######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000211 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: السرخسي #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي أبو بكر #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 490 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أصول السرخسي #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه :: الكتب الجامعة لأصول الفقه :: كتب أصول الفقه الإسلامي #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: أصول السرخسي #META# 030.LibURI :: JK_000211 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار المعرفة #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة ~~أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي إملاء في يوم السبت سلخ شوال سنة تسع ~~وسبعين وأربعمائة في زاوية من حصار أوزجند الحمد لله الحميد المجيد المبدىء ~~المعيد الفعال لما يريد ذي البطش الشديد والأمر الحميد والحكم الرشيد ~~والوعد والوعيد # نحمده على ما أكرمنا به من ميراث النبوة ونشكره على ما هدانا إليه بما هو ~~أصل في الدين والمروة وهو العلم الذي هو أنفس الأعلاق وأجل مكتسب في الآفاق # فهو أعز عند الكريم من الكبريت الأحمر والزمرد الأخضر ونثارة الدر ~~والعنبر ونفيس الياقوت والجوهر من جمعه فقد جمع العز والشرف ومن عدمه فقد ~~عدم مجامع الخير واللطف يقوي الضعيف ويزيد عز الشريف يرفع الخامل الحقير ~~ويمول العائل الفقير به يطلب رضا الرحمن وتستفتح أبواب الجنان وينال العز ~~في الدين والدنيا والمحمدة في البدء والعقبى لأجله بعث الله النبيين وختمهم ~~بسيد المرسلين وإمام المتقين محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين # وبعد فإن من أفضل الأمور وأشرفها عند الجمهور بعد معرفة أصل الدين ~~الاقتداء بالأئمة المتقدمين في بذل المجهود لمعرفة الأحكام فبها يتأتى ~~الفصل بين الحلال والحرام وقد سمي الله تعالى ذلك في محكم تنزيله الخير ~~الكثير فقال @QB@ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا @QE@ فسر ابن عباس ~~رضي الله عنهما وغيره الحكمة بعلم الفقه وهو المراد بقوله عز وجل @QB@ ادع ~~إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة @QE@ أي ببيان الفقه ومحاسن الشريعة ~~فقال صلى الله عليه وسلم برواية ابن عباس رضي الله عنهما من يرد الله به ~~خيرا يفقهه في الدين وقال عليه السلام خياركم في الجاهلية خياركم في ~~الإسلام إذا تفقهوا وإلى ذلك دعا الله الصحابة الذين هم PageV01P009 أعلام ~~الدين وقدوة المتأخرين فقال @QB@ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا ~~في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون @QE@ وفي حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما عبد الله بشيء ms001 أفضل من ~~الفقه في الدين ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد وقال صلى الله ~~عليه وسلم قليل من الفقه خير من كثير من العمل # غير أن تمام الفقه لا يكون إلا باجتماع ثلاثة أشياء العلم بالمشروبات ~~والإتقان في معرفة ذلك بالوقوف على النصوص بمعانيها وضبط الأصول بفروعها ثم ~~العمل بذلك # فتمام المقصود لا يكون إلا بعد العمل بالعلم ومن كان حافظا للمشروبات من ~~غير إتقان في المعرفة فهو من جملة الرواة وبعد الإتقان إذا لم يكن عاملا ~~بما يعلم فهو فقيه من وجه دون وجه فأما إذا كان عاملا بما يعلم فهو الفقيه ~~المطلق الذي أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال هو أشد على الشيطان ~~من ألف عابد وهو صفة المقدمين من أئمتنا أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رضي ~~الله عنهم ولا يخفى ذلك على من يتأمل في أقوالهم وأحوالهم عن إنصاف # فذلك الذي دعاني إلى إملاء شرح في الكتب التي صنفها محمد بن الحسن رحمه ~~الله بآكد إشارة وأسهل عبارة # ولما انتهى المقصود من ذلك رأيت من الصواب أن أبين للمقتسبين أصول ما ~~بنيت عليها شرح الكتب ليكون الوقوف على الأصول معينا لهم على فهم ما هو ~~الحقيقة في الفروع ومرشدا لهم إلى ما وقع الإخلال به في بيان الفروع # فالأصول معدودة والحوادث ممدودة والمجموعات في هذا الباب كثيرة للمتقدمين ~~والمتأخرين وإنا فيما قصدته بهم من المقتدين رجاء أن أكون من الأشباه فخير ~~الأمور الاتباع وشرها الابتداع PageV01P010 وما توفيقي إلا بالله عليه أتكل ~~وإليه أبتهل وبه أعتصم وله أستسلم وبحوله أعتضد وإياه أعتمد فمن اعتصم به ~~فاز بالخيرات سهمه ولاح في الصعود نجمه # فأحق ما يبدأ به في البيان الأمر والنهى لأن معظم الابتلاء بهما ~~وبمعرفتهما تتم معرفة الأحكام ويتميز الحلال من الحرام # & باب الأمر & قال رضي الله عنه اعلم أن الأمر أحد أقسام الكلام بمنزلة ~~الخبر والاستخبار وهو عند أهل اللسان قول المرء لغيره افعل ولكن الفقهاء ~~قالوا هذه الكلمة إذا خاطب المرء بها ms002 من هو مثله أو دونه فهو أمر وإذا خاطب ~~بها من هو فوقه لا يكون أمرا لأن الأمر يتعلق بالمأمور # فإن كان المخاطب ممن يجوز أن يكون مأمور المخاطب كان أمرا وإن كان ممن لا ~~يجوز أن يكون مأموره لا يكون أمرا كقول الداعي اللهم اغفر لي وارحمني يكون ~~سؤالا ودعاء لا أمرا # ثم المراد بالأمر يعرف بهذه الصيغة فقط ولا يعرف حقيقة الأمر بدون هذه ~~الصيغة في قول الجمهور من الفقهاء # وقال بعض أصحاب مالك والشافعي يعرف حقيقة المراد بالأمر بدون هذه الصيغة # وعلى هذا يبتني الخلاف في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها موجبة ~~أم لا واحتجوا في ذلك بقوله تعالى @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره @QE@ ~~أي عن سمته وطريقته في أفعاله وقال تعالى @QB@ وما أمر فرعون برشيد @QE@ ~~والمراد فعله وطريقته وقال تعالى @QB@ وأمرهم شورى بينهم @QE@ أي أفعالهم ~~وقال تعالى @QB@ وتنازعتم في الأمر @QE@ أي فيما تقدمون عليه من الفعل وقال ~~تعالى @QB@ قل إن الأمر كله لله @QE@ PageV01P011 المراد الشأن والفعل ~~والعرب تقول أمر فلان سديد مستقيم أي حاله وأفعاله وإذا ثبت أن الأمر يعبر ~~به عن الفعل كان حقيقة فيه يوضحه أن العرب تفرق بين جمع الأمر الذي هو ~~القول فقالوا فيه أوامر والأمر الذي هو الفعل فقالوا في جمعه أمور ففي ~~التفريق بين الجمعين دلالة على أن كل واحد منه حقيقة ومن يقول إن استعمال ~~الأمر في الفعل بطريق المجاز والاتساع فلا بد له من بيان الوجه الذي اتسع ~~فيه لأجله لأن الاتساع والمجاز لا يكون إلا بطريق معلوم يستعار اللفظ بذلك ~~الطريق لغير حقيقته مجازا # وفي قوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم و صلوا كما رأيتموني أصلي ~~تنصيص على وجوب اتباعه في أفعاله # وحجتنا في ذلك أن المراد بالأمر من أعظم المقاصد فلا بد من أن يكون له ~~لفظ موضوع هو حقيقة يعرف به اعتبارا بسائر المقاصد من الماضي والمستقبل ~~والحال وهذا لأن العبارات لا تقصر عن المقاصد ولا يتحقق انتفاء القصور إلا ms003 ~~بعد أن يكون لكل مقصود عبارة هو مخصوص بها ثم قد تستعمل تلك العبارة لغيره ~~مجازا بمنزلة أسماء الأعيان فكل عين مختص باسم هو موضوع له وقد يستعمل في ~~غيره مجازا نحو أسد فهو في الحقيقة اسم لعين وإن كان يستعمل في غيره مجازا ~~يوضحه أن قولنا أمر مصدر والمصادر لا بد أن توجد عن فعل أو يوجد عنها فعل ~~على حسب اختلاف أهل اللسان في ذلك ثم لا تجد أحدا من أهل اللسان يسمي ~~الفاعل للشيء آمرا ألا ترى أنهم لا يقولون للآكل والشارب آمرا فبهذا تبين ~~أن اسم الأمر لا يتناول الفعل حقيقة ولا يقال الأمر اسم عام يدخل تحته ~~المشتق وغيره لأن الأمر مشتق في الأصل فإنه يقال أمر يأمر أمرا فهو آمر وما ~~كان مشتقا في الأصل لا يقال إنه يتناول المشتق وغيره حقيقة وإنما يقال ذلك ~~فيما هو غير مشتق في الأصل PageV01P012 كاللسان ونحوه وفي قول القائل رأيت ~~فلانا يأمر بكذا ويفعل بخلافه دليل ظاهر على أن الفعل غير الأمر حقيقة # فأما ما تلوا من الآيات فنحن لا ننكر استعمال الأمر في غير ما هو حقيقة ~~فيه لأن ذلك في القرآن على وجوه منها القضاء قال الله تعالى @QB@ يدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض @QE@ وقال تعالى @QB@ ألا له الخلق والأمر @QE@ ~~ومنها الدين قال الله تعالى @QB@ حتى جاء الحق وظهر أمر الله @QE@ ومنها ~~القول قال الله تعالى @QB@ يتنازعون بينهم أمرهم @QE@ ومنها الوحي قال الله ~~تعالى @QB@ يتنزل الأمر بينهن @QE@ ومنها القيامة قال تعالى @QB@ أتى أمر ~~الله @QE@ ومنها العذاب قال الله تعالى @QB@ فما أغنت عنهم آلهتهم التي ~~يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب @QE@ ومنها ~~الذنب قال الله تعالى @QB@ فذاقت وبال أمرها @QE@ فإما أن نقول كل ذلك يرجع ~~إلى شيء واحد وهو أن تمام ذلك كله بالله تعالى كما قال تعالى @QB@ قل إن ~~الأمر كله لله @QE@ ثم فهمنا ذلك بما هو صيغة الأمر حقيقة فقال @QB@ إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن ms004 يقول له كن فيكون @QE@ وكما قال تعالى @QB@ إنما ~~قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون @QE@ أو نقول ما كان حقيقة لشيء ~~لا يجوز نفيه عنه بحال وما كان مستعملا بطريق المجاز لشيء يجوز نفيه عنه ~~كاسم الأب فهو حقيقة للأب الأدنى فلا يجوز نفيه عنه ومجاز للجد فيجوز نفيه ~~عنه بإثبات غيره ثم يجوز نفي هذه العبارة عن الفعل وغيره مما لا يوجد فيه ~~هذه الصيغة فإن الإنسان إذا قال ما أمرت اليوم بشيء كان صادقا وإن كان قد ~~فعل أفعالا فعرفنا أن الاستعمال فيه مجاز وطريق هذا المجاز أنهم في قولهم ~~أمر فلان سديد مستقيم أجروا اسم المصدر على المفعول به كقولهم هذا الدرهم ~~ضرب الأمير وهذا الثوب نسج اليمن وأيد ما قلنا ما روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما خلع نعليه في الصلاة خلع الناس نعالهم فلما فرغ قال عليه ~~السلام ما حملكم على ما صنعتم ولو كان فعله يوجب الاتباع مطلقا لم يكن لهذا ~~السؤال منه معنى # ولما واصل صلى الله عليه وسلم واصل أصحابه فأنكر عليهم وقال إني لست ~~PageV01P013 كأحدكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني وفي استعمال صيغة الأمر في ~~قوله خذوا عني مناسككم و صلوا كما رأيتموني أصلي بيان أن نفس الفعل لا يوجب ~~الاتباع لا محالة فقد كانوا مشاهدين لذلك ولو ثبت به وجوب الاتباع خلا هذا ~~اللفظ عن فائدة وذلك لا يجوز اعتقاده في كلام صاحب الشرع فيما يرجع إلى ~~إحكام البيان # # | فصل في بيان موجب الأمر الذي يذكر في مقدمة هذا الفصل # اعلم أن صيغة الأمر تستعمل على سبعة أوجه على الإلزام كما قال الله تعالى ~~@QB@ آمنوا بالله ورسوله @QE@ وقال تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~@QE@ وعلى الندب كقوله تعالى @QB@ وافعلوا الخير @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~وأحسنوا @QE@ وعلى الإباحة كقوله تعالى @QB@ فكلوا مما أمسكن عليكم @QE@ ~~وعلى الإرشاد إلى ما هو الأوثق كقوله تعالى @QB@ وأشهدوا إذا تبايعتم @QE@ ~~وعلى التقريع كقوله تعالى @QB@ فأتوا بسورة من مثله @QE@ وعلى التوبيخ ~~كقوله تعالى @QB@ واستفزز من استطعت ms005 منهم بصوتك @QE@ وعلى السؤال كقوله ~~تعالى @QB@ ربنا تقبل منا @QE@ # ولا خلاف أن السؤال والتوبيخ والتقريع لا يتناوله اسم الأمر وإن كان في ~~صورة الأمر ولا خلاف أن اسم الأمر يتناول ما هو للإلزام حقيقة ويختلفون ~~فيما هو للإباحة أو الإرشاد أو الندب فذكر الكرخي والجصاص رحمهما الله أن ~~هذا لا يسمى أمرا حقيقة وإن كان الاسم يتناوله مجازا واختلف فيه أصحاب ~~الشافعي فمنهم من يقول اسم الأمر يتناول ذلك كله حقيقة ومنهم من يقول ما ~~كان للندب يتناوله اسم الأمر حقيقة لأنه يثاب على فعله ونيل الثواب يكون ~~بالطاعة والطاعة في الائتمار بالأمر وهذا ليس بقوي فإن نيل الثواب بفعل ~~النوافل من الصوم PageV01P014 والصلاة لأنه عمل بخلاف هوى النفس الأمارة ~~بالسوء على قصد ابتغاء مرضاة الله تعالى كما قال تعالى @QB@ وأما من خاف ~~مقام ربه ونهى النفس عن الهوى @QE@ وليس من ضرورة هذا كون العمل مأمورا به # والفريق الثاني يقولون ما يفيد الإباحة والندب فموجبه بعض موجب ما هو ~~الإيجاب لأن بالإيجاب هذا وزيادة فيكون هذا قاصرا لا مغايرا والمجاز ما ~~جاوز أصله وتعداه # وبهذا يتبين أن الاسم فيه حقيقة وهذا ضعيف أيضا فإن موجب الأمر حقيقة ~~الإيجاب وقطع التخيير لأن ذلك من ضرورة الإيجاب وبالإباحة والندب لا ينقطع ~~التخيير # عرفنا أن موجبه غير موجب الأمر حقيقة وإنما يتناوله اسم الأمر مجازا # والدليل عليه أن العرب تسمي تارك الأمر عاصيا وبه ورد الكتاب قال الله ~~تعالى @QB@ أفعصيت أمري @QE@ وقال القائل أمرتك أمرا جازما فعصيتني وكان من ~~التوفيق قتل ابن هاشم وقال دريد بن الصمة أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم ~~يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد فلما عصوني كنت فيهم وقد أرى غوايتهم في أنني ~~غير مهتدي وتارك المباح والمندوب إليه لا يكون عاصبا فعرفنا أن الاسم لا ~~يتناوله حقيقة ثم حد الحقيقة في الأسامي ما لا يجوز نفيه عما هو حقيقة فيه ~~ورأينا أن الإنسان لو قال ما أمرني الله بصوم ستة من شوال كان صادقا ولو ~~قال ما أمرني الله ms006 بصوم رمضان كان كاذبا ولو قال ما أمرني الله بصلاة الضحى ~~كان صادقا ولو قال ما أمرني الله بصلاة الظهر كان كاذبا # ففي تجويز نفي صيغة الأمر عن المندوب دليل ظاهر على أن الاسم يتناوله ~~مجازا لا حقيقة # فأما الكلام في موجب الأمر فالمذهب عند جمهور الفقهاء أن موجب مطلقه ~~الإلزام إلا بدليل # وزعم ابن سريج من أصحاب الشافعي أن موجبه الوقف حتى يتبين المراد بالدليل ~~وادعى أن هذا مذهب الشافعي فقد ذكر في أحكام القرآن في قوله @QB@ فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء @QE@ أنه يحتمل أمرين # وأنكر هذا أكثر أصحابه وقالوا مراده أنه يحتمل أن يكون بخلاف الإطلاق ~~وهكذا قال في العموم إنه يحتمل الخصوص بأن يرد دليل يخصه وإن كان الظاهر ~~عنده العموم PageV01P015 وزعموا أنه جزم على أن الأمر للوجوب في سائر كتبه # وقال بعض أصحاب مالك إن موجب مطلقه الإباحة وقال بعضهم موجبه الندب # أما الواقفون فيقولون قد صح استعمال هذه الصيغة لمعان مختلفة كما بينا ~~فلا يتعين شيء منها إلا بدليل لتحقق المعارضة في الاحتمال وهذا فاسد جدا ~~فإن الصحابة امتثلوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سمعوا منه صيغة ~~الأمر من غير أن اشتغلوا بطلب دليل آخر للعمل ولو لم يكن موجب هذه الصيغة ~~معلوما بها لاشتغلوا بطلب دليل آخر للعمل ولا يقال إنما عرفوا ذلك بما ~~شاهدوا من الأحوال لا بصيغة الأمر لأن من كان غائبا منهم عن مجلسه اشتغل به ~~كما بلغه صيغة الأمر حسب ما اشتغل به من كان حاضرا ومشاهدة الحال لا توجد ~~في حق من كان غائبا وحين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب رضي ~~الله عنه فأخر المجيء لكونه في الصلاة فقال له أما سمعت الله يقول @QB@ ~~استجيبوا لله وللرسول @QE@ فاستدل عليه بصيغة الأمر فقط وعرف الناس كلهم ~~دليل على ما قلنا فإن من أمر من تلزمه طاعته بهذه الصيغة فامتنع كان ملاما ~~معاتبا ولو كان المقصود لا يصير معلوما بها للاحتمال لم ms007 يكن معاتبا # ثم كما أن العبارات لا تقصر عن المعاني فكذلك كل عبارة تكون لمعنى خاص ~~باعتبار أصل الوضع ولا يثبت الاشتراك فيه إلا بعارض وصيغة الأمر أحد تصاريف ~~الكلام فلا بد من أن يكون لمعنى خاص في أصل الوضع ولا يثبت الاشتراك فيه ~~إلا بعارض مغير له بمنزلة دليل الخصوص في العام # ومن يقول بأن موجب مطلق الأمر الوقف لا يجد بدا من أن يقول موجب مطلق ~~النهي الوقف أيضا للاحتمال فيكون هذا قولا باتحاد موجبهما وهو باطل وفي ~~القول بأن موجب الأمر الوقف إبطال حقائق الأشياء ولا وجه للمصير إليه ~~والاحتمال الذي ذكروه نعتبره في أن لا نجعله محكما بمجرد الصيغة لا في أن ~~لا يثبت موجبه أصلا ألا ترى أن من يقول لغيره إن شئت فافعل كذا وإن شئت ~~فافعل كذا كان موجب كلامه التخيير عند العقلاء واحتمال غيره وهو الزجر قائم ~~كما قال الله تعالى @QB@ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر @QE@ PageV01P016 # وأما الذين قالوا موجبه الإباحة اعتبروا الاحتمال لكنهم قالوا من ضرورة ~~الأمر ثبوت صفة الحسن للمأمور به فإن الحكيم لا يأمر بالقبيح فيثبت بمطلقه ~~ما هو من ضرورة هذه الصيغة وهو التمكين من الإقدام عليه والإباحة وهذا فاسد ~~أيضا فصفة الحسن بمجرده تثبت بالإذن والإباحة وهذه الصيغة موضوعة لمعنى خاص ~~فلا بد أن تثبت بمطلقها حسنا بصفة ويعتبر الأمر بالنهي فكما أن مطلق النهي ~~يوجب قبح المنهي عنه على وجه يجب الانتهاء عنه فكذلك مطلق الأمر يقتضي حسن ~~المأمور به على وجه يجب الائتمار # والذين قالوا بالندب ذهبوا إلى أن الأمر لطلب المأمور به من المخاطب وذلك ~~يرجح جانب الإقدام عليه ضرورة # وهذا الترجيح قد يكون بالإلزام وقد يكون بالندب فيثبت أقل الأمرين لأنه ~~المتيقن به حتى يقوم الدليل على الزيادة وهذا ضعيف فإن الأمر لما كان لطلب ~~المأمور به اقتضى مطلقه الكامل من الطلب إذ لا قصور في الصيغة ولا في ولاية ~~المتكلم فإنه مفترض الطاعة بملك الإلزام # ثم إما أن يكون الأمر حقيقة ms008 في الإيجاب خاصة فعند الإطلاق يحمل على حقيقة ~~أو يكون حقيقة في الإيجاب والندب جميعا فيثبت بمطلقه الإيجاب لتضمنه الندب ~~والزيادة لا يجوز أن يقال هو للندب حقيقة وللإيجاب مجازا لأن هذا يؤدي إلى ~~تصويب قول من قال إن الله لم يأمر بالإيمان ولا بالصلاة وبطلان هذا لا يخفى ~~على ذي لب # وما قالوا يبطل بلفظ العام فإنه يتناول الثلاثة فما فوق ذلك ثم عند ~~الإطلاق لا يحمل على المتيقن وهو الأقل وإنما يحمل على الجنس لتكثير ~~الفائدة به # وكذا صيغة الأمر ولو لم يكن في القول بما قالوا إلا ترك الأخذ بالاحتياط ~~لكان ذلك كافيا في وجوب المصير إلى ما قلنا فإن المندوب بفعله يستحق الثواب ~~ولا يستحق بتركه العقاب والواجب يستحق بفعله الثواب ويستحق بتركه العقاب ~~فالقول بأن مقتضى مطلق الأمر الإيجاب وفيه معنى الاحتياط من كل وجه أولى ~~PageV01P017 # ثم الدليل على صحة قولنا من الكتاب قوله تعالى @QB@ وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم @QE@ ففي نفي ~~التخيير بيان أن موجب الأمر الإلزام ثم قال تعالى @QB@ ومن يعص الله ورسوله ~~@QE@ ولا يكون عاصيا بترك الامتثال إلا أن يكون موجبه الإلزام وقال @QB@ ما ~~منعك ألا تسجد إذ أمرتك @QE@ أي أن تسجد فقد ذمه على الامتناع من الامتثال ~~والذم بترك الواجب وقال تعالى @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة @QE@ وخوف العقوبة في ترك الواجب ولا معنى لقول من يقول ترك الائتمار ~~لا يكون خلافا فإن المأمور في الصوم هو الإمساك ولا شك في أن ترك الائتمار ~~بالفطر من غير عذر يكون خلافا فيما هو المأمور به # ثم الأمر يطلب المأمور بآكد الوجوه يشهد به الكتاب والإجماع والمعقول # أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره @QE@ ~~فإضافة الوجود والقيام إلى الأمر ظاهره يدل على أن الإيجاد يتصل بالأمر ~~وكذلك قوله @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ فالمراد ~~حقيقة هذه الكلمة عندنا لا أن ms009 يكون مجازا عن التكوين كما زعم بعضهم فإنا ~~نستدل به على أن كلام الله غير محدث ولا مخلوق لأنه سابق على المحدثات أجمع ~~وحرف الفاء للتعقيب # فبهذا يتبين أن هذه الصيغة لطلب المأمور بآكد الوجوه والإجماع دليل عليه ~~فإن من أراد أن يطلب عملا من غيره لا يجد لفظا موضوعا لإظهار مقصوده سوى ~~قوله افعل وبهذا يثبت أن هذه الصيغة موضوعة لهذا المعنى خاصة كما أن اللفظ ~~الماضي موضوع للمضي والمستقبل للاستقبال وكذلك الحال # ثم سائر المعاني التي وضعت PageV01P018 الألفاظ لها كانت لازمة لمطلقها ~~إلا أن يقوم الدليل بخلافه فكذلك معنى طلب المأمور بهذه الصيغة ولأن قولنا ~~أمر فعل متعد لازمه ائتمر والمتعدي لا يتحقق بدون اللازم فهذا يقتضي أن لا ~~يكون أمرا بدون الائتمار كما لا يكون كسرا بدون الانكسار وحقيقة الائتمار ~~بوجود المأمور به إلا أن الوجود لو اتصل بالأمر ولا صنع للمخاطب فيه سقط ~~التكليف وهذا لا وجه له لأن في الائتمار للمخاطب ضرب اختيار بقدر ما ينتفي ~~به الجبر ويستحق الثواب بالإقدام على الائتمار وذلك لا يتحقق إذا اتصل ~~الوجود بصيغة الأمر فلم تثبت حقيقة الوجود بهذه الصيغة تحرزا عن القول ~~بالجبر فأثبتنا به آكد ما يكون من وجوه الطلب وهو الإلزام ألا ترى أن بمطلق ~~النهي يثبت آكد ما يكون من طلب الإعدام وهو وجوب الانتهاء ولا يثبت ~~الانعدام بمطلق النهي وكذلك بالأمر لأن إحدى الصيغتين لطلب الإيجاد والأخرى ~~لطلب الإعدام # ومن فروع هذا الفصل الأمر بعد الحظر فالصحيح عندنا أن مطلقه للإيجاب أيضا ~~لما قررنا أن الإلزام مقتضى هذه الصيغة عند الإمكان إلا أن يقوم دليل مانع # وبعض أصحاب الشافعي يقولون مقتضاه الإباحة لأنه لإزالة الحظر ومن ضرورته ~~الإباحة فقط فكأن الآمر قال كنت منعتك عن هذا فرفعت ذلك المنع وأذنت لك فيه # فاستدلوا على هذا بقوله تعالى @QB@ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ~~وابتغوا من فضل الله @QE@ # وبقوله تعالى @QB@ وإذا حللتم فاصطادوا @QE@ ولكنا نقول إباحة الاصطياد ~~للحلال بقوله @QB@ أحل لكم الطيبات @QE@ الآية لا ms010 بصيغة الأمر مقصودا به ~~وكذلك إباحة البيع بعد الفراغ من الجمعة بقوله @QB@ وأحل الله البيع @QE@ ~~لا بصيغة الأمر ثم صيغة الأمر ليست لإزالة الحظر ولا لرفع المنع بل لطلب ~~المأمور به وارتفاع الحظر وزوال المنع من ضرورة هذا الطلب فإنما يعمل مطلق ~~اللفظ فيما يكون موضوعا له حقيقة PageV01P019 # | فصل في بيان مقتضى مطلق الأمر في حكم التكرار # الصحيح من مذهب علمائنا أن صيغة الأمر لا توجب التكرار ولا تحتمله ولكن ~~الأمر بالفعل يقتضي أدنى ما يكون من جنسه على احتمال الكل ولا يكون موجبا ~~للكل إلا بدليل # وقال بعض مشايخنا هذا إذا لم يكن معلقا بشرط ولا مقيدا بوصف فإن كان ~~فمقتضاه التكرار بتكرر ما قيد به # وقال الشافعي مطلقه لا يوجب التكرار ولكن يحتمله والعدد أيضا إذا اقترن ~~به دليل # وقال بعضهم مطلقه يوجب التكرار إلا أن يقوم دليل يمنع منه ويحكى هذا عن ~~المزني واحتج صاحب هذا المذهب بحديث أقرع بن حابس رضي الله عنه حيث سأل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحج أفي كل عام أم مرة فقال بل مرة ولو ~~قلت في كل عام لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها فلو لم تكن صيغة الأمر في قوله ~~حجوا محتملا التكرار أو موجبا له لما أشكل عليه ذلك فقد كان من أهل اللسان ~~ولكان ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤاله عما ليس من محتملات ~~اللفظ فحين اشتغل ببيان معنى دفع الحرج في الاكتفاء بمرة واحدة عرفنا أن ~~موجب هذه الصيغة التكرار # ثم المرة من التكرار بمنزلة الخاص من العام وموجب العام العموم حتى يقوم ~~دليل الخصوص # وبيان هذا أن قول القائل افعل طلب الفعل بما هو مختصر من المصدر الذي هو ~~نسبة الاسم وهو الفعل وحكم المختصر ما هو حكم المطول والاسم يوجب إطلاقه ~~العموم حتى يقوم دليل الخصوص فكذلك الفعل لأن للفعل كلا وبعضا كما للمفعول ~~فمطلقه يوجب الكل ويحتمله ثم الكل لا يتحقق إلا بالتكرار # واعتبروا الأمر بالنهي فكما أن ms011 النهي يوجب إعدام المنهي عنه عاما فكذلك ~~الأمر يوجب إيجاده تماما حتى يقوم دليل الخصوص وذلك يوجب التكرار لا محالة ~~PageV01P020 وأما الشافعي رحمه الله فاحتج بنحو هذا أيضا ولكن على وجه ~~يتبين به الفرق بين الأمر والنهي ويثبت به الاحتمال دون الإيجاب وذلك أن ~~قوله افعل يقتضي مصدرا على سبيل التنكير أي افعل فعلا # بيانه في قوله طلق أي طلق طلاقا وإنما أثبتناه على سبيل التنكير لأن ~~ثبوته بطريق الاقتضاء للحاجة إلى تصحيح الكلام وبالمنكر يحصل هذا المقصود ~~فيكون الثابت بمقتضى هذه الصيغة ما هو نكرة في الإثبات والنكرة في الإثبات ~~تخص كقوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة @QE@ ولكن احتمال التكرار والعدد فيه لا ~~يشكل لأن ذلك المنكر متعدد في نفسه # ألا ترى أنه يستقيم أن يقرن به على وجه التفسير وتقول طلقها اثنتين أو ~~مرتين أو ثلاثا ويكون ذلك نصبا على التفسير ولو لم يكن اللفظ محتملا له لم ~~يستقم تفسيره به بخلاف النهي فصيغة النهي عن الفعل تقتضي أيضا مصدرا على ~~سبيل التنكير أي لا تفعل فعلا ولكن النكرة في النفي تعم # قال الله تعالى @QB@ ولا تطع منهم آثما أو كفورا @QE@ ومن قال لغيره لا ~~تتصدق من مالي يتناول النهي كل درهم من ماله بخلاف قوله تصدق من مالي فإنه ~~لا يتناول الأمر إلا الأقل على احتمال أن يكون مراده كل ماله ولهذا قال إن ~~مطلق الصيغة لا توجب التكرار لأن ثبوت المصدر فيه بطريق الاقتضاء ولا عموم ~~للمقتضى يوضحه أن هذه الصيغة أحد أقسام الكلام فتعتبر بسائر الأقسام # وقول القائل دخل فلان الدار إخبار عن دخوله على احتمال أن يكون دخل مرة ~~أو مرتين أو مرارا فكذلك قوله ادخل يكون طلب الدخول منه على احتمال أن يكون ~~المراد مرة أو مرارا ثم الموجب ما هو المتيقن به دون المحتمل # وأما الذين قالوا في المعلق بالشرط أو المقيد بالوصف إنه يتكرر بتكرر ~~الشرط والوصف استدلوا بالعبادات التي أمر الشرع بها مقيدا بوقت أو حال ~~وبالعقوبات التي أمر الشرع بإقامتها مقيدا ms012 بوصف أن ذلك يتكرر بتكرر ما قيد ~~به # قال رضي الله عنه والصحيح عندي أن هذا ليس بمذهب علمائنا رحمهم الله فإن ~~من قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق لم تطلق بهذا اللفظ إلا مرة وإن ~~تكرر منها الدخول PageV01P021 ولم تطلق إلا واحدة وإن نوى أكثر من ذلك وهذا ~~لأن المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز وهذه الصيغة لا تحتمل العدد ~~والتكرار عند التنجيز فكذلك عند التعليق بالشرط إذا وجد الشرط وإنما يحكى ~~هذا الكلام عن الشافعي رحمه الله فإنه أوجب التيمم لكل صلاة واستدل عليه ~~بقوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة @QE@ إلى قوله @QB@ فتيمموا @QE@ ~~وقال ظاهر هذا الشرط يوجب الطهارة عند القيام إلى كل صلاة غير أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما صلى صلوات بوضوء واحد ترك هذا في الطهارة بالماء لقيام ~~الدليل فبقي حكم التيمم على ما اقتضاه أصل الكلام # وهذا سهو فالمراد بقوله @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة @QE@ أي وأنتم محدثون ~~عليه اتفق أهل التفسير وباعتبار إضمار هذا السبب يستوي حكم الطهارة بالماء ~~والتيمم وهذا هو الجواب عما يستدلون به من العبادات والعقوبات فإن تكررها ~~ليس بصيغة مطلق الأمر ولا بتكرر الشرط بل بتجدد السبب الذي جعله الشرع سببا ~~موجبا له ففي قوله تعالى @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس @QE@ أمر بالأداء ~~وبيان للسبب الموجب وهو دلوك الشمس فقد جعل الشرع ذلك الوقت سببا موجبا ~~للصلاة إظهارا لفضيلة ذلك الوقت بمنزلة قول القائل أد الثمن للشراء والنفقة ~~للنكاح يفهم منه الأمر بالأداء والإشارة إلى السبب الموجب لما طولب بأدائه # ولما أشكل على الأقرع بن حابس رضي الله عنه حكم الحج حتى سأل فقد كان من ~~المحتمل أن يكون وقت الحج هو السبب الموجب له بجعل الشرع إياه لذلك بمنزلة ~~الصوم والصلاة ومن المحتمل أن يكون السبب ما هو غير متكرر وهو البيت والوقت ~~شرط الأداء والنبي عليه السلام بين له بقوله بل مرة أن السبب هو البيت وفي ~~قوله عليه السلام ولو قلت في كل عام لوجبت دليل ms013 على أن مطلق الأمر لا يوجب ~~التكرار لأنه لو كان موجبا له كان الوجوب في كل عام بصيغة الأمر لا بهذا ~~القول منه وقد نص على أنها كانت تجب بقوله لو قلت في كل عام # # ثم الحجة لنا في أن هذه الصيغة لا توجب التكرار ولا تحتمله أن قوله افعل ~~PageV01P022 لطلب فعل معلوم بحركات توجد منه وتنقضي وتلك الحركات لا تبقى ~~ولا يتصور عودها إنما المتصور تجدد مثلها ولهذا يسمى تكرارا مجازا من غير ~~أن يشكل على أحد أن الثاني غير الأول # وبهذا تبين أنه ليس في هذه الصيغة احتمال العدد ولا احتمال التكرار ألا ~~ترى أن من يقول لغيره اشتر لي عبدا لا يتناول هذا أكثر من عبد واحد ولا ~~يحتمل الشراء مرة بعد مرة أيضا وكذلك قوله زوجني امرأة لا يحتمل إلا امرأة ~~واحدة ولا يحتمل تزويجا بعد تزويج إلا أن ما به يتم فعله عند الحركات التي ~~توجد منه له كل وبعض فيثبت بالصيغة اليقين الذي هو الأقل للتيقن به ويحتمل ~~الكل حتى إذا نواه عملت نيته فيه وليس فيه احتمال العدد أصلا فلا تعمل نيته ~~في العدد وعلى هذا قلنا إذا قال لامرأته طلقي نفسك أو لأجنبي طلقها إنه ~~يتناول الواحد إلا أن ينوي الثلاث فتعمل نيته لأن ذلك كل فيما يتم به فعل ~~الطلاق ولو نوى اثنتين لم تعمل نيته لأنه مجرد نية العدد إلا أن تكون ~~المرأة أمة فتكون نيته الثنتين في حقها نية كل الطلاق وكذلك لو قال لعبده ~~تزوج يتناول امرأة واحدة إلا أن ينوي اثنتين فتعمل نيته لأنه كل النكاح في ~~حق العبد لا لأنه نوى العدد ولا معنى لما قالوا إن صحة اقتران العدد ~~والمرات بهذه الصيغة على سبيل التفسير لها دليل على أن الصيغة تحتمل ذلك ~~لأن هذا القران عمله في تغيير مقتضى الصيغة لا في التفسير لما هو من ~~محتملات تلك الصيغة بمنزلة اقتران الشرط والبدل بهذه الصيغة # ألا ترى أن قول القائل لامرأته أنت طالق ثلاثا لا ms014 يحتمل وقوع الثنتين به ~~مع قيام الثلاث في ملكه ولا التأخير إلى مدة ولو قرن به إلا واحدة إلى شهر ~~أو اثنتين كان صحيحا وكان عاملا في تغيير مقتضى الصيغة لا أن يكون مفسرا ~~لها ولهذا قلنا إذا قرن بالصيغة ذكر العدد في الإيقاع يكون الوقوع بلفظ ~~العدد لا بأصل الصيغة حتى لو قال لامرأته طلقتك ثلاثا أو قال واحدة فماتت ~~المرأة قبل ذكر العدد لم يقع شيء PageV01P023 # فبهذا تبين أن عمل هذا القران في التغيير والتفسير يكون مقررا للحكم ~~المفسر لا مغيرا يحقق ما ذكرناه أن قول القائل اضرب أي اكتسب ضربا وقوله ~~طلق أي أوقع طلاقا وهذه صيغة فرد فلا تحتمل الجمع ولا توجبه وفي التكرار ~~والعدد جمع لا محالة والمغايرة بين الجمع والفرد على سبيل المضادة فكما أن ~~صيغة الجمع لا تحتمل الفرد حقيقة فكذا صيغة الفرد لا تحتمل الجمع حقيقة ~~بمنزلة الاسم الفرد نحو قولنا زيد لا يحتمل الجمع والعدد فالبعض مما ~~تتناوله هذه الصيغة فرد صورة ومعنى وكل فرد من حيث الجنس معنى فإنك إذا ~~قابلت هذا الجنس بسائر الأجناس كان جنسا واحدا وهو جمع صورة فعند عدم النية ~~لا يتناول إلا الفرد صورة ومعنى ولكن فيه احتمال الكل لكون ذلك فردا معنى ~~بمنزلة الإنسان فإنه فرد له أجزاء وأبعاض والطلاق أيضا فرد جنسا وله أجزاء ~~وأبعاض فتعمل نية الكل في الإيقاع ولا تعمل نية الثنتين أصلا لأنه ليس فيه ~~معنى الفردية صورة ولا معنى فلم يكن من محتملات الكلام أصلا وعلى هذا الأصل ~~تخرج أسماء الأجناس ما يكون منها فردا صورة أو حكما # أما الصورة فكالماء والطعام إذا حلف لا يشرب ماء أو لا يأكل طعاما يحنث ~~بأدنى ما يتناوله الاسم على احتمال الكل حتى إذا نوى ذلك لم يحنث أصلا # ولو نوى مقدارا من ذلك لم تعمل نيته لخلو المنوي عن صيغة الفردية صورة ~~ومعنى والفرد حكما كاسم النساء إذا حلف لا يتزوج النساء فهذه صيغة الجمع ~~ولكن جعلت عبارة عن الجنس مجازا ms015 لأنا لو جعلناها جمعا لم يبق لحرف اللام ~~الذي هو للمعهود فيه فائدة ولو جعلناه جنسا كان حرف العهد فيه معتبرا فإنه ~~يتناول المعهود من ذلك الجنس ويبقى معنى الجمع معتبرا فيه أيضا باعتبار ~~الجنس فيتناول أدنى ما ينطلق عليه اسم الجنس على احتمال الكل حتى إذا نواه ~~لم يحنث قط وعلى هذا لو حلف لا يشتري العبيد أو لا يكلم بني آدم أو وكل ~~وكيلا بأن يشتري له الثياب فإن التوكيل صحيح بخلاف ما لو وكله بأن يشتري له ~~أثوابا على ما بيناه في الزيادات PageV01P024 # وحكي عن عيسى بن أبان رحمه الله أنه كان يقول صيغة مطلق الأمر فيما له ~~نهاية معلومة تحتمل التكرار وإن كان لا يوجه إلا بالدليل وفيما ليست له ~~نهاية معلومة لا تحتمل التكرار لأن فيما لا نهاية له يعلم يقينا أن المخاطب ~~لم يرد الكل فإن ذلك ليس في وسع المخاطب ولا طريق له إلى معرفته وهذا نحو ~~قوله صم وصل فليس لهذا الجنس من الفعل نهاية معلومة وإنما يعجز العبد عن ~~إقامته بموته فعرفنا يقينا أن المراد بهذا الخطاب الفرد منه خاصة وأما فيما ~~له نهاية معلومة كالطلاق والعدة فالكل من محتملات الخطاب وذلك تارة يكون ~~بتكرار التطليق وتارة يكون بالجمع بين التطليقات في اللفظ فيكون صيغة ~~الكلام محتملا له كله # وخرج على هذا الأصل قول الرجل لامرأته أنت طالق للسنة أو للعدة فإنه ~~يحتمل نية الثلاث في الإيقاع جملة واحدة ونية التكرار في أن ينوي وقوع كل ~~تطليقة في طهر على حدة # وفيما قررناه من الكلام دليل على ضعف ما ذهب إليه إذا تأملت # والكلام في مقتضى صيغة الفرد دون ما إذا قرن به ما يدل على التغيير من ~~قوله للسنة أو للعدة # واستدل الجصاص رحمه الله على بطلان قول من يقول إن مطلق صيغة الأمر تقتضي ~~التكرار فقال بالامتثال مرة واحدة يستجيز كل أحد أن يقول إنه أتى بالمأمور ~~به وخرج عن موجب الأمر وكان مصيبا في ذلك فلو كان موجبه ms016 التكرار لكان آتيا ~~ببعض المأمور به ولا معنى لقول من يقول فإذا أتى به ثانيا وثالثا يقال أيضا ~~في العادة أتى بالمأمور به لأن قائل هذا لا يكون مصيبا في ذلك في الحقيقة ~~فإن المخاطب في المرة الثانية متطوع من عنده بمثل ما كان مأمورا به لا أن ~~يكون آتيا بالمأمور به بمنزلة المصلي أربع ركعات في الوقت بعد صلاة الظهر ~~يكون متطوعا بمثل ما كان مأمورا به إلا أن الذي يسميه آتيا بالمأمور به ~~إنما يسميه بذلك توسعا ومجازا فلهذا لا نسميه كاذبا والله أعلم PageV01P025 # | فصل في بيان موجب الأمر في حكم الوقت # الأمر نوعان مطلق عن الوقت ومقيد به فنبدأ ببيان المطلق قال رضي الله عنه ~~والذي يصح عندي فيه من مذهب علمائنا رحمهم الله أنه على التراخي فلا يثبت ~~حكم وجوب الأداء على الفور بمطلق الأمر نص عليه في الجامع فقال فيمن نذر أن ~~يعتكف شهرا يعتكف أي شهر شاء وكذلك لو نذر أن يصوم شهرا # والوفاء بالنذر واجب بمطلق الأمر # وفي كتاب الصوم أشار في قضاء رمضان إلى أنه يقضي متى شاء وفي الزكاة ~~وصدقة الفطر والعشر المذهب معلوم في أنه لا يصير مفرطا بتأخير الأداء وأن ~~له أن يبعث بها إلى فقراء قرابته في بلدة أخرى # وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول مطلق الأمر يوجب الأداء على الفور ~~وهو الظاهر من مذهب الشافعي رحمه الله فقد ذكر في كتابه إنا استدللنا ~~بتأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج مع الإمكان على أن وقته موسع ~~وهذا منه إشارة إلى أن موجب مطلق الأمر على الفور حتى يقوم الدليل # وبعض أصحاب الشافعي يقول هو موقوف على البيان لأنه ليس في الصيغة ما ~~ينبىء عن الوقت فيكون مجملا في حقه وهذا فاسد جدا فإنهم يوافقونا على ثبوت ~~أصل الواجب بمطلق الأمر وذلك يوجب الأداء عند الإمكان ولا إمكان إلا بوقت ~~فثبت بدليل الإشارة إلى الوقت بهذا الطريق # ثم بهذا الكلام يستدل الكرخي فيقول وقت الأداء ثابت ms017 بمقتضى الحال ومقتضى ~~الحال دون مقتضى اللفظ ولا عموم لمقتضى اللفظ فكذلك لا عموم لما ثبت بمقتضى ~~الحال وأول أوقات إمكان الأداء مراد بالاتفاق حتى لو أدى فيه كان ممتثلا ~~للأمر فلا يثبت ما بعده مرادا إلا بدليل يوضحه أن التخيير ينتفي بمطلق ~~الأمر بين الأداء والترك PageV01P026 فيثبت هذا الحكم وهو انتفاء التخيير ~~في أول أوقات إمكان الأداء كما ثبت حكم الوجوب والتفويت حرام بالاتفاق وفي ~~هذا التأخير تفويت لأنه لا يدري أيقدر على الأداء في الوقت الثاني أو لا ~~يقدر وبالاحتمال الثاني لا يثبت التمكن من الأداء على وجه يكون معارضا ~~للمتيقن به فيكون تأخيره عن أول أوقات الإمكان تفويتا ولهذا استحسن ذمه على ~~ذلك إذا عجز عن الأداء ولأن الأمر بالأداء يفيدنا العلم بالمصلحة في الأداء ~~وتلك المصلحة تختلف باختلاف الأوقات ولهذا جاز النسخ في الأمر والنهي ~~وبمطلق الأمر يثبت العلم بالمصلحة في الأداء في أول أوقات الإمكان ولا يثبت ~~المتيقن به فيما بعده # ثم المتعلق بالأمر اعتقاد الوجوب وأداء الواجب وأحدهما وهو الإعتقاد يثبت ~~بمطلق الأمر للحال فكذلك الثاني واعتبر الأمر بالنهي والانتهاء الواجب ~~بالنهي يثبت على الفور فكذلك الائتمار الواجب بالأمر # وحجتنا في ذلك أن قول القائل لعبده افعل كذا الساعة يوجب الائتمار على ~~الفور وهذا أمر مقيد وقوله افعل مطلق وبين المطلق والمقيد مغايرة على سبيل ~~المنافاة فلا يجوز أن يكون حكم المطلق ما هو حكم المقيد فيما يثبت التقييد ~~به لأن في ذلك إلغاء صفة الإطلاق وإثبات التقييد من غير دليل فإنه ليس في ~~الصيغة ما يدل على التقييد في وقت