فقال: ~~فلان؟ قال: نعم فقال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجة بعدك فأتيتك لتصيبني بخير ~~فقال: ما فعل مالك وقد اقتسمنا مالا واحدا (2) وأخذت شطره؟ فقص ms1536 عليه قصته ~~فقال: وإنك لمن المصدقين بهذا (3) ؟ اذهب فلا أعطيك شيئا فطرده فقضي لهما ~~أن توفيا فنزل فيهما: "فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان ~~لي قرين" (الصافات-50،51) . # وروي أنه لما أتاه أخذ بيده وجعل يطوف به ويريه أموال نفسه فنزل فيهما ~~(4) . # {واضرب لهم مثلا رجلين} اذكر لهم خبر رجلين {جعلنا لأحدهما جنتين} ~~بستانين {من أعناب وحففناهما بنخل} أي: أطفناهما من جوانبهما بنخل والحفاف: ~~الجانب وجمعه أحفة، يقال: حف به القوم أي: طافوا بجوانبه {وجعلنا بينهما ~~زرعا} أي: جعلنا حول الأعناب النخيل ووسط الأعناب الزرع. PageV05P170 # وقيل: "بينهما" أي بين الجنتين زرعا يعني: لم يكن بين الجنتين موضع خراب. ### || # {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا (33) ~~وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (34) } # {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) وما أظن ~~الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36) } # {كلتا الجنتين آتت} أي: أعطت كل واحدة من الجنتين {أكلها} ثمرها تاما ~~{ولم تظلم} لم تنقص {منه شيئا وفجرنا} قرأ العامة بالتشديد وقرأ يعقوب ~~بتخفيف الجيم {خلالهما نهرا} يعني: شققنا وأخرجنا وسطهما نهرا. {وكان له} ~~لصاحب البستان {ثمر} قرأ عاصم وأبو جعفر ويعقوب {ثمر} بفتح الثاء والميم ~~وكذلك: "بثمره" وقرأ أبو عمرو: بضم الثاء ساكنة الميم وقرأ الآخرون بضمهما. # فمن قرأ بالفتح هو جمع ثمرة وهو ما تخرجه الشجرة من الثمار المأكولة. # ومن قرأ بالضم فهي الأموال الكثيرة المثمرة من كل صنف جمع ثمار. وقال ~~مجاهد: ذهب وفضة وقيل: جميع الثمرات. # قال الأزهري: "الثمرة" تجمع على "ثمر" ويجمع "الثمر" على "ثمار" ثم تجمع ~~"الثمار" على "ثمر" (1) . # {فقال} يعني صاحب البستان {لصاحبه} المؤمن {وهو يحاوره} يخاطبه ويجاوبه: ~~{أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا} أي: عشيرة ورهطا. وقال قتادة: خدما وحشما. ~~وقال مقاتل: ولدا تصديقه قوله تعالى: "إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا" ~~(الكهف-39) . {ودخل جنته} يعني الكافر أخذ بيد أخيه المسلم ms1537 يطوف به فيها ~~ويريه أثمارها {وهو ظالم لنفسه} بكفره {قال ما أظن أن تبيد} تهلك {هذه ~~أبدا} قال أهل المعاني: راقه حسنها وغرته زهرتها فتوهم أنها لا تفنى أبدا ~~وأنكر البعث. فقال {وما أظن الساعة قائمة} كائنة {ولئن رددت إلى ربي لأجدن ~~خيرا منها منقلبا} قرأ أهل الحجاز والشام هكذا على التثنية يعني من الجنتين ~~وكذلك هو في مصاحفهم وقرأ الآخرون {منها} أي: من الجنة التي دخلها {منقلبا} ~~أي: مرجعا. PageV05P171 # إن قيل: كيف قال: "ولئن رددت إلى ربي" وهو منكر البعث؟ # قيل: معناه ولئن رددت إلى ربي -على ما تزعم أنت-يعطيني هنالك خيرا منها ~~فإنه لم يعطني هذه الجنة في الدنيا إلا ليعطيني في الآخرة أفضل منها. ### || # {قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك ~~رجلا (37) لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38) ولولا إذ دخلت جنتك ~~قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (39) فعسى ~~ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا ~~(40) } # {قال له صاحبه} المسلم {وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب} أي خلق ~~أصلك من تراب {ثم} خلقك {من نطفة ثم سواك رجلا} أي: عدلك بشرا 219/أسويا ~~ذكرا. {لكنا هو الله ربي} قرأ ابن عامر ويعقوب: "لكنا" بالألف في الوصل ~~وقرأ الباقون بلا ألف واتفقوا على إثبات الألف في الوقف وأصله: "لكن أنا" ~~فحذفت الهمزة طلبا للتخفيف لكثرة استعمالها ثم أدغمت إحدى النونين في ~~الأخرى قال الكسائي فيه تقديم وتأخير مجازه: لكن الله هو ربي {ولا أشرك ~~بربي أحدا} {ولولا إذ دخلت جنتك} أي: هلا إذ دخلت جنتك {قلت ما شاء الله} ~~أي: الأمر ما شاء الله. وقيل: جوابه مضمر أي: ما شاء الله كان، وقوله: {لا ~~قوة إلا بالله} أي: لا أقدر على حفظ مالي أو دفع شيء عنه إلا [بإذن الله] ~~(1) . # وروي عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان إذا رأى من ms1538 ماله شيئا يعجبه أو دخل ~~حائطا من حيطانه قال ما شاء الله لا قوة إلا بالله (2) . # ثم قال: {إن ترني أنا أقل منك مالا وولدا} و"أنا" عماد ولذلك نصب أقل (3) ~~معناه: إن ترني أقل منك مالا وولدا فتكبرت وتعظمت علي. {فعسى ربي} فلعل ربي ~~{أن يؤتيني} يعطيني في الآخرة PageV05P172 # {خيرا من جنتك ويرسل عليها} أي: على جنتك {حسبانا} قال قتادة: عذابا وقال ~~ابن عباس رضي الله عنه: نارا. وقال القتيبي: مرامي (1) {من السماء} وهي مثل ~~صاعقة أو شيء يهلكها واحدتها: "حسبانة" {فتصبح صعيدا زلقا} أي أرضا جرداء ~~ملساء لا نبات فيها وقيل: تزلق فيها الأقدام وقال مجاهد: رملا هائلا. ### || # {أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41) وأحيط بثمره فأصبح يقلب ~~كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي ~~أحدا (42) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43) هنالك ~~الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44) } # {أو يصبح ماؤها غورا} أي: غائرا منقطعا ذاهبا لا تناله الأيدي ولا الدلاء ~~و"الغور": مصدر وضع موضع الاسم مثل: زور وعدل {فلن تستطيع له طلبا} يعني: ~~إن طلبته لم تجده. {وأحيط بثمره} أي: أحاط العذاب بثمر جنته وذلك أن الله ~~تعالى أرسل عليها نارا فأهلكتها وغار ماؤها {فأصبح} صاحبها الكافر {يقلب ~~كفيه} أي: يصفق بيده على الأخرى ويقلب كفيه ظهرا لبطن تأسفا وتلهفا {على ما ~~أنفق فيها وهي خاوية} أي ساقطة {على عروشها} سقوفها {ويقول يا ليتني لم ~~أشرك بربي أحدا} قال الله تعالى {ولم تكن له فئة} جماعة {ينصرونه من دون ~~الله} يمنعونه من عذاب الله {وما كان منتصرا} ممتنعا منتقما أي: لا يقدر ~~على الانتصار لنفسه وقيل: لا يقدر على رد ما ذهب عنه. {هنالك الولاية لله ~~الحق} يعني: في القيامة قرأ حمزة والكسائي " الولاية " بكسر الواو يعني ~~السلطان وقرأ الآخرون بفتح الواو من: الموالاة والنصر كقوله تعالى: "الله ~~ولي الذين آمنوا" (البقرة-257) قال القتيبي: يريد أنهم يولونه يومئذ ~~ويتبرؤون مما ms1539 كانوا يعبدون. # وقيل: بالفتح: الربوبية وبالكسر: الإمارة. # {الحق} برفع القاف: أبو عمرو والكسائي على نعت الولاية وتصديقه قراءة ~~أبي: {هنالك الولاية لله الحق} وقرأ الآخرون بالجر على صفة الله كقوله ~~تعالى: "ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق" (الأنعام-62) . PageV05P173 # {هو خير ثوابا} أفضل جزاء لأهل طاعته لو كان غيره يثيب {وخير عقبا} أي: ~~عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره فهو خير إثابة و"عاقبة": طاعة قرأ حمزة ~~وعاصم "عقبا" ساكنة القاف وقرأ الآخرون بضمها. ### || # {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (45) } # {المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا ~~وخير أملا (46) } # قوله تعالى: {واضرب لهم} يا محمد أي: لقومك {مثل الحياة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء} يعني: المطر {فاختلط به نبات الأرض} خرج منه كل لون ~~وزهرة {فأصبح} عن قريب {هشيما} يابسا قال ابن عباس وقال الضحاك: كسيرا ~~والهشيم: ما يبس وتفتت من النباتات فأصبح هشيما {تذروه الرياح} قال ابن ~~عباس: تثيره (1) الرياح وقال أبو عبيدة: تفرقه. وقال القتيبي: تنسفه {وكان ~~الله على كل شيء مقتدرا} قادرا. {المال والبنون} التي يفتخر بها عتبة ~~وأصحابه الأغنياء {زينة الحياة الدنيا} ليست من زاد الآخرة. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: المال والبنون حرث الدنيا والأعمال ~~الصالحة حرث الآخرة وقد يجمعها الله لأقوام. # {والباقيات الصالحات} اختلفوا فيها فقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد: هي قول ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وقد روينا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الكلام أربع كلمات: سبحان الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر" (2) . # أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنفي أنبأنا أبو بكر محمد بن الحسن ~~الحيري أخبرنا أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل الهاشمي أنبأنا أحمد بن عبد ~~الجبار العطاردي حدثنا أبو معاوية عن PageV05P174 # الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ms1540 الله صلى ~~الله عليه وسلم: "لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ~~أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار أنبأنا حميد بن زنجويه حدثنا ~~عثمان عن أبي صالح حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ~~الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "استكثروا من الباقيات ~~الصالحات" قيل: وما هن يا رسول الله؟ [قال: "الملة" قيل: وما هي يا رسول ~~الله] (2) قال: "التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم" (3) . # وقال سعيد بن جبير ومسروق وإبراهيم: "الباقيات الصالحات" هي: الصلوات ~~الخمس. ويروى هذا عن ابن عباس (4) . # وعنه رواية أخرى: أنها الأعمال الصالحة (5) وهو قول قتادة. # قوله تعالى {خير عند ربك ثوابا} أي جزاء المراد {وخير أملا} أي ما يأمله ~~الإنسان. ### || # {ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (47) } # قوله عز وجل: {ويوم نسير الجبال} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: ~~"تسير" بالتاء وفتح الياء {الجبال} رفع دليله: قوله تعالى: "وإذا الجبال ~~سيرت" (التكوير-3) . # وقرأ الآخرون بالنون وكسر الياء "الجبال" نصب وتسيير الجبال: نقلها من ~~مكان إلى مكان. # {وترى الأرض بارزة} أي: ظاهرة ليس عليها شجر ولا جبل ولا نبات كما قال: ~~"فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا" (طه-107) . PageV05P175 # قال عطاء: هو بروز ما في باطنها من الموتى وغيرهم فترى باطن الأرض ظاهرا. # {وحشرناهم} جميعا إلى الموقف والحساب {فلم نغادر منهم} أي: نترك منهم ~~{أحدا} ### || # {وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل ~~لكم موعدا (48) } # {وعرضوا على ربك صفا} أي صفا صفا فوجا فوجا لا أنهم صف واحد وقيل: قياما ~~ثم يقال لهم يعني الكفار {لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} يعني أحياء ~~وقيل: فرادى كما ذكر في سورة الأنعام (1) وقيل: غرلا. ms1541 # {بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا} يوم القيامة يقوله لمنكري البعث. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد ~~بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا معلى بن أسد حدثنا وهب عن ابن طاووس ~~عن أبي هريرة رضي 219/ب الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يحشر ~~الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير ~~وأربعة على بعير وعشرة على بعير وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا ~~وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد ~~بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان بن المغيرة ~~بن النعمان حدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "إنكم محشورون حفاة عراة غرلا" ثم قرأ "كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا ~~علينا إنا كنا فاعلين" (الأنبياء-104) وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ~~وإن ناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي أصحابي فيقول: إنهم ~~لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح: ~~"وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم" إلى قوله: "العزيز الحكيم" (3) (المائدة ~~117-118) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي [أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي] (4) أخبرنا أبو ~~القاسم جعفر PageV05P176 # بن محمد بن المغلس ببغداد حدثنا هارون بن إسحاق الهمذاني أنبأنا أبو خالد ~~الأحمر عن حاتم بن أبي صغير عن ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة ~~قالت: قلت يا رسول الله كيف يحشر الناس يوم القيامة؟ قال: "عراة حفاة" ~~قالت: قلت والنساء؟ قال: "والنساء" قالت: قلت يا رسول الله نستحي قال: "يا ~~عائشة الأمر أشد من ذلك أن يهمهم أن ينظر بعضهم إلى بعض" (1) . ### || # {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا ~~الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك ms1542 أحدا (49) } # قوله عز وجل: {ووضع الكتاب} يعني: كتب [أعمال العباد] (2) توضع في أيدي ~~الناس في أيمانهم وشمائلهم وقيل: معناه توضع بين يدي الله تعالى {فترى ~~المجرمين مشفقين} خائفين {مما فيه} من الأعمال السيئة {ويقولون} إذا رأوها ~~{يا ويلتنا} يا هلاكنا و"الويل" و"الويلة": الهلكة وكل من وقع في هلكة دعا ~~بالويل ومعنى النداء تنبيه المخاطبين {مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة} من ذنوبنا. قال ابن عباس: "الصغيرة": التبسم و"الكبيرة": القهقهة ~~وقال سعيد بن جبير: "الصغيرة": اللمم واللمس والقبلة و"الكبيرة": الزنا. ~~{إلا أحصاها} عدها (3) قال السدي: كتبها وأثبتها قال مقاتل بن حيان حفظها. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنبأنا أبو العباس عبد الله ~~بن محمد بن هارون الطيسفوني أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي أنبأنا ~~أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو بن بسطام أنبأنا أبو الحسن أحمد بن يسار ~~القرشي حدثنا يوسف بن عدي المصري حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض عن أبي حازم ~~قال: لا أعلمه إلا عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب مثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ~~هذا بعود وجاء هذا بعود فأنضجوا خبزهم وإن محقرات الذنوب لموبقات (4) . ~~PageV05P177 # قوله تعالى: {ووجدوا ما عملوا حاضرا} مكتوبا مثبتا في كتابهم {ولا يظلم ~~ربك أحدا} أي لا ينقص ثواب أحد عمل خيرا. # وقال الضحاك: لا يؤاخذ أحدا بجرم لم يعمله. # وقال عبد الله بن قيس: "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما ~~العرضتان: فجدال ومعاذير وأما العرضة الثالثة: فعند ذلك تطير الصحف في ~~الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله" ورفعه بعضهم عن أبي موسى (1) . ### || # {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن ~~أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ~~(50) } # قوله عز وجل: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} يقول: واذكر يا محمد إذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم {فسجدوا إلا إبليس كان من الجن} ms1543 قال ابن عباس: ~~كان من حي من الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم (2) . وقال ~~الحسن: كان من الجن ولم يكن من الملائكة فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس ~~(3) {ففسق} أي خرج {عن أمر ربه} عن طاعة ربه {أفتتخذونه} يعني بابني آدم ~~{وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو} أي أعداء. PageV05P178 # روى مجالد عن الشعبي قال: إني لقاعد يوما إذ أقبل رجل فقال: أخبرني هل ~~لإبليس زوجة؟ قلت: إن ذلك العرس ما شهدته، ثم ذكرت قوله تعالى: {أفتتخذونه ~~وذريته أولياء من دوني} فعلمت أنه لا تكون الذرية إلا من الزوجة، فقلت: ~~نعم. # وقال قتادة: يتوالدون كما يتوالد بنو آدم. # وقيل: إنه يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين. # قال مجاهد: من ذرية إبليس: "لاقيس" و"ولهان" وهما صاحبا الطهارة والصلاة، ~~و"الهفاف" و"مرة" وبه يكنى و"زلنبور" وهو صاحب [الأسواق، يزين اللغو والحلف ~~الكاذبة ومدح السلع، و"ثبر" وهو صاحب المصائب] (1) يزين خمش الوجوه ولطم ~~الخدود وشق الجيوب و"الأعور" وهو صاحب الزنا ينفخ في إحليل الرجل وعجز ~~المرأة و"مطوس" وهو صاحب الأخبار الكاذبة يلقيها في أفواه الناس لا يجدون ~~لها أصلا و"داسم" وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله ~~بصره من المتاع ما لم يرفع أو يحتبس موضعه وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل ~~معه (2) قال الأعمش: ربما دخلت البيت ولم أذكر اسم الله ولم أسلم فرأيت ~~مطهرة فقلت ارفعوا هذه وخاصمتهم ثم أذكر اسم الله فأقول داسم داسم (3) . # وروي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن للوضوء ~~شيطانا يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء" (4) . PageV05P179 # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد أنبأنا محمد بن ~~عيسى الجلودي أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنبأنا مسلم بن الحجاج حدثنا ~~يحيى بن خلف الباهلي أنبأنا عبد الأعلى عن سعيد الجريري عن أبي العلاء؛ أن ~~عثمان بن أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم ms1544 فقال: يا رسول الله إن ~~الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي يلبسها علي فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه ~~واتفل عن يسارك ثلاثا" قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني (1) . # وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد بن عيسى ~~الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنبأنا مسلم بن الحجاج حدثنا أبو ~~كريب محمد بن علاء أنبأنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن ~~عبد الله رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن إبليس ~~يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء ~~أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئا، قال: ثم يجيء أحدهم ~~فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نعم ~~أنت". قال الأعمش أراه قال: فيلتزمه (2) . # قوله تعالى {بئس للظالمين بدلا} قال قتادة: بئس ما استبدلوا طاعة إبليس ~~وذريته بعبادة ربهم. ### || # {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين ~~عضدا (51) } # {ما أشهدتهم} ما أحضرتهم وقرأ أبو 220/أجعفر "ما أشهدناهم" بالنون والألف ~~على التعظيم أي: أحضرناهم يعني إبليس وذريته. وقيل: الكفار. وقال الكلبي: ~~يعني الملائكة {خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم} يقول: ما أشهدتهم خلقا ~~فأستعين بهم على خلقها وأشاورهم فيها، {وما كنت متخذ المضلين عضدا} أي: ~~الشياطين الذين يضلون الناس عضدا، أي: أنصارا وأعوانا. PageV05P180 ### || # {ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا ~~بينهم موبقا (52) ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها ~~مصرفا (53) } # {ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ~~(54) } # قوله عز وجل: {ويوم يقول} قرأ حمزة بالنون والآخرون بالياء أي: يقول الله ~~لهم يوم القيامة: {نادوا شركائي} يعني الأوثان {الذين زعمتم} أنهم شركائي ~~{فدعوهم} فاستغاثوا بهم {فلم يستجيبوا لهم} أي: لم يجيبوهم ولم ينصروهم ~~{وجعلنا بينهم} يعني: بين ms1545 الأوثان وعبدتها. وقيل: بين أهل الهدى وأهل ~~الضلالة، {موبقا} مهلكا قاله عطاء والضحاك. وقال ابن عباس: هو واد في ~~النار. وقال مجاهد: واد في جهنم. # وقال عكرمة: هو نهر في النار يسيل نارا على حافته حيات مثل البغال الدهم. # قال ابن الأعرابي: وكل حاجز بين شيئين فهو موبق وأصله الهلاك يقال: أوبقه ~~أي: أهلكه. # قال الفراء: وجعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكا لهم في الآخرة، والبين على ~~هذا القول التواصل كقوله تعالى: "لقد تقطع بينكم" الأنعام-94. على قراءة من ~~قرأ بالرفع (1) . {ورأى المجرمون النار} أي: المشركون {فظنوا} أيقنوا {أنهم ~~مواقعوها} داخلوها وواقعون فيها {ولم يجدوا عنها مصرفا} معدلا لأنها أحاطت ~~بهم من كل جانب. قوله عز وجل: {ولقد صرفنا} بينا {في هذا القرآن للناس من ~~كل مثل} أي ليتذكروا ويتعظوا {وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} خصومة في ~~الباطل. # قال ابن عباس: أراد النضر بن الحارث وجداله في القرآن. # قال الكلبي: أراد به أبي بن خلف الجمحي (2) . # وقيل: المراد من الآية الكفار، لقوله تعالى: "ويجادل الذين كفروا ~~بالباطل" (الكهف-56) . # وقيل: هي على العموم، وهذا أصح. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أنبأنا محمد بن يوسف أنبأنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب ~~عن الزهري أنبأنا علي بن الحسين أن PageV05P181 # الحسين بن علي أخبره: أن عليا أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~طرقه وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فقال: "ألا تصليان؟ ~~قلت: يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت له ذلك ولم يرجع إلي شيئا، ثم سمعته ~~وهو مول يضرب فخذه وهو يقول: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} (1) . ### || # {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم ~~سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما ~~أنذروا هزوا ms1546 (56) ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ~~إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى ~~فلن يهتدوا إذا أبدا (57) } # قوله عز وجل: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى} القرآن والإسلام ~~والبيان من الله عز وجل وقيل: إنه الرسول صلى الله عليه وسلم. {ويستغفروا ~~ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين} يعني: سنتنا في إهلاكهم إن لم يؤمنوا. # وقيل: إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين من معاينة العذاب كما قالوا: "اللهم ~~إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ~~أليم" (الأنفال-32) . # {أو يأتيهم العذاب قبلا} قال ابن عباس: أي: عيانا من المقابلة. وقال ~~مجاهد: فجأة، وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: {قبلا} بضم القاف والباء، جمع ~~قبيل أي: أصناف العذاب نوعا نوعا. {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ~~ويجادل الذين كفروا بالباطل} ومجادلتهم قولهم: "أبعث الله بشرا رسولا" ~~(الإسراء-94) . "ولولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" ~~(الزخرف-31) وما أشبهه {ليدحضوا} ليبطلوا {به الحق} وأصل الدحض الزلق يريد ~~ليزيلوا به الحق {واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا} فيه إضمار يعني وما ~~أنذروا به وهو القرآن هزوا أي استهزاء. {ومن أظلم ممن ذكر} وعظ {بآيات ربه ~~فأعرض عنها} تولى عنها وتركها ولم يؤمن PageV05P182 # بها {ونسي ما قدمت يداه} أي: ما عمل من المعاصي من قبل {إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة} أغطية {أن يفقهوه} أي: يفهموه يريد لئلا يفهموه {وفي آذانهم ~~وقرا} أي صمما وثقلا {وإن تدعهم} يا محمد {إلى الهدى} إلى الدين {فلن ~~يهتدوا إذا أبدا} وهذا في أقوام علم الله منهم أنهم لا يؤمنون. ### || # {وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم ~~موعد لن يجدوا من دونه موئلا (58) وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا ~~لمهلكهم موعدا (59) وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو ~~أمضي حقبا (60) } # {وربك الغفور ذو الرحمة} ذو النعمة {لو يؤاخذهم} يعاقب ms1547 الكفار {بما ~~كسبوا} من الذنوب {لعجل لهمالعذاب} في الدنيا {بل لهم موعد} يعني البعث ~~والحساب (1) {لن يجدوا من دونه موئلا} ملجأ. {وتلك القرى أهلكناهم} يعني: ~~قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم {لما ظلموا} كفروا {وجعلنا لمهلكهم ~~موعدا} أي: أجلا قرأ أبو بكر " لمهلكهم " بفتح الميم واللام، [وقرأ حفص ~~بفتح الميم وكسر اللام، وكذلك في النمل "مهلك" أي لوقت هلاكهم] (2) وقرأ ~~الآخرون بضم الميم وفتح اللام أي: لإهلاكهم. قوله عز وجل: {وإذ قال موسى ~~لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين} عامة أهل العلم قالوا: إنه موسى بن ~~عمران. وقال بعضهم: هو موسى بن ميشا من أولاد يوسف والأول أصح. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي حدثنا سفيان ~~حدثنا عمرو بن دينار أخبرني سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفا ~~البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل فقال ابن عباس: ~~كذب عدو الله (3) حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: PageV05P183 # "إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب ~~الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين ~~هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا فتجعله في ~~مكتل فحيث ما فقدت الحوت فهو ثم. فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق ~~معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما واضطرب الحوت ~~في المكتل فخرج منه فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سربا وأمسك الله ~~تعالى عن الحوت جرية المار فصار عليه مثل الطاق (1) فلما استيقظ نسي صاحبه ~~أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال ~~موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال: ولم يجد موسى ~~النصب حتى جاوز المكان ms1548 الذي أمر به (2) وقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى ~~الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في ~~البحر عجبا قال: فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا وقال موسى: ذلك ما كنا ~~نبغ قال: رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجى بثوب ~~فسلم عليه موسى فقال الخضر عليه السلام: وأنى بأرضك السلام، فقال: أنا موسى ~~قال: موسى بنى 220/ب إسرائيل؟ قال: نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا، قال: ~~إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى، إني على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، ~~وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه فقال موسى: ستجدني إن شاء ~~الله صابرا ولا أعصي لك أمرا، فقال له الخضر: فإن اتبعتني فلا تسألني عن ~~شيء حتى أحدث لك منه ذكرا، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة ~~فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة ~~لم يضح إلا والخضر قد قلع (3) لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له ~~موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت ~~شيئا إمرا! قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال: لا تؤاخذني بما ~~نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"كانت الأولى من موسى نسيانا [والوسطى شرطا والثالثة عمدا"] (4) قال: وجاء ~~عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر: ما [نقص] ~~(5) علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم ~~خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب ~~مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله (6) فقال له موسى: أقتلت ~~نفسا زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئا نكرا، قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي ~~صبرا؟ قال: وهذه أشد من الأولى قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد ~~بلغت من لدني ms1549 عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن ~~يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه، قال: كان مائلا فقال الخضر ~~بيده فأقامه، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا لو شئت ~~لاتخذت عليه أجرا قال: "هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع ~~عليه صبرا" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وددنا أن موسى كان صبر حتى ~~يقص علينا من خبرهما" (7) . # قال سعيد بن جبير: فكان ابن عباس يقرأ: "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة ~~صالحة (8) غصبا"، وكان يقرأ: "وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين" ~~(9) . # وعن سعيد بن جبير في رواية أخرى عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " [قام موسى] (10) رسول الله فذكر الناس يوما حتى إذا ~~فاضت العيون ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله هل في الأرض ~~أحد أعلم منك؟ قال: لا -فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله-قيل: بلى ~~[عبدنا الخضر] (11) قال: يا رب وأين؟ قال: بمجمع البحرين [قال: رب اجعل لي ~~علما أعلم بك منه] (12) قال: فخذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح وفي رواية ~~قيل له: تزود حوتا مالحا فإنه حيث تفقد الحوت فأخذ حوتا فجعله في مكتل" ~~(13) . # رجعنا إلى التفسير؛ قوله عز وجل: {وإذ قال موسى لفتاه} يوشع بن نون {لا ~~أبرح} أي لا أزال أسير (14) {حتى أبلغ مجمع البحرين} قال قتادة: بحر فارس ~~وبحر (15) الروم مما يلي المشرق. وقال محمد بن كعب طنجة. وقال أبي بن كعب: ~~إفريقية (16) . PageV05P184 # {أو أمضي حقبا} وإن كان حقبا أي دهرا طويلا وزمانا، وجمعه أحقاب، والحقب: ~~جمع الحقب. قال عبد الله بن عمر: والحقب ثمانون سنة فحملا خبزا وسمكة مالحة ~~حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين ليلا وعندها عين تسمى ماء ~~الحياة لا يصيب ذلك الماء شيئا إلا حي فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده ~~(1) اضطربت في المكتل وعاشت ودخلت البحر. ### || # {فلما بلغا مجمع بينهما نسيا ms1550 حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا (61) } # {فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (62) } # فذلك قوله تعالى: {فلما بلغا} يعني موسى وفتاه {مجمع بينهما} أي: بين ~~الفريقين {نسيا} تركا {حوتهما} وإنما كان الحوت مع يوشع وهو الذي نسيه ~~وأضاف النسيان إليهما لأنهما جميعا تزوداه لسفرهما كما يقال: خرج القوم إلى ~~موضع كذا وحملوا من الزاد كذا وإنما حمله واحد منهم. # {فاتخذ} أي الحوت {سبيله في البحر سربا} أي مسلكا. [وروي عن أبي بن كعب ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انجاب الماء عن مسلك] (1) الحوت فصار ~~كوة لم يلتئم فدخل موسى الكوة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر" (2) . # قال ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى صار صخرة (3) ~~. # وقال الكلبي: توضأ يوشع بن نون من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح في ~~المكتل من ذلك الماء فعاش ثم وثب في ذلك الماء فجعل يضرب بذنبه فلا يضرب ~~بذنبه شيئا من الماء وهو ذاهب إلا يبس. # وقد روينا أنهما لما انتهيا إلى الصخرة وضعا رءوسهما فناما واضطرب الحوت ~~فخرج وسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا فأمسك الله عن الحوت جرية ~~الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى نسي صاحبه أن يخبره فانطلقا ~~حتى إذا كان من الغد (4) . قوله تعالى: {فلما جاوزا} يعني ذلك الموضع وهو ~~مجمع البحرين {قال} موسى {لفتاه آتنا غداءنا} أي طعامنا والغداء ما يعد ~~للأكل غدوة والعشاء ما يعد للأكل عشية PageV05P186 # {لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} أي: تعبا وشدة وذلك أنه ألقي على موسى ~~الجوع بعد مجاوزة الصخرة ليتذكر الحوت ويرجع إلى مطلبه. ### || # {قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان ~~أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا (63) قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على ~~آثارهما قصصا (64) } # {قال} له فتاه وتذكر {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة} وهي صخرة كانت بالموضع ~~الموعود قال معقل بن زياد: هي الصخرة التي دون ms1551 نهر الزيت {فإني نسيت الحوت} ~~أي تركته وفقدته وذلك أن يوشع حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى فيخبره ~~فنسي أن يخبره فمكثا يومهما حتى صليا الظهر من الغد. # قيل في الآية إضمار معناه: نسيت أن أذكر لك أمر الحوت ثم قال: # {وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره} أي: وما أنسانيه أن أذكر لك أمر ~~الحوت إلا الشيطان وقرأ حفص: {أنسانيه} وفي الفتح: {عليه الله} بضم الهاء. # وقيل معناه أنسانيه لئلا أذكره. # {واتخذ سبيله في البحر عجبا} قيل: هذا من قول يوشع، ويقول: طفر الحوت إلى ~~البحر فاتخذ فيه مسلكا فعجبت من ذلك عجبا. # وروينا في الخبر: كان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا (1) . # وقيل: هذا من قول موسى لما قال له يوشع واتخذ سبيله في البحر قال له ~~موسى: عجبا كأنه قال: أعجب عجبا. # قال ابن زيد: أي شيء أعجب من حوت يؤكل منه جهرا (2) ثم صار حيا بعدما أكل ~~بعضه؟. {قال} موسى {ذلك ما كنا نبغ} أي نطلب {فارتدا على آثارهما قصصا} أي: ~~رجعا يقصان الأثر الذي جاء منه أي: يتبعانه فوجدا عبدا من عبادنا قيل: كان ~~ملكا من الملائكة، PageV05P187 # والصحيح الذي جاء في التواريخ وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم 221/أأنه ~~الخضر (1) واسمه بليا بن ملكان (2) قيل: كان من نسل بني إسرائيل. وقيل: كان ~~من أبناء الملوك الذين تزهدوا في الدنيا والخضر لقب له سمي بذلك لما: # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد بن ~~محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان حدثنا أحمد بن يوسف ~~السلمي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال حدثنا أبو هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما سمي خضرا لأنه جلس على فروة ~~بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضرا" (3) . # قال مجاهد: سمي خضرا لأنه إذا صلى اخضر ما حوله. # وروينا: أن موسى رأى الخضر مسجى بثوب فسلم عليه فقال الخضر: وأنى بأرضك ~~السلام؟ قال: أنا موسى ms1552 أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا (4) . # وفي رواية أخرى لقيه مسجى بثوب مستلقيا على قفاه بعض الثوب تحت رأسه ~~وبعضه تحت رجليه. وفي رواية لقيه وهو يصلي. ويروى لقيه على طنفسة خضراء على ~~كبد البحر فلذلك قوله تعالى: ### || # {فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما (65) } # {فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة} أي نعمة {من عندنا وعلمناه من لدنا ~~علما} أي: علم الباطن إلهاما ولم يكن الخضر نبيا عند أكثر أهل العلم (5) . ~~PageV05P188 ### || # {قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) قال إنك لن ~~تستطيع معي صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) قال ستجدني إن ~~شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69) قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء ~~حتى أحدث لك منه ذكرا (70) فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال ~~أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا (71) } # فلما {قال له موسى هل أتبعك} يقول: جئتك لأتبعك وأصحبك {على أن تعلمني ~~مما علمت رشدا} قرأ أبو عمرو ويعقوب: " رشدا " بفتح الراء والشين وقرأ ~~الآخرون: بضم الراء وسكون الشين أي صوابا وقيل: علما ترشدني به. # وفي بعض الأخبار أنه لما قال له موسى هذا قال له الخضر: كفى بالتوراة ~~علما وببني إسرائيل شغلا فقال له موسى: إن الله أمرني بهذا فحينئذ: {قال ~~إنك لن تستطيع معي صبرا} {قال} له الخضر {إنك لن تستطيع معي صبرا} وإنما ~~قال ذلك لأنه علم أنه يرى أمورا منكرة ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على ~~المنكرات. ثم بين عذره في ترك الصبر فقال: {وكيف تصبر على ما لم تحط به ~~خبرا} أي علما. {قال} موسى {ستجدني إن شاء الله صابرا} إنما استثنى لأنه لم ~~يثق من نفسه بالصبر {ولا أعصي لك أمرا} أي: لا أخالفك فيما تأمر. {قال فإن ~~اتبعتني} فإن صحبتني ولم يقل: اتبعني ولكن جعل الاختيار إليه إلا أنه شرط ~~عليه شرطا فقال: {فلا تسألني} قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر بفتح اللام ~~وتشديد النون ms1553 والآخرون بسكون اللام وتخفيف النون {عن شيء} أعمله مما تنكره ~~ولا تعترض عليه {حتى أحدث لك منه ذكرا} حتى أبتدئ لك بذكره فأبين لك شأنه. ~~{فانطلقا} يمشيان على الساحل يطلبان سفينة يركبانها فوجدا سفينة فركباها ~~فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص وأمروهما بالخروج فقال صاحب السفينة: ما هم ~~بلصوص ولكني أرجو وجوه الأنبياء. # وروينا عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: "مرت بهم سفينة ~~فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا # PageV05P189 # الخضر فحملوهم بغير نول فلما لججوا البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من ~~السفينة" (1) فذلك قوله تعالى: # {حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال} له موسى {أخرقتها لتغرق أهلها} قرأ ~~حمزة والكسائي: "ليغرق" بالياء وفتحها وفتح الراء " أهلها " بالرفع على ~~اللزوم وقرأ الآخرون: بالتاء ورفعها وكسر الراء {أهلها} بالنصب على أن ~~الفعل للخضر. # {لقد جئت شيئا إمرا} أي: منكرا والإمر في كلام العرب الداهية وأصله: كل ~~شيء شديد كثير (2) يقال: أمر القوم: إذا كثروا واشتد أمرهم. # وقال القتيبي {إمرا} أي: عجبا. # وروي أن الخضر لما خرق السفينة لم يدخلها الماء. وروي أن موسى لما رأى ~~ذلك أخذ ثوبه فحشى به الخرق. وروي أن الخضر أخذ قدحا من الزجاج ورقع به خرق ~~السفينة. ### || # {قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ~~ترهقني من أمري عسرا (73) فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا ~~زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا (74) } # {قال} العالم وهو الخضر {ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} {قال} موسى {لا ~~تؤاخذني بما نسيت} قال ابن عباس: إنه لم ينس ولكنه من معاريض الكلام فكأنه ~~نسي شيئا آخر (3) وقيل: معناه بما تركت من عهدك والنسيان: الترك. وقال أبي ~~بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كانت الأولى من موسى نسيانا والوسطى ~~شرطا والثالثة عمدا" (4) . {ولا ترهقني} ولا تغشني {من أمري عسرا} وقيل: لا ~~تكلفني مشقة يقال: أرهقته عسرا أي: كلفته ذلك يقول: لا تضيق علي أمري ~~وعاملني باليسر ولا تعاملني ms1554 بالعسر. {فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله} في ~~القصة أنهما خرجا من البحر يمشيان فمرا بغلمان يلعبون فأخذ الخضر غلاما ~~ظريفا وضيء الوجه فأضجعه ثم ذبحه بالسكين. # قال السدي: كان أحسنهم وجها وكان وجهه يتوقد حسنا. PageV05P190 # وروينا أنه أخذ برأسه فاقتلعه بيده وروى عبد الرزاق هذا الخبر وأشار ~~بأصابعه الثلاث الإبهام والسبابة والوسطى وقلع برأسه. # وروي أنه رضخ رأسه بالحجارة. # وقيل: ضرب رأسه بالجدار فقتله (1) . # قال ابن عباس: كان غلاما لم يبلغ الحنث وهو قول الأكثرين قال ابن عباس: ~~لم يكن نبي الله يقول: أقتلت نفسا زكية إلا وهو صبي لم يبلغ. # وقال الحسن: كان رجلا وقال شعيب الجبائي: كان اسمه حيسور. # وقال الكلبي: كان فتى يقطع ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه (2) . # وقال الضحاك: كان غلاما يعمل بالفساد وتأذى منه أبواه (3) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد بن ~~عيسى الجلودي أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج أنبأنا ~~عبد الله بن مسلمة بن معتب حدثنا معمر بن سليمان عن أبيه عن رقية بن مصقلة ~~عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش ~~لأرهق أبويه طغيانا وكفرا" (4) . # {قال} موسى {أقتلت نفسا زكية} قرأ ابن كثير ونافع وأبو جعفر وأبو عمرو: ~~""زاكية" بالألف وقرأ الآخرون: "زكية" قال الكسائي والفراء: معناهما واحد ~~مثل: القاسية والقسية وقال أبو عمرو بن العلاء: "الزاكية": التي لم تذنب قط ~~و"الزكية": التي أذنبت ثم تابت. # {بغير نفس} أي: لم تقتل نفسا [بشيء] (5) وجب به عليها القتل. # {لقد جئت شيئا نكرا} أي: منكرا قال قتادة: النكر أعظم من الإمر لأنه ~~حقيقة الهلاك وفي خرق السفينة كان خوف الهلاك. # وقيل: الإمر أعظم لأنه كان فيه تغريق جمع كثير. PageV05P191 # قرأ نافع وابن عامر ويعقوب وأبو بكر هاهنا: {نكرا} وفي سورة الطلاق بضم ~~الكاف والآخرون بسكونها. # PageV05P192 ### || # {قال ألم أقل لك ms1555 إنك لن تستطيع معي صبرا (75) قال إن سألتك عن شيء بعدها ~~فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا (76) فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ~~استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال ~~لو شئت لاتخذت عليه أجرا (77) } # {قال} يعني الخضر: {ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} قيل: زاد "لك" ~~لأنه نقض العهد مرتين وفي القصة أن يوشع كان يقول لموسى: يا نبي 221/ب الله ~~اذكر العهد الذي أنت عليه. {قال} موسى {إن سألتك عن شيء بعدها} بعد هذه ~~المرة {فلا تصاحبني} وفارقني وقرأ يعقوب: " فلا تصحبني " بغير ألف من ~~الصحبة. # {قد بلغت من لدني عذرا} قرأ أبو جعفر ونافع وأبو بكر " من لدني " خفيفة ~~النون وقرأ الآخرون بتشديدها قال ابن عباس: أي قد أعذرت فيما بيني وبينك. # وقيل: حذرتني أني لا أستطيع معك صبرا. وقيل: اتضح لك العذر في مفارقتي. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد أنبأنا محمد بن ~~عيسى حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا محمد بن ~~عبد الله القيسي حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن رقية عن أبي إسحاق عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "رحمة الله علينا وعلى موسى" وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ ~~بنفسه "لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة (1) قال: {إن ~~سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا} فلو صبر لرأى العجب" ~~(2) . قوله عز وجل: {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية} قال ابن عباس: يعني: ~~"أنطاكية" وقال ابن سيرين: هي "الأبلة" وهي أبعد الأرض من السماء وقيل: ~~"برقة". وعن أبي هريرة: بلدة بالأندلس (3) {استطعما أهلها فأبوا أن ~~يضيفوهما} PageV05P192 # قال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى إذا أتيا أهل قرية ~~لئاما فطافا في المجالس فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما" (1) . # وروي أنهما طافا ms1556 في القرية فاستطعماهم فلم يطعموهما واستضافوهم فلم ~~يضيفموهما. # قال قتادة: شر القرى التي لا تضيف الضيف. # وروي عن أبي هريرة قال: أطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا من ~~الرجال فلم يطعموهما فدعا لنسائهم ولعن رجالهم. # قوله تعالى: {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} أي يسقط وهذا من مجاز كلام ~~العرب لأن الجدار لا إرادة له وإنما معناه: قرب ودنا من السقوط كما تقول ~~العرب: داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها. # {فأقامه} أي سواه وروي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~الخضر بيده فأقامه (2) . # وقال سعيد بن جبير: مسح الجدار بيده فاستقام وروي عن ابن عباس: هدمه ثم ~~قعد يبنيه وقال السدي: بل طينا وجعل يبني الحائط. # {قال} موسى {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: ~~"لتخذت" بتخفيف التاء وكسر الخاء وقرأ الآخرون: "لتخذت" بتشديد التاء وفتح ~~الخاء وهما لغتان مثل اتبع وتبع {عليه} يعني على إصلاح الجدار {أجرا} يعني ~~جعلا معناه: إنك قد علمت أننا جياع وأن أهل القرية لم يطعمونا فلو أخذت على ~~عملك أجرا. ### || # {قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا (78) } # {قال} الخضر: {هذا فراق بيني وبينك} يعني هذا وقت فراق بيني وبينك وقيل: ~~هذا الإنكار على ترك الأجر هو المفرق بيننا. وقال الزجاج: معناه هذا فراق ~~بيننا أي فراق اتصالنا وكرر "بين" تأكيدا. # {سأنبئك} أي سوف أخبرك {بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} وفي بعض التفاسير ~~أن موسى أخذ بثوبه فقال: أخبرني بمعنى ما عملت قبل أن تفارقني فقال: {أما ~~السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} PageV05P193 ### || # {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ~~ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79) وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن ~~يرهقهما طغيانا وكفرا (80) } # {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} قال كعب: كانت لعشرة إخوة ~~خمسة زمنى (1) وخمسة يعملون في البحر وفيه دليل على أن المسكين وإن كان ~~يملك ms1557 شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذا لم يقم ما يملك بكفايته {يعملون في ~~البحر} أي: يؤاجرون ويكتسبون بها {فأردت أن أعيبها} أجعلها ذات عيب. # {وكان وراءهم} أي أمامهم {ملك} كقوله: "من ورائه جهنم" (إبراهيم-16) . # وقيل: "وراءهم" خلفهم وكان رجوعهم في طريقهم عليه والأول أصح يدل عليه ~~قراءة ابن عباس "وكان أمامهم ملك" (2) . # {يأخذ كل سفينة غصبا} أي: كل سفينة صالحة غصبا وكان ابن عباس يقرأ كذلك ~~فخرقها وعيبها الخضر حتى لا يأخذها الملك الغاصب وكان اسمه الجلندي وكان ~~كافرا. # قال محمد بن إسحاق: اسمه "متوله بن جلندي الأزدي". # وقال شعيب الجبائي: اسمه "هدد بن بدد" (3) . # وروي أن الخضر اعتذر إلى القوم وذكر لهم شأن الملك الغاصب ولم يكونوا ~~يعلمون بخبره وقال: أردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها (4) فإذا جاوزه ~~أصلحوها فانتفعوا بها قيل: سدوها بقارورة وقيل: بالقار. قوله عز وجل: {وأما ~~الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا} أي فعلمنا [وفي قراءة ابن عباس: "وأما ~~الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين فخشينا" أي: فعلمنا] (5) {أن يرهقهما} ~~يغشيهما وقال الكلبي: يكلفهما {طغيانا وكفرا} قال سعيد بن جبير: فخشينا أن ~~يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه. PageV05P194 ### || # {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما (81) وأما الجدار ~~فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا ~~فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ~~ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا (82) } # {فأردنا أن يبدلهما} قرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو: بالتشديد هاهنا وفي ~~سورة "التحريم" و"القلم" وقرأ الآخرون بالتخفيف وهما لغتان وفرق بعضهم ~~فقال: "التبديل": تغيير الشيء أو تغيير حاله وعين الشيء قائم و"الإبدال": ~~رفع الشيء ووضع شيء آخر مكانه {ربهما خيرا منه زكاة} أي صلاحا وتقوى {وأقرب ~~رحما} قرأ ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب: بضم الحاء والباقون بجزمها أي: عطفا ~~من الرحمة. وقيل: هو من الرحم والقرابة قال قتادة: أي أوصل للرحم وأبر ~~بوالديه (1) . # قال الكلبي: أبدلهما الله جارية فتزوجها ms1558 نبي من الأنبياء فولدت له نبيا ~~فهدى الله على يديه أمة من الأمم. # وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: أبدلهما الله جارية ولدت سبعين نبيا (2) . # وقال ابن جريج: أبدلهما بغلام (3) . # قال مطرف: فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل. ولو بقي لكان فيه ~~هلاكهما فليرض امرؤ بقضاء الله تعالى فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير ~~له من قضائه فيما يحب. قوله عز وجل: {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في ~~المدينة} وكان اسمهما أصرم وصريم {وكان تحته كنز لهما} اختلفوا في ذلك ~~الكنز روي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كان ذهبا ~~وفضة" (4) . PageV05P195 # وقال عكرمة: كان مالا (1) . # وعن سعيد بن جبير: كان الكنز صحفا فيها علم (2) . # وعن ابن عباس: أنه قال كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه: "عجبا لمن أيقن ~~بالموت كيف يفرح! عجبا لمن أيقن بالحساب كيف يغفل! عجبا لمن أيقن بالرزق ~~كيف يتعب! عجبا لمن أيقن بالقدر كيف ينصب! عجبا لمن أيقن بزوال الدنيا ~~وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها! لا إله إلا الله محمد رسول الله". وفي ~~الجانب الآخر مكتوب: "أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير ~~والشر فطوبى 222/ألمن خلقته للخير وأجريته على يديه والويل لمن خلقته للشر ~~وأجريته على يديه" (3) وهذا قول أكثر المفسرين (4) وروي ذلك مرفوعا. # قال الزجاج: الكنز إذا أطلق ينصرف إلى كنز المال، ويجوز عند التقييد أن ~~يقال عنده كنز علم، وهذا اللوح كان جامعا لهما. # {وكان أبوهما صالحا} قيل: كان اسمه "كاسح" وكان من الأتقياء. قال ابن ~~عباس: حفظا بصلاح أبويهما. # وقيل: كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء (5) . # قال محمد بن المنكدر: إن الله يحفظ بصلاح العبد ولده [وولد ولده] (6) ~~وعترته وعشيرته وأهل دويرات حوله فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم. # قال سعيد بن المسيب: إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي. # قوله عز وجل: {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما} أي: يبلغا ويعقلا. وقيل: أن ~~يدركا ms1559 شدتهما وقوتهما. وقيل: ثمان عشرة سنة. # {ويستخرجا} حينئذ {كنزهما رحمة} نعمة {من ربك} PageV05P196 # {وما فعلته عن أمري} أي باختياري ورأيي بل فعلته بأمر الله وإلهامه {ذلك ~~تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} أي لم تطق عليه صبرا و"استطاع" و"اسطاع" بمعنى ~~واحد. # روي أن موسى لما أراد أن يفارقه قال له: أوصني، قال: لا تطلب العلم لتحدث ~~به واطلبه لتعمل به. # واختلفوا في أن الخضر حي أم ميت (1) ؟ قيل: إن الخضر وإلياس حيان يلتقيان ~~كل سنة بالموسم (2) . وكان سبب حياته فيما يحكى أنه شرب من عين الحياة وذلك ~~أن ذا القرنين دخل الظلمات لطلب عين الحياة. وكان الخضر على مقدمته فوقع ~~الخضر على العين فنزل واغتسل وتوضأ (3) وشرب وصلى شكرا لله عز وجل وأخطأ ذو ~~القرنين الطريق فعاد (4) . # وذهب آخرون إلى أنه ميت لقوله تعالى: "وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد" ~~(الأنبياء-34) . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما صلى العشاء ليلة: "أرأيتكم ليلتكم ~~هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم حي على ظهر الأرض ~~أحد" (5) . ولو كان الخضر حيا لكان لا يعيش بعده". ### || # {ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا (83) } # قوله عز وجل: {ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا} خبرا ~~واختلفوا في نبوته: فقال بعضهم: كان نبيا (6) . # [وقال أبو الطفيل: سئل علي رضي الله عنه عن ذي القرنين أكان نبيا] (7) أم ~~ملكا؟ قال: لم يكن نبيا ولا ملكا ولكن كان عبدا أحب الله وأحبه الله، ناصح ~~الله فناصحه الله (8) . PageV05P197 # وروي أن عمر رضي الله عنه سمع رجلا يقول لآخر: يا ذا القرنين فقال: ~~تسميتم بأسماء النبيين فلم ترضوا حتى تسميتم بأسماء الملائكة (1) . # والأكثرون على أنه كان ملكا عادلا صالحا (2) . # واختلفوا في سبب تسميته ب "ذي القرنين" قال الزهري: لأنه بلغ قرني الشمس ~~مشرقها ومغربها. # وقيل: لأنه ملك الروم وفارس. # وقيل: لأنه دخل النور والظلمة. # وقيل: لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشمس. # وقيل: لأنه كانت له ذؤابتان حسنتان. # وقيل: ms1560 لأنه كان له قرنان تواريهما العمامة. # وروى أبو الطفيل عن علي أنه [قال سمي "ذا القرنين" لأنه] (3) أمر قومه ~~بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيمن فمات فبعثه الله، ثم أمرهم بتقوى الله ~~فضربوه على قرنه الأيسر فمات، فأحياه الله (4) . # واختلفوا في اسمه قيل: اسمه "مرزبان بن مرزبة اليوناني" من ولد يونان بن ~~يافث بن نوح. وقيل: اسمه "الإسكندر بن فيلفوس بن ياملوس (5) الرومي" (6) . ~~PageV05P198 ### || # {إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (84) } # قوله عز وجل {إنا مكنا له في الأرض} أوطأنا، والتمكين: تمهيد الأسباب. ~~قال علي: سخر له السحاب فحمله عليها، ومد له في الأسباب، وبسط له النور، ~~فكان الليل والنهار عليه سواء، فهذا معنى تمكينه في الأرض وهو أنه سهل عليه ~~السير فيها وذلل له طرقها. # {وآتيناه من كل شيء} أي: أعطيناه من كل شيء يحتاج إليه الخلق. # PageV05P198 # وقيل: من كل ما يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء. # {سببا} أي: علما يتسبب به إلى كل ما يريد ويسير به في أقطار الأرض، ~~والسبب: ما يوصل الشيء إلى الشيء. # وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض (1) . ### || # {فأتبع سببا (85) حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد ~~عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا (86) } # {فأتبع سببا} أي: سلك وسار، قرأ أهل الحجاز، والبصرة: "فاتبع" و"ثم اتبع" ~~موصولا مشددا، وقرأ الآخرون بقطع الألف وجزم التاء، وقيل: معناهما واحد. # والصحيح: الفرق بينهما، فمن قطع الألف فمعناه: أدرك ولحق، ومن قرأ ~~بالتشديد فمعناه: سار، يقال: ما زلت أتبعه حتى أتبعته، أي: ما زلت أسير ~~خلفه حتى لحقته. # وقوله: "سببا" أي: طريقا. وقال ابن عباس: منزلا. {حتى إذا بلغ مغرب الشمس ~~وجدها تغرب في عين حمئة} قرأ أبو جعفر وأبو عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر: ~~" حامية " بالألف غير مهموزة، أي: حارة، وقرأ الآخرون: {حمئة} مهموزا بغير ~~الألف، أي: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. # وسأل معاوية كعبا: كيف تجد ms1561 في التوراة أن تغرب الشمس؟ قال: نجد في ~~التوراة أنها تغرب في ماء وطين. # قال القتيبي: يجوز أن يكون معنى قوله: {في عين حمئة} أي: عندها عين حمئة، ~~أو في رأي العين. # {ووجد عندها قوما} أي: عند العين أمة، قال ابن جريج: مدينة لها اثنا عشر ~~ألف باب، لولا ضجيج أهلها لسمعت وجبة الشمس حين تجب (2) . # {قلنا يا ذا القرنين} يستدل بهذا من زعم أنه كان نبيا فإن الله تعالى ~~خاطبه والأصح: أنه لم يكن نبيا، والمراد منه: الإلهام (3) . PageV05P199 # {إما أن تعذب} يعني: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام {وإما أن ~~تتخذ فيهم حسنا} يعني: تعفو وتصفح وقيل: تأسرهم فتعلمهم الهدى (1) . خيره ~~الله بين الأمرين. ### || # {قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا (87) وأما ~~من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا (88) ثم أتبع ~~سببا (89) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ~~سترا (90) } # {قال أما من ظلم} أي: كفر {فسوف نعذبه} أي: نقتله {ثم يرد إلى ربه} في ~~الآخرة {فيعذبه عذابا نكرا} أي: منكرا يعني: بالنار، والنار أنكر من (2) ~~القتل. {وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى} قرأ حمزة والكسائي وحفص ~~ويعقوب: {جزاء} منصوبا منونا أي: فله الحسنى " جزاء " نصب على المصدر [وهو ~~مصدر وقع موقع الحال، أي: فله الحسنى مجزيا بها] (3) . # وقرأ الآخرون: بالرفع على الإضافة، فالحسنى: الجنة أضاف الجزاء إليها كما ~~قال: "ولدار الآخرة خير" (يوسف-9) ، والدار هي الآخرة. # وقيل: المراد ب "الحسنى" على هذه القراءة: الأعمال الصالحة. أي له جزاء ~~الأعمال الصالحة. # {وسنقول له من أمرنا يسرا} أي: نلين له القول ونعامله باليسر من أمرنا. ~~وقال مجاهد: "يسرا" أي: معروفا. {ثم أتبع سببا} أي: سلك طرقا ومنازل. 222/ب ~~{حتى إذا بلغ مطلع الشمس} أي موضع طلوعها {وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم ~~من دونها سترا} قال قتادة والحسن: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، وذلك أنهم ~~كانوا ms1562 في مكان لا يستقر عليه بناء فكانوا يكونون في أسراب لهم حتى إذا زالت ~~الشمس عنهم خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. PageV05P200 # وقال الحسن: كانوا إذا طلعت الشمس يدخلون الماء فإذا ارتفعت عنهم خرجوا ~~يتراعون (1) كالبهائم. # وقال الكلبي: هم قوم عراة يفترش أحدهم إحدى أذنيه، ويلتحف بالأخرى (2) . ### || # {كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (91) ثم أتبع سببا (92) حتى إذا بلغ بين ~~السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا (93) قالوا يا ذا القرنين ~~إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا ~~وبينهم سدا (94) } # قوله عز وجل: {كذلك} قيل: معناه كما بلغ مغرب الشمس كذلك بلغ مطلعها ~~والصحيح أن معناه: كما حكم في القوم الذين هم عند مغرب الشمس كذلك حكم في ~~الذين هم عند مطلع الشمس {وقد أحطنا بما لديه خبرا} يعني: بما عنده ومعه ~~(3) من الجند والعدة والآلات "خبرا" أي: علما. {ثم أتبع سببا} . {حتى إذا ~~بلغ بين السدين} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص: {السدين} و" سدا " هاهنا ~~بفتح السين وافق حمزة والكسائي في "سدا" [وقرأ الآخرون: بضم السين وفي يس ~~"سدا" بالفتح حمزة والكسائي وحفص] (4) وقرأ الباقون بالضم منهم من قال: هما ~~لغتان معناهما واحد. وقال عكرمة: ما كان من صنعة بني آدم فهو السد بالفتح ~~وما كان من صنع الله فهو سد (5) بالضم وقاله أبو عمرو. وقيل: "السد": ~~بالفتح مصدر وبالضم اسم وهما هاهنا: جبلان سد ذو القرنين ما بينهما حاجزا ~~بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. {وجد من دونهما قوما} يعني: أمام السدين. {لا ~~يكادون يفقهون قولا} قرأ حمزة والكسائي: "يفقهون" بضم الياء وكسر القاف على ~~معنى لا يفقهون غيرهم قولا وقرأ الآخرون: بفتح الياء والقاف أي لا يفقهون ~~كلام غيرهم قال ابن عباس: لا يفقهون كلام أحد ولا يفهم الناس كلامهم. ~~{قالوا يا ذا القرنين} فإن قيل: كيف قالوا ذلك وهم لا يفقهون؟ PageV05P201 # قيل: كلم عنهم مترجم، دليله: قراءة ابن مسعود: لا يكادون يفقهون قولا قال ~~الذين من دونهم يا ذا ms1563 القرنين. # {إن يأجوج ومأجوج} قرأهما عاصم بهمزتين [وكذلك في الأنبياء، "فتحت يأجوج ~~ومأجوج"] (1) والآخرون بغير همز [في السورتين] (2) وهما لغتان أصلهما من ~~أجيج النار وهو ضوؤها وشررها شبهوا به لكثرتهم وشدتهم. # وقيل: بالهمزة من شدة (3) أجيج النار وبترك الهمز اسمان أعجميان مثل: ~~هاروت وماروت، وهم من أولاد يافث بن نوح. # قال الضحاك: هم جيل من الترك. قال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج، ~~خرجت فضرب ذو القرنين السد [فبقيت خارجه، فجميع الترك منهم. وعن قتادة: ~~أنهم اثنان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السد] (4) على إحدى وعشرين قبيلة ~~فبقيت قبيلة واحدة فهم الترك سموا الترك لأنهم تركوا خارجين. # قال أهل التواريخ: أولاد نوح ثلاثة سام وحام ويافث، فسام أبو العرب ~~والعجم والروم، وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة، ويافث أبو الترك والخزر ~~والصقالبة ويأجوج ومأجوج، قال ابن عباس في رواية عطاء: هم عشرة أجزاء وولد ~~آدم كلهم جزء. روي عن حذيفة مرفوعا: إن يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة ~~أربعمائة ألف أمة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد ~~حمل السلاح وهم من ولد آدم يسيرون إلى خراب الدنيا. وقيل: هم ثلاثة أصناف، ~~صنف منهم أمثال الأرز شجر بالشام طوله عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف ~~منهم عرضه وطوله سواء، عشرون ومائة ذراع، وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد، ~~وصنف منهم يفترش أحدهم [إحدى أذنيه] (5) ويلتحف الأخرى لا يمرون بفيل ولا ~~وحش ولا خنزير إلا أكلوه ومن مات منهم. أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم ~~بخراسان يشربون أنهار المشارق وبحيرة طبرية (6) . # وعن علي أنه قال: منهم من طوله شبر ومنهم من هو (7) مفرط في الطول. ~~PageV05P202 # وقال كعب: هم نادرة في ولد آدم وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته ~~بالتراب فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج فهم يتصلون بنا من جهة الأب ~~دون الأم (1) . # وذكر وهب بن منبه: أن ذا القرنين كان رجلا من الروم ابن عجوز، فلما بلغ ~~كان عبدا صالحا. قال الله له: ms1564 إني باعثك إلى أمم مختلفة ألسنتهم، منهم ~~أمتان بينهما طول الأرض: إحداهما عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، والأخرى ~~عند مطلعها يقال لها منسك، وأمتان بينهما عرض الأرض: إحداهما في القطر ~~الأيمن يقال لها هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها تاويل، وأمم ~~في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج فقال ذو القرنين: بأي قوة ~~أكابرهم؟ وبأي جمع أكاثرهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ قال الله عز وجل: إني ~~سأطوفك وأبسط لك لسانك وأشد عضدك فلا يهولنك شيء وألبسك الهيبة فلا يروعك ~~شيء وأسخر لك النور والظلمة وأجعلهما من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك ~~الظلمة من ورائك. # فانطلق حتى أتى مغرب الشمس فوجد جمعا وعددا لا يحصيه إلا الله، فكابرهم ~~بالظلمة حتى جمعهم في مكان واحد فدعاهم إلى الله وعبادته فمنهم من آمن ~~ومنهم من صد عنه فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في ~~أجوافهم وبيوتهم فدخلوا في دعوته فجند من أهل المغرب جندا عظيما فانطلق ~~يقودهم والظلمة تسوقهم حتى أتى هاويل فعمل فيهم كعمله في ناسك، ثم مضى حتى ~~انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجند منها جنودا كفعله في الأمتين ~~ثم أخذ ناحية الأرض اليسرى فأتى تاويل فعمل فيها كعمله فيما قبلها، ثم عمد ~~إلى الأمم التي في وسط الأرض، فلما دنا مما يلي منقطع الترك نحو المشرق ~~قالت له أمة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقا أشباه ~~البهائم يفترسون الدواب والوحوش [لهم أنياب وأضراس] (2) كالسباع يأكلون ~~الحيات والعقارب وكل ذي روح خلق في الأرض وليس يزداد خلق كزيادتهم ولا شك ~~أنهم سيملئون الأرض ويظهرون علينا ويفسدون فيها، فهل نجعل لك خرجا على أن ~~تجعل بيننا وبينهم سدا قال: ما مكني فيه ربي خير قال: أعدوا إلي الصخور ~~والحديد والنحاس حتى أعلم علمهم. # فانطلق حتى توسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد يبلغ طول الواحد منهم مثل ~~نصف الرجل المربوع منا لهم مخاليب كالأظفار في أيدينا وأنياب وأضراس ms1565 ~~كالسباع ولهم هدب من الشعر في PageV05P203 # أجسادهم ما يواريهم ويتقون به من الحر والبرد ولكل واحد منهم أذنان ~~عظيمتان يفترش إحداهما ويلتحف بالأخرى يصيف في إحداهما ويشتو في ~~223/أالأخرى يتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا، فلما عاين ذلك ذو القرنين ~~انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما فحفر له الأساس حتى بلغ الماء ~~وجعل حشوه الصخر وطينه النحاس يذاب فيصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت ~~الأرض (1) . # قوله تعالى: {قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض} قال ~~الكلبي: فسادهم أنهم كانوا يخرجون أيام الربيع إلى أرضهم فلا يدعون فيها ~~شيئا أخضر إلا أكلوه ولا شيئا (2) يابسا إلا احتملوا وأدخلوه أرضهم وقد ~~لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. # وقيل: فسادهم أنهم كانوا يأكلون الناس. # وقيل: معناه أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم (3) . # {فهل نجعل لك خرجا} قرأ حمزة والكسائي " خراجا " بالألف وقرأ الآخرون ~~{خرجا} بغير ألف وهما لغتان بمعنى واحد أي جعلا وأجرا من أموالنا. # وقال أبو عمرو: "الخرج": ما تبرعت به و"الخراج": ما لزمك أداؤه. وقيل: ~~"الخراج": على الأرض و"الخرج": على الرقاب. يقال: أد خرج رأسك وخراج ~~مدينتك. # {على أن تجعل بيننا وبينهم سدا} أي حاجزا فلا يصلون إلينا. ### || # {قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما (95) } # {قال} لهم ذو القرنين: {ما مكني فيه} قرأ ابن كثير " مكنني " بنونين ~~ظاهرين، وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة على الإدغام، أي: ما قواني عليه ~~{ربي خير} من جعلكم {فأعينوني بقوة} معناه: إني لا أريد المال بل أعينوني ~~بأبدانكم وقوتكم {أجعل بينكم وبينهم ردما} أي: سدا، قالوا وما تلك القوة؟ ~~قال: فعلة وصناع يحسنون البناء والعمل والآلة، قالوا: وما تلك الآية؟ قال: ~~PageV05P204 ### || # {آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله ~~نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا (96) فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له ~~نقبا (97) } # {قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا (98) ~~} # {آتوني} أعطوني وقرأ ms1566 أبو بكر: " ائتوني " أي جيئوني {زبر الحديد} أي قطع ~~الحديد واحدتها زبرة، فآتوه بها وبالحطب وجعل بعضها على بعض، فلم يزل يجعل ~~الحديد على الحطب والحطب على الحديد {حتى إذا ساوى بين الصدفين} قرأ ابن ~~كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب: بضم الصاد والدال وجزم أبو بكر الدال ~~وقرأ الآخرون بفتحها وهما الجبلان ساوى: أي سوى بين طرفي الجبلين. # {قال انفخوا} وفي القصة: أنه جعل الفحم والحطب في خلال زبر الحديد، ثم ~~قال: انفخوا، يعني: في النار. # {حتى إذا جعله نارا} أي صار الحديد نارا، {قال آتوني} قرأ حمزة وأبو بكر ~~وصلا وقرأ الآخرون بقطع الألف. {أفرغ عليه قطرا} أي: [آتوني قطرا أفرغ ~~عليه، و"الإفراغ": الصب و"القطر": هو النحاس المذاب فجعلت النار تأكل الحطب ~~ويصير النحاس] (1) مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس. # قال قتادة: هو كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء. وفي القصة: أن ~~عرضه كان خمسين ذراعا وارتفاعه مائتي ذراع وطوله فرسخ. {فما اسطاعوا أن ~~يظهروه} أن يعلوه من فوقه لطوله وملاسته {وما استطاعوا له نقبا} من أسفله ~~لشدته ولصلابته وقرأ حمزة: {فما استطاعوا} بتشديد الطاء أدغم تاء الافتعال ~~في الطاء. {قال} يعني ذا القرنين {هذا} أي السد {رحمة} أي: نعمة {من ربي ~~فإذا جاء وعد ربي} قيل: يوم القيامة وقيل: وقت خروجهم {جعله دكاء} قرأ أهل ~~الكوفة {دكاء} بالمد والهمز، أي: أرضا ملساء وقرأ الآخرون بلا مد أي: جعله ~~مدكوكا مستويا مع وجه الأرض {وكان وعد ربي حقا} وروى قتادة عن أبي رافع عن ~~أبي هريرة يرفعه: "أن يأجوج ومأجوج يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع ~~الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا PageV05P205 # فيعيده الله كما كان حتى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع ~~الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله واستثنى فيعودون ~~إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه فيخرجون على الناس، فيتبعون المياه ~~ويتحصن الناس في حصونهم منهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة ~~الدم فيقولون: قهرنا أهل ms1567 الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفا في ~~أقفائهم (1) فيهلكون وإن دواب الأرض لتسمن وتشكر (2) من لحومهم شكرا" (3) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنبأنا ~~محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج ~~حدثنا محمد بن مهران الرازي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الرحمن بن يزيد ~~بن جابر عن يحيى بن جابر الطائي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه ~~جبير بن نفير عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل فلما رحنا إليه ~~عرف ذلك فينا، فقال: "ما شأنكم؟ " قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال ذات غداة ~~فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل فقال: "غير الدجال أخوفني ~~عليكم؟ إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ ~~حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم إنه شاب قطط (4) عينه اليمنى (5) ~~طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة ~~الكهف إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله! ~~فاثبتوا" قلنا: يا رسول الله فما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوما يوم ~~كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم" قلنا: يا رسول الله ~~فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال لا اقدروا له PageV05P206 # قدره قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته ~~الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنوا به ويستجيبوا له فيأمر السماء فتمطر ~~الأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى وأسبغه ضروعا وأمده ~~خواصر (1) ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، قال: فينصرف عنهم ~~فيصبحون ممحلين (2) ليس بأيديهم شيء من أموالهم ويمر بالخربة فيقول لها ~~أخرجي كنوزك فيتبعه كنوزها كيعاسيب النخل (3) ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا ~~فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض (4) ثم يدعوه فيقبل ويتهلل ms1568 وجهه ~~ويضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، فينزل ~~عند المنارة البيضاء شرقي باب دمشق بين مهرورتين (5) واضعا كفيه على أجنحة ~~ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان اللؤلؤ فلا يحل لكافر ~~يجد من ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب ~~لد فيقتله ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم ~~بدرجاتهم في الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى إني قد أخرجت ~~223/ب عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور (6) ويبعث الله ~~يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ~~ما فيها ويمر آخرهم فيقول: لقد كان بهذه مرة ماء ويحصر نبي الله وأصحابه ~~حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله ~~عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس ~~واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع ~~شبر إلا ملأه زهمهم (7) ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، ~~فيرسل الله طيرا كأعناق البخت (8) فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ثم يرسل ~~الله مطرا لا يكن (9) منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ~~(10) ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة من ~~الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل حتى أن اللقحة (11) من الإبل ~~لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة ~~من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة ~~فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون ~~تهارج الحمر (12) فعليهم تقوم الساعة" (13) . # وبهذا الإسناد حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا علي بن حجر السعدي حدثنا عبد ~~الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر والوليد بن مسلم بن عبد الرحمن بن يزيد ~~بن جابر ms1569 بهذا الإسناد نحو ما ذكرنا وزاد بعد قوله: -لقد كان بهذه مرة ماء- ~~ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر (14) وهو جبل بيت المقدس فيقولون: لقد ~~قلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم (15) إلى السماء ~~فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما" (16) . # وقال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون ~~الخشب والشجر، ومن ظفروا به من الناس، ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة ~~ولا بيت المقدس. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد ~~بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل أنبأنا أحمد أنبأنا أبي أنبأنا إبراهيم عن ~~الحجاج بن حجاج عن قتادة عن عبد الله بن أبي عتبة عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ~~ومأجوج" (17) . # وفي القصة: أن ذا القرنين دخل الظلمة فلما رجع توفي بشهر زور وذكر بعضهم: ~~أن عمره كان نيفا وثلاثين سنة. PageV05P207 ### || # {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا (99) ~~وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100) الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري ~~وكانوا لا يستطيعون سمعا (101) أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني ~~أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا (102) } # قوله عز وجل {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} قيل: هذا عند فتح السد، ~~يقول: تركنا يأجوج ومأجوج يموج، أي: يدخل بعضهم على بعض كموج الماء ويختلط ~~بعضهم ببعض لكثرتهم. # وقيل: هذا عند قيام الساعة، يدخل الخلق بعضهم في بعض ويختلط إنسيهم ~~بجنيهم حيارى. {ونفخ في الصور} لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة ~~{فجمعناهم جمعا} في صعيد واحد. {وعرضنا} أبرزنا {جهنم يومئذ للكافرين عرضا} ~~حتى يشاهدوها عيانا. {الذين كانت أعينهم في غطاء} أي: غشاء و"الغطاء": ما ~~يغطى به الشيء ويستره {عن ذكري} يعني: عن الإيمان والقرآن، وعن الهدى ~~والبيان. وقيل: عن رؤية الدلائل. # {وكانوا لا يستطيعون سمعا} أي: سمع القبول والإيمان، لغلبة الشقاوة ~~عليهم. # وقيل: لا يعقلون وقيل: كانوا لا ms1570 يستطيعون أي: لا يقدرون أن يسمعوا من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يتلوه عليهم لشدة عداوتهم له، كقول الرجل: ~~لا أستطيع أن أسمع من فلان شيئا لعداوته. قوله عز وجل: {أفحسب} أفظن {الذين ~~كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء} أربابا يريد بالعباد: عيسى ~~والملائكة كلا بل هم لهم أعداء ويتبرءون منهم. # قال ابن عباس: يعني الشياطين أطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: الأصنام ~~سموا (1) عبادا كما قال: "إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم" ~~(الأعراف-194) وجواب هذا الاستفهام محذوف. # قال ابن عباس: يريد إني لأغضب لنفسي، يقول: أفظن الذين كفروا أن يتخذوا ~~غيري أولياء وأني لا أغضب لنفسي ولا أعاقبهم. PageV05P209 # وقيل: أفظنوا أنهم ينفعهم أن يتخذوا عبادي (1) من دوني أولياء. # {إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا} أي: منزلا قال ابن عباس: هي مثواهم. ~~وقيل: النزل ما يهيأ للضيف يريد (2) هي معدة لهم عندنا كالنزل للضيف. ### || # {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ~~وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ~~فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا (105) } # {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} يعني: الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يرجون ~~به فضلا ونوالا فنالوا هلاكا وبوارا كمن يشتري سلعة يرجو عليها ربحا فخسر ~~وخاب سعيه. # واختلفوا فيهم: قال ابن عباس وسعد بن أبي وقاص: هم اليهود والنصارى. ~~وقيل: هم الرهبان. {الذين} حبسوا أنفسهم في الصوامع. وقال علي بن أبي طالب: ~~هم أهل حروراء (3) {ضل سعيهم} بطل عملهم واجتهادهم {في الحياة الدنيا وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا} أي عملا. {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ~~فحبطت} بطلت {أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} أي لا نجعل لهم خطرا ~~وقدرا، تقول العرب: "ما لفلان عندي وزن" أي: قدر لخسته. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا أحمد ~~عن محمد بن يوسف عن محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا سعيد ابن ~~مريم أنبأنا المغيرة عن ms1571 أبي الزناد PageV05P210 # عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليأتي ~~الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة"، وقال اقرؤوا ~~ما شئتم: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} (1) . # قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم ~~كجبال تهامة فإذا وزنوها لم تزن شيئا فذلك قوله تعالى {فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا} ### || # {ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا (106) إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا (107) } # {ذلك} الذي ذكرت من حبوط أعمالهم وخسة أقدارهم ثم ابتدأ فقال: {جزاؤهم ~~جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي} يعني القرآن {ورسلي هزوا} أي سخرية ومهزوءا ~~بهم. قوله تعالى {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس} ~~روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش ~~الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" (2) . # قال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر (3) . # وقال قتادة: "الفردوس": ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها (4) . # قال كعب: "الفردوس": هو البستان الذي فيه الأعناب (5) . # وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. # وقال عكرمة: هي الجنة بلسان الحبش (6) . # قال الزجاج: هو بالرومية منقول إلى 224/ألفظ العربية. # وقال الضحاك: هي الجنة الملتفة الأشجار. # وقيل: هي الروضة المستحسنة. PageV05P211 # وقيل: هي التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعه فراديس. # {نزلا} قيل أي: منزلا. وقيل: ما يهيأ للنازل على معنى كانت لهم ثمار جنات ~~الفردوس ونعيمها نزلا ومعنى "كانت لهم" أي: في علم الله قبل أن يخلقوا. ### || # {خالدين فيها لا يبغون عنها حولا (108) قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ~~لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (109) قل إنما أنا ~~بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110) } # {خالدين فيها ms1572 لا يبغون} لا يطلبون {عنها حولا} أي تحولا إلى غيرها، قال ~~ابن عباس: لا يريدون أن يتحولوا عنها كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه ~~إلى دار أخرى. قوله عز وجل: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي} قال ابن ~~عباس: قالت اليهود [يا محمد] (1) تزعم أنا قد أوتينا الحكمة وفي كتابك ومن ~~يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ثم تقول: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا؟ ~~فأنزل الله هذه الآية (2) . # وقيل: لما نزلت: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"، قالت اليهود: أوتينا ~~التوراة وفيها علم كل شيء فأنزل الله تعالى (3) {قل لو كان البحر مدادا} ~~سمي المداد مدادا لإمداد الكاتب وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء. # قال مجاهد: لو كان البحر مدادا للقلم والقلم يكتب {لنفد البحر} أي ماؤه ~~{قبل أن تنفد} قرأ حمزة والكسائي " ينفد " بالياء لتقدم الفعل والباقون ~~بالتاء {كلمات ربي} أي علمه وحكمه {ولو جئنا بمثله مددا} معناه: لو كان ~~الخلائق يكتبون والبحر يمدهم لنفد البحر ولم تنفد كلمات ربي (4) ولو جئنا ~~بمثل ماء البحر في كثرته مددا أو زيادة [و"مددا" منصوب على التمييز] (5) ~~نظيره قوله تعالى: "ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده ~~سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله" (لقمان-27) . قوله عز وجل: {قل إنما أنا بشر ~~مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} قال ابن عباس: PageV05P212 # علم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، فأمره أن يقر فيقول: إني ~~آدمي مثلكم، إلا أني خصصت بالوحي وأكرمني الله به يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد لا شريك له {فمن كان يرجوا لقاء ربه} أي يخاف المصير إليه وقيل: يأمل ~~رؤية ربه فالرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعا، قال الشاعر: ولا كل ما ~~ترجو من الخير كائن ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع # فجمع بين المعنيين. # {فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} أي: لا يرائي بعمله. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد ms1573 الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أنبأنا أبو نعيم أخبرنا سفيان عن سلمة هو ابن كهيل ~~قال: سمعت جندبا يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سمع سمع الله به ~~ومن يرائي يرائي الله به" (1) . # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم ~~الشرك الأصغر"، قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء" (2) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنبأنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ~~حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ~~حدثنا أبي حدثنا شعيب قال: حدثنا الليث عن أبي الهاد عن عمرو عن سعيد بن ~~المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ~~تبارك وتعالى يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي ~~غيري فأنا منه بريء هو للذي عمله" (3) . PageV05P213 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن ~~زنجويه حدثنا حفص بن عمر حدثنا همام عن قتادة حدثنا سالم بن أبي الجعد ~~الغطفاني عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء يرويه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال" ~~(1) . # وأخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أبو منصور السمعاني حدثنا أبو جعفر ~~الرياني حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا أبو الأسود حدثنا ابن لهيعة عن زياد عن ~~سهل -هو ابن معاذ-عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ أول ~~سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قدميه إلى رأسه (2) ومن قرأها كلها كانت ~~له نورا من الأرض إلى السماء" (3) (4) . PageV05P214 ### | سورة مريم # مكية، # وهي ثمان وتسعون آية (1) # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {كهيعص (1) ذكر رحمة ربك عبده زكريا (2) } # قوله عز وجل {كهيعص} قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، وضده ابن عامر، ms1574 ~~وحمزة، وبكسرهما: الكسائي وأبو بكر، والباقون بفتحهما. # ويظهر الدال عند الذال من "صاد ذكر" ابن كثير، ونافع، وعاصم [ويعقوب] (2) ~~والباقون بالإدغام (3) . # قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو اسم من أسماء الله تعالى. # وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن. # وقيل: اسم للسورة. وقيل: هو قسم أقسم الله به. # ويروى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله {كهيعص} قال: الكاف من كريم ~~وكبير، والهاء من هاد، والياء من رحيم، والعين من عليم، وعظيم، والصاد من ~~صادق. PageV05P215 # وقال الكلبي: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ~~ببريته، صادق في وعده (1) {ذكر} رفع بالمضمر، أي: هذا الذي نتلوه عليك ذكر ~~{رحمة ربك} [وفيه تقديم وتأخير] (2) معناه: ذكر ربك {عبده زكريا} برحمته. ### || # {إذ نادى ربه نداء خفيا (3) قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ~~ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا ~~فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) } # {إذ نادى} دعا {ربه} في محرابه {نداء خفيا} دعا سرا من قومه في جوف ~~الليل. {قال رب إني وهن} ضعف ورق {العظم مني} من الكبر. قال قتادة: اشتكى ~~سقوط الأضراس {واشتعل الرأس} أي: ابيض شعر الرأس {شيبا} شمطا {ولم أكن ~~بدعائك رب شقيا} يقول: عودتني الإجابة فيما مضى ولم تخيبني. # وقيل: معناه لما دعوتني إلى الإيمان آمنت ولم أشق بترك الإيمان (3) . ~~{وإني خفت الموالي} و"الموالي": بنو العم. قال مجاهد: العصبة. وقال أبو ~~صالح: الكلالة. وقال الكلبي: الورثة (4) {من ورائي} أي: من بعد موتي. # قرأ ابن كثير: {من ورائي} بفتح الياء، والآخرون بإسكانها. # {وكانت امرأتي عاقرا} لا تلد {فهب لي من لدنك} أعطني من عندك {وليا} ~~ابنا. {يرثني ويرث من آل يعقوب} قرأ أبو عمرو والكسائي: بجزم الثاء فيهما، ~~على جواب الدعاء، وقرأ الآخرون بالرفع على الحال والصفة، أي: وليا وارثا. # واختلفوا في هذا الإرث؛ قال الحسن: معناه يرثني مالي ويرث من آل يعقوب ~~النبوة والحبورة. PageV05P218 # وقيل: أراد ms1575 ميراث النبوة والعلم. # وقيل: أراد إرث الحبورة، لأن زكريا كان رأس الأحبار (1) . # قال الزجاج: والأولى أن يحمل على ميراث غير المال لأنه يبعد أن يشفق ~~زكريا وهو نبي من الأنبياء أن يرثه بنو عمه ماله. # والمعنى: أنه خاف تضييع بني عمه دين الله وتغيير أحكامه على ما كان شاهده ~~من بني إسرائيل من تبديل الدين وقتل الأنبياء، فسأل ربه وليا (2) صالحا ~~يأمنه على أمته ويرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين. وهذا معنى قول عطاء عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما (3) . # {واجعله رب رضيا} أي برا تقيا مرضيا. ### || # {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) } # قوله عز وجل: {يا زكريا إنا نبشرك} وفيه اختصار، معناه: فاستجاب الله ~~دعاءه فقال: يا زكريا إنا نبشرك، {بغلام} بولد ذكر (4) {اسمه يحيى لم نجعل ~~له من قبل سميا} قال قتادة والكلبي: لم يسم أحد قبله يحيى (5) . ~~PageV05P219 # وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبها ومثلا كما قال الله تعالى: "هل ~~تعلم له سميا" أي مثلا. # والمعنى: أنه لم يكن له مثل، لأنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط. # وقيل: لم يكن له مثل في أمر النساء، لأنه كان سيدا وحصورا. # وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي لم تلد العواقر ~~مثله ولدا. # وقيل: لم يرد الله به اجتماع الفضائل كلها ليحيى، إنما أراد بعضها، لأن ~~الخليل والكليم كانا قبله، وهما أفضل منه. ### || # {قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) ~~قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9) قال رب اجعل ~~لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10) } # {قال رب أنى} من أين {يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا} أي: وامرأتي عاقر ~~(1) . {وقد بلغت من الكبر عتيا} أي: يبسا، قال قتادة: يريد نحول العظم، ~~يقال: عتا الشيخ يعتو عتيا وعسيا: إذا انتهى سنه وكبر، وشيخ عات وعاس: إذا ms1576 ~~صار إلى حالة اليبس والجفاف. # وقرأ حمزة والكسائي: عتيا وبكيا وصليا وجثيا بكسر أوائلهن، والباقون ~~برفعها، وهما لغتان. {قال كذلك قال ربك هو علي هين} يسير {وقد خلقتك} قرأ ~~حمزة والكسائي " خلقناك " بالنون والألف على التعظيم، {من قبل} أي من قبل ~~يحيى {ولم تك شيئا} {قال رب اجعل لي آية} دلالة على حمل امرأتي {قال آيتك ~~ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} أي: صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس. # قال مجاهد: أي لا يمنعك من الكلام مرض. PageV05P220 # وقيل: ثلاث ليال سويا أي متتابعات، والأول أصح (1) . # وفي القصة: أنه لم يقدر فيها أن يتكلم مع الناس فإذا أراد ذكر الله تعالى ~~انطلق لسانه (2) . ### || # {فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11) } # {يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكاة ~~وكان تقيا (13) } # قوله عز وجل: {فخرج على قومه من المحراب} وكان الناس من وراء المحراب ~~ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلون، إذ خرج عليهم زكريا متغيرا ~~لونه فأنكروه، وقالوا: ما لك يا زكريا؟ {فأوحى إليهم} فأومأ إليهم، قال ~~مجاهد: كتب لهم في الأرض، {أن سبحوا} أي: صلوا لله (1) {بكرة} غدوة {وعشيا} ~~ومعناه: أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشيا فيأمرهم بالصلاة، فلما كان وقت ~~حمل امرأته ومنع الكلام حتى (2) خرج إليهم فأمرهم بالصلاة إشارة. قوله عز ~~وجل: {يا يحيى} قيل: فيه حذف معناه: ووهبنا له يحيى وقلنا له: يا يحيى، {خذ ~~الكتاب} يعني التوراة {بقوة} بجد {وآتيناه الحكم} قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: النبوة {صبيا} وهو ابن ثلاث سنين. # وقيل: أراد بالحكم فهم الكتاب (3) فقرأ التوراة وهو صغير. # وعن بعض السلف: من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو ممن أوتي الحكم صبيا (4) . ~~{وحنانا من لدنا} رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~تحنن علي هداك المليك %~% فإن لكل مقام مقالا (5) PageV05P221 # أي: ترحم. # {وزكاة} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني بالزكاة الطاعة والإخلاص. # وقال قتادة رضي الله ms1577 عنه: هي العمل الصالح، وهو قول الضحاك. # ومعنى الآية: وآتيناه رحمة من عندنا وتحننا على العباد، ليدعوهم إلى طاعة ~~ربهم ويعمل عملا صالحا في إخلاص. # وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق الله بها على أبويه. # {وكان تقيا} مسلما ومخلصا مطيعا، وكان من تقواه أنه لم يعمل خطيئة ولا هم ~~بها (1) . ### || # {وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14) وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ~~ويوم يبعث حيا (15) واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ~~(16) } # {وبرا بوالديه} أي بارا لطيفا بهما محسنا إليهما. {ولم يكن جبارا عصيا} ~~و"الجبار": المتكبر، وقيل: "الجبار": الذي يضرب ويقتل على الغضب، و"العصي": ~~العاصي. {وسلام عليه} أي: سلامة له، {يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا} قال ~~سفيان بن عيينة: أوحش 6/ب (2) ما يكون الإنسان في هذه الأحوال: يوم ولد ~~فيخرج مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى ~~نفسه في محشر لم ير مثله. فخص يحيى بالسلامة في هذه المواطن (3) . قوله عز ~~وجل: {واذكر في الكتاب} في القرآن {مريم إذ انتبذت} تنحت واعتزلت {من ~~أهلها} من قومها {مكانا شرقيا} أي: مكانا في الدار مما يلي المشرق، وكان ~~يوما شاتيا شديد البرد، فجلست في مشرقة تفلي رأسها. # وقيل: كانت طهرت من المحيض، فذهبت لتغتسل. PageV05P222 # قال الحسن: ومن ثم اتخذت النصارى المشرق قبلة (1) . ### || # {فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) ~~قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك ~~غلاما زكيا (19) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) } # {فاتخذت} فضربت {من دونهم حجابا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: سترا. # وقيل: جلست وراء جدار. وقال مقاتل: وراء جبل. # وقال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت ~~خالتها، حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينما هي تغتسل من المحيض قد ~~تجردت، إذ عرض لها جبريل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سوي الخلق، ms1578 ~~فذلك قوله: # {فأرسلنا إليها روحنا} يعني: جبريل عليه السلام {فتمثل لها بشرا سويا} ~~وقيل: المراد من الروح عيسى عليه السلام، جاء في صورة بشر فحملت به والأول ~~أصح فلما رأت مريم جبريل يقصد نحوها نادته من بعيد ف: {قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا} مؤمنا مطيعا. # فإن قيل إنما يستعاذ من الفاجر، فكيف قالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ~~تقيا؟ # قيل: هذا كقول القائل: إن كنت مؤمنا فلا تظلمني. أي: ينبغي أن يكون ~~إيمانك مانعا من الظلم وكذلك هاهنا. # معناه: وينبغي أن تكون تقواك مانعا لك من الفجور (2) . {قال} لها جبريل: ~~{إنما أنا رسول ربك لأهب لك} قرأ نافع وأهل البصرة: "ليهب لك" بالياء، أي: ~~ليهب لك ربك، وقرأ الآخرون: "لأهب لك" أسند الفعل إلى الرسول، وإن كانت ~~الهبة من الله تعالى، لأنه أرسل به. # {غلاما زكيا} ولدا صالحا طاهرا من الذنوب. {قالت} مريم {أنى} من أين ~~{يكون لي غلام ولم يمسسني بشر} لم يقربني زوج {ولم أك بغيا} فاجرة؟ تريد أن ~~الولد يكون من نكاح أو سفاح، ولم يكن هنا واحد منهما. PageV05P223 ### || # {قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا ~~مقضيا (21) فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) } # {قال} جبريل: {كذلك} قيل: معناه كما قلت يا مريم ولكن، {قال ربك} وقيل ~~هكذا قال ربك، {هو علي هين} أي: خلق ولد بلا أب، {ولنجعله آية} علامة، ~~{للناس} ودلالة على قدرتنا، {ورحمة منا} ونعمة لمن تبعه على دينه، {وكان} ~~ذلك، {أمرا مقضيا} محكوما مفروغا عنه لا يرد ولا يبدل. قوله عز وجل: ~~{فحملته} قيل: إن جبريل رفع درعها فنفخ في جيبه (1) فحملت حين لبست. # وقيل: مد جيب درعها بأصبعه ثم نفخ في الجيب. # وقيل: نفخ في كم قميصها. وقيل: في فيها. # وقيل: نفخ جبريل عليه السلام نفخا من بعيد فوصل الريح إليها فحملت بعيسى ~~في الحال (2) {فانتبذت به} أي تنحت بالحمل وانفردت، {مكانا قصيا} بعيدا من ~~أهلها. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: أقصى ms1579 الوادي، وهو وادي بيت لحم، فرارا من ~~قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج. # واختلفوا في مدة حملها ووقت وضعها؛ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ~~الحمل والولادة في ساعة واحدة. # وقيل: كان مدة حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء. PageV05P224 # وقيل: كان مدة حملها ثمانية أشهر، وكان ذلك آية أخرى لأنه لا يعيش ولد ~~يولد لثمانية أشهر، وولد عيسى لهذه المدة وعاش. # وقيل: ولدت لستة أشهر. # وقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة ~~حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين (1) وكانت قد حاضت حيضتين قبل ~~أن تحمل بعيسى (2) . ### || # {فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا ~~منسيا (23) } # {فأجاءها} أي ألجأها وجاء بها، {المخاض} وهو وجع الولادة، {إلى جذع ~~النخلة} وكانت نخلة يابسة في الصحراء، في شدة الشتاء، لم يكن لها سعف. # وقيل: التجأت إليها لتستند إليها وتتمسك بها على وجع الولادة، {قالت يا ~~ليتني مت قبل هذا} تمنت الموت استحياء من الناس وخوف الفضيحة، {وكنت نسيا} ~~قرأ حمزة وحفص {نسيا} بفتح النون، [والباقون بكسرها] (3) وهما لغتان، مثل: ~~الوتر والوتر، والجسر والجسر، وهو الشيء المنسي" و"النسي" في اللغة: كل ما ~~ألقي ونسي ولم يذكر لحقارته. # {منسيا} أي: متروكا قال قتادة: شيء لا يعرف ولا يذكر. قال عكرمة والضحاك ~~ومجاهد: جيفة ملقاة. وقيل: تعني لم أخلق. PageV05P225 ### || # {فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) } # {فناداها من تحتها} قرأ أبو جعفر ونافع وحمزة والكسائي وحفص: {من تحتها} ~~بكسر الميم والتاء، يعني جبريل عليه السلام، وكانت مريم على أكمة وجبريل ~~وراء الأكمة تحتها فناداها. # وقرأ الآخرون بفتح الميم والتاء، وأراد جبريل عليه السلام أيضا، ناداها ~~من سفح الجبل. # وقيل: هو عيسى لما خرج من بطن أمه ناداها: {ألا تحزني} وهو قول مجاهد ~~والحسن (1) . # والأول قول ابن عباس رضي الله عنهما والسدي وقتادة والضحاك وجماعة: أن ~~المنادي كان جبريل لما سمع كلامها وعرف جزعها ناداها ألا تحزني. # {قد ms1580 جعل ربك تحتك سريا} و"السري": النهر الصغير. # وقيل: تحتك أي جعله الله تحت أمرك إن أمرتيه أن يجري جرى، وإن أمرتيه ~~بالإمساك أمسك. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: ضرب جبريل عليه السلام -ويقال: ضرب عيسى ~~عليه الصلاة والسلام-برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى (2) . # وقيل: كان هناك نهر يابس أجرى الله سبحانه وتعالى فيه الماء وحييت النخلة ~~اليابسة، فأورقت وأثمرت وأرطبت. # وقال الحسن: "تحتك سريا" يعني: عيسى وكان والله عبدا سريا، يعني: رفيعا ~~(3) . PageV05P226 ### || # {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25) } # {فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن ~~صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) } # {وهزي إليك} يعني قيل لمريم: حركي {بجذع النخلة} تقول العرب: هزه وهز به، ~~كما يقول: حز رأسه وحز برأسه، وأمدد الحبل وأمدد به، {تساقط عليك} القراءة ~~المعروفة بفتح التاء والقاف وتشديد السين، أي: تتساقط، فأدغمت إحدى التاءين ~~في السين أي: تسقط عليك النخلة رطبا، وخفف حمزة السين وحذف التاء التي ~~أدغمها غيره. # وقرأ حفص بضم التاء وكسر القاف خفيف على وزن تفاعل. وتساقط بمعنى أسقط، ~~والتأنيث لأجل النخلة. # وقرأ يعقوب: "يساقط" بالياء مشددة ردة إلى الجذع. # {رطبا جنيا} مجنيا. وقيل: الجني هو الذي بلغ الغاية، وجاء أوان اجتنائه. ~~قال الربيع بن خثيم: ما للنفساء عندي خير من الرطب، ولا للمريض خير من ~~العسل (1) . قوله سبحانه وتعالى: {فكلي واشربي} أي: فكلي يا مريم من الرطب، ~~واشربي من ماء (2) النهر {وقري عينا} أي: طيبي نفسا. وقيل: قري عينك بولدك ~~عيسى. يقال: أقر الله عينك 7/أأي: صادف فؤادك ما يرضيك، فتقر عينك من النظر ~~إلى غيره. وقيل: أقر الله عينه: يعني أنامها، يقال: قر يقر إذا سكن. # وقيل: إن العين إذا بكت من السرور فالدمع بارد، وإذا بكت من الحزن فالدمع ~~يكون حارا، فمن هذا قيل: أقر الله عينه وأسخن الله عينه. # {فإما ترين من البشر أحدا} أي: تري، فدخل عليه نون التأكيد فكسرت الياء ~~لالتقاء الساكنين. # معناه: فإما ترين من البشر أحدا ms1581 فيسألك عن ولدك {فقولي إني نذرت للرحمن ~~صوما} أي: صمتا وكذلك كان يقرأ ابن مسعود رضي الله عنه. # والصوم في اللغة الإمساك عن الطعام والشراب (3) والكلام (4) . ~~PageV05P227 # قال السدي: كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام، كما يصوم ~~عن الطعام، فلا يتكلم حتى يمسي. # وقيل: إن الله تعالى أمرها أن تقول هذا إشارة. # وقيل أمرها أن تقول هذا القدر نطقا، ثم تمسك عن الكلام بعده. # {فلن أكلم اليوم إنسيا} يقال: كانت تكلم الملائكة، ولا تكلم الإنس. ### || # {فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) يا أخت هارون ~~ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) } # {فأتت به قومها تحمله} قيل: إنها ولدته، ثم حملته في الحال إلى قومها. # وقال الكلبي: حمل يوسف النجار مريم وابنها عيسى [عليهما السلام] (1) إلى ~~غار، ومكثت أربعين يوما حتى طهرت من نفاسها (2) ثم حملته مريم عليها السلام ~~إلى قومها. فكلمها عيسى عليه السلام في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني ~~عبد الله ومسيحه، فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل ~~بيت صالحين (3) {قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا} عظيما منكرا، قال أبو ~~عبيدة: كل أمر فائق من عجب أو عمل فهو فري. # قال النبي صلى الله عليه وسلم في عمر: "فلم أر عبقريا يفري فريه" (4) أي: ~~يعمل عمله. {يا أخت هارون} يريد يا شبيهة هارون، قال قتادة وغيره: كان ~~هارون رجلا صالحا عابدا في بني إسرائيل. روي أنه اتبع جنازته يوم مات ~~أربعون ألفا كلهم يسمى "هارون" من بني إسرائيل سوى سائر الناس [شبهوها به ~~على] (5) معنى إنا ظننا أنك مثله في الصلاح. وليس المراد منه الأخوة في ~~النسب، كما قال الله تعالى: "إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين" ~~(الإسراء:27) أي أشباههم. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد بن ~~عيسى أخبرنا إبراهيم بن محمد بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا ~~محمد بن عبد الله بن نمير ms1582 PageV05P228 # حدثنا ابن إدريس عن أبيه عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن ~~شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني، فقالوا: إنكم تقرءون: {يا أخت هارون} ~~وموسى قبل عيسى بكذا وكذا! فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سألته عن ذلك فقال: "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم" (1) . # وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها، وكان أمثل رجل في بني ~~إسرائيل. # وقال السدي: إنما عنوا به هارون أخا موسى، لأنها كانت من نسله كما يقال ~~للتميمي: يا أخا تميم. # وقيل: كان هارون رجلا (2) فاسقا في بني إسرائيل عظيم الفسق فشبهوها به ~~(3) . # {ما كان أبوك} عمران {امرأ سوء} قال ابن عباس رضي الله عنهما: زانيا، ~~{وما كانت أمك} حنة {بغيا} أي زانية، فمن أين لك هذا الولد؟ ### || # {فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) } # {فأشارت} مريم {إليه} أي إلى عيسى عليه السلام: أن كلموه. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: لما لم تكن لها حجة أشارت إليه ليكون كلامه ~~حجة لها (4) . # وفي القصة: لما أشارت إليه غضب القوم، وقالوا مع ما فعلت تسخرين بنا؟ (5) ~~. # {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} أي: من هو في المهد، وهو حجرها. # وقيل: هو المهد بعينه، و"كان" بمعنى: هو. وقال أبو عبيدة: "كان" صلة، أي: ~~كيف نكلم صبيا في المهد. وقد يجيء "كان" حشوا في الكلام لا معنى له كقوله ~~"هل كنت إلا بشرا رسولا" (الإسراء:93) أي: هل أنا (6) ؟ # قال السدي: فلما سمع عيسى كلامهم ترك الرضاع وأقبل عليهم. # وقيل: لما أشارت إليه ترك الثدي واتكأ على يساره، وأقبل عليهم وجعل يشير ~~بيمينه: PageV05P229 ### || # {قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ما ~~كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم يجعلني ~~جبارا شقيا (32) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) } # {قال إني عبد الله} وقال وهب: أتاها زكريا عند مناظرتها اليهود، فقال ~~لعيسى: انطق بحجتك إن كنت أمرت بها، ms1583 فقال عند ذلك عيسى عليه السلام وهو ابن ~~أربعين يوما -وقال مقاتل: بل هو يوم ولد-: إني عبد الله أقر على نفسه ~~بالعبودية لله عز وجل أول ما تكلم لئلا يتخذ إلها (1) {آتاني الكتاب وجعلني ~~نبيا} قيل: معناه سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا. # وقيل: هذا إخبار عما كتب له في اللوح المحفوظ، كما قيل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: متى كنت نبيا؟ قال: "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد" (2) . # وقال الأكثرون أوتي الإنجيل وهو صغير طفل، وكان يعقل عقل الرجال. # وعن الحسن: أنه قال: ألهم التوراة وهو في بطن أمه (3) . {وجعلني مباركا ~~أين ما كنت} أي نفاعا حيث ما توجهت. وقال مجاهد: معلما للخير. وقال عطاء: ~~أدعو إلى الله وإلى توحيده وعبادته. وقيل: مباركا على من تبعني. # {وأوصاني بالصلاة والزكاة} أي: أمرني بهما. # فإن قيل: لم يكن لعيسى مال فكيف يؤمر بالزكاة؟ # قيل: معناه بالزكاة لو كان لي مال وقيل: بالاستكثار من الخير. # {ما دمت حيا} {وبرا بوالدتي} أي وجعلني برا بوالدتي، {ولم يجعلني جبارا ~~شقيا} أي عاصيا لربه. قيل: "الشقي": الذي يذنب ولا يتوب. {والسلام علي يوم ~~ولدت} أي: السلامة عند الولادة من طعن الشيطان. {ويوم أموت} PageV05P230 # أي عند الموت من الشرك، {ويوم أبعث حيا} من الأهوال. ولما كلمهم عيسى ~~بهذا علموا براءة مريم، ثم سكت عيسى عليه السلام، فلم يتكلم بعد ذلك حتى ~~بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان. ### || # {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ~~ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) وإن الله ربي وربكم ~~فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من ~~مشهد يوم عظيم (37) } # {ذلك عيسى ابن مريم} [قال الزجاج: أي ذلك الذي قال إني عبد الله عيسى ابن ~~مريم] (1) {قول الحق} قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب: {قول الحق} بنصب اللام ~~وهو نصب على المصدر، أي: قال قول الحق، {الذي فيه يمترون} أي: يختلفون، ~~فقائل يقول: هو ابن الله، وقائل ms1584 يقول: هو الله، وقائل يقول: هو ساحر كذاب. # وقرأ الآخرون برفع اللام، يعني: هو قول الحق، أي هذا الكلام هو قول الحق، ~~أضاف القول إلى الحق، كما قال: "حق اليقين"، و"وعد الصدق". # وقيل: هو نعت لعيسى ابن مريم، يعني ذلك عيسى ابن مريم كلمة الله الحق هو ~~الله {الذي فيه يمترون} ويشكون ويختلفون ويقولون غير الحق. ثم نفى عن نفسه ~~الولد فقال: {ما كان لله أن يتخذ من ولد} أي: ما كان من صفته اتخاذ الولد. ~~وقيل: اللام منقولة أي ما كان الله ليتخذ من ولد، {سبحانه إذا قضى أمرا} ~~إذا أراد أن يحدث أمرا {فإنما يقول له كن فيكون} {وإن الله ربي وربكم} قرأ ~~أهل الحجاز وأبو عمرو: {أن الله} بفتح الألف، يرجع إلى قوله: {وأوصاني ~~بالصلاة والزكاة} وبأن الله ربي وربكم، وقرأ أهل الشام والكوفة ويعقوب بكسر ~~الألف على الاستئناف 7/ب {فاعبدوه هذا صراط مستقيم} {فاختلف الأحزاب من ~~بينهم} يعني: النصارى سموا أحزابا لأنهم تحزبوا ثلاث فرق في أمر عيسى: ~~النسطورية والملكانية واليعقوبية. {فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم} ~~يعني يوم القيامة. PageV05P231 ### || # {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) } # {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) } # {أسمع بهم وأبصر} أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة حين لا ينفعهم (1) ~~السمع والبصر! أخبر أنهم يسمعون ويبصرون في الآخرة ما لم يسمعوا ولم يبصروا ~~في الدنيا. # قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين (2) يقول الله ~~تعالى لعيسى: "أأنت قلت للناس" الآية (مريم-116) . {يوم يأتوننا لكن ~~الظالمون اليوم في ضلال مبين} أي: في خطأ بين. قوله عز وجل {وأنذرهم يوم ~~الحسرة إذ قضي الأمر} فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار ~~النار، وذبح الموت. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمرو بن حفص بن غياث أخبرنا أبي ~~أنبأنا الأعمش، أخبرنا أبو صالح عن ms1585 أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد: يا أهل الجنة ~~فيشرفون (3) وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم ~~قد رآه، ثم ينادي يا أهل النار فيشرفون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ ~~فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود ~~فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي ~~الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون} (4) . # ورواه أبو عيسى عن أحمد بن منيع، عن النضر بن إسماعيل عن الأعمش بهذا ~~الإسناد، وزاد: "فلولا أن الله تعالى قضى لأهل الجنة الحياة والبقاء لماتوا ~~فرحا ولولا أن الله تعالى قضى لأهل النار الحياة والبقاء لماتوا ترحا" (5) ~~. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا معاذ بن أسد أخبرنا عبد ~~الله أخبرنا عمر بن محمد بن زيد عن PageV05P232 # أبيه أنه حدثه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ~~صار أهل الجنة إلى (1) الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يجعل بين ~~الجنة والنار. ثم يذبح ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار ~~لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم ~~(2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب أخبرنا أبو الزناد ~~عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل ~~أحد الجنة إلا رأى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا ولا يدخل النار أحد ~~إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة" (3) . # أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي أخبرنا أبو الحسن أحمد بن ~~محمد بن موسى بن الصلت أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ms1586 ~~أخبرنا الحسين بن الحسن أخبرنا ابن المبارك أخبرنا يحيى بن عبد الله (4) ~~قال: سمعت أبي قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "ما من أحد يموت إلا ندم"، قالوا: فما ندمه يا رسول الله؟ قال: "إن ~~كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع" (5) . # قوله عز وجل: {وهم في غفلة} أي: عما يفعل بهم في الآخرة {وهم لا يؤمنون} ~~لا يصدقون. ### || # {إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40) واذكر في الكتاب ~~إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) } # قوله عز وجل: {إنا نحن نرث الأرض ومن عليها} أي: نميت سكان الأرض ونهلكهم ~~جميعا، ويبقى الرب وحده فيرثهم، {وإلينا يرجعون} فنجزيهم بأعمالهم. قوله عز ~~وجل: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا} "الصديق": الكثير الصدق ~~القائم عليه. وقيل: من صدق الله في وحدانيته وصدق أنبياءه ورسله وصدق ~~بالبعث، PageV05P233 # وقام (1) بالأوامر فعمل بها، فهو الصديق. و"النبي": العالي في الرتبة ~~بإرسال الله تعالى إياه. ### || # {إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ~~(42) يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا ~~(43) يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني ~~أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) قال أراغب أنت عن ~~آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا (46) } # {إذ قال} إبراهيم {لأبيه} آزر وهو يعبد الأصنام {يا أبت لم تعبد ما لا ~~يسمع} صوتا {ولا يبصر} شيئا {ولا يغني عنك} أي لا يكفيك {شيئا} {يا أبت إني ~~قد جاءني من العلم} بالله والمعرفة {ما لم يأتك فاتبعني} على ديني {أهدك ~~صراطا سويا} مستقيما. {يا أبت لا تعبد الشيطان} لا تطعه فيما يزين لك من ~~الكفر والشرك {إن الشيطان كان للرحمن عصيا} عاصيا "كان" بمعنى الحال أي: هو ~~كذلك. {يا أبت إني أخاف} أي أعلم {أن يمسك} يصيبك {عذاب من الرحمن} ms1587 أي: إن ~~أقمت على الكفر {فتكون للشيطان وليا} قرينا في النار. {قال} أبوه مجيبا له: ~~{أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته} لئن لم تسكت وترجع عن عيبك ~~آلهتنا وشتمك إياها، {لأرجمنك} قال الكلبي ومقاتل والضحاك: لأشتمنك ~~ولأبعدنك عني بالقول القبيح (2) . # قال ابن عباس لأضربنك. وقال عكرمة: لأقتلنك بالحجارة. # {واهجرني مليا} قال الكلبي: اجنبني طويلا. وقال مجاهد وعكرمة: حينا. # وقال سعيد بن جبير: دهرا وأصل "الحين": المكث، ومنه يقال: فمكثت حينا ~~"والملوان": الليل والنهار. PageV05P234 # وقال قتادة وعطاء: سالما وقال ابن عباس: اعتزلني سالما لا تصيبك مني ~~معرة، يقال: فلان ملي بأمر كذا: إذا كان كافيا (1) . ### || # {قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) وأعتزلكم وما تدعون ~~من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (48) فلما اعتزلهم وما ~~يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) } # {قال} إبراهيم {سلام عليك} أي سلمت مني لا أصيبك بمكروه، وذلك أنه لم ~~يؤمر بقتاله على كفره. # وقيل: هذا سلام هجران ومفارقة. وقيل: سلام بر ولطف وهو جواب الحليم ~~للسفيه. قال الله تعالى: "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما" (الفرقان:63) ~~. # قوله تعالى: {سأستغفر لك ربي} قيل: إنه لما أعياه أمره ووعده أن يراجع ~~الله فيه، فيسأله أن يرزقه التوحيد ويغفر له. معناه: سأسأل الله تعالى لك ~~توبة تنال بها المغفرة. # {إنه كان بي حفيا} برا لطيفا. قال الكلبي: عالما يستجيب لي إذا دعوته. ~~قال مجاهد: عودني الإجابة لدعائي. {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله} أي: ~~أعتزل ما تعبدون من دون الله. قال مقاتل: كان اعتزاله إياهم أنه فارقهم من ~~"كوثى" فهاجر منها إلى الأرض المقدسة، {وأدعو ربي} أي: أعبد ربي {عسى ألا ~~أكون بدعاء ربي شقيا} أي: عسى أن لا أشقى بدعائه وعبادته، كما تشقون أنتم ~~بعبادة الأصنام. # وقيل: عسى أن يجيبني إذا دعوته ولا يخيبني. {فلما اعتزلهم وما يعبدون من ~~دون الله} فذهب مهاجرا {وهبنا له} بعد الهجرة {إسحاق ويعقوب} آنسنا وحشته ~~[من فراقهم] (2) وأقررنا ms1588 عينه، بأولاد كرام على PageV05P235 # الله عز وجل {وكلا جعلنا نبيا} يعني: إسحاق ويعقوب. ### || # {ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50) واذكر في الكتاب ~~موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) } # {وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) } # {ووهبنا لهم من رحمتنا} قال الكلبي: المال والولد، وهو قول الأكثرين، ~~قالوا: ما بسط لهم في الدنيا من سعة الرزق. وقيل: الكتاب والنبوة. # {وجعلنا لهم لسان صدق عليا} 8/أيعني ثناء حسنا رفيعا في كل أهل الأديان، ~~فكلهم يتولونهم، ويثنون عليهم. قوله عز وجل {واذكر في الكتاب موسى إنه كان ~~مخلصا} غير مراء أخلص العبادة والطاعة لله عز وجل (1) وقرأ أهل الكوفة " ~~مخلصا " بفتح اللام أي: مختارا اختاره الله عز وجل وقيل: أخلصه الله من ~~الدنس. {وكان رسولا نبيا} {وناديناه من جانب الطور الأيمن} يعني: يمين موسى ~~(2) والطور: جبل بين مصر ومدين. ويقال: اسمه "الزبير" وذلك حين أقبل من ~~مدين ورأى النار فنودي "يا موسى إني أنا الله رب العالمين" (القصص:30) . # {وقربناه نجيا} أي" مناجيا، فالنجي المناجي، كما يقال: جليس ونديم. # قال ابن عباس: معناه: قربه فكلمه، ومعنى التقريب: إسماعه كلامه. ~~PageV05P236 # وقيل: رفعه على الحجب حتى سمع صرير القلم (1) . ### || # {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (53) واذكر في الكتاب إسماعيل إنه ~~كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان ~~عند ربه مرضيا (55) واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) } # {ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا} وذلك حين دعا موسى فقال: "واجعل ~~لي وزيرا من أهلي هارون أخي" (طه:29-30) فأجاب الله دعاءه وأرسل هارون، ~~ولذلك سماه هبة له (2) . قوله عز وجل: {واذكر في الكتاب إسماعيل} وهو ~~إسماعيل بن إبراهيم جد النبي صلى الله عليه وسلم {إنه كان صادق الوعد} قال ~~مجاهد: لم يعد شيئا إلا وفى به. # وقال مقاتل: وعد رجلا أن يقيم مكانه حتى يرجع إليه الرجل، فأقام إسماعيل ~~مكانه ثلاثة أيام للميعاد حتى رجع إليه الرجل. # وقال الكلبي: انتظره حتى حال عليه الحول (3) . # {وكان رسولا} ms1589 إلى جرهم {نبيا} مخبرا عن الله عز وجل. {وكان يأمر أهله} ~~أي: قومه وقيل: أهله وجميع أمته {بالصلاة والزكاة} قال ابن عباس: يريد التي ~~افترضها الله تعالى عليهم، وهي الحنيفية التي افترضت علينا، {وكان عند ربه ~~مرضيا} قائما بطاعته. قيل: رضيه الله عز وجل لنبوته ورسالته. قوله عز وجل ~~{واذكر في الكتاب إدريس} وهو جد أبي نوح واسمه "أخنوخ" سمي إدريس لكثرة ~~درسه الكتب. وكان خياطا وهو أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب، ولبس ~~المخيط، وكانوا من قبله يلبسون الجلود، وأول من اتخذ السلاح، وقاتل الكفار ~~وأول من نظر في علم PageV05P237 # النجوم (1) والحساب، {إنه كان صديقا نبيا} ### || # {ورفعناه مكانا عليا (57) } # {ورفعناه مكانا عليا} قيل: يعني الجنة. وقيل: هي الرفعة بعلو الرتبة في ~~الدنيا. # وقيل: هو أنه رفع إلى السماء الرابعة (2) . # روى أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى ~~إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج (3) . # وكان سبب رفع إدريس [إلى السماء] (4) على ما قاله كعب وغيره: أنه سار ذات ~~يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال: يا رب أنا مشيت يوما فكيف بمن يحملها ~~مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد! اللهم خفف عنه من ثقلها وحرها (5) فلما ~~أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما لم يعرف فقال (6) يا رب ما الذي قضيت ~~فيه؟ فقال: إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته، فقال: رب ~~اجعل بيني وبينه خلة، فأذن له حتى أتى إدريس فكان يسأله إدريس فقال له: إني ~~أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت، فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي ~~فأزداد شكرا وعبادة، فقال الملك: لا يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها، وأنا ~~مكلمه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت فقال لي ~~حاجة إليك؛ صديق لي من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله، قال: ليس ذلك إلي ~~ولكن إن أحببت أعلمته أجله فيقدم لنفسه قال: نعم فنظر في ديوانه فقال: ms1590 إنك ~~كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا، قال: وكيف؟ قال: لا أجده يموت إلا عند ~~مطلع الشمس قال فإني أتيتك وتركته هناك قال: فانطلق فلا أراك تجده إلا وقد ~~مات فوالله ما بقي من أجل إدريس شيء فرجع الملك فوجده ميتا (7) . ~~PageV05P238 # واختلفوا في أنه حي في السماء أم ميت؟ فقال قوم: هو ميت وقال قوم: هو حي ~~(1) وقالوا: أربعة من الأنبياء في الأحياء اثنان في الأرض: الخضر وإلياس ~~واثنان في السماء: إدريس وعيسى. # وقال وهب: كان يرفع لإدريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لجميع أهل ~~الأرض في زمانه فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت، فاستأذن ربه عز ~~وجل في زيارته، فأذن له فأتاه في صورة بني آدم وكان إدريس يصوم الدهر فلما ~~كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل معه، ففعل ذلك ثلاث ليال ~~فأنكره إدريس، فقال له الليلة الثالثة: إني أريد أن أعلم من أنت؟ فقال: أنا ~~ملك الموت استأذنت ربي أن أصحبك، قال: فلي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: ~~تقبض روحي، فأوحى الله إليه أن اقبض روحه فقبض روحه وردها الله إليه بعد ~~ساعة، قال له ملك الموت: ما في سؤالك من قبض الروح؟ قال لأذوق كرب الموت ~~وغمه لأكون أشد استعدادا له، ثم قال إدريس له: إن لي إليك حاجة أخرى، قال: ~~وما هي؟ قال: ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنة والنار، فأذن الله ~~في رفعه، فلما قرب من النار قال لي حاجة أخرى، قال: وما تريد؟ قال: تسأل ~~مالكا حتى يفتح لي أبوابها فأردها ففعل، ثم قال: فما أريتني النار فأرني ~~الجنة. فذهب به إلى الجنة فاستفتح فأوحى الله إليه أن اقبض روحه، فقبض روحه ~~وردها الله إليه بعد ساعة، قال له ملك الموت: ما في ففتحت أبوابها فأدخله ~~الجنة، ثم قال ملك الموت: اخرج لتعود إلى مقرك، فتعلق بشجرة وقال: لا أخرج ~~منها، فبعث الله ملكا حكيما بينهما فقال له الملك: ما لك لا تخرج؟ قال: لأن ms1591 ~~الله تعالى قال: "كل نفس ذائقة الموت" (آل عمران:185) وقد ذقته، وقال: "وإن ~~منكم إلا واردها" (مريم:71) ، وقد وردتها، وقال: "وما هم منها بمخرجين" ~~(الحجر:48) فلست أخرج، فأوحى الله إلى ملك الموت بإذني دخل الجنة وبأمري لا ~~يخرج فهو حي هناك، ذلك قوله تعالى: {ورفعناه مكانا عليا} (2) . ### || # {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ~~ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا (58) } # {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم} أي: إدريس ونوحا ~~{وممن حملنا مع نوح} أي: ومن ذرية من حملنا مع نوح في السفينة، يريد ~~إبراهيم؛ لأنه ولد من سام بن نوح {ومن ذرية إبراهيم} يريد إسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب. PageV05P239 # قوله: {وإسرائيل} أي: ومن ذرية إسرائيل وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى ~~وعيسى. # قوله: {وممن هدينا واجتبينا} هؤلاء كانوا ممن أرشدنا واصطفينا {إذا تتلى ~~عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا} "سجدا": جمع ساجد "وبكيا": جمع باك ~~أخبر الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا بآيات الله سجدوا وبكوا. ### || # {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) } # قوله عز وجل: {فخلف من بعدهم خلف} 8/ب أي: من بعد النبيين المذكورين خلف ~~وهم قوم سوء، "والخلف" -بالفتح-الصالح، وبالجزم الطالح (1) . # قال السدي: أراد بهم اليهود ومن لحق بهم. # وقال مجاهد وقتادة: هم في هذه الأمة (2) . PageV05P240 # {أضاعوا الصلاة} تركوا الصلاة المفروضة (1) . # وقال ابن مسعود وإبراهيم: أخروها عن وقتها. # وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا العصر حتى ~~تغرب الشمس (2) . # {واتبعوا الشهوات} أي المعاصي وشرب الخمر، يعني آثروا شهوات أنفسهم على ~~طاعة الله. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بعض ~~في الأسواق والأزقة. # {فسوف يلقون غيا} قال وهب: "الغي" نهر في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه. # وقال ابن عباس: "الغي" واد في جهنم وإن أودية (3) جهنم لتستعيذ من حره ~~أعد للزاني المصر عليه ولشارب الخمر المدمن ms1592 عليها ولآكل الربا الذي لا ينزع ~~عنه ولأهل العقوق ولشاهد الزور (4) . # وقال عطاء: "الغي": واد في جهنم يسيل قيحا ودما. # وقال كعب: هو واد في جهنم أبعدها قعرا، وأشدها حرا في بئر تسمى "الهيم" ~~كلما خبت جهنم فتح الله تلك البئر فيسعر بها جهنم (5) . # أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا محمد بن أحمد الحارثي أخبرنا ~~محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمود أخبرنا إبراهيم بن عبد ~~الله الخلال وأخبرنا عبد الله بن المبارك عن هشيم بن بشير أخبرنا زكريا بن ~~أبي مريم الخزاعي قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: "إن ما بين شفير جهنم ~~إلى قعرها مسيرة سبعين خريفا من حجر يهوي أو قال صخرة تهوي عظمها كعشر ~~عشروات عظام سمان فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: هل تحت ذلك ~~شيء يا أبا أمامة؟ PageV05P241 # قال: نعم غي وآثام" (1) . # وقال الضحاك: غيا وخسرانا. وقيل: هلاكا. وقيل: عذابا (2) . # وقوله: {فسوف يلقون غيا} ليس معناه يرون فقط، بل معناه الاجتماع ~~والملابسة (3) مع الرؤية. ### || # {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60) ~~جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) لا يسمعون ~~فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) } # {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا} . ~~{جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب} ولم يروها {إنه كان وعده مأتيا} ~~يعني: آتيا مفعول بمعنى فاعل. # وقيل: لم يقل آتيا لأن كل من أتاك فقد أتيته والعرب لا تفرق بين قول ~~القائل: أتت علي خمسون سنة وبين قوله: أتيت على خمسين سنة ويقول: وصل إلي ~~الخير ووصلت إلى الخير. # وقال ابن جرير: "وعده" أي: موعده وهو الجنة "مأتيا" يأتيه أولياؤه [أهل ~~الجنة] (4) وأهل طاعته (5) . {لا يسمعون فيها} في الجنة {لغوا} باطلا وفحشا ~~وفضولا من الكلام. # وقال مقاتل: هو اليمين الكاذبة. # {إلا سلاما} استثناء من غير جنسه يعني: بل يسمعون فيها سلاما أي: قولا ~~يسلمون ms1593 منه "والسلام" اسم جامع للخير لأنه يتضمن السلامة. PageV05P242 # معناه: أن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤثمهم إنما يسمعون ما يسلمهم. # وقيل: هو تسليم بعضهم على بعض وتسليم الملائكة عليهم. # وقيل: هو تسليم الله عليهم. # {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} قال أهل التفسير: ليس في الجنة ليل يعرف به ~~البكرة والعشي بل هم في نور أبدا ولكنهم يأتون بأرزاقهم على مقدار طرفي ~~النهار. # وقيل: إنهم يعرفون وقت النهار برفع الحجب ووقت الليل بإرخاء الحجب. # وقيل: المراد منه رفاهية العيش وسعة الرزق من غير تضييق. # وكان الحسن البصري يقول: كانت (1) العرب لا تعرف من العيش أفضل من الرزق ~~بالبكرة والعشي فوصف الله عز وجل جنته بذلك (2) . ### || # {تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) وما نتنزل إلا بأمر ربك ~~له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64) } # {تلك الجنة التي نورث من عبادنا} أي: نعطي وننزل. وقيل: يورث عباده ~~المؤمنين المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا {من كان تقيا} أي: المتقين ~~من عباده. قوله عز وجل: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} أخبرنا عبد الواحد ~~المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد ~~بن إسماعيل أخبرنا خلاد بن يحيى أخبرنا عمر بن ذر قال: سمعت أبي يحدث عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا" فنزلت: {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين ~~أيدينا وما خلفنا} الآية. قال: كان هذا الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم" ~~(3) . # وقال عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل والكلبي: احتبس جبريل عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين سأله قومه عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فقال: ~~أخبركم غدا ولم يقل: إن شاء الله حتى شق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم نزل بعد أيام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبطأت علي حتى ساء ~~ظني واشتقت إليك" ms1594 فقال له جبريل: إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت ~~نزلت وإذا حبست PageV05P243 # احتبست فأنزل الله: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} وأنزل: "والضحى والليل إذا ~~سجى ما ودعك ربك وما قلى" (1) . # {له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك} أي: له علم ما بين أيدينا. ~~واختلفوا فيه: فقال سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل: {ما بين أيدينا} من أمر ~~الآخرة والثواب والعقاب {وما خلفنا} ما مضى من الدنيا {وما بين ذلك} ما ~~يكون من هذا الوقت إلى قيام الساعة (2) . # وقيل {ما بين أيدينا} ما بقي من الدنيا {وما خلفنا} ما مضى منها {وما بين ~~ذلك} أي: ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة. # وقيل: {ما بين أيدينا} ما بقي من الدنيا {وما خلفنا} ما مضى منها {وما ~~بين ذلك} مدة حياتنا. # وقيل: {ما بين أيدينا} بعد أن نموت {وما خلفنا} قبل أن نخلق {وما بين ~~ذلك} مدة الحياة (3) . # وقيل: {ما بين أيدينا} الأرض إذا أردنا النزول إليها {وما خلفنا} السماء ~~إذا نزلنا منها {وما بين ذلك} الهواء يريد: أن ذلك كله لله عز وجل فلا نقدر ~~على شيء إلا بأمره. {وما كان ربك نسيا} أي: ناسيا يقول: ما نسيك ربك أي: ما ~~تركك والناسي التارك. PageV05P244 ### || # {رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا ~~(65) } # {رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته} أي: اصبر على ~~أمره ونهيه {هل تعلم له سميا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: مثلا (1) . # وقال الكلبي: هل تعلم أحدا يسمى "الله" غيره (2) ؟ PageV05P244 ### || # {ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر الإنسان أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول ~~جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) } # قوله عز وجل: {ويقول الإنسان} يعني: أبي بن خلف الجمحي كان منكرا للبعث ~~(1) قال: {أئذا ما مت لسوف أخرج حيا} قاله استهزاء وتكذيبا للبعث. قال الله ~~عز وجل {أولا يذكر} أي يتذكر ويتفكر (2) وقرأ نافع ms1595 وابن عامر وعاصم ويعقوب ~~" يذكر " خفيف {الإنسان} يعني: أبي بن خلف {أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} ~~أي: لا يتفكر هذا الجاحد في بدء خلقه فيستدل به على الإعادة ثم أقسم بنفسه ~~فقال: {فوربك لنحشرنهم} لنجمعنهم في المعاد يعني: المشركين المنكرين للبعث ~~{والشياطين} مع الشياطين وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة {ثم ~~لنحضرنهم حول جهنم} قيل في جهنم 9/أ {جثيا} قال ابن عباس رضي الله عنه: ~~جماعات جمع جثوة. # وقال الحسن والضحاك: جمع "جاث" أي: جاثين على الركب. # قال السدي: قائمين على الركب لضيق المكان. {ثم لننزعن} لنخرجن {من كل ~~شيعة} أي: من كل أمة وأهل دين من الكفار {أيهم أشد على الرحمن عتيا} عتوا، ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني جرأة. وقال مجاهد: فجورا، يريد: الأعتى ~~فالأعتى. # وقال الكلبي: قائدهم ورأسهم في الشر يريد أنه يقدم في إدخال من هو أكبر ~~جرما وأشد كفرا. # في بعض الآثار: أنهم يحشرون جميعا حول جهنم مسلسلين مغلولين ثم يقدم ~~الأكفر فالأكفر. # ورفع {أيهم} على معنى: الذي يقال لهم: أيهم أشد على الرحمن عتيا. ~~PageV05P245 # وقيل: على الاستئناف ثم لننزعن [يعمل في موضع "من كل شيعة"] (1) . ### || # {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) وإن منكم إلا واردها كان على ~~ربك حتما مقضيا (71) } # {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا} أي: أحق بدخول النار يقال: صلي ~~يصلى صليا، مثل: لقي يلقى لقيا وصلى يصلي صليا، مثل: مضى يمضي مضيا إذا دخل ~~النار وقاسى حرها. قوله عز وجل: {وإن منكم إلا واردها} وما منكم إلا واردها ~~وقيل: القسم فيه مضمر، أي: والله ما منكم من أحد إلا واردها، والورود هو ~~موافاة المكان. # واختلفوا في معنى الورود هاهنا، وفيما تنصرف إليه الكناية في قوله: ~~{واردها} قال ابن عباس رضي الله عنهما وهو قول الأكثرين؛ معنى الورود هاهنا ~~هو الدخول والكناية راجعة إلى النار وقالوا: النار يدخلها البر والفاجر ثم ~~ينجي الله المتقين (2) فيخرجهم منها. # والدليل على أن الورود هو الدخول: ms1596 قول الله عز وجل حكاية عن فرعون: "يقدم ~~قومه يوم القيامة فأوردهم النار" (هود:98) . # وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أن نافع بن الأزرق مارى ابن عباس رضي ~~الله عنهما في الورود فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الدخول. وقال نافع: ~~ليس الورود الدخول، فتلا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى: ~~"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون" (الأنبياء:98) ~~أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنت وأنا سنردها وأنا أرجو ~~أن يخرجني الله منها وما أرى الله عز وجل أن يخرجك منها بتكذيبك (3) . # وقال قوم: ليس المراد من الورود الدخول، وقالوا النار لا يدخلها مؤمن ~~أبدا لقوله تعالى: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا ~~يسمعون حسيسها" (الأنبياء:101-102) وقالوا: كل من دخلها لا يخرج منها. ~~والمراد من قوله: {وإن منكم إلا واردها} الحضور والرؤية، PageV05P246 # لا الدخول كما قال الله تعالى: "ولما ورد ماء مدين" (القصص:23) أراد به ~~الحضور (1) . # وقال عكرمة: الآية في الكفار فإنهم يدخلونها ولا يخرجون منها (2) . # وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: {وإن منكم إلا واردها} يعني: ~~القيامة (3) والكناية راجعة إليها. # والأول أصح وعليه أهل السنة أنهم جميعا يدخلون النار ثم يخرج الله عز وجل ~~منها أهل الإيمان بدليل قوله تعالى: ### || # {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (72) } # {ثم ننجي الذين اتقوا} أي اتقوا الشرك وهم المؤمنون. والنجاة إنما تكون ~~مما دخلت فيه (4) . # وقرأ الكسائي ويعقوب: " ننجي " بالتخفيف. والآخرون: بالتشديد. # والدليل على هذا: ما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر ~~أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا عبد الرحيم بن ~~منيب أخبرنا سفيان عن الزهري عن PageV05P247 # سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ~~يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم" (1) . # وأراد بالقسم قوله: {وإن منكم إلا واردها} # أخبرنا عبد الواحد المليحي ms1597 أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا مسلم بن إبراهيم أخبرنا هشام أخبرنا قتادة ~~عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يخرج من النار من قال لا إله إلا ~~الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي ~~قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ~~ذرة من خير" (2) وقال أبان عن قتادة: "من إيمان" مكان "خير". # أخبرنا أبو المظفر محمد بن إسماعيل بن علي الشجاعي أخبرنا أبو نصر ~~النعمان بن محمد بن محمود الجرجاني أخبرنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله ~~البصري أخبرنا محمد بن عبد الوهاب أخبرنا محمد بن الفضل أبو النعمان أخبرنا ~~سلام بن مسكين أخبرنا أبو الظلال عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "أن رجلا في النار ينادي ألف سنة يا حنان يا منان فيقول الله عز ~~وجل لجبريل: اذهب فائتني بعبدي هذا قال: فذهب جبريل فوجد أهل النار منكبين ~~يبكون قال: فرجع فأخبر ربه عز وجل قال اذهب فإنه في موضع كذا وكذا قال: ~~فجاء به قال: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ قال: يا رب شر مكان وشر مقيل ~~قال، ردوا عبدي قال: ما كنت أرجو أن تعيدني إليها إذ أخرجتني منها قال الله ~~تعالى لملائكته دعوا عبدي" (3) . # وأما قوله عز وجل: "لا يسمعون حسيسها" (الأنبياء:102) قيل: إن الله عز ~~وجل أخبر عن وقت كونهم في الجنة أنهم لا يسمعون حسيسها فيجوز أن يكونوا قد ~~سمعوا ذلك قبل دخولهم الجنة لأنه لم يقل: لم يسمعوا حسيسها ويجوز أن لا ~~يسمعوا حسيسها عند دخولهم إياها لأن الله عز وجل يجعلها عليهم بردا وسلاما. ~~PageV05P248 # وقال خالد بن معدان: يقول أهل الجنة ألم يعدنا ربنا أن نرد النار؟ فيقال ~~بلى ولكنكم مررتم بها وهي خامدة (1) . # وفي الحديث: تقول النار للمؤمن: "جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" (2) . # وروي ms1598 عن مجاهد في قوله عز وجل: {وإن منكم إلا واردها} قال: من حم من ~~المسلمين فقد وردها (3) . # وفي الخبر: "الحمى كير من جهنم وهي حظ المؤمن من النار" (4) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا محمد بن المثنى أخبرنا يحيى عن هشام أخبرني ~~أبي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحمى من فيح جهنم ~~فأبردوها بالماء" (5) . # {كان على ربك حتما مقضيا} أي: كان ورودكم جهنم حتما لازما {مقضيا} قضاه ~~الله عليكم. # {ثم ننجي الذين اتقوا} أي اتقوا الشرك وقرأ الكسائي " ننجي " بالتخفيف ~~والباقون بالتشديد {ونذر الظالمين فيها جثيا} جميعا. وقيل: جاثين على الركب ~~وفيه دليل على أن الكل دخلوها ثم أخرج الله منها المتقين وترك فيها ~~الظالمين وهم المشركون. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني ~~سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي PageV05P249 # أن أبا هريرة أخبرهما أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم ~~القيامة؟ قال: "هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب" قالوا: لا يا ~~رسول الله قال: "فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب" قالوا: لا قال: فإنكم ~~ترونه كذلك يحشر الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه فمنهم ~~من يتبع الشمس ومنهم من يتبع القمر ومنهم من يتبع الطواغيت وتبقى هذه الأمة ~~فيها منافقوها فيأتيهم الله عز وجل فيقول: أنا ربكم فيقولون: هذا مكاننا ~~حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله فيقول: 9/ب أنا ربكم ~~فيقولون: أنت ربنا فيدعوهم ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز ~~(1) من الرسل بأمته ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل وكلام الرسل يومئذ اللهم سلم ~~سلم وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم ~~قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس ~~بأعمالهم ms1599 فمنهم من يوبق بعمله ومنهم من يجردل ثم ينجو حتى إذا أراد الله ~~رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله ~~فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود ~~فيخرجون من النار فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود فيخرجون من النار ~~قد امتحشوا (2) فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل ~~السيل (3) ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل بين الجنة والنار ~~وهو آخر أهل النار دخولا الجنة مقبل بوجهه قبل النار فيقول: يا رب اصرف ~~وجهي عن النار قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها (4) فيقول: هل عسيت إن فعلت ~~ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك. فيعطي الله ما شاء الله من عهد ~~وميثاق فيصرف الله وجهه عن النار فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها سكت ما ~~شاء الله أن يسكت ثم قال: يا رب قدمني عند باب الجنة فيقول الله تبارك ~~وتعالى: أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت ~~فيقول: يا رب لا أكون أشقى خلقك فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل ~~غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غير ذلك فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق ~~فيقدمه إلى باب الجنة فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النضرة ~~والسرور فسكت ما شاء الله أن يسكت فيقول يا رب أدخلني الجنة فيقول الله ~~تعالى: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل ~~غير الذي أعطيت؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك فيضحك الله منه ثم يأذن ~~له في دخول الجنة فيقول: تمن فيتمنى حتى إذا انقطع # [ص: 251] # أمنيته قال الله تعالى: تمن كذا وكذا أقبل يذكره ربه حتى إذا انتهت به ~~الأماني قال الله تعالى: لك ومثله معه. قال أبو سعيد لأبي هريرة: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى ms1600 لك ذلك وعشرة أمثاله" قال ~~أبو هريرة لم أحفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قوله: لك ذلك ومثله ~~معه. قال أبو سعيد إني سمعته يقول: "ذلك لك وعشرة أمثاله" (5) . # ورواه محمد بن إسماعيل عن محمود بن غيلان أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر ~~عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة بمعناه وقال: فيأتيهم الله عز وجل ~~في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك هذا ~~مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا آتانا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في الصورة ~~التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه (6) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري ~~أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن حماد أخبرنا أبو معاوية عن ~~الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يعذب ~~أناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا حمما ثم تدركهم الرحمة قال: ~~فيخرون فيطرحون على أبواب الجنة قال: فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون ~~كما تنبت القثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة" (7) . # أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي ~~بن أحمد الخزاعي أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب أخبرنا أبو عيسى الترمذي ~~أخبرنا هناد بن السري أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة ~~السلماني عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار رجل يخرج منها زحفا فيقال له: ~~انطلق فادخل الجنة قال فيذهب ليدخل الجنة فيجد الناس قد أخذوا المنازل ~~فيرجع فيقول: يا رب قد أخذ الناس المنازل فيقال: أتذكر الزمان الذي كنت ~~فيه؟ فيقول: نعم فيقال له: تمن فيتمنى فيقال له: فإن لك الذي تمنيته وعشرة ~~أضعاف الدنيا قال فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ قال: فقد رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه" (8) . PageV05P250 # أخبرنا أحمد بن عبد ms1601 الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ~~أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن حماد أخبرنا أبو معاوية عن ~~الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن أم مبشر عن حفصة أنها قالت: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدرا ~~والحديبية" قال: قلت يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: {وإن منكم إلا ~~واردها كان على ربك حتما مقضيا} قال: أفلم تسمعيه يقول: {ثم ننجي الذين ~~اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} (1) . ### || # {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين ~~خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا ~~(74) } # قوله عز وجل: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} واضحات {قال الذين كفروا} ~~يعني: النضر بن الحارث وذويه من قريش {للذين آمنوا} يعني فقراء (2) أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكانت فيهم قشافة وفي عيشهم خشونة وفي ثيابهم ~~رثاثة وكان المشركون يرجلون شعورهم ويدهنون رءوسهم ويلبسون حرير ثيابهم ~~فقالوا للمؤمنين: {أي الفريقين خير مقاما} منزلا ومسكنا [وهو موضع الإقامة. # وقرأ ابن كثير: " مقاما " بضم الميم أي إقامة] (3) . # {وأحسن نديا} أي مجلسا ومثله النادي فأجابهم الله تعالى فقال: {وكم ~~أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا} أي متاعا وأموالا. وقال مقاتل: لباسا ~~وثيابا {ورئيا} قرأ أكثر القراء بالهمز أي: منظرا من "الرؤية" وقرأ ابن ~~عامر وأبو جعفر ونافع غير ورش: "وريا" مشددا بغير همز وله تفسيران: أحدهما ~~هو الأول بطرح الهمز والثاني: من الري الذي هو ضد العطش ومعناه: الارتواء ~~من النعمة فإن المتنعم يظهر فيه ارتواء النعمة والفقير يظهر عليه ذيول ~~الفقر. PageV05P252 ### || # {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما ~~العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (75) ويزيد الله ~~الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا (76) } # {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) أطلع الغيب ms1602 أم ~~اتخذ عند الرحمن عهدا (78) } # {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} هذا أمر بمعنى الخبر معناه: ~~يدعه في طغيانه ويمهله في كفره {حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب} وهو ~~الأسر والقتل في الدنيا {وإما الساعة} يعني: القيامة فيدخلون النار ~~{فسيعلمون} عند ذلك {من هو شر مكانا} منزلا {وأضعف جندا} أقل ناصرا أهم أم ~~المؤمنون؟ لأنهم في النار والمؤمنون في الجنة وهذا رد عليهم في قوله {أي ~~الفريقين خير مقاما وأحسن نديا} قوله عز وجل: {ويزيد الله الذين اهتدوا ~~هدى} أي إيمانا وإيقانا على يقينهم 10/أ {والباقيات الصالحات} الأذكار ~~والأعمال الصالحة التي تبقى لصاحبها {خير عند ربك ثوابا وخير مردا} عاقبة ~~ومرجعا. قوله عز وجل: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا} ~~أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن ~~يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمرو بن حفص أخبرنا أبي أخبرنا الأعمش ~~بن مسلم عن مسروق حدثنا خباب قال: كنت قينا فعملت للعاص بن وائل فاجتمع ~~مالي عنده فأتيته أتقاضاه فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت: أما ~~والله حتى تموت ثم تبعث فلا قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت: نعم قال: فإنه ~~سيكون لي ثم مال وولد فأقضيك فأنزل الله عز وجل: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا ~~وقال لأوتين مالا وولدا} (1) . قوله عز وجل: {أطلع الغيب} قال ابن عباس: ~~أنظر في اللوح المحفوظ؟ وقال مجاهد: أعلم علم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو ~~أم لا؟ PageV05P253 # {أم اتخذ عند الرحمن عهدا} يعني قال لا إله إلا الله وقال قتادة: يعني ~~عملا صالحا قدمه. وقال الكلبي: أعهد إليه أن يدخل الجنة؟ ### || # {كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (79) ونرثه ما يقول ويأتينا ~~فردا (80) واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون ~~بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (82) ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين ~~تؤزهم أزا (83) } # {كلا} رد عليه يعني: لم يفعل ذلك {سنكتب} سنحفظ عليه {ما يقول} ms1603 [فنجازيه ~~به في الآخرة. وقيل: نأمر به الملائكة حتى يكتبوا ما يقول] (1) . {ونمد له ~~من العذاب مدا} أي: نزيده عذابا فوق العذاب. وقيل: نطيل مدة عذابه. {ونرثه ~~ما يقول} أي ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال ملكه وقوله ما ~~يقول لأنه زعم أن له مالا وولدا "في الآخرة" (2) أي لا نعطيه ونعطي غيره ~~فيكون الإرث راجعا إلى ما تحت القول لا إلى نفس القول. # وقيل: معنى قوله: {ونرثه ما يقول} أي: نحفظ ما يقول حتى نجازيه به. # {ويأتينا فردا} يوم القيامة بلا مال ولا ولد. قوله عز وجل: {واتخذوا من ~~دون الله آلهة} يعني: مشركي قريش اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها {ليكونوا ~~لهم عزا} أي منعة حتى يكونوا لهم شفعاء يمنعونهم من العذاب. {كلا} أي ليس ~~الأمر كما زعموا {سيكفرون بعبادتهم} أي تجحد الأصنام والآلهة التي كانوا ~~يعبدونها عبادة المشركين ويتبرؤون منهم كما أخبر الله تعالى "تبرأنا إليك ~~ما كانوا إيانا يعبدون" (القصص:63) . # {ويكونون عليهم ضدا} أي أعداء لهم وكانوا أولياءهم في الدنيا. # وقيل: أعوانا عليهم يكذبونهم ويلعنونهم. قوله عز وجل: {ألم تر أنا أرسلنا ~~الشياطين على الكافرين} أي سلطناهم عليهم وذلك حين قال لإبليس: "واستفزز من ~~استطعت منهم بصوتك" الآية (الإسراء-64) } {تؤزهم أزا} PageV05P254 # تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية "والأز" "والهز": التحريك أي: ~~تحركهم وتحثهم على المعاصي. ### || # {فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (84) يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ~~(85) ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (86) لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا (87) } # {فلا تعجل عليهم} أي لا تعجل بطلب عقوبتهم {إنما نعد لهم عدا} قال ~~الكلبي: يعني الليالي والأيام والشهور والأعوام. # وقيل: الأنفاس التي يتنفسون بها في الدنيا إلى الأجل الذي أجل لعذابهم. ~~قوله عز وجل {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} أي: اذكر لهم يا محمد ~~اليوم الذي يجمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته إلى الرحمن إلى جنته ~~وفدا أي: جماعات جمع "وافد" مثل: راكب وركب وصاحب وصحب. # وقال ابن عباس: ركبانا. وقال ms1604 أبو هريرة: على الإبل. # وقال علي بن أبي طالب: ما يحشرون والله على أرجلهم، ولكن على نوق رحالها ~~الذهب ونجائب سرجها يواقيت إن هموا بها سارت وإن هموا بها طارت (1) . ~~{ونسوق المجرمين} الكافرين {إلى جهنم وردا} أي مشاة. وقيل: عطاشا قد تقطعت ~~أعناقهم من العطش. "والورد" جماعة يردون الماء ولا يرد أحد الماء إلا بعد ~~عطش. {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا} يعني لا إله إلا ~~الله. # وقيل: معناه لا يشفع الشافعون إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهدا يعني: ~~المؤمنين كقوله: "لا يشفعون إلا لمن ارتضى" (الأنبياء:28) . PageV05P255 # وقيل: لا يشفع إلا من شهد أن لا إله إلا الله أي لا يشفع إلا المؤمن (1) ~~. ### || # {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) } # {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} يعني اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة ~~بنات الله. # وقرأ حمزة والكسائي " ولدا " بضم الواو وسكون اللام ها هنا وفي الزخرف ~~وسورة نوح ووافق ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب في سورة نوح والباقون بفتح ~~الواو واللام. وهما لغتان مثل: العرب والعرب والعجم والعجم. {لقد جئتم شيئا ~~إدا} قال ابن عباس منكرا. وقال قتادة ومجاهد: عظيما. وقال مقاتل: لقد قلتم ~~قولا عظيما. "والإد" في كلام العرب: أعظم الدواهي (2) . {تكاد السماوات} ~~قرأ نافع " يكاد " بالياء هاهنا وفي حم عسق لتقدم الفعل وقرأ الباقون ~~بالتاء لتأنيث السموات {يتفطرن منه} هاهنا وفي "حمعسق" بالنون من الانفطار ~~أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب وافق ابن عامر وحمزة هاهنا لقوله تعالى: "إذا ~~السماء انفطرت" (الانفطار:1) و"السماء منفطر" (المزمل:18) وقرأ الباقون ~~بالتاء من التفطر ومعناهما واحد يقال: انفطر الشيء وتفطر أي تشقق. # {وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا} أي: تنكسر كسرا. # وقيل: {وتنشق الأرض} أي: تنخسف بهم "والانفطار" في السماء: أن تسقط عليهم ~~{وتخر الجبال هدا} أي تنطبق عليهم. PageV05P256 ### || # {أن دعوا للرحمن ولدا (91) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92) إن كل من ~~في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) لقد أحصاهم وعدهم ms1605 عدا (94) ~~وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (95) } # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) } # {أن دعوا} أي من أجل أن جعلوا {للرحمن ولدا} قال ابن عباس وكعب: فزعت ~~السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين وكادت أن تزول وغضبت ~~الملائكة واستعرت جهنم حين قالوا: اتخذ الله ولدا (1) . # ثم نفى الله عن نفسه الولد فقال: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} أي ما ~~يليق به اتخاذ الولد ولا يوصف به. {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي ~~الرحمن} أي إلا آتيه يوم القيامة {عبدا} ذليلا خاضعا يعني: أن الخلق كلهم ~~عبيده. {لقد أحصاهم وعدهم عدا} أي: عد أنفاسهم وأيامهم وآثارهم فلا يخفى ~~عليه شيء. {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} وحيدا ليس معه من الدنيا شيء. ~~قوله عز وجل: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} أي: ~~محبة. قال مجاهد: يحبهم الله ويحببهم إلى عباده المؤمنين. # أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي أخبرنا أبو الحسن أحمد بن ~~محمد بن موسى بن الصلت أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أحب الله العبد قال لجبرائيل: قد ~~أحببت فلانا فأحبه فيحبه جبرائيل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله عز وجل ~~قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا ~~أبغض العبد". PageV05P257 # قال مالك: لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك (1) . # قال هرم بن حيان: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب ~~أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم (2) . ### || # {فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) وكم ~~أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (98) } # قوله عز وجل: {فإنما يسرناه بلسانك} أي سهلنا القرآن بلسانك يا محمد ~~{لتبشر به المتقين} يعني المؤمنين {وتنذر به ms1606 قوما لدا} شدادا في الخصومة ~~جمع "الألد". # وقال الحسن: صما عن الحق (3) . # قال مجاهد: 10/ب "الألد": الظالم الذي لا يستقيم (4) . # قال أبو عبيدة: "الألد" الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل. {وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن هل تحس} هل ترى وقيل هل تجد {منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا} ~~أي صوتا "والركز": الصوت الخفي (5) قال الحسن: بادوا جميعا فلم يبق منهم ~~عين ولا أثر (6) . PageV05P258 ### | سورة طه # مكية (1) # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) } # أخبرنا عبد الواحد المليحي (2) أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو ~~جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا ابن أبي أويس، حدثني أبي عن ~~أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "أعطيت السورة التي ذكرت فيها البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه ~~والطواسين من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة التي ذكرت ~~فيها البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة" (3) . # {طه} قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وبكسرهما حمزة والكسائي وأبو ~~بكر، والباقون بفتحهما. PageV05P259 # قيل: هو قسم (1) . وقيل: اسم من أسماء الله تعالى (2) . # وقال مجاهد، والحسن، وعطاء، والضحاك: معناه يا رجل. # وقال قتادة: هو يا رجل بالسريانية. # وقال الكلبي: هو يا إنسان بلغة عك (3) . # وقال مقاتل بن حيان: معناه طإ الأرض بقدميك، يريد: في التهجد (4) . # وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله عز وجل بطوله وهدايته (5) . # قال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه الطاهر، والهاء افتتاح اسمه هاد (6) ~~. # وقال الكلبي: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد ~~في العبادة حتى كان يراوح بين قدميه في الصلاة لطول قيامه، وكان يصلي الليل ~~كله، فأنزل الله هذه الآية (7) وأمره أن يخفف على PageV05P262 # نفسه فقال: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} وقيل: لما رأى المشركون ~~اجتهاده في العبادة قالوا ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت ~~{ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} (1) أي لتتعنى وتتعب، وأصل الشقاء في اللغة ~~العناء. ### || # {إلا ms1607 تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا (4) ~~الرحمن على العرش استوى (5) له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما ~~تحت الثرى (6) } # {إلا تذكرة لمن يخشى} [أي لكن أنزلناه عظة لمن يخشى. وقيل: تقديره ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى] (2) . {تنزيلا} ~~بدل من قوله "تذكرة" {ممن خلق الأرض} أي: من الله الذي خلق الأرض، ~~{والسماوات العلا} يعني: العالية الرفيعة، وهي جمع العليا كقوله: كبرى ~~وكبر، وصغرى وصغر. {الرحمن على العرش استوى} . {له ما في السماوات وما في ~~الأرض وما بينهما} يعني الهواء، {وما تحت الثرى} والثرى هو: التراب الندي. ~~قال الضحاك: يعني ما وراء الثرى من شيء. # وقال ابن عباس: إن الأرضين على ظهر النون، والنون على بحر، ورأسه وذنبه ~~يلتقيان تحت العرش، والبحر على صخرة خضراء، خضرة السماء منها، وهي الصخرة ~~التي ذكر الله في قصة لقمان "فتكن في صخرة" والصخرة على قرن ثور، والثور ~~على الثرى، وما تحت الثرى لا يعلمه إلا الله عز وجل، وذلك الثور فاتح فاه ~~فإذا جعل الله عز وجل البحار بحرا واحدا سالت في جوف ذلك الثور، فإذا وقعت ~~في جوفه يبست (3) . PageV05P263 ### || # {وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) الله لا إله إلا هو له ~~الأسماء الحسنى (8) وهل أتاك حديث موسى (9) } # {وإن تجهر بالقول} [أي: تعلن به] (1) {فإنه يعلم السر وأخفى} قال الحسن: ~~"السر": ما أسر الرجل إلى غيره، "وأخفى" من ذلك: ما أسر من نفسه. # وعن ابن عباس، وسعيد بن جبير: "السر" ما تسر في نفسك "وأخفى" من السر: ما ~~يلقيه الله عز وجل في قلبك من بعد، ولا تعلم أنك ستحدث به نفسك، لأنك تعلم ~~ما تسر به اليوم ولا تعلم ما تسر به غدا، والله يعلم ما أسررت اليوم وما ~~تسر به غدا. # وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: "السر": ما أسر ابن آدم في نفسه، ~~"وأخفى" ما خفي عليه مما هو فاعله قبل أن يعلمه. # وقال مجاهد: "السر" العمل ms1608 الذي تسرون من الناس، "وأخفى": الوسوسة. # وقيل: "السر": هو العزيمة ["وأخفى": ما يخطر على القلب ولم يعزم عليه. # وقال زيد بن أسلم: "يعلم السر] (2) وأخفى": أي يعلم أسرار العباد، وأخفى ~~سره من عباده، فلا يعلمه أحد (3) . ثم وحد نفسه، فقال:. {الله لا إله إلا ~~هو له الأسماء الحسنى} قوله عز وجل: {وهل أتاك حديث موسى} أي: قد أتاك، ~~استفهام بمعنى التقرير. PageV05P264 ### || # {إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو ~~أجد على النار هدى (10) فلما أتاها نودي يا موسى (11) } # {إذ رأى نارا} وذلك أن موسى استأذن شعيبا في الرجوع من مدين إلى مصر ~~لزيارة والدته وأخته، فأذن له فخرج بأهله وماله، وكانت أيام الشتاء، وأخذ ~~على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في سقمها، لا تدري أليلا أم ~~نهارا. فسار في البرية غير عارف بطرقها، فألجأه المسير إلى جانب الطور ~~الغربي الأيمن في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق، فقدح ~~زنده فلم يوره. # وقيل: إن موسى كان رجلا غيورا فكان يصحب الرفقة بالليل ويفارقهم بالنهار، ~~لئلا ترى امرأته، فأخطأ مرة الطريق في ليلة مظلمة شاتية، لما أراد الله عز ~~وجل من كرامته، فجعل يقدح الزند فلا يوري، فأبصر نارا من بعيد عن يسار ~~الطريق من جانب الطور، {فقال لأهله امكثوا} (1) أقيموا، قرأ حمزة بضم الهاء ~~هاهنا وفي القصص، {إني آنست} أي: أبصرت، {نارا لعلي آتيكم منها بقبس} شعلة ~~من نار، والقبس قطعة من النار تأخذها في طرف عمود من معظم النار، {أو أجد ~~على النار هدى} أي: أجد عند النار من يدلني على الطريق. {فلما أتاها} رأى ~~شجرة خضراء من أسفلها [إلى أعلاها، أطافت بها نار بيضاء تتقد كأضوإ ما ~~يكون، فلا ضوء النار يغير] (2) خضرة الشجرة، ولا خضرة الشجرة تغير ضوء ~~النار. # قال ابن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء. # وقال قتادة، ومقاتل، والكلبي: كانت من العوسج. # وقال وهب: كانت من العليق. # وقيل: كانت شجرة العناب، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله ms1609 عنهما (3) . # قال أهل التفسير: لم يكن الذي رآه موسى نارا بل كان نورا، ذكر بلفظ النار ~~لأن موسى حسبه نارا. # وقال أكثر المفسرين: إنه نور الرب عز وجل، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، ~~وغيرهما. PageV05P265 # وقال سعيد بن جبير: هي النار بعينها، وهي إحدى حجب الله تعالى، يدل عليه: ~~ما روينا عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حجابه ~~النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (1) . # وفي القصة أن موسى أخذ شيئا من الحشيش اليابس وقصد الشجرة وكان كلما دنا ~~نأت منه النار، وإذا نأى دنت، فوقف متحيرا، وسمع تسبيح الملائكة، وألقيت ~~عليه السكينة (2) . ### || # {إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى (12) } # {نودي يا موسى إني أنا ربك} قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، "أني" ~~بفتح الألف، على معنى: نودي بأني. وقرأ الآخرون بكسر الألف، أي: نودي، ~~فقيل: إني أنا ربك. # قال وهب نودي من الشجرة، فقيل: يا موسى، فأجاب سريعا لا يدري من دعاه، ~~فقال: إني أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت؟ 11/أقال: أنا فوقك ومعك، ~~وأمامك وخلفك، وأقرب إليك من نفسك، فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لله، فأيقن به ~~(3) . # قوله عز وجل: {فاخلع نعليك} وكان السبب فيه ما روي عن ابن مسعود مرفوعا ~~في قوله: {فاخلع نعليك} قال: كانتا من جلد حمار ميت. ويروى غير مدبوغ (4) . # وقال عكرمة ومجاهد: أمر بخلع النعلين ليباشر بقدمه تراب الأرض المقدسة، ~~فيناله بركتها لأنها قدست مرتين، فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي (5) ~~. PageV05P266 # {إنك بالوادي المقدس} أي المطهر، {طوى} وطوى اسم الوادي، وقرأ أهل الكوفة ~~والشام: " طوى " بالتنوين هاهنا وفي سورة النازعات، وقرأ الآخرون بلا تنوين ~~لأنه معدول عن "طاو" فلما كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه، مثل ~~عمر، وزفر، وقال الضحاك: "طوى ": واد مستدير عميق مثل الطوي في استدارته. # PageV05P267 ### || # {وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري (14) إن الساعة آتية ms1610 أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ~~(15) } # {وأنا اخترتك} اصطفيتك برسالاتي، قرأ حمزة: "وأنا " مشددة النون، ~~"اخترناك" على التعظيم. {فاستمع لما يوحى} إليك.:. {إنني أنا الله لا إله ~~إلا أنا فاعبدني} ولا تعبد غيري، {وأقم الصلاة لذكري} قال مجاهد: أقم ~~الصلاة لتذكرني فيها، وقال مجاهد: إذا تركت الصلاة ثم ذكرتها، فأقمها. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحين أخبرنا أبو عمرو بكر بن محمد المزني، ~~أخبرنا أبو بكر بن محمد بن عبد الله الحفيد، أخبرنا الحسين بن الفضل ~~البجلي، أخبرنا عفان، أخبرنا قتادة عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك" (1) ثم قال: ~~سمعته يقول بعد ذلك: {وأقم الصلاة لذكري} {إن الساعة آتية أكاد أخفيها} قيل ~~معناه إن الساعة آتية أخفيها. و"أكاد " صلة. وأكثر المفسرين قالوا: معناه: ~~أكاد أخفيها من نفسي، وكذلك في مصحف أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود: أكاد ~~أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق. # وفي بعض القراءات: فكيف أظهرها لكم. وذكر ذلك على عادة العرب إذا بالغوا ~~في كتمان الشيء يقولون: كتمت سرك من نفسي، أي: أخفيته غاية الإخفاء، والله ~~عز اسمه لا يخفى عليه شيء. PageV05P267 # وقال الأخفش: أكاد: أي أريد، ومعنى الآية: أن الساعة آتية أريد أخفيها. # والمعنى في إخفائها التهويل والتخويف، لأنهم إذا لم يعلموا متى تقوم ~~الساعة كانوا على حذر منها كل وقت. # وقرأ الحسن بفتح الألف أي أظهرها، يقال: خفيت الشيء: إذا أظهرته، ~~وأخفيته: إذا سترته. # قوله تعالى: {لتجزى كل نفس بما تسعى} أي بما تعمل من خير وشر. ### || # {فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (16) وما تلك بيمينك يا ~~موسى (17) قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى ~~(18) } # {فلا يصدنك عنها} فلا يصرفنك عن الإيمان بالساعة، {من لا يؤمن بها واتبع ~~هواه} مراده خالف أمر الله {فتردى} أي: فتهلك. قوله عز وجل: {وما تلك ~~بيمينك يا موسى} سؤال تقرير، والحكمة في هذا ms1611 السؤال: تنبيهه وتوقيفه على ~~أنها عصا حتى إذا قلبها حية علم أنه معجزة عظيمة. وهذا على عادة العرب، ~~يقول الرجل لغيره: هل تعرف هذا؟ وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد أن ينضم ~~إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه. {قال هي عصاي} قيل: وكانت لها شعبتان، وفي ~~أسفلها سنان، ولها محجن. قال مقاتل: اسمها نبعة. # {أتوكأ عليها} أعتمد عليها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة، {وأهش بها ~~على غنمي} أضرب بها الشجرة اليابسة ليسقط ورقها فترعاه الغنم. # وقرأ عكرمة " وأهس " بالسين غير المعجمة، أي: أزجر بها الغنم، و"الهس": ~~زجر الغنم. # {ولي فيها مآرب أخرى} حاجات ومنافع أخرى، جمع "مأربة" بفتح الراء وضمها، ~~ولم يقل: " أخر " لرءوس الآي. وأراد بالمآرب: ما يستعمل فيه العصا في ~~السفر، وكان يحمل بها الزاد ويشد بها الحبل (1) فيستقي الماء من البئر، ~~ويقتل بها الحيات، ويحارب بها السباع، ويستظل بها إذا قعد PageV05P268 # وغير ذلك. # وروي عن ابن عباس: أن موسى كان يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت متماشيه ~~وتحدثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء، ~~فإذا رفعها ذهب الماء، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فتغصنت غصن الشجرة وأورقت ~~وأثمرت، وإذا أراد الاستقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت ~~شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكانت تضيء بالليل بمنزلة السراج، وإذا ظهر له ~~عدو كانت تحارب وتناضل عنه (1) . ### || # {قال ألقها يا موسى (19) فألقاها فإذا هي حية تسعى (20) } # {قال} الله تعالى: {ألقها يا موسى} انبذها، قال وهب: ظن موسى أنه يقول ~~ارفضها. {فألقاها} على وجه الرفض (2) ثم حانت منه نظرة، {فإذا هي حية} ~~صفراء من أعظم ما يكون من الحيات، {تسعى} تمشي بسرعة على بطنها وقال في ~~موضع آخر: "كأنها جآن" (النمل -10) وهي الحية الصغيرة الخفيفة الجسم، وقال ~~في موضع: "ثعبان"، وهو أكبر ما يكون من الحيات. # فأما الحية: فإنها تجمع الصغير والكبير والذكر والأنثى. وقيل: "الجآن": ~~عبارة عن ابتداء حالها، فإنها كانت حية على قدر العصا، ثم كانت تتورم ~~وتنتفخ حتى صارت ثعبانا، "والثعبان": عبارة عن ms1612 انتهاء حالها. # وقيل: إنها كانت في عظم الثعبان وسرعة الجان. # قال محمد بن إسحاق: نظر موسى فإذا العصا حية من أعظم ما يكون من الحيات ~~صارت شعبتاها شدقين لها، والمحجن عنقا وعرفا، تهتز كالنيازك، وعيناها ~~تتقدان كالنار تمر بالصخرة العظيمة مثل الخلفة من الإبل، فتلقمها وتقصف ~~الشجرة العظيمة بأنيابها، ويسمع لأسنانها صريف عظيم. فلما عاين ذلك موسى ~~ولى مدبرا وهرب، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه، ثم نودي: أن يا موسى أقبل ~~وارجع حيث كنت، فرجع وهو شديد الخوف (3) . PageV05P269 ### || # {قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى (21) واضمم يدك إلى جناحك تخرج ~~بيضاء من غير سوء آية أخرى (22) لنريك من آياتنا الكبرى (23) اذهب إلى ~~فرعون إنه طغى (24) قال رب اشرح لي صدري (25) } # {قال خذها} بيمينك، {ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى} هيئتها الأولى، أي: ~~نردها عصا كما كانت، وكان على موسى مدرعة من صوف قد خلها بعيدان، فلما قال ~~الله تعالى: خذها، لف طرف المدرعة على يده، فأمره الله تعالى أن يكشف يده ~~فكشف. # وذكر بعضهم: أنه لما لف كم المدرعة على يده قال له ملك: أرأيت لو أذن ~~الله بما تحاذره أكانت المدرعة تغني عنك شيئا؟ قال: لا ولكني ضعيف، ومن ضعف ~~خلقت، فكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت، ويده في ~~شعبتها في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ (1) . # قال المفسرون: أراد الله عز وجل أن يري موسى ما أعطاه من الآية التي لا ~~يقدر عليها مخلوق لئلا 11/ب يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون. # وقوله: {سيرتها الأولى} نصب بحذف "إلى"، يريد: إلى سيرتها الأولى. قوله ~~تعالى: {واضمم يدك إلى جناحك} أي: إبطك، قال مجاهد: تحت عضدك، وجناح ~~الإنسان عضده إلى أصل إبطه. {تخرج بيضاء} نيرة مشرقة، {من غير سوء} من غير ~~عيب والسوء هاهنا بمعنى البرص. قال ابن عباس: كان ليده نور ساطع يضيء ~~بالليل والنهار كضوء الشمس والقمر، {آية أخرى} أي: دلالة أخرى على صدقك سوى ~~العصا. {لنريك من آياتنا الكبرى} ولم ms1613 يقل الكبر لرءوس الآي. وقيل: فيه ~~إضمار، معناه: لنريك من آياتنا الكبرى، دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى ~~أكبر آياته. قال تعالى: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} أي: جاوز الحد في العصيان ~~والتمرد، فادعه إلى عبادتي. {قال} موسى: {رب اشرح لي صدري} وسعه للحق، قال ~~ابن عباس: يريد حتى لا أخاف غيرك، وذلك أن موسى كان يخاف فرعون خوفا شديدا ~~لشدة شوكته وكثرة جنوده، وكان يضيق صدرا بما كلف من مقاومة فرعون وحده، ~~فسأل الله أن يوسع قلبه للحق حتى يعلم أن أحدا لا يقدر على مضرته إلا بإذن ~~الله، وإذا علم ذلك لم يخف فرعون وشدة شوكته وكثرة جنوده. PageV05P270 ### || # {ويسر لي أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي (28) واجعل لي ~~وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) وأشركه في أمري (32) ~~} # {ويسر لي أمري} أي: سهل علي ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون. ~~{واحلل عقدة من لساني} وذلك أن موسى كان في حجر فرعون ذات يوم في صغره، ~~فلطم فرعون لطمة وأخذ بلحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: إن هذا عدوي وأراد ~~أن يقتله، فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل ولا يميز. وفي رواية أن أم موسى لما ~~فطمته ردته، فنشأ موسى في حجر فرعون وامرأته آسية يربيانه، واتخذاه ولدا، ~~فبينما هو يلعب يوما بين يدي فرعون وبيده قضيب يلعب به إذ رفع القضيب فضرب ~~به رأس فرعون، فغضب فرعون وتطير بضربه، حتى هم بقتله، فقالت آسية: أيها ~~الملك إنه صغير لا يعقل فجربه إن شئت، وجاءت بطشتين: في أحدهما الجمر، وفي ~~الآخر الجواهر، فوضعتهما بين يدي موسى فأراد أن يأخذ الجواهر، فأخذ جبريل ~~بيد موسى فوضعها على النار فأخذ جمرة فوضعها في فمه فاحترق لسانه وصارت ~~عليه عقدة (1) . {يفقهوا قولي} يقول: احلل العقدة كي يفقهوا كلامي. {واجعل ~~لي وزيرا} معينا وظهيرا، {من أهلي} والوزير من يوازرك ويعينك ويتحمل عنك ~~بعض ثقل عملك، ثم بين من هو فقال: {هارون أخي} وكان هارون أكبر من موسى ~~بأربع سنين، ms1614 وكان أفصح منه لسانا وأجمل وأوسم، وأبيض اللون، وكان موسى آدم ~~أقنى جعدا. {اشدد به أزري} قو به ظهري. {وأشركه في أمري} أي: في النبوة ~~وتبليغ الرسالة، وقرأ ابن عامر "أشدد" بفتح الألف "وأشركه " بضمها على ~~الجواب، حكاية عن موسى، أي: أفعل ذلك، وقرأ الآخرون على الدعاء. ~~PageV05P271 # والمسألة، عطفا على ما تقدم من قوله: {قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري} ### || # {كي نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا بصيرا (35) قال قد ~~أوتيت سؤلك يا موسى (36) ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) } # {إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم ~~فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على ~~عيني (39) } # {كي نسبحك كثيرا} قال الكلبي: نصلي لك كثيرا. {ونذكرك كثيرا} نحمدك ونثني ~~عليك بما أوليتنا من نعمك. {إنك كنت بنا بصيرا} خبيرا عليما. {قال} الله ~~تعالى: {قد أوتيت} أعطيت، {سؤلك} جميع ما سألته، {يا موسى} {ولقد مننا ~~عليك} أنعمنا عليك، {مرة أخرى} يعني قبل هذه المرة وهي: {إذ أوحينا إلى ~~أمك} وحي إلهام، {ما يوحى} ما يلهم. ثم فسر ذلك الإلهام وعدد نعمه عليه: ~~{أن اقذفيه في التابوت} أي: ألهمناها أن اجعليه في التابوت، {فاقذفيه في ~~اليم} يعني نهر النيل، {فليلقه اليم بالساحل} يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ~~ومعناه خبر، مجازه: حتى يلقيه اليم بالساحل: {يأخذه عدو لي وعدو له} يعني ~~فرعون. فاتخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا ووضعت فيه موسى، وقيرت رأسه ~~وخصاصه -يعني شقوقه -ثم ألقته في النيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار ~~فرعون، فبينما فرعون جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذ بتابوت يجيء به ~~الماء، فأمر الغلمان والجواري بإخراجه، فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي من ~~أصبح الناس وجها، فلما رآه فرعون أحبه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله تعالى: # {وألقيت عليك محبة مني} قال ابن عباس: أحبه وحببه إلى خلقه: قال عكرمة: ~~ما رآه أحد إلا أحبه. قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ms1615 ما رآه أحد إلا ~~عشقه. # {ولتصنع على عيني} يعني لتربى بمرأى ومنظر مني، قرأ أبو جعفر "ولتصنع ". # PageV05P272 # بالجزم ### || # {إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ~~ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ~~ثم جئت على قدر يا موسى (40) } # {إذ تمشي أختك} واسمها مريم، متعرفة خبره، {فتقول هل أدلكم على من يكفله} ~~؟ أي على امرأة ترضعه وتضمه إليها؛ وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلما ~~قالت ذلك لهم أخته قالوا: نعم، فجاءت بالأم فقبل ثديها، فذلك قوله تعالى: # {فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها} بلقائك، {ولا تحزن} أي: لأن يذهب عنها ~~الحزن. # {وقتلت نفسا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان قتل قبطيا كافرا. قال كعب ~~الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة، {فنجيناك من الغم} أي من غم القتل ~~وكربه، {وفتناك فتونا} قال ابن عباس رضي الله عنه: اختبرناك اختبارا. وقال ~~الضحاك ومقاتل: ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا. # وعن ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: أن الفتون وقوعه في محنة بعد محنة ~~خلصه الله منها، أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح الأطفال، ~~ثم إلقاؤه في البحر في التابوت، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم أخذه ~~بلحية فرعون حتى هم بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم قتله القبطي، ~~وخروجه إلى مدين خائفا. فكان ابن عباس يقص القصة على سعيد بن جبير، فعلى ~~هذا معنى: {وفتناك} خلصناك من تلك المحن، كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من ~~كل خبث فيه (1) "والفتون": مصدر. # {فلبثت} فمكثت، أي: فخرجت من مصر فلبثت، {سنين في أهل مدين} يعني ترعى ~~الأغنام عشر سنين، ومدين بلدة شعيب عليه السلام على ثمان مراحل من مصر، هرب ~~إليها موسى. وقال وهب: لبث عند شعيب عليه السلام ثمانيا وعشرين سنة، عشر ~~سنين منها مهر ابنته "صفيرا" بنت شعيب، وثمان عشرة سنة أقام عنده حتى ولد ~~له. ms1616 # {ثم جئت على قدر يا موسى} قال مقاتل: على موعد ولم يكن هذا الموعد مع ~~موسى وإنما PageV05P273 # كان موعدا في تقدير الله، قال محمد بن كعب: جئت على القدر الذي قدرت أنك ~~تجيء. # وقال عبد الرحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فيه ~~إلى الأنبياء، وهذا معنى قول أكثر المفسرين، أي على الموعد الذي وعده الله ~~وقدره أنه يوحى إليه بالرسالة، وهو أربعون سنة. ### || # {واصطنعتك لنفسي (41) اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42) اذهبا ~~إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44) } # قوله عز وجل: {واصطنعتك لنفسي} أي اخترتك واصطفيتك لوحيي ورسالتي، يعني ~~لتنصرف على إرادتي 12/أومحبتي، وذلك أن قيامه بأداء الرسالة [تصرف على] (1) ~~إرادة الله ومحبته. # قال الزجاج: اخترتك لأمري وجعلتك القائم بحجتي والمخاطب بيني وبين خلقي، ~~كأني الذي أقمت (2) بك عليهم الحجة وخاطبتهم. {اذهب أنت وأخوك بآياتي} ~~بدلائلي، وقال ابن عباس: يعني الآيات التسع التي بعث بها موسى {ولا تنيا} ~~لا تضعفا، وقال السدي: لا تفترا. وقال محمد بن كعب: لا تقصرا {في ذكري} ~~{اذهبا إلى فرعون إنه طغى} قرأ أبو عمرو، وأهل الحجاز: "لنفسي اذهب"، ~~"وذكري اذهبا"، و"إن قومي اتخذوا" (الفرقان -30) ، "من بعدي اسمه" (الصف ~~-6) بفتح الياء فيهن، ووافقهم أبو بكر: "من بعدي اسمه"، وقرأ الباقون ~~بإسكانها. {فقولا له قولا لينا} يقول: دارياه وارفقا معه، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: لا تعنفا في قولكما. # وقال السدي وعكرمة: كنياه فقولا يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. # وقال مقاتل: يعني القول اللين: "هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى" ~~(النازعات -18،19) . # وقيل: أمر باللطافة في القول لما له من حق التربية. PageV05P274 # وقال السدي: القول اللين: أن موسى أتاه ووعده على قبول الإيمان شبابا لا ~~يهرم، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم والمشرب ~~والمنكح إلى حين موته، وإذا مات دخل الجنة، فأعجبه ذلك وكان لا يقطع أمرا ~~دون هامان، وكان غائبا فلما قدم ms1617 أخبره بالذي دعاه إليه موسى، وقال أردت أن ~~أقبل منه، فقال له هامان: كنت أرى أن لك عقلا ورأيا، أنت رب، تريد أن تكون ~~مربوبا؟ وأنت تعبد تريد أن تعبد؟ فقلبه عن رأيه (1) . # وكان هارون يومئذ بمصر، فأمر الله موسى أن يأتي هارون وأوحى إلى هارون ~~وهو بمصر أن يتلقى موسى، فتلقاه إلى مرحلة، وأخبره بما أوحي إليه (2) . # {لعله يتذكر أو يخشى} أي: يتعظ ويخاف فيسلم. # فإن قيل: كيف قال: {لعله يتذكر} وقد سبق علمه أنه لا يتذكر ولا يسلم؟. # قيل: معناه اذهبا على رجاء منكما وطمع، وقضاء الله وراء أمركما. # وقال الحسين بن الفضل: هو ينصرف إلى غير فرعون، مجازه: لعله يتذكر متذكر، ~~ويخشى خاش إذا رأى بري وألطافي بمن خلقته وأنعمت عليه ثم ادعى الربوبية. # وقال أبو بكر محمد بن عمر الوراق: "لعل " من الله واجب (3) ولقد تذكر ~~فرعون وخشي حين لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك حين ألجمه الغرق، قال: آمنت ~~أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين. # وقرأ رجل عند يحيى بن معاذ هذه الآية: {فقولا له قولا لينا} فبكى يحيى، ~~وقال: إلهي هذا رفقك (4) بمن يقول أنا الإله، فكيف رفقك (5) بمن يقول أنت ~~الإله؟! (6) . PageV05P275 ### || # {قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) } # {قالا} يعني موسى وهارون: {ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا} قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: يعجل علينا بالقتل والعقوبة، يقال: فرط عليه فلان إذا عجل ~~بمكروه، وفرط منه أمر أي بدر وسبق، {أو أن يطغى} أي يجاوز الحد في الإساءة ~~إلينا. ### || # {قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46) فأتياه فقولا إنا رسولا ربك ~~فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من ~~اتبع الهدى (47) إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48) قال ~~فمن ربكما يا موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50) } # {قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} قال ابن عباس: أسمع دعاءكما فأجيبه، ms1618 ~~وأرى ما يراد بكما فأمنعه، لست بغافل عنكما، فلا تهتما. {فأتياه فقولا إنا ~~رسولا ربك} أرسلنا إليك، {فأرسل معنا بني إسرائيل} أي: خل عنهم وأطلقهم من ~~أعمالك، {ولا تعذبهم} لا تتعبهم في العمل. وكان فرعون يستعملهم في الأعمال ~~الشاقة، {قد جئناك بآية من ربك} قال فرعون: وما هي؟ فأخرج يده، لها شعاع ~~كشعاع الشمس، {والسلام على من اتبع الهدى} ليس المراد منه التحية، إنما ~~معناه سلم من عذاب الله من أسلم. {إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب ~~وتولى} إنما يعذب الله من كذب بما جئنا به وأعرض عنه. {قال فمن ربكما يا ~~موسى} من إلهكما الذي أرسلكما؟ . {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} ~~قال الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه، وهداه لما يصلحه. # وقال مجاهد: أعطى كل شيء صورته، لم يجعل خلق الإنسان كخلق البهائم، ولا ~~خلق البهائم كخلق الإنسان، ثم هداه إلى منافعه من المطعم والمشرب والمنكح. # وقال الضحاك: "أعطى كل شيء خلقه: يعني اليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان ~~للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع. # PageV05P276 # وقال سعيد بن جبير: {أعطى كل شيء خلقه} يعني زوج، للإنسان المرأة، ~~وللبعير الناقة، وللحمار الأتان، وللفرس الرمكة. {ثم هدى} أي: ألهمه كيف ~~يأتي الذكر الأنثى (1) . ### || # {قال فما بال القرون الأولى (51) } PageV05P277 # {قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (52) الذي جعل لكم الأرض ~~مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات ~~شتى (53) } # {قال} فرعون: {فما بال القرون الأولى} ومعنى "البال": الحال، أي: ما حال ~~القرون الماضية والأمم الخالية، مثل قوم نوح وعاد وثمود فيما تدعونني إليه ~~(1) فإنها كانت تعبد الأوثان وتنكر البعث؟ . {قال} موسى: {علمها عند ربي} ~~أي: أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها. # وقيل: إنما رد موسى علم ذلك إلى الله لأنه لم يعلم ذلك، فإن التوراة ~~أنزلت بعد هلاك فرعون وقومه. # {في كتاب} يعني: في اللوح المحفوظ، {لا يضل ربي} أي: لا +يخطئ. وقيل: لا ~~يضل (2) عنه شيء ms1619 ولا يغيب عن شيء، {ولا ينسى} [أي: لا يخطيء] (3) ما كان من ~~أمرهم حتى يجازيهم بأعمالهم. وقيل: لا ينسى أي: لا يترك، فينتقم من الكافر ~~ويجازي المؤمن. {الذي جعل لكم الأرض مهدا} قرأ أهل الكوفة: {مهدا} ها هنا، ~~وفي الزخرف، فيكون مصدرا، أي: فرشا، وقرأ الآخرون: "مهادا "، كقوله تعالى: ~~"ألم نجعل الأرض مهادا" (النبإ: 16) ، أي: فراشا وهو اسم لما يفرش، ~~كالبساط: اسم لما يبسط. PageV05P277 # {وسلك لكم فيها سبلا} [السلك: إدخال الشيء في الشيء، والمعنى: أدخل في ~~الأرض لأجلكم طرقا تسلكونها] (1) قال ابن عباس: سهل لكم فيها طرقا ~~تسلكونها. # {وأنزل من السماء ماء} يعني: المطر. # تم الإخبار عن موسى، ثم أخبر الله عن نفسه بقوله: {فأخرجنا به} بذلك ~~الماء {أزواجا} أصنافا، {من نبات شتى} مختلف الألوان والطعوم والمنافع من ~~بين أبيض وأحمر وأخضر وأصفر، فكل صنف منها زوج، فمنها للناس ومنها للدواب. ### || # {كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (54) منها خلقناكم ~~وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) } # {كلوا وارعوا} [أي وارتعوا] (2) {أنعامكم} تقول العرب: رعيت الغنم فرعت، ~~أي: أسيموا أنعامكم ترعى. # {إن في ذلك} الذي ذكرت، {لآيات لأولي النهى} لذوي العقول، واحدتها: "نهية ~~سميت نهية لأنها تنهى صاحبها عن القبائح والمعاصي. # قال الضحاك: {لأولي النهى} الذين ينتهون عما حرم عليهم. # قال قتادة: لذوي الورع. {منها} أي من الأرض، {خلقناكم} يعني أباكم آدم. # وقال 12/ب عطاء الخراساني (3) إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي ~~يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق الله من التراب ومن النطفة (4) فذلك قوله ~~تعالى: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم} أي: PageV05P278 # عند الموت والدفن، {ومنها نخرجكم تارة أخرى} يوم البعث. ### || # {ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا ~~بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه ~~نحن ولا أنت مكانا سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) ~~} # قوله عز وجل: {ولقد أريناه} يعني فرعون، {آياتنا كلها} يعني: الآيات ~~التسع التي أعطاها الله موسى، {فكذب} بها وزعم أنها سحر، ms1620 {وأبى} أن يسلم. ~~{قال} يعني فرعون {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا} يعني: مصر، {بسحرك يا موسى} ~~أي: تريد أن تغلب على ديارنا فيكون لك الملك وتخرجنا منها. {فلنأتينك بسحر ~~مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا} أي: فاضرب بيننا أجلا وميقاتا، {لا نخلفه} ~~[قرأ أبو جعفر "لا نخلفه" بجزم، لا نجاوزه] (1) {نحن ولا أنت مكانا سوى} ~~قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب: "سوى " بضم السين، وقرأ الآخرون بكسرها، ~~وهما لغتان مثل: عدى وعدى وطوى وطوى. # قال مقاتل وقتادة: مكانا عدلا بيننا وبينك. # وعن ابن عباس: نصفا، ومعناه: تستوي مسافة الفريقين إليه. # قال مجاهد: منصفا. وقال الكلبي: يعني سوى هذا المكان. {قال موعدكم يوم ~~الزينة} قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل، والسدي: كان يوم عيد لهم، يتزينون فيه، ~~ويجتمعون في كل سنة. وقيل: هو يوم النيروز. # وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: يوم عاشوراء (2) . # {وأن يحشر الناس ضحى} أي: وقت الضحوة نهارا جهارا، ليكون أبعد من الريبة. ~~PageV05P279 ### || # {فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على ~~الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (61) فتنازعوا أمرهم بينهم ~~وأسروا النجوى (62) قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ~~بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) } # {فتولى فرعون فجمع كيده} مكره وحيلته وسحرته، {ثم أتى} الميعاد. {قال لهم ~~موسى} يعني: للسحرة الذين جمعهم فرعون، وكانوا اثنين وسبعين ساحرا، مع كل ~~واحد حبل وعصا. # وقيل: كانوا أربعمائة. وقال كعب: كانوا اثني عشر ألفا. وقيل أكثر من ذلك. # {ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب} قرأ حمزة والكسائي وحفص: ~~{فيسحتكم} بضم الياء وكسر الحاء، وقرأ الباقون بفتح الياء والحاء وهما ~~لغتان (1) . قال مقاتل والكلبي: فيهلككم. وقال قتادة: فيستأصلكم، {وقد خاب ~~من افترى} {فتنازعوا أمرهم بينهم} أي: تناظروا وتشاوروا، يعني السحرة في ~~أمر موسى سرا من فرعون. # قال الكلبي: قالوا سرا: إن غلبنا موسى اتبعناه. # وقال محمد بن إسحاق: لما قال لهم موسى: لا تفتروا على الله كذبا، قال ~~بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر. # {وأسروا النجوى} أي ms1621 المناجاة، يكون مصدرا واسما، ثم {قالوا} وأسر بعضهم ~~إلى بعض يتناجون: {إن هذان لساحران} يعني موسى وهارون. # قرأ ابن كثير وحفص: {إن} بتخفيف النون، {هذان} أي ما هذان إلا ساحران، ~~كقوله: "إن نظنك لمن الكاذبين" (الشعراء: 186) ، أي ما نظنك إلا من ~~الكاذبين، ويشدد ابن كثير النون من "هذان". # وقرأ أبو عمرو "إن " بتشديد النون " هذين " بالياء على الأصل. # وقرأ الآخرون: "إن " بتشديد النون، " هذان " بالألف، واختلفوا فيه: ~~PageV05P280 # فروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنه خطأ من الكاتب (1) . # وقال قوم: هذه لغة الحارث بن كعب، وخثعم، وكنانة، فإنهم يجعلون الاثنين ~~في الرفع والنصب والخفض بالألف، يقولون: أتاني الزيدان [ورأيت الزيدان] (2) ~~ومررت بالزيدان، [فلا يتركون] (3) ألف التثنية في شيء منها (4) وكذلك ~~يجعلون كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفا، كما في التثنية، يقولون: كسرت ~~يداه وركبت علاه، يعني يديه وعليه. وقال شاعرهم (5) # تزود مني بين أذناه ضربة %~% دعته إلى هابي التراب عقيم # يريد بين أذنيه. # وقال آخر (6) # إن أباها وأبا أباها %~% قد بلغا في المجد غايتاها ~~PageV05P281 # وقيل: تقدير الآية: إنه هذان، فحذف الهاء (1) . # وذهب جماعة إلى أن حرف "إن" هاهنا، بمعنى نعم، أي نعم هذان (2) روي أن ~~أعرابيا سأل ابن الزبير شيئا فحرمه، فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ~~ابن الزبير: إن وصاحبها، أي نعم. # وقال الشاعر (3) # بكرت علي عواذلي %~% يلحينني وألومهنه # ويقلن شيب قد علا %~% ك وقد كبرت فقلت إنه # أي: نعم. # {يريدان أن يخرجاكم من أرضكم} مصر (4) {بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى} ~~قال ابن عباس: يعني بسراة قومكم وأشرافكم، يقال: هؤلاء طريقة قومهم أي ~~أشرافهم (5) و {المثلى} تأنيث "الأمثل"، وهو الأفضل، حديث الشعبي عن علي، ~~قال: يصرفان وجوه الناس إليهما (6) . # قال قتادة: طريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددا ~~وأموالا فقال عدو الله: يريدان أن يذهبا بهم لأنفسهم (7) . # وقيل: {بطريقتكم المثلى} أي بسنتكم ودينكم الذي أنتم عليه (8) و {المثلى} ~~نعت الطريقة، تقول العرب: فلان على الطريقة المثلى، يعني: على الهدى ~~المستقيم. PageV05P282 ### || # {فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا ms1622 وقد أفلح اليوم من استعلى (64) } # {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا ~~فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) فأوجس في نفسه خيفة ~~موسى (67) } # {فأجمعوا كيدكم} قرأ أبو عمرو: " فاجمعوا " بوصل الألف وفتح الميم، من ~~الجمع، أي لا تدعوا شيئا من كيدكم إلا جئتم به، بدليل قوله: "فجمع كيده"، ~~وقرأ الآخرون بقطع الألف وكسر الميم. فقد قيل: معناه الجمع أيضا، تقول ~~العرب: أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد. # والصحيح أن معناه العزم والإحكام، أي: اعزموا كلكم على كيده مجتمعين له، ~~ولا تختلفوا فيختل أمركم. # {ثم ائتوا صفا} أي جميعا، قاله مقاتل والكلبي، وقال قوم: أي مصطفين ~~مجتمعين ليكون أشد لهيبتكم، وقال أبو عبيدة: الصف المجمع، ويسمى المصلى ~~صفا. معناه: ثم ائتوا المكان الموعود. # {وقد أفلح اليوم من استعلى} أي: فاز من غلب. {قالوا} يعني السحرة، {يا ~~موسى إما أن تلقي} عصاك، {وإما أن نكون أول من ألقى} عصاه. {قال} موسى: {بل ~~ألقوا} أنتم أولا {فإذا حبالهم} وفيه إضمار، أي فألقوا فإذا حبالهم ~~{وعصيهم} جمع العصا، {يخيل إليه} قرأ ابن عامر ويعقوب "تخيل" بالتاء ردا ~~إلى الحبال والعصي، وقرأ الآخرون بالياء ردوه إلى الكيد والسحر، {من سحرهم ~~أنها تسعى} # وفي القصة أنهم لما ألقوا الحبال والعصي أخذوا أعين الناس، فرأى موسى ~~والقوم كأن الأرض امتلأت حيات، وكانت قد أخذت ميلا من كل جانب ورأوا أنها ~~تسعى (1) . {فأوجس في نفسه خيفة موسى} أي وجد، وقيل: أضمر في نفسه خوفا، ~~واختلفوا في خوفه: قيل: خوف طبع البشرية، وذلك أنه ظن أنها تقصده. # وقال مقاتل: خاف على القوم أن يلتبس عليهم الأمر فيشكوا في أمره فلا ~~يتبعوه. PageV05P283 ### || # {قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما ~~صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا ~~برب هارون وموسى (70) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم ~~السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم ms1623 في جذوع النخل ولتعلمن ~~أينا أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي ~~فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) } # {قلنا} لموسى: {لا تخف إنك أنت الأعلى} أي: الغالب، يعني: لك الغلبة ~~والظفر. {وألق ما في يمينك} يعني العصا، {تلقف} تلتقم وتبتلع، {ما صنعوا} ~~قرأ ابن عامر "تلقف" برفع الفاء هاهنا، وقرأ الآخرون بالجزم على جواب ~~الأمر، {إنما صنعوا} إن الذي صنعوا، {كيد ساحر} أي حيلة سحر، هكذا قرأ حمزة ~~والكسائي: بكسر السين بلا ألف (1) ، وقرأ الآخرون: "ساحر" لأن إضافة الكيد ~~13/أإلى الفاعل أولى من إضافته إلى الفعل، وإن كان ذلك لا يمتنع في ~~العربية، {ولا يفلح الساحر حيث أتى} من الأرض، قال ابن عباس: لا يسعد حيث ~~كان. وقيل: معناه حيث احتال. {فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون ~~وموسى قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم} لرئيسكم ومعلمكم، {الذي ~~علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل} أي: ~~على جذوع النخل (2) {ولتعلمن أينا أشد عذابا} ؛ أنا على إيمانكم به، أو رب ~~موسى على ترك الإيمان به؟ {وأبقى} أي: أدوم. {قالوا} يعني السحرة: {لن ~~نؤثرك} لن نختارك، {على ما جاءنا من البينات} PageV05P284 # يعني الدلالات، قال مقاتل: يعني اليد البيضاء (1) والعصا. # وقيل: كان استدلالهم أنهم قالوا لو كان هذا سحرا فأين حبالنا وعصينا. # وقيل: {من البينات} يعني من التبيين والعلم. # حكي عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: إنهم لما ألقوا سجدا ما رفعوا رءوسهم ~~حتى رأوا الجنة والنار، ورأوا ثواب أهلها، ورأوا منازلهم في الجنة، فعند ~~ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، {والذي فطرنا} أي: لن نؤثرك ~~على الله الذي فطرنا، وقيل: هو قسم، {فاقض ما أنت قاض} أي: فاصنع ما أنت ~~صانع، {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} أي: أمرك وسلطانك في الدنيا وسيزول عن ~~قريب. ### || # {إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير ~~وأبقى (73) } # {إنا آمنا بربنا ليغفر ms1624 لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر} فإن قيل: ~~كيف قالوا هذا، وقد جاءوا مختارين يحلفون بعزة فرعون أن لهم الغلبة؟. # قيل: روي عن الحسن أنه قال: كان فرعون يكره قوما على تعلم السحر لكيلا ~~يذهب أصله، وقد كان أكرههم في الابتداء. # وقال مقاتل: كانت السحرة اثنين وسبعين، اثنان من القبط وسبعون من بني ~~إسرائيل، كان فرعون أكره الذين هم من بني إسرائيل على تعلم السحر، فذلك ~~قولهم: {وما أكرهتنا عليه من السحر} # وقال عبد العزيز بن أبان: قالت السحرة لفرعون: أرنا موسى إذا نام، فأراهم ~~موسى نائما وعصاه تحرسه، فقالوا لفرعون إن هذا ليس بساحر، إن الساحر إذا ~~نام بطل سحره، فأبى عليهم إلا أن يتعلموا، فذلك قوله تعالى: {وما أكرهتنا ~~عليه من السحر} # {والله خير وأبقى} قال محمد بن إسحاق: خير منك ثوابا، وأبقى عقابا. # وقال محمد بن كعب: خير منك ثوابا (2) إن أطيع، وأبقى منك عذابا إن عصي، ~~وهذا جواب لقوله: "ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى". PageV05P285 ### || # {إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا (74) ومن يأته ~~مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا (75) جنات عدن تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76) } # {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا ~~تخاف دركا ولا تخشى (77) } # {إنه من يأت ربه مجرما} قيل: هذا ابتداء كلام من الله تعالى. وقيل: من ~~تمام قول السحرة {مجرما} أي: مشركا، يعني: مات على الشرك، {فإن له جهنم لا ~~يموت فيها} فيستريح، {ولا يحيا} حياة ينتفع بها. {ومن يأته} قرأ أبو عمرو ~~ساكنة الهاء ويختلسها أبو +جعفر، وقالون ويعقوب، وقرأ الآخرون بالإشباع، ~~{مؤمنا} مات على الإيمان، {قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا} ~~الرفيعة، و {العلا} جمع، و"العليا" تأنيث الأعلى. {جنات عدن تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى} أي: تطهر من الذنوب. وقال الكلبي: ~~أعطى زكاة نفسه وقال لا إله إلا الله. # أخبرنا أحمد بن ms1625 عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد ~~السمسار، أخبرنا أبو أحمد حمزة بن محمد بن عباس الدهقان، أخبرنا أحمد بن ~~عبد الجبار العطاردي، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد ~~الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أهل الدرجات العلى ~~ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في أفق من آفاق السماء، وإن أبا بكر ~~وعمر منهم وأنعما" (1) قوله عز وجل: {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي} ~~أي: سر بهم ليلا من أرض مصر، {فاضرب لهم طريقا في البحر} أي اجعل لهم طريقا ~~في البحر بالضرب بالعصا، {يبسا} يابسا ليس فيه ماء ولا طين، وذلك أن الله ~~أيبس لهم الطريق في البحر، {لا تخاف دركا} قرأ حمزة PageV05P286 # "لا تخف" بالجزم على النهي، والباقون بالألف والرفع على النفي، لقوله ~~تعالى: {ولا تخشى} قيل: لا تخاف أن يدركك فرعون من ورائك ولا تخشى أن يغرقك ~~البحر أمامك. ### || # {فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (78) وأضل فرعون قومه وما ~~هدى (79) يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ~~ونزلنا عليكم المن والسلوى (80) كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه ~~فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81) } # {فأتبعهم} فلحقهم، {فرعون بجنوده} وقيل: معناه أمر فرعون جنوده أن يتبعوا ~~موسى وقومه، والباء فيه زائدة وكان هو فيهم، {فغشيهم} أصابهم، {من اليم ما ~~غشيهم} وهو الغرق. [وقيل: غشيهم علاهم وسترهم بعض ماء اليم لا كله] (1) . # وقيل: غشيهم من اليم ما غشيهم قوم موسى فغرقهم هم، ونجا موسى وقومه. ~~{وأضل فرعون قومه وما هدى} أي: ما أرشدهم، وهذا تكذيب لفرعون في قوله: "وما ~~أهديكم إلا سبيل الرشاد" (غافر: 29) . . قوله عز وجل: {يا بني إسرائيل قد ~~أنجيناكم من عدوكم} فرعون، {وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن ~~والسلوى} {كلوا من طيبات ما رزقناكم} قرأ حمزة والكسائي: "أنجيتكم"، ~~و"واعدتكم"، و"رزقتكم" بالتاء على التوحيد، وقرأ الآخرون بالنون والألف على ~~التعظيم، ولم يختلفوا في ms1626 {ونزلنا} لأنه مكتوب بالألف. # {ولا تطغوا فيه} قال ابن عباس: لا تظلموا (2) . قال الكلبي: لا تكفروا ~~النعمة فتكونوا طاغين. # وقيل: لا تنفقوا في معصيتي. PageV05P287 # وقيل: لا تدخروا، ثم ادخروا فتدود، {فيحل} قرأ الأعمش، والكسائي: "فيحل" ~~بضم الحاء "ومن يحلل" بضم اللام، أي: ينزل، وقرأ الآخرون بكسرها أي: يجب، ~~{عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى} هلك وتردى في النار. ### || # {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) وما أعجلك عن قومك يا ~~موسى (83) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (84) قال فإنا قد ~~فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) } # {وإني لغفار لمن تاب} قال ابن عباس: تاب من الشرك، {وآمن} ووحد الله ~~وصدقه، {وعمل صالحا} أدى الفرائض، {ثم اهتدى} قال عطاء عن ابن عباس: علم أن ~~ذلك توفيق من الله. # وقال قتادة وسفيان الثوري: يعني لزم الإسلام حتى مات عليه. # قال الشعبي، ومقاتل، والكلبي: علم أن لذلك ثوابا. # وقال زيد بن أسلم: تعلم العلم ليهتدي به كيف يعمل. # قال الضحاك: استقام. وقال سعيد بن جبير: أقام على السنة والجماعة (1) . ~~{وما أعجلك} أي: وما حملك على العجلة، {عن قومك} وذلك أن موسى اختار من ~~قومه سبعين رجلا حتى يذهبوا معه إلى الطور، ليأخذوا التوراة، فسار بهم ثم ~~عجل موسى من بينهم شوقا إلى ربه عز وجل، وخلف السبعين، وأمرهم أن يتبعوه ~~إلى الجبل، فقال الله تعالى له: {وما أعجلك عن قومك يا موسى} {قال} مجيبا ~~لربه تعالى: {هم أولاء على أثري} أي: هم بالقرب مني يأتون من بعدي، {وعجلت ~~إليك رب لترضى} لتزداد رضا. {قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك} أي: ابتلينا ~~الذين خلفتهم مع هارون، وكانوا ستمائة ألف، فافتتنوا بالعجل غير اثني عشر ~~ألفا {من بعدك} أي: من بعد انطلاقك إلى الجبل. PageV05P288 # {وأضلهم السامري} أي: دعاهم وصرفهم إلى 13/ب عبادة العجل وأضافه إلى ~~السامري لأنهم ضلوا بسببه. ### || # {فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ~~أفطال عليكم العهد أم ms1627 أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) ~~قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها ~~فكذلك ألقى السامري (87) } # {فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا} حزينا. {قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا ~~حسنا} صدقا أنه يعطيكم التوراة، {أفطال عليكم العهد} مدة مفارقتي إياكم، ~~{أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم} ن أي: أردتم أن تفعلوا فعلا يجب عليكم ~~به الغضب من ربكم، {فأخلفتم موعدي} {قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا} قرأ ~~نافع، وأبو جعفر، وعاصم: "بملكنا " بفتح الميم، وقرأ حمزة والكسائي بضمها، ~~وقرأ الآخرون بكسرها، أي: ونحن نملك أمرنا. وقيل: باختيارنا، ومن قرأ بالضم ~~فمعناه بقدرتنا وسلطاننا، وذلك أن المرء إذا وقع في البلية والفتنة لم يملك ~~نفسه. # {ولكنا حملنا} قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، ويعقوب: "حملنا" ~~بفتح الحاء، وتخفيف الميم. وقرأ الآخرون بضم الحاء وتشديد الميم، أي: ~~جعلونا نحملها وكلفنا حملها، {أوزارا من زينة القوم} من حلي قوم فرعون، ~~سماها أوزارا لأنهم أخذوها على وجه العارية فلم يردوها. وذلك أن بني ~~إسرائيل كانوا قد استعاروا حليا من القبط، وكان ذلك معهم حين خرجوا من مصر. # وقيل: إن الله تعالى لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذوها، وكانت ~~غنيمة، ولم تكن الغنيمة حلالا لهم في ذلك الزمان، فسماها أوزارا لذلك. # {فقذفناها} قيل: إن السامري قال لهم احفروا حفيرة فألقوها فيها حتى يرجع ~~موسى. # قال السدي (1) قال لهم هارون إن تلك غنيمة لا تحل، فاحفروا حفيرة فألقوها ~~فيها حتى يرجع PageV05P289 # موسى، فيرى رأيه فيها، ففعلوا (1) . قوله: {فقذفناها} أي: طرحناها في ~~الحفرة. {فكذلك ألقى السامري} ما معه من الحلي فيها، وقال سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: أوقد هارون نارا وقال: اقذفوا فيها ما معكم، ~~فألقوه فيها، ثم ألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل (2) . # قال قتادة: كان قد أخذ قبضة من ذلك التراب في عمامته. PageV05P290 ### || # {فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي ms1628 (88) أفلا ~~يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) ولقد قال لهم ~~هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري ~~(90) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى (91) } # {فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي} أي: تركه ~~موسى هاهنا، وذهب يطلبه. وقيل: أخطأ الطريق وضل (1) . قال الله تعالى: ~~{أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا} أي: لا يرون أن العجل لا يكلمهم ولايجيبهم ~~إذا دعوه، {ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} وقيل: إن هارون مر على السامري وهو ~~يصوغ العجل فقال له: ما هذا؟ قال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي، فقال ~~هارون: اللهم أعطه ما سألك على ما في نفسه، فألقى التراب في فم العجل وقال ~~كن عجلا يخور فكان كذلك بدعوة هارون (2) . # والحقيقة أن ذلك كان فتنة ابتلى الله بها بني إسرائيل. {ولقد قال لهم ~~هارون من قبل} من قبل رجوع موسى، {يا قوم إنما فتنتم به} ابتليتم بالعجل، ~~{وإن ربكم الرحمن فاتبعوني} على ديني في عبادة الله، {وأطيعوا أمري} في ترك ~~عبادة العجل. {قالوا لن نبرح} أي لن نزال، {عليه} على عبادته، {عاكفين} ~~مقيمين، {حتى يرجع إلينا موسى} فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا من الذين ~~لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى PageV05P290 # وسمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل، قال للسبعين الذين معه: ~~هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله. ### || # {قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعني أفعصيت أمري (93) ~~قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرائيل ولم ترقب قولي (94) قال فما خطبك يا سامري (95) قال بصرت بما لم ~~يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي (96) } # {قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا} أشركوا. {ألا تتبعني} أي: أن ~~تتبعني و" لا " صلة أي تتبع أمري ووصيتي، يعني: هلا قاتلتهم ms1629 وقد علمت أني ~~لو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم. # وقيل: "أن لا تتبعني" أي: ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم، فتكون ~~مفارقتك إياهم زجرا لهم عما أتوه، {أفعصيت أمري} أي خالفت أمري. {قال يا ~~ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} أي بشعر رأسي وكان قد أخذ ذوائبه، {إني ~~خشيت} لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضا، {أن تقول فرقت بين بني ~~إسرائيل} أي خشيت إن فارقتهم واتبعتك صاروا أحزابا يتقاتلون، فتقول أنت ~~فرقت بين بني إسرائيل (1) {ولم ترقب قولي} ولم تحفظ وصيتي حين قلت لك ~~اخلفني في قومي، وأصلح أي ارفق بهم (2) ثم أقبل موسى على السامري {قال فما ~~خطبك} ما أمرك وشأنك؟ وما الذي حملك على ما صنعت؟ {يا سامري} {قال بصرت بما ~~لم يبصروا به} رأيت ما لم يروا وعرفت ما لم يعرفوا. PageV05P291 # قرأ حمزة والكسائي: " ما لم تبصروا " بالتاء على الخطاب، وقرأ الآخرون ~~بالياء على الخبر. # {فقبضت قبضة من أثر الرسول} أي من تراب أثر فرس جبريل، {فنبذتها} أي ~~ألقيتها في فم العجل. # وقال بعضهم: إنما خار لهذا لأن التراب كان مأخوذا من تحت حافر فرس جبريل. # فإن قيل: كيف عرفه ورأى جبريل من بين سائر الناس؟ . # قيل: لأن أمه لما ولدته في السنة التي يقتل فيها البنون وضعته في الكهف ~~حذرا عليه، فبعث الله جبريل ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة (1) . # {وكذلك سولت} أي زينت (2) {لي نفسي} ### || # {قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه ~~وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) ~~} # {قال فاذهب فإن لك في الحياة} أي: ما دمت حيا، {أن تقول لا مساس} أي: لا ~~تخالط أحدا، ولا يخالطك أحد، وأمر موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه، ولا ~~يقربوه. # قال ابن عباس: لا مساس لك ولولدك، و"المساس" من المماسة، معناه: لا يمس ~~بعضنا بعضا، فصار السامري يهيم في البرية مع الوحوش والسباع، لا يمس أحدا ~~ولا ms1630 يمسه أحد، عاقبه الله بذلك، وكان إذا لقي أحدا يقول: "لا مساس"، أي: لا ~~تقربني ولا تمسني. # وقيل: كان إذا مس أحدا أو مسه أحد حما جميعا حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ~~ذلك، وإذا مس أحد من غيرهم أحدا منهم حما جميعا في الوقت (3) . # {وإن لك} يا سامري، {موعدا} لعذابك، {لن تخلفه} قرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~ويعقوب: {لن تخلفه} بكسر اللام أي لن تغيب عنه، ولا مذهب لك عنه، بل توافيه ~~يوم القيامة، وقرأ الآخرون بفتح اللام أي لن تكذبه ولن يخلفك الله، ومعناه: ~~أن الله تعالى يكافئك على فعلك PageV05P292 # ولا تفوته (1) . # {وانظر إلى إلهك} بزعمك، {الذي ظلت عليه عاكفا} أي ظلت ودمت عليه مقيما ~~تعبده، والعرب تقول: ظلت أفعل كذا بمعنى ظللت، ومست بمعنى مسست. # {لنحرقنه} بالنار، قرأ أبو جعفر بالتخفيف من الإحراق، {ثم لننسفنه} ~~لنذرينه، {في اليم} في البحر، {نسفا} روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه ~~دم، لأنه كان قد صار لحما ودما (2) ثم حرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، قرأ ~~ابن محيصن: "لنحرقنه" بفتح النون وضم الراء لنبردنه بالمبرد، ومنه قيل ~~للمبرد المحرق. وقال السدي: أخذ موسى العجل فذبحه ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه ~~في اليم. ### || # {إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (98) } PageV05P293 # {كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا (99) من أعرض ~~عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (100) خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة ~~حملا (101) } # {إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما} وسع علمه كل شيء. ~~{كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق} من الأمور، {وقد آتيناك من لدنا ذكرا} ~~يعني القرآن. {من أعرض عنه} أي: عن القرآن، فلم يؤمن به ولم يعمل بما فيه، ~~{فإنه يحمل يوم القيامة وزرا} حملا ثقيلا من الإثم. {خالدين فيه} مقيمين في ~~عذاب الوزر، {وساء لهم يوم القيامة حملا} 14/أأي بئس ما حملوا على أنفسهم ~~من الإثم كفرا بالقرآن. # PageV05P293 ### || # {يوم ينفخ ms1631 في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102) يتخافتون بينهم إن ~~لبثتم إلا عشرا (103) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم ~~إلا يوما (104) ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) } # {يوم ينفخ في الصور} قرأ أبو عمرو "ننفخ " بالنون وفتحها وضم الفاء ~~لقوله: "ونحشر "، وقرأ الآخرون بالياء وضمها وفتح الفاء على غير تسمية ~~الفاعل، {ونحشر المجرمين} المشركين، {يومئذ زرقا} والزرقة: هي الخضرة: في ~~سواد العين، فيحشرون زرق العيون سود الوجوه. وقيل: {زرقا} (1) أي عميا. ~~وقيل: عطاشا. {يتخافتون بينهم} أي يتشاورون بينهم ويتكلمون خفية، {إن ~~لبثتم} أي ما مكثتم في الدنيا، {إلا عشرا} أي عشر ليال. وقيل: في القبور. ~~وقيل: بين النفختين، وهو أربعون سنة؛ لأن العذاب يرفع عنهم بين النفختين. ~~استقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا (2) . قال الله تعالى: {نحن أعلم بما ~~يقولون} أي يتسارون (3) بينهم، {إذ يقول أمثلهم طريقة} أوفاهم عقلا وأعدلهم ~~قولا {إن لبثتم إلا يوما} قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال ~~يوم القيامة. وقيل: نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم. قوله عز وجل: ~~{ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا} قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فأنزل ~~الله هذه الآية (4) . # والنسف هو القلع، أي: يقلعها من أصلها ويجعلها هباء منثورا. ### || # {فيذرها قاعا صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) يومئذ يتبعون ~~الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108) يومئذ لا ~~تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (109) } # {فيذرها} أي: فيدع أماكن الجبال من الأرض، {قاعا صفصفا} أي: أرضا ملساء ~~مستوية لا نبات فيها، و"القاع": ما انبسط من الأرض، و"الصفصف": الأملس. ~~PageV05P294 # {لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} قال مجاهد: انخفاضا وارتفاعا. # وقال الحسن: "العوج": ما انخفض من الأرض، و"الأمت": ما نشز من الروابي، ~~أي: لا ترى واديا ولا رابية. # قال قتادة: لا ترى فيها صدعا ولا أكمة (1) . {يومئذ يتبعون الداعي} أي ~~صوت الداعي ms1632 الذي يدعوهم إلى موقف القيامة، وهو إسرافيل، وذلك أنه يضع الصور ~~في فيه، ويقول: أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة ~~هلموا إلى عرض الرحمن (2) . # {لا عوج له} أي: لدعائه، وهو من المقلوب، أي: لا عوج لهم عن دعاء الداعي، ~~لا يزيغون عنه يمينا وشمالا ولا يقدرون عليه بل يتبعونه سراعا. # {وخشعت الأصوات للرحمن} أي: سكنت وذلت وخضعت، ووصف الأصوات بالخشوع ~~والمراد أهلها، {فلا تسمع إلا همسا} يعني صوت وطء الأقدام إلى المحشر، ~~و"الهمس": الصوت الخفي كصوت أخفاف الإبل في المشي. وقال مجاهد: هو تخافت ~~الكلام وخفض الصوت. # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تحريك الشفاه من غير نطق (3) . ~~{يومئذ لا تنفع الشفاعة} يعني: لا تنفع الشفاعة أحدا من الناس، {إلا من أذن ~~له الرحمن} PageV05P295 # يعني إلا من أذن له أن يشفع، {ورضي له قولا} يعني: ورضي قوله، قال ابن ~~عباس، يعني: قال لا إله إلا الله (1) وهذا يدل على أنه لا يشفع غير المؤمن. ### || # {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) وعنت الوجوه ~~للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا ~~يخاف ظلما ولا هضما (112) } # {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي، ~~أي يعلم الله {ما بين أيديهم} ما قدموا {وما خلفهم} وما خلفوا من أمر ~~الدنيا. # وقيل: {ما بين أيديهم} من الآخرة {وما خلفهم} من الأعمال. # {ولا يحيطون به علما} قيل: الكناية ترجع إلى "ما" أي: هو يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم، وهم لا يعلمونه. وقيل: الكناية راجعة إلى الله لأن عباده ~~لا يحيطون به علما. {وعنت الوجوه للحي القيوم} ذلت (2) وخضعت، ومنه قيل ~~للأسير: عان. وقال طلق بن حبيب: هو السجود على الجبهة للحي القيوم، {وقد ~~خاب من حمل ظلما} قال ابن عباس: خسر من أشرك بالله، والظلم هو الشرك. {ومن ~~يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف} قرأ ابن كثير "فلا يخف " مجزوما على ~~النهي جوابا لقوله تعالى: {ومن ms1633 يعمل} وقرأ الآخرون {فلا يخاف} مرفوعا على ~~الخبر، {ظلما ولا هضما} قال ابن عباس: لا يخاف أن يزاد على في سيئاته، لا ~~ينقص من حسناته. # وقال الحسن: لا ينقص من ثواب حسناته ولا يحمل عليه ذنب مسيء (3) . # وقال الضحاك: لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل حسنة عملها (4) وأصل الهضم: ~~النقص والكسر، ومنه هضم الطعام. PageV05P296 ### || # {وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث ~~لهم ذكرا (113) } # {فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ~~رب زدني علما (114) ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) ~~} # {وكذلك} أي كما بينا في هذه السورة، {أنزلناه} يعني أنزلنا هذا الكتاب، ~~{قرآنا عربيا} يعني: بلسان العرب، {وصرفنا فيه من الوعيد} أي صرفنا القول ~~فيه بذكر الوعيد، {لعلهم يتقون} أي يجتنبون الشرك، {أو يحدث لهم ذكرا} أي ~~يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبروا ويتعظوا بذكر عقاب الله للأمم الخالية. ~~{فتعالى الله الملك الحق} جل الله عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون، ~~{ولا تعجل بالقرآن} أراد النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا نزل عليه جبريل ~~بالقرآن يبادر فيقرأ معه، قبل أن يفرغ جبريل مما يريد من التلاوة، ومخافة ~~الانفلات والنسيان، فنهاه الله عن ذلك (1) وقال: {ولا تعجل بالقرآن} أي لا ~~تعجل بقراءته {من قبل أن يقضى إليك وحيه} أي من قبل أن يفرغ جبريل من ~~الإبلاغ، نظيره قوله تعالى: "لا تحرك به لسانك لتعجل به" (سورة القيامة: ~~16) وقرأ يعقوب: " نقضي " بالنون وفتحها وكسر الضاد، وفتح الياء: " وحيه " ~~بالنصب. # قال مجاهد وقتادة: معناه لا تقرئه أصحابك، ولا تمله عليهم حتى يتبين لك ~~معانيه (2) . # {وقل رب زدني علما} يعني بالقرآن ومعانيه. وقيل: علما إلى ما علمت. # وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم رب زدني علما وإيمانا ~~ويقينا (3) . قوله تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل} يعني: أمرناه ~~وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدك وتركوا ~~الإيمان ms1634 بي، وهم الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: "لعلهم يتقون"، {فنسي} ~~فترك الأمر، والمعنى أنهم نقضوا العهد، فإن آدم أيضا عهدنا إليه فنسي، {ولم ~~نجد له عزما} قال الحسن لم نجد له صبرا عما نهي عنه. وقال عطية العوفي: ~~حفظا PageV05P297 # لما أمر به. # وقال ابن قتيبة: رأيا معزوما حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد ~~له. و"العزم" في اللغة: هو توطين النفس على الفعل. # قال أبو أمامة الباهلي: لو وزن حلم آدم بحلم جميع ولده لرجح حلمه (1) وقد ~~قال الله: "ولم نجد له عزما". # فإن قيل: أتقولون إن آدم كان ناسيا لأمر الله حين أكل من الشجرة؟ . # قيل: يجوز أن يكون نسي أمره، ولم يكن النسيان في ذلك الوقت مرفوعا عن ~~الإنسان، بل كان مؤاخذا به، وإنما رفع عنا (2) . # وقيل: نسي عقوبة الله وظن أنه نهي تنزيها. ### || # {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم ~~إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) } # قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى} أن ~~يسجد. {فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك} حواء، {فلا يخرجنكما من الجنة ~~فتشقى} يعني: تتعب وتنصب، ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك. قال السدي: ~~يعني الحرث والزرع والحصيد والطحن والخبيز. # وعن سعيد 14/ب بن جبير: قال أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ~~ويمسح العرق عن جبينه، فذلك [شقاؤه (3) . # ولم يقل: "فتشقيا" رجوعا به إلى آدم، لأن تعبه أكثر فإن الرجل] (4) هو ~~الساعي على زوجته. PageV05P298 # وقيل: لأجل رءوس الآي. ### || # {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى (119) ~~فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) ~~فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ~~ربه فغوى (121) } # {إن لك ألا تجوع فيها} أي في الجنة {ولا تعرى} {وأنك} قرأ نافع وأبو بكر ~~بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون بالفتح ms1635 نسقا على قوله: {ألا تجوع ~~فيها} {وأنك لا تظمأ} لا تعطش، {فيها ولا تضحى} يعني: لا تبرز للشمس فيؤذيك ~~حرها. وقال عكرمة: لا تصيبك الشمس وأذاها (1) لأنه ليس في الجنة شمس، ~~وأهلها في ظل ممدود. {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة ~~الخلد} يعني على شجرة إن أكلت منها بقيت مخلدا، {وملك لا يبلى} لا يبيد ولا ~~يفنى. {فأكلا} يعني آدم وحواء عليهما السلام، {منها فبدت لهما سوآتهما ~~وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه} بأكل الشجرة، {فغوى} يعني ~~فعل ما لم يكن له فعله. وقيل: أخطأ طريق الجنة (2) وضل حيث طلب الخلد بأكل ~~ما نهي عن أكله، فخاب ولم ينل مراده. # قال ابن الأعرابي: أي فسد عليه عيشه، وصار من العز إلى الذل، ومن الراحة ~~إلى التعب. # قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم، ولا يجوز أن يقال: آدم عاص؛ لأنه ~~إنما يقال عاص لمن اعتاد فعل المعصية، كالرجل يخيط ثوبه يقال: خاط ثوبه، ~~ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك ويعتاده (3) . # حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو معاذ الشاه بن عبد ~~الرحمن المزني، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري ~~ببغداد، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو ~~بن دينار، عن طاوس سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"احتج آدم وموسى: فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، ~~فقال آدم: يا موسى اصطفاك PageV05P299 # الله بكلامه وخط لك التوراة بيده، أفتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن ~~يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى" (1) . # ورواه عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة وزاد: "قال آدم يا موسى بكم وجدت ~~الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاما، قال آدم: فهل وجدت ~~فيها: وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملا كتبه ~~الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين ms1636 سنة؟ قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: فحج آدم موسى" (2) . ### || # {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض ~~عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض ~~عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) } # {ثم اجتباه ربه} اختاره واصطفاه، {فتاب عليه} بالعفو، {وهدى} هداه إلى ~~التوبة حين قالا ربنا ظلمنا أنفسنا. {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ~~فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي} يعني الكتاب والرسول، {فلا يضل ولا ~~يشقى} روى سعيد بن جبر عن ابن عباس قال: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه ~~الله في الدنيا من الضلالة، ووقاه الله يوم القيامة سوء الحساب، وذلك بأن ~~الله يقول: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} (3) . # وقال الشعبي عن ابن عباس: أجار الله تعالى تابع القرآن من أن يضل في ~~الدنيا ويشقى في الآخرة، وقرأ هذه الآية (4) . {ومن أعرض عن ذكري} يعني: ~~القرآن، فلم يؤمن به ولم يتبعه، {فإن له معيشة ضنكا} PageV05P300 # ضيقا، روي عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري أنهم قالوا: هو ~~عذاب القبر. قال أبو سعيد: يضغط حتى تختلف أضلاعه (1) . # وفي بعض المسانيد مرفوعا. "يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه فلا يزال ~~يعذب حتى يبعث" (2) . # وقال الحسن: هو الزقوم والضريع والغسلين في النار. # وقال عكرمة: هو الحرام. وقال الضحاك: هو الكسب الخبيث. # وعن ابن عباس قال: الشقاء. وروي عنه أنه قال: كل مال أعطي العبد قل أم ~~كثر فلم يتق فيه فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة، وإن أقواما أعرضوا عن ~~الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين، فكانت معيشتهم ضنكا، وذلك أنهم ~~يرون أن الله ليس بمخلف عليهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله. # قال سعيد بن جبير: يسلبه القناعة حتى لا يشبع (3) . # {ونحشره يوم القيامة أعمى} قال ابن عباس: أعمى البصر. وقال مجاهد أعمى عن ~~الحجة. ### || # {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) } PageV05P301 # {قال كذلك ms1637 أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزي من ~~أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (127) } # {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا} بالعين أو بصيرا بالحجة. {قال ~~كذلك} أي كما {أتتك آياتنا فنسيتها} فتركتها وأعرضت عنها، {وكذلك اليوم ~~تنسى} تترك في النار. قال قتادة: نسوا من الخير ولم ينسوا من العذاب. ~~{وكذلك} أي وكما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك {نجزي من أسرف} أشرك، # PageV05P301 # {ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد} مما يعذبهم به في الدنيا والقبر، ~~{وأبقى} وأدوم. ### || # {أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك ~~لآيات لأولي النهى (128) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ~~(129) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن ~~آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130) } # {أفلم يهد لهم} يبين لهم القرآن، يعني: كفار مكة، {كم أهلكنا قبلهم من ~~القرون يمشون في مساكنهم} ديارهم ومنازلهم إذا سافروا. والخطاب لقريش كانوا ~~يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وثمود وقريات لوط. # {إن في ذلك لآيات لأولي النهى} لذوي العقول. {ولولا كلمة سبقت من ربك ~~لكان لزاما وأجل مسمى} فيه تقديم وتأخير، تقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك ~~لكان لزاما وأجل مسمى، والكلمة الحكم بتأخير العذاب عنهم، أي ولولا حكم سبق ~~بتأخير العذاب عنهم وأجل مسمى وهو القيامة لكان لزاما، أي لكان العذاب ~~لازما لهم كما لزم القرون الماضية الكافرة. {فاصبر على ما يقولون} نسختها ~~آية القتال (1) {وسبح بحمد ربك} ، أي صل بأمر ربك. وقيل: صل لله بالحمد له ~~والثناء عليه، {قبل طلوع الشمس} يعني صلاة الصبح، {وقبل غروبها} صلاة ~~العصر، {ومن آناء الليل} ساعاتها واحدها إني، {فسبح} يعني صلاة المغرب ~~والعشاء. قال ابن عباس: يريد أول الليل، {وأطراف النهار} يعني صلاة الظهر، ~~وسمى وقت الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال، وهو طرف النصف الأول ~~انتهاء وطرف النصف الآخر ابتداء. # وقيل: المراد من آناء الليل صلاة ms1638 العشاء، ومن أطراف النهار صلاة الظهر ~~والمغرب، لأن الظهر في PageV05P302 # آخر الطرف الأول من النهار، وفي أول الطرف الآخر، فهو في طرفين منه ~~والطرف الثالث غروب الشمس، وعند ذلك يصلى المغرب. # {لعلك ترضى} أي ترضى 15/أثوابه في المعاد، وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم ~~"ترضى" بضم التاء أي تعطى ثوابه. وقيل: {ترضى} أي يرضاك الله تعالى، كما ~~قال: "وكان عند ربه مرضيا" (مريم: 55) وقيل: معنى الآية لعلك ترضى ~~بالشفاعة، كما قال: "ولسوف يعطيك ربك فترضى" (الضحى:5) . # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الخطيب الحميدي، أخبرنا أبو عبد ~~الله محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني ~~إملاء، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله السعدي، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا ~~إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: كنا ~~جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: ~~"إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا ~~تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا"، ثم قرأ {وسبح بحمد ~~ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} (1) . ### || # {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم ~~فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) } # قوله تعالى: {ولا تمدن عينيك} قال أبو رافع: نزل برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ضيف فبعثني إلى يهودي فقال لي: "قل له إن رسول الله يقول لك بعني ~~كذا وكذا من الدقيق وأسلفني إلى هلال رجب" فأتيته فقلت له ذلك فقال: والله ~~لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، ~~فقال: "والله لئن باعني وأسلفني لقضيته وإني لأمين في السماء وأمين في ~~الأرض، اذهب بدرعي الحديد إليه" فنزلت هذه الآية: {ولا تمدن عينيك} (2) لا ~~تنظر، {إلى ما متعنا به} أعطينا، {أزواجا} أصنافا، {منهم زهرة الحياة ~~الدنيا} أي زينتها وبهجتها، وقرأ يعقوب زهرة بفتح الهاء وقرأ العامة ms1639 ~~بجزمها، {لنفتنهم فيه} أي لنجعل ذلك فتنة لهم بأن أزيد لهم النعمة فيزيدوا ~~كفرا وطغيانا، {ورزق ربك} في المعاد، يعني: الجنة، {خير وأبقى} قال أبي بن ~~كعب: من لم يتعز PageV05P303 # بعز الله تقطعت نفسه حسرات، ومن يتبع بصره فيما في أيد الناس بطل حزنه، ~~ومن ظن أن نعمة الله في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه. ### || # {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة ~~للتقوى (132) وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف ~~الأولى (133) ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) } # {وأمر أهلك بالصلاة} أي قومك. وقيل: من كان على دينك، كقوله تعالى: "وكان ~~يأمر أهله بالصلاة" (مريم: 55) ، {واصطبر عليها} أي اصبر على الصلاة، فإنها ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر. # {لا نسألك رزقا} لا نكلفك أن ترزق أحدا من خلقنا، ولا أن ترزق نفسك وإنما ~~نكلفك عملا {نحن نرزقك والعاقبة} الخاتمة الجميلة المحمودة، {للتقوى} أي ~~لأهل التقوى. قال ابن عباس: الذين صدقوك واتبعوك واتقوني. # وفي بعض المسانيد أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان إذا أصاب أهله ضر ~~أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية (1) . قوله تعالى: {وقالوا} يعني المشركين، ~~{لولا يأتينا بآية من ربه} أي الآية المقترحة فإنه كان قد أتاهم بآيات ~~كثيرة، {أولم تأتهم بينة} قرأ أهل المدينة والبصرة وحفص عن عاصم: " تأتهم " ~~لتأنيث البينة، وقرأ الآخرون بالياء لتقدم الفعل، ولأن البينة هي البيان ~~فرد إلى المعنى، {بينة ما في الصحف الأولى} أي بيان ما فيها، وهو القرآن ~~أقوى دلالة وأوضح آية. # وقيل: أو لم يأتهم بيان ما في الصحف الأولى: التوراة، والإنجيل، وغيرهما ~~من أنباء الأمم أنهم اقترحوا الآيات، فلما أتتهم ولم يؤمنوا بها، كيف عجلنا ~~لهم العذاب والهلاك، فما يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم كحال أولئك. ~~{ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله} من قبل إرسال الرسول وإنزال القرآن، ~~{لقالوا ربنا لولا} PageV05P304 # هلا {أرسلت إلينا رسولا} يدعونا، ms1640 أي: لقالوا يوم القيامة، {فنتبع آياتك ~~من قبل أن نذل ونخزى} بالعذاب، والذل، والهوان، والخزي، والافتضاح. ### || # {قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى (135) } # {قل كل متربص} منتظر دوائر الزمان، وذلك أن المشركين قالوا نتربص بمحمد ~~حوادث الدهر، فإذا مات تخلصنا، قال الله تعالى: {فتربصوا} فانتظروا، ~~{فستعلمون} إذا جاء أمر الله وقامت القيامة، {من أصحاب الصراط السوي} ~~المستقيم، {ومن اهتدى} من الضلالة نحن أم أنتم؟. # PageV05P305 ### | سورة الأنبياء # مكية بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا ~~هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون (3) } # {اقترب للناس} قيل اللام بمعنى من، أي اقترب من الناس حسابهم، أي وقت ~~محاسبة الله إياهم على أعمالهم، يعني يوم القيامة، نزلت في منكري البعث، ~~{وهم في غفلة معرضون} عن التأهب له. {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} يعني ~~ما يحدث الله من تنزيل شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم به. # قال مقاتل: يحدث الله الأمر [بعد الأمر] (1) قيل: الذكر المحدث ما قاله ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبينه من السنن والمواعظ سوى ما القرآن، وأضافه ~~إلى الرب عز وجل لأنه قال بأمر الرب، {إلا استمعوه وهم يلعبون} أي استمعوه ~~لاعبين لا يعتبرون ولا يتعظون. {لاهية} ساهية غافلة، {قلوبهم} معرضة عن ذكر ~~الله، وقوله {لاهية} نعت تقدم الاسم، ومن حق النعت أن يتبع الاسم في ~~الإعراب، وإذا تقدم النعت الاسم فله حالتان: فصل PageV05P306 # ووصل، فحالته في الفصل النصب كقوله تعالى: {خشعا أبصارهم} (القمر: 7) ، ~~{ودانية عليهم ظلالها} (الإنسان: 11) ، و {لاهية قلوبهم} وفي الوصل حالة ما ~~قبله من الإعراب كقوله، {أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} (النساء: 75) ~~؛ {وأسروا النجوى الذين ظلموا} أي أشركوا، قوله: {وأسروا} فعل تقدم الجمع ~~وكان حقه وأسر، قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، أراد: والذين ظلموا أسروا ~~النجوى. # وقيل: حمل "الذين" رفع على الابتداء، معناه: وأسروا النجوى، ثم قال: وهم ~~الذين ms1641 ظلموا. # وقيل: رفع على البدل من الضمير في أسروا. قال المبرد: هذا كقولك إن الذين ~~في الدار انطلقوا بنو عبد الله، على البدل مما في انطلقوا ثم بين سرهم الذي ~~تناجوا به فقال: {هل هذا إلا بشر مثلكم} أنكروا إرسال البشر وطلبوا إرسال ~~الملائكة. # {أفتأتون} أي تحضرون السحر وتقبلونه، {وأنتم تبصرون} تعلمون أنه سحر. ### || # {قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم (4) بل قالوا ~~أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (5) ما ~~آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) } # قل لهم يا محمد، {ربي يعلم القول في السماء والأرض} قرأ حمزة والكسائي ~~وحفص: "قال ربي"، على الخبر عن محمد صلى الله عليه وسلم، {يعلم القول في ~~السماء والأرض} أي لا يخفى عليه شيء، {وهو السميع} لأقوالهم، {العليم} ~~بأفعالهم. {بل قالوا أضغاث أحلام} أباطيلها [وأقاويلها] (1) وأهاويلها رآها ~~في النوم، {بل افتراه} اختلقه، {بل هو شاعر} يعني أن المشركين اقتسموا ~~القول 15/ب فيه وفيما يقوله، قال بعضهم: أضغاث أحلام، وقال بعضهم: بل هو ~~فرية، وقال بعضهم: بل محمد شاعر وما جاءكم به شعر. {فليأتنا} محمد {بآية} ~~إن كان صادقا {كما أرسل الأولون} من الرسل بالآيات. قال الله تعالى مجيبا ~~لهم: {ما آمنت قبلهم} قبل مشركي مكة، {من قرية} أي من أهل PageV05P310 # قرية أتتهم الآيات، {أهلكناها} أهلكناهم بالتكذيب، {أفهم يؤمنون} ؟، إن ~~جاءتهم آية، معناه: أن أولئك لم يؤمنوا بالآيات لما أتتهم أفيؤمن هؤلاء؟ . ### || # {وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون (7) وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) ثم ~~صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) لقد أنزلنا إليكم ~~كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) } # قوله عز وجل: {وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم} هذا جواب لقولهم: ~~{هل هذا إلا بشر مثلكم} يعني: إنا لم نرسل الملائكة إلى الأولين إنما ~~أرسلنا رجالا نوحي إليهم، {فاسألوا أهل الذكر} يعني: أهل التوراة والإنجيل، ~~يريد علماء أهل الكتاب، فإنهم لا ينكرون ms1642 أن الرسل كانوا بشرا، وإن أنكروا ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر المشركين بمسألتهم لأنهم إلى تصديق من ~~لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم أقرب منهم إلى تصديق من آمن به. وقال ~~ابن زيد: أراد بالذكر القرآن (1) أراد: فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل ~~القرآن، {إن كنتم لا تعلمون} {وما جعلناهم} أي الرسل، {جسدا} ولم يقل ~~أجسادا لأنه اسم الجنس، {لا يأكلون الطعام} هذا رد لقولهم {ما لهذا الرسول ~~يأكل الطعام} (الفرقان: 7) ، يقول لم نجعل الرسل ملائكة بل جعلناهم بشرا ~~يأكلون الطعام، {وما كانوا خالدين} في الدنيا. {ثم صدقناهم الوعد} الذي ~~وعدناهم بإهلاك أعدائهم، {فأنجيناهم ومن نشاء} أي أنجينا المؤمنين الذين ~~صدقوهم، {وأهلكنا المسرفين} أي المشركين المكذبين، وكل مشرك مسرف على نفسه. ~~{لقد أنزلنا إليكم كتابا} يا معشر قريش، {فيه ذكركم} أي شرفكم، كما قال: ~~{وإنه لذكر لك ولقومك} (الزخرف: 44) ، وهو شرف لمن آمن به. # قال مجاهد: فيه حديثكم. وقال الحسن: فيه ذكركم أي ذكر ما تحتاجون إليه من ~~أمر دينكم، {أفلا تعقلون} PageV05P311 ### || # {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) فلما أحسوا ~~بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ~~ومساكنكم لعلكم تسألون (13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) فما زالت ~~تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (15) وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما لاعبين (16) } # {وكم قصمنا} أهلكنا، والقصم: الكسر، {من قرية كانت ظالمة} أي كافرة، يعني ~~أهلها، {وأنشأنا بعدها} أي: أحدثنا بعد هلاك أهلها، {قوما آخرين} {فلما ~~أحسوا بأسنا} أي [رأوا] (1) عذابنا بحاسة البصر، {إذا هم منها يركضون} أي ~~يسرعون هاربين. {لا تركضوا} أي قيل لهم لا تركضوا لا تهربوا، {وارجعوا إلى ~~ما أترفتم فيه} أي نعمتم به، {ومساكنكم لعلكم تسألون} قال ابن عباس: عن قتل ~~نبيكم. وقال قتادة: من دنياكم شيئا، نزلت هذه الآية في أهل حصورا، وهي قرية ~~باليمن وكان أهلها العرب، فبعث الله إليهم نبيا يدعوهم إلى الله فكذبوه ~~وقتلوه، فسلط الله عليهم بختنصر، حتى قتلهم وسباهم (2) فلما استمر ms1643 فيهم ~~القتل ندموا وهربوا وانهزموا، فقالت الملائكة لهم استهزاء: لا تركضوا ~~وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم لعلكم تسألون. # قال قتادة: لعلكم تسألون شيئا من دنياكم، فتعطون من شئتم وتمنعون من ~~شئتم، فإنكم أهل ثروة ونعمة، يقولون ذلك استهزاء بهم، فاتبعهم بختنصر ~~وأخذتهم السيوف، ونادى مناد في جو السماء: يا ثارات الأنبياء، فلما رأوا ~~ذلك أقروا بالذنوب حين لم ينفعهم. {قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين} . {فما ~~زالت تلك دعواهم} أي تلك الكلمة وهي قولهم يا ويلنا، دعاؤهم يدعون بها ~~ويرددونها. # {حتى جعلناهم حصيدا} بالسيوف كما يحصد الزرع، {خامدين} ميتين. قوله عز ~~وجل: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين} أي عبثا وباطلا. ~~PageV05P312 ### || # {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) بل نقذف ~~بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) وله من في ~~السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون (20) } # {لو أردنا أن نتخذ لهوا} اختلفوا في اللهو، قال ابن عباس في رواية عطاء: ~~اللهو المرأة، وهو قول الحسن وقتادة، وقال في رواية الكلبي: اللهو الولد، ~~وهو قول السدي، وهو في المرأة أظهر لأن الوطء يسمى لهوا في اللغة، والمرأة ~~محل الوطء {لاتخذناه من لدنا} أي من عندنا من الحور العين لا من عندكم من ~~أهل الأرض. وقيل: معناه لو كان جائزا ذلك في صفته لم يتخذه بحيث يظهر لهم ~~ويستر ذلك حتى لا يطلعوا عليه. # وتأويل الآية أن النصارى لما قالوا في المسيح وأمه ما قالوا رد الله ~~عليهم بهذا وقال: {لاتخذناه من لدنا} لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته ~~يكونان عنده، لا عند غيره {إن كنا فاعلين} قال قتادة ومقاتل وابن جريج: ~~{إن} للنفي، أي: ما كنا فاعلين. وقيل: {إن كنا فاعلين} للشرط أي إن كنا ممن ~~يفعل ذلك لاتخذناه من لدنا، ولكنا لم نفعله لأنه لا يليق بالربوبية. {بل} ~~أي دع ذلك الذي قالوا فإنه كذب وباطل، {نقذف} نرمي ونسلط، {بالحق} ~~بالإيمان، {على الباطل} ms1644 على الكفر، وقيل: الحق قول الله، أنه لا ولد له، ~~والباطل قولهم اتخذ الله ولدا، {فيدمغه} فيهلكه، وأصل الدمغ: شج الرأس حتى ~~يبلغ الدماغ، {فإذا هو زاهق} ذاهب، والمعنى: أنا نبطل كذبهم بما نبين من ~~الحق حتى يضمحل ويذهب، ثم أوعدهم على كذبهم فقال: {ولكم الويل} يا معشر ~~الكفار، {مما تصفون} الله بما لا يليق به من الصاحبة والولد. وقال مجاهد: ~~مما تكذبون. {وله من في السماوات والأرض} عبيدا وملكا، {ومن عنده} يعني ~~الملائكة، {لا يستكبرون عن عبادته} لا يأنفون عن عبادته ولا يتعظمون عنها، ~~{ولا يستحسرون} لا يعيون، يقال: حسر واستحسر إذا تعب وأعيا. وقال السدي: لا ~~يتعظمون (1) عن العبادة. {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} لا يضعفون ولا ~~يسأمون، قال كعب الأحبار: التسبيح PageV05P313 # لهم كالنفس لبني آدم. ### || # {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ~~(23) أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ~~بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) } # {أم اتخذوا آلهة} استفهام بمعنى الجحد، أي لم يتخذوا، {من الأرض} يعني ~~الأصنام من الخشب والحجارة، وهما من الأرض، {هم ينشرون} يحيون الأموات، ولا ~~يستحق الإلهية إلا من يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم والإنعام بأبلغ ~~وجوه النعم. {لو كان فيهما} أي في السماء والأرض، {آلهة إلا الله} أي غير ~~الله {لفسدتا} لخربتا وهلك من فيهما بوجود التمانع بين الآلهة لأن كل أمر ~~صدر عن اثنين فأكثر لم يجر على النظام، ثم نزه نفسه فقال: {فسبحان الله رب ~~العرش عما يصفون} أي عما يصفه به المشركون من الشريك والولد. {لا يسأل عما ~~يفعل} ويحكم على خلقه لأنه الرب {وهم يسألون} أي الخلق يسألون، عن أفعالهم ~~وأعمالهم (1) لأنهم عبيد 16/أ {أم اتخذوا من دونه آلهة} استفهام إنكار ~~وتوبيخ، {قل هاتوا برهانكم} أي حجتكم على ذلك، ثم قال مستأنفا، {هذا} يعني ~~القرآن. {ذكر من معي} فيه ms1645 خبر من معي على ديني ومن يتبعني إلى يوم القيامة ~~بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. {وذكر} خبر، {من قبلي} ~~من الأمم السالفة ما فعل بهم في الدنيا وما يفعل بهم في الآخرة. وعن ابن ~~عباس في رواية عطاء: ذكر من معي: القرآن، وذكر من قبلي: التوراة والإنجيل، ~~ومعناه: راجعوا القرآن والتوراة والإنجيل وسائر الكتب هل تجدون فيها أن ~~الله اتخذ ولدا، {بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون} PageV05P314 ### || # {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ~~(25) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) } # {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه} قرأ حمزة والكسائي وحفص عن ~~عاصم نوحي إليه بالنون وكسر الحاء على التعظيم، لقوله {وما أرسلنا} وقرأ ~~الآخرون بالياء وفتح الحاء على الفعل المجهول، {أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون} وحدون. قوله عز وجل: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} نزلت في خزاعة حيث ~~قالوا: الملائكة بنات الله، {سبحانه} نزه نفسه عما قالوا، {بل عباد} أي هم ~~عباد، يعني الملائكة، {مكرمون} {لا يسبقونه بالقول} لا يتقدمونه بالقول ولا ~~يتكلمون إلا بما يأمرهم به، {وهم بأمره يعملون} معناه أنهم لا يخالفونه ~~قولا ولا عملا. {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي ما عملوا وما هم عاملون. ~~وقيل: ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} قال ~~ابن عباس: أي لمن قال لا إله إلا الله، وقال مجاهد: أي لمن رضي عنه (1) ~~{وهم من خشيته مشفقون} خائفون لا يأمنون مكره. {ومن يقل منهم إني إله من ~~دونه} قال قتادة: عنى به إبليس حين دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعة نفسه، ~~فإن أحدا من الملائكة لم يقل إني إله من دون الله ms1646 {فذلك نجزيه جهنم كذلك ~~نجزي الظالمين} الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها. PageV05P315 ### || # {أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ~~وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31) } # {أولم ير الذين كفروا} قرأ ابن كثير " لم ير " [بغير واو] (1) وكذلك هو ~~في مصاحفهم، معناه: ألم يعلم الذين كفروا، {أن السماوات والأرض كانتا رتقا} ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء وقتادة: كانتا شيئا واحدا ملتزقتين ~~{ففتقناهما} فصلنا بينهما بالهواء، والرتق في اللغة: السد، والفتق: الشق. # قال كعب: خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحا فوسطها (2) ~~ففتحها بها. # قال مجاهد والسدي: كانت السموات مرتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع ~~سماوات، وكذلك الأرض كانتا مرتقة طبقة واحدة فجعلها سبع أرضين. # قال عكرمة وعطية: كانت السماء رتقا لا تمطر والأرض رتقا لا تنبت، ففتق ~~السماء بالمطر والأرض بالنبات. وإنما قال: {رتقا} على التوحيد وهو من نعت ~~السموات والأرض لأنه مصدر وضع موضع الاسم، مثل الزور والصوم ونحوهما. ~~{وجعلنا} [وخلقنا] (3) {من الماء كل شيء حي} أي: وأحيينا بالماء الذي ينزل ~~من السماء كل شيء حي أي من الحيوان ويدخل فيه النبات والشجر، يعني أنه سبب ~~لحياة كل شيء والمفسرون يقولون: [يعني] (4) أن كل شيء حي فهو مخلوق من ~~الماء. كقوله تعالى: {والله خلق كل دابة من ماء} (النور: 45) ، قال أبو ~~العالية: يعني النطفة، فإن قيل: قد خلق الله بعض ما هو حي من غير الماء؟ ~~قيل: هذا على وجه التكثير، يعني أن أكثر الأحياء في الأرض مخلوقة من الماء ~~أو بقاؤه بالماء، {أفلا يؤمنون} # {وجعلنا في الأرض رواسي} جبالا ثوابت، {أن تميد بهم} ؛ [يعني كي لا تميد ~~بهم] (5) {وجعلنا فيها} في الرواسي: {فجاجا} طرقا ومسالك، والفج: الطريق ~~الواسع PageV05P316 # بين الجبلين، أي جعلنا بين الجبال طرقا حتى يهتدوا إلى مقاصدهم، {سبلا} ~~تفسير للفجاج، {لعلهم يهتدون} ### || # {وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) وهو الذي خلق ~~الليل ms1647 والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33) } # {وجعلنا السماء سقفا محفوظا} من أن تسقط، دليله قوله تعالى: {ويمسك ~~السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} (الحج: 65) ، وقيل: محفوظا من الشياطين ~~بالشهب، دليله قوله تعالى: {وحفظناها من كل شيطان رجيم} (الحجر: 17) ، ~~{وهم} يعني الكفار، {عن آياتها} ما خلق الله فيها من الشمس والقمر والنجوم ~~وغيرها، {معرضون} لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. {وهو الذي خلق الليل ~~والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون} يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في ~~الماء، وإنما قال: {يسبحون} ولم يقل يسبح على ما يقال لما لا يعقل، لأنه ~~ذكر عنها فعل العقلاء من الجري والسبح، فذكر على ما يعقل. # والفلك: مدار النجوم الذي يضمها، والفلك في كلام العرب: كل شيء مستدير، ~~وجمعه أفلاك، ومنه فلك المغزل. # وقال الحسن: الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل: يريد أن الذي يجري فيه ~~النجوم مستدير كاستدارة الطاحونة. # وقال بعضهم: الفلك السماء الذي فيه ذلك الكوكب، فكل كوكب يجري في السماء ~~الذي قدر فيه، وهو معنى قول قتادة. # وقال الكلبي (1) الفلك استدارة السماء. # وقال آخرون: الفلك موج مكفوف دون السماء يجري فيه الشمس والقمر والنجوم ~~(2) . PageV05P317 ### || # {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) كل نفس ذائقة ~~الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) } # {وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم ~~بذكر الرحمن هم كافرون (36) خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون ~~(37) } # قوله عز وجل: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} دوام البقاء في الدنيا، ~~{أفإن مت فهم الخالدون} أي أفهم الخالدون إن مت؟ نزلت هذه الآية حين قالوا ~~نتربص بمحمد ريب المنون (1) . {كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم} نختبركم {بالشر ~~والخير} بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، وقيل: بما تحبون ~~وما تكرهون، {فتنة} ابتلاء لننظر كيف شكركم فيما تحبون، وصبركم فيما ~~تكرهون، {وإلينا ترجعون} {وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك} [ما يتخذونك] ~~(2) {إلا هزوا} [سخريا] (3) قال السدي: نزلت في أبي جهل مر به النبي صلى ms1648 ~~الله عليه وسلم فضحك، وقال: هذا نبي بني عبد مناف (4) {أهذا الذي} أي يقول ~~بعضهم لبعض أهذا الذي، {يذكر آلهتكم} أي يعيبها، يقال: فلان يذكر فلانا أي ~~يعيبه، وفلان يذكر الله أي يعظمه ويجله، {وهم بذكر الرحمن هم كافرون} وذلك ~~أنهم كانوا يقولون لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة، {وهم} الثانية صلة. قوله عز ~~وجل: {خلق الإنسان من عجل} اختلفوا فيه، فقال قوم: معناه أن بنيته وخلقته ~~من العجلة وعليها طبع، كما قال: {وكان الإنسان عجولا} 16/ب (الإسراء: 11) . ~~PageV05P318 # قال سعيد بن جبير والسدي: لما دخلت الروح في رأس آدم وعينه نظر إلى ثمار ~~الجنة فلما دخلت جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلا ~~إلى ثمار الجنة، فوقع فقيل: "خلق الإنسان من عجل"، والمراد بالإنسان آدم ~~وأورث أولاده العجلة، والعرب تقول للذي يكثر منه الشيء: خلقت منه، كما تقول ~~العرب: خلقت في لعب، وخلقت من غضب، يراد المبالغة في وصفه بذلك، يدل على ~~هذا قوله تعالى: "وكان الإنسان عجولا". # وقال قوم: معناه خلق الإنسان يعني آدم من تعجيل في خلق الله إياه، لأن ~~خلقه كان بعد [خلق] (1) كل شيء في آخر النهار يوم الجمعة، فأسرع في خلقه ~~قبل مغيب الشمس. # قال مجاهد: فلما أحيا الروح رأسه قال يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس. ~~وقيل: بسرعة وتعجيل على غير ترتيب خلق سائر الآدميين من النطفة والعلقة ~~والمضغة وغيرها (2) . # وقال قوم: من عجل، أي: من طين، قال الشاعر: والنبع في الصخرة الصماء ~~منبتة ... والنخل ينبت بين الماء والعجل (3) # {سأريكم آياتي فلا تستعجلون} [نزل هذا في المشركين] (4) كانوا يستعجلون ~~العذاب ويقولون: أمطر علينا حجارة من السماء، وقيل: نزلت في النضر بن ~~الحارث (5) فقال تعالى: {سأريكم آياتي} أي مواعيدي فلا تستعجلون، أي فلا ~~تطلبوا العذاب من قبل وقته، فأراهم يوم بدر، وقيل: كانوا يستعجلون القيامة. ### || # {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38) لو يعلم الذين كفروا حين لا ~~يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39) } # {ويقولون متى هذا ms1649 الوعد إن كنتم صادقين} فقال تعالى: {لو يعلم الذين ~~كفروا حين لا يكفون} لا يدفعون {عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم} قيل: ولا ~~عن ظهورهم السياط، PageV05P319 # {ولا هم ينصرون} يمنعون من العذاب، وجواب لو في قوله: {لو يعلم الذين} ~~محذوف معناه: ولو علموا لما أقاموا على كفرهم، ولما استعجلوا، ولا قالوا: ~~متى هذا الوعد؟ . ### || # {بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40) ولقد ~~استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون (41) قل ~~من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42) أم لهم ~~آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون (43) بل ~~متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها ~~من أطرافها أفهم الغالبون (44) } # {بل تأتيهم} يعني الساعة {بغتة} فجأة، {فتبهتهم} أي تحيرهم، يقال: فلان ~~مبهوت أي متحير، {فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون} يمهلون. {ولقد استهزئ ~~برسل من قبلك فحاق} نزل، {بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} أي جزاء ~~استهزائهم. {قل من يكلؤكم} يحفظكم، {بالليل والنهار من الرحمن} إن أنزل بكم ~~عذابه، وقال ابن عباس: من يمنعكم من عذاب الرحمن، {بل هم عن ذكر ربهم} عن ~~القرآن ومواعظ الله، {معرضون} {أم لهم} أم: صلة فيه، وفي أمثاله {آلهة ~~تمنعهم من دوننا} فيه تقديم وتأخير، تقديره: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم، ~~ثم وصف الآلهة بالضعف، فقال تعالى: {لا يستطيعون نصر أنفسهم} منع أنفسهم، ~~فكيف ينصرون عابديهم، {ولا هم منا يصحبون} قال ابن عباس: يمنعون. وقال ~~عطية: عنه يجارون، تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان، أي مجير منه. ~~وقال مجاهد: ينصرون. وقال قتادة: ولا يصبحون من الله بخير. {بل متعنا ~~هؤلاء} الكفار، {وآباءهم} في الدنيا أي أمهلناهم. وقيل: أعطيناهم النعمة، ~~{حتى طال عليهم العمر} أي امتد بهم الزمان فاغتروا. # {أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} يعني ما ننقص من أطراف ~~المشركين ونزيد # PageV05P320 # في أطراف المؤمنين، يريد ظهور ms1650 النبي صلى الله عليه وسلم وفتحه ديار الشرك ~~أرضا فأرضا، {أفهم الغالبون} أم نحن. ### || # {قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45) ولئن ~~مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46) ونضع الموازين ~~القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ~~وكفى بنا حاسبين (47) } # {قل إنما أنذركم بالوحي} أي أخوفكم بالقرآن، {ولا يسمع الصم الدعاء} قرأ ~~ابن عامر بالتاء وضمها وكسر الميم، "الصم" نصب، جعل الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقرأ الآخرون بالياء وفتحها وفتح الميم، "الصم" رفع، {إذا ما ~~ينذرون} يخوفون. {ولئن مستهم} أصابتهم {نفحة} قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~طرف. وقيل: قليل. قال ابن جريج: نصيب، من قولهم نفح فلان لفلان من ماله أي ~~أعطاه حظا منه. وقيل: ضربة من قولهم نفحت الدابة برجلها إذا ضربت، {من عذاب ~~ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين} أي بإهلاكنا إنا كنا مشركين، دعوا على ~~أنفسهم بالويل بعدما أقروا بالشرك. {ونضع الموازين القسط} أي ذوات القسط، ~~والقسط: العدل، {ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا} لا ينقص من ثواب حسناته ~~ولا يزاد على سيئاته، وفي الأخبار: إن الميزان له لسان وكفتان (1) . # روي أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان فأراه كل كفة ما بين ~~المشرق والمغرب، فغشي عليه، ثم أفاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ ~~كفته حسنات؟ فقال: يا داود إني [إذا] (2) رضيت على عبدي ملأتها بتمرة (3) . # {وإن كان مثقال حبة من خردل} قرأ أهل المدينة {مثقال} برفع اللام هاهنا ~~وفي سورة PageV05P321 # لقمان، أي وإن وقع مثقال حبة، ونصبها الآخرون على معنى: وإن كان ذلك ~~الشيء مثقال حبة أي زنة حبة من خردل، {أتينا بها} أحضرناها لنجازي بها. # {وكفى بنا حاسبين} قال السدي: محصين، والحسب معناه: العد، وقال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: عالمين حافظين، لأن من حسب شيئا علمه وحفظه. ### || # {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) الذين يخشون ~~ربهم ms1651 بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له ~~منكرون (50) ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) } # قوله عز وجل: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان} يعني الكتاب المفرق بين ~~الحق والباطل، وهو التوراة. وقال ابن زيد: الفرقان النصر على الأعداء، كما ~~قال الله تعالى: {وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان} (الأنفال: 41) ، يعني ~~يوم بدر، لأنه قال {وضياء} أدخل الواو فيه أي آتينا موسى النصر والضياء وهو ~~التوراة. # ومن قال: المراد بالفرقان التوراة، قال: الواو في قوله: {وضياء} زائدة ~~مقحمة، معناه: آتيناه التوراة ضياء، وقيل: هو صفة أخرى للتوراة، {وذكرا} ~~تذكيرا، {للمتقين} {الذين يخشون ربهم بالغيب} أي يخافونه ولم يروه، {وهم من ~~الساعة مشفقون} خائفون. {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} يعني القرآن وهو ذكر لمن ~~تذكر به، مبارك يتبرك به ويطلب منه الخير، {أفأنتم} يا أهل مكة، {له ~~منكرون} جاحدون (1) وهذا استفهام توبيخ وتعبير. قوله عز وجل: {ولقد آتينا ~~إبراهيم رشده} قال القرطبي: أي صلاحه، {من قبل} أي من قبل موسى وهارون، ~~وقال المفسرون: رشده، أي هداه 17/أمن قبل أي من قبل البلوغ، وهو حين خرج من ~~السرب وهو صغير، يريد هديناه صغيرا كما قال تعالى ليحيى عليه السلام: ~~{وآتيناه الحكم صبيا} (مريم: 12) ، {وكنا به عالمين} أنه أهل للهداية ~~والنبوة. PageV05P322 ### || # {إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) قالوا ~~وجدنا آباءنا لها عابدين (53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) ~~قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (55) قال بل ربكم رب السماوات ~~والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (56) وتالله لأكيدن أصنامكم ~~بعد أن تولوا مدبرين (57) } # {إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل} أي الصور، يعني الأصنام {التي أنتم ~~لها عاكفون} أي على عبادتها مقيمون. {قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} ~~فاقتدينا بهم. {قال} إبراهيم، {لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} خطأ ~~بين بعبادتكم إياها. {قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين} يعنون أجاد ~~أنت فيما تقول أم [أنت من اللاعبين؟] (1) . {قال بل ms1652 ربكم رب السماوات ~~والأرض الذي فطرهن} خلقهن، {وأنا على ذلكم من الشاهدين} أي على أنه الإله ~~الذي لا يستحق العبادة غيره. وقيل: من الشاهدين على أنه خالق السموات ~~والأرض. {وتالله لأكيدن أصنامكم} لأمكرن بها، {بعد أن تولوا مدبرين} أي بعد ~~أن تدبروا منطلقين إلى عيدكم. # قال مجاهد وقتادة: إنما قال إبراهيم هذا سرا من قومه ولم يسمع ذلك إلا ~~رجل واحد فأفشاه عليه، وقال: إنا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم. # قال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد وكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا ~~على الأصنام فسجدوا لها، ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان ذلك العيد قال أبو ~~إبراهيم له: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا، فخرج معهم ~~إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه، وقال إني PageV05P323 # سقيم، يقول أشتكي رجلي فلما مضوا نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس، ~~{وتالله لأكيدن أصنامكم} فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة وهن ~~في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، والأصنام بعضها ~~إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه إلى باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما ~~فوضعوه بين يدي الآلهة، وقالوا: إذا رجعنا وقد بركت الآلهة في طعامنا ~~أكلنا، فلما نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام، قال لهم: على ~~طريق الاستهزاء ألا تأكلون؟، فلما لم تجبه قال: ما لكم لا تنطقون؟. فراغ ~~عليهم ضربا باليمين، وجعل يكسرهن في يده حتى إذا لم يبق إلا الصنم الأكبر ~~علق الفأس في عنقه ثم خرج (1) فذلك قوله عز وجل. PageV05P324 ### || # {فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا ~~بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ~~(60) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) } # {فجعلهم جذاذا} قرأ الكسائي " جذاذا " بكسر الجيم أي كسرا وقطعا جمع ~~جذيذ، وهو الهشيم مثل خفيف وخفاف، وقرأ الآخرون بضمه، مثل الحطام والرفات، ~~{إلا كبيرا لهم} فإنه لم يكسره ms1653 ووضع الفأس في عنقه، وقيل ربطه بيده وكانت ~~اثنين وسبعين صنما بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد ورصاص وشبة ~~وخشب وحجر، وكان الصنم الكبير من الذهب مكللا بالجواهر في عينيه ياقوتتان ~~تتقدان. قوله تعالى: {لعلهم إليه يرجعون} قيل: معناه لعلهم يرجعون إلى دينه ~~وإلى ما يدعوهم إليه إذا علموا ضعف الآلهة وعجزها، وقيل: لعلهم إليه يرجعون ~~فيسألونه، فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوا أصنامهم جذاذا. ~~{قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين} أي من المجرمين. {قالوا} يعني ~~الذين سمعوا قول إبراهيم: {وتالله لأكيدن أصنامكم} ، {سمعنا فتى يذكرهم} ~~يعيبهم ويسبهم، {يقال له إبراهيم} هو الذي نظن صنع هذا، فبلغ ذلك نمرود ~~الجبار وأشراف قومه. {قالوا فأتوا به على أعين الناس} قال نمرود: يقول ~~جيئوا به ظاهرا بمرأى من الناس، {لعلهم يشهدون} عليه أنه الذي فعله، كرهوا ~~أن يأخذوه بغير بينة، قال الحسن وقتادة والسدي، وقال # PageV05P324 # محمد بن إسحاق {لعلهم يشهدون} أي يحضرون عقابه وما يصنع به ### || # {قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا ~~فاسألوهم إن كانوا ينطقون (63) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم ~~الظالمون (64) } # فلما أتوا به، {قالوا} له {أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم} ؟:. {قال} ~~إبراهيم، {بل فعله كبيرهم هذا} غضب من أن تعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر ~~منها فكسرهن، وأراد بذلك إبراهيم إقامة الحجة عليهم، فذلك قوله: {فاسألوهم ~~إن كانوا ينطقون} حتى يخبروا من فعل ذلك بهم. # قال القتيبي: معناه بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون على سبيل الشرط، فجعل ~~النطق شرطا للفعل، أي إن قدروا على النطق قدروا على الفعل، فأراهم عجزهم عن ~~النطق، وفي [ضمنه] (1) أنا فعلت،. # وروي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله {بل فعله} ويقول: معناه [فعله] (2) ~~من فعله، والأول أصح لما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، اثنتان منهن في ذات الله، قوله: ~~{إني سقيم} (الصافات: 89) ، وقوله: {بل فعله ms1654 كبيرهم} وقوله لسارة {هذه ~~أختي} (3) وقيل في قوله: {إني سقيم} أي سأسقم، وقيل: سقم القلب أي مغتم ~~بضلالتكم، وقوله لسارة: هذه أختي أي في الدين، وهذه التأويلات لنفي الكذب ~~عن إبراهيم، والأولى هو الأول للحديث فيه، ويجوز أن يكون الله عز وجل أذن ~~له في ذلك لقصد الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج عليهم، كما أذن ليوسف حتى (4) ~~أمر مناديه فقال لإخوته: {أيتها العير إنكم لسارقون} (يوسف: 70) . ولم ~~يكونوا سرقوا. {فرجعوا إلى أنفسهم} أي فتفكروا بقلوبهم، ورجعوا إلى عقولهم، ~~{فقالوا} ما نراه إلا كما قال: {إنكم أنتم الظالمون} يعني بعبادتكم من لا ~~يتكلم. وقيل: أنتم الظالمون هذا الرجل في سؤالكم إياه وهذه آلهتكم حاضرة ~~فاسألوها. PageV05P325 ### || # {ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) قال أفتعبدون من دون ~~الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ولما تعبدون من دون الله ~~أفلا تعقلون (67) قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (68) } # {ثم نكسوا على رءوسهم} قال أهل التفسير: أجرى الله الحق على لسانهم في ~~القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، فهو معنى قوله: {ثم نكسوا على رءوسهم} أي ~~ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم، يقال نكس المريض إذا رجع ~~إلى حاله الأول، وقالوا: {لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} فكيف نسألهم؟ فلما ~~اتجهت الحجة لإبراهيم عليه السلام. {قال} لهم، {أفتعبدون من دون الله ما لا ~~ينفعكم شيئا} إن عبدتموه، {ولا يضركم} إن تركتم عبادته. {أف لكم} أي تبا ~~وقذرا لكم، {ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} أي أليس لكم عقل تعرفون ~~هذا، فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب. {قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن ~~كنتم فاعلين} 17/ب أي: إن كنتم ناصرين لها. # قال ابن عمر رضي الله عنهما: إن الذي قال هذا رجل من الأكراد (1) . وقيل: ~~اسمه "هيزن" فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (2) . # وقيل: قاله نمرود، فلما أجمع نمرود وقومه على إحراق إبراهيم عليه السلام، ~~حبسوه في بيت، وبنوا له بنيانا كالحظيرة (3) . # وقيل: بنو أتونا بقرية يقال ms1655 لها "كوثى" (4) ثم جمعوا له صلاب الحطب من ~~أصناف الخشب مدة حتى كان الرجل يمرض فيقول لئن عافاني الله لأجمعن حطبا ~~لإبراهيم، وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلب لئن أصابته لتحطبن في نار ~~إبراهيم، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب وإلقائه فيه، وكانت المرأة تغزل ~~وتشتري الحطب بغزلها، فتلقيه فيه احتسابا (5) في دينها. PageV05P326 # قال ابن إسحاق كانوا يجمعون الحطب شهرا فلما جمعوا ما أرادوا أشعلوا في ~~كل ناحية من الحطب فاشتعلت النار واشتدت حتى أن كان الطير ليمر بها فيحترق ~~من شدة وهجها، فأوقدوا عليها سبعة أيام. # روي أنهم لم يعلموا كيف يلقونه فيها فجاء إبليس فعلمهم عمل المنجنيق ~~فعملوا، ثم عمدوا إلى إبراهيم فرفعوه على رأس البنيان وقيدوه ثم وضعوه في ~~المنجنيق مقيدا مغلولا (1) فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة وجميع ~~الخلق إلا الثقلين صيحة واحدة، أي ربنا إبراهيم خليلك يلقى في النار وليس ~~في أرضك أحد يعبدك غيره فأذن لنا في نصرته، فقال الله عز وجل: إنه خليلي ~~ليس لي غيره، وأنا إلهه وليس له إله غيري، فإن استغاث بشيء منكم أو دعاه ~~فلينصره فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا ~~بيني وبينه، فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه فقال: إن أردت ~~أخمدت النار (2) وأتاه خازن الرياح فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، ~~فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل (3) . # وروي عن أبي بن كعب أن إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار لا إله ~~إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك (4) ثم رموا به ~~في المنجنيق إلى النار، واستقبله جبريل فقال: يا إبراهيم لك حاجة؟ فقال أما ~~إليك فلا (5) قال جبريل: فاسأل ربك، فقال إبراهيم حسبي من سؤالي علمه بحالي ~~(6) . # قال كعب الأحبار: جعل كل شيء يطفئ عنه النار إلا الوزغ فإنه كان ينفخ في ~~النار (7) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا ms1656 محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبيد الله بن موسى وابن سلام عنه ~~أخبرنا ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير عن سعيد بن المسيب عن أم شريك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ، وقال: كان PageV05P327 # "ينفخ النار على إبراهيم" (1) . ### || # {قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) } # قال تعالى: {قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} قال ابن عباس: لو ~~لم يقل سلاما لمات إبراهيم من بردها، ومن المعروف في الآثار أنه لم يبق ~~يومئذ نار في الأرض إلا طفئت، فلم ينتفع في ذلك اليوم بنار في العالم، ولو ~~لم يقل وسلاما على إبراهيم بقيت ذات برد أبدا (2) . # قال السدي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض، فإذا عين ~~ماء عذب وورد أحمر ونرجس (3) . # قال كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه (4) قالوا: وكان إبراهيم ~~في ذلك الموضع سبعة أيام (5) . # قال المنهال بن عمرو: قال إبراهيم ما كنت أياما قط أنعم مني من الأيام ~~التي كنت فيها في النار (6) . # قال ابن يسار: وبعث الله عز وجل ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد فيها إلى ~~جنب إبراهيم يؤنسه، قالوا وبعث الله جبريل بقميص من حرير الجنة وطنفسة ~~فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدثه (7) وقال جبريل: يا ~~إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي. # ثم نظر نمرود وأشرف على إبراهيم من صرح له فرآه جالسا في روضة والملك ~~قاعد إلى جنبه وما حوله نار تحرق الحطب، فناداه: يا إبراهيم كبير إلهك الذي ~~بلغت قدرته أن حال بينك وبين ما أرى، يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ ~~قال: نعم، قال: هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرك؟ قال: لا قال: فقم فاخرج ~~منها، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها، فلما خرج إليه قال له: يا ~~إبراهيم من الرجل الذي رأيته معك في صورتك قاعدا إلى جنبك؟ قال: ذاك ملك ~~الظل أرسله PageV05P328 # إلي ربي ليؤنسني فيها، فقال ms1657 نمرود: يا إبراهيم إني مقرب إلى إلهك قربانا ~~لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك حين أبيت إلا عبادته وتوحيده إني ذابح ~~له أربعة آلاف بقرة، فقال له إبراهيم: إذا لا يقبل الله منك ما كنت على ~~دينك حتى تفارقه إلى ديني، فقال: لا أستطيع ترك ملكي. ولكن سوف أذبحها له ~~فذبحها له نمرود ثم كف عن إبراهيم، ومنعه الله منه (1) . قال شعيب الجبائي: ~~ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة (2) . ### || # {وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي ~~باركنا فيها للعالمين (71) } # قوله عز وجل: {وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين} قيل: معناه أنهم خسروا ~~السعي والنفقة ولم يحصل لهم مرادهم. # وقيل: معناه إن الله عز وجل أرسل على نمرود وعلى قومه البعوض فأكلت ~~لحومهم وشربت دماءهم، ودخلت واحدة في دماغه فأهلكته. قوله عز وجل: {ونجيناه ~~ولوطا} من نمرود وقومه من أرض العراق، {إلى الأرض التي باركنا فيها ~~للعالمين} يعني الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار ~~والأنهار، ومنها بعث أكثر الأنبياء. وقال أبي بن كعب: سماها مباركة لأنه ما ~~من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي هي ببيت المقدس. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد الرزاق، ~~أخبرنا معمر، عن قتادة، أن عمر بن الخطاب قال لكعب: ألا تتحول إلى المدينة ~~فيها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره، فقال كعب: إني وجدت في ~~كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين إن الشام كنز الله من أرضه، وبها كنزه ~~من عباده (3) . # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد ~~الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق الديري، ~~أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب عن عبد 18/أالله ~~بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV05P329 # يقول: "إنها ستكون هجرة ms1658 بعد هجرة، فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم" (1) . # وقال محمد بن إسحاق: استجاب لإبراهيم رجال قومه حين رأوا ما صنع الله به ~~من جعل النار عليه بردا وسلاما على خوف من نمرود وملئهم وآمن به لوط، وكان ~~ابن أخيه وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم وكان لهما أخ ~~ثالث يقال له ناخور بن تارخ، وآمنت به أيضا سارة وهي بنت عمه وهي سارة بنت ~~هاران الأكبر، عم إبراهيم فخرج من كوثى من أرض العراق مهاجرا إلى ربه، ومعه ~~لوط وسارة، كما قال الله تعالى: {فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي} ~~(العنكبوت: 26) ، فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه، حتى نزل ~~حران فمكث بها ما شاء الله، ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر ~~إلى الشام، فنزل السبع (2) من أرض فلسطين، وهي برية الشام، ونزل لوط ~~بالمؤتفكة وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة، وأقرب، فبعثه الله نبيا فذلك ~~قوله تعالى: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} (3) . ### || # {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) } PageV05P330 # {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73) } # {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} قال مجاهد وعطاء: معنى النافلة العطية ~~وهما جميعا من عطاء الله نافلة يعني عطاء، قال الحسن والضحاك: فضلا. وعن ~~ابن عباس وأبي بن كعب وأبي زيد وقتادة رضي الله عنهم: النافلة هو يعقوب لأن ~~الله عز وجل أعطاه إسحاق بدعائه حيث قال: {هب لي من الصالحين} (الصافات: ~~100) ، وزاد يعقوب [ولد الولد] (1) والنافلة الزيادة، {وكلا جعلنا صالحين} ~~يعني: إبراهيم وإسحاق ويعقوب. {وجعلناهم أئمة} يقتدى بهم في الخير، {يهدون ~~بأمرنا} يدعون الناس إلى ديننا، PageV05P330 # {وأوحينا إليهم فعل الخيرات} العمل بالشرائع، {وإقام الصلاة} يعني: ~~المحافظة عليها، {وإيتاء الزكاة} إعطاءها (1) {وكانوا لنا عابدين} موحدين. ### || # {ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم ~~كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين (75) ونوحا ~~إذ ms1659 نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ونصرناه من ~~القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (77) وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78) ~~} # {ولوطا آتيناه} أي: وآتينا لوطا، وقيل: واذكر لوطا آتيناه، {حكما} يعني: ~~الفصل بين الخصوم بالحق، {وعلما} {ونجيناه من القرية التي كانت تعمل ~~الخبائث} يعني: سدوما وكان أهلها يأتون الذكران في أدبارهم ويتضارطون في ~~أنديتهم مع أشياء أخر، كانوا يعملون من المنكرات، {إنهم كانوا قوم سوء ~~فاسقين} {وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين} . {ونوحا إذ نادى} دعا، {من ~~قبل} أي من قبل إبراهيم ولوط، {فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم} ~~قال ابن عباس: من الغرق وتكذيب قومه. وقيل: لأنه كان أطول الأنبياء عمرا ~~وأشدهم بلاء، والكرب: أشد الغم (2) . {ونصرناه} منعناه، {من القوم الذين ~~كذبوا بآياتنا} أن يصلوا إليه بسوء. وقال أبو عبيدة: أي على القوم، {إنهم ~~كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين} قوله عز وجل: {وداود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث} اختلفوا في الحرث، قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم وأكثر ~~المفسرين: كان الحرث كرما قد تدلت عناقيده. وقال قتادة: كان زرعا، {إذ نفشت ~~فيه غنم القوم} أي رعته ليلا فأفسدته، والنفش: الرعي بالليل والهمل بالنهار ~~PageV05P331 # وهما الرعي بلا راع، {وكنا لحكمهم شاهدين} أي: كان ذلك بعلمنا ومرأى منا ~~لا يخفى علينا علمه. قال الفراء: جمع اثنين، فقال لحكمهم وهو يريد داود ~~وسليمان لأن الاثنين جمع وهو مثل قوله: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} ~~(النساء: 11) ، وهو يريد أخوين. # قال ابن عباس وقتادة والزهري: وذلك أن رجلين دخلا على داود أحدهما صاحب ~~حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: إن هذا انفلتت غنمه ليلا ووقعت في ~~حرثي فأفسدته فلم يبق منه شيء، فأعطاه داود رقاب الغنم بالحرث، فخرجا فمرا ~~على سليمان فقال: كيف قضى بينكما فأخبراه فقال سليمان: لو وليت أمرهما ~~لقضيت بغير هذا. # وروي أنه قال غير هذا أرفق بالفريقين، فأخبر بذلك ms1660 داود فدعاه فقال كيف ~~تقضي؟ ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوة إلا أخبرتني بالذي هو أرفق ~~بالفريقين، قال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ~~ومنافعها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئته ~~يوم أكل دفع إلى أهله، وأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود القضاء ما قضيت ~~وحكم بذلك (1) . # وقيل: إن سليمان يوم حكم كان ابن إحدى عشرة سنة، وأما حكم الإسلام [في ~~هذه المسألة] (2) أن ما أفسدت الماشية المرسلة بالنهار من مال الغير فلا ~~ضمان على ربها، وما أفسدت بالليل ضمنه ربها لأن في عرف الناس أن أصحاب ~~الزرع يحفظونه بالنهار، والمواشي تسرح بالنهار وترد بالليل إلى المراح. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي شهاب، عن حرام بن سعد بن محيصة ~~أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدته فقضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضمانه ~~على أهلها، وذهب أصحاب الرأي إلى أن المالك إذا لم يكن معها فلا ضمان عليه ~~فيما أتلفت ماشيته ليلا كان أو نهارا (3) . PageV05P332 ### || # {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ~~والطير وكنا فاعلين (79) } # قوله عز وجل: {ففهمناها سليمان} أي علمناه القضية وألهمناها سليمان، ~~{وكلا} يعني داود وسليمان، {آتينا حكما وعلما} قال الحسن: لولا هذه الآية ~~لرأيت الحكام قد هلكوا ولكن الله حمد هذا بصوابه وأثنى على هذا باجتهاده ~~(1) . واختلف العلماء في أن حكم داود كان بالاجتهاد أم بالنص، وكذلك حكم ~~سليمان. # فقال بعضهم: فعلا بالاجتهاد. وقالوا يجوز الاجتهاد للأنبياء ليدركوا ثواب ~~المجتهدين إلا أن داود أخطأ وأصاب سليمان. وقالوا: يجوز الخطأ على الأنبياء ~~إلا أنهم لا يقرون عليه، فأما العلماء فلهم الاجتهاد في الحوادث إذا لم ~~يجدوا فيها نص كتاب أو سنة، وإذا أخطأوا فلا إثم عليهم (2) [فإنه موضوع ~~عنهم] (3) لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد 18/ب الخطيب، أخبرنا ms1661 عبد العزيز ~~بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا ~~الشافعي، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن الهادي، عن ~~محمد بن إبراهيم التيمي، عن بشر PageV05P333 # ابن سعيد، عن أبي عن قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص أنه سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله ~~أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر" (1) . # وقال قوم: إن داود وسليمان حكما بالوحي، وكان حكم سليمان ناسخا لحكم ~~داود، وهذا القائل يقول: لا يجوز للأنبياء الحكم بالاجتهاد لأنهم مستغنون ~~عن الاجتهاد بالوحي، وقالوا: لا يجوز الخطأ على الأنبياء (2) واحتج من ذهب ~~إلى أن كل مجتهد مصيب بظاهر الآية وبالخبر حيث وعد الثواب للمجتهد على ~~الخطأ، وهو قول أصحاب الرأي، وذهب جماعة إلى أنه ليس كل مجتهد مصيبا بل إذا ~~اختلف اجتهاد مجتهدين في حادثة كان الحق مع واحد لا بعينه، ولو كان كل واحد ~~مصيبا لم يكن للتقسيم معنى، وقوله عليه السلام: "وإذا اجتهد فأخطأ فله ~~أجر"، لم يرد به أنه يؤجر على الخطأ بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق لأن ~~اجتهاده عبادة، والإثم في الخطأ عنه موضوع إذا لم يأل جهده (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن ~~الزهري، أخبرنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج أنه سمع أبا هريرة أنه ~~سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كانت امرأتان معهما ابناهما فجاء ~~الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: ~~إنما ذهب بابنك فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان ~~وأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك ~~الله فهو ابنها فقضى به للصغرى" (4) . # قوله عز وجل: {وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير} أي وسخرنا الجبال ~~والطير يسبحن مع داود إذا سبح، قال ابن عباس: كان يفهم ms1662 تسبيح الحجر والشجر. ~~قال وهب: كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح وكذلك الطير. وقال قتادة: يسبحن أي ~~يصلين معه إذا صلى. وقيل: كان داود إذا فتر يسمعه الله تسبيح الجبال والطير ~~لينشط في التسبيح ويشتاق إليه. {وكنا فاعلين} PageV05P334 # يعني: ما ذكر من التفهيم وإيتاء الحكم والتسخير. ### || # {وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) ولسليمان ~~الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين ~~(81) } # {وعلمناه صنعة لبوس لكم} والمراد باللبوس هنا الدروع لأنها تلبس، وهو في ~~اللغة اسم لكل ما يلبس ويستعمل في الأسلحة كلها، وهو بمعنى الملبوس كالجلوس ~~والركوب، قال قتادة: أول من صنع الدروع وسردها وحلقها داود وكانت من قبل ~~صفائح، والدرع يجمع الخفة والحصانة، {لتحصنكم} لتحرزكم وتمنعكم، {من بأسكم} ~~أي حرب عدوكم، قال السدي: من وقع السلاح فيكم، قرأ أبو جعفر وابن عامر وحفص ~~عن عاصم ويعقوب: {لتحصنكم} بالتاء، يعني الصنعة، وقرأ أبو بكر عن عاصم ~~بالنون لقوله: {وعلمناه} وقرأ الآخرون بالياء، جعلوا الفعل للبوس، وقيل: ~~ليحصنكم الله عز وجل، {فهل أنتم شاكرون} يقول لداود وأهل بيته. وقيل: يقول ~~لأهل مكة فهل أنتم شاكرون نعمي بطاعة الرسول. قوله عز وجل: {ولسليمان الريح ~~عاصفة} أي وسخرنا لسليمان الريح، وهي هواء متحرك، وهو جسم لطيف يمتنع بلطفه ~~من القبض عليه، ويظهر للحس بحركته، والريح يذكر ويؤنث، عاصفة شديدة الهبوب، ~~فإن قيل: قد قال في موضع آخر تجري بأمره رخاء والرخاء اللين؟ قيل: كانت ~~الريح تحت أمره إن أراد أن تشتد اشتدت، وإن أراد أن تلين لانت، {تجري بأمره ~~إلى الأرض التي باركنا فيها} يعني الشام، وذلك أنها كانت تجري لسليمان ~~وأصحابه حيث شاء سليمان، ثم تعود إلى منزله بالشام، {وكنا بكل شيء} علمناه، ~~{عالمين} بصحة التدبير فيه علمنا أن ما يعطى سليمان من تسخير الريح وغيره ~~يدعوه إلى الخضوع لربه عز وجل. # قال وهب بن منبه: كان سليمان عليه السلام إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه ~~الطير وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره، ms1663 وكان امرءا غزاء قل ما يقعد ~~عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله، كان فيما ~~يزعمون إذا أراد الغزو أمر بمعسكره فضرب بخشب ثم نصب له على الخشب ثم حمل ~~عليه الناس والدواب وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصفة من الريح ~~فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته حتى إذا استقلت به أمر الرخاء فمر به شهرا في ~~روحته وشهرا في غدوته إلى حيث أراد، وكانت تمر بعسكره الريح الرخاء ~~وبالمزرعة # PageV05P335 # فما تحركها، ولا تثير ترابا ولا تؤذي طائرا. قال وهب: ذكر لي أن منزلا ~~بناحية دجلة مكتوب فيه [كتبه] (1) بعض صحابة سليمان إما من الجن وإما من ~~الإنس نحن نزلناه وما بنيناه مبنيا وجدناه، غدونا من إصطخر فقلناه ونحن ~~رائحون منه إن شاء الله فبائتون بالشام (2) . # قال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم، ~~وكان يوضع له منبر من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه، وحوله ثلاثة آلاف ~~كرسي من ذهب وفضة، يقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي ~~الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها لا ~~تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح ~~ومن الرواح إلى الصباح (3) # وعن سعيد بن جبير قال: كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي فيجلس الإنس ~~فيما يليه ثم يليهم الجن ثم تظلهم الطير ثم تحملهم الريح (4) . # وقال الحسن: لما شغلت الخيل نبي الله سليمان عليه السلام حتى فاتته صلاة ~~العصر غضب لله عز وجل فعقر الخيل فأبدله الله مكانها خيرا منها، وأسرع ~~الريح تجري بأمره كيف شاء، فكان يغدو من إيلياء فيقيل بإصطخر، ثم يروح ~~19/أمنها فيكون رواحها ببابل (5) . # وقال ابن زيد: كان له مركب من خشب وكان فيه ألف ركن في كل ركن ألف بيت ~~يركب معه فيه الجن والإنس، تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك المركب، وإذا ~~ارتفع أتت الريح الرخاء فسارت به وبهم، يقيل عند قوم بينه وبينهم ms1664 شهر ويمسي ~~عند قوم بينه وبينهم شهر، لا يدري القوم إلا وقد أظلهم معه الجيوش (6) . # [وروي أن سليمان سار من أرض العراق غاديا فقال بمدينة مرو، وصلى العصر ~~بمدينة بلخ، تحمله وجنوده الريح، وتظلهم الطير، ثم سار من مدينة بلخ متخللا ~~بلاد الترك، ثم جاءهم إلى بلاد الصين يغدو على مسيرة شهر ويروح على مثل ~~ذلك، ثم عطف يمنة عن مطلع الشمس على ساحل البحر حتى أتى على أرض القندهار، ~~وخرج منها إلى أرض مكران وكرمان، ثم جاوزها حتى أتى أرض PageV05P336 # فارس فنزلها أياما وغدا منها فقال بكسكر ثم راح إلى الشام وكان مستقره ~~بمدينة تدمر، وكان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق، فبنوها له ~~بالصفاح والعمد والرخام الأبيض والأصفر، وفي ذلك يقول النابعة: إلا سليمان ~~إذ قال المليك له ... قم في البرية فاحددها عن الفند # وجيش الجن أني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد] (1) ~~PageV05P337 ### || # {ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (82) ~~وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) } # قوله عز وجل: {ومن الشياطين} أي وسخرنا له من الشياطين، {من يغوصون له} ~~أي يدخلون تحت الماء فيخرجون له من قعر البحر الجواهر، {ويعملون عملا دون ~~ذلك} أي دون الغوص، وهو ما ذكر الله عز وجل: {يعملون له ما يشاء من محاريب ~~وتماثيل} (سبأ: 13) الآية. {وكنا لهم حافظين} حتى لا يخرجوا من أمره. وقال ~~الزجاج: معناه حفظناهم من أن يفسدوا ما عملوا. وفي القصة أن سليمان كان إذا ~~بعث شيطانا مع إنسان ليعمل له عملا قال له: إذا فرغ من عمله قبل الليل ~~أشغله بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل، وكان من عادة الشياطين أنهم إذا فرغوا من ~~العمل ولم يشتغلوا بعمل آخر خربوا ما عملوا وأفسدوه. قوله عز وجل: {وأيوب ~~إذ نادى ربه} أي دعا ربه، قال وهب بن منبه: كان أيوب عليه السلام رجلا من ~~الروم وهو أيوب بن أموص بن رازخ بن روم بن عيس بن إسحاق ms1665 بن إبراهيم، وكانت ~~أمه من أولاد لوط بن هاران، وكان الله قد اصطفاه ونبأه وبسط عليه الدنيا، ~~وكانت له البثنية من أرض الشام، كلها سهلها وجبلها، وكان له فيها من أصناف ~~المال كله، من البقر والإبل والغنم والخيل والحمر ما لا يكون لرجل أفضل منه ~~من العدة والكثرة، وكان له خمسمائة فدان، يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد ~~امرأة وولد ومال، ويحمل آلة كل فدان أتان لكل أتان ولد من اثنين وثلاثة ~~وأربعة وخمسة، وفوق ذلك، وكان الله عز وجل أعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء، ~~وكان برا تقيا رحيما بالمساكين، يطعم المساكين ويكفل الأرامل والأيتام، ~~ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل، وكان شاكرا لأنعم الله مؤديا لحق الله، قد ~~امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الغرة ~~والغفلة والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا، وكان معه ثلاثة نفر قد ~~آمنوا # PageV05P337 # به وصدقوه رجل من أهل اليمن يقال له اليقين، ورجلان من أهل بلدة يقال ~~لأحدهما يلدد والآخر صافر وكانوا كهولا وكان إبليس لا يحجب عن شيء من ~~السموات، وكان يقف فيهن حيث ما أراد حتى رفع الله عيسى فحجب عن أربع سموات، ~~فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حجب من الثلاث الباقية، فسمع إبليس تجاوب ~~الملائكة بالصلاة على أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه، فأدركه البغي ~~والحسد، فصعد سريعا حتى وقف من السماء موقفا كان يقفه، فقال إلهي نظرت في ~~أمر عبدك أيوب فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك، ولو ابتليته ~~بنزع ما أعطيته لحال عما هو عليه من شكرك وعبادتك، ولخرج من طاعتك، قال ~~الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ماله فانقض عدو الله إبليس حتى وقع إلى ~~الأرض، ثم جمع عفاريت الجن ومردة الشياطين، وقال لهم: ماذا عندكم من القوة؟ ~~فإني قد سلطت على مال أيوب، وهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا يصبر ~~عليها الرجال، فقال عفريت من الشياطين أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت ms1666 ~~إعصارا من نار وأحرقت كل شيء آتي عليه، قال له إبليس: فأت الإبل ورعاءها، ~~فأتى الإبل حين وضعت رءوسها وثبتت في مراعيها، فلم يشعر الناس حتى ثار من ~~تحت الأرض إعصار من نار لا يدنو منها أحد إلا احترق فأحرق الإبل ورعاءها، ~~حتى أتى على آخرها، ثم جاء عدو الله إبليس في صورة قبيحة على قعود إلى أيوب ~~فوجده قائما يصلي، فقال: يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك فأحرقتها ومن ~~فيها غيري، فقال أيوب: الحمد لله الذي هو أعطاها وهو أخذها، وقديما ما وطنت ~~مالي ونفسي على الفناء، فقال إبليس: فإن ربك أرسل عليها نارا من السماء ~~فاحترقت فتركت الناس مبهوتين يتعجبون منها، منهم من يقول ما كان أيوب يعبد ~~شيئا وما كان إلا في غرور، ومنهم من يقول لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع ~~شيئا لمنع [وليه] (1) ومنهم من يقول: بل هو الذي فعل ليشمت به عدوه ويفجع ~~به صديقه. # قال أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، عريانا خرجت من بطن أمي، ~~وعريانا أعود في التراب، وعريانا أحشر إلى الله، ليس لك أن تفرح حين أعارك ~~وتجزع حين قبض عاريته منك، الله أولى بك وبما أعطاك، ولو علم الله فيك أيها ~~العبد خيرا لنقل روحك مع تلك الأرواح وصرت شهيدا، ولكنه علم منك شرا فأخرك، ~~فرجع إبليس إلى أصحابه [خائبا] (2) خاسئا ذليلا فقال لهم: ماذا عندكم من ~~القوة؟ فإني لم أكلم قلبه؟ قال عفريت: عندي من القوة ما شئت صحت صيحة لا ~~يسمعها ذو روح إلا خرجت مهجة نفسه، فقال إبليس فأت الغنم ورعاتها، فانطلق ~~حتى توسطها PageV05P338 # ثم صاح صيحة فتجثمت أمواتا عن آخرها ومات رعاؤها، ثم جاء إبليس متمثلا ~~بقهرمان الرعاة إلى أيوب وهو يصلي، فقال له مثل القول الأول، فرد عليه أيوب ~~مثل الرد الأول ثم رجع إبليس إلى أصحابه فقال: ماذا عندكم من القوة فإني لم ~~أكلم قلب أيوب، فقال عفريت عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحا عاصفا تنسف ms1667 ~~كل شيء تأتي عليه، قال فأت الفدادين والحرث فانطلق ولم يشعروا حتى هبت ريح ~~عاصف، فنسفت كل شيء من ذلك حتى كأنه لم يكن، ثم جاء إبليس متمثلا بقهرمان ~~الحرث إلى أيوب وهو قائم يصلي، فقال له مثل القول الأول، فرد عليه أيوب مثل ~~رده الأول كلما انتهى إليه هلاك مال من أمواله حمد الله وأحسن الثناء عليه، ~~ورضي منه بالقضاء، ووطن نفسه بالصبر على البلاء، حتى لم يبق له مال. # فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله صعد [إلى السماء] (1) فقال إلهي إن أيوب ~~يرى 19/ب أنك ما متعته بولده فأنت معطيه المال فهل مسلطي على ولده، فإنها ~~المصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال، قال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك ~~على ولده، فانقض عدو الله حتى جاء بني أيوب وهم في قصرهم فلم يزل يزلزل بهم ~~حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يناطح جدره بعضها ببعض ويرميهم بالخشب ~~والجندل، حتى إذا مثل بهم كل مثلة رفع القصر فقلبه فصاروا منكسين، وانطلق ~~إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو جريج مخدوش الوجه يسيل ~~دمه ودماغه فأخبره، وقال: لو رأيت بنيك كيف عذبوا وقلبوا فكانوا منكسين على ~~رءوسهم تسيل دماؤهم ودماغهم، ولو رأيت كيف شقت بطونهم وتناثرت أمعاؤهم لقطع ~~قلبك، فلم يزل يقول هذا ونحوه حتى رق أيوب فبكى وقبض قبضة من التراب فوضعها ~~على رأسه، وقال: ليت أمي لم تلدني، فاغتنم إبليس ذلك فصعد سريعا بالذي كان ~~من جزع أيوب مسرورا به، ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر واستغفر، وصعد قرناؤه ~~من الملائكة بتوبته فسبقت توبته إلى الله وهو أعلم، فوقف إبليس ذليلا فقال: ~~يا إلهي إنما هون على أيوب المال والولد أنه يرى منك أنك ما متعته بنفسه ~~فأنت تعيد له المال والولد فهل أنت مسلطي على جسده؟ فقال الله عز وجل: ~~انطلق فقد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه، وكان ~~الله عز وجل أعلم به لم يسلطه عليه ms1668 إلا رحمة له ليعظم له الثواب ويجعله ~~عبرة للصابرين وذكرى للعابدين في كل بلاء نزل بهم، ليتأسوا به في الصبر ~~ورجاء للثواب، فانقض عدو الله سريعا فوجد أيوب ساجدا فعجل قبل أن يرفع رأسه ~~فأتاه من قبل وجوهه فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها [جميع] (2) جسده، فخرج ~~من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات PageV05P339 # الغنم فوقعت فيه حكة فحك بأظفاره حتى سقطت كلها ثم حكها بالمسوح الخشنة ~~حتى قطعها، ثم حكها بالفخار والحجارة الخشنة، فلم يزل يحكها حتى نغل لحمه، ~~وتقطع وتغير وأنتن، وأخرجه أهل القرية فجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشا، ~~فرفضه خلق الله كلهم غير امرأته، وهي رحمة بنت أفراثيم بن يوسف بن يعقوب ~~كانت تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه، فلما رأى الثلاثة من أصحابه وهم: يقن ~~ويلدد وصافر ما ابتلاه الله به اتهموه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه، فلما ~~طال به البلاء انطلقوا إليه فبكتوه ولاموه وقالوا له: تب إلى الله من الذنب ~~الذي عوقبت به، قال: وحضره معهم فتى حديث السن قد آمن به وصدقه، فقال لهم: ~~إنكم تكلمتم أيها الكهول، وكنتم أحق بالكلام مني لأسنانكم، ولكن قد تركتم ~~من القول أحسن من الذي قلتم، ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم، ومن الأمر أجمل ~~من الذي أتيتم، وقد كان لأيوب عليكم من الحق والذمم أفضل من الذي وصفتم، ~~فهل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم وحرمة من انتهكتم، ومن الرجل الذي ~~عبتم واتهمتم؟ ألم تعلموا أن أيوب نبي الله وخيرته من خلقه وصفوته من أهل ~~الأرض إلى يومكم هذا، ثم لم تعلموا ولم يطلعكم الله من أمره على أنه قد سخط ~~عليه شيئا من أمره منذ آتاه الله ما آتاه إلى يومك هذا، ولا على أنه نزع ~~منه شيئا من الكرامة التي أكرمه بها، ولا أن أيوب قال على الله غير الحق في ~~طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا، فإن كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم ووضعه ~~في أنفسكم فقد علمتم أن الله يبتلي ms1669 المؤمنين والصديقين والشهداء والصالحين، ~~وليس بلاؤه لأولئك بدليل على سخطه عليهم ولا لهوانه لهم، ولكنه كرامة وخيرة ~~لهم، ولو كان أيوب ليس من الله بهذه المنزلة إلا أنه أخ أحببتموه على وجه ~~الصحبة لكان لا يجمل بالحليم أن [يعذل] (1) أخاه عند البلاء، ولا يعيره ~~بالمصيبة، ولا يعيبه بما لا يعلم وهو مكروب حزين، ولكنه يرحمه ويبكي معه، ~~ويستغفر له، ويحزن لحزنه، ويدله على مراشد أمره، وليس بحليم ولا رشيد من ~~جهل هذا، فالله الله أيها الكهول وقد كان في عظمة الله وجلاله، وذكر الموت ~~ما يقطع ألسنتكم، ويكسر قلوبكم، ألم تعلموا أن لله عبادا أسكتتهم خشية من ~~غير عي ولا بكم، وأنهم لهم الفصحاء البلغاء النبلاء الألباء العالمون ~~بالله، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم، واقشعرت جلودهم، ~~وانكسرت قلوبهم، وطاشت عقولهم إعظاما وإجلالا لله عز وجل، فإذا استفاقوا من ~~ذلك استبقوا إلى الله عز وجل بالأعمال الزاكية يعدون أنفسهم مع الظالمين ~~والخاطئين، وإنهم لأبرار برءاء، ومع المقصرين والمفرطين، وإنهم لأكياس ~~أقوياء، فقال أيوب: إن الله عز وجل يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير ~~والكبير، فمتى نبتت في القلب يظهرها الله على اللسان، وليست تكون الحكمة من ~~قبل السن والشيبة ولا طول التجربة، وإذا جعل الله العبد حكيما في الصبا لم ~~تسقط منزلته عند الحكماء وهم يرون من الله سبحانه عليه نور الكرامة، ثم ~~أعرض عنهم أيوب وأقبل على ربه مستغيثا به متضرعا إليه، فقال رب لأي شيء ~~خلقتني ليتني إذ كرهتني لم تخلقني يا ليتني قد عرفت الذنب الذي أذنبت، ~~والعمل الذي عملت، فصرفت وجهك الكريم عني، لو كنت أمتني فألحقتني بآبائي ~~الكرام، فالموت كان أجمل بي ألم أكن للغريب دارا، وللمسكين قرارا، ولليتيم ~~وليا، وللأرملة قيما، إلهي أنا عبدك إن أحسنت فالمن لك، وإن أسأت فبيدك ~~عقوبتي، جعلتني +عرضا، وللفتنة نصبا، وقد وقع علي بلاء لو سلطته على جبل ~~ضعف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي وإن قضاءك هو الذي أذلني، وإن سلطانك هو الذي ~~أسقمني وأنحل جسمي، ولو ms1670 أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى ~~أتكلم بملء فمي بما كان ينبغي للعبد أن يحاج عن نفسه لرجوت أن يعافيني عند ~~ذلك مما بي، ولكنه ألقاني وتعالى عني فهو يراني ولا أراه ويسمعني ولا ~~أسمعه، لا نظر إلي فيرحمني، ولا دنا مني ولا أدناني فأدلي بعذري وأتكلم ~~ببراءتي وأخاصم 20/أعن نفسي (2) فلما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده أظله غمام ~~حتى ظن أصحابه أنه عذاب أليم، ثم نودي يا أيوب إن الله عز وجل يقول: ها أنا ~~قد دنوت منك ولم أزل منك قريبا قم فأدل بعذرك، وتكلم ببراءتك، وخاصم عن ~~نفسك، واشدد إزرك، وقم مقام جبار يخاصم جبارا إن استطعت، فإنه لا ينبغي أن ~~يخاصمني إلا جبار مثلي، لقد +منتك نفسك يا أيوب أمرا ما تبلغ بمثل قوتك، ~~أين أنت مني يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها، هل كنت معي تمد بأطرافها؟ ~~وهل علمت بأي مقدار قدرتها أم على أي شيء وضعت أكنافها؟ أبطاعتك حمل الماء ~~الأرض أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاء؟ أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا ~~في الهواء لا تعلق بسبب من فوقها ولا يقلها دعم من تحتها؟ حتى تبلغ من ~~حكمتك أن تجري نورها أو تسير نجومها أو يختلف بأمرك ليلها ونهارها؟ أين أنت ~~مني يوم نبعث الأنهار وسكرت البحار، أسلطانك حبس أمواج البحار على حدودها؟ ~~أم قدرتك فتحت الأرحام حين بلغت مدتها؟ أين أنت مني يوم صببت الماء على ~~التراب ونصبت شوامخ الجبال؟ هل تدري على أي شيء أرسيتها؟ وبأي مثقال ~~وزنتها؟ أم هل لك من ذراع تطيق حملها؟ أم هل تدري من أين الماء الذي أنزلت ~~من السماء؟ أم هل تدري من أي شيء أنشيء السحاب؟ أم هل تدري أين خزائن ~~الثلج؟ أم أين جبال البرد أم أين خزانة الليل بالنهار [وخزانة النهار ~~بالليل] (3) ؟ وأين خزانة الريح؟ وبأي لغة تتكلم الأشجار؟ ومن جعل العقول ~~في أجواف الرجال؟ ومن شق الأسماع والأبصار؟ ومن ذلت الملائكة لملكه وقهر ~~الجبارين بجبروته؟ وقسم ms1671 الأرزاق بحكمته؟ في كلام كثير من آثار قدرته ذكرها ~~لأيوب، فقال أيوب: صغر شأني وكل لساني وعقلي ورائي وضعفت قوتي عن هذا الأمر ~~الذي تعرض لي يا إلهي، قد علمت أن كل الذي ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك ~~وأعظم من ذلك وأعجب لو شئت عملت، لا يعجزك شيء ولا يخفى عليك خافية إذ ~~لقيني البلاء، يا إلهي فتكلمت ولم أملك لساني وكان البلاء هو الذي أنطقني، ~~فليت الأرض انشقت لي فذهبت فيها ولم أتكلم بشيء يسخط ربي، وليتني مت بغمي ~~في أشد بلائي قبل ذلك، إنما تكلمت حين تكلمت لتعذرني، وسكت حين سكت ~~لترحمني، كلمة زلت مني فلن أعود، وقد وضعت يدي على فمي وعضضت على لساني، ~~وألصقت بالتراب خدي، أعوذ بك اليوم منك وأستجيرك من جهد البلاء فأجرني، ~~وأستغيث بك من عقابك فأغثني، وأستعين بك على أمري فأعني، وأتوكل عليك ~~فاكفني، وأعتصم بك فاعصمني، وأستغفرك فاغفر لي، فلن أعود لشيء تكرهه مني، ~~قال الله تعالى: يا أيوب نفذ فيك علمي وسبقت رحمتي غضبي فقد غفرت لك، ورددت ~~عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم لتكون لمن خلقت آية، وتكون عبرة لأهل البلاء ~~وعزاء للصابرين، فاركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك وقرب عن ~~أصحابك قربانا فاستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك، فركض برجله فانفجرت له عين ~~فدخل فيها فاغتسل فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء، ثم خرج فجلس ~~فأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه فلم تجده فقامت كالوالهة مترددة (4) ثم ~~قالت: يا عبد الله هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان هاهنا؟ قال لها: هل ~~تعرفينه إذا رأيتيه؟ قالت: نعم وما لي لا أعرفه، فتبسم وقال: أنا هو فعرفته ~~بضحكه فاعتنقته. قال ابن عباس: فوالذي نفس عبد الله بيده ما فارقته من ~~عناقه حتى مر بهما كل مال لهما وولد (5) . # فذلك قوله تعالى: {وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر} واختلفوا في وقت ~~ندائه والسبب الذي قال لأجله: إني مسني الضر، وفي مدة بلائه. # روى ابن شهاب عن ms1672 أنس يرفعه أن أيوب لبث في بلائه ثماني عشرة سنة (6) . # وقال وهب: لبث أيوب في البلاء ثلاث سنين لم يزد يوما (7) . # وقال كعب: كان أيوب في بلائه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام. # وقال الحسن: مكث أيوب مطروحا على كناسة في مزبلة لبني إسرائيل سبع سنين ~~وأشهرا تختلف فيه الدواب لا يقربه أحد غير رحمة صبرت معه بصدق وتأتيه بطعام ~~وتحمد الله معه إذا حمد، وأيوب على ذلك لا يفتر عن ذكر الله والصبر على ~~ابتلائه (8) فصرخ إبليس صرخة جمع بها جنوده من أقطار الأرض، فلما اجتمعوا ~~إليه قالوا: له حزنك؟ قال أعياني هذا العبد الذي لم أدع له مالا ولا ولدا ~~فلم يزد إلا صبرا، ثم سلطت على جسده فتركته قرحة ملقاة على كناسة لا يقربه ~~إلا امرأته، فاستعنت بكم لتعينوني عليه، فقالوا له أين مكرك الذي أهلكت به ~~من مضى؟ قال: بطل ذلك كله في أيوب فأشيروا علي قالوا نشير عليك، من أين ~~أتيت آدم حين أخرجته من الجنة؟ قال من قبل امرأته قالوا فشأنك بأيوب من قبل ~~امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها وليس أحد يقربه غيرها، قال: أصبتم، فانطلق ~~حتى أتى امرأته وهي تصدق فتمثل لها في صورة رجل فقال: أين بعلك يا أمة ~~الله؟ قالت هو ذاك يحك قروحه وتتردد الدواب في جسده، فلما سمعها طمع أن ~~تكون كلمة جزع فوسوس إليها وذكرها ما كانت فيه من النعم والمال، وذكرها ~~جمال أيوب وشبابه وما هو فيه من الضر وأن ذلك لا ينقطع عنهم أبدا، قال ~~الحسن فصرخت فلما صرخت علم أن قد جزعت فأتاها بسخلة وقال ليذبح هذه لي أيوب ~~ويبرأ، فجاءت تصرخ يا أيوب حتى متى يعذبك ربك، أين المال، أين الولد، أين ~~الصديق، أين لونك الحسن، أين جسمك [الحسن] (9) اذبح هذه السخلة واسترح، قال ~~أيوب أتاك عدو الله فنفخ فيك ويلك أرأيت ما تبكين 20/ب عليه من المال ~~والولد والصحة من أعطانيه؟ قالت الله، قال فكم متعنا به؟ قالت ثمانين سنة، ~~قال فمنذ ms1673 كم ابتلانا؟ قالت منذ سبع سنين وأشهر، قال ويلك PageV05P340 # ما أنصفت ألا صبرت في البلاء ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة، ~~والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة أمرتيني أن أذبح لغير الله طعامك ~~وشرابك الذي أتيتني به علي حرام [أو حرام علي] (1) أن أذوق شيئا مما تأتيني ~~به بعد إذ قلت لي هذا، فاعزبي عني، فلا أراك فطردها فذهبت، فلما نظر أيوب ~~وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق (2) خر ساجدا وقال: رب {إني مسني الضر ~~وأنت أرحم الراحمين} فقيل له: ارفع رأسك فقد استجيب لك اركض برجلك فركض ~~برجله فنبعت عين فاغتسل منها فلم يبق عليه من دائه شيء ظاهر إلا سقط وعاد ~~إليه شبابه وجماله أحسن ما كان، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى فشرب منها فلم ~~يبق في جوفه داء إلا خرج فقام صحيحا وكسي حلة، قال: فجعل يلتفت فلا يرى ~~شيئا مما كان له من أهل ومال إلا وقد أضعفه الله حتى والله ذكر لنا أن ~~الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جرادا من ذهب فجعل يضمه بيده، فأوحى ~~الله إليه يا أيوب ألم أغنك؟ قال: بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها، قال ~~فخرج حتى جلس على مكان مشرف، ثم إن امرأته قالت أرأيتك إن كان طردني إلى من ~~أكله؟ أدعه يموت جوعا ويضيع فتأكله السباع لأرجعن إليه فلا كناسة ترى ولا ~~تلك الحالة التي كانت، وإذا الأمور قد تغيرت فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة ~~وتبكي وذلك بعين أيوب، وهابت صاحب الحلة أن تأتيه فتسأله عنه، فدعاها أيوب ~~فقال: ما تريدين يا أمة الله؟ فبكت وقالت: أردت ذلك المبتلى الذي كان ~~منبوذا على الكناسة لا أدري أضاع أم ما فعل، فقال أيوب: ما كان منك فبكت، ~~وقالت: بعلي، قال: فهل تعرفينه إذا رأيتيه؟ فقالت: وهل يخفى على أحد رآه؟ ~~ثم جعلت تنظر إليه وهي تهابه، ثم قالت: أما أنه أشبه خلق الله بك إذ كان ~~صحيحا، قال فإني أنا أيوب الذي أمرتني ms1674 أن أذبح لإبليس، وإني أطعت الله ~~وعصيت الشيطان ودعوت الله سبحانه فرد علي ما ترين (3) . # وقال وهب: لبث أيوب في البلاء ثلاث سنين فلما غلب أيوب إبليس ولم يستطع ~~منه شيئا اعترض امرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم والجمال ~~على مركب ليس [من] (4) مراكب الناس له عظم وبهاء وكمال، فقال لها: أنت ~~صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلى؟ قالت: نعم، قال فهل تعرفيني؟ قالت: لا قال: ~~أنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت لأنه عبد. إله السماء وتركني ~~فأغضبني، ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك كل ما كان لكما من مال ~~وولد، فإنه عندي ثم أراها إياهم ببطن الوادي الذي لقيها فيه، قال وهب: وقد ~~سمعت PageV05P344 # أنه إنما قال لها لو أن صاحبك أكل طعاما ولم يسم الله عليه لعوفي مما به ~~من البلاء (1) والله أعلم وفي بعض الكتب: إن إبليس قال لها: اسجدي لي سجدة ~~حتى أرد عليك المال والأولاد وأعافي زوجك، فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال ~~لها [وما أراها] (2) قال لقد أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم [إن ~~عافاه الله] (3) ليضربنها مائة جلدة، وقال عند ذلك: مسني الضر من طمع إبليس ~~في سجود حرمتي له، ودعائه إياها وإياي إلى الكفر، ثم إن الله عز وجل رحم ~~[رحمة] (4) امرأة أيوب بصبرها معه على البلاء، وخفف عليها وأراد أن يبر ~~يمين أيوب، فأمره أن يأخذ ضغثا يشتمل على مائة عود صغار فيضربها به ضربة ~~واحدة كما قال تعالى: "وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث" (ص: 44) ، وروي أن ~~إبليس اتخذ تابوتا وجعل فيه أدوية وقعد على طريق امرأته يداوي الناس فمرت ~~به امرأة أيوب فقالت [يا شيخ] (5) إن لي مريضا أفتداويه؟ قال نعم [والله] ~~(6) لا أريد شيئا إلا أن يقول إذا شفيته أنت شفيتني، فذكرت ذلك لأيوب فقال: ~~هو إبليس قد خدعك، وحلف إن شفاه الله أن يضربها مائة جلدة. # وقال وهب وغيره: كانت امرأة أيوب تعمل للناس وتجيئه بقوته، ms1675 فلما طال عليه ~~البلاء وسئمها الناس فلم يستعملها أحد التمست له يوما من الأيام ما تطعمه ~~فما وجدت شيئا فجزت قرنا من رأسها، فباعته برغيف فأتته به، فقال لها: أين ~~قرنك؟ فأخبرته (7) فحينئذ قال: {مسني الضر} # وقال قوم: إنما قال ذلك حين قصدت الدود إلى قلبه ولسانه فخشي أن يفتر عن ~~الذكر والفكر. # وقال حبيب بن أبي ثابت: لم يدع الله بالكشف عنه حتى ظهرت له ثلاثة أشياء ~~أحدها: قدم عليه صديقان حين بلغهما خبره فجاءا إليه ولم يبق له إلا عيناه ~~ورأيا أمرا عظيما فقالا لو كان لك عند الله منزلة ما أصابك هذا. والثاني: ~~أن امرأته طلبت طعاما فلم تجد ما تطعمه فباعت ذؤابتها وحملت إليه طعاما. ~~والثالث: قول إبليس إني أداويه على أن يقول أنت شفيتني. # وقيل: إن إبليس وسوس إليه أن امرأتك زنت فقطعت ذؤابتها فحينئذ عيل صبره، ~~فدعا وحلف ليضربنها مائة جلدة. وقيل: معناه مسني الضر من شماتة الأعداء. ~~حتى روي أنه قيل له [بعدما PageV05P345 # عوفي] (1) ما كان أشد عليك في بلائك قال: شماتة الأعداء. وقيل: قال ذلك ~~حين وقعت دودة من فخذه فردها إلى موضعها. # وقال كلي: فقد جعلني الله طعامك فعضته عضة زاد ألمها على جميع ما قاسى من ~~عض الديدان. فإن قيل: إن الله سماه صابرا وقد أظهر الشكوى والجزع، بقوله: ~~{إني مسني الضر} و {مسني الشيطان بنصب} (ص: 41) ، قيل: ليس هذا شكاية إنما ~~هو دعاء بدليل قوله تعالى: {فاستجبنا له} على أن الجزع إنما هو في الشكوى ~~إلى الخلق فأما الشكوى إلى الله عز وجل فلا يكون جزعا ولا ترك صبر كما قال ~~يعقوب: {إنما 21/أأشكو بثي وحزني إلى الله} (يوسف: 86) . قال سفيان بن ~~عيينة: وكذلك من أظهر الشكوى إلى الناس وهو راض بقضاء الله لا يكون ذلك ~~جزعا كما روي أن جبريل دخل على النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فقال: كيف ~~تجدك؟ قال: "أجدني مغموما وأجدني مكروبا" (2) . # وقال لعائشة حين قالت وارأساه، "بل أنا وارأساه" (3) . ### || # {فاستجبنا له فكشفنا ms1676 ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا ~~وذكرى للعابدين (84) } # قوله عز وجل: {فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر} وذلك أنه قال اركض برجلك ~~فركض برجله فنبعت عين [ماء] (4) فأمره أن يغتسل منها ففعل فذهب كل داء كان ~~بظاهره، ثم مشى أربعين خطوة فأمره أن يضرب برجله الأرض مرة أخرى ففعل فنبعت ~~عين ماء بارد، فأمره فشرب منها فذهب كل داء كان بباطنه فصار كأصح ما يكون ~~من الرجال وأجملهم. # {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} واختلفوا في ذلك، فقال ابن مسعود وقتادة، ~~وابن عباس، والحسن، وأكثر المفسرين: رد الله عز وجل إليه أهله وأولاده ~~بأعيانهم أحياهم الله له وأعطاه مثلهم معهم، وهو ظاهر القرآن (5) . # قال الحسن: آتاه الله المثل من نسل ماله الذي رده الله [إليه وأهله] (6) ~~يدل عليه ما روى PageV05P346 # الضحاك وابن عباس أن الله عز وجل رد إلى المرأة شبابها فولدت له ستة ~~وعشرين ذكرا (1) . # قال وهب كان له سبع بنات وثلاثة بنين. # وقال ابن يسار: كان له سبع بنين وسبع بنات. # وروي عن أنس يرفعه: أنه كان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث ~~الله عز وجل سحابتين فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب وأفرغت الأخرى ~~على أندر الشعير الورق حتى فاض (2) . # وروي أن الله تعالى بعث إليه ملكا وقال: إن ربك يقرئك السلام بصبرك فاخرج ~~إلى أندرك، فخرج إليه فأرسل الله عليه جرادا من ذهب فطارت واحدة فاتبعها ~~وردها إلى أندره، فقال له الملك: أما يكفيك ما في أندرك؟ فقال هذه بركة من ~~بركات ربي ولا أشبع من بركته (3) . # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش ~~الزيادي، أخبرنا محمد بن الحسين القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، ~~أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه، قال: أخبرنا أبو هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا أيوب يغتسل عريانا خر عليه ~~جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي في ثوبه، فناداه ربه [يا أيوب] (4) ألم ms1677 أكن ~~أغنيك عما ترى؟ قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك" (5) . وقال ~~قوم: أتى الله أيوب في الدنيا مثل أهله الذين هلكوا فأما الذين هلكوا فإنهم ~~لم يردوا عليه في الدنيا (6) قال عكرمة: قيل لأيوب: إن أهلك لك في الآخرة ~~فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا وإن شئت كانوا لك في الآخرة، وآتيناك مثلهم ~~في الدنيا فقال يكونون لي في الآخرة، وأوتى مثلهم في الدنيا (7) فعلى هذا ~~يكون معنى الآية: وآتيناه أهله في الآخرة ومثلهم معهم في الدنيا وأراد ~~بالأهل الأولاد، {رحمة من عندنا} أي نعمة من عندنا، {وذكرى للعابدين} أي: ~~عظة وعبرة لهم. PageV05P347 ### || # {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) } # قوله عز وجل: {وإسماعيل} يعني ابن إبراهيم، {وإدريس} وهو أخنوخ، {وذا ~~الكفل كل من الصابرين} على أمر الله، واختلفوا في ذا الكفل. # قال عطاء: إن نبيا من أنبياء بني إسرائيل أوحى الله إليه أني أريد قبض ~~روحك فاعرض ملكك على بني إسرائيل فمن تكفل لك أن يصلي بالليل لا يفتر، ~~ويصوم بالنهار ولا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك إليه ففعل ~~ذلك، فقام شاب فقال: أنا أتكفل لك بهذا فتكفل، ووفى به فشكر الله له ونبأه ~~فسمي ذا الكفل (1) . # وقال مجاهد: لما كبر اليسع قال: [لو] (2) أني أستخلف رجلا على الناس يعمل ~~عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، قال: فجمع الناس فقال: من يتقبل مني ~~بثلاث أستخلفه: يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يغضب، فقام رجل تزدريه العين، ~~فقال: أنا فرده ذلك اليوم، وقال مثلها اليوم الآخر فسكت الناس، وقام ذلك ~~الرجل فقال: أنا، فاستخلفه فأتاه إبليس في صورة شيخ ضعيف حين أخذ مضجعه ~~للقائلة، وكان لا ينام بالليل [والنهار] (3) إلا تلك النومة فدق الباب، ~~فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم، فقام ففتح الباب فقال: إن بيني وبين ~~قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا وفعلوا فجعل يطول حتى حضر الرواح، وذهبت ~~القائلة، فقال: إذا رحت فائتني [فإني] (4) آخذ حقك، فانطلق وراح، فكان في ms1678 ~~مجلسه ينظر هل يرى الشيخ فلم يره، فقام يبتغيه فلما كان الغد جلس يقضي بين ~~الناس وينتظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه أتاه فدق الباب، ~~فقال: من هذا؟ فقال: الشيخ المظلوم ففتح [له الباب] (5) فقال: ألم أقل لك ~~إذا قعدت فائتني؟ فقال: إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك ~~حقك وإذا قمت جحدوني، قال: فانطلق فإذا رحت فائتني، ففاتته القائلة وراح ~~فجعل ينظر فلا يراه فشق عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدعن أحدا يقرب ~~هذا الباب حتى أنام فإنه قد شق علي النوم، فلما كان تلك الساعة جاء فلم ~~يأذن له الرجل، فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها، فإذا هو في ~~البيت يدق الباب من داخل، فاستيقظ فقال: يا فلان ألم آمرك، فقال: أما من ~~قبلي فلم تؤت فانظر من أين أتيت، فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه، ~~وإذا الرجل معه في البيت، فقال: أتنام والخصوم ببابك؟ فعرفه فقال: أعدو ~~PageV05P348 # الله؟ قال: نعم أعييتني ففعلت ما ترى لأغضبك فعصمك الله، فسمي ذا الكفل ~~لأنه تكفل بأمر فوفى به (1) . # وقيل: إن إبليس جاءه وقال: إن لي غريما يمطلني فأحب أن تقوم معي وتستوفي ~~حقي منه، فانطلق معه حتى إذا كان في السوق خلاه وذهب. وروي: أنه اعتذر ~~إليه. وقال: إن صاحبي هرب. # وقيل: إن ذا الكفل رجل كفل أن يصلي كل ليلة مائة ركعة 21/ب إلى أن يقبضه ~~الله فوفى به. # واختلفوا في أنه كان نبيا، فقال بعضهم: كان نبيا (2) . وقيل: هو إلياس. ~~وقيل: زكريا. وقال أبو موسى: لم يكن نبيا ولكن كان عبدا صالحا (3) . ### || # {وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86) وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن ~~أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين (87) } # {وأدخلناهم في رحمتنا} يعني ما أنعم الله عليهم من النبوة وصيرهم إليه في ~~الجنة من الثواب، {إنهم من الصالحين} قوله عز وجل: {وذا النون} أي: ms1679 اذكر ~~صاحب الحوت وهو يونس بن متى، {إذ ذهب مغاضبا} اختلفوا في معناه. # فقال الضحاك: مغاضبا لقومه، وهو رواية العوفي وغيره عن ابن عباس، قال: ~~كان يونس وقومه يسكنون فلسطين فغزاهم ملك فسبى منهم تسعة أسباط ونصفا وبقي ~~سبطا ونصف، فأوحى الله إلى شعياء النبي أن سر إلى حزقيل الملك، وقل له حتى ~~يوجه نبيا قويا فإني ألقي [الرعب] (4) في قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بني ~~إسرائيل، فقال له الملك فمن ترى، وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال ~~يونس: إنه قوي أمين فدعا الملك يونس فأمره أن يخرج، فقال له يونس: هل أمرك ~~الله بإخراجي؟ قال: لا قال: فهل سماني لك؟ قال: لا قال: فهاهنا غيري أنبياء ~~أقوياء فألحوا PageV05P349 # عليه فخرج من بينهم مغاضبا للنبي وللملك، ولقومه فأتى بحر الروم فركبه ~~(1) . # وقال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير وجماعة: ذهب عن قومه مغاضبا لربه إذ ~~كشف عن قومه العذاب بعدما أوعدهم، وكره أن يكون بين قوم قد جربوا عليه ~~الخلف فيما أوعدهم، واستحيا منهم، ولم يعلم السبب الذي به رفع العذاب، وكان ~~غضبه أنفة من ظهور خلف وعده، وأنه يسمى كذابا لا كراهية لحكم الله تعالى ~~(2) . # وفي بعض الأخبار أنه كان من عادة قومه أن يقتلوا من جربوا عليه الكذب ~~فخشي أن يقتلوه لما لم يأتهم العذاب للميعاد، فغضب، والمغاضبة هاهنا ~~كالمفاعلة التي تكون من واحد، كالمسافرة والمعاقبة، فمعنى قوله مغاضبا أي ~~غضبان. # وقال الحسن: إنما غضب ربه عز وجل من أجل أنه أمره بالمسير إلى قومه ~~لينذرهم بأسه ويدعوهم إليه، فسأل ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم، فقيل ~~له إن الأمر أسرع من ذلك حتى سأل أن ينظر إلا أن يأخذ نعلا يلبسها فلم ينظر ~~(3) وكان في خلقه ضيق [فذهب مغاضبا] (4) . # وعن ابن عباس، قال: أتى جبريل يونس فقال: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم، ~~قال: ألتمس دابة قال: الأمر أعجل من ذلك، فغضب فانطلق إلى السفينة. # وقال وهب بن منبه: إن يونس بن متى كان عبدا صالحا وكان ms1680 في خلقه ضيق، فلما ~~حمل عليه أثقال النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع (5) تحت الحمل الثقيل فقذفها ~~من يده، وخرج هاربا منها، فلذلك أخرجه الله من أولي العزم من الرسل وقال ~~لنبيه [محمد صلى الله عليه وسلم] (6) {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} ~~(الأحقاف: 35) ، وقال: {ولا تكن كصاحب الحوت} (7) (القلم: 48) . ~~PageV05P350 # قوله عز وجل {فظن أن لن نقدر عليه} أي لن نقضي بالعقوبة، قاله مجاهد ~~وقتادة والضحاك والكلبي، وهو رواية العوفي عن ابن عباس يقال: قدر الله ~~الشيء تقديرا وقدر يقدر قدرا بمعنى واحد، ومنه قوله: {نحن قدرنا بينكم ~~الموت} (الواقعة: 60) في قراءة من قرأها بالتخفيف، دليل هذا التأويل قراءة ~~عمر بن عبد العزيز والزهري: {فظن أن لن نقدر عليه} بالتشديد، وقال عطاء ~~وكثير من العلماء: معناه فظن أن لن نضيق عليه الحبس، من قوله تعالى: {الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} (الرعد: 26) ، أي يضيق. وقال ابن زيد: هو ~~استفهام معناه: أفظن أنه يعجز ربه، فلا يقدر عليه. وقرأ يعقوب يقدر [بضم ~~الياء] (1) على المجهول خفيف. # وعن الحسن قال: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب انطلق مغاضبا لربه واستزله ~~الشيطان حتى ظن أن لن نقدر عليه، وكان له سلف وعبادة فأبى الله أن يدعه ~~للشيطان، فقذفه في بطن الحوت فمكث فيه أربعين من بين يوم وليلة (2) . وقال ~~عطاء: سبعة أيام [وقيل: ثلاثة أيام] (3) . وقيل: إن الحوت ذهب به مسيرة ستة ~~آلاف سنة. وقيل: بلغ به تخوم الأرض السابعة فتاب إلى ربه تعالى في بطن ~~الحوت، وراجع نفسه فقال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، حين ~~عصيتك وما صنعت من شيء فلن أعبد غيرك فأخرجه الله من بطن الحوت برحمته، ~~والتأويلات المتقدمة أولى بحال الأنبياء أنه ذهب مغاضبا لقومه أو للملك، ~~{فنادى في الظلمات} أي ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، {أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} # وروي عن أبي هريرة مرفوعا: أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحما ~~ولا تكسر ms1681 له عظما، فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه في البحر، فلما انتهى به إلى ~~أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا؟ فأوحى الله إليه: أن هذا ~~تسبيح دواب البحر، قال: فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه، ~~فقالوا: يا ربنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة، وفي رواية صوتا معروفا من ~~مكان مجهول، فقال: ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت، فقالوا العبد ~~الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم فشفعوا ~~له، عند ذلك PageV05P351 # فأمر الحوت فقذفه إلى الساحل (1) كما قال الله تعالى: {فنبذناه بالعراء ~~وهو سقيم} (الصافات: 145) . ### || # {فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) وزكريا إذ نادى ~~ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) } # فلذلك قوله عز وجل: {فاستجبنا له} يعني: أجبناه، {ونجيناه من الغم} من ~~تلك الظلمات، {وكذلك ننجي المؤمنين} من كل كرب إذا دعونا واستغاثوا بنا، ~~قرأ ابن عامر وعاصم برواية أبي بكر: " نجي " بنون واحدة وتشديد الجيم ~~وتسكين الياء لأنها مكتوبة في المصحف بنون واحدة، واختلف النحاة في هذه ~~القراءة، فذهب أكثرهم إلى أنها لحن لأنه لو كان على ما لم يسم فاعله لم ~~تسكن الياء ورفع المؤمنون، ومنهم من صوبها، وذكر الفراء أن لها وجها آخر ~~وهو إضمار المصدر، أي نجا النجاء المؤمنين، ونصب المؤمنين كقولك: ضرب الضرب ~~زيدا، ثم تقول ضرب زيدا بالنصب على إضماء المصدر، وسكن الياء في " نجي " ~~كما يسكنون في بقي ونحوها، قال القتيبي من قرأ بنون واحدة والتشديد فإنما ~~أراد ننجي من التنجية إلا أنه أدغم وحذف نونا طلبا للخفة ولم 22/أيرضه ~~النحويون لبعد مخرج النون من الجيم، والإدغام يكون عند قرب المخرج، وقراءة ~~العامة {ننجي} بنونين من الإنجاء، وإنما كتبت بنون واحدة لأن النون الثانية ~~كانت ساكنة والساكن غير ظاهر على اللسان فحذفت كما فعلوا في إلا حذفوا ~~النون من إن لخفائها (2) واختلفوا في أن رسالة يونس متى كانت؟ فروى سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس: ms1682 كانت بعد أن أخرجه الله من بطن الحوت، بدليل أن الله عز ~~وجل ذكره في سورة الصافات، {فنبذناه بالعراء} (الصافات: 145) ، ثم ذكر ~~بعده: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} (الصافات: 147) ، وقال الآخرون: ~~إنها كانت من قبل بدليل قوله تعالى: {وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى ~~الفلك المشحون} (الصافات: 139 -140) . قوله عز وجل: {وزكريا إذ نادى ربه} ~~دعا ربه، {رب لا تذرني فردا} وحيدا لا ولد لي وارزقني وارثا، {وأنت خير ~~الوارثين} ثناء على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق وأنه أفضل من بقي حيا. ~~PageV05P352 ### || # {فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90) } # {والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين ~~(91) إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) } # {فاستجبنا له ووهبنا له يحيى} ولدا {وأصلحنا له زوجه} أي جعلناها ولودا ~~بعد ما كانت عقيما، قاله أكثر المفسرين، وقال بعضهم: كانت سيئة الخلق ~~فأصلحها له بأن رزقها حسن الخلق. {إنهم} يعني الأنبياء الذين سماهم في هذه ~~السورة، {كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا} طمعا، {ورهبا} خوفا، ~~رغبا من رحمة الله، ورهبا من عذاب الله، {وكانوا لنا خاشعين} أي متواضعين، ~~قال قتادة: ذللا لأمر الله. قال مجاهد: الخشوع هو الخوف اللازم في القلب. ~~{والتي أحصنت فرجها} حفظت من الحرام، وأراد مريم بنت عمران، {فنفخنا فيها ~~من روحنا} أي أمرنا جبرائيل حتى نفخ في جيب درعها، وأحدثنا بذلك النفخ ~~المسيح في بطنها، وأضاف الروح إليه تشريفا لعيسى عليه السلام، {وجعلناها ~~وابنها آية للعالمين} أي دلالة على كمال قدرتنا على خلق ولد من غير أب، ولم ~~يقل آيتين وهما آيتان لأن معنى الكلام وجعلنا شأنهما وأمرهما آية ولأن ~~الآية كانت فيهما واحدة، وهي أنها أتت به من غير فحل. قوله عز وجل: {إن هذه ~~أمتكم} أي ملتكم ودينكم، {أمة واحدة} أي دينا واحدا وهو الإسلام، فأبطل ما ~~سوى الإسلام من الأديان، وأصل الأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد ms1683 فجعلت ~~الشريعة أمة واحدة لاجتماع أهلها على مقصد واحد، ونصب أمة على القطع. {وأنا ~~ربكم فاعبدون} ### || # {وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) فمن يعمل من الصالحات وهو ~~مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94) وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا ~~يرجعون (95) حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) } # {وتقطعوا أمرهم بينهم} أي اختلفوا في الدين فصاروا فرقا وأحزابا، قال ~~الكلبي: [فرقوا دينهم بينهم] (1) يلعن بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض، ~~والتقطع هاهنا بمعنى التقطيع، {كل إلينا راجعون} فنجزيهم بأعمالهم. ~~PageV05P353 # {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} لا يجحد ولا يبطل سعيه ~~بل يشكر ويثاب عليه، {وإنا له كاتبون} لعمله حافظون، وقيل: معنى الشكر من ~~الله المجازاة. {وحرام على قرية} قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: " وحرم " ~~بكسر الحاء بلا ألف، وقرأ الباقون بالألف " حرام " وهما لغتان مثل حل ~~وحلال. # قال ابن عباس: معنى الآية وحرام على قرية أي أهل قرية، {أهلكناها} أن ~~يرجعوا بعد الهلاك، فعلى هذا تكون " لا " صلة، وقال آخرون: الحرام بمعنى ~~الواجب، فعلى هذا تكون " لا " ثابتا معناه واجب على أهل قرية أهلكناهم ~~{أنهم لا يرجعون} إلى الدنيا. # وقال الزجاج: معناه وحرام على أهل قرية أهلكناهم أي حكمنا بهلاكهم أن ~~تتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون، والدليل على هذا المعنى أنه ~~قال في الآية التي قبلها: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} ~~أي يتقبل عمله، ثم ذكر هذه الآية عقيبه وبين أن الكافر لا يتقبل عمله. قوله ~~عز وجل: {حتى إذا فتحت} قرأ ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب: " فتحت " بالتشديد ~~على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف، {يأجوج ومأجوج} يريد فتح السد عن ~~يأجوج ومأجوج، {وهم من كل حدب} أي نشز وتل، والحدب المكان المرتفع، ~~{ينسلون} يسرعون النزول من الآكام والتلال كنسلان الذئب، وهو سرعة مشيه، ~~واختلفوا في هذه الكناية، فقال قوم: عني بهم يأجوج ومأجوج بدليل ما روينا ~~عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1684 أنه قال: "ويبعث الله ~~يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون" (1) وقال قوم: أراد جميع الخلق يعني ~~أنهم يخرجون من قبورهم، ويدل عليه قراءة مجاهد وهم من كل جدث بالجيم والثاء ~~كما قال: {فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} (يونس: 51) . PageV05P354 # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ~~الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ~~أخبرنا مسلم بن حجاج، أخبرنا أبو خيثمة زهير بن حرب، أخبرنا سفيان بن ~~عيينة، عن فرات القزاز، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: ~~اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذكرون؟ قالوا: ~~نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدخان ~~والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج، ~~وثلاثة خسوف: خسف بالمغرف وخسف بالمشرق وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار ~~تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم" (1) . ### || # {واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في ~~غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97) } # قوله عز وجل: {واقترب الوعد الحق} يعني القيامة، قال الفراء وجماعة: ~~الواو في قوله واقترب [مقحمة فمعناه حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب] (2) ~~الوعد الحق، كما قال الله تعالى: {فلما أسلما وتله للجبين وناديناه} ~~(الصافات: 103) أي ناديناه، والدليل عليه ما روي عن حذيفة قال: لو أن رجلا ~~اقتنى فلوا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة (3) وقال قوم: ~~لا يجوز طرح الواو، وجعلوا جواب حتى إذا فتحت في قوله يا ويلنا، فيكون مجاز ~~الآية. حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق، قالوا: يا ويلنا قد ~~كنا في غفلة من هذا قوله: {فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا} وفي قوله "هي" ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها كناية عن الأبصار. ثم أظهر الأبصار بيانا، معناه فإذا 22/ب ~~الأبصار شاخصة أبصار الذين كفروا. # والثاني: أن "هي" تكون عمادا كقوله: {فإنها لا تعمى الأبصار} (الحج:46) ms1685 . # والثالث: أن يكون تمام الكلام عند قوله: "هي"، على معنى فإذا هي بارزة ~~يعني من قربها كأنها حاضرة، ثم ابتدأ: {شاخصة أبصار الذين كفروا} على تقديم ~~الخبر على الابتداء، مجازها أبصار الذين كفروا شاخصة. قال الكلبي: شخصت ~~أبصار الكفار فلا تكاد تطرف من شدة ذلك اليوم وهوله، يقولون، {يا ويلنا قد ~~كنا في غفلة من هذا} اليوم، {بل كنا ظالمين} بوضعنا PageV05P355 # العبادة في غير موضعها. ### || # {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) لو كان ~~هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99) لهم فيها زفير وهم فيها لا ~~يسمعون (100) إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) } # {إنكم} أيها المشركون {وما تعبدون من دون الله} يعني الأصنام، {حصب جهنم} ~~أي وقودها. وقال مجاهد وقتادة: حطبها، والحصب في لغة أهل اليمن: الحطب. ~~وقال عكرمة: هو الحطب بلغة الحبشة. قال الضحاك: يعني يرمون بهم في النار ~~كما يرمى بالحصباء. وأصل الحصب الرمي، قال الله عز وجل: {أرسلنا عليهم ~~حاصبا} (القمر: 34) أي ريحا ترميهم بحجارة، وقرأ علي بن أبي طالب: حطب ~~جهنم، {أنتم لها واردون} أي فيها داخلون. {لو كان هؤلاء} يعني الأصنام، ~~{آلهة} على الحقيقة، {ما وردوها} أي ما دخل عابدوها النار، {وكل فيها ~~خالدون} يعني العابد والمعبودين. {لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون} قال ~~ابن مسعود: في هذه الآية إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من ~~نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخرى [ثم تلك التوابيت في توابيت أخر] ~~(1) عليها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئا ولا يرى أحد منهم أن في النار ~~أحدا يعذب غيره، ثم استثنى فقال:. {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} قال بعض ~~أهل العلم: إن هاهنا بمعنى: إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى، يعني السعادة ~~والعدة الجميلة بالجنة، {أولئك عنها مبعدون} قيل: الآية عامة في كل من سبقت ~~لهم من الله السعادة. وقال أكثر المفسرين: عني بذلك كل من عبد من دون الله ~~وهو لله طائع ms1686 ولعبادة من يعبده كاره، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فعرض ~~له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ثم تلا ~~عليه: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} الآيات الثلاثة، ثم قام ~~فأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمي فأخبره الوليد بن المغيرة بما قال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله: أما والله لو وجدته لخصمته، ~~فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ابن الزبعرى: أنت قلت: ~~PageV05P356 # "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم"؟ قال: نعم، قال: أليست اليهود ~~تعبد عزيرا والنصارى تعبد المسيح، وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: بل هم يعبدون الشياطين فأنزل الله عز وجل: {إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى} (1) يعني عزيرا والمسيح والملائكة، {أولئك عنها ~~مبعدون} وأنزل في ابن الزبعرى: {ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} ~~(الزخرف: 58) ، وزعم جماعة أن المراد من الآية الأصنام، لأن الله تعالى ~~قال: {وما تعبدون من دون الله} ولو أراد به الملائكة والناس لقال ومن ~~تعبدون من دون الله (2) . PageV05P357 ### || # {لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) لا يحزنهم الفزع ~~الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) } # {لا يسمعون حسيسها} يعني صوتها وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم في الجنة، ~~والحس والحسيس: الصوت الخفي: {وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون} مقيمون كما ~~قال: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} (الزخرف: 71) . {لا يحزنهم ~~الفزع الأكبر} قال ابن عباس: الفزع الأكبر: النفخة الأخيرة بدليل قوله عز ~~وجل: {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض} (النمل: 87) ، ~~قال الحسن: حين يؤمر بالعبد إلى النار. قال ابن جريج: حين يذبح الموت ~~وينادى يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. وقال سعيد ~~بن جبير والضحاك: هو أن تطبق عليهم جهنم وذلك بعد أن ms1687 يخرج الله منها من ~~يريد أن يخرجه (1) . {وتتلقاهم الملائكة} أي تستقبلهم الملائكة على أبواب ~~الجنة +يهنئونهم، ويقولون: {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} PageV05P357 ### || # {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا ~~إنا كنا فاعلين (104) ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها ~~عبادي الصالحون (105) } # {يوم نطوي السماء} قرأ أبو جعفر: " تطوى " بالتاء وضمها وفتح الواو، و" ~~السماء " رفع على المجهول، وقرأ العامة بالنون وفتحها وكسر الواو، و" ~~السماء " نصب، {كطي السجل للكتب} قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم للكتب على ~~الجمع، وقرأ الآخرون للكتاب على الواحد، واختلفوا في السجل، فقال السدي: ~~السجل ملك يكتب أعمال العباد، واللام زائدة، أي كطي السجل للكتب كقوله {ردف ~~لكم} (النمل: 72) ، اللام فيه زائدة، وقال ابن عباس ومجاهد والأكثرون: ~~السجل الصحيفة للكتب أي لأجل ما كتب معناه كطي الصحيفة على مكتوبها، والسجل ~~اسم مشتق من المساجلة وهي المكاتبة، والطي هو الدرج الذي هو ضد النشر، {كما ~~بدأنا أول خلق نعيده} أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا كذلك ~~نعيدهم يوم القيامة، نظيره قوله تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم ~~أول مرة} (الأنعام: 94) ، وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "إنكم محشورون حفاة عراة غرلا"، ثم قرأ: {كما بدأنا أول خلق نعيده} ~~(1) {وعدا علينا إنا كنا فاعلين} يعني الإعادة والبعث. قوله عز وجل: {ولقد ~~كتبنا في الزبور من بعد الذكر} قال سعيد بن جبير ومجاهد: الزبور جميع الكتب ~~المنزلة، والذكر أم الكتاب الذي عنده، والمعنى من بعد ما كتب ذكره في اللوح ~~المحفوظ. # وقال ابن عباس والضحاك: الزبور التوراة والذكر الكتب المنزلة من بعد ~~التوراة. # وقال الشعبي: الزبور كتاب داود، [والذكر التوراة. وقيل: الزبور زبور ~~داود] (2) والذكر القرآن، وبعد بمعنى قبل، كقوله تعالى: {وكان وراءهم ملك} ~~(الكهف: 97) : أي أمامهم 23/أ {والأرض بعد ذلك دحاها} (النازعات: 30) قبله، ~~{أن الأرض} يعني أرض الجنة، {يرثها عبادي الصالحون} قال مجاهد: يعني أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم دليله ms1688 قوله تعالى: {وقالوا الحمد لله الذي ~~PageV05P358 # صدقنا وعده وأورثنا الأرض} (الزمر: 74) ، وقال ابن عباس: أراد أن أراضي ~~الكفار يفتحها المسلمون وهذا حكم من الله بإظهار الدين وإعزاز المسلمين. ~~وقيل: أراد بالأرض الأرض المقدسة. ### || # {إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ~~(107) قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) فإن ~~تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109) } # {إن في هذا} أي في هذا القرآن، {لبلاغا} وصولا إلى البغية، أي من اتبع ~~القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجوه من الثواب. وقيل: بلاغا أي كفاية. يقال في ~~هذا الشيء بلاغ وبلغة أي كفاية، والقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر، {لقوم ~~عابدين} أي المؤمنين الذين يعبدون الله، وقال ابن عباس: عالمين. وقال كعب ~~الأحبار: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان. ~~{وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} قال ابن زيد: يعني رحمة للمؤمنين خاصة فهو ~~رحمة لهم. [وقال ابن عباس: هو عام في حق من آمن ومن لم يؤمن فمن آمن فهو ~~رحمة له] في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن فهو رحمة له في الدنيا بتأخير ~~العذاب عنهم ورفع المسخ والخسف والاستئصال عنهم، وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "إنما أنا رحمة مهداة" (1) . {قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد فهل أنتم مسلمون} أي أسلموا. {فإن تولوا فقل آذنتكم} أي أعلمتكم ~~بالحرب وأن لا صلح بيننا، {على سواء} أي إنذار بين يستوي في علمه لا ~~استيذانا به دونكم لتتأهبوا لما يراد بكم، أي آذنتكم على وجه نستوي نحن ~~وأنتم في العلم به، وقيل: لتستووا في الإيمان، {وإن أدري} أي وما أعلم. ~~{أقريب أم بعيد ما توعدون} يعني القيامة. PageV05P359 ### || # {إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) وإن أدري لعله فتنة لكم ~~ومتاع إلى حين (111) قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون ~~(112) } # {إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون} . {وإن أدري لعله} أي ms1689 لعل ~~تأخير العذاب عنكم كناية عن غير مذكور، {فتنة} اختبار، {لكم} ليرى كيف ~~صنيعكم وهو أعلم، {ومتاع إلى حين} أي تتمتعون إلى انقضاء آجالكم. {قال رب ~~احكم بالحق} قرأ حفص عن عاصم: {قال رب احكم} والآخرون: " قل رب احكم " افصل ~~بيني وبين من كذبني بالحق، فإن قيل كيف قال احكم بالحق والله لا يحكم إلا ~~بالحق؟ قيل: الحق هاهنا بمعنى العذاب كأنه استعجل العذاب لقومه فعذبوا يوم ~~بدر، نظيره قوله تعالى: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} (الأعراف: 89) ~~، وقال أهل المعاني: معناه رب احكم بحكمك الحق فحذف الحكم وأقيم الحق ~~مقامه، والله تعالى يحكم بالحق طلب أو لم يطلب، ومعنى الطلب ظهور الرغبة من ~~الطالب في حكمه الحق، {وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون} من الكذب ~~والباطل. # PageV05P360 ### | سورة الحج # مكية غير آيات من قوله عز وجل {هذان خصمان} إلى قوله {وهدوا إلى صراط ~~الحميد} . # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء ~~عظيم (1) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى ~~الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2) } # {يا أيها الناس اتقوا ربكم} أي: احذروا عقابه بطاعته، {إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم} والزلزلة والزلزال شدة الحركة على الحالة الهائلة، واختلفوا في ~~هذه الزلزلة: # فقال علقمة والشعبي: هي من أشراط الساعة. [وقيل: قيام الساعة] (1) . # وقال الحسن والسدي: هذه الزلزلة تكون يوم القيامة. # وقال ابن عباس: زلزلة الساعة قيامها فتكون معها. {يوم ترونها} يعني ~~الساعة، وقيل: الزلزلة، {تذهل} قال ابن عباس: تشغل، وقيل: تنسى، يقال: ذهلت ~~عن كذا أي تركته واشتغلت بغيره. {كل مرضعة عما أرضعت} أي: كل امرأة معها ~~ولد ترضعه، يقال: امرأة مرضع، بلا هاء، إذا أريد به الصفة، مثل حائض وحامل، ~~فإذا أرادوا الفعل أدخلوا الهاء. {وتضع كل ذات حمل حملها} أي: تسقط ولدها ~~من هول ذلك اليوم. PageV05P361 # قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها ~~بغير تمام (1) وهذا يدل على أن ms1690 هذه الزلزلة تكون في الدنيا لأن بعد البعث ~~لا يكون حمل. # ومن قال: تكون في القيامة، قال هذا على وجه تعظيم الأمر لا على حقيقته، ~~كقولهم: أصابنا أمر يشيب فيه الوليد، يريد شدته. # {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى} قرأ حمزة والكسائي: "سكرى وما هم ~~بسكرى" بلا ألف وهما لغتان في جمع السكران، مثل كسلى وكسالى. # قال الحسن: معناه: وترى الناس سكارى من الخوف، وما هم بسكارى من الشراب. # وقيل: معناه: وترى الناس كأنهم سكارى، {ولكن عذاب الله شديد} # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر، أخبرنا إبراهيم ~~بن عبد الله بن عمر بن بكير الكوفي العبسي، أخبرنا وكيع عن الأعمش، عن أبي ~~صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول ~~الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم قم فابعث بعث النار، قال فيقول: لبيك ~~وسعديك والخير كله في يديك، يا رب وما بعث النار؟ قال فيقول: من كل ألف ~~تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فحينئذ يشيب المولود، وتضع كل ذات حمل حملها ~~وترى [الناس] (2) سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، قال: فيقولون: ~~وأينا ذاك الواحد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسعمائة وتسعة ~~وتسعون من يأجوج ومأجوج ومنكم واحد"، فقال الناس: الله أكبر، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "والله إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، والله ~~إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، والله إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل ~~الجنة، قال فكبر الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنتم يومئذ ~~في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو الشعرة السوداء في الثور ~~الأبيض" (3) . # وروي عن عمران بن حصين، وأبي سعيد الخدري، وغيرهما: أن هاتين الآيتين ~~نزلتا في PageV05P364 # غزوة 23/ب بني المصطلق ليلا فنادى [منادي] (1) رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فحثوا المطي حتى كانوا حول رسول ms1691 الله صلى الله عليه وسلم، فقرأها ~~عليهم فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن ~~الدواب، ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا قدرا، والناس ما بين باك أو جالس ~~حزين متفكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون أي يوم ذلك؟ ~~قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذلك يوم يقول الله عز وجل لآدم قم فابعث بعث ~~النار من ولدك، فيقول آدم: من كل كم؟ فيقول الله عز وجل: من كل ألف تسعمائة ~~وتسعة وتسعين إلى النار وواحد في الجنة، قال: فكبر ذلك على المسلمين وبكوا ~~وقالوا: فمن ينجو إذا يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أبشروا وسددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما كانتا في قوم إلا كثرتاه: يأجوج ~~ومأجوج، ثم قال: إني لأرجو [أن تكونوا] (2) ثلث أهل الجنة، فكبروا وحمدوا ~~الله، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، فكبروا وحمدوا الله، ثم ~~قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة، وإن أهل الجنة مائة وعشرون صفا، ~~ثمانون منها أمتي، وما المسلمون في الكفار إلا كالشامة في جنب البعير أو ~~كالرقمة في ذراع الدابة، بل كالشعرة السوداء في الثور الأبيض أو كالشعرة ~~البيضاء في الثور الأسود. ثم قال: ويدخل من أمتي سبعون ألفا الجنة بغير ~~حساب، فقال عمر: سبعون ألفا؟ قال: نعم ومع كل واحد سبعون ألفا، فقام عكاشة ~~بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أنت منهم، فقام رجل من الأنصار فقال: ادع الله أن يجعلني ~~منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبقك بها عكاشة" (3) . ### || # {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) كتب عليه ~~أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) يا أيها الناس إن كنتم ~~في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ~~مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر ms1692 في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم ~~نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ~~لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) } # قوله عز وجل: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} نزلت في النضر بن ~~الحارث (4) كان كثير الجدل، وكان يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير ~~الأولين، وكان ينكر البعث وإحياء من صار ترابا. # قوله تعالى: {ويتبع} أي: يتبع في جداله في الله بغير علم، {كل شيطان ~~مريد} والمريد: المتمرد المستمر في الشر. {كتب عليه} قضي على الشيطان، {أنه ~~من تولاه} اتبعه {فأنه} يعني الشيطان، PageV05P365 # {يضله} أي: يضل من تولاه، {ويهديه إلى عذاب السعير} ثم ألزم الحجة على ~~منكري البعث فقال: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب} في شك {من البعث فإنا ~~خلقناكم} يعني: أباكم آدم الذي هو أصل النسل، {من تراب ثم من نطفة} يعني: ~~ذريته، والنطفة هي المني، وأصلها الماء القليل وجمعها نطاف، {ثم من علقة} ~~وهي الدم الغليظ المتجمد، وجمعها علق، وذلك أن النطفة تصير دما غليظا ثم ~~تصير لحما، {ثم من مضغة} وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ، {مخلقة وغير مخلقة} # قال ابن عباس وقتادة: "مخلقة" أي تامة الخلق، "وغير مخلقة" غير تامة أي ~~ناقصة الخلق. # وقال مجاهد: مصورة وغير مصورة، يعني السقط. # وقيل: "المخلقة" الولد الذي تأتي به المرأة لوقته، "وغير المخلقة" السقط. # روي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم ~~أخذها ملك بكفه وقال: أي رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة، قذفها ~~الرحم دما ولم تكن نسمة، وإن قال: مخلقة، قال الملك: أي رب أذكر أم أنثى، ~~أشقي أم سعيد؟ ما الأجل ما العمل ما الرزق وبأي أرض يموت؟ فيقال له: اذهب ~~إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها كل ذلك، فيذهب فيجدها في أم الكتاب فينسخها، ~~فلا يزال معه حتى يأتي ms1693 على آخر صفته (1) . # {لنبين لكم} كمال قدرتنا وحكمتنا في تصريف أطوار خلقكم ولتستدلوا بقدرته ~~في ابتداء الخلق على قدرته على الإعادة. # وقيل: لنبين لكم ما تأتون وما تذرون وما تحتاجون إليه في العبادة. # {ونقر في الأرحام ما نشاء} فلا تمجه ولا تسقطه، {إلى أجل مسمى} وقت ~~خروجها من الرحم تامة الخلق والمدة. {ثم نخرجكم} من بطون أمهاتكم {طفلا} ~~أي: صغارا، ولم يقل: PageV05P366 # أطفالا لأن العرب تذكر الجمع باسم الواحد. وقيل: تشبيها بالمصدر مثل عدل ~~وزور. {ثم لتبلغوا أشدكم} يعني: الكمال والقوة. # {ومنكم من يتوفى} من قبل بلوغ الكبر، {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} أي: ~~الهرم والخرف، {لكيلا يعلم من بعد علم شيئا} أي: يبلغ من السن ما يتغير ~~عقله فلا يعقل شيئا. # ثم ذكر دليلا آخر على البعث فقال: {وترى الأرض هامدة} أي: يابسة لا نبات ~~فيها، {فإذا أنزلنا عليها الماء} المطر، {اهتزت} تحركت بالنبات وذلك أن ~~الأرض ترتفع بالنبات فذلك تحركها، {وربت} أي: ارتفعت وزادت، وقيل: فيه ~~تقديم وتأخير معناه: ربت واهتزت وربا نباتها، فحذف المضاف، والاهتزاز في ~~النبات أظهر، يقال: اهتز النبات أي: طال وإنما أنت لذكر الأرض. وقرأ أبو ~~جعفر: " وربأت " بالهمزة، وكذلك في حم السجدة، أي: ارتفعت وعلت. # {وأنبتت من كل زوج بهيج} أي: صنف حسن يبهج به من رآه، أي: يسر، فهذا دليل ~~آخر على البعث. # PageV05P367 ### || # {ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) وأن ~~الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7) ومن الناس من ~~يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) } # {ذلك بأن الله هو الحق} أي: لتعلموا أن الله هو الحق، {وأنه يحيي الموتى ~~وأنه على كل شيء قدير} . {وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في ~~القبور} . {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} يعني النضر بن الحارث، ~~{ولا هدى} بيان {ولا كتاب منير} # PageV05P367 ### || # {ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه ms1694 يوم القيامة عذاب ~~الحريق (9) ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (10) ومن الناس من ~~يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ~~خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) } # {ثاني عطفه} أي: متبخترا لتكبره. وقال مجاهد، وقتادة: لاوي عنقه. قال ~~عطية، وابن زيد: معرضا عما يدعى إليه تكبرا. وقال ابن جريج: يعرض عن الحق ~~تكبرا. والعطف: الجانب، وعطفا الرجل: جانباه عن يمين وشمال وهو الموضع الذي ~~يعطفه الإنسان أي يلويه ويميله عند الإعراض عن الشيء، نظيره قوله تعالى: ~~{وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا} (لقمان: 7) ، وقال تعالى: {وإذا قيل ~~لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم} (المنافقون: 5) . {ليضل عن ~~سبيل الله} 24/أعن دين الله، {له في الدنيا خزي} عذاب وهوان، وهو القتل ~~ببدر، فقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط يوم بدر صبرا. {ونذيقه يوم ~~القيامة عذاب الحريق} ويقال له: {ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد} فيعذبهم بغير ذنب وهو جل ذكره على أي وجه شاء تصرف في عبده، فحكمه ~~عدل وهو غير ظالم. قوله عز وجل: {ومن الناس من يعبد الله على حرف} الآية ~~نزلت في قوم من الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم فكان ~~أحدهم إذا قدم المدينة فصح بها جسمه ونتجت بها فرسه مهرا حسنا وولدت امرأته ~~غلاما وكثر ماله، قال: هذا دين حسن وقد أصبت فيه خيرا واطمأن إليه، وإن ~~أصابه مرض وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه (1) وقل ماله، قال: ما أصبت منذ ~~دخلت في هذا الدين إلا شرا فينقلب عن دينه، وذلك الفتنة (2) فأنزل الله عز ~~وجل: # {ومن الناس من يعبد الله على حرف} أكثر المفسرين قالوا: على شك وأصله من ~~حرف الشيء وهو طرفه، نحو حرف الجبل والحائط الذي كالقائم عليه غير مستقر، ~~فقيل للشاك في الدين إنه يعبد الله على حرف لأنه على طرف وجانب من الدين لم ~~يدخل فيه على الثبات والتمكن وأصله كالقائم على حرف الجبل ms1695 مضطرب غير مستقر، ~~يعرض أن يقع في أحد جانبي الطرف لضعف قيامه، ولو عبدوا الله في الشكر على ~~السراء والصبر على الضراء لم يكونوا على حرف، قال الحسن: هو المنافق ~~PageV05P368 # يعبده بلسانه دون قلبه {فإن أصابه خير} صحة في جسمه، وسعة في معيشته، ~~{اطمأن به} أي: رضي به وسكن إليه، {وإن أصابته فتنة} بلاء في جسده، وضيق في ~~معيشته، {انقلب على وجهه} ارتد ورجع على عقبه إلى الوجه الذي كان عليه من ~~الكفر، {خسر الدنيا} يعني هذا الشاك خسر الدنيا بفوات ما كان يؤمل، ~~{والآخرة} بذهاب الدين والخلود في النار. قرأ يعقوب " خاسر " بالألف ~~{والآخرة} جر. {ذلك هو الخسران المبين} الظاهر. ### || # {يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) ~~يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13) } # {يدعو من دون الله ما لا يضره} إن عصاه ولم يعبده، {وما لا ينفعه} إن ~~أطاعه وعبده، {ذلك هو الضلال البعيد} عن الحق والرشد. {يدعو لمن ضره أقرب ~~من نفعه} هذه الآية من مشكلات القرآن وفيها أسئلة: # أولها قالوا: قد قال الله في الآية الأولى "يدعو من دون الله ما لا ~~يضره"، وقال هاهنا: "لمن ضره أقرب"، فكيف التوفيق بينهما؟ # قيل قوله في الآية الأولى "يدعو من دون الله ما لا يضره" أي: لا يضره ترك ~~عبادته، وقوله: "لمن ضره أقرب" أي: ضر عبادته. # فإن قيل: قد قال: "لمن ضره أقرب من نفعه" ولا نفع في عبادة الصنم أصلا؟. # قيل: هذا على عادة العرب، فإنهم يقولون لما لا يكون أصلا بعيد، كقوله ~~تعالى: {ذلك رجع بعيد} (ق:3) أي: لا رجع أصلا فلما كان نفع الصنم بعيدا، ~~على معنى: أنه لا نفع فيه أصلا قيل: ضره أقرب، لأنه كائن. # السؤال الثالث: قوله {لمن ضره أقرب} ما وجه هذه اللام؟ اختلفوا فيه، فقال ~~بعضهم: هي صلة، مجازها: يدعو من ضره أقرب (1) وكذلك قرأها ابن مسعود. وقيل: ~~"لمن ضره" أي إلى الذي ضره أقرب من نفعه. وقيل: "يدعو" ms1696 بمعنى يقول: والخبر ~~محذوف، أي يقول: لمن ضره أقرب من نفعه هو إله. PageV05P369 # وقيل: معناه يدعو لمن ضره أقرب من نفعه يدعو، فحذف يدعو الأخيرة اجتزاء ~~بالأولى، ولو قلت: يضرب لمن خيره أكثر من شره يضرب، ثم يحذف الأخير جاز. # وقيل: على التوكيد، معناه: يدعو والله لمن ضره أقرب من نفعه. # وقيل: "يدعو من" صلة قوله: "ذلك هو الضلال البعيد" يقول: ذلك هو الضلال ~~البعيد يدعو، ثم استأنف فقال: "لمن ضره أقرب من نفعه" فيكون "من" في محل ~~رفع بالابتداء وخبره: {لبئس المولى} أي الناصر. وقيل: المعبود. {ولبئس ~~العشير} أي: الصاحب والمخالط، يعني: الوثن، والعرب تسمي الزوج عشيرا لأجل ~~المخالطة. ### || # {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~إن الله يفعل ما يريد (14) من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة ~~فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) } # قوله عز وجل: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد} . {من كان يظن أن لن ينصره الله} يعني ~~نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم {في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب} بحبل {إلى ~~السماء} أراد بالسماء سقف البيت على قول الأكثرين، أي: ليشدد حبلا في سقف ~~بيته فليختنق به حتى يموت، {ثم ليقطع} الحبل بعد الاختناق. وقيل: "ثم ~~ليقطع" أي ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقا، {فلينظر هل يذهبن كيده} ~~صنيعه وحيلته، {ما يغيظ} "ما" بمعنى المصدر، أي: هل يذهبن كيده وحيلته ~~غيظه، معناه: فليختنق غيظا حتى يموت. وليس هذا على سبيل الحتم أي: أن يفعله ~~لأنه لا يمكنه القطع والنظر بعد الاختناق والموت، ولكنه كما يقال للحاسد: ~~إن لم ترض هذا فاختنق ومت غيظا. # وقال ابن زيد: المراد من السماء السماء المعروفة. # ومعنى الآية: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ويكيد في أمره ليقطعه عنه ~~فليقطعه من أصله، فإن أصله من السماء، فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع عن ~~النبي ms1697 صلى الله عليه وسلم الوحي الذي يأتيه فلينظر هل يقدر على إذهاب غيظه ~~بهذا الفعل. # PageV05P370 # وروي أن هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان، دعاهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى الإسلام وكان بينهم وبين اليهود حلف، وقالوا: لا يمكننا أن نسلم ~~لأنا نخاف أن لا ينصر محمد ولا يظهر أمره فينقطع الحلف بيننا وبين اليهود، ~~فلا يميروننا ولا +يئوننا فنزلت هذه الآية (1) . # وقال مجاهد: "النصر" بمعنى الرزق (2) والهاء راجعة إلى {من} ومعناه: من ~~كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة. نزلت فيمن أساء الظن بالله عز ~~وجل وخاف ألا يرزقه الله، "فليمدد بسبب إلى السماء"، أي: إلى سماء البيت، ~~فلينظر هل يذهبن فعله ذلك ما يغيظ، وهو خيفة أن لا يرزق. # وقد يأتي النصر بمعنى الرزق، تقول العرب: من ينصرني نصره الله. أي: من ~~يعطني أعطاه الله، قال أبو عبيدة: تقول العرب: أرض منصورة، أي: ممطورة. # قرأ أبو عمرو، ونافع، وابن عامر، ويعقوب: "ثم ليقطع" "ثم ليقضوا" بكسر ~~اللام، والباقون بجزمها لأن الكل لام الأمر، زاد ابن عامر {وليوفوا نذورهم ~~وليطوفوا} (الحج: 29) بكسر اللام فيهما، ومن كسر في: "ثم ليقطع" وفي "ثم ~~ليقضوا" فرق بأن ثم مفصول من الكلام، والواو كأنها من نفس الكلمة كالفاء في ~~قوله: "فلينظر". PageV05P371 ### || # {وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16) إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم ~~يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد (17) ألم تر أن الله يسجد له من في ~~السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير ~~من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ~~ما يشاء (18) } # {وكذلك} أي: مثل ذلك، يعني: ما تقدم من آيات القرآن، {أنزلناه} يعني: ~~القرآن {آيات بينات وأن الله يهدي من يريد} {إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا} يعني: عبدة الأوثان،، {إن الله ~~يفصل بينهم} يحكم بينهم، {يوم ms1698 القيامة إن الله على كل شيء شهيد} {ألم تر} ~~ألم تعلم، وقيل: {ألم تر} [تقرأ] (1) بقلبك {أن الله يسجد له من في ~~السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب} ~~PageV05P371 # قال مجاهد: سجودها تحول ظلالها. وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا ~~شمس ولا قمر إلا يقع ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات ~~اليمين حتى يرجع إلى مطلعه. وقيل: سجودها بمعنى الطاعة فإنه ما من جماد إلا ~~وهو مطيع لله خاشع له مسبح له كما أخبر الله تعالى عن السموات والأرض ~~{قالتا أتينا طائعين} (فصلت: 11) ، وقال في وصف الحجارة {وإن منها لما يهبط ~~من خشية الله} (البقرة: 74) ، وقال تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم} (الإسراء: 44) ، وهذا مذهب حسن موافق لقول أهل السنة. # قوله: {وكثير من الناس} أي: من هذه الأشياء كلها تسبح الله عز وجل "وكثير ~~من الناس"، يعني المسلمين. {وكثير حق عليه العذاب} وهم الكفار لكفرهم ~~وتركهم السجود وهم مع كفرهم تسجد ظلالهم لله عز وجل. والواو في قوله: ~~{وكثير حق عليه العذاب} واو الاستئناف. # {ومن يهن الله} أي: يهنه الله {فما له من مكرم} أي: من يذله الله فلا ~~يكرمه أحد، {إن الله يفعل ما يشاء} أي: يكرم ويهين فالسعادة والشقاوة ~~بإرادته ومشيئته. ### || # {هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من ~~فوق رءوسهم الحميم (19) } # قوله عز وجل: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} أي: جادلوا في دينه وأمره، ~~والخصم اسم شبيه بالمصدر، فلذلك قال: {اختصموا} بلفظ الجمع كقوله: {وهل ~~أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} (ص"21) ، واختلفوا في هذين الخصمين: # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، أخبرنا ~~هشيم، أخبرنا أبو هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم ~~قسما أن هذه الآية: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} نزلت في ms1699 الذين برزوا يوم ~~بدر: حمزة وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة، وشيبة ابني أبي ربيعة، والوليد ~~بن عتبة (1) . PageV05P372 # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا حجاج بن منهال، حدثنا المعتمر بن سليمان، ~~قال: سمعت أبي قال أخبرنا أبو مجلز، عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب ~~قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم ~~نزلت: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: علي ~~وحمزة، وعبيدة، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة (1) . # قال محمد بن إسحاق خرج -يعني يوم بدر -عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ~~ربيعة وابنه الوليد بن عتبة ودعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الأنصار ~~ثلاثة: عوذ ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء، وعبد الله بن رواحة فقالوا: من ~~أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، فقالوا حين انتسبوا: أكفاء كرام، ثم نادى ~~مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: قم يا عبيدة بن الحارث ويا حمزة بن عبد المطلب ويا علي بن أبي ~~طالب، فلما دنوا قالوا من أنتم؟ فذكروا وقالوا: نعم أكفاء كرام فبارز عبيدة ~~وكان أسن القوم عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد بن عتبة، فأما ~~حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة، وعلي الوليد، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتان ~~كلاهما [أثبت] (2) صاحبه، فكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه ~~واحتملا عبيدة إلى أصحابه، وقد قطعت رجله ومخها يسيل، فلما أتوا بعبيدة إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألست شهيدا يا رسول الله؟ قال: "بلى"، ~~فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حيا لعلم أنا أحق بما قال منه (3) حيث يقول: ~~ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل # وقال ابن عباس وقتادة: نزلت الآية في المسلمين وأهل الكتاب فقال أهل ~~الكتاب: نحن أولى بالله وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم، وقال ~~المؤمنون: ms1700 نحن أحق بالله آمنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونبيكم وبما ~~أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون نبينا وكتابنا وكفرتم به حسدا، فهذه ~~خصومتهم في ربهم (4) . # وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح والكلبي: هم المؤمنون والكافرون كلهم من أي ~~ملة كانوا (5) . # وقال بعضهم: جعل الأديان ستة في قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا} (المائدة: 69) الآية، فجعل خمسة للنار وواحدا للجنة، فقوله تعالى: ~~{هذان خصمان اختصموا في ربهم} ينصرف PageV05P373 # إليهم فالمؤمنون 25/أخصم وسائر الخمسة خصم. # وقال عكرمة: هما الجنة والنار اختصمتا كما أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ~~أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد حسين القطان، أخبرنا أحمد بن ~~يوسف السلمي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: حدثنا ~~أبو هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تحاجت الجنة والنار ~~فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني ~~إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرتهم؟ قال الله عز وجل للجنة: إنما أنت رحمتي ~~أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من ~~عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله فيها ~~رجله فتقول قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من ~~خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقا" (1) . ثم بين الله ~~عز وجل ما للخصمين فقال: # {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} قال سعيد بن جبير: ثياب من نحاس ~~مذاب، وليس من الآنية شيء إذا حمي أشد حرا منه وسمي باسم الثياب لأنها تحيط ~~بهم كإحاطة الثياب. # وقال بعضهم: يلبس أهل النار مقطعات من النار، {يصب من فوق رءوسهم الحميم} ~~الحميم: هو الماء الحار الذي انتهت حرارته. ### || # {يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) } # {يصهر به} أي: يذاب بالحميم، {ما في بطونهم} يقال: صهرت الألية والشحم ~~بالنار إذا أذبتهما أصهرها صهرا، معناه يذاب بالحميم الذي يصب من فوق ~~رءوسهم حتى يسقط ما في ms1701 بطونهم من الشحوم والأحشاء، {والجلود} أي: يشوي حرها ~~جلودهم فتتساط. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله ~~بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك، ~~عن سعيد بن زيد، عن أبي السمح، عن أبي جحيرة واسمه عبد الرحمن، عن أبي ~~هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ ~~الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ~~ثم يعاد كما كان" (2) . PageV05P374 ### || # {ولهم مقامع من حديد (21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ~~وذوقوا عذاب الحريق (22) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها ~~حرير (23) } # قوله تعالى: {ولهم مقامع من حديد} سياط من حديد واحدتها: مقمعة، قال ~~الليث: المقمعة شبه الجزر من الحديد، من قولهم: قمعت رأسه، إذا ضربته ضربا ~~عنيفا، وفي الخبر: "لو وضع مقمع من حديد في الأرض ثم اجتمع عليه الثقلان ما ~~أقلوه من الأرض" (1) . {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم} أي: كلما حاولوا ~~الخروج من النار لما يلحقهم من الغم والكرب الذي يأخذ بأنفاسهم {أعيدوا ~~فيها} أي: ردوا إليها بالمقامع. وفي التفسير: إن جهنم لتجيش بهم فتلقيهم ~~إلى أعلاها فيريدون الخروج منها فتضربهم الزبانية بمقامع من الحديد فيهوون ~~فيها سبعين خريفا. {وذوقوا عذاب الحريق} أي: تقول لهم الملائكة: ذوقوا عذاب ~~الحريق، أي: المحرق، مثل الأليم والوجيع. # قال الزجاج: هؤلاء أحد الخصمين. وقال في الآخر، وهم المؤمنون: {إن الله ~~يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها ~~من أساور من ذهب} {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب} جمع سوار، {ولؤلؤا} قرأ أهل ~~المدينة وعاصم "ولؤلؤا" هاهنا وفي سورة ms1702 الملائكة بالنصب وافق يعقوب هاهنا ~~على معنى ويحلون لؤلؤا، ولأنها مكتوبة في المصاحف بالألف، وقرأ الآخرون ~~بالخفض عطفا على قوله: "من ذهب"، ويترك الهمزة الأولى في كل القرآن أبو ~~جعفر وأبو بكر، واختلفوا في وجه إثبات الألف، فيه، فقال أبو عمرو: أثبتوها ~~كما أثبتوا في: قالوا وكانوا، وقال الكسائي: أثبتوها للهمزة، لأن الهمزة ~~حرف من الحروف {ولباسهم فيها حرير} أي: يلبسون في الجنة ثياب الإبريسم وهو ~~الذي حرم لبسه في الدنيا على الرجال. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو ~~القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن قتادة، عن داود ~~السراج، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم PageV05P375 # قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه الله إياه في الآخرة، فإن دخل ~~الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو" (1) . PageV05P376 ### || # {وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) إن الذين كفروا ~~ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه ~~والبادي ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) } # قوله عز وجل: {وهدوا إلى الطيب من القول} قال ابن عباس: هو شهادة أن لا ~~إله إلا الله. وقال ابن زيد: لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله ~~[وسبحان الله] (1) . وقال السدي: أي القرآن. وقيل: هو قول أهل الجنة: ~~"الحمد لله الذي صدقنا وعده". (الزمر:74) {وهدوا إلى صراط الحميد} إلى دين ~~الله وهو الإسلام، "والحميد" هو الله المحمود في أفعاله. قوله عز وجل: {إن ~~الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} عطف المستقبل على الماضي، لأن المراد من ~~لفظ المستقبل الماضي، كما قال تعالى في موضع آخر: {الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله} (النساء: 167) ، معناه: إن الذين كفروا فيما تقدم، ويصدون عن ~~سبيل الله في الحال، أي: وهم يصدون. {والمسجد الحرام} أي: ويصدون عن المسجد ~~الحرام. {الذي جعلناه للناس} قبلة لصلاتهم ومنسكا ومتعبدا كما قال: {وضع ~~للناس} (آل عمران: 96) . {سواء} قرأ حفص عن عاصم ويعقوب: "سواء" نصبا ms1703 ~~بإيقاع الجعل عليه لأن الجعل يتعدى إلى مفعولين. وقيل: معناه مستويا فيه، ~~{العاكف فيه والبادي} وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وما بعده خبر، ~~وتمام الكلام عند قوله " للناس " وأراد بالعاكف: المقيم فيه، وبالبادي: ~~الطارئ المنتاب إليه من غيره. # واختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: "سواء العاكف فيه والباد" أي: في ~~تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه. وإليه ذهب مجاهد والحسن وجماعة، وقالوا: ~~المراد منه نفس المسجد الحرام. ومعنى التسوية: هو التسوية في تعظيم الكعبة ~~في فضل الصلاة في المسجد الحرام والطواف بالبيت. PageV05P376 # وقال آخرون: المراد منه جميع الحرم، ومعنى التسوية: أن المقيم والبادي ~~سواء في النزول به، ليس أحدهما أحق بالمنزل يكون فيه من الآخر، غير أنه لا ~~يزعج فيه أحد إذا كان قد سبق إلى منزل، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير ~~وقتادة وابن زيد، قالوا: هما سواء في [البيوت] (1) والمنازل. # وقال عبد الرحمن بن سابط: كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل ~~مكة بأحق بمنزله منهم. وكان عمر بن الخطاب ينهى الناس أن يغلقوا أبوابهم في ~~الموسم، وعلى هذا القول لا يجوز بيع دور مكة وإجارتها، وعلى القول الأول ~~-وهو الأقرب إلى الصواب -يجوز، لأن الله تعالى قال: {الذين أخرجوا من ~~ديارهم} (الحج: 40) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "من دخل ~~دار أبي سفيان فهو آمن" (2) فنسب الدار إليه نسب ملك، واشترى عمر دارا ~~للسجن بمكة بأربعة آلاف درهم، فدل على جواز بيعها. وهذا قول طاوس وعمرو بن ~~دينار، وبه قال الشافعي. # قوله عز وجل: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} أي: في المسجد الحرام بإلحاد ~~بظلم وهو الميل إلى الظلم، الباء في قوله "بإلحاد" زائدة كقوله: {تنبت ~~بالدهن} (المؤمنون: 20) ، ومعناه من يرد فيه إلحادا بظلم، قال الأعشى: ~~"ضمنت برزق عيالنا أرماحنا"، أي: رزق عيالنا. وأنكر المبرد أن تكون الباء ~~زائدة وقال: معنى الآية من تكن إرادته فيه بأن يلحد بظلم. # واختلفوا في هذا الإلحاد، فقال مجاهد وقتادة: هو الشرك وعبادة غير الله. ms1704 # وقال قوم: هو كل شيء كان منهيا عنه من قول أو فعل حتى شتم الخادم. # وقال عطاء: هو دخول الحرم غير محرم، أو ارتكاب شيء من محظورات الحرم، من ~~قتل صيد، أو قطع شجر. # وقال ابن عباس: هو أن تقتل فيه من لا يقتلك، أو تظلم فيه من لا يظلمك، ~~وهذا معنى قول الضحاك. # وعن مجاهد أنه قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات. # وقال حبيب بن أبي ثابت: وهو احتكار الطعام بمكة. # وقال عبد الله بن مسعود في قوله: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم} قال: لو أن رجلا هم بخطيئة لم تكتب عليه، ما لم يعملها، ولو أن رجلا ~~هم بقتل رجل بمكة وهو بعدن PageV05P377 # أبين، أو ببلد آخر أذاقه الله من عذاب أليم. وقال السدي: إلا أن يتوب. # وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في ~~الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الآخر، فسئل عن ذلك فقال: كنا ~~نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل كلا والله، وبلى والله (1) . ### || # {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين ~~والقائمين والركع السجود (26) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ~~ضامر يأتين من كل فج عميق (27) } # قوله عز وجل: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} أي: وطأنا قال ابن عباس: ~~جعلنا. وقيل: بينا قال الزجاج: جعلنا مكان البيت [مبوءا لإبراهيم. # وقال مقاتل بن حيان: هيأنا. وإنما ذكرنا مكان البيت] (2) لأن الكعبة رفعت ~~إلى السماء زمان الطوفان، ثم لما أمر الله تعالى إبراهيم ببناء البيت لم ~~يدر أين يبني فبعث الله ريحا خجوجا فكنست له ما حول البيت على الأساس (3) . # وقال الكلبي: بعث الله سحابة بقدر البيت فقامت بحيال البيت وفيها رأس ~~يتكلم يا إبراهيم ابن على قدري فبنى عليه (4) . قوله تعالى: {أن لا تشرك بي ~~شيئا} أي: عهدنا إلى إبراهيم وقلنا له لا تشرك بي شيئا، {وطهر بيتي ~~للطائفين} يعني: الذين يطوفون ms1705 بالبيت، {والقائمين} أي: المقيمين، {والركع ~~السجود} أي: المصلين. {وأذن في الناس} أي: أعلم وناد في الناس، {بالحج} ~~فقال إبراهيم وما يبلغ صوتي؟ فقال: عليك الأذان وعلي البلاغ، فقام إبراهيم ~~على المقام فارتفع المقام حتى صار كأطول الجبال فأدخل أصبعيه في أذنيه، ~~وأقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا وقال: يا أيها الناس ألا إن ربكم قد ~~بنى بيتا وكتب عليكم الحج إلى البيت فأجيبوا ربكم، فأجابه كل من كان يحج من ~~أصلاب الآباء وأرحام PageV05P378 # الأمهات: لبيك اللهم لبيك (1) قال ابن عباس: فأول من أجابه أهل اليمن فهم ~~أكثر الناس حجا. # وروي أن إبراهيم صعد أبا قبيس ونادى (2) . وقال ابن عباس عني بالناس في ~~هذه الآية أهل القبلة، وزعم الحسن أن قوله: "وأذن في الناس بالحج" كلام ~~مستأنف وأن المأمور بهذا التأذين محمد صلى الله عليه وسلم أمر أن يفعل ذلك ~~في حجة الوداع. # وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس قد ~~فرض عليكم الحج فحجوا" (3) . # قوله تعالى: {يأتوك رجالا} مشاة على أرجلهم جمع راجل، مثل قائم وقيام ~~وصائم وصيام، {وعلى كل ضامر} أي: ركبانا على كل ضامر، والضامر: البعير ~~المهزول. {يأتين من كل فج عميق} أي: من كل طريق بعيد، وإنما جمع "يأتين" ~~لمكان كل وإرادة النوق. ### || # {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28) } # {ليشهدوا} ليحضروا، {منافع لهم} قال سعيد بن المسيب، ومحمد بن علي ~~الباقر: العفو والمغفرة. وقال سعيد بن جبير: التجارة، وهي رواية ابن زيد عن ~~ابن عباس، قال: الأسواق. وقال مجاهد: التجارة وما يرضى الله به من أمر ~~الدنيا والآخرة (4) . {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} يعني عشر ذي ~~الحجة في قول أكثر المفسرين. قيل لها "معلومات" للحرص على علمها بحسابها من ~~أجل وقت الحج في آخرها. ويروى عن علي 26/أرضي الله عنه: أنها يوم النحر ~~وثلاثة أيام بعده، وفي رواية عطاء عن ابن عباس أنها يوم عرفة والنحر ms1706 وأيام ~~التشريق. وقال مقاتل: المعلومات أيام التشريق (5) . {على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام} يعني: الهدايا، والضحايا، تكون من النعم، PageV05P379 # وهي الإبل والبقر والغنم. # واختار الزجاج أن الأيام المعلومات: يوم النحر وأيام التشريق، لأن الذكر ~~على بهيمة الأنعام يدل على التسمية على نحرها، ونحر الهدايا يكون في هذه ~~الأيام. {فكلوا منها} أمر إباحة وليس بواجب، وإنما قال ذلك لأن أهل ~~الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئا، واتفق العلماء على أن ~~الهدي إذا كان تطوعا يجوز للمهدي أن يأكل منه وكذلك أضحية التطوع لما: # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن جعفر بن محمد، ~~عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال في قصة حجة الوداع: وقدم علي ببدن من ~~اليمن وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فنحر منها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين بدنة بيده ونحر علي ما بقي، ثم أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن تؤخذ بضعة من كل بدنة فتجعل في قدر، فأكلا من لحمها ~~وحسيا من مرقها (1) . # واختلفوا في الهدي الواجب بالشرع هل يجوز للمهدي أن يأكل منه شيئا؟ مثل ~~دم التمتع والقران والدم الواجب بإفساد الحج وفواته وجزاء الصيد؟ # فذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يأكل منه شيئا، وبه قال الشافعي، وكذلك ما ~~أوجبه على نفسه بالنذر، وقال ابن عمر: لا يأكل من جزاء الصيد والنذر، ويأكل ~~مما سوى ذلك، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال مالك: يأكل من هدي التمتع ومن كل ~~هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والمنذور، وعند أصحاب الرأي ~~يأكل من دم التمتع والقران ولا يأكل من واجب سواهما. # قوله عز وجل: {وأطعموا البائس الفقير} يعني: الزمن الفقير الذي لا شيء له ~~و"البائس" الذي اشتد بؤسه، والبؤس شدة الفقر. ### || # {ثم ليقضوا تفثهم ms1707 وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) } # {ثم ليقضوا تفثهم} التفث: الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظافر والشعث، ~~تقول العرب لمن تستقذره: ما أتفثك: أي: ما أوسخك. والحاج أشعث أغبر، لم ~~يحلق شعره ولم يقلم ظفره، فقضاء التفث: إزالة هذه الأشياء ليقضوا تفثهم، ~~أي: ليزيلوا أدرانهم، والمراد منه الخروج عن الإحرام بالحلق، وقص الشارب، ~~ونتف الإبط، والاستحداد، وقلم الأظفار، ولبس الثياب. قال ابن عمر ~~PageV05P380 # وابن عباس: "قضاء التفث": مناسك الحج كلها. وقال مجاهد: هو مناسك الحج، ~~وأخذ الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقلم الأظفار. وقيل: التفث هاهنا ~~رمي الجمار. قال الزجاج: لا نعرف التفث ومعناه إلا من القرآن. # قوله تعالى: {وليوفوا نذورهم} قال مجاهد: أراد نذر الحج والهدي وما ينذر ~~الإنسان من شيء يكون في الحج أي: ليتموها بقضائها. وقيل: المراد منه الوفاء ~~بما نذر على ظاهره. وقيل: أراد به الخروج. عما وجب عليه نذر أو لم ينذر. ~~والعرب تقول لكل من خرج عن الواجب عليه وفى بنذره. وقرأ عاصم برواية أبي ~~بكر "وليوفوا" بنصب الواو وتشديد الفاء. # {وليطوفوا بالبيت العتيق} أراد به الطواف الواجب عليه وهو طواف الإفاضة ~~يوم النحر بعد الرمي والحلق. # والطواف ثلاثة: طواف القدوم، وهو أن من قدم مكة يطوف بالبيت سبعا يرمل ~~ثلاثا من الحجر الأسود إلى أن ينتهي إليه ويمشي أربعا، وهذا الطواف سنة لا ~~شيء على من تركه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أحمد هو أبو عيسى، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا ~~عمرو بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي أنه سأل عروة بن ~~الزبير فقال: قد حج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتني عائشة أنه أول شيء ~~بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت ثم لم يكن عمرة، ثم حج أبو بكر فكان ~~أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن عمرة، ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان ~~فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت (1) . # أخبرنا عبد ms1708 الوهاب بن محمد الكسائي، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا أنس بن ~~عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم يسعى ثلاثة أطواف ~~ويمشي أربعا، ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة سبعا (2) . # والطواف الثاني: هو طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق، وهو واجب ~~لا يحصل التحلل من الإحرام ما لم يأت به. PageV05P381 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، أخبرنا الأعمش، ~~أخبرنا إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: حاضت صفية ليلة النفر فقالت: ما ~~أراني إلا حابستكم قال النبي صلى الله عليه وسلم "عقرى حلقى أطافت يوم ~~النحر؟ قيل: نعم، قال: فانفري" (1) فثبت بهذا أن من لم يطف يوم النحر طواف ~~الإفاضة لا يجوز له أن ينفر. # والطواف الثالث: هو طواف الوداع لا رخصة فيه لمن أراد مفارقة مكة إلى ~~مسافة القصر أن يفارقها حتى يطوف بالبيت سبعا، فمن تركه فعليه دم إلا ~~المرأة الحائض يجوز لها ترك طواف الوداع. # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز أحمد الخلال، 26/ب ~~أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن ~~سليمان الأحول، عن طاوس عن ابن عباس، قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم ~~الطواف بالبيت إلا أنه رخص للمرأة الحائض (2) . # والرمل مختص بطواف القدوم، ولا رمل في طواف الإفاضة والوداع. # قوله: {بالبيت العتيق} اختلفوا في معنى "العتيق": قال ابن عباس، وابن ~~الزبير ومجاهد وقتادة: سمي عتيقا لأن الله أعتقه من أيدي الجبابرة أن يصلوا ~~إلى تخريبه، فلم يظهر عليه جبار قط. قال سفيان بن عيينة: سمي عتيقا لأنه لم ~~يملك قط، وقال الحسن وابن زيد: سمي به لأنه قديم وهو أول بيت وضع للناس، ~~يقال: دينار عتيق أي قديم، وقيل: ms1709 سمي عتيقا لأن الله أعتقه من الغرق، فإنه ~~رفع أيام الطوفان (3) . ### || # {ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما ~~يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30) } # {ذلك} أي: الأمر ذلك، يعني ما ذكر من أعمال الحج، {ومن يعظم حرمات الله} ~~أي PageV05P382 # معاصي الله وما نهى عنه، وتعظيمها ترك ملابستها. قال الليث: حرمات الله ~~ما لا يحل انتهاكها. وقال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط ~~فيه، وذهب قوم إلى أن معنى الحرمات هاهنا: المناسك، بدلالة ما يتصل بها من ~~الآيات. وقال ابن زيد: الحرمات هاهنا: البيت الحرام، والبلد الحرام والشهر ~~الحرام، والمسجد الحرام، والإحرام (1) . {فهو خير له عند ربه} أي: تعظيم ~~الحرمات، خير له عند الله في الآخرة. # قوله عز وجل: {وأحلت لكم الأنعام} أن تأكلوها إذا ذبحتموها وهي الإبل ~~والبقر والغنم، {إلا ما يتلى عليكم} تحريمه، وهو قوله في سورة المائدة: ~~{حرمت عليكم الميتة والدم} (المائدة: 3) ، الآية، {فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان} أي: عبادتها، يقول: كونوا على جانب منها فإنها رجس، أي: سبب ~~الرجس، وهو العذاب، والرجس: بمعنى الرجز. وقال الزجاج: {من} هاهنا للتجنيس ~~أي: اجتنبوا الأوثان التي هي رجس، {واجتنبوا قول الزور} يعني: الكذب ~~والبهتان. وقال ابن مسعود: شهادة الزور، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قام خطيبا فقال: "يا أيها الناس عدلت شهادة الزور بالشرك بالله"، ثم قرأ ~~هذه الآية (2) . وقيل: هو قول المشركين في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك لبيك ~~إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. PageV05P383 ### || # {حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه ~~الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) } # {حنفاء لله} مخلصين له، {غير مشركين به} قال قتادة: كانوا في الشرك ~~يحجون، ويحرمون البنات والأمهات والأخوات، وكانوا يسمون حنفاء، فنزلت: ~~"حنفاء لله غير مشركين به" أي: حجاجا لله مسلمين موحدين، يعني: من أشرك لا ~~يكون حنيفا. # {ومن يشرك بالله فكأنما خر} أي: سقط، {من السماء} إلى الأرض، ms1710 {فتخطفه ~~الطير} أي: تستلبه الطير وتذهب به، والخطف والاختطاف: تناول الشيء بسرعة. ~~وقرأ أهل المدينة: فتخطفه بفتح الخاء وتشديد الطاء، أي: يتخطفه، {أو تهوي ~~به الريح} أي: تميل وتذهب به، {في مكان سحيق} # PageV05P383 # أي: بعيد، معناه: بعد من أشرك من الحق كبعد من سقط من السماء فذهبت به ~~الطير، أو هوت به الريح، فلا يصل إليه بحال. وقيل: شبه حال المشرك بحال ~~الهاوي من السماء في أنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع بحيث تسقطه الريح، فهو ~~هالك لا محالة إما باستلاب الطير لحمه وإما بسقوطه إلى المكان السحيق، وقال ~~الحسن: شبه أعمال الكفار بهذه الحال في أنها تذهب وتبطل فلا يقدرون على شيء ~~منها. ### || # {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) لكم فيها منافع إلى ~~أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33) } # {ذلك} يعني: الذي ذكرت من اجتناب الرجس وقول الزور، {ومن يعظم شعائر الله ~~فإنها من تقوى القلوب} قال ابن عباس "شعائر الله" البدن والهدي، وأصلها من ~~الإشعار، وهو إعلامها ليعرف أنها هدي، وتعظيمها: استسمانها واستحسانها. ~~وقيل "شعائر الله" أعلام دينه، "فإنها من تقوى القلوب"، أي: فإن تعظيمها من ~~تقوى القلوب. {لكم فيها} أي: في البدن قبل تسميتها للهدي، {منافع} في درها ~~ونسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهورها، {إلى أجل مسمى} وهو أن يسميها ~~ويوجبها هديا، فإذا فعل ذلك لم يكن له شيء من منافعها، هذا قول مجاهد، وقول ~~قتادة والضحاك، ورواه مقسم عن ابن عباس. # وقيل: معناه لكم في الهدايا منافع بعد إيجابها وتسميتها هديا بأن تركبوها ~~وتشربوا ألبانها عند الحاجة "إلى أجل مسمى"، يعني: إلى أن تنحروها، وهو قول ~~عطاء بن أبي رباح. # واختلف أهل العلم في ركوب الهدي. # فقال قوم: يجوز له ركوبها والحمل عليها غير مضر بها، وهو قول مالك، ~~والشافعي، وأحمد، وإسحاق، لما أخبر أبو الحسن السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر ~~بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن أبي ~~الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول ms1711 الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا ~~يسوق بدنة فقال له: "اركبها، فقال يا رسول الله إنها بدنة، فقال: اركبها ~~ويلك، في الثانية أو الثالثة"، وكذلك قال له: "اشرب لبنها بعدما فضل عن ري ~~ولدها" (1) . # وقال أصحاب الرأي: لا يركبها. PageV05P384 # وقال قوم: لا يركبها إلا أن يضطر إليه. # وقال بعضهم: أراد بالشعائر: المناسك ومشاهدة مكة. "لكم فيها منافع" ~~بالتجارة والأسواق "إلى أجل مسمى" وهو الخروج من مكة. # وقيل: "لكم فيها منافع" بالأجر والثواب في قضاء المناسك. "إلى أجل مسمى"، ~~أي: إلى انقضاء أيام الحج. # {ثم محلها} أي: منحرها، {إلى البيت العتيق} أي: منحرها عند البيت العتيق، ~~يريد أرض الحرم كلها، كما قال: {فلا يقربوا المسجد الحرام} (التوبة: 28) ~~أي: الحرم كله. # وروي عن جابر في قصة حجة الوداع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~27/أقال: "نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم" (1) . # ومن قال: "الشعائر" المناسك، قال: معنى قوله "ثم محلها إلى البيت العتيق" ~~أي: محل الناس من إحرامهم إلى البيت العتيق، أي: أن يطوفوا به طواف الزيادة ~~يوم النحر. ### || # {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ~~فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) } # قال الله تعالى: {ولكل أمة} أي: جماعة مؤمنة سلفت قبلكم، {جعلنا منسكا} ~~قرأ حمزة والكسائي بكسر السين هاهنا وفي آخر السورة، على معنى الاسم مثل ~~المسجد والمطلع، أي: مذبحا وهو موضع القربان، وقرأ الآخرون بفتح السين على ~~المصدر، مثل المدخل والمخرج، أي: إراقة الدماء وذبح القرابين، {ليذكروا اسم ~~الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [عند نحرها وذبحها، وسماها بهيمة] (2) ~~لأنها لا تتكلم، وقال: "بهيمة الأنعام" وقيدها بالنعم، لأن من البهائم ما ~~ليس من الأنعام كالخيل والبغال والحمير، لا يجوز دخلها (3) في القرابين. # {فإلهكم إله واحد} أي: سموا على الذبائح اسم الله وحده، فإن إلهكم إله ~~واحد، PageV05P385 # {فله أسلموا} انقادوا وأطيعوا، {وبشر المخبتين} قال ابن عباس وقتادة: ~~المتواضعين. وقال مجاهد: المطمئنين إلى الله عز وجل، "والخبت" المكان ~~المطمئن من ms1712 الأرض. وقال الأخفش: الخاشعين. وقال النخعي: المخلصين. وقال ~~الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم. وقال عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ~~ظلموا لم ينتصروا. ### || # {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35) والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم ~~فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا ~~القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون (36) } # {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم} من البلاء ~~والمصائب {والمقيمي الصلاة} أي: المقيمين للصلاة في أوقاتها، {ومما رزقناهم ~~ينفقون} يتصدقون. قوله عز وجل: {والبدن} جمع بدنة سميت بدنة لعظمها ~~وضخامتها، يريد: الإبل العظام الصحاح الأجسام، يقال بدن الرجل بدنا وبدانة ~~إذا ضخم، فأما إذا أسن واسترخى يقال بدن تبدينا. قال عطاء والسدي: البدن: ~~الإبل والبقر أما الغنم فلا تسمى بدنة. {جعلناها لكم من شعائر الله} من ~~أعلام دينه، سميت شعائر لأنها تشعر، وهو أن تطعن بحديدة في سنامها فيعلم ~~أنها هدي، {لكم فيها خير} النفع في الدنيا والأجر في العقبى، {فاذكروا اسم ~~الله عليها} عند نحرها، {صواف} أي: قياما على ثلاث قوائم قد صفت رجليها ~~وإحدى يديها، ويدها اليسرى معقولة فينحرها كذلك. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن مسلمة، أخبرنا ~~يزيد بن زريع، عن يونس، عن زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل قد ~~أناخ بدنة ينحرها، قال: ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم ~~(1) . # وقال مجاهد: الصواف إذا عقلت رجلها اليسرى وقامت على ثلاث قوائم. # وقرأ ابن مسعود: "صوافن" وهي أن تعقل منها يد وتنحر على ثلاث، وهو مثل ~~صواف. وقرأ أبي والحسن ومجاهد: "صوافي" بالياء أي: صافية خالصة لله لا شريك ~~له فيها. # {فإذا وجبت جنوبها} أي: سقطت بعد النحر فوقعت جنوبها على الأرض. وأصل ~~الوجوب: PageV05P386 # الوقوع. يقال: وجبت الشمس إذا سقطت للمغيب، {فكلوا منها} أمر إباحة، ms1713 ~~{وأطعموا القانع والمعتر} اختلفوا في معناهما:. # فقال عكرمة وإبراهيم وقتادة: "القانع" الجالس في بيته المتعفف يقنع بما ~~يعطى ولا يسأل، و"المعتر" الذي يسأل. # وروى العوفي عن ابن عباس: "القانع" الذي لا يعترض ولا يسأل، و"المعتر" ~~الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل، فعلى هذين التأويلين يكون "القانع": من ~~القناعة، يقال: قنع قناعة إذا رضي بما قسم له. # وقال سعيد بن جبير والحسن والكلبي: "القانع": الذي يسأل، "والمعتر": الذي ~~يتعرض ولا يسأل، فيكون "القانع" من قنع يقنع قنوعا إذا سأل. # وقرأ الحسن: "والمعتري" وهو مثل المعتر، يقال: عره واعتره وعراه واعتراه ~~إذا أتاه يطلب معروفه، إما سؤالا أو تعرضا. # وقال ابن زيد: "القانع": المسكين، "والمعتر": الذي ليس بمسكين، ولا يكون ~~له ذبيحة يجيء إلى القوم فيتعرض لهم لأجل لحمهم (1) . # {كذلك} أي: مثل ما وصفنا من نحرها قياما، {سخرناها لكم} نعمة منا ~~لتتمكنوا من نحرها، {لعلكم تشكرون} لكي تشكروا إنعام الله عليكم. ### || # {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم ~~لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) } # {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا ~~البدن لطخوا الكعبة PageV05P387 # بدمائها قربة إلى الله، فأنزل الله هذه الآية: "لن ينال الله لحومها ولا ~~دماؤها" قرأ يعقوب "تنال وتناله" بالتاء فيهما، وقرأ العامة بالياء. قال ~~مقاتل: لن يرفع إلى الله لحومها ولا دماؤها، {ولكن يناله التقوى منكم} ولكن ~~ترفع إليه منكم الأعمال الصالحة والتقوى، والإخلاص ما أريد به وجه الله، ~~{كذلك سخرها لكم} يعني: البدن، {لتكبروا الله على ما هداكم} أرشدكم لمعالم ~~دينه ومناسك حجه، وهو أن يقول: الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما ~~أبلانا وأولانا، {وبشر المحسنين} قال ابن عباس: الموحدين. ### || # {إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) } # {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) } # قوله تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا} قرأ ابن كثير وأهل البصرة: ~~"يدفع"، وقرأ الآخرون: "يدافع" بالألف، ms1714 يريد: يدفع غائلة المشركين عن ~~المؤمنين ويمنعهم عن المؤمنين. {إن الله لا يحب كل خوان كفور} أي: خوان في ~~أمانة الله كفور لنعمته، قال ابن عباس: خانوا الله فجعلوا معه شريكا وكفروا ~~نعمه. قال الزجاج: من تقرب إلى الأصنام بذبيحته وذكر عليها اسم غير الله ~~فهو خوان كفور. قوله عز وجل: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} 27/ب قرأ أهل ~~المدينة والبصرة وعاصم: "أذن" بضم الألف والباقون بفتحها، أي: أذن الله، ~~"للذين يقاتلون"، قرأ أهل المدينة وابن عامر وحفص "يقاتلون" بفتح التاء ~~يعني المؤمنين الذين يقاتلهم المشركون، وقرأ الآخرون بكسر التاء يعني الذين ~~أذن لهم بالجهاد "يقاتلون" المشركين. # قال المفسرون: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلا يزالون محزونين من بين مضروب ومشجوج، ويشكون ذلك إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال، حتى هاجر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية (1) وهي أول ~~آية أذن الله فيها بالقتال، فنزلت هذه الآية بالمدينة. # وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى ~~المدينة، فكانوا PageV05P388 # يمنعون فأذن الله لهم في قتال الكفار الذين يمنعونهم من الهجرة (1) ~~{بأنهم ظلموا} أي: بسبب ما ظلموا، واعتدوا عليهم بالإيذاء، {وإن الله على ~~نصرهم لقدير} ### || # {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ~~ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40) الذين إن مكناهم في الأرض ~~أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة ~~الأمور (41) } # {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} بدل "عن الذين" الأولى {إلا أن يقولوا ~~ربنا الله} أي: لم يخرجوا من ديارهم إلا لقولهم ربنا الله وحده. # {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} بالجهاد وإقامة الحدود، {لهدمت} قرأ ~~أهل الحجاز بتخفيف الدال، وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير، فالتخفيف ~~يكون للقليل والتكثير، ms1715 والتشديد يختص بالتكثير، {صوامع} قال مجاهد والضحاك: ~~يعني: صوامع الرهبان. وقال قتادة: صوامع الصابئين، {وبيع} بيع النصارى جمع ~~"بيعة" وهي كنيسة النصارى، {وصلوات} يعني كنائس اليهود، ويسمونها ~~بالعبرانية صلوتا، {ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا} يعني مساجد المسلمين ~~من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # ومعنى الآية: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في شريعة كل نبي مكان ~~صلاتهم، لهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى البيع والصوامع، وفي زمن ~~محمد صلى الله عليه وسلم المساجد. # وقال ابن زيد: أراد بالصلوات صلوات أهل الإسلام، فإنها تنقطع إذا دخل ~~العدو عليهم. # {ولينصرن الله من ينصره} أي: ينصر دينه ونبيه، {إن الله لقوي عزيز} ~~{الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر} قال الزجاج: هذا من صفة ناصريه، ومعنى "مكناهم في الأرض": ~~نصرناهم على عدوهم حتى PageV05P389 # يتمكنوا في البلاد. قال قتادة: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ~~الحسن: هم هذه الأمة {ولله عاقبة الأمور} أي: آخر أمور الخلق ومصيرهم إليه، ~~يعني: يبطل كل ملك سوى ملكه، فتصير الأمور إليه بلا منازع ولا مدع. ### || # {وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم ~~لوط (43) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير ~~(44) فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة ~~وقصر مشيد (45) } # قوله عز وجل: {وإن يكذبوك} يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم، {فقد كذبت ~~قبلهم قوم نوح وعاد وثمود} {وقوم إبراهيم وقوم لوط} . {وأصحاب مدين وكذب ~~موسى فأمليت للكافرين} أي: أمهلتهم وأخرت عقوبتهم، {ثم أخذتهم} [عاقبتهم] ~~(1) {فكيف كان نكير} أي: إنكاري، أي: كيف أنكرت عليهم ما فعلوا من التكذيب ~~بالعذاب والهلاك، يخوف به من يخالف النبي صلى الله عليه وسلم ويكذبه. ~~{فكأين} فكم {من قرية أهلكناها} بالتاء (2) هكذا قرأ أهل البصرة ويعقوب، ~~وقرأ الآخرون: "أهلكناها" بالنون والألف على التعظيم، {وهي ظالمة} أي: ~~وأهلها ظالمون، {فهي خاوية} ساقطة {على عروشها} على سقوفها، {وبئر ms1716 معطلة} ~~[أي: وكم من بئر معطلة] (3) متروكة مخلاة عن أهلها {وقصر مشيد} قال قتادة ~~والضحاك ومقاتل: رفيع طويل، من قولهم شاد بناءه إذا رفعه. وقال سعيد بن ~~جبير ومجاهد وعطاء: مجصص، من الشيد، وهو الجص. وقيل: إن البئر المعطلة ~~والقصر المشيد باليمن، أما القصر فعلى قلة جبل، والبئر في سفحه، ولكل واحد ~~منهما قوم كانوا في نعمة فكفروا فأهلكهم الله، وبقي البئر والقصر خاليين. # وروى أبو روق عن الضحاك: أن هذه البئر كانت بحضرموت في بلدة يقال لها ~~حاضوراء، وذلك PageV05P390 # أن أربعة آلاف نفر ممن آمن بصالح، نجوا من العذاب، أتوا حضرموت ومعهم ~~صالح فلما حضروه مات صالح، فسمي حضرموت، لأن صالحا لما حضر مات فبنوا ~~حاضوراء وقعدوا على هذه البئر وأمروا عليهم رجلا فأقاموا دهرا وتناسلوا حتى ~~كثروا، ثم إنهم عبدوا الأصنام وكفروا فأرسل الله إليهم نبيا يقال له حنظلة ~~بن صفوان، كان حمالا فيهم، فقتلوه في السوق فأهلكهم الله، وعطلت بئرهم ~~وخربت قصورهم (1) . ### || # {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) } PageV05P391 # {ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون (47) } # {أفلم يسيروا في الأرض} يعني: كفار مكة، فينظروا إلى مصارع المكذبين من ~~الأمم الخالية، {فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها} يعني: ما ~~يذكر لهم من أخبار القرون الماضية فيعتبرون بها، {فإنها} الهاء عماد، {لا ~~تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ذكر "التي في الصدور" ~~تأكيدا كقوله: {يطير بجناحيه} (الأنعام: 38) معناه أن العمى الضار هو عمى ~~القلب، فأما عمى البصر فليس بضار في أمر الدين، قال قتادة: البصر الظاهر: ~~بلغة ومتعة، وبصر القلب: هو البصر النافع. {ويستعجلونك بالعذاب} نزلت في ~~النضر بن الحارث حيث قال: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء (1) {ولن يخلف الله وعده} فأنجز ذلك يوم 28/أبدر. {وإن يوما عند ربك ~~كألف سنة مما تعدون} قرأ ms1717 ابن كثير وحمزة والكسائي: "يعدون" بالياء هاهنا ~~لقوله: {ويستعجلونك} وقرأ الباقون: بالتاء لأنه أعم، لأنه خطاب للمستعجلين ~~والمؤمنين، واتفقوا في تنزيل "السجدة" أنه بالتاء. # قال ابن عباس: يعني يوما من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات ~~والأرض. # وقال مجاهد وعكرمة: يوما من أيام الآخرة، والدليل عليه ما روي عن أبي ~~سعيد الخدري PageV05P391 # قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبشروا يا معشر صعاليك ~~المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف ~~يوم، وذلك مقدار خمسمائة سنة" (1) . # قال ابن زيد: "وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون" هذه أيام الآخرة. ~~وقوله: "كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون" يوم القيامة. والمعنى على ~~هذا: أنهم يستعجلون بالعذاب، وإن يوما من أيام عذابهم في الآخرة ألف سنة. # وقيل: معناه وإن يوما من أيام العذاب الذي استعجلوه في الثقل والاستطالة ~~والشدة كألف سنة مما تعدون، فكيف تستعجلونه؟ هذا كما يقال: أيام الهموم ~~طوال، وأيام السرور قصار. # وقيل: معناه إن يوما عنده وألف سنة في الإمهال سواء، لأنه قادر متى شاء ~~أخذهم لا يفوته شيء بالتأخير، فيستوي في قدرته وقوع ما يستعجلون به من ~~العذاب وتأخره، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء. ### || # {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) قل يا ~~أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~مغفرة ورزق كريم (50) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم ~~(51) } # {وكأين من قرية أمليت لها} أي أمهلتها، {وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي ~~المصير} . {قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين} . {فالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم} الرزق الكريم الذي لا ينقطع أبدا. ~~وقيل: هو الجنة. {والذين سعوا في آياتنا} أي عملوا في إبطال آياتنا، ~~{معاجزين} قرأ ابن كثير وأبو عمرو: "معجزين" بالتشديد هاهنا وفي سورة سبإ ~~أي: مثبطين الناس عن الإيمان، وقرأ الآخرون: "معاجزين" بالأف أي معاندين ~~مشاقين. وقال قتادة: معناه ظانين ومقدرين أنهم يعجزوننا ms1718 بزعمهم أن لا بعث ~~ولا نشور ولا جنة ولا نار، ومعنى يعجزوننا، أي: يفوتوننا فلا نقدر عليهم. ~~وهذا كقوله تعالى: {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا} (العنكبوت: 4) ~~، {أولئك أصحاب الجحيم} وقيل: "معاجزين" مغالبين، يريد كل واحد أن يظهر عجز ~~صاحبه. PageV05P392 ### || # {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ~~(52) } # قوله عز وجل: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته} الآية. قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما من ~~المفسرين: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولي قومه عنه وشق عليه ما ~~رأى من مباعدتهم عما جاءهم به من الله تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما ~~يقارب بينه وبين قومه لحرصه على إيمانهم، فكان يوما في مجلس قريش فأنزل ~~الله تعالى سورة "النجم" فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ ~~قوله: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} ألقى الشيطان على لسانه ~~بما كان يحدث به نفسه ويتمناه: "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى"، ~~فلما سمعت قريش ذلك فرحوا به ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته، ~~فقرأ السورة كلها وسجد في آخر السورة فسجد المسلمون بسجوده، وسجد جميع من ~~في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا ~~الوليد بن المغيرة وأبو أحيحة سعيد بن العاص، فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ~~ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليها، لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا ~~السجود. وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم ويقولون: قد ذكر محمد ~~آلهتنا بأحسن الذكر، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن ~~آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإذا جعل لها نصيبا فنحن معه، فلما أمسى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال: يا محمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت على ~~الناس ما ms1719 لم آتك به عن الله عز وجل! فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كثيرا فأنزل الله هذه الآية يعزيه، وكان به ~~رحيما، وسمع بذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبلغهم سجود قريش. وقيل: أسلمت قريش وأهل مكة فرجع أكثرهم إلى عشائرهم، ~~وقالوا: هم أحب إلينا حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن الذي كانوا تحدثوا به ~~من إسلام أهل مكة كان باطلا فلم يدخل أحد إلا بجوار أو مستخفيا، فلما نزلت ~~هذه الآية قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله فغير ~~ذلك. وكان الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد وقعا في فم كل مشرك فازدادوا شرا إلى ما كانوا عليه، وشدة على من ~~أسلم. # قال الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول} وهو الذي يأتيه جبريل ~~بالوحي عيانا، {ولا نبي} وهو الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما، وكل رسول ~~نبي، وليس كل نبي رسولا {إلا إذا تمنى} قال بعضهم: أي: أحب شيئا واشتهاه ~~وحدث به نفسه ما لم يؤمر به. {ألقى الشيطان في أمنيته} أي مراده. # وعن ابن عباس قال: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه ووجد إليه سبيلا وما من ~~نبي إلا تمنى # PageV05P393 # أن يؤمن به قومه ولم يتمن ذلك نبي إلا ألقى الشيطان عليه ما يرضى به ~~قومه، فينسخ الله ما يلقي الشيطان. # وأكثر المفسرين 28/ب قالوا: معنى قوله: {تمنى} أي: تلا وقرأ كتاب الله ~~تعالى. "ألقى الشيطان في أمنيته" أي: في تلاوته، قال الشاعر في عثمان حين ~~قتل: # تمنى كتاب الله أول ليلة %~% وآخرها لاقى حمام المقادر # واختلفوا في أنه كان يقرأ في الصلاة أو في غير الصلاة؟ فقال قوم: كان ~~يقرأ في الصلاة. وقال قوم: كان يقرأ في غير الصلاة. فإن قيل كيف يجوز الغلط ~~في التلاوة على النبي صلى الله عليه وسلم وكان معصوما من الغلط في أصل ~~الدين، ms1720 وقال جل ذكره في القرآن: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} ~~(فصلت: 42) يعني إبليس؟ # قيل: قد اختلف الناس في الجواب عنه، فقال بعضهم: إن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لم يقرأ، ولكن الشيطان ذكر ذلك بين قراءته، فظن المشركون أن الرسول ~~قرأه. # وقال قتادة: أغفى النبي صلى الله عليه وسلم إغفاءة فجرى ذلك على لسانه ~~بإلقاء الشيطان ولم يكن له خبر. # والأكثرون قالوا: جرى ذلك على لسانه بإلقاء الشيطان على سبيل السهو ~~والنسيان ولم يلبث أن نبهه الله عليه. # وقيل: إن شيطانا يقال له أبيض عمل هذا العمل، وكان ذلك فتنة ومحنة من ~~الله تعالى يمتحن عباده بما يشاء (1) . PageV05P394 ### || # {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن ~~الظالمين لفي شقاق بعيد (53) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك ~~فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ~~(54) } # {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} أي: يبطله ويذهبه، {ثم يحكم الله آياته} ~~فيثبتها، {والله عليم حكيم} {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم ~~مرض} أي: محنة وبلية، شك ونفاق، {والقاسية} يعني الجافية، {قلوبهم} عن قبول ~~الحق وهم المشركون، وذلك أنهم افتتنوا لما سمعوا ذلك، ثم نسخ ورفع فازدادوا ~~عتوا، وظنوا أن محمدا يقوله من تلقاء نفسه ثم يندم فيبطل، {وإن الظالمين} ~~المشركين {لفي شقاق بعيد} أي: في خلاف شديد. {وليعلم الذين أوتوا العلم} ~~التوحيد والقرآن. وقال السدي: التصديق بنسخ الله تعالى، {أنه} يعني: أن ~~الذي أحكم الله من آيات القرآن هو {الحق من ربك فيؤمنوا به} أي: يعتقدوا # PageV05P395 # أنه من الله، {فتخبت له قلوبهم} أي: فتسكن إليه قلوبهم، {وإن الله لهادي ~~الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} أي: طريق قويم هو الإسلام. ### || # {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم ~~عذاب يوم عقيم (55) } # {الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات ~~النعيم (56) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) والذين ~~هاجروا في ms1721 سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله ~~لهو خير الرازقين (58) } # {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه} أي: في شك مما ألقى الشيطان على لسان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها. ~~وقال ابن جريج: "منه" أي من القرآن. وقيل: من الدين، وهو الصراط المستقيم. ~~{حتى تأتيهم الساعة بغتة} يعني: القيامة. وقيل: الموت، {أو يأتيهم عذاب يوم ~~عقيم} قال الضحاك وعكرمة: عذاب يوم لا ليلة له، وهو يوم القيامة. # والأكثرون على أن اليوم العقيم يوم بدر، لأنه ذكر الساعة من قبل وهو يوم ~~القيامة. وسمي يوم بدر عقيما لأنه لم يكن في ذلك اليوم للكفار خير، كالريح ~~العقيم التي لا تأتي بخير، سحاب ولا مطر، [والعقم في اللغة: المنع، يقال: ~~رجل عقيم إذا منع من الولد] (1) . وقيل: لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال ~~الملائكة فيه. وقال ابن جريج: لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل حتى قتلوا قبل ~~المساء. {الملك يومئذ} يعني يوم القيامة، {لله} وحده من غير منازع، {يحكم ~~بينهم} ثم بين الحكم، فقال تعالى: {فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات ~~النعيم} {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين} . {والذين ~~هاجروا في سبيل الله} فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة الله وطلب رضاه، {ثم ~~قتلوا أو ماتوا} وهم كذلك، قرأ ابن عامر "قتلوا" بالتشديد {ليرزقنهم الله ~~رزقا حسنا} والرزق الحسن الذي لا ينقطع أبدا هو رزق الجنة، {وإن الله لهو ~~خير الرازقين} قيل: هو قوله: {بل أحياء عند ربهم يرزقون} (آل عمران: 169) . ~~PageV05P396 ### || # {ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59) ذلك ومن عاقب بمثل ما ~~عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور (60) ذلك بأن الله ~~يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير (61) ذلك ~~بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير ~~(62) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح ms1722 الأرض مخضرة إن الله لطيف ~~خبير (63) } # {ليدخلنهم مدخلا يرضونه} لأن لهم فيه ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، {وإن ~~الله لعليم} بنياتهم، {حليم} عنهم. {ذلك} أي: الأمر ذلك الذي قصصنا عليكم، ~~{ومن عاقب بمثل ما عوقب به} جازى الظالم بمثل ظلمه. قال الحسن: يعني قاتل ~~المشركين كما قاتلوه، {ثم بغي عليه} أي: ظلم بإخراجه من منزله يعني: ما ~~أتاه المشركون من البغي على المسلمين حتى أحوجوهم إلى مفارقة أوطانهم، نزلت ~~في قوم من المشركين أتوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فكره ~~المسلمون قتالهم وسألوهم أن يكفوا عن القتال من أجل الشهر الحرام فأبى ~~المشركون وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم (1) ~~قال الله تعالى: {لينصرنه الله} والعقاب الأول بمعنى الجزاء، {إن الله لعفو ~~غفور} عفا عن مساوئ المؤمنين وغفر لهم ذنوبهم. {ذلك} أي: ذلك النصر {بأن ~~الله} القادر على ما يشاء، فمن قدرته أنه: {يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل وأن الله سميع بصير} {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون} ~~قرأ أهل البصرة وحمزة والكسائي وحفص: بالياء، وقرأ الآخرون: بالتاء، يعني ~~المشركين، {من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي} العالي على كل شيء، ~~{الكبير} العظيم الذي كل شيء دونه. {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ~~فتصبح الأرض مخضرة} بالنبات، {إن الله لطيف} بأرزاق عباده واستخراج النبات ~~من الأرض، {خبير} بما في قلوب العباد واستخراج النبات من الأرض، إذا تأخر ~~المطر عنهم. PageV05P397 ### || # {له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد (64) } # {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك ~~السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم (65) وهو ~~الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور (66) لكل أمة جعلنا ~~منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم ~~(67) } # {له ما في السماوات وما في الأرض} عبيدا وملكا، {وإن الله لهو الغني} ms1723 عن ~~عباده، {الحميد} في أفعاله. {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك} ~~أي: وسخر لكم الفلك، {تجري في البحر بأمره} 29/أوقيل: "ما في الأرض": ~~الدواب تركب في البر، و"الفلك" تركب في البحر، {ويمسك السماء أن تقع على ~~الأرض} يعني: لكيلا تسقط على الأرض، {إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم} ~~{وهو الذي أحياكم} أي: أنشأكم ولم تكونوا شيئا، {ثم يميتكم} عند انقضاء ~~آجالكم، {ثم يحييكم} يوم البعث للثواب والعقاب، {إن الإنسان لكفور} لنعم ~~الله. قوله عز وجل: {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه} قال ابن عباس: يعني ~~شريعة هم عاملون بها. وروي عنه أنه قال: عيدا قال قتادة ومجاهد: موضع قربان ~~يذبحون فيه. وقيل: موضع عبادة. وقيل: مألفا يألفونه. # والمنسك في كلام العرب: الموضع المعتاد لعمل خير أو شر، ومنه "مناسك ~~الحج" لتردد الناس إلى أماكن أعمال الحج. # {فلا ينازعنك في الأمر} يعني في أمر الذبائح. نزلت في بديل بن ورقاء، ~~وبشر بن سفيان، ويزيد بن خنيس قالوا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما ~~لكم تأكلون مما تقتلون بأيديكم ولا تأكلون مما قتله الله (1) . # قال الزجاج: معنى قوله {فلا ينازعنك} أي: لا تنازعهم أنت، كما يقال: لا ~~يخاصمك فلان، PageV05P398 # أي: لا تخاصمه، وهذا جائز فيما يكون بين الاثنين، ولا يجوز: لا يضربنك ~~فلان، وأنت تريد: لا تضربه، وذلك أن المنازعة والمخاصمة لا تتم إلا باثنين، ~~فإذا ترك أحدهما فلا مخاصمة هناك. # {وادع إلى ربك} إلى الإيمان بربك، {إنك لعلى هدى مستقيم} . ### || # {وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) الله يحكم بينكم يوم القيامة ~~فيما كنتم فيه تختلفون (69) ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ~~ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير (70) ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به ~~سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير (71) وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون ~~عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار ms1724 وعدها الله الذين كفروا وبئس ~~المصير (72) } # {وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون} . {الله يحكم بينكم يوم القيامة ~~فيما كنتم فيه تختلفون} فتعرفون حينئذ الحق من الباطل. والاختلاف: ذهاب كل ~~واحد من الخصمين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر. {ألم تعلم أن الله يعلم ما في ~~السماء والأرض إن ذلك} كله، {في كتاب} يعني اللوح المحفوظ، {إن ذلك} يعني: ~~علمه لجميع ذلك، {على الله يسير} {ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به ~~سلطانا} حجة، {وما ليس لهم به علم} يعني أنهم فعلوا ما فعلوا عن جهل لا عن ~~علم، {وما للظالمين} للمشركين، {من نصير} مانع يمنعهم من عذاب الله. {وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا بينات} يعني: القرآن، {تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر} ~~يعني الإنكار يتبين ذلك في وجوههم من الكراهية والعبوس، {يكادون يسطون} أي: ~~يقعون ويبسطون إليكم أيديهم بالسوء. وقيل: يبطشون، {بالذين يتلون عليهم ~~آياتنا} أي: بمحمد وأصحابه من شدة الغيظ. يقال: سطا عليه وسطا به، إذا ~~تناوله بالبطش والعنف، وأصل السطو: القهر. # {قل} يا محمد، {أفأنبئكم بشر من ذلكم} أي: بشر لكم وأكره إليكم من هذا ~~القرآن # PageV05P399 # الذي تستمعون، {النار} أي: هي النار، {وعدها الله الذين كفروا وبئس ~~المصير} # PageV05P400 ### || # {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن ~~يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف ~~الطالب والمطلوب (73) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74) الله ~~يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) } # {يا أيها الناس ضرب مثل} معنى ضرب: جعل، كقولهم: ضرب السلطان البعث على ~~الناس، وضرب الجزية على أهل الذمة، أي جعل ذلك عليهم. ومعنى الآية: جعل لي ~~شبه، وشبه بي الأوثان، أي: جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها ومعنى ~~{فاستمعوا له} أي: فاستمعوا حالها وصفتها. ثم بين ذلك فقال: # {إن الذين تدعون من دون الله} يعني: الأصنام، قرأ يعقوب بالياء والباقون ~~بالتاء {لن يخلقوا ذبابا} واحدا في صغره وقلته لأنها لا ms1725 تقدر عليه. ~~والذباب: واحد وجمعه القليل: أذبة، والكثير: ذبان، مثل غراب وأغربة، ~~وغربان، {ولو اجتمعوا له} أي: خلقه، {وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه} قال ابن عباس: كانوا يطلون الأصنام بالزعفران، فإذا جف جاء الذباب ~~فاستلب منه. # وقال السدي: كانوا يضعون الطعام بين يدي الأصنام فتقع الذباب عليه فيأكلن ~~منه. # وقال ابن زيد: كانوا يحلون الأصنام باليواقيت واللآلئ وأنواع الجواهر، ~~ويطيبونها بألوان الطيب فربما تسقط منها واحدة فيأخذها طائر أو ذباب فلا ~~تقدر الآلهة على استردادها، فذلك قوله: {وإن يسلبهم الذباب شيئا} أي: وإن ~~يسلب الذباب الأصنام شيئا مما عليها لا يقدرون أن يستنقذوه منه، {ضعف ~~الطالب والمطلوب} قال ابن عباس: "الطالب": الذباب يطلب ما يسلب من الطيب من ~~الصنم، و"المطلوب": الصنم يطلب الذباب منه السلب. وقيل: على العكس: ~~"الطالب": الصنم و"المطلوب": الذباب. وقال الضحاك: "الطالب": العابد ~~و"المطلوب": المعبود. {ما قدروا الله حق قدره} ما عظموه حق عظمته وما عرفوه ~~حق معرفته، ولا وصفوه حق صفته إن أشركوا به ما لا يمتنع من الذباب ولا ~~ينتصف منه، {إن الله لقوي عزيز} {الله يصطفي} يعني يختار {من الملائكة ~~رسلا} وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وغيرهم، {ومن الناس} أي: يختار ~~من الناس رسلا مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم # PageV05P400 # وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام، نزلت حين قال المشركون: "أأنزل عليه ~~الذكر من بيننا" فأخبر أن الاختيار إليه، يختار من يشاء من خلقه (1) . # {إن الله سميع بصير} أي: سميع لقولهم، بصير بمن يختاره لرسالته. ### || # {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور (76) يا أيها الذين ~~آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (77) } # {يعلم ما بين أيديهم} قال ابن عباس: ما قدموا، {وما خلفهم} ما خلفوا، ~~وقال الحسن: "ما بين أيديهم": ما عملوا "وما خلفهم" ما هم عاملون من بعد ~~وقيل: "ما بين أيديهم: ملائكته وكتبه ورسله قبل أن خلقهم، "وما خلفهم" أي: ~~يعلم ما هو كائن فنائهم. {وإلى الله ترجع الأمور} {يا أيها الذين آمنوا ms1726 ~~اركعوا واسجدوا} أي: صلوا، لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، ~~{واعبدوا ربكم} وحده، {وافعلوا الخير} قال ابن عباس 29/ب صلة الرحم ومكارم ~~الأخلاق، {لعلكم تفلحون} لكي تسعدوا وتفوزوا بالجنة. واختلف أهل العلم في ~~سجود التلاوة عند قراءة هذه الآية. # فذهب قوم إلى أنه يسجد عندها، وهو قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، ~~وابن عباس، وبه قال ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. واحتجوا بما ~~أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى ~~الترمذي، أخبرنا قتيبة، أخبرنا ابن لهيعة، عن مشرح بن عاهان، عن عقبة بن ~~عامر قال: قلت يا رسول الله فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين؟ قال: "نعم، ~~ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما" (2) . PageV05P401 # وذهب قوم إلى أنه لا يسجد هاهنا، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. # وعدة سجود القرآن أربعة عشر عند أكثر أهل العلم، منها ثلاث في المفصل. # وذهب قوم إلى أنه ليس في المفصل سجود. روي ذلك عن أبي بن كعب، وابن عباس، ~~وبه قال مالك. وقد صح عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: في "اقرأ" و"إذا السماء انشقت" (1) وأبو هريرة من متأخري الإسلام. # واختلفوا في سجود صاد، فذهب الشافعي: إلى أنه سجود شكر ليس من عزائم ~~السجود، ويروى ذلك عن ابن عباس (2) وذهب قوم إلى أنه يسجد فيها، روي ذلك عن ~~عمر، وبه قال سفيان الثوري، وابن المبارك، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق، ~~فعند ابن المبارك، وإسحاق، وأحمد، وجماعة: سجود القرآن خمسة عشرة سجدة، ~~فعدوا سجدتي الحج وسجدة ص، وروي عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن (3) . ### || # {وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ~~أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم ~~وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا ms1727 بالله هو ~~مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78) } # قوله عز وجل: {وجاهدوا في الله حق جهاده} قيل: جاهدوا في سبيل الله أعداء ~~الله "حق جهاده" هو استفراغ الطاقة فيه، قاله ابن عباس: وعنه أيضا أنه قال: ~~لا تخافوا في الله لومة لائم فهو حق الجهاد، كما قال تعالى: {يجاهدون في ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} (المائدة: 54) . # قال الضحاك ومقاتل: اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته. # وقال مقاتل بن سليمان: نسخها قوله (4) {فاتقوا الله ما استطعتم} ~~(التغابن: 16) ، وقال أكثر المفسرين: "حق الجهاد": أن تكون نيته خالصة ~~صادقة لله عز وجل. وقال السدي: هو أن يطاع فلا يعصى. # وقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى، وهو الجهاد الأكبر، ~~وهو حق الجهاد. وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة ~~تبوك قال: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد PageV05P402 # الأكبر" (1) وأراد بالجهاد الأصغر الجهاد مع الكفار، وبالجهاد الأكبر ~~الجهاد مع النفس. # {هو اجتباكم} أي: اختاركم لدينه، {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ضيق، ~~معناه: أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله له منه مخرجا، ~~بعضها بالتوبة، وبعضها برد المظالم والقصاص، وبعضها بأنواع الكفارات، فليس ~~في دين الإسلام ذنب لا يجد العبد سبيلا إلى الخلاص من العقاب فيه. # وقيل: من ضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحج إذا ~~التبس ذلك عليكم، وسع ذلك عليكم حتى تتيقنوا. # وقال مقاتل: يعني الرخص عند الضرورات، كقصر الصلاة في السفر، والتيمم، ~~وأكل الميتة عند الضرورة، والإفطار بالسفر والمرض، والصلاة قاعدا عند ~~العجز. وهو قول الكلبي. # وروي عن ابن عباس أنه قال: الحرج ما كان على بني إسرائيل من الآصال التي ~~كانت عليهم، وضعها الله عن هذه الأمة (2) . # {ملة أبيكم إبراهيم} أي كلمة أبيكم، نصب بنزع حرف الصفة. وقيل: نصب على ~~الإغراء، أي: اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، [وإنما أمرنا باتباع ملة إبراهيم] ~~(3) لأنها داخلة في ملة محمد صلى الله عليه وسلم. # فإن قيل: فما ms1728 وجه قوله: {ملة أبيكم} وليس كل المسلمين يرجع نسبهم إلى ~~إبراهيم؟ . # قيل: خاطب به العرب وهم كانوا من نسل إبراهيم. وقيل: خاطب به جميع ~~المسلمين، وإبراهيم أب لهم، على معنى وجوب احترامه وحفظ حقه كما يجب احترام ~~الأب، وهو كقوله تعالى: {وأزواجه PageV05P403 # أمهاتهم} (الأحزاب: 6) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا لكم ~~مثل الوالد [لوالده] (1) " (2) . # {هو سماكم} يعني أن الله تعالى سماكم {المسلمين من قبل} يعني من قبل نزول ~~القرآن في الكتب المتقدمة. {وفي هذا} أي: في الكتاب، هذا قول أكثر ~~المفسرين. وقال ابن زيد: "هو" يرجع إلى إبراهيم أي أن إبراهيم سماكم ~~المسلمين في أيامه، من قبل هذا الوقت، وفي هذا الوقت، وهو قوله: {ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} (البقرة: 127) ، {ليكون الرسول ~~شهيدا عليكم} يوم القيامة أن قد بلغكم، {وتكونوا} أنتم، {شهداء على الناس} ~~أن رسلهم قد بلغتهم، {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله} أي: ~~ثقوا بالله وتوكلوا عليه. قال الحسن: تمسكوا بدين الله. وروي عن ابن عباس ~~قال: سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يكره (3) . وقيل: معناه ادعوه ليثبتكم ~~على دينه. وقيل: الاعتصام بالله هو التمسك بالكتاب والسنة، {هو مولاكم} ~~[وليكم] (4) وناصركم وحافظكم، {فنعم المولى ونعم النصير} الناصر لكم. ~~PageV05P404 ### | سورة المؤمنون # مكية بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) } # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أحمد بن الحسين الحيري، أخبرنا ~~حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا محمد بن حماد، أخبرنا عبد 30/أالرزاق، أخبرنا ~~يونس بن سليمان، أملى علي يونس صاحب أيلة، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، ~~عن عبد الرحمن بن عبد القارئ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل، فمكثنا ~~ساعة -وفي رواية: فنزل علينا يوما فمكثنا ساعة -فاستقبل القبلة ورفع يديه ~~وقال: " اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، ~~وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا، ثم ms1729 قال: لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن ~~دخل الجنة"، ثم قرأ {قد أفلح المؤمنون} إلى عشر آيات. # ورواه أحمد بن حنبل، وعلي ابن المديني، وجماعة عن عبد الرزاق، وقالوا: ~~"وأعطنا ولا تحرمنا وأرضنا وارض عنا" (1) . # قوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون} "قد" حرف تأكيد، وقال المحققون: "قد" ~~تقرب الماضي من PageV05P405 # الحال، يدل على أن الفلاح قد حصل لهم، وأنهم عليه في الحال، وهو أبلغ من ~~تجريد ذكر الفعل، "والفلاح" النجاة والبقاء، قال ابن عباس: قد سعد المصدقون ~~بالتوحيد وبقوا في الجنة. {الذين هم في صلاتهم خاشعون} اختلفوا في معنى ~~الخشوع، فقال ابن عباس: مخبتون أذلاء. وقال الحسن وقتادة: خائفون. وقال ~~مقاتل: متواضعون. وقال مجاهد: هو غض البصر وخفض الصوت. # والخشوع قريب من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن، والخشوع في القلب والبدن ~~والبصر والصوت، قال الله عز وجل: "وخشعت الأصوات للرحمن" (طه -108) . # وعن علي رضي الله عنه: هو أن لا يلتفت يمينا ولا شمالا. وقال سعيد بن ~~جبير: هو أن لا يعرف من على يمينه ولا من على يساره، ولا يلتفت من الخشوع ~~لله عز وجل. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، أخبرنا أبو الأحوص، أخبرنا أشعث بن ~~سليم، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة ~~العبد" (1) . # وأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو ~~الحسن القاسم بن بكر الطيالسي ببغداد، أخبرنا أبو أمية محمد بن إبراهيم ~~الطرسوسي، أخبرنا عبد الغفار بن عبيد الله، أخبرنا صالح بن أبي الأخضر، عن ~~الزهري، عن أبي الأحوص، عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ~~يزال الله مقبلا على العبد ما كان في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت أعرض ~~عنه" (2) . # وقال عمرو بن دينار: هو السكون وحسن الهيئة. وقال ابن سيرين وغيره: هو أن ~~لا ترفع ms1730 بصرك عن موضع سجودك. # وقال أبو هريرة: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم ~~إلى السماء في الصلاة فلما نزل: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} رموا بأبصارهم ~~إلى مواضع السجود. PageV05P408 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا علي بن عبد الله، أخبرنا يحيى بن سعيد، ~~أخبرنا ابن أبي عروبة، أخبرنا قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم"، ~~فاشتد قوله في ذلك حتى قال: "لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم" (1) . # وقال عطاء: هو أن لا تعبث بشيء من جسدك في الصلاة. وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: "لو خشع قلب هذا ~~لخشعت جوارحه" (2) . # أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس ~~المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، أخبرنا سعيد، عن عبد الرحمن المخزومي، ~~أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي الأحوص، عن أبي ذر، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة ~~تواجهه" (3) . # وقيل: الخشوع في الصلاة هو جمع الهمة، والإعراض عما سواها، والتدبر فيما ~~يجري على لسانه من القراءة والذكر. ### || # {والذين هم عن اللغو معرضون (3) والذين هم للزكاة فاعلون (4) } # قوله عز وجل: {والذين هم عن اللغو معرضون} قال عطاء عن ابن عباس: عن ~~الشرك، وقال الحسن: عن المعاصي. وقال الزجاج: عن كل باطل ولهو وما لا يحل ~~من القول والفعل. وقيل: هو معارضة الكفار بالشتم والسب: قال الله تعالى: ~~"وإذا مروا باللغو مروا كراما" (الفرقان -72) ، أي: إذا سمعوا الكلام ~~القبيح أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه. {والذين هم للزكاة فاعلون} أي: للزكاة ~~الواجبة مؤدون، فعبر عن التأدية بالفعل لأنها فعل. وقيل: الزكاة هاهنا هو ~~العمل الصالح، أي: والذين هم للعمل الصالح فاعلون. PageV05P409 ### || # {والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ms1731 ~~غير ملومين (6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون (8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) أولئك هم ~~الوارثون (10) } # {والذين هم لفروجهم حافظون} الفرج: اسم يجمع سوأة الرجل والمرأة، وحفظ ~~الفرج: التعفف عن الحرام. {إلا على أزواجهم} أي: من أزواجهم، و"على" بمعنى ~~"من". {أو ما ملكت أيمانكم} {ما} في محل الخفض، يعني أو ما ملكت أيمانهم، ~~والآية في الرجال خاصة بدليل قوله: "أو ما ملكت أيمانهم" والمرأة لا يجوز ~~أن تستمتع بفرج مملوكها. {فإنهم غير ملومين} يعني يحفظ فرجه إلا من امرأته ~~أو أمته فإنه لا يلام على ذلك، وإنما لا يلام فيهما إذا كان على وجه أذن ~~فيه الشرع دون الإتيان في غير المأتى، وفي حال الحيض والنفاس، فإنه محظور ~~وهو على فعله ملوم. {فمن ابتغى وراء ذلك} أي: التمس وطلب سوى الأزواج ~~والولائد المملوكة، {فأولئك هم العادون} الظالمون المتجاوزون من الحلال إلى ~~الحرام 30/ب وفيه دليل على أن الاستمناء باليد حرام، وهو قول أكثر العلماء. ~~قال ابن جريج: سألت عطاء عنه فقال: مكروه، سمعت أن قوما يحشرون وأيديهم ~~حبالى فأظن أنهم هؤلاء. وعن سعيد بن جبير قال: عذب الله أمة كانوا يعبثون ~~بمذاكيرهم. {والذين هم لأماناتهم} قرأ ابن كثير "لأمانتهم" على التوحيد ~~هاهنا وفي سورة المعارج، لقوله تعالى: "وعهدهم" والباقون بالجمع، كقوله عز ~~وجل: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها (النساء -57) ، {وعهدهم ~~راعون} حافظون، أي: يحفظون ما ائتمنوا عليه، والعقود التي عاقدوا الناس ~~عليها، يقومون بالوفاء بها، والأمانات تختلف فتكون بين الله تعالى وبين ~~العبد كالصلاة والصيام والعبادات التي أوجبها الله عليه، وتكون بين العبيد ~~كالودائع والصنائع فعلى العبد الوفاء بجميعها. {والذين هم على صلواتهم} قرأ ~~حمزة والكسائي "صلاتهم" على التوحيد، والآخرون صلواتهم على الجمع. ~~{يحافظون} أي: يداومون على حفظها ويراعون أوقاتها، كرر ذكر الصلاة ليبين أن ~~المحافظة عليها واجبة كما أن الخشوع فيها واجب. {أولئك} أهل هذه الصفة، {هم ~~الوارثون} يرثون منازل أهل النار من الجنة. # PageV05P410 # وروي عن أبي صالح عن أبي ms1732 هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ~~ودخل النار ورث أهل الجنة منزله" (1) وذلك قوله تعالى: {أولئك هم الوارثون} # وقال مجاهد: لكل واحد منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبني ~~منزله الذي له في الجنة ويهدم منزله الذي له في النار، وأما الكافر فيهدم ~~منزله الذي في الجنة ويبني منزله الذي في النار. # وقال بعضهم: معنى الوراثة هو أنه يئول أمرهم إلى الجنة وينالونها، كما ~~يئول أمر الميراث إلى الوارث. ### || # {الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) ولقد خلقنا الإنسان من سلالة ~~من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13) } # قوله تعالى: {الذين يرثون الفردوس} وهو أعلى الجنة قد ذكرناه في سورة ~~الكهف (2) {هم فيها خالدون} لا يموتون ولا يخرجون، وجاء في الحديث: "أن ~~الله تعالى خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس ~~الفردوس بيده، ثم قال: وعزتي لا يدخلها مدمن خمر، ولا ديوث" (3) . قوله عز ~~وجل: {ولقد خلقنا الإنسان} يعني: ولد آدم، و"الإنسان" اسم الجنس، يقع على ~~الواحد والجمع، {من سلالة} روي عن ابن عباس أنه قال: السلالة صفوة الماء. ~~وقال مجاهد: من بني آدم. وقال عكرمة: هو يسيل من الظهر، والعرب تسمي النطفة ~~سلالة، والولد سليلا وسلالة، لأنهما مسلولان منه. # قوله: {من طين} يعني: طين آدم. والسلالة تولدت من طين خلق آدم منه. قال ~~الكلبي: من نطفة سلت من طين، والطين آدم عليه السلام، وقيل المراد من ~~الإنسان هو آدم. وقوله: "من سلالة: أي: سل من كل تربة. {ثم جعلناه نطفة} ~~يعني الذي هو الإنسان جعلناه نطفة، {في قرار مكين} حريز، وهو الرحم مكن [أي ~~قد هيئ] (4) لاستقرارها فيه إلى بلوغ أمدها. PageV05P411 ### || # {ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا ~~العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14) ثم إنكم ~~بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (16) } # {ثم خلقنا النطفة ms1733 علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما} قرأ ابن ~~عامر وأبو بكر "عظما"، {فكسونا العظام} على التوحيد فيهما، وقرأ الآخرون ~~بالجمع لأن الإنسان ذو عظام كثيرة. وقيل: بين كل خلقين أربعون يوما. ~~{فكسونا العظام لحما} أي ألبسنا، {ثم أنشأناه خلقا آخر} اختلف المفسرون ~~فيه، فقال ابن عباس: ومجاهد، والشعبي، وعكرمة، والضحاك، وأبو العالية: هو ~~نفخ الروح فيه (1) . وقال قتادة: نبات الأسنان والشعر. وروى ابن جريج عن ~~مجاهد: أنه استواء الشباب. وعن الحسن قال: ذكرا أو أنثى. وروى العوفي عن ~~ابن عباس: أن ذلك تصريف أحواله بعد الولادة من الاستهلال إلى الارتضاع، إلى ~~القعود إلى القيام، إلى المشي إلى الفطام، إلى أن يأكل ويشرب، إلى أن يبلغ ~~الحلم، ويتقلب في البلاد إلى ما بعدها. # {فتبارك الله} أي: استحق التعظيم والثناء بأنه لم يزل ولا يزال. {أحسن ~~الخالقين} المصورين والمقدرين. و"الخلق" في اللغة: التقدير. وقال مجاهد: ~~يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعين، يقال: رجل خالق أي: صانع. # وقال ابن جريج: إنما جمع الخالقين لأن عيسى كان يخلق كما قال: "إني أخلق ~~لكم من الطين" (آل عمران -49) فأخبر الله عن نفسه بأنه أحسن الخالقين (2) . ~~{ثم إنكم بعد ذلك لميتون} والميت -بالتشديد -والمائت الذي لم يمت بعد ~~وسيموت، والميت -بالتخفيف -: من مات، ولذلك لم يجز التخفيف هاهنا، كقوله: ~~"إنك ميت وإنهم ميتون" (الزمر -30) . {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} . ~~PageV05P412 ### || # {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17) } # {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون ~~(18) } # {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} أي: سبع سموات، سميت طرائق لتطارقها، وهو ~~أن بعضها فوق بعض، يقال: طارقت النعل إذا جعلت بعضه فوق بعض. وقيل: سميت ~~طرائق لأنها طرائق الملائكة. {وما كنا عن الخلق غافلين} أي كنا لهم حافظين ~~من أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم كما قال الله تعالى: "ويمسك السماء أن تقع ~~على الأرض إلا بإذنه" (الحج -65) . # وقيل: ما تركناهم سدى بغير أمر ونهي. # وقيل: وما كنا عن الخلق غافلين أي بنينا ms1734 فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس ~~والقمر والكواكب. {وأنزلنا من السماء ماء بقدر} يعلمه الله. قال مقاتل: ~~بقدر ما يكفيهم للمعيشة، {فأسكناه في الأرض} يريد ما يبقى في الغدران ~~والمستنقعات، ينتفع به الناس في الصيف عند انقطاع المطر. وقيل: فأسكناه في ~~الأرض ثم أخرجنا منها ينابيع، فماء الأرض كله من السماء، {وإنا على ذهاب به ~~لقادرون} حتى تهلكوا عطشا وتهلك مواشيكم وتخرب أراضيكم 31/أوفي الخبر: "أن ~~الله عز وجل أنزل أربعة أنهار من الجنة: سيحان، وجيحان، ودجلة، والفرات" ~~(1) . # وروى مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "إن الله عز وجل أنزل من الجنة خمسة أنهار: جيحون، وسيحون، ودجلة، ~~والفرات، والنيل، أنزلها الله عز وجل من عين واحدة من عيون الجنة، من أسفل ~~درجة من درجاتها، على جناحي جبريل، استودعها الله الجبال، وأجراها في ~~الأرض، وجعل فيها منافع للناس، فذلك قوله عز وجل: "وأنزلنا من السماء ماء ~~بقدر فأسكناه في الأرض"، فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل ~~فرفع من الأرض القرآن، والعلم كله والحجر الأسود من ركن البيت، ومقام ~~إبراهيم وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع كل ذلك إلى ~~السماء فذلك قوله تعالى: {وإنا على ذهاب به لقادرون} فإذا رفعت هذه الأشياء ~~من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا" (2) . # وروى هذا الحديث الإمام الحسن بن يوسف، عن عثمان بن سعيد بالإجازة، عن ~~سعيد بن سابق الإسكندراني، عن مسلمة بن علي، عن مقاتل بن حيان (3) . ~~PageV05P413 ### || # {فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون ~~(19) وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (20) } # قوله تعالى: {فأنشأنا لكم به} أي: بالماء، {جنات من نخيل وأعناب لكم ~~فيها} في الجنات، {فواكه كثيرة ومنها تأكلون} شتاء وصيفا، وخص النخيل ~~والأعناب بالذكر لأنها أكثر فواكه العرب. {وشجرة} أي: وأنشأنا لكم شجرة ~~{تخرج من طور سيناء} وهي الزيتون، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو "سيناء" بكسر ~~السين. وقرأ الآخرون بفتحها واختلفوا ms1735 في معناه وفي "سينين" في قوله تعالى: ~~"وطور سينين" (التين -2) قال مجاهد: معناه البركة، أي: من جبل مبارك. وقال ~~قتادة: معناه الحسن، أي: من الجبل الحسن. وقال الضحاك: هو بالنبطية، ومعناه ~~الحسن. وقال عكرمة: هو بالحبشية. وقال الكلبي: معناه الشجر، أي: جبل ذو ~~شجر. وقيل: هو بالسريانية الملتفة بالأشجار. وقال مقاتل: كل جبل فيه أشجار ~~مثمرة فهو سينا، وسينين بلغة النبط. وقيل: هو فيعال من السناء وهو ~~الارتفاع. قال ابن زيد: هو الجبل الذي نودي منه موسى بين مصر وأيلة. وقال ~~مجاهد: سينا اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها لوجودها عنده. وقال عكرمة: ~~هو اسم المكان الذي فيه هذا الجبل (1) . # {تنبت بالدهن} قرأ ابن كثير وأهل البصرة ويعقوب "تنبت" بضم التاء وكسر ~~الباء، وقرأ الآخرون بفتح التاء وضم الباء، فمن قرأ بفتح التاء فمعناه تنبت ~~تثمر الدهن وهو الزيتون. وقيل: تنبت ومعها الدهن، ومن قرأ بضم التاء، ~~اختلفوا فيه فمنهم من قال: الباء زائدة، معناه: تنبت الدهن، كما يقال: أخذت ~~ثوبه وأخذت بثوبه، ومنهم من قال: نبت وأنبت لغتان بمعنى واحد، كما قال ~~زهير: رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل (2) # أي: نبت، {وصبغ للآكلين} الصبغ والصباغ: الإدام الذي يلون الخبز إذا غمس ~~فيه وينصبغ، والإدام كل ما يؤكل مع الخبز، سواء ينصبغ به الخبز أو لا ~~ينصبغ. قال مقاتل: جعل PageV05P414 # الله في هذه الشجرة أدما ودهنا، فالأدم: الزيتون، والدهن: الزيت، وقال: ~~خص الطور بالزيتون لأن أول الزيتون نبت بها. ويقال: أن الزيتون أول شجرة ~~نبتت في الدنيا بعد الطوفان. ### || # {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ~~ومنها تأكلون (21) وعليها وعلى الفلك تحملون (22) ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (23) فقال ~~الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو ~~شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (24) إن هو إلا رجل ms1736 ~~به جنة فتربصوا به حتى حين (25) قال رب انصرني بما كذبون (26) } # قوله عز وجل: {وإن لكم في الأنعام لعبرة} أي: آية تعتبرون بها، {نسقيكم} ~~قرأ نافع بالنون [وفتحها] (1) وقرأ أبو جعفر هاهنا بالتاء وفتحها، {مما في ~~بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون} {وعليها وعلى الفلك تحملون} ~~أي: على الإبل في البر، وعلى الفلك في البحر. قوله عز وجل: {ولقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله} وحدوه، {ما لكم من إله غيره} معبود ~~سواه، {أفلا تتقون} أفلا تخافون عقوبته إذا عبدتم غيره. {فقال الملأ الذين ~~كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم} أي: يتشرف بأن ~~يكون له الفضل عليكم فيصير متبوعا وأنتم له تبع، {ولو شاء الله} أن لا يعبد ~~سواه، {لأنزل ملائكة} يعني بإبلاغ الوحي. {ما سمعنا بهذا} الذي يدعونا إليه ~~نوح {في آبائنا الأولين} وقيل: "ما سمعنا بهذا" أي: بإرسال بشر رسولا. {إن ~~هو إلا رجل به جنة} أي: جنون، {فتربصوا به حتى حين} أي: إلى أن يموت ~~فتستريحوا منه. {قال رب انصرني بما كذبون} أي: أعني بإهلاكهم لتكذيبهم ~~إياي. PageV05P415 ### || # {فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور ~~فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (27) } # {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم ~~الظالمين (28) وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) إن في ~~ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (30) ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) ~~فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ~~(32) } # {فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور ~~فاسلك فيها} أدخل فيها، يقال سلكته في كذا وأسلكته فيه، {من كل زوجين اثنين ~~وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم} أي من سبق عليه الحكم بالهلاك. # {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} {فإذا استويت} ms1737 اعتدلت {أنت ومن ~~معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين} أي: الكافرين. ~~{وقل رب أنزلني منزلا مباركا} قرأ أبو بكر عن عاصم "منزلا" بفتح الميم وكسر ~~الزاي، أي يريد موضع النزول، قيل: هو السفينة بعد الركوب، وقيل: هو الأرض ~~بعد النزول، ويحتمل أنه أراد في السفينة، ويحتمل بعد الخروج، وقرأ الباقون ~~"منزلا" بضم الميم وفتح الزاي، أي إنزالا فالبركة في السفينة النجاة، وفي ~~النزول بعد الخروج كثرة النسل من أولاده الثلاثة، {وأنت خير المنزلين} {إن ~~في ذلك} أي الذي ذكرت من أمر نوح والسفينة وإهلاك أعداء الله، {لآيات} ~~لدلالات على قدرته، {وإن كنا لمبتلين} وقد كنا. وقيل: وما كنا إلا مبتلين ~~أي: مختبرين إياهم بإرسال نوح ووعظه وتذكيره 31/ب لننظر ما هم عاملون قبل ~~نزول العذاب بهم. {ثم أنشأنا من بعدهم} من بعد إهلاكهم، {قرنا آخرين} ~~{فأرسلنا فيهم رسولا منهم} يعني: هودا وقومه. وقيل: صالحا وقومه. والأول ~~أظهر، {أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} # PageV05P416 ### || # {وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في ~~الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ~~(33) ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34) أيعدكم أنكم إذا متم ~~وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35) هيهات هيهات لما توعدون (36) إن هي ~~إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) إن هو إلا رجل افترى ~~على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38) قال رب انصرني بما كذبون (39) } # {وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة} أي المصير إلى ~~الآخرة، {وأترفناهم} نعمناهم ووسعنا عليهم، {في الحياة الدنيا ما هذا إلا ~~بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون} أي: مما تشربون منه. ~~{ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون} لمغبونون. {أيعدكم أنكم إذا متم ~~وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون} من قبوركم أحياء وأعاد "أنكم" لما طال ~~الكلام، ومعنى الكلام: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما مخرجون؟ ~~وكذلك هو في قراءة عبد ms1738 الله، نظيره في القرآن: "ألم يعلموا أنه من يحادد ~~الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها" (التوبة -63) . {هيهات هيهات لما ~~توعدون} قال ابن عباس: هي كلمة بعد، أي: بعيد ما توعدون، قرأ أبو جعفر ~~"هيهات هيهات" بكسر التاء، وقرأ نصر بن عاصم بالضم، وكلها لغات صحيحة فمن ~~نصب جعله مثل أين وكيف، ومن رفع جعله مثل منذ وقط وحيث، ومن كسر جعله مثل ~~أمس وهؤلاء، ووقف عليها أكثر القراء بالتاء، ويروى عن الكسائي الوقف عليها ~~بالهاء. {إن هي} يعنون الدنيا، {إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا} قيل فيه ~~تقديم وتأخير، أي: نحيا ونموت لأنهم كانوا ينكرون البعث بعد الموت. وقيل: ~~يموت الآباء ويحيا الأبناء. وقيل: يموت قوم ويحيا قوم. {وما نحن بمبعوثين} ~~بمنشرين بعد الموت. {إن هو} يعني الرسول، {إلا رجل افترى على الله كذبا وما ~~نحن له بمؤمنين} بمصدقين بالبعث بعد الموت. {قال رب انصرني بما كذبون} . ### || # {قال عما قليل ليصبحن نادمين (40) فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء ~~فبعدا للقوم الظالمين (41) ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42) } # {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (43) ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جاء ~~أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون ~~(44) } # {قال عما قليل} أي: عن قليل، و"ما" صلة، # PageV05P417 # {ليصبحن} ليصيرن، {نادمين} على كفرهم وتكذيبهم. {فأخذتهم الصيحة} يعني ~~صيحة العذاب، {بالحق} قيل: أراد بالصيحة الهلاك. وقيل: صاح بهم جبريل صيحة ~~فتصدعت قلوبهم، {فجعلناهم غثاء} وهو ما يحمله السيل من حشيش وعيدان شجر، ~~معناه: صيرناهم هلكى فيبسوا يبس الغثاء من نبات الأرض، {فبعدا للقوم ~~الظالمين} {ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين} أي: أقواما آخرين. {ما تسبق من ~~أمة أجلها} أي: ما تسبق أمة أجلها أي: وقت هلاكها، {وما يستأخرون} وما ~~يتأخرون عن وقت هلاكهم. {ثم أرسلنا رسلنا تترى} أي: مترادفين يتبع بعضهم ~~بعضا غير متواصلين، لأن بين كل نبيين زمانا طويلا وهي فعلى من المواترة، ~~قال الأصمعي: يقال واترت الخبر أي أتبعت بعضه بعضا، وبين الخبرين [هنيهة] ~~(1) . # واختلف القراء ms1739 فيه، فقرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: بالتنوين، ~~ويقفون بالألف، ولا يميله أبو عمرو، وفي الوقف فيها كالألف في قولهم: رأيت ~~زيدا، وقرأ الباقون بلا تنوين، والوقف عندهم يكون بالياء، ويميله حمزة ~~والكسائي، وهو مثل قولهم: غضبى وسكرى، وهو اسم جمع مثل شتى، وعلى القراءتين ~~التاء الأولى بدل من الواو، وأصله: "وترى" من المواترة والتواتر، فجعلت ~~الواو تاء، مثل: التقوى والتكلان. # {كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا} بالهلاك، أي: أهلكنا ~~بعضهم في إثر بعض، {وجعلناهم أحاديث} أي: سمرا وقصصا، يتحدث من بعدهم ~~بأمرهم وشأنهم، وهي PageV05P418 # جمع أحدوثة. وقيل: جمع حديث. قال الأخفش: إنما هو في الشر، وأما في الخير ~~فلا يقال جعلتهم أحاديث وأحدوثة، إنما يقال صار فلان حديثا، {فبعدا لقوم لا ~~يؤمنون} ### || # {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين (45) إلى فرعون وملئه ~~فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا ~~عابدون (47) فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48) ولقد آتينا موسى الكتاب ~~لعلهم يهتدون (49) وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ~~ومعين (50) } # {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين} أي بحجة بينة من اليد ~~والعصا. وغيرهما. {إلى فرعون وملئه فاستكبروا} تعظموا عن الإيمان، {وكانوا ~~قوما عالين} متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم. {فقالوا} يعني فرعون وقومه، ~~{أنؤمن لبشرين مثلنا} يعني: موسى وهارون، {وقومهما لنا عابدون} مطيعون ~~متذللون، والعرب تسمي كل من دان للملك: عابدا له. {فكذبوهما فكانوا من ~~المهلكين} بالغرق. {ولقد آتينا موسى الكتاب} التوراة، {لعلهم يهتدون} أي ~~لكي يهتدي به قومه. {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} دلالة على قدرتنا، ولم يقل ~~آيتين، قيل: معناه شأنهما آية. وقيل: معناه جعلنا كل واحد منهما آية، كقوله ~~تعالى: "كلتا الجنتين آتت أكلها" (الكهف -33) . {وآويناهما إلى ربوة} ~~الربوة المكان المرتفع من الأرض، واختلفت الأقوال فيها، فقال عبد الله بن ~~سلام: هي دمشق، وهو قول سعيد بن المسيب ومقاتل، وقال الضحاك: غوطة دمشق. ~~وقال أبو هريرة: هي الرملة. وقال عطاء عن ابن عباس: هي بيت المقدس، وهو ms1740 قول ~~قتادة وكعب. وقال كعب: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال ~~ابن زيد: هي مصر. وقال السدي: أرض فلسطين (1) . {ذات قرار} أي: مستوية ~~منبسطة واسعة يستقر عليها ساكنوها. {ومعين} فالمعين الماء الجاري الظاهر ~~الذي تراه العيون، مفعول من عانه يعينه إذا أدركه البصر. PageV05P419 ### || # {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (51) ~~وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ~~كل حزب بما لديهم فرحون (53) فذرهم في غمرتهم حتى حين (54) أيحسبون أنما ~~نمدهم به من مال وبنين (55) } # قوله عز وجل: {يا أيها الرسل} قال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي ~~وجماعة: أراد به محمدا صلى الله عليه وسلم وحده على مذهب العرب في مخاطبة ~~الواحد بلفظ الجماعة. وقال بعضهم: أراد به عيسى. وقيل: أراد به جميع الرسل ~~عليهم السلام، {كلوا من الطيبات} أي الحلالات، {واعملوا صالحا} الصلاح هو ~~الاستقامة على ما توجبه الشريعة، {إني بما تعملون عليم} {وإن هذه} قرأ أهل ~~الكوفة: "وإن" بكسر الألف على الابتداء، وقرأ الباقون بفتح الألف، وخفف ابن ~~عامر النون وجعل "إن" صلة، مجازه: وهذه {أمتكم} وقرأ الباقون بتشديد النون ~~على 32/أمعنى وبأن هذا، تقديره: بأن هذه أمتكم، أي ملتكم وشريعتكم التي ~~أنتم عليها، {أمة واحدة} أي ملة واحدة وهي الإسلام، {وأنا ربكم فاتقون} أي: ~~اتقوني لهذا. # وقيل: معناه أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم، فأمركم واحد، {وأنا ~~ربكم فاتقون} فاحذرون. وقيل: هو نصب بإضمار فعل، أي: اعلموا أن هذه أمتكم، ~~أي ملتكم، أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون. {فتقطعوا أمرهم} دينهم، {بينهم} أي: ~~تفرقوا فصاروا فرقا، يهودا ونصارى ومجوسا، {زبرا} أي: فرقا وقطعا مختلفة، ~~واحدها زبور وهو الفرقة والطائفة، ومثله الزبرة وجمعها زبر، ومنه: "زبر ~~الحديد" (الكهف -96) . أي: صاروا فرقا كزبر الحديد. وقرأ بعض أهل الشام ~~"زبرا" بفتح الباء، قال قتادة ومجاهد "زبرا" أي: كتبا، يعني دان كل فريق ~~بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخرون. وقيل: جعلوا كتبهم قطعا مختلفة، ~~آمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض، ms1741 وحرفوا البعض، {كل حزب بما لديهم} بما عندهم ~~من الدين، {فرحون} معجبون ومسرورون. {فذرهم في غمرتهم} قال ابن عباس: في ~~كفرهم وضلالتهم، وقيل: عمايتهم، وقيل: غفلتهم {حتى حين} إلى أن يموتوا. ~~{أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين} ما نعطيهم ونجعله مددا لهم من المال ~~والبنين في الدنيا. # PageV05P420 ### || # {نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56) إن الذين هم من خشية ربهم ~~مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58) والذين هم بربهم لا يشركون ~~(59) } # {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) } # {نسارع لهم في الخيرات} أي: نجعل لهم في الخيرات، ونقدمها ثوابا لأعمالهم ~~لمرضاتنا عنهم، {بل لا يشعرون} أن ذلك استدراج لهم. ثم ذكر المسارعين في ~~الخيرات فقال: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} أي: خائفون، والإشفاق: ~~الخوف، والمعنى أن المؤمنين بما هم عليه من خشية الله خائفون من عقابه، قال ~~الحسن البصري: المؤمن من جمع إحسانا وخشية، والمنافق من جمع إساءة وأمنا ~~(1) . {والذين هم بآيات ربهم يؤمنون} يصدقون. {والذين هم بربهم لا يشركون} ~~. {والذين يؤتون ما آتوا} أي: يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقات، وروي عن ~~عائشة أنها كانت تقرأ "والذين يأتون ما أتوا" (2) أي: يعملون ما عملوا من ~~أعمال البر، {وقلوبهم وجلة} أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله وأن أعمالهم لا ~~تقبل منهم، {أنهم إلى ربهم راجعون} لأنهم يوقنون أنهم يرجعون إلى الله عز ~~وجل. قال الحسن: عملوا لله بالطاعات [واجتهدوا فيها] (3) وخافوا أن ترد ~~عليهم. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن ~~يوسف، أخبرنا محمد بن حامد، حدثنا محمد بن الجهم، أخبرنا عبد الله بن عمرو، ~~أخبرنا وكيع عن مالك بن مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت: قلت يا رسول الله {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} أهو ~~الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: "لا يا بنت الصديق، ولكنه الرجل يصوم ~~ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه" (4) . PageV05P421 ### || # {أولئك يسارعون في ms1742 الخيرات وهم لها سابقون (61) ولا نكلف نفسا إلا وسعها ~~ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (62) بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم ~~أعمال من دون ذلك هم لها عاملون (63) حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم ~~يجأرون (64) } # قوله عز وجل: {أولئك يسارعون في الخيرات} يبادرون إلى الأعمال الصالحات، ~~{وهم لها سابقون} أي: إليها سابقون، كقوله تعالى: "لما نهوا" أي: إلى ما ~~نهوا، ولما قالوا ونحوها، وقال ابن عباس في معنى هذه الآية: سبقت لهم من ~~الله السعادة. وقال الكلبي: سبقوا الأمم إلى الخيرات. قوله: {ولا نكلف نفسا ~~إلا وسعها} أي: طاقتها، فمن لم يستطع القيام فليصل قاعدا، ومن لم يستطع ~~الصوم فليفطر، {ولدينا كتاب ينطق بالحق} وهو اللوح المحفوظ، "ينطق بالحق" ~~يبين بالصدق، ومعنى الآية: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها إلا ما أطاقت من ~~العمل، وقد أثبتنا عمله في اللوح المحفوظ، فهو ينطق به ويبينه. وقيل: هو ~~كتب أعمال العباد التي تكتبها الحفظة، {وهم لا يظلمون} ولا ينقص من حسناتهم ~~ولا يزاد على سيئاتهم. ثم ذكر الكفار، فقال: {بل قلوبهم في غمرة} أي: في ~~غفلة وجهالة، {من هذا} أي: من القرآن، {ولهم أعمال من دون ذلك} أي: للكفار ~~أعمال خبيثة من المعاصي والخطايا محكومة عليهم من دون ذلك، يعني من دون ~~أعمال المؤمنين التي ذكرها الله تعالى في قوله "إن الذين هم من خشية ربهم ~~مشفقون"، {هم لها عاملون} لا بد لهم من أن يعملوها، فيدخلوا بها النار، لما ~~سبق لهم من الشقاوة. هذا قول أكثر المفسرين. وقال قتادة: هذا ينصرف إلى ~~المسلمين، وأن لهم أعمالا سوى ما عملوا من الخيرات هم لها عاملون، والأول ~~أظهر. {حتى إذا أخذنا مترفيهم} أي: أخذنا أغنياءهم ورؤساءهم، {بالعذاب} قال ~~ابن عباس: هو السيف يوم بدر. وقال الضحاك: يعني الجوع حين دعا عليهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم ~~سنين كسني يوسف" (1) فابتلاهم الله عز وجل بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجيف. ~~{إذا هم يجأرون} ms1743 يضجون ويجزعون ويستغيثون، وأصل الجأر: رفع الصوت بالتضرع. ~~PageV05P422 ### || # {لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون (65) قد كانت آياتي تتلى عليكم ~~فكنتم على أعقابكم تنكصون (66) مستكبرين به سامرا تهجرون (67) أفلم يدبروا ~~القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68) أم لم يعرفوا رسولهم فهم له ~~منكرون (69) } # {لا تجأروا اليوم} أي لا تضجوا، {إنكم منا لا تنصرون} لا تمنعون منا ولا ~~ينفعكم تضرعكم. {قد كانت آياتي تتلى عليكم} يعني القرآن، {فكنتم على ~~أعقابكم تنكصون} ترجعون القهقرى تتأخرون عن الإيمان. {مستكبرين به} اختلفوا ~~في هذه الكناية، فأظهر الأقاويل أنها تعود إلى البيت الحرام كناية عن غير ~~مذكور، أي: مستكبرين متعظمين بالبيت الحرام، وتعظمهم به أنهم كانوا يقولون ~~نحن أهل حرم الله وجيران بيته، فلا يظهر علينا أحد، ولا نخاف أحدا، فيأمنون ~~فيه وسائر الناس في الخوف، هذا قول ابن عباس ومجاهد، وجماعة، وقيل: ~~"مستكبرين به" أي: بالقرآن فلم يؤمنوا به. والأول أظهر، المراد منه الحرم، ~~{سامرا} نصب على الحال، أي أنهم يسمرون بالليل في مجالسهم حول البيت، ووحد ~~سامرا وهو بمعنى السمار لأنه وضع موضع الوقت، أراد تهجرون ليلا. وقيل: وحد ~~سامرا، ومعناه الجمع 32/ب كقوله: "ثم نخرجكم طفلا" (الحج -5) ، {تهجرون} ~~قرأ نافع "تهجرون" بضم التاء وكسر الجيم من الإهجار وهو الإفحاش في القول، ~~أي: تفحشون وتقولون الخنا، وذكر أنهم كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، وقرأ الآخرون: "تهجرون" بفتح التاء وضم الجيم، أي: تعرضون عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعن الإيمان والقرآن، وترفضونها: وقيل: هو من ~~الهجر وهو القول القبيح، يقال هجر يهجر هجرا إذا قال غير الحق. وقيل ~~+تهزئون وتقولون ما لا تعلمون، من قولهم: هجر الرجل في منامه إذا هذى. ~~{أفلم يدبروا} أي: يتدبروا، {القول} يعني: ما جاءهم من القول وهو القرآن، ~~فيعرفوا ما فيه من الدلالات على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، {أم جاءهم ما ~~لم يأت آباءهم الأولين} فأنكروا، يريد إنا قد بعثنا من قبلهم رسلا إلى ~~قومهم كذلك بعثنا محمدا صلى الله عليه ms1744 وسلم إليهم. وقيل: "أم" بمعنى بل، ~~يعني: جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين فلذلك أنكروا. {أم لم يعرفوا رسولهم} ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، {فهم له منكرون} قال ابن عباس: أليس قد عرفوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم صغيرا وكبيرا، وعرفوا نسبه وصدقه وأمانته ووفاءه ~~بالعهود. وهذا على سبيل التوبيخ # PageV05P423 # لهم على الإعراض عنه بعدما عرفوه بالصدق والأمانة. ### || # {أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون (70) ولو اتبع ~~الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ~~ذكرهم معرضون (71) أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (72) ~~وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73) وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط ~~لناكبون (74) } # {أم يقولون به جنة} جنون، وليس كذلك، {بل جاءهم بالحق} يعني بالصدق ~~والقول الذي لا تخفى صحته وحسنه على عاقل، {وأكثرهم للحق كارهون} {ولو اتبع ~~الحق أهواءهم} قال ابن جريج ومقاتل والسدي وجماعة: "الحق" هو الله، أي: لو ~~اتبع الله مرادهم فيما يفعل، وقيل: لو اتبع مرادهم، فسمى لنفسه شريكا وولدا ~~كما يقولون: {لفسدت السماوات والأرض} وقال الفراء والزجاج: والمراد بالحق ~~القرآن أي: لو نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما يعتقدونه ~~{لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} وهو كقوله تعالى: "لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا" (الأنبياء -22) . # {بل أتيناهم بذكرهم} بما يذكرهم، قال ابن عباس: أي: بما فيه فخرهم ~~وشرفهم، يعني القرآن، فهو كقوله تعالى: لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم" ~~(الأنبياء -10) ، أي: شرفكم، "وإنه لذكر لك ولقومك" (الزخرف -44) ، أي: شرف ~~لك ولقومك. {فهم عن ذكرهم} يعني عن شرفهم، {معرضون} {أم تسألهم} على ما ~~جئتهم به، {خرجا} أجرا وجعلا {فخراج ربك خير} أي: ما يعطيك الله من رزقه ~~وثوابه خير، {وهو خير الرازقين} قرأ حمزة والكسائي: "خراجا" "فخراج" كلاهما ~~بالألف، وقرأ ابن عامر كلاهما بغير ألف، وقرأ الآخرون: "خرجا" بغير ألف ~~"فخراج" بالألف. {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} وهو الإسلام. {وإن الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط} أي: عن دين ms1745 الحق، {لناكبون} لعادلون مائلون. # PageV05P424 ### || # {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (75) ولقد ~~أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) حتى إذا فتحنا عليهم ~~بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77) وهو الذي أنشأ لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (78) وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه ~~تحشرون (79) وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون ~~(80) } # {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر} قحط وجدوبة {للجوا} تمادوا، {في ~~طغيانهم يعمهون} ولم ينزعوا عنه. {ولقد أخذناهم بالعذاب} وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم دعا على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف، فأصابهم القحط، ~~فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال أنشدك الله والرحم، ألست ~~تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: بلى، فقال: قد قتلت الآباء بالسيف ~~والأبناء بالجوع، فادع الله أن يكشف عنا هذا القحط، فدعا فكشف عنهم، فأنزل ~~الله هذه الآية (1) {فما استكانوا لربهم} أي: ما خضعوا وما ذلوا لربهم، ~~وأصله طلب السكون، {وما يتضرعون} أي: لم يتضرعوا إلى ربهم بل مضوا على ~~تمردهم. {حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد} قال ابن عباس: يعني القتل ~~يوم بدر. وهو قول مجاهد، وقيل: هو الموت. وقيل: هو قيام الساعة، {إذا هم ~~فيه مبلسون} آيسون من كل خير. {وهو الذي أنشأ لكم السمع} أي: أنشأ لكم ~~الأسماع {والأبصار والأفئدة} لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، {قليلا ما تشكرون} ~~أي: لم تشكروا هذه النعم. {وهو الذي ذرأكم} خلقكم، {في الأرض وإليه تحشرون} ~~تبعثون. {وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار} أي: تدبير الليل ~~والنهار في الزيادة والنقصان، قال الفراء: جعلهما مختلفين، يتعاقبان ~~ويختلفان في السواد والبياض، {أفلا تعقلون} ما ترون من صنعة فتعتبرون. ~~PageV05P425 ### || # {بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أئنا لمبعوثون (82) لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير ~~الأولين (83) قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل ~~أفلا تذكرون (85) قل ms1746 من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون ~~لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن ~~كنتم تعلمون (88) } # {بل قالوا مثل ما قال الأولون} أي: كذبوا كما كذب الأولون. {قالوا أئذا ~~متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون} لمحشورون، قالوا ذلك على طريق ~~الإنكار والتعجب. {لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا} الوعد، {من قبل} أي: وعد ~~آباءنا قوم ذكروا أنهم رسل الله فلم نر له حقيقة، {إن هذا إلا أساطير ~~الأولين} أكاذيب الأولين. {قل} يا محمد مجيبا لهم، يعني أهل مكة، {لمن ~~الأرض ومن فيها} من الخلق، {إن كنتم تعلمون} خالقها ومالكها. {سيقولون لله} ~~ولا بد لهم من ذلك لأنهم يقرون أنها مخلوقة. {قل} لهم إذا أقروا بذلك: ~~{أفلا تذكرون} فتعلمون أن من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على ~~إحيائهم بعد الموت. {قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم} . {سيقولون ~~لله} قرأ العامة "لله" ومثله ما بعده، فجعلوا الجواب على المعنى، كقول ~~القائل للرجل: من مولاك؟ فيقول: لفلان، أي أنا لفلان وهو مولاي. وقرأ أهل ~~البصرة فيهما "الله" وكذلك هو في مصحف أهل البصرة، وفي سائر المصاحف، مكتوب ~~بالألف كالأول، {قل أفلا تتقون} تحذرون. {قل من بيده ملكوت كل شيء} الملكوت ~~الملك، والتاء فيه للمبالغة، {وهو يجير} أي: يؤمن من يشاء {ولا يجار عليه} ~~أي: لا يؤمن من أخافه الله، أو يمنع هو من السوء من يشاء، ولا يمنع منه من ~~أراده بسوء، {إن كنتم تعلمون} قيل: معناه أجيبوا إن كنتم تعلمون. # PageV05P426 ### || # {سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) } # {بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90) ما اتخذ الله من ولد وما كان معه ~~من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ~~(91) عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون (92) قل رب إما تريني ما ~~يوعدون (93) رب فلا تجعلني في القوم الظالمين (94) وإنا على أن نريك ما ~~نعدهم لقادرون (95) ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون ms1747 (96) } # {سيقولون لله قل فأنى تسحرون} أي: تخدعون وتصرفون عن توحيده وطاعته، ~~والمعنى: كيف يخيل لكم الحق باطلا؟ {بل أتيناهم بالحق} بالصدق {وإنهم ~~لكاذبون} فيما يدعون من الشريك 33/أ {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من ~~إله} أي: من شريك، {إذا لذهب كل إله بما خلق} أي: تفرد بما خلقه فلم يرض أن ~~يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره، ومنع الإله الآخر من الاستيلاء على ما خلق. ~~{ولعلا بعضهم على بعض} أي: طلب بعضهم مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما ~~بينهم، ثم نزه نفسه فقال: {سبحان الله عما يصفون} {عالم الغيب والشهادة} ~~قرأ أهل المدينة والكوفة غير حفص: "عالم" برفع الميم على الابتداء، وقرأ ~~الآخرون بجرها على نعت الله في سبحان الله، {فتعالى عما يشركون} أي: تعظم ~~عما يشركون، ومعناه أنه أعظم من أن يوصف بهذا الوصف. قوله: {قل رب إما ~~تريني} أي: إن أريتني، {ما يوعدون} أي: ما أوعدتهم من العذاب. {رب} أي: يا ~~رب، {فلا تجعلني في القوم الظالمين} أي: لا تهلكني بهلاكهم. {وإنا على أن ~~نريك ما نعدهم} من العذاب لهم، {لقادرون} {ادفع بالتي هي أحسن} أي: ادفع ~~بالخلة التي هي أحسن، هي الصفح والإعراض والصبر، {السيئة} يعني أذاهم، ~~أمرهم بالصبر على أذى المشركين والكف عن المقاتلة، نسختها آية السيف (1) ~~{نحن أعلم بما يصفون} يكذبون ويقولون من الشرك. PageV05P427 ### || # {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين (97) وأعوذ بك رب أن يحضرون (98) حتى ~~إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا ~~إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (100) فإذا نفخ في ~~الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) } # {وقل رب أعوذ بك} أي: أمتنع وأعتصم بك، {من همزات الشياطين} قال ابن ~~عباس:/ نزعاتهم. وقال الحسن: وساوسهم. وقال مجاهد: نفخهم ونفثهم. وقال أهل ~~المعاني: دفعهم بالإغواء إلى المعاصي، وأصل الهمز شدة الدفع. {وأعوذ بك رب ~~أن يحضرون} في شيء من أموري، وإنما ذكر الحضور لأن الشيطان إذا حضره ~~يوسوسه. ثم أخبر أن ms1748 هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى ~~الدنيا عند معاينة الموت، فقال: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون} ~~ولم يقل ارجعني، وهو يسأل الله وحده الرجعة، على عادة العرب فإنهم يخاطبون ~~الواحد بلفظ الجمع على وجه التعظيم، كما أخبر الله تعالى عن نفسه فقال: " ~~{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر -9) ، ومثله كثير في القرآن. ~~وقيل: هذا الخطاب مع الملائكة الذين يقبضون روحه ابتداء بخطاب الله لأنهم ~~استغاثوا بالله أولا ثم رجعوا إلى مسألة الملائكة الرجوع إلى الدنيا. قوله ~~تعالى: {لعلي أعمل صالحا فيما تركت} أي: ضيعت أن أقول لا إله إلا الله. ~~وقيل: أعمل بطاعة الله. قال قتادة: ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ~~ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فرحم ~~الله امرءا عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب، {كلا} كلمة ردع وزجر، ~~أي: لا يرجع إليها، {إنها} يعني: سؤاله الرجعة، {كلمة هو قائلها} [ولا ~~ينالها] (1) {ومن ورائهم برزخ} أي أمامهم وبين أيديهم حاجز، {إلى يوم ~~يبعثون} والبرزخ الحاجز بين الشيئين، واختلفوا في معناه هاهنا، فقال مجاهد: ~~حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا. وقال قتادة: بقية الدنيا. وقال الضحاك: ~~البرزخ ما بين الموت إلى البعث. وقيل: هو القبر، وهم فيه إلى يوم يبعثون. ~~{فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم} اختلفوا في هذه النفخة، فروى سعيد بن ~~جبير PageV05P428 # عن ابن عباس: أنها النفخة الأولى "ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن ~~في الأرض" (الزمر -68) ، {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} "ثم نفخ فيه ~~أخرى فإذا هم قيام ينظرون" (الزمر -68) ، "وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون" ~~(الصافات -27) . # وعن ابن مسعود: أنها النفخة الثانية، قال: يؤخذ بيد العبد والأمة يوم ~~القيامة فينصب على رءوس الأولين والآخرين ثم ينادي مناد: هذا فلان ابن ~~فلان، فمن كان له قبله حق فليأت إلى حقه، فيفرح المرء أن [يكون له] (1) ~~الحق على والده وولده أو زوجته أو أخيه فيأخذ منه، ثم قرأ ابن ms1749 مسعود "فلا ~~أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون" (2) . # وفي رواية عطاء عن ابن عباس: أنها الثانية فلا أنساب بينهم أي: لا ~~يتفاخرون بالأنساب يومئذ كما كانوا يتفاخرون في الدنيا، ولا يتساءلون سؤال ~~تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا: من أنت ومن أي قبيلة أنت؟ ولم يرد أن ~~الأنساب تنقطع. # فإن قيل: أليس قد جاء في الحديث: "كل سبب ونسب ينقطع إلا نسبي وسببي" (3) ~~. # قيل: معناه لا يبقى (4) يوم القيامة سبب ولا نسب إلا نسبه وسببه، وهو ~~الإيمان والقرآن. # فإن قيل: قد قال هاهنا {ولا يتساءلون} وقال في موضع آخر: "وأقبل بعضهم ~~على بعض يتساءلون" (الصافات -27) . # الجواب: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن للقيامة أحوالا ومواطن، ~~ففي موطن يشتد عليهم الخوف، فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل فلا يتساءلون، ~~وفي موطن يفيقون إفاقة فيتساءلون (5) . ### || # {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102) } # {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} PageV05P429 # {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (103) تلفح ~~وجوههم النار وهم فيها كالحون (104) } # {ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105) قالوا ربنا غلبت علينا ~~شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (107) ~~قال اخسئوا فيها ولا تكلمون (108) } # {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون} . {تلفح ~~وجوههم النار} أي: تسفع، وقيل: تحرق، {وهم فيها كالحون} عابسون. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد ~~الحارثي، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا ~~إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن يزيد، ~~عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "وهم فيها كالحون، قال: تشويه النار، فتقلص شفته العليا حتى تبلغ ~~وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته" (1) وبهذا الإسناد عن عبد ~~الله بن المبارك عن حاجب بن عمر عن الحكم ابن الأعرج قال: قال: أبو هريرة: ~~"يعظم الكافر في النار ms1750 مسيرة سبع ليال، فيصير ضرسه مثل أحد، وشفاههم عند ~~سررهم، سود زرق خسر مقبوحون" (2) 33/ب قوله عز وجل: {ألم تكن آياتي تتلى ~~عليكم} يعني القرآن، تخوفون بها، {فكنتم بها تكذبون} {قالوا ربنا غلبت ~~علينا شقوتنا} قرأ حمزة والكسائي: "شقاوتنا" بالألف وفتح الشين، وهما لغتان ~~أي: غلبت علينا شقوتنا التي كتبت علينا فلم نهتد. {وكنا قوما ضالين} عن ~~الهدى. {ربنا أخرجنا منها} أي: من النار، {فإن عدنا} لما تكره {فإنا ~~ظالمون} {قال اخسئوا} أبعدوا، {فيها} كما يقال للكلب إذا طرد: اخسأ، {ولا ~~تكلمون} في رفع العذاب، فإني لا أرفعه عنكم، فعند ذلك أيس المساكين (3) من ~~الفرج، قال الحسن: هو آخر PageV05P430 # كلام يتكلم به أهل النار ثم لا يتكلمون بعدها إلا الشهيق والزفير، ويصير ~~لهم عواء كعواء الكلاب لا يفهمون ولا يفهمون، روي عن عبد الله بن عمرو: أن ~~أهل جهنم يدعون مالكا خازن النار أربعين عاما: (1) "يا مالك ليقض علينا ~~ربك" (الزخرف -77) فلا يجيبهم، ثم يقول: "إنكم ماكثون" (الزخرف -77) ، ثم ~~ينادون ربهم: {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} فيدعهم مثل عمر ~~الدنيا مرتين ثم يرد عليهم: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} فلا ينبس القوم بعد ~~ذلك بكلمة إن كان إلا الزفير والشهيق. # وقال القرطبي: إذا قيل لهم: "اخسئوا فيها ولا تكلمون" انقطع رجاؤهم، ~~وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، وأطبقت عليهم. ### || # {إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الراحمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110) ~~إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) } # {إنه} الهاء في "إنه" عماد وتسمى أيضا المجهولة، {كان فريق من عبادي} وهم ~~المؤمنون {يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين} ~~{فاتخذتموهم سخريا} قرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي: "سخريا" بضم السين ~~هاهنا وفي سورة ص، وقرأ الباقون بكسرهما، واتفقوا على الضم في سورة الزخرف. ~~قال الخليل: هما لغتان مثل قولهم: بحر لجي، ولجي بضم اللام وكسرها، مثل ~~كوكب دري ودري، قال الفراء والكسائي: الكسر بمعنى الاستهزاء بالقول، والضم ms1751 ~~بمعنى التسخير والاستعباد بالفعل، واتفقوا في سورة الزخرف بأنه بمعنى ~~التسخير، {حتى أنسوكم} أي: أنساكم اشتغالكم بالاستهزاء بهم وتسخيرهم، {ذكري ~~وكنتم منهم تضحكون} نظيره: "إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون" ~~(المطففين -29) قال مقاتل: نزلت في بلال وعمار وخباب وصهيب وسلمان والفقراء ~~من الصحابة، كان كفار قريش يستهزئون بهم (2) . {إني جزيتهم اليوم بما ~~صبروا} على أذاكم واستهزائكم في الدنيا، {أنهم هم الفائزون} قرأ حمزة ~~والكسائي "أنهم" بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون بفتحها، فيكون في ~~موضع المفعول الثاني إني جزيتهم اليوم بصبرهم الفوز بالجنة. PageV05P431 ### || # {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ~~فاسأل العادين (113) قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (114) ~~أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) } # {قال كم لبثتم} قرأ حمزة والكسائي: "قل كم لبثتم" على الأمر. ومعنى ~~الآية: قولوا أيها الكافرون، فأخرج الكلام مخرج الواحد، والمراد منه ~~الجماعة، إذ كان معناه مفهوما، ويجوز أن يكون الخطاب لكل واحد منهم، أي قل ~~يا أيها الكافرون، وقرأ ابن كثير: قل كم، على الأمر، وقال "أن" على الخبر، ~~لأن الثانية جواب، وقرأ الآخرون: "قال" فيهما جميعا، أي: قال الله عز وجل ~~للكفار يوم البعث: كم لبثتم؟ {في الأرض} أي: في الدنيا وفي القبور {عدد ~~سنين} {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} نسوا مدة لبثهم في الدنيا لعظم ما هم ~~بصدده من العذاب، {فاسأل العادين} الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ~~ويحصونها عليهم. {قال إن لبثتم} أي: ما لبثتم في الدنيا، {إلا قليلا} سماه ~~قليلا لأن الواحد وإن طال مكثه في الدنيا فإنه يكون قليلا في جنب ما يلبث ~~في الآخرة، لأن لبثه في الدنيا وفي القبر متناه، {لو أنكم كنتم تعلمون} قدر ~~لبثكم في الدنيا. قوله عز وجل: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} لعبا وباطلا لا ~~لحكمة، وهو نصب على الحال، أي: عابثين. وقيل: للعبث، أي: لتلعبوا وتعبثوا ~~كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وهو مثل قوله: "أيحسب الإنسان أن ms1752 ~~يترك سدى" (القيامة -36) ، وإنما خلقتم للعبادة وإقامة أوامر الله عز وجل، ~~و {وأنكم إلينا لا ترجعون} أي: أفحسبتم أنكم إلينا لا ترجعون في الآخرة ~~للجزاء، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب لا "ترجعون" بفتح التاء وكسر الجيم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن ~~زنجويه، أخبرنا بشر بن عمر، أخبرنا عبد الله بن لهيعة، أخبرنا عبد الله بن ~~هبيرة، عن حنش، أن رجلا مصابا مر به على ابن مسعود فرقاه في أذنيه: ~~{أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} حتى ختم السورة فبرأ، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "بماذا رقيت في أذنه"؟ فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال" (1) . ~~PageV05P432 ### || # {فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) ومن يدع مع ~~الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ~~(117) وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (118) } # ثم نزه الله نفسه عما يصفه به المشركون، فقال جل ذكره: {فتعالى الله ~~الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} يعني السرير الحسن. وقيل: ~~المرتفع. {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به} أي: لا حجة له به ولا ~~بينة، لأنه لا حجة في دعوى الشرك، {فإنما حسابه} جزاؤه، {عند ربه} يجازيه ~~بعمله، كما قال تعالى: "ثم إن علينا حسابهم" (الغاشية -26) ، {إنه لا يفلح ~~الكافرون} لا يسعد من جحد وكذب. {وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين} . # PageV05P433 ### | سورة النور # مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون (1) ~~الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في ~~دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين (2) } # {سورة} أي: هذه سورة، {أنزلناها وفرضناها} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: ~~"وفرضناها" بتشديد الراء، وقرأ ms1753 الآخرون بالتخفيف، أي: أوجبنا ما فيها من ~~الأحكام وألزمناكم العمل بها. وقيل: معناه قدرنا ما فيها من الحدود، ~~والفرض: التقدير، قال الله عز وجل: "فنصف ما فرضتم (البقرة-237) أي: قدرتم، ~~ودليل التخفيف قوله عز وجل: "إن الذي فرض عليك القرآن" (القصص-85) وأما ~~التشديد فمعناه: 34/أوفصلناه وبيناه. وقيل: هو بمعنى الفرض الذي هو بمعنى ~~الإيجاب أيضا، والتشديد للتكثير لكثرة ما فيها من الفرائض، أي: أوجبناها ~~عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة. {وأنزلنا فيها آيات بينات} واضحات، ~~{لعلكم تذكرون} تتعظون. قوله عز وجل: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة} أراد إذا كانا حرين بالغين عاقلين بكرين غير محصنين ~~"فاجلدوا": فاضربوا كل واحد منهما مائة جلدة، يقال جلده إذا ضرب جلده، كما ~~يقال رأسه وبطنه، إذا ضرب رأسه وبطنه، وذكر بلفظ الجلد لئلا يبرح ولا يضرب ~~PageV06P007 # بحيث يبلغ اللحم، وقد وردت السنة أنه يجلد مائة ويغرب عاما (1) وهو قول ~~أكثر أهل العلم، وإن كان الزاني محصنا فعليه الرجم، ذكرناه في سورة النساء ~~(2) . # {ولا تأخذكم بهما رأفة} رحمة ورقة، وقرأ ابن كثير "رأفة" بفتح الهمزة ولم ~~يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لمجاورة قوله ورحمة، والرأفة معنى في ~~القلب، لا ينهى عنه لأنه لا يكون باختيار الإنسان. # روي أن عبد الله بن عمر جلد جارية له زنت، فقال للجلاد: اضرب ظهرها ~~ورجليها، فقال له ابنه: لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله، فقال يا بني إن ~~الله عز وجل لم يأمرني بقتلها وقد ضربت فأوجعت (3) . # واختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: لا تأخذكم بهما رأفة فتعطلوا الحدود ~~ولا تقيموها، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي. ~~وقال جماعة: معناها ولا تأخذكم بهما رأفة فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ~~ضربا، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن، قال الزهري: يجتهد في حد الزنا ~~والفرية ويخفف في حد الشرب. وقال قتادة: يجتهد في حد الزنا ويخفف في الشرب ~~والفرية. # {في دين الله} أي: في حكم الله، {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} ms1754 ~~معناه أن المؤمن لا تأخذه الرأفة إذا جاء أمر الله تعالى. # {وليشهد} وليحضر، {عذابهما} حدهما إذا أقيم عليهما {طائفة} نفر، {من ~~المؤمنين} قال مجاهد والنخعي: أقله رجل واحد فما فوقه، وقال عكرمة وعطاء: ~~رجلان فصاعدا. وقال الزهري وقتادة: ثلاثة فصاعدا. وقال مالك وابن زيد: ~~أربعة بعدد شهود الزنا. ### || # {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~وحرم ذلك على المؤمنين (3) } # قوله عز وجل: {الزاني لا ينكح، إلا زانية أو مشركة والزانية لاينكحها إلا ~~زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها ~~فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا عشائر، ~~وبالمدينة نساء بغايا يكرين أنفسهن، وهن يومئذ أخصب PageV06P008 # أهل المدينة، فرغب أناس من فقراء المسلمين في نكاحهن لينفقن عليهم، ~~فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية (1) {وحرم ذلك على ~~المؤمنين} أن يتزوجوا تلك البغايا لأنهن كن مشركات، وهذا قول مجاهد وعطاء ~~بن أبي رباح وقتادة والزهري والشعبي، ورواية العوفي عن ابن عباس. # وقال عكرمة: نزلت في نساء بمكة والمدينة، منهن تسع لهن رايات كرايات ~~البيطار يعرفن بها، منهن أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، ~~وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين ~~نكاحهن على تلك الجهة، فاستأذن رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في نكاح أم مهزول واشترطت له أن تنفق عليه، فأنزل الله هذه الآية (2) ~~. # وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد ~~الغنوي كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت بمكة بغي يقال ~~لها عناق، وكانت صديقة له في الجاهلية، فلما أتى مكة دعته عناق إلى نفسها، ~~فقال مرثد: إن الله حرم الزنا، قالت: فانكحني، فقال: حتى أسأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول ~~الله أنكح عناقا؟ فأمسك رسول الله ms1755 صلى الله عليه وسلم فلم يرد شيئا، فنزلت: ~~{والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} فدعاني فقرأها علي وقال لي: لا ~~تنكحها (3) . فعلى قول هؤلاء كان التحريم خاصا في حق أولئك دون سائر الناس. # وقال قوم: المراد من النكاح هو الجماع، ومعناه: الزاني لا يزني إلا ~~بزانية أو مشركة، والزانية لا تزني إلا بزان أو مشرك، وهو قول سعيد بن جبير ~~والضحاك بن مزاحم. ورواية الوالبي عن ابن عباس، قال يزيد بن هارون: إن ~~جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان، وكان ابن مسعود ~~يحرم نكاح الزانية ويقول: إذا تزوج الزاني بالزانية فهما زانيان أبدا. وقال ~~الحسن: الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة والزانية المجلودة لا ~~ينكحها إلا زان مجلود. قال سعيد بن المسيب وجماعة: إن حكم الآية منسوخ، ~~فكان نكاح الزانية حراما بهذه الآية فنسخها قوله تعالى: "وأنكحوا الأيامى ~~منكم" فدخلت الزانية في أيامى المسلمين (4) . PageV06P009 # واحتج من جوز نكاح الزانية بما أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل ~~التميمي، أخبرنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي، أخبرنا أبو أحمد عبد الله ~~بن عدي الحافظ، أخبرنا الحسن بن فرج، أخبرنا عمرو بن خالد الحراني، أخبرنا ~~عبيد الله عن عبد الكريم الجزري، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رجلا أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن امرأتي لا تدفع يد لامس؟ ~~قال: طلقها، قال: فإني أحبها وهي جميلة، قال: استمتع بها. وفي رواية غيره ~~"فأمسكها إذا" (1) . # وروي أن عمر بن الخطاب ضرب رجلا وامرأة 34/ب في زنى وحرص أن يجمع بينهما ~~فأبى الغلام (2) . ### || # {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) } # قوله عز وجل: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداءفاجلدوهم ~~ثمانين جلدة} أراد بالرمي القذف بالزنا، وكل من رمى محصنا أو محصنة بالزنا، ~~فقال له: زنيت أو يا زاني فيجب عليه جلد ثمانين جلدة، إن كان حرا، وإن كان ~~عبدا ms1756 فيجلد أربعين، وإن كان المقذوف غير محصن، فعلى القاذف التعزير. # وشرائط الإحصان خمسة: الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزنى، ~~حتى أن من زنى مرة في أول بلوغه ثم تاب وحسنت حالته وامتد عمره فقذفه قاذف ~~فلا حد عليه. فإن أقر المقذوف على نفسه بالزنا أو أقام القاذف أربعة من ~~الشهود على زناه سقط الحد عن القاذف، لأن الحد الذي وجب عليه حد الفرية وقد ~~ثبت صدقه. # وقوله: {والذين يرمون المحصنات} أي: يقذفون بالزنا المحصنات، يعني ~~المسلمات الحرائر العفائف {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} يشهدون على زناهن ~~{فاجلدوهم ثمانين جلدة} أي: اضربوهم ثمانين جلدة. {ولا تقبلوا لهم شهادة ~~أبداوأولئك هم الفاسقون} PageV06P010 ### || # {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (5) والذين ~~يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات ~~بالله إنه لمن الصادقين (6) } # {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} اختلف العلماء ~~في قبول شهادة القاذف بعد التوبة، وفي حكم هذا الاستثناء: فذهب قوم إلى أن ~~القاذف ترد شهادته بنفس القذف، وإذا تاب وندم على ما قال وحسنت حالته قبلت ~~شهادته، سواء تاب بعد إقامة الحد عليه أو قبله. لقوله تعالى: "إلا الذين ~~تابوا"، وقالوا: الاستثناء يرجع إلى الشهادة وإلى الفسق، فبعد التوبة تقبل ~~شهادته، ويزول عنه اسم الفسق. يروى ذلك عن ابن عباس وعمر، وهذا قول سعيد بن ~~جبير ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة ~~وعمر بن عبد العزيز والزهري وبه قال مالك والشافعي. # وذهب قوم إلى أن شهادة المحدود في القذف لا تقبل أبدا وإن تاب، وقالوا: ~~الاستثناء يرجع إلى قوله: {وأولئك هم الفاسقون} وهو قول النخعي وشريح ~~وأصحاب الرأي، وقالوا: بنفس القذف لا ترد شهادته ما لم يحد. # قال الشافعي: وهو قبل أن يحد شر منه حين يحد، لأن الحدود كفارات، فكيف ~~يردونها في أحسن حاليه ويقبلونها في شر حاليه. وذهب الشعبي إلى أن حد القذف ~~يسقط بالتوبة، وقال: الاستثناء يرجع إلى ms1757 الكل. # وعامة العلماء على أنه لا يسقط بالتوبة إلا أن يعفو عنه المقذوف فيسقط، ~~كالقصاص يسقط بالعفو، ولا يسقط بالتوبة. # فإن قيل: إذا قبلتم شهادته بعد التوبة فما معنى قوله {أبدا} ؟. # قيل: معناه لا تقبل شهادته أبدا ما دام مصرا على قذفه، لأن أبد كل إنسان ~~مدته على ما يليق بحاله. كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبدا: يراد ما دام ~~كافرا (1) . قوله عز وجل: {والذين يرمون أزواجهم} أي: يقذفون نساءهم، {ولم ~~يكن لهم شهداء} يشهدون على صحة ما قالوا، {إلا أنفسهم} أي: غير أنفسهم، ~~{فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين} قرأ حمزة والكسائي ~~وحفص: "أربع شهادات" برفع العين على خبر الابتداء، أي: فشهادة أحدهم التي ~~تدرأ الحد أربع شهادات، وقرأ الآخرون بالنصب، أي: فشهادة أحدهم أن يشهد ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. PageV06P011 ### || # {والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين (7) } # {والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين} قرأ نافع ويعقوب "أن" ~~خفيفة وكذلك الثانية "لعنة الله" رفع، ثم يعقوب قرأ "غضب" برفع، وقرأ نافع ~~"غضب" بكسر الضاد وفتح الباء على الماضي "الله" رفع، وقرأ الآخرون "أن" ~~بالتشديد فيهما، "لعنة" نصب، و"غضب" بفتح الضاد على الاسم، "الله" جر، وقرأ ~~حفص عن عاصم "والخامسة" الثانية نصب، أي: ويشهد الشهادة الخامسة، وقرأ ~~الآخرون بالرفع على الابتداء وخبره في أن كالأولى. # وسبب نزول هذه الآية ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، ~~أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك ~~عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم ~~بن عدي الأنصاري فقال له: يا عاصم أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا ~~أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ سل لي عن ذلك يا عاصم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قال: فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فكره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها حتى كبر على ms1758 عاصم ما سمع من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال له: يا ~~عاصم ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عاصم لعويمر، لم تأتني ~~بخير، قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته عنها، فقال ~~عويمر، والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، فجاء عويمر ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا ~~أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أنزل ~~فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها"، فقال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا ~~رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. قال مالك قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين (1) . # وقال محمد بن إسماعيل أخبرنا إسحاق، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا ~~الأوزاعي، أخبرنا الزهري بهذا الإسناد بمثل معناه وزاد: ثم قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "انظروا فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الإليتين، ~~خدلج الساقين، فلا أحسب عويمرا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به 35/أأحيمر ~~كأنه [وجوه] (2) فلا أحسب عويمر إلا قد كذب عليها" فجاءت به على النعت الذي ~~نعت رسول الله PageV06P012 # صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر (1) فكان بعد ينسب إلى أمه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~أحمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا ابن ~~أبي عدي، عن هشام بن حسان، أخبرنا عكرمة، عن ابن عباس، أن هلال بن أمية قذف ~~امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "البينة أو حد في ظهرك"، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا ~~على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه ms1759 وسلم يقول: ~~"البينة وإلا حد في ظهرك"، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن ~~الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه: {والذين يرمون أزواجهم} ~~فقرأ حتى بلغ {إن كان من الصادقين} فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل ~~إليهما، فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يعلم أن ~~أحدكما كاذب، فهل منكما تائب"؟ ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها ~~وقالوا إنها موجبة، قال ابن عباس فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم ~~قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين (2) ، سابغ الإليتين (3) ، خدلج الساقين ~~(4) ، فهو لشريك بن سحماء"، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن" (5) . # وروى عكرمة عن ابن عباس: قال لما نزلت: {والذين يرمون المحصنات} الآية. ~~قال سعد بن عبادة: لو أتيت لكاع وقد تفخذها رجل لم يكن لي أهيجه حتى آتي ~~بأربعة شهداء، فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، ~~وإن قلت ما رأيت إن في ظهري لثمانين جلدة، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما قال سيدكم"؟ قالوا: لا تلمه، فإنه ~~رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلا بكرا، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن ~~يتزوجها، فقال سعد: يا رسول الله بأبي أنت وأمي والله إني لأعرف أنها من ~~الله وأنها حق ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "فإن الله يأبى إلا ذلك"، فقال صدق الله ورسوله، قال: فلم يلبثوا إلا ~~يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية من حديقة له، فرأى رجلا مع ~~امرأته يزني بها، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه، فقال: PageV06P013 # يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء ms1760 فوجدت رجلا مع امرأتي، رأيت بعيني وسمعت ~~بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أتاه به، وثقل عليه حتى عرف ~~ذلك في وجهه، فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما ~~أتيتك به، والله يعلم إني لصادق وما قلت إلا حقا، وإني لأرجو أن يجعل الله ~~لي فرجا، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضربه، فقال: واجتمعت الأنصار ~~فقالوا ابتلينا بما قال سعد، يجلد هلال وتبطل شهادته، وإنهم لكذلك، ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه، إذ نزل عليه الوحي، فأمسك ~~أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل عليه، حتى فرغ، فأنزل الله عز ~~وجل: {والذين يرمون أزواجهم} إلى آخر الآيات فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "أبشر يا هلال فإن الله قد جعل لك فرجا" فقال: لقد كنت أرجو ذلك من ~~الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلوا إليها، فجاءت، فلما ~~اجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لها فكذبت، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ فقال ~~هلال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قد صدقت وما قلت إلا حقا، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لاعنوا بينهما، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات ~~بالله إنه لمن الصادقين، فقال له عند الخامسة: يا هلال اتق الله، فإن عذاب ~~الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه ~~الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال هلال: والله لا يعذبني ~~الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهد ~~الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قال للمرأة: اشهدي، ~~فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فقال لها عند الخامسة ووقفها: ~~اتقي الله فإن الخامسة موجبة وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، فتلكأت ساعة ~~وهمت بالاعتراف ثم قالت: والله ms1761 لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة: أن غضب الله ~~عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما (1) ، ~~وقضى بأن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها، ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها وإن جاءت به كذا وكذا فهو ~~للذي قيل فيه"، فجاءت به غلاما كأنه جمل أورق، على الشبه المكروه، وكان بعد ~~أميرا على مصر، لا يدري من أبوه. # وقال ابن عباس في سائر الروايات، ومقاتل: لما نزلت: {والذين يرمون ~~المحصنات} الآية، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على ~~المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك، إن رأى رجل منا ~~مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين جلدة، وسماه المسلمون فاسقا، ولا ~~تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل ~~فرغ من حاجته ومر؟ وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويمر، وله امرأة يقال ~~لها خولة بنت قيس بن محصن، PageV06P014 # فأتى عويمر 35/ب عاصما وقال: لقد رأيت شريك بن السمحاء على بطن امرأتي ~~خولة، فاسترجع عاصم، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجمعة الأخرى، ~~فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية ~~في أهل بيتي، فأخبره وكان عويمر وخولة وشريك كلهم بني عم عاصم، فدعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بهم جميعا، وقال لعويمر:"اتق الله في زوجتك وابنة ~~عمك ولا تقذفها بالبهتان" فقال: يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكا ~~على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر، وإنها حبلى من غيري، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للمرأة: "اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعت" ~~فقالت: يا رسول الله إن عويمرا رجل غيور، وإنه رآني وشريكا يطيل السمر ~~ونتحدث، فحملته الغيرة على ما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لشريك: "ما تقول"؟ فقال: ما تقوله المرأة كذب، فأنزل الله عز ms1762 وجل: {والذين ~~يرمون أزواجهم} الآية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نودي الصلاة ~~جامعة، فصلى العصر ثم قال لعويمر: قم، فقام فقال: أشهد بالله بأن خولة ~~لزانية وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثانية أشهد أني رأيت شريكا على ~~بطنها، وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة أشهد بالله إنها حبلى من غيري ~~وإني لمن الصادقين، ثم قال في الرابعة أشهد بالله إني ما قربتها منذ أربعة ~~أشهر وإني لمن الصادقين، ثم قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر -يعني ~~نفسه-إن كان من الكاذبين فيما قال، ثم أمره بالقعود، وقال لخولة: قومي ~~فقامت، فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن عويمرا لمن الكاذبين، ثم قالت ~~في الثانية أشهد بالله أنه ما رأى شريكا على بطني وإنه لمن الكاذبين، ثم ~~قالت في الثالثة أشهد بالله إني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في ~~الرابعة أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت ~~في الخامسة غضب الله على خولة -تعني نفسها-إن كان من الصادقين. ففرق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقال لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما ~~رأي، ثم قال: "تحينوا بها الولادة فإن جاءت به [أصيهب] (1) [أثيبج] (2) ~~يضرب إلى السواد فهو لشريك، وإن جاءت به أورق (3) جعدا جماليا (4) خدلج ~~الساقين (5) فهو لغير الذي رميت به". قال ابن عباس فجاءت بأشبه خلق الله ~~بشريك (6) . # والكلام في حكم الآية: أن الرجل إذا قذف امرأته فموجبه موجب قذف الأجنبي ~~في وجوب الحد عليه إن كانت محصنة، أو التعزير إن لم تكن محصنة، غير أن ~~المخرج منهما مختلف؛ فإذا قذف PageV06P015 # أجنبيا يقام الحد عليه، إلا أن يقيم أربعة من الشهود على زناه، أو يقر به ~~المقذوف فيسقط عنه حد القذف، وفي الزوجة إذا وجد أحد هذين أو لاعن يسقط عنه ~~الحد، فاللعان في قذف الزوجة بمنزلة البينة، لأن الرجل إذا رأى مع امرأته ~~رجلا ربما لا يمكنه إقامة البينة عليه ولا يمكنه الصبر على ms1763 العار، فجعل ~~الله اللعان حجة له على صدقه، فقال تعالى: "فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله ~~إنه لمن الصادقين"، وإذا أقام الزوج البينة على زناها أو اعترفت بالزنا سقط ~~عنه الحد واللعان، إلا أن يكون هناك ولد يريد نفيه فله أن يلاعن لنفيه. # وإذا أراد الإمام أن يلاعن بينهما يبدأ فيقيم الرجل ويلقنه كلمات اللعان، ~~فيقول: قل أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به فلانة بالزنا، وإن كان ~~قد رماها برجل بعينه سماه بعينه باللعان، وإن رماها بجماعة سماهم، ويقول ~~الزوج كما يلقنه الإمام، وإن كان ولد أو حمل يريد نفيه يقول: وإن هذا الولد ~~أو الحمل لمن الزنا ما هو مني، ويقول في الخامسة: علي لعنة الله إن كنت من ~~الكاذبين فيما رميت به فلانة، وإذا أتى بكلمة منها من غير تلقين الحاكم لا ~~تكون محسوبة، فإذا فرغ الرجل من اللعان وقعت الفرقة بينه وبين زوجته وحرمت ~~عليه على التأبيد، وانتفى عنه النسب وسقط عنه حد القذف، ووجب على المرأة حد ~~الزنا، إن كانت محصنة ترجم، وإن كانت غير محصنة تجلد وتغرب، فهذه خمسة ~~أحكام تتعلق كلها بلعان الزوج. ### || # {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (8) ~~والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (9) } # قوله عز وجل: {ويدرأ} يدفع، {عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه ~~لمن الكاذبين} {والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} وأراد ~~بالعذاب الحد، كما قال في أول السورة: "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" ~~أي: حدهما، ومعنى الآية: أن الزوج إذ لاعن وجب على المرأة حد الزنا، وإذا ~~وجب عليها حد الزنا بلعانه فأرادت إسقاطه عن نفسها فإنها تلاعن، فتقوم ~~وتشهد بعد تلقين الحاكم أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به، ~~وتقول في الخامسة علي غضب الله إن كان زوجي من الصادقين فيما رماني به. # ولا يتعلق بلعانها إلا حكم واحد وهو سقوط الحد عنها، ولو أقام الزوج بينة ~~على زناها فلا يسقط الحد عنها ms1764 باللعان. وعند أصحاب الرأي: لا حد على من قذف ~~زوجته، بل موجبه اللعان، فإن لم يلاعن يحبس حتى يلاعن، فإذا لاعن الزوج ~~وامتنعت المرأة عن اللعان حبست حتى تلاعن. # PageV06P016 # وعند الآخرين اللعان حجة على صدقه، والقاذف إذا قعد عن إقامة الحجة على ~~صدقه لا يحبس بل يحد كقاذف الأجنبي إذا قعد عن إقامة البينة. # وعند أبي حنيفة موجب اللعان وقوع الفرقة ونفي النسب، وهما لا يحصلان إلا ~~بلعان الزوجين جميعا، وقضاء القاضي. # وفرقة اللعان فرقة فسخ عند كثير من أهل العلم وبه قال الشافعي، وتلك ~~الفرقة متأبدة حتى لو كذب الزوج نفسه يقبل ذلك فيما عليه دون ما له، فيلزمه ~~الحد ويلحقه الولد 36/أولكن لا يرتفع تأبيد التحريم. # وعند أبي حنيفة فرقة اللعان فرقة طلاق فإذا كذب الزوج نفسه جاز له أن ~~ينكحها. وإذا أتى ببعض كلمات اللعان لا يتعلق به الحكم. وعند أبي حنيفة إذا ~~أتى بأكثر كلمات اللعان قام مقام الكل في تعلق الحكم به. # وكل من صح يمينه صح لعانه حرا أو عبدا، مسلما أو ذميا، وهو قول سعيد بن ~~المسيب وسليمان بن يسار والحسن، وبه قال ربيعة ومالك والثوري والشافعي ~~وأكثر أهل العلم. وقال الزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي: لا يجري اللعان إلا ~~بين مسلمين حرين غير محدودين، فإن كان الزوجان أو أحدهما رقيقا أو ذميا أو ~~محدودا في قذف فلا لعان بينهما. # وظاهر القرآن حجة لمن قال يجري اللعان بينهما، لأن الله تعالى قال: ~~{والذين يرمون أزواجهم} ولم يفصل بين الحر والعبد والمحدود وغيره كما قال: ~~"الذين يظاهرون من نسائهم" (المجادلة-2) ، ثم يستوي الحر والعبد هنا في ~~الظهار، ولا يصح اللعان إلا عند الحاكم أو خليفته. # ويغلظ اللعان بأربعة أشياء: بعدد الألفاظ، والمكان، والزمان، وأن يكون ~~بمحضر جماعة من الناس. أما الألفاظ المستحقة فلا يجوز الإخلال بها، وأما ~~المكان فهو أن يلاعن في أشرف الأماكن، إن كان بمكة فبين الركن والمقام، وإن ~~كان بالمدينة فعند المنبر، وفي سائر البلاد ففي المسجد الجامع عند المنبر، ~~والزمان هو ms1765 أن يكون بعد صلاة العصر، وأما الجمع فأقلهم أربعة، والتغليظ ~~بالجمع مستحب، حتى لو لاعن الحاكم بينهما وحده [جاز] (1) ، وهل التغليظ ~~بالمكان والزمان واجب أو مستحب فيه قولان. ### || # {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10) } # قوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم} جواب لولا ~~محذوف، يعني لعاجلكم بالعقوبة، ولكنه ستر عليكم ودفع عنكم الحد باللعان، ~~وإن الله تواب يعود على من يرجع عن المعاصي بالرحمة، حكيم فيما فرض من ~~الحدود. PageV06P017 ### || # {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل ~~امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) } # قوله عز وجل: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} الآيات سبب نزول هذه ~~الآية ما أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله ~~أخبرنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير ~~وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ~~عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل ~~الإفك ما قالوا وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من ~~بعض وأثبت له اقتصاصا وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة ~~وبعض حديثهم يصدق بعضا. # قالوا: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع ~~بين أزواجه وأيهن خرج سهمها خرج بها النبي صلى الله عليه وسلم معه قالت ~~عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعدما أنزل الحجاب فكنت أحمل في هودج وأنزل فيه فسرنا حتى ~~إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة ~~قافلين آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت ms1766 الجيش ~~فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار (1) قد ~~انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا ~~يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون ~~أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكل ~~العلقة (2) من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وكنت ~~جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت ~~منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم ~~سيفقدونني فيرجعون إلي فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان ~~صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى ~~سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه ~~حين عرفني، PageV06P018 # فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير ~~استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق ~~يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول. # قالت: فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن سلول، ~~قال عروة أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده فيقره ويستمعه ويستوشيه. # وقال عروة أيضا: لم يسم من أهل الإفك أيضا إلا حسان بن ثابت ومسطح بن ~~أثاثة وحمنة بنت جحش في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة، كما قال ~~الله تعالى {والذي تولى كبره} قال: عبد الله بن أبي بن سلول، قال عروة: ~~كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذي قال: # فإن أبي ووالدتي وعرضي %~% لعرض محمد منكم وقاء # قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرا، والناس يفيضون في ~~قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل ms1767 ~~علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذلك ~~يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت حين نقهت، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع ~~وكان متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف ~~قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، وكنا نتأذى ~~بالكنف 36/ب أن نتخذها عند بيوتنا. # قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح -وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف ~~وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد ~~بن المطلب، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم ~~مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد ~~بدرا؟ فقالت: أي هنتاه (1) أو لم تسمعي ما قال؟ قالت فقلت: ما قال؟ ~~فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي ~~دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت له: أتأذن ~~لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: يا أمتاه ماذا يتحدث الناس؟ ~~فقالت: يا بنية هوني عليك فوالله لقل ما كانت امرأة قط رضية (2) عند رجل ~~يحبها لها ضرائر إلا أكثرن عليها. قالت فقلت: سبحان الله أو لقد تحدث الناس ~~بهذا؟ قالت: فبكيت PageV06P019 # تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل [بنوم] (1) ، ثم أصبحت ~~أبكي. # قالت: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد ~~حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في ~~نفسه، فقال أسامة: أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وأما علي فقال: يا رسول الله لم ~~يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، قالت: ms1768 فدعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت ~~له بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا قط أغمضه أكثر من أنها ~~جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله. # قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم [من يومه] (2) فاستعذر من عبد ~~الله بن أبي وهو على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد ~~بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ~~ما علمت عليه إلا خيرا وما يدخل على أهلي إلا معي، قالت: فقام سعد بن معاذ ~~أخو بني عبد الأشهل، فقال أنا يا رسول الله أعذرك فإن كان من الأوس ضربت ~~عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: وقام رجل من ~~الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، ~~قالت: وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد: كذبت لعمر ~~الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام ~~أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه ~~فإنك منافق تجادل عن المنافقين، قالت: فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا ~~أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، قالت: فلم يزل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت. # قالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم [قالت وأصبح ~~أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم] (3) ولا يرقأ لي دمع حتى ~~إني لأظن أن البكاء فالق كبدي فبينا أبواي جالسان عندي، وأنا أبكي فاستأذنت ~~علي امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي. # قالت: فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فسلم ثم ~~جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد ms1769 لبث شهرا لا يوحى إليه ~~في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: ~~أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن ~~كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب ~~الله عليه. PageV06P020 # قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته فاض (1) دمعي حتى ما ~~أحس منه قطرة، فقلت لأبي أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، فقال ~~أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: ~~أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، فقالت أمي: والله ما أدري ما ~~أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ ~~من القرآن كثيرا: إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في ~~أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم ~~بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا إلا ~~قول أبي يوسف حين قال: "فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون" (يوسف-18) ~~ثم تحولت واضطجعت على فراشي وأنا أعلم والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأن ~~الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا ~~يتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر، ولكن كنت أرجو أن ~~يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ~~ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى ~~أنزل عليه الوحي (2) فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه ~~العرق مثل الجمان، وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: ~~فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها أن ~~قال: يا عائشة أما والله فقد برأك ms1770 الله، قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه ~~فقلت: والله لا أقوم إليه فإني لا أحمد إلا الله، قالت: وأنزل الله تعالى: ~~"إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم" العشر الآيات، فلما أنزل الله في براءتي ~~قال أبو بكر الصديق، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله ~~لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: {ولا ~~يأتل أولو الفضل منكم والسعة} إلى قوله {غفور رحيم} قال أبو بكر الصديق: ~~بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق ~~عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. # قالت 37/أعائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن ~~أمري فقال لزينب: ماذا علمت أو رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، ~~والله ما علمت إلا خيرا، قالت عائشة وهي التي تساميني من أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع، قالت: وطفقت أختها حمنة تحارب لها ~~فهلكت فيمن هلك. # قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط، قالت عائشة: والله ~~إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله فوالذي نفسي بيده ما كشفت ~~عن كنف أنثى قط. قالت: PageV06P021 # ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله (1) . # ورواه محمد بن إسماعيل عن يحيى بن بكير، أخبرنا الليث عن يونس عن ابن ~~شهاب بإسناد مثله، وقال: وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن ~~العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه، إلى قوله: فهلكت فيمن هلك من ~~أصحاب الإفك (2) . # ورواه أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ولقد جاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بيتي فسأل عني خادمتي، فقالت: لا والله ما علمت ~~عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها، ~~فانتهرها بعض أصحابه، فقال: اصدقي رسول الله حتى أسقطوا لهابه، فقالت: ~~سبحان الله والله ما علمت عليها إلا ما ms1771 يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، ~~وفيه قالت: وأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع عنه وإني لأتبين ~~السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول: أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك ~~فقال لي أبواي: قومي إليه فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمد ~~أحدا ولكن أحمد الله الذي برأني لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه (3) ~~. # أما تفسير قوله: {إن الذين جاءوا بالإفك} بالكذب، والإفك: أسوأ الكذب، ~~سمي إفكا لكونه مصروفا عن الحق، من قولهم: أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه، ~~وذلك أن عائشة كانت تستحق الثناء لما كانت عليه من الحصانة والشرف فمن ~~رماها بالسوء قلب الأمر عن وجهه، {عصبة منكم} أي: جماعة منهم عبد الله بن ~~أبي بن سلول، ومسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، زوجة طلحة بن ~~عبيد الله، وغيرهم، {لا تحسبوه شرالكم} يا عائشة ويا صفوان، وقيل: هو خطاب ~~لعائشة ولأبويها وللنبي صلى الله عليه وسلم ولصفوان، يعني: لا تحسبوا الإفك ~~شرا لكم، {بل هو خير لكم} لأن الله يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم. # {لكل امرئ منهم} يعني من العصبة الكاذبة {ما اكتسب من الإثم} أي: جزاء ما ~~اجترح من الذنب على قدر ما خاض فيه، {والذي تولى كبره} أي: تحمل معظمه فبدأ ~~بالخوض فيه، قرأ يعقوب "كبره" بضم الكاف، وقرأ العامة بالكسر، قال الكسائي: ~~هما لغتان. قال الضحاك: قام بإشاعة الحديث، وهو عبد الله بن أبي بن سلول. ~~PageV06P022 # وروى الزهري عن عروة عن عائشة {والذي تولى كبره منهم} قالت: عبد الله بن ~~أبي بن سلول (1) ، والعذاب الأليم هو النار في الآخرة. # وقد روى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة في حديث الإفك قالت: ثم ركبت ~~وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملأ من المنافقين، وكانت عادتهم أن ينزلوا ~~منتبذين من الناس، فقال عبد الله بن أبي، رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة ~~قال: والله ما نجت منه وما نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى ~~أصبحت ثم ms1772 جاء يقود بها (2) . وشرع في ذلك أيضا حسان، ومسطح، وحمنة، فهم ~~الذين تولوا كبره. # وقال قوم: هو حسان بن ثابت. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن ~~عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا ~~بشر بن خالد، أخبرنا محمد بن جعفر عن شعبة عن سليمان عن أبي الضحى عن مسروق ~~قال: دخلت على عائشة وعندها حسان بن ثابت ينشد شعرا يشبب بأبيات له، وقال: ~~حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل (3) # فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك، قال مسروق فقلت لها: لم تأذنين له أن ~~يدخل عليك وقد قال الله تعالى: {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} قالت: ~~وأي عذاب أشد من العمى (4) ، وقالت: إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (5) . # ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالذين رموا عائشة فجلدوا الحد ~~جميعا ثمانين ثمانين (6) . ### || # {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك ~~مبين (12) } # قوله عز وجل: {لولا} هلا {إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم} ~~بإخوانهم {خيرا} قال الحسن: بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة، نظيره ~~قوله تعالى: "ولا تقتلوا PageV06P023 # أنفسكم" (النساء-29) "فسلموا على أنفسكم " (النور-61) . {وقالوا هذا إفك ~~مبين} أي كذب بين. ### || # {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون (13) ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما ~~أفضتم فيه عذاب عظيم (14) } # {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} أي: على ما زعموا، {فإذ لم يأتوا ~~بالشهداءفأولئك عند الله هم الكاذبون} فإن قيل: كيف يصيرون عند الله كاذبين ~~إذ لم يأتوا بالشهداء ومن كذب فهو عند الله كاذب سواء أتى بالشهداء أو لم ~~يأت؟ قيل: "عند الله" أي: في حكم الله وقيل: معناه كذبوهم بأمر الله وقيل: ~~هذا في حق عائشة، ومعناه: أولئك هم الكاذبون في غيبي وعلمي. {ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم} خضتم {فيه} من ms1773 ~~الإفك {عذاب عظيم} قال ابن عباس أي: عذاب لا انقطاع له، يعني: في الآخرة، ~~لأنه ذكر عذاب الدنيا من قبل، فقال تعالى: "والذي تولى 37/ب كبره منهم له ~~عذاب عظيم"، وقد أصابه، فإنه جلد وحد. وروت عمرة عن عائشة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية حد أربعة نفر: عبد الله بن أبي، وحسان ~~بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش (1) . PageV06P024 ### || # {إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا ~~وهو عند الله عظيم (15) ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ~~سبحانك هذا بهتان عظيم (16) يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم ~~مؤمنين (17) ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (18) إن الذين يحبون أن ~~تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون (19) } # قوله عز وجل: {إذ تلقونه} تقولونه، {بألسنتكم} قال مجاهد ومقاتل: يرويه ~~بعضكم عن بعض. وقال الكلبي: وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول بلغني كذا ~~وكذا يتلقونه تلقيا، وقال الزجاج: يلقيه بعضكم إلى بعض، وقرأت عائشة ~~"تلقونه" بكسر اللام وتخفيف القاف من الولق وهو الكذب، {وتقولون بأفواهكم ~~ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا} تظنون أنه سهل لا إثم فيه، {وهو عند الله ~~عظيم} في الوزر. {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك} ~~هذا اللفظ هاهنا معناه التعجب {هذا بهتان عظيم} أي: كذب عظيم يبهت ويتحير ~~من عظمته. وفي بعض الأخبار أن أم أيوب قالت لأبي أيوب الأنصاري: أما بلغك ~~ما يقول الناس في عائشة؟ فقال أبو أيوب: سبحانك هذا بهتان عظيم (1) فنزلت ~~الآية على وفق قوله. {يعظكم الله} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يحرم الله ~~عليكم وقال مجاهد: ينهاكم الله. {أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين} ~~{ويبين الله لكم الآيات} في الأمر والنهي، {والله عليم} بأمر عائشة وصفوان، ~~{حكيم} حكم ببراءتهما. قوله عز وجل: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة} ~~يعني: تظهر، ms1774 ويذيع الزنا، {في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا ~~والآخرة} يعني عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقين، والعذاب في الدنيا الحد، ~~وفي الآخرة النار، {والله يعلم} كذبهم وبراءة عائشة وما خاضوا فيه من سخط ~~الله {وأنتم لا تعلمون} PageV06P025 ### || # {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم (20) } # {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان ~~فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من ~~أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21) ولا يأتل أولو الفضل ~~منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ~~وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (22) } # {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم} جواب "لولا" محذوف، ~~أي: لعاجلكم بالعقوبة، قال ابن عباس: يريد مسطحا، وحسان، وحمنة. قوله عز ~~وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان ~~فإنه يأمر بالفحشاء} أي: بالقبائح من الأفعال، {والمنكر} ما يكرهه الله عز ~~وجل، {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا} قال مقاتل: ما صلح. وقال ابن ~~قتيبة: ما طهر، {منكم من أحد} والآية على العموم عند بعض المفسرين، قالوا: ~~أخبر الله أنه لولا فضله ورحمته بالعصمة ما صلح منكم أحد. وقال قوم: هذا ~~الخطاب للذين خاضوا في الإفك، ومعناه: ما طهر من هذا الذنب ولا صلح أمره ~~بعد الذي فعل، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: ما قبل توبة أحد ~~منكم، {أبدا ولكن الله يزكي} يطهر، {من يشاء} من الذنب بالرحمة والمغفرة، ~~{والله سميع عليم} قوله عز وجل {ولا يأتل} أي: ولا يحلف، وهو يفتعل من ~~الألية وهي القسم، وقرأ أبو جعفر: "يتأل" بتقديم التاء وتأخير الهمزة، وهو ~~يتفعل من الألية. {أولو الفضل منكم والسعة} يعني أبا بكر الصديق {أن يؤتوا ~~أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله} يعني مسطحا، وكان مسكينا ~~مهاجرا بدريا ابن خالة أبي بكر، حلف (1) أبو بكر أن ms1775 لا ينفق عليه، {وليعفوا ~~وليصفحوا} عنهم خوضهم في أمر عائشة، {ألا تحبون} يخاطب أبا بكر، {أن يغفر ~~الله لكم والله غفور رحيم} فلما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أبي ~~بكر قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورجع PageV06P026 # إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا (1) ~~. # وقال ابن عباس والضحاك: أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر أن لا يتصدقوا ~~على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا ينفعوهم، فأنزل الله هذه الآية (2) . ### || # {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ~~ولهم عذاب عظيم (23) } # قوله عز وجل: {إن الذين يرمون المحصنات} العفائف، {الغافلات} عن الفواحش، ~~{المؤمنات} والغافلة عن الفاحشة أي: لا يقع في قلبها فعل الفاحشة وكانت ~~عائشة كذلك، قوله تعالى: {لعنوا في الدنيا والآخرة} عذبوا بالحدود وفي ~~الآخرة بالنار، {ولهم عذاب عظيم} قال مقاتل: هذا في عبد الله بن أبي ~~المنافق. روي عن خصيف قال: قلت لسعيد بن جبير: من قذف مؤمنة يلعنه الله في ~~الدنيا والآخرة؟ فقال ذلك لعائشة خاصة (3) . # وقال قوم: هي لعائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر ~~المؤمنات. روي عن العوام بن حوشب عن شيخ من بني كاهل عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ليس ~~فيها توبة، ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ: {والذين ~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} إلى قوله: {إلا الذين تابوا} ~~فجعل لهؤلاء توبة، ولم يجعل لأولئك توبة (4) . # وقال الآخرون: نزلت هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~[ذلك] (5) حين نزلت الآية التي في أول السورة {والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء} إلى قوله: {فإن الله غفور رحيم} فأنزل الله الجلد ~~والتوبة (6) . PageV06P027 ### || # {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (24) يومئذ ~~يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25) الخبيثات ~~للخبيثين والخبيثون للخبيثات ms1776 والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك ~~مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) } # {يوم تشهد} قرأ حمزة والكسائي بالياء لتقديم الفعل، وقرأ الآخرون بالتاء، ~~{عليهم ألسنتهم} وهذا قبل أن يختم على أفواههم، {وأيديهم وأرجلهم} يروى أنه ~~{تختم} (1) الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا. وقيل: معناه ~~تشهد ألسنة بعضهم على بعض وأيديهم وأرجلهم، {بما كانوا يعملون} {يومئذ ~~يوفيهم الله دينهم الحق} جزاءهم الواجب. وقيل: حسابهم العدل. {ويعلمون أن ~~الله هو الحق المبين} يبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. قال عبد الله ~~بن عباس رضي الله عنهما: وذلك أن عبد الله بن أبي كان يشك في الدين فيعلم ~~يوم القيامة أن الله هو الحق 38/أالمبين. قوله عز وجل: {الخبيثات للخبيثين} ~~قال أكثر المفسرين: الخبيثات من القول والكلام للخبيثين من الناس. ~~{والخبيثون} من الناس، {للخبيثات} من القول، [والكلام] (2) ، {والطيبات} من ~~القول، {للطيبين} من الناس، {والطيبون} من الناس، {للطيبات} من القول، ~~والمعنى: أن الخبيث من القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس والطيب لا يليق ~~إلا بالطيب من الناس، فعائشة لا يليق بها الخبيثات من القول لأنها طيبة رضي ~~الله عنها فيضاف إليها طيبات الكلام من الثناء الحسن [وما يليق بها] (3) . # وقال الزجاج: معناه لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء ولا ~~يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء، وهذا ذم للذين قذفوا عائشة، ~~ومدح للذين برؤوها بالطهارة. # وقال ابن زيد: معناه الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من ~~الرجال للخبيثات من النساء [أمثال عبد الله بن أبي والشاكين في الدين] (4) ~~، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من ~~النساء. يريد عائشة طيبها الله لرسوله الطيب صلى الله عليه وسلم. ~~PageV06P028 # {أولئك مبرءون} يعني: عائشة وصفوان ذكرهما بلفظ الجمع كقوله تعالى: "فإن ~~كان له إخوة" (النساء-11) أي: إخوان. وقيل: "أولئك مبرؤون" يعني الطيبين ~~والطيبات منزهون، {مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم} فالمغفرة هي العفو عن ~~الذنوب، والرزق الكريم: الجنة. # وروي أن عائشة كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم ms1777 تعطها امرأة غيرها، منها أن ~~جبريل أتى بصورتها في سرقة (1) من حرير، وقال هذه زوجتك. وروي أنه أتى ~~بصورتها في راحته وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرا غيرها، وقبض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه في حجرها، ودفن في بيتها، وكان ينزل ~~عليه الوحي وهو معها في لحافه، ونزلت براءتها من السماء، وأنها ابنة خليفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه، وخلقت طيبة، ووعدت مغفرة ورزقا كريما ~~(2) . # وكان مسروق إذا روى عن عائشة يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المبرأة من السماء (3) . ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) } # قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ~~وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون} قيل: معنى قوله: {حتى ~~تستأنسوا} أي: حتى تستأذنوا [وكان ابن عباس يقرأ حتى تستأذنوا] (4) ويقول: ~~تستأنسوا خطأ من الكاتب (5) . وكذلك كان يقرأ أبي ابن كعب، والقراءة ~~المعروفة تستأنسوا وهو بمعنى الاستئذان. وقيل: الاستئناس طلب الأنس، وهو أن ~~ينظر هل في البيت إنسان فيؤذنهم إني داخل. وقال الخليل: الاستئناس ~~الاستبصار من قوله: آنست نارا، أي: أبصرت. وقيل: هو أن يتكلم بتسبيحة أو ~~تكبيرة أو يتنحنح، يؤذن أهل البيت. # وجملة حكم الآية: أنه لا يدخل بيت الغير إلا بعد السلام والاستئذان. ~~واختلفوا في أنه يقدم الاستئذان أم السلام؟ فقال قوم: يقدم الاستئذان ~~فيقول: أأدخل سلام PageV06P029 # عليكم، لقوله تعالى: {حتى تستأنسوا} أي: تستأذنوا، {وتسلموا على أهلها} ~~والأكثرون على أنه يقدم السلام فيقول: سلام عليكم أأدخل. وفي الآية تقديم ~~وتأخير تقديرها: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا. وكذلك هو في مصحف عبد ~~الله بن مسعود. وروي عن كلدة بن حنبل قال: دخلت على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولم أسلم ولم أستأذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع فقل: ~~السلام عليكم أأدخل (1) . # وروي عن ابن عمر أن رجلا استأذن عليه فقال: أأدخل؟ ms1778 فقال ابن عمر: لا فأمر ~~بعضهم الرجل أن يسلم فسلم فأذن له (2) . # وقال بعضهم: إن وقع بصره على إنسان قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان، ثم ~~سلم، وقال أبو موسى الأشعري وحذيفة: يستأذن على ذوات المحارم، ومثله عن ~~الحسن، وإن كانوا في دار واحدة يتنحنح ويتحرك أدنى حركة. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد عبد الله ~~بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، ~~أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة عن أبي سعيد ~~الخدري قال: سلم عبد الله بن قيس على عمر بن الخطاب ثلاث مرات فلم يأذن له ~~فرجع فأرسل عمر في أثره فقال: لم رجعت؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع". قال عمر: لتأتين ~~على ما تقول ببينة وإلا لأفعلن بك كذا وكذا غير أنه قد أوعده، قال: فجاء ~~أبو موسى الأشعري ممتقعا لونه وأنا في حلقة جالس، فقلنا: ما شأنك؟ فقال: ~~سلمت على عمر، فأخبرنا خبره، فهل سمع أحد منكم من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ قالوا: نعم كلنا قد سمعه، قال فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر ~~فأخبره بذلك (3) . # ورواه بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري، وفيه: قال أبو موسى الأشعري: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له ~~فليرجع" (4) . قال الحسن: الأول إعلام والثاني مؤامرة، والثالث استئذان ~~بالرجوع. PageV06P030 ### || # {فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا ~~فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم (28) } # قوله عز وجل: {فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها} أي: إن لم تجدوا في ~~البيوت أحدا يأذن لكم في دخولها فلا تدخلوها، {حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ~~ارجعوا فارجعوا} يعني: إذا كان في البيت قوم فقالوا: ارجع فليرجع ولا يقف ~~على الباب ملازما، {هو أزكى لكم} يعني: الرجوع أطهر ms1779 وأصلح لكم، قال قتادة: ~~إذا لم يؤذن له فلا يقعد على الباب 38/ب فإن للناس حاجات، وإذا حضر ولم ~~يستأذن وقعد على الباب منتظرا جاز. # وكان ابن عباس يأتي باب الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب حتى يخرج، ~~ولا يستأذن، فيخرج الرجل ويقول: يا ابن عم رسول الله لو أخبرتني، فيقول: ~~هكذا أمرنا أن نطلب العلم (1) وإذا وقف فلا ينظر من شق الباب إذا كان الباب ~~مردودا: أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، ~~أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور، أخبرنا عبد الرزاق، ~~أخبرنا معمر عن الزهري، عن سهل بن سعد الساعدي أن رجلا اطلع على النبي صلى ~~الله عليه وسلم من ستر الحجرة وفي يد النبي صلى الله عليه وسلم مدرى (2) ، ~~فقال: "لو علمت أن هذا ينظرني حتى آتيه لطعنت بالمدرى في عينيه، وهل جعل ~~الاستئذان إلا من أجل البصر" (3) . # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان عن ~~أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح" ~~(4) . # قوله تعالى: {والله بما تعملون عليم} من الدخول بالإذن وغير الإذن. ولما ~~نزلت آية الاستئذان قالوا: كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام وعلى ~~ظهر الطريق، PageV06P031 # ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله عز وجل: ### || # {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما ~~تبدون وما تكتمون (29) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ~~أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون (30) } # {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة} (1) ، أي: بغير استئذان، ~~{فيها متاع لكم} يعني منفعة لكم. واختلفوا في هذه البيوت، فقال قتادة: هي ~~الخانات والبيوت والمنازل المبنية للسابلة ليأووا إليها ويؤوا أمتعتهم ~~إليها، جاز دخولها بغير استئذان، والمنفعة فيها بالنزول وإيواء المتاع ~~والاتقاء ms1780 من الحر والبرد. # وقال ابن زيد: هي بيوت التجار وحوانيتهم التي بالأسواق يدخلونها للبيع ~~والشراء وهو المنفعة. وقال إبراهيم النخعي: ليس على حوانيت السوق إذن. وكان ~~ابن سيرين إذا جاء إلى حانوت السوق يقول: السلام عليكم أأدخل؟ ثم يلج. وقال ~~عطاء: هي البيوت الخربة، والمتاع هو قضاء الحاجة فيها من البول والغائط. ~~وقيل: هي جمع البيوت التي لا ساكن لها لأن الاستئذان إنما جاء لئلا يطلع ~~على عورة فإن لم يخف ذلك فله الدخول بغير استئذان (2) ، {والله يعلم ما ~~تبدون وما تكتمون} قوله عز وجل: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} أي: عن ~~النظر إلى ما لا يحل النظر إليه. وقيل: "من" صلة أي: يغضوا أبصارهم. وقيل: ~~هو ثابت لأن المؤمنين غير مأمورين بغض البصر أصلا لأنه لا يجب الغض عما يحل ~~النظر إليه، وإنما أمروا بأن يغضوا عما لا يحل النظر إليه، {ويحفظوا ~~فروجهم} عما لا يحل، قال أبو العالية: كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن ~~الزنا والحرام، إلا في هذا الموضع فإنه أراد به الاستتار حتى لا يقع بصر ~~الغير عليه، {ذلك} أي: غض البصر وحفظ الفرج، {أزكى لهم} أي: خير لهم وأطهر، ~~{إن الله خبير بما يصنعون} عليم بما يفعلون، روي عن بريدة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لعلي: "يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك ~~الأولى وليست لك الآخرة" (3) . PageV06P032 # وروي عن جرير بن عبد الله قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة ~~الفجأة فقال: "اصرف بصرك" (1) . أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد ~~الغافر بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ~~سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا زيد بن ~~الحباب، عن الضحاك بن عثمان قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي ~~سعيد الخدري، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينظر الرجل ~~إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ms1781 ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ~~ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد" (2) . ### || # {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ~~ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ~~آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني ~~إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي ~~الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن ~~بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون (31) } # قوله عز وجل: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} عما لا يحل، {ويحفظن ~~فروجهن} عمن لا يحل. وقيل أيضا: "يحفظن فروجهن" يعني: يسترنها حتى لا يراها ~~أحد. وروي عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة ~~إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: احتجبا منه، فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا ~~يبصرنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفعمياوان أنتما، ألستما ~~تبصرانه"؟ (3) PageV06P033 # قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن} أي لا يظهرن زينتهن لغير محرم، وأراد بها ~~الزينة الخفية، وهما زينتان خفية وظاهرة، فالخفية: مثل الخلخال، والخضاب في ~~الرجل، والسوار في المعصم، والقرط والقلائد، فلا يجوز لها إظهارها، ولا ~~للأجنبي النظر إليها، والمراد من الزينة موضع الزينة. # قوله تعالى: {إلا ما ظهر منها} أراد به الزينة الظاهرة. واختلف أهل العلم ~~في هذه الزينة الظاهرة التي استثناها الله تعالى: قال سعيد بن جبير والضحاك ~~والأوزاعي: هو الوجه والكفان. وقال ابن مسعود: هي الثياب بدليل قوله تعالى: ~~"خذوا زينتكم عند كل مسجد" (الأعراف-31) ، وأراد بها الثياب. وقال الحسن: ~~الوجه والثياب. وقال ابن عباس: الكحل والخاتم والخضاب في الكف. # فما كان من الزينة الظاهرة جاز للرجل الأجنبي النظر إليه إذا لم يخف فتنة ~~وشهوة، فإن خاف شيئا منها غض البصر، وإنما رخص في ms1782 هذا القدر أن تبديه ~~المرأة من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة ~~يلزمها ستره. # قوله عز وجل: {وليضربن بخمرهن} أي: ليلقين بمقانعهن، {على جيوبهن} ~~وصدورهن [ليسترن بذلك شعورهن وصدورهن] (1) وأعناقهن وأقراطهن. قالت عائشة ~~39/أرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله عز وجل: {وليضربن بخمرهن ~~على جيوبهن} شققن مروطهن فاختمرن بها (2) . # {ولا يبدين زينتهن} يعني: الزينة الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة ~~ولا للأجانب، وهو ما عدا الوجه والكفين {إلا لبعولتهن} قال ابن عباس ~~ومقاتل: يعني لا يضعن الجلباب ولا الخمار إلا لبعولتهن، أي إلا لأزواجهن، ~~{أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناءبعولتهن أو إخوانهن} فيجوز ~~لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنة، ولا ينظرون إلى ما بين السرة ~~والركبة، ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدنها غير أنه يكره له النظر إلى ~~فرجها. PageV06P034 # قوله تعالى: {أو نسائهن} أراد أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى بدن المرأة ~~إلا ما بين السرة والركبة كالرجل المحرم، هذا إذا كانت المرأة مسلمة، فإن ~~كانت كافرة فهل يجوز للمسلمة أن تنكشف لها؟ اختلف أهل العلم فيه، فقال ~~بعضهم: يجوز كما يجوز أن تنكشف للمرأة المسلمة لأنها من جملة النساء، وقال ~~بعضهم: لا يجوز لأن الله تعالى قال: "أو نسائهن" والكافرة ليست من نسائنا ~~ولأنها أجنبية في الدين، فكانت أبعد من الرجل الأجنبي. كتب عمر بن الخطاب ~~إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يمنع نساء أهل الكتاب أن يدخلن الحمام مع ~~المسلمات (1) # قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانهن} اختلفوا فيها، فقال قوم: عبد المرأة ~~محرم لها، فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفا، وأن ينظر إلى بدن مولاته ~~إلا ما بين السرة والركبة، كالمحارم وهو ظاهر القرآن. وروي ذلك عن عائشة ~~وأم سلمة، وروى ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى فاطمة ~~بعبد قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا ~~غطت رجليها لم يبلغ رأسها، فلما ms1783 رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تلقى ~~قال: "إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك" (2) . وقال قوم: هو كالأجنبي ~~معها، وهو قول سعيد بن المسيب، وقال: المراد من الآية الإماء دون العبيد. ~~وعن ابن جريج أنه قال: أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أنه لا يحل لامرأة ~~مسلمة أن تتجرد بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون تلك المرأة المشركة أمة ~~لها. # قوله عز وجل: {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} قرأ أبو جعفر وابن ~~عامر وأبو بكر "غير" بنصب الراء على القطع لأن "التابعين" معرفة و"غير" ~~نكرة. وقيل: بمعنى "إلا" فهو استثناء، معناه: يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا ~~الإربة منهم فإنهن لا يبدين زينتهن لمن كان منهم ذا إربة. وقرأ الآخرون ~~بالجر على نعت "التابعين" والإربة والأرب: الحاجة. والمراد ب "التابعين غير ~~أولي الإربة" هم الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم لا همة لهم إلا ~~ذلك، ولا حاجة لهم في النساء، وهو قول مجاهد وعكرمة والشعبي. وعن ابن عباس ~~أنه الأحمق العنين. وقال الحسن هو الذي لا ينتشر ولا يستطيع غشيان النساء ~~ولا يشتهيهن. وقال سعيد بن جبير: هو المعتوه، وقال عكرمة: المجبوب. وقيل: ~~هو المخنث. وقال مقاتل: الشيخ الهرم والعنين والخصي والمجبوب ونحوه. ~~PageV06P035 # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أحمد بن الحسين ~~الحيري، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن معقل بن محمد الميداني، أخبرنا ~~محمد بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن ~~عائشة قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث وكانوا ~~يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند ~~بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت ~~أدبرت بثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا ~~لا يدخلن عليكن هذا" فحجبوه (1) {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النساء} أراد بالطفل الأطفال، يكون ms1784 واحدا وجمعا، أي: لم يكشفوا عن عورات ~~النساء للجماع فيطلعوا عليها. وقيل: لم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر، ~~وهو قول مجاهد. وقيل: لم يطيقوا أمر النساء. وقيل: لم يبلغوا حد الشهوة. # {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} كانت المرأة إذا مشت ضربت ~~برجلها ليسمع صوت خلخالها أو يتبين خلخالها، فنهيت عن ذلك. # {وتوبوا إلى الله جميعا} من التقصير الواقع في أمره ونهيه، وقيل: راجعوا ~~طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه من الآداب المذكورة في هذه السورة، ~~{أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} قرأ ابن عامر: "أيه المؤمنون" و"يآيه الساحر" ~~و"أيه الثقلان" بضم الهاء فيهن، ويقف بلا ألف على الخط، وقرأ الآخرون بفتح ~~الهاءات على الأصل. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن ~~محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، ~~أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا وهب بن جرير، أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة، ~~عن أبي بردة أنه سمع الأغر يحدث عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إلى ربي كل يوم ~~مائة مرة" (2) . # أخبرنا أبو الحسن عن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا محمد بن عبد ~~الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن حزيم الشاشي، ~~أخبرنا أبو محمد عبد بن حميد الكشي، حدثني ابن أبي شيبة، أخبرنا عبد الله ~~بن نمير، عن مالك بن مغول، عن محمد بن سوقة، عن نافع، عن ابن عمر قال: إن ~~كنا لنعد، لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول: "رب اغفر لي، وتب ~~علي، إنك أنت التواب الرحيم" مائة مرة (3) . PageV06P036 # وجملة الكلام في بيان العورات: أنه لا يجوز للناظر أن ينظر إلى عورة ~~الرجل، وعورته ما بين السرة إلى الركبة، وكذلك المرأة مع المرأة، ولا بأس ~~بالنظر إلى سائر البدن إذا لم يكن خوف فتنة. وقال مالك وابن أبي ذئب: الفخذ ~~ليس بعورة لما روي ms1785 عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال أجرى نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم فرسا في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس 39/ب فخذ نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم (1) . # وأكثر أهل العلم على أن الفخذ عورة، لما أخبرنا أبو عبد الله محمد بن ~~الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر ~~الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل ~~بن جعفر، عن العلاء بن أبي كثير، عن محمد بن جحش، قال: مر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على معمر وفخذاه مكشوفتان، قال: "يا معمر غط فخذيك، فإن ~~الفخذين عورة" (2) وروي عن ابن عباس وجرهد بن خويلد، كان من أصحاب الصفة، ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الفخذ عورة" (3) # قال محمد بن إسماعيل: "وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط" (4) . أما ~~المرأة مع الرجل فإن كانت أجنبية حرة: فجميع بدنها في حق الأجنبي عورة، ولا ~~يجوز النظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين، وإن كانت أمة: فعورتها مثل ~~عورة الرجل، ما بين السرة PageV06P037 # إلى الركبة، وكذلك المحارم بعضهم مع بعض. والمرأة في النظر إلى الرجل ~~الأجنبي كهو معها. ويجوز للرجل أن ينظر إلى جميع بدن امرأته وأمته التي تحل ~~له، وكذلك هي منه إلا نفس الفرج فإنه يكره النظر إليه، وإذا زوج الرجل أمته ~~حرم عليه النظر إلى عورتها كالأمة الأجنبية، وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا زوج أحدكم عبده أمته فلا ~~ينظرن إلى ما دون السرة وفوق الركبة" (1) . ### || # {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء ~~يغنهم الله من فضله والله واسع عليم (32) } # قوله عز وجل: {وأنكحوا الأيامى منكم} "الأيامى": جمع أيم، وهو من لا زوج ~~له [من رجل أو امرأة، يقال: رجل أيم وامرأة أيمة، وأيم، ومعنى الآية: ms1786 زوجوا ~~أيها المؤمنون] (1) من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم، {والصالحين من ~~عبادكم وإمائكم} وهذا الأمر أمر ندب واستحباب. # يستحب لمن تاقت نفسه إلى النكاح ووجد أهبة النكاح أن يتزوج، وإن لم يجد ~~أهبة النكاح يكسر شهوته بالصوم، لما أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن الحسين ~~الطوسي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفرايني، [أخبرنا ~~أبو بكر محمد بن داود بن مسعود، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أيوب البجلي، ~~أخبرنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان] (2) عن الأعمش عن عمارة بن عمير، عن ~~عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض ~~للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" (3) . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم ~~الأمم حتى بالسقط" (4) PageV06P038 # وقال صلى الله عليه وسلم: "من أحب فطرتي فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح" ~~(1) . أما من لا تتوق نفسه إلى النكاح وهو قادر عليه فالتخلي للعبادة له ~~أفضل من النكاح [عند الشافعي رحمه الله، وعند أصحاب الرأي النكاح أفضل] (2) ~~. # قال الشافعي: وقد ذكر الله تعالى عبدا كرمه فقال: "وسيدا وحصورا ونبيا من ~~الصالحين" (آل عمران-39) ، والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليه، ~~وذكر القواعد من النساء ولم يندبهن إلى النكاح. وفي الآية دليل على أن ~~تزويج النساء الأيامى إلى الأولياء؛ لأن الله تعالى خاطبهم به، كما أن ~~تزويج العبيد والإماء إلى السادات، لقوله عز وجل: {والصالحين من عبادكم ~~وإمائكم} وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، روي ذلك عن عمر، ~~وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وبه قال ~~سعيد بن المسيب، والحسن، وشريح، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، ~~وإليه ذهب الثوري، والأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد ~~وإسحاق. وجوز أصحاب الرأي للمرأة الحرة تزويج نفسها. # وقال مالك: إن كانت المرأة ms1787 دنيئة يجوز لها تزويج نفسها، وإن كانت شريفة ~~فلا. والدليل على أن الولي شرط من جهة الأخبار: ما أخبرنا عبد الواحد ~~المليحي، أخبرنا محمد بن الحسن بن أحمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس محمد بن ~~إسحاق السراج، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا أبو عوانة عن أبي إسحاق عن أبي ~~بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نكاح إلا بولي" (3) ~~PageV06P039 # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سعيد بن ~~سالم عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن ابن شهاب، عن عروة عن عائشة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل، ثلاثا، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن ~~اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (1) # قوله عز وجل: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم} قيل: ~~الغنى هاهنا: القناعة. وقيل: اجتماع الرزقين، رزق الزوج ورزق الزوجة. وقال ~~عمر: عجبت لمن ابتغى الغنى بغير النكاح، والله عز وجل يقول: {إن يكونوا ~~فقراء يغنهم الله من فضله} [وروي عن بعضهم: أن الله تعالى وعد الغني ~~بالنكاح وبالتفرق فقال تعالى: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} ] (2) ~~،، وقال تعالى: "وإن يتفرقا يغني الله كلا من سعته" (النساء-130) . ### || # {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون ~~الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله ~~الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (33) } # {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا} أي: ليطلب العفة عن الحرام والزنا الذين ~~لا يجدون ما لا ينكحون به للصداق والنفقة، {حتى يغنيهم الله من فضله} أي: ~~يوسع عليهم من رزقه. PageV06P040 # قوله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب} أي: يطلبون المكاتبة، {مما ملكت ~~أيمانكم فكاتبوهم} سبب نزول هذه ms1788 الآية ما روي أن غلاما لحويطب بن عبد العزى ~~سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه، فأنزل الله هذه الآية فكاتبه حويطب على ~~مائة دينار، ووهب له منها عشرين دينارا فأداها، وقتل يوم حنين في الحرب (1) # والكتابة أن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على كذا من المال، ويسمي مالا ~~معلوما، يؤدى ذلك في نجمين أو نجوم معلومة في كل نجم كذا، فإذا أديت فأنت ~~حر، والعبد يقبل ذلك، فإذا أدى المال عتق، ويصير العبد 40/أأحق بمكاسبه بعد ~~الكتابة، وإذا أعتق بعد أداء المال فما فضل في يده من المال، يكون له، ~~ويتبعه أولاده الذين حصلوا في حال الكتابة في العتق، وإذا عجز عن أداء ~~المال كان لمولاه أن يفسخ كتابته ويرده إلى الرق، وما في يده من المال يكون ~~لمولاه، لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو ~~إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك عن نافع، أخبرنا عبد الله بن عمر ~~كان يقول: "المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته [شيء" (2) . ورواه عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته] (3) ~~درهم" (4) . # وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى: {فكاتبوهم} أمر إيجاب، يجب على ~~المولى أن يكاتب عبده الذي علم فيه خيرا إذا سأل العبد ذلك، على قيمته أو ~~أكثر، وإن سأل على أقل من قيمته فلا يجب، وهو قول عطاء وعمرو بن دينار، ~~ولما روي أن سيرين سأل أنس بن مالك أن يكاتبه فتلكأ عنه فشكا إلى عمر، ~~فعلاه بالدرة وأمره بالكتابة فكاتبه (5) . وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه أمر ~~ندب واستحباب. ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين عند الشافعي؛ لأنه عقد ~~جوز إرفاقا بالعبد، ومن تتمة الإرفاق أن يكون ذلك المال عليه إلى أجل حتى ~~يؤديه على مهل، فيحصل المقصود، كالدية في قتل PageV06P041 # الخطأ، وجبت على العاقلة على سبيل المواساة فكانت عليهم مؤجلة منجمة، ~~وجوز أبو حنيفة الكتابة على نجم واحد وحالة (1) . # قوله تعالى: {إن علمتم فيهم خيرا} ms1789 اختلفوا في معنى الخير، فقال ابن عمر: ~~قوة على الكسب. وهو قول مالك والثوري، وقال الحسن ومجاهد والضحاك: مالا ~~كقوله تعالى: "إن ترك خيرا" (لبقرة-180) أي: مالا وروي أن عبدا لسلمان ~~الفارسي قال له كاتبني، قال: ألك مال؟ قال: لا. قال: تريد أن تطعمني من ~~أوساخ الناس، ولم يكاتبه (2) . قال الزجاج: لو أراد به المال لقال: إن ~~علمتم لهم خيرا. وقال إبراهيم وابن زيد وعبيدة: صدقا وأمانة (3) وقال طاوس، ~~وعمرو بن دينار: مالا وأمانة (4) وقال الشافعي: وأظهر معاني الخير في ~~العبد: الاكتساب مع الأمانة، فأحب أن لا يمنع من كتابته إذا كان هكذا. # أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو الحسن بن علي بن شريك ~~الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم، أخبرنا أبو بكر الجوربذي، ~~أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب أخبرني الليث عن محمد بن عجلان، ~~عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "ثلاثة حق على الله عونهم: المكاتب الذي يريد الأداء، ~~والناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله" (5) . وحكى محمد بن سيرين عن ~~عبيدة: "إن علمتم فيهم خيرا" أي: أقاموا الصلاة (6) . وقيل: هو أن يكون ~~العبد بالغا عاقلا فأما الصبي والمجنون فلا تصح كتابتهما لأن الابتغاء ~~منهما لا يصح. وجوز أبو حنيفة كتابة الصبي المراهق. # قوله عز وجل: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} اختلفوا فيه، فقال بعضهم: ~~هذا خطاب للموالي، يجب على المولى أن يحط عن مكاتبه من مال كتابته شيئا، ~~وهو قول عثمان وعلي والزبير وجماعة، وبه قال الشافعي. PageV06P042 # ثم اختلفوا في قدره، فقال قوم: يحط عنه ربع مال الكتابة، وهو قول علي، ~~ورواه بعضهم عن علي مرفوعا (1) ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يحط ~~عنه الثلث. وقال الآخرون: ليس له حد بل عليه أن يحط عنه ما شاء (2) وهو قول ~~الشافعي. # قال نافع: كاتب عبد الله بن عمر غلاما له على خمسة وثلاثين ألف درهم ms1790 فوضع ~~عنه من آخر كتابته خمسة آلاف درهم (3) . وقال سعيد بن جبير: كان ابن عمر ~~إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع إليه ~~صدقته، ووضع من آخر كتابته ما أحب (4) . وقال بعضهم: هو أمر استحباب. ~~والوجوب أظهر. وقال قوم: أراد بقوله: "وآتوهم من مال الله" أي سهمهم الذي ~~جعله الله لهم من الصدقات المفروضات، بقوله تعالى: "وفي الرقاب" ~~(التوبة-60) وهو قول الحسن وزيد بن أسلم (5) . وقال إبراهيم: هو حث لجميع ~~الناس على معونتهم (6) # ولو مات المكاتب قبل أداء النجوم، اختلف أهل العلم فيه: فذهب كثير منهم ~~إلى أنه يموت رقيقا، وترتفع الكتابة سواء ترك مالا أو لم يترك، كما لو تلف ~~المبيع قبل القبض يرتفع البيع. وهو قول عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وبه ~~قال عمر بن عبد العزيز، والزهري، وقتادة، وإليه ذهب الشافعي وأحمد. وقال ~~قوم: إن ترك وفاء بما بقي عليه من الكتابة كان حرا وإن كان فيه فضل، ~~فالزيادة لأولاده الأحرار، وهو قول عطاء، وطاوس، والنخعي، والحسن، وبه قال ~~مالك، والثوري، وأصحاب الرأي. ولو كاتب عبده كتابة فاسدة يعتق بأداء المال ~~لأن عتقه معلق بالأداء، وقد وجد وتبعه الأولاد والاكتساب كما في الكتابة ~~الصحيحة، ويفترقان في بعض الأحكام: وهي أن الكتابة الصحيحة لا يملك المولى ~~فسخها ما لم يعجز المكاتب عن أداء النجوم، [ولا تبطل بموت المولى، ويعتق ~~بالإبراء PageV06P043 # عن النجوم] (1) والكتابة الفاسدة يملك المولى فسخها قبل أداء المال، [حتى ~~لو أدى المال] (2) بعد الفسخ لا يعتق ويبطل بموت المولى، ولا يعتق بالإبراء ~~عن النجوم، وإذا عتق المكاتب بأداء المال لا يثبت التراجع في الكتابة ~~الصحيحة، ويثبت في الكتابة الفاسدة، فيرجع المولى عليه بقيمة رقبته، وهو ~~يرجع على المولى بما دفع إليه إن كان مالا. # قوله عز وجل: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} الآية نزلت ~~في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، كانت له جاريتان: معاذة ومسيكة، وكان ~~يكرههما على الزنا بالضريبة يأخذها منهما، وكذلك ms1791 كانوا يفعلون في الجاهلية، ~~يؤجرون إماءهم، فلما جاء الإسلام 40/ب قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر ~~الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين، فإن يك خيرا فقد استكثرنا منه، وإن يك شرا ~~فقد آن لنا أن ندعه، فأنزل الله هذه الآية (3) . وروي أنه جاءت إحدى ~~الجاريتين يوما ببرد وجاءت الأخرى بدينار، فقال لهما: ارجعا فازنيا، قالتا: ~~والله لا نفعل، قد جاء الإسلام وحرم الزنا، فأتيا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وشكتا إليه، فأنزل هذه الآية (4) # {ولا تكرهوا فتياتكم} إماءكم {على البغاء} أي: الزنا {إن أردن تحصنا} أي: ~~إذا أردن، وليس معناه الشرط، لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا وإن لم يردن ~~تحصنا، كقوله تعالى: "وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" (آل عمران-139) ، [أي: ~~إذا كنتم مؤمنين] (5) وقيل: شرط إرادة التحصن لأن الإكراه إنما يكون عند ~~إرادة التحصن، فإذا لم ترد التحصن بغت طوعا، والتحصن: التعفف. وقال الحسن ~~بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن ~~تحصنا ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء. # {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} أي: لتطلبوا من أموال الدنيا، يريد من كسبهن ~~وبيع أولادهن، {ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} يعني ~~للمكرهات، والوزر على المكره. وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: لهن والله ~~لهن والله. PageV06P044 ### || # {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة ~~للمتقين (34) الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح ~~في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من ~~يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35) } # قوله عز وجل: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات} من الحلال والحرام، {ومثلا ~~من الذين خلوا من قبلكم} أي: شبها من حالكم بحالهم أيها المكذبون، وهذا ~~تخويف لهم أن يلحقهم ما لحق من قبلهم من المكذبين، {وموعظة للمتقين} ~~للمؤمنين الذين يتقون الشرك والكبائر. قوله عز وجل: ms1792 {الله نور السموات ~~والأرض} قال ابن عباس: هادي أهل السماوات والأرض، فهم بنوره إلى الحق ~~يهتدون وبهداه من الضلالة ينجون. وقال الضحاك: منور السموات والأرض، يقال: ~~نور السماء بالملائكة ونور الأرض بالأنبياء. وقال مجاهد: مدبر الأمور في ~~السموات والأرض (1) وقال أبي بن كعب والحسن وأبو العالية: مزين السموات ~~والأرض، زين السماء بالشمس والقمر والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء ~~والمؤمنين. ويقال: بالنبات والأشجار. وقيل: معناه الأنوار كلها منه، كما ~~يقال: فلان رحمة أي منه الرحمة. وقد يذكر مثل هذا اللفظ على طريق المدح كما ~~قال القائل: # إذا سار عبد الله من مرو ليلة %~% فقد سار منها نورها وجمالها # قوله تعالى: {مثل نوره} أي: مثل نور الله تعالى في قلب المؤمن، وهو النور ~~الذي يهتدي به، كما قال "فهو على نور من ربه" (الزمر-22) ، وكان ابن مسعود ~~يقرأ: "مثل نوره في قلب المؤمن". وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: مثل نوره ~~الذي أعطى المؤمن. وقال بعضهم: الكناية عائدة إلى المؤمن، أي: مثل نور قلب ~~المؤمن، وكان أبي يقرأ: "مثل نور من آمن به" وهو عبد جعل الإيمان والقرآن، ~~في صدره. وقال الحسن وزيد بن أسلم: أراد بالنور القرآن. وقال سعيد بن جبير ~~والضحاك: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أراد بالنور الطاعة، سمى طاعة ~~الله نورا وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضيلا PageV06P045 # {كمشكاة} وهي الكوة التي لا منفذ لها فإن كان لها منفذ فهي كوة. وقيل: ~~المشكاة حبشية. قال مجاهد: هي القنديل (1) {فيها مصباح} أي: سراج، أصله من ~~الضوء، ومنه الصبح، ومعناه: كمصباح في مشكاة، {المصباح في زجاجة} يعني ~~القنديل، قال الزجاج: إنما ذكر الزجاجة لأن النور وضوء النار فيها أبين من ~~كل شيء، وضوءه يزيد في الزجاج، ثم وصف الزجاجة، فقال: {الزجاجة كأنها كوكب ~~دري} قرأ أبو عمر والكسائي: "دريء" بكسر الدال والهمزة، وقرأ حمزة وأبو بكر ~~بضم الدال والهمزة، فمن كسر الدال فهو فعيل من الدرء، وهو الدفع، لأن ~~الكوكب يدفع الشياطين من السماء، وشبهه بحالة الدفع لأنه ms1793 يكون في تلك ~~الحالة أضوأ وأنور ويقال: هو من درأ الكوكب إذا اندفع منقبضا فيتضاعف ضوءه ~~في ذلك الوقت. وقيل: "دري" أي: طالع، يقال: درأ النجم إذا طلع وارتفع. ~~ويقال: درأ علينا فلان أي طلع وظهر، فأما رفع الدال مع الهمزة كما قرأ ~~حمزة، قال أكثر النحاة: هو لحن، لأنه ليس في كلام العرب فعيل بضم الفاء ~~وكسر العين. # قال أبو عبيدة: وأنا أرى لها وجها وذلك أنها دروء على وزن فعول من درات، ~~مثل سبوح وقدوس، وقد استثقلوا كثرة الضمات فردوا بعضها إلى الكسر، كما ~~قالوا: عتيا وهو فعول من عتوت، وقرأ الآخرون {دري} بضم الدال وتشديد الياء ~~بلا همز، أي: شديد الإنارة، نسب إلى الدر في صفائه وحسنه، وإن كان الكوكب ~~أكثر ضوءا من الدر لكنه يفضل الكواكب بضيائه، كما يفضل الدر، سائر الحب. ~~وقيل: الكوكب الدري واحد من الكواكب الخمسة العظام، وهي زحل والمريخ، ~~والمشتري، والزهرة، وعطارد. وقيل: شبهه بالكوكب، ولم يشبهه بالشمس والقمر، ~~لأن الشمس والقمر يلحقهما الخسوف والكواكب لا يلحقها الخسوف. # {يوقد} قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: "توقد" بالتاء ~~وفتحها وفتح الواو والدال وتشديد القاف على الماضي، يعني المصباح، أي: ~~اتقد، يقال توقدت النار أي: اتقدت. وقرأ PageV06P046 # أهل الكوفة غير حفص "توقد" بالتاء وضمها وفتح القاف خفيفا، يعني الزجاجة ~~أي: نار الزجاجة لأن الزجاجة لا توقد، وقرأ الآخرون بالياء وضمها خفيفا ~~يعني المصباح، {من شجرة مباركة زيتونة} أي: من زيت شجرة مباركة، فحذف ~~المضاف بدليل قوله تعالى {يكاد زيتها يضيء} وأراد بالشجرة المباركة: ~~الزيتونة 41/أوهي كثيرة البركة، وفيها منافع كثيرة، لأن الزيت يسرج به، وهو ~~أضوأ وأصفى الأدهان، وهو إدام وفاكهة، ولا يحتاج في استخراجه إلى إعصار بل ~~كل أحد يستخرجه، وجاء في الحديث: "أنه مصحة من الباسور" (1) ، وهي شجرة ~~تورق من أعلاها إلى أسفلها. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو الحسن القاسم ~~بن بكر الطيالسي، أخبرنا أبو أمية الطرسوسي، أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا ~~سفيان الثوري، عن ms1794 عبد الله بن عيسى، عن عطاء الذي كان بالشام، وليس بابن ~~أبي رباح، عن أسد بن ثابت وأبي أسلم الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة" (2) . # قوله تعالى: {لا شرقية ولا غربية} أي: ليست شرقية وحدها حتى لا تصيبها ~~الشمس إذا غربت، ولا غربية وحدها فلا تصيبها الشمس بالغداة إذا طلعت، بل هي ~~ضاحية الشمس طول النهار، تصيبها الشمس عند طلوعها وعند غروبها، فتكون شرقية ~~وغربية تأخذ حظها من الأمرين، فيكون زيتها أضوأ، وهذا كما يقال: فلان ليس ~~بأسود ولا بأبيض، يريد ليس بأسود خالص ولا بأبيض خالص، بل اجتمع فيه كل ~~واحد منهما، وهذا الرمان ليس بحلو ولا حامض، أي اجتمعت فيه الحلاوة ~~والحموضة، هذا قول ابن عباس في رواية عكرمة والكلبي، والأكثرين. وقال السدي ~~وجماعة: معناه أنها ليست في مقناة لا تصيبها الشمس ولا في مضحاة لا يصيبها ~~الظل، فهي لا تضرها شمس ولا ظل. PageV06P047 # وقيل: معناه أنها معتدلة ليست في شرق يضرها الحر، ولا في غرب يضرها ~~البرد. وقيل: معناه هي شامية لأن الشام لا شرقي ولا غربي. وقال الحسن: ليست ~~هذه من أشجار الدنيا ولو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية وإنما هو مثل ~~ضربه الله لنوره (1) . # {يكاد زيتها} دهنها، {يضيء} من صفائه {ولو لم تمسسه نار} أي: قبل أن ~~تصيبه النار، {نور على نور} يعني نور المصباح على نور الزجاجة. واختلف أهل ~~العلم في معنى هذا التمثيل، فقال بعضهم: وقع هذا التمثيل لنور محمد صلى ~~الله عليه وسلم، قال ابن عباس لكعب الأحبار: أخبرني عن قوله تعالى: {مثل ~~نوره كمشكاة} فقال كعب: هذا مثل ضربه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، ~~فالمشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح فيه النبوة، توقد من شجرة مباركة ~~هي شجرة النبوة، يكاد نور محمد وأمره يتبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي كما ~~يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم تمسسه نار (2) . وروى سالم عن ابن عمر في هذه ~~الآية قال: ms1795 المشكاة: جوف محمد، والزجاجة: قلبه، والمصباح: النور الذي جعله ~~الله فيه، لا شرقية ولا غربية: ولا يهودي ولا نصراني، توقد من شجرة مباركة: ~~إبراهيم، نور على نور، قلب إبراهيم، ونور: قلب محمد صلى الله عليه وسلم (3) ~~. # وقال محمد بن كعب القرظي: "المشكاة" إبراهيم، و"الزجاجة": إسماعيل ~~و"المصباح": محمد صلوات الله عليهم أجمعين سماه الله مصباحا كما سماه سراجا ~~فقال تعالى: "وسراجا منيرا" (الأحزاب-46) ، "توقد من شجرة مباركة" وهي ~~إبراهيم، سماه مباركة لأن أكثر الأنبياء من صلبه، "لا شرقية ولا غربية" ~~يعني: إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما لأن اليهود ~~تصلي قبل المغرب والنصارى تصلي قبل المشرق يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه ~~نار، تكاد محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن يوحى إليه "نور ~~على نور": نبي من نسل نبي، نور محمد على نور إبراهيم. # وقال بعضهم: وقع هذا التمثيل لنور قلب المؤمن. روى أبو العالية عن أبي بن ~~كعب قال: هذا مثل المؤمن، فالمشكاة نفسه والزجاجة صدره، والمصباح ما جعل ~~الله فيه من الإيمان، والقرآن PageV06P048 # في قلبه يوقد من شجرة مباركة وهي الإخلاص لله وحده، فمثله كمثل الشجرة ~~التي التف بها الشجر خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس لا إذا طلعت ولا إذا غربت ~~فكذلك المؤمن، قد احترس من أن يصيبه شيء من الفتن فهو بين أربع خلال إن ~~أعطي شكر وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، يكاد زيتها يضيء أي: ~~يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يتبين له لموافقته إياه نور على نور. قال ~~أبي فهو يتقلب في خمسة أنوار: قوله نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه ~~نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة (1) # قال ابن عباس: هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت ~~الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوئه، كذلك ~~يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد ~~هدى على هدى ونورا على ms1796 نور (2) قال الكلبي: قوله {نور على نور} يعني: إيمان ~~المؤمن وعمله. وقال السدي: نور الإيمان ونور القرآن. وقال الحسن وابن زيد ~~(3) هذا مثل القرآن، فالمصباح هو القرآن فكما يستضاء بالمصباح يهتدى ~~بالقرآن، والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة ~~الوحي، "يكاد زيتها يضيء" تكاد حجة القرآن تتضح وإن لم يقرأ، نور على نور: ~~يعني القرآن نور من الله عز وجل لخلقه مع ما أقام لهم من الدلائل والأعلام ~~قبل نزول القرآن، فازداد بذلك نورا على نور (4) # قوله عز وجل: {يهدي الله لنوره من يشاء} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~لدين الإسلام، وهو نور البصيرة، وقيل: القرآن {ويضرب الله الأمثال للناس} ~~يبين الله الأشياء للناس تقريبا للأفهام وتسهيلا لسبل الإدراك، {والله بكل ~~شيء عليم} ### || # {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ~~(36) } # قوله: {في بيوت أذن الله} أي: ذلك المصباح في بيوت. وقيل: يوقد في بيوت، ~~والبيوت: هي المساجد، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~قال: "المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء 41/ب لأهل السماء كما تضيء ~~النجوم لأهل الأرض". PageV06P049 # وروى صالح بن حيان عن ابن بريدة في قوله تعالى" "في بيوت أذن الله"، قال: ~~إنما هي أربعة مساجد لم يبنها إلا نبي: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل ~~فجعلاها قبلة، وبيت المقدس بناه داود وسليمان، ومسجد المدينة بناه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ومسجد قباء أسس على التقوى بناه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (1) # قوله: {أن ترفع} قال مجاهد: أن تبنى، نظيره قوله تعالى: "وإذ يرفع ~~إبراهيم القواعد من البيت" (لبقرة-127) ، قال الحسن: أي تعظم أي لا يذكر ~~فيه الخنا من القول. {ويذكر فيها اسمه} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يتلى ~~فيها كتابه، {يسبح} قرأ ابن عامر وأبو بكر "يسبح" بفتح الباء على غير تسمية ~~الفاعل، والوقف على هذه القراءة عند قوله" "والآصال"، وقرأ الآخرون بكسر ~~الباء، جعلوا التسبيح فعلا للرجال، {يسبح له} أي: ms1797 يصلي، {له فيها بالغدو ~~والآصال} أي بالغداة والعشي. قال أهل التفسير: أراد به الصلوات المفروضات. ~~فالتي تؤدى بالغداة صلاة الصبح، والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر ~~والعشاءين لأن اسم الأصيل يجمعهما. وقيل: أراد به صلاة الصبح والعصر. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو بكر أحمد ابن ~~الحسين الحيري، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن معقل الميداني، حدثنا محمد ~~بن يحيى، أخبرنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا همام بن أبي حمزة، أن أبا بكر بن ~~عبد الله بن قيس حدثه عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى ~~البردين دخل الجنة" (2) . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: التسبيح ~~بالغدو صلاة الضحى (3) أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد ~~بن محمد بن السمعان، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، ~~أخبرنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا الهيثم بن حميد، أخبرني يحيى بن الحارث، ~~عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن مشى ~~إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على أثر صلاة ~~لا لغو بينهما كتاب في عليين" (4) PageV06P050 ### || # {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ~~ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (38) } # {رجال} قيل: خص الرجال بالذكر في هذه المساجد لأنه ليس على النساء جمعة ~~ولا جماعة في المسجد، {لا تلهيهم} لا تشغلهم، {تجارة} قيل خص التجارة ~~بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلاة والطاعات، وأراد بالتجارة ~~الشراء وإن كان اسم التجارة يقع على البيع والشراء جميعا لأنه ذكر البيع ~~بعد هذا، كقوله: "وإذا رأوا تجارة" (الجمعة-11) يعني: الشراء، وقال الفراء: ~~التجارة لأهل الجلب والبيع ما باعه الرجل على يديه. قوله: {ولا بيع عن ذكر ms1798 ~~الله} عن حضور المساجد لإقامة الصلاة، {وإقام} أي: لإقامة، {الصلاة} حذف ~~الهاء وأراد أداءها في وقتها، لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي ~~الصلاة، وأعاد ذكر إقامة الصلاة مع أن المراد من ذكر الله الصلوات الخمس ~~لأنه أراد بإقام الصلاة حفظ المواقيت. روى سالم عن ابن عمر أنه كان في ~~السوق فأقيمت الصلاة فقام الناس وأغلقوا حوانيتهم فدخلوا المسجد، فقال ابن ~~عمر: فيهم نزلت: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة} ~~(1) # {وإيتاء الزكاة} المفروضة، قال ابن عباس رضي الله عنه: إذا حضر وقت أداء ~~الزكاة لم يحبسوها. وقيل: هي الأعمال الصالحة. {يخافون يوما تتقلب فيه ~~القلوب والأبصار} قيل: تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشرك ~~والكفر، وتنفتح الأبصار من الأغطية، وقيل: تتقلب القلوب بين الخوف والرجاء ~~تخشى الهلاك وتطمع في النجاة، وتقلب الأبصار من هوله أي: ناحية يؤخذ بهم ~~ذات اليمين أم ذات الشمال، ومن أين يؤتون الكتب أم من قبل الأيمان أم من ~~قبل الشمائل، وذلك يوم القيامة. وقيل: تتقلب القلوب في الجوف فترتفع إلى ~~الحنجرة فلا تنزل ولا تخرج، وتقلب البصر شخوصه من هول الأمر وشدته. ~~{ليجزيهم الله أحسن ما عملوا} يريد: أنهم اشتغلوا بذكر الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله أحسن ما عملوا، أي بأحسن ما عملوا، يريد: ~~يجزيهم بحسناتهم، وما كان من مساوئ أعمالهم لا يجزيهم بها، {ويزيدهم من ~~فضله} ما لم يستحقوه بأعمالهم، {والله يرزق من يشاء بغير حساب} ثم ضرب ~~لأعمال الكفار مثلا فقال تعالى: PageV06P051 ### || # {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم ~~يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) أو كظلمات في ~~بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج ~~يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) } # {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة} "السراب" الشعاع الذي يرى نصف النهار ~~عند شدة الحر ms1799 في البراري، يشبه الماء الجاري على الأرض يظنه من رآه ماء، ~~فإذا قرب منه انفش فلم ير شيئا و"الآل" ما ارتفع من الأرض، وهو شعاع يرى ~~بين السماء والأرض بالغدوات شبه الملاءة يرفع فيه الشخوص يرى فيه الصغير ~~كبيرا والقصير طويلا و"الرقراق" يكون بالعشايا، وهو ما ترقرق من السراب، أي ~~جاء وذهب. و"القيعة": جمع القاع وهو المنبسط الواسع من الأرض، وفيه يكون ~~السراب، {يحسبه الظمآن} أي: يتوهمه العطشان، {ماء حتى إذا جاءه} أي: جاء ما ~~قد رأى أنه ماء. وقيل: جاء موضع السراب، {لم يجده شيئا} على ما قدره وحسبه ~~كذلك الكافر يحسب أن عمله نافعه فإذا أتاه ملك الموت واحتاج إلى عمله لم ~~يجد عمله أغنى منه شيئا ولا نفعه. {ووجد الله عنده} أي: عند عمله، أي: وجد ~~الله بالمرصاد. وقيل: قدم على الله، {فوفاه حسابه} أي جزاء عمله، {والله ~~سريع الحساب} {أو كظلمات} وهذا مثل آخر ضربه الله لأعمال الكفار، يقول: مثل ~~أعمالهم من فسادها وجهالتهم فيها كظلمات، {في بحر لجي} وهو العميق الكثير ~~الماء، ولجة البحر: معظمه، {يغشاه} يعلوه، {موج من فوقه موج} متراكم، {من ~~فوقه سحاب} 42/أ،، قرأ ابن كثير برواية القواس: "سحاب" بالرفع والتنوين، ~~{ظلمات} بالجر على البدل من قوله "أو كظلمات". وروى أبو الحسن البري عنه: ~~"سحاب، ظلمات" بالإضافة، وقرأ الآخرون "سحاب ظلمات"، كلاهما بالرفع ~~والتنوين، فيكون تمام الكلام عند قوله "سحاب" ثم ابتدأ فقال: {ظلمات بعضها ~~فوق بعض} ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة البحر بعضها فوق بعض، أي: ظلمة ~~الموج على ظلمة البحر، وظلمة الموج فوق الموج، وظلمة السحاب على ظلمة ~~الموج، وأراد بالظلمات أعمال الكافر وبالبحر اللجي قلبه، وبالموج ما يغشى ~~قلبه من الجهل والشك والحيرة، وبالسحاب الختم والطبع على قلبه. # PageV06P052 # قال أبي بن كعب: في هذه الآية الكافر يتقلب في خمسة من الظلم: فكلامه ~~ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم ~~القيامة إلى النار (1) . # {إذا أخرج} يعني: الناظر، {يده لم يكد يراها} يعني لم يقرب من أن ms1800 يراها ~~من شدة الظلمة. وقال الفراء: "يكد" صلة، أي: لم يرها، [قال المبرد: يعني لم ~~يرها] (2) إلا بعد الجهد، كما يقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة وقد رآه، ~~ولكن بعد يأس وشدة. وقيل: معناه قرب من رؤيتها ولم يرها، كما يقال: كاد ~~النعام يطير. {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} قال ابن عباس: من ~~لم يجعل الله له دينا وإيمانا فلا دين له. وقيل: من لم يهده الله فلا إيمان ~~له ولا يهديه أحد. وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في عتبة بن ربيعة بن أمية ~~كان يلتمس الدين في الجاهلية ويلبس المسوح فلما جاء الإسلام كفر. والأكثرون ~~على أنه عام في جميع الكفار (3) . ### || # {ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم ~~صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السموات والأرض وإلى ~~الله المصير (42) ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما ~~فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من ~~يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) } # قوله عز وجل: {ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير ~~صافات} باسطات أجنحتهن بالهواء. قيل خص الطير بالذكر من جملة الحيوان لأنها ~~تكون بين السماء والأرض فتكون خارجة عن حكم من في السماء والأرض، {كل قد ~~علم صلاته وتسبيحه} قال مجاهد: الصلاة لبني آدم، والتسبيح لسائر الخلق. ~~وقيل: إن ضرب الأجنحة صلاة الطير وصوته تسبيحه. قوله: {كل قد علم} أي: كل ~~مصل ومسبح علم الله صلاته وتسبيحه. وقيل: معناه كل مصل ومسبح منهم قد علم ~~صلاة نفسه وتسبيحه، {والله عليم بما يفعلون} . {ولله ملك السموات والأرض ~~وإلى الله المصير} . {ألم تر أن الله يزجي} يعني: يسوق بأمره، {سحابا} إلى ~~حيث يريد، {ثم يؤلف بينه} أي: بجمع بين قطع السحاب المتفرقة بعضها إلى بعض، ~~{ثم يجعله ركاما} متراكما بعضه فوق PageV06P053 # بعض، {فترى الودق} ms1801 يعني المطر، {يخرج من خلاله} وسطه وهو جمع الخلل، ~~كالجبال جمع الجبل. {وينزل من السماء من جبال فيها من برد} يعني: ينزل ~~البرد، و"من" صلة، وقيل: معناه وينزل من السماء من جبال، أي: مقدار جبال في ~~الكثرة من البرد، و"من" في قوله "من جبال" صلة، أي: وينزل من السماء جبالا ~~من برد. وقيل: معناه وينزل من جبال في السماء تلك الجبال من برد. وقال ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما: أخبر الله عز وجل أن في السماء جبالا من برد، ~~ومفعول الإنزال محذوف تقديره: وينزل من السماء من جبال فيها برد، فاستغنى ~~عن ذكر المفعول للدلالة عليه. قال أهل النحو ذكر الله تعالى "من" ثلاث مرات ~~في هذه الآية فقوله "من السماء" لابتداء الغاية، لأن ابتداء الإنزال من ~~السماء، وقوله تعالى "من جبال" للتبعيض لأن ما ينزله الله تعالى بعض تلك ~~الجبال التي في السماء، وقوله تعالى: "من برد" للتجنيس لأن تلك الجبال من ~~جنس البرد. {فيصيب به} يعني بالبرد {من يشاء} فيهلك زروعه وأمواله، {ويصرفه ~~عن من يشاء} فلا يضره، {يكاد سنا برقه} يعني ضوء برق السحاب، {يذهب ~~بالأبصار} شدة ضوئه وبريقه، وقرأ أبو جعفر: "يذهب" بضم الياء وكسر الهاء. # PageV06P054 ### || # {يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) } # {يقلب الله الليل والنهار} يصرفهما في اختلافهما وتعاقبهما يأتي بالليل ~~ويذهب بالنهار، ويأتي بالنهار ويذهب بالليل. أخبرنا عبد الواحد المليحي، ~~أخبرنا عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، ~~أخبرنا الحميدي، أخبرنا سفيان، أخبرنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله ~~تعالى: "يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل ~~والنهار" (1) قوله تعالى: {إن في ذلك} يعني في ذلك الذي ذكرت من هذه ~~الأشياء، {لعبرة لأولي الأبصار} يعني: دلالة لأهل العقول والبصائر على قدرة ~~الله تعالى وتوحيده. PageV06P054 ### || # {والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم ms1802 من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ~~(45) لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (46) ~~ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (47) } # قوله عز وجل: {والله خلق كل دابة} قرأ حمزة والكسائي، "خالق كل" ~~بالإضافة، وقرأ الآخرون "خلق كل" على الفعل، {من ماء} يعني: من نطفة، وأراد ~~به كل حيوان يشاهد في الدنيا، ولا يدخل فيه الملائكة ولا الجن، لأنا لا ~~نشاهدهم. وقيل: أصل جميع الخلق من الماء، وذلك أن الله تعالى خلق ماء ثم ~~جعل بعضه ريحا فخلق منها الملائكة، وبعضه نارا فخلق منها الجن، وبعضها طينا ~~فخلق منها آدم، {فمنهم من يمشي على بطنه} كالحيات والحيتان والديدان، ~~{ومنهم من يمشي على رجلين} مثل بني آدم والطير، {ومنهم من يمشي على أربع} ~~كالبهائم والسباع، ولم يذكر من يمشي على أكثر من أربع مثل حشرات الأرض، ~~لأنها في الصورة كالتي يمشي على الأربع، وإنما قال: "من يمشي" و"من" إنما ~~تستعمل فيمن يعقل دون من لا يعقل من الحيات والبهائم، لأنه ذكر كل دابة، ~~فدخل فيه الناس وغيرهم، وإذا جمع اللفظ من يعقل ومن لا يعقل تجعل الغلبة ~~لمن يعقل. {يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيءقدير} {لقد أنزلنا} إليك، ~~{آيات مبينات والله، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} {ويقولون آمنا بالله ~~وبالرسول وأطعنا} يعني: المنافقين يقولونه، {ثم يتولى} يعرض عن طاعة الله ~~ورسوله، {فريق منهم من بعد ذلك} 42/ب،، أي: من بعد قولهم: آمنا ويدعو إلى ~~غير حكم الله. قال الله عز وجل: {وما أولئك بالمؤمنين} نزلت هذه الآية في ~~بشر المنافق، كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة في أرض، فقال اليهودي: ~~نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال المنافق نتحاكم إلى كعب بن ~~الأشرف، فإن محمدا يحيف علينا، فأنزل الله هذه الآية (1) PageV06P055 ### || # {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ms1803 معرضون (48) وإن ~~يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون ~~أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون (50) إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون (51) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم ~~الفائزون (52) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا ~~طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون (53) } # وقال: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم} الرسول بحكم الله، {إذا ~~فريق منهم معرضون} أي عن الحكم. وقيل: عن الإجابة. {وإن يكن لهم الحق يأتوا ~~إليه مذعنين} مطيعين منقادين لحكمه، أي: إذا كان الحق لهم على غيرهم أسرعوا ~~إلى حكمه لثقتهم بأنه كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضا بالحق. {أفي ~~قلوبهم مرض أم ارتابوا} أي: شكوا، هذا استفهام ذم وتوبيخ، أي: هم كذلك، {أم ~~يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله} أي: بظلم، {بل أولئك هم الظالمون} ~~لأنفسهم بإعراضهم عن الحق. {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ~~ورسوله} إلى كتاب الله ورسوله، {ليحكم بينهم} هذا ليس على طريق الخبر لكنه ~~تعليم أدب الشرع على معنى أن المؤمنين كذا ينبغي أن يكونوا، ونصب القول على ~~الخبر واسمه في قوله تعالى: {أن يقولوا سمعنا وأطعنا} أي: سمعنا الدعاء ~~وأطعنا بالإجابة. {وأولئك هم المفلحون} {ومن يطع الله ورسوله} قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: فيما ساءه وسره {ويخش الله} على ما عمل من الذنوب. {ويتقه} ~~فيما بعده، {فأولئك هم الفائزون} الناجون، قرأ أبو عمرو وأبو بكر "يتقه" ~~ساكنة الهاء، ويختلسها أبو جعفر ويعقوب وقالون، كما في نظائرها ويشبعها ~~الباقون كسرا، وقرأ حفص "يتقه" بسكون القاف واختلاس الهاء، وهذه اللغة إذا ~~سقطت الياء للجزم يسكنون ما قبلها، يقولون: لم أشتر طعاما بسكون الراء. ~~قوله عز وجل: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} جهد اليمين أن يحلف بالله، ولا ~~حلف فوق # PageV06P056 # الحلف بالله، {لئن أمرتهم ليخرجن} وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول ~~الله صلى الله ms1804 عليه وسلم: أينما كنت نكن معك، لئن خرجت خرجنا، وإن أقمت ~~أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فقال تعالى: {قل} لهم {لا تقسموا} لا ~~تحلفوا، وقد تم الكلام، ثم قال: {طاعة معروفة} أي: هذه طاعة بالقول ~~وباللسان دون الاعتقاد، وهي معروفة أي: أمر عرف منكم أنكم تكذبون وتقولون ~~ما لا تفعلون، هذا معنى قول مجاهد رضي الله عنه. وقيل: معناه طاعة معروفة ~~بنية خالصة أفضل وأمثل من يمين باللسان لا يوافقها الفعل. وقال مقاتل بن ~~سليمان: لتكن منكم طاعة معروفة. {إن الله خبير بما تعملون} # PageV06P057 ### || # {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما ~~حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين (54) وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ~~يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (55) } # {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا} أي: تولوا عن طاعة الله ~~ورسوله، {فإنما عليه ما حمل} يعني: على الرسول ما كلف وأمر به من تبليغ ~~الرسالة، {وعليكم ما حملتم} من الإجابة والطاعة، {وإن تطيعوه تهتدوا وما ~~على الرسول إلا البلاغ المبين} أي: التبليغ البين. قوله عز وجل: {وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} قال أبو العالية في ~~هذه الآية: مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد الوحي عشر سنين مع ~~أصحابه، وأمروا بالصبر على أذى الكفار، وكانوا يصبحون ويمسون خائفين، ثم ~~أمروا بالهجرة إلى المدينة، وأمروا بالقتال وهم على خوفهم لا يفارق أحد ~~منهم سلاحه، فقال رجل منهم: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فأنزل ~~الله هذه الآية (1) {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم} PageV06P057 # أدخل اللام لجواب اليمين المضمرة، يعني: والله ليستخلفنهم، أي: ليورثنهم ~~أرض الكفار من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها وسكانها، {كما استخلف ~~الذين من قبلهم} قرأ أبو بكر عن عاصم: "كما استخلف" ms1805 بضم التاء وكسر اللام ~~على ما لم يسم فاعله، وقرأ الآخرون بفتح التاء واللام لقوله تعالى: "وعد ~~الله". قال قتادة: {كما استخلف} داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء. وقيل: ~~"كما استخلف الذين من قبلهم" أي: بني إسرائيل حيث أهلك الجبابرة بمصر ~~والشام وأورثهم أرضهم وديارهم، {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} أي: ~~اختار، قال ابن عباس: يوسع لهم في البلاد حتى يملكوها ويظهر دينهم على سائر ~~الأديان، {وليبدلنهم} قرأ ابن كثير وأبو بكر ويعقوب بالتخفيف من الإبدال، ~~وقرأ الآخرون بالتشديد من التبديل، وهما لغتان، وقال بعضهم: التبديل تغيير ~~حال إلى حال، والإبدال رفع الشيء وجعل غيره مكانه، {من بعدخوفهم أمنا ~~يعبدونني} آمنين، {لا يشركون بي شيئا} فأنجز الله وعده، وأظهر دينه، ونصر ~~أولياءه، وأبدلهم بعد الخوف أمنا وبسطا في الأرض. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن الحكم، أخبرنا ~~النضر، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا سعيد الطاهري، أخبرنا محمد بن خليفة، عن عدي ~~بن حاتم قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه ~~الفاقة، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل، فقال: "يا عدي هل رأيت الحيرة؟ ~~قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها"، قال: "فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ~~ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله"، قلت فيما بيني ~~وبين نفسي: فأين دعار طيء الذين قد سعروا البلاد؟، "ولئن طالت بك حياة ~~لتفتحن كنوز كسرى" قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: "كسرى بن هرمز، لئن طالت بك ~~حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب وفضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا ~~يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم القيامة وليس بينه وبينه ترجمان يترجم ~~فليقولن له: ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالا ~~43/أوأفضل عليك؟ فيقول: بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن ~~يساره فلا يرى إلا جهنم"، قال عدي: سمعت ms1806 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة"، قال عدي: فرأيت ~~الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت ممن ~~افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو ~~القاسم صلى الله عليه وسلم يخرج ملء كفه (1) PageV06P058 # وفي الآية دلالة على خلافة الصديق وإمامة الخلفاء الراشدين. أخبرنا عبد ~~الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو ~~القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرني حماد هو ابن مسلمة بن دينار، ~~عن سعيد بن جمهان، عن سفينة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون، ملكا". ثم قال: أمسك خلافة أبي بكر ~~سنتين، وخلافة عمر عشرا، وعثمان اثنتا عشر، وعلي ستة. قال علي: قلت لحماد: ~~سفينة، القائل، لسعيد أمسك؟ قال: نعم (1) . قوله عز وجل: {ومن كفربعد ذلك} ~~أراد به كفران النعمة، ولم يرد الكفر بالله، {فأولئك هم الفاسقون} العاصون ~~لله. قال أهل التفسير: أول من كفر بهذه النعمة وجحد حقها الذين قتلوا عثمان ~~رضي الله عنه، فلما قتلوه غير الله ما بهم وأدخل عليهم الخوف حتى صاروا ~~يقتتلون بعد أن كانوا إخوانا. # أخبرنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن ~~عثمان بن القاسم المعروف بابن أبي نصر، أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان ~~بن حيدرة المعروف بالطرابلسي، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد، عن عبد ~~الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن حميد بن هلال قال: قال عبد الله بن سلام في ~~عثمان: إن الملائكة لم تزل محيطة بمدينتكم هذه منذ قدمها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى اليوم، فوالله لئن قتلتموه ليذهبون ثم لا يعودون أبدا، ~~فوالله لا يقتله رجل منكم إلا لقي الله أجذم لا يد له، وإن سيف الله لم يزل ~~مغمودا عنكم، والله لئن قتلتموه ليسلنه الله ثم لا يغمده عنكم، إما قال: ~~أبدا، وإما ms1807 قال: إلى يوم القيامة، فما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا، ~~ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا (2) ### || # {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (56) لا تحسبن ~~الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير (57) } # قوله عز وجل: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون} ~~أي: افعلوها على رجاء الرحمة. {لا تحسبن الذين كفروا} قرأ عامر وحمزة "لا ~~يحسبن" بالياء، أي: PageV06P059 # لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم {معجزين في الأرض} وقرأ الآخرون بالتاء، ~~يقول: لا تحسبن يا محمد الذين كفروا معجزين فائتين عنا، {ومأواهم النار ~~ولبئس المصير} ### || # {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا ~~الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن ~~بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون ~~عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (58) } # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} الآية: ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما من ~~الأنصار يقال له مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقت الظهيرة ~~ليدعوه، فدخل فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فأنزل الله هذه الآية (1) ~~وقال مقاتل: نزلت في أسماء بنت مرثد، كان لها غلام كبير، فدخل عليها في وقت ~~كرهته، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون ~~علينا في حال نكرهها، فأنزل الله تعالى (2) "يا أيها الذين آمنوا ~~ليستأنذكم: اللام لام الأمر. {الذين ملكت أيمانكم} يعني: العبيد والإماء، ~~{والذين لم يبلغوا الحلم منكم} من الأحرار، ليس المراد منهم الأطفال الذين ~~لم يظهروا على عورات النساء، بل الذين عرفوا أمر النساء ولكن لم يبلغوا. # {ثلاث مرات} أي: ليستأذنوا في ثلاث أوقات، {من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ~~ثيابكم من الظهيرة} يريد المقيل، {ومن بعد صلاة العشاء} وإنما خص هذه ~~الأوقات لأنها ساعات الخلوة ms1808 ووضع الثياب، فربما يبدو من الإنسان ما لا يحب ~~أن يراه أحد، أمر العبيد والصبيان بالاستئذان في هذه الأوقات، وأما غيرهم ~~فليستأذنوا في جميع الأوقات {ثلاث عورات لكم} قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: ~~"ثلاث" بنصب الثاء بدلا عن قوله: "ثلاث مرات"، وقرأ الآخرون PageV06P060 # بالرفع، أي: هذه الأوقات ثلاث عورات لكم، سميت هذه الأوقات عورات لأن ~~الإنسان يضع فيها ثيابه فتبدو عورته، {ليس عليكم} جناح، {ولا عليهم} يعني: ~~على العبيد والخدم والصبيان، {جناح} في الدخول عليكم من غير استئذان، ~~{بعدهن} أي: بعد هذه الأوقات الثلاثة، {طوافون عليكم} أي: العبيد والخدم ~~يطوفون عليكم فيترددون ويدخلون ويخرجون في أشغالهم بغير إذن، {بعضكم على ~~بعض} أي: يطوف، {بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم} ~~واختلف العلماء في حكم هذه الآية: فقال قوم: منسوخ (1) . # قال ابن عباس رضي الله عنه: لم يكن للقوم ستور ولا حجاب (2) ، فكان الخدم ~~والولائد يدخلون فربما يرون منهم ما لا يحبون، فأمروا بالاستئذان، وقد بسط ~~الله الرزق واتخذ الناس الستور فرأى أن ذلك أغنى عن الاستئذان (3) وذهب قوم ~~إلى أنها غير منسوخة، روى سفيان عن موسى بن أبي عائشة قالت: سألت الشعبي عن ~~هذه الآية: "ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم" أمنسوخة هي؟ قال: لا والله، ~~قلت: إن الناس لا يعملون بها، قال: الله المستعان (4) وقال سعيد بن جبير في ~~هذه الآية: إن ناسا يقولون نسخت، والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون به الناس ~~(5) . PageV06P061 ### || # {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك ~~يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم (59) } # قوله تعالى: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم} أي: الاحتلام، يريد الأحرار ~~الذين بلغوا، {فليستأذنوا} أي: يستأذنون في جميع الأوقات في الدخول عليكم، ~~{كمااستأذن الذين من قبلهم} الأحرار والكبار. # PageV06P061 # وقيل: يعني الذين كانوا مع إبراهيم وموسى وعيسى. {كذلك يبين الله لكم ~~آياته} دلالاته. وقيل: أحكامه، {والله عليم} بأمور خلقه، {حكيم} بما دبر ~~لهم. قال سعيد بن المسيب: يستأذن الرجل على أمه، فإنما أنزلت 43/ب هذه ~~الآية ms1809 في ذلك (1) . وسئل حذيفة: أيستأذن الرجل على والدته؟ قال: نعم، إن لم ~~يفعل رأى منها ما يكره (2) . ### || # {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ~~ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (60) ليس ~~على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن ~~تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت ~~أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم ~~أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ~~فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك ~~يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61) } # قوله تعالى: {والقواعد من النساء} يعني اللاتي قعدن عن الولد والحيض من ~~الكبر، لا يلدن ولا يحضن، واحدتها "قاعد" بلا هاء. وقيل: قعدن عن الأزواج، ~~وهذا معنى قوله: {اللاتي لا يرجون نكاحا} أي: لا يردن الرجال لكبرهن، قال ~~ابن قتيبة: سميت المرأة قاعدا إذا كبرت، لأنها تكثر القعود (3) . وقال ~~ربيعة الرأي: هن العجز، اللائي إذا رآهن الرجال استقذروهن، فأما من كانت ~~فيها بقية من جمال، وهي محل الشهوة، فلا تدخل في هذه الآية، {فليس عليهن ~~جناح أن يضعن ثيابهن} عند الرجال، يعني: يضعن بعض ثيابهن، وهي الجلباب ~~والرداء الذي فوق الثياب، والقناع الذي فوق الخمار، فأما الخمار فلا يجوز ~~وضعه، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه وأبي بن كعب: "أن يضعن من ثيابهن"، ~~{غير متبرجات بزينة} أي: من غير أن يردن بوضع الجلباب، والرداء إظهار ~~زينتهن، والتبرج هو أن تظهر المرأة من محاسنها ما ينبغي لها أن تتنزه عنه. ~~{وأن يستعففن} فلا يلقين الجلباب والرداء، {خير لهن والله سميع عليم} قوله ~~تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا علىالمريض حرج} الآية، ~~اختلف العلماء في هذه الآية، فقال ابن عباس رضي الله عنهما لما أنزل الله ~~عز وجل قوله: "يا أيها ms1810 الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" ~~(النساء-29) ، تحرج المسلمون عن مؤاكلة PageV06P062 # المرضى والزمنى والعمي والعرج، وقالوا الطعام أفضل الأموال، وقد نهانا ~~الله عن أكل المال بالباطل. والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لا ~~يتمكن من الجلوس، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض يضعف عن التناول ~~فلا يستوفي الطعام، فأنزل الله هذه الآية (1) وعلى هذا التأويل يكون "على" ~~بمعنى "في" أي: ليس في الأعمى، يعني: ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج ~~والمريض. # وقال سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما كان العرجان والعميان والمرضى يتنزهون ~~عن مؤاكلة الأصحاء، لأن الناس يتقذرون منهم ويكرهون مؤاكلتهم، ويقول ~~الأعمى: ربما أكل أكثر، ويقول الأعرج: ربما أخذ مكان الاثنين، فنزلت هذه ~~الآية (2) . وقال مجاهد: نزلت الآية ترخيصا لهؤلاء في الأكل من بيوت من سمى ~~الله في هذه الآية، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب الطعام فإذا ~~لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى ~~الله في هذه الآية، فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك الطعام ويقولون ذهب ~~بنا إلى بيت غيره؟ فأنزل الله هذه الآية (3) وقال سعيد بن المسيب: كان ~~المسلمون إذا غزوا خلفوا زمناهم ويدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون قد ~~أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون لا ~~ندخلها PageV06P063 # وهم غيب، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم (1) قال الحسن: نزلت هذه الآية ~~رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد. قال: تم الكلام عند قوله: "ولا على ~~المريض حرج"، وقوله تعالى: {ولا على أنفسكم} كلام منقطع عما قبله (2) # وقيل: لما نزل قوله: "لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" (النساء-29) ، ~~قالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فأنزل الله عز وجل {ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} (3) أي: لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم. ~~قيل: أراد من أموال عيالكم وأزواجكم وبيت المرأة كبيت الزوج. وقال ابن ~~قتيبة: أراد من بيوت أولادكم، نسب بيوت الأولاد إلى الآباء (4) كما جاء في ~~الحديث: ms1811 "أنت ومالك لأبيك" (5) ، {أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت ~~إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه} قال ابن عباس رضي الله عنهما: عني ~~بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ~~ضيعته، ويشرب من لبن ماشيته، ولا يحمل ولا يدخر. وقال الضحاك: يعني في بيوت ~~عبيدكم ومماليككم، وذلك أن السيد يملك منزل عبده والمفاتيح الخزائن، لقوله ~~تعالى: "وعنده مفاتح الغيب" (الأنعام-59) ويجوز أن يكون الذي يفتح به. قال ~~عكرمة: إذا ملك الرجل PageV06P064 # المفتاح فهو خازن، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير. وقال السدي: الرجل يولي ~~طعامه غيره يقوم عليه فلا بأس أن يأكل منه وقال قوم: "ما ملكتم مفاتحه" ما ~~خزنتموه عندكم قال مجاهد وقتادة: من بيوت أنفسكم مما أحرزتم وملكتم. # {أو صديقكم} الصديق الذي صدقك في المودة. قال ابن عباس: نزلت في الحارث ~~بن عمرو رضي الله عنه، خرج غازيا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف ~~مالك بن زيد على أهله، فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله، فقال: تحرجت أن ~~آكل طعامك بغير إذنك فأنزل الله هذه الآية (1) . وكان الحسن وقتادة يريان ~~دخول الرجل بيت صديقه والتحرم بطعامه من غير استئذان منه في الأكل بهذه ~~الآية. والمعنى: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا} من منازل هؤلاء إذا دخلتموها ~~وإن لم يحضروا، من غير أن تتزودوا وتحملوا. # قوله: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاأو أشتاتا} نزلت في بني ليث بن ~~عمرو، وهم حي من بني كنانة كان الرجل منهم لا يأكل وحده حتى يجد ضيفا يأكل ~~معه، فربما قعد الرجل والطعام، بين يديه من الصباح إلى الرواح، وربما كانت ~~معه الإبل الحفل، فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه، فإذا أمسى ولم ~~يجد أحدا أكل، هذا قول قتادة والضحاك وابن جريج (2) وقال عطاء الخراساني عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما: كان الغني يدخل على الفقير من ms1812 ذوي قرابته وصداقته ~~فيدعوه إلى طعامه، فيقول: والله إني لأجنح، أي: أتحرج أن آكل معك وأنا غني ~~وأنت فقير، فنزلت هذه الآية (3) . وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من ~~الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف 44/أإلا مع ضيفهم، فرخص لهم أن ~~يأكلوا كيف شاءوا، جميعا أو أشتاتا متفرقين (4) . PageV06P065 # {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} أي: يسلم بعضكم على بعض، هذا في ~~دخول الرجل بيت نفسه يسلم على أهله ومن في بيته، وهو قول جابر وطاوس ~~والزهري وقتادة والضحاك وعمرو بن دينار (1) . وقال قتادة: إذا دخلت بيتك ~~فسلم على أهلك فهو أحق من سلمت عليه، وإذا دخلت بيتا لا أحد فيه فقل: ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. حدثنا أن الملائكة ترد عليه (2) وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن لم يكن في البيت أحد فليقل: السلام علينا ~~وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله. وروى عمرو بن ~~دينار عن ابن عباس (3) رضي الله عنهما في قوله تعالى: {فإذا دخلتم بيوتا ~~فسلموا على أنفسكم} قال: إذا دخلت المسجد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين (4) {تحية من عند الله} نصب على المصدر، أي: تحيون أنفسكم تحية، ~~{مباركة طيبة} وقال ابن عباس رضي الله عنهما: حسنة جميلة. وقيل: ذكر البركة ~~والطيبة هاهنا لما فيه من الثواب والأجر {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تعقلون} PageV06P066 ### || # {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ~~فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور ~~(62) } # قوله عز وجل: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذاكانوا معه} ~~أي: مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، {على أمر جامع} يجمعهم من حرب حضرت، ~~أو صلاة أو جمعة أو عيد أو جماعة # PageV06P066 # أو تشاور في أمر نزل، {لم يذهبوا} يتفرقوا عنه، لم ينصرفوا عما اجتمعوا ~~له من الأمر، {حتى يستأذنوه} قال ms1813 المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد، لحاجة أو ~~عذر، لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يراه، فيعرف ~~أنه إنما قام يستأذن، فيأذن لمن شاء منهم. قال مجاهد: وإذن الإمام يوم ~~الجمعة أن يشير بيده (1) . # قال أهل العلم: وكذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ~~ولا يرجعون عنه إلا بإذن، وإذا استأذن فللإمام إن شاء أذن له وإن شاء لم ~~يأذن، وهذا إذا لم يكن له سبب يمنعه من المقام، فإن حدث سبب يمنعه من ~~المقام بأن يكون في المسجد فتحيض منهم امرأة، أو يجنب رجل، أو يعرض له مرض، ~~فلا يحتاج إلى الاستئذان. {إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ~~ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم} أي: أمرهم، {فأذن لمن شئت منهم} في ~~الانصراف، معناه إن شئت فأذن وإن شئت فلا تأذن، {واستغفر لهم الله إن الله ~~غفور رحيم} ### || # {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين ~~يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم (63) } # {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: يقول احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه، فإن دعاءه موجب لنزول ~~البلاء بكم ليس كدعاء غيره (2) وقال مجاهد وقتادة: لا تدعوه باسمه كما يدعو ~~بعضكم بعضا: يا محمد، يا عبد الله، ولكن فخموه وشرفوه، فقولوا: يا نبي ~~الله، يا رسول الله، في لين وتواضع (3) . # {قد يعلم الله الذين يتسللون} أي: يخرجون {منكم لواذا} أي: يستر بعضهم ~~بعضا ويروغ في خيفة، فيذهب "واللواذ" مصدر لاوذ يلاوذ، ملاوذة، ولواذا. ~~PageV06P067 # قيل: كان هذا في حفر الخندق، فكان المنافقون ينصرفون عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مختفين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لواذا" أي: يلوذ ~~بعضهم ببعض، وذلك أن المنافقين كان يثقل عليهم المقام في المسجد يوم الجمعة ~~واستماع خطبة النبي ms1814 صلى الله عليه وسلم فكانوا يلوذون ببعض أصحابه فيخرجون ~~من المسجد في استتار. ومعنى قوله: {قد يعلم الله} للتهديد بالمجازاة. ~~{فليحذرالذين يخالفون عن أمره} أي: أمره و"عن" صلة. وقيل: معناه يعرضون عن ~~أمره وينصرفون عنه بغير إذنه. {أن تصيبهم فتنة} أي لئلا تصيبهم فتنة، قال ~~مجاهد: بلاء في الدنيا، {أو يصيبهم عذاب أليم} وجيع في الآخرة. وقيل: عذاب ~~أليم عاجل في الدنيا. ثم عظم نفسه فقال: ### || # {ألا إن لله ما في السموات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه ~~فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم (64) } # {ألا إن لله ما في السموات والأرض} ملكا وعبيدا، {قد يعلم ماأنتم عليه} ~~الإيمان والنفاق أي: يعلم، و"قد" صلة {ويوم يرجعون إليه} يعني: يوم البعث، ~~{فينبئهم بما عملوا} الخير والشر، {والله بكل شيء عليم} أخبرنا أبو سعيد ~~الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه، ~~حدثنا عبد الله بن محمد بن شيبة، حدثنا محمد بن إبراهيم الكرابيسي، حدثنا ~~سليمان بن توبة، حدثنا أبو داود الأنصاري، أخبرنا محمد بن إبراهيم الشامي، ~~حدثنا شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، ~~وعلموهن الغزل، وسورة النور" (1) PageV06P068 ### | سورة الفرقان # مكية (1) # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1) الذي له ملك ~~السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا (2) } # {تبارك} تفاعل، من البركة. عن ابن عباس: معناه: جاء بكل بركة، دليله قول ~~الحسن: مجيء البركة من قبله. وقال الضحاك: تعظم، {الذي نزل الفرقان} أي: ~~القرآن، {على عبده} محمد صلى الله عليه وسلم. {ليكون للعالمين نذيرا} أي: ~~للجن والإنس. قيل: النذير هو القرآن. وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم (2) . ~~{الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق ~~كل شيء} مما يطلق عليه صفة المخلوق، {فقدره تقديرا} ms1815 فسواه وهيأه لما يصلح ~~له، لا خلل فيه ولا تفاوت، وقيل: قدر لكل شيء تقديرا من الأجل والرزق، فجرت ~~المقادير على ما خلق. PageV06P069 ### || # {واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ~~ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا (3) وقال الذين كفروا إن هذا ~~إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا (4) وقالوا ~~أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (5) قل أنزله الذي يعلم ~~السر في السموات والأرض إنه كان غفورا رحيما (6) } # قوله عز وجل: {واتخذوا} يعني عبدة الأوثان، {من دونه آلهة} يعني: ~~الأصنام، {لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا} أي: ~~دفع ضر ولا جلب نفع، {ولا يملكون موتا ولا حياة} أي: إماتة وإحياء، {ولا ~~نشورا} أي: بعثا بعد الموت. {وقال الذين كفروا} يعني: المشركين، 44/ب يعني: ~~النضر بن الحارث وأصحابه، {إن هذا} ما هذا القرآن، {إلا إفك} كذب، {افتراه} ~~اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم، {وأعانه عليه قوم آخرون} قال مجاهد: يعني ~~اليهود (1) . وقال الحسن: هو عبيد بن الخضر الحبشي الكاهن. وقيل: جبر، ~~ويسار، وعداس بن عبيد، كانوا بمكة من أهل الكتاب، فزعم المشركون أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم يأخذ منهم، قال الله تعالى: {فقد جاءوا} يعني قائلي هذه ~~المقالة، {ظلما وزورا} أي: بظلم وزور. فلما حذف الباء انتصب، يعني جاؤوا ~~شركا وكذبا بنسبتهم كلام الله تعالى إلى الإفك والافتراء. {وقالوا أساطير ~~الأولين اكتتبها} يعني النضر بن الحارث كان يقول: إن هذا القرآن ليس من ~~الله وإنما هو مما سطره الأولون مثل حديث رستم وإسفنديار (2) "اكتتبها": ~~انتسخها محمد من جبر، ويسار، وعداس، ومعنى "اكتتب" يعني طلب أن يكتب له، ~~لأنه كان لا يكتب، {فهي تملى عليه} يعني تقرأ عليه ليحفظها لا ليكتبها، ~~{بكرة وأصيلا} غدوة وعشيا. قال الله عز وجل ردا عليهم: {قل أنزله} يعني ~~القرآن، {الذي يعلم السر} يعني الغيب، {في السموات والأرض إنه كان غفورا ~~رحيما} PageV06P072 ### || # {وقالوا مال هذا الرسول يأكل ms1816 الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال ~~الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (8) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا ~~فلا يستطيعون سبيلا (9) تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا (10) } # {وقالوا مال هذا الرسول} يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم، {يأكل الطعام} ~~كما نأكل نحن، {ويمشي في الأسواق} يلتمس المعاش كما نمشي، فلا يجوز أن ~~يمتاز عنا بالنبوة، وكانوا يقولون له: لست أنت بملك ولا بملك، لأنك تأكل ~~والملك لا يأكل، ولست بملك لأن الملك لا يتسوق، وأنت تتسوق وتتبذل. وما ~~قالوه فاسد؛ لأن أكله الطعام لكونه آدميا، ومشيه في الأسواق لتواضعه، وكان ~~ذلك صفة له، وشيء من ذلك لا ينافي النبوة. {لولا أنزل إليه ملك} فيصدقه، ~~{فيكون معه نذيرا} داعيا. {أو يلقى إليه كنز} أي: ينزل عليه كنز من السماء ~~ينفقه، فلا يحتاج إلى التردد والتصرف في طلب المعاش، {أو تكون له جنة} ~~بستان، {يأكل منها} قرأ حمزة والكسائي: "نأكل" بالنون أي: نأكل نحن منها، ~~{وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} مخدوعا. وقيل: مصروفا عن الحق. ~~{انظر} يا محمد، {كيف ضربوا لك الأمثال} يعني الأشباه، فقالوا: مسحور، ~~محتاج، وغيره، {فضلوا} عن الحق، {فلا يستطيعون سبيلا} إلى الهدى ومخرجا عن ~~الضلالة. {تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك} الذي قالوا، أو أفضل من ~~الكنز والبستان الذي ذكروا، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: يعني خيرا من ~~المشي في الأسواق والتماس المعاش (1) . ثم بين ذلك الخير فقال: {جنات تجري ~~من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا} بيوتا مشيدة، والعرب تسمي كل بيت مشيد ~~قصرا، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم برواية أبي بكر: "ويجعل" برفع ~~اللام، وقرأ الآخرون بجزمها على محل الجزاء في قوله: "إن شاء جعل لك". ~~PageV06P073 # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني، أخبرنا أبو طاهر ~~محمد بن الحارث، ms1817 أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله ~~بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، ~~عن يحيى بن أيوب، حدثني عبد الله بن زخر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن أبي ~~عبد الرحمن، عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عرض علي ربي ~~ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، وقال ~~ثلاثا أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك" ~~(1) . # حدثنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبيد الله الفارسي، أخبرنا أبو ذر محمد ~~بن إبراهيم الصالحاني، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان ~~المعروف بأبي الشيخ، أخبرنا أبو يعلى، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا أبو معشر ~~عن سعيد يعني المقبري، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"لو شئت لسارت معي جبال الذهب، جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة، فقال: إن ~~ربك يقرأ عليك السلام، ويقول: إن شئت نبيا عبدا، وإن شئت نبيا ملكا، فنظرت ~~إلى جبريل فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت: نبيا عبدا" قال: فكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئا يقول: "آكل كما يأكل العبد، وأجلس ~~كما يجلس العبد" (2) . ### || # {بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11) } PageV06P074 # {إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) } # قوله عز وجل: {بل كذبوا بالساعة} بالقيامة، {وأعتدنا لمن كذب بالساعة ~~سعيرا} نارا مستعرة. {إذا رأتهم من مكان بعيد} قال الكلبي والسدي: من مسيرة ~~عام. وقيل: من مسيرة مائة سنة. وقيل: خمسمائة سنة. وثبت عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا". ~~قالوا: وهل لها من عينين؟ قال: نعم ألم تستمعوا قول الله تعالى: {إذا رأتهم ~~من مكان بعيد} (1) PageV06P074 # وقيل إذا رأتهم زبانيتها. {سمعوا لها تغيظا} غليانا، كالغضبان إذا غلى ~~صدره من الغضب. {وزفيرا} صوتا. ms1818 فإن قيل: كيف يسمع التغيظ؟ قيل: معناه رأوا ~~وعلموا أن لها تغيظا وسمعوا لها زفيرا، كما قال الشاعر: # ورأيت زوجك في الوغى %~% متقلدا سيفا ورمحا # أي وحاملا رمحا (1) . وقيل: سمعوا لها تغيظا، أي: صوت التغيظ من التلهب ~~والتوقد، قال عبيد بن عمير: تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى ملك مقرب ~~ولا نبي مرسل إلا خر لوجهه. ### || # {وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) لا تدعوا ~~اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) قل أذلك خير أم جنة الخلد التي ~~وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) } # {وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا} قال ابن عباس: تضيق عليهم كما يضيق الزج ~~(2) . في الرمح، {مقرنين} مصفدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. ~~وقيل: مقرنين مع الشياطين في السلاسل، {دعوا هنالك ثبورا} قال ابن عباس: ~~ويلا. وقال الضحاك: هلاكا، وفي الحديث: "إن أول من يكسى حلة من النار ~~إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريته من خلفه، وهو يقول: يا ~~ثبوراه، وهم ينادون: يا ثبورهم، حتى يقفوا على النار فينادون: يا ثبوراه، ~~وينادي: يا ثبورهم، فيقال لهم (3) {لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ~~ثبورا كثيرا} 45/أقيل: أي هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة، فادعوا أدعية ~~كثيرة. قوله عز وجل: {قل أذلك} يعني الذي ذكرته من صفة النار وأهلها، {خير ~~أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء} ثوابا، {ومصيرا} مرجعا. ~~PageV06P075 ### || # {لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا (16) ويوم يحشرهم ~~وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ~~(17) قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم ~~وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (18) فقد كذبوكم بما تقولون فما ~~تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا (19) } # {لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا} مطلوبا، وذلك أن ~~المؤمنين سألوا ربهم في الدنيا حين قالوا: "ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك" ~~(آل ms1819 عمران-194) ، يقول: كان أعطى الله المؤمنين جنة خلد وعدا، وعدهم على ~~طاعتهم إياه في الدنيا ومسألتهم إياه ذلك. قال محمد بن كعب القرظي: الطلب ~~من الملائكة للمؤمنين وذلك قولهم: "ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم" ~~(غافر-8) . {ويوم يحشرهم} قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، ويعقوب، وحفص: "يحشرهم" ~~بالياء، وقرأ الباقون بالنون، {وما يعبدون من دون الله} قال مجاهد: من ~~الملائكة والجن والإنس وعيسى وعزير. وقال عكرمة والضحاك والكلبي: يعني ~~الأصنام، ثم يخاطبهم {فيقول} قرأ ابن عامر بالنون والآخرون بالياء، {أأنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل} أخطأوا الطريق. {قالوا سبحانك} ~~نزهوا الله من أن يكون معه إله، {ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من ~~أولياء} يعني: ما كان ينبغي لنا أن نوالي أعداءك، بل أنت ولينا من دونهم. ~~وقيل: ما كان لنا أن نأمرهم بعبادتنا ونحن نعبدك. وقرأ أبو جعفر "أن نتخذ" ~~بضم النون وفتح الخاء، فتكون "من" الثاني صلة. {ولكن متعتهم وآباءهم} في ~~الدنيا بطول العمر والصحة والنعمة، {حتى نسوا الذكر} تركوا الموعظة ~~والإيمان بالقرآن. وقيل: تركوا ذكرك وغفلوا عنه، {وكانوا قوما بورا} يعني ~~هلكى غلب عليهم الشقاء والخذلان، رجل يقال له بائر، وقوم بور، وأصله من ~~البوار وهو الكساد والفساد، ومنه بوار السلعة وهو كسادها. وقيل هو اسم مصدر ~~كالزور، يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث. {فقد كذبوكم} ~~هذا خطاب مع المشركين، أي: كذبكم المعبودون، {بما تقولون} إنهم آلهة، {فما ~~تستطيعون} قرأ حفص بالتاء يعني العابدين، وقرأ الآخرون بالياء يعني: ~~الآلهة. # PageV06P076 # {صرفا} يعني: صرفا من العذاب عن أنفسهم، {ولا نصرا} يعني: ولا نصر ~~أنفسهم. وقيل: ولا نصركم أيها العابدون من عذاب الله بدفع العذاب عنكم. ~~وقيل: "الصرف": الحيلة، ومنه قول العرب: إنه ليصرف، أي: يحتال، {ومن يظلم} ~~يشرك، {منكم نذقه عذابا كبيرا} ### || # {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ~~وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (20) } # قوله عز وجل: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين} يا محمد، {إلا إنهم ليأكلون ms1820 ~~الطعام} روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما عير المشركون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، أنزل الله ~~عز وجل هذه الآية (1) . يعني: ما أنا إلا رسول وما كنت بدعا من الرسل، وهم ~~كانوا بشرا يأكلون الطعام، {ويمشون في الأسواق} وقيل: معناه وما أرسلنا ~~قبلك من المرسلين إلا قيل لهم مثل هذا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في ~~الأسواق كما قال في موضع آخر: "ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك" ~~(فصلت-43) . # {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة} أي بلية، فالغني فتنة للفقير، يقول الفقير: ما ~~لي لم أكن مثله؟ والصحيح فتنة للمريض، والشريف فتنة للوضيع. وقال ابن عباس: ~~أي جعلت بعضكم بلاء لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم، وترون من خلافهم، ~~وتتبعوا الهدى. وقيل: نزلت في ابتلاء الشريف بالوضيع؛ وذلك أن الشريف إذا ~~أراد أن يسلم فرأى الوضيع قد أسلم قبله أنف، وقال: أسلم بعده فيكون له علي ~~السابقة والفضل؟! فيقيم على كفره ويمتنع من الإسلام، فذلك افتتان بعضهم ~~ببعض، وهذا قول الكلبي (2) وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، والوليد بن عقبة، ~~والعاص بن وائل، والنضر بن الحارث؛ وذلك أنهم لما رأوا أبا ذر، وابن مسعود، ~~وعمارا، وبلالا وصهيبا، وعامر بن فهيرة، وذويهم، قالوا: نسلم فنكون مثل ~~هؤلاء؟. وقال: نزلت في ابتلاء فقراء المؤمنين بالمستهزئين من قريش، كانوا ~~يقولون: انظروا إلى هؤلاء PageV06P077 # الذين اتبعوا محمدا من موالينا وأراذلنا، فقال الله تعالى لهؤلاء ~~المؤمنين: {أتصبرون} يعني على هذه الحالة من الفقر والشدة والأذى. # {وكان ربك بصيرا} بمن صبر وبمن جزع. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، ~~أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا زكريا بن ~~يحيى المروزي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي ~~هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نظر أحدكم إلى من فضل ~~عليه في المال والجسم فلينظر إلى من دونه في المال والجسم" (1) . ~~PageV06P078 ### || # {وقال الذين لا ms1821 يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد ~~استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (21) يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ ~~للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) } # قوله عز وجل: {وقال الذين لا يرجون لقاءنا} أي: لا يخافون البعث، قال ~~الفراء: "الرجاء" بمعنى الخوف، لغة تهامة، ومنه قوله تعالى: "ما لكم لا ~~ترجون لله وقارا" (نوح-13) ، أي: لا تخافون لله عظمة. {لولا أنزل علينا ~~الملائكة} فتخبرنا أن محمدا صادق، {أو نرى ربنا} فيخبرنا بذلك. {لقد ~~استكبروا} أي: تعظموا. {في أنفسهم} بهذه المقالة، {وعتوا عتوا كبيرا} قال ~~مجاهد: "عتوا" طغوا في القول و"العتو": أشد الكفر وأفحش الظلم، وعتوهم ~~طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به. {يوم يرون الملائكة} عند الموت. وقيل: في ~~القيامة. {لا بشرى يومئذ للمجرمين} للكافرين، وذلك أن الملائكة يبشرون ~~المؤمنين يوم القيامة، ويقولون للكفار: لا بشرى لكم، هكذا قال عطية، وقال ~~بعضهم: معناه أنه لا بشرى يوم القيامة للمجرمين، أي: لا بشارة لهم بالجنة، ~~كما يبشر المؤمنون. {ويقولون حجرا محجورا} قال عطاء عن ابن عباس: تقول ~~الملائكة حراما محرما أن يدخل الجنة، إلا من قال لا إله إلا الله. وقال ~~مقاتل: إذا خرج الكفار من قبورهم قالت لهم الملائكة حراما محرما 45/ب عليكم ~~أن يكون لكم البشرى. وقال بعضهم: هذا قول الكفار للملائكة. قال ابن جريج: ~~كانت العرب إذا نزلت بهم شدة رأوا ما يكرهون، قالوا حجرا محجورا، فهم ~~يقولونه إذا عينوا الملائكة. # PageV06P078 # قال مجاهد: يعني عوذا معاذا، يستعيذون به من الملائكة (1) . ### || # {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) أصحاب الجنة يومئذ ~~خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) } # {وقدمنا} وعمدنا، {إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} أي: باطلا ~~لا ثواب له، فهم لم يعملوه لله عز وجل. واختلفوا في "الهباء"، قال علي" هو ~~ما يرى في الكوة إذا وقع ضوء الشمس فيها كالغبار، ولا يمس بالأيدي، ولا يرى ~~في الظل، وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد، و"المنثور": المتفرق. وقال ابن عباس ~~وقتادة وسعيد بن جبير: هو ما تسفيه الرياح ms1822 وتذريه من التراب وحطام الشجر. ~~وقال مقاتل: هو ما يسطع من حوافر الدواب عند السير. وقيل: "الهباء ~~المنثور": ما يرى في الكوة، و"الهباء المنبث": هو ما تطيره الرياح من سنابك ~~الخيل (2) . قوله عز وجل: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا} أي: من هؤلاء ~~المشركين المتكبرين، {وأحسن مقيلا} موضع قائلة، يعني: أهل الجنة لا يمر بهم ~~يوم القيامة إلا قدر النهار من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا مساكنهم في ~~الجنة. قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في ~~الجنة، وأهل النار في النار، وقرأ "ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم" هكذا كان ~~يقرأ (3) . وقال ابن عباس في هذه الآية: الحساب ذلك اليوم في أوله، وقال ~~القوم حين قالوا في منازلهم في الجنة. PageV06P079 # قال الأزهري: "القيلولة" و"المقيل": الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن مع ~~ذلك نوم، لأن الله تعالى قال: "وأحسن مقيلا"، والجنة لا نوم فيها. ويروى أن ~~يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس (1) ~~. ### || # {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا (25) الملك يومئذ الحق ~~للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (26) ويوم يعض الظالم على يديه يقول ~~يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27) } # قوله عز وجل: {ويوم تشقق السماء بالغمام} أي: عن الغمام، الباء وعن ~~يتعاقبان، كما يقال: رميت عن القوس وبالقوس، وتشقق بمعنى تتشقق، أدغموا ~~إحدى التاءين، وقرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بتخفيف الشين هاهنا، وفي سورة "ق" ~~بحذف إحدى التاءين، وقرأ الآخرون بالتشديد، أي: تتشق بالغمام، وهو غمام ~~أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. {ونزل الملائكة ~~تنزيلا} قرأ ابن كثير: و"ننزل" بنونين خفيف ورفع اللام، "الملائكة" نصب، ~~قال ابن عباس: تشقق السماء الدنيا فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من ~~الجن والإنس، ثم تشقق السماء الثانية فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في السماء ~~الدنيا، ومن الجن والإنس، ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة وأهل كل سماء ~~يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل ms1823 الكروبيون ثم حملة العرش (2) . ~~{الملك يومئذ الحق للرحمن} أي: [الملك] (3) الذي هو الملك الحق حقا ملك ~~الرحمن يوم القيامة. قال ابن عباس: يريد أن يوم القيامة لا ملك يقضى غيره. ~~{وكان يوما على الكافرين عسيرا} شديدا، فهذا الخطاب يدل على أنه لا يكون ~~على المؤمن عسيرا، وجاء في الحديث: "أنه يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى ~~يكون عليهم أخف من صلاة مكتوبة صلوها في الدنيا" (4) {ويوم يعض الظالم على ~~يديه} أراد بالظالم عقبة بن أبي معيط، وذلك أن عقبة كان لا يقدم من سفر إلا ~~صنع طعاما فدعا إليه أشراف قومه، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقدم ذات PageV06P080 # يوم من سفر فصنع طعاما فدعا الناس ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فلما قرب الطعام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنا بآكل طعامك حتى ~~تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه، ~~وكان عقبة صديقا لأبي بن خلف، فلما أخبر أبي بن خلف قال له: يا عقبة صبأت؟ ~~قال: لا والله ما صبأت، ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد ~~له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له فطعم، فقال: ما أنا بالذي ~~أرضى عنك أبدا إلا أن تأتيه فتبزق في وجهه، ففعل ذلك عقبة، فقال عليه ~~السلام: "لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف" فقتل عقبة يوم بدر ~~صبرا. وأما أبي بن خلف فقتله النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد بيده (1) # وقال الضحاك: لما بزق عقبة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد ~~بزاقه في وجهه فاحترق خداه، وكان أثر ذلك فيه حتى الموت (2) . وقال الشعبي ~~(3) كان عقبة بن أبي معيط خليل أمية بن خلف فأسلم عقبة، فقال أمية: وجهي من ~~وجهك حرام أن بايعت محمدا، فكفر وارتد، فأنزل الله ms1824 عز وجل: "ويوم يعض ~~الظالم" يعني: عقبة بن أبي معيط بن عبد شمس بن مناف "على يديه" ندما وأسفا ~~على ما فرط في جنب الله، وأوبق نفسه بالمعصية والكفر بالله بطاعة خليله ~~الذي صده عن سبيل ربه. قال عطاء: يأكل يديه حتى تبلغ مرفقيه ثم تنبتان، ثم ~~يأكل هكذا، كلما نبتت يده أكلها تحسرا على ما فعل. {يقول يا ليتني اتخذت} ~~في الدنيا، {مع الرسول سبيلا} ليتني اتبعت محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~واتخذت معه سبيلا إلى الهدى. قرأ أبو عمرو: "يا ليتني اتخذت" بفتح الياء، ~~والآخرون بإسكانها. ### || # {يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ ~~جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا (29) } # {يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا} يعني: أبي بن خلف. {لقد أضلني عن ~~الذكر} عن الإيمان والقرآن، {بعد إذ جاءني} يعني: الذكر مع الرسول، {وكان ~~الشيطان} وهو كل متمرد عات من الإنس والجن، وكل من صد عن سبيل الله فهو ~~شيطان. {للإنسان خذولا} أي: تاركا يتركه ويتبرأ منه عند نزول البلاء ~~والعذاب، وحكم هذه الآية عام في حق كل متحابين اجتمعا على معصية الله. ~~PageV06P081 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن العلاء، أخبرنا أبو ~~أسامة، عن يزيد، عن أبي بردة، عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: 46/أ "مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل ~~المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ ~~الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة" (1) . # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، ~~أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن حياة بن ~~شريح، أخبرني سالم بن غيلان أن الوليد بن قيس التجيبي أخبره ms1825 أنه سمع أبا ~~سعيد الخدري -قال سالم: أو عن أبي الهيثم عن أبي سعيد-أنه سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي" (2) . ~~أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن كساب ~~النيسابوري، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا حميد بن عياش الرملي، أخبرنا ~~مؤمل بن إسماعيل، حدثنا زهير بن محمد الخراساني، حدثنا موسى بن وردان عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المرء على ~~دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" (3) . ### || # {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30) } # {وقال الرسول} يعني: ويقول الرسول في ذلك اليوم: {يا رب إن قومي اتخذوا ~~هذا القرآن مهجورا} أي: متروكا فأعرضوا عنه، ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بما ~~فيه. وقيل: جعلوه بمنزلة الهجر وهو الهذيان، والقوي السيء، فزعموا أنه شعر ~~وسحر، وهو قول النخعي ومجاهد. PageV06P082 # وقيل: قال الرسول يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم يشكوا قومه إلى الله يا ~~رب: إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا فعزاه الله تعالى فقال: {وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا من المجرمين} ### || # {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا (31) وقال ~~الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ~~ترتيلا (32) } # {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33) الذين يحشرون على ~~وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا (34) } # {وكذلك جعلنا} يعني: كما جعلنا لك أعداء من مشركي قومك كذلك جعلنا، {لكل ~~نبي عدوا من المجرمين} يعني: المشركين. قال مقاتل: يقول لا يكبرن عليك، فإن ~~الأنبياء قبلك قد لقيت هذا من قومهم، فاصبر لأمري كما صبروا، فإني ناصرك ~~وهاديك، {وكفى بربك هاديا ونصيرا} {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة} كما أنزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على ~~داود. قال الله تعالى: {كذلك} فعلت، {لنثبت به فؤادك} أي: أنزلناه متفرقا ~~ليقوى به قلبك فتعيه وتحفظه، فإن الكتب أنزلت ms1826 على الأنبياء يكتبون ويقرءون، ~~وأنزل الله القرآن على نبي أمي لا يكتب ولا يقرأ، ولأن من القرآن الناسخ ~~والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور، ففرقناه ليكون أوعى لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأيسر على العامل به. {ورتلناه ترتيلا} قال ابن عباس: ~~بيناه بيانا، والترتيل: التبيين في ترسل وتثبت. وقال السدي: فصلناه تفصيلا. ~~وقال مجاهد: بعضه في إثر بعض. وقال النخعي والحسن وقتادة: فرقناه تفريقا، ~~آية بعد آية. {ولا يأتونك} يا محمد يعني: هؤلاء المشركين، {بمثل} يضربونه ~~في إبطال أمرك {إلا جئناك بالحق} يعني بما ترد به ما جاءوا به من المثل ~~وتبطله، فسمي ما يوردون من الشبه مثلا وسمي ما يدفع به الشبه حقا، {وأحسن ~~تفسيرا} أي: بيانا وتفصيلا و"التفسير": تفعيل، من الفسر، وهو كشف ما قد ~~غطي. ثم ذكر مآل هؤلاء المشركين فقال: {الذين} [أي: هم الذين] (1) {يحشرون ~~على وجوههم} فيساقون ويجرون، {إلى جهنم أولئك شر مكانا} أي: مكانة ومنزلة، ~~ويقال: منزلا ومصيرا، {وأضل سبيلا} أخطأ طريقا. PageV06P083 ### || # {ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (35) فقلنا اذهبا ~~إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) وقوم نوح لما كذبوا ~~الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما (37) ~~وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) } # {ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا} معينا وظهيرا. ~~{فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا} يعني القبط، {فدمرناهم} فيه ~~إضمار، أي: فكذبوهما فدمرناهم، {تدميرا} أهلكناهم إهلاكا. {وقوم نوح لما ~~كذبوا الرسل} أي: الرسول، ومن كذب رسولا واحدا فقد كذب جميع الرسل، فلذلك ~~ذكر بلفظ الجمع. {أغرقناهم وجعلناهم للناس آية} يعني: لمن بعدهم عبرة، ~~{وأعتدنا للظالمين} في الآخرة، {عذابا أليما} سوى ما حل به من عاجل العذاب. ~~{وعادا وثمود} أي: وأهلكنا عادا وثمود، {وأصحاب الرس} اختلفوا فيهم، قال ~~وهب بن منبه: كانوا أهل بئر قعودا عليها، وأصحاب مواشي، يعبدون الأصنام، ~~فوجه الله إليهم شعيبا يدعوهم إلى الإسلام، فتمادوا في طغيانهم، وفي أذى ~~شعيب عليه السلام، فبينما هم ms1827 حول البئر في منازلهم انهارت البئر، فخسف بهم ~~وبديارهم ورباعهم، فهلكوا جميعا. و"الرس": البئر، وكل ركية لم تطو بالحجارة ~~والآجر فهو رس. وقال قتادة والكلبي: "الرس" بئر بفلج اليمامة، قتلوا نبيهم ~~فأهلكهم الله عز وجل. وقال بعضهم: هم بقية ثمود قوم صالح، وهم أصحاب البئر ~~التي ذكر الله تعالى في قوله: "وبئر معطلة وقصر مشيد" (الحج-45) . وقال ~~سعيد بن جبير: كان لهم نبي يقال له حنظلة بن صفوان فقتلوه فأهلكهم الله ~~تعالى. وقال كعب ومقاتل والسدي: "الرس": بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا ~~النجار، وهم الذين ذكرهم الله في سورة يس. وقيل: هم أصحاب الأخدود، [والرس ~~هو الأخدود] (1) الذي حفروه. وقال عكرمة: هم قوم رسوا نبيهم في بئر (2) . ~~وقيل: الرس المعدن، وجمعه رساس. PageV06P084 # {وقرونا بين ذلك كثيرا} أي: وأهلكنا قرونا كثيرا بين عاد وأصحاب الرس. ### || # {وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا (39) ولقد أتوا على القرية ~~التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا (40) ~~وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (41) إن كاد ~~ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل ~~سبيلا (42) أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) } # {وكلا ضربنا له الأمثال} أي: الأشباه في إقامة الحجة عليهم، فلم نهلكهم ~~إلا بعد الإنذار {وكلا تبرنا تتبيرا} أي: أهلكنا إهلاكا. وقال الأخفش: ~~كسرنا تكسيرا. قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته. {ولقد أتوا على ~~القرية التي أمطرت مطر السوء} يعني الحجارة، وهي قريات قوم لوط، وكانت خمس ~~قرى، فأهلك الله أربعا منها، ونجت واحدة، وهي أصغرها، وكان أهلها لا يعملون ~~العمل الخبيث، {أفلم يكونوا يرونها} إذ مروا بهم في أسفارهم فيعتبروا ~~ويتذكروا، لأن مدائن قوم لوط كانت على طريقهم عند ممرهم إلى الشام، {بل ~~كانوا لا يرجون} 46/ب لا يخافون، {نشورا} بعثا. قوله عز وجل: {وإذا رأوك إن ~~يتخذونك} يعني: ما يتخذونك، {إلا هزوا} أي: مهزوءا به، نزلت في أبي جهل، ~~كان إذ مر ms1828 بأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مستهزئا: {أهذا ~~الذي بعث الله رسولا} (1) ؟! {إن كاد ليضلنا} أي: قد قارب أن يضلنا، {عن ~~آلهتنا لولا أن صبرنا عليها} أي: لو لم نصبر عليها لصرفنا عنها، {وسوف ~~يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا} من أخطأ طريقا. {أرأيت من اتخذ إلهه ~~هواه} وذلك أن الرجل من المشركين كان يعبد الحجر فإذا رأى حجرا أحسن منه ~~طرح الأول وأخذ الآخر فعبده. وقال ابن عباس: أرأيت من ترك عبادة الله ~~وخالقه ثم هوي حجرا فعبده ما حاله عندي؟ {أفأنت تكون عليه وكيلا} أي: ~~حافظا، يقول: أفأنت PageV06P085 # عليه كفيل تحفظه من اتباع هواه وعبادة من يهوى من دون الله؟ أي: لست ~~كذلك. قال الكلبي: نسختها آية القتال. # PageV06P086 ### || # {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ~~(44) ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا (45) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ~~والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47) } # {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون} ما تقول سماع طالب الإفهام، {أو يعقلون} ما ~~يعاينون من الحجج والإعلام، {إنهم} ما هم، {إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} ~~لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها وتنقاد لأربابها الذين يتعهدونها، ~~وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق، ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم، ~~ولأن الأنعام تسجد وتسبح لله وهؤلاء الكفار لا يفعلون. قوله عز وجل: {ألم ~~تر إلى ربك كيف مد الظل} معناه ألم تر إلى مد ربك الظل، وهو ما بين طلوع ~~الفجر إلى طلوع الشمس، جعله ممدودا لأنه ظل لا شمس معه، كما قال: "في ظل ~~الجنة"، "وظل ممدود" (الواقعة-30) إذ لم يكن معه شمس. {ولو شاء لجعله ~~ساكنا} دائما ثابتا لا يزول ولا تذهبه الشمس. قال أبو عبيدة: "الظل": ما ~~نسخته الشمس، وهو بالغداة، و"الفيء": ما نسخ الشمس، وهو بعد الزوال، سمي ~~فيئا لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب، {ثم ms1829 جعلنا الشمس عليه ~~دليلا} أي: على الظل. ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرف ~~الظل، ولولا النور لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها. {ثم قبضناه} ~~يعني الظل، {إلينا قبضا يسيرا} بالشمس التي تأتي عليه، و"القبض": جمع ~~المنبسط من الشيء، معناه: أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا ~~طلعت الشمس قبض الله الظل جزءا فجزءا "قبضا يسيرا"، أي: خفيا. {وهو الذي ~~جعل لكم الليل لباسا} أي: سترا تستترون به، يريد أن ظلمته تغشى كل شيء، ~~كاللباس الذي يشتمل على لابسه، {والنوم سباتا} راحة لأبدانكم وقطعا لعملكم، ~~وأصل "السبت": القطع، والنائم مسبوت لأنه انقطع عمله وحركته. {وجعل النهار ~~نشورا} أي: يقظة وزمانا، تنتشرون فيه لابتغاء الرزق، وتنتشرون لأشغالكم. # PageV06P086 ### || # {وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا ~~(48) } # {وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} يعني المطر {وأنزلنا من ~~السماء ماء طهورا} وهو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، فهو اسم لما يتطهر به، ~~كالسحور اسم لما يتسحر به، والفطور اسم لما يفطر به، والدليل عليه ما روينا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ~~(1) وأراد به المطهر، فالماء مطهر لأنه يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة، ~~كما قال في آية أخرى: "وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به" (الأنفال-11) ~~، فثبت به أن التطهير يختص بالماء. # وذهب أصحاب الرأي إلى أن "الطهور" هو الطاهر، حتى جوزوا إزالة النجاسة ~~بالمائعات الطاهرة، مثل الخل وماء الورد والمرق ونحوها (2) . ولو جاز إزالة ~~النجاسة بها لجاز إزالة الحدث بها. وذهب بعضهم إلى أن "الطهور" ما يتكرر ~~منه التطهير، كالصبور اسم لمن يتكرر منه الصبر، والشكور اسم لمن يتكرر منه ~~الشكر، وهو قول مالك، حتى جوز الوضوء بالماء الذي توضأ منه مرة (3) . وإن ~~وقع في الماء شيء غير طعمه أو لونه أو ريحه هل تزول طهوريته؟ نظر: إن كان ~~الواقع شيئا لا يمكن صون الماء عنه، كالطين والتراب وأوراق الأشجار، لا ~~تزول، فيجوز ms1830 الطهارة به كما لو تغير لطول المكث في قراره، وكذلك لو وقع فيه ~~ما لا يخالطه، كالدهن يصب فيه فيتروح الماء PageV06P087 # برائحته يجوز الطهارة به، لأن تغيره للمجاورة لا للمخالطة. وإن كان شيئا ~~يمكن صون الماء منه ويخالطه كالخل والزعفران ونحوهما تزول [طهوريته فلا ~~يجوز الوضوء به. وإن لم يتغير أحد أوصافه، ينظر: إن كان الواقع فيه شيئا ~~طاهرا لا تزول] (1) طهوريته، فتجوز الطهارة به، سواء كان الماء قليلا أو ~~كثيرا، وإن كان الواقع فيه شيئا نجسا، ينظر: فإن كان الماء قليلا أقل من ~~القلتين ينجس الماء، وإن كان قدر قلتين فأكثر فهو طاهر يجوز الوضوء به. ~~والقلتان خمس قرب، ووزنه خمسمائة رطل، والدليل عليه ما: أخبرنا أحمد بن عبد ~~الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد ~~الطوسي، حدثنا عبد الرحيم بن المنيب، أخبرنا جرير عن محمد بن إسحاق، عن ~~محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الماء يكون في الفلاة وما يرده من ~~الدواب والسباع؟ فقال: "إذا كان الماء قلتين ليس يحمل الخبث" (2) وهذا قول ~~الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وجماعة من أهل الحديث: أن الماء إذا بلغ هذا الحد ~~لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير أحد أوصافه (3) . # وذهب جماعة إلى أن الماء القليل لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير ~~طعمه أو لونه أو ريحه، وهو قول الحسن وعطاء والنخعي والزهري. واحتجوا بما: ~~أخبرنا أبو القاسم بن عبد الله بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو الحارث طاهر بن ~~محمد الطاهري، حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حكيم، حدثنا أبو الموجه ~~محمد بن عمرو بن الموجه، حدثنا صدقة بن الفضل 47/أأخبرنا أبو أسامة عن ~~الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع ~~بن خديج، عن أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ ms1831 ~~وهي بئر يلقى في الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (4) . PageV06P088 ### || # {لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) ولقد ~~صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50) } # قوله عز وجل: {لنحيي به} أي: بالمطر، {بلدة ميتا} ولم يقل: "ميتة" لأنه ~~رجع به إلى الموضع والمكان، {ونسقيه مما خلقنا أنعاما} أي: نسقي من ذلك ~~الماء أنعاما، {وأناسي كثيرا} أي: بشرا كثيرا، والأناسي: [جمع أنسي، وقيل] ~~(1) جمع إنسان، وأصله: "أناسين" مثل: بستان وبساتين، فجعل الياء عوضا عن ~~النون. {ولقد صرفناه بينهم} يعني: المطر، مرة ببلدة ومرة ببلد آخر. قال ابن ~~عباس: ما من عام بأمطر من عام ولكن الله يصرفه في الأرض، وقرأ هذه الآية ~~(2) . وهذا كما روي مرفوعا: "ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا السماء تمطر ~~فيها يصرفه الله حيث يشاء" (3) . # وذكر ابن إسحاق وابن جريج ومقاتل وبلغوا به وابن مسعود يرفعه قال: "ليس ~~من سنة بأمطر من أخرى، ولكن الله قسم هذه الأرزاق، فجعلها في السماء ~~الدنيا، في هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، وإذا عمل قوم ~~بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعا صرف الله ذلك إلى ~~الفيافي والبحار" (4) . وقيل: المراد من تصريف المطر تصريفه وابلا وطلا ~~ورذاذا ونحوها. وقيل: التصريف راجع إلى الريح. # {ليذكروا} أي: ليتذكروا ويتفكروا في قدرة الله تعالى، {فأبى أكثر الناس ~~إلا كفورا} جحودا، وكفرانهم هو أنهم إذا مطروا قالوا مطرنا بنوء كذا. ~~أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك بن أنس، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد ~~الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلى بنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء PageV06P089 # كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ~~قالوا: الله ورسوله ms1832 أعلم. قال "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: ~~مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي، وكافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا ~~بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب" (1) ### || # {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكافرين وجاهدهم به ~~جهادا كبيرا (52) وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل ~~بينهما برزخا وحجرا محجورا (53) وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا ~~وصهرا وكان ربك قديرا (54) } # قوله عز وجل: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا} رسولا ينذرهم، ولكن ~~بعثناك إلى القرى كلها، وحملناك ثقل النذارة جميعها، لتستوجب بصبرك عليه ما ~~أعددنا لك من الكرامة والدرجة الرفيعة. {فلا تطع الكافرين} فيما يدعونك ~~إليه من موافقتهم ومداهنتهم. {وجاهدهم به} أي: بالقرآن، {جهادا كبيرا} ~~شديدا. {وهو الذي مرج البحرين} خلطهما وأفاض أحدهما في الآخر، وقيل: ~~أرسلهما في مجاريهما وخلاهما كما يرسل الخيل في المرج، وأصل "المرج": الخلط ~~والإرسال، يقال: مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب ~~حيث تشاء، {هذا عذب فرات} شديد العذوبة، و"الفرات": أعذب المياه، {وهذا ملح ~~أجاج} شديد الملوحة. وقيل: أجاج أي: مر {وجعل بينهما برزخا} أي: حاجزا ~~بقدرته لئلا يختلط العذب بالملح ولا الملح بالعذب، {وحجرا محجورا} أي: سترا ~~ممنوعا فلا يبغيان، ولا يفسد الملح العذب. {وهو الذي خلق من الماء} من ~~النطفة، {بشرا فجعله نسبا وصهرا} أي: جعله ذا نسب وصهر، قيل: "النسب" ما لا ~~يحل نكاحه، و"الصهر": ما يحل نكاحه، فالنسب ما يوجب الحرمة، والصهر ما لا ~~يوجبها، وقيل: -وهو الصحيح-: النسب: من القرابة، والصهر: الخلطة التي تشبه ~~القرابة، وهو السبب المحرم للنكاح، وقد ذكرنا أن الله تعالى حرم بالنسب ~~سبعا وبالسبب سبعا، في قوله (2) "حرمت عليكم أمهاتكم" (النساء-23) ، {وكان ~~ربك قديرا} PageV06P090 ### || # {ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا ~~(55) } # {وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56) قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء ~~أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) وتوكل على الحي ms1833 الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى ~~به بذنوب عباده خبيرا (58) الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا (59) } # {ويعبدون من دون الله} يعني: هؤلاء المشركين، {ما لا ينفعهم} إن عبدوه، ~~{ولا يضرهم} إن تركوه، {وكان الكافر على ربه ظهيرا} أي: معينا للشيطان على ~~ربه بالمعاصي. قال الزجاج: أي: يعاون الشيطان على معصية الله لأن عبادتهم ~~الأصنام معاونة للشيطان. وقيل: معناه وكان الكافر على ربه ظهيرا، أي: هينا ~~ذليلا كما يقال الرجل: جعلني بظهير، أي: جعلني هينا. ويقال: ظهرت به، إذا ~~جعله خلف ظهره فلم يلتفت إليه. {وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا} أي: منذرا. ~~{قل ما أسألكم عليه} على تبليغ الوحي، {من أجر} فتقولوا إنما يطلب محمد ~~أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتبعه، {إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا} ~~هذا من الاستثناء المنقطع، مجازه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ~~بالإنفاق من ماله في سبيله فعل ذلك، والمعنى: لا أسألكم لنفسي أجرا ولكن لا ~~أمنع من إنفاق المال في طلب مرضاة الله واتخاذ السبيل إلى جنته. {وتوكل على ~~الحي الذي لا يموت وسبح بحمده} أي: صل له شكرا على نعمه. وقيل: قل: سبحان ~~الله، والحمد لله. {وكفى به بذنوب عباده خبيرا} عالما فيجازيهم بها. {الذي ~~خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن ~~فاسأل به خبيرا} بالرحمن. قال الكلبي: يقول فاسأل الخبير [بذلك، يعني: بما ~~ذكر من خلق السموات والأرض والاستواء على العرش. وقيل:] (1) الخطاب للرسول ~~والمراد منه غيره لأنه كان مصدقا به، والمعنى: أيها الإنسان لا ترجح في طلب ~~العلم بهذا إلى غيري. وقيل: الباء بمعنى "عن"، أي: فاسأل عنه خبيرا وهو ~~الله عز وجل. وقيل: جبريل عليه السلام. PageV06P091 ### || # {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم ~~نفورا (60) تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ~~(61) وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن ms1834 يذكر أو أراد شكورا (62) ~~} # {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن} ما نعرف الرحمن إلا رحمن ~~اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، كانوا يسمونه رحمن اليمامة. {أنسجد لما ~~تأمرنا} قرأ حمزة والكسائي "يأمرنا" بالياء، أي: لما يأمرنا محمد بالسجود ~~له، وقرأ الآخرون بالتاء، أي: لما تأمرنا أنت يا محمد، {وزادهم} يعني: ~~زادهم قول القائل لهم: "اسجدوا للرحمن" {نفورا} عن الدين والإيمان. قوله عز ~~وجل 47/ب {تبارك الذي جعل في السماء بروجا} قال الحسن ومجاهد وقتادة: ~~"البروج": هي النجوم الكبار، سميت بروجا لظهورها، وقال عطية العوفي: ~~"بروجا" أي: قصورا فيها الحرس (1) كما قال: "ولو كنتم في بروج مشيدة" ~~(النساء-78) . وقال عطاء عن ابن عباس: هي البروج الاثنا عشر التي هي منازل ~~الكواكب السبعة السيارة، وهي الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، ~~والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، فالحمل ~~والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا ~~عطارد، والسرطان بيت القمر، والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا المشترى، ~~والجدي والدلو بيتا زحل، وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربع فيكون نصيب ~~كل واحد منها ثلاثة بروج تسمى المثلثات، فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، ~~والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة ~~هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية. # {وجعل فيها سراجا} يعني الشمس، كما قال: "وجعل الشمس سراجا" (نوح-16) ، ~~وقرأ حمزة والكسائي: "سرجا" بالجمع، يعني النجوم. {وقمرا منيرا} والقمر قد ~~دخل في "السرج" على قراءة من قرأ بالجمع، غير أنه خصه بالذكر لنوع فضيلة، ~~كما قال: "فيها فاكهة ونخل ورمان" (الرحمن-68) ، خص النخل والرمان بالذكر ~~مع دخولهما في الفاكهة. {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} اختلفوا فيها، ~~قال ابن عباس والحسن وقتادة: يعني خلفا وعوضا، يقوم أحدهما مقام صاحبه، فمن ~~فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر. PageV06P092 # قال شقيق: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، قال فاتتني الصلاة الليلة، فقال: ~~أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإن الله عز وجل جعل الليل والنهار خلفة ~~لمن أراد أن يذكر (1) . [قال مجاهد: يعني ms1835 جعل كل واحد منهما مخالفا لصاحبه ~~فجعل هذا أسود وهذا أبيض (2) . وقال ابن زيد وغيره] (3) يعني يخلف أحدهما ~~صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر فهما يتعاقبان في الضياء والظلمة والزيادة ~~والنقصان (4) . {لمن أراد أن يذكر} قرأ حمزة بتخفيف الذال والكاف وضمها من ~~الذكر، وقرأ الآخرون بتشديدهما أي: يتذكر ويتعظ {أو أراد شكورا} قال مجاهد: ~~أي: شكر نعمة ربه عليه فيهما. ### || # {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما (63) } # قوله عز وجل: {وعباد الرحمن} أي: أفاضل العباد. وقيل: هذه الإضافة ~~للتخصيص والتفضيل، وإلا فالخلق كلهم عباد الله. {الذين يمشون على الأرض ~~هونا} أي: بالسكينة والوقار متواضعين غير أشرين ولا مرحين، ولا متكبرين. ~~وقال الحسن: علماء وحكماء. وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا ~~يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا، و"الهون" في اللغة: والرفق واللين (5) . ~~{وإذا خاطبهم الجاهلون} يعني السفهاء بما يكرهون، {قالوا سلاما} قال مجاهد: ~~سدادا من القول (6) . وقال مقاتل بن حيان: قولا يسلمون فيه من الإثم. وقال ~~الحسن: إن جهل عليهم جاهل حلموا ولم يجهلوا، وليس المراد منه السلام ~~المعروف. وروي عن الحسن: معناه سلموا عليهم، دليله قوله عز وجل: "وإذا ~~سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم" ~~(القصص-55) . قال الكلبي وأبو العالية: هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسختها ~~آية القتال (7) . وروي عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: هذا ~~وصف نهارهم، ثم قرأ {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} قال: هذا وصف ليلهم. ~~PageV06P093 ### || # {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب ~~جهنم إن عذابها كان غراما (65) إنها ساءت مستقرا ومقاما (66) والذين إذا ~~أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) } # قوله تعالى: {والذين يبيتون لربهم} يقال لمن أدرك الليل: بات، نام أو لم ~~ينم، يقال: بات فلان قلقا، والمعنى: يبيتون لربهم بالليل في الصلاة، {سجدا} ~~على وجوههم، {وقياما} على أقدامهم. قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء الآخرة ~~ركعتين أو أكثر فقد بات لله ms1836 ساجدا وقائما (1) . أخبرنا عبد الواحد المليحي، ~~أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن ~~عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أبو نعيم عن سفيان، عن ~~عثمان بن حكيم، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان بن عفان قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ~~ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله" (2) قوله عز وجل: {والذين ~~يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما} أي: ملحا دائما، ~~لازما غير مفارق من عذب به من الكفار، ومنه سمي الغريم لطلبه حقه وإلحاحه ~~على صاحبه وملازمته إياه. قال محمد بن كعب القرظي: سأل الله الكفار ثمن ~~نعمه فلم يؤدوا فأغرمهم فيه، فبقوا في النار. قال الحسن: كل غريم يفارق ~~غريمه إلا جهنم. و"الغرام": الشر اللازم، وقيل: "غراما" هلاكا. {إنها ساءت ~~مستقرا ومقاما} أي: بئس موضع قرار وإقامة. {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ~~ولم يقتروا} قرأ ابن كثير وأهل البصرة "يقتروا" بفتح الياء وكسر التاء، ~~وقرأ أهل المدينة وابن عامر بضم الياء وكسر التاء، وقرأ الآخرون بفتح الياء ~~وضم التاء، وكلها بلغات صحيحة. يقال: أقتر وقتر بالتشديد، وقتر يقتر. ~~واختلفوا في معنى الإسراف والإقتار، فقال بعضهم: "الإسراف": النفقة في ~~معصية الله وإن قلت، و"الإقتار": منع حق الله تعالى. وهو قول ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة وابن جريج. وقال الحسن في هذه الآية لم ينفقوا في معاصي الله ~~ولم يمسكوا عن فرائض الله (3) . PageV06P094 # وقال قوم: "الإسراف": مجاوزة الحد في الإنفاق، حتى يدخل في حد التبذير، ~~و"الإقتار": التقصير عما لا بد منه، وهذا معنى قول إبراهيم: لا يجيعهم ولا ~~يعريهم ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف (1) . {وكان بين ذلك قواما} قصدا ~~وسطا بين الإسراف والإقتار، حسنة بين السيئتين. قال يزيد بن 48/أأبي حبيب ~~في هذه الآية: أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا لا يأكلون طعاما ~~للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوبا ms1837 للجمال، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما ~~يسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة ربهم، ومن الثياب ما يستر عوراتهم ويكنهم ~~من الحر والقر (2) . قال عمر بن الخطاب: كفى سرفا أن لا يشتهي الرجل شيئا ~~إلا اشتراه فأكله (3) PageV06P095 ### || # {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) } # قوله عز وجل: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} الآية. أخبرنا عبد ~~الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن ~~يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف ~~بن جريج أخبرهم قال: قال يعلى وهو يعلى بن مسلم، أن سعيد بن جبير، أخبره عن ~~ابن عباس أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا فأتوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعوا إليه لحسن لو تخبرنا ~~أن لما عملناه كفارة، فنزلت: "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر" (1) . ~~{ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} ونزل: "قل يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله" (الزمر-53) . PageV06P095 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ~~جرير عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل قال: قال عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ ~~قال: "أن تدعو لله ندا وهو خلقك" قال" ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن ~~يطعم معك"، قال: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك"، فأنزل الله تصديقها: ~~"والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما" (1) قوله عز وجل: {ومن يفعل ذلك} ~~أي: شيئا من هذه الأفعال، {يلق أثاما} قال ابن عباس ms1838 رضي الله عنهما: إنما ~~يريد جزاء الإثم. وقال أبو عبيدة: "الآثام": العقوبة. وقال مجاهد: ~~"الآثام": واد في جهنم، يروى ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص (2) ويروى ~~في الحديث: "الغي والآثام بئران يسيل فيها صديد أهل النار" (3) . ### || # {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب وآمن وعمل ~~عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (70) } # {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} قرأ ابن عامر وأبو بكر ~~"يضاعف" و"يخلد" برفع الفاء والدال على الابتداء، وشدد بن عامر: "يضعف"، ~~وقرأ الآخرون بجزم الفاء والدال على جواب الشرط. {إلا من تاب وآمن وعمل ~~عملا صالحا} قال قتادة: إلا من تاب من ذنبه، وآمن بربه، وعمل عملا صالحا ~~فيما بينه وبين ربه. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، ~~أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله، حدثنا موسى بن محمد، حدثنا موسى بن ~~هارون الحمال، حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي، حدثنا عبد الله بن رجاء عن ~~عبيد الله بن عمر، عن علي بن يزيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: ~~قرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين: {والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر} الآية، ثم نزلت: {إلا من تاب} فما رأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فرح بشيء قط كفرحه بها وفرحه ب: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك ~~الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر" (4) (الفتح 1 -2) PageV06P096 # {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} فذهب جماعة إلى ~~أن هذا التبديل في الدنيا؛ قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، ~~والسدي، والضحاك: يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في ~~الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيمانا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة ~~وإحصانا (1) . وقال قوم: يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات ~~يوم القيامة (2) وهو قول سعيد بن المسيب، ومكحول، يدل عليه ما: أخبرنا أبو ~~محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو ms1839 القاسم علي بن أبي أحمد ~~الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أبو عمار ~~الحسين بن خريت، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر ~~قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم آخر رجل يخرج من النار، ~~يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، ويخبأ عنه كبارها، ~~فيقال له عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وهو مقر لا ينكر، وهو مشفق من ~~كبارها، فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، فيقول: رب إن لي ذنوبا ما ~~أراها ها هنا، قال أبو ذر: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى ~~بدت نواجذه (3) . وقال بعضهم: إن الله عز وجل يمحو بالندم جميع السيئات، ثم ~~يثبت مكان كل سيئة حسنة. ### || # {ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا (71) } # قوله عز وجل: {ومن تاب وعمل صالحا} قال بعض أهل العلم: هذا في التوبة عن ~~غير ما سبق ذكره في الآية الأولى من القتل والزنا، يعني: من تاب من الشرك ~~وعمل صالحا، أي: أدى الفرائض ممن لم يقتل ولم يزن، {فإنه يتوب إلى الله} ~~أي: يعود إليه بعد الموت، {متابا} حسنا يفضل به على غيره ممن قتل وزنى، ~~فالتوبة الأولى وهو قوله: "ومن تاب" رجوع عن الشرك، والثاني رجوع إلى الله ~~للجزاء والمكافأة. PageV06P097 # وقال بعضهم: هذه الآية أيضا في التوبة عن جميع السيئات. ومعناه: ومن أراد ~~التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله. وقوله: {يتوب إلى الله} خبر بمعنى ~~الأمر، أي: ليتب إلى الله. وقيل: معناه فليعلم أن توبته ومصيره إلى الله. ### || # {والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) } # {والذين لا يشهدون الزور} قال الضحاك وأكثر المفسرين: يعني الشرك (1) . ~~وقال علي بن طلحة: يعني شهادة الزور. وكان عمر بن الخطاب: يجلد شاهد الزور ~~أربعين جلدة، ويسخم وجهه، ويطوف به في السوق (2) . وقال ابن جريج: يعني ~~الكذب (3) وقال مجاهد: يعني أعياد المشركين (4) . وقيل: النوح (5) قال ~~قتادة: لا يساعدون أهل الباطل 48/ب ms1840 على باطلهم (6) . وقال محمد بن الحنفية: ~~لا يشهدون اللهو والغناء (7) . قال ابن مسعود: "الغناء ينبت النفاق في ~~القلب كما ينبت الماء الزرع" (8) . وأصل "الزور" تحسين الشيء ووصفه بخلاف ~~صفته، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق (9) PageV06P098 # {وإذا مروا باللغو مروا كراما} قال مقاتل: إذا سمعوا من الكفار الشتم ~~والأذى أعرضوا وصفحوا، وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد، نظيره قوله: "وإذا ~~سمعوا اللغو أعرضوا عنه" (القصص-55) ، قال السدي: وهي منسوخة بآية القتال ~~(1) قال الحسن والكلبي: "اللغو": المعاصي كلها، يعني إذا مروا بمجلس اللهو ~~والباطل مروا كراما مسرعين معرضين. يقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه ~~وأكرم نفسه عنه (2) . ### || # {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73) والذين ~~يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ~~(74) } # {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا} لم يقعوا ولم يسقطوا، {عليها صما ~~وعميانا} كأنهم صم عمي، بل يسمعون ما يذكرون به فيفهمونه ويرون الحق فيه ~~فيتبعونه. قال القتيبي (3) لم يتغافلوا عنها، كأنهم صم لم يسمعوها وعمي لم ~~يروها. {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا} قرأ بغير ألف: أبو ~~عمرو، والكسائي، وأبو بكر. وقرأ الباقون بالألف على الجمع، {قرة أعين} أي: ~~أولادا أبرارا أتقياء، يقولون اجعلهم صالحين فتقر أعيننا بذلك. قال القرظي: ~~ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله عز وجل. وقاله ~~الحسن، ووحد القرة لأنها مصدر، وأصلها من البرد، لأن العرب تتأذى من الحر ~~وتستروح إلى البرد، وتذكر قرة العين عند السرور، وسخنة العين عند الحزن، ~~ويقال: دمع العين عند السرور بارد، وعند الحزن حار. وقال الأزهري: معنى قرة ~~الأعين: أن يصادف قلبه من يرضاه، فتقر عينه به عن النظر إلى غيره. {واجعلنا ~~للمتقين إماما} أي: أئمة يقتدون في الخير بنا، ولم يقل: أئمة، كقوله تعالى: ~~"إنا رسول رب العالمين" (الشعراء-16) ، وقيل: أراد أئمة كقوله: "فإنهم عدو ~~لي" (الشعراء-77) ، أي: أعداء، ويقال: أميرنا هؤلاء، أي: أمراؤنا. وقيل: ~~لأنه مصدر كالصيام والقيام، ms1841 يقال: أم إماما، كما يقال: قام قياما، وصام ~~صياما. قال الحسن: نقتدي بالمتقين ويقتدي بنا المتقون. وقال ابن عباس: ~~اجعلنا أئمة هداة، كما قال: "وجعلناهم أئمة يهتدون بأمرنا" (السجدة-24) ، ~~ولا تجعلنا أئمة ضلالة كما قال: "وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار" ~~(القصص-41) ، وقيل: هذا من المقلوب، يعني: واجعل المتقين لنا إماما، ~~واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم، وهو قول مجاهد. PageV06P099 ### || # {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) خالدين فيها ~~حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف ~~يكون لزاما (77) } # {أولئك يجزون} أي: يثابون، {الغرفة} أي: الدرجة الرفيعة في الجنة، ~~و"الغرفة": كل بناء مرتفع عال. وقال عطاء: يريد غرف الدر والزبرجد والياقوت ~~في الجنة، {بما صبروا} على أمر الله تعالى وطاعته. وقيل: على أذى المشركين. ~~وقيل: عن الشهوات {ويلقون فيها} قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر: بفتح الياء ~~وتخفيف القاف، كما قال: "فسوف يلقون غيا" (مريم-59) ، وقرأ الآخرون بضم ~~الياء وتشديد القاف كما قال: "ولقاهم نضرة وسرورا" (الإنسان-11) ، وقوله: ~~{تحية} أي ملكا، وقيل: بقاء دائما، {وسلاما} أي: يسلم بعضهم على بعض. وقال ~~الكلبي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام، ويرسل الرب إليهم بالسلام. وقيل: "سلاما" ~~أي: سلامة من الآفات. {خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما} أي: موضع قرار ~~وإقامة. {قل ما يعبأ بكم ربي} قال مجاهد وابن زيد: أي: ما يصنع وما يفعل ~~بكم. قال أبو عبيدة يقال: ما عبأت به شيئا أي: لم أعده، فوجوده وعدمه سواء، ~~مجازه: أي وزن وأي مقدار لكم عنده، {لولا دعاؤكم} إياه، وقيل: لولا ~~إيمانكم، وقيل: لولا عبادتكم، وقيل: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام، فإذا ~~آمنتم ظهر لكم قدر. وقال قوم: معناها: قل ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم ~~وطاعتكم إياه يعني إنه خلقكم لعبادته، كما قال: "وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون" (الذاريات-56) وهذا قول ابن عباس ومجاهد. وقال قوم: "قل ما يعبأ" ~~ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما يفعل بعذابكم لولا ~~شرككم، كما قال الله تعالى: "ما يفعل الله ms1842 بعذابكم إن شكرتم وآمنتم" ~~(النساء-147) . وقيل: ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه في الشدائد، كما ~~قال: "فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله" (العنكبوت-65) ، وقال: "فأخذناهم ~~بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون" (الأنعام-42) . وقيل: "قل ما يعبأ بكم ربي ~~لولا دعاؤكم" يقول: ما خلقتكم ولي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم ~~وتستغفروني فأغفر لكم. # {فقد كذبتم} أيها الكافرون، يخاطب أهل مكة، يعني: إن الله دعاكم بالرسول ~~إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه. {فسوف يكون لزاما} هذا ~~تهديده لهم، أي: يكون تكذيبكم لزاما، قال ابن عباس: موتا. وقال أبو عبيدة: ~~هلاكا وقال ابن زيد: قتالا. والمعنى: يكون # PageV06P100 # التكذيب لازما لمن كذب، فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله. وقال ابن جرير ~~(1) عذابا دائما لازما وهلاكا مقيما يلحق بعضكم ببعض. واختلفوا فيه، فقال ~~قوم: هو يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون. وهو قول عبد الله بن مسعود ~~وأبي بن كعب ومجاهد ومقاتل، يعني: أنهم قتلوا يوم بدر واتصل بهم عذاب ~~الآخرة، لازما لهم. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله ~~النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص ~~بن غياث، أخبرنا أبي، أخبرنا الأعمش، حدثنا مسلم، عن مسروق قال: قال عبد ~~الله: خمس قد مضين: الدخان، والقمر، والروم، والبطشة، واللزام" (2) {فسوف ~~يكون لزاما} وقيل: اللزام هو عذاب الآخرة. PageV06P101 ### | سورة الشعراء # مكية إلا أربع آيات من آخر السورة من قوله {والشعراء يتبعهم الغاوون} # وروينا عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أعطيت طه والطواسين ~~من [اللوح المحفوظ] " # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) } # {طسم} قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر: طسم، وطس، وحم، ويس بكسر الطاء ~~والياء والحاء، وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر، وقرأ الآخرون بالفتح ~~على التفخيم، وأظهر النون في يس عند الميم في "طسم": أبو جعفر، وحمزة، ~~وأخفاها الآخرون. وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال: "طسم" عجزت العلماء عن ~~تفسيرها. وروى علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس: ms1843 أنه قسم، وهو من أسماء ~~الله تعالى، وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: اسم للسورة. قال ~~محمد بن كعب القرظي: أقسم الله (1) بطوله وسنائه وملكه (2) . PageV06P102 # {تلك} أي: هذه الآيات، {آيات الكتاب المبين} ### || # {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (3) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية ~~فظلت أعناقهم لها خاضعين (4) } # {لعلك باخع نفسك} قاتل نفسك، {ألا يكونوا مؤمنين} أي: إن لم يؤمنوا، وذلك ~~حين كذبه أهل مكة فشق عليه ذلك، وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله هذه ~~الآية. {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} قال ~~قتادة: لو شاء الله لأنزل عليهم آية يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى ~~معصية الله. وقال ابن جريج: معناه: لو شاء الله لأراهم أمرا من أمره، لا ~~يعمل أحد منهم بعده معصية. # وقوله عز وجل: {خاضعين} ولم يقل خاضعة وهي صفة الأعناق، وفيه أقاويل: ~~أحدها: أراد أصحاب الأعناق، فحذف الأصحاب وأقام الأعناق مقامهم، لأن ~~الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون، فجعل الفعل أولا للأعناق، ثم جعل خاضعين ~~للرجال. وقال الأخفش: رد الخضوع على المضمر الذي أضاف الأعناق إليه. وقال ~~قوم: ذكر الصفة لمجاورتها المذكر، وهو قوله "هم" على عادة العرب في تذكير ~~المؤنث إذا أضافوه إلى مذكر، وتأنيث المذكر إذا أضافوه إلى مؤنث. وقيل: ~~أراد فظلوا خاضعين فعبر بالعنق عن جميع البدن، كقوله: "ذلك بما قدمت يداك" ~~(الحج-10) و"ألزمناه طائره في عنقه" (الإسراء-13) . وقال مجاهد: أراد ~~بالأعناق الرؤساء والكبراء، أي: فظلت كبراؤهم خاضعين. وقيل: أراد بالأعناق ~~الجماعات، يقال: جاء القوم عنقا عنقا، أي: جماعات وطوائف. وقيل: إنما قال ~~خاضعين على وفاق رؤوس الآي ليكون على نسق واحد (1) . PageV06P106 ### || # {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) فقد كذبوا ~~فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون (6) أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا ~~فيها من كل زوج كريم (7) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم (9) وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين ms1844 (10) } # {وما يأتيهم من ذكر} وعظ وتذكير، {من الرحمن محدث} أي: محدث إنزاله، فهو ~~محدث في التنزيل. قال الكلبي: كلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من ~~الأول، {إلا كانوا عنه معرضين} أي: عن الإيمان به. {فقد كذبوا فسيأتيهم} ~~أي: فسوف يأتيهم، {أنباء} أخبار وعواقب، {ما كانوا به يستهزئون} {أولم يروا ~~إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج} صنف وضرب، {كريم} حسن من النبات مما ~~يأكل الناس والأنعام، يقال: نخلة كريمة إذا طاب حملها، وناقة كريمة إذا كثر ~~لبنها. قال الشعبي: الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل ~~النار فهو لئيم (1) {إن في ذلك} الذي ذكرت، {لآية} دلالة على وجودي وتوحيدي ~~وكمال قدرتي، {وما كان أكثرهم مؤمنين} مصدقين، أي: سبق علمي فيهم أن أكثرهم ~~لا يؤمنون. وقال سيبويه: "كان" هاهنا صلة، مجازه: وما أكثرهم مؤمنين. {وإن ~~ربك لهو العزيز} العزيز بالنقمة من أعدائه، {الرحيم} ذو الرحمة بأوليائه. ~~قوله عز وجل: {وإذ نادى ربك موسى} واذكر يا محمد إذ نادى ربك موسى حين رأى ~~الشجرة والنار، {أن ائت القوم الظالمين} يعني: الذين ظلموا أنفسهم بالكفر ~~والمعصية، وظلموا بني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب. PageV06P107 ### || # {قوم فرعون ألا يتقون (11) قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدري ~~ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون (13) ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (14) ~~قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون (15) فأتيا فرعون فقولا إنا رسول ~~رب العالمين (16) أن أرسل معنا بني إسرائيل (17) } # {قوم فرعون ألا يتقون} ألا يصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته. {قال} ~~يعني موسى، {رب إني أخاف أن يكذبون} {ويضيق صدري} من تكذيبهم إياي، {ولا ~~ينطلق لساني} قال: هذا للعقدة التي كانت على لسانه، قرأ يعقوب "ويضيق"، ~~"ولا ينطلق" بنصب القافين على معنى وأن يضيق، وقرأ العامة برفعهما ردا على ~~قوله: "إني أخاف"، {فأرسل إلى هارون} ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة. # {ولهم علي ذنب} أي: دعوى ذنب، وهو قتله القبطي، {فأخاف أن يقتلون} أي: ~~يقتلونني به. {قال} الله تعالى، ms1845 {كلا} أي: لن يقتلوك، {فاذهبا بآياتنا إنا ~~معكم مستمعون} سامعون ما يقولون، ذكر "معكم" بلفظ الجمع، وهما اثنان، ~~أجراهما مجرى الجماعة. وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم ~~فرعون. {فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين} ولم يقل: رسولا رب ~~العالمين، لأنه أراد الرسالة، أي: أنا ذو رسالة رب العالمين، كما قال كثير: ~~لقد كذب الواشون ما بحث عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول (1) # أي: بالرسالة، وقال أبو عبيدة: يجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين ~~والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي وهذان وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال ~~الله تعالى: "وهم لكم عدو" (الكهف-50) ، وقيل: معناه كل واحد منا رسول رب ~~العالمين (2) {أن أرسل} أي: بأن أرسل، {معنا بني إسرائيل} إلى فلسطين، ولا ~~تستعبدهم، وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ستمائة ~~وثلاثين ألفا، فانطلق موسى إلى مصر وهارون بها فأخبره بذلك. PageV06P108 # وفي القصة (1) أن موسى رجع إلى مصر وعليه جبة صوف وفي يده عصا، والمكتل ~~معلق في رأس العصا، وفيه زاده، فدخل دار نفسه وأخبر هارون بأن الله أرسلني ~~إلى فرعون وأرسلني إليك حين تدعو فرعون إلى الله، فخرجت أمهما 49/ب وصاحت ~~وقالت: إن فرعون يطلبك ليقتلك فلو ذهبتما إليه قتلكما فلم يمتنع موسى ~~لقولها، وذهبا إلى باب فرعون ليلا ودقا الباب، ففزع البوابون وقال من ~~بالباب؟ وروي أنه اطلع البواب عليهما فقال من أنتما؟ فقال موسى: أنا رسول ~~رب العالمين، فذهب البواب إلى فرعون وقال: إن مجنونا بالباب يزعم أنه رسول ~~رب العالمين، فترك حتى أصبح، ثم دعاهما. وروي أنهما انطلقا جميعا إلى فرعون ~~فلم يؤذن لهما سنة في الدخول عليه، فدخل البواب فقال لفرعون: هاهنا إنسان ~~يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال فرعون: ائذن له لعلنا نضحك منه، فدخلا ~~عليه وأديا رسالة الله عز وجل، فعرف فرعون موسى؛ لأنه نشأ في بيته. ### || # {قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) وفعلت فعلتك التي ~~فعلت وأنت من الكافرين (19) } PageV06P109 # {قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ms1846 (20) } # {قال ألم نربك فينا وليدا} صبيا، {ولبثت فينا من عمرك سنين} وهو ثلاثون ~~سنة. {وفعلت فعلتك التي فعلت} يعني: قتل القبطي، {وأنت من الكافرين} قال ~~الحسن والسدي: يعني وأنت من الكافرين بإلهك وكنت على ديننا هذا الذي تعيبه. ~~وقال أكثر المفسرين: معنى قوله: "وأنت من الكافرين"، أي: من الجاحدين ~~لنعمتي وحق تربيتي، يقول ربيناك فينا فكافأتنا أن قتلت منا نفسا، وكفرت ~~بنعمتنا. وهذا رواية العوفي عن ابن عباس، وقال: إن فرعون لم يكن يعلم ما ~~الكفر بالربوبية (1) . {قال} موسى، {فعلتها إذا} أي: فعلت ما فعلت حينئذ، ~~{وأنا من الضالين} أي: من الجاهلين، أي لم يأتني من الله شيء (2) . وقيل: ~~من الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله. وقيل: من الضالين عن طريق الصواب من ~~غير تعمد. وقيل: من المخطئين. PageV06P109 ### || # {ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين (21) وتلك ~~نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (22) } # {ففررت منكم لما خفتكم} إلى مدين، {فوهب لي ربي حكما} يعني النبوة، وقال ~~مقاتل: يعني العلم والفهم، {وجعلني من المرسلين} {وتلك نعمة تمنها علي أن ~~عبدت بني إسرائيل} اختلفوا في تأويلها: فحملها بعضهم على الإقرار وبعضهم ~~على الإنكار. فمن قال هو إقرار، قال عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه، ولم ~~يقتله كما قتل سائر غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل ~~مجازه: بلى وتلك نعمة علي أن عبدت بني إسرائيل، وتركتني فلم تستعبدني. ومن ~~قال: هو إنكار قال قوله: "وتلك نعمة" هو على طريق (1) الاستفهام، أي: أو ~~تلك نعمة؟ حذف ألف الاستفهام، كقوله: "أفهم الخالدون" (الأنبياء-34) ؟ قال ~~الشاعر (2) # تروح من الحي أو تبتكر %~% وماذا يضرك لو تنتظر? # أي: أتروح من الحي؟ قال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: # لم أنس يوم الرحيل وفقتها %~% وطرفها في دموعها غرق # وقولها والركاب واقفة %~% تتركني هكذا وتنطلق? # أي: أتتركني، يقول: تمن علي أن ربيتني، وتنسى جنايتك على بني إسرائيل ~~بالاستعباد والمعاملات القبيحة؟. أو يريد: كيف تمن علي بالتربية وقد ~~استعبدت قومي، ومن أهين ms1847 قومه ذل، فتعبيدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إلي. ~~وقيل معناه تمن علي بالتربية. وقوله: {أن عبدت بني إسرائيل} أي: باستعبادك ~~بني إسرائيل وقتلك أولادهم، دفعت إليك حتى ربيتني وكفلتني ولو لم تستعبدهم ~~وتقتلهم كان لي من أهلي من يربيني ولم يلقوني في اليم، فأي نعمة لك علي؟ ~~قوله: {عبدت} أي: اتخذتهم عبيدا، يقال: عبدت فلانا، وأعبدته، وتعبدته، ~~واستعبدته، أي: اتخذته عبدا. PageV06P110 ### || # {قال فرعون وما رب العالمين (23) قال رب السموات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين (24) قال لمن حوله ألا تستمعون (25) قال ربكم ورب آبائكم ~~الأولين (26) قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27) قال رب المشرق ~~والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك ~~من المسجونين (29) قال أولو جئتك بشيء مبين (30) } # {قال فرعون وما رب العالمين} يقول: أي شيء رب العالمين الذي تزعم أنك ~~رسوله إلي؟ يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه ب "ما"، وهو سؤال عن جنس الشيء، ~~والله منزه عن الجنسية، فأجابه موسى عليه السلام بذكر أفعاله التي يعجز عن ~~الإتيان بمثلها. {قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} إنه ~~خالقهما. قال أهل المعاني: أي كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينونها ~~فأيقنوا أن إله الخلق هو الله عز وجل، فلما قال موسى ذلك تحير فرعون في ~~جواب موسى. {قال لمن حوله} من أشراف قومه. قال ابن عباس: كانوا خمس مائة ~~رجل عليهم الأسورة، قال لهم فرعون استبعادا لقول موسى: {ألا تستمعون} وذلك ~~أنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم. فزادهم موسى في البيان. {قال ربكم ~~ورب آبائكم الأولين} {قال} يعني: فرعون: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم ~~لمجنون} يتكلم بكلام لا نعقله ولا نعرف صحته، وكان عندهم أن من لا يعتقد ما ~~يعتقدون ليس بعاقل، فزاد موسى في البيان: {قال رب المشرق والمغرب وما ~~بينهما إن كنتم تعقلون} {قال} فرعون -حين لزمته الحجة وانقطع عن الجواب- ~~تكبرا عن الحق: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} من المحبوسين، ~~قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل، لأنه ms1848 كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان ~~وحده فردا لا يسمع ولا يبصر فيه شيئا، يهوي به في الأرض. {قال} له موسى حين ~~توعده بالسجن: {أولو جئتك} أي: وإن جئتك، {بشيء مبين} بآية مبينة، ومعنى ~~الآية: أتفعل ذلك وإن أتيتك بحجة بينة؟ وإنما قال ذلك موسى لأن من أخلاق ~~الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان. # PageV06P111 ### || # {قال فأت به إن كنت من الصادقين (31) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (32) ~~ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (33) قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم ~~(34) يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون (35) قالوا أرجه وأخاه ~~وابعث في المدائن حاشرين (36) يأتوك بكل سحار عليم (37) فجمع السحرة لميقات ~~يوم معلوم (38) وقيل للناس هل أنتم مجتمعون (39) } # {لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين (40) فلما جاء السحرة قالوا ~~لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (41) قال نعم وإنكم إذا لمن ~~المقربين (42) قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (43) } # {قال} له فرعون، {فأت به} فإنا لن نسجنك حينئذ، {إن كنت من الصادقين} ~~{فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} فقال: وهل غيرها؟. {ونزع} موسى، {يده فإذا ~~هي بيضاء للناظرين} {قال} فرعون {للملأ حوله إن هذا لساحر عليم} {يريد أن ~~يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون} ؟ {قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن ~~حاشرين} . {يأتوك بكل سحار عليم} . {فجمع السحرة لميقات يوم معلوم} وهو يوم ~~الزينة. وروي عن ابن عباس قال: وافق ذلك اليوم يوم السبت، في أول يوم من ~~السنة، وهو يوم النيروز. {وقيل للناس هل أنتم مجتمعون} 50/ألتنظروا إلى ما ~~يفعل الفريقان ولمن تكون الغلبة؟ {لعلنا} لكي، {نتبع السحرة إن كانوا هم ~~الغالبين} لموسى، وقيل: إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء، وأرادوا ~~بالسحرة موسى وهارون وقومهما. {فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا ~~إن كنا نحن الغالبين} . {قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين} . {قال لهم موسى ~~ألقوا ما أنتم ملقون} . # PageV06P112 ### || # {فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون (44) فألقى ~~موسى عصاه فإذا هي تلقف ms1849 ما يأفكون (45) فألقي السحرة ساجدين (46) قالوا ~~آمنا برب العالمين (47) رب موسى وهارون (48) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ~~إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم أجمعين (49) قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50) إنا نطمع أن ~~يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين (51) وأوحينا إلى موسى أن أسر ~~بعبادي إنكم متبعون (52) } # {فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون} . {فألقى ~~موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون} . {فألقي السحرة ساجدين} . {قالوا آمنا ~~برب العالمين} . {رب موسى وهارون} . {قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه ~~لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم أجمعين} . {قالوا لا ضير} لا ضرر، {إنا إلى ربنا منقلبون} {إنا ~~نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين} من أهل زماننا. ~~{وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون} يتبعكم فرعون وقومه ليحولوا ~~بينكم وبين الخروج من مصر. # وروي عن ابن جريج قال: أوحى الله تعالى إلى موسى: أن اجمع بني إسرائيل كل ~~أربعة أهل أبيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن، فاضربوا بدمائها على ~~أبوابكم، فإني سآمر الملائكة فلا يدخلوا بيتا على بابه دم، وسآمرها فتقتل ~~أبكار آل فرعون من أنفسهم وأموالهم، ثم اخبزوا خبزا فطيرا فإنه أسرع لكم ثم ~~أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر، فيأتيك أمري، ففعل ذلك، فلما أصبحوا قال ~~فرعون: هذا عمل موسى وقومه، قتلوا أبكارنا من أنفسنا، وأخذوا أموالنا. ~~فأرسل في أثره ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في ~~الكرسي العظيم (1) . PageV06P113 ### || # {فأرسل فرعون في المدائن حاشرين (53) إن هؤلاء لشرذمة قليلون (54) وإنهم ~~لنا لغائظون (55) وإنا لجميع حاذرون (56) فأخرجناهم من جنات وعيون (57) ~~وكنوز ومقام كريم (58) } # {فأرسل فرعون في المدائن حاشرين} يحشرون الناس يعني: الشرط ليجمعوا ~~السحرة. وقيل: حتى يجمعوا له الجيش، وذكر بعضهم: أنه كان له ألف مدينة ~~واثنا عشرة ألف قرية. وقال لهم: {إن هؤلاء لشرذمة} عصابة {قليلون} والشرذمة ~~القطعة ms1850 من الناس غير الكثير، وجمعها شراذم. قال أهل التفسير: كانت الشرذمة ~~الذين قللهم فرعون ستمائة ألف. وعن ابن مسعود قال: كانوا ستمائة وسبعين ~~ألفا ولا يحصى عدد أصحاب فرعون. (1) . {وإنهم لنا لغائظون} يقال: غاظه ~~وأغاظه وغيظه إذا أغضبه، والغيظ والغضب واحد، يقول: أغضبونا بمخالفتهم ~~ديننا وقتلهم أبكارنا وذهابهم بأموالنا التي استعاروها، وخروجهم من أرضنا ~~بغير إذن منا. {وإنا لجميع حاذرون} قرأ أهل الحجاز والبصرة: "حذرون" ~~و"فرهين" بغير ألف، وقرأ الآخرون "حاذرون" و"فارهين" بالألف فيهما، وهما ~~لغتان. وقال أهل التفسير: حاذرون، أي: مؤدون ومقوون، أي: ذوو أداة وقوة ~~مستعدون شاكون في السلاح (2) ومعنى "حذرون" أي: خائفون شرهم. وقال الزجاج: ~~"الحاذر": المستعد، و"الحذر": المتيقظ. وقال الفراء: "الحاذر": الذي يحذرك ~~الآن، و"الحذر": المخوف. وكذلك لا تلقاه إلا حذرا، والحذر: اجتناب الشيء ~~خوفا منه. {فأخرجناهم من جنات} وفي القصة: البساتين كانت ممتدة على حافتي ~~النيل، {وعيون} أنهار جارية. {وكنوز} يعني الأموال الظاهرة من الذهب ~~والفضة. قال مجاهد: سماها كنوزا لأنه لم يعط حق الله منها، وما لم يعط حق ~~الله منه فهو كنز وإن كان ظاهرا، قيل: كان لفرعون ثمانمائة ألف غلام، كل ~~غلام على فرس عتيق، في عنق كل فرس طوق من ذهب، {ومقام كريم} أي: مجلس حسن، ~~قال المفسرون: أراد مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تحفها الأتباع. وقال ~~مجاهد، وسعيد PageV06P114 # بن جبير: هي المنابر (1) . وذكر بعضهم: أنه كان إذا قعد على سريره وضع ~~بين يديه ثلاثمائة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف عليهم الأقبية من ~~الديباج مخوصة بالذهب. ### || # {كذلك وأورثناها بني إسرائيل (59) فأتبعوهم مشرقين (60) } PageV06P115 # {فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61) قال كلا إن معي ربي ~~سيهدين (62) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق ~~كالطود العظيم (63) } # {كذلك} كما وصفنا، {وأورثناها} بهلاكهم، {بني إسرائيل} وذلك أن الله ~~تعالى رد بني إسرائيل إلى مصر بعدما أغرق فرعون وقومه، فأعطاهم جميع ما كان ~~لفرعون وقومه من الأموال والمساكن. {فأتبعوهم مشرقين} أي: لحقوهم في وقت ~~إشراق الشمس، وهو إضاءتها، أي: أدرك ms1851 قوم فرعون موسى وأصحابه وقت شروق ~~الشمس. {فلما تراءى الجمعان} أي: تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه، وكسر حمزة ~~الراء من "تراءى" وفتحها الآخرون. {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} أي: ~~سيدركنا قوم فرعون ولا طاقة لنا بهم. {قال} موسى ثقة بوعد الله إياه: {كلا} ~~لن يدركونا، {إن معي ربي سيهدين} يدلني على طريق النجاة. {فأوحينا إلى موسى ~~أن اضرب بعصاك البحر فانفلق} أي: فضربه "فانفلق" فانشق، {فكان كل فرق} قطعة ~~من الماء، {كالطود العظيم} كالجبل الضخم، قال ابن جريج وغيره (1) لما انتهى ~~موسى إلى البحر هاجت الريح، والبحر يرمي بموج مثل الجبال، فقال يوشع: يا ~~مكلم الله أين أمرت فقد غشينا فرعون والبحر أمامنا؟ قال موسى: هاهنا، فخاض ~~يوشع الماء وجاز البحر، ما يواري حافر دابته الماء. وقال الذي يكتم إيمانه: ~~يا مكلم الله أين أمرت؟ قال: هاهنا، فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزبد من ~~شدقيه، ثم أقحمه البحر، فارتسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم ~~يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع، فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك ~~البحر، فضربه فانفلق، فإذا الرجل واقف على فرسه لم يبتل سرجه ولا لبده. ~~PageV06P115 ### || # {وأزلفنا ثم الآخرين (64) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا ~~الآخرين (66) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (67) وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم (68) واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما ~~تعبدون (70) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ ~~تدعون (72) أو ينفعونكم أو يضرون (73) } # 50/ب {وأزلفنا} يعني: وقربنا {ثم الآخرين} يعني: قوم فرعون، يقول: ~~قدمناهم إلى البحر، وقربناهم إلى الهلاك، وقال أبو عبيدة: "وأزلفنا": ~~جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة أي: ليلة الجمع. وفي القصة أن جبريل كان بين بني ~~إسرائيل وقوم فرعون وكان يسوق بني إسرائيل، ويقولون: ما رأينا أحسن سياقة ~~من هذا الرجل، وكان يزع قوم فرعون، وكانوا يقولون: ما رأينا أحسن زعة من ~~هذا (1) . {وأنجينا موسى ومن معه أجمعين} . {ثم أغرقنا الآخرين} فرعون ~~وقومه. وقال سعيد بن جبير: كان البحر ms1852 ساكنا قبل ذلك، فلما ضربه موسى بالعصا ~~اضطرب فجعل يمد ويجزر. {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} أي: من أهل ~~مصر، قيل: لم يكن آمن من أهل مصر إلا آسية امرأة فرعون وحزبيل المؤمن، ~~ومريم بنت ناقوسا التي دلت على عظام يوسف عليه السلام. {وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم} العزيز في الانتقام من أعدائه، الرحيم بالمؤمنين حين أنجاهم. قوله: ~~{واتل عليهم نبأ إبراهيم} . قوله: {إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون} أي شيء ~~تعبدون؟. {قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين} أي: نقيم على عبادتها. قال ~~بعض أهل العلم: إنما قال: {فنظل} لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار، دون الليل، ~~يقال: ظل يفعل كذا إذا فعل بالنهار. {قال هل يسمعونكم} أي: هل يسمعون ~~دعاءكم، {إذ تدعون} قال ابن عباس يسمعون لكم. {أو ينفعونكم} قيل بالرزق، ~~{أو يضرون} إن تركتم عبادتها. PageV06P116 ### || # {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون ~~(75) أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77) الذي ~~خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين (79) } # {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} معناه: إنها لا تسمع قولا ولا تجلب ~~نفعا، ولا تدفع ضرا، لكن اقتدينا بآبائنا. فيه إبطال التقليد في الدين. ~~{قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون} الأولون. {فإنهم عدو ~~لي} أي: أعداء لي، ووحده على معنى أن كل معبود لكم عدو لي. فإن قيل: كيف ~~وصف الأصنام بالعداوة وهي جمادات؟ قيل: معناه فإنهم عدو لي لو عبدتهم يوم ~~القيامة (1) كما قال تعالى: "سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا" ~~(مريم-82) . وقال الفراء (2) هو من المقلوب، أراد: فإني عدو لهم، لأن من ~~عاديته فقد عاداك. وقيل: "فإنهم عدو لي" على معنى إني لا أتولاهم ولا أطلب ~~من جهتهم نفعا، كما لا يتولى العدو، ولا يطلب من جهته النفع. # قوله: {إلا رب العالمين} اختلفوا في هذا الاستثناء، قيل: هو استثناء ~~منقطع، كأنه قال: فإنهم عدو لي لكن رب العالمين وليي (3) . وقيل: إنهم ~~كانوا يعبدون الأصنام مع الله، فقال إبراهيم: كل من ms1853 تعبدون أعدائي إلا رب ~~العالمين (4) . وقيل: إنهم غير معبود لي إلا رب العالمين، فإني أعبده. وقال ~~الحسين بن الفضل: معناه إلا من عبد رب العالمين. ثم وصف معبوده فقال: {الذي ~~خلقني فهو يهدين} أي: يرشدني إلى طريق النجاة. {والذي هو يطعمني ويسقين} ~~أي: يرزقني ويغذني بالطعام والشراب، فهو رازقي ومن عنده رزقي. PageV06P117 ### || # {وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين (81) والذي أطمع أن ~~يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (83) } # {واجعل لي لسان صدق في الآخرين (84) واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) } # {وإذا مرضت} أضاف المرض إلى نفسه وإن كان المرض والشفاء كله من الله، ~~استعمالا لحسن الأدب كما قال الخضر: "فأردت أن أعيبها" (الكهف-79) ، وقال: ~~"فأراد ربك أن يبلغا أشدهما" (الكهف-82) . {فهو يشفين} أي: يبرئني من ~~المرض. {والذي يميتني ثم يحيين} أدخل "ثم" هاهنا للتراخي، أي: يميتني في ~~الدنيا ويحييني في الآخرة. {والذي أطمع} أي: أرجو، {أن يغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين} أي: خطاياي يوم الحساب. قال مجاهد: هو قوله: "إني سقيم"، وقوله: "بل ~~فعله كبيرهم هذا"، وقوله لسارة: "هذه أختي"، وزاد الحسن وقوله للكواكب: ~~"هذا ربي". وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ~~الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ~~حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص بن غياث، عن ~~داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قال: قلت يا رسول الله: ابن جدعان، ~~كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المساكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: "لا ينفعه ~~إنه لم يقل يوما، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" (1) وهذا كله احتجاج من ~~إبراهيم على قومه، وإخبار أنه لا يصلح للإلهية من لا يفعل هذه الأفعال. {رب ~~هب لي حكما} قال ابن عباس: معرفة حدود الله وأحكامه. وقال مقاتل: الفهم ~~والعلم. وقال الكلبي: النبوة (2) {وألحقني بالصالحين} بمن قبلي من النبيين ~~في المنزلة والدرجة. {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} أي: ثناء حسنا، وذكرا ~~جميلا ms1854 وقبولا عاما في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطاه الله ذلك، فجعل كل أهل ~~الأديان يتولونه ويثنون عليه. قال القتيبي: وضع اللسان موضع القول على ~~الاستعارة لأن القول يكون به. {واجعلني من ورثة جنة النعيم} أي: ممن تعطيه ~~جنة النعيم. PageV06P118 ### || # {واغفر لأبي إنه كان من الضالين (86) ولا تخزني يوم يبعثون (87) يوم لا ~~ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89) وأزلفت الجنة ~~للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون (92) ~~من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون (93) فكبكبوا فيها هم والغاوون (94) ~~وجنود إبليس أجمعون (95) قالوا وهم فيها يختصمون (96) } # {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} وقال هذا قبل أن يتبين له أنه عدو الله، ~~كما سبق ذكره في سورة التوبة. {ولا تخزني} لا تفضحني، {يوم يبعثون} {يوم لا ~~ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} أي: خالص من الشرك والشك (1) ~~فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد، هذا قول أكثر المفسرين. قال سعيد بن ~~المسيب: القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق ~~مريض. قال الله تعالى: "في قلوبهم مرض" (البقرة-10) ، قال ابن عثمان ~~النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة المطمئن على السنة (2) . {وأزلفت} ~~قربت {الجنة للمتقين} {وبرزت} أظهرت، {الجحيم للغاوين} للكافرين. {وقيل ~~لهم} يوم القيامة، {أين ما كنتم تعبدون} {من دون الله هل ينصرونكم} ~~يمنعونكم 51/أمن العذاب، {أو ينتصرون} لأنفسهم. {فكبكبوا فيها} قال ابن ~~عباس: جمعوا. وقال مجاهد: دهوروا. وقال مقاتل: قذفوا. وقال الزجاج: طرح ~~بعضهم على بعض. وقال القتيبي: ألقوا على رءوسهم. {هم والغاوون} يعني: ~~الشياطين، قال قتادة، ومقاتل. وقال الكلبي: كفرة الجن. {وجنود إبليس ~~أجمعون} وهم أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس. ويقال: ذريته. {قالوا} أي: ~~قال الغاوون للشياطين والمعبودين، {وهم فيها يختصمون} مع المعبودين ويجادل ~~بعضهم بعضا. PageV06P119 ### || # {تالله إن كنا لفي ضلال مبين (97) إذ نسويكم برب العالمين (98) وما أضلنا ~~إلا المجرمون (99) فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم (101) فلو أن لنا ~~كرة فنكون من المؤمنين (102) إن في ذلك لآية ms1855 وما كان أكثرهم مؤمنين (103) ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم (104) كذبت قوم نوح المرسلين (105) } # {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} . {إذ نسويكم} نعدلكم، {برب العالمين} ~~فنعبدكم. {وما أضلنا} أي: ما دعانا إلى الضلال، {إلا المجرمون} قال مقاتل: ~~يعني الشياطين. وقال الكلبي: إلا أولونا الذين اقتدينا بهم. وقال أبو ~~العالية وعكرمة: يعني: إبليس، وابن آدم الأول، وهو قابيل، لأنه أول من سن ~~القتل، وأنواع المعاصي. {فما لنا من شافعين} أي: من يشفع لنا من الملائكة ~~والنبيين والمؤمنين. {ولا صديق حميم} أي: قريب يشفع لنا، يقوله الكفار حين ~~تشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، والصديق هو الصادق في المودة بشرط ~~الدين. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين ~~بن محمد بن فنجويه، حدثنا محمد بن الحسين اليقطيني، أخبرنا أحمد بن عبد ~~الله يزيد العقيلي، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا من ~~سمع أبا الزبير يقول: أشهد لسمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل صديقي فلان، ~~وصديقه في الجحيم، فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من ~~بقي: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم" (1) قال الحسن: استكثروا من ~~الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة. {فلو أن لنا كرة} أي: رجعة ~~إلى الدنيا، {فنكون من المؤمنين} {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} ~~{وإن ربك لهو العزيز الرحيم} العزيز الذي لا يغالب، فالله عزيز، وهو في وصف ~~عزته رحيم. قوله عز وجل: {كذبت قوم نوح المرسلين} قيل للحسن البصري: يا أبا ~~سعيد أرأيت قوله: {كذبت قوم نوح المرسلين} و {كذبت عاد المرسلين} و {كذبت ~~ثمود المرسلين} وإنما PageV06P120 # أرسل إليهم رسول واحد؟ قال: إن الآخر جاء بما جاء الأول، فإذا كذبوا ~~واحدا فقد كذبوا الرسل أجمعين. ### || # {إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون (106) إني لكم رسول أمين (107) فاتقوا ~~الله وأطيعون (108) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ~~(109) فاتقوا الله ms1856 وأطيعون (110) قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) } # {قال وما علمي بما كانوا يعملون (112) إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون ~~(113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن أنا إلا نذير مبين (115) قالوا لئن ~~لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين (116) } # {إذ قال لهم أخوهم} في النسب لا في الدين. {نوح ألا تتقون} {إني لكم رسول ~~أمين} على الوحي. {فاتقوا الله} بطاعته وعبادته، {وأطيعون} فيما آمركم به ~~من الإيمان والتوحيد. {وما أسألكم عليه من أجر إن أجري} ثوابي، {إلا على رب ~~العالمين} {فاتقوا الله وأطيعون} . {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} قرأ ~~يعقوب: "وأتباعك الأرذلون" السفلة. وعن ابن عباس قال: الصاغة. وقال عكرمة ~~الحاكة والأساكفة. {قال} نوح، {وما علمي بما كانوا يعملون} أي: ما أعلم ~~أعمالهم وصنائعهم، وليس علي من دناءة مكاسبهم وأحوالهم شيء إنما كلفت أن ~~أدعوهم إلى الله، ولي منهم ظاهر أمرهم. {إن حسابهم} ما حسابهم، {إلا على ~~ربي لو تشعرون} لو تعلمون ذلك ما عبتموهم بصنائعهم. قال الزجاج: الصناعات ~~لا تضر في الديانات. وقيل: معناه: أي: لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ~~ويوفقهم ويخذلكم. {وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين} . {قالوا ~~لئن لم تنته يا نوح} عما تقول، {لتكونن من المرجومين} قال مقاتل والكلبي: ~~من المقتولين بالحجارة. وقال الضحاك: من المشتومين. # PageV06P121 ### || # {قال رب إن قومي كذبون (117) فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من ~~المؤمنين (118) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد ~~الباقين (120) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم (122) كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا ~~تتقون (124) إني لكم رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما أسألكم ~~عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (127) أتبنون بكل ريع آية تعبثون ~~(128) } # {قال رب إن قومي كذبون فافتح} فاحكم، {بيني وبينهم فتحا} حكما، {ونجني ~~ومن معي من المؤمنين} {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} الموقر المملوء ~~من الناس والطير والحيوان كلها. {ثم أغرقنا بعد الباقين} أي: أغرقنا بعد ~~إنجاء نوح، ms1857 وأهله: من بقي من قومه. {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} ~~{وإن ربك لهو العزيز الرحيم} قوله عز وجل: {كذبت عاد المرسلين} {إذ قال لهم ~~أخوهم هود} يعني في النسب لا في الدين، {ألا تتقون} {إني لكم رسول أمين} ~~على الرسالة، قال الكلبي: أمين فيكم قبل الرسالة، فكيف تتهموني اليوم؟. ~~{فاتقوا الله وأطيعون} {وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين} {أتبنون بكل ريع} قال الوالبي عن ابن عباس: أي: بكل شرف. وقال ~~الضحاك ومقاتل والكلبي: بكل طريق، وهو رواية العوفي عن ابن عباس، وعن مجاهد ~~قال: هو الفج بين الجبلين. وعنه أيضا: إنه المنظرة. {آية} أي: علامة، ~~{تعبثون} بمن مر بالطريق، والمعنى: أنهم كانوا يبنون المواضع المرتفعة ~~ليشرفوا على المارة والسابلة فيسخروا منهم ويعبثوا بهم. وعن سعيد بن جبير ~~ومجاهد: هذا في بروج الحمام أنكر عليهم هود اتخاذها، بدليل قوله: {تعبثون} ~~أي: تلعبون، وهم كانوا # PageV06P122 # يلعبون بالحمام. وقال أبو عبيدة: الريع: المكان المرتفع (1) ### || # {وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (129) وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا ~~الله وأطيعون (131) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعام وبنين ~~(133) وجنات وعيون (134) إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) قالوا سواء ~~علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (136) } PageV06P123 # {إن هذا إلا خلق الأولين (137) } # {وتتخذون مصانع} قال ابن عباس: أبنية. وقال مجاهد: قصورا مشيدة. وعن ~~الكلبي: أنها الحصون. وقال قتادة: مآخذ الماء، يعني الحياض، واحدتها مصنعة ~~(1) {لعلكم تخلدون} أي: كأنكم تبقون فيها خالدين. والمعنى: أنهم كانوا ~~يستوثقون المصانع كأنهم لا يموتون. {وإذا بطشتم} أخذتم وسطوتم، {بطشتم ~~جبارين} قتلا بالسيف وضربا بالسوط، "والجبار": الذي يقتل ويضرب على الغضب. ~~{فاتقوا الله وأطيعون} . {واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون} أي: أعطاكم من ~~الخير ما تعلمون، ثم ذكر ما أعطاهم فقال: {أمدكم بأنعام وبنين} {وجنات ~~وعيون} أي: بساتين وأنهار. 