الأداء فإثباته يكون زيادة وهو نظير ~~تقييد المحل فإن من قال لعبده تصدق بهذا الدرهم على أول فقير يدخل يلزمه أن ~~يتصدق على أول من يدخل إذا كان فقيرا ولو قال تصدق بهذا الدرهم لم يلزمه أن ~~يتصدق به على أول فقير يدخل وكان له أن يتصدق به على أي فقير شاء لأن الأمر ~~مطلق فتعيين المحل فيه يكون زيادة والدليل عليه أنه ms018 يتحقق الامتثال بالأداء ~~في أي جزء عينه من أوقات الإمكان في عمره ولو تعين للأداء الجزء الأول لم ~~يكن ممتثلا بالأداء بعده وفي اتفاق الكل PageV01P027 على أنه مؤدي الواجب ~~متى أداه إيضاح لما قلنا # وبهذا تبين فساد ما قال إن المصلحة في الأداء غير معلوم إلا في أول أوقات ~~الإمكان فإن المطالبة بالأداء وامتثال الأمر لا يحصل إلا به ألا ترى أن بعد ~~الانتساخ لا يبقى ذلك فعرفنا أن بمطلق الأمر يصير معنى المصلحة في الأداء ~~معلوما له في أي جزء أداه من عمره ما لم يظهر ناسخه والتفويت حرام كما قال ~~إلا أن الفوات لا يتحقق إلا بموته وليس في مجرد التأخير تفويت لأنه متمكن ~~من الأداء في كل جزء يدركه من الوقت بعد الجزء الأول حسب تمكنه في الجزء ~~الأول وموت الفجأة نادر وبناء الأحكام على الظاهر دون النادر # فإن قيل فوقت الموت غير معلوم له وبالإجماع بعد التمكن من الأداء إذا لم ~~يؤد حتى مات يكون مفرطا مفوتا آثما فيما صنع فبه يتبين أنه لا يسعه التأخير # قلنا الوجوب ثابت بعد الأمر والتأخير في الأداء مباح له بشرط أن لا يكون ~~تفويتا وتقييد المباح بشرط فيه خطر مستقيم في الشرع كالرمي إلى الصيد مباح ~~بشرط أن لا يصيب آدميا وهذا لأنه متمكن من ترك هذا الترخص بالتأخير ولا ~~ينكر كونه مندوبا للمسارعة إلى الأداء # قال الله تعالى @QB@ فاستبقوا الخيرات @QE@ فقلنا بأنه يتمكن من البناء ~~على الظاهر من التأخير ما دام يرجو أن يبقى حيا عادة وإن مات كان مفرطا ~~لتمكنه من ترك الترخص بالتأخير # ثم هذا الحكم إنما يثبت فيما لا يكون مستغرقا لجميع العمر فأما ما يكون ~~مستغرقا له فلا يتحقق فيه هذا المعنى واعتقاد الوجوب مستغرق جميع العمر ~~وكذلك الانتهاء الذي هو موجب النهي يستغرق جميع العمر # فأما أداء الواجب فلا يستغرق جميع العمر فلا يتعين للأداء جزء من العمر ~~إلا بدليل فإن جميع العمر في أداء هذا الواجب كجميع وقت الصلاة لأداء ~~الصلاة وهناك ms019 لا يتعين الجزء الأول من الوقت للأداء فيه على وجه لا يسعه ~~التأخير عنه فكذلك ههنا # ومن أصحابنا من جعل هذا الفصل على الخلاف المشهور بين أصحابنا في الحج ~~PageV01P028 أنه على الفور أم على التراخي قال رضي الله عنه وعندي أن هذا ~~غلط من قائله فالأمر بأداء الحج ليس بمطلق بل هو موقت بأشهر الحج وهي شوال ~~وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وقد بينا أن المطلق غير المقيد بوقت ولا خلاف ~~أن وقت أداء الحج أشهر الحج # ثم قال أبو يوسف رحمه الله تتعين أشهر الحج من السنة الأولى للأداء إذا ~~تمكن منه وقال محمد رحمه الله لا تتعين ويسعه التأخير وعن أبي حنيفة رضي ~~الله عنه فيه روايتان ف محمد يقول الحج فرض العمر ووقت أدائه أشهر الحج من ~~سنة من سني العمر وهذا الوقت متكرر في عمر المخاطب فلا يجوز تعيين أشهر ~~الحج من السنة الأولى إلا بدليل والتأخير عنها لا يكون تفويتا بمنزلة تأخير ~~قضاء رمضان # وتأخير صوم الشهرين في الكفارة فالأيام والشهور تتكرر في العمر ولا يكون ~~مجرد التأخير فيها تفويتا فكذلك الحج ألا ترى أنه متى أدى كان مؤديا ~~للمأمور # وأبو يوسف يقول أشهر الحج من السنة الأولى بعد الإمكان متعين الأداء لأنه ~~فرد في هذا الحكم لا مزاحم له وإنما يتحقق التعارض وينعدم التعيين باعتبار ~~المزاحمة ولا يدري أنه هل يبقى إلى السنة الثانية ليكون أشهر الحج منها من ~~جملة عمره أم لا ومعلوم أن المحتمل لا يعارض المتحقق فإذا ثبت انتفاء ~~المزاحمة كانت هذه الأشهر متعينة للأداء فالتأخير عنها يكون تفويتا كتأخيرة ~~الصلاة عن الوقت والصوم عن الشهر إلا أنه إذا بقي حيا إلى أشهر الحج من ~~السنة الثانية فقد تحققت المزاحمة الآن وتبين أن الأولى لم تكن متعينة ~~فلهذا كان مؤديا في السنة الثانية وقام أشهر الحج من هذه السنة مقام الأولى ~~في التعيين لأنه لا يتصور الأداء في وقت ماض ولا يدري أيبقى بعد هذا أم لا ~~وهذا بخلاف الأمر ms020 المطلق فبالتأخير عن أول أوقات الإمكان لا يزول تمكنه من ~~الأداء هناك وههنا يزول تمكنه من الأداء بمضي يوم عرفة إلى أن يدرك هذا ~~اليوم من السنة الثانية ولا يدري أيدركه أم لا وبخلاف قضاء رمضان فتأخيره ~~عن اليوم الأول لا يكون تفويتا أيضا لتمكنه منه في اليوم الثاني ولا يقال ~~بمجيء الليل يزول تمكنه ثم لا يدري أيدرك اليوم الثاني أم لا لأن الموت في ~~ليلة واحدة قبل PageV01P029 ظهور علاماته يكون فجأة وهو نادر ولا يبنى ~~الحكم عليه وإنما يبنى على الظاهر بمنزلة موت المفقود فإنه إذا لم يبق أحد ~~من أقرانه حيا يحكم بموته باعتبار الظاهر لأن بقاءه بعد موت أقرانه نادر ~~فأما موته في سنة لا يكون نادرا فيثبت احتمال الموت والحياة في هذه المدة ~~على السواء فلهذا كان التأخير تفويتا وعلى هذا صوم الكفارة والتأخير هناك ~~لا يكون تفويتا لأن تمكنه من الأداء لا يزول بمضي بعض الشهور # فأما النوع الثاني وهو الموقت فإنه ينقسم على ثلاثة أقسام فالأول ما يكون ~~الوقت ظرفا للواجب بالأمر ولا يكون معيارا والثاني ما يكون الوقت معيارا له ~~والثالث ما هو مشكل مشتبه # فنبدأ ببيان القسم الأول وذلك وقت الصلاة فإن الله تعالى قال @QB@ إن ~~الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا @QE@ ثم الوقت يكون ظرفا للأداء ~~وشرطا له وسببا للوجوب وبيانه أنه ظرف للأداء لصحته في أي جزء من أجزاء ~~الوقت أدى وهذا لأن الصلاة عبادة معلومة بأركانها فإذا لم يطول أركانها ~~يصير مؤديا في جزء قليل من الوقت فإذا طول منها ركنا يخرج الوقت قبل أن ~~يصير مؤديا لها فعرفنا أن الوقت ليس بمعيار ولكنه ظرف للأداء وهو شرط أيضا # فالأداء إنما يتحقق في الوقت والتأخير عنه يكون تفويتا ومعلوم أن الأداء ~~بأركان يتحقق من المؤدي قبل خروج الوقت فعرفنا أن خروج الوقت مفوت باعتبار ~~أنه يفوت به شرط الأداء # وبيان أنه سبب للوجوب أنه لا يجوز تعجيلها قبله وأن الواجب تختلف صفته ~~باختلاف الأوقات فهذا علامة كون الوقت ms021 سببا لوجوبها فأما ما هو الدليل على ~~ذلك نذكره في بيان أسباب الشرائع في موضعه ثم لا يمكن جعل جميع الوقت سببا ~~للوجوب لأنه ظرف للأداء فلو جعل جميع الوقت سببا لحصل الأداء قبل وجود ~~السبب أولا يتحقق الأداء فيما هو ظرف للأداء فإن شهود جميع الوقت لا يكون ~~إلا بعد مضي الوقت فلا بد أن يجعل جزء من الوقت سببا للوجوب لأنه ليس بين ~~الكل والجزء الذي هو أدنى PageV01P030 مقدار معلوم وإذا تقرر هذا قلنا ~~الجزء الأول من الوقت سبب للوجوب فبإدراكه يثبت حكم الوجوب وصحة أداء ~~الواجب # هذا معنى ما نقل عن محمد بن شجاع رحمه الله أن الصلاة تجب بأول جزء من ~~الوقت وجوبا موسعا وهو الأصح # وأكثر العراقيين من مشايخنا ينكرون هذا ويقولون الوجوب لا يثبت في أول ~~الوقت وإنما يتعلق الوجوب بآخر الوقت ويستدلون على ذلك بما لو حاضت المرأة ~~في آخر الوقت فإنها لا يلزمها قضاء تلك الصلاة إذا طهرت والمقيم إذا سافر ~~في آخر الوقت يصلي صلاة المسافرين ولو ثبت الوجوب بأول جزء من الوقت لكان ~~المعتبر حاله عند ذلك وكذلك لو مات في الوقت لقي الله ولا شيء عليه ولو ثبت ~~الوجوب في أول الوقت لكانت الرخصة في التأخير بعد ذلك مقيدة بشرط ألا يفوته ~~كما بينا في الأمر المطلق # ثم اختلف هؤلاء في صفة المؤدي في أول الوقت فمنهم من يقول هو نفل يمنع ~~لزوم الفرض إياه في آخر الوقت إذا كان على صفة يلزمه الأداء فيها بحكم ~~الخطاب قال لأنه يتمكن من ترك الأداء في أول الوقت لا إلى بدل وهذا حد ~~النفل ولكن بأدائه يحصل ما هو المطلوب وهو إظهار فضيلة الوقت فيمنع لزوم ~~الفرض إياه في آخر الوقت أو يغير صفة ذلك المؤدي حين أدرك آخر الوقت بمنزلة ~~مصلي الظهر في بيته يوم الجمعة إذا شهد الجمعة مع الإمام تتغير صفة المؤدى ~~قبلها فيصير نفلا بعد أن كان فرضا وهذا غلط بين فإنه لا تتأدى له هذه ~~الصلاة ms022 إلا بنية الظهر والظهر اسم للفرض دون النفل ولو نوى النفل كان مؤديا ~~للصلاة ولا يمنع ذلك لزوم الفرض إياه في آخر الوقت ولا تتغير صفة المؤدى ~~إلى صفة الفرضية وهذا لأن باعتبار آخر الوقت يجب الأداء وليس لوجوب الأداء ~~أثر في المؤدى فكيف يكون مغيرا صفة المؤدى ومن يقول بهذا القول لا يجد بدا ~~من أن يقول إذا أديت الجمعة في أول الوقت كان المؤدى نفلا والتنفل بالجمعة ~~غير مشروع وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P031 وإن أول وقت الظهر ~~حين تزول الشمس ما يبطل ما قالوا لأن المراد وقت الأداء ووقت الوجوب فعلى ~~ما قال هذا القائل لا يكون هذا وقت الوجوب ولا وقت أداء الظهر فهو مخالف ~~للنص # ومنهم من قال المؤدى في أول الوقت موقوف على ما يظهر من حاله في آخر ~~الوقت وهكذا القول في الزكاة إذا عجلها قبل الحول واستدل عليه بما قال محمد ~~رحمه الله في الزيادات إذا عجل شاة أربعين ودفعها إلى الساعي ثم تم الحول ~~وفي يده ثمان وثلاثون فله أن يسترد المدفوع من الساعي وإن كان الساعي تصدق ~~به كان تطوعا له ولو تم الحول وفي يده تسع وثلاثون وجبت عليه الزكاة إذا ~~كان المؤدى قائما في يد الساعي بعينه وجاز عن الزكاة وهذا ضعيف أيضا ~~فالأداء لا يصح إلا بنية الظهر والظهر اسم للفرض خاصة ولو نوى الفرض صحت ~~نيته ولو نوى النفل لم تصح نيته في حق أداء الفريضة فلو كان حكم المؤدى ~~التوقف لاستوت فيه النيتان ولتأدى بمطلق نية الصلاة والقول بالتوقف في فعل ~~قد أمضاه لا يكون قويا في الصلاة والزكاة جميعا وكان الكرخي رحمه الله يقول ~~المؤدى فرض على أن يكون الوجوب متعلقا بآخر الوقت أو بالفعل لأن الوجوب ~~إنما لا يثبت بأول الوقت لانعدام الدليل المعين لذلك الجزء في كونه سببا ~~وبفعل الأداء يحصل التعيين فيكون المؤدى واجبا بمنزلة ما لو باع قفيزا من ~~صبرة يتعين البيع في قفيز بالتسليم ولو أدى شاة ms023 من أربعين في الزكاة يتعين ~~المؤدى واجبا بالأداء والحانث باليمين إذا كفر بأحد الأشياء يتعين ذلك ~~واجبا بأدائه وهذا في الحقيقة رجوع إلى ما قلنا ففي هذه الفصول الوجوب ثابت ~~بأصل السبب قبل تعين الواجب بالأداء فكذلك هنا الوجوب ثابت بإدراك الجزء ~~الأول من الوقت والتعيين يحصل بالأداء وهذا لأنه لا يمكن إثبات حكم الوجوب ~~بعد الأداء مقصورا على الحال لأنه إنما يجب على المرء ما يفعله لا ما قد ~~فعله وإذا تقدم الوجوب على الفعل ضرورة يتحقق به ما قلنا إن الوجوب وصحة ~~الأداء يثبت بالجزء الأول من الوقت # ثم قال الشافعي رحمه الله لما تقرر الوجوب لزمه الأداء على وجه لا يتغير ~~بتغير حاله بعد ذلك بعارض من حيض أو سفر وقلنا PageV01P032 نحن الأداء إنما ~~يجب بالطلب ألا ترى أن الريح إذا هبت بثوب إنسان وألقته في حجر غيره فالثوب ~~ملك لصاحبه ولا يجب على من في حجره أداؤه إليه قبل طلبه لأن حصوله في حجره ~~كان بغير صنعه فكذلك ههنا الوجوب تسببه كان جبرا إذ لا صنع للعبد فيه فإنما ~~يلزمه أداء الوجوب عند طلب من له الحق وقد خيره من له الحق في الأداء ما لم ~~يتضيق الوقت يقرره أن وجوب الأداء لا يتصل بثبوت حكم الوجوب لا محالة فإن ~~البيع بثمن مؤجل يوجب الثمن في الحال إذ لو كان وجوب الثمن متأخرا إلى مضي ~~الأجل لم يصح البيع ثم وجوب الأداء يكون متأخرا إلى حلول الأجل فههنا أيضا ~~وجوب الأداء يتأخر إلى توجه المطالبة وذلك باعتبار استطاعة تكون مع الفعل ~~فقبل فعل الأداء لم تثبت المطالبة على وجه ينقطع به الخيار والدليل عليه أن ~~النائم والمغمى عليه في جميع الوقت يثبت حكم الوجوب في حقهما ثم الخطاب ~~بالأداء يتأخر إلى ما بعد الانتباه والإفاقة # والحاصل أنه يتعين للسببية الجزء الذي يتصل به الأداء من الوقت فإن اتصل ~~بالجزء الأول كان هو السبب وإلا تنتقل السببية إلى آخر الجزء الثاني ثم إلى ~~الثالث هكذا لمعنيين أحدهما ms024 أن في المجاوزة عن الجزء الذي يتصل به الأداء ~~في جعله سببا لا ضرورة وليس بين الأدنى والكل مقدار يمكن الرجوع إليه ~~والثاني أنه إذا لم يتصل الأداء بالجزء الذي تتعين به السببية يكون تفويتا ~~كما إذا لم يتصل الأداء بالجزء الأخير من الوقت يكون تفويتا حتى يصير دينا ~~في الذمة ولا وجه لجعله مفوتا ما بقي الوقت لأن الشرع خيره في الأداء ~~فعرفنا أن هذا المعنى تخيير له في نقل السببية من جزء إلى جزء ما بقي الوقت ~~واسعا يبقى هذا الخيار له فلا يكون مفرطا ولهذا لا يلزمه شيء إذا مات ولا ~~إذا حاضت المرأة لأن الانتقال يتحقق في حقها لبقاء خيارها والجزء الذي ~~تدركه من الوقت بعد الحيض لا يوجب عليها الصلاة والجزء الذي يدركه المسافر ~~بعدما صار مسافرا لا يوجب عليه إلا ركعتين PageV01P033 @34@ # ثم قال زفر رحمه الله إذا تضيق الوقت على وجه لا يفصل عن الأداء تتعين ~~السببية في ذلك الجزء ألا ترى أنه ينقطع خياره ولا يسعه التأخير بعد ذلك ~~فلا يتغير بما يعترض بعد ذلك من سفر أو مرض وقلنا نحن إنما لا يسعه التأخير ~~كي لا يفوت شرط الأداء وهو الوقت على ما بينا أن الوقت ظرف للأداء وما بعده ~~من آخر الوقت صالح لانتقال السببية إليه فيحصل الانتقال بالطريق الذي قلنا ~~إلى آخر جزء من أجزاء الوقت فتتعين السببية فيه ضرورة إذا لم يبق بعده ما ~~يحتمل انتقال السببية إليه فيتحقق التفويت بمضيه ويعتبر صفة ذلك الجزء ~~وحاله عند ذلك الجزء حتى إذا كانت حائضا لا يلزمها القضاء وإذا طهرت عن ~~الحيض عند ذلك الجزء وأيامها عشرة تلزمها الصلاة نص عليه في نوادر أبي ~~سليمان فإذا أسلم الكافر أو أدرك الصبي عند ذلك الجزء يلزمهما الصلاة وإذا ~~كان مسافرا عند ذلك الجزء يلزمه صلاة السفر ولهذا قلنا إنه إذا طلعت الشمس ~~وهو في خلال الفجر يفسد الفرض لأن الجزء الذي يتصل به طلوع الشمس من الوقت ~~سبب صحيح تام فثبت الوجوب ms025 بصفة الكمال فلا يتأدى في الأداء مع النقصان ~~بخلاف ما إذا غربت الشمس وهو في خلال صلاة العصر فإن الجزء الذي يتصل به ~~الغروب من الوقت في المعنى سبب فاسد للنهي الوارد عن الصلاة بعد ما تحمر ~~الشمس فيثبت الوجوب مع النقصان بحسب السبب وقد وجد الأداء بتلك الصفة ولا ~~يدخل على هذا ما إذا انعدم منه الأداء أصلا ثم أدى في اليوم الثاني بعدما ~~احمرت الشمس فإنه لا يجوز لأنه إذا لم يشتغل بالأداء حتى مضي الوقت فحكم ~~السببية يكون مضافا إلى جميع الوقت وهو سبب صحيح تام وإنما يتأدى بصفة ~~النقصان عند ضعف السبب إذا لم يصر دينا في الذمة واشتغاله بالأداء يمنع ~~صيرورته دينا في ذمته فأما إذا لم يشتغل بالأداء حتى تحقق التفويت بمضي ~~الوقت صار دينا في ذمته فيثبت بصفة الكمال وهذا هو الانفصال عن الإشكال ~~الذي يقال على هذا وهو ما إذا أسلم الكافر بعدما احمرت الشمس ولم يصل ثم ~~أداها في اليوم PageV01P034 الثاني بعدما احمرت الشمس فإنه لا يجوز لأنه مع ~~تمكن النقصان في السببية إذا مضى الوقت صار الواجب دينا في ذمته بصفة ~~الكمال # وما ذهب إليه زفر ضعيف فإن من تذكر صلاة الظهر وقد بقي إلى وقت تغير ~~الشمس مقدار ما يمكنه أن يصلي فيه ركعة أو ركعتين يمنع من الاشتغال بالأداء ~~وإن كان وقت التذكر وقتا للفائتة بالنص لأنه لا يتمكن من الأداء قبل تغير ~~الشمس وإذا تغيرت فسدت صلاته فكذلك عند تضيق الوقت يؤمر بالأداء ولا يسعه ~~التأخير لا باعتبار أن السببية تتعين في ذلك الجزء ولكن ليتمكن من الأداء ~~فيما هو ظرف للأداء وهو الوقت وهذا التمكن يفوت بالتأخير بعدها # ومن حكم هذا الوقت أن التعيين لا يثبت بقوله حتى لو قال عينت هذا الجزء ~~إن لم يشتغل بالأداء بعده لا يتعين لأن خياره لم ينقطع وله أن يؤخر الأداء ~~بعد هذا القول والتعيين من ضرورة انقطاع خياره في نقل السببية من جزء إلى ~~جزء وذلك لا يتم ms026 إلا بفعل الأداء كالمكفر إذا قال عينت الطعام للتكفير به ~~لا يتعين ما لم يباشر التكفير به ولا معنى لقول من يقول إن نقل السببية من ~~جزء إلى جزء تصرف في المشروعات وليس ذلك إلى العبد لأن الشرع لما خيره فقد ~~جعل له هذه الولاية فيثبت له حق التصرف بهذه الصفة لأن الشرع قد ولاه ذلك ~~كما ثبت له ولاية الإيجاب فيما كان مشروعا غير واجب بنذره # ومن حكمه أنه لا يمنع صحة أداء صلاة أخرى فيه لأن الوقت ظرف للأداء ~~وللواجب أركان معلومة يؤديها بمنافع هي حقه وبعد الوجوب بقيت المنافع حقا ~~له أيضا فكان له أن يتصرف فيها بالصرف إلى أداء واجب آخر بمنزلة من دفع ~~ثوبا إلى خياط ليخيطه في هذا اليوم فإنه يستحق على الخياط إقامة العمل ولا ~~يتعذر عليه خياطة ثوب آخر في ذلك اليوم لأن منافعه بقيت حقا له بعد ما ~~استحق عليه خياطة الثوب بالإجارة # PageV01P035 ومن حكمه أنه لا يتأدى إلا بالنية لأن صرف ما هو حقه من ~~المنافع إلى أداء الواجب عليه لا يكون إلا بالنية # ومن حكمه اشتراط تعيين النية فيه لأن منافعه لما بقيت على صفة يصلح لأداء ~~فرض الوقت وغيره من الصلوات بها لم يتعين فرض الوقت ما لم يعينه بالنية ~~واشتراط تعيين الوقت لإصابة فرض الوقت حكم ثبت شرعا فلا يسقط ذلك بتقصير ~~يكون من العبد في الأداء حتى إذا تضيق الوقت على وجه لا يسع إلا لأداء ~~الفرض أو لا يسع له أيضا لا يسقط اعتبار نية التعيين فيه بهذا المعنى # وأما القسم الثاني وهو ما يكون الوقت معيارا له كصوم رمضان لأن ركن الصوم ~~هو الإمساك ومقداره لا يعرف إلا بوقته فكان الوقت معيارا له بمنزلة الكيل ~~في المكيلات # ومن حكمه أن الإمساك الذي يوجد منه في الأيام من شهر رمضان لما تعين ~~لأداء الفرض لم يبق غيره مشروعا فيه إذ لا تصور لأداء صومين بإمساك واحد ~~وما يتصور في هذا الوقت لا يفضل عن المستحق ms027 بحال فلا يكون غيره مشروعا فيه ~~مستحقا ولا متصور الأداء شرعا # ثم قال أبو يوسف و محمد رحمهما الله يستوي في هذا الحكم المسافر والمقيم ~~لأن وجوب صوم الشهر يثبت بشهود الشهر في حق المسافر ولهذا صح الأداء إلا أن ~~الشرع مكنه من الترخص بالفطر لدفع المشقة عنه فإذا ترك الترخص كان هو ~~والمقيم سواء فيكون صومه عن فرض رمضان فتلغو نيته لتطوع أو لواجب آخر # و أبو حنيفة رحمه الله يقول إذا نوى المسافر واجبا آخر صح صومه عما نوى ~~لأن انتفاء صوم آخر في هذا الزمان ليس من حكم الوجوب واستحقاق الأداء ~~بمنافعه فذلك موجود فيما كان الوقت ظرفا له بل هو من حكم تعينه مستحقا ~~للأداء فيه ولا تعين في حق المسافر فهو مخير بين الأداء أو التأخير إلى عدة ~~من أيام أخر فلا تنفي صحة أداء صوم آخر منه بهذا الإمساك ولأن الوجوب وإن ~~ثبت في حقه ولكن الترخص بتأخير أداء الواجب ثابت في حقه أيضا وهو ما ترك ~~الترخص حين PageV01P036 ما صرف الإمساك إلى ما هو دين في ذمته فإن ذلك أهم ~~عنده وإذا كان هو بالفطر مترخصا لأن فيه رفقا ببدنه فلأن يكون في صرفه إلى ~~واجب آخر مترخصا لأنه نظر منه لدينه كان أولى وعلى الطريق الأول إذا نوى ~~النفل كان صائما عن النفل وعلى الطريق الثاني يكون صائما عن الفرض لأنه في ~~نية النفل لا يكون مترخصا بالصرف إلى ما هو الأهم وفيه روايتان عن أبي ~~حنيفة رحمه الله # فأما المريض إذا صام كان صومه عن صوم رمضان وإن نوى عن واجب آخر أو نوى ~~النفل لأن الرخصة في حق المريض إنما تثبت إذا تحقق عجزه عن أداء الصوم وإذا ~~صام فقد انعدم دليل سبب الرخصة في حقه فكان هو كالصحيح وأما الرخصة في حق ~~المسافر باعتبار سبب ظاهر قام مقام العذر الباطن وهو السفر وذلك لا ينعدم ~~بفعل الصوم فيبقى له حق الترخص وهو في نيته واجبا آخر مترخص كما بيناه ms028 # وقال زفر رحمه الله ولما تعين صوم الفرض مشروعا في هذا الزمان وركن الصوم ~~هو الإمساك فالذي يتصور فيه من الإمساك مستحق الصرف إليه فلا يتوقف الصحة ~~على عزيمة منه بل على أي وجه أتى به يكون من المستحق كمن استأجر خياط 8 ا ~~ليخيط له ثوبا بعينه بيده فسواء خاطه على قصده الإعانة أو غيره يكون من ~~الوجه المستحق ومن عليه الزكاة في نصاب بعينه إذا وهبه للفقير يكون مؤديا ~~للزكاة وإن لم ينو لهذا المعنى # ولكنا نقول مع تعين الصوم مشروعا منافعه التي توجد في الوقت باقية حقا له ~~وهو مأمور بأن يؤدي بما هو حقه ما هو مستحق عليه من العبادة وذلك بأداء ~~يكون منه على اختيار فلا يتحقق ذلك بدون العزيمة لأنه ما لم يعزم على الصوم ~~لا يكون صارفا ماله إلى ما هو مستحق عليه فإن عدم العزم ليس بشيء وإنما لا ~~يتحقق منه صرف منافعه إلى أداء صوم آخر لأنه غير مشروع في هذا الوقت كما لا ~~يتحقق منه أداء صوم بالليل لأنه غير مشروع فيه بخلاف الأجير ففي أجير ~~الواحد المستحق منافعه بعينه وفي الأجير المشترك المستحق هو الوصف ~~PageV01P037 الذي يحدث في الثوب بعمله وذلك لا يتوقف على عزم يكون منه ~~وبخلاف الزكاة فالمستحق صرف جزء من المال إلى المحتاج ليكون كفاية له من ~~الله تعالى وقد تحقق ذلك فالهبة صارت عبارة عن الصدقة في حقه مجازا لأن ~~المبتغى بها وجه الله تعالى دون العوض من المصروف إليه # وقال الشافعي لا يتحقق صرف ماله إلى ما هو مشروع في الوقت مستحقا ما لم ~~يعينه في عزيمته لأن معنى القربة معتبر في الصفة كما هو معتبر في الأصل ~~فكما تشترط عزيمته في أداء أصل الصوم ليتحقق معنى العبادة يشترط ذلك في ~~وصفه ليكون له اختيار في الصفة كما في الأصل ومن قال بنية النفل يصير مصيبا ~~للمشروع فقد أبعد لأنه لو اعتقد هذه الصفة في المشروع في هذا الوقت كفر ~~بربه فكيف يصير بهذه ms029 العزيمة مصيبا للمشروع ولكنا نقول لما كان المشروع في ~~هذا الوقت من الصوم الذي يتصور أداؤه منه واحدا عينا كان هو بالقصد إلى ~~الصوم مصيبا له فالواحد المعين في زمان أو مكان يصاب باسم جنسه كما يصاب ~~باسم نوعه وكان هذا في الحقيقة منا قولا بموجب العلة أن تعيين المستحق في ~~العزيمة لا بد منه ولكن هذا التعيين يحصل بنية الصوم لا أن نقول التعيين ~~غير معتبر ولكن لا يشترط عزيمته في الوصف مقصودا لأن بعد وجود أصل الصوم ~~منه في هذا الزمان لا اختيار له في صفته ولهذا لا يتصور أداؤه بصفة أخرى ~~شرعا فأما إذا نوى النفل فهذا الوصف من نيته لغو لأن النفل غير مشروع فيه ~~كما تلغو نية أداء الصوم في الليل لأنه غير مشروع فيه وكما تلغو نية الفرض ~~خارج رمضان ممن لا فرض عليه وإنما يعتبر من نيته عزيمة أصل الصوم وهو مأمور ~~بأن يعتقد في صوم المشروع أنه صوم فبه يكون مصيبا للمشروع وعلى هذا نقول ~~فيمن نذر الصوم في وقت بعينه خارج رمضان إنه يتأدى منه بمطلق النية ونية ~~النفل لأن المشروع في الوقت قبل نذره عين وهو النفل وقد جعل له الشرع ولاية ~~جعل المشروع واجبا بنذره فبمطلق النية يكون مصيبا للمشروع وهو المنذور ~~بعينه ونية النفل منه بعد النذر لغو PageV01P038 لأنه لما صار واجبا بنذره ~~لم يبق نفلا في حقه فأما إذا نوى واجبا آخر كان عن ذلك الواجب لأن المشروع ~~في الوقت قبل نذره كان صالحا لأداء واجب آخر به إذا صرفه إليه بعزمه وتلك ~~الصلاحية لا تنعدم بنذره لأن تصرف الناذر صحيح في محل حقه وذلك في جعل ما ~~كان مشروعا له نفلا واجبا بنذره فأما نفي الصلاحية فليس من حقه في شيء فلا ~~يعتبر تصرفه فيه وإذا بقيت الصلاحية تأدي الواجب الآخر به عند عزمه بخلاف ~~شهر رمضان فقد انتفى فيه صلاحية الإمساك لأداء صوم آخر سوى الفرض شرعا ~~فتلغو نيته لواجب آخر كما تلغو نية النفل ms030 # وقال الشافعي صرف الإمساك الذي يتصور منه في نهار رمضان إلى صوم الفرض ~~مستحق عليه من أول النهار إلى آخره ولا يتحقق هذا الصرف إلا بعزيمته فإذا ~~انعدمت العزيمة في أول النهار لم يكن ذلك الجزء مصروفا إلى الصوم وهو ~~بالعزيمة بعد ذلك إنما يكون صارفا لما بقي لا لما مضى والصوم منه لا يتحقق ~~فيما مضى ولهذا لو نوى بعد الزوال لا يصح ولا صحة لما بقي بدون ما مضى ألا ~~ترى أن الأهلية لأداء الفرائض تشرط من أول النهار إلى آخره فرجحت المفسد ~~على المصحح إذا انعدمت النية في أول النهار أخذا بالاحتياط في العبادة ~~بخلاف النفل فهو غير مقدر شرعا وأداؤه موكول إلى نشاطه فيتأدى بقدر ما ~~يؤديه مع أن هناك لو رجحنا المفسد فاته الأداء لا إلى خلف فرجحنا المصحح ~~لكيلا يفوته أصلا وههنا يفوته الأداء إلى خلف وهذا بخلاف ما إذا قدم النية ~~فإن ما تقدم منه من العزيمة يكون قائما حكما إذا جاء وقت الأداء وفي هذا ~~المعنى أوله وآخره سواء فتقترن العزيمة بأداء الكل حكما ألا ترى أن صوم ~~PageV01P039 القضاء به يتأدى ولا يتأدى بالعزيمة قبل الزوال ولكنا نقول ما ~~يتأدى به هذا الصوم في حكم شيء واحد فإنه لا يحتمل التجزي في الأداء ~~وبالاتفاق لا يشترط اقتران النية بأداء جميعه فإنه لو أغمي عليه بعد الشروع ~~في الصوم يتأدى صومه ولا يشترط اقترانه بأول حالة الأداء فإنه لو قدم النية ~~تأدى صومه وإن كان غافلا عنه عند ابتداء الأداء بالنوم فأما أن يكون ابتداء ~~حال الصوم في أنه يسقط اعتبار العزيمة فيه بمنزلة الدوام في الصلاة أو يكون ~~حال الابتداء معتبرا بحال الدوام وكان ذلك لدفع الحرج فوقت الشروع في ~~الأداء ههنا مشتبه بحرج المرء في الانتباه في ذلك الوقت ثم لا يندفع هذا ~~الحرج بجواز تقديم النية في جنس الصائمين ففيهم صبي يبلغ ومجنون يفيق في ~~آخر الليل وفي يوم الشك هو ممنوع من نية الفرض قبل أن يتبين ونية النفل ms031 ~~عنده لا تتأدى إذا تبين وإذا بقي معنى الحرج قلنا لما صح الأداء بنية ~~متقدمة وإن لم تقارن حالة الشروع ولا حالة الأداء فلأن تصح بنية متأخرة ~~لاقترانها بما هو ركن الأداء كان أولى # وتبين بهذا أن الموجود من الإمساك في أول النهار لم يتعين للفطر لأنه بقي ~~متمكنا من جعل الباقي صوما بعزيمته والواحد الذي لا يتجزى في حكم لا ينفصل ~~بعضه من بعض فمن ضرورة بقاء الإمكان فيما بقي بقاؤه فيما مضى حكما بأن ~~تستند العزيمة إليه لتوقف الإمساك عليه ولكن هذا إذا وجدت العزيمة في أكثر ~~الركن لأن الأكثر بمنزلة الكمال من وجه فكما أنه ما بقي الإمكان في صرف ~~جميع الركن إلى ما هو المستحق بعزيمته يبقى حكم صحة الأداء فكذلك إذا بقي ~~الإمكان في صرف أكثر الركن إلى ما هو المستحق عليه بعزيمته لأن الكل من وجه ~~يجوز إقامته مقام الكل من جميع الوجوه حكما وفيه أداء العبادة في وقتها ~~فيكون PageV01P040 المصير إليه أولى من المصير إلى التفويت لانعدام صفة ~~الكمال من جميع الوجوه وهذا الترجيح أولى من الترجيح بصفة العبادة فهي حالة ~~تبتنى على وجود الأصل والترجيح بإيجاد أصل الشيء أولى بالمصير إليه من ~~الترجيح بالصفة والصفة تتبع الأصل ولا يتبع الأصل الصفة وعلى هذا نقول في ~~المنذور في وقت بعينه إنه يتأدى بمثل هذه العزيمة لأنه بهذه العزيمة يكون ~~مؤديا للمشروع قبل نذره والمشروع في الوقت بعد نذره على ما كان عليه من قبل ~~فيصير مؤديا له بهذه العزيمة أيضا وفي أدائه وفاء بالمنذور وكذلك في صوم ~~القضاء يصير مؤديا للمشروع في الوقت بهذه العزيمة وهو النفل # وأما القضاء فهو مستحق في ذمته لا اتصال له بالوقت قبل أن يعزم على صرف ~~المشروع في الوقت إليه فلم يتوقف إمساكه في أول النهار عليه ولم يزل تمكنه ~~من أداء ما في ذمته بعزيمة تقترن بالجميع من كل وجه ولهذا لا نصير إلى ~~اعتبار الكل من وجه واحد فيه ولهذا شرطنا الأهلية في جميع النهار ms032 لأن مع ~~انعدام الأهلية في أول النهار لا يثبت استحقاق الأداء والمصير إلى طلب ~~الكمال من وجه لتقرر استحقاق الأداء فإذا لم توجد تلك الأهلية في أول ~~النهار لم نشتغل بطلب الكمال من وجه ألا ترى أنه يشترط وجود الأهلية ~~للعبادة عند النية وإن سبقت وقت الأداء ولم يدل ذلك على اشتراط اقتران ~~النية بركن الأداء وعلى هذا الأصل قلنا في صوم النفل إنه لا يتأدى بدون ~~العزيمة قبل الزوال لأن الركن الذي به يتأدى الصوم كما لا يتجزى وجوبا لا ~~يتجزى وجودا ولا يتصور الأداء إلا بكماله وصفة الكمال لا تثبت بالنية بعد ~~الزوال حقيقة ولا حكما وتثبت بالنية قبل الزوال حكما باعتبار إقامة الأكثر ~~مقام الكل ولم يرد على ما قلنا الإمساك الذي يندب إليه المرء في يوم الأضحى ~~إلى أن يفرغ من الصلاة فإن ذلك ليس بصوم وإنما ندب إليه ليكون أول ما ~~يتناوله في هذا اليوم من القربان والناس أضياف الله تعالى يتناول ~~PageV01P041 القربان في هذا اليوم وإلا حسن أن يكون أول ما يتناول منه ~~الضيف طعام الضيافة ولهذا ثبت هذا الحكم في حق أهل الأمصار دون أهل السواد ~~فلهم حق التضحية بعد طلوع الفجر وليس لأهل المصر أن يضحوا إلا بعد الصلاة # ومن هذا الجنس صوم الكفارة والقضاء فالوقت معيار له على معنى أن مقداره ~~يعرف به ولكنه ليس بسبب لوجوبه بخلاف صوم رمضان فالوقت هناك معيار وسبب ~~الوجوب على ما نبينه في بابه ولهذا لا يتحقق قضاء صوم يومين في يوم واحد ~~وأداء كفارتين بالصوم في شهرين لأن الوقت معيار بمنزلة الكيل للمكيل فكما ~~لا يتحقق قفيزان في قفيز واحد في حالة واحدة لا يتحقق صوم يومين في يوم ~~واحد # ومن حكم هذا النوع أنه لا يتأدى بدون العزيمة منه على الأداء في جميع ~~الوقت وأنه لا يتحقق الفوات فيه ما بقي حيا وقد قررنا هذا فيما سبق # وأما القسم الثالث وهو المشكل فوقت الحج وبيان الإشكال فيه أن الحج عبادة ~~تتأدى بأركان معلومة ms033 ولا يستغرق الأداء جميع الوقت فمن هذا الوجه ( يشبه ~~الصلاة ولا يتصور من الأداء في الوقت في سنة واحدة إلا حجة واحدة فمن هذا ~~الوجه ) يشبه الصوم الذي يكون الوقت معيارا له وفي وقته اشتباه أيضا فالحج ~~فرض العمر ووقته أشهر الحج من سنة من سني العمر وأشهر الحج من السنة الأولى ~~تتعين على وجه لا تفضل عن الأداء وباعتبار أشهر الحج من السنين التي يأتيها ~~الوقت تفضل عن الأداء وكون ذلك من عمره محتمل في نفسه فكان مشتبها ثم يترتب ~~على ما قلنا حكمان صحة الأداء باعتبار الوقت ووجوب التعجيل بكون الوقت ~~متعينا وفي أحد الحكمين اتفاق حتى إنه يكون مؤديا في أي سنة أداه للتيقن ~~بكون ذلك من عمره ولاتساع الوقت بإدراكه وفي الحكم الثاني اختلاف فعند أبي ~~يوسف رحمه الله الوقت متعين قبل إدراك السنة الثانية فلا يسعه التأخير وعند ~~محمد رحمه الله الوقت غير متعين ما بقي حيا فيسعه التأخير بشرط أن لا يفوته # PageV01P042 ومن حكمه أنه بعدما لزمه الأداء بالتمكن منه يصير مفوتا ~~بالموت قبل الأداء حتى يؤمر بالوصية بأن يحج عنه بخلاف الصلاة فإن هناك بعد ~~التمكن من الأداء لا يصير مفوتا إذا مات في الوقت قبل الأداء لأن الوقت هنا ~~مقدر بعمره فبموته يتحقق مضي الوقت وقد تمكن من الأداء فإذا أخر حتى مضي ~~الوقت كان مفوتا وهناك الوقت مقدر بزمان لا ينتهي ذلك بموته فلا يكون هو ~~مفوتا بتأخير الأداء وإن مات لبقاء الوقت فلهذا لا يلزمه شيء ويكون آثما ~~هنا إذا مات بعد التمكن بتأخير الأداء # أما عند أبي يوسف رحمه الله فلأن وقت الأداء كان متعينا فالتأخير عنه كان ~~تفويتا وعند محمد رحمه الله إباحة التأخير له كان مقيدا بشرط وهو أن يؤديه ~~في عمره فإذا انعدم هذا الشرط كان آثما في التأخير لأنه تبين بموته أن ~~الوقت كان عينا وأن التأخير ما كان يسعه بعد التمكن من الأداء # ومن حكمه أنه لا يتأدى الفرض بنية النفل # أما عند محمد ms034 رحمه الله فلأن وقت الأداء من عمره متسع يفضل عن الأداء فهو ~~كوقت الصلاة وعند أبي يوسف رحمه الله وقت الأداء وإن كان متعينا فالأداء ~~يكون بأركان معلومة فيكون بمنزلة الصلاة بعد ما تضيق الوقت بها ثم وقت أداء ~~النفل ووقت أداء الفرض في الحج غير مختلف فتصح منه العزيمة على أداء النفل ~~فيه وبه تنعدم العزيمة على أداء الفرض وبدون العزيمة لا يتأدى بخلاف الصوم ~~فلا تصور لأداء النفل هناك في الوقت المعين لأداء الفرض فتلغو نية النفل ~~هناك ويكون مؤديا للفرض بعزيمة أصل النية # وقال الشافعي أنا ألغي نيته النفل منه أيضا لأنه نوع سفه فالحج لا يتأدى ~~إلا بتحمل المشقة وقطع المسافة ولهذا لم يجب في العمر إلا مرة فنية النفل ~~قبل أداء الفرض تكون سفها والسفيه عندي محجور عليه فتلغو نية النفل بهذا ~~الطريق ولكن بإلغاء نية النفل لا ينعدم أصل نيته الحج لأن الصفة تنفصل عن ~~الأصل في هذه العبادة ألا ترى أن بانعدام صفة الصحة لا ينعدم أصل الإحرام ~~بخلاف الصوم فالصفة هناك لا تنفصل عن الأصل ألا ترى أن بانعدام صفة الصحة ~~ينعدم أصل الصوم مع أن الحج قد يتأدى من غير عزيمة كالمغمى عليه يحرم عنه ~~أصحابه فيصير هو محرما PageV01P043 والرجل يحرم عن أبويه فيصح وإن لم توجد ~~العزيمة منهما # ولكنا نقول الواجب عليه أداء ما هو عبادة والمؤدى يكون عبادة وقد بينا أن ~~هذا الوصف لا يتحقق بدون اختيار يكون منه بالعزم على الأداء وإعراضه عن ~~أداء الفرض بالعزم على أداء النفل يكون أبلغ من إعراضه عن أداء الفرض بترك ~~أصل العزيمة وفي إثبات الحجر بالطريق الذي قاله انتفاء اختياره وجعله ~~مجبورا فيه وهذا ينافي أداء العبادة فيعود هذا القول على موضوعه بالنقض ~~وأما الإحرام فعندنا شرط الأداء بمنزلة الطهارة للصلاة ولهذا جوزنا تقديمه ~~على وقت الحج أو أقمنا هناك دلالة الاستعانة مقام حقيقة الاستعانة عند ~~الحاجة استحسانا فيصير العزم به على أداء الفرض موجودا حكما وهذا المعنى ~~ينعدم عند العزم ms035 على النفل # ومن حكمه أنه يتأدى بمطلق نية الحج لا باعتبار أنه يسقط اشتراط نية ~~التعين فيه فإن الوقت لما كان قابلا لأداء الفرض والنفل فيه لا بد من تعيين ~~الفرض ليصير مؤدى ولكن هذا التعيين ثبت بدلالة الحال فإن الإنسان في العادة ~~لا يتحمل المشقة العظيمة ثم يشتغل بأداء حجة أخرى قبل أداء حجة الإسلام ~~ودلالة العرف يحصل التعيين بها ولكن إذا لم يصرح بغيرها فأما مع التصريح ~~يسقط اعتبار العرف كمن اشترى بدراهم مطلقة يتعين نقد البلد بدلالة العرف ~~فإن صرح باشتراط نقد آخر عند الشراء سقط اعتبار ذلك العرف وينعقد العقد بما ~~صرح به # # | فصل في بيان حكم الواجب بالأمر # وذلك نوعان أداء وقضاء # فالأداء تسليم عين الواجب بسببه إلى مستحقه قال الله تعالى @QB@ إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها @QE@ وقال عليه السلام أد الأمانة إلى ~~من ائتمنك ولا تخن من خانك والقضاء إسقاط الواجب بمثل من عند المأمور هو ~~حقه قال عليه السلام خيركم أحسنكم قضاء # وقال رحم الله امرأ سهل البيع والشراء سهل القضاء سهل الاقتضاء ويتبين ~~هذا في المغصوب رد الغاصب عينه تسليم نفس الواجب عليه بالغصب ورد المثل بعد ~~هلاك العين إسقاط الواجب بمثل من عنده فيسمى الأول أداء والثاني قضاء لحقه ~~وقد يدخل النفل في قسم الأداء على قول من يقول مقتضى الأمر الندب أو ~~الإباحة لأنه يسلم عين ما ندب إلى تسليمه ولا يدخل في قسم القضاء لأنه ~~إسقاط الواجب بمثل من عنده ولا وجوب هناك وقد تستعمل عبارة القضاء في ~~الأداء مجازا لما فيه من إسقاط الواجب قال الله تعالى @QB@ فإذا قضيتم ~~مناسككم @QE@ وقال تعالى @QB@ فإذا قضيت الصلاة @QE@ وقد PageV01P044 ~~تستعمل عبارة الأداء في القضاء مجازا لما فيه من التسليم إلا أن حقيقة كل ~~عبارة ما فسرناها به ففي الأداء معنى الاستقصاء وشدة الرعاية في الخروج عما ~~لزمه وذلك بتسليم عين الواجب وليس في القضاء من معنى الاستقصاء وشدة ~~الرعاية شيء بل فيه إشارة إلى معنى التقصير من المأمور ms036 وذلك بإقامة مثل من ~~عنده مقام المأمور به بعد فواته # واختلف مشايخنا في أن وجوب القضاء بالسبب الذي وجب به الأداء أم بدليل ~~آخر غير الأمر الذي به وجب الأداء ( فالعراقيون يقولون وجوب القضاء بدليل ~~آخر غير الأمر الذي به وجب الأداء ) لأن الواجب بالأمر أداء العبادة ولا ~~مدخل للرأي في معرفة العبادة فإذا كان نص الأمر مقيدا بوقت كان عبادة في ~~ذلك الوقت ومعنى العبادة إنما يتحقق في امتثال الأمر وفي المقيد بالوقت لا ~~تصور لذلك بعد فوات الوقت عرفنا أن الوجوب بدليل مبتدأ وهو قوله تعالى في ~~الصوم @QB@ فعدة من أيام أخر @QE@ وقوله عليه السلام في الصلاة من نام عن ~~صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها يوضحه أن الأداء بفعل من المأمور والفعل ~~الذي يوجد منه في وقت غير الفعل الذي يوجد منه في وقت آخر فإذا كان الأمر ~~مقيدا بوقت لا يتناول فعل الأداء في وقت آخر كمن استأجر أجيرا في وقت معلوم ~~لعمل فمضي ذلك الوقت لا يلزمه تسليم النفس لإقامة العمل بحكم ذلك العقد ~~وهذا لأن في التنصيص على التوقيت إظهار فضيلة PageV01P045 الوقت وذلك لا ~~يحصل بالأداء بعد مضي الوقت فعرفنا أنه إن فات بمضي الوقت فإنما يفوت على ~~وجه لا يمكن تداركه فلا يجب القضاء إلا بدليل آخر # وأكثر مشايخنا رحمهم الله على أن القضاء يجب بالسبب الذي به وجب الأداء ~~عند فواته وهو الأصح فإن الشرع لما نص على القضاء في الصلاة والصوم كان ~~المعنى فيه معقولا وهو أن مثل المأمور به في الوقت مشروع حقا للمأمور بعد ~~خروج الوقت وخروج الوقت قبل الأداء لا يكون مسقطا لأداء الواجب في الوقت ~~بعينه بل باعتبار الفوات فيتقدر بقدر ما يتحقق فيه الفوات وهو فضيلة الوقت ~~فلا يبقى ذلك مضمونا عليه بعد مضي الوقت إلا في حق الإثم إذا تعمد التفويت ~~فأما في أصل العبادة التفويت لا يتحقق بمضي الوقت لكون مثله مشروعا فيه ~~للعبد متصور الوجود منه حقيقة وحكما