51/ب {إني أخاف عليكم} قال ابن عباس: إن ~~عصيتموني، {عذاب يوم عظيم} {قالوا سواء علينا} أي: مستو عندنا، {أوعظت أم ~~لم تكن من الواعظين} الوعظ كلام يلين القلب بذكر الوعد ms1858 والوعيد. قال ~~الكلبي: نهيتنا أم لم تكن من الناهين لنا. {إن هذا} ما هذا، {إلا خلق ~~الأولين} قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: "خلق" ~~بفتح الخاء وسكون اللام، أي: اختلاق الأولين وكذبهم دليل هذه القراءة قوله ~~PageV06P123 # تعالى: "وتخلقون إفكا" (العنكبوت-17) ، وقرأ الآخرون "خلق" بضم الخاء ~~واللام، أي: عادة الأولين من قبلنا، وأمرهم أنهم يعيشون ما عاشوا ثم يموتون ~~ولا بعث ولا حساب. ### || # {وما نحن بمعذبين (138) فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين (139) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (140) كذبت ثمود المرسلين (141) إذ ~~قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون (142) إني لكم رسول أمين (143) فاتقوا الله ~~وأطيعون (144) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (145) ~~أتتركون في ما ها هنا آمنين (146) في جنات وعيون (147) وزروع ونخل طلعها ~~هضيم (148) } # {وما نحن بمعذبين} {فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين} {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} قوله عز وجل: {كذبت ثمود المرسلين إذ ~~قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما ~~أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون في ما هاهنا} أي: ~~في الدنيا {آمنين} من العذاب. {في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها} ثمرها، ~~يريد ما يطلع منها من الثمر، {هضيم} قال ابن عباس: لطيف، ومنه: هضيم الكشح، ~~إذا كان لطيفا. وروى عطية عنه: يانع نضيج. وقال عكرمة: هو اللين. وقال ~~الحسن: هو الرخو. وقال مجاهد: متهشم متفتت إذا مس، وذلك أنه ما دام رطبا ~~فهو هضيم، فإذا يبس فهو هشيم. وقال الضحاك ومقاتل: قد ركب بعضه بعضا [حتى ~~هضم بعضه بعضا] (1) أي: كسره. وقال أهل اللغة: هو المنضم بعضه إلى بعض في ~~وعائه قبل أن يظهر. وقال الأزهري: الهضيم هو الداخل بعضه في بعض من النضج ~~والنعومة. وقيل: هضيم أي: هاضم يهضم الطعام. وكل هذا للطافته (2) . ~~PageV06P124 ### || # {وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (149) فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا ~~تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون في الأرض ولا ms1859 يصلحون (152) قالوا ~~إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من ~~الصادقين (154) قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) } # {وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين} وقرئ: "فرهين" قيل: معناهما واحد (1) . ~~وقيل: فارهين أي: حادقين بنحتها، من قولهم فره الرجل فراهة فهو فاره، ومن ~~قرأ "فرهين" قال ابن عباس: أشرين بطرين (2) . وقال عكرمة: ناعمين. وقال ~~مجاهد: شرهين. قال قتادة: معجبين بصنيعكم، قال السدي: متجبرين. وقال أبو ~~عبيدة: مرحين. وقال الأخفش فرحين. والعرب تعاقب بين الهاء والحاء مثل: ~~مدحته ومدهته. قال الضحاك: كيسين (3) . {فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا ~~أمر المسرفين} قال ابن عباس: المشركين. وقال مقاتل: هم التسعة الذين عقروا ~~الناقة. {الذين يفسدون في الأرض} بالمعاصي، {ولا يصلحون} لا يطيعون الله ~~فيما أمرهم به. {قالوا إنما أنت من المسحرين} قال مجاهد وقتادة: من ~~المسحورين المخدوعين، أي: ممن سحر مرة بعد مرة. وقال الكلبي عن أبي صالح عن ~~ابن عباس: أي: من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب، يقال: سحره، أي: ~~علله بالطعام والشراب، يريد: إنك تأكل الطعام والشراب ولست بملك، بل: {ما ~~أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية} على صحة ما تقول، {إن كنت من الصادقين} أنك ~~رسول الله إلينا. {قال هذه ناقة لها شرب} حظ ونصيب من الماء، {ولكم شرب يوم ~~معلوم} PageV06P125 ### || # {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها فأصبحوا نادمين ~~(157) فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم (159) } # {كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون (161) إني ~~لكم رسول أمين (162) فاتقوا الله وأطيعون (163) وما أسألكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين (164) أتأتون الذكران من العالمين (165) وتذرون ~~ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (166) قالوا لئن لم تنته يا ~~لوط لتكونن من المخرجين (167) قال إني لعملكم من القالين (168) رب نجني ~~وأهلي مما يعملون (169) فنجيناه وأهله أجمعين (170) إلا عجوزا في الغابرين ~~(171) } # {ولا تمسوها بسوء} بعقر، {فيأخذكم عذاب يوم عظيم} {فعقروها فأصبحوا ms1860 ~~نادمين} على عقرها حين رأوا العذاب. {فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين} {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} قوله تعالى: {كذبت قوم لوط ~~المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله ~~وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتأتون ~~الذكران} قال مقاتل: يعني جماع الرجال. {من العالمين} يعني من بني آدم. ~~{وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} قال مجاهد: تركتم أقبال النساء إلى ~~أدبار الرجال، {بل أنتم قوم عادون} معتدون، مجاوزون الحلال إلى الحرام. ~~{قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين} من قريتنا. {قال إني لعملكم ~~من القالين} المبغضين، ثم دعا فقال: {رب نجني وأهلي مما يعملون} من العمل ~~الخبيث. قال الله تعالى: {فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين} وهي ~~امرأة لوط، بقيت في العذاب والهلاك. # PageV06P126 ### || # {ثم دمرنا الآخرين (172) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (173) إن ~~في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (174) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (175) ~~كذب أصحاب الأيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إني لكم ~~رسول أمين (178) فاتقوا الله وأطيعون (179) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري ~~إلا على رب العالمين (180) أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) وزنوا ~~بالقسطاس المستقيم (182) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين (183) } # {واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (184) } # {ثم دمرنا الآخرين} أي: أهلكناكم. {وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر ~~المنذرين} قال وهب بن منبه: الكبريت والنار. {إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين} {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} قوله عز وجل: {كذب أصحاب ~~الأيكة المرسلين} وهم قوم شعيب عليه السلام، قرأ العراقيون: "الآيكة" هاهنا ~~وفي "ص" بالهمزة وسكون اللام وكسر التاء، وقرأ الآخرون: "ليكة" بفتح اللام ~~والتاء غير مهموز، جعلوها اسم البلد، وهو لا ينصرف، ولم يختلفوا في سورة ~~"الحجر" و"ق" أنهما مهموزان مكسوران، والأيكة: الغيضة من الشجر الملتف. {إذ ~~قال لهم شعيب} ولم يقل أخوهم؛ لأنه لم يكن من أصحاب ms1861 الأيكة في النسب، فلما ~~ذكر مدين قال أخاهم شعيبا لأنه كان منهم، وكان الله تعالى بعثه إلى قومه ~~أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة. {ألا تتقون} {إني لكم رسول أمين فاتقوا الله ~~وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين} وإنما كانت ~~دعوة هؤلاء الأنبياء كلهم فيما حكى الله عنهم على صيغة واحدة لا تفاقهم على ~~الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص في العبادة 52/أوالامتناع من أخذ الأجر على ~~الدعوة وتبليغ الرسالة. {أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين} الناقصين ~~لحقوق الناس بالكيل والوزن. # PageV06P127 # {وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين واتقوا الذي خلقكم والجبلة} الخليقة، {الأولين} يعني: الأمم ~~المتقدمين، والجبلة: الخلق، يقال: جبل أي: خلق. ### || # {قالوا إنما أنت من المسحرين (185) وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن ~~الكاذبين (186) فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين (187) قال ~~ربي أعلم بما تعملون (188) فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم ~~عظيم (189) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (190) وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم (191) وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على ~~قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) } # {قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن ~~الكاذبين فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين قال ربي أعلم بما ~~تعملون} أي: من نقصان الكيل والوزن، وهو مجازيكم بأعمالكم، وليس العذاب إلي ~~وما علي إلا الدعوة. {فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة} وذلك أنه أخذهم حر ~~شديد، فكانوا يدخلون الأسراب فإذا دخلوها وجدوها أشد حرا فخرجوا، فأظلتهم ~~سحابة، وهي الظلة، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا، ذكرناه في ~~سورة هود. {إنه كان عذاب يوم عظيم} {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} ~~{وإن ربك لهو العزيز الرحيم} قوله عز وجل: {وإنه} يعني القرآن. {لتنزيل رب ~~العالمين} {نزل به الروح الأمين} قرأ أهل الحجاز، وأبو عمرو، وحفص: "نزل" ~~خفيف، "الروح الأمين" برفع الحاء والنون، أي" نزل ms1862 جبريل بالقرآن. وقرأ ~~الآخرون بتشديد الزاي وفتح الحاء والنون أي: نزل الله به جبريل، لقوله عز ~~وجل: "وإنه لتنزيل رب العالمين". {على قلبك} يا محمد حتى وعيته، {لتكون من ~~المنذرين} المخوفين. {بلسان عربي مبين} [قال ابن عباس: بلسان قريش ليفهموا ~~ما فيه] (1) . PageV06P128 ### || # {وإنه لفي زبر الأولين (196) أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني ~~إسرائيل (197) ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به ~~مؤمنين (199) كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (200) } # {وإنه} أي: ذكر إنزال القرآن، قاله أكثر المفسرين. وقال مقاتل: ذكر محمد ~~صلى الله عليه وسلم ونعته، {لفي زبر الأولين} {أولم يكن لهم آية} [قرأ ابن ~~عامر: "تكن" بالتاء "آية" بالرفع، جعل الآية اسما وخبره: {أن يعلمه} وقرأ ~~الآخرون بالياء، "آية"] (1) نصب، جعلوا الآية خبر يكن، معناه: أو لم يكن ~~لهؤلاء المنكرين (2) علم بني إسرائيل آية، أي: علامة ودلالة على نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، لأن العلماء الذين كانوا من بني إسرائيل، كانوا يخبرون ~~بوجود ذكره في كتبهم، وهم: عبد الله بن سلام وأصحابه (3) . قال ابن عباس: ~~بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة فسألوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا: إن هذا لزمانه، وإنا نجد في التوراة نعته وصفته، فكان ذلك آية على ~~صدقه (4) . # قوله تعالى: {أن يعلمه} يعني: يعلم محمد صلى الله عليه وسلم، {علماء بني ~~إسرائيل} قال عطية: كانوا خمسة عبد الله بن سلام، وابن يامين، وثعلبة، ~~وأسد، وأسيد (5) . {ولو نزلناه} يعني القرآن، {على بعض الأعجمين} جمع ~~الأعجمي، وهو الذي لا يفصح ولا يحسن العربية وإن كان عربيا في النسب، ~~والعجمي: منسوب إلى العجم، وإن كان فصيحا. ومعنى الآية: ولو نزلناه على رجل ~~ليس بعربي اللسان. {فقرأه عليهم} بغير لغة العرب، {ما كانوا به مؤمنين} ~~وقالوا: ما نفقه قولك، نظيره قوله عز وجل: "ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا ~~لولا فصلت آياته" (فصلت-44) ، وقيل: معناه ولو نزلناه على رجل ليس من العرب ~~لما آمنوا به أنفة من اتباعه. {كذلك سلكناه} قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد: ms1863 ~~أدخلنا الشرك والتكذيب {في قلوب المجرمين} PageV06P129 ### || # {لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم (201) فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون ~~(202) فيقولوا هل نحن منظرون (203) أفبعذابنا يستعجلون (204) أفرأيت إن ~~متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) } # {ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون (207) وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ~~(208) ذكرى وما كنا ظالمين (209) وما تنزلت به الشياطين (210) وما ينبغي ~~لهم وما يستطيعون (211) إنهم عن السمع لمعزولون (212) فلا تدع مع الله إلها ~~آخر فتكون من المعذبين (213) } # {لا يؤمنون به} أي: بالقرآن، {حتى يروا العذاب الأليم} يعني: عند الموت. ~~{فيأتيهم} يعني: العذاب، {بغتة} فجأة، {وهم لا يشعرون} به في الدنيا. ~~{فيقولوا هل نحن منظرون} أي: لنؤمن ونصدق، يتمنون الرجعة والنظرة. قال ~~مقاتل: لما أوعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب، قالوا: إلى متى ~~توعدنا بالعذاب؟ متى هذا العذاب؟ قال الله تعالى: {أفبعذابنا يستعجلون ~~أفرأيت إن متعناهم سنين} كثيرة في الدنيا، يعني: كفار مكة، ولم نهلكهم. {ثم ~~جاءهم ما كانوا يوعدون} يعني: بالعذاب. {ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} به ~~في تلك السنين. والمعنى: أنهم وإن طال تمتعهم بنعيم الدنيا فإذا أتاهم ~~العذاب لم يغن عنهم طول التمتع شيئا، ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط. ~~{وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون} رسل ينذرونهم. {ذكرى} محلها نصب، أي: ~~ينذرونهم، تذكرة، وقيل: رفع أي: تلك ذكرى، {وما كنا ظالمين} في تعذيبهم حيث ~~قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم. {وما تنزلت به الشياطين} وذلك أن ~~المشركين كانوا يقولون إن الشياطين يلقون القرآن على لسان محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فقال جل ذكره: "وما تنزلت به"، أي: بالقرآن، الشياطين. {وما ~~ينبغي لهم} أن ينزلوا بالقرآن، {وما يستطيعون} ذلك. {إنهم عن السمع} أي: عن ~~استراق السمع من السماء، {لمعزولون} أي: محجوبون بالشهب مرجومون. {فلا تدع ~~مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يحذر # PageV06P130 # به غيره، يقول: أنت أكرم الخلق علي ولو اتخذت إلها غيري لعذبتك. ### || # {وأنذر عشيرتك الأقربين (214) } # {وأنذر عشيرتك الأقربين} روى محمد بن ms1864 إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن ~~المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، ~~عن عبد الله بن عباس، عن علي بن أبي طالب. قال: لما نزلت هذه الآية على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وأنذر عشيرتك الأقربين} دعاني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: "يا علي إن الله يأمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ~~فضقت بذلك ذرعا وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت ~~عليها جاءني جبريل، فقال لي: يا محمد إلا تفعل ما تؤمر يعذبك ربك، فاصنع ~~لنا صاعا من طعام واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عسا من لبن، ثم اجمع لي ~~بني عبد المطلب حتى أبلغهم ما أمرت به". قال علي رضي الله عنه: ففعلت ما ~~أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون ~~رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم أعمامه 52/ب أبو طالب، وحمزة، والعباس، ~~وأبو لهب، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعته فجئت به، فلما وضعته ~~تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم جذبة من اللحم، فشقها بأسنانه ثم ~~ألقاها في نواحي الصحفة، ثم قال: "خذوا باسم الله" فأكل القوم حتى ما لهم ~~بشيء حاجة، وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم، ~~ثم قال: "اسق القوم" فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتى رووا جميعا، وايم الله ~~إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب فقال: سحركم صاحبكم، فتفرق القوم ولم يكلمهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الغد: "يا علي إن هذا الرجل قد سبقني ~~إلى ما سمعت من القوم فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فعد لنا من الطعام بمثل ~~ما صنعت ثم اجمعهم"، ففعلت ثم جمعتهم فدعاني بالطعام فقربته، ففعل كما فعل ~~بالأمس، فأكلوا وشربوا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا بني ms1865 ~~عبد المطلب إني قد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة. وقد أمرني الله تعالى أن ~~أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني على أمري هذا؟ ويكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم، ~~فأحجم القوم عنها جميعا، فقلت -وأنا أحدثهم سنا-أنا يا نبي الله أكون وزيرك ~~عليه. قال: فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له ~~وأطيعوا"، فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لعلي ~~وتطيع (1) . PageV06P131 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا ~~أبو أسامة، حدثنا الأعمش، حدثنا عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما: لما نزلت: {وأنذر عشيرتك الأقربين} "ورهطك منهم المخلصين" ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف يا صاحباه، فقالوا: ~~من هذا؟ فاجتمعوا إليه فقال: "أرأيتكم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من صفح هذا ~~الجبل أكنتم مصدقي"؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا قال: "فإني نذير لكم بين ~~يدي عذاب شديد" فقال أبو لهب: تبا لك ما جمعتنا إلا لهذا، ثم قام: فنزلت ~~"تبت يدا أبي لهب وقد تب" هكذا قرأ الأعمش يومئذ (1) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عمر بن حفص بن غياث، ~~حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثني عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ~~قال: لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} صعد النبي على الصفا فجعل ينادي: ~~"يا بني فهر، يا بني عدي -لبطون قريش-حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع ~~أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو ~~أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما ~~جربنا عليك إلا صدقا، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو ~~لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: "تبت يدا ms1866 أبي لهب وتب ما أغنى ~~عنه مالك وما كسب" (2) PageV06P132 ### || # {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) } # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن ~~الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أنا أبا هريرة ~~قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله تعالى: {وأنذر عشيرتك ~~الأقربين} فقال: "يا معشر قريش، أو كلمة نحوها، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم ~~من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد ~~المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من ~~الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله ~~شيئا" (1) . # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرني جدي أبو سهل بن عبد ~~الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، ~~أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، ~~عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار المجاشعي قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما ~~علمني يومي هذا، وإنه قال: إن كل مال نحلته عبادي فهو لهم حلال، وإني خلقت ~~عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما ~~أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وإن الله نظر إلى ~~أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وإن الله تعالى ~~أمرني أن أخوف قريشا، فقلت: يا رب إنهم إذا يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة، ~~فقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وقد أنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، ~~تقرؤه في المنام واليقظة، فاغزهم نغزك، وأنفق ننفق عليك، وابعث جيشا نمددك ~~بخمسة أمثالهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، ثم قال: أهل ms1867 الجنة ثلاثة: إمام ~~مقسط، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل غني متصدق، وأهل النار ~~خمسة: الضعيف الذي لا دين له، الذين هم فيكم تبع لا يتبعون بذلك أهلا ولا ~~مالا ورجل إن أصبح أصبح يخادعك عن أهلك ومالك، ورجل لا يخفى له طمع -وإن ~~دق-إلا ذهب به، والشنظير الفاحش. قال: وذكر البخل والكذب" (2) . قوله عز ~~وجل: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} . PageV06P133 ### || # {فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون (216) وتوكل على العزيز الرحيم (217) ~~الذي يراك حين تقوم (218) وتقلبك في الساجدين (219) إنه هو السميع العليم ~~(220) } # {فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} من الكفر وعبادة غير الله. {وتوكل} ~~قرأ أهل المدينة، والشام: "فتوكل" بالفاء، وكذلك هو في مصاحفهم وقرأ ~~الباقون بالواو "وتوكل"، {على العزيز الرحيم} ليكفيك كيد الأعداء. {الذي ~~يراك حين تقوم} إلى صلاتك، 53/أعن أكثر المفسرين. وقال مجاهد: الذي يراك ~~أينما كنت. وقيل: حين تقوم لدعائهم. {وتقلبك في الساجدين} أي: يرى تقلبك في ~~صلاتك في حال قيامك وركوعك وسجودك وقعودك. قال عكرمة وعطية عن ابن عباس: في ~~الساجدين أي: في المصلين. وقال مقاتل والكلبي: أي مع المصلين في الجماعة، ~~يقول: يراك حين تقوم وحدك للصلاة ويراك إذا صليت مع المصلين في الجماعة. ~~وقال مجاهد: يرى تقلب بصرك في المصلين، فإنه كان يبصر من خلفه كما يبصر من ~~أمامه. أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هل ترون قبلتي هاهنا، فوالله ~~ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري" (1) وقال الحسن: ~~"وتقلبك في الساجدين" أي: تصرفك وذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين. وقال ~~سعيد بن جبير: يعني وتصرفك في أحوالك، كما كانت الأنبياء من قبلك. ~~والساجدون: هم الأنبياء. وقال عطاء عن ابن عباس: أراد تقلبك في أصلاب ~~الأنبياء من نبي إلى نبي حتى أخرجك في هذه الأمة (2) . {إنه هو السميع ms1868 ~~العليم} . PageV06P134 ### || # {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم (222) ~~يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223) والشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم تر ~~أنهم في كل واد يهيمون (225) } # {هل أنبئكم} أخبركم، {على من تنزل الشياطين} هذا جواب قولهم: تنزل عليه ~~شيطان، ثم بين فقال: {تنزل} أي: تتنزل، {على كل أفاك} كذاب، {أثيم} فاجر، ~~قال قتادة: هم الكهنة، يسترق الجن السمع ثم يلقون إلى أوليائهم من الإنس. ~~وهو قوله عز وجل: {يلقون السمع} {يلقون السمع} أي: يستمعون من الملائكة ~~مستقرين، فيلقون إلى الكهنة، {وأكثرهم كاذبون} لأنهم يخلطون به كذبا كثيرا. ~~قوله عز وجل: {والشعراء يتبعهم الغاوون} قال أهل التفسير: أراد شعراء ~~الكفار الذين كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر مقاتل ~~أسماءهم، فقال: منهم عبد الله بن الزبعرى السهمي، وهبيرة بن أبي وهب ~~المخزومي، ومشافع بن عبد مناف. وأبو عزة بن عبد الله الجمحي، وأمية بن أبي ~~الصلت الثقفي، تكلموا بالكذب وبالباطل، وقالوا: نحن نقول مثل ما يقول محمد. ~~وقالوا الشعر، واجتمع إليهم غواة من قومهم يستمعون أشعارهم حين يهجون النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويروون عنهم وذلك (1) . قوله: {والشعراء ~~يتبعهم الغاوون} هم الرواة الذين يروون هجاء [النبي صلى الله عليه وسلم و ~~(2) المسلمين. وقال قتادة ومجاهد: الغاوون هم الشياطين. وقال الضحاك: تهاجى ~~رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما من الأنصار والآخر من ~~قوم آخرين، ومع كل واحد منهما غواة من قومه، وهم السفهاء فنزلت هذه الآية. ~~وهي رواية عطية عن ابن عباس (3) . {ألم تر أنهم في كل واد} [من أودية ~~الكلام] (4) {يهيمون} جائرون وعن طريق الحق حائدون، والهائم: الذاهب على ~~وجهه لا مقصد له. PageV06P135 # قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: في كل لغو يخوضون (1) وقال ~~مجاهد: في كل فن يفتنون. وقال قتادة: يمدحون بالباطل ويستمعون ويهجون ~~بالباطل (2) فالوادي مثل لفنون الكلام، كما يقال: أنا في واد وأنت في واد. ~~وقيل: "في كل واد يهيمون" أي: على كل حرف من حروف الهجاء يصوغون ms1869 القوافي. ### || # {وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون (227) } # {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} أي: يكذبون في شعرهم، يقولون: فعلنا وفعلنا، ~~وهم كذبة. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي ~~شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة عن ~~الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لأن ~~يمتلئ جوف أحدكم قيحا، خير له من أن يمتلئ شعرا" (3) ثم استثنى شعراء ~~المسلمين الذين كانوا يجيبون شعراء الجاهلية، ويهجون شعراء الكفار، ~~وينافحون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، منهم حسان بن ثابت، وعبد ~~الله بن رواحة، وكعب بن مالك، فقال: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ~~أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد ~~الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور ~~الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب ~~بن مالك، عن أبيه، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أنزل في ~~الشعر ما أنزل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن يجاهد بسيفه ~~ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل" (4) . PageV06P136 # أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد ~~الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا إسحاق بن ~~منصور، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا ثابت، عن أنس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه ~~ويقول: # خلوا بني الكفار عن سبيله %~% اليوم نضربكم على تنزيله # ضربا يزيل الهام عن مقيله %~% ويذهل الخليل عن خليله # فقال له عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم ~~الله تقول الشعر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خل عنه يا ms1870 عمر، فلهي ~~أسرع فيهم من نضح النبل" (1) أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن ~~عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حجاج ~~بن منهال، حدثنا شعبة، أخبرني عدي أنه سمع البراء قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لحسان: "اهجهم أو هاجهم وجبريل معك" (2) . # أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، ~~أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى، حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري ~~وعلي بن حجر -المعنى واحد-قالا حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن ~~عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم 53/ب يضع ~~لحسان بن ثابت منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إن الله يؤيد حسان بروح القدس، ما ينافح أو يفاخر عن ~~رسول الله" (3) . أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغفار بن ~~محمد، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا ~~مسلم بن الحجاج، حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، PageV06P137 # حدثني أبي عن جدي، حدثنا خالد بن زيد، حدثني سعيد بن أبي هلال عن عمارة ~~بن غزية، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي عن سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اهجوا قريشا فإنه أشد عليهم من رشق ~~النبل"، فأرسل إلى ابن رواحة فقال: "اهجهم"، فهجاهم فلم يرض، فأرسل إلى كعب ~~بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ~~ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه، فقال: والذي ~~بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبا حتى ~~يخلص لك نسبي"، فأتاه حسان ثم ms1871 رجع، فقال: يا رسول الله قد خلص لي نسبك، ~~والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين. قالت عائشة: فسمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: "إن روح القدس لا يزال يؤيدك، ما ~~نافحت عن الله ورسوله"، وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"هاجهم حسان فشفى واشتفى"، قال حسان: # هجوت محمدا فأجبت عنه %~% وعند الله في ذاك الجزاء # هجوت محمدا برا حنيفا %~% رسول الله شيمته الوفاء # فإن أبي ووالدتي وعرضي %~% لعرض محمد منكم وقاء # فمن يهجو رسول الله منكم %~% ويمدحه وينصره سواء # وجبريل رسول الله فينا %~% وروح القدس ليس له كفاء (1) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن ~~الزهري، أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن أن مروان بن الحكم أخبره أن عبد ~~الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبره أن أبي بن كعب أخبره أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "إن من الشعر لحكمة" (2) قالت عائشة رضي الله تعالى ~~عنها: الشعر كلام، فمنه حسن، ومنه قبيح، فخذ الحسن ودع القبيح (3) وقال ~~الشعبي: كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يقول الشعر، وكان عمر رضي الله ~~تعالى عنه يقول الشعر، وكان علي رضي الله تعالى عنه أشعر الثلاثة (4) . ~~PageV06P138 # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشده؛ ~~فروي أنه دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي فاستنشده القصيدة التي قالها فقال: ~~أمن آل نعم أنت غاد فمبكر %~% غداة غد أم رائح فمهجر # فأنشده ابن أبي ربيعة القصيدة إلى آخرها، وهي قريبة من سبعين بيتا، ثم إن ~~ابن عباس أعاد القصيدة جميعها، وكان حفظها بمرة واحدة. {وذكروا الله كثيرا} ~~أي: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله، {وانتصروا من بعد ما ظلموا} قال مقاتل: ~~انتصروا من المشركين، لأنهم بدءوا بالهجاء. ثم أوعد شعراء المشركين فقال: ~~{وسيعلم الذين ظلموا} أشركوا وهجوا رسول الله صلى ms1872 الله عليه وسلم (1) {أي ~~منقلب ينقلبون} أي مرجع يرجعون بعد الموت. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~إلى جهنم والسعير. والله أعلم (2) . PageV06P139 ### | سورة النمل # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) هدى وبشرى للمؤمنين (2) الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (3) إن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم ~~في الآخرة هم الأخسرون (5) } # {طس} قال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله تعالى، وقد سبق الكلام في حروف ~~الهجاء (1) . {تلك آيات القرآن} أي: هذه آيات القرآن، {وكتاب مبين} أي: ~~وآيات كتاب مبين. {هدى وبشرى للمؤمنين} يعني: هو هدى من الضلالة، وبشرى ~~للمؤمنين المصدقين به بالجنة. {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~بالآخرة هم يوقنون} (2) . {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم} ~~القبيحة حتى رأوها حسنة، {فهم يعمهون} أي: يترددون فيها متحيرين. {أولئك ~~الذين لهم سوء العذاب} شدة العذاب في الدنيا بالقتل والأسر ببدر، {وهم في ~~الآخرة هم الأخسرون} لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم وصاروا إلى النار. ~~PageV06P140 ### || # {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (6) إذ قال موسى لأهله إني آنست ~~نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها ~~نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين (8) } # {وإنك لتلقى القرآن} أي: تؤتى القرآن وتلقن (1) {من لدن حكيم عليم} أي: ~~وحيا من عند الله الحكيم العليم. قوله عز وجل: {إذ قال موسى لأهله} أي: ~~واذكر يا محمد (2) إذ قال موسى لأهله في مسيره من مدين إلى مصر: {إني آنست ~~نارا} [أي: أبصرت نارا] (3) . {سآتيكم منها بخبر} أي: امكثوا مكانكم، ~~سآتيكم بخبر عن الطريق، وكان قد ترك الطريق، {أو آتيكم بشهاب قبس} قرأ أهل ~~الكوفة: "بشهاب" بالتنوين، جعلوا القبس نعتا للشهاب، وقرأ الآخرون بلا ~~تنوين على الإضافة، وهو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الشهاب والقبس متقاربان ~~في المعنى، وهو العود الذي في أحد طرفيه نار، وليس في الطرف الآخر نار. ~~وقال بعضهم: ms1873 الشهاب هو شيء ذو نور، مثل العمود، والعرب تسمي كل أبيض ذي نور ~~شهابا، والقبس: القطعة من النار، {لعلكم تصطلون} تستدفئون من البرد، وكان ~~ذلك في شدة الشتاء. {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها} أي: ~~بورك على من في النار أو من في النار، والعرب تقول: باركه الله وبارك فيه، ~~وبارك عليه، بمعنى واحد. وقال قوم: البركة راجعة إلى موسى والملائكة، ~~معناه: بورك في من طلب النار، وهو موسى عليه السلام، {ومن حولها} وهم ~~الملائكة 54/أالذين حول النار، ومعناه: بورك فيك يا موسى وفي الملائكة ~~الذين حول النار، وهذا تحية من عند الله عز وجل لموسى بالبركة، كما حيا ~~إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: رحمة الله وبركاته ~~عليكم أهل البيت. ومذهب أكثر المفسرين أن المراد بالنار النور، ذكر بلفظ ~~النار لأن موسى حسبه نارا، و"من في النار" هم الملائكة، وذلك أن النور الذي ~~رآه موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتقديس والتسبيح، PageV06P144 # و"من حولها" هو موسى لأنه كان بالقرب منها، ولم يكن فيها. وقيل: "من في ~~النار ومن حولها" جميعا الملائكة. وقيل: "من في النار" موسى و"من حولها" ~~الملائكة، وموسى وإن لم يكن في النار كان قريبا منها، كما يقال: بلغ فلان ~~المنزل، إذا قرب منه، وإن لم يبلغه بعد. وذهب بعضهم إلى أن البركة راجعة ~~إلى النار. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: معناه بوركت النار. وروى سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت أبيا يقرأ: أن بوركت النار ومن حولها، و"من" ~~قد تأتي بمعنى ما، كقوله تعالى: "فمنهم من يمشي على بطنه" (النور-45) ، ~~و"ما" قد يكون صلة في الكلام، كقوله "جند ما هنالك" (ص-11) ، ومعناه: بورك ~~في النار وفيمن حولها، وهم الملائكة وموسى عليهم السلام، وسمى النار مباركة ~~كما سمى البقعة مباركة فقال: "في البقعة المباركة". # وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن في قوله: {بورك من في النار} يعني ~~قدس من في النار، وهو الله، عنى به ms1874 نفسه، على معنى أنه نادى موسى منها ~~وأسمعه كلامه من جهتها (1) كما روي: أنه مكتوب في التوراة: "جاء الله من ~~سيناء، وأشرف من ساعين، واستعلى من جبال فاران" (2) فمجيئه من سيناء: بعثة ~~موسى منها، ومن ساعين بعثة المسيح منها، ومن جبال فاران بعثة المصطفى منها، ~~وفاران مكة (3) . قيل: كان ذلك نوره عز وجل. قال سعيد بن جبير: كانت النار ~~بعينها، والنار إحدى حجب الله تعالى، كما جاء في الحديث: "حجابه النار لو ~~كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (4) ثم نزه الله نفسه ~~وهو المنزه من كل سوء وعيب، فقال جل ذكره. {وسبحان الله رب العالمين} ### || # {يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9) } # ثم تعرف إلى موسى بصفاته، فقال: {يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم} ~~والهاء في قوله {إنه} عماد، وليس بكناية، وقيل: هي PageV06P145 # كناية عن الأمر والشأن، أي: الأمر والشأن، أي: المعبود أنا (1) ### || # {وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف ~~إني لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور ~~رحيم (11) } # ثم أرى موسى آية على قدرته، فقال: {وألق عصاك فلما رآها تهتز} تتحرك، ~~{كأنها جان} وهي الحية الصغيرة التي يكثر اضطرابها، {ولى مدبرا} هرب من ~~الخوف، {ولم يعقب} لم يرجع، يقال: عقب فلان إذا رجع، وكل راجع معقب. وقال ~~قتادة: ولم يلتفت، فقال الله عز وجل: {يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي ~~المرسلون} يريد إذا آمنتهم لا يخافون، أما الخوف الذي هو شرط الإيمان فلا ~~يفارقهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أخشاكم لله" (2) . وقوله: ~~{إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم} واختلف في هذا الاستثناء، ~~قيل: هذا إشارة إلى أن موسى حين قتل القبطي خاف من ذلك، ثم تاب فقال: رب ~~إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فغفر له. قال ابن جريج: قال الله تعالى لموسى: ~~إنما أخفتك لقتلك النفس. وقال: معنى الآية: لا ms1875 يخيف الله الأنبياء إلا بذنب ~~يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يتوب، فعلى هذا التأويل يكون الاستثناء ~~صحيحا وتناهى الخبر عن الرسل عند قوله: {إلا من ظلم} ثم ابتدأ الخبر عن حال ~~من ظلم من الناس كافة. وفي الآية متروك استغني عن ذكره بدلالة الكلام عليه، ~~تقديره: فمن ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم (3) . # وقال بعض العلماء: ليس هذا باستثناء من المرسلين لأنه لا يجوز عليهم ~~الظلم، بل هو استثناء من المتروك في الكلام، معناه: لا يخاف لدي المرسلون، ~~إنما الخوف على غيرهم من الظالمين، إلا من ظلم ثم تاب، وهذا من الاستثناء ~~المنقطع، معناه (4) لكن من ظلم من سائر الناس فإنه يخاف، فإن تاب وبدل حسنا ~~بعد سوء فإن الله غفور رحيم، يعني يغفر الله له ويزيل الخوف عنه (5) . ~~PageV06P146 # وقال بعض النحويين: "إلا" هاهنا بمعنى: "ولا" (1) يعني: لا يخاف لدي ~~المرسلون ولا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء، يقول: لا يخاف لدي المرسلون ولا ~~المذنبون التائبون، كقوله تعالى: "لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ~~ظلموا منهم" (البقرة-150) ، يعني: ولا الذين ظلموا (2) ### || # {وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه ~~إنهم كانوا قوما فاسقين (12) فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين ~~(13) } # {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ~~(14) ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين (15) } # ثم أراه الله آية أخرى فقال: {وأدخل يدك في جيبك} والجيب حيث جيب من ~~القميص، أي: قطع، قال أهل التفسير: كانت عليه مدرعة من صوف لا كم لها ولا ~~أزرار، فأدخل يده في جيبه وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل البرق، فذلك قوله: ~~{تخرج بيضاء من غير سوء} من غير برص، {في تسع آيات} يقول هذه آية مع تسع ~~آيات أنت مرسل بهن، {إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين} {فلما جاءتهم ~~آياتنا مبصرة} بينة واضحة يبصر بها، {قالوا هذا سحر ms1876 مبين} ظاهر. {وجحدوا ~~بها} أي: أنكروا الآيات ولم يقروا أنها من عند الله، {واستيقنتها أنفسهم} ~~أي: علموا أنها من عند الله، قوله: {ظلما وعلوا} أي: شركا وتكبرا عن أن ~~يؤمنوا بما جاء به موسى، {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} قوله عز وجل: ~~{ولقد آتينا داود وسليمان علما} أي: علم القضاء ومنطق الطير والدواب وتسخير ~~الشياطين وتسبيح الجبال، {وقالا الحمد لله الذي فضلنا} بالنبوة والكتاب ~~وتسخير الشياطين والجن والإنس {على كثير من عباده المؤمنين} # PageV06P147 ### || # {وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل ~~شيء إن هذا لهو الفضل المبين (16) } # {وورث سليمان داود} 54/ب نبوته وعلمه وملكه دون سائر أولاده (1) وكان ~~لداود تسعة عشر ابنا، وأعطي سليمان ما أعطي داود من الملك، وزيد له تسخير ~~الريح وتسخير الشياطين. قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى ~~منه، وكان داود أشد تعبدا من سليمان، وكان سليمان شاكرا لنعم الله تعالى. # {وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير} سمى صوت الطير منطقا لحصول الفهم ~~منه، كما يفهم من كلام الناس. روي عن كعب قال (2) صاح ورشان عند سليمان ~~عليه السلام، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: إنه يقول لدوا للموت ~~وابنوا للخراب، وصاحت فاختة، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: إنها ~~تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وصاح طاووس، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: ~~لا قال: فإنه يقول: كما تدين تدان، وصاح هدهد، فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ ~~قالوا: لا قال: فإنه يقول: من لا يرحم لا يرحم، وصاح صرد، فقال: أتدرون ما ~~يقول؟ قالوا: لا قال: فإنه يقول: استغفروا الله يا مذنبين، قال: وصاحت ~~طوطى، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: فإنها تقول: كل حي ميت وكل ~~حديد بال، وصاح خطاف، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: فإنه يقول: ~~قدموا خيرا تجدوه، وهدرت حمامة، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: ~~فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه، وصاح قمري، فقال: أتدرون ما ms1877 ~~يقول؟ قالوا: لا قال: فإنه يقول: سبحان ربي الأعلى، قال: والغراب يدعو على ~~العشار، والحدأة تقول: كل شيء هالك إلا الله، والقطاة تقول: من سكت سلم، ~~والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه، والضفدع يقول: سبحان ربي القدوس، ~~والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، والضفدعة تقول: سبحان المذكور بكل لسان. ~~وعن مكحول قال: صاح دراج عند سليمان، فقال: هل تدرون ما يقول؟ قالوا: لا ~~قال: فإنه يقول: الرحمن على العرش استوى. PageV06P148 # وعن فرقد السبخي قال مر سليمان على بلبل فوق شجر يحرك رأسه ويميل ذنبه، ~~فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ فقالوا الله ونبيه أعلم، قال ~~يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء. وروي أن جماعة من اليهود قالوا ~~لابن عباس: إنا سائلوك عن سبعة أشياء فإن أخبرتنا آمنا وصدقنا، قال: سلوا ~~تفقها ولا تسألوا تعنتا، قالوا: أخبرنا ما يقول القنبر في صفيره، والديك في ~~صقيعه، والضفدع في نقيقه، والحمار في نهيقه، والفرس في صهيله، وماذا يقول ~~الزرزور والدراج؟ قال: نعم، أما القنبر فيقول: اللهم العن مبغضي محمد وآل ~~محمد، وأما الديك فيقول: اذكروا الله يا غافلين، وأما الضفدع فيقول: سبحان ~~المعبود في لجج البحار، وأما الحمار فيقول: اللهم العن العشار، وأما الفرس ~~فيقول: إذا التقى الصفان سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وأما الزرزور ~~فيقول: اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم يا رازق، وأما الدراج فيقول: الرحمن ~~على العرش استوى، قال: فأسلم اليهود وحسن إسلامهم. # وروي عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي قال: إذا ~~صاح النسر قال: يا ابن آدم، عش ما شئت آخره الموت، وإذا صاح العقاب قال: في ~~البعد من الناس أنس، وإذا صاح القنبر قال: إلهي العن مبغضي آل محمد، وإذا ~~صاح الخطاف، قرأ: الحمد لله رب العالمين، ويمد الضالين كما يمد القارئ. ~~قوله تعالى: {وأوتينا من كل شيء} يؤتى الأنبياء والملوك، قال ابن عباس: من ~~أمر الدنيا والآخرة. وقال مقاتل: يعني النبوة والملك وتسخير الجن والشياطين ~~والرياح، {إن هذا لهو ms1878 الفضل المبين} الزيادة الظاهرة على ما أعطى غيرنا. ~~وروى أن سليمان عليه السلام أعطي مشارق الأرض ومغاربها، فملك سبعمائة سنة ~~وستة أشهر، ملك جميع أهل الدنيا من الجن والإنس والدواب والطير والسباع (1) ~~وأعطي على ذلك منطق كل شيء، وفي زمانه صنعت الصنائع العجيبة (2) . ### || # {وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) } # قوله عز وجل: {وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير} في مسيره له، ~~{فهم يوزعون} فهم يكفون. قال قتادة: كان على كل صف من جنوده وزعة ترد ~~[أولها على أخراها] (3) لئلا يتقدموا في المسير، والوازع الحابس، وهو ~~النقيب. وقال مقاتل: يوزعون يساقون، PageV06P149 # وقال السدي: يوقفون. وقيل: يجمعون. وأصل الوزع الكف والمنع. قال محمد بن ~~كعب القرظي: كان معسكر سليمان مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة ~~وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من ~~قوارير على الخشب، فيها ثلثمائة صريحة (1) وسبعمائة سرية فيأمر الريح ~~العاصف فترفعه، ويأمر الرخاء فتسير به، وأوحى الله إليه وهو يسير بين ~~السماء والأرض: إني قد زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا ~~جاءت به الريح، فأخبرتك (2) . ### || # {حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا ~~يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) } # قوله عز وجل: {حتى إذا أتوا على وادي النمل} روي عن وهب بن منبه عن كعب ~~قال: كان سليمان إذا ركب حمل أهله وخدمه وحشمه، وقد اتخذ مطابخ ومخابز (3) ~~يحمل فيها تنانير الحديد وقدور عظام، يسع كل قدر عشر جزائر وقد اتخذ ميادين ~~للدواب أمامه، فيطبخ الطباخون، ويخبز الخبازون، وتجري الدواب بين يديه بين ~~السماء والأرض، والريح تهوي بهم، فسار من اصطخر إلى اليمن فسلك مدينة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال سليمان: هذه دار هجرة نبي في آخر الزمان، ~~طوبى لمن آمن به وطوبى لمن اتبعه، ورأى حول البيت أصناما تعبد من دون الله ~~فلما جاوز سليمان البيت بكى البيت، 55/أفأوحى الله إلى البيت ما يبكيك؟ ms1879 ~~فقال: يا رب أبكاني أن هذا نبي من أنبيائك وقوم من أوليائك مروا علي فلم ~~يهبطوا ولم يصلوا عندي، والأصنام تعبد حولي من دونك فأوحى الله إليه أن لا ~~تبك، فإني سوف أملؤك وجوها سجدا، وأنزل فيك قرآنا جديدا وأبعث منك نبيا في ~~آخر الزمان أحب أنبيائي إلي، وأجعل فيك عمارا من خلقي يعبدونني، وأفرض على ~~عبادي فريضة يذفون إليك ذفيف النسور إلى وكرها، ويحنون إليك حنين الناقة ~~إلى ولدها والحمامة إلى بيضتها، وأطهرك من الأوثان وعبدة الشياطين (4) ثم ~~مضى سليمان حتى مر بوادي السدير واد من الطائف، فأتى على وادي النمل، هكذا ~~قال كعب: إنه واد بالطائف. وقال قتادة ومقاتل: هو أرض بالشام. وقيل: واد ~~كان يسكنه الجن، وأولئك النمل مراكبهم (5) PageV06P150 # وقال نوف الحميري: كان نمل ذلك الوادي أمثال الذباب (1) . وقيل: ~~كالبخاتي. والمشهور: أنه النمل الصغير. وقال الشعبي: كانت تلك النملة ذات ~~جناحين. وقيل: كانت نملة عرجاء فنادت: {قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا ~~مساكنكم} ولم تقل: ادخلن، لأنه لما جعل لهم قولا كالآدميين خوطبوا بخطاب ~~الآدميين، {لا يحطمنكم} لا يكسرنكم، {سليمان وجنوده} والحطم الكسر، {وهم لا ~~يشعرون} فسمع سليمان قولها، وكان لا يتكلم خلق إلا حملت الريح ذلك فألقته ~~في مسامع سليمان. قال مقاتل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. قال ~~الضحاك: كان اسم تلك النملة طاحية، قال مقاتل: كان اسمها جرمى (2) . فإن ~~قيل: كيف يتصور الحطم من سليمان وجنوده وكانت الريح تحمل سليمان وجنوده على ~~بساط بين السماء والأرض؟ قيل: كان جنوده ركبانا وفيهم مشاة على الأرض تطوى ~~لهم. وقيل: يحتمل أن يكون هذا قبل تسخير الله الريح لسليمان. قال أهل ~~التفسير: علم النمل أن سليمان نبي ليس فيه جبرية ولا ظلم. ومعنى الآية: ~~أنكم لو لم تدخلوا مساكنكم وطؤوكم ولم يشعروا بكم. ويروى أن سليمان لما بلغ ~~وادي النمل حبس جنوده حتى دخل النمل بيوتهم. ### || # {فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى ~~والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك ms1880 في عبادك الصالحين (19) } # قوله عز وجل: {فتبسم ضاحكا من قولها} قال الزجاج: أكثر ضحك الأنبياء ~~التبسم. وقوله {ضاحكا} أي: متبسما. قيل: كان أوله التبسم وآخره الضحك. ~~أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، ~~أخبرنا عمرو، هو ابن الحارث، أخبرنا النضر، PageV06P151 # حدثه عن سليمان بن يسار، عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مستجمعا قط ضاحكا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم (1) . أخبرنا ~~عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، أخبرنا ~~الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة عن ~~عبد الله بن المغيرة عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال: ما رأيت أحدا أكثر ~~تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) . # قال مقاتل: كان ضحك سليمان من قول النملة تعجبا، لأن الإنسان إذا رأى ما ~~لا عهد له به تعجب وضحك، ثم حمد سليمان ربه على ما أنعم عليه. {وقال رب ~~أوزعني} ألهمني، {أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ~~ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} أي: أدخلني في جملتهم، وأثبت اسمى ~~مع أسمائهم واحشرني في زمرتهم، قال ابن عباس: يريد مع إبراهيم، وإسماعيل، ~~وإسحاق، ويعقوب، ومن بعدهم من النبيين. وقيل: أدخلني الجنة برحمتك من عبادك ~~الصالحين. ### || # {وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) } # قوله عز وجل: {وتفقد الطير} أي: طلبها وبحث عنها، والتفقد: طلب ما فقد، ~~ومعنى الآية: طلب ما فقد من الطير، {فقال ما لي لا أرى الهدهد} أي: ما ~~للهدهد لا أراه؟. تقول العرب: ما لي أراك كئيبا؟ أي: مالك؟ والهدهد: طائر ~~معروف. وكان سبب تفقده الهدهد وسؤاله عنه، قيل: إخلاله بالنوبة، وذلك أن ~~سليمان كان إذا نزل منزلا يظله وجنده الطير من الشمس، فأصابته الشمس من ~~موضع الهدهد، فنظر فرآه خاليا. # وروي عن ابن ms1881 عباس: أن الهدهد كان دليل سليمان على الماء وكان يعرف موضع ~~الماء ويرى الماء تحت الأرض، كما يرى في الزجاجة، ويعرف قربه وبعده فينقر ~~الأرض، ثم تجيء الشياطين فيسلخونه ويستخرجون الماء. قال سعيد بن جبير: لما ~~ذكر ابن عباس هذا قال له نافع بن الأزرق: يا وصاف انظر ما تقول، إن الصبي ~~منا يضع الفخ ويحثو عليه التراب، فيجيء الهدهد ولا يبصر الفخ حتى يقع في ~~عنقه، PageV06P152 # فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر. وفي رواية: إذا ~~نزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمي البصر (1) . فنزل سليمان منزلا فاحتاج إلى ~~الماء فطلبوا فلم يجدوا، فتفقد الهدهد ليدل على الماء، فقال: ما لي لا أرى ~~الهدهد، على تقرير أنه مع جنوده، وهو لا يراه، ثم أدركه الشك في غيبته، ~~فقال: {أم كان من الغائبين} يعني أكان من الغائبين؟ والميم صلة، وقيل: "أم" ~~بمعنى "بل"، ثم أوعده على غيبته، فقال: {لأعذبنه عذابا شديدا} ### || # {لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) } # {لأعذبنه عذابا شديدا} واختلفوا في العذاب الذي أوعده به، فأظهر الأقاويل ~~أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس ممعطا، لا يمتنع من النمل ولا من هوام ~~الأرض (2) . وقال مقاتل وابن حيان: لأطلينه بالقطران ولأشمسنه. وقيل: ~~لأودعنه القفص. وقيل: لأفرقن بينه وبين إلفه. وقيل: لأحبسنه مع ضده. {أو ~~لأذبحنه} لأقطعن حلقه، {أو ليأتينني بسلطان مبين} بحجة بينة في غيبته، وعذر ~~ظاهر، قرأ ابن كثير: «ليأتينني» بنونين، الأولى 55/ب مشددة، وقرأ الآخرون ~~بنون واحدة مشددة. # وكان سبب غيبة الهدهد على ما ذكره العلماء (3) أن سليمان لما فرغ من بناء ~~بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم، فتجهز للمسير، واستصحب من الجن ~~والإنس والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ، فحملهم الريح، ~~فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم، وكان ينحر كل يوم بمقامه ~~بمكة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة (4) وقال لمن حضره ~~من أشراف قومه: إن هذا مكان ms1882 يخرج منه نبي عربي صفته كذا وكذا، يعطى النصر ~~على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق ~~سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم. قالوا فبأي دين يدين يا نبي الله؟ قال: ~~يدين بدين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به، فقالوا: كم بيننا وبين خروجه ~~يا نبي الله؟ قال مقدار ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فإنه سيد ~~الأنبياء وخاتم الرسل، قال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه، ثم خرج من مكة صباحا، ~~وسار نحو اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء ~~تزهو خضرتها فأحب PageV06P153 # النزول بها ليصلي ويتغدى، فلما نزل قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل ~~بالنزول فارتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها، ففعل ذلك، فنظر ~~يمينا وشمالا فرأى بستانا لبلقيس، فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد ~~فهبط عليه، وكان اسم هدهد سليمان "يعفور" واسم هدهد اليمن "عنفير"، فقال ~~عنفير اليمن ليعفور سليمان: من أين أقبلت وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام ~~مع صاحبي سليمان بن داود. فقال: ومن سليمان؟ قال ملك الجن والإنس والشياطين ~~والطير والوحوش والرياح، فمن أين أنت؟ قال: أنا من هذه البلاد، قال: ومن ~~ملكها؟ قال: امرأة يقال لها بلقيس، وإن لصاحبكم ملكا عظيما ولكن ليس ملك ~~بلقيس دونه، فإنها ملكة اليمن كلها، وتحت يدها اثنا عشر ألف (1) قائد، تحت ~~يد كل قائد مائة ألف مقاتل، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: ~~أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء، قال الهدهد ~~اليماني: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، فانطلق معه ونظر إلى ~~بلقيس وملكها، وما رجع إلى سليمان إلا في وقت العصر. قال: فلما نزل سليمان ~~ودخل عليه وقت الصلاة وكان نزل على غير ماء، فسأل الإنس والجن والشياطين عن ~~الماء فلم يعلموا، فتفقد الطير، ففقد الهدهد، فدعا عريف الطير -وهو النسر- ~~فسأله عن الهدهد، فقال: أصلح الله الملك، ما أدري أين هو، وما أرسلته ms1883 ~~مكانا، فغضب عند ذلك سليمان، وقال: {لأعذبنه عذابا شديدا} الآية. ثم دعا ~~العقاب سيد الطير فقال: علي بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه دون السماء ~~حتى التزق بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يمينا ~~وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض العقاب نحوه يريده، فلما ~~رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده، فقال: بحق الله الذي قواك ~~وأقدرك علي إلا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء، قال: فولى عنه العقاب، وقال له: ~~ويلك ثكلتك أمك، إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم طارا متوجهين ~~نحو سليمان، فلما انتهيا إلى المعسكر تلقاه النسر والطير، فقالوا له: ويلك ~~أين غبت في يومك هذا؟ ولقد توعدك نبي الله، وأخبراه بما قال، فقال الهدهد: ~~أوما استثنى رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: "أو ليأتيني بسلطان مبين"، قال: ~~فنجوت إذا، ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه، ~~فقال العقاب قد أتيتك به يا نبي الله، فلما قرب الهدهد رفع رأسه وأرخى ذنبه ~~وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده ~~إليه وقال: أين كنت؟ لأعذبنك عذابا شديدا، فقال الهدهد: يا نبي الله اذكر ~~وقوفك بين يدي الله تعالى، فلما سمع سليمان ذلك ارتعد وعفا عنه، ثم سأله ~~فقال: ما الذي أبطأ بك عني؟ فقال الهدهد ما أخبر الله عنه في قوله: {فمكث ~~غير بعيد} ### || # {فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22) } # {إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) } # {فمكث غير بعيد} قرأ عاصم ويعقوب: {فمكث} بفتح الكاف، وقرأ الآخرون بضمها ~~وهما لغتان، {غير بعيد} أي: غير طويل، {فقال أحطت بما لم تحط به} والإحاطة: ~~العلم بالشيء من جميع جهاته، يقول: علمت ما لم تعلم، وبلغت ما لم تبلغه أنت ~~ولا جنودك، {وجئتك من سبإ} قرأ أبو عمرو، والبزي عن ابن كثير من "سبأ" ~~[و"لسبأ" في سورة سبأ، مفتوحة ms1884 الهمزة، وقرأ القواص عن ابن كثير] (1) ساكنة ~~بلا همزة، وقرأ الآخرون بالإجراء، فمن لم يجره جعله اسم البلد، ومن أجراه ~~جعله اسم رجل، فقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن سبأ ~~فقال: "كان رجلا له عشرة من البنين تيامن منهم ستة وتشاءم أربعة" (2) . ~~{بنبإ} بخبر، {يقين} فقال سليمان: وما ذاك؟ قال: {إني وجدت امرأة تملكهم} ~~{إني وجدت امرأة تملكهم} وكان اسمها بلقيس بنت شراحيل، من نسل يعرب بن ~~قحطان، وكان أبوها ملكا عظيم الشأن، قد ولد له أربعون ملكا هو آخرهم، وكان ~~يملك أرض اليمن كلها، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤا لي، وأبى ~~أن يتزوج فيهم، فزوجوه امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له ~~بلقيس، [ولم يكن له ولد غيرها، وجاء في الحديث: إن إحدى أبوي بلقيس كان ~~جنيا (3) . فلما مات أبو بلقيس] (4) طمعت في الملك فطلبت من قومها أن ~~يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها قوم آخرون، فملكوا عليهم رجلا وافترقوا ~~فرقتين، كل فرقة استولت على طرف من أرض اليمن، ثم إن الرجل الذي ملكوه أساء ~~السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم رعيته ويفجر بهن، فأراد قومه ~~خلعه فلم يقدروا عليه، فلما رأت ذلك بلقيس PageV06P155 # أدركتها الغيرة فأرسلت إليه 56/أتعرض نفسها عليه، فأجابها الملك، وقال: ~~ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلا اليأس منك، فقالت لا أرغب عنك، كفؤ كريم، ~~فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم، فجمعهم وخطبها إليهم، فقالوا: لا نراها ~~تفعل هذا، فقال لهم: إنها ابتدأتني فأنا أحب أن تسمعوا قولها فجاؤوها، ~~فذكروا لها، فقالت: نعم أحببت الولد. فزوجوها منه، فلما زفت إليه خرجت في ~~أناس كثير من حشمها، فلما جاءته سقته الخمر حتى سكر، ثم جزت رأسه وانصرفت ~~من الليل إلى منزلها، فلما أصبح الناس رأوا الملك قتيلا ورأسه منصوب على ~~باب دارها، فعلموا أن تلك المناكحة كانت مكرا وخديعة منها، فاجتمعوا إليها ~~وقالوا: أنت بهذا الملك أحق من غيرك، فملكوها (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، ms1885 أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عثمان بن الهيثم، أخبرنا ~~عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: لما بلغ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم ~~امرأة" (2) . قوله تعالى: {وأوتيت من كل شيء} يحتاج إليه الملوك من الآلة ~~والعدة، {ولها عرش عظيم} سرير ضخم كان مضروبا من الذهب مكللا بالدر ~~والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وقوائمه من الياقوت والزمرد، وعليه سبعة ~~أبيات على كل بيت باب مغلق. قال ابن عباس: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعا في ~~ثلاثين ذراعا: وطوله في السماء ثلاثون ذراعا. وقال مقاتل: كان طوله ثمانين ~~ذراعا وطوله في السماء (3) ثمانين ذراعا. وقيل: كان طوله ثمانين ذراعا ~~وعرضه أربعين ذراعا وارتفاعه ثلاثين ذراعا. ### || # {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم ~~عن السبيل فهم لا يهتدون24 ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات ~~والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (25) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ~~(26) قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (27) } PageV06P156 # {ألا يسجدوا} قرأ أبو جعفر والكسائي: "ألا يسجدوا" بالتخفيف، وإذا وقفوا ~~يقفون "ألا يا": ألا يا ثم يبتدئون: "اسجدوا"، على معنى: ألا يا هؤلاء ~~اسجدوا، وجعلوه أمرا من عند الله مستأنفا، وحذفوا هؤلاء اكتفاء بدلالة "يا" ~~عليها، وذكر بعضهم سماعا من العرب: ألا يا ارحمونا، يريدون ألا يا قوم، ~~وقال الأخطل: ألا يا اسلمي يا هند هند بني بكر ... وإن كان حيانا عدا آخر ~~الدهر (1) # يريد: ألا يا اسلمي يا هند، وعلى هذا يكون قوله "ألا" كلاما معترضا من ~~غير القصة، إما من الهدهد، وإما من سليمان. قال أبو عبيدة: هذا أمر من الله ~~مستأنف يعني: يا أيها الناس اسجدوا. وقرأ الآخرون: "ألا يسجدوا" بالتشديد، ~~بمعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا، {لله الذي يخرج الخبء} أي: ~~الخفي المخبأ، {في السموات والأرض} أي: ما خبأت. قال ms1886 أكثر المفسرين: خبء ~~السماء: المطر، وخبء الأرض: النبات. وفي قراءة عبد الله: "يخرج الخبء من ~~السموات والأرض"، و"من" و"في" يتعاقبان، تقول العرب: لأستخرجن العلم فيكم، ~~يريد: منكم. وقيل: معنى "الخبء" الغيب، يريد: يعلم غيب السموات والأرض. ~~{ويعلم ما تخفون وما تعلنون} قرأ الكسائي، وحفص، عن عاصم: بالتاء فيهما، ~~لأن أول الآية خطاب على قراءة الكسائي بتخفيف ألا وقرأ الآخرون بالياء. ~~{الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} أي: هو المستحق للعبادة والسجود لا ~~غيره. وعرش ملكة سبأ وإن كان عظيما فهو صغير حقير في جنب عرشه عز وجل، تم ~~هاهنا كلام الهدهد، فلما فرغ الهدهد من كلامه. {قال} سليمان للهدهد: {سننظر ~~أصدقت} فيما أخبرت، {أم كنت من الكاذبين} ؟ فدلهم الهدهد على الماء، ~~فاحتفروا الركايا (2) وروي الناس والدواب، ثم كتب سليمان كتابا: من عبد ~~الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام ~~على من اتبع الهدى، PageV06P157 # أما بعد: فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. قال ابن جريج لم يزد سليمان على ~~ما قص الله في كتابه. وقال قتادة: وكذلك الأنبياء كانت تكتب جملا لا يطيلون ~~ولا يكثرون. فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك وختمه بخاتمه. فقال للهدهد {اذهب ~~بكتابي هذا فألقه إليهم} ### || # {اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون (28) قالت ~~يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (29) } # ( {اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم} قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة: ساكنة ~~الهاء، ويختلسها أبو جعفر، ويعقوب وقالون كسرا، [والآخرون بالإشباع كسرا] ، ~~{ثم تول عنهم} تنح عنهم فكن قريبا منهم، {فانظر ماذا يرجعون} يردون من ~~الجواب. وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا ~~فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم، أي: انصرف إلي، فأخذ الهدهد ~~الكتاب فأتى به إلى بلقيس، وكانت بأرض يقال لها "مأرب" من صنعاء على ثلاثة ~~أيام، فوافاها في قصرها وقد غلقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلقت الأبواب ~~وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية ms1887 على ~~قفاها، فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة. وقال مقاتل: حمل الهدهد ~~الكتاب بمنقاره حتى وقف على رأس المرأة وحولها القادة والجنود فرفرف ساعة ~~والناس ينظرون إليه، حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها. # وقال ابن منبه، وابن زيد: كانت لها كوة مستقبلة الشمس تقع الشمس فيها حين ~~تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد الكوة فسدها بجناحيه فارتفعت ~~الشمس ولم تعلم، فلما استبطأت الشمس قامت تنظر، فرمى بالصحيفة إليها، فأخذت ~~بلقيس الكتاب، وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم أرعدت وخضعت لأن ملك سليمان ~~كان في خاتمه، وعرفت أن الذي أرسل الكتاب إليها أعظم ملكا منها، فقرأت ~~الكتاب، وتأخر الهدهد غير بعيد، فجاءت حتى قعدت على سرير مملكتها وجمعت ~~الملأ من قومها، وهم اثنا عشر ألف قائد مع كل قائد مائة ألف مقاتل. وعن ابن ~~عباس قال: كان مع بلقيس مائة ألف [قيل، مع كل قيل مائة ألف] والقيل الملك ~~دون الملك الأعظم، وقال قتادة ومقاتل: كان أهل 56/ب مشورتها ثلثمائة وثلاثة ~~عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف، قال: فجاءوا وأخذوا مجالسهم (1) . ~~{قالت} هم بلقيس: {يا أيها الملأ} وهم أشراف الناس وكبراؤهم {إني ألقي إلي ~~كتاب كريم} PageV06P158 # قال عطاء والضحاك: سمته كريما لأنه كان مختوما. وروى ابن جريج عن عطاء عن ~~ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كرامة الكتاب ختمه" (1) وقال ~~قتادة ومقاتل: "كتاب كريم" أي: حسن، وهو اختيار الزجاج، وقال: حسن ما فيه، ~~وروي عن ابن عباس: "كريم"، أي: شريف لشرف صاحبه، وقيل: سمته كريما لأنه كان ~~مصدرا ببسم الله الرحمن الرحيم (2) ثم بينت ممن الكتاب فقالت: {إنه من ~~سليمان} ### || # {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا علي وأتوني ~~مسلمين (31) قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى ~~تشهدون (32) قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا ~~تأمرين (33) قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ~~وكذلك يفعلون (34) } # {إنه ms1888 من سليمان} وبينت المكتوب فقالت: {وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} ~~{ألا تعلوا علي} قال ابن عباس: أي: لا تتكبروا علي. وقيل: لا تتعظموا ولا ~~تترفعوا علي. معناه: لا تمتنعوا من الإجابة، فإن ترك الإجابة من العلو ~~والتكبر، {وأتوني مسلمين} مؤمنين طائعين. قيل: هو من الإسلام، وقيل: هو من ~~الاستسلام. {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري} أشيروا علي فيما عرض لي، ~~وأجيبوني فيما أشاوركم فيه، {ما كنت قاطعة} قاضية وفاصلة، {أمرا حتى ~~تشهدون} [أي: تحضرون] (3) . {قالوا} مجيبين لها: {نحن أولو قوة} في القتال، ~~{وأولو بأس شديد} عند الحرب، قال مقاتل: أرادوا بالقوة كثرة العدد، وبالبأس ~~الشديد الشجاعة، وهذا تعريض منهم بالقتال إن أمرتهم بذلك، ثم قالوا: ~~{والأمر إليك} أيتها الملكة في القتال وتركه، {فانظري} من الرأي، {ماذا ~~تأمرين} تجدينا لأمرك مطيعين. {قالت} بلقيس مجيبة لهم عن التعريض للقتال: ~~{إن الملوك إذا دخلوا قرية} عنوة، PageV06P159 # {أفسدوها} خربوها، {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} أي: أهانوا أشرافها ~~وكبراءها، كي يستقيم لهم الأمر، تحذرهم مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم، ~~وتناهى الخبر عنها هاهنا، فصدق الله قولها فقال: {وكذلك يفعلون} أي: كما ~~قالت هي يفعلون. ### || # {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) } # ثم قالت: {وإني مرسلة إليهم بهدية} والهدية هي: العطية على طريق ~~الملاطفة. وذلك أن بلقيس كانت امرأة لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من ~~قومها: إني مرسلة إليهم، أي: إلى سليمان وقومه، بهدية أصانعه بها عن ملكي ~~وأختبره بها أملك هو أم نبي؟ فإن يكن ملكا قبل الهدية وانصرف، وإن كان نبيا ~~لم يقبل الهدية ولم يرضه منا إلا أن نتبعه على دينه، فذلك قوله تعالى: ~~{فناظرة بم يرجع المرسلون} [فأهدت إليه] (1) وصفاء ووصائف، قال ابن عباس ~~(2) ألبستهم لباسا واحدا كي لا يعرف ذكر من أنثى. وقال مجاهد: ألبس الغلمان ~~لباس الجواري وألبس الجواري لباس الغلمان. واختلفوا في عددهم، فقال ابن ~~عباس: مائة وصيف ومائة وصيفة (3) وقال مجاهد: [ومقاتل] (4) مائتا غلام ~~ومائتا جارية. # وقال قتادة، وسعيد بن جبير: أرسلت إليه بلبنة من ذهب ms1889 في حرير وديباج. ~~وقال ثابت البناني: أهدت إليه صفائح من الذهب في أوعية الديباج. وقيل: كانت ~~أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة ~~جارية، فألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي ~~أعناقهم أطواقا من ذهب وفي آذانهم أقراطا وشنوفا مرصعات بأنواع الجواهر، ~~وألبست الجواري لباس الغلمان؛ الأقبية والمناطق، وحملت الجواري على خمسمائة ~~رمكة (5) والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصع ~~بالجواهر وغواشيها من الديباج الملون، وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب ~~وخمسمائة لبنة من فضة، PageV06P160 # وتاجا مكللا بالدر والياقوت المرتفع، وأرسلت إليه المسك والعنبر والعود ~~الألنجوج، وعمدت إلى حقة فجعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة وخرزة جزعية ~~مثقوبة معوجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو، ~~وضمت إليه، رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل، وكتبت معه كتابا بنسخة الهدية، ~~وقالت فيه: إن كنت نبيا فميز بين الوصائف والوصفاء، وأخبر بما في الحقة قبل ~~أن تفتحها، واثقب الدر ثقبا مستويا، وأدخل خيطا في الخرزة المثقوبة من غير ~~علاج إنس ولا جن. وأمرت بلقيس الغلمان، فقالت: إذا كلمكم سليمان فكلموه ~~بكلام تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه ~~غلظة يشبه كلام الرجال. # ثم قالت للرسول: انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه فإن نظر إليك نظر غضب ~~فاعلم أنه ملك ولا يهولنك منظره، فإنا أعز منه، وإن رأيت الرجل بشاشا لطيفا ~~فاعلم أنه نبي مرسل فتفهم قوله، ورد الجواب. فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل ~~الهدهد مسرعا إلى سليمان فأخبره الخبر كله، فأمر سليمان الجن أن يضربوا ~~لبنات الذهب ولبنات الفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه ~~إلى تسعة فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان ~~حائطا، شرفها من الذهب والفضة، ثم قال: أي الدواب أحسن مما رأيتم في البر ~~والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنا رأينا دوابا في بحر كذا وكذا منطقة مختلفة ~~ألوانها لها ms1890 أجنحة وأعراف ونواص، فقال: علي بها الساعة، فأتوا بها، فقال: ~~شدوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضة، وألقوا لها ~~علوفتها فيها، ثم قال للجن: علي بأولادكم، فاجتمع خلق كثير، فأقامهم على ~~يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره، ووضع له أربعة ~~آلاف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفا فراسخ، ~~وأمر الإنس فاصطفوا فراسخ وأمر الوحوش والسباع والهوام والطير، فاصطفوا ~~فراسخ عن يمينه وعن يساره. فلما دنا القوم من الميدان 57/أونظروا إلى ملك ~~سليمان ورأوا الدواب التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبن الذهب والفضة، ~~تقاصرت أنفسهم ورموا بما معهم من الهدايا، وفي بعض الروايات [أن سليمان] ~~(1) لما أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم ~~موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا ~~وكل الأرض مفروشة خافوا أن يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان، فلما ~~رأوا الشياطين نظروا إلى منظر عجيب، ففزعوا، فقالت لهم الشياطين: جوزوا فلا ~~بأس عليكم، فكانوا PageV06P161 # يمرون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والهوام والسباع والوحوش، ~~حتى وقفوا بين يدي سليمان، فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق، وقال: ما ~~وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا له، وأعطاه كتاب الملكة، فنظر فيه، ثم ~~قال: أين الحقة؟ فأتى بها فحركها، وجاء جبريل فأخبره بما في الحقة، فقال: ~~إن فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وجزعة مثقوبة معوجة الثقب، فقال الرسول: ~~صدقت، فاثقب الدرة، وأدخل الخيط في الخرزة، فقال سليمان: من لي بثقبها فسأل ~~سليمان الإنس ثم الجن، فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين، فقالوا: ~~نرسل إلى الأرضة فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من ~~الجانب الآخر، فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ فقالت: تصير رزقي في الشجرة، ~~فقال لك ذلك. # وروي أنه جاءت دودة تكون في الصفصاف فقالت: أنا أدخل الخيط في الثقب على ~~أن يكون رزقي في الصفصاف، فجعل ms1891 لها ذلك، فأخذت الخيط بفيها ودخلت الثقب ~~وخرجت من الجانب الآخر. ثم قال: من لهذه الخرزة فيسلكها في الخيط؟ فقالت ~~دودة بيضاء أنا لها يا رسول الله فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب ~~حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان: ما حاجتك؟ فقالت: تجعل رزقي في ~~الفواكه، قال: لك ذلك، ثم ميز بين الجواري والغلمان، بأن أمرهم أن يغسلوا ~~وجوههم وأيديهم، فجعلت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله ~~على اليد الأخرى ثم تضرب به الوجه، والغلام كما يأخذه من الآنية يضرب به ~~وجهه، وكانت الجارية تصب الماء على بطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، ~~وكانت الجارية تصب الماء صبا وكان الغلام يحدر الماء على يديه حدرا، فميز ~~بينهم بذلك، ثم رد سليمان الهدية، كما قال الله تعالى: {فلما جاء سليمان ~~قال أتمدونني بمال} # PageV06P162 ### || # {فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل ~~أنتم بهديتكم تفرحون (36) } # {فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال} قرأ حمزة، ويعقوب: " أتمدوني " بنون ~~واحدة مشددة وإثبات الياء، وقرأ الآخرون: بنونين خفيفين، ويثبت الياء أهل ~~الحجاز والبصرة، والآخرون يحذفونها، {فما آتاني الله} أعطاني الله من ~~النبوة والدين والحكمة والملك، {خير} أفضل، {مما آتاكم بل أنتم بهديتكم ~~تفرحون} لأنكم أهل مفاخرة في الدنيا ومكاثرة بها، تفرحون بإهداء بعضكم ~~لبعض، فأما أنا فلا أفرح بها، وليست الدنيا من حاجتي، لأن الله تعالى قد ~~مكنني فيها وأعطاني منها ما لم يعط أحدا، ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة، ~~ثم قال للمنذر بن عمرو وأمير الوفد: {ارجع إليهم} # PageV06P162 ### || # {ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم ~~صاغرون (37) قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ~~(38) } # {ارجع إليهم} بالهدية، {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم} لا طاقة لهم، {بها ~~ولنخرجنهم منها} أي: من أرضهم وبلادهم وهي سبأ، {أذلة وهم صاغرون} ذليلون ~~إن لم يأتوني مسلمين. قال وهب وغيره من أهل الكتب: فلما رجعت رسل بلقيس ~~إليها من عند سليمان، قالت: ms1892 قد عرفت -والله-ما هذا بملك وما لنا به طاقة، ~~فبعثت إلى سليمان إني قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو ~~إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض في آخر ~~قصر من سبعة قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب، ووكلت به حراسا يحفظونه، ثم ~~قالت لمن خلفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، لا يخلص إليه أحد ~~ولا يرينه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا ينادي في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، ~~وشخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت يدي كل قيل ألوف ~~كثيرة. قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو ~~الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه، فرأى رهجا قريبا منه، فقال: ~~ما هذا؟ قالوا: بلقيس وقد نزلت منا بهذا المكان، وكان على مسيرة فرسخ من ~~سليمان، قال ابن عباس: وكان بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ، فأقبل سليمان ~~حينئذ على جنوده. {قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني ~~مسلمين} أي: مؤمنين، وقال ابن عباس: طائعين. واختلفوا في السبب الذي لأجله ~~أمر سليمان بإحضار عرشها، فقال أكثرهم: لأن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم ~~عليه مالها، فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها (1) . ~~وقيل: ليريها قدرة الله عز وجل وعظم سلطانه في معجزة يأتي بها في عرشها (2) ~~. PageV06P163 # وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لما وصفه الهدهد، فأحب أن يراه (1) . قال ~~ابن زيد: أراد أن يأمر بتنكيره وتغييره ليختبر بذلك عقلها (2) . ### || # {قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي ~~أمين (39) قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ~~فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر ~~فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40) } # {قال عفريت من الجن} وهو المارد القوي، قال وهب: اسمه ms1893 كوذى (3) وقيل: ~~ذكوان، قال ابن عباس: العفريت الداهية. وقال الضحاك: هو الخبيث. وقال ~~الربيع: الغليظ، قال الفراء: القوي الشديد، وقيل: هو صخرة الجني، وكان ~~بمنزلة جبل يضع قدمه عند منتهى طرفه، {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} ~~أي: من مجلسك الذي تقضي فيه، [قال ابن عباس: وكان له كل غداة مجلس يقضي ~~فيه] (4) إلى منتهى النهار، {وإني عليه} أي: على حمله، {لقوي أمين} على ما ~~فيه من الجواهر، فقال سليمان: أريد أسرع من هذا. ف {قال الذي عنده علم من ~~الكتاب} 57/ب واختلفوا فيه فقال بعضهم (5) هو جبريل. وقيل: هو ملك من ~~الملائكة أيد الله به نبيه سليمان عليه السلام. وقال أكثر المفسرين: هو آصف ~~بن برخيا، وكان صديقا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل ~~به أعطى. وروى جويبر، ومقاتل، عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن آصف قال ~~لسليمان حين صلى: مد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد سليمان عينيه، فنظر نحو ~~اليمين، ودعا آصف فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدون به ~~خدا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان. PageV06P164 # وقال الكلبي: خر آصف ساجدا ودعا باسم الله الأعظم فغاب عرشها تحت الأرض ~~حتى نبع عند كرسي سليمان. وقيل: كانت المسافة مقدار شهرين. واختلفوا في ~~الدعاء [الذي دعا به] (1) آصف، فقال مجاهد، ومقاتل: يا ذا الجلال والإكرام. ~~وقال الكلبي: يا حي يا قيوم. وروي ذلك عن عائشة. وروي عن الزهري قال: دعاء ~~الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ~~ائتني بعرشها. وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان، قال له عالم من بني ~~إسرائيل آتاه الله علما وفهما: {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} قال ~~سليمان: هات، قال: أنت النبي ابن النبي، وليس أحد أوجه عند الله منك، فإن ~~دعوت الله وطلبت إليه كان عندك، فقال: صدقت، ففعل ذلك، فجيء بالعرش في ~~الوقت. # وقوله تعالى: {قبل أن يرتد إليك ms1894 طرفك} قال سعيد بن جبير: يعني: من قبل أن ~~يرجع إليك أقصى من ترى، وهو أن يصل إليك من كان منك على مد بصرك. قال ~~قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر. وقال مجاهد: يعني إدامة النظر حتى ~~يرتد الطرف خاسئا. وقال وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه، حتى أمثله ~~بين يديك، {فلما رآه} يعني: رأى (2) سليمان العرش، {مستقرا عنده} محمولا ~~إليه من مأرب إلى (3) الشام في قدر ارتداد (4) الطرف، {قال هذا من فضل ربي ~~ليبلوني أأشكر} نعمته، {أم أكفر} [فلا أشكرها] (5) {ومن شكر فإنما يشكر ~~لنفسه} أي: يعود نفع شكره إليه، وهو أن يستوجب به تمام النعمة ودوامها، لأن ~~الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة، {ومن كفر فإن ربي غني} عن ~~شكره، {كريم} بإفضال على من يكفر نعمه. ### || # {قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (41) } # قوله تعالى: {قال نكروا لها عرشها} يقول: غيروا سريرها إلى حال تنكره إذا ~~رأته، قال قتادة ومقاتل: هو أن يزاد فيه وينقص، وروي أنه جعل أسفله أعلاه ~~وأعلاه أسفله، وجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر ومكان الأخضر أحمر، {ننظر ~~أتهتدي} إلى عرشها فتعرفه، {أم تكون من} الجاهلين، {الذين لا يهتدون} إليه، ~~وإنما حمل سليمان على ذلك كما ذكره وهب ومحمد بن كعب PageV06P165 # وغيرهما: أن الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن وذلك ~~أن أمها كانت جنية، وإذا ولدت له ولدا لا ينفكون من تسخير سليمان وذريته من ~~بعده، فأساؤا الثناء عليها ليزهدوه فيها، وقالوا: إن في عقلها شيئا وإن ~~رجلها كحافر الحمار وأنها شعراء الساقين فأراد سليمان أن يختبر عقلها ~~بتنكير عرشها وينظر إلى قدميها ببناء الصرح (1) . ### || # {فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا ~~مسلمين (42) وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين (43) ~~} # {فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو} قال مقاتل: عرفته لكنها شبهت ~~عليهم كما شبهوا عليها. وقال عكرمة: كانت حكيمة ms1895 لم تقل: نعم، خوفا من أن ~~تكذب، ولم تقل: لا خوفا من التكذيب، قالت: كأنه هو، فعرف سليمان كمال عقلها ~~حيث لم تقر ولم تنكر. وقيل اشتبه عليها أمر العرش، لأنها تركته في بيت خلف ~~سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها، وقيل لها: فإنه عرشك فما أغنى عنك إغلاق ~~الأبواب، فقال: {وأوتينا العلم} بصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة من أمر ~~الهدية والرسل، {من قبلها} من قبل الآية في العرش {وكنا مسلمين} منقادين ~~طائعين لأمر سليمان. وقيل قوله: "وأوتينا العلم من قبلها" قاله سليمان، ~~يقول: وأوتينا العلم بالله وبقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة، وكنا ~~مسلمين، هذا قول مجاهد (2) . وقيل: معناه وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها ~~طائعة من قبل مجيئها وكنا مسلمين طائعين لله عز وجل. قوله عز وجل: {وصدها ~~ما كانت تعبد من دون الله} أي: منعها ما كانت تعبد من دون الله، وهو الشمس، ~~أن تعبد الله، أي: صدها عبادة الشمس عن التوحيد وعبادة الله، فعلى هذا ~~التأويل يكون " ما " في محل الرفع (3) . PageV06P166 # وقيل: معناه [صدها عن عبادة الله لا نقصان عقلها كما قالت الجن: إن في ~~عقلها شيئا، بل كانت تعبد من دون الله] (1) . وقيل: معناه وصدها سليمان ما ~~كانت تعبد من دون الله، أي: منعها ذلك وحال بينها وبينه، فيكون محل "ما" ~~نصبا. {إنها كانت من قوم كافرين} هذا استئناف، أخبر الله تعالى أنها كانت ~~من قوم يعبدون الشمس، فنشأت بينهم ولم تعرف إلا عبادة الشمس. ### || # {قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ~~ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ~~(44) } # قوله عز وجل: {قيل لها ادخلي الصرح} الآية، وذلك أن سليمان أراد أن ينظر ~~إلى قدميها وساقيها من غير أن يسألها كشفها، لما قالت الشياطين: إن رجليها ~~كحافر الحمار، وهي شعراء الساقين، أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي: قصرا من ~~زجاج، وقيل بيتا من زجاج كأنه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى ms1896 ~~تحته الماء، وألقى فيه كل شيء من دواب البحر السمك والضفادع وغيرهما، ثم ~~وضع سريره في صدره وجلس عليه وعكفت عليه الطير والجن والإنس. وقيل: اتخذ ~~صحنا من قوارير وجعل تحتها تماثيل من الحيتان والضفادع، فكان الواحد إذا ~~رآه ظنه ماء. وقيل: إنما بنى الصرح ليختبر فهمها كما فعلت هي بالوصفاء ~~والوصائف (2) فلما جلس على السرير دعا بلقيس، فلما جاءت قيل لها ادخلي ~~الصرح. PageV06P167 # {فلما رأته حسبته لجة} 58/أوهي معظم الماء، {وكشفت عن ساقيها} لتخوضه إلى ~~سليمان، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس قدما وساقا إلا أنها كانت شعراء ~~الساقين، فلما رأى سليمان ذلك صرف بصره عنه وناداها (1) {قال إنه صرح ممرد} ~~مملس مستو، {من قوارير} وليس بماء، ثم إن سليمان دعاها إلى الإسلام، وكانت ~~قد رأت حال العرش والصرح فأجابت، و {قالت رب إني ظلمت نفسي} بالكفر. وقال ~~مقاتل: لما رأت السرير والصرح علمت أن ملك سليمان من الله فقالت: رب إني ~~ظلمت نفسي بعبادة غيرك، {وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} أي: أخلصت له ~~التوحيد. وقيل: إنها لما بلغت الصرح وظنته لجة، قالت في نفسها: إن سليمان ~~يريد أن يغرقني، وكان القتل علي أهون من هذا، فقولها: "ظلمت نفسي" تعني ~~بذلك الظن. # واختلفوا في أمرها بعد إسلامها، قال عون بن عبد الله: سأل رجل عبد الله ~~بن عتبة: هل تزوجها سليمان؟ قال: انتهى أمرها إلى قولها: أسلمت مع سليمان ~~لله رب العالمين، يعني: لا علم لنا وراء ذلك. وقال بعضهم: تزوجها، ولما ~~أراد أن يتزوجها كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها، فسأل الإنس: ما يذهب هذا؟ ~~قالوا: الموسى، فقالت المرأة: لم تمسني حديدة قط، فكره سليمان الموسى، ~~وقال: إنها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثم سأل الشياطين ~~فقالوا: إنا نحتال لك حيلة حتى تكون كالفضة البيضاء، فاتخذوا النورة ~~والحمام، فكانت النورة والحمامات من يومئذ (2) فلما تزوجها سليمان أحبها ~~حبا شديدا، وأقرها على ملكها، وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون ~~لم ير الناس مثلها ms1897 ارتفاعا وحسنا، وهي: سلحين، وبينون، وعمدان. ثم كان ~~سليمان يزورها في كل شهر مرة بعد أن ردها إلى ملكها ويقيم عندها ثلاثة ~~أيام، يبتكر من الشام إلى اليمن، ومن اليمن إلى الشام، وولدت له فيما ذكر ~~وروي عن وهب قال: زعموا أن بلقيس لما أسلمت قال لها سليمان: اختاري رجلا من ~~قومك أزوجكه، قالت: ومثلي يا نبي الله تنكح الرجال وقد كان لي في قومي من ~~الملك والسلطان ما كان؟ قال: نعم، إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك، ولا ~~ينبغي لك أن تحرمي ما أحل الله لك، فقالت: زوجني إن كان لا بد من ذلك ذا ~~تبع ملك همذان فزوجه إياها، ثم ردها إلى اليمن، وسلط زوجها ذا تبع على ~~اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن، فقال: اعمل لذي تبع ما PageV06P168 # استعملك فيه، فلم يزل بها ملكا يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان، ~~فلما أن حال الحول، وتبينت الجن موت سليمان أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى ~~إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إن الملك سليمان قد ~~مات، فارفعوا أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرقوا، وانقضى ملك ذي تبع، وملك بلقيس ~~مع ملك سليمان (1) . وقيل: إن الملك وصل إلى سليمان وهو ابن ثلاث عشرة سنة ~~ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. PageV06P169 ### || # {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان ~~يختصمون (45) قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون ~~الله لعلكم ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل ~~أنتم قوم تفتنون (47) } # قوله عز وجل: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن} [أي: أن] (1) ~~{اعبدوا الله} وحده، {فإذا هم فريقان} [مؤمن وكافر] (2) {يختصمون} في ~~الدين، قال مقاتل: واختصامهم ما ذكر في سورة الأعراف: "قال الملأ الذين ~~استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم"، إلى قوله: "يا صالح ائتنا ~~بما تعدنا إن كنت من المرسلين" (الأعراف-75-77) . ف {قال} لهم صالح، {يا ~~قوم لم تستعجلون بالسيئة} بالبلاء ms1898 والعقوبة، {قبل الحسنة} العافية والرحمة، ~~{لولا} هلا {تستغفرون الله} بالتوبة من كفركم، {لعلكم ترحمون} {قالوا ~~اطيرنا} أي: تشاءمنا، وأصله: تطيرنا، {بك وبمن معك} قيل: إنما قالوا ذلك ~~لتفرق كلمتهم. وقيل: لأنه أمسك عنهم المطر في ذلك الوقت وقحطوا، فقالوا: ~~أصابنا هذا الضر والشدة من شؤمك وشؤم أصحابك. {قال طائركم عند الله} أي: ما ~~يصيبكم من الخير والشر عند الله بأمره، وهو مكتوب عليكم، سمي طائرا لسرعة ~~نزوله بالإنسان، فإنه لا شيء أسرع من قضاء محتوم. قال ابن عباس: الشؤم ~~أتاكم من عند الله لكفركم. وقيل: طائركم أي: عملكم عند الله، سمي طائرا ~~لسرعة صعوده إلى السماء. {بل أنتم قوم تفتنون} قال ابن عباس: تختبرون ~~بالخير والشر، نظيره قوله تعالى: "ونبلوكم بالشر والخير فتنة" ~~(الأنبياء-35) ، وقال محمد بن كعب القرظي: تعذبون. PageV06P169 ### || # {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) قالوا ~~تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا ~~لصادقون (49) ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان ~~عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51) } # قوله تعالى: {وكان في المدينة} يعني: مدينة ثمود، وهي الحجر، {تسعة رهط} ~~من أبناء أشرافهم، {يفسدون في الأرض ولا يصلحون} وهم الذين اتفقوا على عقر ~~الناقة، وهم غواة قوم صالح، ورأسهم قدار بن سالف، وهو الذي تولى عقرها، ~~كانوا يعملون بالمعاصي. قالوا {تقاسموا بالله} تحالفوا، يقول بعضهم لبعض: ~~أي: احلفوا بالله أيها القوم. وموضع "تقاسموا" جزم على الأمر، وقال قوم: ~~محله نصب على الفعل الماضي، يعني: أنهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا ~~متقاسمين بالله، {لنبيتنه} أي: لنقتلنه بياتا أي: ليلا {وأهله} أي: وقومه ~~الذين أسلموا معه، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي "لتبيتنه" و"لتقولن" بالتاء ~~فيهما وضم لام الفعل على الخطاب، وقرأ الآخرون بالنون فيهما وفتح لام ~~الفعل، {ثم لنقولن لوليه} أي: لولي دمه، {ما شهدنا} ما حضرنا، {مهلك أهله} ~~أي: إهلاكهم، ولا ندري من قتله، ومن فتح الميم فمعناه هلاك أهله، {وإنا ~~لصادقون} في قولنا ما شهدنا ذلك. {ومكروا مكرا} غدروا غدرا ms1899 حين قصدوا تبييت ~~صالح والفتك به، {ومكرنا مكرا} جزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم، {وهم لا ~~يشعرون} {فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا} قرأ أهل الكوفة "أنا" بفتح الألف ~~ردا على العاقبة، أي: كانت العاقبة أنا دمرناهم، وقرأ الآخرون: 58/ب "إنا" ~~بالكسر على الاسئناف، {دمرناهم} أي: أهلكناهم التسعة. واختلفوا في كيفية ~~هلاكهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أرسل الله الملائكة تلك الليلة إلى ~~دار صالح يحرسونه، فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم، فرمتهم الملائكة ~~بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة، فقتلهم. قال مقاتل: نزلوا ~~في سفح جبل ينظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم. ~~{وقومهم أجمعين} أهلكهم الله بالصيحة. ### || # {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون (52) وأنجينا ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون (53) ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم ~~تبصرون (54) أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون ~~(55) } # {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون (56) فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) وأمطرنا ~~عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (58) قل الحمد لله وسلام على عباده الذين ~~اصطفى آلله خير أم ما يشركون (59) } # {فتلك بيوتهم خاوية} نصب على الحال أي: خالية، {بما ظلموا} أي: بظلمهم ~~وكفرهم، # PageV06P170 # {إن في ذلك لآية} لعبرة، {لقوم يعلمون} قدرتنا. {وأنجينا الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون} يقال: كان الناجون منهم أربعة آلاف. قوله تعالى: {ولوطا إذ ~~قال لقومه أتأتون الفاحشة} وهي الفعلة القبيحة، {وأنتم تبصرون} أي: تعلمون ~~أنها فاحشة. وقيل: معناه يرى بعضكم بعضا وكانوا لا يستترون عتوا منهم. ~~{أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون} {فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} من ~~أدبار الرجال. {فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها} قضينا عليها وجعلناها ~~بتقديرنا، {من الغابرين} أي: الباقين في العذاب. {وأمطرنا عليهم مطرا} وهو ~~الحجارة، {فساء} فبئس، {مطر المنذرين} قوله تعالى: {قل الحمد لله} هذا خطاب ~~لرسول ms1900 الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يحمد الله على هلاك كفار الأمم ~~الخالية. وقيل: على جميع نعمه. {وسلام على عباده الذين اصطفى} قال مقاتل: ~~هم الأنبياء والمرسلون (1) دليله قوله عز وجل: "وسلام على المرسلين". # وقال ابن عباس في رواية أبي مالك هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم (2) . ~~وقال الكلبي: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم (3) . وقيل: هم كل المؤمنين ~~من السابقين واللاحقين (4) {آلله خير أم ما يشركون} قرأ أهل البصرة وعاصم: ~~{يشركون} بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، يخاطب أهل مكة، وفيه إلزام الحجة ~~على المشركين بعد هلاك الكفار، يقول: آلله خير لمن عبده، أم الأصنام لمن ~~عبدها؟ والمعنى: أن الله نجى من عبده من الهلاك، والأصنام لم تغن شيئا عن ~~عابديها عند نزول العذاب. ### || # {أم من خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات ~~بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) أم من ~~جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا ~~أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) } # {أمن خلق السموات والأرض} معناه آلهتكم خير أم الذي خلق السموات والأرض، ~~{وأنزل لكم من السماء ماء} يعني المطر، {فأنبتنا به حدائق} ؟ بساتين جمع ~~حديقة، قال الفراء: الحديقة البستان المحاط عليه، فإن لم يكن عليه حائط ~~فليس بحديقة، {ذات بهجة} أي: منظر حسن، والبهجة: الحسن يبتهج به من يراه، ~~{ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} أي: ما ينبغي لكم، لأنكم لا تقدرون عليها. ~~{أإله مع الله} استفهام على طريق الإنكار، أي: هل معه معبود سواه أعانه على ~~صنعه؟ بل ليس معه إله. {بل هم قوم} يعني كفار مكة، {يعدلون} يشركون. {أمن ~~جعل الأرض قرارا} لا تميد بأهلها، {وجعل خلالها} وسطها (5) {أنهارا} تطرد ~~بالمياه، {وجعل لها رواسي} جبالا ثوابت، {وجعل بين البحرين} العذب والمالح، ~~{حاجزا} PageV06P171 # مانعا لئلا يختلط أحدهما بالآخر، {أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون} ~~توحيد ربه وسلطانه. ### || # {أم من يجيب المضطر إذا ms1901 دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع ~~الله قليلا ما تذكرون (62) أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل ~~الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون (63) } # {أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64) قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب ~~إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (65) } # {أمن يجيب المضطر} المكروب المجهود، {إذا دعاه ويكشف السوء} الضر (1) ~~{ويجعلكم خلفاء الأرض} سكانها يهلك قرنا وينشئ آخر. وقيل: يجعل أولادكم ~~خلفاءكم وقيل: جعلكم خلفاء الجن في الأرض. {أإله مع الله قليلا ما تذكرون} ~~قرأ أبو عمرو بالياء والآخرون بالتاء (2) . {أمن يهديكم في ظلمات البر ~~والبحر} إذا سافرتم، {ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} أي: قدام المطر، ~~{أإله مع الله تعالى الله عما يشركون} {أمن يبدأ الخلق ثم يعيده} بعد ~~الموت، {ومن يرزقكم من السماء والأرض} أي: من السماء المطر ومن الأرض ~~النبات. {أإله مع الله قل هاتوا برهانكم} حجتكم على قولكم أن مع الله إلها ~~آخر. {إن كنتم صادقين} {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} ~~نزلت في المشركين حيث سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة ~~(3) {وما يشعرون أيان يبعثون} PageV06P173 ### || # {بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون (66) وقال ~~الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون (67) لقد وعدنا هذا نحن ~~وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (68) } # {بل ادارك علمهم} قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: "أدرك" على وزن ~~أفعل أي: بلغ ولحق، كما يقال: أدركه علمي إذا لحقه وبلغه، يريد: ما جهلوا ~~في الدنيا وسقط علمه عنهم علموه في الآخرة. قال مجاهد: يدرك علمهم، {في ~~الآخرة} ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم. قال مقاتل: بل علموا ~~في الآخرة حين عاينوها ما شكوا وعموا عنه في الدنيا وهو قوله: {بل هم في شك ~~منها} ms1902 يعني: هم اليوم في شك من الساعة، وقرأ الآخرون: "بل أدراك" موصولا ~~مشددا مع ألف بعد الدال المشددة، أي: تدارك وتتابع علمهم في الآخرة وتلاحق. ~~وقيل: معناه اجتمع علمهم في الآخرة أنها كائنة، وهم في شك في وقتهم، فيكون ~~بمعنى الأول. وقيل: هو على طريق الاستفهام، معناه: هل تدارك وتتابع علمهم ~~بذلك في الآخرة؟ أي: لم يتتابع وضل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه، ~~لأن في الاستفهام ضربا من الجحد يدل عليه. قراءة ابن عباس "بلى" بإثبات ~~الياء، "أدارك" بفتح الألف على الاستفهام، أي: لم يدرك، وفي حرف أبي "أم ~~تدرك علمهم"، والعرب تضع "بل" موضع "أم" و"أم" موضع "بل" (1) وجملة القول ~~فيه: أن الله أخبر أنهم إذا بعثوا يوم القيامة يستوي علمهم في الآخرة وما ~~وعدوا فيها من الثواب والعقاب، وإن كانت علومهم مختلفة في الدنيا. وذكر علي ~~بن عيسى أن معنى "بل" هاهنا: "لو" ومعناه: لو أدركوا في الدنيا ما أدركوا ~~في الآخرة 59/ألم يشكوا. # قوله عز وجل: {بل هم في شك منها} بل هم اليوم في الدنيا في شك من الساعة. ~~{بل هم منها عمون} جمع عم، وهو الأعمى القلب. قال الكلبي: يقول هم جهلة ~~بها. {وقال الذين كفروا} يعني مشركي مكة، {أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا ~~لمخرجون} من قبورنا أحياء، قرأ أهل المدينة: "إذا" غير مستفهم، "أئنا" ~~بالاستفهام، وقرأ ابن عامر، والكسائي: "أإذا" بهمزتين، ["أإننا" بنونين، ~~وقرأ الآخرون باستفهامها. {لقد وعدنا هذا} أي: هذا البعث،] (2) {نحن ~~وآباؤنا من قبل} أي: من قبل محمد، PageV06P174 # وليس ذلك بشيء {إن هذا} ما هذا، {إلا أساطير الأولين} أحاديثهم وأكاذيبهم ~~التي كتبوها. ### || # {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين (69) ولا تحزن عليهم ~~ولا تك في ضيق مما يمكرون (70) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) ~~قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون (72) وإن ربك لذو فضل على الناس ~~ولكن أكثرهم لا يشكرون (73) وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (74) ~~وما من غائبة في السماء والأرض ms1903 إلا في كتاب مبين (75) إن هذا القرآن يقص ~~على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (76) } # {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين} {ولا تحزن عليهم} ~~على تكذيبهم إياك وإعراضهم عنك، {ولا تك في ضيق مما يمكرون} نزلت في ~~المستهزئين الذين اقتسموا عقاب مكة. {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين} {قل عسى أن يكون ردف} أي: دنا وقرب، {لكم} وقيل: تبعكم، والمعنى: ~~ردفكم، أدخل اللام كما أدخل في قوله "لربهم يرهبون" (الأعراف-154) ، قال ~~الفراء: اللام صلة زائدة، كما تقول: نقدته مائة، ونقدت له {بعض الذي ~~تستعجلون} من العذاب، فحل بهم ذلك يوم بدر. {وإن ربك لذو فضل على الناس} ~~قال مقاتل: على أهل مكة حيث لم يعجل عليهم العذاب، {ولكن أكثرهم لا يشكرون} ~~ذلك. {وإن ربك ليعلم ما تكن} ما تخفي (1) {صدورهم وما يعلنون} {وما من ~~غائبة} أي: جملة غائبة من مكتوم سر، وخفي أمر، وشيء غائب، {في السماء ~~والأرض إلا في كتاب مبين} أي: في اللوح المحفوظ. {إن هذا القرآن يقص على ~~بني إسرائيل} أي: يبين لهم، {أكثر الذي هم فيه يختلفون} من أمر الدين، قال ~~الكلبي: إن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم فصاروا أحزابا يطعن بعضهم على ~~PageV06P175 # بعض، فنزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه. # PageV06P176 ### || # {وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (77) إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز ~~العليم (78) فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79) إنك لا تسمع الموتى ~~ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80) وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ~~إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81) } # {وإنه} يعني القرآن، {لهدى ورحمة للمؤمنين} {إن ربك يقضي} يفصل (1) ~~{بينهم} أي: بين المختلفين في الدين يوم القيامة، {بحكمه} الحق، {وهو ~~العزيز} المنيع فلا يرد له أمر، {العليم} بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. ~~{فتوكل على الله إنك على الحق المبين} البين. {إنك لا تسمع الموتى} يعني ~~الكفار، {ولا تسمع الصم الدعاء} قرأ ابن كثير: "لا يسمع" بالياء وفتحها ~~وفتح الميم "الصم" رفع، وكذلك في سورة الروم، وقرأ ms1904 الباقون بالتاء وضمها ~~وكسر الميم، "الصم" نصب. {إذا ولوا مدبرين} معرضين. فإن قيل ما معنى قوله: ~~{ولوا مدبرين} وإذا كانوا صما لا يسمعون (2) سواء ولوا أو لم يولوا؟. قيل ~~ذكره: عل سبيل التأكيد والمبالغة. وقيل: الأصم إذا كان حاضرا فقد يسمع برفع ~~الصوت ويفهم بالإشارة، فإذا ولى لم يسمع ولم يفهم. قال قتادة: الأصم إذا ~~ولى مدبرا ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من ~~الإيمان. ومعنى الآية: أنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميت الذي لا ~~سبيل إلى إسماعه، والأصم الذي لا يسمع. {وما أنت بهادي العمي} قرأ الأعمش، ~~وحمزة: "تهدي" بالتاء وفتحها على الفعل "العمي" بنصب الياء هاهنا وفي ~~الروم. وقرأ الآخرون بهادي بالباء على الاسم، "العمي" بكسر الياء، {عن ~~ضلالتهم} أي: ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى وأعمى قلب عن الإيمان، ~~{إن تسمع} ما تسمع، {إلا من يؤمن بآياتنا} إلا من يصدق بالقرآن أنه من ~~الله، {فهم مسلمون} مخلصون. PageV06P176 ### || # {وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون (82) } # قوله تعالى: {وإذا وقع القول عليهم} وجب العذاب عليهم، وقال قتادة: إذا ~~غضب الله عليهم، {أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم} واختلفوا في كلامها، ~~فقال السدي: تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام. وقال بعضهم: كلامها أن ~~تقول لواحد: هذا مؤمن، وتقول لآخر: هذا كافر (1) . وقيل كلامها ما قال الله ~~تعالى: {أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} قال مقاتل تكلمهم بالعربية، ~~فتقول: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، تخبر الناس أن أهل مكة لم يؤمنوا ~~بالقرآن والبعث. # قرأ أهل الكوفة: "أن الناس" بفتح الألف، أي: بأن الناس، وقرأ الباقون ~~بالكسر على الاستئناف، أي: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون قبل خروجها. ~~قال ابن عمر: وذلك حين لا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر (2) . وقرأ سعيد بن ~~جبير، وعاصم الجحدري، وأبو رجاء العطاردي: "تكلمهم" بفتح التاء وتخفيف ~~اللام من "الكلم" وهو الجرح. قال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس ms1905 رضي الله ~~عنهما عن هذه الآية: "تكلمهم أو تكلمهم"؟ قال: كل ذلك تفعل، تكلم المؤمن، ~~وتكلم الكافر (3) . أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو ~~الحسن الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أخبرنا العلاء بن ~~عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، ودابة ~~الأرض، وخاصة أحدكم، وأمر العامة" (4) . أخبرنا إسماعيل بن عبد الله، ~~أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا ~~إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا أبو بكر بن أبي ~~شيبة، أخبرنا PageV06P177 # محمد بن بشر، عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، ~~وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها ~~قريبا" (1) . # وأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد ~~الله الحسين بن أحمد بن فنجويه، أخبرنا أبو بكر بن خرجة، أخبرنا محمد بن ~~عبد الله بن سليمان الحضرمي، أخبرنا هشيم بن حماد، أخبرنا عمرو بن محمد ~~العبقري، عن طلحة عن عمرو، عن عبد الله بن عمير الليثي، عن أبي سريحة ~~الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يكون للدابة ثلاث خرجات من ~~الدهر، فتخرج خروجا بأقصى اليمن فيفشو ذكرها بالبادية 59/ب ولا يدخل ذكرها ~~القرية"، يعني مكة، "ثم تمكث زمانا طويلا ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة، ~~فيفشو ذكرها بالبادية، ويدخل ذكرها القرية -يعني مكة-فبينما الناس يوما في ~~أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها على الله عز وجل -يعني المسجد الحرام- ~~لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد تدنو وتدنو" كذا قال ابن عمر، وما بين ~~الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط من ذلك فارفض ms1906 الناس ~~عنها وثبتت لها عصابة عرفوا أنهم لم يعجزوا الله، فخرجت عليهم تنفض رأسها ~~من التراب فمرت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنها الكوكب الدرية، ثم ولت ~~في الأرض لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب، حتى أن الرجل ليقوم فيتعوذ منها ~~بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان الآن تصلي؟ فيقبل عليها بوجهه فتسمه ~~في وجهه، فيتجاور الناس في ديارهم، ويصطحبون في أسفارهم، ويشتركون في ~~الأموال، يعرف الكافر من المؤمن، فيقال للمؤمن: يا مؤمن، ويقال للكافر: يا ~~كافر" (2) # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسن بن ~~محمد، أخبرنا أبو بكر بن مالك القطيعي، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ~~أخبرنا أبي، حدثنا بهز، حدثنا حماد، هو بن أبي سلمة، أخبرنا علي بن زيد، عن ~~أوس بن خالد، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تخرج ~~الدابة ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتحطم (3) ~~أنف الكافر PageV06P178 # بالخاتم، حتى إن أهل الخوان ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن ويقول هذا يا ~~كافر" (1) . وروي عن علي قال: ليست بدابة لها ذنب، ولكن لها لحية، كأنه ~~يشير إلى أنه رجل (2) والأكثرون على أنها دابة. وروى ابن جريج عن أبي ~~الزبير أنه وصف الدابة فقال: رأسها رأس الثور وعينها عين الخنزير، وأذنها ~~أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة ~~هر (3) وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ~~ذراعا، ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فلا يبقى مؤمن إلا نكتته في مسجده ~~بعصا موسى نكتة بيضاء يضيء بها وجهه، ولا يبقى كافر إلا نكتت وجهه بخاتم ~~سليمان فيسود بها وجهه، حتى إن الناس يتبايعون في الأسواق: بكم يا مؤمن؟ ~~بكم يا كافر؟ ثم تقول لهم الدابة: يا فلان أنت من أهل الجنة، ويا فلان أنت ~~من أهل النار، فذلك قوله عز وجل: {وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من ~~الأرض} الآية (4) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، ms1907 أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني عقيل بن محمد ~~الجرجاني الفقيه، أخبرنا أبو الفرج المعافى بن زكريا البغدادي، أخبرنا أبو ~~جعفر محمد بن جرير الطبري، أخبرنا أبو كريب، أخبرنا الأشجعي، عن فضيل بن ~~مرزوق، عن عطية، عن ابن عمر قال: تخرج الدابة من صدع في الصفا كجري الفرس ~~ثلاثة أيام وما خرج ثلثها (5) . وبه عن محمد بن جرير الطبري قال: حدثني ~~[عصام بن داود] (6) بن الجراح، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن سعيد، أخبرنا ~~منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: ~~ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة، قلت: يا رسول الله من أين تخرج؟ ~~قال: "من أعظم المساجد حرمة على الله، بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه ~~المسلمون إذ تضرب الأرض تحتهم، وتنشق الصفا مما يلي المشعر، وتخرج الدابة ~~من الصفا أول ما يبدر منها رأسها ملمعة ذات وبر وريش، لن يدركها ~~PageV06P179 # طالب ولن يفوتها هارب، تسمي الناس مؤمنا وكافرا، أما المؤمن فتترك وجهه ~~كأنه كوكب دري وتكتب بين عينيه مؤمن، وأما الكافر فتنكت بين عينيه نكتة ~~سوداء، وتكتب بين عينيه كافرا" (1) . وروي عن ابن عباس: أنه قرع الصفا ~~بعصاه وهو محرم، وقال: إن الدابة لتسمع قرع عصاي هذه. وعن عبد الله بن عمر، ~~قال: تخرج الدابة من شعب فيمس رأسها في السحاب ورجلاها في الأرض ما خرجتا، ~~فتمر بالإنسان يصلي فتقول: ما الصلاة من حاجتك، فتخطمه (2) . # وعن ابن عمر قال: تخرج الدابة ليلة جمع، والناس يسيرون إلى منى. وعن سهيل ~~بن صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بئس الشعب ~~شعب أجياد"، مرتين أو ثلاثا، قيل: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: "تخرج منه ~~الدابة فتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين" (3) وقال وهب: وجهها وجه ~~رجل وسائر خلقها كخلق الطير، فتخبر من رآها أن أهل مكة كانوا بمحمد والقرآن ~~لا يوقنون (4) . ### || # {ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (83) حتى إذا ~~جاءوا ms1908 قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم تعملون (84) } # قوله تعالى: {ويوم نحشر من كل أمة فوجا} أي: من كل قرن جماعة، {ممن يكذب ~~بآياتنا} وليس "من" هاهنا للتبعيض، لأن جميع المكذبين يحشرون، {فهم يوزعون} ~~يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا ثم يساقون إلى النار. {حتى إذا جاءوا} ~~يوم القيامة، {قال} الله لهم: {أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما} ولم ~~تعرفوها حق معرفتها، {أم ماذا كنتم تعملون} حين لم تفكروا فيها. ومعنى ~~الآية: أكذبتم PageV06P180 # بآياتي غير عالمين بها، ولم تفكروا في صحتها بل كذبتم بها جاهلين؟ ### || # {ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون (85) ألم يروا أنا جعلنا ~~الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (86) ويوم ~~ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه ~~داخرين (87) } # {ووقع القول} وجب العذاب، {عليهم بما ظلموا} بما أشركوا، {فهم لا ينطقون} ~~قال قتادة: كيف ينطقون ولا حجة لهم، نظيره قوله تعالى: "هذا يوم لا ينطقون ~~ولا يؤذن لهم فيعتذرون" (المرسلات-36) ، وقيل: لا ينطقون لأن أفواههم ~~مختومة. قوله عز وجل: {ألم يروا أنا جعلنا} خلقنا (1) {الليل ليسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا} مضيا (2) يبصر فيه، {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} يصدقون ~~فيعتبرون. قوله تعالى: {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في ~~الأرض} والصور قرن ينفخ فيه 60/أإسرافيل، وقال الحسن: الصور هي القرن، وأول ~~بعضهم كلامه أن الأرواح تجمع في القرن ثم ينفخ فيه فتذهب الأرواح إلى ~~الأجساد فتحيا الأجساد. وقوله: {ففزع من في السموات ومن في الأرض} أي: ~~فصعق، كما قال في آية أخرى: "فصعق من في السماوات ومن في الأرض" (الزمر-68) ~~، أي: ماتوا، والمعنى أنهم يلقى عليهم الفزع إلى أن يموتوا. وقيل: ينفخ ~~إسرافيل [في الصور] (3) . ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة ~~القيام لرب العالمين (4) . قوله: {إلا من شاء الله} اختلفوا في هذا ~~الاستثناء، روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عن ms1909 ~~قوله: {إلا من شاء الله} قال: هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش (5) . # وروى سعيد بن جبير، وعطاء عن ابن عباس: هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم ~~لا يصل PageV06P181 # الفزع إليهم (1) . وفي بعض الآثار: "الشهداء ثنية الله عز وجل" (2) أي: ~~الذين استثناهم الله تعالى. وقال الكلبي، ومقاتل: يعني جبريل، وميكائيل، ~~وإسرافيل، وملك الموت، فلا يبقى بعد النفخة إلا هؤلاء الأربعة، ثم يقبض ~~الله روح ميكائيل، ثم روح إسرافيل، ثم روح ملك الموت، ثم روح جبريل فيكون ~~آخرهم موتا جبريل عليه السلام. (3) . # ويروى أن الله تعالى يقول لملك الموت: خذ نفس إسرافيل، ثم يقول: من بقي ~~يا ملك الموت؟ فيقول: سبحانك ربي تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، ~~بقي جبريل وميكائيل وملك الموت، فيقول: خذ نفس ميكائيل، فيأخذ نفسه، فيقع ~~كالطود العظيم، فيقول: من بقي؟ فيقول: سبحانك ربي تباركت وتعاليت، بقي ~~جبريل وملك الموت، فيقول: مت يا ملك الموت، فيموت، فيقول: يا جبريل من بقي؟ ~~فيقول: تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام وجهك الباقي الدائم وجبريل ~~الميت الفاني، قال: فيقول يا جبريل لا بد من موتك، فيقع ساجدا يخفق بجناحيه ~~فيروى أن فضل خلقه على فضل ميكائيل كالطود العظيم على ظرب من الظراب (4) . ~~ويروى أنه يبقى مع هؤلاء الأربعة حملة العرش (5) فيقبض روح جبريل وميكائيل، ~~ثم أرواح حملة العرش، ثم روح إسرافيل، ثم روح ملك الموت. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن علي الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أخبرنا محمد بن ~~عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ~~ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من يرفع رأسه، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم ~~العرش، فلا أدري أكان من استثنى الله عز وجل أم رفع رأسه ms1910 قبلي؟ ومن قال أنا ~~خير من يونس بن متى فقد كذب" (6) PageV06P182 # قال الضحاك: هم رضوان، والحور، ومالك، والزبانية. وقيل: عقارب النار ~~وحياتها (1) . قوله عز وجل: {وكل} أي: الذين أحيوا بعد الموت، {أتوه} قرأ ~~الأعمش، وحمزة، وحفص: "أتوه" مقصورا بفتح التاء على الفعل، أي: جاءوه، وقرأ ~~الآخرون بالمد وضم التاء كقوله تعالى: "وكلهم آتيه يوم القيامة فردا" ~~(مريم-95) ، {داخرين} صاغرين. ### || # {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء ~~إنه خبير بما تفعلون (88) } # {من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون (89) } # قوله عز وجل: {وترى الجبال تحسبها جامدة} قائمة (1) واقفة، {وهي تمر مر ~~السحاب} أي: تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض. فتستوي بها وذلك أن كل شيء ~~عظيم وكل جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وبعد ما بين أطرافه فهو في حسبان ~~الناظر واقف وهو سائر، كذلك سير الجبال لا يرى يوم القيامة لعظمتها، كما أن ~~سير السحاب لا يرى لعظمه وهو سائر، {صنع الله} نصب على المصدر، {الذي أتقن ~~كل شيء} أي: أحكم، {إنه خبير بما تفعلون} قرأ ابن كثير، وأهل البصرة: ~~بالياء والباقون بالتاء. {من جاء بالحسنة} بكلمة الإخلاص، وهي شهادة أن لا ~~إله إلا الله، قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ولا يستثني: أن الحسنة لا ~~إله إلا الله. وقال قتادة: بالإخلاص. وقيل: هل كل طاعة (2) {فله خير منها} ~~قال ابن عباس: فمنها يصل الخير إليه، يعني: له من تلك الحسنة خير يوم ~~القيامة، وهو الثواب (3) والأمن من العذاب، أما أن يكون له شيء خير من ~~الإيمان فلا لأنه ليس شيء خيرا من قوله لا إله إلا الله. وقيل: فله خير ~~منها يعني: رضوان الله، قال تعالى: "ورضوان من الله أكبر" (التوبة-72) ، ~~وقال محمد بن كعب، وعبد الرحمن بن زيد: "فله خير منها" يعني: PageV06P183 # الأضعاف، أعطاه الله تعالى بالواحدة عشرا فصاعدا (1) وهذا حسن لأن ~~للأضعاف خصائص، منها: أن العبد يسأل عن عمله ولا يسأل عن الأضعاف، ومنها: ~~أن للشيطان ms1911 سبيلا إلى عمله وليس له سبيل إلى الأضعاف، ولا مطمع للخصوم في ~~الأضعاف، ولأن الحسنة على استحقاق العبد والتضعيف كما يليق بكرم الرب تبارك ~~وتعالى. {وهم من فزع يومئذ آمنون} قرأ أهل الكوفة: "من فزع" بالتنوين ~~"يومئذ" بفتح الميم، وقرأ الآخرون بالإضافة لأنه أعم فإنه يقتضي الأمن من ~~جميع فزع ذلك اليوم، وبالتنوين كأنه فزع دون فزع، ويفتح أهل المدينة الميم ~~من يومئذ. ### || # {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون (90) ~~إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من ~~المسلمين (91) وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل ~~إنما أنا من المنذرين (92) وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك ~~بغافل عما تعملون (93) } # {ومن جاء بالسيئة} يعني الشرك، {فكبت وجوههم في النار} يعني ألقوا على ~~وجوههم، يقال: كببت الرجل: إذا ألقيته على وجهه، فانكب وأكب، وتقول لهم ~~خزنة جهنم: {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} في الدنيا من الشرك. قوله تعالى: ~~{إنما أمرت} يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم قل إنما أمرت، {أن أعبد ~~رب هذه البلدة} يعني: مكة، {الذي حرمها} جعلها الله حرما آمنا، لا يسفك ~~فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد صيدها، ولا 60/ب يختلى خلاها، {وله ~~كل شيء} خلقا وملكا، {وأمرت أن أكون من المسلمين} لله. {وأن أتلو القرآن} ~~يعني: وأمرت أن أتلو القرآن، {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} أي: نفع ~~اهتدائه يرجع إليه، {ومن ضل} عن الإيمان وأخطأ عن طريق الهدى، {فقل إنما ~~أنا من المنذرين} من المخوفين فليس علي إلا البلاغ. نسختها آية القتال (2) ~~. {وقل الحمد لله} على نعمه، {سيريكم آياته} يعني: يوم بدر، من القتل ~~والسبي وضرب PageV06P184 # الملائكة وجوههم وأدبارهم، نظيره قوله عز وجل: ["سأريكم آياتي فلا ~~تستعجلون" (الأنبياء-37) ، وقال مجاهد] (1) سيريكم آياته في السماء والأرض ~~وفي أنفسكم، كما قال: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم" (فصلت-53) ، ~~{فتعرفونها} يعني: تعرفون الآيات والدلالات، {وما ربك بغافل ms1912 عما تعملون} ~~وعدهم بالجزاء على أعمالهم. ### | سورة القصص # مكية إلا قوله عز وجل: {الذين آتيناهم الكتاب} إلى قوله: {لا نبتغي ~~الجاهلين} وفيهالا آية نزلت بين مكة والمدينة، وهي قوله عز وجل: {إن الذي ~~فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} (2) . بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون ~~بالحق لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة ~~منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (4) } # {طسم} # {تلك آيات الكتاب المبين} {نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق} بالصدق ~~{لقوم يؤمنون} يصدقون بالقرآن. # {إن فرعون علا} استكبر وتجبر وتعظم {في الأرض} أرض مصر {وجعل أهلها شيعا} ~~فرقا وأصنافا في الخدمة والتسخير {يستضعف طائفة منهم} أراد بالطائفة: بني ~~إسرائيل ثم فسر الاستضعاف فقال: {يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم} سمى هذا ~~استضعافا لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم {إنه كان من المفسدين} ~~PageV06P185 ### || # {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين (5) } # {ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ~~(6) وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ~~ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) } # {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض} يعني: بني إسرائيل، {ونجعلهم ~~أئمة} قادة في الخير يقتدى بهم. وقال قتادة: ولاة وملوكا، دليله: قوله عز ~~وجل: "وجعلكم ملوكا" (المائدة-20) ، وقال مجاهد: دعاة إلى الخير. {ونجعلهم ~~الوارثين} يعني: أملاك فرعون وقومه يخلفونهم في مساكنهم. # {ونمكن لهم في الأرض} نوطن لهم في أرض مصر والشام، ونجعلها لهم مكانا ~~يستقرون فيه، {ونري فرعون وهامان وجنودهما} قرأ الأعمش، وحمزة، والكسائي: ~~"ويرى" بالياء وفتحها، {فرعون وهامان وجنودهما} مرفوعات على أن الفعل لهم، ~~وقرأ الآخرون بالنون وضمها، وكسر الراء، ونصب الياء ونصب ما بعده، بوقوع ~~الفعل عليه، {منهم ما كانوا يحذرون} والحذر هو التوقي من الضرر، وذلك أنهم ~~أخبروا أن هلاكهم على يد رجل من بني إسرائيل فكانوا على وجل ms1913 منه، فأراهم ~~الله ما كانوا يحذرون. # {وأوحينا إلى أم موسى} وحي إلهام لا وحي نبوة، قال قتادة: قذفنا في قلبها ~~(1) ، وأم موسى يوخابذ بنت لاوي بن يعقوب، {أن أرضعيه} واختلفوا في مدة ~~الرضاع، قيل: ثمانية أشهر. وقيل: أربعة أشهر. وقيل: ثلاثة أشهر كانت ترضعه ~~في حجرها، وهو لا يبكي ولا يتحرك (2) ، {فإذا خفت عليه} يعني: من الذبح، ~~{فألقيه في اليم} واليم: البحر، وأراد هاهنا النيل، {ولا تخافي} قيل: لا ~~تخافي عليه من الغرق، وقيل: من الضيعة، {ولا تحزني} على فراقه، {إنا رادوه ~~إليك وجاعلوه من المرسلين} روى عطاء عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال (3) . PageV06P190 # إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر، استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، ~~ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهو عن المنكر، فسلط الله عليهم القبط فاستضعفوهم ~~إلى أن أنجاهم على يد نبيه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن أم موسى لما ~~تقاربت ولادتها، وكانت قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بحبالى بني ~~إسرائيل مصافية لأم موسى، فلما ضرب بها الطلق أرسلت إليها فقالت: قد نزل بي ~~ما نزل، فلينفعني حبك إياي اليوم، قالت: فعالجت قبالتها، فلما أن وقع موسى ~~بالأرض هالها نور بين عيني موسى، فارتعش كل مفصل منها، ودخل حب موسى قلبها. ~~ثم قالت لها: يا هذا ما جئت إليك حين دعوتني إلا ومن رأيي قتل مولودك، ولكن ~~وجدت لابنك هذا حبا ما وجدت حب شيء مثل حبه، فاحفظي ابنك فإني أراه هو ~~عدونا، فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون، فجاءوا إلى بابها ~~ليدخلوا على أم موسى، فقالت أخته يا أماه هذا الحرس (1) بالباب، فلفت موسى ~~في خرقة، فوضعته في التنور وهو مسجور، وطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع. # قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور، ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر ~~لها لبن، فقالوا لها: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي فدخلت علي ~~زائرة، فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ ~~قالت لا أدري، ms1914 فسمعت بكاء الصبي من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله ~~سبحانه وتعالى النار عليه بردا وسلاما، فاحتملته (2) قال: ثم إن أم موسى ~~لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله في نفسها أن ~~تتخذ له تابوتا ثم تقذف التابوت في اليم وهو النيل، فانطلقت إلى رجل نجار ~~من قوم فرعون فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا ~~التابوت؟ قالت: ابن لي أخبئه في التابوت، وكرهت الكذب، قال ولم تقل: أخشى ~~عليه كيد فرعون، فلما اشترت التابوت وحملته وانطلقت به انطلق النجار إلى ~~الذباحين ليخبرهم بأمر أم موسى، فلما هم بالكلام أمسك الله لسانه فلم يطق ~~الكلام، وجعل يشير بيده فلم يدر الأمناء ما يقول، فلما أعياهم أمره قال ~~كبيرهم: اضربوه فضربوه وأخرجوه، فلما انتهى النجار إلى موضعه رد الله عليه ~~لسانه فتكلم، فانطلق أيضا يريد الأمناء فأتاهم ليخبرهم فأخذ الله لسانه ~~وبصره فلم يطق الكلام ولم يبصر شيئا، فضربوه وأخرجوه، فوقع في واد يهوي فيه ~~حيران، فجعل الله عليه إن رد لسانه وبصره أن لا يدل عليه وأن يكون معه ~~يحفظه حيث 61/أما كان، فعرف الله منه الصدق فرد عليه لسانه وبصره فخر لله ~~(3) PageV06P191 # ساجدا، فقال: يا رب دلني على هذا العبد الصالح، فدله الله عليه، فخرج من ~~الوادي فآمن به وصدقه، وعلم أن ذلك من الله عز وجل. وقال وهب بن منبه: لما ~~حملت أم موسى بموسى كتمت أمرها جميع الناس، فلم يطلع على حبلها أحد من خلق ~~الله، وذلك شيء ستره الله لما أراد أن يمن به على بني إسرائيل، فلما كانت ~~السنة التي يولد فيها بعث فرعون القوابل وتقدم إليهن ففتشن النساء تفتيشا ~~لم يفتشن قبل ذلك مثله (1) ، وحملت أم موسى بموسى (2) فلم ينتأ بطنها، ولم ~~يتغير لونها، ولم يظهر لبنها، وكانت القوابل لا تتعرض لها، فلما كانت ~~الليلة التي ولد فيها ولدته ولا رقيب عليها ولا قابلة، ولم يطلع عليها أحد ~~إلا أخته مريم، فأوحى الله إليها "أن أرضعيه، ms1915 فإذا خفت عليه" الآية، فكتمته ~~أمه ثلاثة أشهر ترضعه في حجرها، لا يبكي ولا يتحرك، فلما خافت عليه عملت ~~تابوتا له مطبقا ثم ألقته في البحر ليلا. # قال ابن عباس وغيره: وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت ~~من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون، وكان ~~بها برص شديد، وكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة فنظروا في أمرها، ~~فقالوا له: أيها الملك لا تبرأ إلا من قبل البحر، يوجد فيه شبه الإنسان ~~فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين ~~تشرق الشمس، فلما كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان على شفير النيل ~~ومعه امرأته آسية بنت مزاحم، وأقبلت ابنة فرعون في جواريها حتى جلست على ~~شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهن وتنضح الماء على وجوههن، إذ أقبل النيل ~~بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إن هذا لشيء في البحر قد تعلق بالشجرة ~~ايتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح ~~الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فدنت آسية فرأت في ~~جوف التابوت نورا لم يره غيرها فعالجته ففتحت الباب فإذا هي بصبي صغير في ~~مهده، وإذا نور بين عينيه، وقد جعل الله رزقه في إبهامه يمصه لبنا، فألقى ~~الله لموسى المحبة في قلب آسية، وأحبه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون، ~~فلما أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه ~~فلطخت به برصها فبرأت، فقبلته وضمته إلى صدرها، فقال الغواة من قوم فرعون: ~~أيها الملك إنا نظن أن ذلك المولود الذي تحذر منه بني إسرائيل هو هذا، رمي ~~به في البحر فرقا منك فاقتله، فهم فرعون بقتله، قالت آسية: قرة عين لي ولك ~~لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من ~~فرعون فوهبه لها، وقال فرعون أما أنا فلا حاجة لي فيه، ms1916 قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "لو قال فرعون يومئذ هو قرة عين لي كما هو PageV06P192 # لك لهداه الله كما هداها" (1) ، فقيل لآسية سميه فقالت: سميته موسى لأنا ~~وجدناه في الماء والشجر فمو هو الماء، وسي هو الشجر (2) ، فذلك قوله عز ~~وجل: {فالتقطه آل فرعون} ### || # {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا ~~خاطئين (8) وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (9) } # {فالتقطه آل فرعون} والالتقاط هو وجود الشيء من غير طلب، {ليكون لهم عدوا ~~وحزنا} وهذه اللام تسمى لام العاقبة ولام الصيرورة، لأنهم لم يلتقطوه ليكون ~~لهم عدوا وحزنا ولكن صار عاقبة أمرهم إلى ذلك، قرأ حمزة والكسائي: "حزنا" ~~بضم الحاء وسكون الزاي، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي، وهما لغتان، {إن ~~فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين} عاصين (3) . آثمين. # قوله تعالى: {وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك} قال وهب: لما وضع ~~التابوت بين يدي فرعون فتحوه فوجد فيه موسى فلما نظر إليه قال عبراني من ~~الأعداء فغاظه ذلك، وقال: كيف أخطأ هذا الغلام الذبح؟ وكان فرعون قد استنكح ~~امرأة من بني إسرائيل يقال لها آسية بنت مزاحم وكانت من خيار النساء ومن ~~بنات الأنبياء وكانت أما للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم وتعطيهم، قالت ~~لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه: هذا الوليد أكبر من ابن سنة وإنما أمرت أن يذبح ~~الولدان لهذه السنة فدعه يكون قرة عين لي وذلك، {لا تقتلوه} وروي أنها قالت ~~له: إنه أتانا من أرض أخرى ليس من بني إسرائيل {عسى أن ينفعنا أو نتخذه ~~ولدا وهم لا يشعرون} أن هلاكهم على يديه، فاستحياه فرعون، وألقى الله عليه ~~محبته وقال لامرأته: عسى أن ينفعك فأما أنا فلا أريد نفعه، قال وهب قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: لو أن عدو الله قال في موسى كما قالت آسية: عسى أن ~~ينفعنا، لنفعه الله، ولكنه أبى، للشقاء الذي كتبه الله عليه (4) . ~~PageV06P193 ### || # {وأصبح فؤاد أم موسى ms1917 فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ~~لتكون من المؤمنين (10) وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ~~(11) } # وقوله تعالى: {وأصبح فؤاد أم موسى فارغا} أي: خاليا من كل شيء إلا من ذكر ~~موسى وهمه، وهذا قول أكثر المفسرين (1) . وقال الحسن: "فارغا" أي: ناسيا ~~للوحي الذي أوحى الله إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا ~~تحزن، والعهد الذي عهد أن يرده إليها ويجعله من المرسلين، فجاءها الشيطان ~~فقال: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجره وثوابه وتوليت أنت قتله ~~فألقيته في البحر، وأغرقته، ولما أتاها الخبر بأن فرعون أصابه في النيل ~~قالت: إنه وقع في يد عدوه الذي فررت منه، فأنساها عظيم البلاء ما كان من ~~عهد الله إليها. وقال أبو عبيدة: "فارغا" أي: فارغا من الحزن، لعلمها بصدق ~~وعد الله تعالى، وأنكر القتيبي هذا، وقال: كيف يكون هذا والله تعالى يقول: ~~"إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها"؟ والأول أصح. # قول الله عز وجل: {إن كادت لتبدي به} قيل الهاء في "به" راجعة إلى موسى، ~~أي: كادت لتبدي به أنه ابنها من شدة 61/ب وجدها. وقال عكرمة عن ابن عباس: ~~كادت تقول: وابناه. وقال مقاتل: لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر خشيت ~~عليه الغرق فكادت تصيح من شفقتها. وقال الكلبي: كادت تظهر أنه ابنها، وذلك ~~حين سمعت الناس يقولون لموسى بعدما شب: موسى بن فرعون، فشق عليها فكادت ~~تقول: بل هو ابني. وقال بعضهم: الهاء عائدة إلى الوحي أي: كادت تبدي بالوحي ~~الذي أوحى الله إليها أن يرده إليها (2) . {لولا أن ربطنا على قلبها} ~~بالعصمة والصبر والتثبيت، {لتكون من المؤمنين} المصدقين لوعد الله حين قال ~~لها: {إنا رادوه إليك} # {وقالت لأخته} أي: لمريم أخت موسى: {قصيه} اتبعي أثره حتى تعلمي خبره، ~~{فبصرت به عن جنب} أي: عن بعد، وفي القصة أنها كانت تمشي جانبا وتنظر ~~اختلاسا تري أنها لا تنظره، PageV06P194 # {وهم لا يشعرون} أنها أخته وأنها ترقبه، ms1918 قال ابن عباس: إن امرأة فرعون كل ~~همها من الدنيا أن تجد له مرضعة، فكلما أتوا بمرضعة لم يأخذ ثديها، فذلك ~~قوله عز وجل: {وحرمنا عليه المراضع} ### || # {وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم ~~له ناصحون (12) فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله ~~حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (13) } # {ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (14) } # {وحرمنا عليه المراضع} والمراد من التحريم المنع، والمراضع: جمع المرضع، ~~{من قبل} أي: من قبل مجيء أم موسى، فلما رأت أخت موسى التي أرسلتها أمه في ~~طلبه ذلك قالت لهم: هل أدلكم؟ وفي القصة أن موسى مكث ثمان ليال لا يقبل ~~ثديا ويصيح وهم في طلب مرضعة له. # {فقالت} يعني أخت موسى، {هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه} أي: يضمنونه (1) ~~{لكم} ويرضعونه، وهي امرأة قد قتل ولدها فأحب شيء إليها أن تجد صغيرا ~~ترضعه، {وهم له ناصحون} والنصح ضد الغش، وهو تصفية العمل من شوائب الفساد، ~~قالوا: نعم فأتينا بها. قال ابن جريج والسدي: لما قالت أخت موسى: "وهم له ~~ناصحون" أخذوها وقالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله. فقالت: ما ~~أعرفه، وقلت هم للملك ناصحون. وقيل: إنها قالت: إنما قلت هذا رغبة في سرور ~~الملك واتصالنا به. وقيل إنها لما قالت: "هل أدلكم على أهل بيت" قالوا لها: ~~من؟ قالت: أمي قالوا: ولأمك ابن؟ قالت: نعم هارون، وكان هارون ولد في سنة ~~لا يقتل فيها، قالوا: صدقت، فأتينا بها، فانطلقت إلى أمها وأخبرتها بحال ~~ابنها، وجاءت بها إليهم، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها، وجعل يمصه حتى ~~امتلأ جنباه ريا. قال السدي: كانوا يعطونها كل يوم دينارا فذلك قوله تعالى: ~~{فرددناه إلى أمه كي تقر عينها} # {فرددناه إلى أمه كي تقر عينها} برد موسى إليها، {ولا تحزن} أي: ولئلا ~~تحزن، {ولتعلم أن وعد الله حق} برده إليها، {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن ~~الله وعدها رده إليها. ms1919 # {ولما بلغ أشده} قال الكلبي: الأشد ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين ~~سنة. [قال مجاهد PageV06P195 # وغيره: ثلاث وثلاثون سنة، {واستوى} أي: بلغ أربعين سنة] (1) ، ورواه (2) ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقيل: استوى انتهى شبابه {آتيناه حكما وعلما} ~~أي: الفقه والعقل والعلم في الدين، فعلم موسى وحكم قبل أن يبعث نبيا، ~~{وكذلك نجزي المحسنين} ### || # {ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى ~~فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) } # قوله تعالى: {ودخل المدينة} يعني: دخل موسى المدينة. قال السدي: هي مدينة ~~"منف" من أرض مصر. وقال مقاتل: كانت قرية "حابين" على رأس فرسخين من مصر. ~~وقيل: مدينة "عين الشمس" (3) ، {على حين غفلة من أهلها} وقت القائلة ~~واشتغال الناس بالقيلولة. وقال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب ~~والعشاء. واختلفوا في السبب الذي من أجله دخل المدينة في هذا الوقت؛ قال ~~السدي: وذلك أن موسى عليه السلام كان يسمى ابن فرعون، فكان يركب مراكب ~~فرعون ويلبس مثل ملابسه، فركب فرعون يوما وليس عنده موسى، فلما جاء موسى ~~قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره فأدركه المقيل بأرض "منف" فدخلها ~~نصف النهار، وليس في طرفها أحد، فذلك قوله عز وجل: {ودخل المدينة على حين ~~غفلة من أهلها} قال ابن إسحاق: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يستمعون منه ~~ويقتدون به، فلما عرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في ~~دينه حتى ذكر ذلك منه وخافوه وخافهم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفا مستخيفا، ~~فدخلها يوما على حين غفلة من أهلها. وقال ابن زيد: لما علا موسى فرعون ~~بالعصا في صغره، فأراد فرعون قتله، قالت امرأته: هو صغير، فترك قتله وأمر ~~بإخراجه من مدينته، فلم يدخل عليهم إلا بعد أن كبر وبلغ أشده فدخل المدينة ~~على حين غفلة من أهلها، يعني: عن ms1920 ذكر موسى، أي: من بعد نسيانهم خبره وأمره ~~لبعد عهدهم به (4) . PageV06P196 # وروي عن علي في قوله: "حين غفلة" كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ~~ولعبهم. {فوجد فيها رجلين يقتتلان} يختصمان ويتنازعان، {هذا من شيعته} بني ~~إسرائيل، {وهذا من عدوه} من القبط، قيل: الذي كان من شيعته السامري، والذي ~~من عدوه من القبط، قيل: طباخ فرعون اسمه فليثون. وقيل: "هذا من شيعته. وهذا ~~من عدوه" أي: هذا مؤمن وهذا كافر، وكان القبطي يسخر الإسرائيلي ليحمل الحطب ~~إلى المطبخ. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما بلغ موسى أشده لم يكن أحد ~~من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل الامتناع، ~~وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى، لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم، فوجد ~~موسى رجلان يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون، {فاستغاثه ~~الذي من شيعته على الذي من عدوه} فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، ~~والاستغاثة: طلب الغوث، فغضب موسى واشتد غضبه؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلة ~~موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم، ولا يعلم الناس إلا أنه من قبل الرضاعة من ~~أم موسى، فقال للفرعوني: خل سبيله، فقال: إنما أخذته ليحمل الحطب إلى مطبخ ~~أبيك، فنازعه، فقال الفرعوني 62/ألقد هممت أن أحمله عليك، وكان موسى قد ~~أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، {فوكزه موسى} وقرأ ابن مسعود: ~~"فلكزه موسى"، ومعناهما واحد، وهو الضرب بجمع الكف. وقيل: "الوكز" الضرب في ~~الصدر و"اللكز" في الظهر. وقال الفراء: معناهما واحد، وهو الدفع، قال أبو ~~عبيدة: الوكز الدفع بأطراف الأصابع، وفي بعض التفاسير: عقد موسى ثلاثا ~~وثمانين وضربه في صدره، {فقضى عليه} أي: فقتله وفرغ من أمره، وكل شيء فرغت ~~منه فقد قضيته وقضيت عليه، فندم موسى عليه السلام، ولم يكن قصده القتل، ~~فدفنه في الرمل، {قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين} أي: بين ~~الضلالة. ### || # {قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) قال ~~رب بما ms1921 أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) } # {قال رب إني ظلمت نفسي} بقتل القبطي من غير أمر، {فاغفر لي فغفر له إنه ~~هو الغفور الرحيم} # {قال رب بما أنعمت علي} بالمغفرة، {فلن أكون ظهيرا} عونا، {للمجرمين} قال # PageV06P197 # ابن عباس: للكافرين، وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان ~~كافرا، وهو قول مقاتل، قال قتادة: لن أعين بعدها على خطيئة، قال ابن عباس: ~~لم يستثن فابتلي به في اليوم الثاني. ### || # {فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له ~~موسى إنك لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا ~~موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في ~~الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ~~قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20) } # {فأصبح في المدينة} أي: في المدينة التي قتل فيها القبطي، {خائفا} من ~~قتله القبطي، {يترقب} ينتظر سوءا، والترقب: انتظار المكروه، قال الكلبي: ~~ينتظر متى يؤخذ به، {فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه} يستغيثه ويصيح به ~~من بعد. قال ابن عباس: أتي فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا منا رجلا ~~فخذ لنا بحقنا، فقال: ابغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضي ~~بغير بينة، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة إذ مر موسى من الغد فرأى ذلك ~~الإسرائيلي يقاتل فرعونيا فاستغاثه على الفرعوني فصادف موسى، وقد ندم على ~~ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، {قال له موسى} للإسرائيلي: {إنك لغوي ~~مبين} ظاهر الغواية قاتلت بالأمس رجلا فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر ~~وتستغيثني عليه؟ وقيل: إنما قال موسى للفرعوني: إنك لغوي مبين بظلمك، ~~والأول أصوب، وعليه الأكثرون أنه قال ذلك للإسرائيلي. # {فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما} وذلك أن موسى أدركته الرقة (1) ~~بالإسرائيلي فمد يده ليبطش بالفرعوني، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به ~~لما رأى من غضبه وسمع ms1922 قوله: إنك لغوي مبين، {قال يا موسى أتريد أن تقتلني ~~كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد} ما تريد، {إلا أن تكون جبارا في الأرض} ~~بالقتل ظلما، {وما تريد أن تكون من المصلحين} فلما سمع القبطي ما قال ~~الإسرائيلي علم أن موسى هوالذي قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون وأخبره ~~بذلك، وأمر فرعون بقتل موسى. قال ابن عباس: فلما أرسل فرعون الذباحين لقتل ~~موسى أخذوا الطريق الأعظم. # {وجاء رجل} من شيعة موسى، {من أقصى المدينة} أي: من آخرها، قال أكثر أهل ~~التأويل: اسمه "حزبيل" مؤمن من آل فرعون، وقيل: اسمه "شمعون"، وقيل: ~~"شمعان"، {يسعى} PageV06P198 # أي: يسرع في مشيه، فأخذ طريقا قريبا حتى سبق إلى موسى فأخبره وأنذروه حتى ~~أخذ طريقا آخر، {قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك} يعني: أشراف قوم فرعون ~~يتشاورون فيك، {ليقتلوك} قال الزجاج: يأمر بعضهم بعضا بقتلك، {فاخرج} من ~~المدينة، {إني لك من الناصحين} في الأمر لك بالخروج. ### || # {فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين (21) } # {ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل (22) ولما ورد ~~ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما ~~خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) } # {فخرج منها} موسى، {خائفا يترقب} أي: ينتظر الطلب، {قال رب نجني من القوم ~~الظالمين} الكافرين، وفي القصة: أن فرعون بعث في طلبه حين أخبر بهربه فقال ~~اركبوا ثنيات الطريق فإنه لا يعرف كيف الطريق. # {ولما توجه تلقاء مدين} أي: قصد نحوها ماضيا إليها، يقال: داره تلقاء دار ~~فلان، إذا كانت محاذيتها، وأصله من اللقاء، قال الزجاج: يعني سلك الطريق ~~الذي تلقاء مدين فيها، ومدين هو مدين بن إبراهيم، سميت البلدة باسمه، وكان ~~موسى قد خرج خائفا بلا ظهر ولا حذاء ولا زاد، وكانت مدين على مسيرة ثمانية ~~أيام من مصر، {قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل} أي: قصد الطريق إلى ~~مدين، قال ذلك لأنه لم يكن يعرف الطريق إليها قبل، ms1923 فلما دعا جاءه ملك بيده ~~عنزة فانطلق به إلى مدين. قال المفسرون: خرج موسى من مصر ولم يكن له طعام ~~إلا ورق الشجر والبقل، حتى يرى خضرته في بطنه، وما وصل إلى مدين حتى وقع خف ~~قدميه. قال ابن عباس: وهو أول ابتلاء من الله عز وجل لموسى عليه السلام. # {ولما ورد ماء مدين} وهو بئر كانوا يسقون منها مواشيهم، {وجد عليه أمة} ~~جماعة {من الناس يسقون} مواشيهم، {ووجد من دونهم} يعني: سوى الجماعة، ~~{امرأتين تذودان} يعني: تحبسان وتمنعان أغنامهما عن الماء حتى يفرغ الناس ~~وتخلو لهم البئر، قال الحسن: تكفان الغنم عن أن تختلط بأغنام الناس، وقال ~~قتادة: تكفان الناس عن أغنامهما. وقيل: تمنعان أغنامهما # PageV06P199 # عن أن تشذ وتذهب. والقول الأول أصوبها، لما بعده، وهو قوله: {قال} يعني: ~~موسى للمرأتين، {ما خطبكما} ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس؟ {قالتا ~~لا نسقي} أغنامنا، {حتى يصدر الرعاء} قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، وابن عامر: ~~"يصدر" بفتح الياء وضم الدال على اللزوم، أي: حتى يرجع الرعاء عن الماء، ~~وقرأ الآخرون: بضم الياء وكسر الدال، أي: حتى يصرفوا هم مواشيهم عن الماء، ~~و"الرعاء" جمع راع، مثل: تاجر وتجار. ومعنى الآية: لا نسقي مواشينا حتى ~~يصدر الرعاء، لأنا امرأتان لا نطيق أن نسقي، ولا نستطيع أن نزاحم الرجال، ~~فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض. # {وأبونا شيخ كبير} لا يقدر أن يسقي مواشيه، فلذلك احتجنا نحن إلى سقي ~~الغنم. واختلفوا في اسم أبيهما، فقال مجاهد، والضحاك، والسدي 62/ب والحسن: ~~هو شعيب النبي عليه السلام. وقال وهب بن منبه، وسعيد بن جبير: هو يثرون (1) ~~بن أخي شعيب، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعدما كف بصره، فدفن بين المقام ~~وزمزم. وقيل: رجل ممن آمن بشعيب (2) قالوا: فلما سمع موسى قولهما رحمهما ~~فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من ~~الناس. PageV06P200 # وقال ابن إسحاق: إن موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر، فسقى غنم ~~المرأتين. ويروى: أن ms1924 القوم لما رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا ~~يرفعه إلا عشرة نفر، فجاء موسى ورفع الحجر وحده، وسقى غنم المرأتين. ويقال: ~~إنه نزع ذنوبا واحدا ودعا فيه بالبركة، فروى منه جميع الغنم (1) ، فذلك ~~قوله: {فسقى لهما ثم تولى إلى الظل} ### || # {فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (24) ~~فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ~~فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين (25) } # {فسقى لهما ثم تولى إلى الظل} ظل شجرة، فجلس في ظلها من شدة الحر وهو ~~جائع، {فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير} طعام، {فقير} قال أهل اللغة ~~اللام بمعنى "إلى"، يقال: هو فقير له، وفقير إليه، يقول: إني لما أنزلت إلي ~~من خير، أي: طعام، فقير محتاج، كان يطلب الطعام لجوعه. قال ابن عباس: سأل ~~الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه. قال الباقر: لقد قالها وإنه لمحتاج إلى ~~شق تمرة. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لقد قال موسى: {رب إني لما أنزلت ~~إلي من خير فقير} وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلى شق تمرة. وقال مجاهد: ~~ما سأله إلا الخبز (2) . قالوا: فلما رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس ~~وأغنامهما حفل بطان، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا ~~فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي. # قال الله تعالى: {فجاءته إحداهما تمشي على استحياء} قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: ليست بسلفع من النساء (3) خراجة ولاجة، ولكن جاءت مستترة قد ~~وضعت كم درعها على وجهها استحياء، {قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت ~~لنا} قال أبو حازم سلمة بن PageV06P201 # دينار: لما سمع ذلك موسى أراد أن لا يذهب، ولكن كان جائعا فلم يجد بدا من ~~الذهاب، فمشت المرأة ومشى موسى خلفها، فكانت الريح تضرب ثوبها فتصف ردفها، ~~فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي خلفي ودليني ms1925 على الطريق إن ~~أخطأت، ففعلت ذلك، فلما دخل على شعيب إذا هو بالعشاء مهيأ، فقال: اجلس يا ~~شاب فتعش، فقال موسى: أعوذ بالله، فقال شعيب: ولم ذاك ألست بجائع؟ قال: ~~بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما، وإنا من أهل بيت لا نطلب ~~على عمل من أعمال الآخرة عوضا من الدنيا، فقال له شعيب: لا والله يا شاب، ~~ولكنها عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى وأكل (1) . # {فلما جاءه وقص عليه القصص} يعني: أمره أجمع من قتله القبطي وقصد فرعون ~~قتله، {قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين} يعني: فرعون وقومه، وإنما قال ~~هذا لأنه لم يكن لفرعون سلطان على مدين. ### || # {قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (26) قال ~~إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت ~~عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) } # {قالت إحداهما يا أبت استأجره} اتخذه أجيرا ليرعى أغنامنا، {إن خير من ~~استأجرت القوي الأمين} يعني: خير من استعملت من قوي على العمل وأدى ~~الأمانة، فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوته: فإنه ~~رفع حجرا من رأس البئر لا يرفعه إلا عشرة. وقيل: إلا أربعون رجلا وأما ~~أمانته: فإنه قال لي امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك. # {قال} شعيب عند ذلك: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين} واسمها ~~"صفورة" و"ليا" في قول شعيب الجبائي، وقال ابن إسحاق: "صفورة" و"شرقا" وقال ~~غيرهما: الكبرى "صفراء" والصغرى "صفيراء". وقيل زوجه الكبرى. وذهب أكثرهم ~~إلى أنه زوجه الصغرى منهما واسمها PageV06P202 # "صفورة"، وهي التي ذهبت لطلب موسى (1) ، {على أن تأجرني ثماني حجج} يعني: ~~أن تكون أجيرا لي ثمان سنين، قال الفراء: يعني: تجعل ثوابي من تزويجها أن ~~ترعى غنمي ثماني حجج، تقول العرب: آجرك الله بأجرك أي: أثابك، والحجج: ~~السنون، واحدتها حجة، {فإن أتممت عشرا فمن عندك} أي: إن أتممت عشر سنين ~~فذلك تفضل ms1926 منك وتبرع، ليس بواجب عليك، {وما أريد أن أشق عليك} أي: ألزمك ~~تمام العشر إلا أن تتبرع {ستجدني إن شاء الله من الصالحين} قال عمر: يعني: ~~في حسن الصحبة والوفاء بما قلت. ### || # {قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول ~~وكيل (28) } # {قال} موسى، {ذلك بيني وبينك} يعني: هذا الشرط بيني وبينك، فما شرطت علي ~~فلك وما شرطت من تزويج إحداهما فلي (2) ، والأمر بيننا، تم الكلام، ثم قال: ~~{أيما الأجلين قضيت} يعني: أي الأجلين: و"ما" صلة، "قضيت": أتممت وفرغت ~~منه، الثمان أو العشر، {فلا عدوان علي} لا ظلم علي بأن أطالب بأكثر منهما، ~~{والله على ما نقول وكيل} قال ابن عباس ومقاتل: شهيد فيما بيني وبينك. ~~وقيل: حفيظ. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله ~~النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن عبد ~~الرحيم، أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن ~~سعيد بن جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: ~~لا أدري حتى أقدم على خير العرب (3) فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس قال: قضى ~~أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل (4) وروي ~~عن أبي ذر مرفوعا: إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى؟ فقل: خيرهما وأبرهما، ~~وإذا سئلت: فأي المرأتين تزوج؟ فقل: الصغرى منهما، وهي التي جاءت، فقالت يا ~~أبت استأجره، فتزوج أصغرهما وقضى أوفاهما (5) . PageV06P203 # وقال وهب: أنكحه الكبرى (1) . وروي عن شداد بن أوس مرفوعا: بكى شعيب ~~النبي صلى الله عليه وسلم [من حب الله عز وجل] (2) حتى عمي فرد الله عليه ~~بصره، ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه ~~بصره، فقال الله: ما هذا البكاء؟ أشوقا إلى الجنة أم خوفا من النار؟ قال: ~~لا يا رب، ولكن شوقا إلى لقائك، فأوحى الله إليه 63/أإن يكن ذلك فهنيئا لك ~~لقائي [يا شعيب] (3) ، لذلك أخدمتك ms1927 موسى كليمي (4) . # ولما تعاقدا هذا العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها ~~السباع عن غنمه، واختلفوا في تلك العصا؛ قال عكرمة: خرج بها آدم من الجنة ~~فأخذها جبريل بعد موت آدم فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها إليه (5) ~~. وقال آخرون: كانت من آس الجنة، حملها آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء، ~~وكان لا يأخذها غير نبي إلا أكلته، فصارت من آدم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم ~~حتى وصلت إلى شعيب، فكانت عصا الأنبياء عنده فأعطاها موسى. وقال السدي: ~~كانت تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل، فأمر ابنته أن تأتيه بعصا ~~فدخلت فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها شعيب قال لها: ردي هذه العصا، ~~وأتيه بغيرها، فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها فلا يقع في يدها إلا هي، حتى ~~فعلت ذلك ثلاث مرات فأعطاها موسى PageV06P204 # فأخرجها موسى معه، ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة، فذهب في أثره، وطلب ~~أن يرد العصا فأبى موسى أن يعطيه. وقال: هي عصاي، فرضيا أن يجعلا بينهما ~~أول رجل يلقاهما، فلقيهما ملك في صورة رجل فحكم أن يطرح العصا فمن حملها ~~فهي له، فطرح موسى العصا فعالجها الشيخ ليأخذها فلم يطقها، فأخذها موسى ~~بيده فرفعها فتركها له الشيخ (1) . # ثم إن موسى لما أتم الأجل وسلم شعيب، ابنته إليه، قال موسى للمرأة: اطلبي ~~من أبيك أن يجعل لنا بعض الغنم، فطلبت من أبيها، فقال شعيب: لكما كل ما ~~ولدت هذا العام على غير شيتها (2) . وقيل: أراد شعيب أن يجازي موسى على حسن ~~رعيته إكراما له وصلة لابنته، فقال له إني قد وهبت لك من الجدايا التي ~~تضعها أغنامي هذه السنة كل أبلق وبلقاء، فأوحى الله إلى موسى في المنام أن ~~اضرب بعصاك الماء الذي في مستقى الأغنام قال: فضرب موسى بعصاه الماء ثم سقى ~~الأغنام منه فما أخطأت واحدة منها إلا وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء فعلم ~~شعيب أن ذلك رزق ساقه الله عز وجل إلى موسى وامرأته فوفى ms1928 له شرطه وسلم ~~الأغنام إليه (3) . PageV06P205 ### || # {فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله ~~امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ~~(29) } # قوله عز وجل: {فلما قضى موسى الأجل} يعني أتمه وفرغ منه، {وسار بأهله} ~~قال مجاهد: لما قضى موسى الأجل مكث بعد ذلك عند صهره عشرا آخر فأقام عنده ~~عشرين سنة (1) ، ثم استأذنه في العود إلى مصر، فأذن له، فخرج بأهله إلى ~~جانب مصر، {آنس} يعني: أبصر، {من جانب الطور نارا} وكان في البرية في ليلة ~~مظلمة، شديدة البرد وأخذ امرأته الطلق، {قال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~لعلي آتيكم منها بخبر} PageV06P205 # عن الطريق، لأنه كان قد أخطأ الطريق، {أو جذوة من النار} يعني: قطعة ~~وشعلة من النار. وفيها ثلاث لغات، قرأ عاصم: "جذوة" بفتح الجيم، وقرأ حمزة ~~بضمها، وقرأ الآخرون بكسرها، قال قتادة ومقاتل: هي العود الذي قد احترق ~~بعضه، وجمعها "جذى" (1) {لعلكم تصطلون} تستدفئون. ### || # {فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن ~~يا موسى إني أنا الله رب العالمين (30) وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها ~~جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين (31) اسلك يدك ~~في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ~~ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين (32) } # {فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن} من جانب الوادي الذي عن يمين ~~موسى، {في البقعة المباركة} لموسى، جعلها الله مباركة لأن الله كلم موسى ~~هناك وبعثه نبيا. وقال عطاء: يريد المقدسة، {من الشجرة} من ناحية الشجرة، ~~قال ابن مسعود: كانت سمرة خضراء تبرق (2) ، وقال قتادة ومقاتل والكلبي: ~~كانت عوسجة (3) . قال وهب من العليق (4) ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ~~أنها العناب (5) ، {أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين} # {وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز} تتحرك، {كأنها جان} وهي الحية الصغيرة من ~~سرعة حركتها، {ولى مدبرا} هاربا ms1929 منها، {ولم يعقب} لم يرجع، فنودي: {يا موسى ~~أقبل ولا تخف إنك من الآمنين} # {اسلك} أدخل {يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} برص، فخرجت ولها شعاع ~~كضوء الشمس، {واضمم إليك جناحك من الرهب} قرأ أهل الكوفة، والشام: بضم ~~الراء وسكون الهاء، ويفتح الراء حفص، وقرأ الآخرون بفتحهما، وكلها لغات ~~بمعنى الخوف PageV06P206 # ومعنى الآية: إذا هلك أمر يدك وما ترى من شعاعها فأدخلها في جيبك تعد إلى ~~حالتها الأولى. "والجناح": اليد كلها. وقيل: هو العضد. وقال عطاء عن ابن ~~عباس رضي الله عنهم: أمره الله أن يضم يده إلى صدره (1) فيذهب عنه ما ناله ~~من الخوف عند معاينة الحية، وقال: ما من خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على ~~صدره زال خوفه. قال مجاهد: كل من فزع فضم جناحيه إليه ذهب عنه الفزع. وقيل: ~~المراد من ضم الجناح: السكون، أي: سكن روعك واخفض عليك جانبك، لأن من شأن ~~الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، ومثله قوله: "واخفض لهما جناح الذل من ~~الرحمة" (الإسراء-24) ، يريد الرفق، وقوله: "واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين" (الشعراء-215) ، أي: ارفق بهم وألن جانبك لهم. # قال الفراء: أراد بالجناح العصا، معناه: اضمم إليك عصاك. وقيل: "الرهب" ~~الكم بلغة حمير، قال الأصمعي: سمعت بعض الأعراب يقول: أعطني ما في رهبك، ~~أي: في كمك، معناه: اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم، لأنه تناول العصا ويده ~~في كمه. {فذانك} يعني: العصا، واليد البيضاء، {برهانان} آيتان، {من ربك إلى ~~فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين} ### || # {قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33) وأخي هارون هو أفصح مني ~~لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون (34) } # {قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون} # {وأخي هارون هو أفصح مني لسانا} وإنما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه ~~من وضع الجمرة في فيه (2) ، {فأرسله معي ردءا} عونا، يقال ردأته أي: أعنته، ~~قرأ نافع {ردا} بفتح الدال PageV06P207 # من غير همز طلبا للخفة، وقرأ الباقون بسكون الدال ms1930 مهموزا، {يصدقني} قرأ ~~عاصم، وحمزة: برفع القاف على الحال، أي: رداء مصدقا، وقرأ الآخرون بالجزم ~~على جواب الدعاء والتصديق لهارون في قول الجميع، قال مقاتل: لكي يصدقني ~~63/ب فرعون، {إني أخاف أن يكذبون} يعني فرعون وقومه. ### || # {قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ~~ومن اتبعكما الغالبون (35) } # {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا ~~بهذا في آبائنا الأولين (36) وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ~~ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) وقال فرعون يا أيها ~~الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا ~~لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (38) } # {قال سنشد عضدك بأخيك} أي: نقويك بأخيك، وكان هارون يومئذ بمصر، {ونجعل ~~لكما سلطانا} حجة وبرهانا، {فلا يصلون إليكما بآياتنا} أي: لا يصلون إليكما ~~بقتل ولا سوء لمكان آياتنا، وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: ونجعل لكما ~~سلطانا بآياتنا بما نعطيكما من المعجزات فلا يصلون إليكما، {أنتما ومن ~~اتبعكما الغالبون} أي: لكما ولأتباعكما الغلبة على فرعون وقومه. # {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات} واضحات، {قالوا ما هذا إلا سحر مفترى} ~~مختلق، {وما سمعنا بهذا} بالذي تدعونا إليه، {في آبائنا الأولين} # {وقال موسى} قرأ أهل مكة بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم، {ربي أعلم بمن ~~جاء بالهدى من عنده} بالمحق من المبطل، {ومن تكون له عاقبة الدار} العقبى ~~المحمودة في الدار الآخرة، {إنه لا يفلح الظالمون} أي: الكافرون. # {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي ياهامان على ~~الطين} فاطبخ لي الآجر، وقيل: إنه أول من اتخذ من الآجر وبنى به، {فاجعل لي ~~صرحا} قصرا عاليا، وقيل: منارة، قال أهل التفسير (1) لما أمر فرعون وزيره ~~هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال والفعلة PageV06P208 # حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء، ومن يطبخ الآجر والجص ~~وينجر الخشب ويضرب المسامير، فرفعوه وشيدوه حتى ارتفع ارتفاعا ms1931 لم يبلغه ~~بنيان أحد من الخلق، أراد الله عز وجل أن يفتنهم فيه، فلما فرغوا منه ارتقى ~~فرعون فوقه وأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهي ملطخة دما، فقال ~~قد قتلت إله موسى، وكان فرعون يصعد على البراذين، فبعث الله جبريل جنح غروب ~~الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت ~~منهم ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد ممن ~~عمل فيه بشيء إلا هلك (1) ، فذلك قوله تعالى: {فأوقد لي ياهامان على الطين ~~فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى} أنظر إليه وأقف على حاله، {وإني ~~لأظنه} يعني موسى، {من الكاذبين} في زعمه أن للأرض والخلق إلها غيري، وأنه ~~رسوله. ### || # {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39) ~~فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (40) ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (41) وأتبعناهم في ~~هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين (42) } # {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} قرأ ~~نافع، وحمزة، والكسائي ويعقوب: "يرجعون" بفتح الياء وكسر الجيم، [والباقون ~~بضم الياء وفتح الجيم] (2) . # {فأخذناه وجنوده فنبذناهم} فألقيناهم، {في اليم فانظر كيف كان عاقبة ~~الظالمين} # {وجعلناهم أئمة} قادة ورؤساء، {يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون} ~~لا يمنعون من العذاب. # {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} خزيا وعذابا، {ويوم القيامة هم من ~~المقبوحين} المبعدين (3) الملعونين، وقال أبو عبيدة: من المهلكين. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: من PageV06P209 # المشوهين بسواد الوجوه وزرقة العيون، يقال: قبحه الله وقبحه: إذا جعله ~~قبيحا، ويقال: قبحه قبحا، وقبوحا، إذا أبعده من كل خير. ### || # {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس ~~وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون (43) } # {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين (44) ~~ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو ~~عليهم آياتنا ms1932 ولكنا كنا مرسلين (45) } # قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} ~~يعني: قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم كانوا قبل موسى، {بصائر للناس} أي: ~~ليبصروا بذلك الكتاب ويهتدوا به، {وهدى} الضلالة لمن عمل به، {ورحمة} لمن ~~آمن به، {لعلهم يتذكرون} بما فيه من المواعظ والبصائر. # {وما كنت} يا محمد (1) ، {بجانب الغربي} يعني: بجانب الجبل الغربي، قاله ~~قتادة والسدي، وقال الكلبي: بجانب الوادي الغربي. قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: يريد حيث ناجى موسى ربه، {إذ قضينا إلى موسى الأمر} يعني عهدنا إليه ~~وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه، {وما كنت من الشاهدين} ~~الحاضرين ذلك المقام فتذكره من ذات نفسك. # {ولكنا أنشأنا قرونا} خلقنا أمما بعد موسى عليه السلام، {فتطاول عليهم ~~العمر} أي: طالت عليهم المهلة فنسوا عهد الله وتركوا أمره، وذلك أن الله ~~تعالى قد عهد إلى موسى وقومه عهودا في محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان ~~به، فلما طال عليهم العمر وخلفت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا ~~الوفاء بها. {وما كنت ثاويا} مقيما، {في أهل مدين} كمقام موسى وشعيب فيهم، ~~{تتلو عليهم آياتنا} تذكرهم بالوعد والوعيد، قال مقاتل: يقول لم تشهد أهل ~~مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم، {ولكنا كنا مرسلين} أي: أرسلناك رسولا ~~وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ~~ولم تخبرهم بها. PageV06P210 ### || # {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من ~~نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46) ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ~~فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) } # {وما كنت بجانب الطور} بناحية الجبل الذي كلم الله عليه موسى، {إذ ~~نادينا} قيل: إذ نادينا موسى: خذ الكتاب بقوة (1) . وقال وهب: قال موسى: يا ~~رب أرني محمدا، قال: إنك لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمته وأسمعتك ~~صوتهم، قال: بلى يا رب، قال الله تعالى: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب ~~آبائهم (2) وقال أبو ms1933 زرعة بن عمرو بن جرير: ونادى يا أمة محمد قد أجبتكم ~~قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني (3) . # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما -ورفعه بعضهم-، قال الله: يا أمة محمد، ~~فأجابوه من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك، إن الحمد ~~والنعمة لك والملك، لا شريك لك. قال الله تعالى: يا أمة محمد إن رحمتي سبقت ~~غضبي وعفوي سبق عقابي، قد أعطيتكم من قبل أن تسألوني وقد أجبتكم من قبل أن ~~تدعوني، وقد غفرت لكم من قبل أن تعصوني، من جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا عبدي ورسولي دخل الجنة، وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد ~~البحر (4) . قوله تعالى: {ولكن رحمة من ربك} أي: ولكن رحمناك رحمة بإرسالك ~~والوحي إليك وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك 64/أ، {لتنذر قوما ما أتاهم ~~من نذير من قبلك} يعني: أهل مكة، {لعلهم يتذكرون} # {ولولا أن تصيبهم مصيبة} عقوبة ونقمة، {بما قدمت أيديهم} الكفر والمعصية، ~~PageV06P211 # {فيقولوا ربنا لولا} هلا {أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من ~~المؤمنين} وجواب "لولا" محذوف، أي: لعاجلناهم بالعقوبة، يعني: لولا أنهم ~~يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة بكفرهم. وقيل: معناه لما ~~بعثناك إليهم رسولا ولكن بعثناك إليهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل. ### || # {فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا ~~بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) قل ~~فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) } # {فلما جاءهم الحق من عندنا} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، {قالوا} ~~يعني: كفار مكة، {لولا} هلا {أوتي} محمد، {مثل ما أوتي موسى} [من الآيات ~~كاليد البيضاء والعصا وقيل: مثل ما أوتي موسى] (1) كتابا جملة واحدة. قال ~~الله تعالى: {أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل} ms1934 أي: فقد كفروا بآيات موسى ~~كما كفروا بآيات محمد {قالوا سحران تظاهرا} قرأ أهل الكوفة: "سحران"، أي: ~~التوراة والقرآن: "تظاهرا" يعني: كل سحر يقوي الآخر، نسب التظاهر إلى ~~السحرين على الاتساع، قال الكلبي: كانت مقالتهم تلك حين بعثوا إلى رءوس ~~اليهود بالمدينة، فسألوهم عن محمد فأخبروهم أن نعته في كتابهم التوراة، ~~فرجعوا فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا: سحران تظاهرا. وقرأ الآخرون: ~~"ساحران" يعنون محمدا وموسى عليه السلام، لأن معنى التظاهر بالناس وأفعالهم ~~أشبه منه بالكتب، {وقالوا إنا بكل كافرون} # {قل} يا محمد، {فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما} يعني: من التوراة ~~والقرآن، {أتبعه إن كنتم صادقين} # {فإن لم يستجيبوا لك} أي: لم يأتوا بما طلبت، {فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ~~ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ~~PageV06P212 ### || # {ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) الذين آتيناهم الكتاب من قبله ~~هم به يؤمنون (52) } # {ولقد وصلنا لهم القول} قال ابن عباس رضي الله عنهما: بينا. قال الفراء: ~~أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضا. قال قتادة: وصل لهم القول في هذا ~~القرآن، يعني كيف صنع بمن مضى. قال مقاتل: بينا لكفار مكة بما في القرآن من ~~أخبار الأمم الخالية كيف عذبوا (1) بتكذيبهم. وقال ابن زيد: وصلنا لهم خبر ~~الدنيا بخبر الآخرة (2) حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا، {لعلهم ~~يتذكرون} # {الذين آتيناهم الكتاب من قبله} من قبل محمد صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم. وقيل: من قبل القرآن، {هم به يؤمنون} نزلت في مؤمني أهل الكتاب؛ عبد ~~الله بن سلام وأصحابه (3) . وقال مقاتل: بل هم أهل الإنجيل الذين قدموا من ~~الحبشة وآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم (4) . [وقال سعيد بن جبير: هم ~~أربعون رجلا قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله عليه وسلم] (5) ، ~~فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا: يا نبي الله إن لنا أموالا [فإن ~~أذنت لنا انصرفنا] (6) وجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها [فأذن لهم، ~~فانصرفوا فأتوا بأموالهم، فواسوا بها المسلمين] (7) ، فنزل فيهم: ms1935 {الذين ~~آتيناهم الكتاب} إلى قوله تعالى: {ومما رزقناهم ينفقون} (8) . وعن ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما قال: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب، أربعون من نجران، ~~واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الشام (9) . ثم وصفهم الله فقال: ~~{وإذا يتلى عليهم} PageV06P213 ### || # {وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ~~(53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما ~~رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55) } # {وإذا يتلى عليهم} يعني القرآن، {قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا} وذلك ~~أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كان مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، ~~{إنا كنا من قبله مسلمين} أي: من قبل القرآن مسلمين مخلصين لله بالتوحيد ~~مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه نبي حق. # {أولئك يؤتون أجرهم مرتين} لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، {بما ~~صبروا} على دينهم. قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا (1) ~~أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، ~~أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حفص الجويني، أخبرنا أحمد بن سعيد الدارمي، ~~أخبرنا عثمان، أخبرنا شعبة، عن صالح، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى ~~الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: ~~رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها، ورجل من أهل ~~الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعبد أحسن عبادة الله ~~ونصح سيده" (2) . قوله عز وجل: {ويدرءون بالحسنة السيئة} قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، قال مقاتل: يدفعون ما ~~سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو (3) ، {ومما رزقناهم ~~ينفقون} في الطاعة. # {وإذا سمعوا اللغو} القبيح من القول، {أعرضوا عنه} وذلك أن المشركين ~~كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون: تبا لكم تركتم دينكم، فيعرضون عنهم ~~ولا يردون عليهم، PageV06P214 # {وقالوا لنا أعمالنا ms1936 ولكم أعمالكم} لنا ديننا ولكم دينكم، {سلام عليكم} ~~ليس المراد منه سلام التحية، ولكنه سلام المتاركة، معناه: سلمتم منا لا ~~نعارضكم بالشتم والقبيح من القول، {لا نبتغي الجاهلين} أي: دين الجاهلين، ~~يعني: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه. وقيل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل ~~والسفه، وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال (1) . ### || # {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (56) ~~وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) } # قوله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت} أي: أحببت هدايته. وقيل: أحببته ~~لقرابته، {ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} قال مجاهد، ومقاتل: ~~لمن قدر له الهدى، نزلت في أبي طالب قال له النبي صلى الله عليه وسلم: قل ~~لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن تعيرني قريش، ~~يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية (2) . # {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} مكة، نزلت في الحرث بن عثمان ~~بن نوفل بن عبد مناف، وذلك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن ~~الذي تقول حق، ولكنا إن اتبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرضنا ~~مكة (3) . وهو معنى قوله: {نتخطف من أرضنا} 64/ب، والاختطاف: الانتزاع ~~بسرعة. قال الله تعالى: {أولم نمكن لهم حرما آمنا} وذلك أن العرب في ~~الجاهلية كانت تغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون حيث ~~كانوا، لحرمة الحرم، ومن المعروف أنه كان يأمن فيه الظباء من الذئاب ~~والحمام من الحدأة، {يجبى} قرأ أهل المدينة ويعقوب: "تجبى" بالتاء لأجل ~~الثمرات، والآخرون بالياء للحائل بين الاسم المؤنث والفعل، أي: يجلب ويجمع، ~~{إليه} يقال: جبيت الماء في الحوض أي: جمعته، قال مقاتل: يحمل إلى الحرم، ~~{ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن ما يقوله حق. ms1937 ~~PageV06P215 ### || # {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا ~~قليلا وكنا نحن الوارثين (58) وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ~~رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) } # {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى ~~أفلا تعقلون (60) أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة ~~الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين (61) } # قوله عز وجل: {وكم أهلكنا من قرية} [أي من أهل قرية] (1) ، {بطرت ~~معيشتها} أي: في معيشتها، أي: أشرت وطغت، قال عطاء: عاشوا في البطر فأكلوا ~~رزق الله وعبدوا الأصنام، {فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا} قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: لم يسكنها إلا المسافرون ومار الطريق يوما أو ~~ساعة، معناه: لم تسكن من بعدهم إلا سكونا قليلا. وقيل: معناه: لم يعمر منها ~~إلا أقلها وأكثرها خراب، {وكنا نحن، الوارثين} "إنا نحن نرث الأرض ومن ~~عليها" (مريم-40) . # {وما كان ربك مهلك القرى} أي: القرى الكافر أهلها، {حتى يبعث في أمها ~~رسولا} يعني: في أكبرها وأعظمها رسولا ينذرهم، وخص الأعظم ببعثة الرسول ~~فيها، لأن الرسول يبعث إلى الأشراف، والأشراف يسكنون المدائن، والمواضع ~~التي هي أم ما حولها، {يتلو عليهم آياتنا} قال مقاتل: يخبرهم الرسول أن ~~العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا، {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} ~~مشركون، يريد: أهلكتهم بظلمهم. # {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها} تتمتعون بها أيام ~~حياتكم ثم هي إلى فناء وانقضاء، {وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون} أن ~~الباقي خير من الفاني. قرأ عامة القراء: "تعقلون" بالتاء وأبو عمرو بالخيار ~~بين التاء والياء. # {أفمن وعدناه وعدا حسنا} أي الجنة {فهو لاقيه} مصيبه ومدركه وصائر إليه ~~{كمن متعناه متاع الحياة الدنيا} ويزول عن قريب {ثم هو يوم القيامة من ~~المحضرين} النار، قال PageV06P216 # قتادة: يعني المؤمن والكافر، قال مجاهد: نزلت في النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبي جهل (1) . وقال محمد بن كعب: نزلت ms1938 في حمزة وعلي، وأبي جهل (2) . ~~وقال السدي: نزلت في عمار والوليد بن المغيرة (3) . ### || # {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (62) قال الذين حق ~~عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما ~~كانوا إيانا يعبدون (63) وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا ~~العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ~~(65) } # {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} في الدنيا أنهم ~~شركائي. # {قال الذين حق عليهم القول} وجب عليهم العذاب وهم رءوس الضلالة، {ربنا ~~هؤلاء الذين أغوينا} أي: دعوناهم إلى الغي، وهم الأتباع، {أغويناهم كما ~~غوينا} أضللناهم كما ضللنا، {تبرأنا إليك} منهم {ما كانوا إيانا يعبدون} ~~برئ بعضهم من بعض وصاروا أعداء، كما قال تعالى: "الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض ~~عدو" (الزخرف-67) . # {وقيل} للكفار: {ادعوا شركاءكم} أي: الأصنام لتخلصكم من العذاب، {فدعوهم ~~فلم يستجيبوا لهم} يجيبوهم، {ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون} وجواب ~~"لو" محذوف على تقدير: لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما رأوا العذاب. # {ويوم يناديهم} أي: يسأل الله الكفار، {فيقول ماذا أجبتم المرسلين} ~~PageV06P217 ### || # {فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66) فأما من تاب وآمن وعمل ~~صالحا فعسى أن يكون من المفلحين (67) وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم ~~الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون (68) وربك يعلم ما تكن صدورهم وما ~~يعلنون (69) وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم ~~وإليه ترجعون (70) } # {فعميت} خفيت واشتبهت {عليهم الأنباء} أي: الأخبار والأعذار، وقال مجاهد: ~~الحجج، {يومئذ} فلا يكون لهم عذر ولا حجة، {فهم لا يتساءلون} لا يجيبون، ~~وقال قتادة: لا يحتجون، وقيل: يسكتون لا يسأل بعضهم بعضا. # {فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين} السعداء ~~الناجين. # قوله تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار} نزلت هذه الآية جوابا للمشركين ~~حين قالوا: "لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم"، يعني: الوليد ~~بن المغيرة، أو عروة بن مسعود الثقفي (1) ، أخبر الله تعالى أنه لا ms1939 يبعث ~~الرسل باختيارهم. قوله عز وجل: {ما كان لهم الخيرة} قيل: "ما" للإثبات، ~~معناه: ويختار الله ما كان لهم الخيرة، أي: يختار ما هو الأصلح والخير (2) ~~. وقيل: هو للنفي (3) أي: ليس إليهم الاختيار، وليس لهم أن يختاروا على ~~الله، كما قال تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ~~أن يكون لهم الخيرة" (الأحزاب-36) ، "والخيرة": اسم من الاختيار يقام مقام ~~المصدر، وهي اسم للمختار أيضا كما يقال: محمد خيرة الله من خلقه. ثم نزه ~~نفسه فقال: {سبحان الله وتعالى عما يشركون} # {وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} يظهرون. # {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة} يحمده أولياؤه في ~~الدنيا، ويحمدونه في الآخرة في الجنة، {وله الحكم} فصل القضاء بين الخلق. ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: PageV06P218 # حكم لأهل طاعته بالمغفرة ولأهل معصيته بالشقاء، {وإليه ترجعون} # PageV06P219 ### || # {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير ~~الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار ~~سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ~~(72) ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون (73) ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) ونزعنا ~~من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون (75) } # قوله عز وجل: {قل أرأيتم} أخبروني (1) يا أهل مكة {إن جعل الله عليكم ~~الليل سرمدا} دائما، {إلى يوم القيامة} لا نهار معه، {من إله غير الله ~~يأتيكم بضياء} بنهار تطلبون فيه المعيشة، {أفلا تسمعون} سماع فهم وقبول. # {قل أرأيتم إن جعل الله، عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة} لا دليل ~~فيه، {من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون} ما أنتم عليه ~~من الخطأ. # {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه} أي: في الليل، {ولتبتغوا ~~من فضله} بالنهار، {ولعلكم تشكرون} نعم الله عز وجل. # {ويوم يناديهم ms1940 فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} كرر ذكر النداء ~~للمشركين لزيادة التقريع والتوبيخ. # {ونزعنا} أخرجنا، {من كل أمة شهيدا} يعني: رسولهم الذي أرسل إليهم، كما ~~قال: "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد" (النساء-41) ، {فقلنا هاتوا برهانكم} ~~حجتكم بأن معي شريكا. {فعلموا أن الحق} التوحيد، {لله وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون} في الدنيا. PageV06P219 ### || # {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه ~~لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ~~(76) } # قوله عز وجل: {إن قارون كان من قوم موسى} كان ابن عمه؛ لأنه قارون بن ~~يصهر 65/أبن قاهث بن لاوي بن يعقوب عليه السلام وموسى بن عمران بن قاهث، ~~وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى، كان أخا عمران، وهما ابنا يصهر، ولم ~~يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة من قارون، ولكنه نافق كما نافق السامري، ~~{فبغى عليهم} قيل: كان عاملا لفرعون على بني إسرائيل، فكان يبغي عليهم ~~ويظلمهم، وقال قتادة: بغى عليهم بكثرة المال. وقال الضحاك: بغى عليهم ~~بالشرك. وقال شهر بن حوشب: زاد في طول ثيابه شبرا، وروينا عن ابن عمر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ~~ثوبه خيلاء" (1) وقيل: بغى عليهم بالكبر والعلو. {وآتيناه من الكنوز ما إن ~~مفاتحه} هي جمع مفتح وهو الذي يفتح به الباب، هذا قول قتادة ومجاهد وجماعة، ~~وقيل: مفاتحه: خزائنه، كما قال: "وعنده مفاتح الغيب" (الأنعام-59) ، أي: ~~خزائنه، {لتنوء بالعصبة أولي القوة} أي: لتثقلهم، وتميل بهم إذا حملوها ~~لثقلها، قال أبو عبيدة: هذا من المقلوب، تقديره: ما إن العصبة لتنوء بها، ~~يقال: ناء فلان بكذا إذا نهض به مثقلا. # واختلفوا في عدد العصبة، قال مجاهد: ما بين العشرة إلى خمسة عشر، وقال ~~الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقال ~~قتادة: ما بين العشرة إلى الأربعين. وقيل: أربعون رجلا. وقيل: سبعون. وروي ~~عن ابن عباس ms1941 رضي الله عنهما قال: كان يحمل مفاتحه أربعون رجلا أقوى ما يكون ~~من الرجال. وقال جرير عن منصور عن خيثمة، قال: وجدت في الإنجيل أن مفاتيح ~~خزائن قارون وقر ستين بغلا ما يزيد منها مفتاح على أصبع لكل مفتاح كنز (2) ~~. PageV06P220 # ويقال: كان قارون أينما ذهب يحمل معه مفاتيح كنوزه، وكانت من حديد، فلما ~~ثقلت عليه جعلها من خشب، فثقلت فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع، ~~وكانت تحمل معه إذا ركب على أربعين بغلا (1) . {إذ قال له قومه} قال لقارون ~~قومه من بني إسرائيل: {لا تفرح} لا تبطر ولا تأشر ولا تمرح، {إن الله لا ~~يحب، الفرحين} الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم. ### || # {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما ~~أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77) } # {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة} اطلب فيما أعطاك الله من الأموال ~~والنعمة والجنة وهو أن تقوم بشكر الله فيما أنعم عليك وتنفقه في رضا الله ~~تعالى، {ولا تنس نصيبك من الدنيا} قال مجاهد، وابن زيد: لا تترك أن تعمل في ~~الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب، لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن ~~يعمل للآخرة. وقال السدي: بالصدقة وصلة الرحم. وقال علي: لا تنس صحتك وقوتك ~~وشبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو ~~الحسن أحمد بن محمد بن شاذان، أخبرنا أبو يزيد حاتم بن محبوب الشامي، ~~أخبرنا حسين المروزي، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا جعفر بن برقان، ~~عن زياد بن الجراح، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لرجل: وهو يعظه: "اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل ~~سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" الحديث مرسل (2) ~~. قال الحسن: أمر أن يقدم الفضل ويمسك ما يغنيه، قال منصور بن زاذان في ~~قوله: "ولا تنس نصيبك من الدنيا"، قال: قوتك وقوت ms1942 أهلك. # {وأحسن كما أحسن الله إليك} [أي: أحسن بطاعة الله] (3) كما أحسن الله ~~إليك بنعمته. PageV06P221 # وقيل: أحسن إلى النار كما أحسن الله إليك، {ولا تبغ الفساد في الأرض} من ~~عصى الله فقد طلب الفساد في الأرض، {إن الله لا يحب المفسدين} # PageV06P222 ### || # {قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من ~~القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون (78) ~~فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما ~~أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) } # {قال} يعني قارون، {إنما أوتيته على علم عندي} أي: على فضل وخير علمه ~~الله عندي فرآني أهلا لذلك، ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره. قيل: ~~هو علم الكيمياء، قال سعيد بن المسيب: كان موسى يعلم الكيمياء فعلم يوشع بن ~~نون ثلث ذلك العلم وعلم كالب بن يوقنا ثلثه وعلم قارون ثلثه، فخدعهما قارون ~~حتى أضاف علمهما إلى علمه وكان ذلك سبب أمواله (1) . وقيل: "على علم عندي" ~~بالتصرف في التجارات والزراعات وأنواع المكاسب. قوله تعالى: {أولم يعلم أن ~~الله قد أهلك من قبله من القرون} الكافرة، {من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا} ~~للأموال، {ولا يسأل عن ذنوبهم، المجرمون} قال قتادة: يدخلون النار بغير ~~حساب ولا سؤال، وقال مجاهد: يعني لا يسأل الملائكة عنهم، لأنهم يعرفونهم ~~بسيماهم. قال الحسن: لا يسألون سؤال استعلام وإنما يسألون سؤال تقريع ~~وتوبيخ. # {فخرج على قومه في زينته} قال إبراهيم النخعي: خرج هو وقومه في ثياب حمر ~~وصفر، قال ابن زيد: في سبعين ألفا عليهم المعصفرات. [قال مجاهد: على براذين ~~بيض عليها سرج الأرجوان] (2) قال مقاتل: خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ~~ذهب عليه الأرجوان، ومعه أربعة آلاف فارس عليهم وعلى دوابهم الأرجوان، ومعه ~~ثلثمائة جارية بيض عليهن الحلي والثياب الحمر، وهن على البغال الشهب، {قال ~~الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} ~~من المال. PageV06P222 ### || # {وقال ms1943 الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا ~~يلقاها إلا الصابرون (80) فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ~~ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين (81) } # {وقال الذين أوتوا العلم} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني الأحبار من ~~بني إسرائيل. وقال مقاتل: أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة، قالوا للذين ~~تمنوا مثل ما أوتي قارون في الدنيا: {ويلكم ثواب الله خير} يعني ما عند ~~الله من الثواب والجزاء خير {لمن آمن} وصدق بتوحيد الله، {وعمل صالحا} مما ~~أوتي قارون في الدنيا، {ولا يلقاها إلا الصابرون} قال مقاتل: لا يؤتاها، ~~يعني الأعمال الصالحة. وقال الكلبي لا يعطاها في الآخرة. وقيل: لا يؤتى هذه ~~الكلمة وهي قوله: "ويلكم ثواب الله خير" إلا الصابرون على طاعة الله وعن ~~زينة الدنيا. # قوله عز وجل: {فخسفنا به وبداره الأرض} قال أهل العلم بالأخبار: كان ~~قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهما السلام وأقرأهم للتوراة ~~وأجملهم وأغناهم 65/ب وكان حسن الصوت فبغى وطغى، وكان أول طغيانه وعصيانه ~~أن الله أوحى إلى موسى أن يأمر قومه أن يعقلوا في أرديتهم خيوطا أربعة في ~~كل طرف خيطا أزرق كلون السماء، يذكرون به إذا نظروا إليها، ويعلمون أني ~~منزل منها كلامي، فقال موسى: يا رب أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها ~~خضرا فإن بني إسرائيل تحقر هذه الخيوط، فقال له ربه: يا موسى إن الصغير من ~~أمري ليس بصغير فإذا هم لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر ~~الكبير، [فدعاهم موسى عليه السلام] (1) ، وقال: إن الله يأمركم أن تعلقوا ~~في أرديتكم خيوطا خضرا كلون السماء لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها، ففعلت ~~بنو إسرائيل ما أمرهم به موسى، واستكبر قارون فلم يطعه، وقال: إنما يفعل ~~هذا الأرباب، بعبيدهم لكي يتميزوا عن غيرهم، فكان هذا بدء عصيانه وبغيه ~~فلما قطع موسى ببني إسرائيل البحر جعلت الحبورة لهارون، وهي رياسة المذبح، ~~فكان بنو إسرائيل يأتون بهديهم إلى هارون فيضعه على المذبح ms1944 فتنزل نار من ~~السماء فتأكله، فوجد قارون من ذلك من نفسه وأتى موسى فقال: يا موسى لك ~~الرسالة ولهارون الحبورة، ولست، في شيء من ذلك، وأنا أقرأ التوراة، لا صبر ~~لي على هذا. فقال له موسى: ما أنا جعلتها في هارون بل الله جعلها له. فقال ~~قارون: والله لا أصدقك حتى تريني بيانه، فجمع موسى رؤساء بني إسرائيل فقال: ~~هاتوا عصيكم، فحزمها وألقاها في قبته التي كان PageV06P223 # يعبد الله فيها، فجعلوا يحرسون عصيهم حتى أصبحوا، فأصبحت عصا هارون قد ~~اهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز، فقال موسى: يا قارون ترى هذا؟ فقال ~~قارون: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، واعتزل قارون، موسى بأتباعه، ~~وجعل موسى يداريه للقرابة التي بينهما وهو يؤذيه في كل وقت ولا يزيد إلا ~~عتوا وتجبرا ومعاداة لموسى، حتى بنى دارا وجعل بابها من الذهب، وضرب على ~~جدرانها صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون ~~فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضاحكونه. # قال ابن عباس رضي الله عنهما، فلما نزلت الزكاة على موسى أتاه قارون ~~فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم، وعن كل ألف ~~شاة على شاة، وعن كل ألف شيء على شيء، ثم رجع إلى بيته فحسبه فوجده كثيرا ~~فلم تسمح بذلك نفسه، فجمع بني إسرائيل فقال لهم: يا بني إسرائيل إن موسى قد ~~أمركم بكل شيء فأطعتموه، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا: أنت ~~كبيرنا فمرنا بما شئت، فقال: آمركم أن تجيئوا بفلانة البغي، فنجعل لها جعلا ~~حتى تقذف موسى بنفسها، فإذا فعلت ذلك خرج بنو إسرائيل عليه ورفضوه، فدعوها ~~فجعل لها قارون ألف درهم، وقيل ألف دينار، وقيل طستا من ذهب، وقيل: قال لها ~~إني أمولك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غدا إذا حضر بنو إسرائيل، ~~فلما كان من الغد جمع قارون بني إسرائيل ثم أتى موسى فقال: إن بني إسرائيل ~~ينتظرون خروجك فتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم موسى وهم في ms1945 براح من الأرض، ~~فقام فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه ثمانين، ومن ~~زنا وليست له امرأة جلدناه مائة جلدة، ومن زنا وله امرأة رجمناه حتى يموت، ~~فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت، أنا، قال: فإن بني إسرائيل ~~يزعمون أنك فجرت بفلانة قال: ادعوها فإن قالت فهو كما قالت، فلما أن جاءت ~~قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ وعظم عليها، وسألها ~~بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة إلا صدقت، فتداركها الله تعالى ~~بالتوفيق فقالت في نفسها: أحدث اليوم توبة أفضل من أن أؤذي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقالت: لا كذبوا ولكن جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك ~~بنفسي، فخر موسى ساجدا يبكي ويقول: اللهم إن كنت، رسولك فاغضب لي، فأوحى ~~الله تعالى إليه: إني أمرت، الأرض أن تطيعك، فمرها بما شئت، فقال موسى: يا ~~بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه ~~فليثبت مكانه ومن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا ولم يبق مع قارون إلا رجلان، ~~ثم قال موسى: يا أرض خذيهم فأخذت الأرض بأقدامهم. # وفي رواية: كان على سريره وفرشه فأخذته حتى غيبت سريره ثم قال: يا أرض ~~خذيهم فأخذتهم # PageV06P224 # إلى الركب، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال: يا أرض ~~(1) خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون وأصحابه في كل ذلك يتضرعون (2) إلى ~~موسى، ويناشده قارون الله والرحم، حتى روي أنه ناشده سبعين مرة وموسى عليه ~~السلام في كل ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه، ثم قال: يا أرض خذيهم فانطبقت ~~عليهم الأرض، وأوحى الله إلى موسى ما أغلظ قلبك استغاث بك سبعين مرة فلم ~~تغثه، أما وعزتي وجلالي لو استغاث بي مرة لأغثته، وفي بعض الآثار: لا أجعل ~~الأرض بعدك طوعا لأحد (3) . قال قتادة: خسف به فهو يتجلجل في الأرض كل يوم ~~قامة رجل لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة. قال: وأصبحت بنو إسرائيل يتناجون ms1946 ~~فيما بينهم أن موسى إنما دعا على قارون ليستبد بداره وكنوزه وأمواله فدعا ~~الله تعالى موسى حتى خسف بداره وكنوزه وأمواله الأرض، فذلك قوله عز وجل: ~~{فخسفنا به وبداره الأرض} {فما كان له من فئة} جماعة، {ينصرونه من دون ~~الله} يمنعونه من الله، {وما كان من المنتصرين} الممتنعين مما نزل به من ~~الخسف. ### || # {وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ~~من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون ~~(82) } # {وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس} صار أولئك الذين تمنوا ما رزقه الله من ~~المال والزينة يتندمون على ذلك التمني، والعرب تعبر عن الصيرورة بأضحى ~~وأمسى وأصبح، تقول: أصبح فلان عالما (4) ، وأضحى معدما، وأمسى حزينا، ~~{يقولون ويكأن الله} اختلفوا في معنى هذه اللفظة، قال مجاهد: ألم تعلم، ~~وقال قتادة: ألم تر. قال الفراء: هي كلمة تقرير 66/أكقول الرجل: أما ترى ~~إلى صنع الله وإحسانه. وذكر أنه أخبره من سمع أعرابية تقول لزوجها: أين ~~ابنك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت، يعني: أما ترينه وراء البيت. وعن الحسن: ~~أنه كلمة ابتداء، تقديره: أن الله يبسط الرزق. وقيل: هو تنبيه بمنزلة ألا ~~وقال قطرب: "ويك" بمعنى ويلك، حذفت منه اللام، كما قال عنترة: ولقد شفى ~~وأبرأ سقمها ... قول الفوارس ويك عنتر أقدم # (5) PageV06P225 # أي: ويلك، و"أن" منصوب بإضمار اعلم أن الله، وقال الخليل: "وي" مفصولة من ~~"كأن" ومعناها التعجب، كما تقول: وي لم فعلت ذلك! وذلك أن القوم تندموا ~~فقالوا: وي! متندمين على ما سلف منهم وكأن معناه أظن ذلك وأقدره، كما تقول ~~كأن: الفرج قد أتاك أي أظن ذلك وأقدره، {يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ~~ويقدر} أي: يوسع ويضيق، {لولا أن من الله علينا لخسف بنا} قرأ حفص، ويعقوب: ~~بفتح الخاء والسين، وقرأ العامة بضم الخاء وكسر السين، {ويكأنه لا يفلح ~~الكافرون} ### || # {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين (83) من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة ms1947 فلا ~~يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون (84) } # {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن ~~هو في ضلال مبين (85) } # قوله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض} ~~قال الكلبي ومقاتل: استكبارا عن الإيمان، وقال عطاء: "علوا" واستطالة على ~~الناس وتهاونا بهم. وقال الحسن: لم تطلبوا الشرف والعز عند ذي سلطان. وعن ~~علي رضي الله عنه: أنها نزلت في أهل التواضع من الولادة وأهل القدرة (1) ، ~~{ولا فسادا} قال الكلبي: هو الدعاء إلى عبادة غير الله. وقال عكرمة: أخذ ~~أموال الناس بغير حق. وقال ابن جريج ومقاتل: العمل بالمعاصي. {والعاقبة ~~للمتقين} أي: العاقبة المحمودة لمن اتقى عقاب الله بأداء أوامره واجتناب ~~معاصيه. وقال قتادة: الجنة للمتقين. # {من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون} . قوله تعالى: {إن ~~الذي فرض عليك القرآن} أي: أنزل عليك القرآن على قول أكثر المفسرين وقال ~~عطاء: أوجب عليك العمل بالقرآن، {لرادك إلى معاد} إلى مكة، وهو رواية ~~العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما (2) ، وهو قول مجاهد. قال القتيبي: معاد ~~الرجل: بلده، لأنه PageV06P226 # ينصرف ثم يعود إلى بلده (1) ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج ~~من الغار مهاجرا إلى المدينة سار في غير الطريق مخافة الطلب، فلما أمن ورجع ~~إلى الطريق نزل الجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة اشتاق إليها، ~~فأتاه جبريل عليه السلام وقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ قال: نعم، قال: فإن ~~الله تعالى يقول: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} (2) ، وهذه ~~الآية نزلت بالجحفة ليست بمكية ولا مدنية (3) . # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: "لرادك إلى معاد" إلى ~~الموت (4) . وقال الزهري وعكرمة: إلى القيامة (5) . وقيل: إلى الجنة (6) . ~~{قل ربي أعلم من جاء بالهدى} [أي: يعلم من جاء بالهدى] (7) ، وهذا جواب ~~لكفار مكة لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك لفي ضلال، فقال الله عز ~~وجل: قل لهم ربي ms1948 أعلم من جاء بالهدى، يعني نفسه، {ومن هو في ضلال مبين} ~~يعني المشركين، ومعناه: أعلم بالفريقين. ### || # {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا ~~للكافرين (86) } # قوله تعالى: {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب} أي: يوحى إليك القرآن، ~~{إلا رحمة من ربك} قال الفراء: هذا من الاستثناء المنقطع، معناه: لكن ربك ~~رحمك فأعطاك القرآن، {فلا تكونن ظهيرا للكافرين} أي: معينا لهم على دينهم. ~~قال مقاتل: وذلك حين دعي إلى دين آبائه فذكر الله نعمه ونهاه عن مظاهرتهم ~~على ما هم عليه. PageV06P227 ### || # {ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من ~~المشركين (87) ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا ~~وجهه له الحكم وإليه ترجعون (88) } # {ولا يصدنك عن آيات الله} يعني القرآن، {بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك} ~~إلى معرفته وتوحيده، {ولا تكونن من المشركين} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~الخطاب في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أهل دينه، أي: لا ~~تظاهروا الكفار ولا توافقوهم. # {ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه} أي: إلا ~~هو، وقيل: إلا ملكه، قال أبو العالية: إلا ما أريد به وجهه، {له الحكم} أي: ~~فصل القضاء، {وإليه ترجعون} تردون (1) في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم. ~~PageV06P228 ### | سورة العنكبوت # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) } # {الم أحسب الناس} [أظن الناس] (2) ، {أن يتركوا} بغير اختبار ولا ابتلاء، ~~{أن يقولوا} [أي: بأن يقولوا] (3) ، {آمنا وهم لا يفتنون} لا يبتلون في ~~أموالهم وأنفسهم؟ كلا لنختبرنهم ليبين المخلص من المنافق والصادق من ~~الكاذب. # واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال الشعبي: نزلت في أناس كانوا بمكة قد ~~أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه لا ~~يقبل منكم إقرار بالإسلام حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم ~~المشركون فقاتلوهم ms1949 فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله هاتين الآيتين ~~(4) . PageV06P229 # وكان ابن عباس رضي الله عنهما قال: أراد بالناس الذين آمنوا بمكة: سلمة ~~بن هشام، وعياش بن ربيعة، والوليد بن الوليد وعمار بن ياسر وغيرهم. وقال ~~ابن جريج: نزلت في عمار بن ياسر، كان يعذب في الله عز وجل (1) . وقال ~~مقاتل: نزلت في مهجع بن عبد الله مولى عمر، كان أول قتيل من المسلمين يوم ~~بدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى ~~إلى باب الجنة من هذه الأمة"، فجزع أبواه وامرأته فأنزل الله فيهم هذه ~~الآية (2) . وقيل: "وهم لا يفتنون" بالأوامر والنواهي، وذلك أن الله تعالى ~~أمرهم في الابتداء بمجرد الإيمان، ثم فرض عليهم الصلاة، والزكاة، وسائر ~~الشرائع، فشق على بعضهم، فأنزل الله هذه الآية، ثم عزاهم فقال: {ولقد فتنا ~~الذين من قبلهم} ### || # {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ~~(3) أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) } # {ولقد فتنا الذين من قبلهم} يعني الأنبياء والمؤمنين، فمنهم من نشر ~~بالمنشار ومنهم من قتل، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب ~~66/ب، {فليعلمن الله الذين صدقوا} في قولهم آمنا، {وليعلمن الكاذبين} والله ~~أعلم بهم قبل الاختبار. ومعنى الآية: فليظهرن الله الصادقين من الكاذبين ~~حتى يوجد معلومه، وقال مقاتل: فليرين الله. وقيل: ليميزن الله كقوله: ~~"ليميز الله الخبيث من الطيب" (الأنفال-38) . # {أم حسب الذين يعملون السيئات} يعني الشرك، {أن يسبقونا} يعجزونا ~~ويفوتونا، فلا نقدر على الانتقام منهم، {ساء ما يحكمون} بئس ما حكموا حين ~~ظنوا ذلك. PageV06P232 ### || # {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) ومن جاهد ~~فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين (6) } # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي ~~كانوا يعملون (7) ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس ~~لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) } # {من كان يرجو لقاء الله} قال ابن ms1950 عباس رضي الله تعالى عنهما، ومقاتل: من ~~كان يخشى البعث والحساب. والرجاء بمعنى الخوف. وقال سعيد بن جبير رضي الله ~~عنه: من كان يطمع في ثواب الله، {فإن أجل الله لآت} يعني: ما وعد الله من ~~الثواب والعقاب. وقال مقاتل: يعني: يوم القيامة لكائن. ومعنى الآية: أن من ~~يخشى الله أو يأمله فليستعد له، وليعمل لذلك اليوم، كما قال: "فمن كان يرجو ~~لقاء ربه فليعمل عملا صالحا" الآية (الكهف-110) ، {وهو السميع العليم} # {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} له ثوابه، و"الجهاد": هو الصبر على الشدة، ~~ويكون ذلك في الحرب، وقد يكون على مخالفة النفس. {إن الله لغني عن ~~العالمين} عن أعمالهم وعباداتهم. # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم} لنبطلنها، يعني: حتى ~~تصبر بمنزلة ما لم يعمل، والتكفير: إذهاب السيئة بالحسنة، {ولنجزينهم أحسن ~~الذي كانوا يعملون} أي: بأحسن أعمالهم وهو الطاعة، وقيل: نعطيهم أكثر مما ~~عملوا وأحسن، كما قال: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" (الأنعام-160) . # قوله عز وجل: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} أي: برا بهما وعطفا عليهما، ~~معناه: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن. نزلت هذه الآية، والتي في ~~سورة لقمان (الآية 15) ، والأحقاف (الآية 15) في سعد بن أبي وقاص رضي الله ~~عنه -وهو سعد بن مالك أبو إسحاق الزهري، وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية ~~بن عبد شمس -لما أسلم، وكان من السابقين الأولين، وكان بارا بأمه، قالت له ~~أمه: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت ~~عليه، أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، ويقال: يا قاتل أمه. ثم إنها مكثت ~~يوما وليلة لم تأكل ولم تشرب [ولم # PageV06P233 # تستظل] (1) ، فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوما آخر لم تأكل ولم تشرب، فجاء ~~سعد إليها وقال: يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني ~~فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما أيست منه أكلت وشربت، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وأمره بالبر بوالديه والإحسان إليهما وأن لا يطيعهما ms1951 في الشرك، فذلك ~~قوله عز وجل: {وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} (2) . ~~وجاء في الحديث: "لا طاعة لمخلوق في معصية الله" (3) . ثم أوعد بالمصير ~~إليه فقال: {إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} أخبركم بصالح أعمالكم ~~وسيئها فأجازيكم عليها. ### || # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر ~~من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين (10) } # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين} في زمرة الصالحين ~~وهم الأنبياء والأولياء، وقيل: في مدخل الصالحين، وهو الجنة. # قوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله} أصابه ~~بلاء من الناس افتتن، {جعل فتنة الناس كعذاب الله} أي: جعل أذى الناس ~~وعذابهم كعذاب الله في الآخرة، أي: جزع من عذاب الناس ولم يصبر عليه، فأطاع ~~الناس كما يطيع الله من يخاف عذابه، هذا قول السدي وابن زيد، قالا هو ~~المنافق إذا أوذي في الله رجع عن الدين وكفر. {ولئن جاء نصر من ربك} أي: ~~فتح ودولة للمؤمنين، {ليقولن} يعني: هؤلاء المنافقين للمؤمنين: {إنا كنا ~~معكم} على عدوكم وكنا مسلمين وإنما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا، فكذبهم الله ~~وقال: PageV06P234 # {أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} من الإيمان والنفاق. ### || # {وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (11) وقال الذين كفروا ~~للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من ~~شيء إنهم لكاذبون (12) } # {وليعلمن الله الذين آمنوا} صدقوا فثبتوا على الإسلام عند البلاء، ~~{وليعلمن المنافقين} بترك الإسلام عند نزول البلاء. واختلفوا في نزول هذه ~~الآية، قال مجاهد: نزلت في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء ~~من الناس أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا (1) . وقال عكرمة، عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: نزلت في الذين أخرجهم المشركون إلى بدر (2) ، وهم الذين نزلت ~~فيهم: "إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم" (النساء-97) . وقال قتادة: ~~نزلت في القوم الذين ردهم ms1952 المشركون إلى مكة (3) . وقال الشعبي: هذه الآيات ~~العشر من أول السورة إلى هاهنا مدنية، وباقي السور مكية (4) . # {وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا} قال مجاهد: هذا من قول ~~كفار مكة لمن آمن منهم. وقال الكلبي ومقاتل: قاله أو سفيان لمن آمن من ~~قريش، "اتبعوا سبيلنا": ديننا وملة آبائنا، ونحن الكفلاء بكل تبعة من الله ~~تصيبكم، فذلك قوله: {ولنحمل خطاياكم} أوزاركم، قال الفراء: لفظه أمر، ~~ومعناه جزاء (5) مجازه: إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم، كقوله: "فليقله ~~اليم بالساحل" (طه-39) . وقيل: هو جزم على الأمر، كأنهم أمروا أنفسهم بذلك، ~~فأكذبهم الله عز وجل فقال: {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم ~~لكاذبون} فيما قالوا من حمل خطاياهم. PageV06P235 ### || # {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا ~~يفترون (13) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ~~فأخذهم الطوفان وهم ظالمون (14) } # {فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين (15) وإبراهيم إذ قال ~~لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (16) إنما تعبدون من ~~دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم ~~رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون (17) } # {وليحملن أثقالهم} أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم، {وأثقالا مع ~~أثقالهم} أي: أوزار من أضلوا وصدوا عن سبيل الله مع أوزارهم. نظيره قوله عز ~~وجل: "ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير ~~علم" (النحل-25) . {وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} سؤال توبيخ ~~وتقريع. # قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين ~~عاما فأخذهم الطوفان} فغرقوا، {وهم ظالمون} قال ابن عباس: مشركون. # {فأنجيناه وأصحاب السفينة} يعني من الغرق، {وجعلناها} يعني السفينة {آية} ~~أي: عبرة، {للعالمين} فإنها كانت باقية على الجودي مدة مديدة. وقيل: جعلنا ~~عقوبتهم للغرق عبرة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: 67/أبعث نوح لأربعين ~~سنة، وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان ستين ~~سنة حتى كثر الناس وفشوا، ms1953 وكان عمره ألفا وخمسين سنة. # قوله عز وجل: {وإبراهيم} أي: وأرسلنا إبراهيم، {إذ قال لقومه اعبدوا الله ~~واتقوه} أطيعوا الله وخافوه، {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} # {إنما تعبدون من دون الله أوثانا} أصناما، {وتخلقون إفكا} تقولون كذبا، ~~قال مجاهد: تصنعون أصناما بأيدكم فتسمونها آلهة، {إن الذين تعبدون من دون ~~الله لا يملكون لكم رزقا} لا يقدرون أن يرزقوكم، {فابتغوا} فاطلبوا، {عند ~~الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون} # PageV06P236 ### || # {وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين (18) ~~أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) قل ~~سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله ~~على كل شيء قدير (20) يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) وما ~~أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ~~(22) } # {وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم} مثل عاد وثمود وغيرهم فأهلكوا، {وما ~~على الرسول إلا البلاغ المبين} # {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق} كيف يخلقهم ابتداء نطفة ثم علقة ثم مضغة ~~{ثم يعيده} في الآخرة عند البعث {إن ذلك على الله يسير} # {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق} فانظروا إلى ديارهم وآثارهم ~~كيف بدأ خلقهم، {ثم الله ينشئ النشأة الآخرة} أي: ثم الله الذي خلقها ~~ينشئها نشأة ثانية بعد الموت، فكما لم يتعذر عليه إحداثها مبدءا لا يتعذر ~~عليه إنشاؤها معيدا. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: {النشأة} بفتح الشين ممدودة ~~حيث وقعت، وقرأ الآخرون بسكون الشين مقصورة نظيرها الرأفة والرآفة. {إن ~~الله على كل شيء قدير} # {يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون} تردون. # {وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء} فإن قيل: ما وجه قوله: "ولا ~~في السماء" والخطاب مع الآدميين وهم ليسوا في السماء؟. # قال الفراء: معناه ولا من في السماء بمعجز، كقول حسان بن ثابت: فمن يهجو ~~رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء ms1954 # أراد: من يمدحه ومن ينصره، فأضمر "من"، يريد: لا يعجزه أهل الأرض في ~~الأرض، ولا أهل السماء في السماء. وقال قطرب: معناه وما أنتم بمعجزين في ~~الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها، كقول الرجل: ما يفوتني فلان هاهنا ولا ~~بالبصرة، أي: ولا بالبصرة لو كان بها، {وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير} أي: من ولي يمنعكم مني ولا نصير ينصركم من عذابي. # PageV06P237 ### || # {والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب ~~أليم (23) } # {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار ~~إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا ~~مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (25) فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ~~ربي إنه هو العزيز الحكيم (26) } # {والذين كفروا بآيات الله ولقائه} بالقرآن وبالبعث، {أولئك يئسوا من ~~رحمتي} جنتي، {أولئك لهم عذاب أليم} فهذه الآيات في تذكير أهل مكة ~~وتحذيرهم، وهي معترضة في قصة إبراهيم، فقال جل ذكره: {فما كان جواب قومه ~~إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار} # {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار} ~~وجعلها عليه بردا وسلاما، {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} يصدقون. # {وقال} يعني إبراهيم لقومه: {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم} ~~قرأ ابن كثير، والكسائي، وأبو عمرو، ويعقوب: "مودة" رفعا بلا تنوين، ~~"بينكم" خفضا بالإضافة على معنى: إن الذين اتخذتم من دون الله أوثانا هي ~~مودة بينكم، {في الحياة الدنيا} ثم تنقطع ولا تنفع في الآخرة. ونصب حمزة، ~~وحفص: "مودة" من غير تنوين على الإضافة بوقوع الاتخاذ عليها. وقرأ الآخرون ~~"مودة" منصوبة منونة "بينكم" بالنصب، معناه: إنكم إنما اتخذتم هذه الأوثان ~~مودة بينكم في الحياة الدنيا تتواردون على عبادتها وتتواصلون عليها في ~~الدنيا. {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ms1955 بعضا} تتبرأ الأوثان ~~من عابديها، وتتبرأ القادة من الأتباع، وتلعن القادة، {ومأواكم} جميعا ~~العابدون والمعبودون، {النار وما لكم من ناصرين} # {فآمن له لوط} يعني: صدقه، وهو أول من صدق إبراهيم وكان ابن أخيه، {وقال} ~~يعني إبراهيم، {إني مهاجر إلى ربي} فهاجر من كوثى، وهو من سواد الكوفة، إلى ~~حران ثم إلى الشام، ومعه لوط وامرأته سارة، وهو أول من هاجر، قال مقاتل: ~~هاجر إبراهيم عليه السلام وهو ابن خمس وسبعين سنة، {إنه هو العزيز الحكيم} # PageV06P238 ### || # {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (27) ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون ~~الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (28) أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون ~~السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا ~~بعذاب الله إن كنت من الصادقين (29) } # {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} يقال: إن الله ~~لم يبعث نبيا بعد إبراهيم إلا من نسله، {وآتيناه أجره في الدنيا} وهو ~~الثناء الحسن فكل أهل الأديان يتولونه، وقال السدي: هو الولد الصالح، وقيل: ~~هو أنه رأى مكانه في الجنة، {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} أي: في زمرة ~~الصالحين. قال ابن عباس: مثل آدم ونوح. # قوله تعالى: {ولوطا إذ قال لقومه إنكم} قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ~~وأبو بكر: "أئنكم" بالاستفهام، وقرأ الباقون بلا استفهام، واتفقوا على ~~استفهام الثانية، {لتأتون الفاحشة} وهي إتيان الرجال، {ما سبقكم بها من أحد ~~من العالمين} # {أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل} وذلك أنهم كانوا يفعلون الفاحشة ~~بمن يمر بهم من المسافرين، فترك الناس الممر بهم. وقيل: تقطعون سبيل النسل ~~بإيثار الرجال على النساء، {وتأتون في ناديكم المنكر} النادي، والندى، ~~والمنتدى: مجلس القوم ومتحدثهم. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق ~~الثعلبي، أخبرنا أبو العباس بن سهل بن محمد المروزي، أخبرنا جدي لأمي أبو ~~الحسن المحمودي، أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، أن بشر بن معاذ حدثهم: ~~أخبرنا يزيد بن زريع، أخبرنا حاتم ms1956 بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب، عن أبي ~~صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب [عن أم هانئ] (1) قالت: سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن قوله: {وتأتون في ناديكم المنكر} قلت: ما المنكر الذي ~~كانوا يأتونه؟ قال: "كانوا يحذفون أهل الطرق ويسخرون بهم" (2) . ~~PageV06P239 # ويروى أنهم كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل رجل منهم قصعة فيه حصى فإذا ~~مر بهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه كان أولى به. وقيل: إنه كان يأخذ ما ~~معه وينكحه 67/ب ويغرمه ثلاثة دراهم، ولهم قاض بذلك. وقال القاسم بن محمد: ~~كانوا يتضارطون في مجالسهم (1) . وقال مجاهد: كان يجامع بعضهم بعضا في ~~مجالسهم (2) . وعن عبد الله بن سلام قال: كان يبزق بعضهم على بعض. وعن ~~مكحول قال: كان من أخلاق قوم لوط مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء، وحل ~~الإزار، والصفير، والحذف، واللواطية (3) ، {فما كان جواب قومه} لما أنكر ~~عليهم لوط ما يأتونه من القبائح، {إلا أن قالوا} له استهزاء: {ائتنا بعذاب ~~الله إن كنت من الصادقين} أن العذاب نازل بنا، فعند ذلك. ### || # {قال رب انصرني على القوم المفسدين (30) } PageV06P240 # {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين (31) قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (32) } # {قال} لوط: {رب انصرني على القوم المفسدين} بتحقيق قولي في العذاب. # {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى} من الله بإسحاق ويعقوب، {قالوا إنا ~~مهلكو أهل هذه القرية} يعني قوم لوط، والقرية سدوم، {إن أهلها كانوا ~~ظالمين} # {قال} إبراهيم للرسل: {إن فيها لوطا قالوا} يعني: قالت الملائكة (1) {نحن ~~أعلم بمن فيها لننجينه} PageV06P240 # قرأ حمزة والكسائي ويعقوب:" {لننجينه} بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، ~~{وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} أي: الباقين في العذاب. ### || # {ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن ~~إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين (33) إنا منزلون على أهل هذه ~~القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ms1957 (34) ولقد تركنا منها آية بينة ~~لقوم يعقلون (35) وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا ~~اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا ~~في دارهم جاثمين (37) } # {ولما أن جاءت رسلنا لوطا} ظن أنهم من الإنس، {سيء بهم وضاق بهم} بمجيئهم ~~{ذرعا وقالوا لا تخف} قومك علينا، {ولا تحزن} بإهلاكنا إياهم، {إنا منجوك ~~وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين} قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو ~~بكر، ويعقوب: "منجوك" بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد. # {إنا منزلون} قرأ ابن عامر بالتشديد، وقرأ الآخرون بالتخفيف، {على أهل ~~هذه القرية رجزا} عذابا، {من السماء} قال مقاتل: الخسف والحصب، {بما كانوا ~~يفسقون} # {ولقد تركنا منها} من قريات لوط، {آية بينة} عبرة ظاهرة، {لقوم يعقلون} ~~يتدبرون الآيات تدبر ذوي العقول، قال ابن عباس: الآية البينة: آثار منازلهم ~~الخربة. وقال قتادة: هي الحجارة التي أهلكوا بها أبقاها الله حتى أدركها ~~أوائل هذه الأمة. وقال مجاهد: هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض (1) . # {وإلى مدين أخاهم شعيبا} أي: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا، {فقال يا قوم ~~اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر} أي: واخشوا، {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} ~~PageV06P241 ### || # {وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل وكانوا مستبصرين (38) } # {وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما ~~كانوا سابقين (39) فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من ~~أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ~~ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (40) } # {وعاد وثمود} أي: وأهلكنا عادا وثمودا، {وقد تبين لكم} يا أهل مكة، {من ~~مساكنهم} منازلهم بالحجر واليمن، {وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل} عن سبيل الحق {وكانوا مستبصرين} قال مقاتل، والكلبي، وقتادة: كانوا ~~معجبين في دينهم وضلالتهم، يحسبون أنهم على هدى، وهم على الباطل (1) ، ~~والمعنى: أنهم كانوا عند أنفسهم مستبصرين. قال الفراء: كانوا عقلاء ذوي ~~بصائر (2) . # {وقارون وفرعون وهامان} أي: أهلكنا هؤلاء، {ولقد جاءهم موسى بالبينات} ~~بالدلالات، {فاستكبروا في ms1958 الأرض وما كانوا سابقين} أي: فائتين من عذابنا. # {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا} قوم لوط، و"الحاصب": ~~الريح التي تحمل الحصباء، وهي الحصاه الصغار، {ومنهم من أخذته الصيحة} يعني ~~ثمود، {ومنهم من خسفنا به الأرض} يعني قارون وأصحابه، {ومنهم من أغرقنا} ~~يعني: قوم نوح، وفرعون وقومه، {وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون} (3) . PageV06P242 ### || # {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه ~~من شيء وهو العزيز الحكيم (42) وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون (43) } # {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء} يعني: الأصنام، يرجون نصرها ~~ونفعها، {كمثل العنكبوت اتخذت بيتا} لنفسها تأوي إليه، وإن بيتها في غاية ~~الضعف والوهاء، لا يدفع عنها حرا ولا بردا، وكذلك الأوثان لا تمللك ~~لعباديها نفعا ولا ضرا. {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} # {إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم} قرأ أهل ~~البصرة، وعاصم: "يدعون" بالياء لذكر الأمم قبلها، وقرأ الآخرون بالتاء. # {وتلك الأمثال} الأشباه والمثل: كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول، ~~يريد: أمثال القرآن التي شبه بها أحوال كفار هذه الأمة بأحوال كفار الأمم ~~المتقدمة، {نضربها} نبينها، {للناس} قال مقاتل: لكفار مكة، {وما يعقلها إلا ~~العالمون} أي: ما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله. أخبرنا ~~أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، أخبرنا ~~ابن برزة، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، أخبرنا داود بن المحبر، أخبرنا عباد ~~بن كثير، عن ابن جريج عن عطاء وأبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم تلا هذه الآية: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} ~~قال: "العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه" (1) . PageV06P243 ### || # {خلق الله السموات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (44) اتل ما ~~أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر ~~الله ms1959 أكبر والله يعلم ما تصنعون (45) } # قوله عز وجل: {خلق الله السموات والأرض بالحق} أي: للحق وإظهار للحق، {إن ~~في ذلك} في خلقها، {لآية} لدلالة {للمؤمنين} على قدرته وتوحيده. # {اتل ما أوحي إليك من الكتاب} يعني القرآن، {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى ~~عن الفحشاء والمنكر} الفحشاء: ما قبح من الأعمال، والمنكر: ما لا يعرف في ~~الشرع. قال ابن مسعود، وابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله، ~~فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله ~~إلا بعدا (1) . # وقال الحسن، وقتادة: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال ~~عليه (2) . وروي عن أنس قال: كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات الخمس مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا يدع شيئا من الفواحش إلا ركبه، فوصف ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاله فقال: "إن صلاته تنهاه يوما" ~~PageV06P244 # فلم يلبث أن تاب وحسن حاله (1) . وقال ابن عون: معنى الآية أن الصلاة ~~تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها (2) . # وقيل: أراد بالصلاة القرآن، كما قال تعالى: "ولا تجهر بصلاتك" ~~(الإسراء-110) ، أي: بقراءتك، وأراد 68/أأنه يقرأ القرآن في الصلاة، ~~فالقرآن ينهاه عن الفحشاء والمنكر (3) . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا ~~عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، ~~أخبرنا قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رجل ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: إن رجلا يقرأ القرآن الليل كله فإذا أصبح سرق، ~~قال: "ستنهاه قراءته" (4) . # وفي رواية قيل: يا رسول الله إن فلانا يصلي بالنهار ويسرق بالليل، فقال: ~~"إن صلاته لتردعه" (5) . قوله عز وجل: {ولذكر الله أكبر} أي: ذكر الله أفضل ~~الطاعات. أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، أخبرنا أبو ~~الحسين علي بن محمد بن بشران ببغداد، أخبرنا أبو علي الحسين بن صفوان ~~البردعي، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، PageV06P245 # أخبرنا هارون بن معروف أبو علي الضرير، أخبرنا أنس بن ms1960 عياض، حدثنا عبد ~~الله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش، عن ~~أبي تجربة، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، ~~وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وأن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ~~ويضربوا أعناقكم"؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "ذكر الله" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أخبرنا أبو جعفر بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، ~~أخبرنا أبو الأسود، أخبرنا ابن لهيعة عن دراج، عن أبي السمح، عن أبي ~~الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي، ~~العباد أفضل، درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: "الذاكرون الله كثيرا" ~~قالوا: يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله؟ فقال: "لو ضرب بسيفه الكفار ~~والمشركين حتى ينكسر أو يختضب دما، لكان الذاكر الله كثيرا أفضل منه درجة" ~~(2) . وروينا أن أعرابيا قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: "أن ~~تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله" (3) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ~~الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ~~أخبرنا مسلم بن الحجاج القشيري، أخبرنا أمية بن بسطام العيشي، أخبرنا يزيد، ~~يعني: (ابن زريع) ، أخبرنا روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي ~~هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة فمر على جبل ~~يقال له جمدان، PageV06P246 # فقال: "سيروا، هذا جمدان، سبق المفردون"، قالوا: وما المفردون يا رسول ~~الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيرا والذاكرات" (1) . # أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن ~~محمد بن موسى بن الصلت، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، ~~أخبرنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: ms1961 سمعت ~~الأغر قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قال: "لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، ~~وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده" (2) . وقال ~~قوم: معنى قوله: "ولذكر الله أكبر" أي: ذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه. ~~ويروى ذلك عن ابن عباس (3) ، وهو قول مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير (4) ، ~~ويروى ذلك مرفوعا عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم (5) . وقال عطاء في قوله: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ~~ولذكر الله أكبر"، قال: ولذكر الله أكبر من أن تبقى معه معصية. {والله يعلم ~~ما تصنعون} قال عطاء: يريد لا يخفى عليه شيء. PageV06P247 ### || # {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا ~~آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) ~~} # قوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب} لا تخاصموهم، {إلا بالتي هي أحسن} ~~أي: بالقرآن والدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه وأراد من قبل ~~الجزية منهم، {إلا الذين ظلموا منهم} أي: أبوا أن يعطوا الجزية ونصبوا ~~الحرب، فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، # PageV06P247 # ومجاز الآية: إلا الذين ظلموكم، لأن جميعهم ظالم بالكفر. وقال سعيد بن ~~جبير: هم أهل الحرب ومن لا عهد له. قال قتادة ومقاتل: صارت منسوخة (1) ~~بقوله: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله" (التوبة-29) . {وقولوا آمنا بالذي ~~أنزل إلينا وأنزل إليكم} يريد إذا أخبركم واحد منهم من قبل الجزية بشيء مما ~~في كتبهم فلا تجادلوهم عليه، ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي ~~أنزل إلينا وأنزل إليكم. # {وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا ~~محمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، ~~أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا عثمان بن عمر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى ~~بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون ms1962 التوراة ~~بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل إليكم" (2) . أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، ~~أخبرنا عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، ~~أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، أخبرنا عبد الرازق، أخبرنا معمر عن ~~الزهري، أخبرنا ابن أبي نملة الأنصاري أن أباه أبا نملة الأنصاري أخبره: ~~أنه بينا هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل من اليهود ومر ~~بجنازة، فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "الله أعلم"، فقال اليهودي: إنها تتكلم، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا ~~بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلا لم تصدقوه وإن كان حقا لم تكذبوه" (3) . ~~PageV06P248 ### || # {وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من ~~يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلو من قبله من كتاب ~~ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) } # قوله تعالى: {وكذلك} أي: كما أنزلنا إليهم الكتب، {أنزلنا إليك الكتاب ~~فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به} يعني: مؤمني أهل الكتاب، عبد الله بن ~~سلام وأصحابه، {ومن هؤلاء} يعني: أهل مكة، {من يؤمن به} وهم مؤمنوا أهل مكة ~~{وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون} 68/ب، وذلك أن اليهود عرفوا أن محمدا نبي، ~~والقرآن حق، فجحدوا. قال قتادة: الجحود إنما يكون بعد المعرفة. # {وما كنت تتلو} يا محمد، {من قبله من كتاب} قبل ما أنزل إليك الكتاب، ~~{ولا تخطه بيمينك} ولا تكتبه، أي: لم تكن تقرأ ولا تكتب قبل الوحي، {إذا ~~لارتاب المبطلون} يعني لو كنت تكتب أو تقرأ الكتب قبل الوحي لشك المبطلون ~~المشركون من أهل مكة، وقالوا: إنه يقرؤه من كتب الأولين وينسخه منها، قاله ~~قتادة. وقال مقاتل: "المبطلون" هم اليهود، ومعناه: إذا لشكوا فيك واتهموك، ~~وقالوا إن الذي نجد نعته ms1963 في التوراة أمي لا يقرأ ولا يكتب وليس هذا على ذلك ~~النعت (1) . PageV06P249 ### || # {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا ~~الظالمون (49) وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله ~~وإنما أنا نذير مبين (50) أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن ~~في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ~~ما في السموات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون ~~(52) } # {بل هو آيات بينات} قال الحسن: يعني القرآن آيات بينات، {في صدور الذين ~~أوتوا العلم} يعني المؤمنين الذين حملوا القرآن. وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما، وقتادة: بل هو -يعني محمدا صلى الله عليه وسلم-ذو آيات بينات في ~~صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب، لأنهم يجدونه بنعته وصفته في كتبهم ~~(1) ، {وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون} # {وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه} كما أنزل على الأنبياء من قبل، قرأ ~~ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: "آية" على التوحيد، وقرأ الآخرون: ~~"آيات من ربه" لقوله عز وجل: {قل إنما الآيات عند الله} القادر على إرسالها ~~إذا شاء أرسلها، {وإنما أنا نذير مبين} أنذر أهل المعصية بالنار، وليس ~~إنزال الآيات بيدي. # {أولم يكفهم} هذا الجواب لقوله: "لولا أنزل عليه آيات من ربه" قال: {أولم ~~يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} [يعني: أولم يكفهم من الآيات ~~القرآن يتلى عليهم] (2) ، {إن في ذلك} في إنزال القرآن، {لرحمة وذكرى لقوم ~~يؤمنون} أي: تذكيرا وعظة لمن آمن وعمل به. # {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا} أني رسوله وهذا القرآن كتابه، {يعلم ما ~~في السموات والأرض والذين آمنوا بالباطل} قال ابن عباس: بغير الله. وقال ~~مقاتل: بعبادة الشيطان، {وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون} PageV06P250 ### || # {ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا ~~يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) يوم يغشاهم ~~العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (55) يا عبادي ~~الذين آمنوا إن ms1964 أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) } # {ويستعجلونك بالعذاب} نزلت في النضر بن الحارث حين قال: فأمطر علينا ~~حجارة من السماء (1) {ولولا أجل مسمى} قال ابن عباس: ما وعدتك أني لا أعذب ~~قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة كما قال: "بل الساعة ~~موعدهم" (القمر-46) ، وقال الضحاك: مدة أعمارهم، لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى ~~العذاب، وقيل: يوم بدر، {لجاءهم العذاب وليأتينهم} يعني: العذاب وقيل ~~الأجل، {بغتة وهم لا يشعرون} بإتيانه. # {يستعجلونك بالعذاب} أعاده تأكيدا، {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} جامعة ~~لهم لا يبقى أحد منهم إلا بدخلها. # {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم} يعني: إذا غشيهم العذاب ~~أحاطت بهم جهنم، كما قال: "لهم من جنهم مهاد ومن فوقهم غواش" (الأعراف-41) ~~، {ويقول ذوقوا} قرأ نافع، وأهل الكوفة: "ويقول" بالياء، أي: ويقول لهم ~~الموكل بعذابهم: ذوقوا، وقرأ الآخرون بالنون؛ لأنه لما كان بأمره نسب إليه، ~~{ما كنتم تعملون} أي: جزاء ما كنتم تعملون. # {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} قال مقاتل والكلبي: ~~نزلت في ضعفاء مسلمي مكة، يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان ~~فاخرجوا منها إلى أرض المدينة، إن أرضي -يعني المدينة-واسعة آمنة (2) . قال ~~مجاهد: إن أرضي المدينة واسعة فهاجروا وجاهدوا فيها (3) . وقال سعيد بن ~~جبير: إذا عمل في أرض بالمعاصي فاخرجوا منها فإن أرضي واسعة. وقال عطاء: ~~إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا فإن أرضي واسعة. وكذلك يجب على كل من كان في ~~بلد يعمل فيها PageV06P251 # بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث يتهيأ له العبادة (1) . ~~وقيل: نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة، وقالوا: نخشى، إن هاجرنا، من ~~الجوع وضيق المعيشة، فأنزل الله هذه الآية ولم يعذرهم بترك الخروج. وقال ~~مطرف بن عبد الله: "أرضي واسعة" أي: رزقي لكم واسع فاخرجوا (2) . ### || # {كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر ~~العاملين (58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) وكأين من دابة لا تحمل ms1965 ~~رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم (60) } # {كل نفس ذائقة الموت} خوفهم بالموت ليهون عليهم الهجرة، أي: كل واحد ميت ~~أينما كان فلا تقيموا بدار الشرك خوفا من الموت، {ثم إلينا ترجعون} فنجزيكم ~~بأعمالكم، وقرأ أبو بكر: "يرجعون بالياء". # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم} قرأ حمزة، والكسائي: بالثاء ~~ساكنة من غير همز، يقال: ثوى الرجل إذا أقام، وأثويته: إذا أنزلته منزلا ~~يقيم فيه. وقرأ الآخرون بالباء وفتحها وتشديد الواو وهمزة بعدها، أي: ~~لننزلنهم، {من الجنة غرفا} علالي، {تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم ~~أجر العاملين} # {الذين صبروا} على الشدائد ولم يتركوا دينهم لشدة لحقتهم، {وعلى ربهم ~~يتوكلون} يعتمدون. # {وكأين من دابة لا تحمل رزقها} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~للمؤمنين الذين كانوا بمكة وقد آذاهم المشركون: "هاجروا إلى المدينة"، ~~فقالوا: كيف نخرج إلى المدينة وليس لنا بها دار ولا مال، فمن يطعمنا بها ~~ويسقينا؟ فأنزل الله: {وكأين من دابة} (3) ذات حاجة إلى غذاء، {لا تحمل ~~رزقها} أي: لا ترفع رزقها معها ولا تدخر شيئا لغد مثل البهائم والطير، ~~{الله، يرزقها وإياكم} PageV06P252 # حيث كنتم، {وهو السميع العليم} السميع لأقوالكم: لا نجد ما ننفق ~~بالمدينة، العليم بما في قلوبكم. وقال سفيان عن علي بن الأقمر: وكأين من ~~دابة لا تحمل رزقها، قال: لا تدخر شيئا لغد. قال سفيان: ليس شيء من خلق ~~الله يخبأ إلا الإنسان والفأرة والنملة (1) . # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي، أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الثقفي، أخبرنا عبد الله بن ~~عبد الرحمن الدقاق، أخبرنا محمد بن عبد العزيز، أخبرنا إسماعيل بن زرارة ~~الرقي، أخبرنا أبو العطوف الجراح بن منهال، عن الزهري، عن عطاء بن أبي ~~69/أرباح، عن ابن عمر قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [حائطا من ~~حوائط الأنصار، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم] (2) يلقط الرطب بيده ~~ويأكل، فقال: كل يا ابن عمر، قلت: لا أشتهيها يا رسول الله، قال: لكني ms1966 ~~أشتهيه، وهذه صبح رابعة منذ لم أطعم طعاما ولم أجده، فقلت إنا لله، الله ~~المستعان، قال: يا ابن عمر لو سألت ربي لأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر أضعافا ~~مضاعفة، ولكن أجوع يوما وأشبع يوما فكيف بك يا ابن عمر إذا عمرت وبقيت في ~~حثالة من الناس يخبئون رزق سنة ويضعف اليقين، فنزلت (3) {وكأين من دابة لا ~~تحمل رزقها} الآية. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد الحسين بن أحمد المخلدي، ~~أخبرنا أبو العباس السراج، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا جعفر بن سليمان، ~~عن ثابت، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان لا يدخر شيئا لغد (4) . ~~PageV06P253 # وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو أنكم تتوكلون على الله حق ~~توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا" (1) . أخبرنا أبو ~~منصور محمد بن عبد الملك المظفري، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن الفضل ~~الفقيه، أخبرنا أبو نصر بن حمدويه المطوعي، أخبرنا أبو الموجه محمد بن ~~عمرو، أخبرنا عبدان، عن أبي حمزة، عن إسماعيل هو ابن أبي خالد، عن رجلين ~~أحدهما زبيد اليامي، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "أيها الناس ليس من شيء يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد ~~أمرتكم به، وليس شيء يقربكم إلى النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم ~~عنه، وإن الروح الأمين قد نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي ~~رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه ~~بمعاصي الله، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته" (2) وقال هشيم عن ~~إسماعيل عن زبيد عمن أخبره عن ابن مسعود. ### || # {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء ~~عليم (62) ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا ms1967 يعقلون (63) } # قوله تعالى: {ولئن سألتهم} يعني كفار مكة، {ولئن سألتهم من خلق السموات ~~والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون} (3) . # {الله، يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم} (4) ~~. # {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن ~~الله قل الحمد لله} على أن الفاعل لهذه الأشياء هو الله، {بل أكثرهم لا ~~يعقلون} وقيل: قل الحمد لله على PageV06P254 # إقراراهم لزوم الحجة عليهم، {بل أكثرهم لا يعقلون} ينكرون التوحيد مع ~~إقرارهم بأنه الخالق لهذه الأشياء. # PageV06P255 ### || # {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو ~~كانوا يعلمون (64) فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما ~~نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف ~~يعلمون (66) أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ~~أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) } # قوله تعالى: {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب} اللهو هو: الاستمتاع ~~بلذات الدنيا، واللعب: العبث، سميت بهما لأنها فانية. {وإن الدار الآخرة ~~لهي الحيوان} أي: الحياة الدائمة الباقية، و"الحيوان": بمعنى الحياة، أي: ~~فيها الحياة الدائمة، {لو كانوا يعلمون} فناء الدنيا وبقاء الآخرة. # قوله تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك} وخافوا الغرق، {دعوا الله مخلصين له ~~الدين} وتركوا الأصنام، {فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} هذا إخبار عن ~~عنادهم وأنهم عند الشدائد يقرون أن القادر على كشفها هو الله عز وجل وحده، ~~فإذا زالت عادوا إلى كفرهم. قال عكرمة: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا البحر ~~حملوا معهم الأصنام فإذا اشتدت بهم الريح ألقوها في البحر وقالوا يا رب يا ~~رب. # {ليكفروا بما آتيناهم} هذا لام الأمر، ومعناه التهديد والوعيد، كقوله: ~~"اعملوا ما شئتم" (فصلت-40) ، أي: ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم، ~~{وليتمتعوا} قرأ حمزة، والكسائي: ساكنة اللام، وقرأ الباقون بكسرها نسقا ~~على قوله: "ليكفروا"، {فسوف يعلمون} وقيل: من كسر اللام جعلها لام كي وكذلك ~~في ليكفروا، والمعنى لا فائدة لهم في الإشراك إلا ms1968 الكفر والتمتع بما ~~يتمتعون به في العالجة من غير نصيب في الآخرة. # {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} يعني العرب، يسبي ~~بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون، {أفبالباطل} بالأصنام والشيطان، {يؤمنون ~~وبنعمة الله} بمحمد والإسلام، {يكفرون} # PageV06P255 ### || # {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم ~~مثوى للكافرين (68) والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع ~~المحسنين (69) } # {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} فزعم أن لله شريكا وأنه أمر ~~بالفواحش، {أو كذب بالحق} بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، {لما جاءه ~~أليس في جهنم مثوى للكافرين} استفهام بمعنى التقرير، معناه: أما لهذا ~~الكافر المكذب مأوى في جهنم. # {والذين جاهدوا فينا} الذين جاهدوا المشركين لنصرة ديننا، {لنهدينهم ~~سبلنا} لنثبتنهم على ما قاتلوا عليه. وقيل: لنزيدنهم هدى كما قال: "ويزيد ~~الله الذين اهتدوا هدى" (مريم-76) ، وقيل: لنوقفنهم لإصابة الطريق ~~المستقيمة، والطريق المستقيمة هي التي يوصل بها إلى رضا الله عز وجل. قال ~~سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل (1) الثغور، فإن الله ~~قال: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} وقيل: المجاهدة هي الصبر على ~~الطاعات. قال الحسن: أفضل الجهاد مخالفة الهوى. وقال الفضيل بن عياض: ~~والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به. وقال سهل بن عبد الله: ~~والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة. وروي عن ابن عباس: ~~والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. {وإن الله لمع المحسنين} ~~بالنصر والمعونة في دنياهم وبالثواب والمغفرة في عقباهم. PageV06P256 ### | سورة الروم # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) } # {الم غلبت الروم في أدنى الأرض} سبب نزول هذه الآية على -ما ذكره ~~المفسرون:-أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان (2) المشركون يودون أن تغلب ~~فارس الروم، لأن أهل فارس كانوا مجوسا أميين، والمسلمون يودون غلبة الروم ~~على فارس، لكونهم أهل كتاب، فبعث كسرى جيشا إلى الروم واستعمل عليها 69/ب ~~رجلا يقال له شهريراز، ms1969 وبعث قيصر جيشا إلى فارس واستعمل عليهم رجل يدعى ~~يحفس، فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت ~~فارس الروم، فبلغ ذلك المسلمون بمكة، فشق عليهم، وفرح به كفار مكة، وقالوا ~~للمسلمين: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وقد ظهر إخواننا ~~من أهل فارس على إخوانكم من أهل الروم، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآيات، فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار، فقال: فرحتم ~~بظهور إخوانكم، فلا تفرحوا فوالله ليظهرن على فارس [على ما] (3) أخبرنا ~~بذلك نبينا، فقام إليه أبي بن خلف الجمحي فقال: كذبت، فقال: أنت أكذب يا ~~عدو الله، فقال: اجعل بيننا أجلا أناحبك عليه -والمناحبة: المراهنة-على عشر ~~قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس ~~غرمت ففعلوا وجعلوا الأجل ثلاث سنين فجاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبره بذلك، وذلك قبل تحريم القمار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاثة إلى التسع، فزايده في الخطر وماده ~~في الأجل، فخرج PageV06P257 # أبو بكر ولقي أبيا، فقال: لعلك ندمت؟ قال: لا فتعال أزايدك في الخطر ~~وأمادك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص [ومائة قلوص] (1) إلى تسع سنين، وقيل ~~إلى سبع سنين، قال قد فعلت: فلما خشي أبي بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة ~~أتاه فلزمه، وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة فأقم لي كفيلا فكفل له ابنه عبد ~~الله بن أبي بكر، فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى حد أتاه عبد الله بن ~~أبي بكر فلزمه، فقال: لا والله لا أدعك حتى تعطيني كفيلا فأعطاه كفيلا. ثم ~~خرج إلى أحد ثم رجع أبي بن خلف فمات بمكة من جراحته التي جرحه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك ~~عند رأس سبع سنين من مناحبتهم. وقيل: كان يوم بدر. قال الشعبي: لم تمض تلك ~~المدة ms1970 التي عقدوا المناحبة بين أهل مكة، وفيها صاحب، قمارهم أبي بن خلف، ~~والمسلمون وصاحب قمارهم أبو بكر، وذلك قبل تحريم القمار، حتى غلبت الروم ~~فارس وربطوا خيولهم بالمدائن وبنو الرومية فقمر أبو بكر أبيا وأخذ مال ~~الخطر من ورثته، وجاء به يحمله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "تصدق به". # وكان سبب غلبة الروم فارسا -على ما قاله عكرمة وغيره-: أن شهريراز بعدما ~~غلبت الروم لم يزل يطؤهم ويخرب مدائنهم حتى بلغ الخليج، فبينا أخوه فرخان ~~جالس ذات يوم يشرب فقال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت ~~كلمته كسرى، فكتب إلى شهريراز: إذا أتاك كتابي فابعث إلي برأس فرخان، فكتب ~~إليه: أيها الملك إنك لن تجد مثل فرخان، إن له نكاية وصوتا في العدو، فلا ~~تفعل، فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفا منه، فعجل برأسه، فراجعه فغضب كسرى ~~ولم يجبه، وبعث بريدا إلى أهل فارس أني قد نزعت عنكم شهريراز واستعملت ~~عليكم فرخان الملك، ثم دفع إلى البريد صحيفة صغيرة أمره فيها بقتل شهريراز، ~~وقال: إذا ولى فرخان الملك وانقاد له أخوه فأعطه، فلما قرأ شهريراز الكتاب ~~قال: سمعا وطاعة، ونزل عن سريره وجلس فرخان ودفع إليه الصحيفة، فقال: ~~ائتوني بشهريراز، فقدمه ليضرب عنقه، فقال: لا تعجل علي حتى أكتب وصيتي. ~~قال: نعم، فدعا بالسفط فأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى، ~~وأنت تريد أن تقتلني بكتاب واحد؟ فرد الملك إلى أخيه، وكتب شهريراز إلى ~~قيصر ملك الروم إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد، ولا تبلغها الصحف، ~~فالقني، ولا تلقني إلا في خمسين روميا، فإني ألقاك في خمسين فارسيا. فأقبل ~~قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطرق، وخاف أن ~~يكون قد مكر به، حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلا ثم بسط لهما ~~فالتقيا في قبة ديباج ضربت لهما، ومع كل واحد منهما سكين، فدعوا بترجمان ~~بينهما، PageV06P260 # فقال شهريراز: ms1971 إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى ~~حسدنا وأراد أن أقتل أخي فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني، فقد خلعناه جميعا ~~فنحن نقاتله معك. قال: قد أصبتما، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين ~~اثنين فإذا جاوز اثنين فشا، فقتلا الترجمان معا بسكينهما، فأديلت الروم على ~~فارس عند ذلك، فاتبعوهم يقتلونهم، ومات كسرى وجاء الخبر إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم الحديبية ففرح ومن معه (1) ، فذلك قوله عز وجل: {الم ~~غلبت الروم في أدنى الأرض} أي: أقرب أرض الشام إلى أرض فارس، قال عكرمة: هي ~~أذرعات وكسكر، وقال مجاهد: أرض الجزيرة. وقال مقاتل: الأردن وفلسطين. {وهم ~~من بعد غلبهم} أي: الروم من بعد غلبة فارس إياهم، والغلب والغلبة لغتان، ~~{سيغلبون} فارسا. ### || # {في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر ~~الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) } # {في بضع سنين} والبضع ما بين الثلاث إلى السبع، [وقيل: ما بين الثلاثة ~~إلى التسع] (2) وقيل: ما دون العشرة. وقرأ عبد الله بن عمر، وأبو سعيد ~~الخدري، والحسن، وعيسى بن عمر: "غلبت" بفتح الغين واللام، "سيغلبون" بضم ~~الياء وبفتح اللام. وقالوا: نزلت حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~غلبة الروم فارسا. ومعنى الآية: الم غلبت الروم فارسا في أدنى الأرض إليكم، ~~وهم من بعد غلبهم سيغلبهم، يغلبهم المسلمون في بضع سنين. وعند انقضاء هذه ~~المدة أخذ المسلمون في جهاد الروم (3) . والأول أصح، وهو قول أكثر ~~المفسرين. {لله الأمر من قبل ومن بعد} أي: من قبل دولة الروم على فارس ومن ~~بعدها، فأي الفريقين كان لهم الغلبة فهو بأمر الله 70/أوقضائه وقدره. ~~{ويومئذ يفرح المؤمنون} {بنصر الله} الروم على فارس. قال السدي: فرح النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بظهورهم على PageV06P261 # المشركين يوم بدر، وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك، {ينصر من يشاء وهو ~~العزيز} الغالب، {الرحيم} بالمؤمنين. # PageV06P262 ### || # {وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظاهرا ~~من ms1972 الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7) أولم يتفكروا في أنفسهم ما ~~خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من ~~الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ~~وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) ~~} # {وعد الله} نصب على المصدر، أي: وعد الله وعدا بظهور الروم على فارس، {لا ~~يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون} {يعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا} يعني: أمر معاشهم، كيف يكتسبون ويتجرون، ومتى يغرسون ويزرعون ~~ويحصدون، وكيف يبنون ويعيشون، قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره ~~فيذكر وزنه ولا يخطئ وهو لا يحسن يصلي (1) {وهم عن الآخرة هم غافلون} ساهون ~~عنها جاهلون بها، لا يتفكرون فيها ولا يعملون لها. {أولم يتفكروا في أنفسهم ~~ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي: للحق، وقيل: لإقامة ~~الحق، {وأجل مسمى} أي: لوقت معلوم إذ انتهت إليه فنيت، وهو القيامة، {وإن ~~كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون} {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم} أولم يسافروا في الأرض فينظروا إلى مصارع الأمم ~~قبلهم فيعتبروا {كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض} حرثوها وقلبوها ~~للزراعة، {وعمروها أكثر مما عمروها} [أي: أكثر مما عمرها] (2) أهل مكة، ~~قيل: قال PageV06P262 # ذلك لأنه لم يكن لأهل مكة حرث، {وجاءتهم رسلهم بالبينات} فلم يؤمنوا ~~فأهلكهم الله، {فما كان الله ليظلمهم} بنقص حقوقهم، {ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون} ببخس حقوقهم. ### || # {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها ~~يستهزئون (10) الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) ويوم تقوم ~~الساعة يبلس المجرمون (12) ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم ~~كافرين (13) ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) } # {ثم كان عاقبة الذين أساءوا} أي: أساؤوا العمل، {السوأى} يعني: الخلة ~~التي تسوؤهم وهي النار، وقيل: "السوأى" اسم لجهنم، كما أن "الحسنى" اسم ~~للجنة ms1973 (1) ، {أن كذبوا} أي: لأن كذبوا. وقيل تفسير "السوأى" ما بعده، وهو ~~قوله: "أن كذبوا" يعني: ثم كان عاقبة المسيئين التكذيب حملهم تلك السيئات ~~على أن كذبوا، {أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون} قرأ أهل الحجاز ~~والبصرة: "عاقبة" بالرفع، أي: ثم كان آخر أمرهم السوء، وقرأ الآخرون بالنصب ~~على خبر كان، تقديره: ثم كان السوأى عاقبة الذين أساءوا. قوله تعالى: {الله ~~يبدأ الخلق ثم يعيده} أي: يخلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد الموت أحياء، ولم ~~يقل: يعيدهم، رده إلى الخلق، {ثم إليه ترجعون} فيجزيهم بأعمالهم. قرأ أبو ~~عمرو، وأبو بكر: "يرجعون" بالياء، والآخرون بالتاء. {ويوم تقوم الساعة يبلس ~~المجرمون} قال قتادة، والكلبي: ييأس المشركون من كل خير. وقال الفراء: ~~ينقطع كلامهم وحجتهم (2) . وقال مجاهد: يفتضحون. {ولم يكن لهم من شركائهم ~~شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين} جاحدين متبرئين يتبرءون منها وتتبرأ منهم. ~~{ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} أي: يتميز أهل الجنة من أهل النار. وقال ~~مقاتل: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار فلا يجتمعون أبدا. PageV06P263 ### || # {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) } # {وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون ~~(16) فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السموات والأرض ~~وعشيا وحين تظهرون (18) } # {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة} وهي البستان الذي في ~~غاية النضارة، {يحبرون} قال ابن عباس: يكرمون. وقال مجاهد وقتادة: ينعمون. ~~وقال أبو عبيدة: يسرون. و"الحبرة": السرور. وقيل: "الحبرة" في اللغة: كل ~~نعمة حسنة، والتحبير التحسين. وقال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: "تحبرون" ~~هو السماع في الجنة (1) . وقال الأوزاعي: إذا أخذ في السماع لم يبق في ~~الجنة شجرة إلا وردت، وقال: ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل، ~~فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سموات صلاتهم وتسبيحهم. {وأما الذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} أي: البعث يوم القيامة، {فأولئك في ~~العذاب محضرون} قوله تعالى: {فسبحان الله} أي: سبحوا الله، ومعناه: صلوا ~~لله، {حين تمسون} أي: تدخلون في ms1974 المساء، وهو صلاة المغرب والعشاء، {وحين ~~تصبحون} أي: تدخلون في الصباح، وهو صلاة الصبح. {وله الحمد في السموات ~~والأرض} قال ابن عباس: يحمده أهل السموات والأرض ويصلون له، {وعشيا} أي: ~~صلوا لله عشيا، يعني صلاة العصر، {وحين تظهرون} تدخلون في الظهيرة، وهو ~~صلاة الظهر. قال نافع بن الأزرق لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في ~~القرآن؟ قال: نعم، وقرأ هاتين الآيتين، وقال: جمعت الآية الصلوات الخمس ~~ومواقيتها (2) . أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا ~~أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد ~~الرحمن، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، PageV06P264 # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال: سبحان الله وبحمده في كل ~~يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" (1) . أخبرنا الإمام أبو ~~علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، ~~أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر، حدثنا السري، بن خزيمة ~~الأبيوردي، حدثنا المعلى بن سعد، أخبرنا عبد العزيز بن المختار، عن سهيل، ~~عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، لم يأت أحد يوم ~~القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد" (2) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا قتيبة بن سعيد، ~~أخبرنا محمد بن فضيل، أخبرنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلمتان خفيفتان على اللسان ~~ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله ~~العظيم" (3) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن ~~زنجويه، أخبرنا علي ms1975 بن المديني، أخبرنا ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن ~~مولى آل طلحة قال: سمعت كريبا أبا رشدين 70/ب يحدث عن ابن عباس، عن جويرية ~~بنت الحارث بن أبي ضرار، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات غداة من ~~عندها، وكان اسمها برة فحوله رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماها جويرية، ~~وكره أن يقال خرج من عند برة، فخرج وهي في المسجد (4) ، ورجع بعدما تعالى ~~النهار، فقال: ما زلت في مجلسك هذا منذ خرجت، بعد؟ قالت: نعم، فقال: "لقد ~~قلت، بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وزنت بكلماتك لوزنتهن: سبحان الله ~~وبحمده عدد خلقه، ورضاء نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته" (5) . ### || # {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك ~~تخرجون (19) } # قوله تعالى: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد ~~موتها وكذلك تخرجون} PageV06P265 # قرأ حمزة والكسائي: "تخرجون" بفتح التاء وضم الراء، وقرأ الباقون بضم ~~التاء وفتح الراء. ### || # {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) ومن آياته أن ~~خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون (21) ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22) ومن آياته منامكم بالليل والنهار ~~وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) ومن آياته يريكم البرق ~~خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون (24) } # {ومن آياته أن خلقكم من تراب} أي: خلق أصلكم يعني آدم من تراب، {ثم إذا ~~أنتم بشر تنتشرون} تنبسطون في الأرض. {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا} قيل: من جنسكم من بني آدم. وقيل: خلق حواء من ضلع آدم (1) ، ~~{لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} جعل بين الزوجين المودة والرحمة ~~فهما يتوادان ويتراحمان، وما شيء أحب إلى أحدهما من الآخر من غير رحم ~~بينهما، {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} في عظمة الله ms1976 وقدرته. {ومن آياته ~~خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم} يعني: اختلاف اللغات من العربية ~~والعجمية وغيرهما، {وألوانكم} أبيض وأسود وأحمر، وأنتم ولد رجل واحد وامرأة ~~واحدة، {إن في ذلك لآيات للعالمين} قرأ حفص: {للعالمين} (2) بكسر اللام. ~~{ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله} أي: منامكم بالليل ~~وابتغاؤكم من فضله بالنهار، أي: تصرفكم في طلب المعيشة، {إن في ذلك لآيات ~~لقوم يسمعون} سماع تدبر واعتبار. PageV06P266 ### || # {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا ~~أنتم تخرجون (25) وله من في السموات والأرض كل له قانتون (26) وهو الذي ~~يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو ~~العزيز الحكيم (27) } # {ومن آياته يريكم البرق خوفا} للمسافر من الصواعق، {وطمعا} للمقيم في ~~المطر. {وينزل من السماء ماء فيحيي به} يعني بالمطر (1) {الأرض بعد موتها} ~~أي: بعد يبسها PageV06P266 # وجدوبتها، {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} {ومن آياته أن تقوم السماء ~~والأرض بأمره} قال ابن مسعود: قامتا على غير عمد بأمره. وقيل: يدوم قيامها ~~بأمره (1) {ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض} قال ابن عباس: من القبور، {إذا ~~أنتم تخرجون} منها، وأكثر العلماء على أن معنى الآية: ثم إذا دعاكم دعوة ~~إذا أنتم تخرجون من الأرض. {وله من في السموات والأرض كل له قانتون} ~~مطيعون، قال الكلبي: هذا خاص لمن كان منهم مطيعا. وعن ابن عباس: كل له ~~مطيعون في الحياة والبقاء والموت والبعث وإن عصوا في العبادة (2) . {وهو ~~الذي يبدأ الخلق ثم يعيده} يخلقهم أولا ثم يعيدهم بعد الموت للبعث، {وهو ~~أهون عليه} قال الربيع بن خيثم، والحسن، وقتادة، والكلبي: أي: هو هين عليه ~~وما شيء عليه بعزيز، وهو رواية العوفي عن ابن عباس. وقد يجيء أفعل بمعنى ~~الفاعل كقول الفرزدق؟ # إن الذي سمك السماء بنى لنا %~% بيتا دعائمه أعز وأطول (3) # أي: عزيزة طويلة. # وقال مجاهد وعكرمة: "وهو أهون عليه": أي: أيسر (4) ، ووجهه أنه على طريق ~~ضرب المثل، PageV06P267 # أي: هو أهون عليه على ما يقع في عقولكم، ms1977 فإن الذي يقع في عقول الناس أن ~~الإعادة تكون أهون من الإنشاء، أي: الابتداء. وقيل: هو أهون عليه عندكم (1) ~~وقيل: هو أهون عليه، أي: على الخلق، يقومون بصيحة واحدة، فيكون أهون عليهم ~~من أن يكونوا نطفا، ثم علقا ثم مضغا إلى أن يصيروا رجالا ونساء، وهذا معنى ~~رواية ابن حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (2) . {وله المثل ~~الأعلى} أي: الصفة العليا {في السموات والأرض} قال ابن عباس: هي أنه ليس ~~كمثله شيء. وقال قتادة: هي أنه لا إله إلا هو (3) ، {وهو العزيز} في ملكه، ~~{الحكيم} في خلقه. ### || # {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما ~~رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعقلون (28) } # {ضرب لكم مثلا من أنفسكم} أي: بين لكم شبها بحالكم وذلك المثل من أنفسكم ~~ثم بين المثل فقال: {هل لكم من ما ملكت أيمانكم} أي: عبيدكم وإمائكم، {من ~~شركاء في ما رزقناكم} من المال، {فأنتم} وهم {فيه سواء} أي: هل يشارككم ~~عبيدكم في أموالكم التي أعطيناكم؛ {تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} أي: تخافون أن ~~يشاركوكم في أموالكم ويقاسموكم كما يخاف الحر شريكه الحر في المال يكون ~~بينهما أن ينفرد فيه بأمر دونه، وكما يخاف الرجل شريكه في الميراث، وهو يحب ~~أن ينفرد به. قال ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا فإذا لم ~~تخافوا هذا من ماليككم ولم ترضوا ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم ~~التي تعبدونها شركائي وهم عبيدي؟ (4) . PageV06P268 # ومعنى قوله: "أنفسكم"، أي: أمثالكم من الأحرار كقوله: "ظن المؤمنون ~~والمؤمنات بأنفسهم خيرا" (النور-12) ، أي: بأمثالهم. {كذلك نفصل الآيات ~~لقوم يعقلون} ينظرون إلى هذه الدلائل بعقولهم. ### || # {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ~~ناصرين (29) فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) } # {بل اتبع الذين ظلموا} أشركوا بالله، {أهواءهم} في ms1978 الشرك، {بغير علم} ~~جهلا بما يجب عليهم، {فمن يهدي من أضل الله} [أي: أضله الله] (1) {وما لهم ~~من ناصرين} مانعين يمنعونهم من عذاب الله عز وجل. قوله تعالى: {فأقم وجهك ~~للدين} أي: أخلص دينك لله، قاله سعيد بن جبير، وإقامة الوجه: إقامة الدين، ~~وقال غيره: سدد عملك. والوجه ما يتوجه إليه الإنسان، ودينه وعمله مما يتوجه ~~إليه لتسديده (2) ، {حنيفا} مائلا مستقيما عليه، {فطرة الله} دين الله، وهو ~~نصب على الإغراء، أي: إلزم فطرة الله، {التي فطر الناس عليها} أي: خلق ~~الناس عليها، وهذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين أن المراد بالفطرة: ~~الدين، وهو الإسلام (3) . وذهب قوم إلى أن الآية خاصة في المؤمنين. وهم ~~الذين فطرهم الله على الإسلام: أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، ~~أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين ~~القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ~~همام بن منبه قال: حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"من يولد يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما ~~تنتجون البهيمة، هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟، قالوا ~~71/أيا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: "الله أعلم بما كانوا ~~عاملين" (4) . PageV06P269 # ورواه الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة من غير ذكر من يموت وهو ~~صغير، وزاد: ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها} (1) . قوله: "من يولد يولد على الفطرة" يعني على العهد الذي أخذ ~~الله عليهم بقوله: "ألست، بربكم قالوا بلى" (الأعراف-172) ، وكل مولود في ~~العالم على ذلك الإقرار، وهو الحنفية التي وقعت الخلقة عليها وإن عبد غيره، ~~قال تعالى: "ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله" (الزخرف-87) ، وقالوا: "ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" (الزمر-3) ، ولكن لا عبرة بالإيمان ~~الفطري في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الإيمان الشرعي المأمور به المكتسب ~~بالإرادة والفعل، ألا ترى أنه يقول: "فأبواه يهودانه"؟ ms1979 فهو مع وجود الإيمان ~~الفطري فيه محكوم له بحكم أبويه الكافرين، وهذا معنى قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم" ~~(2) . ويحكى معنى هذا عن الأوزاعي، وحماد بن سلمة (3) . # وحكي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: معنى الحديث إن كل مولود يولد على ~~فطرته، أي: على خلقته التي جبل عليها في علم الله تعالى من السعادة أو ~~الشقاوة، فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليها، وعامل في الدنيا ~~بالعمل المشاكل لها، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديين أو ~~نصرانيين، فيحملانه -لشقائه-على اعتقاد دينهما (4) . وقيل: معناه أن كل ~~مولود يولد في مبدأ الخلقة [على الفطرة أي على الجبلة السليمة] (5) والطبع ~~المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها، لأن هذا الدين ~~موجود حسنه في العقول، وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره لآفة من آفات ~~النشوء والتقليد، فلو سلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره ... ثم يتمثل بأولاد ~~اليهود والنصارى واتباعهم لآبائهم والميل إلى أديانهم فيزلون بذلك على ~~الفطرة السليمة والمحجة المستقيمة. ذكر أبو سليمان الخطابي هذه المعاني في ~~كتابه (6) . PageV06P270 # قوله: {لا تبديل لخلق الله} فمن حمل الفطرة على الدين قال: معناه لا ~~تبديل لدين الله، وهو خبر بمعنى النهي، أي: لا تبدلوا دين الله. قال مجاهد، ~~وإبراهيم: معنى الآية الزموا فطرة الله، أي دين الله، واتبعوه ولا تبدلوا ~~التوحيد بالشرك (1) {ذلك الدين القيم} المستقيم، {ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون} وقيل: لا تبديل لخلق الله أي: ما جبل عليه الإنسان من السعادة ~~والشقاء لا يتبدل، فلا يصير السعيد شقيا ولا الشقي سعيدا. وقال عكرمة ~~ومجاهد: معناه تحريم إخصاء البهائم (2) . ### || # {منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) من ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) } PageV06P271 # {وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا ~~فريق منهم بربهم يشركون (33) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) ~~} # {منيبين إليه} أي: فأقم ms1980 وجهك أنت وأمتك منيبين إليه لأن مخاطبة النبي صلى ~~الله عليه وسلم يدخل معه فيها الأمة، كما قال: "يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء" (الطلاق-1) ، {منيبين إليه} أي: راجعين إليه بالتوبة مقبلين إليه ~~بالطاعة، {واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين} {من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا} أي: صاروا فرقا مختلفة وهم اليهود والنصارى (1) . وقيل: ~~هم أهل البدع من هذه الأمة (2) ، {كل حزب بما لديهم فرحون} أي: راضون بما ~~عندهم. قوله تعالى: {وإذا مس الناس ضر} قحط وشدة، {دعوا ربهم منيبين إليه} ~~مقبلين إليه بالدعاء، {ثم إذا أذاقهم منه رحمة} خصبا ونعمة {إذا فريق منهم ~~بربهم يشركون} {ليكفروا بما آتيناهم} ثم خاطب هؤلاء الذين فعلوا هذا خطاب ~~تهديد فقال: {فتمتعوا فسوف تعلمون} حالكم في الآخرة. PageV06P271 ### || # {أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) وإذا أذقنا ~~الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36) ~~أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ~~(37) فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه ~~الله وأولئك هم المفلحون (38) وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا ~~يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) ~~} # {أم أنزلنا عليهم سلطانا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: حجة وعذرا. وقال ~~قتادة: كتابا، {فهو يتكلم} ينطق، {بما كانوا به يشركون} أي: ينطق بشركهم ~~ويأمرهم به. {وإذا أذقنا الناس رحمة} أي: الخصب وكثرة المطر، {فرحوا بها} ~~يعني فرح البطر {وإن تصبهم سيئة} أي: الجدب وقلة المطر ويقال: الخوف ~~والبلاء {بما قدمت أيديهم} السيئات، {إذا هم يقنطون} ييأسون من رحمة الله، ~~وهذا خلاف وصف المؤمن، فإنه يشكر الله عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة. ~~{أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون} قوله تعالى: {فآت ذا القربى حقه} البر والصلة، {والمسكين} وحقه أن ~~يتصدق عليه، {وابن السبيل} يعني: المسافر، وقيل: ms1981 هو الضعيف، {ذلك خير للذين ~~يريدون وجه الله} يطلبون ثواب الله بما يعملون، {وأولئك هم المفلحون} قوله ~~عز وجل: {وما آتيتم من ربا} قرأ ابن كثير: "أتيتم" مقصورا، وقرأ الآخرون ~~بالمد، أي: أعطيتم، ومن قصر فمعناه: ما جئتم من ربا، ومجيئوهم ذلك على وجه ~~الإعطاء كما تقول: أتيت خطئا، وأتيت صوابا، فهو يؤول في معنى إلى قول من ~~مد. {ليربو في أموال الناس} قرأ أهل المدينة، ويعقوب: "لتربوا" بالتاء ~~وضمها وسكون الواو على الخطاب، أي: لتربوا أنتم وتصيروا ذوي زيادة من أموال ~~الناس، وقرأ الآخرون بالياء وفتحها، ونصب الواو وجعلوا الفعل للربا لقوله: ~~{فلا يربو عند الله} في أموال الناس، أي: في اختطاف أموال الناس واجتذابها. # PageV06P272 # واختلفوا في معنى الآية، فقال سعيد بن جبير، ومجاهد، وطاوس، وقتادة، ~~والضحاك، وأكثر المفسرين: هو الرجل يعطي غيره العطية ليثيب أكثر منها فهذا ~~جائز حلال، ولكن لا يثاب عليه في القيامة، وهو معنى قوله عز وجل: "فلا ~~يربوا عند الله"، وكان هذا حراما على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لقوله ~~تعالى: "ولا تمنن تستكثر" (المدثر-6) ، أي: لا تعط وتطلب أكثر مما أعطيت ~~(1) . وقال النخعي: هو الرجل يعطي صديقه أو قريبه ليكثر ماله ولا يريد به ~~وجه الله (2) . وقال الشعبي: هو الرجل يلتزق بالرجل فيخدمه ويسافر معه ~~فيجعل له ربح ماله التماس عونه، لا لوجه الله، فلا يربوا عند الله لأنه لم ~~يرد به وجه الله تعالى (3) . # {وما آتيتم من زكاة} أعطيتم من صدقة {تريدون وجه الله فأولئك هم ~~المضعفون} يضاعف لهم الثواب فيعطون بالحسنة عشر أمثالها 71/ب فالمضعف ذو ~~الأضعاف من الحسنات، تقول العرب: القوم مهزولون ومسمونون: إذا هزلت أو سمنت ~~إبلهم (4) . ### || # {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ~~ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون (40) } # {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ~~ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون} (5) . PageV06P273 # {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ms1982 أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا ~~لعلهم يرجعون (41) } # قوله عز وجل: {ظهر الفساد في البر والبحر} يعني: قحط المطر وقلة النبات، ~~وأراد بالبر البوادي والمفاوز، وبالبحر المدائن والقرى التي هي على المياه ~~الجارية. قال عكرمة: العرب تسمي المصر بحرا، تقول: أجدب البر وانقطعت مادة ~~البحر (1) ، {بما كسبت أيدي الناس} أي: بشؤم ذنوبهم، وقال عطية وغيره: ~~"البر" ظهر الأرض من الأمصار وغيرها، و"البحر" هو البحر المعروف، وقلة ~~المطر كما تؤثر البر تؤثر في البحر فتخلوا أجواف الأصداف لأن الصدف إذا جاء ~~المطر يرتفع إلى وجه البحر ويفتح فاه فما يقع في فيه من المطر صار لؤلؤا. ~~وقال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد: الفساد في البر: قتل أحدا بني آدم أخاه، ~~وفي البحر: غصب الملك الجائر السفينة. # قال الضحاك: كانت الأرض خضرة مونقة لا يأتي ابن، آدم شجرة إلا وجد عليها ~~ثمرة، وكان ماء البحر عذبا وكان لا يقصد الأسد، البقر والغنم، فلما قتل ~~قابيل وهابيل اقشعرت الأرض وشاكت الأشجار وصار ماء البحر ملحا زعافا وقصد ~~الحيوان بعضها بعضا (2) قال قتادة: هذا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~امتلأت الأرض ظلما وضلالة، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم رجع ~~راجعون من الناس بما كسبت أيدي الناس من المعاصي، يعني كفار مكة (3) . # {ليذيقهم بعض الذي عملوا} أي: عقوبة بعض الذي عملوا من الذنوب، {لعلهم ~~يرجعون} عن الكفر وأعمالهم الخبيثة. PageV06P274 ### || # {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم ~~مشركين (42) فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ~~يومئذ يصدعون (43) من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) ~~ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين (45) ومن ~~آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ~~فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين ~~(47) } # {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان ms1983 عاقبة الذين من قبل} لتروا منازلهم ~~ومساكنهم خاوية، {كان أكثرهم مشركين} أي: كانوا مشركين، فأهلكوا بكفرهم. ~~{فأقم وجهك للدين القيم} المستقيم وهو دين الإسلام {من قبل أن يأتي يوم لا ~~مرد له من الله} يعني: يوم القيامة، لا يقدر أحد على رده من الله، {يومئذ ~~يصدعون} أي: يتقرفون فريق في الجنة وفريق في السعير. {من كفر فعليه كفره} ~~أي: وبال كفره، {ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون} يوطئون المضاجع ويسوونها ~~في القبور. {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله} قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: ليثيبهم الله أكثر من ثواب أعمالهم، {إنه لا يحب الكافرين} ~~قوله عز وجل: {ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات} تبشر بالمطر، {وليذيقكم من ~~رحمته} نعمة، المطر وهي الخصب، {ولتجري الفلك بأمره} بهذه الرياح، {بأمره ~~ولتبتغوا من فضله} لتطلبوا من رزقه بالتجارة في البحر، {ولعلكم تشكرون} رب ~~هذه النعم. قوله تعالى: {ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم ~~بالبينات} بالدلالات الواضحات على صدقهم، {فانتقمنا من الذين أجرموا} عذبنا ~~الذين كذبوهم، {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} وإنجاؤهم من العذاب، ففي هذا ~~تبشير للنبي صلى الله عليه وسلم بالظفر في العاقبة والنصر على الأعداء. قال ~~الحسن: أنجاهم مع الرسل من عذاب الأمم. # PageV06P275 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا أحمد ~~بن زنجويه، أخبرنا أبو شيخ الحراني، أخبرنا أبو موسى بن أعين، عن ليث بن ~~أبي سليم، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا ~~على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة"، ثم تلا هذه الآية "وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين" (1) . ### || # {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله ~~كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم ms1984 ~~يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) } # {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا} أي: ينشره، {فيبسطه في السماء كيف ~~يشاء} مسيرة يوم أو يومين وأكثر على من يشاء، {ويجعله كسفا} قطعا متفرقة ~~{فترى الودق} المطر، {يخرج من خلاله} وسطه، {فإذا أصاب به من يشاء} أي: ~~بالودق، {من عباده إذا هم يستبشرون} يفرحون بالمطر. {وإن كانوا} وقد كانوا، ~~{من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} أي آيسين، وقيل: "وإن كانوا"، أي: ~~وما كانوا إلا مبلسين، وأعاد قوله: "من قبله" تأكيدا (2) . وقيل: الأولى ~~ترجع إلى إنزال المطر، والثانية إلى إنشاء السحاب (3) . وفي حرف عبد الله ~~بن مسعود: وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم لمبلسين، غير مكرر. PageV06P276 ### || # {فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى ~~وهو على كل شيء قدير (50) } # {ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) فإنك لا تسمع ~~الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) وما أنت بهادي العمي عن ~~ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (53) الله الذي خلقكم من ~~ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو ~~العليم القدير (54) } # {فانظر إلى آثار رحمة الله} هكذا قرأ أهل الحجاز، والبصرة، وأبو بكر (1) ~~. وقرأ الآخرون: {إلى آثار رحمة الله} على الجمع، أراد برحمة الله: المطر، ~~أي: انظر إلى حسن تأثيره في الأرض، وقال مقاتل: أثر رحمة الله أي: نعمته ~~وهو النبت، {كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى} يعني: إن ذلك ~~الذي يحي الأرض لمحيي الموتى، {وهو على كل شيء قدير} {ولئن أرسلنا ريحا} ~~باردة مضرة فأفسدت الزرع، {فرأوه مصفرا} أي: رأوا النبت والزرع مصفرا بعد ~~الخضرة، {لظلوا} لصاروا، {من بعده} أي: من بعد اصفرار الزرع، {يكفرون} ~~يجحدون ما سلف من النعمة، يعني: أنهم يفرحون عند الخصب، ولو أرسلت عذابا ~~على زرعهم جحدوا سالف نعمتي. {فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم ms1985 الدعاء ~~إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن ~~بآياتنا فهم مسلمون} (2) . {الله الذي خلقكم من ضعف} قرئ بضم الضاد وفتحها، ~~فالضم لغة قريش، والفتح لغة تميم، ومعنى "من ضعف"، أي: من نطفة، يريد من ذي ~~ضعف، أي: من ماء ذي ضعف كما قال PageV06P277 # تعالى: "ألم نخلقكم من ماء مهين" (المرسلات-20) ، {ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة} بعد ضعف الطفولية شبابا، وهو وقت القوة، {ثم جعل من بعد قوة ضعفا} ~~هرما، {وشيبة يخلق ما يشاء} الضعف والقوة والشباب والشيبة، {وهو العليم} ~~بتدبير خلقه، {القدير} على ما يشاء. ### || # {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون ~~(55) وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم ~~البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (56) } # {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون} يحلف المشركون، {ما لبثوا} في الدنيا، ~~{غير ساعة} إلا ساعة، استقلوا أجل الدنيا لما عاينوا الآخرة. وقال مقاتل ~~والكلبي: ما لبثوا في قبورهم غير ساعة كما قال: "كأنهم يوم يرون ما يوعدون ~~لم يلبثوا إلا ساعة من نهار" (الأحقاف-35) . {كذلك كانوا يؤفكون} يصرفون عن ~~الحق في الدنيا، قال الكلبي ومقاتل: كذبوا في قولهم غير ساعة كما كذبوا في ~~الدنيا أن لا بعث. والمعنى أن الله أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء تبين ~~لأهل الجمع أنهم كاذبون فيه (1) ، وكان ذلك بقضاء الله وبقدره بدليل قوله: ~~"يؤفكون"، أي: يصرفون عن الحق. ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم كذبهم فقال: ~~{وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله} أي: فيما كتب ~~الله لكم في سابق علمه من اللبث في القبور (2) . وقيل: "في كتاب الله" أي: ~~في حكم الله (3) ، وقال قتادة ومقاتل: فيه تقديم وتأخير معناه. وقال الذين ~~أوتوا العلم في كتاب الله والإيمان: لقد لبثتم إلى يوم البعث، يعني الذين ~~يعلمون كتاب الله (4) ، وقرأوا قوله تعالى: "ومن ورائهم برزخ إلى يوم ~~يبعثون" (المؤمنون-100) ، أي: قالوا للمنكرين: لقد لبثتم، {إلى يوم البعث ~~فهذا ms1986 يوم البعث} الذي كنتم تنكرونه في الدنيا، {ولكنكم كنتم لا تعلمون} ~~وقوعه في الدنيا فلا ينفعكم العلم به الآن بدليل قوله تعالى: PageV06P278 # {فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم} ### || # {فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) ولقد ضربنا ~~للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم ~~إلا مبطلون (58) كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (59) فاصبر إن ~~وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (60) } # {فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم} يعني عذرهم، {ولا هم يستعتبون} لا ~~يطلب منهم العتبى والرجوع في الآخرة، قرأ أهل الكوفة: {لا ينفع} بالياء ~~هاهنا وفي "حم" المؤمن [ووافق نافع في "حم" المؤمن] (1) ، وقرأ الباقون ~~بالتاء فيهما. {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ~~ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون} ما أنتم إلا على باطل. {كذلك يطبع ~~الله على قلوب الذين لا يعلمون} توحيد الله. {فاصبر إن وعد الله حق} في ~~نصرتك وإظهارك على عدوك {ولا يستخفنك} لا يستجهلنك، معناه: لا يحملنك الذين ~~لا يوقنون على الجهل واتباعهم في الغي. وقيل: لا يستخفن رأيك وحلمك، {الذين ~~لا يوقنون} بالبعث والحساب. PageV06P279 ### | سورة لقمان # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {الم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم (2) هدى ورحمة للمحسنين (3) الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (4) أولئك على هدى من ~~ربهم وأولئك هم المفلحون (5) ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل ~~الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) } # {الم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة} قرأ حمزة: "ورحمة" بالرفع على ~~الابتداء، أي: هو هدى ورحمة، وقرأ الآخرون بالنصب على الحال {للمحسنين} ~~{الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون} {ومن الناس من ~~يشتري لهو الحديث} الآية. قال الكلبي، ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث بن ~~كلدة كان يتجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم ويحدث بها قريشا، ويقول: إن ~~محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم ms1987 واسفنديار وأخبار ~~الأكاسرة، فيستملحون PageV06P280 # حديثه ويتركون استماع القرآن، فأنزل الله هذه الآية (1) . وقال مجاهد: ~~يعني شراء القيان والمغنيين (2) ، ووجه الكلام على هذا التأويل: من يشتري ~~[ذات لهو أو] ذا لهو الحديث. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق ~~الثعلبي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المزكي، حدثنا ~~جدي محمد بن إسحاق بن خزيمة، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا مشعل بن ملحان ~~الطائي، عن مطرح بن يزيد، عن عبد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم ~~بن عبد العزيز، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~يحل تعليم المغنيات ولا يبعهن وأثمانهن حرام"، وفي مثل هذا أنزلت هذه ~~الآية: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله"، وما من رجل ~~يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين: أحدهما على هذا المنكب، ~~والآخر على هذا المنكب، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت ~~(3) . # أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد القفال، أخبرنا أبو منصور أحمد بن الفضل ~~البروجردي، أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي، أخبرنا محمد بن ~~غالب بن تمام، أخبرنا خالد بن أبي يزيد، عن هشام هو ابن حسان، عن محمد هو ~~ابن سيرين، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن ثمن الكلب ~~وكسب الزمارة" (4) . قال مكحول: من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها ~~وضربها مقيما عليه حتى يموت لم أصل عليه، إن الله يقول: "ومن الناس من ~~يشتري لهو الحديث" الآية (5) . وعن عبد الله بن مسعود، وابن عباس، والحسن، ~~وعكرمة، وسعيد بن جبير قالوا: "لهو الحديث" هو الغناء، والآية نزلت فيه. ~~ومعنى قوله: {يشتري لهو الحديث} أي: يستبدل ويختار الغناء والمزامير ~~والمعازف على القرآن، قال أبو الصباء البكري سألت ابن مسعود عن هذه الآية ~~فقال: هو الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات (6) . ~~PageV06P284 # وقال إبراهيم النخعي: الغناء ينبت النفاق في القلب (1) ، وكان أصحابنا ~~يأخذون بأفواه السكك يخرقون ms1988 الدفوف. وقيل: الغناء رقية الزنا (2) . وقال ~~ابن جريج: هو الطبل (3) وعن الضحاك قال: هو الشرك (4) . وقال قتادة: هو كل ~~لهو ولعب (5) . {ليضل عن سبيل الله بغير علم} أي: يفعله عن جهل. قال قتادة: ~~بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق. # قوله تعالى: {ويتخذها هزوا} أي: يتخذ آيات الله هزوا. قرأ حمزة، ~~والكسائي، وحفص، ويعقوب: {ويتخذها} بنصب الدال عطفا على قوله: "ليضل"، وقرأ ~~الآخرون بالرفع نسقا على قوله: "يشتري". {أولئك لهم عذاب مهين} ### || # {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا ~~فبشره بعذاب أليم (7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) ~~خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) خلق السموات بغير عمد ~~ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من ~~السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (10) } # {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا ~~فبشره بعذاب أليم} {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم} ~~{خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم خلق السموات بغير عمد ترونها ~~وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ~~ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم} حسن. PageV06P285 ### || # {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين ~~(11) } # {هذا} يعني الذي ذكرت مما تعاينون، {خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من ~~دونه} من آلهتكم التي تعبدونها، {بل الظالمون في ضلال مبين} قوله # {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر ~~فإن الله غني حميد (12) } # تعالى: {ولقد آتينا لقمان الحكمة} يعني: العقل والعلم والعمل به والإصابة ~~في الأمور. قال محمد بن إسحاق: وهو لقمان بن ناعور بن ناحور بن تارخ وهو ~~آزر. وقال وهب: كان ابن أخت أيوب (1) ، وقال [مقاتل: ذكر أنه كان ابن خالة ~~أيوب (2) ] (3) . قال الواقدي: كان قاضيا في بني إسرائيل (4) . # واتفق ms1989 العلماء على أنه كان حكيما، ولم يكن نبيا، إلا عكرمة فإنه قال: كان ~~لقمان نبيا. وتفرد بهذا القول. وقال بعضهم: خير لقمان بين النبوة والحكمة ~~فاختار الحكمة (5) . وروي أنه كان نائما نصف النهار فنودي: يا لقمان، هل لك ~~أن يجعلك الله خليفة في الأرض لتحكم بين الناس بالحق؟ فأجاب الصوت فقال: إن ~~خيرني ربي قبلت العافية، ولم أقبل البلاء، وإن عزم علي فسمعا وطاعة، فإني ~~أعلم إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا ~~لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاها الظلم من كل مكان أن ~~يعدل فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلا ~~خير من أن يكون PageV06P286 # شريفا، ومن يخير الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ولا يصيب الآخرة. فعجبت ~~الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فأعطي الحكمة، فانتبه وهو يتكلم بها، ثم ~~نودي داود بعده فقبلها ولم يشترط ما اشترط لقمان، فهوى في الخطيئة غير مرة، ~~كل ذلك يعفو الله عنه، وكان لقمان يؤازره بحكمته (1) . وعن خالد الربعي ~~قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا (2) . وقال سعيد بن المسيب: كان خياطا (3) ~~. وقيل: كان راعي غنم. فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة فقال: ألست ~~فلانا الراعي فبم بلغت ما بلغت؟ قال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما ~~لا يعنيني (4) . وقال مجاهد: كان عبدا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين (5) ~~. قوله عز وجل: {أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله ~~غني حميد} ### || # {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ~~(13) ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن ~~اشكر لي ولوالديك إلي المصير (14) } # {وإذ قال لقمان لابنه} واسمه أنعم، ويقال: مشكم، {وهو يعظه يا بني لا ~~تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} قرأ ابن كثير: "يا بني لا تشرك بالله" ~~بإسكان الياء، وفتحها حفص، والباقون بالكسر، "يا بني إنها" بفتح الياء حفص، ~~والباقون بالكسر، ms1990 "يا بني أقم الصلاة"، بفتح الياء البزي عن ابن كثير وحفص، ~~وبإسكانها القواس، والباقون بكسرها. {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه ~~وهنا على وهن} قال ابن عباس: شدة بعد شدة. وقال الضحاك: ضعفا على ضعف. قال ~~مجاهد: مشقة على مشقة. وقال الزجاج: المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف ~~والمشقة. ويقال: الحمل ضعف، والطلق ضعف، والوضع ضعف. {وفصاله} أي: فطامه، ~~{في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} المرجع، قال سفيان بن عيينة في ~~هذه الآية: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين في أدبار ~~الصلوات الخمس فقد شكر الوالدين. PageV06P287 ### || # {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم ~~تعملون (15) يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في ~~السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) } # {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا} أي: بالمعروف، وهو البر والصلة والعشرة الجميلة، {واتبع ~~سبيل من أناب إلي} أي: دين من أقبل إلى طاعتي، وهو النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه. قال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا بكر، وذلك أنه حين أسلم أتاه ~~عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، فقالوا له: ~~قد صدقت هذا الرجل وآمنت به؟ قال: نعم، هو صادق، فآمنوا به، ثم حملهم إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسلموا، فهؤلاء لهم سابقة الإسلام. أسلموا ~~بإرشاد أبي بكر (1) . قال الله تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي} يعني أبا ~~بكر، {ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} وقيل: نزلت هاتان الآيتان في ~~سعد بن أبي وقاص وأمه، وقد مضت القصة وقيل: الآية عامة في حق كافة الناس. ~~{يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل} الكناية في قوله: "إنها" راجعة إلى ~~الخطيئة، وذلك أن ابن ms1991 لقمان قال لأبيه: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا ~~يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل ~~فتكن في صخرة} قال قتادة: تكن في جبل. وقال ابن عباس: في صخرة تحت الأرضين ~~السبع، وهي التي تكتب فيها أعمال الفجار (2) ، وخضرة السماء منها. قال ~~السدي: خلق الله الأرض على حوت -وهو النون الذي ذكر الله عز وجل في القرآن ~~"ن والقلم" -والحوت في الماء، والماء ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، ~~والملك على صخرة، PageV06P288 # وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، والصخرة على ~~الريح (1) {أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف} ~~باستخراجها، {خبير} عالم بمكانها، قال الحسن: معنى الآية هو الإحاطة ~~بالأشياء، صغيرها وكبيرها، وفي بعض الكتب إن هذه الكلمة آخر كلمة تكلم بها ~~لقمان فانشقت مرارته من هيبتها فمات. ### || # {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ~~ذلك من عزم الأمور (17) ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله ~~لا يحب كل مختال فخور (18) واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات ~~لصوت الحمير (19) } # {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك} ~~يعني من الأذى، {إن ذلك من عزم الأمور} يريد الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، والصبر على الأذى فيهما، من الأمور الواجبة التي أمر الله بها، أو ~~من الأمور التي يعزم عليها لوجوبها. {ولا تصعر خدك للناس} قرأ ابن كثير، ~~وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: "ولا تصعر" بتشديد العين من غير ألف، ~~وقرأ الآخرون: "تصاعر" بالألف، يقال: صعر وجهه وصاعر: إذا مال وأعرض تكبرا، ~~ورجل أصعر: أي: مائل العنق. قال ابن عباس: يقول: لا تتكبر فتحقر الناس ~~وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك. وقال مجاهد: هو الرجل يكون بينك وبينه إحنة ~~فتلقاه فيعرض عنك بوجهه. وقال عكرمة: هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه تكبرا. ~~وقال الربيع ms1992 بن أنس وقتادة: ولا تحتقر الفقراء ليكن 73/أالفقر والغني عندك ~~سواء، {ولا تمش في الأرض مرحا} خيلاء {إن الله لا يحب، كل مختال} في مشيه ~~{فخور} على الناس. {واقصد في مشيك} أي: ليكن مشيك قصدا لا تخيلا ولا ~~إسراعا. وقال عطاء: امش بالوقار والسكينة، كقوله: "يمشون على الأرض هونا" ~~(الفرقان-63) ، {واغضض من صوتك} انقص من صوتك، وقال مقاتل: اخفض صوتك {إن ~~أنكر الأصوات} أقبح الأصوات، {لصوت الحمير} أوله زفير وآخره شهيق، وهما صوت ~~أهل النار. PageV06P289 # وقال موسى بن أعين: سمعت سفيان الثوري يقول في قوله: {إن أنكر الأصوات ~~لصوت الحمير} قال: صياح كل شيء تسبيح لله إلا الحمار (1) . وقال جعفر ~~الصادق في قوله: {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} قال: هي العطسة القبيحة ~~المنكرة. قال وهب: تكلم لقمان باثنى عشر ألف باب من الحكمة، أدخلها الناس ~~في كلامهم وقضاياهم وحكمه: قال خالد الربعي: كان لقمان عبدا حبشيا فدفع ~~مولاه إليه شاة وقال: اذبحها وائتني بأطيب مضغتين منها، فأتاه باللسان ~~والقلب، ثم دفع إليه شاة أخرى، وقال: اذبحها وائتني بأخبث مضغتين منها ~~فأتاه باللسان والقلب، فسأله مولاه، فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا ~~أخبث منهما إذا خبثا (2) . PageV06P290 ### || # {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ~~ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ~~(20) } # قوله تعالى: {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ ~~عليكم} أتم وأكمل، {نعمه} قرأ أهل المدينة، وأبو عمرو، وحفص: "نعمه" بفتح ~~العين وضم الهاء على الجمع، وقرأ الآخرون منونة على الواحد، ومعناها الجمع ~~أيضا كقوله: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" (إبراهيم-14) ، {ظاهرة ~~وباطنة} قال عكرمة عن ابن عباس: النعمة الظاهرة: الإسلام والقرآن، ~~والباطنة: ما ستر عليك من الذنوب ولم يعجل عليك بالنقمة (1) وقال الضحاك: ~~الظاهرة: حسن الصورة وتسوية الأعضاء، والباطنة: المعرفة. وقال مقاتل: ~~الظاهرة: تسوية الخلق، والرزق، والإسلام. والباطنة: ما ستر من الذنوب (2) . ~~وقال الربيع: الظاهرة ms1993 بالجوارح، والباطنة: بالقلب. وقيل: الظاهرة: الإقرار ~~باللسان، والباطنة: الاعتقاد بالقلب. وقيل: الظاهرة: تمام الرزق والباطنة: ~~حسن الخلق. وقال عطاء: الظاهرة: تخفيف الشرائع، والباطنة: الشفاعة. ~~PageV06P290 # وقال مجاهد: الظاهرة: ظهور الإسلام والنصر على الأعداء، والباطنة: ~~الإمداد بالملائكة. وقيل: الظاهرة: الإمداد بالملائكة، والباطنة: إلقاء ~~الرعب في قلوب الكفار. وقال سهل بن عبد الله: الظاهرة: اتباع الرسول، ~~والباطنة: محبته. {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} نزلت في النضر بن ~~الحارث، وأبي بن خلف، وأمية بن خلف، وأشباههم كانوا يجادلون النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الله وفي صفاته بغير علم (1) ، {ولا هدى ولا كتاب منير} ### || # {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ~~أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21) ومن يسلم وجهه إلى الله وهو ~~محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور (22) ومن كفر فلا ~~يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور (23) ~~نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) ولئن سألتهم من خلق السموات ~~والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (25) } # {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا} ~~قال الله عز وجل: {أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} وجواب "لو" ~~محذوف، ومجازه: يدعوهم فيتبعونه، يعني: يتبعون الشيطان وإن كان الشيطان ~~يدعوهم إلى عذاب السعير. {ومن يسلم وجهه إلى الله} يعني: لله، أي: يخلص ~~دينه لله، ويفوض أمره إلى الله، {وهو محسن} في عمله، {فقد استمسك بالعروة ~~الوثقى} أي: اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه، {وإلى الله عاقبة ~~الأمور} {ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله ~~عليم بذات الصدور} {نمتعهم قليلا} أي: نمهلهم ليتمتعوا بنعيم الدنيا قليلا ~~إلى انقضاء آجالهم، {ثم نضطرهم} ثم نلجئهم ونردهم في الآخرة، {إلى عذاب ~~غليظ} عذاب النار. {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} PageV06P291 ### || # {لله ما في السموات والأرض ms1994 إن الله هو الغني الحميد (26) ولو أنما في ~~الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن ~~الله عزيز حكيم (27) } # {لله ما في السموات والأرض إن الله هو الغني الحميد} قوله عز وجل: {ولو ~~أنما في الأرض من شجرة أقلام} الآية. قال المفسرون: نزلت بمكة، قوله سبحانه ~~وتعالى: "ويسئلونك عن الروح"، إلى قوله: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" ~~(الإسراء-85) ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه ~~أحبار اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا عنك أنك تقول: "وما أوتيتم من العلم ~~إلى قليلا" أفعنيتنا أم قومك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: كلا قد عنيت، ~~قالوا: ألست تتلوا فيما جاءك أنا أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي في علم الله قليل وقد آتاكم الله ما إن ~~عملتم به انتفعتم"، قالوا: يا محمد كيف تزعم هذا وأنت تقول: "ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا" (البقرة-269) ، فكيف يجتمع هذا علم قليل وخير ~~كثير؟ فأنزل الله هذه الآية (1) . # قال قتادة: إن المشركين قالوا: إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ينفد ~~فينقطع، فنزلت: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} (2) ، أي: بريت أقلاما، ~~{والبحر يمده} قرأ أبو عمرو ويعقوب: "والبحر" بالنصب عطفا على "ما"، ~~والباقون بالرفع على الاستئناف {يمده} أي: يزيده، وينصب فيه {من بعده} ~~خلفه، {سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} وفي الآية اختصار تقديره: ولو أن ما ~~في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر يكتب بها كلام الله ~~ما نفدت كلمات الله. {إن الله عزيز حكيم} وهذه الآية على قول عطاء بن يسار ~~مدنية، وعلى قول غيره مكية، وقالوا: إنما أمر اليهود وفد قريش أن يسألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولوا له ذلك وهو بعد بمكة، والله أعلم. ~~PageV06P292 ### || # {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28) } # {ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج ms1995 النهار في الليل وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) ذلك بأن الله ~~هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير (30) ألم تر ~~أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور (31) وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما ~~نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور (32) } # {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} [يعني كخلق نفس واحدة] (1) وبعثها ~~لا يتعذر عليه شيء، {إن الله سميع بصير} {ذلك بأن الله هو الحق} أي: ذلك ~~الذي ذكرت لتعلموا أن الله هو الحق، {وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله ~~هو العلي الكبير} {ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله} يريد أن ذلك ~~من نعمة الله عليكم، {ليريكم من آياته} عجائبه، {إن في ذلك لآيات لكل صبار} ~~على أمر الله 73/ب {شكور} لنعمه. {وإذا غشيهم موج كالظلل} قال مقاتل: ~~كالجبال. وقال الكلبي: كالسحاب. والظل جمع الظلة شبه بها الموج في كثرتها ~~وارتفاعها، وجعل الموج، وهو واحد، كالظلل وهي جمع، لأن الموج يأتي منه شيء ~~بعد شيء، {دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد} أي: ~~عدل موف في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له، يعني: ثبت على ~~إيمانه. PageV06P293 # نزلت في عكرمة بن أبي جهل هرب عام الفتح إلى البحر فجاءهم ريح عاصف، فقال ~~عكرمة: لئن أنجاني الله من هذا لأرجعن إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولأضعن ~~يدي في يده، فسكنت الريح، فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه (1) وقال ~~مجاهد: فمنهم مقتصد في القول مضمر للكفر. وقال الكلبي: مقتصد في القول، أي: ~~من الكفار، لأن بعضهم كان أشد قولا وأغلى في الافتراء من بعض، {وما يجحد ~~بآياتنا إلا كل ختار كفور} والختر أسوأ الغدر. ### || # {يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ms1996 ولده ولا مولود ~~هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور (33) إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في ~~الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله ~~عليم خبير (34) } # {يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي} لا يقضي ولا يغني، {والد ~~عن ولده ولا مولود هو جاز} مغن {عن والده شيئا} قال ابن عباس: كل امرئ يهمه ~~نفسه، {إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} ~~يعني الشيطان. قال سعيد بن جبير: هو أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة. {إن ~~الله عنده علم الساعة} الآية نزلت في الوارث (2) بن عمرو، بن حارثة، بن ~~محارب، ابن حفصة، من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ~~الساعة ووقتها وقال: إن أرضنا أجدبت فمتى PageV06P294 # ينزل الغيث؟ وتركت، امرأتي حبلى، فمتى تلد؟ وقد علمت أين ولدت فبأي أرض ~~أموت؟ فأنزل الله هذه الآية (1) {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ~~ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض ~~تموت} وقرأ أبي بن كعب: "بأية أرض"، والمشهور: "بأي أرض" لأن الأرض ليس ~~فيها من علامات التأنيث شيء. # وقيل: أراد بالأرض المكان: أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن ~~عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا ~~عبد العزيز بن عبد الله، أخبرنا إبراهيم بن ساعدة عن ابن شهاب، عن سالم بن ~~عبد الله، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مفاتيح الغيب ~~خمس: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري ~~نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت" (2) . {إن الله عليم خبير} ~~PageV06P295 ### | سورة السجدة # مكية (1) ، قال عطاء: إلا ثلاث آيات من قوله "أفمن كان مؤمنا" [إلى آخر ~~ثلاث آيان] (2) (3) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {الم (1) تنزيل الكتاب لا ms1997 ريب فيه من رب العالمين (2) أم يقولون افتراه ~~بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون (3) ~~الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) } # {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} قال مقاتل: لا شك فيه أنه ~~تنزيل من رب العالمين. {أم يقولون} بل يقولون {افتراه} وقيل الميم صلة، أي: ~~أيقولون افتراه؟ استفهام توبيخ. وقيل: "أم" بمعنى الواو، أي: ويقولون ~~افتراه. وقيل: فيه إضمار، مجازه فهل يؤمنون، أم يقولون افتراه، ثم قال: {بل ~~هو} يعني القرآن، {الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم} أي: لم يأتهم، {من ~~نذير من قبلك} قال قتادة: كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير قبل محمد صلى الله ~~عليه وسلم (4) . وقال ابن عباس، ومقاتل: ذلك في الفترة التي كانت بين عيسى ~~ومحمد صلوات الله عليهما (5) {لعلهم يهتدون} {الله الذي خلق السموات والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ~~أفلا تتذكرون} PageV06P296 ### || # {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ~~مما تعدون (5) } # {يدبر الأمر} أي: يحكم الأمر وينزل القضاء والقدر، {من السماء إلى الأرض} ~~وقيل: ينزل الوحي مع جبريل من السماء إلى الأرض، {ثم يعرج} يصعد، {إليه} ~~جبريل بالأمر، {في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} أي: في يوم واحد من ~~أيام الدنيا وقدر مسيرة ألف سنة، خمسمائة نزوله، وخسمائة صعوده، لأن ما بين ~~السماء والأرض خمسمائة عام، يقول: لو سار فيه أحد من بني آدم لم يقطعه إلا ~~في ألف سنة، والملائكة يقطعون في يوم واحد، هذا في وصف عروج الملك من الأرض ~~إلى السماء، وأما قوله: "تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة" (المعارج-4) ، أراد مدة المسافة بين الأرض إلى سدرة المنتهى ~~التي هي مقام جبريل، يسير جبريل ms1998 والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة ~~خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. هذا كله معنى قول مجاهد والضحاك ~~(1) وقوله: "إليه" أي: إلى الله. وقيل: على هذا التأويل، أي: إلى مكان ~~الملك الذي أمره الله عز وجل أن يعرج إليه. # وقال بعضهم: ألف سنة [وخمسون ألف] (2) سنة كلها في القيامة، يكون على ~~بعضهم أطول وعلى بعضهم أقصر، معناه: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة ~~أيام الدنيا، ثم يعرج أي: يرجع الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدنيا، ~~وانقطاع أمر الأمراء وحكم الحكام في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم ~~القيامة، وأما قوله: "خمسين ألف سنة" فإنه أراد على الكافر يجعل الله ذلك ~~اليوم عليه مقدار خمسين ألف سنة، وعلى المؤمن دون ذلك حتى جاء في الحديث: ~~"أنه يكون على المؤمن كقدر صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا" (3) . وقال ~~إبراهيم التيمي: لا يكون على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر (4) . ~~PageV06P300 # ويجوز أن يكون هذا إخبارا عن شدته وهوله ومشقته. وقال ابن أبي مليكة: ~~دخلت أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان على ابن عباس فسأله ابن ~~فيروز عن هذه الآية وعن قوله خمسين ألف سنة؟ فقال له ابن عباس: أيام سماها ~~الله لا أدري ما هي وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم (1) . ### || # {ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ ~~خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم سواه ونفخ ~~فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (9) وقالوا ~~أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون (10) } # {ذلك عالم الغيب والشهادة} يعني: ذلك الذي صنع ما ذكره من خلق السموات ~~والأرض 74/أعالم ما غاب عن الخلق وما حضر، {العزيز الرحيم} {الذي أحسن كل ~~شيء خلقه} قرأ نافع وأهل الكوفة: " خلقه " بفتح اللام على الفعل وقرأ ~~الآخرون بسكونها، أي: أحسن خلق كل شيء، قال ابن عباس: أتقنه ms1999 وأحكمه. قال ~~قتادة: حسنه. وقال مقاتل: علم كيف يخلق كل شيء، من قولك: فلان يحسن كذا إذا ~~كان يعلمه. وقيل: خلق كل حيوان على صورته لم يخلق البعض على صورة البعض، ~~فكل حيوان كامل في خلقه حسن، وكل عضو من أعضائه مقدر بما يصلح به معاشه. ~~{وبدأ خلق الإنسان من طين} يعني آدم. {ثم جعل نسله} يعني ذريته، {من سلالة} ~~نطفة، سميت سلالة لأنها تسل من الإنسان {من ماء مهين} أي: ضعيف وهو نطفة ~~الرجل. {ثم سواه} ثم سوى خلقه، {ونفخ فيه من روحه} ثم عاد إلى ذريته، فقال: ~~{وجعل لكم} بعد أن كنتم نطفا، {السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون} ~~يعني: لا تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه. {وقالوا} يعني منكري البعث، {أئذا ~~ضللنا} هلكنا، {في الأرض} وصرنا ترابا، وأصله PageV06P301 # من قولهم: ضل الماء في اللبن إذا ذهب، {أئنا لفي خلق جديد} استفهام ~~إنكار. قال الله عز وجل: {بل هم بلقاء ربهم كافرون} أي: بالبعث بعد الموت. ### || # {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) } # {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا ~~نعمل صالحا إنا موقنون (12) } # {قل يتوفاكم} يقبض أرواحكم، {ملك الموت الذي وكل بكم} أي: وكل بقبض ~~أرواحكم وهو عزرائيل، والتوفي استيفاء العدد، معناه أنه يقبض أرواحهم حتى ~~لا يبقى أحد من العدد الذي كتب عليه الموت. وروي أن ملك الموت جعلت له ~~الدنيا مثل راحة اليد يأخذ منها صاحبها ما أحب من غير مشقة، فهو يقبض أنفس ~~الخلق في مشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ~~(1) . وقال ابن عباس: إن خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب (2) . وقال ~~مجاهد: جعلت له الأرض مثل طست يتناول منها حيث يشاء (3) . وفي بعض الأخبار: ~~أن ملك الموت على معراج بين السماء والأرض فينزع أعوانه روح الإنسان فإذا ~~بلغ ثغره نحره قبضه ملك الموت. # وروى خالد بن معدان عن معاذ بن جبل قال: إن لملك الموت حربة تبلغ ما بين ~~المشرق ms2000 والمغرب، وهو يتصفح وجوه الناس، فما من أهل بيت إلا وملك الموت ~~يتصفحهم في كل يوم مرتين، فإذا رأى إنسانا قد انقضى أجله ضرب رأسه بتلك ~~الحربة، وقال: الآن يزار بك عسكر الأموات. قوله: {ثم إلى ربكم ترجعون} أي: ~~تصيرون إليه أحياء فيجزيكم بأعمالكم. {ولو ترى إذ المجرمون} المشركون، ~~{ناكسو رءوسهم} مطأطؤ رءوسهم، {عند ربهم} حياء وندما، {ربنا} أي: يقولون ~~ربنا، {أبصرنا} ما كنا به مكذبين، {وسمعنا} منك تصديق ما أتتنا به رسلك. ~~وقيل: أبصرنا معاصينا وسمعنا ما قيل فينا، {فارجعنا} فأرددنا إلى الدنيا، ~~{نعمل صالحا إنا موقنون} وجواب لو مضمر مجازه لرأيت العجب. PageV06P302 ### || # {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين (13) فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا ~~عذاب الخلد بما كنتم تعملون (14) إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها ~~خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (15) تتجافى جنوبهم عن المضاجع ~~يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (16) } # {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} رشدها وتوفيقها للإيمان، {ولكن حق} وجب، ~~{القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} وهو قوله لإبليس: "لأملأن ~~جهنم منك ومن تبعك منهم أجمعين" (ص-85) . ثم يقال لأهل النار -وقال مقاتل: ~~إذا دخلوا النار قالت لهم الخزنة-: {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي: ~~تركتم الإيمان به في الدنيا، {إنا نسيناكم} تركناكم، {وذوقوا عذاب الخلد ~~بما كنتم تعملون} من الكفر والتكذيب. قوله عز وجل: {إنما يؤمن بآياتنا ~~الذين إذا ذكروا بها} وعظوا بها، {خروا سجدا} سقطوا على وجوههم ساجدين، ~~{وسبحوا بحمد ربهم} قيل: صلوا بأمر ربهم. وقيل: قالوا سبحان الله وبحمده، ~~{وهم لا يستكبرون} عن الإيمان والسجود له. {تتجافى} ترتفع وتنبو، {جنوبهم ~~عن المضاجع} جمع مضجع، وهو الموضع الذي يضطجع عليه، يعني الفرش، وهم ~~المتهجدون بالليل، اللذين يقومون للصلاة. # واختلفوا في المراد بهذه الآية؛ قال أنس: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا ~~نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله ms2001 عليه ~~وسلم (1) . # وعن أنس أيضا قال: نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ~~يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء (2) وهو قول أبي حازم ومحمد بن ~~المنكدر، وقالا هي صلاة الأوابين (3) . # وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن الملائكة لتحف بالذين يصلون بين ~~المغرب والعشاء، وهي صلاة الأوابين. PageV06P303 # وقال عطاء: هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة. # وعن أبي الدرداء، وأبي ذر، وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم: هم الذين ~~يصلون العشاء الآخرة والفجر في جماعة. # وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى العشاء في جماعة كان ~~كقيام نصف ليلة، [ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة] (1) (2) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن ~~ابن صالح السمان، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو ~~يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه ~~لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في ~~العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا" (3) . # وأشهر الأقاويل أن المراد منه: صلاة الليل، وهو قول الحسن، ومجاهد، ~~ومالك، والأوزاعي وجماعة. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد ~~الله بن بشران، أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن ~~منصور الرمادي، أخبرنا عبد الرازق، أخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود، عن ~~أبي وائل عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرنا ~~فأصبحت يوما قريبا منه وهو يسير فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني ~~الجنة ويباعدني من النار، قال: "قد سألت عن أمر عظيم، وإنه ليسير على من ~~يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ~~وتصوم رمضان، وتحج البيت"، ثم قال: "ألا أدلك على أبواب ms2002 الخير: الصوم جنة، ~~والصدقة تطفىء الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل"، ثم قرأ: "تتجافى 74/ب ~~جنوبهم عن المضاجع" حتى بلغ "جزاء بما كانوا يعلمون"، ثم قال ألا أخبرك ~~برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: "رأس الأمر ~~الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك ~~كله؟ قلت: بلى يا نبي الله، قال: فأخذ بلسانه فقال: اكفف عليك هذا، فقلت: ~~يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما تتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب ~~PageV06P304 # الناس في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم" (1) ~~. # حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن ~~أحمد المخلدي، أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حمد بن ~~زنجويه، أخبرنا أبو عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، حدثني ربيعة ~~بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة ~~لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن ~~زنجويه، أخبرنا روح بن أسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء بن السائب، ~~عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته"، ~~فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين حبه ~~وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقا مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله ~~فانهزم معه أصحابه، فعلم ما عليه في الانهزام وما له في الرجوع، فرجع فقاتل ~~حتى أهريق دمه، [فيقول الله لملائكته: "انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي ~~وشفقا مما عندي حتى أهريق دمه"] (3) (4) . PageV06P305 # أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو ms2003 محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس ~~المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا أبو ~~عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله ~~المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" (1) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد الرزاق، ~~أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن معانق، عن أبي مالك الأشعري قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من ~~باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، ~~وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أصبغ، أخبرني عبد الله بن ~~وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، أخبرنا الهيثم بن أبي سنان، أخبرني أنه سمع ~~أبا هريرة في قصصه يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "إن أخا ~~لكم لا يقول الرفث" يعني بذلك عبد الله بن رواحة، قال: # وفينا رسول الله يتلو كتابه %~% إذا انشق معروف من الفجر ساطع # أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا %~% به موقنات أن ما قال واقع # يبيت يجافي جنبه عن فراشه %~% إذا استثقلت بالكافرين المضاجع (3) # قوله عز وجل: {يدعون ربهم خوفا وطمعا} قال ابن عباس: خوفا من النار وطمعا ~~في الجنة، {ومما رزقناهم ينفقون} قيل: أراد به الصدقة المفروضة. وقيل: عام ~~في الواجب والتطوع. ### || # {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17) } # {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم} قرأ حمزة ويعقوب: "أخفي لهم" ساكنة الياء، ~~أي: أنا أخفي لهم ومن حجته قراءة ابن مسعود "نخفي" بالنون. وقرأ الآخرون ~~بفتحها. {من قرة أعين} مما تقر به أعينهم، {جزاء بما كانوا يعملون} ~~PageV06P306 # أخبرنا عبد الواحد ms2004 المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إسحاق بن نصر، أخبرنا أبو ~~أسامة عن الأعمش، أخبرنا أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "يقول الله تبارك وتعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرا بله ما أطلعتم عليه"، ثم قرأ: {فلا ~~تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} # قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا مما لا تفسير له. وعن بعضهم قال: أخفوا ~~أعمالهم فأخفى الله ثوابهم. ### || # {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) أما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) وأما الذين فسقوا ~~فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب ~~النار الذي كنتم به تكذبون (20) } # قوله عز وجل: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} نزلت في علي بن ~~أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه، وذلك أنه كان بينهما ~~تنازع وكلام في شيء، فقال الوليد بن عقبة لعلي اسكت فإنك صبي وأنا والله ~~أبسط منك لسانا، وأحد منك سنانا، وأشجع منك جنانا، وأملأ منك حشوا في ~~الكتيبة. فقال له علي: اسكت فإنك فاسق، فأنزل الله تعالى: {أفمن كان مؤمنا ~~كمن كان فاسقا لا يستوون} (1) ولم يقل: لا يستويان، لأنه لم يرد مؤمنا ~~واحدا وفاسقا واحدا، بل أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين. {أما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى} التي يأوي إليها المؤمنون، {نزلا ~~بما كانوا يعملون} {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا ~~منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} ~~PageV06P307 ### || # {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (21) ومن ~~أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (22) ولقد ~~آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني ms2005 إسرائيل (23) ~~} # {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر} أي: سوى العذاب الأكبر، ~~{لعلهم يرجعون} قال أبي بن كعب، والضحاك، والحسن، وإبراهيم: "العذاب ~~الأدنى" مصائب الدنيا وأسقامها، وهو رواية الوالبي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما (1) . وقال عكرمة عنه: الحدود (2) . وقال مقاتل: الجوع سبع سنين بمكة ~~حتى أكلوا الجيف والعظام والكلاب (3) . وقال ابن مسعود: هو القتل بالسيف ~~يوم بدر (4) وهو قول قتادة والسدي، {دون العذاب الأكبر} يعني: عذاب الآخرة، ~~{لعلهم يرجعون} إلى الإيمان، يعني: من بقي منهم بعد بدر وبعد القحط. قوله ~~عز وجل: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين} يعني: ~~المشركين، {منتقمون} {ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه} ~~يعني: فلا تكن في شك من لقاء موسى ليلة المعراج، قاله ابن عباس وغيره. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا ~~غندر، عن شعبة، عن قتادة رحمه الله قال: وقال لي خليفة، أخبرنا يزيد بن ~~زريع، أخبرنا سعيد عن قتادة، عن أبي العالية قال: أخبرنا ابن عم نبيكم ~~-يعني ابن عباس-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت ليلة أسري بي موسى ~~رجلا آدم طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوعا مربوع ~~الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط 75/أ PageV06P308 # الرأس، ورأيت مالكا خازن النار، والدجال في آيات أراهن الله إياه فلا تكن ~~في مرية من لقائه" (1) . # أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن، أخبرنا عبد الله المحاملي، ~~أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزاز، أخبرنا محمد بن يونس، ~~أخبرنا عمر بن حبيب القاضي، أخبرنا سليمان التيمي، عن أنس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لما أسري بي إلى السماء رأيت موسى يصلي في قبره" ~~(2) . # وروينا في المعراج أنه رآه في السماء السادسة ومراجعته في أمر الصلاة (3) ~~. # قال السدي: "فلا تكن في مرية من لقائه"، أي: من ms2006 تلقي موسى كتاب الله ~~بالرضا والقبول. # {وجعلناه} يعني: الكتاب وهو التوراة، وقال قتادة: موسى، {هدى لبني ~~إسرائيل} ### || # {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (24) إن ~~ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) أولم يهد لهم ~~كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا ~~يسمعون (26) أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل ~~منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) } # {وجعلنا منهم} يعني: من بني إسرائيل، {أئمة} قادة في الخير يقتدى بهم، ~~يعني: الأنبياء الذين كانوا فيهم. وقال قتادة: أتباع الأنبياء، {يهدون} ~~يدعون، {بأمرنا لما صبروا} قرأ حمزة والكسائي، بكسر اللام وتخفيف الميم، ~~أي: لصبرهم، وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد الميم، أي: حين صبروا على ~~دينهم وعلى البلاء من عدوهم بمصر، {وكانوا بآياتنا يوقنون} {إن ربك هو ~~يفصل} يقضي، {بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} {أولم يهد} لم ~~يتبين، {لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك ~~لآيات أفلا يسمعون} آيات الله وعظائه فيتعظون بها. {أولم يروا أنا نسوق ~~الماء إلى الأرض الجرز} أي: اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، قال ابن ~~عباس: هي أرض باليمن. وقال مجاهد: هي أرض بابين، {فنخرج به زرعا تأكل منه ~~أنعامهم} PageV06P309 # [من العشب والتبن] (1) {وأنفسهم} من الحبوب والأقوات، {أفلا يبصرون} ### || # {ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين ~~كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29) فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30) } # {ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين} قيل: أراد بيوم الفتح يوم ~~القيامة الذي فيه الحكم بين العباد، قال قتادة: قال أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم للكفار: إن لنا يوما نتنعم فيه ونستريح ويحكم بيننا وبينكم، ~~فقالوا استهزاء: متى هذا الفتح (2) ؟ أي: القضاء والحكم، وقال الكلبي: يعني ~~فتح مكة (3) .وقال السدي: يوم بدر لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقولون لهم: إن الله ناصرنا ومظهرنا عليكم، فيقولون متى هذا الفتح ms2007 (4) . ~~{قل يوم الفتح} يوم القيامة، {لا ينفع الذين كفروا إيمانهم} ومن حمل الفتح ~~على فتح مكة أو القتل يوم بدر قال: معناه لا ينفع الذين كفروا إيمانهم إذا ~~جاءهم العذاب وقتلوا، {ولا هم ينظرون} لا يمهلون ليتوبوا ويعتذروا. {فأعرض ~~عنهم} قال ابن عباس: نسختها آية السيف، {وانتظر إنهم منتظرون} قيل: انتظر ~~موعدي لك بالنصر إنهم منتظرون بك حوادث الزمان. وقيل: انتظر عذابنا فيهم ~~فإنهم منتظرون ذلك. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا سفيان، عن ~~سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة أنه قال: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة {آلم تنزيل} و {هل أتى على ~~الإنسان} (5) . PageV06P310 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا ~~أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا سفيان، ~~عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام ~~حتى يقرأ: "تبارك" و"آلم تنزيل" (1) . PageV06P311 # سورة ### | الأحزاب # مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما ~~حكيما (1) } # {يا أيها النبي اتق الله} نزلت في أبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، ~~وأبي الأعور وعمرو بن سفيان السلمي، وذلك أنهم قدموا المدينة فنزلوا على ~~عبد الله بن أبي [بن سلول رأس المنافقين] (2) بعد قتال أحد، وقد أعطاهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد ~~بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وعنده عمر ~~بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا، اللات والعزى ومناة، وقل: إن لها شفاعة لمن ~~عبدها، وندعك وربك، فشق على النبي صلى الله عليه وسلم قولهم، فقال عمر: يا ~~رسول الله ائذن لنا في قتلهم، فقال: إني قد أعطيتهم الأمان، فقال عمر: ~~اخرجوا في لعنة الله وغضبه، ms2008 فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن يخرجهم ~~من المدينة فأنزل الله تعالى: # {يا أيها النبي اتق الله} (3) أي: دم على التقوى، كالرجل يقول لغيره وهو ~~قائم: قم ها هنا، أي: اثبت قائما. # وقيل الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة (4) .وقال ~~الضحاك: معناه اتق الله ولا تنقض العهد الذي بينك وبينهم. PageV06P312 # {ولا تطع الكافرين} من أهل مكة، يعني: أبا سفيان، وعكرمة، وأبا الأعور، ~~{والمنافقين} من أهل المدينة، عبد الله بن أبي، وعبد الله بن سعد، وطعمة ~~{إن الله كان عليما} بخلقه، قبل أن يخلقهم، {حكيما} فيما دبره لهم. ### || # {واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا (2) وتوكل على ~~الله وكفى بالله وكيلا (3) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل ~~أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم ~~بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (4) } # {واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا} قرأ أبو عمرو: ~~"يعملون خبيرا" و"يعملون بصيرا" بالياء فيهما، وقرأ غيره بالتاء. {وتوكل ~~على الله} ثق بالله، {وكفى بالله وكيلا} حافظا لك، وقيل: كفيلا برزقك. قوله ~~عز وجل: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} نزلت في أبي معمر، جميل بن ~~معمر الفهري، وكان رجلا لبيبا حافظا لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر ~~هذه الأشياء إلا وله قلبان، وكان يقول: إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما ~~أفضل من عقل محمد، فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو معمر فيهم، ~~فلقيه أبو سفيان وإحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقال له: يا أبا معمر ~~ما حال الناس؟ قال انهزموا، قال: فما لك إحدى 75/ب نعليك في يدك والأخرى في ~~رجلك؟ فقال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعلموا يومئذ أنه لو كان ~~له قلبان لما نسي نعله في يده (1) . # وقال الزهري ومقاتل هذا مثل ضربه الله عز وجل للمظاهر من امرأته وللمتبني ~~ولد ms2009 غيره، يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة للمظاهر أمه ~~حتى تكون أمان، ولا يكون له ولد واحد ابن رجلين (2) . PageV06P316 # {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} قرأ أهل الشام والكوفة: ~~"اللاتي" ها هنا وفي سورة الطلاق بياء بعد الهمزة، وقرأ قالون عن نافع ~~ويعقوب بغير ياء بعد الهمزة، وقرأ الآخرون بتليين الهمزة، وكلها لغات ~~معروفة، "تظاهرون" قرأ عاصم بالألف وضم التاء وكسر (1) الهاء مخففا، [وقرأ ~~حمزة والكسائي بفتح التاء والهاء مخففا] (2) وقرأ ابن عامر بفتحها وتشديد ~~الظاء، وقرأ الآخرون بفتحها وتشديد الظاء والهاء من غير ألف بينهما. # وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. يقول الله ~~تعالى: ما جعل نساءكم اللائي تقولون لهن هذا في التحريم كأمهاتكم، ولكنه ~~منكر وزور، وفيه كفارة نذكرها [إن شاء الله تعالى] (3) في سورة المجادلة. # {وما جعل أدعياءكم} يعني: من تبنيتموه {أبناءكم} فيه نسخ التبني، وذلك أن ~~الرجل في الجاهلية كان يتبنى الرجل فيجعله كالابن المولود له، يدعوه الناس ~~إليه، ويرث ميراثه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعتق زيد بن حارثة بن ~~شراحيل الكلبي، وتبناه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، فلما ~~تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة، ~~قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك، فأنزل الله هذه ~~الآية ونسخ التبني (4) {ذلكم قولكم بأفواهكم} لا حقيقة له يعني قولهم زيد ~~بن محمد صلى الله عليه وسلم وادعاء نسب لا حقيقة له، {والله يقول الحق} أي: ~~قوله الحق، {وهو يهدي السبيل} أي: يرشد إلى سبيل الحق. ### || # {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في ~~الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان ~~الله غفورا رحيما (5) } # {ادعوهم لآبائهم} الذين ولدوهم، {هو أقسط} أعدل، {عند الله} أخبرنا عبد ~~الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، ~~أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا ms2010 معلى بن أسد، أخبرنا عبد العزيز بن ~~المختار، أخبرنا موسى بن عقبة، حدثني سالم عن عبد الله بن عمر أن زيد بن ~~حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما كنا ندعوه إلا زيد بن ~~محمد حتى نزل القرآن (5) . PageV06P317 # {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم} [أي: ~~فهم إخوانكم] (1) {في الدين ومواليكم} إن كانوا محررين وليسوا ببنيكم، أي: ~~سموهم بأسماء إخوانكم في الدين. وقيل: "مواليكم" أي: أولياءكم في الدين، ~~{وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} قبل النهي فنسبتموه إلى غير أبيه، {ولكن ~~ما تعمدت قلوبكم} من دعائهم إلى غير آبائهم بعد النهي. # وقال قتادة: "فيما أخطأتم به" أن تدعوه لغير أبيه، وهو يظن أنه كذلك. ~~ومحل "ما" في قوله تعالى: "ما تعمدت" خفض ردا على "ما" التي في قوله "فيما ~~أخطأتم به" مجازه: ولكن فيما تعمدت قلوبكم. # {وكان الله غفورا رحيما} أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد ~~الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد ~~بن بشار، أخبرنا غندر، أخبرنا شعبة عن عاصم، قال: سمعت أبا عثمان قال: سمعت ~~سعدا، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأبا بكرة وكان قد تسور حصن ~~الطائف في أناس، فجاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا سمعنا النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام" ~~(2) . ### || # {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (6) } # قوله عز وجل: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} يعني من بعضهم ببعض في ~~نفوذ حكمه عليهم ووجوب طاعته عليهم. وقال ابن عباس وعطاء: يعني إذا دعاهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي صلى الله ~~عليه وسلم أولى بهم من طاعتهم أنفسهم (3) . وقال ابن زيد: النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم فيما قضى ms2011 فيهم، كما أنت أولى بعبدك فيما قضيت عليه. ~~وقيل: هو أولى بهم في الحمل على الجهاد وبذل النفس دونه. PageV06P318 # وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى الجهاد فيقول قوم: نذهب ~~فنستأذن من آبائنا وأمهاتنا، فنزلت الآية. # أخبرنا عبد الواحد عبد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن محمد، أخبرنا ~~أبو عامر، أخبرنا فليح، عن هلال بن علي بن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مؤمن إلا أنا أولى به في ~~الدنيا والآخرة"، اقرأوا إن شئتم {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} فأيما ~~مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا ~~مولاه" (1) . # قوله عز وجل: {وأزواجه أمهاتهم} وفي حرف أبي: "وأزواجه وأمهاتهم وهو أب ~~لهم" وهن أمهات المؤمنين في تعظيم حقهن وتحريم نكاحهن على التأييد، لا في ~~النظر إليهن والخلوة بهن، فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب، قال الله ~~تعالى: "وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب" (الأحزاب-53) ، ولا ~~يقال لبناتهن هن أخوات المؤمنين ولا لأخوانهن وأخواتهن هم أخوال المؤمنين ~~وخالاتهم (2) . # قال الشافعي: تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر، وهي أخت أم المؤمنين، ولم ~~يقل هي خالة المؤمنين (3) . # واختلفوا في أنهن هل كن أمهات النساء المؤمنات؟ قيل: كن أمهات المؤمنين ~~والمؤمنات جميعا. # وقيل كن أمهات المؤمنين دون النساء، روى الشعبي عن مسروق أن امرأة قالت ~~لعائشة رضي الله عنها: قالت يا أمه! فقالت لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم ~~(4) فبان بهذا معنى هذه الأمومة تحريم نكاحهن. # قوله عز وجل: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} يعني: في ~~الميراث، قال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة. قال الكلبي: آخى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بين الناس، فكان يؤاخي بين رجلين فإذا مات أحدهما ~~ورثه الآخر دون عصبته، حتى نزلت هذه الآية: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ~~في كتاب ms2012 الله} (5) 76/أفي حكم الله، {من المؤمنين} الذين آخى رسول الله ~~PageV06P319 # صلى الله عليه وسلم بينهم، {والمهاجرين} يعني ذوي القرابات، بعضهم أولى ~~بميراث بعض من أن يرث بالإيمان والهجرة، فنسخت هذه الآية الموارثة ~~بالمؤاخاة والهجرة وصارت بالقرابة. # قوله: {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} أراد بالمعروف الوصية [للذين ~~يتولونه من المعاقدين، وذلك أن الله لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة أباح ~~أن يوصي الرجل لمن يتولاه بما أحب من ثلثه] (1) . # وقال مجاهد: أراد بالمعروف النصرة وحفظ الحرمة لحق الإيمان والهجرة. # وقيل: أراد بالآية إثبات الميراث بالإيمان والهجرة، يعني: وأولوا الأرحام ~~من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض، أي: لا توارث بين المسلم والكافر ~~ولا بين المهاجر وغير المهاجر إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا، أي: إلا ~~أن توصوا لذوي قراباتكم بشيء وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة، وهذا ~~قول قتادة وعطاء وعكرمة (2) . # {كان ذلك في الكتاب مسطورا} أي: كان الذي ذكرت من أن أولي الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في اللوح المحفوظ مسطورا مكتوبا. وقال القرظي: في التوراة. ~~PageV06P320 ### || # {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن ~~مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) } # قوله عز وجل: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم} على الوفاء بما حملوا وأن ~~يصدق بعضهم بعضا ويبشر بعضهم ببعض. قال مقاتل: أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا ~~الله ويدعوا إلى عبادة الله ويصدق بعضهم بعضا وينصحوا لقومهم، {ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} خص هؤلاء الخمسة بالذكر من بين النبيين ~~لأنهم أصحاب الكتب والشرائع وأولوا العزم من الرسل، وقدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالذكر لما: # PageV06P320 # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ~~الحسين بن محمد الحديثي، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن يعقوب المقرئ، أخبرنا ~~محمد بن محمد بن سليمان الساعدي، أخبرنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال، ~~أخبرنا أبي، أخبرنا سعيد -يعني ابن بشير-عن قتادة عن الحسن، عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كنت أول النبيين ms2013 في الخلق وآخرهم في ~~البعث" (1) . # قال قتادة: وذلك قول الله عز وجل: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ~~ومن نوح} فبدأ به صلى الله عليه وسلم قبلهم. # {وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا. ### || # {ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما (8) يا أيها الذين ~~آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم ~~تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) } # {ليسأل الصادقين عن صدقهم} يقول: أخذنا ميثاقهم [لكي نسأل الصادقين عن ~~صدقهم، يعني النبيين عن تبليغهم] (2) الرسالة. والحكمة في سؤالهم، مع علمه ~~أنهم صادقون، تبكيت (3) من أرسلوا إليهم. # وقيل: ليسأل الصادقين عن عملهم لله عز وجل. وقيل: ليسأل الصادقين ~~بأفواههم عن صدقهم في قلوبهم. {وأعد للكافرين عذابا أليما} قوله عز وجل: ~~{يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم} وذلك حين حوصر المسلمون مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق، {إذ جاءتكم جنود} يعني الأحزاب، ~~وهم قريش، وغطفان، ويهود قريظة، والنضير، {فأرسلنا عليهم ريحا} وهي الصبا، ~~قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب انطلقي ننصر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالت الشمال إن الحرة لا تسري بالليل، وكانت الريح التي ~~أرسلت عليهم الصبا (4) PageV06P321 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا آدم، أخبرنا شعبة، عن الحكم، ~~عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" (1) . # قوله تعالى: {وجنودا لم تروها} وهم الملائكة، ولم تقاتل الملائكة يومئذ، ~~فبعث الله عليهم تلك الليلة ريحا باردة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب ~~الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وكثر ~~تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هلم ~~إلي، فإذا اجتمعوا عنده قال: النجاء النجاء، لما بعث الله عليهم من الرعب ~~فانهزموا من غير قتال. # {وكان الله بما تعملون بصيرا} قال محمد ms2014 بن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان ~~مولى آل الزبير، عن عروة بن الزبير ومن لا أتهم، عن عبد الله بن كعب بن ~~مالك، وعن الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الله بن أبي بكرة بن محمد ~~بن عمرو بن حزم، وعن محمد بن كعب القرظي، وعن غيرهم من علمائنا، دخل حديث ~~بعضهم في بعض: أن نفرا من اليهود، منهم سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، ~~وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وهودة بن قيس وأبي عمار الوائلي، في نفر ~~من بني النضير ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت ~~لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه ~~نحن ومحمد، فديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى ~~بالحق منهم، قال: فهم الذين أنزل الله فيهم: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت"، إلى قوله: "وكفى بجهنم سعيرا" (النساء ~~51-55) . # فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول ~~الله، فأجمعوا لذلك، ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان من قيس ~~غيلان، فدعوهم إلى ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد ~~بايعوهم على ذلك، فأجابوهم. # فخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن ~~حصن بن حذيفة بن بدر في فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني ~~مرة، ومسعود بن PageV06P322 # رخيلة بن نويرة بن طريف فيمن تابعه من قومه من أشجع 76/ب # فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب ~~الخندق على المدينة. # وكان الذي أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق سلمان الفارسي، ~~وكان أول مشهد شهده سلمان ms2015 مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ حر، ~~فقال: يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا عليها، فعمل فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى أحكموه (1) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن ~~حامد الأصبهاني، أخبرنا محمد بن جعفر الطبري، حدثنا حماد بن الحسن، حدثنا ~~محمد بن خالد بن عثمة، حدثنا كثير بن عبد الله، عن عمرو بن عوف، حدثني أبي ~~عن أبيه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الأحزاب ثم قطع ~~لكل عشرة أربعين ذراعا، قال: فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي ~~وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت" (2) . # قال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المازني وستة ~~من الأنصار في أربعين ذراعا فحفرنا حتى إذا كنا تحت ذي ناب أخرج الله في ~~بطن الخندق صخرة مرورة كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن يعدل عنها ~~فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيه بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه، قال: ~~فرقي سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية، ~~فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت ~~علينا حتى ما يحيك فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن ~~نجاوز خطك، فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان الخندق والتسعة على ~~شق الخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضربها ضربة ~~صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها -يعني المدينة-حتى لكأن مصباحا في ~~جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرا فتح وكبر ~~المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية وبرق منها برق ~~أضاء ms2016 ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكسرها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف ~~بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون، ~~فأخذ بيد سلمان ورقي، فقال PageV06P323 # سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط، ~~فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم فقال: "أرأيتم ما يقول ~~سلمان"؟ قالوا: نعم يا رسول الله قال: "ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم، ~~أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل ~~أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي ~~منها قصور الحيرة من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ~~ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور ~~صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها، ~~فأبشروا"، فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعد صدق، وعدنا النصر بعد ~~الحصر، فقال المنافقون: ألا تعجبون من محمد يعدكم ويمنيكم الباطل ويخبركم ~~أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم إنما ~~تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا؟ قال فنزل القرآن: {وإذ يقول ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} وأنزل ~~الله هذه القصة: "قل اللهم مالك الملك" (1) الآية (آل عمران-26) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن محمد، ~~أخبرنا معاوية بن عمرو، أخبرنا أبو إسحاق، عن حميد قال: سمعت أنسا يقول: ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار ~~يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك عنهم، فلما رأى ما بهم ~~من النصب ms2017 والجوع، قال: "اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار ~~والمهاجرة"، فقالوا مجيبين له: # نحن الذين بايعوا محمدا %~% على الجهاد ما بقينا أبدا (2) # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا ~~شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل ~~التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه -أو اغبر-وهو يقول: # والله لولا ما اهتدينا %~% ولا تصدقنا ولا صلينا # فأنزلن سكينة علينا %~% وثبت الأقدام إن لاقينا # إن الألى قد بغوا علينا %~% إذا أرادوا فتنة أبينا # ويرفع بها صوته: أبينا أبينا (3) . PageV06P324 # رجعنا إلى حديث ابن إسحاق، قال: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة من الجرف والغابة ~~(1) في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت ~~غطفان ومن تابعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد، وخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة ~~آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم. وأمر بالنساء ~~والذراري فرفعوا في الآطام. # وخرج عدو الله حيي بن أخطب من بني النضير حتى أتى كعب بن أسد القرظي، ~~صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~77/أعلى قومه وعاهده على ذلك، فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه حصنه، ~~فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيي: يا كعب افتح لي، فقال: ويحك يا ~~حيي إنك امرؤ مشؤوم وإني قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر ~~منه إلا وفاء وصدقا. قال: ويحك افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: ~~والله إن أغلقت دوني إلا على جشيشتك أن آكل معك منها، فأحفظ الرجل، ففتح ~~له، فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها ~~وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع ms2018 الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها ~~حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتى ~~يستأصلوا محمدا ومن معه. قال له كعب بن أسد: جئتني والله بذل الدهر وبجهام ~~قد هراق ماؤه برعد وبرق، وليس فيه شيء، فدعني ومحمدا وما أنا عليه، فإني لم ~~أر من محمد إلا صدقا ووفاء، فلم يزل حيي بن أخطب بكعب يفتله في الذروة ~~والغارب حتى سمح له، على أن أعطاه من الله عهدا وميثاقا. لئن رجعت قريش ~~وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض ~~كعب بن أسد عهده وتبرأ مما كان عليه فيما كان بينه وبين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين، بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، أحد بني عبد الأشهل، وهو يومئذ ~~سيد الأوس، وسعد بن عبادة أحد بني ساعدة، وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد ~~الله بن رواحة أخو بني الحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير، أخو بني عمرو بن ~~عوف، فقال: انطلقوا حتى تنظروا، أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن ~~كان PageV06P325 # حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على ~~الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به جهرا للناس، فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم ~~على أخبث ما بلغهم منهم، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ~~لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد، فشاتمتهم سعد بن عبادة وشاتموه، وكان رجلا ~~فيه حدة، فقال له سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم فإن ما بيننا وبينهم أربى ~~من المشاتمة، ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسلموا عليه وقالوا: عضل والقارة، لغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أصحاب الرجيع: خبيب بن عدي وأصحابه؛ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين. ms2019 # وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم ~~حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال معتب بن ~~قشير، أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، ~~وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، وحتى ~~قال أوس بن قيظي، أحد بني حارثة بن قيظي: يا رسول الله إن بيوتنا عورة من ~~العدو وذلك على ملأ من رجال قومه، فائذن لنا فلنرجع إلى ديارنا فإنها خارجة ~~من المدينة. # فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام المشركون عليه بضعا وعشرين ~~ليلة قريبا من شهر، ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل والحصى. # فلما اشتد البلاء على الناس بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة ~~بن حفص، وإلى الحارث بن عمر، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة ~~على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فجرى ~~بينه وبينهم الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة، فذكر ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، واستشارهما فيه، فقالا يا ~~رسول الله أشيء أمرك الله به لا بد لنا من العمل به أم أمر تحبه فتصنعه، أم ~~شيء تصنعه لنا؟ قال: لا بل [شيء أصنعه] (1) لكم، والله ما أصنع ذلك إلا أني ~~رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأدرت أن أكسر عنكم ~~شوكتهم، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على ~~شرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن ~~يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعا، فحين أكرمنا الله بالإسلام، ~~وأعزنا بك نعطيهم أموالنا! مالنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، ~~حتى يحكم الله بيننا وبينهم، [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم] (2) فأنت ~~وذاك. فتناول سعد الصحيفة، فمحا ما فيها ms2020 من الكتابة، ثم قال: ليجهدوا ~~علينا. PageV06P326 # فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وعدوهم محاصروهم، ولم يكن ~~بينهم قتال، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد ود، أخو بني عامر بن ~~لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، ونوفل بن عبد الله، ~~وضرار بن الخطاب، ومرداس أخو بني محارب بن فهر، قد تلبسوا للقتال وخرجوا ~~على خيلهم ومروا على بني كنانة فقالوا: تهيئوا للحرب يا بني كنانة، ~~فستعلمون اليوم من الفرسان، ثم أقبلوا نحو الخندق حتى وقفوا على الخندق ~~فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. # ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيولهم فاقتحمت منه، فجالت بهم في ~~السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى ~~أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، ~~وكان عمرو بن عبد ود وقاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، [فلم يشهد أحدا] ~~(1) فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله، قال له ~~علي: يا عمرو إنك كنت تعاهد الله أن لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين ~~إلا أخذت منه إحداهما، قال: أجل، فقال له علي 77/ب بن أبي طالب: فإني أدعوك ~~إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك، قال: فإني أدعوك ~~إلى البراز (2) قال: ولم يا ابن أخي، فوالله ما أحب أن أقتلك، قال علي: ~~ولكني والله أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه، فعقره وضرب ~~وجهه، ثم أقبل على علي، فتناولا وتجاولا فقتله علي، فخرجت خيله منهزمة حتى ~~اقتحمت من الخندق هاربة، وقتل مع عمرو رجلان: منبه بن عثمان بن عبيد بن ~~السباق بن عبد الدار، أصابه سهم، فمات منه بمكة، ونوفل بن عبد الله بن ~~المغيرة المخزومي، وكان اقتحم الخندق فتورط فيه فرموه بالحجارة، فقال: يا ~~معشر العرب قتله أحسن من هذه، فنزل إليه علي فقتله، فغلب المسلمون على ms2021 ~~جسده، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسده، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لنا في جسده وثمنه، فشأنكم به، فخلى بينهم ~~وبينه. # قالت عائشة أم المؤمنين: كنا يوم الخندق في حصن بني حارثة، وكان من أحرز ~~حصون المدينة، وكانت أم سعد بن معاذ معنا في الحصن، وذلك قبل أن يضرب علينا ~~الحجاب، فمر سعد بن معاذ وعليه درع مقلصة، قد خرجت منها ذراعه كلها، وفي ~~يده حربة وهو يقول: # لبث قليلا ندرك الهيجا حمل %~% لا بأس بالموت إذا حان الأجل # فقالت له أمه: الحق يا بني فقد والله أجزت، قالت عائشة فقلت لها: يا أم ~~سعد والله لوددت أن PageV06P327 # درع سعد كانت أسبغ مما هي، قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه، قالت: ~~فرمي سعد يومئذ بسهم، وقطع منه الأكحل، رماه خباب بن قيس بن العرقة، أحد ~~بني عامر بن لؤي، فلما أصابه قال: خذها وأنا ابن العرقة، فقال سعد: عرق ~~الله وجهك في النار، ثم قال سعد: اللهم أن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا ~~فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي من أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه ~~وأخرجوه، وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني ~~حتى تقر عيني من بني قريظة وكانوا خلفاءه ومواليه في الجاهلية (1) . # وقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد ~~قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت، قالت: وكان حسان ~~معنا فيه، مع النساء والصبيان، قالت صفية: فمر بنا رجل من اليهود فجعل (2) ~~يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، فقطعت ما بيننا وبين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم، إذا أتانا ~~آت. قالت: فقلت: يا حسان، إن هذا اليهودي كما ترى، يطيف بالحصن وإني والله ms2022 ~~ما آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه (3) فانزل إليه فاقتله، فقال: يغفر الله لك يابنة ~~عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت: فلما قال لي ذلك ولم ~~أر عنده شيئا اعتجرت، ثم أخذت عمودا، ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته ~~بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان انزل إليه ~~فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل، قال: ما لي بسلبه من حاجة يا ~~بنت عبد المطلب (4) . # قالوا: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله تعالى ~~من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم. # ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر من غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما ~~شئت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت فينا رجل واحد فخذل ~~عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة، فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، ~~وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم ~~وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشا ~~وغطفان جاءوا لحرب محمد وقد ظاهرتموهم عليه، وإن قريشا وغطفان ليسوا ~~كهيئتكم، البلد بلدكم به أموالكم وأولادكم ونساؤكم PageV06P328 # لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان، أموالهم ~~وأولادهم ونساؤهم بعيدة، إن رأوا نهزة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك ~~لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، والرجل ببلدكم لا طاقة لكم به إن ~~خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون ~~بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا، حتى تناجزوه. قالوا: لقد أشرت ~~برأي ونصح. # ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: يا ~~معشر قريش ms2023 قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدا، وقد بلغني أمر رأيت أن حقا علي ~~أن أبلغكم نصحا لكم، فاكتموا علي، قالوا: نفعل، قال: تعلمون أن معشر يهود ~~قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: أن قد ندمنا ~~على ما فعلنا، فهل يرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين، من قريش وغطفان، رجالا ~~من أشرافهم فنعطيكم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم؟ فأرسل ~~إليهم: أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا من رجالكم فلا تدفعوا ~~إليهم منكم رجلا واحدا. # ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان، أنتم أصلي وعشيرتي وأحب الناس ~~إلي، ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت، 78/أقال: فاكتموا علي، قالوا: نفعل، ~~ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم، فلما كانت ليلة السبت من ~~شوال سنة خمس، وكان مما صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسل أبو سفيان ~~ورءوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقالوا ~~لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز ~~محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه، فقال بنو قريظة لهم: إن اليوم السبت، وهو يوم ~~لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم، ~~ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا ~~ثقة لنا حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن ~~تسيروا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك من محمد، ~~فلما رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: تعلمن ~~والله أن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله ~~لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا ~~فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذي ذكر لكم ~~نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن وجدوا ms2024 فرصة ~~انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل في ~~بلادكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا ~~رهنا، فأبوا عليهم، وخذل الله بينهم (1) وبعث الله عليهم الريح في ليال ~~شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم. PageV06P329 # فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم دعا ~~حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا. # روى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي، وروى ~~غيره عن إبراهيم التميمي، عن أبيه قالا قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن ~~اليمان: يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه، قال ~~نعم يا ابن أخي، قال: كيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، فقال ~~الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا ~~ولخدمناه، وفعلنا وفعلنا، فقال حذيفة: يا ابن أخي والله لقد رأيتني ليلة ~~الأحزاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من يقوم فيذهب إلى هؤلاء ~~القوم فيأتينا بخبرهم أدخله الله الجنة؟ فما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال مثله فسكت القوم، ~~وما قام منا رجل ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم ~~التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر ما فعل القوم على أن يكون رفيقي في ~~الجنة، فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد ~~دعاني، رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا حذيفة، فلم يكن لي بد من ~~القيام إليه حين دعاني، فقلت: لبيك يا رسول الله وقمت حتى آتيه، وإن جنبي ~~ليضطربان، فمسح رأسي ووجهي، ثم قال: ائت هؤلاء القوم حتى تأتيني بخبرهم ولا ~~تحدثن شيئا حتى ترجع إلي، ثم قال اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن ~~يمينه وعن شماله، ومن ms2025 فوقه ومن تحته فأخذت سهمي، وشددت علي سلاحي، ثم ~~انطلقت أمشي نحوهم كأنما أمشي في حمام، فذهبت فدخلت في القوم، وقد أرسل ~~الله عليهم ريحا وجنودا لله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ~~ولا بناء، وأبو سفيان قاعد يصطلي، فأخذت سهما فوضعته في كبد قوسي فأردت أن ~~أرميه، ولو رميته لأصبته، فذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تحدثن ~~حدثا حتى ترجع إلي، فرددت سهمي في كنانتي. فلما رأى أبو سفيان ما تفعل ~~الريح وجنود الله بهم، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، قام فقال: يا ~~معشر قريش ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه فلينظر من هو، فأخذت بيد جليسي فقلت ~~من أنت، فقال: سبحان الله أما تعرفني أنا فلان ابن فلان، فإذا هو رجل من ~~هوازن. # فقال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك ~~الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا منهم الذي نكره، ولقينا من هذه ~~الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قال إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، ~~ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم وسمعت غطفان بما ~~فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم. # قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أمشي في حمام فأتيته ~~وهو قائم يصلي، فلما سلم أخبرته الخبر، فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل، ~~قال: فلما أخبرته وفرغت قررت وذهب عني الدفاء. # PageV06P330 # فأدناني النبي صلى الله عليه وسلم منه، وأنامني عند رجليه، وألقى علي طرف ~~ثوبه، وألزق صدري ببطن قدميه فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال: قم ~~يا نومان (1) . ### || # {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب ~~الحناجر وتظنون بالله الظنون (10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا ~~شديدا (11) } # قوله عز وجل: {إذ جاءوكم من فوقكم} أي: من فوق الوادي من قبل المشرق، وهم ~~أسد، وغطفان، وعليهم مالك بن عوف النصري وعيينة بن حصن الفزاري في ألف ms2026 من ~~غطفان، ومعهم طليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد وحيي بن أخطب في يهود بني ~~قريظة، {ومن أسفل منكم} يعني: من بطن الوادي، من قبل المغرب، وهم قريش ~~وكنانة، عليهم أبو سفيان بن حرب في قريش ومن تبعه، وأبو الأعور عمرو بن ~~سفيان السلمي من قبل الخندق. # وكان الذي جر غزوة الخندق -فيما قيل-إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بني النضير من ديارهم. # {وإذ زاغت الأبصار} مالت وشخصت 78/ب من الرعب، وقيل: مالت عن كل شيء فلم ~~تنظر إلى عدوها، {وبلغت القلوب الحناجر} فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق ~~من الفزع، والحنجرة: جوف الحلقوم، وهذا على التمثيل، عبر به عن شدة الخوف، ~~قال الفراء: معناه أنهم جبنوا وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته ~~فإذا انتفخت الرئة رفعت القلب إلى الحنجرة، ولهذا يقال للجبان: انتفخ سحره. # {وتظنون بالله الظنونا} أي: اختلفت الظنون؛ فظن المنافقون استئصال محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي عنهم، وظن المؤمنون النصر والظفر لهم. # قرأ أهل المدينة والشام وأبو بكر: "الظنونا" و"الرسولا" و"السبيلا" ~~بإثبات الألف وصلا ووقفا، لأنها مثبتة في المصاحف، وقرأ أهل البصرة وحمزة ~~بغير الألف في الحالين على الأصل، وقرأ الآخرون بالألف في الوقف دون الوصل ~~لموافقة رؤس الآي. {هنالك ابتلي} أي: عند ذلك اختبر المؤمنون، بالحصر ~~والقتال، ليتبين المخلص من المنافق، {وزلزلوا زلزالا شديدا} حركوا حركة ~~شديدة. PageV06P331 ### || # {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا ~~غرورا (12) وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن ~~فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ~~(13) ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا ~~يسيرا (14) } # {وإذ يقول المنافقون} معتب بن قشير، وقيل: عبد الله بن أبي وأصحابه، ~~{والذين في قلوبهم مرض} شك وضعف اعتقاد: {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} ~~وهو قول أهل النفاق: يعدنا محمد فتح قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن ~~يجاوز ms2027 رحله، هذا والله الغرور. {وإذ قالت طائفة منهم} أي: من المنافقين، ~~وهم أوس بن قيظي وأصحابه، {يا أهل يثرب} يعني المدينة، قال أبو عبيدة: ~~"يثرب": اسم أرض، ومدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في ناحية منها. # وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تسمى المدينة يثرب، ~~وقال: "هي طابة"، كأنه كره هذه اللفظة (1) . # {لا مقام لكم} قرأ العامة بفتح الميم، أي: لا مكانه لكم تنزلون وتقيمون ~~فيه، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وحفص: بضم الميم، أي: لا إقامة لكم، ~~{فارجعوا} ؛ إلى منازلكم عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: عن ~~القتال إلى مساكنكم. # {ويستأذن فريق منهم النبي} وهم بنو حارثة وبنو سلمة، {يقولون إن بيوتنا ~~عورة} أي: خالية ضائعة، وهو مما يلي العدو نخشى عليها السراق. وقرأ أبو ~~رجاء العطاردي "عورة" بكسر الواو، أي: قصيرة الجدران يسهل دخول السراق ~~عليها، فكذبهم الله فقال: {وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا} أي: ما ~~يريدون إلا الفرار. {ولو دخلت عليهم} أي: لو دخلت عليهم المدينة، يعني ~~هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم، وهم الأحزاب، {من أقطارها} جوانبها ~~ونواحيها جمع قطر، {ثم سئلوا الفتنة} أي: الشرك. PageV06P332 # {لآتوها} لأعطوها، وقرأ أهل الحجاز لأتوها مقصورا، أي: لجاؤوها وفعلوها ~~ورجعوا عن الإسلام، {وما تلبثوا بها} أي: ما احتبسوا عن الفتنة، {إلا ~~يسيرا} ولأسرعوا الإجابة إلى الشرك طيبة به أنفسهم، هذا قول أكثر المفسرين. # وقال الحسن والفراء: وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى ~~يهلكوا (1) . ### || # {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا ~~(15) } # {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا ~~قليلا (16) } # {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل} أي: من قبل غزوة الخندق، {لا يولون ~~الأدبار} من عدوهم أي: لا ينهزمون، قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة، هموا ~~يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا ~~يعودوا لمثلها (1) . # وقال قتادة: هم ms2028 ناس كانوا قد غابوا عن وقعة بدر [ورأوا ما أعطى الله أهل ~~بدر] (2) من الكرامة والفضيلة قالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن، فساق ~~الله إليهم ذلك (3) . # وقال مقاتل والكلبي: هم سبعون رجلا بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلة العقبة، وقالوا: أشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني ~~مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا ~~يا رسول الله؟ قال: لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، قالوا: قد فعلنا ~~ذلك. فذلك عهدهم (4) . # وهذا القول ليس بمرضي، لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين نفرا، ~~لم يكن فيهم شاك ولا من يقول مثل هذا القول، وإنما الآية في قوم عاهدوا ~~الله أن يقاتلوا ولا يفروا، فنقضوا العهد. # {وكان عهد الله مسئولا} عنه. {قل} لهم، {لن ينفعكم الفرار إن فررتم من ~~الموت أو القتل} الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أو قتل، {وإذا لا ~~تمتعون إلا قليلا} أي: لا تمتعون بعد الفرار إلا مدة آجالكم وهي قليل. ~~PageV06P333 ### || # {قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا ~~يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) قد يعلم الله المعوقين منكم ~~والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا (18) أشحة عليكم ~~فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ~~فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط ~~الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا (19) } # {قل من ذا الذي يعصمكم من الله} أي: يمنعكم من عذابه، {إن أراد بكم سوءا} ~~هزيمة، {أو أراد بكم رحمة} نصرة، {ولا يجدون لهم من دون الله وليا} أي: ~~قريبا ينفعهم، {ولا نصيرا} أي: ناصرا يمنعهم. {قد يعلم الله المعوقين منكم} ~~أي: المثبطين للناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {والقائلين لإخوانهم ~~هلم إلينا} أي: ارجعوا إلينا، ms2029 ودعوا محمدا، فلا تشهدوا معه الحرب، فإنا ~~نخاف عليكم الهلاك. # قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين، كانوا يثبطون أنصار النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ويقولون لإخوانهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا ~~لحما لالتهمهم، أي: ابتلعهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا الرجل فإنه هالك (1) . # وقال مقاتل: نزلت في المنافقين، وذلك أن اليهود أرسلت إلى المنافقين، ~~وقالوا: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه، فإنهم إن ~~قدروا عليكم في هذه المرة لم يستبقوا منكم أحدا، وإنا نشفق عليكم، أنتم ~~إخواننا وجيراننا هلموا إلينا، فأقبل عبد الله بن أبي وأصحابه على المؤمنين ~~يعوقونهم ويخوفونهم بأبي سفيان ومن معه، وقالوا: لئن قدروا عليكم لم ~~يستبقوا منكم أحدا ما ترجون من محمد؟ ما عنده خير، ما هو إلا أن يقتلنا ها ~~هنا، انطلقوا بنا إلى إخواننا، يعني اليهود، فلم يزدد المؤمنون بقول ~~المنافقين إلا إيمانا واحتسابا (2) . # قوله عز وجل: {ولا يأتون البأس} 79/أالحرب {إلا قليلا} رياء وسمعة من غير ~~احتساب، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرا. {أشحة عليكم} بخلاء بالنفقة في ~~سبيل الله والنصرة، وقال قتادة: بخلاء عند الغنيمة، وصفهم الله بالبخل ~~والجبن، فقال: {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم} في الرؤوس ~~من الخوف والجبن {كالذي يغشى عليه من الموت} أي: كدوران الذي يغشى عليه من ~~الموت، PageV06P334 # وذلك أن من قرب من الموت غشيه أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره، فلا يطرف، ~~{فإذا ذهب الخوف سلقوكم} آذوكم ورموكم في حال الأمن، {بألسنة حداد} ذربة، ~~جمع حديد. يقال للخطيب الفصيح الذرب اللسان: مسلق ومصلق وسلاق وصلاق. قال ~~ابن عباس: سلقوكم أي: عضدوكم وتناولوكم بالنقص والغيبة. وقال قتادة: بسطوا ~~ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، يقولون أعطونا فإنا قد شهدنا معكم القتال، ~~فلستم أحق بالغنيمة منا (1) فهم عند الغنيمة أشح قوم وعند البأس أجبن قوم، ~~{أشحة على الخير} أي: عند الغنيمة يشاحون المؤمنين، {أولئك لم يؤمنوا فأحبط ~~الله أعمالهم} قال مقاتل: أبطل الله جهادهم، {وكان ذلك على الله يسيرا} ### || # {يحسبون ms2030 الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (20) لقد ~~كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله ~~كثيرا (21) } # {يحسبون} يعني هؤلاء المنافقين، {الأحزاب} يعني: قريشا وغطفان واليهود، ~~{لم يذهبوا} لم ينصرفوا عن قتالهم جبنا وفرقا وقد انصرفوا، {وإن يأت ~~الأحزاب} أي: يرجعوا إليه للقتال بعد الذهاب، {يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب} أي يتمنوا لو كانوا في بادية الأعراب من الخوف والجبن، يقال: بدا ~~يبدو بداوة، إذا خرج إلى البادية، {يسألون عن أنبائكم} أخباركم وما آل إليه ~~أمركم، وقرأ يعقوب: "يساءلون" مشددة ممدودة، أي: يتساءلون، {ولو كانوا} ~~يعني: هؤلاء المنافقين، {فيكم ما قاتلوا إلا قليلا} تعذيرا، أي: يقاتلون ~~قليلا يقيمون به عذرهم، فيقولون قد قاتلنا. قال الكلبي: إلا قليلا أي: رميا ~~بالحجارة. وقال مقاتل: إلا رياء وسمعة من غير احتساب (2) . قوله عز وجل: ~~{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} قرأ عاصم: "أسوة" حيث كان، بضم ~~الهمزة، والباقون بكسرها، وهم لغتان، أي: قدوة صالحة، [وهي فعلة من ~~الائتساء] (3) كالقدوة من الاقتداء، اسم وضع موضع المصدر، أي: به اقتداء ~~حسن إن تنصروا دين الله وتؤازروا PageV06P335 # الرسول ولا تتخلفوا عنه، وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذ كسرت ~~رباعيته وجرح وجهه، وقتل عمه وأوذي بضروب من الأذى، فواساكم مع ذلك بنفسه، ~~فافعلوا أنتم كذلك أيضا واستنوا بسنته، {لمن كان يرجو الله} بدل من قوله: ~~"لكم" وهو تخصيص بعد تعميم للمؤمنين، يعني: أن الأسوة برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لمن كان يرجو الله، قال ابن عباس: يرجو ثواب الله. وقال مقال: ~~يخشى الله (1) {واليوم الآخر} أي: يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال، ~~{وذكر الله كثيرا} في جميع المواطن على السراء والضراء. ### || # {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ~~ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) } PageV06P336 # {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم ms2031 من قضى نحبه ومنهم من ~~ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) } # ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب ~~قالوا} تسليما لأمر الله وتصديقا لوعده: {هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق ~~الله ورسوله} وعد الله إياهم ما ذكر في سورة البقرة: "أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم" إلى قوله: "ألا إن نصر الله ~~قريب" (البقرة-214) ، فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء، ~~فلما رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله ~~وصدق الله ورسوله، {وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} [أي: تصديقا لله وتسليما ~~لأمر الله] (1) . قوله عز وجل: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه} أي: قاموا بما عاهدوا الله عليه ووفوا به، {فمنهم من قضى نحبه} أي: ~~فرغ من نذره، ووفى بعهده، فصبر على الجهاد حتى استشهد، والنحب: النذر، ~~والنحب: الموت أيضا، قال مقاتل: "قضى نحبه"، يعني: أجله فقتل على الوفاء، ~~[يعني حمزة وأصحابه. وقيل: "قضى نحبه" أي: بذل جهده في الوفاء] (2) بالعهد ~~من قول العرب: نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع، إذا مد فلم ينزل، {ومنهم ~~من ينتظر} الشهادة. PageV06P336 # وقال محمد بن إسحاق: "فمنهم من قضى نحبه" من استشهد يوم بدر وأحد (1) ~~"ومنهم من ينتظر" يعني: من بقي بعد هؤلاء من المؤمنين ينتظرون أحد الأمرين؛ ~~إما الشهادة أو النصر (2) {وما بدلوا} عهدهم {تبديلا} # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن سعيد ~~الخزاعي، أخبرنا عبد الأعلى، عن حميد قال: سألت أنسا \ح \ وحدثني عمرو بن ~~زرارة، أخبرنا زياد، حدثني حميد الطويل، عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر ~~عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن ~~أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف ~~المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه-وأبرأ إليك ms2032 ~~مما صنع هؤلاء -يعني المشركين-ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد ~~بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا ~~رسول الله ما صنع، قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة ~~برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا ~~أخته ببنانه، قال أنس: كنا نظن أو نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ~~{من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} إلى آخر الآية (3) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، ~~أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا محمد بن حماد، أخبرنا معاوية، عن ~~الأعمش، عن سفيان عن شقيق، عن خباب بن الأرت قال: هاجرنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمنا من ~~مضى لم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، فلم يوجد له ~~شيء يكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناه ~~على رجليه 79/ب خرج رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ضعوها مما ~~يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر، قال: ومن أينعت له ثمرته فهو يهد ~~بها" (4) . # أخبرنا أبو المظفر محمد بن أحمد التيمي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن ~~عثمان المعروف بابن أبي نصر، أخبرنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي، ~~أخبرنا محمد بن سليمان الجوهري PageV06P337 # بأنطاكية، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا الصلت بن دينار، عن أبي نصرة، ~~عن جابر بن عبد الله قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى طلحة بن عبد ~~الله فقال: "من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض وقد قضى نحبه ~~فلينظر إلى هذا" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن أبي شيبة، ~~أخبرنا وكيع ms2033 بن إسماعيل، عن قيس قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى ~~الله عليه وسلم يوم أحد (2) . ### || # {ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن ~~الله كان غفورا رحيما (24) ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ~~وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا (25) وأنزل الذين ظاهروهم ~~من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا ~~(26) } # قوله عز وجل: {ليجزي الله الصادقين بصدقهم} أي جزاء صدقهم، وصدقهم هو ~~الوفاء بالعهد، {ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم} فيهديهم إلى ~~الإيمان، {إن الله كان غفورا رحيما} {ورد الله الذين كفروا} من قريش ~~وغطفان، {بغيظهم} لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا، {لم ينالوا خيرا} ظفرا، ~~{وكفى الله المؤمنين القتال} بالملائكة والريح، {وكان الله قويا عزيزا} ~~[قويا في ملكه عزيزا] (3) في انتقامه. {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب} ~~أي: عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين وهم بنو قريظة، {من صياصيهم} حصونهم ومعاقلهم، واحدها صيصية، ~~[ومنه قيل للقرن ولشوكة الديك والحاكة صيصية] (4) وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما PageV06P338 # أصبح من الليلة التي انصرف الأحزاب فيها راجعين إلى بلادهم وانصرف النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنون عن الخندق إلى المدينة، ووضعوا السلاح فلما ~~كان الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرا بعمامة من استبرق ~~على بغلة عليها رحالة (1) وعليها قطيفة من ديباج، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عند زينب بنت جحش وهي تغسل رأسه وقد غلست شقه، فقال: قد وضعت السلاح ~~يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال جبريل: عفا الله عنك ما وضعت الملائكة السلاح ~~منذ أربعين ليلة، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم. # وروي أنه كان الغبار على وجه جبريل عليه السلام وفرسه فجعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجهه وعن فرسه، فقال: إن الله يأمرك بالسير ~~إلى بني قريظة فانهد (2) إليهم (3) فإني قد قطعت أوتارهم، ms2034 وفتحت أبوابهم ~~وتركتهم في زلزال وبلبال، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا فأذن: أن ~~من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، وقدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه برايته إليهم، وابتدرها الناس ~~فسار علي رضي الله عنه حثى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالطريق، فقال: يا رسول الله لا عليك أن تدنو من هؤلاء الأخابث، قال: لم، ~~أظنك سمعت لي منهم أذى؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: لو قد رأوني لم يقولوا ~~من ذلك شيئا. # فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال: يا إخوان القردة ~~والخنازير هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟. قالوا: يل أبا القاسم ما كنت ~~جهولا. # ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه بالصورين (4) قبل أن يصل ~~إلى بني قريظة فقال: هل مر بكم أحد؟ فقالوا: نعم يا رسول الله مر بنا دحية ~~بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج، فقال عليه ~~السلام: ذاك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في ~~قلوبهم. # فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة نزل على بئر من آبارها ~~في ناحية من أموالهم، فتلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد صلاة العشاء ~~الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يصلين أحد ~~العصر إلا في بني قريظة"، فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة فما عابهم ~~الله بذلك PageV06P339 # ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال وحاصرهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم ~~الرعب. # وكان حيي بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان ~~وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده. # فلما أيقنوا أن ms2035 رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى ~~يناجزهم، قال كعب بن أسد: يا معشر يهود إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون ~~وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هن؟ قال: نتابع ~~هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وأنه الذي تجدونه في ~~كتابكم، فتأمنوا على دياركم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفارق ~~حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره، قال: فإذا أبيتم هذه فهلم فلنقتل ~~أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد رجالا مصلتين بالسيوف ولم نترك وراءنا ~~ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا ~~شيئا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنتخذن النساء والأبناء، فقالوا: نقتل ~~هؤلاء المساكين فما خير في العيش بعدهم؟ قال: فإن أبيتم هذه فإن الليلة ~~ليلة السبت وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا أن ~~نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: أنفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث ~~فيه من كان قبلنا؟ أما من قد عملت فأصابهم من المسخ ما لم يخف عليك؟ فقال: ~~ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة في الدهر حازما؟ قال ثم إنهم ~~بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد ~~المنذر أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا فأرسله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وهش إليه ~~النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم، فقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل ~~على حكم محمد؟ قال: نعم، [قالوا: ماذا يفعل بنا إذا نزلنا] (1) ؟ فأشار ~~بيده إلى حلقه أنه الذبح، قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت ~~أني قد خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت 80/أرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا ~~أبرح مكاني حتى يتوب ms2036 الله علي مما صنعت، وعاهد الله أن لا يطأ أرض بني ~~قريظة أبدا، ولا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا، فلما بلغ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وأبطأ عليه (2) قال: أما لو جاءني ~~لاستغفرت له، فأما إذا فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب ~~الله عليه، ثم إن الله تعالى أنزل توبة أبي لبابة على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة، قالت أم سلمة فسمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يضحك فقلت مما تضحك يا رسول PageV06P340 # الله أضحك الله سنك؟ قال: تيب على أبي لبابة، فقلت: إلا أبشره بذلك يا ~~رسول الله؟ فقال بلى إن شئت، فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن ~~الحجاب، فقالت يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك، قال فثار الناس إليه ~~ليطلقوه فقال: لا والله حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقني بيده فلما مر ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجا إلى الصبح أطلقه، ثم قال: إن ~~ثعلبة بن شعبة وأسيد بن شعبة، وأسيد بن عبيد وهم نفر من بني هذيل ليسوا من ~~قريظة ولا النضير نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم أسلموا تلك الليلة التي ~~نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج في تلك ~~الليلة عمرو بن سعدى القرظي فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ~~محمد بن مسلمة الأنصاري تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا؟ قال: عمرو بن ~~سعدى، وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: لا أغدر بمحمد أبدا، فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم ~~لا تحرمني عثرات الكرام ثم خلى سبيله، فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب فلا يدري أين ذهب من ~~أرض الله، فذكر لرسول الله ms2037 صلى الله عليه وسلم شأنه، فقال: ذاك رجل قد نجاه ~~الله بوفائه (1) . وبعض الناس يزعم أنه كان قد أوثق برمة فيمن أوثق من بني ~~قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصبحت رمته ملقاة ~~لا يدري أين ذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تلك المقالة، ~~والله أعلم. فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله فتواثبت الأوس فقالوا: يا ~~رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي الخزرج، بالأمس ما ~~قد علمت، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة حاصر بني ~~قنيقاع وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه فسألهم إياه عبد الله بن أبي ~~بن سلول، فوهبهم له فلما كلمه الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيكم رجل منكم؟ " قالوا: بلى، قال: فذاك ~~إلى سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في خيمة امرأة من المسلمين يقال لها رفيدة في مسجده، وكانت تداوي الجرحى، ~~وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق اجعلوه في خيمة رفيدة ~~حتى أعوده من قريب، فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة ~~أتاه قومه فاحتملوه على حمار قد وطأوا له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما ~~ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون يا أبا عمرو ~~أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن ~~فيهم، فلما أكثروا عليه قال: قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، ~~فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني الأشهل فنعى لهم رجال بني قريظة ~~قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته التي سمع منه فلما انتهى سعد إلى ~~رسول الله صلى الله ms2038 عليه وسلم قال: قوموا إلى سيدكم فأنزلوه، فقاموا إليه ~~فقالوا: يا أبا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك مواليك لتحكم ~~فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيها ما حكمت؟ ~~قالوا: نعم، قال: وعلى من ها هنا في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، [وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم] (2) إجلالا له، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل ~~الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لسعد: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" (3) ثم استنزلوا ~~فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحارث امرأة من بني ~~النجار، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة التي هي ~~سوقها اليوم، فخندق بها خندقا ثم بعث إليهم فضربت أعناقهم في تلك الخنادق، ~~يخرج بهم إليه أرسالا وفيهم عدو الله حيي بن أخطب وكعب بن أسد رئيس القوم، ~~وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر لهم يقول كانوا بين ثمانمائة إلى تسعمائة، ~~وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أرسالا يا كعب ما ترى ما يصنع بنا فقال كعب: أفي كل موطن لا تعقلون ألا ~~ترون الداعي لا ينزع وإن من يذهب به منكم لا يرجع، هو والله القتل، فلم يزل ~~ذلك الدأب حتى فرغ منهم النبي صلى الله عليه وسلم وأتى حيي بن أخطب عدو ~~الله عليه حلة تفاحية قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة أنملة أنملة ~~لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما نظر إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذل، ~~ثم أقبل على الناس فقال أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة ~~كتبت على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت ms2039 عنقه. # وروى عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت لم يقتل من نساء بني ~~قريظة إلا امرأة واحدة قالت والله إنها لعندي تتحدث معي وتضحك ظهرا وبطنا، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتل رجالهم بالسيوف إذ هتف هاتف باسمها: ~~أين فلانة قالت: 80/ب أنا والله قلت: ويلك مالك؟ قالت: أقتل، قلت: ولم؟ ~~قالت: حدث أحدثته، قالت: فانطلق بها فضرب عنقها، وكانت عائشة تقول: ما أنسى ~~عجبا منها طيب نفس وكثرة ضحك، وقد عرفت إنها تقتل. قال الواقدي: وكان اسم ~~تلك المرأة شبابة، امرأة الحكم القرظي وكانت قتلت خلاد بن سويد، رمت عليه ~~رحى فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بها فضرب عنقها بخلاد بن سويد (4) ~~قال: وكان علي والزبير يضربان أعناق بني قريظة، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جالس هنالك. PageV06P341 # وروى محمد بن إسحاق عن الزهري أن الزبير بن باطا القرظي، وكان يكنى أبا ~~عبد الرحمن، كان قد من على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية يوم بعاث، أخذه ~~فجز ناصيته، ثم خلى سبيله، فجاءه يوم قريظة وهو شيخ كبير فقال: يا أبا عبد ~~الرحمن هل تعرفني؟ قال: وهل يجهل مثلي مثلك؟ قال: إني أردت أن أجزيك بيدك ~~عندي، قال: إن الكريم يجزي الكريم، قال: ثم أتى ثابت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله قد كانت للزبير عندي يد وله علي منة، وقد ~~أحببت أن أجزيه بها فهب لي دمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هو لك" ~~فأتاه فقال له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك، قال شيخ ~~كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة، فأتى ثابت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله أهله وماله؟ قال هم لك فأتاه فقال: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أعطاني امرأتك وولدك فهم لك، قال: أهل بيت بالحجاز ~~لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك، فأتى ثابت رسول الله ms2040 صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ماله يا رسول الله؟ قال: هو لك، قال: فأتاه فقال: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد أعطاني مالك فهو لك، فقال: أي ثابت ما فعل الله بمن كان ~~وجهه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي كعب بن أسد، قال: قتل، قال: فما ~~فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟ قال: قتل، قال: فما فعل مقدمنا إذا ~~شددنا وحامينا إذا كررنا عزال بن شموئيل؟ قال: قتل، قال: فما فعل المجلسان ~~يعني بني كعب ابن قريظة وبني عمرو بن قريظة؟ قال: ذهبوا وقتلوا، قال: فإني ~~أسألك بيدي عندك يا ثابت إلا ما ألحقتني بالقوم، فوالله ما في العيش بعد ~~هؤلاء خير، فما أنا بصابر لله فترة دلو نضح حتى ألقى الأحبة فقدمه ثابت ~~فضرب عنقه، فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله ألقى الأحبة، قال: يلقاهم والله ~~في نار جهنم خالدا فيها مخلدا أبدا (1) . # قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل من أنبت منهم (2) ~~ثم قسم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأعلم في ذلك اليوم ~~سهمان الخيل وسهمان الرجال وأخرج منها الخمس، فكان للفارس ثلاثة أسهم للفرس ~~سهمان ولفارسه سهم وللراجل ممن ليس له فرس سهم، وكانت الخيل ستة وثلاثين ~~فرسا وكان أول فيء وقع فيه السهمان، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد ~~فابتاع لهم بهم خيلا وسلاحا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى ~~لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنانة إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، ~~فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي عنها وهي في ملكه، وقد ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص عليها أن يتزوجها ويضرب عليها ~~الحجاب، فقالت: يا رسول الله بل تتركني PageV06P343 # في ملكك فهو أخف علي وعليك فتركها وقد كانت حين سباها كرهت الإسلام وأبت ~~إلا اليهودية، فعزلها ms2041 رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد في نفسه بذلك من ~~أمرها، فبينا هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال إن هذا لثعلبة بن ~~شعبة يبشرني بإسلام ريحانة فجاءه فقال: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة، فسره ~~ذلك (1) . # فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ، وذلك أنه دعا بعد أن ~~حكم في بني قريظة ما حكم فقال: اللهم إنك قد علمت أنه لم يكن قوم أحب إلي ~~أن أجاهدهم من قوم كذبوا رسولك، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش على رسولك ~~شيئا فأبقني لها وإن كنت قد قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، فانفجر ~~كلمه فرجعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيمته التي ضربت عليه في ~~المسجد، قالت عائشة: فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ~~فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وإني لفي حجرتي، ~~قالت: وكانوا كما قال الله تعالى: "رحماء بينهم (2) (الفتح-29) ، وكان فتح ~~بني قريظة في آخر ذي القعدة سنة خمس من الهجرة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن محمد، أخبرنا ~~يحيى بن آدم، أخبرنا إسرائيل، سمعت أبا إسحاق يقول، سمعت سليمان بن صرد ~~يقول، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول حين أجلى الأحزاب عنه: "الآن ~~نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم" (3) . # أخبرنا عبد الواحد الميحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد ~~بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا قتيبة، أخبرنا الليث عن سعيد بن ~~أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يقول: "لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده" فلا ~~شيء بعده" (4) . # قال الله تعالى في قصة بني قريظة: {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من ~~صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون} وهم الرجال، يقال: كانوا ms2042 ~~ستمائة، {وتأسرون فريقا} وهم النساء والذراري، يقال: كانوا سبعمائة وخمسين، ~~ويقال: تسعمائة (5) PageV06P344 ### || # {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء ~~قديرا (27) يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ~~فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار ~~الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (29) } # {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها} بعد، قال ابن زيد ~~ومقاتل: يعني خيبر، قال قتادة: كنا نحدث أنها مكة. وقال الحسن: فارس ~~والروم. وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة (1) . {وكان الله على كل ~~شيء قديرا} قوله عز وجل {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة ~~الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن} متعة الطلاق، {وأسرحكن سراحا جميلا} {وإن ~~كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا ~~عظيما} سبب نزول هذه الآية أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئا ~~81/أمن عرض الدنيا، وطلبن منه زيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على ~~بعض، فهجرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلى أن لا يقربهن شهرا ولم يخرج ~~إلى أصحابه، فقالوا: ما شأنه؟ وكانوا يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نساءه، فقال عمر لأعلمن لكم شأنه، قال: فدخلت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أطلقتهن؟ قال: لا قلت: يا رسول الله إني دخلت ~~المسجد والمسلمون يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، أفأنزل ~~فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: نعم إن شئت، فقمت على باب المسجد وناديت بأعلى ~~صوتي لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، فنزلت هذه الآية: "وإذا ~~جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي ~~الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم" (النساء-83) ، فكنت أنا استنبطت ~~ذاك الأمر، وأنزل الله آية التخيير، وكانت تحت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يومئذ تسع نسوة خمس من قريش: عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة ms2043 بنت ~~عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت أبي أمية، وسودة بنت زمعة، ~~وغير القرشيان: زينب بنت جحش الأسدية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية ~~بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، رضوان الله عليهن ~~فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة، وكانت ~~أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن PageV06P345 # فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وتابعتها على ذلك (1) . # قال قتادة: فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهن فقال: ~~{لا يحل لك النساء من بعد} # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغفار بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، ~~أخبرنا زهير بن حرب، أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا زكريا بن إسحاق، أخبرنا ~~أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فوجد الناس جلوسا ببابه ولم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن ~~لأبي بكر فدخل ثم أقبل عمر فاستأذن له فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا ~~حوله نساؤه واجما ساكتا، فقال: لأقولن شيئا أضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت ~~عنقها، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: هن حولي كما ترى يسألنني ~~النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، ~~كلاهما يقول: لا تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده، ~~ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين، ثم نزلت الآية: {يا أيها النبي قل ~~لأزواجك} حتى بلغ: {للمحسنات منكن أجرا عظيما} قال: فبدأ بعائشة فقال: يا ~~عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك، ~~قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله ~~استشير أبوي؟ ms2044 بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة ~~من نسائك بالذي قلت، قال: " لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم ~~يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا" (2) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد الرزاق، ~~أخبرنا معمر عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم أن لا يدخل على ~~أزواجه شهرا، قال الزهري فأخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: فلما ~~مضت تسع وعشرون أعدهن دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: بدأ بي ~~فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت ألا تدخل علينا شهرا وإنك دخلت في تسع وعشرين ~~أعدهن؟ فقال: "إن الشهر تسع وعشرون" (3) PageV06P346 # واختلف العلماء في هذا الخيار أنه هل كان ذلك تفويض الطلاق إليهن حتى يقع ~~بنفس الاختيار أم لا؟ فذهب الحسن، وقتادة، وأكثر أهل العلم: إلى أنه لم يكن ~~تفويض الطلاق، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا فارقهن، لقوله تعالى: ~~{فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا} بدليل أنه لم يكن جوابهن على الفور ~~فإنه قال لعائشة: "لا تعجلي حتى تستشيري أبويك"، وفي تفويض الطلاق يكون ~~الجواب على الفور. # وذهب قوم إلى أنه كان تفويض الطلاق لو اخترن أنفسهن كان طلاقا. # واختلف أهل العلم في حكم التخيير: فقال عمر، وابن مسعود، وابن عباس: إذا ~~خير الرجل امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء، وإن اختارت نفسها يقع طلقة ~~واحدة، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى، وسفيان، والشافعي، ~~وأصحاب الرأي، إلا عند أصحاب الرأي تقع طلقة بائنة إذا اختارت نفسها، وعند ~~الآخرين رجعية. # وقال زيد بن ثابت: إذا اختارت الزوج تقع طلقة واحدة، وإذا اختارت نفسها ~~فثلاث، وهو قول الحسن وبه قال مالك. # وروي عن علي أيضا أنها إذا اختارت زوجها تقع طلقة واحدة وإن اختارت نفسها ~~فطلقة بائنة. # وأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء. # أخبرنا ms2045 عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص، أخبرنا أبي، أخبرنا الأعمش، أخبرنا ~~مسلم، عن مسروق، عن عائشة قالت: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاخترنا الله ورسوله فلم يعد ذلك علينا شيئا (1) . ### || # {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ~~ذلك على الله يسيرا (30) } # قوله عز وجل: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة} بمعصية ظاهرة، ~~قيل: هي كقوله عز وجل: "لئن أشركت ليحبطن عملك" (الزمر-65) لا أن منهن من ~~أتت بفاحشة. وقال ابن عباس: المراد بالفاحشة النشوز وسوء الخلق. {يضاعف لها ~~العذاب ضعفين} قرأ ابن كثير وابن عامر: "نضعف" بالنون وكسر العين وتشديدها، ~~"العذاب" نصب، وقرأ الآخرون بالياء وفتح العين "العذاب" 81/ب رفع ويشددها ~~أبو جعفر وأهل البصرة، وشدد أبو عمرو هذه وحدها لقوله: PageV06P347 # "ضعفين"، وقرأ الآخرون: "يضاعف" بالألف وفتح العين، "العذاب" رفع، وهما ~~لغتان مثل بعد وباعد، قال أبو عمرو وأبو عبيدة: ضعفت الشيء إذا جعلته مثليه ~~وضاعفته إذا جعلته أمثاله. {وكان ذلك على الله يسيرا} قال مقاتل: كان ~~عذابها على الله هينا وتضعيف عقوبتهن على المعصية لشرفهن كتضعيف عقوبة ~~الحرة على الأمة وتضعيف ثوابهن لرفع منزلتهن؛ وفيه إشارة إلى أنهن أشرف ~~نساء العالمين. # PageV06P348 ### || # {ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها ~~رزقا كريما (31) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن ~~بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) } # {ومن يقنت} يطع، {منكن لله ورسوله} قرأ يعقوب: "من تأت منكن، وتقنت" ~~بالتاء فيهما، وقرأ العامة بالياء لأن "من" أداة تقوم مقام الاسم يعبر به ~~عن الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، {وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين} أي: ~~مثلي أجر غيرها، قال مقاتل: مكان كل حسنة عشرين حسنة. # وقرأ حمزة والكسائي: "يعمل، يؤتها" بالياء فيهما نسقا على قوله: "ومن ~~يأت، ويقنت" وقرأ الآخرون بالتاء، {وأعتدنا لها رزقا كريما} حسنا يعني ~~الجنة. {يا نساء النبي لستن ms2046 كأحد من النساء} قال ابن عباس: يريد ليس قدركن ~~عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي، وثوابكن أعظم لدي، ~~ولم يقل: كواحدة، لأن الأحد عام يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر ~~والمؤنث، قال الله تعالى: "لا نفرق بين أحد من رسله" (البقرة-285) ، وقال: ~~"فما منكم من أحد عنه حاجزين" (الحاقة-47) . # {إن اتقيتن} الله فأطعتنه، {فلا تخضعن بالقول} لا تلن بالقول للرجال ولا ~~ترققن الكلام، {فيطمع الذي في قلبه مرض} أي: فجور وشهوة، وقيل نفاق، ~~والمعنى: لا تقلن قولا يجد منافق أو فاجر به سبيلا إلى الطمع فيكن. # والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقالة إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع. # {وقلن قولا معروفا} لوجه الدين والإسلام بتصريح وبيان من غير خضوع. # PageV06P348 ### || # {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين ~~الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا (33) } # {وقرن في بيوتكن} قرأ أهل المدينة وعاصم: "وقرن" بفتح القاف، وقرأ ~~الآخرون بكسرها، فمن فتح القاف فمعناه، اقررن أي: الزمن بيوتكن من قولهم: ~~قررت بالمكان أقر قرارا، يقال: قررت أقر وقررت أقر، وهما لغتان، فحذفت ~~الراء الأولى التي هي عين الفعل لثقل التضعيف ونقلت حركتها إلى القاف ~~كقولهم: في ظللت ظلت، قال الله تعالى: " فظلتم تفكهون" (الواقعة-65) ، ~~"وظلت عليه عاكفا" (طه-97) . # ومن كسر القاف فقد قيل: هو من قررت أقر، معناه اقررن -بكسر الراء-فحذفت ~~الأولى ونقلت حركتها إلى القاف كما ذكرنا وقيل: -وهو الأصح-أنه أمر من ~~الوقار، كقولهم من الوعد: عدن، ومن الوصل: صلن، أي: كن أهل وقار وسكون، من ~~قولهم وقر فلان يقر وقورا إذا سكن واطمأن. # {ولا تبرجن} قال مجاهد وقتادة: التبرج هو التكسر والتغنج، وقال ابن أبي ~~نجيح: هو التبختر. وقيل: هو إظهار الزينة وإبراز المحاسن للرجال، {تبرج ~~الجاهلية الأولى} [اختلفوا في الجاهلية الأولى] . (1) # قال الشعبي: هي ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. (2) . # وقال أبو العالية: هي في زمن داود وسليمان عليهما السلام، كانت المرأة ~~تلبس قميصا من الدر ms2047 غير مخيط من الجانبين فيرى خلقها فيه (3) . # وقال الكلبي: كان ذلك في زمن نمرود الجبار، كانت المرأة تتخذ الدرع من ~~اللؤلؤ فتلبسه وتمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره وتعرض نفسها على ~~الرجال. (4) # وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الجاهلية الأولى فيما بين نوح ~~وإدريس، وكانت ألف سنة، وأن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر ~~يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحا وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل ~~صباحا وفي الرجال دمامة، وأن إبليس أتى رجلا PageV06P349 # من أهل السهل وأجر نفسه منه، فكان يخدمه واتخذ شيئا مثل الذي يزمر به ~~الرعاء فجاء بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يستمعون ~~إليه، واتخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة، فتتبرج النساء للرجال ويتزين ~~الرجال لهن، وإن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك فرأى النساء ~~وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك [فتحولوا إليهم] (1) فنزلوا معهم فظهرت ~~الفاحشة فيهم، (2) فذلك قوله تعالى: "ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى". # وقال قتادة: هي ما قبل الإسلام (3) . # وقيل: الجاهلية الأولى: ما ذكرنا، والجاهلية الأخرى: قوم يفعلون مثل ~~فعلهم في آخر الزمان. # وقيل: قد تذكر الأولى وإن لم يكن لها أخرى، كقوله تعالى: "وأنه أهلك عادا ~~الأولى" (النجم-50) ، ولم يكن لها أخرى. # قوله عز وجل: {وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} أراد بالرجس: الإثم الذي نهى الله النساء ~~عنه، قاله مقاتل. وقال ابن عباس: يعني: عمل الشيطان وما ليس لله فيه رضى، ~~وقال قتادة: يعني: السوء. وقال مجاهد: الرجس الشك. # وأراد بأهل البيت: نساء النبي صلى الله عليه وسلم لأنهن في بيته، وهو ~~رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، وتلا قوله: " واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ~~آيات الله "، وهو قول عكرمة ومقاتل. # وذهب أبو سعيد الخدري، وجماعة من التابعين، منهم مجاهد، وقتادة، وغيرهما: ~~إلى أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين (4) . # حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو محمد ms2048 عبد الرحمن بن ~~محمد الأنصاري، أخبرنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعدي، أخبرنا أبو همام ~~الوليد بن شجاع، أخبرنا يحيى بن زكريا بن زائدة، أخبرنا أبي عن مصعب بن ~~شيبة، عن صفية بنت شيبة الحجبية، عن عائشة أم المؤمنين قالت: خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجلس فأتت فاطمة ~~فأدخلها فيه [ثم جاء علي فأدخله فيه] (5) ثم جاء حسن فأدخله فيه، ثم جاء ~~حسين فأدخله فيه، ثم قال: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا" (6) . PageV06P350 # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد الحميدي، أخبرنا عبد الله الحافظ، أخبرنا ~~أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا الحسن بن مكرم، أخبرنا عثمان بن عمر، حدثنا ~~عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن شريك بن أبي نمر، عن 82/أعطاء بن ~~يسار، عن أم سلمة قالت: في بيتي أنزلت: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت} قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة وعلي ~~والحسن والحسين، فقال "هؤلاء أهل بيتي"، قالت: فقلت يا رسول الله أما أنا ~~من أهل البيت؟ قال: "بلى إن شاء الله" (1) . # قال زيد بن أرقم: أهل بيته من حرم الصدقة عليه بعده، آل علي وآل عقيل وآل ~~جعفر وآل عباس (2) . ### || # {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا ~~(34) إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات ~~والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين ~~والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله ~~كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما (35) } # قوله عز وجل: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله} يعني: القرآن، ~~{والحكمة} قال قتادة: يعني السنة وقال مقاتل: أحكام القرآن ومواعظه. {إن ~~الله كان لطيفا خبيرا} أي: لطيفا بأوليائه خبيرا بجميع خلقه. قوله عز وجل: ~~{إن المسلمين والمسلمات} الآية. وذلك أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر ms2049 النساء بخير، فما ~~فينا خير نذكر به، إنا نخاف أن لا يقبل الله منا طاعة، فأنزل الله هذه ~~الآية (3) . # قال مقاتل: قالت أم سلمة بنت أبي أمية ونيسة (4) بنت كعب الأنصارية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من ~~كتابه، نخشى أن لا يكون فيهن خير؟ فنزلت هذه الآية (5) . PageV06P351 # وروي أن أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فدخلت ~~على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: ~~لا. فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خيبة ~~وخسار، قال: ومم ذاك؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال، فأنزل ~~الله هذه الآية: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين} ~~(1) المطيعين {والقانتات والصادقين} في إيمانهم وفيما ساءهم وسرهم، ~~{والصادقات والصابرين} على ما أمر الله به، {والصابرات والخاشعين} ~~المتواضعين، {والخاشعات} وقيل: أراد به الخشوع في الصلاة، ومن الخشوع أن لا ~~يلتفت، {والمتصدقين} مما رزقهم الله، {والمتصدقات والصائمين والصائمات ~~والحافظين فروجهم} عما لا يحل، {والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} ~~قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما ~~وقاعدا ومضطجعا (2) . # وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قد سبق المفردون"، قالوا: وما ~~المفردون يا رسول الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيرا والذاكرات" (3) . # قال عطاء بن أبي رباح: من فوض أمره إلى الله عز وجل فهو داخل في قوله: ~~"إن المسلمين والمسلمات"، ومن أقر بأن الله ربه ومحمدا رسوله، ولم يخالف ~~قلبه لسانه، فهو داخل في قوله: "والمؤمنين والمؤمنات"، ومن أطاع الله في ~~الفرض، والرسول في السنة: فهو داخل في قوله: "والقانتين والقانتات ومن صان ~~قوله عن الكذب فهو داخل في قوله: "والصادقين والصادقات"، ومن صبر على ~~الطاعة، وعن المعصية، وعلى الرزية: فهو داخل في قوله: "والصابرين ~~والصابرات"، ومن صلى ولم يعرف من عن يمينه وعن يساره فهو داخل في قوله: ~~"والخاشعين والخاشعات"، ومن تصدق ms2050 في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله: ~~"والمتصدقين والمتصدقات"، ومن صام في كل شهر أيام البيض: الثالث عشر، ~~والرابع عشر، والخامس عشر، فهو داخل في قوله: "والصائمين والصائمات"، ومن ~~حفظ فرجه عما لا يحل فهو داخل في قوله: "والحافظين فروجهم والحافظات"، ومن ~~صلى PageV06P352 # الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله: "والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات". {أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} # PageV06P353 ### || # {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة ~~من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (36) } # قوله عز وجل: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم} # نزلت الآية في زينب بنت جحش الأسدية وأخيها عبد الله بن جحش وأمهما أمية ~~بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم، خطب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لمولاه زيد بن حارثة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى زيدا في ~~الجاهلية بعكاظ فأعتقه وتبناه، فلما خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ~~رضيت وظنت أنه يخطبها لنفسه فلما علمت أنه يخطبها لزيد أبت وقالت: أنا ابنة ~~عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي، وكانت بيضاء جميلة فيها حدة، وكذلك كره ~~أخوها ذلك، فأنزل الله عز وجل: {وما كان لمؤمن} (1) يعني: عبد الله بن جحش، ~~{ولا مؤمنة} يعني: أخته زينب، {إذا قضى الله ورسوله أمرا} أي إذا أراد الله ~~ورسوله أمرا وهو نكاح زينت لزيد، {أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} قرأ أهل ~~الكوفة: "أن يكون" بالياء، للحائل بين التأنيث والفعل، وقرأ الآخرون بالتاء ~~لتأنيث "الخيرة" من أمرهم، والخيرة: الاختيار. # والمعنى أن يريد غير ما أراد الله أو يمتنع مما أمر الله ورسوله به. {ومن ~~يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} أخطأ خطأ ظاهرا، فلما سمعا ذلك رضيا ~~بذلك وسلما، وجعلت أمرها بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك أخوها، ~~فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا، فدخل بها ms2051 وساق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إليها عشرة دنانير، وستين درهما، وخمارا، ودرعا، وإزارا (2) ~~وملحفة، وخمسين مدا من طعام، وثلاثين صاعا من تمر. PageV06P353 ### || # {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله ~~وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد ~~منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا ~~قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا (37) } # قوله تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك} ~~الآية، نزلت في زينت (1) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زوج ~~زينب من زيد مكثت عنده حينا، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى زيدا ~~ذات يوم لحاجة، فأبصر زينب قائمة في درع وخمار وكانت بيضاء جميلة ذات خلق ~~من أتم نساء قريش، فوقعت في نفسه وأعجبه حسنها، فقال: سبحان الله مقلب ~~القلوب وانصرف، فلما جاء زيد ذكرت ذلك له، ففطن زيد، فألقي في نفس زيد ~~كراهيتها في الوقت (2) PageV06P354 # فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إني أريد أن أفارق صاحبتي"، ~~قال: ما لك أرابك منها شيء؟ قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا ~~خيرا، ولكنها تتعظم علي لشرفها وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "أمسك عليك زوجك"، يعني: زينب بنت جحش، {واتق الله} في أمرها، ~~ثم طلقها زيد (1) فذلك قوله عز وجل: # {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه} بالإسلام، {وأنعمت عليه} بالإعتاق، وهو ~~زيد بن حارثة 82/ب {أمسك عليك زوجك واتق الله} فيها ولا تفارقها، {وتخفي في ~~نفسك ما الله مبديه} أي: تسر في نفسك ما الله مظهره، أي: كان في قلبه لو ~~فارقها لتزوجها. # وقال ابن عباس: حبها. وقال قتادة: ود أنه طلقها. # {وتخشى الناس} قال ابن عباس والحسن: تستحييهم. # وقيل: تخاف لائمة الناس أن يقولوا: أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها (2) . # {والله أحق أن تخشاه} قال عمر، وابن مسعود، وعائشة: ms2052 ما نزلت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية (3) . # وروي عن مسروق قال: قالت عائشة: لو كتم النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ~~مما أوحي إليه لكتم هذه الآية: "وتخفي في نفسك ما الله مبديه" (4) . # وروى سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال: سألني علي بن الحسين ~~زين العابدين ما يقول الحسن في قوله: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى ~~الناس والله أحق أن تخشاه} ؟ قلت: يقول لما جاء زيد إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا نبي الله إني أريد أن أطلق زينب فأعجبه ذلك، فقال: أمسك ~~عليك زوجك واتق الله، فقال علي بن الحسين: ليس كذلك، كان الله تعالى قد ~~أعلمه أنها ستكون من أزواجه وأن زيدا سيطلقها، فلما جاء زيد وقال: إني أريد ~~أن أطلقها قال له: أمسك عليك زوجك، فعاتبه الله وقال: لم قلت: أمسك عليك ~~زوجك، وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك؟ (5) PageV06P355 # وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء وهو مطابق للتلاوة لأن الله علم ~~أنه يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه فقال: "زوجناكها" فلو ~~كان الذي أضمره رسول الله صلى الله عليه وسلم محبتها أو إرادة طلاقها لكان ~~يظهر ذلك لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره، فدل على أنه ~~إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله أنها ستكون زوجة له، وإنما أخفاه ~~استحياء أن يقول لزيد: التي تحتك وفي نكاحك ستكون امرأتي، وهذا قول حسن ~~مرض، وإن كان القول الآخر وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها لا يقدح ~~في حال الأنبياء، لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه في مثل هذه ~~الأشياء ما لم يقصد فيه المآثم، لأن الود وميل النفس من طبع البشر. # وقوله: "أمسك عليك زوجك واتق الله" أمر بالمعروف، وهو خشية لا إثم فيه. # وقوله تعالى: {والله أحق أن تخشاه} لم يرد به أنه لم يكن يخشى الله ms2053 فيما ~~سبق فإنه عليه السلام قد قال: "أنا أخشاكم لله وأتقاكم له"، ولكنه لما ذكر ~~الخشية من الناس ذكر أن الله تعالى أحق بالخشية في عموم الأحوال وفي جميع ~~الأشياء. # قوله عز وجل: {فلما قضى زيد منها وطرا} أي: حاجة من نكاحها، {زوجناكها} ~~وذكر قضاء الوطر ليعلم أن زوجة المتبنى تحل بعد الدخول بها. # قال أنس: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: ~~زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات. (1) # وقال الشعبي: كانت زينب تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك ~~بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن: جدي وجدك واحد، أني أنكحنيك الله في ~~السماء، وإن السفير لجبريل عليه السلام (2) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغفار بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، أخبرنا بهز، أخبرنا سليمان بن المغيرة، عن ~~ثابت، عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لزيد: "فاذكرها علي"، قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال فلما ~~رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب أرسل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يذكرك. # قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، ~~وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن. PageV06P356 # قال: ولقد رأيتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا الخبز واللحم، ~~حتى امتد النهار، [فخرج الناس] (1) وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته فجعل يتتبع حجز نسائه يسلم ~~عليهن، ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ قال: فما أدري أنا أخبرته أن ~~القوم قد خرجوا أو أخبرني. # قال: فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني ms2054 وبينه، ونزل ~~الحجاب (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد عن ~~ثابت، عن أنس قال: ما أولم النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من نسائه ما ~~أولم على زينب، أولم بشاة (3) . # أخبرنا محمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا محمد بن هشام بن ملاس النمري، أخبرنا ~~مروان الفزاري، أخبرنا حميد عن أنس قال: أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين ابتنى بزينب بنت جحش فأشبع المسلمين خبزا ولحما (4) . # قوله عز وجل: {لكي لا يكون على المؤمنين حرج} إثم، {في أزواج أدعيائهم ~~إذا قضوا منهن وطرا} و"الأدعياء": جمع الدعي، وهو المتبنى، يقول: زوجناك ~~زينب، وهي امرأة زيد الذي تبنيته، ليعلم أن زوجة المتبنى حلال للمتبني، ~~[وإن كان قد خل بها المتبنى] (5) بخلاف امرأة ابن الصلب فإنها لا تحل للأب. # {وكان أمر الله مفعولا} أي: كان قضاء الله ماضيا وحكمه نافذا وقد قضى في ~~زينب أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || # {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من ~~قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) } # قوله عز وجل: {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له} أي: فيما أحل ~~الله له، {سنة الله} أي: كسنة الله 83/أنصب بنزع الخافض، وقيل: نصب على ~~الإغراء، أي: الزموا PageV06P357 # سنة الله، {في الذين خلوا من قبل} أي: في الأنبياء الماضين أن لا يؤاخذهم ~~بما أحل لهم. # قال الكلبي، ومقاتل: أراد داود حين جمع بينه وبين المرأة التي هويها ~~فكذلك جمع بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين زينب. # وقيل: أشار بالسنة إلى النكاح فإنه من سنة الأنبياء عليهم السلام. # وقيل: إلى كثرة الأزواج مثل داود وسليمان عليهما السلام. (1) # {وكان أمر، الله قدرا مقدورا} قضاء مقضيا كائنا ماضيا. ### || # {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا ms2055 الله وكفى بالله ~~حسيبا (39) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ~~وكان الله بكل شيء عليما (40) } # {الذين يبلغون رسالات الله} [يعني سنة الله في الأنبياء الذين يبلغون ~~رسالات الله] (2) {ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله} لا يخشون قالة الناس ~~ولائمتهم فيما أحل الله لهم وفرض عليهم، {وكفى بالله حسيبا} حافظا لأعمال ~~خلقه ومحاسبهم. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب قال ~~الناس: إن محمدا تزوج امرأة ابنه فأنزل الله عز وجل: {ما كان محمد أبا أحد ~~من رجالكم} (3) يعني: زيد بن حارثة، أي: ليس أبا أحد من رجالكم الذين لم ~~يلدهم فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها. # فإن قيل: أليس أنه كان له أبناء: القاسم، والطيب، والطاهر، وإبراهيم، ~~وكذلك: الحسن والحسين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحسن: إن ابني ~~هذا سيد؟ . # قيل: هؤلاء كانوا صغارا لم يكونوا رجالا. # والصحيح ما قلنا: إنه أراد أبا أحد من رجالكم (4) . # {ولكن رسول الله وخاتم النبيين} ختم الله به النبوة، وقرأ عاصم: "خاتم" ~~بفتح التاء على الاسم، أي: آخرهم، وقرأ الآخرون بكسر التاء على الفاعل، ~~لأنه ختم به النبيين فهو خاتمهم. PageV06P358 # قال ابن عباس: يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابنا يكون بعده نبيا ~~(1) . # وروي عن عطاء عن ابن عباس: أن الله تعالى لما حكم أن لا نبي بعده لم يعطه ~~ولدا ذكرا يصير رجلا {وكان الله بكل شيء عليما} # أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن ~~محمد الخذاشاهي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم، حدثنا أبكر الجوربذي، ~~أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس عن يزيد، عن ابن ~~شهاب، عن أبي سلمة قال: كان أبو هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه، ترك منه موضع لبنة فطاف ~~به النظار يتعجبون من حسن بنيانه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون ms2056 سواها فكنت ~~أنا سددت موضع تلك اللبنة، ختم بي البنيان وختم بي الرسل" (2) . # أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا علي بن أحمد الخزاعي، ~~أخبرنا الهيثم بن كليب الشاشي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، أخبرنا سعيد بن ~~عبد الرحمن المخزومي، وغير واحد قالوا، أخبرنا سفيان عن الزهري، عن محمد بن ~~جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لي ~~أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي، يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر ~~الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي" (3) . ### || # {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) } # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} قال ابن ~~عباس: لم يفرض الله تعالى فريضة (4) إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها ~~في حال العذر غير الذكر، فإنه لم يجعل له حدا ينتهى إليه، ولم يعذر أحدا في ~~تركه إلا مغلوبا على عقله (5) وأمرهم به في PageV06P359 # كل الأحوال، فقال: "فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم" (النساء-103) ~~. وقال: {اذكروا الله ذكرا كثيرا} أي: بالليل والنهار، في البر والبحر وفي ~~الصحة والسقم، وفي السر والعلانية. وقال مجاهد: الذكر الكثير أن لا تنساه ~~أبدا. ### || # {وسبحوه بكرة وأصيلا (42) هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما (43) } # {تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (44) } # {وسبحوه} أي: صلوا له، {بكرة} يعني: صلاة الصبح، {وأصيلا} يعني: صلاة ~~العصر. وقال الكلبي: "وأصيلا" صلاة الظهر والعصر والعشاءين. # وقال مجاهد: يعني: قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ~~والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فعبر بالتسبيح عن أخواته. # وقيل: المراد من قوله: "ذكرا كثيرا" هذه الكلمات يقولها الطاهر والجنب ~~والمحدث (1) . {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} فالصلاة من الله: الرحمة، ومن ~~الملائكة: الاستغفار للمؤمنين. # قال السدي قالت بنو إسرائيل لموسى: أيصلي ربنا؟ فكبر هذا الكلام على ~~موسى، فأوحى الله إليه: أن قل لهم: إني أصلي، وإن صلاتي رحمتي، ms2057 وقد وسعت ~~رحمتي كل شيء (2) . # وقيل: الصلاة من الله على العبد هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده. ~~وقيل: الثناء عليه. # قال أنس: لما نزلت: {إن الله وملائكته، يصلون على النبي} قال أبو بكر: ما ~~خصك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد أشركنا فيه، فأنزل الله هذه الآية (3) ~~. # قوله: {ليخرجكم من الظلمات إلى النور} أي: من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ~~يعني: أنه برحمته وهدايته ودعاء الملائكة لكم أخرجكم من ظلمة الكفر إلى ~~النور، {وكان بالمؤمنين رحيما} {تحيتهم} أي: تحية المؤمنين، {يوم يلقونه} ~~أي: يرون الله، {سلام} أي: يسلم الله عليهم، ويسلمهم من جميع الآفات. ~~PageV06P360 # وروي عن البراء بن عازب قال: "تحيتهم يوم يلقونه"، يعني: يلقون ملك ~~الموت، لا يقبض روح مؤمن إلا يسلم عليه (1) . # وعن ابن مسعود قال: إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك ~~السلام (2) . # وقيل: تسلم عليهم الملائكة وتبشرهم حين يخرجون من قبورهم (3) {وأعد لهم ~~أجرا كريما} يعني: الجنة. ### || # {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله ~~بإذنه وسراجا منيرا (46) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47) ~~ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ~~(48) يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (49) } # قوله عز وجل: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} أي: شاهدا ~~للرسل بالتبليغ، ومبشرا لمن آمن بالجنة، ونذيرا لمن كذب بآياتنا بالنار. ~~{وداعيا إلى الله} إلى توحيده وطاعته، {بإذنه} بأمره، {وسراجا منيرا} سماه ~~سراجا لأنه يهتدى به كالسراج يستضاء به في الظلمة. {وبشر المؤمنين بأن لهم ~~من الله فضلا كبيرا} . {ولا تطع الكافرين والمنافقين} ذكرنا تفسيره في أول ~~السورة، {ودع أذاهم} قال ابن عباس وقتادة: اصبر على أذاهم. وقال الزجاج: لا ~~تجازهم عليه. وهذا منسوخ بآية القتال. 83/ب # {وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} حافظا. قوله عز وجل: {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نكحتم، المؤمنات ms2058 ثم طلقتموهن} فيه دليل على أن الطلاق قبل النكاح ~~غير واقع لأن الله تعالى رتب الطلاق على النكاح، حتى لو قال لامرأة أجنبية: ~~إذا نكحتك فأنت طالق، وقال: كل امرأة أنكحها فهي طالق، فنكح، لا يقع ~~الطلاق. وهو قول PageV06P361 # علي، وابن عباس، وجابر، ومعاذ، وعائشة، وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة، ~~وشريح وسعيد بن جبير، والقاسم وطاووس، والحسن، وعكرمة، وعطاء، وسليمان بن ~~يسار، ومجاهد، والشعبي، وقتادة، وأكثر أهل العلم رضي الله عنهم، وبه قال ~~الشافعي. # وروي عن ابن مسعود: أنه يقع الطلاق، وهو قول إبراهيم النخعي، وأصحاب ~~الرأي. # وقال ربيعة، ومالك، والأوزاعي: إن عين امرأة يقع، وإن عم فلا يقع. # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: كذبوا على ابن مسعود، إن كان قالها فزلة ~~من عالم في الرجل يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق، يقول الله تعالى: "وإذا ~~نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن"، ولم يقل إذا طلقتموهن ثم نكحتموهن (1) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن ~~محمد الديموري، أخبرنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، أخبرنا أبو بكر ~~محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري بمكة، أخبرنا الربيع بن سليمان، ~~أخبرنا أيوب بن سويد، أخبرنا ابن أبي ذئب عن عطاء، عن جابر قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا طلاق قبل النكاح" (2) . # قوله عز وجل: {من قبل أن تمسوهن} تجامعوهن، {فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها} تحصونها بالأقراء والأشهر، {فمتعوهن} أي: أعطوهن ما يستمتعن به. ~~قال ابن عباس: هذا إذا لم يكن سمى لها صداقا فلها المتعة، فإن كان قد فرض ~~لها صداقا فلها نصف الصداق ولا متعة لها. # وقال قتادة: هذه الآية منسوخة بقوله: "فنصف ما فرضتم" (البقرة-237) . # وقيل: هذا أمر ندب، فالمتعة مستحبة لها مع نصف المهر. # وذهب بعضهم إلى إنها تستحق المتعة بكل حال لظاهر الآية. # {وسرحوهن سراحا جميلا} خلوا سبيلهن بالمعروف من غير ضرار. ### || # {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ~~مما أفاء الله عليك وبنات ms2059 عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت ~~أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) } # قوله عز وجل: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} ~~أي: مهورهن، PageV06P362 # {وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك} رد عليك من الكفار بأن تسبي فتملك ~~مثل صفية وجويرية، وقد كانت مارية مما ملكت يمينه فولدت له إبراهيم، {وبنات ~~عمك وبنات عماتك} يعني: نساء قريش، {وبنات خالك وبنات خالاتك} يعني: نساء ~~بني زهرة، {اللاتي هاجرن معك} إلى المدينة فمن لم تهاجر منهن معه لم يجز له ~~نكاحها. # وروى أبو صالح عن أم هانئ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ~~خطبني فأنزل الله هذه الآية فلم أحل له، لأني لم أكن من المهاجرات وكنت من ~~الطلقاء، ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل (1) . # {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك ~~من دون المؤمنين} أي. أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك بغير صداق، فأما ~~غير المؤمنة فلا تحل له إذا وهبت نفسها منه. # واختلفوا في أنه هل كان يحل للنبي صلى الله عليه وسلم نكاح اليهودية ~~والنصرانية بالمهر؟ # فذهب جماعة إلى أنه كان لا يحل له ذلك، لقوله: "وامرأة مؤمنة"، وأول ~~بعضهم الهجرة في قوله: "اللاتي هاجرن معك" على الإسلام، أي: أسلمن معك. ~~فيدل ذلك على أنه لا يحل له نكاح غير المسلمة، وكان النكاح ينعقد [في حقه] ~~(2) بمعنى الهبة من غير ولي ولا شهود ولا مهر، وكان ذلك من خصائصه صلى الله ~~عليه وسلم في النكاح لقوله تعالى: {خالصة لك من دون المؤمنين} كالزيادة على ~~الأربع، ووجوب تخيير النساء كان من خصائصه ولا مشاركة لأحد معه فيه. ~~PageV06P363 # واختلف أهل العلم في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة؟ فذهب أكثرهم ~~إلى أنه لا ينعقد ms2060 إلا بلفظ الإنكاح والتزويج، وهو قول سعيد بن المسيب، ~~والزهري، ومجاهد، وعطاء، وبه قال ربيعة ومالك والشافعي. # وذهب قوم إلى أنه ينعقد بلفظ الهبة والتمليك، وهو قول إبراهيم النخعي، ~~وأهل الكوفة. # ومن قال لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج اختلفوا في نكاح النبي صلى ~~الله عليه وسلم: فذهب قوم إلى أنه كان ينعقد بلفظ الهبة، لقوله تعالى: ~~"خالصة لك من دون المؤمنين". # وذهب آخرون إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج كما في حق ~~الأمة لقوله عز وجل: {إن أراد النبي أن يستنكحها} وكان اختصاصه صلى الله ~~عليه وسلم في ترك المهر لا في لفظ النكاح (1) . # واختلفوا في التي وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهل كانت ~~عنده امرأة منهن؟. # فقال عبد الله بن عباس، ومجاهد: لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~امرأة وهبت نفسها منه، ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، ~~[وقوله: "إن وهبت نفسها" على طريق الشرط والجزاء. # وقال آخرون: بل كانت عنده موهوبة، واختلفوا فيها] (2) فقال الشعبي: هي ~~زينب بنت خزيمة الهلالية، يقال لها: أم المساكين. # وقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث. # وقال علي بن الحسين، والضحاك ومقاتل: هي أم شريك بنت جابر من بني أسد. # وقال عروة بن الزبير: هي خولة بنت حكيم من بني سليم. (3) # قوله عز وجل: {قد علمنا ما فرضنا عليهم} أي: أوجبنا على المؤمنين، {في ~~أزواجهم} من الأحكام أن لا يتزوجوا أكثر من أربع ولا يتزوجوا إلا بولي ~~وشهود ومهر، {وما ملكت أيمانهم} أي: ما أوجبنا من الأحكام في ملك اليمين، ~~{لكيلا يكون عليك حرج} وهذا يرجع إلى أول الآية أي: أحللنا لك أزواجك وما ~~ملكت يمينك والموهوبة لك لكي لا يكون عليك حرج وضيق. {وكان الله غفورا ~~رحيما} PageV06P364 ### || # {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح ~~عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ~~ما في قلوبكم وكان ms2061 الله عليما حليما (51) } # {ترجي} أي: تؤخر، {من تشاء منهن وتؤوي} أي: تضم، {إليك من تشاء} # اختلف المفسرون في معنى الآية: فأشهر الأقاويل أنه في القسم بينهن، وذلك ~~أن التسوية بينهن # PageV06P364 # في القسم كانت واجبا عليه، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار ~~إليه فيهن. # قال أبو رزين، وابن زيد 84/أنزلت هذه الآية حين غار بعض أمهات المؤمنين ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وطلب بعضهن زيادة النفقة، فهجرهن النبي صلى ~~الله عليه وسلم شهرا حتى نزلت آية التخيير، فأمره الله عز وجل أن يخيرهن ~~بين الدنيا والآخرة وأن يخلي سبيل من اختارت الدنيا ويمسك من اختارت الله ~~ورسوله والدار الآخرة، على أنهن أمهات المؤمنين ولا ينكحن أبدا، وعلى أنه ~~يؤوي إليه من يشاء منهن، ويرجي من يشاء، فيرضين به قسم لهن أو لم يقسم، أو ~~قسم لبعضهن دون بعض، أو فضل بعضهن في النفقة والقسمة، فيكون الأمر في ذلك ~~إليه يفعل كيف يشاء، وكان ذلك من خصائص فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط ~~(1) . # واختلفوا في أنه هل أخرج أحدا منهم عن القسم؟ فقال بعضهم: لم يخرج أحدا، ~~بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم -مع ما جعله الله له من ذلك-يسوي ~~بينهن في القسم إلا سودة فإنها رضيت بترك حقها من القسم، وجعلت يومها ~~لعائشة. # وقيل: أخرج بعضهن. # روى جرير عن منصور عن أبي رزين قال: لما نزل التخيير أشفقن أن يطلقهن، ~~فقلن: يا نبي الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا، فنزلت ~~هذه الآية، فأرجى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهن وآوى إليه بعضهن، ~~وكان ممن آوى إليه عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، فكان قسم بينهن سواء، ~~وأرجى منهن خمسا: أم حبيبة، وميمونة، وسودة، وصفية وجويرية، فكان يقسم لهن ~~ما شاء (2) . # وقال مجاهد: "ترجي من تشاء منهن" يعني: تعزل من تشاء منهن بغير طلاق، ~~وترد إليك من تشاء بعد العزل بلا تجديد عقد. # وقال ابن عباس: تطلق من تشاء منهن وتمسك من ms2062 تشاء. # وقال الحسن: تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت من نساء أمتك. # وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لغيره خطبتها ~~حتى يتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV06P365 # وقيل: تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك ~~وتترك من تشاء فلا تقبلها. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن سلام، أخبرنا ابن ~~فضيل، أخبرنا هشام عن أبيه قال: كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهن ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها ~~للرجل؟ فلما نزلت: {ترجي من تشاء منهن} قلت: يا رسول الله ما أرى ربك إلا ~~يسارع في هواك (1) . # قوله عز وجل: {ومن ابتغيت ممن عزلت} أي: طلبت وأردت أن تؤوي إليك امرأة ~~ممن عزلتهن عن القسم، {فلا جناح عليك} لا إثم عليك، فأباح الله له ترك ~~القسم لهن حتى إنه ليؤخر من يشاء منهن في نوبتها ويطأ من يشاء منهن في غير ~~نوبتها، ويرد إلى فراشه من عزلها تفضيلا له على سائر الرجال، {ذلك أدنى أن ~~تقر أعينهن ولا يحزن} أي: التخيير الذي خيرتك في صحبتهن أقرب إلى رضاهن ~~وأطيب لأنفسهن وأقل لحزنهن إذا علمن أن ذلك من الله عز وجل، {ويرضين بما ~~آتيتهن} أعطيتهن، {كلهن} من تقرير وإرجاء وعزل وإيواء، {والله يعلم ما في ~~قلوبكم} من أمر النساء والميل إلى بعضهن، {وكان الله عليما حليما} ### || # {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ~~ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا (52) } # قوله عز وجل: {لا يحل لك النساء، من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج} قرأ ~~أبو عمرو ويعقوب: "لا تحل" بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء، "من بعد": يعني من ~~بعد هؤلاء التسع اللاتي خيرتهن فاخترنك، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما خيرهن فاخترن الله ms2063 ورسوله شكر الله لهن وحرم عليه النساء سواهن ونهاه ~~عن تطليقهن وعن الاستبدال بهن، هذا قول ابن عباس وقتادة (2) . # واختلفوا في أنه هل أبيح له النساء من بعد؟ # قالت عائشة: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء ~~سواهن (3) . PageV06P366 # وقال أنس: مات على التحريم. # وقال عكرمة، والضحاك: معنى الآية لا يحل لك النساء إلا اللاتي أحللنا لك ~~وهو قوله: "إنا أحللنا لك أزواجك" الآية، ثم قال: "لا يحل لك النساء من ~~بعد"، إلا التي أحللنا لك بالصفة التي تقدم ذكرها. # وقيل لأبي بن كعب: لو مات نساء النبي صلى الله عليه وسلم أكان يحل له أن ~~يتزوج؟ قال: وما يمنعه من ذلك؟ قيل: قوله عز وجل: "لا يحل لك النساء من ~~بعد"، قال: إنما أحل الله له ضربا من النساء، فقال: "يا أيها النبي إنا ~~أحللنا لك أزوجك"، ثم قال: "لا يحل لك النساء من بعد". # قال أبو صالح: أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا عربية، ويتزوج من نساء قومه ~~من بنات العم والعمة والخالة إن شاء ثلاثمائة: وقال مجاهد: معناه لا يحل لك ~~اليهوديات ولا النصرانيات بعد المسلمات ولا أن تبدل بهن، يقول: ولا أن تبدل ~~بالمسلمات غيرهن من اليهود والنصارى، يقول لا تكون أم المؤمنين يهودية ولا ~~نصرانية، إلا ما ملكت يمينك، أحل له ما ملكت يمينه من الكتابيات أن يتسرى ~~بهن. # وروي عن الضحاك: يعني ولا أن تبدل بهن ولا أن تبدل بأزواجك اللاتي هن في ~~حيالك أزواجا غيرهن بأن تطلقهن فتنكح غيرهن، فحرم عليه طلاق النساء اللواتي ~~كن عنده إذ جعلهن أمهات المؤمنين، وحرمهن على غيره حين اخترنه، فأما نكاح ~~غيرهن فلم يمنع عنه. # وقال ابن زيد في قوله: {ولا أن تبدل بهن من أزواج} كانت العرب في ~~الجاهلية يتبادلون بأزواجهم، يقول الرجل للرجل: بادلني بامرأتك، وأبادلك ~~بامرأتي، تنزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل الله: {ولا أن تبدل ~~بهن من أزواج} (1) يعني لا تبادل بأزواجك غيرك بأن تعطيه زوجك ms2064 وتأخذ زوجته، ~~إلا ما ملكت يمينك لا بأس أن تبدل بجاريتك 84/ب ما شئت، فأما الحرائر فلا. # وروي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: دخل عيينة بن حصن على النبي صلى ~~الله عليه وسلم بغير إذن، وعنده عائشة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"يا عيينة فأين الاستئذان"؟ قال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر ~~منذ أدركت، ثم قال: من هذه الحميراء إلى جنبك؟ فقال: هذه عائشة أم ~~المؤمنين، فقال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إن الله قد حرم ذلك"، فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا ~~رسول الله؟ فقال: "هذا أحمق مطاوع وإنه على ما ترين لسيد قومه" (2) . ~~PageV06P367 # قوله عز وجل: {ولو أعجبك حسنهن} يعني: ليس لك أن تطلق أحدا من نسائك ~~وتنكح بدلها أخرى ولو أعجبك جمالها. # قال ابن عباس: يعني أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، ~~فلما استشهد جعفر أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطبها فنهي عن ذلك ~~(1) . # {إلا ما ملكت يمينك} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ملك بعد هؤلاء مارية. # {وكان الله على كل شيء رقيبا} حافظا. # وفي الآية دليل على جواز النظر إلى من يريد نكاحها من النساء. روي عن ~~جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خطب أحدكم ~~المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" (2) . # أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا محمد بن محمد بن علي بن ~~شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم، أخبرنا أبو بكر الجوربذي ~~قال: أخبرنا أحمد بن حرب، أخبرنا أبو معاوية، عن عاصم هو ابن سليمان، عن ~~بكر بن عبد الله، عن المغيرة بن شعبة قال: خطبت امرأة، فقال لي النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "هل نظرت إليها؟ " قلت: لا قال: "فانظر إليها فإنه أحرى أن ~~يؤدم بينكما" (3) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا ms2065 أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن ~~حامد، أخبرنا حامد ابن محمد، أخبرنا بشر بن موسى، أخبرنا الحميدي، أخبرنا ~~يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من ~~الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "انظر إليها فإن في أعين نساء ~~الأنصار شيئا" (4) قال الحميدي: يعني الصغر. PageV06P368 ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين ~~لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا ~~سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان ~~لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند ~~الله عظيما (53) } # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن ~~لكم} الآية. قال أكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب بنت جحش ~~حين بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا يحيى بن بكير، أخبرنا الليث ~~عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أنس ابن مالك أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال: وكانت أم هانئ تواظبني على خدمة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فخدمته عشر سنين، وتوفي النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأنا ابن عشرين سنة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، فكان أول ~~ما أنزل في مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، أصبح النبي ~~صلى الله عليه وسلم بها عروسا فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقي ~~رهط منهم عند النبي صلى الله عليه وسلم فأطالوا المكث، فقام النبي لله فخرج ~~وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم ومشيت حتى جاء حجرة ~~عائشة، ms2066 ثم ظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه، حتى إذا دخل على زينب فإذا هم ~~جلوس لم يخرجوا، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، ورجعت معه حتى إذا بلغ ~~عتبة حجرة عائشة وظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا، فضرب ~~النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينه الستر، وأنزل الحجاب (1) . # وقال أبو عثمان -واسمه الجعد-عن أنس قال: فدخل يعني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة، وهو يقول: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} إلى قوله: {والله لا يستحيي ~~من الحق} (2) . PageV06P369 # وروي عن ابن عباس أنها نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك ثم يأكلون ~~ولا يخرجون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذى بهم فنزلت (1) # {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} يقول: إلا ~~أن تدعوا، {إلى طعام} فيؤذن لكم فتأكلونه، {غير ناظرين إناه} غير منتظرين ~~إدراكه ووقت نضجه، يقال: أنى الحميم: إذا انتهى حره، وإنى أن يفعل ذلك: إذا ~~حان، إنى بكسر الهمزة مقصورة، فإذا فتحتها مددت فقلت الإناء، وفيه لغتان ~~إنى يأنى، وآن يئين، مثل: حان يحين. # {ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم} أكلتم الطعام، {فانتشروا} تفرقوا ~~واخرجوا من منزله، {ولا مستأنسين لحديث} ولا طالبين الأنس للحديث، وكانوا ~~يجلسون بعد الطعام يتحدثون طويلا فنهوا عن ذلك. # {إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق} أي: لا ~~يترك تأديبكم وبيان الحق حياء. # {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} أي: من وراء ستر، فبعد آية ~~الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم منتقبة كانت أو غير منتقبة، {ذلكم أطهر، لقلوبكم وقلوبهن} من الريب. # وقد صح في سبب نزول آية الحجاب ما أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا ~~أحمد بن عبد الله ms2067 النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، ~~أخبرنا يحيى بن بكير، أخبرنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن ~~عائشة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى ~~المناصع، وهو صعيد أفيح، وكان عمر يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: احجب ~~نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة ~~زوج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة ~~فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة -حرصا على أن ينزل الحجاب-فأنزل الله ~~تعالى آية الحجاب (2) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، ~~أخبرنا حاجب ابن أحمد الطوسي، أخبرنا عبد الرحيم بن منيب، أخبرنا يزيد بن ~~هارون، أخبرنا حميد، عن أنس قال: قال عمر: وافقني ربي في ثلاث 85/أقلت: يا ~~رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ PageV06P370 # فأنزل الله: "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى"، وقلت: يا رسول الله إنه ~~يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية ~~الحجاب، قال: وبلغني بعض ما آذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه، ~~قال: فدخلت عليهن استقربهن واحدة واحدة، قلت: والله لتنتهن أو ليبدلنه الله ~~أزواجا خيرا منكن، حتى أتيت على زينب فقالت: يا عمر ما كان في رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت، قال: فخرجت فأنزل الله عز ~~وجل: "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن" (التحريم-5) ، إلى آخر ~~الآية (1) . # قوله عز وجل: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} ليس لكم أذاه في شيء من ~~الأشياء، {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا} نزلت في رجل من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: لئن قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنكحن ~~عائشة (2) . # قال مقاتل بن سليمان: هو طلحة بن عبيد الله، فأخبره الله عز وجل أن ذلك ~~محرم (3) وقال: {إن ذلكم كان ms2068 عند الله عظيما} أي: ذنبا عظيما. # وروى معمر عن الزهري، أن العالية بنت ظبيان التي طلق النبي صلى الله عليه ~~وسلم تزوجت رجلا وولدت له، وذلك قبل تحريم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~على الناس (4) . ### || # {إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما (54) } # {إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما} نزلت فيمن أضمر ~~نكاح عائشة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) . # وقيل: قال رجل من الصحابة: ما بالنا نمنع من الدخول على بنات أعمامنا؟ ~~فنزلت هذه الآية. # ولما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب: ونحن أيضا نكلمهن من ~~وراء الحجاب؟ فأنزل الله: (6) . PageV06P371 ### || # {لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا ~~أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على ~~كل شيء شهيدا (55) إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه وسلموا تسليما (56) } # {لا جناح عليهن فيءابائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا ~~أبناء أخواتهن} أي: لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء، {ولا نسائهن} ~~قيل: أراد به النساء المسلمات، حتى لا يجوز للكتابيات الدخول عليهن، وقيل: ~~هو عام في المسلمات والكتابيات، وإنما قال: "ولا نسائهن"، لأنهن من ~~أجناسهن، {ولا ما ملكت أيمانهن} # واختلفوا في أن عبد المرأة هل يكون محرما لها أم لا؟. # فقال قوم يكون محرما لقوله عز وجل: "ولا ما ملكت أيمانهن". # وقال قوم: هو كالأجانب، والمراد من الآية الإماء دون العبيد. # {واتقين الله} أن يراكن غير هؤلاء، {إن الله كان على كل شيء} من أعمال ~~العباد {شهيدا} قوله عز وجل: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} قال ابن ~~عباس: أراد إن الله يرحم النبي، والملائكة يدعون له. وعن ابن عباس أيضا: ~~"يصلون" يتبركون. # وقيل: الصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار. # {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه} أي: ادعوا له بالرحمة، {وسلموا تسليما} ~~أي: حيوه بتحية الإسلام. # وقال أبو العالية: ms2069 صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: ~~الدعاء. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي، أخبرنا أبو عبد الله ~~محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن سليمان الفقيه ببغداد، ~~أخبرنا أبو بكر أحمد بن زهير بن حرب، أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا أبو ~~سلمة، أخبرنا عبد الواحد بن زياد، أخبرنا أبو فروة، حدثني عبد الله بن عيسى ~~بن عبد الرحمن بن أبي ليلى [سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى] (1) يقول: لقيني ~~كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقلت: بلى فاهدها لي، فقال سألنا PageV06P372 # رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل ~~البيت؟ قال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ~~وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما ~~باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (1) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا مصعب، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن ~~حزم عن أبيه عن عمرو بن سليمان الزرقي أنه قال: أخبرني أبو حميد الساعي ~~أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم، ~~وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" ~~(2) . # أخبرنا أبو عمرو ومحمد بن عبد الرحمن النسوي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن ~~الحسن الحيري، أخبرنا محمد بن يعقوب، أخبرنا العباس بن محمد الدوري، أخبرنا ~~خالد بن مخلد القطواني، أخبرنا موسى بن يعقوب، أخبرنا العباس بن كيسان، ~~أخبرني عبد الله بن شداد، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة" (3) . # أخبرنا أبو عبد الله بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو ms2070 الحسن علي بن عبد الله ~~الطيسفوني، أخبرنا عبد الله ابن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أخبرنا العلاء بن ~~عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا". (4) PageV06P373 # أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد ~~بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن ~~محمود، [أخبرنا إبراهيم عبد الله الخلال] (1) أخبرنا عبد الله بن المبارك، ~~عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن سليمان مولى الحسن بن علي، عن عبد ~~الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جاء ذات ~~يوم والبشرى في وجهه، فقال: "إنه جاءني جبريل فقال: [إن ربك يقول] (2) أما ~~يرضيك يا محمد أن لا يصل عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا [ولا يسلم ~~عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا] (3) (4) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، ~~أخبرنا أبو القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن عاصم هو ~~ابن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أنه سمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى علي صلاة صلت عليه الملائكة ما صلى علي ~~فليقل العبد من ذلك أو ليكثر" (5) . # حدثنا أبو القاسم يحيى بن علي الكشميهني، أخبرنا جناح بن يزيد المحاربي ~~بالكوفة، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، أخبرنا بن حازم، ~~أخبرنا عبد الله بن موسى 85/ب وأبو نعيم، عن سفيان، عن عبيد الله بن ~~السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام" (6) . ~~PageV06P374 ### || # {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم ms2071 ~~عذابا مهينا (57) } # قوله عز وجل: {إن الذين يؤذون الله ورسوله، لعنهم الله في الدنيا والآخرة ~~وأعد لهم عذابا مهينا} قال ابن عباس: هم اليهود والنصارى والمشركون. فأما ~~اليهود فقالوا عزيرا ابن الله، ويد الله مغلولة، وقالوا: إن الله فقير، ~~وأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله، وثالث وثلاثة، وأما المشركون ~~فقالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه. # وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله سبحانه وتعالى: ~~شتمني عبدي، يقول: اتخذ لله ولدا، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ~~ولم يكن لي كفوا أحد (1) . # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: "يؤذيني ابن ~~آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" (2) . # وقيل: معنى "يؤذون الله" يلحدون في أسمائه وصفاته. # وقال عكرمة: هم أصحاب التصاوير. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن العلاء، أخبرنا ابن ~~فضيل، عن عمارة، عن أبي زرعة، سمع أبا هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "قال الله تعالى ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ~~ليخلقوا حبة أو شعيرة" (3) . # وقال بعضهم: "يؤذون الله" أي: يؤذون أولياء الله، كقوله تعالى: "واسئل ~~القرية" (يوسف-82) ، أي: أهل القرية. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: "من عادى لي ~~وليا فقد آذنته بالحرب، وقال من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة" (4) . ~~PageV06P375 # ومعنى الأذى: هو مخالفة أمر الله تعالى وارتكاب معاصيه، ذكره على ما ~~يتعارفه الناس بينهم، والله عز وجل منزه عن أن يلحقه أذى من أحد، وإيذاء ~~الرسول، قال ابن عباس: هو أنه شج في وجهه وكسرت رباعيته. وقيل: شاعر، ساحر، ~~معلم، مجنون. ### || # {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا ~~وإثما مبينا (58) يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين ~~عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) ~~} # {والذين يؤذون المؤمنين ms2072 والمؤمنات بغير ما اكتسبوا} من غير أن علموا ما ~~أوجب أذاهم، وقال مجاهد: يقعون فيهم ويرمونهم بغير جرم، {فقد احتملوا ~~بهتانا وإثما مبينا} # وقال مقاتل: نزلت في علي بن أبي طالب [وذلك أن ناسا من المنافقين] كانوا ~~يؤذونه ويشتمونه (1) . # وقيل: نزلت في شأن عائشة (2) . # وقال الضحاك، والكلبي: نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة ~~يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيغمزون المرأة، فإن سكتت ~~اتبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء، ولكن ~~كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة لأن زي الكل كان واحدا، يخرجن في درع ~~وخمار، الحرة والأمة، فشكون ذلك إلى أزواجهن، فذكروا ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات} (3) ~~الآية. ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء فقال جل ذكره: {يا أيها النبي قل ~~لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} جمع الجلباب، وهو ~~الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار. # وقال ابن عباس وأبو عبيدة: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوهن ~~بالجلابيب إلا عينا واحدة ليعلم أنهن حرائر. PageV06P376 # {ذلك أدنى أن يعرفن} أنهن حرائر، {فلا يؤذين} فلا يتعرض لهن، {وكان الله ~~غفورا رحيما} قال أنس: مرت بعمر بن الخطاب جارية متقنعة فعلاها بالدرة، ~~وقال يالكاع أتتشبهين بالحرائر، ألقي القناع (1) . ### || # {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا ~~وقتلوا تقتيلا (61) سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا (62) } # {يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة ~~تكون قريبا (63) إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (64) خالدين فيها ~~أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا (65) يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ~~ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول (66) } # قوله عز وجل: {لئن لم ينته المنافقون} عن نفاقهم، {والذين في قلوبهم مرض} ~~فجور، يعني الزناة، {والمرجفون في المدينة} بالكذب، وذلك أن ناسا منهم ms2073 ~~كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقعون في الناس أنهم ~~قتلوا وهزموا، ويقولون: قد أتاكم العدو ونحوها (1) . # وقال الكلبي: كانوا يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ويفشون ~~الأخبار. # {لنغرينك بهم} لنحرشنك بهم ولنسلطنك عليهم، {ثم لا يجاورونك فيها} لا ~~يساكنوك في المدينة {إلا قليلا} حتى يخرجوا منها، وقيل: لنسلنطك عليهم حتى ~~تقتلهم وتخلي منهم المدينة. {ملعونين} مطرودين، نصب على الحال، {أين ما ~~ثقفوا} وجدوا وأدركوا، {أخذوا وقتلوا تقتيلا} أي: الحكم فيهم هذا على جهة ~~الأمر به. {سنة الله} أي: كسنة الله، {في الذين خلوا من قبل} من المنافقين ~~والذين فعلوا مثل فعل هؤلاء، {ولن تجد لسنة الله تبديلا} قوله عز وجل: ~~{يسألك الناس، عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك} أي: أي شيء ~~يعلمك أمر الساعة، ومتى يكون قيامها؟ أي: أنت لا تعرفه، {لعل الساعة تكون، ~~قريبا} {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون ~~وليا ولا نصيرا يوم تقلب وجوههم في النار} PageV06P377 # ظهرا لبطن حين يسبحون عليها، {يقولون ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} ~~في الدنيا. ### || # {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل (67) ربنا آتهم ~~ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68) يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها (69) } # {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا} قرأ ابن عامر، ويعقوب: "ساداتنا" بكسر ~~التاء والأف قبلها على جمع الجمع، وقرأ الآخرون بفتح التاء بلا ألف قبلها، ~~{وكبراءنا فأضلونا السبيلا} {ربنا آتهم ضعفين من العذاب} أي: ضعفي عذاب ~~غيرهم، {والعنهم لعنا كبيرا} قرأ عاصم: كبيرا بالباء. قال الكلبي: أي: ~~عذابا كثيرا، وقرأ الآخرون بالثاء لقوله تعالى: "أولئك عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين" (البقرة-161) ، وهذا يشهد للكثرة، أي: مرة بعد ~~مرة. قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه ~~الله مما قالوا} فطهره الله مما قالوا: {وكان عند الله وجيها} كريما ذا ~~جاه، يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة ms2074 فهو وجيه، إذا كان ذا جاه وقدر. # قال ابن عباس: كان حظيا عند الله لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه. # وقال الحسن: كان مستجاب الدعوة. # وقيل: كان محببا مقبولا. # واختلفوا فيما أوذي به موسى: # فأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا ~~روح بن عبادة أخبرنا عوف، عن الحسن ومحمد وخلاس، عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من ~~جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا ما يتستر هذا ~~التستر إلا من عيب بجلده، إما برص أو أدرة وإما آفة، وإن لله أراد أن يبرئه ~~مما قالوا، فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل ~~إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل ~~يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، # PageV06P378 # فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه ~~فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا ~~أو أربعا أو خمسا" (1) فذلك قوله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها". # وقال قوم: إيذاؤهم إياه أنه لما مات هارون في التيه ادعوا على موسى أنه ~~قتله، فأمر الله الملائكة حتى مروا به على بني إسرائيل فعرفوا أنه لم ~~يقتله، فبرأه الله مما قالوا (2) . # وقال أبو العالية: هو أن قارون استأجر مومسة لتقذف موسى بنفسها على رأس ~~الملإ فعصمها الله وبرأ موسى من ذلك، وأهلك قارون (3) . # أخبرنا عبد الواحد بن احمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو الوليد، أخبرنا ~~شعبة، عن الأعمش قال: سمعت أبا وائل قال: سمعت عبد الله قال: قسم النبي صلى ~~الله ms2075 عليه وسلم قسما، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فأتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه، ثم قال: ~~"يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" (4) ### || # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح لكم ~~أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (71) } # قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} قال ابن ~~عباس: صوابا. وقال قتادة: عدلا. وقال الحسن: صدقا. وقيل: مستقيما. وقال ~~عكرمة هو: قول لا إله إلا الله. {يصلح لكم أعمالكم} قال ابن عباس: يتقبل ~~حسناتكم. وقال مقاتل: يزك أعمالكم، {ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله ~~فقد فاز فوزا عظيما} أي: ظفر بالخير كله. PageV06P379 ### || # {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (72) } # قوله عز وجل: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال} الآية. ~~أراد بالأمانة الطاعة والفرائض التي فرضها الله على عباده، عرضها على ~~السموات والأرض والجبال على أنهم إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم، وهذا ~~قول ابن عباس. # وقال ابن مسعود: الأمانة: أداء الصلوات، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج ~~البيت، وصدق الحديث، وقضاء الدين، والعدل في المكيال والميزان، وأشد من هذا ~~كله الودائع. # وقال مجاهد: الأمانة: الفرائض، وقضاء الدين. # وقال أبو العالية: ما أمروا به ونهوا عنه # وقال زيد بن أسلم: هو الصوم، والغسل من الجنابة، وما يخفى من الشرائع. # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أول ما خلق الله من الإنسان فرجه وقال: ~~هذه أمانة استودعتكها، فالفرج أمانة، والأذن أمانة، والعين أمانة، واليد ~~أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. # وقال بعضهم: هي أمانات الناس والوفاء بالعهود، فحق على كل مؤمن أن لا يغش ~~مؤمنا ولا معاهدا في شيء قليل ولا كثير، وهي رواية الضحاك عن ابن عباس، ~~فعرض الله هذه الأمانة على أعيان السموات والأرض والجبال، هذا قول ابن عباس ms2076 ~~وجماعة من التابعين وأكثر السلف، فقال لهن أتحملن هذه الأمانة بما فيها؟ ~~قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن، فقلن: لا يا رب، ~~نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا، وقلن ذلك خوفا وخشية وتعظيما ~~لدين الله أن لا يقوموا بها لا معصية ولا مخالفة، وكان العرض عليهن تخييرا ~~لا إلزاما ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها، والجمادات كلها خاضعة لله عز وجل ~~مطيعة ساجدة له كما قال جل ذكره للسموات والأرض: "ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين" (فصلت -11) ، وقال للحجارة: "وإن منها لما يهبط من خشية ~~الله" (البقرة-74) ، وقال تعالى: "ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ~~ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب" (الحج-18) ~~الآية. # وقال بعض أهل العلم: ركب الله عز وجل فيهن العقل والفهم حين عرض الأمانة ~~عليهن حتى علقن الخطاب وأجبن بما أجبن. # وقال بعضهم: المراد من العرض على السموات والأرض هو العرض على أهل ~~السموات والأرض، عرضها على من فيها من الملائكة. # PageV06P380 # وقيل: على أهلها كلها دون أعيانها، كقوله تعالى: "واسئل القرية" (يوسف ~~-82) ، أي: أهل القرية. والأول أصح وهو قول العلماء. # {فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} أي: خفن من الأمانة أن لا يؤدينها ~~فيلحقهن العقاب، {وحملها الإنسان} يعني: آدم عليه السلام، فقال الله لآدم: ~~إني عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت آخذها بما ~~فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال إن أحسنت جوزيت، وإن أسأت عوقبت، فتحملها ~~آدم، وقال: بين أذني وعاتقي، قال الله تعالى: أما إذا تحملت فسأعينك، اجعل ~~لبصرك حجابا فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك فأرخ عليه حجابه، واجعل ~~للسانك لحيين غلقا فإذا غشيت فأغلق، واجعل لفرجك لباسا فلا تكشفه على ما ~~حرمت عليك. # قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها وبين أن خرج من الجنة إلا مقدار ما بين ~~الظهر والعصر (1) # وحكى النقاش بإسناده عن ابن مسعود أنه قال: مثلت الأمانة كصخرة ملقاة، ~~ودعيت ms2077 السموات والأرض والجبال إليها فلم يقربوا منها، وقالوا: لا نطيق ~~حملها، وجاء آدم من غير أن يدعى، وحرك الصخرة، وقال: لو أمرت بحملها ~~لحملتها، فقلن له: احملها، فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها، وقال والله لو أردت ~~أن أزداد لزدت، فقلن له: احملها فحملها إلى حقوه، ثم وضعها، وقال: والله لو ~~أردت أن أزداد لزدت، فقلن له 86/ب احمل فحملها حتى وضعها على عاتقه، فأراد ~~أن يضعها فقال الله: مكانك فإنها في عنقك وعنق ذريتك إلى يوم القيامة. {إنه ~~كان ظلوما جهولا} قال ابن عباس: ظلوما لنفسه جهولا بأمر الله وما احتمل من ~~الأمانة. # وقال الكلبي: ظلوما حين عصى ربه، جهولا لا يدري ما العقاب في ترك ~~الأمانة. وقال مقاتل: ظلوما لنفسه جهولا بعاقبة ما تحمل. # وذكر الزجاج وغيره من أهل المعاني، في قوله وحملها الإنسان قولان، ~~فقالوا: إن الله ائتمن آدم وأولاده على شيء وائتمن السموات والأرض والجبال ~~على شيء، فالأمانة في حق بني آدم ما ذكرنا في الطاعة والقيام بالفرائض، ~~والأمانة في حق السموات والأرض والجبال هي الخضوع والطاعة لما خلقهن له. ~~وقيل: قوله: {فأبين أن يحملنها} أي: أدين الأمانة، يقال: فلان لم يتحمل ~~الأمانة أي: لم يخن فيها وحملها الإنسان أي: خان فيها، يقال: فلان حمل ~~الأمانة أي: أثم فيها بالخيانة. PageV06P381 # قال الله تعالى: "وليحملن أثقالهم" (العنكبوت-13) ، إنه كان ظلوما جهولا. ~~حكي عن الحسن على هذا التأويل: أنه قال وحملها الإنسان يعني الكافر ~~والمنافق، حملا الأمانة أي: خانا. وقول السلف ما ذكرنا. ### || # {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما (73) } # قوله عز وجل: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} ~~قال: مقاتل: ليعذبهم بما خانوا الأمانة ونقضوا الميثاق، {ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما} يهديهم ويرحمهم بما أدوا من ~~الأمانة. # وقال ابن قتيبة: أي: عرضنا الأمانة ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك ~~فيعذبهما الله، ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه، أي: يعود عليه بالرحمة ~~والمغفرة إن حصل منه تقصير في ms2078 بعض الطاعات. # PageV06P382 ### | سورة سبأ # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو ~~الحكيم الخبير (1) يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) } # {الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض} ملكا وخلقا، {وله الحمد ~~في الآخرة} كما هو له في الدنيا، لأن النعم في الدارين كلها منه. # وقيل: الحمد لله في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما قال الله تعالى: "وقالوا ~~الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" (فاطر-34) ، و"الحمد لله الذي صدقنا وعده" ~~(الزمر-74) . {وهو الحكيم الخبير} {يعلم ما يلج في الأرض} أي: يدخل فيها من ~~الماء والأموات، {وما يخرج منها} من النبات والأموات إذا حشروا، {وما ينزل ~~من السماء} من الأمطار، {وما يعرج} يصعد، {فيها} من الملائكة وأعمال ~~العباد، {وهو الرحيم الغفور} PageV06P383 ### || # {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا ~~في كتاب مبين (3) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق ~~كريم (4) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم (5) ~~ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط ~~العزيز الحميد (6) } # {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب} ~~قرأ أهل المدينة والشام: "عالم" بالرفع على الاستئناف، وقرأ الآخرون بالجر ~~على نعت الرب، أي: وربي عالم الغيب، وقرأ حمزة والكسائي: "علام" على وزن ~~فعال، وجر الميم. {لا يعزب} لا يغيب، (1) {عنه مثقال ذرة} وزن ذرة {في ~~السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك} أي: من الذرة، {ولا أكبر إلا في ~~كتاب مبين} {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك} يعني: الذين آمنوا، ~~{لهم مغفرة ورزق كريم} حسن، يعني: في الجنة. {والذين سعوا في آياتنا ~~معاجزين} يحسبون أنهم يفوتوننا، {أولئك لهم عذاب ms2079 من رجز أليم} قرأ ابن كثير ~~وحفص ويعقوب: "أليم" بالرفع هاهنا وفي الجاثية على نعت العذاب، [وقرأ ~~الآخرون بالخفض على نعت الرجز، وقال قتادة: الرجز سوء العذاب] . (2) {ويرى ~~الذين} [أي: ويرى الذين] ، (3) {أوتوا العلم} يعني: مؤمني أهل الكتاب: عبد ~~الله ابن سلام وأصحابه. وقال قتادة: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ~~{الذي أنزل إليك من ربك} يعني: القرآن، {وهو الحق} يعني: أنه من عند الله، ~~{ويهدي} يعني: القرآن، {إلى صراط العزيز الحميد} وهو الإسلام. PageV06P386 ### || # {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي ~~خلق جديد (7) } # {أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب ~~والضلال البعيد (8) أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء ~~والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية ~~لكل عبد منيب (9) ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا ~~له الحديد (10) } # {وقال الذين كفروا} منكرين للبعث متعجبين منه: {هل ندلكم على رجل ينبئكم} ~~يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم، {إذا مزقتم كل ممزق} قطعتم كل تقطيع ~~وفرقتم كل تفريق وصرتم ترابا {إنكم لفي خلق جديد} يقول لكم: إنكم لفي خلق ~~جديد. {أافترى} ألف استفهام دخلت على ألف الوصل ولذلك نصبت، {على الله كذبا ~~أم به جنة} يقولون: أزعم كذبا أم به جنون؟. # قال الله تعالى ردا عليهم: {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب ~~والضلال البعيد} من الحق في الدنيا. {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما ~~خلفهم من السماء والأرض} فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم ~~لا يخرجون من أقطارها، وأنا القادر عليهم، {إن نشأ نخسف بهم الأرض} قرأ ~~الكسائي: "نخسف بهم" بإدغام الفاء في الباء، {أو نسقط عليهم كسفا من ~~السماء} قرأ حمزة والكسائي: "إن يشأ يخسف أو يسقط"، بالياء فيهن لذكر الله ~~من قبل، وقرأ الآخرون بالنون فيهن، {إن في ذلك} أي: فيما ترون من السماء ms2080 ~~والأرض، {لآية} تدل على قدرتنا على البعث، {لكل عبد منيب} تائب راجع إلى ~~الله بقلبه. قوله عز وجل: {ولقد آتينا داود منا فضلا} يعني النبوة والكتاب، ~~وقيل: الملك. وقيل: جميع ما أوتي من حسن الصوت وتليين الحديد وغير ذلك مما ~~خص به، {يا جبال} أي: وقلنا يا جبال، {أوبي} أي: سبحي، {معه} إذا سبح، ~~وقيل: هو تفعيل من الإياب وهو الرجوع، أي: رجعي معه وقال القتيبي: أصله من ~~التأويب في السير، وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلا كأنه قال أوبي النهار ~~كله بالتسبيح معه. وقال وهب: نوحي معه. # PageV06P387 # {والطير} عطف على موضع الجبال، لأن كل منادى في موضع النصب. وقيل: معناه: ~~وسخرنا وأمرنا الطير أن تسبح معه، وقرأ يعقوب: "والطير" بالرفع ردا على ~~الجبال، أي: أوبي أنت والطير. وكان داود إذا نادى بالناحية أجابته الجبال ~~بصداها وعكفت الطير عليه من فوقه، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ~~ذلك. # وقيل: كان داود إذا تخلل الجبال فسبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح ~~نحو ما يسبح. # وقيل: كان داود عليه السلام إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال ~~تنشيطا له. (1) {وألنا له الحديد} حتى 87/أكان الحديد في يده كالشمع ~~والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة. # وكان سبب ذلك على ما روي في الأخبار: أن داود عليه السلام لما ملك بني ~~إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكرا، فإذا رأى رجلا لا يعرفه تقدم ~~إليه وسأله عن داود ويقول له: ما تقول في داود واليكم هذا أي رجل هو؟ ~~فيثنون عليه، ويقولون خيرا، فقيض الله له ملكا في صورة آدمي، فلما رآه داود ~~تقدم إليه على عادته فسأله، فقال الملك: نعم الرجل هو لولا خصلة فيه، فراع ~~داود ذلك وقال: ما هي يا عبد الله؟ قال: إنه يأكل ويطعم عياله من بيت ~~المال، قال فتنبه لذلك وسأل الله أن يسبب له سببا يستغني به عن بيت المال، ~~فيتقوت منه ويطعم عياله، فألان الله تعالى له الحديد ms2081 وعلمه صنعة الدرع، ~~وإنه أول من اتخذها. (2) ويقال: إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف درهم، ~~فيأكل ويطعم منها عياله ويتصدق منها على الفقراء والمساكين. # ويقال إنه كان يعمل كل يوم درعا يبيعها بستة آلاف درهم، فينفق ألفين منها ~~على نفسه وعياله، ويتصدق بأربعة آلاف على فقراء بني إسرائيل، (3) قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده". ~~(4) ### || # {أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير (11) } # {أن اعمل سابغات} دروعا كوامل واسعات طوالا تسحب في الأرض، {وقدر في ~~السرد} والسرد نسج الدروع، يقال لصانعه: السراد والزراد، يقول: قدر ~~المسامير في حلق الدرع PageV06P388 # أي: لا تجعل المسامير دقاقا فتفلت ولا غلاظا فتكسر الحلق، ويقال: "السرد" ~~المسمار في الحلقة، يقال: درع مسرودة أي: مسمورة الحلق، وقدر في السرد ~~اجعله على القصد وقدر الحاجة، {واعملوا صالحا} يريد: داود وآله، {إني بما ~~تعملون بصير} ### || # {ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من ~~يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (12) ~~يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل ~~داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) } # {ولسليمان الريح} أي: وسخرنا لسليمان الريح، وقرأ أبو بكر عن عاصم: الريح ~~بالرفع أي: له تسخير الريح، {غدوها شهر ورواحها شهر} أي: سير غدو تلك الريح ~~المسخرة له مسيرة شهر، وسير رواحها مسيرة شهر، وكانت تسير به في يوم واحد ~~مسيرة شهرين. # قال الحسن: كان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر وبينهما مسيرة شهر، ثم يروح من ~~اصطخر فيبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع. وقيل: إنه كان يتغذى ~~بالري ويتعشى بسمرقند. (1) # {وأسلنا له عين القطر} أي: أذبنا له عين النحاس، و"القطر": النحاس. # قال أهل التفسير: أجريت له عين النحاس ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، ~~وكان بأرض اليمن، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان. (2) # {ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ms2082 ربه} بأمر ربه، قال ابن عباس: سخر الله ~~الجن لسليمان وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به، {ومن يزغ} أي: يعدل، {منهم} من ~~الجن، {عن أمرنا} الذي أمرنا به من طاعة سليمان، {نذقه من عذاب السعير} في ~~الآخرة، وقال بعضهم: في الدنيا وذلك أن الله عز وجل وكل بهم ملكا بيده سوط ~~من نار فمن زاغ منهم عن أمر سليمان ضربه ضربة أحرقته. {يعملون له ما يشاء ~~من محاريب} أي: مساجد، والأبنية المرتفعة، وكان مما عملوا له بيت المقدس ~~ابتدأه داود ورفعه قدر قامة رجل، فأوحى الله إليه إني لم أقض ذلك على يدك ~~ولكن ابن PageV06P389 # لك أملكه بعدك اسمه سليمان أقضي تمامه على يده، فلما توفاه الله استخلف ~~سليمان فأحب إتمام بناء بيت المقدس، فجمع الجن والشياطين وقسم عليهم ~~الأعمال فخص كل طائفة منهم بعمل يستخلصها له، فأرسل الجن والشياطين في ~~تحصيل الرخام والمها الأبيض من معادنه، وأمر ببناء المدينة بالرخام ~~والصفاح، وجعلها اثني عشر ربضا، وأنزل كل ربض منها سبطا من الأسباط، وكانوا ~~اثني عشر سبطا، فلما فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد فوجه (1) ~~الشياطين فرقا فرقا يستخرجون الذهب والفضة والياقوت من معادنها والدر ~~الصافي من البحر، وفرقا يقلعون الجواهر والحجارة من أماكنها، وفرقا يأتونه ~~بالمسك والعنبر وسائر الطيب من أماكنها، فأتى من ذلك بشيء لا يحصيه إلا ~~الله عز وجل، ثم أحضر الصناعين وأمرهم بنحت تلك الحجارة المرتفعة وتصييرها ~~ألواحا وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت واللآلىء، فبنى المسجد بالرخام ~~الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين المها الصافي وسقفه بألواح الجواهر ~~الثمينة وفصص سقوفه وحيطانه باللآلىء واليواقيت وسائر الجواهر، وبسط أرضه ~~بألواح الفيروزج فلم يكن يومئذ في الأرض بيت أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، ~~وكان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر، فلما فرغ منه جمع إليه أحبار بني ~~إسرائيل فأعلمهم أنه بناه لله عز وجل، وأن كل شيء فيه خالص لله، واتخذ ذلك ~~اليوم الذي فرغ منه عيدا. # وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول ms2083 الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس سأل ربه ثلاثا فأعطاه اثنين، وأنا أرجو ~~أن يكون أعطاه الثالثة، سأل حكما يصادف حكمه، فأعطاه إياه وسأله ملكا لا ~~ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أن لا يأتي هذا البيت أحد يصلي فيه ~~ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأنا أرجو أن يكون. قد أعطاه ~~ذلك". (2) . # قالوا: فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان حتى غزاه بختنصر فخرب ~~المدينة وهدمها ونقض المسجد، وأخذ ما كان في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة ~~والدر والياقوت وسائر الجواهر، فحمله إلى دار مملكته من أرض العراق، وبنى ~~الشياطين لسليمان باليمن حصونا كثيرة [عجيبة] (3) من الصخر. PageV06P390 # قوله عز وجل: {وتماثيل} أي: كانوا يعملون له تماثيل، أي: صورا من نحاس ~~وصفر وشبة وزجاج ورخام. وقيل: كانوا يصورون السباع والطيور. وقيل: كانوا ~~يتخذون صور الملائكة والأنبياء والصالحين في المساجد ليراها الناس فيزدادوا ~~عبادة، ولعلها كانت مباحة في شريعتهم، كما أن عيسى كان يتخذ صورا من الطين ~~فينفخ فيها فتكون طيرا [بإذن الله] . (1) # {وجفان} أي: قصاع واحدتها جفنة، 87/ب {كالجواب} كالحياض التي يجبى فيها ~~الماء، أي: يجمع، واحدتها جابية، يقال: كان يقعد على الجفنة الواحدة ألف ~~رجل يأكلون منها {وقدور راسيات} ثابتات لها قوائم لا يحركن عن أماكنها ~~لعظمهن، ولا ينزلن ولا يعطلن، وكان يصعد عليها بالسلالم، وكانت باليمن. # {اعملوا آل داود شكرا} أي: وقلنا اعملوا آل داود شكرا، مجازه: اعملوا يا ~~آل داود بطاعة الله شكرا له على نعمه. # {وقليل من عبادي الشكور} أي: العامل بطاعتي شكرا لنعمتي. # قيل: المراد من "آل داود" هو داود نفسه. وقيل: داود وسليمان وأهل بيته. # وقال جعفر بن سليمان: سمعت ثابتا يقول: كان داود نبي الله عليه السلام قد ~~جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من ساعات الليل ~~والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي. (2) ### || # {فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته ms2084 ~~فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ~~(14) } # {فلما قضينا عليه الموت} أي: على سليمان. # قال أهل العلم: كان سليمان عليه السلام يتجرد في بيت المقدس السنة ~~والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر يدخل فيه طعامه وشرابه، ~~فأدخله في المرة التي مات فيها، وكان بدء ذلك أنه كان لا يصبح يوما إلا ~~نبتت في محراب بيت المقدس شجرة، فيسألها: ما اسمك؟ فتقول: اسمي كذا، فيقول: ~~لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا، فيأمر بها فتقطع، فإن كانت نبتت لغرس ~~غرسها، وإن كانت لدواء كتب، حتى نبتت الخروبة، فقال لها: ما أنت؟ قالت: ~~الخروبة، قال: لأي شيء نبت؟ قالت: لخراب مسجدك، فقال سليمان: ما كان الله ~~ليخربه وأنا حي، أنت التي على PageV06P391 # وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس! فنزعها وغرسها في حائط له، ثم قال: اللهم ~~عم على الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، وكانت الجن تخبر ~~الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء ويعلمون ما في غد، ثم دخل المحراب فقام ~~يصلي متكئا على عصاه فمات قائما وكان للمحراب كوى بين يديه وخلفه، فكانت ~~الجن يعملون تلك الأعمال الشاقة التي كانوا يعملون في حياته، وينظرون إليه ~~يحسبون أنه حي، ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطول صلاته قبل ~~ذلك، فمكثوا يدأبون له بعد موته حولا كاملا حتى أكلت الأرضة عصا سليمان، ~~فخر ميتا فعلموا بموته. (1) # قال ابن عباس: فشكرت الجن الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في جوف ~~الخشب، (2) فذلك قوله: {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض} وهي الأرضة {تأكل ~~منسأته} يعني: عصاه، قرأ أهل المدينة، وأبو عمرو: "منساته" بغير همز، وقرأ ~~الباقون بالهمز، وهما لغتان، ويسكن ابن عامر الهمز، وأصلها من: نسأت الغنم، ~~أي: زجرتها وسقتها، ومنه: نسأ الله في أجله، أي: أخره. # {فلما خر} أي: سقط على الأرض، {تبينت الجن} أي: علمت الجن وأيقنت، {أن لو ~~كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} أي: في التعب والشقاء ~~مسخرين ms2085 لسليمان وهو ميت يظنونه حيا، أراد الله بذلك أن يعلم الجن أنهم لا ~~يعلمون الغيب، لأنهم كانوا يظنون أنهم يعلمون الغيب، لغلبة الجهل. وذكر ~~الأزهري: أن معنى "تبينت الجن"، أي: ظهرت وانكشفت الجن للإنس، أي: ظهر ~~أمرهم أنهم لا يعلمون الغيب، لأنهم كانوا قد شبهوا على الإنس ذلك، وفي ~~قراءة ابن مسعود، وابن عباس: تبينت الإنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما ~~لبثوا في العذاب المهين، أي: علمت الإنس وأيقنت ذلك. # وقرأ يعقوب: "تبينت" بضم التاء وكسر الياء [أي: أعلمت الإنس الجن، ذكر ~~بلفظ ما لم يسم فاعله، "وتبين" لازم ومتعد] . (3) # وذكر أهل التاريخ أن سليمان كان عمره ثلاثا وخمسين سنة، ومدة ملكه أربعون ~~سنة، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع ~~سنين مضين من ملكه. PageV06P392 ### || # {لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم ~~واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم ~~وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل (16) } # قوله عز وجل: {لقد كان لسبإ في مسكنهم} روى أبو سبرة النخعي عن فروة بن ~~مسيك العطيفي، قال: قال رجل: يا رسول الله أخبرني عن سبأ كان رجلا أو امرأة ~~أو أرضا؟ قال: "كان رجلا من العرب وله عشرة من الولد، تيامن منهم ستة، ~~وتشاءم أربعة، فأما الذين تيامنوا: فكندة، والأشعريون، وأزد، ومذحج، ~~وأنمار، وحمير، فقال رجل: وما أنمار؟ قال الذين منهم خثعم وبجيلة: وأما ~~الذين تشاءموا: فعاملة، وجذام، ولخم، وغسان، وسبأ هو ابن يشجب بن يعرب بن ~~قحطان". (1) # {في مسكنهم} قرأ حمزة، وحفص: "مسكنهم" بفتح الكاف، على الواحد، وقرأ ~~الكسائي بكسر الكاف، وقرأ الآخرون: "مساكنهم" على الجمع، وكانت مساكنهم ~~بمأرب من اليمن، {آية} دلالة على وحدانيتنا وقدرتنا، ثم فسر الآية فقال: ~~{جنتان} أي: هي جنتان بستانان، {عن يمين وشمال} أي: عن يمين الوادي وشماله. ~~وقيل: عن يمين من أتاهم وشماله، وكان لهم واد قيل أحاطت الجنتان بذلك ~~الوادي {كلوا} ms2086 أي: وقيل لهم كلوا، {من رزق ربكم} يعني: من ثمار الجنتين، ~~قال السدي ومقاتل: كانت المرأة تحمل مكتلها على رأسها وتمر بالجنتين ~~فيمتلىء مكتلها من أنواع الفواكه من غير أن تمس شيئا بيدها، (2) {واشكروا ~~له} أي: على ما رزقكم من النعمة، والمعنى: اعملوا بطاعته، {بلدة طيبة} أي: ~~أرض سبأ بلدة طيبة ليست بسبخة، قال ابن زيد: لم يكن يرى في بلدتهم بعوضة ~~ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، وكان الرجل يمر ببلدهم وفي ثيابه ~~القمل فيموت القمل كله من طيب الهواء، (3) فذلك قوله تعالى: {بلدة طيبة} ~~أي: طيبة الهواء، {ورب غفور} قال مقاتل: وربكم إن شكرتموه فيما رزقكم رب ~~غفور للذنوب. {فأعرضوا} قال وهب: فأرسل الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا فدعوهم ~~إلى الله وذكروهم نعمه عليهم وأنذروهم عقابه فكذبوهم، وقالوا: ما نعرف لله ~~عز وجل علينا نعمة فقولوا لربكم PageV06P393 # فليحبس هذه النعم عنا إن استطاع، (1) فذلك قوله تعالى: {فأعرضوا فأرسلنا ~~عليهم سيل العرم} 88/أو"العرم": جمع عرمة، وهي السكر الذي يحبس به الماء. # وقال ابن الأعرابي: "العرم" السيل الذي لا يطاق، وقيل: كان ماء أحمر، ~~أرسله الله عليهم من حيث شاء، وقيل: "العرم": الوادي، وأصله من العرامة، ~~وهي الشدة والقوة. # وقال ابن عباس، ووهب، وغيرهما: كان ذلك السد بنته بلقيس، وذلك أنهم كانوا ~~يقتتلون على ماء واديهم، فأمرت بواديهم فسد بالعرم، وهو المسناة بلغة حمير، ~~فسدت بين الجبلين بالصخر والقار وجعلت له أبوابا ثلاثة بعضها فوق بعض، وبنت ~~من دونه بركة ضخمة وجعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدة أنهارهم يفتحونها إذا ~~احتاجوا إلى الماء، وإذا استغنوا سدوها، فإذا جاء المطر اجتمع إليه ماء ~~أودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السد فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ~~ماؤه في البركة، فكانوا يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث ~~الأسفل فلا ينفذ الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة فكانت تقسمه بينهم ~~على ذلك، فبقوا على ذلك بعدها مدة فلما طغوا وكفروا سلط الله عليهم جرذا ~~يسمى ms2087 الخلد فنقب السد من أسفله فغرق الماء جناتهم وخرب أرضهم. (2) # قال وهب: وكان مما يزعمون ويجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة، ~~فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة فلما جاء زمانه وما أراد ~~الله عز وجل بهم من التغريق أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء كبيرة إلى هرة من ~~تلك الهرر فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت ~~عندها فتغلغلت في السد فثقبت وحفرت حتى أوهنته للسيل، وهم لا يدرون بذلك ~~فلما جاء السيل وجد خللا فدخل فيه حتى قطع السد، وفاض على أموالهم فغرقها ~~ودفن بيوتهم الرمل، ففرقوا وتمزقوا حتى صاروا مثلا عند العرب، يقولون: صار ~~بنو فلان أيدي سبأ وأيادي سبأ، أي: تفرقوا وتبددوا، فذلك قوله تعالى: ~~{فأرسلنا عليهم سيل العرم} (3) # {وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط} قرأ العامة بالتنوين، وقرأ أهل ~~البصرة: "أكل خمط" بالإضافة، الأكل: الثمر، والخمط: الأراك وثمره يقال له: ~~البرير، هذا قول أكثر المفسرين. # وقال المبرد والزجاج: كل نبت قد أخذ طعما من المرارة حتى لا يمكن أكله ~~فهو خمط. (4) PageV06P394 # وقال ابن الأعرابي: الخمط: ثمر شجرة يقال له فسوة الضبع، على صورة ~~الخشخاش يتفرك ولا ينتفع به، فمن جعل الخمط اسما للمأكول فالتنوين في "أكل" ~~حسن، ومن جعله أصلا وجعل الأكل ثمرة فالإضافة فيه ظاهرة، والتنوين سائغ، ~~تقول العرب: في بستان فلان أعناب كرم، يترجم الأعناب بالكرم لأنها منه. # {وأثل وشيء من سدر قليل} فالأثل هو الطرفاء، وقيل: هو شجر يشبه الطرفاء ~~إلا أنه أعظم منه، والسدر شجر معروف، وهو شجر النبق ينتفع بورقه لغسل الرأس ~~ويغرس في البساتين، ولم يكن هذا من ذلك، بل كان سدرا بريا لا ينتفع به ولا ~~يصلح ورقه لشيء. # قال قتادة: كان شجر القوم من خير الشجر فصيره الله من شر الشجر بأعمالهم. ### || # {ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) وجعلنا بينهم وبين ~~القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي ~~وأياما آمنين (18) } # {ذلك جزيناهم بما كفروا} ms2088 أي: ذلك الذي فعلنا بهم جزيناهم بكفرهم، {وهل ~~نجازي إلا الكفور} قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، ويعقوب: "وهل نجازي" بالنون ~~وكسر الزاي، "الكفور" نصب لقوله: "ذلك جزيناهم"، وقرأ الآخرون بالياء وفتح ~~الزاي، "الكفور" رفع، أي: وهل يجازى مثل هذا الجزاء إلا الكفور. # وقال مجاهد: يجازى أي: يعاقب. ويقال في العقوبة: يجازي، وفي المثوبة ~~يجزي. # قال مقاتل: هل يكافأ بعمله السيء إلا الكفور لله في نعمه. # قال الفراء: المؤمن يجزى ولا يجازى، أي: يجزى للثواب بعمله ولا يكافأ ~~بسيئاته. {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها} بالماء والشجر، هي ~~قرى الشام، {قرى ظاهرة} متواصلة تظهر الثانية من الأولى لقربها منها، وكان ~~متجرهم من اليمن إلى الشام فكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى وكانوا لا ~~يحتاجون إلى حمل زاد من سبأ إلى الشام. # وقيل: كانت قراهم أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام. # {وقدرنا فيها السير} أي: قدرنا سيرهم بين هذه القرى، وكان مسيرهم في ~~الغدو والرواح على قدر نصف يوم، [فإذا ساروا نصف يوم] (1) وصلوا إلى قرية ~~ذات مياه وأشجار. PageV06P395 # وقال قتادة: كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها، وعلى رأسها مكتلها فتمتهن ~~بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلىء مكتلها من الثمار، وكان ما بين اليمن ~~والشام كذلك. (1) # {سيروا فيها} أي: وقلنا لهم سيروا فيها، وقيل: هو أمر بمعنى الخبر أي: ~~مكناهم من السير فكانوا يسيرون فيها، {ليالي وأياما} أي: بالليالي والأيام ~~أي وقت شئتم، {آمنين} لا تخافون عدوا ولا جوعا ولا عطشا، فبطروا وطغوا ولم ~~يصيروا على العافية، وقالوا: لو كانت جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن ~~نشتهيه. ### || # {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم ~~كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ~~فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) } # {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا} فاجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز ~~لنركب فيها الرواحل ونتزود الأزواد، فعجل الله لهم الإجابة. وقال مجاهد: ~~بطروا النعمة وسئموا الراحة. # قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بعد بالتشديد من ms2089 التبعيد، وقرأ الآخرون: باعد، ~~بالألف، وكل على وجه الدعاء والسؤال، وقرأ يعقوب: "ربنا" برفع الباء، ~~"باعد" بفتح العين والدال على الخبر، كأنهم استبعدوا أسفارهم القريبة بطروا ~~وأشروا. # {وظلموا أنفسهم} بالبطر والطغيان. {فجعلناهم أحاديث} عبرة لمن بعدهم ~~يتحدثون بأمرهم وشأنهم، {ومزقناهم كل ممزق} فرقناهم في كل وجه من البلاد كل ~~التفريق. قال الشعبي: لما غرقت قراهم تفرقوا في البلاد، أما غسان فلحقوا ~~بالشام ومر الأزد إلى عمان، وخزاعة إلى تهامة، ومر آل خزيمة إلى العراق، ~~والأوس والخزرج إلى يثرب، وكان الذي قدم منهم المدينة عمرو بن عامر، وهو جد ~~الأوس والخزرج. # {إن في ذلك لآيات} لعبرا ودلالات، {لكل صبار} عن معاصي الله، {شكور} ~~لأنعمه، قال مقاتل: يعني 88/ب المؤمن من هذه الأمة صبور على البلاء شاكر ~~للنعماء. قال مطرف: هو المؤمن إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر. قوله عز وجل: ~~{ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} قرأ أهل الكوفة: "صدق" بالتشديد أي: ظن فيهم ~~ظنا حيث قال: "فبعزتك لأغوينهم أجمعين" (ص 82) ، "ولا تجد أكثرهم شاكرين" ~~(الأعراف 17) PageV06P396 # فصدق ظنه وحققه بفعله ذلك بهم واتباعهم إياه، وقرأ الآخرون بالتخفيف، أي: ~~صدق عليهم في ظنه بهم، أي: على أهل سبأ. وقال مجاهد: على الناس كلهم إلا من ~~أطاع الله، {فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين} قال السدي عن ابن عباس: يعني ~~المؤمنين كلهم لأن المؤمنين لم يتبعوه في أصل الدين، وقد قال الله تعالى: ~~"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان" (الحجر-42) ، يعني: المؤمنين. وقيل: هو خاص ~~بالمؤمنين الذين يطيعون الله ولا يعصونه. # قال ابن قتيبة: إن إبليس لما سأل النظرة فأنظره الله، قال لأغوينهم ~~ولأضلنهم، لم يكن مستيقنا وقت هذه المقالة أن ما قاله فيهم يتم وإنما قاله ~~ظنا، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم. # قال الحسن: إنه لم يسل عليهم سيفا ولا ضربهم بسوط وإنما وعدهم ومناهم ~~فاغتروا. (1) ### || # {وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك ~~وربك على كل شيء حفيظ (21) قل ادعوا الذين زعمتم ms2090 من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ~~ظهير (22) } # {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا ~~قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (23) } # قال الله تعالى: {وما كان له عليهم من سلطان} أي: ما كان تسليطنا إياه ~~عليهم، {إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} أي: إلا لنعلم، لنرى ~~ونميز المؤمن من الكافر، وأراد علم الوقوع والظهور، وقد كان معلوما عنده ~~بالغيب، {وربك على كل شيء حفيظ} رقيب. {قل} يا محمد لكفار مكة، {ادعوا ~~الذين زعمتم} أنهم آلهة، {من دون الله} وفي الآية حذف، أي: ادعوهم ليكشفوا ~~الضر الذي نزل بكم في سني الجوع، ثم وصفها فقال: {لا يملكون مثقال ذرة في ~~السموات ولا في الأرض} من خير وشر ونفع وضر {وما لهم} أي: للآلهة، {فيهما} ~~في السموات والأرض، {من شرك} شركة، {وما له} أي: وما لله، {منهم من ظهير} ~~عون. {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} الله في الشفاعة، قاله تكذيبا ~~لهم حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويجوز أن يكون المعنى إلا لمن أذن ~~الله في أن يشفع له، وقرأ أبو عمرو # PageV06P397 # وحمزة والكسائي: {أذن} بضم الهمزة. # {حتى إذا فزع عن قلوبهم} قرأ ابن عامر، ويعقوب بفتح الفاء والزاي، وقرأ ~~الآخرون بضم الفاء وكسر الزاي أي: كشف الفزع وأخرج عن قلوبهم، فالتفريغ ~~إزالة الفزع كالتمريض والتفريد. # واختلفوا في الموصوفين بهذه الصفة، فقال قوم: هم الملائكة، ثم اختلفوا في ~~ذلك السبب فقال بعضهم: إنما يفزع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماع كلام ~~الله عز وجل. وروينا عن أبي هريرة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه ~~سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم {قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو ~~العلي الكبير} (1) # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق ms2091 الثعلبي، قال: أنبأني محمد بن ~~الفضل بن محمد، أخبرنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، أخبرنا زكريا بن ~~يحيى بن أبان المصري، أخبرنا نعيم بن حماد، أخبرنا أبو الوليد بن مسلم، عن ~~عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي زكريا، عن رجاء بن حيوة، عن النواس بن ~~سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله أن يوحي ~~بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة أو قال: رعدة شديدة خوفا من الله ~~تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع ~~رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة كلما ~~مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو ~~العلي الكبير، قال فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث ~~أمره الله". (2) # وقال بعضهم إنما يفزعون حذرا من قيام الساعة. # قال مقاتل والكلبي والسدي: كانت الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، ~~خمسمائة وخمسين سنة، وقيل ستمائة سنة لم تسمع الملائكة فيها وحيا، فلما بعث ~~الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالرسالة فلما سمعت الملائكة ظنوا أنها ~~الساعة، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم عند أهل السموات من أشراط الساعة، ~~فصعقوا مما سمعوا خوفا من قيام الساعة، فلما انحدر جبريل جعل يمر بأهل كل ~~سماء فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ قالوا: ~~قال الحق، (3) يعني الوحي، وهو العلي الكبير. PageV06P398 # وقال جماعة: الموصوفون بذلك المشركون. # قال الحسن وابن زيد: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت ~~بهم إقامة للحجة عليهم قالت لهم الملائكة ماذا قال ربكم في الدنيا؟ قالوا: ~~الحق، فأقروا به حين لا ينفعهم الإقرار. (1) ### || # {قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ~~ضلال مبين (24) قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون (25) قل يجمع ~~بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ms2092 (26) قل أروني الذين ~~ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم (27) وما أرسلناك إلا كافة ~~للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (28) } # قوله تعالى: {قل من يرزقكم من السموات والأرض} فالرزق من السموات: المطر، ~~ومن الأرض: النبات، {قل الله} أي: إن لم يقولوا رازقنا الله فقل أنت إن ~~رازقكم هو الله، {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} ليس هذا على ~~طريق الشك ولكن على جهة الإنصاف في الحجاج، كما يقول القائل للآخر: أحدنا ~~كاذب، وهو يعلم أنه صادق وصاحبه كاذب. # والمعنى: ما نحن وأنتم على أمر واحد بل أحد الفريقين مهتد والآخر ضال، ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه على الهدى، ومن خالفه في ضلال، فكذبهم ~~من غير أن يصرح بالتكذيب. # وقال بعضهم: "أو" بمعنى الواو، والألف فيه صلة، كأنه قال: وإنا وإياكم ~~لعلى هدى أو في ضلال مبين، يعني: نحن على الهدى وأنتم في الضلال. {قل لا ~~تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون} {قل يجمع بيننا ربنا} يعني: يوم ~~القيامة، {ثم يفتح} يقضي، {بيننا بالحق وهو الفتاح العليم} {قل أروني الذين ~~ألحقتم به شركاء} أي: أعلموني الذين ألحقتموهم به، أي: بالله، شركاء في ~~العبادة معه هل يخلقون وهل يرزقون، {كلا} لا يخلقون ولا يرزقون، {بل هو ~~الله العزيز} الغالب على أمره، {الحكيم} في تدبيره لخلقه فأنى يكون له شريك ~~في ملكه. قوله عز وجل: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} يعني: للناس عامة ~~أحمرهم وأسودهم، {بشيرا ونذيرا} أي: مبشرا ومنذرا، {ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون} وروينا عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم PageV06P399 # قال: "كان النبي يبعث إلى قومه 89/أخاصة وبعثت إلى الناس عامة". (1) # وقيل: كافة أي: كافا يكفهم عما هم عليه من الكفر، والهاء للمبالغة. ### || # {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) قل لكم ميعاد يوم لا ~~تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون (30) وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ~~ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع ms2093 بعضهم إلى ~~بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (31) ~~} # {قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم ~~بل كنتم مجرمين (32) وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل ~~والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما ~~رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون (33) } # {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} يعني القيامة. {قل لكم ميعاد يوم ~~لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون} أي: لا تتقدمون عليه يعني يوم القيامة، ~~وقال الضحاك: يوم الموت لا تتأخرون عنه ولا تتقدمون بأن يزاد في أجلكم أو ~~ينقص منه. {وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه} ~~يعني: التوراة والإنجيل، {ولو ترى} يا محمد، {إذ الظالمون موقوفون} ~~محبوسون، {عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول} يرد بعضهم إلى بعض القول في ~~الجدال، {يقول الذين استضعفوا} استحقروا وهم الأتباع، {للذين استكبروا} وهم ~~القادة والأشراف، {لولا أنتم لكنا مؤمنين} أي: أنتم منعتمونا عن الإيمان ~~بالله ورسوله. {قال الذين استكبروا} أجابهم المتبوعون في الكفر، {للذين ~~استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين} بترك ~~الإيمان. {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار} أي: ~~مكركم بنا في الليل # PageV06P400 # والنهار، والعرب تضيف الفعل إلى الليل والنهار على توسع الكلام؟ كما قال ~~الشاعر: ونمت وما ليل المطي بنائم (1) # وقيل: مكر الليل والنهار هو طول السلامة وطول الأمل فيهما، كقوله تعالى: ~~"فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم" (الحديد-16) . # {إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا} أظهروا {الندامة} ~~وقيل: أخفوا، وهو من الأضداد، {لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق ~~الذين كفروا} في النار الأتباع والمتبوعين جميعا. {هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون} من الكفر والمعاصي في الدنيا. ### || # {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون ~~(34) وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (35) قل إن ربي يبسط ms2094 ~~الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36) } # {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها} رؤساؤها وأغنياؤها، {إنا ~~بما أرسلتم به كافرون} {وقالوا} يعني: قال المترفون للفقراء الذين آمنوا: ~~{نحن أكثر أموالا وأولادا} ولو لم يكن الله راضيا بما نحن عليه من الدين ~~والعمل لم يخولنا الأموال والأولاد، {وما نحن بمعذبين} أي: إن الله أحسن ~~إلينا في الدنيا بالمال والولد فلا يعذبنا. {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر} يعني: أن الله يبسط الرزق ويقدر ابتلاء وامتحانا PageV06P401 # لا يدل البسط على رضا الله عنه ولا التضييق على سخطه، {ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون} أنها كذلك. ### || # {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا ~~فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37) والذين يسعون ~~في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38) قل إن ربي يبسط الرزق لمن ~~يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) ~~} # {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} أي: قربى، قال ~~الأخفش: "قربى" اسم مصدر كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريبا، {إلا من آمن} ~~يعني: لكن من آمن، {وعمل صالحا} قال ابن عباس: يريد إيمانه وعمله يقربه ~~مني، {فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا} أي: يضعف الله لهم حسناتهم فيجزي ~~بالحسنة الواحدة عشر إلى سبعمائة قرأ يعقوب: "جزاء" منصوبا منونا "الضعف" ~~رفع، تقديره: فأولئك لهم الضعف جزاء، وقرأ العامة بالإضافة، {وهم في ~~الغرفات آمنون} قرأ حمزة: "في الغرفة" على واحده، وقرأ الآخرون بالجمع ~~لقوله: "لنبوأنهم من الجنة غرفا" (العنكبوت-58) . {والذين يسعون} يعملون، ~~{في آياتنا} في إبطال حجتنا، {معاجزين} معاندين يحسبون أنهم يعجزوننا ~~ويفوتوننا، {أولئك في العذاب محضرون} {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من ~~عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} أي: يعطي خلفه، قال سعيد بن ~~جبير: ما كان في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه. # وقال الكلبي: ما تصدقتم من صدقة وأنفقتم في الخير ms2095 من نفقة فهو يخلفه على ~~المنفق، إما أن يعجله في الدنيا وإما أن يدخره له في الآخرة. # {وهو خير الرازقين} خير من يعطي ويرزق. # وروينا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ~~تعالى قال: أنفق أنفق عليك". (1) PageV06P402 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل، حدثنا أبي، عن ~~سليمان هو ابن بلال، عن معاوية بن أبي مزرد، عن أبي الحبحاب، عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ~~ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر اللهم أعط ~~ممسكا تلفا". (1) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن ~~زنجويه، أخبرنا ابن أبي أويس، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد ~~الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما ~~نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا ~~رفعه الله". (2) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني، أخبرنا حميد ابن زنجويه، أخبرنا أبو الربيع، أخبرنا عبد الحميد بن ~~الحسن الهلالي، أخبرنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "كل معروف صدقة وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله ~~كتب له صدقة، وما وقى الرجل به عرضه كتب له بها صدقة"، قلت: ما يعني وقى ~~الرجل عرضه؟ قال: "ما أعطى الشاعر وذا اللسان للمتقى، وما أنفق المؤمن من ~~نفقة فعلى الله خلفها ضامنا إلا ما كان من نفقة في بنيان أو في معصية الله ~~عز وجل". (3) # قوله: "قلت ما يعني" يقول عبد الحميد لمحمد بن المنكدر. # قال مجاهد: إذا كان في يد أحدكم شيء فليقتصد، ms2096 ولا يتأول هذه الآية: "وما ~~أنفقتم من شيء فهو يخلفه"، فإن الرزق مقسوم (4) لعل رزقه قليل، وهو ينفق ~~نفقة الموسع عليه. ومعنى الآية: وما كان من خلف فهو منه. PageV06P403 ### || # {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) ~~قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ~~(41) فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب ~~النار التي كنتم بها تكذبون (42) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما ~~هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك ~~مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) وما ~~آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) } # قوله تعالى: {ويوم يحشرهم} قرأ يعقوب وحفص: "يحشرهم"، وقرأ الآخرون ~~بالنون، {جميعا} يعني: هؤلاء الكفار، {ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون} في الدنيا، قال قتادة: هذا استفهام تقرير، كقوله تعالى لعيسى: ~~"أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله" (مريم-116) ، فتتبرأ منهم ~~الملائكة. {قالوا سبحانك} تنزيها لك، {أنت ولينا من دونهم} أي: نحن نتولاك ~~ولا نتولاهم، {بل كانوا يعبدون الجن} يعني: الشياطين، فإن قيل لهم كانوا ~~يعبدون الملائكة فكيف وجه قوله: {يعبدون الجن} قيل: أراد الشياطين 89/ب ~~زينوا لهم عبادة الملائكة، فهم كانوا يطيعون الشياطين في عبادة الملائكة، ~~فقوله {يعبدون} أي: يطيعون الجن، {أكثرهم بهم مؤمنون} يعني: مصدقون ~~للشياطين. ثم يقول الله: {فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا} بالشفاعة، {ولا ~~ضرا} بالعذاب، يريد أنهم عاجزون، لا نفع عندهم ولا ضر، {ونقول للذين ظلموا ~~ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون} {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ~~قالوا ما هذا} يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم، {إلا رجل يريد أن يصدكم عما ~~كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى} يعنون القرآن، {وقال الذين ~~كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين} أي: بين. {وما آتيناهم} يعني: ~~هؤلاء المشركين، {من كتب يدرسونها} يقرؤونها، ms2097 {وما أرسلنا إليهم قبلك من ~~نذير} أي: لم يأت العرب قبلك نبي ولا نزل عليهم كتاب. # PageV06P404 ### || # {وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان ~~نكير (45) قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما ~~بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) قل ما سألتكم من ~~أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد (47) قل إن ربي يقذف ~~بالحق علام الغيوب (48) } # {وكذب الذين من قبلهم} من الأمم رسلنا، وهم: عاد، وثمود، وقوم إبراهيم، ~~وقوم لوط وغيرهم، {وما بلغوا} يعني: هؤلاء المشركين، {معشار} أي: عشر، {ما ~~آتيناهم} أي: أعطينا الأمم الخالية من القوة والنعمة وطول العمر، {فكذبوا ~~رسلي فكيف كان نكير} أي: إنكاري وتغييري عليهم، يحذر كفار هذه الأمة عذاب ~~الأمم الماضية. {قل إنما أعظكم بواحدة} آمركم وأوصيكم بواحدة، أي: بخصلة ~~واحدة، ثم بين تلك الخصلة فقال: {أن تقوموا لله} لأجل الله، {مثنى} أي: ~~اثنين اثنين، {وفرادى} أي: واحدا واحدا، {ثم تتفكروا} جميعا أي: تجتمعون ~~فتنظرون وتتحاورون وتنفردون، فتفكرون في حال محمد صلى الله عليه وسلم ~~فتعلموا، {ما بصاحبكم من جنة} جنون، وليس المراد من القيام القيام الذي هو ~~ضد الجلوس، وإنما هو قيام بالأمر الذي هو في طلب الحق، كقوله: "وأن تقوموا ~~لليتامى بالقسط" (النساء-127) . {إن هو} ما هو، {إلا نذير لكم بين يدي عذاب ~~شديد} قال مقاتل: تم الكلام عند قوله: "ثم تتفكروا" أي: في خلق السموات ~~والأرض فتعلموا أن خالقها واحد لا شريك له، ثم ابتدأ فقال: "ما بصاحبكم من ~~جنة". {قل ما سألتكم من أجر} على تبليغ الرسالة، {من أجر} جعل {فهو لكم} ~~يقول: قل لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا فتتهموني، ومعنى قوله: "فهو ~~لكم" أي: لم أسألكم شيئا كقول القائل: ما لي من هذا فقد وهبته لك يريد ليس ~~لي فيه شيء، {إن أجري} ما ثوابي، {إلا على الله وهو على كل شيء شهيد} {قل ~~إن ربي يقذف ms2098 بالحق} والقذف الرمي بالسهم والحصى، والكلام، ومعناه: يأتي ~~بالحق وبالوحي ينزله من السماء فيقذفه إلى الأنبياء، {علام الغيوب} رفع ~~بخبر إن، أي: وهو علام الغيوب. # PageV06P405 ### || # {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49) قل إن ضللت فإنما أضل على ~~نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب (50) ولو ترى إذ فزعوا ~~فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان ~~بعيد (52) } # {قل جاء الحق} يعني: القرآن والإسلام، {وما يبدئ الباطل وما يعيد} أي: ~~ذهب الباطل وزهق فلم يبق منه بقية يبدئ شيئا أو يعيد، كما قال تعالى: "بل ~~نقذف بالحق على الباطل فيدمغه" (الأنبياء-48) ، وقال قتادة: "الباطل" هو ~~إبليس، وهو قول مقاتل والكلبي، وقيل: "الباطل": الأصنام. {قل إن ضللت فإنما ~~أضل على نفسي} وذلك أن كفار مكة كانوا يقولون له: إنك قد ضللت حين تركت دين ~~آبائك، فقال الله تعالى: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي} أي: إثم ضلالتي ~~على نفسي، {وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} من القرآن والحكمة، {إنه سميع ~~قريب} {ولو ترى إذ فزعوا} قال قتادة عند البعث حين يخرجون من قبورهم، {فلا ~~فوت} أي: فلا يفوتونني كما قال: "ولات حين مناص" (ص-3) ، وقيل: إذ فزعوا ~~فلا فوت ولا نجاة، {وأخذوا من مكان قريب} [قال الكلبي من تحت أقدامهم، ~~وقيل: أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها، وحيثما كانوا فهم من الله قريب] ، (1) ~~لا يفوتونه. وقيل: من مكان قريب يعني عذاب الدنيا. وقال الضحاك: يوم بدر. ~~وقال ابن أبزي: خسف بالبيداء، (2) وفي الآية حذف تقديره: ولو ترى إذ فزعوا ~~لرأيت أمرا تعتبر به. {وقالوا آمنا به} حين عاينوا العذاب، قيل: عند اليأس. ~~وقيل: عند البعث. {وأنى} من أين، {لهم التناوش} قرأ أبو عمرو، وحمزة، ~~والكسائي، وأبو بكر: التناوش بالمد والهمزة، وقرأ الآخرون بواو صافية من ~~غير مد ولا همز، ومعناه التناول، أي: كيف لهم تناول ما بعد عنهم، وهو ~~الإيمان والتوبة، وقد كان قريبا في الدنيا فضيعوه، ومن همز قيل: ms2099 معناه هذا ~~أيضا. PageV06P406 # وقيل التناوش بالهمزة من النبش وهو حركة في إبطاء، يقال: جاء نبشا أي: ~~مبطئا متأخرا، والمعنى من أين لهم الحركة فيما لا حيلة لهم فيه، وعن ابن ~~عباس قال: يسألون الرد إلى الدنيا فيقال وأنى لهم الرد إلى الدنيا. (1) # {من مكان بعيد} أي: من الآخرة إلى الدنيا. ### || # {وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد (53) وحيل بينهم وبين ~~ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب (54) } # {وقد كفروا به من قبل} أي: بالقرآن، وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم، من ~~قبل أن يعاينوا العذاب وأهوال القيامة، {ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} قال ~~مجاهد: يرمون محمدا بالظن لا باليقين، وهو قولهم ساحر وشاعر وكاهن، ومعنى ~~الغيب: هو الظن لأنه غاب علمه عنهم، والمكان البعيد: بعدهم عن علم ما ~~يقولون، والمعنى يرمون محمدا بما لا يعلمون من حيث لا يعلمون. وقال قتادة: ~~يرجمون بالظن يقولون لا بعث ولا جنة ولا نار. {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} ~~، أي: الإيمان والتوبة والرجوع إلى الدنيا. وقيل: نعيم الدنيا وزهرتها، ~~{كما فعل بأشياعهم} ، أي: بنظرائهم ومن كان على مثل حالهم من الكفار، {من ~~قبل} ،أي: لم يقبل منهم الإيمان والتوبة في وقت اليأس، {إنهم كانوا في شك} ~~، من البعث ونزول العذاب بهم، {مريب} ، موقع لهم الريبة والتهمة. ~~PageV06P407 ### | سورة فاطر # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم # {الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى ~~وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1) } # {الحمد لله فاطر السموات والأرض} خالقها ومبدعها على غير مثال سبق، {جاعل ~~الملائكة رسلا أولي أجنحة} ذوي أجنحة {مثنى وثلاث ورباع} قال قتادة ومقاتل: ~~بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة أجنحة، وبعضهم له أربعة أجنحة، (2) ويزيد ~~فيها ما يشاء وهو قوله، {يزيد في الخلق ما يشاء} # وقال ابن مسعود في قوله عز وجل: "لقد رأى من آيات ربه الكبرى" (النجم-18) ~~، قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح. (3) # وقال ms2100 ابن شهاب في قوله: "يزيد في الخلق ما يشاء" قال: حسن الصوت. (4) ~~90/أ # وعن قتادة قال: هو الملاحة في العينين. (5) وقيل: هو العقل والتمييز. # {إن الله على كل شيء قدير} PageV06P408 ### || # {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ~~وهو العزيز الحكيم (2) يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق ~~غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) } # {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) يا أيها ~~الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ~~(5) } # {ما يفتح الله للناس من رحمة} [قيل: من مطر ورزق] ، (1) {فلا ممسك لها} ~~لا يستطيع أحد على حبسها، {وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز} فيما ~~أمسك {الحكيم} فيما أرسل. # أخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن ~~أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد ~~الهاشمي، أخبرنا عبيد الله بن أسباط، أخبرنا أبي، أخبرنا عبد الملك بن ~~عمير، عن وراد، عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ~~ولا ينفع ذا الجد منك الجد". (2) {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل ~~من خالق غير الله} قرأ حمزة والكسائي "غير" بجر الراء، وقرأ الآخرون برفعها ~~على معنى هل خالق غير الله، لأن "من" زيادة، وهذا استفهام على طريق التقرير ~~كأنه قال: لا خالق غير الله، {يرزقكم من السماء والأرض} أي: من السماء ~~المطر ومن الأرض النبات، {لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} {وإن يكذبوك فقد كذبت ~~رسل من قبلك} يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم، {وإلى الله ترجع الأمور} {يا ~~أيها الناس إن وعد ms2101 الله حق} يعني وعد يوم القيامة، {فلا تغرنكم الحياة ~~الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} وهو الشيطان. PageV06P412 ### || # {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب ~~السعير (6) الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~مغفرة وأجر كبير (7) أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) } # {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} أي: عادوه بطاعة الله ولا تطيعوه، ~~{إنما يدعو حزبه} أي: أشياعه وأولياءه {ليكونوا من أصحاب السعير} أي: ~~ليكونوا في السعير، ثم بين حال موافقيه ومخالفيه فقال: {الذين كفروا لهم ~~عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير} قوله تعالى: ~~{أفمن زين له سوء عمله} قال ابن عباس: نزلت في أبي جهل ومشركي مكة. # وقال سعيد بن جبير: نزلت في أصحاب الأهواء والبدع. (1) # وقال قتادة: منهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم، فأما ~~أهل الكبائر فليسوا منهم، لأنهم لا يستحلون الكبائر. # {أفمن زين} شبه وموه عليه وحسن {له سوء عمله} أي: قبيح عمله، {فرآه حسنا} ~~زين له الشيطان ذلك بالوسواس. # وفي الآية حذف مجازه: أفمن زين له سوء عمله فرأى الباطل حقا كمن هداه ~~الله فرأى الحق حقا والباطل باطلا؟ {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} # وقيل: جوابه تحت قوله {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} فيكون معناه: أفمن زين ~~له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليه حسرة، أي: تتحسر عليه فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات. # وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: أفمن زين له سوء عمله ~~فرآه حسنا فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ~~والحسرة شدة الحزن على ما فات من الأمر، ومعنى الآية: لا تغتم بكفرهم ~~وهلاكهم إن لم يؤمنوا. PageV06P413 # وقرأ أبو جعفر: "فلا تذهب" بضم التاء وكسر الهاء "نفسك" نصب، {إن الله ~~عليم بما يصنعون} ### || # {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه ms2102 إلى بلد ميت فأحيينا به ~~الأرض بعد موتها كذلك النشور (9) من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ~~ومكر أولئك هو يبور (10) } # {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به ~~الأرض بعد موتها كذلك النشور} من القبور. قوله عز وجل: {من كان يريد العزة ~~فلله العزة جميعا} قال الفراء: معنى الآية من كان يريد أن يعلم لمن العزة ~~فلله العزة جميعا. (1) # وقال قتادة: من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله معناه الدعاء إلى طاعة ~~من له العزة، أي: فليطلب العزة من عند الله بطاعته، (2) كما يقال: من كان ~~يريد المال فالمال لفلان، أي: فليطلبه من عنده، وذلك أن الكفار عبدوا ~~الأصنام وطلبوا به التعزير كما قال الله: "واتخذوا من دون الله آلهة ~~ليكونوا لهم عزا كلا" (مريم-81) ، وقال: "الذين يتخذون الكافرين أولياء من ~~دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا" (النساء-139) . # {إليه} أي: إلى الله، {يصعد الكلم الطيب} وهو قوله لا إله إلا الله، ~~وقيل: هو قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني، أخبرنا حميد ابن زنجويه، أخبرنا الحجاج بن نصر، أخبرنا المسعودي ~~عن عبد الله بن المحارق، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: إذا حدثتكم حديثا ~~أنبأتكم بمصداقه من كتاب الله عز وجل: ما من عبد مسلم يقول خمس كلمات: ~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله، إلا ~~أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم صعد بهن فلا يمر بهن على جمع من الملائكة ~~إلا استغفروا لقائلهن حتى PageV06P414 # يحيي بها وجه رب العالمين، ومصداقه من كتاب الله عز وجل قوله: {إليه يصعد ~~الكلم الطيب} ذكره ابن مسعود. (1) # وقيل: "الكلم الطيب": ذكر الله. وعن قتادة: "إليه يصعد الكلم الطيب" أي: ~~يقبل الله الكلم الطيب. # قوله عز وجل: {والعمل الصالح يرفعه} أي: ms2103 يرفع العمل الصالح الكلم الطيب، ~~فالهاء في قوله يرفعه راجعة إلى الكلم الطيب، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن ~~جبير، والحسن، وعكرمة، وأكثر المفسرين. # وقال الحسن وقتادة: الكلم الطيب ذكر الله والعمل الصالح أداء فرائضه، فمن ~~ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله، (2) وليس الإيمان بالتمني ولا ~~بالتحلي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال حسنا وعمل غير صالح ~~رد الله عليه قوله، ومن قال حسنا وعمل صالحا يرفعه العمل ذلك بأن الله ~~يقول: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} (3) وجاء في الحديث: ~~"لا يقبل الله قولا إلا بعمل ولا قولا ولا عملا إلا بنية". (4) # وقال قوم: الهاء في قوله "يرفعه" راجعة إلى العمل الصالح [أي: الكلم ~~الطيب يرفع العمل الصالح] ، (5) فلا يقبل عمل إلا أن يكون صادرا عن ~~التوحيد، وهذا معنى قول الكلبي ومقاتل. # وقيل: الرفع من صفة الله عز وجل 90/ب معناه: العمل الصالح يرفعه الله عز ~~وجل. # وقال سفيان بن عيينة: العمل الصالح هو الخالص، يعني أن الإخلاص سبب قبول ~~الخيرات من الأقوال والأفعال، دليله قوله عز وجل: "فليعمل عملا صالحا ولا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا" (الكهف-110) ، فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء، ~~{والذين يمكرون السيئات} قال الكلبي: أي: الذين يعملون السيئات. وقال ~~مقاتل: يعني الشرك. وقال أبو العالية: يعني الذين مكروا برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في دار الندوة، كما قال الله تعالى: "وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا ليثبتوك" (الأنفال-30) . PageV06P415 # وقال مجاهد: وشهر بن حوشب: هم أصحاب الرياء. (1) # {لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور} يبطل ويهلك في الآخرة. ### || # {والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على ~~الله يسير (11) } # {وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون ~~لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون ms2104 (12) } # قوله عز وجل: {والله خلقكم من تراب} أي: آدم، {ثم من نطفة} يعني: نسله، ~~{ثم جعلكم أزواجا} ذكرانا وإناثا، {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما ~~يعمر من معمر} لا يطول عمره، {ولا ينقص من عمره} يعني: من عمر آخر، كما ~~يقال لفلان عندي درهم ونصفه أي: نصف درهم آخر، {إلا في كتاب} وقيل: قوله: ~~"ولا ينقص من عمره" منصرف إلى الأول، قال سعيد بن جبير: مكتوب في أم الكتاب ~~عمر فلان كذا وكذا سنة ثم يكتب أسفل من ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة ~~أيام حين ينقطع عمره. (1) # وقال كعب الأحبار حين حضر عمر رضي الله عنه الوفاة: والله لو دعا عمر ربه ~~أن يؤخر أجله لأخر، فقيل له إن الله عز وجل يقول: "فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" (الأعراف-34) فقال: هذا إذا حضر الأجل فأما ~~قبل ذلك فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ هذه الآية (2) {إن ذلك على الله يسير} ~~أي: كتابة الآجال والأعمال على الله هين. قوله عز وجل: {وما يستوي البحران} ~~يعني: العذب والمالح، ثم ذكرهما فقال: {هذا عذب فرات} طيب، {سائغ شرابه} ~~أي: جائز في الحلق هنيء، {وهذا ملح أجاج} شديد الملوحة. وقال الضحاك: هو ~~المر. {ومن كل تأكلون لحما طريا} يعني: الحيتان من العذب والمالح جميعا، ~~{وتستخرجون حلية} أي: من المالح دون العذب {تلبسونها} يعني اللؤلؤ. وقيل: ~~نسب اللؤلؤ PageV06P416 # إليهما، لأنه يكون في البحر الأجاج عيون عذبة تمتزج بالملح فيكون اللؤلؤ ~~من بين ذلك، {وترى الفلك فيه مواخر} جواري مقبلة ومدبرة بريح واحدة، ~~{لتبتغوا من فضله} بالتجارة، {ولعلكم تشكرون} الله على نعمه. ### || # {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري ~~لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من ~~قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14) يا أيها الناس أنتم الفقراء ~~إلى الله والله هو الغني الحميد ms2105 (15) إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) ~~وما ذلك على الله بعزيز (17) ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى ~~حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب ~~وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير (18) } # {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري ~~لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه} يعني: الأصنام، ~~{ما يملكون من قطمير} وهو لفافة النواة، وهي القشرة الرقيقة التي تكون على ~~النواة. {إن تدعوهم} يعني: إن تدعو الأصنام، {لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ~~ما استجابوا لكم} ما أجابوكم، {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} يتبرؤون منكم ~~ومن عبادتكم إياها، يقولون: ما كنتم إيانا تعبدون. {ولا ينبئك مثل خبير} ~~يعني: نفسه أي: لا ينبئك أحد مثلي خبير عالم بالأشياء. {يا أيها الناس أنتم ~~الفقراء إلى الله} إلى فضل الله والفقير المحتاج، {والله هو الغني الحميد} ~~الغني عن خلقه المحمود في إحسانه إليهم. {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ~~ذلك على الله بعزيز} شديد. {ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة} أي: نفس ~~مثقلة بذنوبها غيرها، {إلى حملها} أي: حمل ما عليه من الذنوب، {لا يحمل منه ~~شيء ولو كان ذا قربى} أي: ولو كان المدعو ذا قرابة له ابنه أو أباه أو أمه ~~أو أخاه. قال ابن عباس: يلقى الأب والأم ابنه فيقول: يا بني احمل عني بعض ~~ذنوبي. فيقول: لا أستطيع حسبي ما علي. # {إنما تنذر الذين يخشون} يخافون، {ربهم بالغيب} ولم يروه. وقال الأخفش: ~~تأويله أي: إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم بالغيب، {وأقاموا الصلاة ومن ~~تزكى} صلح وعمل خيرا، {فإنما يتزكى لنفسه} لها ثوابه، {وإلى الله المصير} ### || # {وما يستوي الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور (20) ولا الظل ولا ~~الحرور (21) وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت ~~بمسمع من في القبور (22) إن أنت إلا نذير (23) إنا أرسلناك بالحق بشيرا ~~ونذيرا وإن ms2106 من أمة إلا خلا فيها نذير (24) وإن يكذبوك فقد كذب الذين من ~~قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير (25) ثم أخذت الذين ~~كفروا فكيف كان نكير (26) } # {وما يستوي الأعمى والبصير} يعني: الجاهل والعالم. وقيل: الأعمى عن الهدى ~~والبصير بالهدى، أي: المؤمن والمشرك. {ولا الظلمات ولا النور} يعني: الكفر ~~والإيمان. {ولا الظل ولا الحرور} يعني: الجنة والنار، قال ابن عباس: ~~"الحرور": الريح الحارة بالليل، و"السموم" بالنهار. وقيل: "الحرور" يكون ~~بالنهار مع الشمس. {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} يعني: المؤمنين ~~والكفار. وقيل: العلماء والجهال. # {إن الله يسمع من يشاء} حتى يتعظ ويجيب، {وما أنت بمسمع من في القبور} ~~يعني: الكفار، شبههم بالأموات في القبور حين لم يجيبوا. {إن أنت إلا نذير} ~~ما أنت إلا منذر تخوفهم بالنار. {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من ~~أمة} ما من أمة فيما مضى {إلا خلا} سلف {فيها نذير} نبي منذر. {وإن يكذبوك ~~فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير} ~~الواضح كرر ذلك الكتاب بعد ذكر الزبر على طريق التأكيد. {ثم أخذت الذين ~~كفروا فكيف كان نكير} # PageV06P418 ### || # {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) ومن الناس والدواب ~~والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز ~~غفور (28) } # {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن ~~الجبال جدد} طرق وخطط، واحدتها جدة، مثل: مدة ومدد، {بيض وحمر مختلف ~~ألوانها وغرابيب سود} يعني: سود غرابيب على التقديم والتأخير، يقال: أسود ~~غربيب، أي: شديد السواد تشبيها بلون الغراب، أي: طرائق سود. {ومن الناس ~~والدواب والأنعام مختلف ألوانه} ذكر الكناية لأجل "من" وقيل: رد الكناية ~~إلى ما في الإضمار، مجازه: ومن الناس والدواب والأنعام ما هو مختلف ألوانه، ~~{كذلك} يعني كما اختلف ألوان الثمار والجبال، وتم الكلام هاهنا ثم ابتدأ ~~فقال: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} قال ابن عباس: يريد ms2107 إنما يخافني ~~من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص، أخبرنا الأعمش، ~~أخبرنا مسلم، عن مسروق 91/أعن عائشة رضي الله عنها: صنع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شيئا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم فخطب فحمد الله ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله ~~إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية". (1) # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم ~~كثيرا". (2) # وقال مسروق: كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا. وقال رجل ~~للشعبي: أفتني أيها العالم، فقال الشعبي: إنما العالم من خشي الله عز وجل. ~~PageV06P419 # {إن الله عزيز غفور} أي: عزيز في ملكه غفور لذنوب عباده. ### || # {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور ~~شكور (30) } # {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده ~~لخبير بصير (31) ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) ~~} # قوله تعالى: {إن الذين يتلون كتاب الله} يعني: قرأوا (1) القرآن، ~~{وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور} لن ~~تفسد ولن تهلك، والمراد من التجارة ما وعد الله من الثواب. # قال الفراء: قوله: "يرجون" جواب لقوله: "إن الذين يتلون كتاب الله". ~~{ليوفيهم أجورهم} جزاء أعمالهم بالثواب، {ويزيدهم من فضله} قال ابن عباس: ~~يعني سوى الثواب مما لم تر عين ولم تسمع أذن، {إنه غفور شكور} قال ابن ~~عباس: يغفر العظيم من ذنوبهم ويشكر اليسير من أعمالهم. {والذي أوحينا إليك ~~من الكتاب} يعني: القرآن، و {هو الحق مصدقا لما بين يديه} من الكتب، {إن ~~الله بعباده لخبير بصير} {ثم أورثنا الكتاب} يعني: الكتاب الذي أنزلناه ~~إليك ms2108 الذي ذكر في الآية الأولى، وهو القرآن، جعلناه ينتهي إلى، {الذين ~~اصطفينا من عبادنا} # ويجوز أن يكون "ثم" بمعنى الواو، أي: وأورثنا، كقوله: "ثم كان من الذين ~~آمنوا" (البلد-17) ، أي: وكان من الذين آمنوا، ومعنى "أورثنا" أعطينا، لأن ~~الميراث عطاء، قاله مجاهد. # وقيل: "أورثنا" أي: أخرنا، ومنه الميراث لأنه أخر عن الميت، ومعناه: ~~أخرنا القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناكموه، وأهلناكم له. # {الذين اصطفينا من عبادنا} قال ابن عباس: يريد أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ثم قسمهم ورتبهم فقال: PageV06P420 # {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} روي عن أسامة بن زيد ~~في قوله عز وجل: "فمنهم ظالم لنفسه" الآية، قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "كلهم من هذه الأمة". (1) # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن ~~محمد بن فنجويه، أخبرنا محمد بن علي بن الحسين القاضي، أخبرنا بكر بن محمد ~~المروزي، أخبرنا أبو قلابة، حدثنا عمرو بن الحصين، عن الفضل بن عميرة، عن ~~ميمون الكردي، عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب قرأ على ~~المنبر: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} الآية، فقال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له"، ~~(2) قال أبو قلابة فحدثت به يحيى بن معين فجعل يتعجب منه. # واختلف المفسرون في معنى الظالم والمقتصد والسابق. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن عيسى الصيرفي، ~~أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى ~~البرتي، حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن أبي ثابت ~~أن رجلا دخل المسجد فقال: اللهم ارحم غربتي، وآنس وحشتي، وسق إلي جليسا ~~صالحا، فقال أبو الدرداء: لئن كنت صادقا لأنا أسعد بك منك، سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات" فقال: "أما ~~السابق بالخيرات فيدخل ms2109 الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، ~~وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم، ثم يدخل الجنة"، ثم قرأ ~~هذه الآية: "وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور". ~~(3) PageV06P421 # وقال عقبة بن صهبان سألت عائشة عن قول الله عز وجل: {ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا} الآية، فقالت: يا بني كلهم في الجنة، أما السابق ~~بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق ~~به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم، فجعلت نفسها معنا. (1) # وقال مجاهد، والحسن، وقتادة: فمنهم ظالم لنفسه وهم أصحاب المشئمة، ومنهم ~~مقتصد وهم أصحاب الميمنة، ومنهم سابق بالخيرات [بإذن الله] (2) هم السابقون ~~المقربون من الناس كلهم. (3) # وعن ابن عباس قال: السابق: المؤمن المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: ~~الكافر نعمة الله غير الجاحد لها، لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة فقال: ~~"جنات عدن يدخلونها". # وقال بعضهم: يذكر ذلك عن الحسن، قال: السابق من رجحت حسناته على سيئاته، ~~والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم من رجحت سيئاته على حسناته. (4) # وقيل: الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه، والمقتصد الذي يستوي ظاهره ~~وباطنه، والسابق الذي باطنه خير من ظاهره. # وقيل: الظالم من وحد الله بلسانه ولم يوافق فعله قوله، والمقتصد من وحد ~~الله بلسانه وأطاعه بجوارحه، والسابق من وحد الله بلسانه وأطاعه بجوارحه ~~وأخلص له عمله. # وقيل: الظالم التالي للقرآن، والمقتصد القارئ له العالم به، والسابق ~~القارئ له العالم به العامل بما فيه. # وقيل: الظالم أصحاب الكبائر والمقتصد أصحاب الصغائر، والسابق الذي لم ~~يرتكب كبيرة ولا صغيرة. # وقال سهل بن عبد الله: السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل. # قال جعفر الصادق: بدأ بالظالمين إخبارا بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه، ~~وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء، ثم ثنى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف ~~والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره، وكلهم في الجنة. ~~PageV06P422 # وقال أبو ms2110 بكر الوراق: رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس، لأن أحوال ~~العبد ثلاثة: معصية وغفلة ثم توبة ثم قربة، فإذا عصى دخل في حيز الظالمين، ~~وإذا تاب دخل في جملة المقتصدين، وإذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة ~~دخل في عداد السابقين. # وقال بعضهم: المراد بالظالم الكافر ذكره الكلبي. # وقيل: المراد منه المنافق، فعلى هذا لا يدخل الظالم في قوله: "جنات 91/ب ~~عدن يدخلونها". وحمل هذا القائل الاصطفاء على الاصطفاء في الخلقة وإرسال ~~الرسول إليهم وإنزال الكتاب والأول هو المشهور أن المراد من جميعهم ~~المؤمنون، وعليه عامة أهل العلم. # قوله: {ومنهم سابق بالخيرات} أي: سابق إلى الجنة، أو إلى رحمة الله ~~بالخيرات، أي: بالأعمال الصالحات، {بإذن الله} أي: أمر الله وإرادته، {ذلك ~~هو الفضل الكبير} يعني: إيراثهم الكتاب. ### || # {جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ~~(33) وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) } # ثم أخبر بثوابهم فقال: {جنات عدن يدخلونها} يعني: الأصناف الثلاثة، قرأ ~~أبو عمرو "يدخلونها" بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم ~~الخاء، {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير} {وقالوا} ~~أي: ويقولون إذا دخلوا الجنة: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} والحزن واحد ~~كالبخل والبخل. قال ابن عباس: حزن النار. وقال قتادة: حزن الموت. وقال ~~مقاتل: حزنوا (1) لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع الله بهم. وقال عكرمة: حزن ~~الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات. وقال القاسم: حزن زوال النعم وتقليب ~~القلب، وخوف العاقبة، وقيل: حزن أهوال يوم القيامة. وقال الكلبي: ما كان ~~يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة. وقال سعيد بن جبير: هم الخبز في ~~الدنيا. وقيل: هم المعيشة. وقال الزجاج: أذهب الله عن أهل الجنة كل الأحزان ~~ما كان منها لمعاش أو لمعاد. # أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن الضحاك الخطيب، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم ~~بن محمد الإسفرايني، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، أخبرنا ~~أبو العباس أحمد بن محمد الترابي، حدثنا ms2111 يحيى بن عبد الحميد، حدثنا عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال PageV06P423 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في ~~قبورهم ولا في منشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن ~~رؤوسهم، ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن". (1) # قوله تعالى: {إن ربنا لغفور شكور} ### || # {الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ~~(35) والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها كذلك نجزي كل كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا ~~غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا ~~فما للظالمين من نصير (37) } # {الذي أحلنا} أنزلنا، {دار المقامة} أي: الإقامة، {من فضله لا يمسنا فيها ~~نصب} أي: لا يصيبنا فيها عناء ومشقة، {ولا يمسنا فيها لغوب} إعياء من ~~التعب. قوله تعالى: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا} أي: ~~لا يهلكون فيستريحوا كقوله عز وجل: "فوكزه موسى فقضى عليه" (الشعراء-15) ، ~~أي: قتله. وقيل: لا يقضى عليهم الموت فيموتوا، كقوله: "ونادوا يا مالك ليقض ~~علينا ربك" (الزخرف-77) ، أي: ليقض علينا الموت فنستريح، {ولا يخفف عنهم من ~~عذابها} من عذاب النار، {كذلك نجزي كل كفور} كافر، قرأ أبو عمرو: "يجزى" ~~بالياء وضمها وفتح الزاي، "كل" رفع على غير تسمية الفاعل، وقرأ الآخرون ~~بالنون وفتحها وكسر الزاي، "كل" نصب. {وهم يصطرخون} يستغيثون ويصيحون، ~~{فيها} وهو: يفتعلون، من الصراخ، وهو الصياح، يقولون: {ربنا أخرجنا} منها ~~من النار، {نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل} في الدنيا من الشرك والسيئات، ~~فيقول الله لهم توبيخا: PageV06P424 # {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} قيل: هو البلوغ. وقال عطاء وقتادة ~~والكلبي: ثمان عشرة سنة. وقال الحسن: أربعون سنة. وقال ابن عباس: ستون سنة، ~~يروي ذلك عن علي، وهو العمر الذي أعذر الله تعالى إلى ابن آدم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن ms2112 عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا ~~عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي ~~هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعذر الله تعالى إلى امرئ أخر ~~أجله حتى بلغه ستين سنة". (1) # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن ~~محمد بن فنجويه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا إبراهيم بن سهاويه، ~~حدثنا الحسن بن عرفة، أخبرنا المحاربي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعمار ~~أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك". (2) # {وجاءكم النذير} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، هذا قول أكثر المفسرين. ~~وقيل: القرآن. وقال عكرمة، وسفيان بن عيينة، ووكيع: هو الشيب. معناه أو لم ~~نعمركم حتى شبتم. ويقال: الشيب نذير الموت. وفي الأثر: ما من شعرة تبيض إلا ~~قالت لأختها: استعدي فقد قرب الموت. # {فذوقوا فما للظالمين من نصير} ### || # {إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور (38) } # {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين ~~كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) } # {إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور} {هو الذي جعلكم ~~خلائف في الأرض} أي: يخلف بعضكم بعضا، وقيل: جعلكم أمة خلفت من قبلها. ورأت ~~فيمن قبلها، ما ينبغي أن تعتبر به. {فمن كفر فعليه كفره} أي: عليه وبال ~~كفره # PageV06P425 # {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا} غضبا {ولا يزيد الكافرين ~~كفرهم إلا خسارا} ### || # {قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض ~~أم لهم شرك في السموات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد ~~الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا (40) إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ~~ولئن زالتا إن أمسكهما من ms2113 أحد من بعده إنه كان حليما غفورا (41) وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم ~~نذير ما زادهم إلا نفورا (42) } # {قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله} أي: جعلتموهم شركائي بزعمكم ~~يعني: الأصنام، {أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم ~~آتيناهم كتابا} قال مقاتل: هل أعطينا كفار مكة كتابا، {فهم على بينة منه} ~~قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وحفص: "بينة" على التوحيد، وقرأ الآخرون: ~~"بينات" على الجمع، يعني دلائل واضحة منه مما في ذلك الكتاب من ضروب ~~البيان. # {بل إن يعد} أي: ما يعد، {الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا} والغرور ما يغر ~~الإنسان مما لا أصل له، قال مقاتل: يعني ما يعد الشيطان كفار بني آدم من ~~شفاعة الآلهة لهم في الآخرة غرور وباطل. قوله تعالى: {إن الله يمسك السموات ~~والأرض أن تزولا} أي: كيلا تزولا {ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده} ~~أي: ما يمسكهما أحد من بعده، أي: أحد سواه، {إنه كان حليما غفورا} فإن قيل: ~~فما معنى ذكر الحلم هاهنا؟ قيل: لأن السموات والأرض همت بما همت به من ~~عقوبة الكفار فأمسكهما الله تعالى عن الزوال بحلمه وغفرانه أن يعالجهم ~~بالعقوبة. {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} يعني: كفار مكة لما بلغهم أن أهل ~~الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم، ~~وأقسموا بالله وقالوا لو أتانا رسول لنكونن أهدى دينا منهم، وذلك قبل مبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بعث محمد كذبوه، فأنزل الله عز وجل: ~~{وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير} (1) رسول، {ليكونن أهدى من ~~إحدى الأمم} PageV06P426 # يعني: من اليهود والنصارى، 92/أ {فلما جاءهم نذير} محمد صلى الله عليه ~~وسلم، {ما زادهم إلا نفورا} أي: ما زادهم مجيئه إلا تباعدا عن الهدى. ### || # {استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ~~ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ~~(43) أولم ms2114 يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا ~~أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان ~~عليما قديرا (44) } # PageV06P427 # {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم ~~إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (45) } # {استكبارا في الأرض} نصب "استكبارا" على البدل من النفور، {ومكر السيئ} ~~يعني: العمل القبيح، أضيف المكر إلى صفته، قال الكلبي: هو اجتماعهم على ~~الشرك وقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ حمزة: "مكر السيئ" ساكنة الهمزة ~~تخفيفا، وهي قراءة الأعمش، {ولا يحيق المكر السيئ} أي: لا يحل ولا يحيط ~~المكر السيئ، {إلا بأهله} فقتلوا يوم بدر، وقال ابن عباس: عاقبة الشرك لا ~~تحل إلا بمن أشرك. والمعنى: وبال مكرهم راجع إليهم، {فهل ينظرون} ينتظرون، ~~{إلا سنة الأولين} إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بمن مضى من الكفار، {فلن ~~تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا} {أولم # يروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة ~~وما كان الله ليعجزه} يعني: ليفوت عنه، {من شيء في السموات ولا في الأرض ~~إنه كان عليما قديرا} {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا} من الجرائم، {ما ~~ترك على ظهرها} يعني: على ظهر الأرض، كناية عن غير مذكور، {من دابة} كما ~~كان في زمان نوح أهلك الله ما على ظهر الأرض إلا من كان في سفينة نوح، ~~{ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا} قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أهل طاعته وأهل معصيته. # PageV07P427 ### | سورة يس # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {يس (1) والقرآن الحكيم (2) إنك لمن المرسلين (3) على صراط مستقيم (4) } # {يس} و"ن" قرأ بإخفاء النون فيهما: ابن عامر والكسائي وأبو بكر. قالون: ~~يخفي النون من "يس" ويظهر من "ن"، والباقون يظهرون فيهما. # واختلفوا في تأويل {يس} حسب اختلافهم في حروف التهجي (2) ، قال ابن عباس ~~رضي الله ms2115 عنهما: هو قسم (3) ، ويروى عنه أن معناه: يا إنسان (4) بلغة طيء، ~~يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، وهو قول الحسن، وسعيد بن جبير، وجماعة. # وقال أبو العالية: يا رجل. (5) # وقال أبو بكر الوراق: يا سيد البشر. # {والقرآن الحكيم} # {إنك لمن المرسلين} ، أقسم بالقرآن أن محمدا صلى الله عليه وسلم من ~~المرسلين، وهو رد على الكفار حيث قالوا: "لست مرسلا" (الرعد-43) . {على ~~صراط مستقيم} ، وهو خبر بعد خبر، أي: أنه من المرسلين وأنه على صراط ~~مستقيم. وقيل: معناه إنك لمن المرسلين الذين هم على صراط مستقيم. ~~PageV07P007 ### || # {تنزيل العزيز الرحيم (5) لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6) لقد ~~حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي ~~إلى الأذقان فهم مقمحون (8) } # {تنزيل العزيز الرحيم} ، قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص: "تنزيل" ~~بنصب اللام كأنه قال: نزل تنزيلا وقرأ الآخرون بالرفع، أي: هو تنزيل العزيز ~~الرحيم. {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم} ، قيل: "ما" للنفي أي: لم ينذر ~~آباؤهم، لأن قريشا لم يأتهم نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: "ما" ~~بمعنى الذي، أي: لتنذر قوما بالذي أنذر آباؤهم، {فهم غافلون} عن الإيمان ~~والرشد. {لقد حق القول} ، وجب العذاب {على أكثرهم فهم لا يؤمنون} ، هذا ~~كقوله: "ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين" (الزمر-71) . {إنا جعلنا في ~~أعناقهم أغلالا} ، نزلت في أبي جهل وصاحبيه المخزوميين، وذلك أن أبا جهل ~~كان قد حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ~~ليدمغه، فلما رفعه أثبتت يده إلى عنقه ولزق الحجر بيده، فلما عاد إلى ~~أصحابه فأخبرهم بما رأى سقط الحجر، فقال رجل من بني مخزوم: أنا أقتله بهذا ~~الحجر، فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر، فأعمى الله تعالى بصره، فجعل يسمع ~~صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقالوا له: ما صنعت؟ ~~فقال: ما رأيته، ولقد سمعت صوته وحال بيني وبينه شيء كهيئة الفحل يخطر (1) ~~بذنبه، لو دنوت منه لأكلني، فأنزل الله تعالى: "إنا جعلنا في ms2116 أعناقهم ~~أغلالا " (2) # قال أهل المعاني: هذا على طريق المثل، ولم يكن هناك غل، أراد: منعناهم عن ~~الإيمان بموانع، فجعل الأغلال مثلا لذلك. قال الفراء: معناه إنا حبسناهم عن ~~الإنفاق في سبيل الله كقوله تعالى: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك" ~~(الإسراء-29) معناه: لا تمسكها عن النفقة. PageV07P008 # {فهي إلى الأذقان} ، "هي" كناية عن الأيدي -وإن لم يجر لها ذكر-لأن الغل ~~يجمع اليد إلى العنق، معناه: إنا جعلنا في أيديهم وأعناقهم أغلالا فهي إلى ~~الأذقان، {فهم مقمحون} والمقمح: الذي رفع رأسه وغض بصره، يقال: بعير قامح ~~إذا روى من الماء، فأقمح إذا رفع رأسه وغض بصره. وقال الأزهري: أراد أن ~~أيديهم لما غلت إلى أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤسهم، فهم مرفوعو ~~الرؤوس برفع الأغلال إياها. ### || # {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) ~~وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10) إنما تنذر من اتبع الذكر ~~وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11) إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ~~ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (12) } # {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا} ، قرأ حمزة والكسائي وحفص: ~~"سدا" بفتح السين، وقرأ الآخرون بضمها، {فأغشيناهم} فأعميناهم، من التغشية ~~وهي التغطية، {فهم لا يبصرون} سبيل الهدى. # {وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} # {إنما تنذر من اتبع الذكر} ، يعني: إنما ينفع إنذارك من اتبع الذكر، يعني ~~القرآن، فعمل بما فيه، {وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم} حسن ~~وهو الجنة. {إنا نحن نحيي الموتى} ، عند البعث، {ونكتب ما قدموا} من ~~الأعمال من خير وشر، {وآثارهم} أي: ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة يعمل بها من ~~بعده كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم ~~شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، ~~من غير أن ينقص من أوزارهم ms2117 شيئا". (1) PageV07P009 # وقال قوم: قوله: "ونكتب ما قدموا وآثارهم" أي: خطاهم إلى المسجد. (1) # روي عن أبي سعيد الخدري قال: شكت بنو سلمة بعد منازلهم من المسجد فأنزل ~~الله تعالى: "ونكتب ما قدموا وآثارهم". (2) # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، حدثنا أبو سعيد محمد بن عيسى الصيرفي، ~~حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن هشام بن ملاس النميري، حدثنا مروان ~~الفزاري، حدثنا حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: "أرادت بنو سلمة أن يتحولوا ~~إلى قرب المسجد، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة، فقال: ~~يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم؟ فأقاموا". (3) # وأخبرنا 91/ب عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو ~~أسامة عن يزيد بن عبد الله عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى والذي ~~ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام". (4) # قوله تعالى {وكل شيء أحصيناه} حفظناه وعددناه وبيناه، {في إمام مبين} وهو ~~اللوح المحفوظ. PageV07P010 ### || # {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) } # قوله عز وجل: {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية} يعني: اذكر لهم شبها مثل ~~حالهم من قصة أصحاب القرية وهي أنطاكية، {إذ جاءها المرسلون} يعني: رسل ~~عيسى عليه الصلاة والسلام. # PageV07P010 # قال العلماء بأخبار الأنبياء: بعث عيسى رسولين من الحواريين إلى أهل ~~مدينة أنطاكية (1) فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب ~~النجار، صاحب يس (2) فسلما عليه، فقال الشيخ لهما: من أنتما؟ فقالا رسولا ~~عيسى، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، فقال: أمعكما آية؟ قالا ~~نعم نحن نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، فقال الشيخ: إن لي ~~ابنا مريضا منذ سنين، قالا فانطلق بنا نطلع على حاله، فأتى بهما إلى منزله، ~~فمسحا ابنه، فقام في الوقت -بإذن الله-صحيحا، ففشا الخبر في المدينة، وشفى ~~الله تعالى على ms2118 أيديهما كثيرا من المرضى، وكان -لهم ملك قال وهب: اسمه ~~إنطيخس -وكان من ملوك الروم يعبد الأصنام، قالوا: فانتهى الخبر إليه ~~فدعاهما، فقال: من أنتما؟ قالا رسولا عيسى، قال: وفيم جئتما؟ قالا ندعوك من ~~عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر، فقال: لكما إله دون ~~آلهتنا؟ قالا نعم، من أوجدك وآلهتك. قال: قوما حتى أنظر في أمركما، فتبعهما ~~الناس فأخذوهما وضربوهما في السوق. # قال وهب: بعث عيسى هذين الرجلين إلى أنطاكية، فأتياها فلم يصلا إلى ~~ملكها، وطال مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبرا وذكرا الله، فغضب الملك ~~وأمر بهما فحبسا وجلد كل واحد منهما مائة جلدة، قالوا: فلما كذب الرسولان ~~وضربا، بعث عيسى رأس الحواريين شمعون الصفا على إثرهما لينصرهما، فدخل ~~شمعون البلد متنكرا، فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به، فرفعوا خبره إلى ~~الملك فدعاه فرضي عشرته وأنس به وأكرمه، ثم قال له ذات يوم: أيها الملك ~~بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل ~~كلمتهما وسمعت قولهما؟ فقال الملك: حال PageV07P011 # الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نطلع على ما عندهما، ~~فدعاهما الملك، فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا الله الذي خلق ~~كل شيء وليس له شريك، فقال لهما شمعون: [فصفاه وأوجزا، فقالا إنه يفعل ما ~~يشاء ويحكم ما يريد، فقال شمعون] (1) : وما آيتكما؟ قالا ما تتمناه، فأمر ~~الملك حتى جاؤوا بغلام مطموس العينين وموضع عينيه كالجبهة، فما زالا يدعوان ~~ربهما حتى انشق موضع البصر، فأخذا بندقتين (2) من الطين، فوضعاهما في ~~حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما، فتعجب الملك، فقال شمعون للملك: إن أنت ~~سألت إلهك حتى يصنع صنعا مثل هذا فيكون لك الشرف ولإلهك. فقال الملك: ليس ~~لي عنك سر إن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، وكان ~~شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل بدخوله ويصلي كثيرا، ويتضرع حتى ظنوا ~~أنه على ملتهم، فقال الملك للرسولين: إن ms2119 قدر إلهكم الذي تعبدانه على إحياء ~~ميت آمنا به وبكما، قالا إلهنا قادر على كل شيء، فقال الملك: إن هاهنا ميتا ~~مات منذ سبعة أيام ابن لدهقان وأنا أخرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه، وكان ~~غائبا فجاؤوا بالميت وقد تغير وأروح فجعلا يدعوان ربهما علانية، وجعل شمعون ~~يدعو ربه سرا، فقام الميت، وقال: إني قدمت منذ سبعة أيام مشركا فأدخلت في ~~سبعة أودية من النار، وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله، ثم قال: فتحت ~~لي أبواب السماء فنظرت فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة، قال ~~الملك: ومن الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان وأشار إلى صاحبيه، فتعجب الملك، فلما ~~علم شمعون أن قوله أثر في الملك أخبره بالحال، ودعاه فآمن الملك وآمن قوم، ~~وكفر آخرون. # وقيل: إن ابنة للملك كانت قد توفيت ودفنت، فقال شمعون للملك: اطلب من ~~هذين الرجلين أن يحييا ابنتك، فطلب منهما الملك ذلك فقاما وصليا ودعوا ~~وشمعون معهما في السر، فأحيا الله المرأة وانشق القبر عنها فخرجت، وقالت: ~~أسلموا فإنهما صادقان، قالت: ولا أظنكم تسلمون، ثم طلبت من الرسولين أن ~~يرداها إلى مكانها فذرا ترابا على رأسها وعادت إلى قبرها كما كانت. # وقال ابن إسحاق عن كعب ووهب: بل كفر الملك، وأجمع هو وقومه على قتل الرسل ~~فبلغ ذلك حبيبا، وهو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكرهم ~~ويدعوهم إلى طاعة المرسلين، فذلك قوله عز وجل: ### || # {إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون ~~(14) } # {إذ أرسلنا إليهم اثنين} قال وهب: اسمهما يوحنا وبولس، {فكذبوهما فعززنا} ~~يعني: فقوينا، {بثالث} برسول ثالث، وهو شمعون، وقرأ أبو بكر عن عاصم: ~~"فعززنا" بالتخفيف وهو PageV07P012 # بمعنى الأول كقولك: شددنا وشددنا بالتخفيف والتثقيل، وقيل: أي: فغلبنا من ~~قولهم: من عز بز. وقال كعب: الرسولان: صادق وصدوق، والثالث شلوم، وإنما ~~أضاف الله الإرسال إليه لأن عيسى عليه السلام إنما بعثهم بأمره تعالى، ~~{فقالوا} جميعا لأهل أنطاكية، {إنا إليكم مرسلون} . ### || # {قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من ms2120 شيء إن أنتم إلا تكذبون ~~(15) قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلاغ المبين ~~(17) قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم ~~(18) قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19) وجاء من أقصى ~~المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين (20) } # {قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا ~~تكذبون} ما أنتم إلا كاذبون فيما تزعمون. # {قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} # {وما علينا إلا البلاغ المبين} # {قالوا إنا تطيرنا بكم} تشاءمنا بكم، وذلك أن المطر حبس عنهم، فقالوا: ~~أصابنا هذا بشؤمكم، {لئن لم تنتهوا لنرجمنكم} لنقتلنكم، وقال قتادة: ~~بالحجارة {وليمسنكم منا عذاب أليم} . {قالوا طائركم معكم} يعني: شؤمكم معكم ~~بكفركم وتكذيبكم يعني: أصابكم الشؤم من قبلكم. وقال ابن عباس 92/أوالضحاك: ~~حظكم من الخير والشر {أئن ذكرتم} يعني: وعظتم بالله، وهذا استفهام محذوف ~~الجواب مجازه: إن ذكرتم ووعظتم بالله تطيرتم بنا. وقرأ أبو جعفر: "أن" بفتح ~~الهمزة الملينة "ذكرتم" بالتخفيف {بل أنتم قوم مسرفون} مشركون مجاوزون ~~الحد. قوله عز وجل: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى} وهو حبيب النجار، (1) ~~وقال السدي: كان قصارا (2) وقال وهب: كان رجلا يعمل الحرير، (3) وكان سقيما ~~قد أسرع فيه PageV07P013 # الجذام، وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان مؤمنا ذا صدقة ~~يجمع كسبه إذا أمسى فيقسمه نصفين فيطعم نصفا لعياله ويتصدق بنصف، (1) فلما ~~بلغه أن قومه قصدوا قتل الرسل جاءهم {قال يا قوم اتبعوا المرسلين} ### || # {اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون (21) وما لي لا أعبد الذي فطرني ~~وإليه ترجعون (22) أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذون (23) إني إذا لفي ضلال مبين (24) } # {اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} قال قتادة: كان حبيب في غار يعبد ~~ربه (2) فلما بلغه خبر الرسل أتاهم فأظهر دينه، فلما انتهى حبيب إلى الرسل ~~قال لهم: تسألون على هذا أجرا؟ قالوا: لا فأقبل على قومه فقال: "يا قوم ms2121 ~~اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون"، فلما قال ذلك قالوا ~~له: وأنت مخالف لديننا ومتابع دين هؤلاء الرسل ومؤمن بإلههم؟ فقال: # {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون} قرأ حمزة ويعقوب: "مالي" ~~بإسكان الياء، والآخرون بفتحها. قيل: أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم، ~~لأن الفطرة أثر النعمة، وكانت عليه أظهر، وفي الرجوع معنى الزجر وكان بهم ~~أليق. # وقيل: إنه لما قال: اتبعوا المرسلين، أخذوه فرفعوه إلى الملك، فقال له ~~الملك: أفأنت تتبعهم؟ فقال: "ومالي لا أعبد الذي فطرني" وأي شيء لي إذا لم ~~أعبد الخالق {وإليه ترجعون} تردون عند البعث فيجزيكم بأعمالكم. # {أأتخذ من دونه آلهة} استفهام بمعنى الإنكار، أي: لا أتخذ من دونه آلهة، ~~{إن يردن الرحمن بضر} بسوء ومكروه، {لا تغن عني} لا تدفع عني، {شفاعتهم ~~شيئا} أي: لا شفاعة لها أصلا فتغني {ولا ينقذون} من ذلك المكروه وقيل: لا ~~ينقذون من العذاب لو عذبني الله إن فعلت ذلك. {إني إذا لفي ضلال مبين} خطأ ~~ظاهر. PageV07P014 ### || # {إني آمنت بربكم فاسمعون (25) قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون ~~(26) بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين (27) } # {* وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين (28) إن ~~كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29) } # {إني آمنت بربكم فاسمعون} يعني: فاسمعوا مني، فلما قال ذلك وثب القوم ~~عليه وثبة رجل واحد فقتلوه (1) . # قال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره (2) . # قال السدي: كانوا يرمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي، حتى قطعوه ~~وقتلوه (3) . # وقال الحسن: خرقوا خرقا في حلقة فعلقوه بسور من سور المدينة، وقبره ~~بأنطاكية فأدخله الله الجنة، وهو حي فيها يرزق، فذلك قوله عز وجل: {قيل ~~ادخل الجنة} ، فلما أفضى إلى الجنة {قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ~~ربي} يعني: بغفران ربي لي، {وجعلني من المكرمين} تمنى أن يعلم قومه أن الله ~~غفر له وأكرمه، ليرغبوا في دين الرسل. # فلما قتل حبيب غضب الله له وعجل لهم ms2122 النقمة، فأمر جبريل عليه السلام فصاح ~~بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم، فذلك قوله عز وجل: {وما أنزلنا على قومه ~~من بعده من جند من السماء} يعني: الملائكة، {وما كنا منزلين} وما كنا نفعل ~~هذا، بل الأمر في إهلاكهم كان أيسر مما يظنون. # وقيل: معناه "وما أنزلنا على قومه من بعده" أي: على قوم حبيب النجار من ~~بعد قتله من جند، وما كنا ننزلهم على الأمم إذا أهلكناهم، كالطوفان ~~والصاعقة والريح. ثم بين عقوبتهم فقال تعالى: {إن كانت إلا صيحة واحدة} ، ~~[وقرأ أبو جعفر: صيحة واحدة] (4) بالرفع، جعل الكون بمعنى الوقوع. ~~PageV07P015 # قال المفسرون: أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة، ثم صاح بهم صيحة واحدة (1) ~~{فإذا هم خامدون} ميتون. ### || # {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون (30) ألم ~~يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) وإن كل لما جميع ~~لدينا محضرون (32) وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه ~~يأكلون (33) } # {يا حسرة على العباد} قال عكرمة: يعني يا حسرتهم على أنفسهم، والحسرة: ~~شدة الندامة، وفيه قولان: أحدهما: يقول الله تعالى: يا حسرة وندامة وكآبة ~~على العباد يوم القيامة حين لم يؤمنوا بالرسل. # والآخر: أنه من قول الهالكين. قال أبو العالية: لما عاينوا العذاب قالوا: ~~يا حسرة أي: ندامة على العباد، يعني: على الرسل الثلاثة حيث لم يؤمنوا بهم، ~~فتمنوا الإيمان حين لم ينفعهم. # قال الأزهري: الحسرة لا تدعى، ودعاؤها تنبيه المخاطبين. وقيل العرب تقول: ~~يا حسرتي! ويا عجبا! على طريق المبالغة، والنداء عندهم بمعنى التنبيه، ~~فكأنه يقول: أيها العجب هذا وقتك؟ وأيتها الحسرة هذا أوانك؟ # حقيقة المعنى: أن هذا زمان الحسرة والتعجب. ثم بين سبب الحسرة والندامة، ~~فقال: {ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} . # {ألم يروا} ألم يخبروا، يعني: أهل مكة {كم أهلكنا قبلهم من القرون} ~~والقرن: أهل كل عصر، سموا بذلك لاقترانهم في الوجود {أنهم إليهم لا يرجعون} ~~أي: لا يعودون إلى الدنيا فلا يعتبرون بهم. # {وإن كل لما جميع} قرأ ms2123 عاصم وحمزة: "لما" بالتشديد هاهنا وفي الزخرف ~~والطارق، ووافق ابن عامر إلا في الزخرف، ووافق أبو جعفر في الطارق، وقرأ ~~الآخرون بالتخفيف. فمن شدد جعل "إن" بمعنى الجحد، و"لما" بمعنى إلا تقديره: ~~وما كل إلا جميع، ومن خفف جعل "إن" للتحقيق و"ما" صلة مجازه: وكل جميع ~~{لدينا محضرون} . # {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها} بالمطر {وأخرجنا منها حبا} يعني الحنطة ~~والشعير وما PageV07P016 # أشبههما {فمنه يأكلون} أي: من الحب. ### || # {وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (34) ليأكلوا من ~~ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35) سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما ~~تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ~~فإذا هم مظلمون (37) والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) ~~} # {وجعلنا فيها جنات} بساتين، {من نخيل وأعناب وفجرنا فيها} في الأرض، {من ~~العيون} . # {ليأكلوا من ثمره} أي: من الثمر الحاصل بالماء {وما عملته} قرأ حمزة ~~والكسائي وأبو بكر: "عملت" بغير هاء، وقرأ الآخرون "عملته" بالهاء أي: ~~يأكلون من الذي عملته {أيديهم} الزرع والغرس فالهاء عائدة إلى "ما" التي ~~بمعنى الذي. وقيل: "ما" للنفي في قوله "ما عملته" أي: وجدوها معمولة ولم ~~تعملها أيديهم ولا صنع لهم فيها وهذا معنى قول الضحاك ومقاتل. # وقيل: أراد العيون والأنهار التي لم تعملها يد خلق مثل دجلة والفرات ~~والنيل ونحوها. # {أفلا يشكرون} نعمة الله. # {سبحان الذي خلق الأزواج كلها} أي: الأصناف {مما تنبت الأرض} الثمار ~~والحبوب {ومن أنفسهم} يعني: الذكور والإناث {ومما لا يعلمون} مما خلق من ~~الأشياء من دواب البر والبحر. # {وآية لهم} تدل على قدرتنا، {الليل نسلخ} ننزع ونكشط {منه النهار فإذا هم ~~مظلمون} داخلون في الظلمة، ومعناه: نذهب النهار ونجيء بالليل، وذلك أن ~~الأصل هي الظلمة والنهار 92/ب داخل عليها فإذا غربت الشمس سلخ النهار من ~~الليل فتظهر الظلمة. # {والشمس تجري لمستقر لها} أي: إلى مستقر لها، أي: إلى انتهاء سيرها عند ~~انقضاء الدنيا وقيام الساعة. # وقيل: إنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها، ثم ترجع ms2124 فذلك مستقرها لأنها ~~لا تجاوزه. # وقيل: مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف ونهاية هبوطها في ~~الشتاء، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مستقرها تحت العرش". # PageV07P017 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثتا الحميدي، حدثنا وكيع، حدثنا ~~الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: سألت النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن قوله عز وجل: {والشمس تجري لمستقر لها} قال: "مستقرها تحت ~~العرش" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا الحميدي، أخبرنا وكيع، حدثنا ~~سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس: "أتدري أين تذهب"؟ قلت: الله ~~ورسوله أعلم قال: "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك ~~أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها: ارجعي من حيث جئت ~~فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير ~~العزيز العليم} (2) . # وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس: "والشمس تجري لا مستقر لها" وهي قراءة ~~ابن مسعود أي: لا قرار لها ولا وقوف فهي جارية أبدا {ذلك تقدير العزيز ~~العليم} . ### || # {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) لا الشمس ينبغي لها ~~أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (40) } # {والقمر قدرناه منازل} أي: قدرنا له منازل قرأ ابن كثير ونافع، وأهل ~~البصرة: "القمر" برفع الراء لقوله: "وآية لهم الليل نسلخ منه النهار" وقرأ ~~الآخرون بالنصب لقوله: "قدرناه" أي: قدرنا القمر {منازل} وقد ذكرنا أسامي ~~المنازل في سورة يونس (3) فإذا صار القمر إلى آخر المنازل دق فذلك قوله: ~~{حتى عاد كالعرجون القديم} والعرجون: [عود العذق] (4) الذي عليه الشماريخ، ~~فإذا قدم وعتق يبس وتقوس واصفر فشبه القمر في دقته وصفرته في آخر المنازل ~~به. {لا الشمس ms2125 ينبغي لها أن تدرك القمر} أي: لا يدخل النهار على الليل قبل ~~انقضائه، ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه، وهو قوله تعالى: {ولا ~~الليل سابق النهار} أي: هما يتعاقبان بحساب معلوم لا يجيء أحدهما قبل وقته. ~~PageV07P018 # وقيل: لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر، لا تطلع الشمس بالليل ولا يطلع ~~القمر بالنهار وله ضوء، فإذا اجتمعا وأدرك كل واحد منهما صاحبه قامت ~~القيامة. # وقيل: "لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر" أي: لا تجتمع معه في فلك واحد، ~~"ولا الليل سابق النهار" أي: لا يتصل ليل بليل لا يكون بينهما نهار فاصل. # {وكل في فلك يسبحون} يجرون. # PageV07P019 ### || # {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون (42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة منا ~~ومتاعا إلى حين (44) وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ~~ترحمون (45) } # {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم} قرأ أهل المدينة والشام، ويعقوب: "ذرياتهم" ~~جمع وقرأ الآخرون: "ذريتهم" على التوحيد، فمن جمع كسر التاء، ومن لم يجمع ~~نصبها، والمراد بالذرية: الآباء والأجداد، واسم الذرية يقع على الآباء كما ~~يقع على الأولاد {في الفلك المشحون} أي: المملوء، وأراد سفينة نوح عليه ~~السلام، وهؤلاء من نسل من حمل مع نوح، وكانوا في أصلابهم. {وخلقنا لهم من ~~مثله ما يركبون} قيل: أراد به السفن الصغار التي عملت بعد سفينة نوح على ~~هيئتها. # وقيل: أراد به السفن التي تجري في الأنهار فهي في الأنهار كالفلك الكبار ~~في البحار، وهذا قول قتادة، والضحاك وغيرهما. # وروي عن ابن عباس أنه قال: "وخلقنا لهم من مثله ما يركبون" يعني: الإبل، ~~فالإبل في البر كالسفن في البحر. {وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ} أي: لا مغيث ~~{لهم ولا هم ينقذون} ينجون من الغرق. وقال ابن عباس: ولا أحد ينقذهم من ~~عذابي. {إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين} إلى انقضاء آجالهم يعني إلا أن ~~يرحمهم ويمتعهم إلى آجالهم. # {وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما ms2126 خلفكم} قال ابن عباس: "ما بين ~~أيديكم" يعني الآخرة، فاعملوا لها، "وما خلفكم" يعني الدنيا، فاحذروها، ولا ~~تغتروا بها. # وقيل: "ما بين أيديكم" وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم، "وما خلفكم" ~~عذاب الآخرة، وهو قول قتادة ومقاتل. # PageV07P019 # {لعلكم ترحمون} والجواب محذوف تقديره: إذا قيل لهم هذا أعرضوا عنه دليله ~~ما بعده: ### || # {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) وإذا قيل ~~لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء ~~الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (47) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين (48) ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون (49) } # {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم} أي: دلالة على صدق محمد صلى الله عليه ~~وسلم {إلا كانوا عنها معرضين} . # {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله} أعطاكم الله {قال الذين كفروا ~~للذين آمنوا أنطعم} أنرزق {من لو يشاء الله أطعمه} وذلك أن المؤمنين قالوا ~~لكفار مكة: أنفقوا على المساكين مما زعمتم من أموالكم أنه لله، وهو ما ~~جعلوا لله من حروثهم وأنعامهم، قالوا: أنطعم أنرزق من لو يشاء الله رزقه، ~~ثم لم يرزقه مع قدرته عليه، فنحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه ~~الله، وهذا مما يتمسك به البخلاء، يقولون: لا نعطي من حرمه الله. وهذا الذي ~~يزعمون باطل؛ لأن الله أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء، فمنع الدنيا من ~~الفقير لا بخلا وأمر الغني بالإنفاق لا حاجة إلى ماله، ولكن ليبلو الغني ~~بالفقير فيما فرض له في مال الغني، ولا اعتراض لأحد على مشيئة الله وحكمه ~~في خلقه {إن أنتم إلا في ضلال مبين} يقول الكفار للمؤمنين: ما أنتم إلا في ~~خطأ بين في اتباعكم محمدا صلى الله عليه وسلم وترك ما نحن عليه. # {ويقولون متى هذا الوعد} أي: القيامة والبعث {إن كنتم صادقين} . # قال الله تعالى: {ما ينظرون} أي: ما ينتظرون {إلا صيحة واحدة} قال ابن ~~عباس: يريد النفخة الأولى {تأخذهم وهم يخصمون} ms2127 يعني: يختصمون في أمر الدنيا ~~من البيع والشراء، ويتكلمون في المجالس والأسواق. # قرأ حمزة: "يخصمون" بسكون الخاء وتخفيف الصاد، أي: يغلب بعضهم بعضا ~~بالخصام، وقرأ الآخرون بتشديد الصاد، أي: يختصمون. أدغمت التاء في الصاد، ~~ثم ابن كثير ويعقوب وورش يفتحون الخاء بنقل حركة التاء المدغمة إليها، ~~ويجزمها أبو جعفر وقالون ويروم فتحة الخاء 93/أأبو عمرو، وقرأ الباقون بكسر ~~الخاء. # PageV07P020 # وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ~~ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل (1) ~~أكلته إلى فيه فلا يطعمها" (2) . ### || # {فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (50) ونفخ في الصور فإذا هم من ~~الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما ~~وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا ~~محضرون (53) } # قوله عز وجل {فلا يستطيعون توصية} أي: لا يقدرون على الإيصاء. قال مقاتل: ~~عجلوا عن الوصية فماتوا {ولا إلى أهلهم يرجعون} ينقلبون، والمعنى أن الساعة ~~لا تمهلهم لشيء. {ونفخ في الصور} وهي النفخة الأخيرة نفخة البعث، وبين ~~النفختين أربعون سنة {فإذا هم من الأجداث} يعني: القبور واحدها: جدث {إلى ~~ربهم ينسلون} يخرجون من القبور أحياء، ومنه قيل للولد: نسل لخروجه من بطن ~~أمه. # {قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا} قال أبي بن كعب، وابن عباس، وقتادة: ~~إنما يقولون هذا لأن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون ~~فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل (3) . # وقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار عذاب ~~القبر في جنبها كالنوم، فقالوا: يا ويلنا (4) من بعثنا من مرقدنا؟ ثم ~~قالوا: {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} [أقروا حين لم ينفعهم الإقرار. ~~وقيل: قالت الملائكة لهم: "هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون"] (5) . # قال مجاهد: يقول الكفار: "من بعثنا من مرقدنا"؟ فيقول المؤمنون: "هذا ما ~~وعد الرحمن وصدق المرسلون". {إن كانت} ما كانت {إلا صيحة واحدة} يعني: ~~النفخة الآخرة {فإذا هم ms2128 جميع لدينا محضرون} . PageV07P021 ### || # {فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون (54) } # {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) هم وأزواجهم في ظلال على ~~الأرائك متكئون (56) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (57) سلام قولا من رب ~~رحيم (58) } # {فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} . # {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل} قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "في شغل"، ~~بسكون الغين، والباقون بضمها، وهما لغتان مثل السحت والسحت. # واختلفوا في معنى الشغل، قال ابن عباس: في افتضاض الأبكار (1) ، وقال ~~وكيع بن الجراح: في السماع. # وقال الكلبي: في شغل عن أهل النار وعما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا ~~يذكرونهم. # وقال الحسن: شغلوا بما في الجنة من النعيم عما فيه أهل النار من العذاب. # وقال ابن كيسان: في زيارة بعضهم بعضا. وقيل: في ضيافة الله تعالى (2) . # {فاكهون} قرأ أبو جعفر: "فكهون" حيث كان، وافقه حفص في المطففين؛ وهما ~~لغتان مثل: الحاذر والحذر أي: ناعمون. قال: مجاهد والضحاك: معجبون بما هم ~~فيه. وعن ابن عباس قال: فرحون. # {هم وأزواجهم} أي: حلائلهم {في ظلال} قرأ حمزة والكسائي: "ظلل" بضم الظاء ~~من غير ألف جمع ظلة وقرأ العامة: "في ظلال" بالألف وكسر الظاء على جمع ظل ~~{على الأرائك} يعني السرر في الحجال (3) ، واحدتها: أريكة. قال ثعلب: لا ~~تكون أريكة حتى يكون عليها حجلة {متكئون} ذوو اتكاء. # {لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون} يتمنون ويشتهون. # {سلام قولا من رب رحيم} أي: يسلم الله عليهم قولا أي: يقول الله لهم ~~قولا. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد ~~بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن، حدثني ~~أبو بكر أحمد بن محمد بن موسى الملحمي PageV07P022 # الأصفهاني، أخبرنا الحسن بن أبي علي الزعفراني، أخبرنا ابن أبي الشوارب، ~~أخبرنا أبو عاصم العباداني، أخبرنا الفضل الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن ~~جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا ms2129 أهل الجنة ~~في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب عز وجل قد أشرف عليهم ~~من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، فذلك قوله: "سلام قولا من رب ~~رحيم" فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ~~ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم" (1) . # وقيل: تسلم عليهم الملائكة من ربهم. # قال مقاتل: تدخل الملائكة على أهل الجنة من كل باب يقولون: سلام عليكم يا ~~أهل الجنة من ربكم الرحيم. # وقيل: يعطيهم السلامة، يقول: اسلموا السلامة الأبدية. ### || # {وامتازوا اليوم أيها المجرمون (59) ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا ~~تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60) وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) ~~ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) } # {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} قال مقاتل: اعتزلوا اليوم من الصالحين. ~~قال أبو العالية: تميزوا. وقال السدي: كونوا على حدة. وقال الزجاج: انفردوا ~~عن المؤمنين. قال الضحاك: إن لكل كافر في النار بيتا يدخل ذلك البيت ويردم ~~بابه بالنار فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى ولا يرى (2) . # {ألم أعهد إليكم يا بني آدم} ألم آمركم يا بني آدم {أن لا تعبدوا ~~الشيطان} أي: لا تطيعوا الشيطان في معصية الله {إنه لكم عدو مبين} ظاهر ~~العداوة. # {وأن اعبدوني} أطيعوني ووحدوني {هذا صراط مستقيم} . # {ولقد أضل منكم جبلا كثيرا} قرأ أهل المدينة، وعاصم: "جبلا" بكسر الجيم ~~والباء وتشديد اللام، وقرأ يعقوب: "جبلا" بضم الجيم والباء وتشديد اللام، ~~وقرأ ابن عامر، وأبو عمرو بضم PageV07P023 # الجيم ساكنة الباء خفيفة، وقرأ الآخرون بضم الجيم والباء خفيفة، وكلها ~~لغات، ومعناها: الخلق والجماعة أي: خلقا كثيرا {أفلم تكونوا تعقلون} ما ~~أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس، ويقال لهم لما دنوا من النار: ### || # {هذه جهنم التي كنتم توعدون (63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (64) ~~اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (65) ~~} # {هذه جهنم التي كنتم توعدون} بها في الدنيا {اصلوها} ادخلوها {اليوم بما ~~كنتم تكفرون اليوم نختم ms2130 على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا ~~يكسبون} هذا حين ينكر الكفار كفرهم وتكذيبهم الرسل، فيختم على أفواههم ~~وتشهد عليهم جوارحهم. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عمرو بن ~~حفصويه السرخسي، سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، أخبرنا أبو يزيد حاتم بن ~~محبوب، أخبرنا عبد الجبار بن العلاء، أخبرنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن ~~أبيه عن أبي هريرة قال: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا ~~رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: "هل تضارون في رؤية الشمس في ~~الظهيرة ليست في سحاب"؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: "فهل تضارون في رؤية ~~القمر ليلة البدر ليس في سحابة"؟ قالوا: لا قال: "فوالذي نفسي بيده لا ~~تضارون في رؤية ربكم كما لا تضارون في رؤية أحدهما"، قال: "فيلقى العبد ~~فيقول: أي عبدي ألم أكرمك؟ ألم أسودك ألم أزوجك ألم أسخر لك الخيل والإبل ~~وأذرك تترأس وتتربع؟ قال: بلى يا رب قال: فظننت أنك ملاقي؟ قال: لا قال: ~~فاليوم أنساك كما نسيتني، قال: فيلقى الثاني فيقول: ألم أكرمك، ألم أسودك، ~~ألم أزوجك، ألم أسخر لك الخيل والإبل وأتركك تترأس وتتربع؟ -وقال غيره عن ~~سفيان: ترأس وتربع في الموضعين-قال: فيقول: بلى 93/ب يا رب، فيقول: ظننت ~~أنك ملاقي؟ فيقول: لا يا رب قال: فاليوم أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث ~~فيقول؟ ما أنت؟ فيقول: أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك وصليت وصمت وتصدقت ~~ويثني بخير ما استطاع قال: فيقال له: ألم نبعث عليك شاهدنا؟ قال: فيتفكر في ~~نفسه من الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه: انطقي قال: فتنطق فخذه ~~ولحمه وعظامه بما كان يعمل وذلك المنافق وذلك ليعذر من نفسه وذلك الذي سخط ~~الله عليه" (1) . # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي أبو سهل عبد الصمد ~~بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن ~~إبراهيم الدبري، أخبرنا عبد الرزاق، PageV07P024 # أخبرنا معمر، عن بهز ms2131 بن حكيم بن معاوية، عن أبيه عن جده عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "إنكم تدعون فيفدم على أفواهكم بالفدام فأول ما يسأل ~~عن أحدكم فخذه وكفه" (1) # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، ~~أخبرنا أبو بكر بن أبي النضر، حدثني هاشم بن القاسم، أخبرنا عبد الله ~~الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن عبيد المكتب، عن فضيل، عن الشعبي، عن أنس بن ~~مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: "هل تدرون مم ~~أضحك"؟ قال: قلنا الله ورسوله أعلم، قال: "من مخاطبة العبد ربه" يقول: يا ~~رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: فيقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجير على ~~نفسي إلا شاهدا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام ~~الكاتبين شهودا قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي قال: فتنطق ~~بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت ~~أناضل" (2) ### || # {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) ولو نشاء ~~لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (67) } # قوله عز وجل: {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم} [أي: أذهبنا أعينهم] (3) ~~الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق، وهو معنى الطمس كما قال الله عز وجل: ~~"ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم" (البقرة -20) يقول: كما أعمينا قلوبهم ~~لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة {فاستبقوا الصراط} فتبادروا إلى الطريق ~~{فأنى يبصرون} فكيف يبصرون [وقد أعمينا أعينهم؟ يعني: لو نشاء لأضللناهم عن ~~الهدى، وتركناهم عميا يترددون، فكيف يبصرون] (4) الطريق حينئذ؟ هذا قول ~~الحسن والسدي، وقال ابن عباس، وقتادة، ومقاتل، وعطاء: معناه لو نشاء لفقأنا ~~أعين ضلالتهم فأعميناهم عن غيهم، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى ~~فأبصروا رشدهم {فأنى يبصرون} ولم أفعل ذلك بهم؟ # {ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم} يعني: مكانهم: يريد: لو نشاء لجعلناهم ~~قردة وخنازير PageV07P025 # في منازلهم، وقيل: لو نشاء لجعلناهم حجارة، وهم ms2132 قعود في منازلهم لا أرواح ~~لهم. {فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون} إلى ما كانوا عليه، وقيل: لا يقدرون ~~على ذهاب ولا رجوع. ### || # {ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (68) وما علمناه الشعر وما ينبغي ~~له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69) } # {ومن نعمره ننكسه في الخلق} قرأ عاصم وحمزة: "ننكسه" بالتشديد، وقرأ ~~الآخرون بفتح النون الأولى وضم الكاف مخففا، أي: نرده إلى أرذل العمر شبه ~~الصبي في أول الخلق. # وقيل: "ننكسه في الخلق" أي: نضعف جوارحه بعد قوتها ونردها إلى نقصانها ~~بعد زيادتها. {أفلا يعقلون} فيعتبروا ويعلموا أن الذي قدر على تصريف أحوال ~~الإنسان يقدر على البعث بعد الموت. # قوله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} قال الكلبي: إن كفار مكة ~~قالوا: إن محمدا شاعر، وما يقوله شعر، فأنزل الله تكذيبا لهم: {وما علمناه ~~الشعر وما ينبغي له} أي: ما يتسهل له ذلك، وما كان يتزن له بيت من شعر، حتى ~~إذا تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسرا. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن ~~محمد الثقفي، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا يوسف بن عبد الله بن ~~ماهان، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت: كفى بالإسلام والشيب ~~للمرء ناهيا # فقال أبو بكر: يا رسول الله إنما قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ~~ناهيا (1) # [ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا] ~~، فقال أبو بكر وعمر: أشهد أنك رسول الله، يقول الله تعالى: {وما علمناه ~~الشعر وما ينبغي له} (2) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، ~~أخبرنا أبو القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، حدثنا شريك، عن المقدام بن ~~شريح، عن أبيه قال: قلت لعائشة: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل ~~بشيء من الشعر؟ قالت: كان يتمثل من شعر عبد الله بن رواحة. PageV07P026 # قالت: ms2133 وربما قال: ويأتيك بالأخبار من لم تزود (1) # وقال معمر عن قتادة: بلغني أن عائشة سئلت: هل كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان الشعر أبغض الحديث إليه، قالت: ولم ~~يتمثل بشيء من الشعر إلا ببيت أخي بني قيس طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت ~~جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # فجعل يقول: "ويأتيك من لم تزود بالأخبار" فقال أبو بكر رضي الله عنه: ليس ~~هكذا يا رسول الله، فقال: "إني لست بشاعر ولا ينبغي لي" (2) . # {إن هو} يعني: القرآن {إلا ذكر} موعظة {وقرآن مبين} فيه الفرائض والحدود ~~والأحكام. ### || # {لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) } PageV07P027 # {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) ~~وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) } # {لينذر} قرأ أهل المدينة والشام ويعقوب "لتنذر" بالتاء وكذلك في الأحقاف، ~~[وافق ابن كثير في الأحقاف] (1) أي: لتنذر يا محمد، وقرأ الآخرون بالياء أي ~~لينذر القرآن {من كان حيا} يعني: مؤمنا حي القلب؛ لأن الكافر كالميت في أنه ~~لا يتدبر ولا يتفكر {ويحق القول} ويجب حجة العذاب {على الكافرين} . # قوله عز وجل: {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا} تولينا خلقه ~~بإبداعنا من غير إعانة أحد {أنعاما فهم لها مالكون} ضابطون قاهرون، أي: لم ~~يخلق الأنعام وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها، بل هي مسخرة ~~لهم. # وهي قوله: {وذللناها لهم} سخرناها لهم {فمنها ركوبهم} أي: ما يركبون وهي ~~الإبل {ومنها يأكلون} من لحمانها. PageV07P027 ### || # {ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (73) واتخذوا من دون الله آلهة ~~لعلهم ينصرون (74) لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون (75) فلا يحزنك ~~قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76) أولم ير الإنسان أنا خلقناه من ~~نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) } # {ولهم فيها منافع} من أصوافها وأوبارها وأشعارها ونسلها {ومشارب} من ~~ألبانها {أفلا يشكرون} رب (1) هذه النعم. # {واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون} يعني: لتمنعهم من عذاب الله، ~~ولا يكون ذلك قط. # {لا يستطيعون ms2134 نصرهم} 94/أقال ابن عباس: لا تقدر الأصنام على نصرهم ومنعهم ~~من العذاب. {وهم لهم جند محضرون} أي: الكفار جند للأصنام يغضبون لها ~~ويحضرونها في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيرا، ولا تستطيع لهم نصرا. وقيل: ~~هذا في الآخرة، يؤتى بكل معبود من دون الله تعالى ومعه أتباعه الذين عبدوه ~~كأنهم جند محضرون في النار. # {فلا يحزنك قولهم} يعني: قول كفار مكة في تكذيبك {إنا نعلم ما يسرون} في ~~ضمائرهم من التكذيب {وما يعلنون} من عبادة الأصنام أو ما يعلنون بألسنتهم ~~من الأذى. # قوله تعالى: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم} جدل ~~بالباطل {مبين} بين الخصومة، يعني: أنه مخلوق من نطفة ثم يخاصم فكيف لا ~~يتفكر في بدء خلقه حتى يدع الخصومة. # نزلت في أبي بن خلف الجمحي خاصم النبي صلى الله عليه وسلم في إنكار ~~البعث، وأتاه بعظم قد بلي ففتته بيده، وقال: أترى يحيي الله هذا بعد ما رم؟ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نعم ويبعثك ويدخلك النار" فأنزل الله هذه ~~الآيات (2) . PageV07P028 ### || # {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم (78) قل يحييها ~~الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ~~نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (81) إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون (82) } # {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه} بدء أمره، ثم {قال من يحيي العظام وهي رميم} ~~بالية، ولم يقل رميمة؛ لأنه معدول عن فاعلة، وكل ما كان معدولا عن وجهه ~~ووزنه كان مصروفا عن أخواته (1) ، كقوله: "وما كانت أمك بغيا" (مريم -28) ، ~~أسقط الهاء لأنها كانت مصروفة عن باغية. # {قل يحييها الذي أنشأها} خلقها (2) ، {أول مرة وهو بكل خلق عليم} . # {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا} قال ابن عباس: هما شجرتان يقال ~~لأحدهما: المرخ وللأخرى: العفار، فمن أراد منهم النار قطع منهما غصنين مثل ~~السواكين وهما خضراوان يقطر ms2135 منهما الماء، فيسحق المرخ على العفار فيخرج ~~منهما النار بإذن الله عز وجل (3) . # تقول العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، وقال الحكماء: في كل ~~شجر نار إلا العناب. {فإذا أنتم منه توقدون} أي: تقدحون وتوقدون النار من ~~ذلك الشجر، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان، فقال: # {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر} قرأ يعقوب: "يقدر" بالياء على ~~الفعل {على أن يخلق مثلهم بلى} أي: قل: بلى، هو قادر على ذلك {وهو الخلاق} ~~[يخلق خلقا بعد خلق] (4) ، {العليم} بجميع ما خلق. PageV07P029 ### || # {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون (83) } # {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو الطاهر ~~الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا علي بن الحسين ~~الدرابجردي، حدثنا عبد الله بن عثمان، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن ~~سليمان التيمي، عن أبي عثمان -وليس بالنهدي -عن معقل بن يسار قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "اقرؤوا على موتاكم سورة يس" (1) ورواه محمد بن ~~العلاء عن ابن المبارك، وقال: عن أبي عثمان وليس بالنهدي عن أبيه عن معقل ~~بن يسار. PageV07P030 ### | سورة الصافات # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) } # {والصافات صفا} قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: هم الملائكة في السماء ~~يصفون كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة. # أخبرنا عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو عمر القاسم بن جعفر ~~الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن ~~الأشعث، حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا زهير قال: سألت سليمان ~~الأعمش عن حديث جابر بن سمرة في الصفوف المقدمة فحدثنا عن المسيب بن رافع ~~عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم"؟ قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ ~~قال: "يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف" (2) . # وقيل: هم الملائكة تصف أجنحتها في الهواء ms2136 واقفة حتى يأمرها الله تعالى ~~بما يريد. # وقيل: هي الطيور (3) ، دليله قوله تعالى: "والطير صافات" (النور -41) . # قوله تعالى {فالزاجرات زجرا} يعني: الملائكة تزجر السحاب وتسوقه، وقال ~~قتادة: هي زواجر القرآن تنهى وتزجر عن القبائح. PageV07P033 ### || # {فالتاليات ذكرا (3) إن إلهكم لواحد (4) رب السماوات والأرض وما بينهما ~~ورب المشارق (5) إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) } # {فالتاليات ذكرا} هم الملائكة يتلون ذكر الله عز وجل. وقيل: هم جماعة ~~قراء القرآن (1) وهذا كله قسم أقسم الله تعالى به، وموضع القسم قوله: {إن ~~إلهكم لواحد} وقيل: فيه إضمار، أي: ورب الصافات والزاجرات والتاليات، وذلك ~~أن كفار مكة قالوا: "أجعل الآلهة إلها واحدا"؟ فأقسم الله بهؤلاء: "إن ~~إلهكم لواحد". # {رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق} أي: مطالع الشمس [قيل: أراد ~~به المشارق والمغارب، كما قال في موضع آخر: "فلا أقسم برب المشارق ~~والمغارب" (المعارج-40) ] (2) # فإن قيل: قد قال في موضع: "برب المشارق والمغارب"، وقال في موضع: "رب ~~المشرقين ورب المغربين" (الرحمن -17) وقال في موضع: "رب المشرق والمغرب" ~~(المزمل -9) ، فكيف وجه التوفيق بين هذه الآيات؟ # قيل: أما قوله: "رب المشرق والمغرب"، أراد به الجهة، فالمشرق جهة والمغرب ~~جهة. # وقوله: "رب المشرقين ورب المغربين" أراد: مشرق الشتاء ومشرق الصيف، وأراد ~~بالمغربين: مغرب الشتاء ومغرب الصيف. # وقوله: "برب المشارق والمغارب" أراد الله تعالى أنه خلق للشمس ثلثمائة ~~وستين كوة في المشرق، وثلثمائة وستين كوة في المغرب، على عدد أيام السنة، ~~تطلع الشمس كل يوم من كوة منها، وتغرب في كوة منها، لا ترجع إلى الكوة التي ~~تطلع منها إلى ذلك اليوم من العام المقبل، فهي المشارق والمغارب، وقيل: كل ~~موضع شرقت عليه الشمس فهو مشرق وكل موضع غربت عليه الشمس فهو مغرب، كأنه ~~أراد رب جميع ما أشرقت عليه الشمس وغربت. {إنا زينا السماء الدنيا بزينة ~~الكواكب} # قرأ عاصم، برواية أبي بكر: "بزينة" منونة (3) "الكواكب" نصب، أي: ~~بتزييننا الكواكب، وقرأ حمزة، وحفص: "بزينة" منونة، "الكواكب" خفضا على ~~البدل، أي: بزينة بالكواكب، أي: زيناها بالكواكب. وقرأ الآخرون: "بزينة ~~الكواكب"، بلا ms2137 تنوين على الإضافة. # قال ابن عباس: بضوء الكواكب. PageV07P034 ### || # {وحفظا من كل شيطان مارد (7) لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل ~~جانب (8) دحورا ولهم عذاب واصب (9) إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ~~(10) فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (11) } # {وحفظا} أي: وحفظناها حفظا 94/ب {من كل شيطان مارد} متمرد يرمون بها. {لا ~~يسمعون} قرأ حمزة، والكسائي، وحفص: "يسمعون" بتشديد السين والميم، أي: لا ~~يتسمعون، فأدغمت التاء في السين، وقرأ الآخرون بسكون السين خفيف الميم، ~~{إلى الملإ الأعلى} أي: إلى الكتبة من الملائكة. # و"الملأ الأعلى" هم الملائكة لأنهم في السماء، ومعناه: أنهم لا يستطيعون ~~الاستماع إلى الملأ الأعلى، {ويقذفون} يرمون، {من كل جانب} من آفاق السماء ~~بالشهب. {دحورا} يبعدونهم عن مجالس الملائكة، يقال: دحره دحرا ودحورا، إذا ~~طرده وأبعده، {ولهم عذاب واصب} # دائم، قال مقاتل: دائم إلى النفخة الأولى، لأنهم يحرقون ويتخبلون. {إلا ~~من خطف الخطفة} اختلس الكلمة من كلام الملائكة مسارقة، {فأتبعه} لحقه، ~~{شهاب ثاقب} # كوكب مضيء قوي لا يخطئه يقتله، أو يحرقه أو يخبله، وإنما يعودون إلى ~~استراق السمع مع علمهم بأنهم لا يصلون إليه طمعا في السلامة ونيل المراد، ~~كراكب البحر، قال عطاء: سمي النجم الذي يرمى به الشياطين ثاقبا لأنه ~~يثقبهم. # {فاستفتهم} أي: سلهم، يعني: أهل مكة، {أهم أشد خلقا أم من خلقنا} يعني: ~~من السموات والأرض والجبال، وهذا استفهام بمعنى التقرير، أي: هذه الأشياء ~~أشد خلقا كما قال: "لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس" (غافر -57) ~~وقال: "أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها" (النازعات -27) . # وقيل: "أم من خلقنا" يعني: من الأمم الخالية، لأن "من" يذكر فيمن يعقل، ~~يقول: إن هؤلاء ليسوا بأحكم خلقا من غيرهم من الأمم، وقد أهلكناهم بذنوبهم ~~فما الذي يؤمن هؤلاء من العذاب؟ ثم ذكر خلق الإنسان، فقال: # {إنا خلقناهم من طين لازب} يعني: جيد حر لاصق يعلق باليد، ومعناه اللازم، ~~أبدل الميم باء كأنه يلزم اليد. وقال مجاهد والضحاك: منتن. # PageV07P035 ### || # {بل عجبت ويسخرون (12) وإذا ذكروا لا ms2138 يذكرون (13) وإذا رأوا آية يستسخرون ~~(14) وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) } # {بل عجبت} قرأ حمزة، والكسائي: بضم التاء، وهي قراءة ابن مسعود، وابن ~~عباس والعجب من الله عز وجل ليس كالتعجب من الآدميين، كما قال: "فيسخرون ~~منهم سخر الله منهم" (التوبة -79) ، وقال عز وجل: "نسوا الله فنسيهم" ~~(التوبة -67) ، فالعجب من الآدميين: إنكاره وتعظيمه، والعجب من الله تعالى ~~قد يكون بمعنى الإنكار والذم، وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا كما جاء في ~~الحديث: "عجب ربكم من شاب ليست له صبوة" (1) . # وجاء في الحديث: "عجب ربكم من سؤالكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم" (2) # وسئل الجنيد عن هذه الآية، فقال: إن الله لا يعجب من شيء، ولكن الله وافق ~~رسوله لما عجب رسوله فقال: "وإن تعجب فعجب قولهم" (الرعد -5) أي: هو كما ~~تقوله. # وقرأ الآخرون بفتح التاء على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم: أي: عجبت من ~~تكذيبهم إياك، {ويسخرون} من تعجبك. # قال قتادة: عجب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن حين أنزل وضلال ~~بني آدم (3) ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظن أن كل من يسمع ~~القرآن يؤمن به، فلما سمع المشركون القرآن سخروا منه ولم يؤمنوا به، فعجب ~~من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى: "بل عجبت ويسخرون". # {وإذا ذكروا لا يذكرون} أي: إذا وعظوا بالقرآن لا يتعظون. # {وإذا رأوا آية} قال ابن عباس ومقاتل: يعني انشقاق القمر {يستسخرون} ~~يسخرون ويستهزءون، وقيل: يستدعي بعضهم عن بعض السخرية. # {وقالوا إن هذا إلا سحر مبين} [يعني سحر بين] (4) . PageV07P036 ### || # {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون (16) أوآباؤنا الأولون (17) ~~قل نعم وأنتم داخرون (18) فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) وقالوا ~~يا ويلنا هذا يوم الدين (20) هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون (21) ~~احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) من دون الله فاهدوهم ~~إلى صراط الجحيم (23) وقفوهم إنهم مسئولون (24) } # {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون} # {أوآباؤنا الأولون} أي: وآباؤنا الأولون. # {قل نعم} تبعثون، {وأنتم داخرون} صاغرون، والدخور أشد ms2139 الصغار. # {فإنما هي} أي: قصة البعث أو القيامة، {زجرة} أي: صيحة، {واحدة} يعني: ~~نفخة البعث، {فإذا هم ينظرون} أحياء. # {وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين} أي: يوم الحساب ويوم الجزاء. # {هذا يوم الفصل} يوم القضاء، وقيل: يوم الفصل بين المحسن والمسيء، {الذي ~~كنتم به تكذبون} . # {احشروا الذين ظلموا} أي: أشركوا، اجمعوهم إلى الموقف للحساب والجزاء، ~~{وأزواجهم} أشباههم وأتباعهم وأمثالهم. # قال قتادة والكلبي: كل من عمل مثل عملهم، فأهل الخمر مع أهل الخمر، وأهل ~~الزنا مع أهل الزنا. # وقال الضحاك ومقاتل: قرناءهم من الشياطين، كل كافر مع شيطانه في سلسلة. ~~وقال الحسن: وأزواجهم المشركات. # {وما كانوا يعبدون من دون الله} في الدنيا، يعني: الأوثان والطواغيت. ~~وقال: مقاتل: يعني إبليس وجنوده، واحتج بقوله: "أن لا تعبدوا الشيطان" (يس ~~-60) . # {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} قال ابن عباس: دلوهم إلى طريق النار. وقال ابن ~~كيسان: قدموهم. والعرب تسمي السابق هاديا. # {وقفوهم} احبسوهم، يقال: وقفته وقفا فوقف وقوفا. # قال المفسرون: لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط لأن السؤال عند ~~الصراط، فقيل: # PageV07P037 # وقفوهم {إنهم مسئولون} قال ابن عباس: عن جميع أقوالهم وأفعالهم. # وروي عنه عن: لا إله إلا الله. وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن أربعة أشياء: عن شبابه ~~فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن ~~علمه ماذا عمل به" (1) . PageV07P038 ### || # {ما لكم لا تناصرون (25) بل هم اليوم مستسلمون (26) وأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين (28) قالوا بل لم تكونوا ~~مؤمنين (29) } # {ما لكم لا تناصرون} أي: لا تتناصرون، يقال لهم توبيخا: ما لكم لا ينصر ~~بعضكم بعضا، يقول لهم خزنة النار، هذا جواب لأبي جهل حين قال يوم بدر: "نحن ~~جميع منتصر" (القمر -44) . # فقال الله تعالى: {بل هم اليوم مستسلمون} قال ابن عباس: خاضعون. وقال ~~الحسن: منقادون، يقال: استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع له، والمعنى: هم ~~اليوم أذلاء منقادون لا حيلة لهم. ms2140 # {وأقبل بعضهم على بعض} أي: الرؤساء والأتباع {يتساءلون} يتخاصمون. # {قالوا} أي: الأتباع للرؤساء، {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} أي: من قبل ~~الدين فتضلوننا عنه [وتروننا أن الدين ما تضلوننا به] (1) قاله الضحاك. ~~وقال مجاهد: عن الصراط الحق، واليمين عبارة عن الدين والحق، كما أخبر الله ~~تعالى عن إبليس: "ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم" ~~(الأعراف -17) فمن أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين فلبس عليه ~~الحق. # وقال بعضهم: كان الرؤساء 95/أيحلفون لهم أن ما يدعونهم إليه هو الحق، ~~فمعنى قوله: "تأتوننا عن اليمين" أي: من ناحية الأيمان التي كنتم تحلفونها ~~فوثقنا بها. # وقيل: "عن اليمين" أي: عن القوة والقدرة، كقوله: "لأخذنا منه باليمين" ~~(الحاقة -45) ، والمفسرون على القول الأول. # {قالوا} يعني: الرؤساء (2) للأتباع، {بل لم تكونوا مؤمنين} لم تكونوا على ~~الحق فنضلكم عنه، أي: إنما الكفر من قبلكم. PageV07P038 ### || # {وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين (30) فحق علينا قول ربنا ~~إنا لذائقون (31) فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) فإنهم يومئذ في العذاب ~~مشتركون (33) إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله ~~إلا الله يستكبرون (35) ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون (36) بل ~~جاء بالحق وصدق المرسلين (37) إنكم لذائقو العذاب الأليم (38) وما تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون (39) إلا عباد الله المخلصين (40) أولئك لهم رزق معلوم ~~(41) } # {وما كان لنا عليكم من سلطان} من قوة وقدرة فنقهركم على متابعتنا، {بل ~~كنتم قوما طاغين} ضالين. # {فحق} وجب، {علينا} جميعا، {قول ربنا} يعني: كلمة العذاب، وهي قوله: ~~"لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" (السجدة -13) {إنا لذائقون} العذاب، ~~أي: أن الضال والمضل جميعا في النار. # {فأغويناكم} فأضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى ما كنا عليه {إنا كنا ~~غاوين} ضالين. قال الله عز وجل: {فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون} الرؤساء ~~والأتباع. # {إنا كذلك نفعل بالمجرمين} قال ابن عباس: الذين جعلوا لله شركاء. # {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} يتكبرون عن كلمة ~~التوحيد، ويمتنعون منها. {ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا ms2141 لشاعر مجنون} يعنون ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # قال الله عز وجل ردا عليهم: {بل جاء} محمد، {بالحق وصدق المرسلين} أي: ~~أنه أتى بما أتى به المرسلون قبله. # {إنكم لذائقو العذاب الأليم وما تجزون إلا ما كنتم تعملون} في الدنيا من ~~الشرك. # {إلا عباد الله المخلصين} الموحدين. # {أولئك لهم رزق} يعني: بكرة وعشيا [كما قال: "ولهم رزقهم فيها بكرة ~~وعشيا" (مريم -62) ] (1) . PageV07P039 ### || # {فواكه وهم مكرمون (42) في جنات النعيم (43) على سرر متقابلين (44) يطاف ~~عليهم بكأس من معين (45) بيضاء لذة للشاربين (46) لا فيها غول ولا هم عنها ~~ينزفون (47) وعندهم قاصرات الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون (49) } # {فواكه} جمع الفاكهة، وهي الثمار كلها رطبها ويابسها، وهي كل طعام يؤكل ~~للتلذذ لا للقوت، {وهم مكرمون} بثواب الله. # {في جنات النعيم على سرر متقابلين} لا يرى بعضهم قفا بعض. # {يطاف عليهم بكأس} إناء فيه شراب ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب، وإلا ~~فهو إناء، {من معين} خمر جارية في الأنهار ظاهرة تراها العيون. # {بيضاء} قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن، {لذة} أي: لذيذة، ~~{للشاربين} . # {لا فيها غول} قال الشعبي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها. قال الكلبي: إثم. ~~وقال قتادة: وجع البطن. وقال الحسن: صداع. # وقال أهل المعاني: "الغول" فساد يلحق في خفاء، يقال: اغتاله اغتيالا إذا ~~أفسد عليه أمره في خفية، وخمرة الدنيا يحصل منها أنواع من الفساد منها ~~السكر وذهاب العقل، ووجع البطن، والصداع، والقيء، والبول، ولا يوجد شيء من ~~ذلك في خمر الجنة. # {ولا هم عنها ينزفون} قرأ حمزة والكسائي: "ينزفون" بكسر الزاي، وافقهما ~~عاصم في الواقعة، وقرأ الآخرون بفتح الزاي فيهما، فمن فتح الزاي فمعناه: لا ~~يغلبهم على عقولهم ولا يسكرون يقال: نزف الرجل فهو منزوف ونزيف، إذا سكر، ~~ومن كسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم، يقال: أنزف الرجل فهو منزوف، إذا ~~فنيت خمره. # {وعندهم قاصرات الطرف} حابسات الأعين غاضات الجفون، قصرن أعينهن على ~~أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم، {عين} أي: حسان الأعين، يقال: رجل أعين وامرأة ~~عيناء ونساء عين. # {كأنهن ms2142 بيض} [جمع البيضة] (1) {مكنون} مصون مستور، وإنما ذكر "المكنون ~~والبيض" جمع لأنه رده إلى اللفظ. # قال الحسن: شبههن ببيض النعامة تكنها بالريش من الريح والغبار، فلونها ~~أبيض في صفرة. ويقال: هذا أحسن ألوان النساء أن تكون المرأة بيضاء مشربة ~~صفرة، والعرب تشبهها ببيضة النعامة. PageV07P040 ### || # {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) ~~} # {يقول أئنك لمن المصدقين (52) أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون ~~(53) قال هل أنتم مطلعون (54) فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) قال تالله إن ~~كدت لتردين (56) ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين ~~(58) إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (59) } # {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} يعني: أهل الجنة في الجنة يسأل بعضهم ~~بعضا عن حاله في الدنيا. # {قال قائل منهم} يعني: من أهل الجنة: {إني كان لي قرين} في الدنيا ينكر ~~البعث. # قال مجاهد: كان شيطانا. وقال الآخرون: كان من الإنس (1) . وقال مقاتل: ~~كانا أخوين. وقال الباقون: كانا شريكين أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر ~~مؤمن اسمه يهوذا، وهما اللذان قص الله تعالى خبرهما في سورة الكهف (2) في ~~قوله تعالى: "واضرب لهم مثلا رجلين" (الكهف -32) . # {يقول أئنك لمن المصدقين} بالبعث. # {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون} مجزيون ومحاسبون وهذا ~~استفهام إنكار. # {قال} الله تعالى لأهل الجنة: {هل أنتم مطلعون} إلى النار، وقيل: يقول ~~المؤمن لإخوانه من أهل الجنة: هل أنتم مطلعون إلى النار لننظر كيف منزلة ~~أخي، فيقول أهل الجنة: أنت أعرف به منا. # {فاطلع} قال ابن عباس: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار (3) ~~فاطلع هذا المؤمن، {فرآه في سواء الجحيم} فرأى قرينه في وسط النار، وإنما ~~سمي وسط الشيء سواء لاستواء الجوانب منه. # {قال} له: {تالله إن كدت لتردين} والله لقد كدت أن تهلكني، قال مقاتل: ~~والله لقد كدت أن تغويني، ومن أغوى إنسانا فقد أهلكه. # {ولولا نعمة ربي} رحمته وإنعامه علي بالإسلام، {لكنت من المحضرين} معك في ~~النار. # {أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى} في الدنيا {وما نحن بمعذبين} ms2143 قال ~~بعضهم: يقول هذا أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت: أفما نحن بميتين؟ ~~فتقول لهم الملائكة: لا. PageV07P041 ### || # {إن هذا لهو الفوز العظيم (60) لمثل هذا فليعمل العاملون (61) أذلك خير ~~نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) إنها شجرة تخرج ~~في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رءوس الشياطين (65) فإنهم لآكلون منها ~~فمالئون منها البطون (66) } # فيقولون {إن هذا لهو الفوز العظيم} وقيل: إنما يقولونه على جهة الحديث ~~بنعمة الله عليهم في أنهم لا يموتون ولا يعذبون. وقيل: يقوله المؤمن لقرينه ~~على جهة التوبيخ بما كان ينكره (1) . # قال الله تعالى: {لمثل هذا فليعمل العاملون} أي: لمثل هذا المنزل ولمثل ~~هذا النعيم الذي ذكره من قوله: "أولئك لهم رزق معلوم" إلى "فليعمل ~~العاملون". # {أذلك} أي: ذلك الذي ذكر لأهل الجنة، {خير نزلا أم شجرة الزقوم} التي هي ~~نزل أهل النار، والزقوم: ثمرة شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم، يكره أهل النار ~~على تناولها، فهم يتزقمونه على أشد كراهية، ومنه قولهم: تزقم الطعام إذا ~~تناوله على كره ومشقة. # {إنا جعلناها فتنة للظالمين} الكافرين وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في ~~النار شجرة والنار تحرق الشجر؟ وقال ابن الزبعرى لصناديد قريش: إن محمدا ~~يخوفنا بالزقوم، والزقوم بلسان بربر: 95/ب الزبد والتمر، فأدخلهم أبو جهل ~~بيته وقال: يا جارية زقمينا، فأتتهم بالزبد والتمر، فقال: تزقموا فهذا ما ~~يوعدكم به محمد (2) . # فقال الله تعالى: {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم} قعر النار، قال الحسن: ~~أصلها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. # {طلعها} ثمرها سمي طلعا لطلوعه، {كأنه رؤوس الشياطين} قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: هم الشياطين بأعيانهم شبه بها لقبحها، لأن الناس إذا وصفوا ~~شيئا بغاية القبح قالوا: كأنه شيطان، وإن كانت الشياطين لا ترى لأن قبح ~~صورتها متصور في النفس، وهذا معنى قول ابن عباس والقرظي، وقال بعضهم: أراد ~~بالشياطين الحيات، والعرب تسمي الحية القبيحة المنظر شيطانا. # وقيل: هي شجرة قبيحة مرة منتنة تكون في البادية، تسميها العرب رؤوس ~~الشياطين. # {فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون} والملء: حشو ms2144 الوعاء لا يحتمل ~~الزيادة عليه. PageV07P042 ### || # {ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم (67) ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم (68) إنهم ~~ألفوا آباءهم ضالين (69) فهم على آثارهم يهرعون (70) ولقد ضل قبلهم أكثر ~~الأولين (71) ولقد أرسلنا فيهم منذرين (72) فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ~~(73) إلا عباد الله المخلصين (74) ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (75) ~~ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) } # {وجعلنا ذريته هم الباقين (77) } # {ثم إن لهم عليها لشوبا} خلطا ومزاجا {من حميم} من ماء حار شديد الحرارة، ~~يقال: لهم إذا أكلوا الزقوم: اشربوا عليه الحميم، فيشوب الحميم في بطونهم ~~الزقوم فيصير شوبا لهم. # {ثم إن مرجعهم} بعد شرب الحميم، [ {لإلى الجحيم} وذلك أنهم يوردون ~~الحميم] (1) لشربه وهو خارج من الحميم كما تورد الإبل الماء، ثم يردون إلى ~~الجحيم، دل عليه قوله تعالى: "يطوفون بينها وبين حميم آن" (الرحمن -44) ~~وقرأ ابن مسعود: (ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم) . # {إنهم ألفوا} وجدوا، {آباءهم ضالين} . {فهم على آثارهم يهرعون} يسرعون، ~~قال الكلبي: يعملون مثل أعمالهم. # {ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين} من الأمم الخالية. # {ولقد أرسلنا فيهم منذرين فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} الكافرين أي: ~~كان عاقبتهم العذاب. # {إلا عباد الله المخلصين} الموحدين نجوا من العذاب. # قوله عز وجل: {ولقد نادانا نوح} دعا ربه على قومه فقال: "إني مغلوب ~~فانتصر" (القمر -10) {فلنعم المجيبون} نحن، يعني: أجبنا دعاءه وأهلكنا ~~قومه. # {ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} [الغم العظيم] (2) الذي لحق قومه وهو ~~الغرق. # {وجعلنا ذريته هم الباقين} وأراد أن الناس كلهم من نسل نوح. # روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما خرج نوح من السفينة مات من كان معه من ~~الرجال والنساء إلا ولده ونساءهم (3) . PageV07P043 # قال سعيد بن المسيب: كان ولد نوح ثلاثة: سام وحام ويافث، فسام أبو العرب ~~وفارس والروم، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وما ~~هنالك (1) . ### || # {وتركنا عليه في الآخرين (78) سلام على نوح في العالمين (79) إنا كذلك ~~نجزي المحسنين (80) إنه من عبادنا المؤمنين (81) ثم أغرقنا الآخرين (82) ~~وإن من شيعته لإبراهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84) إذ قال ms2145 لأبيه وقومه ~~ماذا تعبدون (85) أئفكا آلهة دون الله تريدون (86) فما ظنكم برب العالمين ~~(87) فنظر نظرة في النجوم (88) فقال إني سقيم (89) } # {وتركنا عليه في الآخرين} أي: أبقينا له ثناء حسنا وذكرا جميلا فيمن بعده ~~من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة. # {سلام على نوح في العالمين} [أي: سلام عليه منا في العالمين] (2) وقيل: ~~أي تركنا عليه في الآخرين أن يصلى عليه إلى يوم القيامة. # {إنا كذلك نجزي المحسنين} قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في ~~العالمين. {إنه من عبادنا المؤمنين ثم أغرقنا الآخرين} [يعني الكفار] (3) . # قوله تعالى {وإن من شيعته} [أي: أهل دينه وسنته] (4) . {لإبراهيم إذ جاء ~~ربه بقلب سليم} مخلص من الشرك والشك. # {إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون} استفهام توبيخ. # {أئفكا آلهة دون الله تريدون} يعني: أتأفكون إفكا وهو أسوأ الكذب وتعبدون ~~آلهة سوى الله. # {فما ظنكم برب العالمين} -إذ لقيتموه وقد عبدتم غيره -أنه يصنع بكم. # {فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم} قال ابن عباس: كان قومه يتعاطون علم ~~النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه، وذلك أنه أراد أن يكايدهم ~~في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وكان لهم من الغد عيد ومجمع، ~~وكانوا يدخلون على أصنامهم [ويقربون لهم القرابين] (5) ، ويصنعون بين ~~أيديهم الطعام قبل خروجهم إلى عيدهم -زعموا -للتبرك عليه فإذا PageV07P044 # انصرفوا من عيدهم أكلوه، فقالوا لإبراهيم: ألا تخرج غدا معنا إلى عيدنا؟ ~~فنظر إلى النجوم فقال: إني سقيم، قال ابن عباس: مطعون، وكانوا يفرون من ~~الطاعون فرارا عظيما. قال الحسن: مريض. وقال مقاتل: وجع. وقال الضحاك: ~~سأسقم. ### || # {فتولوا عنه مدبرين (90) فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون (91) ما لكم لا ~~تنطقون (92) فراغ عليهم ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه يزفون (94) قال ~~أتعبدون ما تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون (96) قالوا ابنوا له بنيانا ~~فألقوه في الجحيم (97) فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين (98) } # {فتولوا عنه مدبرين} إلى عيدهم، فدخل إبراهيم على الأصنام فكسرها. كما ~~قال الله تعالى: {فراغ إلى آلهتهم} مال إليها ميلة في خفية، ولا يقال: ~~"راغ" ms2146 حتى يكون صاحبه مخفيا لذهابه ومجيئه، {فقال} استهزاء بها: {ألا ~~تأكلون} يعني: الطعام الذي بين أيديكم. # {ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم} مال عليهم، {ضربا باليمين} أي: كان يضربهم ~~بيده اليمنى لأنها أقوى على العمل من الشمال. وقيل: باليمين أي: بالقوة. ~~وقيل: أراد به القسم الذي سبق منه وهو قوله: "وتالله لأكيدن أصنامكم" ~~(الأنبياء-57) . # {فأقبلوا إليه} يعني: إلى إبراهيم {يزفون} يسرعون، وذلك أنهم أخبروا ~~بصنيع إبراهيم بآلهتهم فأسرعوا إليه ليأخذوه. # قرأ الأعمش وحمزة: "يزفون" بضم الياء وقرأ الآخرون بفتحها، وهما لغتان. ~~وقيل: بضم الياء، أي: يحملون دوابهم على الجد والإسراع. # {قال} لهم إبراهيم على وجه الحجاج: {أتعبدون ما تنحتون} يعني: ما تنحتون ~~بأيديكم. # {والله خلقكم وما تعملون} بأيديكم من الأصنام، وفيه دليل على أن أفعال ~~العباد مخلوقة لله تعالى. # {قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم} معظم النار، قال مقاتل: بنوا ~~له حائطا من الحجر طوله في السماء ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، وملؤوه ~~من الحطب وأوقدوا فيه النار وطرحوه فيها. # {فأرادوا به كيدا} شرا وهو أن يحرقوه، {فجعلناهم الأسفلين} أي: المقهورين ~~حيث سلم الله تعالى إبراهيم ورد كيدهم. # PageV07P045 ### || # {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) رب هب لي من الصالحين (100) فبشرناه ~~بغلام حليم (101) فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني ~~أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين (102) } # {وقال} يعني: إبراهيم {إني ذاهب إلى ربي} أي: مهاجر إلى ربي، والمعنى: ~~أهجر دار الكفر وأذهب إلى مرضاة ربي، قاله بعد الخروج من النار، كما قال: ~~"إني مهاجر إلى ربي" (العنكبوت -26) ، {سيهدين} إلى حيث أمرني بالمصير ~~إليه، وهو الشام. # قال مقاتل: فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد فقال: {رب هب لي من ~~الصالحين} يعني: هب لي ولدا صالحا من الصالحين. # {فبشرناه بغلام حليم} قيل: غلام في صغره، حليم في كبره، ففيه بشارة أنه ~~ابن وأنه يعيش فينتهي في السن حتى يوصف بالحلم. # {فلما بلغ معه السعي} قال 96/أابن ms2147 عباس وقتادة: يعني المشي معه إلى ~~الجبل. وقال مجاهد عن ابن عباس: لما شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم (1) ~~والمعنى: بلغ أن يتصرف معه ويعينه في عمله. قال الكلبي: يعني العمل لله ~~تعالى، وهو قول الحسن ومقاتل بن حيان وابن زيد، قالوا: هو العبادة لله ~~تعالى. # واختلفوا في سنه، قيل: كان ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: كان ابن سبع سنين. # {قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك} واختلف العلماء من المسلمين في ~~هذا الغلام الذي أمر إبراهيم بذبحه بعد اتفاق أهل الكتابين على أنه إسحاق، ~~فقال قوم: هو إسحاق وإليه ذهب من الصحابة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن ~~عباس، ومن التابعين وأتباعهم: كعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، ~~وعكرمة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي، وهي رواية عكرمة وسعيد بن جبير ~~[عن ابن عباس، وقالوا: كانت هذه القصة بالشام] (2) . # وروي عن سعيد بن جبير قال: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام (3) ، فسار ~~به مسيرة شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر بمنى، فلما أمره الله تعالى ~~بذبح الكبش، ذبحه وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة وطويت له الأودية ~~والجبال. # وقال آخرون: هو إسماعيل، وإليه ذهب عبد الله بن عمر، وهو قول سعيد بن ~~المسيب، والشعبي، والحسن البصري، ومجاهد، والربيع بن أنس، ومحمد بن كعب ~~القرظي، والكلبي، وهي رواية عطاء بن أبي رباح، ويوسف بن ماهك عن ابن عباس، ~~قال: المفدى إسماعيل. # وكلا القولين يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذهب إلى أن ~~الذبيح إسحاق احتج من القرآن بقوله: "فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه ~~السعي" (الصافات-101) أمره بذبح من بشره به، وليس في القرآن أنه بشر بولد ~~سوى إسحاق، كما قال في سورة هود: "فبشرناها بإسحاق" (هود-71) . PageV07P046 # ومن ذهب إلى أنه إسماعيل احتج بأن الله تعالى ذكر البشارة بإسحاق بعد ~~الفراغ من قصة المذبوح فقال: "وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين" ~~(الصافات-112) دل على أن المذبوح غيره، وأيضا قال الله تعالى في سورة هود: ~~"فبشرناها ms2148 بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب" (هود-71) فكما بشره بإسحاق بشره ~~بابنه يعقوب، فكيف يأمره بذبح إسحاق وقد وعده بنافلة منه. # قال القرظي: سأل عمر بن عبد العزيز رجلا كان من علماء اليهود أسلم وحسن ~~إسلامه: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل، ثم قال: يا أمير ~~المؤمنين إن اليهود لتعلم ذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون ~~أباكم الذي كان من أمر الله تعالى بذبحه، ويزعمون أنه إسحاق. # ومن الدليل عليه: أن قرني الكبش كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل ~~إلى أن احترق البيت واحترق القرنان في أيام ابن الزبير والحجاج. # قال الشعبي: رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة. # وعن ابن عباس قال: والذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش ~~لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة، قد وحش، يعني يبس. # قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح إسحاق كان أو إسماعيل؟ ~~فقال: يا صميع أين ذهب عقلك متى كان إسحاق بمكة؟ إنما كان إسماعيل بمكة، ~~وهو الذي بنى البيت مع أبيه. # وأما قصة الذبح قال السدي: لما دعا إبراهيم فقال: رب هب لي من الصالحين، ~~وبشر به، قال: هو إذا لله ذبيح، فلما ولد وبلغ معه السعي قيل له: أوف ~~بنذرك، هذا هو السبب في أمر الله تعالى إياه بذبح ابنه، فقال عند ذلك، ~~لإسحاق: انطلق فقرب قربانا لله تعالى فأخذ سكينا وحبلا وانطلق معه حتى ذهب ~~به بين الجبال، فقال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: "يا بني إني أرى ~~في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر". # PageV07P047 # وقال محمد بن إسحاق: كان إبراهيم إذا زار هاجر وإسماعيل حمل على البراق ~~فيغدو من الشام فيقيل بمكة، ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام، حتى إذا ~~بلغ إسماعيل معه السعي، وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من عبادة ربه ~~وتعظيم حرماته، أمر في المنام أن يذبحه، وذلك أنه رأى ليلة التروية كأن ~~قائلا يقول له: إن الله يأمرك ms2149 بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روي في نفسه أي: ~~فكر من الصباح إلى الرواح، أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان؟ فمن ثم سمي ~~يوم التروية فلما أمسى رأى في المنام ثانيا، فلما أصبح عرف أن ذلك من الله ~~عز وجل، فمن ثم سمي يوم عرفة. # قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متواليات، فلما تيقن ذلك أخبر به ~~ابنه، فقال: "يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى". # قرأ حمزة والكسائي: "ترى" بضم التاء وكسر الراء -ماذا تشير، وإنما أمره ~~ليعلم صبره على أمر الله تعالى، وعزيمته على طاعته. # وقرأ العامة بفتح التاء والراء إلا أبا عمرو فإنه يميل الراء. # قال له ابنه: {يا أبت افعل ما تؤمر} وقال ابن إسحاق وغيره: فلما أمر ~~إبراهيم بذلك قال لابنه: يا بني خذ الحبل والمدية ننطلق إلى هذا الشعب ~~نحتطب، فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما أمر، {قال يا أبت ~~افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} . # PageV07P048 ### || # {فلما أسلما وتله للجبين (103) } # {فلما أسلما} انقادا وخضعا لأمر الله تعالى، قال قتادة: أسلم إبراهيم ~~ابنه وأسلم الابن نفسه، {وتله للجبين} أي: صرعه على الأرض. قال ابن عباس: ~~أضجعه على جبينه على الأرض والجبهة بين الجبينين، قالوا: فقال له ابنه الذي ~~أراد ذبحه: يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح ~~عليها من دمي شيء فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك، وأسرع مر ~~السكين على حلقي ليكون أهون علي فإن الموت شديد، وإذا أتيت أمي فاقرأ عليها ~~السلام مني، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل، فإنه عسى أن يكون أسلى ~~لها عني، فقال له إبراهيم عليه السلام: نعم العون أنت يا بني على أمر الله، ~~ففعل إبراهيم ما أمر به ابنه، ثم أقبل عليه فقبله وقد ربطه وهو يبكي 96/ب ~~[والابن أيضا يبكي] (1) ثم إنه وضع السكين على حلقه فلم تحك السكين. ~~PageV07P048 # ويروى أنه كان يجر الشفرة في ms2150 حلقه فلا تقطع، فشحذها مرتين أو ثلاثة ~~بالحجر، كل ذلك لا تستطيع. # قال السدي: ضرب الله تعالى صفحة من نحاس على حلقه (1) قالوا: فقال الابن ~~عند ذلك: يا أبت كبني لوجهي على جبيني فإنك إذا نظرت في وجهي رحمتني ~~وأدركتك رقة تحول بينك وبين أمر الله تعالى، وإني لا أنظر إلى الشفرة ~~فأجزع، ففعل ذلك إبراهيم ثم وضع الشفرة على قفاه فانقلبت السكين ونودي: أن ~~يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. # وروى أبو هريرة عن كعب الأحبار وابن إسحاق عن رجاله قال: لما رأى إبراهيم ~~ذبح ابنه قال الشيطان: لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن منهم أحدا ~~أبدا، فتمثل له الشيطان رجلا وأتى أم الغلام، فقال لها: هل تدرين أين ذهب ~~إبراهيم بابنك؟ قالت: ذهب به يحتطبان من هذا الشعب، قال: لا والله ما ذهب ~~به إلا ليذبحه، قالت: كلا هو أرحم به وأشد حبا له من ذلك، قال: إنه يزعم أن ~~الله قد أمره بذلك، قالت: فإن كان ربه أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ربه، ~~فخرج الشيطان من عندها حتى أدرك الابن وهو يمشي على إثر أبيه، فقال له: يا ~~غلام هل تدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: نحتطب لأهلنا من هذا الشعب، قال: ~~والله ما يريد إلا أن يذبحك، قال: ولم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قال: ~~فليفعل ما أمره به ربه فسمعا وطاعة، فلما امتنع منه الغلام أقبل على ~~إبراهيم عليه السلام فقال له: أين تريد أيها الشيخ؟ قال: أريد هذا الشعب ~~لحاجة لي فيه، قال: والله إني لا أرى الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ~~ابنك هذا، فعرفه إبراهيم عليه السلام، فقال: إليك عني يا عدو الله فوالله ~~لأمضين لأمر ربي، فرجع إبليس بغيظه لم يصب من إبراهيم وآله شيئا مما أراد، ~~قد امتنعوا منه بعون الله تعالى. (2) # وروى أبو الطفيل عن ابن عباس: أن إبراهيم لما أمر بذبح ابنه عرض له ~~الشيطان بهذا المشعر فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب إلى ms2151 جمرة العقبة فعرض له ~~الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع ~~حصيات حتى ذهب، ثم أدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم ~~مضى إبراهيم لأمر الله عز وجل (3) . # قال الله عز وجل: "فلما أسلما وتله للجبين" PageV07P049 ### || # {وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين ~~(105) إن هذا لهو البلاء المبين (106) وفديناه بذبح عظيم (107) } # {وناديناه} الواو في "وناديناه" مقحمة صلة، مجازه: ناديناه كقوله: ~~"وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه" (يوسف-15) أي: أوحينا ~~إليه، فنودي من الجبل: {أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} ، تم الكلام هاهنا ~~ثم ابتدأ فقال: {إنا كذلك نجزي المحسنين} والمعنى: إنا كما عفونا إبراهيم ~~عن ذبح ولده نجزي من أحسن في طاعتنا، قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه في ~~طاعته العفو عن ذبح ابنه. # {إن هذا لهو البلاء المبين} الاختيار الظاهر حيث اختبره بذبح ابنه. وقال ~~مقاتل: البلاء هاهنا: النعمة، وهي أن فدي ابنه بالكبش. # فإن قيل: كيف قال: صدقت الرؤيا، وكان قد رأى الذبح ولم يذبح؟. # قيل: جعله مصدقا لأنه قد أتى بما أمكنه، والمطلوب إسلامهما لأمر الله ~~تعالى وقد فعلا. # وقيل: [كان قد] (1) رأى في النوم معاجلة الذبح ولم ير إراقة الدم، وقد ~~فعل في اليقظة ما رأى في النوم، فلذلك قال له: "قد صدقت الرؤيا". # {وفديناه بذبح عظيم} فنظر إبراهيم فإذا هو بجبريل ومعه كبش أملح أقرن، ~~فقال: هذا فداء لابنك فاذبحه دونه، فكبر جبريل، وكبر الكبش، وكبر ابنه، ~~فأخذ إبراهيم الكبش فأتى به المنحر من منى فذبحه. # قال أكثر المفسرين: كان ذلك الكبش رعى في الجنة أربعين خريفا (2) . # وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكبش الذي ذبحه إبراهيم هو الذي ~~قربه ابن آدم هابيل (3) . # قال سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيما. قال مجاهد: سماه عظيما لأنه ~~متقبل (4) . وقال الحسين بن الفضل: لأنه كان من عند الله. وقيل: عظيم في ~~الشخص. وقيل: في الثواب. PageV07P050 # وقال الحسن: ما ms2152 فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير (1) . ### || # {وتركنا عليه في الآخرين (108) سلام على إبراهيم (109) كذلك نجزي ~~المحسنين (110) إنه من عبادنا المؤمنين (111) وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين (112) وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ~~(113) ولقد مننا على موسى وهارون (114) ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ~~(115) ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (116) وآتيناهما الكتاب المستبين (117) ~~وهديناهما الصراط المستقيم (118) وتركنا عليهما في الآخرين (119) سلام على ~~موسى وهارون (120) إنا كذلك نجزي المحسنين (121) إنهما من عبادنا المؤمنين ~~(122) } # {وتركنا عليه في الآخرين} أي: تركنا له في الآخرين ثناء حسنا. # {سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه ~~بإسحاق نبيا من الصالحين} فمن جعل الذبيح إسماعيل قال: بشره بعد هذه القصة ~~بإسحاق نبيا جزاء لطاعته، ومن جعل الذبيح إسحاق قال: بشر إبراهيم بنبوة ~~إسحاق. رواه عكرمة عن ابن عباس. قال: بشر به مرتين حين ولد وحين نبئ. # {وباركنا عليه} يعني: على إبراهيم في أولاده، {وعلى إسحاق} بكون أكثر ~~الأنبياء من نسله، {ومن ذريتهما محسن} أي: مؤمن، {وظالم لنفسه} أي: كافر، ~~{مبين} ظاهر. # قوله تعالى: {ولقد مننا على موسى وهارون} أنعمنا عليهما بالنبوة. # {ونجيناهما وقومهما} بني إسرائيل، {من الكرب العظيم} أي: الغم العظيم وهو ~~الذي كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم. وقيل: من الغرق. # {ونصرناهم} يعني: موسى وهارون وقومهما، {فكانوا هم الغالبين} على القبط. ~~{وآتيناهما الكتاب المستبين} أي: المستنير وهو التوراة. # {وهديناهما الصراط المستقيم وتركنا عليهما في الآخرين سلام على موسى ~~وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين} . PageV07P051 ### || # {وإن إلياس لمن المرسلين (123) } # قوله تعالى: {وإن إلياس لمن المرسلين} روي عن عبد الله بن مسعود قال: ~~إلياس هو إدريس. وفي مصحفه: وإن إدريس لمن المرسلين. وهذا قول عكرمة. # وقال الآخرون: هو نبي من أنبياء بني إسرائيل. # قال ابن عباس: هو ابن عم اليسع. # قال محمد بن إسحاق: هو إلياس بن بشر بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن ~~عمران. # وقال أيضا محمد بن إسحاق، والعلماء من أصحاب الأخبار: لما قبض الله ms2153 عز ~~وجل حزقيل النبي صلى الله عليه وسلم، عظمت الأحداث في بني إسرائيل وظهر ~~فيهم الفساد والشرك، ونصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله، فبعث الله عز وجل ~~إليهم إلياس نبيا وكانت الأنبياء 97/أمن بني إسرائيل يبعثون بعد موسى ~~بتجديد ما نسوا من التوراة، وبنو إسرائيل كانوا متفرقين في أرض الشام، وكان ~~سبب ذلك أن يوشع بن نون لما فتح الشام بوأها بني إسرائيل وقسمها بينهم، ~~فأحل سبطا منهم ببعلبك ونواحيها، وهم السبط الذين كان منهم إلياس فبعثه ~~الله تعالى إليهم نبيا، وعليهم يومئذ ملك يقال له: آجب قد أضل قومه وأجبرهم ~~على عبادة الأصنام، وكان يعبد هو وقومه صنما يقال له: بعل، وكان طوله عشرين ~~ذراعا وله أربعة وجوه، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل وهم لا يسمعون ~~منه شيئا إلا ما كان من أمر الملك فإنه صدقه وآمن به فكان إلياس يقوم أمره ~~ويسدده ويرشده، وكان لآجب الملك هذا امرأة يقال لها: أزبيل وكان يستخلفها ~~على رعيته إذا غاب عنهم في غزاة أو غيرها، وكانت تبرز للناس وتقضي بين ~~الناس، وكانت قتالة للأنبياء، يقال: هي التي قتلت يحيى بن زكريا عليهما ~~السلام، وكان لها كاتب رجل مؤمن حكيم يكتم إيمانه، وكان قد خلص من يدها ~~ثلثمائة نبي كانت تريد قتل كل واحد منهم إذا بعث سوى الذين قتلتهم، وكانت ~~في نفسها غير محصنة، وكانت قد تزوجت سبعة من ملوك بني إسرائيل، وقتلت كلهم ~~بالاغتيال وكانت معمرة يقال إنها ولدت سبعين ولدا وكان لآجب هذا جار رجل ~~صالح يقال له مزدكي، وكانت له جنينة يعيش منها، ويقبل على عمارتها ومرمتها ~~وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته، وكانا يشرفان على تلك الجنينة ~~يتنزهان فيها ويأكلان ويشربان ويقيلان فيها، وكان آجب الملك يحسن جوار ~~صاحبها مزدكي، ويحسن إليه، وامرأته أزبيل تحسده لأجل تلك الجنينة، وتحتال ~~أن تغصبها منه لما تسمع الناس يكثرون ذكرها ويتعجبون من حسنها، وتحتال أن ~~تقتله والملك ينهاها عن ذلك ولا تجد عليه سبيلا ثم إنه اتفق ms2154 خروج الملك إلى ~~سفر بعيد وطالت غيبته فاغتنمت امرأته أزبيل ذلك فجمعت جمعا من الناس # PageV07P052 # وأمرتهم أن يشهدوا على مزدكي أنه سب زوجها آجب فأجابوها إليه، وكان في ~~حكمهم في ذلك الزمان القتل على من سب الملك إذا قامت عليه البينة، فأحضرت ~~مزدكي وقالت له: بلغني أنك شتمت الملك فأنكر مزدكي، فأحضرت الشهود فشهدوا ~~عليه بالزور، فأمرت بقتله وأخذت جنينته، فغضب الله عليهم للعبد الصالح، ~~فلما قدم الملك من سفره أخبرته الخبر، فقال لها: ما أصبت ولا أرانا نفلح ~~بعده، فقد جاورنا منذ زمان فأحسنا جواره وكففنا عنه الأذى لوجوب حقه علينا، ~~فختمت أمره بأسوأ الجوار، فقالت: إنما غضبت لك وحكمت بحكمك، فقال لها: أو ~~ما كان يسعه حلمك فتحفظين له جواره؟ قالت: قد كان ما كان، فبعث الله تعالى ~~إلياس إلى آجب الملك وقومه، وأمره أن يخبرهم أن الله تعالى قد غضب لوليه ~~حين قتلوه ظلما، وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما ولم يردا ~~الجنينة على ورثة مزدكي أن يهلكهما، يعني آجب وامرأته، في جوف الجنينة، ثم ~~يدعهما جيفتين ملقاتين فيها حتى تتعرى عظامهما من لحومهما، ولا يتمتعان بها ~~إلا قليلا قال: فجاء إلياس وأخبره بما أوحى الله تعالى إليه في أمره وأمر ~~امرأته ورد الجنينة، فلما سمع الملك ذلك اشتد غضبه عليه ثم قال له: يا ~~إلياس والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلا وما أرى فلانا وفلانا -سمى ~~ملوكا منهم قد عبدوا الأوثان -إلا على مثل ما نحن عليه يأكلون ويتمتعون ~~مملكين ما ينقص من دنياهم أمرهم الذي تزعم أنه باطل، وما نرى لنا عليهم من ~~فضل، قال: وهم الملك بتعذيب إلياس وقتله، فلما أحس إلياس بالشر [والمكر به] ~~(1) رفضه وخرج عنه، فلحق بشواهق الجبال، وعاد الملك إلى عبادة بعل، وارتقى ~~إلياس إلى أصعب جبل وأشمخه فدخل مغارة فيه. # ويقال: إنه بقي سبع سنين شريدا خائفا يأوي إلى الشعاب والكهوف يأكل من ~~نبات الأرض وثمار الشجر وهم في طلبه قد وضعوا عليه العيون ms2155 والله يستره، ~~فلما مضى سبع سنين أذن الله في إظهاره عليهم وشفاء غيظه منهم، فأمرض الله ~~عز وجل ابنا لآجب وكان أحب ولده إليه وأشبههم به، فأدنف حتى يئس منه، فدعا ~~صنمه بعلا -وكانوا قد فتنوا ببعل وعظموه حتى جعلوا له أربعمائة سادن ~~-فوكلوهم به وجعلوهم أنبياءه (2) ، وكان الشيطان يدخل في جوف الصنم فيتكلم، ~~والأربعمائة يصغون بآذانهم إلى ما يقول الشيطان ويوسوس إليهم الشيطان ~~بشريعة من الضلال فيبثونها للناس، فيعملون بها ويسمونهم أنبياء. # فلما اشتد مرض ابن الملك طلب إليهم الملك أن يتشفعوا إلى بعل، ويطلبوا ~~لابنه من قبله الشفاء فدعوه فلم يجبهم، ومنع الله الشيطان فلم يمكنه الولوج ~~في جوفه، وهم مجتهدون في التضرع إليه، فلما طال عليهم ذلك قالوا لآجب: إن ~~في ناحية الشام آلهة أخرى فابعث إليها أنبياءك فلعلها تشفع PageV07P053 # لك إلى إلهك بعل، فإنه غضبان عليك، ولولا غضبه عليك لأجابك، قال آجب: ومن ~~أجل ماذا غضب علي وأنا أطيعه؟ قالوا: من أجل أنك لم تقتل إلياس وفرطت فيه ~~حتى نجا سليما وهو كافر بإلهك، قال آجب: وكيف لي أن أقتل إلياس وأنا مشغول ~~عن طلبه بوجع ابني، وليس لإلياس مطلب ولا يعرف له موضع فيقصد، فلو عوفي ~~ابني لفرغت لطلبه حتى أجده فأقتله فأرضي إلهي، ثم إنه بعث أنبياءه ~~الأربعمائة إلى الآلهة التي بالشام يسألونها أن تشفع إلى صنم الملك ليشفي ~~ابنه، فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيال الجبل الذي فيه إلياس أوحى الله تعالى ~~إلى إلياس عليه السلام أن يهبط من الجبل ويعارضهم ويكلمهم، وقال له: لا تخف ~~فإني سأصرف عنك شرهم وألقي الرعب في قلوبهم، فنزل إلياس من الجبل، فلما ~~لقيهم استوقفهم، فلما وقفوا قال لهم: إن الله تعالى أرسلني إليكم وإلى من ~~ورائكم فاسمعوا أيها القوم رسالة ربكم لتبلغوا صاحبكم فارجعوا إليه، وقولوا ~~له: إن الله تعالى يقول لك: ألست 97/ب تعلم يا آجب أني أنا الله لا إله إلا ~~أنا إله بني إسرائيل الذي خلقهم، ورزقهم وأحياهم وأماتهم، فجهلك وقلة علمك ~~حملك على ms2156 أن تشرك بي، وتطلب الشفاء لابنك من غيري ممن لا يملكون لأنفسهم ~~شيئا إلا ما شئت، إني حلفت باسمي لأغيظنك في ابنك ولأميتنه في فوره هذا حتى ~~تعلم أن أحدا لا يملك له شيئا دوني. # فلما قال لهم هذا رجعوا وقد ملئوا منه رعبا، فلما صاروا إلى الملك أخبروه ~~بأن إلياس قد انحط عليهم، وهو رجل نحيف طوال قد نحل وتمعط شعره وتقشر جلده، ~~عليه جبة من شعر وعباءة قد خللها على صدره بخلال فاستوقفنا فلما صار معنا ~~قذف له في قلوبنا الهيبة والرعب فانقطعت ألسنتنا ونحن في هذا العدد الكثير ~~فلم نقدر على أن نكلمه ونراجعه حتى رجعنا إليك، وقصوا عليه كلام إلياس، ~~فقال آجب: لا ننتفع بالحياة ما كان إلياس حيا وما يطاق إلا بالمكر ~~والخديعة، فقيض له خمسين رجلا من قومه ذوي القوة والبأس، وعهد إليهم عهده، ~~وأمرهم بالاحتيال له والاغتيال به وأن يطمعوه في أنهم قد آمنوا به، هم ومن ~~وراءهم [ليستنهم إليهم] (1) ويغتر بهم فيمكنهم من نفسه فيأتون به ملكهم، ~~فانطلقوا حتى ارتقوا ذلك الجبل الذي فيه إلياس، ثم تفرقوا فيه ينادونه ~~بأعلى أصواتهم، ويقولون: يا نبي الله ابرز لنا وامنن علينا بنفسك، فإنا قد ~~آمنا بك وصدقناك، وملكنا آجب وجميع قومنا، وأنت آمن على نفسك، وجميع بني ~~إسرائيل يقرؤون عليك السلام ويقولون: قد بلغتنا رسالتك وعرفنا ما قلت، ~~[فآمنا بك وأجبناك إلى ما دعوتنا فهلم إلينا وأقم بين أظهرنا واحكم فينا] ~~(2) فإنا ننقاد لما أمرتنا، وننتهي عما نهيتنا وليس يسعك أن تتخلف عنا مع ~~إيماننا وطاعتنا، فارجع إلينا. وكل هذا منهم مماكرة وخديعة. PageV07P054 # فلما سمع إلياس مقالتهم وقعت في قلبه وطمع في إيمانهم، وخاف الله إن هو ~~لم يظهر لهم، فألهمه الله التوقف والدعاء، فقال: اللهم إن كانوا صادقين ~~فيما يقولون فأذن لي في البروز إليهم، وإن كانوا كاذبين فاكفنيهم وارمهم ~~بنار تحرقهم، فما استتم قوله حتى حصبوا بالنار من فوقهم، فاحترقوا أجمعين، ~~قال: وبلغ آجب الخبر فلم يرتدع من همه بالسوء، واحتال ثانيا ms2157 في أمر إلياس، ~~وقيض له فئة أخرى مثل عدد أولئك أقوى منهم وأمكن من الحيلة والرأي، ~~فأقبلوا، أي: حتى توقلوا، أي: صعدوا قلل تلك الجبال متفرقين، وجعلوا ينادون ~~يا نبي الله إنا نعوذ بالله وبك من غضب الله وسطواته، إنا لسنا كالذين أتوك ~~قبلنا وإن أولئك فرقة نافقوا فصاروا إليك ليكيدوا بك في غير رأينا، ولو ~~علمنا بهم لقتلناهم ولكفيناك مؤنتهم، فالآن قد كفاك ربك أمرهم وأهلكهم ~~وانتقم لنا ولك منهم، فلما سمع إلياس مقالتهم دعا الله بدعوته الأولى فأمطر ~~عليهم النار، فاحترقوا عن آخرهم، وفي كل ذلك ابن الملك في البلاء الشديد من ~~وجعه، فلما سمع الملك بهلاك أصحابه ثانيا ازداد غضبا على غضب، وأراد أن ~~يخرج في طلب إلياس بنفسه، إلا أنه شغله عن ذلك مرض ابنه، فلم يمكنه فوجه ~~نحو إلياس المؤمن الذي هو كاتب امرأته رجاء أن يأنس به إلياس فينزل معه، ~~وأظهر للكاتب أنه لا يريد بإلياس سوءا، وإنما أظهر له لما اطلع عليه من ~~إيمانه، وكان الملك مع اطلاعه على إيمانه مغضيا عليه لما هو عليه من ~~الكفاية والأمانة وسداد الرأي، فلما وجهه نحوه أرسل معه فئة من أصحابه، ~~وأوعز إلى الفئة -دون الكاتب -أن يوثقوا إلياس ويأتوا به إن أراد التخلف ~~عنهم، وإن جاء مع الكاتب واثقا به لم يروعوه، ثم أظهر مع الكاتب الإنابة ~~وقال له: قد آن لي أن أتوب وقد أصابتنا بلايا من حريق أصحابنا والبلاء الذي ~~فيه ابني، وقد عرفت أن ذلك بدعوة إلياس، ولست آمن أن يدعو على جميع من بقي ~~منا فنهلك بدعوته، فانطلق إليه وأخبره أنا قد تبنا وأنبنا، وأنه لا يصلحنا ~~في توبتنا، وما نريد من رضاء ربنا وخلع أصنامنا إلا أن يكون إلياس بين ~~أظهرنا، يأمرنا وينهانا، ويخبرنا بما يرضي ربنا، وأمر قومه فاعتزلوا ~~الأصنام، وقال له: أخبر إلياس أنا قد خلعنا آلهتنا التي كنا نعبد، وأرجينا ~~أمرها حتى ينزل إلياس فيكون هو الذي يحرقها ويهلكها، وكان ذلك مكرا من ~~الملك. # فانطلق الكاتب والفئة ms2158 حتى علا الجبل الذي فيه إلياس ثم ناداه، فعرف إلياس ~~صوته، فتاقت نفسه إليه وكان مشتاقا إلى لقائه فأوحى الله تعالى إليه أن ~~ابرز إلى أخيك الصالح فالقه، وجدد العهد به فبرز إليه وسلم عليه وصافحه، ~~وقال له: ما الخبر؟ فقال المؤمن: إنه قد بعثني إليك هذا الجبار الطاغية ~~وقومه، ثم قص عليه ما قالوا ثم قال له: وإني لخائف إن رجعت إليه ولست معي ~~أن يقتلني فمرني بما شئت أفعله، إن شئت انقطعت إليك وكنت معك وتركته، وإن ~~شئت جاهدته معك وإن شئت ترسلني إليه بما تحب فأبلغه رسالتك، وإن شئت دعوت ~~ربك يجعل لنا من أمرنا # PageV07P055 # فرجا ومخرجا، فأوحى الله تعالى إلى إلياس أن كل شيء جاءك منهم مكر وكذب ~~ليظفروا بك، وإن آجب إن أخبرته رسله أنك قد لقيت هذا الرجل ولم يأت بك ~~اتهمه وعرف أنه قد داهن في أمرك، فلم يأمن أن يقتله، فانطلق معه فإني سأشغل ~~عنكما آجب فأضاعف على ابنه البلاء، حتى لا يكون له هم غيره، ثم أميته على ~~شر حال، فإذا مات فارجع عنه، قال فانطلق معهم حتى قدموا على آجب، فلما ~~قدموا شدد الله تعالى الوجع على ابنه وأخذ الموت يكظمه، فشغل الله تعالى ~~بذلك آجب وأصحابه عن إلياس، فرجع إلياس سالما إلى مكانه، فلما مات ابن آجب ~~وفرغوا من أمره وقل جزعه انتبه لإلياس، وسأل عنه الكاتب الذي جاء به، فقال: ~~ليس لي به علم شغلني عنه موت ابنك والجزع عليه، ولم أكن أحسبك إلا قد ~~استوثقت منه، فانصرف عنه آجب وتركه لما فيه من الحزن على ابنه. # فلما طال الأمر على إلياس مل السكون في الجبال واشتاق إلى الناس نزل من ~~الجبل فانطلق حتى نزل بامرأة من بني إسرائيل، وهي أم يونس بن متى ذي النون ~~98/أاستخفى عندها ستة أشهر ويونس بن متى يومئذ مولود يرضع، فكانت أم يونس ~~تخدمه بنفسها وتواسيه بذات يدها، ثم إن إلياس سئم ضيق البيوت بعد تعوده ~~فسحة الجبال، فأحب اللحوق بالجبال فخرج ms2159 وعاد إلى مكانه، فجزعت أم يونس ~~لفراقه فأوحشها فقده، ثم لم تلبث إلا يسيرا حتى مات ابنها يونس حين فطمته، ~~فعظمت مصيبتها فخرجت في طلب إلياس، فلم تزل ترقى الجبال وتطوف فيها حتى ~~عثرت عليه، فوجدته وقالت له: إني قد فجعت بعدك لموت ابني فعظمت فيه مصيبتي ~~واشتد لفقده بلائي، وليس لي ولد غيره، فارحمني وادع لي ربك جل جلاله ليحيي ~~لي ابني وإني قد تركته مسجى لم أدفنه، وقد أخفيت مكانه، فقال لها إلياس: ~~ليس هذا مما أمرت به، وإنما أنا عبد مأمور أعمل بما يأمرني ربي، فجزعت ~~المرأة وتضرعت فأعطف الله تعالى قلب إلياس لها، فقال لها: متى مات ابنك؟ ~~قالت: منذ سبعة أيام فانطلق إلياس معها وسار سبعة أيام أخرى حتى انتهى إلى ~~منزلها، فوجد ابنها ميتا له أربعة عشر يوما، فتوضأ وصلى ودعا، فأحيا الله ~~تعالى يونس بن متى، فلما عاش وجلس وثب إلياس وتركه وعاد إلى موضعه. # فلما طال عصيان قومه ضاق بذلك إلياس ذرعا فأوحى الله تعالى إليه بعد سبع ~~سنين وهو خائف مجهود: يا إلياس ما هذا الحزن والجزع الذي أنت فيه؟ ألست ~~أميني على وحيي وحجتي في أرضي وصفوتي من خلقي؟ فسلني أعطك، فإني ذو الرحمة ~~الواسعة والفضل العظيم، قال: تميتني وتلحقني بآبائي فإني قد مللت بني ~~إسرائيل وملوني، فأوحى الله تعالى إليه: يا إلياس ما هذا باليوم الذي أعري ~~عنك الأرض وأهلها، وإنما قوامها وصلاحها بك وبأشباهك، وإن كنتم قليلا ولكن ~~سلني فأعطك، فقال إلياس: إن لم تمتني فأعطني ثأري من بني إسرائيل، قال الله ~~تعالى: فأي شيء تريد # PageV07P056 # أن أعطيك؟ قال تمكنني من خزائن السماء سبع سنين فلا تنشر عليهم سحابة إلا ~~بدعوتي، ولا تمطر عليهم سبع سنين قطرة إلا بشفاعتي، فإنهم لا يذلهم إلا ~~ذلك، قال الله تعالى: يا إلياس أنا أرحم بخلقي من ذلك، وإن كانوا ظالمين، ~~قال: فست سنين، قال: أنا أرحم بخلقي من ذلك، قال: فخمس سنين، قال: أنا أرحم ~~بخلقي من ذلك ولكني أعطيك ثأرك ms2160 ثلاث سنين، أجعل خزائن المطر بيدك، قال ~~إلياس: فبأي شيء أعيش؟ قال: أسخر لك جيشا من الطير ينقل إليك طعامك وشرابك ~~من الريف والأرض التي لم تقحط، قال إلياس: قد رضيت، قال: فأمسك الله تعالى ~~عنهم المطر حتى هلكت الماشية والدواب والهوام والشجر وجهد الناس جهدا ~~شديدا، وإلياس على حالته مستخف من قومه، يوضع له الرزق حيث ما كان، وقد عرف ~~ذلك قومه وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في بيت قالوا: لقد دخل إلياس هذا ~~المكان، وطلبوه ولقي من أهل ذلك المنزل شرا. # قال ابن عباس: أصاب بني إسرائيل ثلاث سنين القحط، فمر إلياس بعجوز فقال ~~لها: هل عندك طعام؟ قالت: نعم شيء من دقيق وزيت قليل، قال: فدعا بهما ودعا ~~فيه بالبركة ومسه حتى ملأ جرابها دقيقا، وملأ خوابيها زيتا، فلما رأوا ذلك ~~عندها قالوا: من أين لك هذا؟ قالت: مر بي رجل من حاله كذا وكذا فوصفته ~~بوصفه فعرفوه، فقالوا: ذلك إلياس، فطلبوه فوجدوه فهرب منهم، ثم إنه أوى إلى ~~بيت امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له اليسع بن أخطوب، به ضر فآوته ~~وأخفت أمره، فدعا له فعوفي من الضر الذي كان به، واتبع اليسع إلياس فآمن به ~~وصدقه ولزمه، وكان يذهب حيث ما ذهب وكان إلياس قد أسن فكبر واليسع شاب، ثم ~~إن الله تعالى أوحى إلى إلياس: إنك قد أهلكت كثيرا من الخلق ممن لم يعص من ~~البهائم والدواب والطير والهوام بحبس المطر، فيزعمون -والله أعلم -أن إلياس ~~قال: يا رب دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم وآتيهم بالفرج مما هم فيه من ~~البلاء، لعلهم أن يرجعوا وينزعوا عما هم عليه من عبادة غيرك، فقيل له: نعم، ~~فجاء إلياس إلى بني إسرائيل، فقال: إنكم قد هلكتم جوعا وجهدا، وهلكت ~~البهائم والدواب والطير والهوام والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل فإن كنتم ~~تحبون أن تعلموا ذلك فاخرجوا بأصنامكم، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون، ~~وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل، فنزعتم ودعوت الله تعالى ms2161 ففرج عنكم ما ~~أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنصفت فخرجوا بأوثانهم فدعوها، فلم تفرج عنهم ~~ما كانوا فيه من البلاء، ثم قالوا لإلياس: إنا قد هلكنا فادع الله تعالى ~~لنا، فدعا لهم إلياس ومعه اليسع بالفرج، فخرجت سحابة مثل الترس على ظهر ~~البحر وهم ينظرون، فأقبلت نحوهم وطبقت الآفاق ثم أرسل الله تعالى عليهم ~~المطر فأغاثهم، وأحييت بلادهم، فلما كشف الله تعالى عنهم الضر نقضوا العهد، ~~ولم ينزعوا عن كفرهم وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس ~~دعا ربه عز وجل أن يريحه منهم، فقيل له فيما يزعمون: انظر يوم كذا وكذا ~~فاخرج فيه إلى موضع كذا فما جاءك # PageV07P057 # من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس ومعه اليسع حتى إذا كانا بالموضع ~~الذي أمر أقبل فرس من نار، وقيل: لونه كلون النار، حتى وقف بين يديه، فوثب ~~عليه إلياس، فانطلق به الفرس فناداه اليسع: يا إلياس، ما تأمرني؟ فقذف إليه ~~إلياس بكسائه من الجو الأعلى، فكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني ~~إسرائيل، فكان ذلك آخر العهد به، فرفع الله تعالى إلياس من بين أظهرهم، ~~وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وكساه الريش فكان إنسيا ملكيا أرضيا سماويا، ~~وسلط الله تعالى على آجب الملك وقومه عدوا لهم فقصدهم من حيث لم يشعروا به ~~حتى رهقهم، فقتل آجب وامرأته أزبيل في بستان مزدكي، فلم تزل جيفتاهما ~~ملقاتين (1) في تلك الجنينة حتى بليت لحومهما ورمت عظامهما، ونبأ الله ~~تعالى اليسع وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل، وأوحى الله تعالى إليه وأيده، ~~فآمنت به بنو إسرائيل 98/ب فكانوا يعظمونه، وحكم الله تعالى فيهم قائم إلى ~~أن فارقهم اليسع. (2) . # وروى السري بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي رواد، قال: الخضر وإلياس يصومان ~~شهر رمضان ببيت المقدس، ويوافيان الموسم في كل عام. # وقيل: إن إلياس موكل بالفيافي، والخضر موكل بالبحار (3) فذلك قوله تعالى: ~~"وإن إلياس لمن المرسلين". ### || # {إذ قال لقومه ألا تتقون (124) أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين (125) ~~الله ربكم ورب آبائكم الأولين (126) } PageV07P058 # {فكذبوه ms2162 فإنهم لمحضرون (127) إلا عباد الله المخلصين (128) } # {إذ قال لقومه ألا تتقون أتدعون} أتعبدون (1) {بعلا} وهو اسم صنم لهم ~~كانوا يعبدونه، ولذلك سميت مدينتهم بعلبك، قال مجاهد وعكرمة وقتادة: ~~"البعل": الرب بلغة أهل اليمن. # {وتذرون أحسن الخالقين} فلا تبعدونه. # {الله ربكم ورب آبائكم الأولين} قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، ويعقوب: "الله ~~ربكم ورب" بنصب الهاء والباءين على البدل، وقرأ الآخرون برفعهن على ~~الاستئناف. # {فكذبوه فإنهم لمحضرون} في النار. # {إلا عباد الله المخلصين} من قومه فإنهم نجوا من العذاب. PageV07P058 ### || # {وتركنا عليه في الآخرين (129) سلام على إل ياسين (130) إنا كذلك نجزي ~~المحسنين (131) إنه من عبادنا المؤمنين (132) وإن لوطا لمن المرسلين (133) ~~إذ نجيناه وأهله أجمعين (134) إلا عجوزا في الغابرين (135) ثم دمرنا ~~الآخرين (136) وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) وبالليل أفلا تعقلون (138) ~~وإن يونس لمن المرسلين (139) } # {وتركنا عليه في الآخرين سلام على إل ياسين} قرأ نافع وابن عامر: "آل ~~ياسين" بفتح الهمزة مشبعة، وكسر اللام مقطوعة، لأنها في المصحف مفصولة، ~~[وقرأ الآخرون بكسر الهمزة وسكون اللام موصولة] (1) # فمن قرأ "آل يس" مقطوعة، قيل: أراد آل محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا ~~القول بعيد لأنه لم يسبق له ذكر. وقيل: أراد آل إلياس. # والقراءة المعروفة بالوصل، واختلفوا فيه، فقد قيل: إلياسين لغة في إلياس، ~~مثل: إسماعيل وإسماعين، وميكائيل وميكائين. # وقال الفراء: هو جمع أراد إلياس وأتباعه من المؤمنين، فيكون بمنزلة ~~الأشعرين والأعجمين بالتخفيف، وفي حرف عبد الله بن مسعود: سلام على إدراسين ~~يعني: إدريس وأتباعه، لأنه يقرأ: وإن إدريس لمن المرسلين (2) . # {إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وإن لوطا لمن المرسلين ~~إذ نجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين} أي: الباقين في العذاب. # {ثم دمرنا الآخرين} والتدمير: الإهلاك. # {وإنكم لتمرون عليهم} على آثارهم ومنازلهم، {مصبحين} وقت الصباح. # {وبالليل} يريد: تمرون بالنهار وبالليل عليهم إذا ذهبتم إلى أسفاركم ~~ورجعتم، {أفلا تعقلون} فتعتبرون بهم. # قوله تعالى: {وإن يونس لمن المرسلين} من جملة رسل الله. PageV07P059 ### || # {إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) فساهم فكان من المدحضين (141) فالتقمه ~~الحوت وهو مليم (142) فلولا أنه ms2163 كان من المسبحين (143) للبث في بطنه إلى ~~يوم يبعثون (144) فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) } # {إذ أبق إلى الفلك المشحون} يعني: هرب. # قال ابن عباس رضي الله عنهما، ووهب: كان يونس وعد قومه العذاب، فلما تأخر ~~عنهم العذاب خرج كالمشور (1) منهم، فقصد البحر فركب السفينة، فاحتبست ~~السفينة فقال الملاحون: هاهنا عبد آبق من سيده، فاقترعوا فوقعت القرعة على ~~يونس، فاقترعوا ثلاثا فوقعت على يونس، فقال يونس: أنا الآبق، وزج نفسه في ~~الماء. # وروي في القصة: أنه لما وصل إلى البحر كانت معه امرأته وابنان له، فجاء ~~مركب فأراد أن يركب معهم فقدم امرأته ليركب بعدها، فحال الموج بينه وبين ~~المركب ومر المركب، ثم جاءت موجة أخرى وأخذت ابنه الأكبر وجاء ذئب فأخذ ~~الابن الأصغر، فبقي فريدا، فجاء مركب آخر فركبه فقعد ناحية من القوم، فلما ~~مرت السفينة في البحر ركدت، فاقترعوا، وقد ذكرنا القصة في سورة يونس (2) . # فذلك قوله عز وجل: {فساهم} فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة ~~القرعة، {فكان من المدحضين} المقروعين. # {فالتقمه الحوت} ابتلعه، {وهو مليم} آت بما يلام عليه. # {فلولا أنه كان من المسبحين} من الذاكرين لله قبل ذلك، وكان كثير الذكر، ~~وقال ابن عباس: من المصلين. وقال وهب: من العابدين. وقال الحسن: ما كانت له ~~صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا. وقال الضحاك: شكر الله تعالى له ~~طاعته القديمة. # وقيل: "فلولا أنه كان من المسبحين" في بطن الحوت. قال سعيد بن جبير: يعني ~~قوله: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" (الأنبياء-87) . # {للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} لصار بطن الحوت له قبرا إلى يوم القيامة. # {فنبذناه} طرحناه، {بالعراء} يعني: على وجه الأرض، قال السدي: بالساحل، ~~والعراء: الأرض الخالية عن الشجر والنبات {وهو سقيم} عليل كالفرخ الممعط. ~~وقيل: كان قد بلي لحمه ورق عظمه ولم يبق له قوة. PageV07P060 # واختلفوا في مدة لبثه في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. ~~وقال عطاء: سبعة أيام. وقال الضحاك: عشرين يوما. وقال السدي والكلبي ومقاتل ~~بن ms2164 سليمان: أربعين يوما. وقال الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية (1) . ### || # {وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ~~(147) } # {وأنبتنا عليه} أي: له، وقيل: عنده {شجرة من يقطين} يعني: القرع، على قول ~~جميع المفسرين. # وقال الحسن ومقاتل: كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض ليس له ساق ولا ~~يبقى على الشتاء نحو القرع والقثاء والبطيخ فهو يقطين. # قال مقاتل بن حيان: فكان يونس يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه ~~فيشرب من لبنها بكرة وعشية حتى اشتد لحمه ونبت شعره وقوي، فنام نومة ~~فاستيقظ وقد يبست الشجرة فحزن حزنا شديدا وأصابه أذى الشمس فجعل يبكي، فبعث ~~الله تعالى إليه جبريل وقال: أتحزن على شجرة ولا تحزن على مائة ألف من أمتك ~~وقد أسلموا وتابوا. (2) # فإن قيل: قال هاهنا: "فنبذناه بالعراء وهو سقيم"، وقال في موضع آخر: ~~"لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء" (القلم -49) فهذا يدل على أنه ~~لم ينبذ؟ # قيل: "لولا" هناك يرجع إلى الذم، معناه: لولا نعمة من ربه لنبذ بالعراء ~~وهو مذموم، ولكن تداركه النعمة فنبذ، وهو غير مذموم. # قوله عز وجل: {وأرسلناه إلى مائة ألف} قال قتادة: أرسل إلى أهل نينوى من ~~أرض الموصل قبل أن يصيبه ما أصابه، وقوله: "وأرسلناه" أي: وقد أرسلناه، ~~وقيل: كان إرساله بعد خروجه من بطن الحوت إليهم، وقيل: إلى قوم آخرين. {أو ~~يزيدون} قال ابن عباس: معناه: ويزيدون"أو" بمعنى الواو، كقوله: "عذرا أو ~~نذرا" (المرسلات -6) ، وقال مقاتل والكلبي: معناه بل يزيدون. # وقال الزجاج: "أو" هاهنا على أصله، ومعناه: أو يزيدون على تقديركم وظنكم، ~~كالرجل يرى قوما فيقول: هؤلاء ألف أو يزيدون، فالشك على تقدير المخلوقين، ~~والأكثرون على أن معناه: ويزيدون. # واختلفوا في مبلغ تلك الزيادة 99/أفقال ابن عباس، ومقاتل: كانوا عشرين ~~ألفا، ورواه أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) . PageV07P061 # وقال الحسن: بضعا وثلاثين ألفا. # وقال سعيد بن جبير: سبعين ألفا (1) ### || # {فآمنوا فمتعناهم إلى حين (148) فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) ~~أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ms2165 (150) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ~~ولد الله وإنهم لكاذبون (152) أصطفى البنات على البنين (153) } # {ما لكم كيف تحكمون (154) أفلا تذكرون (155) أم لكم سلطان مبين (156) } # {فآمنوا} يعني: الذين أرسل إليهم يونس بعد معاينة العذاب، {فمتعناهم إلى ~~حين} إلى انقضاء آجالهم. # قوله تعالى: {فاستفتهم} فاسأل يا محمد أهل مكة وهو سؤال توبيخ، {ألربك ~~البنات ولهم البنون} وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أن ~~الملائكة بنات الله (1) يقول: جعلوا لله البنات ولأنفسهم البنين. # {أم خلقنا الملائكة إناثا} معناه: أخلقنا الملائكة إناثا، {وهم شاهدون} ~~حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: "أشهدوا خلقهم" (الزخرف -19) . # {ألا إنهم من إفكهم} من كذبهم، {ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون} . # {أصطفى} قرأ أبو جعفر: "لكاذبون اصطفى" موصولا على الخبر عن قول ~~المشركين، وعند الوقف يبتدئ: "اصطفى" بكسر الألف، وقراءة العامة بقطع ~~الألف، لأنها ألف استفهام دخلت على ألف الوصل، فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف ~~الاستفهام مفتوحة مقطوعة، مثل: أستكبر ونحوها، {أصطفى البنات على البنين} . # {ما لكم كيف تحكمون} لله بالبنات ولكم بالبنين. # {أفلا تذكرون} أفلا تتعظون. # {أم لكم سلطان مبين} برهان بين على أن لله ولدا. PageV07P062 ### || # {فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد ~~علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) سبحان الله عما يصفون (159) إلا عباد الله ~~المخلصين (160) فإنكم وما تعبدون (161) ما أنتم عليه بفاتنين (162) إلا من ~~هو صالي الجحيم (163) وما منا إلا له مقام معلوم (164) } # {فأتوا بكتابكم} الذي لكم فيه حجة {إن كنتم صادقين} في قولكم. # {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} قال مجاهد وقتادة: أراد بالجنة: الملائكة، ~~سموا جنة لاجتنانهم عن الأبصار. # وقال ابن عباس: حي من الملائكة يقال لهم الجن، ومنهم إبليس، قالوا: هم ~~بنات الله. # وقال الكلبي: قالوا -لعنهم الله -بل تزوج من الجن فخرج منها الملائكة (1) ~~تعالى الله عن ذلك، وقد كان زعم بعض قريش أن الملائكة بنات الله تعالى ~~الله، فقال أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم، قالوا: سروات الجن (2) . # وقال الحسن: معنى النسب أنهم أشركوا الشياطين في عبادة الله، {ولقد علمت ~~الجنة أنهم} ms2166 يعني قائلي هذا القول {لمحضرون} في النار، ثم نزه نفسه عما ~~قالوا فقال: # {سبحان الله عما يصفون} {إلا عباد الله المخلصين} هذا استثناء من ~~المحضرين، أي: أنهم لا يحضرون. # قوله عز وجل: {فإنكم} يقول لأهل مكة: {وما تعبدون} من الأصنام. # {ما أنتم عليه} على ما تعبدون، {بفاتنين} بمضلين أحدا. # {إلا من هو صال الجحيم} إلا من قدر الله أنه سيدخل النار، أي: سبق له في ~~علم الله الشقاوة. # قوله عز وجل: {وما منا إلا له مقام معلوم} يقول جبرائيل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم، أي: ما منا ملك إلا له ~~مقام معلوم في السموات يعبد الله فيه. # قال ابن عباس: ما في السموات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي أو يسبح. ~~PageV07P063 # وروينا عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أطت السماء، وحق لها ~~أن تئط، والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ~~ساجدا لله" (1) # قال السدي: إلا له مقام معلوم في القربة والمشاهدة. # وقال أبو بكر الوراق: إلا له مقام معلوم يعبد الله عليه، كالخوف والرجاء ~~والمحبة والرضا. ### || # {وإنا لنحن الصافون (165) وإنا لنحن المسبحون (166) وإن كانوا ليقولون ~~(167) لو أن عندنا ذكرا من الأولين (168) لكنا عباد الله المخلصين (169) ~~فكفروا به فسوف يعلمون (170) ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم ~~لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغالبون (173) } # {وإنا لنحن الصافون} قال قتادة: هم الملائكة صفوا أقدامهم. وقال الكلبي: ~~صفوف الملائكة في السماء للعبادة كصفوف الناس في الأرض. # {وإنا لنحن المسبحون} أي: المصلون المنزهون الله عن السوء، يخبر جبريل ~~عليه السلام [النبي صلى الله عليه وسلم] (2) أنهم يعبدون الله بالصلاة ~~والتسبيح، وأنهم ليسوا بمعبودين، كما زعمت الكفار، ثم أعاد الكلام إلى ~~الإخبار عن المشركين فقال: # {وإن كانوا} وقد كانوا يعني: أهل مكة، {ليقولون} لام التأكيد. # {لو أن عندنا ذكرا من الأولين} أي: كتابا مثل كتاب الأولين. # {لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به} أي: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا ~~به، ms2167 {فسوف يعلمون} هذا تهديد لهم. # {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} وهي قوله: "كتب الله لأغلبن أنا ~~ورسلي" (المجادلة -21) . # {إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} أي: حزب الله لهم الغلبة ~~بالحجة والنصرة في العاقبة. PageV07P064 ### || # {فتول عنهم حتى حين (174) وأبصرهم فسوف يبصرون (175) أفبعذابنا يستعجلون (176) ~~فإذا نزل بساحتهم فساء ~~صباح المنذرين (177) وتول عنهم حتى حين (178) وأبصر فسوف يبصرون (179) ~~سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام على المرسلين (181) والحمد لله ~~رب العالمين (182) } # {فتول} أعرض {عنهم حتى حين} قال ابن عباس: يعني الموت. وقال مجاهد: يوم ~~بدر. وقال السدي: حتى نأمرك بالقتال. وقيل: إلى أن يأتيهم عذاب الله، قال ~~مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال (1) . # {وأبصرهم} إذا نزل بهم العذاب {فسوف يبصرون} ذلك فقالوا: متى هذا العذاب؟ # قال الله عز وجل: {أفبعذابنا يستعجلون * فإذا نزل} يعني: العذاب ~~{بساحتهم} قال مقاتل: بحضرتهم. وقيل: بفنائهم. قال الفراء (2) : العرب ~~تكتفي بذكر الساحة عن القوم، {فساء صباح المنذرين} فبئس صباح الكافرين ~~الذين أنذروا بالعذاب. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، أخبرنا مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى خيبر، أتاها ليلا وكان إذا ~~جاء قوما بليل لم يغز حتى يصبح، قال: فلما أصبح خرجت يهود خيبر بمساحيها ~~ومكاتلها، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: محمد، والله، محمد ~~والخميس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر خربت خيبر، إنا ~~إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" (3) . # ثم كرر ما ذكرنا تأكيدا لوعيد العذاب فقال: # {وتول عنهم حتى حين * وأبصر} العذاب إذا نزل بهم، {فسوف يبصرون} . ثم نزه ~~نفسه فقال: # {سبحان ربك رب العزة} الغلبة والقوة، {عما يصفون} من اتخاذ الصاحبة ~~والأولاد. # {وسلام على المرسلين} الذين بلغوا عن الله التوحيد والشرائع. # {والحمد لله رب العالمين} على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء عليهم السلام. ~~PageV07P065 # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، ~~أخبرني ابن فنجويه، ms2168 أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا إبراهيم 99/ب بن ~~سهلويه، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، عن ثابت بن أبي صفية، عن ~~أصبغ بن نبانة، عن علي قال: "من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم ~~القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام ~~على المرسلين، والحمد لله رب العالمين" (1) (2) PageV07P066 ### | سورة ص # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {ص والقرآن ذي الذكر (1) بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) } # {ص} قيل: هو قسم، وقيل: اسم السورة كما ذكرنا في سائر حروف التهجي في ~~أوائل السور. # وقال محمد بن كعب القرظي: "ص" مفتاح اسم الصمد، وصادق الوعد (2) . # وقال الضحاك: معناه صدق الله (3) . # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: صدق محمد صلى الله عليه وسلم. # {والقرآن ذي الذكر} أي ذي البيان، قاله ابن عباس ومقاتل. وقال الضحاك: ذي ~~الشرف، دليله قوله تعالى: "وإنه لذكر لك ولقومك" (الزخرف-44) ، وهو قسم. # واختلفوا في جواب القسم، قيل: جوابه قد تقدم، وهو قوله "ص" أقسم الله ~~تعالى بالقرآن أن محمدا قد صدق. # وقال الفراء: "ص" معناها: وجب وحق، وهو جواب قوله: "والقرآن" كما تقول: ~~نزل والله (4) . # وقيل: جواب القسم محذوف تقديره: والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقول ~~الكفار، ودل على هذا المحذوف قوله تعالى: {بل الذين كفروا} . PageV07P067 # قال قتادة: موضع القسم قوله: {بل الذين كفروا} كما قال: "والقرآن المجيد ~~بل عجبوا" (ق-2) . # وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: بل الذين كفروا، {في عزة وشقاق} والقرآن ~~ذي الذكر. # وقال الأخفش: جوابه قوله [تعالى: إن كل إلا كذب الرسل" (ص-14) ، كقوله: ~~"تالله إن كنا" (الشعراء-97) وقوله: "والسماء والطارق -إن كل نفس" ~~(الطارق-1: 3) . # وقيل:] (1) جوابه قوله: "إن هذا لرزقنا" (ص-54) . # وقال الكسائي: قوله: "إن ذلك لحق تخاصم أهل النار" (ص-64) ، وهذا ضعيف ~~لأنه تخلل بين هذا القسم وبين هذا الجواب أقاصيص وأخبار كثيرة. # وقال القتيبي: بل لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية: إن الله أقسم ب ص ~~والقرآن ذي الذكر أن الذين ms2169 كفروا من أهل مكة في عزة حمية جاهلية وتكبر عن ~~الحق وشقاق وخلاف وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقال مجاهد: "في عزة" معازين (2) . ### || # {كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) } # {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} يعني: من الأمم الخالية، {فنادوا} استغاثوا ~~عند نزول العذاب وحلول النقمة، {ولات حين مناص} قوة ولا فرار (3) "والمناص" ~~مصدر ناص ينوص، وهو الفوت، والتأخر، يقال: ناص ينوص إذا تأخر، وباص يبوص ~~إذا تقدم، و"لات" بمعنى ليس بلغة أهل اليمن (4) . # وقال النحويون: هي "لا" زيدت فيها التاء، كقولهم: رب وربت وثم وثمت، ~~وأصلها هاء وصلت بلا فقالوا: "لاه" كما قالوا: ثمة، فجعلوها في الوصل تاء، ~~والوقف عليها بالتاء عند الزجاج، وعند الكسائي بالهاء: ولاة. ذهب جماعة إلى ~~أن التاء زيدت في "حين" والوقف على "ولا" ثم يبتدئ: "تحين"، وهو اختيار أبي ~~عبيدة، وقال: كذلك وجدت في مصحف عثمان، وهذا كقول أبي وجزة السعدي: # العاطفون تحين ما من عاطف %~% والمطمعون زمان ما من مطعم (5) PageV07P070 # وفي حديث ابن عمر، وسأله رجل عن عثمان، فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها ~~تلان إلى أصحابك، يريد: الآن. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب، ~~قال بعضهم لبعض: مناص، أي: اهربوا وخذوا حذركم، فلما أنزل الله بهم العذاب ~~ببدر قالوا: مناص، فأنزل الله تعالى: "ولات حين مناص" (1) [أي ليس] (2) حين ~~هذا القول. ### || # {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) أجعل الآلهة ~~إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (5) } # {وعجبوا} يعني: الكفار الذين ذكرهم الله عز وجل في قوله: "بل الذين ~~كفروا" {أن جاءهم منذر منهم} يعني: رسولا من أنفسهم ينذرهم {وقال الكافرون ~~هذا ساحر كذاب} . # {أجعل الآلهة إلها واحدا} وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم، فشق ~~ذلك على قريش، وفرح به المؤمنون، فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش، ~~وهم الصناديد والأشراف، وكانوا خمسة وعشرين رجلا أكبرهم سنا الوليد بن ~~المغيرة، قال لهم: امشوا إلى ms2170 أبي طالب، فأتوا أبا طالب، وقالوا له: أنت ~~شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنا قد أتيناك لتقضي بيننا ~~وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدعاه، فقال: ~~يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: وماذا يسألوني؟ قالوا: ارفض ذكر آلهتنا ~~وندعك وإلهك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتعطوني كلمة واحدة تملكون ~~بها العرب وتدين لكم بها العجم؟ فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطيكها وعشرا ~~أمثالها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا لا إله إلا الله، ~~[فنفروا] (3) من ذلك وقاموا، وقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا؟ كيف يسع ~~الخلق كلهم إله واحد؟ (4) # {إن هذا لشيء عجاب} أي: عجيب، والعجب والعجاب واحد، كقولهم: رجل كريم ~~وكرام، وكبير وكبار، وطويل وطوال، وعريض وعراض. PageV07P071 ### || # {وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد (6) ما ~~سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق (7) أؤنزل عليه الذكر من ~~بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب (8) أم عندهم خزائن رحمة ربك ~~العزيز الوهاب (9) } # {وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم} أي: انطلقوا من مجلسهم ~~الذي كانوا فيه عند أبي طالب، يقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على آلهتكم، ~~أي: اثبتوا على عبادة آلهتكم {إن هذا لشيء يراد} أي لأمر يراد بنا، وذلك أن ~~عمر لما أسلم وحصل للمسلمين قوة بمكانه قالوا: إن هذا الذي نراه من زيادة ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لشيء يراد بنا. # وقيل: يراد بأهل الأرض، وقيل: يراد بمحمد أن يملك علينا. # {ما سمعنا بهذا} أي بهذا الذي يقوله محمد من التوحيد، {في الملة الآخرة} ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما، والكلبي، ومقاتل: يعنون النصرانية، لأنها آخر ~~الملل وهم لا يوحدون، بل يقولون ثالث ثلاثة. # وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملة قريش ودينهم الذي هم عليه. # {إن هذا إلا اختلاق} كذب وافتعال. # {أأنزل ms2171 عليه الذكر} القرآن {من بيننا} وليس بأكبرنا ولا أشرفنا، يقوله ~~أهل مكة. قال الله عز وجل: # {بل هم في شك من ذكري} أي وحيي وما أنزلت، {بل لما يذوقوا عذاب} ولو ~~ذاقوه لما قالوا هذا القول. # {أم عندهم} أعندهم، {خزائن رحمة ربك} أي: نعمة ربك يعني: مفاتيح النبوة ~~يعطونها من شاؤوا، نظيره: "أهم يقسمون رحمة 100/أربك" (الزخرف -32) أي نبوة ~~ربك، {العزيز الوهاب} [العزيز في ملكه، الوهاب] (1) وهب النبوة لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم. PageV07P072 ### || # {أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب (10) جند ما ~~هنالك مهزوم من الأحزاب (11) كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد ~~(12) } # {أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما} أي: ليس لهم ذلك، {فليرتقوا في ~~الأسباب} أي: إن ادعوا شيئا من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى ~~السماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون، قال مجاهد وقتادة: أراد ~~بالأسباب: أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء، وكل ما يوصلك إلى شيء من ~~باب أو طريق فهو سببه، وهذا أمر توبيخ وتعجيز. # {جند ما هنالك} أي: هؤلاء الذين يقولون هذا القول جند هنالك، و"ما" صلة، ~~{مهزوم} مغلوب، {من الأحزاب} أي: من جملة الأجناد، يعني: قريشا. # قال قتادة: أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه سيهزم ~~جند المشركين، فقال: "سيهزم الجمع ويولون الدبر" (القمر-45) فجاء تأويلها ~~يوم بدر (1) ، و"هنالك" إشارة إلى بدر ومصارعهم، "من الأحزاب" أي: من جملة ~~الأحزاب، أي: هم من القرون الماضية الذين تحزبوا وتجمعوا على الأنبياء ~~بالتكذيب، فقهروا وأهلكوا. ثم قال معزيا لنبيه صلى الله عليه وسلم: {كذبت ~~قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد} قال ابن عباس، ومحمد بن كعب: ذو ~~البناء المحكم، وقيل: أراد ذو الملك الشديد الثابت. # وقال القتيبي: تقول العرب: هم في عز ثابت الأوتاد، يريدون أنه دائم شديد. # وقال الأسود بن يعفر: # ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة %~% في ظل ملك ثابت الأوتاد ~~(2) # فأصل هذا أن بيوتهم كانت تثبت بالأوتاد. # وقال الضحاك: ذو القوة والبطش. ms2172 وقال عطية: ذو الجنود والجموع الكثيرة، ~~يعني: أنهم كانوا يقوون أمره، ويشدون ملكه، كما يقوي الوتد الشيء، وسميت ~~الأجناد أوتادا لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها في أسفارهم، ~~وهو رواية عطية عن ابن عباس. PageV07P073 # وقال الكلبي ومقاتل: "الأوتاد" جمع الوتد، وكانت له أوتاد يعذب الناس ~~عليها، وكان إذا غضب على أحد مده مستلقيا بين أربعة أوتاد، وشد كل يد ورجل ~~منه إلى سارية، ويتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت. # وقال مجاهد، ومقاتل بن حيان: كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض، يشد يديه ~~ورجليه ورأسه على الأرض بالأوتاد. # وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيات ~~(1) . # وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب عليها بين يديه (2) ~~. ### || # {وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب (13) إن كل إلا كذب الرسل ~~فحق عقاب (14) وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق (15) } # {وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب} الذين تحزبوا على ~~الأنبياء، فأعلم أن مشركي قريش حزب من هؤلاء الأحزاب. # {إن كل} ما كل، {إلا كذب الرسل فحق عقاب} وجب عليهم ونزل بهم عذابي. {وما ~~ينظر} ينتظر {هؤلاء} يعني: كفار مكة، {إلا صيحة واحدة} وهي نفخة الصور، {ما ~~لها من فواق} قرأ حمزة، والكسائي: "فواق" بضم الفاء، وقرأ الآخرون بفتحها ~~وهما لغتان، فالفتح لغة قريش، والضم لغة تميم. # قال ابن عباس وقتادة: من رجوع، أي: ما يرد ذلك الصوت فيكون له رجوع. # وقال مجاهد: نظرة. وقال الضحاك: مثنوية، أي صرف ورد. # والمعنى: أن تلك الصيحة التي هي ميعاد عذابهم إذا جاءت لم ترد ولم تصرف. # وفرق بعضهم بين الفتح والضم، فقال الفراء، وأبو عبيدة: الفتح بمعنى ~~الراحة والإفاقة، كالجواب من الإجابة، ذهبا بها إلى إفاقة المريض من علته، ~~والفواق بالضم ما بين الحلبتين، وهو أن تحلب الناقة ثم تترك ساعة حتى يجتمع ~~اللبن، فما بين الحلبتين فواق، أي أن العذاب لا يمهلهم بذلك القدر (3) . # وقيل: هما أيضا مستعارتان من الرجوع، لأن اللبن يعود إلى ms2173 الضرع بين ~~الحلبتين، وإفاقة المريض: PageV07P074 # رجوعه إلى الصحة. ### || # {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16) } # {اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب (17) } # {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب} قال سعيد بن جبير [عن ابن ~~عباس] (1) : يعني كتابنا، و"القط" الصحيفة التي أحصت كل شيء. # قال الكلبي: لما نزلت في الحاقة: "فأما من أوتي كتابه بيمينه" (الحاقة ~~-19) ، "وأما من أوتي كتابه بشماله" (الحاقة-25) قالوا استهزاء: عجل لنا ~~كتابنا في الدنيا قبل يوم الحساب. [وقال سعيد بن جبير] (2) : يعنون حظنا ~~ونصيبنا من الجنة التي تقول. # وقال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والسدي: يعني عقوبتنا ونصيبنا من العذاب. # [وقال عطاء: قاله] (3) النضر بن الحارث، وهو قوله: "اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء" (4) (الأنفال: 32) . # وعن مجاهد قال: "قطنا" حسابنا، ويقال لكتاب الحساب قط. # وقال أبو عبيدة والكسائي: "القط": الكتاب بالجوائز (5) . # قال الله تعالى: {اصبر على ما يقولون} [أي على ما يقوله] (6) الكفار من ~~تكذيبك {واذكر عبدنا داود ذا الأيد} قال ابن عباس: أي القوة في العبادة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ~~عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة ~~PageV07P075 # إلى الله صلاة داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان ينام نصف الليل ~~ويقوم ثلثه، وينام سدسه" (1) . # وقيل: ذو القوة في الملك. # {إنه أواب} رجاع إلى الله عز وجل بالتوبة عن كل ما يكره، قال ابن عباس: ~~مطيع. قال سعيد بن جبير: مسبح بلغة الحبش. ### || # {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) والطير محشورة كل له ~~أواب (19) وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب (20) } # {إنا سخرنا الجبال معه} كما قال: "وسخرنا مع داود الجبال" (الأنبياء-79) ~~{يسبحن} بتسبيحه، {بالعشي والإشراق} قال الكلبي: غدوة وعشية. والإشراق: هو ms2174 ~~أن تشرق الشمس ويتناهى ضوؤها وفسره ابن عباس: بصلاة الضحى. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، ~~حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم، حدثنا الحجاج بن ~~نصير، أخبرنا أبو بكر الهذلي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس في قوله: ~~"بالعشي والإشراق" قال: كنت أمر بهذه الآية لا أدري ما هي 100/ب حتى حدثتني ~~أم هانئ بنت أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعا ~~بوضوء فتوضأ، ثم صلى الضحى، فقال: "يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق" (2) . # قوله عز وجل: {والطير} أي: وسخرنا له الطير، {محشورة} مجموعة إليه تسبح ~~معه، {كل له أواب} مطيع رجاع إلى طاعته بالتسبيح، وقيل: أواب معه أي مسبح. # {وشددنا ملكه} أي: قويناه بالحرس والجنود، قال ابن عباس: كان أشد ملوك ~~الأرض سلطانا، كان يحرس محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل. PageV07P076 # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن ~~حامد، أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن، حدثنا داود بن سليمان، حدثنا محمد بن ~~حميد، حدثنا محمد بن الفضل، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علي بن أحمد، عن ~~عكرمة، عن ابن عباس (1) أن رجلا من بني إسرائيل استعدى (2) على رجل من ~~عظمائهم عند داود -عليه السلام -أن هذا غصبني بقرا، فسأله داود فجحد، فقال ~~للآخر: البينة؟ فلم يكن له بينة، فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما، ~~فأوحى الله إلى داود في منامه أن يقتل الذي استعدى (3) عليه، فقال: هذه ~~رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأوحى إليه مرة أخرى فلم يفعل، فأوحى الله إليه ~~الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة، فأرسل داود إليه فقال: إن الله أوحى ~~إلي أن أقتلك، فقال: تقتلني بغير بينة؟ قال داود: نعم والله لأنفذن أمر ~~الله فيك، فلما عرف الرجل أنه قاتله، قال: لا تعجل حتى أخبرك، إني والله ما ~~أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فلذلك أخذت، فأمر ms2175 به ~~داود فقتل، فاشتدت هيبة بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه فذلك ~~قوله عز وجل: "وشددنا ملكه" (4) . # {وآتيناه الحكمة} يعني: النبوة والإصابة في الأمور، {وفصل الخطاب} قال ~~ابن عباس: بيان الكلام. # وقال ابن مسعود، والحسن، والكلبي، ومقاتل: علم الحكم والتبصر في القضاء. # وقال علي بن أبي طالب: هو أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، لأن ~~كلام الخصوم ينقطع وينفصل به. # ويروى ذلك عن أبي بن كعب قال: "فصل الخطاب": الشهود والأيمان (5) . وهو ~~قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح. PageV07P077 # وروي عن الشعبي: أن فصل الخطاب: هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء ~~عليه: "أما بعد" (1) إذا أراد الشروع في كلام آخر، وأول [من قاله داود عليه ~~السلام. ### || # {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) } # قوله عز وجل: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} ] (2) هذه الآية من ~~قصة امتحان داود عليه السلام، واختلف العلماء بأخبار الأنبياء عليهم السلام ~~في سببه: # فقال قوم: سبب ذلك أنه عليه السلام تمنى يوما من الأيام منزلة إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب، وسأل ربه أن يمتحنه كما امتحنهم، ويعطيه من الفضل مثل ما ~~أعطاهم. # فروى السدي، والكلبي، ومقاتل: عن أشياخهم قد دخل حديث بعضهم في بعض، ~~قالوا: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما ~~يخلو فيه لعبادة ربه، ويوما لنسائه وأشغاله، وكان يجد فيما يقرأ من الكتب ~~فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فقال: يا رب أرى الخير كله وقد ذهب به آبائي ~~الذين كانوا قبلي، فأوحى الله إليه: إنهم ابتلوا ببلايا لم تبتل بها فصبروا ~~عليها، ابتلي إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وابتلي إسحاق (3) بالذبح وبذهاب ~~بصره، وابتلي يعقوب بالحزن على يوسف، فقال: رب لو ابتليتني بمثل ما ~~ابتليتهم صبرت أيضا. فأوحى الله إليه إنك مبتلى في شهر كذا وفي يوم كذا ~~فاحترس، فلما كان ذلك اليوم الذي وعده الله دخل داود محرابه وأغلق بابه، ~~وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة ~~حمامة ms2176 من ذهب فيها من كل لون حسن -وقيل: كان جناحاها من الدر والزبرجد ~~-فوقعت بين رجليه فأعجبه حسنها، فمد يده ليأخذها ويريها بني إسرائيل ~~فينظروا إلى قدرة الله تعالى، فلما قصد أخذها طارت غير بعيد من غير أن ~~تؤيسه من نفسها، فامتد إليها ليأخذها، فتنحت، فتبعها فطارت حتى وقعت في ~~كوة، فذهب ليأخذها، فطارت من الكوة، فنظر داود أين تقع فيبعث من يصيدها، ~~فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبي. (4) # وقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا، ~~فعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطى بدنها، ~~فزاده ذلك إعجابا بها فسأل عنها، فقيل هي تيشايع بنت شايع امرأة أوريا بن ~~حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود. ~~PageV07P078 # وذكر بعضهم أنه أحب أن يقتل أوريا ويتزوج امرأته، فكان ذنبه هذا القدر. # وذكر بعضهم أنه كتب داود إلى ابن أخته أيوب أن ابعث أوريا إلى موضع كذا، ~~وقدمه قبل التابوت، وكان من قدم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى ~~يفتح الله على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدمه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك ~~فكتب إليه أيضا أن يبعثه إلى عدو كذا وكذا، فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود ~~بذلك فكتب له أيضا أن يبعثه إلى عدو كذا وكذا أشد منه بأسا، فبعثه فقتل في ~~المرة الثالثة، فلما انقضت عدة المرأة تزوجها داود، فهي أم سليمان عليهما ~~السلام (1) . # وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كان ذلك ذنب داود أنه التمس من ~~الرجل أن ينزل له عن امرأته. # قال أهل التفسير: كان ذلك مباحا لهم غير أن الله تعالى لم يرض له ذلك ~~لأنه كان ذا رغبة في الدنيا، وازديادا للنساء، وقد أغناه الله عنها بما ~~أعطاه من غيرها. # وروي عن الحسن في سبب امتحان داود عليه السلام: أنه كان قد جزأ الدهر ~~أجزاء، يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ms2177 ويوما للقضاء بين بني إسرائيل، ويوما ~~لبني إسرائيل، يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه، فلما كان يوم بني ~~إسرائيل ذكروه فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا، فأضمر ~~داود في نفسه أنه سيطيق ذلك (2) . # وقيل: إنهم ذكروا فتنة النساء فأضمر داود في نفسه 101/أأنه إن ابتلي ~~اعتصم، فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكب ~~على التوراة فبينما هو يقرأ إذ دخلت عليه حمامة من ذهب كما ذكرنا، قال: ~~وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا إذا ~~سار إليه قتل، ففعل فأصيب فتزوج امرأته. # قالوا: فلما دخل داود بامرأة أوريا لم يلبث إلا يسيرا حتى بعث الله إليه ~~ملكين في صورة رجلين في يوم عبادته، فطلبا أن يدخلا عليه، فمنعهما الحرس ~~فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين، يقال: ~~كانا جبريل وميكائيل، فذلك قوله عز وجل: {وهل أتاك نبأ الخصم} خبر الخصم، ~~{إذ تسوروا المحراب} صعدوا وعلوا، يقال: تسورت الحائط والسور إذا علوته، ~~وإنما جمع الفعل وهما اثنان لأن الخصم اسم يصلح للواحد والاثنين والجمع ~~PageV07P079 # والمذكر والمؤنث، ومعنى الجمع في الاثنين موجود، لأن معنى الجمع ضم شيء ~~إلى شيء هذا كما قال الله تعالى: "فقد صغت قلوبكما" (التحريم -4) . ### || # {إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض ~~فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (22) إن هذا أخي له تسع ~~وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) } # {إذ دخلوا على داود ففزع منهم} خاف منهما حين هجما عليه في محرابه بغير ~~إذنه، فقال: ما أدخلكما علي، {قالوا لا تخف خصمان} [أي نحن خصمان] (1) {بغى ~~بعضنا على بعض} جئناك لتقضي بيننا، فإن قيل: كيف قالا "بغى بعضنا على بعض" ~~وهما ملكان لا يبغيان؟ قيل: معناه: أرأيت خصمين بغى أحدهما على الآخر، وهذا ~~من معاريض الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما. # {فاحكم بيننا ms2178 بالحق ولا تشطط} أي لا تجر، يقال: شط الرجل شططا وأشط ~~إشطاطا (2) إذا جار في حكمه، ومعناه مجاوزة الحد، وأصل الكلمة من شطت الدار ~~وأشطت، إذا بعدت {واهدنا إلى سواء الصراط} أرشدنا إلى طريق الصواب والعدل، ~~فقال داود لهما: تكلما. # فقال أحدهما: {إن هذا أخي} أي: على ديني وطريقتي، {له تسع وتسعون نعجة} ~~[يعني امرأة] {ولي نعجة واحدة} أي امرأة واحدة، والعرب تكني بالنعجة عن ~~المرأة (3) ، قال الحسين بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم، لأنه لم ~~يكن هناك نعاج ولا بغي فهو كقولهم: ضرب زيد عمرا، أو اشترى بكر دارا، ولا ~~ضرب هنالك ولا شراء. # {فقال أكفلنيها} قال ابن عباس: أعطنيها. قال مجاهد: انزل لي عنها. ~~وحقيقته: ضمها إلي فاجعلني كافلها، وهو الذي يعولها وينفق عليها، والمعنى: ~~طلقها لأتزوجها،. # {وعزني} وغلبني {في الخطاب} أي: في القول. وقيل: قهرني لقوة ملكه. قال ~~الضحاك: يقول إن تكلم كان أفصح مني، وإن حارب كان أبطش مني. # وحقيقة المعنى: أن الغلبة كانت له لضعفي في يده، وإن كان الحق معي وهذا ~~كله تمثيل لأمر PageV07P080 # داود مع أوريا زوج المرأة التي تزوجها داود حيث كان لداود تسع وتسعون ~~امرأة ولأوريا امرأة واحدة فضمها إلى نسائه. ### || # {قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم ~~على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه ~~فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) } # {قال} داود {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} أي: بسؤاله نعجتك ليضمها ~~إلى نعاجه. # فإن قيل: كيف قال لقد ظلمك ولم يكن سمع قول صاحبه؟ # قيل: معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك، وقيل: قال ذلك بعد اعتراف ~~صاحبه بما يقول. # {وإن كثيرا من الخلطاء} الشركاء، {ليبغي بعضهم على بعض} يظلم بعضهم بعضا، ~~{إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فإنهم لا يظلمون أحدا. {وقليل ما هم} ~~أي: قليل هم، و"ما" صلة يعني: الصالحين الذين لا يظلمون قليل. # قالوا: فلما قضى بينهما داود نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك وصعد ms2179 إلى السماء، ~~فعلم داود أن الله تعالى ابتلاه، وذلك قوله: # {وظن داود} أيقن وعلم، {أنما فتناه} أنما ابتليناه. # وقال السدي بإسناده: إن أحدهما لما قال: "هذا أخي" الآية، قال داود ~~للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي تسعا وتسعين نعجة ولأخي نعجة واحدة وأنا أريد ~~أن آخذها منه فأكمل نعاجي مائة، قال: وهو كاره، إذا لا ندعك وإن رمت ذلك ~~ضربت منك هذا وهذا وهذا، يعني: طرف الأنف وأصله والجبهة، فقال: يا داود أنت ~~أحق بذلك حيث لم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة ولك تسع وتسعون امرأة، فلم تزل ~~تعرضه للقتل حتى قتل وتزوجت امرأته، فنظر داود فلم ير أحدا فعرف ما وقع فيه ~~(1) . # وقال القائلون بتنزيه الأنبياء في هذه القصة: إن ذنب داود إنما كان أنه ~~تمنى أن تكون امرأة أوريا حلالا له، فاتفق غزو أوريا وتقدمه في الحرب ~~وهلاكه، فلما بلغ قتله داود لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده إذا ~~هلك، ثم تزوج امرأته، فعاتبه الله على ذلك، لأن ذنوب الأنبياء PageV07P081 # وإن صغرت فهي عظيمة عند الله. # وقيل: كان ذنب داود أن أوريا كان خطب تلك المرأة ووطن نفسه عليها، فلما ~~غاب في غزاته خطبها داود فتزوجت منه لجلالته، فاغتم لذلك أوريا، فعاتبه ~~الله على ذلك حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها وعنده تسع وتسعون امرأة. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي قال: ومما يصدق ما ~~ذكرنا عن المتقدمين ما أخبرني عقيل بن محمد بن أحمد الفقيه أن المعافى بن ~~زكريا القاضي ببغداد أخبره عن محمد بن جرير الطبري، قال: حدثني يونس بن عبد ~~الأعلى الصيرفي، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن يزيد ~~الرقاشي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه سمعه يقول: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: إن داود النبي -عليه السلام-حين نظر إلى المرأة فهم أن ~~يجمع على بني إسرائيل وأوصى صاحب البعث، فقال إذا حضر العدو فقرب فلانا بين ~~يدي التابوت، وكان التابوت في ms2180 ذلك الزمان يستنصر به وبمن قدم بين يدي ~~التابوت، فلم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش فقتل زوج المرأة، ونزل ~~الملكان يقصان عليه قصته، ففطن داود فسجد ومكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت ~~الزرع من دموعه على رأسه وأكلت الأرض من جبينه وهو يقول 101/ب في سجوده: رب ~~زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب، رب إن لم ترحم ضعف داود، ولم ~~تغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلق من بعده، فجاءه جبريل من بعد أربعين ~~ليلة فقال: يا داود إن الله قد غفر لك الهم الذي هممت به، فقال داود: إن ~~الرب قادر على أن يغفر لي الهم الذي هممت به، وقد عرفت أن الله عدل لا ~~يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة، فقال: يا رب دمي الذي عند داود، ~~فقال جبريل: ما سألت ربك عن ذلك وإن شئت لأفعلن، فقال: نعم، فعرج جبريل ~~وسجد داود، فمكث ما شاء الله ثم نزل جبريل، فقال: سألت الله يا داود عن ~~الذي أرسلتني فيه، فقال: قل لداود إن الله يجمعكما يوم القيامة، فيقول له: ~~هب لي دمك الذي عند داود، فيقول: هو لك يا رب، فيقول: إن لك في الجنة ما ~~شئت وما اشتهيت عوضا عنه (1) . # وروي عن ابن عباس، وعن كعب الأحبار، ووهب بن منبه قالوا جميعا: إن داود ~~لما دخل عليه الملكان فقضى على نفسه، فتحولا في صورتيهما فعرجا وهما ~~يقولان: قضى الرجل على نفسه، وعلم داود أنما عني به فخر ساجدا أربعين يوما، ~~لا يرفع رأسه إلا لحاجة ولوقت صلاة مكتوبة، PageV07P082 # ثم يعود ساجدا تمام أربعين يوما، لا يأكل ولا يشرب، وهو يبكي حتى نبت ~~العشب حول رأسه وهو ينادي ربه عز وجل، ويسأله التوبة، وكان من دعائه في ~~سجوده: سبحان الملك الأعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء، سبحان خالق النور، ~~سبحان الحائل بين القلوب، سبحان خالق النور، إلهي أنت خليت بيني وبين عدوي ~~إبليس فلم أقم لفتنته إذ نزلت بي، سبحان خالق النور، إلهي ms2181 أنت خلقتني وكان ~~من سابق علمك ما أنا إليه صائر، سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود إذا ~~كشف عنه الغطاء، فيقال: هذا داود الخاطئ، سبحان خالق النور، إلهي بأي عين ~~أنظر إليك يوم القيامة، وإنما ينظر الظالمون من طرف خفي، [سبحان خالق ~~النور] (1) إلهي بأي قدم أمشي أمامك وأقوم بين يديك يوم تزول أقدام ~~الخاطئين، سبحان خالق النور، إلهي من أين يطلب العبد المغفرة إلا من عند ~~سيده؟ سبحان خالق النور، إلهي أنا الذي لا أطيق حر شمسك، فكيف أطيق حر ~~نارك؟ سبحان خالق النور، إلهي أنا الذي لا أطيق صوت رعدك، فكيف أطيق سوط ~~جهنم؟ سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصاب، ~~سبحان خالق النور، إلهي قد تعلم سري وعلانيتي فاقبل عذري، سبحان خالق ~~النور، إلهي برحمتك اغفر لي ذنوبي ولا تباعدني من رحمتك لهواي، سبحان خالق ~~النور، إلهي أعوذ بنور وجهك الكريم من ذنوبي التي أوبقتني، سبحان خالق ~~النور، فررت إليك بذنوبي واعترفت بخطيئتي فلا تجعلني من القانطين، ولا ~~تخزني يوم الدين، سبحان خالق النور. (2) # وقال مجاهد: مكث أربعين يوما ساجدا لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموع ~~عينه حتى غطى رأسه، فنودي: يا داود أجائع فتطعم؟ أو ظمآن فتسقى؟ أو عار ~~فتكسى؟ فأجيب في غير ما طلب، قال: فنحب نحبة هاج لها العود فاحترق من حر ~~جوفه، ثم أنزل الله له التوبة والمغفرة. (3) # قال وهب: إن داود أتاه نداء: إني قد غفرت لك، قال: يا رب كيف وأنت لا ~~تظلم أحدا؟ قال: اذهب إلى قبر أوريا فناده، فأنا أسمعه نداءك فتحلل منه، ~~قال: فانطلق وقد لبس المسوح حتى جلس عند قبره، ثم نادى يا أوريا فقال: لبيك ~~من هذا الذي قطع عني لذتي وأيقظني؟ قال: أنا داود، قال: ما جاء بك يا نبي ~~الله، قال: أسألك أن تجعلني في حل مما كان مني إليك، قال: وما كان منك إلي؟ ~~قال: عرضتك للقتل: قال: عرضتني للجنة فأنت في حل، فأوحى الله إليه: يا ms2182 داود ~~ألم تعلم أني حكم عدل لا أقضي بالعنت، ألا أعلمته أنك قد تزوجت امرأته؟ ~~قال: فرجع إليه فناداه PageV07P083 # فأجابه فقال: من هذا الذي قطع علي لذتي؟ قال: أنا داود، قال: يا نبي الله ~~أليس قد عفوت عنك؟ قال: نعم ولكن إنما فعلت ذلك بك لمكان امرأتك وقد ~~تزوجتها، قال: فسكت ولم يجبه، ودعاه فلم يجبه، وعاوده فلم يجبه، فقام على ~~قبره وجعل التراب على رأسه، ثم نادى: الويل لداود ثم الويل الطويل لداود، ~~سبحان خالق النور، والويل لداود إذا نصبت الموازين بالقسط، سبحان خالق ~~النور، الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يؤخذ بذقنه فيدفع إلى المظلوم، ~~سبحان خالق النور، الويل ثم الويل الطويل له حين يسحب عل وجهه مع الخاطئين ~~إلى النار، سبحان خالق النور، فأتاه نداء من السماء: يا داود قد غفرت لك ~~ذنبك ورحمت بكاءك واستجبت دعاءك وأقلت عثرتك، قال: يا رب كيف وصاحبي لم يعف ~~عني؟ قال: يا داود أعطيه من الثواب يوم القيامة ما لم تر عيناه ولم تسمع ~~أذناه، فأقول له: رضي عبدي؟ فيقول: يا رب من أين لي هذا ولم يبلغه عملي؟ ~~فأقول: هذا عوض من عبدي داود فأستوهبك منه فيهبك لي، قال: يا رب الآن قد ~~عرفت أنك قد غفرت لي (1) . فذلك قوله تعالى: # {فاستغفر ربه وخر راكعا} أي ساجدا، عبر بالركوع عن السجود، لأن كل واحد ~~فيه انحناء. # قال الحسين بن الفضل: سألني عبد الله بن طاهر عن قوله: "وخر راكعا" هل ~~يقال للراكع: خر؟ قلت: لا ومعناه، فخر بعدما كان راكعا، أي: سجد {وأناب} ~~أي: رجع وتاب. ### || # {فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (25) } # {فغفرنا له ذلك} يعني: ذلك الذنب، {وإن له} بعد المغفرة {عندنا} يوم ~~القيامة، {لزلفى} لقربة ومكانة، {وحسن مآب} أي: حسن مرجع ومنقلب. # وقال وهب بن منبه (2) : إن داود لما تاب الله عليه بكى على خطيئته ثلاثين ~~سنة لا يرقأ دمعه ليلا ولا نهارا، وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة، ~~فقسم الدهر بعد ms2183 الخطيئة على أربعة أيام: يوم للقضاء بين بني إسرائيل، ويوم ~~لنسائه، ويوم يسبح في الفيافي والجبال والسواحل، ويوم يخلو في دار له فيها ~~أربعة آلاف محراب، فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه، فيساعدونه على ~~ذلك، فإذا كان يوم نياحته يخرج في 102/أالفيافي فيرفع صوته بالمزامير فيبكي ~~ويبكي معه [الشجر والرمال والطير والوحوش حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار، ~~ثم يجيء إلى الجبال فيرفع صوته بالمزامير فيبكي ويبكي معه] (3) الجبال ~~والحجارة والدواب والطير، حتى تسيل من بكائهم الأودية، ثم يجيء PageV07P084 # إلى الساحل فيرفع صوته بالمزامير فيبكي وتبكي معه الحيتان ودواب البحر ~~وطير الماء والسباع، فإذا أمسى رجع، فإذا كان يوم نوحه على نفسه نادى ~~مناديه أن اليوم يوم نوح داود على نفسه فليحضر من يساعده، فيدخل الدار التي ~~فيها المحاريب، فيبسط له ثلاثة فرش مسوح حشوها ليف، فيجلس عليها ويجيء ~~أربعة آلاف راهب عليهم البرانس وفي أيديهم العصي، فيجلسون في تلك المحاريب ~~ثم يرفع داود صوته بالبكاء والنوح على نفسه، ويرفع الرهبان معه أصواتهم، ~~فلا يزال يبكي حتى تغرق الفرش من دموعه، ويقع داود فيها مثل الفرخ يضطرب، ~~فيجيء ابنه سليمان فيحمله فيأخذ داود من تلك الدموع بكفيه، ثم يمسح بها ~~وجهه، ويقول: يا رب اغفر لي ما ترى، فلو عدل بكاء داود ببكاء أهل الدنيا ~~لعدله. # وقال وهب: ما رفع داود رأسه حتى قال له الملك: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ~~ارفع رأسك فرفع رأسه فمكث حياته لا يشرب ماء إلا مزجه بدموعه، ولا يأكل ~~طعاما إلا بله بدموعه. # وذكر الأوزاعي مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مثل عيني ~~داود كقربتين تنطفان ماء، ولقد خدت الدموع في وجهه كخديد الماء في الأرض" ~~(1) . # قال وهب: لما تاب الله على داود قال: يا رب غفرت لي فكيف لي أن لا أنسى ~~خطيئتي فأستغفر منها وللخاطئين إلى يوم القيامة؟ قال: فوسم الله خطيئته في ~~يده اليمنى، فما رفع فيها طعاما ولا شرابا إلا بكى إذا رآها، وما قام خطيبا ms2184 ~~في الناس إلا بسط راحته فاستقبل الناس ليروا وسم خطيئته، وكان يبدأ إذا دعا ~~فاستغفر للخاطئين قبل نفسه. # وقال قتادة عن الحسن: كان داود بعد الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين، يقول: ~~تعالوا إلى داود الخاطئ فلا يشرب شرابا إلا مزجه بدموع عينيه، وكان يجعل ~~خبز الشعير اليابس في قصعة فلا يزال يبكي عليه حتى يبتل بدموع عينيه، وكان ~~يذر عليه الملح والرماد فيأكل ويقول: هذا أكل الخاطئين، قال: وكان داود قبل ~~الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر، فلما كان من خطيئته ما كان، صام ~~الدهر كله وقام الليل كله. # وقال ثابت: كان داود إذ ذكر عقاب الله تخلعت أوصاله، فلا يشدها إلا ~~الأسر، وإذا ذكر رحمة الله تراجعت. # وفي القصة: أن الوحوش والطير كانت تستمع إلى قراءته، فلما فعل ما فعل ~~كانت لا تصغي PageV07P085 # إلى قراءته، فروي أنها قالت: يا داود ذهبت خطيئتك بحلاوة صوتك (1) . # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن حرب وأبو النعمان ~~قالا حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: "سجدة ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يسجد فيها" (2) . # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا محمد ~~بن عبيد الطنافسي، عن العوام قال: سألت مجاهدا عن سجدة ص فقال: سألت ابن ~~عباس من أين سجدت؟ قال: أوما تقرأ: "ومن ذريته داود وسليمان" إلى "أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده" (الأنعام: 84 -90) وكان داود ممن أمر نبيكم ~~أن يقتدي به، فسجدها داود، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) . # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى ~~الترمذي، حدثنا قتيبة، حدثنا محمد بن زيد بن ms2185 خنيس، حدثنا الحسن بن محمد بن ~~عبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جريج: أخبرني عبيد الله بن أبي ~~يزيد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: يا رسول الله إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، ~~فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك ~~أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من ~~عبدك داود. قال الحسن: قال ابن جريج: قال لي جدك: قال ابن عباس: فقرأ النبي ~~صلى الله عليه وسلم سجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول [مثل ذلك] (4) ما أخبره ~~الرجل عن قول الشجرة" (5) PageV07P086 ### || # {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع ~~الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما ~~نسوا يوم الحساب (26) } # {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل ~~للذين كفروا من النار (27) أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين ~~في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28) } # قوله تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} تدبر أمور العباد ~~بأمرنا، {فاحكم بين الناس بالحق} بالعدل، {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل ~~الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} أي ~~بأن تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقال الزجاج: بتركهم العمل لذلك اليوم. # وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: لهم عذاب شديد يوم ~~الحساب بما نسوا، أي: تركوا القضاء بالعدل. # {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا} قال ابن عباس: لا لثواب ولا ~~لعقاب. {ذلك ظن الذين كفروا} يعني: أهل مكة هم الذين ظنوا أنهما خلقا لغير ~~شيء، وأنه لا بعث ولا حساب {فويل للذين كفروا من النار} . # {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض} قال مقاتل: ~~قال كفار قريش للمؤمنين إنا نعطى في الآخرة من الخير ما يعطون، فنزلت ms2186 هذه ~~الآية (1) {أم نجعل المتقين كالفجار} [أي المؤمنين كالكفار] (2) وقيل: أراد ~~بالمتقين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أي: لا نجعل ذلك. PageV07P087 ### || # {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب (29) ~~ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) إذ عرض عليه بالعشي الصافنات ~~الجياد (31) } # {كتاب أنزلناه إليك} أي: هذا الكتاب أنزلناه إليك، {مبارك} كثير خيره ~~ونفعه، {ليدبروا} أي: ليتدبروا، {آياته} وليتفكروا فيها، قرأ أبو جعفر ~~"لتدبروا" بتاء واحدة وتخفيف الدال، قال الحسن: تدبر آياته: اتباعه ~~{وليتذكر} ليتعظ، {أولو الألباب} . # قوله عز وجل: 102/ب {ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه ~~بالعشي الصافنات الجياد} . # قال الكلبي: غزا سليمان أهل دمشق ونصيبين، فأصاب منهم ألف فرس. # وقال مقاتل: ورث من أبيه داود ألف فرس (1) . # وقال عوف عن الحسن: بلغني أنها كانت خيلا أخرجت من البحر لها أجنحة (2) . # [قالوا:] (3) فصلى سليمان الصلاة الأولى، وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه، ~~فعرضت عليه تسعمائة، فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غربت، وفاتته الصلاة، ~~ولم يعلم بذلك فاغتم لذلك هيبة لله، فقال: ردوها علي، فردوها عليه، فأقبل ~~يضرب سوقها وأعناقها بالسيف تقربا إلى الله عز وجل، وطلبا لمرضاته، حيث ~~اشتغل بها عن طاعته، وكان ذلك مباحا له وإن كان حراما علينا، كما أبيح لنا ~~ذبح بهيمة الأنعام، وبقي منها مائة فرس، فما بقي في أيدي الناس اليوم من ~~الخيل يقال من نسل تلك المائة. # قال الحسن: فلما عقر الخيل أبدله الله عز وجل خيرا منها وأسرع، وهي الريح ~~تجري بأمره كيف يشاء. # [وقال إبراهيم التيمي: كانت عشرين فرسا. وعن عكرمة: كانت عشرين ألف فرس، ~~لها أجنحة] (4) . # قال الله تعالى: {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد} و"الصافنات": هي ~~الخيل القائمة PageV07P088 # على ثلاث قوائم وأقامت واحدة على طرف الحافر من يد أو رجل، يقال: صفن ~~الفرس يصفن صفونا: إذا قام على ثلاثة قوائم، وقلب أحد حوافره. وقيل: الصافن ~~في اللغة القائم. وجاء في الحديث: "من سره أن يقوم له الرجال صفونا فليتبوأ ~~مقعده من النار" ms2187 (1) . أي قياما والجياد: الخيار السراع، واحدها جواد. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الخيل السوابق. ### || # {فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب (32) ردوها علي ~~فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) } # {فقال إني أحببت حب الخير} أي: آثرت حب الخير، وأراد بالخير الخيل، ~~والعرب تعاقب بين الراء واللام، فتقول: ختلت الرجل وخترته، أي: خدعته، ~~وسميت الخيل خيرا لأنه معقود بنواصيها الخير، الأجر والمغنم (2) ، قال ~~مقاتل: حب الخير يعني: المال، فهي الخيل التي عرضت عليه. {عن ذكر ربي} ~~يعني: عن الصلاة وهي صلاة العصر {حتى توارت بالحجاب} أي: توارت الشمس ~~بالحجاب (3) استترت بما يحجبها عن الأبصار، يقال: الحاجب جبل دون قاف، ~~بمسيرة سنة، والشمس تغرب من ورائه. # {ردوها علي} أي: ردوا الخيل علي، فردوها، {فطفق مسحا بالسوق والأعناق} ~~قال أبو عبيدة: طفق يفعل، مثل: ما زال يفعل، والمراد بالمسح: القطع، فجعل ~~يضرب سوقها وأعناقها بالسيف، هذا قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومقاتل، ~~وأكثر المفسرين (4) وكان ذلك مباحا له، لأن نبي الله لم يكن يقدم على محرم، ~~ولم يكن يتوب عن ذنب بذنب آخر. # وقال محمد بن إسحاق: لم يعنفه الله على عقر الخيل إذا كان ذلك أسفا على ~~ما فاته من فريضة ربه عز وجل. PageV07P089 # وقال بعضهم: إنه ذبحها ذبحا وتصدق بلحومها، وكان الذبح على ذلك الوجه ~~مباحا في شريعته (1) . # وقال قوم: معناه أنه حبسها في سبيل الله، وكوى سوقها وأعناقها بكي الصدقة ~~(2) . # وقال الزهري، وابن كيسان: إنه كان يمسح سوقها وأعناقها بيده، يكشف الغبار ~~عنها حبا لها وشفقة عليها، وهذا قول ضعيف (3) والمشهور هو الأول. # وحكي عن علي أنه قال في معنى قوله: "ردوها علي" يقول سليمان بأمر الله عز ~~وجل للملائكة الموكلين بالشمس: "ردوها علي" يعني: الشمس، فردوها عليه حتى ~~صلى العصر في وقتها، وذلك أنه كان يعرض عليه الخيل لجهاد عدو، حتى توارت ~~بالحجاب. ### || # {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) } # قوله عز وجل: {ولقد فتنا سليمان} اختبرناه وابتليناه بسلب ملكه. # وكان سبب ذلك ms2188 ما ذكر محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه قال: سمع سليمان عليه ~~السلام بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون، بها ملك عظيم ~~الشأن، لم يكن للناس إليه سبيلا لمكانه في البحر، وكان الله قد آتى سليمان ~~في ملكه سلطانا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، إنما يركب إليه الريح، ~~فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء، حتى نزل بها بجنوده من ~~الجن والإنس، فقتل ملكها واستولى واستفاء وسبى ما فيها، وأصاب فيما أصاب ~~بنتا لذلك الملك، يقال لها: جرادة، لم ير مثلها حسنا وجمالا فاصطفاها ~~لنفسه، ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه، وأحبها حبا لم ~~يحبه شيئا من نسائه، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها، ~~فشق ذلك على سليمان فقال لها: ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب، والدمع الذي ~~لا يرقأ؟ قالت: إن أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ~~ذلك، قال سليمان: فقد أبدلك الله به ملكا هو أعظم من ملكه، وسلطانا هو أعظم ~~من سلطانه، وهداك للإسلام وهو خير من PageV07P090 # ذلك كله، قالت: إن ذلك كذلك، ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن، ~~فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة ~~وعشيا لرجوت أن يذهب ذلك حزني، وأن يسلي عني بعض ما أجد في نفسي، فأمر ~~سليمان الشياطين، فقال: مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه ~~شيئا، فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح فيه، فعمدت إليه ~~حين صنعوه فأزرته وقمصته وعممته وردته بمثل ثيابه التي كان يلبس، ثم كان ~~إذا خرج سليمان [من دارها] (1) تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له، ويسجدن ~~له كما كانت تصنع به في ملكه، وتروح كل عشية بمثل ذلك وسليمان لا يعلم بشيء ~~من ذلك أربعين صباحا، وبلغ ذلك آصف بن برخيا، وكان صديقا، وكان لا يرد عن ~~أبواب سليمان، ms2189 أي ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل، حاضرا كان سليمان أو ~~غائبا، فأتاه فقال: يا نبي الله كبر سني، ورق عظمي، ونفد عمري، وقد حان مني ~~الذهاب، فقد أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله ~~وأثني عليهم بعلمي فيهم، وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من ~~أمورهم، فقال: افعل، فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيبا فذكر من مضى من ~~أنبياء الله تعالى، فأثنى على كل نبي بما فيه، فذكر ما فضله الله حتى انتهى ~~إلى سليمان، فقال: ما أحلمك في صغرك، 103/أوأورعك في صغرك، وأفضلك في صغرك، ~~وأحكم أمرك في صغرك، وأبعدك من كل ما تكره في صغرك، ثم انصرف، فوجد سليمان ~~عليه السلام في نفسه من ذلك حتى ملأه غضبا، فلما دخل سليمان داره أرسل ~~إليه، فقال: يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله، فأثنيت عليهم خيرا في كل ~~زمانهم، وعلى كل حال من أمرهم، فلما ذكرتني جعلت تثني علي بخير في صغري، ~~وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري؟ فما الذي أحدثت في آخر أمري؟ فقال: إن ~~غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة، فقال: في داري؟ ~~فقال: في دارك، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون لقد عرفت أنك ما قلت الذي ~~قلت إلا عن شيء بلغك، ثم رجع سليمان إلى داره وكسر ذلك الصنم، وعاقب تلك ~~المرأة وولائدها، ثم أمر بثياب الطهرة فأتي بها وهي ثياب لا يغزلها إلا ~~الأبكار، ولا ينسجها إلا الأبكار، ولا يغسلها إلا الأبكار، لم تمسسها امرأة ~~قد رأت الدم، فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده، فأمر برماد ففرش له، ~~ثم أقبل تائبا إلى الله عز وجل، حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك فيه بثيابه ~~تذللا لله تعالى، وتضرعا إليه يبكي ويدعو، ويستغفر مما كان في داره، فلم ~~يزل كذلك يومه حتى أمسى، ثم رجع إلى داره، وكانت له أم ولد يقال لها ~~الأمينة، كان ms2190 إذا دخل مذهبه أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها ~~حتى يتطهر، وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر، وكان ملكه في خاتمه فوضعه يوما ~~عندها، ثم دخل مذهبه فأتاها الشيطان صاحب البحر، واسمه صخر، على صورة ~~سليمان لا تنكر منه شيئا، فقال: خاتمي أمينة! فناولته إياه، فجعله في يده ~~ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وخرج ~~سليمان فأتى الأمينة وقد غيرت حاله، وهيئته عند كل من رآه، فقال: يا أمينة ~~خاتمي، قالت: من أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود، قالت: كذبت فقد جاء سليمان ~~فأخذ خاتمه وهو جالس على سرير ملكه، فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته، فخرج ~~فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل فيقول: أنا سليمان بن داود، فيحثون ~~عليه التراب ويسبونه، ويقولون انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه ~~سليمان، فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب ~~البحر إلى السوق فيعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة ~~وشوى الأخرى فأكلها، فمكث بذلك أربعين صباحا عدة ما كان عبد الوثن في داره، ~~فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين، فقال ~~آصف: يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم اختلاف حكم ابن داود ما رأيت؟ قالوا: ~~نعم، قال: أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن فهل أنكرتن منه في خاصة أمره ~~ما أنكرناه في عامة أمر الناس وعلانيته، فدخل على نسائه، فقال: ويحكن هل ~~أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن: أشده ما يدع منا امرأة في دمها ~~ولا يغتسل من الجنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء ~~المبين ثم خرج على بني إسرائيل فقال: ما في الخاصة أعظم مما في العامة، ~~فلما مضى أربعون صباحا طار الشيطان عن مجلسه، ثم مر بالبحر فقذف الخاتم ~~فيه، فبلعته سمكة فأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك، ~~حتى إذا كان العشي ms2191 أعطاه سمكتيه وأعطاه السمكة التي أخذت الخاتم، فخرج ~~سليمان بسمكتيه، فباع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلى ~~السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه فجعله في ~~يده، ووقع ساجدا، وعكفت عليه الطير والجن، وأقبل عليه الناس، وعرف الذي كان ~~قد دخل عليه لما كان قد حدث في داره، فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه، ~~وأمر الشياطين فقال: ائتوني بصخر فطلبته الشياطين حتى أخذته، فأتي به ~~وجاؤوا له بصخرة فنقرها فأدخله فيها ثم شد عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد ~~والرصاص، ثم أمر به فقذف في البحر. هذا حديث وهب (2) . # وقال الحسن: ما كان الله ليسلط الشيطان على نسائه. # وقال السدي: كان سبب فتنة سليمان أنه كان له مائة امرأة، وكانت امرأة ~~منهن يقال لها جرادة هي آثر نسائه وآمنهن عنده، وكان يأتمنها على خاتمه إذا ~~أتى حاجته، فقالت له يوما: إن أخي كان بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحب أن ~~تقضي له إذا جاءك، فقال: نعم، ولم يفعل فابتلي بقوله، فأعطاها خاتمه ودخل ~~المخرج، فجاء الشيطان في صورته (3) فأخذه وجلس على مجلس سليمان، وخرج ~~سليمان عليه السلام فسألها خاتمه فقالت: ألم تأخذه؟ قال: لا وخرج مكانه ~~ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما، فأنكر الناس حكمه، فاجتمع قراء ~~بني إسرائيل وعلماؤهم حتى دخلوا على نسائه، فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا، فإن ~~كان سليمان فقد ذهب عقله، فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا حتى أحدقوا به، ~~ونشروا التوراة فقرؤوها فطار من بين أيديهم، حتى وقع على شرفة، والخاتم ~~معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت، ~~وأقبل سليمان حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع قد اشتد جوعه، ~~فاستطعمه من صيده، وقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجه، ~~فجعل يغسل دمه على شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، وأعطوه ~~سمكتين مما قد مذر (4) عندهم، فشق بطونهما وجعل يغسلهما، فوجد خاتمه في بطن ~~إحداهما، فلبسه فرد ms2192 الله عليه ملكه وبهاءه. # وحامت عليه الطير فعرف القوم أنه سليمان، فقاموا يعتذرون مما صنعوا، ~~فقال: ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، هذا أمر كائن لا بد ~~منه، ثم جاء حتى أتى مملكته وأمر حتى أتي بالشيطان الذي أخذ خاتمه وجعله في ~~صندوق من حديد، وأطبق عليه بقفل، وختم عليه بخاتمه، وأمر به فألقي في البحر ~~وهو حي كذلك حتى الساعة. (5) # وفي بعض 103/ب الروايات: أن سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده، وكان ~~فيه ملكه فأعاده سليمان إلى يده فسقط فأيقن سليمان بالفتنة، فأتى آصف فقال ~~لسليمان: إنك مفتون بذنبك، والخاتم لا يتماسك في يدك [أربعة عشر يوما] ففر ~~إلى الله تائبا، فإني أقوم مقامك، وأسير بسيرتك إلى أن يتوب الله عليك، ففر ~~سليمان هاربا إلى ربه، وأخذ آصف الخاتم، فوضعه في أصبعه فثبت فهو ~~PageV07P091 # الجسد الذي قال الله تعالى: "وألقينا على كرسيه جسدا" فأقام آصف في ملكه ~~يسير بسيرته أربعة عشر يوما إلى أن رد الله على سليمان ملكه، فجلس على ~~كرسيه وأعاد الخاتم في يده فثبت (1) . # وروي عن سعيد بن المسيب قال: احتجب سليمان عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى ~~الله إليه احتجبت عن الناس ثلاثة أيام؟ فلم تنظر في أمور عبادي؟ فابتلاه ~~الله عز وجل. فذكر حديث الخاتم وأخذ الشيطان إياه كما روينا. # وقيل: قال سليمان يوما لأطوفن الليلة على نسائي كلهن، فتأتي كل واحدة ~~بابن يجاهد في سبيل الله، ولم يستثن، فجامعهن فما خرج له منهن إلا شق ~~مولود، فجاءت به القابلة فألقته على كرسيه، فذلك قوله تعالى: "وألقينا على ~~كرسيه جسدا". # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا ~~شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي ~~بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن ms2193 شاء الله، فلم يقل إن شاء ~~الله، فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، وايم الله ~~الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا ~~أجمعون" (2) # وقال طاووس عن أبي هريرة: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، قال له الملك: قل ~~إن شاء الله، فلم يقل ونسي. وأشهر الأقاويل أن الجسد الذي ألقي على كرسيه ~~هو صخر الجني (3) ، فذلك قوله عز وجل: {وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب} أي ~~رجع إلى ملكه بعد أربعين يوما فلما رجع. ### || # {قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) ~~} # {قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي} قال مقاتل وابن ~~كيسان: لا يكون لأحد من بعدي. قال عطاء بن أبي رباح: يريد هب لي ملكا لا ~~تسلبنيه في آخر عمري، وتعطيه غيري كما استلبته في ما مضى من عمري. # {إنك أنت الوهاب} قيل: سأل ذلك ليكون آية لنبوته، ودلالة على رسالته، ~~ومعجزة. PageV07P094 # وقيل: سأل ذلك ليكون علما على قبول توبته حيث أجاب الله دعاءه ورد إليه ~~ملكه، وزاد فيه. # وقال مقاتل بن حيان: كان لسليمان ملكا ولكنه أراد بقول: "لا ينبغي لأحد ~~من بعدي" تسخير الرياح والطير والشياطين، بدليل ما بعده. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن ~~جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله ~~منه، فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه ~~كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان "رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي" فرددته ~~خاسئا" (1) . ### || # {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) والشياطين كل بناء وغواص ~~(37) وآخرين مقرنين في الأصفاد (38) هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ms2194 ~~(39) } # قوله عز وجل: {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء} لينة ليست بعاصفة، {حيث ~~أصاب} [حيث أراد] (2) تقول العرب: أصاب الصواب [فأخطأ الجواب، تريد أراد ~~الصواب] (3) . # {والشياطين} أي: وسخرنا له الشياطين، {كل بناء} يبنون له ما يشاء من ~~محاريب وتماثيل، {وغواص} يستخرجون له اللآلئ من البحر، وهو أول من استخرج ~~اللؤلؤ من البحر. # {وآخرين مقرنين في الأصفاد} مشدودين في القيود، أي: وسخرنا له آخرين، ~~يعني: مردة الشياطين، سخروا له حتى قرنهم في الأصفاد. # {هذا عطاؤنا} [أي قلنا له هذا عطاؤنا] (4) {فامنن أو أمسك بغير حساب} ~~المن: هو الإحسان إلى من لا يستثنيه، معناه: أعط من شئت وأمسك عمن شئت، ~~بغير حساب لا حرج عليك فيما أعطيت وفيما أمسكت. # قال الحسن: ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه تبعة، إلا سليمان فإنه ~~أعطى أجر، وإن PageV07P095 # لم يعط لم يكن عليه تبعة. # وقال مقاتل: هذا في أمر الشياطين، يعني: خل من شئت منهم، وأمسك من شئت في ~~وثاقك، لا تبعة عليك فيما تتعاطاه. ### || # {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (40) واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني ~~مسني الشيطان بنصب وعذاب (41) اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) } # {ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب (43) وخذ بيدك ~~ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب (44) } # {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} # قوله عز وجل: {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب ~~وعذاب} بمشقة وضر. # قرأ أبو جعفر: "بنصب" بضم النون والصاد، وقرأ يعقوب بفتحهما، وقرأ ~~الآخرون بضم النون وسكون الصاد، ومعنى الكل واحد. # قال قتادة ومقاتل: بنصب في الجسد، وعذاب في المال وقد ذكرنا قصة أيوب ~~ومدة بلائه في سورة الأنبياء عليهم السلام (1) . # فلما انقضت مدة بلائه قيل له: {اركض برجلك} اضرب برجلك الأرض ففعل فنبعت ~~عين ماء، {هذا مغتسل} فأمره الله أن يغتسل منها، ففعل فذهب كل داء كان ~~بظاهره، ثم مشى أربعين خطوة، فركض الأرض برجله الأخرى، فنبعت عين أخرى، ماء ~~عذب ms2195 بارد، فشرب منه، فذهب كل داء كان بباطنه، فقوله: "هذا مغتسل بارد" ~~يعني: الذي اغتسل منه، {وشراب} أراد الذي شرب منه. # {ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب وخذ بيدك ~~ضغثا} وهو ملء الكف من الشجر أو الحشيش، {فاضرب به ولا تحنث} في يمينك، ~~وكان قد حلف أن يضرب امرأته مائة سوط، فأمره الله أن يأخذ ضغثا يشتمل على ~~مائة عود صغار، ويضربها به ضربة PageV07P096 # واحدة، {إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب} . ### || # {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (45) إنا ~~أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار (47) ~~واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (48) هذا ذكر وإن للمتقين ~~لحسن مآب (49) } # {واذكر عبادنا} قرأ ابن كثير "عبدنا" على التوحيد، وقرأ الآخرون "عبادنا" ~~بالجمع، {إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي} قال ابن عباس: أولي القوة في ~~طاعة الله تعالى (1) {والأبصار} في المعرفة بالله، أي: البصائر في الدين، ~~قال قتادة ومجاهد: أعطوا قوة في العبادة، وبصرا في الدين (2) . # {إنا أخلصناهم} اصطفيناهم {بخالصة ذكرى الدار} قرأ 104/أأهل المدينة: ~~"بخالصة" مضافا، وقرأ الآخرون بالتنوين، فمن أضاف فمعناه: أخلصناهم بذكر ~~الدار الآخرة، وأن يعملوا لها، والذكرى: بمعنى الذكر. قال مالك بن دينار: ~~نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها، وأخلصناهم بحب الآخرة وذكرها. # وقال قتادة: كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله عز وجل. # وقال السدي: أخلصوا بخوف الآخرة. # وقيل: معناه أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة (3) . # قال ابن زيد: ومن قرأ بالتنوين فمعناه: بخلة خالصة، وهي ذكرى الدار، ~~فيكون "ذكرى" الدار بدلا عن الخالصة. # وقيل: "أخلصناهم": جعلناهم مخلصين، بما أخبرنا عنهم من ذكر الآخرة. ~~PageV07P097 # {وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل ~~من الأخيار هذا ذكر} أي: هذا الذي يتلى عليكم ذكر، أي: شرف، وذكر جميل ~~تذكرون به {وإن للمتقين لحسن مآب} . ### || # {جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة ~~وشراب (51) وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) هذا ما توعدون ليوم الحساب (53) ~~إن هذا لرزقنا ما له ms2196 من نفاد (54) هذا وإن للطاغين لشر مآب (55) جهنم ~~يصلونها فبئس المهاد (56) هذا فليذوقوه حميم وغساق (57) } # {جنات عدن مفتحة لهم الأبواب} أي أبوابها [مفتحة لهم] (1) . # {متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب وعندهم قاصرات الطرف أتراب} ~~مستويات الأسنان، بنات ثلاثة وثلاثين سنة، واحدها ترب. وعن مجاهد قال: ~~متواخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن (2) . # {هذا ما توعدون} قرأ ابن كثير: "يوعدون" بالياء هاهنا، وفي "ق" أي: ما ~~يوعد المتقون، وافق أبو عمرو هاهنا، وقرأ الباقون بالتاء فيهما، أي: قل ~~للمؤمنين: هذا ما توعدون، {ليوم الحساب} [أي في يوم الحساب] (3) . # {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} فناء وانقطاع. # {هذا} أي الأمر هذا {وإن للطاغين} للكافرين {لشر مآب} مرجع. # {جهنم يصلونها} يدخلونها (4) {فبئس المهاد} . # {هذا} أي هذا العذاب، {فليذوقوه حميم وغساق} قال الفراء: أي هذا حميم ~~وغساق فليذوقوه، والحميم: الماء الحار الذي انتهى حره. PageV07P098 # "وغساق": قرأ حمزة، والكسائي وحفص: "وغساق" (1) حيث كان بالتشديد، وخففها ~~الآخرون، فمن شدد جعله اسما على فعال، نحو: الخباز والطباخ، ومن خفف جعله ~~اسما على فعال نحو العذاب. # واختلفوا في معنى الغساق، قال ابن عباس: هو الزمهرير يحرقهم ببرده، كما ~~تحرقهم النار بحرها. # وقال مقاتل ومجاهد: هو الذي انتهى برده. # وقيل: هو المنتن بلغة الترك. # وقال قتادة: هو ما يغسق أي: ما يسيل من القيح والصديد من جلود أهل النار، ~~ولحومهم، وفروج الزناة، من قوله: غسقت عينه إذا انصبت، والغسقان الانصباب. ### || # {وآخر من شكله أزواج (58) هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا ~~النار (59) قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60) ~~} # {وآخر} قرأ أهل البصرة: "وأخر" بضم الألف على جمع أخرى، مثل: الكبرى ~~والكبر، واختاره أبو عبيدة لأنه نعته بالجمع، فقال: أزواج، وقرأ الآخرون ~~بفتح الهمزة مشبعة على الواحد، {من شكله} مثله أي: مثل الحميم والغساق، ~~{أزواج} أي: أصناف أخر من العذاب. # {هذا فوج مقتحم معكم} قال ابن عباس: "هذا" هو أن القادة إذا دخلوا النار ~~ثم دخل بعدهم الأتباع قالت الخزنة للقادة (2) هذا يعني: ms2197 الأتباع، فوج: ~~جماعة مقتحم معكم النار، أي: داخلوها كما أنتم دخلتموها: والفوج: القطيع من ~~الناس وجمعه أفواج، والاقتحام الدخول في الشيء رميا بنفسه فيه، قال الكلبي: ~~إنهم يضربون بالمقامع حتى يوقعوا أنفسهم في النار، خوفا من تلك المقامع، ~~فقالت القادة: {لا مرحبا بهم} يعني: بالأتباع، {إنهم صالوا النار} أي: ~~داخلوها كما صلينا. # {قالوا} فقال الأتباع للقادة: {بل أنتم لا مرحبا بكم} والمرحب، والرحب: ~~السعة، تقول العرب: مرحبا وأهلا وسهلا أي: أتيت رحبا وسعة، وتقول: لا مرحبا ~~بك، أي: لا رحبت عليك الأرض. {أنتم قدمتموه لنا} يقول الأتباع للقادة: أنتم ~~بدأتم بالكفر قبلنا، وشرعتم وسننتموه لنا. وقيل: أنتم قدمتم هذا العذاب ~~لنا، بدعائكم إيانا إلى الكفر، {فبئس القرار} أي: فبئس دار القرار جهنم (3) ~~. PageV07P099 ### || # {قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61) } # {وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) أأتخذناهم سخريا ~~أم زاغت عنهم الأبصار (63) إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64) قل إنما أنا ~~منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (65) } # {قالوا} يعني: الأتباع {ربنا من قدم لنا هذا} أي: شرعه وسنه لنا، {فزده ~~عذابا ضعفا في النار} أي: ضعف عليه العذاب في النار. قال ابن مسعود: يعني ~~حيات وأفاعي. # {وقالوا} يعني صناديد قريش وهم في النار، {ما لنا لا نرى رجالا كنا ~~نعدهم} في الدنيا، {من الأشرار} يعنون فقراء المؤمنين: عمارا، وخبابا، ~~وصهيبا، وبلالا وسلمان رضي الله عنهم. ثم ذكروا أنهم كانوا يسخرون من ~~هؤلاء، فقالوا: # {أتخذناهم سخريا} قرأ أهل البصرة، وحمزة، والكسائي: "من الأشرار ~~اتخذناهم" وصل، ويكسرون الألف عند الابتداء، وقرأ الآخرون بقطع الألف ~~وفتحها على الاستفهام (1) . # قال أهل المعاني: القراءة الأولى أولى؛ لأنهم علموا أنهم اتخذوهم سخريا ~~فلا يستقيم الاستفهام، وتكون "أم" على هذه القراءة بمعنى "بل" ومن فتح ~~الألف قال: هو على اللفظ لا على المعنى ليعادل "أم" في قوله {أم زاغت عنهم ~~الأبصار} قال الفراء: هذا من الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتعجب "أم ~~زاغت" أي، مالت "عنهم الأبصار" ومجاز الآية: ms2198 ما لنا لا نرى هؤلاء الذين ~~اتخذناهم سخريا لم يدخلوا معنا النار؟ أم دخلوها فزاغت عنهم أبصارنا، فلم ~~نرهم حين دخلوها. # وقيل: أم هم في النار ولكن احتجبوا عن أبصارنا؟ # وقال ابن كيسان: أم كانوا خيرا منا ولكن نحن لا نعلم، فكانت أبصارنا تزيغ ~~عنهم في الدنيا فلا نعدهم شيئا. {إن ذلك} الذي ذكرت {لحق} ثم بين فقال: ~~{تخاصم أهل النار} أي: تخاصم أهل النار في النار لحق. # {قل} يا محمد لمشركي مكة، {إنما أنا منذر} مخوف (2) {وما من إله إلا الله ~~الواحد القهار} . PageV07P100 ### || # {رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار (66) قل هو نبأ عظيم (67) ~~أنتم عنه معرضون (68) ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون (69) إن ~~يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين (70) } # {رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار} . # {قل} يا محمد، {هو} يعني: القرآن، {نبأ عظيم} قاله ابن عباس، ومجاهد، ~~وقتادة، وقيل: يعني: القيامة كقوله: "عم يتساءلون عن النبأ العظيم" (النبأ: ~~1 -2) . # {ما كان لي من علم بالملإ الأعلى أنتم عنه معرضون} يعني: الملائكة، {إذ ~~يختصمون} يعني: في شأن آدم عليه السلام، حين قال الله تعالى: "إني جاعل في ~~الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها" (البقرة: 30) . # {إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين} قال الفراء: إن شئت جعلت "أنما" في ~~موضع رفع، أي: ما يوحى إلي إلا الإنذار، وإن شئت جعلت المعنى: ما يوحى إلي ~~إلا أني نذير مبين (1) . # وقرأ أبو جعفر: "إنما" بكسر الألف، لأن الوحي قول. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا ~~أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة ~~بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال مر بنا خالد بن اللجلاج، ~~فدعاه مكحول 104/ب فقال: يا إبراهيم حدثنا حديث عبد الرحمن بن عائش، قال: ~~سمعت عبد الرحمن بن عائش الحضرمي يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"رأيت ربي عز وجل في أحسن صورة، فقال: فيم يختصم ms2199 الملأ الأعلى يا محمد؟ ~~قلت: أنت أعلم أي رب، مرتين، قال: فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، ~~فعلمت ما في السماء والأرض" قال: ثم تلا هذه الآية "وكذلك نري إبراهيم ~~ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين" (الأنعام:75) ثم قال: فيم يختصم ~~الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، قال: وما هن؟ قلت: المشي على ~~الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات، وإبلاغ الوضوء ~~أماكنه في المكاره، قال: ومن يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير، ويكن من خطيئته ~~كيوم ولدته أمه، ومن الدرجات إطعام الطعام، PageV07P101 # وبذل السلام، وأن يقوم بالليل والناس نيام، قال: قل اللهم إني أسألك ~~الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي، وترحمني، وتتوب علي، ~~وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: تعلموهن، فوالذي نفس محمد بيده إنهن لحق" (1) . ### || # {إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) فإذا سويته ونفخت فيه من ~~روحي فقعوا له ساجدين (72) فسجد الملائكة كلهم أجمعون (73) إلا إبليس ~~استكبر وكان من الكافرين (74) قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ~~أأستكبرت أم كنت من العالين (75) قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين (76) قال فاخرج منها فإنك رجيم (77) وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) ~~قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (79) قال فإنك من المنظرين (80) إلى يوم ~~الوقت المعلوم (81) } # قوله عز وجل: {إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين} يعني: آدم عليه ~~السلام. # {فإذا سويته} أتممت خلقه، {ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين قال يا إبليس ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أأستكبرت} . ألف استفهام دخلت على ألف الوصل ~~{أم كنت من العالين} المتكبرين. استفهام توبيخ وإنكار، يقول: أستكبرت بنفسك ~~حتى أبيت السجود؟ أم كنت من القوم الذين يتكبرون فتكبرت عن السجود لكونك ~~منهم؟. # {قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال ms2200 فاخرج منها} أي: من ~~الجنة، وقيل: من السموات. وقال الحسن وأبو العالية: أي من الخلقة التي أنت ~~فيها. قال الحسين بن الفضل: هذا تأويل صحيح لأن إبليس تجبر وافتخر بالخلقة، ~~فغير الله خلقته، فاسود وقبح بعد حسنه، {فإنك رجيم} مطرود. # {وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك ~~من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} ، وهو النفخة الأولى. PageV07P102 ### || # {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين (83) } # {قال فالحق والحق أقول (84) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (85) ~~قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (86) إن هو إلا ذكر ~~للعالمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حين (88) } # {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال فالحق والحق ~~أقول} قرأ عاصم وحمزة ويعقوب: "فالحق" برفع القاف على الابتداء، وخبره ~~محذوف تقديره: الحق مني، ونصب الثانية أي: وأنا أقول الحق، قاله مجاهد، ~~وقرأ الآخرون بنصبهما، واختلفوا في وجههما، قيل: نصب الأولى على الإغراء ~~كأنه قال: الزم الحق، والثاني بإيقاع القول عليه أي: أقول الحق. وقيل: ~~الأول قسم، أي: فبالحق وهو الله عز وجل، فانتصب بنزع [الخافض، وهو] (1) حرف ~~الصفة، وانتصاب الثاني بإيقاع القول عليه. وقيل: الثاني تكرار القسم، أقسم ~~الله بنفسه. # {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين قل ما أسألكم عليه} على تبليغ ~~الرسالة {من أجر} جعل، {وما أنا من المتكلفين} المتقولين القرآن من تلقاء ~~نفسي، وكل من قال شيئا من تلقاء نفسه فقد تكلف له. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي ~~الضحى، عن مسروق قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود فقال: يا أيها الناس من ~~علم شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما ~~لا يعلم: الله أعلم، قال الله تعالى لنبيه: "قل ما أسئلكم عليه من أجر وما ~~أنا من المتكلفين" (2) . # قوله {إن هو} ما هو، يعني: القرآن ms2201 {إلا ذكر} موعظة، {للعالمين} للخلق ~~أجمعين. # {ولتعلمن} أنتم يا كفار مكة، {نبأه} خبر صدقه، {بعد حين} قال ابن عباس ~~وقتادة: بعد الموت. وقال عكرمة: يعني يوم القيامة. وقال الكلبي: من بقي علم ~~ذلك إذا ظهر أمره وعلا ومن مات علمه بعد موته. قال الحسن: ابن آدم عند ~~الموت يأتيك الخبر اليقين (3) . PageV07P103 ### | سورة الزمر # مكية إلا قوله {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} الآية (1) . بسم ~~الله الرحمن الرحيم ### || # {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~فاعبد الله مخلصا له الدين (2) ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه ~~أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم ~~فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (3) } # {تنزيل الكتاب من الله} [أي: هذا تنزيل الكتاب من الله. وقيل: تنزيل ~~الكتاب] (2) مبتدأ وخبره: {من الله العزيز الحكيم} أي: تنزيل الكتاب من ~~الله لا من غيره. # {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} قال مقاتل: لم ننزله باطلا لغير شيء، ~~{فاعبد الله مخلصا له الدين} الطاعة. # {ألا لله الدين الخالص} قال قتادة: شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: [لا ~~يستحق الدين الخالص إلا الله وقيل: الدين الخالص من الشرك هو لله] (3) . # {والذين اتخذوا من دونه} أي: من دون الله، {أولياء} يعني: الأصنام، {ما ~~نعبدهم} أي قالوا: ما نعبدهم، {إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وكذلك قرأ ابن ~~مسعود، وابن عباس. PageV07P104 # قال قتادة: وذلك أنهم إذا قيل لهم: من ربكم، ومن خلقكم، ومن خلق السموات ~~والأرض؟ قالوا: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأوثان؟ قالوا: ~~ليقربونا إلى الله زلفى، أي: قربى، وهو اسم أقيم في مقام المصدر: كأنه قال: ~~إلا ليقربونا إلى الله تقريبا ويشفعوا لنا عند الله، {إن الله يحكم بينهم} ~~يوم القيامة {في ما هم فيه يختلفون} من أمر الدين {إن الله لا يهدي من هو ~~كاذب كفار} لا يرشد لدينه من كذب فقال: إن الآلهة تشفع وكفى باتخاذ الآلهة ~~دونه كذبا [وكفرا] ms2202 (1) ### || # {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله ~~الواحد القهار (4) خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور ~~النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز ~~الغفار (5) } # {خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية ~~أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ~~ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) } # {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى} لاختار، {مما يخلق ما يشاء} يعني: ~~الملائكة، كما قال: "لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا" (الأنبياء ~~-17) ثم نزه نفسه فقال: {سبحانه} تنزيها له عن ذلك، وعما لا يليق بطهارته، ~~{هو الله الواحد القهار} . # {خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على ~~الليل} قال قتادة: يغشي هذا هذا، كما قال: "يغشي الليل النهار" ~~(الأعراف-54) وقيل: يدخل أحدهما على الآخر كما قال: "يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل" (الحج-61) . # وقال الحسن، والكلبي: ينقص من الليل فيزيد في النهار، وينقص من النهار ~~فيزيد في الليل، فما نقص من الليل دخل في النهار، وما نقص من النهار دخل في ~~الليل، ومنتهى النقصان تسع ساعات، ومنتهى الزيادة خمس عشرة ساعة، وأصل ~~التكوير اللف والجمع، ومنه: كور العمامة. {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل ~~مسمى ألا هو العزيز الغفار} . # {خلقكم من نفس واحدة} 105/أيعني: آدم، {ثم جعل منها زوجها} يعني حواء، ~~{وأنزل لكم من الأنعام} معنى الإنزال هاهنا: الإحداث والإنشاء، كقوله ~~تعالى: "أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم" (الأعراف-26) . # PageV07P108 # وقيل: إنه أنزل الماء الذي هو سبب نبات القطن الذي يكون منه اللباس، وسبب ~~النبات الذي تبقى به الأنعام. # وقيل: "وأنزل لكم من الأنعام" جعلها لكم نزلا ورزقا. {ثمانية أزواج} ~~أصناف، تفسيرها في سورة الأنعام (1) {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد ~~خلق} نطفة ثم علقة ثم مضغة، كما قال الله تعالى: "وقد خلقكم أطوارا" ~~(نوح-14) {في ظلمات ثلاث} ms2203 قال ابن عباس: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة ~~المشيمة (2) {ذلكم الله} الذي خلق هذه الأشياء، {ربكم له الملك لا إله إلا ~~هو فأنى تصرفون} عن طريق الحق بعد هذا البيان. ### || # {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه ~~عليم بذات الصدور (7) وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله ~~نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل ~~تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار (8) } # {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر} قال ابن عباس ~~والسدي: لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله تعالى: "إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان" (الحجر-42) فيكون عاما في اللفظ خاصا في المعنى، ~~كقوله تعالى: "عينا يشرب بها عباد الله" (الإنسان-6) يريد بعض العباد، ~~وأجراه قوم على العموم، وقالوا: لا يرضى لأحد من عباده الكفر. # ومعنى الآية: لا يرضى لعباده أن يكفروا به. يروى ذلك عن قتادة، وهو قول ~~السلف، قالوا: كفر الكافر غير مرضي لله عز وجل، وإن كان بإرادته. {وإن ~~تشكروا} تؤمنوا بربكم وتطيعوه، {يرضه لكم} فيثيبكم عليه. قرأ أبو عمرو: ~~"يرضه لكم" ساكنة الهاء، ويختلسها أهل المدينة وعاصم وحمزة، والباقون ~~بالإشباع {ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم ~~تعملون إنه عليم بذات الصدور} . # {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه} راجعا إليه مستغيثا به، {ثم إذا ~~خوله نعمة منه} أعطاه نعمة منه، {نسي} ترك {ما كان يدعو إليه من قبل} أي: ~~نسي الضر الذي PageV07P109 # كان يدعو الله إلى كشفه، {وجعل لله أندادا} يعني: الأوثان، {ليضل عن ~~سبيله} ليزل عن دين الله. # {قل} لهذا الكافر: {تمتع بكفرك قليلا} في الدنيا إلى أجلك، {إنك من أصحاب ~~النار} قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة، وقال مقاتل: [نزلت] (1) في أبي حذيفة ~~بن المغيرة المخزومي. وقيل: ms2204 عام في كل كافر (2) . ### || # {أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل ~~هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب (9) } # {أم من هو قانت} قرأ ابن كثير ونافع وحمزة: "أمن" بتخفيف الميم، وقرأ ~~الآخرون بتشديدها، فمن شدد فله وجهان: # أحدهما: أن تكون الميم في "أم" صلة، فيكون معنى الكلام استفهاما وجوابه ~~محذوفا مجازه: أمن هو قانت كمن هو غير قانت؟ كقوله: "أفمن شرح الله صدره ~~للإسلام" (الزمر-22) يعني كمن لم يشرح صدره. # والوجه الآخر: أنه عطف على الاستفهام، مجازه: الذي جعل لله أندادا خير ~~أمن هو قانت؟ ومن قرأ بالتخفيف فهو ألف استفهام دخلت على من، معناه: أهذا ~~كالذي جعل لله أندادا؟ # وقيل: الألف في "أمن" بمعنى حرف النداء، تقديره: يا من هو قانت، والعرب ~~تنادي بالألف كما تنادي بالياء، فتقول: أبني فلان ويا بني فلان، فيكون معنى ~~الآية: قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار، يا من هو قانت {آناء ~~الليل} إنك من أهل الجنة، قاله ابن عباس. # وفي رواية عطاء: نزلت في أبي بكر الصديق (3) . # وقال الضحاك: نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (4) . PageV07P110 # وعن ابن عمر أنها نزلت في عثمان (1) . # وعن الكلبي أنها نزلت في ابن مسعود وعمار وسلمان. # والقانت: المقيم على الطاعة. قال ابن عمر: "القنوت": قراءة القرآن وطول ~~القيام، و"آناء الليل": ساعاته، {ساجدا وقائما} يعني: في الصلاة، {يحذر ~~الآخرة} يخاف الآخرة، {ويرجو رحمة ربه} يعني: كمن لا يفعل شيئا من ذلك، {قل ~~هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} قيل: "الذين يعلمون" عمار، ~~و"الذين لا يعلمون": أبو حذيفة المخزومي، {إنما يتذكر أولو الألباب} . ### || # {قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ~~وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (10) } # {قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم} بطاعته واجتناب معصيته، {للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا} أي: آمنوا وأحسنوا العمل، {حسنة} يعني: الجنة، قاله ~~مقاتل. وقال السدي: في هذه الدنيا ms2205 حسنة يعني: الصحة والعافية، {وأرض الله ~~واسعة} قال ابن عباس: يعني ارتحلوا من مكة. وفيه حث على الهجرة من البلد ~~الذي يظهر فيه المعاصي. # وقيل: نزلت في مهاجري الحبشة. # وقال سعيد بن جبير: من أمر بالمعاصي فليهرب. {إنما يوفى الصابرون أجرهم ~~بغير حساب} الذين صبروا على دينهم فلم يتركوه للأذى. # وقيل: نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه، حيث لم يتركوا دينهم لما اشتد ~~بهم البلاء وصبروا وهاجروا (2) . # قال علي رضي الله عنه: كل مطيع يكال له كيلا ويوزن له وزنا إلا الصابرون، ~~فإنه يحثى لهم حثيا (3) . # ويروى: "يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب ~~عليهم الأجر صبا بغير حساب" (4) . قال الله تعالى: (إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب) حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض ~~بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل. PageV07P111 ### || # {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين (12) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (13) قل الله أعبد ~~مخلصا له ديني (14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) لهم من فوقهم ~~ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون (16) ~~والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عبادي ~~(17) } # {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} مخلصا له التوحيد لا أشرك به ~~شيئا. # {وأمرت لأن أكون أول المسلمين} من هذه الأمة. # {قل إني أخاف إن عصيت ربي} وعبدت غيره، {عذاب يوم عظيم} وهذا حين دعي إلى ~~دين آبائه. # {قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه} أمر توبيخ وتهديد، ~~كقوله: "اعملوا ما شئتم" (فصلت-40) {قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ~~وأهليهم} أزواجهم وخدمهم، {يوم القيامة} قال ابن عباس: وذلك أن الله جعل ~~لكل إنسان منزلا في الجنة وأهلا فمن عمل بطاعة الله كان ذلك المنزل والأهل ms2206 ~~له، ومن عمل بمعصية الله دخل النار، وكان ذلك المنزل والأهل لغيره ممن عمل ~~بطاعة الله (1) . وقيل: خسران النفس بدخول النار، وخسران الأهل بأن يفرق ~~بينه وبين أهله، {ألا ذلك هو الخسران المبين} . # {لهم من فوقهم ظلل من النار} أطباق سرادقات من النار ودخانها، {ومن تحتهم ~~ظلل} فراش ومهاد من نار إلى أن ينتهي إلى القعر، وسمى الأسفل ظللا لأنها ~~ظلل لمن تحتهم نظيرها قوله عز وجل: "لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش" ~~(الأعراف-41) . # {ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون} . # {والذين اجتنبوا الطاغوت} الأوثان 105/ب {أن يعبدوها وأنابوا إلى الله} ~~رجعوا إلى عبادة الله، {لهم البشرى} في الدنيا والجنة في العقبى {فبشر ~~عباد} . ### || # {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم ~~أولو الألباب (18) أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار (19) ~~لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار ~~وعد الله لا يخلف الله الميعاد (20) } # {الذين يستمعون القول} القرآن، PageV07P112 # {فيتبعون أحسنه} قال السدي: أحسن ما يؤمرون فيعملون به. وقيل: هو أن الله ~~تعالى ذكر في القرآن الانتصار من الظالم وذكر العفو، والعفو أحسن الأمرين. ~~وقيل: ذكر العزائم والرخص فيتبعون الأحسن وهو العزائم. وقيل: يستمعون ~~القرآن وغير القرآن فيتبعون القرآن. # وقال عطاء عن ابن عباس: آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم فجاءه ~~عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن ~~زيد، فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا، فنزلت فيهم (1) : "فبشر عباد الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه" وكله حسن. {أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم ~~أولو الألباب} . # وقال ابن زيد: نزلت "والذين اجتنبوا الطاغوت" الآيتان، في ثلاثة نفر ~~كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله: زيد بن عمرو بن نفيل، وأبو ذر ~~الغفاري، وسلمان الفارسي (2) . والأحسن: قول لا إله إلا الله. # {أفمن حق عليه كلمة العذاب} قال ابن عباس رضي الله عنهما: من سبق في علم ~~الله أنه من أهل النار. وقيل: ms2207 كلمة العذاب [قوله: "لأملأن جهنم"، وقيل:] ~~(3) قوله: "هؤلاء في النار ولا أبالي" (4) . {أفأنت تنقذ من في النار} أي: ~~لا تقدر عليه. قال ابن عباس: يريد أبا لهب وولده. # {لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية} أي: منازل في الجنة ~~رفيعة، وفوقها منازل أرفع منها، {تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف ~~الله الميعاد} أي: وعدهم الله تلك الغرف والمنازل وعدا لا يخلفه. ~~PageV07P113 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني عبد العزيز بن عبد الله، حدثني ~~مالك عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون ~~الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم"، قالوا: ~~يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: "بلى، والذي نفسي ~~بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" (1) . ### || # {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به ~~زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى ~~لأولي الألباب (21) } # {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ~~ذكر الله أولئك في ضلال مبين (22) } # قوله عز وجل: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه} أدخل ذلك الماء، ~~{ينابيع} عيونا وركايا (1) {في الأرض} قال الشعبي: كل ماء في الأرض فمن ~~السماء نزل، {ثم يخرج به} أي: بالماء {زرعا مختلفا ألوانه} أحمر وأصفر ~~وأخضر، {ثم يهيج} ييبس {فتراه} بعد خضرته ونضرته، {مصفرا ثم يجعله حطاما} ~~فتاتا متكسرا، {إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب} . # قوله عز وجل: {أفمن شرح الله صدره للإسلام} وسعه لقبول الحق، {فهو على ~~نور من ربه} ليس كمن أقسى الله قلبه. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد ~~بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا ms2208 ابن فنجويه، حدثنا عبد الله بن محمد بن شيبة، ~~حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن يزيد الموصلي ببغداد، حدثنا أبو فروة ~~واسمه يزيد بن محمد، حدثني أبي عن أبيه، حدثنا زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو ~~بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: تلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) ~~قلنا: يا رسول الله كيف انشراح صدره؟ PageV07P114 # قال: "إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح" قلنا: يا رسول الله فما علامة ~~ذلك؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت ~~قبل نزول الموت" (1) . # قوله عز وجل: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين} قال ~~مالك بن دينار: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب، وما غضب الله عز وجل ~~على قوم إلا نزع منهم الرحمة (2) . ### || # {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ~~ومن يضلل الله فما له من هاد (23) } # قوله عز وجل: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها} يشبه بعضه بعضا في ~~الحسن، ويصدق بعضه بعضا ليس فيه تناقض ولا اختلاف. {مثاني} يثنى فيه ذكر ~~الوعد والوعيد، والأمر والنهي، والأخبار والأحكام، {تقشعر} تضطرب وتشمئز، ~~{منه جلود الذين يخشون ربهم} والاقشعرار تغير في جلد الإنسان عند الوجل ~~والخوف، وقيل: المراد من الجلود القلوب، أي: قلوب الذين يخشون ربهم، {ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} أي: لذكر الله، أي: إذا ذكرت آيات ~~العذاب اقشعرت جلود الخائفين لله، وإذا ذكرت آيات الرحمة لانت وسكنت ~~قلوبهم، كما قال الله تعالى: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" (الرعد-28) . # وحقيقة المعنى: أن قلوبهم تقشعر من الخوف، وتلين عند الرجاء. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن ~~محمد، حدثنا موسى بن محمد بن علي، حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل، ms2209 حدثنا يحيى ~~بن عبد الحميد الحماني، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن الهاد، عن ~~محمد بن إبراهيم التيمي، عن أم كلثوم بنت العباس، عن العباس بن عبد المطلب ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله ~~تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها" (3) . PageV07P115 # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن ~~محمد، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا موسى بن إسحاق الأنصاري، حدثنا ~~محمد بن معاوية، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا يزيد بن عبد الله بن الهاد بهذا ~~الإسناد، وقال: "إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله حرمه الله على النار" ~~(1) . # قال قتادة: هذا نعت أولياء الله نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما ذلك في ~~أهل البدع، وهو من الشيطان. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن ~~محمد بن فنجويه، ثنا ابن شيبة، حدثنا حمدان بن داود، حدثنا سلمة بن شيبة، ~~حدثنا خلف بن سلمة، حدثنا هشيم عن حصين عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: ~~قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر: كيف كان 106/أأصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله عز وجل تدمع ~~أعينهم وتقشعر جلودهم، قال فقلت لها: إن ناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن ~~خر أحدهم مغشيا عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (2) . # وبه عن [سليمان بن] (3) سلمة ثنا يحيى بن يحيى، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن ~~الجمحي أنا ابن عمر: مر برجل من أهل العراق ساقطا فقال: ما بال هذا؟ قالوا: ~~إنه إذا قرئ عليه القرآن أو سمع ذكر الله سقط، قال ابن عمر: إنا لنخشى الله ~~وما نسقط! # وقال ابن عمر: إن الشيطان ليدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم (4) . # وذكر عن ابن سيرين: الذين يصرعون إذ ms2210 قرئ عليهم القرآن؟ [فقال: بيننا ~~وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطا رجليه ثم يقرأ عليه القرآن] (5) من ~~أوله إلى آخره، فإن رمى بنفسه فهو صادق (6) . # {ذلك} يعني: أحسن الحديث، {هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما ~~له من هاد} . PageV07P116 ### || # {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم ~~تكسبون (24) كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25) ~~فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ~~(26) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرآنا ~~عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28) } # {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب} أي: شدته، {يوم القيامة} قال مجاهد: يجر ~~على وجهه في النار. وقال عطاء: يرمى به في النار منكوسا فأول شيء منه تمسه ~~النار وجهه. قال مقاتل: هو أن الكافر يرمى به في النار مغلولة يداه إلى ~~عنقه، وفي عنقه صخرة مثل جبل عظيم من الكبريت، فتشتعل النار في الحجر، وهو ~~معلق في عنقه فخر ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها عن وجهه، للأغلال التي في ~~عنقه ويده (1) . # ومجاز الآية: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو آمن من العذاب؟ # {وقيل} يعني: تقول الخزنة، {للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون} أي: وباله. # {كذب الذين من قبلهم} من قبل كفار مكة كذبوا الرسل، {فأتاهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون} يعني: وهم آمنون غافلون من العذاب. # {فأذاقهم الله الخزي} العذاب والهوان، {في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة ~~أكبر لو كانوا يعلمون} . # {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون} يتعظون. # {قرآنا عربيا} نصب على الحال، {غير ذي عوج} قال ابن عباس: غير مختلف. قال ~~مجاهد: غير ذي لبس. قال السدي: غير مخلوق. ويروى ذلك عن مالك بن أنس، وحكي ~~عن سفيان بن عيينة عن سبعين من التابعين أن القرآن ليس بخالق ولا مخلوق (2) ~~{لعلهم يتقون} الكفر والتكذيب به. PageV07P117 ### || # {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان ms2211 مثلا ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) إنك ميت وإنهم ميتون (30) ثم إنكم يوم ~~القيامة عند ربكم تختصمون (31) } # {ضرب الله مثلا رجلا} قال الكسائي: نصب رجلا لأنه تفسير للمثل، {فيه ~~شركاء متشاكسون} متنازعون مختلفون سيئة أخلاقهم، يقال: رجل شكس شرس، إذا ~~كان سيء الخلق، مخالفا للناس، لا يرضى بالإنصاف، {ورجلا سلما لرجل} قرأ أهل ~~مكة والبصرة: "سالما" بالألف أي: خالصا له لا شريك ولا منازع له فيه، [وقرأ ~~الآخرون: "سلما" بفتح اللام من غير ألف، وهو الذي لا ينازع فيه] (1) من ~~قولهم: هو لك سلم، أي: مسلم لا منازع لك فيه. {هل يستويان مثلا} هذا مثل ~~ضربه الله عز وجل للكافر الذي يعبد آلهة شتى، والمؤمن الذي لا يعبد إلا ~~الله الواحد، وهذا استفهام إنكار أي: لا يستويان، ثم قال: {الحمد لله} أي: ~~لله الحمد كله دون غيره من المعبودين. {بل أكثرهم لا يعلمون} ما يصيرون ~~إليه والمراد بالأكثر الكل. # {إنك ميت} أي: ستموت، {وإنهم ميتون} أي: سيموتون، قال الفراء والكسائي: ~~الميت -بالتشديد-من لم يمت وسيموت، الميت -بالتخفيف-من فارقه الروح، ولذلك ~~لم يخفف هاهنا. # {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} قال ابن عباس: يعني: المحق ~~والمبطل، والظالم والمظلوم. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا ابن فنجويه، ~~حدثنا ابن مالك، حدثنا ابن حنبل، حدثني أبي، حدثنا ابن نمير، حدثنا محمد ~~يعني ابن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير، عن ~~الزبير بن العوام قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثم إنكم ~~يوم القيامة عند ربكم تختصمون" قال الزبير: أي رسول الله أيكرر علينا ما ~~كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: "نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى ~~كل ذي حق حقه" قال الزبير: والله إن الأمر لشديد (2) PageV07P118 # وقال ابن عمر: عشنا برهة من الدهر وكنا نرى أن هذه الآية أنزلت فينا وفي ~~أهل الكتابين "ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون" قلنا: كيف نختصم ~~وديننا وكتابنا ms2212 واحد؟ حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها ~~نزلت فينا (1) . # وعن أبي سعيد الخدري في هذه الآية قال: كنا نقول ربنا واحد وديننا واحد ~~ونبينا واحد فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف ~~قلنا: نعم هو هذا (2) . # وعن إبراهيم قال: لما نزلت: "ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون" ~~قالوا: كيف نختصم ونحن إخوان؟ فلما قتل عثمان قالوا: هذه خصومتنا (3) ? # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي ~~شريح، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا علي ~~بن الجعد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "من كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال فليتحلله ~~اليوم قبل أن يؤخذ منه يوم لا دينار ولا درهم، فإن كان له عمل صالح أخذ منه ~~بقدر مظلمته، وإن لم يكن له أخذ من سيئاته فجعلت عليه" (4) . # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، ~~أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشمهيني، حدثنا علي ~~بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون من المفلس"؟ قالوا: المفلس فينا من ~~لا درهم له ولا متاع، قال: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة ~~وصيام وزكاة، وكان قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب ~~هذا، فيقضي هذا من حسناته وهذا من حسناته، [قال: فإن فنيت حسناته] (5) قبل ~~أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" (6) . ~~PageV07P119 ### || # {فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين (32) والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) لهم ما ~~يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34) ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن ms2213 الذي كانوا يعملون (35) أليس الله بكاف عبده ويخوفونك ~~بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد (36) } # قوله عز وجل: {فمن أظلم ممن كذب على الله} فزعم أن له ولدا وشريكا، {وكذب ~~بالصدق} بالقرآن، {إذ جاءه أليس في جهنم مثوى} منزل ومقام، {للكافرين} ~~استفهام بمعنى التقرير. # {والذي جاء بالصدق وصدق به} 106/ب قال ابن عباس: "والذي جاء بالصدق" يعني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلا إله إلا الله "وصدق به" الرسول أيضا ~~بلغه إلى الخلق. وقال السدي: "والذي جاء بالصدق" جبريل جاء بالقرآن، "وصدق ~~به" محمد صلى الله عليه وسلم تلقاه بالقبول. وقال الكلبي وأبو العالية: ~~"والذي جاء بالصدق" رسول الله صلى الله عليه وسلم "وصدق به" أبو بكر رضي ~~الله عنه. وقال قتادة ومقاتل: "والذي جاء بالصدق" رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "وصدق به" هم المؤمنون، لقوله عز وجل: {أولئك هم المتقون} وقال عطاء: ~~"والذي جاء بالصدق" الأنبياء "وصدق به" الأتباع، وحينئذ يكون الذي بمعنى: ~~الذين، كقوله تعالى: "مثلهم كمثل الذي استوقد نارا" (البقرة-17) ثم قال: ~~"ذهب الله بنورهم" (البقرة-17) وقال الحسن: هم المؤمنون صدقوا به في الدنيا ~~وجاءوا به في الآخرة. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: والذين جاءوا بالصدق ~~وصدقوا به. {أولئك هم المتقون} . # {لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي ~~عملوا} يسترها عليهم بالمغفرة، {ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} ~~قال مقاتل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوئ. # قوله عز وجل: {أليس الله بكاف عبده} ؟ يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~وقرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي: "عباده" بالجمع يعني: الأنبياء عليهم ~~السلام، قصدهم قومهم بالسوء كما قال: "وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه" ~~(غافر-5) فكفاهم الله شر من عاداهم، {ويخوفونك بالذين من دونه} وذلك أنهم ~~خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم معرة الأوثان. وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا ~~أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون {ومن يضلل الله فما له من هاد} . # PageV07P120 ### || # {ومن يهد الله فما له ms2214 من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (37) ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن ~~أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل ~~حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني ~~عامل فسوف تعلمون (39) من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40) } # {إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل ~~عليها وما أنت عليهم بوكيل (41) الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون (42) } # {ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام} منيع في ملكه، ~~منتقم من أعدائه. {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل ~~أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر} بشدة وبلاء، {هل هن ~~كاشفات ضره أو أرادني برحمة} بنعمة وبركة، {هل هن ممسكات رحمته} قرأ أهل ~~البصرة: "كاشفات" و"ممسكات" بالتنوين، "ضره" "ورحمته" بنصب الراء والتاء، ~~وقرأ الآخرون بلا تنوين وجر الراء والتاء على الإضافة، قال مقاتل: فسألهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسكتوا، فقال الله تعالى لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم: {قل حسبي الله} (1) ، ثقتي به واعتمادي عليه، {عليه يتوكل ~~المتوكلون} يثق به الواثقون. # {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ~~ويحل عليه عذاب مقيم} أي: ينزل عليه عذاب دائم. # {إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل ~~عليها} وبال ضلالته عليه، {وما أنت عليهم بوكيل} بحفيظ ورقيب لم توكل بهم ~~ولا تؤاخذ بهم. # قوله عز وجل: {الله يتوفى الأنفس} أي: الأرواح، {حين موتها} فيقبضها عند ~~فناء أكلها وانقضاء أجلها، وقوله: {حين موتها} يريد موت أجسادها. {والتي لم ~~تمت} يريد يتوفى PageV07P121 # الأنفس التي لم تمت، {في منامها} والتي تتوفى عند النوم هي النفس ms2215 التي ~~يكون بها العقل والتمييز، ولكل إنسان نفسان: إحداهما نفس الحياة وهي التي ~~تفارقه عند الموت فتزول بزوالها النفس، والأخرى نفس التمييز وهي التي ~~تفارقه إذا نام، وهو بعد النوم يتنفس {فيمسك التي قضى عليها الموت} فلا ~~يردها إلى الجسد. # قرأ حمزة والكسائي: "قضي" بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء، "الموت" رفع ~~على ما لم يسم فاعله، وقرأ الآخرون بفتح القاف والضاد، "الموت" نصب لقوله ~~عز وجل: "الله يتوفى الأنفس" {ويرسل الأخرى} ويرد الأخرى وهي التي لم يقض ~~عليها الموت إلى الجسد، {إلى أجل مسمى} إلى أن يأتي وقت موته. # ويقال: للإنسان نفس وروح، فعند النوم تخرج النفس وتبقى الروح. وعن علي ~~قال: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في الجسد، فبذلك يرى الرؤيا، فإذا ~~انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة. ويقال: إن أرواح الأحياء ~~والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله، فإذا أرادت الرجوع إلى ~~أجسادها أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى ~~أجسادها إلى انقضاء مدة حياتها. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير ~~حدثنا عبد الله بن عمر حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أوى أحدكم إلى فراشه ~~فلينفض فراشه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك ربي ~~وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ ~~به عبادك الصالحين" (1) # {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} لدلالات على قدرته حيث لم يغلط في إمساك ~~ما يمسك من الأرواح، وإرسال ما يرسل منها. # قال مقاتل: لعلامات لقوم يتفكرون في أمر البعث، يعني: إن توفي نفس النائم ~~وإرسالها بعد التوفي دليل على البعث. PageV07P122 ### || # {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ~~(43) قل لله الشفاعة جميعا ms2216 له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون (44) ~~وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من ~~دونه إذا هم يستبشرون (45) قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46) } # {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل} يا محمد، {أولو كانوا} وإن كانوا يعني ~~الآلهة، {لا يملكون شيئا} من الشفاعة، {ولا يعقلون} أنكم تعبدونهم. وجواب ~~هذا محذوف تقديره: وإن كانوا بهذه الصفة تتخذونهم. # {قل لله الشفاعة جميعا} قال مجاهد: لا يشفع أحد إلا بإذنه، {له ملك ~~السماوات والأرض ثم إليه ترجعون} . {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت} نفرت، وقال ~~ابن عباس ومجاهد ومقاتل: انقبضت عن التوحيد. وقال قتادة: استكبرت. وأصل ~~الاشمئزاز النفور والاستكبار، {قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة} . # {وإذا ذكر الذين من دونه} يعني: الأصنام {إذا هم يستبشرون} يفرحون، قال ~~مجاهد ومقاتل: وذلك حين قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة والنجم فألقى ~~الشيطان في أمنيته: تلك الغرانيق العلى، ففرح به الكفار (1) . # {قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك ~~في ما كانوا فيه يختلفون} ، أخبرنا الإمام أبو علي الحسين 107/أبن محمد ~~القاضي، أخبرنا أبو نعيم الإسفراييني، أخبرنا أبو عوانة، حدثنا السلمي، ~~حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، أخبرنا يحيى بن أبي كثير، حدثنا ~~أبو سلمة قال: سألت عائشة رضي الله عنها بم كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يفتتح الصلاة من الليل؟ قالت: كان يقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك ~~فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من ~~تشاء إلى صراط مستقيم" (2) . PageV07P123 ### || # {ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء ~~العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) } # {وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (48) فإذا مس ~~الإنسان ضر دعانا ثم إذا ms2217 خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي ~~فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49) قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما ~~كانوا يكسبون (50) } # قوله عز وجل: {ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا ~~به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} قال ~~مقاتل: ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا في الدنيا أنه نازل بهم في الآخرة. ~~قال السدي: ظنوا أنها حسنات فبدت لهم سيئات، والمعنى: أنهم كانوا يتقربون ~~إلى الله بعبادة الأصنام، فلما عوقبوا عليها بدا لهم من الله ما لم ~~يحتسبوا. وروي أن محمد بن المنكدر جزع عند الموت، فقيل له في ذلك فقال: ~~أخشى أن يبدو لي ما لم أحتسب (1) . # {وبدا لهم سيئات ما كسبوا} أي: مساوئ أعمالهم من الشرك والظلم بأولياء ~~الله. {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} . # {فإذا مس الإنسان ضر} شدة، {دعانا ثم إذا خولناه} أعطيناه {نعمة منا قال ~~إنما أوتيته على علم} أي: على علم من الله أني له أهل. وقال مقاتل: على خير ~~علمه الله عندي، وذكر الكناية لأن المراد من النعمة الإنعام، {بل هي فتنة} ~~[يعني: تلك النعمة فتنة] (2) استدراج من الله تعالى وامتحان وبلية. وقيل: ~~بل كلمته التي قالها فتنة. {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أنه استدراج وامتحان. # {قد قالها الذين من قبلهم} قال مقاتل: يعني قارون فإنه قال: "إنما أوتيته ~~على علم عندي" (القصص-78) {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} فما أغنى عنهم ~~الكفر من العذاب شيئا. PageV07P124 ### || # {فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا ~~وما هم بمعجزين (51) أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ~~ذلك لآيات لقوم يؤمنون (52) قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53) } # {فأصابهم سيئات ما كسبوا} أي: جزاؤها يعني العذاب. ثم أوعد كفار مكة ~~فقال: {والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ms2218 ما كسبوا وما هم بمعجزين} ~~بفائتين لأن مرجعهم إلى الله عز وجل. # {أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء} أي: يوسع الرزق لمن يشاء، ~~{ويقدر} أي: يقتر على من يشاء، {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} . # قوله عز وجل: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله} # روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك كانوا قتلوا ~~وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن الذي ~~تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت هذه الآية (1) . # وقال عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما: بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى وحشي يدعوه إلى الإسلام، فأرسل إليه: كيف تدعوني إلى ~~دينك وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك أو زنى يلق أثاما، يضاعف له العذاب، وأنا ~~قد فعلت ذلك كله، فأنزل الله عز وجل: "إلا من تاب وآمن وعمل صالحا" ~~(مريم-60) فقال وحشي: هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك؟ فأنزل ~~الله تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" ~~(النساء: 48، 116) فقال وحشي: أراني بعد في شبهة، فلا أدري يغفر لي أم لا؟ ~~فأنزل الله تعالى: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله"، فقال وحشي: نعم هذا، فجاء وأسلم، فقال المسلمون: هذا له خاصة أم ~~للمسلمين عامة؟ فقال: بل للمسلمين عامة (2) . PageV07P125 # وروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن ~~الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا، فافتتنوا فكنا ~~نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا، قوم أسلموا ثم تركوا ~~دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، فكتبها عمر بن الخطاب ~~بيده ثم بعث بها إلى عياش بن ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر ~~فأسلموا وهاجروا (1) . # وروى مقاتل بن حيان عن نافع عن ms2219 ابن عمر قال: كنا معاشر أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نرى أو نقول: ليس بشيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى ~~نزلت: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم" (محمد-33) فلما ~~نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش، ~~قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا قد هلك، فنزلت هذه الآية، ~~فكففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه، ~~وإن لم يصب منها شيئا رجونا له، وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر (2) . # وروي عن ابن مسعود أنه دخل المسجد فإذا قاص يقص وهو يذكر النار والأغلال، ~~فقام على رأسه فقال: يا مذكر لم تقنط الناس؟ ثم قرأ: "يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله" (3) . # أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد ~~الحموي أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن خزيم الشاشي، حدثنا [عبد الله] (4) بن ~~حميد، حدثنا حيان بن هلال وسليمان بن حرب وحجاج بن منهال قالوا: حدثنا حماد ~~بن سلمة عن ثابت، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} ولا يبالي" (5) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد ابن ~~أبي عدي عن شعبة عن قتادة عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة ~~PageV07P126 # وتسعين إنسانا، ثم خرج يسأل فأتى راهبا فسأله، فقال: هل لي من توبة؟ ~~فقال: لا فقتله فكمل به المائة، فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه ~~الموت فنأى بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى ~~الله تعالى إلى هذه أن تقربي وأوحى إلى هذه أن ms2220 تباعدي، وقال: قيسوا ما ~~بينهما فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له" (1) . # ورواه مسلم بن الحجاج عن محمد بن المثنى العنبري عن 107/ب معاذ بن هشام ~~عن أبيه عن قتادة بهذا الإسناد، وقال: "فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل ~~تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ فقال له: لا فقتله وكمل به مائة، ثم سأل ~~عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال له: قتلت مائة نفس فهل لي من ~~توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن ~~بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، ~~فانطلق حتى إذا كان نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة ~~وملائكة العذاب، فأتاهم ملك من صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين ~~الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي ~~أراد، فقبضته ملائكة الرحمة" (2) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك عن أبي الزناد عن ~~الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال رجل -لم ~~يعمل خيرا قط -لأهله إذا مات فحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر ~~فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، قال: ~~فلما مات فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما ~~فيه، ثم قال له: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر له" (3) ~~. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسين محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله ~~بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك ~~عن عكرمة بن عمار، حدثنا ضمضم بن جوس قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ، ~~فقال: يا يماني تعال، ms2221 وما أعرفه، فقال: لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله ~~لك أبدا، ولا يدخلك الله الجنة، قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة، ~~قال فقلت: PageV07P127 # إن هذه الكلمة [يقولها] (1) أحدنا لبعض أهله إذا غضب أو لزوجته أو ~~لخادمه، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن رجلين كانا ~~في بني إسرائيل متحابين أحدهما مجتهد في العبادة والآخر يقول كأنه مذنب، ~~فجعل يقول: أقصر أقصر عما أنت فيه، قال فيقول: خلني وربي، قال: حتى وجده ~~يوما على ذنب استعظمه، فقال: أقصر، فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيبا؟ فقال: ~~والله لا يغفر الله لك أبدا، ولا يدخلك الجنة أبدا. قال: فبعث الله إليهما ~~ملكا فقبض أرواحهما فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي، وقال ~~للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب، فقال اذهبوا به ~~إلى النار" قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته ~~(2) . # قوله عز وجل: {إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} . # أخبرنا عبد الرحمن بن أبي بكر القفال، أخبرنا أبو مسعود محمد بن أحمد بن ~~يونس الخطيب، حدثنا محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا أبو قلابة، حدثنا أبو عاصم، ~~حدثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: ~~"إلا اللمم" (النجم-32) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تغفر اللهم ~~تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما (3) ### || # {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) ~~واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا ~~تشعرون (55) } # قوله عز وجل: {وأنيبوا إلى ربكم} أقبلوا وارجعوا إليه بالطاعة، {وأسلموا ~~له} أخلصوا له التوحيد، {من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون} . # {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} يعني: القرآن، والقرآن كله حسن، ~~ومعنى الآية ما قاله الحسن: التزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن القرآن ذكر ~~القبيح لتجتنبه، وذكر الأدون لئلا ترغب ms2222 فيه، وذكر الأحسن لتؤثره. قال ~~السدي: "الأحسن" ما أمر الله به في الكتاب، {من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة ~~وأنتم لا تشعرون} PageV07P128 ### || # {أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين ~~(56) } # {أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) أو تقول حين ترى العذاب ~~لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها ~~واستكبرت وكنت من الكافرين (59) ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (60) وينجي الله الذين اتقوا ~~بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (61) } # {أن تقول نفس} يعني: لئلا تقول نفس، كقوله: "وألقى في الأرض رواسي أن ~~تميد بكم" (النحل-15) أي: لئلا تميد بكم، قال المبرد: أي بادروا واحذروا أن ~~تقول نفس. وقال الزجاج: خوف أن تصيروا إلى حال تقولون هذا القول، {يا ~~حسرتا} يا ندامتا، والتحسر الاغتمام على ما فات، وأراد: يا حسرتي، على ~~الإضافة، لكن العرب تحول ياء الكناية ألفا في الاستغاثة، فتقول: يا حسرتا ~~(1) ويا ندامتا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف ليدل على الإضافة، وكذلك ~~قرأ أبو جعفر {يا حسرتاي} ، وقيل: معنى قوله: "يا حسرتا" يا أيتها الحسرة ~~هذا وقتك، {على ما فرطت في جنب الله} قال الحسن: قصرت في طاعة الله. وقال ~~مجاهد: في أمر الله. وقال سعيد بن جبير: في حق الله. وقيل: ضيعت في ذات ~~الله. وقيل: معناه قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضاء الله. والعرب تسمي ~~الجنب جانبا {وإن كنت لمن الساخرين} المستهزئين بدين الله وكتابه ورسوله ~~والمؤمنين قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعته. # {أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب} ~~عيانا، {لو أن لي كرة} رجعة إلى الدنيا، {فأكون من المحسنين} الموحدين. # ثم يقال لهذا القائل: {بلى قد جاءتك آياتي} يعني: القرآن، {فكذبت بها} ~~وقلت إنها ليست من الله، {واستكبرت} تكبرت عن الإيمان بها، {وكنت من ~~الكافرين} ms2223 . # {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله} فزعموا أن له ولدا وشريكا، ~~{وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} عن الإيمان. # {وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم} قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر: ~~"بمفازاتهم" بالألف على PageV07P129 # الجمع أي: بالطرق التي تؤديهم إلى الفوز والنجاة، وقرأ الآخرون: ~~"بمفازتهم" على الواحد لأن المفازة بمعنى الفوز، أي: ينجيهم بفوزهم من ~~النار بأعمالهم الحسنة، قال المبرد: المفازة مفعلة من الفوز، والجمع حسن ~~كالسعادة والسعادات {لا يمسهم السوء} لا يصيبهم المكروه، {ولا هم يحزنون} . ### || # {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) له مقاليد السماوات والأرض ~~والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63) قل أفغير الله تأمروني ~~أعبد أيها الجاهلون (64) ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65) بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (66) ~~وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67) } # {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل} أي: الأشياء كلها موكولة إليه ~~فهو القائم بحفظها. {له مقاليد السموات والأرض} مفاتيح خزائن السموات ~~والأرض واحدها 108/أمقلاد، مثل مفتاح، ومقليد مثل منديل ومناديل. وقال ~~قتادة ومقاتل: مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة. وقال الكلبي: خزائن ~~المطر وخزائن النبات. {والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون} . # قوله عز وجل: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} ؟ قال مقاتل: ~~وذلك أن كفار قريش دعوه إلى دين آبائه. قرأ أهل الشام "تأمرونني" بنونين ~~خفيفتين على الأصل، وقرأ أهل المدينة بنون واحدة خفيفة على الحذف، وقرأ ~~الآخرون بنون واحدة مشددة على الإدغام. # {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} الذي عملته ~~قبل الشرك وهذا خطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد منه غيره. ~~وقيل: هذا أدب من الله عز وجل لنبيه وتهديد لغيره، لأن الله تعالى عصمه من ~~الشرك. {ولتكونن من الخاسرين} . # {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} لإنعامه عليك. # قوله عز وجل: {وما قدروا الله حق قدره} ما ms2224 عظموه حق عظمته حين أشركوا به ~~غيره، ثم أخبر عن عظمته فقال: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} # PageV07P130 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا شيبان عن منصور عن ~~إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على ~~إصبع والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر ~~الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت ~~نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ: "وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة" (1) . # ورواه مسلم بن الحجاج عن أحمد بن عبد الله بن يونس عن فضيل بن عياض عن ~~منصور، وقال: "والجبال والشجر على إصبع، وقال: ثم يهزهن هزا، فيقول: (أنا ~~الملك أنا الله) " (2) . # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي، أخبرني الحسين بن فنجويه، حدثنا عمر بن الخطاب، حدثنا عبد الله بن ~~الفضل، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، عن عمر بن حمزة، عن ~~سالم بن عبد الله، أخبرني عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم ~~يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن ~~بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون"، هذا حديث صحيح ~~أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة (3) . # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني، حدثنا أبو طاهر ~~محمد بن أحمد بن الحارث، حدثنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن ~~محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن ~~يونس عن الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، عن أبي ms2225 هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم ~~يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض" (4) . PageV07P131 ### || # {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ ~~فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68) } # قوله عز وجل: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض} ماتوا من ~~الفزع وهي النفخة الأولى، {إلا من شاء الله} اختلفوا في الذين استثناهم ~~الله عز وجل، وقد ذكرناهم في سورة النمل (1) ، قال الحسن: إلا من شاء الله ~~يعني الله وحده، {ثم نفخ فيه} أي: في الصور، {أخرى} أي: مرة أخرى، {فإذا هم ~~قيام ينظرون} [من قبورهم] (2) ينتظرون أمر الله فيهم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد، حدثنا أبو معاوية عن ~~الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: PageV07P131 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بين النفختين أربعون" قالوا: ~~أربعون يوما؟ قال: "أبيت"، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: "أبيت"، قالوا: أربعون ~~سنة؟ قال: "أبيت"، قال: "ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت ~~البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد، وهو عجب الذنب ومنه يتركب ~~الخلق يوم القيامة (1) . ### || # {وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم ~~بالحق وهم لا يظلمون (69) ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون (70) ~~وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (71) } # قوله عز وجل: {وأشرقت الأرض} أضاءت، {بنور ربها} بنور خالقها، وذلك حين ~~يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، فما يتضارون في نوره كما لا يتضارون في ~~الشمس في اليوم الصحو. وقال الحسن والسدي: بعدل ربها، وأراد بالأرض عرصات ~~القيامة، {ووضع الكتاب} أي: كتاب الأعمال، {وجيء بالنبيين والشهداء} ms2226 قال ~~ابن عباس: يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. وقال عطاء: يعني الحفظة، يدل عليه قوله تعالى: "وجاءت كل نفس ~~معها سائق وشهيد" (ق-21) {وقضي بينهم بالحق} أي: بالعدل، {وهم لا يظلمون} ~~أي: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم. # {ووفيت كل نفس ما عملت} أي: ثواب ما عملت، {وهو أعلم بما يفعلون} قال ~~عطاء: يريد أني عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا إلى شاهد. # {وسيق الذين كفروا إلى جهنم} سوقا عنيفا، {زمرا} أفواجا بعضها على إثر ~~بعض، كل أمة على حدة قال أبو عبيدة والأخفش: "زمرا" أي: جماعات في تفرقة، ~~واحدتها زمرة {حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها} السبعة وكانت مغلقة قبل ذلك، ~~قرأ أهل الكوفة "فتحت، وفتحت" بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير ~~{وقال لهم خزنتها} توبيخا وتقريعا لهم، {ألم يأتكم رسل منكم} من أنفسكم ~~{يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت} ~~وجبت، {كلمة العذاب على الكافرين} وهو قوله عز وجل: "لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين" (هود-119) PageV07P132 ### || # {قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) وسيق الذين ~~اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ~~سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (73) } # {قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين وسيق الذين ~~اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها} قال الكوفيون: ~~هذه الواو زائدة حتى تكون جوابا لقوله: "حتى إذا جاءوها" 108/ب كما في سوق ~~الكفار، وهذا كما قال الله تعالى: "ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء" ~~(الأنبياء-48) [أي: ضياء] (1) والواو زائدة. # وقيل: الواو واو الحال، مجازه: وقد فتحت أبوابها، فأدخل الواو لبيان أنها ~~كانت مفتحة قبل مجيئهم، وحذفها في الآية الأولى لبيان أنها كانت مغلقة قبل ~~مجيئهم. # فإذا لم تجعل الواو زائدة في قوله: "وفتحت" اختلفوا في جواب قوله: "وقال ~~لهم خزنتها" والواو فيه ملغاة تقديره: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال ~~لهم خزنتها. وقال ms2227 الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف، تقديره: "حتى إذا ~~جاءوها وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين" ~~دخلوها، فحذف "دخلوها" لدلالة الكلام عليه. # {وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم} يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليهم ~~ويقولون: طبتم. قال ابن عباس: طاب لكم المقام. قال قتادة: هم إذا قطعوا ~~النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض حتى إذا هذبوا ~~وطيبوا أدخلوا الجنة، فقال لهم رضوان وأصحابه: "سلام عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين" (2) . # وروي عن علي عليه السلام قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا ~~عند بابها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيغتسل المؤمن من إحداهما فيطهر ~~ظاهره، ويشرب من الأخرى فيطهر باطنه، وتلقيهم الملائكة على أبواب الجنة ~~يقولون: {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} . (3) PageV07P133 ### || # {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث ~~نشاء فنعم أجر العاملين (74) } # {وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق ~~وقيل الحمد لله رب العالمين (75) } # {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض} أي: أرض الجنة. وهو ~~قوله عز وجل: "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون" (الأنبياء-105) {نتبوأ} ننزل، {من الجنة حيث نشاء} قال الله ~~تعالى: {فنعم أجر العاملين} ثواب المطيعين. # {وترى الملائكة حافين من حول العرش} أي: محدقين محيطين بالعرش، مطيفين ~~بحوافيه أي: بجوانبه، {يسبحون بحمد ربهم} قيل: هذا تسبيح تلذذ لا تسبيح ~~تعبد، لأن التكليف [يزول] (1) في ذلك اليوم {وقضي بينهم بالحق} أي: قضي بين ~~أهل الجنة والنار بالعدل، {وقيل الحمد لله رب العالمين} يقول أهل الجنة: ~~شكرا لله، حين تم وعد الله لهم. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن ~~سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن ~~زنجويه، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي ~~الأحوص عن عبد الله قال: إن مثل القرآن كمثل رجل ms2228 انطلق يرتاد لأهله منزلا ~~فمر بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات (2) ، ~~فقال: عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب منه وأعجب، فقيل له: إن مثل الغيث ~~الأول مثل عظم القرآن، وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل ال حم في القرآن ~~(3) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو محمد ~~الرومي، حدثنا أبو العباس السراج، حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد ~~بن أبي حبيب أن الجراح بن أبي الجراح حدثه عن ابن عباس قال: لكل شيء لباب ~~ولباب والقرآن الحواميم (4) . وقال ابن مسعود: إذا وقعت في آل حم وقعت في ~~روضات دمثات أتأنق فيهن (5) . وقال سعد بن إبراهيم: كن -آل حم-يسمين ~~العرائس (6) . PageV07P134 ### | سورة غافر # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب ~~شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3) } # قوله عز وجل: {حم} قد سبق الكلام في حروف التهجي (2) . قال السدي عن ابن ~~عباس: حم اسم الله الأعظم. وروى عكرمة عنه قال: الر، وحم، ونون، حروف ~~"الرحمن" مقطعة (3) . وقال سعيد بن جبير وعطاء الخراساني: الحاء افتتاح ~~أسمائه: حكيم حميد حي حليم حنان، والميم افتتاح أسمائه: مالك مجيد منان. ~~وقال الضحاك والكسائي: معناه قضى ما هو كائن كأنهما أشارا إلى أن معناه: ~~حم، بضم الحاء وتشديد الميم (4) . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: حم بكسر ~~الحاء، والباقون بفتحها. # {تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب} ساتر الذنب، {وقابل ~~التوب} PageV07P135 # يعني التوبة، مصدر تاب يتوب توبا. وقيل: التوب جمع توبة مثل دومة ودوم ~~وحومة وحوم. قال ابن عباس: غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله، [وقابل ~~التوب ممن قال لا إله إلا الله] (1) {شديد العقاب} لمن لا يقول لا إله إلا ~~الله، {ذي الطول} ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله. قال مجاهد: "ذي ~~الطول": ذي السعة والغنى. وقال الحسن: ذو الفضل. وقال قتادة: ذو النعم. ~~وقيل: ذو القدرة. وأصل ms2229 الطول الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه. {لا إله ~~إلا هو إليه المصير} . ### || # {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) ~~} # {ما يجادل في آيات الله} في دفع آيات الله بالتكذيب والإنكار، {إلا الذين ~~كفروا} قال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن: "ما ~~يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا" و"إن الذين اختلفوا في الكتاب لفي ~~شقاق بعيد" (2) (البقرة-176) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن ~~أحمد، حدثنا محمد بن خالد، أخبرنا داود بن سليمان، أخبرنا عبد الله بن ~~حميد، حدثنا الحسين بن علي الجعفي عن زائدة عن ليث عن سعد بن إبراهيم عن ~~أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن جدالا في ~~القرآن كفر" (3) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، ~~أخبرنا معمر عن الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قوما يتمارون في القرآن، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم ~~بهذا، ضربوا كتاب الله عز وجل بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق ~~PageV07P138 # بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوه، وما جهلتم منه ~~فكلوه إلى عالمه" (1) . # قوله تعالى: {فلا يغررك تقلبهم في البلاد} تصرفهم في البلاد للتجارات ~~وسلامتهم فيها مع كفرهم، فإن عاقبة أمرهم العذاب، نظيره قوله عز وجل: "لا ~~يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد" (آل عمران-196) . ### || # {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ~~وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) وكذلك حقت كلمة ~~ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار (6) } # {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم} وهم الكفار الذين تحزبوا ~~109/أعلى أنبيائهم بالتكذيب من بعد قوم نوح، {وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه} ~~قال ابن عباس: ليقتلوه ويهلكوه. وقيل: ms2230 ليأسروه. والعرب تسمي الأسير أخيذا، ~~{وجادلوا بالباطل ليدحضوا} ليبطلوا، {به الحق} الذي جاء به الرسل ومجادلتهم ~~مثل قولهم: "إن أنتم إلا بشر مثلنا" (إبراهيم-10) ، و"لولا أنزل علينا ~~الملائكة" (الفرقان-21) ونحو ذلك، {فأخذتهم فكيف كان عقاب} . # {وكذلك حقت كلمة ربك} يعني: كما حقت كلمة العذاب على الأمم المكذبة حقت، ~~{على الذين كفروا} من قومك، {أنهم أصحاب النار} قال الأخفش: لأنهم أو بأنهم ~~أصحاب النار. ### || # {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون ~~للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم عذاب الجحيم (7) } # قوله عز وجل: {الذين يحملون العرش ومن حوله} حملة العرش والطائفون به وهم ~~الكروبيون، وهم سادة الملائكة. قال ابن عباس: حملة العرش ما بين كعب أحدهم ~~إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام (2) ، ويروى أن أقدامهم في تخوم الأرضين، ~~والأرضون والسموات إلى PageV07P139 # حجزهم، وهم يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، ~~سبحان الحي الذي لا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح. # وقال ميسرة بن عروبة: أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم خرقت العرش، وهم ~~خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفا من أهل السماء السابعة، وأهل السماء ~~السابعة أشد خوفا من أهل السماء التي تليها، والتي تليها أشد خوفا من التي ~~تليها. وقال مجاهد: بين الملائكة والعرش سبعون حجابا من نور. # وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنيه ~~إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" (1) . # وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: [إن ما] (2) بين القائمة من ~~قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع ثلاثين ألف عام، والعرش ~~يكسى كل يوم سبعين ألف لون من النور، لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق ~~الله، والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة. # وقال مجاهد: بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب من نور، وحجاب ~~من ms2231 ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة. # وقال وهب بن منبه: إن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة، صف خلف صف ~~يطوفون بالعرش، يقبل هؤلاء [ويدبر] (3) هؤلاء، فإذا استقبل بعضهم بعضا هلل ~~هؤلاء وكبر هؤلاء، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام، أيديهم إلى أعناقهم قد ~~وضعوها على عواتقهم، فإذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم رفعوا أصواتهم، ~~فقالوا: سبحانك وبحمدك ما أعظمك PageV07P140 # وأجلك أنت الله لا إله غيرك، أنت الأكبر، الخلق كلهم لك راجعون. ومن وراء ~~هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد ~~إلا وهو يسبح بتحميد لا يسبحه الآخر، ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلثمائة ~~عام، وما بين شحمة أذنه إلى عاتقه أربعمائة عام، واحتجب الله من الملائكة ~~الذين حول العرش بسبعين حجابا من نار، وسبعين حجابا من ظلمة، وسبعين حجابا ~~من نور، وسبعين حجابا من در أبيض، وسبعين حجابا من ياقوت أحمر، [وسبعين ~~حجابا من ياقوت أصفر] (1) وسبعين حجابا من زبرجد أخضر، وسبعين حجابا من ~~ثلج، وسبعين حجابا من ماء، وسبعين حجابا من برد، وما لا يعلمه إلا الله ~~تعالى. قال: ولكل واحد من حملة العرش ومن حوله أربعة وجوه، وجه ثور ووجه ~~أسد ووجه نسر ووجه إنسان، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة، أما جناحان فعلى ~~وجهه مخافة أن ينظر إلى العرش فيصعق، وأما جناحان فيهفو بهما، ليس لهم كلام ~~إلا التسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد (2) . # قوله عز وجل: {يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به} يصدقون بأنه واحد لا شريك ~~له. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عمر بن عبد الله الرقاشي، حدثنا جعفر ~~بن سليمان، حدثنا هارون بن رباب، حدثنا شهر بن حوشب قال: حملة العرش ~~ثمانية، فأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد ~~علمك، وأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد ~~قدرتك، قال: وكأنهم ينظرون ذنوب بني آدم (3) . # قوله عز وجل: {ويستغفرون للذين آمنوا ربنا} ms2232 يعني يقولون ربنا، {وسعت كل ~~شيء رحمة وعلما} قيل: نصب على التفسير، وقيل: على النقل، أي: وسعت رحمتك ~~وعلمك كل شيء، {فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك} دينك {وقهم عذاب الجحيم} ~~قال [مطرف] (4) : أنصح عباد الله للمؤمنين هم الملائكة، وأغش الخلق ~~للمؤمنين هم الشياطين (5) . PageV07P141 ### || # {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم (8) } # {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم} قال سعيد بن جبير: يدخل المؤمن الجنة فيقول: أين ~~أبي؟ أين أمي، أين ولدي # PageV07P141 # أين زوجي؟ فيقال: إنهم لم يعملوا مثل عملك، فيقول: إني كنت أعمل لي ولهم، ~~فيقال: أدخلوهم الجنة (1) . ### || # {وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم (9) ~~إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى ~~الإيمان فتكفرون (10) قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا ~~بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (11) } # {وقهم السيئات} العقوبات، {ومن تق السيئات} أي: ومن تقه السيئات يعني ~~العقوبات، وقيل: جزاء السيئات، {يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم} . # قوله عز وجل: {إن الذين كفروا ينادون} يوم القيامة وهم في النار وقد ~~مقتوا أنفسهم حين عرضت عليهم سيئاتهم، وعاينوا العذاب، فيقال لهم: {لمقت ~~الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} يعني لمقت الله ~~إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم اليوم أنفسكم ~~عند حلول العذاب بكم. # {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال ابن عباس -رضي الله تعالى ~~عنهما-وقتادة والضحاك: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم الله في ~~الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، ~~فهما موتتان وحياتان (2) ، وهذا كقوله تعالى: "كيف تكفرون بالله وكنتم ~~أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم" 109/ب (البقرة-28) ، وقال السدي: ~~أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم للسؤال، ثم أميتوا في قبورهم ثم أحيوا ~~في الآخرة (3) . {فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل} ms2233 أي: من خروج من ~~النار إلى الدنيا فنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك، نظيره: "هل إلى مرد من سبيل" ~~(الشورى-44) . PageV07P142 ### || # {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي ~~الكبير (12) هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا ~~من ينيب (13) فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14) رفيع ~~الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم ~~التلاق (15) يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله ~~الواحد القهار (16) } # قال الله تعالى: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم} وفيه متروك استغني ~~عنه لدلالة الظاهر عليه، مجازه: فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك، وهذا العذاب ~~والخلود في النار بأنكم إذا دعي الله وحده كفرتم، إذا قيل لا إله إلا الله ~~[كفرتم] (1) وقلتم: "أجعل الآلهة إلها واحدا" (ص-5) {وإن يشرك به} غيره، ~~{تؤمنوا} تصدقوا ذلك الشرك، {فالحكم لله العلي الكبير} الذي لا أعلى منه ~~ولا أكبر. # {هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا} يعني: المطر الذي هو سبب ~~الأرزاق، {وما يتذكر} وما يتعظ بهذه الآيات، {إلا من ينيب} يرجع إلى الله ~~تعالى في جميع أموره. # {فادعوا الله مخلصين له الدين} الطاعة والعبادة. {ولو كره الكافرون} . # {رفيع الدرجات} رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة، {ذو العرش} ~~خالقه ومالكه، {يلقي الروح} ينزل الوحي، سماه روحا لأنه تحيا به القلوب كما ~~تحيا الأبدان بالأرواح، {من أمره} قال ابن عباس: من قضائه. وقيل: من قوله. ~~وقال مقاتل: بأمره. {على من يشاء من عباده لينذر} أي: لينذر النبي بالوحي، ~~{يوم التلاق} وقرأ يعقوب بالتاء أي: لتنذر أنت يا محمد يوم التلاق، يوم ~~يلتقي أهل السماء وأهل الأرض. قال قتادة ومقاتل: يلتقي فيه الخلق والخالق. ~~قال ابن زيد: يتلاقى العباد. وقال ميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم ~~والخصوم. وقيل: يلتقي العابدون والمعبودون. وقيل: يلتقي فيه المرء مع عمله ~~(2) . # {يوم هم بارزون} خارجون من قبورهم ظاهرون لا يسترهم شيء، ms2234 {لا يخفى على ~~الله منهم} من أعمالهم وأحوالهم، {شيء} يقول الله تعالى في ذلك اليوم بعد ~~فناء الخلق: {لمن الملك اليوم} PageV07P143 # فلا أحد يجيبه، فيجيب نفسه فيقول: {لله الواحد القهار} الذي قهر الخلق ~~بالموت. # PageV07P144 ### || # {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب (17) ~~وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا ~~شفيع يطاع (18) يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (19) والله يقضي بالحق ~~والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير (20) أولم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد ~~منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ~~(21) } # {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} يجزى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، {لا ~~ظلم اليوم إن الله سريع الحساب} . # {وأنذرهم يوم الآزفة} يعني: يوم القيامة، سميت بذلك لأنها قريبة إذ كل ما ~~هو آت قريب، نظيره قوله عز وجل: "أزفت الآزفة" (النجم-57) أي: قربت القيامة ~~{إذ القلوب لدى الحناجر} وذلك أنها تزول عن أماكنها من الخوف حتى تصير إلى ~~الحناجر، فلا هي تعود إلى أماكنها، ولا هي تخرج من أفواههم فيموتوا ~~ويستريحوا، {كاظمين} مكروبين ممتلئين خوفا وحزنا، والكظم تردد الغيظ والخوف ~~والحزن في القلب حتى يضيق به. {ما للظالمين من حميم} قريب ينفعهم، {ولا ~~شفيع يطاع} فيشفع فيهم. # {يعلم خائنة الأعين} أي: خيانتها وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل. قال ~~مجاهد: وهو نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. {وما تخفي الصدور} . # {والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه} [يعني الأوثان] (1) {لا يقضون ~~بشيء} لأنها لا تعلم شيئا ولا تقدر على شيء، قرأ نافع [وابن عامر] (2) : ~~"تدعون" بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء. {إن الله هو السميع البصير} . # {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا ~~هم أشد منهم قوة} قرأ ابن عامر: "منكم" بالكاف، وكذلك هو في مصاحفهم، ~~{وآثارا في الأرض} فلم ينفعهم ms2235 ذلك {فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من ~~الله من واق} يدفع عنهم العذاب. PageV07P144 ### || # {ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد ~~العقاب (22) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (23) إلى فرعون وهامان ~~وقارون فقالوا ساحر كذاب (24) فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا ~~أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال (25) ~~} # {وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن ~~يظهر في الأرض الفساد (26) } # {ذلك} أي: ذلك العذاب الذي نزل بهم، {بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ~~فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب} . # قوله عز وجل: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان ~~وقارون فقالوا ساحر كذاب فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا} يعني فرعون ~~وقومه {اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه} قال قتادة: هذا غير القتل الأول، لأن ~~فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان، فلما بعث موسى -عليه السلام-أعاد القتل ~~عليهم، فمعناه أعيدوا عليهم القتل (1) {واستحيوا نساءهم} ليصدوهم بذلك عن ~~متابعة موسى ومظاهرته، {وما كيد الكافرين} وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم، ~~{إلا في ضلال} أي: يذهب كيدهم باطلا ويحيق بهم ما يريده الله عز وجل. # {وقال فرعون} لملئه، {ذروني أقتل موسى} وإنما قال هذا لأنه كان في خاصة ~~قوم فرعون من يمنعه من قتله خوفا من الهلاك {وليدع ربه} أي: وليدع موسى ربه ~~الذي يزعم أنه أرسله إلينا فيمنعه منا، {إني أخاف أن يبدل} يغير، {دينكم} ~~الذي أنتم عليه، {أو أن يظهر في الأرض الفساد} قرأ يعقوب وأهل الكوفة "أو ~~أن يظهر " وقرأ الآخرون "وأن يظهر " وقرأ أهل المدينة والبصرة وحفص "يظهر" ~~بضم الياء وكسر الهاء على التعدية، {الفساد} نصب لقوله: "أن يبدل دينكم" ~~حتى يكون الفعلان على نسق واحد، وقرأ الآخرون بفتح الياء والهاء على ~~اللزوم، "الفساد" رفع وأراد بالفساد تبديل الدين وعبادة غيره. PageV07P145 ### || # {وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (27) ~~وقال رجل مؤمن من آل فرعون ms2236 يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد ~~جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض ~~الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28) } # {وقال موسى} لما توعده فرعون بالقتل، {إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا ~~يؤمن بيوم الحساب وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} . # واختلفوا في هذا المؤمن: قال مقاتل والسدي: كان قبطيا ابن عم فرعون وهو ~~الذي حكى الله عنه فقال: "وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى" (القصص-20) ، ~~وقال قوم: كان إسرائيليا، ومجاز الآية: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل ~~فرعون وكان اسمه حزئيل عند ابن عباس، وأكثر العلماء. وقال ابن إسحاق: كان ~~اسمه [جبران] (1) . وقيل: كان اسم الرجل الذي آمن من آل فرعون حبيبا (2) ~~{أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} لأن يقول ربي الله، {وقد جاءكم بالبينات ~~من ربكم} أي: بما يدل على صدقه، {وإن يك كاذبا فعليه كذبه} 110/ألا يضركم ~~ذلك، {وإن يك صادقا} فكذبتموه، {يصبكم بعض الذي يعدكم} قال أبو عبيد: ~~المراد بالبعض الكل، أي: إن قتلتموه وهو صادق أصابكم ما يتوعدكم به من ~~العذاب. قال الليث: "بعض" صلة، يريد: يصبكم الذي يعدكم. وقال أهل المعاني: ~~هذا على الظاهر في الحجاج كأنه قال: أقل ما في صدقه أن يصيبكم بعض الذي ~~يعدكم وفي بعض ذلك هلاككم، فذكر البعض ليوجب الكل، {إن الله لا يهدي} إلى ~~دينه، {من هو مسرف} [مشرك] (3) {كذاب} على الله. PageV07P146 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الوليد ~~بن مسلم، حدثني الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم ~~التيمي، حدثني عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني ~~بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي ms2237 معيط فأخذ بمنكب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه به خنقا شديدا، ~~فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ~~"أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم" (1) . ### || # {يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن ~~جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (29) وقال ~~الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب (30) مثل دأب قوم نوح وعاد ~~وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد (31) ويا قوم إني أخاف ~~عليكم يوم التناد (32) } # {يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض} غالبين في أرض مصر، {فمن ~~ينصرنا من بأس الله} من يمنعنا من عذاب الله، {إن جاءنا} والمعنى لكم الملك ~~اليوم فلا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب، وقتل النبي فإنه لا مانع من عذاب ~~الله إن حل بكم، {قال فرعون ما أريكم} من الرأي والنصيحة، {إلا ما أرى} ~~لنفسي. وقال الضحاك: ما أعلمكم إلا ما أعلم، {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} ~~ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى. # {وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح ~~وعاد وثمود والذين من بعدهم} أي: مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب حتى ~~أتاهم العذاب، {وما الله يريد ظلما للعباد} أي: لا يهلكهم قبل اتخاذ الحجة ~~عليهم. # {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد} يوم القيامة يدعى كل أناس بإمامهم ~~وينادي بعضهم بعضا، فينادي أصحاب الجنة أصحاب النار، وأصحاب النار أصحاب ~~الجنة، وينادى أصحاب الأعراف، وينادى بالسعادة والشقاوة، ألا إن فلان بن ~~فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وفلان ابن فلان قد شقي شقاوة لا ~~يسعد بعدها أبدا، وينادى حين يذبح الموت: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا ~~أهل النار خلود فلا موت. PageV07P147 # وقرأ ابن عباس والضحاك: "يوم التناد" بتشديد الدال أي: يوم التنافر، وذلك ~~أنهم هربوا فندوا ms2238 في الأرض كما تند الإبل إذا شردت عن أربابها. # قال الضحاك: وكذلك إذا سمعوا زفير النار ندوا هربا فلا يأتون قطرا من ~~الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفا، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، ~~فذلك قوله تعالى: "والملك على أرجائها" (الحاقة-17) وقوله: "يا معشر الجن ~~والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا" (1) . ~~(الرحمن-33) ### || # {يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ~~(33) } # {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا ~~هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) ~~الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين ~~آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) } # {يوم تولون مدبرين} منصرفين عن موقف الحساب إلى النار. وقال مجاهد: فارين ~~غير معجزين {ما لكم من الله من عاصم} يعصمكم من عذابه، {ومن يضلل الله فما ~~له من هاد} . {ولقد جاءكم يوسف من قبل} يعني يوسف بن يعقوب "من قبل" أي: من ~~قبل موسى، {بالبينات} يعني قوله: "أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار" (يوسف-39) {فما زلتم في شك مما جاءكم به} قال ابن عباس: من عبادة ~~الله وحده لا شريك له، {حتى إذا هلك} مات {قلتم لن يبعث الله من بعده ~~رسولا} أي: أقمتم على كفركم وظننتم أن الله لا يجدد عليكم الحجة، {كذلك يضل ~~الله من هو مسرف} مشرك، {مرتاب} شاك. # {الذين يجادلون في آيات الله} قال الزجاج: هذا تفسير للمسرف المرتاب يعني ~~هم الذين يجادلون في آيات الله أي: في إبطالها بالتكذيب {بغير سلطان} حجة ~~{أتاهم} [من الله] (1) {كبر مقتا} أي: كبر ذلك الجدال مقتا، {عند الله وعند ~~الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} قرأ أبو عمرو وابن عامر ~~"قلب" بالتنوين، وقرأ الآخرون بالإضافة، دليله قراءة عبد الله بن مسعود ~~"على قلب كل متكبر جبار". PageV07P148 ### || # {وقال فرعون يا ms2239 هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (36) أسباب السماوات ~~فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن ~~السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب (37) وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم ~~سبيل الرشاد (38) يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار ~~القرار (39) من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى ~~وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب (40) } # {ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (41) } # {وقال فرعون} لوزيره: {يا هامان ابن لي صرحا} والصرح: البناء الظاهر الذي ~~لا يخفى على الناظر وإن بعد، وأصله من التصريح وهو الإظهار، {لعلي أبلغ ~~الأسباب} . {أسباب السماوات} يعني: طرقها وأبوابها من سماء إلى سماء، ~~{فأطلع إلى إله موسى} قراءة العامة برفع العين نسقا على قوله: "أبلغ ~~الأسباب" وقرأ حفص عن عاصم بنصب العين وهي قراءة حميد الأعرج، على جواب ~~"لعل" بالفاء، {وإني لأظنه} يعني موسى، {كاذبا} فيما يقول إن له ربا غيري، ~~{وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل} قرأ أهل الكوفة ويعقوب: "وصد" ~~بضم الصاد نسقا على قوله: "زين لفرعون" قال ابن عباس: صده الله عن سبيل ~~الهدى. وقرأ الآخرون بالفتح أي: صد فرعون الناس عن السبيل. {وما كيد فرعون ~~إلا في تباب} يعني: وما كيده في إبطال آيات موسى إلا في خسار وهلاك. {وقال ~~الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} طريق الهدى. # {يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع} متعة تنتفعون بها مدة ثم تنقطع، ~~{وإن الآخرة هي دار القرار} التي لا تزول. # {من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب} قال مقاتل: لا تبعة عليهم فيما ~~يعطون في الجنة من الخير. {ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة} يعني: ما لكم، ~~كما تقول: ما لي أراك حزينا؟ أي: ما لك؟ يقول: أخبروني عنكم؟ كيف ms2240 هذه الحال ~~أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله، {وتدعونني إلى النار} ؟ إلى ~~الشرك الذي يوجب النار، ثم فسر فقال: # PageV07P149 ### || # {تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز ~~الغفار (42) لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ~~وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار (43) فستذكرون ما أقول لكم ~~وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد (44) فوقاه الله سيئات ما مكروا ~~وحاق بآل فرعون سوء العذاب (45) النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (46) } # {تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز ~~الغفار} في انتقامه ممن كفر، الغفار لذنوب 110/ب أهل التوحيد. # {لا جرم} حقا، {أنما تدعونني إليه} أي: إلى الوثن، {ليس له دعوة في ~~الدنيا ولا في الآخرة} قال السدي: لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة، ~~يعني ليست له استجابة دعوة. وقيل: ليست له دعوة إلى عبادته في الدنيا لأن ~~الأوثان لا تدعي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها، وفي الآخرة تتبرأ من ~~عابديها. {وأن مردنا إلى الله} مرجعنا إلى الله فيجازي كلا بما يستحق، {وأن ~~المسرفين} المشركين، {هم أصحاب النار} . # {فستذكرون ما أقول لكم} إذا عاينتم العذاب حين لا ينفعكم الذكر، {وأفوض ~~أمري إلى الله} وذلك أنهم توعدوه لمخالفته دينهم، {إن الله بصير بالعباد} ~~يعلم المحق من المبطل، ثم خرج المؤمن من بينهم، فطلبوه فلم يقدروا عليه. # وذلك قوله عز وجل {فوقاه الله سيئات ما مكروا} [ما أرادوا به من الشر] ~~(1) قال قتادة: نجا مع موسى وكان قبطيا، {وحاق} نزل، {بآل فرعون سوء ~~العذاب} الغرق في الدنيا، والنار في الآخرة. # وذلك قوله عز وجل: {النار} هي رفع على البدل من السوء، {يعرضون عليها ~~غدوا وعشيا} صباحا ومساء، قال ابن مسعود: أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود ~~يعرضون على النار كل يوم مرتين، تغدو وتروح إلى النار، ويقال: يا آل فرعون ~~هذه منازلكم ms2241 حتى تقوم الساعة (2) . PageV07P150 # وقال قتادة، ومقاتل، والسدي، والكلبي: تعرض روح كل كافر على النار بكرة ~~وعشيا ما دامت الدنيا. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، ~~إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، ~~فيقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة" (1) . # ثم أخبر الله عن مستقرهم يوم القيامة فقال: {ويوم تقوم الساعة أدخلوا} ~~قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر: "الساعة" "ادخلوا" بحذف الألف ~~والوصل، وبضمها في الابتداء، وضم الخاء من الدخول، أي: يقال لهم: ادخلوا يا ~~"آل فرعون أشد العذاب"، وقرأ الآخرون "أدخلوا" بقطع الألف وكسر الخاء من ~~الإدخال، أي: يقال للملائكة: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب. قال ابن عباس: ~~يريد ألوان العذاب غير الذي كانوا يعذبون به منذ أغرقوا. ### || # {وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا ~~فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47) قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن ~~الله قد حكم بين العباد (48) وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم ~~يخفف عنا يوما من العذاب (49) } PageV07P151 # {قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء ~~الكافرين إلا في ضلال (50) } # {وإذ يتحاجون في النار} أي: اذكر يا محمد لقومك إذ يختصمون، يعني أهل ~~النار في النار، {فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا} في ~~الدنيا، {فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار} والتبع يكون واحدا وجمعا في ~~قول أهل البصرة، وواحده تابع، وقال أهل الكوفة: هو جمع لا واحد له، وجمعه ~~أتباع. # {قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد وقال الذين ~~في النار} حين اشتد عليهم العذاب، {لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من ms2242 ~~العذاب} . # {قالوا} يعني خزنة جهنم لهم، {أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى ~~قالوا فادعوا} أنتم إذا ربكم، إنا لا ندعو لكم، لأنهم علموا أنه لا يخفف ~~عنهم العذاب. قال الله تعالى: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} # PageV07P151 # أي: يبطل ويضل ولا ينفعهم. ### || # {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51) ~~يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) ولقد آتينا ~~موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53) هدى وذكرى لأولي الألباب (54) ~~فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار (55) إن ~~الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ~~ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) } # قوله عز وجل {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} قال ابن ~~عباس: بالغلبة والقهر. وقال الضحاك: بالحجة، وفي الآخرة بالعذر. وقيل: ~~بالانتقام من الأعداء في الدنيا والآخرة، وكل ذلك قد كان للأنبياء ~~والمؤمنين، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم، وقد نصرهم الله بالقهر على ~~من ناوأهم وإهلاك أعدائهم، ونصرهم بعد أن قتلوا بالانتقام من أعدائهم، كما ~~نصر يحيى بن زكريا لما قتل، قتل به سبعون ألفا، فهم منصورون بأحد هذه ~~الوجوه، {ويوم يقوم الأشهاد} يعني: يوم القيامة يقوم الحفظة من الملائكة ~~يشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب. # {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم} إن اعتذروا عن كفرهم لم يقبل منهم، وإن ~~تابوا لم ينفعهم، {ولهم اللعنة} البعد من الرحمة، {ولهم سوء الدار} يعني ~~جهنم. # {ولقد آتينا موسى الهدى} قال مقاتل: الهدى من الضلالة، يعني التوراة، ~~{وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} [التوراة] (1) . # {هدى وذكرى لأولي الألباب} . # {فاصبر} يا محمد على أذاهم، {إن وعد الله} في إظهار دينك وإهلاك أعدائك ~~{حق} قال الكلبي: نسخت آية القتال آية الصبر (2) ، {واستغفر لذنبك} هذا ~~تعبد من الله ليزيده به درجة وليصير سنة لمن بعده، {وسبح بحمد ربك} صل ~~شاكرا لربك {بالعشي والإبكار} قال الحسن: يعني صلاة العصر وصلاة الفجر. ~~وقال ابن عباس: الصلوات ms2243 الخمس. # {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم} ما في ~~قلوبهم، والصدر PageV07P152 # موضع القلب، فكنى به عن القلب لقرب الجوار، {إلا كبر} قال ابن عباس: ما ~~يحملهم على تكذيبك إلا ما في صدورهم من الكبر والعظمة، {ما هم ببالغيه} قال ~~مجاهد: ما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر، لأن الله عز وجل مذلهم. # قال ابن قتيبة: إن في صدورهم إلا تكبر على محمد صلى الله عليه وسلم وطمع ~~في أن يغلبوه (1) وما هم ببالغي ذلك. # قال أهل التفسير: نزلت في اليهود، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: إن صاحبنا المسيح بن داود -يعنون الدجال-يخرج في آخر الزمان، فيبلغ ~~سلطانه في البر والبحر، ويرد الملك إلينا (2) ، قال الله تعالى: {فاستعذ ~~بالله} من فتنة الدجال، {إنه هو السميع البصير} . ### || # {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) ~~} # {لخلق السماوات والأرض} مع عظمهما، {أكبر} أعظم في الصدور، {من خلق ~~الناس} أي: من إعادتهم بعد الموت، {ولكن أكثر الناس} يعني الكفار، {لا ~~يعلمون} حيث لا يستدلون بذلك على توحيد خالقها. وقال قوم: "أكبر" [أي: ~~أعظم] (3) من خلق الدجال، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يعني اليهود الذين ~~يخاصمون في أمر الدجال. # وروي عن هشام بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما ~~بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من خلق الدجال" (4) . # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد ~~الرحمن البزار، [أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ~~الدبري، حدثنا عبد الرزاق] (5) حدثنا معمر عن قتادة 111/أعن شهر بن حوشب، ~~عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~بيتي فذكر الدجال، فقال: "إن بين يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء ثلث ~~قطرها، والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها، والأرض ثلثي ~~نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله، والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ~~ظلف ms2244 ولا ذات ضرس من البهائم إلا هلك، وإن من أشد فتنته أنه يأتي الأعرابي ~~فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك أليس تعلم أني ربك؟ قال: PageV07P153 # فيقول: بلى، فيتمثل له نحو إبله كأحسن ما يكون ضروعا وأعظمه أسنمة، قال: ~~ويأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه فيقول: أرأيت إن أحييت لك أباك وأخاك ~~ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى، فيتمثل له الشيطان نحو أبيه ونحو أخيه". ~~قالت: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته، ثم رجع والقوم في ~~اهتمام وغم مما حدثهم، قالت: فأخذ بلحمتي الباب فقال: مهيم أسماء؟ فقلت: يا ~~رسول الله لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال، قال: "إن يخرج وأنا حي فأنا ~~حجيجه، وإلا فإن ربي خليفتي على كل مؤمن"، قالت أسماء فقلت: يا رسول الله ~~والله إنا لنعجن عجينا فما نخبزه حتى نجوع فكيف بالمؤمنين يومئذ؟ قال: ~~"يجزيهم ما يجزئ أهل السماء من التسبيح والتقديس" (1) . # وبهذا الإسناد قال: أخبرنا معمر، عن ابن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء ~~بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يمكث الدجال في الأرض ~~أربعين سنة، السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كاضطرام ~~السعفة في النار" (2) . # أخبرنا أبو سعيد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، ~~أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق الدبري، حدثنا عبد الرزاق ~~أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: "إني ~~لأنذركموه، وما من نبي إلا أنذر قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكني سأقول لكم ~~فيه قولا لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور وإن الله ليس بأعور" (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا جويرية ~~عن نافع عن عبد الله قال: ذكر الدجال عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~"إن ms2245 الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينه، وإن ~~المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية" (4) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ~~الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ~~حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا علي بن حجر، PageV07P154 # حدثنا شعيب بن صفوان عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن عقبة بن ~~عمرو بن مسعود الأنصاري قال: انطلقت معه إلى حذيفة بن اليمان فقال له عقبة: ~~حدثني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدجال؟ قال: "إن الدجال ~~يخرج وإن معه ماء ونارا، فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق، وأما الذي ~~يراه الناس نارا فماء بارد عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارا ~~فإنه ماء عذب طيب" فقال عقبة: وأنا قد سمعته، تصديقا لحذيفة (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني إبراهيم بن المنذر، حدثنا ابن ~~الوليد، حدثنا ابن عمرو وهو الأوزاعي، حدثنا إسحاق، حدثني أنس بن مالك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة ~~والمدينة، ليس من نقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، [ثم] (2) ترجف ~~المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق" (3) . # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي ~~الكشمهيني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يأتي المسيح من قبل ~~المشرق وهمته المدينة، حتى ينزل دبر أحد، ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام، ~~وهناك يهلك" (4) . # أخبرنا أبو سعيد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد البزار، أخبرنا محمد بن ~~زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق الدبري، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر ms2246 عن ~~هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"يتبع الدجال من أمتي سبعون ألفا عليهم السيجان (5) " (6) ويرويه أبو أمامة ~~رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مع الدجال يومئذ سبعون ~~ألف يهودي كلهم ذو تاج وسيف محلى" (7) . PageV07P155 ### || # {وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء ~~قليلا ما تتذكرون (58) } # {إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (59) وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (60) } # قوله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا ~~المسيء قليلا ما تتذكرون} قرأ أهل الكوفة "تتذكرون" بالتاء، وقرأ الآخرون ~~بالياء، لأن أول الآيات وآخرها خبر عن قوم. # {إن الساعة} أي: القيامة {لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} ~~. # {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} أي: اعبدوني دون غيري أجبكم وأثبكم وأغفر ~~لكم، فلما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإنابة استجابة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان، حدثنا أبو ~~جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن منصور عن أبي ذر عن يسيع الكندي عن النعمان ~~بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "إن ~~الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: "ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي ~~سيدخلون جهنم داخرين" (1) . # أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن علي الدورقي، حدثنا أبو الحسن علي بن ~~يوسف الشيرازي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى القرشي ببغداد، ~~حدثنا محمد بن عبيد بن العلاء، حدثنا أحمد بن بديل، حدثنا وكيع، حدثنا أبو ~~المليح قال: سمعت أبا صالح يذكر عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "من لم يدع الله غضب الله عليه" (2) . PageV07P156 # وقيل: الدعاء هو الذكر والسؤال، {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين} قرأ ابن كثير 111/ب وأبو ms2247 جعفر وأبو بكر: "سيدخلون" بضم الياء ~~وفتح الخاء، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الخاء، "داخرين" صاغرين ذليلين. ### || # {الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله ~~إلا هو فأنى تؤفكون (62) كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون (63) ~~الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من ~~الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (64) هو الحي لا إله إلا ~~هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين (65) } # {الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو ~~فأنى تؤفكون} . # {كذلك} يعني كما أفكتم عن الحق مع قيام الدلائل كذلك، {يؤفك الذين كانوا ~~بآيات الله يجحدون} . # {الله الذي جعل لكم الأرض قرارا} فراشا، {والسماء بناء} سقفا كالقبة، ~~{وصوركم فأحسن صوركم} قال مقاتل: خلقكم فأحسن خلقكم. قال ابن عباس: خلق ابن ~~آدم قائما معتدلا يأكل ويتناول بيده، وغير ابن آدم يتناول بفيه. {ورزقكم من ~~الطيبات} قيل: من غير رزق الدواب {ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين ~~هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} قال ~~الفراء: هو خبر وفيه إضمار الأمر، مجازه: فادعوه واحمدوه. # وروي عن مجاهد عن ابن عباس قال: من قال لا إله إلا الله فليقل على إثرها ~~الحمد لله رب العالمين، فذلك قوله عز وجل: "فادعوه مخلصين له الدين الحمد ~~لله رب العالمين" (1) . PageV07P157 ### || # {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي ~~وأمرت أن أسلم لرب العالمين (66) } # {هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا ~~أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم ~~تعقلون (67) هو الذي يحيي ويميت فإذا ms2248 قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (68) ~~ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69) الذين كذبوا ~~بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70) إذ الأغلال في أعناقهم ~~والسلاسل يسحبون (71) } # {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي ~~وأمرت أن أسلم لرب العالمين} وذلك حين دعي إلى الكفر. # {هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا} أي: ~~أطفالا {ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل} أي: من ~~قبل أن يصير شيخا، {ولتبلغوا} جميعا، {أجلا مسمى} وقتا معلوما محدودا لا ~~تجاوزونه، يريد أجل الحياة إلى الموت، {ولعلكم تعقلون} أي: لكي تعقلوا ~~توحيد ربكم وقدرته. # {هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ألم تر إلى ~~الذين يجادلون في آيات الله} يعني: القرآن، يقولون ليس من عند الله، {أنى ~~يصرفون} كيف يصرفون عن دين الحق. قيل: هم المشركون (1) . وعن محمد بن سيرين ~~وجماعة: أنها نزلت في القدرية (2) . # {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون} [يجرون] (3) . PageV07P158 ### || # {في الحميم ثم في النار يسجرون (72) ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون (73) ~~من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا كذلك يضل الله ~~الكافرين (74) ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ~~(75) ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76) فاصبر إن وعد ~~الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون (77) } # {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما ~~كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر ~~هنالك المبطلون (78) الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ~~(79) ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك ~~تحملون (80) } # {في الحميم ثم في النار يسجرون} قال مقاتل: توقد بهم النار. وقال مجاهد: ~~يصيرون وقودا للنار. {ثم قيل لهم ms2249 أين ما كنتم تشركون من دون الله} يعني ~~الأصنام، {قالوا ضلوا عنا} فقدناهم فلا نراهم {بل لم نكن ندعو من قبل شيئا} ~~قيل: أنكروا. وقيل: معناه بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا ينفع ويضر. وقال ~~الحسين بن الفضل: أي: لم نكن نصنع من قبل شيئا، أي: ضاعت عبادتنا لها، كما ~~يقول من ضاع عمله: ما كنت أعمل شيئا. قال الله عز وجل: {كذلك} أي: كما أضل ~~هؤلاء، {يضل الله الكافرين} . # {ذلكم} العذاب الذي نزل بكم، {بما كنتم تفرحون} تبطرون وتأشرون، {في ~~الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون} تفرحون وتختالون. # {ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين فاصبر إن وعد الله} ~~بنصرك، {حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم} من العذاب في حياتك، {أو نتوفينك} ~~قبل أن يحل ذلك بهم، {فإلينا يرجعون} . # {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك} خبرهم في القرآن، {ومنهم ~~من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} بأمر الله ~~وإرادته، {فإذا جاء أمر الله} قضاؤه بين الأنبياء والأمم، {قضي بالحق وخسر ~~هنالك المبطلون} . # {الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها} بعضها، {ومنها تأكلون ولكم ~~فيها منافع} في # PageV07P159 # أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها {ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم} ~~تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد ولتبلغوا عليها حاجاتكم، {وعليها وعلى الفلك ~~تحملون} أي: على الإبل في البر وعلى السفن في البحر. نظيره: قوله تعالى: ~~"وحملناهم في البر والبحر" (الإسراء-70) . ### || # {ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون (81) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض ~~فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (82) فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما ~~عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (83) فلما رأوا بأسنا قالوا ~~آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما ~~رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون (85) } # {ويريكم آياته} دلائل قدرته، {فأي آيات الله تنكرون} ms2250 . # {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر ~~منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض} يعني: مصانعهم وقصورهم، {فما أغنى عنهم} لم ~~ينفعهم، {ما كانوا يكسبون} وقيل: هو بمعنى الاستفهام، ومجازه: أي شيء أغنى ~~عنهم كسبهم؟ # {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا} رضوا {بما عندهم من العلم} قال ~~مجاهد: هو قولهم نحن أعلم، لن نبعث ولن نعذب، سمى ذلك علما على ما يدعونه ~~ويزعمونه وهو في الحقيقة جهل. {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فلما رأوا ~~بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين} يعني: تبرأنا مما ~~كنا نعدل بالله. # {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} عذابنا، {سنة الله} قيل: نصبها ~~بنزع الخافض، أي: كسنة الله. وقيل: على المصدر. وقيل: على الإغراء أي: ~~احذروا سنة الله {التي قد خلت في عباده} وتلك السنة أنهم إذا عاينوا عذاب ~~الله آمنوا، ولا ينفعهم إيمانهم عند معاينة العذاب. {وخسر هنالك الكافرون} ~~بذهاب الدارين، قال الزجاج: الكافر خاسر في كل وقت، ولكنهم يتبين لهم ~~خسرانهم إذا رأوا العذاب. # PageV07P160 ### | سورة فصلت # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم ~~يعلمون (3) بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4) وقالوا قلوبنا في ~~أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا ~~عاملون (5) } # {حم تنزيل من الرحمن الرحيم} قال الأخفش: "تنزيل" مبتدأ، وخبره قوله عز ~~وجل: {كتاب فصلت آياته} . {كتاب فصلت آياته} بينت آياته، {قرآنا عربيا لقوم ~~يعلمون} اللسان العربي، ولو كان بغير لسانهم ما علموه 112/أونصب قرآنا ~~بوقوع البيان عليه أي: فصلناه قرآنا. # {بشيرا ونذيرا} نعتان للقرآن أي: بشيرا لأولياء الله، ونذيرا لأعدائه، ~~{فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون} لا يصغون إليه تكبرا. # {وقالوا} يعني مشركي مكة، {قلوبنا في أكنة} في أغطية، {مما تدعونا إليه} ~~فلا نفقه ما تقول، {وفي آذاننا وقر} صمم فلا نسمع ما تقول، والمعنى: إنا في ~~ترك القبول عندك بمنزلة من لا يفهم ولا يسمع، {ومن ms2251 بيننا وبينك حجاب} خلاف ~~في الدين وحاجز في الملة فلا نوافقك على ما تقول، {فاعمل} أنت على دينك، ~~{إننا عاملون} على ديننا. PageV07P161 ### || # {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه ~~واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ~~(7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (8) } # {قل إنما أنا بشر مثلكم} يعني كواحد منكم ولولا الوحي ما دعوتكم، وهو ~~قوله: {يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} قال الحسن: علمه الله التواضع، ~~{فاستقيموا إليه} توجهوا إليه بالطاعة ولا تميلوا عن سبيله، {واستغفروه} من ~~ذنوبكم، {وويل للمشركين} . # {الذين لا يؤتون الزكاة} قال ابن عباس: الذين لا يقولون لا إله إلا الله ~~(1) وهي زكاة الأنفس، والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد. وقال ~~الحسن وقتادة: لا يقرون بالزكاة، ولا يرون إيتاءها واجبا، وكان يقال: ~~الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا ومن تخلف عنها هلك. (2) وقال الضحاك ~~ومقاتل: لا ينفقون في الطاعة ولا يتصدقون. وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم ~~{وهم بالآخرة هم كافرون} . # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون} قال ابن عباس: غير ~~مقطوع. وقال مقاتل: غير منقوص، ومنه "المنون" لأنه ينقص منة الإنسان وقوته، ~~وقيل: غير ممنون عليهم به. وقال مجاهد: غير محسوب. # وقال السدي: نزلت هذه الآية في المرضى والزمنى والهرمى، إذا عجزوا عن ~~الطاعة يكتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه. (3) # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، ~~أخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود عن خيثمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن ~~عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد إذا كان على طريقة ~~حسنة من العبادة، ثم مرض قيل للملك الموكل به: اكتب له مثل عمله إذا كان ~~طليقا حتى أطلقه أو أكفته إلي". (4) PageV07P164 ### || # {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ms2252 ذلك رب ~~العالمين (9) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في ~~أربعة أيام سواء للسائلين (10) ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11) } # قوله عز وجل: {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} يوم الأحد ~~والاثنين، {وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين} . # {وجعل فيها} أي في الأرض، {رواسي} جبالا ثوابت، {من فوقها} من فوق الأرض، ~~{وبارك فيها} أي: في الأرض، بما خلق فيها من البحار والأنهار والأشجار ~~والثمار، {وقدر فيها أقواتها} قال الحسن ومقاتل: قسم في الأرض أرزاق العباد ~~والبهائم. وقال عكرمة والضحاك: قدر في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش ~~بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد (1) . قال الكلبي: قدر الخبز لأهل ~~قطر، والتمر لأهل قطر، والذرة لأهل قطر، والسمك لأهل قطر، وكذلك أقواتها. ~~{في أربعة أيام} يريد خلق ما في الأرض، وقدر الأقوات في يومين يوم الثلاثاء ~~والأربعاء فهما مع الأحد والاثنين أربعة أيام، رد الآخر على الأول في ~~الذكر، كما تقول: تزوجت أمس امرأة واليوم ثنتين، وإحداهما هي التي تزوجتها ~~بالأمس، {سواء للسائلين} قرأ أبو جعفر "سواء" رفع على الابتداء، أي: هي ~~سواء [وقرأ يعقوب بالجر على نعت قوله: "في أربعة أيام"، وقرأ الآخرون ~~"سواء"] (2) نصب على المصدر، أي: استوت سواء أي: استواء، ومعناه: سواء ~~للسائلين عن ذلك. قال قتادة والسدي: من سأل عنه فهكذا الأمر سواء لا زيادة ~~ولا نقصان جوابا لمن سأل: في كم خلقت الأرض والأقوات؟ # {ثم استوى إلى السماء} أي: عمد إلى خلق السماء، {وهي دخان} وكان ذلك ~~الدخان بخار الماء، {فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها} أي: ائتيا ما ~~آمركما أي: افعلاه، كما يقال: ائت ما هو الأحسن، أي: افعله. # وقال طاووس عن ابن عباس: ائتيا: أعطيا (3) ، يعني أخرجا ما خلقت فيكما من ~~المنافع لمصالح العباد. PageV07P165 # [قال ابن عباس] : (1) قال الله عز وجل: أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك ~~وقمرك ونجومك، وأنت يا أرض فشقي أنهارك ms2253 وأخرجي ثمارك ونباتك، وقال لهما: ~~افعلا ما آمركما طوعا وإلا ألجأتكما إلى ذلك [حتى تفعلاه كرها] (2) فأجابتا ~~بالطوع، (3) و {قالتا أتينا طائعين} [ولم يقل طائعتين] (4) ، لأنه ذهب به ~~إلى السموات والأرض ومن فيهن، مجازه: أتينا بما فينا طائعين، فلما وصفهما ~~بالقول أجراهما في الجمع مجرى من يعقل. PageV07P166 ### || # {فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا ~~بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (12) فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة ~~مثل صاعقة عاد وثمود (13) إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا ~~تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون ~~(14) } # {فقضاهن سبع سماوات في يومين} أي: أتمهن وفرغ من خلقهن، {وأوحى في كل ~~سماء أمرها} قال عطاء عن ابن عباس: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما ~~فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلمه إلا الله. # وقال قتادة والسدي: يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها. # وقال مقاتل: وأوحى إلى كل سماء ما أراد من الأمر والنهي، وذلك يوم الخميس ~~والجمعة. # {وزينا السماء الدنيا بمصابيح} كواكب، {وحفظا} لها ونصب "حفظا" على ~~المصدر، أي: حفظناها بالكواكب حفظا من الشياطين الذين يسترقون السمع، {ذلك} ~~الذي ذكر من صنعه، {تقدير العزيز} في ملكه، {العليم} بحفظه (1) . قوله عز ~~وجل: {فإن أعرضوا} يعني: هؤلاء المشركين عن الإيمان بعد هذا البيان، {فقل ~~أنذرتكم} خوفتكم، {صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} أي: هلاكا مثل هلاكهم، ~~والصاعقة المهلكة من كل شيء. # {إذ جاءتهم} يعني: عادا وثمودا، {الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم} أراد ~~بقوله: {من بين أيديهم} الرسل الذين أرسلوا إلى آبائهم من قبلهم، {ومن ~~خلفهم} يعني: ومن بعد PageV07P166 # الرسل الذين أرسلوا إلى آبائهم الذين أرسلوا إليهم، هود وصالح، فالكناية ~~في قوله "من بين أيديهم" راجعة إلى [عاد وثمود] (1) وفي قوله: [ {ومن ~~خلفهم} راجعة إلى الرسل] (2) 112/ب {أن لا} بأن لا {تعبدوا إلا الله قالوا ~~لو شاء ربنا لأنزل} بدل هؤلاء الرسل، {ملائكة} أي: لو شاء ربنا دعوة ~~[الخلق] (3) لأنزل ms2254 ملائكة، {فإنا بما أرسلتم به كافرون} . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، حدثنا عبد الله بن ~~حامد الأصفهاني، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العبيدي، أخبرنا أحمد بن مجدة ~~بن العريان، حدثنا الحماني، حدثنا ابن فضيل، عن الأجلح، عن الذيال بن ~~حرملة، عن جابر بن عبد الله قال: قال الملأ من قريش وأبو جهل: قد التبس ~~علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر، فأتاه ~~فكلمه، ثم أتانا ببيان من أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الشعر ~~والكهانة والسحر، وعلمت من ذلك علما، وما يخفى علي أن كان كذلك أو لا فأتاه ~~فلما خرج إليه قال: يا محمد أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت ~~خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا؟ وتضلل آباءنا؟ فإن كنت تريد الرياسة ~~عقدنا لك ألويتنا فكنت رأسا ما بقيت، وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة ~~تختار من أي بنات قريش، وإن كان بك المال جمعنا لك ما تستغني أنت وعقبك من ~~بعدك؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم، فلما فرغ، قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "بسم الله الرحمن الرحيم" "حم تنزيل من الرحمن ~~الرحيم كتاب فصلت آياته"، إلى قوله: " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل ~~صاعقة عاد وثمود"، الآية. فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم ورجع إلى أهله، ~~ولم يخرج إلى قريش فاحتبس عنهم فقال أبو جهل: يا معشر قريش والله ما نرى ~~عتبة إلا قد صبأ إلى دين محمد، وقد أعجبه طعامه وما ذاك إلا من حاجة ~~أصابته، فانطلقوا بنا إليه، فانطلقوا إليه، فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما ~~حبسك عنا إلا أنك صبوت إلى دين محمد وأعجبك طعامه، قال: فإن كانت بك حاجة ~~جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة وأقسم أن لا يكلم ~~محمدا أبدا، وقال: والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ولكني أتيته ~~وقصصت عليه القصة فأجابني بشيء، ms2255 والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ ~~السورة إلى قوله: "فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود" ~~الآية فأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا PageV07P167 # إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب. (1) # وقال محمد بن كعب القرظي: حدثت أن عتبة بن ربيعة كان سيدا حليما، قال ~~يوما وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده في ~~المسجد: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد وأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل ~~منا بعضها، فنعطيه ويكف عنا، وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه، ~~فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي إنك ~~منا حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك ~~بأمر عظيم، فرقت جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت آلهتهم، وكفرت من مضى من ~~آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: قل يا أبا الوليد، فقال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت ~~به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد شرفا ~~سودناك علينا، وإن كان هذا الذي بك رئيا تراه لا تستطيع رده طلبنا لك الطب، ~~ولعل هذا شعر جاش به صدرك، فإنكم لعمري بني عبد المطلب يقدرون على ذلك على ~~ما لا يقدر عليه غيركم، حتى إذا فرغ، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أو قد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاستمع مني، قال: أفعل، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم "حم تنزيل من الرحمن ~~الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا"، ثم مضى فيها يقرأ، فلما سمعها عتبة ~~أنصت له، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms2256 إلى السجدة فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ~~فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم ~~أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا ~~الوليد؟ فقال: ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت بمثله قط، ما هو ~~بالشعر ولا السحر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني، خلوا ما بين هذا ~~الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن ~~تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، ~~فأنتم أسعد الناس به، فقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا ~~رأيي لكم، فاصنعوا ما بدا لكم. (2) ### || # {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا ~~أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (15) } # قوله عز وجل: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا ~~قوة} PageV07P168 # وذلك أن هودا عليه السلام هددهم بالعذاب، فقالوا: من أشد منا قوة؟ نحن ~~نقدر على دفع العذاب عنا بفضل قوتنا، وكانوا ذوي أجسام طوال، قال الله ~~تعالى ردا عليهم: {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا ~~بآياتنا يجحدون} . ### || # {فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا ~~العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون (17) ونجينا ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون (18) ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون ~~(19) } . # {فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا} عاصفة شديدة الصوت، من الصرة وهي الصيحة. ~~وقيل: هي الباردة من الصر وهو البرد، {في أيام نحسات} قرأ ابن كثير ونافع ~~وأبو عمرو ويعقوب "نحسات" بسكون الحاء، وقرأ الآخرون بكسرها أي: نكدات ~~مشؤومات ذات نحوس. وقال الضحاك: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودامت ~~الرياح عليهم من غير مطر، {لنذيقهم عذاب الخزي} أي: عذاب الهون والذل، {في ~~الحياة ms2257 الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى} أشد إهانة {وهم لا ينصرون} . # {وأما ثمود فهديناهم} دعوناهم، قاله مجاهد، وقال ابن عباس: بينا لهم سبيل ~~الهدى. وقيل: 113/أدللناهم على الخير والشر، كقوله: "هديناه السبيل" ~~(الإنسان-3) ، {فاستحبوا العمى على الهدى} فاختاروا الكفر على الإيمان، ~~{فأخذتهم صاعقة العذاب} [أي: هلكة العذاب] (1) ، {الهون} أي: ذي الهون، أي: ~~الهوان، وهو الذي يهينهم ويخزيهم، {بما كانوا يكسبون} . {ونجينا الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون ويوم يحشر أعداء الله إلى النار} قرأ نافع ويعقوب: ~~"نحشر" بالنون، "أعداء" نصب، وقرأ الآخرون بالياء ورفعها وفتح الشين ~~"أعداء" رفع أي: يجمع إلى النار، {فهم يوزعون} يساقون ويدفعون إلى النار، ~~وقال قتادة والسدي: يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا. PageV07P169 # {حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ~~(20) } # PageV07P170 ### || # {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو ~~خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا ~~أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22) } # {حتى إذا ما جاءوها} جاؤوا النار، {شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم} ~~أي: بشراتهم، {بما كانوا يعملون} قال السدي وجماعة: المراد بالجلود الفروج. ~~وقال مقاتل: تنطق جوارحهم بما كتمت الألسن من عملهم. # {وقالوا} يعني الكفار الذين يحشرون إلى النار، {لجلودهم لم شهدتم علينا ~~قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} تم الكلام هاهنا. وقال الله تعالى: ~~{وهو خلقكم أول مرة} وليس هذا من جواب الجلود، {وإليه ترجعون} . # {وما كنتم تستترون} أي: تستخفون [عند أكثر أهل العلم] . (1) وقال مجاهد: ~~تتقون. وقال قتادة: تظنون. {أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ~~ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون} . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، أخبرنا سفيان، أخبرنا ~~منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود قال: اجتمع عند البيت ~~ثقفيان وقرشي، أو قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فقال ms2258 ~~أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن ~~أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا، فأنزل ~~الله تعالى: "وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ~~ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون". (2) قيل: الثقفي، عبد ~~ياليل، وختناه القرشيان: ربيعة، وصفوان بن أمية. PageV07P170 ### || # {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23) فإن ~~يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (24) وقيضنا لهم ~~قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت ~~من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (25) وقال الذين كفروا لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) فلنذيقن الذين كفروا ~~عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (27) } # قوله تعالى: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} أهلككم، أي: ظنكم أن ~~الله لا يعلم كثيرا مما تعملون، أرداكم. قال ابن عباس: طرحكم في النار، ~~{فأصبحتم من الخاسرين} . ثم أخبر عن حالهم فقال: # {فإن يصبروا فالنار مثوى لهم} مسكن لهم، {وإن يستعتبوا} يسترضوا ويطلبوا ~~العتبى، {فما هم من المعتبين} المرضين، والمعتب الذي قبل عتابه وأجيب إلى ~~ما سأل، يقال: أعتبني فلان، أي: أرضاني بعد إسخاطه إياي، واستعتبته: طلبت ~~منه أن يعتب، أي: يرضى. # {وقيضنا لهم} أي: بعثنا ووكلنا، وقال مقاتل: هيأنا. وقال الزجاج: سببنا ~~لهم. {قرناء} نظراء من الشياطين حتى أضلوهم، {فزينوا لهم ما بين أيديهم} من ~~أمر الدنيا حتى آثروه على الآخرة، {وما خلفهم} من أمر الآخرة فدعوهم إلى ~~التكذيب به وإنكار البعث، {وحق عليهم القول في أمم} [مع أمم] (1) . {قد خلت ~~من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} . # {وقال الذين كفروا} من مشركي قريش، {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} ~~قال ابن عباس: يعني الغطوا فيه، وكان بعضهم يوصي إلى بعض إذا رأيتم محمدا ~~يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر واللغو. قال مجاهد: والغوا فيه بالمكاء ~~والصفير. وقال الضحاك: أكثروا الكلام فيختلط عليه ms2259 ما يقول (2) . وقال ~~السدي: صيحوا في وجهه. {لعلكم تغلبون} محمدا على قراءته. # {فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي} يعني بأسوأ الذي، ~~أي: بأقبح الذي، {كانوا يعملون} في الدنيا وهو الشرك بالله. PageV07P171 ### || # {ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا ~~يجحدون (28) وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين (29) } # {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ~~ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (30) } # {ذلك} الذي ذكرت من العذاب الشديد، {جزاء أعداء الله} ثم بين ذلك الجزاء ~~فقال: {النار} أي: هو النار، {لهم فيها} أي: في النار، {دار الخلد} دار ~~الإقامة لا انتقال منها، {جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون} . # {وقال الذين كفروا} أي: في النار يقولون. {ربنا أرنا الذين أضلانا من ~~الجن والإنس} يعنون إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه لأنهما سنا المعصية، ~~{نجعلهما تحت أقدامنا} في النار، {ليكونا من الأسفلين} ليكونا في الدرك ~~الأسفل من النار. قال ابن عباس: ليكونا أشد عذابا منا. # قوله عز وجل: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} سئل أبو بكر الصديق ~~رضي الله تعالى عنه عن الاستقامة فقال: أن لا تشرك بالله شيئا. (1) وقال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "الاستقامة" أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا ~~تروغ روغان الثعلب. (2) وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: أخلصوا العمل ~~لله. (3) وقال علي رضي الله عنه: أدوا الفرائض (4) . وقال ابن عباس: ~~استقاموا على أداء الفرائض (5) . # وقال الحسن: استقاموا على أمر الله تعالى، فعملوا بطاعته، واجتنبوا ~~معصيته. # وقال مجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا ~~بالله. # وقال مقاتل: استقاموا على المعرفة ولم يرتدوا. وقال قتادة: كان الحسن إذا ~~تلا هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة. PageV07P172 # قوله عز وجل: {تتنزل عليهم الملائكة} قال ابن عباس: عند الموت. وقال ~~قتادة ومقاتل: إذا قاموا من قبورهم. (1) قال وكيع بن الجراح: البشرى تكون ms2260 ~~في ثلاث مواطن: عند الموت وفي القبر وعند البعث. {ألا تخافوا} من الموت. ~~وقال مجاهد: لا تخافوا على ما تقدمون عليه من أمر الآخرة. {ولا تحزنوا} على ~~ما خلفتم من أهل وولد، فإنا نخلفكم في ذلك كله. (2) وقال عطاء بن أبي رباح: ~~لا تخافوا ولا تحزنوا على ذنوبكم فإني أغفرها لكم (3) ، {وأبشروا بالجنة ~~التي كنتم توعدون} . ### || # {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ~~ولكم فيها ما تدعون (31) نزلا من غفور رحيم (32) ومن أحسن قولا ممن دعا إلى ~~الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين (33) } # {نحن أولياؤكم} تقول لهم الملائكة الذين تنزل عليهم بالبشارة: نحن ~~أولياؤكم أنصاركم وأحباؤكم، {في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [أي: في الدنيا ~~والآخرة. وقال السدي: تقول الملائكة نحن الحفظة الذين كنا معكم في الدنيا، ~~ونحن أولياؤكم في الآخرة] (4) يقولون لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة. {ولكم ~~فيها ما تشتهي أنفسكم} من الكرامات واللذات، {ولكم فيها} في الجنة، {ما ~~تدعون} تتمنون. # {نزلا} رزقا، {من غفور رحيم} . # قوله عز وجل: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله} 113/ب إلى طاعته، {وعمل ~~صالحا وقال إنني من المسلمين} قال ابن سيرين [والسدي وابن عباس] : (5) هو ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله. (6) وقال ~~الحسن: هو المؤمن الذي أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه، ~~وعمل صالحا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين. (7) # وقالت عائشة: أرى هذه الآية نزلت في المؤذنين. (8) PageV07P173 # وقال عكرمة: هو المؤذن أبو أمامة الباهلي، "وعمل صالحا": صلى ركعتين بين ~~الأذان والإقامة. # وقال قيس بن أبي حازم: هو الصلاة بين الأذان والإقامة. (1) # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي، أخبرنا أبو عبد الله ~~محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أيوب ~~الطوسي، حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة، حدثنا عبد الله بن زيد المقري، حدثنا ~~كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن ms2261 مغفل قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "بين كل أذانين صلاة"، ثلاث مرات، ثم قال في ~~الثالثة: "لمن شاء". (2) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن زيد ~~العمي عن أبي إياس معاوية بن قرة عن أنس بن مالك قال سفيان: لا أعلمه إلا ~~وقد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يرد الدعاء بين الأذان ~~والإقامة". (3) ### || # {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم (34) } # قوله عز وجل: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} قال الفراء: "لا" هاهنا صلة، ~~معناه: ولا تستوي الحسنة والسيئة، يعني الصبر والغضب، والحلم والجهل، ~~والعفو والإساءة. {ادفع بالتي هي أحسن} قال ابن عباس: أمر بالصبر عند ~~الغضب، وبالحلم عند الجهل، وبالعفو عند الإساءة. {فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة} يعني: إذا فعلت ذلك خضع لك عدوك، وصار الذي بينك وبينه عداوة، {كأنه ~~ولي حميم} كالصديق والقريب. قال مقاتل بن حيان: نزلت في أبي سفيان بن حرب، ~~وذلك أنه لان للمسلمين بعد شدة عداوته بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم فصار وليا بالإسلام، حميما بالقرابة. (4) ~~PageV07P174 ### || # {وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) وإما ينزغنك ~~من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (36) ومن آياته الليل ~~والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن ~~إن كنتم إياه تعبدون (37) فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل ~~والنهار وهم لا يسأمون (38) } # {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن ~~الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير (39) إن الذين يلحدون في ~~آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة ~~اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (40) } # {وما يلقاها} ما يلقى هذه الخصلة وهي دفع ms2262 السيئة بالحسنة، {إلا الذين ~~صبروا} على كظم الغيظ واحتمال المكروه، {وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} في ~~الخير والثواب، وقال قتادة: "الحظ العظيم": الجنة، أي: ما يلقاها إلا من ~~وجبت له الجنة. # {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع} لاستعاذتك ~~وأقوالك، {العليم} بأفعالك وأحوالك. # قوله عز وجل: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ~~ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن} إنما قال: "خلقهن" بالتأنيث لأنه أجراها ~~على طريق جمع التكسير، ولم يجرها على طريق التغليب للمذكر على المؤنث، {إن ~~كنتم إياه تعبدون} . # {فإن استكبروا} عن السجود، {فالذين عند ربك} يعني الملائكة {يسبحون له ~~بالليل والنهار وهم لا يسأمون} لا يملون ولا يفترون. # {ومن آياته} دلائل قدرته، {أنك ترى الأرض خاشعة} يابسة غبراء لا نبات ~~فيها، {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى ~~إنه على كل شيء قدير} . # {إن الذين يلحدون في آياتنا} يميلون عن الحق في أدلتنا، قال مجاهد: ~~يلحدون في آياتنا بالمكاء والتصدية واللغو واللغط. قال قتادة: يكذبون في ~~آياتنا. قال السدي: يعاندون ويشاقون. # PageV07P175 # قال مقاتل: نزلت في أبي جهل. (1) # {لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار} وهو أبو جهل، {خير أم من يأتي آمنا ~~يوم القيامة} قيل: هو حمزة، وقيل: عثمان. وقيل: عمار بن ياسر. {اعملوا ما ~~شئتم} أمر تهديد ووعيد، {إنه بما تعملون بصير} عالم فيجازيكم به. ### || # {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل ~~من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42) ما يقال لك إلا ما قد قيل ~~للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (43) ولو جعلناه قرآنا ~~أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ~~والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ~~(44) } # {إن الذين كفروا بالذكر} بالقرآن، (2) {لما جاءهم} ثم أخذ في وصف الذكر ~~وترك جواب: "إن الذين كفروا"، على تقدير: الذين كفروا بالذكر ms2263 يجازون ~~بكفرهم. وقيل: خبره قوله من بعد: "أولئك ينادون من مكان بعيد". {وإنه لكتاب ~~عزيز} قال الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما: كريم على الله. قال قتادة: ~~أعزه الله عز وجل عزا فلا يجد الباطل إليه سبيلا (3) . # وهو قوله: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} قال قتادة والسدي: ~~الباطل: هو الشيطان، لا يستطيع أن يغيره أو يزيد فيه أو ينقص منه (4) . # قال الزجاج: معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه، فيأتيه الباطل من بين يديه ~~أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه، وعلى هذا معنى "الباطل": الزيادة ~~والنقصان. # وقال مقاتل: لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله، ولا يجيء من بعده كتاب ~~فيبطله. {تنزيل من حكيم حميد} ثم عزى نبيه صلى الله عليه وسلم على تكذيبهم. # فقال: {ما يقال لك} من الأذى، {إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} يقول: إنه ~~قد قيل للأنبياء والرسل قبلك: ساحر، كما يقال لك وكذبوا كما كذبت، {إن ربك ~~لذو مغفرة} لمن تاب وآمن بك {وذو عقاب أليم} لمن أصر على التكذيب. # {ولو جعلناه} أي: جعلنا هذا الكتاب الذي تقرؤه على الناس، {قرآنا أعجميا} ~~بغير PageV07P176 # لغة العرب، {لقالوا لولا فصلت آياته} هلا بينت آياته بالعربية حتى ~~نفهمها، {أأعجمي وعربي} يعني: أكتاب أعجمي ورسول عربي؟ وهذا استفهام على ~~وجه الإنكار، أي: أنهم كانوا يقولون: المنزل عليه عربي والمنزل أعجمي. # قال مقاتل: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على يسار، ~~غلام عامر بن الحضرمي، وكان يهوديا أعجميا، يكنى أبا فكيهة، فقال المشركون: ~~إنما يعلمه يسار فضربه سيده، وقال: إنك تعلم محمدا، فقال يسار: هو يعلمني، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية: (1) # {قل} يا محمد، {هو} يعني القرآن، {للذين آمنوا هدى وشفاء} 114/أهدى من ~~الضلالة وشفاء لما في القلوب، وقيل: شفاء من الأوجاع. # {والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى} قال قتادة: عموا عن ~~القرآن وصموا عنه فلا ينتفعون به، {أولئك ينادون من مكان بعيد} أي: أنهم لا ms2264 ~~يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم، وهذا مثل ~~لقلة انتفاعهم بما يوعظون به كأنهم ينادون من حيث لا يسمعون. ### || # {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~وإنهم لفي شك منه مريب (45) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك ~~بظلام للعبيد (46) } # {إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد (47) } # {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه} فمصدق ومكذب كما اختلف قومك في ~~كتابك، {ولولا كلمة سبقت من ربك} في تأخير العذاب عن المكذبين بالقرآن، ~~{لقضي بينهم} لفرغ من عذابهم وعجل إهلاكهم، {وإنهم لفي شك منه} من صدقك، ~~{مريب} موقع لهم الريبة. # {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد} . # {إليه يرد علم الساعة} أي: علمها إذا سئل عنها مردود إليه لا يعلمه غيره، ~~{وما تخرج من ثمرات من أكمامها} قرأ أهل المدينة والشام وحفص: "ثمرات"، على ~~الجمع، وقرأ الآخرون # PageV07P177 # "ثمرة" على التوحيد، {من أكمامها} أوعيتها، واحدها: كم. (1) قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: يعني الكفرى (2) قبل أن تنشق. {وما تحمل من أنثى ولا تضع ~~إلا بعلمه} [إلا بإذنه] (3) ، يقول: يرد إليه علم الساعة كما يرد إليه علم ~~الثمار والنتاج. {ويوم يناديهم} ينادي الله المشركين، {أين شركائي} الذين ~~كنتم تزعمون أنها آلهة، {قالوا} يعني المشركين، {آذناك} أعلمناك، {ما منا ~~من شهيد} أي: من شاهد بأن لك شريكا لما عاينوا العذاب تبرأوا من الأصنام. ### || # {وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص (48) لا يسأم ~~الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط (49) ولئن أذقناه رحمة منا ~~من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن ~~لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ (50) ~~} # {وضل عنهم ما كانوا يدعون} يعبدون، ms2265 {من قبل} في الدنيا {وظنوا} أيقنوا، ~~{ما لهم من محيص} مهرب. # {لا يسأم الإنسان} لا يمل الكافر، {من دعاء الخير} أي: لا يزال يسأل ربه ~~الخير، يعني المال والغنى والصحة، {وإن مسه الشر} الشدة والفقر، {فيئوس} من ~~روح الله، {قنوط} من رحمته. # {ولئن أذقناه رحمة منا} آتيناه خيرا وعافية وغنى، {من بعد ضراء مسته} من ~~بعد شدة وبلاء أصابته، {ليقولن هذا لي} أي: بعملي وأنا محقوق بهذا، {وما ~~أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} يقول هذا الكافر: ~~لست على يقين من البعث، فإن كان الأمر على ذلك، ورددت إلى ربي إن لي عنده ~~للحسنى، أي: الجنة، أي: كما أعطاني في الدنيا سيعطيني في الآخرة. {فلننبئن ~~الذين كفروا بما عملوا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: لنقفنهم (4) على ~~مساوىء أعمالهم، {ولنذيقنهم من عذاب غليظ} . PageV07P178 ### || # {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ~~(51) قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد ~~(52) سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف ~~بربك أنه على كل شيء شهيد (53) ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل ~~شيء محيط (54) } # {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض} ~~كثير والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة، فيقال: أطال فلان الكلام ~~والدعاء وأعرض، أي: أكثر. {قل أرأيتم إن كان} هذا القرآن، {من عند الله ثم ~~كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد} خلاف للحق بعيد عنه، أي: فلا أحد أضل ~~منكم. # {سنريهم آياتنا في الآفاق} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني منازل ~~الأمم الخالية. {وفي أنفسهم} بالبلاء والأمراض. # وقال قتادة: في الآفاق يعني: وقائع الله في الأمم، وفي أنفسهم يوم بدر. # وقال مجاهد، والحسن، والسدي: "في الآفاق": ما يفتح من القرى على محمد صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمين، (1) "وفي أنفسهم": فتح مكة. {حتى يتبين لهم ms2266 أنه ~~الحق} يعني: دين الإسلام. وقيل: القرآن يتبين لهم أنه من عند الله. وقيل: ~~محمد صلى الله عليه وسلم، يتبين لهم أنه مؤيد من قبل الله تعالى. # وقال عطاء وابن زيد: "في الآفاق" يعني: أقطار السماء والأرض من الشمس ~~والقمر والنجوم والنبات والأشجار والأنهار، "وفي أنفسهم" من لطيف الصنعة ~~وبديع الحكمة، حتى يتبين لهم أنه الحق. (2) # {أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} قال مقاتل: أو لم يكف بربك شاهدا أن ~~القرآن من الله تعالى. قال الزجاج: معنى الكفاية هاهنا: أن الله عز وجل قد ~~بين من الدلائل ما فيه كفاية، يعني: أو لم يكف بربك لأنه على كل شيء شهيد، ~~شاهد لا يغيب عنه شيء. # {ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم} في شك من البعث، {ألا إنه بكل شيء محيط} ~~أحاط بكل شيء علما. PageV07P179 ### | سورة الشورى # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {حم (1) عسق (2) كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ~~(3) } # {حم عسق} سئل الحسين بن الفضل: لم يقطع حم عسق ولم يقطع كهيعص؟ فقال: ~~لأنها سورة أوائلها حم، فجرت مجرى نظائرها، فكان "حم" مبتدأ و"عسق" خبره، ~~ولأنهما عدا آيتين، وأخواتها مثل: "كهيعص" و"المص" و"المر" عدت آية واحدة. # وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في "كهيعص" وأخواتها أنها حروف التهجي ~~لا غير، واختلفوا في "حم" فأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلها فعلا وقال: ~~معناها حم أي: قضى ما هو كائن. (2) # وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ح حلمه، م مجده، ع علمه، ~~س سناؤه، ق قدرته، أقسم الله بها. # وقال شهر بن حوشب وعطاء بن أبي رباح: ح حرب يعز فيها الذليل ويذل فيها ~~العزيز من قريش، م ملك يتحول من قوم إلى قوم، ع عدو لقريش يقصدهم، س سيء، ~~يكون فيهم، ق قدرة الله النافذة في خلقه. PageV07P180 # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد ~~أوحيت إليه "حم عسق". (1) فلذلك قال: # {كذلك ms2267 يوحي إليك} . {كذلك يوحي إليك} قرأ ابن كثير "يوحى" بفتح الحاء ~~وحجته قوله: "ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك" (الزمر-65) ، فعلى هذه ~~القراءة قوله، {الله العزيز الحكيم} [تبيين للفاعل كأنه قيل: من يوحي؟ ~~فقيل: الله العزيز الحكيم] . (2) # وقرأ الآخرون "يوحي" بكسر الحاء، إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز ~~الحكيم. # قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أخبار الغيب. ### || # {له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم (4) تكاد السماوات ~~يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن ~~الله هو الغفور الرحيم (5) والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم ~~وما أنت عليهم بوكيل (6) وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن ~~حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (7) } # {له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم تكاد السماوات يتفطرن ~~من فوقهن} أي: كل واحدة منها تتفطر 114/ب فوق التي تليها من قول المشركين: ~~"اتخذ الله ولدا" نظيره في سورة مريم: "وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم ~~شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه" (مريم 88-90) . {والملائكة يسبحون بحمد ~~ربهم ويستغفرون لمن في الأرض} من المؤمنين، {ألا إن الله هو الغفور الرحيم} ~~. # {والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم} يحفظ أعمالهم ويحصيها ~~عليهم ليجازيهم بها، {وما أنت عليهم بوكيل} لم يوكلك الله بهم حتى تؤخذ ~~بهم. # {وكذلك} مثل ما ذكرنا، {أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى} مكة، ~~يعني: أهلها، {ومن حولها} يعني قرى الأرض كلها، {وتنذر يوم الجمع} أي: ~~تنذرهم بيوم الجمع وهو يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين وأهل ~~السموات وأهل الأرضين {لا ريب فيه} لا شك PageV07P184 # في الجمع أنه كائن ثم بعد الجمع يتفرقون. {فريق في الجنة وفريق في ~~السعير} . # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، ~~حدثنا أبو منصور الخشماذي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو عثمان سعيد ~~بن عثمان التنوخي، حدثنا بشر بن ms2268 بكر، حدثني سعيد بن عثمان عن أبي الزاهر، ~~حدثنا جرير بن كريب عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال الثعلبي: وأخبرنا ~~أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا ~~عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا ليث، ~~حدثني أبو قبيل المعافري عن شفي الأصبحي عن عبد الله بن عمرو قال: خرج ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قابضا على كفيه ومعه كتابان، ~~فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟ " قلنا: لا يا رسول الله، فقال: "للذي في ~~يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم ~~وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفا في ~~الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم، إجمال من ~~الله عليهم إلى يوم القيامة، [ثم قال للذي في يساره: هذا كتاب من رب ~~العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن ~~يستقروا نطفا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفا في الأرحام إذ هم في الطينة ~~منجدلون، فليس بزائد فيهم ولا بناقص منهم، إجمال من الله عليهم إلى يوم ~~القيامة] (1) ، فقال عبد الله بن عمرو: ففيم العمل إذا يا رسول الله؟ فقال: ~~"اعملوا وسددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل ~~أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال: ~~"فريق في الجنة" فضل من الله، "وفريق في السعير"، عدل من الله عز وجل". (2) ### || # {ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما ~~لهم من ولي ولا نصير (8) } # قوله عز وجل: {ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة} قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: على دين واحد. وقال مقاتل: على ملة الإسلام كقوله تعالى: "ولو شاء ~~الله لجمعهم على الهدى" (الأنعام-35) ، {ولكن يدخل من يشاء في رحمته} في ~~دين الإسلام، {والظالمون} الكافرون، ms2269 {ما لهم من ولي} يدفع عنهم العذاب، ~~{ولا نصير} يمنعهم من النار. PageV07P185 ### || # {أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل ~~شيء قدير (9) وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه ~~توكلت وإليه أنيب (10) } # {فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا ~~يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11) له مقاليد السماوات ~~والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم (12) شرع لكم من الدين ~~ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن ~~أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي ~~إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) } # {أم اتخذوا} [بل اتخذوا، أي: الكافرون] (1) ، {من دونه} [أي: من دون ~~الله] (2) ، {أولياء فالله هو الولي} [قال ابن عباس رضي الله عنهما] (3) : ~~وليك يا محمد وولي من اتبعك، {وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير} . # {وما اختلفتم فيه من شيء} من أمر الدين، {فحكمه إلى الله} يقضي فيه ويحكم ~~يوم القيامة بالفصل الذي يزيل الريب، {ذلكم الله} الذي يحكم بين المختلفين ~~هو، {ربي عليه توكلت وإليه أنيب} . # {فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا} من مثل خلقكم حلائل، ~~قيل: إنما قال "من أنفسكم" لأنه خلق حواء من ضلع آدم. {ومن الأنعام أزواجا} ~~أصنافا ذكورا وإناثا، {يذرؤكم} يخلقكم، {فيه} أي: في الرحم. وقيل: في ~~البطن. وقيل: على هذا الوجه من الخلقة. قال مجاهد: نسلا بعد نسل من الناس ~~والأنعام. وقيل: "في"، بمعنى الباء، أي: يذرؤكم به. وقيل: معناه يكثركم ~~بالتزويج. {ليس كمثله شيء} "مثل" صلة، أي: ليس هو كشيء، فأدخل المثل ~~للتوكيد، كقوله: "فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به" (البقرة-137) ، وقيل: الكاف ~~صلة، مجازه: ليس مثله شيء. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس له نظير. {وهو ~~السميع البصير} . # {له مقاليد السماوات والأرض} مفاتيح الرزق في السموات والأرض. قال ~~الكلبي: المطر والنبات. {يبسط الرزق لمن يشاء ms2270 ويقدر} لأن مفاتيح الرزق ~~بيده، {إنه بكل شيء عليم} . # قوله عز وجل: {شرع لكم من الدين} بين وسن لكم، {ما وصى به نوحا} وهو أول ~~أنبياء الشريعة. قال مجاهد: أوصيناك وإياه يا محمد دينا واحدا. {والذي ~~أوحينا إليك} من PageV07P186 # القرآن وشرائع الإسلام، {وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} واختلفوا في ~~وجه الآية: فقال قتادة: تحليل الحلال وتحريم الحرام. وقال الحكم: تحريم ~~الأمهات والبنات والأخوات. # وقال مجاهد: لم يبعث الله نبيا إلا وصاه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~والإقرار لله بالطاعة له، فذلك دينه الذي شرع لهم. # وقيل: هو التوحيد والبراءة من الشرك. (1) وقيل: هو ما ذكر من بعد، وهو ~~قوله: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة ~~الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة. # {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} من التوحيد ورفض الأوثان ثم قال: ~~{الله يجتبي إليه من يشاء} يصطفي إليه (2) من عباده من يشاء، {ويهدي إليه ~~من ينيب} يقبل إلى طاعته. ### || # {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ~~ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه ~~مريب (14) فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل ~~الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ~~لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) } # {وما تفرقوا} يعني أهل الأديان المختلفة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~يعني أهل الكتاب كما ذكر في سورة المنفكين. {إلا من بعد ما جاءهم العلم} ~~بأن الفرقة ضلالة ولكنهم فعلوا ذلك، {بغيا بينهم} أي: للبغي، قال عطاء: ~~يعني بغيا بينهم على محمد صلى الله عليه وسلم، {ولولا كلمة سبقت من ربك} في ~~تأخير العذاب عنهم، {إلى أجل مسمى} وهو يوم القيامة، {لقضي بينهم} بين من ~~آمن وكفر، يعني أنزل العذاب بالمكذبين في الدنيا، {وإن الذين أورثوا ~~الكتاب} يعني 115/أاليهود والنصارى، {من بعدهم} من بعد أنبيائهم، وقيل: من ~~بعد الأمم ms2271 الخالية. وقال قتادة: معناه من قبلهم أي: من قبل مشركي مكة. {لفي ~~شك منه مريب} أي: من محمد صلى الله عليه وسلم. # {فلذلك فادع} أي: فإلى ذلك كما يقال دعوت إلى فلان ولفلان، وذلك إشارة ~~إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد، {واستقم كما أمرت} اثبت على الدين الذي ~~أمرت به، PageV07P187 # {ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب} أي: آمنت بكتب الله ~~كلها، {وأمرت لأعدل بينكم} [أن أعدل بينكم] (1) ، قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: أمرت أن لا أحيف عليكم بأكثر مما افترض الله عليكم من الأحكام. ~~وقيل: لأعدل بينكم في جميع الأحوال والأشياء، {الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ~~ولكم أعمالكم} يعني: إلهنا واحد، وإن اختلفت أعمالنا، فكل يجازى بعمله، {لا ~~حجة} لا خصومة، {بيننا وبينكم} نسختها آية القتال (2) ، فإذا لم يؤمر ~~بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة، {الله يجمع ~~بيننا} في المعاد لفصل القضاء، {وإليه المصير} . PageV07P188 ### || # {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم ~~غضب ولهم عذاب شديد (16) الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك ~~لعل الساعة قريب (17) يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون ~~منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) ~~} # {والذين يحاجون في الله} يخاصمون في دين الله تعالى نبيه صلى الله عليه ~~وسلم. وقال قتادة: هم اليهود قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ~~فنحن خير منكم، فهذه خصومتهم. (1) {من بعد ما استجيب له} [أي: استجاب له] ~~(2) الناس فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته، {حجتهم داحضة} خصومتهم ~~باطلة، {عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد} في الآخرة. {الله الذي أنزل ~~الكتاب بالحق والميزان} قال قتادة، ومجاهد، ومقاتل: سمي العدل ميزانا لأن ~~الميزان آلة الإنصاف والتسوية. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الله ~~تعالى بالوفاء، ونهى عن البخس {وما يدريك لعل الساعة قريب} ولم يقل قريبة ~~لأن تأنيثها غير حقيقي، ومجازه: الوقت. وقال ms2272 الكسائي: إتيانها قريب. قال ~~مقاتل: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الساعة وعنده قوم من المشركين، قالوا ~~تكذيبا: متى تكون الساعة؟ فأنزل الله هذه الآية: {يستعجل بها الذين لا ~~يؤمنون بها} ظنا منهم أنها غير آتية، {والذين آمنوا مشفقون} أي: خائفون، ~~{منها ويعلمون أنها الحق} أنها آتية لا ريب فيها، PageV07P188 # {ألا إن الذين يمارون} يخاصمون، وقيل: تدخلهم المرية والشك، {في الساعة ~~لفي ضلال بعيد} ### || # {الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19) من كان يريد حرث ~~الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة ~~من نصيب (20) } # قوله عز وجل: {الله لطيف بعباده} قال ابن عباس رضي الله عنهما: حفي بهم. ~~قال عكرمة: بار بهم. قال السدي: رفيق. قال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث ~~لم يهلكهم جوعا بمعاصيهم، يدل عليه: قوله "يرزق من يشاء" (البقرة-212) ، ~~وكل من رزقه الله من مؤمن وكافر وذي روح فهو ممن يشاء الله أن يرزقه. قال ~~جعفر الصادق: اللطف في الرزق من وجهين: أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات، ~~والثاني: أنه لم يدفعه إليك بمرة واحدة. (1) {وهو القوي العزيز} . {من كان ~~يريد حرث الآخرة} الحرث في اللغة: الكسب، يعني: من كان يريد بعمله الآخرة، ~~{نزد له في حرثه} بالتضعيف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة، {ومن ~~كان يريد حرث الدنيا} يريد بعمله الدنيا، {نؤته منها} قال قتادة: أي: نؤته ~~بقدر ما قسم الله له، كما قال: "عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد" ~~(الإسراء-18) . {وما له في الآخرة من نصيب} لأنه لم يعمل للآخرة. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي، ~~أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال، حدثنا أبو الأزهر أحمد بن ~~منيع العبدي، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا سفيان عن المغيرة عن أبي ~~العالية عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بشرت هذه ~~الأمة بالسنا والرفعة والنصر والتمكين في ms2273 الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة ~~للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب" (2) . PageV07P189 ### || # {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل ~~لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (21) ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا ~~وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون ~~عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير (22) } # {ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله ~~غفور شكور (23) } # قوله عز وجل: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} يعني ~~كفار مكة، يقول: أم لهم آلهة سنوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟ # قال ابن عباس رضي الله عنهما: شرعوا لهم دينا غير دين الإسلام. # {ولولا كلمة الفصل} لولا أن الله حكم في كلمة الفصل بين الخلق بتأخير ~~العذاب عنهم إلى يوم القيامة، حيث قال: "بل الساعة موعدهم" (القمر-46) ، ~~{لقضي بينهم} لفرغ من عذاب الذين يكذبونك في الدنيا، {وإن الظالمين} ~~المشركين، {لهم عذاب أليم} في الآخرة. # {ترى الظالمين} المشركين يوم القيامة، {مشفقين} وجلين، {مما كسبوا وهو ~~واقع بهم} جزاء كسبهم واقع بهم، {والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات ~~الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير} . # {ذلك الذي} ذكرت من نعيم الجنة، {يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات} فإنهم أهله، {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ~~محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت طاووسا عن ابن ~~عباس-رضي الله عنهما-أنه سئل عن قوله: "إلا المودة في القربى"، قال سعيد بن ~~جبير: قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~عجلت، إن النبي صلى الله ms2274 عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم ~~قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة. (1) # وكذلك روى الشعبي وطاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "إلا المودة ~~في القربى" PageV07P190 # يعني: أن تحفظوا قرابتي وتودوتي وتصلوا رحمي. (1) وإليه ذهب مجاهد، ~~وقتادة، وعكرمة، ومقاتل، والسدي، والضحاك، رضي الله عنهم. # وقال عكرمة: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرا إلا أن تحفظوني في قرابتي ~~بيني وبينكم (2) ، وليس كما يقول الكذابون. # وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في معنى الآية: إلا أن تودوا ~~الله وتتقربوا إليه بطاعته (3) ، وهذا قول الحسن، قال: هو القربى إلى الله، ~~يقول: إلا التقرب إلى الله والتودد إليه بالطاعة والعمل الصالح. # وقال بعضهم: معناه إلا أن تودوا 115/ب قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، وهو ~~قول سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. # واختلفوا في قرابته قيل: هم فاطمة وعلي وأبناؤهما، وفيهم نزل: "إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت" (الأحزاب-33) . # وروينا عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي"، قيل ~~لزيد بن أرقم: من أهل بيته؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس. ~~(4) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا ~~خالد، حدثنا شعبة عن واقد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر عن أبي بكر قال: ~~ارقبوا محمدا في أهل بيته. (5) # وقيل: هم الذين تحرم عليهم الصدقة من أقاربه ويقسم فيهم الخمس، وهم بنو ~~هاشم، وبنو المطلب، الذين لم يتفرقوا في جاهلية ولا في إسلام. (6) # وقال قوم: هذه الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة، وكان المشركون يؤذون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية فأمرهم فيها بمودة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وصلة رحمه (7) ، فلما هاجر إلى ms2275 المدينة وآواه ~~PageV07P191 # الأنصار ونصروه أحب الله عز وجل أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء عليهم ~~السلام حيث قالوا: "وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين" ~~(الشعراء-109) فأنزل الله تعالى: "قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا ~~على الله"، فهي منسوخة بهذه الآية، وبقوله: "قل ما أسئلكم عليه من أجر وما ~~أنا من المتكلفين" (الزمر-86) ، وغيرها من الآيات. وإلى هذا ذهب الضحاك بن ~~مزاحم، والحسين بن الفضل. # وهذا قول غير مرضي؛ لأن مودة النبي صلى الله عليه وسلم وكف الأذى عنه ~~ومودة أقاربه، والتقرب إلى الله بالطاعة، والعمل الصالح من فرائض الدين، ~~وهذه أقاويل السلف في معنى الآية، فلا يجوز المصير إلى نسخ شيء من هذه ~~الأشياء. # وقوله: "إلا المودة في القربى"، ليس باستثناء متصل بالأول حتى يكون ذلك ~~أجرا في مقابلة أداء الرسالة، بل هو منقطع، ومعناه: ولكني أذكركم المودة في ~~القربى وأذكركم قرابتي منكم، كما روينا في حديث زيد بن أرقم: "أذكركم الله ~~في أهل بيتي". # قوله عز وجل: {ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا} أي: من يزد (1) طاعة نزد ~~له فيها حسنا بالتضعيف، {إن الله غفور} للذنوب، {شكور} للقليل حتى يضاعفها. ### || # {أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله ~~الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (24) } # {أم يقولون} بل يقولون يعني: كفار مكة، {افترى على الله كذبا فإن يشأ ~~الله يختم على قلبك} قال مجاهد: يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشق عليك ~~أذاهم، وقولهم إنه مفتر، قال قتادة: يعني يطبع على قلبك فينسيك القرآن وما ~~أتاك، فأخبرهم أنه لو افترى على الله لفعل به ما أخبر عنه في هذه الآية، ثم ~~ابتدأ فقال: {ويمح الله الباطل} قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه: ~~والله يمحو الباطل. وهو في محل رفع، ولكنه حذف منه الواو في المصحف على ~~اللفظ كما حذفت من قوله: "ويدع الإنسان" (الإسراء-11) و"سندع الزبانية" ~~(العلق-18) ، أخبر أن ما يقولونه باطل يمحوه ms2276 الله، {ويحق الحق بكلماته} أي: ~~الإسلام بما أنزل من كتابه، وقد فعل الله ذلك فمحا باطلهم وأعلى كلمة ~~الإسلام، {إنه عليم بذات الصدور} قال ابن عباس: لما نزلت: "قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى"، وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا يريد أن ~~يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل فأخبره أنهم اتهموه وأنزل هذه الآية، ~~فقال القوم: يا رسول الله فإنا نشهد أنك صادق؟ فنزل: # {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} . PageV07P192 ### || # {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون (25) } # {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} (1) قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد ~~أولياءه وأهل طاعته، قيل التوبة ترك المعاصي نية وفعلا والإقبال على الطاعة ~~نية وفعلا قال سهل بن عبد الله: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى ~~الأحوال المحمودة. {ويعفو عن السيئات} إذا تابوا. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان، حدثنا أبو ~~جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، حدثنا ~~يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة عن سليمان عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن ~~الحارث بن سويد قال: دخلت على عبد الله أعوده، فقال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "لله أفرح بتوبة عبده من رجل، أظنه قال: [في برية] ~~(2) مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنزل فنام فاستيقظ وقد ضلت (3) ~~راحلته، فطاف عليها حتى أدركه العطش، فقال: أرجع إلى حيث كانت راحلتي فأموت ~~عليه، فرجع فأغفى فاستيقظ فإذ هو بها عنده عليها طعامه وشرابه". (4) # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا محمد بن الصباح وزهير بن حرب قالا حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن ~~عمار، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك وهو عمه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لله أشد فرحا بتوبة عبده ms2277 حين يتوب إليه من أحدكم ~~كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها ~~فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها ~~قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، ~~أخطأ من شدة الفرح". (5) # {ويعفو عن السيئات} فيمحوها إذا تابوا. {ويعلم ما تفعلون} قرأ حمزة ~~والكسائي وحفص "تفعلون" بالتاء، وقالوا: هو خطاب للمشركين، وقرأ الآخرون ~~بالياء لأنه بين خبرين عن قوم، فقال: قبله عن عباده، وبعده ويزيدهم من ~~فضله. PageV07P193 ### || # {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم ~~عذاب شديد (26) ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ~~ما يشاء إنه بعباده خبير بصير (27) } # {ويستجيب الذين آمنوا} 116/أ [أي: ويجيب الذين آمنوا] (1) ، {وعملوا ~~الصالحات} إذا دعوه، وقال عطاء عن ابن عباس: ويثيب الذين آمنوا. {ويزيدهم ~~من فضله} سوى ثواب أعمالهم تفضلا منه. قال أبو صالح عنه: يشفعهم في ~~إخوانهم، ويزيدهم من فضله. قال: في إخوان إخوانهم. # {والكافرون لهم عذاب شديد} . # {ولو بسط الله الرزق لعباده} قال خباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية، ~~وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع فتمنيناها ~~فأنزل الله عز وجل هذه الآية (2) "ولو بسط الله الرزق" وسع الله الرزق ~~{لعباده} {لبغوا} لطغوا وعتوا، {في الأرض} . # قال ابن عباس: بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ~~ملبس. {ولكن ينزل} أرزاقهم {بقدر ما يشاء} كما يشاء نظرا منه لعباده، {إنه ~~بعباده خبير بصير} . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو عمر بكر بن محمد المزني، ~~حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله حفيد العباس بن حمزة، حدثنا الحسين بن ~~الفضل البجلي، حدثنا أبو حفص عمر بن سعيد الدمشقي، حدثنا صدقة عن عبد الله، ~~حدثنا هشام الكناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن جبريل عن الله عز وجل قال: "يقول الله عز ms2278 وجل من أهان لي وليا فقد ~~بارزني بالمحاربة، وإني لأغضب لأوليائي كما يغضب الليث الحرد، وما تقرب إلي ~~عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه، وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا، إن ~~دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض ~~روح عبدي المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته ولا بد له منه، وإن من عبادي ~~المؤمنين لمن يسألني الباب من العبادة فأكفه عنه أن لا يدخله عجب فيفسده ~~ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته ~~لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو ~~أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الصحة ~~PageV07P194 # ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا ~~السقم ولو أصححته لأفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بقلوبهم إني عليم ~~خبير". (1) ### || # {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (28) ~~ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا ~~يشاء قدير (29) وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (30) } # قوله عز وجل: {وهو الذي ينزل الغيث} المطر، {من بعد ما قنطوا} يعني: من ~~بعد ما يئس الناس منه، وذلك أدعى لهم إلى الشكر، قال مقاتل: حبس الله المطر ~~عن أهل مكة سبع سنين حتى قنطوا، ثم أنزل الله المطر فذكرهم الله نعمته، ~~{وينشر رحمته} يبسط مطره، كما قال: "وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي ~~رحمته". (الأعراف-75) {وهو الولي} لأهل طاعته، {الحميد} عند خلقه. # {ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا ~~يشاء قدير} يعني: يوم القيامة. # {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} قرأ أهل المدينة والشام "بما ~~كسبت" بغير فاء، وكذلك هو في مصاحفهم، فمن حذف الفاء جعل "ما" في ms2279 أول الآية ~~بمعنى الذي أصابكم بما كسبت أيديكم. {ويعفوا عن كثير} قال الحسن: لما نزلت ~~هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده ما من ~~خدش عود ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر". ~~(2) # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني أبو عبد الله ~~بن فنجويه، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا بشر بن موسى الأسدي، ~~حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا مروان بن معاوية، أخبرني الأزهر بن راشد ~~الباهلي عن الخضر بن القواس البجلي عن أبي سخيلة قال: PageV07P195 # قال علي بن أبي طالب: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله عز وجل حدثنا ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير"، قال: وسأفسرها لك يا علي: "ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو ~~بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله عز وجل أكرم من أن يثني عليهم ~~العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنكم في الدنيا فالله أحلم من أن يعود بعد ~~عفوه". (1) # قال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفر ~~له إلا بها، أو درجة لم يكن الله ليبلغها إلا بها. ### || # {وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31) } # {ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام (32) إن يشأ يسكن الريح فيظللن ~~رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) أو يوبقهن بما كسبوا ~~ويعف عن كثير (34) ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص (35) } # {وما أنتم بمعجزين} بفائتين، {في الأرض} هربا يعني لا تعجزونني حيث ما ~~كنتم ولا تسبقونني، {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} . # قوله عز وجل: {ومن آياته الجواري} يعني: السفن، واحدتها جارية وهي ~~السائرة، {في البحر كالأعلام} أي: الجبال، [قال مجاهد: القصور، واحدها علم] ~~(1) ، وقال الخليل بن أحمد: كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم. ms2280 # {إن يشأ يسكن الريح} التي تجريها، {فيظللن} يعني: الجواري، {رواكد} ~~ثوابت، {على ظهره} على ظهر البحر لا تجري، {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} ~~أي: لكل مؤمن لأن صفة المؤمن الصبر في الشدة والشكر في الرخاء. # {أو يوبقهن} يهلكهن ويغرقهن، {بما كسبوا} أي: بما كسبت ركبانها من ~~الذنوب، {ويعف عن كثير} من ذنوبهم [فلا يعاقب عليها] (2) . # {ويعلم} قرأ أهل المدينة والشام: "ويعلم" برفع الميم على الاستئناف كقوله ~~عز وجل في سورة براءة: "ويتوب الله على من يشاء" (التوبة-15) ، وقرأ ~~الآخرون بالنصب على الصرف، والجزم PageV07P196 # إذا صرف عنه معطوفه نصب، وهو كقوله تعالى: "ويعلم الصابرين" (آل ~~عمران-142) ، صرف من حال الجزم إلى النصب استخفافا وكراهية لتوالي الجزم. ~~{الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص} أي: يعلم الذين يكذبون بالقرآن ~~إذا صاروا إلى الله بعد البعث أن لا مهرب لهم من عذاب الله. ### || # {فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36) والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما ~~غضبوا هم يغفرون (37) والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى ~~بينهم ومما رزقناهم ينفقون (38) والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39) } # {فما أوتيتم من شيء} [من رياش الدنيا] (1) ، {فمتاع الحياة الدنيا} ليس ~~من زاد المعاد، {وما عند الله} [من الثواب] (2) ، {خير وأبقى للذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون} فيه بيان أن المؤمن والكافر يستويان في أن الدنيا متاع ~~قليل لهما يتمتعان بها فإذا صارا إلى الآخرة كان ما عند الله خير للمؤمن. # {والذين يجتنبون كبائر الإثم} قرأ حمزة والكسائي: "كبير الإثم" على ~~الواحد هاهنا، وفي سورة النجم، وقرأ الآخرون: "كبائر" بالجمع، وقد ذكرنا ~~معنى الكبائر في سورة النساء (3) {والفواحش} قال السدي: يعني الزنا. وقال ~~مجاهد ومقاتل: ما يوجب الحد. {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} يحلمون ويكظمون ~~الغيظ ويتجاوزون. 116/ب # {والذين استجابوا لربهم} أجابوه إلى ما دعاهم إليه من طاعته، {وأقاموا ~~الصلاة وأمرهم شورى بينهم} يتشاورون فيما يبدو لهم ولا يعجلون {ومما ~~رزقناهم ينفقون} . # {والذين إذا ms2281 أصابهم البغي} الظلم والعدوان، {هم ينتصرون} ينتقمون من ~~ظالميهم من غير أن يعتدوا. قال ابن زيد: جعل الله المؤمنين صنفين: صنف ~~يعفون عن ظالميهم فبدأ بذكرهم، وهو قوله: "وإذا ما غضبوا هم يغفرون"، وصنف ~~ينتصرون من ظالميهم، وهم الذين ذكروا في هذه الآية. # قال إبراهيم في هذه الآية: كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا. # قال عطاء: هم المؤمنون الذين أخرجهم الكفار من مكة وبغوا عليهم، ثم مكنهم ~~الله في الأرض حتى انتصروا ممن ظلمهم (4) . PageV07P197 ### || # {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب ~~الظالمين (40) ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب ~~أليم (42) ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (43) } # ثم ذكر الله الانتصار فقال: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [سمى الجزاء سيئة] ~~(1) وإن لم تكن سيئة لتشابههما في الصورة. قال مقاتل: يعني القصاص في ~~الجراحات والدماء. (2) # قال مجاهد والسدي: هو جواب القبيح إذا قال: أخزاك الله تقول: أخزاك الله، ~~وإذا شتمك فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي. (3) # قال سفيان بن عيينة: قلت لسفيان الثوري ما قوله عز وجل: "وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها"؟ قال: أن يشتمك رجل فتشتمه، وأن يفعل بك فتفعل به، فلم أجد عنده ~~شيئا، فسألت هشام بن حجيرة عن هذه الآية؟ فقال: الجارح إذا جرح يقتص منه، ~~وليس هو أن يشتمك فتشتمه. # ثم ذكر العفو فقال: {فمن عفا} عمن ظلمه، {وأصلح} بالعفو بينه وبين ظالمه، ~~{فأجره على الله} قال الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان له على ~~الله أجر فليقم. فلا يقوم إلا من عفا، ثم قرأ هذه الآية. (4) {إنه لا يحب ~~الظالمين} قال ابن عباس: الذين يبدؤون بالظلم. # {ولمن انتصر بعد ظلمه} أي: بعد ظلم الظالم إياه، {فأولئك} يعني ~~المنتصرين، {ما عليهم من سبيل} بعقوبة ومؤاخذة. # {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس} يبدؤون بالظلم، {ويبغون في الأرض ~~بغير الحق} يعملون فيها بالمعاصي، {أولئك ms2282 لهم عذاب أليم} . # {ولمن صبر وغفر} فلم ينتصر، {إن ذلك} الصبر والتجاوز، {لمن عزم الأمور} ~~حقها وجزمها. قال مقاتل: من الأمور التي أمر الله بها. قال الزجاج: الصابر ~~يؤتى بصبره الثواب فالرغبة في الثواب أتم عزما. PageV07P198 ### || # {ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب ~~يقولون هل إلى مرد من سبيل (44) } # {وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا ~~إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في ~~عذاب مقيم (45) وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله ~~فما له من سبيل (46) استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ~~ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير (47) } # {ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده} فما له من أحد يلي هدايته بعد ~~إضلال الله إياه ويمنعه من عذاب الله، {وترى الظالمين لما رأوا العذاب} يوم ~~القيامة، {يقولون هل إلى مرد من سبيل} يسألون الرجعة في الدنيا. {وتراهم ~~يعرضون عليها} أي: على النار، {خاشعين} خاضعين متواضعين، {من الذل ينظرون ~~من طرف خفي} خفي النظر لما عليهم من الذل يسارقون النظر إلى النار خوفا ~~منها وذلة في أنفسهم. وقيل: "من" بمعنى الباء أي: بطرف خفي ضعيف من الذل. ~~وقيل: إنما قال: "من طرف خفي" لأنه لا يفتح عينه إنما ينظر ببعضها. وقيل: ~~معناه ينظرون إلى النار بقلوبهم لأنهم يحشرون عميا، والنظر بالقلب خفي. ~~{وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} ~~قيل: خسروا أنفسهم بأن صاروا إلى النار، وأهليهم بأن صاروا لغيرهم في ~~الجنة. {ألا إن الظالمين في عذاب مقيم} . # {وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من ~~سبيل} طريق إلى الصواب وإلى الوصول إلى الحق في الدنيا والجنة في العقبى، ~~قد انسد عليهم طريق الخير. # {استجيبوا لربكم} أجيبوا داعي الله يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، {من ms2283 ~~قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله} لا يقدر أحد على دفعه وهو يوم القيامة ~~{ما لكم من ملجإ} تلجأون إليه {يومئذ وما لكم من نكير} من منكر يغير ما ~~بكم. # PageV07P199 ### || # {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا ~~الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور ~~(48) لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن ~~يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم ~~قدير (50) وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51) } # {فإن أعرضوا} عن الإجابة، {فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك} ما عليك، ~~{إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة} قال ابن عباس: يعني الغنى ~~والصحة. {فرح بها وإن تصبهم سيئة} قحط، {بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور} ~~أي: لما تقدم من نعمة الله عليه ينسى ويجحد بأول شدة جميع ما سلف من النعم. # {لله ملك السماوات والأرض} له التصرف فيهما بما يريد، {يخلق ما يشاء يهب ~~لمن يشاء إناثا} فلا يكون له ولد ذكر، قيل: من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى ~~قبل الذكر، لأن الله تعالى بدأ بالإناث، {ويهب لمن يشاء الذكور} فلا يكون ~~له أنثى. # {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا} يجمع له بينهما فيولد له الذكور والإناث، ~~{ويجعل من يشاء عقيما} فلا يلد ولا يولد له. قيل: هذا في الأنبياء عليهم ~~السلام {يهب لمن يشاء إناثا} يعني: لوطا لم يولد له ذكر إنما ولد له ~~ابنتان، {ويهب لمن يشاء الذكور} يعني: إبراهيم عليه السلام لم يولد له ~~أنثى، {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم ولد له ~~بنون وبنات، {ويجعل من يشاء عقيما} يحيى وعيسى عليهما السلام لم يولد لهما، ~~وهذا على وجه التمثيل، والآية عامة في حق كافة الناس. {إنه عليم قدير} . # قوله عز وجل: {وما كان لبشر ms2284 أن يكلمه الله إلا وحيا} وذلك أن اليهود ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم الله وتنظر إليه، إن كنت نبيا، ~~كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فقال: لم ينظر موسى إلى الله عز وجل، فأنزل الله ~~تعالى: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا" (1) يوحي إليه في المنام أو ~~بالإلهام، {أو من وراء حجاب} يسمعه كلامه ولا يراه، كما كلمه موسى عليه ~~الصلاة والسلام، PageV07P200 # {أو يرسل رسولا} إما جبريل أو غيره من الملائكة، {فيوحي بإذنه ما يشاء} ~~أي: يوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن الله ما يشاء. # قرأ نافع: "أو يرسل" برفع اللام على الابتداء، "فيوحي" ساكنة الياء، وقرأ ~~الآخرون بنصب اللام والياء عطفا على محل الوحي لأن معناه: وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يرسل رسولا. {إنه علي حكيم} . # PageV07P201 ### || # {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ~~ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ~~(52) صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير ~~الأمور (53) } # {وكذلك} أي: كما أوحينا إلى سائر رسلنا، {أوحينا إليك روحا من أمرنا} قال ~~ابن عباس: نبوة. وقال الحسن: رحمة. وقال السدي ومقاتل: وحيا. وقال الكلبي: ~~كتابا. وقال الربيع: جبريل. وقال مالك بن دينار: يعني القرآن. {ما كنت ~~تدري} قبل الوحي، {ما الكتاب ولا الإيمان} يعني شرائع الإيمان ومعالمه، قال ~~محمد بن إسحاق بن خزيمة: (1) "الإيمان" في هذا الموضع: الصلاة، ودليله: ~~قوله عز وجل: "وما كان الله ليضيع إيمانكم" (البقرة 143) . # وأهل الأصول على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا مؤمنين قبل الوحي، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم، ولم يتبين ~~له شرائع دينه. # {ولكن جعلناه نورا} قال ابن عباس: يعني الإيمان. وقال السدي: يعني ~~القرآن. {نهدي به} نرشد به، {من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي} أي لتدعو، {إلى ~~صراط مستقيم} يعني الإسلام. # {صراط الله الذي ms2285 له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير ~~الأمور} أي: أمور الخلائق كلها في الآخرة. PageV07P201 ### | سورة الزخرف # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {حم (1) والكتاب المبين (2) إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (3) ~~وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) } # {حم} {والكتاب المبين} أقسم بالكتاب الذي أبان طريق الهدى من طريق ~~الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة. # {إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} قوله: "جعلناه" أي: صيرنا قراءة ~~هذا الكتاب عربيا. وقيل: بيناه. وقيل: سميناه. وقيل: وصفناه، يقال: جعل ~~فلان زيدا أعلم الناس، أي وصفه، هذا كقوله تعالى: "وجعلوا الملائكة الذين ~~هم عباد الرحمن إناثا" (الزخرف-19) وقوله: "جعلوا القرآن عضين" (الحجر-91) ~~، وقال: "أجعلتم سقاية الحاج" (التوبة-19) ، كلها بمعنى الوصف والتسمية. # {وإنه} يعني القرآن، {في أم الكتاب} في اللوح المحفوظ. قال قتادة: "أم ~~الكتاب": أصل الكتاب، وأم كل شيء: أصله. قال ابن عباس: أول ما خلق الله ~~القلم فأمره أن يكتب بما يريد أن يخلق، فالكتاب عنده، (2) ثم قرأ "وإنه في ~~أم الكتاب لدينا"، فالقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ كما قال: "بل هو ~~قرآن مجيد في لوح محفوظ" (البروج-21) . {لعلي حكيم} قال قتادة: يخبر عن ~~منزلته وشرفه، أي: إن كذبتم بالقرآن يا أهل مكة فإنه عندنا لعلي رفيع شريف ~~محكم من الباطل. PageV07P202 ### || # {أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين (5) وكم أرسلنا من نبي في ~~الأولين (6) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون (7) فأهلكنا أشد منهم ~~بطشا ومضى مثل الأولين (8) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~خلقهن العزيز العليم (9) } # {أفنضرب عنكم الذكر صفحا} يقال: ضربت عنه وأضربت عنه إذا تركته وأمسكت ~~عنه، و"الصفح" مصدر قولهم صفحت عنه إذا أعرضت عنه، وذلك بأن توليه صفحة ~~وجهك [وعنقك] (1) ، والمراد بالذكر القرآن. ومعناه: أفنترك عنكم الوحي ~~ونمسك عن إنزال القرآن فلا نأمركم [ولا ننهاكم] (2) من أجل أنكم أسرفتم في ~~كفركم وتركتم الإيمان؟ استفهام بمعنى الإنكار، أي: لا نفعل ذلك، وهذا قول ~~قتادة وجماعة. # قال قتادة: والله لو ms2286 كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ~~ولكن الله عاد عليهم بعائدته ورحمته، فكرره عليهم عشرين سنة أو ما شاء ~~الله. (3) # وقيل: معناه: أفنضرب عنكم بتذكيرنا إياكم صافحين معرضين. # قال الكسائي: أفنطوي عنكم الذكر طيا فلا تدعون ولا توعظون. وقال الكلبي: ~~أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم. وقال مجاهد والسدي: أفنعرض عنكم ~~ونترككم فلا نعاقبكم على كفركم. (4) {أن كنتم قوما مسرفين} قرأ أهل المدينة ~~وحمزة والكسائي: "إن كنتم" بكسر الهمزة، على معنى: إذ كنتم، كقوله: "وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين" (آل عمران-139) ، وقرأ الآخرون بالفتح، على معنى: ~~لأن كنتم قوما مسرفين [مشركين] (5) . # {وكم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم} أي وما كان يأتيهم، {من نبي ~~إلا كانوا به يستهزئون} كاستهزاء قومك بك، يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم. # {فأهلكنا أشد منهم بطشا} أي أقوى من قومك، يعني الأولين الذين أهلكوا ~~بتكذيب الرسل، {ومضى مثل الأولين} أي صفتهم وسنتهم وعقوبتهم، فعاقبة هؤلاء ~~كذلك في الإهلاك. # {ولئن سألتهم} أي سألت قومك، PageV07P206 # {من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} أقروا بأن الله ~~خالقها، وأقروا بعزه وعلمه ثم عبدوا غيره وأنكروا قدرته على البعث لفرط ~~جهلهم. إلى هاهنا تم الإخبار عنهم. ### || # {الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (10) } # {والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (11) ~~والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (12) لتستووا ~~على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر ~~لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) } # ثم ابتدأ دالا على نفسه بصنعه فقال: {الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم ~~فيها سبلا لعلكم تهتدون} إلى مقاصدكم في أسفاركم. # {والذي نزل من السماء ماء بقدر} أي بقدر حاجتكم إليه لا كما أنزل على قوم ~~نوح بغير قدر حتى أهلكهم. {فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك} أي كما أحيينا هذه ~~البلدة [الميتة] (1) بالمطر كذلك، {تخرجون} من قبوركم أحياء. # {والذي ms2287 خلق الأزواج} أي الأصناف {كلها} {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما ~~تركبون} في البر والبحر. # {لتستووا على ظهوره} ذكر الكناية لأنه ردها إلى "ما". {ثم تذكروا نعمة ~~ربكم إذا استويتم عليه} بتسخير المراكب في البر والبحر، {وتقولوا سبحان ~~الذي سخر لنا هذا} ذلل لنا هذا، {وما كنا له مقرنين} مطيقين، وقيل: ضابطين. # {وإنا إلى ربنا لمنقلبون} لمنصرفون في المعاد. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد ~~الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور ~~الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، أخبرني علي بن ~~ربيعة أنه شهد عليا رضي الله عنه حين ركب فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم ~~الله، فلما استوى قال: الحمد لله، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما ~~PageV07P207 # كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم حمد ثلاثا وكبر ثلاثا، ثم قال: ~~لا إله إلا الله ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، ~~فقال: ما يضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~117/ب فعل ما فعلت، وقال مثل ما قلت، ثم ضحك، فقلنا: ما يضحكك يا نبي الله؟ ~~قال: "العبد"، أو قال: "عجبت للعبد إذا قال لا إله إلا الله ظلمت نفسي ~~فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا هو". ~~(1) ### || # {وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين (15) أم اتخذ مما يخلق ~~بنات وأصفاكم بالبنين (16) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم (17) أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين (18) } # قوله عز وجل: {وجعلوا له من عباده جزءا} أي نصيبا وبعضا وهو قولهم: ~~الملائكة بنات الله، ومعنى الجعل-هاهنا-الحكم بالشيء والقول، كما تقول: ~~جعلت زيدا أفضل الناس، أي وصفته وحكمت به، {إن الإنسان} يعني الكافر، ~~{لكفور} جحود لنعم الله، {مبين} ظاهر الكفران. # {أم اتخذ مما يخلق بنات} هذا ms2288 استفهام توبيخ وإنكار، يقول: اتخذ ربكم ~~لنفسه البنات، {وأصفاكم بالبنين} ؟ كقوله: "فأصفاكم ربكم بالبنين" ~~(الإسراء-40) . # {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا} بما جعل لله شبها، وذلك أن ولد كل ~~شيء يشبهه، يعني إذا بشر أحدهم بالبنات كما ذكر في سورة النحل: "وإذا بشر ~~أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم"، (النحل-58) من الحزن والغيظ. # {أومن ينشأ} قرأ حمزة والكسائي وحفص: "ينشأ" بضم الياء وفتح النون وتشديد ~~الشين، أي يربى، وقرأ الآخرون بفتح الياء وسكون النون وتخفيف الشين، أي ~~ينبت ويكبر، {في الحلية} في الزينة يعني النساء، {وهو في الخصام غير مبين} ~~في المخاصمة غير مبين للحجة PageV07P208 # من ضعفهن وسفههن، قال قتادة في هذه الآية: قلما تتكلم امرأة فتريد أن ~~تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. (1) # وفي محل "من" ثلاثة أوجه: الرفع على الابتداء، والنصب على الإضمار، ~~مجازه: أو من ينشؤ في الحلية يجعلونه بنات الله، والخفض ردا على قوله: "مما ~~يخلق"، وقوله: "بما ضرب". ### || # {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسألون (19) وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يخرصون (20) أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) } # {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} قرأ أهل الكوفة، وأبو ~~عمرو: "عباد الرحمن" بالباء والألف بعدها ورفع الدال كقوله تعالى: "بل عباد ~~مكرمون" (الأنبياء-26) ، وقرأ الآخرون: "عند الرحمن" بالنون ونصب الدال على ~~الظرف، وتصديقه قوله عز وجل: "إن الذين عند ربك" (الأعراف-206) الآية، ~~{أشهدوا خلقهم} قرأ أهل المدينة على ما لم يسم فاعله، ولين الهمزة الثانية ~~بعد همزة الاستفهام، أي: أحضروا خلقهم، وقرأ الآخرون بفتح الشين أي أحضروا ~~خلقهم حين خلقوا، وهذا كقوله: "أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون" ~~(الصافات-150) ، {ستكتب شهادتهم} على الملائكة أنهم بنات الله، {ويسألون} ~~عنها. # قال الكلبي ومقاتل: لما قالوا هذا القول سألهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: "ما يدريكم أنهم إناث؟ " قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم ~~يكذبوا، (2) فقال الله تعالى: ms2289 "ستكتب شهادتهم ويسئلون"، عنها في الآخرة. # {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم} يعني الملائكة، قاله قتادة ومقاتل ~~والكلبي، قال مجاهد: يعني الأوثان، وإنما لم يعجل عقوبتنا على عبادتنا ~~إياها لرضاه منا بعبادتها. قال الله تعالى: {ما لهم بذلك من علم} فيما ~~يقولون {إن هم إلا يخرصون} ما هم إلا كاذبون في قولهم: إن الله تعالى رضي ~~منا بعبادتها، وقيل: إن هم إلا يخرصون، في قولهم: إن الملائكة إناث وإنهم ~~بنات الله. # {أم آتيناهم كتابا من قبله} أي من قبل القرآن بأن يعبدوا غير الله، {فهم ~~به مستمسكون} PageV07P209 ### || # {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22) } # {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (23) قال أولو جئتكم بأهدى مما ~~وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون (24) فانتقمنا منهم ~~فانظر كيف كان عاقبة المكذبين (25) وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء ~~مما تعبدون (26) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين (27) وجعلها كلمة باقية في ~~عقبه لعلهم يرجعون (28) } # {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة} على دين وملة، قال مجاهد: على إمام ~~{وإنا على آثارهم مهتدون} جعلوا أنفسهم باتباع آبائهم مهتدين. # {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها} أغنياؤها ~~ورؤساؤها، {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} بهم. # {قل} قرأ ابن عامر وحفص: "قال" على الخبر، وقرأ الآخرون "قل" على الأمر، ~~{أولو جئتكم} قرأ أبو جعفر: "جئناكم" على الجمع، والآخرون "جئتكم" على ~~الواحد، {بأهدى} بدين أصوب، {مما وجدتم عليه آباءكم} قال الزجاج: قل لهم ~~[يا محمد] : (1) أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئتكم بأهدى منه؟ فأبوا ~~أن يقبلوا، و {قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون} . # {فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين} . # قوله عز وجل: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء} أي بريء، ولا يثنى ~~البراء ولا يجمع ولا يؤنث لأنه مصدر وضع موضع النعت. {مما تعبدون} . {إلا ~~الذي ms2290 فطرني} خلقني {فإنه سيهدين} يرشدني لدينه. # {وجعلها} يعني هذه الكلمة، {كلمة باقية في عقبه} قال مجاهد وقتادة: يعني ~~كلمة التوحيد، وهي "لا إله إلا الله" كلمة باقية في عقبه في ذريته. قال ~~قتادة: لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده. وقال القرظي: يعني: وجعل ~~وصية إبراهيم التي أوصى بها بنيه باقية في نسله وذريته، PageV07P210 # وهو قوله عز وجل: "ووصى بها إبراهيم بنيه" (البقرة-132) . # وقال ابن زيد: يعني قوله: "أسلمت لرب العالمين" (البقرة-131) ، وقرأ: "هو ~~سماكم المسلمين" (الحج-78) . # {لعلهم يرجعون} لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين ويرجعون عما هم عليه إلى ~~دين إبراهيم. وقال السدي: لعلهم يتوبون ويرجعون إلى طاعة الله عز وجل. ### || # {بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين (29) ولما جاءهم الحق ~~قالوا هذا سحر وإنا به كافرون (30) وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم (31) أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير ~~مما يجمعون (32) ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (33) } # {ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون (34) وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع ~~الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (35) } # {بل متعت هؤلاء وآباءهم} يعني: المشركين في الدنيا، ولم أعاجلهم بالعقوبة ~~على الكفر، {حتى جاءهم الحق} يعني القرآن، وقال الضحاك: الإسلام. {ورسول ~~مبين} يبين لهم الأحكام وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وكان من حق هذ ~~الإنعام أن يطيعوه، فلم يفعلوا، وعصوا. # وهو قوله عز وجل: {ولما جاءهم الحق} يعني القرآن، {قالوا هذا سحر وإنا به ~~كافرون} . {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} يعنون ~~الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي بالطائف، قاله قتادة. # وقال مجاهد: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد ياليل الثقفي من الطائف. # وقيل: الوليد بن المغيرة من مكة، ومن الطائف: حبيب بن عمرو بن عمير ~~الثقفي. ويروى هذا عن ms2291 ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. (1) قال الله تعالى: # {أهم يقسمون رحمة ربك} يعني النبوة، قال مقاتل 118/أيقول: بأيديهم مفاتيح ~~الرسالة فيضعونها حيث شاؤوا؟ ثم قال: # {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا} فجعلنا هذا غنيا وهذا فقيرا ~~وهذا ملكا PageV07P211 # وهذا مملوكا، فكما فضلنا بعضهم على بعض في الرزق كما شئنا، كذلك اصطفينا ~~بالرسالة من شئنا. # {ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} بالغنى والمال، {ليتخذ بعضهم بعضا سخريا} ~~ليستخدم بعضهم بعضا فيسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل، فيكون ~~بعضهم لبعض سبب المعاش، هذا بماله، وهذا بأعماله، فيلتئم قوام أمر العالم. ~~وقال قتادة والضحاك: يملك بعضهم بمالهم بعضا بالعبودية والملك. {ورحمة ربك} ~~[يعني الجنة] (1) ، {خير} للمؤمنين، {مما يجمعون} مما يجمع الكفار من ~~الأموال. # {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة} أي: لولا أن يصيروا كلهم كفارا فيجتمعون ~~على الكفر، {لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة} قرأ ابن كثير، ~~وأبو جعفر، وأبو عمرو: "سقفا" بفتح السين وسكون القاف على الواحد، ومعناه ~~الجمع، كقوله تعالى: "فخر عليهم السقف من فوقهم" (النحل-26) ، وقرأ الباقون ~~بضم السين والقاف على الجمع، وهي جمع "سقف" مثل: رهن ورهن، قال أبو عبيدة: ~~ولا ثالث لهما. وقيل: هو جمع سقيف. وقيل: جمع سقوف جمع الجمع. {ومعارج} ~~مصاعد ودرجا من فضة، {عليها يظهرون} يعلون ويرتقون، يقال: ظهرت على السطح ~~إذا علوته. # {ولبيوتهم أبوابا} من فضة، {وسررا} أي: وجعلنا لهم سررا من فضة، {عليها ~~يتكئون} . # {وزخرفا} أي وجعلنا مع ذلك لهم زخرفا وهو الذهب، نظيره: "أو يكون لك بيت ~~من زخرف" (الإسراء-93) ، {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا} قرأ حمزة ~~وعاصم: "لما" بالتشديد على معنى: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا فكان: ~~"لما" بمعنى إلا وخففه الآخرون على معنى: وكل ذلك متاع الحياة الدنيا، ~~فيكون: "إن" للابتداء، و"ما" صلة، يريد: إن هذا كله متاع الحياة الدنيا ~~يزول ويذهب، {والآخرة عند ربك للمتقين} خاصة يعني الجنة. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو العباس عبد ~~الله بن ms2292 محمد بن هارون PageV07P212 # الطيسفوني، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي، أخبرنا أبو بكر أحمد ~~بن محمد بن عمر بن بسطام، أخبرنا أحمد بن سيار القرشي، حدثنا عبد الرحمن بن ~~يونس أبو مسلم، حدثنا أبو بكر بن منظور، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح ~~بعوضة ما سقى كافرا منها قطرة ماء". (1) # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله، أخبرنا ~~محمد بن إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن ~~[مجالد] (2) بن سعيد، عن قيس بن أبي حازم، عن المستورد ابن شداد أخي بني ~~فهر قال: كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~السخلة الميتة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أترون هذه هانت على ~~أهلها حين ألقوها"؟ قالوا: من هوانها ألقوها، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها". (3) ### || # {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) وإنهم ليصدونهم ~~عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) } # قوله عز وجل: {ومن يعش عن ذكر الرحمن} أي يعرض عن ذكر الرحمن فلم يخف ~~عقابه، ولم يرج ثوابه، يقال: عشوت إلى النار أعشو عشوا، إذا قصدتها مهتديا ~~بها، وعشوت عنها: أعرضت عنها، كما يقول: عدلت إلى فلان، وعدلت عنه، وملت ~~إليه، وملت عنه. قال القرظي (4) : يولي ظهره عن ذكر الرحمن وهو القرآن. قال ~~أبو عبيدة والأخفش: يظلم بصرف بصره عنه. قال الخليل بن أحمد: أصل العشو ~~النظر ببصر ضعيف. وقرأ ابن عباس: "ومن يعش" بفتح الشين أي يعم، يقال عشى ~~يعشى عشا إذا عمي فهو أعشى، وامرأة عشواء. {نقيض له شيطانا} قرأ يعقوب: ~~"يقيض" بالياء، والباقون بالنون، نسبب له شيطانا ونضمه إليه ونسلطه عليه. ~~{فهو له قرين} لا يفارقه، يزين ms2293 له العمى ويخيل إليه أنه على الهدى. # {وإنهم} يعني الشياطين، {ليصدونهم عن السبيل} أي ليمنعونهم عن الهدى وجمع ~~PageV07P213 # الكناية لأن قوله: "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا" في مذهب جمع ~~وإن كان اللفظ على الواحد، {ويحسبون أنهم مهتدون} ويحسب كفار بني آدم أنهم ~~على الهدى. ### || # {حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) ولن ~~ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39) أفأنت تسمع الصم أو ~~تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40) فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ~~(41) } # {حتى إذا جاءنا} قرأ أهل العراق غير أبي بكر: "جاءنا" على الواحد يعنون ~~الكافر، وقرأ الآخرون: جاءانا، على التثنية يعنون الكافر وقرينه، جعلا في ~~سلسلة واحدة. {قال} الكافر لقرينه الشيطان: {يا ليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين} أي بعد ما بين المشرق والمغرب فغلب اسم أحدهما على الآخر كما ~~يقال للشمس والقمر: القمران، ولأبي بكر وعمر: العمران. وقيل: أراد ~~بالمشرقين مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والأول أصح، {فبئس القرين} قال أبو ~~سعيد الخدري: إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصير ~~إلى النار. (1) # {ولن ينفعكم اليوم} في الآخرة، {إذ ظلمتم} أشركتم في الدنيا، {أنكم في ~~العذاب مشتركون} يعني لا ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف الاشتراك عنكم ~~شيئا من العذاب، لأن لكل واحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب. ~~وقال مقاتل: لن ينفعكم الاعتذار والندم اليوم فأنتم وقرناؤكم اليوم مشتركون ~~في العذاب كما كنتم مشتركين في الدنيا [في الكفر] . (2) # {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين} يعني الكافرين ~~الذين حقت عليهم كلمة العذاب لا يؤمنون. # {فإما نذهبن بك} بأن نميتك قبل أن نعذبهم، {فإنا منهم منتقمون} بالقتل ~~بعدك. # {أو نرينك} في حياتك، {الذي وعدناهم} من العذاب، {فإنا عليهم مقتدرون} ~~قادرون، متى شئنا عذبناهم، وأراد به مشركي مكة انتقم منهم يوم بدر، هذا قول ~~أكثر المفسرين، وقال الحسن وقتادة: عنى به أهل الإسلام من أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ms2294 وقد كان بعد النبي PageV07P214 # صلى الله عليه وسلم نقمة شديدة في أمته، فأكرم الله نبيه وذهب به ولم يره ~~في أمته إلا الذي 118/ب يقر عينه، وأبقى النقمة بعده. وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أري ما يصيب أمته بعده فما رئي ضاحكا منبسطا حتى قبضه الله. ~~(1) ### || # {أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42) فاستمسك بالذي أوحي إليك ~~إنك على صراط مستقيم (43) وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون (44) واسأل من ~~أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (45) } # {فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم} . # {وإنه} يعني القرآن، {لذكر لك} لشرف لك، {ولقومك} من قريش، نظيره: "لقد ~~أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم" (الأنبياء-10) ، أي شرفكم، {وسوف تسألون} عن ~~حقه وأداء شكره، روى الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك؟ لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية، فكان بعد ~~ذلك إذا سئل لمن هذا؟ قال: لقريش. (2) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن شريح، أخبرنا أبو ~~القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا عاصم بن محمد بن زيد، عن أبيه، ~~عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال هذا الأمر في ~~قريش ما بقي اثنان". (3) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن ~~الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث عن معاوية قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه ~~الله على وجهه ما أقاموا الدين". (4) # وقال مجاهد: القوم هم العرب، فالقرآن لهم شرف إذ نزل بلغتهم، ثم يختص ~~بذلك الشرف الأخص فالأخص من العرب، حتى يكون [الأكثر لقريش ولبني هاشم. # وقيل: "ذكر ذلك": شرف لك بما أعطاك من الحكمة، "ولقومك" المؤمنين بما ~~PageV07P215 # هداهم] (1) الله به، "وسوف تسئلون" عن القرآن وعما ms2295 يلزمكم من القيام ~~بحقه. # قوله عز وجل: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون} اختلفوا في هؤلاء المسئولين: # قال عطاء عن ابن عباس: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم بعث الله له ~~آدم وولده من المرسلين، فأذن جبريل ثم أقام، وقال: يا محمد تقدم فصل بهم، ~~فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل: سل يا محمد "من أرسلنا قبلك من رسلنا"، ~~الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أسأل فقد اكتفيت"، وهذا قول ~~الزهري وسعيد بن جبير وابن زيد، قالوا: جمع الله له المرسلين ليلة أسري به ~~وأمره أن يسئلهم فلم يشك ولم يسأل. (2) # وقال أكثر المفسرين: سل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء هل ~~جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد؟ (3) وهو قول ابن عباس في سائر الروايات، ومجاهد ~~وقتادة والضحاك والسدي والحسن والمقاتليين. يدل عليه قراءة عبد الله وأبي: ~~"واسئل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا"، ومعنى الأمر بالسؤال التقرير ~~لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله عز وجل. ### || # {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين ~~(46) فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47) } PageV07P216 # {وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون ~~(48) وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) } # قوله عز وجل: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول ~~رب العالمين فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون} استهزاء. # {وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها} قرينتها وصاحبتها التي كانت ~~قبلها، {وأخذناهم بالعذاب} بالسنين والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ~~والطمس، فكانت هذه دلالات لموسى، وعذابا لهم، فكانت كل واحدة أكبر من التي ~~قبلها، {لعلهم يرجعون} عن كفرهم. # {وقالوا} لموسى لما عاينوا العذاب، {يا أيها الساحر} يا أيها العالم ~~الكامل الحاذق، وإنما قالوا هذا توقيرا وتعظيما له، لأن السحر عندهم كان ~~علما عظيما وصفة ممدوحة، وقيل: معناه # PageV07P216 # يا أيها الذي ms2296 غلبنا بسحره. وقال الزجاج: خاطبوه به لما تقدم له عندهم من ~~التسمية بالساحر. {ادع لنا ربك بما عهد عندك} أي بما أخبرتنا من عهده إليك ~~إن آمنا كشف عنا العذاب فاسأله يكشف عنا العذاب، {إننا لمهتدون} مؤمنون، ~~فدعا موسى فكشف عنهم فلم يؤمنوا، فذلك قوله عز وجل: ### || # {فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون (50) ونادى فرعون في قومه قال يا ~~قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون (51) أم أنا ~~خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52) فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب ~~أو جاء معه الملائكة مقترنين (53) فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين (54) } # {فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون} ينقضون عهدهم ويصرون على كفرهم. # {ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار} أنهار ~~النيل، {تجري من تحتي} من تحت قصوري، وقال قتادة: تجري بين يدي في جناني ~~وبساتيني. وقال الحسن: بأمري. {أفلا تبصرون} عظمتي وشدة ملكي. # {أم أنا خير} بل أنا خير، "أم" بمعنى "بل"، وليس بحرف عطف على قول أكثر ~~المفسرين، وقال الفراء: الوقف على قوله: "أم"، وفيه إضمار، مجازه: أفلا ~~تبصرون أم [تبصرون] (1) ، ثم ابتدأ فقال: أنا خير، {من هذا الذي هو مهين} ~~ضعيف حقير يعني موسى، قوله: {ولا يكاد يبين} يفصح بكلامه للثغته التي في ~~لسانه. # {فلولا ألقي عليه} إن كان صادقا، {أسورة من ذهب} قرأ حفص ويعقوب "أسورة" ~~جمع سوار، وقرأ الآخرون "أساورة" على جمع الأسورة، وهي جمع الجمع. قال ~~مجاهد: كانوا إذا سودوا رجلا سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب يكون ذلك ~~دلالة لسيادته، فقال فرعون: هلا ألقى رب موسى عليه أسورة من ذهب إن كان ~~سيدا تجب علينا طاعته. {أو جاء معه الملائكة مقترنين} متتابعين يقارن بعضهم ~~بعضا يشهدون له بصدقه ويعينونه على أمره. # قال الله تعالى: {فاستخف قومه} أي استخف فرعون قومه القبط، أي وجدهم ~~جهالا. وقيل: حملهم على الخفة والجهل. يقال: استخفه عن رأيه، إذا حمله على ~~الجهل ms2297 وأزاله عن الصواب، PageV07P217 # {فأطاعوه} على تكذيب موسى، {إنهم كانوا قوما فاسقين} . ### || # {فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين (55) فجعلناهم سلفا ومثلا ~~للآخرين (56) ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) وقالوا ~~أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58) } # {فلما آسفونا} أغضبونا، {انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين} . {فجعلناهم ~~سلفا} قرأ حمزة والكسائي "سلفا" بضم السين واللام، قال الفراء: هو جمع سليف ~~من سلف بضم اللام يسلف، أي تقدم، وقرأ الآخرون بفتح السين واللام على جمع ~~السالف، مثل: حارس وحرس 119/أوخادم وخدم، وراصد ورصد، وهما جميعا الماضون ~~المتقدمون من الأمم، يقال: سلف يسلف، إذا تقدم والسلف من تقدم من الآباء، ~~فجعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون. {ومثلا للآخرين} عبرة وعظة لمن بقي ~~بعدهم. وقيل: سلفا لكفار هذه الأمة إلى النار ومثلا لمن يجيء بعدهم. # {ولما ضرب ابن مريم مثلا} قال ابن عباس وأكثر المفسرين: إن الآية نزلت في ~~مجادلة عبد الله بن الزبعري مع النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى عليه ~~السلام، لما نزل قوله عز وجل: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم" ~~(الأنبياء-98) ، وقد ذكرناه في سورة الأنبياء عليهم السلام. (1) {إذا قومك ~~منه يصدون} قرأ أهل المدينة والشام والكسائي: "يصدون" بضم الصاد، أي ~~يعرضون، نظيره قوله تعالى: "يصدون عنك صدودا"، (النساء-61) وقرأ الآخرون ~~بكسر الصاد. # واختلفوا في معناه، قال الكسائي: هما لغتان مثل يعرشون ويعرشون، وشد عليه ~~يشد ويشد، ونم بالحديث ينم وينم. # وقال ابن عباس: معناه يضجون. وقال سعيد بن المسيب: يصيحون. وقال الضحاك: ~~يعجون. وقال قتادة: يجزعون. وقال القرظي: يضجرون. ولما ضرب ابن مريم مثلا ~~إذا قومك منه يصدون يقولون ما يريد محمد منا إلا أن نعبده ونتخذه إلها كما ~~عبدت النصارى عيسى. # {وقالوا أآلهتنا خير أم هو} قال قتادة: "أم هو" يعنون محمدا، فنعبده ~~ونطيعه ونترك آلهتنا. # وقال السدي وابن زيد: "أم هو" يعني عيسى، قالوا: يزعم محمد أن كل ما عبد ~~من دون الله في النار فنحن نرضى أن ms2298 تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة في ~~النار، وقال الله تعالى: {ما ضربوه} يعني هذا المثل، {لك إلا جدلا} خصومة ~~بالباطل وقد علموا أن المراد من قوله: "وما تعبدون من دون الله حصب جهنم" ~~(الأنبياء-98) ، هؤلاء الأصنام. {بل هم قوم خصمون} . PageV07P218 # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو بكر عبد ~~الرحمن بن عبد الله الحمشاوي، أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، حدثنا ~~عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا حجاج ~~بن دينار الواسطي، عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل"، ثم قرأ: "ما ~~ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون". (1) ### || # {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) ولو نشاء ~~لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (60) } # {وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61) } # ثم ذكر عيسى فقال: {إن هو} ما هو، يعني عيسى عليه السلام، {إلا عبد ~~أنعمنا عليه} بالنبوة، {وجعلناه مثلا} آية وعبرة، {لبني إسرائيل} يعرفون به ~~قدرة الله عز وجل على ما يشاء حيث خلقه من غير أب. # {ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة} أي ولو نشاء لأهلكناكم وجعلنا بدلا منكم ~~ملائكة، {في الأرض يخلفون} يكونون خلفا منكم يعمرون الأرض ويعبدونني ~~ويطيعونني. وقيل: يخلف بعضهم بعضا. # {وإنه} يعني عيسى عليه السلام، {لعلم للساعة} يعني نزوله من أشراط الساعة ~~يعلم به قربها، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة: "وإنه لعلم للساعة" بفتح ~~اللام والعين أي أمارة وعلامة. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما ~~عادلا يكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، وتهلك في زمانه الملل كلها ~~إلا الإسلام". (1) # ويروى: "أنه ينزل على ثنية بالأرض المقدسة، وعليه ممصرتان (2) ، وشعر ~~رأسه دهين، وبيده حربة وهي التي يقتل بها الدجال، فيأتي بيت المقدس والناس ~~في صلاة العصر، فيتأخر الإمام فيقدمه PageV07P219 # عيسى ويصلي ms2299 خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يقتل الخنازير ~~ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل النصارى إلا من آمن به". (1) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث، عن ~~يونس، عن ابن شهاب، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري أن أبا هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم ~~منكم"؟ (2) # وقال الحسن وجماعة: "وإنه" يعني وإن القرآن لعلم للساعة يعلمكم قيامها، ~~ويخبركم بأحوالها وأهوالها، {فلا تمترن بها} فلا تشكن فيها، قال ابن عباس: ~~لا تكذبوا بها، {واتبعون} على التوحيد، {هذا} الذي أنا عليه، {صراط مستقيم} ~~. ### || # {ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (62) ولما جاء عيسى بالبينات قال ~~قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون ~~(63) إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (64) فاختلف الأحزاب من ~~بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم (65) هل ينظرون إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66) } # {ولا يصدنكم} لا يصرفنكم، {الشيطان} عن دين الله، {إنه لكم عدو مبين} . # {ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة} بالنبوة، {ولأبين لكم بعض ~~الذي تختلفون فيه} من أحكام التوراة، قال قتادة: يعني اختلاف الفرق الذين ~~تحزبوا على أمر عيسى. قال الزجاج: الذي جاء به عيسى في الإنجيل إنما هو بعض ~~الذي اختلفوا فيه، وبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. {فاتقوا الله ~~وأطيعون} . # {إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم ~~فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم هل ينظرون إلا الساعة} يعني أنها تأتيهم ~~لا محالة فكأنهم ينتظرونها، {أن تأتيهم بغتة} فجأة، {وهم لا يشعرون} . ~~PageV07P220 ### || # {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67) يا عباد لا خوف عليكم ~~اليوم ولا أنتم تحزنون (68) الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (69) ادخلوا ~~الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (70) يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب ms2300 وفيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون (71) } # {الأخلاء} على المعصية في الدنيا، {يومئذ} يوم القيامة، {بعضهم لبعض عدو ~~إلا المتقين} إلا المتحابين في الله عز وجل على طاعة الله عز وجل. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ~~إبراهيم الثعلبي، أخبرني عقيل بن محمد بن أحمد، أن أبا الفرج البغدادي ~~القاضي أخبرهم عن محمد بن جرير، حدثنا ابن عبد الأعلى، عن قتادة، حدثنا أبو ~~ثور عن معمر عن قتادة عن أبي إسحاق أن عليا قال في هذه الآية: خليلان ~~مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين فقال: يا رب إن فلانا كان يأمرني ~~بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، ويخبرني أني ملاقيك، ~~يا رب فلا تضله بعدي واهده كما هديتني وأكرمه كما أكرمتني، فإذا مات خليله ~~المؤمن جمع بينهما، فيقول: ليثن أحدكما على صاحبه، فيقول: نعم الأخ، ونعم ~~الخليل، ونعم الصاحب، قال: ويموت أحد الكافرين، فيقول: يا رب إن فلانا كان ~~ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني ~~غير ملاقيك، فيقول بئس الأخ، 119/ب وبئس الخليل، وبئس الصاحب (1) . # {يا عباد} أي فيقال لهم: يا عبادي، {لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} ~~وروي عن المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: سمعت أن الناس حين يبعثون ليس منهم ~~أحد إلا فزع، فينادي مناد: "يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون" ~~فيرجوها الناس كلهم فيتبعها: (2) {الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين} ~~فييأس الناس منها غير المسلمين فيقال لهم: {ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم ~~تحبرون} تسرون وتنعمون. # {يطاف عليهم بصحاف} جمع صحفة وهي القصعة الواسعة، {من ذهب وأكواب} جمع ~~كوب وهو إناء مستدير مدور الرأس لا عرى لها، {وفيها} أي في الجنة، {ما ~~تشتهيه الأنفس} قرأ أهل المدينة والشام وحفص: {تشتهيه} ، وكذلك في مصاحفهم، ~~وقرأ الآخرون بحذف الهاء. {وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون} . PageV07P221 # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن ms2301 الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، ~~أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، ~~عن علقمة بن مرثد، عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رجل: يا رسول الله أفي ~~الجنة خيل؟ فإني أحب الخيل، فقال: "إن يدخلك الله الجنة لا تشاء أن تركب ~~فرسا من ياقوتة حمراء فتطير بك في أي الجنة شئت، إلا فعلت"، فقال أعرابي: ~~يا رسول الله أفي الجنة إبل؟ فقال: "يا أعرابي إن يدخلك الله الجنة أصبت ~~فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك". (1) ### || # {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) لكم فيها فاكهة كثيرة ~~منها تأكلون (73) } # {إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون (74) لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون (75) ~~وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76) ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ~~قال إنكم ماكثون (77) } # {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون لكم فيها فاكهة كثيرة منها ~~تأكلون} وفي الحديث: "لا ينزع رجل من الجنة من ثمرة إلا نبت مكانها مثلاها" ~~(1) . # {إن المجرمين} المشركين، {في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه ~~مبلسون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ونادوا يامالك} . يدعون خازن ~~النار، {ليقض علينا ربك} ليمتنا ربك فنستريح فيجيبهم مالك بعد ألف سنة، ~~{قال إنكم ماكثون} مقيمون في العذاب. # أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، ~~أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم ~~بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، عن ~~قتادة يذكره عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال [النبي صلى ~~الله عليه وسلم] (2) : "إن أهل النار يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما، ~~ثم يرد عليهم إنكم ماكثون، قال: هانت-والله-دعوتهم على مالك PageV07P222 # وعلى رب مالك، ثم يدعون ربهم فيقولون: ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ~~ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون، قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا ~~مرتين، ثم ms2302 يرد عليهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون، قال: فوالله ما نبس القوم ~~بعدها بكلمة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، فشبه أصواتهم بأصوات ~~الحمير، أولها زفير وآخرها شهيق. (1) ### || # {لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون (78) أم أبرموا أمرا فإنا ~~مبرمون (79) أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون ~~(80) قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (81) سبحان رب السماوات ~~والأرض رب العرش عما يصفون (82) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم ~~الذي يوعدون (83) } . # {لقد جئناكم بالحق} يقول أرسلنا إليكم يا معشر قريش رسولنا بالحق، {ولكن ~~أكثركم للحق كارهون} . # {أم أبرموا} أم أحكموا {أمرا} في المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~{فإنا مبرمون} محكمون أمرا في مجازاتهم، قال مجاهد: إن كادوا شرا كدتهم ~~مثله. # {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم} ما يسرونه من غيرهم ويتناجون به ~~بينهم، {بلى} نسمع ذلك ونعلم، {ورسلنا} أيضا من الملائكة يعني الحفظة، ~~{لديهم يكتبون} . # {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} يعني إن كان للرحمن ولد في ~~قولكم وعلى زعمكم، فأنا أول من عبده فإنه واحد لا شريك له ولا ولد. وروي عن ~~ابن عباس: {إن كان} أي ما كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين الشاهدين له ~~بذلك، جعل: "إن" بمعنى الجحد. # وقال السدي: معناه لو كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده بذلك، ولكن لا ولد ~~له. # وقيل: "العابدين" بمعنى الآنفين، أي: أنا أول الجاحدين والمنكرين لما ~~قلتم. # ويقال: معناه: أنا أول من غضب للرحمن أن يقال له ولد، يقال: عبد يعبد إذا ~~أنف وغضب. # وقال قوم: قل ما يقال: عبد فهو عابد، إنما يقال: فهو عبد. # ثم نزه نفسه فقال: {سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون} عما ~~يقولون من الكذب. # {فذرهم يخوضوا} في باطلهم، {ويلعبوا} في دنياهم، {حتى يلاقوا يومهم الذي ~~يوعدون} يعني يوم القيامة. PageV07P223 ### || # {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم (84) وتبارك ~~الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم ms2303 الساعة وإليه ترجعون ~~(85) ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ~~(86) ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) وقيله يا رب إن ~~هؤلاء قوم لا يؤمنون (88) فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون (89) } # {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} [قال قتادة: يعبد في السماء وفي ~~الأرض لا إله إلا هو] (1) ، {وهو الحكيم} في تدبير خلقه، {العليم} ~~بمصالحهم. # {وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ~~ترجعون} قرأ ابن كثير والكسائي "يرجعون" بالياء، والآخرون بالتاء. # {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق} وهم عيسى وعزير ~~والملائكة فإنهم عبدوا من دون الله، ولهم الشفاعة، وعلى هذا يكون "من" في ~~محل الرفع، وقيل: "من" في محل الخفض، وأراد بالذين يدعون عيسى وعزير ~~والملائكة، يعني أنهم لا يملكون الشفاعة إلا من شهد بالحق، والأول أصح، ~~وأراد بشهادة الحق قوله لا إله إلا الله كلمة التوحيد، {وهم يعلمون} ~~بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم. # {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون} يصرفون عن عبادته. # {وقيله يا رب} يعني قول محمد صلى الله عليه وسلم شاكيا إلى ربه: يا رب، ~~{إن هؤلاء قوم لا يؤمنون} 120/أقرأ عاصم وحمزة "وقيله" بجر اللام والهاء، ~~على معنى: وعنده علم الساعة وعلم قيله يا رب، وقرأ الآخرون بالنصب، وله ~~وجهان: أحدهما معناه: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله يا رب، ~~والثاني: وقال قيله. # {فاصفح عنهم} أعرض عنهم، {وقل سلام} معناه: المتاركة، كقوله تعالى: "سلام ~~عليكم لا نبتغي الجاهلين" (القصص-55) ، {فسوف يعلمون} قرأ أهل المدينة ~~والشام بالتاء، والباقون بالياء، قال مقاتل: نسختها آية السيف. (2) ~~PageV07P224 ### | سورة الدخان # مكية (1) # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ~~(3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) } . # {حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة} قال قتادة وابن زيد: هي ~~ليلة القدر أنزل الله القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء ~~الدنيا، ms2304 ثم نزل به جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم نجوما في عشرين سنة ~~(2) . وقال آخرون: هي ليلة النصف من شعبان (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا الأصبغ بن الفرج، أخبرني ابن وهب، ~~أخبرني عمرو بن الحارث أن عبد الملك بن عبد الملك حدثه أن ابن أبي ذئب ~~واسمه مصعب حدثه عن القاسم بن محمد عن أبيه أو عمه عن جده عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "ينزل الله جل ثناؤه ليلة النصف من شعبان إلى السماء ~~الدنيا فيغفر لكل نفس إلا إنسانا في قلبه شحناء أو مشركا بالله" (4) {إنا ~~كنا منذرين} . # {فيها} أي في الليلة المباركة، {يفرق} يفصل، {كل أمر حكيم} محكم، وقال ~~ابن عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير ~~والشر والأرزاق والآجال PageV07P227 # حتى الحجاج، يقال: يحج فلان [ويحج فلان] (1) ، قال الحسن ومجاهد وقتادة: ~~يبرم في ليلة القدر في شهر رمضان كل أجل وعمل وخلق ورزق، وما يكون في تلك ~~السنة. # وقال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وتنسخ الأحياء ~~من الأموات فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، ~~حدثني عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى ~~إن الرجل لينكح ويولد له ولقد أخرج اسمه في الموتى" (3) . # وروى أبو الضحى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الله يقضي الأقضية في ~~ليلة النصف من شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر. ### || # {أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) ~~رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (7) لا إله إلا هو يحيي ~~ويميت ربكم ms2305 ورب آبائكم الأولين (8) بل هم في شك يلعبون (9) } # {أمرا} أي أنزلنا أمرا، {من عندنا} قال الفراء: نصب على معنى: فيها يفرق ~~كل أمر فرقا وأمرا، أي نأمر ببيان ذلك أمرا {إنا كنا مرسلين} محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبياء. # {رحمة من ربك} قال ابن عباس: رأفة مني بخلقي ونعمتي عليهم بما بعثنا ~~إليهم من الرسل. وقال الزجاج: أنزلناه في ليلة مباركة للرحمة، {إنه هو ~~السميع العليم رب السموات والأرض وما بينهما} قرأ أهل الكوفة: "رب" جرا، ~~ردا على قوله: "من ربك"، ورفعه الآخرون ردا على قوله: "هو السميع العليم"، ~~وقيل: على الابتداء، {إن كنتم موقنين} أن الله رب السموات والأرض. # {لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين بل هم في شك} من هذا ~~القرآن، {يلعبون} يهزؤون به لاهون عنه. PageV07P228 ### || # {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (10) يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) ~~ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) } # {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} اختلفوا في هذا الدخان: # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن كثير، عن سفيان، حدثنا ~~منصور والأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة، فقال: ~~يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمن ~~[كهيئة] (1) الزكام، ففزعنا فأتيت ابن مسعود وكان متكئا فغضب فجلس، فقال: ~~من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا ~~يعلم: لا أعلم، فإن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: "قل ما أسئلكم عليه ~~من أجر وما أنا من المتكلفين" (ص-86) ، وإن قريشا أبطؤوا عن الإسلام فدعا ~~عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" ~~فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما بين ~~السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة ~~الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادع ms2306 الله لهم، فقرأ: "فارتقب يوم تأتي السماء ~~بدخان مبين" إلى قوله: "إنكم عائدون"، أفيكشف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء؟ ثم ~~عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله: {يوم نبطش البطشة الكبرى} يعني يوم بدر و ~~{لزاما} يوم بدر، "الم غلبت الروم"، إلى "سيغلبون" (الروم-3) ، الروم قد ~~مضى (2) . # ورواه محمد بن إسماعيل عن يحيى عن وكيع عن الأعمش، قال: قالوا: {ربنا ~~اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون} فقيل له: إن كشفنا عنهم عادوا إلى كفرهم، فدعا ~~ربه فكشف عنهم فعادوا فانتقم الله منهم يوم بدر، فذلك قوله: "فارتقب يوم ~~تأتي السماء بدخان مبين"، إلى قوله: "إنا منتقمون" (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن الأعمش، ~~عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله قال: خمس قد مضين اللزام والروم والبطشة ~~والقمر والدخان (4) . # وقال قوم: هو دخان يجيء قبل قيام الساعة ولم يأت بعد، فيدخل في أسماع ~~الكفار والمنافقين حتى يكون كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام ~~وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه النار، وهو قول ابن عباس وابن عمر والحسن ~~(5) . PageV07P229 # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عقيل بن محمد ~~الجرجاني، حدثنا أبو الفرج المعافى بن زكريا البغدادي، حدثنا محمد بن جرير ~~الطبري، حدثني عصام بن رواد بن الجراح، حدثنا أبي، أخبرنا أبو سفيان بن ~~سعيد، حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان ~~120/ب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول الآيات الدخان، ونزول ~~عيسى بن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم ~~إذا قالوا"، قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟ فتلا هذه الآية: "يوم ~~تأتي السماء بدخان مبين"، يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما ~~وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأما الكافر فكمنزلة السكران ~~يخرج من منخريه وأذنيه ودبره (1) . ### || # {أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13) ثم ms2307 تولوا عنه وقالوا معلم ~~مجنون (14) إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون (15) يوم نبطش البطشة ~~الكبرى إنا منتقمون (16) ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17) ~~أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين (18) } # {أنى لهم الذكرى} من أين لهم التذكر والاتعاظ؟ يقول: كيف يتذكرون ~~ويتعظون؟ {وقد جاءهم رسول مبين} ظاهر الصدق يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. # {ثم تولوا عنه} أعرضوا عنه، {وقالوا معلم} أي يعلمه بشر، {مجنون} . # قال الله تعالى: {إنا كاشفوا العذاب} أي عذاب الجوع، {قليلا} أي زمانا ~~يسيرا، قال مقاتل: إلى يوم بدر. {إنكم عائدون} إلى كفركم. # {يوم نبطش البطشة الكبرى} وهو يوم بدر، {إنا منتقمون} وهذا قول ابن مسعود ~~وأكثر العلماء، وقال الحسن: يوم القيامة، وروى عكرمة ذلك عن ابن عباس. # {ولقد فتنا} بلونا، {قبلهم} قبل هؤلاء، {قوم فرعون وجاءهم رسول كريم} على ~~الله وهو موسى بن عمران. # {أن أدوا إلي عباد الله} يعني بني إسرائيل أطلقهم ولا تعذبهم، {إني لكم ~~رسول أمين} على الوحي. PageV07P230 ### || # {وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين (19) وإني عذت بربي وربكم ~~أن ترجمون (20) وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21) فدعا ربه أن هؤلاء قوم ~~مجرمون (22) فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23) واترك البحر رهوا إنهم جند ~~مغرقون (24) كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ومقام كريم (26) ونعمة ~~كانوا فيها فاكهين (27) } # {وأن لا تعلوا على الله} لا تتجبروا عليه بترك طاعته، {إني آتيكم بسلطان ~~مبين} ببرهان بين على صدق قولي، فلما قال ذلك توعدوه بالقتل، فقال: # {وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون} . {وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون} أي: ~~تقتلوني، وقال ابن عباس: تشتموني وتقولوا هو ساحر. وقال قتادة: ترجموني ~~بالحجارة. # {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} فاتركوني لا معي ولا علي. وقال ابن عباس: ~~فاعتزلوا أذاي باليد واللسان، فلم يؤمنوا. # {فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون} مشركون، فأجابه الله وأمره أن يسري، ~~فقال: # {فأسر بعبادي ليلا} أي ببني إسرائيل، {إنكم متبعون} يتبعكم فرعون وقومه. # {واترك البحر} إذا قطعته أنت وأصحابك، {رهوا} ساكنا ms2308 على حالته وهيئته، ~~بعد أن ضربته ودخلته، معناه: لا تأمره أن يرجع، اتركه حتى يدخله آل فرعون، ~~وأصل "الرهو": السكون. وقال مقاتل: معناه: اترك البحر رهوا [راهيا] (1) أي: ~~ساكنا، فسمي بالمصدر، أي ذا رهو. وقال كعب: اتركه طريقا. قال قتادة: طريقا ~~يابسا. قال قتادة: لما قطع موسى البحر عطف ليضرب البحر بعصاه ليلتئم وخاف ~~أن يتبعه فرعون [وجنوده] (2) فقيل له: اترك البحر رهوا كما هو، {إنهم جند ~~مغرقون} أخبر موسى أنه يغرقهم ليطمئن قلبه في تركه البحر كما جاوزه. ثم ذكر ~~ما تركوا بمصر. # فقال: {كم تركوا} [يعني بعد الغرق] (3) {من جنات وعيون وزروع ومقام كريم} ~~مجلس شريف، قال قتادة: الكريم الحسن. # {ونعمة} ومتعة وعيش لين، {كانوا فيها فاكهين} ناعمين وفكهين: أشرين ~~بطرين. PageV07P231 ### || # {كذلك وأورثناها قوما آخرين (28) فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا ~~منظرين (29) ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30) من فرعون إنه ~~كان عاليا من المسرفين (31) ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32) } # {كذلك} قال الكلبي: كذلك أفعل بمن عصاني، {وأورثناها قوما آخرين} يعني ~~بني إسرائيل. # {فما بكت عليهم السماء والأرض} وذلك أن المؤمن إذا مات تبكي عليه السماء ~~والأرض أربعين صباحا، وهؤلاء لم يكن يصعد لهم عمل صالح فتبكي السماء على ~~فقده، ولا لهم على الأرض عمر صالح فتبكي الأرض عليه. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله ~~الفنجوي، حدثنا أبو علي المقري، حدثنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا أحمد بن ~~إسحاق البصري، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي، أخبرني ~~يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما ~~من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل فيه عمله، ~~فإذا مات فقداه وبكيا عليه" وتلا "فما بكت عليهم السماء والأرض" (1) . # قال عطاء: بكاء السماء حمرة أطرافها. # قال السدي: لما قتل الحسين بن علي بكت عليه السماء، وبكاؤها حمرتها (2) . # {وما كانوا منظرين} لم ينظروا حين أخذهم العذاب لتوبة ولا لغيرها. ms2309 # {ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين} قتل الأبناء واستحياء النساء ~~والتعب في العمل. # {من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ولقد اخترناهم} يعني مؤمني بني ~~إسرائيل، {على علم} بهم، {على العالمين} على عالمي زمانهم. PageV07P232 ### || # {وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين (33) إن هؤلاء ليقولون (34) إن هي ~~إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين (35) فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (36) ~~أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (37) } # {وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين} قال قتادة: نعمة بينة من فلق ~~البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، والنعم التي أنعمها عليهم. ~~وقال ابن زيد: ابتلاهم بالرخاء والشدة، وقرأ: "ونبلوكم بالشر والخير فتنة" ~~(الأنبياء-35) . # {إن هؤلاء} يعني مشركي مكة {ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى} أي لا موتة ~~إلا هذه التي نموتها في الدنيا، ثم لا بعث بعدها. وهو قوله: {وما نحن ~~بمنشرين} بمبعوثين بعد موتتنا. # {فأتوا بآبائنا} [الذين ماتوا] (1) {إن كنتم صادقين} أنا نبعث أحياء بعد ~~الموت، ثم خوفهم مثل عذاب الأمم الخالية فقال: {أهم خير أم قوم تبع} أي ~~ليسوا خيرا منهم، يعني أقوى وأشد وأكثر من قوم تبع. قال قتادة: هو تبع ~~الحميري، وكان سار بالجيوش حتى حير الحيرة، وبنى سمرقند وكان من ملوك ~~اليمن، سمي تبعا لكثرة أتباعه، وكل واحد منهم يسمى: "تبعا" لأنه يتبع ~~صاحبه، وكان هذا يعبد النار فأسلم ودعا قومه إلى الإسلام وهم حمير، فكذبوه ~~وكان من خبره ما ذكره محمد بن إسحاق وغيره (2) . # وذكر عكرمة عن ابن عباس قالوا: كان تبع الآخر وهو أسعد أبو كرب بن مليك ~~[جاء بكر] (3) حين أقبل من المشرق وجعل طريقه على المدينة، وقد كان حين مر ~~بها خلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة، فقدمها وهو مجمع لإخرابها واستئصال ~~أهلها، فجمع له هذا الحي من الأنصار حين سمعوا ذلك من أمره، فخرجوا لقتاله ~~وكان الأنصار يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل، فأعجبه ذلك وقال: إن هؤلاء ~~لكرام، إذ جاءه حبران اسمهما: كعب وأسد من أحبار بني قريظة، ms2310 عالمان وكانا ~~ابني عم، حين سمعا ما يريد من إهلاك 121/أالمدينة وأهلها، فقالا له: أيها ~~الملك لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك ~~عاجل العقوبة. فإنها مهاجر نبي يخرج من هذا الحي من قريش اسمه محمد، مولده ~~مكة، وهذه دار هجرته ومنزلك الذي أنت به يكون به من القتل والجراح أمر كبير ~~في أصحابه، وفي عدوهم. قال تبع: من يقاتله وهو نبي؟ قالا يسير إليه قومه ~~فيقتلون ها هنا، فتناهى لقولهما عما كان يريد بالمدينة، ثم إنهما دعواه إلى ~~دينهما فأجابهما واتبعهما على دينهما وأكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج ~~بهما ونفر من اليهود عامدين إلى اليمن، PageV07P233 # فأتاه في الطريق نفر من هذيل وقالوا: إنا ندلك على بيت فيه كنز من لؤلؤ ~~وزبرجد وفضة، قال: أي بيت؟ قالوا: بيت بمكة، وإنما تريد هذيل هلاكه لأنهم ~~عرفوا أنه لم يرده أحد قط بسوء إلا هلك، فذكر ذلك للأحبار، فقالوا: ما نعلم ~~لله في الأرض بيتا غير هذا البيت، فاتخذه مسجدا وانسك عنده وانحر واحلق ~~رأسك، وما أراد القوم إلا هلاكك لأنه ما ناوأهم أحد قط إلا هلك، فأكرمه ~~واصنع عنده ما يصنع أهله، فلما قالوا له ذلك أخذ النفر من هذيل فقطع أيديهم ~~وأرجلهم وسمل أعينهم ثم صلبهم، فلما قدم مكة نزل الشعب شعب البطائح، وكسا ~~البيت الوصائل، وهو أول من كسا البيت، ونحر بالشعب ستة آلاف بدنة، وأقام به ~~ستة أيام وطاف به وحلق وانصرف، فلما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بين ~~ذلك وبينه، قالوا: لا تدخل علينا وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه وقال ~~إنه دين خير من دينكم، قالوا: فحاكمنا إلى النار، وكانت باليمن نار في أسفل ~~جبل يتحاكمون إليها فيما يختلفون فيه، فتأكل الظالم ولا تضر المظلوم، فقال ~~تبع: أنصفتم، فخرج القوم بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم وخرج الحبران ~~بمصاحفهما في أعناقهما حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه، فخرجت ~~النار فأقبلت حتى غشيتهم، فأكلت الأوثان وما قربوا ms2311 معها، ومن حمل ذلك من ~~رجال حمير، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما، يتلوان التوراة تعرق ~~جباههما لم تضرهما، ونكصت النار حتى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه فأصفقت ~~عند ذلك حمير على دينهما، فمن هنالك كان أصل اليهودية في اليمن (1) . # وذكر أبو حاتم عن الرقاشي قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، ~~آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة سنة. # وذكر لنا أن كعبا كان يقول: ذم الله قومه ولم يذمه (2) . # وكانت عائشة تقول: لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا (3) . # وقال سعيد بن جبير: هو الذي كسا البيت (4) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله ~~بن فنجويه الدينوري، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن ~~أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو ~~زرعة بن عمرو بن جرير عن سهل بن سعد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم" (5) . PageV07P234 # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، ~~حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا محمد بن علي بن سالم الهمداني، حدثنا أبو الأزهر ~~أحمد بن الأزهر النيسابوري، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن ابن أبي ذئب، ~~عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أدري ~~تبع نبيا كان أو غير نبي" (1) . {والذين من قبلهم} من الأمم الكافرة. ~~{أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين} . ### || # {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما إلا ~~بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون (39) } PageV07P235 # {إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (40) يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ~~ينصرون (41) إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (42) إن شجرة الزقوم ~~(43) طعام الأثيم (44) } # {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق} ~~قيل: يعني للحق وهو الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. {ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون} . # {إن يوم الفصل} يوم يفصل الرحمن ms2312 بين العباد، {ميقاتهم أجمعين} يوافي يوم ~~القيامة الأولون والآخرون. # {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا} لا ينفع قريب قريبه ولا يدفع عنه شيئا، ~~{ولا هم ينصرون} لا يمنعون من عذاب الله. # {إلا من رحم الله} يريد المؤمنين فإنه يشفع بعضهم لبعض، {إنه هو العزيز} ~~في انتقامه من أعدائه، {الرحيم} بالمؤمنين. # {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} [أي ذي الإثم] (1) وهو أبو جهل. ~~PageV07P235 ### || # {كالمهل يغلي في البطون (45) كغلي الحميم (46) خذوه فاعتلوه إلى سواء ~~الجحيم (47) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم (49) إن هذا ما كنتم به تمترون (50) إن المتقين في مقام أمين (51) } # {كالمهل} هو دردي الزيت الأسود، {يغلي في البطون} قرأ ابن كثير وحفص ~~"يغلي" بالياء، جعلوا الفعل للمهل، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث الشجرة، "في ~~البطون" أي بطون الكفار، {كغلي الحميم} كالماء الحار إذا اشتد غليانه. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو بكر العبدوسي، أخبرنا أبو ~~بكر محمد بن حمدون بن خالد بن يزيد، حدثنا سليمان بن يوسف، حدثنا وهب بن ~~جرير، حدثنا شعبة عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من ~~الزقوم قطرت على الأرض لأمرت على أهل الدنيا معيشتهم، فكيف بمن تكون طعامه ~~وليس لهم طعام غيره" (1) . # قوله تعالى: {خذوه} أي يقال للزبانية: خذوه، يعني الأثيم، {فاعتلوه} قرأ ~~أهل الكوفة، وأبو جعفر، وأبو عمرو: بكسر التاء، وقرأ الباقون بضمها، وهما ~~لغتان، أي ادفعوه وسوقوه، يقال: عتله يعتله عتلا إذا ساقه بالعنف والدفع ~~والجذب، {إلى سواء الجحيم} وسطه. # {ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم} قال مقاتل، إن خازن النار يضربه على ~~رأسه فينقب رأسه عن دماغه، ثم يصب فيه ماء حميما قد انتهى حره (2) . # ثم يقال له: {ذق} هذا العذاب، {إنك} قرأ الكسائي "أنك" بفتح الألف، أي ~~لأنك كنت تقول: أنا العزيز، وقرأ الآخرون بكسرها على الابتداء، {إنك أنت ~~العزيز الكريم} عند قومك ms2313 بزعمك، وذلك أن أبا جهل كان يقول: أنا أعز أهل ~~الوادي وأكرمهم، فيقول له هذا خزنة النار، على طريق الاستحقار والتوبيخ. # {إن هذا ما كنتم به تمترون} تشكون فيه ولا تؤمنون به. ثم ذكر مستقر ~~المتقين، فقال: # {إن المتقين في مقام أمين} قرأ أهل المدينة والشام: "في مقام" بضم الميم ~~على المصدر، PageV07P236 # أي في إقامة، وقرأ الآخرون بفتح الميم، أي في مجلس أمين، أمنوا فيه من ~~الغير، أي من الموت ومن الخروج منه. 121/ب ### || # {في جنات وعيون (52) يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين (53) كذلك وزوجناهم ~~بحور عين (54) يدعون فيها بكل فاكهة آمنين (55) لا يذوقون فيها الموت إلا ~~الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم (56) فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم ~~(57) فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (58) فارتقب إنهم مرتقبون (59) } # {في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين كذلك وزوجناهم} أي كما ~~أكرمناهم بما وصفنا من الجنات والعيون واللباس كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم، ~~{بحور عين} أي قرناهم بهن، ليس من عقد التزويج، لأنه لا يقال: زوجته ~~بامرأة، قال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجا لهن كما يزوج البعل بالبعل، أي ~~جعلناهم اثنين اثنين، و"الحور": هن النساء النقيات البياض. قال مجاهد: يحار ~~فيهن الطرف من بياضهن وصفاء لونهن. وقال أبو عبيدة: "الحور": هن شديدات ~~بياض الأعين الشديدات سوادها، واحدها أحور، والمرأة حوراء، و"العين" جمع ~~العيناء، وهي عظيمة العينين. # {يدعون فيها بكل فاكهة} اشتهوها، {آمنين} من نفادها ومن مضرتها. وقال ~~قتادة: آمنين من الموت والأوصاب والشياطين. # {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} أي سوى الموتة التي ذاقوها في ~~الدنيا، وبعدها وضع: "إلا" موضع سوى وبعد، وهذا كقوله تعالى: "ولا تنكحوا ~~ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف" (النساء-22) ، أي سوى ما قد سلف، ~~وبعد ما قد سلف، وقيل: إنما استثنى الموتة الأولى وهي في الدنيا من موت في ~~الجنة لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطف إلى أسباب الجنة، يلقون الروح ~~والريحان ويرون منازلهم في الجنة، فكان موتهم في الدنيا كأنهم في الجنة ~~لاتصالهم بأسبابها ومشاهدتهم ms2314 إياها. {ووقاهم عذاب الجحيم} . # {فضلا من ربك} أي فعل ذلك بهم فضلا منه، {ذلك هو الفوز العظيم} . # {فإنما يسرناه} سهلنا القرآن، كناية عن غير مذكور، {بلسانك} أي على ~~لسانك، {لعلهم يتذكرون} يتعظون. # {فارتقب} فانتظر النصر من ربك. وقيل: فانتظر لهم العذاب. {إنهم مرتقبون} # PageV07P237 # منتظرون قهرك بزعمهم. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن ~~فنجويه، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أبو عيسى موسى بن علي الختلي، ~~حدثنا أبو هاشم الرفاعي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عمر بن عبد الله بن ~~أبي خثعم، عن يحيى بن كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ~~ملك" (1) PageV07P238 ### | سورة الجاثية # مكية (1) # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) إن في السماوات والأرض ~~لآيات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (4) ~~واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد ~~موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ~~فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6) ويل لكل أفاك أثيم (7) } # {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إن في السماوات والأرض لآيات ~~للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات} ، قرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب: ~~"آيات" وتصريف الرياح آيات" بكسر التاء فيهما ردا على قوله: "لآيات" وهو في ~~موضع النصب، وقرأ الآخرون برفعهما على الاستئناف، على أن العرب تقول: إن لي ~~عليك مالا وعلى أخيك مال، ينصبون الثاني ويرفعونه، {لقوم يوقنون} أنه لا ~~إله غيره. # {واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق} يعني الغيث الذي ~~هو سبب أرزاق العباد، {فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم ~~يعقلون} . # {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق} يريد هذا الذي قصصنا عليك من آيات ~~الله نقصها عليك بالحق، {فبأي حديث بعد الله} بعد كتاب الله، {وآياته ~~يؤمنون} قرأ ms2315 ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب: "تؤمنون" بالتاء، ~~على معنى قل لهم يا محمد: فبأي حديث تؤمنون، وقرأ الآخرون بالياء. # {ويل لكل أفاك أثيم} كذاب صاحب إثم، يعني: النضر بن الحارث. PageV07P241 ### || # {يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب ~~أليم (8) وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) من ~~ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ~~ولهم عذاب عظيم (10) هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم ~~(11) الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون (12) وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ~~ذلك لآيات لقوم يتفكرون (13) } # {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا ~~يكسبون (14) } # {يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب ~~أليم وإذا علم من آياتنا} قال مقاتل: من القرآن، {شيئا اتخذها هزوا أولئك ~~لهم عذاب مهين} وذكر بلفظ الجمع ردا إلى "كل" في قوله: "لكل أفاك أثيم". # {من ورائهم} أمامهم، {جهنم} يعني أنهم في الدنيا [ممتعون بأموالهم] (1) ~~ولهم في الآخرة النار يدخلونها، {ولا يغني عنهم ما كسبوا} من الأموال، ~~{شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء} ولا ما عبدوا من دون الله من ~~الآلهة، {ولهم عذاب عظيم} . # {هذا} يعني هذا القرآن، {هدى} بيان من الضلالة، {والذين كفروا بآيات ربهم ~~لهم عذاب من رجز أليم} . # {الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض} ومعنى تسخيرها أنه خلقها ~~لمنافعنا. فهو مسخر لنا من حيث إنا ننتفع به، {جميعا منه} فلا تجعلوا لله ~~أندادا، قال ابن عباس: "جميعا منه"، كل ذلك رحمة منه. قال الزجاج: كل ذلك ~~تفضل منه وإحسان. {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} . # {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام ms2316 الله} أي لا يخافون وقائع ~~الله ولا يبالون نقمته، قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في عمر بن الخطاب رضي ~~الله تعالى عنه، وذلك أن رجلا من بني غفار شتمه بمكة فهم عمر -رضي الله ~~تعالى عنه-أن يبطش به، فأنزل الله هذه الآية، PageV07P242 # وأمره أن يعفو عنه (1) . # وقال القرظي والسدي: نزلت في أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من أهل مكة كانوا في أذى شديد من المشركين، من قبل أن يؤمروا بالقتال، ~~فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية (2) ثم ~~نسختها آية القتال (3) . {ليجزي قوما} قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي "لنجزي" ~~بالنون، وقرأ الآخرون بالياء، أي ليجزي الله، وقرأ أبو جعفر "ليجزى" بضم ~~الياء الأولى وسكون الثانية وفتح الزاي، قال أبو عمرو: وهو لحن، قال ~~الكسائي: معناه ليجزي الجزاء قوما، {بما كانوا يكسبون} . ### || # {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون (15) ولقد ~~آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على ~~العالمين (16) وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ~~(17) ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ~~(18) } # {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون ولقد آتينا بني ~~إسرائيل الكتاب} التوراة، {والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات} الحلالات، ~~يعني 122/أالمن والسلوى، {وفضلناهم على العالمين} أي عالمي زمانهم، قال ابن ~~عباس لم يكن أحد من العالمين في زمانهم أكرم على الله ولا أحب إليه منهم. # {وآتيناهم بينات من الأمر} يعني العلم بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وما ~~بين لهم من أمره، {فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ~~ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} . # {ثم جعلناك} [يا محمد] (4) {على شريعة} سنة وطريقة بعد موسى، {من الأمر} ~~من الدين، {فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} يعني ms2317 مراد الكافرين، ~~وذلك أنهم كانوا PageV07P243 # يقولون له: ارجع إلى دين آبائك، فإنهم كانوا أفضل منك، فقال جل ذكره: ### || # {إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا} . # {إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ~~ولي المتقين (19) هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (20) أم حسب ~~الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ساء ما يحكمون (21) وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس ~~بما كسبت وهم لا يظلمون (22) } # {إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا} [لن يدفعوا عنك من عذاب الله شيئا] (1) ~~إن اتبعت أهواءهم، {وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين} . # {هذا} يعني القرآن، {بصائر للناس} [معالم للناس] (2) في الحدود والأحكام ~~يبصرون بها، {وهدى ورحمة لقوم يوقنون} . # {أم حسب} [بل حسب] (3) {الذين اجترحوا السيئات} اكتسبوا المعاصي والكفر ~~{أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} نزلت في نفر من مشركي مكة، قالوا ~~للمؤمنين: لئن كان ما تقولون حقا لنفضلن عليكم في الآخرة كما فضلنا عليكم ~~في الدنيا (4) . {سواء محياهم} قرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب: "سواء" ~~بالنصب، أي: نجعلهم سواء، يعني: أحسبوا أن حياة الكافرين {ومماتهم} كحياة ~~المؤمنين وموتهم سواء كلا وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء والخبر أي ~~محياهم ومماتهم سواء فالضمير فيهما يرجع إلى المؤمنين والكافرين جميعا، ~~معناه: المؤمن مؤمن محياه ومماته أي في الدنيا والآخرة، والكافر كافر في ~~الدنيا والآخرة، {ساء ما يحكمون} بئس ما يقضون، قال مسروق: قال لي رجل من ~~أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو كاد ~~أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد ويبكي (5) . "أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات" الآية. # {وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون} ~~. PageV07P244 ### || # {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) وقالوا ما هي ms2318 إلا ~~حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يظنون (24) } # {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} قال ابن عباس والحسن وقتادة: ذلك الكافر اتخذ ~~دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئا إلا ركبه لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه، ولا ~~يحرم ما حرم الله. وقال آخرون: معناه اتخذ معبوده هواه فيعبد ما تهواه ~~نفسه. # قال سعيد بن جبير: كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة، فإذا وجدوا ~~شيئا أحسن من الأول رموه أو كسروه، وعبدوا الآخر (1) . # قال الشعبي: إنما سمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه في النار (2) . # {وأضله الله على علم} منه بعاقبة أمره، وقيل على ما سبق في علمه أنه ضال ~~قبل أن يخلقه، {وختم} طبع، {على سمعه} فلم يسمع الهدى، {وقلبه} فلم يعقل ~~الهدى، {وجعل على بصره غشاوة} قرأ حمزة والكسائي "غشوة" بفتح الغين وسكون ~~الشين، والباقون "غشاوة" ظلمة فهو لا يبصر الهدى، {فمن يهديه من بعد الله} ~~[أي فمن يهديه] (3) بعد أن أضله الله، {أفلا تذكرون} . # {وقالوا} يعني منكري البعث، {ما هي إلا حياتنا الدنيا} أي ما الحياة إلا ~~حياتنا الدنيا، {نموت ونحيا} أي يموت الآباء ويحيا الأبناء، وقال الزجاج: ~~يعني نموت ونحيا، فالواو للاجتماع، {وما يهلكنا إلا الدهر} أي وما يفنينا ~~إلا مر الزمان وطول العمر واختلاف الليل والنهار. {وما لهم بذلك} الذي ~~قالوه، {من علم} أي لم يقولوه عن علم [علموه] (4) {إن هم إلا يظنون} . # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد محمش ~~الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أبو الحسن أحمد بن ~~يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه، حدثنا أبو ~~هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله ~~تعالى: لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أرسل الليل والنهار، ~~فإذا شئت قبضتهما" (5) . PageV07P245 # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، حدثنا جدي عبد الصمد بن عبد ~~الرحمن ms2319 البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ~~الدبري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب عن ابن سيرين، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يسب أحدكم ~~الدهر [فإن الله هو الدهر] (1) ، ولا يقولن للعنب الكرم، فإن الكرم هو ~~الرجل المسلم" (2) . # ومعنى الحديث: أن العرب كان من شأنهم ذم الدهر، وسبه عند النوازل، لأنهم ~~كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع ~~الدهر، وأبادهم الدهر، كما أخبر الله تعالى عنهم: "وما يهلكنا إلا الدهر" ~~فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها، فكان مرجع سبهم ~~إلى الله عز وجل، إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر، ~~[فنهوا عن سب الدهر] (3) . ### || # {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا ~~إن كنتم صادقين (25) قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة ~~لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (26) ولله ملك السماوات والأرض ويوم ~~تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون (27) وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى ~~كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون (28) } # {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا ~~إن كنتم صادقين قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة} [أي ~~ليوم القيامة] (4) ، {لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون} . {ولله ملك ~~السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون} يعني الكافرين ~~الذين هم أصحاب الأباطيل، يظهر في ذلك اليوم خسرانهم بأن يصيروا إلى النار. # {وترى كل أمة جاثية} باركة على الركب، وهي جلسة المخاصم بين يدي الحاكم ~~ينتظر القضاء. # قال سلمان الفارسي: إن في القيامة ساعة هي عشر سنين، يخر الناس فيها جثاة ~~على ركبهم PageV07P246 # حتى إبراهيم عليه السلام ينادي ربه: لا أسألك إلا نفسي (1) . # {كل أمة تدعى إلى كتابها} الذي فيه أعمالها، وقرأ يعقوب "كل أمة" نصب، ~~ويقال لهم: {اليوم تجزون ما كنتم تعملون} ms2320 . ### || # {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين ~~(30) وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما ~~مجرمين (31) وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما ~~الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (32) } # {هذا كتابنا} يعني ديوان الحفظة، {ينطق عليكم بالحق} يشهد عليكم ببيان ~~شاف، فكأنه ينطق 122/ب وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. {إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون} أي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم أي بكتبها وإثباتها ~~عليكم. # وقيل: "نستنسخ" أي نأخذ نسخته، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان، ~~فيثبت الله منه ما كان له فيه ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو نحو قولهم: ~~هلم واذهب. # وقيل: الاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال ~~بني آدم، والاستنساخ لا يكون إلا من أصل، فينسخ كتاب من كتاب. # وقال الضحاك: نستنسخ أي نثبت. وقال السدي: نكتب. وقال الحسن: نحفظ. # {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز ~~المبين} [الظفر] (2) الظاهر. # {وأما الذين كفروا} يقال لهم، {أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم ~~وكنتم قوما مجرمين} متكبرين كافرين. # {وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها} قرأ حمزة: "والساعة" نصب ~~عطفها على الوعد، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء، {قلتم ما ندري ما ~~الساعة إن نظن إلا ظنا} أي ما نعلم ذلك إلا حدسا وتوهما. {وما نحن ~~بمستيقنين} أنها كائنة. PageV07P247 ### || # {وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (33) وقيل اليوم ~~ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (34) ~~ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون ~~منها ولا هم يستعتبون (35) فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين ~~(36) وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (37) } # {وبدا لهم} [في الآخرة] (1) {سيئات ما عملوا} في الدنيا أي جزاؤها {وحاق ms2321 ~~بهم ما كانوا به يستهزئون} . # {وقيل اليوم ننساكم} نترككم في النار، {كما نسيتم لقاء يومكم هذا} تركتم ~~الإيمان والعمل للقاء هذا اليوم، {ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} . ~~{ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا} حتى قلتم: لا بعث ~~ولا حساب، {فاليوم لا يخرجون منها} قرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وضم ~~الراء، وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الراء، {ولا هم يستعتبون} لا يطلب منهم ~~أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأنه لا يقبل ذلك اليوم عذرا ولا توبة. # {فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين وله الكبرياء} العظمة، ~~{في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم} . # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، حدثنا السيد أبو الحسن ~~محمد بن الحسين العلوي، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الشرقي، ~~حدثنا أحمد بن حفص وعبد الله بن محمد الفراء وقطن بن إبراهيم قالوا، أخبرنا ~~حفص بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن الأغر أبي ~~مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"يقول الله عز وجل: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحد ~~منهما أدخلته النار" (2) . PageV07P248 ### | سورة الأحقاف # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون (3) ~~قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4) ومن ~~أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم ~~غافلون (5) } # {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السموات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق وأجل مسمى} ، يعني يوم القيامة، وهو الأجل الذي تنتهي ~~إليه السموات والأرض، وهو إشارة إلى فنائهما، {والذين كفروا عما أنذروا} ~~خوفوا به في القرآن من البعث والحساب، {معرضون} . # {قل ms2322 أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك ~~في السموات ائتوني بكتاب من قبل هذا} أي بكتاب جاءكم من الله قبل القرآن ~~فيه بيان ما تقولون، {أو أثارة من علم} قال الكلبي: أي بقية من علم يؤثر عن ~~الأولين، أي يسند إليهم. قال مجاهد وعكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء. وقال ~~قتادة: خاصة من علم. وأصل الكلمة من الأثر وهو الرواية، يقال: أثرت الحديث ~~أثرا وأثارة، ومنه قيل للخبر: أثر. {إن كنتم صادقين} . # {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له} يعني الأصنام لا تجيب ~~عابديها PageV07P249 # إلى شيء يسألونها، {إلى يوم القيامة} أبدا ما دامت الدنيا، {وهم عن ~~دعائهم غافلون} لأنها جماد لا تسمع ولا تفهم. # PageV07P252 ### || # {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين (6) وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين (7) أم ~~يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما ~~تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (8) قل ما كنت بدعا ~~من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا ~~نذير مبين (9) } # {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} جاحدين، بيانه ~~قوله: "تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون" (القصص-63) . # {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر ~~مبين} يسمون القرآن سحرا. # {أم يقولون افتراه} محمد من قبل نفسه، فقال الله عز وجل: {قل إن افتريته ~~فلا تملكون لي من الله شيئا} لا تقدرون أن تردوا عني عذابه إن عذبني على ~~افترائي، فكيف أفتري على الله من أجلكم، {هو أعلم بما تفيضون فيه} تخوضون ~~فيه من التكذيب بالقرآن والقول فيه إنه سحر. {كفى به شهيدا بيني وبينكم} أن ~~القرآن جاء من عنده، {وهو الغفور الرحيم} في تأخير العذاب عنكم، قال ~~الزجاج: هذا دعاء لهم إلى التوبة، معناه: إن الله عز ms2323 وجل غفور لمن تاب منكم ~~رحيم به. # {قل ما كنت بدعا من الرسل} أي بديعا، مثل: نصف ونصيف، وجمع البدع أبداع، ~~لست بأول مرسل، قد بعث قبلي كثير من الأنبياء، فكيف تنكرون نبوتي. {وما ~~أدري ما يفعل بي ولا بكم} اختلف العلماء في معنى هذه الآية: # فقال بعضهم: معناه ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة، فلما نزلت ~~هذه الآية فرح المشركون، فقالوا: واللات والعزى ما أمرنا وأمر محمد عند ~~الله إلا واحد، وما له علينا من مزية وفضل، ولولا أنه ابتدع ما يقوله من ~~ذات نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به، فأنزل الله: "ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر"، (الفتح-2) فقالت الصحابة: هنيئا لك يا نبي الله قد ~~علمنا ما يفعل # PageV07P252 # بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: "ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات" ~~الآية، (الفتح-5) وأنزل: "وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا" ~~(الأحزاب-47) فبين الله تعالى ما يفعل به وبهم. وهذا قول أنس وقتادة والحسن ~~وعكرمة، قالوا: إنما قال هذا قبل أن يخبر 123/أبغفران ذنبه [وإنما أخبر ~~بغفران ذنبه] (1) عام الحديبية، فنسخ ذلك (2) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد ~~الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور ~~الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن خارجة بن زيد قال: ~~كانت أم العلاء الأنصارية تقول: لما قدم المهاجرون المدينة اقترعت الأنصار ~~على سكنتهم، قالت [فطار لنا] (3) عثمان بن مظعون في السكنى، فمرض فمرضناه، ~~ثم توفي فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل فقلت: رحمة الله عليك أبا ~~السائب فشهادتي قد أكرمك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك ~~أن الله قد أكرمه"؟ فقلت: لا والله لا أدري، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "أما هو فقد أتاه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير والله ما أدري ~~وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم" قالت: فوالله ms2324 لا أزكي بعده أحدا أبدا، ~~قالت: ثم رأيت لعثمان بعد في النوم عينا تجري فقصصتها على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: "ذاك عمله" (4) . # وقال جماعة: قوله "وما أدري ما يفعل بي ولا بكم" في الدنيا، أما في ~~الآخرة فقد علم أنه في الجنة، وأن من كذبه فهو في النار، ثم اختلفوا فيه: # قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم وهو بمكة أرضا ~~ذات سباخ ونخل رفعت له، يهاجر إليها، فقال له أصحابه متى تهاجر إلى الأرض ~~التي أريت؟ فسكت، فأنزل الله تعالى هذه الآية: "وما أدري ما يفعل بي ولا ~~بكم"، أأترك في مكاني أم أخرج وإياكم إلى الأرض التي رفعت لي (5) ؟. # وقال بعضهم: "وما أدري ما يفعل بي ولا بكم" إلى ماذا يصير أمري وأمركم في ~~الدنيا، بأن أقيم معكم في مكانكم أم أخرج كما أخرجت الأنبياء من قبلي، أم ~~أقتل كما قتل الأنبياء، من قبلي وأنتم أيها المصدقون لا أدري PageV07P253 # تخرجون معي أم تتركون، أم ماذا يفعل بكم، [وأنتم] (1) أيها المكذبون، ~~أترمون بالحجارة من السماء أم يخسف بكم، أم أي شيء يفعل بكم، مما فعل ~~بالأمم المكذبة؟. # ثم أخبر الله عز وجل أنه يظهر دينه على الأديان، فقال: "هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله"، (الصف-9) وقال في أمته: ~~"وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" ~~(الأنفال-33) ، فأخبر الله ما يصنع به وبأمته، هذا قول السدي. # {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي ما أتبع إلا القرآن، ولا أبتدع من عندي ~~شيئا، {وما أنا إلا نذير مبين} . ### || # {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على ~~مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (10) } # {قل أرأيتم} معناه: أخبروني ماذا تقولون، {إن كان} يعني القرآن، {من عند ~~الله وكفرتم به} أيها المشركون، ms2325 {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} ~~المثل: صلة، يعني: عليه، أي على أنه من عند الله {فآمن} يعني الشاهد، ~~{واستكبرتم} عن الإيمان به، وجواب قوله: "إن كان من عند الله" محذوف، على ~~تقدير: أليس قد ظلمتم؟ يدل على هذا المحذوف قوله: {إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين} وقال الحسن: جوابه: فمن أضل منكم، كما قال في سورة السجدة. # واختلفوا في هذا الشاهد، قال قتادة والضحاك: هو عبد الله بن سلام، شهد ~~على نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم وآمن به، واستكبر اليهود فلم يؤمنوا. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن منير سمع عبد الله ~~بن بكير، حدثنا حميد، عن أنس قال: "سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام ~~أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني بهن جبريل ~~آنفا، قال: جبريل؟ قال: نعم، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه ~~الآية: "قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله" (البقرة-97) ~~، فأما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول ~~طعام يأكله أهل الجنة PageV07P254 # فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ~~ماء المرأة نزعت، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، [يا رسول ~~الله] (1) إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم ~~يبهتوني، فجاءت اليهود فقال: أي رجل عبد الله فيكم؟ قالوا خيرنا وابن ~~خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ~~أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، ms2326 فانتقصوه، قال: هذا الذي كنت ~~أخاف يا رسول الله" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن يوسف قال: سمعت ~~مالكا يحدث عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عامر بن سعد بن أبي ~~وقاص، عن أبيه قال: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على ~~وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزلت هذه الآية: ~~"وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله". قال: لا أدري قال مالك الآية أو في ~~الحديث (3) . # وقال الآخرون: الشاهد هو موسى بن عمران (4) . # وقال الشعبي: قال مسروق في هذه الآية: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام ~~لأن ال حم نزلت بمكة، وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة، ونزلت هذه ~~الآية في محاجة كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه، ومثل القرآن ~~التوراة فشهد موسى على التوراة ومحمد صلى الله عليه وسلم على الفرقان، وكل ~~واحد يصدق الآخر (5) . # وقيل: هو نبي من بني إسرائيل فآمن واستكبرتم فلم تؤمنوا {إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين} . PageV07P255 ### || # {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا ~~به فسيقولون هذا إفك قديم (11) ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب ~~مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين (12) إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (13) أولئك أصحاب الجنة ~~خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون (14) } # {وقال الذين كفروا} من اليهود، {للذين آمنوا لو كان} [دين محمد صلى الله ~~عليه وسلم] (1) {خيرا ما سبقونا إليه} يعني عبد الله بن سلام وأصحابه. # وقال قتادة: نزلت في مشركي مكة، قالوا: لو كان ما يدعونا إليه محمد خيرا ~~ما سبقنا إليه فلان وفلان (2) . # وقال الكلبي: الذين كفروا: أسد وغطفان، قالوا للذين آمنوا يعني: جهينة ~~ومزينة: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا ms2327 إليه رعاء البهم (3) . # قال الله تعالى: {وإذ لم يهتدوا به} يعني بالقرآن كما اهتدى به أهل ~~الإيمان {فسيقولون هذا إفك قديم} كما قالوا أساطير الأولين. 123/أ # {ومن قبله} أي ومن قبل القرآن، {كتاب موسى} يعني التوراة، {إماما} يقتدى ~~به، {ورحمة} من الله لمن آمن به، ونصبا على الحال عن الكسائي، وقال أبو ~~عبيدة: فيه إضمار، أي جعلناه إماما ورحمة، وفي الكلام محذوف، تقديره: ~~وتقدمه كتاب موسى إماما ولم يهتدوا به، كما قال في الآية الأولى: "وإذ لم ~~يهتدوا به". # {وهذا كتاب مصدق} أي القرآن مصدق للكتب التي قبله، {لسانا عربيا} نصب على ~~الحال، وقيل بلسان عربي، {لينذر الذين ظلموا} يعني مشركي مكة، قرأ أهل ~~الحجاز والشام ويعقوب: "لتنذر" بالتاء على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقرأ الآخرون بالياء يعني الكتاب، {وبشرى للمحسنين} "وبشرى" في محل الرفع، ~~أي هذا كتاب مصدق وبشرى. # {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون} . PageV07P256 ### || # {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك ~~التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت ~~إليك وإني من المسلمين (15) أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز ~~عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16) والذي قال ~~لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان ~~الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين (17) } # قوله عز وجل: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} قرأ أهل الكوفة: "إحسانا" ~~[كقوله تعالى: "وبالوالدين إحسانا" (البقرة-83) ] (1) {حملته أمه كرها ~~ووضعته كرها} يريد شدة الطلق. قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو "كرها" بفتح الكاف ~~فيهما، وقرأ الآخرون بضمهما. {وحمله وفصاله} فطامه، وقرأ يعقوب: "وفصله" ~~بغير ألف، {ثلاثون شهرا} يريد أقل مدة الحمل، وهي ستة أشهر، وأكثر مدة ms2328 ~~الرضاع أربعة وعشرون شهرا. # وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إذا حملت المرأة تسعة أشهر ~~أرضعت إحدى وعشرين شهرا، وإذا حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا (2) ~~{حتى إذا بلغ أشده} نهاية قوته، وغاية شبابه واستوائه، وهو ما بين ثماني ~~عشرة سنة إلى أربعين سنة، فذلك قوله: {وبلغ أربعين سنة} . # وقال السدي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقد مضت القصة. (3) # وقال الآخرون: نزلت في أبي بكر الصديق وأبيه أبي قحافة عثمان بن عمرو، ~~وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو. # قال علي بن أبي طالب: الآية نزلت في أبي بكر، أسلم أبواه جميعا، ولم ~~يجتمع لأحد من المهاجرين أبواه غيره، أوصاه الله بهما، ولزم ذلك من بعده ~~(4) . # وكان أبو بكر صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة، في تجارة إلى الشام، فلما بلغ ~~أربعين سنة ونبيء النبي صلى الله عليه وسلم آمن به ودعا ربه (5) ف {قال رب ~~أوزعني} PageV07P257 # ألهمني، {أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي} بالهداية والإيمان، ~~{وأن أعمل صالحا ترضاه} قال ابن عباس: وأجابه الله عز وجل، فأعتق تسعة من ~~المؤمنين يعذبون في الله ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه، ودعا ~~أيضا فقال: {وأصلح لي في ذريتي} فأجابه الله، فلم يكن له ولد إلا آمنوا ~~جميعا، فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعا، فأدرك أبو قحافة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وابنه أبو بكر وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وابن عبد ~~الرحمن أبو عتيق كلهم أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ذلك لأحد ~~من الصحابة (1) . قوله: {إني تبت إليك وإني من المسلمين} . # {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا} يعني أعمالهم الصالحة التي ~~عملوها في الدنيا، وكلها حسن، و"الأحسن" بمعنى الحسن، فيثيبهم عليها، ~~{ونتجاوز عن سيئاتهم} فلا نعاقبهم عليها، قرأ حمزة والكسائي وحفص "نتقبل" ~~"ونتجاوز" بالنون، "أحسن" نصب، وقرأ الآخرون بالياء، وضمها "أحسن" رفع. ms2329 {في ~~أصحاب الجنة} مع أصحاب الجنة، {وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} وهو قوله عز ~~وجل: "وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار" ~~(التوبة-72) . # {والذي قال لوالديه} إذ دعواه إلى الإيمان بالله والإقرار بالبعث، {أف ~~لكما} وهي كلمة كراهية، {أتعدانني أن أخرج} من قبري حيا، {وقد خلت القرون ~~من قبلي} فلم يبعث منهم أحد، {وهما يستغيثان الله} يستصرخان ويستغيثان الله ~~عليه، ويقولان له: {ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا} ما هذا الذي ~~تدعواني إليه، {إلا أساطير الأولين} قال ابن عباس والسدي، ومجاهد: نزلت في ~~عبد الله (2) . PageV07P258 # وقيل: في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، كان أبواه يدعوانه إلى ~~الإسلام وهو يأبى، ويقول: أحيوا لي عبد الله بن جدعان وعامر بن كعب ومشايخ ~~قريش حتى أسألهم عما تقولون (1) . # وأنكرت عائشة رضي الله عنها أن يكون هذا في عبد الرحمن بن أبي بكر (2) . # والصحيح أنها نزلت في كافر عاق لوالديه، قاله الحسن وقتادة. # وقال الزجاج: قول من قال إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، ~~يبطله قوله: ### || # {أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم ~~كانوا خاسرين (18) ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ~~(19) } # {أولئك الذين حق عليهم القول} الآية، أعلم الله تعالى أن هؤلاء قد حقت ~~عليهم كلمة العذاب، وعبد الرحمن مؤمن من أفاضل المسلمين فلا يكون ممن حقت ~~عليه كلمة العذاب. # ومعنى "أولئك الذين حق عليهم القول": وجب عليهم العذاب، {في أمم} [مع ~~أمم] (3) {قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} . # {ولكل درجات مما عملوا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد من سبق إلى ~~الإسلام، فهو أفضل ممن تخلف عنه 124/أولو بساعة. وقال مقاتل: ولكل فضائل ~~بأعمالهم فيوفيهم الله جزاء أعمالهم. # وقيل: "ولكل": يعني ولكل واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين "درجات" ~~منازل ومراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم، فيجازيهم عليها. # قال ابن زيد في هذه الآية: درج أهل النار ms2330 تذهب سفلا ودرج أهل الجنة تذهب ~~علوا (4) . # {وليوفيهم} قرأ ابن كثير، وأهل البصرة، وعاصم: بالياء، وقرأ الباقون ~~بالنون. {أعمالهم وهم لا يظلمون} . PageV07P259 ### || # {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير ~~الحق وبما كنتم تفسقون (20) } # {ويوم يعرض الذين كفروا على النار} فيقال لهم: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا} قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب: "أأذهبتم"، ~~بالاستفهام ويهمز ابن عامر همزتين، والآخرون بلا استفهام على الخبر، ~~وكلاهما فصيحان، لأن العرب تستفهم بالتوبيخ، وترك الاستفهام فتقول: أذهبت ~~ففعلت كذا؟ {واستمتعتم بها} يقول: أذهبتم طيباتكم يعني اللذات وتمتعتم بها؟ ~~{فاليوم تجزون عذاب الهون} أي العذاب الذي فيه ذل وخزي، {بما كنتم ~~تستكبرون} [تتكبرون] (1) {في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون} فلما وبخ ~~الله الكافرين بالتمتع بالطيبات في الدنيا آثر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه والصالحون اجتناب اللذات في الدنيا رجاء ثواب الآخرة. # وروينا عن عمر قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مضطجع ~~على رمال حصير قد أثر الرمال بجنبه، فقلت: يا رسول الله ادع الله فليوسع ~~على أمتك فإن فارس والروم قد وسع عليهم وهم لا يعبدون الله، فقال: "أولئك ~~قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا" (2) . # أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي ~~بن أحمد الخزاعي، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى الترمذي، ~~ثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن ~~أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يحدث، عن الأسود بن يزيد عن عائشة ~~رضي الله عنها أنها قالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز الشعير ~~يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا ~~إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن المنصور الرمادي، حدثنا عبد ms2331 الرزاق، ~~حدثنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لقد ~~كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا وما هو PageV07P260 # إلا الماء والتمر، غير أن جزى الله نساء من الأنصار خيرا، كن ربما أهدين ~~لنا شيئا من اللبن (1) . # أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، ~~أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا عبد الله بن معاوية ~~الجمحي، حدثنا ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب عن عكرمة، عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة ~~طاويا، وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير (2) . # أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، ~~أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، ~~حدثنا روح بن أسلم، حدثنا أبو حاتم البصري، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ~~ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد أخفت في الله وما ~~يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين ~~ليلة ويوم ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال" (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، [حدثنا محمد بن إسماعيل] (4) حدثنا يوسف بن عيسى، حدثنا ابن ~~فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة أنه قال: لقد رأيت سبعين من ~~أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في ~~أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده ~~كراهية أن ترى عورته (5) . # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني، حدثنا أبو طاهر ~~محمد بن الحارث، حدثنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله ~~بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن مبارك، عن ~~شعبة بن الحجاج، ms2332 عن سعد بن إبراهيم، [عن أبيه إبراهيم] (6) أن عبد الرحمن ~~بن عوف أتي بطعام وكان صائما، فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني فكفن ~~PageV07P261 # في بردة إن غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطي بها رجلاه بدا رأسه، قال: ~~وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني، فلم يوجد ما يكفن فيه إلا بردة، ثم بسط ~~لنا من الدنيا ما بسط، أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا وقد خشينا أن ~~تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام (1) . # وقال جابر بن عبد الله: رأى عمر بن الخطاب لحما معلقا في يدي، فقال: ما ~~هذا يا جابر؟ قلت: اشتهيت لحما فاشتريته، فقال عمر: أو كلما اشتهيت شيئا يا ~~جابر اشتريت، أما تخاف هذه الآية: "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا" (2) . ~~PageV07P262 ### || # {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن ~~خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) قالوا أجئتنا ~~لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (22) } # قوله عز وجل: {واذكر أخا عاد} يعني هودا عليه السلام، {إذ أنذر قومه ~~بالأحقاف} قال ابن عباس: "الأحقاف": واد بين عمان ومهرة. # وقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له: "مهرة" ~~وإليها تنسب الإبل المهرية، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا هاج العود ~~رجعوا إلى منازلهم، وكانوا من قبيلة إرم. # قال قتادة: ذكر لنا أن عادا كانوا أحياء باليمن، وكانوا أهل رمل مشرفين ~~على البحر بأرض يقال لها: "الشحر". و"الأحقاف" جمع حقف، وهي المستطيل ~~المعوج من الرمال. قال ابن زيد: هي ما استطال من الرمل كهيئة الجبل ولم ~~يبلغ أن 124/ب يكون جبلا قال الكسائي: هي ما استدار من الرمل. # {وقد خلت النذر} مضت الرسل، {من بين يديه} أي من قبل هود، {ومن خلفه} إلى ~~قومهم، {ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} . # {قالوا أجئتنا لتأفكنا} [لتصرفنا] (1) {عن آلهتنا} أي عن عبادتها، {فأتنا ~~بما تعدنا} ms2333 [من العذاب] (2) {إن كنت من الصادقين} أن العذاب نازل بنا. ~~PageV07P262 ### || # {قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون ~~(23) فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما ~~استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (24) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى ~~إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين (25) } # {قال} هود، {إنما العلم عند الله} وهو يعلم متى يأتيكم العذاب {وأبلغكم ~~ما أرسلت به} من الوحي، {ولكني أراكم قوما تجهلون} . # {فلما رأوه} يعني ما يوعدون به من العذاب، {عارضا} سحابا يعرض أي يبدو في ~~ناحية من السماء ثم يطبق السماء، {مستقبل أوديتهم} فخرجت عليهم سحابة سوداء ~~من واد لهم يقال له: "المغيث" وكانوا قد حبس عنهم المطر، فلما رأوها ~~استبشروا، {قالوا هذا عارض ممطرنا} يقول الله تعالى: {بل هو ما استعجلتم به ~~ريح فيها عذاب أليم} فجعلت الريح تحمل الفسطاط وتحمل الظعينة حتى ترى كأنها ~~جرادة. # {تدمر كل شيء} مرت به من رجال عاد وأموالها، [ {بأمر ربها} ] (1) فأول ما ~~عرفوا أنها عذاب رأوا ما كان خارجا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم ~~الريح بين السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم فجاءت الريح فقلعت ~~أبوابهم وصرعتهم، وأمر الله الريح فأمالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمل ~~سبع ليال وثمانية أيام، لهم أنين، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال ~~فاحتملتهم فرمت بهم في البحر. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو نعيم عبد الملك ~~بن الحسن الإسفراييني، أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، أخبرنا ~~يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، أخبرنا النضر. حدثه عن ~~سليمان بن يسار، عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه بياض لهواته، وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك ~~في وجهه، فقلت: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن يكون ~~فيه المطر، وإذا رأيته عرف في وجهك الكراهية، فقال: "يا ms2334 عائشة ما يؤمنني أن ~~يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: "هذا عارض ~~ممطرنا"، الآية (2) . # {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} قرأ عاصم، وحمزة، ويعقوب: "يرى" بضم الياء ~~"مساكنهم" برفع النون يعني: لا يرى شيء إلا مساكنهم، وقرأ الآخرون بالتاء ~~وفتحها، "مساكنهم" PageV07P263 # نصب يعني لا ترى أنت يا محمد إلا مساكنهم لأن السكان والأنعام بادت ~~بالريح، فلم يبق إلا هود ومن آمن معه. {كذلك نجزي القوم المجرمين} . ### || # {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما ~~أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات ~~الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (26) ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى ~~وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون (27) فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون (28) } # {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه} يعني فيما لم نمكنكم فيه من قوة ~~الأبدان وطول العمر وكثرة المال. # قال المبرد: "ما" في قوله "فيما" بمنزلة الذي، و"إن" بمنزلة ما، وتقديره: ~~ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه. {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما ~~أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات ~~الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} . # {ولقد أهلكنا ما حولكم} يا أهل مكة، {من القرى} كحجر ثمود وأرض سدوم ~~ونحوهما، {وصرفنا الآيات} الحجج والبينات، {لعلهم يرجعون} عن كفرهم فلم ~~يرجعوا، فأهلكناهم، يخوف مشركي مكة. # {فلولا} فهلا {نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة} يعني ~~الأوثان، اتخذوها آلهة يتقربون بها إلى الله عز وجل، "القربان": كل ما ~~يتقرب به إلى الله عز وجل، وجمعه: "قرابين"، كالرهبان والرهابين. # {بل ضلوا عنهم} قال مقاتل: بل ضلت الآلهة عنهم فلم تنفعهم عند نزول ~~العذاب بهم، {وذلك إفكهم} أي كذبهم الذي كانوا يقولون إنها تقربهم إلى الله ~~عز وجل وتشفع لهم، {وما كانوا يفترون} يكذبون أنها آلهة. # PageV07P264 # قوله عز وجل: ### || # {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون ms2335 القرآن فلما حضروه ~~قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (29) } # {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} الآية، قال المفسرون: لما ~~مات أبو طالب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده إلى الطائف يلتمس من ~~ثقيف النصر والمنعة له من قومه، فروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد، عن ~~محمد بن كعب القرظي قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الطائف إلى نفر من ثقيف، وهم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: ~~عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو [عمرو بن] (1) عمير، وعند أحدهم امرأة من ~~قريش من بني جمح، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم له من نصرته ~~على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه. # فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة، إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: ما ~~وجد الله أحدا يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله ما أكلمك كلمة أبدا، لئن كنت ~~رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت ~~تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلمك. # فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف، وقال ~~لهم: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي [سري] (2) ، وكره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يبلغ قومه فيزيدهم عليه ذلك، فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم ~~وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس، وألجأوه إلى حائط لعتبة ~~وشيبة ابني ربيعة، وهما فيه فرجع عنه سفهاء ثقيف ومن كان تبعه، فعمد إلى ظل ~~حبلة من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء ~~ثقيف، ولقد لقي رسول الله 125/أصلى الله عليه وسلم تلك المرأة التي من بني ~~جمح، فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟ # فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم إني أشكو إليك ضعف ~~قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، أنت رب ~~المستضعفين، وأنت ربي، إلى من ms2336 تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته ~~أمري؟، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور ~~وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي ~~غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك". # فلما رأى ابنا ربيعة ما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا ~~يقال له: عداس، فقالا له: خذ قطفا من العنب وضعه في ذلك الطبق ثم اذهب به ~~إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل PageV07P265 # منه، ففعل ذلك عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده قال: بسم الله، ثم ~~أكل فنظر عداس إلى وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه ~~البلدة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أي البلاد أنت يا عداس؟ ~~وما دينك؟ قال: أنا نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى، فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ قال له: وما يدريك ما ~~يونس بن متى؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أخي كان نبيا وأنا ~~نبي فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل رأسه ويديه وقدميه. # قال: فيقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما ~~جاءهم عداس قالا له: ويلك يا عداس مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ ~~قال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا ~~نبي، فقالا ويحك يا عداس لا يصرفك عن دينك فإن دينك خير من دينه. # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة حين ~~يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي فمر به نفر من ~~جن أهل نصيبين اليمن، ms2337 فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم ~~منذرين، قد آمنوا وأجابوا لما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه، فقال: "وإذ ~~صرفنا إليك نفرا من الجن " (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن أبي ~~بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في ~~طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر ~~السماء، فأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ ~~قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال ~~بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ~~ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو ~~تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة، عامدين إلى سوق عكاظ وهو ~~يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله ~~الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا ~~"إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا" ~~(الجن-2) ، PageV07P266 # فأنزل الله على نبيه: "قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن"، (الجن-1) ~~وإنما أوحى إليه قول الجن (1) . # وروي: أنهم لما رجعوا بالشهب بعث إبليس سراياه لتعرف الخبر، وكان أول بعث ~~بعث ركبا من أهل نصيبين، وهم أشراف الجن وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة. # وقال أبو حمزة [الثمالي] (2) : بلغنا أنهم من الشيصبان وهم أكثر الجن ~~عددا، وهم عامة جنود إبليس، فلما رجعوا قالوا: "إنا سمعنا قرآنا عجبا". # وقال جماعة: بل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينذر الجن ويدعوهم ~~إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن، فصرف إليه نفرا من الجن من أهل نينوى، ~~وجمعهم له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أمرت أن أقرأ على الجن ~~الليلة، فأيكم يتبعني؟ فأطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة ms2338 ~~فأطرقوا، فاتبعه عبد الله بن مسعود، قال عبد الله: ولم يحضر معه أحد غيري، ~~فانطلقنا حتى إذا كنا على مكة دخل نبي الله صلى الله عليه وسلم شعبا يقال ~~له: شعب الحجون، وخط لي خطا ثم أمرني أن أجلس فيه، وقال: لا تخرج منه حتى ~~أعود إليك، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النسور تهوي، ~~وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم، وغشيته أسودة ~~كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ~~ذاهبين، ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر، فانطلق إلي وقال: ~~أنمت؟ فقلت: لا والله يا رسول الله، وقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى ~~سمعتك تقرعهم بعصاك، تقول: اجلسوا، قال: لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك ~~بعضهم، ثم قال: هل رأيت شيئا؟ قلت نعم يا رسول الله رأيت رجالا سودا ~~مستثفري ثياب بيض، قال: أولئك جن نصيبين سألوني المتاع -والمتاع الزاد- ~~فمتعتهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة. # قال: فقالوا: يا رسول الله تقذرها الناس، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يستنجى بالعظم والروث. # قال: فقلت: يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم؟ قال: إنهم لا يجدون عظما إلا ~~وجدوا عليه لحمه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، قال ~~فقلت: يا رسول 125/ب الله سمعت لغطا شديدا؟ فقال: إن الجن تدارأت في قتيل ~~قتل بينهم فتحاكموا إلي فقضيت بينهم بالحق، قال: ثم تبرز رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم أتاني، فقال: هل معك ماء؟ قلت: يا رسول الله معي إداوة ~~فيها شيء من نبيذ التمر، فاستدعاه فصببت على يده فتوضأ وقال: "تمرة طيبة ~~وماء طهور" (3) . PageV07P267 # قال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود لما قدم الكوفة رأى شيوخا شمطا من الزط ~~فأفزعوه حين رآهم، فقال: اظهروا، فقيل له: إن هؤلاء قوم من الزط، فقال: ما ~~أشبههم بالنفر الذين صرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ، يريد ms2339 ~~الجن. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغفار بن محمد، حدثنا محمد بن ~~عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود وهو ابن أبي هند، عن ~~عامر قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليلة الجن؟ قال فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا ولكنا كنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، ~~فقلنا: استطير أو اغتيل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا ~~هو جاء من قبل حراء، قال فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، ~~فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم ~~القرآن. # قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. # قال وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم ~~أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم من الجن". (2) . # ورواه مسلم عن علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بهذا ~~الإسناد إلى قوله: "وآثار نيرانهم" (3) . # قال الشعبي: وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة إلى آخر الحديث من قول ~~الشعبي مفصلا من حديث عبد الله. (4) # قوله عز وجل: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} اختلفوا في ~~عدد ذلك PageV07P268 # النفر، فقال ابن عباس: كانوا سبعة من جن نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم. وقال آخرون: كانوا تسعة (1) . وروى عاصم عن ~~زر بن حبيش: كان زوبعة من التسعة الذين استمعوا القرآن. {فلما حضروه قالوا ~~أنصتوا} قالوا: صه (2) . # وروي في الحديث: "أن الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون بها في ~~الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون" (3) . # فلما حضروه قال ms2340 بعضهم لبعض: أنصتوا واسكتوا لنستمع إلى قراءته، فلا يحول ~~بيننا وبين الاستماع شيء، فأنصتوا واستمعوا القرآن حتى كاد يقع بعضهم على ~~بعض من شدة حرصهم. # {فلما قضي} فرغ من تلاوته، {ولوا إلى قومهم} انصرفوا إليهم، {منذرين} ~~مخوفين داعين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || # {قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ~~يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30) يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ~~يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (31) } # {قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ~~يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم} قال عطاء: كان دينهم اليهودية، لذلك ~~قالوا: إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى (4) . # {يا قومنا أجيبوا داعي الله} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، {وآمنوا به ~~يغفر لكم من ذنوبكم} "من" صلة، أي ذنوبكم، {ويجركم من عذاب أليم} قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: فاستجاب PageV07P269 # لهم من قومهم نحو من سبعين رجلا من الجن، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فوافقوه في البطحاء، فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم (1) ، وفيه ~~دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن والإنس جميعا. # قال مقاتل: لم يبعث قبله نبي إلى الإنس والجن جميعا (2) . # واختلف العلماء في حكم مؤمني الجن (3) فقال قوم: ليس لهم ثواب إلا نجاتهم ~~من النار، وتأولوا قوله: "يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم"، وإليه ~~ذهب أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه. # وحكى سفيان عن ليث قال: الجن ثوابهم أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: ~~كونوا ترابا، وهذا مثل البهائم. # وعن أبي الزناد قال: إذا قضي بين الناس قيل لمؤمني الجن: عودوا ترابا، ~~فيعودون ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: "يا ليتني كنت ترابا" (النبأ-40) . # وقال الآخرون: يكون لهم الثواب في الإحسان كما يكون عليهم العقاب في ~~الإساءة كالإنس، وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى. # وقال جرير عن الضحاك: الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. ms2341 # وذكر النقاش في "تفسيره" حديث أنهم يدخلون الجنة. فقيل: هل يصيبون من ~~نعيمها؟ قال: يلهمهم الله تسبيحه وذكره، فيصيبون من لذته ما يصيبه بنو آدم ~~من نعيم الجنة. وقال أرطاة بن المنذر: سألت ضمرة بن حبيب: هل للجن ثواب؟ ~~قال: نعم، وقرأ: "لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان" (الرحمن-74) ، قال: ~~فالإنسيات للإنس والجنيات للجن. # وقال عمر بن عبد العزيز: إن مؤمني الجن حول الجنة، في ربض ورحاب، وليسوا ~~فيها. ### || # {ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك ~~في ضلال مبين (32) } . # {ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض} لا يعجز الله فيفوته، {وليس ~~له من دونه أولياء} أنصار يمنعونه من الله، {أولئك في ضلال مبين} . ~~PageV07P270 ### || # {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على ~~أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير (33) ويوم يعرض الذين كفروا على ~~النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ~~(34) فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون (35) ~~} # {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن} لم يعجز عن ~~إبداعهن، {بقادر} هكذا قراءة العامة، واختلفوا في وجه دخول الباء فيه، فقال ~~أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة للتأكيد، كقوله: "تنبت بالدهن". # وقال الكسائي، والفراء: العرب تدخل الباء في الاستفهام مع الجحد، فتقول: ~~ما أظنك بقائم. # وقرأ يعقوب: "يقدر" بالياء على الفعل، واختار أبو عبيدة قراءة العامة ~~لأنها في قراءة عبد الله قادر بغير باء. # {على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} . # {ويوم يعرض الذين كفروا على النار} فيقال لهم، {أليس هذا بالحق قالوا بلى ~~وربنا قال} أي فيقال لهم: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} . # {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} قال ابن عباس: ذوو الحزم. وقال ~~126/أالضحاك: ذوو الجد والصبر. # واختلفوا فيهم، ms2342 فقال ابن زيد: كل الرسل كانوا أولي عزم، لم يبعث الله ~~نبيا إلا كان ذا عزم وحزم، ورأي وكمال عقل، وإنما أدخلت "من" للتجنيس لا ~~للتبعيض، كما يقال: اشتريت أكسية من الخز وأردية من البز. # وقال بعضهم: الأنبياء كلهم أولو عزم إلا يونس بن متى، لعجلة كانت منه، ~~ألا ترى أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: "ولا تكن كصاحب الحوت"؟ . # وقال قوم: هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام، وهم ثمانية عشر، ~~لقوله تعالى بعد ذكرهم: "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده" (الأنعام-90) ~~. # وقال الكلبي: هم الذين أمروا بالجهاد وأظهروا المكاشفة مع أعداء الدين. # PageV07P271 # وقيل: هم ستة: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى، عليهم السلام، وهم ~~المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء. # وقال مقاتل: هم ستة: نوح، صبر على أذى قومه، وإبراهيم، صبر على النار، ~~وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب، صبر على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف، صبر ~~على البئر والسجن، وأيوب، صبر على الضر. # وقال ابن عباس وقتادة: هم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، أصحاب الشرائع، ~~فهم مع محمد صلى الله عليه وسلم خمسة. # قلت: ذكرهم الله على التخصيص في قوله: "وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ~~ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم" (الأحزاب-7) ، وفي قوله ~~تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا" (الشورى-13) . # أخبرنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبيد الله الفارسي، حدثنا أبو ذر محمد ~~بن إبراهيم سبط الصالحاني، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن ~~حيان المعروف بأبي الشيخ الحافظ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، أخبرنا ~~محمد بن الحجاج، أخبرنا السري بن حيان، أخبرنا عباد بن عباد، حدثنا مجالد ~~بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق قال: قالت عائشة قال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن ~~الله لم يرض من أولي العزم إلا بالصبر على مكروهها، والصبر على مجهودها، ~~ولم يرض إلا أن كلفني ms2343 ما كلفهم، وقال: "فاصبر كما صبر أولوا العزم من ~~الرسل" وإني والله لا بد لي من طاعته، والله لأصبرن كما صبروا، وأجهدن كما ~~جهدوا، ولا قوة إلا بالله" (1) . # قوله تعالى: {ولا تستعجل لهم} أي ولا تستعجل العذاب لهم، فإنه نازل بهم ~~لا محالة، كأنه ضجر بعض الضجر فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى منهم، فأمر ~~بالصبر وترك الاستعجال. # ثم أخبر عن قرب العذاب فقال: PageV07P272 # {كأنهم يوم يرون ما يوعدون} من العذاب في الآخرة، {لم يلبثوا} [في ~~الدنيا] (1) {إلا ساعة من نهار} أي إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في ~~الدنيا والبرزخ كأنه ساعة من نهار، لأن ما مضى وإن كان طويلا كأن لم يكن. # ثم قال: {بلاغ} أي هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ من الله إليكم، ~~والبلاغ بمعنى التبليغ، {فهل يهلك} بالعذاب إذا نزل {إلا القوم الفاسقون} ~~الخارجون من أمر الله. # قال الزجاج: تأويله: لا يهلك مع رحمة الله وفضله إلا القوم الفاسقون، ~~ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الآية. ~~PageV07P273 ### | سورة محمد # مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح ~~بالهم (2) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق ~~من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (3) } # {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} أبطلها فلم يقبلها [وأراد ~~بالأعمال ما فعلوا من إطعام الطعام وصلة الأرحام] (2) قال الضحاك: أبطل ~~كيدهم ومكرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجعل الدائرة عليهم (3) . # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد} قال سفيان ~~الثوري: يعني لم يخالفوه في شيء {وهو الحق من ربهم} قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: "الذين كفروا وصدوا": مشركو مكة، "والذين آمنوا وعملوا الصالحات": ~~الأنصار. {كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم} حالهم، قال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما: عصمهم أيام حياتهم، يعني أن هذا الإصلاح يعود ms2344 إلى إصلاح ~~أعمالهم حتى لا يعصوا. # {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل} الشيطان، {وأن الذين آمنوا اتبعوا ~~الحق من ربهم} يعني القرآن {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} أشكالهم، قال ~~الزجاج: كذلك يبين الله أمثال حسنات المؤمنين، وإضلال أعمال الكافرين. ~~PageV07P274 ### || # {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ~~فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر ~~منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم (4) ~~} # {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} نصب على الإغراء، أي فاضربوا ~~رقابهم يعني أعناقهم. {حتى إذا أثخنتموهم} بالغتم في القتل وقهرتموهم، ~~{فشدوا الوثاق} يعني في الأسر حتى لا يفلتوا منكم، والأسر يكون بعد ~~المبالغة في القتل، كما قال: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض" (الأنفال-67) ، {فإما منا بعد وإما فداء} يعني: بعد أن تأسروهم فإما ~~أن تمنوا عليهم منا بإطلاقهم من غير عوض، وإما أن تفادوهم فداء. # واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هي منسوخة بقوله: "فإما ~~تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم" (الأنفال-57) ، وبقوله: "اقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم" (التوبة-5) . وإلى هذا القول ذهب قتادة والضحاك ~~والسدي وابن جريج، وهو قول الأوزاعي وأصحاب الرأي، قالوا: لا يجوز المن على ~~من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء. # وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة، والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من ~~الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم أو يسترقهم أو يمن عليهم، فيطلقهم ~~بلا عوض أو يفاديهم بالمال، أو بأسارى المسلمين، 126/ب وإليه ذهب ابن عمر، ~~وبه قال الحسن، وعطاء، وأكثر الصحابة والعلماء، وهو قول الثوري، والشافعي، ~~وأحمد وإسحاق. # قال ابن عباس: لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل في ~~الأسارى: "فإما منا بعد وإما فداء". # وهذا هو الأصح والاختيار، لأنه عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والخلفاء بعده: # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ms2345 ~~حدثنا محمد بن يوسف، [حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن يوسف] (1) ~~حدثنا الليث، حدثنا سعيد بن أبي سعيد سمع أبا هريرة قال: بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن ~~أثال، فربطوه بسارية [من سواري] . (2) المسجد، فخرج إليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد إن تقتل ~~تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت PageV07P278 # تريد المال فسل تعط منه ما شئت، حتى كان الغد، فقال له: ما عندك يا ~~ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر، [وإن تقتل تقتل ذا دم، ~~وإن كنت تريد المال سل تعط] (1) فتركه حتى كان بعد الغد، فقال له: ما عندك ~~يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك، فقال: "أطلقوا ثمامة"، فانطلق إلى نخل ~~قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، يا محمد والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض ~~إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي ~~من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك ~~فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ ~~فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له ~~قائل: أصبوت؟ فقال: لا ولكن أسلمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ~~والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. (2) # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد الوهاب ~~بن عبد المجيد الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن ~~حصين قال: أسر أصحاب رسول الله ms2346 صلى الله عليه وسلم رجلا من بني عقيل ~~فأوثقوه، وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ففداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف. (3) # قوله عز وجل: {حتى تضع الحرب أوزارها} أي أثقالها وأحمالها، يعني حتى تضع ~~أهل الحرب السلاح، فيمسكوا عن الحرب. # وأصل "الوزر": ما يحتمل الإنسان، فسمى الأسلحة أوزارا لأنها تحمل. # وقيل: "الحرب" هم المحاربون، كالشرب والركب. # وقيل: "الأوزار" الآثام، ومعناه حتى يضع المحاربون آثامها، بأن يتوبوا من ~~كفرهم فيؤمنوا بالله ورسوله. # وقيل: حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن يسلموا، ~~ومعنى الآية: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يدخل أهل الملل كلها في ~~الإسلام، ويكون الدين كله لله فلا PageV07P279 # يكون بعده جهاد ولا قتال، وذلك عند نزول عيسى بن مريم عليهما السلام، ~~وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الجهاد ماض منذ بعثني الله ~~إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال". (1) # وقال الكلبي: حتى يسلموا أو يسالموا. # وقال الفراء: حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم. # {ذلك} الذي ذكرت وبينت من حكم الكفار، {ولو يشاء الله لانتصر منهم} ~~فأهلكهم وكفاكم أمرهم بغير قتال، {ولكن} أمركم بالقتال، {ليبلو بعضكم ببعض} ~~فيصير من قتل من المؤمنين إلى الثواب ومن قتل من الكافرين إلى العذاب، ~~{والذين قتلوا في سبيل الله} قرأ أهل البصرة وحفص: "قتلوا" بضم القاف وكسر ~~التاء خفيف، يعني الشهداء، وقرأ الآخرون: "قاتلوا" بالألف من المقاتلة، وهم ~~المجاهدون، {فلن يضل أعمالهم} قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم ~~أحد، وقد فشت في المسلمين الجراحات والقتل. (2) ### || # {سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) } # {سيهديهم} أيام حياتهم في الدنيا إلى أرشد الأمور، وفي الآخرة إلى ~~الدرجات، {ويصلح بالهم} يرضي خصماءهم ويقبل أعمالهم. # {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} أي بين لهم منازلهم في الجنة حتى يهتدوا إلى ~~مساكنهم لا يخطؤون ولا يستدلون عليها أحدا كأنهم سكانها منذ خلقوا، فيكون ~~المؤمن أهدى إلى درجته، وزوجته وخدمه منه إلى منزله وأهله في ms2347 الدنيا، هذا ~~قول أكثر المفسرين. # وروى عطاء عن ابن عباس: "عرفها لهم" أي طيبها لهم، من العرف، وهو الريح ~~الطيبة، وطعام PageV07P280 # معرف أي: مطيب. (1) ### || # {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) والذين ~~كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط ~~أعمالهم (9) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها (10) ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم (11) } # {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم (12) } # {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله} أي دينه ورسوله، {ينصركم} على ~~عدوكم، {ويثبت أقدامكم} عند القتال. # {والذين كفروا فتعسا لهم} قال ابن عباس: بعدا لهم. وقال أبو العالية: ~~سقوطا لهم. وقال الضحاك: خيبة لهم. وقال ابن زيد: شقاء لهم. قال الفراء: هو ~~نصب على المصدر، على سبيل الدعاء. وقيل: في الدنيا العثرة، وفي الآخرة ~~التردي في النار. ويقال للعاثر: تعسا إذا لم يريدوا قيامه، وضده لعا إذا ~~أرادوا قيامه (1) ، {وأضل أعمالهم} لأنها كانت في طاعة الشيطان. # {ذلك} التعس والإضلال، {بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} . # ثم خوف الكفار فقال: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم دمر الله عليهم} أي أهلكهم، {وللكافرين أمثالها} إن لم يؤمنوا، ~~يتوعد مشركي مكة. # {ذلك} الذي ذكرت، {بأن الله مولى الذين آمنوا} وليهم وناصرهم، {وأن ~~الكافرين لا مولى لهم} 127/ألا ناصر لهم. ثم ذكر مآل الفريقين فقال: # {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~والذين كفروا يتمتعون} في الدنيا، {ويأكلون كما تأكل الأنعام} ليس لهم همة ~~إلا بطونهم وفروجهم، وهم لاهون ساهون عما في غد، قيل: المؤمن في الدنيا ~~يتزود، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع، {والنار مثوى لهم} . PageV07P281 ### || # {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ~~(13) أفمن كان على بينة من ربه ms2348 كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم (14) ~~مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل ~~الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ~~(15) } # {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك} أي أخرجك أهلها، قال ~~ابن عباس: كم رجال هم أشد من أهل مكة؟ يدل عليه قوله: {أهلكناهم} ولم يقل: ~~أهلكناها، {فلا ناصر لهم} قال ابن عباس: لما خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال: "أنت أحب بلاد الله إلى الله ~~وأحب بلاد الله إلي ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك" فأنزل الله ~~هذه الآية (1) . # {أفمن كان على بينة من ربه} يقين من دينه، محمد والمؤمنون، {كمن زين له ~~سوء عمله واتبعوا أهواءهم} يعني عبادة الأوثان، وهم أبو جهل والمشركون. # {مثل الجنة التي وعد المتقون} أي صفتها، {فيها أنهار من ماء غير آسن} آجن ~~متغير منتن، قرأ ابن كثير "أسن" بالقصر، والآخرون بالمد، وهما لغتان يقال: ~~أسن الماء يأسن أسنا، وأجن يأجن، أسونا وأجونا، إذا تغير، {وأنهار من لبن ~~لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة} [لذيذة] (2) ، {للشاربين} لم تدنسها ~~الأرجل ولم تدنسها الأيدي، {وأنهار من عسل مصفى} . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا أبو أسامة وعبد الله بن نمير وعلي بن ~~مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيحان وجيحان والنيل ~~والفرات كل من أنهار الجنة". (3) # قال كعب الأحبار: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ~~ونهر مصر نهر PageV07P282 # خمرهم، ونهر ms2349 سيحان نهر عسلهم، وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر. ~~(1) # {ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار} أي من ~~كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار، {وسقوا ماء حميما} شديد الحر تسعر ~~عليهم جهنم منذ خلقت إذا أدني منهم شوى وجوههم ووقعت فروة رؤوسهم فإذا ~~شربوه، {فقطع أمعاءهم} فخرجت من أدبارهم، والأمعاء جميع ما في البطن من ~~الحوايا واحدها معى. ### || # {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ~~ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم (16) ~~والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) فهل ينظرون إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (18) } # {ومنهم} يعني من هؤلاء الكفار، {من يستمع إليك} وهم المنافقون، يستمعون ~~قولك فلا يعونه ولا يفهمونه، تهاونا به وتغافلا {حتى إذا خرجوا من عندك} ~~يعني فإذا خرجوا من عندك، {قالوا للذين أوتوا العلم} من الصحابة: {ماذا ~~قال} محمد، {آنفا} ؟ يعني الآن، هو من الائتناف ويقال: ائتنفت الأمر أي ~~ابتدأته وأنف الشيء أوله. # قال مقاتل: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب ويعيب المنافقين، ~~فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود استهزاء: ماذا قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ # قال ابن عباس: وقد سئلت فيمن سئل. (2) # {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} فلم يؤمنوا، {واتبعوا أهواءهم} في ~~الكفر والنفاق. # {والذين اهتدوا} يعني المؤمنين، {زادهم} ما قال الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، {هدى وآتاهم تقواهم} وفقهم للعمل بما أمرهم به، وهو التقوى، قال سعيد ~~بن جبير: وآتاهم ثواب تقواهم. {فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة} ~~PageV07P283 # أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن ~~محمد بن موسى بن الصلت، حدثنا أبو إسحاق الهاشمي، حدثنا الحسين بن الحسن، ~~حدثنا ابن المبارك، أخبرنا معمر بن راشد، عمن سمع المقبري يحدث عن أبي ~~هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ms2350 "ما ينتظر أحدكم من الدنيا ~~إلا غنى مطغيا، أو فقرا منسيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا ~~مجهزا، أو الدجال فالدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر". ~~(1) # قوله عز وجل: {فقد جاء أشراطها} أي أماراتها وعلاماتها، واحدها: شرط، ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا فضل بن ~~سليمان، حدثنا أبو حازم، حدثنا سهل بن سعد قال: رأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال بأصبعيه هكذا، بالوسطى والتي تلي الإبهام: "بعثت أنا والساعة ~~كهاتين". (2) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر الحوضي، حدثنا ~~هشام، عن قتادة، عن أنس قال: لأحدثنكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يحدثنكم به أحد غيري، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا، ويكثر ~~شرب الخمر، ويقل الرجال ويكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم ~~الواحد". (3) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن سنان، حدثنا فليح، ~~حدثني هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما ~~النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم إذ جاءه أعرابي فقال: متى ~~الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض 127/ب القوم: ~~سمع ما قال فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه، قال: ~~"أين السائل عن الساعة؟ " قال: ها أنا يا رسول PageV07P284 # الله، قال: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة". قال: كيف إضاعتها؟ قال: ~~"إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة". (1) # قوله عز وجل: {فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم} فمن أين ms2351 لهم التذكر والاتعاظ ~~والتوبة إذا جاءتهم الساعة؟ نظيره: "يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى" ~~(الفجر-23) . ### || # {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله ~~يعلم متقلبكم ومثواكم (19) } # قوله عز وجل: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} قيل: الخطاب مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمراد به غيره، وقيل: معناه فاثبت عليه. وقال الحسين بن الفضل: ~~فازدد علما على علمك. وقال أبو العالية وابن عيينة: هو متصل بما قبله ~~معناه: إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا ملجأ ولا مفزع عند قيامها إلا إلى ~~الله. وقيل: فاعلم أنه لا إله إلا الله، أن الممالك تبطل عند قيامها، فلا ~~ملك ولا حكم لأحد إلا لله، {واستغفر لذنبك} أمر بالاستغفار مع أنه مغفور له ~~لتستن به أمته. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، ~~عن ثابت، عن أبي بردة، عن الأغر المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة". (2) # قوله عز وجل: {وللمؤمنين والمؤمنات} هذا إكرام من الله تعالى لهذه الأمة ~~حيث أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لذنوبهم وهو الشفيع المجاب ~~فيهم، {والله يعلم متقلبكم ومثواكم} قال ابن عباس والضحاك: "متقلبكم" ~~متصرفكم [ومنتشركم في أعمالكم في الدنيا، "ومثواكم" مصيركم في الآخرة إلى ~~الجنة أو إلى النار. # وقال مقاتل وابن جرير: "متقلبكم" منصرفكم] (3) لأشغالكم بالنهار، ~~"ومثواكم" مأواكم إلى مضاجعكم بالليل. PageV07P285 # وقال عكرمة: "متقلبكم" من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات. "ومثواكم" ~~مقامكم في الأرض. # وقال ابن كيسان: "متقلبكم" من ظهر إلى بطن، "ومثواكم" مقامكم في القبور. # والمعنى: أنه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها. # PageV07P286 ### || # {ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها ~~القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ~~فأولى لهم (20) طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا ms2352 الله لكان خيرا ~~لهم (21) } # {ويقول الذين آمنوا} حرصا منهم على الجهاد: {لولا نزلت سورة} تأمرنا ~~بالجهاد، {فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال} قال قتادة: كل سورة ذكر ~~فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين، {رأيت الذين في ~~قلوبهم مرض} يعني المنافقين، {ينظرون إليك} شزرا بتحديق شديد، كراهية منهم ~~للجهاد وجبنا عن لقاء العدو، {نظر المغشي عليه من الموت} كما ينظر الشاخص ~~بصره عند الموت، {فأولى لهم} وعيد وتهديد، ومعنى قولهم في التهديد: "أولى ~~لك" أي: وليك وقاربك ما تكره. # ثم قال: {طاعة وقول معروف} وهذا ابتداء محذوف الخبر، تقديره: طاعة، وقول ~~معروف أمثل، أي لو أطاعوا وقالوا قولا معروفا كان أمثل وأحسن. # وقيل: مجازه: يقول هؤلاء المنافقون قبل نزول السورة المحكمة: طاعة، رفع ~~على الحكاية أي أمرنا طاعة أو منا طاعة، "وقول معروف": حسن. # وقيل: هو متصل بما قبله، واللام في قوله: "لهم" بمعنى الباء، مجازه: ~~فأولى بهم طاعة الله ورسوله، وقول معروف بالإجابة، أي لو أطاعوا كانت ~~الطاعة والإجابة أولى بهم، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء. # {فإذا عزم الأمر} أي جد الأمر ولزم فرض القتال وصار الأمر معزوما، {فلو ~~صدقوا الله} في إظهار الإيمان والطاعة، {لكان خيرا لهم} وقيل: جواب "إذا" ~~محذوف تقديره فإذا عزم الأمر نكلوا وكذبوا فيما وعدوا ولو صدقوا الله لكان ~~خيرا لهم. # PageV07P286 ### || # {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) أولئك ~~الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) أفلا يتدبرون القرآن أم على ~~قلوب أقفالها (24) إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ~~الشيطان سول لهم وأملى لهم (25) } # {فهل عسيتم} فلعلكم، {إن توليتم} أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه، {أن ~~تفسدوا في الأرض} تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية فتفسدوا في الأرض ~~بالمعصية والبغي وسفك الدماء، وترجعوا إلى الفرقة بعد ما جمعكم الله ~~بالإسلام. {وتقطعوا أرحامكم} قرأ يعقوب: "وتقطعوا" بفتح التاء خفيف، ~~والآخرون بالتشديد و"تقطعوا" من التقطيع، على التكثير، لأجل الأرحام، قال ~~قتادة: كيف رأيتم ms2353 القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام، ~~وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن؟ وقال بعضهم: هو من الولاية. وقال المسيب بن ~~شريك والفراء: يقول فهل عسيتم إن وليتم أمر الناس أن تفسدوا في الأرض ~~بالظلم، نزلت في بني أمية وبني هاشم (1) ، يدل عليه قراءة علي بن أبي طالب ~~"توليتم" بضم التاء والواو وكسر اللام، يقول: إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم ~~معهم في الفتنة وعاونتموهم. # {أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} عن الحق. # {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} فلا تفهم مواعظ القرآن ~~وأحكامه، و"أم" بمعنى "بل". # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنبأني عقيل ~~بن محمد، أخبرنا المعافى بن زكريا، أخبرنا محمد بن جرير، حدثنا بشر، حدثنا ~~حماد بن زيد، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" فقال شاب من أهل اليمن: ~~بل على قلوب أقفالها حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس ~~عمر حتى ولي فاستعان به. (2) # {إن الذين ارتدوا على أدبارهم} رجعوا كفارا، {من بعد ما تبين لهم الهدى} ~~قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب كفروا 128/أبمحمد صلى الله عليه وسلم بعد ما ~~عرفوه ووجدوا نعته في كتابهم. PageV07P287 # وقال ابن عباس، والضحاك، والسدي: هم المنافقون (1) . # {الشيطان سول لهم} زين لهم القبيح، {وأملى لهم} قرأ أهل البصرة بضم الألف ~~وكسر اللام وفتح الياء على ما لم يسم فاعله، وقرأ مجاهد بإرسال (2) الياء ~~على وجه الخبر من الله عز وجل عن نفسه أنه يفعل ذلك، وتروى هذه القراءة عن ~~يعقوب، وقرأ الآخرون: "وأملى لهم" بفتح الألف، أي: وأملى الشيطان لهم، مد ~~لهم في الأمل. ### || # {ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله ~~يعلم إسرارهم (26) فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (27) ~~ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (28) أم حسب ~~الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله ms2354 أضغانهم (29) } PageV07P288 # {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم ~~أعمالكم (30) } # {ذلك بأنهم} يعني المنافقين أو اليهود، {قالوا للذين كرهوا ما نزل الله} ~~وهم المشركون، {سنطيعكم في بعض الأمر} في التعاون على عداوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم والقعود عن الجهاد، وكانوا يقولونه سرا فأخبر الله تعالى عنهم، ~~{والله يعلم إسرارهم} قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر: بكسر الهمزة، على ~~المصدر، والباقون بفتحها على جمع السر. # {فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك} الضرب، {بأنهم ~~اتبعوا ما أسخط الله} قال ابن عباس: بما كتموا من التوراة وكفروا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، {وكرهوا رضوانه} كرهوا ما فيه رضوان الله، وهو الطاعة ~~والإيمان. {فأحبط أعمالهم} . # {أم حسب الذين في قلوبهم مرض} يعني المنافقين، {أن لن يخرج الله أضغانهم} ~~لن يظهر أحقادهم على المؤمنين فيبديها حتى يعرفوا نفاقهم، واحدها: "ضغن"، ~~قال ابن عباس: حسدهم. # {ولو نشاء لأريناكهم} أي لأعلمناكهم وعرفناكهم، {فلعرفتهم بسيماهم} ~~بعلامتهم، # PageV07P288 # قال الزجاج: المعنى: لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة تعرفهم بها. # قال أنس: ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية ~~شيء من المنافقين، كان يعرفهم بسيماهم (1) . # {ولتعرفنهم في لحن القول} في معناه ومقصده. # "واللحن": وجهان صواب وخطأ، فالفعل من الصواب: لحن يلحن لحنا فهو لحن إذا ~~فطن للشيء، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ولعل بعضكم أن يكون ألحن ~~بحجته من بعض". (2) # والفعل من الخطأ لحن يلحن لحنا فهو لاحن. والأصل فيه: إزالة الكلام عن ~~جهته. # والمعنى: إنك تعرفهم فيما يعرضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين ~~والاستهزاء بهم، فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا عرفه بقوله، ويستدل بفحوى كلامه على فساد دخيلته. # {والله يعلم أعمالكم} . ### || # {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم (31) إن ~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن ~~يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (32) } # {ولنبلونكم} ولنعاملنكم معاملة المختبر بأن نأمركم بالجهاد ms2355 والقتال، {حتى ~~نعلم المجاهدين منكم والصابرين} أي: علم الوجود، يريد: حتى يتبين المجاهد ~~والصابر على دينه من غيره، {ونبلو أخباركم} أي نظهرها ونكشفها بإباء من ~~يأبى القتال، ولا يصبر على الجهاد. # وقرأ أبو بكر عن عاصم: "وليبلونكم حتى يعلم"، ويبلو بالياء فيهن، لقوله ~~تعالى: ["والله يعلم أعمالكم"، وقرأ الآخرون بالنون فيهن، لقوله تعالى] (3) ~~"ولو نشاء لأريناكهم"، وقرأ يعقوب: "ونبلوا" ساكنة الواو، ردا على قوله: ~~"ولنبلونكم" وقرأ الآخرون بالفتح ردا على قوله: "حتى نعلم". # {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم ~~الهدى لن يضروا الله شيئا} إنما يضرون أنفسهم، {وسيحبط أعمالهم} فلا يرون ~~لها ثوابا في الآخرة، PageV07P289 # قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم المطعمون يوم بدر، نظيرها قوله عز وجل: ~~"إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله" (الأنفال-36) الآية. ### || # {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ~~(33) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله ~~لهم (34) فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم ~~أعمالكم (35) إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ~~ولا يسألكم أموالكم (36) } # {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} ~~قال عطاء: بالشك والنفاق، وقال الكلبي: بالرياء والسمعة. وقال الحسن: ~~بالمعاصي والكبائر. # وقال أبو العالية: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا ~~يضر مع الإخلاص ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت هذه الآية فخافوا ~~الكبائر بعده أن تحبط الأعمال. (1) # وقال مقاتل: لا تمنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبطلوا أعمالكم، ~~نزلت في بني أسد، وسنذكره في سورة الحجرات إن شاء الله تعالى. # {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله ~~لهم} قيل: هم أصحاب القليب. وحكمها عام. # {فلا تهنوا} لا تضعفوا {وتدعوا إلى السلم} أي لا تدعوا إلى الصلح ابتداء، ~~منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار ms2356 إلى الصلح، وأمرهم بحربهم حتى يسلموا، ~~{وأنتم الأعلون} الغالبون، قال الكلبي: آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض ~~الأوقات، {والله معكم} بالعون والنصرة، {ولن يتركم أعمالكم} لن ينقصكم شيئا ~~من ثواب أعمالكم، يقال: وتره يتره وترا وترة: إذا نقص حقه، قال ابن عباس، ~~وقتادة، ومقاتل، والضحاك: لن يظلمكم أعمالكم الصالحة بل يؤتيكم أجورها. ثم ~~حض على طلب الآخرة فقال: # {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} باطل وغرور، {وإن تؤمنوا وتتقوا} الفواحش، ~~PageV07P290 # {يؤتكم أجوركم} جزاء أعمالكم في الآخرة، {ولا يسألكم} ربكم، {أموالكم} ~~لإيتاء الأجر بل يأمركم بالإيمان والطاعة ليثيبكم عليها الجنة، نظيره قوله: ~~"ما أريد منهم من رزق" (الذاريات-57) ، وقيل: لا يسألكم محمد أموالكم، ~~نظيره: "قل ما أسألكم عليه من أجر" (الفرقان-57) . # وقيل: معنى الآية: لا يسألكم الله ورسوله أموالكم كلها في الصدقات، إنما ~~يسألانكم غيضا من فيض، ربع العشر فطيبوا بها نفسا. وإلى هذا القول ذهب ابن ~~عيينة، يدل عليه 128/ب سياق الآية: ### || # {إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) ها أنتم هؤلاء تدعون ~~لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله ~~الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ~~(38) } # {إن يسألكموها فيحفكم} أي يجهدكم ويلحف عليكم بمسألة جميعها، يقال: أحفى ~~فلان فلانا إذا جهده، وألحف عليه بالمسألة. # {تبخلوا} بها فلا تعطوها. # {ويخرج أضغانكم} بغضكم وعداوتكم، قال قتادة: علم الله أن في مسألة ~~الأموال خروج الأضغان. {هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله} يعني ~~إخراج ما فرض الله عليكم، {فمنكم من يبخل} بما فرض عليه من الزكاة، {ومن ~~يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني} عن صدقاتكم وطاعتكم، {وأنتم الفقراء} ~~إليه وإلى ما عنده من الخير. {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم} بل يكونوا أمثل منكم وأطوع لله منكم. # قال الكلبي: هم كندة والنخع، وقال الحسن: هم العجم، وقال عكرمة: فارس ~~والروم. # أخبرنا أبو بكر أحمد بن أبي نصر الكوفاني، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن ~~عمر، حدثنا إسحاق ms2357 النجيبي المصري المعروف بابن النحاس، أخبرنا أبو الطيب ~~الحسن بن محمد الرياش، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثنا ~~مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن # PageV07P291 # أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: "وإن ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم"، قالوا: يا رسول الله من ~~هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب على فخذ ~~سلمان الفارسي ثم قال: "هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال ~~من الفرس". (1) PageV07P292 ### | سورة الفتح # مدنية (1) ### || # {إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) } # بسم الله الرحمن الرحيم {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد ~~السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، ~~عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يسير ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فسأله عمر عن شيء فلم يجبه، ~~ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك يا عمر نزرت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك، قال عمر: فحركت بعيري ~~ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل في قرآن، فما لبثت أن سمعت صارخا يصرخ ~~بي، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فقال: "لقد أنزلت علي ~~الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: "إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر". (2) # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو عمر بكر بن محمد المزني، ~~حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله حفيد العباس بن حمزة، حدثنا الحسين بن ~~الفضل البجلي، حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس قال: نزلت ~~على النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" إلى آخر الآية، ~~مرجعه ms2358 من الحديبية وأصحابه مخالطهم الحزن والكآبة، فقال: "نزلت علي آية هي ~~أحب إلي من الدنيا جميعا"، فلما تلاها نبي الله صلى الله عليه وسلم قال رجل ~~من القوم: هنيئا مريئا لك قد بين الله لك ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ ~~فأنزل الله الآية التي بعدها: "ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار"، حتى ختم الآية. (3) PageV07P293 # اختلفوا في هذا الفتح: روي عن أبي جعفر الرازي عن قتادة عن أنس: أنه فتح ~~مكة، وقال مجاهد: فتح خيبر (1) . # والأكثرون على أنه صلح الحديبية. (2) # ومعنى الفتح فتح المنغلق، والصلح مع المشركين بالحديبية كان متعذرا حتى ~~فتحه الله عز وجل. ورواه شعبة عن قتادة عن أنس: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا"، ~~قال: الحديبية. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن ~~إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان ~~فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان، يوم الحديبية كنا مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها ~~قطرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا ~~بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد، ثم إنها ~~أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا (3) . # وقال الشعبي في قوله: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا"، قال: فتح الحديبية، غفر ~~له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت ~~الروم على فارس، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. (4) # قال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا ~~بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم، أسلم في ثلاث سنين خلق ~~كثير، وكثر بهم سواد الإسلام (5) . # قوله عز وجل: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا"، أي قضينا لك قضاء بينا. وقال ~~الضحاك: إنا PageV07P296 # فتحنالك فتحا مبينا بغير قتال، وكان الصلح من الفتح. ms2359 ### || # {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا ~~مستقيما (2) } # قيل: اللام في قوله: {ليغفر} لام كي، معناه: إنا فتحنا لك فتحا مبينا لكي ~~يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح. # وقال الحسين بن الفضل: هو مردود إلى قوله: "واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات" (محمد-19) " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " و"ليدخل ~~المؤمنين والمؤمنات جنات" الآية. # وقال محمد بن جرير: هو راجع إلى قوله: "إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت ~~الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره" (النصر: 1-3) ~~ليغفر لك 129/أالله ما تقدم من ذنبك في الجاهلية قبل الرسالة، وما تأخر إلى ~~وقت نزول هذه السورة (1) . # وقيل: {وما تأخر} مما يكون، وهذا على طريقة من يجوز الصغائر على الأنبياء ~~(2) . PageV07P297 # وقال سفيان الثوري: {ما تقدم} مما عملت في الجاهلية، {وما تأخر} كل شيء ~~لم تعمله، ويذكر مثل ذلك على طريق التأكيد، كما يقال: أعطى من رآه ومن لم ~~يره، وضرب من لقيه ومن لم يلقه. # وقال عطاء الخراساني: {ما تقدم من ذنبك} يعني ذنب أبويك آدم وحواء ~~ببركتك، {وما تأخر} ذنوب أمتك بدعوتك. (1) # {ويتم نعمته عليك} بالنبوة والحكمة، {ويهديك صراطا مستقيما} أي يثبتك ~~عليه، والمعنى ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى ~~الصراط المستقيم وهو الإسلام. وقيل: ويهديك أي يهدي بك. ### || # {وينصرك الله نصرا عزيزا (3) هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما ~~حكيما (4) } # {وينصرك الله نصرا عزيزا} غالبا. وقيل: معزا. # {هو الذي أنزل السكينة} الطمأنينة والوقار، {في قلوب المؤمنين} لئلا ~~تنزعج نفوسهم لما يرد عليهم. قال ابن عباس: كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة ~~إلا التي في سورة البقرة، {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} . # قال ابن عباس: بعث الله رسوله بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوه ~~زادهم الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج ثم الجهاد، حتى أكمل لهم دينهم ~~(2) ، فكلما أمروا بشيء فصدقوه ازدادوا ms2360 تصديقا إلى تصديقهم. # وقال الضحاك: يقينا مع يقينهم. # قال الكلبي: هذا في أمر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا بالحق. # {ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليما حكيما} . PageV07P298 ### || # {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر ~~عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (5) ويعذب المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله ~~عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6) ولله جنود السماوات والأرض ~~وكان الله عزيزا حكيما (7) إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) لتؤمنوا ~~بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9) } # {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ~~ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (10) } # {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر ~~عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما} وقد ذكرنا عن أنس أن الصحابة ~~قالوا لما نزل "ليغفر لك الله": هنيئا مريئا فما يفعل بنا فنزل: "ليدخل ~~المؤمنين والمؤمنات جنات" (1) الآية. # {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} أهل النفاق بالمدينة ~~وأهل الشرك بمكة، {الظانين بالله ظن السوء} أن لن ينصر محمدا والمؤمنين، ~~{عليهم دائرة السوء} بالعذاب والهلاك، {وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم ~~جهنم وساءت مصيرا} . # {ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه} أي تعينوه وتنصروه، {وتوقروه} ~~تعظموه وتفخموه هذه الكنايات راجعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وها هنا ~~وقف، {وتسبحوه} أي تسبحوا الله يريد تصلوا له، {بكرة وأصيلا} بالغداة ~~والعشي، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: "وليؤمنوا، ويعزروه، ويوقروه، ويسبحوه" ~~بالياء فيهن لقوله: في "قلوب المؤمنين"، وقرأ الآخرون بالتاء فيهن. # {إن الذين يبايعونك} يا محمد بالحديبية على أن لا يفروا، {إنما يبايعون ~~الله} لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم بن ~~إسماعيل، ms2361 عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت PageV07P299 # لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الحديبية؟ قال: على الموت (1) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا يزيد بن زريع، عن خالد، عن الحكم بن عبد الله بن ~~الأعرج، عن معقل بن يسار، قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه ~~وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة ~~مائة، قال: لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر (2) . # قال أبو عيسى: معنى الحديثين صحيح بايعه جماعة على الموت، أي لا نزال ~~نقاتل بين يديك ما لم نقتل، وبايعه آخرون، وقالوا: لا نفر (3) . # {يد الله فوق أيديهم} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يد الله بالوفاء بما ~~وعدهم من الخير فوق أيديهم. # وقال السدي: كانوا يأخذون بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبايعونه، ~~ويد الله فوق أيديهم في المبايعة. # قال الكلبي: نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة (4) . # {فمن نكث} نقض البيعة، {فإنما ينكث على نفسه} عليه وباله، {ومن أوفى بما ~~عاهد عليه الله} ثبت على البيعة، {فسيؤتيه} قرأ أهل العراق "فسيؤتيه" ~~بالياء، وقرأ الآخرون بالنون، {أجرا عظيما} وهو الجنة. ### || # {سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ~~يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد ~~بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) } # {سيقول لك المخلفون من الأعراب} قال ابن عباس، ومجاهد: يعني أعراب غفار ~~ومزينة وجهينة، وأشجع وأسلم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الأعراب ~~وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن ~~البيت، ms2362 فأحرم بالعمرة وساق معه الهدي ليعلم الناس أنه لا يريد حربا، ~~PageV07P300 # فتثاقل عنه كثير من الأعراب وتخلفوا واعتلوا بالشغل، فأنزل الله تعالى ~~فيهم (1) : "سيقول لك المخلفون من الأعراب" يعني الذين خلفهم الله عز وجل ~~عن صحبتك، إذا انصرفت إليهم فعاتبهم على التخلف. # {شغلتنا أموالنا وأهلونا} يعني النساء والذراري، أي لم يكن لنا من يخلفنا ~~فيهم {فاستغفر لنا} تخلفنا عنك، فكذبهم الله عز وجل في اعتذارهم، فقال: # {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} من أمر الاستغفار، فإنهم لا يبالون ~~استغفر لهم النبي صلى الله عليه وسلم أو لا. # {قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا} [سوءا] (2) ، {أو أراد ~~بكم نفعا} قرأ حمزة والكسائي: "ضرا" بضم الضاد، وقرأ الآخرون بفتحها لأنه ~~قابله بالنفع والنفع ضد الضر، 129/ب وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يدفع عنهم الضر، ويعجل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم ~~وأموالهم، فأخبرهم أنه: إن أراد بهم شيئا من ذلك لم يقدر أحد على دفعه. {بل ~~كان الله بما تعملون خبيرا} . ### || # {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في ~~قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (12) ومن لم يؤمن بالله ورسوله ~~فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا (13) ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما (14) } # {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا} أي ظننتم أن ~~العدو يستأصلهم فلا يرجعون، {وزين ذلك في قلوبكم} زين الشيطان ذلك الظن في ~~قلوبكم، {وظننتم ظن السوء} وذلك أنهم قالوا: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس، ~~فلا يرجعون، فأين تذهبون معه، انتظروا ما يكون من أمرهم. {وكنتم قوما بورا} ~~هلكى لا تصلحون لخير. # {ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا ولله ملك السماوات ~~والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما} PageV07P301 ### || # {سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله ms2363 من قبل فسيقولون بل ~~تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) } # {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو ~~يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما (16) } # {سيقول المخلفون} يعني هؤلاء الذين تخلفوا عن الحديبية، {إذا انطلقتم} ~~سرتم وذهبتم [أيها المؤمنون] (1) ، {إلى مغانم لتأخذوها} يعني غنائم خيبر، ~~{ذرونا نتبعكم} إلى خيبر لنشهد معكم قتال أهلها، وذلك أنهم لما انصرفوا من ~~الحديبية وعدهم الله فتح خيبر وجعل غنائمها لمن شهد الحديبية خاصة عوضا عن ~~غنائم أهل مكة إذا انصرفوا عنهم على صلح ولم يصيبوا منهم شيئا. # قال الله تعالى: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} قرأ حمزة والكسائي: "كلم ~~الله" بغير ألف جمع كلمة، وقرأ الآخرون: "كلام الله"، يريدون أن يغيروا ~~مواعيد الله تعالى لأهل الحديبية بغنيمة خيبر خاصة. # وقال مقاتل: يعني أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يسير منهم أحد. # وقال ابن زيد: هو قول الله عز وجل: "فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي ~~أبدا" (التوبة-83) ، والأول أصوب، وعليه عامة أهل التأويل. # {قل لن تتبعونا} إلى خيبر، {كذلكم قال الله من قبل} أي من قبل مرجعنا ~~إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب، {فسيقولون بل ~~تحسدوننا} أي يمنعكم الحسد من أن نصيب معكم الغنائم، {بل كانوا لا يفقهون} ~~لا يعلمون عن الله ما لهم وعليهم من الدين، {إلا قليلا} منهم وهو من صدق ~~الله والرسول. # {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} قال ابن عباس، ~~ومجاهد، PageV07P302 # [وعطاء] (1) : هم أهل فارس. (2) وقال كعب: هم الروم (3) ، وقال الحسن: ~~فارس والروم (4) . وقال سعيد بن جبير: هوازن وثقيف (5) . وقال قتادة: هوازن ~~وغطفان يوم حنين (6) . وقال الزهري، ومقاتل، وجماعة: هم بنو حنيفة أهل ~~اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب. (7) . # قال رافع بن خديج: كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر ~~إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم هم (8) . # وقال ابن جريج: دعاهم ms2364 عمر رضي الله عنه إلى قتال فارس. # وقال أبو هريرة: لم تأت هذه الآية بعد. (9) # {تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا} يعني الجنة، {وإن ~~تتولوا} [تعرضوا] (10) {كما توليتم من قبل} عام الحديبية، {يعذبكم عذابا ~~أليما} وهو النار، فلما نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة: كيف بنا يا رسول ~~الله؟. ### || # {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ~~ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما (17) ~~} # فأنزل الله تعالى (11) : {ليس على الأعمى حرج} [يعني في التخلف عن ~~الجهاد] (12) ، PageV07P303 # {ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما} قرأ أهل المدينة والشام ~~"ندخله" و"نعذبه" بالنون فيهما، وقرأ الآخرون بالياء لقوله: {ومن يطع الله} ~~. ### || # {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم ~~فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) } # {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك} بالحديبية على أن يناجزوا قريشا ~~ولا يفروا، {تحت الشجرة} وكانت سمرة (1) ، قال سعيد بن المسيب: حدثني أبي ~~أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال: فلما ~~خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها (2) . # وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة، ~~فقال: أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول: هاهنا، وبعضهم: هاهنا، فلما كثر اختلافهم ~~قال: سيروا، قد ذهبت الشجرة (3) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا ~~سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله قال: قال لنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض"، وكنا ألفا وأربع مائة، ولو ~~كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة (4) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى ms2365 الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا حجاج، عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع ~~جابرا يسأل: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة فبايعناه، ~~وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري ~~اختبأ تحت بطن بعيره (5) . # وروى سالم عن جابر قال: كنا خمس عشرة مائة (6) . PageV07P304 # وقال عبد الله بن أبي أوفى: كان أصحاب الشجرة ألفا وثلثمائة، وكانت أسلم ~~ثمن المهاجرين (1) . # وكان سبب هذه البيعة-على ما ذكره محمد بن إسحاق عن أهل العلم-أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أبي أمية الخزاعي حين نزل الحديبية، ~~فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على جمل له، يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ~~ما جاء له، فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله ~~فمنعته الأحابيش، فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول ~~الله إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي 130/أبن كعب أحد ~~يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو ~~أعز بها مني: عثمان بن عفان، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان، ~~فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا ~~لهذا البيت معظما لحرمته، فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعد بن العاص ~~حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فنزل عن دابته وحمله بين يديه، ثم أردفه ~~وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عظماء قريش ~~لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن تطوف ~~بالبيت فطف به، قال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ms2366 ~~أن عثمان قد قتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نبرح حتى نناجز ~~القوم"، ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. # وكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، قال ~~بكر بن الأشج: بايعوه على الموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل ~~على ما استطعتم". # وقال جابر بن عبد الله ومعقل بن يسار: لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه ~~على أن لا نفر، فكان أول من بايع بيعة الرضوان رجلا من بني أسد يقال له أبو ~~سنان بن وهب، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا جد بن قيس أخو بني ~~سلمة، قال جابر: لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته مستترا بها من الناس، ثم ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل (2) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن ~~محمد بن فنجويه، حدثنا علي بن أحمد بن نضرويه، حدثنا أبو عمران موسى بن سهل ~~بن عبد الحميد الجوني، حدثنا PageV07P305 # محمد بن رمح، حدثنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة" (1) . # قوله عز وجل: {فعلم ما في قلوبهم} من الصدق والوفاء، {فأنزل السكينة} ~~الطمأنينة والرضا، {عليهم وأثابهم فتحا قريبا} يعني فتح خيبر. ### || # {ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (19) وعدكم الله مغانم ~~كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ~~ويهديكم صراطا مستقيما (20) } # {ومغانم كثيرة يأخذونها} من أموال يهود خيبر، وكانت خيبر ذات عقار ~~وأموال، فاقتسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم {وكان الله عزيزا ~~حكيما} . # {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها} وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم ~~القيامة، {فعجل لكم هذه} يعني خيبر، {وكف أيدي الناس عنكم} وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما قصد خيبر وحاصر أهلها همت قبائل من بني أسد وغطفان ~~أن ms2367 يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة، فكف الله أيديهم بإلقاء ~~الرعب في قلوبهم، وقيل: كف أيدي الناس عنكم يعني أهل مكة بالصلح، {ولتكون} ~~كفهم وسلامتكم، {آية للمؤمنين} على صدقك ويعلموا أن الله هو المتولي ~~حياطتهم وحراستهم في مشهدهم ومغيبهم، {ويهديكم صراطا مستقيما} يثبتكم على ~~الإسلام ويزيدكم بصيرة ويقينا بصلح الحديبية، وفتح خيبر وذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض ~~المحرم ثم خرج في بقية المحرم سنة سبع إلى خيبر. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل ~~بن جعفر، عن حميد، عن أنس بن مالك PageV07P306 # أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا غزا بنا قوما لم يكن يغير بنا حتى ~~يصبح وينظر، فإن سمع أذانا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم قال: ~~فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلا فلما أصبح ولم يسمع أذانا ركب وركبت ~~خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم النبي صلى الله عليه وسلم: قال: فخرجوا ~~إلينا بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: محمد- ~~والله-محمد والخميس، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الله ~~أكبر، الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" ~~(1) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا أبو علي الحنفي عبيد الله بن ~~عبد المجيد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إياس بن سلمة، حدثني أبي قال: ... ~~خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فجعل عمي عامر يرتجز ~~بالقوم: # تالله لولا الله ما اهتدينا %~% ولا تصدقنا ولا صلينا # ونحن عن فضلك ما استغنينا %~% فثبت الأقدام إن لاقينا # [وأنزلن سكينة علينا] (2) # فقال رسول الله صلى الله عليه ms2368 وسلم: "من هذا؟ " فقال: أنا عامر، قال: ~~"غفر لك ربك"، قال: وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان يخصه ~~إلا استشهد، قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له: يا نبي الله لولا ~~متعتنا بعامر، قال: فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول: # قد علمت [خيبر] (3) أني مرحب %~% شاكي السلاح بطل مجرب # إذا الحروب أقبلت تلهب # قال: وبرز له عمي عامر، فقال: # قد علمت خيبر أني عامر %~% شاكي السلاح بطل مغامر # قال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسفل له، فرجع ~~سيفه [على نفسه] (4) فقطع أكحله، وكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا ~~نفر من أصحاب النبي 130/ب صلى الله عليه وسلم يقولون: بطل عمل عامر قتل ~~نفسه، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقلت: يا رسول ~~PageV07P307 # الله بطل عمل عامر قتل نفسه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال ~~ذلك"؟ قلت: ناس من أصحابك، قال: "كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين"، ثم ~~أرسلني إلى علي رضي الله عنه-وهو أرمد-فقال: لأعطين الراية رجلا يحب الله ~~ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال: فأتيت عليا رضي الله عنه فجئت به أقوده وهو ~~أرمد، حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبصق في عينيه فبرأ، ~~وأعطاه الراية، وخرج مرحب فقال: # قد علمت خيبر أني مرحب %~% شاكي السلاح بطل ~~مجرب # إذا الحروب أقبلت تلهب # فقال علي رضي الله عنه: # أنا الذي سمتني أمي حيدره %~% كليث غابات [كريه المنظره] (1) # أوفيهم بالصاع كيل السندره # قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه (2) . # وروى حديث خيبر جماعة: سهل بن سعد، وأنس، وأبو هريرة، يزيدون وينقصون، ~~وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى ~~الناس، فأخذ أبو بكر رضي الله عنه راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~نهض فقاتل قتالا شديدا، ثم رجع فأخذها عمر رضي الله عنه فقاتل قتالا ms2369 شديدا، ~~هو أشد من القتال الأول، ثم رجع، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ~~فقال: "لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح ~~الله على يديه"، فدعا علي بن أبي طالب فأعطاه إياها وقال: "امش ولا تلتفت ~~حتى يفتح الله عليك"، فأتى مدينة خيبر، فخرج مرحب، صاحب الحصن، وعليه مغفر ~~وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز، فبرز إليه علي فضربه فقد ~~الحجر والمغفر وفلق رأسه حتى أخذ السيف في الأضراس، ثم خرج بعد مرحب أخوه ~~ياسر، يرتجز فخرج إليه الزبير بن العوام، فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: ~~أيقتل ابني يا رسول الله؟ قال: "بل ابنك يقتله إن شاء الله"، ثم التقيا ~~فقتله الزبير، ثم لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح الحصون، ويقتل ~~المقاتلة ويسبي الذرية، ويحوز الأموال. # قال محمد بن إسحاق: وكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، وعنده قتل محمود بن ~~سلمة، PageV07P308 # ألقت عليه اليهود حجرا فقتله، ثم فتح العموص، حصن ابن أبي الحقيق، فأصاب ~~منها سبايا، منهم صفية بنت حيي بن أخطب، جاء بلال بها وبأخرى معها، فمر ~~بهما على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت ~~التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أعزبوا ~~عني هذه الشيطانة"، وأمر بصفية فحيزت خلفه، وألقى عليها رداءه فعرف ~~المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اصطفاها لنفسه، وقال رسول الله ~~لبلال، لما رأى من تلك اليهودية ما رأى: "أنزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمر ~~بامرأتين على قتلى رجالهما"، وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة ~~بن الربيع بن أبي الحقيق أن قمرا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها، ~~فقال: ما هذا إلا أنك تتمنين ملك الحجاز محمدا، فلطم وجهها لطمة اخضرت ~~عينها منها، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وبها أثر منها فسألها ~~ما هو؟ فأخبرته هذا الخبر، وأتى رسول الله ms2370 صلى الله عليه وسلم بزوجها كنانة ~~بن الربيع، وكان عنده كنز بني النضير فسأله، فجحده أن يكون يعلم مكانه، ~~فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل من اليهود فقال لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إني قد رأيت كنانة يطوف بهذه الخربة كل غداة، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك أنقتلك؟ قال: نعم؟ ~~فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ~~ثم سأله ما بقي فأبى أن يؤديه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير ~~بن العوام فقال: عذبه حتى تستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزند في صدره ~~حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن ~~مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة. (1) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن ~~علية، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم، وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم حسر ~~الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم، ~~فلما دخل القرية قال: "الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء ~~صباح المنذرين"، قالها ثلاثا، وخرج القوم إلى أعمالهم، فقالوا: محمد قال ~~عبد العزيز، وقال بعض أصحابنا: والخميس يعني: الجيش قال: فأصبناها عنوة، ~~فجمع السبي فجاء دحية فقال: يا نبي الله [أعطني جارية من السبي، قال: اذهب ~~فخذ جارية فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا نبي الله] (2) أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير، لا ~~تصلح ms2371 إلا لك، قال: "ادعوه بها"، فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "خذ جارية من السبي غيرها"، قال: فأعتقها النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتزوجها، PageV07P309 # فقال له ثابت: يا أبا حمزة ما أصدقها؟ قال: نفسها، أعتقها وتزوجها، حتى ~~إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم، فأهدتها له من الليل، فأصبح النبي صلى ~~الله عليه وسلم عروسا، فقال: من كان عنده شيء فليجىء به، وبسط نطعا فجعل ~~الرجل يجيء بالتمر وجعل الآخر يجيء بالسمن، قال: 131/أوأحسبه قد ذكر ~~السويق، قال: فحاسوا حيسا فكانت وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا ~~عبد الواحد الشيباني قال: سمعت ابن أبي أوفى يقول: أصابتنا مجاعة ليالي ~~خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها، فلما غلت ~~القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم اكفئوا القدور ولا تطعموا ~~من لحوم الحمر شيئا، قال عبد الله: فقلنا إنما نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأنها لم تخمس، وقال آخرون: حرمها البتة، وسألت سعيد بن جبير فقال: ~~حرمها البتة. (2) # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، أخبرنا خالد بن الحارث، حدثنا شعبة، عن هشام ~~بن زيد، عن أنس أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة ~~مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها عن ~~ذلك، فقالت: أردت لأقتلك، قال: "ما كان الله ليسلطك على ذلك، أو قال: علي ~~"، قال: قالوا ألا نقتلها؟ قال: لا قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (3) . # وقال محمد بن إسماعيل: قال يونس، عن الزهري قال عروة، قالت عائشة: كان ~~النبي صلى الله عليه ms2372 وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: "يا عائشة ما أزال ~~أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم" ~~(4) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا حرمي، ~~أخبرنا شعبة قال: أخبرني عمارة، عن عكرمة، PageV07P310 # عن عائشة قالت: لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا فضيل ~~بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، أخبرني نافع، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب ~~أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما ظهر على أهل خيبر أراد أن يخرج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظهر عليها ~~لله ولرسوله وللمسلمين، فسأل اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يتركهم على أن يكفوا العمل ولهم نصف الثمر، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "نقركم على ذلك ما شئنا". فأقروا حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء ~~وأريحاء (2) . # قال محمد بن إسحاق: فلما سمع أهل فدك بما صنع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بخيبر بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسيرهم ~~ويحقن لهم دماءهم، ويخلوا له الأموال، ففعل. ثم إن أهل خيبر سألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم الأموال على النصف، ففعل على أنا إذا ~~شئنا أخرجناكم، فصالحه أهل فدك على مثل ذلك، فكانت خيبر للمسلمين وكانت فدك ~~خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ~~ركاب. # فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة ~~سلام بن مشكم شاة مصلية، وقد سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها السم، وسممت سائر الشاة، ثم ms2373 ~~جاءت بها فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، تناول الذراع ~~فأخذها فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، وقد أخذ ~~منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشر فأساغها، وأما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلفظها، ثم قال: "إن هذا العظم ليخبرني أنه ~~مسموم"، ثم دعا بها فاعترفت، فقال: "ما حملك على ذلك؟ " قالت: بلغت من قومي ~~ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكا استرحت منه، وإن كان نبيا فسيخبر، ~~فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات بشر بن البراء من أكلته ~~التي أكل. # قال: ودخلت أم بشر بن البراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعوده في ~~مرضه الذي توفي فيه، فقال: PageV07P311 # "يا أم بشر ما زالت أكلة خيبر التي أكلت بخيبر مع ابنك تعاودني فهذا أوان ~~انقطاع أبهري" (1) ، وكان المسلمون يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مات شهيدا مع ما أكرمه الله من النبوة. ### || # {وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا ~~(21) ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا ~~(22) سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) } # {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ~~وكان الله بما تعملون بصيرا (24) } # قوله عز وجل: {وأخرى لم تقدروا عليها} أي وعدكم الله فتح بلدة أخرى لم ~~تقدروا عليها، {قد أحاط الله بها} حتى يفتحها لكم كأنه حفظها لكم ومنعها من ~~غيركم حتى تأخذوها، قال ابن عباس: علم الله أنه يفتحها لكم. # واختلفوا فيها، فقال ابن عباس، والحسن ومقاتل: هي فارس والروم، وما كانت ~~العرب تقدر على قتال فارس والروم، بل كانوا خولا لهم حتى قدروا عليها ~~بالإسلام. # وقال الضحاك وابن زيد: هي خيبر، وعدها الله نبيه صلى الله عليه وسلم قبل ~~أن يصيبها، ولم يكونوا يرجونها. # وقال قتادة: هي مكة. وقال ms2374 عكرمة: حنين. وقال مجاهد: ما فتحوا حتى اليوم. # {وكان الله على كل شيء قديرا} . # {ولو قاتلكم الذين كفروا} يعني: أسد، وغطفان، وأهل خيبر، {لولوا الأدبار} ~~[لانهزموا] (1) ، {ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا} . # {سنة الله التي قد خلت من قبل} أي كسنة الله في نصر أوليائه وقهر أعدائه، ~~{ولن تجد لسنة الله تبديلا} . # قوله عز وجل: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن ~~أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا} قرأ أبو عمرو بالياء، وقرأ ~~الآخرون بالتاء، واختلفوا في هؤلاء: PageV07P312 # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر 131/ب أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا ~~محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن ~~الحجاج، حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن ~~سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنهم: أن ثمانين رجلا من أهل مكة، ~~هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غدر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم سلما فاستحياهم، فأنزل الله عز ~~وجل هذه الآية: "وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن ~~أظفركم عليهم". (1) # قال عبد الله بن مغفل المزني: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية ~~في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وعلى ظهره غصن من أغصان تلك ~~الشجرة فرفعته عن ظهره، وعلي بن أبي طالب بين يديه يكتب كتاب الصلح، فخرج ~~علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "جئتم في عهد؟ أو هل جعل لكم أحد أمانا؟ " ~~فقالوا: اللهم لا فخلى سبيلهم (2) ، [فأنزل الله عز وجل هذه الآية] (3) . ### || # {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ~~ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم ms2375 ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما (25) } # قوله عز وجل: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام} الآية. روى ~~الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة عام الحديبية في بضع عشرة مائة من ~~أصحابه، يريدون زيارة البيت، لا يريد قتالا وساق معه سبعين بدنة، والناس ~~سبعمائة رجل، وكانت كل بدنة عن عشرة نفر، فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي ~~وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عينا له من خزاعة يخبره عن قريش، وسار النبي ~~صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان، أتاه عينة ~~الخزاعي وقال: إن قريشا قد جمعوا لك جموعا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم ~~مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أشيروا علي أيها ~~الناس، أترون PageV07P313 # أن أميل على ذراري هؤلاء الذين عاونوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا ~~موتورين، وإن نجوا تكن عنقا قطعها الله؟ أو ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه ~~قاتلناه؟ ". # فقال أبو بكر: يا رسول الله إنما خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتال أحد ~~ولا حربا، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه. # فقال: "امضوا على اسم الله"، فنفروا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ~~خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين"، فوالله ما ~~شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبي ~~صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به ~~راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: "خلأت القصواء، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس ~~الفيل"، ثم قال: "والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يعظمون ~~فيها حرمات الله وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياه، ثم زجرها فوثبت. # قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل ms2376 الماء يتبرضه الناس ~~تبرضا، فلم يلبث الناس أن نزحوه، وشكا الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~العطش، فنزع سهما من كنانته وأعطاه رجلا من أصحابه يقال له ناجية بن عمير، ~~وهو سائق بدن النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل في البئر فغرزه في جوفه، ~~فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاءه بديل ~~بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي نزلوا أعداد مياه ~~الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا ~~معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ~~ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس ~~فعلوا، وإلا فقد جموا وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا ~~حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره". # فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا، قال: إنا قد جئناكم ~~من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، قال: ~~فقال سفاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذو الرأي منهم: هات ما ~~سمعته يقول. # قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم. ~~فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: ~~أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: # PageV07P314 # لا قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا (1) علي جئتكم ~~بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد ~~فاقبلوها ودعوني آته، قالوا: ائته. فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل. فقال عروة عند ~~ذلك: يا محمد أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب ms2377 اجتاح أصله ~~قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لأرى وجوها وأشوابا من الناس خليقا أن ~~يفروا ويدعوك. # فقال له أبو بكر الصديق: امصص بظر اللات (2) ، أنحن نفر عنه وندعه؟. # فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك ~~عندي لم أجزك بها لأجبتك. # قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، وكلما كلمه 132/أأخذ بلحيته، ~~والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه ~~المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده ~~بنعل السيف، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع ~~عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر ألست أسعى ~~في غدرتك. # وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه ~~في شيء". # ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فوالله-ما ~~تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك ~~بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على ~~وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، ~~فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على ~~قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب ~~محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه ~~وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا ~~تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظرة تعظيما له، وإنه قد عرض ~~عليكم خطة رشد فاقبلوها. # فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه، PageV07P315 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا فلان وهو من قوم يعظمون ms2378 البدن، ~~فابعثوها له"، فبعثت له واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان ~~الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت؟ # فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا ~~عن البيت. # ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة وكان يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا بالهدي في ~~وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل ~~أوباره من طول الحبس، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إعظاما لما رأى فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما لا يحل صد الهدي في ~~قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، فقالوا له: اجلس إنما أنت ~~رجل أعرابي لا علم لك، فغضب الحليس عند ذلك، فقال: يا معشر قريش والله ما ~~على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أن تصدوا عن بيت الله من جاءه ~~معظما له، والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن ~~بالأحابيش نفرة رجل واحد، فقالوا له: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ~~بما نرضى به. # فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما ~~أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا مكرز وهو رجل فاجر، فجعل يكلم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، وقال ~~عكرمة: فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: قد سهل لكم من أمركم. # قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات نكتب بيننا وبينكم ~~كتابا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~فقال له: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. # فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم، كما ~~كنت تكتب. # فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا ms2379 بسم الله الرحمن الرحيم. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: " اكتب باسمك اللهم، ثم قال: اكتب: ~~هذا ما قضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم". # فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا ~~قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، ~~اكتب يا علي: محمد بن عبد الله. # PageV07P316 # قال الزهري: وذلك لقوله: لا يسألون خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا ~~أعطيتهم إياها، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، ~~واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيه الناس ويكف بعضهم عن ~~بعض، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وعلى أن تخلوا بيننا وبين البيت، ~~فنطوف به، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من ~~العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل -وإن كان على ~~دينك -إلا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين ~~وقد جاء مسلما؟. # وروى أبو إسحاق عن البراء قصة الصلح وفيه قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ~~ما منعناك شيئا ولكن أنت محمد بن عبد الله، قال: أنا رسول الله وأنا محمد ~~بن عبد الله، ثم قال لعلي رضي الله عنه: امح رسول الله، قال: لا والله لا ~~أمحوك أبدا، قال: "فأرنيه"، فأراه إياه، فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بيده، وفي روايته: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن أن ~~يكتب، فكتب: هذا ما قضى محمد بن عبد الله. # قال البراء: صالح على ثلاثة أشياء: على أن من أتاه من المشركين رده ~~إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلى أن يدخلها من قابل، ويقيم بها ~~ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف والقوس ونحوه. # وروى ثابت عن أنس: أن قريشا صالحوا 132/ب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فاشترطوا: أن من جاءنا ms2380 منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، ~~فقالوا: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال: "نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده ~~الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا". # رجعنا إلى حديث الزهري قال: فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن ~~عمرو، يرسف في قيوده قد انفلت وخرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر ~~المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال ~~النبي: إنا لم نقض الكتاب بعد، قال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجره لي، فقال: فما أنا بمجيره لك، قال: ~~بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، ثم جعل سهيل يجره ليرده إلى قريش، قال أبو ~~جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما لقيت؟ ~~وكان قد عذب عذابا شديدا في الله. # وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا جندل احتسب فإن ~~الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين ~~القوم عقدا وصلحا، وإنا لا نغدر، فوثب عمر يمشي إلى جنب أبي جندل، ويقول: ~~اصبر فإنما هم المشركون ودم أحدهم كدم كلب، ويدني قائم السيف منه، قال عمر: ~~رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه فضن الرجل بأبيه. # PageV07P317 # وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في ~~الفتح، لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ذلك دخل الناس ~~أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، وزادهم أمر أبي جندل شرا إلى ما بهم. # قال عمر: [والله] (1) ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ. # قال الزهري في حديثه عن عروة عن [مروان] (2) والمسور، ورواه أبو وائل عن ~~سهل بن حنيف قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فأتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على ~~الباطل؟ ms2381 قال: بلى، قلت: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، ~~قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ~~ناصري، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، ~~أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قلت: لا قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال: فأتيت ~~أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا ~~على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم ~~في النار؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: أيها الرجل ~~إنه رسول الله ليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق، ~~قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك ~~تأتيه العام؟ قلت: لا قال: فإنك آتيه ومطوف به. # قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. # قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأصحابه: قوموا فانحروا، ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام رجل منهم، حتى قال ~~ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما ~~لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا ~~منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى ~~فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل ~~بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم أن يقتل بعضا غما. # قال ابن عمر وابن عباس: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين؟ قال: يرحم ~~الله المحلقين، قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: PageV07P318 # والمقصرين، قالوا: يا رسول الله فلم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين؟ ~~قال: لأنهم لم يشكوا. قال ابن عمر: وذلك لأنه تربص قوم وقالوا لعلنا نطوف ~~بالبيت. # قال ابن عباس: وأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2382 عام الحديبية في ~~هداياه جملا لأبي جهل في رأسه برة من فضة ليغيظ المشركين بذلك. # وقال الزهري في حديثه: ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى "يا أيها ~~الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات"، حتى بلغ "بعصم الكوافر" ~~(الممتحنة-10) ، فطلق عمر رضي الله عنه يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، ~~فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية، قال: فنهاهم أن ~~يردوا النساء وأمر برد الصداق. # قال: ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير عتبة ~~بن أسيد، رجل من قريش وهو مسلم، وكان ممن حبس بمكة فكتب فيه أزهر بن عبد ~~عوف والأخنس بن شريق الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثا في ~~طلبه رجلا من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم، فقدما على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقالا العهد الذي جعلت لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصح في ديننا ~~الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، ثم دفعه إلى ~~الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو ~~بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيدا، فاستله الآخر، فقال: أجل ~~والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت به، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، ~~فأخذوه وعلاه به فضربه حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد ~~يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعرا، فلما ~~انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ويلك مالك؟ قال: قتل والله صاحبي ~~وإني لمقتول، 133/أفوالله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف حتى وقف ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله أوفى الله ذمتك قد ~~رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه ~~مسعر حرب، لو ms2383 كان معه أحد، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى ~~سيف البحر، وبلغ المسلمين الذين كانوا حبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأبي بصير: ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد، فخرج عصابة منهم ~~إليه، وانفلت أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، حتى اجتمع إليه قريب من ~~سبعين رجلا فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها ~~فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده ~~الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل إليهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقدموا عليه بالمدينة، فأنزل الله تعالى: "وهو الذي كف أيديهم ~~عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون ~~بصيرا" حتى بلغ "حمية الجاهلية"، # PageV07P319 # وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقروا ~~ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينه وبين البيت (1) . # قال الله عز وجل: {هم الذين كفروا} يعني كفار مكة، {وصدوكم عن المسجد ~~الحرام} أن تطوفوا به، {والهدي} أي: وصدوا الهدي، وهي البدن التي ساقها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت سبعين بدنة، {معكوفا} محبوسا، يقال: ~~عكفته عكفا إذا حبسته وعكوفا لازم، كما يقال: رجع رجعا ورجوعا، {أن يبلغ ~~محله} منحره وحيث يحل نحره يعني الحرم، {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} ~~يعني المستضعفين بمكة، {لم تعلموهم} لم تعرفوهم، {أن تطأوهم} بالقتل ~~وتوقعوا بهم، {فتصيبكم منهم معرة بغير علم} قال ابن زيد: معرة إثم. وقال ~~ابن إسحاق: غرم الدية. # وقيل: الكفارة لأن الله عز وجل أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم ~~يعلم إيمانه الكفارة دون الدية، فقال: "فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة" (النساء-92) . # وقيل: هو أن المشركين يعيبونكم ويقولون قتلوا أهل دينهم، والمعرة: ~~المشقة، يقول: لولا أن تطؤوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم فيلزمكم ~~بهم كفارة أو يلحقكم سبة. وجواب لولا محذوف، تقديره: ms2384 لأذن لكم في دخولها ~~ولكنه حال بينكم وبين ذلك. # {ليدخل الله في رحمته من يشاء} فاللام في "ليدخل" متعلق بمحذوف دل عليه ~~معنى الكلام، يعني: حال بينكم وبين ذلك ليدخل الله في رحمته في دين الإسلام ~~من يشاء من أهل مكة بعد الصلح قبل أن تدخلوها، {لو تزيلوا} لو تميزوا يعني ~~المؤمنين من الكفار، {لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} بالسبي والقتل ~~بأيديكم. PageV07P320 # وقال بعض أهل العلم: "لعذبنا" جواب لكلامين أحدهما: "لولا رجال"، ~~والثاني: "لو تزيلوا"، ثم قال: {ليدخل الله في رحمته من يشاء} يعني ~~المؤمنين والمؤمنات. # وقوله: {في رحمته} أي جنته. وقال قتادة في هذه الآية: إن الله يدفع ~~بالمؤمنين عن الكفار كما دفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكة. ### || # {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان ~~الله بكل شيء عليما (26) } # {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية} حين صدوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه عن البيت، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وأنكروا محمدا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحمية: الأنفة، يقال: فلان ذو حمية إذا ~~كان ذا غضب وأنفة. # قال مقاتل: قال أهل مكة: قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلون علينا، ~~[فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا] (1) على رغم أنفنا، واللات والعزى لا ~~يدخلونها علينا، فهذه "حمية الجاهلية"، التي دخلت قلوبهم. # {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} حتى لم يدخلهم ما دخلهم من ~~الحمية فيعصوا الله في قتالهم، {وألزمهم كلمة التقوى} قال ابن عباس، ~~ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، والسدي، وابن زيد، وأكثر المفسرين: كلمة ~~التقوى "لا إله إلا الله" (2) . # وروي عن أبي بن كعب مرفوعا. # وقال علي وابن عمر: "كلمة التقوى" لا إله إلا الله والله أكبر (3) . # وقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شيء قدير (4) . PageV07P321 # وقال عطاء الخراساني: هي لا إله إلا ms2385 الله محمد رسول الله (1) . # وقال الزهري: هي بسم الله الرحمن الرحيم (2) . # {وكانوا أحق بها} من كفار مكة، {وأهلها} أي وكانوا أهلها في علم الله، ~~لأن الله تعالى اختار لدينه وصحبة نبيه أهل الخير، {وكان الله بكل شيء ~~عليما} . ### || # {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ~~آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك ~~فتحا قريبا (27) } # {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ~~آمنين} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أري في المنام بالمدينة قبل أن ~~يخرج إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين، ويحلقون ~~رؤوسهم ويقصرون، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا وحسبوا أنهم داخلو مكة عامهم ~~ذلك، فلما انصرفوا ولم يدخلوا شق عليهم، فأنزل الله هذه الآية (3) . # وروي عن مجمع بن جارية الأنصاري: قال شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، [فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر، فقال بعضهم: ~~ما بال الناس؟ فقالوا: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فخرجنا ~~نوجف، فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم] (4) واقفا على راحلته عند كراع ~~الغميم، فلما اجتمع إليه الناس قرأ: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا"، فقال عمر: ~~أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: "نعم والذي نفسي بيده" (5) . # ففيه دليل على أن المراد بالفتح صلح الحديبية، وتحقق الرؤيا كان في العام ~~المقبل، فقال جل ذكره: # "لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق"، أخبر أن الرؤية التي أراه إياها في ~~مخرجه إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام صدق وحق. ~~PageV07P322 # قوله: {لتدخلن} يعني وقال: لتدخلن. وقال ابن كيسان: "لتدخلن" من قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه حكاية عن رؤياه، فأخبر الله عن رسوله أنه ~~قال ذلك، وإنما استثنى 133/ب مع علمه بدخولها بإخبار الله تعالى، تأدبا ~~بآداب الله، حيث قال له: "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء ~~الله" (الكهف-23) . # وقال أبو عبيدة: "إن" ms2386 بمعنى إذ، مجازه: إذ شاء الله، كقوله: "إن كنتم ~~مؤمنين". # وقال الحسين بن الفضل: يجوز أن يكون الاستثناء من الدخول، لأن بين الرؤيا ~~وتصديقها سنة، ومات في تلك السنة ناس فمجاز الآية: لتدخلن المسجد الحرام ~~كلكم إن شاء الله. # وقيل الاستثناء واقع على الأمن لا على الدخول، لأن الدخول لم يكن فيه شك، ~~كقول النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول المقبرة: "وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون" (1) ، فالاستثناء راجع إلى اللحوق لا إلى الموت. # {محلقين رءوسكم} كلها، {ومقصرين} بأخذ بعض شعورها، {لا تخافون فعلم ما لم ~~تعلموا} أن الصلاح كان في الصلح وتأخير الدخول، وهو قوله تعالى: "ولولا ~~رجال مؤمنون ونساء مؤمنات" الآية (الفتح-25) . {فجعل من دون ذلك} أي من قبل ~~دخولكم المسجد الحرام، {فتحا قريبا} وهو صلح الحديبية عند الأكثرين، وقيل: ~~فتح خيبر. ### || # {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله ~~شهيدا (28) } # {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا ~~سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك ~~مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى ~~على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما (29) } # {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله ~~شهيدا} على أنك نبي صادق فيما تخبر. # {محمد رسول الله} تم الكلام هاهنا، قاله ابن عباس، شهد له بالرسالة، ثم ~~قال مبتدئا: {والذين معه} فالواو فيه للاستئناف، أي: والذين معه من ~~المؤمنين، {أشداء على الكفار} غلاظ عليهم كالأسد على فريسته لا تأخذهم فيهم ~~رأفة، {رحماء بينهم} متعاطفون متوادون بعضهم # PageV07P323 # لبعض، كالولد مع الوالد، كما قال: "أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين": (المائدة-54) : {تراهم ركعا سجدا} أخبر عن كثرة صلاتهم ~~ومداومتهم عليها، {يبتغون فضلا من الله} أن يدخلهم الجنة، {ورضوانا} أن ~~يرضى عنهم، {سيماهم} أي علامتهم، {في وجوههم من أثر السجود} اختلفوا في هذه ~~السيما: ms2387 فقال قوم: هو نور وبياض في وجوههم يوم القيامة يعرفون به أنهم ~~سجدوا في الدنيا، وهو رواية عطية العوفي عن ابن عباس، قال عطاء بن أبي رباح ~~والربيع بن أنس: استنارت وجوههم من كثرة ما صلوا. وقال شهر بن حوشب: تكون ~~مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر. # وقال آخرون: هو السمت الحسن والخشوع والتواضع. وهو رواية الوالبي عن ابن ~~عباس قال: ليس بالذي ترون لكنه سيماء الإسلام وسجيته وسمته وخشوعه. وهو قول ~~مجاهد، والمعنى: أن السجود أورثهم الخشوع والسمت الحسن الذي يعرفون به. # وقال الضحاك: هو صفرة الوجه من السهر. # وقال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى. # قال عكرمة وسعيد بن جبير: هو أثر التراب على الجباه. # قال أبو العالية: إنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب. # وقال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس (1) ~~. # {ذلك} الذي ذكرت، {مثلهم} صفتهم {في التوراة} هاهنا تم الكلام، ثم ذكر ~~نعتهم في الإنجيل، فقال: {ومثلهم} صفتهم، {في الإنجيل كزرع أخرج شطأه} قرأ ~~ابن كثير، وابن عامر: "شطأه" بفتح الطاء، وقرأ الآخرون بسكونها، وهما لغتان ~~كالنهر والنهر، وأراد أفراخه، يقال: أشطأ الزرع فهو مشطىء، إذا أفرخ، قال ~~مقاتل: هو نبت واحد، فإذا خرج ما بعده فهو شطؤه. PageV07P324 # وقال السدي: هو أن يخرج معه الطاقة الأخرى. # قوله: {فآزره} قرأ ابن عامر: "فأزره" بالقصر والباقون بالمد، أي: قواه ~~وأعانه وشد أزره، {فاستغلظ} غلظ ذلك الزرع، {فاستوى} أي تم وتلاحق نباته ~~وقام، {على سوقه} أصوله، {يعجب الزراع} أعجب ذلك زراعه. # هذا مثل ضربه الله عز وجل لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل ~~[أنهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون. # قال قتادة: مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنجيل] (1) ~~مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~(2) . # وقيل: "الزرع" محمد صلى الله عليه وسلم، و"الشطء": أصحابه والمؤمنون. # وروي عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: "محمد رسول الله والذين معه": أبو ~~بكر ms2388 الصديق رضي الله عنه، "أشداء على الكفار" عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ~~"رحماء بينهم" عثمان بن عفان رضي الله عنه، "تراهم ركعا سجدا" علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه، "يبتغون فضلا من الله" بقية العشرة المبشرين بالجنة. # وقيل: "كمثل زرع" محمد، "أخرج شطأه" أبو بكر "فآزره" عمر "فاستغلظ" ~~عثمان، للإسلام "فاستوى على سوقه" علي بن أبي طالب استقام الإسلام بسيفه، ~~"يعجب الزراع" قال: هم المؤمنون. # {ليغيظ بهم الكفار} قول عمر لأهل مكة بعدما أسلم: لا تعبدوا الله سرا بعد ~~اليوم: # حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد الشجاعي السرخسي إملاء، أخبرنا أبو بكر عبد ~~الله بن أحمد القفال، حدثنا أبو أحمد عبد الله بن محمد الفضل السمرقندي، ~~حدثنا شيخي أبو عبد الله محمد بن الفضل البلخي، حدثنا أبو رجاء قتيبة بن ~~سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبد الرحمن بن حميد، عن ~~أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "أبو بكر ~~في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، ~~والزبير في الجنة، وعبد الرحمن PageV07P325 # بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة وأبو ~~عبيدة بن الجراح في الجنة" (1) . # حدثنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن ~~عثمان بن قاسم حدثنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي، حدثنا أحمد بن ~~هاشم الأنطاكي، حدثنا قطبة بن العلاء، حدثنا سفيان الثوري، عن خالد الخذاء، ~~عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أرحم ~~أمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأفرضهم زيد، ~~وأقرؤهم أبي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكل أمة أمين، وأمين ~~هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" (2) . # ورواه معمر عن قتادة مرسلا وفيه: "وأقضاهم علي" (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، ms2389 حدثنا معلى بن أسد، حدثنا عبد العزيز ~~المختار قال خالد الحذاء، حدثنا عن أبي عثمان قال حدثني عمرو بن العاص ~~134/أأن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته ~~فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ فقال: أبوها، قلت: ~~ثم من؟ قال: عمر بن الخطاب فعد رجالا فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم (4) . # أخبرنا أبو منصور عبد الملك وأبو الفتح نصر، ابنا علي بن أحمد بن منصور ~~ومحمد بن الحسين بن شاذويه الطوسي بها قالا حدثنا أبو الحسن محمد بن يعقوب، ~~أخبرنا الحسن بن محمد بن أحمد بن كيسان النحوي، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن ~~شريك الأسدي، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل هو ابن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدثنا ~~أبي عن أبيه عن سلمة عن أبي الزعراء عن ابن مسعود PageV07P326 # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اقتدوا باللذين من بعدي من ~~أصحابي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد عبد الله بن مسعود" ~~(1) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن ~~بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا ~~عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أن أحدا ارتج وعليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"اثبت أحد ما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" (2) . # أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن ~~محمد بن موسى بن الصلت، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، ~~حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر ~~بن حبيش، عن علي قال: عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يحبك إلا ~~مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق (3) . # حدثنا أبو المظفر التميمي، أخبرنا عبد الرحمن بن عثمان، أخبرنا خيثمة بن ~~سليمان، حدثنا محمد بن عيسى بن حيان المدائني، حدثنا محمد ms2390 بن الفضل بن ~~عطية، عن عبد الله بن مسلم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "من مات من أصحابي بأرض كان نورهم وقائدهم يوم القيامة" (4) . # قوله عز وجل: {ليغيظ بهم الكفار} أي إنما كثرهم وقواهم ليكونوا غيظا ~~للكافرين. PageV07P327 # قال مالك بن أنس: من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية (1) . # أخبرنا أبو الطيب طاهر بن محمد بن العلاء البغوي، حدثنا أبو معمر الفضل ~~بن إسماعيل بن إبراهيم الإسماعيلي، أخبرنا جدي أبو بكر أحمد بن إبراهيم ~~الإسماعيلي، أخبرني الهيثم بن خلف الدوري، حدثنا المفضل بن غسان بن المفضل ~~العلائي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا عبيدة بن أبي رابطة عن عبد ~~الرحمن بن زياد عن عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، الله الله في ~~أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي ~~أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك ~~أن يأخذه" (2) . # حدثنا أبو المظفر بن محمد بن أحمد بن حامد التميمي، أخبرنا أبو محمد عبد ~~الرحمن بن عثمان بن القاسم، أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان، حدثنا ~~إبراهيم بن عبد الله العبسي القصار بالكوفة، أخبرنا وكيع بن الجراح، عن ~~الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ~~ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسين ~~الزعفراني، حدثنا أبو محمد عبد الله بن عروة، حدثنا محمد بن الحسين بن محمد ~~بن إشكاب، حدثنا شبابة (4) بن سوار، حدثنا فضيل بن مرزوق عن أبي خباب عن ~~أبي سليم الهمداني، عن أبيه، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن ms2391 سرك أن تكون من أهل الجنة فإن قوما يتنحلون حبك يقرؤون القرآن لا ~~يجاوز تراقيهم، PageV07P328 # نبزهم الرافضة، فإن أدركتهم فجاهدهم فإنهم مشركون" (1) ، في إسناد هذا ~~الحديث نظر. # قول الله عز وجل: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم} قال ابن ~~جرير: يعني من الشطء الذي أخرجه الزرع، وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع ~~إلى يوم القيامة، ورد الهاء والميم على معنى الشطء لا على لفظه، ولذلك لم ~~يقل: "منه"، {مغفرة وأجرا عظيما} يعني الجنة. PageV07P329 ### | سورة الحجرات # مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله ~~سميع عليم (1) } # {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} قرأ يعقوب: "لا ~~تقدموا" بفتح التاء والدال، من التقدم أي لا تتقدموا، وقرأ الآخرون بضم ~~التاء وكسر الدال، من التقديم، وهو لازم بمعنى التقدم، [قال أبو عبيدة] (2) ~~: تقول العرب: لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب، أي لا تعجل بالأمر ~~والنهي دونه، والمعنى: بين اليدين الأمام. والقدام: أي لا تقدموا بين يدي ~~أمرهما ونهيهما. واختلفوا في معناه: روى الشعبي عن جابر أنه في الذبح يوم ~~الأضحى، وهو قول الحسن، أي لا تذبحوا قبل أن يذبح النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وذلك أن ناسا ذبحوا قبل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن ~~يعيدوا الذبح (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن ~~يزيد، عن الشعبي، عن البراء قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~النحر، قال: "إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن ~~فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل أن نصلي فإنما هو لحم عجله لأهله ليس ~~من النسك PageV07P330 # في شيء" (1) . # وروى مسروق عن عائشة أنه في النهي عن صوم يوم الشك (2) ، أي: لا تصوموا ~~قبل أن يصوم نبيكم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا ms2392 أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن موسى، 134/ب حدثنا ~~هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم عن ابن أبي مليكة، أن عبد الله بن الزبير ~~أخبرهم، أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو ~~بكر: أمر القعقاع معبد بن زرارة، قال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، قال أبو ~~بكر: ما أردت إلا خلافي، قال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت ~~أصواتهما، فنزلت في ذلك: "يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله" حتى انقضت (3) . # ورواه نافع عن ابن أبي مليكة، قال فنزلت: "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي" إلى قوله: "أجر عظيم"، وزاد: قال ابن الزبير: فما ~~كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم ~~يذكر عن أبيه، يعني أبا بكر (4) . # وقال قتادة: نزلت الآية في ناس كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، أو صنع في ~~كذا وكذا، فكره الله ذلك (5) . # وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضيه ~~الله على لسانه (6) . # وقال الضحاك: يعني في القتال وشرائع الدين لا تقضوا أمرا دون الله ~~ورسوله. PageV07P334 # {واتقوا الله} في تضييع حقه ومخالفة أمره، {إن الله سميع} لأقوالكم، ~~{عليم} بأفعالكم. ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) } # {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض} أمرهم أن يبجلوه ويفخموه ولا يرفعوا أصواتهم عنده، ~~ولا ينادونه كما ينادي بعضهم بعضا، {أن تحبط أعمالكم} لئلا تحبط حسناتكم. ~~وقيل: مخافة أن تحبط حسناتكم، {وأنتم لا تشعرون} . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد بن عيسى ~~الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو ~~بكر بن ms2393 أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت ~~البناني، عن أنس بن مالك قال: لما نزلت هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي" الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا ~~من أهل النار واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو ما شأن ثابت أشتكى؟ فقال سعد: إنه ~~لجاري وما علمت له شكوى، قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل هو من أهل الجنة" ~~(1) . # وروي أنه لما نزلت هذه الآية قعد ثابت في الطريق يبكي، فمر به عاصم بن ~~عدي فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت في، وأنا ~~رفيع الصوت أخاف أن يحبط عملي، وأن أكون من أهل النار، فمضى عاصم إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وغلب ثابتا البكاء، فأتى امرأته جميلة بنت عبد ~~الله بن أبي سلول، فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي فشدي علي الضبة بمسمار، ~~وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله أو يرضى عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأتى عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبره فقال له: اذهب فادعه، ~~فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فلم يجده، فجاء PageV07P335 # إلى أهله فوجده في بيت الفرس، فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يدعوك، فقال: اكسر الضبة فكسرها، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: أنا صيت وأتخوف أن ~~تكون هذه الآية نزلت في، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن ~~تعيش حميدا ms2394 وتقتل شهيدا وتدخل الجنة؟ فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله، ولا ~~أرفع صوتي أبدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {إن الذين ~~يغضون أصواتهم عند رسول الله} . ### || # {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) } # {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله} الآية (1) . # قال أنس: فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا، فلما كان يوم ~~اليمامة في حرب مسيلمة الكذاب، رأى ثابت من المسلمين بعض الانكسار وانهزمت ~~طائفة منهم، فقال: أف لهؤلاء، ثم قال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة: ما كنا ~~نقاتل (2) أعداء الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا، ثم ثبتا ~~وقاتلا حتى قتلا واستشهد ثابت وعليه درع، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في ~~المنام وأنه قال له: اعلم أن فلانا رجل من المسلمين نزع درعي فذهب بها وهي ~~في ناحية من المعسكر عند فرس يسير في طوله، وقد وضع على درعي برمة، فأت ~~خالد بن الوليد وأخبره حتى يسترد درعي، وأت أبا بكر خليفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقل له: إن علي دينا حتى يقضى، وفلان من رقيقي عتيق، فأخبر ~~الرجل خالدا فوجد درعه والفرس على ما وصفه له، فاسترد الدرع، وأخبر خالد ~~أبا بكر بتلك الرؤيا فأجاز أبو بكر وصيته (3) . # قال مالك بن أنس: لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه. # قال أبو هريرة وابن عباس: لما نزلت هذه الآية كان أبو بكر لا يكلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار (4) PageV07P336 # وقال ابن الزبير: لما نزلت هذه الآية ما حدث عمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد ذلك فيسمع النبي صلى الله عليه وسلم كلامه حتى يستفهمه مما يخفض ~~صوته، فأنزل الله تعالى: "إن الذين يغضون أصواتهم" (1) ، يخفضون {أصواتهم ~~عند رسول الله} إجلالا له، {أولئك الذين امتحن الله، قلوبهم للتقوى} ~~اختبرها وأخلصها كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج خالصه، {لهم مغفرة وأجر ~~عظيم} ms2395 ### || # {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) } PageV07P337 # {ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (5) } # {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} قرأ العامة بضم الجيم، وقرأ أبو جعفر ~~بفتح الجيم، وهما لغتان، وهي جمع الحجر، والحجر جمع الحجرة فهي جمع الجمع. # قال ابن عباس: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى بني العنبر ~~وأمر عليهم عيينة بن حصن الفزاري، فلما علموا أنه توجه نحوهم هربوا وتركوا ~~عيالهم، فسباهم عيينة بن حصن وقدم بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة، ووافقوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قائلا في أهله، فلما رأتهم الذراري أجهشوا إلى آبائهم ~~يبكون، وكان 135/ألكل امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم [حجرة، ~~فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم] (1) ، فجعلوا ينادون: ~~يا محمد اخرج إلينا، حتى أيقظوه من نومه، فخرج إليهم فقالوا: يا محمد فادنا ~~عيالنا، فنزل جبريل عليه السلام فقال: إن الله يأمرك أن تجعل بينك وبينهم ~~رجلا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترضون أن يكون بيني وبينكم ~~سبرة بن عمرو، وهو على دينكم؟ فقالوا: نعم، فقال سبرة: أنا لا أحكم بينهم ~~إلا وعمي شاهد، وهو الأعور بن بشامة، فرضوا به، فقال الأعور: أرى أن تفادي ~~نصفهم وتعتق نصفهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد رضيت، ففادى ~~نصفهم وأعتق نصفهم، فأنزل الله تعالى: "إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ~~أكثرهم لا يعقلون"، وصفهم بالجهل وقلة العقل (2) . # {ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم} قال مقاتل: لكان خيرا لهم ~~لأنك كنت تعتقهم جميعا وتطلقهم بلا فداء، {والله غفور رحيم} . PageV07P337 # وقال قتادة: نزلت في ناس من أعراب بني تميم جاؤوا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فنادوا على الباب (1) . # ويروى ذلك عن جابر قال: جاءت بنو تميم فنادوا على الباب: اخرج إلينا يا ~~محمد، فإن مدحنا زين، ms2396 وذمنا شين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ~~إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين، فقالوا: نحن ناس من بني تميم جئنا ~~بشعرائنا وخطبائنا لنشاعرك ونفاخرك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما ~~بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا"، فقام شاب منهم فذكر فضله وفضل ~~قومه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس، وكان خطيب ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "قم فأجبه"، فأجابه، وقام شاعرهم فذكر أبياتا، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: "أجبه" فأجابه. فقام الأقرع ~~بن حابس، فقال: إن محمدا لمؤتى له والله ما أدري هذا الأمر، تكلم خطيبنا ~~فكان خطيبهم أحسن قولا وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر وأحسن قولا ثم دنا من ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يضرك ما كان قبل هذا" ثم أعطاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم، وقد كان تخلف في ركابهم عمرو بن ~~الأهتم لحداثة سنه، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطاهم، ~~وأزرى به بعضهم وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فنزل فيهم: "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم" الآيات الأربع ~~إلى قوله: "غفور رحيم". (2) # وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من العرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس به، ~~وإن يكن ملكا نعش في جنابه، فجاؤوا فجعلوا ينادونه، يا محمد يا محمد، فأنزل ~~الله: "إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا ~~حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم" (3) . ### || # {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) } # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} الآية، ~~نزلت في ms2397 الوليد PageV07P338 # بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ~~بعد الوقعة مصدقا، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم ~~تلقوه تعظيما لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثه الشيطان أنهم ~~يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهم أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ~~ما قبلناه من حق الله عز وجل، فبدا له الرجوع، فخشينا أنه إنما رده من ~~الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب ~~رسوله، فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث خالد بن الوليد إليهم ~~خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدومه، وقال له: انظر فإن رأيت منهم ما ~~يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما ~~يستعمل في الكفار، ففعل ذلك خالد، ووافاهم فسمع منهم أذان صلاتي المغرب ~~والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلا الطاعة والخير، فانصرف إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر، فأنزل الله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا إن جاءكم فاسق} يعني الوليد بن عقبة (1) {بنبأ} بخبر، {فتبينوا ~~أن تصيبوا} كي لا تصيبوا بالقتل والقتال، {قوما} برآء، {بجهالة فتصبحوا على ~~ما فعلتم نادمين} من إصابتكم بالخطأ. ### || # {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولئك هم الراشدون (7) } # {واعلموا أن فيكم رسول الله} فاتقوا الله أن تقولوا باطلا أو تكذبوه، فإن ~~الله يخبره ويعرفه أحوالكم فتفتضحوا، {لو يطيعكم} أي الرسول، {في كثير من ~~الأمر} مما تخبرونه به فيحكم برأيكم، {لعنتم} لأثمتم وهلكتم، والعنت: الإثم ~~والهلاك. {ولكن الله حبب إليكم ms2398 الإيمان} فجعله أحب الأديان إليكم، {وزينه} ~~حسنه، {في قلوبكم} حتى اخترتموه، وتطيعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{وكره إليكم الكفر والفسوق} قال ابن عباس: يريد الكذب، {والعصيان} جميع ~~معاصي الله. ثم عاد من الخطاب إلى الخبر، وقال: {أولئك هم الراشدون} ~~المهتدون. PageV07P339 ### || # {فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8) وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين (9) } # {فضلا} أي كان هذا فضلا {من الله ونعمة والله، عليم حكيم} . # قوله عز وجل: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} الآية. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، 135/ب حدثنا مسدد، حدثنا ~~معتمر قال: سمعت أبي يقول: إن أنسا قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو ~~أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم وركب حمارا ~~وانطلق المسلمون يمشون معه، وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار ~~منهم: والله لحمار رسول الله أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه ~~فتشاتما، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي ~~والنعال، فبلغنا أنها نزلت: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما" (1) . # ويروى أنها لما نزلت قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاصطلحوا وكف ~~بعضهم عن بعض. # وقال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مداراة في حق بينهما، ~~فقال أحدهما للآخر: لآخذن حقي منك عنوة، لكثرة عشيرته، وإن الآخر دعاه ~~ليحاكمه إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر ~~بينهما حتى تدافعوا وتناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال، ولم يكن قتال ~~بالسيوف (2) . # وقال سفيان عن السدي: كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد تحت رجل، ~~وكان بينها وبين ms2399 زوجها شيء فرقي بها إلى علية وحبسها، فبلغ ذلك قومها ~~فجاؤوا، وجاء قومه فاقتتلوا بالأيدي والنعال، فأنزل الله عز وجل: "وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما" بالدعاء إلى حكم كتاب الله ~~والرضا بما فيه لهما وعليهما (3) {فإن بغت إحداهما} تعدت إحداهما، ~~PageV07P340 # {على الأخرى} وأبت الإجابة إلى حكم كتاب الله، {فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء} ترجع، {إلى أمر الله} في كتابه، {فإن فاءت} رجعت إلى الحق، {فأصلحوا ~~بينهما بالعدل} بحملهما على الإنصاف والرضا بحكم الله، {وأقسطوا} اعدلوا، ~~{إن الله يحب المقسطين} . ### || # {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10) } # {إنما المؤمنون إخوة} في الدين والولاية، {فأصلحوا بين أخويكم} إذا ~~اختلفا واقتتلا قرأ يعقوب "بين إخوتكم" بالتاء على الجمع، {واتقوا الله} ~~فلا تعصوه ولا تخالفوا أمره، {لعلكم ترحمون} . # [أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي] (1) ، أخبرنا أبو محمد الحسين بن ~~أحمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، حدثنا قتيبة بن ~~سعيد، حدثنا الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه، من كان في ~~حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله بها عنه كربة ~~من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة" (2) . # وفي هاتين الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأن الله ~~تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين، يدل عليه ما روي عن الحارث الأعور ~~أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل-وهو القدوة-في قتال أهل البغي، عن أهل ~~الجمل وصفين: أمشركون هم؟ فقال: لا من الشرك فروا، فقيل: أمنافقون هم؟ ~~فقال: لا إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا قيل: فما حالهم؟ قال: ~~إخواننا بغوا علينا (3) . # والباغي في الشرع هو الخارج على الإمام العدل، فإذا اجتمعت طائفة لهم قوة ~~ومنعة فامتنعوا عن طاعة الإمام العدل بتأويل محتمل، ونصبوا إماما فالحكم ~~فيهم أن يبعث الإمام إليهم ويدعوهم PageV07P341 # إلى طاعته، ms2400 فإن أظهروا مظلمة أزالها عنهم، وإن لم يذكروا مظلمة، وأصروا ~~على بغيهم، قاتلهم الإمام حتى يفيئوا إلى طاعته، ثم الحكم في قتالهم أن لا ~~يتبع مدبرهم ولا يقتل أسيرهم، ولا يذفف على جريحهم، نادى منادي علي رضي ~~الله عنه يوم الجمل: ألا لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح (1) .وأتي علي رضي ~~الله عنه يوم صفين بأسير فقال له: لا أقتلك صبرا إني أخاف الله رب ~~العالمين. وما أتلفت إحدى الطائفتين على الأخرى في حال القتال من نفس أو ~~مال فلا ضمان عليه. # قال ابن شهاب: كانت في تلك الفتنة دماء يعرف في بعضها القاتل والمقتول، ~~وأتلف فيها أموال كثيرة، ثم صار الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم، وجرى الحكم ~~عليهم، فما علمته اقتص من أحد ولا أغرم مالا أتلفه. # أما من لم يجتمع فيهم هذه الشرائط الثلاث بأن كانوا جماعة قليلين لا منعة ~~لهم، أو لم يكن لهم تأويل، أو لم ينصبوا إماما فلا يتعرض لهم إن لم ينصبوا ~~قتالا ولم يتعرضوا للمسلمين، فإن فعلوا فهم كقطاع الطريق. # روي أن عليا رضي الله عنه سمع رجلا يقول في ناحية المسجد: لا حكم إلا لله ~~تعالى، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد ~~الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ~~ولا نبدؤكم بقتال (2) . ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا ~~نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ~~بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) } # وقوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم} الآية، قال ابن عباس: ~~نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أنه كان في أذنه وقر، فكان إذا أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه، ~~فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم وقد فاتته [ركعة ms2401 من صلاة PageV07P342 # الفجر] (1) ، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة أخذ أصحابه ~~مجالسهم، فضن كل رجل بمجلسه فلا يكاد يوسع أحد لأحد، فكان الرجل إذا جاء ~~فلم يجد مجلسا يجلس فيه قام قائما كما هو، فلما فرغ ثابت من الصلاة أقبل ~~نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخطى رقاب الناس، ويقول: تفسحوا تفسحوا، ~~فجعلوا يتفسحون له حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه ~~رجل، فقال له: تفسح، فقال الرجل: قد أصبت مجلسا فاجلس، فجلس ثابت خلفه ~~مغضبا، فلما انجلت الظلمة غمز ثابت الرجل، فقال: من هذا؟ قال: أنا فلان، ~~فقال ثابت: ابن فلانة، وذكر 136/أأما له كان يعير بها في الجاهلية، فنكس ~~الرجل رأسه واستحيا، فأنزل الله تعالى هذه الآية (2) . # وقال الضحاك: نزلت في وفد بني تميم الذين ذكرناهم، كانوا يستهزؤون بفقراء ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثل عمار وخباب وبلال وصهيب وسلمان وسالم ~~مولى أبي حذيفة، لما رأوا من رثاثة حالهم، فأنزل الله تعالى في الذين آمنوا ~~منهم (3) : {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم} أي رجال من رجال. ~~و"القوم": اسم يجمع الرجال والنساء، وقد يختص بجمع الرجال، {عسى أن يكونوا ~~خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن} . # روي عن أنس أنها نزلت في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عيرن أم ~~سلمة بالقصر (4) . # وعن عكرمة عن ابن عباس: أنها نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب، قال لها ~~النساء: يهودية بنت يهوديين (5) . {ولا تلمزوا أنفسكم} أي لا يعب بعضكم ~~بعضا، ولا يطعن بعضكم على بعض، {ولا تنابزوا بالألقاب} التنابز: التفاعل من ~~النبز، وهو اللقب، وهو أن يدعى الإنسان بغير ما سمي به. # قال عكرمة: هو قول الرجل للرجل: يا فاسق يا منافق يا كافر. # وقال الحسن: كان اليهودي والنصراني يسلم، فيقال له بعد إسلامه يا يهودي ~~يا نصراني، فنهوا عن ذلك (6) . PageV07P343 # قال عطاء: هو أن تقول لأخيك: يا كلب يا حمار يا ms2402 خنزير. # وروي عن ابن عباس قال: "التنابز بالألقاب": أن يكون الرجل عمل السيئات ثم ~~تاب عنها فنهي أن يعير بما سلف عن عمله. (1) # {بئس الاسم الفسوق، بعد الإيمان} . أي بئس الاسم أن يقول: يا يهودي أو يا ~~فاسق بعد ما آمن وتاب، وقيل معناه: إن من فعل ما نهي عنه من السخرية واللمز ~~والنبز فهو فاسق، وبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، فلا تفعلوا ذلك فتستحقوا ~~اسم الفسوق، {ومن لم يتب} من ذلك، {فأولئك هم، الظالمون} PageV07P344 ### || # {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ~~ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا ~~الله إن الله تواب رحيم (12) } # {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن} قيل: نزلت الآية في رجلين ~~اغتابا رفيقهما، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا أو سافر ~~ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما، ويتقدم لهما إلى المنزل فيهيئ ~~لهما ما يصلحهما من الطعام والشراب، فضم سلمان الفارسي إلى رجلين في بعض ~~أسفاره، فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فنام فلم يهيئ لهما شيئا، ~~فلما قدما قالا له: ما صنعت شيئا؟ قال: لا غلبتني عيناي، قالا له: انطلق ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطلب لنا منه طعاما، فجاء سلمان إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله طعاما، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: انطلق إلى أسامة بن زيد، وقل له: إن كان عنده فضل من طعام وإدام ~~فليعطك، وكان أسامة خازن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رحله، فأتاه ~~فقال: ما عندي شيء، فرجع سلمان إليهما وأخبرهما، فقالا كان عند أسامة طعام ~~ولكن بخل، فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا، فلما رجع ~~قالا لو بعثناك إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسسان، هل عند أسامة ~~ما أمر لهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلما جاءا إلى رسول الله صلى ms2403 ~~الله عليه وسلم قال لهما: "مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما"، قالا والله ~~يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحما، قال: بل ظللتم تأكلون لحم سلمان # PageV07P344 # وأسامة، فأنزل الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن" ~~(1) ، وأراد: أن يظن بأهل الخير سوءا {إن بعض الظن إثم} قال سفيان الثوري: ~~الظن ظنان: أحدهما إثم، وهو أن تظن وتتكلم به، والآخر ليس بإثم وهو أن تظن ~~ولا تتكلم. # {ولا تجسسوا} التجسس: هو البحث عن عيوب الناس، نهى الله تعالى عن البحث ~~عن المستور من أمور الناس وتتبع عوراتهم حتى لا يظهر على ما ستره الله ~~منها. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو ~~إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن أبي ~~الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ~~ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا" (2) # أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن علي بن الحسن الطوسي بها، أخبرنا أبو ~~إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفراييني، أخبرنا أبو بكر أحمد بن ~~إبراهيم الإسماعيلي، أخبرنا عبد الله بن ناحية، حدثنا يحيى بن أكثم، أخبرنا ~~الفضل بن موسى الشيباني، عن الحسين بن واقد، عن أوفى ابن دلهم، عن نافع، عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر من آمن ~~بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، ~~فإنه من تتبع عورات المسلمين، يتتبع الله عورته، ومن يتتبع الله عورته ~~يفضحه ولو في جوف رحله". # قال: ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن ~~أعظم عند الله حرمة منك (3) . # وقال زيد بن وهب: قيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته ~~خمرا، فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، فإن يظهر لنا شيء ms2404 نأخذه به (4) {ولا ~~يغتب بعضكم بعضا} يقول: PageV07P345 # لا يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب بما يسوءه مما هو فيه. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي ~~الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد ~~الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، ~~قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، ~~136/ب وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته". (1) # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو الطاهر ~~الحارثي، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا ~~إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن المثنى بن ~~الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنهم ذكروا عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رجلا فقالوا: لا يأكل حتى يطعم، ولا يرحل حتى يرحل، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "اغتبتموه" فقالوا: إنما حدثنا بما فيه، قال: ~~"حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه" (2) . # قوله عز وجل: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه} قال مجاهد: ~~لما قيل لهم "أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا" قالوا: لا قيل: {فكرهتموه} ~~أي فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا. # قال الزجاج: تأويله: إن ذكرك من لم يحضرك بسوء بمنزلة أكل لحم أخيك، وهو ~~ميت لا يحس بذلك. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن ~~فنجويه، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا الفريابي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا ~~أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، حدثني صفوان بن عمرو، حدثنا راشد بن سعد ~~وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"لما عرج ms2405 بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم ولحومهم، فقلت: ~~من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في ~~أعراضهم" (3) PageV07P346 # قال ميمون بن سياه (1) : بينا أنا نائم إذا أنا بجيفة زنجي وقائل يقول: ~~كل، قلت: يا عبد الله ولم آكل؟ قال: بما اغتبت عبد فلان، فقلت: والله ما ~~ذكرت فيه خيرا ولا شرا، قال: لكنك استمعت ورضيت به، فكان ميمون لا يغتاب ~~أحدا ولا يدع أحدا يغتاب عنده أحدا (2) . # {واتقوا الله إن الله تواب رحيم} . ### || # {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) } # {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} الآية. قال ابن عباس: نزلت في ~~ثابت بن قيس، وقوله للرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، يعيره بأمه، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: من الذاكر فلانة؟ فقال ثابت: أنا يا رسول الله، ~~فقال: انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟ قال: رأيت أبيض ~~وأحمر وأسود، قال: فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى، فنزلت في ثابت هذه ~~الآية، وفي الذي لم يتفسح: "يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في ~~المجالس فافسحوا" (3) (المجادلة-11) . # وقال مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا ~~حتى علا ظهر الكعبة وأذن، فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص: الحمد لله الذي ~~قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا ~~الغراب الأسود مؤذنا، وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا يعيره. وقال أبو ~~سفيان: إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به رب السماء، فأتى جبريل فأخبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بما قالوا، فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية (4) وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال ~~والإزراء بالفقراء فقال: # {يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} يعني آدم وحواء ms2406 أي إنكم ~~متساوون في النسب. {وجعلناكم شعوبا} جمع شعب بفتح الشين، وهي رؤوس القبائل ~~مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج، سموا شعوبا لتشعبهم واجتماعهم، كشعب أغصان ~~الشجر، والشعب من الأضداد يقال: شعب، أي: جمع، وشعب أي: فرق. {وقبائل} وهي ~~دون الشعوب، واحدتها قبيلة وهي كبكر من ربيعة وتميم من مضر، ودون القبائل ~~العمائر، واحدتها عمارة، بفتح العين، وهم كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ~~ودون العمائر البطون، واحدتها بطن، وهم كبني غالب ولؤي من قريش PageV07P347 # ودون البطون الأفخاذ واحدتها فخذ، وهم كبني هاشم وأمية من بني لؤي، ثم ~~الفصائل، والعشائر واحدتها فصيلة وعشيرة، وليس بعد العشيرة حي يوصف به. # وقيل: الشعوب من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بني إسرائيل. # وقال أبو روق: "الشعوب" الذين لا يعتزون إلى أحد، بل ينتسبون إلى المدائن ~~والقرى، "والقبائل": العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم. # {لتعارفوا} ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده، لا ليتفاخروا. ثم أخبر ~~أن أرفعهم منزلة عند الله أتقاهم فقال: # {إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} قال قتادة في هذه الآية: ~~إن أكرم الكرم التقوى، وألأم اللؤم الفجور. # أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد ~~بن حمويه، أخبرنا إبراهيم بن خزيم الشاشي، حدثنا عبد بن حميد، حدثنا يونس ~~بن محمد، حدثنا سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحسب المال، والكرم التقوى" (1) ~~. # وقال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى. # أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم، أنا عبد الله بن أحمد بن حمويه، أخبرنا ~~إبراهيم بن خزيم، حدثنا عبد بن حميد، أخبرنا الضحاك بن مخلد، عن موسى بن ~~عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف ~~يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه، فلما خرج لم يجد مناخا، فنزل ~~على أيدي الرجال، ثم قام فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ms2407 "الحمد لله ~~الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها [بآبائها] (2) ، الناس رجلان بر تقي ~~كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله PageV07P348 # ثم تلا "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى"، ثم قال: أقول قولي هذا ~~وأستغفر الله لي ولكم" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد هو ابن سلام 137/أحدثنا ~~عبدة عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله ~~أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي ~~الله ابن نبي الله ابن خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن ~~العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: "فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ~~إذا فقهوا" (2) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا عمرو الناقد، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن ~~الأصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ~~ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (3) ### || # {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم ~~(14) } # قوله عز وجل: {قالت الأعراب آمنا} الآية، نزلت في نفر من بني أسد بن ~~خزيمة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة جدبة فأظهروا الإسلام ~~ولم يكونوا مؤمنين في السر، فأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارها ~~وكانوا يغدون ويروحون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: أتتك ~~العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والعيال والذراري، ولم ~~نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، يمنون على النبي صلى الله عليه ms2408 وسلم، ~~ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا، فأنزل الله فيهم هذه الآية (4) . ~~PageV07P349 # وقال السدي: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وهم أعراب ~~جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار، كانوا يقولون: آمنا ليأمنوا على أنفسهم ~~وأموالهم، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا، فأنزل الله عز وجل "قالت ~~الأعراب آمنا" (1) صدقنا. # {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي، ~~{ولما يدخل الإيمان، في قلوبكم} فأخبر أن حقيقة الإيمان التصديق بالقلب، ~~وأن الإقرار باللسان وإظهار شرائعه بالأبدان لا يكون إيمانا دون التصديق ~~بالقلب والإخلاص. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن غرير الزهري، حدثنا ~~يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عامر بن سعد، عن ~~أبيه قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا وأنا جالس فيهم، قال: ~~فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم رجلا لم يعطه وهو أعجبهم إلي، فقمت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [فساررته] (2) ، فقلت: مالك عن فلان؟ ~~والله إني لأراه مؤمنا، قال: أو مسلما، قال: فسكت قليلا ثم غلبني ما أعلم ~~منه، فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا؟ قال: أو ~~مسلما، قال: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكب في النار على ~~وجهه" (3) . # فالإسلام هو الدخول في السلم وهو الانقياد والطاعة، يقال: أسلم الرجل إذا ~~دخل في السلم كما يقال: أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء، وأصاف إذا دخل في ~~الصيف، وأربع إذا دخل في الربيع، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة ~~باللسان، والأبدان والجنان، كقوله عز وجل لإبراهيم عليه السلام: "أسلم قال ~~أسلمت لرب العالمين" (البقرة-131) ، ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب، ~~وذلك قوله: {ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان، في قلوبكم} . # {وإن تطيعوا الله ورسوله} ظاهرا وباطنا سرا وعلانية. قال ابن عباس تخلصوا ~~الإيمان، {لا يلتكم} قرأ أبو عمرو "يألتكم" بالألف لقوله ms2409 تعالى: "وما ~~ألتناهم" (الطور-21) والآخرون بغير ألف، وهما لغتان، معناهما: لا ينقصكم، ~~يقال: ألت يألت ألتا ولات يليت ليتا إذا نقص، PageV07P350 # {من أعمالكم شيئا} أي لا ينقص من ثواب أعمالكم شيئا، {إن الله غفور رحيم} . ### || # {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) قل أتعلمون الله بدينكم والله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم (16) يمنون عليك أن ~~أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ~~كنتم صادقين (17) إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون ~~(18) } # ثم بين حقيقة الإيمان، فقال: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم ~~لم يرتابوا} لم يشكوا في دينهم، {وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون} في إيمانهم. # فلما نزلت هاتان الآيتان أتت الأعراب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحلفون بالله إنهم مؤمنون صادقون، وعرف الله غير ذلك منهم، فأنزل الله عز ~~وجل: # {قل أتعلمون الله بدينكم} ، والتعليم هاهنا بمعنى الإعلام، ولذلك قال: ~~"بدينكم" وأدخل الباء فيه، يقول: أتخبرون الله بدينكم الذي أنتم عليه، ~~{والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شيء عليم} لا يحتاج إلى ~~إخباركم. # {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم} أي بإسلامكم، {بل الله ~~يمن، عليكم أن هداكم للإيمان} وفي مصحف عبد الله "إذ هداكم للإيمان" {إن ~~كنتم صادقين} إنكم مؤمنون. # {إن الله يعلم غيب السموات والأرض والله بصير بما تعملون} قرأ ابن كثير ~~"يعملون" بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء. # PageV07P351 ### | سورة ق # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {ق والقرآن المجيد (1) } # {ق} [قال ابن عباس: هو قسم، وقيل:] (2) هو اسم للسورة، وقيل هو اسم من ~~أسماء القرآن. # وقال القرظي (3) : هو مفتاح اسمه "القدير"، و"القادر" و"القاهر" ~~و"القريب" و"القابض". # وقال عكرمة والضحاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، منه خضرة السماء ~~والسماء مقبية عليه، وعليه كتفاها (4) ، ويقال هو وراء الحجاب الذي تغيب ~~الشمس من ms2410 137/ب ورائه بمسيرة سنة (5) . # وقيل: معناه قضي الأمر، أو قضي ما هو كائن، كما قالوا في حم (6) . # {والقرآن المجيد} الشريف الكريم على الله، الكثير الخير. # واختلفوا في جواب القسم، فقال أهل الكوفة: جوابه: "بل عجبوا"، وقيل: ~~جوابه محذوف، PageV07P352 # مجازه: والقرآن المجيد (1) لتبعثن. وقيل: جوابه قوله: "ما يلفظ من قول". ~~وقيل: "قد علمنا (2) " وجوابات القسم سبعة: "إن" الشديدة كقوله: "والفجر-إن ~~ربك لبالمرصاد" (الفجر-14) ، و"ما" النفي كقوله: "والضحى -ما ودعك ربك" ~~(الضحى-1-3) ، و"اللام" المفتوحة كقوله: "فوربك لنسألنهم أجمعين" ~~(الحجر-92) و"إن" الخفيفة كقوله تعالى: "إن كنا لفي ضلال مبين" (الشعراء ~~-38) و"لا" كقوله تعالى: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت" ~~(النحل-38) ، و"قد" كقوله تعالى: "والشمس وضحاها -قد أفلح من زكاها" ~~(الشمس-1-9) . ### || # {بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب (2) أئذا متنا ~~وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ ~~(4) بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج (5) } # و"بل" كقوله: "والقرآن المجيد -بل عجبوا". # {أن جاءهم منذر} مخوف، {منهم} يعرفون نسبه وصدقه وأمانته، {فقال الكافرون ~~هذا شيء عجيب} غريب. # {أئذا متنا وكنا ترابا} نبعث، ترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه، {ذلك ~~رجع} أي رد إلى الحياة {بعيد} وغير كائن، أي: يبعد أن نبعث بعد الموت. # قال الله عز وجل: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} أي تأكل من لحومهم ~~ودمائهم وعظامهم لا يعزب عن علمه شيء. قال السدي: هو الموت، يقول: قد علمنا ~~من يموت منهم ومن يبقى، {وعندنا كتاب حفيظ} [محفوظ من الشياطين ومن أن يدرس ~~ويتغير وهو اللوح المحفوظ، وقيل: حفيظ] (3) أي: حافظ لعدتهم وأسمائهم. # {بل كذبوا بالحق} بالقرآن، {لما جاءهم فهم في أمر مريج} مختلط، قال سعيد ~~بن جبير ومجاهد: ملتبس. قال قتادة في هذه الآية: من ترك الحق مرج عليه أمره ~~والتبس عليه دينه. وقال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم. وذكر الزجاج ~~معنى اختلاط أمرهم، فقال: هو أنهم يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم، مرة ms2411 ~~شاعر، ومرة ساحر، ومرة معلم، ويقولون للقرآن مرة سحر، ومرة PageV07P356 # رجز، ومرة مفترى، فكان أمرهم مختلطا ملتبسا عليهم. ### || # {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (6) ~~والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (7) تبصرة ~~وذكرى لكل عبد منيب (8) ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب ~~الحصيد (9) والنخل باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ~~ميتا كذلك الخروج (11) } # ثم دلهم على قدرته، فقال: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها} ~~بغير عمد، {وزيناها} بالكواكب، {وما لها من فروج} شقوق وفتوق وصدوع، واحدها ~~فرج. # {والأرض مددناها} بسطناها على وجه الماء، {وألقينا فيها رواسي} جبالا ~~ثوابت، {وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج} حسن كريم يبهج به، أي: يسر. # {تبصرة} [أي جعلنا ذلك تبصرة] (1) {وذكرى} أي تبصيرا وتذكيرا، {لكل عبد ~~منيب} أي: ليبصر به ويتذكر به. # {ونزلنا من السماء ماء مباركا} كثير الخير وفيه حياة كل شيء، وهو المطر، ~~{فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} يعني البر والشعير وسائر الحبوب التي تحصد، ~~فأضاف الحب إلى الحصيد، وهما واحد لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع ~~وربيع الأول. وقيل: "وحب الحصيد" أي: وحب النبت [الحصيد] (2) . # {والنخل باسقات} قال مجاهد وعكرمة وقتادة: طوالا يقال: بسقت [النخلة] (3) ~~بسوقا إذا طالت. وقال سعيد بن جبير: مستويات. {لها طلع} ثمر وحمل، سمي بذلك ~~لأنه يطلع، والطلع أول ما يظهر قبل أن ينشق (4) {نضيد} متراكب متراكم منضود ~~بعضه على بعض في أكمامه، فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد. # {رزقا للعباد} أي جعلناها رزقا للعباد، {وأحيينا به} أي بالمطر، {بلدة ~~ميتا} أنبتنا فيها الكلأ {كذلك الخروج} من القبور. PageV07P357 ### || # {كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون وإخوان لوط (13) ~~وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) أفعيينا بالخلق الأول ~~بل هم في لبس من خلق جديد (15) } # {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد (16) إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) } # قوله ms2412 عز وجل: {كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان ~~لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع} وهو تبع الحميري، واسمه أسعد أبو كرب، قال ~~قتادة: ذم الله تعالى قوم تبع ولم يذمه، ذكرنا قصته في سورة الدخان (1) . # {كل كذب الرسل} أي: كل من هؤلاء المذكورين كذب الرسل، {فحق وعيد} وجب لهم ~~عذابي. ثم أنزل جوابا لقولهم "ذلك رجع بعيد": # {أفعيينا بالخلق الأول} يعني: أعجزنا حين خلقناهم أولا [فنعيا] (2) ~~بالإعادة. وهذا تقرير لهم لأنهم اعترفوا بالخلق الأول وأنكروا البعث، ويقال ~~لكل من عجز عن شيء: عيي به. {بل هم في لبس} أي: في شك، {من خلق جديد} وهو ~~البعث. # {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} يحدث به قلبه ولا يخفى ~~علينا سرائره وضمائره، {ونحن أقرب إليه} أعلم به، {من حبل الوريد} لأن ~~أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضا، ولا يحجب علم الله شيء، و"حبل الوريد": ~~عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم والعلباوين، يتفرق في البدن، والحبل هو ~~الوريد، فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين. # {إذ يتلقى المتلقيان} أي: يتلقى ويأخذ الملكان الموكلان بالإنسان عمله ~~ومنطقه يحفظانه ويكتبانه، {عن اليمين وعن الشمال} أي أحدهما عن يمينه ~~والآخر عن شماله، فالذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب ~~السيئات. {قعيد} أي: قاعد، ولم يقل: قعيدان، لأنه أراد: عن اليمين قعيد وعن ~~الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، هذا قول أهل البصرة. وقال أهل ~~الكوفة: أراد: قعودا، كالرسول فجعل للاثنين والجمع، كما قال الله تعالى في ~~الاثنين: "فقولا PageV07P358 # إنا رسول رب العالمين" (الشعراء-16) ، وقيل: أراد بالقعيد الملازم الذي ~~لا يبرح، لا القاعد الذي هو ضد القائم. وقال مجاهد: القعيد الرصيد. ### || # {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18) وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما ~~كنت منه تحيد (19) } # {ما يلفظ من قول} ما يتكلم من كلام فيلفظه أي: يرميه من فيه، {إلا لديه ~~رقيب} حافظ، {عتيد} حاضر أينما كان. قال 138/أالحسن: إن الملائكة يجتنبون ~~الإنسان على حالين: عند غائطه وعند جماعه. # وقال مجاهد: ms2413 يكتبان عليه حتى أنينه في مرضه (1) . وقال عكرمة: لا يكتبان ~~إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه (2) . # وقال الضحاك: مجلسهما تحت الضرس (3) على الحنك، ومثله عن الحسن، وكان ~~الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن ~~محمد الدينوري، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا الفضل بن العباس بن ~~مهران، حدثنا طالوت، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا جعفر بن الزبير عن القاسم ~~بن محمد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كاتب ~~الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمير ~~على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا؛ وإذا عمل سيئة ~~قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر" (4) . # {وجاءت سكرة الموت} غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله، ~~{بالحق} أي بحقيقة الموت، وقيل: بالحق من أمر الآخرة حتى يتبينه الإنسان ~~ويراه بالعيان. وقيل: بما يؤول PageV07P359 # إليه أمر الإنسان من السعادة والشقاوة. ويقال لمن جاءته سكرة الموت: {ذلك ~~ما كنت منه تحيد} تميل، قال الحسن: تهرب وقال ابن عباس: تكره، وأصل الحيد ~~الميل، يقال: حدت عن الشيء أحيد حيدا ومحيدا: إذا ملت عنه. ### || # {ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (20) وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) ~~لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) وقال قرينه ~~هذا ما لدي عتيد (23) ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (24) } # {ونفخ في الصور} يعني نفخة البعث، {ذلك يوم الوعيد} أي: ذلك اليوم يوم ~~الوعيد الذي وعده الله للكفار أن يعذبهم فيه. قال مقاتل: يعني بالوعيد ~~العذاب، أي: يوم وقوع الوعيد. # {وجاءت} ذلك اليوم، {كل نفس معها سائق} يسوقها إلى المحشر {وشهيد} يشهد ~~عليها بما عملت، قال الضحاك: السائق من الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي ~~والأرجل، وهي رواية العوفي عن ابن عباس (1) . وقال الآخرون: هما جميعا من ~~الملائكة، فيقول الله: # {لقد كنت في غفلة من هذا} . {لقد كنت في ms2414 غفلة من هذا} اليوم في الدنيا، ~~{فكشفنا عنك غطاءك} الذي كان في الدنيا على قلبك وسمعك وبصرك، {فبصرك اليوم ~~حديد} نافذ تبصر ما كنت تنكر في الدنيا. وروي عن مجاهد قال: يعني نظرك إلى ~~لسان ميزانك حين توزن حسناتك وسيئاتك. # {وقال قرينه} الملك الموكل به، {هذا ما لدي عتيد} معد محضر، وقيل: "ما" ~~بمعنى {من} ، قال مجاهد: يقول هذا الذي وكلتني به من ابن آدم حاضر عندي قد ~~أحضرته وأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله عز وجل لقرينه: {ألقيا في جهنم} ~~هذا خطاب للواحد بلفظ التثنية على عادة العرب، تقول: ويحك ويلك ارحلاها ~~وازجراها وخذاها وأطلقاها، للواحد، قال الفراء (2) : وأصل ذلك أن أدنى ~~أعوان الرجل في إبله وغنمه وسفره اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه ~~قولهم في الشعر للواحد: خليلي. وقال الزجاج: هذا أمر للسائق والشهيد، وقيل: ~~للمتلقيين. {كل كفار عنيد} # عاص معرض عن PageV07P360 # الحق. قال عكرمة ومجاهد: مجانب للحق معاند لله. ### || # {مناع للخير معتد مريب (25) الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب ~~الشديد (26) قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27) قال لا ~~تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد (28) ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام ~~للعبيد (29) يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30) } # {مناع للخير} أي للزكاة المفروضة وكل حق وجب في ماله، {معتد} ظالم لا يقر ~~بتوحيد الله، {مريب} شاك في التوحيد، ومعناه: داخل في الريب. # {الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد} وهو النار. # {قال قرينه} يعني الشيطان الذي قيض لهذا الكافر: {ربنا ما أطغيته} ما ~~أضللته وما أغويته، {ولكن كان في ضلال بعيد} عن الحق فيتبرأ عنه شيطانه، ~~قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل: "قال قرينه" يعني: الملك، قال سعيد بن ~~جبير: يقول الكافر يا رب إن الملك زاد علي في الكتابة، فيقول الملك "ربنا ~~ما أطغيته"، يعني ما زدت عليه وما كتبت إلا ما قال وعمل (1) ، ولكن كان في ~~ضلال بعيد، طويل لا يرجع ms2415 عنه إلى الحق. # {قال} فيقول الله {لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد} في القرآن ~~وأنذرتكم وحذرتكم على لسان الرسول، وقضيت عليكم ما أنا قاض. # {ما يبدل القول لدي} لا تبديل لقولي، وهو قوله: "لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين" (السجدة-13) ، وقال قوم: معنى قوله: "ما يبدل القول لدي" ~~أي: لا يكذب عندي، ولا يغير القول عن وجهه لأني أعلم الغيب. وهذا قول ~~الكلبي، واختيار الفراء (2) ، لأنه قال: "ما يبدل القول لدي" ولم يقل ما ~~يبدل قولي. # {وما أنا بظلام للعبيد} فأعاقبهم بغير جرم. # {يوم نقول لجهنم} قرأ نافع وأبو بكر "يقول" بالياء، أي: يقول الله، ~~لقوله: "قال لا تختصموا"، وقرأ الآخرون بالنون، {هل امتلأت} وذلك لما سبق ~~لها من وعده إياها أنه يملؤها PageV07P361 # من الجنة والناس، وهذا السؤال من الله عز وجل لتصديق خبره وتحقيق وعده، ~~{وتقول} جهنم، {هل من مزيد} قيل: معناه قد امتلأت ولم يبق في موضع لم ~~يمتلىء، فهو استفهام إنكار، هذا قول عطاء ومجاهد ومقاتل بن سليمان. وقيل: ~~هذا استفهام بمعنى الاستزادة، وهو قول ابن عباس في رواية أبي صالح، وعلى ~~هذا يكون السؤال بقوله: "هل امتلأت"، قبل دخول جميع أهلها فيها، وروي عن ~~ابن عباس: أن الله تعالى سبقت كلمته "لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" ~~(السجدة-13) ، فلما سيق أعداء الله إليها لا يلقى فيها فوج إلا ذهب فيها ~~ولا يملؤها شيء، فتقول: ألست قد 138/ب أقسمت لتملأني؟ فيضع قدمه عليها، ثم ~~يقول: هل امتلأت؟ فتقول: قط قط قد امتلأت فليس في مزيد (1) . # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي، أخبرنا [أبو عبد الله ~~محمد بن عبد الله الحافظ] (2) حدثنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أيوب ~~الطوسي، أخبرنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، حدثنا آدم بن أبي إياس ~~العسقلاني، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال جهنم تقول هل من مزيد، حتى يضع رب ~~العزة ms2416 فيها قدمه، فتقول قط قط وعزتك، ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يزال في ~~الجنة فضل حتى ينشئ الله خلقا فيسكنه فضول الجنة" (3) . ### || # {وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد (31) هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) } # {وأزلفت الجنة} قربت وأدنيت، {للمتقين} الشرك، {غير بعيد} ينظرون إليها ~~قبل أن يدخلوها. # {هذا ما توعدون} قرأ ابن كثير بالياء والآخرون بالتاء، يقال لهم: هذا ~~الذي ترونه ما توعدون على ألسنة الأنبياء عليهم السلام، {لكل أواب} رجاع ~~إلى الطاعة عن المعاصي، قال سعيد بن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ~~ثم يتوب. وقال الشعبي ومجاهد: الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها. ~~وقال الضحاك: هو التواب. وقال ابن عباس وعطاء: المسبح، من قوله: ~~PageV07P362 # "يا جبال أوبي معه" (سبأ-10) وقال قتادة: المصلي. {حفيظ} قال ابن عباس: ~~الحافظ لأمر الله، وعنه أيضا: هو الذي يحفظ ذنوبه حتى يرجع عنها ويستغفر ~~منها. قال قتادة حفيظ لما استودعه الله من حقه. قال الضحاك: الحافظ على ~~نفسه المتعهد لها. قال الشعبي: المراقب. قال سهل بن عبد الله: المحافظ على ~~الطاعات والأوامر. ### || # {من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود ~~(34) لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد (35) } # {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص ~~(36) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37) } # {من خشي الرحمن بالغيب} محل "من" جر (1) على نعت الأواب. ومعنى الآية: من ~~خاف الرحمن وأطاعه بالغيب ولم يره. وقال الضحاك والسدي: يعني في الخلوة حيث ~~لا يراه أحد. قال الحسن: إذا أرخى الستر وأغلق الباب. {وجاء بقلب منيب} ~~مخلص مقبل إلى طاعة الله. # {ادخلوها} [أي: يقال لأهل هذه الصفة: ادخلوها] (2) أي ادخلوا الجنة ~~{بسلام} بسلامة من العذاب والهموم. وقيل بسلام من الله وملائكته عليهم. ~~وقيل: بسلامة من زوال النعم، {ذلك يوم الخلود} . # {لهم ما يشاءون فيها} ، وذلك أنهم يسألون الله تعالى حتى تنتهي مسألتهم ~~فيعطون ما شاؤوا، ثم يزيدهم الله من عنده ms2417 ما لم يسألوه، وهو قوله: {ولدينا ~~مزيد} ، يعني الزيادة لهم في النعيم ما لم يخطر ببالهم. وقال جابر وأنس: هو ~~النظر إلى وجه الله الكريم. # قوله عز وجل: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في ~~البلاد} ، ضربوا وساروا وتقلبوا وطافوا، وأصله من النقب، وهو الطريق كأنهم ~~سلكوا كل طريق، {هل من محيص} فلم يجدوا محيصا من أمر الله. وقيل: "هل من ~~محيص" مفر من الموت؟ فلم يجدوا [منه مفرا، وهذا إنذار] (3) لأهل مكة وأنهم ~~على مثل سبيلهم لا يجدون مفرا عن الموت يموتون، فيصيرون إلى عذاب الله. # {إن في ذلك} ، فيما ذكرت من العبر وإهلاك القرى، {لذكرى} ، تذكرة وعظة، ~~{لمن كان له قلب} PageV07P363 # قال ابن عباس: أي عقل. قال الفراء (1) : هذا جائز في العربية، تقول: ما ~~لك قلب، وما قلبك معك، أي ما عقلك معك، وقيل: له قلب حاضر مع الله. {أو ~~ألقى السمع} ، استمع القرآن، واستمع ما يقال له، لا يحدث نفسه بغيره، تقول ~~العرب: ألق إلي سمعك، أي استمع، {وهو شهيد} ، أي حاضر القلب ليس بغافل ولا ~~ساه. ### || # {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ~~(38) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (39) ~~ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (40) } # قوله عز وجل: {ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما ~~مسنا من لغوب} ، إعياء وتعب. # نزلت في اليهود حيث قالوا: يا محمد أخبرنا بما خلق الله من الخلق في هذه ~~الأيام الستة؟ فقال: "خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، والجبال يوم ~~الثلاثاء، والمدائن والأنهار والأقوات يوم الأربعاء، والسموات والملائكة ~~يوم الخميس إلى ثلاث ساعات من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث الساعات ~~الآجال، وفي الثانية الآفة، وفي الثالثة آدم"، قالوا: صدقت إن أتممت، قال: ~~وما ذاك؟ قالوا: ثم استراح يوم السبت، واستلقى على العرش، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية ردا عليهم (2) . # {فاصبر على ما يقولون} ، من كذبهم فإن الله لهم بالمرصاد، وهذا قبل ms2418 الأمر ~~بقتالهم، {وسبح بحمد ربك} ، أي: صل حمدا لله، {قبل طلوع الشمس} ، يعني: ~~صلاة الصبح، {وقبل الغروب} ، يعني: صلاة العصر. وروي عن ابن عباس قال: "قبل ~~الغروب" الظهر والعصر. # {ومن الليل فسبحه} ، يعني: صلاة المغرب والعشاء. وقال مجاهد: "ومن الليل" ~~أي: صلاة الليل أي وقت صلى. {وأدبار السجود} قرأ أهل الحجاز وحمزة "وإدبار ~~السجود" بكسر الهمزة، مصدر أدبر إدبارا، وقرأ الآخرون بفتحها على جمع ~~الدبر. PageV07P364 # قال عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والحسن، والشعبي، والنخعي، ~~والأوزاعي: "أدبار السجود" الركعتان بعد صلاة المغرب، وأدبار النجوم ~~الركعتان قبل صلاة الفجر. وهي رواية العوفي عن ابن عباس (1) . وروي عنه ~~مرفوعا (2) ، هذا قول أكثر المفسرين. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا ~~أبو أيوب الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جريج عن عطاء عن عبيد ~~بن عمير عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين أمام الصبح (3) . # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى ~~الترمذي، حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا أبو عوانة عن قتادة، عن زرارة بن ~~أبي أوفى، عن سعيد بن 139 /أهشام عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" (4) . # أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس ~~المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا بدل بن ~~المحبر، حدثنا عبد الملك بن معدان عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد ~~الله بن مسعود أنه قال: ما أحصى ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ~~في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل [صلاة الفجر] (5) : بقل يا أيها ms2419 ~~الكافرون، وقل هو الله أحد (6) . PageV07P365 # قال مجاهد: "وأدبار السجود" هو التسبيح باللسان في أدبار الصلوات ~~المكتوبات. # أخبرنا أبو الحسين طاهر بن الحسين الروقي الطوسي بها، أخبرنا أبو الحسن ~~محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا مسدد، ~~حدثنا خالد هو ابن عبد الله، حدثنا سهيل عن أبي عبيد عن عطاء بن يزيد عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سبح في دبر كل صلاة ~~ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، فذلك ~~تسعة وتسعون، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" ~~(1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسحاق، أخبرنا يزيد، أخبرنا ~~ورقاء عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله ذهب أهل ~~الدثور بالدرجات والنعيم المقيم، قال: كيف ذاك؟ قالوا: صلوا كما صلينا ~~وجاهدوا كما جاهدنا، وأنفقوا من فضول أموالهم وليست لنا أموال، قال: "أفلا ~~أخبركم بأمر تدركون به من كان قبلكم وتسبقون من جاء بعدكم، ولا يأتي أحد ~~بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله: تسبحون في دبر كل صلاة عشرا، وتحمدون ~~عشرا، وتكبرون عشرا" (2) . # قوله عز وجل: ### || # {واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب (41) يوم يسمعون ~~الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (42) } # {واستمع يوم ينادي المنادي} ، أي: واستمع يا محمد صيحة القيامة والنشور ~~يوم ينادي المنادي، قال مقاتل: يعني إسرافيل ينادي بالحشر يا أيتها العظام ~~البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة، إن الله ~~يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء {من مكان قريب} من صخرة بيت المقدس، وهي وسط ~~الأرض. قال الكلبي: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. # {يوم يسمعون الصيحة بالحق} ، وهي الصيحة الأخيرة، {ذلك يوم الخروج} ، من ~~القبور. PageV07P366 ### || # {إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير ms2420 (43) يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك ~~حشر علينا يسير (44) نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن ~~من يخاف وعيد (45) } # {إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير يوم تشقق الأرض عنهم سراعا} جمع سريع، ~~أي: يخرجون سراعا، {ذلك حشر علينا} ، جمع علينا {يسير} . # {نحن أعلم بما يقولون} ، يعني: كفار مكة في تكذيبك، {وما أنت عليهم ~~بجبار} ، بمسلط تجبرهم على الإسلام إنما بعثت مذكرا، {فذكر بالقرآن من يخاف ~~وعيد} أي: ما أوعدت به من عصاني من العذاب. # قال ابن عباس: قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت (1) "فذكر بالقرآن ~~من يخاف وعيد". PageV07P367 ### | سورة الذاريات # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {والذاريات ذروا (1) فالحاملات وقرا (2) فالجاريات يسرا (3) فالمقسمات ~~أمرا (4) إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) } PageV07P368 # {والسماء ذات الحبك (7) } # {والذاريات ذروا} يعني: الرياح التي تذرو التراب ذروا، يقال: ذرت الريح ~~التراب وأذرت. # {فالحاملات وقرا} يعني: السحاب تحمل ثقلا من الماء. # {فالجاريات يسرا} هي السفن تجري في الماء جريا سهلا. # {فالمقسمات أمرا} هي الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا به، ~~أقسم بهذه الأشياء لما فيها من الدلالة على صنعه وقدرته. # ثم ذكر المقسم عليه فقال: {إنما توعدون} من الثواب والعقاب، {لصادق} . # {وإن الدين} [الحساب والجزاء] (1) {لواقع} لكائن. ثم ابتدأ قسما آخر ~~فقال: # {والسماء ذات الحبك} قال ابن عباس وقتادة وعكرمة: ذات الخلق الحسن ~~المستوي، يقال للنساج إذا نسج الثوب فأجاد: ما أحسن حبكه! قال سعيد بن ~~جبير: ذات الزينة. قال الحسن: حبكت بالنجوم. قال مجاهد: هي المتقنة ~~البنيان. وقال مقاتل والكلبي والضحاك: ذات الطرائق PageV07P371 # كحبك الماء إذا ضربته الريح، وحبك الرمل والشعر الجعد، ولكنها لا ترى ~~لبعدها من الناس، وهي جمع حباك وحبيكة، وجواب القسم قوله: ### || # {إنكم لفي قول مختلف (8) يؤفك عنه من أفك (9) قتل الخراصون (10) الذين هم ~~في غمرة ساهون (11) يسألون أيان يوم الدين (12) يوم هم على النار يفتنون ~~(13) ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون (14) } # {إنكم} أي: يا أهل مكة، {لفي قول مختلف} في القرآن وفي محمد صلى الله ~~عليه ms2421 وسلم، تقولون في القرآن: سحر وكهانة وأساطير الأولين، وفي محمد صلى ~~الله عليه وسلم: ساحر وشاعر ومجنون. وقيل: "لفي قول مختلف" أي: مصدق ومكذب. # {يؤفك عنه من أفك} يصرف عن الإيمان به من صرف حتى يكذبه، يعني: من حرمه ~~الله الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن. وقيل "عن" بمعنى: من أجل، ~~أي يصرف من أجل هذا القول المختلف أو بسببه عن الإيمان من صرف. وذلك أنهم ~~كانوا يتلقون الرجل إذا أراد الإيمان فيقولون: إنه ساحر وكاهن ومجنون، ~~فيصرفونه عن الإيمان، وهذا معنى قول مجاهد. # {قتل الخراصون} لعن الكذابون، يقال: تخرص على فلان الباطل، وهم المقتسمون ~~الذين اقتسموا عقاب مكة، واقتسموا القول في النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليصرفوا الناس عن دين الإسلام. وقال مجاهد: هم الكهنة. # {الذين هم في غمرة} غفلة وعمى وجهالة، {ساهون} لاهون غافلون عن أمر ~~الآخرة، والسهو: الغفلة عن الشيء، وهو ذهاب القلب عنه. # {يسألون أيان يوم الدين} يقولون: يا محمد متى يوم الجزاء، يعني: يوم ~~القيامة تكذيبا واستهزاء. # قال الله عز وجل: {يوم هم} أي يكون هذا الجزاء في يوم هم، {على النار ~~يفتنون} أي: يعذبون ويحرقون بها كما يفتن الذهب بالنار. وقيل: "على" بمعنى ~~الباء أي بالنار، وتقول لهم خزنة النار: {ذوقوا فتنتكم} . # {ذوقوا فتنتكم} عذابكم، {هذا الذي كنتم به تستعجلون} في الدنيا تكذيبا ~~به. # PageV07P372 ### || # {إن المتقين في جنات وعيون (15) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك ~~محسنين (16) كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (17) وبالأسحار هم يستغفرون ~~(18) } # {إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم} أعطاهم، {ربهم} من الخير ~~والكرامة، {إنهم كانوا قبل ذلك} قبل 139/ب دخولهم الجنة، {محسنين} في ~~الدنيا. # {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} والهجوع النوم بالليل دون النهار، ~~"وما" صلة، والمعنى: كانوا يهجعون قليلا من الليل، أي يصلون أكثر الليل. # وقيل: معناه كان الليل الذي ينامون فيه كله قليلا وهذا معنى قول سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس، يعني: كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها شيئا، إما ms2422 من ~~أولها أو من أوسطها. قال أنس بن مالك: كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء ~~(1) . وقال محمد بن علي: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة (2) . قال مطرف ~~بن عبد الله بن الشخير: قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها (3) . قال مجاهد: ~~كانوا لا ينامون كل الليل (4) . # ووقف بعضهم على قوله: "قليلا" أي: كانوا من الناس قليلا ثم ابتدأ: "من ~~الليل ما يهجعون"، وجعله جحدا أي: لا ينامون بالليل البتة، بل يقومون ~~للصلاة والعبادة، وهو قول الضحاك ومقاتل. {وبالأسحار هم يستغفرون} قال ~~الحسن: لا ينامون من الليل إلا أقله، وربما نشطوا فمدوا إلى السحر، ثم ~~أخذوا بالأسحار في الاستغفار (5) . وقال الكلبي ومجاهد ومقاتل: وبالأسحار ~~يصلون، وذلك أن صلاتهم بالأسحار لطلب المغفرة. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد الحسن بن أحمد بن ~~محمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، حدثنا قتيبة، حدثنا ~~يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "ينزل الله إلى سماء الدنيا كل PageV07P372 # ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول: أنا الملك أنا الملك، من الذي يدعوني ~~فأستجيب له؟ من الذي يسألني فأعطيه؟ من الذي يستغفرني فأغفر له؟ " (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، ~~حدثنا سليمان بن أبي مسلم عن طاوس سمع ابن عباس قال: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد، قال: "اللهم لك الحمد أنت قيم السموات ~~والأرض ومن فيهن، [ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد ~~أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن] (2) ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ~~ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك ~~أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت ms2423 وما أخرت وما أسررت وما ~~أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت ولا إله غيرك". قال سفيان: ~~وزاد عبد الكريم أبو أمية: "ولا حول ولا قوة إلا بالله" (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا صدقة، أخبرنا الوليد عن ~~الأوزاعي، حدثني عمير بن هانىء، حدثني جنادة بن أبي أمية، حدثني عبادة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت ~~صلاته". (4) ### || # {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (19) } # قوله عز وجل: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} السائل: الذي يسأل الناس، ~~والمحروم: الذي ليس له في الغنائم سهم، ولا يجرى عليه من الفيء شيء، هذا ~~قول ابن عباس وسعيد بن PageV07P374 # المسيب، قالا [المحروم الذي] (1) ليس له في الإسلام سهم، ومعناه في ~~اللغة: الذي منع الخير والعطاء. # وقال قتادة والزهري: "المحروم" المتعفف الذي لا يسأل. # وقال زيد بن أسلم: هو المصاب ثمره أو زرعه أو نسل ماشيته. وهو قول محمد ~~بن كعب القرظي، قال: المحروم صاحب الجائحة (2) ثم قرأ: "إنا لمغرمون بل نحن ~~محرومون" (الواقعة-66-67) . ### || # {وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) وفي السماء ~~رزقكم وما توعدون (22) فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (23) ~~} # {وفي الأرض آيات} عبر، {للموقنين} إذا ساروا فيها من الجبال والبحار ~~والأشجار والثمار وأنواع النبات. {وفي أنفسكم} آيات، إذ كانت نطفة ثم علقة ~~ثم مضغة ثم عظما إلى أن نفخ فيها الروح. # وقال عطاء عن ابن عباس: يريد اختلاف الألسنة والصور والألوان والطبائع. # وقال ابن الزبير: يريد سبيل الغائط والبول يأكل ويشرب من مدخل واحد ويخرج ~~من سبيلين. # {أفلا تبصرون} [قال مقاتل] ms2424 (3) أفلا تبصرون كيف خلقكم فتعرفوا قدرته على ~~البعث. # {وفي السماء رزقكم} قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: يعني المطر الذي هو سبب ~~الأرزاق، {وما توعدون} قال عطاء: من الثواب والعقاب. وقال مجاهد: من الخير ~~والشر. وقال الضحاك: وما توعدون من الجنة والنار، ثم أقسم بنفسه فقال: # {فورب السماء والأرض إنه لحق} أي: ما ذكرت من أمر الرزق لحق، {مثل} قرأ ~~حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: "مثل" برفع اللام بدلا من "الحق"، وقرأ ~~الآخرون بالنصب أي كمثل، {ما أنكم تنطقون} فتقولون: لا إله إلا الله. وقيل: ~~شبه تحقيق ما أخبر عنه بتحقيق PageV07P375 # نطق الآدمي، كما تقول: إنه لحق كما أنت ها هنا، وإنه لحق كما أنك تتكلم، ~~والمعنى: إنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة. قال بعض الحكماء: يعني: ~~كما أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره فكذلك كل ~~إنسان يأكل رزق نفسه الذي قسم له، ولا يقدر أن يأكل رزق غيره. ### || # {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال ~~سلام قوم منكرون (25) فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26) فقربه إليهم قال ~~ألا تأكلون (27) فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم (28) ~~فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) } # قوله عز وجل: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم} ، ذكرنا عددهم في سورة هود (1) ~~{المكرمين} ، [قيل: سماهم مكرمين] (2) لأنهم كانوا ملائكة كراما عند الله، ~~وقد قال الله تعالى في وصفهم: "بل عباد مكرمون" (الأنبياء -26) وقيل: لأنهم ~~كانوا ضيف إبراهيم وكان إبراهيم أكرم الخليقة، وضيف الكرام مكرمون. # وقيل: لأن إبراهيم عليه السلام أكرمهم 140/أبتعجيل قراهم، والقيام بنفسه ~~عليهم بطلاقة الوجه. # وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: خدمته إياهم بنفسه. # وروي عن ابن عباس: سماهم مكرمين لأنهم جاؤوا غير مدعوين. وروينا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" ~~(3) . # {إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون} ، أي: غرباء لا ~~نعرفكم، قال ابن عباس: ms2425 قال في نفسه هؤلاء قوم لا نعرفهم. وقيل: إنما أنكر ~~أمرهم لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان. وقال أبو العالية: أنكر سلامهم في ~~ذلك الزمان وفي تلك الأرض. # {فراغ} ، فعدل ومال، {إلى أهله فجاء بعجل سمين} ، مشوي. # {فقربه إليهم} ، ليأكلوا فلم يأكلوا، {قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة ~~قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة} ، أي: صيحة، قيل: لم ~~يكن ذلك إقبالا من مكان PageV07P376 # إلى مكان، وإنما هو كقول القائل: أقبل يشتمني، بمعنى أخذ في شتمي، أي ~~أخذت تولول كما قال: "قالت يا ويلتي"، (هود-72) ، {فصكت وجهها} ، قال ابن ~~عباس: لطمت وجهها. وقال الآخرون: جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبا، كعادة ~~النساء إذا أنكرن شيئا، وأصل الصك: ضرب الشيء بالشيء العريض. # {وقالت عجوز عقيم} ، مجازه: أتلد عجوز عقيم؟ وكانت سارة لم تلد قبل ذلك. ### || # {قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم (30) } # {قال فما خطبكم أيها المرسلون (31) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) ~~لنرسل عليهم حجارة من طين (33) مسومة عند ربك للمسرفين (34) فأخرجنا من كان ~~فيها من المؤمنين (35) فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (36) وتركنا ~~فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم (37) } # {قالوا كذلك قال ربك} ، أي كما قلنا لك قال ربك إنك ستلدين غلاما، {إنه ~~هو الحكيم العليم} . # {قال} [يعني إبراهيم] (1) {فما خطبكم أيها المرسلون} . {قالوا إنا أرسلنا ~~إلى قوم مجرمين} ، يعني: قوم لوط. # {لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة} ، معلمة، {عند ربك للمسرفين} ، قال ابن ~~عباس: للمشركين، والشرك أسرف الذنوب وأعظمها. # {فأخرجنا من كان فيها} ، أي: في قرى قوم لوط، {من المؤمنين} ، وذلك قوله: ~~"فأسر بأهلك بقطع من الليل" (هود-81) . # {فما وجدنا فيها غير بيت} ، أي غير أهل بيت، {من المسلمين} ، يعني لوطا ~~وابنتيه، وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعا لأنه ما من مؤمن إلا ~~وهو مسلم. # {وتركنا فيها} ، أي في مدينة قوم لوط، {آية} ، عبرة، {للذين يخافون ~~العذاب الأليم} ، أي: علامة للخائفين تدلهم على أن الله تعالى أهلكهم ~~فيخافون مثل عذابهم. PageV07P377 ### || # {وفي موسى إذ أرسلناه ms2426 إلى فرعون بسلطان مبين (38) فتولى بركنه وقال ساحر ~~أو مجنون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم (40) وفي عاد إذ ~~أرسلنا عليهم الريح العقيم (41) ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ~~(42) وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم ~~الصاعقة وهم ينظرون (44) فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45) } # {وفي موسى} ، أي: وتركنا في إرسال موسى آية وعبرة. وقيل: هو معطوف على ~~قوله: "وفي الأرض آيات للموقنين"، [وفي موسى] (1) {إذ أرسلناه إلى فرعون ~~بسلطان مبين} ، بحجة ظاهرة. # {فتولى} ، فأعرض وأدبر عن الإيمان، {بركنه} ، أي بجمعه وجنوده الذين ~~كانوا يتقوى بهم، كالركن الذي يقوى به البنيان، نظيره: "أو آوي إلى ركن ~~شديد" (هود-80) ، {وقال ساحر أو مجنون} ، قال أبو عبيدة: "أو" بمعنى الواو. # {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم} ، أغرقناهم فيه، {وهو مليم} أي: آت ~~بما يلام عليه من دعوى الربوبية وتكذيب الرسول. # {وفي عاد} ، أي: وفي إهلاك عاد أيضا آية، {إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} ~~، وهي التي لا خير فيها ولا بركة ولا تلقح شجرا ولا تحمل مطرا. # {ما تذر من شيء أتت عليه} ، من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم، {إلا جعلته ~~كالرميم} ، كالشيء الهالك البالي، وهو نبات الأرض إذا يبس وديس. قال مجاهد: ~~كالتبن اليابس. قال قتادة: كرميم الشجر. قال أبو العالية: كالتراب المدقوق. ~~وقيل: أصله من العظم البالي. # {وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين} ، يعني وقت فناء آجالهم، وذلك أنهم ~~لما عقروا الناقة قيل لهم: تمتعوا ثلاثة أيام. # {فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة} ، يعني بعد مضي الأيام الثلاثة، وهي ~~الموت في قول ابن عباس، قال مقاتل: يعني العذاب، و"الصاعقة": كل عذاب مهلك، ~~وقرأ الكسائي: "الصعقة"، وهي الصوت الذي يكون من الصاعقة، {وهم ينظرون} ، ~~يرون ذلك عيانا. PageV07P378 # {فما استطاعوا من قيام} ، فما قاموا بعد نزول العذاب بهم ولا قدروا على ~~نهوض. قال قتادة: لم ينهضوا من تلك الصرعة، {وما كانوا منتصرين} ، ممتنعين ~~منا. قال قتادة: ما كانت عندهم قوة يمتنعون بها من ms2427 الله. ### || # {وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين (46) والسماء بنيناها بأيد وإنا ~~لموسعون (47) والأرض فرشناها فنعم الماهدون (48) ومن كل شيء خلقنا زوجين ~~لعلكم تذكرون (49) ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا ~~مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين (51) } # {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون (52) } # {وقوم نوح} ، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: "وقوم" بجر الميم، أي: وفي ~~قوم نوح، وقرأ الآخرون بنصبها بالحمل على المعنى، وهو أن قوله: "فأخذناه ~~وجنوده فنبذناهم في اليم"، معناه: أغرقناهم وأغرقنا قوم نوح. {من قبل} ، ~~أي: من قبل هؤلاء، وهم عاد وثمود وقوم فرعون. {إنهم كانوا قوما فاسقين} . # {والسماء بنيناها بأيد} ، بقوة وقدرة، {وإنا لموسعون} ، قال ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما: قادرون. وعنه أيضا: لموسعون الرزق على خلقنا. وقيل: ذو ~~سعة. قال الضحاك: أغنياء، دليله: قوله عز وجل: "على الموسع قدره" (البقرة ~~-236) ، قال الحسن: مطيقون. # {والأرض فرشناها} ، بسطناها ومهدناها لكم، {فنعم الماهدون} ، الباسطون ~~نحن: قال ابن عباس: نعم ما وطأت لعبادي. # {ومن كل شيء خلقنا زوجين} ، صنفين ونوعين مختلفين كالسماء والأرض، والشمس ~~والقمر، والليل والنهار، والبر والبحر، والسهل والجبل، والشتاء والصيف، ~~والجن والإنس، والذكر والأنثى، والنور والظلمة، والإيمان والكفر، والسعادة ~~والشقاوة، والحق والباطل، والحلو والمر. {لعلكم تذكرون} ، فتعلمون أن خالق ~~الأزواج فرد. # {ففروا إلى الله} ، فاهربوا من عذاب الله إلى ثوابه، بالإيمان والطاعة. ~~قال ابن عباس: فروا منه إليه واعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فروا ~~مما سوى الله إلى الله، {إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلها ~~آخر إني لكم منه نذير مبين} . # {كذلك} ، أي: كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون كذلك، {ما أتى الذين من ~~قبلهم} # PageV07P379 # من قبل كفار مكة، {من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} . 140/ب ### || # {أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53) فتول عنهم فما أنت بملوم (54) وذكر فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين (55) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) } # قال الله تعالى: {أتواصوا به} ms2428 ، أي: أوصى أولهم آخرهم وبعضهم بعضا ~~بالتكذيب وتواطؤا عليه؟ والألف فيه للتوبيخ، {بل هم قوم طاغون} ، قال ابن ~~عباس: حملهم الطغيان فيما أعطيتهم ووسعت عليهم على تكذيبك، {فتول عنهم} ، ~~فأعرض عنهم، {فما أنت بملوم} ، لا لوم عليك فقد أديت الرسالة وما قصرت فيما ~~أمرت به. # قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واشتد ذلك على أصحابه، وظنوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر إذ أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى عنهم، فأنزل الله تعالى: {وذكر فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين} ، فطابت أنفسهم (1) . # قال مقاتل: معناه عظ بالقرآن كفار مكة، فإن الذكرى تنفع من [سبق] (2) في ~~علم الله أن يؤمن منهم. وقال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى ~~تنفعهم. # {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، قال الكلبي والضحاك وسفيان: هذا ~~خاص لأهل طاعته من الفريقين، يدل عليه قراءة ابن عباس: "وما خلقت الجن ~~والإنس -من المؤمنين -إلا ليعبدون"، ثم قال في أخرى: "ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن والإنس"، (الأعراف-79) . # وقال بعضهم: وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي والأشقياء منهم ~~إلا لمعصيتي، وهذا معنى قول زيد بن أسلم، قال: هو على ما جبلوا عليه من ~~الشقاوة والسعادة. # وقال علي بن أبي طالب: "إلا ليعبدون" أي إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم ~~إلى عبادتي، يؤيده قوله عز وجل: "وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا". ~~(التوبة-31) . # وقال مجاهد: إلا ليعرفوني. وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده ~~وتوحيده، دليله: قوله PageV07P380 # تعالى: "ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله" (الزخرف-87) . # وقيل: معناه إلا ليخضعوا إلي ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة: التذلل ~~والانقياد، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، متذلل لمشيئته لا ~~يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق عليه. # وقيل: "إلا ليعبدون" إلا ليوحدوني، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، ~~وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله عز ~~وجل: "فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ms2429 مخلصين له الدين". (العنكبوت-65) . ### || # {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو ~~القوة المتين (58) فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون ~~(59) فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون (60) } # {ما أريد منهم من رزق} ، أي: أن يرزقوا أحدا من خلقي ولا أن يرزقوا ~~أنفسهم، {وما أريد أن يطعمون} ، أي: أن يطعموا أحدا من خلقي، وإنما أسند ~~الإطعام إلى نفسه، لأن الخلق عيال الله ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه. كما ~~جاء في الحديث يقول الله تعالى: "استطعمتك فلم تطعمني" (1) أي: لم تطعم ~~عبدي، ثم بين أن الرازق هو لا غيره فقال: # {إن الله هو الرزاق} ، يعني: لجميع خلقه، {ذو القوة المتين} ، وهو القوي ~~المقتدر المبالغ في القوة والقدرة. # {فإن للذين ظلموا} ، كفروا من أهل مكة، {ذنوبا} ، نصيبا من العذاب {مثل ~~ذنوب أصحابهم} ، مثل نصيب أصحابهم الذين هلكوا من قوم نوح وعاد وثمود، وأصل ~~"الذنوب" في اللغة: الدلو العظيمة المملوءة ماء، ثم استعمل في الحظ ~~والنصيب، {فلا يستعجلون} ، بالعذاب يعني أنهم أخروا إلى يوم القيامة. # يدل عليه قوله عز وجل: {فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون} . يعني: ~~يوم القيامة، وقيل: يوم بدر. PageV07P381 ### | سورة الطور # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رق منشور (3) والبيت المعمور (4) والسقف ~~المرفوع (5) } # {والطور} أراد به الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام ~~بالأرض المقدسة، أقسم الله تعالى به. # {وكتاب مسطور} مكتوب. # {في رق منشور} "والرق": ما يكتب فيه، وهو أديم الصحف، و"المنشور": ~~المبسوط، واختلفوا في هذا الكتاب، قال الكلبي: هو ما كتب الله بيده لموسى ~~من التوراة وموسى يسمع صرير القلم. # وقيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: دواوين الحفظة تخرج إليهم يوم القيامة ~~منشورة، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله. دليله قوله عز وجل: "ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا"، (الإسراء-13) . # {والبيت المعمور} بكثرة الغاشية والأهل، وهو بيت في السماء حذاء العرش ~~بحيال الكعبة يقال له: الضراح، حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض، ~~يدخله كل ms2430 يوم سبعون ألفا من الملائكة يطوفون به ويصلون فيه ثم لا يعودون ~~إليه أبدا (2) . # {والسقف المرفوع} يعني: السماء، نظيره قوله عز وجل: "وجعلنا السماء سقفا ~~محفوظا". (الأنبياء-32) PageV07P382 ### || # {والبحر المسجور (6) إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من دافع (8) } # {والبحر المسجور} قال محمد بن كعب القرظي والضحاك: يعني الموقد المحمى ~~بمنزلة التنور المسجور، وهو قول ابن عباس، وذلك ما روي أن الله تعالى يجعل ~~البحار كلها يوم القيامة نارا فيزاد بها في نار جهنم، كما قال الله تعالى: ~~"وإذا البحار سجرت"، (التكوير-6) وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يركبن رجل بحرا إلا غازيا أو معتمرا ~~أو حاجا، فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا" (1) . # وقال مجاهد والكلبي: "المسجور": المملوء، يقال: سجرت الإناء إذا ملأته. # وقال الحسن، وقتادة، وأبو العالية: هو اليابس الذي قد ذهب ماؤه ونضب # وقال الربيع بن أنس: المختلط العذب بالمالح. # وروى الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي أنه قال في البحر المسجور: هو بحر ~~تحت العرش، غمره (2) كما بين سبع سموات إلى سبع أرضين، فيه ماء غليظ يقال ~~له: بحر الحيوان. يمطر العباد بعد النفخة الأولى منه أربعين صباحا فينبتون ~~في قبورهم (3) . هذا قول مقاتل: أقسم الله بهذه الأشياء. {إن عذاب ربك ~~لواقع} نازل كائن. # {ما له من دافع} مانع (4) قال جبير بن مطعم: قدمت المدينة لأكلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه المغرب، ~~وصوته يخرج من المسجد 141/أفسمعته يقرأ "والطور" إلى قوله "إن عذاب ربك ~~لواقع ماله من دافع"، فكأنما صدع قلبي حين سمعته، ولم يكن أسلم يومئذ، قال: ~~فأسلمت خوفا من نزول العذاب، وما كنت أظن أني أقوم من مكاني حتى يقع بي ~~العذاب (5) . PageV07P386 ### || # {يوم تمور السماء مورا (9) وتسير الجبال سيرا (10) فويل يومئذ للمكذبين ~~(11) الذين هم في خوض يلعبون (12) يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (13) هذه ~~النار التي كنتم بها تكذبون (14) } # {أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ms2431 (15) اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء ~~عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون (16) إن المتقين في جنات ونعيم (17) ~~فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم (18) } # ثم بين أنه متى يقع فقال: # {يوم تمور السماء مورا} أي: تدور كدوران الرحى وتتكفأ بأهلها تكفؤ ~~السفينة. قال قتادة: تتحرك. قال عطاء الخراساني: تختلف أجزاؤها بعضها في ~~بعض. وقيل: تضطرب، و"المور" يجمع هذه المعاني، فهو في اللغة: الذهاب ~~والمجيء والتردد والدوران والاضطراب. # {وتسير الجبال سيرا} فتزول عن أماكنها وتصير هباء منثورا. # {فويل} فشدة عذاب، {يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون} يخوضون (1) ~~في الباطل يلعبون غافلين لاهين. # {يوم يدعون} يدفعون، {إلى نار جهنم دعا} دفعا بعنف وجفوة، وذلك أن خزنة ~~جهنم يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون ~~بهم إلى النار دفعا على وجوههم، وزجا في أقفيتهم حتى يردوا النار، فإذا ~~دنوا منها قال لهم خزنتها: # {هذه النار التي كنتم بها تكذبون} في الدنيا. {أفسحر هذا} وذلك أنهم ~~كانوا ينسبون محمدا صلى الله عليه وسلم إلى السحر، وإلى أنه يغطي على ~~الأبصار بالسحر، فوبخوا به، وقيل لهم: {أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون} . # {اصلوها} قاسوا شدتها، {فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم} الصبر والجزع، ~~{إنما تجزون ما كنتم تعملون} . # {إن المتقين في جنات ونعيم فاكهين} معجبين بذلك ناعمين {بما آتاهم ربهم ~~ووقاهم ربهم عذاب الجحيم} ويقال لهم: PageV07P387 ### || # {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (19) متكئين على سرر مصفوفة ~~وزوجناهم بحور عين (20) والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ~~ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (21) } # {كلوا واشربوا هنيئا} مأمون العاقبة من التخمة والسقم، {بما كنتم تعملون} ~~. # {متكئين على سرر مصفوفة} موضوعة بعضها إلى جنب بعض، {وزوجناهم بحور عين} ~~. # {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان} قرأ أبو عمرو: "وأتبعناهم"، بقطع ~~الألف على التعظيم، "ذرياتهم"، بالألف وكسر التاء فيهما لقوله: "ألحقنا ~~بهم" "وما ألتناهم"، ليكون الكلام على نسق واحد. # وقرأ الآخرون: "واتبعتهم" بوصل الألف وتشديد التاء بعدها وسكون التاء ~~الأخيرة. ms2432 # ثم اختلفوا في "ذريتهم": قرأ أهل المدينة الأولى (1) بغير ألف وضم التاء، ~~والثانية بالألف وكسر التاء، وقرأ أهل الشام ويعقوب كلاهما بالألف وكسر ~~التاء في الثانية، وقرأ الآخرون بغير ألف فيهما ورفع التاء في الأولى ~~ونصبها في الثانية. # واختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: معناها والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان، يعني: أولادهم الصغار والكبار، فالكبار بإيمانهم بأنفسهم، والصغار ~~بإيمان آبائهم، فإن الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعا لأحد الأبوين {ألحقنا ~~بهم ذريتهم} المؤمنين [في الجنة بدرجاتهم وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجات ~~آبائهم] (2) تكرمة لآبائهم لتقر بذلك أعينهم. وهي رواية سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهم. # وقال آخرون: معناه والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم البالغون بإيمان ألحقنا ~~بهم ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان بإيمان آبائهم. وهو قول الضحاك، ~~ورواية العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أخبر الله عز وجل أنه ~~يجمع لعبده المؤمن ذريته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا إليه، ~~يدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته بعمل أبيه، من غير أن ينقص الآباء من ~~أعمالهم شيئا، فذلك قوله: {وما ألتناهم} قرأ ابن كثير بكسر اللام، والباقون ~~بفتحها أي ما نقصناهم يعني الآباء {من عملهم من شيء} . PageV07P388 # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، ~~أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله الحديثي، حدثنا سعيد بن محمد بن إسحاق ~~الصيرفي، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جبارة بن المغلس، حدثنا ~~قيس بن الربيع، حدثنا عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يرفع ذرية ~~المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه"، ثم قرأ: "والذين ~~آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم"، إلى آخر الآية (1) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله ~~بن فنجويه الدينوري، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن ms2433 ~~أحمد بن حنبل، حدثني عثمان ابن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل عن محمد بن ~~عثمان عن زاذان عن علي رضي الله عنه قال: سألت خديجة رضي الله تعالى عنها ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "هما في النار"، فلما رأى الكراهة في وجهها، قال: "لو ~~رأيت مكانهما لأبغضتهما"، قالت: يا رسول الله فولدي منك؟ قال: "في الجنة" ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن ~~المشركين وأولادهم في النار"، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذين ~~آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم" (2) . # {كل امرئ بما كسب رهين} قال مقاتل: كل امرئ كافر بما عمل من الشرك مرتهن ~~في النار، والمؤمن لا يكون مرتهنا، لقوله عز وجل: "كل نفس بما كسبت رهينة ~~إلا أصحاب اليمين"، ثم ذكر ما يزيدهم من الخير والنعمة فقال: PageV07P389 ### || # {وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون (22) يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ~~ولا تأثيم (23) ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (24) وأقبل بعضهم ~~على بعض يتساءلون (25) قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) } # {وأمددناهم بفاكهة} زيادة على ما كان لهم، {ولحم مما يشتهون} من أنواع ~~اللحمان. # {يتنازعون} يتعاطون ويتناولون، {فيها كأسا لا لغو فيها} وهو الباطل، وروي ~~ذلك عن قتادة، وقال مقاتل بن حيان: لا فضول فيها. وقال سعيد بن المسيب: لا ~~رفث فيها. وقال ابن زيد: لا سباب ولا تخاصم فيها. وقال القتيبي: لا تذهب ~~عقولهم فيلغوا ويرفثوا، {ولا تأثيم} أي لا يكون منهم ما يؤثمهم. قال ~~الزجاج: لا يجري بينهم ما يلغي ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشربة ~~الخمر. 141/ب وقيل: لا يأثمون في شربها. # {ويطوف عليهم} بالخدمة، {غلمان لهم كأنهم} في الحسن والبياض والصفاء، ~~{لؤلؤ مكنون} مخزون مصون لم تمسه الأيدي. قال سعيد بن جبير: يعني في الصدف. # قال عبد الله بن عمر: وما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى ms2434 عليه ألف غلام، ~~وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه (1) . # وروي عن الحسن أنه لما تلا هذه الآية قال: قالوا يا رسول الله: الخادم ~~كاللؤلؤ المكنون، فكيف المخدوم؟ (2) . # وعن قتادة أيضا قال: ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف ~~المخدوم؟ قال: "فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر ~~الكواكب" (3) . # {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} يسأل بعضهم بعضا في الجنة. قال ابن عباس: ~~يتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف في الدنيا. # {قالوا إنا كنا قبل في أهلنا} في الدنيا {مشفقين} خائفين من العذاب. ~~PageV07P390 ### || # {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو ~~البر الرحيم (28) فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (29) أم يقولون ~~شاعر نتربص به ريب المنون (30) قل تربصوا فإني معكم من المتربصين (31) } # {أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32) } # {فمن الله علينا} بالمغفرة، {ووقانا عذاب السموم} قال الكلبي: عذاب ~~النار. وقال الحسن: "السموم" اسم من أسماء جهنم. # {إنا كنا من قبل} في الدنيا، {ندعوه} نخلص له العبادة، {إنه} قرأ أهل ~~المدينة [والكسائي] (1) "أنه" بفتح الألف، أي: لأنه أو بأنه، وقرأ الآخرون ~~بالكسر على الاستئناف، {هو البر} قال ابن عباس: اللطيف. وقال الضحاك: ~~الصادق فيما وعد {الرحيم} . # {فذكر} يا محمد بالقرآن أهل مكة، {فما أنت بنعمة ربك} برحمته وعصمته، ~~{بكاهن} تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وحي، {ولا مجنون} نزلت في ~~الذين اقتسموا عقاب مكة يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكهانة ~~والسحر والجنون والشعر. # {أم يقولون} بل يقولون، يعني: هؤلاء المقتسمين الخراصين، {شاعر} أي: هو ~~شاعر، {نتربص به ريب المنون} حوادث الدهر وصروفه فيموت ويهلك كما هلك من ~~قبله من الشعراء، ويتفرق أصحابه وإن أباه مات شابا ونحن نرجو أن يكون موته ~~كموت أبيه، و"المنون" يكون بمعنى الدهر، ويكون بمعنى الموت، سميا بذلك ~~لأنهما يقطعان الأجل. # {قل تربصوا} انتظروا بي الموت، {فإني معكم من المتربصين} [من المنتظرين] ~~(2) حتى يأتي أمر الله فيكم، ms2435 فعذبوا يوم بدر بالسيف. # {أم تأمرهم أحلامهم} عقولهم، {بهذا} وذلك أن عظماء قريش كانوا يوصفون ~~بالأحلام والعقول، فأزرى الله بعقولهم حين لم تتميز لهم معرفة الحق من ~~الباطل، {أم هم} بل هم {قوم طاغون} . PageV07P391 ### || # {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ~~(34) أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) أم خلقوا السماوات والأرض بل ~~لا يوقنون (36) أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون (37) } # {أم يقولون تقوله} أي: يخلق القرآن من تلقاء نفسه، "والتقول"، تكلف ~~القول، ولا يستعمل إلا في الكذب، ليس الأمر كما زعموا، {بل لا يؤمنون} ~~بالقرآن استكبارا. ثم ألزمهم الحجة فقال: {فليأتوا بحديث مثله} ،أي: مثل ~~القرآن ونظمه وحسن بيانه، {إن كانوا صادقين} أن محمدا يقوله من قبل نفسه. # {أم خلقوا من غير شيء} قال ابن عباس: من غير رب، ومعناه: أخلقوا من غير ~~شيء خلقهم فوجدوا بلا خالق؟ وذلك مما لا يجوز أن يكون، لأن تعلق الخلق ~~بالخالق من ضرورة الاسم، فإن أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق، {أم ~~هم الخالقون} لأنفسهم وذلك في البطلان أشد، لأن ما لا وجود له كيف يخلق؟ # فإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقا فليؤمنوا به، ذكر هذا ~~المعنى أبو سليمان الخطابي. # وقال الزجاج: معناه: أخلقوا باطلا لا يحاسبون ولا يؤمرون؟ وقال ابن ~~كيسان: أخلقوا عبثا وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ينهون، فهو كقول القائل: فعلت ~~كذا وكذا من غير شيء أي: لغير شيء، أم هم الخالقون لأنفسهم فلا يجب عليهم ~~لله أمر؟ # {أم خلقوا السماوات والأرض} فيكونوا هم الخالقين، ليس الأمر كذلك، {بل لا ~~يوقنون} . # {أم عندهم خزائن ربك} قال عكرمة: يعني النبوة. قال مقاتل: أبأيديهم ~~مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاؤوا؟ قال الكلبي: خزائن المطر والرزق، ~~{أم هم المسيطرون} المسلطون الجبارون، قال عطاء: أرباب قاهرون فلا يكونوا ~~تحت أمر ونهي، يفعلون ما شاؤوا. ويجوز بالسين والصاد جميعا، قرأ ابن عامر ~~بالسين هاهنا وقوله: "بمسيطر"، وقرأ حمزة بإشمام الزاي فيهما، وقرأ ms2436 ابن ~~كثير هاهنا بالسين و"بمصيطر" بالصاد، وقرأ الآخرون بالصاد فيهما. # PageV07P392 ### || # {أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38) أم له البنات ~~ولكم البنون (39) أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب ~~فهم يكتبون (41) أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) } # {أم لهم سلم} مرقى ومصعد إلى السماء، {يستمعون فيه} أي يستمعون عليه ~~الوحي، كقوله: "ولأصلبنكم في جذوع النخل" (طه-71) أي: عليها، معناه: ألهم ~~سلم يرتقون به إلى السماء، فيستمعون الوحي ويعلمون أن ما هم عليه حق ~~بالوحي، فهم مستمسكون به كذلك؟ {فليأت مستمعهم} إن ادعوا ذلك، {بسلطان ~~مبين} حجة بينة. # {أم له البنات ولكم البنون} هذا إنكار عليهم حين جعلوا لله ما يكرهون، ~~كقوله: "فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون" (الصافات-149) . # {أم تسألهم أجرا} جعلا على ما جئتهم به ودعوتهم إليه من الدين، {فهم من ~~مغرم مثقلون} أثقلهم ذلك المغرم الذي تسألهم، فمنعهم من ذلك عن الإسلام. # {أم عندهم الغيب} أي: علم ما غاب عنهم، حتى علموا أن ما يخبرهم الرسول من ~~أمر القيامة والبعث باطل. # وقال قتادة: هذا جواب لقولهم: "نتربص به ريب المنون"، يقول: أعندهم علم ~~الغيب حتى علموا أن محمدا صلى الله عليه وسلم يموت قبلهم؟ {فهم يكتبون} أي: ~~يحكمون، والكتاب: الحكم، قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين ~~تخاصما إليه: "أقضي بينكما بكتاب الله" (1) أي بحكم الله. # وقال ابن عباس: معناه أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون ~~الناس به؟ # {أم يريدون كيدا} مكرا بك ليهلكوك؟ {فالذين كفروا هم المكيدون} أي: هم ~~المجزيون بكيدهم، يريد أن ضرر ذلك يعود عليهم، ويحيق مكرهم بهم، وذلك أنهم ~~مكروا به في دار الندوة فقتلوا ببدر. PageV07P393 ### || # {أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون (43) وإن يروا كسفا من ~~السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (44) فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه ~~يصعقون (45) يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون (46) وإن للذين ~~ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) واصبر لحكم ربك فإنك ~~بأعيننا ms2437 وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) } # {أم لهم إله غير الله} 142/أيرزقهم وينصرهم؟ {سبحان الله عما يشركون} قال ~~الخليل: ما في هذه السورة من ذكر "أم" كله استفهام وليس بعطف. # {وإن يروا كسفا} قطعة، {من السماء ساقطا} هذا جواب لقولهم: "فأسقط علينا ~~كسفا من السماء"، يقول: لو عذبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم لم ينتهوا عن ~~كفرهم، {يقولوا} -لمعاندتهم-هذا، {سحاب مركوم} بعضه على بعض يسقينا. # {فذرهم حتى يلاقوا} يعاينوا، {يومهم الذي فيه يصعقون} أي: يموتون، حتى ~~يعاينوا الموت، قرأ ابن عامر وعاصم يصعقون بضم الياء، أي: يهلكون. # {يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون} أي: لا ينفعهم كيدهم يوم ~~الموت ولا يمنعهم من العذاب مانع. # {وإن للذين ظلموا} [كفروا] (1) {عذابا دون ذلك} أي: عذابا في الدنيا قبل ~~عذاب الآخرة. قال ابن عباس: يعني القتل يوم بدر، وقال الضحاك: هو الجوع ~~والقحط سبع سنين. وقال البراء بن عازب: هو عذاب القبر. {ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون} أن العذاب نازل بهم. # {واصبر لحكم ربك} إلى أن يقع بهم العذاب الذي حكمنا عليهم، {فإنك ~~بأعيننا} أي بمرأى منا، قال ابن عباس: نرى ما يعمل بك. وقال الزجاج: إنك ~~بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إلى مكروهك. {وسبح بحمد ربك حين تقوم} قال سعيد ~~بن جبير وعطاء: أي: قل حين تقوم من مجلسك: سبحانك اللهم وبحمدك، فإن كان ~~المجلس خيرا ازددت فيه إحسانا، وإن كان غير ذلك كان كفارة له (2) . ~~PageV07P394 # أخبرنا أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد القفال، أخبرنا أبو ~~منصور أحمد بن الفضل البرونجردي، أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد الصيرفي، ~~حدثنا أحمد بن عبد الله القرشي، حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج، عن موسى ~~بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جلس مجلسا وكثر فيه لغطه، فقال ~~قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك ms2438 وأتوب ~~إليك، إلا كان كفارة لما بينهما" (1) . # وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: معناه صل لله حين تقوم من مقامك (2) ~~. # وقال الضحاك والربيع: إذا قمت إلى الصلاة فقل: "سبحانك اللهم وبحمدك ~~وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" (3) . # أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس ~~المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا الحسن بن عرفة ويحيى بن موسى قال: ~~حدثنا أبو معاوية عن حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة عن عائشة قالت: كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك اللهم وبحمدك ~~وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" (4) . # وقال الكلبي: هو ذكر الله باللسان حين تقوم من الفراش إلى أن تدخل في ~~الصلاة. # أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو عمر القاسم بن ~~جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي، ~~حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا PageV07P395 # محمد بن نافع، حدثنا زيد بن حباب، أخبرني معاوية بن صالح، أخبرنا أزهر بن ~~سعيد الحرازي عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها بأي شيء ~~كان يفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل؟ فقالت: كان إذا قام ~~كبر الله عشرا، وحمد الله عشرا، وسبح الله عشرا، وهلل عشرا، واستغفر عشرا، ~~وقال: اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني، ويتعوذ من ضيق المقام يوم ~~القيامة" (1) . ### || # {ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم (49) } # {ومن الليل فسبحه} أي: صل له، قال مقاتل: يعني صلاة المغرب والعشاء. ~~{وإدبار النجوم} يعني الركعتين قبل صلاة الفجر، وذلك حين تدبر النجوم أي ~~تغيب بضوء الصبح، هذا قول أكثر المفسرين. وقال الضحاك: هو فريضة صلاة ~~الصبح. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، ~~عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور ~~(2) . PageV07P396 ### | سورة النجم # مكية ms2439 (1) # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {والنجم إذا هوى (1) } # {والنجم إذا هوى} قال ابن عباس في رواية الوالبي والعوفي: يعني الثريا ~~إذا سقطت وغابت، وهويه مغيبه والعرب تسمي الثريا نجما. # وجاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "ما طلع النجم قط وفي ~~الأرض من العاهة شيء إلا رفع" (2) وأراد بالنجم الثريا. # وقال مجاهد: هي نجوم السماء كلها حين تغرب لفظه واحد ومعناه الجمع، سمي ~~الكوكب نجما لطلوعه، وكل طالع نجم، يقال: نجم السن والقرن والنبت: إذا طلع. # وروى عكرمة عن ابن عباس: أنه الرجوم من النجوم يعني ما ترمى به الشياطين ~~عند استراقهم السمع. PageV07P397 # وقال أبو حمزة الثمالي: هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة. وقيل: المراد ~~بالنجم القرآن سمي نجما لأنه نزل نجوما متفرقة في عشرين سنة، وسمي التفريق: ~~تنجيما، والمفرق: منجما، هذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وهو قول الكلبي. # "الهوي": النزول من أعلى إلى أسفل. وقال الأخفش: "النجم" هو النبت الذي ~~لا ساق له، ومنه قوله عز وجل: "والنجم والشجر يسجدان" (الرحمن-6) ، وهويه ~~سقوطه على الأرض. وقال جعفر الصادق: يعني محمدا صلى الله عليه وسلم إذ نزل ~~من السماء ليلة المعراج، و"الهوي": النزول، يقال: هوى يهوي هويا [إذا نزل] ~~(1) مثل مضى يمضي مضيا. ### || # {ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) ~~علمه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) } # وجواب القسم: قوله: {ما ضل صاحبكم} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم ما ضل ~~عن طريق الهدى {وما غوى.} {وما ينطق عن الهوى} أي: بالهوى يريد لا يتكلم ~~بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إن محمدا صلى الله عليه وسلم يقول القرآن من ~~تلقاء نفسه. # {إن هو} ما نطقه في الدين، وقيل: القرآن {إلا وحي يوحى} أي: وحي من الله ~~يوحى إليه. # 142/ب {علمه شديد القوى} جبريل، والقوى جمع القوة. # {ذو مرة} قوة وشدة في خلقه يعني جبريل. قال ابن عباس: ذو مرة يعني: ذو ~~منظر حسن. وقال مقاتل: ذو خلق طويل ms2440 حسن. {فاستوى} يعني: جبريل. # {وهو} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وأكثر كلام العرب إذا أرادوا العطف ~~في مثل هذا أن يظهروا كناية المعطوف عليه، فيقولون (2) استوى هو وفلان، ~~وقلما يقولون: استوى وفلان نظير هذا قوله: "أئذا كنا ترابا وآباؤنا" ~~(النمل-67) عطف الآباء على المكنى في "كنا" من غير إظهار نحن، ومعنى الآية: ~~استوى جبريل ومحمد عليهما السلام ليلة المعراج {بالأفق الأعلى} وهو أقصى ~~الدنيا عند مطلع الشمس، وقيل: "فاستوى" يعني جبريل، وهو كناية عن جبريل ~~أيضا أي: قام في صورته التي خلقه PageV07P400 # الله، وهو بالأفق الأعلى، وذلك أن جبريل كان يأتي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي النبيين، فسأله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يريه نفسه على الصورة التي جبل عليها فأراه نفسه مرتين: ~~مرة في الأرض ومرة في السماء، فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، والمراد ~~بالأعلى جانب المشرق، وذلك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان بحراء فطلع له ~~جبريل من المشرق فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مغشيا عليه، فنزل جبريل في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار ~~عن وجهه، وهو قوله: "ثم دنا فتدلى" وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم ~~يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (1) ~~. ### || # {ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9) } # قوله عز وجل: {ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى} اختلفوا في معناه: # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبي ~~زائدة عن ابن الأشوع عن الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة فأين قوله: "ثم ~~دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى"؟ قالت: "ذلك جبريل كان يأتيه في صورة ~~الرجل، وإنه أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسد الأفق" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد ms2441 الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا زائدة عن ~~الشيباني قال: سألت زرا عن قوله: "فكان قاب قوسين أو أدنى"، قال: أخبرنا ~~عبد الله -يعني ابن مسعود-أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة ~~جناح (3) . # فمعنى الآية: ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض "فتدلى" ~~فنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فكان منه "قاب قوسين أو أدنى"، بل أدنى، ~~وبه قال ابن عباس والحسن وقتادة، قيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: ثم ~~تدلى فدنا؛ لأن التدلي سبب الدنو (4) . # وقال آخرون: ثم دنا الرب عز وجل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى، فقرب ~~منه حتى كان قاب PageV07P401 # قوسين أو أدنى. وروينا في قصة المعراج عن شريك بن عبد الله عن أنس: ودنا ~~الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى (1) . وهذا رواية ابن ~~سلمة عن ابن عباس، "والتدلي" هو النزول إلى الشيء حتى يقرب منه. # وقال مجاهد: دنا جبريل من ربه (2) . # وقال الضحاك: دنا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه فتدلى فأهوى للسجود، ~~فكان منه قاب قوسين أو أدنى. # ومعنى قوله: "قاب قوسين" أي قدر قوسين، و"القاب" و"القيب" و"القاد" ~~و"القيد": عبارة عن المقدار، و"القوس": ما يرمى به في قول الضحاك ومجاهد ~~وعكرمة وعطاء عن ابن عباس، فأخبر أنه كان بين جبريل وبين محمد عليهما ~~السلام مقدار قوسين، قال مجاهد: معناه حيث الوتر من القوس، وهذا إشارة إلى ~~تأكيد القرب. وأصله: أن الحليفين من العرب كانا إذا أرادا عقد الصفاء ~~والعهد خرجا بقوسيهما فألصقا بينهما، يريدان بذلك أنهما متظاهران يحامي كل ~~واحد منهما عن صاحبه. # وقال عبد الله بن مسعود: "قاب قوسين" أي: قدر ذراعين، وهو قول سعيد بن ~~جبير وشقيق بن سلمة، و"القوس": الذراع يقاس بها كل شيء، "أو أدنى": بل ~~أقرب. ### || # {فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) } # {فأوحى} أي: أوحى الله {إلى عبده} محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى، قال ~~ابن عباس ms2442 في رواية عطاء، والكلبي، والحسن، والربيع، وابن زيد: معناه: أوحى ~~جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه عز وجل (3) . # قال سعيد بن جبير: أوحى إليه: "ألم يجدك يتيما فآوى" (الضحى-6) إلى قوله ~~تعالى: "ورفعنا لك ذكرك"، (الشرح-4) وقيل: أوحى إليه: إن الجنة محرمة على ~~الأنبياء حتى تدخلها أنت، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك (4) . PageV07P402 ### || # {ما كذب الفؤاد ما رأى (11) } # {ما كذب الفؤاد ما رأى} قرأ أبو جعفر "ما كذب الفؤاد" بتشديد الذال أي: ~~ما كذب قلب محمد صلى الله عليه وسلم ما رأى بعينه تلك الليلة، بل صدقه ~~وحققه، وقرأ الآخرون بالتخفيف أي: ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذي رأى بل صدقه، يقال: كذبه إذا قال له الكذب مجازه: ما كذب الفؤاد فيما ~~رأى، واختلفوا في الذي رآه، فقال قوم: رأى جبريل، وهو قول ابن مسعود ~~وعائشة. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو ~~بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص هو ابن غياث عن الشيباني عن زر عن عبد الله ~~قال: "ما كذب الفؤاد ما رأى" قال: رأى جبريل له ستمائة جناح (1) . # وقال آخرون: هو الله عز وجل. ثم اختلفوا في معنى الرؤية، فقال بعضهم: جعل ~~بصره في فؤاده فرآه بفؤاده، وهو قول ابن عباس. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن حجاج، ~~حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن زياد بن الحصين عن أبي ~~العالية عن ابن عباس: "ما كذب الفؤاد ما رأى". "ولقد رآه نزلة أخرى" قال: ~~رآه بفؤاده مرتين (2) . # وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه 143/أوهو قول أنس والحسن وعكرمة، قالوا: ~~رأى محمد ربه (3) ، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: إن الله اصطفى إبراهيم ~~بالخلة واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمدا صلى الله ms2443 عليه وسلم بالرؤية (4) . # وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ربه، وتحمل الآية على رؤيته جبريل عليه السلام: PageV07P403 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد ابن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن إسماعيل ~~بن أبي خالد عن عامر عن مسروق قال: قلت لعائشة يا أماه هل رأى محمد صلى ~~الله عليه وسلم ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت: أين أنت من ثلاث من ~~حدثكهن فقد كذب؟ من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: "لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير"، (الأنعام-103) "وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب" (الشورى-51) ومن حدثك أنه يعلم ما ~~في غد فقد كذب، ثم قرأت: "وما تدري نفس ماذا تكسب غدا" (لقمان-34) ومن حدثك ~~أنه كتم شيئا فقد كذب، ثم قرأت: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك" ~~(المائدة-67) الآية، ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين (1) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبد ~~الله بن [شقيق] (2) عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل ~~رأيت ربك؟ قال: "نور أنى أراه" (3) . ### || # {أفتمارونه على ما يرى (12) ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى ~~(14) } # {أفتمارونه على ما يرى} قرأ حمزة والكسائي ويعقوب: "أفتمرونه" بفتح التاء ~~[وسكون الميم] (4) بلا ألف، أي: أفتجحدونه، تقول العرب: مريت الرجل حقه إذا ~~جحدته، وقرأ الآخرون: "أفتمارونه" بالألف وضم التاء على معنى أفتجادلونه ~~على ما يرى وذلك أنهم جادلوه حين أسري به، فقالوا: صف لنا بيت المقدس، ~~وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه به، والمعنى: أفتجادلونه ~~جدالا ترومون به دفعه عما رآه وعلمه. # {ولقد ms2444 رآه نزلة أخرى} يعني: رأى جبريل في صورته التي خلق عليها نازلا من ~~السماء نزلة أخرى، وذلك أنه رآه في صورته مرتين، مرة في الأرض ومرة في ~~السماء. # {عند سدرة المنتهى} وعلى قول ابن عباس معنى: "نزلة أخرى" هو أنه كانت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم عرجات في تلك الليلة لمسألة التخفيف من أعداد ~~الصلوات، فيكون لكل عرجة نزلة، فرأى ربه PageV07P404 # في بعضها، وروينا عنه: "أنه رأى ربه بفؤاده مرتين" (1) وعنه: "أنه رأى ~~بعينه" (2) قوله: "عند سدرة المنتهى" روينا عن عبد الله بن مسعود قال: لما ~~أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء ~~السابعة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط ~~به من فوقها فيقبض منها، قال تعالى: "عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما ~~يغشى"، قال: فراش من ذهب (3) . # وروينا في حديث المعراج: "ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا أنا ~~بإبراهيم عليه السلام فسلمت عليه، ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل ~~قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة" (4) . # "والسدرة" شجرة النبق، وقيل لها: سدرة المنتهى لأنه إليها ينتهي علم ~~الخلق. قال هلال بن [يساف] (5) : سأل ابن عباس كعبا عن سدرة المنتهى وأنا ~~حاضر، فقال كعب: إنها سدرة في أصل العرش على رؤوس حملة العرش وإليها ينتهي ~~علم الخلائق، وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله (6) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، ~~حدثنا ابن شيبة، حدثنا المسوحي، حدثنا عبيد بن يعيش، حدثنا يونس بن بكير، ~~أخبرنا محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن ~~جدته أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر سدرة ~~المنتهى، قال: "يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة عام ويستظل في الفنن ~~منها مائة ألف راكب، فيها فراش من ذهب، كأن ثمرها القلال" (7) . # وقال مقاتل: هي شجرة تحمل الحلي والحلل والثمار من جميع ms2445 الألوان، لو أن ~~ورقة وضعت منها في الأرض لأضاءت لأهل الأرض، وهي طوبى التي ذكرها الله ~~تعالى في سورة الرعد. PageV07P405 ### || # {عندها جنة المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر وما ~~طغى (17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18) } # {عندها جنة المأوى} قال عطاء عن ابن عباس: جنة يأوي إليها جبريل ~~والملائكة. وقال مقاتل والكلبي: يأوي إليها أرواح الشهداء. # {إذ يغشى السدرة ما يغشى} قال ابن مسعود: فراش من ذهب. # وروينا في حديث المعراج عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثم ذهب ~~بي إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما ~~غشى من أمر الله ما غشى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من ~~حسنها، وأوحى إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة" (1) . # وقال مقاتل: تغشاها الملائكة أمثال الغربان وقال السدي: من الطيور. وروي ~~عن أبي العالية عن أبي هريرة رضي الله عنه أو غيره قال: غشيها نور الخلائق ~~وغشيتها الملائكة من حب الله أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة. قال: ~~فكلمه عند ذلك، فقال له: سل (2) . وعن الحسن قال: غشيها نور رب العزة ~~فاستنارت. ويروى في الحديث: "رأيت على كل ورقة منها ملكا قائما يسبح الله ~~تعالى" (3) . # {ما زاغ البصر وما طغى} أي: ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم يمينا ~~ولا شمالا وما طغى، أي ما جاوز ما رأى. وقيل: ما جاوز ما أمر به وهذا وصف ~~أدبه في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبا. # {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} يعني: الآيات العظام. وقيل: أراد ما رأى ~~تلك الليلة في مسيره وعوده، دليله قوله: "لنريه من آياتنا"، (الإسراء-1) ~~وقيل: معناه لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا PageV07P406 # شعبة عن ms2446 سليمان الشيباني سمع زر بن حبيش عن عبد الله قال: لقد رأى من ~~آيات ربه الكبرى قال: رأى (1) جبريل في صورته له ستمائة جناح (2) . # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، 143/ب أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمرو، حدثنا ~~شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة [عن عبد الله] (3) "لقد رأى من آيات ~~ربه الكبرى"؟ قال: رأى رفرفا أخضر سد أفق السماء (4) . ### || # {أفرأيتم اللات والعزى (19) } # قوله عز وجل: {أفرأيتم اللات والعزى} هذه أسماء (5) أصنام اتخذوها آلهة ~~يعبدونها، اشتقوا لها أسماء من أسماء الله تعالى فقالوا من الله: اللات، ~~ومن العزيز: العزى. وقيل: العزى: تأنيث الأعز، أما "اللات" قال قتادة: كانت ~~بالطائف، وقال ابن زيد: بيت بنخلة كانت قريش تعبده (6) . # وقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح: "اللات" بتشديد التاء، وقالوا: كان رجلا ~~يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه (7) . # وقال مجاهد: كان في رأس جبل له غنيمة يسلأ منها السمن ويأخذ منها الأقط، ~~ويجمع رسلها (8) ثم يتخذ منها حيسا فيطعم منه الحاج، وكان ببطن نخلة، فلما ~~مات عبدوه، وهو اللات (9) . # وقال الكلبي: كان رجلا من ثقيف يقال له صرمة بن غنم، وكان يسلأ السمن ~~فيضعها على صخرة ثم تأتيه العرب فتلت به أسوقتهم، فلما مات الرجل حولتها ~~ثقيف إلى منازلها فعبدتها، فسدرة الطائف على موضع اللات. # وأما "العزى": قال مجاهد: هي شجرة بغطفان كانوا يعبدونها، فبعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها فجعل خالد بن الوليد يضربها ~~بالفأس ويقول: PageV07P407 # يا عز كفرانك لا سبحانك # إني رأيت الله قد أهانك # فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها. # ويقال: إن خالدا رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد قلعتها، ~~فقال: ما رأيت؟ قال: ما رأيت شيئا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما ~~قلعت، فعاودها فعاد إليها ومعه المعول فقلعها واجتث أصلها فخرجت منها امرأة ~~عريانة، فقتلها ثم رجع إلى النبي صلى ms2447 الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فقال: ~~"تلك العزى ولن تعبد أبدا" (1) . # وقال الضحاك: هي صنم لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني، وذلك أنه ~~قدم مكة فرأى الصفا والمروة، ورأى أهل مكة يطوفون بينهما، فعاد إلى بطن ~~نخلة، وقال لقومه: إن لأهل مكة الصفا والمروة وليستا لكم، ولهم إله يعبدونه ~~وليس لكم، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أنا أصنع لكم كذلك، فأخذ حجرا من الصفا ~~وحجرا من المروة ونقلهما إلى نخلة، فوضع الذي أخذ من الصفا، فقال: هذا ~~الصفا، ثم وضع الذي أخذه من المروة، فقال: هذه المروة، ثم أخذ ثلاثة أحجار ~~فأسندها إلى شجرة، فقال: هذا ربكم، فجعلوا يطوفون بين الحجرين ويعبدون ~~الحجارة، حتى افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، فأمر برفع الحجارة، ~~وبعث خالد بن الوليد إلى العزى فقطعها. # وقال ابن زيد: هي بيت بالطائف كانت تعبده ثقيف. ### || # {ومناة الثالثة الأخرى (20) } # {ومناة} قرأ ابن كثير بالمد والهمزة، وقرأ العامة بالقصر غير مهموز، لأن ~~العرب سمت زيد مناة وعبد مناة، ولم يسمع فيها المد. قال قتادة: هي لخزاعة ~~كانت بقديد، قالت عائشة رضي الله عنها في الأنصار: كانوا يهلون لمناة، ~~وكانت حذو قديد. قال ابن زيد: بيت كان بالمشلل يعبده بنو كعب. قال الضحاك: ~~مناة صنم لهذيل وخزاعة يعبدها أهل مكة. وقال بعضهم: اللات والعزى ومناة: ~~أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها (2) . # واختلف القراء في الوقف على اللات ومناة: فوقف بعضهم عليهما بالهاء ~~وبعضهم بالتاء. وقال بعضهم: ما كتب في المصحف بالتاء يوقف عليه بالتاء، وما ~~كتب بالهاء فيوقف عليه بالهاء. PageV07P408 # وأما قوله: {الثالثة الأخرى} [فالثالثة] (1) نعت لمناة، أي: الثالثة ~~للصنمين في الذكر، وأما الأخرى فإن العرب لا تقول الثالثة الأخرى، إنما ~~الأخرى هاهنا نعت للثانية. قال الخليل: فالياء لوفاق رؤوس الآي، كقوله: ~~"مآرب أخرى" (طه-18) ولم يقل: أخر. وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: ~~أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة. # ومعنى الآية: "أفرأيتم": أخبرونا يا أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة ~~بنات الله، قال الكلبي: ms2448 كان المشركون بمكة يقولون: الأصنام والملائكة بنات ~~الله، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره ذلك. ### || # {ألكم الذكر وله الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22) إن هي إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما ~~تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى (23) } # فقال الله تعالى منكرا عليهم: {ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى} ~~قال ابن عباس وقتادة: أي قسمة جائرة حيث جعلتم لربكم ما تكرهون لأنفسكم. ~~قال مجاهد ومقاتل: قسمة عوجاء. وقال الحسن: غير معتدلة. # قرأ ابن كثير: "ضئزى" بالهمز، وقرأ الآخرون بغير همز. # قال الكسائي: يقال منه ضاز يضيز ضيزا، وضاز يضوز ضوزا، وضاز يضاز ضازا ~~إذا ظلم ونقص، وتقدير ضيزى من الكلام فعلى بضم الفاء، لأنها صفة والصفات لا ~~تكون إلا على فعلى بضم الفاء، نحو حبلى وأنثى وبشرى، أو فعلى بفتح الفاء، ~~نحو غضبى وسكرى وعطشى، وليس في كلام العرب فعلى بكسر الفاء في النعوت، إنما ~~يكون في الأسماء، مثل: ذكرى وشعرى، وكسر الضاد هاهنا لئلا تنقلب الياء واوا ~~وهي من بنات الياء كما قالوا في جمع أبيض بيض، والأصل بوض مثل حمر وصفر، ~~فأما من قال: ضاز يضوز فالاسم منه ضوزى مثل شورى. # {إن هي} ما هذه الأصنام {إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله ~~بها من سلطان} حجة بما تقولون إنها آلهة. ثم رجع إلى الخبر بعد المخاطبة ~~فقال: {إن يتبعون إلا الظن} في قولهم إنها آلهة {وما تهوى الأنفس} وما زين ~~لهم الشيطان {ولقد جاءهم من ربهم الهدى} البيان بالكتاب والرسول أنها ليست ~~بآلهة، فإن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار. PageV07P409 ### || # {أم للإنسان ما تمنى (24) فلله الآخرة والأولى (25) وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ~~(26) } # {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) وما لهم ~~به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28) فأعرض عن ms2449 ~~من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) ذلك مبلغهم من العلم إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (30) } # {أم للإنسان ما تمنى} أيظن الكافر أن له ما يتمنى ويشتهي من شفاعة ~~الأصنام؟ # {فلله الآخرة والأولى} ليس كما ظن الكافر وتمنى، بل لله الآخرة والأولى، ~~لا يملك أحد فيهما شيئا إلا بإذنه. # {وكم من ملك في السماوات} يعبدهم هؤلاء الكفار ويرجون شفاعتهم عند الله ~~{لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله} في الشفاعة {لمن يشاء ~~ويرضى} أي: من أهل التوحيد. قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن ~~رضي الله عنه. وجمع الكناية في قوله: "شفاعتهم" والملك واحد؛ لأن المراد من ~~قوله: "وكم من ملك" 144/أالكثرة، فهو كقوله: "فما منكم من أحد عنه حاجزين" ~~(الحاقة-47) . # {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى} أي: بتسمية ~~الأنثى حين قالوا: إنهم بنات الله. # {وما لهم به من علم} قال مقاتل: [معناه] (1) ما يستيقنون أنهم [بنات ~~الله] (2) {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} "والحق" ~~بمعنى العلم، أي: لا يقوم الظن مقام العلم. وقيل: "الحق" بمعنى العذاب، ~~[أي: أظنهم لا ينقذهم من العذاب شيء] (3) . # {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا} يعني القرآن. وقيل: الإيمان {ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا.} . # ثم صغر رأيهم فقال: {ذلك مبلغهم من العلم} أي: ذلك نهاية علمهم وقدر ~~عقولهم أن PageV07P410 # آثروا الدنيا على الآخرة. # وقيل: لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكة بنات الله، وأنها تشفع ~~لهم، فاعتمدوا على ذلك وأعرضوا عن القرآن. # {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى} أي: هو عالم ~~بالفريقين فيجازيهم. ### || # {ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي ~~الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ~~إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون ~~أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم ms2450 هو أعلم بمن اتقى (32) } # {ولله ما في السموات وما في الأرض} وهذا معترض بين الآية الأولى وبين ~~قوله: {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا} فاللام في قوله: "ليجزي" متعلق بمعنى ~~الآية الأولى؛ لأنه إذا كان أعلم بهم جازى كلا بما يستحقه، الذين أساؤوا ~~وأشركوا: بما عملوا من الشرك {ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} وحدوا ربهم: ~~"بالحسنى" بالجنة. وإنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان كثير ~~الملك، ولذلك قال: "ولله ما في السموات وما في الأرض". # ثم وصفهم فقال: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} اختلفوا ~~في معنى الآية، فقال قوم: هذا استثناء صحيح، واللمم من الكبائر والفواحش، ~~ومعنى الآية: إلا أن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي وهو ~~قول أبي هريرة [ومجاهد، والحسن] (1) ، ورواية عطاء عن ابن عباس (2) . # قال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك (3) . # وقال السدي قال أبو صالح: سئلت عن قول الله تعالى: "إلا اللمم"، فقلت: هو ~~الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده، فذكرت ذلك لابن عباس فقال: لقد أعانك عليها ~~ملك كريم (4) . PageV07P411 # وروينا عن عطاء عن ابن عباس في قوله: "إلا اللمم"، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما" (1) . # وأصل "اللمم والإلمام": ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين، ولا يكون ~~إعادة، ولا إقامة. # وقال آخرون: هذا استثناء منقطع، مجازه: لكن اللمم، ولم يجعلوا اللمم من ~~الكبائر والفواحش، ثم اختلفوا في معناه، فقال بعضهم: هو ما سلف في الجاهلية ~~فلا يؤاخذهم الله به، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنهم كانوا بالأمس ~~يعملون معنا؟ فأنزل الله هذه الآية. وهذا قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم ~~(2) . # وقال بعضهم: هو صغار الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة وما كان دون الزنا، ~~وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي، ورواية طاووس عن ابن عباس ~~(3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمود ms2451 بن غيلان، أخبرنا عبد ~~الرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما رأيت أشبه ~~باللمم مما قاله أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب على ~~ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان ~~النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه" (4) . # ورواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وزاد: "العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان ~~زناه الكلام، واليد [زناها] (5) البطش، والرجل زناها الخطى" (6) . ~~PageV07P412 # وقال الكلبي: "اللمم" على وجهين: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ~~ولا عذابا في الآخرة، فذلك الذي تكفره الصلوات ما لم يبلغ الكبائر والفواحش ~~(1) ، والوجه الآخر هو: الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة فيتوب ~~منه (2) . # وقال سعيد بن المسيب: هو ما لم على القلب أي خطر (3) . # وقال الحسين بن الفضل: "اللمم" النظرة من غير تعمد، فهو مغفور، فإن أعاد ~~النظرة فليس بلمم وهو ذنب (4) . # {إن ربك واسع المغفرة} قال ابن عباس: لمن فعل ذلك وتاب، تم الكلام هاهنا، ~~ثم قال: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} أي خلق أباكم آدم من التراب {وإذ ~~أنتم أجنة} جمع جنين، سمي جنينا لاجتنانه في البطن {في بطون أمهاتكم فلا ~~تزكوا أنفسكم} قال ابن عباس: لا تمدحوها. قال الحسن: علم الله من كل نفس ما ~~هي صانعة وإلى ما هي صائرة، فلا تزكوا أنفسكم، لا تبرؤوها عن الآثام، ولا ~~تمدحوها بحسن أعمالها (5) . # قال الكلبي ومقاتل: كان الناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون: صلاتنا ~~وصيامنا وحجنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية (6) {هو أعلم بمن اتقى} أي: بر ~~وأطاع وأخلص العمل لله تعالى. ### || # {أفرأيت الذي تولى (33) } # قوله عز وجل: {أفرأيت الذي تولى} نزلت في الوليد بن المغيرة، كان قد اتبع ~~النبي صلى الله عليه وسلم على دينه فعيره بعض المشركين وقال له: أتركت دين ~~الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن ms2452 الذي عاتبه إن هو [وافقه] ~~(7) أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل PageV07P413 # عنه عذاب الله، فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيره بعض ذلك المال ~~الذي ضمن ومنعه تمامه، فأنزل الله عز وجل (1) "أفرأيت الذي تولى" أدبر عن ~~الإيمان. ### || # {وأعطى قليلا وأكدى (34) أعنده علم الغيب فهو يرى (35) أم لم ينبأ بما في ~~صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) } # {وأعطى} صاحبه {قليلا وأكدى} بخل بالباقي. # وقال مقاتل: "أعطى" يعني الوليد "قليلا" من الخير بلسانه، ثم "أكدى": ~~يعني قطعه وأمسك ولم يقم على العطية. # وقال السدي: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنه كان ربما يوافق ~~النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور (2) . # وقال محمد بن كعب 144/ب القرظي نزلت في أبي جهل وذلك أنه قال: والله ما ~~يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق (3) ، فذلك قوله: "وأعطى قليلا وأكدى" أي ~~لم يؤمن به، ومعنى "أكدى": يعني قطع، وأصله من الكدية، وهي حجر يظهر في ~~البئر يمنع من الحفر، تقول العرب: أكدى الحافر وأجبل، إذا بلغ في الحفر ~~الكدية والجبل. # {أعنده علم الغيب فهو يرى} ما غاب عنه ويعلم أن صاحبه يتحمل عنه عذابه. # {أم لم ينبأ} لم يخبر {بما في صحف موسى} يعني: أسفار التوراة. # {وإبراهيم} في صحف إبراهيم عليه السلام {الذي وفى} تمم وأكمل ما أمر به. # قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة: عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه إلى ~~خلقه (4) # قال مجاهد: وفى بما فرض عليه (5) . PageV07P414 # قال الربيع: وفى رؤياه وقام بذبح ابنه (1) . # وقال عطاء الخراساني: استكمل الطاعة. وقال أبو العالية: وفى سهام ~~الإسلام. وهو قوله: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن"، (البقرة-124) ~~والتوفية الإتمام. وقال الضحاك: وفى ميثاق المناسك. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الخيري، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، حدثنا إبراهيم بن إسحاق ~~الزهري، حدثنا إسحاق بن منصور عن إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن ~~أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه ms2453 وسلم قال: "إبراهيم الذي وفى [صلى] (2) ~~أربع ركعات أول النهار" (3) . # أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس ~~المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أبو جعفر الشيباني، حدثنا أبو ~~مسهر، حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن ~~نفير عن أبي الدرداء وأبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله ~~تبارك وتعالى أنه قال: "ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك ~~آخره" (4) . ### || # {ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) } # ثم بين ما في صحفهما فقال: {ألا تزر وازرة وزر أخرى} أي: لا تحمل نفس ~~حاملة حمل أخرى، ومعناه: لا تؤخذ نفس بإثم غيرها. وفي هذا إبطال قول من ضمن ~~للوليد بن المغيرة بأنه يحمل عنه الإثم. PageV07P415 # وروى عكرمة عن ابن عباس قال: كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل ~~بذنب غيره، كان الرجل يقتل بقتل أبيه وابنه وأخيه وامرأته وعبده، حتى كان ~~إبراهيم عليه السلام فنهاهم عن ذلك، وبلغهم عن الله: "ألا تزر وازرة وزر ~~أخرى". ### || # {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) } # {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} أي: عمل، كقوله: "إن سعيكم لشتى"، ~~(الليل-4) وهذا أيضا في صحف إبراهيم وموسى. # وقال ابن عباس: هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة، بقوله: "ألحقنا بهم ~~ذريتهم"، (الطور-21) فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء. # وقال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمة فلهم ما سعوا ~~وما سعى لهم غيرهم، لما روي أن امرأة رفعت صبيا لها فقالت: يا رسول الله ~~ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر" (1) . # وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها، فهل لها أجر إن ~~تصدقت عنها؟ قال: "نعم" (2) . # وقال الربيع بن أنس: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" يعني الكافر، فأما ~~المؤمن فله ما سعى وما سعي له (3) . # وقيل: ليس للكافر من الخير إلا ما عمل هو، فيثاب عليه في الدنيا حتى لا ~~يبقى له في الآخرة خير PageV07P416 # ويروى أن عبد ms2454 الله بن أبي كان أعطى العباس قميصا ألبسه إياه، فلما مات ~~أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه ليكفنه فيه، فلم يبق له حسنة في ~~الآخرة يثاب عليها (1) . ### || # {وأن سعيه سوف يرى (40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى (41) وأن إلى ربك المنتهى ~~(42) } # {وأن سعيه سوف يرى} في ميزانه يوم القيامة، [مأخوذة] (2) من: أريته ~~الشيء. # {ثم يجزاه الجزاء الأوفى} الأكمل والأتم أي: يجزى الإنسان بسعيه، يقال: ~~جزيت فلانا سعيه وبسعيه، قال الشاعر: # إن أجز علقمة بن سعد سعيه %~% لم أجزه ببلاء يوم واحد # فجمع بين اللغتين. # {وأن إلى ربك المنتهى} أي: منتهى الخلق ومصيرهم إليه، وهو مجازيهم ~~بأعمالهم. وقيل: منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الآمال. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسن بن ~~محمد الشيباني (3) أخبرنا محمد بن سليمان بن الفتح الحنبلي، حدثنا علي بن ~~محمد المصري، أخبرنا أبو إسحاق ابن منصور الصعدي (4) ، أخبرنا العباس بن ~~زفر، عن أبي جعفر الرازي، عن أبيه عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن ~~أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "وأن إلى ربك المنتهى"، ~~قال: "لا فكرة في الرب" (5) ، وهذا مثل ما روي عن أبي هريرة مرفوعا: ~~"تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" (6) فإنه لا تحيط به الفكرة. ~~PageV07P417 ### || # {وأنه هو أضحك وأبكى (43) وأنه هو أمات وأحيا (44) } # {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) من نطفة إذا تمنى (46) وأن عليه ~~النشأة الأخرى (47) } # {وأنه هو أضحك وأبكى} فهذا يدل على أن كل ما يعمله الإنسان فبقضائه وخلقه ~~حتى الضحك والبكاء، قال مجاهد والكلبي: أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل ~~النار في النار. وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر. # قال عطاء بن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن، لأن الفرح يجلب الضحك، والحزن ~~يجلب البكاء. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، ~~أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا قيس، هو ابن الربيع ~~الأسدي، حدثنا سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن ms2455 سمرة: أكنت تجالس النبي صلى ~~الله عليه وسلم؟ قال: نعم وكان أصحابه يجلسون ويتناشدون الشعر، ويذكرون ~~أشياء من أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم معهم إذا ضحكوا (1) -يعني النبي صلى ~~الله عليه وسلم -. # وقال معمر عن قتادة: سئل ابن عمر هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل (2) . # {وأنه هو أمات وأحيا} أي: أمات في الدنيا وأحيا للبعث. وقيل: أمات الآباء ~~وأحيا الأبناء. وقيل: أمات الكافر بالنكرة وأحيا المؤمن بالمعرفة. # {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} من كل حيوان. # {من نطفة إذا تمنى} أي: تصب في الرحم، يقال: منى الرجل وأمنى. قاله ~~الضحاك وعطاء بن أبي رباح. وقال آخرون: تقدر، يقال: منيت الشيء إذا قدرته. # {وأن عليه النشأة الأخرى} أي: الخلق الثاني للبعث يوم القيامة. ~~PageV07P418 ### || # {وأنه هو أغنى وأقنى (48) وأنه هو رب الشعرى (49) وأنه أهلك عادا الأولى ~~(50) } # {وأنه هو أغنى وأقنى} قال أبو صالح: أغنى الناس بالأموال وأقنى أي: أعطى ~~القنية وأصول الأموال وما يدخرونه بعد الكفاية. # قال الضحاك: أغنى بالذهب والفضة وصنوف الأموال، وأقنى بالإبل والبقر ~~والغنم. # وقال قتادة والحسن: 145/أ "أقنى": أخدم. # وقال ابن عباس: "أغنى وأقنى": أعطى فأرضى. # قال مجاهد ومقاتل: "أقنى": أرضى بما أعطى وقنع. # وقال ابن زيد: "أغنى": أكثر "وأقنى": أقل وقرأ: "يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر"، (الإسراء-30) وقال الأخفش: "أقنى": أفقر. وقال ابن كيسان: أولد. # {وأنه هو رب الشعرى} وهو كوكب خلف الجوزاء وهما شعريان، يقال لإحداهما ~~العبور وللأخرى الغميصاء، سميت بذلك لأنها أخفى من الأخرى، والمجرة بينهما. ~~وأراد هاهنا الشعرى العبور، وكانت خزاعة تعبدها، وأول من سن لهم ذلك رجل من ~~أشرافهم يقال له أبو كبشة عبدها، وقال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا ~~والشعرى طولا فهي مخالفة لها، فعبدتها خزاعة، فلما خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على خلاف العرب في الدين سموه ابن أبي كبشة لخلافه إياهم، كخلاف ~~أبي كبشة في عبادة الشعرى (1) . # {وأنه أهلك عادا الأولى} قرأ أهل المدينة والبصرة بلام مشددة بعد ms2456 الدال، ~~ويهمز واوه قالون عن نافع، والعرب تفعل ذلك فتقول: قم لان عنا، تريد: قم ~~الآن، ويكون الوقف عند "عادا"، والابتداء "أولى"، بهمزة واحدة مفتوحة بعدها ~~لام مضمومة، [ويجوز الابتداء: لولى] (2) بحذف الهمزة المفتوحة. # وقرأ الآخرون: "عادا الأولى"، وهم قوم هود أهلكوا بريح صرصر، فكان لهم ~~عقب، فكانوا عادا الأخرى. PageV07P419 ### || # {وثمود فما أبقى (51) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى (52) ~~والمؤتفكة أهوى (53) فغشاها ما غشى (54) فبأي آلاء ربك تتمارى (55) هذا ~~نذير من النذر الأولى (56) أزفت الآزفة (57) ليس لها من دون الله كاشفة ~~(58) أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون ولا تبكون (60) } # {وثمود} قوم صالح أهلكهم الله بالصيحة {فما أبقى} منهم أحدا. # {وقوم نوح من قبل} أي: أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود {إنهم كانوا هم ~~أظلم وأطغى} لطول دعوة نوح إياهم وعتوهم على الله بالمعصية والتكذيب. # {والمؤتفكة} قرى قوم لوط {أهوى} أسقط أي: أهواها جبريل بعدما رفعها إلى ~~السماء. # {فغشاها} ألبسها الله {ما غشى} يعني: الحجارة المنضودة المسومة. # {فبأي آلاء ربك} نعم ربك أيها الإنسان، وقيل: أراد الوليد بن المغيرة ~~{تتمارى} تشك وتجادل، وقال ابن عباس: تكذب. # {هذا نذير} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم {من النذر الأولى} أي: رسول ~~من الرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم، وقال قتادة: يقول: أنذر محمد كما ~~أنذر الرسل من قبله. # {أزفت الآزفة} دنت القيامة واقتربت الساعة. # {ليس لها من دون الله كاشفة} أي: مظهرة مقيمة كقوله تعالى: "لا يجليها ~~لوقتها إلا هو"، (الأعراف-187) والهاء فيه للمبالغة أو على تقدير: نفس ~~كاشفة. ويجوز أن تكون الكاشفة مصدرا كالخافية والعافية، والمعنى: ليس لها ~~من دون الله كاشف أي: لا يكشف عنها ولا يظهرها غيره. # وقيل: معناه: ليس لها راد يعني: إذا غشيت الخلق أهوالها وشدائدها لم ~~يكشفها ولم يردها عنهم أحد، وهذا قول عطاء وقتادة والضحاك. # {أفمن هذا الحديث} يعني القرآن {تعجبون وتضحكون} يعني: استهزاء {ولا ~~تبكون} مما فيه من الوعيد. # PageV07P420 ### || # {وأنتم سامدون (61) فاسجدوا لله واعبدوا (62) } # {وأنتم سامدون} لاهون غافلون، و"السمود": الغفلة عن الشيء ms2457 واللهو، يقال: ~~دع عنك سمودك أي لهوك، هذا رواية الوالبي والعوفي عن ابن عباس (1) وقال ~~عكرمة عنه: هو الغناء بلغة أهل اليمن، وكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ~~ولعبوا (2) . وقال الضحاك: أشرون بطرون. وقال مجاهد: غضاب مبرطمون. فقيل ~~له: ما البرطمة؟ قال: الإعراض (3) . # {فاسجدوا لله واعبدوا} أي: واعبدوه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا عبد الوارث، حدثنا ~~أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: سجد بالنجم وسجد ~~معه المسلمون والمشركون والجن والإنس (4) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبو أحمد، ~~حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد عن عبد الله قال: أول سورة ~~أنزلت فيها سجدة: النجم، قال: فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد من ~~خلفه إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا، ~~وهو أمية بن خلف (5) . # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا آدم بن أبي إياس، أخبرنا ابن ~~أبي ذئب، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء بن يسار عن زيد بن ثابت ~~قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم "والنجم" فلم يسجد فيها (6) . # قلت (7) : فهذا دليل على أن سجود التلاوة غير واجب. قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: PageV07P421 # إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. وهو قول الشافعي وأحمد. # وذهب قوم إلى أن وجوب سجود التلاوة على القارئ والمستمع جميعا، وهو قول ~~سفيان الثوري وأصحاب الرأي. # PageV07P422 ### | سورة القمر # مكية (1) # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {اقتربت الساعة وانشق القمر (1) } # {اقتربت الساعة} دنت القيامة {وانشق القمر} . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد ms2458 الله بن عبد الوهاب، ~~أخبرنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك ~~أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر ~~شقتين حتى رأوا حراء بينهما (2) . # وقال شيبان عن قتادة: فأراهم انشقاق القمر مرتين (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن شعبة ~~وسفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، ~~145/ب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشهدوا" (4) . PageV07P425 # وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: انشق القمر بمكة. وقال مقاتل: ~~انشق القمر ثم التأم بعد ذلك. # وروى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: [انشق القمر على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم] (1) فقالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فاسألوا السفار، ~~فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله عز وجل: "اقتربت الساعة وانشق ~~القمر" (2) . ### || # {وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل ~~أمر مستقر (3) } # {وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} أي: ذاهب وسوف يذهب ويبطل من ~~قولهم: مر الشيء واستمر إذا ذهب، مثل قولهم: قر واستقر، قال هذا قول مجاهد ~~وقتادة. وقال أبو العالية [والضحاك] (3) : "مستمر" أي: قوي شديد يعلو كل ~~سحر، من قولهم: مر الحبل إذا صلب واشتد وأمررته إذا أحكمت فتله واستمر ~~الشيء إذا قوي واستحكم. # {وكذبوا واتبعوا أهواءهم} أي: كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوا ~~من قدرة الله عز وجل واتبعوا ما زين لهم الشيطان من الباطل. {وكل أمر ~~مستقر} قال الكلبي: لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان ~~منه في الآخرة فسيعرف. وقال قتادة: كل أمر مستقر فالخير مستقر بأهل الخير، ~~[والشر مستقر بأهل الشر] (4) . # وقيل: كل أمر من خير أو شر ms2459 مستقر قراره، فالخير مستقر بأهله في الجنة، ~~والشر مستقر بأهله في النار. # وقيل: يستقر قول المصدقين والمكذبين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب. ~~وقال مقاتل: لكل حديث منتهى. وقيل: كل ما قدر كائن واقع لا محالة. # وقرأ أبو جعفر "مستقر" بكسر الراء، ولا وجه له. PageV07P426 ### || # {ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر (4) حكمة بالغة فما تغن النذر (5) ~~فتول عنهم يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر (6) } # {خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (7) } # {ولقد جاءهم} يعني: أهل مكة {من الأنباء} أخبار الأمم المكذبة في القرآن ~~{ما فيه مزدجر} [متناهى] ، مصدر بمعنى الازدجار، أي نهي وعظة، يقال: زجرته ~~وازدجرته إذا نهيته عن السوء، وأصله: مزتجر، قلبت التاء دالا. # {حكمة بالغة} يعني: القرآن حكمة تامة قد بلغت الغاية {فما تغن النذر} ~~يجوز أن تكون "ما" نفيا على معنى: فليست تغني النذر، ويجوز أن يكون ~~استفهاما والمعنى: فأي شيء تغني النذر إذا خالفوهم وكذبوهم؟ كقوله: "وما ~~تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون" (يونس -101) و"النذر": جمع نذير. # {فتول عنهم} أعرض عنهم نسختها آية القتال. قيل: ها هنا وقف تام. وقيل: ~~{فتول عنهم يوم يدعو الداعي} أي: إلى يوم الداعي، قال مقاتل: هو إسرافيل ~~ينفخ قائما على صخرة بيت المقدس {إلى شيء نكر} [منكر] فظيع لم يروا مثله ~~فينكرونه استعظاما، قرأ ابن كثير: "نكر" بسكون الكاف، والآخرون بضمها. # {خشعا أبصارهم} قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، والكسائي: "خاشعا" على ~~الواحد، وقرأ الآخرون: "خشعا" -بضم الخاء وتشديد الشين -على الجمع. ويجوز ~~في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد والجمع والتذكير ~~والتأنيث، تقول: مررت برجال حسن أوجههم، وحسنة أوجههم، وحسان أوجههم، قال ~~الشاعر: ورجال حسن أوجههم # من إياد بن نزار بن معد. # وفي قراءة عبد الله: "خاشعة أبصارهم" أي: ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب. # {يخرجون من الأجداث} من القبور {كأنهم جراد منتشر} منبث حيارى، وذكر ~~المنتشر # PageV07P427 # على لفظ الجراد، نظيرها: "كالفراش المبثوث"، (القارعة -4) وأراد أنهم ~~يخرجون فزعين لا جهة لأحد منهم يقصدها، كالجراد لا جهة لها، تكون ms2460 مختلطة ~~بعضها في بعض. ### || # {مهطعين إلى الداعي يقول الكافرون هذا يوم عسر (8) كذبت قبلهم قوم نوح ~~فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (10) ~~ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على ~~أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) } # {مهطعين} مسرعين مقبلين {إلى الداعي} إلى صوت إسرافيل {يقول الكافرون هذا ~~يوم عسر} يوم صعب شديد. # قوله عز وجل: {كذبت قبلهم} أي: قبل أهل مكة {قوم نوح فكذبوا عبدنا} نوحا ~~{وقالوا مجنون وازدجر} أي: زجروه عن دعوته ومقالته بالشتم والوعيد، وقالوا: ~~"لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين" (الشعراء -116) وقال مجاهد: ~~معنى: ازدجر أي: استطير جنونا. # {فدعا} نوح {ربه} وقال {أني مغلوب} مقهور {فانتصر} فانتقم لي منهم. # {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر} منصب انصبابا شديدا، لم ينقطع أربعين ~~يوما، وقال يمان: قد طبق ما بين السماء والأرض. # {وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء} يعني ماء السماء وماء الأرض، وإنما ~~قال: "فالتقى الماء" والالتقاء لا يكون من واحد، إنما يكون بين اثنين ~~فصاعدا؛ لأن الماء يكون جمعا وواحدا. وقرأ عاصم الجحدري: فالتقى الماآن. ~~{على أمر قد قدر} أي: قضي عليهم في أم الكتاب. وقال مقاتل: قدر الله أن ~~يكون الماآن سواء فكانا على ما قدر. # {وحملناه} يعني: نوحا {على ذات ألواح ودسر} أي سفينة ذات ألواح، ذكر ~~النعت وترك الاسم، أراد بالألواح خشب السفينة العريضة {ودسر} أي: المسامير ~~التي تشد بها الألواح، واحدها دسار ودسير، يقال: دسرت السفينة إذا شددتها ~~بالمسامير. وقال الحسن: الدسر صدر السفينة سميت بذلك لأنها تدسر الماء ~~بجؤجؤها، أي تدفع. وقال مجاهد: هي عوارض السفينة. وقيل: أضلاعها. وقال ~~الضحاك: الألواح جانباها، والدسر أصلها وطرفاها. # PageV07P428 ### || # {تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14) ولقد تركناها آية فهل من مدكر (15) ~~فكيف كان عذابي ونذر (16) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) } # {تجري بأعيننا} أي: بمرأى منا. وقال مقاتل بن حيان: بحفظنا، ومنه قولهم ~~للمودع: عين الله عليك. وقال سفيان: بأمرنا {جزاء لمن كان كفر} [قال مقاتل ms2461 ~~بن حيان] : يعني: فعلنا به وبهم من إنجاء نوح وإغراق قومه ثوابا لمن كان ~~كفر به وجحد أمره، وهو نوح عليه السلام، وقيل: "من" بمعنى ما أي: جزاء لما ~~كان كفر من أيادي الله ونعمه عند الذين أغرقهم، أو جزاء لما [صنع] بنوح ~~وأصحابه. وقرأ مجاهد: "جزاء لمن كان كفر" بفتح الكاف والفاء، يعني كان ~~الغرق جزاء / لمن كان كفر بالله وكذب رسوله. # 146/أ {ولقد تركناها} يعني: [الفعلة التي] فعلنا {آية} يعتبر بها. وقيل: ~~أراد السفينة. قال قتادة: أبقاها الله [بباقر دي] من أرض الجزيرة. عبرة ~~وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة {فهل من مدكر} أي: متذكر متعظ معتبر ~~خائف مثل عقوبتهم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير عن أبي ~~إسحاق أنه سمع رجلا سأل الأسود عن قوله: "فهل من مدكر" أو مذكر؟ قال: سمعت ~~عبد الله يقرؤها "فهل من مدكر"، وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقرؤها: "فهل من مدكر" دالا. # {فكيف كان عذابي ونذر} أي: إنذاري. قال الفراء: الإنذار والنذر مصدران، ~~تقول العرب: أنذرت إنذارا ونذرا، كقولهم أنفقت إنفاقا ونفقة، وأيقنت إيقانا ~~ويقينا، أقيم الاسم مقام المصدر. # {ولقد يسرنا} سهلنا {القرآن للذكر} ليتذكر ويعتبر به، وقال سعيد بن جبير: ~~يسرناه للحفظ والقراءة، وليس شيء من كتب الله يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن ~~"فهل من مدكر"، متعظ بمواعظه. # PageV07P429 ### || # {كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم ~~نحس مستمر (19) تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابي ونذر ~~(21) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (22) كذبت ثمود بالنذر (23) ~~فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر (24) أؤلقي الذكر عليه ~~من بيننا بل هو كذاب أشر (25) } # {كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا} شديدة ~~الهبوب {في يوم نحس مستمر} شديد دائم الشؤم، استمر عليهم بنحو سنة فلم يبق ~~منهم أحدا ms2462 إلا أهلكه. قيل: كان ذلك يوم الأربعاء في آخر الشهر. # {تنزع الناس} تقلعهم ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتدق رقابهم. وروي أنها كانت ~~تنزع الناس من قبورهم {كأنهم أعجاز نخل} قال ابن عباس: أصولها، وقال ~~الضحاك: أوراك نخل. {منقعر} [منقطع] من مكانه ساقط على الأرض. وواحد ~~الأعجاز عجز، مثل عضد وأعضاد وإنما قال: "أعجاز نخل" وهي أصولها التي قطعت ~~فروعها؛ لأن الريح كانت تبين رؤوسهم من أجسادهم، فتبقي أجسادهم بلا رؤوس. # {فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر كذبت ثمود ~~بالنذر} بالإنذار الذي جاءهم به صالح. # {فقالوا أبشرا} آدميا {منا واحدا نتبعه} ونحن جماعة كثيرة وهو واحد {إنا ~~إذا لفي ضلال} خطأ وذهاب عن الصواب {وسعر} قال ابن عباس: عذاب. وقال الحسن: ~~شدة عذاب. وقال قتادة: عناء، يقولون: إنا إذا لفي عناء وعذاب مما يلزمنا من ~~طاعته. قال سفيان ابن عيينة: هو جمع سعير. وقال الفراء: جنون، يقال ناقة ~~مسعورة إذا كانت خفيفة الرأس هائمة على وجهها. وقال وهب: وسعر: أي: بعد عن ~~الحق. # {أألقي الذكر عليه} أأنزل الذكر الوحي {من بيننا بل هو كذاب أشر} بطر ~~متكبر يريد أن يتعظم علينا بادعائه النبوة، "والأشر": المرح والتجبر. ### || # {سيعلمون غدا من الكذاب الأشر (26) إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم ~~واصطبر (27) } # {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (28) فنادوا صاحبهم فتعاطى ~~فعقر (29) فكيف كان عذابي ونذر (30) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا ~~كهشيم المحتظر (31) } # {سيعلمون} قرأ ابن عامر وحمزة: "ستعلمون" بالتاء على معنى قال صالح لهم، ~~وقرأ # PageV07P430 # الآخرون بالياء، يقول الله تعالى: {سيعلمون غدا} حين ينزل بهم العذاب. ~~وقال الكلبي: يعني يوم القيامة. وذكر "الغد" للتقريب على عادة الناس، ~~يقولون: إن مع اليوم غدا {من الكذاب الأشر} . # {إنا مرسلو الناقة} أي: باعثوها ومخرجوها من الهضبة التي سألوا، وذلك ~~أنهم تعنتوا على صالح، فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء، فقال ~~الله تعالى: {إنا مرسلو الناقة فتنة لهم} محنة واختبارا لهم {فارتقبهم} ~~فانتظر ما هم صانعون ms2463 {واصطبر} واصبر على ارتقابهم، وقيل: على ما يصيبك من ~~الأذى. # {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم} وبين الناقة يوم لها ويوم لهم، وإنما قال ~~بينهم لأن العرب إذا أخبرت عن بني آدم وعن البهائم غلبت بني آدم على ~~البهائم {كل شرب} نصيب من الماء {محتضر} يحضره من كانت نوبته، فإذا كان ~~يومها حضرت شربها، وإذا كان يومهم حضروا شربهم، وحضر واحتضر بمعنى واحد، ~~قال مجاهد: يعني يحضرون الماء إذا غابت الناقة، فإذا جاءت الناقة حضروا ~~اللبن. # {فنادوا صاحبهم} وهو قدار بن سالف {فتعاطى} فتناول الناقة بسيفه {فعقر} ~~أي: فعقرها. # {فكيف كان عذابي ونذر} ثم بين عذابهم فقال: # {إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة} قال عطاء: يريد صيحة جبريل عليه السلام ~~{فكانوا كهشيم المحتظر} قال ابن عباس: هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجرة ~~والشوك دون السباع، فما سقط من ذلك فداسته الغنم فهو الهشيم (1) . ~~PageV07P431 # وقال ابن زيد: هو الشجر البالي الذي تهشم حتى ذرته الريح (1) . والمعنى: ~~أنهم صاروا كيبس الشجر إذا تحطم، والعرب تسمي كل شيء كان رطبا فيبس: هشيما. # وقال قتادة: كالعظام النخرة المحترقة (2) . وقال سعيد بن جبير: هو التراب ~~الذي يتناثر من الحائط (3) . ### || # {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (32) كذبت قوم لوط بالنذر (33) إنا ~~أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر (34) نعمة من عندنا كذلك نجزي ~~من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (36) ولقد راودوه عن ضيفه ~~فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) } # {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر كذبت قوم لوط بالنذر إنا أرسلنا ~~عليهم حاصبا} ريحا ترميهم بالحصباء، وهي الحصى وقال الضحاك: يعني صغار ~~الحصى. وقيل: "الحصباء" هي الحجر الذي دون ملء الكف، وقد يكون الحاصب ~~الرامي فيكون المعنى على هذا: أرسلنا عليهم عذابا يحصبهم أي: يرميهم ~~بالحجارة، ثم استثنى فقال: {إلا آل لوط} يعني لوطا وابنتيه {نجيناهم} من ~~العذاب {بسحر} . # {نعمة من عندنا} أي: جعلناه نعمة منا عليهم حيث أنجيناهم {كذلك} كما ~~أنعمنا على آل لوط {نجزي من شكر} قال مقاتل: من وحد الله لم ms2464 يعذبه مع ~~المشركين. # {ولقد أنذرهم} لوط {بطشتنا} أخذنا إياهم بالعقوبة {فتماروا بالنذر} شكوا ~~بالإنذار وكذبوا ولم يصدقوا. # {ولقد راودوه عن ضيفه} طلبوا أن يسلم إليهم أضيافه {فطمسنا أعينهم} وذلك ~~أنهم لما قصدوا دار لوط وعالجوا الباب ليدخلوا، قالت الرسل [للوط] (4) : خل ~~بينهم وبين الدخول فإنا رسل ربك لن يصلوا إليك، فدخلوا الدار 146/ب فصفقهم ~~جبريل بجناحه بإذن الله فتركهم عميا يترددون متحيرين لا يهتدون إلى الباب، ~~فأخرجهم لوط عميا لا يبصرون. قوله: "فطمسنا أعينهم" أي: صيرناها ~~PageV07P432 # كسائر الوجه لا يرى لها شق، هذا قول أكثر المفسرين. وقال الضحاك: طمس ~~الله أبصارهم فلم يروا الرسل، فقالوا: قد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ~~ذهبوا، فلم يروهم فرجعوا. {فذوقوا عذابي ونذر} أي: [ما أنذركم] (1) به لوط ~~من العذاب. ### || # {ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر (38) فذوقوا عذابي ونذر (39) ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر (40) ولقد جاء آل فرعون النذر (41) كذبوا بآياتنا ~~كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر (42) أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في ~~الزبر (43) أم يقولون نحن جميع منتصر (44) سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) } # {ولقد صبحهم بكرة} جاءهم وقت الصبح {عذاب مستقر} دائم استقر فيهم حتى ~~أفضى بهم إلى عذاب الآخرة، وقيل: عذاب حق. # {فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ولقد جاء آل ~~فرعون النذر} يعني: موسى وهارون عليهما السلام، وقيل: هي الآيات التي ~~أنذرهم بها موسى. # {كذبوا بآياتنا كلها} وهي الآيات التسع {فأخذناهم} بالعذاب {أخذ عزيز} ~~غالب في انتقامه {مقتدر} قادر على إهلاكهم، لا يعجزه ما أراد، ثم خوف أهل ~~مكة فقال: # {أكفاركم خير من أولئكم} أشد وأقوى من الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح ~~وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون؟ وهذا استفهام بمعنى الإنكار أي: ليسوا ~~بأقوى منهم {أم لكم براءة} العذاب {في الزبر} في الكتب، أنه لن يصيبكم ما ~~أصاب الأمم الخالية. # {أم يقولون} يعني: كفار مكة {نحن جميع منتصر} قال الكلبي: نحن جميع أمرنا ~~[منتصر] (2) من أعدائنا المعنى: نحن يد واحدة على من خالفنا منتصر ms2465 ممن ~~عادانا، ولم يقل منتصرون لموافقة رؤوس الآي. # قال الله تعالى: {سيهزم الجمع} قرأ يعقوب: "سنهزم" بالنون "الجمع" نصب ~~وقرأ الآخرون بالياء وضمها، "الجمع" رفع على غير تسمية الفاعل، يعني: كفار ~~مكة {ويولون الدبر} PageV07P433 # يعني: الأدبار فوحد لأجل رؤوس الآي، كما يقال: ضربنا منهم الرؤوس وضربنا ~~منهم الرأس إذا كان الواحد يؤدي معنى الجمع، أخبر الله أنهم يولون أدبارهم ~~منهزمين فصدق الله وعده وهزمهم يوم بدر. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد ~~الوهاب، حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو في قبته يوم بدر: "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم ~~تعبد بعد اليوم"، فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت ~~على ربك -وهو في الدرع -فخرج وهو يقول: "سيهزم الجمع ويولون الدبر" (1) . ### || # {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (46) إن المجرمين في ضلال وسعر (47) ~~يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (48) } # {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} قال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه يقول: لما نزلت: "سيهزم الجمع ويولون الدبر" كنت لا ~~أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في ~~درعه ويقول: "سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم" جميعا "والساعة ~~أدهى وأمر" (2) أعظم داهية وأشد مرارة من الأسر والقتل يوم بدر. # {إن المجرمين} المشركين {في ضلال وسعر} قيل: "في ضلال" بعد عن الحق. قال ~~الضحاك: "وسعر" أي: نار تسعر عليهم: وقيل: "ضلال" ذهاب عن طريق الجنة في ~~الآخرة، "وسعر": نار مسعرة، قال الحسين بن الفضل: إن المجرمين في ضلال في ~~الدنيا ونار في الآخرة. وقال قتادة: في عناء وعذاب (3) . # ثم بين عذابهم فقال: {يوم يسحبون} يجرون {في النار على وجوههم} ويقال لهم ~~{ذوقوا مس سقر} . PageV07P434 ### || # {إنا كل شيء خلقناه بقدر (49) } # {إنا كل ms2466 شيء خلقناه بقدر} أي: ما خلقناه فمقدور ومكتوب في اللوح المحفوظ، ~~قال الحسن: قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له. # أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين القرشي، أخبرنا أبو مسلم غالب بن علي ~~الرازي، أخبرنا أبو [معشر] (1) يعقوب بن عبد الجليل بن يعقوب، حدثنا أبو ~~يزيد حاتم بن محبوب، أخبرنا أحمد بن نصر النيسابوري، أخبرنا عبد الله بن ~~الوليد العدني، أخبرنا الثوري عن زياد بن إسماعيل السهمي عن محمد بن عباد ~~المخزومي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءت مشركو قريش إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآية: "إن المجرمين في ضلال ~~وسعر" إلى قوله: "إنا كل شيء خلقناه بقدر" (2) . # أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن ~~محمد بن شريك الشافعي الخدشاهي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر ~~الجوربذي، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا عبد الله بن وهب، ~~أخبرني أبو هانيء الخولاني عن أبي عبد الرحمن [الحبلي] (3) عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: ~~وكان عرشه على الماء" (4) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم عن طاووس ~~اليماني قال: أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ~~"كل شيء بقدر الله"، قال: وسمعت عبد الله بن [عمر] (5) رضي الله عنه يقول: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، أو ~~الكيس والعجز" (6) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، ~~أخبرنا أبو جعفر PageV07P435 # محمد بن علي بن دحيم الشيبابي، أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، أخبرنا ~~يعلى بن عبيد، [وعبيد الله] (1) بن ms2467 موسى وأبو نعيم عن سفيان عن منصور عن ~~ربعي بن حراش عن رجل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله ~~وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث 147/أبعد الموت، ويؤمن بالقدر ~~-زاد [عبيد الله] (2) : خيره وشره" (3) . # ورواه أبو داود عن شعبة عن منصور وقال: عن ربعي عن علي ولم يقل: عن رجل، ~~وهذا أصح (4) . PageV07P436 ### || # {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر ~~(51) وكل شيء فعلوه في الزبر (52) وكل صغير وكبير مستطر (53) } # {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} {واحدة} . يرجع إلى المعنى دون اللفظ ~~أي: وما أمرنا إلا مرة واحدة # وقيل: معناه: وما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة واحدة: كن فيكون ~~لا مراجعة فيها كلمح بالبصر. قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن قضائي في خلقي ~~أسرع من لمح البصر وقال الكلبي عنه: وما أمرنا لمجيء الساعة في السرعة إلا ~~كطرف البصر. # {ولقد أهلكنا أشياعكم} أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم السالفة. # {فهل من مدكر} متعظ يعلم أن ذلك حق فيخاف ويعتبر. # {وكل شيء فعلوه} يعني فعله الأشياع من خير وشر {في الزبر} في كتاب ~~الحفظة، وقيل: في اللوح المحفوظ. # {وكل صغير وكبير} من الخلق وأعمالهم وآجالهم {مستطر} مكتوب، يقال: سطرت # PageV07P436 # واستطرت وكتبت واكتتبت. ### || # {إن المتقين في جنات ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55) } # {إن المتقين في جنات} بساتين {ونهر} أي أنهار، ووحده لأجل رؤوس الآي، ~~وأراد أنهار الجنة من الماء والخمر واللبن والعسل. وقال الضحاك: يعني في ~~ضياء وسعة ومنه النهار. وقرأ الأعرج "ونهر"، بضمتين جمع نهار يعني: نهارا ~~لا ليل لهم. # {في مقعد صدق} في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم {عند مليك مقتدر} ملك ~~قادر لا يعجزه شيء. قال [جعفر] (1) الصادق: مدح الله المكان بالصدق فلا ~~يقعد، فيه إلا أهل الصدق. PageV07P437 ### | سورة الرحمن # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {الرحمن ms2468 (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) } # {الرحمن} قيل: نزلت حين قالوا: وما الرحمن؟ (2) . وقيل: هو جواب لأهل مكة ~~حين قالوا: إنما يعمله بشر. # {علم القرآن} قال الكلبي: علم القرآن محمدا. وقيل: "علم القرآن" يسره ~~للذكر. # {خلق الإنسان} يعني آدم عليه السلام، قاله ابن عباس وقتادة. {علمه ~~البيان} أسماء كل شيء، وقيل:علمه اللغات كلها، وكان آدم يتكلم بسبعمائة ~~[ألف] (3) لغة أفضلها العربية. # وقال الآخرون: "الإنسان" اسم جنس، وأراد به جميع الناس "علمه البيان" ~~النطق والكتابة والفهم والإفهام، حتى عرف ما يقول وما يقال له. هذا قول أبي ~~العالية وابن زيد والحسن. # وقال السدي: علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. # وقال ابن كيسان: "خلق الإنسان" يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم "علمه ~~البيان" يعني بيان ما كان وما يكون لأنه كان يبين [عن] (4) الأولين ~~والآخرين وعن يوم الدين. PageV07P438 ### || # {الشمس والقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان (6) والسماء رفعها ووضع ~~الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان (9) والأرض وضعها للأنام (10) فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11) ~~} # {الشمس والقمر بحسبان} ، قال مجاهد: كحسبان الرحى. وقال غيره:أي يجريان ~~بحساب ومنازل لا يعدوانها، قاله ابن عباس وقتادة. وقال ابن زيد وابن كيسان: ~~يعني بهما تحسب الأوقات والآجال لولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر ~~أحد كيف يحسب شيئا. وقال الضحاك: يجريان بقدر، والحسبان يكون مصدر حسبت ~~حسابا وحسبانا، مثل الغفران والكفران، والرجحان والنقصان، وقد يكون جمع ~~الحساب كالشبهان والركبان. # {والنجم والشجر يسجدان} ، النجم ما ليس له ساق من النبات، والشجر ما له ~~ساق يبقى في الشتاء، وسجودهما سجود ظلهما كما قال:"يتفيؤ ظلاله عن اليمين ~~والشمائل سجدا لله" (النحل-48) قال مجاهد: النجم هو الكوكب وسجوده طلوعه. # {والسماء رفعها} ، فوق الأرض، {ووضع الميزان} ، قال مجاهد: أراد بالميزان ~~العدل. المعنى: أنه أمر بالعدل يدل عليه قوله تعالى: {ألا تطغوا في ~~الميزان} ، أي لا تجاوزوا العدل. وقال الحسن وقتادة والضحاك: أراد به الذي ~~يوزن به ليوصل به إلى الإنصاف والانتصاف، وأصل الوزن التقدير "ألا تطغوا" ~~يعني لئلا تميلوا ms2469 وتظلموا وتجاوزوا الحق في الميزان. # {وأقيموا الوزن بالقسط} ، بالعدل، وقال أبو الدرداء وعطاء: معناه أقيموا ~~لسان الميزان بالعدل. قال ابن عيينة: الإقامة باليد والقسط بالقلب، {ولا ~~تخسروا} ، ولا تنقصوا {الميزان} ، ولا تطففوا في الكيل والوزن. # {والأرض وضعها للأنام} ، للخلق الذين بثهم فيها. # {فيها فاكهة} ، يعني: أنواع الفواكه، قال ابن كيسان: يعني ما يتفكهون به ~~من النعم التي لا تحصى، {والنخل ذات الأكمام} ، الأوعية التي يكون فيها ~~الثمر لأن ثمر النخل يكون في غلاف ما لم ينشق، واحدها كم، وكل ما ستر شيئا ~~فهو كم وكمة، ومنه كم القميص، ويقال للقلنسوة كمة، قال الضحاك: "ذات ~~الأكمام" أي ذات الغلف. وقال الحسن: أكمامها: لفيفها. [وقال ابن زيد: # PageV07P442 # هو الطلع قبل أن ينشق] (1) . ### || # {والحب ذو العصف والريحان (12) فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) } # {والحب ذو العصف} ، أراد بالحب جميع الحبوب التي تحرث في الأرض قال ~~مجاهد: هو ورق الزرع. قال ابن كيسان: "العصف "ورق كل شيء يخرج منه الحب، ~~يبدو أولا ورقا وهو العصف ثم يكون سوقا، ثم يحدث الله فيه أكماما ثم يحدث ~~في الأكمام الحب.وقال ابن عباس في رواية الوالبي: هو التبن. وهو قول الضحاك ~~وقتادة. وقال عطية عنه:هو ورق الزرع الأخضر إذا قطع رؤوسه ويبس، نظيره: ~~"كعصف مأكول" (الفيل-5) . # {والريحان} ، هو الرزق في قول الأكثرين، قال ابن عباس: كل ريحان في ~~القرآن فهو رزق. وقال الحسن وابن زيد هو ريحانكم الذي يشم، قال الضحاك: ~~"العصف":هو التبن. و"الريحان" ثمرته. # وقراءة العامة: "والحب ذو العصف والريحان"، كلها مرفوعات بالرد على ~~الفاكهة. وقرأ ابن عامر "والحب ذو العصف والريحان" بنصب الباء والنون وذا ~~بالألف على معنى: خلق الإنسان وخلق هذه الأشياء. وقرأ حمزة والكسائي" ~~والريحان" بالجر عطفا على العصف فذكر قوت الناس والأنعام، ثم خاطب 147/ب ~~الجن والإنس فقال: # {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ، أيها الثقلان، يريد من هذه الأشياء المذكورة. ~~وكرر هذه الآية في هذه السورة تقريرا للنعمة وتأكيدا في التذكير بها على ~~عادة العرب في الإبلاغ والإشباع، يعدد على الخلق آلاءه ويفصل بين كل ms2470 نعمتين ~~بما ينبههم عليها، كقول الرجل لمن أحسن إليه وتابع عليه بالأيادي وهو ~~ينكرها ويكفرها: ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا؟ ألم تكن عريانا فكسوتك ~~أفتنكر هذا؟ ألم تك خاملا؟ فعززتك أفتنكر هذا؟ ومثل هذا التكرار شائع في ~~كلام العرب حسن تقريرا. # وقيل: خاطب بلفظ التثنية على عادة العرب تخاطب الواحد بلفظ التثنية كقوله ~~تعالى: "ألقيا في جهنم" (ق-24) . # وروي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله: قرأ علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال:"ما لي أراكم سكوتا للجن، ~~[كانوا] (2) أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه PageV07P443 # الآية مرة "فبأي آلاء ربكما تكذبان" إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا ~~نكذب، فلك الحمد" (1) . ### || # {خلق الإنسان من صلصال كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من نار (15) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (16) } # {رب المشرقين ورب المغربين (17) فبأي آلاء ربكما تكذبان (18) مرج البحرين ~~يلتقيان (19) بينهما برزخ لا يبغيان (20) فبأي آلاء ربكما تكذبان (21) } # {خلق الإنسان من صلصال كالفخار} . # {وخلق الجان} وهو أبو الجن. وقال الضحاك: هو إبليس، {من مارج من نار} وهو ~~الصافي من لهب النار الذي لا دخان فيه. قال مجاهد: وهو ما اختلط بعضه ببعض ~~من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت، من قولهم: مرج ~~أمر القوم، إذا اختلط. # {فبأي آلاء ربكما تكذبان رب المشرقين} مشرق الصيف ومشرق الشتاء. {ورب ~~المغربين} مغرب الصيف ومغرب الشتاء. {فبأي آلاء ربكما تكذبان} . # {مرج البحرين} العذب والمالح أرسلهما وخلاهما {يلتقيان} . # {بينهما برزخ} حاجز من قدرة الله تعالى، {لا يبغيان} لا يختلطان ولا ~~يتغيران ولا يبغي أحدهما على صاحبه.وقال قتادة: لا يطغيان على الناس ~~بالغرق. وقال الحسن: "مرج البحرين" بحر الروم وبحر الهند، وأنتم الحاجز ~~بينهما. وعن قتادة أيضا: بحر فارس وبحر الروم بينهما برزخ يعني الجزائر. ~~قال مجاهد والضحاك: بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان} . # PageV07P444 ### || # {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) فبأي آلاء ربكما تكذبان (23) وله ~~الجواري المنشآت في البحر كالأعلام (24) فبأي آلاء ربكما ms2471 تكذبان (25) كل من ~~عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (27) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (28) } # {يخرج منهما} قرأ أهل المدينة والبصرة: "يخرج" بضم الياء وفتح الراء، ~~وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الراء، {اللؤلؤ والمرجان} وإنما يخرج من ~~المالح دون العذب وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئان ثم يخص أحدهما ~~بفعل، كما قال عز وجل: "يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم" (الأنعام ~~-130) . وكانت الرسل من الإنس دون الجن. وقال بعضهم يخرج من ماء السماء ~~وماء البحر. قال ابن جريج: إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف أفواهها فحيثما ~~وقعت قطرة كانت لؤلؤة، واللؤلؤة: ما عظم من الدر، والمرجان: صغارها. وقال ~~مقاتل ومجاهد على الضد من هذا. وقيل: "المرجان" الخرز الأحمر. وقال عطاء ~~الخراساني: هو اليسر (1) . {فبأي آلاء ربكما تكذبان} . # {وله الجواري} السفن الكبار، {المنشآت} قرأ حمزة وأبو بكر: "المنشئات" ~~بكسر الشين، أي: المنشئات للسير [يعني اللاتي ابتدأن وأنشأن السير] (2) . ~~وقرأ الآخرون بفتح الشين أي المرفوعات، وهي التي رفع خشبها بعضها على بعض. ~~وقيل: هي ما رفع قلعه من السفن وأما ما لم يرفع قلعه فليس من المنشئات. ~~وقيل المخلوقات المسخرات، {في البحر كالأعلام} كالجبال جمع علم وهو الجبل ~~الطويل، شبه السفن في البحر، بالجبال في البر {فبأي آلاء ربكما تكذبان} . # {كل من عليها} أي على الأرض من حيوان فإنه هالك {فان} . # {ويبقى وجه ربك ذو الجلال} ، ذو العظمة والكبرياء {والإكرام} ، أي مكرم ~~أنبيائه وأوليائه بلطفه مع جلاله وعظمته. {فبأي آلاء ربكما تكذبان} . ### || # {يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) } # {يسأله من في السماوات والأرض} ، من ملك وإنس وجن. وقال قتادة: لا يستغني ~~عنه أهل السماء والأرض. قال ابن عباس: فأهل السموات يسألونه المغفرة وأهل ~~الأرض يسألونه الرحمة [والرزق والتوبة والمغفرة] (3) وقال مقاتل: يسأله أهل ~~الأرض الرزق PageV07P445 # والمغفرة وتسأله الملائكة أيضا لهم الرزق والمغفرة. # {كل يوم هو في شأن} ، قال مقاتل: نزلت في اليهود حين قالوا إن الله لا ~~يقضي يوم السبت شيئا (1) . # قال المفسرون: من شأنه ms2472 أن يحيي ويميت، ويرزق، ويعز قوما، ويذل قوما، ~~ويشفي مريضا، ويفك عانيا ويفرج مكروبا، ويجيب داعيا، ويعطي سائلا ويغفر ~~ذنبا إلى ما لا يحصى من أفعاله وأحداثه في خلقه ما يشاء. # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن ~~إبراهيم الثعلبي، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس المزكي -إملاء- ~~أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى البزاز، أخبرنا يحيى بن الربيع ~~المكي، أخبرنا سفيان بن عيينة، أخبرنا أبو حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس قال: إن مما خلق الله عز وجل لوحا من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة ~~حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله عز وجل فيه كل يوم ثلاث مائة وستين ~~نظرة، يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء فذلك قوله: "كل يوم ~~هو في شأن" (2) . # قال سفيان بن عيينة: الدهر كله عند الله يومان أحدهما مدة أيام الدنيا ~~والآخر يوم القيامة، فالشأن الذي هو فيه اليوم الذي هو مدة الدنيا: الإخبار ~~بالأمر والنهي والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع، وشأن يوم القيامة: ~~الجزاء والحساب، والثواب والعقاب (3) . # وقيل: شأنه جل ذكره أنه يخرج في كل يوم وليلة ثلاثة عساكر، عسكرا من ~~أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، وعسكرا من الأرحام إلى الدنيا، وعسكرا من ~~الدنيا إلى القبور، ثم يرتحلون جميعا إلى الله عز وجل. PageV07P446 # قال الحسين بن الفضل: هو سوق المقادير إلى المواقيت (1) . وقال أبو ~~سليمان الداراني في هذه الآية: كل يوم له إلى العبيد بر جديد 148/أ. ### || # {فبأي آلاء ربكما تكذبان (30) سنفرغ لكم أيها الثقلان (31) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (32) يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار ~~السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (33) } # {فبأي آلاء ربكما تكذبان سنفرغ لكم} ، قرأ حمزة والكسائي: سيفرغ بالياء ~~لقوله: "يسأله من في السموات والأرض"، "ويبقى وجه ربك" "وله الجوار" فأتبع ~~الخبر. # وقرأ الآخرون بالنون، وليس المراد منه الفراغ عن شغل، لأن الله تعالى لا ~~يشغله شأن عن شأن، ولكنه وعيد من ms2473 الله تعالى [للخلق] (2) بالمحاسبة، كقول ~~القائل: لأتفرغن لك، وما به شغل، وهذا قول ابن عباس والضحاك وإنما حسن هذا ~~الفراغ لسبق ذكر الشأن. # وقال آخرون: معناه: سنقصدكم بعد الترك والإمهال ونأخذ في أمركم، كقول ~~القائل للذي لا شغل له: قد فرغت لي. وقال بعضهم: إن الله وعد أهل التقوى ~~وأوعد أهل الفجور، ثم قال: سنفرغ لكم مما وعدناكم وأخبرناكم، فنحاسبكم ~~ونجازيكم وننجز لكم ما وعدناكم، فيتم ذلك ويفرغ منه، وإلى هذا ذهب الحسن ~~ومقاتل. # {أيها الثقلان} ، أي الجن والإنس، سميا ثقلين لأنهما ثقل على الأرض أحياء ~~وأمواتا، قال الله تعالى: "وأخرجت الأرض أثقالها"، (الزلزلة-2) وقال بعض ~~أهل المعاني: كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي" (3) فجعلهما ثقلين ~~إعظاما لقدرهما. # وقال جعفر بن محمد الصادق: سمي الجن والإنس ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب ~~{فبأي آلاء ربكما تكذبان} . # {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا} ، أي تجوزوا وتخرجوا، ~~PageV07P447 # {من أقطار السماوات والأرض} أي من جوانبهما وأطرافهما، {فانفذوا} معناه ~~إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السموات والأرض: فاهربوا ~~واخرجوا منها. [والمعنى] (1) حيثما كنتم أدرككم الموت، كما قال جل ذكره: ~~"أينما تكونوا يدرككم الموت"، (النساء-78) وقيل: يقال لهم هذا يوم القيامة ~~إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم ~~فجوزوا، {لا تنفذون إلا بسلطان} أي: بملك، وقيل بحجة، والسلطان: القوة التي ~~يتسلط بها على الأمر، فالملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد حيثما توجهتم ~~كنتم في ملكي وسلطاني. وروي عن ابن عباس قال: معناه: إن استطعتم أن تعلموا ~~ما في السموات والأرض فاعلموا ولن تعلموه إلا بسلطان أي ببينة من الله عز ~~وجل (2) . وقيل قوله: "إلا بسلطان" أي إلا إلى سلطان كقوله: "وقد أحسن بي" ~~(يوسف-100) أي إلي. ### || # {فبأي آلاء ربكما تكذبان (34) يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~(35) } # {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ، وفي الخبر: يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان ~~من ms2474 نار ثم ينادون {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا} الآية فذلك ~~قوله عز وجل: # {يرسل عليكما شواظ من نار} . {يرسل عليكما شواظ من نار} ، قرأ ابن كثير: ~~بكسر الشين والآخرون بضمها، وهما لغتان، مثل صوار من البقر وصوار. وهو ~~اللهيب الذي لا دخان فيه هذا قول أكثر المفسرين. وقال مجاهد هو اللهب ~~الأخضر المنقطع من النار، {ونحاس} ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو "ونحاس" بجر ~~السين عطفا على النار، وقرأ الباقون برفعها عطفا على الشواظ. # قال سعيد بن جبير والكلبي: "النحاس": الدخان وهو رواية عطاء عن ابن عباس. # ومعنى الرفع يرسل عليكما شواظ، ويرسل نحاس، أي يرسل هذا مرة وهذا مرة، ~~ويجوز أن يرسلا معا من غير أن يمتزج أحدهما بالآخر، ومن كسر بالعطف على ~~النار يكون ضعيفا؛ لأنه لا يكون شواظ من نحاس، فيجوز أن يكون تقديره: شواظ ~~من نار وشيء من نحاس، على أنه حكي أن الشواظ لا يكون من النار والدخان ~~جميعا. PageV07P448 # قال مجاهد وقتادة: النحاس هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم، وهو رواية ~~العوفي عن ابن عباس. وقال عبد الله بن مسعود: هو المهل. # {فلا تنتصران} ، أي فلا تمتنعان من الله ولا يكون لكم ناصر منه. ### || # {فبأي آلاء ربكما تكذبان (36) فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (37) ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان (38) فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان (39) } # {فبأي آلاء ربكما تكذبان} {فإذا انشقت} ، [انفرجت] (1) {السماء} ، فصارت ~~أبوابا لنزول الملائكة {فكانت وردة كالدهان} ، أي كلون الفرس الورد، وهو ~~الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة والصفرة، قال قتادة: إنها اليوم خضراء، ويكون ~~لها يومئذ لون آخر يضرب إلى الحمرة. # وقيل: إنها تتلون ألوانا يومئذ كلون الفرس الورد يكون في الربيع أصفر وفي ~~أول الشتاء أحمر فإذا اشتد الشتاء كان أغبر فشبه السماء في تلونها عند ~~انشقاقها بهذا الفرس في تلونه. # {كالدهان} ، جمع دهن. شبه تلون السماء بتلون الورد من الخيل، وشبه الوردة ~~في اختلاف ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه، وهو قول الضحاك ومجاهد وقتادة ~~والربيع. # وقال عطاء بن ms2475 أبي رباح: "كالدهان" كعصير الزيت يتلون في الساعة ألوانا. # وقال مقاتل: كدهن الورد الصافي. وقال ابن جريج: تصير السماء كالدهن ~~الذائب وذلك حين يصيبها حر جهنم. # وقال الكلبي: كالدهان أي كالأديم الأحمر وجمعه أدهنة ودهن {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان} . {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} ، قال الحسن وقتادة: ~~لا يسئلون عن ذنوبهم لتعلم من جهتهم، لأن الله عز وجل علمها منهم، وكتبت ~~الملائكة عليهم، وهي رواية العوفي عن ابن عباس (2) . PageV07P449 # وعنه أيضا: لا تسأل الملائكة المجرمين لأنهم يعرفونهم بسيماهم. دليله: ما ~~بعده، وهذا قول مجاهد (1) . # وعن ابن عباس في الجمع بين هذه الآية وبين قوله: "فوربك لنسئلنهم ~~أجمعين"، (الحجر -92) ، قال: لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا؟ لأنه أعلم بذلك ~~منهم، ولكن يسألهم لم عملتم كذا وكذا؟ # وعن عكرمة أنه قال: إنها مواطن، يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها. # وعن ابن عباس أيضا: لا يسألون سؤال شفقة ورحمة وإنما يسألون سؤال تقريع ~~وتوبيخ. # وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم (2) . ### || # {فبأي آلاء ربكما تكذبان (40) # {يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام (41) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (42) هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون (43) يطوفون بينها وبين حميم ~~آن (44) فبأي آلاء ربكما تكذبان (45) } # {فبأي آلاء ربكما تكذبان} {يعرف المجرمون بسيماهم} ، وهو سواد الوجوه ~~وزرقة العيون، كما قال جل ذكره: "يوم تبيض وجوه وتسود وجوه"، (آل ~~عمران-106) {فيؤخذ بالنواصي والأقدام} ، تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي ~~من خلف ويلقون في النار، {فبأي آلاء ربكما تكذبان} . # ثم يقال لهم: {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون} المشركون 148/ب {يطوفون ~~بينها وبين حميم آن} قد انتهى حره. قال الزجاج: أنى يأنى فهو آن إذا انتهى ~~في النضج، والمعنى: أنهم يسعون بين الجحيم والحميم فإذا استغاثوا من حر ~~النار جعل عذابهم الحميم الآني الذي صار كالمهل، وهو قوله "وإن يستغيثوا ~~يغاثوا بماء كالمهل"، (الكهف-29) وقال كعب الأحبار: "آن" واد من أودية جهنم ~~يجتمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم في الأغلال فيغمسون في ذلك الوادي ms2476 حتى ~~تنخلع أوصالهم، ثم يخرجون منه وقد أحدث الله تعالى لهم خلقا جديدا فيلقون ~~في النار (1) وذلك قوله: "يطوفون بينها وبين حميم آن". # {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وكل ما ذكر الله تعالى من قوله: "كل من عليها ~~فان" إلى PageV07P450 # ههنا مواعظ وزواجر وتخويف. وكل ذلك نعمة من الله تعالى، لأنها تزجر عن ~~المعاصي ولذلك ختم كل آية بقوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} . ### || # {ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) فبأي آلاء ربكما تكذبان (47) } # ثم ذكر ما أعده لمن اتقاه وخافه فقال: {ولمن خاف مقام ربه} أي: مقامه بين ~~يدي ربه للحساب فترك المعصية والشهوة. وقيل: قيام ربه عليه، بيانه قوله: ~~"أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت" (الرعد-33) ، وقال إبراهيم ومجاهد: هو ~~الذي يهم بالمعصية فيذكر الله فيدعها من مخافة الله (1) . {جنتان} ، قال ~~مقاتل: جنة عدن وجنة نعيم (2) . قال محمد بن علي الترمذي: جنة لخوفه ربه ~~وجنة لتركه شهوته (3) . # قال الضحاك: هذا لمن راقب الله في السر والعلانية بعلمه ما عرض له من ~~محرم تركه من خشية الله وما عمل من خير أفضى به إلى الله، لا يحب أن يطلع ~~عليه أحد. # وقال قتادة: إن المؤمنين خافوا ذلك المقام فعملوا لله ودأبوا بالليل ~~والنهار (4) . # أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين القرشي، أخبرنا أبو مسلم غالب بن علي ~~الرازي، حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يونس، أخبرنا أبو جعفر محمد بن ~~موسى بن عيسى الحلواني، وأخبرنا محمد بن عبيد الهمداني، أخبرنا هاشم بن ~~القاسم عن أبي عقيل هو الثقفي عن يزيد بن سنان سمعت [بكير] (5) بن فيروز ~~قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة ~~الله الجنة" (6) . # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني، PageV07P451 # أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشمهيني، أخبرنا ~~علي بن حجر، أخبرنا ms2477 إسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبي حرملة مولى حويطب بن ~~عبد العزى عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقص على المنبر وهو يقول: "ولمن خاف مقام ربه جنتان" ~~قلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ولمن خاف مقام ربه جنتان" فقلت الثانية: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". فقلت ~~الثالثة: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ قال: "وإن زنى وإن سرق على رغم أنف ~~أبي الدرداء" (1) . ### || # {ذواتا أفنان (48) فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) فيهما عينان تجريان (50) ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان (51) فيهما من كل فاكهة زوجان (52) } # {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ثم وصف الجنتين فقال: # {ذواتا أفنان} ، أغصان، واحدها فنن، وهو الغصن المستقيم طولا. وهذا قول ~~مجاهد وعكرمة والكلبي. وقال عكرمة: ظل الأغصان على الحيطان. قال الحسن: ~~ذواتا ظلال. قال ابن عباس: ألوان. قال سعيد بن جبير والضحاك: ألوان ~~الفاكهة، واحدها فن من قولهم أفنن فلان في حديثه إذا أخذ في فنون منه ~~وضروب. وجمع عطاء بين القولين فقال: في كل غصن فنون من الفاكهة. وقال ~~قتادة: ذواتا فضل وسعة على ما سواهما {فبأي آلاء ربكما تكذبان} . # {فيهما عينان تجريان} ، قال ابن عباس: بالكرامة والزيادة على أهل الجنة. ~~قال الحسن: تجريان بالماء الزلال، إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل. وقال ~~عطية: إحداهما من ماء غير آسن والأخرى من خمر لذة للشاربين {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان} . # {فيهما من كل فاكهة زوجان} صنفان ونوعان قيل: معناه: إن فيهما من كل ما ~~يتفكه PageV07P452 # به ضربين رطبا ويابسا. قال ابن عباس: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا ~~وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو (1) . ### || # {فبأي آلاء ربكما تكذبان (53) متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى ~~الجنتين دان (54) فبأي آلاء ربكما تكذبان (55) فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن ~~إنس قبلهم ولا جان (56) } # {فبأي ms2478 آلاء ربكما تكذبان} . # {متكئين على فرش} ، جمع فراش، {بطائنها} ، جمع بطانة، وهي التي تحت ~~الظهارة. وقال الزجاج: وهي مما يلي الأرض. {من إستبرق} وهو ما غلظ من ~~الديباج. قال ابن مسعود وأبو هريرة: هذه البطائن فما ظنكم بالظواهر (2) ؟ ~~وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من إستبرق، فما الظواهر؟ قال: هذا مما قال ~~الله عز وجل: "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين" (السجدة -17) (3) ~~وعنه أيضا قال: بطائنها من إستبرق فظواهرها من نور جامد (4) . وقال ابن ~~عباس: وصف البطائن وترك الظواهر لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ما الظواهر (5) ~~. # {وجنى الجنتين دان} ، الجنى ما يجتنى من الثمار، يريد: ثمرها دان قريب ~~يناله القائم والقاعد والنائم. قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي ~~الله، إن شاء قائما وإن شاء قاعدا (6) . قال قتادة: لا يرد أيديهم عنها بعد ~~ولا شوك. {فبأي آلاء ربكما تكذبان} . # {فيهن قاصرات الطرف} غاضات الأعين، قصرن طرفهن على أزواجهن لا ينظرن إلى ~~غيرهم. ولا يردن غيرهم. قال ابن زيد: تقول لزوجها: وعزة ربي ما أرى في ~~الجنة شيئا أحسن منك، فالحمد لله الذي جعلك زوجي وجعلني زوجتك (7) . {لم ~~يطمثهن} لم يجامعهن ولم [يفترعهن] (8) PageV07P453 # وأصله من الطمث، وهو الدم ومنه قيل للحائض: طامث، كأنه قال: لم تدمهن ~~بالجماع، {إنس قبلهم ولا جان} ، قال الزجاج: فيه دليل على أن الجني يغشى ~~كما يغشى 149/أالإنسي. قال مجاهد: إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على ~~إحليله فجامع معه (1) . # قال مقاتل في قوله: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} ، لأنهن خلقن في ~~الجنة. فعلى قوله: هؤلاء من حور الجنة. # وقال الشعبي: هن من نساء الدنيا لم يمسسن منذ أنشئن خلقا، وهو قول الكلبي ~~(2) يعني: لم يجامعن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان. # وقرأ طلحة بن مصرف: "لا يطمثهن" بضم الميم فيهما. # وقرأ الكسائي إحداهما بالضم، فإن كسر الأولى ضم الثانية وإن ضم الأولى ~~كسر الثانية، لما روى أبو إسحاق السبيعي قال: كنت أصلي خلف أصحاب علي رضي ~~الله ms2479 عنه فأسمعهم يقرؤون: لم يطمثهن بالرفع، وكنت أصلي خلف أصحاب عبد الله ~~بن مسعود فأسمعهم يقرؤون بكسر الميم، وكان الكسائي يضم إحداهما ويكسر ~~الأخرى لئلا يخرج عن هذين الأثرين (3) . ### || # {فبأي آلاء ربكما تكذبان (57) كأنهن الياقوت والمرجان (58) } # {فبأي آلاء ربكما تكذبان كأنهن الياقوت والمرجان} ، قال قتادة: صفاء ~~الياقوت في بياض المرجان. # وروينا عن أبي سعيد في صفة أهل الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"لكل رجل منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ سوقهن دون لحمهما ~~ودمائهما وجلدهما" (4) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو اليمان، أنا شعيب، أخبرنا ~~أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين على إثرهم كأشد ~~PageV07P454 # كوكب إضاءة، قلوبهم على قلب رجل واحد، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، لكل ~~امرىء منهم زوجتان كل واحدة منهما يرى مخ ساقها من وراء لحمها من الحسن، ~~يسبحون الله بكرة وعشيا لا يسقمون ولا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا ~~يتمخطون، آنيتهم الذهب والفضة وأمشاطهم الذهب، ووقود مجامرهم الألوة، ~~ورشحهم المسك" (1) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن ~~محمد بن الحسين، أخبرنا هارون بن محمد بن هارون، أخبرنا حازم بن يحيى ~~الحلواني، أخبرنا سهيل بن عثمان العسكري، أخبرنا عبيدة بن حميد، عن عطاء بن ~~السائب، عن عمرو بن ميمون عن عبد الله ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "إن المرأة من أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة من ~~حرير، ومخها، إن الله تعالى يقول: كأنهن الياقوت والمرجان، فأما الياقوت ~~فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيته من ورائه" (2) . # وقال عمرو بن ميمون: "إن المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلة فيرى مخ ~~ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء" (3) . ### || # {فبأي آلاء ربكما ms2480 تكذبان (59) هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (60) } # {فبأي آلاء ربكما تكذبان هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} ،أي ما جزاء من ~~أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة. وقال ابن عباس: هل جزاء من ~~قال: لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة؟ ~~(4) . PageV07P455 # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، ~~أخبرنا [ابن شيبة] (1) ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن بهرام، أخبرنا الحجاج ~~بن يوسف المكتب، أخبرنا بشر بن الحسين، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك ~~قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" ثم ~~قال: [هل تدرون ما قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم] (2) قال: "يقول هل ~~جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة" (3) . ### || # {فبأي آلاء ربكما تكذبان (61) ومن دونهما جنتان (62) } # {فبأي آلاء ربكما تكذبان ومن دونهما جنتان} ، أي من دون الجنتين الأوليين ~~جنتان أخريان. قال ابن عباس: من دونهما في الدرج. وقال ابن زيد: من دونهما ~~في الفضل. وقال أبو موسى الأشعري: جنتان من ذهب للسابقين وجنتان من فضة ~~للتابعين. وقال ابن جريج: هن أربع جنتان للمقربين السابقين فيهما من كل من ~~فاكهة زوجان، وجنتان لأصحاب اليمين والتابعين {فيهما فاكهة ونخل ورمان} . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا علي بن عبد الله، أخبرنا عبد ~~العزيز بن عبد الصمد، عن أبي عمران، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن ~~أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، ~~وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ~~إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" (4) . # وقال الكسائي: "ومن دونهما جنتان" أي أمامهما وقبلهما، يدل عليه قول ~~الضحاك: الجنتان PageV07P456 # الأوليان من ذهب وفضة والأخريان من ياقوت. ### || # {فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) مدهامتان (64) فبأي آلاء ربكما تكذبان (65) ~~فيهما عينان نضاختان (66) فبأي ms2481 آلاء ربكما تكذبان (67) } # {فيهما فاكهة ونخل ورمان (68) } # {فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان} ، ناعمتان سوداوان من ريهما وشدة ~~خضرتهما، لأن الخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد، يقال: إدهام الزرع إذا ~~علاه السواد ريا ادهيماما فهو مدهام. # {فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان نضاختان} ، فوارتان بالماء لا ~~تنقطعان. "والنضخ": فوران الماء من العين، قال ابن عباس: تنضخان بالخير ~~والبركة على أهل الجنة (1) ، وقال ابن مسعود: تنضخان بالمسك والكافور على ~~أولياء الله (2) . وقال أنس بن مالك: تنضخان بالمسك والعنبر في دور أهل ~~الجنة كطش المطر (3) . # {فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما فاكهة ونخل ورمان} ، قال بعضهم: ليس النخل ~~والرمان من الفاكهة والعامة على أنها من الفاكهة، وإنما أعاد ذكر النخل ~~والرمان وهما من جملة الفواكه للتخصيص والتفصيل (4) ، كما قال تعالى: "من ~~كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال" (البقرة-98) . # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، ~~أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سفيان، ~~عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر، ~~وورقها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة فيها مقطعاتهم وحللهم، وثمرها ~~أمثال القلال أو الدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ~~ليس له عجم (5) . ### || # {فبأي آلاء ربكما تكذبان (69) فيهن خيرات حسان (70) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (71) حور مقصورات في الخيام (72) فبأي آلاء ربكما تكذبان (73) لم ~~يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (74) فبأي آلاء ربكما تكذبان (75) متكئين على ~~رفرف خضر وعبقري حسان (76) } # {فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن} ، يعني في الجنات الأربع، {خيرات حسان} ~~روى PageV07P457 # الحسن عن أبيه عن أم سلمة قالت: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أخبرني عن قوله: {خيرات حسان} ، قال: "خيرات الأخلاق حسان الوجوه" (1) . # {فبأي آلاء ربكما تكذبان حور مقصورات} 149/ب محبوسات مستورات في الحجال، ~~يقال: امرأة مقصورة وقصيرة إذا كانت مخدرة مستورة لا ms2482 تخرج. وقال مجاهد: ~~يعني قصرن طرفهن وأنفسهن على أزواجهن فلا يبغين لهم بدلا. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن امرأة من نساء أهل الجنة ~~اطلعت إلى [أهل] (2) الأرض لأضاءت ما بين السماء والأرض ولملأت ما بينهما ~~ريحا ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها" (3) . # {في الخيام} جمع خيمة، أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد ~~الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن ~~المثنى، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الصمد، أخبرنا عمران الجوني، عن أبي بكر ~~بن عبد الله بن قيس، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن للمؤمن ~~في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها ~~أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن" (4) . # {فبأي آلاء ربكما تكذبان لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان متكئين على رفرف خضر} ، قال سعيد بن جبير: "الرفرف": رياض الجنة. ~~"خضر": مخضبة. ويروى ذلك عن ابن عباس، واحدتها رفرفة، وقال: الرفارف جمع ~~الجمع. وقيل: "الرفرف": البسط، وهو قول الحسن ومقاتل والقرظي وروى العوفي ~~عن ابن عباس: "الرفرف": فضول المجالس والبسط. PageV07P458 # وقال الضحاك وقتادة: هي مجالس خضر فوق الفرش. وقال ابن كيسان: هي ~~المرافق. وقال ابن عيينة الزرابي. وقال غيره: كل ثوب عريض عند العرب فهو ~~رفرف. # {وعبقري حسان} هي الزرابي والطنافس الثخان، وهي جمع، واحدتها عبقرية، ~~وقال قتادة: "العبقري" عتاق الزرابي، وقال أبو العالية: هي الطنافس المخملة ~~إلى الرقة. وقال القتيبي: كل ثوب موشى عند العرب: عبقري. # وقال أبو عبيدة: هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي. # قال الخليل: كل جليل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب: عبقري، ومنه ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه: "فلم أر عبقريا يفري ~~فريه" (1) . ### || # {فبأي آلاء ربكما تكذبان (77) تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام (78) } # {فبأي آلاء ربكما تكذبان تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام} قرأ أهل ~~الشام "ذو الجلال" ms2483 بالواو وكذلك هو في مصاحفهم إجراء على الاسم. # أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد بن محمد بن علي ~~بن محمد بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم، حدثنا أبو بكر ~~الجوربذي، أخبرنا أحمد بن حرب، أخبرنا أبو معاوية الضرير عن عاصم عن عبد ~~الله بن الحارث عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم ~~من الصلاة لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام ~~تباركت يا ذا الجلال والإكرام" (2) . PageV07P459 ### | سورة الواقعة # مكية (1) # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) خافضة رافعة (3) إذا رجت ~~الأرض رجا (4) وبست الجبال بسا (5) } # {إذا وقعت الواقعة} إذا قامت القيامة. وقيل: إذا نزلت صيحة القيامة وهي ~~النفخة الأخيرة. # {ليس لوقعتها} لمجيئها {كاذبة} كذب كقوله: "لا تسمع فيها لاغية" (الغاشية ~~-11) أي: لغو يعني أنها تقع صدقا وحقا. و"الكاذبة" اسم كالعافية والنازلة. # {خافضة رافعة} تخفض أقواما إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة. وقال عطاء ~~عن ابن عباس: تخفض أقواما كانوا في الدنيا مرتفعين وترفع أقواما كانوا في ~~الدنيا مستضعفين (2) . # {إذا رجت الأرض رجا} حركت وزلزلت زلزالا قال الكلبي: إن الله إذا أوحى ~~إليها اضطربت فرقا. قال المفسرون: ترج كما يرج الصبي في المهد حتى ينهدم كل ~~بناء عليها وينكسر كل ما عليها من الجبال وغيرها (3) وأصل "الرج" في اللغة: ~~التحريك يقال: رججته فارتج. # {وبست الجبال بسا} [قال عطاء ومقاتل ومجاهد] (4) فتت فتا فصارت كالدقيق ~~المبسوس وهو المبلول. قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسرا. وقال الكلبي: ~~سيرت على وجه PageV07P007 # الأرض تسييرا. قال الحسن: قلعت من أصلها فذهبت نظيرها: " فقل ينسفها ربي ~~نسفا" (طه -105) قال ابن كيسان جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة. ### || # {فكانت هباء منبثا (6) وكنتم أزواجا ثلاثة (7) فأصحاب الميمنة ما أصحاب ~~الميمنة (8) وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة (9) والسابقون السابقون (10) ~~} # {فكانت هباء منبثا} غبارا متفرقا كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل الكوة ~~وهو الهباء. # {وكنتم أزواجا} أصنافا {ثلاثة} ms2484 ، ثم فسرها فقال: # {فأصحاب الميمنة} هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وقال ابن عباس: ~~هم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه وقال الله تعالى ~~لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي (1) . وقال الضحاك: هم الذين يعطون كتبهم ~~بأيمانهم. وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم ~~وكانت أعمارهم في طاعة الله وهم التابعون بإحسان (2) ثم عجب نبيه صلى الله ~~عليه وسلم فقال: {ما أصحاب الميمنة} وهذا كما يقال: زيد ما زيد! يراد زيد ~~شديد. # {وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة} يعني أصحاب الشمال والعرب تسمي اليد ~~اليسرى الشؤمى ومنه يسمى الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن ~~شمالها وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. # وقال ابن عباس: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية وقال الله ~~لهم: هؤلاء في النار ولا أبالي. # وقال الضحاك: هم الذين يؤتون كتبهم بشمالهم. وقال الحسن: هم المشائيم على ~~أنفسهم وكانت أعمارهم في المعاصي (3) . # {والسابقون السابقون} قال ابن عباس: السابقون إلى الهجرة هم السابقون في ~~الآخرة. وقال عكرمة: السابقون إلى الإسلام. قال ابن سيرين: هم الذين صلوا ~~إلى القبلتين (4) . دليله: قوله: PageV07P008 # "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار" (التوبة -100) . # قال الربيع بن أنس: السابقون إلى إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~الدنيا هم السابقون إلى الجنة في العقبى. # وقال مقاتل: 150/أإلى إجابة الأنبياء بالإيمان (1) . # وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: إلى الصلوات الخمس. وقال ~~الضحاك: إلى الجهاد (2) . # وقال سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر (3) . قال ~~الله تعالى: "سابقوا إلى مغفرة من ربكم" (الحديد -21) "وسارعوا إلى مغفرة ~~من ربكم" (آل عمران -133) # ثم أثنى عليهم فقال: أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون" قال ابن ~~كيسان: والسابقون إلى كل ما دعا الله إليه. # وروي عن كعب قال: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة. وقيل: هم أولهم ~~رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله (4) . وقال القرظي: إلى كل ~~خير. ms2485 ### || # {أولئك المقربون (11) في جنات النعيم (12) ثلة من الأولين (13) وقليل من ~~الآخرين (14) على سرر موضونة (15) متكئين عليها متقابلين (16) } # {أولئك المقربون} من الله. {في جنات النعيم ثلة من الأولين} أي من الأمم ~~الماضية من لدن آدم عليه السلام إلى زمان نبينا صلى الله عليه وسلم والثلة: ~~جماعة غير محصورة العدد. # {وقليل من الآخرين} يعني من هذه الأمة قال الزجاج: الذين عاينوا جميع ~~النبيين من لدن آدم عليه الصلاة والسلام وصدقوهم أكثر ممن عاين النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # {على سرر موضونة} منسوجة كما توضن حلق الدرع فيدخل بعضها في بعض. قال ~~المفسرون: هي موصولة منسوجة بالذهب والجواهر. وقال الضحاك: موضونة مصفوفة. # {متكئين عليها متقابلين} لا ينظر بعضهم في قفا بعض. PageV07P009 ### || # {يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) بأكواب وأباريق وكأس من معين (18) لا ~~يصدعون عنها ولا ينزفون (19) وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون ~~(21) وحور عين (22) } # {يطوف عليهم} للخدمة {ولدان} [غلمان] (1) {مخلدون} لا يموتون ولا يهرمون ~~ولا يتغيرون. وقال الفراء: [تقول العرب لمن كبر ولم يشمط: إنه مخلد] (2) . # قال ابن كيسان: يعني ولدانا لا يحولون من حالة إلى حالة. # قال سعيد بن جبير: مقرطون، يقال: خلد جاريته إذا حلاها بالخلد، وهو القرط ~~(3) . # قال الحسن: هم أولاد أهل الدنيا لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا ~~سيئات فيعاقبوا عليها لأن الجنة لا ولادة فيها فهم خدام أهل الجنة (4) . ~~{بأكواب وأباريق} فالأكواب: جمع كوب، وهي الأقداح المستديرة الأفواه، لا ~~آذان لها ولا عرى، والأباريق وهي: ذوات الخراطيم، سميت أباريق لبريق لونها ~~من الصفاء. {وكأس من معين} خمر جارية. {لا يصدعون عنها} لا تصدع رءوسهم من ~~شربها {ولا ينزفون} أي لا يسكرون [هذا إذا قرئ بفتح الزاي ومن كسر فمعناه ~~لا ينفد شرابهم] (5) . {وفاكهة مما يتخيرون} يختارون ما يشتهون يقال تخيرت ~~الشيء إذا أخذت خيره. {ولحم طير مما يشتهون} قال ابن عباس يخطر على قلبه ~~لحم الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى ويقال إنه يقع على صحفة الرجل ~~فيأكل منه ما يشتهي ثم يطير فيذهب. {وحور ms2486 عين} قرأ أبو جعفر، وحمزة ~~والكسائي: بكسر الراء والنون، أي: وبحور عين، أتبعه قوله: "بأكواب وأباريق" ~~وفاكهة ولحم طير" في الإعراب وإن اختلفا في المعنى لأن الحور لا يطاف بهن، ~~كقول الشاعر: # إذا ما الغانيات برزن يوما %~% وزججن الحواجب والعيونا (6) ~~PageV08P010 # والعين لا تزجج وإنما تكحل، ومثله كثير. وقيل: معناه ويكرمون بفاكهة ولحم ~~طير وحور عين. # وقرأ الباقون بالرفع، أي: ويطوف عليهم حور عين. وقال الأخفش رفع على معنى ~~لهم حور عين، وجاء في تفسيره: "حور عين" بيض ضخام العيون. ### || # {كأمثال اللؤلؤ المكنون (23) جزاء بما كانوا يعملون (24) لا يسمعون فيها ~~لغوا ولا تأثيما (25) إلا قيلا سلاما سلاما (26) وأصحاب اليمين ما أصحاب ~~اليمين (27) في سدر مخضود (28) } # {كأمثال اللؤلؤ المكنون} المخزون في الصدف لم تمسه الأيدي. ويروى: أنه ~~يسطع نور في الجنة، قالوا: وما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه ~~زوجها. # ويروى أن الحوراء إذا مشت يسمع تقديس الخلاخل من ساقيها وتمجيد الأسورة ~~من ساعديها، وإن عقد الياقوت ليضحك من نحرها وفي رجليها نعلان من ذهب ~~شراكهما من لؤلؤ يصران بالتسبيح. {جزاء بما كانوا يعملون} . # {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثما إلا قيلا} أي قولا {سلاما سلاما} نصبهما ~~اتباعا لقوله "قيلا" أي يسمعون قيلا سلاما سلاما. قال عطاء: يحيي بعضهم ~~بعضا بالسلام. ثم ذكر أصحاب اليمين وعجب من شأنهم فقال جل ذكره: {وأصحاب ~~اليمين ما أصحاب اليمين} {في سدر مخضود} لا شوك فيه كأنه خضد شوكه، أي قطع ~~ونزع منه، هذا قول ابن عباس وعكرمة (1) . # وقال الحسن. لا يعقر الأيدي. قال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه قال: ~~وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما يكون في الدنيا من الباقلاء وغيره بل ~~كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه. قال الضحاك ومجاهد: هو الموقر حملا ~~(2) . # قال سعيد بن جبير: ثمارها أعظم من القلال. (3) . # قال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى وج -وهو واد مخصب بالطائف ~~-فأعجبهم سدرها وقالوا يا ليت لنا مثل هذا فأنزل الله هذه الآية (4) . ~~PageV08P011 ### || # {وطلح منضود (29) وظل ms2487 ممدود (30) وماء مسكوب (31) } # {وطلح} أي: موز، واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين. وقال الحسن: ليس هو ~~بالموز ولكنه شجر له ظل بارد طيب. قال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب: ~~شجر عظام لها شوك. # وروى [مجالد] (1) عن الحسن بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي الله عنه: ~~"وطلح منضود" فقال: وما شأن الطلح؟ إنما هو: طلع منضود، ثم قرأ: "طلعها ~~هضيم" قلت: يا أمير المؤمنين إنها في المصحف بالحاء أفلا تحولها؟ فقال: إن ~~القرآن لا يهاج اليوم ولا يحول. (2) # و"المنضود" المتراكم الذي قد نضد بالحمل من أوله إلى آخره، ليست هو سوق ~~بارزة قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنائها ثمر كله. {وظل ممدود} ~~دائم لا تنسخه الشمس والعرب تقول للشيء الذي لا ينقطع: ممدود. # أخبرنا أبو علي حسان ابن سعيد المنيعي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن ~~محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أبو الحسن أحمد ~~بن يوسف السلمي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: حدثنا ~~أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في الجنة شجرة يسير ~~الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها" (3) . # وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: {وظل ممدود} قال: شجرة في الجنة على ساق ~~العرش يخرج إليها أهل الجنة فيتحدثون في أصلها ويشتهي بعضهم لهو الدنيا ~~فيرسل الله عز وجل عليها ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا ~~(4) . {وماء مسكوب} مصبوب يجري دائما في غير أخدود لا ينقطع 150/ب ~~PageV08P012 ### || # {وفاكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ولا ممنوعة (33) وفرش مرفوعة (34) إنا ~~أنشأناهن إنشاء (35) فجعلناهن أبكارا (36) } # {وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة} قال ابن عباس: لا تنقطع إذا جنيت، ~~ولا تمتنع من أحد أراد أخذها. وقال بعضهم: لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة ~~بالأثمان، كما ينقطع أكثر ثمار الدنيا إذا جاء الشتاء، ولا يتوصل إليها إلا ~~بالثمن. وقال القتيبي: يعني لا يحظر عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. # وجاء في الحديث: "ما قطعت ms2488 ثمرة من ثمار الجنة إلا أبدل الله مكانها ~~ضعفين" (1) . {وفرش مرفوعة} قال علي: "وفرش مرفوعة" على الأسرة. وقال جماعة ~~من المفسرين: بعضها فوق بعض فهي مرفوعة عالية. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني ابن فنجويه، ~~حدثنا ابن حبيش، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي حدثنا أبو كريب، حدثنا رشدين ~~بن سعد، عن عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ~~الخدري وأبي هريرة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ~~"وفرش مرفوعة" قال: "إن ارتفاعها لكما بين السماء والأرض وإن ما بين السماء ~~والأرض لمسيرة خمسمائة عام" (2) # وقيل أراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا على الاستعارة ~~"مرفوعة" رفعن بالجمال والفضل على نساء الدنيا دليل هذا التأويل قوله في ~~عقبه: {إنا أنشأناهن إنشاء} {إنا أنشأناهن إنشاء} خلقناهن خلقا جديدا قال ~~ابن عباس: يعني الآدميات العجز الشمط، يقول خلقناهن بعد الهرم خلقا آخر. ~~{فجعلناهن أبكارا} عذارى. PageV08P013 # أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي ~~بن أحمد الخزاعي عن الهيثم بن كليب الشاشي أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا ~~عبد بن حميد، أخبرنا مصعب ابن المقدام، أخبرنا المبارك بن فضالة عن الحسن ~~قال: أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ادع الله أن ~~يدخلني الجنة فقال: "يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز"، قال: فولت تبكي ~~قال: "أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: "إنا أنشأناهن ~~إنشاء فجعلناهن أبكارا" (1) # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد ~~بن إبراهيم الثعلبي أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الخطيب، أخبرنا أبو ~~سعيد عمرو بن محمد بن منصور، أخبرنا أبو بكر بن محمد بن سليمان بن الحارث ~~الواسطي ببغداد، أخبرنا خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي حدثنا سفيان الثوري ~~عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ms2489 ~~"إنا أنشأناهن إنشاء" قال: عجائز، كن في الدنيا عمشا رمصا. فجعلهن أبكارا ~~(2) . # وقال المسيب بن شريك: هن عجائز الدنيا أنشأهن الله تعالى خلقا جديدا كلما ~~أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. (3) . # وذكر المسيب عن غيره: أنهن فضلن على الحور العين بصلاتهن في الدنيا (4) . # وقال مقاتل وغيره: هن الحور العين أنشأهن الله لم يقع عليهن ولادة ~~فجعلناهن أبكارا عذارى وليس هناك وجع ### || # {عربا أترابا (37) } # {عربا} قرأ حمزة وإسماعيل عن نافع وأبو بكر: "عربا" ساكنة الراء، الباقون ~~بضمها PageV08P014 # وهي جمع "عروب" أي: عواشق متحببات إلى أزواجهن. قاله الحسن ومجاهد وقتادة ~~وسعيد بن جبير، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس. # وقال عكرمة عنه: ملقة. وقال عكرمة: غنجة. وقال أسامة بن زيد عن أبيه: ~~"عربا" حسنات الكلام. # {أترابا} مستويات في السن على سن واحد. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني ابن فنجويه، ~~حدثنا ابن شيبة حدثنا الفريابي عن علي بن أبي شيبة أخبرنا يزيد بن هارون عن ~~حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين ~~أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم طوله ستون ذراعا في سبعة أذرع (1) . # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمود، ~~حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن ~~رشدين بن سعد، حدثني عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم، عن ~~أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أدنى أهل الجنة ~~الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة [من لؤلؤ وزبرجد ~~وياقوت] (2) . كما بين الجابية إلى صنعاء" (3) . # وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ينظر إلى وجهه في خدها ~~أصفى من المرآة وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما ms2490 بين المشرق والمغرب، وإنه ~~ليكون عليها سبعون ثوبا ينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك" (4) . # وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات من أهل الجنة من ~~صغير أو كبير يردون أبناء ثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون عليها أبدا وكذلك ~~أهل النار" (5) . PageV08P015 # وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عليهم التيجان، إن ~~أدنى لؤلؤة فيها تضيء ما بين المشرق والمغرب" (1) . # أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر الحارثي أخبرنا ~~محمد بن يعقوب، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله ~~الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن محمد بن سليم عن الحجاج بن عتاب ~~العبدي عن عبد الله بن معبد الرماني عن أبي هريرة قال: أدنى أهل الجنة ~~منزلة -وما منهم دنيء -لمن يغدو عليه ويروح عشرة آلاف خادم، مع كل واحد ~~منهم طريفة ليست مع صاحبه (2) . ### || # {لأصحاب اليمين (38) ثلة من الأولين (39) وثلة من الآخرين (40) } # قوله عز وجل {لأصحاب اليمين} يريد أنشأناهن لأصحاب اليمين. {ثلة من ~~الأولين} من المؤمنين الذين كانوا قبل هذه الأمة. {وثلة من الآخرين} من ~~مؤمني هذه الأمة هذا قول عطاء ومقاتل. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني الحسين بن محمد ~~العدل، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدثنا محمد بن عبد العزيز، ~~حدثنا 151/أعيسى بن المساور، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عيسى بن موسى عن ~~عروة بن رويم قال: لما أنزل الله على رسوله "ثلة من الأولين وقليل من ~~الآخرين" بكى عمر رضي الله عنه وقال: يا نبي الله آمنا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وصدقناه ومن ينجو منا قليل؟ فأنزل الله عز وجل: "ثلة من الأولين ~~وثلة من الآخرين" فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر فقال: "قد أنزل ~~الله عز وجل فيما قلت" فقال عمر رضي الله عنه: رضينا عن ربنا وتصديق نبينا ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من آدم إلينا ms2491 ثلة ومني إلى يوم ~~القيامة ثلة ولا يستتمها إلا سودان من رعاة الإبل ممن قال لا إله إلا الله ~~(3) . # "أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد حدثنا حصين بن نمير عن حصين بن ~~عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوما فقال: "عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي PageV08P016 # ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان، والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد ~~ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق فرجوت أن يكونوا أمتي فقيل: هذا موسى في قومه، ~~ثم قيل لي: انظر، فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا ~~فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفا ~~يدخلون الجنة بغير حساب، فتفرق الناس ولم يبين لهم فتذاكر أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكنا آمنا بالله ورسوله، ~~ولكن هؤلاء هم أبناؤنا فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "هم الذين لا ~~يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" فقام عكاشة بن محصن ~~فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ فقال: نعم فقام آخر فقال: أمنهم أنا؟ قال ~~عليه السلام: "قد سبقك بها عكاشة" (1) # ورواه عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عرضت علي ~~الأنبياء الليلة بأتباعها حتى أتى علي موسى عليه السلام في كبكبة بني ~~إسرائيل فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى ومن ~~معه من بني إسرائيل، قلت: رب فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك، فإذا ظراب مكة ~~قد سدت بوجوه الرجال، قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، رب رضيت، قيل ~~انظر عن يسارك، فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ ~~قلت: رب رضيت: فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة لا حساب لهم، ~~فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم إن ms2492 استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا ~~وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، وإن عجزتم فكونوا من أهل الأفق، ~~فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا ~~شعبة عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال: كنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في قبة فقال: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم، ~~قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: والذي نفس محمد بيده ~~إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة ~~وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة ~~السوداء في جلد الثور الأحمر (3) (4) . PageV08P017 # وذهب جماعة إلى أن الثلتين جميعا من هذه الأمة وهو قول أبي العالية ~~ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحاك، قالوا: "ثلة من الأولين" من سابقي هذه ~~الأمة "وثلة من الآخرين" من آخر هذه الأمة في آخر الزمان. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني الحسين بن محمد ~~الدينوري حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني أخبرنا أبو خليفة الفضل بن ~~الحباب، حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس في هذه الآية: "ثلة من الأولين وثلة من الآخرين" قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "هما جميعا من أمتي" (1) ### || # {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) في سموم وحميم (42) وظل من يحموم ~~(43) لا بارد ولا كريم (44) إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) وكانوا يصرون ~~على الحنث العظيم (46) وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا ~~لمبعوثون (47) } # قوله تعالى: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم} ريح حارة {وحميم} ~~ماء حار {وظل من يحموم} دخان شديد السواد، تقول العرب: أسود يحموم إذا كان ~~شديد السواد، وقال الضحاك: النار سوداء وأهلها سود، وكل ms2493 شيء فيها أسود. ~~وقال ابن كيسان: "اليحموم" اسم من أسماء النار. {لا بارد ولا كريم} قال ~~قتادة: لا بارد المنزل ولا كريم المنظر. وقال سعيد بن المسيب: ولا كريم ولا ~~حسن نظيره "من كل زوج كريم" (الشعراء -7) . وقال مقاتل: طيب. {إنهم كانوا ~~قبل ذلك} يعني في الدنيا {مترفين} منعمين. {وكانوا يصرون} يقيمون {على ~~الحنث العظيم} على الذنب الكبير وهو الشرك. وقال الشعبي: "الحنث العظيم" ~~اليمين الغموس. ومعنى هذا: أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون وكذبوا في ~~ذلك. {وكانوا يقولون أئذا متنا وك، نا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون} قرأ أبو ~~جعفر، ونافع PageV08P018 # والكسائي ويعقوب: "أئذا" مستفهما "إنا" بتركه، وقرأ الآخرون بالاستفهام ~~فيهما. ### || # {أوآباؤنا الأولون (48) قل إن الأولين والآخرين (49) لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم (50) } # {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (51) لآكلون من شجر من زقوم (52) فمالئون ~~منها البطون (53) فشاربون عليه من الحميم (54) فشاربون شرب الهيم (55) هذا ~~نزلهم يوم الدين (56) نحن خلقناكم فلولا تصدقون (57) أفرأيتم ما تمنون (58) ~~أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (59) نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن ~~بمسبوقين (60) } # {أوآباؤنا الأولون قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ~~ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون ~~فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم} قرأ أهل المدينة، وعاصم، وحمزة: ~~"شرب" بضم الشين. وقرأ الباقون بفتحها وهما لغتان، فالفتح على المصدر، ~~والضم اسم بمعنى المصدر كالضعف والضعف و"الهيم" الإبل العطاش، قال عكرمة ~~وقتادة: الهيام: داء يصيب الإبل لا تروى معه، ولا تزال تشرب حتى تهلك. ~~يقال: جمل أهيم، وناقة هيماء، والإبل هيم. وقال الضحاك وابن عيينة: "الهيم" ~~الأرض السهلة ذات الرمل. # {هذا نزلهم} يعني ما ذكر من الزقوم والحميم، أي رزقهم وغذاؤهم وما أعد ~~لهم، {يوم الدين} يوم يجازون بأعمالهم ثم احتج عليهم في البعث بقوله: {نحن ~~خلقناكم} قال مقاتل: خلقناكم ولم تكونوا شيئا وأنتم تعلمون ذلك 151/ب ~~{فلولا} فهلا {تصدقون} بالبعث. {أفرأيتم ما تمنون} تصبون في الأرحام من ~~النطف. {أأنتم تخلقونه} يعني أأنتم تخلقونه ما تمنون بشرا {أم ms2494 نحن الخالقون ~~نحن قدرنا} قرأ ابن كثير بتخفيف الدال والباقون بتشديدها وهما لغتان {بينكم ~~الموت} قال مقاتل: فمنكم من يبلغ الهرم ومنكم من يموت صبيا وشابا. وقال ~~الضحاك: تقديره: إنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء، فعلى هذا يكون ~~معنى "قدرنا": قضينا. # {وما نحن بمسبوقين} بمغلوبين عاجزين عن إهلاككم وإبدالكم بأمثالكم فذلك ~~قوله عز وجل: {على أن نبدل أمثالكم} # PageV08P019 ### || # {على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون (61) ولقد علمتم النشأة ~~الأولى فلولا تذكرون (62) أفرأيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون (64) لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (65) إنا لمغرمون (66) } # فذلك قوله عز وجل: {على أن نبدل أمثالكم} يعني: نأتي بخلق مثلكم بدلا ~~منكم، {وننشئكم} نخلقكم {في ما لا تعلمون} من الصور، قال مجاهد: في أي خلق ~~شئنا (1) . # وقال الحسن: أي نبدل صفاتكم فنجعلكم قردة وخنازير، كما فعلنا بمن كان ~~قبلكم (2) يعني: إن أردنا أن نفعل ذلك ما فاتنا ذلك. وقال سعيد بن المسيب: ~~"فيما لا تعلمون" يعني: في حواصل طير سود، تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، ~~وبرهوت واد باليمن (3) . {ولقد علمتم النشأة الأولى} الخلقة الأولى ولم ~~تكونوا شيئا. {فلولا تذكرون} أني قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم. ~~{أفرأيتم ما تحرثون} يعني: تثيرون من الأرض وتلقون فيها من البذر. {أأنتم ~~تزرعونه} تنبتونه {أم نحن الزارعون} المنبتون. {لو نشاء لجعلناه حطاما} قال ~~عطاء: تبنا لا قمح فيه وقيل: هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء {فظلتم} ~~وأصله: فظللتم حذفت إحدى اللامين تخفيفا. {تفكهون} تتعجبون بما نزل بكم في ~~زرعكم [وهو قول عطاء والكلبي ومقاتل. وقيل تندمون على نفقاتكم] (4) وهو قول ~~يمان نظيره: "فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها" (الكهف -42) وقال الحسن: ~~تندمون على ما سلف منكم من المعصية التي أوجبت تلك العقوبة. وقال عكرمة: ~~تتلاومون. وقال ابن كيسان: تحزنون. قال الكسائي: هو تلهف على ما فات، وهو ~~من الأضداد، تقول العرب: "تفكهت" أي: تنعمت و"تفكهت" أي: حزنت. {إنا ~~لمغرمون} قرأ أبو بكر عن عاصم "أئنا" بهمزتين وقرأ الآخرون على ms2495 الخبر، ~~ومجاز الآية: فظلتم تفكهون وتقولون إنا لمغرمون. وقال مجاهد وعكرمة لمولع ~~بنا. وقال ابن عباس PageV08P020 # وقتادة: معذبون، والغرام العذاب. وقال الضحاك وابن كيسان: غرمنا أموالنا ~~وصار ما أنفقنا غرما علينا والمغرم الذي ذهب ماله بغير عوض، وهو قوله: ### || # {بل نحن محرومون (67) أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) أأنتم أنزلتموه من ~~المزن أم نحن المنزلون (69) لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون (70) ~~أفرأيتم النار التي تورون (71) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون (72) ~~نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (73) } # {بل نحن محرومون} محدودون ممنوعون، أي: حرمنا ما كنا نطلبه من الريع في ~~الزرع. {أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن} السحاب، ~~واحدتها: مزنة {أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا} قال ابن عباس: شديد ~~الملوحة، قال الحسن: مرا. {فلولا تشكرون} {أفرأيتم النار التي تورون} ~~تقدحون وتستخرجون من زندكم. {أأنتم أنشأتم شجرتها} التي تقدح منها [النار] ~~(1) وهي المرخ والعفار {أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة} [يعني نار ~~الدنيا] (2) تذكرة للنار الكبرى إذا رآها الرائي ذكر جهنم قاله عكرمة ~~ومجاهد ومقاتل. وقال عطاء: موعظة يتعظ بها المؤمن. # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد ~~الفقيه حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن ~~مالك عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم" قالوا: ~~يا رسول الله إن كانت لكافية، قال: "فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا" ~~(3) . # {ومتاعا} بلغة ومنفعة {للمقوين} المسافرين و"المقوي": النازل في الأرض ~~والقي والقوا هو: القفر الخالية البعيدة من العمران، يقال: أقوت الدار إذا ~~خلت من سكانها. والمعنى: أنه ينتفع PageV08P021 # بها أهل البوادي والأسفار، فإن منفعتهم بها أكثر من منفعة المقيم وذلك ~~أنهم يوقدونها ليلا لتهرب منهم السباع ويهتدي بها الضلال وغير ذلك من ~~المنافع، هذا قول أكثر المفسرين. # وقال مجاهد وعكرمة: "للمقوين" يعني للمستمتعين بها من الناس أجمعين، ~~المسافرين والحاضرين، يستضيئون بها ms2496 في الظلمة ويصطلون من البرد، وينتفعون ~~بها في الطبخ والخبز. # قال الحسن: بلغة للمسافرين، يتبلغون بها إلى أسفارهم، يحملونها في الخرق ~~والجواليق. # وقال ابن زيد: للجائعين تقول العرب: أقويت منذ كذا وكذا أي: ما أكلت ~~شيئا. # قال قطرب: "المقوي" من الأضداد، يقال للفقير: مقو لخلوه من المال، ويقال ~~للغني: مقو، لقوته على ما يريد، يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابه وكثر ~~ماله، وصار إلى حالة القوة. والمعنى أن فيها متاعا للأغنياء والفقراء جميعا ~~لا غنى لأحد عنها. ### || # {فسبح باسم ربك العظيم (74) فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم (76) } # {إنه لقرآن كريم (77) في كتاب مكنون (78) } # {فسبح باسم ربك العظيم} . قوله عز وجل: {فلا أقسم بمواقع النجوم} ، قال ~~أكثر المفسرين: معناه: أقسم و"لا" صلة، وكان عيسى بن عمر يقرأ: فلأقسم على ~~التحقيق. وقيل: قوله "فلا " رد لما قاله الكفار في القرآن إنه سحر وشعر ~~وكهانة، معناه: ليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم، فقال: {أقسم بمواقع ~~النجوم} قرأ حمزة والكسائي: "بموقع" على التوحيد. وقرأ الآخرون بمواقع على ~~الجمع. قال ابن عباس: أراد نجوم القرآن، فإنه كان ينزل على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم متفرقا نجوما. وقال جماعة من المفسرين: أراد مغارب النجوم ~~ومساقطها. وقال عطاء بن أبي رباح: أراد منازلها. وقال الحسن: أراد انكدارها ~~وانتثارها يوم القيامة. # {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه} ، يعني هذا الكتاب وهو موضع القسم. ~~{لقرآن كريم} عزيز مكرم لأنه كلام الله. قال بعض أهل المعاني: الكريم الذين ~~من شأنه أن يعطي الخير الكثير. {في كتاب مكنون} مصون عند الله في اللوح ~~المحفوظ، محفوظ من الشياطين. # PageV08P022 ### || # {لا يمسه إلا المطهرون (79) } # {لا يمسه} أي ذلك الكتاب المكنون، {إلا المطهرون} وهم الملائكة الموصوفون ~~بالطهارة، يروى هذا عن أنس، وهو قول سعيد بن جبير، وأبي العالية، وقتادة ~~وابن زيد: أنهم الملائكة، وروى حسان عن الكلبي قال: هم السفرة الكرام ~~البررة. # وروى محمد بن الفضيل 152/أعنه لا يقرؤه إلا الموحدون. قال عكرمة: وكان ~~ابن عباس ينهى أن يمكن اليهود ms2497 والنصارى من قراءة القرآن. # قال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به (1) . # وقال قوم: معناه لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والجنابات، وظاهر الآية ~~نفي ومعناها نهي، قالوا: لا يجوز للجنب ولا للحائض ولا المحدث حمل المصحف ~~ولا مسه، وهو قول عطاء وطاووس، وسالم، والقاسم، وأكثر أهل العلم، وبه قال ~~مالك والشافعي. وقال الحكم، وحماد، وأبو حنيفة: يجوز للمحدث والجنب حمل ~~المصحف ومسه. والأول قول أكثر الفقهاء. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ~~بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم ~~أن لا يمس القرآن إلا طاهر (2) . # والمراد بالقرآن: المصحف، سماه قرآنا على قرب الجوار والاتساع. كما روي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو" ~~(3) . وأراد به المصحف. PageV08P023 ### || # {تنزيل من رب العالمين (80) أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) وتجعلون ~~رزقكم أنكم تكذبون (82) } # {تنزيل من رب العالمين} أي القرآن منزل من عند رب العالمين. سمي المنزل: ~~تنزيلا على اتساع اللغة، كما يقال للمقدور: قدر، وللمخلوق: خلق. {أفبهذا ~~الحديث} يعني القرآن {أنتم} يا أهل مكة {مدهنون} قال ابن عباس: مكذبون. ~~وقال مقاتل بن حيان: كافرون نظيره: "ودوا لو تدهن فيدهنون" (القلم -9) ~~والمدهن والمداهن: الكذاب والمنافق وهو من الإدهان وهو الجري في الباطن على ~~خلاف الظاهر هذا أصله، ثم قيل للمكذب: مدهن وإن صرح بالتكذيب والكفر. ~~{وتجعلون رزقكم} حظكم ونصيبكم من القرآن {أنكم تكذبون} قال الحسن في هذه ~~الآية: خسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به. وقال جماعة من ~~المفسرين: معناه وتجعلون شكركم أنكم تكذبون. # وقال الهيثم بن عدي: إن من لغة أزد شنوءة: ما رزق فلان بمعنى ما شكر وهذا ~~في الاستسقاء بالأنواء، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا مطروا: مطرنا بنوء كذا، ~~ولا يرون ذلك من فضل الله تعالى، فقيل لهم: أتجعلون ms2498 رزقكم، أي: شكركم بما ~~رزقتم، يعني شكر رزقكم التكذيب، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن ~~عتبة بن مسعود، عن زيد ابن خالد الجهني قال: صلى بنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف ~~أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ~~قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ~~ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، ~~فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب" (1) . ورواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وزاد: فنزلت هذه الآية "فلا أقسم بمواقع النجوم" إلى قوله: ~~"وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون" (2) (الواقعة -82) . PageV08P024 # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثني محمد بن سلمة المرادي حدثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث، ~~أخبرنا أبو يونس حدثه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ~~ينزل الله تعالى الغيث فيقولون: مطرنا بكوكب كذا وكذا" (1) . ### || # {فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) ونحن أقرب إليه ~~منكم ولكن لا تبصرون (85) فلولا إن كنتم غير مدينين (86) ترجعونها إن كنتم ~~صادقين (87) فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان وجنة نعيم (89) } # قوله عز وجل: {فلولا} فهلا {إذا بلغت الحلقوم} أي بلغت النفس الحلقوم عند ~~الموت. {وأنتم حينئذ تنظرون} يريد وأنتم يا أهل الميت تنظرون إليه متى تخرج ~~نفسه. وقيل: معنى قوله "تنظرون" أي إلى أمري وسلطاني لا يمكنكم الدفع ولا ~~تملكون شيئا. {ونحن أقرب إليه منكم} بالعلم والقدرة والرؤية. وقيل: ms2499 ورسلنا ~~الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم {ولكن لا تبصرون} الذين حضروه. {فلولا} ~~فهلا {إن كنتم غير مدينين} مملوكين وقال أكثرهم: محاسبين ومجزيين. ~~{ترجعونها إن كنتم صادقين} أي تردون نفس هذا الميت إلى جسده بعدما بلغت ~~الحلقوم فأجاب عن قوله: "فلولا إذا بلغت الحلقوم" وعن قوله: "فلولا إن كنتم ~~غير مدينين" بجواب واحد. ومثله قوله عز وجل: "فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع ~~هداي فلا خوف عليهم" (البقرة -38) أجيبا بجواب واحد، معناه: إن كان الأمر ~~كما تقولون -أنه لا بعث ولا حساب ولا إله يجازي -فهلا تردون نفس من يعز ~~عليكم إذا بلغت الحلقوم، وإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إلى غيركم ~~وهو الله عز وجل فآمنوا به. ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت وبين درجاتهم ~~فقال: {فأما إن كان من المقربين} {فأما إن كان من المقربين} وهم السابقون. ~~{فروح} قرأ يعقوب "فروح" بضم الراء PageV08P025 # والباقون بفتحها، فمن قرأ بالضم، قال الحسن معناه: تخرج روحه في الريحان، ~~وقال قتادة: الروح الرحمة أي له الرحمة، وقيل: معناه فحياة وبقاء لهم. # ومن قرأ بالفتح معناه: فله روح وهو الراحة، وهو قول مجاهد. وقال سعيد بن ~~جبير: فرح. وقال الضحاك: مغفرة ورحمة. # {وريحان} استراحة. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: رزق. وقال مقاتل: هو الرزق ~~بلسان حمير، يقال: خرجت أطلب ريحان الله أي رزق الله. # وقال آخرون: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: لا يفارق أحد من ~~المقربين الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم تقبض روحه. (1) . # {وجنة نعيم} قال أبو بكر الوراق: "الروح" النجاة من النار، و"الريحان" ~~دخول دار القرار. ### || # {وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين (91) وأما ~~إن كان من المكذبين الضالين (92) } # {وأما إن كان} المتوفى {من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين} أي ~~سلامة لك يا محمد منهم فلا تهتم لهم، فإنهم سلموا من عذاب الله أو أنك ترى ~~فيهم ما تحب من السلامة. # قال مقاتل: 152/ب هو أن الله تعالى يتجاوز ms2500 عن سيئاتهم ويقبل حسناتهم. # وقال الفراء وغيره: (2) مسلم لك أنهم من أصحاب اليمين، أو يقال لصاحب ~~اليمين: مسلم لك أنك من أصحاب اليمين وألفيت إن كالرجل يقول إني مسافر عن ~~قليل، فيقول له: أنت مصدق مسافر عن قليل، وقيل: "فسلام لك" أي عليك من ~~أصحاب اليمين. {وأما إن كان من المكذبين} بالبعث {الضالين} عن الهدى وهم ~~أصحاب المشئمة. PageV08P026 ### || # {فنزل من حميم (93) وتصلية جحيم (94) إن هذا لهو حق اليقين (95) فسبح ~~باسم ربك العظيم (96) } # {فنزل من حميم} فالذي يعد لهم حميم جهنم. {وتصلية جحيم} وإدخال نار ~~عظيمة. {إن هذا} يعني ما ذكر من قصة المحتضرين {لهو حق اليقين} أي الحق ~~اليقين أضافه إلى نفسه. {فسبح باسم ربك العظيم} قيل: فصل بذكر ربك وأمره ~~وقيل: "الباء" زائدة أي فسبح اسم ربك العظيم. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ~~أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا ابن أبي شيبة، حدثنا حمزة بن محمد الكاتب، حدثنا ~~نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن أيوب الغافقي عن عمه ~~وهو إياس بن عامر، عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "فسبح باسم ربك العظيم" قال: "اجعلوها في ركوعكم" ولما نزلت ~~"سبح اسم ربك الأعلى" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ~~سجودكم" (1) . # أخبرنا أبو عثمان الضبي أخبرنا أبو محمد الجراحي حدثنا أبو العباس ~~المحبوبي حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود، ~~قال أخبرنا شعبة عن الأعمش قال: سمعت سعد بن عبيدة يحدث عن المستورد، عن ~~صلة بن زفر، عن حذيفة، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول في ~~ركوعه: "سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى، وما أتى على آية ~~رحمة إلا وقف وسأل، وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ" (2) . PageV08P027 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، ms2501 حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ~~محمد بن فضيل، أخبرنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في ~~الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" (1) . # أخبرنا أبو نصر محمد بن الحسن الجلفري حدثني أبو القاسم تمام بن محمد بن ~~عبد الله الرازي بدمشق، حدثنا علي بن الحسين البزاز وأحمد بن سليمان بن ~~حذلم وابن راشد قالوا: أخبرنا بكار بن قتيبة، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ~~حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~"من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة". (2) # أخبرنا عبد الواحد المليحي قال أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن زنجويه، ~~حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني السري بن يحيى أن شجاعا ~~حدثه عن أبي طيبة عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا" (3) وكان أبو ~~طيبة لا يدعها أبدا. PageV08P028 ### | سورة الحديد # مدنية وآياتها تسع وعشرون (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (1) له ملك السماوات ~~والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (2) هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن وهو بكل شيء عليم (3) } # {سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن} يعني هو "الأول" قبل كل شيء بلا ابتداء، كان هو ولم يكن ~~شيء موجودا و"الآخر" بعد فناء كل شيء، بلا انتهاء تفنى الأشياء ويبقى هو، ~~و"الظاهر" الغالب العالي على كل شيء و"الباطن" العالم بكل شيء، هذا معنى ~~قول ابن عباس. # وقال يمان: "هو الأول" القديم و"الآخر" الرحيم و"الظاهر" الحليم ~~و"الباطن" العليم. # وقال السدي: هو الأول ببره إذ عرفك توحيده، والآخر بجوده إذ عرفك التوبة ms2502 ~~على ما جنيت، والظاهر بتوفيقه إذ وفقك للسجود له والباطن بستره إذ عصيته ~~فستر عليك. # وقال الجنيد: هو الأول بشرح القلوب، والآخر بغفران الذنوب، والظاهر بكشف ~~الكروب، والباطن بعلم الغيوب. وسأل عمر -رضي الله تعالى عنه -كعبا عن هذه ~~الآية فقال: معناها إن علمه بالأول كعلمه بالآخر، وعلمه بالظاهر كعلمه ~~بالباطن. PageV08P029 # {وهو بكل شيء عليم} أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغفار بن ~~محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا ~~مسلم بن الحجاج، حدثني زهير ابن حرب، حدثنا جرير عن سهيل قال: كان أبو صالح ~~يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول: "اللهم رب ~~السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ~~منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، ~~أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك ~~شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين واغنني من الفقر" (1) . وكان ~~يروى ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. PageV08P032 ### || # {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما ~~يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ~~ما كنتم والله بما تعملون بصير (4) له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع ~~الأمور (5) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات ~~الصدور (6) آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين ~~آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير (7) } # {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما ~~يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ~~ما كنتم والله بما تعملون بصير له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع ~~الأمور يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور} # {آمنوا ms2503 بالله ورسوله} يخاطب كفار مكة {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} ~~مملكين فيه: يعني: المال الذي كان بيد غيرهم فأهلكهم وأعطاه قريشا فكانوا ~~في ذلك المال خلفاء عمن مضوا. {فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير} # PageV08P032 ### || # {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم ~~إن كنتم مؤمنين (8) هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات ~~إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم (9) وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ~~ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ~~والله بما تعملون خبير (10) } # {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم} ~~قرأ أبو عمرو: "أخذ" بضم الهمزة وكسر الخاء "ميثاقكم" برفع القاف على ما لم ~~يسم فاعله. وقرأ الآخرون بفتح الهمزة والخاء والقاف، أي: أخذ الله ميثاقكم ~~حين أخرجكم من ظهر آدم عليه السلام بأن الله ربكم لا إله لكم سواه، قاله ~~مجاهد. # وقيل: أخذ ميثاقكم بإقامة الحجج 153/أوالدلائل التي تدعو إلى متابعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم {إن كنتم مؤمنين} يوما، فالآن أحرى الأوقات أن ~~تؤمنوا لقيام الحجج والإعلام ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن. ~~{هو الذي ينزل على عبده} محمد صلى الله عليه وسلم {آيات بينات} [يعني ~~القرآن] (1) . {ليخرجكم} الله بالقرآن {من الظلمات إلى النور} وقيل: ~~ليخرجكم الرسول بالدعوة من الظلمات إلى النور أي من ظلمات الشرك إلى نور ~~الإيمان {وإن الله بكم لرءوف رحيم} {وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ~~ميراث السماوات والأرض} يقول: أي شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقرب من الله ~~وأنتم ميتون تاركون أموالكم ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله ~~وبالجهاد فقال: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح} يعني فتح مكة في قول ~~أكثر المفسرين، وقال الشعبي: هو صلح الحديبية {وقاتل} يقول: لا يستوي في ~~الفضل من أنفق ماله ms2504 وقاتل العدو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل فتح ~~مكة مع من أنفق وقاتل بعده {أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا} وروى محمد بن فضيل عن الكلبي أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ~~-رضي الله عنه -فإنه أول من أسلم وأول من أنفق ماله في سبيل الله (2) . ~~PageV08P033 # وقال عبد الله بن مسعود: أول من أظهر إسلامه بسيفه النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبو بكر. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ~~إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد، أخبرنا أحمد بن إسحاق ~~بن أيوب، أخبرنا محمد بن يونس، حدثنا العلاء بن عمرو الشيباني، حدثنا أبو ~~إسحاق الفزاري، حدثنا سفيان بن سعيد عن آدم بن علي عن ابن عمر قال: كنت عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعليه ~~عباءة قد خلها في صدره بخلال، فنزل عليه جبريل فقال: مالي أرى أبا بكر عليه ~~عباءة قد خلها في صدره بخلال؟ فقال: "أنفق ماله علي قبل الفتح" قال: فإن ~~الله عز وجل يقول: اقرأ عليه السلام وقل له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ~~ساخط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أبا بكر إن الله عز وجل يقرأ ~~عليك السلام ويقول لك: أراض أنت في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر: أأسخط ~~على ربي؟ إني عن ربي راض إني عن ربي راض (1) . # {وكلا وعد الله الحسنى} أي كلا الفريقين وعدهم الله الجنة. قال عطاء: ~~درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا قبل الفتح في أفضلها. وقرأ ابن عامر: ~~"وكل" بالرفع {والله بما تعملون خبير} ### || # {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (11) } # {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم ~~اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم (12) } # {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر ms2505 كريم يوم ترى ~~المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم} يعني على الصراط {بين أيديهم وبأيمانهم} ~~يعني عن أيمانهم. قال بعضهم: أراد جميع جوانبهم، فعبر بالبعض عن الكل وذلك ~~دليلهم إلى الجنة. # وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من المؤمنين ~~من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء ودون ذلك حتى إن من المؤمنين ~~من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه" (1) PageV08P034 # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، ~~فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم ~~نورا من نوره أعلى إبهامه فيطفأ مرة ويقد مرة. (1) # وقال الضحاك ومقاتل: "يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم" كتبهم، يريد أن ~~كتبهم التي أعطوها بأيمانهم ونورهم بين أيديهم (2) . وتقول لهم الملائكة: ~~{بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز ~~العظيم} ### || # {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ~~ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب (13) } # {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا} قرأ الأعمش وحمزة: ~~"أنظرونا" بفتح الهمزة وكسر الظاء يعني أمهلونا. وقيل انتظرونا. وقرأ ~~الآخرون بحذف الألف في الوصل وضمها في الابتداء وضم الظاء، تقول العرب: ~~انظرني وأنظرني، يعني انتظرني. {نقتبس من نوركم} نستضيء من نوركم، وذلك أن ~~الله تعالى يعطي المؤمنين نورا على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي ~~المنافقين أيضا نورا خديعة لهم، وهو قوله عز وجل "وهو خادعهم" (النساء ~~-141) فبيناهم يمشون إذ بعث الله عليهم ريحا وظلمة فأطفأت نور المنافقين، ~~فذلك قوله: "يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين ~~أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا" (التحريم -8) مخافة أن ~~يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين. وقال الكلبي: بل يستضيء المنافقون ~~بنور المؤمنين، ولا يعطون النور، فإذا سبقهم المؤمنون وبقوا في الظلمة ~~قالوا للمؤمنين، انظرونا نقتبس من نوركم (3) # {قيل ارجعوا وراءكم} قال ابن عباس: يقول لهم المؤمنون ms2506 (4) وقال قتادة: ~~تقول لهم الملائكة: ارجعوا وراءكم من حيث جئتم (5) PageV08P035 # {فالتمسوا نورا} فاطلبوا هناك لأنفسكم نورا فإنه لا سبيل لكم إلى ~~الاقتباس من نورنا، فيرجعون في طلب النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم ~~ليلقوهم فيميز بينهم وبين المؤمنين، وهو قوله: {فضرب بينهم بسور} أي سور، ~~و"الباء" صلة يعني بين المؤمنين والمنافقين وهو حائط بين الجنة والنار {له} ~~أي لذلك السور {باب باطنه فيه الرحمة} أي في باطن ذلك السور الرحمة وهي ~~الجنة {وظاهره} أي خارج ذلك السور {من قبله} أي من قبل ذلك الظاهر {العذاب} ~~وهو النار. ### || # {ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم ~~وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور (14) } # {ينادونهم} روي عن عبد الله بن عمر قال: إن السور الذي ذكر الله تعالى في ~~القرآن " فضرب بينهم بسور له باب" هو سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه ~~الرحمة وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم (1) . # وقال شريح: كان كعب يقول: في الباب الذي يسمى "باب الرحمة" في بيت ~~المقدس: إنه الباب الذي قال الله عز وجل: "فضرب بينهم بسور له باب" الآية ~~(2) . "ينادونهم" يعني: ينادي المنافقون المؤمنين من وراء السور حين حجز ~~بينهم بالسور وبقوا في الظلمة: # {ألم نكن معكم} في الدنيا نصلي ونصوم؟ {قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم} ~~153/ب أهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملتموها في المعاصي والشهوات وكلها ~~فتنة {وتربصتم} بالإيمان والتوبة. قال مقاتل: وتربصتم الموت وقلتم يوشك أن ~~يموت فنستريح منه {وارتبتم} شككتم في نبوته وفيما أوعدكم به {وغرتكم ~~الأماني} الأباطيل وما كنتم تتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين {حتى جاء أمر ~~الله} يعني الموت {وغركم بالله الغرور} يعني الشيطان، قال قتادة: ما زالوا ~~على خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار (3) . PageV08P036 ### || # {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم ~~وبئس المصير (15) ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من ~~الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ms2507 ~~وكثير منهم فاسقون (16) } # {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية} قرأ أبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: "تؤخذ" ~~بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء {فدية} بدل وعوض بأن تفدوا أنفسكم من العذاب ~~{ولا من الذين كفروا} يعني المشركين {مأواكم النار هي مولاكم} صاحبكم وأولى ~~بكم، لما أسلفتم من الذنوب {وبئس المصير} قوله عز وجل: {ألم يأن للذين ~~آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} قال الكلبي ومقاتل: نزلت في المنافقين بعد ~~الهجرة بسنة وذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا: حدثنا عن ~~التوراة فإن فيها العجائب فنزلت: "نحن نقص عليك أحسن القصص" (يوسف -3) ~~فأخبرهم أن القرآن أحسن قصصا من غيره، فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله، ثم ~~عادوا فسألوا سلمان عن مثل ذلك فنزل: "الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها" ~~(الزمر -23) فكفوا عن سؤاله ما شاء الله ثم عادوا فقالوا: حدثنا عن التوراة ~~فإن فيها العجائب فنزلت هذه الآية. فعلى هذا التأويل، قوله "ألم يأن للذين ~~آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله" يعني في العلانية وباللسان. # وقال آخرون نزلت في المؤمنين (1) قال عبد الله بن مسعود: ما كان بين ~~إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله" إلا أربع سنين (2) . # وقال ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة ~~سنة من نزول القرآن، فقال: "ألم يأن" (3) ألم يحن للذين آمنوا أن تخشع: ترق ~~وتلين وتخضع قلوبهم لذكر الله {وما نزل} قرأ نافع وحفص عن عاصم بتخفيف ~~الزاي وقرأ الآخرون بتشديدها {من الحق} وهو القرآن {ولا يكونوا كالذين ~~أوتوا الكتاب من قبل} وهم اليهود والنصارى {فطال عليهم الأمد} الزمان بينهم ~~وبين أنبيائهم {فقست قلوبهم} قال ابن عباس: مالوا إلى الدنيا وأعرضوا ~~PageV08P037 # عن مواعظ الله والمعنى أن الله عز وجل ينهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة ~~القرآن كاليهود والنصارى الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر. # روي أن أبا موسى الأشعري بعث إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل ~~قد قرؤا القرآن فقال ms2508 لهم: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن ~~عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم (1) . # {وكثير منهم فاسقون} يعني الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما الصلاة ~~والسلام. ### || # {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ~~(17) إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر ~~كريم (18) } PageV08P038 # {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم ~~أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (19) } # {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ~~إن المصدقين والمصدقات} قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما ~~من "التصديق" أي: المؤمنين والمؤمنات، وقرأ الآخرون بتشديدهما أي المتصدقين ~~والمتصدقات أدغمت التاء في الصاد {وأقرضوا الله قرضا حسنا} بالصدقة والنفقة ~~في سبيل الله عز وجل {يضاعف لهم} ذلك القرض {ولهم أجر كريم} ثواب حسن وهو ~~الجنة. {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} والصديق: ~~الكثيرالصدق، قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسوله فهو صديق وتلا هذه الآية. # قال الضحاك: هم ثمانية نفر من هذه الأمة، سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى ~~الإسلام: أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر ~~بن الخطاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ألحقه الله بهم لما عرف من صدق ~~نيته. {والشهداء عند ربهم} اختلفوا في نظم هذه الآية، منهم من قال: هي ~~متصلة بما قبلها، و"الواو" واو النسق، وأراد بالشهداء المؤمنين المخلصين. ~~قال الضحاك: هم الذين سميناهم. قال # PageV08P038 # مجاهد: كل مؤمن صديق شهيد، وتلا هذه الآية (1) . # وقال قوم: تم الكلام عند قوله: "هم الصديقون" ثم ابتدأ فقال: والشهداء ~~عند ربهم، و"الواو" واو الاستئناف، وهو قول ابن عباس ومسروق وجماعة. ثم ~~اختلفوا فيهم فقال قوم: هم الأنبياء الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة، ~~يروى ذلك عن ابن عباس (2) هو قول مقاتل بن حيان. وقال مقاتل بن سليمان: هم ~~الذين استشهدوا في سبيل الله (3) . # {لهم أجرهم} بما عملوا من العمل الصالح ms2509 {ونورهم} على الصراط {والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} ### || # {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون ~~حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا ~~متاع الغرور (20) } # قوله عز وجل: {اعلموا أنما الحياة الدنيا} أي: أن الحياة الدنيا، و"ما" ~~صلة، أي: أن الحياة في هذه الدار {لعب} باطل لا حاصل له {ولهو} فرح ثم ~~ينقضي {وزينة} منظر تتزينون به {وتفاخر بينكم} يفخر به بعضكم على بعض ~~{وتكاثر في الأموال والأولاد} أي: مباهاة بكثرة الأموال والأولاد، ثم ضرب ~~لها مثلا فقال: {كمثل غيث أعجب الكفار} أي: الزراع {نباته} ما نبت من ذلك ~~الغيث {ثم يهيج} ييبس {فتراه مصفرا} بعد خضرته ونضرته {ثم يكون حطاما} ~~يتحطم ويتكسر بعد يبسه ويفنى {وفي الآخرة عذاب شديد} قال مقاتل: لأعداء ~~الله {ومغفرة من الله ورضوان} لأوليائه وأهل طاعته. # {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} قال سعيد بن جبير: متاع الغرور لمن ~~يشتغل فيها بطلب الآخرة، ومن اشتغل بطلبها فله متاع بلاغ إلى ما هو خير منه ~~15 / 4 أ PageV08P039 ### || # {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين ~~آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (21) ~~ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ~~ذلك على الله يسير (22) لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ~~والله لا يحب كل مختال فخور (23) الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن ~~يتول فإن الله هو الغني الحميد (24) } # {سابقوا} سارعوا {إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} لو ~~وصل بعضها ببعض {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم} فبين أن أحدا لا يدخل الجنة إلا بفضل الله. قوله عز ~~وجل: {ما أصاب من مصيبة في الأرض} يعني: قحط ms2510 المطر وقلة النبات ونقص الثمار ~~{ولا في أنفسكم} يعني: الأمراض وفقد الأولاد {إلا في كتاب} يعني: اللوح ~~المحفوظ {من قبل أن نبرأها} من قبل أن نخلق الأرض والأنفس. قال ابن عباس: ~~من قبل أن نبرأ المصيبة. وقال أبو العالية: يعني النسمة {إن ذلك على الله ~~يسير} أي إثبات ذلك على كثرته هين على الله عز وجل. {لكي لا تأسوا} تحزنوا ~~{على ما فاتكم} من الدنيا {ولا تفرحوا بما آتاكم} قرأ أبو عمرو بقصر الألف، ~~لقوله "فاتكم" فجعل الفعل له وقرأ الآخرون {آتاكم} بمد الألف، أي: أعطاكم. ~~قال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكرا والحزن صبرا ~~(1) {والله لا يحب كل مختال فخور} متكبر بما أوتي من الدنيا "فخور" يفخر به ~~على الناس. # قال جعفر بن محمد الصادق: يا ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده إليك ~~الفوت، ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت (2) . {الذين يبخلون} قيل: ~~هو في محل الخفض على نعت المختال. وقيل: هو رفع بالابتداء PageV08P040 # وخبره فيما بعده. {ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول} أي: يعرض عن الإيمان ~~{فإن الله هو الغني الحميد} قرأ أهل المدينة والشام: "فإن الله الغني" ~~بإسقاط "هو" وكذلك هو في مصاحفهم. # PageV08P041 ### || # {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (25) } # قوله عز وجل {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} بالآيات والحجج {وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان} يعني: العدل. وقال مقاتل بن سليمان: هو ما يوزن به أي: ~~ووضعنا الميزان كما قال: "والسماء رفعها ووضع الميزان" (الرحمن -7) {ليقوم ~~الناس بالقسط} ليتعاملوا بينهم بالعدل. # {وأنزلنا الحديد} روي عن ابن عمر يرفعه: إن الله أنزل أربع بركات من ~~السماء إلى الأرض: الحديد والنار والماء والملح (1) وقال أهل المعاني معنى ~~قوله: "أنزلنا الحديد" [أنشأنا وأحدثنا أي: أخرج لهم الحديد] (2) من ~~المعادن وعلمهم صنعته بوحيه. # وقال قطرب هذا من النزل كما يقال: أنزل الأمير على فلان ms2511 نزلا حسنا فمعنى ~~الآية: أنه جعل ذلك نزلا لهم. ومثله قوله: "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية ~~أزواج" (الزمر -6) . {فيه بأس شديد} قوة شديدة يعني: السلاح للحرب. قال ~~مجاهد: فيه جنة وسلاح يعني آلة الدفع وآلة الضرب {ومنافع للناس} مما ~~ينتفعون به في مصالحهم كالسكين والفأس والإبرة ونحوها إذ هو آلة لكل صنعة ~~{وليعلم الله} أي: أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم هذه الأشياء ليتعامل الناس ~~بالحق والعدل وليعلم الله وليرى الله {من ينصره} أي: دينه {ورسله بالغيب} ~~أي: قام بنصرة الدين ولم ير الله ولا الآخرة، وإنما يحمد ويثاب من أطاع ~~الله بالغيب {إن الله قوي عزيز} قوي في أمره، عزيز في ملكه. PageV08P041 ### || # {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد ~~وكثير منهم فاسقون (26) ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم ~~وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ~~ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين ~~آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون (27) } # {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد ~~وكثير منهم فاسقون ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم ~~وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه} [على دينه] (1) {رأفة} وهي ~~أشد الرقة {ورحمة} كانوا متوادين بعضهم لبعض، كما قال الله تعالى في وصف ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "رحماء بينهم" (الفتح -29) {ورهبانية ~~ابتدعوها} من قبل أنفسهم، وليس هذا بعطف على ما قبله، وانتصابه بفعل مضمر ~~كأنه قال: وابتدعوا رهبانية أي جاءوا بها من قبل أنفسهم {ما كتبناها} أي ما ~~فرضناها {عليهم إلا ابتغاء رضوان الله} يعني: ولكنهم ابتغوا رضوان الله ~~بتلك الرهبانية، وتلك الرهبانية ما حملوا أنفسهم من المشاق في الامتناع من ~~المطعم والمشرب والملبس والنكاح والتعبد في الجبال {فما رعوها حق رعايتها} ~~أي لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها بل ضيعوها وكفروا بدين عيسى فتهودوا ~~وتنصروا ودخلوا في دين ملوكهم وتركوا الترهب، وأقام منهم أناس على دين عيسى ~~عليه الصلاة والسلام ms2512 حتى أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وذلك ~~قوله تعالى: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} وهم الذين ثبتوا عليها وهم ~~أهل الرأفة والرحمة {وكثير منهم فاسقون} وهم الذين تركوا الرهبانية وكفروا ~~بدين عيسى عليه الصلاة والسلام. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنبأني عبد الله بن ~~حامد، أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان ~~حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا الصعق بن حزن، عن عقيل الجعدي عن أبي إسحاق عن ~~سويد بن غفلة، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: "يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم على اثنتين ~~وسبعين فرقة، نجا منها ثلاث وهلك سائرهن، فرقة آزت الملوك وقاتلوهم على دين ~~عيسى عليه الصلاة والسلام، فأخذوهم وقتلوهم، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة ~~الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم PageV08P042 # إلى دين الله ودين عيسى عليه السلام فساحوا في البلاد وترهبوا وهم الذين ~~قال الله عز وجل فيهم: "ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم" فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن ~~لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون" (1) . # وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم ~~على حمار فقال لي: "يا ابن أم عبد هل تدري من أين اتخذت بنو إسرائيل ~~الرهبانية؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى عليه ~~السلام يعملون بالمعاصي فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم، فهزم أهل الإيمان ثلاث ~~مرات، فلم يبق منهم إلا القليل، فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبق ~~للدين أحد يدعو له فقالوا: تعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي ~~الذي وعدنا به عيسى عليه السلام، يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم 154/ب ~~فتفرقوا في غيران الجبال، وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من ~~كفر، ثم تلا هذه الآية: "ورهبانية ابتدعوها" الآية. "فآتينا الذين ms2513 آمنوا ~~منهم" يعني من ثبتوا عليها أجرهم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا ~~ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: الهجرة ~~والجهاد، والصلاة والصوم والحج والعمرة والتكبير على التلاع" (2) # وروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لكل أمة رهبانية، ~~ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله" (3) # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت ملوك بعد عيسى ~~عليه السلام بدلوا التوارة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرؤن التوراة ~~والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله فقيل لملوكهم: لو جمعتهم هؤلاء الذين شقوا ~~عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن فيه، فجمعهم ملوكهم PageV08P043 # وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها ~~فقالوا: نحن نكفيكم أنفسنا فقالت طائفة: ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا ~~إليها ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم، وقالت طائفة: ~~دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا بأرض ~~فاقتلونا وقالت طائفة: ابنوا لنا دورا في الفيافي نحتفر الآبار ونحترث ~~البقول فلا نرد عليكم ولا نمر بكم، ففعلوا بهم ذلك فمضى أولئك على منهاج ~~عيسى عليه الصلاة والسلام، وخلف قوم من بعدهم ممن قد غير الكتاب، فجعل ~~الرجل يقول: نكون في مكان فلان فنتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ~~ونتخذ دورا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا ~~بهم، فذلك قوله عز وجل: "ورهبانية ابتدعوها" أي ابتدعها هؤلاء الصالحون ~~{فما رعوها حق رعايتها} يعني الآخرين الذين جاؤا من بعدهم {فآتينا الذين ~~آمنوا منهم أجرهم} يعني الذين ابتدعوها ابتغاء رضوان الله "وكثير منهم ~~فاسقون" هم الذين جاؤا من بعدهم، قال: فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولم يبق منهم إلا قليل انحط رجل من صومعته وجاء سياح من سياحته وصاحب دير ~~من ديره وآمنوا به (1) # فقال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} ### || # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا ms2514 الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ~~ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) لئلا يعلم أهل ~~الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم (29) } # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} الخطاب لأهل الكتابين من اليهود ~~والنصارى، يقول: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله في محمد صلى ~~الله عليه وسلم {وآمنوا برسوله} محمد صلى الله عليه وسلم {يؤتكم كفلين} ~~نصيبين {من رحمته} يعني يؤتكم أجرين لإيمانكم بعيسى عليه الصلاة والسلام، ~~والإنجيل وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. # وقال قوم: انقطع الكلام عند قوله "ورحمة" ثم ابتدأ: ورهبانية ابتدعوها ~~وذلك أنهم تركوا الحق فأكلوا الخنزير وشربوا الخمر وتركوا الوضوء والغسل من ~~الجنابة والختان، فما رعوها يعني: الطاعة والملة "حق رعايتها" كناية عن غير ~~مذكور "فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم" وهم أهل الرأفة والرحمة "وكثير منهم ~~فاسقون" وهم الذين ابتدعواالرهبانية، وإليه ذهب مجاهد. # معنى قوله: "إلا ابتغاء رضوان الله" [على هذا التأويل: ما أمرناهم وما ~~كتبنا عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وما أمرناهم بالترهب] (2) . ~~PageV08P044 # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا} بموسى وعيسى {اتقوا الله} وآمنوا ~~برسوله محمد صلى الله عليه وسلم "يؤتكم كفلين من رحمته". # وروينا عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ثلاثة يؤتون ~~أجرهم مرتين رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها ~~ورجل من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعبد أحسن ~~عبادة الله ونصح سيده" (1) # {ويجعل لكم نورا تمشون به} قال ابن عباس ومقاتل: يعني على الصراط، كما ~~قال: "نورهم يسعى بين أيديهم" (التحريم -8) ويروى عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: أن النور هو القرآن. وقال مجاهد: هو الهدى والبيان، أي يجعل لكم ~~سبيلا واضحا في الدين تهتدون به {ويغفر لكم والله غفور رحيم} وقيل: لما سمع ~~من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله عز وجل: "أولئك يؤتون أجرهم مرتين" (القصص ms2515 ~~-54) قالوا للمسلمين: أما من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه ~~بكتابكم وبكتابنا وأما من لم يؤمن منا فله أجر كأجوركم فما فضلكم علينا؟ ~~فأنزل الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم ~~كفلين من رحمته" فجعل لهم الأجرين إذا آمنوا برسوله محمد صلى الله عليه ~~وسلم وزادهم النور والمغفرة (2) ثم قال: {لئلا يعلم أهل الكتاب} {لئلا يعلم ~~أهل الكتاب} قال قتادة: حسد الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب المؤمنين منهم ~~فأنزل الله تعالى (3) "لئلا يعلم أهل الكتاب". # قال مجاهد: قالت اليهود يوشك أن يخرج [منا] (4) . نبي يقطع الأيدي ~~والأرجل، فلما خرج من العرب كفروا به، فأنزل الله تعالى (5) "لئلا يعلم أهل ~~الكتاب" أي ليعلم و"لا" صلة {ألا يقدرون على شيء من فضل الله} أي ليعلم ~~الذين لم يؤمنوا أنهم لا أجر لهم ولا نصيب لهم في PageV08P045 # فضل الله {وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} ~~أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن ~~يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث عن نافع، ~~عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أجلكم في أجل من ~~خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود ~~والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط؟ ~~فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال من يعمل لي من نصف ~~النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النصارى من نصف النهار إلى ~~صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب ~~الشمس على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب ~~الشمس ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملا ~~وأقل عطاء؟ قال الله تعالى: "هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ " قالوا: لا قال: ~~"فإنه فضلي أعطيه من شئت" (1) . # أخبرنا عبد ms2516 الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن ~~يزيد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل ~~المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا إلى الليل ~~على أجر معلوم فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي ~~شرطت لنا وما عملناه باطل، فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقي عملكم، وخذوا ~~أجركم كاملا فأبوا وتركوا واستأجر قوما آخرين بعدهم، فقال: أكملوا بقية ~~يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر ~~قالوا: ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال: أكملوا بقية ~~عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأبوا فاستأجر قوما أن يعملوا له بقية ~~يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس فاستكملوا أجر الفريقين كليهما ~~فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور" (2) PageV08P046 ### | سورة المجادلة # مدنية (1) # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع ~~تحاوركما إن الله سميع بصير (1) } # {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} الآية. نزلت في خولة بنت ثعلبة ~~كانت تحت أوس بن الصامت، وكانت حسنة الجسم وكان به لمم فأرادها فأبت، فقال ~~لها: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم على ما قال. وكان الظهار والإيلاء من طلاق ~~أهل الجاهلية. فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت علي. فقالت: والله ما ذاك ~~طلاق، وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وعائشة رضي الله عنها تغسل شق ~~رأسه -فقالت: يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غنية ~~ذات مال وأهل حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني، ~~وقد ندم، فهل من شيء يجمعني وإياه تنعشني به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك ms2517 الكتاب ما ذكر طلاقا ~~وإنه أبو ولدي وأحب الناس إلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت ~~عليه، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي قد طالت صحبتي ونفضت له بطني. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أراك إلا قد حرمت عليه، ولم أومر في ~~شأنك بشيء، فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا قال لها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة ~~حالي وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا، وجعلت ~~ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان ~~نبيك، وكان هذا أول ظهار في الإسلام. PageV08P047 # فقامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر. فقالت: انظر في أمري جعلني الله فداءك ~~يا نبي الله، فقالت عائشة: أقصري حديثك ومجادلتك أما ترين وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ -وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه أخذه ~~مثل السبات -فلما قضي الوحي قال لها: ادعي زوجك فدعته، فتلا عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "قد سمع الله قول التي تجادلك" الآيات (1) . # قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها إن المرأة لتحاور رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها ويخفى علي ~~بعضه إذ أنزل الله: "قد سمع الله" الآيات (2) . # ومعنى قوله: {قول التي تجادلك} تخاصمك وتحاورك وتراجعك في زوجها {وتشتكي ~~إلى الله والله يسمع تحاوركما} مراجعتكما الكلام {إن الله سميع بصير} سميع ~~لما تناجيه وتتضرع إليه، بصير بمن يشكو إليه، ثم ذم الظهار فقال: {الذين ~~يظاهرون منكم من نسائهم} ### || # {الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور (2) } # {الذين يظاهرون منكم من نسائهم} قرأ عاصم: "يظاهرون" فيها بضم الياء ~~وتخفيف الظاء وألف بعدها وكسر الهاء. وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر، وحمزة، ~~والكسائي: بفتح الياء والهاء، وتشديد ms2518 الظاء وألف بعده. اوقرأ الآخرون بفتح ~~الياء وتشديد الظاء والهاء من غير ألف. # {ما هن أمهاتهم} أي ما اللواتي يجعلونهن من زوجاتهم كالأمهات بأمهات. ~~وخفض التاء في "أمهاتهم" على خبر "ما" ومحله نصب كقوله: "ما هذا بشرا" ~~(يوسف -31) المعنى: ليس هن بأمهاتهم {إن أمهاتهم} أي ما أمهاتهم {إلا ~~اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول} لا يعرف في شرع {وزورا} كذبا ~~{وإن الله لعفو غفور} عفا عنهم وغفر لهم بإيجاب الكفارة عليهم. # وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، أو أنت مني أو ~~معي أو عندي كظهر أمي، وكذلك لو قال: أنت علي كبطن أمي أو كرأس أمي أو كيد ~~أمي أو قال بطنك أو رأسك أو يدك علي كظهر أمي أو شبه عضوا منها بعضو آخر من ~~أعضاء أمه فيكون ظهارا. PageV08P050 # وعند أبي حنيفة -رضي الله عنه -إن شبهها ببطن الأم أو فرجها أو فخذها ~~يكون ظهارا وإن شبهها بعضو آخر لا يكون ظهارا. ولو قال أنت علي كأمي أو ~~كروح أمي وأراد به الإعزاز والكرامة فلا يكون ظهارا حتى يريده، ولو شبهها ~~بجدته فقال: أنت علي كظهر جدتي يكون ظهارا وكذلك لو شبهها بامرأة محرمة ~~عليه بالقرابة بأن قال: أنت علي كظهر أختي أو عمتي أو خالتي أو شبهها ~~بامرأة محرمة عليه بالرضاع يكون ظهارا -على الأصح من الأقاويل -. ### || # {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3) } # {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة} ثم حكم ~~الظهار: أنه يحرم على الزوج وطؤها بعد الظهار ما لم يكفر، والكفارة تجب ~~بالعود بعد الظهار. لقوله تعالى: "ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة". # واختلف أهل العلم في "العود" فقال أهل الظاهر: هو إعادة لفظ الظهار، وهو ~~قول أبي العالية لقوله تعالى: "ثم يعودون لما قالوا" أي إلى ما قالوا [أي ~~أعادوه مرة أخرى] (1) . فإن لم يكرر اللفظ فلا كفارة عليه. # وذهب قوم ms2519 إلى أن الكفارة تجب بنفس الظهار، والمراد من "العود" هو: العود ~~إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من نفس الظهار، وهو قول مجاهد والثوري. # وقال قوم: المراد من "العود" الوطء 155/ب وهو قول الحسن وقتادة وطاووس ~~والزهري وقالوا: لا كفارة عليه ما لم يطأها. وقال قوم: هو العزم على الوطء، ~~وهو قول مالك وأصحاب الرأي. # وذهب الشافعي إلى أن العود هو أن يمسكها عقيب الظهار زمانا يمكنه أن ~~يفارقها فلم يفعل، فإن طلقها عقيب الظهار في الحال أو مات أحدهما في الوقت ~~فلا كفارة عليه لأن العود للقول هو المخالفة. وفسر ابن عباس "العود" ~~بالندم، فقال: يندمون فيرجعون إلى الألفة، ومعناه هذا. # قال الفراء (2) يقال: عاد فلان لما قال، أي فيما قال، وفي نقض ما قال ~~يعني: PageV08P051 # رجع عما قال. # وهذا يبين ما قال الشافعي وذلك أن قصده بالظهار التحريم، فإذا أمسكها على ~~النكاح فقد خالف قوله ورجع عما قاله فتلزمه الكفارة، حتى قال: لو ظاهر عن ~~امرأته الرجعية ينعقد ظهاره ولا كفارة عليه حتى يراجعها فإن راجعها صار ~~عائدا ولزمته الكفارة. # قوله: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} والمراد ب "التماس": المجامعة، فلا ~~يحل للمظاهر وطء امرأته التي ظاهر منها ما لم يكفر، سواء أراد التكفير ~~بالإعتاق أو بالصيام أو بالإطعام، وعند مالك إن أراد التكفير بالإطعام يجوز ~~له الوطء قبله، لأن الله تعالى قيد العتق والصوم بما قبل المسيس وقال في ~~الإطعام: "فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا" ولم يقل: من قبل أن يتماسا. ~~وعند الآخرين: الإطلاق في الإطعام محمول على المقيد في العتق والصيام. # واختلفوا في تحريم ما سوى الوطء من المباشرات قبل التكفير، كالقبلة ~~والتلذذ: فذهب أكثرهم إلى أنه لا يحرم سوى الوطء، وهو قول الحسن، وسفيان ~~الثوري وأظهر قولي الشافعي كما أن الحيض يحرم الوطء دون سائر الاستمتاعات. # وذهب بعضهم إلى أنه يحرم، لأن اسم "التماس" يتناول الكل، ولو جامع ~~المظاهر قبل التكفير يعصي الله تعالى، والكفارة في ذمته. ولا يجوز أن يعود ~~ما لم ms2520 يكفر، ولا يجب بالجماع كفارة أخرى. وقال بعض أهل العلم: إذا واقعها ~~قبل التكفير عليه كفارتان. # وكفارة الظهار مرتبة يجب عليه عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فعليه صيام ~~شهرين متتابعين، فإن أفطر يوما متعمدا أو نسي النية يجب عليه استئناف ~~الشهرين، فإن عجز عن الصوم يجب عليه أن يطعم ستين مسكينا. وقد ذكرنا في ~~سورة المائدة مقدار ما يطعم كل مسكين (1) . PageV08P052 # {ذلكم توعظون به} تؤمرون به {والله بما تعملون خبير} ### || # {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم ~~(4) } # {فمن لم يجد} يعني الرقبة {فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا} فإن ~~كانت له رقبة إلا أنه محتاج إلى خدمته، أو له ثمن رقبة لكنه محتاج إليه ~~لنفقته ونفقة عياله فله أن ينتقل إلى الصوم. وقال مالك والأوزاعي: يلزمه ~~الإعتاق إذا كان واجدا للرقبة أو ثمنها وإن كان محتاجا إليه. وقال أبو ~~حنيفة: إن كان واجدا لعين الرقبة يجب عليه إعتاقها وإن كان محتاجا إليها ~~فأما إذا كان واجدا لثمن الرقبة وهو محتاج إليه فله أن يصوم، فلو شرع ~~المظاهر في صوم شهرين ثم جامع في خلال الشهر بالليل يعصي الله تعالى بتقديم ~~الجماع على الكفارة، ولكن لا يجب عليه استئناف الشهرين، وعند أبي حنيفة يجب ~~عليه استئناف الشهرين. # قوله عز وجل: {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} يعني المظاهر إذا لم ~~يستطع الصوم لمرض أو كبر أو فرط شهوة ولا يصبر عن الجماع يجب عليه إطعام ~~ستين مسكينا. # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري حدثنا أحمد بن علي ~~الكشميهني حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة، ~~عن عطاء بن يسار أن خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت، فظاهر منها ~~وكان به لمم، فجاءت إلى رسول الله صلى ms2521 الله عليه وسلم فقالت: إن أوسا ظاهر ~~مني وذكرت أن به لمما فقالت: والذي بعثك بالحق ما جئتك إلا رحمة له إن له ~~في منافع، فأنزل القرآن فيهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مريه ~~فليعتق رقبة، قالت: والذي بعثك بالحق ما عنده رقبة ولا ثمنها قال: مريه ~~فليصم شهرين متتابعين، فقالت: والذي بعثك بالحق لو كلفته ثلاثة أيام ما ~~استطاع، قال: مريه فليطعم ستين مسكينا قالت: والذي بعثك بالحق ما يقدر ~~عليه، قال: مريه فليذهب إلى فلان ابن فلان فقد أخبرني أن عنده شطر تمر ~~صدقة، فليأخذه صدقة عليه ثم ليتصدق به على ستين مسكينا" (1) . # وروى سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر قال: كنت امرأ أصيب من النساء ما لم ~~يصب غيري فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا فظاهرت منها حتى ~~ينسلخ شهر رمضان، فبينما هي تحدثني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فلم ألبث ~~أن وقعت عليها فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: أنت ~~بذاك، فقلت: أنا بذاك -قاله ثلاثا -قلت: أنا بذاك وها أنا ذا فأمض في حكم ~~الله، فإني صابر لذلك، قال: فأعتق رقبة. فضربت صفحة عنقي بيدي فقلت: ~~PageV08P053 # لا والذي بعثك بالحق ما أملك غيرها قال: فصم شهرين متتابعين، فقلت: يا ~~رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا من الصيام؟ قال: فأطعم ستين مسكينا ~~قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه [وحشين] (1) ما لنا عشاء، قال: ~~اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقا ~~ستين مسكينا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك. قال: فرجعت إلى قومي فقلت: ~~وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة ~~والبركة، أمر لي بصدقتكم فادفعوها إلي قال: فدفعوها إليه (2) . # {ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله} لتصدقوا ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~من الله عز وجل، {وتلك حدود الله} يعني ما وصف من الكفارات في الظهار ms2522 ~~{وللكافرين عذاب أليم} قال ابن عباس: لمن جحده وكذب به. ### || # {إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا ~~آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما ~~عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد (6) } # {إن الذين يحادون الله ورسوله} أي يعادون الله ورسوله ويشاقون ويخالفون ~~أمرهما {كبتوا} أذلوا وأخزوا وأهلكوا {كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا ~~آيات بينات وللكافرين عذاب مهين} {يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا ~~أحصاه الله} حفظ الله أعمالهم {ونسوه والله على كل شيء شهيد} PageV08P054 ### || # {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو ~~معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ~~(7) ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون ~~بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ~~ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس ~~المصير (8) } # {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون} 156/أقرأ أبو ~~جعفر بالتاء، لتأنيث النجوى، وقرأ الآخرون بالياء لأجل الحائل (1) {من نجوى ~~ثلاثة} أي من سرار ثلاثة، يعني من المسارة، أي: ما من شيء يناجي به الرجل ~~صاحبيه {إلا هو رابعهم} بالعلم. PageV08P054 # وقيل: معناه ما يكون من متناجين ثلاثة يسار، بعضهم بعضا إلا هو رابعهم ~~بالعلم، يعلم نجواهم {ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا ~~هو معهم أين ما كانوا} قرأ يعقوب: "أكثر" بالرفع على محل الكلام قبل دخول ~~"من" {ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم} {ألم تر إلى ~~الذين نهوا عن النجوى} نزلت في اليهود والمنافقين وذلك أنهم كانوا يتناجون ~~فيما بينهم دون المؤمنين وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم، يوهمون ~~المؤمنين ms2523 أنهم يتناجون فيما يسوءهم، فيحزنون لذلك ويقولون ما نراهم إلا وقد ~~بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو هزيمة، فيقع ذلك في ~~قلوبهم ويحزنهم، فلما طال ذلك عليهم وكثر شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى ~~مناجاتهم فأنزل الله (1) "ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى" أي المناجاة ~~{ثم يعودون لما نهوا عنه} أي يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها ~~{ويتناجون} قرأ الأعمش وحمزة: و"وينتنجون" على وزن يفتعلون، وقرأ الآخرون ~~"يتناجون" لقوله: "إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول" ~~وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد نهاهم عن النجوى فعصوه {وإذا ~~جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله} وذلك أن اليهود كانوا يدخلون على النبي ~~صلى الله عليه وسلم {ويقولون} السام عليك. " والسام ": الموت، وهم يوهمونه ~~أنهم يقولون: السلام عليك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم فيقول: ~~عليكم، فإذا خرجوا قالوا: {في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} يريدون: ~~لو كان نبيا حقا لعذبنا الله بما نقول، قال الله عز وجل: {حسبهم جهنم ~~يصلونها فبئس المصير} PageV08P055 # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد الوهاب، ~~حدثنا أبو أيوب عن ابن أبي مليكة، عن عائشة: "أن اليهود أتوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقالوا: السام عليك قال: وعليكم، فقالت عائشة: السام عليكم ~~ولعنكم الله وغضب عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلا يا عائشة ~~عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش، قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: أولم ~~تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في" (1) . ### || # {يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) إنما ~~النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله ms2524 وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون (10) } # ثم إن الله تعالى: نهى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين ~~واليهود فقال: {يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم ~~والعدوان ومعصية الرسول} أي كفعل المنافقين واليهود وقال مقاتل أراد بقوله: ~~"آمنوا" المنافقين أي آمنوا بلسانهم. قال عطاء: يريد الذين آمنوا بزعمهم ~~قال لهم: لا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول {وتناجوا بالبر والتقوى ~~واتقوا الله الذي إليه تحشرون} {إنما النجوى من الشيطان} أي من تزيين ~~الشيطان {ليحزن الذين آمنوا} أي إنما يزين لهم ذلك ليحزن المؤمنين {وليس} ~~التناجي {بضارهم شيئا} وقيل: ليس الشيطان بضارهم شيئا {إلا بإذن الله وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون} # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري أخبرنا جدي أبو سهل عبد الصمد ~~بن عبد الرحمن البزار أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري أخبرنا إسحاق ~~بن إبراهيم الدبري حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن ~~عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV08P056 # "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه" ~~(1) . ### || # {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله ~~لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات والله بما تعملون خبير (11) } # قوله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ~~فافسحوا} الآية قال مقاتل بن حيان: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم أهل ~~بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس منهم يوما وقد سبقوا إلى المجلس ~~فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم وسلموا عليه فرد عليهم، ثم سلموا على ~~القوم فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فلم يفسحوا لهم ~~فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لمن حوله: قم يا فلان وأنت يا ~~فلان، فأقام من المجلس بقدر النفر الذين قاموا بين يديه من أهل بدر، فشق ~~ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف النبي صلى الله عليه ms2525 وسلم الكراهية في ~~وجوههم فأنزل الله هذه الآية (2) . # وقال الكلبي: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وقد ذكرنا في سورة الحجرات ~~قصته (3) . وقال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلا ضنوا بمجلسهم فأمرهم الله أن يفسح بعضهم ~~لبعض (4) . # وقيل: كان ذلك يوم الجمعة، فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~قيل لكم تفسحوا} # {يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا} أي توسعوا في المجلس، قرأ ~~الحسن وعاصم: "في المجالس" لأن الكل جالس مجلسا معناه: ليتفسح كل رجل في ~~مجلسه. وقرأ الآخرون: "في المجلس" على التوحيد لأن المراد منه مجلس النبي ~~صلى الله عليه وسلم {فافسحوا} أوسعوا، يقال: فسح يفسح فسحا: إذا وسع في ~~المجلس {يفسح الله لكم} يوسع الله لكم الجنة والمجالس فيها. PageV08P057 # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي أخبرنا سفيان بن ~~عيينة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم ~~يخلفه فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا" (1) . # أخبرنا عبد الوهاب بن الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا ~~أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد المجيد عن ابن ~~جريج قال: قال سليمان بن موسى عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة 156/ب ولكن ليقل افسحوا" (2) # وقال أبو العالية، والقرظي والحسن: هذا في مجالس الحرب ومقاعد القتال، ~~كان الرجل يأتي القوم في الصف فيقول توسعوا فيأبون عليه لحرصهم على القتال ~~ورغبتهم في الشهادة (3) {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} قرأ أهل المدينة والشام ~~وعاصم بضم الشين وقرأ الآخرون بكسرهما وهما لغتان أي ارتفعوا قيل: ارتفعوا ~~عن مواضعكم حتى توسعوا لإخوانكم. وقال عكرمة والضحاك: كان رجال يتثاقلون عن ~~الصلاة إذا نودي لها فأنزل ms2526 الله تعالى هذه الآية معناه: إذا نودي للصلاة ~~فانهضوا لها (4) # وقال مجاهد وأكثر المفسرين: معناه: إذا قيل لكم انهضوا إلى الصلاة وإلى ~~الجهاد وإلى مجالس كل خير وحق فقوموا لها ولا تقصروا (5) . # {يرفع الله الذين آمنوا منكم} بطاعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم وقيامهم ~~من مجالسهم وتوسعتهم لإخوانهم {والذين أوتوا العلم} من المؤمنين بفضل علمهم ~~وسابقتهم "درجات" فأخبر الله عز وجل أن رسوله صلى الله عليه وسلم مصيب فيما ~~أمر وأن أولئك المؤمنين مثابون فيما ائتمروا وأن النفر من أهل بدر مستحقون ~~لما عوملوا من الإكرام. # {والله بما تعملون خبير} قال الحسن: قرأ ابن مسعود هذه الآية وقال: أيها ~~الناس افهموا هذه الآية ولنرغبنكم في العلم، فإن الله تعالى يقول: "يرفع ~~الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم PageV08P058 # درجات" المؤمن العالم فوق الذي لا يعلم درجات. # [أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي حدثنا الإمام أبو الطيب ~~سهل بن محمد ابن سليمان] (1) حدثنا أبو علي حامد بن محمد بن عبد الله ~~الهروي أخبرنا محمد بن يونس القرشي أخبرنا عبيد الله بن داود، حدثنا عاصم ~~بن رجاء بن حيوة، حدثني داود بن جميل عن كثير بن قيس قال: كنت جالسا مع أبي ~~الدرداء في مسجد دمشق فجاء رجل فقال: يا أبا الدرداء إني جئتك من مدينة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: ما كانت لك حاجة غيره؟ قال: لا قال: ولا جئت لتجارة؟ قال: ~~لا قال: ولا جئت إلا رغبة فيه؟ قال: نعم قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق ~~الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم، وإن السموات والأرض ~~والحوت في الماء لتدعو له، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة ~~البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ~~دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه ms2527 فقد أخذ بحظ وافر" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو علي الحسين بن أحمد بن إبراهيم ~~السراج، أخبرنا الحسن ابن يعقوب العدل، حدثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء، ~~حدثنا جعفر بن عون أخبرنا عبد الرحمن بن زياد عن عبد الرحمن بن رافع، عن ~~عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين في مسجده أحد ~~المجلسين يدعون الله ويرغبون إليه، والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه، قال: ~~"كلا المجلسين على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون الله ~~ويرغبون إليه وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه ويعلمون الجاهل، فهؤلاء أفضل وإنما ~~بعثت معلما ثم جلس فيهم" (3) . PageV08P059 ### || # {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك ~~خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم (12) } # قوله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة} أمام مناجاتكم، قال ابن عباس: وذلك أن الناس سألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأكثروا حتى شقوا عليه فأراد الله أن يخفف على نبيه ~~ويثبطهم ويردعهم عن ذلك فأمرهم أن يقدموا صدقة على المناجاة مع الرسول صلى ~~الله عليه وسلم (1) . # وقال مقاتل بن حيان: نزلت في الأغنياء، وذلك أنهم كانوا يأتون النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره ~~النبي صلى الله عليه وسلم طول جلوسهم ومناجاتهم، فلما رأوا ذلك انتهوا عن ~~مناجاته، فأما أهل العسرة فلم يجدوا شيئا وأما أهل الميسرة فضنوا واشتد ذلك ~~على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الرخصة (2) . # قال مجاهد: نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه إلا علي رضي الله عنه ~~تصدق بدينار وناجاه ثم نزلت الرخصة فكان علي رضي الله عنه يقول: آية في ~~كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي وهي آية المناجاة ~~(3) # وروي عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية دعاني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: أما ترى دينارا؟ ms2528 قلت: لا يطيقونه قال: فكم؟ قلت: حبة ~~أو شعيرة، قال: إنك لزهيد، فنزلت: "أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقات" قال علي رضي الله تعالى عنه: فبي قد خفف الله عن هذه الأمة (4) . # {ذلك خير لكم} يعني: تقديم الصدقة على المناجاة {وأطهر فإن لم تجدوا فإن ~~الله غفور رحيم} يعني الفقراء الذين لا يجدون ما يتصدقون به معفو عنهم. ~~PageV08P060 ### || # {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ~~فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون ~~(13) ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ~~ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما ~~كانوا يعملون (15) } # {أأشفقتم أن تقدموا} قال ابن عباس: أبخلتم؟ والمعنى: أخفتم العيلة ~~والفاقة إن قدمتم {بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا} ما أمرتم به {وتاب ~~الله عليكم} تجاوز عنكم ولم يعاقبكم بترك الصدقة، وقيل "الواو" صلة مجازه: ~~فإن لم تفعلوا تاب الله عليكم ونسخ الصدقة [قال مقاتل بن حيان: كان ذلك عشر ~~ليال ثم نسخ] (1) وقال الكلبي: ما كانت إلا ساعة من نهار. # {فأقيموا الصلاة} المفروضة {وآتوا الزكاة} الواجبة {وأطيعوا الله ورسوله ~~والله خبير بما تعملون} {ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم} نزلت ~~في المنافقين تولوا اليهود وناصحوهم ونقلوا أسرار المؤمنين إليهم (2) . ~~وأراد بقوله: "غضب الله عليهم" اليهود {ما هم منكم ولا منهم} يعني ~~المنافقين ليسوا من المؤمنين في الدين والولاء، ولا من اليهود والكافرين، ~~كما قال: "مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء" (النساء -143) ~~{ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} قال السدي ومقاتل: نزلت في عبد الله بن ~~نبتل المنافق كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى ~~اليهود، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجره إذ قال: يدخل ~~عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان، فدخل عبد الله بن نبتل ~~وكان أزرق العينين ms2529 فقال النبي صلى الله عليه وسلم "علام تشتمني أنت ~~وأصحابك"؟ فحلف بالله ما فعل وجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فأنزل الله ~~عز وجل هذه الآيات، فقال: "ويحلفون على الكذب وهم يعلمون" 157/أأنهم كذبة ~~(3) . # {أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون} ### || # {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين (16) لن تغني ~~عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~(17) يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على ~~شيء ألا إنهم هم الكاذبون (18) استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ~~أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (19) إن الذين يحادون ~~الله ورسوله أولئك في الأذلين (20) كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز (21) } # {اتخذوا أيمانهم} الكاذبة {جنة} يستجنون بها من القتل ويدفعون بها عن ~~أنفسهم وأموالهم {فصدوا عن سبيل الله} صدوا المؤمنين PageV08P061 # عن جهادهم بالقتل وأخذ أموالهم {فلهم عذاب مهين} {لن تغني عنهم} يوم ~~القيامة {أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون} {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له} كاذبين ما كانوا مشركين {كما ~~يحلفون لكم} في الدنيا {ويحسبون أنهم على شيء} من أيمانهم الكاذبة {ألا ~~إنهم هم الكاذبون} {استحوذ} غلب واستولى {عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ~~أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون إن الذين يحادون الله ~~ورسوله أولئك في الأذلين} الأسفلين. أي: هم في جملة من يلحقهم الذل في ~~الدنيا والآخرة. {كتب الله} قضى الله قضاء ثابتا {لأغلبن أنا ورسلي إن الله ~~قوي عزيز} [نظيره] (1) قوله: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم ~~المنصورون" (الصافات 71-72) قال الزجاج: غلبة الرسل على نوعين: من بعث منهم ~~بالحرب فهو غالب بالحرب، ومن لم يؤمر بالحرب فهو غالب بالحجة. PageV08P062 ### || # {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات ms2530 تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (22) ~~} # قوله عز وجل {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} الآية. أخبر أن ~~إيمان المؤمنين يفسد بموادة الكافرين وأن من كان مؤمنا لا يوالي من كفر، ~~وإن كان من عشيرته. # قيل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة وسيأتي في سورة ~~الممتحنة (1) إن شاء الله عز وجل. PageV08P062 # وروى مقاتل بن حيان عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية ~~قال: "ولو كانوا آباءهم" يعني: أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن ~~الجراح يوم أحد "أو أبناءهم" يعني أبا بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز ~~وقال: يا رسول الله دعني أكن في الرحلة الأولى، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: متعنا بنفسك يا أبا بكر "أو إخوانهم" يعني: مصعب بن عمير قتل ~~أخاه عبيد بن عمير يوم أحد "أو عشيرتهم" يعني عمر قتل خاله العاص بن هشام ~~بن المغيرة يوم بدر، وعليا وحمزة وعبيدة قتلوا يوم بدرعتبة وشيبة ابني ~~ربيعة والوليد بن عتبة (1) # {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} أثبت التصديق في قلوبهم فهي موقنة مخلصة، ~~وقيل: حكم لهم بالإيمان فذكر القلوب لأنها موضعه {وأيدهم بروح منه} قواهم ~~بنصر منه. قال الحسن: سمى نصره إياهم روحا لأن أمرهم يحيا به. وقال السدي: ~~يعني بالإيمان. وقال الربيع: يعني بالقرآن وحجته، كما قال: "وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا" (الشورى -52) وقيل برحمة منه. وقيل أمدهم بجبريل عليه ~~السلام. {ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} PageV08P063 ### | سورة الحشر # مدنية (1) # قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل: سورة النضير (2) ~~بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ms2531 وهو العزيز الحكيم (1) } # {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم} قال المفسرون: ~~نزلت هذه السورة في بني النضير (3) وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل ~~المدينة فصالحته بنو النضير على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه فقبل ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بدرا وظهر على المشركين قالت بنو النضير: والله إنه النبي الذي وجدنا نعته ~~في التوراة لا ترد له راية، فلما غزا أحدا وهزم المسلمون ارتابوا وأظهروا ~~العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ونقضوا العهد الذي كان ~~بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركب كعب بن الأشرف في أربعين ~~راكبا من اليهود إلى مكة فأتوا قريشا فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم ~~واحدة على محمد صلى الله عليه وسلم ودخل أبو سفيان في أربعين وكعب في ~~أربعين من اليهود المسجد الحرام، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار ~~والكعبة، ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة، ونزل جبريل فأخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة -ذكرناه في سورة آل عمران (4) . # وكان النبي صلى الله عليه وسلم اطلع منهم على خيانة حين أتاهم في دية ~~المسلمين اللذين قتلهما PageV08P064 # عمرو بن أمية الضمري في منصرفه من بئر معونة، فهموا بطرح حجر عليه من فوق ~~الحصن فعصمه الله وأخبره بذلك -ذكرناه في سورة المائدة (1) . # فلما قتل كعب بن الأشرف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس ~~بالمسير إلى بني النضير وكانوا بقرية يقال لها زهرة فلما سار إليهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم وجدهم ينوحون على كعب بن الأشرف فقالوا: يا محمد واعية ~~على إثر واعية وباكية على إثر باكية؟ قال: نعم قالوا: ذرنا نبكي شجونا ثم ~~ائتمر أمرك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اخرجوا من المدينة فقالوا: ~~الموت أقرب إلينا ms2532 من ذلك فتنادوا بالحرب وآذنوا بالقتال ودس المنافقون -عبد ~~الله بن أبي وأصحابه -إليهم: أن لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم ~~ولا نخذلكم ولننصرنكم ولئن أخرجتم لنخرجن معكم. فدربوا على الأزقة وحصنوها ~~ثم إنهم أجمعوا على الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا إليه: أن ~~اخرج في ثلاثين رجلا من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حتى نلتقي بمكان بيننا ~~وبينك فيستمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا فخرج النبي صلى الله ~~عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه وخرج إليه ثلاثون حبرا من اليهود حتى إذا ~~كانوا في براز من الأرض قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون ~~رجلا من أصحابه كلهم يحب أن يموت قبله؟ فأرسلوا إليه: كيف نفهم ونحن ستون ~~رجلا؟ اخرج في ثلاثة من أصحابك ونخرج إليك في ثلاثة من علمائنا فيستمعوا ~~منك فإن آمنوا بك آمنا كلنا بك وصدقناك فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ~~ثلاثة من أصحابه وخرج ثلاثة من اليهود واشتملوا 157/ب على الخناجر وأرادوا ~~الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى ~~أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أخوها سريعا حتى أدرك النبي صلى الله عليه ~~وسلم فساره بخبرهم قبل أن يصل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فرجع النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة فقذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من ~~نصر المنافقين فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح فأبى عليهم إلا ~~أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم فقبلوا ~~ذلك، فصالحهم على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ~~وهي السلاح، وعلى أن يخلوا لهم ديارهم وعقارهم وسائر أموالهم (2) . # وقال ابن عباس: على أن يحمل كل أهل ثلاثة أبيات ms2533 على بعير ما شاءوا من ~~متاعهم، ولنبي الله صلى الله عليه وسلم ما بقي. PageV08P068 # وقال الضحاك: أعطي كل ثلاثة نفر بعيرا وسقاة ففعلوا ذلك وخرجوا من ~~المدينة إلى الشام إلى أذرعات وأريحاء إلا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق ~~وآل حيي بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة منهم بالحيرة (1) فذلك ~~قوله عز وجل: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب} ### || # {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم ~~أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار (2) } # {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب} يعني بني النضير {من ديارهم} ~~التي كانت بيثرب، قال ابن إسحاق: كان إجلاء بني النضير بعد مرجع النبي صلى ~~الله عليه وسلم من أحد وفتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان. ~~{لأول الحشر} قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى، وكان الله ~~عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا (2) . # قال ابن عباس: من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية فكان هذا أول حشر ~~إلى الشام قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: اخرجوا قالوا إلى أين قال: ~~إلى أرض المحشر، ثم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام (3) . # وقال الكلبي: إنما قال: "لأول الحشر" لأنهم كانوا أول من أجلي من أهل ~~الكتاب من جزيرة العرب، ثم أجلى آخرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # قال مرة الهمداني: كان أول الحشر من المدينة، والحشر الثاني من خيبر ~~وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحاء من الشام في أيام عمر. # وقال قتادة: كان هذا أول الحشر، والحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى ~~المغرب تبيت PageV08P069 # معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا (1) . # {ما ظننتم} أيها المؤمنون {أن يخرجوا} المدينة لعزتهم ومنعتهم، وذلك أنهم ~~كانوا أهل حصون وعقار ونخيل كثيرة. {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من ms2534 الله} ~~أي: وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من سلطان الله {فأتاهم الله} أي أمر ~~الله وعذابه {من حيث لم يحتسبوا} أنه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقتالهم ~~وإجلائهم وكانوا لا يظنون ذلك {وقذف في قلوبهم الرعب} بقتل سيدهم كعب بن ~~الأشرف. {يخربون} قرأ أبو عمرو: بالتشديد والآخرون بالتخفيف ومعناهما واحد ~~{بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} قال الزهري: وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما صالحهم على أن لهم ما أقلت الإبل كانوا ينظرون إلى الخشب في ~~منازلهم فيهدمونها وينزعون منها ما يستحسنونه فيحملونه على إبلهم، ويخرب ~~المؤمنون باقيها (2) قال ابن زيد: كانوا يقلعون العمد وينقضون السقوف ~~وينقبون الجدران ويقلعون الخشب حتى الأوتاد يخربونها لئلا يسكنها المؤمنون ~~حسدا منهم وبغضا (3) . قال قتادة: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها ~~ويخربها اليهود من داخلها (4) . # قال ابن عباس رضي الله عنهما: كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ~~لتتسع لهم المقاتل، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم في أدبارها فيخرجون إلى ~~التي بعدها فيتحصنون فيها ويكسرون ما يليهم، ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك قوله عز وجل: {يخربون بيوتهم بأيديهم ~~وأيدي المؤمنين فاعتبروا} فاتعظوا وانظروا فيما نزل بهم {يا أولي الأبصار} ~~يا ذوي العقول والبصائر. ### || # {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب ~~النار (3) } # {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء} الخروج من الوطن {لعذبهم في الدنيا} ~~بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة {ولهم في الآخرة عذاب النار} PageV08P070 ### || # {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب (4) ما ~~قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ~~(5) } # {ذلك} الذي لحقهم {بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد ~~العقاب} # PageV08P070 # {ما قطعتم من لينة} الآية. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل ~~ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها فجزع أعداء الله عند ~~ذلك وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد ms2535 الصلاح! أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع ~~النخيل؟ فهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فوجد المسلمون ~~في أنفسهم [من قولهم وخشوا] (1) أن يكون ذلك فسادا واختلفوا في ذلك فقال ~~بعضهم: لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا. وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعها ~~فأنزل الله هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا الليث عن نافع عن ابن ~~عمر قال: حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع البويرة ~~فنزلت (2) {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} # {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} أخبر الله ~~في هذه الآية أن ما قطعوه وما تركوه فبإذن الله {وليخزي الفاسقين} # واختلفوا في "اللينة" فقال قوم: النخل كلها لينة ما خلا العجوة [وهو قول ~~عكرمة وقتادة (3) ورواه زاذان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقطع نخلهم إلا العجوة] (4) وأهل المدينة يسمون ما خلا ~~العجوة من التمرة: الألوان واحدها لون ولينة. وقال الزهري: هي ألوان النخل ~~كلها إلا العجوة والبرنية. PageV08P071 # وقال مجاهد وعطية: هي النخل كلها من غير استثناء. وقال العوفي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهم: هي لون من النخل. وقال سفيان: هي كرام النخل. # وقال مقاتل هي ضرب من النخل 158/أيقال لثمرها اللون وهو شديد الصفرة يرى ~~نواه من خارج يغيب فيها الضرس وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهم وكانت ~~النخلة الواحدة منها ثمنها ثمن وصيف وأحب إليهم من وصيف فلما رأوهم ~~يقطعونها شق ذلك عليهم وقالوا للمؤمنين إنكم تكرهون الفساد في الأرض وأنتم ~~تفسدون دعوا هذا النخل [قائما هو لمن غلب عليها] (1) فأخبر الله تعالى أن ~~ذلك بإذنه. ### || # {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن ~~الله يسلط رسله على ms2536 من يشاء والله على كل شيء قدير (6) ما أفاء الله على ~~رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (7) } # {وما أفاء الله على رسوله} أي رده على رسوله. يقال: أفاء يفيء أي رجع، ~~وأفاء الله {منهم} أي من يهود بني النضير {فما أوجفتم} أوضعتم {عليه من خيل ~~ولا ركاب} يقال: وجف الفرس والبعير يجف وجيفا وهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه ~~إذا حمله على السير، وأراد بالركاب الإبل التي تحمل القوم. وذلك أن بني ~~النضير لما تركوا رباعهم وضياعهم طلب المسلمون من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يقسمها بينهم، كما فعل بغنائم خيبر، فبين الله تعالى في هذه الآية ~~أنها فيء لم يوجف المسلمون عليها خيلا ولا ركابا ولم يقطعوا إليها شقة ولا ~~نالوا مشقة ولم يلقوا حربا، {ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل ~~شيء قدير} فجعل أموال بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة يضعها ~~حيث يشاء، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ولم يعط ~~الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم أبو دجانة سماك بن ~~خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث ابن الصمة (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد ابن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن ~~الزهري، أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان النضري، أن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه دعاه إذ جاءه حاجبه يرفأ فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير ~~وسعد يستأذنون؟ قال: نعم فأدخلهم، فلبث يرفأ قليلا ثم جاء فقال: هل لك في ~~عباس وعلي يستأذنان؟ قال: نعم فلما دخلا قال عباس: يا أمير المؤمنين اقض ~~بيني وبين هذا -وهما يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله من بني النضير ~~-فقال الرهط: يا أمير المؤمنين ms2537 اقض بينهما وأرح PageV08P072 # أحدهما من الآخر، قال: اتئدوا أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء ~~والأرض هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا ~~صدقة يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك، فأقبل ~~عمر على علي وعباس، فقال أنشدكما بالله هل تعلمان أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال ذلك؟ قالا نعم قال: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله كان ~~خص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، فقال: ~~"وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب" إلى قوله: ~~"قدير" وكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما احتازها دونكم ~~ولا استأثرها عليكم لقد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم ~~يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حياته، ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقبضها أبو بكر رضي الله تعالى عنه فعمل بها بما عمل به ~~فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم حينئذ جميع وأقبل على علي وعباس: ~~تذكران أن أبا بكر فعل فيه كما تقولان والله يعلم إنه فيها صادق بار راشد ~~تابع للحق، ثم توفى الله، أبا بكر، فقلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأبو بكر والله يعلم إني فيه صادق بار راشد تابع للحق، ثم ~~جئتماني كلاكما وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع فقلت لكما: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة، فلما بدا لي أن أدفعه إليكما ~~قلت: إن شئتما دفعته إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه ms2538 لتعملان فيها ~~بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وبما عملت به فيها منذ ~~وليتها وإلا فلا تكلماني فيها فقلتما: ادفعها إلينا بذلك فدفعتها إليكما ~~أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟ فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي ~~فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي فإني ~~أكفيكما (1) . قوله عز وجل {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} يعني من ~~أموال كفار أهل القرى، قال ابن عباس: هي قريظة والنضير وفدك وخيبر وقرى ~~عرينة {فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} قد ذكرنا ~~في سورة الأنفال حكم الغنيمة وحكم الفيء. إن مال الفيء كان لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في حياته يضعه حيث يشاء وكان ينفق منه على أهله نفقة سنتهم ~~ويجعل ما بقي مجعل مال الله (2) . # واختلف أهل العلم في مصرف الفيء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~قوم هو للأئمة بعده. PageV08P073 # وللشافعي فيه قولان: أحدهما -هو للمقاتلة، والثاني: لمصالح المسلمين، ~~ويبدأ بالمقاتلة ثم بالأهم فالأهم من المصالح. # واختلفوا في تخميس مال الفيء: فذهب بعضهم إلى أنه يخمس، فخمسه لأهل ~~الغنيمة، وأربعة أخماسه للمقاتلة وللمصالح، وذهب الأكثرون إلى أنه لا يخمس ~~بل مصرف جميعه واحد، ولجميع المسلمين فيه حق، قرأ عمر بن الخطاب: "ما أفاء ~~الله على رسوله من أهل القرى" حتى بلغ: "للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم وأموالهم. والذين جاءوا من بعدهم" ثم قال: هذه استوعبت المسلمين ~~عامة، وقال: ما على وجه الأرض مسلم إلا له في هذا الفيء حق إلا ما ملكت ~~أيمانكم (1) . # {كي لا يكون دولة} قرأ العامة بالياء، "دولة" نصب أي لكيلا يكون الفيء ~~دولة، وقرأ أبو جعفر: "تكون" بالتاء "دولة" بالرفع على اسم كان، أي: كيلا ~~يكون الأمر إلى دولة، وجعل الكينونة بمعنى الوقوع وحينئذ لا خبر له. ~~"والدولة" اسم للشيء الذي يتداوله القوم بينهم {بين الأغنياء منكم} يعني ~~بين الرؤساء والأقوياء، فيغلبوا عليه الفقراء والضعفاء، وذلك أن أهل ~~الجاهلية ms2539 كانوا إذا اغتنموا غنيمة أخذ الرئيس ربعها لنفسه، وهو المرباع، ثم ~~يصطفي منها بعد المرباع ما شاء، فجعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~يقسمه فيما أمر به، ثم قال: {وما آتاكم} أعطاكم {آتاكم} [من الفيء ~~والغنيمة] (2) {فخذوه وما نهاكم عنه} الغلول وغيره {فانتهوا} وهذا نازل في ~~158/ب أموال الفيء، وهو عام في كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ونهى ~~عنه. PageV08P074 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، عن محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن ~~منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات ~~والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. فبلغ ذلك امرأة من بني أسد ~~يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه قد بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: ~~وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله ~~تعالى؟ فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول: قال: لئن كنت ~~قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا" (الحشر -7) ؟ قالت: بلى قال: فإنه قد نهى عنه (1) {واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب} ثم بين من له الحق في الفيء فقال: {للفقراء المهاجرين ~~الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا} ### || # {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (8) } # {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا} رزقا ~~{من الله ورضوانا} أي أخرجوا إلى دار الهجرة طلبا لرضا الله عز وجل ~~{وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} في إيمانهم. قال قتادة: هؤلاء ~~المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والعشائر وخرجوا حبا لله ولرسوله، ~~واختاروا الإسلام على ما كانوا فيه من شدة، حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب ~~الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ~~ما له دثار غيرها (2) # أخبرنا محمد ms2540 بن الحسن المروزي، أخبرنا أبو العباس الطحان، أخبرنا أبو ~~أحمد بن محمد بن قريش (3) بن سليمان، أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي، ~~أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام، حدثني عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي ~~إسحاق عن أمية بن خالد بن عبد الله بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أنه كان يستفتح بصعاليك المهاجرين. قال أبو عبيد: هكذا قال عبد الرحمن وهو ~~عندي أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد (4) . PageV08P075 # وروينا عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبشروا يا ~~معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء ~~الناس بنصف يوم، وذلك مقدار خمسمائة سنة" (1) . ### || # {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون ~~في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون (9) } # {والذين تبوءوا الدار والإيمان} الأنصار تبوؤا الدار توطنوا الدار، أي: ~~المدينة اتخذوها دار الهجرة والإيمان {من قبلهم} أي أسلموا في ديارهم ~~وآثروا الإيمان وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين. # ونظم الآية: والذين تبوؤا الدار من قبلهم أي من قبل قدوم المهاجرين ~~عليهم، وقد آمنوا لأن الإيمان ليس بمكان تبوء. # {يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة} حزازة وغيظا وحسدا {مما ~~أوتوا} أي مما أعطى المهاجرين دونهم من الفيء، وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط منها الأنصار فطابت ~~أنفس الأنصار بذلك {ويؤثرون على أنفسهم} أي يؤثرون على إخوانهم من ~~المهاجرين بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم {ولو كان بهم خصاصة} فاقة وحاجة ~~إلى ما يؤثرون، وذلك أنهم قاسموهم ديارهم وأموالهم: # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا عبد الله بن داود ~~عن فضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي ms2541 صلى الله ~~عليه وسلم فاستضافه فبعث إلى نسائه هل عندكن من شيء؟ فقلن ما معناه: إلا ~~الماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يضم أو يضيف هذا؟ فقال رجل من ~~الأنصار: أنا يا رسول الله فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبيان PageV08P076 # فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونومي صبيانك، إذا أرداوا عشاء، فهيأت ~~طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، ~~فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما فأنزل الله عز ~~وجل: "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، ~~حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا ~~وبين إخواننا النخيل، قال: لا فقالوا: تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة، ~~قالوا: سمعنا وأطعنا (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان ~~عن يحيى بن سعيد سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد قال: دعا النبي ~~صلى الله عليه وسلم الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين، فقالوا: لا إلا أن ~~تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها قال: ألا فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، ~~فإنه سيصيبكم أثرة بعدي" (3) . # وروي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النضير ~~للأنصار: "إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في هذه ~~الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة" ~~فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا ~~نشاركهم فيها فأنزل الله عز وجل: "ويؤثرون على أنفسهم ms2542 ولو كان بهم خصاصة ~~ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" (4) . PageV08P077 # "والشح" في كلام العرب: البخل ومنع الفضل، وفرق العلماء بين الشح والبخل. ~~روي أن رجلا قال لعبد الله بن مسعود: إني أخاف أن أكون قد هلكت، فقال: وما ~~ذاك؟ قال: أسمع الله يقول: "ومن يوق نفسه فأولئك هم المفلحون" وأنا رجل ~~شحيح، لا يكاد يخرج من يدي شيء، فقال عبد الله: ليس ذاك بالشح الذي ذكر ~~الله عز وجل في القرآن، ولكن الشح أن تأكل مال أخيك ظلما ولكن ذاك ~~159/أالبخل، وبئس الشيء البخل (1) . # وقال ابن عمر: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله، إنما الشح أن تطمح عين الرجل ~~إلى ما ليس له (2) وقال سعيد بن جبير: "الشح" هو أخذ الحرام ومنع الزكاة ~~(3) وقيل: الشح هو الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم. # قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئا نهاه الله عنه، ولم يدعه الشح إلى أن يمنع ~~شيئا من شيء أمره الله به فقد وقاه شح نفسه (4) # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو سعد خلف بن عبد ~~الرحمن بن محمد بن أبي نزار، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن حزاز ~~القهندري، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إسحاق السعدي، حدثنا أحمد بن منصور ~~الرمادي، حدثنا القعنبي، حدثنا داود بن قيس الفراء عن عبيد الله بن مقسم عن ~~جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا الظلم فإن ~~الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم ~~على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم" (5) # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، ~~حدثنا أبو العباس PageV08P078 # الأصم، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا أبي وشعيب قالا ~~أخبرنا الليث عن يزيد ابن الهاد عن سهيل بن أبي صالح عن صفوان بن أبي يزيد ~~عن القعقاع هو ابن اللجلاج عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله ms2543 عليه ~~وسلم يقول: "لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا، ولا ~~يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا" (1) . PageV08P079 ### || # {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم (10) ألم ~~تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم ~~لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم ~~لكاذبون (11) } # قوله عز وجل: {والذين جاءوا من بعدهم} يعني التابعين وهم الذين يجيئون ~~بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم ولمن ~~سبقهم بالإيمان والمغفرة فقال: {يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا} غشا وحسدا وبغضا، {للذين آمنوا ~~ربنا إنك رءوف رحيم} من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة ولم يترحم على ~~جميعهم فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية لأن الله تعالى رتب المؤمنين على ~~ثلاثة منازل: المهاجرين والأنصار والتابعين الموصوفين بما ذكر الله، فمن لم ~~يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجا من أقسام المؤمنين. # قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: الفقراء المهاجرين والذين ~~تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجتهد أن لا تكون خارجا من ~~هذه المنازل (1) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرنا عبد الله بن ~~حامد، أخبرنا أحمد ابن عبد الله بن سليمان حدثنا ابن نمير، حدثنا أبي عن ~~إسماعيل بن إبراهيم عن عبد الملك بن عمير PageV08P079 # عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم فسببتموهم سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تذهب ~~هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها" (1) . # وقال مالك بن مغول: قال عامر بن شراحيل الشعبي: يا مالك تفاضلت اليهود ~~والنصارى على الرافضة [بخصلة] (2) سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالت: ~~أصحاب موسى عليه السلام. وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: حواري ~~عيسى ms2544 عليه السلام. وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم ~~القيامة، لا تقوم لهم راية ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، كلما ~~أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم وإدحاض حجتهم، ~~أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلة (3) . # قال مالك بن أنس: من يبغض أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين ثم تلا "ما أفاء الله على ~~رسوله من أهل القرى" حتى أتى على هذه الآية: "للفقراء المهاجرين ... والذين ~~تبوءوا الدار والإيمان ... والذين جاءوا من بعدهم" إلى قوله: رءوف رحيم". ~~قوله عز وجل: {ألم تر إلى الذين نافقوا} أي أظهروا خلاف ما أضمروا: يعني: ~~عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه {يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل ~~الكتاب} اليهود من بني قريظة والنضير، جعل المنافقين إخوانهم في الدين ~~لأنهم كفار مثلهم. {لئن أخرجتم} المدينة {لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا} ~~يسألنا خذلانكم وخلافكم {أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم} يعني ~~المنافقين {لكاذبون} PageV08P080 ### || # {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن ~~الأدبار ثم لا ينصرون (12) لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم ~~لا يفقهون (13) لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم ~~بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (14) } # {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم} وكان الأمر كذلك، ~~فإنهم أخرجوا من ديارهم فلم يخرج المنافقون معهم، وقوتلوا فلم ينصروهم: ~~قوله تعالى: {ولئن نصروهم ليولن الأدبار} أي لو قدر وجود نصرهم. قال ~~الزجاج: معناه لو قصدوا نصر اليهود لولوا الأدبار منهزمين {ثم لا ينصرون} ~~يعني بني النضير لا يصيرون منصورين إذا انهزم ناصرهم. {لأنتم} يا معشر ~~المسلمين {أشد رهبة في صدورهم من الله} أي يرهبونكم أشد من رهبتهم من الله ~~{ذلك} أي ms2545 ذلك الخوف منكم {بأنهم قوم لا يفقهون} عظمة الله. {لا يقاتلونكم} ~~يعني اليهود {جميعا إلا في قرى محصنة} أي لا يبرزون لقتالكم إنما يقاتلونكم ~~متحصنين بالقرى والجدران، وهو قوله: {أو من وراء جدر} قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو: "جدار" على الواحد، وقرأ الآخرون: "جدر" بضم الجيم والدار على الجمع. ~~{بأسهم بينهم شديد} أي: بعضهم فظ على بعض، وعداوة بعضهم بعضا شديدة. وقيل: ~~بأسهم فيما بينهم من وراء الحيطان والحصون شديد، فإذا خرجوا لكم فهم أجبن ~~خلق الله {تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى} متفرقة مختلفة، قال قتادة: أهل الباطل ~~مختلفة أهواؤهم، مختلفة شهادتهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل ~~الحق. وقال مجاهد: أراد أن دين المنافقين يخالف دين اليهود. {ذلك بأنهم قوم ~~لا يعقلون} ### || # {كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (15) كمثل ~~الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين (16) } # {كمثل الذين من قبلهم} يعني: مثل هؤلاء اليهود كمثل الذين من قبلهم ~~{قريبا} يعني مشركي مكة {ذاقوا وبال أمرهم} يعني القتل ببدر، وكان ذلك قبل ~~غزوة بني النضير، قاله مجاهد. وقال ابن عباس: كمثل الذين من قبلهم يعني بني ~~قينقاع. وقيل: مثل قريظة كمثل بني النضير وكان بينهما سنتان. {ولهم عذاب ~~أليم} ثم ضرب 159/ب مثلا للمنافقين واليهود جميعا في # PageV08P081 # [تخاذلهم] (1) فقال: {كمثل الشيطان} أي مثل المنافقين في غرورهم بني ~~النضير وخذلانهم كمثل الشيطان {إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء ~~منك} # وذلك ما روى عطاء وغيره عن ابن عباس قال: كان راهب في الفترة يقال له ~~"برصيصا" تعبد في صومعة له سبعين سنة، لم يعص الله فيها طرفة عين وإن إبليس ~~أعياه في أمره الحيل، فجمع ذات يوم مردة الشياطين فقال: ألا أجد أحدا منكم ~~يكفيني أمر برصيصا؟ فقال الأبيض -وهو صاحب الأنبياء وهو الذي تصدى للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وجاءه في صورة جبرائيل ليوسوس إليه على وجه الوحي فدفعه ~~جبرائيل إلى أقصى أرض الهند ms2546 -فقال الأبيض لإبليس: أنا أكفيك أمره، فانطلق ~~فتزين بزينة الرهبان وحلق وسط رأسه وأتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه، ~~وكان لا ينفتل عن صلاته إلا في كل عشرة أيام ولا يفطر إلا في عشرة أيام ~~مرة. # فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته، فلما ~~انفتل برصيصا اطلع من صومعته فرأى الأبيض قائما يصلي في هيئة حسنة من هيئة ~~الرهبان، فلما رأى ذلك من حاله ندم في نفسه حين لم يجبه، فقال له: إنك ~~ناديتني وكنت مشتغلا عنك، فما حاجتك؟ قال: حاجتي أني أحببت أن أكون معك، ~~فأتأدب بك وأقتبس من عملك وعلمك، ونجتمع على العبادة فتدعو لي وأدعو لك، ~~فقال برصيصا: إني لفي شغل عنك فإن كنت مؤمنا فإن الله سيجعل لك فيما أدعو ~~للمؤمنين نصيبا إن استجاب لي ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض، وأقبل الأبيض ~~يصلي فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوما بعدها، فلما انفتل رآه قائما يصلي ~~فلما رأى برصيصا شدة اجتهاده قال له: ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن تأذن لي ~~فأرتفع إليك فأذن له فارتفع إليه في صومعته، فأقام معه حولا يتعبد لا يفطر ~~إلا في كل أربعين يوما ولا ينفتل عن صلاته إلا في كل أربعين يوما مرة، ~~وربما مد إلى الثمانين فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه وأعجبه ~~شأن الأبيض. PageV08P082 # فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا: إني منطلق فإن لي صاحبا غيرك ظننت ~~أنك أشد اجتهادا مما أرى، وكان يبلغنا عنك غير الذي رأيت، فدخل من ذلك على ~~برصيصا أمر شديد وكره مفارقته للذي رأى من شدة اجتهاده، فلما ودعه قال له ~~الأبيض: إن عندي دعوات أعلمكها تدعو بهن فهن خير مما أنت فيه يشفي الله بها ~~السقيم ويعافي بها المبتلى والمجنون، قال برصيصا: إني أكره هذه المنزلة لأن ~~لي في نفسي شغلا وإني أخاف إن علم به الناس شغلوني عن العبادة، فلم يزل به ~~الأبيض حتى علمه. ثم انطلق حتى أتى إبليس فقال: قد والله أهلكت الرجل. ms2547 # قال: فانطلق الأبيض فتعرض لرجل فخنقه ثم جاء في صورة رجل متطبب فقال ~~لأهله إن بصاحبكم جنونا أفأعالجه؟ قالوا: نعم، فقال لهم: إني لا أقوى على ~~جنته ولكن سأرشدكم إلى من يدعو الله فيعافيه، انطلقوا إلى برصيصا فإن عنده ~~الاسم الذي إذا دعا به أجيب، فانطلقوا إليه فسألوه ذلك فدعا بتلك الكلمات ~~فذهب عنه الشيطان، فكان الأبيض يفعل مثل ذلك بالناس ويرشدهم إلى برصيصا، ~~فيدعو فيعافون، فانطلق الأبيض فتعرض لجارية من بنات ملوك بني إسرائيل بين ~~ثلاثة إخوة وكان أبوهم ملكهم، فمات واستخلف أخاه فكان عمها ملك بني ~~إسرائيل، فعذبها وخنقها ثم جاء إليهم في صورة متطبب فقال لهم: أتريدون أن ~~أعالجها؟ قالوا: نعم، قال: إن الذي عرض لها مارد لا يطاق، ولكن سأرشدكم إلى ~~رجل تثقون به تدعونها عنده إذا جاء شيطانها دعا لها حتى تعلموا أنها قد ~~عوفيت وتردونها صحيحة، قالوا: ومن هو؟ قال برصيصا، قالوا: وكيف لنا أن ~~يجيبنا إلى هذا وهو أعظم شأنا من ذلك؟ قال: فانطلقوا فابنوا صومعة إلى جانب ~~صومعته حتى تشرفوا عليه، فإن قبلها وإلا فضعوها في صومعتها، ثم قولوا له هي ~~أمانة عندك، فاحتسب فيها. # قال: فانطلقوا إليه فسألوه فأبى عليهم، فبنوا صومعة على ما أمرهم الأبيض ~~ووضعوا الجارية في صومعته، وقالوا: هذه أختنا أمانة فاحتسب فيها، ثم ~~انصرفوا فلما انفتل برصيصا عن صلاته عاين الجارية وما بها من الحسن ~~والجمال، فوقعت في قلبه ودخل عليه أمر عظيم، ثم أقبل في صلاته فجاءها ~~الشيطان فخنقها فدعا برصيصا بتلك الدعوات فذهب عنها الشيطان، ثم أقبل على ~~صلاته فجاءها الشيطان فخنقها فدعا برصيصا بتلك الدعوات، ثم أقبل على صلاته ~~فجاءها الشيطان فخنقها، وكانت تكشف عن نفسها، فجاءه الشيطان وقال واقعها ~~فستتوب بعد فتدرك ما تريد من الأمر، فلم يزل به حتى واقعها فلم يزل على ذلك ~~يأتيها حتى حملت وظهر حملها، فقال له الشيطان: ويحك يا برصيصا قد افتضحت ~~فهل لك أن تقتلها وتتوب؟ فإن سألوك فقل: ذهب بها شيطانها، فلم أقدر # PageV08P083 # عليه. فدخل ms2548 فقتلها، ثم انطلق بها فدفنها إلى جانب الجبل، فجاء الشيطان ~~وهو يدفنها ليلا فأخذ بطرف إزارها، فبقي طرف خارجا من التراب، ثم رجع ~~برصيصا إلى صومعته فأقبل على صلاته إذ جاء إخوتها يتعاهدون أختهم، وكانوا ~~يجيئون في طرف الأيام يسألون عنها ويوصونه بها، فقالوا: يا برصيصا ما فعلت ~~أختنا؟ قال: قد جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه، فصدقوه وانصرفوا فلما أمسوا ~~وهم مكروبون جاء الشيطان إلى أكبرهم في منامه فقال: ويحك إن برصيصا فعل ~~بأختك كذا وكذا وإنه ودفنها في موضع كذا وكذا، فقال الأخ في نفسه: هذا حلم ~~وهو من عمل الشيطان، فإن برصيصا خير من ذلك. قال: فتتابع عليه ثلاث ليال ~~فلم يكترث. فانطلق إلى الأوسط بمثل ذلك فقال الأوسط مثل ما قاله الأكبر، ~~فلم يخبر أحدا، فانطلق إلى أصغرهم بمثل ذلك، فقال أصغرهم لأخويه: والله لقد ~~رأيت كذا وكذا، وقال الأوسط: وأنا والله قد رأيت مثله 160/أوقال الأكبر: ~~وأنا رأيت مثله، فانطلقوا إلى برصيصا وقالوا: يا برصيصا ما فعلت أختنا؟ ~~قال: أليس قد أعلمتكم بحالها؟ فكأنكم اتهمتموني؟ فقالوا: والله لا نتهمك، ~~واستحيوا منه فانصرفوا، فجاءهم الشيطان فقال: ويحكم إنها لمدفونة في موضع ~~كذا، وإن طرف إزارها خارج من التراب. فانطلقوا فرأوا أختهم على ما رأوا في ~~النوم، فمشوا في مواليهم وغلمانهم ومعهم الفئوس والمساحي فهدموا صومعته ~~وأنزلوه، ثم كتفوه فانطلقوا به إلى الملك فأقر على نفسه، وذلك أن الشيطان ~~أتاه فقال: تقتلها ثم تكابر يجتمع عليك أمران: قتل ومكابرة اعترف. فلما ~~اعترف أمر الملك بقتله وصلبه على خشبة، فلما صلب أتاه الأبيض فقال: يا ~~برصيصا أتعرفني؟ قال: لا قال: أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات فاستجيب لك، ~~ويحك ما اتقيت الله في أمانتك! خنت أهلها وإنك زعمت أنك أعبد بني إسرائيل، ~~أما استحييت؟ فلم يزل يعيره، ثم قال في آخر ذلك: ألم يكفك ما صنعت حتى ~~أقررت على نفسك وفضحت نفسك وفضحت أشباهك من الناس؟ فإن مت على هذه الحالة ~~لم يفلح أحد من نظرائك، قال: فكيف أصنع ms2549 قال: تطيعني في خصلة واحدة حتى ~~أنجيك مما أنت فيه فآخذ بأعينهم فأخرجك من مكانك! قال: وما هي قال تسجد لي ~~[قال: ما أستطيع. قال: افعل] (1) فسجد له فقال: يا برصيصا هذا الذي كنت ~~أردت منك، صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربك، إني برئ منك "إني أخاف الله ~~رب العالمين" (2) . PageV08P084 ### || # {فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين (17) } # يقول الله تعالى {فكان عاقبتهما} يعني الشيطان وذلك الإنسان {أنهما في ~~النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين} قال ابن عباس: ضرب الله هذا المثل ~~ليهود بني النضير والمنافقين من أهل المدينة، وذلك أن الله عز وجل أمر نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بإجلاء بني النضير عن المدينة فدس المنافقون إليهم، ~~وقالوا: لا تجيبوا محمدا إلى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم، فإن قاتلكم ~~فإنا معكم وإن أخرجكم خرجنا معكم، فأجابوهم فدربوا على حصونهم وتحصنوا في ~~ديارهم رجاء نصر المنافقين، حتى جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم فناصبوه ~~الحرب يرجون نصر المنافقين، فخذلوهم وتبرءوا منهم كما تبرأ الشيطان من ~~برصيصا وخذله، فكان عاقبة الفريقين النار. # قال ابن عباس رضي الله عنه: فكان الرهبان بعد ذلك في بني إسرائيل لا ~~يمشون إلا بالتقية والكتمان، وطمع أهل الفسوق والفجور في الأحبار، ورموهم ~~بالبهتان والقبيح حتى كان أمر جريج الراهب، فلما برأه الله مما رموه به ~~انبسطت بعده الرهبان وظهروا للناس، وكانت قصة جريج على ما: أخبرنا إسماعيل ~~بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي، ~~حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني زهير بن حرب، ~~حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا جرير بن حازم، حدثنا محمد بن سيرين عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: ~~عيسى بن مريم عليه السلام، وصاحب جريج، وكان جريج رجلا عابدا فاتخذ صومعته ~~فكان فيها فأتته أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي؟ ~~فأقبل على صلاته، ms2550 فانصرفت فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج، ~~فقال: أي رب أمي وصلاتي؟ فأقبل على صلاته فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر ~~إلى وجوه المومسات. # فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت: ~~إن شئتم لأفتننه لكم قال: فتعرضت له فلم يلتفت إليها، فأتت راعيا كان يأوي ~~إلى صومعته فأمكنته من نفسها فوقع عليها فحملت فلما ولدت قالت: هو من جريج، ~~فأتوه فاستنزلوه من صومعته وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ ~~قالوا: زنيت بهذه البغية فولدت منك، فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به فقال دعوني ~~حتى أصلي فصلى فلما انصرف أتى الصبي وطعن في بطنه وقال: يا غلام من أبوك؟ ~~قال: فلان الراعي، قال: فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا نبني ~~لك صومعتك من ذهب، قال: لا أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا. وبينا صبي يرضع ~~من أمه، فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة، فقالت أمه: اللهم # PageV08P085 # اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي وأقبل عليه ونظر إليه، فقال: اللهم لا ~~تجعلني مثله. ثم أقبل على ثديه فجعل يرضع. قال: فكأني أنظر إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو يحكي ارتضاعه بأصبعه السبابة في فمه، فجعل يمصها. # قال: ومروا بجارية وهم يضربونها ويقولون: زنيت وسرقت، وهي تقول: حسبي ~~الله ونعم الوكيل فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فترك الرضاع ونظر ~~إليها فقال: اللهم اجعلني مثلها، فهناك تراجعا الحديث، فقالت: مر رجل حسن ~~الهيئة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، ومروا ~~بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون زنيت وسرقت، فقلت: اللهم لا تجعل ابني ~~مثلها فقلت: اللهم اجعلني مثلها، قال: إن ذاك الرجل كان جبارا فقلت اللهم ~~لا تجعلني مثله، وإن هذه يقولون لها: زنيت، ولم تزن، وسرقت، ولم تسرق، ~~فقلت: اللهم اجعلني مثلها" (1) . ### || # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون (18) ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم ms2551 أنفسهم ~~أولئك هم الفاسقون (19) لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم ~~الفائزون (20) لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21) } # قوله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد} ~~يعني ليوم القيامة، أي: لينظر أحدكم أي شيء قدم لنفسه، عملا صالحا ينجيه أم ~~سيئا يوبقه؟ {واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} {ولا تكونوا كالذين ~~نسوا الله} تركوا أمر الله {فأنساهم أنفسهم} [أي حظوظ أنفسهم] (2) حتى لم ~~يقدموا لها خيرا {أولئك هم الفاسقون} # {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} . ~~PageV08P086 ### || # {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم (22) ~~هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23) } # قوله عز وجل: 160/ب {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا ~~من خشية الله} قيل: لو جعل في الجبل تمييز وأنزل عليه القرآن لخشع وتشقق ~~وتصدع من خشية الله مع صلابته ورزانته حذرا من أن لا يؤدي حق الله عز وجل ~~في تعظيم القرآن، والكافر يعرض عما فيه من العبر كأن لم يسمعها يصفه بقساوة ~~القلب {وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} # {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة} "الغيب": ما غاب عن ~~العباد مما لم يعاينوه ولم يعلموه والشهادة ما شاهدوه وما علموه {هو الرحمن ~~الرحيم} {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس} الطاهر من كل عيب ~~المنزه عما لا يليق به {السلام} الذي سلم من النقائص {المؤمن} قال ابن ~~عباس: هو الذي أمن الناس من ظلمه وأمن من آمن به من عذابه، هو من الأمان ~~الذي هو ضد التخويف كما قال: "وآمنهم من خوف" (قريش -4) وقيل: معناه المصدق ~~لرسله بإظهار المعجزات، والمصدق للمؤمنين بما وعدهم من الثواب، وللكافرين ~~بما أوعدهم من العقاب. # {المهيمن} الشهيد على عباده بأعمالهم، وهو قول ms2552 ابن عباس، ومجاهد وقتادة ~~والسدي ومقاتل. يقال: هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيبا على الشيء وقيل: ~~هو في الأصل مؤيمن قلبت الهمزة هاء، كقولهم: أرقت وهرقت ومعناه المؤمن. ~~وقال الحسن: الأمين. وقال الخليل: هو الرقيب الحافظ. وقال ابن زيد: المصدق. ~~وقال سعيد بن المسيب والضحاك: القاضي. وقال ابن كيسان: هو اسم من أسماء ~~الله تعالى في الكتب والله أعلم بتأويله. # {العزيز الجبار} قال ابن عباس: "الجبار" هو العظيم، وجبروت الله عظمته، ~~وهو على هذا القول صفة ذات الله، وقيل: هو من الجبر وهو الإصلاح يقال: جبرت ~~الأمر، وجبرت العظم إذا أصلحته بعد الكسر، فهو يغني الفقير ويصلح الكسير. ~~وقال السدي ومقاتل: هو الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراد. وسئل بعضهم عن ~~معنى الجبار فقال: هو القهار الذي إذا أراد أمرا فعله لا يحجزه عنه حاجز. # PageV08P087 # {المتكبر} الذي تكبر عن كل سوء. وقيل: المتعظم عما لا يليق به. وأصل ~~الكبر، والكبرياء: الامتناع. وقيل: ذو الكبرياء، وهو الملك {سبحان الله عما ~~يشركون} . ### || # {هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم (24) } # {هو الله الخالق} المقدر والمقلب للشيء بالتدبير إلى غيره، كما قال: ~~"يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق" (الزمر -6) {البارئ} المنشئ ~~للأعيان من العدم إلى الوجود {المصور} الممثل للمخلوقات بالعلامات التي ~~يتميز بعضها عن بعض. يقال: هذه صورة الأمر أي مثاله، فأولا يكون خلقا ثم ~~برءا ثم تصويرا. {له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو ~~العزيز الحكيم} # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ~~إبراهيم الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن شيبة، حدثنا ابن وهب، حدثنا ~~أحمد بن أبي شريح وأحمد بن منصور الرمادي قالا أخبرنا أبو أحمد الزبيري، ~~حدثنا خالد بن طهمان، حدثني نافع بن أبي نافع عن معقل بن يسار أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "من قال حين يصبح -ثلاث مرات -أعوذ بالله السميع ~~العليم من الشيطان ms2553 الرجيم، وقرأ الثلاث الآيات من آخر سورة الحشر وكل الله ~~به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، فإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا، ~~ومن قال حين يمسي كان بتلك المنزلة" (1) . # ورواه أبو عيسى عن محمود بن غيلان عن أبي أحمد الزبيري بهذا الإسناد، ~~وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (2) PageV08P088 ### | سورة الممتحنة # مدنية (1) # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ~~وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن ~~كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم ~~بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل (1) } # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} الآية. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان عن عمرو ~~بن دينار، أخبرني الحسن بن محمد أنه سمع عبد الله بن أبي رافع يقول سمعت ~~عليا رضي الله عنه يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير ~~والمقداد فقال: "انطلقوا حتى تأتوا (روضة خاخ) فإن بها ظعينة معها كتاب ~~فخذوه منها" قال: فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن ~~بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب ~~أو لتلقين الثياب، قال: فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ~~ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول ~~الله لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا في قريش -يقول كنت حليفا ولم أكن من ~~أنفسها-وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات PageV08P089 # يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت -إذ فاتني ذلك من النسب فيهم-أن أتخذ ~~عندهم يدا يحمون قرابتي ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا ms2554 رضا بالكفر بعد ~~الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقكم، فقال عمر: ~~يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه قد شهد بدرا وما يدريك ~~لعل الله اطلع على [من شهد بدرا] (1) فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ~~فأنزل الله تعالى هذه السورة: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء تلقون إليهم بالمودة" إلى قوله: "سواء السبيل" (2) . # قال المفسرون: نزلت الآية في حاطب بن أبي بلتعة كما جاء في الحديث، وذلك ~~أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت المدينة من مكة، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة، فقال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمسلمة جئت؟ قالت: لا قال أمهاجرة جئت؟ قالت: لا قال: فما ~~جاء بك قالت: كنتم الأصل والعشيرة والموالي وقد ذهبت موالي وقد احتجت حاجة ~~شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني، فقال لها: وأين أنت من شبان ~~مكة؟ وكانت مغنية نائحة، قالت: ما طلب مني شيء 161/أبعد وقعة بدر، فحث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب فأعطوها نفقة وكسوها ~~وحملوها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى، فكتب معها ~~إلى أهل مكة، وأعطاها عشرة دنانير، وكساها بردا على أن توصل الكتاب إلى أهل ~~مكة، وكتب في الكتاب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يريدكم، فخذوا حذركم. # فخرجت سارة، ونزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل، فبعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وعمارا والزبير وطلحة والمقداد بن ~~الأسود وأبا مرثد فرسانا فقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا "روضة خاخ" فإن بها ~~ظعينة معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فخذوا منها وخلوا ~~سبيلها وإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها. # قال: فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان الذي قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms2555 فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها كتاب، فبحثوها وفتشوا ~~متاعها فلم يجدوا معها كتابا فهموا بالرجوع، فقال علي رضي الله عنه: والله ~~ما كذبنا ولا كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسل سيفه فقال: أخرجي ~~الكتاب وإلا لأجردنك ولأضربن عنقك. فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها وكانت ~~قد خبأته PageV08P092 # في شعرها فخلوا سبيلها ولم يتعرضوا لها ولا لما معها فرجعوا بالكتاب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~حاطب، فأتاه فقال: هل تعرف الكتاب؟ قال: نعم قال: فما حملك على ما صنعت؟ ~~فقال: يا رسول الله والله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك، ولا ~~أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع ~~عشيرته، وكنت غريبا فيهم، وكان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلي، فأردت ~~أن أتخذ عندهم يدا، وقد علمت، أن الله ينزل بهم بأسه، وأن كتابي لا يغني ~~عنهم شيئا فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذره. # فقام عمر بن الخطاب فقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل ~~بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟ فأنزل الله عز وجل في شأن ~~حاطب: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء" (1) . # {تلقون إليهم بالمودة} قيل: أي المودة، "والباء" زائدة، كقوله: "ومن يرد ~~فيه بإلحاد بظلم" (الحج-25) وقال الزجاج: معناه تلقون إليهم أخبار النبي ~~صلى الله عليه وسلم وسره بالمودة التي بينكم وبينهم {وقد كفروا} "الواو" ~~للحال، أي: وحالهم أنهم كفروا {بما جاءكم من الحق} يعني القرآن {يخرجون ~~الرسول وإياكم} من مكة {أن تؤمنوا} أي لأن آمنتم، كأنه قال: يفعلون ذلك ~~لإيمانكم {بالله ربكم إن كنتم خرجتم} هذا شرط جوابه متقدم وهو قوله: "لا ~~تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من ~~الحق أن كنتم ms2556 خرجتم" {جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة} ~~قال مقاتل: بالنصيحة {وأنا أعلم بما أخفيتم} من المودة للكفار {وما أعلنتم} ~~أظهرتم بألسنتكم {ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل} أخطأ طريق الهدى. ### || # {إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ~~وودوا لو تكفرون (2) } # {إن يثقفوكم} يظفروا بكم ويروكم {يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم} ~~بالضرب والقتل {وألسنتهم بالسوء} بالشتم {وودوا لو تكفرون} كما كفروا. ~~يقول: لا PageV08P093 # تناصحوهم فإنهم لا يناصحونكم ولا يوادونكم. ### || # {لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون ~~بصير (3) قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا ~~برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ~~وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (4) ~~} # {لن تنفعكم أرحامكم} معناه: لا يدعونكم ولا يحملنكم ذوو أرحامكم ~~وقراباتكم وأولادكم الذين بمكة إلى خيانة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين وترك مناصحتهم وموالاة أعدائهم فلن تنفعكم أرحامكم {ولا أولادكم} ~~الذين عصيتم الله لأجلهم {يوم القيامة يفصل بينكم} فيدخل أهل طاعته الجنة ~~وأهل معصيته النار. قرأ عاصم ويعقوب {يفصل} بفتح الياء وكسر الصاد مخففا، ~~وقرأ حمزة والكسائي بضم الياء وكسر الصاد مشددا، [وقرأ ابن عامر بضم الياء ~~وفتح الصاد مشددا] (1) وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الصاد مخففا. {والله ~~بما تعملون بصير} {قد كانت لكم أسوة} قدوة {حسنة في إبراهيم والذين معه} من ~~أهل الإيمان {إذ قالوا لقومهم} من المشركين {إنا برآء منكم} جمع بريء {ومما ~~تعبدون من دون الله كفرنا بكم} جحدنا وأنكرنا دينكم {وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} يأمر حاطبا والمؤمنين ~~بالاقتداء بإبراهيم عليه الصلاة والسلام، والذين معه من المؤمنين في التبرؤ ~~من المشركين {إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك} يعني: لكم أسوة حسنة في ~~إبراهيم وأموره إلا في استغفاره لأبيه المشرك، فإن ms2557 إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام كان قد قال لأبيه: لأستغفرن لك، ثم تبرأ منه -على ما ذكرناه في ~~سورة التوبة- (2) {وما أملك لك من الله من شيء} يقول إبراهيم لأبيه: ما ~~أغني عنك ولا أدفع عنك عذاب الله إن عصيته وأشركت به {ربنا عليك توكلنا} ~~يقوله إبراهيم ومن معه من المؤمنين {وإليك أنبنا وإليك المصير} ### || # {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ~~(5) } # {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول ~~فإن الله هو الغني الحميد (6) عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم (7) لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله ~~يحب المقسطين (8) } # {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} قال الزجاج: لا تظهرهم علينا فيظنوا ~~أنهم على الحق # PageV08P094 # فيفتنوا وقال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولون: لو ~~كان هؤلاء على الحق ما أصابهم ذلك (1) {واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز ~~الحكيم} {لقد كان لكم فيهم} أي في إبراهيم ومن معه {أسوة حسنة لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر} هذا بدل من قوله "لكم" وبيان أن هذه الأسوة لمن يخاف ~~الله ويخاف عذاب الآخرة {ومن يتول} يعرض عن الإيمان ويوال الكفار {فإن الله ~~هو الغني} عن خلقه {الحميد} إلى أوليائه وأهل طاعته. # قال مقاتل: فلما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار عادى المؤمنون أقرباءهم ~~المشركين وأظهروا لهم العداوة والبراءة. ويعلم الله شدة وجد المؤمنين بذلك ~~فأنزل الله (2) {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم} أي من ~~كفار مكة {مودة} ففعل الله ذلك بأن أسلم كثير منهم، فصاروا لهم أولياء ~~وإخوانا، وخالطوهم وناكحوهم {والله قدير والله غفور رحيم} ثم رخص الله ~~تعالى في صلة الذين لم يعادوا 161/ب المؤمنين ولم يقاتلوهم فقال: {لا ~~ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم} {لا ينهاكم الله ms2558 عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ~~دياركم أن تبروهم} أي لا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم {وتقسطوا ~~إليهم} تعدلوا فيهم بالإحسان والبر {إن الله يحب المقسطين} قال ابن عباس: ~~نزلت في خزاعة كانوا قد صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ~~ولا يعينوا عليه أحدا، فرخص الله في برهم. PageV08P095 # وقال عبد الله بن الزبير: نزلت في أسماء بنت أبي بكر، وذلك أن أمها قتيلة ~~بنت عبد العزى قدمت عليها المدينة بهدايا، ضبابا وأقطا وسمنا، وهي مشركة، ~~فقالت أسماء: لا أقبل منك هدية ولا تدخلي علي بيتي حتى أستأذن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه ~~الآية فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدخلها منزلها وتقبل هديتها ~~وتكرمها وتحسن إليها (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة، حدثنا حاتم عن هشام بن ~~عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت علي أمي وهي ~~مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدتهم مع أبيها ~~فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي ~~وهي راغبة أفأصلها؟ قال: صليها (2) . # وروي عن ابن عيينة قال: فأنزل الله فيها "لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين". ثم ذكر الذين نهاهم عن صلتهم فقال: {إنما ينهاكم الله ~~عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم} ### || # {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا ~~على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9) } # {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا ~~على إخراجكم} وهم مشركو مكة {أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} ### || # {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم ~~بإيمانهن فإن ms2559 علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ~~ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم ~~الله يحكم بينكم والله عليم حكيم (10) } # قوله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} ~~الآية. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن ~~عقيل عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة ~~يخبران عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالا لما كاتب سهيل بن عمرو ~~يومئذ، كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لا ~~يأتيك منا أحد -وإن PageV08P096 # كان على دينك-إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه. فكره المؤمنون ذلك ~~وأبي سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فرد النبي ~~صلى الله عليه وسلم يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من ~~الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما، وجاءت المؤمنات مهاجرات، وكانت ~~أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يومئذ مهاجرة وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: "إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن" إلى "ولا هم يحلون لهن" # قال عروة فأخبرتني عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يمتحنهن بهذه الآية: "يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات" إلى ~~قوله: "غفور رحيم". # قال عروة: قالت عائشة رضي الله عنها: فمن أقرت بهذا الشرط منهن قال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بايعتك كلاما يكلمها به، والله ما مست يده ~~يد امرأة قط في المبايعة ما بايعهن إلا ms2560 بقوله (1) . # قال ابن عباس: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا حتى إذا كان ~~بالحديبية صالحه مشركو مكة على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم ومن أتى ~~أهل مكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه إليه، وكتبوا بذلك ~~كتابا وختموا عليه، فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة بعد الفراغ من ~~الكتاب، فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم -وقال مقاتل هو: صيفي بن الراهب-في ~~طلبها، وكان كافرا، فقال: يا محمد رد علي امرأتي فإنك قد شرطت أن ترد علينا ~~من أتاك منا وهذه طية الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله عز وجل: "يا أيها ~~الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات" من دار الكفر إلى دار الإسلام ~~{فامتحنوهن} PageV08P097 # قال ابن عباس: امتحانها: أن تستحلف ما خرجت لبغض زوجها ولا عشقا لرجل من ~~المسلمين، ولا رغبة عن أرض إلى أرض، ولا لحدث أحدثته ولا لالتماس دنيا وما ~~خرجت إلا رغبة في الإسلام وحبا لله ولرسوله. # قال فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك فحلفت فلم يردها، ~~وأعطى زوجها مهرها وما أنفق عليها؛ فتزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه (1) ~~وكان يرد من جاءه من الرجال ويحبس من جاءه من النساء بعد الامتحان ويعطي ~~أزواجهن مهورهن. # {الله أعلم بإيمانهن} [أي هذا الامتحان لكم، والله أعلم بهن] (2) {فإن ~~علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} ما ~~أحل الله مؤمنة لكافر {وآتوهم} يعني أزواجهن الكفار {ما أنفقوا} عليهن يعني ~~المهر الذي دفعوا إليهن {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن} ~~أي مهورهن، أباح الله نكاحهن للمسلمين، وإن كان لهن أزواج في دار الكفر لأن ~~الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن الكفار {ولا تمسكوا} [قرأ أبو عمرو ويعقوب: ~~بالتشديد، والآخرون: بالتخفيف، من الإمساك] (3) {بعصم الكوافر} "والعصم": ~~جمع العصمة، وهي ما يعتصم به من العقد والنسب. "والكوافر": جمع الكافرة. # نهى الله المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات، يقول: من كانت له امرأة ms2561 ~~كافرة بمكة فلا يعتد بها فقد انقطعت عصمة الزوجية بينهما. # قال الزهري: فلما نزلت هذه الآية طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأتين ~~كانتا له بمكة مشركتين: قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها بعده ~~معاوية بن أبي سفيان، وهما على شركهما بمكة، والأخرى أم كلثوم بنت ~~162/أعمرو بن جرول الخزاعية أم ابنه عبد الله بن عمر، فتزوجها أبو جهم بن ~~حذافة بن غانم، وهما على شركهما. وكانت أروى بنت ربيعة بن الحرث بن عبد ~~المطلب تحت طلحة بن عبيد الله، فهاجر طلحة وهي بمكة على دين قومها ففرق ~~الإسلام بينهما فتزوجها في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص بن أمية (4) . # قال الشعبي: وكانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي ~~العاص بن الربيع أسلمت ولحقت PageV08P098 # بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأقام أبو العاص بمكة مشركا، ثم أتى المدينة ~~فأسلم، فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) # {واسألوا} أيها المؤمنون {ما أنفقتم} أي: إن لحقت امرأة منكم بالمشركين ~~مرتدة فاسألوا ما أنفقتم من المهر إذا منعوها ممن تزوجها منهم {وليسألوا} ~~يعني: المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم {ما أنفقوا} من المهر ممن تزوجها ~~منكم {ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم} قال الزهري: لولا الهدنة ~~والعهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية ~~لأمسك النساء ولم يرد الصداق، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل ~~العهد (2) فلما نزلت هذه الآية أقر المؤمنون بحكم الله عز وجل وأدوا ما ~~أمروا به من نفقات المشركين على نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله ~~فيما أمروا به من أداء نفقات المسلمين [على نسائهم] (3) فأنزل الله عز وجل: ~~{وإن فاتكم} ### || # {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ~~مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (11) } # {وإن فاتكم} أيها المؤمنون {شيء من أزواجكم إلى الكفار} فلحقن بهم مرتدات ~~{فعاقبتم} قال المفسرون: معناه غنمتم، أي غزوتم فأصبتم من ms2562 الكفار عقبى وهي ~~الغنيمة، وقيل: ظهرتم وكانت العاقبة لكم، وقيل: أصبتموهم في القتال بعقوبة ~~حتى غنمتم، قرأ حميد الأعرج "فعقبتم" بالتشديد، وقرأ الزهري: "فعقبتم" ~~خفيفة بغير ألف وقرأ مجاهد " فأعقبتم " أي صنعتم بهم كما صنعوا بكم. وكلها ~~لغات بمعنى واحد، يقال: عاقب وعقب وعقب، وأعقب وتعقب وتعاقب واعتقب: إذا ~~غنم. وقيل: "التعقيب": غزوة بعد غزوة {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم} إلى ~~الكفار منكم {مثل ما أنفقوا} عليهن من الغنائم التي صارت في أيديكم من ~~أموال الكفار. وقيل: فعاقبتم المرتدة بالقتل. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لحق بالمشركين من نساء المؤمنين ~~والمهاجرين ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان وكانت تحت عياض بن شداد ~~الفهري، وفاطمة بنت أبي أمية PageV08P099 # ابن المغيرة أخت أم سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب، فلما أراد عمر أن يهاجر ~~أبت وارتدت، وبروع بنت عقبة، كانت تحت شماس بن عثمان، وعزة بن عبد العزيز ~~بن نضلة، وزوجها عمرو ابن عبدود، وهند بنت أبي جهل بن هشام، كانت تحت هشام ~~بن العاص بن وائل، وأم كلثوم بنت جرول، كانت تحت عمر بن الخطاب، فكلهن رجعن ~~عن الإسلام، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجهن مهور نسائهم من ~~الغنيمة (1) . # {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} واختلف القول في أن رد مهر من أسلمت ~~من النساء إلى أزواجهن، كان واجبا أو مندوبا؟ . # وأصله أن الصلح هل كان وقع على رد النساء؟ فيه قولان: أحدهما أنه وقع على ~~رد الرجال والنساء جميعا لما روينا: أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك ~~إلا رددته إلينا ثم صار الحكم في رد النساء منسوخا بقوله: "فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار" فعلى هذه كان رد المهر واجبا. # والقول الآخر: أن الصلح لم يقع على رد النساء، لأنه روي عن علي: أنه لا ~~يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وذلك لأن الرجل لا يخشى ~~عليه من الفتنة في الرد ما يخشى على المرأة من إصابة المشرك إياها وأنه ms2563 لا ~~يؤمن عليها الردة إذا خوفت، وأكرهت عليها لضعف قلبها وقلة هدايتها إلى ~~المخرج منها بإظهار كلمة الكفر مع التورية، وإضمار الإيمان ولا يخشى ذلك ~~على الرجل لقوته وهدايته إلى التقية، فعلى هذا كان رد المهر مندوبا. ~~واختلفوا في أنه هل يجب العمل به اليوم في رد المال إذا شرط في معاقدة ~~الكفار؟ فقال قوم: لا يجب، وزعموا أن الآية منسوخة، وهو قول عطاء ومجاهد ~~وقتادة. وقال قوم: هي غير منسوخة ويرد إليهم ما أنفقوا. PageV08P100 ### || # {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ~~ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور ~~رحيم (12) } # قوله عز وجل: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك} الآية. وذلك يوم ~~فتح مكة لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيعة الرجال، وهو على ~~الصفا وعمر بن الخطاب أسفل منه، وهو يبايع النساء بأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويبلغهن عنه وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنقبة متنكرة مع ~~النساء خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أبايعكن "على أن لا تشركن بالله # PageV08P100 # شيئا" فرفعت هند رأسها وقالت: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك ~~أخذته على الرجال، وبايع الرجال يومئذ على الإسلام، والجهاد فقط فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم "ولا يسرقن" فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني ~~أصبت من ماله هنات، فلا أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من ~~شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعرفها فقال لها: وإنك لهند بنت عتبة؟ قالت: نعم فاعف عما سلف عفا الله ~~عنك، فقال: "ولا يزنين" فقالت هند: أو تزني الحرة؟ فقال: "ولا يقتلن ~~أولادهن" فقالت هند: ربيناهن صغارا وقتلتموهم كبارا فأنتم وهم أعلم، وكان ~~ابنها ms2564 حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر، فضحك عمر رضي الله عنه حتى ~~استلقى، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ولا يأتين ببهتان ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن" -وهي أن تقذف ولدا على زوجها ليس منه-قالت ~~هند: والله إن البهتان لقبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: ~~"ولا يعصينك في معروف" قالت هند: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك ~~في شيء. فأقر النسوة بما أخذ عليهن (1) قوله عز وجل: {ولا يقتلن أولادهن} ~~أراد وأد البنات الذي كان يفعله أهل الجاهلية 162/ب قوله {ولا يأتين ببهتان ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} ليس المراد منه نهيهن عن الزنا لأن النهي عن ~~الزنا قد تقدم ذكره، بل المراد منه أن تلتقط مولودا وتقول لزوجها هذا ولدي ~~منك فهو البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن لأن الولد إذا وضعته الأم سقط ~~بين يديها ورجليها. قوله {ولا يعصينك في معروف} أي في كل أمر وافق طاعة ~~الله. قال بكر بن عبد الله المزني: في كل أمر فيه رشدهن. وقال مجاهد: لا ~~تخلو المرأة بالرجال. وقال سعيد بن المسيب والكلبي وعبد الرحمن بن زيد: هو ~~النهي عن النوح والدعاء بالويل وتمزيق الثوب وحلق الشعر ونتفه وخمش الوجه، ~~ولا تحدث المرأة الرجال إلا ذا محرم، ولا تخلو برجل غير ذي محرم، ولا تسافر ~~إلا مع ذي محرم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا PageV08P101 # محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب عن حفصة ~~بنت سيرين عن أم عطية قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ ~~علينا "أن لا يشركن بالله شيئا" ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها ~~فقالت: أسعدتني فلانة أريد أن أجزيها فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم ~~شيئا فانطلقت ورجعت وبايعها (1) # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري، حدثنا أحمد بن محمد بن ~~إسحاق، ms2565 حدثنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا أبان بن يزيد، ~~حدثنا يحيى بن أبي كثير أن زيدا حدثه أن أبا سلام حدثه أن أبا مالك الأشعري ~~حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية ~~لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم ~~والنياحة". وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها ~~سربال من قطران ودرع من جرب" (2) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن حفص، حدثنا أبي أخبرنا ~~الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" (3) ~~قوله: {فبايعهن} يعني إذا بايعنك فبايعهن {واستغفر لهن الله إن الله غفور ~~رحيم} # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني محمود، حدثنا عبد الرزاق، ~~أخبرنا معمر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: "لا يشركن بالله ~~شيئا" قالت: وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة إلا امرأة ~~يملكها (4) # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا محمد ~~بن عبد الله بن PageV08P102 # حمدون، أخبرنا مكي بن عبدان، حدثنا عبد الرحمن بن بشر، حدثنا سفيان بن ~~عيينة، عن محمد ابن المنكدر، سمع أميمة بنت رقية تقول: بايعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في نسوة، فقال لنا: فيما استطعتن وأطقتن، فقلت: رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أرحم بنا من أنفسنا قلت: يا رسول الله بايعنا قال ~~سفيان: يعني صافحنا فقال: "إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة كقولي ~~لمائة امرأة" (1) ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة ~~كما ms2566 يئس الكفار من أصحاب القبور (13) } # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم} وهم ~~اليهود، وذلك أن أناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار ~~المسلمين يتوصلون إليهم بذلك فيصيبون من ثمارهم، فنهاهم الله عن ذلك (2) ~~{قد يئسوا} يعني هؤلاء اليهود {من الآخرة} بأن يكون لهم فيها ثواب وخير ~~{كما يئس الكفار من أصحاب القبور} أي: كما يئس الكفار الذين ماتوا وصاروا ~~في القبور من أن يكون لهم حظ وثواب في الآخرة. قال مجاهد: الكفار حين دخلوا ~~قبورهم أيسوا من رحمة الله. قال سعيد بن جبير: يئسوا من الآخرة كما يئس ~~الكفار الذين ماتوا فعاينوا الآخرة. وقيل: كما يئس الكفار من أصحاب القبور ~~أن يرجعوا إليهم. PageV08P103 ### | سورة الصف # مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون (3) } # {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا أيها الذين ~~آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا: لو علمنا ~~أحب الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناه، ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا. ~~فأنزل الله عز وجل: "إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا" فابتلوا بذلك ~~يوم أحد فولوا مدبرين، فأنزل الله تعالى "لم تقولون ما لا تفعلون" (2) # وقال محمد بن كعب: لما أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بثواب ~~شهداء بدر، [قالت الصحابة] (3) لئن لقينا بعده قتالا لنفرغن فيه وسعنا ~~ففروا يوم أحد فعيرهم الله بهذه الآية (4) # وقال قتادة والضحاك: نزلت في [شأن] (5) القتال، كان الرجل يقول: قاتلت ~~ولم يقاتل PageV08P104 # وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، فنزلت هذه الآية (1) قال ابن زيد: نزلت ~~في المنافقين كانوا يعدون النصر للمؤمنين وهم كاذبون (2) {كبر مقتا عند ~~الله أن تقولوا} في موضع الرفع فهو كقولك: بئس رجلا أخوك، ومعنى الآية: أي ~~عظم ذلك في المقت والبغض ms2567 عند الله، أي: إن الله يبغض بغضا شديدا أن تقولوا ~~{ما لا تفعلون} أن تعدوا من أنفسكم شيئا ثم لم توفوا به. ### || # {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (4) وإذ قال ~~موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين (5) } # {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} أي يصفون أنفسهم عند القتال ~~صفا 163/أولا يزولون عن أماكنهم {كأنهم بنيان مرصوص} قد رص بعضه ببعض [أي ~~ألزق بعضه ببعض] (3) وأحكم فليس فيه فرجة ولا خلل. وقيل كالرصاص. {وإذ قال ~~موسى لقومه} من بني إسرائيل: {يا قوم لم تؤذونني} وذلك حين رموه بالأدرة ~~{وقد تعلمون أني رسول الله إليكم} والرسول يعظم [ويكرم] (4) ويحترم {فلما ~~زاغوا} عدلوا عن الحق {أزاغ الله قلوبهم} أمالها عن الحق، يعني أنهم لما ~~تركوا الحق بإيذاء نبيهم أمال الله قلوبهم عن الحق {والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين} قال الزجاج: يعني لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق. PageV08P108 ### || # {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما ~~بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم ~~بالبينات قالوا هذا سحر مبين (6) ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو ~~يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين (7) يريدون ليطفئوا نور ~~الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون (8) هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (9) يا أيها الذين ~~آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11) ~~يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات ~~عدن ذلك الفوز العظيم (12) } # {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما ~~بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} ms2568 والألف فيه ~~للمبالغة في الحمد، وله وجهان: # PageV08P108 # أحدهما: أنه مبالغة من الفاعل، أي الأنبياء كلهم حمادون لله عز وجل، وهو ~~أكثر حمدا لله من غيره، والثاني: أنه مبالغة في المفعول، أي الأنبياء كلهم ~~محمودون لما فيهم من الخصال الحميدة وهو [أكثرهم مبالغة] (1) وأجمع للفضائل ~~والمحاسن التي يحمد بها. {فلما جاءتهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين} . # {ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي ~~القوم الظالمين يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره ~~الكافرون} . # {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون} . {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم} . قرأ ابن ~~عامر "تنجيكم" بالتشديد والآخرون بالتخفيف {من عذاب أليم} . نزل هذا حين ~~قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناه (2) وجعل ذلك ~~بمنزلة التجارة لأنهم يربحون بها رضا الله ونيل جنته والنجاة من النار. ثم ~~بين تلك التجارة فقال: # {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير ~~لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم} . PageV08P109 ### || # {وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين (13) يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى ~~الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ~~فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين (14) } {وأخرى تحبونها} . أي: ~~ولكم خصلة أخرى في العاجل مع ثواب الآخرة تحبونها وتلك الخصلة: {نصر من ~~الله وفتح قريب} . قال الكلبي: هو النصر على قريش، وفتح مكة. وقال عطاء: ~~يريد فتح فارس والروم. {وبشر المؤمنين} . يا محمد بالنصر في الدنيا والجنة ~~في الآخرة. ثم حضهم على نصر الدين وجهاد المخالفين فقال: {يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا أنصار الله} . قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو: "أنصارا" بالتنوين ~~"لله" بلام الإضافة، وقرأ الآخرون: "أنصار الله" مضافا لقوله: "نحن ms2569 أنصار ~~الله". # {كما قال عيسى ابن مريم للحواريين} . أي انصروا دين الله مثل نصرة ~~الحواريين لما قال لهم عيسى عليه السلام: {من أنصاري إلى الله} .؟ أي: من ~~ينصرني مع الله؟ {قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل ~~وكفرت طائفة} . قال ابن عباس: يعني في زمن عيسى عليه السلام، وذلك أنه لما ~~رفع تفرق قومه ثلاث فرق: فرقة قالوا: كان الله فارتفع، وفرقة قالوا: كان ~~ابن الله فرفعه الله إليه، وفرقة قالوا: كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه ~~وهم المؤمنون، واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس، فاقتتلوا فظهرت الفرقتان ~~الكافرتان على المؤمنين، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فظهرت ~~الفرقة المؤمنة على الكافرة (1) فذلك قوله تعالى: {فأيدنا الذين آمنوا على ~~عدوهم فأصبحوا ظاهرين} . عالين غالبين. وروى مغيرة عن إبراهيم قال: فأصبحت ~~حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم أن عيسى كلمة الله ~~وروحه (2) . PageV08P110 ### | سورة الجمعة # مدنية (1) # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم (1) ~~هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) وآخرين منهم لما يلحقوا ~~بهم وهو العزيز الحكيم (3) } # {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم هو ~~الذي بعث في الأميين} يعني العرب كانت أمة أمية لا تكتب ولا تقرأ {رسولا ~~منهم} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم نسبه نسبهم [ولسانه لسانهم ليكون أبلغ ~~في إقامة الحجة عليهم] (2) {يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} أي ما كانوا قبل بعثة الرسول إلا ~~في ضلال مبين يعبدون الأوثان. {وآخرين منهم} وفي "آخرين" وجهان من الإعراب: ~~أحدهما الخفض، على الرد إلى الأميين مجازه: وفي آخرين. والثاني النصب، على ~~الرد إلى الهاء والميم في قوله "ويعلمهم" أي: ويعلم آخرين منهم، أي من ~~المؤمنين الذين يدينون بدينهم، لأنهم إذا أسلموا صاروا ms2570 منهم، فإن المسلمين ~~كلهم أمة واحدة. # واختلف العلماء فيهم، فقال قوم: هم العجم، وهو قول ابن عمر وسعيد بن جبير ~~ورواية ليث عن مجاهد، والدليل عليه ما: أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الله ~~بن محمد المعلم الطوسي بها حدثنا أبو الحسن محمد بن PageV08P111 # يعقوب، أخبرنا أبو النصر محمد بن محمد بن يوسف، حدثنا الحسين بن سفيان، ~~وعلي بن طيفور، وأبو العباس الثقفي قالوا: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز، ~~عن ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذ نزلت سورة الجمعة، فلما قرأ: "وآخرين منهم لما يلحقوا بهم" ~~قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى ~~سأله مرتين أو ثلاثا قال: وفينا سليمان الفارسي قال: فوضع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يده على سلمان، ثم قال: "لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال ~~من هؤلاء" (1) # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد ~~الرحمن البزار، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق الدبري، حدثنا ~~عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن جعفر الجزري عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كان الدين عند الثريا لذهب ~~إليه رجل، أو قال: رجال، من أبناء فارس حتى يتناولوه" (2) وقال عكرمة ~~ومقاتل: هم التابعون. وقال ابن زيد: هم جميع من دخل في الإسلام بعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم. إلى يوم القيامة وهي 163/ب رواية [ابن] (3) أبي نجيح ~~عن مجاهد. قوله {لما يلحقوا بهم} أي [لم] (4) يدركوهم ولكنهم يكونون بعدهم. ~~وقيل: "لما يلحقوا بهم" أي في الفضل والسابقة لأن التابعين لا يدركون شأو ~~الصحابة. {وهو العزيز الحكيم} ### || # {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (4) مثل الذين حملوا ~~التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا ~~بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين (5) } # {ذلك فضل الله يؤتيه من ms2571 يشاء} يعني الإسلام والهداية. {والله ذو الفضل ~~العظيم} قوله عز وجل: {مثل الذين حملوا التوراة} أي كلفوا القيام بها ~~والعمل بما فيها {ثم لم يحملوها} لم يعملوا بما فيها ولم يؤدوا حقها {كمثل ~~الحمار يحمل أسفارا} أي كتبا من PageV08P114 # العلم، واحدها سفر، قال الفراء: هي الكتب العظام (1) يعني كما أن الحمار ~~يحملها ولا يدري ما فيها ولا ينتفع بها كذلك اليهود يقرؤن التوراة ولا ~~ينتفعون بها لأنهم خالفوا ما فيها {بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله ~~والله لا يهدي القوم الظالمين} الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء عليهم ~~السلام، يعني من سبق في علمه أنه لا يؤمن لا يهديهم. ### || # {قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين (6) ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم ~~بالظالمين (7) قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم ~~الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (8) } PageV08P115 # {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) } # {قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس} من دون ~~محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه {فتمنوا الموت} فادعوا بالموت على أنفسكم ~~{إن كنتم صادقين} ، أنكم أبناء الله وأحباؤه فإن الموت هو الذي يوصلكم ~~إليه. {ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين قل إن الموت ~~الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما ~~كنتم تعملون} قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة} أي في يوم الجمعة كقوله: "أروني ماذا خلقوا من الأرض أي في الأرض" ~~[أي في الأرض] (1) وأراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر ~~للخطبة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، عن ~~الزهري عن السائب ms2572 بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام ~~على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان ~~عثمان وكثر الناس زاد النداء الثاني على الزوراء (2) PageV08P115 # قرأ الأعمش: "من يوم الجمعة" بسكون الميم، وقرأ العامة بضمها. # واختلفوا في تسمية هذا اليوم جمعة، منهم من قال: لأن الله تعالى جمع فيه ~~خلق آدم عليه السلام. وقيل: لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء فاجتمعت فيه ~~المخلوقات. وقيل: لاجتماع الجماعات فيه. وقيل: لاجتماع الناس فيها للصلاة. # وقيل: أول من سماها جمعة كعب بن لؤي قال أبو سلمة: أول من قال "أما بعد" ~~كعب بن لؤي وكان أول من سمى الجمعة جمعة، وكان يقال له يوم العروبة. # وعن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم المدينة. وقبل أن ينزل الجمعة وهم الذين سموها الجمعة. وقالوا: لليهود ~~يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى يوم، فهلم فلنجعل يوما نجتمع فيه، ~~فنذكر الله ونصلي فيه، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، ~~فاجعلوه يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم ركعتين وذكرهم ~~فسموه يوم الجمعة، ثم أنزل الله عز وجل في ذلك بعد (1) . # وروي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب، أنه كان إذا سمع النداء ~~يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن ~~زرارة؟ قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في بقيع ~~يقال له بقيع الخضمات، قلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون (2) وأول جمعة ~~جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه على ما ذكر أهل السير: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مهاجرا نزل قباء على بني عمرو بن ~~عوف، وذلك يوم الاثنين لثنتي عشرة [ليلة] (3) خلت من شهر ربيع الأول حين ~~امتد الضحى، فأقام بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ويوم الخميس، ~~وأسس مسجدهم، ثم خرج من ms2573 بين أظهرهم يوم الجمعة عامدا المدينة، فأدركته صلاة ~~الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم، وقد اتخذ اليوم في ذلك الموضع ~~مسجدا، فجمع هناك وخطب (4) PageV08P116 # قوله عز وجل: {فاسعوا إلى ذكر الله} أي: فامضوا إليه واعملوا له، وليس ~~المراد من السعي الإسراع، إنما المراد منها العمل والفعل، كما قال: "وإذا ~~تولى سعى في الأرض" (البقرة -205) وقال: "إن سعيكم لشتى" (الليل -4) . # وكان عمر بن الخطاب يقرأ: فامضوا إلى ذكر الله، وكذلك هي في قراءة عبد ~~الله بن مسعود (1) . وقال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد ~~نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية ~~والخشوع (2) # وقال قتادة في هذه الآية: "فاسعوا إلى ذكر الله" قال: فالسعي أن تسعى ~~بقلبك وعملك وهو المشي إليها (3) وكان يتأول قوله: "فلما بلغ معه السعي" ~~(الصافات -102) يقول فلما مشى معه. # أخبرنا الإمام أبو [علي] (4) الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو بكر أحمد ~~بن الحسن الحيري، أخبرنا محمد بن أحمد بن معقل الميداني، حدثنا محمد بن ~~يحيى، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري عن ابن المسيب، عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا ~~تأتوها تسعون، ولكن ائتوها تمشون وعليكم السكينة [والوقار] (5) فما أدركتم ~~فصلوا وما فاتكم فأتموها" (6) قوله {إلى ذكر الله} أي إلى الصلاة، وقال ~~سعيد بن المسيب: "فاسعوا إلى ذكر الله" قال هو موعظة الإمام {وذروا البيع} ~~يعني البيع والشراء لأن اسم البيع يتناولهما جميعا. وإنما يحرم البيع ~~والشراء عند الأذان الثاني وقال الزهري: عند خروج الإمام. وقال الضحاك: إذا ~~زالت الشمس حرم البيع والشراء {ذلكم} الذي ذكرت من حضور الجمعة وترك البيع، ~~{خير لكم} من المبايعة {إن كنتم تعلمون} مصالح أنفسكم. PageV08P117 # واعلم أن صلاة الجمعة من فروض الأعيان، فتجب على كل من جمع العقل، ~~والبلوغ، والحرية والذكورة والإقامة إذا لم يكن له عذر. ومن تركها استحق ~~الوعيد. # وأما الصبي والمجنون فلا جمعة عليهما، لأنهما ليسا من أهل أن ms2574 يلزمهما فرض ~~الأبدان لنقصان أبدانهما، ولا جمعة 164/أعلى النساء بالاتفاق: # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم ~~بن محمد، حدثني سلمة بن عبد الله الخطمي عن محمد بن كعب أنه سمع رجلا من ~~بني وائل يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تجب الجمعة على كل مسلم إلا ~~امرأة أو صبيا أو مملوكا" (1) وذهب أكثرهم إلى أنه لا جمعة على العبيد. ~~وقال الحسن وقتادة والأوزاعي: تجب على العبد المخارج، ولا تجب على المسافر ~~عند الأكثرين. # وقال النخعي والزهري: تجب على المسافر إذا سمع النداء، وكل من له عذر من ~~مرض أو تعهد مريض أو خوف، جاز له ترك الجمعة، وكذلك له تركها بعذر المطر ~~والوحل. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل [حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل] (2) ~~أخبرني عبد الحميد صاحب الزيادي، حدثنا عبد الله بن الحارث بن عمر، حدثنا ~~محمد بن سيرين قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: أشهد أن محمدا ~~رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة. قل: صلوا في بيوتكم. فكأن الناس ~~استنكروا فقال: فعله من هو خير مني إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أخرجكم ~~فتمشوا في الطين والدحض (3) . # وكل من لا يجب عليه حضور الجمعة، فإذا حضر وصلى مع الإمام [الجمعة] (4) ~~سقط عنه فرض الظهر، ولكن لا يكمل به عدد الجمعة إلا صاحب العذر، فإنه إذا ~~حضر يكمل به العدد. PageV08P118 # أخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو محمد ~~عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي في سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، أخبرنا ~~عيسى بن عمر بن العباس السمرقندي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن ~~الدارمي السمرقندي، أخبرنا يحيى بن حسان حدثنا معاوية بن سلام، أخبرني زيد ~~بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول حدثني الحكم بن مينا أن ابن عمر حدثه وأبا ms2575 ~~هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على أعواد منبره: ~~"لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من ~~الغافلين" (1) # أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس ~~المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا علي بن خشرم، أخبرنا عيسى بن ~~يونس، عن محمد بن عمرو عن عبيدة بن سفيان، عن أبي الجعد يعني الضميري قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها ~~طبع الله على قلبه" (2) # واختلف أهل العلم في موضع إقامة الجمعة، وفي العدد الذي تنعقد به الجمعة، ~~وفي المسافة التي يجب أن يؤتى منها: أما الموضع: فذهب قوم إلى أن كل قرية ~~اجتمع فيها أربعون رجلا من أهل الكمال، بأن يكونوا أحرارا عاقلين [بالغين] ~~(3) مقيمين لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا إلا ظعن حاجة، تجب عليهم إقامة ~~الجمعة فيها. وهو قول عبيد الله بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز وبه قال ~~الشافعي وأحمد وإسحاق. وقالوا: لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلا على ~~هذه الصفة، وشرط عمر بن عبد العزيز مع عدد الأربعين أن يكون فيهم وال، ~~والوالي غير شرط عند الشافعي. وقال علي: لا جمعة إلا في مصر جامع وهو قول ~~أصحاب الرأي. # ثم عند أبي حنيفة، رضي الله عنه تنعقد بأربعة، والوالي شرط وقال الأوزاعي ~~وأبو يوسف: PageV08P119 # تنعقد بثلاثة إذا كان فيهم وال. وقال الحسن وأبو ثور: تنعقد باثنين كسائر ~~الصلوات. وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلا. والدليل على جواز إقامتها في ~~القرى ما: أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن المثنى، أخبرنا ~~أبو عامر العقدي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي حمزة الضبعي عن ابن عباس ~~قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين (1) # وإذا كان الرجل مقيما في ms2576 قرية لا تقام فيها الجمعة، أو كان مقيما في ~~برية، فذهب قوم إلى أنه إن كان يبلغهم النداء من موضع الجمعة يلزمهم حضور ~~الجمعة، وإن كان لا يبلغهم النداء فلا جمعة عليهم. وهو قول الشافعي وأحمد ~~وإسحاق. والشرط أن يبلغهم نداء مؤذن جهوري الصوت يؤذن في وقت تكون الأصوات ~~فيه هادئة والرياح ساكنة، وكل قرية تكون في موضع الجمعة في القرب على هذا ~~القدر يجب على أهلها حضور الجمعة. # وقال سعيد بن المسيب: تجب على كل من آواه المبيت. وقال الزهري: تجب على ~~من كان على ستة أميال. وقال ربيعة: على أربعة أميال. وقال مالك والليث: على ~~ثلاثة أميال. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا جمعة على أهل السواد قريبة ~~كانت القرية أو بعيدة. # وكل من تلزمه صلاة الجمعة لا يجوز له أن يسافر يوم الجمعة بعد الزوال قبل ~~أن يصلي الجمعة، وجوز أصحاب الرأي أن يسافر بعد الزوال إذا كان يفارق البلد ~~قبل خروج الوقت. # أما إذا سافر قبل الزوال بعد طلوع الفجر فيجوز، غير أنه يكره إلا أن يكون ~~سفره سفر طاعة من حج أو غزو، وذهب بعضهم إلى أنه إذا أصبح يوم الجمعة مقيما ~~فلا يسافر حتى يصلي الجمعة، والدليل على جوازه ما: # أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس ~~المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى، حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا أبو معاوية عن ~~الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة، فغدا أصحابه، وقال: أتخلف ~~فأصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ألحقهم، فلما صلى مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم رآه فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ قال: أردت أن أصلي ~~معك ثم ألحقهم، فقال: "لو أنفقت ما في الأرض جميعا PageV08P120 # ما أدركت فضل غدوتهم" (1) وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع رجلا ~~عليه هيئة السفر يقول: لولا أن اليوم ms2577 يوم الجمعة لخرجت، فقال عمر: اخرج فإن ~~الجمعة لا تحبس عن سفر (2) # وقد ورد أخبار في سنن يوم الجمعة وفضله منها: ما أخبرنا أبو الحسن محمد ~~بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن ~~عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك 164/ب عن يزيد بن عبد الله بن ~~الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ~~أبي هريرة أنه قال: خرجت إلى [الطور] (3) فلقيت كعب الأحبار، فجلست معه ~~فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان فيما ~~حدثته أن قلت له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير يوم طلعت عليه ~~الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أهبط وفيه تيب عليه، وفيه مات وفيه ~~تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حين تطلع ~~الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو ~~يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه" قال كعب: ذلك في كل سنة يوم، فقلت: بل ~~في كل جمعة، قال: فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب ~~الأحبار وما حدثته في يوم الجمعة، فقال عبد الله بن سلام: قد علمت أية ساعة ~~هي هي آخر ساعة في يوم الجمعة، قال أبو هريرة: وكيف تكون آخر ساعة في يوم ~~الجمعة! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يصادفها عبد مسلم وهو ~~يصلي" وتلك ساعة لا يصلى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصليها؟ قال ~~أبو هريرة: بلى، قال: فهو ذاك (4) . PageV08P121 # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن ms2578 عمر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" (1) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد ~~بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد ~~المقبري، أخبرني أبي عن عبد الله بن وديعة عن سلمان الفارسي قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من ~~طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم ~~يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة ~~الأخرى" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، ~~حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة ~~بن عبد الرحمن وعن أبي أمامة يعني سهل بن حنيف حدثاه عن أبي سعيد وعن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل يوم الجمعة واستن ~~ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد، فلم ~~يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله أن يركع، وأنصت إذا خرج الإمام كانت ~~كفارة ما بينها وبين الجمعة التي كانت قبلها" (3) قال أبو هريرة: وزيادة ~~ثلاثة أيام لأن الله تعالى يقول: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" ~~(الأنعام -160) . # أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو القاسم بن جعفر ~~الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي، حدثنا أبو داود ~~سليمان بن الأشعث السجستاني، حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي، حدثنا ابن ~~المبارك عن الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية، حدثني أبو الأشعث الصنعاني، ~~حدثني أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ~~غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم ms2579 يركب، ودنا من الإمام ~~واستمع، ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها" (4) ~~PageV08P122 # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن ~~الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون ~~الناس على منازلهم الأول فالأول فإذا خرج الإمام طويت الصحف واستمعوا ~~الخطبة والمهجر إلى الصلاة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم ~~الذي يليه كالمهدي شاة ثم الذي يليه كالمهدي كبشا حتى ذكر الدجاجة والبيضة" ~~(1) . ### || # {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون (10) وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك ~~قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (11) } # قوله عز وجل {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} أي إذا فرغ من الصلاة ~~فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم {وابتغوا من فضل الله} يعني ~~الرزق وهذا أمر إباحة، كقوله: "وإذا حللتم فاصطادوا" (المائدة -2) قال ابن ~~عباس: إن شئت فاخرج وإن شئت فاقعد وإن شئت فصل إلى العصر، وقيل: فانتشروا ~~في الأرض ليس لطلب الدنيا ولكن لعيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله. ~~وقال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول: "وابتغوا من فضل الله" هو طلب العلم. # {واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} قوله عز وجل {وإذا رأوا تجارة أو لهوا ~~انفضوا إليها وتركوك قائما} الآية، أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد ~~بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ~~حفص بن عمر، حدثنا خالد بن عبد الله [أخبرنا حصين] (2) عن سالم بن أبي ~~الجعد وعن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: أقبلت عير يوم الجمعة ونحن ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم فثار الناس إلا اثني عشر رجلا فأنزل الله: ~~"وإذا رأوا ms2580 تجارة أو لهوا انفضوا إليها" (3) . PageV08P123 # ويحتج بهذا الحديث من يرى [إقامة] (1) الجمعة باثني عشر رجلا. وليس فيه ~~بيان أنه أقام بهم الجمعة حتى يكون حجة لاشتراط هذا العدد. وقال ابن عباس ~~في رواية الكلبي: لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط. # وقال الحسن وأبو مالك: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية بن ~~خليفة الكلبي بتجارة زيت من الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم ~~الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشوا أن يسبقوا إليه، فلم يبق مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا رهط منهم أبو بكر وعمر فنزلت هذه الآية، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفس محمد بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى ~~منكم أحد لسال بكم الوادي نارا" (2) # وقال مقاتل: بينا 165/أرسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ ~~قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة، وكان إذا قدم لم تبق بالمدينة ~~عاتق إلا أتته، وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق وبر وغيره، ~~فينزل عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، ثم يضرب بالطبل ليؤذن ~~الناس بقدومه فيخرج إليه الناس ليبتاعوا منه فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن ~~يسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس ~~فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "كم بقي في المسجد؟ فقالوا: اثنا عشر رجلا وامرأة، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء" فأنزل الله هذه ~~الآية (3) وأراد باللهو الطبل. # وقيل: كانت العير إذا قدمت المدينة استقبلوها بالطبل والتصفيق. وقوله: ~~"انفضوا إليها" رد الكناية إلى التجارة لأنها أهم. وقال علقمة: سئل عبد ~~الله بن عمر: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما أو قاعدا؟ قال: أما ~~تقرأ "وتركوك قائما". # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا ms2581 الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن ~~محمد، أخبرني جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله: كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة خطبتين قائما يفصل بينهما بجلوس (4) . ~~PageV08P124 # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو ~~بكر بن أبي شيبة، أخبرنا أبو الأحوص، عن سماك عن جابر بن سمرة قال: كان ~~للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس (1) # وبهذا الإسناد عن جابر بن سمرة قال: كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم فكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا (2) # والخطبة فريضة في صلاة الجمعة، ويجب أن يخطب قائما خطبتين، وأقل ما يقع ~~عليه اسم الخطبة: أن يحمد الله، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويوصي ~~بتقوى الله، هذه الثلاثة فرض في الخطبتين جميعا ويجب أن يقرأ في الأولى آية ~~من القرآن، ويدعو للمؤمنين في الثانية، فلو ترك واحدة من هذه الخمس لا تصح ~~جمعته عند الشافعي وذهب أبو حنيفة رضي الله عنه إلى أنه لو أتى بتسبيحة أو ~~تحميدة أو تكبيرة أجزأه. وهذا القدر لا يقع عليه اسم الخطبة، وهو مأمور ~~بالخطبة. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا عبد الله بن يوسف ~~بن محمد بن مامويه، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري بمكة، ~~حدثنا الحسن بن الصباح الزعفراني، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ~~عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع أن مروان استخلف أبا ~~هريرة على المدينة، فصلى بهم أبو هريرة الجمعة فقرأ سورة الجمعة في الركعة ~~الأولى وفي الثانية: "إذا جاءك المنافقون" (المنافقون -1) فقال عبيد الله: ~~فلما انصرفنا مشيت إلى جنبه فقلت له: لقد قرأت بسورتين سمعت علي بن أبي ~~طالب يقرأ بهما في الصلاة؟ فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما ~~(3) # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا ms2582 زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن ضمرة بن سعيد المازني عن عبيد الله ~~بن عبد الله بن عتبة أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا كان يقرأ ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على إثر سورة الجمعة؟ ~~PageV08P125 # فقال: كان يقرأ ب "هل أتاك حديث الغاشية" (1) . # أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس ~~المحبوبي، حدثنا أبو عيسى حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة عن إبراهيم بن محمد ~~بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة ب "سبح اسم ربك الأعلى" و"هل ~~أتاك حديث الغاشية" وربما اجتمع في يوم واحد فيقرأ بهما (2) . # ولجواز الجمعة خمس شرائط: الوقت وهو: وقت الظهر ما بين زوال الشمس إلى ~~دخول وقت العصر، والعدد والإمام والخطبة ودار الإقامة فإذا فقد شرط من هذه ~~الخمسة يجب أن يصلوها ظهرا.. # ولا يجوز للإمام أن يبتدئ الخطبة قبل اجتماع العدد، وهو عدد الأربعين عند ~~الشافعي فلو اجتمعوا وخطب بهم ثم انفضوا قبل افتتاح الصلاة أو انتقص واحد ~~من العدد لا يجوز أن يصلي بهم الجمعة، بل يصلي الظهر، ولو افتتح بهم الصلاة ~~ثم انفضوا فأصح أقوال الشافعي أن بقاء الأربعين شرط إلى آخر الصلاة، [كما ~~أن بقاء الوقت شرط إلى آخر الصلاة] (3) فلو انتقص واحد منهم قبل أن يسلم ~~الإمام يجب على الباقين أن يصلوها أربعا. وفيه قول آخر: إن بقي معه اثنان ~~أتمها جمعة. وقيل: إن بقي معه واحد أتمها جمعة، وعند المزني إذا نقصوا بعد ~~ما صلى الإمام بهم ركعة أتمها جمعة، وإن بقي وحده فإن كان في الركعة الأولى ~~يتمها أربعا وإن انتقص من العدد واحد، وبه قال أبو حنيفة في العدد الذي ~~شرطه كالمسبوق إذا أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة فإذا سلم الإمام أتمها ~~جمعة وإن أدرك أقل من ركعة أتمها أربعا. . # قوله عز ms2583 وجل: {قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة} أي ما عند الله ~~من الثواب على الصلاة والثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم خير من اللهو ~~ومن التجارة {والله خير الرازقين} لأنه موجد الأرزاق فإياه فاسئلوا ومنه ~~فاطلبوا. PageV08P126 ### | سورة المنافقون # مدنية (1) # بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل ~~الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون (3) وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع ~~لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله ~~أنى يؤفكون (4) } # {إذا جاءك المنافقون} يعني عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه، {قالوا نشهد ~~إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} ~~لأنهم أضمروا خلاف ما أظهروا. {اتخذوا أيمانهم جنة} سترة، {فصدوا عن سبيل ~~الله} منعوا الناس عن الجهاد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. # {إنهم ساء ما كانوا يعملون} {ذلك بأنهم آمنوا} أقروا باللسان إذا رأوا ~~المؤمنين، {ثم كفروا} إذا خلوا إلى المشركين، {فطبع على قلوبهم} بالكفر، ~~{فهم لا يفقهون} 165/ب الإيمان. {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} يعني أن لهم ~~أجساما ومناظر، {وإن يقولوا تسمع لقولهم} فتحسب أنه صدق، قال عبد الله بن ~~عباس: كان عبد الله بن أبي جسيما فصيحا ذلق PageV08P126 # اللسان، فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله. {كأنهم خشب مسندة} ~~أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام. قرأ أبو عمرو والكسائي: "خشب" بسكون ~~الشين، وقرأ الباقون بضمها. # {مسندة} ممالة إلى جدار، من قولهم: أسندت الشيء، إذا أملته، والتثقيل ~~للتكثير، وأراد أنها ليست بأشجار تثمر، ولكنها خشب مسندة إلى حائط، {يحسبون ~~كل صيحة عليهم} أي لا يسمعون صوتا في العسكر بأن نادى مناد أو انفلتت دابة ~~وأنشدت ضالة، إلا ظنوا -من جبنهم وسوء ظنهم -أنهم يرادون بذلك، وظنوا أنهم ~~قد أتوا، لما في قلوبهم من ms2584 الرعب. # وقيل: ذلك لكونهم على وجل من أن ينزل الله فيهم أمرا يهتك أستارهم ويبيح ~~دماءهم ثم قال: {هم العدو} وهذا ابتداء وخبره، {فاحذرهم} ولا تأمنهم، ~~{قاتلهم الله} لعنهم الله {أنى يؤفكون} يصرفون عن الحق. # PageV08P130 ### || # {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون ~~وهم مستكبرون (5) سواء عليهم أأستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله ~~لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين (6) } # {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم} أي عطفوا ~~وأعرضوا بوجوههم رغبة عن الاستغفار. قرأ نافع ويعقوب "لووا" بالتخفيف، وقرأ ~~الآخرون بالتشديد، لأنهم فعلوه مرة بعد مرة. # {ورأيتهم يصدون} يعرضون عما دعوا إليه، {وهم مستكبرون} متكبرون عن ~~استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم. {سواء عليهم أستغفرت لهم} يا ~~محمد، {أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين} ~~ذكر محمد بن إسحاق وغيره عن جماعة، من أصحاب السير أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بلغه: أن بني المصطلق يجتمعون لحربه وقائدهم الحارث بن أبي ضرار ~~أبو [جويرة] (1) زوج النبي PageV08P130 # صلى الله عليه وسلم، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ~~إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى ~~الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق، وقتل من قتل منهم، ~~ونقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءها ~~[عليهم] (1) فبينما الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن ~~الخطاب أجير له من بني غفار، يقال له جهجاه بن سعيد الغفاري يقود له فرسه ~~فازدحم جهجاه وسنان بن وبرة الجهني، حليف بني عوف بن الخزرج، على [ذلك] (2) ~~الماء فاقتتلا فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار! وصرخ الغفاري: يا معشر ~~المهاجرين! وأعان جهجاها الغفاري رجل من المهاجرين يقال له جعال، وكان ~~فقيرا، فغضب عبد الله بن أبي ابن سلول وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم، ~~غلام حديث السن، ms2585 فقال ابن أبي: أفعلوها؟ فقد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، ~~والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم ~~بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عن ~~جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولتحولوا إلى غير بلادكم، فلا ~~تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد، فقال زيد بن أرقم: أنت -والله ~~-الذليل القليل المبغض في قومك، محمد صلى الله عليه وسلم في عز من الرحمن ~~ومودة من المسلمين، فقال عبد الله بن أبي: اسكت، فإنما كنت ألعب. قال: فمشى ~~زيد بن أرقم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [وذلك] (3) بعد فراغه من ~~الغدو، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: دعني أضرب عنقه يا رسول ~~الله قال: كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ ولكن أذن ~~بالرحيل وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها ~~فارتحل الناس. # وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي فأتاه فقال: أنت ~~صاحب هذا الكلام الذي بلغني؟ فقال عبد الله: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت ~~شيئا من ذلك، وإن زيدا لكاذب، وكان عبد الله في قومه شريفا عظيما، فقال من ~~حضر من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ~~ولم يحفظ ما قاله. فعذره النبي صلى الله عليه وسلم وفشت الملامة في الأنصار ~~لزيد، وكذبوه، وقال له عمه [وكان زيد معه] (4) ما أردت إلى أن كذبك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، والناس مقتوك، وكان زيد يساير النبي صلى الله ~~عليه وسلم فاستحيا بعد ذلك أن يدنو من النبي صلى الله عليه وسلم. ~~PageV08P131 # فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه ~~بتحية النبوة ms2586 وسلم عليه، ثم قال: يا رسول الله لقد رحت في ساعة منكرة ما ~~كنت تروح فيها. # فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوما بلغك ما قال صاحبكم عبد الله ~~بن أبي؟ قال: وما قال؟ قال: زعم إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل. ~~فقال أسيد: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت ~~العزيز، ثم قال: يا رسول الله ارفق به فوالله لقد جاء الله بك، وإن قومه ~~لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا. # وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه فأتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن ~~أبي، لما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله ~~لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني، وإني أخشى أن تأمر به ~~غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في ~~الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر، فأدخل النار. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا. # قالوا: وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم ~~حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، [ثم نزل بالناس] (1) فلم يكن ~~إلا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما. وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث ~~الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي. # ثم راح بالناس حتى نزل [على ماء ب] (2) الحجاز فويق النقيع، يقال له نقعا ~~فهاجت ريح شديدة 166/أآذتهم وتخوفوها وضلت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وذلك ليلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تخافوا فإنما هبت لموت ~~عظيم من عظماء الكفار توفي بالمدينة، قيل: من هو، قال: رفاعة بن زيد بن ~~التابوت، فقال رجل من المنافقين: كيف يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ~~ناقته؟ ms2587 ألا يخبره الذي يأتيه بالوحي! فأتاه جبريل فأخبره بقول المنافق ~~وبمكان الناقة، وأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وقال: ما ~~أزعم أني أعلم الغيب وما أعلمه، ولكن الله أخبرني بقول المنافق وبمكان ~~ناقتي، هي في الشعب قد تعلق زمامها بشجرة فخرجوا يسعون قبل الشعب فإذا هي ~~كما قال، فجاءوا بها وآمن ذلك المنافق. # فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت قد مات ذلك اليوم، ~~وكان من عظماء اليهود وكهفا للمنافقين، فلما وافى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة، قال زيد بن أرقم: جلست في البيت PageV08P132 # لما بي من الهم والحياء، فأنزل الله تعالى سورة المنافقين في تصديق زيد ~~وتكذيب عبد الله. فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد ~~وقال: "يا زيد إن الله صدقك وأوفى بأذنك". # وكان عبد الله بن أبي بقرب المدينة، فلما أراد أن يدخلها جاءه ابنه عبد ~~الله بن عبد الله حتى أناخ على مجامع طرق المدينة، فلما جاء عبد الله بن ~~أبي قال: [وراءك، قال:] (1) مالك ويلك؟ قال: لا والله لا تدخلها أبدا إلا ~~بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتعلمن اليوم من الأعز من الأذل، فشكا ~~عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع ابنه، فأرسل إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن خل عنه حتى يدخل، فقال: أما إذا جاء أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فنعم، فدخل فلم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ~~ومات. # قالوا: فلما نزلت الآية وبان كذب عبد الله بن أبي قيل له: يا أبا حباب ~~إنه قد نزل فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، ~~فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أؤمن فآمنت، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي ~~فقد أعطيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فأنزل الله تعالى: "وإذا قيل لهم ~~تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم" (2) الآية. ونزل: {هم الذين ~~يقولون لا تنفقوا ms2588 على من عند رسول الله حتى ينفضوا} ### || # {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن ~~السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون (7) يقولون لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن ~~المنافقين لا يعلمون (8) } # {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} يتفرقوا، ~~{ولله خزائن السماوات والأرض} فلا يعطي أحد أحدا شيئا إلا بإذنه ولا يمنعه ~~إلا بمشيئته، {ولكن المنافقين لا يفقهون} أن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ~~كن فيكون. {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة} من غزوة بني المصطلق، {ليخرجن ~~الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} فعزة الله: قهره من دونه، ~~وعزة رسوله: إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين: نصر الله إياهم ~~على أعدائهم. {ولكن المنافقين لا يعلمون} ، ذلك ولو علموا ما قالوا هذه ~~المقالة. PageV08P133 ### || # {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ~~ذلك فأولئك هم الخاسرون (9) وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (10) } # قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم} ، لا تشغلكم {أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله} ، قال المفسرون يعني الصلوات الخمس، نظيره قوله: "لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" (النور -37) {ومن يفعل ذلك} ، أي من ~~شغله ماله وولده عن ذكر الله {فأولئك هم الخاسرون} . {وأنفقوا من ما ~~رزقناكم} ، قال ابن عباس: يريد زكاة الأموال، {من قبل أن يأتي أحدكم الموت} ~~، فيسأل الرجعة، {فيقول رب لولا أخرتني} ، هلا أخرتني أمهلتني. وقيل: "لا" ~~صلة، فيكون الكلام بمعنى التمني، أي: لو أخرتني، {إلى أجل قريب فأصدق} ، ~~فأتصدق وأزكي مالي، {وأكن من الصالحين} ، أي من المؤمنين. # نظيره قوله تعالى: "ومن صلح من آبائهم" (الرعد -23) (غافر -8) ، هذا قول ~~مقاتل وجماعة. وقالوا: نزلت الآية في المنافقين. وقيل: [نزلت] (1) الآية في ~~المؤمنين. # والمراد بالصلاح هنا: الحج. وروى الضحاك، وعطية عن ابن عباس ms2589 قال: ما من ~~أحد يموت وكان له مال لم يؤد زكاته وأطاق الحج فلم يحج إلا سأل الرجعة عند ~~الموت. وقرأ هذه الآية (2) وقال: "وأكن من الصالحين" قرأ أبو عمرو "وأكون" ~~بالواو ونصب النون على جواب التمني وعلى لفظ فأصدق، قال: إنما حذفت الواو ~~من المصحف اختصارا. # وقرأ الآخرون: "وأكن" بالجزم عطفا على قوله "فأصدق" لو لم يكن فيه الفاء، ~~لأنه لو لم يكن فيه فاء كان جزما. يعني: إن أخرتني أصدق وأكن، ولأنه مكتوب ~~في المصحف بحذف الواو. PageV08P134 ### || # {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون (11) } # {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون} قرأ أبو بكر: ~~"يعملون" بالياء وقرأ الآخرون بالتاء. # PageV08P135 ### | سورة التغابن # مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير (1) هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير ~~(2) } # قال عطاء هي مكية إلا ثلاث آيات (2) من قوله: "يا أيها الذين آمنوا إن من ~~أزواجكم وأولادكم" إلى آخرهن. {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ~~والله بما تعملون بصير} ، قال ابن عباس: [إن] (3) الله خلق بني آدم مؤمنا ~~وكافرا، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا (4) . # وروينا عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام طبع كافرا" (5) # وقال جل ذكره "ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا" (نوح-27) . PageV08P136 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا ~~حماد، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس [عن أنس] (1) عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "وكل الله بالرحم ملكا فيقول: أي رب نطفة أي رب علقة، أي رب ~~مضغة، ms2590 فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: يا رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد؟ ~~فما الرزق فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه" (2) # وقال جماعة: معنى الآية: إن الله خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا لأن الله ~~تعالى ذكر الخلق ثم وصفهم بفعلهم، فقال: "فمنكم كافر ومنكم مؤمن" كما قال ~~الله تعالى: "والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي" (النور-45) والله ~~خلقهم والمشي فعلهم. ثم اختلفوا في تأويلها: روي عن أبي سعيد الخدري أنه ~~قال: "فمنكم كافر" في حياته "مؤمن" في العاقبة "ومنكم مؤمن" في حياته كافر ~~في العاقبة. # وقال عطاء بن أبي رباح: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب، ومنكم مؤمن ~~بالله كافر بالكواكب (3) . # وقيل 165/ب فمنكم كافر بأن الله تعالى خلقه، وهو مذهب الدهرية، ومنكم ~~مؤمن بأن الله خلقه (4) # وجملة القول فيه: أن الله خلق الكافر وكفره فعل له وكسب وخلق المؤمن ~~وإيمانه فعل له وكسب فلكل واحد من الفريقين كسب واختيار وكسبه واختياره ~~بتقدير الله ومشيئته فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان لأن الله ~~تعالى أراد ذلك منه وقدره عليه وعلمه منه، والكافر بعد خلق الله تعالى إياه ~~يختار الكفر لأن الله تعالى أراد ذلك منه وقدره عليه وعلمه منه. وهذا طريق ~~أهل السنة والجماعة من سلكه أصاب الحق وسلم من الجبر والقدر. PageV08P140 ### || # {خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير (3) يعلم ما ~~في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور (4) ~~ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (5) ~~ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله والله غني حميد (6) زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي ~~لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير (7) فآمنوا بالله ورسوله ~~والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير (8) يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك ~~يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين ms2591 فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (9) } # {يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات ~~الصدور} # {ألم يأتكم} يخاطب كفار مكة {نبأ الذين كفروا من قبل} يعني: الأمم ~~الخالية {فذاقوا وبال أمرهم} يعني ما لحقهم من العذاب في الدنيا {ولهم عذاب ~~أليم} في الآخرة. {ذلك} العذاب {بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا ~~أبشر يهدوننا} ولم يقل: يهدينا لأن البشر وإن كان لفظه واحدا فإنه في معنى ~~الجمع، وهو اسم الجنس لا واحد له من لفظه وواحده إنسان، ومعناها: ينكرون ~~ويقولون آدمي مثلنا يهدينا! {فكفروا وتولوا واستغنى الله} عن إيمانهم ~~{والله غني} عن خلقه {حميد} في أفعاله. ثم أخبر عن إنكارهم البعث فقال جل ~~ذكره: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل} {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ~~قل} يا محمد {بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير ~~فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا} وهو القرآن {والله بما تعملون ~~خبير} {يوم يجمعكم ليوم الجمع} يعني يوم القيامة يجمع فيه أهل السماوات ~~والأرض {ذلك يوم التغابن} وهو تفاعل من الغبن وهو فوت الحظ، والمراد ~~بالمغبون من غبن عن أهله ومنازله في الجنة، فيظهر يومئذ غبن كل كافر بتركه ~~الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ~~يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} قرأ أهل المدينة # PageV08P141 # والشام: "نكفر" "وندخله" وفي سورة الطلاق "ندخله" بالنون فيهن، وقرأ ~~الآخرون بالياء {خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} # PageV08P142 ### || # {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير ~~(10) ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل ~~شيء عليم (11) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا ~~البلاغ المبين (12) الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13) يا ~~أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا ~~وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم (14) } # {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها ms2592 وبئس ~~المصير} # {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله} [بإرادته وقضائه] (1) {ومن يؤمن بالله} ~~فيصدق أنه لا يصيبه مصيبة إلا بإذن الله {يهد قلبه} يوفقه لليقين حتى يعلم ~~أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيسلم [لقضائه] (2) ~~{والله بكل شيء عليم} . # {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ ~~المبين} # {الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون} . قوله عز وجل: {يا ~~أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} قال ابن عباس: ~~هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يهاجروا إلى المدينة، فمنعهم ~~أزواجهم وأولادهم، وقالوا: صبرنا على إسلامكم فلا نصبر على فراقكم فأطاعوهم ~~وتركوا الهجرة (3) [فقال تعالى: {فاحذروهم} أن تطيعوهم وتدعوا الهجرة] (4) ~~. PageV08P142 # {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} هذا فيمن أقام على الأهل ~~والولد ولم يهاجر، فإذا هاجر رأى الذين سبقوه بالهجرة قد فقهوا في الدين هم ~~أن يعاقب زوجه وولده الذين ثبطوا عن الهجرة، وإن لحقوا به في دار الهجرة لم ~~ينفق عليهم ولم يصبهم بخير، فأمرهم الله تعالى بالعفو عنهم والصفح. # وقال عطاء بن يسار: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي: كان ذا أهل وولد، وكان ~~إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق لهم ويقيم ~~(1) فأنزل الله: "إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم" بحملهم إياكم على ترك ~~الطاعة، فاحذروهم أن تقبلوا منهم. # {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا} فلا تعاقبوهم على خلافهم إياكم فالله غفور ~~رحيم. ### || # {إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (15) } # {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} بلاء واختبار وشغل عن الآخرة يقع بسببها ~~الإنسان في العظائم ومنع الحق وتناول الحرام {والله عنده أجر عظيم} قال ~~بعضهم: لما ذكر الله العداوة أدخل فيه "من" للتبعيض، فقال: "إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم" لأن كلهم ليسوا [بأعداء] (2) ولم يذكر "من" في قوله: ~~"إنما أموالكم وأولادكم فتنة" لأنها لا تخلو عن الفتنة واشتغال القلب. # وكان عبد الله بن مسعود يقول: لا يقولن أحدكم: ms2593 اللهم إني أعوذ بك من ~~الفتنة، فإنه ليس منكم أحد يرجع إلى مال وأهل وولد إلا وهو مشتمل على فتنة، ~~ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن (3) # أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك المظفري، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن ~~محمد بن الفضل الفقيه، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إسحاق الفقيه، حدثنا أحمد ~~بن بكر بن يوسف حدثنا علي بن الحسن، أخبرنا الحسين بن واقد، عن عبد الله بن ~~بريدة قال سمعت أبا بريدة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا، ~~فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ~~PageV08P143 # صلى الله عليه وسلم من المنبر، فحملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: "صدق ~~الله: إنما أموالكم وأولادكم فتنة، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، ~~فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما" (1) ### || # {فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق ~~شح نفسه فأولئك هم المفلحون (16) إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ~~ويغفر لكم والله شكور حليم (17) عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم (18) } # {فاتقوا الله ما استطعتم} أطقتم هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: "اتقوا ~~الله حق تقاته" (آل عمران-102) {واسمعوا وأطيعوا} الله ورسوله {وأنفقوا ~~خيرا لأنفسكم} أنفقوا من أموالكم خيرا لأنفسكم. {ومن يوق شح نفسه} حتى يعطي ~~حق الله من ماله {فأولئك هم المفلحون} . PageV08P144 ### | سورة الطلاق # مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا ~~الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك ~~حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا (1) } # {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} نادى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ~~خاطب أمته لأنه السيد المقدم، فخطاب الجميع معه. # وقيل: مجازه: يا أيها النبي قل لأمتك "إذا طلقتم النساء" إذا أردتم ~~تطليقهن، كقوله عز وجل: "فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله" (النحل-98) أي: ~~إذا أردت القراءة. # {فطلقوهن لعدتهن} أي لطهرهن ms2594 بالذي يحصينه من عدتهن. وكان ابن عباس وابن ~~عمر يقرآن: "فطلقوهن في قبل عدتهن" نزلت هذه الآية في عبد الله [بن عمر] ~~(2) كان قد طلق امرأته في حال الحيض (3) . # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه، ~~أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك ~~[عن نافع] (4) عن عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن ذلك، فقال: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض [ثم تطهر] (5) ثم ~~إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن ~~تطلق لها النساء (6) . PageV08P145 # ورواه سالم عن ابن عمر قال: "مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا" ~~(1) . # ورواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين عن ابن عمر، ولم يقولا ثم تحيض ثم تطهر ~~(2) . # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم ~~وسعيد بن سالم، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن ~~أيمن مولى عزة يسأل عبد الله بن عمر -وأبو الزبير يسمع -فقال: كيف ترى في ~~رجل طلق امرأته حائضا؟ فقال ابن عمر: طلق عبد الله بن عمر امرأته حائضا ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك" ~~قال ابن عمر: وقال الله عز وجل: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~في قبل عدتهن أو لقبل عدتهن" الشافعي يشك. # ورواه حجاج بن محمد عن ابن جريج، وقال: قال ابن عمر: وقرأ النبي صلى الله ~~عليه وسلم: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن (3) . # اعلم أن الطلاق في حال الحيض والنفاس بدعة، وكذلك في الطهر الذي جامعها ~~فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وإن شاء طلق قبل أن يمس". ms2595 # والطلاق السني: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه. وهذا في حق امرأة ~~تلزمها العدة بالأقراء. # فأما إذا طلق غير المدخول بها في حال الحيض أو طلق الصغيرة التي لم تحض ~~قط أو الآيسة بعد ما جامعها أو طلق الحامل بعد ما جامعها أو في حال رؤية ~~الدم لا يكون بدعيا. ولا سنة ولا بدعة في طلاق هؤلاء لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا". # والخلع في حال الحيض أو في طهر جامعها [فيه] (4) لا يكون بدعيا لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس في مخالعة زوجته من غير أن يعرف حالها ~~ولولا جوازه في جميع الأحوال لأشبه أن يتعرف الحال. # ولو طلق امرأته في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه قصدا يعصي الله تعالى ~~ولكن يقع PageV08P148 # الطلاق لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر بالمراجعة فلولا وقوع ~~الطلاق لكان لا يأمر بالمراجعة، وإذا راجعها في حال الحيض يجوز أن يطلقها ~~في الطهر الذي يعقب تلك الحيضة قبل المسيس كما رواه يونس بن جبير وأنس بن ~~سيرين عن ابن عمر. # وما رواه نافع عن ابن عمر: "ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر" ~~فاستحباب، استحب تأخير الطلاق إلى الطهر الثاني حتى لا يكون مراجعته إياها ~~للطلاق كما يكره النكاح للطلاق. # ولا بدعة في الجمع بين الطلقات الثلاث، عند بعض أهل العلم حتى لو طلق ~~امرأته في حال الطهر ثلاثا لا يكون بدعيا، وهو قول الشافعي وأحمد. وذهب ~~بعضهم إلى أنه بدعة، وهو قول مالك وأصحاب الرأي. # قوله عز وجل: {وأحصوا العدة} أي عدد أقرائها احفظوها قيل: أمر بإحصاء ~~العدة لتفريق الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثا. وقيل: للعلم ~~ببقاء زمان الرجعة ومراعاة أمر النفقة والسكنى. # {واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن} أراد به إذا كان المسكن الذي ~~طلقها فيه للزوج لا يجوز له أن يخرجها منه {ولا يخرجن} ولا يجوز لها أن ~~تخرج ما لم ms2596 تنقض عدتها فإن خرجت لغير ضرورة أو حاجة أثمت فإن وقعت ضرورة ~~-وإن خافت هدما أو غرقا -لها أن تخرج إلى منزل آخر، وكذلك إن كان لها حاجة ~~من بيع غزل أو شراء قطن فيجوز لها الخروج نهارا ولا يجوز ليلا فإن رجالا ~~استشهدوا بأحد فقالت نساؤهم: نستوحش في بيوتنا فأذن لهن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يتحدثن عند إحداهن، فإذا كان وقت النوم تأوي كل امرأة إلى ~~بيتها (1) وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لخالة جابر طلقها زوجها أن تخرج ~~لجذاذ نخلها (2) . # وإذا لزمتها العدة في السفر تعتد ذاهبة وجائية والبدوية [تتبوأ] (3) حيث ~~يتبوأ أهلها في العدة لأن الانتقال في حقهم كالإقامة في حق المقيم. # قوله: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال ابن عباس: "الفاحشة المبينة" أن ~~تبذو على أهل PageV08P149 # زوجها فيحل إخراجها (1) . # وقال جماعة: أراد بالفاحشة: أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها ثم ترد إلى ~~منزلها يروى ذلك عن ابن مسعود (2) . # وقال قتادة: معناه إلا أن يطلقها على نشوزها فلها أن تتحول من بيت زوجها ~~(3) والفاحشة: النشوز. # وقال ابن عمر والسدي: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة (4) . # {وتلك حدود الله} يعني: ما ذكر من سنة الطلاق وما بعدها {ومن يتعد حدود ~~الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} 167/أيوقع في قلب ~~الزوج مراجعتها بعد الطلقة والطلقتين. وهذا يدل على أن المستحب أن يفرق ~~الطلقات، ولا يوقع الثلاث دفعة واحدة، حتى إذا ندم أمكنه المراجعة. ### || # {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن ~~يتق الله يجعل له مخرجا (2) } # {فإذا بلغن أجلهن} أي قربن من انقضاء عدتهن {فأمسكوهن} أي راجعوهن ~~{بمعروف أو فارقوهن بمعروف} أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فتبين منكم ~~{وأشهدوا ذوي عدل منكم} على الرجعة والفراق. أمر بالإشهاد على الرجعة وعلى ~~الطلاق. {وأقيموا الشهادة} أيها الشهود {لله} # {ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ms2597 ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا} قال PageV08P150 # عكرمة والشعبي والضحاك: ومن يتق الله فيطلق للسنة يجعل له مخرجا إلى ~~الرجعة (1) . # وأكثر المفسرين قالوا: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، أسر المشركون ابنا ~~له يسمى مالكا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أسر العدو ~~ابني، وشكا أيضا إليه الفاقة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اتق الله ~~واصبر وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ففعل الرجل [ذلك] (2) ~~فبينما هو في بيته إذ أتاه ابنه وقد غفل عنه العدو، فأصاب إبلا وجاء بها ~~إلى أبيه (3) . # وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتغفل عنه العدو، فاستاق ~~غنمهم، فجاء بها إلى أبيه، وهي أربعة آلاف شاة. فنزلت: "ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا" (4) في ابنه. ### || # {ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره ~~قد جعل الله لكل شيء قدرا (3) } # {ويرزقه من حيث لا يحتسب} ما ساق من الغنم. # وقال مقاتل: أصاب غنما ومتاعا ثم رجع إلى أبيه، فانطلق أبوه إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر، وسأله: أيحل له أن يأكل ما أتى به ابنه؟ ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، وأنزل الله هذه الآية. # قال ابن مسعود: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا" هو أن يعلم أنه من قبل الله ~~وأن الله رازقه. # وقال الربيع بن خيثم: "يجعل له مخرجا" من كل شيء ضاق على الناس (5) . # وقال أبو العالية: "مخرجا" من كل شدة. # وقال الحسن: "مخرجا" عما نهاه عنه. {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} يتق ~~الله فيما نابه كفاه ما أهمه. # وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو أنكم تتوكلون على الله حق ~~توكله لرزقكم كما يرزق الطير PageV08P151 # تغدو خماصا وتروح بطانا" (1) . # {إن الله بالغ أمره} قرأ طلحة بن مصرف، وحفص عن عاصم: "بالغ أمره" ~~بالإضافة، وقرأ الآخرون "بالغ" [بالتنوين] (2) "أمره" نصب أي منفذ أمره ممض ~~في خلقه قضاءه. ms2598 {قد جعل الله لكل شيء قدرا} أي جعل لكل شيء من الشدة ~~والرخاء أجلا ينتهي إليه. # قال مسروق: في هذه الآية "إن الله بالغ أمره" توكل عليه أو لم يتوكل، غير ~~أن المتوكل عليه يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا. ### || # {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي ~~لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره ~~يسرا (4) } # قوله عز وجل {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم} فلا ترجون أن يحضن {إن ~~ارتبتم} أي شككتم فلم تدروا ما عدتهن {فعدتهن ثلاثة أشهر} # قال مقاتل: لما نزلت: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" ~~(البقرة-228) قال خلاد بن النعمان بن قيس الأنصاري: يا رسول الله فما عدة ~~من لا تحيض والتي لم تحض وعدة الحبلى؟ فأنزل الله: "واللائي يئسن من المحيض ~~من نسائكم" (3) يعني القواعد اللائي قعدن عن الحيض "إن ارتبتم" شككتم في ~~حكمها "فعدتهن ثلاثة أشهر". # {واللائي لم يحضن} يعني الصغار اللائي لم يحضن فعدتهن أيضا ثلاثة أشهر. ~~أما الشابة التي كانت تحيض فارتفع حيضها قبل بلوغها سن الآيسات: فذهب أكثر ~~أهل العلم إلى أن عدتها لا تنقضي حتى يعاودها الدم فتعتد بثلاثة أقراء أو ~~تبلغ سن الآيسات فتعتد بثلاثة أشهر. وهو PageV08P152 # قول عثمان وعلي وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وبه قال عطاء وإليه ذهب ~~الشافعي وأصحاب الرأي. # وحكي عن عمر: أنها تتربص تسعة أشهر فإن لم تحض تعتد بثلاثة أشهر [وهو قول ~~مالك. # وقال الحسن: تتربص سنة فإن لم تحض تعتد بثلاثة أشهر] (1) . وهذا كله في ~~عدة الطلاق. # أما المتوفى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشرا سواء كانت ممن تحيض أو ~~لا تحيض. # أما الحامل فعدتها بوضع الحمل سواء طلقها زوجها أو مات عنها لقوله تعالى: ~~{وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} # أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان عن ~~الزهري عن عبيد الله ms2599 [بن عبد الله] (2) عن أبيه: أن سبيعة بنت الحارث وضعت ~~بعد وفاة زوجها بليال فمر بها أبو السنابل بن بعكك [فقال] (3) قد تصنعت ~~للأزواج إنها أربعة أشهر وعشر فذكرت ذلك سبيعة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: "كذب أبو السنابل -أو: ليس كما قال أبو السنابل -قد حللت ~~فتزوجي" (4) . # {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} يسهل عليه أمر الدنيا والآخرة. ### || # {ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ~~(5) } # {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات ~~حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا ~~بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) } # {ذلك} يعني ما ذكر من الأحكام {أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر ~~عنه سيئاته ويعظم له أجرا} {أسكنوهن} يعني مطلقات نسائكم {من حيث سكنتم} ~~"من" صلة، أي: أسكنوهن حيث سكنتم {من وجدكم} يعني: سعتكم وطاقتكم، يعني: إن ~~كان موسرا يوسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان فقيرا فعلى قدر الطاقة ~~{ولا تضاروهن} لا تؤذوهن {لتضيقوا عليهن} مساكنهن فيخرجن {وإن كن أولات حمل ~~فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} فيخرجن من عدتهن. # PageV08P153 # اعلم أن المعتدة الرجعية تستحق على الزوج النفقة والسكنى ما دامت في ~~العدة. ونعني بالسكنى: مؤنة السكنى فإن كانت الدار التي طلقها فيها ملكا ~~للزوج يجب على الزوج أن يخرج ويترك الدار لها مدة عدتها وإن كانت بإجارة ~~فعلى الزوج الأجرة، وإن كانت عارية فرجع المعير فعليه أن يكتري 167/ب لها ~~دارا تسكنها. # فأما المعتدة البائنة بالخلع أو الطلقات الثلاث [أو باللعان فلها السكنى ~~حاملا كانت أو حائلا عند أكثر أهل العلم] (1) . # روي عن ابن عباس أنه قال: لا سكنى لها إلا أن تكون حاملا وهو قول الحسن ~~وعطاء والشعبي. # واختلفوا في نفقتها: فذهب قوم إلى أنه لا نفقة لها إلا أن تكون حاملا. ~~روي ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن وعطاء والشعبي وبه قال الشافعي وأحمد ~~(2) . # ومنهم ms2600 من أوجبها بكل حال روي ذلك عن ابن مسعود، وهو قول إبراهيم النخعي ~~وبه قال الثوري وأصحاب الرأي. # وظاهر القرآن يدل على أنها لا تستحق إلا أن تكون حاملا لأن الله تعالى ~~قال: "وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن". # والدليل عليه من جهة السنة ما: # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو ~~إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود ~~بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص ~~طلقها البتة وهو غائب بالشام، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ~~ما لك علينا من شيء. فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له. ~~فقال لها: ليس لك عليه نفقة، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك. ثم قال: تلك ~~امرأة يغشاها أصحابي فاعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، ~~فإذا حللت فآذنيني. قالت: فلما حللت، ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا ~~جهم خطباني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أبو جهم فلا يضع عصاه ~~عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، قالت: ~~فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة، فنحكته فجعل PageV08P154 # الله فيه خيرا واغتبطت به (1) . # واحتج من لم يجعل لها السكنى بحديث فاطمة بنت قيس: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمرها أن تعتد في بيت عمرو بن أم مكتوم. # ولا حجة فيه، لما روي عن عائشة أنها قالت: كانت فاطمة في مكان وحش، فخيف ~~على ناحيتها (2) . # وقال سعيد بن المسيب: إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها وكان ~~للسانها ذرابة (3) . # أما المعتدة عن وطء الشبهة والمفسوخ نكاحها بعيب أو خيار عتق فلا سكنى ~~لها ولا نفقة وإن كانت حاملا. # [والمعتدة عن وفاة الزوج لا نفقة لها حاملا] (4) كانت أو حائلا عند أكثر ~~أهل العلم، وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أن لها النفقة إن ms2601 كانت حاملا من ~~التركة حتى تضع، وهو قول شريح والشعبي والنخعي والثوري. (5) . # واختلفوا في سكناها وللشافعي رضي الله عنه فيه قولان: أحدهما لا سكنى لها ~~بل تعتد حيث تشاء، وهو قول علي وابن عباس وعائشة. وبه قال عطاء والحسن، وهو ~~قول أبي حنيفة رضي الله عنه. # والثاني: لها السكنى وهو قول عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن ~~عمر، وبه قال مالك وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق (6) . # واحتج من أوجب لها السكنى بما: PageV08P155 # أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ~~أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب ~~بنت كعب: أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري أخبرتها: ~~أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في ~~بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم ~~لحقهم، فقتلوه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أرجع إلى أهلي فإن ~~زوجي لم يتركني في منزل يملكه ولا نفقة؟ فقالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: نعم، فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر ~~بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعيت له فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: كيف قلت؟ قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، فقال: امكثي ~~[في بيتك] (1) حتى يبلغ الكتاب أجله. قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا. ~~قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به (2) . # فمن قال بهذا القول قال: إذنه لفريعة أولا بالرجوع إلى أهلها صار منسوخا ~~بقوله [آخرا] (3) "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله". # ومن لم يوجب السكنى قال: أمرها بالمكث في بيتها آخرا استحبابا لا وجوبا. # قوله عز وجل {فإن أرضعن لكم} أي أرضعن أولادكم {فآتوهن أجورهن} على ~~إرضاعهن {وأتمروا بينكم بمعروف} [ليقبل بعضكم من بعض إذا أمره ms2602 بالمعروف] ~~(4) قال الكسائي: شاوروا قال مقاتل: بتراضي الأب والأم على أجر مسمى. ~~والخطاب للزوجين جميعا يأمرهم أن يأتوا بالمعروف وبما هو الأحسن، ولا ~~يقصدوا الضرار. {وإن تعاسرتم} في الرضاع والأجرة فأبى الزوج أن يعطي المرأة ~~رضاها وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها على إرضاعه، ولكنه يستأجر للصبي ~~مرضعا غير أمه وذلك قوله: {فسترضع له أخرى} PageV08P156 ### || # {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف ~~الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا (7) وكأين من قرية عتت عن ~~أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا (8) فذاقت وبال ~~أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا (9) أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا ~~أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا (10) رسولا يتلو عليكم ~~آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ~~ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا قد أحسن الله له رزقا (11) } # {لينفق ذو سعة من سعته} على قدر غناه {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه ~~الله} من المال {لا يكلف الله نفسا} في النفقة {إلا ما آتاها} أعطاها من ~~المال {سيجعل الله بعد عسر يسرا} بعد ضيق وشدة غنى وسعة. # قوله عز وجل: {وكأين من قرية عتت} عصت وطغت {عن أمر ربها ورسله} أي وأمر ~~رسله {فحاسبناها حسابا شديدا} بالمناقشة والاستقصاء، قال مقاتل: حاسبها ~~بعملها في الدنيا فجازاها بالعذاب، وهو قوله: {وعذبناها عذابا نكرا} منكرا ~~فظيعا، وهو عذاب النار. لفظهما ماض ومعناهما الاستقبال. # وقيل: في الآية تقديم وتأخير مجازها: فعذبناها في الدنيا بالجوع والقحط ~~والسيف وسائر البلايا وحاسبناها في الآخرة حسابا شديدا. {فذاقت وبال أمرها} ~~جزاء أمرها وقيل: ثقل عاقبة كفرها {وكان عاقبة أمرها خسرا} خسرانا في ~~الدنيا والآخرة. {أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب ~~الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا} يعني القرآن. {رسولا} بدل من الذكر، ~~وقيل: أنزل إليكم قرآنا وأرسل ms2603 رسولا. وقيل: مع الرسول، وقيل: "الذكر" هو ~~الرسول. # وقيل: "ذكرا" أي شرفا. ثم بين ما هو فقال: {رسولا يتلو عليكم آيات الله ~~مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن ~~بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد ~~أحسن الله له رزقا} يعني الجنة التي لا ينقطع نعيمها. # PageV08P157 ### || # {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن ~~الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (12) } # {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} [في العدد] (1) {يتنزل الأمر ~~بينهن} بالوحي من السماء السابعة إلى الأرض السفلى. # قال أهل المعاني: هو ما يدبر فيهن من عجيب تدبيره، فينزل المطر ويخرج ~~النبات، ويأتي بالليل والنهار والصيف والشتاء، ويخلق الحيوان على اختلاف ~~هيئاتها وينقلها من حال إلى حال. # وقال قتادة: في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه وأمر من أمره ~~وقضاء من قضائه. # {لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} فلا ~~يخفى عليه شيء. PageV08P158 ### | سورة التحريم # مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور ~~رحيم (1) } # {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور ~~رحيم} وسبب نزولها ما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن ~~عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبيد ~~الله بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء [ويحب] (2) العسل ~~وكان إذا صلى العصر جاز على نسائه فيدنو منهن، فدخل على حفصة فاحتبس عندها ~~أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة ~~عسل فسقت رسول الله صلى الله عليه وسلم منها شربة، فقلت: أما والله لنحتالن ms2604 ~~له فذكرت ذلك لسودة، وقلت: إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له: يا رسول ~~الله أكلت مغافير؟ فإنه سيقول: لا فقولي له: ما هذه الريح وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح، فإنه سيقول: سقتني حفصة ~~شربة عسل، فقولي له: جرست نحله العرفط، وسأقول ذلك وقوليه أنت يا صفية، ~~فلما دخل على سودة، تقول سودة: والله الذي لا إله إلا هو لقد كدت أن أباديه ~~بالذي قلت لي وإنه لعلى الباب، فرقا منك فلما دنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قلت: يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال: لا قلت: فما بال هذه الريح! قال: ~~سقتني حفصة شربة عسل، قالت: جرست نحله العرفط، فلما دخل علي قلت له مثل ~~ذلك، ودخل على صفية PageV08P159 # فقالت له مثل ذلك، فلما دخل على حفصة قالت له: يا رسول الله ألا أسقيك ~~منه قال: لا حاجة لي به تقول سودة: سبحان الله لقد حرمناه، قالت: قلت لها ~~اسكتي (1) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن محمد الصباح، حدثنا ~~الحجاج عن ابن جريج قال: زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول سمعت عائشة ~~رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ~~ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلتقل إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير فدخل على إحداهما ~~فقالت له ذلك، فقال: لا بأس شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له، ~~فنزلت: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك" إلى ~~قوله: "إن تتوبا إلى الله" لعائشة وحفصة {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه ~~حديثا} لقوله: بل شربت عسلا (2) # وبهذا الإسناد قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إبراهيم بن موسى، ~~أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عطاء بإسناده وقال: ms2605 قال: لا ولكن كنت ~~أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا ~~يبتغي بذلك مرضاة أزواجه (3) . # وقال المفسرون: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فلما ~~كان يوم حفصة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة أبيها فأذن ~~لها، فلما خرجت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جاريته مارية ~~القبطية فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقا ~~فجلست عند الباب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يقطر عرقا، وحفصة ~~تبكي فقال: ما يبكيك؟ فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا أدخلت أمتك بيتي، ثم ~~وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقا؟ ما كنت تصنع هذا ~~بامرأة منهن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليست هي جاريتي أحلها ~~الله لي؟ اسكتي فهي حرام علي ألتمس بذاك رضاك، فلا تخبري بهذا امرأة منهن. ~~فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين ~~عائشة فقالت: ألا أبشرك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد PageV08P162 # حرم عليه أمته مارية، وإن الله قد أراحنا منها وأخبرت عائشة بما رأت، ~~وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فغضبت عائشة فلم تزل بنبي الله صلى الله عليه وسلم حتى حلف أن لا يقربها ~~فأنزل الله عز وجل (1) "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" يعني العسل ~~ومارية "تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم" وأمره أن يكفر يمينه ويراجع ~~أمته، فقال: ### || # {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم (2) وإذ ~~أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه ~~وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير (3) ~~} # {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} أي بين وأوجب أن تكفروها إذا حنثتم وهي ~~ما ذكر في سورة المائدة {والله ms2606 مولاكم} وليكم وناصركم {وهو العليم الحكيم} # واختلف أهل العلم في لفظ التحريم، فقال قوم: ليس هو بيمين، فإن قال ~~لزوجته: أنت علي حرام، أو حرمتك، فإن نوى به طلاقا فهو طلاق، وإن نوى به ~~ظهارا فظهار. وإن نوى تحريم ذاتها أو أطلق فعليه كفارة اليمين بنفس اللفظ. ~~وإن قال ذلك لجاريته فإن نوى عتقا عتقت، وإن نوى تحريم ذاتها أو أطلق فعليه ~~كفارة اليمين، وإن قال لطعام: حرمته على نفسي فلا شيء عليه، وهذا قول ابن ~~مسعود وإليه ذهب الشافعي. # وذهب جماعة إلى أنه يمين، فإن قال ذلك لزوجته 168/ب أو جاريته فلا تجب ~~عليه الكفارة ما لم يقربها كما لو حلف أن لا يطأها. وإن حرم طعاما فهو كما ~~لو حلف أن لا يأكله، فلا كفارة عليه ما لم يأكل، يروى ذلك عن أبي بكر ~~وعائشة وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة رضي الله عنه: # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا معاذ بن فضالة، حدثنا هشام عن ~~يحيى، عن ابن حكيم، وهو يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال في الحرام: يكفر. وقال ابن عباس: "لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة" (2) (الأحزاب-21) . {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا} وهو ~~تحريم فتاته على نفسه، وقوله لحفصة: لا تخبري بذلك أحدا. PageV08P163 # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أسر أمر الخلافة بعده فحدثت به حفصة (1) ~~. قال الكلبي: أسر إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتين على أمتي من ~~بعدي. وقال ميمون بن مهران: أسر أن أبا بكر خليفتي من بعدي (2) . # {فلما نبأت به} أخبرت به حفصة عائشة {وأظهره الله عليه} أي أطلع الله ~~تعالى نبيه على أنها أنبأت به {عرف بعضه} قرأ عبد الرحمن السلمي والكسائي: ~~"عرف" بتخفيف الراء، أي: عرف بعض الفعل الذي فعلته من إفشاء سره، أي: غضب ~~من ذلك عليها وجازاها به، من قول القائل لمن ms2607 أساء إليه: لأعرفن لك ما فعلت، ~~أي: لأجازينك عليه، وجازاها به عليه بأن طلقها فلما بلغ ذلك عمر قال: لو ~~كان في آل الخطاب خير لما طلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء جبريل ~~وأمره بمراجعتها واعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا وقعد في ~~مشربة أم إبراهيم مارية، حتى نزلت آية التخيير (3) . # وقال مقاتل بن حيان: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة وإنما هم ~~بطلاقها فأتاه جبريل عليه السلام، وقال: لا تطلقها فإنها صوامة قوامة وإنها ~~من نسائك في الجنة، فلم يطلقها. # وقرأ الآخرون "عرف" بالتشديد، أي: عرف حفصة بعد ذلك الحديث، أي أخبرها ~~ببعض القول الذي كان منها. # {وأعرض عن بعض} يعني لم يعرفها إياه، ولم يخبرها به. قال الحسن: ما ~~استقصى كريم قط (4) قال الله تعالى: {عرف بعضه وأعرض عن بعض} وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما رأى الكراهية في وجه حفصة أراد أن يتراضاها فأسر ~~إليها شيئين: تحريم الأمة على نفسه، وتبشيرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر ~~وفي أبيها عمر رضي الله عنها فأخبرت به حفصة عائشة وأطلع الله تعالى نبيه ~~عليه، عرف [بعضه] (5) حفصة وأخبرها ببعض ما أخبرت به عائشة وهو تحريم الأمة ~~وأعرض عن بعض، يعني ذكر الخلافة كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينتشر ~~ذلك في الناس {فلما نبأها به} أي PageV08P164 # أخبر حفصة بما أظهره الله عليه {قالت} حفصة {من أنبأك هذا} أي: من أخبرك ~~بأني أفشيت السر؟ {قال نبأني العليم الخبير} ### || # {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه ~~وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4) } # {إن تتوبا إلى الله} أي من التعاون على النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالإيذاء. يخاطب عائشة وحفصة {فقد صغت قلوبكما} أي زاغت ومالت عن الحق ~~واستوجبتما التوبة. قال ابن زيد: مالت قلوبهما بأن سرهما ما كره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من اجتناب جاريته. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، ms2608 أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن ~~الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن عبد الله بن عباس قال: ~~لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى لهما: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت ~~قلوبكما" حتى حج وحججت معه وعدل وعدلت معه بإداوة، فتبرز ثم جاء فسكبت على ~~يديه منها فتوضأ فقلت له: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى لهما: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت ~~قلوبكما"؟ فقال: واعجبا لك يا ابن عباس هما عائشة وحفصة. # ثم استقبل عمر الحديث يسوقه فقال: إني كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني ~~أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فينزل يوما وأنزل يوما فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم ~~من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك. # وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم ~~نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار فصخبت علي امرأتي فراجعتني ~~فأنكرت أن تراجعني فقالت: ولم تنكر أن أراجعك! فوالله إن أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل. فأفزعني ~~وقلت: خاب من فعل ذلك منهن. # ثم جمعت علي ثيابي [فنزلت] (1) فدخلت على حفصة، فقلت لها: أي حفصة أتغاضب ~~إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم، فقلت: خبت ~~وخسرت، أفتأمنين أن يغضب الله تعالى لغضب رسوله فتهلكي لا تستكثري للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه وسليني PageV08P165 # ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت [جارتك] (1) [أوضأ] (2) منك وأحب إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم -يريد عائشة -. # قال عمر: وكنا تحدثنا أن غسان تنعل ms2609 الخيل لتغزونا فنزل صاحبي الأنصاري ~~يوم نوبته فرجع إلينا عشاء فضرب بابي ضربا شديدا وقال: أثم هو؟ # ففزعت فخرجت إليه فقال: قد حدث اليوم أمر عظيم؟ فقلت: ما هو أجاء غسان! ~~قال: لا بل أعظم منه وأهول، طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه. فقلت: قد ~~خابت حفصة وخسرت كنت أظن أن هذا يوشك أن يكون. # فجمعت علي ثيابي وصليت صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مشربة فاعتزل فيها فدخلت على حفصة فإذا هي ~~تبكي، فقلت: ما يبكيك ألم أكن حذرتك؟ أطلقكن النبي صلى الله عليه وسلم. # قالت: لا أدري ها هو ذا معتزل في المشربة. فجئت إلى المنبر فإذا حوله رهط ~~يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلا 169/أثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة التي ~~فيها النبي صلى الله عليه وسلم فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر، فدخل فكلم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فقال: كلمت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فذكرتك له فصمت، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما ~~أجد فجئت فقلت إلى الغلام فقلت: استأذن فاستأذن ثم رجع إلي فقال: قد ذكرتك ~~له فصمت [فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فجئت ~~الغلام فقلت: استأذن لعمر، فاستأذن ثم رجع إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت] (3) ~~. # فلما وليت منصرفا قال إذا الغلام يدعوني فقال: قد أذن لك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مضطجع على رمال ~~حصير ليس بينه وبينه فراش قد أثر الرمال بجنبه متكئا على وسادة من أدم ~~حشوها ليف، فسلمت عليه ثم قلت وأنا قائم: يا رسول الله أطلقت نساءك؟ فرفع ~~إلي بصره فقال: لا فقلت: الله أكبر. ثم قلت وأنا قائم أستأنس: يا رسول الله ~~لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم ~~نساؤهم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ms2610 ثم قلت: يا رسول الله لو ~~رأيتني ودخلت على حفصة فقلت لها: لا يغرنك أن كانت جارتك [أوضأ] (4) منك ~~وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم -يريد عائشة -فتبسم النبي صلى الله عليه ~~وسلم تبسمة أخرى، فجلست حين رأيته يبتسم فرفعت بصري في بيته، فوالله ما ~~رأيت فيه شيئا يرد البصر غير أهبة PageV08P166 # ثلاثة، فقلت يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فإن فارس والروم قد ~~وسع عليهم وأعطوا من الدنيا وهم لا يعبدون الله. # فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وكان متكئا فقال: "أو في هذا أنت يا ابن ~~الخطاب؟ إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا". # فقلت: يا رسول الله استغفر لي. # فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة ~~إلى عائشة تسعا وعشرين ليلة، وكان قال: ما أنا بداخل عليهن شهرا -من شدة ~~موجدته عليهن حين عاتبه الله عز وجل # فلما مضت تسع وعشرون ليلة، دخل على عائشة رضي الله عنها فبدأ بها فقالت ~~له عائشة: يا رسول الله إنك كنت أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وإنما أصبحت ~~من تسع وعشرين ليلة أعدها عدا! فقال: الشهر تسع وعشرون، وكان ذلك الشهر ~~تسعا وعشرين ليلة. # قالت عائشة: ثم أنزل الله التخيير فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فاخترته ~~ثم خير نساءه كلهن فقلن مثل ما قالت عائشة (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن ~~الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله أن يخير ~~أزواجه فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني ذاكر لك أمرا فلا ~~عليك [أن لا تعجلي] (2) حتى تستأمري أبويك، وقد علم أن أبوي لم يكونا ~~يأمراني بفراقه قالت ثم قال إن الله قال: "يا أيها النبي ms2611 قل لأزواجك" إلى ~~تمام الآيتين، فقلت: أو في هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار ~~الآخرة (3) # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني ~~زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس PageV08P167 # الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، عن سماك [بن زميل] (1) حدثنا عبد الله بن ~~عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه ~~وذكر الحديث. وقال: دخلت عليه فقلت: يا رسول الله ما يشق عليك من شأن ~~النساء؟ فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو ~~بكر والمؤمنون معك. وقلما تكلمت -وأحمد الله تعالى -بكلام إلا رجوت أن الله ~~يصدق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية: "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا ~~خيرا منكن". "وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ~~والملائكة بعد ذلك ظهير" (2) . # قوله: {وإن تظاهرا عليه} أي تتظاهرا وتتعاونا على أذى النبي صلى الله ~~عليه وسلم. قرأ أهل الكوفة بتخفيف الظاء، والآخرون بتشديدها. # {فإن الله هو مولاه} أي وليه وناصره: {وجبريل وصالح المؤمنين} روي عن ابن ~~مسعود وأبي بن كعب: {وصالح المؤمنين} أبو بكر وعمر رضي الله عنهما (3) قال ~~الكلبي: هم المخلصون الذي ليسوا بمنافقين. {والملائكة بعد ذلك ظهير} قال ~~مقاتل: بعد الله وجبريل "وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير" أي: أعوان ~~للنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا من الواحد الذي يؤدي عن الجمع، كقوله: ~~"وحسن أولئك رفيقا" (النساء-69) . ### || # {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات ~~تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا (5) } # {عسى ربه إن طلقكن} أي: واجب من الله إن طلقكن رسوله {أن يبدله أزواجا ~~خيرا منكن مسلمات} خاضعات لله بالطاعة {مؤمنات} مصدقات بتوحيد الله ~~{قانتات} طائعات، وقيل: داعيات. وقيل: مصليات {تائبات عابدات سائحات} ~~صائمات، وقال زيد بن أسلم: مهاجرات وقيل: يسحن معه حيث ما ساح {ثيبات ~~وأبكارا} وهذا في الإخبار عن ms2612 القدرة لا عن الكون لأنه قال: "إن طلقكن" وقد ~~علم أنه لا يطلقهن وهذا كقوله: "وإن تتولوا يستبدل PageV08P168 # قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" (محمد-38) وهذا في الإخبار عن القدرة ~~لأنه ليس في الوجود أمة خير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ### || # {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ~~عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (6) يا ~~أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (7) } # {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم ~~سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين ~~آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ~~واغفر لنا إنك على كل شيء قدير (8) } # قوله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم} قال عطاء عن ابن عباس: أي ~~بالانتهاء عما نهاكم الله تعالى عنه 169/ب والعمل بطاعته {وأهليكم نارا} ~~يعني: مروهم بالخير وانهوهم عن الشر وعلموهم وأدبوهم تقوهم بذلك نارا ~~{وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة} يعني خزنة النار {غلاظ} فظاظ على أهل ~~النار {شداد} أقوياء يدفع الواحد منهم بالدفعة الواحدة سبعين ألفا في النار ~~وهم الزبانية، لم يخلق الله فيهم الرحمة {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ~~ما يؤمرون يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون} {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} قرأ الحسن وأبو ~~بكر عن عاصم: "نصوحا" بضم النون، وقرأ العامة بفتحها أي: توبة ذات نصح تنصح ~~صاحبها بترك العود إلى ما تاب منه. # واختلفوا في معناها قال عمر وأبي ومعاذ: "التوبة النصوح" أن يتوب ثم لا ~~يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن إلى الضرع (1) . # قال الحسن: هي أن يكون العبد نادما على ما مضى؛ مجمعا على ألا يعود فيه ~~(2) . # قال الكلبي: أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن. # قال سعيد بن المسيب: توبة تنصحون بها أنفسكم. # قال ms2613 القرظي: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان والإقلاع بالأبدان ~~وإضمار ترك العود PageV08P169 # بالجنان ومهاجرة سيئ الإخوان. # {عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم ~~لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} أي لا يعذبهم الله بدخول النار ~~{نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم} على الصراط {يقولون} إذ طفئ نور ~~المنافقين {ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير} . ### || # {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير (9) ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا ~~النار مع الداخلين (10) } # ثم ضرب الله مثلا للصالحين والصالحات من النساء فقال جل ذكره: {ضرب الله ~~مثلا للذين كفروا امرأة نوح} واسمها واعلة {وامرأة لوط} واسمها واهلة. وقال ~~مقاتل: والعة ووالهة. # {كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين} وهما نوح ولوط عليهما السلام ~~{فخانتاهما} قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط وإنما كانت خيانتهما أنهما ~~كانتا على غير دينهما فكانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون، وإذا آمن به ~~أحد أخبرت به الجبابرة وأما امرأة لوط [فإنها كانت] (1) تدل قومه على ~~أضيافه إذا نزل به ضيف بالليل أوقدت النار، وإذا نزل بالنهار دخنت ليعلم ~~قومه أنه نزل به ضيف. # وقال الكلبي: أسرتا النفاق وأظهرتا الإيمان. # {فلم يغنيا عنهما من الله شيئا} لم يدفعا عنهما مع نبوتهما عذاب الله ~~{وقيل ادخلا النار مع الداخلين} PageV08P170 # قطع الله بهذه الآية طمع كل من يركب المعصية أن ينفعه صلاح غيره. ### || # {وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في ~~الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين (11) ومريم ابنت عمران ~~التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من ~~القانتين (12) } # ثم أخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعا فقال: {وضرب الله مثلا ~~للذين آمنوا امرأة فرعون} وهي آسية بنت مزاحم. # قال ms2614 المفسرون: لما غلب موسى السحرة آمنت امرأة فرعون، ولما تبين لفرعون ~~إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس. # قال سلمان: كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس فإذا انصرفوا عنها أظلتها ~~الملائكة (1) . # {إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} فكشف الله لها عن بيتها في الجنة ~~حتى رأته. # وفي القصة: أن فرعون أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها فلما أتوها بالصخرة ~~قالت: رب ابن لي عندك بيتا في الجنة فأبصرت بيتها في الجنة من درة بيضاء، ~~وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه ولم تجد ألما. # وقال الحسن وابن كيسان: رفع الله امرأة فرعون إلى الجنة فهي فيها تأكل ~~وتشرب. # {ونجني من فرعون وعمله} قال مقاتل: وعمله يعني الشرك. وقال أبو صالح عن ~~ابن عباس "وعمله" قال: جماعه. {ونجني من القوم الظالمين} الكافرين. {ومريم ~~ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه} أي في جيب درعها ولذلك ذكر ~~الكناية {من روحنا وصدقت بكلمات ربها} يعني الشرائع التي شرعها الله للعباد ~~بكلماته المنزلة {وكتبه} قرأ أهل البصرة وحفص: "وكتبه" على الجمع، وقرأ ~~الآخرون: "وكتابه" على التوحيد. والمراد منه الكثرة أيضا. وأراد بكتبه التي ~~أنزلت على إبراهيم وموسى وداود وعيسى PageV08P171 # عليهم السلام. {وكانت من القانتين} أي من القوم القانتين المطيعين لربها ~~ولذلك لم يقل من القانتات. # وقال عطاء: "من القانتين" أي من المصلين. ويجوز أن يريد بالقانتين رهطها ~~وعشيرتها فإنهم كانوا أهل صلاح مطيعين لله. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حسبك من نساء العالمين: مريم ~~بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون" (1) . ~~PageV08P172 ### | سورة الملك # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق الموت والحياة ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) } # {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة} قال ~~عطاء عن ابن عباس: يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة. # وقال قتادة: أراد موت الإنسان وحياته في الدنيا جعل ms2615 الله الدنيا دار حياة ~~وفناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء (2) . # قيل إنما قدم الموت لأنه إلى القهر أقرب: وقيل: قدمه لأنه أقدم لأن ~~الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب ونحوهما ثم اعترضت ~~عليها الحياة. # وقال ابن عباس: خلق الموت على صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد ريحه ~~شيء إلا مات وخلق الحياة على صورة فرس بلقاء [أنثى] (3) وهي التي كان جبريل ~~والأنبياء يركبونها لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، وهي التي أخذ ~~السامري قبضة من أثرها فألقى على العجل فحيي. # {ليبلوكم} فيما بين [الحياة إلى الموت] (4) {أيكم أحسن عملا} روي عن ابن ~~عمر PageV08P173 # مرفوعا: " أحسن عملا" أحسن عقلا وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله ~~170/أ # وقال فضيل بن عياض "أحسن عملا" أخلصه وأصوبه. وقال: العمل لا يقبل حتى ~~يكون خالصا صوابا الخالص: إذا كان لله والصواب: إذا كان على السنة. # وقال الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها. # وقال الفراء: لم يوقع البلوى على "أي" [إلا] (1) وبينهما إضمار كما تقول ~~بلوتكم لأنظر أيكم أطوع (2) . ومثله: "سلهم أيهم بذلك زعيم" (القلم-40) أي: ~~سلهم وانظر أيهم ف"أي": رفع على الابتداء "وأحسن" خبره {وهو العزيز} في ~~انتقامه ممن عصاه {الغفور} لمن تاب إليه. ### || # {الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر ~~هل ترى من فطور (3) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ~~(4) } # {الذي خلق سبع سماوات طباقا} طبقا على طبق بعضها فوق بعض {ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت} قرأ حمزة والكسائي: "من تفوت" بتشديد الواو بلا ألف، وقرأ ~~الأخرون بتخفيف الواو وألف قبلها. وهما لغتان كالتحمل والتحامل والتطهر ~~والتطاهر. ومعناه: ما ترى يا ابن آدم في خلق الرحمن من اعوجاج واختلاف ~~وتناقض بل هي مستقيمة مستوية. وأصله من "الفوت" (3) وهو أن يفوت بعضها بعضا ~~لقلة استوائها {فارجع البصر} كرر النظر، معناه: انظر ثم ارجع {هل ترى من ~~فطور} شقوق وصدوع. # {ثم ارجع ms2616 البصر كرتين} قال ابن عباس: مرة بعد مرة {ينقلب} ينصرف ويرجع ~~{إليك البصر خاسئا} صاغرا ذليلا مبعدا لم ير ما يهوى {وهو حسير} كليل منقطع ~~لم يدرك ما طلب. وروي عن كعب أنه قال: السماء الدنيا موج مكفوف والثانية ~~مرمرة بيضاء والثالثة حديد والرابعة [صفراء] (4) وقال: نحاس والخامسة فضة ~~والسادسة ذهب والسابعة ياقوتة حمراء بين [السماء] (5) السابعة إلى الحجب ~~السبعة صحاري من نور (6) . PageV08P176 ### || # {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم ~~عذاب السعير (5) وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (6) إذا ألقوا ~~فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور (7) تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج ~~سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما ~~نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير (9) وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ~~ما كنا في أصحاب السعير (10) فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير (11) } # {ولقد زينا السماء الدنيا} أراد الأدنى من الأرض وهي التي يراها الناس. ~~{بمصابيح} [أي: الكواكب واحدها: مصباح وهو السراج سمي الكوكب مصباحا] (1) ~~لإضاءته {وجعلناها رجوما} مرامي {للشياطين} إذا استرقوا السمع {وأعتدنا ~~لهم} في الآخرة {عذاب السعير} النار الموقدة. {وللذين كفروا بربهم عذاب ~~جهنم وبئس المصير إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا} وهو أول نهيق الحمار ~~وذلك أقبح الأصوات {وهي تفور} تغلي بهم كغلي المرجل. وقال مجاهد: تفور بهم ~~كما يفور الماء الكثير بالحب القليل. # {تكاد تميز} تنقطع {من الغيظ} من تغيظها عليهم، قال ابن قتيبة: تكاد تنشق ~~غيظا على الكفار {كلما ألقي فيها فوج} جماعة منهم {سألهم خزنتها} سؤال ~~توبيخ {ألم يأتكم نذير} رسول ينذركم. # {قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا} للرسل (2) {ما نزل الله من شيء ~~إن أنتم إلا في ضلال كبير} # {وقالوا لو كنا نسمع} من الرسل ما جاءونا به {أو نعقل} منهم. وقال ابن ~~عباس: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله فنعمل به {ما كنا في أصحاب السعير} قال ~~الزجاج: لو كنا نسمع سمع من يعي ويتفكر أو نعقل ms2617 عقل من يميز وينظر ما كنا ~~من أهل النار. # {فاعترفوا بذنبهم فسحقا} بعدا {لأصحاب السعير} قرأ أبو جعفر والكسائي ~~"فسحقا" PageV08P177 # بضم الحاء، وقرأ الباقون بسكونها وهما لغتان مثل الرعب والرعب والسحت ~~والسحت. ### || # {إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير (12) } # {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (13) ألا يعلم من خلق ~~وهو اللطيف الخبير (14) هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها ~~وكلوا من رزقه وإليه النشور (15) أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ~~فإذا هي تمور (16) } # {إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير وأسروا قولكم أو اجهروا ~~به إنه عليم بذات الصدور} قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل عليه السلام بما قالوا فقال ~~بعضهم لبعض: أسروا قولكم كي لا يسمع إله محمد (1) . # فقال الله جل ذكره: {ألا يعلم من خلق} ألا يعلم ما في الصدور من خلقها ~~{وهو اللطيف الخبير} لطيف علمه في القلوب الخبير بما فيها من الخير والشر ~~والوسوسة. وقيل "من" يرجع إلى المخلوق، أي ألا يعلم الله مخلوقه؟ # {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا} سهلا لا يمتنع المشي فيها بالحزونة ~~{فامشوا في مناكبها} قال ابن عباس وقتادة: في جبالها. وقال الضحاك: في ~~آكامها. وقال مجاهد: في طرقها وفجاجها. قال الحسن: في سبلها. وقال الكلبي: ~~في أطرافها. وقال مقاتل: في نواحيها. قال الفراء: في جوانبها (2) والأصل في ~~الكلمة الجانب، ومنه منكب الرجل والريح النكباء وتنكب فلان [أي جانب] (3) ~~{وكلوا من رزقه} مما خلقه رزقا لكم في الأرض. {وإليه النشور} أي: وإليه ~~تبعثون من قبوركم. ثم خوف الكفار فقال: {أأمنتم من في السماء} قال ابن ~~عباس: أي: عذاب من في السماء إن عصيتموه {أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور} ~~قال الحسن: تتحرك بأهلها. وقيل: تهوي بهم. والمعنى: أن الله تعالى يحرك ~~الأرض عند الخسف بهم حتى تلقيهم إلى أسفل، تعلو عليهم وتمر فوقهم. يقال: ~~مار يمور، أي: جاء وذهب. ms2618 PageV08P178 ### || # {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) ولقد ~~كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير (18) أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ~~ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير (19) أم من هذا الذي هو جند ~~لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور (20) أم من هذا الذي ~~يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21) أفمن يمشي مكبا على وجهه ~~أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم (22) } # {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا} ريحا ذات حجارة كما فعل ~~بقوم لوط. {فستعلمون} في الآخرة وعند الموت {كيف نذير} أي إنذاري إذا ~~عاينتم العذاب. # {ولقد كذب الذين من قبلهم} يعني كفار الأمم الماضية {فكيف كان نكير} أي ~~إنكاري عليهم بالعذاب. # {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات} تصف أجنحتها في الهواء {ويقبضن} ~~أجنحتها بعد البسط {ما يمسكهن} في حال القبض [والبسط] (1) أن يسقطن {إلا ~~الرحمن إنه بكل شيء بصير} # {أمن هذا الذي هو جند لكم} استفهام إنكار. قال ابن عباس: أي منعة لكم ~~{ينصركم من دون الرحمن} يمنعكم من عذابه ويدفع عنكم ما أراد بكم. {إن ~~الكافرون إلا في غرور} أي في غرور من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل ~~بهم. # {أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه} أي من الذي يرزقكم المطر إن أمسك ~~الله [عنكم] (2) {بل لجوا في عتو} تماد في الضلال {ونفور} تباعد من الحق. ~~وقال مجاهد: كفور. ثم ضرب مثلا فقال: {أفمن يمشي مكبا على وجهه} راكبا رأسه ~~في الضلالة والجهالة أعمى القلب والعين لا يبصر يمينا ولا شمالا وهو ~~الكافر. قال قتادة: أكب على 170/ب المعاصي في الدنيا فحشره الله على وجهه ~~PageV08P179 # يوم القيامة {أهدى أمن يمشي سويا} معتدلا يبصر الطريق وهو {على صراط ~~مستقيم} وهو المؤمن. قال قتادة: يمشي يوم القيامة سويا. ### || # {قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ~~(23) قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24) ويقولون متى ms2619 هذا الوعد ~~إن كنتم صادقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين (26) } # {فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون (27) ~~قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم ~~(28) قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين (29) ~~} # {قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون} ~~قال مقاتل: يعني أنهم لا يشكرون رب هذه النعم. {قل هو الذي ذرأكم في الأرض ~~وإليه تحشرون ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل إنما العلم، عند ~~الله وإنما أنا نذير مبين فلما رأوه} يعني: العذاب في الآخرة -على قول أكثر ~~المفسرين -وقال مجاهد: يعني العذاب ببدر {زلفة} أي قريبا وهو [اسم يوصف به ~~المصدر يستوي فيه] (1) المذكر والمؤنث والواحد والاثنان [والجميع] (2) ~~{سيئت وجوه الذين كفروا} اسودت وعليها كآبة، والمعنى قبحت وجوههم بالسواد، ~~يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيئ إذا قبح، وسيئ يساء إذا قبح {وقيل} لها أي ~~قال الخزنة {هذا} أي هذا العذاب {الذي كنتم به تدعون} تفتعلون من الدعاء ~~تدعون وتتمنون أنه يعجل لكم، وقرأ يعقوب تدعون بالتخفيف، وهي قراءة قتادة ~~ومعناهما واحد مثل تذكرون وتذكرون. # {قل} يا محمد لمشركي مكة الذين يتمنون [هلاكك] (3) {أرأيتم إن أهلكني ~~الله ومن معي} من المؤمنين {أو رحمنا} فأبقانا وأخر آجالنا {فمن يجير ~~الكافرين من عذاب أليم} فإنه واقع بهم لا محالة. وقيل: معناه أرأيتم إن ~~أهلكني الله فعذبني ومن معي أو رحمنا فغفر لنا فنحن -مع إيماننا -خائفون أن ~~يهلكنا بذنوبنا لأن حكمه نافذ فينا فمن يجيركم ويمنعكم من عذابه وأنتم ~~كافرون؟ وهذا معنى قول ابن عباس. PageV08P180 # {قل هو الرحمن} الذي نعبده {آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون} قرأ الكسائي ~~بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. {من هو في ضلال مبين} أي ستعلمون عند معاينة ~~العذاب من الضال منا نحن أم أنتم؟ ### || # {قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (30) } # {قل أرأيتم إن أصبح ms2620 ماؤكم غورا} غائرا ذاهبا في الأرض لا تناله الأيدي ~~والدلاء. قال الكلبي ومقاتل: يعني ماء زمزم {فمن يأتيكم بماء معين} ظاهر ~~تراه العيون وتناله [الأيدي] (1) والدلاء. وقال عطاء عن ابن عباس: معين أي ~~جار. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني أبو الحسن ~~الفارسي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يزيد، حدثنا أبو يحيى البزاز، حدثنا ~~[محمد بن يحيى] (2) حدثنا أبو داود، حدثنا عمران، عن قتادة، عن عباس ~~الجشمي، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن سورة من ~~كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل فأخرجته من النار يوم القيامة ~~وأدخلته الجنة، وهي سورة تبارك" (3) . PageV08P181 ### | سورة القلم # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {ن والقلم وما يسطرون (1) } # {ن} اختلفوا فيه فقال ابن عباس: هو الحوت الذي على ظهره الأرض. وهو قول ~~مجاهد ومقاتل والسدي والكلبي (2) . # وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو ~~كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون فمادت ~~الأرض، فأثبتت بالجبال وإن الجبال لتفخر على الأرض ثم قرأ ابن عباس: {ن ~~والقلم وما يسطرون} (3) . # واختلفوا في اسمه، فقال الكلبي ومقاتل: [اسمه] (4) يهموت. وقال الواقدي: ~~ليوثا. وقال كعب: لويثا. وعن علي: اسمه بلهوث. PageV08P182 # وقالت الرواة: لما خلق الله الأرض وفتقها بعث من تحت العرش ملكا فهبط إلى ~~الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع فوضعها على عاتقه، إحدى يديه بالمشرق ~~والأخرى بالمغرب، باسطتين قابضتين على الأرضين السبع، حتى ضبطها فلم يكن ~~لقدميه موضع قرار، فأهبط الله عز وجل من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن ~~وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدمي الملك على سنامه، فلم تستقر قدماه فأخذ ~~الله ياقوتة خضراء من أعلى درجة في الفردوس غلظها مسيرة خمسمائة عام فوضعها ~~بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت عليها قدماه، وقرون ذلك الثور خارجة من ~~أقطار الأرض، ومنخراه في البحر فهو يتنفس كل يوم نفسا فإذا تنفس مد البحر ms2621 ~~وإذا [رد] (1) نفسه جزر البحر فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار [فخلق] (2) ~~الله تعالى صخرة كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين فاستقرت قوائم الثور عليها وهي ~~الصخرة التي قال لقمان لابنه " [يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل] فتكن ~~في صخرة" ولم يكن للصخرة مستقر، فخلق الله نونا وهو الحوت العظيم، فوضع ~~الصخرة على ظهره وسائر جسده خال والحوت على البحر، والبحر على متن الريح، ~~والريح على القدرة. يقال: فكل الدنيا كلها بما عليها حرفان قال لها الجبار: ~~[جل جلاله] (3) كوني فكانت (4) . # قال كعب الأحبار: إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض فوسوس ~~إليه، فقال له: أتدري ما على ظهرك يا لويثا من الأمم والدواب والشجر ~~والجبال لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك، فهم لويثا أن يفعل ذلك فبعث الله دابة ~~فدخلت منخره فوصلت إلى دماغه فعج الحوت إلى الله منها فأذن لها الله فخرجت. ~~قال كعب: فوالذي نفسي بيده إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك ~~عادت كما كانت. # وقال بعضهم: نون آخر حروف الرحمن، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس. # وقال الحسن وقتادة والضحاك: النون الدواة. PageV08P186 # وقيل: هو قسم أقسم الله به. وقيل: فاتحة السورة. وقال عطاء: افتتاح اسمه ~~نور وناصر. # وقال محمد بن كعب: أقسم الله بنصرته للمؤمنين (1) . # {والقلم} [هو] (2) الذي كتب الله به الذكر، وهو قلم من نور طوله ما بين ~~السماء والأرض، ويقال: أول ما خلق الله القلم ونظر إليه فانشق بنصفين، ثم ~~قال: اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ بذلك. {وما ~~يسطرون} يكتبون أي ما تكتب الملائكة الحفظة من أعمال بني آدم. ### || # {ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) وإن لك لأجرا غير ممنون (3) وإنك لعلى خلق ~~عظيم (4) } # {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} [هو] (3) جواب لقولهم "يا أيها الذي نزل عليه ~~الذكر إنك لمجنون" (الحجر-6) فأقسم الله بالنون والقلم وما يكتب من الأعمال ~~فقال: {ما أنت بنعمة ربك} بنبوة ربك {بمجنون} أي: إنك لا تكون مجنونا ms2622 وقد ~~أنعم 171/أالله عليك بالنبوة والحكمة. وقيل: بعصمة ربك. وقيل: هو كما يقال: ~~ما أنت بمجنون [والحمد لله] (4) وقيل: معناه ما أنت بمجنون والنعمة لربك، ~~كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك، أي: والحمد لك. # {وإن لك لأجرا غير ممنون} أي: منقوص ولا مقطوع بصبرك على افترائهم عليك. # {وإنك لعلى خلق عظيم} قال ابن عباس ومجاهد: دين عظيم لا دين أحب إلي ولا ~~أرضى عندي منه، وهو دين الإسلام. وقال الحسن: هو آداب القرآن. # سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ~~كان خلقه القرآن (5) . PageV08P187 # وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله، ~~والمعنى إنك على الخلق الذي أمرك الله به في القرآن. # وقيل: سمى الله خلقه عظيما لأنه امتثل تأديب الله إياه بقوله: "خذ العفو" ~~(الأعراف-198) الآية. # وروينا عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله بعثني لتمام ~~مكارم الأخلاق، وتمام محاسن الأفعال" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف [حدثنا محمد بن إسماعيل] (2) حدثنا أحمد بن سعيد أبو عبد ~~الله، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه عن أبي إسحاق ~~قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها ~~وأحسنهم خلقا ليس بالطويل البائن ولا بالقصير (3) . # أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد ~~الخزاعي، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، ~~حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي عن ثابت عن أنس بن مالك ~~قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط [وما] ~~(4) قال لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟ وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا ولا مسست خزا [قط] (5) ولا حريرا ~~ولا شيئا [كان] (6) ألين من كف رسول الله صلى الله عليه ms2623 وسلم ولا شممت مسكا ~~ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم (7) . PageV08P188 # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، ~~أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى ~~البرني، حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان الثوري عن الأعمش، عن أبي وائل، ~~عن مسروق، عن عبد الله بن عمر قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يكن فاحشا ولا متفحشا وكان يقول: "خياركم أحسنكم أخلاقا". # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، ~~أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن هشام بن ملاس، حدثنا مروان ~~الفزاري، حدثنا حميد الطويل، عن أنس أن امرأة عرضت لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في طريق من طرق المدينة فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة ~~فقال: يا أم فلان اجلسي في أي سكك المدينة شئت أجلس إليك، قال: ففعلت فقعد ~~إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى [قضى] (1) حاجتها (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل قال: [حدثنا] (3) محمد بن عيسى، حدثنا ~~هشيم، أخبرنا حميد الطويل، حدثنا أنس بن مالك قال: إن كانت الأمة من إماء ~~أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت ~~(4) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد بن عبد الرحمن بن أبي شريح، ~~أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا علي بن ~~الجعد، أخبرنا عمران بن يزيد التغلبي، عن زيد [ابن العمي] (5) عن أنس بن ~~مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صافح الرجل لم ينزع يده من ~~يده [حتى يكون هو الذي ينزع يده] (6) ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون هو ~~الذي يصرف وجهه [عن وجهه] (7) ولم ير مقدما ركبتيه بين يدي جليس له (8) . ~~PageV08P189 # أخبرنا عبد الله بن ms2624 عبد الصمد، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، أخبرنا الهيثم ~~بن كليب، حدثنا أبو عيسى، حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبيدة عن ~~هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا ضرب خادما ولا امرأة (1) . # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إسماعيل بن عبد الله، ~~حدثني مالك بن إسحاق عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال كنت أمشي مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي ~~فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال ~~الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك ثم أمر ~~له بعطاء (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن ~~زنجويه، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن ابن ~~أبي مليكة، عن يعلى بن مملك، عن أم الدرداء تحدث عن أبي الدرداء عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "إن أثقل شيء يوضع في ميزان المؤمن يوم القيامة ~~خلق حسن، وإن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء" (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أبو نعيم، حدثنا داود بن يزيد ~~[الأودي] (4) سمعت أبي يقول سمعت أبي PageV08P190 # هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أتدرون ما أكثر ~~ما يدخل الناس النار؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أكثر ما يدخل ~~الناس النار الأجوفان: الفرج والفم، أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ ~~قالوا: الله ورسوله أعلم. ms2625 قال: فإن أكثر ما يدخل الناس الجنة: تقوى الله ~~وحسن الخلق" (1) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، ~~حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن عبد الله [بن عبد] (2) الحكم، ~~أخبرنا أبي وشعيب قالا حدثنا الليث عن [ابن] (3) الهاد عن عمرو بن أبي عمرو ~~عن المطلب بن عبد الله عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار" (4) . ### || # {فستبصر ويبصرون (5) بأييكم المفتون (6) } # قوله عز وجل {فستبصر ويبصرون} فسترى يا محمد ويرون -يعني أهل 171/ب مكة ~~-إذا نزل بهم العذاب. # {بأييكم المفتون} قيل معناه: بأيكم المجنون، ف"المفتون" مفعول بمعنى ~~المصدر، كما يقال: ما بفلان مجلود ومعقول، أي جلادة وعقل. وهذا معنى قول ~~الضحاك ورواية العوفي عن ابن عباس. # وقيل الباء بمعنى "في" مجازه: فستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون في ~~فريقك أم في فريقهم؟. # وقيل: الباء بمعنى "مع" و"المفتون" هو الشيطان. [والمعنى: مع أيكم ~~الشيطان] (5) مع المؤمنين أم مع الكافرين؟ وهذا معنى قول مجاهد (6) . # وقال الآخرون: زائدة، معناه: أيكم المفتون؟ أي المجنون الذي فتن بالجنون، ~~وهذا قول قتادة. PageV08P191 ### || # {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (7) فلا تطع ~~المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز ~~مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) عتل بعد ذلك زنيم (13) } # {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين فلا تطع المكذبين} ، ~~يعني مشركي مكة فإنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه فنهاه أن يطيعهم. # {ودوا لو تدهن فيدهنون} قال: الضحاك لو تكفر فيكفرون. قال الكلبي: لو ~~تلين لهم فيلينون لك. قال الحسن: لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم. ~~قال زيد بن أسلم: لو تنافق وترائي فينافقون ويراءون. وقال ابن قتيبة: ~~أرادوا أن تعبد آلهتهم مدة ويعبدون الله مدة. # {ولا تطع كل حلاف مهين} كثير الحلف بالباطل. قال [مقاتل: يعني] (1) ~~الوليد بن المغيرة. وقيل: الأسود بن عبد يغوث. وقال ms2626 عطاء: الأخنس بن شريق ~~{مهين} ضعيف حقير. قيل: هو فعيل من المهانة وهي قلة الرأي والتمييز. وقال ~~ابن عباس: كذاب. وهو قريب من الأول لأن الإنسان إنما يكذب لمهانة نفسه ~~عليه. # {هماز} مغتاب يأكل لحوم الناس بالطعن والغيبة. قال الحسن: هو الذي يغمز ~~بأخيه في المجلس، كقوله: "همزة" {مشاء بنميم} قتات يسعى بالنميمة بين الناس ~~ليفسد بينهم. # {مناع للخير} بخيل بالمال. قال ابن عباس: "مناع للخير" أي للإسلام يمنع ~~ولده وعشيرته عن الإسلام يقول: لئن دخل واحد منكم في دين محمد لا أنفعه ~~بشيء أبدا {معتد} ظلوم يتعدى الحق {أثيم} فاجر. {عتل} العتل: الغليظ ~~الجافي. وقال الحسن: هو الفاحش الخلق السيئ الخلق. قال الفراء: هو الشديد ~~الخصومة في الباطل (2) وقال الكلبي: هو الشديد في كفره، وكل شديد عند العرب ~~عتل، وأصله من العتل وهو الدفع بالعنف. قال عبيد بن عمير: "العتل" الأكول ~~الشروب القوي الشديد [في كفره] (3) لا يزن في الميزان شعيرة، يدفع الملك من ~~أولئك سبعين ألفا في النار دفعة PageV08P192 # واحدة (1) {بعد ذلك} أي مع ذلك، يريد مع ما وصفناه به {زنيم} وهو الدعي ~~[الملصق] (2) بالقوم وليس منهم. قال عطاء عن ابن عباس: يريد مع [هذا] (3) ~~هو دعي في قريش وليس منهم. قال مرة الهمداني: إنما ادعاه أبوه بعد ثماني ~~عشرة سنة. وقيل: "الزنيم" الذي له زنمة كزنمة الشاة. # وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: نعت فلم يعرف حتى قيل زنيم ~~فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها (4) . # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها ~~(5) . # قال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحدا ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من ~~عيوب الوليد بن المغيرة فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة (6) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ~~الواعظ، حدثني أبو محمد بن زنجويه بن محمد، حدثنا علي بن الحسين الهلالي، ~~حدثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان، حدثني ms2627 معبد بن خالد القيسي، عن ~~حارثة بن وهب الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم ~~بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار ~~كل عتل جواظ [مستكبر] (7) " (8) . ### || # {أن كان ذا مال وبنين (14) } # {أن كان ذا مال وبنين} قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة وأبو بكر ويعقوب: ~~"أإن" بالاستفهام. ثم حمزة وأبو بكر يخففان الهمزتين بلا مد ويمد الهمزة ~~الأولى أبو جعفر وابن عامر ويعقوب ويلينون الثانية. وقرأ الآخرون بلا ~~استفهام على الخبر، فمن قرأ بالاستفهام فمعناه: ألإن كان ذا مال وبنين؟ ~~PageV08P193 ### || # {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (15) } # {سنسمه على الخرطوم (16) إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ~~ليصرمنها مصبحين (17) } # {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} أي جعل مجازاة النعم التي ~~خولها من البنين والمال الكفر بآياتنا. وقيل: معناه ألإن كان ذا مال وبنين ~~[تطيعه] (1) . # ومن قرأ على الخبر فمعناه: لا تطع كل حلاف مهين لأن {كان ذا مال وبنين} ~~(2) أي: لا تطعه لماله وبنيه "إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين". # ثم أوعده فقال: {سنسمه على الخرطوم} و"الخرطوم": الأنف. قال أبو العالية ~~ومجاهد: أي نسود وجهه، فنجعل له علما في الآخرة يعرف به، وهو سواد الوجه. # قال الفراء: خص الخرطوم بالسمة فإنه في مذهب الوجه لأن بعض الشيء يعبر به ~~عن كله (3) . # وقال ابن عباس: سنخطمه بالسيف، وقد فعل ذلك يوم بدر (4) وقال قتادة: ~~سنلحق به شيئا لا يفارقه. # قال القتيبي تقول العرب للرجل سب الرجل سبة قبيحة: قد وسمه ميسم سوء. ~~يريد: ألصق به عارا لا يفارقه، كما أن السمة لا ينمحي ولا يعفو أثرها وقد ~~ألحق الله بما ذكر من عيوبه عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة، كالوسم على ~~الخرطوم. # وقال الضحاك والكسائي: سنكويه على وجهه. # {إنا بلوناهم} يعني اختبرنا أهل مكة بالقحط والجوع {كما بلونا} ابتلينا ~~{أصحاب الجنة} روى محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: في ~~قوله عز وجل: ms2628 "إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة" قال: كان بستان باليمن ~~يقال له الضروان دون صنعاء بفرسخين، يطؤه أهل الطريق، كان غرسه قوم من أهل ~~الصلاة، وكان لرجل فمات فورثه ثلاثة بنين له، وكان PageV08P194 # يكون للمساكين إذا صرموا نخلهم كل شيء تعداه المنجل فلم يجزه وإذا طرح من ~~فوق النخل إلى البساط فكل شيء يسقط على البساط فهو أيضا للمساكين، وإذا ~~حصدوا زرعهم فكل شيء تعداه المنجل فهو للمساكين وإذا داسوه كان لهم كل شيء ~~ينتثر أيضا فلما مات الأب وورثه هؤلاء الإخوة [عن أبيهم] (1) فقالوا: والله ~~إن المال لقليل، وإن العيال لكثير وإنما كان هذا الأمر يفعل إذ كان المال ~~كثيرا والعيال قليلا فأما إذا قل المال وكثر العيال فإنا لا نستطيع أن نفعل ~~هذا فتحالفوا بينهم يوما ليغدون غدوة قبل خروج الناس فليصرمن نخلهم ولم ~~يستثنوا يقول: لم يقولوا إن شاء الله فغدا القوم بسدفة من الليل إلى جنتهم ~~ليصرموها قبل أن يخرج المساكين، فرأوها مسودة وقد طاف عليها من الليل طائف ~~من العذاب فأحرقها فأصبحت كالصريم (2) فذلك قوله عز وجل: {إذ أقسموا} حلفوا ~~{ليصرمنها مصبحين} 172/أليجذنها وليقطعن ثمرها إذا أصبحوا قبل أن يعلم ~~المساكين ### || # {ولا يستثنون (18) فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19) فأصبحت ~~كالصريم (20) فتنادوا مصبحين (21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين (22) ~~} # {ولا يستثنون} ولا يقولون إن شاء الله. # {فطاف عليها طائف} عذاب {من ربك} ليلا ولا يكون الطائف إلا بالليل، وكان ~~ذلك الطائف نارا نزلت من السماء فأحرقتها {وهم نائمون} # {فأصبحت كالصريم} كالليل المظلم الأسود. قال الحسن: أي صرم منها الخير ~~فليس فيها شيء. # وقال الأخفش: كالصبح الصريم من الليل وأصل "الصريم" المصروم، مثل: قتيل ~~ومقتول، وكل شيء قطع فهو صريم [فالليل صريم] (3) والصبح صريم لأن كل واحد ~~منهما ينصرم عن صاحبه. # وقال ابن عباس: كالرماد الأسود بلغة خزيمة. # {فتنادوا مصبحين} نادى بعضهم بعضا لما أصبحوا. # {أن اغدوا على حرثكم} يعني الثمار والزروع والأعناب {إن كنتم صارمين} ~~قاطعين للنخل. PageV08P195 ### || # {فانطلقوا وهم يتخافتون (23) أن لا يدخلنها ms2629 اليوم عليكم مسكين (24) وغدوا ~~على حرد قادرين (25) فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) بل نحن محرومون (27) ~~قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون (28) } # {فانطلقوا} مشوا إليها {وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين} ~~يتسارون، يقول بعضهم لبعض سرا {وغدوا على حرد} "الحرد" في اللغة يكون بمعنى ~~القصد والمنع والغضب، قال الحسن وقتادة وأبو العالية: على جد وجهد. # وقال القرظي ومجاهد وعكرمة: على أمر مجتمع عليه قد أسسوه بينهم. وهذا على ~~معنى القصد لأن القاصد [إلى الشيء] (1) جاد مجمع على الأمر. # وقال أبو عبيدة والقتيبي: غدوا ونيتهم على منع المساكين، يقال: حاردت ~~السنة، إذا لم يكن لها مطر وحاردت الناقة إذا لم يكن لها لبن. # وقال الشعبي وسفيان: على حنق وغضب من المساكين. # وعن ابن عباس قال: على قدرة {قادرين} عند أنفسهم على جنتهم وثمارها لا ~~يحول بينها وبينهم أحد. # {فلما رأوها قالوا إنا لضالون} أي لما رأوا الجنة محترقة قالوا: إنا ~~لمخطئون الطريق، أضللنا مكان جنتنا ليست هذه بجنتنا. فقال بعضهم: {بل نحن ~~محرومون} حرمنا خيرها ونفعها بمنعنا المساكين وتركنا الاستثناء. # {قال أوسطهم} أعدلهم وأعقلهم وأفضلهم: {ألم أقل لكم لولا تسبحون} هلا ~~تستثنون أنكر عليهم ترك الاستثناء في قولهم: "ليصرمنها مصبحين" وسمى ~~الاستثناء تسبيحا لأنه تعظيم لله وإقرار بأنه لا يقدر أحد على شيء إلا ~~بمشيئته. # وقال أبو صالح: كان استثناؤهم سبحان الله، وقيل: هلا تسبحون الله ~~وتقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقيل: هلا تستغفرونه من ~~فعلكم. PageV08P196 ### || # {قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين (29) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ~~(30) قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين (31) عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا ~~إلى ربنا راغبون (32) كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (33) ~~إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم (34) أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) ما ~~لكم كيف تحكمون (36) أم لكم كتاب فيه تدرسون (37) إن لكم فيه لما تخيرون ~~(38) } # {قالوا سبحان ربنا} نزهوه عن أن يكون ظالما فيما فعل وأقروا على أنفسهم ~~بالظلم فقالوا: {إنا كنا ظالمين} بمنعنا المساكين. # {فأقبل بعضهم على ms2630 بعض يتلاومون} يلوم بعضهم بعضا في منع المساكين حقوقهم، ~~ونادوا على أنفسهم بالويل: {قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين} في منعنا حق ~~الفقراء. وقال ابن كيسان: طغينا نعم الله فلم نشكرها ولم نصنع ما صنع ~~آباؤنا من قبل. # ثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: {عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا ~~راغبون} قال عبد الله بن مسعود: بلغني أن القوم أخلصوا وعرف الله منهم ~~الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا ~~واحدا (1) . # قال الله تعالى: {كذلك العذاب} أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا ~~وخالف أمرنا {ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} ثم أخبر بما عنده ~~للمتقين فقال: {إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم} فقال المشركون: إنا نعطى ~~في الآخرة أفضل مما تعطون فقال الله تكذيبا لهم: {أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون أم لكم كتاب} نزل من عند الله {فيه} في هذا ~~الكتاب {تدرسون} تقرءون. # {إن لكم فيه} في ذلك الكتاب {لما تخيرون} تختارون وتشتهون. PageV08P197 ### || # {أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون (39) سلهم ~~أيهم بذلك زعيم (40) أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين (41) ~~يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) } # {أم لكم أيمان} عهود ومواثيق {علينا بالغة} مؤكدة عاهدناكم عليها ~~فاستوثقتم بها منا فلا ينقطع عهدكم {إلى يوم القيامة إن لكم} في ذلك العهد ~~{لما تحكمون} لأنفسكم من الخير والكرامة عند الله. وكسر "إن" في الآيتين ~~لدخول اللام في خبرهما. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: # {سلهم أيهم بذلك زعيم} كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين؟ # {أم لهم شركاء} أي عندهم شركاء لله أرباب تفعل هذا. وقيل: شهداء يشهدون ~~لهم بصدق ما يدعونه. {فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين} # {يوم يكشف عن ساق} قيل: "يوم" ظرف لقوله فليأتوا بشركائهم، أي: فليأتوا ~~بها في ذلك اليوم لتنفعهم وتشفع لهم "يوم يكشف عن ساق" قيل: عن أمر فظيع ~~شديد، قال ابن عباس: هو ms2631 أشد ساعة في القيامة. # قال سعيد بن جبير: "يوم يكشف عن ساق" عن شدة الأمر. # وقال ابن قتيبة: تقول العرب للرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج فيه إلى ~~الجد ومقاساة الشدة: شمر عن ساقه (1) ويقال: إذا اشتد الأمر في الحرب: كشفت ~~الحرب عن ساق. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد بن ~~عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن [سفيان] (2) حدثنا مسلم بن ~~الحجاج، حدثني سويد بن سعيد، حدثني جعفر، حدثني حفص بن ميسرة، عن زيد بن ~~أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن أناسا في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة ~~صحوا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها ~~سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة إلا ~~كما تضارون في رؤية أحدهما إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما ~~كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد الله من بر وفاجر وغير أهل الكتاب فتدعى ~~اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد PageV08P198 # عزير ابن الله فيقال كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ ~~فقالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار ~~كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار. ثم تدعى النصارى فيقال ~~لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: ما اتخذ ~~الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا ~~فاسقنا فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها ~~بعضا فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر ~~وفاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال: فماذا ms2632 ~~تنتظرون؟ لتتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا ~~أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، ~~لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل ~~بينكم وبينه آية تعرفونه بها فيقولون: نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان ~~يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود فلا يبقى من كان يسجد ~~نفاقا ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ~~ثم يرفعون رءوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة فقال: أنا ~~ربكم. فيقولون: أنت ربنا ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة، ويقولون: ~~اللهم سلم سلم، قيل يا رسول الله وما الجسر؟ قال: دحض مزلة فيه خطاطيف ~~وكلاليب وحسكة يكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف ~~العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش ~~مرسل ومكردس في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ~~ما من أحد منكم بأشد لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة ~~لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، ~~فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد ~~أخذت النار إلى نصف ساقه وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن ~~أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه ~~فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به، ثم ~~يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون ~~خلقا كثيرا ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا به أحدا ثم يقول: ~~ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم ~~يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا فيه خير ممن أمرتنا به وكان أبو سعيد الخدري ~~يقول: إن ms2633 لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم: "إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما" (النساء-40) فيقول الله: ~~شفعت الملائكة، وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، ~~فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما ~~فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة ~~في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون منها إلى ~~الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟ قال: فيخرجون ~~كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله من النار ~~الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، ثم يقول: "ادخلوا ~~الجنة فما رأيتموه فهو لكم فيقولون ربنا: أعطيتنا ما لم تعط أحدا من ~~العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا فيقولون: يا ربنا أي شيء أفضل من ~~هذا؟ فيقول: رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبدا" (1) . # وروى محمد بن إسماعيل هذا الحديث عن يحيى بن بكير عن الليث عن خالد بن ~~يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم بهذا المعنى أخبرنا عبد الواحد ~~المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا ~~محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي ~~هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ~~قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل ~~مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ~~ظهره طبقا واحدا" (2) . # قوله عز وجل: {ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون} يعني: الكفار والمنافقين ~~تصير أصلابهم كصياصي البقر، فلا يستطيعون السجود. PageV08P199 ### || # {خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43) } # {خاشعة أبصارهم} وذلك أن المؤمنين يرفعون رءوسهم من السجود ووجوههم أشد ~~بياضا من الثلج وتسود وجوه ms2634 الكافرين والمنافقين {ترهقهم ذلة} يغشاهم ذل ~~الندامة والحسرة {وقد كانوا يدعون إلى السجود} قال إبراهيم التيمي: يعني ~~إلى الصلاة المكتوبة بالأذان والإقامة وقال سعيد بن جبير: كانوا يسمعون حي ~~على الفلاح فلا يجيبون {وهم سالمون} أصحاء فلا يأتونه قال كعب الأحبار: ~~والله ما نزلت هذه الآية إلا عن الذين يتخلفون عن الجماعات. # PageV08P200 ### || # {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) وأملي لهم ~~إن كيدي متين (45) أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم عندهم الغيب ~~فهم يكتبون (47) فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ~~(48) لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) فاجتباه ربه ~~فجعله من الصالحين (50) } # {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث} أي فدعني والمكذبين بالقرآن وخل بيني ~~وبينهم. قال الزجاج: معناه لا تشغل قلبك بهم [كلهم] (1) إلي فإني [أكفيكهم] ~~(2) [قال ومثله: "ذرني ومن خلقت وحيدا" معناه في اللغة: لا تشغل قلبك به ~~وكله إلي فإني أجازيه. ومثله قول الرجل: ذرني وإياه، ليس أنه منعه منه ولكن ~~تأويله كله، فإني أكفيك أمره] (3) # قوله تعالى: {سنستدرجهم} سنأخذهم بالعذاب {من حيث لا يعلمون} ، فعذبوا ~~يوم بدر. {وأملي لهم إن كيدي متين أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم ~~عندهم الغيب فهم يكتبون فاصبر لحكم ربك} اصبر على أذاهم لقضاء ربك {ولا ~~تكن} في الضجر والعجلة {كصاحب الحوت} وهو يونس بن متى {إذ نادى} ربه [في] ~~(4) بطن الحوت {وهو مكظوم} مملوء غما. # {لولا أن تداركه} أدركته {نعمة من ربه} حين رحمه وتاب عليه {لنبذ ~~بالعراء} لطرح بالفضاء من بطن الحوت {وهو مذموم} يذم ويلام بالذنب [يذنبه] ~~(5) . # {فاجتباه ربه} اصطفاه {فجعله من الصالحين} ### || # {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه ~~لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعالمين (52) } # {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم} وذلك أن الكفار أرادوا أن ~~يصيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين فنظر إليه قوم من قريش وقالوا: ~~ما رأينا مثله ولا مثل حججه. # وقيل: كانت العين في ms2635 بني أسد حتى كانت الناقة والبقرة السمينة تمر بأحدهم ~~فيعاينها ثم يقول: يا جارية خذي المكتل والدراهم فأتينا بشيء من لحم هذه ~~فما تبرح حتى تقع PageV08P201 # بالموت فتنحر (1) . # وقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل يومين أو ثلاثا ثم يرفع جانب ~~خبائه فتمر به الإبل فيقول: لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه، فما ~~تذهب إلا قليلا حتى تسقط منها طائفة وعدة، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين ويفعل به مثل ذلك، فعصم الله نبيه ~~وأنزل: "وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم" (2) أي ويكاد ودخلت اللام ~~في "ليزلقونك" لمكان 173/ب "إن" وقرأ أهل المدينة: "ليزلقونك" بفتح الياء، ~~والآخرون بضمها وهما لغتان، يقال: زلقه يزلقه زلقا وأزلقه يزلقه إزلاقا. # قال ابن عباس: معناه: ينفذونك، ويقال: زلق السهم: إذا أنفذ. # قال السدي: يصيبونك بعيونهم. قال النضير بن شميل: يعينونك. وقيل: ~~يزيلونك. # وقال الكلبي: يصرعونك. وقيل: يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة. # قال ابن قتيبة: ليس يريد أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما ~~يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرا شديدا بالعداوة ~~والبغضاء، يكاد يسقطك (3) . # وقال الزجاج: يعني من شدة عداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك. ~~وهذا مستعمل في [كلام العرب] (4) يقول القائل: نظر إلي نظرا يكاد يصرعني، ~~ونظرا يكاد يأكلني. يدل على صحة هذا المعنى: أنه قرن هذا النظر بسماع ~~القرآن، وهو قوله: {لما سمعوا الذكر} وهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهية ~~فيحدون إليه النظر بالبغضاء {ويقولون إنه لمجنون} أي ينسبونه إلى الجنون ~~إذا سمعوه يقرأ القرآن. فقال الله تعالى: # {وما هو} يعني القرآن {إلا ذكر للعالمين} قال ابن عباس: موعظة للمؤمنين. ~~قال PageV08P202 # الحسن: دواء إصابة العين أن يقرأ الإنسان هذه الآية (1) . # أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن ~~محمش الزيادي، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف ~~السلمي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ms2636 معمر عن همام بن منبه قال حدثنا أبو ~~هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"العين حق" ونهى عن الوشم (2) . # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، حدثنا السيد أبو الحسن ~~محمد بن الحسين بن داود العلوي، أخبرنا أبو نصر بن محمد بن حمدويه بن سهل ~~المروزي، حدثنا محمود [بن آدم المروزي] (3) حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو ~~بن دينار عن عروة بن عامر، عن عبيد بن رفاعة الزرقي أن أسماء بنت عميس ~~قالت: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: "نعم فلو ~~كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين" (4) . PageV08P203 ### | سورة الحاقة # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة (3) كذبت ثمود وعاد ~~بالقارعة (4) فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5) } # {الحاقة} يعني القيامة سميت حاقة لأنها حقت فلا كاذبة لها. وقيل لأن فيها ~~حواق الأمور وحقائقها ولأن فيها يحق الجزاء على الأعمال، أي يجب يقال: حق ~~عليه الشيء إذا وجب يحق [حقوقا] (2) قال الله تعالى: "ولكن حقت كلمة العذاب ~~على الكافرين" (الزمر-71) قال الكسائي: "الحاقة" يوم الحق. {ما الحاقة} هذا ~~استفهام معناه التفخيم لشأنها كما يقال: زيد ما زيد على التعظيم لشأنه. ~~{وما أدراك ما الحاقة} أي أنك لا تعلمها إذ لم تعاينها ولم تر ما فيها من ~~الأهوال. {كذبت ثمود وعاد بالقارعة} قال ابن عباس وقتادة: بالقيامة سميت ~~قارعة لأنها تقرع قلوب العباد بالمخافة. وقيل: كذبت بالعذاب الذي أوعدهم ~~نبيهم حتى نزل بهم فقرع قلوبهم. {فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية} أي بطغيانهم ~~وكفرهم. قيل: هي مصدر، وقيل: نعت أي بفعلهم الطاغية وهذا معنى قول مجاهد، ~~كما قال: "كذبت ثمود بطغواها" (الشمس-11) وقال قتادة: بالصيحة الطاغية، وهي ~~التي جاوزت مقادير الصياح فأهلكتهم. وقيل: طغت على الخزان [فلم يكن لهم ~~عليها سبيل ولم يعرفوا كم خرج منها] (3) كما طغى الماء على قوم نوح. ~~PageV08P204 ### || # {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية (6) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية ~~أيام حسوما فترى القوم فيها ms2637 صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية (7) فهل ترى لهم من ~~باقية (8) } # {وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة (9) فعصوا رسول ربهم فأخذهم ~~أخذة رابية (10) إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية (11) } # {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية} عتت على خزانها فلم تطعهم ولم يكن ~~لهم عليها سبيل، وجاوزت المقدار فلم يعرفوا كم خرج منها. {سخرها عليهم} ~~أرسلها عليهم. وقال مقاتل: سلطها عليهم {سبع ليال وثمانية أيام} قال وهب: ~~هي الأيام التي تسميها العرب أيام العجوز، ذات برد ورياح شديدة. قيل: سميت ~~عجوزا لأنها في عجز الشتاء. وقيل: سميت بذلك لأن عجوزا من قوم عاد دخلت ~~سربا فتبعتها الريح، فقتلتها اليوم الثامن من نزول العذاب وانقطع العذاب ~~{حسوما} قال مجاهد وقتادة: متتابعة ليس لها فترة، فعلى هذا فهو من حسم الكي ~~وهو أن يتابع على موضع الداء بالمكواة حتى يبرأ، ثم قيل لكل شيء توبع: حاسم ~~وجمعه حسوم، مثل شاهد وشهود، وقال الكلبي ومقاتل: حسوما دائمة. وقال النضر ~~بن شميل: حسمتهم قطعتهم وأهلكتهم، والحسم: القطع والمنع ومنه حسم الداء. ~~قال الزجاج: [الذي توجبه الآية فعلى معنى] (1) تحسمهم حسوما تفنيهم ~~وتذهبهم. وقال عطية: حسوما كأنها حسمت الخير عن أهلها {فترى القوم فيها} أي ~~في تلك الليالي والأيام {صرعى} هلكى جمع صريع {كأنهم أعجاز نخل خاوية} ~~ساقطة، وقيل: خالية الأجواف. {فهل ترى لهم من باقية} أي من نفس باقية، ~~يعني: لم يبق منهم أحد. {وجاء فرعون ومن قبله} قرأ أهل البصرة والكسائي ~~بكسر القاف وفتح الباء، أي ومن معه من جنوده وأتباعه، وقرأ الآخرون بفتح ~~القاف وسكون الباء، أي ومن قبله من الأمم الكافرة {والمؤتفكات} أي: قرى قوم ~~لوط، يريد: أهل المؤتفكات. وقيل يريد الأمم الذين ائتفكوا بخطيئتهم، أي ~~أهلكوا بذنوبهم {بالخاطئة} أي بالخطيئة والمعصية وهي الشرك. {فعصوا رسول ~~ربهم} يعني لوطا وموسى {فأخذهم أخذة رابية} نامية. قال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما: شديدة. وقيل: زائدة على عذاب الأمم. {إنا لما طغى الماء} أي ~~عتا وجاوز حده حتى علا على كل شيء وارتفع فوقه، ms2638 يعني زمن PageV08P208 # نوح عليه السلام {حملناكم} أي حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم {في ~~الجارية} في السفينة التي تجري في الماء. ### || # {لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية (12) فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة ~~(13) وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة (14) فيومئذ وقعت الواقعة (15) ~~وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16) والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية (17) } # {لنجعلها} أي لنجعل تلك الفعلة التي فعلنا من إغراق قوم نوح ونجاة من ~~حملنا معه {لكم تذكرة} عبرة وموعظة {وتعيها} قرأ القواس عن ابن كثير وسليم ~~عن حمزة باختلاس العين، وقرأ الآخرون بكسرها أي تحفظها {أذن واعية} أي: ~~حافظة لما جاء من عند الله. قال قتادة: [أذن] (1) سمعت وعقلت ما سمعت. قال ~~الفراء: لتحفظها كل أذن فتكون عبرة وموعظة لمن يأتي بعد (2) . {فإذا نفخ في ~~الصور نفخة واحدة} وهي النفخة الأولى. {وحملت الأرض والجبال} رفعت من ~~أماكنها {فدكتا} كسرتا {دكة} كسرة {واحدة} فصارتا هباء [منثورا] (3) . ~~{فيومئذ وقعت الواقعة} قامت القيامة. {وانشقت السماء فهي يومئذ واهية} ~~ضعيفة. قال الفراء: وهيها: تشققها (4) . {والملك} يعني الملائكة {على ~~أرجائها} نواحيها وأقطارها ما لم 173/ب ينشق منها واحدها: "رجا" مقصورا ~~وتثنيته رجوان. قال الضحاك: تكون الملائكة على حافتها حتى يأمرهم الرب ~~فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها {ويحمل عرش ربك فوقهم} أي فوق رءوسهم ~~يعني الحملة {يومئذ} يوم القيامة {ثمانية} أي ثمانية أملاك. # جاء في الحديث: "إنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله ~~بأربعة أخرى، فكانوا PageV08P209 # ثمانية على صورة الأوعال ما بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى ~~سماء" (1) . # وجاء في الحديث: "لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر" (2) ~~. # أخبرنا أبو بكر بن الهيثم الترابي، أخبرنا أبو الفضل محمد بن الحسين ~~الحدادي، أخبرنا محمد بن يحيى الخالدي، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم [الحنظلي] ~~(3) حدثنا عبد الرزاق، حدثنا يحيى بن العلاء، عن عمه شعيب بن خالد، حدثنا ~~سماك بن حرب، عن عبد الله بن عميرة، عن العباس بن عبد المطلب قال: كنا ~~جلوسا عند النبي صلى ms2639 الله عليه وسلم بالبطحاء فمرت سحابة فقال: النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "أتدرون ما هذا؟ قلنا: السحاب. قال: والمزن؟ قلنا: والمزن، ~~قال: والعنان؟ فسكتنا فقال: هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة ~~خمسمائة سنة، وكذلك غلظ كل سماء خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين ~~أعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض [ثم بين ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن ~~وركبهن كما بين السماء والأرض] (4) ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما ~~بين السماء والأرض والله تعالى فوق ذلك، ليس يخفى عليه من أعمال بني آدم ~~شيء" (5) . # ويروى هذا عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس. # وروي عن ابن عباس أنه قال: "فوقهم يومئذ ثمانية" أي: ثمانية صفوف من ~~الملائكة لا يعلم PageV08P210 # عدتهم إلا الله (1) . ### || # {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (18) فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول ~~هاؤم اقرءوا كتابيه (19) إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) فهو في عيشة راضية ~~(21) في جنة عالية (22) قطوفها دانية (23) } # {يومئذ تعرضون} على الله {لا تخفى} قرأ حمزة والكسائي: "لا يخفى" بالياء، ~~وقرأ الآخرون بالتاء {منكم خافية} أي فعلة خافية. قال الكلبي: لا يخفى على ~~الله منكم شيء. قال أبو موسى: يعرض الناس ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ~~ومعاذير وأما العرضة الثالثة فعندها تطاير الصحف فآخذ بيمينه وآخذ بشماله ~~(2) وذلك قوله عز وجل: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا ~~كتابيه} تعالوا اقرءوا كتابيه الهاء في "كتابيه" هاء الوقف. {إني ظننت} ~~علمت وأيقنت {أني ملاق حسابيه} أي: [أني] (3) أحاسب في الآخرة. {فهو في ~~عيشة} حالة من العيش {راضية} مرضية كقوله: "ماء دافق" (الطارق-6) يريد: ~~يرضاها بأن لقي الثواب وأمن العقاب. {في جنة عالية} رفيعة. {قطوفها دانية} ~~ثمارها قريبة لمن يتناولها [في كل أحواله ينالها] (4) قائما وقاعدا ومضطجعا ~~يقطعون كيف شاءوا. ويقال لهم: PageV08P211 ### || # {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24) وأما من أوتي ~~كتابه بشماله فيقول يا ليتني ms2640 لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ما حسابيه (26) يا ~~ليتها كانت القاضية (27) ما أغنى عني ماليه (28) هلك عني سلطانيه (29) خذوه ~~فغلوه (30) ثم الجحيم صلوه (31) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ~~(32) } # {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم} قدمتم لآخرتكم من الأعمال الصالحة {في ~~الأيام الخالية} الماضية يريد أيام الدنيا. {وأما من أوتي كتابه بشماله} ~~قال ابن السائب: تلوى يده اليسرى [من صدره] (1) خلف ظهره ثم يعطى كتابه. ~~وقيل: تنزع يده اليسرى من صدره إلى خلف ظهره ثم يعطى كتابه؛ {فيقول يا ~~ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه} يتمنى أنه لم يؤت كتابه لما يرى ~~فيه من قبائح أعماله. {يا ليتها كانت القاضية} يقول: يا ليت الموتة التي ~~متها في الدنيا كانت القاضية الفارغة من كل ما بعدها والقاطعة للحياة، فلم ~~أحي بعدها. و"القاضية" موت لا حياة بعده يتمنى أنه لم يبعث للحساب. قال ~~قتادة: يتمنى الموت ولم يكن عنده في الدنيا شيء أكره من الموت. {ما أغنى ~~عني ماليه} لم يدفع عني من عذاب الله شيئا. {هلك عني سلطانيه} ضلت عني ~~حجتي، عن أكثر المفسرين. وقال ابن زيد: زال عني ملكي وقوتي. قال مقاتل: ~~يعني حين شهدت عليه الجوارح بالشرك، يقول الله لخزنة جهنم: {خذوه فغلوه} ~~اجمعوا يده إلى عنقه. {ثم الجحيم صلوه} أي: أدخلوه الجحيم. {ثم في سلسلة ~~ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه} فأدخلوه فيها. قال ابن عباس: سبعون ذراعا بذراع ~~الملك، فتدخل في دبره وتخرج من منخره (2) . وقيل: تدخل في فيه وتخرج من ~~PageV08P212 # دبره. وقال نوف البكالي: سبعون ذراعا كل ذراع سبعون باعا كل باع أبعد مما ~~بينك وبين مكة، وكان في رحبة الكوفة (1) وقال سفيان: كل ذراع سبعون ذراعا. ~~قال الحسن: الله أعلم أي ذراع هو. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله ~~بن محمود، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن ms2641 ~~المبارك، عن سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن ~~[رضاضة] (2) مثل هذه -وأشار إلى مثل الجمجمة -أرسلت من السماء إلى الأرض، ~~وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس ~~السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها" (3) ~~. # وعن كعب قال: لو جمع حديد الدنيا ما وزن حلقة منها. ### || # {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ولا يحض على طعام المسكين (34) } # {فليس له اليوم ها هنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) لا يأكله ~~إلا الخاطئون (37) فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) } # {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين} لا يطعم ~~المسكين في الدنيا ولا يأمر أهله بذلك. {فليس له اليوم هاهنا حميم} قريب ~~ينفعه ويشفع له. {ولا طعام إلا من غسلين} وهو صديد أهل النار، مأخوذ من ~~الغسل، كأنه غسالة جروحهم وقروحهم. قال الضحاك والربيع: هو شجر يأكله أهل ~~النار. {لا يأكله إلا الخاطئون} أي: الكافرون. {فلا أقسم} "لا" رد لكلام ~~المشركين، كأنه قال: ليس كما يقول المشركون أقسم # PageV08P213 # {بما تبصرون} أي بما ترون وبما لا ترون. قال قتادة: أقسم بالأشياء كلها ~~فيدخل فيه جميع [المخلوقات] (1) والموجودات. وقال: أقسم بالدنيا والآخرة. ~~وقيل: "ما تبصرون" ما على وجه الأرض، و"ما لا تبصرون" ما في بطنها. وقيل: ~~"ما تبصرون" من الأجسام و"ما لا تبصرون" من الأرواح. وقيل: "ما تبصرون" ~~الإنس و"ما لا تبصرون" الملائكة والجن. وقيل النعم الظاهرة والباطنة. وقيل: ~~"ما تبصرون" ما أظهر الله للملائكة واللوح والقلم: و"ما لا تبصرون" ما ~~استأثر بعلمه فلم يطلع عليه أحدا. ### || # {إنه لقول رسول كريم (40) وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا ~~بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42) تنزيل من رب العالمين (43) ولو تقول علينا ~~بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه باليمين (45) } # {إنه} يعني القرآن {لقول رسول كريم } أي تلاوة رسول كريم، يعني ms2642 محمدا صلى ~~الله عليه وسلم. {وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما ~~تذكرون} 174/أقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: "يؤمنون ويذكرون" بالياء ~~فيهما، وقرأ الآخرون بالتاء، وأراد بالقليل نفي إيمانهم أصلا كقولك لمن لا ~~يزورك: قلما تأتينا. وأنت تريد: لا تأتينا أصلا. {تنزيل من رب العالمين ولو ~~تقول} تخرص واختلق {علينا} محمد {بعض الأقاويل} وأتى بشيء من عند نفسه. ~~{لأخذنا منه باليمين} قيل "من" صلة مجازه: لأخذناه وانتقمنا منه باليمين أي ~~بالحق، كقوله: "كنتم تأتوننا عن اليمين" (الصافات-28) أي: من قبل الحق. ~~وقال ابن عباس: لأخذناه بالقوة والقدرة. قال الشماخ في عرابة ملك اليمن: # إذا ما راية رفعت لمجد %~% تلقاها عرابة باليمين (2) # أي بالقوة، عبر عن القوة باليمين لأن قوة كل شيء في ميامنه. # وقيل: معناه لأخذنا بيده اليمنى، وهو مثل معناه: لأذللناه وأهناه ~~كالسلطان إذا أراد الاستخفاف PageV08P214 # ببعض من يريد يقول لبعض أعوانه: خذ بيده فأقمه. ### || # {ثم لقطعنا منه الوتين (46) فما منكم من أحد عنه حاجزين (47) وإنه لتذكرة ~~للمتقين (48) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) وإنه لحسرة على الكافرين (50) ~~وإنه لحق اليقين (51) فسبح باسم ربك العظيم (52) } # {ثم لقطعنا منه الوتين} قال ابن عباس: أي نياط القلب وهو قول أكثر ~~المفسرين. وقال مجاهد: الحبل الذي في الظهر. وقيل هو عرق يجري في الظهر حتى ~~يتصل بالقلب، فإذا انقطع مات صاحبه. {فما منكم من أحد عنه حاجزين} مانعين ~~يحجزوننا عن عقوبته، والمعنى: أن محمدا لا يتكلف الكذب لأجلكم مع علمه بأنه ~~لو تكلفه لعاقبناه ولا يقدر أحد على دفع عقوبتنا عنه، وإنما قال: "حاجزين" ~~بالجمع وهو فعل واحد ردا على معناه كقوله: "لا نفرق بين أحد من رسله" ~~(البقرة-285) . {وإنه} يعني القرآن {لتذكرة للمتقين} أي لعظة لمن اتقى عقاب ~~الله. {وإنا لنعلم أن منكم مكذبين وإنه لحسرة على الكافرين} يوم القيامة ~~يندمون على ترك الإيمان به. # {وإنه لحق اليقين} أضافه إلى نفسه لاختلاف اللفظين. # {فسبح باسم ربك العظيم} . # PageV08P215 ### | سورة المعارج # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {سأل سائل ms2643 بعذاب واقع (1) للكافرين ليس له دافع (2) } # {سأل سائل} قرأ أهل المدينة والشام: "سال" بغير همز وقرأ الآخرون بالهمز، ~~فمن همز فهو من السؤال، ومن قرأ بغير همز قيل: هو لغة في السؤال، يقال: سال ~~يسال مثل خاف يخاف [يعني] (2) سال يسال خفف الهمزة وجعلها ألفا. # وقيل: هو من السيل، والسايل واد من أودية جهنم، يروى ذلك عن عبد الرحمن ~~بن زيد بن أسلم، والأول أصح. # واختلفوا في الباء في قوله: "بعذاب" قيل: هي بمعنى "عن" كقوله: "فاسأل به ~~خبيرا" (الفرقان-59) [أي عنه خبيرا] (3) # ومعنى الآية: سأل سائل عن عذاب {واقع} نازل كائن على من ينزل ولمن ذلك ~~العذاب فقال الله مبينا مجيبا لذلك السائل: {للكافرين} وذلك أن أهل مكة لما ~~خوفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب قال بعضهم لبعض: من أهل هذا ~~العذاب؟ ولمن هو؟ سلوا عنه محمدا فسألوه فأنزل الله: "سأل سائل بعذاب واقع ~~للكافرين" أي: هو للكافرين، هذا قول الحسن وقتادة. وقيل: الباء صلة ومعنى ~~الآية: دعا داع وسأل سائل عذابا واقعا للكافرين، أي: على الكافرين، اللام ~~بمعنى "على" وهو النضر بن الحارث حيث دعا PageV08P216 # على نفسه وسأل العذاب، فقال: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك" الآية ~~(الأنفال-32) فنزل به ما سأل يوم بدر فقتل صبرا، وهذا قول ابن عباس ومجاهد: ~~{ليس له} أي للعذاب {دافع} مانع. ### || # {من الله ذي المعارج (3) تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة (4) } # {من الله ذي المعارج} قال ابن عباس: أي ذي السماوات، سماها معارج لأن ~~الملائكة تعرج فيها. وقال سعيد بن جبير: ذي الدرجات. وقال قتادة: ذي ~~الفواضل والنعم [ومعارج: الملائكة] (1) . {تعرج الملائكة} قرأ الكسائي ~~"يعرج" بالياء، وهي قراءة ابن مسعود، وقرأ الآخرون "تعرج" بالتاء {والروح} ~~يعني جبريل عليه السلام {إليه} أي إلى الله عز وجل {في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة} من سني الدنيا لو صعد غير الملك وذلك أنها تصعد منتهى أمر ~~الله تعالى من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمر الله ms2644 تعالى من فوق السماء ~~السابعة. # روى ليث عن مجاهد أن مقدار هذا خمسون ألف سنة (2) . # وقال محمد بن إسحاق: لو سار بنو آدم من الدنيا إلى موضع العرش لساروا ~~خمسين ألف سنة من سني الدنيا. # وقال عكرمة وقتادة: هو يوم القيامة. وقال الحسن أيضا: هو يوم القيامة. ~~وأراد أن موقفهم للحساب حتى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ~~ليس يعني به مقدار طوله هذا دون غيره لأن يوم القيامة له أول وليس له آخر ~~لأنه يوم ممدود، ولو كان له آخر لكان منقطعا. # وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو يوم القيامة يكون على الكافرين ~~مقدار خمسين ألف سنة (3) . PageV08P220 # أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، أخبرنا أبو القاسم حمزة بن ~~يوسف السهمي، أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، حدثنا عبد الله بن ~~سعيد، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن دراج أبي السمح، عن أبي ~~الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة: فما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من ~~صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا" (1) . # وقيل: معناه لو ولي محاسبة العباد في ذلك اليوم غير الله لم يفرغ منه ~~خمسين ألف سنة. وهذا معنى قول عطاء عن ابن عباس ومقاتل. قال عطاء: ويفرغ ~~الله منه في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. # وروى محمد بن الفضل عن الكلبي قال: يقول لو وليت حساب ذلك اليوم الملائكة ~~والجن والإنس وطوقتهم محاسبتهم لم يفرغوا منه إلا بعد خمسين ألف سنة، وأنا ~~أفرغ منها في ساعة [واحدة] (2) من النهار. # وقال يمان: هو يوم القيامة فيه خمسون موطنا، كل موطن ألف سنة. وفيه تقديم ~~وتأخير كأنه قال: ليس له دافع من الله ذي المعارج في يوم كان مقداره خمسين ~~ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه. ### || # {فاصبر صبرا ms2645 جميلا (5) إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا (7) يوم تكون ~~السماء كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن (9) } # {فاصبر صبرا جميلا} يا محمد على تكذيبهم وهذا قبل أن يؤمر بالقتال. {إنهم ~~يرونه بعيدا} يعني العذاب {ونراه قريبا} لأن ما هو آت قريب. {يوم تكون ~~السماء كالمهل} كعكر الزيت. وقال الحسن: كالفضة إذا أذيبت. {وتكون الجبال ~~كالعهن} كالصوف المصبوغ. ولا يقال: "عهن" إلا للمصبوغ. وقال مقاتل: كالصوف ~~المنفوش. وقال الحسن: كالصوف الأحمر وهو أضعف الصوف 174/ب وأول ما تتغير ~~PageV08P221 # الجبال تصير رملا مهيلا ثم عهنا منفوشا، ثم تصير هباء منثورا. ### || # {ولا يسأل حميم حميما (10) } # {يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (11) وصاحبته وأخيه ~~(12) وفصيلته التي تؤويه (13) ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه (14) كلا إنها ~~لظى (15) نزاعة للشوى (16) } # {ولا يسأل حميم حميما} قرأ البزي عن ابن كثير "لا يسأل" بضم الياء أي: لا ~~يسأل حميم عن حميم، أي لا يقال له: أين حميمك؟ وقرأ الآخرون بفتح الياء، ~~أي: لا يسأل قريب قريبا لشغله بشأن نفسه. {يبصرونهم} يرونهم، وليس في ~~القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه من الجن والإنس، فيبصر الرجل أباه ~~وأخاه وقرابته فلا يسأله، ويبصر حميمه فلا يكلمه لاشتغاله بنفسه. # قال ابن عباس: يتعارفون ساعة من النهار ثم لا يتعارفون بعده. # وقيل: "يبصرونهم" يعرفونهم، أي: يعرف الحميم حميمه حتى يعرفه ومع ذلك لا ~~يسأله عن شأنه لشغله بنفسه. # وقال السدي: يعرفونهم أما المؤمن فببياض وجهه وأما الكافر فبسواد وجهه ~~{يود المجرم} يتمنى المشرك {لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه} {وصاحبته} زوجته ~~{وأخيه وفصيلته} عشيرته التي فصل منهم. وقال مجاهد: قبيلته. وقال غيره: ~~أقرباؤه الأقربون {التي تؤويه} أي التي تضمه ويأوي إليها. {ومن في الأرض ~~جميعا ثم ينجيه} ذلك الفداء من عذاب [ربك] (1) . {كلا} لا ينجيه من عذاب ~~الله شيء ثم ابتدأ فقال: {إنها لظى} وهي اسم من أسماء جهنم. وقيل: هي ~~الدركة الثانية سميت بذلك لأنها تتلظى أي: تتلهب. {نزاعة للشوى} قرأ حفص عن ~~عاصم "نزاعة" نصب على الحال والقطع، وقرأ الآخرون بالرفع ms2646 أي هي نزاعة ~~للشوى، وهي [الأطراف] (2) اليدان والرجلان [وسائر] (3) الأطراف. قال مجاهد: ~~لجلود الرأس. وروى إبراهيم بن مهاجر عنه: [تنزع] (4) اللحم دون العظام. ~~PageV08P222 # قال مقاتل: تنزع النار الأطراف فلا تترك لحما ولا جلدا. # وقال الضحاك: تنزع الجلد واللحم عن العظم. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: العصب والعقب. # وقال الكلبي: لأم الرأس تأكل الدماغ كله ثم يعود كما كان، ثم تعود لأكله ~~فذلك دأبها. # وقال قتادة: لمكارم خلقه وأطرافه. قال أبو العالية: لمحاسن وجهه. # وقال ابن [جرير] (1) "الشوى" جوارح الإنسان ما لم يكن مقتلا يقال: رمى ~~فأشوى إذا أصاب الأطراف ولم يصب المقتل (2) . ### || # {تدعو من أدبر وتولى (17) وجمع فأوعى (18) إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا ~~مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21) } # {تدعوا} أي: النار إلى نفسها {من أدبر} على الإيمان {وتولى} عن الحق ~~فتقول إلي يا مشرك إلي يا منافق إلي إلي. قال ابن عباس: تدعو الكافرين ~~والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب. حكي عن ~~الخليل: أنه قال: تدعو أي تعذب. وقال: قال أعرابي لآخر: دعاك الله أي عذبك ~~الله. {وجمع} أي: جمع المال {فأوعى} [أمسكه] (3) في الوعاء ولم يؤد حق الله ~~منه. {إن الإنسان خلق هلوعا} روى السدي عن أبي صالح عن ابن عباس [قال] (4) ~~"الهلوع" الحريص على ما لا يحل له. وقال سعيد بن جبير: شحيحا. وقال عكرمة: ~~ضجورا. وقال الضحاك والحسن: بخيلا. وقال قتادة: جزوعا. وقال مقاتل: ضيق ~~القلب. والهلع: شدة الحرص وقلة الصبر. وقال عطية عن ابن عباس: تفسيره ما ~~بعده وهو قوله: {إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا} أي: إذا أصابه ~~الفقر لم يصبر، وإذا أصاب المال لم ينفق. قال ابن كيسان: خلق الله الإنسان ~~يحب ما يسره ويهرب مما يكره، ثم تعبده بإنفاق ما يحب والصبر على ما يكره. ~~ثم استثنى فقال: PageV08P223 ### || # {إلا المصلين (22) الذين هم على صلاتهم دائمون (23) والذين في أموالهم حق ~~معلوم (24) للسائل والمحروم (25) والذين يصدقون بيوم الدين (26) والذين هم ~~من عذاب ربهم مشفقون (27) إن ms2647 عذاب ربهم غير مأمون (28) والذين هم لفروجهم ~~حافظون (29) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (30) فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (31) والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ~~(32) والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) } # {إلا المصلين} استثنى الجمع من الوحدان لأن الإنسان في معنى الجمع ~~[كقوله: "إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا"] (1) . {الذين هم على صلاتهم ~~دائمون} يقيمونها في أوقاتها يعني الفرائض. # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، حدثنا أبو طاهر محمد بن ~~أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، ~~أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، ~~عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب: أن أبا الخير أخبره قال: سألنا عقبة ~~بن عامر عن قول الله تعالى: "الذين هم على صلاتهم دائمون" أهم الذين يصلون ~~أبدا؟ قال: لا ولكنه إذا صلى لم يلتفت عن يمينه ولا عن شماله ولا من خلفه ~~(2) . {والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم * والذين يصدقون بيوم ~~الدين * والذين هم من عذاب ربهم مشفقون * إن عذاب ربهم غير مأمون * والذين ~~هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ~~* فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون * والذين هم بشهاداتهم قائمون} قرأ حفص عن عاصم ويعقوب: "بشهاداتهم" ~~على الجمع، وقرأ الآخرون [بشهاداتهم] (3) [على التوحيد] (4) {قائمون} أي ~~يقومون فيها بالحق أو لا يكتمونها ولا يغيرونها. PageV08P224 ### || # {والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) أولئك في جنات مكرمون (35) فمال ~~الذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال عزين (37) أيطمع كل ~~امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (38) كلا إنا خلقناهم مما يعلمون (39) } # {والذين هم على صلاتهم يحافظون أولئك في جنات مكرمون} . # {فمال الذين كفروا} أي: فما بال الذين كفروا، كقوله: "فما لهم عن التذكرة ~~معرضين" (المدثر-49) {قبلك مهطعين} مسرعين مقبلين إليك مادي أعناقهم ومديمي ~~النظر إليك متطلعين نحوك. # نزلت في جماعة من الكفار كانوا يجتمعون حول ms2648 النبي صلى الله عليه وسلم ~~يستمعون كلامه ويستهزئون به ويكذبونه، فقال الله تعالى: ما لهم ينظرون إليك ~~ويجلسون عندك وهم لا ينتفعون بما يستمعون (1) . {عن اليمين وعن الشمال ~~عزين} حلقا وفرقا، و"العزين" جماعات في تفرقة، واحدتها عزة. {أيطمع كل امرئ ~~منهم أن يدخل جنة نعيم} قال ابن عباس: معناه أيطمع كل رجل منهم أن يدخل ~~جنتي كما يدخلها المسلمون ويتنعم فيها وقد كذب نبيي؟ {كلا} لا يدخلونها. ثم ~~ابتدأ فقال: {إنا خلقناهم مما يعلمون} أي: من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، ~~نبه الناس على أنهم خلقوا من أصل واحد وإنما يتفاضلون ويستوجبون الجنة ~~بالإيمان والطاعة. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا موسى بن محمد بن علي، ~~حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، ~~حدثنا جرير بن عثمان الرحبي، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير بن نفير، عن ~~بسر بن جحاش [القرشي] (2) قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم وبصق يوما في ~~كفه ووضع عليها إصبعه فقال: يقول الله عز وجل: "ابن آدم أنى تعجزني وقد ~~خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك 175/أوعدلتك ومشيت بين بردين، وللأرض منك ~~وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي PageV08P225 # قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة" (1) # وقيل: معناه إنا خلقناهم [من أجل ما يعملون وهو الأمر والنهي والثواب ~~والعقاب. # وقيل: "ما" بمعنى "من" مجازه: إنا] (2) خلقناهم ممن يعلمون ويعقلون لا ~~كالبهائم. PageV08P226 ### || # {فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40) على أن نبدل خيرا منهم ~~وما نحن بمسبوقين (41) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ~~(42) يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (43) خاشعة أبصارهم ~~ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون (44) } # {فلا أقسم برب المشارق والمغارب} يعني مشرق كل يوم من أيام السنة ومغربه ~~{إنا لقادرون} {على أن نبدل خيرا منهم} على أن نخلق أمثل منهم وأطوع لله ~~[ورسوله] (1) {وما نحن بمسبوقين} {فذرهم ms2649 يخوضوا} في باطلهم {ويلعبوا} في ~~دنياهم {حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون} نسختها آية القتال. {يوم يخرجون من ~~الأجداث} من القبور {سراعا} إلى إجابة الداعي {كأنهم إلى نصب} قرأ ابن عامر ~~[وابن عباس] (2) وحفص: "نصب" بضم النون والصاد، وقرأ الآخرون بفتح النون ~~وسكون الصاد يعنون إلى شيء منصوب، يقال: فلان نصب عيني. وقال الكلبي: إلى ~~علم وراية. ومن قرأ بالضم، قال مقاتل والكسائي: يعني إلى أوثانهم التي ~~كانوا يعبدونها من دون الله [كقوله: "وما ذبح على النصب" (المائدة-3) (3) ~~قال الحسن: يسرعون إليها أيهم يستلمها أولا {يوفضون} يسرعون. {خاشعة} ذليلة ~~خاضعة {أبصارهم ترهقهم ذلة} يغشاهم هوان {ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون} ~~يعني يوم القيامة. PageV08P226 ### | سورة نوح # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم (1) ~~قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (3) يغفر ~~لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون (4) قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا ~~فرارا (6) } # {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك} أي: بأن أنذر قومك {من قبل أن ~~يأتيهم عذاب أليم} المعنى: إنا أرسلناه لينذرهم بالعذاب إن لم يؤمنوا. {قال ~~يا قوم إني لكم نذير مبين} أنذركم وأبين لكم [رسالة الله بلغة تعرفونها] ~~(2) . {أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم} "من" صلة، أي: ~~يغفر لكم ذنوبكم. وقيل: يعني ما سلف من ذنوبكم إلى وقت الإيمان، وذلك بعض ~~ذنوبهم {ويؤخركم إلى أجل مسمى} أي: يعافيكم إلى منتهى آجالكم فلا يعاقبكم ~~{إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون} يقول: آمنوا قبل الموت ~~تسلموا [من العذاب] (3) فإن أجل الموت إذا جاء لا يؤخر ولا يمكنكم الإيمان. ~~{قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا} نفارا ~~وإدبارا عن الإيمان [والحق] (4) . PageV08P227 ### || # {وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ~~وأصروا واستكبروا ms2650 استكبارا (7) ثم إني دعوتهم جهارا (8) ثم إني أعلنت لهم ~~وأسررت لهم إسرارا (9) فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) } # {يرسل السماء عليكم مدرارا (11) } # {وإني كلما دعوتهم} إلى الإيمان بك {لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم} ~~لئلا يسمعوا دعوتي {واستغشوا ثيابهم} غطوا بها وجوههم لئلا يروني {وأصروا} ~~على كفرهم {واستكبروا} عن الإيمان بك {استكبارا} {ثم إني دعوتهم جهارا} ~~معلنا بالدعاء. قال ابن عباس: بأعلى صوتي. {ثم إني أعلنت لهم} كررت الدعاء ~~معلنا {وأسررت لهم إسرارا} قال ابن عباس: يريد الرجل بعد الرجل أكلمه سرا ~~بيني وبينه أدعوه إلى عبادتك وتوحيدك. {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ~~يرسل السماء عليكم مدرارا} وذلك أن قوم نوح لما كذبوه زمانا طويلا حبس الله ~~عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، فهلكت أموالهم ومواشيهم، فقال ~~لهم نوح: استغفروا ربكم من الشرك، أي استدعوا المغفرة بالتوحيد، يرسل ~~السماء عليكم مدرارا. # وروى مطرف عن الشعبي أن عمر رضي الله تعالى عنه خرج يستسقي بالناس، فلم ~~يزد على الاستغفار حتى رجع، فقيل له: ما سمعناك استسقيت؟ فقال. طلبت الغيث ~~[بمجاديح] (1) السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: "استغفروا ربكم إنه ~~كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا" (2) . PageV08P230 ### || # {ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12) ما لكم لا ~~ترجون لله وقارا (13) وقد خلقكم أطوارا (14) ألم تروا كيف خلق الله سبع ~~سماوات طباقا (15) وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (16) والله ~~أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا (18) والله جعل ~~لكم الأرض بساطا (19) } # {ويمددكم بأموال وبنين} قال عطاء: يكثر أموالكم وأولادكم {ويجعل لكم جنات ~~ويجعل لكم أنهارا ما لكم لا ترجون لله وقارا} قال ابن عباس ومجاهد: لا ترون ~~لله عظمة. وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته. وقال ~~الكلبي: لا تخافون الله حق عظمته. # و"الرجاء" بمعنى الخوف، و"الوقار" العظمة اسم من التوقير وهو التعظيم. # قال الحسن: لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة. # قال ابن كيسان: ما لكم لا ترجون في عبادة ms2651 الله أن يثيبكم على توقيركم ~~إياه خيرا. {وقد خلقكم أطوارا} تارات حالا بعد حال نطفة ثم علقة ثم مضغة ~~إلى تمام الخلق. {ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن ~~نورا} قال الحسن: يعني في السماء الدنيا كما يقال: أتيت بني تميم، وإنما ~~أتى بعضهم، وفلان متوار في دور بني فلان وإنما هو في دار واحدة. وقال عبد ~~الله بن عمرو: إن الشمس والقمر وجوههما إلى السماوات، وضوء الشمس ونور ~~القمر فيهن وأقفيتهما إلى الأرض (1) . ويروى هذا عن ابن عباس (2) . # {وجعل الشمس سراجا} مصباحا مضيئا. {والله أنبتكم من الأرض نباتا} أراد ~~مبدأ خلق آدم خلقه من الأرض والناس ولده، وقوله: "نباتا" اسم جعل في موضع ~~المصدر أي إنباتا قال الخليل: مجازه: أنبتكم فنبتم نباتا. {ثم يعيدكم فيها} ~~بعد الموت {ويخرجكم} منها يوم البعث أحياء {إخراجا} {والله جعل لكم الأرض ~~بساطا} فرشها وبسطها لكم. PageV08P231 ### || # {لتسلكوا منها سبلا فجاجا (20) قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ~~ماله وولده إلا خسارا (21) ومكروا مكرا كبارا (22) وقالوا لا تذرن آلهتكم ~~ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) } # {لتسلكوا منها سبلا فجاجا} طرقا واسعة. {قال نوح رب إنهم عصوني} لم ~~يجيبوا دعوتي {واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا} يعني: اتبع السفلة ~~والفقراء القادة والرؤساء الذين لم يزدهم كثرة المال والولد إلا ضلالا في ~~الدنيا وعقوبة في الآخرة. {ومكروا مكرا كبارا} أي كبيرا عظيما يقال: كبير ~~وكبار بالتخفيف كبار بالتشديد، كلها بمعنى واحد، كما يقال: أمر عجيب وعجاب ~~وعجاب بالتشديد وهو أشد في المبالغة. # واختلفوا في معنى مكرهم. قال ابن عباس: قالوا قولا عظيما. وقال الضحاك: ~~افتروا على الله وكذبوا رسله وقيل: منع الرؤساء أتباعهم عن الإيمان بنوح ~~[وحرضوهم] (1) على قتله. {وقالوا} لهم {لا تذرن آلهتكم} أي لا تتركوا ~~عبادتها {ولا تذرن ودا} قرأ أهل المدينة بضم الواو والباقون بفتحها {ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} هذه أسماء آلهتهم. # قال محمد بن كعب: هذه أسماء قوم صالحين كانوا ms2652 بين آدم ونوح فلما ماتوا ~~كان لهم أتباع يقتدون بهم ويأخذون بعدهم بأخذهم في العبادة فجاءهم إبليس ~~وقال لهم: لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة، ففعلوا ثم نشأ ~~قوم بعدهم فقال لهم إبليس: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم، ~~فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك (2) . # وسميت تلك الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صور أولئك 175/ب القوم من ~~المسلمين. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام ~~عن ابن جريج وقال عطاء عن ابن عباس: صارت الأوثان التي كانت تعبد في قوم ~~نوح [تعبد] (3) في العرب [بعده] (4) أما ود فكانت PageV08P232 # لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم ~~لبني غطيف بالجرف عند سبإ وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير ~~لآل ذي الكلاع (1) ذكره في تفسيره. # وروى سفيان عن موسى عن محمد بن قيس قوله تعالى: "ولا تذرن ودا ولا سواعا ~~ولا يغوث ويعوق ونسرا" قال: كانت أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا ~~أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا فى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها ~~أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم ~~عبدت (2) . # وروي عن ابن عباس: أن تلك الأوثان دفنها الطوفان وطمها التراب، فلم تزل ~~مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب، وكانت للعرب أصنام أخر فاللات ~~كانت لثقيف، والعزى لسليم وغطفان وجشم ومناة لقديد، وإساف ونائلة وهبل لأهل ~~مكة. ### || # {وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (24) مما خطيئاتهم أغرقوا ~~فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25) } # {وقد أضلوا كثيرا} أي: ضل بسبب الأصنام كثير من الناس كقوله عز وجل: "رب ~~إنهن أضللن كثيرا من الناس" (إبراهيم-36) وقال مقاتل: أضل كبراؤهم كثيرا من ~~الناس {ولا تزد الظالمين إلا ضلالا} هذا دعاء عليهم بعدما أعلم الله نوحا ~~أنهم لا يؤمنون، وهو قوله: "أنه لن يؤمن من ms2653 قومك إلا من قد آمن" (هود-36) . ~~{مما خطيئاتهم} أي: من خطيئاتهم و"ما" صلة، وقرأ أبو عمرو: "خطاياهم" ~~وكلاهما جمع خطيئة {أغرقوا} بالطوفان {فأدخلوا نارا} قال الضحاك: هي في ~~حالة واحدة في الدنيا يغرقون من جانب ويحترقون من جانب، وقال مقاتل: ~~فأدخلوا نارا في الآخرة {فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا} لم يجدوا أحدا ~~يمنعهم من عذاب الله. PageV08P233 ### || # {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم ~~يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل ~~بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا (28) } # {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} أحدا يدور في الأرض ~~فيذهب ويجيء أصله من الدوران وقال [ابن قتيبة] (1) إن أصله من الدار، أي: ~~نازل دار (2) . {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك} قال ابن عباس، والكلبي ومقاتل: ~~كان الرجل ينطلق بابنه إلى نوح فيقول: احذر هذا فإنه كذاب، وإن أبي حذرنيه ~~فيموت الكبير وينشأ الصغير عليه {ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} قال محمد بن ~~كعب، ومقاتل، والربيع، وغيرهم: إنما قال نوح هذا حين أخرج الله كل مؤمن من ~~أصلابهم وأرحام نسائهم وأعقم أرحام نسائهم وأيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب ~~بأربعين سنة. [وقيل سبعين سنة] (3) وأخبر الله نوحا أنهم لا يؤمنون ولا ~~يلدون مؤمنا فحينئذ دعا عليهم نوح فأجاب الله دعاءه، وأهلكهم كلهم ولم يكن ~~فيهم صبي وقت العذاب لأن الله تعالى قال: "وقوم نوح لما كذبوا الرسل ~~أغرقناهم" (الفرقان-37) ولم يوجد التكذيب من الأطفال (4) . {رب اغفر لي ~~ولوالدي} واسم أبيه: لمك بن متوشلخ، واسم أمه: سمحاء بنت أنوش، وكانا ~~مؤمنين [وقيل اسمها هيجل بنت لاموش بن متوشلخ فكانت بنت عمه] (5) {ولمن دخل ~~بيتي} داري {مؤمنا} وقال الضحاك والكلبي: مسجدي. وقيل: سفينتي {وللمؤمنين ~~والمؤمنات} هذا عام في كل من آمن بالله وصدق الرسل {ولا تزد الظالمين إلا ~~تبارا} هلاكا ودمارا فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم. PageV08P234 ### | سورة الجن # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {قل أوحي إلي أنه استمع ms2654 نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) ~~يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) وأنه تعالى جد ربنا ما ~~اتخذ صاحبة ولا ولدا (3) } # {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} وكانوا تسعة من جن نصيبين. وقيل ~~سبعة استمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ذكرنا خبرهم في سورة الأحقاف ~~{فقالوا} لما رجعوا إلى قومهم {إنا سمعنا قرآنا عجبا} قال ابن عباس: بليغا ~~أي: قرآنا ذا عجب يعجب منه لبلاغته. {يهدي إلى الرشد} يدعو إلى الصواب من ~~التوحيد والإيمان {فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا} {وأنه تعالى جد ربنا} قرأ ~~أهل الشام والكوفة غير أبي بكر عن عاصم: "وأنه تعالى" بفتح الهمزة وكذلك ما ~~بعده إلى قوله {وأنا منا المسلمون} وقرأ الآخرون بكسرهن، وفتح أبو جعفر ~~منها "وأنه" وهو ما كان مردودا [إلى] (2) الوحي وكسر ما كان حكاية عن الجن. # والاختيار كسر الكل لأنه من قول الجن لقومهم فهو معطوف على قوله: "فقالوا ~~إنا سمعنا قرآنا عجبا" وقالوا: "وأنه تعالى". # ومن فتح رده على قوله: "فآمنا به" وآمنا بكل ذلك؛ ففتح "أن" لوقوع ~~الإيمان عليه. PageV08P235 # {جد ربنا} [جلال] (1) ربنا وعظمته، قاله مجاهد وعكرمة وقتادة. يقال: جد ~~الرجل أي: عظم، ومنه قول أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا ~~أي: عظم قدره. # وقال السدي: "جد ربنا" أي أمر ربنا. وقال الحسن: غنى ربنا. ومنه قيل ~~للجد: حظ ورجل مجدود. # وقال ابن عباس: قدرة ربنا. قال الضحاك: فعله. # وقال القرظي: آلاؤه ونعماؤه على خلقه. # وقال الأخفش: علا ملك ربنا {ما اتخذ صاحبة ولا ولدا} قيل: تعالى جل جلاله ~~وعظمته عن أن يتخذ صاحبة [أو ولدا] (2) . ### || # {وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) وأنا ظننا أن لن تقول الإنس ~~والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ~~فزادوهم رهقا (6) } # {وأنه كان يقول سفيهنا} جاهلنا قال مجاهد وقتادة: هو إبليس {على الله ~~شططا} كذبا وعدوانا وهو وصفه بالشريك والولد. {وأنا ظننا} حسبنا {أن ms2655 لن ~~تقول الإنس والجن} قرأ يعقوب "تقول" بفتح الواو وتشديدها {على الله كذبا} ~~أي: كنا نظنهم صادقين في قولهم إن لله صاحبة وولدا حتى سمعنا القرآن. قال ~~الله تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن} وذلك أن الرجل ~~من العرب في الجاهلية كان إذا سافر فأمسى في أرض قفر، قال: أعوذ بسيد هذا ~~الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا ابن ~~فنجويه، حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك، حدثنا أبو القاسم [عبد ~~الرحمن] (3) بن محمد بن إسحاق المروزي PageV08P238 # حدثنا موسى بن سعيد بن النعمان بطرسوس، حدثنا فروة بن أبي 76/أالمغراء ~~الكندي، حدثنا القاسم بن مالك، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبيه، عن كردم ~~بن أبي سائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أول ما ~~ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما ~~انتصف النهار جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم، فوثب الراعي [فقال] (1) يا عامر ~~الوادي جارك فنادى مناد لا نراه، يقول: يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد ~~حتى دخل الغنم ولم تصبه كدمة (2) فأنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بمكة {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم ~~رهقا} يعني زاد الإنس الجن باستعاذتهم بقادتهم رهقا. # قال ابن عباس: إثما. قال مجاهد: طغيانا. قال مقاتل: غيا. قال الحسن: شرا ~~قال إبراهيم: عظمة وذلك أنهم كانوا يزدادون بهذا التعوذ طغيانا يقولون: ~~سدنا الجن والإنس، و"الرهق" في كلام العرب: الإثم وغشيان المحارم. ### || # {وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السماء ~~فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن ~~يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (9) } # {وأنهم ظنوا} يقول الله تعالى: إن الجن ظنوا {كما ظننتم} يا معشر الكفار ~~من الإنس {أن لن يبعث الله أحدا} بعد ms2656 موته. {وأنا} تقول الجن {لمسنا ~~السماء} قال الكلبي: السماء الدنيا {فوجدناها ملئت حرسا شديدا} من الملائكة ~~{وشهبا} من النجوم. {وأنا كنا نقعد منها} من السماء {مقاعد للسمع} أي: كنا ~~نستمع {فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا} أرصد له ليرمى به. # قال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لم ~~يكن مثل ما كان بعد مبعثه PageV08P239 # في شدة الحراسة، وكانوا يسترقون السمع في بعض الأحوال، فلما بعث [النبي ~~صلى الله عليه وسلم] (1) منعوا من ذلك أصلا (2) ثم قالوا: ### || # {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10) وأنا ~~منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (11) وأنا ظننا أن لن نعجز الله ~~في الأرض ولن نعجزه هربا (12) وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه ~~فلا يخاف بخسا ولا رهقا (13) } # {وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا (14) } # {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض} برمي الشهب {أم أراد بهم ربهم ~~رشدا} {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك} دون الصالحين {كنا طرائق قددا} أي: ~~جماعات متفرقين وأصنافا مختلفة، والقدة: القطعة من الشيء، يقال: صار القوم ~~قددا إذا اختلفت حالاتهم، وأصلها من القد وهو القطع. قال مجاهد: يعنون: ~~مسلمين وكافرين. # وقيل: [ذوو] (1) أهواء مختلفة، وقال الحسن والسدي: الجن أمثالكم فمنهم ~~قدرية ومرجئة ورافضة. # وقال ابن كيسان: شيعا وفرقا لكل فرقة هوى كأهواء الناس. # وقال سعيد بن جبير: ألوانا شتى، وقال أبو عبيدة: أصنافا. {وأنا ظننا} ~~علمنا وأيقنا {أن لن نعجز الله في الأرض} أي: لن نفوته إن أراد بنا أمرا ~~{ولن نعجزه هربا} إن طلبنا. {وأنا لما سمعنا الهدى} [القرآن وما أتى به ~~محمد] (2) {آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا} نقصانا من عمله وثوابه ~~{ولا رهقا} ظلما. وقيل: مكروها يغشاه. {وأنا منا المسلمون} وهم الذين آمنوا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم {ومنا القاسطون} الجائرون العادلون PageV08P240 # عن الحق. قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله ندا، ms2657 يقال: أقسط الرجل إذا ~~عدل فهو مسقط، وقسط إذا جار فهو قاسط {فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا} أي: ~~قصدوا طريق الحق وتوخوه. ### || # {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) وأن لو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم ماء غدقا (16) لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ~~(17) } # {وأما القاسطون} الذين كفروا {فكانوا لجهنم حطبا} كانوا وقود النار يوم ~~القيامة. ثم رجع إلى كفار مكة فقال: {وأن لو استقاموا على الطريقة} اختلفوا ~~في تأويلها فقال قوم: لو استقاموا على طريقة الحق والإيمان والهدى فكانوا ~~مؤمنين مطيعين {لأسقيناهم ماء غدقا} كثيرا قال مقاتل: وذلك بعدما رفع عنهم ~~المطر سبع سنين. وقالوا معناه لو آمنوا لوسعنا عليهم في الدنيا وأعطيناهم ~~مالا كثيرا وعيشا رغدا وضرب الماء الغدق مثلا لأن الخير والرزق كله في ~~المطر، كما قال: "ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ~~لأكلوا من فوقهم" الآية (المائدة-66) وقال: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا ~~لفتحنا عليهم بركات من السماء" الآية (الأعراف-96) . وقوله تعالى: {لنفتنهم ~~فيه} أي: لنختبرهم كيف شكرهم فيما خولوا. وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء بن ~~أبي رباح والضحاك وقتادة ومقاتل والحسن. # وقال آخرون: معناها وأن لو استقاموا على طريقة الكفر والضلالة لأعطيناهم ~~مالا كثيرا ولوسعنا عليهم لنفتنهم فيه، عقوبة لهم واستدراجا حتى يفتتنوا ~~بها فنعذبهم، وهذا قول الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي وابن كيسان، كما ~~قال الله: "فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء" الآية ~~(الأنعام-44) . # {ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه} قرأ أهل الكوفة ويعقوب: "يسلكه" بالياء وقرأ ~~الآخرون بالنون، أي: ندخله {عذابا صعدا} قال ابن عباس: شاقا والمعنى ذا صعد ~~أي: ذا مشقة. قال قتادة: لا راحة فيه. وقال مقاتل: لا فرح فيه. قال الحسن: ~~لا يزداد إلا شدة. والأصل فيه أن الصعود يشق على [الناس] (1) . PageV08P241 ### || # {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) وأنه لما قام عبد الله ~~يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) } # {وأن المساجد لله} يعني المواضع التي بنيت ms2658 للصلاة وذكر الله {فلا تدعوا ~~مع الله أحدا} قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم ~~أشركوا بالله فأمر الله المؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد ~~وأراد بها المساجد كلها (1) . # وقال الحسن: أراد بها البقاع كلها لأن الأرض جعلت كلها مسجدا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وقال سعيد بن جبير: قالت الجن للنبي صلى الله عليه وسلم كيف لنا أن [نأتي ~~المسجد وأن] (2) نشهد معك الصلاة ونحن ناءون؟ فنزلت: "وأن المساجد لله" (3) ~~. # وروي عن سعيد بن جبير أيضا: أن المراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها ~~الإنسان وهي سبعة: الجبهة واليدان والركبتان والقدمان؟ يقول: هذه الأعضاء ~~التي يقع عليها السجود مخلوقة لله فلا تسجدوا عليها لغيره (4) . # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي، أخبرنا أبو عبد الله ~~محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا علي بن ~~الحسن الهلالي والسري بن خزيمة قالا حدثنا يعلى بن أسد، حدثنا وهيب، عن عبد ~~الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء: الجبهة -وأشار بيده إليها -واليدين ~~والركبتين وأطراف القدمين ولا أكف الثوب ولا الشعر" (5) . # فإن جعلت المساجد مواضع الصلاة فواحدها مسجد بكسر الجيم، وإن جعلتها ~~الأعضاء فواحدها مسجد بفتح الجيم. {وأنه لما قام عبد الله} قرأ نافع وأبو ~~بكر بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بفتحها 1/ب "لما قام عبد الله" PageV08P242 # يعني النبي صلى الله عليه وسلم {يدعوه} يعني يعبده ويقرأ القرآن، ذلك حين ~~كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن {كادوا} يعني الجن {يكونون عليه لبدا} أي ~~يركب بعضهم بعضا ويزدحمون حرصا على استماع القرآن. هذا قول الضحاك ورواية ~~عطية عن ابن عباس. # وقال سعيد بن جبير عنه: هذا من قول النفر الذين رجعوا إلى قومهم من الجن ~~أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واقتدائهم به في ~~الصلاة (1) . # وقال الحسن وقتادة وابن زيد يعني لما قام ms2659 عبد الله بالدعوة تلبدت الإنس ~~والجن، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاءهم به، ويطفئوا نور الله فأبى ~~الله إلا أن يتم نوره، ويتم هذا الأمر، وينصره على من ناوأه (2) . # وقرأ هشام عن ابن عامر: "لبدا" بضم اللام، وأصل "اللبد" الجماعات بعضها ~~فوق بعض، ومنه سمي اللبد الذي يفرش لتراكمه، وتلبد الشعر: إذا تراكم. ### || # {قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا (20) قل إني لا أملك لكم ضرا ولا ~~رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) إلا ~~بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها ~~أبدا (23) } # {قل إنما أدعو ربي} قرأ أبو جعفر وعاصم وحمزة: "قل" على الأمر، وقرأ ~~الآخرون: "قال" يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما أدعو ربي" قال ~~مقاتل: وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد جئت بأمر ~~عظيم فارجع عنه فنحن نجيرك، فقال لهم: إنما أدعو ربي {ولا أشرك به أحدا} ~~{قل إني لا أملك لكم ضرا} لا أقدر أن أدفع عنكم ضرا {ولا رشدا} أي لا أسوق ~~إليكم رشدا أي: خيرا يعني أن الله يملكه. {قل إني لن يجيرني من الله أحد} ~~لن يمنعني من أحد إن عصيته {ولن أجد من دونه ملتحدا} ملجأ أميل إليه. ومعنى ~~"الملتحد" أي: المائل. قال السدي: حرزا. وقال الكلبي: مدخلا في الأرض مثل ~~السرب. {إلا بلاغا من الله ورسالاته} ففيه الجوار والأمن والنجاة، قاله ~~الحسن. قال مقاتل: ذلك الذي يجيرني من عذاب الله، يعني التبليغ. وقال ~~قتادة: إلا بلاغا من الله فذلك الذي أملكه بعون PageV08P243 # الله وتوفيقه. وقيل: لا أملك لكم ضرا ولا رشدا لكن أبلغ بلاغا من الله ~~فإنما أنا مرسل به لا أملك إلا ما ملكت {ومن يعص الله ورسوله} ولم يؤمن ~~{فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} ### || # {حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا (24) قل إن ~~أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا ms2660 (25) عالم الغيب فلا يظهر على ~~غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ~~(27) ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ~~(28) } # {حتى إذا رأوا ما يوعدون} يعني العذاب يوم القيامة {فسيعلمون} عند نزول ~~العذاب {من أضعف ناصرا وأقل عددا} أهم أم المؤمنون. {قل إن أدري} [أي ما ~~أدري] (1) {أقريب ما توعدون} يعني العذاب وقيل القيامة {أم يجعل له ربي ~~أمدا} أجلا وغاية تطول مدتها يعني: أن علم وقت العذاب غيب لا يعلمه إلا ~~الله. {عالم الغيب} رفع على نعت قوله "ربي" وقيل: هو عالم الغيب {فلا يظهر} ~~لا يطلع {على غيبه أحدا} {إلا من ارتضى من رسول} إلا من يصطفيه لرسالته ~~فيظهره على ما يشاء من الغيب لأنه يستدل على نبوته بالآية المعجزة بأن يخبر ~~عن الغيب {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا} ذكر بعض الجهات دلالة على ~~جميعها رصدا أي: يجعل بين يديه وخلفه حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين ~~أن يسترقوا السمع، ومن الجن أن يستمعوا الوحي فيلقوا إلى الكهنة. # قال مقاتل وغيره: كان الله إذا بعث رسولا أتاه إبليس في صورة ملك يخبره ~~فيبعث الله من بين يديه ومن خلفه رصدا من الملائكة يحرسونه ويطردون ~~الشياطين، فإذا جاءه شيطان في صورة ملك أخبروه بأنه شيطان، فاحذره وإذا ~~جاءه ملك قالوا له: هذا رسول ربك (2) . PageV08P244 # {ليعلم} قرأ يعقوب: "ليعلم" بضم الياء أي ليعلم الناس {أن} الرسل {قد ~~أبلغوا} وقرأ الآخرون بفتح الياء أي: "ليعلم" الرسول، أن الملائكة قد ~~أبلغوا {رسالات ربهم وأحاط بما لديهم} أي: علم الله ما عند الرسل فلم يخف ~~عليه شيء {وأحصى كل شيء عددا} قال ابن عباس: أحصى ما خلق وعرف عدد ما خلق ~~فلم يفته علم شيء حتى مثاقيل الذر والخردل. ونصب "عددا" على الحال، وإن شئت ~~على المصدر، أي عد [عدا] (1) . PageV08P245 ### | سورة المزمل # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو انقص ms2661 منه قليلا (3) ~~أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) } # {يا أيها المزمل} أي الملتفف بثوبه. وأصله: المتزمل أدغمت التاء في الزاي ~~ومثله المدثر، أي: المتدثر أدغمت التاء في الدال، يقال: تزمل وتدثر بثوبه ~~إذا تغطى به. # وقال السدي: أراد يا أيها النائم قم فصل. # قال [العلماء] (2) كان هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في أول الوحي ~~قبل تبليغ الرسالة، ثم خوطب بعد بالنبي والرسول. {قم الليل} أي للصلاة {إلا ~~قليلا} وكان قيام الليل فريضة في الابتداء وبين قدره فقال: {نصفه أو انقص ~~منه قليلا} إلى الثلث. {أو زد عليه} على النصف إلى الثلثين، خيره بين هذه ~~المنازل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقومون على هذه المقادير، ~~وكان الرجل لا يدري متى ثلث الليل ومتى نصف الليل ومتى الثلثان، فكان ~~[الرجل] (3) يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب، واشتد ذلك عليهم ~~حتى انتفخت أقدامهم فرحمهم الله وخفف عنهم ونسخها بقوله: "فاقرءوا ما تيسر ~~من القرآن علم الله أن سيكون منكم مرضى" الآية. فكان بين أول السورة وآخرها ~~سنة (4) . PageV08P246 # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو نعيم عبد الملك ~~بن الحسن الإسفراييني، أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، حدثنا ~~الحسن بن علي بن عفان، حدثنا يحيى بن بشير، حدثنا سعيد -يعني ابن أبي عروبة ~~-حدثنا قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن سعيد بن هشام قال: انطلقت إلى عائشة ~~رضي الله عنها فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: [ألست] (1) تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن، قلت: فقيام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا أم المؤمنين؟ قالت: ألست تقرأ: "يا أيها المزمل" قلت: بلى، قالت: ~~فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة، فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في ~~السماء، ثم أنزل الله التخفيف ms2662 في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعا ~~بعد الفريضة (2) . # قال مقاتل وابن كيسان: كان هذا بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس، ثم نسخ ~~ذلك بالصلوات الخمس. # {ورتل القرآن ترتيلا} قال 177/أابن عباس: بينه بيانا. وقال الحسن: اقرأه ~~قراءة بينة. وقال مجاهد: ترسل فيه ترسلا. وقال قتادة: تثبت فيه تثبتا. وعن ~~ابن عباس أيضا: اقرأه على هينتك ثلاث آيات أو أربعا أو خمسا. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام عن ~~قتادة قال: سئل أنس كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كانت ~~مدا مدا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد ~~الرحيم (3) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو ~~بن مرة قال: سمعت أبا وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، قال: قرأت المفصل ~~الليلة في ركعة، فقال: هذا كهذ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين [من آل ~~حاميم] PageV08P250 # في [كل] ركعة (1) . # أخبرنا أبو جعفر أحمد بن أبي أحمد بن مثويه، أخبرنا الشريف أبو القاسم ~~علي بن محمد بن علي بن الحسيني الحراني فيما كتبه إلي [أخبرنا أبو بكر محمد ~~بن الحسين الآجري] (2) أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن حميد الواسطي، ~~حدثنا زيد بن أخزم، حدثنا محمد بن الفضل، حدثنا سعيد بن زيد، عن أبي حمزة، ~~عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله -يعني ابن مسعود -قال: لا تنثروه نثر ~~الدقل ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هم ~~أحدكم آخر السورة (3) . # أخبرنا أبو جعفر أحمد بن أبي أحمد بن مثويه، أخبرنا الشريف أبو القاسم ~~علي بن محمد علي بن الحسين الحراني فيما كتب إلي، حدثنا أبو بكر ms2663 محمد بن ~~الحسين الآجري، حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا الحسين بن ~~الحسن المروزي، حدثنا ابن المبارك، ح، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن ~~أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد ~~بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمد، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله ~~الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن ~~عبيدة وهو أخوه عن سهل بن سعد الساعدي قال: بينا نحن نقرأ إذ خرج علينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "الحمد لله كتاب الله واحد وفيكم ~~الأخيار وفيكم الأحمر والأسود اقرءوا [القرآن] (4) قبل أن يأتي أقوام ~~يقرءونه، يقيمون حروفه كما يقام السهم لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أخره ولا ~~يتأجلونه" (5) . # أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس ~~المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أبو بكر محمد بن نافع البصري، ~~حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن إسماعيل بن مسلم العبدي، عن أبي المتوكل ~~الناجي، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية ~~من القرآن ليلة (6) . PageV08P251 # ورواه أبو ذر، قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم ليلة حتى أصبح بآية [من ~~القرآن] (1) والآية: "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم" (المائدة-118) (2) . ### || # {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) } # {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: شديدا. قال ~~الحسن: إن الرجل ليهذ السورة ولكن العمل بها ثقيل. # وقال قتادة: ثقيل والله فرائضه وحدوده. وقال مقاتل: ثقيل لما فيه من ~~الأمر والنهي والحدود. # وقال أبو العالية: ثقيل بالوعد والوعيد والحلال والحرام. وقال محمد بن ~~كعب: ثقيل على المنافقين. # وقال الحسين بن الفضل: قولا خفيفا على اللسان ثقيلا في الميزان. # قال الفراء: ثقيل ليس بخفيف السفساف لأنه كلام ربنا (3) . # وقال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك، كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين ~~يوم القيامة (4) . # أخبرنا أبو الحسن ms2664 السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن هشام بن عروة عن [أبيه] (5) عن ~~عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم [أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم] (6) فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "أحيانا يأتيني [في] (7) مثل صلصلة الجرس، وهو أشده ~~علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ~~ما يقول". قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه PageV08P252 # الوحي في اليوم الشاتي الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا (1) ~~. ### || # {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا (6) } # قوله عز وجل: {إن ناشئة الليل} أي: ساعاته كلها وكل ساعة منه ناشئة، سميت ~~بذلك لأنها تنشأ أي: تبدو، ومنه: نشأت السحابة إذا بدت، فكل ما حدث بالليل ~~وبدا فقد نشأ فهو ناشئ، والجمع ناشئة. # وقال ابن أبي مليكة: سألت ابن عباس وابن الزبير عنها فقالا الليل كله ~~ناشئة (2) وقال سعيد بن جبير وابن زيد: أي: ساعة قام من الليل فقد نشأ وهو ~~بلسان الحبش [القيام يقال] (3) نشأ فلان أي: قام (4) . # وقالت عائشة: الناشئة القيام بعد النوم. # وقال ابن كيسان: هي القيام من آخر الليل. # وقال عكرمة: هي القيام من أول الليل. # روي عن علي بن الحسين أنه كان يصلي بين المغرب والعشاء، ويقول: هذه ناشئة ~~الليل. وقال الحسن: كل صلاة بعد العشاء الآخرة فهي ناشئة من الليل. # وقال الأزهري: "ناشئة الليل" قيام الليل، مصدر جاء على فاعلة كالعافية ~~بمعنى العفو. # {هي أشد وطئا} قرأ ابن عامر [وأبو عمرو] (5) وطاء بكسر الواو ممدودا ~~بمعنى المواطأة والموافقة، يقال: واطأت فلانا مواطأة ووطئا، إذا وافقته، ~~وذلك أن مواطأة القلب والسمع والبصر واللسان بالليل تكون أكثر مما يكون ~~بالنهار. # وقرأ الآخرون: [وطئا] (6) بفتح الواو وسكون الطاء، أي: أشد على المصلي ~~وأثقل من صلاة النهار لأن الليل للنوم والراحة، ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "اللهم اشدد وطأتك على مضر" (7) . PageV08P253 # وقال ms2665 ابن عباس: كانت صلاتهم أول الليل هي أشد وطا يقول هي أجدر أن تحصوا ~~ما فرض الله عليكم من القيام، وذلك أن الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ ~~(1) . # وقال قتادة: أثبت في الخير وأحفظ للقراءة (2) . # وقال الفراء: أثبت قياما (3) أي: أوطأ للقيام وأسهل للمصلي من ساعات ~~النهار لأن النهار خلق لتصرف العباد، والليل للخلوة فالعبادة فيه أسهل. ~~وقيل: أشد نشاطا. # وقال ابن زيد: أفرغ له قلبا من النهار لأنه لا تعرض له حوائج (4) . # وقال الحسن: أشد وطأ للخير وأمنع من الشيطان. # {وأقوم قيلا} وأصوب قراءة وأصح قولا لهدأة الناس وسكون الأصوات. # وقال الكلبي: أبين قولا 177/ب بالقرآن. # وفي الجملة: عبادة الليل أشد نشاطا وأتم إخلاصا وأكثر بركة وأبلغ في ~~الثواب [من عبادة النهار] (5) . ### || # {إن لك في النهار سبحا طويلا (7) } # {إن لك في النهار سبحا طويلا} أي: تصرفا وتقلبا وإقبالا وإدبارا في ~~حوائجك وأشغالك، وأصل "السبح" سرعة الذهاب، ومنه السباحة في الماء وقيل: ~~"سبحا طويلا" أي: فراغا وسعة لنومك وتصرفك في حوائجك فصل من الليل. # وقرأ يحيى بن يعمر "سبخا" بالخاء المعجمة أي: استراحة وتخفيفا للبدن، ~~ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة، وقد دعت على سارق: "لا تسبخي ~~عنه بدعائك عليه" (6) [أي: لا تخففي] (7) . PageV08P254 ### || # {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا (9) واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) وذرني ~~والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا (11) إن لدينا أنكالا وجحيما (12) ~~وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (13) يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال ~~كثيبا مهيلا (14) } # {واذكر اسم ربك} بالتوحيد والتعظيم {وتبتل إليه تبتيلا} قال ابن عباس ~~وغيره: أخلص إليه إخلاصا. وقال الحسن: اجتهد. وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته. ~~قال سفيان: توكل عليه توكلا. وقيل: انقطع إليه في العبادة انقطاعا وهو ~~الأصل في الباب، يقال: تبتلت الشيء أي: قطعته وصدقة بتة: أي: مقطوعة عن ~~صاحبها لا سبيل له عليها والتبتيل: [التقطيع] (1) تفعيل منه يقال: بتلته ~~فتبتل، والمعنى: بتل نفسك إليه، ولذلك قال: تبتيلا. قال زيد ms2666 بن أسلم: ~~التبتل رفض الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله تعالى. {رب المشرق ~~والمغرب} قرأ أهل الحجاز، وأبو عمرو وحفص: "رب" برفع الباء على الابتداء، ~~وقرأ الآخرون بالجر على نعت الرب في قوله: "واذكر اسم ربك" {لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا} قيما بأمورك ففوضها إليه. {واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا ~~جميلا} نسختها آية القتال (2) . {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم ~~قليلا} نزلت في صناديد قريش المستهزئين. وقال مقاتل بن حيان: نزلت في ~~المطعمين ببدر ولم يكن إلا يسير حتى قتلوا ببدر (3) . {إن لدينا} عندنا في ~~الآخرة {أنكالا} قيودا عظاما لا تنفك أبدا واحدها نكل. قال الكلبي: أغلالا ~~من حديد {وجحيما} {وطعاما ذا غصة} غير سائغة يأخذ بالحق لا ينزل ولا يخرج ~~وهو الزقوم والضريع. {وعذابا أليما} {يوم ترجف الأرض والجبال} أي: تتزلزل ~~وتتحرك {وكانت الجبال كثيبا مهيلا} PageV08P255 # رملا سائلا. قال الكلبي: هو الرمل الذي إذا أخذت منه شيئا تبعك ما بعده، ~~يقال أهلت الرمل أهيله هيلا إذا حركت أسفله حتى انهال من أعلاه. ### || # {إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) ~~فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا (16) فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل ~~الولدان شيبا (17) السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18) إن هذه تذكرة فمن ~~شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (19) } # {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين ~~معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر ~~من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند ~~الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (20) } # {إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا} . # {فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا} ، شديدا ثقيلا يعني عاقبناه ~~عقوبة غليظة يخوف كفار مكة. {فكيف ms2667 تتقون إن كفرتم} أي: كيف لكم بالتقوى يوم ~~القيامة إذ كفرتم في الدنيا يعني لا سبيل لكم إلى التقوى إذا وافيتم يوم ~~القيامة؟ وقيل: معناه كيف تتقون العذاب يوم القيامة وبأي شيء تتحصنون منه ~~إذا كفرتم؟ {يوما يجعل الولدان شيبا} شمطا من هوله وشدته، ذلك حين يقال ~~لآدم قم فابعث بعث النار من ذريتك. ثم وصف هول ذلك اليوم فقال: {السماء ~~منفطر به} متشقق لنزول الملائكة به أي: بذلك المكان. وقيل: الهاء ترجع إلى ~~الرب أي: بأمره وهيبته {كان وعده مفعولا} كائنا. {إن هذه} أي: آيات القرآن ~~{تذكرة} تذكير وموعظة {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} بالإيمان والطاعة. {إن ~~ربك يعلم أنك تقوم أدنى} أقل من {ثلثي الليل ونصفه وثلثه} قرأ أهل مكة ~~والكوفة: "نصفه وثلثه" بنصب الفاء والثاء وإشباع الهاءين ضما أي: وتقوم ~~نصفه وثلثه وقرأ الآخرون بجر الفاء والثاء وإشباع الهاءين كسرا عطفا على ~~ثلثي {وطائفة من الذين معك} يعني المؤمنين وكانوا يقومون معه {والله يقدر ~~الليل والنهار} قال عطاء: يريد لا يفوته علم ما تفعلون، أي أنه يعلم مقادير ~~الليل والنهار فيعلم القدر الذي تقومون من الليل {علم أن لن تحصوه} # PageV08P256 # قال الحسن: قاموا حتى انتفخت أقدامهم، فنزل: "علم أن لن تحصوه" لن تطيقوا ~~معرفة ذلك. وقال مقاتل: كان الرجل يصلي الليل كله، مخافة أن لا يصيب ما أمر ~~به من القيام، فقال: علم أن لن تحصوه لن تطيقوا معرفة ذلك. {فتاب عليكم} ~~فعاد عليكم بالعفو والتخفيف {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} يعني في الصلاة، ~~قال الحسن: يعني في صلاة المغرب والعشاء. # قال قيس بن أبي حازم: صليت خلف ابن عباس بالبصرة فقرأ في أول ركعة بالحمد ~~وأول آية من البقرة [ثم قام في الثانية فقرأ بالحمد والآية الثانية من ~~البقرة] (1) ثم ركع فلما انصرف أقبل علينا فقال: إن الله عز وجل يقول: ~~فاقرءوا ما تيسر [منه] (2) # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عثمان بن أبي ms2668 صالح، حدثنا ابن لهيعة، ~~حدثني حميد بن مخراق، عن أنس بن مالك أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "من قرأ خمسين آية في يوم أو في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ ~~مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية لم يحاجه القرآن يوم القيامة، ~~ومن قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار من الأجر" (3) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني ~~القاسم بن زكريا حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان، عن يحيى [بن كثير] عن ~~محمد [عبد الله] (4) بن عبد الرحمن مولى بني زهرة عن أبي سلمة عن عبد الله ~~بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرأ القرآن في كل شهر" ~~قال قلت: إني أجد قوة، قال: "فاقرأه في [كل] (5) عشرين ليلة" قال قلت: إني ~~أجد قوة، قال: "فاقرأه في كل سبع ولا تزد على ذلك" (6) . PageV08P257 # قوله عز وجل: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من ~~فضل الله} يعني المسافرين للتجارة يطلبون من رزق الله {وآخرون يقاتلون في ~~سبيل الله} لا يطيقون قيام الليل. # روى إبراهيم عن ابن مسعود قال: أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن ~~المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء ثم قرأ ~~عبد الله: "وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله" [يعني المسافرين ~~للتجارة يطلبون رزق الله] (1) "وآخرون 178/أيقاتلون في سبيل الله" (2) . # {فاقرءوا ما تيسر منه} أي [ما تيسر عليكم] (3) من القرآن. [قال أهل ~~التفسير] (4) كان هذا في صدر الإسلام ثم نسخ بالصلوات الخمس، وذلك قوله: ~~{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا} قال ابن عباس: يريد ~~ما سوى الزكاة من صلة الرحم، وقرى الضيف. {وما تقدموا لأنفسكم من خير ~~تجدوه، عند الله هو خيرا} تجدوا ثوابه في الآخرة أفضل مما أعطيتم {وأعظم ~~أجرا} من الذي أخرتم ms2669 ولم تقدموه، ونصب "خيرا وأعظم" على المفعول الثاني، ~~فإن الوجود إذا كان بمعنى الرؤية يتعدى إلى مفعولين، وهو فصل في قول ~~البصريين وعماد في قول الكوفيين لا محل لها في الإعراب. # أخبرنا أبو القاسم يحيى بن علي الكشميهني، أخبرنا أبو نصر أحمد بن علي ~~البخاري بالكوفة، أخبرنا أبو القاسم نصر بن أحمد الفقيه بالموصل، حدثنا أبو ~~يعلى الموصلي، حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، ~~عن الحارث بن سويد قال: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه"؟ قالوا: يا رسول الله ما منا من أحد إلا ~~ماله أحب إليه من مال ارثه. قال: "اعلموا ما تقولون" قالوا: ما نعلم إلا ~~ذلك يا رسول الله، قال [: "ما منكم PageV08P258 # رجل إلا مال وارثه أحب إليه من ماله" قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال] (1) ~~"إنما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخره" (2) . # {واستغفروا الله} لذنوبكم {إن الله غفور رحيم} . PageV08P259 ### | سورة المدثر # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {يا أيها المدثر (1) } # [ {يا أيها المدثر} ] (2) ، أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن ~~عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ~~يحيى، حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا ~~سلمة [بن] (3) عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن؟ قال: "يا أيها المدثر" ~~قلت: يقولون: "اقرأ باسم ربك الذي خلق" (العلق-1) ؟ فقال أبو سلمة: سألت ~~جابر بن عبد الله عن ذلك، فقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ~~بما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "جاورت بحراء فلما قضيت ~~جواري هبطت، فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ~~ونظرت أمامي فلم أر شيئا ونظرت خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فرأيت شيئا ~~فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا علي ماء باردا [قال] (4) فدثروني وصبوا علي ~~ماء باردا قال فنزلت: "يا أيها ms2670 المدثر قم فأنذر وربك فكبر" (5) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا ~~الليث، عن عقيل قال ابن شهاب: سمعت أبا PageV08P260 # سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يحدث عن فترة الوحي: "فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري ~~قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، ~~فخشيت حتى هويت على الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني [فزملوني] (1) ~~فأنزل الله تعالى: "يا أيها المدثر قم فأنذر" إلى قوله: "فاهجر" قال أبو ~~سلمة: والرجز الأوثان، ثم حمي الوحي وتتابع" (2) . ### || # {قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) } # قوله عز وجل: {يا أيها المدثر قم فأنذر} أي: أنذر كفار مكة. {وربك فكبر} ~~عظمه عما يقوله عبدة الأوثان. {وثيابك فطهر} قال قتادة ومجاهد: نفسك فطهر ~~[عن الذنب] (3) فكنى عن النفس بالثوب، وهو قول إبراهيم والضحاك والشعبي ~~والزهري. وقال عكرمة: سئل ابن عباس عن قوله: "وثيابك فطهر" فقال: لا تلبسها ~~على معصية ولا على غدر، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: وإني ~~بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من غدرة أتقنع (4) # والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء: إنه طاهر الثياب، وتقول لمن ~~غدر: إنه لدنس الثياب. وقال أبي بن كعب: لا تلبسها على غدر ولا على ظلم ولا ~~إثم، البسها وأنت بر [جواد] (5) طاهر. # وروى أبو روق عن الضحاك معناه: وعملك فأصلح. # قال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرا ~~إنه لخبيث الثياب. PageV08P264 # وقال سعيد بن جبير: وقلبك ونيتك فطهر. وقال الحسن والقرظي: وخلقك فحسن. # وقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير الثياب من النجاسات التي لا تجوز ~~الصلاة معها وذلك أن المشركين [كانوا] (1) لا يتطهرون ولا يطهرون ثيابهم ~~(2) . # وقال طاووس: وثيابك فقصر لأن تقصير الثياب طهرة لها. ### || # {والرجز فاهجر (5) ولا تمنن تستكثر (6) } # {والرجز فاهجر} ms2671 قرأ أبو جعفر وحفص [عن عاصم] (3) ويعقوب: "والرجز" بضم ~~الراء، وقرأ الآخرون بكسرها وهما لغتان ومعناهما واحد. قال مجاهد وعكرمة ~~وقتادة والزهري وابن زيد وأبو سلمة: المراد بالرجز الأوثان، قال: فاهجرها ~~ولا تقربها. # وقيل: الزاي فيه منقلبة عن السين والعرب تعاقب بين السين والزاي لقرب ~~مخرجهما ودليل هذا التأويل قوله: "فاجتنبوا الرجس من الأوثان" (الحج-30) . # وروي عن ابن عباس أن معناه: اترك المآثم. # وقال أبو العالية والربيع: "الرجز" بضم الراء: الصنم، وبالكسر: النجاسة ~~والمعصية. # وقال الضحاك: يعني الشرك. وقال الكلبي: يعني العذاب. # ومجاز الآية: اهجر ما أوجب لك العذاب من الأعمال. {ولا تمنن تستكثر} أي: ~~لا تعط مالك مصانعة لتعطى أكثر منه، هذا قول أكثر المفسرين قال الضحاك ~~ومجاهد: كان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. قال الضحاك: هما رباءان ~~حلال وحرام، فأما الحلال فالهدايا وأما الحرام فالربا. قال قتادة: لا تعط ~~شيئا طمعا لمجازاة الدنيا يعني أعط لربك وأرد به الله. وقال الحسن: معناه ~~لا تمنن على الله بعملك فتستكثره، قال الربيع: لا تكثرن عملك في عينك فإنه ~~فيما أنعم الله عليك وأعطاك قليل. وروى خصيف عن مجاهد: ولا تضعف أن تستكثر ~~من الخير، من قولهم: حبل متين إذا كان ضعيفا دليله: قراءة ابن مسعود: "ولا ~~تمنن أن تستكثر" قال [ابن] (4) زيد معناه: لا تمنن بالنبوة على الناس فتأخذ ~~عليها أجرا PageV08P265 # أو عرضا من الدنيا (1) . ### || # {ولربك فاصبر (7) فإذا نقر في الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير (9) على ~~الكافرين غير يسير (10) ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا ~~(12) } # [ {ولربك فاصبر} قيل: فاصبر على 178/ب طاعته وأوامره ونواهيه لأجل ثواب ~~الله. قال مجاهد: فاصبر لله على ما أوذيت. وقال ابن زيد: (2) ] معناه حملت ~~أمرا عظيما محاربة العرب والعجم فاصبر عليه لله عز وجل. وقيل: فاصبر تحت ~~موارد القضاء لأجل الله. {فإذا نقر في الناقور} أي: نفخ في الصور، وهو ~~القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، يعني النفخة الثانية. {فذلك} يعني النفخ في ~~الصور {يومئذ} يعني يوم القيامة {يوم عسير} شديد. {على ms2672 الكافرين} يعسر فيه ~~الأمر عليهم {غير يسير} غير هين. قوله عز وجل: {ذرني ومن خلقت وحيدا} أي: ~~خلقته في بطن أمه وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد. نزلت في الوليد بن ~~المغيرة المخزومي، كان يسمى الوحيد في قومه (3) . {وجعلت له مالا ممدودا} ~~أي: كثيرا. قيل: هو ما يمد بالنماء كالزرع والضرع والتجارة. واختلفوا في ~~مبلغه، قال مجاهد وسعيد بن جبير: ألف دينار. وقال قتادة: أربعة آلاف دينار. ~~وقال سفيان الثوري: ألف ألف [دينار] (4) . وقال ابن عباس: تسعة آلاف مثقال ~~فضة. وقال مقاتل: كان له بستان بالطائف لا تنقطع ثماره شتاء ولا صيفا. وقال ~~عطاء عن ابن عباس: كان له بين مكة والطائف إبل وخيل ونعم [وغنم] (5) وكان ~~له عير كثيرة وعبيد وجوار. وقيل: مالا ممدودا غلة شهر بشهر. PageV08P266 ### || # {وبنين شهودا (13) ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه ~~كان لآياتنا عنيدا (16) سأرهقه صعودا (17) } # {وبنين شهودا} حصورا بمكة لا يغيبون عنه وكانوا عشرة، قاله مجاهد وقتادة. ~~وقال مقاتل: كانوا سبعة وهم الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص ~~وقيس وعبد شمس، أسلم منهم [ثلاثة] (1) خالد وهشام و [عمارة] (2) . {ومهدت ~~له تمهيدا} أي: بسطت له في العيش وطول العمر بسطا. وقال الكلبي: يعني المال ~~بعضه على بعض كما يمهد الفرش. {ثم يطمع} يرجو {أن أزيد} أي أن أزيده مالا ~~وولدا وتمهيدا. {كلا} لا أفعل ولا أزيده، قالوا: فما زال الوليد بعد نزول ~~هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك. {إنه كان لآياتنا عنيدا} ~~معاندا. {سأرهقه صعودا} سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له فيها. # وروينا عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصعود جبل ~~من نار يتصعد فيه [الكافر] (3) سبعين خريفا ثم يهوي" (4) . # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن ~~فنجويه، حدثنا عمر بن الخطاب، حدثنا عبد الله بن الفضل، أخبرنا منجاب بن ~~الحارث، أخبرنا شريك، عن عمار الدهني، عن عطية، عن أبي سعيد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms2673 في قوله: "سأرهقه صعودا" قال: "هو جبل في النار من نار يكلف ~~أن يصعده فإذا وضع يده ذابت [فإذا رفعها عادت فإذا وضع رجله ذابت ~~PageV08P267 # وإذا رفعها عادت] (1) " (2) # وقال الكلبي: "الصعود" صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها لا يترك أن ~~يتنفس في صعوده، ويجذب من أمامه بسلاسل من حديد، ويضرب من خلفه بمقامع من ~~حديد، فيصعدها في أربعين عاما فإذا بلغ ذروتها أحدر إلى أسفلها ثم يكلف أن ~~يصعدها ويجذب من أمامه ويضرب من خلفه فذلك دأبه أبدا [أبدا] (3) . ~~PageV08P268 ### || # {إنه فكر وقدر (18) } # {إنه فكر وقدر} الآيات، وذلك أن الله تعالى لما أنزل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم "حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم" إلى قوله: "المصير" ~~(غافر: 1-3) قام النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد والوليد بن المغيرة ~~قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبي صلى الله عليه وسلم لاستماعه لقراءته ~~[القرآن] (1) أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني ~~مخزوم، فقال: [والله] (2) لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ~~ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه [لمثمر] (3) ~~وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى، ثم انصرف إلى منزله فقالت قريش: ~~[سحره محمد] (4) [صبأ والله الوليد، والله لتصبون قريش كلهم، وكان يقال ~~للوليد: ريحانة قريش] (5) فقال لهم أبو جهل: أنا أكفيكموه فانطلق فقعد إلى ~~جنب الوليد حزينا، فقال له الوليد: مالي أراك حزينا يا ابن أخي؟ قال: وما ~~يمنعني أن لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك النفقة يعينونك على كبر سنك ويزعمون ~~أنك زينت كلام محمد وتدخل على ابن أبي كبشة، وابن أبي قحافة، لتنال من فضل ~~طعامهم فغضب الوليد، فقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرهم مالا وولدا، وهل ~~شبع محمد وأصحابه من الطعام فيكون PageV08P268 # لهم فضل من الطعام؟ ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه، فقال لهم: ~~تزعمون أن محمدا مجنون، فهل رأيتموه يخنق قط؟ قالوا: اللهم لا قال: تزعمون ~~أنه ms2674 كاهن فهل رأيتموه قط تكهن؟ قالوا: اللهم لا قال: تزعمون أنه شاعر فهل ~~رأيتموه ينطق بشعر قط؟ قالوا: اللهم لا قال: تزعمون أنه كذاب فهل جربتم ~~عليه شيئا من الكذب؟ قالوا: لا -وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى ~~الأمين قبل النبوة، من صدقه -فقالت قريش للوليد: فما هو؟ فتفكر في نفسه ثم ~~نظر ثم عبس، فقال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله ~~ومواليه وولده؟ فهو ساحر وما يقوله سحر يؤثر (1) فذلك قوله عز وجل: {إنه ~~فكر} في محمد والقرآن {وقدر} في نفسه ماذا يمكنه أن يقول في محمد والقرآن. ### || # {فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم ~~أدبر واستكبر (23) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) إن هذا إلا قول البشر ~~(25) سأصليه سقر (26) } # {فقتل} لعن، وقال الزهري: عذب، {كيف قدر} على طريق التعجب والإنكار ~~والتوبيخ. {ثم قتل كيف قدر} كرره للتأكيد، وقيل: معناه لعن على أي حال قدر ~~من الكلام، كما يقال لأضربنه كيف صنع أي على أي حال صنع. {ثم نظر} في طلب ~~ما يدفع به القرآن ويرده. {ثم عبس وبسر} كلح وقطب وجهه ونظر بكراهية شديدة ~~كالمهتم المتفكر في شيء. {ثم أدبر} عن الإيمان {واستكبر} تكبر حين دعي ~~إليه. {فقال إن هذا} ما هذا الذي يقرؤه محمد {إلا سحر يؤثر} يروى ويحكى عن ~~السحرة. {إن هذا إلا قول البشر} يعني يسارا وجبرا فهو يأثره عنهما. وقيل: ~~يرويه عن مسيلمة صاحب اليمامة. قال الله تعالى {سأصليه} سأدخله {سقر} وسقر ~~اسم من أسماء جنهم. PageV08P269 ### || # {وما أدراك ما سقر (27) لا تبقي ولا تذر (28) لواحة للبشر (29) عليها ~~تسعة عشر (30) } # {وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر} أي لا تبقي ولا تذر فيها شيئا إلا ~~أكلته وأهلكته. وقال مجاهد: لا تميت ولا تحيي يعني لا تبقي من فيها حيا ولا ~~تذر من فيها ميتا كلما احترقوا جددوا. وقال السدي: لا تبقي لهم لحما ولا ~~تذر لهم عظما. وقال الضحاك: إذا 179/أأخذت فيهم ms2675 لم تبق منهم شيئا وإذا ~~أعيدوا لم تذرهم حتى تفنيهم ولكل شيء ملالة وفترة إلا لجهنم. {لواحة للبشر} ~~مغيرة للجلد حتى تجعله أسود، يقال: لاحه السقم والحزن إذا غيره، وقال ~~مجاهد: تلفح الجلد حتى تدعه أشد سوادا من الليل. وقال ابن عباس وزيد بن ~~أسلم: محرقة للجلد. وقال الحسن وابن كيسان: تلوح لهم جهنم حتى يروها عيانا ~~نظيره قوله: "وبرزت الجحيم للغاوين" (الشعراء-91) و {لواحة} رفع على نعت ~~"سقر" في قوله: "وما أدراك ما سقر" و"البشر" جمع بشرة وجمع البشر أبشار. ~~{عليها تسعة عشر} [أي: على] (1) النار تسعة عشر من الملائكة، وهم خزنتها: ~~مالك ومعه ثمانية عشر. وجاء في الأثر: أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم ~~كالصياصي، يخرج لهب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، نزعت ~~منهم الرحمة، يرفع أحدهم سبعين ألف فيرميهم حيث أراد من جهنم (2) . # قال عمرو بن دينار: إن واحدا منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ~~ربيعة ومضر. # قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك: لما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش: ~~ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبر أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم ~~الدهم، أي: الشجعان، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد من خزنة جهنم (3) ~~قال أبو [الأشد] (4) أسيد بن كلدة بن خلف الجمحي: أنا أكفيكم منهم سبعة ~~عشر، عشرة على ظهري وسبعة على بطني، فاكفوني أنتم اثنين. # وروي أنه قال: أنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن ~~وتسعة بمنكبي PageV08P270 # الأيسر في النار ونمضي فندخل الجنة. فأنزل الله عز وجل {وما جعلنا أصحاب ~~النار إلا ملائكة} ### || # {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين ~~أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا ~~هو وما هي إلا ذكرى للبشر (31) كلا والقمر (32) والليل إذ أدبر (33) والصبح ms2676 ~~إذا أسفر (34) } # {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} لا رجالا آدميين، فمن ذا يغلب ~~الملائكة؟ {وما جعلنا عدتهم} أي عددهم في القلة {إلا فتنة للذين كفروا} أي ~~ضلالة لهم حتى قالوا ما قالوا {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} لأنه مكتوب في ~~التوراة والإنجيل أنهم تسعة عشر، {ويزداد الذين آمنوا إيمانا} يعني من آمن ~~من أهل الكتاب يزدادون تصديقا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا وجدوا ما قاله ~~موافقا لما في كتبهم {ولا يرتاب} ولا يشك {الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون} ~~في عددهم {وليقول الذين في قلوبهم مرض} شك ونفاق {والكافرون} [مشركو مكة] ~~(1) {ماذا أراد الله بهذا مثلا} أي شيء أراد بهذا الحديث؟ وأراد بالمثل ~~الحديث نفسه. {كذلك} أي كما أضل الله من أنكر عدد الخزنة وهدى من صدق كذلك ~~{يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو} قال مقاتل: هذا ~~جواب أبي جهل حين قال: أما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر؟ قال عطاء: {وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو} يعني من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار، لا يعلم ~~عدتهم إلا الله، والمعنى إن تسعة عشر هم خزنة النار، ولهم من الأعوان ~~والجنود من الملائكة ما لا يعلم إلا الله عز وجل، ثم رجع إلى ذكر سقر فقال: ~~{وما هي} يعني [سقر] (2) {إلا ذكرى للبشر} إلا تذكرة وموعظة للناس. {كلا ~~والقمر} هذا قسم، يقول: حقا. {والقمر والليل إذ أدبر} قرأ نافع وحمزة وحفص ~~ويعقوب "إذ" بغير ألف، "أدبر" بالألف، وقرأ الآخرون "إذا" بالألف "دبر" بلا ~~ألف، لأنه أشد موافقة لما يليه، وهو قوله: PageV08P271 # {والصبح إذا أسفر} ولأنه ليس في القرآن قسم بجانبه إذ وإنما بجانب ~~الإقسام إذا [ودبر وأدبر] (1) كلاهما لغة، يقال: دبر الليل وأدبر إذا ولى ~~ذاهبا. قال أبو عمرو: دبر لغة قريش، وقال قطرب: دبر أي أقبل، تقول العرب: ~~دبرني فلان أي جاء خلفي، فالليل يأتي خلف النهار. # {والصبح إذا أسفر} أضاء وتبين. ### || # {إنها لإحدى الكبر (35) نذيرا للبشر (36) لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ms2677 ~~(37) كل نفس بما كسبت رهينة (38) إلا أصحاب اليمين (39) } # {إنها لإحدى الكبر} يعني أن سقر لإحدى الأمور العظام، وواحد الكبر: كبرى، ~~قال مقاتل والكلبي: أراد بالكبر: دركات جهنم، وهي سبعة: جنهم، ولظى، ~~والحطمة، والسعير، وسقر، والجحيم، والهاوية. {نذيرا للبشر} يعني النار ~~نذيرا للبشر، قال الحسن: والله ما أنذر الله بشيء أدهى منها، وهو نصب على ~~القطع من قوله: "لإحدى الكبر" لأنها معرفة، و"نذيرا" نكرة، قال الخليل: ~~النذير مصدر كالنكير، ولذلك وصف به المؤنث، وقيل: هو من صفة الله سبحانه ~~وتعالى، مجازه: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة نذيرا للبشر أي إنذارا ~~لهم. قال أبو رزين يقول أنا لكم منها نذير، فاتقوها. وقيل: هو صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم معناه: يا أيها المدثر قم نذيرا للبشر، [فأنذر] (2) وهذا ~~معنى قول ابن زيد. {لمن شاء} بدل من قوله "للبشر" {منكم أن يتقدم} في الخير ~~والطاعة {أو يتأخر} عنها في الشر والمعصية، والمعنى: أن الإنذار قد حصل لكل ~~واحد ممن آمن أو كفر. {كل نفس بما كسبت رهينة} مرتهنة في النار بكسبها ~~مأخوذة بعملها. {إلا أصحاب اليمين} فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم في النار ولكن ~~يغفرها الله لهم. قال قتادة: علق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين. واختلفوا ~~فيهم: روي عن علي رضي الله عنه أنهم أطفال المسلمين. # وروى أبو ظبيان عن ابن عباس: هم الملائكة. PageV08P272 # وقال مقاتل: هم أصحاب الجنة الذين كانوا على يمين آدم يوم الميثاق، حين ~~قال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وعنه أيضا: هم الذين أعطوا كتبهم ~~بأيمانهم، وعنه أيضا: هم الذين كانوا ميامين على أنفسهم. # وقال الحسن: هم المسلمون المخلصون. وقال [القاسم] (1) كل نفس مأخوذة ~~بكسبها من خير أو شر إلا من اعتمد على الفضل، وكل من اعتمد على الكسب فهو ~~رهين به، ومن اعتمد على الفضل فهو غير مأخوذ به. ### || # {في جنات يتساءلون (40) عن المجرمين (41) ما سلككم في سقر (42) قالوا لم ~~نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع الخائضين (45) ~~وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى ms2678 أتانا اليقين (47) } PageV08P273 # {فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) } # {في جنات يتساءلون عن المجرمين} المشركين. {ما سلككم} أدخلكم {في سقر} ~~فأجابوا {قالوا لم نك من المصلين} [لله] (1) {ولم نك نطعم المسكين وكنا ~~نخوض} في الباطل {مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين} {حتى أتانا اليقين} ~~وهو الموت. قال الله عز وجل {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} قال ابن مسعود: ~~تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين، فلا يبقى في ~~النار إلا أربعة، ثم تلا "قالوا لم نك من المصلين" إلى قوله: {بيوم الدين} ~~(2) قال عمران بن الحصين: الشفاعة نافعة لكل واحد دون هؤلاء الذين تسمعون. # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي 179/ب أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري، ~~أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، حدثنا محمد بن حماد، حدثنا أبو معاوية، عن ~~الأعمش، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصف أهل النار فيعذبون قال: "فيمر فيهم الرجل من أهل الجنة فيقول الرجل ~~PageV08P273 # منهم يا فلان قال فيقول: ما تريد فيقول: أما تذكر رجلا سقاك شربة يوم كذا ~~وكذا؟ قال فيقول: وإنك لأنت هو؟ فيقول: نعم، فيشفع له فيشفع فيه. قال: ثم ~~يمر بهم الرجل من أهل الجنة فيقول: يا فلان، فيقول: ما تريد؟ فيقول: أما ~~تذكر رجلا وهب لك وضوءا يوم كذا وكذا؟ فيقول: إنك لأنت هو؟ فيقول: نعم ~~فيشفع له فيشفع فيه" (1) . ### || # {فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة ~~(51) بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (52) } # {فما لهم عن التذكرة معرضين} مواعظ القرآن {معرضين} نصب على الحال، وقيل ~~صاروا معرضين. {كأنهم حمر} جمع حمار {مستنفرة} قرأ أهل المدينة والشام بفتح ~~الفاء، وقرأ الباقون بكسرها، فمن قرأ بالفتح فمعناها منفرة مذعورة، ومن قرأ ~~بالكسر فمعناها نافرة، يقال: نفر واستنفر بمعنى واحد، كما يقال عجب ~~واستعجب. {فرت من قسورة} قال مجاهد وقتادة والضحاك: "القسورة": الرماة، لا ~~واحد لها من لفظها، وهي رواية عطاء عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير: هم ~~القناص وهي رواية عطية ms2679 عن ابن عباس. # وقال زيد بن أسلم: [هم] (2) رجال أقوياء، وكل ضخم شديد عند العرب: قسور ~~وقسورة. وعن أبي المتوكل قال: هي لغط القوم وأصواتهم. وروى عكرمة عن ابن ~~عباس قال: هي حبال الصيادين. # وقال أبو هريرة: هي الأسد، وهو قول عطاء والكلبي، وذلك أن الحمر الوحشية ~~إذا عاينت الأسد هربت، كذلك هؤلاء المشركين إذا سمعوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ القرآن هربوا منه. # قال عكرمة: هي ظلمة الليل، ويقال لسواد أول الليل قسورة. {بل يريد كل ~~امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة} قال المفسرون: إن كفار قريش قالوا ~~PageV08P274 # لرسول الله صلى الله عليه وسلمك ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من ~~الله أنك لرسوله نؤمر فيه باتباعك (1) . # قال الكلبي: إن المشركين قالوا: يا محمد بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل ~~كان يصبح مكتوبا عند رأسه ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك "والصحف" الكتب، وهي ~~جمع الصحيفة، و"منشرة" منشورة. ### || # {كلا بل لا يخافون الآخرة (53) كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره (55) وما ~~يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة (56) } # فقال الله تعالى: {كلا} لا يؤتون الصحف. وقيل: حقا، وكل ما ورد عليك منه ~~فهذا وجهه، {بل لا يخافون الآخرة} أي لا يخافون عذاب الآخرة، والمعنى أنهم ~~لو خافوا النار لما اقترحوا هذه الآيات بعد قيام الأدلة. {كلا} حقا {إنه} ~~يعني القرآن {تذكرة} موعظة. {فمن شاء ذكره} اتعظ به. {وما يذكرون} قرأ نافع ~~ويعقوب [تذكرون] (2) بالتاء والآخرون بالياء {إلا أن يشاء الله} قال مقاتل: ~~إلا أن يشاء الله لهم الهدى. {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} أي أهل أن يتقى ~~محارمه وأهل أن يغفر لمن اتقاه. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا ابن ~~فنجويه، حدثنا عمر بن الخطاب، حدثنا عبد الله بن الفضل، حدثنا هدبة بن ~~خالد، حدثنا سهيل بن أبي حزم، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال في هذه الآية: {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} قال: قال ms2680 ربكم عز ~~وجل: "أنا أهل أن أتقى ولا يشرك بي غيري، وأنا أهل لمن اتقى أن يشرك بي أن ~~أغفر PageV08P275 # له" (1) وسهيل هو ابن عبد الرحمن القطعي، أخو حزم القطعي (2) . ### | سورة القيامة # مكية (3) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) } # {لا أقسم بيوم القيامة} قرأ القواس عن ابن كثير: "لأقسم" الحرف الأول بلا ~~ألف قبل الهمزة. {ولا أقسم بالنفس اللوامة} بالألف، وكذلك قرأ عبد الرحمن ~~الأعرج، على معنى أنه أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس [اللوامة] (4) ~~والصحيح أنه أقسم بهما جميعا و"لا" صلة فيهما أي أقسم بيوم القيامة وبالنفس ~~اللوامة. # وقال أبو بكر بن عياش: هو تأكيد للقسم كقولك: لا والله. # وقال الفراء: "لا" رد، كلام المشركين المنكرين، ثم ابتدأ فقال: أقسم بيوم ~~القيامة وأقسم بالنفس اللوامة (5) . # وقال المغيرة بن شعبة: يقولون: القيامة، وقيامة أحدهم موته. وشهد علقمة ~~جنازة فلما دفنت قال: أما هذا فقد قامت قيامته. # {ولا أقسم بالنفس اللوامة} قال سعيد بن جبير وعكرمة: تلوم على الخير ~~والشر، ولا تصبر على السراء والضراء. # وقال قتادة: اللوامة: الفاجرة. PageV08P276 # وقال مجاهد: تندم على ما فات وتقول: لو فعلت، ولو لم أفعل. # قال الفراء: ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت ~~خيرا قالت: هلا ازددت، وإن عملت شرا قالت: يا ليتني لم أفعل (1) قال الحسن: ~~هي النفس المؤمنة، قال: إن المؤمن -والله -ما تاره إلا يلوم نفسه، ما أردت ~~بكلامي؟ ما أردت بأكلتي؟ وإن الفاجر يمضي قدما لا يحاسب نفسه ولا يعاتبها. # وقال مقاتل: هي النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر ~~الله في الدنيا. ### || # {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) } # {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه} نزلت في عدي بن ربيعة، حليف بني زهرة، ~~ختن الأخنس بن شريق الثقفي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم ~~اكفني جاري السوء، يعني: عديا والأخنس. وذلك أن عدي بن ربيعة أتى النبي صلى ms2681 ~~الله عليه وسلم فقال: يا محمد حدثني عن القيامة متى تكون وكيف أمرها ~~وحالها؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم ~~أصدقك ولم أؤمن [بك] (2) أو يجمع الله العظام؟ فأنزل الله عز وجل: "أيحسب ~~الإنسان" (3) يعني الكافر {أن لن نجمع عظامه} بعد التفرق والبلى فنحييه. ~~قيل: ذكر العظام وأراد نفسه لأن العظام قالب النفس لا يستوي الخلق إلا ~~باستوائها. وقيل: هو خارج على قول المنكر أو يجمع الله العظام كقوله: "قال ~~من يحيي العظام وهي رميم" (يس-78) . {بلى قادرين} أي نقدر، استقبال صرف إلى ~~الحال، قال الفراء "قادرين" نصب على الخروج من نجمع، كما تقول في الكلام ~~أتحسب أن لا نقوى عليك؟ بلى قادرين على أقوى منك، يريد: بل قادرين على أكثر ~~من ذا (4) # مجاز الآية: بلى نقدر على جمع عظامه وعلى ما هو أعظم من ذلك، وهو {على ~~(5) أن نسوي بنانه} أنامله، فنجعل 180/أأصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف ~~البعير وحافر الحمار، فلا PageV08P280 # يرتفق بها [بالقبض] (1) والبسط والأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة ~~وغيرها. هذا قول أكثر المفسرين. # وقال الزجاج وابن قتيبة: معناه: ظن الكافر أنا لا نقدر على جمع عظامه، ~~بلى نقدر على أن نعيد السلاميات على صغرها، فنؤلف بينها حتى نسوي البنان، ~~فمن قدر على جمع صغار العظام فهو على جمع كبارها أقدر (2) ### || # {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) يسأل أيان يوم القيامة (6) فإذا برق ~~البصر (7) } # {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه} يقول لا يجهل ابن آدم أن ربه قادر على جمع ~~عظامه لكنه يريد أن يفجر أمامه، أي: يمضي قدما [على] (3) معاصي الله ما عاش ~~راكبا رأسه لا ينزع عنها ولا يتوب، هذا قول مجاهد، والحسن، وعكرمة، والسدي. # وقال سعيد بن جبير: "ليفجر أمامه" يقدم على الذنب ويؤخر التوبة، فيقول: ~~سوف أتوب، سوف أعمل حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوأ أعماله (4) . # وقال الضحاك: هو الأمل، يقول: أعيش فأصيب من الدنيا كذا وكذا [ولا يذكر ~~الموت] (5) . # وقال ابن عباس، وابن زيد: يكذب بما أمامه من ms2682 البعث والحساب. وأصل ~~"الفجور" الميل، وسمي الفاسق والكافر: فاجرا، لميله عن الحق. {يسأل أيان ~~يوم القيامة} أي متى يكون [ذلك] (6) تكذيبا به. قال الله تعالى: {فإذا برق ~~البصر} قرأ أهل المدينة "برق" بفتح الراء، وقرأ الآخرون بكسرها، وهما ~~لغتان. # قال قتادة ومقاتل: شخص البصر فلا يطرف مما يرى من العجائب التي كان يكذب ~~بها في الدنيا. قيل: ذلك عند الموت. # وقال الكلبي: عند رؤية جهنم برق أبصار الكفار. PageV08P281 # وقال الفراء والخليل "برق" -بالكسر -أي: فزع وتحير لما يرى من العجائب ~~(1) و"برق" بالفتح، أي: شق عينه وفتحها، من البريق، وهو التلألؤ (2) ### || # {وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) يقول الإنسان يومئذ أين المفر ~~(10) كلا لا وزر (11) إلى ربك يومئذ المستقر (12) ينبأ الإنسان يومئذ بما ~~قدم وأخر (13) } # {وخسف القمر} أظلم وذهب نوره وضوءه. {وجمع الشمس والقمر} أسودين مكورين ~~كأنهما ثوران عقيران. وقيل: يجمع بينهما في ذهاب الضياء. وقال عطاء بن ~~يسار: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى. ~~{يقول الإنسان} أي الكافر المكذب {يومئذ أين المفر} أي: المهرب وهو موضع ~~الفرار. [وقيل: هو مصدر، أي: أين الفرار] (3) قال الله تعالى: {كلا لا وزر} ~~لا حصن ولا حرز ولا ملجأ. وقال السدي: لا جبل وكانوا إذا فزعوا لجؤوا إلى ~~الجبل فتحصنوا به. [فقال الله تعالى] (4) لا جبل يومئذ يمنعهم. {إلى ربك ~~يومئذ المستقر} أي مستقر الخلق. # وقال عبد الله بن مسعود: المصير والمرجع، نظيره: قوله تعالى: "إلى ربك ~~الرجعى" (العلق-8) "وإلى الله المصير" (آل عمران-28) (النور-42) (فاطر-18) ~~. # وقال السدي: المنتهى، نظيره: "وأن إلى ربك المنتهى" (النجم-42) . {ينبأ ~~الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} [قال ابن مسعود وابن عباس: "بما قدم" (5) ] ~~قبل موته من عمل صالح وسيئ، وما أخر: بعد موته من سنة حسنة أو سيئة يعمل ~~بها. # وقال عطية عن ابن عباس: "بما قدم" من المعصية "وأخر" من الطاعة. # وقال قتادة: بما قدم من طاعة الله، وأخر من حق الله فضيعه. PageV08P282 # وقال مجاهد: بأول عمله وآخره. وقال عطاء: بما قدم في أول ms2683 عمره وما أخر في ~~آخر عمره. # وقال زيد بن أسلم: بما قدم من أمواله لنفسه وما أخر خلفه للورثة (1) ### || # {بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره (15) لا تحرك به لسانك ~~لتعجل به (16) } # {بل الإنسان على نفسه بصيرة} قال عكرمة، ومقاتل، والكلبي: معناه بل ~~الإنسان على نفسه من نفسه رقباء يرقبونه ويشهدون عليه بعمله، وهي سمعه ~~وبصره وجوارحه (2) ودخل الهاء في البصيرة لأن المراد بالإنسان هاهنا ~~جوارحه، ويحتمل أن يكون معناه "بل الإنسان على نفسه بصيرة" يعني: لجوارحه، ~~فحذف حرف الجر كقوله: "وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم" (البقرة-233) أي ~~لأولادكم. ويجوز أن يكون نعتا لاسم مؤنث أي بل الإنسان على نفسه عين بصيرة. # وقال أبو العالية، وعطاء: بل الإنسان على نفسه شاهد، وهي رواية العوفي عن ~~ابن عباس، والهاء في "بصيرة" للمبالغة، دليل هذا التأويل. قوله عز وجل: ~~"كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" (الإسراء-14) . {ولو ألقى معاذيره} يعني يشهد ~~عليه الشاهد ولو اعتذر وجادل عن نفسه لم ينفعه، كما قال تعالى: "يوم لا ~~ينفع الظالمين معذرتهم" (غافر-52) وهذا قول مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير ~~وابن زيد وعطاء: قال الفراء: ولو اعتذر فعليه من نفسه من يكذب عذره ومعنى ~~الإلقاء: القول، كما قال: "وألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون" (النحل-86) . ~~وقال الضحاك والسدي: "ولو ألقى معاذيره" يعني: ولو أرخى الستور وأغلق ~~الأبواب. وأهل اليمن يسمون الستر: معذارا، وجمعه: معاذير، ومعناه على هذا ~~القول: وإن أسبل الستر ليخفي ما يعمل، فإن نفسه شاهدة عليه. قوله عز وجل ~~{لا تحرك به لسانك لتعجل به} # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد ~~بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن موسى ~~بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز ~~وجل: "لا تحرك به لسانك لتعجل به" قال: كان رسول الله PageV08P283 # صلى الله عليه وسلم إذا نزل [عليه] (1) جبريل بالوحي كان ربما يحرك لسانه ~~وشفتيه فيشتد عليه، وكان ms2684 يعرف منه، فأنزل الله عز وجل الآية التي في لا ~~أقسم بيوم القيامة: "لا تحرك به لسانك لتعجل به" (2) ### || # {إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا ~~بيانه (19) } # {كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون الآخرة (21) وجوه يومئذ ناضرة (22) ~~إلى ربها ناظرة (23) } # {إن علينا جمعه وقرآنه} قال علينا أن نجمعه في صدرك، وقرآنه. {فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه} فإذا أنزلناه فاستمع. {ثم إن علينا بيانه} علينا أن ~~نبينه بلسانك. قال: فكان إذا أتاه جبريل عليه السلام أطرق فإذا ذهب قرأه ~~كما وعده الله عز وجل، ورواه محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن موسى، عن ~~إسرائيل، عن موسى بن أبي عائشة بهذا الإسناد وقال: كان يحرك شفتيه إذا نزل ~~عليه، يخشى أن ينفلت منه، فقيل له: "لا تحرك به لسانك" "إن علينا جمعه" أن ~~نجمعه في صدرك (1) "وقرآنه" أن تقرأه. {كلا بل تحبون العاجلة وتذرون ~~الآخرة} قرأ أهل المدينة والكوفة "تحبون وتذرون" بالتاء فيهما، وقرأ ~~الآخرون بالياء أي يختارون الدنيا على العقبى، ويعملون لها، يعني: كفار ~~مكة، ومن قرأ بالتاء فعلى تقدير: قل لهم يا محمد: بل تحبون [وتذرون] (2) ~~{وجوه يومئذ} يعني يوم القيامة {ناضرة} قال ابن عباس: حسنة، وقال مجاهد: ~~مسرورة. وقال ابن زيد: ناعمة. وقال مقاتل: 180/ب بيض يعلوها النور. وقال ~~السدي: مضيئة. وقال يمان: مسفرة. وقال الفراء: مشرقة بالنعيم (3) يقال: نضر ~~الله وجهه ينضر نضرا، ونضره الله وأنضره ونضر وجهه ينضر نضرة ونضارة. قال ~~الله تعالى: "تعرف في وجوههم نضرة النعيم" (المطففين-24) {إلى ربها ناظرة} ~~قال ابن عباس: وأكثر الناس تنظر إلى ربها عيانا بلا حجاب. قال الحسن: تنظر ~~إلى الخالق وحق لها أن [تنضر] (4) وهي تنظر إلى الخالق. # أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي، أخبرنا عبد الله بن أحمد الحموي، ~~أخبرنا إبراهيم بن خزيم PageV08P284 # الشاشي، أخبرنا عبد بن حميد، حدثنا شبابة، عن إسرائيل، عن ثوير قال: سمعت ~~ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أدنى أهل الجنة منزلة ~~لمن ينظر إلى ms2685 جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على ~~الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" (1) ### || # {ووجوه يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل بها فاقرة (25) كلا إذا بلغت ~~التراقي (26) وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق (28) } # {ووجوه يومئذ باسرة} عابسة كالحة مغبرة مسودة. {تظن أن يفعل بها فاقرة} ~~تستيقن أن يعمل بها عظيمة من العذاب، والفاقرة: الداهية العظيمة، والأمر ~~الشديد يكسر فقار الظهر. قال سعيد بن المسيب: قاصمة الظهر. قال ابن زيد: هي ~~دخول النار. وقال الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية الرب عز وجل. {كلا إذا بلغت} ~~يعني النفس، كناية عن غير مذكور {التراقي} فحشرج بها عند الموت، و"التراقي" ~~جمع الترقوة، وهي العظام بين ثغرة النحر والعاتق، ويكنى ببلوغ النفس ~~التراقي عن الإشراف على الموت. {وقيل} أي قال من حضره [الموت] (2) هل "من ~~راق" هل من طبيب يرقيه ويداويه فيشفيه برقيته أو دوائه. # وقال قتادة: التمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئا. # وقال سليمان التيمي، ومقاتل بن سليمان: هذا من قول الملائكة، يقول بعضهم ~~لبعض: من يرقى بروحه؟ فتصعد بها ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب. {وظن} ~~أيقن الذين بلغت روحه التراقي {أنه الفراق} من الدنيا. PageV08P285 ### || # {والتفت الساق بالساق (29) إلى ربك يومئذ المساق (30) فلا صدق ولا صلى ~~(31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33) أولى لك فأولى (34) ~~ثم أولى لك فأولى (35) } # {والتفت الساق بالساق} قال قتادة: الشدة بالشدة. وقال عطاء: شدة الموت ~~بشدة الآخرة. وقال سعيد بن جبير: تتابعت عليه الشدائد، وقال السدي: لا يخرج ~~من كرب إلا جاءه أشد منه. # قال ابن عباس: أمر الدنيا بأمر الآخرة، فكان في آخر يوم من الدنيا وأول ~~يوم من أيام الآخرة. # وقال مجاهد: اجتمع فيه الحياة والموت. # وقال الضحاك: الناس يجهزون جسده والملائكة يجهزون روحه. # وقال الحسن: هما ساقاه إذا التفتا في الكفن. وقال الشعبي: هما ساقاه عند ~~الموت (1) . {إلى ربك يومئذ المساق} أي مرجع ms2686 العباد [يومئذ] (2) إلى الله ~~يساقون إليه. {فلا صدق ولا صلى} يعني: أبا جهل، لم يصدق بالقرآن ولا صلى ~~لله. {ولكن كذب وتولى} عن الإيمان. {ثم ذهب إلى أهله} رجع إليهم {يتمطى} ~~يتبختر ويختال في مشيته، وقيل: أصله: "يتمطط" أي: يتمدد، والمط هو المد. ~~{أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى} هذا وعيد على وعيد من الله عز وجل لأبي ~~جهل، وهي كلمة موضوعة للتهديد والوعيد. # وقال بعض العلماء: معناه أنك أجدر بهذا العذاب وأحق وأولى به، يقال للرجل ~~يصيبه مكروه يستوجبه. # وقيل: هي كلمة تقولها العرب لمن قاربه المكروه وأصلها [من الولاء] (3) من ~~المولى وهو PageV08P286 # القرب، قال الله تعالى: "قاتلوا الذين يلونكم من الكفار" (التوبة-123) . # وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية أخذ ~~بمجامع ثوب أبي جهل بالبطحاء وقال له: "أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى" ~~فقال أبو جهل: أتوعدني يا محمد؟ والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي ~~شيئا، وإني لأعز من مشى بين جبليها! فلما كان يوم بدر صرعه الله شر مصرع، ~~وقتله أسوأ قتلة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن لكل أمة فرعونا ~~[وإن] (1) فرعون هذه الأمة أبو جهل (2) . ### || # {أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) ألم يك نطفة من مني يمنى (37) ثم كان علقة فخلق فسوى ~~(38) فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (39) أليس ذلك بقادر على أن يحيي ~~الموتى (40) } # {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} هملا لا يؤمر ولا ينهى، وقال السدي: معناه ~~المهمل وإبل سدى إذا كانت ترعى حيث شاءت بلا راع. {ألم يك نطفة من مني ~~يمنى} تصب في الرحم، قرأ حفص عن عاصم "يمنى" بالياء، وهي قراءة الحسن، وقرأ ~~الآخرون بالتاء، لأجل النطفة. {ثم كان علقة فخلق فسوى} فجعل فيه الروح فسوى ~~خلقه. {فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى} خلق من مائه أولادا ذكورا وإناثا. ~~{أليس ذلك} الذي فعل هذا {بقادر على أن يحيي الموتى} # أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو عمرو ms2687 القاسم بن ~~جعفر الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي، حدثنا أبو داود ~~سليمان بن أشعث، حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، حدثني ~~إسماعيل بن أمية قال: سمعت أعرابيا يقول سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ منكم والتين والزيتون فانتهى إلى آخرها: ~~"أليس الله بأحكم الحاكمين" (التين-8) فليقل: بلى، وأنا على ذلك من ~~الشاهدين، ومن قرأ: "لا أقسم بيوم القيامة" فانتهى إلى "أليس ذلك بقادر على ~~أن يحيي الموتى" فليقل: بلى، ومن قرأ: "والمرسلات" فبلغ "فبأي حديث بعده ~~يؤمنون" فليقل: "آمنا بالله" (3) . PageV08P287 # أخبرنا عمر بن عبد العزيز، أخبرنا القاسم بن جعفر، أخبرنا أبو علي ~~اللؤلؤي، أخبرنا أبو داود، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، ~~حدثنا شعبة، عن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته فكان إذا ~~قرأ: "أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى" قال: سبحانك بلى، فسألوه عن ذلك ~~فقال: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) . PageV08P288 ### | سورة الإنسان # قال عطاء: هي مكية (1) وقال مجاهد وقتادة: مدنية (2) وقال الحسن وعكرمة: ~~هي مدنية إلا آية وهي قوله: "فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا" ~~(3) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) } # {هل أتى على الإنسان} يعني آدم عليه السلام {حين من الدهر} أربعون سنة ~~ملقى من طين بين مكة والطائف قبل أن ينفخ فيه الروح {لم يكن شيئا مذكورا} ~~لا يذكر ولا يعرف 180/أولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به، يريد: كان شيئا ~~ولم يكن مذكورا، وذلك من حين خلقه من طين إلى أن [ينفخ] فيه الروح. # روي أن عمر سمع رجلا يقرأ هذه الآية: "لم يكن شيئا مذكورا" فقال عمر: ~~ليتها تمت، يريد: ليته بقي على ما كان (4) قال ابن عباس: ثم خلقه بعد عشرين ~~ومائة سنة. {إنا خلقنا الإنسان} ms2688 يعني ولد آدم {من نطفة} يعني: مني الرجل ~~ومني المرأة. PageV08P289 # {أمشاج} أخلاط، واحدها: مشج ومشيج، مثل خدن وخدين. # قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد والربيع: يعني ماء الرجل [وماء المرأة] (1) ~~يختلطان في الرحم فيكون منهما الولد، فماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة ~~أصفر رقيق، فأيهما علا صاحبه كان الشبه له، وما كان من عصب وعظم فهو من ~~نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة (2) . # وقال الضحاك: أراد بالأمشاج اختلاف ألوان النطفة، فنطفة الرجل بيضاء ~~وحمراء وصفراء، ونطفة المرأة خضراء وحمراء [وصفراء] (3) وهي رواية الوالبي ~~عن ابن عباس. وكذلك قال الكلبي: قال: الأمشاج البياض في الحمرة والصفرة. ~~وقال يمان: كل لونين اختلطا فهو أمشاج. وقال ابن مسعود: هي العروق التي ~~تكون في النطفة. # وقال الحسن: نطفة مشجت بدم، وهو دم الحيضة، فإذا حبلت ارتفع الحيض. # وقال قتادة: هي أطوار الخلق نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم [عظما] ثم يكسوه ~~لحما ثم ينشئه خلقا آخر (4) . # {نبتليه} نختبره بالأمر والنهي {فجعلناه سميعا بصيرا} قال بعض أهل ~~العربية: فيه تقديم وتأخير، مجازه فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه (5) لأن ~~الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة. ### || # {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا ~~وأغلالا وسعيرا (4) } # {إنا هديناه السبيل} أي بينا له سبيل الحق والباطل والهدى والضلالة، ~~وعرفناه طريق الخير والشر {إما شاكرا وإما كفورا} إما مؤمنا سعيدا وإما ~~كافرا شقيا. وقيل: معنى الكلام الجزاء، يعني: بينا له الطريق إن شكر أو كفر ~~(6) . ثم بين ما للفريقين فقال: {إنا أعتدنا للكافرين سلاسل} يعني: في جهنم ~~قرأ أهل المدينة PageV08P292 # والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: "سلاسلا" و"قواريرا" فقوارير بالألف في ~~الوقف، وبالتنوين في الوصل فيهن جميعا، وقرأ حمزة ويعقوب بلا ألف في الوقف، ~~ولا تنوين في الوصل فيهن، وقرأ ابن كثير "قوارير" الأولى بالألف في الوقف ~~وبالتنوين في الوصل، و"سلاسل" و"قوارير" الثانية بلا ألف ولا تنوين وقرأ ~~أبو عمرو وابن عامر وحفص "سلاسلا" و"قواريرا" الأولى بالألف [في الوقف] (1) ~~على الخط وبغير تنوين ms2689 في الوصل، و"قوارير" الثانية بغير ألف ولا تنوين. ~~قوله {وأغلالا} يعني: في أيديهم، تغل إلى أعناقهم {وسعيرا} وقودا شديدا. ### || # {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) } PageV08P293 # {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون يوما ~~كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) } # {إن الأبرار} يعني المؤمنين الصادقين في إيمانهم المطيعين لربهم، ~~[واحدهم] (1) بار، مثل: شاهد وأشهاد، وناصر وأنصار، و"بر" أيضا مثل: نهر ~~وأنهار {يشربون} في الآخرة، {من كأس} [فيها] (2) شراب {كان مزاجها كافورا} ~~قال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك. قال عكرمة: "مزاجها" طعمها، ~~وقال أهل المعاني: أراد كالكافور في بياضه وطيب ريحه وبرده، لأن الكافور لا ~~يشرب، وهو كقوله: "حتى إذا جعله نارا" (الكهف-96) أي كنار. وهذا معنى قول ~~[قتادة] (3) ومجاهد: يمازجه ريح الكافور. وقال ابن كيسان: طيبت بالكافور ~~والمسك والزنجبيل. وقال عطاء والكلبي: الكافور اسم لعين ماء في الجنة. ~~{عينا} نصب تبعا للكافور. وقيل: [هو] (4) نصب على المدح. وقيل: أعني عينا. ~~وقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى من عين {يشرب بها} [قيل: يشربها] (5) ~~والباء صلة وقيل بها أي منها {عباد الله} قال ابن عباس أولياء الله ~~{يفجرونها تفجيرا} أي يقودونها حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم، كمن يكون له ~~نهر يفجره هاهنا وهاهنا إلى حيث يريد. {يوفون بالنذر} هذا من صفاتهم في ~~الدنيا أي كانوا في الدنيا كذلك. # قال قتادة: أراد يوفون بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم ~~والحج والعمرة، PageV08P293 # وغيرها من الواجبات (1) ومعنى النذر: الإيجاب. # وقال مجاهد وعكرمة: إذا نذروا في طاعة الله وفوا به. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن ~~القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله ~~فلا يعصه" (2) {ويخافون يوما كان شره مستطيرا} فاشيا ممتدا، يقال: استطار ms2690 ~~الصبح، إذا امتد وانتشر. # قال مقاتل: كان شره فاشيا في السماوات فانشقت، وتناثرت الكواكب، وكورت ~~الشمس والقمر، وفزعت الملائكة، وفي الأرض: فنسفت الجبال، وغارت المياه، ~~وتكسر كل شيء على الأرض من جبل وبناء. {ويطعمون الطعام على حبه} أي على حب ~~الطعام وقلته وشهوتهم له وحاجتهم إليه. وقيل: على حب الله عز وجل {مسكينا} ~~فقيرا لا مال له {ويتيما} صغيرا لا أب له {وأسيرا} قال مجاهد وسعيد بن جبير ~~وعطاء: هو المسجون من أهل القبلة. وقال قتادة: أمر الله بالأسراء أن يحسن ~~إليهم، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك. وقيل: الأسير المملوك. وقيل: المرأة، ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان" ~~(3) أي أسراء. # واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم ~~في يوم واحد مسكينا ويتيما وأسيرا (4) . PageV08P294 # وروى مجاهد وعطاء عن ابن عباس: أنها نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، وذلك أنه عمل ليهودي بشيء من شعير، [فقبض الشعير] (1) فطحن ثلثه ~~فجعلوا منه شيئا ليأكلوه، فلما تم إنضاجه أتى مسكين فسأل فأخرجوا إليه ~~الطعام، ثم عمل الثلث الثاني فلما تم إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه، ثم عمل ~~الثلث الباقي فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين، فسأل فأطعموه، وطووا ~~يومهم ذلك: وهذا قول الحسن وقتادة، أن الأسير كان من أهل الشرك، وفيه دليل ~~على أن إطعام الأسارى، وإن كانوا من أهل الشرك، حسن يرجى ثوابه (2) . ### || # {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) إنا نخاف من ~~ربنا يوما عبوسا قمطريرا (10) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا ~~(11) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) } # {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} 181/ب والشكور مصدر ~~كالعقود والدخول والخروج. قال مجاهد وسعيد بن جبير: إنهم لم يتكلموا به ~~ولكن علم الله ذلك من قلوبهم، فأثنى عليهم. {إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا} ~~تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته، نسب العبوس إلى اليوم، كما يقال: يوم ms2691 صائم ~~وليل قائم. وقيل وصف اليوم بالعبوس لما فيه من الشدة {قمطريرا} قال قتادة، ~~ومجاهد، ومقاتل: "القمطرير": الذي يقبض الوجوه والجباه بالتعبيس. قال ~~الكلبي: العبوس الذي لا انبساط فيه، و"القمطرير" الشديد، قال الأخفش: ~~"القمطرير" أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء، يقال: يوم قمطرير ~~وقماطر، إذا كان شديدا كريها، واقمطر اليوم فهو مقمطر. {فوقاهم الله شر ذلك ~~اليوم} الذي يخافون {ولقاهم نضرة} حسنا في وجوههم، {وسرورا} في قلوبهم. ~~{وجزاهم بما صبروا} على طاعة الله واجتناب معصيته، وقال الضحاك: على الفقر. ~~وقال عطاء: على الجوع. {جنة وحريرا} قال الحسن: أدخلهم الله الجنة وألبسهم ~~الحرير. PageV08P295 ### || # {متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ودانية ~~عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب ~~كانت قوارير (15) قوارير من فضة قدروها تقديرا (16) ويسقون فيها كأسا كان ~~مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) } # {متكئين} نصب على الحال {فيها} في الجنة {على الأرائك} السرر في الحجال، ~~ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعا {لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا} أي [صيفا] ~~(1) ولا شتاء. قال مقاتل: يعني شمسا يؤذيهم حرها ولا زمهريرا يؤذيهم برده، ~~لأنهما يؤذيان في الدنيا. والزمهرير: البرد الشديد. {ودانية عليهم ظلالها} ~~أي قريبة منهم ظلال أشجارها، ونصب "دانية" بالعطف على قوله "متكئين" وقيل: ~~على موضع قوله: "لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا" ويرون "دانية" وقيل: على ~~المدح {وذللت} سخرت وقربت {قطوفها} ثمارها {تذليلا ويطاف عليهم بآنية من ~~فضة وأكواب كانت قواريرا} يأكلون من ثمارها قياما وقعودا ومضطجعين ~~ويتناولونها كيف شاءوا على أي حال كانوا. {قوارير من فضة} قال المفسرون: ~~أراد بياض الفضة في صفاء القوارير، فهي من فضة في صفاء الزجاج، يرى ما في ~~داخلها من خارجها. # قال الكلبي إن الله جعل قوارير كل قوم من تراب أرضهم، وإن أرض الجنة من ~~فضة، فجعل منها قوارير يشربون فيها {قدروها تقديرا} قدروا الكأس على قدر ~~ريهم لا يزيد ولا ينقص، أي قدرها لهم السقاة والخدم الذين يطوفون عليهم ~~يقدرونها ثم يسقون. ms2692 {ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا} يشوق ويطرب، ~~والزنجبيل: مما كانت العرب تستطيبه جدا، فوعدهم الله تعالى أنهم يسقون في ~~الجنة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنة. قال مقاتل: لا يشبه زنجبيل الدنيا. ~~قال ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة وسماه ليس له في ~~الدنيا مثل. وقيل: هو عين في الجنة يوجد منها طعم الزنجبيل. قال قتادة: ~~يشربها المقربون صرفا، ويمزج لسائر أهل الجنة (2) . {عينا فيها تسمى ~~سلسبيلا} قال قتادة: سلسة منقادة لهم يصرفونها حيث شاءوا (3) وقال ~~PageV08P296 # مجاهد: حديدة [شديدة] (1) الجرية (2) . وقال [أبو العالية] (3) ومقاتل بن ~~حيان: سميت سلسبيلا لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم تنبع من أصل ~~العرش من جنة عدن إلى أهل الجنان وشراب الجنة على برد الكافور وطعم ~~الزنجبيل وريح المسك. قال الزجاج: سميت سلسبيلا لأنها في غاية السلاسة ~~تتسلسل في الحلق، ومعنى قوله: "تسمى" أي توصف لأن أكثر العلماء على أن ~~سلسبيلا صفة لا اسم. ### || # {ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) وإذا ~~رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20) عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا ~~أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) } # {ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا} قال عطاء: ~~يريد في بياض اللؤلؤ وحسنه، واللؤلؤ إذا نثر من الخيط على البساط، كان أحسن ~~منه منظوما. وقال أهل المعاني: إنما شبهوا بالمنثور لانتثارهم في الخدمة، ~~فلو كانوا صفا لشبهوا بالمنظوم. {وإذا رأيت ثم} أي إذا [رأيت] (4) ببصرك ~~ونظرت به ثم يعني في الجنة {رأيت نعيما} لا يوصف {وملكا كبيرا} وهو أن ~~أدناهم منزلة ينظر إلى ملكه في مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه. ~~وقال مقاتل والكلبي: هو أن رسول رب العزة من الملائكة لا يدخل عليه إلا ~~بإذنه. وقيل: ملكا لا زوال له. {عاليهم ثياب سندس} قرأ أهل المدينة وحمزة: ~~"عاليهم" ساكنة الياء مكسورة الهاء، فيكون في موضع رفع بالابتداء، وخبره: ~~ثياب سندس، وقرأ الآخرون بنصب الياء وضم الهاء على [الصفة، أي فوقهم، وهو ~~نصب ms2693 على الظرف] (5) {ثياب سندس خضر وإستبرق} قرأ نافع وحفص "خضر وإستبرق" ~~[مرفوعا] (6) عطفا على الثياب، وقرأهما حمزة والكسائي مجرورين، وقرأ ابن ~~كثير وأبو بكر "خضر" بالجر و"إستبرق" بالرفع، وقرأ أبو جعفر وأهل البصرة ~~والشام على ضده [فالرفع على] (7) PageV08P297 # نعت الثياب [والجر] (1) على نعت السندس [وإستبرق بالرفع على أنه معطوف ~~على وثياب إستبرق فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كقوله "واسأل ~~القرية" أي أهل القرية، ومثله قوله: خز أي ثوب خز، وأما جر إستبرق فعلى أنه ~~معطوف على سندس وهو جر بإضافة الثياب إليه، وهما جنسان أضيفت الثياب إليهما ~~كما تقول: ثوب خز وكتان فتضيفه إلى الجنسين] (2) . # {وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا} قيل: طاهرا من الأقذار ~~والأقذاء لم تدنسه الأيدي والأرجل كخمر الدنيا. # وقال أبو قلابة وإبراهيم: إنه لا يصير بولا نجسا ولكنه يصير رشحا في ~~أبدانهم، [ريحه كريح المسك] (3) ، وذلك أنهم يؤتون بالطعام، فإذا كان آخر ~~ذلك أتوا بالشراب الطهور، فيشربون فيطهر بطونهم ويصير ما أكلوا رشحا يخرج ~~من جلودهم [ريحا] (4) أطيب من المسك الأذفر، وتضمر بطونهم وتعود شهوتهم. # وقال مقاتل: هو عين ماء على باب الجنة من شرب منها نزع الله ما كان في ~~قلبه من غل وغش وحسد. ### || # {إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (22) إنا نحن نزلنا عليك القرآن ~~تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا (24) } # {إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا} أي ما وصف من نعيم الجنة كان ~~لكم جزاء بأعمالكم، {وكان سعيكم} عملكم في الدنيا بطاعة الله مشكورا، قال ~~عطاء: شكرتكم عليه [فأثيبكم] (5) أفضل الثواب. قوله عز وجل: {إنا نحن نزلنا ~~عليك القرآن تنزيلا} قال ابن عباس: 182/أمتفرقا آية بعد آية، ولم ينزل جملة ~~واحدة. {فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم} يعني من مشركي مكة {آثما أو كفورا} ~~يعني وكفورا، والألف صلة. PageV08P298 # قال قتادة: أراد بالآثم الكفور أبا جهل وذلك أنه لما فرضت الصلاة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أبو جهل عنها، وقال: لئن ms2694 رأيت محمدا يصلي ~~لأطأن عنقه (1) . # وقال مقاتل: أراد ب"الآثم" عتبة بن ربيعة وب"الكفور" الوليد بن المغيرة، ~~قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صنعت ما صنعت لأجل النساء والمال ~~فارجع عن هذا الأمر، قال عتبة: فأنا أزوجك ابنتي وأسوقها إليك بغير مهر، ~~وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى، فارجع عن هذا الأمر، فأنزل الله ~~هذه الآية (2) . ### || # {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) } PageV08P299 # {ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26) إن هؤلاء يحبون العاجلة ~~ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا ~~أمثالهم تبديلا (28) } # {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له} [يعني صلاة المغرب ~~والعشاء] (1) {وسبحه ليلا طويلا} يعني التطوع بعد المكتوبة. {إن هؤلاء} ~~يعني كفار مكة {يحبون العاجلة} أي الدار العاجلة وهي الدنيا. {ويذرون ~~وراءهم} يعني أمامهم {يوما ثقيلا} شديدا وهو يوم القيامة. أي يتركونه فلا ~~يؤمنون به ولا يعملون له. {نحن خلقناهم وشددنا} [قوينا وأحكمنا] (2) ~~{أسرهم} قال مجاهد وقتادة [ومقاتل] (3) "أسرهم" أي: خلقهم، يقال: رجل حسن ~~الأسر، أي: الخلق. # وقال الحسن: يعني أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب. PageV08P299 # وروي عن مجاهد في تفسير "الأسر" قال: الشرج، يعني: موضع مصرفي البول ~~والغائط، إذا خرج الأذى تقبضا. {وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا} أي: إذا ~~شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم. ### || # {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) وما تشاءون إلا أن يشاء ~~الله إن الله كان عليما حكيما (30) يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد ~~لهم عذابا أليما (31) } # {إن هذه} يعني هذه السورة {تذكرة} تذكير وعظة {فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا} وسيلة بالطاعة. {وما تشاءون} قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو: ~~"يشاءون" بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، {إلا أن يشاء الله} أي لستم تشاءون ~~إلا بمشيئة الله عز وجل، لأن الأمر إليه {إن الله كان عليما حكيما} {يدخل ~~من يشاء في رحمته والظالمين} أي المشركين {أعد لهم عذابا أليما} # PageV08P300 ### | سورة المرسلات # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا ms2695 (2) والناشرات نشرا (3) فالفارقات ~~فرقا (4) } # {والمرسلات عرفا} يعني الرياح أرسلت متتابعة كعرف الفرس. وقيل: عرفا أي ~~كثيرا تقول العرب: الناس إلى فلان عرف واحد، إذا توجهوا إليه فأكثروا، هذا ~~[معنى] (2) قول مجاهد وقتادة. وقال مقاتل: يعني الملائكة التي أرسلت ~~بالمعروف من أمر الله ونهيه، وهي رواية مسروق عن ابن مسعود. {فالعاصفات ~~عصفا} يعني الرياح الشديدة الهبوب. {والناشرات نشرا} يعني الرياح اللينة. ~~وقال الحسن: هي الرياح التي يرسلها الله بشرا بين يدي رحمته. وقيل: هي ~~الرياح التي تنشر السحاب وتأتي بالمطر. وقال مقاتل: هم الملائكة ينشرون ~~الكتب (3) . {فالفارقات فرقا} قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: يعني ~~الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق والباطل. وقال [قتادة] (4) والحسن: هي آي ~~القرآن تفرق بين الحلال والحرام. وروي عن PageV08P301 # مجاهد قال: هي الرياح تفرق السحاب وتبدده (1) . ### || # {فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) إنما توعدون لواقع (7) فإذا النجوم ~~طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) وإذا الجبال نسفت (10) } # {فالملقيات ذكرا} يعني الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء، نظيرها: "يلقي ~~الروح من أمره" (غافر-15) . {عذرا أو نذرا} أي للإعذار والإنذار، وقرأ ~~الحسن "عذرا" بضم الذال واختلف فيه عن أبي بكر عن عاصم، وقراءة العامة ~~بسكونها، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص " [عذرا أو] (2) نذرا" ساكنة ~~الذال فيهما، وقرأ الباقون بضمها، ومن سكن قال: لأنهما في موضع مصدرين ~~بمعنى الإنذار والإعذار، وليسا بجمع فينقلا [وقال ابن كثير ونافع، وابن ~~عامر، وأبو بكر عن عاصم ويعقوب برواية رويس بن حسان: "عذرا" سكون الذال ~~و"نذرا" بضم الذال، وقرأ روح بالضم في العذر والنذر جميعا، وهي قراءة ~~الحسن، والوجه فيهما أن العذر والنذر بضمتين كالأذن والعنق هو الأصل ويجوز ~~التخفيف فيهما كما يجوز التخفيف في العنق والأذن، يقال: عذر ونذر، وعذر ~~ونذر، كما يقال: عنق وعنق، وأذن وأذن، والعذر والنذر مصدران بمعنى الإعذار ~~والإنذار كالنكير والعذير والنذير، ويجوز أن يكونا جمعين لعذير ونذير، ~~ويجوز أن يكون العذر جمع عاذر، كشارف وشرف، والمعنى في التحريك والتسكين ~~واحد على ما بينا إلى هاهنا أقسام] (3) ذكرها على قوله: {إن ما توعدون} ms2696 {إن ~~ما توعدون} من أمر الساعة والبعث {لواقع} [لكائن] (4) ثم ذكر متى يقع. ~~فقال: {فإذا النجوم طمست} محي نورها. {وإذا السماء فرجت} شقت. {وإذا الجبال ~~نسفت} قلعت من أماكنها. PageV08P304 ### || # {وإذا الرسل أقتت (11) لأي يوم أجلت (12) ليوم الفصل (13) وما أدراك ما ~~يوم الفصل (14) ويل يومئذ للمكذبين (15) ألم نهلك الأولين (16) ثم نتبعهم ~~الآخرين (17) كذلك نفعل بالمجرمين (18) ويل يومئذ للمكذبين (19) } # {ألم نخلقكم من ماء مهين (20) فجعلناه في قرار مكين (21) إلى قدر معلوم ~~(22) فقدرنا فنعم القادرون (23) ويل يومئذ للمكذبين (24) ألم نجعل الأرض ~~كفاتا (25) } # {وإذا الرسل أقتت} قرأ أهل البصرة "وقتت" بالواو، وقرأ أبو جعفر بالواو ~~وتخفيف القاف، وقرأ الآخرون بالألف وتشديد القاف، وهما لغتان. والعرب ~~تعاقبت بين الواو والهمزة كقولهم: وكدت وأكدت، ورخت وأرخت، ومعناهما: جمعت ~~لميقات يوم معلوم، وهو يوم القيامة ليشهدوا على الأمم. {لأي يوم أجلت} أي ~~أخرت، وضرب الأجل لجمعهم فعجب العباد من ذلك اليوم، ثم بين فقال {ليوم ~~الفصل} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يوم يفصل الرحمن عز وجل بين الخلائق. ~~{وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين ألم نهلك الأولين} يعني الأمم ~~الماضية بالعذاب، في الدنيا حين كذبوا رسلهم. {ثم نتبعهم الآخرين} السالكين ~~سبيلهم في الكفر والتكذيب يعني كفار مكة بتكذيبهم محمد صلى الله عليه وسلم. ~~{كذلك نفعل بالمجرمين ويل يومئذ للمكذبين ألم نخلقكم من ماء مهين} يعني ~~النطفة. {فجعلناه في قرار مكين} يعني الرحم. {إلى قدر معلوم} وهو وقت ~~الولادة. {فقدرنا} قرأ أهل المدينة والكسائي: "فقدرنا" بالتشديد من ~~التقدير، وقرأ الآخرون بالتخفيف من القدرة، لقوله: "فنعم القادرون" وقيل: ~~معناهما واحد، وقوله: {فنعم القادرون} أي المقدرون. {ويل يومئذ للمكذبين ~~ألم نجعل الأرض كفاتا} وعاء، ومعنى الكفت: الضم والجمع، # PageV08P305 # يقال: كفت الشيء: إذا ضمه وجمعه 182/ب وقال الفراء: يريد تكفتهم أحياء ~~على ظهرها في دورهم ومنازلهم، وتكفتهم أمواتا في بطنها، أي: تحوزهم (1) . ### || # {أحياء وأمواتا (26) وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (27) ~~ويل يومئذ للمكذبين (28) انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون (29) انطلقوا إلى ~~ظل ذي ثلاث شعب (30) لا ظليل ms2697 ولا يغني من اللهب (31) إنها ترمي بشرر كالقصر ~~(32) } # وهو قوله {أحياء وأمواتا وجعلنا فيها رواسي} جبالا {شامخات} عاليات، ~~{وأسقيناكم ماء فراتا} عذبا. {ويل يومئذ للمكذبين} قال مقاتل: وهذا كله ~~أعجب من البعث،. ثم أخبر أنه يقال لهم يوم القيامة {انطلقوا إلى ما كنتم به ~~تكذبون} # {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون} في الدنيا. {انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث ~~شعب} يعني دخان جهنم إذا ارتفع انشعب وافترق ثلاث فرق. وقيل: يخرج عنق من ~~النار فيتشعب ثلاث شعب، أما النور فيقف على رءوس المؤمنين، والدخان يقف على ~~رءوس المنافقين، واللهب الصافي يقف على رءوس الكافرين. ثم وصف ذلك الظل ~~فقال عز وجل {لا ظليل} لا يظل من الحر {ولا يغني من اللهب} قال الكلبي: لا ~~يرد لهب جهنم عنكم، والمعنى أنهم [إذا] (2) استظلوا بذلك الظل لم يدفع عنهم ~~حر اللهب. {إنها} يعني جهنم {ترمي بشرر} وهو ما تطاير من النار، واحدها ~~شررة {كالقصر} وهو البناء العظيم، قال ابن مسعود: يعني الحصون. # وقال عبد الرحمن بن عياش سألت ابن عباس عن قوله تعالى: "إنها ترمي بشرر ~~كالقصر" قال: هي الخشب العظام المقطعة، وكنا نعمد إلى الخشب فنقطعها ثلاثة ~~أذرع وفوق ذلك ودونه ندخرها للشتاء، فكنا نسميها القصر. # وقال سعيد بن جبير، والضحاك: هي أصول النخل والشجر العظام، واحدتها قصرة، ~~مثل PageV08P306 # تمرة وتمر، وجمرة وجمر. # وقرأ علي وابن عباس "كالقصر" بفتح الصاد، أي أعناق النخل، والقصرة العنق، ~~وجمعها قصر وقصرات. ### || # {كأنه جمالة صفر (33) ويل يومئذ للمكذبين (34) هذا يوم لا ينطقون (35) ~~ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) ويل يومئذ للمكذبين (37) هذا يوم الفصل جمعناكم ~~والأولين (38) فإن كان لكم كيد فكيدون (39) ويل يومئذ للمكذبين (40) إن ~~المتقين في ظلال وعيون (41) وفواكه مما يشتهون (42) } # {كأنه} رد الكناية إلى اللفظ {جمالة} قرأ حمزة والكسائي وحفص: "جمالة" ~~على جمع الجمل، مثل حجر وحجارة، وقرأ يعقوب بضم الجيم بلا ألف، أراد: ~~الأشياء العظام المجموعة، وقرأ الآخرون: "جمالات" بالألف وكسر الجيم على ~~جمع الجمال، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير: هي ms2698 حبال السفن ~~يجمع بعضها إلى بعض، حتى تكون كأوساط الرجال، {صفر} جمع الأصفر، يعني لون ~~النار، وقيل: "الصفر" معناه: السود، لأنه جاء في الحديث إن شرر نار جهنم ~~أسود كالقير، والعرب تسمى سود الإبل صفرا لأنه يشوب سوادها شيء من صفرة كما ~~يقال لبيض الظباء: أدم، لأن بياضها يعلوه كدرة. {ويل يومئذ للمكذبين هذا ~~يوم لا ينطقون} وفي القيامة مواقف، ففي بعضها يختصمون ويتكلمون، وفي بعضها ~~يختم على أفواههم فلا ينطقون. {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} رفع عطف على قوله: ~~"يؤذن" قال الجنيد: أي لا عذر لمن أعرض عن منعمه وكفر بأياديه ونعمه. {ويل ~~يومئذ للمكذبين هذا يوم الفصل} بين أهل الجنة والنار {جمعناكم والأولين} ~~يعني مكذبي هذه الأمة والأولين الذين كذبوا أنبياءهم. {فإن كان لكم كيد ~~فكيدون} قال مقاتل: إن كانت لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم. {ويل يومئذ ~~للمكذبين إن المتقين في ظلال} جمع ظل أي في ظلال الشجر {وعيون} الماء. # {وفواكه مما يشتهون} . # PageV08P307 ### || # {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) إنا كذلك نجزي المحسنين (44) ~~ويل يومئذ للمكذبين (45) كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (46) ويل يومئذ ~~للمكذبين (47) وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) ويل يومئذ للمكذبين (49) ~~فبأي حديث بعده يؤمنون (50) } # ويقال لهم {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون} في الدنيا بطاعتي. # {إنا كذلك نجزي المحسنين ويل يومئذ للمكذبين} . # ثم قال لكفار مكة: {كلوا وتمتعوا قليلا} في الدنيا {إنكم مجرمون} مشركون ~~بالله عز وجل مستحقون للعذاب. {إنا كذلك نجزي المحسنين ويل يومئذ للمكذبين ~~وإذا قيل لهم اركعوا} صلوا {لا يركعون} لا يصلون، وقال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما: إنما يقال لهم هذا يوم القيامة حين يدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون. {ويل يومئذ للمكذبين فبأي حديث بعده} بعد القرآن {يؤمنون} إذا لم ~~يؤمنوا به. # PageV08P308 ### | سورة النبأ # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {عم يتساءلون (1) عن النبإ العظيم (2) الذي هم فيه مختلفون (3) كلا ~~سيعلمون (4) ثم كلا سيعلمون (5) } # {عم} أصله: "عن ما" فأدغمت النون في الميم وحذفت ألف "ما" [كقوله] (2) ~~"فيم" و"بم"؟ {يتساءلون} أي: عن أي شيء ms2699 يتساءلون، هؤلاء المشركون؟ وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى التوحيد وأخبرهم بالبعث بعد الموت، ~~وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم فيقولون: ماذا جاء به محمد؟ قال ~~الزجاج: اللفظ لفظ استفهام ومعناه التفخيم، كما تقول: أي شيء زيد؟ إذا عظمت ~~[أمره] (3) وشأنه. ثم ذكر أن تساؤلهم عماذا فقال: {عن النبإ العظيم} قال ~~مجاهد والأكثرون: هو القرآن، دليله: قوله: "قل هو نبأ عظيم" (ص-67) وقال ~~قتادة: هو البعث. {الذي هم فيه مختلفون} فمصدق ومكذب {كلا سيعلمون} "كلا" ~~نفي لقولهم، "سيعلمون" عاقبة تكذيبهم حين تنكشف الأمور. {ثم كلا سيعلمون} ~~وعيد لهم على إثر وعيد. وقال الضحاك: "كلا سيعلمون" يعني الكافرين، "ثم كلا ~~سيعلمون" يعني: المؤمنين، ثم ذكر صنعائه ليعلموا توحيده فقال: {ألم نجعل ~~الأرض مهادا} ### || # {ألم نجعل الأرض مهادا (6) والجبال أوتادا (7) وخلقناكم أزواجا (8) ~~وجعلنا نومكم سباتا (9) وجعلنا الليل لباسا (10) وجعلنا النهار معاشا (11) ~~وبنينا فوقكم سبعا شدادا (12) وجعلنا سراجا وهاجا (13) وأنزلنا من المعصرات ~~ماء ثجاجا (14) } # {ألم نجعل الأرض مهادا} فراشا. PageV08P309 # {والجبال أوتادا} للأرض حتى لا تميد. {وخلقناكم أزواجا} أصنافا ذكورا ~~وإناثا. {وجعلنا نومكم سباتا} أي راحة لأبدانكم. قال الزجاج: "السبات" أن ~~ينقطع عن الحركة والروح فيه. وقيل: معناه جعلنا نومكم قطعا لأعمالكم، لأن ~~أصل السبت: القطع. {وجعلنا الليل لباسا} غطاء وغشاء يستر كل شيء بظلمته. ~~{وجعلنا النهار معاشا} المعاش: العيش، وكل ما يعاش فيه فهو معاش، أي جعلنا ~~النهار سببا للمعاش والتصرف في المصالح. قال [ابن عباس] (1) يريد: تبتغون ~~فيه من فضل الله، وما قسم لكم من رزقه. {وبنينا فوقكم سبعا شدادا} يريد سبع ~~سماوات. {وجعلنا سراجا} [يعني الشمس] (2) {وهاجا} مضيئا منيرا. قال الزجاج: ~~الوهاج: الوقاد. قال مقاتل: جعل فيه نورا وحرارة، والوهج يجمع النور ~~والحرارة. {وأنزلنا من المعصرات} قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل، والكلبي: يعني ~~الرياح التي تعصر السحاب، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. # قال الأزهري: هي الرياح ذوات 183/أالأعاصير، فعلى هذا التأويل تكون "من" ~~بمعنى الباء أي بالمعصرات، وذلك أن الريح تستدر المطر. # وقال أبو العالية، والربيع، والضحاك: ms2700 المعصرات هي السحاب وهي رواية ~~الوالبي عن ابن عباس. PageV08P312 # قال الفراء: [المعصرات السحائب] (1) [التي] (2) تتحلب بالمطر ولا تمطر، ~~كالمرأة المعصر هي التي دنا حيضها ولم تحض (3) . # وقال ابن كيسان: هي المغيثات من قوله " [فيه يغاث الناس] وفيه يعصرون". # وقال الحسن، وسعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، ومقاتل بن حيان: "من المعصرات" ~~أي من السماوات. # {ماء ثجاجا} أي صبابا، وقال مجاهد: مدرارا. وقال قتادة: متتابعا يتلو ~~بعضه بعضا. وقال ابن زيد: كثيرا. ### || # {لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا (16) إن يوم الفصل كان ميقاتا ~~(17) يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا (18) وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) ~~} # {لنخرج به} أي بذلك الماء {حبا} وهو ما يأكله الناس {ونباتا} ما تنبته ~~الأرض مما تأكله الأنعام. {وجنات ألفافا} ملتفة بالشجر، واحدها لف وليف، ~~وقيل: هو جمع الجمع، يقال: جنة لفا، وجمعها لف، بضم اللام، وجمع الجمع ~~ألفاف. {إن يوم الفصل} يوم القضاء بين الخلق {كان ميقاتا} لما وعد الله من ~~الثواب والعقاب. {يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا} زمرا [زمرا] (4) من كل ~~مكان للحساب. {وفتحت السماء} قرأ أهل الكوفة: "فتحت" بالتخفيف، وقرأ ~~الآخرون بالتشديد، أي شقت لنزول الملائكة {فكانت أبوابا} أي ذات أبواب. ~~وقيل: تنحل، وتتناثر حتى تصير فيها أبواب وطرق. PageV08P313 ### || # {وسيرت الجبال فكانت سرابا (20) إن جهنم كانت مرصادا (21) للطاغين مآبا ~~(22) لابثين فيها أحقابا (23) } # {وسيرت الجبال} عن وجه الأرض {فكانت سرابا} أي هباء منبثا لعين الناظر ~~كالسراب. {إن جهنم كانت مرصادا} طريقا وممرا فلا سبيل لأحد إلى الجنة حتى ~~يقطع النار. # وقيل: "كانت مرصادا" أي: معدة لهم، يقال: أرصدت له [الشيء] (1) إذا ~~أعددته له. # وقيل: هو من رصدت الشيء أرصده إذا ترقبته. "والمرصاد" المكان الذي يرصد ~~الراصد فيه العدو. وقوله: "إن جهنم كانت مرصادا" أي ترصد الكفار. # وروى مقسم عن ابن عباس: أن على جسر جهنم سبع محابس يسأل العبد عند أولها ~~عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن [أجابها] (2) تامة جاز إلى الثاني، فيسأل ~~عن الصلاة، فإن [أجابها] (3) تامة جاز إلى الثالث، فيسأل عن الزكاة، ms2701 فإن ~~[أجابها] (4) تامة جاز إلى الرابع، فيسأل عن الصوم فإن جاء به تاما جاز إلى ~~الخامس، فيسأل عن الحج فإن جاء به تاما جاز إلى السادس، فيسأل عن العمرة ~~فإن [أجابها] (5) تامة جاز إلى السابع، فيسأل عن المظالم فإن خرج منها وإلا ~~يقال: انظروا فإن كان له تطوع أكمل به أعماله، فإذا فرغ منه انطلق به إلى ~~الجنة. { للطاغين} للكافرين {مآبا} مرجعا يرجعون إليه. {لابثين} قرأ حمزة ~~ويعقوب: "لبثين" بغير ألف، وقرأ العامة "لابثين" [بالألف] (6) وهما لغتان. ~~{فيها أحقابا} جمع حقب، والحقب الواحد: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، ~~كل شهر ثلاثون يوما، كل يوم ألف سنة (7) . روي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه. # وقال مجاهد: "الأحقاب" ثلاثة وأربعون حقبا كل حقب سبعون خريفا، كل خريف ~~سبعمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم ألف سنة. PageV08P314 # قال الحسن: إن الله لم يجعل لأهل النار مدة، بل قال: "لابثين فيها ~~أحقابا" فوالله ما هو إلا [إذا] (1) مضى حقب دخل آخر ثم آخر إلى الأبد، ~~فليس للأحقاب عدة إلا الخلود (2) . # وروى السدي عن مرة عن عبد الله قال: لو علم أهل النار أنهم يلبثون في ~~النار عدد حصى الدنيا لفرحوا، ولو علم أهل الجنة أنهم يلبثون في الجنة عدد ~~حصى الدنيا لحزنوا. # وقال مقاتل بن حيان: الحقب الواحد سبع عشرة ألف سنة. قال: وهذه الآية ~~منسوخة نسختها "فلن نزيدكم إلا عذابا" يعني أن العدد قد ارتفع والخلود قد ~~حصل (3) . ### || # {لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) إلا حميما وغساقا (25) جزاء وفاقا ~~(26) إنهم كانوا لا يرجون حسابا (27) وكذبوا بآياتنا كذابا (28) وكل شيء ~~أحصيناه كتابا (29) } # {لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا} روي عن ابن عباس: أن البرد النوم، ومثله ~~قال الكسائي و [قال] (4) أبو عبيدة، تقول العرب: منع البرد، البرد أي أذهب ~~البرد النوم. وقال الحسن وعطاء: "لا يذوقون فيها بردا" أي: روحا وراحة. ~~وقال مقاتل: "لا يذوقون فيها بردا" ينفعهم من حر، "ولا شرابا" ينفعهم من ~~عطش. {إلا حميما ms2702 وغساقا} قال ابن عباس: "الغساق" الزمهرير يحرقهم ببرده. ~~وقيل: صديد أهل النار، وقد ذكرناه في سورة "ص" (5) {جزاء وفاقا} أي جزيناهم ~~جزاء وافق أعمالهم. قال مقاتل: وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم من الشرك، ~~ولا عذاب أعظم من النار. {إنهم كانوا لا يرجون حسابا} لا يخافون أن ~~يحاسبوا، والمعنى: أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بأنهم محاسبون. {وكذبوا ~~بآياتنا} أي بما جاءت به الأنبياء {كذابا} تكذيبا، قال الفراء: هي لغة ~~يمانية فصيحة، يقولون في مصدر التفعيل فعال وقال: قال لي أعرابي منهم على ~~المروة يستفتيني: الحلق أحب PageV08P315 # إليك أم القصار؟ (1) . {وكل شيء أحصيناه كتابا} أي وكل شيء من الأعمال ~~بيناه في اللوح المحفوظ، كقوله: "وكل شيء أحصيناه في إمام مبين" (يس-12) . ### || # {فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا (30) } PageV08P316 # {إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا (32) وكواعب أترابا (33) وكأسا ~~دهاقا (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) جزاء من ربك عطاء حسابا ~~(36) رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا (37) } # {فذوقوا} أي يقال لهم: فذوقوا، {فلن نزيدكم إلا عذابا} قوله عز وجل: {إن ~~للمتقين مفازا} فوزا ونجاة من النار، وقال الضحاك: متنزها. {حدائق وأعنابا} ~~يريد أشجار الجنة وثمارها. {وكواعب} جواري نواهد قد تكعبت ثديهن، واحدتها ~~كاعب، {أترابا} مستويات في السن. {وكأسا دهاقا} قال ابن عباس والحسن وقتادة ~~وابن زيد: مترعة مملوءة. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: متتابعة. قال عكرمة: ~~صافية. {لا يسمعون فيها لغوا} باطلا من الكلام {ولا كذابا} تكذيبا، لا يكذب ~~بعضهم بعضا. وقرأ الكسائي "كذابا" بالتخفيف مصدر [كاذب] (1) كالمكاذبة، ~~وقيل: هو الكذب. وقيل: هو بمعنى التكذيب كالمشدد. {جزاء من ربك عطاء حسابا} ~~أي جازاهم جزاء وأعطاهم عطاء "حسابا" أي: كافيا وافيا، يقال: أحسبت فلانا، ~~أي أعطيته ما يكفيه حتى قال حسبي. وقال ابن قتيبة: "عطاء حسابا" أي كثيرا ~~(2) وقيل: هو جزاء بقدر أعمالهم. {رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن} ~~قرأ أهل الحجاز، وأبو عمرو: "رب" رفع على الاستئناف و"الرحمن" خبره. وقرأ ~~الآخرون بالجر إتباعا لقوله: "من ربك" وقرأ ابن عامر، PageV08P316 # وعاصم، ويعقوب: ms2703 "الرحمن" جرا إتباعا لقوله: "رب السماوات 183/ب " وقرأ ~~الآخرون بالرفع، فحمزة والكسائي يقرآن "رب" بالخفض لقربه من قوله: "جزاء من ~~ربك" ويقرآن "الرحمن" بالرفع لبعده منه على الاستئناف، وقوله: {لا يملكون} ~~في موضع رفع، خبره. # ومعنى {لا يملكون منه خطابا} قال مقاتل: لا يقدر الخلق على أن يكلموا ~~الرب إلا بإذنه. وقال الكلبي: لا يملكون شفاعة إلا بإذنه. ### || # {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا (38) } # {يوم يقوم الروح} أي في ذلك اليوم {والملائكة صفا} واختلفوا في هذا ~~الروح، قال الشعبي والضحاك: هو جبريل. # وقال عطاء عن ابن عباس: "الروح" ملك من الملائكة ما خلق الله مخلوقا أعظم ~~منه، فإذا كان يوم القيامة قام وحده صفا وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا، ~~فيكون عظم خلقه مثلهم (1) . # وعن ابن مسعود قال: الروح ملك أعظم من السماوات ومن الجبال، ومن الملائكة ~~وهو في السماء الرابعة، يسبح كل يوم اثني عشر [ألف] (2) تسبيحة، يخلق من كل ~~تسبيحة ملك يجيء يوم القيامة صفا وحده (3) . # وقال مجاهد، وقتادة، وأبو صالح: "الروح" خلق على صورة بني آدم ليسوا بناس ~~يقومون صفا والملائكة صفا، هؤلاء جند وهؤلاء جند. # وروى مجاهد عن ابن عباس قال: هم خلق على صورة بني آدم وما ينزل من السماء ~~ملك إلا معه واحد منهم (4) . # وقال الحسن: هم بنو آدم (5) . ورواه قتادة عن ابن عباس، وقال: هذا مما ~~كان يكتمه ابن عباس (6) . PageV08P317 # "والملائكة صفا" قال الشعبي: هما سماطا (1) رب العالمين، يوم يقوم سماط ~~من الروح وسماط من الملائكة. # {لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} في الدنيا، أي حقا. وقيل: ~~قال: لا إله إلا الله (2) . ### || # {ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (39) إنا أنذرناكم عذابا ~~قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا (40) } # {ذلك اليوم الحق} الكائن الواقع يعني يوم القيامة {فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~مآبا} مرجعا وسبيلا بطاعته، أي: فمن شاء رجع إلى الله بطاعته. {إنا ~~أنذرناكم ms2704 عذابا قريبا} يعني العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت قريب. {يوم ~~ينظر المرء ما قدمت يداه} أي كل امرئ يرى في ذلك اليوم ما قدم من العمل ~~مثبتا في صحيفته، {ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا} # قال عبد الله بن عمرو: (3) إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، ~~وحشرت الدواب والبهائم والوحوش، ثم يجعل القصاص بين البهائم حتى يقتص للشاة ~~الجماء من الشاة القرناء تنطحها، فإذا فرغ من القصاص قيل لها: كوني ترابا، ~~فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. ومثله عن مجاهد. # وقال مقاتل: يجمع الله الوحوش والهوام والطير فيقضي بينهم حتى يقتص ~~للجماء من القرناء، ثم يقول لهم: أنا خلقتكم وسخرتكم لبني آدم وكنتم مطيعين ~~إياهم أيام حياتكم، فارجعوا إلى الذي PageV08P318 # كنتم، كونوا ترابا، فإذا التفت الكافر إلى شيء صار ترابا، يتمنى فيقول: ~~يا ليتني كنت في الدنيا في صورة خنزير، وكنت اليوم ترابا. # وعن [أبي الزناد عبد الله بن ذكوان] (1) قال: إذا قضى الله بين الناس ~~وأمر أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، وقيل لسائر الأمم ولمؤمني ~~الجن عودوا ترابا فيعودون ترابا، فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. ~~وبه قال ليث بن [أبي] (2) سليم، مؤمنو الجن يعودون ترابا (3) # وقيل: إن الكافر هاهنا إبليس (4) وذلك أنه عاب آدم وأنه خلق من التراب ~~وافتخر بأنه خلق من النار، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه ~~المؤمنون من الثواب والرحمة، وما هو فيه من الشدة والعذاب، قال: يا ليتني ~~كنت ترابا. قال أبو هريرة فيقول: التراب لا ولا كرامة لك، من جعلك مثلي؟. ~~PageV08P319 ### | سورة النازعات # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {والنازعات غرقا (1) } # {والنازعات غرقا} يعني الملائكة تنزع أرواح الكفار من أجسادهم، كما يغرق ~~النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد بعد ما نزعها حنى إذا كادت تخرج ردها ~~في جسده فهذا عمله بالكفار، و"الغرق" اسم أقيم مقام الإغراق، أي: والنازعات ~~إغراقا، والمراد بالإغراق المبالغة في المد. # قال ابن مسعود: ينزعها ملك الموت [وأعوانه] ms2705 (2) من تحت كل شعرة ومن ~~الأظافير وأصول القدمين (3) [ويرددها في جسده بعدما ينزعها] (4) حتى إذا ~~كادت تخرج ردها في سجده بعدما ينزعها، فهذا عمله بالكفار. # وقال مقاتل: ملك الموت وأعوانه ينزعون [أرواح] (5) الكفار كما ينزع ~~السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل، فتخرج نفسه كالغريق في الماء. # وقال مجاهد: هو الموت ينزع النفوس (6) . PageV08P320 # وقال السدي: هي النفس حين تغرق في الصدر (1) # وقال الحسن وقتادة وابن كيسان: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق تطلع ثم ~~تغيب (2) . وقال عطاء وعكرمة: هي القسي (3) . وقيل: الغزاة الرماة (4) . ### || # {والناشطات نشطا (2) والسابحات سبحا (3) } # {والناشطات نشطا} [هي] (5) الملائكة تنشط نفس المؤمن، أي تحل حلا رفيقا ~~فتقبضها، كما ينشط العقال من يد البعير، أي يحل برفق، حكى الفراء هذا ~~القول، ثم قال: والذي سمعت من العرب أن يقولوا: أنشطت العقال، إذا حللته، ~~وأنشطته: إذا عقدته بأنشوطة (6) . وفي الحديث: "كأنما أنشط من عقال" (7) . # وعن ابن عباس: هي نفس المؤمن تنشط للخروج عند الموت، لما يرى من الكرامة ~~لأنه تعرض عليه الجنة قبل أن يموت. # وقال علي بن أبي طالب: هي الملائكة تنشط أرواح الكفار مما بين الجلد ~~والأظفار حتى تخرجها من أفواههم بالكرب والغم، والنشط: الجذب والنزع، يقال: ~~نشطت الدلو نشطا إذا نزعتها قال الخليل: النشط والإنشاط مدك الشيء إلى ~~نفسك، حتى ينحل. # وقال مجاهد: هو الموت ينشط النفوس. وقال السدي: هي النفس تنشط من القدمين ~~أي تجذب. وقال قتادة: هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي تذهب، يقال: نشط ~~من بلد إلى بلد، إذا خرج في سرعة، ويقال: حمار ناشط، ينشط من بلد إلى بلد، ~~وقال عطاء وعكرمة: هي [الأوهاق] (8) . {والسابحات سبحا} هم الملائكة يقبضون ~~أرواح المؤمنين يسلونها 184/أسلا رفيقا، ثم يدعونها حتى تستريح كالسابح ~~بالشيء في الماء يرفق به. PageV08P324 # وقال مجاهد وأبو صالح: هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين كالفرس ~~الجواد يقال له سابح إذا أسرع في جريه. # وقيل: هي خيل الغزاة. وقال قتادة: هي النجوم والشمس [والقمر] (1) قال ~~الله تعالى: "كل في فلك يسبحون" (الأنبياء-33) ms2706 . # وقال عطاء: هي السفن. ### || # {فالسابقات سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5) } # {فالسابقات سبقا} قال مجاهد: هي الملائكة [تسبق] (2) ابن آدم بالخير ~~والعمل الصالح. # وقال مقاتل: هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة. # وعن ابن مسعود قال: هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها ~~شوقا إلى لقاء الله وكرامته، وقد عاينت السرور. # وقال قتادة: هي النجوم يسبق بعضها بعضا في السير. وقال عطاء: هي الخيل ~~(3) . {فالمدبرات أمرا} قال ابن عباس: هم الملائكة وكلوا بأمور عرفهم الله ~~عز وجل العمل بها. # قال [عبد الرحمن] (4) بن سابط: يدبر [الأمور] (5) في الدنيا أربعة: ~~جبريل، وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل، عليهم السلام، أما جبريل: فموكل ~~بالريح والجنود، وأما ميكائيل: فموكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت: ~~فموكل بقبض [الأرواح] (6) وأما إسرافيل: فهو ينزل بالأمر عليهم. # وجواب هذه الأقسام محذوف، على تقدير: لتبعثن ولتحاسبن (7) . PageV08P325 # وقيل: جوابه [قوله] (1) "إن في ذلك لعبرة لمن يخشى". # وقيل: فيه تقديم [وتأخير] (2) تقديره: يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ~~والنازعات غرقا (3) . ### || # {يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها الرادفة (7) } # قوله عز وجل: {يوم ترجف الراجفة} يعني النفخة الأولى، يتزلزل ويتحرك لها ~~كل شيء، ويموت منها جميع [الخلائق] (4) . {تتبعها الرادفة} وهي النفخة ~~الثانية ردفت الأولى وبينهما أربعون سنة. # قال قتادة: هما صيحتان فالأولى تميت كل شيء، والأخرى تحيي كل شيء بإذن ~~الله عز وجل (5) . # وقال مجاهد: ترجف الراجفة تتزلزل الأرض والجبال، تتبعها الرادفة حين تنشق ~~السماء، وتحمل الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة (6) وقال عطاء: "الراجفة" ~~القيامة و"الرادفة" البعث. وأصل الرجفة: الصوت والحركة. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك، ~~حدثنا محمد بن هارون (7) الحضرمي، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا قبيصة بن ~~عقبة، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن ~~كعب، عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع ~~الليل قام، وقال: "يا أيها الناس اذكروا الله، [اذكروا الله] ms2707 (8) جاءت ~~الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، PageV08P326 # [جاء الموت بما فيه] " (1) . ### || # {قلوب يومئذ واجفة (8) أبصارها خاشعة (9) يقولون أئنا لمردودون في ~~الحافرة (10) أئذا كنا عظاما نخرة (11) قالوا تلك إذا كرة خاسرة (12) } # {قلوب يومئذ واجفة} خائفة قلقة مضطربة، وسمي "الوجيف" في السير، لشدة ~~اضطرابه، يقال: وجف القلب ووجب وجوفا ووجيفا ووجوبا ووجيبا. وقال مجاهد: ~~وجلة. وقال السدي: زائلة عن أماكنها، نظيره "إذ القلوب لدى الحناجر" ~~(غافر-18) . {أبصارها خاشعة} ذليلة، كقوله: "خاشعين من الذل" (الشورى-45) ~~الآية. {يقولون} يعني المنكرين للبعث إذا قيل لهم إنكم مبعوثون من بعد ~~الموت: {أئنا لمردودون في الحافرة} أي: إلى أول الحال وابتداء الأمر، فنصير ~~أحياء بعد الموت كما كنا؟ تقول العرب: رجع فلان في حافرته، أي رجع من حيث ~~جاء، والحافرة عندهم اسم لابتداء الشيء، [وأول الشيء] (2) . # وقال بعضهم: "الحافرة" وجه الأرض التي تحفر فيها قبورهم، سميت حافرة ~~بمعنى المحفورة، كقوله: "عيشة راضية" أي مرضية. # وقيل: سميت حافرة لأنها مستقر [الحوافر] (3) أي أئنا لمردودون إلى الأرض ~~فنبعث خلقا جديدا نمشي عليها؟ وقال ابن زيد: "الحافرة" النار. {أئذا كنا ~~عظاما نخرة} قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، ويعقوب: "أئنا"؟ مستفهما، ~~"إذا" بتركه، ضده أبو جعفر، [الباقون] باستفهامهما، وقرأ حمزة، والكسائي، ~~وأبو عمرو: "عظاما ناخرة"، وقرأ الآخرون "نخرة" وهما لغتان، مثل الطمع ~~والطامع والحذر والحاذر، ومعناهما البالية، وفرق قوم بينهما، فقالوا: ~~النخرة: البالية، والناخرة: المجوفة التي تمر فيها الريح فتنخر، أي: تصوت. ~~{قالوا} يعني المنكرين {تلك إذا كرة خاسرة} رجعة خائبة، يعني إن رددنا بعد ~~الموت PageV08P327 # لنخسرن بما يصيبنا بعد الموت. ### || # {فإنما هي زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة (14) هل أتاك حديث موسى (15) ~~} # {إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى (16) اذهب إلى فرعون إنه طغى (17) فقل ~~هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى (19) فأراه الآية الكبرى (20) ~~} # قال الله عز وجل {فإنما هي} يعني النفخة الأخيرة {زجرة} صيحة {واحدة} ~~يسمعونها. {فإذا هم بالساهرة} يعني: وجه الأرض، أي صاروا على وجه الأرض ~~بعدما كانوا في جوفها (1) والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض: ساهرة. ms2708 قال بعض ~~أهل اللغة (2) تراهم سموها ساهرة لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم. قال سفيان: ~~هي أرض الشام (3) وقال قتادة: هي جهنم (4) قوله عز وجل: {هل أتاك حديث ~~موسى} يقول: قد جاءك يا محمد حديث موسى. {إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى} ~~(5) فقال يا موسى {اذهب إلى فرعون إنه طغى} علا وتكبر وكفر بالله. {فقل هل ~~لك إلى أن تزكى} قرأ أهل الحجاز ويعقوب بتشديد الزاي: أي تتزكى وتتطهر من ~~الشرك، وقرأ الآخرون [بالتخفيف] [وأصله تتزكى فأدغمت التاء الثانية في ~~الزاء في القراءة الأولى وحذفت في الثانية، ومعناه تتطهر من الشرك] (6) أي: ~~تسلم وتصلح، قال ابن عباس: تشهد أن لا إله إلا الله. {وأهديك إلى ربك ~~فتخشى} أي: أدعوك إلى عبادة ربك وتوحيده فتخشى عقابه. {فأراه الآية الكبرى} ~~وهي العصا واليد البيضاء. PageV08P328 ### || # {فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى (23) فقال أنا ربكم الأعلى ~~(24) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (26) ~~أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) رفع سمكها فسواها (28) وأغطش ليلها ~~وأخرج ضحاها (29) والأرض بعد ذلك دحاها (30) } # {فكذب} بأنهما من الله {وعصى} {ثم أدبر} تولى وأعرض عن الإيمان {يسعى} ~~يعمل بالفساد في الأرض. {فحشر} فجمع قومه وجنوده {فنادى} لما اجتمعوا. ~~{فقال أنا ربكم الأعلى} فلا رب فوقي. وقيل: أراد أن الأصنام أرباب وأنا ~~ربكم وربها. {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} قال الحسن وقتادة: عاقبه ~~الله فجعله نكال الآخرة والأولى، أي في الدنيا بالغرق وفي الآخرة بالنار ~~(1) . # وقال مجاهد وجماعة من المفسرين: أراد بالآخرة والأولى كلمتي فرعون قوله: ~~"ما علمت لكم من إله غيري" (القصص-38) وقوله: "أنا ربكم الأعلى" وكان ~~بينهما 184/ب أربعون سنة (2) . {إن في ذلك} الذي فعل بفرعون حين كذب وعصى ~~{لعبرة} لعظة {لمن يخشى} الله عز وجل. ثم خاطب منكري البعث فقال {أأنتم أشد ~~خلقا أم السماء} يعني أخلقكم بعد الموت أشد عندكم وفي تقديركم أم السماء؟ ~~وهما في قدرة الله واحد، كقوله "لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس" ~~(غافر-57) ثم وصف خلق السماء ms2709 فقال: {بناها} {رفع سمكها} سقفها {فسواها} بلا ~~شطور [ولا شقوق] (3) ولا فطور. {وأغطش} أظلم {ليلها} والغطش والغبش الظلمة ~~{وأخرج ضحاها} أبرز وأظهر نهارها ونورها، وأضافهما إلى السماء لأن الظلمة ~~والنور كلاهما ينزل من السماء. {والأرض بعد ذلك} بعد خلق السماء {دحاها} ~~بسطها، والدحو البسط. قال ابن عباس: خلق الله الأرض بأقواتها من غير أن ~~يدحوها قبل السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن PageV08P329 # سبع سماوات، ثم دحا الأرض بعد ذلك. # وقيل: معناه: والأرض مع ذلك دحاها، كقوله عز وجل: "عتل بعد ذلك زنيم" ~~(القلم-13) أي مع ذلك. ### || # {أخرج منها ماءها ومرعاها (31) والجبال أرساها (32) متاعا لكم ولأنعامكم ~~(33) فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) يوم يتذكر الإنسان ما سعى (35) وبرزت ~~الجحيم لمن يرى (36) فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) فإن الجحيم ~~هي المأوى (39) وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة ~~هي المأوى (41) يسألونك عن الساعة أيان مرساها (42) فيم أنت من ذكراها (43) ~~إلى ربك منتهاها (44) } # {أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم فإذا جاءت ~~الطامة الكبرى} يعني النفخة الثانية التي فيها البعث وقامت القيامة، وسميت ~~القيامة: "طامة" لأنها تطم على كل هائلة من الأمور، فتعلو فوقها وتغمر ما ~~سواها، و"الطامة" عند العرب: الداهية التي لا تستطاع. {يوم يتذكر الإنسان ~~ما سعى} ما عمل في الدنيا من خير وشر. {وبرزت الجحيم لمن يرى} قال مقاتل ~~يكشف عنها الغطاء فينظر إليها الخلق. {فأما من طغى} في كفره. {وآثر الحياة ~~الدنيا} على الآخرة. {فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى ~~النفس عن الهوى} عن المحارم التي تشتهيها، قال مقاتل: هو الرجل يهم ~~بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها. {فإن الجنة هي المأوى يسألونك عن ~~الساعة أيان مرساها} متى ظهورها وثبوتها. {فيم أنت من ذكراها} لست في شيء ~~من علمها وذكرها، أي لا تعلمها. {إلى ربك منتهاها} أي منتهى علمها عند ~~الله. # PageV08P330 ### || # {إنما أنت منذر من يخشاها (45) كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ~~ضحاها (46) } # {إنما أنت منذر من يخشاها} قرأ ms2710 أبو جعفر: "منذر" بالتنوين أي [إنما أنت] ~~(1) مخوف من يخاف قيامها، أي: إنما ينفع إنذارك من يخافها. {كأنهم} يعني ~~كفار قريش {يوم يرونها} يعاينون يوم القيامة {لم يلبثوا} في الدنيا، وقيل: ~~في قبورهم {إلا عشية أو ضحاها} قال الفراء: (2) ليس للعشية ضحى، إنما الضحى ~~لصدر النهار، ولكن هذا ظاهر من كلام العرب أن يقولوا: آتيك العشية أو ~~غداتها، إنما معناه: آخر يوم أو أوله، نظيره: قوله "كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار" (الأحقاف-35) . PageV08P331 ### | سورة عبس # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) } # {عبس} كلح {وتولى} أعرض بوجهه. {أن جاءه الأعمى} [أي: لأن جاءه الأعمى] ~~(2) وهو ابن أم مكتوم، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من ~~بني عامر بني لؤي، وذلك أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يناجي ~~عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأبي بن خلف، ~~وأخاه أمية، يدعوهم إلى الله، يرجو إسلامهم، فقال ابن أم مكتوم: [يا رسول ~~الله] (3) أقرئني وعلمني مما علمك الله، فجعل يناديه ويكرر النداء، ولا ~~يدري أنه مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لقطعه كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد: إنما أتباعه العميان ~~والعبيد والسفلة، فعبس وجهه وأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين يكلمهم، ~~فأنزل الله هذه الآيات، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه، ~~وإذا رآه قال: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول له: هل لك من حاجة؟ ~~واستخلفه على المدينة مرتين (4) في غزوتين غزاهما، قال أنس بن مالك: فرأيته ~~يوم القادسية عليه درع ومعه PageV08P332 # راية سوداء (1) . ### || # {وما يدريك لعله يزكى (3) أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) أما من استغنى (5) ~~فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا يزكى (7) وأما من جاءك يسعى (8) وهو يخشى ~~(9) فأنت عنه تلهى (10) كلا إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) في صحف ~~مكرمة (13) } # {وما يدريك لعله يزكى} يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح ms2711 وما يتعلمه منك، ~~وقال ابن زيد: يسلم. {أو يذكر} يتعظ {فتنفعه الذكرى} الموعظة قرأ عاصم: ~~"فتنفعه" بنصب العين على جواب "لعل" بالفاء، وقراءة العامة بالرفع نسقا على ~~قوله: "يذكر". {أما من استغنى} قال ابن عباس: عن الله وعن الإيمان بما له ~~من المال. {فأنت له تصدى} تتعرض له وتقبل عليه وتصغي إلى كلامه، وقرأ أهل ~~الحجاز: "تصدى" بتشديد الصاد على الإدغام، أي: تتصدى، وقرأ الآخرون بتخفيف ~~الصاد على الحذف. {وما عليك ألا يزكى} لا يؤمن ولا يهتدي، إن عليك إلا ~~البلاغ. {وأما من جاءك يسعى} يمشي يعني: ابن أم مكتوم. {وهو يخشى} الله عز ~~وجل. {فأنت عنه تلهى} تتشاغل وتعرض [عنه] (2) {كلا} زجر، أي لا تفعل بعدها ~~مثلها، {إنها} يعني هذه الموعظة. وقال مقاتل: آيات القرآن {تذكرة} موعظة ~~وتذكير للخلق. {فمن شاء} من عباد الله {ذكره} أي اتعظ به. وقال مقاتل: فمن ~~شاء الله، ذكره وفهمه، واتعظ بمشيئته وتفهيمه، والهاء في "ذكره" راجعة إلى ~~القرآن والتنزيل والوعظ. ثم أخبر عن جلالته عنده فقال {في صحف مكرمة} يعني ~~اللوح المحفوظ. وقيل: كتب الأنبياء عليهم السلام، دليله قوله PageV08P336 # تعالى: "إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى" (الأعلى18 -19) . ### || # {مرفوعة مطهرة (14) بأيدي سفرة (15) كرام بررة (16) قتل الإنسان ما أكفره ~~(17) من أي شيء خلقه (18) من نطفة خلقه فقدره (19) ثم السبيل يسره (20) ثم ~~أماته فأقبره (21) } # {مرفوعة} رفيعة القدر عند الله عز وجل، وقيل: مرفوعة يعني في السماء ~~السابعة. {مطهرة} لا يمسها إلا المطهرون، وهم الملائكة. {بأيدي سفرة} قال ~~ابن عباس ومجاهد: كتبة، وهم الملائكة الكرام الكاتبون، واحدهم سافر، يقال: ~~سفرت أي كتبت. ومنه قيل [للكاتب: سافر، و] (1) للكتاب: سفر وجمعه: أسفار. # وقال الآخرون: هم الرسل من الملائكة واحدهم سفير، وهو الرسول، وسفير ~~القوم الذي يسعى بينهم للصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم. ثم أثنى ~~عليهم فقال: {كرام بررة} أي: كرام على الله، بررة 185/أمطيعين، جمع بار. ~~قوله عز وجل: {قتل الإنسان} أي لعن الكافر. قال مقاتل: نزلت في عتبة بن أبي ~~لهب (2) {ما أكفره} ms2712 ما أشد كفره بالله مع كثرة إحسانه إليه وأياديه عنده، ~~على طريق التعجب، قال الزجاج: معناه: اعجبوا أنتم من كفره. وقال الكلبي ~~ومقاتل: هو "ما" الاستفهام، يعني: أي شيء حمله على الكفر؟ ثم بين من أمره ~~ما كان ينبغي معه أن يعلم أن الله خالقه فقال: {من أي شيء خلقه} لظفه ~~استفهام ومعناه التقرير. ثم فسره فقال: {من نطفة خلقه فقدره} أطوارا: نطفة ~~ثم علقة إلى آخر خلقه، قال الكلبي: قدر خلقه، رأسه وعينيه ويديه ورجليه. ~~{ثم السبيل يسره} أي طريق خروجه من بطن أمه. قال السدي ومقاتل، والحسن ~~ومجاهد: يعني طريق الحق والباطل، سهل له العلم به، كما قال: "إنا هديناه ~~السبيل" (الإنسان-3) "وهديناه النجدين" (البلد-10) وقيل: يسر على كل أحد ما ~~خلقه له وقدره عليه. {ثم أماته فأقبره} جعل له قبرا يوارى فيه. قال الفراء: ~~جعله مقبورا ولم يجعله ممن يلقى كالسباع والطيور. يقال: قبرت الميت إذا ~~دفنته، وأقبره الله: أي صيره بحيث يقبر، وجعله ذا قبر، PageV08P337 # كما يقال: طردت فلانا والله أطرده أي صيره طريدا (1) . ### || # {ثم إذا شاء أنشره (22) كلا لما يقض ما أمره (23) فلينظر الإنسان إلى ~~طعامه (24) أنا صببنا الماء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها ~~حبا (27) وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) وفاكهة ~~وأبا (31) } # {ثم إذا شاء أنشره} أحياه بعد موته. {كلا} ردا عليه، أي: ليس كما يقول ~~ويظن هذا الكافر، وقال الحسن: حقا. {لما يقض ما أمره} أي لم يفعل ما أمره ~~[الله به] (2) ولم يؤد ما فرض عليه، ولما ذكر خلق ابن آدم ذكر رزقه ليعتبر ~~فقال: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} {فلينظر الإنسان إلى طعامه} كيف قدره ربه ~~ودبره له وجعله سببا لحياته. وقال مجاهد: إلى مدخله ومخرجه. ثم بين فقال: ~~{أنا} قرأ أهل [الكوفة] (3) "أنا" [بالفتح] (4) على تكرير الخافض، مجازه: ~~فلينظر إلى أنا وقرأ الآخرون بالكسر على الاستئناف. {صببنا الماء صبا} يعني ~~المطر. {ثم شققنا الأرض شقا} بالنبات. {فأنبتنا فيها حبا} يعني الحبوب التي ~~يتغذى بها. {وعنبا وقضبا} وهو القت الرطب، ms2713 سمي بذلك لأنه يقضب في كل الأيام ~~أي يقطع. وقال الحسن: القضب: العلف للدواب. {وزيتونا} وهو ما يعصر منه ~~الزيت {ونخلا} جمع نخلة. {وحدائق غلبا} غلاظ الأشجار، واحدها أغلب، ومنه ~~قيل الغليظ الرقبة: أغلب. وقال مجاهد ومقاتل: الغلب: الملتفة الشجر بعضه في ~~بعض، قال ابن عباس: طوالا. {وفاكهة} يريد ألوان الفواكه {وأبا} يعني الكلأ ~~والمرعى الذي لم يزرعه الناس، مما يأكله الأنعام والدواب. PageV08P338 # قال عكرمة: "الفاكهة" ما يأكله الناس، و"الأب" ما يأكله الدواب. ومثله عن ~~قتادة قال: الفاكهة لكم والأب لأنعامكم. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما أنبتت [الأرض] (1) مما يأكل الناس ~~والأنعام. # وروي عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر سئل عن قوله: "وفاكهة وأبا" فقال: أي ~~سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم (2) . # وروى ابن شهاب عن أنس أنه سمع عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية ثم قال: كل ~~هذا قد عرفنا فما الأب؟ ثم رفض عصا كانت بيده وقال: هذا [والله] (3) لعمر ~~الله التكلف، وما عليك يا ابن [أم] (4) عمر أن لا تدري ما الأب، ثم قال: ~~اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب، وما لا [تبين] (5) فدعوه (6) . ### || # {متاعا لكم ولأنعامكم (32) فإذا جاءت الصاخة (33) يوم يفر المرء من أخيه ~~(34) وأمه وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) } # {متاعا لكم} منفعة لكم يعني الفاكهة {ولأنعامكم} يعني العشب. ثم ذكر ~~القيامة فقال: {فإذا جاءت الصاخة} يعني صيحة القيامة سميت بذلك لأنها تصخ ~~الأسماع، أي تبالغ في الأسماع حتى تكاد تصمها. {يوم يفر المرء من أخيه وأمه ~~وأبيه وصاحبته وبنيه} لا يلتفت إلى واحد منهم لشغله بنفسه. PageV08P339 # حكي عن قتادة قال في هذه الآية "يوم يفر المرء من أخيه [وأمه وأبيه ~~وصاحبته وبنيه] (1) " قال: يفر هابيل من قابيل، ويفر النبي صلى الله عليه ~~وسلم من أمه، وإبراهيم عليه السلام من أبيه، ولوط عليه السلام من صاحبته، ~~ونوح عليه السلام من ابنه (2) . ### || # {لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة ~~مستبشرة (39) ووجوه يومئذ عليها غبرة ms2714 (40) ترهقها قترة (41) } # {لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} يشغله عن شأن غيره. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عبد ~~الرحمن، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا أبي، عن محمد ~~بن أبي عياش، عن عطاء بن يسار، عن سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يبعث الناس حفاة عراة غرلا قد ألجمهم ~~العرق وبلغ شحوم الآذان، فقلت: يا رسول الله، واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ ~~فقال: قد شغل الناس، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه" (3) . {وجوه يومئذ ~~مسفرة} مشرقة مضيئة. {ضاحكة} بالسرور {مستبشرة} فرحة بما نالت من كرامة ~~الله عز وجل. {ووجوه يومئذ عليها غبرة} سواد وكآبة الهم [والحزن] (4) ~~{ترهقها قترة} تعلوها وتغشاها ظلمة وكسوف. قال ابن عباس: تغشاها ذلة. قال ~~ابن زيد: الفرق بين الغبرة والقترة: أن القترة ما ارتفع من الغبار فلحق ~~بالسماء، والغبرة ما كان أسفل في الأرض. PageV08P340 ### || # {أولئك هم الكفرة الفجرة (42) } # {أولئك} الذين يصنع بهم هذا، {هم الكفرة الفجرة} جمع الكافر والفاجر. # PageV08P341 ### | سورة التكوير # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم # {إذا الشمس كورت (1) } ### || # {إذا الشمس كورت} # أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو ~~إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن ~~سهل السرخسي إملاءرأخبرنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى الماسرجسي، ~~حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا عبد الله بن ~~بحير القاضي قال سمعت عبد الرحمن بن زيد الصنعاني قال سمعت ابن عمر يقول: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن ينظر في أحوال القيامة ~~فليقرأ: {إذا الشمس كورت} (2) # قوله عز وجل {إذا الشمس كورت} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أظلمت، ~~وقال قتادة ومقاتل والكلبي: ذهب ضوءها. وقال سعيد بن جبير: غورت. وقال ~~مجاهد: اضمحلت. وقال الزجاج: لفت كما تلف ms2715 العمامة، يقال: كورت العمامة على ~~رأسي، أكورها كورا وكورتها تكويرا، إذا لففتها 185/ب وأصل التكوير جمع بعض ~~الشيء إلى بعض، فمعناه: أن الشمس يجمع بعضها إلى بعض ثم تلف، فإذا فعل بها ~~ذلك ذهب ضوءها (3) . PageV08P342 # قال ابن عباس: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم [القيامة] (1) في ~~البحر، ثم يبعث عليها ريحا دبورا فتضربها فتصير نارا (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا عبد العزيز بن ~~المختار، حدثنا عبد الله الداناج، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الشمس والقمر يكوران يوم القيامة" ~~(3) . ### || # {وإذا النجوم انكدرت (2) وإذا الجبال سيرت (3) وإذا العشار عطلت (4) وإذا ~~الوحوش حشرت (5) وإذا البحار سجرت (6) } # {وإذا النجوم انكدرت} أي تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض، يقال: ~~انكدر الطائر أي سقط عن عشه، قال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجوما ~~فلا يبقى نجم إلا وقع. {وإذا الجبال سيرت} [قلعت] (4) على وجه الأرض فصارت ~~هباء [منثورا] (5) . {وإذا العشار عطلت} وهي النوق الحوامل التي أتى على ~~حملها عشرة أشهر، واحدتها عشراء، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام سنة، ~~وهي أنفس مال عند العرب، "عطلت" تركت [مهملة] (6) بلا راع أهملها أهلها، ~~وكانوا لازمين لأذنابها، ولم يكن لهم مال أعجب إليهم منها، لما جاءهم من ~~أهوال يوم القيامة. {وإذا الوحوش} يعني دواب البر {حشرت} جمعت بعد البعث ~~ليقتص لبعضها من بعض وروى عكرمة عن ابن عباس قال: حشرها: موتها. وقال: حشر ~~كل شيء الموت، غير الجن والإنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة. وقال أبي بن ~~كعب: اختلطت. {وإذا البحار سجرت} قرأ أهل مكة والبصرة بالتخفيف، وقرأ ~~الباقون بالشديد، قال ابن عباس: أوقدت فصارت نارا تضطرم، وقال مجاهد ~~ومقاتل: يعني فجر بعضها في بعض، العذب PageV08P346 # والملح، فصارت البحور كلها بحرا واحدا. وقال الكلبي: ملئت، وهذا أيضا ~~معناه: "والبحر المسجور" (الطور-6) والمسجور: المملوء، وقيل: صارت مياهها ~~بحرا واحدا من الحميم لأهل ms2716 النار. وقال الحسن: يبست، وهو قول قتادة، قال: ~~ذهب ماؤها فلم يبق فيها قطرة. # وروى أبو العالية عن أبي بن كعب، قال ست آيات قبل يوم القيامة: بينما ~~الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، [فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم] (1) ~~فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت، وفزعت الجن ~~إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحش، وماج بعضهم في ~~بعض، فذلك قوله: {وإذا الوحوش حشرت} [اختلطت] (2) {وإذا العشار عطلت وإذا ~~البحار سجرت} قال: قالت الجن للإنس نحن نأتيكم بالخبر: فانطلقوا إلى البحر ~~فإذا هو نار تأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى ~~الأرض السابعة السفلى [وانشقت السماء إنشقاقة واحدة] (3) وإلى السماء ~~السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم (4) . ### || # {وإذا النفوس زوجت (7) } # وعن ابن عباس أيضا قال: هي اثنتا عشرة خصلة، ستة في الدنيا وستة في ~~الآخرة، وهي ما ذكره بقوله عز وجل: {وإذا النفوس زوجت} وروى النعمان بن ~~بشير عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال: يقرن بين الرجل الصالح ~~مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار ~~(5) وهذا [معنى] (6) قول عكرمة. # وقال الحسن وقتادة: ألحق كل امرئ بشيعته، اليهودي باليهودي والنصراني ~~بالنصراني. # قال الربيع بن خثيم: يحشر الرجل مع صاحب عمله. وقيل: زوجت النفوس ~~بأعمالها. # وقال عطاء ومقاتل: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين ~~بالشياطين. PageV08P347 # وروي عن عكرمة قال: وإذا النفوس زوجت ردت الأرواح في الأجساد (1) . ### || # {وإذا الموءودة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) وإذا الصحف نشرت (10) وإذا ~~السماء كشطت (11) } # {وإذا الموءودة سئلت} وهي الجارية المدفونة حية، سميت بذلك لما يطرح ~~عليها من التراب فيؤدها، أي يثقلها حتى تموت، وكانت العرب تدفن البنات حية ~~مخافة العار والحاجة، يقال: [أود هذا ليس بصحيح من حيث البناء لأن الموؤدة ~~من الوأد لا من الأود يقال] (2) وأد يئد وأدا، فهو وائد، والمفعول مؤود. # روى عكرمة عن ابن عباس: كانت المرأة ms2717 في الجاهلية إذا حملت وكان أوان ~~ولادتها حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة، فإن ولدت جارية رمت بها في ~~الحفرة، وإن ولدت غلاما حبسته (3) . {بأي ذنب قتلت} قرأ العامة على الفعل ~~المجهول فيهما، وأبو جعفر يقرأ: "قتلت" بالتشديد ومعناه تسأل المؤودة، ~~فيقال لها: بأي ذنب قتلت؟ ومعنى سؤالها توبيخ قاتلها، لأنها تقول: قتلت ~~بغير ذنب. # وروي أن جابر بن زيد كان يقرأ: "وإذ المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت" ومثله ~~قرأ أبو الضحى. {وإذا الصحف نشرت} قرأ أهل المدينة والشام وعاصم ويعقوب: ~~"نشرت" بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد، كقوله: "يؤتى صحفا منشرة" ~~(المدثر-52) يعني صحائف الأعمال تنتشر للحساب. {وإذا السماء كشطت} قال ~~الفراء: نزعت فطويت (4) . وقال الزجاج: قلعت كما يقلع السقف. وقال مقاتل: ~~تكشف عمن فيها. ومعنى "الكشط" رفعك شيئا عن شيء قد غطاه، كما يكشط الجلد عن ~~السنام. PageV08P348 ### || # {وإذا الجحيم سعرت (12) وإذا الجنة أزلفت (13) علمت نفس ما أحضرت (14) ~~فلا أقسم بالخنس (15) الجواري الكنس (16) والليل إذا عسعس (17) والصبح إذا ~~تنفس (18) إنه لقول رسول كريم (19) } # {وإذا الجحيم سعرت} قرأ أهل المدينة والشام، وحفص عن عاصم: "سعرت" ~~بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف أي: أوقدت لأعداء الله. {وإذا الجنة ~~أزلفت} قربت لأولياء الله. {علمت} عند ذلك {نفس} أي: كل نفس {ما أحضرت} من ~~خير أو شر، وهذا جواب لقوله: "إذا الشمس كورت" وما بعدها. قوله عز وجل: ~~{فلا أقسم بالخنس} "لا" زائدة، معناه: أقسم بالخنس {الجوار الكنس} قال ~~قتادة: هي النجوم تبدو بالليل وتخنس بالنهار، فتخفى فلا ترى. # وعن علي أيضا: أنها الكواكب تخنس بالنهار فلا ترى، وتكنس تأوي إلى ~~مجاريها. # وقال قوم: هي النجوم الخمسة: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، ~~تخنس في مجراها، أي: ترجع وراءها وتكنس: تستتر وقت اختفائها وغروبها، كما ~~تكنس الظباء في مغارها. # وقال ابن زيد: معنى "الخنس" أنها تخنس أي: تتأخر عن مطالعها في كل عام ~~تأخرا تتأخره عن تعجيل ذلك الطلوع، تخنس عنه. و"الكنس" 186/أأي تكنس ~~بالنهار فلا ترى. وروى الأعمش عن إبراهيم، عن عبد الله أنها هي الوحش. # وقال ms2718 سعيد بن جبير: هي الظباء. وهي رواية العوفي عن ابن عباس. # وأصل الخنوس: الرجوع إلى وراء، والكنوس: أن تأوي إلى مكانسها، وهي ~~المواضع التي تأوي إليها الوحوش. {والليل إذا عسعس} قال الحسن: أقبل ~~بظلامه. وقال الآخرون: أدبر. تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم ~~يبق منه إلا اليسير. {والصبح إذا تنفس} أقبل وبدا أوله، وقيل: امتد ضوءه ~~وارتفع. {إنه} يعني القرآن {لقول رسول كريم} يعني جبريل أي: نزل به جبريل ~~عن الله تعالى. # PageV08P349 ### || # {ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) مطاع ثم أمين (21) وما صاحبكم بمجنون ~~(22) ولقد رآه بالأفق المبين (23) } # {ذي قوة} وكان من قوته أنه اقتلع قريات قوم لوط من الماء الأسود وحملها ~~على جناحه فرفعها إلى السماء ثم قلبها، وأنه أبصر إبليس يكلم عيسى على بعض ~~عقاب الأرض المقدسة فنفخه بجناحه نفخة ألقاه إلى [أقصى] (1) جبل بالهند، ~~وأنه صاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وأنه يهبط من السماء إلى الأرض ويصعد ~~في أسرع من [الطير] (2) {عند ذي العرش مكين} في المنزلة. {مطاع ثم} أي في ~~[السماوات] (3) تطيعه الملائكة، ومن طاعة الملائكة إياه أنهم فتحوا أبواب ~~السماوات ليلة المعراج بقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتح خزنة ~~الجنة أبوابها بقوله، {أمين} على وحي الله ورسالته إلى أنبيائه. {وما ~~صاحبكم بمجنون} يقول لأهل مكة: وما صاحبكم يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بمجنون. وهذا أيضا من جواب القسم، أقسم على أن القرآن نزل به جبريل، وأن ~~محمدا ليس كما يقوله أهل مكة، وذلك أنهم قالوا إنه مجنون، وما يقول يقوله ~~من عند نفسه. {ولقد رآه} يعني رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه ~~السلام على صورته {بالأفق المبين} وهو الأفق الأعلى من ناحية المشرق، قاله ~~مجاهد وقتادة. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا الحسن بن عليوة، ~~حدثنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر، أخبرنا ابن جريج، عن عكرمة ~~[ومقاتل] (4) عن ابن عباس قال: قال ms2719 رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ~~"إني أحب أن أراك في صورتك التي تكون فيها في السماء" قال لن تقوى على ذلك، ~~قال: بلى، قال: فأين تشاء أن أتخيل لك؟ قال: بالأبطح، قال: لا يسعني، قال ~~فهاهنا، قال: لا يسعني، قال: فبعرفات، قال: ذلك بالحرى أن يسعني فواعده، ~~فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت فإذا هو بجبريل قد أقبل من جبال ~~عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء ~~ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم كبر وخر مغشيا عليه. ~~قال: فتحول جبريل في صورته فضمه إلى PageV08P350 # صدره، وقال: يا محمد لا تخف فكيف لك لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش ~~ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا ~~من مخافة الله عز وجل حتى يصير مثل [الصعو] (1) يعني العصفور، حتى ما يحمل ~~عرش ربك إلا عظمته (2) . ### || # {وما هو على الغيب بضنين (24) وما هو بقول شيطان رجيم (25) فأين تذهبون ~~(26) إن هو إلا ذكر للعالمين (27) لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله رب العالمين (29) } # {وما هو} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم {على الغيب} أي الوحي، وخبر ~~السماء وما اطلع عليه مما كان غائبا عنه من الأنباء والقصص، {بضنين} قرأ ~~أهل مكة والبصرة والكسائي بالظاء أي بمتهم، يقال: فلان يظن بمال ويزن أي ~~يتهم به: والظنة: التهمة، وقرأ الآخرون بالضاد أي يبخل، يقول إنه يأتيه علم ~~الغيب فلا يبخل به عليكم بل يعلمكم ويخبركم به، ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ~~ما عنده حتى يأخذ عليه حلوانا، تقول العرب: ضننت بالشيء بكسر النون أضن به ~~ضنا وضنانة فأنا به ضنين أي بخيل. {وما هو} يعني القرآن {بقول شيطان رجيم} ~~قال الكلبي: يقول إن القرآن ليس بشعر ولا كهانة كما قالت قريش. {فأين ~~تذهبون} أي أين تعدلون عن هذا القرآن، وفيه الشفاء والبيان؟ قال الزجاج: أي ~~طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد ms2720 بينت لكم. ثم بين فقال: {إن هو} ~~أي ما القرآن {إلا ذكر للعالمين} موعظة للخلق أجمعين. {لمن شاء منكم أن ~~يستقيم} أي يتبع الحق ويقيم عليه. {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب ~~العالمين} أي أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه وأنهم لا يقدرون على ذلك ~~إلا بمشيئة الله، وفيه إعلام أن أحدا لا يعمل خيرا إلا بتوفيق الله ولا شرا ~~إلا بخذلانه. PageV08P351 ### | سورة الانفطار # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) وإذا البحار فجرت (3) ~~وإذا القبور بعثرت (4) علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) يا أيها الإنسان ما غرك ~~بربك الكريم (6) } # {إذا السماء انفطرت} انشقت. {وإذا الكواكب انتثرت} تساقطت. {وإذا البحار ~~فجرت} فجر بعضها في بعض واختلط العذب بالملح فصارت بحرا واحدا وقال الربيع: ~~"فجرت" فاضت. {وإذا القبور بعثرت} بحثت وقلب ترابها وبعث ما فيها من الموتى ~~أحياء يقال: بعثرت الحوض وبحثرته إذا قلبته فجعلت أسفله أعلاه. {علمت نفس ~~ما قدمت وأخرت} قيل: "ما قدمت" من عمل صالح أو سيئ و"أخرت" من سنة حسنة أو ~~سيئة. وقيل: "ما قدمت" من الصدقات و"أخرت" من التركات على ما ذكرنا في ~~قوله: "ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر" (القيامة-13) . {يا أيها الإنسان ~~ما غرك بربك الكريم} ما خدعك وسول لك الباطل حتى أضعت ما وجب عليك. ~~والمعنى: ماذا أمنك من [عذابه] (2) قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة. ~~PageV08P352 # وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في الأسود بن شريق ضرب النبي فلم يعاقبه الله ~~عز وجل فأنزل الله هذه الآية (1) يقول: ما الذي غرك بربك الكريم المتجاوز ~~عنك إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه يعني ~~الشيطان قال مقاتل: غره عفو الله حين لم يعاقبه في أول [مرة] (2) . وقال ~~السدي: غره رفق الله به. # وقال ابن مسعود: ما منكم من 186/ب أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة. ~~فيقول: يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا عملت فيما [علمت] (3) ؟ يا ~~ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟. # وقيل ms2721 للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة فقال: ما غرك بربك ~~الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: أقول غرني ستورك المرخاة (4) . # وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه فقال ما غرك بي؟ [فأقول] (5) غرني ~~بك برك بي سالفا وآنفا. # وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم ~~الكريم. # قال بعض أهل الإشارة: إنما قال بربك الكريم دون سائر أسمائه وصفاته كأنه ~~لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرم الكريم. ### || # {الذي خلقك فسواك فعدلك (7) في أي صورة ما شاء ركبك (8) } # {الذي خلقك فسواك فعدلك} قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر "فعدلك" بالتخفيف أي ~~صرفك وأمالك إلى أي صورة شاء حسنا وقبيحا وطويلا وقصيرا. وقرأ الآخرون ~~بالتشديد أي قومك وجعلك معتدل الخلق والأعضاء. {في أي صورة ما شاء ركبك} ~~قال مجاهد والكلبي ومقاتل: في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم. # وجاء في الحديث: أن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضر كل عرق بينه وبين ~~آدم ثم قرأ "في أي صورة ما شاء ركبك" (6) . PageV08P356 # وذكر الفراء قولا آخر: "في أي صورة ما شاء ركبك" إن شاء في صورة إنسان ~~وإن شاء في صورة دابة أو حيوان آخر. ### || # {كلا بل تكذبون بالدين (9) وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) ~~يعلمون ما تفعلون (12) إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) ~~يصلونها يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدراك ما يوم الدين ~~(17) ثم ما أدراك ما يوم الدين (18) } # {كلا بل تكذبون} قرأ أبو جعفر بالياء وقرأ الآخرون بالتاء لقوله: "وإن ~~عليكم لحافظين" {بالدين} بالجزاء والحساب. {وإن عليكم لحافظين} رقباء من ~~الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم. {كراما} على الله {كاتبين} يكتبون أقوالكم ~~وأعمالكم. {يعلمون ما تفعلون} من خير أو شر. قوله عز وجل: {إن الأبرار لفي ~~نعيم} الأبرار الذين بروا وصدقوا في إيمانهم بأداء فرائض الله عز وجل ~~واجتناب معاصيه. {وإن الفجار لفي جحيم} روي أن سليمان بن عبد الملك قال ~~لأبي حازم المدني: ليت شعري ما لنا عند ms2722 الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله ~~فإنك تعلم ما لك عند الله. قال: فأين أجد في كتاب الله؟ قال عند قوله: "إن ~~الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم" قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: ~~"قريب من المحسنين" (الأعراف-56) . قوله عز وجل: {يصلونها يوم الدين وما هم ~~عنها بغائبين} يدخلونها يوم القيامة ثم عظم ذلك اليوم فقال: {وما أدراك ما ~~يوم الدين} ثم كرر تعجبا لشأنه فقال {ثم ما أدراك ما يوم الدين} ### || # {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله (19) } # {يوم لا تملك} قرأ أهل الكوفة والبصرة: "يوم" # PageV08P357 # برفع الميم ردا على اليوم الأول وقرأ الآخرون بنصبها أي: في يوم يعني: ~~هذه الأشياء في يوم لا تملك {نفس لنفس شيئا} قال مقاتل: يعني لنفس كافرة ~~شيئا من المنفعة {والأمر يومئذ لله} أي لم يملك الله في ذلك اليوم أحدا ~~شيئا كما ملكهم في الدنيا. ### | سورة المطففين # مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {ويل للمطففين (1) } # {ويل للمطففين} يعني الذين ينقصون المكيال والميزان ويبخسون حقوق الناس. ~~قال الزجاج: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان: مطفف لأنه لا يكاد يسرق ~~في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. # أخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد علي الصيرفي حدثنا أبو محمد الحسن ~~بن أحمد المخلدي أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ حدثنا عبد ~~الرحمن بن بشر حدثنا علي بن الحسين بن واقد حدثني أبي حدثني يزيد النحوي أن ~~عكرمة حدثه عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله عز وجل: "ويل للمطففين" فأحسنوا الكيل ~~(2) . # وقال السدي: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبها رجل يقال له: ~~أبو جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فأنزل الله هذه الآية (3) ~~. PageV08P358 # فالله تعالى جعل الويل للمطففين. ثم بين أن المطففين من هم فقال: ### || # {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ~~(3) ألا يظن أولئك أنهم ms2723 مبعوثون (4) ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين (6) } # {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون} وأراد إذا اكتالوا من الناس أي ~~أخذوا منهم و"من" و"على" متعاقبان. # قال الزجاج: المعنى إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل [الوزن] ~~(1) [وأراد: الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن] (2) . # {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} أي كالوا لهم أو وزنوا لهم أي للناس ~~يقال: وزنتك حقك وكلتك طعامك أي وزنت لك وكلت لك كما يقال: نصحتك ونصحت لك ~~وكسبتك وكسبت لك. # قال أبو عبيدة: وكان عيسى بن عمر يجعلهما حرفين يقف على "كالوا ووزنوا" ~~ويبتدئ "هم يخسرون" وقال أبو عبيدة: والاختيار الأول (3) يعني: أن كل واحدة ~~كلمة واحدة لأنهم كتبوها بغير ألف ولو كانتا مقطوعتين لكانت: "كالوا [و] ~~(4) وزنوا" بالألف كسائر الأفعال مثل جاءوا وقالوا: واتفقت المصاحف على ~~إسقاط الألف ولأنه يقال في اللغة: كلتك ووزنتك كما يقال: كلت لك ووزنت لك. ~~"يخسرون" أي ينقصون قال نافع: كان ابن عمر يمر بالبائع فيقول: اتق الله ~~وأوف الكيل والوزن فإن المطففين يوقفون يوم القيامة حتى إن العرق ليلجمهم ~~إلى أنصاف آذانهم. # {ألا يظن} يستيقن {أولئك} الذين يفعلون ذلك {أنهم مبعوثون ليوم عظيم} ~~يعني يوم القيامة. # {يوم يقوم الناس} [من قبورهم] (5) {لرب العالمين} أي لأمره ولجزائه ~~ولحسابه. # أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل أخبرنا إبراهيم بن المنذر أخبرنا معن حدثني ~~مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقوم ~~الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف PageV08P362 # أذنيه" (1) . # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني أخبرنا أبو طاهر ~~محمد بن أحمد بن الحارث حدثنا محمد بن يعقوب الكسائي حدثنا عبد الله بن ~~محمود حدثنا إبراهيم بن عبد الله الخلال حدثنا عبد الله بن المبارك عن عبد ~~الرحمن بن يزيد بن جابر قال: [حدثني سليم بن عامر] (2) حدثني المقداد صاحب ~~رسول الله صلى ms2724 الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون [قدر] (3) ~~187/أميل أو اثنين" -قال سليم: لا أدري أي الميلين يعني مسافة الأرض أو ~~الميل الذي تكحل به العين؟ -قال: "فتصهرهم الشمس فيكون في العرق بقدر ~~أعمالهم فمنهم من يأخذه إلى عقبيه ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه ومنهم من ~~يأخذه إلى حقويه ومنهم من يلجمه إلجاما" فرأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو يشير بيده إلى فيه يقول: "ألجمه إلجاما" (4) . PageV08P363 ### || # {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) } # قوله عز وجل: {كلا} ردع، أي ليس الأمر على ما هم عليه فليرتدعوا، وتمام ~~الكلام هاهنا، وقال الحسن: "كلا" ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقا {إن ~~كتاب الفجار} الذي كتبت فيه أعمالهم {لفي سجين} قال عبد الله بن عمر، ~~وقتادة ومجاهد، والضحاك: {سجين} هي الأرض السابعة السفلى فيها أرواح ~~الكفار. # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن ~~محمد بن فنجويه، حدثنا موسى بن محمد، حدثنا الحسن بن علويه، أخبرنا إسماعيل ~~بن عيسى، حدثنا المسيب، حدثنا الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سجين" أسفل سبع أرضين، و"عليون" في ~~السماء السابعة تحت العرش (1) . PageV08P363 # وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: أخبرني عن قول ~~الله عز وجل: "إن كتاب الفجار لفي سجين" قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى ~~السماء فتأبى السماء أن تقبلها ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبل ~~فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع جند إبليس، فيخرج ~~لها من سجين رق، فيرقم ويختم، ويوضع تحت جند إبليس، لمعرفتها الهلاك بحساب ~~يوم القيامة (1) وإليه ذهب سعيد بن جبير، قال: سجين تحت جند إبليس. # وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته. # وقال الكلبي: هي صخرة تحت الأرض السابعة السفلى خضراء، خضرة السماوات ~~منها يجعل كتاب الفجار ms2725 فيها. # وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضا قال: "سجين" صخرة تحت الأرض السفلى، ~~تقلب، فيجعل كتاب الفجار فيها. وقال وهب: هي آخر سلطان إبليس. # وجاء في الحديث: "الفلق جب، في جهنم مغطى، وسجين حب في جهنم مفتوح" (2) . # وقال عكرمة: "لفي سجين" أي: لفي خسار وضلال. وقال الأخفش: هو فعيل من ~~السجن، كما يقال: فسيق وشريب، معناه: لفي حبس وضيق شديد. ### || # {وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) } # {وما أدراك ما سجين} [قال الزجاج] (3) أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا ~~قومك. # {كتاب مرقوم} ليس هذا تفسير السجين، بل هو بيان الكتاب المذكور في قوله: ~~"إن كتاب الفجار" أي هو كتاب مرقوم، أي مكتوب فيه أعمالهم مثبتة عليهم ~~كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به. وقال قتادة ومقاتل: رقم ~~عليه بشركائه كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه PageV08P364 # كافر. وقيل: مختوم، بلغة حمير. ### || # {ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به إلا ~~كل معتد أثيم (12) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (13) كلا بل ~~ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ~~} # {ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين وما يكذب به إلا كل معتد ~~أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين كلا} قال مقاتل: أي لا ~~يؤمنون، ثم استأنف فقال: {بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} # أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن ~~أحمد بن حمويه السرخسي، أخبرنا إبراهيم بن حزيم الشاشي، أخبرنا أبو محمد ~~عبد (1) بن حميد الكشي، حدثنا صفوان بن عيسى، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن ~~حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل ~~قلبه منها، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه" فذلك الران الذي ذكر الله في ~~كتابه: "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" (2) . # وأصل ms2726 "الرين" الغلبة، يقال: رانت الخمر، على عقله ترين، رينا وريونا إذا ~~غلبت عليه فسكر. ومعنى الآية، غلبت على قلوبهم المعاصي وأحاطت بها. قال ~~الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يموت القلب. قال ابن عباس: "ران على قلوبهم" ~~طبع عليها. # {كلا إنهم عن ربهم يومئذ} يوم القيامة {لمحجوبون} [قال ابن عباس: "كلا" ~~يريد: لا يصدقون، ثم استأنف فقال: "إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون"] (3) قال ~~بعضهم: عن كرامته ورحمته [ممنوعون] (4) وقال قتادة: هو ألا ينظر إليهم ولا ~~يزكيهم. وقال أكثر المفسرين: عن رؤيته PageV08P365 # قال الحسن: لو علم الزاهدون العابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت ~~أنفسهم في الدنيا. # قال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن ~~رؤيته. # وسئل مالك عن هذه الآية فقال: لما حجب [الله] (1) أعداءه فلم يروه تجلى ~~لأوليائه حتى رأوه. # وقال الشافعي رضي الله عنه: في قوله: "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون" ~~دلالة على أن أولياء الله يرون الله (2) . ### || # {ثم إنهم لصالو الجحيم (16) ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17) كلا إن ~~كتاب الأبرار لفي عليين (18) } # ثم أخبر أن الكفار مع كونهم محجوبين عن الله يدخلون النار فقال: {ثم إنهم ~~لصالو الجحيم} لداخلو النار. # {ثم يقال} أي تقول لهم الخزنة {هذا} أي هذا العذاب {الذي كنتم به تكذبون} # {كلا} قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه. ثم بين محل كتاب الأبرار ~~فقال: {إن كتاب الأبرار لفي عليين} روينا عن البراء مرفوعا: "إن عليين في ~~السماء السابعة تحت العرش" (3) . # وقال ابن عباس: هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة ~~فيه. # وقال كعب وقتادة: هو قائمة العرش اليمنى. # وقال عطاء عن ابن عباس: هو الجنة. وقال الضحاك: سدرة المنتهى. # وقال بعض أهل المعاني: علو بعد علو وشرف بعد شرف، ولذلك جمعت بالياء ~~والنون. # وقال الفراء: هو اسم موضوع على صيغة الجمع، لا واحد له من لفظه، مثل ~~عشرين وثلاثين (4) . PageV08P366 ### || # {وما أدراك ما عليون (19) كتاب مرقوم (20) يشهده المقربون (21) إن ~~الأبرار لفي ms2727 نعيم (22) على الأرائك ينظرون (23) تعرف في وجوههم نضرة النعيم ~~(24) يسقون من رحيق مختوم (25) ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (26) ~~} # {وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم} ليس بتفسير عليين، أي مكتوب أعمالهم، ~~كما ذكرنا في كتاب الفجار. وقيل: كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة، وهو ~~معنى قول مقاتل: وقولهم: رقم لهم يخبر. وتقدير الآية [على] (1) التقديم ~~والتأخير، مجازها: إن كتاب الأبرار [كتاب] (2) مرقوم في عليين، وهو محل ~~الملائكة، ومثله إن كتاب الفجار كتاب مرقوم في سجين، وهو محل إبليس وجنده. # {يشهده المقربون} يعني الملائكة الذين هم في عليين، يشهدون ويحضرون ذلك ~~المكتوب أو ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين. {إن الأبرار لفي نعيم على ~~الأرائك ينظرون} إلى ما أعطاهم 187/ب الله من الكرامة والنعمة، وقال مقاتل: ~~ينظرون إلى عدوهم كيف يعذبون. # {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة مما ~~ترى في وجوههم من النور والحسن والبياض، قال الحسن: النضرة في الوجه ~~والسرور في القلب، وقرأ أبو جعفر ويعقوب: "تعرف" بضم التاء وفتح الراء على ~~غير تسمية الفاعل "نضرة" رفع، وقرأ الباقون بفتح التاء وكسر الراء "نضرة" ~~نصب. # {يسقون من رحيق} خمر صافية طيبة. قال مقاتل: الخمر البيضاء. {مختوم} ختم ~~ومنع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار، وقال مجاهد: "مختوم" أي مطين. # {ختامه} أي طينه {مسك} كأنه ذهب إلى هذا المعنى، قال ابن زيد: ختامه عند ~~الله مسك، وختام [خمر] (3) الدنيا طين. وقال ابن مسعود: "مختوم" أي ممزوج ~~ختامه أي: آخر طعمه PageV08P367 # وعاقبته مسك، فالمختوم الذي له ختام، أي آخر، وختم كل شيء الفراغ منه. ~~وقال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك. # وقراءة العامة "ختامه مسك" بتقديم التاء، وقرأ الكسائي "خاتمه" وهي قراءة ~~علي وعلقمة، ومعناهما واحد، كما يقال: فلان كريم [الطابع والطباع] (1) ~~والختام والخاتم، آخر كل شيء. # {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله ~~عز وجل. وقال مجاهد: فليعمل العاملون، [نظيره قوله تعالى: "لمثل هذا فليعمل ~~العاملون" ms2728 (الصافات-61) ] (2) وقال مقاتل بن سليمان: فليتنازع المتنازعون ~~وقال عطاء: فليستبق المستبقون، وأصله من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس ~~الناس، ويريده كل أحد لنفسه وينفس به على غيره، أي يضن. ### || # {ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون (28) إن الذين أجرموا ~~كانوا من الذين آمنوا يضحكون (29) } # {ومزاجه من تسنيم} شرب ينصب عليهم من علو في غرفهم ومنازلهم، وقيل: يجري ~~[في الهواء متسنما فينصب] (3) في أواني أهل الجنة على قدر ملئها، فإذا ~~امتلأت أمسك. وهذا معنى قول قتادة. # وأصل كلمة من العلو، يقال للشيء المرتفع: سنام، ومنه: سنام البعير. قال ~~الضحاك: هو شرار اسمه تسنيم، وهو أشرف الشراب. # قال ابن مسعود وابن عباس: هو خالص [للمؤمنين] (4) المقربين يشربونها صرفا ~~ويمزج لسائر أهل الجنة. وهو قوله: "ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها ~~المقربون". # وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله: "من ~~تسنيم"؟ قال: هذا مما قال الله تعالى: "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة ~~أعين" (5) (السجدة-17) . # {عينا} نصب على الحال {يشرب بها} أي منها وقيل: يشرب بها المقربون صرفا. ~~قوله عز وجل: {إن الذين أجرموا} أشركوا، يعني كفار قريش: أبا جهل، والوليد ~~بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأصحابهم من مترفي مكة {كانوا من الذين آمنوا} ~~عمار، وخباب، PageV08P368 # وصهيب، وبلال، وأصحابهم من فقراء المؤمنين. {يضحكون} وبهم يستهزؤن. ### || # {وإذا مروا بهم يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) ~~وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون (32) وما أرسلوا عليهم حافظين (33) ~~فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) } # {على الأرائك ينظرون (35) } # {وإذا مروا بهم} يعني من فقراء المؤمنين بالكفار {يتغامزون} والغمز ~~الإشارة بالجفن والحاجب، أي يشيرون إليهم بالأعين استهزاء. # {وإذا انقلبوا} يعني الكفار {إلى أهلهم انقلبوا فكهين} معجبين بما هم فيه ~~يتفكهون بذكرهم. # {وإذا رأوهم} رأوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم {قالوا إن هؤلاء ~~لضالون} يأتون محمدا صلى الله عليه وسلم يرون أنهم على شيء. # {وما أرسلوا} يعني المشركين {عليهم} يعني على المؤمنين {حافظين} أعمالهم، ~~أي لم يوكلوا بحفظ ms2729 أعمالهم. # {فاليوم} يعني في الآخرة {الذين آمنوا من الكفار يضحكون} قال أبو صالح: ~~وذلك أنه يفتح للكفار في النار أبوابها، ويقال لهم: اخرجوا، فإذا رأوها ~~مفتوحة أقبلوا إليها ليخرجوا، والمؤمنون ينظرون إليهم فإذا انتهوا إلى ~~أبوابها غلقت دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا والمؤمنون يضحكون. # وقال كعب: بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو له، ~~كان في الدنيا، اطلع عليه من تلك الكوى (1) ، كما قال: "فاطلع فرآه في سواء ~~الجحيم" (الصافات-55) فإذا اطلعوا من الجنة إلى أعدائهم وهم يعذبون في ~~النار ضحكوا، فذلك قوله عز وجل: "فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون" ~~{على الأرائك} [من الدر والياقوت] (2) {ينظرون} إليهم في النار. ~~PageV08P369 ### || # {هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36) } # قال الله تعالى: {هل ثوب} هل جوزي {الكفار ما كانوا يفعلون} أي جزاء ~~استهزائهم بالمؤمنين. ومعنى الاستفهام هاهنا: التقرير. وثوب [وأثيب] (1) ~~وأثاب بمعنى واحد. PageV08P370 ### | سورة الانشقاق # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا الأرض مدت (3) وألقت ما ~~فيها وتخلت (4) وأذنت لربها وحقت (5) } # {إذا السماء انشقت} انشقاقها من علامات القيامة. # {وأذنت لربها} أي سمعت أمر ربها بالانشقاق وأطاعته، من الأذن وهو ~~الاستماع، {وحقت} أي وحق لها أن تطيع ربها. # {وإذا الأرض مدت} مد الأديم العكاظي، وزيد في سعتها. وقال مقاتل: سويت ~~كمد الأديم، فلا يبقى فيها بناء ولا جبل. # {وألقت} أخرجت {ما فيها} من الموتى والكنوز {وتخلت} [خلت] (2) منها. # {وأذنت لربها وحقت} واختلفوا في جواب "إذا" قيل: جوابه محذوف تقديره: إذا ~~كانت هذه الأشياء يرى الإنسان الثواب والعقاب. # وقيل جوابه: "يا أيها الإنسان إنك كادح" ومجازه: إذا السماء انشقت لقي كل ~~كادح [ما] (3) عمله. # وقيل: جوابه: "وأذنت" وحينئذ تكون "الواو" زائدة. PageV08P371 ### || # {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) وينقلب إلى أهله مسرورا (9) وأما من ~~أوتي كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعو ثبورا (11) ويصلى سعيرا (12) } # ومعنى قوله: {كادح إلى ربك كدحا} أي ساع إليه في عملك، والكدح: ms2730 عمل ~~الإنسان وجهده في الأمر من الخير والشر حتى يكدح ذلك فيه، أي يؤثر. وقال ~~قتادة والكلبي والضحاك: عامل لربك عملا {فملاقيه} أي ملاقي جزاء عملك خيرا ~~كان أو شرا. # {فأما من أوتي كتابه} ديوان [أعماله] (1) {بيمينه فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا} أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا ~~نافع، عن ابن عمر، حدثني ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، قالت: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "من حوسب عذب" قالت عائشة رضي الله عنها فقلت: يا رسول ~~الله أو ليس يقول الله عز وجل: "فسوف يحاسب حسابا يسيرا"؟ قالت: فقال: ~~"إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش [في الحساب هلك] (2) (3) . # {وينقلب إلى أهله} يعني في الجنة من الحور العين والآدميات {مسرورا} ~~188/أبما أوتي من الخير والكرامة. # {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره} فتغل يده اليمنى إلى عنقه وتجعل يده ~~الشمال وراء ظهره، فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. وقال مجاهد: تخلع يده ~~اليسرى من وراء ظهره. # {فسوف يدعو ثبورا} ينادي بالويل والهلاك إذا قرأ كتابه يقول: يا ويلاه يا ~~ثبوراه، كقوله تعالى: "دعوا هنالك ثبورا" (الفرقان-13) . # {ويصلى سعيرا} قرأ أبو جعفر، وأهل البصرة، وعاصم، وحمزة: و"يصلى" بفتح ~~الياء PageV08P374 # خفيفا كقوله: "يصلى النار الكبرى" (الأعلى-12) وقرأ الآخرون بضم الياء ~~[وفتح الصاد] (1) وتشديد اللام كقوله: "وتصلية جحيم" (الواقعة-94) "ثم ~~الجحيم صلوه" (الحاقة-31) . ### || # {إنه كان في أهله مسرورا (13) إنه ظن أن لن يحور (14) بلى إن ربه كان به ~~بصيرا (15) فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) والقمر إذا اتسق (18) ~~لتركبن طبقا عن طبق (19) } # {إنه كان في أهله مسرورا} يعني في الدنيا، باتباع هواه وركوب شهوته. # {إنه ظن أن لن يحور} أن لن يرجع إلينا ولن يبعث ثم قال: {بلى} {بلى} أي: ~~ليس كما ظن، بل يحور إلينا ويبعث {إن ربه كان به بصيرا} ms2731 من يوم خلقه إلى أن ~~بعثه. # قوله عز وجل: {فلا أقسم بالشفق} قال مجاهد: هو النهار كله. وقال عكرمة: ~~ما بقي من النهار. وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: هو الحمرة التي تبقى في ~~الأفق بعد غروب الشمس. وقال قوم: هو البياض الذي يعقب تلك الحمرة. # {والليل وما وسق} أي جمع وضم، يقال: وسقته أسقه وسقا، أي: جمعته، ~~واستوسقت الإبل: إذا اجتمعت وانضمت. والمعنى: والليل وما جمع وضم ما كان ~~بالنهار منتشرا من الدواب، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه. ~~روى منصور عن مجاهد قال: ما لف وأظلم عليه. وقال مقاتل بن حيان: أقبل من ~~ظلمة أو كوكب. وقال سعيد بن جبير. وما عمل فيه. {والقمر إذا اتسق} اجتمع ~~واستوى وتم نوره وهو في الأيام البيض. وقال قتادة: استدار، وهو افتعل من ~~الوسق الذي هو الجمع. # {لتركبن} قرأ أهل مكة وحمزة والكسائي: "لتركبن" بفتح الباء يعني لتركبن ~~يا محمد {طبقا عن طبق} قال الشعبي ومجاهد: سماء بعد سماء. قال الكلبي: يعني ~~تصعد فيها. ويجوز أن يكون درجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله ~~تعالى والرفعة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن النضر، أخبرنا هشيم، ~~أخبرنا أبو بشر عن مجاهد قال قال ابن عباس: PageV08P375 # "لتركبن طبقا عن طبق" حالا بعد حال، قال هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم ~~(1) . # وقيل: أراد به السماء تتغير لونا بعد لون، فتصير تارة كالدهان وتارة ~~كالمهل، وتنشق بالغمام مرة وتطوى أخرى. وقرأ الآخرون بضم الباء، لأن المعنى ~~بالناس أشبه، لأنه ذكر من قبل: "فأما من أوتي كتابه بيمينه" "وشماله" وذكر ~~من بعد: "فما لهم لا يؤمنون" وأراد: لتركبن حالا بعد حال، وأمرا بعد أمر في ~~موقف القيامة، يعني: الأحوال تنقلب بهم، فيصيرون في الآخرة على غير الحال ~~التي كانوا عليها في الدنيا. و"عن" بمعنى بعد. # وقال مقاتل: يعني الموت ثم الحياة [ثم الموت ثم الحياة] ms2732 (2) . # وقال عطاء: مرة فقيرا ومرة غنيا. وقال عمرو بن دينار عن ابن عباس: يعني ~~الشدائد وأهوال الموت، ثم البعث ثم العرض. وقال عكرمة: حالا بعد حال، رضيع ~~ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ. وقال أبو عبيدة: لتركبن سنن من كان قبلكم ~~وأحوالهم. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبد العزيز، أخبرنا ~~أبو عمرو الصنعاني من اليمن عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من [كان] (3) قبلكم شبرا ~~شبرا وذراعا ذراعا، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم" قلنا: يا رسول الله ~~آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ (4) . ### || # {فما لهم لا يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21) } # قوله عز وجل {فما لهم لا يؤمنون} استفهام إنكار. # {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} قال الكلبي ومقاتل: لا يصلون. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى ~~الترمذي، حدثنا قتيبة حدثنا سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن عطاء بن ~~مينا عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV08P376 # في "اقرأ باسم ربك" "وإذا السماء انشقت" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، أخبرنا معمر قال: سمعت ~~أبي قال حدثني بكر، عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ إذا ~~السماء انشقت، فسجد فقلت: ما هذا؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله ~~عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه (2) . ### || # {بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب ~~أليم (24) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (25) } # {بل الذين كفروا يكذبون} بالقرآن والبعث. # {والله أعلم بما يوعون} في صدورهم من التكذيب. قال مجاهد: ms2733 يكتمون. ~~{فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون} ~~غير مقطوع ولا منقوص. PageV08P377 ### | سورة البروج # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) } # {والسماء ذات البروج واليوم الموعود} هو يوم القيامة. {وشاهد ومشهود} ~~أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن ~~زنجويه، حدثنا عبد الله بن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن ~~رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اليوم ~~الموعود يوم القيامة، والمشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، ما طلعت شمس ~~ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو ~~الله فيها خيرا إلا استجاب الله له، أو يستعيذ [به] (2) من شر إلا أعاذه ~~منه" (3) ، وهذا قول ابن عباس. # والأكثرون: أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر. PageV08P378 # وروي عن ابن عمر: "الشاهد" يوم الجمعة، "والمشهود" يوم [النحر] (1) (2) # قال سعيد بن المسيب: "الشاهد" يوم التروية، "والمشهود" يوم عرفة. # وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: "الشاهد" محمد صلى الله عليه وسلم ~~و"المشهود": يوم القيامة، ثم تلا "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا" (النساء-41) ، وقال: ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم ~~مشهود. وقال عبد العزيز بن يحيى: "الشاهد": محمد صلى الله عليه وسلم، ~~و"المشهود": الله عز وجل، بيانه: قوله "وجئنا بك على هؤلاء شهيدا". # وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: "الشاهد" آدم، و"المشهود" يوم القيامة. # وقال عكرمة "الشاهد" الإنسان و"المشهود" يوم القيامة. وعنه أيضا: الشاهد ~~الملك يشهد على ابن آدم، والمشهود يوم القيامة. وتلا "وجاءت كل نفس معها ~~سائق وشهيد" (ق-21) و"وذلك يوم مشهود" (هود-103) وقيل: الشاهد [الحفظة ~~والمشهود بنو آدم. وقال عطاء بن يسار: الشاهد] (3) آدم وذريته، والمشهود ~~يوم القيامة. # وروى الوالبي عن ابن عباس: الشاهد هو الله عز وجل ms2734 والمشهود يوم القيامة. # وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم. بيانه: ~~"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس" (البقرة-143) . # وقال سالم بن عبد الله: سألت سعيد بن جبير عن قوله: "وشاهد ومشهود" فقال: ~~الشاهد هو الله والمشهود: نحن، بيانه: "وكفى بالله شهيدا" (النساء-79) ~~وقيل: الشاهد أعضاء بني آدم، والمشهود ابن آدم، بيانه: "يوم تشهد عليهم ~~ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم" الآية (النور-24) وقيل: PageV08P382 # الشاهد الأنبياء والمشهود محمد صلى الله عليه وسلم، بيانه: قوله: "وإذا ~~أخذ الله ميثاق النبيين" إلى قوله "فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين" (آل ~~عمران-81) . ### || # {قتل أصحاب الأخدود (4) } # {قتل أصحاب الأخدود} أي: لعن، و"الأخدود" الشق المستطيل في الأرض كالنهر، ~~وجمعه: أخاديد واختلفوا فيهم: # أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد ~~بن عبد الله بن سعدان الخطيب، أخبرني أبو أحمد محمد بن أحمد بن محمد بن ~~قريش بن نوح بن رستم، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا ~~هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن ~~أبي ليلى، عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان ملك فيمن كان ~~قبلكم وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلي غلاما ~~أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما، وكان في طريقه إذا سلك إليه راهب، فقعد إليه ~~وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب، وقعد إليه فإذا أتى ~~الساحر ضربه، وإذا رجع من عند الساحر قعد إلى الراهب وسمع كلامه فإذا أتى ~~أهله ضربوه، فشكا [ذلك] (1) إلى الراهب، فقال: إذا [جئت] الساحر فقل: حبسني ~~أهلي، وإذا [جئت] (2) أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على ~~دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الراهب أفضل أم الساحر؟ فأخذ ~~حجرا ثم قال اللهم: إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه ~~الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها، فمضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، ~~فقال ms2735 له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ~~ستبتلى فإن ابتليت [فاصبر] (3) فلا تدل علي، فكان الغلام يبرئ الأكمه ~~والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك وكان قد عمي، فأتاه ~~بهدايا كثيرة، فقال: ما هنا لك أجمع إن أنت شفيتني، قال: إني لا أشفي أحدا، ~~إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله لك فشفاك، فآمن بالله فشفاه ~~الله، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ ~~قال: ربي عز وجل، قال أو لك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل ~~يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من ~~سحرك ما تبرئ به الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، قال: إني لا أشفي أحدا إنما ~~يشفي الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ~~ارجع عن دينك، فأبى [فدعا PageV08P383 # بالمنشار] (1) فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع [شقاه] (2) ثم ~~جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه ~~فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدفعه ~~إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به فإذا بلغتم ~~ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، [فذهبوا به] (3) فصعدوا به الجبل، ~~فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، فجاء يمشي إلى الملك، ~~فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من ~~أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور [إلى لجة بحر كذا] (4) فإن رجع عن ~~دينه وإلا [فاطرحوه في البحر] (5) فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، ~~فانكفأت بهم السفينة فغرقوا فجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل ~~أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك، ~~قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في ms2736 صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من ~~كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس وقل: بسم [الله] (6) رب الغلام، ثم ارمني ~~فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ ~~سهما من كنانته ثم وضع [السهم] (7) في كبد قوسه، ثم قال: بسم [الله] (8) رب ~~الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده على صدغه في موضع السهم، ~~فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام ثلاثا فأتي الملك، فقيل له: أرأيت ما ~~كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود بأفواه السكك، ~~فخدت وأضرم بها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها أو قيل له ~~اقتحم، قال: ففعلوا حتى جاءت امرأة معها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، ~~فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق". # هذا حديث صحيح أخرجه مسلم بن الحجاج عن [هدبة بن خالد عن] (9) حماد بن ~~سلمة. (10) حماد بن سلمة. # وذكر محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: أن رجلا كان قد بقي على دين عيسى ~~فوقع إلى أهل نجران [فدعاهم] (11) فأجابوه فسار إليه ذو نواس اليهودي ~~بجنوده من حمير وخيرهم بين النار واليهودية، فأبوا عليه فخد الأخاديد وأحرق ~~اثني عشر ألفا، ثم [لما] (12) غلب أرياط على اليمن فخرج PageV08P384 # ذو نواس هاربا فاقتحم البحر بفرسه فغرق (1) قال الكلبي: وذو نواس قتل عبد ~~الله بن التامر. # وقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: أن خربة احتقرت في زمن عمر ~~بن الخطاب فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه إذا أميطت ~~يده عنها انبعثت دما وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه: ~~ربي الله، فبلغ ذلك عمر فكتب 189/أأن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه (2) # وروى عطاء عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما -قال: كان بنجران ملك من ~~ملوك حمير يقال له: يوسف ذو نواس بن شرحبيل بن شرحيل في الفترة قبل مولد ~~النبي ms2737 صلى الله عليه وسلم [بسبعين سنة] (3) وكان في بلاده غلام يقال له عبد ~~الله بن تامر، وكان أبوه قد سلمه إلى معلم يعلمه السحر فكره ذلك الغلام ولم ~~يجد بدا من طاعة أبيه فجعل يختلف إلى المعلم [وكان] (4) في طريقه راهب حسن ~~القراءة حسن الصوت، فأعجبه ذلك، وذكر قريبا من معنى حديث صهيب إلى أن قال ~~الغلام للملك: إنك لا تقدر على قتلي إلا أن تفعل ما أقول لك، قال: فكيف ~~أقتلك؟ قال: تجمع أهل مملكتك وأنت على سريرك فترميني بسهم باسم إلهي، ففعل ~~الملك [ذلك] (5) فقتله، فقال الناس: لا إله إلا الله، عبد الله بن تامر لا ~~دين إلا دينه، فغضب الملك وأغلق باب المدينة وأخذ أفواه السكك وخد أخدودا ~~وملأه نارا ثم عرضهم رجلا رجلا فمن رجع عن الإسلام تركه، ومن قال: ديني دين ~~عبد الله بن تامر ألقاه في الأخدود فأحرقه، وكان في مملكته امرأة أسلمت ~~فيمن أسلم ولها أولاد ثلاث أحدهم رضيع، فقال لها الملك: ارجعي عن دينك وإلا ~~ألقيتك وأولادك في النار، فأبت فأخذ ابنها الأكبر فألقاه في النار، ثم قال ~~لها: ارجعي عن دينك، فأبت فألقى الثاني في النار، ثم قال لها: ارجعي، فأبت ~~فأخذوا الصبي منها ليلقوه في النار فهمت المرأة بالرجوع، فقال الصبي: يا ~~أماه لا ترجعي [عن الإسلام] (6) فإنك على الحق، ولا بأس عليك، فألقي الصبي ~~في النار، وألقيت أمه على أثره (7) . # وقال سعيد بن جبير وابن أبزى: لما انهزم أهل اسفندهار قال عمر بن الخطاب: ~~أي شيء يجري على المجوس من الأحكام فإنهم ليسوا بأهل كتاب؟ فقال علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه: بلى قد كان لهم كتاب، وكانت الخمر أحلت لهم فتناولها ~~ملك من ملوكهم فغلبته على عقله، فتناول أخته فوقع عليها فلما ذهب عنه السكر ~~ندم، وقال لها: ويحك ما هذا الذي أتيت، وما المخرج منه PageV08P385 # قالت: المخرج منه أن تخطب الناس، وتقول: إن الله قد أحل نكاح الأخوات ~~فإذا ذهب في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته، فقام ms2738 خطيبا فقال: إن الله قد أحل ~~لكم نكاح الأخوات، فقال الناس بأجمعهم: معاذ الله أن نؤمن بهذا، أو نقر به، ~~ما جاءنا به نبي ولا أنزل علينا فيه كتاب، فبسط فيهم السوط فأبوا أن يقروا ~~فجرد فيهم السيف. فأبوا أن يقروا [فخد لهم أخدودا] (1) وأوقد فيه النيران ~~وعرضهم عليها فمن أبى ولم يطعه قذفه في النار ومن أجاب خلى سبيله (2) . # وقال الضحاك: أصحاب الأخدود من بني إسرائيل، أخذوا رجالا ونساء فخدوا لهم ~~أخدودا ثم أوقدوا فيه النيران فأقاموا المؤمنين عليها، فقالوا: أتكفرون أم ~~نقذفكم في النار؟ ويزعمون أنه دانيال وأصحابه. وهذه رواية العوفي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما (3) . # وقال أبو الطفيل عن علي رضي الله عنه: كان أصحاب الأخدود نبيهم حبشي، بعث ~~[نبي] (4) من الحبشة إلى قومه، ثم قرأ علي رضي الله عنه: {ولقد أرسلنا رسلا ~~من قبلك منهم من قصصنا عليك} الآية (غافر-78) فدعاهم فتابعه أناس فقاتلهم ~~فقتل أصحابه وأخذوا وأوثق ما أفلت منهم فخدوا أخدودا فملؤها نارا فمن تبع ~~النبي رمي فيها، ومن تابعهم تركوه، فجاءوا بامرأة ومعها صبي رضيع فجزعت، ~~فقال الصبي: يا أماه مري ولا تنافقي. # وقال عكرمة: كانوا من النبط [أحرقوا بالنار] (5) وقال مقاتل: كانت ~~الأخدود ثلاثة: واحدة بنجران باليمن، وواحدة بالشام، والأخرى بفارس، حرقوا ~~[بالنار] (6) أما التي بالشام فهو أبطاموس الرومي، وأما التي بفارس ~~فبختنصر، وأما التي بأرض العرب فهو ذو نواس يوسف، فأما التي بالشام وفارس ~~فلم ينزل الله فيهما قرآنا وأنزل في التي كانت بنجران (7) ، وذلك أن رجلا ~~مسلما ممن يقرأ الإنجيل آجر نفسه في عمل، وجعل يقرأ الإنجيل فرأت بنت ~~المستأجر النور يضيء من قراءة الإنجيل، فذكرت ذلك لأبيها فرمقه حتى رآه ~~[فسأله فلم يخبره] (8) فلم يزل به حتى أخبره بالدين والإسلام، فتابعه هو ~~وسبعة وثمانون إنسانا من بين رجل وامرأة وهذا بعدما رفع عيسى عليه السلام ~~إلى السماء، فسمع ذلك يوسف ذو نواس فخد لهم في الأرض وأوقد فيها نارا ~~فعرضهم على الكفر، فمن أبى PageV08P386 # أن يكفر قذفه في ms2739 النار ومن رجع عن دين عيسى لم يقذفه، وإن امرأة جاءت ~~ومعها ولد صغير لا يتكلم، فلما قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها فرجعت ~~عن النار، فضربت حتى تقدمت فلم تزل كذلك ثلاث مرات، فرلما كانت في الثالثة ~~ذهبت ترجع فقال لها ابنها: يا أماه إني أرى أمامك نارا لا تطفأ، فلما سمعت ~~ذلك قذفا جميعا أنفسهما في النار، فجعلها الله وابنها في الجنة، فقذف في ~~النار في يوم واحد سبعة وسبعون إنسانا، فذلك قوله عز وجل: "قتل أصحاب ~~الأخدود". ### || # {النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود (6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين ~~شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) الذي له ~~ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (9) } # {النار ذات الوقود} بدل من الأخدود، قال الربيع بن أنس: نجى الله ~~المؤمنين الذين ألقوا في النار بقبض أرواحهم قبل أن تمسهم النار، وخرجت ~~النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم (1) . {إذ هم عليها ~~قعود} أي: عند النار جلوس [لتعذيب] (2) المؤمنين. قال مجاهد: كانوا قعودا ~~على الكراسي [عند الأخدود] (3) . {وهم} يعني الملك وأصحابه الذين خدوا ~~[الأخدود] (4) {على ما يفعلون بالمؤمنين} من عرضهم على النار وإرادتهم أن ~~يرجعوا إلى دينهم {شهود} حضور، وقال مقاتل: يعني يشهدون أن المؤمنين في ~~ضلال حين تركوا عبادة الصنم. {وما نقموا منهم} قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: ما كرهوا منهم {إلا أن يؤمنوا بالله} قال مقاتل ما عابوا منهم. ~~وقيل: ما علموا فيهم عيبا. قال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبا إلا إيمانهم ~~بالله {العزيز الحميد} {الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء} من ~~أفعالهم {شهيد} PageV08P387 ### || # {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم ~~عذاب الحريق (10) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ذلك الفوز الكبير (11) إن بطش ربك لشديد (12) إنه هو يبدئ ويعيد ~~(13) وهو الغفور الودود (14) ذو العرش المجيد (15) فعال لما يريد (16) هل ~~أتاك حديث الجنود (17) } # {إن الذين فتنوا} عذبوا ms2740 وأحرقوا {المؤمنين والمؤمنات} يقال: فتنت الشيء ~~إذا أحرقته، نظيره "يوم هم على النار يفتنون" (الذاريات-13) {ثم لم يتوبوا ~~فلهم عذاب جهنم} بكفرهم 189/ب {ولهم عذاب الحريق} بما أحرقوا المؤمنين. ~~وقيل: ولهم عذاب الحريق [في الدنيا، وذلك أن الله أحرقهم بالنار التي] (1) ~~أحرقوا بها المؤمنين، ارتفعت إليهم من الأخدود، قاله الربيع بن أنس ~~والكلبي. ثم ذكر ما أعد للمؤمنين فقال: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير} واختلفوا في جواب القسم: ~~فقال بعضهم: جوابه: "قتل أصحاب الأخدود" يعني لقد قتل. # وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج. ~~وقال قتادة: جوابه: {إن بطش ربك لشديد} قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب إذا ~~أخذ الظلمة لشديد، كقوله: "إن أخذه أليم شديد" (هود-102) . {إنه هو يبدئ ~~ويعيد} أي يخلقهم أولا في الدنيا ثم يعيدهم أحياء بعد الموت. {وهو الغفور} ~~لذنوب المؤمنين {الودود} المحب لهم، وقيل: معناه المودود، كالحلوب والركوب، ~~بمعنى المحلوب والمركوب. وقيل: يغفر ويود أن يغفر، وقيل: المتودد إلى ~~أوليائه بالمغفرة. {ذو العرش المجيد} قرأ حمزة والكسائي: "المجيد" بالجر، ~~على صفة العرش أي السرير العظيم. وقيل: أراد حسنه فوصفه بالمجد كما وصفه ~~بالكرم، فقال: "رب العرش الكريم" (المؤمنون-116) ومعناه الكمال، والعرش: ~~أحسن الأشياء وأكملها، وقرأ الآخرون بالرفع على صفة ذو العرش. {فعال لما ~~يريد} لا يعجزه شيء يريده ولا يمتنع منه شيء طلبه. قوله عز وجل {هل أتاك ~~حديث الجنود} قد أتاك خبر الجموع الكافرة الذين تجندوا PageV08P388 # على الأنبياء ### || # {فرعون وثمود (18) بل الذين كفروا في تكذيب (19) والله من ورائهم محيط ~~(20) بل هو قرآن مجيد (21) في لوح محفوظ (22) } # ثم بين من هم فقال: {فرعون وثمود بل الذين كفروا} من قومك يا محمد {في ~~تكذيب والله من ورائهم محيط بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ} لك وللقرآن كدأب ~~[آل فرعون] (1) من قبلهم، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار. {والله من ~~ورائهم محيط} ، عالم بهم لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، يقدر أن ms2741 ينزل بهم ما ~~أنزل بمن كان قبلهم. {بل هو قرآن مجيد} ، كريم شريف كثير الخير، ليس كما ~~زعم المشركون أنه شعر وكهانة. {في لوح محفوظ} ، قرأ نافع: "محفوظ" بالرفع ~~على نعت القرآن، فإن القرآن محفوظ من التبديل والتغيير والتحريف، قال الله ~~تعالى: "إنا نحن، نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، وهو أم الكتاب، ومنه نسخ ~~الكتب، محفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان. أخبرنا أحمد بن ~~إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا الحسين ~~ابن محمد بن فنجويه، أخبرنا مخلد بن جعفر، حدثنا الحسن بن علويه، أخبرنا ~~إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر، أخبرني مقاتل وابن جريج، عن مجاهد، ~~عن ابن عباس قال: إن في صدر اللوح: لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ~~ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله عز وجل وصدق بوعده واتبع رسله أدخله، ~~قال: واللوح لوح من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين ~~المشرق إلى المغرب، وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه ~~نور، وكلامه معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك. (2) # قال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش. PageV08P389 # 14 # PageV08P390 ### | سورة الطارق # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2) النجم الثاقب (3) إن كل ~~نفس لما عليها حافظ (4) } # {والسماء والطارق} قال الكلبي: نزلت في أبي طالب، وذلك أنه أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأتحفه بخبز ولبن، فبينما هو جالس يأكل إذا انحط نجم فامتلأ ~~ماء ثم نارا، ففزع أبو طالب وقال: أي شيء هذا؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات الله عز وجل فعجب أبو طالب ~~فأنزل الله عز وجل: "والسماء والطارق" (2) وهذا قسم، و"الطارق" النجم يظهر ~~بالليل، وما أتاك ليلا فهو طارق. # {وما أدراك ما الطارق} ثم فسره فقال {النجم الثاقب} أي المضيء المنير، ~~قال مجاهد: المتوهج، قال ابن زيد: أراد به الثريا، والعرب تسميه النجم. ~~وقيل: هو زحل، سمي بذلك لارتفاعه، تقول العرب للطائر إذا ms2742 لحق ببطن السماء ~~ارتفاعا: قد ثقب. # {إن كل نفس} جواب القسم {لما عليها حافظ} قرأ أبو جعفر، وابن عامر، ~~وعاصم، وحمزة: "لما" بالتشديد، يعنون: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وهي لغة ~~هذيل يجعلون "لما" بمعنى "إلا" يقولون: نشدتك الله لما قمت، أي إلا قمت. # وقرأ الآخرون بالتخفيف، جعلوا "ما" صلة، مجازه: إن كل نفس لعليها حافظ ~~[من ربها] (3) PageV08P391 # [وتأويل الآية: كل نفس عليها حافظ من ربها] (1) يحفظ عملها ويحصي عليها ~~ما تكتسب من خير وشر. # قال ابن عباس: هم الحفظة من الملائكة. قال الكلبي: حافظ من الله يحفظها ~~ويحفظ قولها وفعلها حتى يدفعها ويسلمها إلى المقادير، ثم يخلي عنها. ### || # {فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب ~~والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) يوم تبلى السرائر (9) } # {فلينظر الإنسان مم خلق} أي من أي شيء خلقه ربه، أي فلينظر نظر المتفكر. # ثم بين فقال: {خلق من ماء دافق} مدفوق أي مصبوب في الرحم، وهو المني، ~~فاعل بمعنى مفعول كقوله: "عيشة راضية" (الحاقة-21) أي مرضية، والدفق: الصب، ~~وأراد ماء الرجل وماء المرأة، لأن الولد مخلوق منهما، وجعله واحدا ~~لامتزاجهما. # {يخرج من بين الصلب والترائب} يعني صلب الرجل وترائب المرأة، و"الترائب" ~~جمع التربية، وهي عظام الصدر والنحر. قال ابن عباس: هي موضع القلادة من ~~الصدر. وروى الوالبي عنه: بين ثديي المرأة. وقال قتادة: النحر. وقال ابن ~~زيد: الصدر. # {إنه على رجعه لقادر} قال مجاهد: على رد النطفة في الإحليل. وقال عكرمة: ~~على رد الماء في الصلب الذي خرج منه. وقال الضحاك: إنه على رد الإنسان ماء ~~كما كان من قبل لقادر. وقال مقاتل بن حيان: [إن شاء رده] (2) من الكبر إلى ~~الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة، وقال ابن زيد: إنه ~~على حبس ذلك الماء لقادر حتى لا يخرج وقال قتادة: إن الله تعالى على بعث ~~الإنسان وإعادته قادر وهذا أولى الأقاويل لقوله: {يوم تبلى السرائر} # {يوم تبلى السرائر} وذلك يوم القيامة تبلى السرائر، تظهر الخفايا ms2743 قال ~~قتادة ومقاتل: تختبر [الأعمال] (3) قال عطاء بن أبي رباح: السرائر فرائض ~~الأعمال، كالصوم والصلاة [والوضوء] (4) والاغتسال من الجنابة، فإنها سرائر ~~بين الله تعالى وبين العبد، فلو شاء العبد لقال: صمت 190/أولم يصم، وصليت، ~~ولم يصل، واغتسلت ولم يغتسل، فيختبر حتى يظهر من أداها ممن ضيعها. # قال ابن عمر: بيدي الله عز وجل يوم القيامة كل سر، فيكون زينا في وجوه ~~وشينا في وجوه، PageV08P394 # يعني: من أداها كان وجهه مشرقا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر. ### || # {فما له من قوة ولا ناصر (10) والسماء ذات الرجع (11) والأرض ذات الصدع ~~(12) إنه لقول فصل (13) وما هو بالهزل (14) إنهم يكيدون كيدا (15) وأكيد ~~كيدا (16) فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (17) } # {فما له من قوة ولا ناصر} أي ما لهذا الإنسان المنكر للبعث من قوة يمتنع ~~بها من عذاب الله ولا ناصر ينصره من الله. # ثم ذكر قسما آخر فقال: {والسماء ذات الرجع} أي ذات المطر لأنه يرجع كل ~~عام ويتكرر. وقال ابن عباس: هو السحاب يرجع بالمطر. # {والأرض ذات الصدع} أي تتصدع وتنشق عن النبات والأشجار والأنهار. # وجواب القسم قوله: {إنه} يعني القرآن {لقول فصل} حق وجد يفصل بين الحق ~~والباطل. # {وما هو بالهزل} باللعب والباطل. # ثم أخبر عن مشركي مكة فقال: {إنهم يكيدون كيدا} يخافون النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويظهرون ما هم على خلافه. # {وأكيد كيدا} وكيد الله استدراجه إياهم من حيث لا يعلمون. # {فمهل الكافرين} قال ابن عباس: هذا وعيد من الله عز وجل لهم {أمهلهم ~~رويدا} قليلا ومعنى مهل وأمهل: أنظر ولا تعجل، فأخذهم الله يوم بدر، ونسخ ~~الإمهال بآية السيف. # PageV08P395 ### | سورة الأعلى # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {سبح اسم ربك الأعلى (1) } # {سبح اسم ربك الأعلى} [يعني] (2) قل سبحان ربي الأعلى. وإلى هذا ذهب ~~جماعة من الصحابة والتابعين. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن ~~عبد الله، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان، حدثنا وكيع، ms2744 عن إسرائيل، عن أبي ~~إسحاق، عن مسلم بن البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قرأ "سبح اسم ربك الأعلى" فقال: "سبحان ربي الأعلى" (3) . # وقال قوم: معناه نزه ربك الأعلى عما يصفه به الملحدون، وجعلوا الاسم صلة. ~~ويحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى واحدا، لأن أحدا لا يقول: سبحان اسم ~~الله، وسبحان اسم ربنا، إنما يقول: سبحان الله وسبحان ربنا، فكان معنى سبح ~~اسم ربك الأعلى: سبح ربك. PageV08P396 # وقال آخرون: نزه تسمية ربك، بأن تذكره وأنت له معظم، ولذكره محترم ~~[ولأوامره مطاوع] (1) وجعلوا الاسم بمعنى التسمية. # وقال ابن عباس: سبح [اسم ربك الأعلى] (2) أي: صل بأمر ربك الأعلى. ### || # {الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) والذي أخرج المرعى (4) فجعله غثاء ~~أحوى (5) } # {الذي خلق فسوى} قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فسوى اليدين والرجلين ~~والعينين. وقال الزجاج: خلق الإنسان مستويا، ومعنى "سوى" عدل قامته. # {والذي قدر فهدى} قرأ الكسائي: "قدر" بتخفيف الدال، وشددها الآخرون، وهما ~~بمعنى واحد. # وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة، وهدى ~~الأنعام لمراتعها. # وقال مقاتل والكلبي: قدر لكل شيء مسلكه، "فهدى" عرفها كيف يأتي الذكر ~~الأنثى. # وقيل: قدر الأرزاق وهدى لاكتساب الأرزاق والمعاش. # وقيل: خلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها. # وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج من الرحم. # قال الواسطي: قدر السعادة والشقاوة عليهم، ثم يسر لكل واحد من الطائفتين ~~سلوك [سبيل] (3) ما قدر عليه. # {والذي أخرج المرعى} أنبت العشب وما ترعاه [النعم] (4) من بين أخضر وأصفر ~~وأحمر وأبيض. # {فجعله} بعد الخضرة {غثاء} هشيما باليا، كالغثاء الذي تراه فوق السيل. ~~{أحوى} أسود بعد الخضرة، وذلك أن الكلأ إذا جف ويبس اسود. PageV08P400 ### || # {سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى (7) ~~ونيسرك لليسرى (8) فذكر إن نفعت الذكرى (9) سيذكر من يخشى (10) ويتجنبها ~~الأشقى (11) الذي يصلى النار الكبرى (12) } # {سنقرئك} سنعلمك بقراءة جبريل [عليك] (1) {فلا تنسى إلا ما شاء الله} أن ~~تنساه، وما ms2745 نسخ الله تلاوته من القرآن، كما قال: "ما ننسخ من آية أو ننسها" ~~(البقرة -106) والإنساء نوع من النسخ. # وقال مجاهد، والكلبي: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل ~~عليه السلام، لم يفرغ من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأولها، مخافة أن ينساها، فأنزل الله تعالى: "سنقرئك فلا تنسى" [فلم ينس ~~بعد] (2) ذلك شيئا (3) . {إنه يعلم الجهر} من القول والفعل {وما يخفى} ~~منهما، والمعنى: أنه يعلم السر والعلانية. # {ونيسرك لليسرى} قال مقاتل: نهون عليك عمل أهل الجنة -وهو معنى قول ابن ~~عباس -ونيسرك لأن تعمل خيرا. و"اليسرى" عمل الخير. # وقيل: نوفقك للشريعة اليسرى وهي الحنيفية السمحة. # وقيل: هو متصل بالكلام الأول معناه: إنه يعلم الجهر مما تقرؤه على جبريل ~~إذا فرغ من التلاوة، "وما يخفى" ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، ثم وعده ~~فقال: {ونيسرك لليسرى} أي نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعلمه. # {فذكر} عظ بالقرآن {إن نفعت الذكرى} الموعظة والتذكير. والمعنى: نفعت أو ~~لم تنفع، وإنما لم يذكر الحالة الثانية، كقوله: "سرابيل تقيكم الحر" وأراد: ~~الحر والبرد جميعا. # {سيذكر} يتعظ {من يخشى} الله عز وجل. # {ويتجنبها} أي يتجنب الذكرى ويتباعد عنها {الأشقى} الشقي في علم الله. # {الذي يصلى النار الكبرى} العظيمة والفظيعة، لأنها أعظم وأشد حرا من نار ~~الدنيا. PageV08P401 ### || # {ثم لا يموت فيها ولا يحيا (13) قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى ~~(15) } # {ثم لا يموت فيها} فيستريح {ولا يحيا} حياة تنفعه. # {قد أفلح من تزكى} تطهر من الشرك وقال: لا إله إلا الله. هذا قول عطاء ~~وعكرمة، ورواية الوالبي وسعيد بن جبير عن ابن عباس (1) وقال الحسن: من كان ~~عمله زاكيا (2) . # وقال آخرون: هو صدقة الفطر، روي عن أبي سعيد الخدري في قوله: "قد أفلح من ~~تزكى" قال: أعطى صدقة الفطر (3) . # {وذكر اسم ربه فصلى} قال خرج إلى العيد فصلى، فكان ابن مسعود يقول: رحم ~~الله امرءا تصدق ثم صلى، ثم يقرأ هذه الآية (4) . وروى نافع: كان ابن عمر ~~إذا صلى ms2746 الغداة -يعني من يوم العيد -قال: يا نافع أخرجت الصدقة؟ فإن قلت: ~~نعم، مضى إلى المصلى، وإن قلت: لا قال: فالآن فأخرج، فإنما نزلت هذه الآية ~~في هذا "قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى" وهو قول أبي العالية وابن ~~سيرين. # وقال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل؟ لأن هذه السورة مكية، ولم يكن ~~بمكة عيد ولا زكاة فطر (5) . # [قال الشيخ الإمام محيي السنة رحمه الله] (6) 190/ب يجوز أن يكون النزول ~~سابقا على الحكم كما قال: "وأنت حل بهذا البلد" فالسورة مكية، وظهر أثر ~~الحل يوم الفتح حتى قال عليه الصلاة والسلام: "أحلت لي ساعة من نهار" (7) ~~وكذلك نزل بمكة: "سيهزم الجمع ويولون الدبر" (القمر-45) قال عمر بن الخطاب: ~~كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV08P402 # يثب، في الدرع ويقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر (1) "وذكر اسم ربه فصلى" ~~أي: وذكر ربه فصلى، قيل: الذكر: تكبيرات العيد، والصلاة: صلاة العيد، وقيل: ~~الصلاة هاهنا الدعاء. PageV08P403 ### || # {بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) والآخرة خير وأبقى (17) إن هذا لفي الصحف ~~الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى (19) } # {بل تؤثرون} قرأ أبو عمرو، ويعقوب: [يؤثرون] (1) بالياء، يعني: الأشقين ~~الذين ذكروا، وقرأ الآخرون بالتاء، دليله: قراءة أبي بن كعب "بل أنتم ~~تؤثرون الحياة الدنيا" [والمراد ب"الأشقى" الجمع، وإن كان على لفظ الواحد، ~~لأن الشيء إذا دخله الألف واللام للجنس صار مستغرقا، فكأنه قال: ويتجنبه ~~الأشقون، ثم قال: "بل تؤثرون الحياة الدنيا"] (2) # {والآخرة خير وأبقى} قال عرفجة الأشجعي: كنا عند ابن مسعود فقرأ هذه ~~الآية، فقال لنا: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ قلنا: لا قال: ~~لأن الدنيا أحضرت، وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها، وأن ~~الآخرة نعتت لنا، وزويت عنا فأحببنا العاجل وتركنا الآجل (3) . # {إن هذا} يعني ما ذكر من قوله: "قد أفلح من تزكى" [إلى تمام] (4) أربع ~~آيات، {لفي الصحف الأولى} أي في الكتب الأولى التي أنزلت قبل القرآن، ذكر ~~فيها فلاح المتزكي والمصلي، وإيثار الخلق الحياة ms2747 الدنيا على الآخرة، وأن ~~الآخرة خير وأبقى. # ثم بين الصحف فقال: {صحف إبراهيم وموسى} قال عكرمة والسدي: هذه السورة في ~~صحف إبراهيم وموسى. # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو بكر أحمد بن ~~الحسن الحيري أخبرنا PageV08P403 # محمد بن أحمد بن معقل الميداني، حدثنا محمد بن يحيى [بن أيوب حدثنا سعيد ~~بن كثير حدثنا] (1) يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن ~~عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ~~الركعتين اللتين يوتر بعدهما ب"سبح اسم ربك الأعلى" و"قل يا أيها الكافرون" ~~وفي الوتر ب"قل هو الله أحد" و"قل أعوذ برب الفلق" و"قل أعوذ برب الناس" ~~(2) . ### | سورة الغاشية # مكية (3) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {هل أتاك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة (2) عاملة ناصبة (3) } # {هل أتاك حديث الغاشية} يعني: قد أتاك حديث القيامة، تغشى كل شيء ~~بالأهوال. # {وجوه يومئذ} يعني: يوم القيامة {خاشعة} ذليلة. # {عاملة ناصبة} قال عطاء عن ابن عباس: يعني الذين عملوا ونصبوا في الدنيا ~~على غير دين الإسلام من عبدة الأوثان وكفار أهل الكتاب، مثل الرهبان ~~وغيرهم، لا يقبل الله منهم اجتهادا في ضلالة، يدخلون النار يوم القيامة، ~~وهو قول سعيد بن جبير، وزيد بن أسلم. ومعنى النصب: الدأب في العمل بالتعب. # وقال عكرمة والسدي: عاملة في الدنيا بالمعاصي، ناصبة في الآخرة في النار ~~(4) . # وقال بعضهم: عاملة في النار ناصبة فيها. قال الحسن: لم تعمل لله في ~~الدنيا، فأعملها وأنصبها في النار بمعالجة السلاسل، والأغلال. وبه قال ~~قتادة، وهي رواية العوفي عن ابن عباس (5) . # قال ابن مسعود: تخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل. # وقال الكلبي: يجرون على وجوههم في النار. PageV08P404 # [وقال الضحاك: يكلفون ارتقاء جبل من حديد في النار] (1) والكلام خرج على ~~"الوجوه" والمراد منها أصحابها. ### || # {تصلى نارا حامية (4) تسقى من عين آنية (5) ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) ~~} # {تصلى نارا} قرأ أهل البصرة وأبو بكر: "تصلى" بضم التاء اعتبارا بقوله: ~~"تسقى من عين آنية" ms2748 [وقرأ الآخرون بفتح التاء {نارا حامية} قال ابن عباس: ~~قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله. # {تسقى من عين آنية} متناهية في الحرارة قد أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، ~~فدفعوا إليها [وردا] (2) عطاشا. قال المفسرون: لو وقعت منها قطرة على جبال ~~الدنيا لذابت. هذا شرابهم ثم ذكر طعامهم فقال: {ليس لهم طعام إلا من ضريع} ~~قال مجاهد وعكرمة وقتادة: هو نبت ذو شوك لاطئ بالأرض، تسميه قريش الشبرق ~~فإذا هاج سموها الضريع، (3) وهو أخبث طعام وأبشعه. وهو رواية العوفي عن ابن ~~عباس. قال الكلبي: لا تقربه دابة إذا يبس. # قال ابن زيد: أما في الدنيا فإن "الضريع" الشوك اليابس الذي يبس له ورق، ~~وهو في الآخرة شوك من نار (4) وجاء في الحديث عن ابن عباس: "الضريع: شيء في ~~النار [شبه] (5) الشوك أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرا من النار" ~~(6) . # وقال أبو الدرداء، والحسن: إن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى ~~يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون ~~فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء، ~~فيستسقون، فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة ولا مريئة، ~~فلما أدنوه من وجوههم، سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها ~~فذلك قوله عز جل: "وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم" (7) (محمد-15) . ~~PageV08P408 ### || # {لا يسمن ولا يغني من جوع (7) وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) في ~~جنة عالية (10) لا تسمع فيها لاغية (11) فيها عين جارية (12) فيها سرر ~~مرفوعة (13) وأكواب موضوعة (14) ونمارق مصفوفة (15) وزرابي مبثوثة (16) ~~أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) } # قال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على ~~الضريع، وكذبوا في ذلك، فإن الإبل إنما ترعاه ما دام رطبا، وتسمى "شبرقا" ~~فإذا يبس لا يأكله شيء. فأنزل الله: {لا يسمن ولا يغني من جوع} # ثم وصف أهل الجنة فقال: {وجوه يومئذ ناعمة} قال مقاتل: في نعمة وكرامة. # {لسعيها} في الدنيا {راضية} في الآخرة حين أعطيت ms2749 الجنة بعملها. {في جنة ~~عالية لا تسمع فيها لاغية} لغو وباطل، قرأ أهل مكة والبصرة: "لا يسمع" ~~بالياء وضمها، "لاغية" رفع. وقرأ نافع "لا تسمع" بالتاء وضمها، "لاغية" ~~رفع، وقرأ الآخرون بالتاء وفتحها "لاغية" [بالنصب] (1) على الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم. {فيها عين جارية فيها سرر مرفوعة} قال ابن عباس: ~~ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، مرتفعة ما لم يجيء أهلها، ~~فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى مواضعها. # {وأكواب موضوعة} عندهم، جمع كوب، وهو الإبريق الذي 191/ألا عروة له. # {ونمارق} وسائد ومرافق {مصفوفة} بعضها بجنب بعض، واحدتها "نمرقة" بضم ~~النون. # {وزرابي} يعني البسط العريضة. قال ابن عباس: هي الطنافس التي لها خمل ~~واحدتها زربية، {مبثوثة} مبسوطة، وقيل متفرقة في المجالس. # {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} قال أهل التفسير: لما نعت الله تعالى ~~في هذه السورة ما في الجنة عجب من ذلك أهل الكفر وكذبوه، فذكرهم الله تعالى ~~صنعه فقال: {أفلا ينظرون إلى الإبل} [من بين سائر الحيوانات] (2) {كيف ~~خلقت} وكانت الإبل من عيش العرب (3) PageV08P409 # لهم فيها منافع كثيرة، فلما صنع لهم ذلك في الدنيا صنع لأهل الجنة فيها ~~ما صنع. # وتكلمت الحكماء في وجه تخصيص الإبل من بين سائر الحيوانات؛ فقال مقاتل: ~~لأنهم لم يروا بهيمة قط أعظم منها، ولم [يشاهد] (1) الفيل إلا الشاذ منهم. # وقال الكلبي: لأنها تنهض بحملها وهي باركة. # وقال قتادة: ذكر الله تعالى ارتفاع سرر الجنة وفرشها، فقالوا: كيف نصعدها ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة؟ فقال: أما ~~الفيل فالعرب بعيدة العهد بها. ثم هو [لا خير فيه] (2) لا يركب ظهرها ولا ~~يؤكل لحمها ولا يحلب درها، والإبل أعز مال للعرب وأنفسها تأكل النوى والقت ~~وتخرج اللبن. # وقيل: [إنها] (3) مع عظمها تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف، حتى ~~إن الصبي الصغير يأخذ بزمامها فيذهب بها حيث شاء، وكان شريح القاضي يقول: ~~اخرجوا بنا إلى [كناسة اسطبل] ms2750 (4) حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت (5) . ### || # {وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى الجبال كيف نصبت (19) وإلى الأرض كيف ~~سطحت (20) } # {وإلى السماء كيف رفعت} عن الأرض حتى لا ينالها شيء بغير عمد. # {وإلى الجبال كيف نصبت} على وجه الأرض [مرساة] (6) لا تزول. # {وإلى الأرض كيف سطحت} [بسطت] (7) قال عطاء عن ابن عباس: هل يقدر أحد أن ~~يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل ~~الأرض غيري؟. PageV08P410 ### || # {فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمسيطر (22) إلا من تولى وكفر (23) ~~فيعذبه الله العذاب الأكبر (24) إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم ~~(26) } # {فذكر} [أي: عظ يا محمد] (1) {إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} بمسلط ~~فتقتلهم وتكرههم على الإيمان. نسختها آية القتال (2) . # {إلا من تولى وكفر} استثناء منقطع عما قبله، معناه: لكن من تولى وكفر بعد ~~التذكير. # {فيعذبه الله العذاب الأكبر} وهو أن يدخله النار وإنما قال "الأكبر" ~~لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر. # {إن إلينا إيابهم} رجوعهم بعد الموت، يقال آب يؤب أوبا وإيابا، وقرأ أبو ~~جعفر: "إيابهم" بتشديد الياء، وهو شاذ لم يجزه أحد غير الزجاج فإنه قال ~~يقال: أيب إيابا، على: فعل فيعالا. # {ثم إن علينا حسابهم} يعني جزاءهم بعد المرجع إلى الله عز وجل. ~~PageV08P411 ### | سورة الفجر # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) } # {والفجر} أقسم الله عز وجل بالفجر، روى أبو صالح عن ابن عباس قال: هو ~~انفجار الصبح كل يوم وهو قول عكرمة، وقال عطية عنه: صلاة الفجر. وقال ~~قتادة: هو فجر أول يوم من المحرم، تنفجر منه السنة. وقال الضحاك: فجر ذي ~~الحجة لأنه [قرنت] (2) به الليالي العشر. # {وليال عشر} روي عن ابن عباس: أنها العشر الأول من ذي الحجة. وهو قول ~~مجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، والكلبي. # وقال أبو روق عن الضحاك: هي العشر [الأواخر] (3) من شهر رمضان. # وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: هي العشر [الأوائل] (4) من شهر رمضان. # وقال يمان بن رباب: هي العشر الأول من المحرم ms2751 التي عاشرها يوم عاشوراء ~~(5) . # {والشفع والوتر} قرأ حمزة، والكسائي: "الوتر" بكسر الواو، وقرأ الآخرون ~~بفتحها، PageV08P412 # واختلفوا في الشفع والوتر. قيل: "الشفع: الخلق، قال الله تعالى: ~~"وخلقناكم أزواجا" و"الوتر" هو الله عز وجل. روي ذلك عن [ابن مسعود وعن] ~~(1) أبي سعيد الخدري، وهو قول عطية العوفي. # وقال مجاهد ومسروق: "الشفع" الخلق كله، كما قال الله تعالى: "ومن كل شيء ~~خلقنا زوجين" (الذاريات-49) الكفر والإيمان، والهدى والضلالة، والسعادة ~~والشقاوة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والبر والبحر، والشمس والقمر، ~~والجن والإنس، والوتر هو الله عز وجل، قال الله تعالى: "قل هو الله أحد" ~~(الإخلاص-1) . # قال الحسن وابن زيد: "الشفع والوتر" الخلق كله، منه شفع، ومنه وتر. # وروى قتادة عن الحسن قال: هو العدد منه شفع ومنه وتر. وقال قتادة: هما ~~الصلوات منها شفع ومنها وتر. وروى ذلك عن عمران بن حصين مرفوعا، وروى عطية ~~عن ابن عباس: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب. # وعن عبد الله بن الزبير قال: "الشفع" يوم النفر الأول، و"الوتر" يوم ~~النفر الأخير. روي أن رجلا سأله عن الشفع والوتر والليالي العشر؟ فقال: أما ~~الشفع والوتر: فقول الله عز وجل: "فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر ~~فلا إثم عليه" (البقرة-203) فهما الشفع والوتر، وأما الليالي العشر: ~~فالثمان وعرفة والنحر. # وقال مقاتل بن حيان: "الشفع" الأيام والليالي، و"الوتر" اليوم الذي لا ~~ليلة بعده وهو يوم القيامة. # وقال الحسين بن الفضل: "الشفع" درجات الجنة لأنها ثمان، و"الوتر" دركات ~~النار لأنها سبع، كأنه أقسم بالجنة والنار. # وسئل أبو بكر الوراق عن الشفع والوتر فقال: "الشفع" تضاد [أخلاق] (2) ~~المخلوقين من العز والذل، والقدرة والعجز، والقوة والضعف، والعلم والجهل، ~~والبصر والعمى، و"الوتر" انفراد صفات الله عز بلا ذل، وقدرة بلا عجز، وقوة ~~بلا ضعف، وعلم بلا جهل، وحياة بلا ممات (3) . PageV08P416 ### || # {والليل إذا يسري (4) هل في ذلك قسم لذي حجر (5) ألم تر كيف فعل ربك بعاد ~~(6) إرم ذات العماد (7) } # {والليل إذا يسر} أي إذا سار وذهب كما قال تعالى "والليل إذ أدبر" ~~(المدثر-33) ms2752 وقال قتادة: إذا جاء وأقبل، وأراد كل ليلة. # وقال مجاهد وعكرمة والكلبي: هي ليلة المزدلفة. # قرأ أهل الحجاز، والبصرة: "يسري" بالياء في الوصل، ويقف ابن كثير ويعقوب ~~بالياء أيضا، والباقون يحذفونها في الحالين، فمن حذف فلوفاق رءوس الآي، ومن ~~أثبت فلأنها لام الفعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف، نحو قوله: هو يقضي ~~وأنا أقضي. وسئل الأخفش عن العلة 191/ب في سقوط الياء؟ فقال: الليل لا ~~يسري، ولكن يسرى فيه، فهو مصروف، فلما صرفه بخسه حقه من الإعراب، كقوله: ~~"وما كانت أمك بغيا" ولم يقل: "بغية" لأنها صرفت من باغية. # {هل في ذلك} أي فيما ذكرت {قسم} أي: مقنع ومكتفى في القسم {لذي حجر} لذي ~~عقل (1) سمي بذلك لأنه يحجر صاحبه عما لا يحل ولا ينبغي، [كما يسمى عقلا ~~لأنه يعقله عن القبائح، ونهى لأنه ينهى عما لا ينبغي] (2) وأصل "الحجر" ~~المنع: وجواب القسم قوله: "إن ربك لبالمرصاد" واعترض بين القسم وجوابه قوله ~~عز وجل: {ألم تر} قال الفراء: ألم تخبر؟ وقال الزجاج: ألم تعلم؟ ومعناه ~~التعجب. {كيف فعل ربك بعاد إرم} يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا ~~أطول أعمارا وأشد قوة من هؤلاء. واختلفوا في إرم ذات العماد، فقال سعيد بن ~~المسيب: "إرم ذات العماد" دمشق، وبه قال عكرمة. # وقال القرظي هي الإسكندرية، وقال مجاهد: هي أمة. وقيل: معناها: القديمة. # وقال قتادة، ومقاتل: هم قبيلة من عاد قال مقاتل: كان فيهم الملك، وكانوا ~~[بمهرة] (3) وكان عاد أباهم، فنسبهم إليه، وهو إرم بن عاد بن إرم بن سام بن ~~نوح. PageV08P417 # وقال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح (1) ~~. # وقال الكلبي: "إرم" هو الذي يجتمع إليه نسب عاد وثمود وأهل الجزيرة، كان ~~يقال: عاد إرم، وثمود إرم، فأهلك الله عادا ثم ثمود، وبقي أهل السواد ~~والجزيرة، وكانوا أهل عمد وخيام وماشية سيارة في الربيع، فإذا هاج العود ~~رجعوا إلى منازلهم، وكانوا أهل جنان وزروع، ومنازلهم بوادي القرى، وهي التي ~~يقول ms2753 الله فيها: ### || # {التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي (9) ~~وفرعون ذي الأوتاد (10) } # {التي لم يخلق مثلها في البلاد} وسموا ذات العماد [لهذا] (2) لأنهم كانوا ~~أهل عمد سيارة، وهو قول قتادة ومجاهد والكلبي، ورواية عطاء عن ابن عباس، ~~وقال بعضهم: سموا ذات العماد لطول قامتهم. قال ابن عباس: يعني طولهم مثل ~~العماد. وقال مقاتل: كان طول أحدهم اثني عشر ذراعا. وقوله {لم يخلق مثلها ~~في البلاد} أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: ~~"من أشد منا قوة". # وقيل: سموا ذات العماد لبناء بناه بعضهم فشيد [عنده] (3) ورفع بناءه، ~~يقال: بناه شداد بن عاد على صفة لم يخلق في الدنيا مثله، وسار إليه في ~~قومه، فلما كان منه على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليه وعلى من معه صيحة من ~~السماء فأهلكتهم جميعا. # {وثمود} أي: وبثمود، {الذين جابوا الصخر} قطعوا الحجر، واحدتها: صخرة، ~~{بالواد} يعني [وادي القرى] (4) كانوا يقطعون الجبال فيجعلون فيها بيوتا. ~~وأثبت ابن كثير ويعقوب الياء في الوادي وصلا ووقفا على الأصل، وأثبتها ورش ~~وصلا والآخرون بحذفها في الحالين على وفق رءوس الآي. # {وفرعون ذي الأوتاد} سمي بذلك لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، وقد ~~PageV08P418 # ذكرناه في سورة (ص) (1) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا ابن فنجويه، ~~حدثنا مخلد بن جعفر، حدثنا الحسين بن علويه، حدثنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا ~~إسحاق بن بشر عن ابن سمعان عن عطاء عن ابن عباس: أن فرعون إنما سمي "ذي ~~الأوتاد" لأنه كانت امرأة، وهي امرأة خازن فرعون حزبيل، وكان مؤمنا كتم ~~إيمانه مائة سنة، وكانت امرأته ماشطة بنت فرعون، فبينما هي ذات يوم تمشط ~~رأس بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تعس من كفر بالله، فقالت بنت ~~فرعون: وهل لك من إله غير أبي؟ فقالت: إلهي وإله أبيك وإله السماوات والأرض ~~واحد لا شريك له، فقامت فدخلت على أبيها وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: ~~الماشطة امرأة خازنك تزعم أن ms2754 إلهك وإلهها وإله السماوات والأرض واحد لا ~~شريك له. فأرسل إليها فسألها عن ذلك، فقالت: صدقت، فقال لها: ويحك اكفري ~~بإلهك وأقري بأني إلهك، قالت: لا أفعل فمدها بين أربعة أوتاد، ثم أرسل ~~عليها الحيات والعقارب، وقال لها: اكفري بإلهك وإلا عذبتك بهذا العذاب ~~شهرين، فقالت له: ولو عذبتني سبعين شهرا ما كفرت بالله. وكان لها ابنتان ~~فجاء بابنتها الكبرى فذبحها على قرب منها. وقال لها: اكفري بالله وإلا ذبحت ~~الصغرى على قلبك، وكانت رضيعا، فقالت: لو ذبحت من على وجه الأرض على في ما ~~كفرت بالله عز وجل، فأتى بابنتها الصغرى فلما أضجعت على صدرها وأرادوا ~~ذبحها جزعت المرأة، فأطلق الله لسان ابنتها فتكلمت، وهي من الأربعة الذين ~~تكلموا أطفالا وقالت: يا أماه لا تجزعي فإن الله قد بنى لك بيتا في الجنة. ~~اصبري فإنك تفضين إلى رحمة الله وكرامته، فذبحت فلم تلبث أن ماتت فأسكنها ~~الله الجنة، قال: وبعث في طلب زوجها حزبيل فلم يقدروا عليه، فقيل لفرعون: ~~إنه قد رئي في موضع كذا وكذا في جبل كذا، فبعث رجلين في طلبه فانتهيا إليه ~~وهو يصلي ويليه صفوف من الوحوش خلفه يصلون، فلما رأيا ذلك انصرفا، فقال ~~حزبيل: اللهم إنك تعلم أني كتمت إيماني مائة سنة، ولم يظهر علي أحد، فأيما ~~هذان الرجلين كتم علي فاهده إلى دينك وأعطه من الدنيا سؤله، وأيما هذين ~~الرجلين أظهر علي فعجل عقوبته في الدنيا واجعل مصيره في الآخرة إلى النار، ~~فانصرف الرجلان إلى فرعون فأما أحدهما فاعتبر وآمن، وأما الآخر فأخبر فرعون ~~بالقصة على رءوس الملأ فقال له فرعون: وهل كان معك غيرك؟ قال: نعم فلان، ~~فدعا به فقال: أحق ما يقول هذا؟ قال: لا ما رأيت مما قال شيئا فأعطاه فرعون ~~وأجزل، وأما الآخر فقتله، ثم صلبه. PageV08P419 # قال: وكان فرعون قد تزوج امرأة من نساء بني إسرائيل يقال لها "آسية بنت ~~مزاحم" فرأت ما صنع فرعون بالماشطة، فقالت: وكيف يسعني أن أصبر على ما يأتي ~~به فرعون، وأنا مسلمة وهو ms2755 كافر؟ فبينما هي كذلك تؤامر نفسها إذ دخل عليها ~~فرعون فجلس قريبا منها، فقالت: يا فرعون أنت شر، الخلق وأخبثهم عمدت إلى ~~الماشطة فقتلتها، قال: فلعل بك الجنون الذي كان بها قالت: ما بي من جنون، ~~وإن إلهي وإلهها وإلهك 192/أوإله السماوات والأرض واحد لا شريك له، فمزق ~~عليها ثيابها وضربها وأرسل إلى أبويها فدعاهما، فقال لهما: ألا تريان أن ~~الجنون الذي كان بالماشطة أصابها؟ قالت: أعوذ بالله من ذلك، إني أشهد أن ~~ربي وربك ورب السماوات والأرض واحد لا شريك له، فقال لها أبوها: يا آسية ~~ألست من خير نساء [العماليق] (1) وزوجك إله العماليق؟ قالت أعوذ بالله من ~~ذلك، إن كان ما يقول حقا فقولا له أن يتوجني تاجا تكون الشمس أمامه والقمر ~~خلفه والكواكب حوله، فقال لهما فرعون: اخرجا عني، فمدها بين أربعة أوتاد ~~يعذبها، ففتح الله لها بابا إلى الجنة ليهون عليها ما يصنع بها فرعون، فعند ~~ذلك قالت: "رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من ~~القوم الظالمين" (التحريم-11) فقبض الله روحها وأسكنها الجنة (2) . ### || # {الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد (12) فصب عليهم ربك سوط ~~عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد (14) } # {الذين طغوا في البلاد} يعني عادا وثمود وفرعون، عملوا في الأرض بالمعاصي ~~وتجبروا. {فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب} قال قتادة: يعني ~~لونا من العذاب صبه عليهم، قال أهل المعاني: هذا على الاستعارة، لأن السوط ~~عندهم غاية العذاب، فجرى ذلك لكل نوع من العذاب. وقال الزجاج: جعل سوطه ~~الذي ضربهم به العذاب. # {إن ربك لبالمرصاد} قال ابن عباس: يعني بحيث يرى ويسمع ويبصر. # قال الكلبي: عليه طريق العباد لا يفوته أحد. قال مقاتل: ممر الناس عليه، ~~والمرصاد، والمرصد: الطريق. # وقيل: مرجع الخلق إلى حكمه وأمره وإليه مصيرهم. # وقال الحسن وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم. PageV08P420 # والمعنى: أنه لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من هو بالمرصاد. # وقال السدي: أرصد الله النار على طريقهم حتى يهلكهم. ### || # {فأما الإنسان إذا ms2756 ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمني (15) ~~وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني (16) كلا بل لا تكرمون ~~اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين (18) } # {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه} امتحنه {ربه} بالنعمة {فأكرمه} بالمال ~~{ونعمه} بما وسع عليه {فيقول ربي أكرمن} بما أعطاني. # {وأما إذا ما ابتلاه} بالفقر {فقدر عليه رزقه} قرأ أبو جعفر وابن عامر ~~"فقدر" بتشديد الدال، وقرأ الآخرون بالتخفيف، وهما لغتان، أي ضيق عليه ~~رزقه. وقيل: "قدر" بمعنى قتر وأعطاه قدر ما يكفيه. {فيقول، ربي أهانن} ~~أذلني بالفقر. وهذا يعني به الكافر، تكون الكرامة والهوان عنده بكثرة المال ~~والحظ في الدنيا وقلته. قال الكلبي ومقاتل: نزلت في أمية بن خلف الجمحي ~~الكافر، فرد الله على من ظن أن سعة الرزق إكرام وأن الفقر إهانة، فقال ~~{كلا} لم أبتله بالغنى لكرامته، ولم أبتله بالفقر لهوانه، فأخبر أن الإكرام ~~والإهانة لا تدور على المال وسعة الرزق، ولكن الفقر والغنى بتقديره، فيوسع ~~على الكافر لا لكرامته، ويقدر على المؤمن لا لهوانه، إنما يكرم المرء ~~بطاعته ويهينه بمعصيته. # قرأ أهل الحجاز والبصرة "أكرمني وأهانني" بإثبات الياء في الوصل، ويقف ~~ابن كثير ويعقوب بالياء أيضا، والآخرون يحذفونها وصلا ووقفا. # {بل لا تكرمون اليتيم} قرأ أهل البصرة: "يكرمون، ويحضون، ويأكلون، ~~ويحبون" بالياء فيهن، وقرأ الآخرون بالتاء، "لا تكرمون اليتيم" لا تحسنون ~~إليه. وقيل: لا تعطونه حقه. # قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيما في حجر أمية بن خلف وكان يدفعه عن ~~حقه. # {ولا تحاضون على طعام المسكين} أي لا تأمرون بإطعامه، وقرأ أبو جعفر وأهل ~~الكوفة: "تحاضون" بفتح الحاء وألف بعدها، أي لا يحض بعضكم بعضا عليه (1) . ~~PageV08P421 ### || # {وتأكلون التراث أكلا لما (19) وتحبون المال حبا جما (20) كلا إذا دكت ~~الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك والملك صفا صفا (22) وجيء يومئذ بجهنم يومئذ ~~يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى (23) } # {وتأكلون التراث} أي الميراث {أكلا لما} شديدا وهو أن يأكل نصيبه ونصيب ~~غيره، وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان، ويأكلون نصيبهم. # قال ms2757 ابن زيد: الأكل اللم: الذي يأكل كل شيء يجده، لا يسأل عنه أحلال هو ~~أم حرام؟ ويأكل الذي له ولغيره، يقال: لممت ما على الخوان إذا أتيت ما عليه ~~فأكلته. # {وتحبون المال حبا جما} أي كثيرا، يعني: تحبون جمع المال وتولعون به، ~~يقال: جم الماء في الحوض، إذا كثر واجتمع. # {كلا} ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر. وقال مقاتل: أي لا يفعلون ما أمروا ~~به في اليتيم، وإطعام المسكين، ثم أخبر عن تلهفهم على ما سلف منهم حين لا ~~ينفعهم، فقال عز من قائل: {إذا دكت الأرض دكا دكا} مرة بعد مرة، وكسر كل ~~شيء على ظهرها من جبل وبناء وشجر، فلم يبق على ظهرها شيء. # {وجاء ربك} قال الحسن: جاء أمره وقضاؤه (1) وقال الكلبي: ينزل {والملك ~~صفا صفا} قال عطاء: يريد صفوف الملائكة، وأهل كل سماء صف على حدة. قال ~~الضحاك: أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة كانوا صفا مختلطين بالأرض ومن ~~فيها فيكون سبع صفوف (2) . # {وجيء يومئذ بجهنم} قال عبد الله بن مسعود، ومقاتل في هذه الآية: [جيء ~~بها تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودونها] (3) لها تغيظ ~~وزفير حتى تنصب على يسار العرش {يومئذ} يعني يوم يجاء بجهنم {يتذكر ~~الإنسان} يتعظ ويتوب الكافر {وأنى له الذكرى} قال الزجاج: يظهر التوبة ومن ~~أين له التوبة؟ PageV08P422 ### || # {يقول يا ليتني قدمت لحياتي (24) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) ولا يوثق ~~وثاقه أحد (26) يا أيتها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية ~~(28) } # {يقول يا ليتني قدمت لحياتي} أي قدمت الخير والعمل الصالح لحياتي في ~~الآخرة، أي لآخرتي التي لا موت فيها. # {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد} قرأ الكسائي ويعقوب "لا ~~يعذب" "ولا يوثق" بفتح الذال والثاء على معنى لا يعذب أحد [في الدنيا] (1) ~~كعذاب الله يومئذ، ولا يوثق كوثاقه [أحد] (2) يومئذ. # وقيل: هو رجل بعينه، وهو أمية بن خلف، يعني لا يعذب كعذاب هذا الكافر ~~أحد، ولا يوثق كوثاقه أحد. # وقرأ الآخرون بكسر ms2758 الذال والثاء، أي: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله ~~الكافر يومئذ، ولا يوثق كوثاقه أحد، يعني لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله ~~في العذاب، والوثاق: هو الإسار في السلاسل والأغلال. # قوله عز وجل: {يا أيتها النفس المطمئنة} إلى ما وعد الله عز وجل المصدقة ~~بما قال الله. وقال مجاهد: "المطمئنة" التي أيقنت أن الله تعالى ربها وصبرت ~~جأشا لأمره وطاعته. # وقال الحسن: المؤمنة الموقنة، وقال عطية: الراضية بقضاء الله تعالى. وقال ~~الكلبي: الآمنة من عذاب الله. # وقيل: المطمئنة بذكر الله، بيانه: "قوله "وتطمئن قلوبهم بذكر الله". # واختلفوا في وقت هذه المقالة، فقال قوم: يقال لها ذلك عند الموت فيقال ~~لها: {ارجعي إلى ربك} 192/ب إلى الله {راضية} بالثواب {مرضية} عنك. # وقال الحسن: إذا أراد الله قبضها اطمأنت إلى الله ورضيت عن الله ورضي ~~الله عنها. PageV08P423 # قال عبد الله بن عمرو: (1) إذا توفي العبد المؤمن أرسل الله عز وجل ملكين ~~إليه وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال لها: اخرجي يا أيتها النفس ~~المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان وربك عنك راض، فتخرج كأطيب ريح مسك وجده ~~أحد في أنفه، والملائكة على أرجاء السماء يقولون: قد جاء من الأرض روح طيبة ~~ونسمة طيبة. فلا تمر بباب إلا فتح لها ولا بملك إلا صلى عليها، حتى يؤتى ~~بها الرحمن فتسجد، ثم يقال لميكائيل: اذهب بهذه فاجعلها مع أنفس المؤمنين، ~~ثم يؤمر فيوسع عليه قبره، سبعون ذراعا عرضه، وسبعون ذراعا طوله، وينبذ له ~~فيه الريحان فإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره. # وإن لم يكن جعل له نوره مثل الشمس في قبره، ويكون مثله مثل العروس، ينام ~~فلا يوقظه إلا أحب أهله إليه. وإذا توفي الكافر أرسل الله إليه ملكين وأرسل ~~قطعة من بجاد أنتن من كل نتن وأخشن من كل خشن، فيقال: يا أيتها النفس ~~الخبيثة اخرجي إلى جهنم وعذاب أليم وربك عليك غضبان (2) . # وقال أبو صالح في قوله: "ارجعي إلى ربك راضية مرضية" قال: هذا عند خروجها ~~من الدنيا، فإذا ms2759 كان يوم القيامة قيل: "ادخلي في عبادي وادخلي جنتي". # وقال آخرون: إنما يقال لها ذلك عند البعث يقال: ارجعي [إلى ربك] (3) أي ~~إلى صاحبك وجسدك، فيأمر الله الأرواح أن ترجع إلى الأجساد، وهذا قول عكرمة، ~~وعطاء، والضحاك، ورواية العوفي عن ابن عباس. # وقال الحسن: معناه: ارجعي إلى ثواب ربك وكرامته، راضية عن الله بما أعد ~~لك، مرضية، رضي عنك ربك. ### || # {فادخلي في عبادي (29) } # {فادخلي في عبادي} أي مع عبادي في جنتي. وقيل: في جملة عبادي الصالحين ~~المطيعين المصطفين، نظيره: "وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين". ~~PageV08P424 ### || # {وادخلي جنتي (30) } # {وادخلي جنتي} وقال بعض أهل الإشارة: يا أيتها النفس المطمئنة إلى الدنيا ~~ارجعي إلى الله بتركها، والرجوع إلى الله هو سلوك سبيل الآخرة. # وقال سعيد بن جبير: مات ابن عباس رضي الله عنهما بالطائف فشهدت جنازته، ~~فجاء طائر لم [نر] (1) على صورة خلقه فدخل نعشه، ثم لم [نر] (2) خارجا منه، ~~فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر، ولم ندر من قرأها: "يا أيتها ~~النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي" ~~(3) . PageV08P425 ### | سورة البلد # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) } # {لا أقسم} يعني، أقسم {بهذا البلد} يعني مكة {وأنت حل} أي حلال، {بهذا ~~البلد} تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر ليس عليك ما على الناس فيه من ~~الإثم. أحل الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، حتى قاتل ~~وقتل وأمر بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة (2) ، ومقيس بن صبابة ~~وغيرهما (3) ، فأحل دماء قوم وحرم دماء قوم فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو ~~آمن (4) ، ثم قال: إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، ولم تحل لأحد ~~قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، فهي حرام بحرمة الله ~~إلى يوم القيامة (5) . # والمعنى: أن الله تعالى لما أقسم بمكة دل ذلك على عظيم قدرها مع حرمتها، ~~فوعد نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يحلها له ms2760 حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على ~~يده، فهذا وعد من الله عز وجل بأن يحلها له. # قال شرحبيل بن سعد: ومعنى قوله: "وأنت حل بهذا البلد" قال: يحرمون أن ~~يقتلوا بها صيدا ويستحلون إخراجك وقتلك؟ PageV08P426 ### || # {ووالد وما ولد (3) لقد خلقنا الإنسان في كبد (4) أيحسب أن لن يقدر عليه ~~أحد (5) يقول أهلكت مالا لبدا (6) } # {ووالد وما ولد} يعني آدم عليه السلام وذريته. {لقد خلقنا الإنسان في ~~كبد} روى الوالبي عن ابن عباس: في نصب. قال الحسن: يكابد مصائب الدنيا ~~وشدائد الآخرة. وقال قتادة: في مشقة فلا تلقاه إلا يكابد أمر الدنيا ~~والآخرة. # وقال سعيد بن جبير: [في شدة. وقال عطاء عن ابن عباس] : (1) في شدة خلق ~~حمله وولادته ورضاعه، وفطامه وفصاله ومعاشه وحياته وموته. # وقال عمرو بن دينار: عند نبات أسنانه. قال يمان: لم يخلق الله خلقا يكابد ~~ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق. وأصل الكبد: الشدة. # وقال مجاهد، وعكرمة، وعطية، والضحاك: يعني منتصبا معتدل القامة، وكل شيء ~~خلق فإنه يمشي مكبا، وهي رواية مقسم عن ابن عباس، [وأصل] (2) والكبد: ~~الاستواء والاستقامة. # وقال ابن كيسان: منتصبا رأسه في بطن أمه فإذا أذن الله له في خروجه انقلب ~~رأسه إلى رجلي أمه. # وقال مقاتل: "في كبد" أي في قوة. # نزلت في أبي الأشدين واسمه أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديدا قويا يضع ~~الأديم العكاظي تحت قدميه فيقول: من أزالني عنه فله كذا وكذا، فلا يطاق أن ~~ينزع من تحت قدميه إلا قطعا ويبقى موضع قدميه. {أيحسب} يعني أبا الأشدين من ~~قوته، {أن لن يقدر عليه أحد} أي: يظن من شدته أن لن يقدر عليه الله تعالى. ~~وقيل: هو الوليد بن المغيرة. {يقول أهلكت} يعني أنفقت، {مالا لبدا} أي ~~كثيرا بعضه على بعض، من التلبيد، في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، قرأ ~~أبو جعفر لبدا بتشديد الباء على جمع لا بد، مثل راكع وركع، وقرأ الآخرون ~~بالتخفيف على جمع "لبدة"، وقيل على الواحد مثل قثم وحطم. PageV08P430 ### || # {أيحسب أن لم ms2761 يره أحد (7) ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) ~~وهديناه النجدين (10) فلا اقتحم العقبة (11) } # {أيحسب أن لم يره أحد} قال سعيد بن جبير [وقتادة: أيظن] (1) أن الله لم ~~يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه، وأين أنفقه؟ # وقال الكلبي: إنه كان كاذبا في قوله أنفقت كذا وكذا، ولم يكن أنفق جميع ~~ما قال، يقول أيظن أن الله عز وجل لم ير ذلك منه فيعلم مقدار نفقته، ثم ~~ذكره نعمه ليعتبر، فقال: {ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين} قال قتادة: نعم ~~الله متظاهرة يقررك بها كيما تشكر، وجاء في الحديث: أن الله عز وجل يقول: ~~ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن ~~نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين، فأطبق، وإن ~~نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق (2) . {وهديناه ~~193/أالنجدين} قال أكثر المفسرين: طريق الخير والشر، والحق والباطل، والهدى ~~والضلالة، كقوله: "إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا" وقال محمد بن ~~كعب عن ابن عباس: "وهديناه النجدين" قال: الثديين، وهو قول سعيد بن المسيب ~~والضحاك، والنجد: طريق في ارتفاع. {فلا اقتحم العقبة} يقول: فهلا أنفق ماله ~~فيما يجوز به من فك الرقاب وإطعام السغبان، فيكون خيرا له من إنفاقه على ~~عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، هذا قول ابن زيد وجماعة. # وقيل: "فلا اقتحم العقبة" أي لم يقتحمها ولا جاوزها. والاقتحام: الدخول ~~في الأمر الشديد، وذكر العقبة هاهنا مثل ضربه الله لمجاهدة النفس والهوى ~~والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، يقول: لم يحمل على ~~نفسه المشقة بعتق الرقبة ولا طعام، وهذا معنى قول قتادة. # وقيل: إنه شبه ثقل الذنوب على مرتكبها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وأطعم كان ~~كمن اقتحم العقبة وجاوزها. # وروي عن ابن عمر: أن هذه العقبة جبل في جهنم (3) . PageV08P431 # وقال الحسن وقتادة: عقبة شديدة في النار دون الجسر، فاقتحموها بطاعة الله ~~تعالى (1) . # وقال مجاهد، والضحاك، والكلبي: هي صراط يضرب على جهنم ms2762 كحد السيف، مسيرة ~~ثلاثة آلاف سنة سهلا وصعودا وهبوطا، وإن بجنبتيه كلاليب وخطاطيف كأنها شوك ~~السعدان، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكردس في النار منكوس، فمن الناس من يمر ~~كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح العاصف، ومنهم من يمر كالفارس، ومنهم ~~من يمر عليه كالرجل يعدو، ومنهم من يمر كالرجل يسير، ومنهم من يزحف زحفا، ~~ومنهم الزالون، ومنهم من يكردس في النار. # قال ابن زيد: يقول فهلا سلك الطريق التي فيها النجاة. ### || # {وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13) أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) } # ثم بين ما هي فقال: {وما أدراك ما العقبة} ما اقتحام العقبة. قال سفيان ~~بن عيينة: كل شيء قال: "وما أدراك" فإنه أخبر به، وما قال: "وما يدريك" ~~فإنه لم يخبر به. {فك رقبة أو إطعام} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي: ~~"فك" بفتح الكاف، "رقبة" نصب، "أو أطعم" بفتح الهمزة والميم على الماضي. ~~وقرأ الآخرون "فك" برفع الكاف، "رقبة" جرا، "أو إطعام" [بكسر الهمزة، فألف ~~بعد العين، ورفع الميم منونة] (2) على المصدر. # وأراد بفك الرقبة إعتاقها وإطلاقها، ومن أعتق رقبة كانت فداءه من النار. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ~~حدثنا أبو جعفر بن محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن ~~زنجويه، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، حدثني ابن الهاد، عن ~~عمر بن علي بن حسين، عن سعيد بن مرجانة قال: سمعته يحدث عن أبي هريرة قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله ~~بكل عضو منه عضوا من النار، حتى يعتق فرجه بفرجه" (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا محمد بن كثير العبدي، حدثنا عيسى بن ~~عبد الرحمن السلمي، عن طلحة PageV08P432 # بن مصرف اليامي، عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال: جاء ~~أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ms2763 يا رسول الله علمني عملا ~~يدخلني الجنة، قال: "لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة ~~وفك الرقبة"، قال: قلت: أوليسا واحدا؟ قال: " لا عتق النسمة: أن تنفرد ~~بعتقها، وفك الرقبة: أن تعين في ثمنها، والمنحة الوكوف (1) وأنفق (2) على ~~ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن، وأمر بالمعروف ~~وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسلانك إلا من خير" (3) . # وقال عكرمة قوله: "فك رقبة"، يعني فك رقبة من الذنوب بالتوبة "أو إطعام ~~في يوم ذي مسغبة"، مجاعة، يقال: سغب يسغب سغبا (4) إذا جاع. ### || # {يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة (16) ثم كان من الذين آمنوا ~~وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (17) أولئك أصحاب الميمنة (18) والذين ~~كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة (19) عليهم نار مؤصدة (20) } # {يتيما ذا مقربة} أي ذا قرابة، يريد يتيما بينك وبينه قرابة. {أو مسكينا ~~ذا متربة} قد لصق بالتراب من فقره وضره. وقال مجاهد عن ابن عباس: هو ~~المطروح في التراب لا يقيه شيء. و"المتربة" مصدر ترب يترب تربا ومتربة إذا ~~افتقر. {ثم كان من الذين آمنوا} بين أن هذا القرب إنما تنفع مع الإيمان. ~~وقيل: "ثم" بمعنى الواو، {وتواصوا} أوصى بعضهم بعضا، {بالصبر} على فرائض ~~الله وأوامره، {وتواصوا بالمرحمة} برحمة الناس. {أولئك أصحاب الميمنة ~~والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة عليهم نار مؤصدة} مطبقة عليهم ~~أبوابها، لا يدخل فيها روح ولا يخرج منها غم. PageV08P433 # قرأ أبو عمرو، وحمزة، وحفص: بالهمزة هاهنا، وفي الهمزة، وقرأ الآخرون بلا ~~همز، وهما لغتان، يقال: آصدت الباب وأوصدته، إذا أغلقته وأطبقته، وقيل: ~~معنى الهمز المطبقة وغير الهمز المغلقة (1) . PageV08P434 ### | سورة الشمس # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {والشمس وضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) والنهار إذا جلاها (3) والليل ~~إذا يغشاها (4) والسماء وما بناها (5) والأرض وما طحاها (6) } # {والشمس وضحاها} قال مجاهد والكلبي: ضوءها، والضحى: حين تطلع الشمس، ~~فيصفو ضوءها، قال قتادة: هو النهار كله. وقال مقاتل: حرها، كقوله في طه ~~"ولا تضحى"، يعني لا يؤذيك الحر. {والقمر إذا تلاها} تبعها، وذلك في النصف ms2764 ~~الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور. ~~وقال الزجاج: وذلك حين استدار، يعني كمل ضوءه تابعا للشمس في الإنارة وذلك ~~في الليالي البيض. {والنهار إذا جلاها} يعني إذا جلى الظلمة، كناية عن غير ~~مذكور لكونه معروفا. {والليل إذا يغشاها} يعني يغشى الشمس حين تغيب فتظلم ~~الآفاق. {والسماء وما بناها} قال [الكلبي] (2) .: ومن بناها، وخلقها كقوله: ~~"فانكحوا ما طاب لكم من النساء". (النساء -3) أي من طاب. # قال عطاء: والذي بناها. وقال الفراء والزجاج: "ما" بمعنى المصدر، أي ~~وبنائها كقوله: "بما غفر لي ربي" (يس -27) . {والأرض وما طحاها} بسطها. ~~PageV08P435 ### || # {ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) } # {ونفس وما سواها} عدل خلقها وسوى أعضاءها. قال عطاء: يريد جميع ما خلق من ~~الجن والإنس. {فألهمها فجورها وتقواها} قال ابن عباس في رواية علي بن أبي ~~طلحة: 193/ب بين لها الخير والشر. وقال في رواية عطية: علمها الطاعة ~~والمعصية، وروى الكلبي عن أبي صالح عنه: عرفها ما تأتي من الخير وما تتقي ~~[من الشر] (1) . # وقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها. قال ابن زيد: جعل فيها ذلك، ~~يعني بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور. واختار الزجاج هذا، وحمل ~~الإلهام على التوفيق والخذلان، وهذا يبين أن الله عز وجل خلق في المؤمن ~~التقوى وفي الكافر الفجور. # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنا [أحمد بن] (2) محمد بن إبراهيم ~~الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين بن عبد الله، حدثنا موسى بن محمد ~~بن علي بن عبد الله أخبرنا عبد الله بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن ~~إبراهيم، أخبرنا عروة بن ثابت الأنصاري، حدثنا يحيى بن عقيل، عن يحيى بن ~~يعمر، عن الأسود الديلي قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس ~~[ويتكادحون] (3) فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر سبق؟ أو فيما ~~يستقبلون به مما آتاهم به نبيهم وأكدت عليهم الحجة؟ قلت: بل شيء قد قضي ~~عليهم، قال: فهل يكون ذلك ظلما؟ قال: ففزعت منه فزعا شديدا، وقلت: ms2765 إنه ليس ~~شيء إلا وهو خلقه وملك، يده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فقال لي: سددك ~~الله، إنما سألتك لأختبر عقلك [إن رجلا من جهينة أو مزينة] (4) أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس ويتكادحون فيه ~~أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر سبق؟ أو فيما يستقبلون به مما أتاهم نبيهم ~~وأكدت به عليهم الحجة؟ فقال: "لا بل شيء قد قضي عليهم ومضى فيهم"، قال قلت: ~~ففيم العمل إذا؟ قال: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه الله لها، ~~وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها" ~~(5) PageV08P438 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي ~~شريح، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا علي ~~بن الجعد، حدثنا زهير بن معاوية عن أبي الزبير، عن جابر قال: جاء سراقة بن ~~مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، أرأيت ~~عمرتنا هذه ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: بل للأبد، قال: يا رسول الله بين ~~لنا ديننا كأننا خلقنا الآن فيم العمل، اليوم، فيما جفت به الأقلام وجرت به ~~المقادير؟ أو فيما يستقبل؟ قال: "لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به ~~المقادير"، قال: ففيم العمل؟ فقال زهير: فقال كلمة خفيت علي، فسألت عنها ~~نسبتي بعد، فذكر أنه سمعها، فقال: "اعملوا فإن كلا ميسر لما خلق له" (1) . ### || # {قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10) كذبت ثمود بطغواها (11) } # {قد أفلح من زكاها} وهذا موضع القسم، أي فازت وسعدت نفس زكاها الله، أي ~~أصلحها وطهرها من الذنوب ووفقها للطاعة. {وقد خاب من دساها} أي خابت وخسرت ~~نفس أضلها الله فأفسدها. # وقال الحسن: معناه قد أفلح من زكى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله عز ~~وجل، "وقد خاب من دساها" أهلكها وأضلها وحملها على المعصية، فجعل الفعل ~~للنفس. # و"دساها" أصله: دسسها من التدسيس، وهو إخفاء الشيء، فأبدلت ms2766 السين الثانية ~~ياء. # والمعنى هاهنا: أخملها وأخفى محلها بالكفر والمعصية. # أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن ~~محمد بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر الجوربذي، ~~حدثنا أحمد بن حرب، حدثنا أبو معاوية عن عاصم، عن أبي عثمان وعبد الله بن ~~الحارث، عن زيد بن أرقم قال: لا أقول لكم إلا ما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لنا: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والبخل والجبن والهم ~~وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ~~ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، ومن قلب لا ~~يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها" (2) . قوله عز وجل {كذبت ثمود بطغواها} ~~بطغيانها وعدوانها، أي الطغيان حملهم على التكذيب. PageV08P439 ### || # {إذ انبعث أشقاها (12) فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها (13) فكذبوه ~~فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (14) ولا يخاف عقباها (15) } # {إذ انبعث أشقاها} أي قام، والانبعاث: هو الإسراع في الطاعة للباعث، أي: ~~كذبوا بالعذاب، وكذبوا صالحا لما انبعث أشقاها وهو: قدار، بن سالف، وكان ~~أشقر أزرق [العينين] (1) قصيرا قام لعقر الناقة. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل [أخبرنا موسى بن إسماعيل] (2) ، حدثنا ~~وهيب، حدثنا هشام عن أبيه أنه أخبره عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم يخطب وذكر الناقة والذي عقرها فقال [رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم] : (3) "إذ انبعث أشقاها"، انبعث لها رجل عزيز [عارم] (4) منيع ~~في أهله مثل أبي زمعة" (5) . {فقال لهم رسول الله} صالح عليه السلام، {ناقة ~~الله} أي احذروا عقر ناقة الله. وقال الزجاج: منصوب على معنى: ذروا ناقة ~~الله، {وسقياها} شربها، أي: ذروا ناقة الله وذروا شربها من الماء، [فلا ~~تعرضوا] (6) للماء يوم شربها. {فكذبوه} يعني صالحا، {فعقروها} يعني الناقة. # {فدمدم عليهم ربهم} قال عطاء ومقاتل: فدمر عليهم ربهم ms2767 فأهلكهم. قال ~~المؤرج: الدمدمة إهلاك باستئصال. {بذنبهم} بتكذيبهم الرسول وعقرهم الناقة، ~~{فسواها} فسوى الدمدمة عليهم جميعا، وعمهم بها فلم يفلت منهم أحد. وقال ~~الفراء: سوى الأمة وأنزل العذاب بصغيرها وكبيرها، يعني سوى بينهم. {ولا ~~يخاف عقباها} قرأ أهل المدينة والشام: "فلا" بالفاء وكذلك هو في مصاحفهم، ~~وقرأ الباقون بالواو، وهكذا في مصاحفهم {عقباها} عاقبتها. PageV08P440 # قال الحسن: معناه: لا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم. وهي رواية علي ~~بن أبي طلحة عن ابن عباس. # وقال الضحاك، والسدي، والكلبي: هو راجع إلى العاقر، وفي الكلام تقديم ~~وتأخير، وتقديره: إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها. # PageV08P441 ### | سورة الليل # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر والأنثى (3) إن ~~سعيكم لشتى (4) فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) } # {والليل إذا يغشى} أي يغشى النهار بظلمة فيذهب بضوئه. {والنهار إذا تجلى} ~~بان وظهر من بين الظلمة. {وما خلق الذكر والأنثى} يعني: ومن خلق، قيل هي ~~"ما" المصدرية 194/أأي: وخلق الذكر والأنثى، قال مقاتل والكلبي: يعني آدم ~~وحواء. وفي قراءة ابن مسعود، وأبي الدرداء: والذكر والأنثى. جواب القسم ~~قوله: {إن سعيكم لشتى} إن أعمالكم لمختلفة، فساع في فكاك نفسه، وساع في ~~عطبها. # روى أبو مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل، الناس ~~يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" (2) . {فأما من أعطى} ماله في سبيل ~~الله، {واتقى} ربه. {وصدق بالحسنى} قال أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك: ~~وصدق بلا إله إلا الله، وهي رواية عطية عن ابن عباس. # وقال مجاهد: بالجنة دليله: قوله تعالى "للذين أحسنوا الحسنى" يعني الجنة. ~~PageV08P442 # وقيل: "صدق بالحسنى": أي بالخلف، أي أيقن أن الله تعالى سيخلفه. وهي ~~رواية عكرمة عن ابن عباس. # وقال قتادة ومقاتل والكلبي: بموعود الله عز وجل الذي وعده أن يثيبه. ### || # {فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) فسنيسره ~~للعسرى (10) } # {فسنيسره} فسنهيئه في الدنيا، {لليسرى} أي للخلة اليسرى، وهي العمل بما ~~يرضاه الله عز وجل. {وأما من بخل} بالنفقة في الخير، ms2768 {واستغنى} عن ثواب ~~الله فلم يرغب فيه {وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} سنهيئه للشر بأن نجريه ~~على يديه حتى يعمل بما لا يرضي الله، فيستوجب به النار. قال مقاتل: نعسر ~~عليه أن يأتي خيرا. # وروينا عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نفس منفوسة إلا ~~[كتب الله] (1) مكانها من الجنة أو النار" فقال رجل: أفلا نتكل على كتابنا ~~وندع العمل؟ قال: "لا ولكن اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل الشقاء ~~فييسرون لعمل أهل الشقاء، وأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة"، ثم ~~تلا "فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى ~~وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى" (2) . # قيل: نزلت في أبي بكر الصديق اشترى بلالا من أمية بن خلف ببردة وعشرة ~~أواق، فأعتقه فأنزل الله تعالى: "والليل إذا يغشى" إلى قوله: "إن سعيكم ~~لشتى" يعني: سعي أبي بكر وأمية (3) . # وروى علي بن حجر عن إسحاق عن أبي نجيح عن عطاء، قال: كان لرجل من الأنصار ~~نخلة وكان له جار يسقط من بلحها في دار جاره، وكان صبيانه يتناولون منه، ~~فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"بعنيها بنخلة في الجنة" فأبى، فخرج فلقيه أبو الدحداح، فقال له: هل لك أن ~~تبيعها بحش [البستان] (4) ، يعني حائطا له، فقال له: هي لك، فأتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أتشتريها مني بنخلة في الجنة؟ قال: ~~"نعم" قال: هي لك، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم جار الأنصاري PageV08P446 # فقال: "خذها". فأنزل الله تعالى: "والليل إذا يغشى" إلى قوله: "إن سعيكم ~~لشتى" (1) [سعي أبي] (2) الدحداح والأنصاري صاحب النخلة. # {فأما من أعطى واتقى} [يعني أبا] (3) الدحداح، {وصدق بالحسنى} [الثواب] ~~(4) {فسنيسره لليسرى} يعني الجنة، {وأما من بخل واستغنى} يعني الأنصاري، ~~{وكذب بالحسنى} يعني الثواب، {فسنيسره للعسرى} يعني النار. ### || # {وما يغني عنه ماله إذا تردى (11) إن علينا للهدى (12) وإن لنا للآخرة ~~والأولى (13) فأنذرتكم نارا تلظى (14) } PageV08P447 # {لا يصلاها إلا الأشقى ms2769 (15) الذي كذب وتولى (16) وسيجنبها الأتقى (17) } # {وما يغني عنه ماله} الذي بخل به، {إذا تردى} قال مجاهد: إذا مات. وقال ~~قتادة وأبو صالح: هوى في جهنم. {إن علينا للهدى} يعني البيان. قال الزجاج: ~~علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال، وهو قول قتادة، قال: على الله ~~بيان حلاله وحرامه. # قال الفراء: يعني من سلك الهدى فعلى الله سبيله (1) كقوله تعالى: "وعلى ~~الله قصد السبيل" (النحل -9) يقول: من أراد الله فهو على السبيل القاصد. # وقيل معناه: إن علينا للهدى والإضلال كقوله: "بيدك الخير" (آل عمران -26) ~~[فاقتصر على الهدى لدلالة الكلام عليه كقوله: "سرابيل تقيكم الحر" (النحل ~~-81) فاقتصر على ذكر الحر ولم يذكر البرد لأنه يدل عليه] (2) . {وإن لنا ~~للآخرة والأولى} فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق. {فأنذرتكم} يا ~~أهل مكة، {نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى} أي: تتلظى، يعني تتوقد وتتوهج. ~~{الذي كذب} الرسول، {وتولى} عن الإيمان. {وسيجنبها الأتقى} يريد بالأشقى ~~الشقي، وبالأتقى التقي. PageV08P447 ### || # {الذي يؤتي ماله يتزكى (18) } # {الذي يؤتي ماله} يعطي ماله {يتزكى} يطلب أن يكون عند الله زاكيا لا رياء ~~ولا سمعة، يعني أبا بكر الصديق، في قول الجميع. # قال ابن الزبير: كان أبو بكر يبتاع الضعفة فيعتقهم، فقال أبوه: أي بني لو ~~كنت تبتاع من يمنع ظهرك؟ قال: منع ظهري أريد، فنزل: "وسيجنبها الأتقى"، إلى ~~آخر السورة (1) . # وذكر محمد بن إسحاق قال: كان بلال لبعض بني جمح وهو بلال بن رباح واسم ~~أمه حمامة، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت ~~الظهيرة فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على ~~صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، فيقول وهو في ذلك ~~البلاء: أحد أحد. # وقال محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه قال: مر به أبو بكر يوما وهم ~~يصنعون به ذلك، وكانت دار أبي بكر في بني جمح، فقال لأمية ألا تتقي الله ~~تعالى في هذا المسكين؟ قال: أنت أفسدته ms2770 فأنقذه مما ترى، قال أبو بكر: أفعل! ~~عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيك؟ قال: قد فعلت فأعطاه أبو ~~بكر غلامه وأخذه فأعتقه، ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر ست [رقاب] ~~(2) ، بلال سابعهم، عامر بن فهيرة شهد بدرا وأحدا، وقتل يوم بئر معونة ~~شهيدا، وأم عميس، وزنيرة فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب ~~بصرها إلا اللات والعزى [فقالت: كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى] (3) ~~، وما تنفعان فرد الله إليها بصرها، وأعتق النهدية وابنتها، وكانتا لامرأة ~~من بني عبد الدار فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما تحطبان (4) لها وهي تقول ~~والله لا أعتقكما أبدا. فقال أبو بكر: خلا يا أم فلان، فقالت: خلا أنت ~~أفسدتهما فأعتقهما، قال [أبو بكر رضي الله عنه] (5) فبكم؟ قالت: بكذا وكذا، ~~قال: قد أخذتهما وهما حرتان، ومر بجارية بني المؤمل وهي تعذب فابتاعها ~~فأعتقها (6) . PageV08P448 # وقال سعيد بن المسيب: بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر في بلال حين ~~قال: أتبيعه؟ قال: نعم أبيعه بنسطاس عبد لأبي بكر، صاحب عشرة آلاف دينار، ~~وغلمان وجوار ومواش، وكان مشركا حمله أبو بكر على الإسلام على أن يكون ماله ~~له، فأبى فأبغضه أبو بكر، فلما قال له 194/ب أمية أبيعه بغلامك نسطاس ~~اغتنمه وباعه منه، فقال المشركون: ما فعل ذلك أبو بكر ببلال إلا ليد كانت ~~لبلال عنده فأنزل الله: ### || # {وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف ~~يرضى (21) } # {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} (1) أي يجازيه ويكافئه عليها. {إلا} لكن ~~{ابتغاء وجه ربه الأعلى} يعني: لا يفعل ذلك مجازاة لأحد بيد له عنده، ولكنه ~~يفعله ابتغاء وجه ربه الأعلى وطلب رضاه. {ولسوف يرضى} بما يعطيه الله عز ~~وجل في الآخرة من الجنة والكرامة جزاء على ما فعل. PageV08P449 ### | سورة الضحى # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم # {والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى (3) } # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا ms2771 محمد بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، ~~حدثنا الأسود بن قيس قال: سمعت جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إني ~~لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، فأنزل الله ~~عز وجل: {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى} (2) . # وقيل: إن المرأة التي قالت ذلك أم جميل امرأة أبي لهب. # وقال المفسرون سألت اليهود، رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين ~~وأصحاب الكهف وعن الروح؟ فقال: سأخبركم غدا، ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس ~~عنه الوحي (3) . # وقال زيد بن أسلم: كان سبب احتباس جبريل عليه السلام عنه كون جرو في ~~بيته، فلما نزل عاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبطائه، فقال: إنا ~~لا ندخل بيتا فيه كلب [أو] (4) صورة (5) . # واختلفوا في مدة احتباس الوحي عنه، فقال ابن جريج: اثنا عشر يوما. وقال ~~ابن عباس: خمسة عشر يوما. وقال مقاتل: أربعون يوما. PageV08P450 # قالوا: فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه، فأنزل الله تعالى هذه ~~السورة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا جبريل ما جئت حتى اشتقت إليك"، ~~فقال جبريل: "إني كنت أشد شوقا [إليك] (1) ، وكلني عبد مأمور"، فأنزل: "وما ~~نتنزل إلا بأمر ربك" (2) (مريم -64) . # قوله عز وجل: {والضحى} أقسم بالضحى وأراد به النهار كله، بدليل أنه قابله ~~بالليل [فقال والليل] (3) إذا سجى، نظيره: قوله: "أو أمن أهل القرى أن ~~يأتيهم بأسنا ضحى" (الأعراف -98) أي نهارا. # وقال قتادة ومقاتل: يعني وقت الضحى، وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس، ~~واعتدال النهار في الحر والبرد والصيف والشتاء. {والليل إذا سجى} قال ~~الحسن: أقبل بظلامه، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، وقال الوالبي عنه: إذا ~~ذهب، قال عطاء والضحاك: غطى كل شيء بالظلمة. وقال مجاهد: استوى. وقال قتادة ~~وابن زيد: سكن واستقر ظلامه فلا يزداد بعد ذلك. يقال: ليل ساج وبحر ساج ~~[إذا كان ساكنا] (4) . قوله ms2772 تعالى: {ما ودعك ربك وما قلى} هذا جواب القسم، ~~أي ما تركك منذ اختارك ولا أبغضك منذ أحبك. ### || # {وللآخرة خير لك من الأولى (4) } # {وللآخرة خير لك من الأولى} حدثنا المطهر بن علي الفارسي، أخبرنا محمد بن ~~إبراهيم [الصالحاني] (5) ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ ~~الحافظ، أخبرنا ابن أبي عاصم، أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا معاوية ~~بن هشام عن علي بن صالح عن يزيد بن زياد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا أهل بيت اختار الله لنا ~~الآخرة على الدنيا" (6) . PageV08P454 ### || # {ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) ألم يجدك يتيما فآوى (6) } # {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال عطاء عن ابن عباس: هو الشفاعة في أمته حتى ~~يرضى، وهو قول علي والحسن. # وروينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا ~~سنرضيك في أمتك، ولا نسؤءك فيهم" (1) . # وقال حرب بن شريح سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: إنكم يا معشر أهل ~~العراق تقولون: أرجى آية في القرآن: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ~~لا تقنطوا من رحمة الله"، وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله ~~"ولسوف يعطيك ربك فترضى" (2) من الثواب. وقيل: من النصر والتمكين وكثرة ~~المؤمنين، {فترضى} # ثم أخبره الله عز وجل عن حالته التي كان عليها قبل الوحي، وذكره نعمه ~~فقال جل ذكره: {ألم يجدك يتيما فآوى} أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم ~~الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي فقال: أنبأني ~~عبد الله بن حامد الأصفهاني، أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري، حدثنا ~~محمد بن عيسى أنا أبو عمرو الجويني وأبو الربيع الزهراني قالا حدثنا حماد ~~بن زيد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms2773 "سألت ربي مسألة وودت أني لم ~~أكن سألته، قلت: يا رب إنك آتيت سلميان بن داود ملكا عظيما، وآتيت فلانا ~~كذا وآتيت فلانا كذا؟ قال: يا محمد ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى، أي رب ~~[قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: بلى أي رب، قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ ~~قلت: بلى أي رب"، وزاد غيره عن حماد قال: ألم أشرح لك صدرك ووضعت عنك وزرك؟ ~~قلت: PageV08P455 # بلى أي رب] (1) . # ومعنى الآية: ألم يجدك يتيما صغيرا فقيرا حين مات أبواك ولم يخلفا لك ~~مالا ولا مأوى، فجعلت لك مأوى تأوي إليه، وضمك إلى عمك أبي طالب حتى أحسن ~~تربيتك وكفاك المؤنة. ### || # {ووجدك ضالا فهدى (7) ووجدك عائلا فأغنى (8) } # {ووجدك ضالا} يعني ضالا عما أنت عليه {فهدى} أي: فهداك للتوحيد والنبوة. # قال الحسن والضحاك وابن كيسان: "ووجدك ضالا" عن معالم النبوة وأحكام ~~الشريعة غافلا عنها، فهداك إليها، [كما قال] (2) "وإن كنت من قبله لمن ~~الغافلين" (يوسف -3) وقال: "ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان" (الشورى ~~-52) . # وقيل: ضالا في شعاب مكة فهداك إلى جدك عبد المطلب وروى أبو الضحى عن ابن ~~عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضل في شعاب مكة وهو صبي صغير، فرآه ~~أبو جهل منصرفا عن أغنامه فرده إلى عبد المطلب. # وقال سعيد بن المسيب: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب ~~في قافلة ميسرة غلام خديجة فبينما هو راكب ذات ليلة ظلماء ناقة إذ جاء ~~إبليس فأخذ بزمام الناقة فعدل به عن الطريق، فجاء جبريل 195/أفنفخ إبليس ~~نفخة وقع منها إلى أرض الحبشة، ورده إلى القافلة فمن الله عليه بذلك (3) . ~~وقيل: وجدك ضالا [ضال] (4) نفسك لا تدري من أنت، فعرفك نفسك وحالك. {ووجدك ~~عائلا فأغنى} أي فقيرا فأغناك بمال خديجة ثم بالغنائم. # وقال مقاتل: [فأرضاك] (5) بما أعطاك من الرزق. واختاره الفراء. وقال: لم ~~يكن غنيا عن كثرة المال ولكن الله [أرضاه] (6) بما آتاه وذلك حقيقة الغنى. ~~PageV08P456 # أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنبأنا أبو طاهر ms2774 محمد بن محمد بن محمش ~~الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف ~~السلمي، حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه أنه قال أخبرنا أبو ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ~~ولكن الغنى غنى النفس" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسين ~~الزغرتاني (2) . أخبرنا أحمد بن سعيد أخبرنا أبو يحيى محمد بن عبد الله، ~~حدثنا أبي، حدثني شرحبيل بن شريك عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن ~~عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا ~~وقنعه الله بما آتاه" (3) . # ثم أوصاه باليتامى والفقراء فقال: ### || # {فأما اليتيم فلا تقهر (9) } # {فأما اليتيم فلا تقهر} قال مجاهد: لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيما. وقال ~~الفراء والزجاج: لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه (4) ، وكذا كانت العرب ~~تفعل في أمر اليتامى، تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم. # أخبرنا أبو بكر محمد عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد ~~بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا [عبد الله] (5) ~~بن محمود، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك ~~عن سعيد بن أبي أيوب عن يحيى [بن] (6) سليمان عن يزيد بن أبي عتاب عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم ~~يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه"، ثم قال بأصبعيه: ~~"أنا وكافل اليتيم [في الجنة] (7) PageV08P457 # هكذا [وهو يشير] (1) بأصبعيه [السبابة والوسطى] (2) " (3) . ### || # {وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث (11) } # {وأما السائل فلا تنهر} قال المفسرون: يريد السائل على الباب، يقول: لا ~~تنهره لا تزجره إذا سألك، فقد كنت فقيرا فإما أن تطعمه وإما أن ترده ردا ~~لينا، يقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره. # وقال قتادة: رد السائل برحمة ولين. قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم ~~السؤال ms2775 يحملون زادنا إلى الآخرة. # وقال إبراهيم: السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل توجهون ~~إلى أهليكم بشيء؟ # وروي عن الحسن في قوله: "أما السائل فلا تنهر"، قال: طالب العلم. {وأما ~~بنعمة ربك فحدث} قال مجاهد يعني النبوة، روى عنه أبو بشر واختاره الزجاج ~~وقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك [الله] (4) . # وقال الليث عن مجاهد: يعني القرآن وهو قول الكلبي، أمره أن [يقرأ به] (5) ~~. # وقال مقاتل: اشكر لما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة من جبر اليتيم ~~والهدى بعد الضلالة والإغناء بعد العيلة، والتحدث بنعمة الله شكرا. # أخبرنا أبو سعيد بكر بن محمد بن محمد بن محمي البسطامي، حدثنا أبو الحسن ~~عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سختويه، أخبرنا عبد الله بن محمد ~~بن الحسين النصر أبادي، [حدثنا PageV08P458 # علي بن سعيد النسوي] (1) أخبرنا سعيد بن عفير، حدثنا يحيى بن أيوب عن ~~عمارة بن غزية عن شرحبيل مولى الأنصاري، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "من صنع إليه معروف فليجز به، فإن لم يجد ما يجزي ~~به فليثن عليه فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره، ومن تحلى ~~بما لم يعط كان كلابس ثوبين من زور" (2) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن ~~محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق، حدثنا أبو القاسم بن منيع، ~~حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا وكيع عن أبي عبد الرحمن يعني القاسم بن ~~الوليد، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول على المنبر: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر ~~الناس لم يشكر الله تعالى، التحدث بنعمة الله شكر، وتركه كفر، والجماعة ~~رحمة والفرقة عذاب" (3) . # والسنة -في قراءة أهل مكة-أن يكبر من أول سورة "والضحى" على رأس كل سورة ~~حتى يختم القرآن؛ فيقول: الله أكبر. # قال الشيخ الإمام الأجل ms2776 محيي السنة ناصر الحديث قدوة الأئمة ناشر الدين ~~ركن الإسلام إمام الأئمة مفتي الشرق أبو محمد الحسين بن مسعود رحمه الله: ~~كذلك قرأته على الإمام المقرئ أبي نصر محمد بن أحمد بن علي الحامدي بمرو، ~~قال: قرأت على أبي القاسم طاهر بن علي الصيرفي، قال: قرأت على أبي بكر أحمد ~~بن الحسين بن مهران، قال: قرأت على أبي علي محمد بن أحمد بن حامد الصفار ~~المقرئ، قال: قرأت على أبي بكر محمد بن موسى الهاشمي، قال: قرأت على أبي ~~ربيعة والحسين بن محمد الحداد، وهما قرءا على أبي الحسين بن أبي بزة ~~وأخبرهما PageV08P459 # [ابن أبي بزة] (1) أنه قرأ على عكرمة بن سليمان بن كثير المكي، وأخبره ~~عكرمة أنه قرأ على شبل بن عباد وإسماعيل بن قسطنطين، وأخبراه أنهما قرأا ~~على عبد الله بن كثير، وأخبرهما عبد الله [بن كثير -رضي الله عنهم أجمعين] ~~(2) أنه قرأ على مجاهد، وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس، وأخبره ابن ~~عباس أنه قرأ على أبي بن كعب. # وأخبرنا الإمام المقرئ أبو نصر محمد بن أحمد بن علي وقرأت عليه بمرو، ~~وقال: أنا الشريف أبو القاسم علي بن محمد الزيدي بالتكبير، وقرأت عليه بثغر ~~حران، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد الموصلي المعروف بالنقاش، ~~وقرأت عليه بمدينة السلام، حدثنا أبو ربيعة محمد بن إسحاق الربعي، وقرأت ~~عليه بمكة قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي [بزة] (3) ~~، وقرأت عليه قال لي: قرأته على عكرمة بن سليمان، وأخبرني أنه قرأ على ~~إسماعيل بن قسطنطين وشبل بن عباد قال فلما بلغت "والضحى" قالا لي: كبر حتى ~~تختم، مع خاتمة كل سورة، فإنا قرأنا على ابن كثير فأمرنا بذلك، وأخبرنا أنه ~~قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس [فأمره بذلك] ~~(4) ، وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب فأمره بذلك وأخبره أبي أنه ~~قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بذلك (5) . # وكان سبب التكبير ms2777 أن الوحي لما احتبس قال المشركون هجره شيطانه، وودعه، ~~فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، فلما نزل "والضحى" كبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فرحا بنزول الوحي، فاتخذوه سنة (6) . PageV08P460 ### | سورة الشرح # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ~~ذكرك (4) } # {ألم نشرح لك صدرك} ألم نفتح ونوسع 195/ب ونلين لك قلبك بالإيمان والنبوة ~~والعلم والحكمة. {ووضعنا عنك وزرك} قال الحسن، ومجاهد وقتادة، والضحاك: ~~وحططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية، وهو كقوله: "ليغفر لك الله ما تقدم ~~من ذنبك وما تأخر" (الفتح -2) . # وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو. وقيل: ذنوب أمتك [فأضافه] (2) ~~إليه لاشتغال قلبه بهم، وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: يعني خففنا ~~عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها (3) . {الذي أنقض ظهرك} أثقل ظهرك فأوهنه ~~حتى سمع له نقيض، أي صوت. {ورفعنا لك ذكرك} أخبرنا أحمد بن إبراهيم ~~الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا أبو القاسم عبد ~~الخالق بن علي المؤذن، حدثنا أبو بكر بن حبيب، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن ~~إسماعيل، حدثنا صفوان يعني ابن صالح عبد الملك، حدثنا الوليد يعني بن مسلم، ~~حدثني عبد الله بن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عليه السلام عن هذه الآية "ورفعنا ~~لك ذكرك"؟ قال: قال الله تعالى: "إذا ذكرت ذكرت معي" (4) . PageV08P463 # وعن الحسن قال: "ورفعنا لك ذكرك" إذا ذكرت، ذكرت [معي] (1) وقال عطاء عن ~~ابن عباس: يريد الأذان والإقامة والتشهد والخطبة على المنابر، ولو أن عبدا ~~عبد الله وصدقه في كل شيء ولم يشهد أن محمدا رسول الله لم ينتفع بشيء، وكان ~~كافرا. # وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا ~~صاحب صلاة إلا ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ~~(2) . # وقال الضحاك: لا تقبل صلاة [إلا به] (3) ولا تجوز خطبة إلا ms2778 به. وقال ~~مجاهد: [ورفعنا لك ذكرك] (4) يعني بالتأذين. # وفيه يقول حسان بن ثابت: # ألم تر أن الله أرسل عبده %~% ببرهانه، والله ~~أعلى وأمجد # أغر عليه للنبوة خاتم %~% من الله مشهود يلوح ويشهد # وضم الإله اسم النبي مع اسمه %~% إذا قال في الخمس المؤذن: أشهد # وشق له من اسمه ليجله %~% فذو العرش محمود وهذا محمد (5) . # وقيل: رفع الله ذكره بأخذ ميثاقه على النبيين وإلزامهم الإيمان به ~~والإقرار بفضله. # ثم وعده اليسر والرخاء بعد الشدة، وذلك أنه كان بمكة في شدة، فقال الله ~~عز وجل: ### || # {فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) } # {فإن مع العسر يسرا} أي مع الشدة التي أنت فيها من جهاد المشركين يسرا ~~ورخاء بأن يظهرك عليهم حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به، "إن مع العسر يسرا" ~~كرره لتأكيد الوعد وتعظيم الرجاء. # وقال الحسن لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"أبشروا، قد جاءكم اليسر، لن يغلب PageV08P464 # عسر يسرين" (1) . # قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر حتى ~~يدخل، إنه لن يغلب عسر يسرين (2) . # قال المفسرون: ومعنى قوله: "لن يغلب عسر يسرين" أن الله تعالى كرر العسر ~~بلفظ المعرفة واليسر بلفظ النكرة، ومن عادة العرب إذا ذكرت اسما معرفا، ثم ~~أعادته كان الثاني هو الأول، وإذا ذكرت نكرة ثم أعادته مثله صار اثنين، ~~وإذا أعادته معرفة فالثاني هو الأول، كقولك: إذا كسبت، درهما أنفقت، درهما، ~~فالثاني غير الأول، وإذا قلت: إذا كسبت درهما فأنفق الدرهم، فالثاني هو ~~الأول، فالعسر في الآية مكرر بلفظ التعريف، فكان عسرا واحدا، واليسر مكرر ~~بلفظ [التنكير] (3) ، فكانا يسرين، فكأنه قال: فإن مع العسر يسرا، إن مع ~~ذلك العسر يسرا آخر. # وقال أبو علي [الحسن] (4) بن يحيى بن نصر الجرجاني صاحب "النظم" (5) تكلم ~~الناس في قوله: "لن يغلب عسر يسرين"، فلم يحصل منه غير قولهم: إن العسر ~~معرفة واليسر نكرة، فوجب أن يكون عسر واحد ويسران، وهذا قول مدخول، إذا قال ~~الرجل: إن مع ms2779 الفارس سيفا [إن مع الفارس سيفا] (6) ، فهذا لا يوجب أن يكون ~~الفارس واحد والسيف اثنين، فمجاز قوله: "لن يغلب عسر يسرين" أن الله بعث ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا: ~~إن كان بك طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة، فاغتم النبي ~~لذلك، فظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله نعمه عليه في هذه السورة، ~~ووعده الغنى، ليسليه بذلك عما خامره من الغم، فقال: "فإن مع العسر يسرا"، ~~مجازه: لا يحزنك ما يقولون فإن مع العسر يسرا في الدنيا عاجلا ثم أنجزه ما ~~وعده، وفتح عليه القرى العربية ووسع عليه ذات يده، حتى كان يعطي المئين من ~~الإبل، ويهب الهبات السنية، ثم ابتدأ فضلا آخر من أمر الآخرة، فقال: إن مع ~~العسر يسرا، والدليل على ابتدائه: تعريه من الفاء والواو، وهذا وعد لجميع ~~المؤمنين، ومجازه: إن مع العسر PageV08P465 # يسرا، أي: إن مع العسر في الدنيا للمؤمن يسرا في الآخرة، فربما اجتمع له ~~اليسران يسر الدنيا وهو ما ذكره في الآية الأولى ويسر الآخرة وهو ما ذكره ~~في الآية الثانية، فقوله عليه السلام: "لن يغلب عسر يسرين" أي: لن يغلب ~~عسر، الدنيا اليسر الذي وعده للمؤمنين في الدنيا واليسر الذي وعدهم في ~~الآخرة، وإنما يغلب أحدهما، هو يسر الدنيا، وأما يسر الآخرة فدائم غير ~~زائل، أي لا يجمعهما في الغلبة، كقوله صلى الله عليه وسلم: "شهرا عيد لا ~~ينقصان" (1) أي لا يجتمعان في النقصان. ### || # {فإذا فرغت فانصب (7) } # {فإذا فرغت فانصب} أي فاتعب، والنصب: التعب، قال ابن عباس، وقتادة، ~~والضحاك، ومقاتل، والكلبي: فإذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في ~~الدعاء وارغب إليه في المسألة يعطك (2) . # [وروى عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه قال: إذا صليت فاجتهد في الدعاء ~~والمسألة] (3) . # وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل (4) . # وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع، لدنياك وآخرتك. # وقال الحسن وزيد بن أسلم: إذا فرغت من جهاد ms2780 عدوك فانصب في عبادة ربك (5) ~~. # وقال منصور عن مجاهد: إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب في عبادة ربك وصل (6) ~~. # وقال حيان عن الكلبي: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب، أي: استغفر لذنبك ~~وللمؤمنين. PageV08P466 ### || # {وإلى ربك فارغب (8) } # {وإلى ربك فارغب} قال عطاء: تضرع إليه راهبا من النار راغبا في الجنة. ~~وقيل: فارغب إليه في جميع أحوالك. قال الزجاج: 196/أأي اجعل رغبتك إلى الله ~~وحده. # PageV08P467 ### | سورة التين # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3) } . # {والتين والزيتون} قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وإبراهيم، وعطاء بن أبي ~~رباح، ومقاتل، والكلبي: هو تينكم [هذا] (2) الذي تأكلونه، وزيتونكم هذا ~~الذي تعصرون منه الزيت. # قيل: خص التين بالقسم لأنها فاكهة مخلصة لا عجم لها، شبيهة بفواكه الجنة. ~~وخص الزيتون لكثرة منافعه، ولأنه شجرة مباركة جاء بها الحديث، وهو ثمر ودهن ~~يصلح للاصطباغ والاصطباح. # وقال عكرمة: هما جبلان. قال قتادة: "التين": الجبل الذي عليه دمشق، ~~و"الزيتون": الجبل الذي عليه بيت المقدس، لأنهما ينبتان التين والزيتون. # وقال الضحاك: هما مسجدان بالشام. قال ابن زيد: "التين": مسجد دمشق، ~~و"الزيتون": مسجد بيت المقدس. وقال محمد بن كعب: "التين" مسجد أصحاب الكهف، ~~و"الزيتون": مسجد إيليا. {وطور سينين} يعني الجبل الذي كلم الله عليه موسى ~~عليه السلام، وذكرنا معناه عند قوله: "وشجرة تخرج من طور سيناء" (3) ~~(المؤمنون -20) . {وهذا البلد الأمين} أي الآمن، يعني: مكة، يأمن فيه الناس ~~في الجاهلية والإسلام، هذه كلها أقسام، والمقسم عليه قوله: PageV08P468 ### || # {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) ثم رددناه أسفل سافلين (5) إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6) } # {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} أي: أعدل قامة وأحسن صورة، وذلك أنه ~~خلق كل حيوان منكبا على وجهه إلا الإنسان خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله ~~بيده، مزينا بالعقل والتمييز. {ثم رددناه أسفل سافلين} يريد إلى الهرم ~~وأرذل العمر، فينقص عقله ويضعف بدنه، والسافلون: هم الضعفاء والزمنى ~~والأطفال، فالشيخ الكبير [أسفل] (1) من هؤلاء جميعا، ["وأسفل سافلين" نكرة ~~تعم الجنس، كما تقول: فلان أكرم ms2781 قائم فإذا عرفت قلت: أكرم القائمين. وفي ~~مصحف عبد الله "أسفل السافلين"] (2) . # وقال الحسن، وقتادة، ومجاهد: يعني ثم رددناه إلى النار، يعني إلى أسفل ~~السافلين، لأن جهنم بعضها أسفل من بعض. # قال أبو العالية: يعني إلى النار في شر صورة، في صورة خنزير. ثم استثنى ~~فقال: {إلا الذين آمنوا} [فإنهم لا يردون إلى النار. ومن قال بالقول الأول ~~قال: رددناه أسفل سافلين، فزالت عقولهم وانقطعت أعمالهم، فلا يكتب لهم حسنة ~~إلا الذين آمنوا] (3) . {وعملوا الصالحات} فإنه يكتب لهم بعد الهرم، ~~والخرف، مثل الذي كانوا يعملون في حال الشباب والصحة. # قال ابن عباس: هم نفر ردوا إلى أرذل العمر على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأنزل الله تعالى عذرهم. وأخبر أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن ~~تذهب عقولهم (4) . # قال عكرمة: لم يضر هذا الشيخ [كبره] (5) إذ ختم الله له بأحسن ما كان ~~يعمل (6) . # وروى عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس قال: "إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات" PageV08P472 # قال: "إلا الذين [آمنوا] " (1) قرؤا القرآن، وقال: من قرأ القرآن لم يرد ~~إلى أرذل العمر (2) {فلهم أجر غير ممنون} غير مقطوع، لأنه يكتب له كصالح ما ~~كان يعمل. قال الضحاك: أجر بغير عمل، ثم قال: إلزاما للحجة: ### || # {فما يكذبك بعد بالدين (7) أليس الله بأحكم الحاكمين (8) } # {فما يكذبك} [أي: أمن يكذبك. وقيل: أي شيء يكذبك؟ أي يحملك على الكذب، ~~وقيل على التكذيب] (3) أيها الإنسان، {بعد} أي بعد هذه الحجة والبرهان، ~~{بالدين} بالحساب والجزاء، والمعنى: ألا تتفكر في صورتك وشبابك وهرمك ~~فتعتبر، وتقول: إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني ويحاسبني، فما الذي ~~يكذبك بالمجازاة بعد هذه الحجج؟ {أليس الله بأحكم الحاكمين} بأقضى القاضين، ~~قال مقاتل: [أليس الله] (4) يحكم بينك وبين أهل التكذيب [بك] (5) يا محمد. # وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ والتين والزيتون ~~فانتهى إلى آخرها: "أليس الله بأحكم الحاكمين" فليقل: بلى، وأنا على ذلك من ~~الشاهدين" (6) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله ms2782 النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو الوليد، حدثنا شعبة عن ~~عدي بن ثابت الأنصاري قال: سمعت البراء بن عازب قال: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان في سفر فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين والزيتون (7) ~~. PageV08P473 ### | سورة العلق # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم ~~(3) } # {اقرأ باسم ربك الذي خلق} أكثر المفسرين: على أن هذه السورة أول سورة ~~نزلت من القرآن، وأول ما نزل خمس آيات من أولها إلى قوله: "ما لم يعلم". # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن ~~عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ~~ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، ~~وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو ~~بغار حراء، فيتحنث فيه -وهو التعبد -الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى ~~أهله، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في ~~غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني ~~حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، [قال: ~~فأخذني] (2) فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، ~~فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة [حتى بلغ مني الجهد] (3) ، ثم ~~أرسلني، فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك ~~الأكرم} فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة ~~بنت خويلد، فقال: زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: ما ~~لي؟ وأخبرها الخبر، وقال: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما ~~يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، ms2783 ~~وتعين على نوائب الحق PageV08P474 # فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى -ابن عم ~~خديجة -وكان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب من ~~الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له ~~خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك ما يقول، فقال له ورقة: يا ابن أخي ~~ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: ~~هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا ~~إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي [هم] (1) ؟ ~~قال: نعم لم 196/ب يأت [أحد بمثل ما] (2) جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك ~~أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم يمكث (3) ورقة أن توفي، وفتر الوحي (4) . # وروى محمد بن إسماعيل هذا الحديث في موضع آخر من كتابه، عن يحيى بن بكير ~~بهذا الإسناد، وقال: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ~~معمر قال الزهري، فأخبرني عروة عن عائشة وذكر الحديث، قال: "اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق" حتى بلغ "ما لم يعلم" وزاد في آخره فقال: وفتر الوحي فترة حتى ~~حزن النبي، صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا حتى يتردى من ~~رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه، تبدى له جبريل ~~فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع، ~~فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له ~~جبريل، فقال له مثل ذلك" (5) . # أخبرنا أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن ~~محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد الوراق أخبرنا مكي بن ~~عبدان، أخبرنا عبد الرحمن بن بشر، حدثنا سفيان عن محمد بن إسحاق، عن الزهري ~~عن عروة عن عائشة قالت: أول سورة نزلت قوله عز وجل: "اقرأ باسم ربك" (6) . # قال ms2784 أبو عبيدة: مجازه: اقرأ اسم ربك، يعني أن الباء زائدة، والمعنى: اذكر ~~اسمه، أمر أن يبتدئ القراءة باسم الله [تأديبا] (7) . PageV08P478 # {الذي خلق} قال الكلبي: يعني الخلائق، ثم فسره فقال: {خلق الإنسان} يعني ~~[خلق] (1) ابن آدم، {من علق} جمع علقة. {اقرأ} كرره تأكيدا، ثم استأنف ~~فقال: {وربك الأكرم} فقال الكلبي: الحليم عن جهل العباد لا يعجل عليهم ~~بالعقوبة. ### || # {الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم (5) كلا إن الإنسان ليطغى ~~(6) أن رآه استغنى (7) إن إلى ربك الرجعى (8) أرأيت الذي ينهى (9) عبدا إذا ~~صلى (10) } # {الذي علم بالقلم} يعني الخط والكتابة. {علم الإنسان ما لم يعلم} من ~~أنواع الهدى والبيان. وقيل: علم آدم الأسماء كلها. وقيل: الإنسان هاهنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم بيانه: "وعلمك ما لم تكن تعلم" (النساء -113) . ~~{كلا} حقا {إن الإنسان ليطغى} ليتجاوز حده ويستكبر على ربه. {أن} لأن {رآه ~~استغنى} أن رأى نفسه غنيا. قال الكلبي: يرتفع عن منزلة إلى منزلة في اللباس ~~والطعام وغيرهما. # وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، كان إذا أصاب مالا زاد في ثيابه ومركبه ~~وطعامه، فذلك طغيانه. {إن إلى ربك الرجعى} أي المرجع في الآخرة، ["الرجعى": ~~مصدر على وزن فعلى] (2) . {أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى} نزلت في أبي جهل، ~~نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة (3) . # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا عبد الله بن معاذ ومحمد بن عبد الأعلى القيسي، قالا حدثنا المعتمر عن ~~أبيه، حدثني نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: ~~هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: [واللات] (4) PageV08P479 # والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب، ~~قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، [عزم] (1) ليطأ على ~~رقبته، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص، على عقبيه، ويتقي بيديه، قال فقيل له: ~~ما لك ms2785 يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار، وهولا وأجنحة. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا، ~~قال: فأنزل الله -لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه-: "كلا إن الإنسان ~~ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى" ~~الآيات (2) . # ومعنى "أرأيت" هاهنا تعجيب للمخاطب. وكرر هذه اللفظة للتأكيد: ### || # {أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) أرأيت إن كذب وتولى ~~(13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (15) ~~ناصية كاذبة خاطئة (16) } # أرأيت إن كان إلى الهدى يعني العبد المنهي وهو محمد صلى الله عليه وسلم. ~~{أو أمر بالتقوى} يعني بالإخلاص والتوحيد. {أرأيت إن كذب} يعني أبا جهل، ~~{وتولى} عن الإيمان. # وتقدير نظم الآية: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى [والمنهي] (3) على ~~الهدى، آمر بالتقوى، والناهي مكذب متول عن الإيمان، فما أعجب من هذا! {ألم ~~يعلم} يعني أبا جهل، {بأن الله يرى} ذلك فيجازيه به. {كلا} لا يعلم ذلك، ~~{لئن لم ينته} عن إيذاء [نبيه] (4) صلى الله عليه وسلم وتكذيبه، {لنسفعن ~~بالناصية} لنأخذن بناصيته فلنجرنه إلى النار، كما قال "فيؤخذ بالنواصي ~~والأقدام" (الرحمن -41) يقال: سفعت، بالشيء، إذا أخذته وجذبته جذبا شديدا، ~~و"الناصية": شعر مقدم الرأس. ثم قال على البدل: {ناصية كاذبة خاطئة} أي ~~صاحبها كاذب خاطئ، قال ابن عباس: لما نهى أبو جهل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الصلاة انتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل أتنهرني ~~[يا محمد لقد علمت ما بها أكثر ناديا مني؟ ثم قال] : (5) فوالله لأملأن ~~عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا (6) . PageV08P480 ### || # {فليدع ناديه (17) سندع الزبانية (18) كلا لا تطعه واسجد واقترب (19) } # قال الله عز وجل: {فليدع ناديه} أي قومه وعشيرته، أي فليستنصر بهم. {سندع ~~الزبانية} جمع زبني مأخوذ من الزبن وهو الدفع، قال ابن عباس: يريد زبانية ~~جهنم سموا بها لأنهم يدفعون أهل النار إليها، قال الزجاج: هم الملائكة ms2786 ~~الغلاظ الشداد، قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله (1) ثم قال: ~~{كلا} ليس الأمر على ما عليه أبو جهل، {لا تطعه} في ترك الصلاة، {واسجد} صل ~~لله {واقترب} من الله. # أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو عمر القاسم بن ~~جعفر الهاشمي، حدثنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان ~~بن الأشعث، حدثنا أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو بن السراج ومحمد بن سلمة ~~قالوا: أخبرنا وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية عن سمي مولى ~~أبي بكر أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء ~~[فيها] (2) " (3) . PageV08P481 ### | سورة القدر # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) } # {إنا أنزلناه في ليلة القدر} يعني القرآن، كناية عن غير مذكور، أنزله ~~جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوضعه في ~~بيت العزة، ثم كان ينزل به جبريل عليه السلام نجوما في عشرين سنة (2) . ثم ~~عجب نبيه فقال: {وما أدراك ما ليلة القدر} سميت ليلة القدر لأنها ليلة ~~تقدير الأمور والأحكام، يقدر الله فيها أمر السنة في عباده وبلاده إلى ~~السنة المقبلة، كقوله تعالى: "فيها يفرق كل أمر حكيم" (الدخان -4) وهو مصدر ~~قولهم: قدر الله الشيء بالتخفيف، قدرا وقدرا، كالنهر 197/أوالنهر والشعر ~~والشعر، وقدره -بالتشديد -تقديرا [وقدر بالتخفيف قدرا] (3) بمعنى واحد. # قيل للحسين بن الفضل: أليس قد قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات ~~والأرض؟ قال: [بلى] (4) ، قيل: فما معنى ليلة القدر؟ قال: سوق المقادير إلى ~~المواقيت، وتنفيذ القضاء المقدر. وقال الأزهري: "ليلة القدر": أي ليلة ~~العظمة والشرف من قول الناس: لفلان عند الأمير قدر، أي جاه ومنزلة، ويقال: ~~قدرت، فلانا أي عظمته. قال الله تعالى: "وما قدروا الله حق قدره" (الأنعام ~~-91) (الزمر -67) أي ما عظموه حق تعظيمه. # وقيل: لأن العمل الصالح يكون ms2787 فيها ذا قدر عند الله لكونه مقبولا. ~~PageV08P482 # واختلفوا في وقتها؛ فقال بعضهم: إنها كانت على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم رفعت، وعامة الصحابة والعلماء على أنها باقية إلى يوم ~~القيامة. وروي عن عبد الله بن مكانس مولى معاوية قال: قلت لأبي هريرة: ~~زعموا أن ليلة القدر قد رفعت؟ قال: كذب من قال ذلك، قلت: هي في كل شهر ~~أستقبله؟ قال: نعم (1) . # وقال بعضهم: هي ليلة من ليالي السنة حتى لو علق رجل طلاق امرأته وعتق ~~عبده بليلة القدر، لا يقع ما لم تمض سنة من حين حلف. يروى ذلك عن ابن ~~مسعود، قال: من يقم الحول يصبها، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فقال: يرحم الله ~~أبا عبد الرحمن أما إنه علم أنها في شهر رمضان، ولكن أراد أن لا يتكل الناس ~~(2) . # والجمهور من أهل العلم على أنها في شهر رمضان. # واختلفوا في تلك الليلة؛ قال أبو رزين العقيلي: هي أول ليلة من شهر ~~رمضان. وقال الحسن: ليلة سبع عشرة، وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر. # والصحيح والذي عليه الأكثرون: أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان. # أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن ~~محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى ~~الترمذي، حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن ~~عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: "تحروا ليلة القدر في العشر ~~الأواخر من رمضان" (3) . # أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس ~~المحبوبي، حدثنا أبو عيسى، حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن ~~الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر [ما] (4) لا ~~يجتهد في غيرها (5) . PageV08P486 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن ms2788 عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، ~~عن أبي يعقوب، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر [الأواخر] (1) من رمضان شد ~~مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله (2) . # واختلفوا في أنها في أي ليلة من العشر؟ # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل ~~بن جعفر، حدثنا أبو سهل بن مالك، عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان" (3) . # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد ~~الله بن حامد الوازن، أخبرنا مكي بن عبدان، حدثنا عبد الله بن [هاشم] (4) ~~بن حيان، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن، حدثني أبي ~~قال: ذكرت ليلة القدر عند أبي بكرة، فقال: ما أنا بطالبها بعد شيء سمعته من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في العشر الأواخر، سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "التمسوها في العشر الأواخر من تسع بقين أو سبع بقين ~~أو خمس بقين أو ثلاث بقين أو آخر ليلة" (5) ، فكان أبو بكرة إذا دخل رمضان ~~يصلي كما يصلي في سائر السنة، فإذا دخل العشر [الأخير] (6) اجتهد. # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن المثنى، حدثني خالد بن ~~الحارث، حدثنا حميد، حدثنا أنس بن مالك عن عبادة بن الصامت قال: خرج النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: ~~"خرجت، PageV08P487 # لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم، ~~فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" (1) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، ms2789 أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رجالا من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [أروا] (2) ليلة القدر في المنام في السبع ~~الأواخر من رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أرى رؤياكم قد ~~تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر" (3) . ~~وروي عن أبي سعيد الخدري: أنها ليلة إحدى وعشرين. # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد ~~بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد ~~الخدري أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الوسطى من ~~رمضان، واعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج ~~صبحها من اعتكافه، قال: من [كان سيعتكف] (4) معي فليعتكف العشر الأواخر، ~~وقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين، ~~فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر (5) . # قال أبو سعيد الخدري: فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش ~~فوكف المسجد. # قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف وعلى ~~جبهته وأنفه أثر، الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين. # وقال بعضهم: هي ليلة ثلاث وعشرين. PageV08P488 # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أحمد بن خالد الحمصي، حدثنا محمد بن ~~إسحاق عن محمد بن إبراهيم، حدثني عبد الله بن أنيس عن أبيه أنه قال لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إني أكون ببادية يقال لها الوطأة وإني بحمد الله ~~أصلي بهم، فمرني بليلة من هذا الشهر أنزلها إلى المسجد فأصليها فيه، فقال: ~~"انزل ليلة ثلاث وعشرين فصلها فيه، وإن أحببت أن تستتم آخر الشهر فافعل، ~~197/ب وإن أحببت فكف" (1) . قال: فكان إذا صلى العصر دخل المسجد فلم يخرج ~~إلا من حاجة حتى يصلي ms2790 الصبح، فإذا صلى الصبح كانت دابته بباب المسجد. # وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا الأعمش عن أبي ~~صالح عن أبي هريرة قال: تذاكرنا ليلة القدر فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: كم مضى من الشهر؟ فقلنا: ثنتان [وعشرون] (2) وبقي سبع، [فقال: "مضى ~~اثنتان وعشرون وبقي سبع] (3) اطلبوها الليلة، الشهر تسع وعشرون" (4) . # وقال قوم: هي ليلة سبع وعشرين، وهو قول علي وأبي وعائشة: # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر ~~الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا سفيان عن عاصم ~~عن زر بن حبيش قال: قلت لأبي ابن كعب: يا أبا المنذر أخبرنا عن ليلة القدر، ~~فإن ابن أم عبد يقول: من يقم الحول يصبها، فقال: PageV08P489 # رحم الله أبا عبد الرحمن، أما إنه قد علم أنها في رمضان، ولكن كره أن ~~يخبركم فتتكلوا هي -والذي أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم -ليلة، ~~سبع وعشرين، فقلنا: يا أبا المنذر أنى علمت هذا؟ قال: بالآية التي أخبرنا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فحفظنا [ووعينا] (1) ، هي والله [لا تنسى] (2) ، ~~قال قلنا لزر: وما الآية؟ قال: تطلع الشمس كأنها طاس ليس لها شعاع (3) . # ومن علاماتها: ما روي عن الحسن رفعه: أنها ليلة [بلجة] (4) سمحة لا حارة ~~ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها لا شعاع لها (5) . # وفي الجملة: أبهم الله هذه الليلة على هذه الأمة ليجتهدوا في العبادة ~~ليالي رمضان طمعا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى ~~الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، واسمه الأعظم في الأسماء، ورضاه في ~~الطاعات ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، وأخفى ~~قيام الساعة ليجتهدوا في الطاعات حذرا من قيامها. ### || # {ليلة القدر خير من ألف شهر (3) } # قوله عز وجل: {ليلة القدر خير من ألف شهر} قال عطاء عن ابن عباس: ذكر ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني إسرائيل ms2791 حمل السلاح على عاتقه في ~~سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك وتمنى ذلك ~~لأمته، فقال: يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارا وأقلها أعمالا؟ فأعطاه ~~الله ليلة القدر، فقال: {ليلة القدر خير من ألف شهر} التي حمل فيها ~~الإسرائيلي السلاح في سبيل الله، لك ولأمتك إلى يوم القيامة (6) . ~~PageV08P490 # قال المفسرون: "ليلة القدر خير من ألف شهر" معناه: عمل صالح في ليلة ~~القدر خير من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. # حدثنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، إملاء، حدثنا أبو نعيم ~~الإسفرايني، أخبرنا أبو عوانة، حدثنا أبو إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا ~~سفيان، حدثنا الزهري، أخبرني أبو سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" (1) ~~. # قال سعيد بن المسيب: من شهد المغرب والعشاء في جماعة فقد أخذ بحظه من ~~ليلة القدر (2) . # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو ~~بكر بن عبدوس المزكي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن ~~مكرم، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا كهمس عن عبد الله بن بريدة أن عائشة ~~قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن وافيت ليلة القدر فما أقول؟ قال: "قولي: ~~اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" (3) . ### || # {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) سلام هي حتى مطلع ~~الفجر (5) } # قوله عز وجل: {تنزل الملائكة والروح} يعني جبريل عليه السلام معهم، ~~{فيها} أي في ليلة القدر، {بإذن ربهم من كل أمر} أي بكل أمر من الخير ~~والبركة، كقوله: "يحفظونه من أمر الله" (الرعد -11) أي بأمر الله. {سلام} ~~قال عطاء: يريد: سلام على أولياء الله وأهل طاعته. وقال الشعبي: هو تسليم ~~الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد من حيث تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر ~~(4) . # وقال الكلبي: الملائكة ينزلون فيه كلما لقوا مؤمنا أو مؤمنة سلموا عليه ~~من ربه حتى يطلع الفجر. PageV08P491 # وقيل: تم الكلام ms2792 عند قوله: "بإذن ربهم من كل أمر" ثم ابتدأ فقال: "سلام ~~هي"، أي: ليلة القدر سلام وخير كلها، ليس فيها شر. # قال الضحاك: لا يقدر الله في تلك الليلة ولا يقضي إلا السلامة. # وقال مجاهد: يعني أن ليلة القدر [سالمة] (1) لا يستطيع الشيطان أن يعمل ~~فيها سوءا ولا أن يحدث فيها أذى (2) . # {حتى مطلع الفجر} أي: إلى مطلع الفجر، قرأ الكسائي "مطلع" بكسر اللام، ~~والآخرون بفتحها، وهو الاختيار، بمعنى الطلوع، على المصدر، يقال: طلع الفجر ~~طلوعا ومطلعا، والكسر موضع الطلوع. PageV08P492 ### | سورة البينة # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ~~(1) رسول من الله يتلو صحفا مطهرة (2) فيها كتب قيمة (3) } # {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب} وهم اليهود والنصارى، {والمشركين} ~~وهم عبدة الأوثان، {منفكين} [منتهين عن كفرهم وشركهم، وقال أهل اللغة] : ~~(2) زائلين منفصلين، يقال: فككت الشيء فانفك، أي: انفصل، {حتى تأتيهم ~~البينة} لفظه مستقبل ومعناه الماضي، أي: حتى أتتهم البينة، الحجة الواضحة، ~~يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، أتاهم بالقرآن فبين لهم [ضلالاتهم] (3) ~~وجهالتهم ودعاهم إلى الإيمان. فهذه الآية فيمن آمن من الفريقين، أخبر أنهم ~~لم ينتهوا عن الكفر حتى أتاهم الرسول فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا فأنقذهم ~~الله من الجهل والضلالة. ثم فسر البينة فقال: {رسول من الله يتلو} يقرأ ~~{صحفا} كتبا، يريد ما يتضمنه الصحف من المكتوب فيها، وهو القرآن؛ لأنه كان ~~يتلو عن ظهر قلبه لا عن [الكتاب] (4) ، قوله: {مطهرة} من الباطل والكذب ~~والزور. {فيها} أي في الصحف، {كتب} يعني الآيات والأحكام المكتوبة فيها، ~~{قيمة} عادلة مستقيمة غير ذات عوج. ### || # {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) وما أمروا ~~إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك ~~دين القيمة (5) } # ثم ذكر من لم يؤمن من أهل الكتاب فقال: PageV08P493 # {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب} في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، {إلا من ~~بعد ما جاءتهم البينة} أي البيان في كتبهم أنه ms2793 نبي مرسل. # قال المفسرون: لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد صلى الله عليه ~~وسلم حتى بعثه الله، فلما بعث تفرقوا في أمره واختلفوا، فآمن 198/أبه ~~بعضهم، وكفر آخرون. # وقال بعض أئمة اللغة: معنى قوله "منفكين": هالكين، من قولهم: انفك [صلا] ~~(1) المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك. # ومعنى الآية: لم يكونوا هالكين معذبين إلا من بعد قيام الحجة عليهم ~~بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، والأول أصح. ثم ذكر ما أمروا به في كتبهم ~~فقال: {وما أمروا} يعني هؤلاء الكفار، {إلا ليعبدوا الله} يعني إلا أن ~~يعبدوا الله، {مخلصين له الدين} قال ابن عباس: ما أمروا في التوراة ~~والإنجيل إلا [بالإخلاص في] (2) العبادة لله موحدين، {حنفاء} مائلين عن ~~الأديان كلها إلى دين الإسلام، {ويقيموا الصلاة} المكتوبة في أوقاتها، ~~{ويؤتوا الزكاة} عند محلها، {وذلك} الذي أمروا به، {دين القيمة} أي الملة ~~والشريعة المستقيمة. أضاف الدين إلى القيمة وهي نعته، لاختلاف اللفظين، ~~وأنث "القيمة" ردا بها إلى الملة. # وقيل: الهاء فيه للمبالغة، وقيل: "القيمة" هي الكتب التي جرى ذكرها، أي ~~وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعو إليه وتأمر به، كما قال: "وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه" (البقرة 213) . # قال النضر بن شميل: سألت الخليل بن أحمد عن قوله: "وذلك دين القيمة"؟ ~~فقال: "القيمة": PageV08P496 # جمع القيم، والقيم والقائم واحد، ومجاز الآية: وذلك دين القائمين لله ~~بالتوحيد. ### || # {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك ~~هم شر البرية (6) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (7) ~~} # {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (8) } # ثم ذكر ما للفريقين فقال: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في ~~نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية} قرأ نافع وابن عامر "البريئة" ~~بالهمزة في الحرفين لأنه من قولهم: برأ الله الخلق وقرأ الآخرون مشددا بغير ~~همز كالذرية ترك همزها في الاستعمال. ms2794 # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم ~~جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ~~ذلك لمن خشي ربه} وتناهى عن المعاصي. # وقيل: الرضا ينقسم إلى قسمين: رضا به ورضا عنه، فالرضا به: ربا ومدبرا، ~~والرضا عنه: فيما يقضي ويقدر. # قال السدي رحمه الله: إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تسأله الرضا عنك؟ # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد ~~بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة ~~قال: سمعت قتادة عن أنس بن مالك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي: "إن ~~الله تعالى أمرني أن أقرأ عليك: "لم يكن الذين كفروا" قال: وسماني؟ قال: ~~"نعم" فبكى (1) . # وقال همام عن قتادة: "أمرني أن أقرأ عليك القرآن" (2) . PageV08P497 ### | سورة الزلزلة # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) وأخرجت الأرض أثقالها (2) وقال الإنسان ما ~~لها (3) يومئذ تحدث أخبارها (4) } # {إذا زلزلت الأرض} حركت [الأرض] (2) حركة شديدة لقيام الساعة، {زلزالها} ~~تحريكها. {وأخرجت الأرض أثقالها} موتاها وكنوزها فتلقيها على ظهرها. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن أبي حازم، عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تقيء الأرض أفلاذ كبدها ~~أمثال [الأسطوان] (3) من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ~~ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت ~~يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا" (4) . {وقال الإنسان ما لها} ؟ قيل: ~~في الآية تقديم وتأخير تقديره: {يومئذ تحدث أخبارها} فيقول الإنسان: "ما ~~لها "، أي تخبر الأرض بما عمل عليها. PageV08P498 # أخبرنا أبو بكر محمد عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد ~~بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، ms2795 أخبرنا عبد الله بن محمود، ~~أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن ~~أبي أيوب، حدثنا يحيى بن أبي سليمان عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: ~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {يومئذ تحدث أخبارها} قال: ~~"أتدرون ما أخبارها"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن أخبارها أن تشهد ~~على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل علي يوم كذا وكذا كذا ~~وكذا قال: فهذه أخبارها" (1) . ### || # {بأن ربك أوحى لها (5) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8) } # {بأن ربك أوحى لها} أي: أمرها بالكلام وأذن لها بأن تخبر بما عمل عليها. ~~قال ابن عباس والقرظي: أوحى إليها. # ومجاز الآية: يوحي الله، إليها، يقال: أوحى لها، وأوحى إليها ووحى لها، ~~ووحى إليها، واحد. قوله تعالى: {يومئذ يصدر الناس} يرجع الناس عن موقف ~~الحساب بعد العرض، {أشتاتا} متفرقين فآخذ ذات اليمين إلى الجنة وآخذ ذات ~~الشمال إلى النار، كقوله: "يومئذ يتفرقون" (الروم -14) ، "يومئذ يصدعون". ~~(الروم -43) . {ليروا أعمالهم} قال ابن عباس: ليروا جزاء أعمالهم، والمعنى: ~~أنهم يرجعون عن الموقف فرقا لينزلوا منازلهم من الجنة والنار. {فمن يعمل ~~مثقال ذرة} وزن نملة صغيرة أصغر ما يكون من النمل. {خيرا يره} {ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره} قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر عمل خيرا أو شرا في ~~الدنيا إلا أراه الله إياه يوم القيامة (2) ، فأما المؤمن فيرى حسناته ~~وسيئاته فيغفر الله سيئاته PageV08P502 # ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فترد حسناته ويعذبه بسيئاته. # قال محمد بن كعب في هذه الآية "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره": من كافر ~~يرى ثوابه في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس ~~له عند الله خير، "ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" من مؤمن يرى عقوبته في ~~الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله ~~شر. # قال ms2796 مقاتل: نزلت هذه الآية في رجلين، وذلك أنه لما نزل "ويطعمون الطعام ~~على حبه" كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة ~~ونحوها، يقول: ما هذا بشيء إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان الآخر ~~يتهاون بالذنب اليسير كالكذبة والغيبة والنظرة وأشباه ذلك، ويقول: إنما وعد ~~الله النار على الكبائر، وليس في هذا إثم، فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~يرغبهم في القليل من الخير أن يعطوه، فإنه يوشك 198/ب أن يكثر، ويحذرهم ~~اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر (1) ، فالإثم الصغير في عين صاحبه أعظم ~~من الجبال يوم القيامة، وجيمع محاسنه [في عينه] (2) أقل من كل شيء. # قال ابن مسعود: أحكم آية في القرآن "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره". # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميها الجامعة الفاذة حين سئل عن ~~زكاة الحمر فقال: "ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة "فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" (3) . # وتصدق عمر بن الخطاب، وعائشة بحبة عنب، وقالا فيها مثاقيل كثيرة (4) . # وقال الربيع بن خيثم: مر رجل بالحسن وهو يقرأ هذه السورة فلما بلغ آخرها ~~قال: حسبي قد انتهت الموعظة (5) . PageV08P503 # أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا محمد ~~بن القاسم، حدثنا أبو بكر محمد عبد الله، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا علي ~~بن حجر، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا اليمان بن المغيرة، حدثنا عطاء عن ابن ~~عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا زلزلت الأرض " تعدل نصف ~~القرآن، " قل هو الله أحد "، تعدل ثلث القرآن، " قل يا أيها الكافرون " ~~تعدل ربع القرآن" (1) . PageV08P504 ### | سورة العاديات # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {والعاديات ضبحا (1) } # {والعاديات ضبحا} قال ابن عباس، وعطاء ومجاهد، وعكرمة، والحسن، والكلبي، ~~وقتادة، والمقاتلان (2) ، وأبو العالية وغيرهم: هي الخيل العادية في سبيل ~~الله عز وجل تضبح، والضبح: صوت أجوافها إذا عدت. # قال ابن عباس: وليس شيء من الحيوانات ms2797 تضبح غير الفرس والكلب والثعلب، ~~وإنما تضبح هذه الحيوانات إذا تغير حالها من تعب أو فزع، وهو من [قولهم] ~~(3) ضبحته النار، إذا غيرت لونه. # [وقوله: "ضبحا" نصب على المصدر، مجازه: والعاديات تضبح ضبحا] (4) . # وقال علي: هي الإبل في الحج، تعدو من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة ~~إلى منى، وقال إنها نزلت في وقعة بدر، [كانت أول غزوة في الإسلام بدرا] (5) ~~وما كان معنا إلا فرسان، فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود فكيف تكون ~~الخيل العاديات؟ وإلى هذا ذهب ابن مسعود، ومحمد بن كعب، والسدي. # وقال بعض من قال: هي الإبل: قوله "ضبحا" يعني ضباحا تمد أعناقها في السير ~~(6) . PageV08P505 ### || # {فالموريات قدحا (2) فالمغيرات صبحا (3) فأثرن به نقعا (4) فوسطن به جمعا ~~(5) } # {فالموريات قدحا} قال عكرمة، وعطاء، والضحاك، ومقاتل، والكلبي،:هي الخيل ~~توري النار بحوافرها إذا سارت في الحجارة. يعني: والقادحات قدحا يقدحن ~~بحوافرهن. # وقال قتادة: هي الخيل تهيج الحرب ونار العداوة بين فرسانها. # وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هي الخيل تغزو في سبيل الله ثم تأوي ~~بالليل [إلى مأواها] (1) فيورون نارهم، ويصنعون طعامهم. # وقال مجاهد، وزيد بن أسلم: هي مكر الرجال، يعني رجال الحرب، والعرب تقول ~~إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: أما والله لأقدحن لك ثم لأورين لك. # وقال محمد بن كعب: هي النيران تجتمع (2) . {فالمغيرات صبحا} هي الخيل ~~تغير بفرسانها، على العدو عند الصباح، هذا قول أكثر المفسرين. وقال القرظي: ~~هي الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من جمع (3) إلى منى، والسنة أن لا تدفع ~~[بركبانها يوم النحر] (4) حتى تصبح والإغارة سرعة السير، ومنه قولهم: أشرق ~~ثبير كيما نغير. {فأثرن به} أي هيجن بمكان [سيرهن] (5) كناية عن غير مذكور، ~~لأن المعنى مفهوم، {نقعا} غبارا، والنقع: الغبار. {فوسطن به جمعا} أي دخلن ~~به وسط جمع العدو، وهم الكتيبة يقال: وسطت، القوم بالتخفيف، ووسطتهم، ~~بالتشديد، وتوسطهم بالتشديد، كلها بمعنى واحد. قال القرظي: [هي الإبل توسط ~~بالقوم] (6) يعني جمع منى، [هذا موضع القسم] ، (7) أقسم الله بهذه الأشياء. ~~PageV08P508 ### || # {إن الإنسان لربه لكنود (6) وإنه على ذلك ms2798 لشهيد (7) وإنه لحب الخير لشديد ~~(8) أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) } # {وحصل ما في الصدور (10) } # {إن الإنسان لربه لكنود} قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: "لكنود": لكفور ~~جحود لنعم الله تعالى. قال الكلبي: هو بلسان مضر وربيعة الكفور، وبلسان ~~كندة وحضرموت العاصي (1) . # وقال الحسن: هو الذي يعد المصائب وينسى النعم (2) . وقال عطاء: هو الذي ~~لا يعطي في النائبة مع قومه. # وقال أبو عبيدة: هو قليل الخير، والأرض الكنود: التي لا تنبت شيئا. # وقال الفضيل بن عياض: "الكنود" الذي أنسته الخصلة، الواحدة من الإساءة ~~الخصال الكثيرة من الإحسان، و"الشكور": الذي أنسته الخصلة الواحدة من ~~الإحسان الخصال الكثيرة من الإساءة. {وإنه على ذلك لشهيد} قال [أكثر ~~المفسرين] : (3) وإن الله على كونه كنودا لشاهد. وقال ابن كيسان: الهاء ~~راجعة إلى الإنسان أي: إنه شاهد على نفسه بما يصنع. {وإنه} يعني الإنسان، ~~{لحب الخير} أي لحب لمال، {لشديد} أي: لبخيل، أي إنه من أجل حب المال ~~لبخيل. يقال للبخيل: شديد ومتشدد. # وقيل: معناه وإنه لحب الخير لقوي، أي شديد الحب للخير أي المال. {أفلا ~~يعلم} أي: أفلا يعلم هذا الإنسان، {إذا بعثر} أي: أثير وأخرج، {ما في ~~القبور} [من الموتى] (4) . {وحصل ما في الصدور} أي: ميز وأبرز ما فيها من ~~خير أو شر. PageV08P509 ### || # {إن ربهم بهم يومئذ لخبير (11) } # {إن ربهم بهم} ، [جمع] (1) الكناية لأن الإنسان اسم لجنس، {يومئذ لخبير} ~~عالم، قال الزجاج: إن الله خبير بهم في ذلك اليوم وفي غيره، ولكن المعنى ~~أنه يجازيهم على كفرهم في ذلك [اليوم] (2) . PageV08P510 ### | سورة القارعة # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما القارعة (3) يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث (4) وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) فأما من ثقلت موازينه ~~(6) فهو في عيشة راضية (7) } # {القارعة} [اسم] (2) من أسماء القيامة، لأنها تقرع القلوب بالفزع. {ما ~~القارعة} تهويل وتعظيم. {وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش ~~المبثوث} هذا الفراش: الطير [الصغار البق، واحدها فراشة، أي: كالطير] (3) ~~التي تراها تتهافت في النار، والمبثوث: المتفرق. وقال الفراء: كغوغاء ~~الجراد، شبه ms2799 199/أالناس عند البعث بها [لأن الخلق] (4) يموج بعضهم في بعض ~~ويركب بعضهم بعضا من الهول كما قال: "كأنهم جراد منتشر" (القمر -7) . ~~{وتكون الجبال كالعهن المنفوش} كالصوف المندوف. {فأما من ثقلت موازينه} ~~رجحت حسناته [على سيئاته] (5) . {فهو في عيشة راضية} مرضية في الجنة. قال ~~الزجاج ذات رضا يرضاها صاحبها. PageV08P511 ### || # {وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية (9) وما أدراك ما هيه (10) نار ~~حامية (11) } # {وأما من خفت موازينه} رجحت سيئاته على حسناته. {فأمه هاوية} مسكنه ~~النار، سمي المسكن أما لأن الأصل في السكون إلى الأمهات، والهاوية اسم من ~~أسماء جهنم، وهو المهواة لا يدرك قعرها، وقال قتادة: وهي كلمة عربية تقولها ~~العرب للرجل إذا وقع في أمر شديد، يقال: هوت أمه. وقيل: ["فأمه هاوية"] ~~أراد أم رأسه ["منحدرة منكوسة"] يعني أنهم يهوون في النار على رءوسهم، وإلى ~~هذا التأويل ذهب قتادة وأبو صالح. {وما أدراك ما هيه} يعني الهاوية، ~~وأصلها: ما هي، أدخل الهاء فيها للوقف والاستراحة ثم فسرها فقال: {نار ~~حامية} أي حارة قد انتهى حرها. # PageV08P514 ### | سورة التكاثر # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) } # {ألهاكم التكاثر} شغلتكم المباهاة والمفاخرة والمكاثرة بكثرة المال ~~والعدد عن طاعة ربكم وما ينجيكم من سخطه. {حتى زرتم المقابر} حتى [متم] (2) ~~ودفنتم في المقابر. # قال قتادة: نزلت في اليهود، قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر ~~من بني فلان، شغلهم ذلك حتى ماتوا ضلالا (3) . # وقال مقاتل والكلبي: نزلت في حيين من قريش؛ بني عبد مناف بن قصي، وبني ~~سهم بن عمرو، كان بينهم تفاخر، [فتعاد] (4) السادة والأشراف أيهم أكثر ~~عددا؟ فقال بنو عبد مناف: نحن أكثر سيدا وأعز عزيزا وأعظم نفرا وأكثر عددا، ~~وقال بنو سهم مثل ذلك، فكثرهم بنو عبد مناف، ثم قالوا: نعد، موتانا، حتى ~~زاروا القبور فعدوهم، فقالوا: هذا قبر فلان وهذا قبر فلان فكثرهم بنو سهم ~~بثلاثة أبيات لأنهم كانوا في الجاهلية أكثر عددا، فأنزل الله هذه الآية (5) ~~. PageV08P515 # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن ms2800 الحسين الحيري، ~~أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، حدثنا عبد الرحيم بن منيب، حدثنا النضر بن ~~شميل، عن قتادة عن مطرف بن عبد الله الشخير، عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: "ألهاكم التكاثر"، قال: "يقول ~~ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك، إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، ~~أو تصدقت فأمضيت" (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا ~~عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يتبع، الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه ~~واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله" (2) . # ثم رد الله عليهم فقال: ### || # {كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف تعلمون (4) كلا لو تعلمون علم اليقين (5) ~~لترون الجحيم (6) } # {كلا} ليس الأمر بالتكاثر، {سوف تعلمون} وعيد لهم، ثم كرره تأكيدا فقال: ~~{ثم كلا سوف تعلمون} قال الحسن، ومقاتل: هو وعيد بعد وعيد، والمعنى: سوف ~~تعلمون عاقبة تكاثركم وتفاخركم إذا نزل بكم الموت. # وقال الضحاك: "كلا سوف تعلمون"، يعني الكفار، "ثم كلا سوف تعلمون" يعني ~~المؤمنين، وكان يقرأ الأولى بالياء والثانية بالتاء. {كلا لو تعلمون علم ~~اليقين} أي: علما يقينا، فأضاف العلم إلى اليقين كقوله: "لهو حق اليقين"، ~~وجواب "لو" محذوف، أي: لو تعلمون علما يقينا لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر ~~والتفاخر. # قال قتادة: كنا نتحدث أن علم اليقين أن يعلم أن الله باعثه بعد الموت (3) ~~. {لترون الجحيم} قرأ ابن عامر والكسائي: "لترون" بضم التاء من أريته ~~الشيء، وقرأ الآخرون بفتح التاء، أي: ترونها بأبصاركم من بعيد. PageV08P518 ### || # {ثم لترونها عين اليقين (7) ثم لتسألن يومئذ عن النعيم (8) } # {ثم لترونها} مشاهدة، {عين اليقين} {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال ~~مقاتل: يعني كفار مكة، كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون يوم ~~القيامة عن شكر ما كانوا فيه، ولم يشكروا ms2801 رب النعيم حيث عبدوا غيره، ثم ~~يعذبون على ترك الشكر، هذا قول الحسن. # وعن ابن مسعود رفعه قال: "لتسئلن يومئذ عن النعيم" قال: "الأمن والصحة" ~~(1) . # وقال قتادة: إن الله يسأل كل ذي نعمة عما أنعم عليه (2) # أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حمويه ~~السرخسي، حدثنا إبراهيم بن خزيم الشاشي، حدثنا عبد، بن حميد، حدثنا شبابة ~~عن عبد الله بن العلاء عن الضحاك بن عرزم الأشعري قال: سمعت أبا هريرة ~~يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما يسأل العبد يوم ~~القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح جسمك؟ ونروك من الماء البارد" (3) . # أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي ~~بن أحمد الخزاعي، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، أخبرنا أبو عيسى ~~الترمذي، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شيبان أبو ~~معاوية، حدثنا عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساعة لا يخرج فيها ~~ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر فقال: ما جاء بك يا أبا بكر؟ فقال: خرجت ~~لألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنظر إلى وجهه وللتسليم عليه، فلم ~~يلبث أن جاء عمر، فقال: ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع PageV08P519 # يا رسول الله، قال [النبي صلى الله عليه وسلم] : (1) "وأنا قد وجدت، بعض ~~ذلك"، فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري، وكان رجلا كثير ~~النخل والشاء، ولم يكن له خدم، فلم يجدوه، فقالوا لامرأته: أين صاحبك؟ ~~فقالت: انطلق ليستعذب لنا الماء، فلم يلبثوا أن جاء 199/ب أبو الهيثم بقربة ~~يزعبها ماء فوضعها، ثم جاء يلتزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفديه ~~بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم بساطا، ثم انطلق إلى نخلة ~~فجاء بقنو فوضعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ms2802 "أفلا تنقيت لنا من رطبه ~~وبسره"، فقال: يا رسول الله إني أردت أن تخيروا [أو قال: أن تختاروا] (2) ~~من رطبه وبسره، فأكلوا وشربوا من ذلك الماء، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، ظل ~~بارد، ورطب طيب، وماء بارد"، فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاما فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "لا تذبحن ذات در"، فذبح لهم عناقا أو جديا فأتاهم ~~بها، فأكلوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك خادم؟ قال: لا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "فإذا أتانا سبي فأتنا"، فأتي النبي صلى الله ~~عليه وسلم برأسين ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "اختر منهما"، فقال: يا نبي الله اختر لي، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم، "إن المستشار مؤتمن، خذ هذا، فإني رأيته يصلي، واستوص به ~~معروفا" فانطلق به أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقالت امرأته: ما أنت ببالغ فيه ما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا أن تعتقه، قال: فهو عتيق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، "إن ~~الله تبارك وتعالى لم يبعث نبيا ولا خليفة إلا وله بطانتان، بطانة تأمره ~~بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا ومن يوق بطانة السوء فقد ~~وقي" (3) . # وروي عن ابن عباس قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله ~~العبيد فيم استعملوها؟ وهو أعلم بذلك منهم (4) ، وذلك قوله: "إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا" (الإسراء -36) . # وقال عكرمة: عن الصحة والفراغ. # وقال سعيد بن جبير: عن الصحة والفراغ والمال. PageV08P520 # أخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، حدثنا أبو الحسن ~~أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد ~~الهاشمي، حدثنا الحسين بن الحسن بمكة، حدثنا عبد الله بن المبارك والفضل بن ~~موسى، قالا حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن ms2803 أبيه، عن ابن عباس قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: ~~الصحة والفراغ" (1) . # قال محمد بن كعب: يعني عما أنعم عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقال أبو العالية: عن الإسلام والسنن. وقال الحسين بن الفضل: تخفيف ~~الشرائع وتيسير القرآن. PageV08P521 ### | سورة العصر # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3) } # {والعصر} قال ابن عباس: والدهر. قيل: أقسم به لأن فيه عبرة للناظر. وقيل: ~~معناه ورب العصر، وكذلك في أمثاله. واقل ابن كيسان: أراد بالعصر الليل ~~والنهار، يقال لهما العصران. وقال الحسن: من بعد زوال الشمس إلى غروبها (2) ~~. وقال قتادة: آخر ساعة من ساعات النهار (3) . وقال مقاتل: أقسم بصلاة ~~العصر وهي الصلاة الوسطى. {إن الإنسان لفي خسر} أي خسران ونقصان، قيل: أراد ~~به [الكافر] (4) بدليل أنه استثنى المؤمنين، و"الخسران": ذهاب رأس مال ~~الإنسان في هلاك نفسه وعمره [بالمعاصي] (5) ، وهما أكبر رأس ماله. {إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فإنهم ليسوا في خسر، {وتواصوا} أوصى بعضهم ~~بعضا، {بالحق} بالقرآن، قاله الحسن وقتادة، وقال مقاتل: بالإيمان والتوحيد. ~~{وتواصوا بالصبر} على أداء الفرائض وإقامة أمر الله. وروى ابن عون عن ~~إبراهيم قال: أراد أن الإنسان إذا عمر في PageV08P522 # الدنيا وهرم، لفي نقص وتراجع إلا المؤمنين، فإنهم يكتب لهم أجورهم ومحاسن ~~أعمالهم التي كانوا يعملونها في شبابهم وصحتهم، وهي مثل قوله: "لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات". ### | سورة الهمزة # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {ويل لكل همزة لمزة (1) } # {ويل لكل همزة لمزة} قال ابن عباس: هم المشاءون بالنميمة، المفرقون بين ~~الأحبة، الباغون للبرآء العيب (2) ، ومعناهما واحد وهو العياب. # وقال مقاتل: "الهمزة": الذي يعيبك في الغيب، و"اللمزة": الذي يعيبك في ~~الوجه. وقال أبو العالية والحسن بضده. # وقال سعيد بن جبير، وقتادة: "الهمزة" الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم، ~~و"اللمزة": الطعان عليهم. # وقال ابن زيد: "الهمزة" الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، و"اللمزة": ms2804 الذي ~~يلمزهم بلسانه ويعيبهم. # وقال سفيان الثوري: ويهمز بلسانه ويلمز بعينه. ومثله قال ابن كيسان: ~~"الهمزة" الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ و"اللمزة" الذي يومض بعينه ويشير ~~برأسه، ويرمز بحاجبه وهما نعتان للفاعل، نحو سخرة وضحكة: للذي يسخر ويضحك ~~من الناس [والهمزة واللمزة، ساكنة الميم، الذي يفعل ذلك به] (3) . ~~PageV08P526 # وأصل الهمز: الكسر والعض على الشيء بالعنف. # واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية؟ قال الكلبي: نزلت في الأخنس بن شريق بن ~~وهب الثقفي كان يقع في الناس ويغتابهم (1) . # وقال محمد بن إسحاق: ما زلنا نسمع أن سورة الهمزة [نزلت في أمية بن خلف ~~الجمحي] (2) . # وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم من ورائه ويطعن عليه في وجهه. # وقال مجاهد: هي عامة في حق كل من هذه صفته. ### || # {الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ماله أخلده (3) كلا لينبذن في الحطمة ~~(4) وما أدراك ما الحطمة (5) نار الله الموقدة (6) التي تطلع على الأفئدة ~~(7) } # ثم وصفه فقال: {الذي جمع مالا} قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وحمزة، ~~والكسائي: "جمع" بتشديد الميم على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف. {وعدده} ~~أحصاه، وقال مقاتل: استعده وادخره وجعله عتادا له، يقال: أعددت [الشيء] (3) ~~وعددته إذا أمسكته. {يحسب أن ماله أخلده} في الدنيا، يظن أنه لا يموت مع ~~يساره. {كلا} ردا عليه أن لا يخلده ماله، {لينبذن} ليطرحن، {في الحطمة} في ~~جهنم، والحطمة من أسماء النار، مثل: سقر، ولظى (4) سميت "حطمة" لأنها تحطم ~~العظام وتكسرها. {وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على ~~الأفئدة} أي التي يبلغ ألمها ووجعها إلى القلوب، والاطلاع والبلوغ بمعنى ~~واحد، يحكى عن العرب: متى طلعت أرضنا؟ أي بلغت. # ومعنى الآية: أنها تأكل كل شيء منه حتى تنتهي إلى فؤاده قاله القرظي ~~والكلبي. PageV08P530 ### || # {إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة (9) } # {إنها عليهم مؤصدة} مطبقة مغلقة. {في عمد ممددة} قرأ حمزة والكسائي وأبو ~~بكر: {في عمد} بضم العين والميم، وقرأ الآخرون بفتحهما، كقوله تعالى: "رفع ~~السموات بغير عمد ترونها" (الرعد -2) وهما جميعا جمع ms2805 عمود، مثل: أديم وأدم ~~[وأدم] (1) ، قاله الفراء (2) . # وقال أبو عبيدة: جمع عماد، مثل: إهاب وأهب وأهب (3) . # قال ابن عباس: أدخلهم في عمد فمدت عليهم بعماد. # [وقيل: "في عمد ممددة] : (4) في أعناقهم الأغلال السلاسل. # [وقيل: "هي عمد ممددة": على باب جهنم] (5) ، سدت عليهم بها الأبواب [لا ~~يمكنهم الخروج] (6) . # وقال قتادة: بلغنا أنها عمد يعذبون بها في النار. # وقيل: هي أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار، أي أنها مطبقة عليهم ~~بأوتاد ممددة، وهي في قراءة عبد الله "بعمد" بالباء. # قال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم ثم سدت بأوتاد من حديد من نار حتى يرجع ~~عليهم غمها وحرها، فلا يفتح عليهم باب ولا يدخل عليهم روح، والممددة من صفة ~~العمد، أي مطولة فتكون أرسخ من القصيرة. PageV08P531 ### | سورة الفيل # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) } # {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} ؟ وكانت قصة أصحاب الفيل -على ما ذكره ~~محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس وذكره ~~الواقدي -: # أن النجاشي ملك الحبشة كان قد بعث "أرياط" إلى أرض اليمن فغلب عليها، ~~فقام رجل من الحبشة، يقال له: "أبرهة بن الصباح" [أبو يكسوم] ، (2) ، فساخط ~~"أرياط" في أمر الحبشة، حتى انصدعوا صدعين، وكانت طائفة مع أرياط، وطائفة ~~مع أبرهة، فتزاحفا فقتل أبرهة، أرياط، واجتمعت الحبشة لأبرهة، وغلب على ~~اليمن وأقره النجاشي، على عمله. # ثم إن أبرهة رأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة لحج بيت الله، فبنى ~~كنيسة بصنعاء وكتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يبن لملك ~~مثلها، ولست منتهيا حتى أصرف إليها حج العرب، فسمع به رجل من بني مالك بن ~~كنانة [فخرج إليها مستخفيا] (3) فدخلها ليلا فقعد فيها وتغوط بها، ولطخ ~~بالعذرة قبلتها، فبلغ ذلك أبرهة فقال: من اجترأ علي ولطخ كنيستي بالعذرة؟ ~~فقيل له: صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت سمع بالذي قلت، فحلف أبرهة ~~عند ذلك: ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها، ms2806 فكتب إلى النجاشي يخبره بذلك وسأله ~~أن يبعث إليه بفيله، وكان له فيل يقال له محمود، وكان فيلا لم ير مثله عظما ~~وجسما وقوة، فبعث به إليه، فخرج PageV08P532 # أبرهة من الحبشة سائرا إلى مكة، وخرج معه الفيل، فسمعت العرب بذلك ~~فأعظموه ورأوا جهاده حقا عليهم، فخرج ملك من ملوك اليمن، يقال له: ذو نفر، ~~بمن أطاعه من قومه، فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ ذا نفر، فقال: أيها الملك لا ~~تقتلني فإن استبقائي خير لك من قتلي، فاستحياه وأوثقه. وكان أبرهة رجلا ~~حليما. # ثم سار حتى إذا دنا من بلاد خثعم، خرج نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم ومن ~~اجتمع إليه من قبائل اليمن، فقاتلوه فهزمهم وأخذ نفيلا فقال نفيل: أيها ~~الملك إني دليل بأرض العرب، وهاتان يداي على قومي بالسمع والطاعة، ~~فاستبقاه، وخرج معه يدله حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في ~~رجال من ثقيف فقال: أيها الملك نحن عبيدك، ليس لك عندنا خلاف، وإنما تريد ~~البيت الذي بمكة، نحن نبعث معك من يدلك عليه، فبعثوا معه أبا رغال، مولى ~~لهم، فخرج حتى إذا كان [بالمغمس] (1) مات أبو رغال وهو الذي يرجم قبره، ~~وبعث أبرهة من المغمس رجلا من الحبشة، يقال له: الأسود بن مسعود، على مقدمة ~~خيله، وأمره بالغارة على نعم الناس، فجمع الأسود إليه أموال الحرم، وأصاب ~~لعبد المطلب مائتي بعير. # ثم إن أبرهة بعث حباطة الحميري إلى أهل مكة، وقال: سل عن شريفها ثم أبلغه ~~ما أرسلك به إليه، أخبره أني لم آت لقتال، إنما جئت لأهدم هذا البيت. ~~فانطلق حتى دخل مكة فلقي عبد المطلب بن هاشم، فقال: إن الملك أرسلني إليك ~~لأخبرك أنه لم يأت لقتال إلا أن تقاتلوه، إنما جاء لهدم هذا البيت ثم ~~الانصراف عنكم. # فقال عبد المطلب: ما له عندنا قتال ولا لنا به يد إلا أن نخلي بينه وبين ~~ما جاء له، فإن هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام، فإن ~~يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخل ms2807 بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به قوة. # قال: فانطلق معي إلى الملك، فزعم بعض العلماء أنه أردفه على بغلة كان ~~عليها وركب معه بعض بنيه حتى قدم المعسكر، وكان ذو نفر صديقا لعبد المطلب ~~فأتاه فقال: يا ذا نفر، هل عندك من [غناء] (2) فيما نزل بنا؟ فقال: ما غناء ~~رجل أسير لا يأمن أن يقتل بكرة أو عشيا، ولكن سأبعث إلى أنيس، سائس الفيل، ~~فإنه لي صديق فأسأله أن يصنع لك عند الملك ما استطاع من خير ويعظم خطرك ~~ومنزلتك عنده، قال: فأرسل إلى أنيس فأتاه فقال له: إن هذا سيد قريش صاحب ~~PageV08P536 # عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رءوس الجبال، وقد أصاب له ~~الملك مائتي بعير، فإن استطعت أن تنفعه عنده فانفعه فإنه صديق لي، أحب، ما ~~وصل إليه من الخير، فدخل أنيس على أبرهة فقال: أيها الملك هذا سيد قريش ~~وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رءوس الجبال، يستأذن ~~إليك وأنا أحب أن تأذن له فيكلمك، وقد جاء غير ناصب لك ولا مخالف عليك، ~~فأذن له، وكان عبد المطلب رجلا جسيما وسيما، فلما رآه أبرهة أعظمه وأكرمه، ~~وكره أن يجلس معه على السرير وأن يجلس تحته، فهبط إلى 200/ب البساط فجلس ~~عليه ثم دعاه فأجلسه معه، ثم قال لترجمانه قل له: ما حاجتك إلى الملك؟ فقال ~~له الترجمان ذلك، فقال عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يرد علي مائتي بعير ~~أصابها لي، فقال أبرهة لترجمانه قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، وقد ~~زهدت فيك، قال [عبد المطلب] : (1) لم؟ قال: جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك ~~وهو شرفكم وعصمتكم لأهدمه لم تكلمني فيه وتكلمني في مائتي بعير أصبتها؟ قال ~~عبد المطلب: أنا رب هذه الإبل وإن لهذا البيت ربا سيمنعه، قال ما كان ~~ليمنعه مني، قال فأنت وذاك، فأمر بإبله فردت عليه. # فلما ردت الإبل إلى عبد المطلب خرج فأخبر قريشا الخبر، وأمرهم أن يتفرقوا ~~في الشعاب ويتحرزوا في ms2808 رءوس الجبال، تخوفا عليهم من معرة الجيش، ففعلوا، ~~وأتى عبد المطلب الكعبة، وأخذ بحلقة الباب وجعل يقول: # يا رب لا أرجو لهم سواكا %~% يا رب فامنع منهم حماكا # إن عدو البيت من عاداكا %~% امنعهم أن يخربوا قراكا # وقال أيضا: # لا هم (2) إن العبد يم %~% نع رحله فامنع حلالك (3) # لا يغلبن صليبهم %~% ومحالهم غدوا (4) محالك (5) # جروا جموع بلادهم %~% والفيل كي يسبوا عيالك # عمدوا حماك بكيدهم %~% جهلا وما رقبوا جلالك PageV08P537 # إن كنت تاركهم وكع %~% بتنا فأمر ما بدالك # فلم أسمع بأرجس من رجال %~% أرادوا الغزو ينتهكوا حرامك (1) # ثم ترك عبد المطلب الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه، وأصبح أبرهة ~~بالمغمس قد تهيأ للدخول وعبأ جيشه وهيأ فيله، وكان فيلا لم ير مثله في ~~العظم والقوة ويقال كان معه اثنا عشر فيلا. # فأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم ثم أخذ بأذنه فقال: ابرك محمود وارجع راشدا ~~من حيث جئت [فإنك] (2) في بلد الله الحرام، فبرك الفيل فبعثوه فأبى، فضربوه ~~بالمعول في رأسه فأبى، فأدخلوا محاجنهم تحت مراقه ومرافقه فنزعوه ليقوم ~~فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ~~ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، فصرفوه إلى الحرم فبرك وأبى أن يقوم. # وخرج نفيل يشتد حتى [صعد] (3) في الجبل، وأرسل الله عليهم طيرا من البحر ~~أمثال الخطاطيف مع كل [طائر] (4) منها ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر ~~في منقاره، أمثال الحمص والعدس، فلما غشين القوم أرسلنها عليهم فلم تصب تلك ~~الحجارة أحدا إلا هلك، وليس كل القوم أصابت وخرجوا هاربين لا يهتدون إلى ~~الطريق الذي جاءوا منه، يتساءلون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى ~~اليمن، ونفيل ينظر إليهم من بعض تلك الجبال، فصرخ القوم وماج بعضهم في بعض ~~يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل [مهلك] (5) . # وبعث الله على أبرهة داء في جسده فجعل يتساقط أنامله كلما سقطت أنملة ~~اتبعتها [مدة من قيح ودم] (6) ، فانتهى إلى صنعاء وهو مثل فرخ الطير فيمن ~~بقي من أصحابه، وما مات ms2809 حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك (7) . # قال الواقدي: وأما محمود، فيل النجاشي، فربض ولم [يسر] (8) على الحرم ~~فنجا، والفيل PageV08P538 # الآخر شجع فحصب. # وزعم مقاتل بن سليمان أن السبب الذي جرأ أصحاب الفيل: أن فتية من قريش ~~خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي فدنوا من ساحل البحر وثم بيعة للنصارى تسميها ~~قريش "الهيكل"، فنزلوا فأججوا نارا واشتووا فلما ارتحلوا تركوا النار كما ~~هي في يوم عاصف فعجت الريح فاضطرم الهيكل نارا فانطلق الصريخ إلى النجاشي ~~فأسف غضبا للبيعة، فبعث أبرهة لهدم الكعبة. # وقال فيه: إنه كان بمكة يومئذ أبو مسعود الثقفي وكان مكفوف البصر يصيف ~~بالطائف ويشتو بمكة؛ وكان رجلا نبيها نبيلا تستقيم الأمور برأيه، وكان ~~خليلا لعبد المطلب، فقال له عبد المطلب: ماذا عندك هذا يوم لا يستغنى فيه ~~عن رأيك؟ فقال أبو مسعود: اصعد بنا إلى حراء فصعد الجبل، فقال أبو مسعود ~~لعبد المطلب: اعمد إلى مائة من الإبل فاجعلها لله وقلدها نعلا ثم أرسلها في ~~الحرم لعل بعض هذه السودان يعقر منها شيئا، فيغضب رب هذا البيت فيأخذهم، ~~ففعل ذلك عبد المطلب فعمد القوم إلى تلك الإبل فحملوا عليها وعقروا بعضها ~~وجعل عبد المطلب يدعو، فقال أبو مسعود: إن لهذا البيت ربا يمنعه، فقد نزل ~~تبع، ملك اليمن صحن هذا البيت وأراد هدمه فمنعه الله وابتلاه، وأظلم عليه ~~ثلاثة أيام، فلما رأى تبع ذلك كساه القباطي البيض، وعظمه ونحر له جزورا. # [ثم قال أبو مسعود] (1) فانظر نحو البحر، فنظر عبد المطلب فقال: أرى طيرا ~~بيضاء نشأت من شاطئ البحر، فقال: ارمقها ببصرك أين قرارها؟ قال أراها قد ~~دارت على رءوسنا، قال: فهل تعرفها؟ قال: فوالله ما أعرفها ما هي بنجدية ولا ~~تهامية ولا غربية ولا شامية، قال: ما قدها؟ قال: أشباه [اليعاسيب] (2) ، في ~~منقارها حصى كأنها حصى الحذف، قد أقبلت كالليل يكسع بعضها بعضا، أمام كل ~~رفقة طير يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق، فجاءت حتى إذا حاذت ~~بعسكر القوم [وكدت] (3) فوق رءوسهم، فلما توافت الرجال كلها ms2810 أهالت الطير ما ~~في مناقيرها على من تحتها، مكتوب في كل حجر اسم صاحبه، ثم إنها انصاعت ~~راجعة من حيث جاءت، فلما أصبحا انحطا من ذروة الجبل فمشيا ربوة فلم يؤنسا ~~أحدا ثم دنوا ربوة فلم يسمعا حسا فقالا بات القوم [ساهرين] (4) ، فأصبحوا ~~نياما، فلما دنوا من عسكر القوم فإذا هم خامدون، وكان يقع PageV08P539 # الحجر على بيضة (1) أحدهم فيخرقها حتى يقع في دماغه ويخرق الفيل والدابة ~~ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه، فعمد عبد المطلب فأخذ فأسا 201/أمن ~~فؤسهم فحفر حتى أعمق في الأرض فملأه من أموالهم، من الذهب الأحمر والجوهر، ~~وحفر لصاحبه حفرة فملأها كذلك، ثم قال لأبي مسعود: هات فاختر إن شئت حفرتي ~~وإن شئت حفرتك، وإن شئت فهما لك معا، قال أبو مسعود: اختر لي على نفسك، ~~فقال عبد المطلب إني لم آل أن أجعل أجود المتاع في حفرتي فهو لك، وجلس كل ~~واحد منهما على حفرته، ونادى عبد المطلب في الناس، فتراجعوا وأصابوا من ~~فضلهما حتى ضاقوا به ذرعا، وساد عبد المطلب بذلك قريشا وأعطته المقادة، فلم ~~يزل عبد المطلب وأبو مسعود في أهليهما في غنى من ذلك المال، ودفع الله عن ~~كعبته وبيته. # واختلفوا في تاريخ عام الفيل؛ فقال مقاتل: كان قبل مولد النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأربعين سنة. # وقال الكلبي: بثلاث وعشرين سنة. # والأكثرون على أنه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # قوله عز وجل: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} ؟ قال مقاتل: كان معهم ~~فيل واحد. وقال الضحاك: كانت الفيلة ثمانية. وقيل اثنا عشر، سوى الفيل ~~الأعظم، وإنما وحد لأنه نسبهم إلى الفيل الأعظم. وقيل: لوفاق رءوس الآي. ### || # {ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) } # {ألم يجعل كيدهم في تضليل} "كيدهم" يعني مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة. ~~وقوله: "في تضليل" عما أرادوا، وأضل كيدهم حتى لم يصلوا إلى الكعبة، وإلى ~~ما أرادوه بكيدهم. قال مقاتل: في خسارة، وقيل: في بطلان. {وأرسل عليهم ms2811 طيرا ~~أبابيل} كثيرة متفرقة يتبع بعضها بعضا. وقيل: أقاطيع كالإبل المؤبلة. قال ~~أبو عبيدة. أبابيل جماعات في تفرقة، يقال: جاءت الخيل أبابيل من هاهنا ~~وهاهنا. # قال الفراء: لا واحد لها من لفظها. وقيل: واحدها إبالة (2) . وقال ~~الكسائي: إني كنت أسمع PageV08P540 # النحويين يقولون: واحدها أبول، مثل عجول وعجاجيل (1) . # وقيل: واحدها من [لفظها] (2) إبيل. # قال ابن عباس: كانت طيرا لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب (3) ~~. # وقال عكرمة: لها رءوس كرءوس السباع. قال الربيع: لها أنياب كأنياب ~~السباع. # وقال سعيد بن جبير: خضر لها مناقير صفر. وقال قتادة: طير سود جاءت من قبل ~~البحر فوجا فوجا مع كل طائر ثلاثة أحجار؛ حجران في رجليه، وحجر في منقاره، ~~لا تصيب شيئا إلا هشمته. ### || # {ترميهم بحجارة من سجيل (4) فجعلهم كعصف مأكول (5) } # {ترميهم بحجارة من سجيل} قال [ابن عباس] (4) وابن مسعود: صاحت الطير ~~ورمتهم بالحجارة، فبعث الله ريحا فضربت الحجارة فزادتها شدة فما وقع منها ~~حجر على رجل إلا خرج من الجانب الآخر، وإن وقع على رأسه خرج من دبره. ~~{فجعلهم كعصف مأكول} كزرع وتبن أكلته الدواب فراثته فيبس وتفرقت أجزاؤه. ~~شبه تقطع، أوصالهم بتفرق أجزاء الروث. قال مجاهد: "العصف" ورق الحنطة. وقال ~~قتادة: هو التبن. وقال عكرمة: كالحب إذا أكل فصار أجوف. وقال ابن عباس: هو ~~القشر الخارج الذي يكون على حب الحنطة كهيئة الغلاف له. PageV08P541 ### | سورة قريش # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {لإيلاف قريش (1) } # {لإيلاف قريش} قرأ أبو جعفر: "ليلاف" بغير همز "إلافهم" طلبا للخفة، وقرأ ~~ابن عامر " لالآف " بهمزة مختلسة من غير ياء بعدها [على وزن لغلاف] (2) ~~وقرأ الآخرون بهمزة مشبعة وياء بعدها، واتفقوا -غير أبي جعفر -في "إيلافهم" ~~أنها بياء بعد الهمزة، إلا عبد الوهاب بن فليح عن ابن كثير فإنه قرأ: ~~"إلفهم" ساكنة اللام بغير ياء. # وعد بعضهم سورة الفيل وهذه السورة واحدة؛ منهم أبي بن كعب لا فصل بينهما ~~في مصحفه، وقالوا: اللام في "لإيلاف" تتعلق بالسورة التي قبلها، وذلك أن ~~الله تعالى ذكر أهل مكة عظيم نعمته عليهم ms2812 فيما صنع بالحبشة، وقال: {لإيلاف ~~قريش} (3) . # وقال الزجاج: المعنى: جعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، أي [يريد إهلاك أهل] ~~(4) الفيل لتبقى قريش [وما ألفوا من] (5) رحلة الشتاء والصيف. # وقال مجاهد: ألفوا ذلك فلا يشق عليهم في الشتاء والصيف (6) . # والعامة على أنهما سورتان، واختلفوا في العلة الجالبة للام في قوله ~~"لإيلاف"، قال الكسائي PageV08P542 # والأخفش: هي لام التعجب، يقول: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، ~~وتركهم عبادة رب هذا البيت، ثم أمرهم بعبادته كما تقول في الكلام لزيد ~~وإكرامنا إياه على وجه التعجب: اعجبوا لذلك: والعرب إذا جاءت بهذه اللام ~~اكتفوا بها دليلا على التعجب من إظهار الفعل منه. # وقال الزجاج: هي مردودة إلى ما بعدها تقديره: فليعبدوا رب هذا البيت ~~لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف. # وقال [ابن عيينة] : (1) لنعمتي على قريش. # وقريش هم ولد النضر بن كنانة، وكل من ولده النضر فهو قرشي، ومن لم يلده ~~النضر فليس بقرشي. # أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن ~~محمد بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن مسلم أبو بكر الجوربذي، حدثنا ~~يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا بشر بن بكر عن الأوزاعي، حدثني شداد أبو ~~عمار، حدثنا واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ~~الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش ~~بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (2) . # وسموا قريشا من القرش، والتقرش وهو التكسب والجمع، يقال: فلان يقرش ~~لعياله ويقترش أي يكتسب، وهم كانوا تجارا حراصا على جمع المال والإفضال. # وقال أبو ريحانة: (3) سأل معاوية عبد الله بن عباس: لم سميت قريش قريشا؟ ~~قال: لدابة تكون في البحر من أعظم دوابه يقال لها القرش لا تمر بشيء من ~~الغث والسمين إلا أكلته، وهي تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، قال: وهل تعرف ~~العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، فأنشده 201/ب شعر الجمحي: # وقريش هي التي تسكن البح %~% ر بها سميت قريش قريشا # سلطت بالعلو في لجة البح ms2813 %~% ر على سائر البحور جيوشا # تأكل الغث والسمين ولا تت %~% رك فيه لذي الجناحين ريشا PageV08P546 # هكذا في الكتاب حي قريش %~% يأكلون البلاد أكلا [كميشا] (1) # ولهم في آخر الزمان نبي %~% يكثر القتل فيهم والخموشا ### || # {إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) فليعبدوا رب هذا البيت (3) الذي أطعمهم ~~من جوع وآمنهم من خوف (4) } # قوله تعالى: {إيلافهم} بدل من الإيلاف الأول {رحلة الشتاء والصيف} "رحلة" ~~نصب على المصدر، أي ارتحالهم رحلة الشتاء والصيف. # روى عكرمة، وسعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانوا يشتون ~~بمكة ويصيفون بالطائف، فأمرهم الله تعالى أن يقيموا بالحرم ويعبدوا رب هذا ~~البيت (2) . # وقال الآخرون: كانت لهم رحلتان في كل عام للتجارة، إحداهما في الشتاء إلى ~~اليمن لأنها أدفأ والأخرى في الصيف إلى الشام. # وكان الحرم واديا جدبا لا زرع فيه ولا ضرع، وكانت قريش تعيش بتجارتهم ~~ورحلتهم، وكان لا يتعرض لهم أحد بسوء، كانوا يقولون: قريش سكان حرم الله ~~وولاة بيته فلولا الرحلتان لم يكن لهم بمكة مقام، ولولا الأمن بجوار البيت ~~لم يقدروا على التصرف، وشق عليهم الاختلاف إلى اليمن والشام فأخصبت تبالة ~~وجرش من بلاد اليمن، فحملوا الطعام إلى مكة، أهل الساحل من البحر على السفن ~~وأهل البر على الإبل والحمير فألقى أهل الساحل بجدة، وأهل البر بالمحصب، ~~وأخصب الشام فحملوا الطعام إلى مكة فألقوا بالأبطح، فامتاروا من قريب ~~وكفاهم الله مؤنة الرحلتين، وأمرهم بعبادة رب البيت فقال: {فليعبدوا رب هذا ~~البيت} أي الكعبة. {الذي أطعمهم من جوع} أي من بعد جوع بحمل الميرة إلى مكة ~~{وآمنهم من خوف} بالحرم وكونهم من أهل [مكة] (3) حتى لم يتعرض لهم [في ~~رحلتهم] (4) PageV08P547 # وقال عطاء عن ابن عباس: إنهم كانوا في ضر ومجاعة حتى جمعهم هاشم على ~~الرحلتين، وكانوا يقسمون ربحهم بين الفقير والغني حتى كان فقيرهم كغنيهم. # قال الكلبي: (1) وكان أول من حمل [السمراء] (2) من الشام ورحل إليها ~~الإبل: هاشم بن عبد مناف وفيه يقول الشاعر (3) . # قل للذي طلب السماحة والندى %~% هلا مررت بآل عبد مناف # هلا مررت ms2814 بهم تريد قراهم %~% منعوك من ضر ومن إكفاف # الرائشين وليس يوجد رائش %~% والقائلين هلم للأضياف # والخالطين فقيرهم بغنيهم %~% حتى يكون فقيرهم كالكافي # والقائمين بكل وعد صادق %~% والراحلين برحلة الإيلاف # عمرو [العلا] (4) هشم الثريد لقومه %~% ورجال مكة [مسنتون] (5) عجاف # سفرين سنهما له ولقومه ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف # وقال الضحاك والربيع وسفيان: "وآمتهم من خوف" من خوف الجذام، فلا يصيبهم ~~ببلدهم الجذام. PageV08P548 ### | سورة الماعون # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2) ولا يحض على طعام ~~المسكين (3) فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) } # {أرأيت الذي يكذب بالدين} قال مقاتل: نزلت في العاص بن وائل السهمي (2) ~~وقال السدي ومقاتل بن حيان وابن كيسان: في الوليد بن المغيرة. قال الضحاك: ~~في [عمرو] (3) بن عائذ المخزومي. وقال عطاء عن ابن عباس: في رجل من ~~المنافقين (4) . # ومعنى "يكذب بالدين" أي بالجزاء والحساب. {فذلك الذي يدع اليتيم} يقهره ~~ويدفعه عن حقه والدع: الدفع بالعنف والجفوة. {ولا يحض على طعام المسكين} لا ~~يطعمه ولا يأمر بإطعامه لأنه يكذب بالجزاء. {فويل للمصلين الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون} [أي: عن مواقيتها غافلون] (5) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، ~~أخبرنا أبو عبد الله PageV08P549 # محمد بن عبد الله الصفار، أخبرنا أبو جعفر محمد بن غالب بن تمام الضبي، ~~حدثنا حرمي بن حفص [القسملي] (1) حدثنا عكرمة بن إبراهيم الأزدي، حدثنا ~~[عبد الملك] (2) بن عمير عن مصعب بن [سعد] (3) عن أبيه أنه قال: سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن "الذين هم عن صلاتهم ساهون"، قال: "إضاعة ~~الوقت" (4) . # قال ابن عباس: هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس، ويصلونها ~~في العلانية إذا حضروا (5) لقوله تعالى: {الذين هم يراءون} ### || # {الذين هم يراءون (6) ويمنعون الماعون (7) } # {الذين هم يراءون} وقال في وصف المنافقين: "وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا ~~كسالى يراءون الناس" (النساء -142) . # وقال قتادة: ساه عنها لا يبالي صلى أم لم يصل. # وقيل: لا يرجون لها ثوابا إن صلوا ولا يخافون عقابا ms2815 إن تركوا. # وقال مجاهد: غافلون عنها يتهاونون بها. # وقال الحسن: هو الذي إن صلاها صلاها رياء، وإن فاتته لم يندم. # وقال أبو العالية: لا يصلونها لمواقيتها ولا يتمون ركوعها وسجودها. ~~{ويمنعون الماعون} روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: هي الزكاة، وهو قول ~~ابن عمر والحسن وقتادة والضحاك. # وقال عبد الله بن مسعود: "الماعون": الفأس والدلو والقدر وأشباه ذلك (6) ~~وهي رواية PageV08P552 # سعيد بن جبير عن ابن عباس. # قال مجاهد: "الماعون" [العارية. وقال عكرمة] (1) أعلاها الزكاة المعروفة ~~[وأدناها عارية المتاع (2) . # وقال محمد بن كعب والكلبي: "الماعون": المعروف الذي يتعاطاه الناس فيما ~~بينهم. # قال قطرب: أصل الماعون من القلة، تقول العرب: ما له: سعة ولا منعة، أي ~~شيء قليل فسمى الزكاة والصدقة والمعروف ماعونا لأنه قليل من كثير. # وقيل: "الماعون": ما لا يحل منعه مثل: الماء والملح والنار] (3) (4) . ~~PageV08P553 ### | سورة الكوثر # سورة الكوثر (1) # مكية (2) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {إنا أعطيناك الكوثر (1) } # {إنا أعطيناك الكوثر} أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر ~~بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الحلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد 202/أبن ~~سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن ~~مسهر عن المختار -يعني ابن فلفل -عن أنس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا: ما ~~أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفا سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن ~~الرحيم: "إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر"، ثم قال: ~~"أتدرون ما الكوثر"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهر وعدنيه ربي عز ~~وجل عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم ~~فيختلج العبد منهم فأقول: رب إنه مني، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك" (3) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا هشيم، ~~حدثنا أبو بشر وعطاء بن ms2816 السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ~~"الكوثر": الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر قلت لسعيد بن ~~جبير: إن أناسا يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في الجنة ~~من الخير الذي أعطاه الله إياه (4) . PageV08P554 # قال الحسن: هو القرآن العظيم. # قال عكرمة: النبوة والكتاب (1) . # وقال أهل اللغة: الكوثر: فوعل [من الكثرة، كنوفل: فوعل] (2) من النفل ~~والعرب تسمي كل شيء [كثير في العدد أو] (3) كثير في القدر والخطر: كوثرا. ~~والمعروف: أنه نهر في الجنة أعطاه الله رسوله صلى الله عليه وسلم كما جاء ~~في الحديث: # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن [علي] (4) ~~الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا حميد عن أنس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دخلت الجنة فإذا أنا بنهر يجري ~~بياضه [بياض] (5) اللبن وأحلى من العسل وحافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي ~~فإذا الثرى مسك أذفر فقلت لجبريل: ما هذا؟ قال الكوثر الذي أعطاكه الله عز ~~وجل: (6) . # أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الداوودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن ~~موسى الصلت، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو ~~سعيد الأشج، حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن ~~عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكوثر نهر في الجنة، حافتاه ~~الذهب مجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وأشد بياضا من الثلج". ~~(7) . PageV08P558 # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن أبي مريم، ~~حدثنا نافع [بن عمر، عن] (1) ابن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن عمرو: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن وريحه ~~أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء، من يشرب ms2817 منها لم يظمأ أبدا" (2) . # أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد ~~الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ~~الدبري، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد، عن ~~معدان بن أبي طلحة عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~[أناعند عقر حوضي] (3) أذود الناس عنه لأهل اليمن" إني لأضربهم بعصاي حتى ~~يرفضوا عنه "وإنه [ليغت] (4) فيه ميزابان من الجنة، أحدهما من ورق والآخر ~~من ذهب طوله ما بين بصرى وصنعاء، أو ما بين أيلة ومكة أو من مقامي هذا إلى ~~عمان" (5) . ### || # {فصل لربك وانحر (2) } # قوله عز وجل: {فصل لربك وانحر} قال محمد بن كعب: إن أناسا كانوا يصلون ~~لغير الله وينحرون لغير الله فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي ~~وينحر لله عز وجل (6) . # وقال عكرمة وعطاء وقتادة: فصل لربك صلاة العيد يوم النحر وانحر نسكك. # وقال سعيد بن جبير ومجاهد: فصل الصلوات المفروضة بجمع وانحر البدن بمنى ~~(7) . # وروي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: "فصل لربك وانحر" قال: وضع اليمين ~~على الشمال في الصلاة عند النحر (8) . PageV08P559 ### || # {إن شانئك هو الأبتر (3) } # قوله تعالى: {إن شانئك} عدوك (1) ومبغضك {هو الأبتر} هو الأقل الأذل ~~المنقطع دابره (2) . # نزلت في العاص بن وائل السهمي؛ وذلك أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يخرج من [باب] (3) المسجد وهو يدخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا وأناس ~~من صناديد قريش جلوس في المساجد فلما دخل العاص قالوا له: من الذي كنت ~~تتحدث معه؟ قال: ذلك الأبتر يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد توفي ~~ابن لرسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة رضي الله عنها (4) . # وذكر محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له فإذا هلك ~~انقطع ذكره، فأنزل الله تعالى هذه السورة ms2818 (5) . # وقال عكرمة عن ابن عباس: نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من قريش، وذلك أنه ~~لما قدم كعب مكة قالت له قريش: نحن أهل السقاية والسدانة وأنت سيد أهل ~~المدينة، فنحن خير أم هذا [الصنبور] (6) المنبتر من قومه؟ فقال: بل أنتم ~~خير منه، فنزلت: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت" (النساء -51) . الآية، ونزل في الذين قالوا إنه أبتر: "إن شانئك ~~هو الأبتر" (7) أي المنقطع من كل خير. PageV08P560 ### | سورة الكافرون # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما أعبد ~~(3) } # {قل يا أيها الكافرون} إلى آخر السورة. # نزلت في رهط من قريش منهم: الحارث بن قيس السهمي، والعاص بن وائل، ~~والوليد بن المغيرة، [والأسود] (2) بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب بن أسد، ~~202/ب وأمية بن خلف، قالوا: يا محمد [هلم فاتبع] (3) ديننا ونتبع دينك ~~ونشركك في أمرنا كله، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به ~~خيرا كنا قد شركناك فيه وأخذنا حظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا كنت قد ~~شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه، فقال: معاذ الله أن أشرك به غيره، قالوا: ~~فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك، فقال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي، ~~فأنزل الله عز وجل: "قل يا أيها الكافرون" إلى آخر السورة، فغدا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام وفيه الملاء من قريش، فقام على ~~رءوسهم ثم قرأها عليهم حتى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند ذلك وآذوه ~~وأصحابه (4) . ومعنى الآية: {لا أعبد ما تعبدون} في الحال {ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد} في الحال، PageV08P561 ### || # {ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) لكم دينكم ولي ~~دين (6) } # {ولا أنا عابد ما عبدتم} في الاستقبال، {ولا أنتم عابدون ما أعبد} في ~~الاستقبال (1) . # وهذا خطاب لمن سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون. # وقوله: [ما] (2) أعبد" أي: من أعبد، لكنه ذكره لمقابلة: "ما تعبدون". # ووجه ms2819 التكرار: قال أكثر أهل المعاني: هو أن القرآن نزل بلسان العرب، وعلى ~~مجاز خطابهم، ومن مذاهبهم التكرار، إرادة التوكيد والإفهام كما أن من ~~مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز. # وقال القتيبي: تكرار الكلام لتكرار الوقت، وذلك أنهم قالوا: إن سرك أن ~~ندخل في دينك عاما فادخل في ديننا عاما، فنزلت هذه السورة. {لكم دينكم} ~~الشرك {ولي دين} (3) الإسلام، قرأ ابن كثير، ونافع، وحفص: "ولي" بفتح ~~الياء، قرأ الآخرون بإسكانها. [وهذه الآية منسوخة بآية السيف] (4) . ~~PageV08P564 ### | سورة النصر # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {إذا جاء نصر الله والفتح (1) } # {إذا جاء نصر الله والفتح} أراد فتح مكة. # وكانت قصته -على ما ذكر محمد بن إسحاق وأصحاب الأخبار -أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما صالح قريشا عام الحديبية، واصطلحوا على وضع الحرب بين ~~الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض، وأنه من أحب أن يدخل ~~في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في ~~عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خزاعة في عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بينهما شر قديم. # ثم إن بني بكر عدت على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة، يقال له ~~"الوتير"، فخرج نوفل بن معاوية الدؤلي في بني الدئل من بني بكر حتى بيت ~~خزاعة، وليس كل بكر تابعه، فأصابوا منهم رجلا وتحاربوا واقتتلوا، ورفدت ~~قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل مستخفيا بالليل، حتى ~~حازوا خزاعة إلىالحرم، وكان ممن أعان بني بكر من قريش على خزاعة ليلتئذ ~~بأنفسهم متنكرين: صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، مع ~~عبيدهم فلما انتهوا إلى الحرم قالت بنو بكر: يا نوفل إنا دخلنا الحرم، إلهك ~~إلهك، فقال كلمة عظيمة: إنه لا إله لي اليوم، [يا بني بكر] (2) أصيبوا ~~ثأركم فيه. PageV08P565 # فلما تظاهرت قريش على خزاعة وأصابوا منهم ونقضوا ما بينهم وبين رسول الله ~~صلى الله عليه ms2820 وسلم من العهد بما استحلوا من خزاعة -وكانوا في عقده-خرج ~~عمرو بن سالم الخزاعي، حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ~~وكان ذلك مما هاج فتح مكة، فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ظهراني الناس، ~~فقال: # لا هم إني ناشد محمدا %~% حلف أبينا وأبيه الأتلدا # إن قريشا أخلفوك الموعدا %~% ونقضوا ميثاقك المؤكدا # الأبيات كما ذكرنا في سورة التوبة (1) . # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد نصرت يا عمرو بن سالم"، ثم عرض ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء، فقال: "إن هذه السحابة ~~لتستهل، بنصر بني كعب"، وهم رهط عمرو بن سالم. # ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخبروه بما أصيب منهم [وبمظاهرة] (2) قريش بني بكر عليهم، ثم ~~انصرفوا راجعين إلى مكة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: ~~كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشد العقد ويزيد في المدة. # ومضى بديل بن ورقاء فلقي أبا سفيان بعسفان، قد بعثته قريش إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليشد العقد ويزيد في المدة، وقد رهبوا الذي صنعوا، فلما ~~لقي أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، قال: سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي، ~~قال: أو ما أتيت محمدا؟ قال: لا فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن ~~كان جاء المدينة لقد علف ناقته بها النوى، فعمد إلى مبرك ناقته فأخذ من ~~بعرها ففته فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا. # ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ~~فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال: يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش أم ~~أرغبت به عني؟ قالت: ms2821 بلى هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل ~~مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراش 203/أرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي [شيء] (3) PageV08P568 # ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئا ~~[غير أنه قال: نقض أهل مكة العهد] (1) . # ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر ابن الخطاب فكلمه فقال: أنا أشفع لكم إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ! فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، ~~ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعنده فاطمة بنت رسول لله ~~صلى الله عليه وسلم وعندها الحسن بن علي رضي الله عنهما، غلام يدب، بين ~~يديها، فقال: يا علي إنك أمس، القوم بي رحما وأقربهم مني قرابة، وقد جئت في ~~حاجة فلا أرجعن كما جئت، خائبا، اشفع لنا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: ويحك يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد، هل لك أن ~~تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: ~~والله ما بلغ بني أن يجير بين الناس، وما يجير على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أحد، فقال: يا أبا الحسن -إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني، قال: ~~والله ما أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم ~~الحق بأرضك، قال أوترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ قال: لا والله، ما أظن، ولكن لا ~~أجد لك غير ذلك. # فقام أبو سفيان في المسجد فقال: يا أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ~~ركب بعيره فانطلق فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا ~~فكلمته والله ما رد علي شيئا ms2822 ثم جئت ابن أبي قحافة، فلم أجد عنده خيرا، ~~فجئت ابن الخطاب فوجدته أعدى القوم، ثم أتيت علي بن أبي طالب فوجدته ألين ~~القوم، وقد أشار علي بشيء صنعته، فوالله ما أدري هل [يغنيني] (2) شيئا أم ~~لا؟ قالوا: وماذا أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت، قالوا: فهل ~~أجاز ذلك محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا قالوا: والله إن زاد علي على أن ~~لعب بك، فلا يغني عنا ما قلت، قال: لا والله ما وجدت غير ذلك. # قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز، وأمر أهله أن ~~يجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي لله عنها وهي تصلح بعض جهاز رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أي بنية أمركم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأن تجهزوه؟ قالت: نعم فتجهز، قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: ما أدري. ~~ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم ~~بالجد والتهيؤ، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى [نبغتها] (3) ~~في بلادها، فتجهز الناس. PageV08P569 # وكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش [-وفيه قصة] (1) ذكرناها في سورة ~~الممتحنة - (2) . # ثم استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا رهم كلثوم بن ~~حصين بن خلف الغفاري، وخرج عامدا إلى مكة لعشر مضين من رمضان سنة ثمان، ~~فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد ~~-ماء بين عسفان وأمج -أفطر. # ثم مضى حتى نزل بمر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين، ولم يتخلف من ~~المهاجرين والأنصار عنه أحد، فلما نزل بمر الظهران، وقد عميت الأخبار عن ~~قريش، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما هو ~~فاعل، فخرج في تلك الليلة: أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام وبديل بن ~~ورقاء، يتحسسون الأخبار هل يجدون خبرا؟ وقد قال العباس بن عبد المطلب ~~ليلتئذ: واصباح قريش، والله لئن [بغتها] (3) رسول الله ms2823 صلى الله عليه وسلم ~~في بلادها فدخل مكة عنوة إنها لهلاك قريش إلى آخر الدهر. # فخرج العباس على بغلة رسول الله وقال: أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطابا أو ~~صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيأتونه فيستأمنونه قبل أن يدخلها عليهم عنوة. # قال العباس فخرجت وإني -والله -لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت ~~صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتحسسون الخبر، ~~فسمعت أبا سفيان يقول: والله ما رأيت كالليلة قط نيرانا، وقال بديل: هذه ~~والله نيران خزاعة [حمشتها] (4) الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة ألأم من ذلك ~~وأذل فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: يا أبا الفضل، فقلت: ~~نعم، فقال: مالك فداك أبي وأمي؟ قلت: ويحك يا أبا سفيان هذا، والله، رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد جاء بما لا قبل لكم به، بعشرة آلاف من ~~المسلمين، قال: وما الحيلة؟ قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في ~~عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه فردفني، ~~ورجع صاحباه فخرجت أركض به بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلما مررت ~~بنار من نيران المسلمين فنظروا إلي قالوا: 203/ب هذا عم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: من هذا؟ وقام إلي فلما رأى ~~أبا سفيان على عجز الدابة، قال: أبو سفيان عدو الله! PageV08P570 # الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد، ثم اشتد نحو رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فركضت البغلة وسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، ~~فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر، ~~فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا ~~عقد، فدعني فلأضرب عنقه، فقلت: يا رسول الله إني قد أجرته، ثم جلست إلى ~~رسول الله فأخذت برأسه ms2824 وقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني، فلما أكثر ~~فيه عمر رضي الله عنه قلت: مهلا يا عمر، فوالله ما تصنع هذا إلا أنه رجل من ~~بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا. قال: مهلا يا عباس، ~~فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، [وذلك لأني ~~أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب ~~لو أسلم] (1) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذهب به يا عباس إلى ~~رحلك، فإذا أصبحت فأتني به"، قال: فذهبت إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح ~~غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: "ويحك يا أبا ~~سفيان [ألم يأن] (2) لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ " قال: بأبي أنت وأمي، ~~ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره فقد ~~أغنى عني شيئا بعد، قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول ~~الله؟ قال: بأبي أنت وأمي وما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه فإن في النفس ~~منها [حتى الآن] (3) شيئا، قال العباس: قلت له: ويحك! أسلم واشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله، قبل أن يضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحق ~~وأسلم، قال العباس: قلت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، ~~فاجعل له شيئا، قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه ~~بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: يا عباس احبسه، بمضيق الوادي عند خطم (4) الجبل حتى تمر به ~~جنود الله فيراها، قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # قال: ومرت به القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: من هؤلاء يا ~~عباس؟ قال: أقول: سليم، قال يقول: مالي ولسليم، ثم تمر القبيلة ms2825 فيقول: من ~~هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: مالي ولمزينة، حتى نفذت القبائل لا تمر قبيلة ~~إلا سألني عنها، فإذا أخبرته يقول: مالي ولبني فلان حتى مر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الخضراء، كتيبة رسول الله، فيها المهاجرون والأنصار، لا ~~يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، PageV08P571 # فقال: والله ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد ~~أصبح ملك ابن أخيك عظيما، فقال: ويحك! إنها النبوة، قال: نعم إذا. # فقلت: الحق الآن بقومك فحذرهم، فخرج سريعا حتى أتى مكة فصرخ في المسجد ~~بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، قالوا: ~~فمه؟ قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: ويحك وما تغني عنا دارك؟ ~~قال: ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، فتفرق الناس إلى ~~دورهم وإلى المسجد. # قال: وجاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمر الظهران فأسلما وبايعاه، فلما بايعاه بعثهما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام. # ولما خرج حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء من عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~عامدين إلى مكة بعث في إثرهما الزبير وأعطاه رايته وأمره على خيل المهاجرين ~~والأنصار، وأمره أن يركز رايته بأعلى مكة بالحجون، وقال: لا تبرح حيث أمرتك ~~أن تركز رايتي حتى آتيك، ومن ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ~~وضربت هناك قبته، وأمر خالد بن الوليد فيمن أسلم من قضاعة وبني سليم أن ~~يدخل من أسفل مكة وبها بنو بكر قد استنفرتهم قريش وبنو الحارث بن عبد مناف ~~ومن كان من الأحابيش، أمرتهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة، وإن صفوان بن أمية ~~وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، وكانوا قد جمعوا أناسا بالخندمة ~~ليقاتلوا، وقال النبي ms2826 صلى الله عليه وسلم لخالد والزبير حين بعثهما: لا ~~تقاتلا إلا من قاتلكم، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدي، ~~فقال سعد حين توجه داخلا اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، فسمعها ~~رجل من المهاجرين فقال: يا رسول الله، اسمع ما قال سعد بن عبادة، وما نأمن ~~أن يكون له في قريش صولة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي ~~طالب: أدركه فخذ الراية منه، فكن أنت الذي تدخل بها، فلم يكن بأعلى مكة من ~~قبل 204/أالزبير قتال، وأما خالد بن الوليد فقدم على قريش وبني بكر ~~والأحابيش بأسفل مكة، فقاتلهم فهزمهم الله، ولم يكن بمكة قتال غير ذلك. # وقتل من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر، ولم يقتل من المسلمين ~~إلا رجل من جهينة يقال له: سلمة بن الميلاء، من خيل خالد بن الوليد، ورجلان ~~يقال لهما: كرز بن جابر [وخنيس] (1) بن خالد، كانا في خيل خالد بن الوليد، ~~فشذا عنه وسلكا طريقا غير طريقه، فقتلا جميعا. PageV08P572 # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين ~~أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم، إلا [أنه قد عهد] ~~(1) في نفر سماهم أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة. منهم: عبد الله ~~بن سعد بن أبي سرح، وإنما أمر بقتله لأنه كان قد أسلم فارتد مشركا، ففر إلى ~~عثمان، وكان أخاه من الرضاعة، فغيبه حتى أتى به [رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد أن اطمأن أهل مكة، فاستأمن له. # وعبد الله بن خطل، كان رجلا من بني تميم بن غالب] (2) ، وإنما أمر بقتله ~~لأنه كان مسلما فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا، وكان له مولى ~~يخدمه وكان مسلما، فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا ويصنع له طعاما ~~ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركا، وكانت له ~~قينتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله ms2827 عليه وسلم، فأمر بقتلهما معه. # والحويرث، بن [نقيذ] (3) بن وهب، كان ممن يؤذيه بمكة. # ومقيس بن صبابة، وإنما أمر بقتله، لقتله الأنصاري الذي قتل أخاه خطأ ~~ورجوعه إلى قريش مرتدا. # وسارة؛ مولاة كانت لبعض بني المطلب كانت ممن يؤذيه بمكة. # وعكرمة بن أبي جهل، فأما عكرمة فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم ~~بنت الحارث بن هشام، فاستأمنت له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه، ~~فخرجت في طلبه حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم. # وأما عبد الله بن خطل، فقتله سعد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي، ~~اشتركا في دمه، وأما مقيس بن صبابة، فقتله تميلة بن عبد الله، رجل من قومه، ~~وأما قينتا ابن خطل؛ فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فأمنها، وأما سارة فتغيبت حتى استؤمن لها فأمنها، ~~فعاشت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا له في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح ~~فقتلها، وأما الحويرث بن نقيذ، فقتله علي بن أبي طالب. # فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقف قائما على باب الكعبة ~~وقال: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا ~~إن كل مأثرة أو دم أو مال في الجاهلية PageV08P573 # يدعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، يا معشر قريش، ~~إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم ~~خلق من تراب، ثم تلا "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى" (الحجرات ~~-13) الآية، يا أهل مكة، ماذا ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم ~~وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوة، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء. # ثم اجتمع الناس للبيعة؛ فجلس لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الصفا، وعمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس، فبايعوه على السمع والطاعة ~~فيما استطاعوا، ms2828 فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء. # قال عروة بن الزبير: خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، ~~فقال عمير بن وهب الجمحي: يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومي، وقد خرج ~~هاربا منك ليقذف نفسه في البحر، فأمنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~هو آمن، قال: يا رسول الله أعطني شيئا يعرف به أمانك، فأعطاه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عمامته التي دخل بها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة وهو ~~يريد أن يركب البحر فقال: يا صفوان فداك أبي وأمي أذكرك الله في نفسك أن ~~تهلكها، فهذا أمان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به، فقال: ويلك ~~اغرب عني فلا تكلمني، قال: أي صفوان فداك أبي وأمي، أفضل الناس وأبر الناس، ~~وأحلم الناس، وخير الناس، ابن عمك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك. قال: إني ~~أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم، فرجع به معه حتى وقف به على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك أمنتني؟ قال: ~~صدق، قال فاجعلني في أمري بالخيار شهرين، قال: أنت فيه بالخيار أربعة أشهر. # قال ابن إسحاق: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف، وكان ~~فتح مكة لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان، وأقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة [يقصر] (1) الصلاة. # ثم خرج إلى هوازن وثقيف، قد نزلوا حنينا (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو نعيم، حدثنا شيبان عن يحيى ~~بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، PageV08P574 # أن خزاعة قتلوا رجلا. . . " وقال محمد بن إسماعيل، قال عبد الله بن رجاء: ~~حدثنا حرب عن يحيى، حدثنا أبو سلمة "حدثنا أبو هريرة: أنه عام فتح مكة قتلت ~~خزاعة رجلا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية، فقام رسول ms2829 الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: (1) إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليهم رسوله والمؤمنين. ~~ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد من بعدي، ألا وإنها أحلت لي ساعة ~~من نهار، ألا وإنها ساعتي هذه، حرام 204/ب لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها، ~~ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظر إما يؤدى وإما ~~أن يقاد (2) فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال: اكتب لي يا رسول ~~الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاه ثم قام رجل من ~~قريش فقال: يا رسول الله إلا الإذخر فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إلا الإذخر" (3) . # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن أبي النضر -مولى عمر بن عبيد الله ~~-أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب ~~تقول: ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فوجدته يغتسل، ~~وفاطمة ابنته تستره بثوب، قالت: فسلمت، فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ ~~بنت أبي طالب، قال: مرحبا بأم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ~~ملتحفا في ثوب واحد، ثم انصرف فقلت له: يا رسول الله، زعم ابن أمي، علي بن ~~أبي طالب، أنه قاتل رجلا أجرته، فلان بن هبيرة، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، وذلك ضحى (4) . # قوله عز وجل: {إذا جاء نصر الله} إذا جاءك نصر الله يا محمد على من عاداك ~~وهم قريش، {والفتح} فتح مكة. ### || # {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2) } # {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} زمرا وأرسالا القبيلة بأسرها، ~~والقوم بأجمعهم من غير قتال. PageV08P575 # قال الحسن: لما فتح الله عز وجل مكة على رسوله قالت العرب بعضها لبعض: ~~إذا ظفر محمد بأهل الحرم ms2830 -وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل -فليس لكم به ~~يدان، فكانوا يدخلون في دين الله أفواجا بعد أن كانوا يدخلون واحدا واحدا، ~~واثنين اثنين. # وقال عكرمة ومقاتل: أراد بالناس أهل اليمن: # أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد ~~الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري حدثنا أحمد بن الكشميهني ~~حدثنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة عن ~~أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتاكم أهل ~~اليمن هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة الإيمان والحكمة يمانية" (1) . ### || # {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3) } # {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} فإنك حينئذ لاحق به. # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو النعمان، حدثنا أبو عوانة ~~عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ~~قال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممن قد ~~علمتم، قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، قال: وما رأيته دعاني يومئذ إلا ~~ليريهم مني، فقال: ما تقولون في قوله: " إذا جاء نصر الله والفتح" حتى ختم ~~السورة؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا جاء نصرنا وفتح ~~علينا، وقال بعضهم: لا ندري، ولم يقل بعضهم شيئا، فقال لي: يا ابن عباس ~~أكذلك تقول؟ قلت: لا قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أعلمه به، "إذا جاء نصر الله والفتح" فتح مكة، فذلك علامة أجلك "فسبح ~~بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا"، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم (2) ~~. # أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ~~أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني عثمان بن أبي شيبة، ~~حدثنا جرير عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق، ms2831 عن عائشة رضي الله تعالى عنها ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: ~~"سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" يتأول القرآن (3) . PageV08P576 # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد بن عيسى ~~الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا ~~محمد بن المثنى، حدثني عبد الأعلى، حدثنا داود عن عامر، عن مسروق، عن ~~عائشة؛ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: "سبحان الله ~~وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه"، [قالت: فقلت: يا رسول الله، أراك تكثر من ~~قول: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه؟ "] (1) فقال: أخبرني ربي ~~أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثر من قول: سبحان الله وبحمده، ~~أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها: "إذا جاء نصر الله والفتح". فالفتح: ~~فتح مكة، "ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره ~~إنه كان توابا" (2) . # قال ابن عباس: لما نزلت هذه السورة علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~نعيت إليه نفسه (3) . # قال الحسن: أعلم أنه قد اقترب أجله فأمر بالتسبيح والتوبة، ليختم له ~~بالزيادة في العمل الصالح (4) . # قال قتادة ومقاتل: عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة ~~سنتين. PageV08P577 ### | سورة المسد # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {تبت يدا أبي لهب وتب (1) } # {تبت يدا أبي لهب وتب} أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر ~~أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، حدثنا محمد بن حماد، ~~حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصفا فقال: يا صاحباه، ~~قال: فاجتمعت إليه قريش، فقالوا له: مالك؟ قال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو ~~مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلى، قال: فإني نذير لكم بين ~~يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا جميعا؟ فأنزل ms2832 الله عز ~~وجل: "تبت يدا أبي لهب وتب" إلى آخرها (2) . # قوله: {تبت} أي: خابت وخسرت يدا أبي لهب، [أي هو] (3) ، أخبر عن يديه، ~~والمراد به نفسه على عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كله. # وقيل: "اليد" صلة، كما يقال: يد الدهر ويد الرزايا والبلايا. # وقيل: المراد بها ماله وملكه، يقال: فلان قليل ذات اليد، يعنون به المال، ~~و"الثياب": الخسار والهلاك. # وأبو لهب: هو ابن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم 205/أواسمه عبد ~~العزى. قال مقاتل: كني بأبي لهب لحسنه وإشراق وجهه. PageV08P578 # وقرأ ابن كثير "أبي لهب" ساكنة الهاء، وهي مثل: نهر ونهر. واتفقوا في ~~"ذات لهب" أنها مفتوحة الهاء لوفاق الفواصل. # {وتب} أبو لهب، وقرأ عبد الله: وقد تب (1) . قال الفراء: الأول دعاء، ~~والثاني خبر، كما يقال: أهلكه الله، وقد فعل (2) . ### || # {ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) سيصلى نارا ذات لهب (3) وامرأته حمالة ~~الحطب (4) } # {ما أغنى عنه ماله وما كسب} قال ابن مسعود: لما دعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أقرباءه إلى الله عز وجل قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي ~~حقا فإني أفتدي نفسي ومالي وولدي (3) ، فأنزل الله تعالى: # {ما أغنى عنه ماله} أي ما يغني، وقيل: أي شيء يغني عنه ماله، أي: ما يدفع ~~عنه عذاب الله ما جمع من المال، وكان صاحب مواش {وما كسب} قيل: يعني ولده، ~~لأن ولد الإنسان من كسبه كما جاء في الحديث: "أطيب ما يأكل أحدكم من كسبه، ~~وإن ولده من كسبه" (4) . ثم أوعده بالنار فقال: {سيصلى نارا ذات لهب} أي ~~نارا تلتهب عليه. {وامرأته} أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان {حمالة ~~الحطب} قال ابن زيد والضحاك: كانت تحمل الشوك والعضاة فتطرحه في طريق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه لتعقرهم، وهي رواية عطية عن ابن عباس. # وقال قتادة، ومجاهد، والسدي: كانت تمشي بالنميمة وتنقل الحديث فتلقي ~~العداوة بين الناس، PageV08P582 # وتوقد نارها كما توقد النار [بالحطب] (1) . يقال: فلان يحطب على فلان، ms2833 ~~إذا كان يغري به (2) . # وقال سعيد بن جبير: حمالة الخطايا، دليله: قوله: "وهم يحملون أوزارهم على ~~ظهورهم" (الأنعام -31) . # قرأ عاصم "حمالة" بالنصب على الذم، كقوله: "ملعونين". # وقرأ. الآخرون بالرفع، وله وجهان: أحدهما سيصلى نارا هو وامرأته حمالة ~~الحطب. والثاني: وامرأته حمالة الحطب في النار أيضا. ### || # {في جيدها حبل من مسد (5) } # {في جيدها} في عنقها، وجمعه أجياد، {حبل من مسد} واختلفوا فيه، قال ابن ~~عباس، وعروة بن الزبير: سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعا، تدخل في فيها ~~وتخرج من دبرها، ويكون سائرها في عنقها، وأصله من "المسد" وهو الفتل، ~~و"المسد" ما فتل وأحكم من أي شيء كان، يعني: السلسلة التي في عنقها ففتلت ~~من الحديد فتلا محكما. # وروى الأعمش عن مجاهد: "من مسد" أي من حديد، والمسد: الحديدة التي تكون ~~في البكرة، يقال لها المحور. # وقال الشعبي ومقاتل: من ليف. قال الضحاك وغيره: في الدنيا من ليف، وفي ~~الآخرة من نار. وذلك الليف هو الحبل الذي كانت تحتطب به، فبينما هي ذات يوم ~~حاملة حزمة فأعيت فقعدت على حجر تستريح فأتاها ملك فجذبها من خلفها ~~فأهلكها. # قال ابن زيد: حبل من شجر ينبت باليمن يقال له مسد. # قال قتادة: قلادة من ودع (3) وقال الحسن: كانت خرزات في عنقها [فاخرة] ~~(4) وقال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة في عنقها فاخرة، فقالت: لأنفقنها ~~في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم. PageV08P583 ### | سورة الإخلاص # مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) } # {قل هو الله أحد} روى أبو العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى هذه السورة (2) . # وروى أبو ظبيان، وأبو صالح، عن ابن عباس: أن عامر بن الطفيل وأربد بن ~~ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر: إلام تدعونا يا محمد؟ قال: ~~إلى الله، قال: صفه لنا أمن ذهب هو؟ أم من فضة؟ أم من حديد؟ أم من خشب؟ ~~فنزلت هذه السورة فأهلك الله أربد بالصاعقة ms2834 وعامر بن الطفيل بالطاعون، وقد ~~ذكرناه في سورة الرعد (3) . # وقال الضحاك وقتادة ومقاتل: جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: صف لنا ربك يا محمد لعلنا نؤمن بك، فإن الله أنزل نعته ~~في التوراة، فأخبرنا من أي شيء هو؟ وهل يأكل ويشرب؟ ومن يرث منه؟ فأنزل ~~الله هذه السورة (4) . PageV08P584 # {قل هو الله أحد} أي واحد، ولا فرق بين الواحد والأحد، يدل عليه قراءة ~~ابن مسعود: قل هو الله الواحد (1) . {الله الصمد} قال ابن عباس، ومجاهد ~~والحسن وسعيد بن جبير: "الصمد" الذي لا جوف له. # قال الشعبي: الذي لا يأكل ولا يشرب. # وقيل: تفسيره ما بعده، روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال: "الصمد" الذي ~~لم يلد ولم يولد؛ لأن من يولد سيموت، ومن يرث يورث منه (2) . # قال أبو وائل شقيق بن سلمة: هو السيد الذي قد انتهى سؤدده، وهو رواية علي ~~بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع السؤدد ~~(3) . وعن سعيد بن جبير أيضا: هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقيل: هو ~~السيد المقصود في [الحوائج. وقال السدي] (4) هو المقصود إليه في الرغائب ~~المستغاث به عند المصائب، تقول العرب: صمدت فلانا أصمده صمدا -بسكون الميم ~~-إذا قصدته، [والمقصود] : (5) صمد، بفتح الميم. # وقال قتادة: "الصمد" الباقي بعد فناء خلقه. وقال عكرمة: "الصمد" الذي ليس ~~فوقه أحد، وهو قول علي. وقال الربيع: الذي لا تعتريه الآفات. قال مقاتل بن ~~حيان: الذي لا عيب فيه. ### || # {لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (4) } # {لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} قرأ حمزة وإسماعيل: "كفؤا" ساكنة ~~الفاء مهموزا، وقرأ حفص عن عاصم بضم الفاء من غير همز، وقرأ الآخرون بضم ~~الفاء مهموزا، وكلها لغات صحيحة، [ومعناه] (6) المثل، أي: هو أحد. # وقيل: هو التقديم والتأخير، مجازه: ولم يكن له أحدا كفوا أي مثلا. ~~PageV08P588 # قال مقاتل: قال مشركو العرب: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن ~~الله، وقالت النصارى: ms2835 المسيح ابن الله، فأكذبهم الله ونفى عن ذاته الولادة ~~والمثل (1) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن ~~الزهري، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعراج، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم ~~يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق ~~بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد ~~الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد" (2) . # أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي 205/ب أخبرنا أبو علي زاهر بن ~~أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الرحمن بن ~~عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ~~أن رجلا سمع رجلا يقرأ: "قل هو الله أحد" ويرددها، فلما أصبح أتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن (3) . # أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو بكر محمد ~~بن الحسن الأصفهاني، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس، حدثنا يونس ~~بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة عن قتادة: سمعت سالم بن أبي ~~الجعد يحدث عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة"؟ قلت: يا رسول الله ~~ومن يطيق ذلك؟ قال: اقرأوا قل هو الله أحد" (4) . # وأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن عبيد الله بن عبد الرحمن عن عبيد بن ~~جبير مولى زيد بن الخطاب أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت، مع رسول ms2836 ~~الله فسمع رجلا يقرأ "قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن ~~له كفوا أحد"، فقال رسول الله: "وجبت"، فسألته: ماذا يا رسول الله؟ ~~PageV08P589 # فقال: "الجنة". فقال أبو هريرة: فأردت أن أذهب إلى الرجل فأبشره، ثم فرقت ~~أن يفوتني الغداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآثرت الغداء، ثم ذهبت ~~إلى الرجل فوجدته قد ذهب (1) . # أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، ~~أخبرنا حاجب ابن أحمد الطوسي، حدثنا عبد الرحيم بن منيب، حدثنا يزيد بن ~~هارون، حدثنا المبارك بن فضالة عن ثابت، عن أنس قال: قال رجل لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: إني أحب هذه السورة: "قل هو الله أحد": قال: "حبك ~~إياها أدخلك الجنة" (2) . PageV08P590 ### | سورة الفلق # مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {قل أعوذ برب الفلق (1) } # {قل أعوذ برب الفلق} قال ابن عباس، وعائشة -رضي الله عنهما-: كان غلام من ~~اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم [فدبت] (2) إليه اليهود، فلم ~~يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم وعدة أسنان من مشطه، ~~فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وتولى ذلك لبيد بن الأعصم، رجل من يهود، فنزلت ~~السورتان فيه (3) # أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى ~~الصيرفي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا محمد بن عبد الله بن ~~[عبد الحكم] (4) أخبرنا أنس بن عياض عن [هشام] (5) عن أبيه عن عائشة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: طب حتى أنه ليخيل إليه أنه قد صنع شيئا وما ~~صنعه، وأنه دعا ربه، ثم قال: أشعرت أن الله تعالى أفتاني فيما استفتيته ~~فيه، فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جاءني رجلان فجلس أحدهما عند ~~رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال الآخر: هو ~~مطبوب قال: من طبه؟ قال لبيد بن الأعصم قال: في ماذا؟ قال: في مشط ومشاطة ~~وجف طلعة ذكر، قال: فأين ms2837 هو؟ قال: في ذروان -وذروان بئر في بني زريق -قالت ~~عائشة: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى عائشة، فقال: ~~والله لكأن ماءها PageV08P591 # نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين، قالت: فقلت له: يا رسول الله ~~هلا أخرجته؟ قال: "أما أنا فقد شفاني الله، فكرهت أن أثير على الناس به ~~شرا" (1) . # وروي أنه كان تحت صخرة في البئر، فرفعوا الصخرة وأخرجوا جف الطلعة، فإذا ~~فيه مشاطة رأسه، وأسنان مشطه (2) # أخبرنا المطهر بن علي الفارسي، أخبرنا محمد بن إبراهيم الصالحاني، حدثنا ~~عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ، أخبرنا ابن أبي عاصم، حدثنا ~~أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن حيان بن أرقم ~~قال: سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود، قال: فاشتكى لذلك أياما، ~~قال: فأتاه جبريل، فقال: إن رجلا من اليهود سحرك وعقد لك عقدا (3) ، فأرسل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فاستخرجها فجاء بها، فجعل كلما حل عقدة ~~وجد لذلك خفة، فقام رسول الله كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهود ولا ~~رأوه في وجهه قط (4) . # قال مقاتل والكلبي: كان في وتر عقد عليه إحدى عشرة عقدة. وقيل: كانت ~~العقد، مغروزة بالإبرة، فأنزل الله هاتين السورتين وهما إحدى عشرة آية؛ ~~سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات، كلما قرئت آية انحلت عقدة، حتى ~~انحلت العقد كلها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال (5) . # وروي: أنه لبث فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاث ليال، فنزلت المعوذتان. # أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد ~~بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا بشر بن هلال الصواف، حدثنا [عبد الوارث] (6) حدثنا عبد العزيز بن ~~صهيب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: نعم، فقال: "بسم الله أرقيك من ms2838 كل ~~شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك والله ~~يشفيك" (7) . PageV08P594 # قوله عز وجل: {قل أعوذ برب الفلق} أراد بالفلق: الصبح وهو قول جابر بن ~~عبد الله والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وأكثر المفسرين (1) ، وهي ~~رواية العوفي عن ابن عباس، بدليل قوله "فالق الإصباح". # وروي عن ابن عباس: إنه سجن في جهنم. وقال الكلبي: واد في جهنم. # وقال الضحاك: يعني الخلق، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس، والأول هو ~~المعروف. ### || # {من شر ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا وقب (3) } # {من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب} أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا ~~زاهر بن أحمد أخبرنا جعفر بن محمد المغلس، حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، ~~حدثنا وكيع عن ابن أبي ذئب، عن [خاله] (2) الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي ~~سلمة عن عائشة قالت: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي فنظر إلى القمر ~~فقال: "يا عائشة، استعيذي بالله من شر غاسق إذا وقب. هذا غاسق إذا وقب" (3) ~~. # فعلى هذا: المراد به: القمر إذا خسف واسود "وقب"، أي: دخل في الخسوف وأخذ ~~في الغيبوبة [وأظلم] (4) . # وقال ابن عباس: "الغاسق": الليل إذا أقبل بظلمته من المشرق ودخل في كل ~~شيء وأظلم، و"الغسق": الظلمة، يقال غسق الليل [وأغسق] (5) إذا أظلم، وهو ~~قول الحسن ومجاهد، يعني الليل إذا أقبل 206 /أودخل و"الوقوب": الدخول، وهو ~~دخول الليل بغروب الشمس. # قال مقاتل: يعني ظلمة الليل إذا دخل سواده في ضوء النهار. # وقيل: سمي الليل غاسقا لأنه أبرد من النهار، والغسق: البرد. PageV08P595 # وقال ابن زيد: [يعني] (1) الثريا إذا سقطت (2) . ويقال: إن الأسقام تكثر ~~عند وقوعها وترتفع عند طلوعها (3) . ### || # {ومن شر النفاثات في العقد (4) ومن شر حاسد إذا حسد (5) } # {ومن شر النفاثات في العقد} يعني السواحر اللاتي ينفثن في عقد الخيط حين ~~يرقين عليها. قال أبو عبيدة: هن بنات لبيد بن الأعصم سحرن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. {ومن شر حاسد إذا حسد} يعني [اليهود] (4) فإنهم كانوا يحسدون ~~النبي صلى ms2839 الله عليه وسلم. PageV08P596 ### | سورة الناس # مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم ### || # {قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) من شر الوسواس ~~الخناس (4) الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة والناس (6) } # {قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس} يعني ~~الشيطان، يكون مصدرا واسما. # قال الزجاج: يعني: الشيطان ذا الوسواس "الخناس" الرجاع، وهو الشيطان جاثم ~~على قلب الإنسان، فإذا ذكر الله خنس وإذا غفل وسوس. # وقال قتادة: الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان فإذا ذكر العبد ~~ربه خنس. ويقال: رأسه كرأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب يمنيه ويحدثه، ~~فإذا ذكر الله خنس وإذا لم يذكر رجع فوضع رأسه، فذلك: {الذي يوسوس في صدور ~~الناس} بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع. {من الجنة ~~والناس} يعني يدخل في الجني كما يدخل في الإنسي، ويوسوس للجني كما يوسوس ~~للإنسي، قاله الكلبي. PageV08P597 # وقوله: "في صدور الناس" أراد بالناس: ما ذكر من بعد، وهو الجنة والناس، ~~فسمى الجن ناسا، كما سماهم رجالا فقال: "وأنه كان رجال من الإنس يعوذون ~~برجال من الجن" (الجن -6) . # وقد ذكر عن بعض العرب أنه قال وهو يحدث جاء قوم من الجن فوقعوا، فقيل: من ~~أنتم؟ قالوا: أناس من الجن. وهذا معنى قول الفراء (1) . # قال بعضهم: أثبت أن الوسواس للإنسان من الإنسان كالوسوسة للشيطان، فجعل ~~"الوسواس" من فعل الجنة والناس جميعا، كما قال: "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ~~شياطين الإنس والجن" (الأنعام -112) كأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن والإنس ~~جميعا. # أخبرنا إسماعيل [بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر] (2) بن محمد، أخبرنا ~~محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، ~~حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير عن بيان عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة بن ~~عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألم تر آيات أنزلت الليلة ~~لم ير مثلهن قط: "قل أعوذ برب الفلق" و"قل أعوذ برب الناس" (3) . # أخبرنا أبو سعيد محمد ms2840 بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد ~~بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم العدل، حدثنا ~~أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو العباس بن الوليد بن مرثد، أخبرني ~~أبي، حدثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم بن ~~الحارث التيمي، عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال له: "ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ المتعوذون"؟ قلت: بلى، قال: "قل أعوذ برب ~~الفلق" و"قل أعوذ برب الناس" (4) . # أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي ~~بن أحمد الخزاعي أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، أخبرنا أبو عيسى ~~الترمذي، حدثنا قتيبة، حدثنا المفضل بن فضالة عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، ~~عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ~~ليلة جمع كفيه فنفث فيهما، فقرأ فيهما: "قل هو الله أحد" و"قل أعوذ برب ~~الفلق" و"قل أعوذ برب الناس" ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما ~~على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده. يفعل ذلك ثلاث مرات (5) . PageV08P600 # أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق ~~الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن ~~عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على ~~نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء ~~بركتهما (1) . # أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي وأبو حامد أحمد بن عبد الله ~~الصالحي قالا حدثنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري، أخبرنا محمد بن أحمد بن ~~معقل الميداني، أخبرنا محمد بن يحيى، حدثنا بعد الرازق، أخبرنا معمر، عن ~~الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ~~حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء ~~النهار، ورجل آتاه الله ms2841 مالا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار" (2) . # أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا ~~محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثني ابن ~~أبي حازم عن يزيد، يعني ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما أذن الله ~~لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به" (3) . تم (4) . ~~PageV08P601 ms2842