وما يكون سقوطه للعجز بسبب ms037 الفوات ~~يتقدر بقدر ما يتحقق فيه الفوات فيبقى هو مطالبا بإقامة المثل من عنده مقام ~~نفس الواجب بالأمر وهو الأداء في الوقت وإذا عقل هذا المعنى في المنصوص ~~عليه تعدى به الحكم إلى الفرع وهي الواجبات بالنذر الموقت من الصوم والصلاة ~~والاعتكاف وهذا أشبه بأصول علمائنا رحمهم الله فإنهم قالوا لو أن قوما ~~فاتتهم صلاة من صلوات الليل فقضوها بالنهار بالجماعة جهر إمامهم بالقراءة ~~ولو فاتتهم صلاة من صلوات النهار فقضوها بالليل لم يجهر إمامهم بالقراءة ~~ومن فاتته صلاة في السفر فقضاها بعد الإقامة صلى ركعتين ولو فاتته حين كان ~~مقيما فقضاها في السفر صلى أربعا وهذا لأن الأداء صار مستحقا بالأمر في ~~الوقت ونحن نعلم أنه ليس المقصود عين الوقت فمعنى العبادة في كونه عملا ~~بخلاف هوى النفس أو في كونه تعظيما لله تعالى وثناء عليه وهذا لا يختلف ~~باختلاف الأوقات وبعدما صار مضمون التسليم لا يسقط ذلك عنه بترك الامتثال ~~بل يتقرر به حكم الضمان إلا أن بقدر ما يتحقق العجز عن أدائه بالمثل الذي ~~هو قائم مقامه يسقط ضرورة وما وراء ذلك يبقى ولهذا قلنا من فاتته صلاة من ~~أيام التكبير فقضاها بعد أيام التكبير لم يكبر عقيبها لأن الجهر بالتكبير ~~دبر الصلاة غير مشروع للعبد في غير أيام التكبير بل هو منهي عنه لكونه بدعة ~~فبمضي الوقت يتحقق الفوات فيه فيسقط أصل الصلاة مشروع له بعد أيام التكبير ~~فيبقى الواجب PageV01P046 باعتباره وكذلك من فاتته الجمعة لم يقضها بعد مضي ~~الوقت لأن إقامة الخطبة مقام ركعتين غير مشروع للعبد في غير ذلك الوقت ~~فبمضي الوقت يتحقق العجز فيه وتلزمه صلاة الظهر لأن مثله مشروع للعبد بعد ~~مضي الوقت # ومن نصر القول الأول استدل بما ذكره محمد رحمه الله في الجامع أن من نذر ~~أن يعتكف شهر رمضان فصام ولم يعتكف ثم قضى اعتكافه في الرمضان الثاني لا ~~يجزيه عن المنذور ولو كان وجوب القضاء بما وجب به الأداء وهو الأمر بالوفاء ~~بالنذر لجاز لأن الثاني مثل الأول ms038 في كون الصوم مشروعا فيه مستحقا عليه ~~وصحة أداء الاعتكاف به فعرفنا أنه إنما لم يجز لأن وجوب القضاء بدليل آخر ~~وهو تفويت الواجب في الوقت عند مضيه على وجه هو مقدور فيه وهذا السبب يوجب ~~الاعتكاف دينا في ذمته فيلتحق باعتكاف يجب بالنذر مطلقا عن الوقت فلا يتأدى ~~بالاعتكاف في رمضان # ولكنا نقول أصل النذر أوجب عليه الاعتكاف ولوجوب الاعتكاف أثر في وجوب ~~الصوم باعتبار أنه شرط فيه وشرط الشيء تابع له فموجب الأصل يكون موجبا ~~لتبعه إلا أنه امتنع وجوب الصوم به لعارض على شرف الزوال وهو اتصاله بوقت ~~لا يجوز أن يجب الصوم فيه بإيجاب من العبد فبمضي الوقت قبل أن يعتكف زال ~~هذا الاتصال وتحقق وجوب الصوم لوجوب الاعتكاف في ذمته ثم الصوم الواجب في ~~الذمة لا يتأدى بصوم رمضان وإنما لم يجب عليه الصوم لاتصال حكم الأداء بصوم ~~رمضان وقد انقطع ذلك حين صام في الرمضان الأول ولم يعتكف حتى إنه لو لم يصم ~~ولم يعتكف ثم اعتكف في قضاء الصوم خرج عن عهدة المنذور لبقاء الاتصال حين ~~لم يصم في رمضان وإن تحقق مضي الوقت وبهذا تبين فساد ما ذهبوا إليه لأن ~~وجوب القضاء لو كان بدليل آخر كان سببا آخر والنذر بالاعتكاف ما كان متصلا ~~به فلا يتأدى باعتباره كما لا يتأدى في الرمضان الثاني وإن صامه يقرره أن ~~امتناع وجوب الصوم عليه بالنذر لمعنى شرف الوقت المضاف إليه النذر وقد بينا ~~أن شرف الوقت يفوت بمضيه على وجه لا يمكن تداركه فبفواته ينعدم ما كان ~~متعلقا به وهو امتناع PageV01P047 وجوب الصوم بالنذر بالاعتكاف حتى قال أبو ~~يوسف رحمه الله في رواية يبطل نذره لأنه يبقى اعتكافا بغير صوم وذلك لا ~~يكون واجبا # وقلنا يجب الصوم لوجوب الاعتكاف لأن بانعدام التبع لا ينعدم الأصل وبوجوب ~~الأصل يجب التبع عند زوال المانع # قال رضي الله عنه واعلم بأن الأداء في الأمر الموقت يكون في الوقت وفي ~~غير الموقت يكون الأداء في العمر لأن جميع ms039 العمر فيه بمنزلة الوقت فيما هو ~~موقت وهو أنواع ثلاثة كامل وقاصر وأداء يشبه القضاء حكما # فالكامل هو الأداء المشروع بصفته كما أمر به والقاصر بأن يتمكن نقصان في ~~صفته وذلك مثل الصلاة المكتوبة بالجماعة فهي أداء محض والأداء من المنفرد ~~يكون قاصرا لنقصان في صفة الأداء فإنه مأمور بالأداء بالجماعة ولهذا لا ~~يكون الجهر بالقراءة عزيمة في حق المنفرد في صلاة الليل لأن ذلك من شبه ~~الأداء المحض ومن اقتدى بالإمام من أول الصلاة وأداها معه كان ذلك أداء ~~محضا ولو اقتدى به في القعدة الأخيرة ثم قام وأدى الصلاة كان ذلك أداء ~~قاصرا لأنه يؤديها في الوقت ولكنه منفرد فيما يؤدي لأن اقتداءه بالإمام ~~فيما فرغ الإمام من أدائه لا يتحقق فكان منفردا في الأداء وإن كان مقتديا ~~في التحريمة لأنه أدركها مع الإمام ولهذا لا يصح اقتداء الغير به وتلزمه ~~القراءة وسجود السهو لو سها لكونه منفردا وأداء المنفرد قاصر ولهذا لا يجهر ~~بالقراءة # ولو اقتدى بالإمام في أول الصلاة ثم نام خلفه حتى فرغ الإمام أو سبقه ~~الحدث فذهب وتوضأ ثم جاء بعد فراغ الإمام فهو مؤد يشبه أداؤه القضاء في ~~الحكم لأن باعتبار بقاء الوقت هو مؤد وباعتبار أنه التزم أداء الصلاة مع ~~الإمام حين تحرم معه كان هو قاضيا لما فاته بفراغ الإمام ولهذا جعلناه في ~~حكم المقتدي حتى لا تلزمه القراءة ولو سها لا يلزمه سجود السهو لأن القضاء ~~بصفة الأداء واجب بما وجب به الأداء فإن قيل هذا على العكس فصاحب الشرع جعل ~~المسبوق قاضيا بقوله عليه السلام وما فاتكم فاقضوا فكيف يستقيم جعل المسبوق ~~مؤديا وجعل اللاحق قاضيا حكما قلنا قد بينا أن استعمال PageV01P048 إحدى ~~العبارتين مكان الأخرى مجازا جائز وإنما سمي المسبوق قاضيا مجازا لما في ~~فعله من إسقاط الواجب أو سماه قاضيا باعتبار حال الإمام وإليه أشار في قوله ~~وما فاتكم فاقضوا ونحن إنما نجعله مؤديا أداء قاصرا باعتبار حاله وعلى هذا ~~الأصل قلنا لو أن مسافرا اقتدى بمسافر ms040 ونام خلفه ثم استيقظ ونوى الإقامة ~~وهو في موضع الإقامة أو سبقه الحدث فرجع إلى مصره وتوضأ فإن كان ذلك قبل ~~فراغ الإمام من صلاته صلى أربع ركعات وإن كان بعد فراغه صلى ركعتين إلا أن ~~يتكلم فحينئذ يصلي أربعا لأنه بمنزلة القاضي في الإتمام حكما ووجوب القضاء ~~بالسبب الذي به وجب الأداء فلا يتغير إلا بما يتغير به الأصل وقبل فراغ ~~الإمام نية الإقامة ( ودخول موضع الإقامة ) مغير للفرض في حق الأصل وهو ~~الإمام فيكون مغيرا في حق من يقضي ذلك الأصل وبعد الفراغ نية الإقامة ودخول ~~المصر غير مغير للفرض في حق الأصل فكذلك لا يغير في حق من يقضي ذلك الأصل ~~إلا أن يتكلم فحينئذ ينعدم معنى القضاء لخروجه بالكلام من تحريمة المشاركة ~~وهو المؤدي لبقاء الوقت فيتغير فرضه بنية الإقامة ولو كان مسبوقا صلى أربعا ~~في الوجهين لأنه مؤد إتمام صلاته أداء قاصرا سواء تكلم أو لم يتكلم فرغ ~~الإمام أو لم يفرغ كانت نية الإقامة مغيرة للفرض لكونه مؤديا باعتبار بقاء ~~الوقت # وأما القضاء فهو نوعان بمثل معقول كما بينا وبمثل غير معقول كالفدية في ~~حق الشيخ الفاني مكان الصوم وإحجاج الغير بماله عند فوات الأداء بنفسه ~~لعجزه فإن ذلك ثابت بالنص قال الله تعالى @QB@ وعلى الذين يطيقونه فدية ~~طعام مسكين @QE@ أي لا يطيقونه هكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما وفي ~~الحج حديث الخثعمية حيث قالت يا رسول الله إن فريضة الله تعالى على عباده ~~في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفيجزىء أن ~~أحج عنه فقال أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يقبل منك فقالت نعم ~~فقال عليه السلام الله أحق أن يقبل ثم لا مماثلة بين الصوم وبين الفدية ~~صورة ولا معنى PageV01P049 وكذلك لا مماثلة بين دفع المال إلى من ينفق على ~~نفسه في طريق الحج وبين مباشرة أداء الحج وسقوط الواجب عن المأمور باعتبار ~~ذلك فأما أصل الأعمال يكون من الحاج دون المحجوج ms041 عنه فهو قضاء بمثل غير ~~معقول وما يكون بهذه الصفة لا يتأتى تعدية الحكم فيه إلى الفروع فيقتصر على ~~مورد النص ولهذا قلنا إن النقصان الذي يتمكن في الصلاة بترك الاعتدال في ~~الأركان لا يضمن بشيء سوى الإثم لأنه ليس لذلك الوصف منفردا عن الأصل مثل ~~صورة ولا معنى ولذلك قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله فيمن له مائتا ~~درهم جياد فأدى زكاتها خمسة زيوفا لا يلزمه شيء آخر لأنه ليس لصفة الجودة ~~التي تحقق فيها الفوات مثل صورة ولا معنى من حيث القيمة فإنها لا تتقوم ~~شرعا عند المقابلة بجنسها # وقال محمد رحمه الله يلزمه أداء الفضل احتياطا لأن سقوط قيمة الجودة في ~~حكم الربا للحاجة إلى جعل الأموال أمثالا متساوية قطعا ومعنى الربا لا ~~يتحقق فيما وجب عليه أداؤه لله تعالى بمثله في صفة المالية حقيقة ويقوم ~~مقامه في أداء الواجب به احتياطا وعلى هذا نقول رمي الجمار يسقط بمضي الوقت ~~لأنه ليس له مثل معقول صورة ولا معنى فإنه لم يشرع قربة للعبد في غير ذلك ~~الوقت # فإن قيل كيف يستقيم وقد أوجبتم الدم عليه باعتبار ترك رمي الجمار قلنا ~~إيجاب الدم عليه لا بطريق أنه مثل للرمي قائم مقامه بل لأنه جبر لنقصان ~~تمكن في نسكه بترك الرمي وجبر نقصان النسك بالدم معلوم بالنص قال الله ~~تعالى @QB@ ففدية من صيام أو صدقة أو نسك @QE@ # فإن قيل فقد جعلتم الفدية مشروعة مكان الصلاة بالقياس على الصوم ولو كان ~~ذلك غير معقول المعنى لم يجز تعدية حكمه إلى الصلاة بالرأي قلنا لا نعدي ~~ذلك الحكم PageV01P050 إلى الصلاة بالرأي ولكن يحتمل أن يكون فيه معنى ~~معقول وإن كنا لا نقف عليه والصلاة نظير الصوم في القوة أو أهم منه ويحتمل ~~أنه ليس فيه معنى معقول فإن ما لا نقف عليه لا يكون علينا العمل به ~~فلاحتمال الوجه الأول يفدي مكان الصلاة ولاحتمال الوجه الثاني لا يجب ~~الفداء وإن فدى لم يكن به بأس فأمرناه بذلك احتياطا لأن التصدق ms042 بالطعام لا ~~ينفك عن معنى القربة وقال عليه السلام أتبع السيئة الحسنة تمحها ولهذا لا ~~نقول في الفدية عن الصلاة إنها جائزة قطعا ولكنا نرجو القبول من الله فضلا # وقال محمد في الزيادات يجزيه ذلك إن شاء الله وكذلك قال في أداء الوارث ~~عن المورث بغير أمره في الصوم يجزيه إن شاء الله تعالى وعلى هذا الأصل حكم ~~الأضحية فالتقرب بإراقة الدم عرف بنص غير معقول المعنى فيفوت بمضي الوقت ~~لأن مثله غير مشروع قربة للعبد في غير ذلك الوقت # فإن قيل فعندكم يجب التصدق بالقيمة بعد مضي أيام النحر وما ذاك إلا ~~باعتبار إقامة القيمة مقام ما يضحي به وقد أثبتم ذلك بالرأي قلنا لا كذلك ~~ولكن يحتمل أن يكون المقصود بما هو الواجب في الوقت إيصال منفعة اللحم إلى ~~الفقراء إلا أن الشرع أمره بإراقة الدم لما فيها من تطييب اللحم وتحقيق ~~معنى الضيافة فالناس أضياف الله تعالى بلحوم الأضاحي في هذه الأيام ويحتمل ~~أن يكون المقصود إراقة الدم الذي هو نقصان للمالية عند محمد رحمه الله ~~وتفويت للمالية عند أبي يوسف رحمه الله يتبين ذلك بالشاة الموهوبة إذا ضحى ~~بها الموهوب له فإن الواهب لا يرجع فيها عند أبي يوسف رحمه الله وله أن ~~يرجع فيها عند محمد رحمه الله لأنها نقصان محض إلا أن الاحتمال ساقط ~~الاعتبار في مقابلة النص ففي أيام النحر هو قادر على أداء المنصوص عليه ~~بعينه فلا يصار إلى الاحتمال بإقامة القيمة مقامه وبعد مضي أيام النحر قد ~~تحقق العجز عن أداء المنصوص عليه فجاء أوان اعتبار الاحتمال PageV01P051 ~~واحتمال الوجه الأول يلزمه التصدق بالقيمة لأن ذلك قربة مشروعة له في غير ~~أيام النحر والمعنى فيه معقول والأخذ بالاحتياط في باب العبادات أصل ~~فلاعتبار هذا الاحتمال ألزمناه التصدق بالقيمة لا ليقوم ذلك مقام إراقة ~~الدم وعلى هذا الأصل قال أبو يوسف رحمه الله من أدرك الإمام في الركوع في ~~صلاة العيد لا يأتي بالتكبيرات في الركوع لأن محلها القيام وقد فات ومثل ~~الفائت ms043 غير مشروع له في حالة الركوع ليقيمه مقام ما عليه بطريق القضاء ~~فيتحقق الفوات فيه # وقال أبو حنيفة و محمد رحمهما الله حال الركوع مشبه بحالة القيام لاستواء ~~النصف الأسفل في الركوع وبه يفارق القائم القاعد فباعتبار هذا الشبه لا ~~يتحقق الفوات وتكبير الركوع محسوب من تكبيرات العيد وهو مؤدي في حالة ~~الانتقال فإذا كانت هذه الحالة محلا لبعض تكبيرات العيد نجعلها عند الحاجة ~~محلا لجميع التكبيرات احتياطا وعلى هذا لو ترك قراءة الفاتحة والسورة في ~~الأوليين قضاها في الأخريين وجهر لأن محل أداء ركن القراءة القيام الذي هو ~~ركن الصلاة إلا أنه تعين القيام في الأوليين لذلك بدليل موجب للعمل وهو خبر ~~الواحد والقيام في الأخريين مثل القيام في الأوليين في كونه ركن الصلاة ~~ولهذه المشابهة لا يتحقق الفوات ويقضي القراءة في الأخريين # ولو قرأ الفاتحة في الأوليين ولم يقرأ السورة قضى السورة في الأخريين ~~لاعتبار هذا الشبه أيضا والقيام في الأخريين غير محل لقراءة السورة أداء ~~وهو محل لقراءة السورة قضاء بالمعنى الذي بينا # ولو قرأ السورة في الأوليين ولم يقرأ الفاتحة لم يقض الفاتحة في الأخريين ~~لأن القيام في الأخريين محل للفاتحة أداء فلو قرأها على وجه القضاء كان ~~مغيرا به ما هو مشروع في صلاته مع وجود حقيقة الأداء وذلك ليس في ولاية ~~العبد فيتحقق فوات قراءة الفاتحة بتركها في الأوليين لا إلى خلف فلا بد من ~~القول بسقوطها عنه إذ لا مثل لها صورة أو معنى ليقام مقامها # وهذه الأقسام كلها تتحقق في حقوق العباد أيضا # أما بيان الأداء المحض فهو في تسليم عين المغصوب إلى المغصوب منه على ~~الوجه الذي غصبه وتسليم عين المبيع إلى المشتري على الوجه الذي اقتضاه ~~العقد ويتفرع عليه ما لو باع الغاصب المغصوب PageV01P052 من المغصوب منه أو ~~وهبه له وسلمه فإنه يكون أداء العين المستحق بسببه ويلغو ما صرح به وكذلك ~~لو أن المشتري شراء فاسدا باع المبيع من البائع بعد القبض أو وهبه وسلمه ~~يكون أداء العين المستحق ms044 بسبب فساد البيع وعلى هذا قلنا لو أطعم الغاصب ~~المغصوب منه الطعام المغصوب أو ألبسه الثوب المغصوب وهو لا يعلم به فإنه ~~يكون ذلك أداء للعين المستحق بالغصب ويتأكد ذلك بإتلاف العين فلا يبقى بعد ~~ذلك للمغصوب منه عليه شيء # والشافعي أبى ذلك في أحد قوليه لأن أداء المستحق مأمور به شرعا والموجود ~~منه غرور فلا يجعل ذلك أداء للمأمور ولكن يجعل استعمالا منه للمغصوب منه في ~~التناول فكأنه تناول لنفسه فيتقرر عليه الضمان وهذا ضعيف فالغرور في إخباره ~~أنه طعامه وأداء الواجب في وضع الطعام بين يديه وتمكينه منه وهما غيران ~~وبالقول إنما جاء الغرور بجهل المغصوب منه لا لنقصان في تمكينه فلا يخرج به ~~من أن يكون فعله أداء لما هو المستحق كما لو اشترى عبدا ثم قال البائع ~~للمشتري أعتق عبدي هذا وأشار إلى المبيع فأعتقه المشتري وهو لا يعلم به ~~فإنه يكون قابضا وإن كان هو مغرورا بما أخبره البائع به ولكن قبضه بالإعتاق ~~وخبر البائع وجهل المشتري غير مؤثر في ذلك فبقي إعتاقه قبضا تاما # ومن الأداء التام تسليم المسلم فيه وبدل الصرف فإن ذلك أداء المستحق ~~بسببه حكما بطريق أن الاستبدال متعذر فيه شرعا قبل القبض فيجعل كأن المقبوض ~~عين ما تناوله العقد حكما وإن كان غيره في الحقيقة لأن العقد تناول الدين ~~والمقبوض عين # وأما الأداء القاصر وهو رد المغصوب مشغولا بالدين أو الجناية بسبب كان ~~منه عند الغاصب ومعنى القصور فيه أنه أداه لا على الوصف الذي استحق عليه ~~أداؤه فلوجود أصل الأداء قلنا إذا هلك في يد المالك قبل الدفع إلى ولي ~~الجناية برىء الغاصب ولقصور في الصفة قلنا إذا دفع إلى ولي الجناية أو بيع ~~في الدين يرجع المالك على الغاصب بقيمته كأن الرد لم يوجد فكذلك البائع إذا ~~سلم المبيع وهو PageV01P053 مباح الدم فهذا أداء قاصر لأنه سلمه على غير ~~الوصف الذي هو مقتضى العقد فإن هلك في يد المشتري لزمه الثمن لوجود أصل ~~الأداء وإن قتل بالسبب الذي ms045 صار مباح الدم رجع بجميع الثمن عند أبي حنيفة ~~رحمه الله لأن الأداء كان قاصرا فإذا تحقق الفوات بسبب يضاف إلى ما به صار ~~الأداء قاصرا جعل كأن الأداء لم يوجد # وقال أبو يوسف و محمد رحمهما الله الأداء قاصر لعيب في المحل فإن حل الدم ~~في المملوك عيب وقصور الأداء بسبب العيب يعتبر ما بقي المحل قائما فأما إذا ~~فات بسبب عيب حدث عند المشتري لم ينتقض به أصل الأداء وقد تلف هنا بقتل ~~أحدثه القاتل عند المشتري باختياره ولكن أبو حنيفة رحمه الله قال استحقاق ~~هذا القتل كان بالسبب الذي به صار الأداء قاصرا فيحال بالتلف على أصل السبب # ومن الأداء القاصر إيفاء بدل الصرف أو رأس مال السلم إذا كان زيوفا فإنه ~~قاصر باعتبار أنه دون حقه في الصفة ولهذا قال أبو حنيفة و محمد رحمهما الله ~~له أن يرد المقبوض في المجلس ويطالبه بالجياد ولو هلك المقبوض في يده قبل ~~أن يرده لم يرجع بشيء لأن باعتبار الأصل كان فعله أداء فما لم ينفسخ ذلك ~~الفعل لا ينعدم معنى الأداء فيه وبعد هلاكه تعذر فسخ الأداء في الهالك ولا ~~يمكن إيجاب مثله لأن المقبوض ملك القابض فلا يكون مضمونا عليه وصفة الجودة ~~منفردة عن الأصل ليس لها مثل لا صورة ولا معنى في أموال الربا فسقط حقه # وقال أبو يوسف رحمه الله أستحسن أن يرد مثل المقبوض ( لأن حقه في الصفة ~~مرعي وتتعذر رعايته منفصلا عن الأصل فيرد مثل المقبوض ) حتى يقام ذلك مقام ~~رد العين عند تعذر رد العين وينعدم به أصل الأداء فيطالبه بالأداء المستحق ~~بسببه # قال وهذا بخلاف الزكاة فيما قبض الفقير هناك لا يمكن أن يجعل مضمونا عليه ~~لأنه في الحكم كأنه بقبضه كفاية له من الله تعالى لا من المعطي وبدون رد ~~المثل يتعذر اعتبار الجودة منفردة عن الأصل ألا ترى أن المقبوض وإن كان ~~قائما في يده لا يتمكن من رده PageV01P054 ومن الأداء الذي هو بمنزلة ~~القضاء حكما أن يتزوج ms046 امرأة على عبد لغيره بعينه ثم يشتري ذلك العبد فيسلمه ~~إليها فإن ذلك يكون أداء للعين المستحق بسببه وهو التسمية في العقد ولهذا ~~لا يكون لها أن تمتنع من القبول وهذا لأن كون المسمى مملوكا لغير الزوج لا ~~يمنع صحة التسمية وثبوت الاستحقاق بها على الزوج ألا ترى أنه تلزمه القيمة ~~إذا تعذر تسليم العين وما ذلك إلا لاستحقاق الأصل غير أن هذا أداء هو في ~~معنى القضاء حكما فإن ما اشتراه الزوج قبل أن يسلم إليها مملوك له حتى لو ~~تصرف فيه بالإعتاق ينفذ تصرفه ولو أعتقته المرأة قبل التسليم إليها لا ينفد ~~عتقها ولو كان أباها لم يعتق عليها فهذا التسليم من الزوج أداء مال من عنده ~~مكان ما استحق عليه فمن هذا الوجه يشبه القضاء # ولو قضى القاضي لها بالقيمة قبل أن يتملكه الزوج ثم تملكه فسلمه إليها لم ~~يكن ذلك أداء مستحقا بالتسمية ولكن يكون مبادلة بالقيمة التي تقرر حقها فيه ~~حتى إنها إذا لم ترض بذلك لا يكون للزوج أن يجبرها على القبول بخلاف ما قبل ~~القضاء لها بالقيمة # وأما القضاء بمثل معقول فبيانه في ضمان الغصوب والمتلفات فإن الغاصب يؤدي ~~مالا من عنده وهو مثل لما كان مستحقا عليه بسبب الغصب وهو نوعان مثل صورة ~~ومعنى كما في المكيل والموزون ومثل معنى لا صورة والمقصود جبران حق المتلف ~~عليه وفي المثل صورة ومعنى هذا المقصود أتم منه في المثل معنى فلا يصار إلى ~~المثل معنى لا صورة إلا عند الضرورة كما لا يصار إلى المثل إلا عند تعذر رد ~~العين فلو أراد أداء القيمة مع وجود المثل في أيدي الناس كان للمغصوب منه ~~أن يمتنع من قبوله وإذا انقطع المثل من أيدي الناس فحينئذ تتحقق الضرورة في ~~اعتبار المثل في معنى المالية وسقط اعتبار المثل صورة لتحقق فواته # ثم قال محمد رحمه الله تعتبر قيمته في آخر أوقات وجوده لأن الضرورة تتحقق ~~عند انقطاعه من أيدي الناس # وقال أبو حنيفة رحمه الله تعتبر وقت ms047 الخصومة لأن المثل قائم بالذمة حكما ~~وأداء المثل بصورته موهوم بأن يصبر إلى أوانه فإنما تتحقق الضرورة ~~PageV01P055 عند المطالبة وذلك وقت قضاء القاضي # وقال أبو يوسف رحمه الله بالانقطاع يتحقق الفوات وذلك غير موجب للضمان ~~إنما الموجب أصل الغصب فتعتبر قيمته وقت الغصب وهذا لأن القيمة خلف عن رد ~~العين ولهذا كان قضاء والخلف إنما يكون واجبا بالسبب الذي به كان الأصل ~~واجبا وفيما ليس له مثل صورة يجب قيمته وقت الغصب ويكون ذلك قضاء بالمثل ~~معنى لما تعذر اعتبار المثل صورة حتى إن فيما يتعذر اعتبار المثل صورة ~~ومعنى بتحقق الفوات غير موجب شيئا سوى الإثم وذلك بأن يغصب زوجة إنسان أو ~~ولده فإن الأداء مستحق عليه ولو مات في يده لم يضمن شيئا لتحقق الفوات ~~بانعدام المثل صورة ومعنى # وعلى هذا الأصل قلنا المنافع لا تضمن بالمال بطريق العدوان المحض لأن ~~ضمان العدوان مقدر بالمثل نصا ولا مماثلة بين العين والمنفعة صورة ولا معنى ~~لأن من ضرورة كون الشيء مثلا لغيره أن يكون ذلك الغير مثلا له ثم العين لا ~~تضمن بالمنفعة بطريق العدوان قط فعرفنا أنه لا مماثلة بينهما وكذلك المنفعة ~~لا تضمن بالمنفعة فإن الحجر المبنية على تقطيع واحد وتؤاجر بأجرة واحدة لا ~~تكون منفعة إحداهما مثلا لمنفعة الأخرى في ضمان العدوان مع وجود المشابهة ~~صورة ومعنى في الظاهر فلأن لا يضمن المنفعة بالعين ولا مشابهة بينهما صورة ~~ولا معنى كان أولى وانتفاء المشابهة صورة لا يخفى # وأما المعنى فلأن المنافع أعراض لا تبقى وقتين والعين تبقى وبين ما يبقى ~~وبين ما لا يبقى تفاوت عظيم في المعنى وبهذا تبين أنه لا مالية في المنفعة ~~حقيقة لأن المالية لا تسبق الوجود وبعد الوجود تثبت بالإحراز والتمول وذلك ~~لا يتصور فيما لا يبقى وقتين وبهذا تبين أيضا أن الإتلاف والغصب لا يتحقق ~~في المنفعة فإن المعدوم ليس بشيء فلا يتحقق فيه فعل هو غصب أو إتلاف وكما ~~يوجد يتلاشى وفي حال تلاشيه لا يتصور فيه الغصب والإتلاف ms048 إلا أن الشرع في ~~حكم العقد جعل المعدوم حقيقة من المنفعة كالموجود أو أقام العين المنتفع به ~~مقام المنفعة للحاجة إلى ذلك وهذه الحاجة إنما تتحقق في العقد فيثبت ~~PageV01P056 هذا الحكم فيما يترتب على العقد من الضمان جائزا كان أو فاسدا ~~لأن الفاسد لا يمكن أن يجعل أصلا بنفسه ليعرف حكمه من عينه فلا بد من أن ~~يرد حكمه إلى الجائز ثم ضمان العقد فاسدا كان أو جائزا يبتنى على التراضي ~~لا على التساوي نصا والتراضي يتحقق مع انعدام المماثلة فلهذا كان مضمونا ~~بالعقد فاسدا كان أو جائزا ووجوب الضمان يلزمه الخروج عنه بالأداء فيكون ~~ذلك بحسب الإمكان يوضحه أن قوام الأعراض بالأعيان والعين يقوم بنفسه ولا ~~مماثلة بين ما يقوم بنفسه وبين ما يقوم بغيره بل ما يقوم بنفسه أزيد في ~~المعنى لا محالة ولكن هذه الزيادة يسقط اعتبارها في ضمان العقد لوجود ~~التراضي فاسدا كان العقد أو جائزا ولا وجه لإسقاط اعتبار هذه الزيادة في ~~ضمان العدوان لأن بظلم الغاصب لا تسقط حرمة ماله فلو أوجبنا عليه هذه ~~الزيادة أهدرناها في حقه ولو لم نوجب الضمان لم يهدر حق المغصوب منه بل ~~يتأخر إلى الآخرة وضرر التأخير دون ضرر الإهدار وإذا ألزمناه أداء الزيادة ~~كان ذلك مضافا إلينا وإذا لم نوجب الضمان لتعذر إيجاب المثل صورة ومعنى لا ~~يكون سقوط حق المغصوب منه في حق أحكام الدنيا مضافا إلينا بمنزلة من ضرب ~~إنسانا ضربا لا أثر له أو شتمه شتيمة لا عقوبة بها في الدنيا # وعلى هذا الأصل قال أبو حنيفة رحمه الله إذا قطع يد إنسان عمدا ثم قتله ~~عمدا قبل البرء يتخير الولي لأن القطع ثم القتل مثل الأول صورة ومعنى ~~والقتل بدون القطع مثل معنى فالرأي إلى الولي في ذلك # وقال أبو يوسف و محمد رحمهما الله القتل بعد القطع قبل البرء تحقيق لموجب ~~الفعل الأول والقتل به من الولي يكون مثلا كاملا فلا يصار إلى القطع # وقال أبو حنيفة رحمه الله هذا باعتبار المعنى ms049 فأما من حيث الصورة المثل ~~الأول هو القطع ثم القتل والقتل بعد القطع تارة يكون محققا لموجب الفعل ~~الأول وتارة يكون ماحيا أثر الفعل الأول حتى إذا كان القاتل غير القاطع كان ~~القصاص في النفس على الثاني خاصة فلا يسقط اعتبار المماثلة صورة بهذا ~~المعنى # فأما القضاء بمثل غير معقول فهو ضمان المحترم المتقوم الذي ليس بمال بما ~~هو مال PageV01P057 معنى ضمان النفس والأطراف بالمال في حالة الخطأ فإنه ~~ثابت بالنص من غير أن يعقل فيه المعنى لأنه لا مماثلة بين الآدمي والمال ~~صورة ولا معنى فالآدمي مالك للمال والمال مخلوق لإقامة مصالح الآدمي به ثم ~~الشرع أوجب الدية في القتل خطأ فما عقل من ذلك إلا معنى المنة على القاتل ~~بتسليم نفسه له لعذر الخطأ ومعنى المنة على المقتول لصيانة دمه عن الهدر ~~وإيجاب مال يقضي به حوائجه أو حوائج ورثته الذين يخلفونه ولهذا لا يوجبه مع ~~إمكانه إيجاب المثل بصفته وهو القصاص لأنه هو المثل صورة ومعنى فالمعنى ~~المطلوب هو الحياة وفي القصاص حياة لا في المال فإذا لم تكن هذه الحالة في ~~معنى المنصوص عليه من كل وجه يتعذر إلحاقها به وإيجاب المال # وعلى هذا الأصل لو قتل من عليه القصاص إنسان آخر لا يضمن لمن له القصاص ~~شيئا لأن ملك القصاص الثابت له ليس بمال فلا يكون المال مثلا له لا صورة ~~ولا معنى وكذلك لو قتل زوجة إنسان لا يضمن للزوج شيئا باعتبار ما فوت عليه ~~من ملك النكاح لأن ذلك ليس بمال فلا يكون المال مثلا له صورة ومعنى وهذا ~~لأن ملك النكاح مشروع للسكن والنسل والمال بذلة لإقامة المصالح فكيف يكون ~~بينهما مماثلة وإذا تحقق انعدام المثل تحقق الفوات # وعلى هذا الأصل قلنا شهود العفو عن القصاص إذا رجعوا لم يضمنوا شيئا ~~وكذلك المكره للولي على العفو بغير حق لا يضمن شيئا لأنه أتلف عليه ما ليس ~~بمال متقوم ولا وجه لإيجاب الضمان هنا صيانة لملكه في القصاص فالعفو مندوب ~~إليه شرعا وإهدار ms050 مثله لا يقبح # وكذلك قلنا شهود الطلاق بعد الدخول إذا رجعوا لم يضمنوا للزوج شيئا ~~والمكره على الطلاق بعد الدخول كذلك والمرأة إذا ارتدت لا تضمن للزوج شيئا ~~ولو جامعها ابن الزوج لا يضمن للزوج شيئا لأنه أتلف عليه ملك النكاح وذلك ~~ليس بمال متقوم فلا يكون المال مثلا له صورة PageV01P058 ولا معنى والصيانة ~~هنا للمحل المملوك لا للملك الوارد عليه ألا ترى أن إزالة هذا الملك ~~بالطلاق صحيح من غير شهود وولي وعوض ولهذا قلنا إن البضع لا يتقوم عند ~~الخروج من ملك الزوج وإن كان يتقوم عند الدخول في ملكه لأن معنى الخطر ~~للمحل ووقت التملك وقت الاستيلاء على المحل بإثبات الملك فيكون متقوما ~~لإظهار خطره فأما وقت الخروج فهو وقت إطلاق المحل وإزالة الاستيلاء عنه فلا ~~يظهر حكم التقوم فيه ولا يدخل على ما قلنا شهود الطلاق قبل الدخول إذا ~~رجعوا فإنهم يضمنون نصف الصداق للزوج لأنهم لا يضمنون شيئا من قيمة ما ~~أتلفوا وهو البضع فقيمته مهر المثل ولا يضمنون شيئا منه ولكن سقوط المطالبة ~~بتسليم البضع قبل الدخول يكون مسقطا للمطالبة بالعوض المسمى إذا لم يكن ذلك ~~بسبب مضاف إلى الزوج فهما بالإضافة إلى الزوج بشهادتهما على الطلاق ~~كالملزمين له نصف الصداق حكما أو كأنهما فوتا عليه يده في ذلك النصف بعد ~~فوات تسليم البضع فيكونان بمنزلة الغاصبين في حقه # ومن القضاء الذي هو في حكم الأداء ما إذا تزوج امرأة على عبد بغير عينه ~~فأتاها بالقيمة أجبرت على القبول وكان ذلك قضاء بالمثل المسمى من عنده وهو ~~في معنى الأداء لأن العبد المطلق معلوم الجنس مجهول الوصف فباعتبار كونه ~~معلوم الجنس يكون أداء للمسمى بتسليم العبد ولهذا لو أتاها به أجبرت على ~~القبول ومن حيث إنه مجهول الوصف يتعذر عليها المطالبة بعين المسمى فيكون ~~تسليم القيمة قضاء في حكم الأداء فتجبر على قبولها بخلاف العبد إذا كان ~~بعينه ( أو المكيل أو الموزون إذا كان موصوفا أو معينا لأن المسمى معلوم ~~بعينه ) ووصفه فتكون القيمة ms051 بمقابلته قضاء ليس في معنى الأداء فلا تجبر على ~~القبول إذا أتاها به إلا عند تحقق العجز عن تسليم ما هو المستحق كما في ~~ضمان الغصب على ما قررنا والله أعلم # PageV01P059 # | فصل في بيان مقتضى الأمر في صفة الحسن للمأمور به # قال رضي الله عنه اعلم أن مطلق مقتضى الأمر كون المأمور به حسنا شرعا ~~وهذا الوصف غير ثابت للمأمور به بنفسه فإنه أحد تصاريف الكلام فيتحقق في ~~القبيح والحسن جميعا لغة كسائر التصريفات ولا نقول إنه ثابت عقلا كما زعم ~~بعض مشايخنا رحمهم الله لأن العقل بنفسه غير موجب عندنا # وبيان كونه ثابتا شرعا أن الله تعالى لم يأمر بالفحشاء كما نص عليه في ~~محكم تنزيله والأمر طلب إيجاد المأمور به بأبلغ الجهات ولهذا كان مطلقة ~~موجبا شرعا والقبيح واجب الإعدام شرعا فما هو واجب الإيجاد شرعا تعرف صفة ~~الحسن فيه شرعا # ثم هو في صفة الحسن نوعان حسن لمعنى في نفسه وحسن لمعنى في غيره # والنوع الأول قسمان حسن لعينه لا يحتمل السقوط بحال وحسن لعينه قد يحتمل ~~السقوط في بعض الأحوال # والقسم الثاني نوعان أيضا حسن لمعنى في غيره وذلك مقصود في نفسه لا يحصل ~~منه ما لأجله كان حسنا وحسن لمعنى في غيره يتحقق بوجوده ما لأجله كان حسنا # وأما النوع الأول من القسم الأول فهو الإيمان بالله تعالى وصفاته فإنه ~~مأمور به قال الله تعالى @QB@ آمنوا بالله ورسوله @QE@ وهو حسن لعينه وركنه ~~التصديق بالقلب والإقرار باللسان فالتصديق لا يحتمل السقوط بحال ومتى بدله ~~بغيره فهو كفر منه على أي وجه بدله والإقرار حسن لعينه وهو يحتمل السقوط في ~~بعض الأحوال # حتى إنه إذا بدله بغيره بعذر الإكراه لم يكن ذلك كفرا منه إذا كان مطمئن ~~القلب بالإيمان وهذا لأن اللسان ليس بمعدن التصديق ولكن يعبر اللسان عما في ~~قلبه فيكون دليل التصديق وجودا وعدما فإذا بدله بغيره في وقت يكون متمكنا ~~من إظهاره يكون كافرا وإذا زال تمكنه من الإظهار بالإكراه لم يصر كافرا لأن ms052 ~~سبب الخوف على نفسه دليل ظاهر على بقاء التصديق بالقلب وأن الحامل له على ~~هذا التبديل حاجته إلى دفع الهلاك عن نفسه لا تبديل الاعتقاد PageV01P060 ~~فأما في وقت التمكن تبديله دليل تبدل الإعتقاد فكان ركن الإيمان وجودا ~~وعدما وإن كان دون التصديق بالقلب لاحتماله السقوط في بعض الأحوال # ومن هذا النوع الصلاة فإنها حسنة لأنها تعظيم لله تعالى قولا وفعلا بجميع ~~الجوارح وهي تحتمل السقوط في بعض الأحوال فكانت في صفة الحسن نظير الإقرار ~~ولكنها ليست بركن الإيمان في جميع الأحوال فالإقرار دليل التصديق وجودا ~~وعدما والصلاة لا تكون دليل التصديق وجودا وعدما وقد تدل على ذلك إذا أتى ~~بها على هيئة مخصوصة ولهذا قلنا إذا صلى الكافر بجماعة المسلمين يحكم ~~بإسلامه # ومما يشبه هذا النوع معنى الزكاة والصوم والحج # فالزكاة حسنة لما فيها من إيصال الكفاية إلى الفقير المحتاج بأمر الله ~~والصوم حسن لما فيه من قهر النفس الأمارة بالسوء في منع شهوتها بأمر الله ~~تعالى والحج حسن بمعنى شرف البيت بأمر الله تعالى غير أن هذه الوسائط لا ~~تخرجها من أن تكون حسنة لعينها فحاجة الفقير كان بخلق الله تعالى إياها على ~~هذه الصفة لا بصنع باشره بنفسه وكون النفس أمارة بخلق الله تعالى إياها على ~~هذه الصفة لا لكونها جانية بنفسها وشرف البيت بجعل الله تعالى إياه مشرفا ~~بهذه الصفة فعرفنا أنها في المعنى من النوع الذي هو حسن لعينه ولهذا ~~جعلناها عبادة محضة وشرطنا للوجوب فيها الأهلية الكاملة وحكم هذا القسم ~~واحد وهو أنه إذا وجب بالأمر لا يسقط إلا بالأداء أو بإسقاط من الآمر فيما ~~يحتمل السقوط # وبيان القسم الثاني في السعي إلى الجمعة فإنه حسن لمعنى في غيره وهو أنه ~~يتوصل به إلى أداء الجمعة وذلك المعنى مقصود بنفسه لا يصير موجودا بمجرد ~~وجود المأمور به من السعي وحكمه أنه يسقط بالأداء إذا حصل المقصود به ولا ~~يسقط إذا لم يحصل المقصود به حتى إنه إذا حمله إنسان إلى موضع مكرها بعد ~~السعي قبل ms053 أداء الجمعة ثم خلى عنه كان السعي واجبا عليه وإذا حصل المقصود ~~بدون السعي بأن حمل مكرها إلى الجامع حتى صلى الجمعة سقط اعتبار السعي ولا ~~يتمكن بانعدامه نقصان فيما هو المقصود وإذا سقط عنه الجمعة لمرض أو سفر سقط ~~عنه السعي # PageV01P061 ومن هذا النوع الوضوء فإنه حسن لمعنى في غيره وهو التمكن من ~~أداء الصلاة وما هو المقصود لا يصير مؤدى بعينه ولهذا جوزنا الوضوء ~~والاغتسال بغير النية وممن ليس بأهل للعبادة أداء وهو الكافر ولا ينكر معنى ~~القربة في الوضوء حتى إذا قصد به التقرب وهو من أهله بأن توضأ وهو متوضىء ~~كان مثابا على ذلك وكذلك إذا توضأ وهو محدث على قصد التقرب فإنه تطهير ~~والتطهير حسن شرعا كتطهير المكان والثياب قال الله تعالى @QB@ أن طهرا بيتي ~~للطائفين @QE@ وقال تعالى @QB@ وثيابك فطهر @QE@ إلا أن ما هو شرط أداء ~~الصلاة يتحقق بدون هذا الوصف وهو قصد التقرب لأن شرط أداء الصلاة أن يقوم ~~إليها طاهرا عن الحدث وبدون هذا الوصف يزول الحدث وهو معنى قولنا إنه يتمكن ~~من أداء الصلاة بالوضوء وإن لم ينوه ولكنه لا يكون مثابا عليه ثم حكمه حكم ~~السعي كما بينا إلا أن مع انعدام السعي يتم أداء الجمعة وبدون الوضوء لا ~~يجوز أداء الصلاة من المحدث لأن من شرط الجواز الطهارة عن الحدث # وبيان النوع الآخر في الصلاة على الميت وقتال المشركين وإقامة الحدود # فالصلاة على الميت حسنة لإسلام الميت وذلك معنى في غير الصلاة مضاف إلى ~~كسب واختيار كان من العبد قبل موته وبدون هذا الوصف يكون قبيحا منهيا عنه ~~يعني الصلاة على الكفار والمنافقين قال الله تعالى @QB@ ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا @QE@ وكذلك القتال مع المشركين حسن لمعنى في غيره وهو كفر ~~الكافر أو قصده إلى محاربة المسلمين وذلك مضاف إلى اختياره # وكذلك القتال مع أهل البغي حسن لدفع فتنتهم ومحاربتهم عن أهل العدل # وكذا إقامة الحدود حسن لمعنى الزجر عن المعاصي وتلك المعاصي تضاف إلى كسب ~~واختيار ممن ms054 تقام عليه ولكن لا يتم إلا بحصول ما لأجله كان حسنا وحكم هذا ~~النوع أنه يسقط بعد الوجوب بالأداء وبانعدام المعنى الذي لأجله كان يجب حتى ~~إذا تحقق الانزجار عن ارتكاب المعاصي أو تصور إسلام الخلق عن آخرهم لا تبقى ~~فرضيته إلا أنه خلاف للخبر لأنه لا يتحقق انعدام هذا المعنى في الظاهر # وكذلك الصلاة على الميت تسقط بعارض مضاف إلى اختياره من بغي أو غيره وإذا ~~قام به الولي مع بعض الناس يسقط عن الباقين # وكذلك القتال إذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول المقصود وإذا ~~PageV01P062 تحقق صفة الحسن للمأمور به قد ذهب بعض مشايخنا إلى أن عند ~~إطلاق الأمر يثبت النوع الثاني من الحسن ولا يثبت النوع الأول إلا بدليل ~~يقترن به لأن ثبوت هذه الصفة بطريق الاقتضاء وإنما ثبت بهذا الطريق الأدنى ~~على ما نبينه في باب الاقتضاء والأدنى هو الحسن لمعنى في غيره لا لعينه # قال رضي الله عنه والأصح عندي أن بمطلق الأمر يثبت حسن المأمور به لعينه ~~شرعا فإن الأمر لطلب الإيجاد وبمطلقه يثبت أقوى أنواع الطلب وهو الإيجاب ~~فيثبت أيضا أعلى صفات الحسن لأنه استعباد فإن قوله @QB@ أقيموا الصلاة @QE@ ~~و @QB@ اعبدوني @QE@ هما في المعنى سواء والعبادة لله تعالى حسنة لعينها ~~ولأن ما يكون حسنا لمعنى في غيره فهذه الصفة له شبه المجاز لأنه ثابت من ~~وجه دون وجه وما يكون حسنا لعينه فهذه الصفة له حقيقة وبالمطلق تثبت ~~الحقيقة دون المجاز وإذا ثبت هذا قلنا اتفق الفقهاء على ثبوت صفة الجواز ~~مطلقا للمأمور به كما قررنا أن مقتضى الأمر حسن المأمور به حقيقة وذلك لا ~~يكون إلا بعد جوازه شرعا ولأن مقتضى مطلقه الإيجاب ولا يجوز أن يكون واجب ~~الأداء شرعا إلا بعد أن يكون جائزا شرعا وعلى قول بعض المتكلمين بمطلق ~~الأمر لا يثبت جواز الأداء حتى يقترن به دليل # واستدلوا على هذا بالظان عند تضايق الوقت أنه على طهارة فإنه مأمور بأداء ~~الصلاة شرعا لا يكون جائزا إذا أداها على ms055 هذه الصفة ومن أفسد حجه فهو مأمور ~~بالأداء شرعا ولا يكون المؤدى جائزا إذا أداه وهذا سهو منهم فإن عندنا من ~~كان عنده أنه على طهارة فصلى جازت صلاته نص عليه في كتاب التحري فيما إذا ~~توضأ بماء نجس فقال صلاته جائزة ما لم يعلم فإذا علم أعاده # فإن قيل فإذا جازت صلاته كيف تلزمه الإعادة والأمر لا يقتضي التكرار قلنا ~~المؤدى جائز حتى لو مات قبل أن يعلم لقي الله ولا شيء عليه فأما إذا علم ~~فقد تبدل حاله ووجوب الأداء بعد تبدل الحال لا يكون تكرارا وتحقيقه أن ~~الأمر يتوجه بحسب التوسع قال الله تعالى @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~@QE@ فإذا كان عنده أنه على طهارة يثبت الأمر في حقه على حسب ما يليق بحاله ~~ومن ضرورته PageV01P063 الجواز على تلك الحالة وإذا تبدل حاله بالعلم ثبت ~~الأمر بالأداء كما يليق بحاله ولكن لما كان له طريق يتوصل به إلى هذه ~~الحالة إذا تحرز وأحسن النظر لم يسقط الواجب في هذه الحالة بالأداء الأول ~~وإن كان معذورا فيه لدفع الحرج عنه والحج بمعزل مما قلنا فالثابت بالأمر ~~وجوب أداء الأعمال بصفة الصحة وأما بعد الإفساد فالثابت وجوب التحلل عن ~~الإحرام بطريقه وهذا أمر آخر سوى الأول والمأمور به في هذا الأمر مجزى فإن ~~التحلل بأداء الأعمال بعد الإفساد جائز شرعا # ويحكى عن أبي بكر الرازي رحمه الله أنه كان يقول صفة الجواز وإن كانت ~~تثبت بمطلق الأمر شرعا فقد تتناول الأمر على ما هو مكروه شرعا أيضا واستدل ~~على ذلك بأداء عصر يومه بعد تغير الشمس فإنه جائز مأمور به شرعا وهو مكروه ~~أيضا وكذلك قوله سبحانه وتعالى @QB@ وليطوفوا بالبيت العتيق @QE@ يتناول ~~طواف المحدث عندنا حتى يكون طوافه ركن الحج وذلك جائز مأمور به شرعا ويكون ~~مكروها # قال رضي الله عنه والأصح عندي أن بمطلق الأمر كما تثبت صفة الجواز والحسن ~~شرعا يثبت انتفاء صفة الكراهة لأن الأمر استعباد ولا كراهة في عبادة العبد ~~لربه وانتفاء الكراهة تثبت ms056 بالإذن شرعا ومعلوم أن الإذن دون الأمر في طلب ~~إيجاد المأمور به فلأن يثبت انتفاء الكراهة بالأمر أولى فأما الصلاة بعد ~~تغير الشمس والكراهة ليست للصلاة ولكن للتشبه بمن يعبد الشمس والمأمور به ~~هو الصلاة وكذلك الطواف الكراهة ليست في الطواف الذي فيه تعظيم البيت بل ~~لوصف في الطواف وهو الحدث وذلك ليس من الطواف في شيء # ثم تكلم مشايخنا رحمهم الله فيما إذا انعدم صفة الوجوب للمأمور به لقيام ~~الدليل هل تبقى صفة الجواز أم لا فالعراقيون من مشايخنا يقولون هو على هذا ~~الخلاف عندنا لا تبقى وعلى قول الشافعي تبقى فيثبتون هذا الخلاف في قوله ~~عليه السلام من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر يمينه ثم ليأت ~~بالذي هو خير فإن صيغة الأمر بهذه الصفة توجب التكفير سابقا على الحنث وقد ~~انعدم هذا الوجوب بدليل PageV01P064 الإجماع فبقي الجواز عنده ولم يبق ~~عندنا وحجته في ذلك أن من ضرورة وجوب الأداء جواز الأداء والثابت بضرورة ~~النص كالمنصوص وليس من ضرورة انتفاء الوجوب انتفاء الجواز فيبقى حكم الجواز ~~بعدما انتفى الوجوب بالدليل واستدل عليه بصوم عاشوراء فبانتساخ وجوب الأداء ~~فيه لم ينتسخ جواز الأداء ولكنا نقول موجب الأمر أداء هو متعين على وجه لا ~~يتخير العبد بين الإقدام عليه وبين تركه شرعا والجواز فيما يكون العبد ~~مخيرا فيه وبينهما مغايرة على سبيل المنافاة فإذا قام الدليل على انتساخ ~~موجب الأمر لا يجوز إبقاء غير موجب الأمر مضافا إلى الأمر # قال رضي الله عنه والأصح عندي أن بانتفاء حكم الوجوب لقيام الدليل ينتسخ ~~الأمر ويخرج من أن يكون أمرا شرعا والمصير إلى بيان موجبه ابتداء وبقاء في ~~حال ما يكون أمرا شرعا فأما بعد خروجه من أن يكون أمرا شرعا فلا معنى ~~للاشتغال بهذا التكليف وبعدما انتسخ الأمر بصوم عاشوراء لا نقول جواز الصوم ~~في ذلك اليوم موجب ذلك الأمر بل هو موجب كون الصوم مشروعا فيه للعبد كما في ~~سائر الأيام وقد كان ذلك ثابتا قبل إيجاب الصوم ms057 فيه بالأمر شرعا فبقي على ~~ما كان حتى إذا بقي الأمر يبقى حكم الجواز عندنا ولهذا قلنا الصحيح المقيم ~~إذا صلى الظهر في بيته يوم الجمعة جازت صلاته والواجب عليه في المصر أداء ~~الجمعة بعدما شرعت الجمعة ولكن بقي أصل أمر أداء الظهر ولهذا يلزمه بعد مضي ~~الوقت قضاء الظهر ولو شهد الجمعة بعد الظهر كان مؤديا فرض الوقت فبه تبين ~~أن الواجب أداء الجمعة دون أداء الظهر إذ الواجب إسقاط فرض الوقت بأداء ~~الجمعة فكذلك يجب نقض الظهر المؤدي بأداء الجمعة ولهذا سوينا بذلك بين ~~المعذور وغير المعذور لأن جواز ترك أداء الجمعة للمعذور رخصة فلا يتغير به ~~حكم ما هو عزيمة والله أعلم # # | فصل في بيان صفة الحسن لما هو شرط أداء اللازم بالأمر # قال رضي الله عنه اعلم أن من شرط وجوب أداء المأمور به القدرة التي بها ~~يتمكن المأمور من الأداء لقوله تعالى @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~@QE@ ولأن الواجب أداء ما هو عبادة وذلك عبارة عن فعل يكتسبه العبد عن ~~اختيار ليكون معظما فيه ربه فينال الثواب وذلك لا يتحقق بدون هذه القدرة ~~غير أنه لا يشترط وجودها وقت الأمر لصحة الأمر لأنه لا يتأدى المأمور ~~الأداء وذلك غير موجود سابقا على الأداء فإن الاستطاعة لا تسبق الفعل ~~وانعدامها عند الأمر لا يمنع صحة الأمر ولا يخرجه من أن يكون حسنا بمنزلة ~~انعدام المأمور فإن النبي عليه السلام كان رسولا إلى الناس كافة قال الله ~~تعالى @QB@ وما أرسلناك إلا كافة للناس @QE@ وقال تعالى بالقدرة الموجودة ~~وقت الأمر بحال PageV01P065 وإنما يتأدى بالموجود منها عند @QB@ نذيرا ~~للبشر @QE@ ولا شك أنه أمر جميع من أرسل إليهم بالشرائع ثم صح الأمر في حق ~~الذين وجدوا بعده ويلزمهم الأداء بشرط أن يبلغهم فيتمكنون من الأداء قال ~~تعالى @QB@ لأنذركم به ومن بلغ @QE@ وكما يحسن الأمر قبل وجود المأمور به ~~يحسن قبل وجود القدرة التي يتمكن بها من الأداء ولكن بشرط التمكن عند ~~الأداء ألا ترى أن التصريح بهذا الشرط لا ms058 يعدم صفة الحسن في الأمر فإن ~~المريض يؤمر بقتال المشركين إذا برىء فيكون ذلك حسنا قال تعالى @QB@ فإذا ~~اطمأننتم فأقيموا الصلاة @QE@ وهذا الشرط نوعان مطلق وكامل # فالمطلق أدنى ما يتمكن به من أداء المأمور به ماليا كان أو بدنيا لأن هذا ~~شرط وجوب الأداء في كل أمر فضلا من الله تعالى ورحمة خصوصا في حق هذه الأمة ~~فقد رفع الله عنهم الحرج ووضع عنهم الإصر والأغلال وفي لزوم الأداء بدون ~~هذه القدرة من الحرج والثقل ما لا يخفى وعلى هذا وجوب الطهارة بالماء فإنه ~~لا يثبت في حال عدم الماء لانعدام هذه القدرة وكذلك في حال العجز عن ~~الاستعمال إلا بحرج بأن يخاف زيادة المرض أو العطش أو يلحقه نوع حرج في ~~ماله بأن لا يباع منه بثمن مثله وكذلك أداء الصلاة لا يجب بدون هذه القدرة ~~ولهذا كان وجوب الأداء بحسب ما يتمكن منه قائما أو قاعدا أو بالإيماء وكذلك ~~وجوب أداء الحج لا يكون إلا بهذه القدرة بملك الزاد والراحلة لأن التمكن من ~~السفر الذي يتوصل به إلى الأداء لا يكون إلا به وكذلك وجوب أداء الصدقة ~~المالية لا يكون إلا بهذا الشرط فإنه لا يتمكن من الأداء عبادة إلا بملك ~~المال ولهذا لا يعتبر التمكن منه بمال غيره وإن أذن له في ذلك في وجوب ~~الأداء بخلاف الطهارة فصفة العبادة هناك غير مقصودة وهنا مقصودة ومع ذلك ~~صفة الغني في المؤدى معتبر PageV01P066 هنا قال عليه السلام لا صدقة إلا عن ~~ظهر غنى وبدون ملك المال لا تثبت صفة الغنى ولهذا قال زفر والشافعي رحمهما ~~الله إذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو طهرت الحائض في آخر ~~الوقت بحيث لا يتمكنون من أداء الفرض فيما بقي من الوقت لا يلزمهم الأداء ~~لانعدام الشرط وهو التمكن ولكن علماءنا رحمهم الله قالوا يلزمهم أداء ~~الصلاة استحسانا لأن السبب الموجب جزء من الوقت وشرط وجوب الأداء كون ~~القدرة على الأداء متوهم الوجود لا كونه متحقق الوجود فإن ذلك ms059 لا يسبق ~~الأداء وهذا التوهم موجود ههنا لجواز أن يظهر في ذلك الجزء من الوقت امتداد ~~بتوقف الشمس فيسع الأداء كما كان لسليمان صلوات الله عليه فيثبت وجوب ~~الأداء به ثم العجز عن الأداء فيه ظاهر لينتقل الحكم إلى ما هو خلف عن ~~الأداء وهو القضاء بمنزلة الحلف على مس السماء تنعقد موجبة للبر لتوهم ~~الكون فيما خلف عليه ثم بالعجز الظاهر ينتقل الواجب في الحال إلى ما هو خلف ~~عنه وهو الكفارة وكذلك الحدث في وقت الصلاة ممن كان عادما للماء يكون موجبا ~~للطهارة بالماء لتوهم القدرة عليها ثم تتحول إلى التراب باعتبار العجز ~~الظاهر في الحال غير أن في فصل الحائض بشرط حقيقة الطهر في جزء من الوقت ~~بأن تكون أيامها عشرة أو الحكم بالطهر بدليل شرعي بأن تكون أيامها دون ~~العشرة فينقطع الدم والباقي من الوقت مقدار ما يمكنها أن تغتسل فيه وتحرم ~~للصلاة وهذا لأن في أوامر العباد صفة الحسن ولزوم الأداء يثبت بهذا القدر ~~من القدرة فإن من قال لامرىء اسقني ماء غدا يكون أمرا صحيحا موجبا للأداء ~~فلا يتعين للحال فإنه يقدر على ذلك في غد لجواز أن يموت قبله أو يظهر عارض ~~يحول بينه وبين التمكن من الأداء فكذلك في أوامر الشرع وجوب الأداء يثبت ~~بهذا القدر # ثم هذا الشرط مختص بالأداء دون القضاء فإنه شرط الوجوب ولا يتكرر الوجوب ~~في واجب واحد فلا يشترط بقاء هذا التمكن لبقاء الواجب ولكن إن كان الفوات ~~بمضي الوقت لا عن تقصير منه بقي الأداء واجبا على أن يتأتى بالخلف وهو ~~القضاء وإن كان عن تقصير منه PageV01P067 فهو متعد في ذلك وباعتبار تعديه ~~يجعل الشرط كالقائم حكما ولهذا قلنا إذا هلك المال بعد وجوب الحج وصدقة ~~الفطر لا يسقط الواجب عنه بذلك لأن التمكن من الأداء بملك المال كان شرط ~~وجوب الأداء فيبقى الواجب وإن انعدم هذا الشرط # وأما الكامل منه فالقدرة الميسرة للأداء وهي زائدة على الأولى بدرجة ~~كرامة من الله تعالى وفرق ما بينهما ms060 أنه لا يتغير بالأولى صفة الواجب فكان ~~شرط الوجوب فلا يعتبر بقاؤها لبقاء الواجب والثانية يغير صفة الواجب ~~فيجعلها سمحا سهلا لينا ولهذا يشترط بقاؤها ببقاء الواجب لأنه متى وجب ~~الأداء بصفة لا يبقى الأداء واجبا إلا بتلك الصفة ولا يكون الأداء بهذه ~~الصفة بعد انعدام القدرة الميسرة للأداء وبيان هذا أن الزكاة تسقط بهلاك ~~المال بعد التمكن من الأداء لأن الشرع إنما أوجب الأداء بصفة اليسر ولهذا ~~خصه بالمال النامي وما أوجب الأداء إلا بعد مضي حول ليتحقق النماء فيكون ~~المؤدى جزءا من الفضل قليلا من كثير وذلك غاية في اليسر فأما أصل التمكن من ~~الأداء يثبت بكل مال فلو بقي الواجب بعد هلاك المال لم يكن المؤدى بصفة ~~اليسر بل يكون بصفة الغرم فلا يكون الباقي ذلك الذي وجب ولا وجه لإيجاب ~~غيره إلا بسبب متجدد ولهذا لو استهلك المال بقي عليه وجوب الأداء لأنه صار ~~النصاب مشغولا بحق المستحق للزكاة فالاستهلاك تعد منه على محل الحق ~~بالتفويت وذلك سبب موجب للغرم عليه كالعبد الجاني إذا استهلكه مولاه وهو لا ~~يعلم بجنايته يصير غارما لقيمته وإن صادف فعله ملكه باعتبار هذا المعنى ~~فلوجود سبب آخر أمكن إيجاب الأداء لا بالصفة التي بها وجب ابتداء ولا يدخل ~~على هذا ما إذا هلك بعض النصاب فإن الواجب يبقى بقدر ما بقي منه وإن كان ~~كمال النصاب شرط الوجوب في الابتداء لأن اشتراط كمال النصاب ليس لأجل اليسر ~~حتى يتغير به صفة الواجب فإن أداء درهم من أربعين وأداء خمسة من مائتين في ~~معنى اليسر سواء إذ كل واحد منهما أداء ربع العشر ولكن شرط كمال النصاب ~~ليثبت به صفة الغنى فيمن يجب عليه فالمطلوب بالأداء إغناء المحتاج وإنما ~~PageV01P068 يتحقق الإغناء بصفة الحسن من الغني كما يتحقق التمليك من ~~المالك وأحوال الناس تختلف في صفة الغنى بالمال فجعل الشرع لذلك حدا وهو ~~ملك النصاب تيسيرا ثم هذا الغنى شرط وجوب الأداء بمنزلة أدنى التمكن الذي ~~هو شرط وجوب الأداء من غير ms061 أن يكون مغيرا صفة الواجب فلهذا لا يشترط بقاؤه ~~لبقاء الواجب ولكن بقدر ما بقي من المال يبقى الواجب بصفته لبقاء صفة اليسر ~~فيه وعلى هذا قلنا يسقط العشر بهلاك الخارج قبل الأداء لأن القدرة الميسرة ~~شرط الأداء فيه فالعشر مؤونة الأرض النامية ولا يجب إلا بعد تحقق الخارج ~~فإنما يجب قليل من كثير من النماء فيكون الأداء بصفة اليسر وذلك لا يبقى ~~بعد هلاك الخارج وكذلك الخراج لا يبقى إذا اصطلم الزرع آفة لأن وجوب الأداء ~~باعتبار القدرة الميسرة ولهذا يتقدر الواجب بحسب الربع حتى إذا قل الخارج ~~لا يجب من الخارج أكثر من نصف الخارج إلا أن عند التمكن من الزراعة إذا لم ~~يفعل جعلت القدرة الميسرة كالموجود حكما بتقصير كان منه في الزراعة وذلك لا ~~يوجد فيما إذا اصطلم الزرع آفة فلو بقي الخراج كان غرما ولهذا قلنا لا يسقط ~~العشر بموت من عليه مع بقاء الخارج لأن القدرة الميسرة لأداء المالي بالمال ~~تكون وهو باق بعد موته فيجعل هو كالحي حكما باعتبار خلفه ويكون أداء الواجب ~~بالصفة التي يثبت بها الوجوب ابتداء وكذلك الزكاة لا تسقط بموته في أحكام ~~الآخرة ولهذا يؤمر بالإيصاء به وتؤدى من ثلث ماله بعد موته إذا أوصى لبقاء ~~القدرة الميسرة وباعتبار حياته حكما وبقاء المحل الذي هو خالص حقه وهو ~~الثلث فيكون الأداء منه بصفة اليسر إلا أنه إذا لم يوص لا يبقى في أحكام ~~الدنيا بعد موته لأن الواجب أداء العبادة وباعتبار الخلافة التي تثبت بعد ~~موته لا يمكن تحقيق هذا الوصف لأن ذلك يثبت من غير اختيار له منه وفي العشر ~~معنى العبادة لما لم يكن مقصودا بقي بعد موته وإن لم يوص به وكذلك الخراج ~~إذا حصل الخارج ثم هلك قبل أدائه وعلى هذا قلنا إن الحانث في يمينه إذا عجز ~~عن التكفير بالمال يجوز له أن يكفر بالصوم لأن وجوب الكفارة باعتبار القدرة ~~الميسرة ألا ترى أنه ثبت التخير شرعا في أنواع التكفير PageV01P069 بالمال ~~والواجب أحد الأنواع ms062 عند أهل الفقه بخلاف ما يقوله بعض المتكلمين أن الكل ~~واجب لاستواء الكل في صيغة الأمر والتخيير لإسقاط الواجب بما يعينه منها ~~ويجعلون الأمر مثل قياس النهي فإن مثل هذا التخيير في النهي لا يخرج حكم ~~النهي من أن يكون متناولا جميع ما تناوله الصيغة فكذلك الأمر ولكنا نقول في ~~النهي يتحقق وجوب الانتهاء في الكل مع ذكر حرف أو لأن ذلك في موضع النفي ~~وحرف أو في موضع النفي يوجب التعميم قال الله تعالى @QB@ ولا تطع منهم آثما ~~أو كفورا @QE@ فأما في باب الكفارة ذكر حرف أو في موضع الإثبات فإنما يفيد ~~الإيجاب في أحد الأنواع ألا ترى أنه لو كفر بالأنواع كلها لم يكن مؤديا ~~للواجب في جميعها ويستحيل أن يكون واجبا قبل الأداء ثم إذا أدى يكون المؤدى ~~نفلا لا واجبا ويتأدى الواجب بنوع واحد وهذا النوع منصوص عليه فلا يكون ~~خلفا عن غيره ولو كان الكل واجبا لم يسقط الواجب في البعض بدون أدائه أو ~~أداء ما هو خلف عنه فعرفنا أن الواجب أحد الأنواع والتخيير ليكون الأداء ~~بصفة اليسر ولهذا تحول إلى الصوم عند العجز عن الأداء بالمال والمعتبر فيه ~~العجز للحال لا تحقق العجز بعجز مستدام في العمر فإن في قوله تعالى @QB@ ~~فصيام ثلاثة أيام @QE@ ما يدل على أنه يعتبر العجز في الحال إذ لو اعتبر ~~العجز في جميع العمر لم يتحقق أداء الصوم بعد هذا العجز وكذلك التكفير ~~بالطعام في الظهار يعتبر العجز في الحال عن التكفير بالصوم ولهذا لو مرض ~~أياما فكفر بالإطعام جاز # فتبين بهذا كله أن المعتبر في الكفارة القدرة الميسرة للأداء وبعد هلاك ~~المال لا يبقى ذلك لو بقي التكفير بالمال عينا فجوزنا له التكفير بالصوم ~~ولا تفصيل هنا بين أن يهلك المال بصنعه أو بغير صنعه لأن الواجب لا يصادف ~~المال قبل الأداء ولا يجعل المال مشغولا به فلا يكون الاستهلاك تعديا على ~~محل مشغول بحق المستحق ولهذا لا يسقط بهلاك المال حتى إنه إذا أيسر بمال ~~آخر ms063 يلزمه التكفير بالمال لأن القدرة الميسرة تثبت بملك المال ولا تختص ~~بمال دون مال فكان المال المستفاد فيه والمال الذي عنده سواء ولهذا لا ~~يعتبر فيه كون المال ناميا ولا يعتبر صفة الغنى فيمن يجب عليه لأن ~~PageV01P070 بالواجب ليس من نماء المال وإنما الشرط فيه القدرة الميسرة ~~للأداء على وجه ينال الثواب بالأداء فيكون ذلك ساترا لما لحقه لارتكاب ~~المحظور وفي هذا يستوي المال النامي وغير النامي ويخرج على ما بينا أنه إذا ~~هلك المال بعد وجوب الحج بأن كان مالكا للزاد والراحلة وقت خروج القافلة من ~~بلدته فإنه لا يسقط عنه الحج لأن الشرط هناك أدنى التمكن دون اليسر فاليسر ~~في سفر الحج يكون بالخدم والمراكب والأعوان وذلك ليس بشرط وأدنى التمكن شرط ~~وجوب الأداء فلا يشترط بقاؤه لبقاء الواجب # وكذلك لو هلك المال بعد وجوب صدقة الفطر أو هلك من وجب عليه بعد وجوب ~~الأداء فإنه لا يسقط الواجب لأن شرط الوجوب هناك أدنى التمكن وصفة الغنى ~~فيمن يجب عليه الأداء دون اليسر ولهذا لو ملك من مال البذلة والمهنة فضلا ~~على حاجته ما يساوي نصابا يجب عليه وبهذا النوع من المال يحصل أدنى التمكن ~~والغنى إذا بلغ نصابا فأما صفة اليسر فهو مختص بالمال النامي ليكون الأداء ~~من فضل المال وذلك ليس بشرط هنا فعرفنا أن التمكن والغنى شرط وجوب الأداء ~~باعتبار أنه غني قال عليه السلام أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم ~~والإغناء إنما يتحقق من الغنى ولم يتغير صفة المؤدى بهذا الشرط فلا يشترط ~~بقاؤه لبقاء الواجب وعلى هذا الأصل قلنا لا تجب الزكاة في مال المديون بقدر ~~ما عليه من الدين لأن الوجوب باعتبار الغنى واليسر وذلك ينعدم بالدين ~~والغنى إنما يحصل بفضل عن حاجته وحاجته إلى قضاء الدين حاجة أصلية فلا يحصل ~~الغنى بملك ذلك القدر من المال ولهذا حل له أخذ الصدقة وهي لا تحل لغني ~~وإنما تيسر الأداء إذا كان المؤدى فضل مال غير مشغول بحاجته # وكذلك لا تجب صدقة ms064 الفطر على المديون إذا لم يملك نصابا فضلا عن دينه لأن ~~الغني يملك المال معتبر في إيجاب صدقة الفطر على ما بينا أنه إغناء للمحتاج ~~وبحاجته إلى قضاء الدين تنعدم صفة الغنى وإن كان الدين على العبد الذي هو ~~عبد PageV01P071 للخدمة فعلى المولى أن يؤدي عنه صدقة الفطر لأن صفة الغنى ~~ثابت له بملك من النصاب سوى هذا القدر وأصل المالية غير معتبرة فيمن يجب ~~الأداء عنه ولهذا تجب عن ولده الحر وكذلك الغنى به غير معتبر فإنه يجب ~~الأداء عن المدبر وأم الولد وإن لم يكن هو غنيا بملكه فيهما فكذلك إذا كان ~~العبد مشغولا بالدين لأن ذلك الدين على العبد يوجب استحقاق ماليته فيخرج ~~المولى من أن يكون غنيا به ولو كان هذا العبد المديون للتجارة لم يجب على ~~المولى أن يؤدي عنه زكاة التجارة لأن الغنى بالمال الذي يجب أداء الزكاة ~~عنه شرط ليكون الأداء بصفة اليسر وذلك ينعدم بقيام الدين على العبد ولا ~~يدخل على ما ذكرنا وجوب كفارة الموسر على المديون مع اعتبار صفة اليسر في ~~التكفير بالمال لأن المذكور في كتاب الأيمان أنه إذا حنث في يمين وله ألف ~~درهم وعليه مثلها دين فإنه يكفر بالصوم بعدما يقضي دينه بالمال ولم يتعرض ~~لما قبل قضاء الدين أنه بماذا يكفر فقال بعض مشايخنا يكفر بالصوم أيضا لأن ~~ما في يده من المال مستحق بدينه مشغول بحاجته وفي التكفير بالمال صفة اليسر ~~معتبر بدليل التخيير المثابت بالنص وبسبب الدين ينعدم اليسر فيكفر بالصوم ~~ومنهم من يقول يلزمه التكفير بالمال لأن الكفارة أوجبت ساترة أو زاجرة وما ~~أوجبت شكرا للنعمة فلا تشبه الزكاة من هذا الوجه فإنها أوجبت شكرا للنعمة ~~والغنى ولهذا يشترط لإيجابها أتم وجوه الغنى وذلك بالمال النامي وحاجته إلى ~~قضاء الدين بالمال يعدم تمام الغنى ولا يعدم معنى حصول الثواب له إذا تصدق ~~به ليكون ذلك ساترا للإثم الذي لحقه بارتكاب محظور اليمين وهو المقصود ~~بالكفارة قال تعالى @QB@ إن الحسنات يذهبن السيئات @QE@ يوضحه أن ms065 معنى ~~الإغناء غير معتبر في التكفير بالمال ألا ترى أنه يحصل بالإعتاق وليس فيه ~~إغناء ولهذا قلنا يحصل التكفير بالمال بطعام الإباحة وإن كان الإغناء لا ~~يحصل به فعرفنا أن المعتبر في التكفير بالمال أصل اليسر لا نهايته وتيسير ~~الأداء قائم بملك المال مع قيام PageV01P072 الدين عليه ، فأما في الزكاة ~~المعتبر هو الإغناء ، ولهذا لا يتأدى إلا بتمليك المال والإغناء لا يتحقق ~~ممن ليس بغني كامل الغنى وبسبب الدين ينعدم الغنى ولهذا يمتنع وجوب أداء ~~الزكاة وصدقة الفطر على المديون # # | فصل في بيان موجب الأمر في حق الكفار # لا خلاف أنهم مخاطبون بالإيمان لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى ~~الناس كافة ليدعوهم إلى الإيمان قال تعالى @QB@ قل يا أيها الناس إني رسول ~~الله إليكم جميعا @QE@ إلى قوله # تعالى @QB@ فآمنوا بالله ورسوله @QE@ فهذا الخطاب منه يتناولهم لا محالة # ولا خلاف أنهم مخاطبون بالمشروع من العقوبات ولهذا تقام على أهل الذمة ~~عند تقرر أسبابها لأنها تقام بطريق الخزي والعقوبة لتكون زاجرة عن الإقدام ~~على أسبابها وباعتقاد حرمة السبب يتحقق ذلك ولا تنعدم الأهلية لإقامة ذلك ~~عليه بطريقه بل هو جزاء وعقوبة فبالكفار أليق منه بالمؤمنين # ولا خلاف أن الخطاب بالمعاملات يتناولهم أيضا لأن المطلوب بها معنى دنيوي ~~وذلك بهم أليق فقد آثروا الدنيا على الآخرة ولأنهم ملتزمون لذلك فعقد الذمة ~~يقصد به التزام أحكام المسلمين فيما يرجع إلى المعاملات فيثبت حكم الخطاب ~~بها في حقهم كما يثبت في حق المسلمين لوجود الالتزام إلا فيما يعلم لقيام ~~الدليل أنهم غير ملتزمين له # ولا خلاف أن الخطاب بالشرائع يتناولهم في حكم المؤاخذة في الآخرة لأن ~~موجب الأمر اعتقاد اللزوم والأداء وهم ينكرون اللزوم اعتقادا وذلك كفر منهم ~~بمنزلة إنكار التوحيد فإن صحة التصديق والإقرار بالتوحيد لا يكون مع إنكار ~~شيء من الشرائع # وقال محمد رحمه الله في السير الكبير من أنكر شيئا من الشرائع فقد أبطل ~~قول لا إله إلا الله فقد ذكر بعض من لا يعتمد على قوله من أهل زماننا ms066 في ~~تصنيف له أن المسلم إذا أنكر شيئا من الشرائع فهو كافر فيما أنكره مؤمن ~~فيما سوى ذلك وهو شبه المحال من الكلام يبتلى ذلك هو مخالف للرواية ~~المنصوصة عن المتقدمين من أصحابنا رحمهم الله فإذا ثبت أنه ترك ذلك ~~استحلالا وجحودا يكون كفرا منه ظهر أنه معاقب عليه في الآخرة كما هو معاقب ~~على أصل الكفر وهو المراد بقوله تعالى @QB@ وويل للمشركين الذين لا يؤتون ~~الزكاة @QE@ أي لا يقرون بها وقال تعالى المرء بمثله لقلة التأمل ~~PageV01P073 أو إعجابه بنفسه أعاذنا الله من ذلك ومع @QB@ ما سلككم في سقر ~~قالوا لم نك من المصلين @QE@ قيل في التفسير من المسلمين المعتقدين فرضية ~~الصلاة # فهذا معنى قولنا إن الخطاب يتناولهم فيما يرجع إلى العقوبة في الآخرة # فأما في وجوب الأداء في أحكام الدنيا فمذهب العراقيين من مشايخنا رحمهم ~~الله أن الخطاب يتناولهم أيضا والأداء واجب عليهم فإنهم لا يعاقبون على ترك ~~الأداء إذا لم يكن الأداء واجبا عليهم وظاهر ما تلونا يدل على أنهم يعاقبون ~~في الآخرة على الامتناع من الأداء في الدنيا ولأن الكفر رأس المعاصي فلا ~~يصلح سببا لاستحقاق التخفيف ومعلوم أن سبب الوجوب متقرر في حقهم وصلاحية ~~الذمة لثبوت الواجب فيها بسببه موجود في حقهم وشرط وجوب الأداء التمكن منه ~~وذلك غير منعدم في حقهم فلو سقط الخطاب بالأداء كان ذلك تخفيفا والكفر لا ~~يصلح تخفيفا لذلك ولا معنى لقول من يقول إن التمكن من الأداء على هذه الصفة ~~لا يتحقق حتى لو أدى لم يكن ذلك معتدا به لأنه يتمكن به من الأداء بشرط أن ~~يقدم الإيمان والخطاب به ثابت في حقه فهو نظير الجنب والمحدث يتمكن من أداء ~~الصلاة بشرط الطهارة وهو مطالب بذلك فيكون متمكنا من أداء الصلاة يتوجه ~~عليه الخطاب بأدائها مع أن انعدام التمكن من الأداء بإصراره على الكفر وهو ~~جان في ذلك فيجعل التمكن قائما حكما إذا كان انعدامه بسبب جنايته ألا ترى ~~أن زوال التمكن بسبب الشكر لا يسقط الخطاب بأداء العبادات ms067 وكذلك انعدام ~~التمكن بسبب الجهل إذا كان بتقصير منه لا يسقط الخطاب بالأداء فبسبب الكفر ~~أولى # ومشايخ ديارنا يقولون إنهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات ~~وجواب هذه المسألة غير محفوظ من المتقدمين من أصحابنا رحمهم الله نصا ولكن ~~PageV01P074 مسائلهم تدل على ذلك فإن المرتد إذا أسلم لا يلزمه قضاء ~~الصلوات التي تركها في حال الردة عندنا وتلزمه عند الشافعي والمرتد كافر # واستدل بعض أصحابنا على أن الخلاف بيننا وبين الشافعي أن تنصيص علمائنا ~~أن ذلك لا يلزمه القضاء بعد الإسلام دليل على أنه لم يكن مخاطبا بأدائها في ~~حالة الكفر وهذا ضعيف فسقوط القضاء عن المرتد والكافر الأصلي بعد الإسلام ~~بوجود الدليل المسقط وهو قوله تعالى @QB@ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ~~@QE@ وقال عليه السلام الإسلام يجب ما قبله والسقوط بإسقاط من له الحق لا ~~يكون دليل انتفاء أصل الوجوب # ومنهم من استدل على ذلك بمن صلى في أول الوقت ثم ارتد ثم أسلم في آخر ~~الوقت فعليه أداء فرض الوقت عندنا لأن بالردة ينعدم خطاب الأداء في حقه ~~والاعتداد بما مضى كان بناء عليه فإذا أسلم وقد بقي شيء من الوقت يثبت ~~الوجوب باعتباره ويصير مخاطبا بالأداء ابتداء وعلى قول الشافعي لا يلزمه ~~الأداء لأن الخطاب بالأداء لا ينعدم في حقه بالردة فبقي المؤدى معتدا به ~~وعلى هذا لو حج ثم ارتد ثم أسلم ولكن هذا ضعيف أيضا فإن المؤدى إنما لا ~~يكون معتدا به بعد الردة لأن الردة تحبط العمل قال الله تعالى @QB@ ومن ~~يكفر بالإيمان فقد حبط عمله @QE@ يعني ما اكتسب من العبادات وما حبط لا ~~يكون معتدا فلهذا ألزمناه الأداء ثانيا # ومنهم من جعل هذه المسألة فرعا لأصل معروف بيننا وبينهم أن الشرائع عندهم ~~من نفس الإيمان وهم مخاطبون بالإيمان ( فيخاطبون بالشرائع وعندنا الشرائع ~~ليست من نفس الإيمان وهم مخاطبون بالإيمان ) فلا يخاطبون بالأداء بالشرائع ~~التي تبتنى على الإيمان ما لم يؤمنوا وهذا ضعيف أيضا فإنهم مخاطبون ~~بالعقوبات والمعاملات وليس شيء من ms068 ذلك من نفس الإيمان أيضا # فالذي يصح من الاستدلال لمشايخنا رحمهم الله على هذا المذهب لفظ مذكور في ~~الكتاب وهو أن من نذر أن يصوم شهرا ثم ارتد ثم أسلم فليس عليه من الصوم ~~المنذور شيء لأن الردة تبطل كل عبادة ومعلوم أنه لم يرد بهذا التعليل ~~العبادة المؤداة فهو ما أدى المنذور بعد فعرف أن الردة تبطل وجوب أداء كل ~~عبادة فيكون هذا شبه التنصيص عن أصحابنا أن الخطاب بأداء الشرائع التي ~~تحتمل السقوط لا يتناولهم ما لم يؤمنوا # PageV01P075 والدليل على صحة هذا القول أن النبي عليه السلام لما بعث ~~معاذا إلى اليمن فقال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن هم أجابوك ~~فأعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة الحديث ففي هذا ~~تنصيص على أن وجوب أداء الشرائع يترتب على الإجابة إلى ما دعوا إليه من أصل ~~الدين والدليل على ذلك من طريق المعنى أن الأمر بأداء العبادة لينال به ~~المؤدي الثواب في الآخرة حكما من الله تعالى ( كما وعده في محكم تنزيله ~~والكافر ليس بأهل لثواب العبادة عقوبة له على كفره حكما من الله تعالى ) ~~كما أن العبد لا يكون أهلا لملك المال حكما من الله تعالى والمرأة لا تكون ~~أهلا لثبوت ملك المتعة لها على الرجل بسبب النكاح أو بسبب ملك الرقبة حكما ~~من الله تعالى وإذا تحقق انعدام الأهلية للكافر فيما هو المطلوب بالأداء ~~يظهر به انعدام الأهلية للأداء وبدون الأهلية لا يثبت وجوب الأداء وبه فارق ~~الخطاب بالإيمان فإنه بالأداء يصير أهلا لما وعد الله المؤمنين فبه تبين ~~الأهلية للأداء أيضا # فإن قيل هو بالإيمان يصير أهلا لما هو موعود على أداء العبادات وهو مطالب ~~بالإيمان فينبغي أن يجعل في حكم توجه الخطاب بالأداء عليه كأن ما هو مطالب ~~به بالإيمان موجود في حقه كما جعل النطفة في الرحم كالحي حكما في حق الإرث ~~والوصية والإعتاق ويجعل البيض كالصيد حكما في وجوب الجزاء على المحرم بكسره ~~وإن ms069 لم يكن فيها معنى الصيدية حقيقة # قلنا هذا أن لو كان مآل أمره الإيمان باعتبار الظاهر كالبيض والنطفة ~~فمآلهما إلى الحياة والصيدية ما لم يفسدا ومآل أمر الكافر ليس للإيمان ~~ظاهرا بل الظاهر من حال كل معتقداته يستديم اعتقاده ثم هذا المعنى إنما ~~يستقيم اعتباره إذا كان عند إيمانه يتقرر وجوب الأداء فيما يتقرر سببه في ~~حال الكفر فيقال يخاطب بالأداء على أن يسلم فيتقرر وجوب الأداء كما في ~~النطفة والبيض فإن حكم العتق والملك والصيدية يتقرر إذا تحقق صفة الحياة ~~فيهما وههنا ينعدم بالاتفاق فإنه بعد الإيمان لا يبقى وجوب الأداء في شيء ~~مما سبق في حالة الكفر # فإن قيل أليس أن العبد من أهل مباشرة التصرف الموجب لملك المال وإن لم ~~يكن أهلا لملك المال فكذلك يجوز أن يكون الكافر يخاطب بأداء العبادات وإن ~~لم يكن PageV01P076 أهلا لما هو المقصود بالآداء # قلنا صحة ذلك التصرف من المملوك على أن يخلفه المولى في حكمه أو على أن ~~يتقرر الحكم له إذا أعتق كالمكاتب فأما هنا لا تثبت أهلية الأداء في حقه ~~على أن يخلفه غيره فيما هو المبتغي بالأداء أو على أن يتقرر ذلك له بعد ~~إيمانه وهذا بخلاف الجنب والمحدث في الخطاب بأداء الصلاة لأن الأهلية لما ~~هو موعود للمصلين لا ينعدم بالجنابة والحدث ولكن الطهارة شرط الأداء ~~وبانعدام الشرط لا تنعدم الأهلية لأداء الأصل وما هذا إلا نظير من يقول ~~لغيره أعتق عبدك عني على ألف درهم فأعتقه يصح إعتاقه عن الآمر باعتبار أن ~~الملك في المحل شرط الإعتاق فانعدامه عند الأمر لا يمنع صحة الأمر على أن ~~يكون موجبا للحكم له إذا وجد الشرط عند إيجاد العتق # ولو قال المولى لعبده أعتق عن نفسك عبدا فأعتق لم يصح هذا الأمر ولم يكن ~~الإعتاق عن العبد لأنه بصفة الرق يخرج من أن يكون أهلا للإعتاق عن نفسه فلا ~~يصح أمره إياه بالإعتاق عن نفسه مع انعدام الأهلية وتبين بهذا أن سقوط ~~الخطاب بالأداء عنهم ليس للتخفيف عليهم ms070 كما ظنوا بل لتحقق معنى العقوبة ~~والنقمة في حقهم فإن الإخراج من الأهلية لثواب العبادة يكون نقمة يوضحه أن ~~الأمر لطلب أداء العبادة وهو مع صفة الكفر لا يكون أهلا للعبادة بل يحبط ~~عمله كما قال الله تعالى @QB@ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا @QE@ ومعلوم أن في العبادة المنفعة للمؤدي المأمور لا للآمر قال ~~الله تعالى @QB@ ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون @QE@ والكافر لا يستحق هذا ~~النظر والمنفعة عقوبة له على كفره فكيف يكون فيه معنى التخفيف عليه ~~والإيجاب من الآمر نظر من الشرع للمأمور فعسى أن يقصر فيما لا يكون واجبا ~~عليه ولا يقصر في أداء ما هو واجب عليه والكافر غير مستحق لهذا النظر ~~فقولنا وجوب الأداء لا يتناوله يكون تغليظا عليه لا تخفيفا ولهذا أثبتنا ~~حكم وجوب الأداء فيما يرجع إلى العقوبة في الآخرة في حقه ثم هو بإصراره على ~~الكفر متلف نفسه حكما فيما يرجع إلى ما هو المقصود بالعبادات فيكون بمنزلة ~~من قتل نفسه حقيقة ولا يجعل قاتل النفس حقيقة كالحي حكما في توجه الخطاب ~~عليه بأداء العبادات لا للتخفيف عليه فكذلك الكافر لا يجعل متمكنا من ~~الأداء حكما مع إصراره على الكفر لا بطريق التخفيف عليه ولكن تجعل ذمته ~~كالمعدومة حكما في الصلاحية لوجوب أداء العبادات فيها تحقيقا لمعنى الهوان ~~في حقهم الله تعالى قال @QB@ إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا @QE@ ثم ~~الخطاب وهو أن يلحقهم بالبهائم التي لا ذمة لها في هذا الحكم PageV01P077 ~~كما وصفهم بأداء العبادات ليسعى المرء بأدائها في فكاك نفسه قال عليه ~~السلام الناس غاديان بائع نفسه فموبقها ومشتر نفسه فمعتقها يعني بالائتمار ~~بالأوامر والقول بأن الكافر ليس بأهل للسعي في فكاك نفسه ما لم يؤمن لا ~~يكون تخفيفا عليه وهو نظير أداء بدل الكتابة لما كان ليتوصل به المكاتب إلى ~~فكاك نفسه فإسقاط المولى هذه المطالبة عنه عند عجزه بالرد في الرق لا يكون ~~تخفيفا عليه فإن ما بقي فيه من ذل الرق فوق ضرر ms071 المطالبة بالأداء # وإنما استنبطنا هذا من تعليل محمد رحمه الله في قوله ما فيه من الشرك ~~أعظم من ذلك علل به في أنه لا يلزمه كفارة الظهار وكفارة اليمين وإن حنث ~~وفي الكفارات معنى العبادة على ما بينا أنه ينال به الثواب فيكون مكفرا ~~للذنب والكافر ليس بأهل لذلك فلا يثبت في حقه الخطاب بأداء الكفارة كما لا ~~يثبت في حق العبد الخطاب بالتكفير بالمال لأنه ليس بأهل لذلك # ونظير ما قلنا من الحسيات أن مطالبة الطبيب المريض بشرب الدواء إذا كان ~~يرجو له الشفاء يكون نظرا من الطبيب لا إضرارا به فإذا أيس من شفائه فترك ~~مطالبته بشرب الدواء لا يكون ذلك تخفيفا عليه بل إجبارا له بما هو أشد عليه ~~من ضرر شرب الدواء وهو ما يذوق من كأس الحمام فكذلك هنا أن الكفار لا ~~يخاطبون بأداء الشرائع لا يتضمن معنى التخفيف عليهم بل يكون فيه بيان عظم ~~الوزر والعقوبة فيما هو مصر عليه من الشرك والله أعلم # & باب النهي & قال رضي الله عنه اعلم بأن موجب النهي شرعا لزوم الانتهاء ~~عن مباشرة المنهي عنه لأنه ضد الأمر # أما من حيث اللغة فصيغة الأمر لبيان أن المأمور به مما ينبغي أن يكون ~~وصيغة النهي لبيان أنه مما ينبغي أن لا يكون وأما شرعا فالأمر لطلب إيجاد ~~المأمور به على أبلغ الوجوه مع بقاء اختيار المخاطب في حقيقة الإيجاد وذلك ~~PageV01P078 في وجوب الائتمار والنهي لطلب مقتضى الامتناع عن الإيجاد على ~~ابلغ الوجوه مع بقاء اختيار للمخاطب فيه وذلك بوجوب الانتهاء فإذا تبين ~~موجب النهي قلنا مقتضى النهي قبح المنهي عنه شرعا كما أن مقتضى الأمر حسن ~~الائتمار به شرعا ألا ترى أن التحريم لما كان ضد الإحلال كان مقتضى أحدهما ~~ضد مقتضى الآخر ولأن صاحب الشرع جاء بتتميم المحاسن ونفي القبائح فكان نهيه ~~موجبا قبح المنهي عنه كما كان أمره موجبا صفة الحسن للمأمور به # فإن قيل لماذا لا يجعل مقتضى النهي شرعا حسن الانتهاء كما كان مقتضى ~~الأمر ms072 حسن الائتمار قلنا لأنه يصير مقتضاهما واحدا وبينهما مغايرة على سبيل ~~المضادة ثم الائتمار بفعل يقصده المخاطب ويضاف وجوده إلى كسبه فيحسن ~~الائتمار لكون ذلك مضافا إليه فأما الانتهاء يكون بامتناعه عن إيجاد الفعل ~~المنهي عنه ثم انعدامه لا يكون مضافا إلى كسبه وقصده بل الانعدام أصل فيه ~~ما لم يوجده وإذا لم يكن مضافا إلى فعله الذي هو اختياري لا يستقيم أن يوصف ~~امتناعه عن الإيجاد بالحسن مقصودا فعرفنا به أن قبح المنهي عنه ثابت بمقتضى ~~وجوب الانتهاء شرحا # فإن قيل تركه الفعل الذي يكون إيجادا فعل مقصود منه على ما هو مذهب أهل ~~السنة والجماعة أن ترك الفعل فعل لما فيه من استعمال أحد الضدين والانتهاء ~~به يتحقق قلنا هو كذلك ولكن موجب النهي هو الانتهاء وحقيقته الامتناع عن ~~الإيجاد ثم إن دعته نفسه إلى الإيجاد يلزمه الترك ليكون ممتنعا والنهي عنه ~~يبقى عدما كما كان ألا ترى أن الامتناع الذي به يتحقق الانتهاء يستغرق جميع ~~العمر والترك الذي هو فعل منه لا يستغرق فإنه قبل أن يعلم به يكون منتهيا ~~بالامتناع عنه ولا يكون مباشرا للفعل الذي هو ترك الإيجاد فإن ذلك لا يكون ~~إلا عن قصد منه بعد العلم به # وبيان هذا أن الصائم مأمور بترك اقتضاء السهرتين في حال الصوم فلا يتحقق ~~منه هذا الفعل ركنا للصوم حتى يعلم به ويقصده والمعتدة ممنوعة من التزوج ~~والخروج والتطيب وذلك ركن الاعتداد ويتم ذلك وإن لم تعلم به حتى يحكم ~~بانقضاء عدتها بمضي PageV01P079 الزمان قبل أن نشعر به وعلى هذا لو قال ~~لامرأته إن لم أشأ طلاقك فأنت طالق ثم قال لا أشاء طلاقك لم تطلق ولو قال ~~إن أبيت طلاقك فأنت طالق ثم قال قد أبيت طلقت لأن الإباء فعل يقصده ويكسبه ~~فيصير موجودا بقوله قد أبيت ولا يكون ذلك مستغرقا للمدة وعدم المشيئة عبارة ~~عن امتناعه من المشيئة وذلك يستغرق عمره فلا يتحقق وجود الشرط بقوله لا ~~أشاء ولا بامتناعه من المشيئة في جزء من ms073 عمره # وإذا تبين أن مقتضى النهي قبح المنهي عنه شرعا فنقول المنهي عنه في صفة ~~القبح قسمان قسم منه ما هو قبيح لعينه وقسم منه ما هو قبيح لغيره وهذا ~~القسم يتنوع نوعين نوع منه ما هو قبيح لمعنى جاوره جمعا ونوع منه ما هو ~~قبيح لمعنى اتصل به وصفا # فأما بيان القسم الأول في العبث والسفه فإنهما قبيحان شرعا لأن واضع ~~اللغة وضع هذين الاسمين لما يكون خاليا عن الفائدة ومبنى الشرع على ما هو ~~حكمة لا يخلو عن فائدة فما يخلو عن ذلك قطعا يكون قبيحا شرعا ومن هذا النوع ~~فعل اللواطة فالمقصود من اقتضاء الشهوة شرعا هو النسل وهذا المحل ليس بمحل ~~له أصلا فكان قبيحا شرعا ونظيره من العقود بيع الملاقيح والمضامين فإنه ~~قبيح شرعا لأن البيع مبادلة المال بالمال شرعا وهو مشروع لاستنماء المال به ~~والماء في الصلب والرحم لا مالية فيه فلم يكن محلا للبيع شرعا وكذلك الصلاة ~~بغير الطهارة لأن الشرع قصر الأهلية لأداء الصلاة على كون المصلي طاهرا عن ~~الحدث والجنابة فتنعدم الأهلية بانعدام صفة الطهارة وانعدام الأهلية فوق ~~انعدام المحلية فكان كل واحد منهما قبيحا شرعا بهذا الطريق # وحكم هذا النوع من المنهي بيان أنه غير مشروع أصلا لأن المشروع لا يخلو ~~عن حكمة وبدون الأهلية والمحلية لا تصور لذلك فيعلم به أنه غير مشروع أصلا # وبيان النوع الثاني من الأفعال وطء الرجل زوجته في حالة الحيض فإنه حرام ~~منهي عنه ولكن لمعنى استعمال الأذى واستعمال الأذى مجاور للوطء جمعا غير ~~متصل به وصفا ولهذا جاز له أن يستمتع بها فيما سوى موضع خروج الدم في قول ~~محمد رحمه الله لأنه لا يجاور فعله استعمال الأذى وفي قول أبي حنيفة رحمه ~~الله يستمتع بها PageV01P080 فوق المئزر ويجتنب ما تحته احتياطا لأنه لا ~~يأمن الوقوع في استعمال الأذى إذا استمتع بها في الموضع القريب من موضع ~~الأذى # ونظير هذا النوع من العقود والعبادات البيع وقت النداء فإنه منهي عنه لما ~~فيه من ms074 الاشتغال عن السعي إلى الجمعة بغيره بعدما تعين لزوم السعي وذلك ~~يجاور البيع ولا يتصل به وصفا والصلاة في الأرض المغصوبة منهي عنها لمعنى ~~شغل ملك الغير بنفسه وذلك مجاور لفعل الصلاة جمعا غير متصل به وصفا فعرفنا ~~أن قبحه لمعنى في غيره # وحكم هذا النوع أنه يكون صحيحا مشروعا بعد النهي من قبل أن القبح لما كان ~~باعتبار فعل آخر سوى الصلاة والبيع والوطء لم يكن مؤثرا في المشروع لا أصلا ~~ولا وصفا ألا ترى أن الصائم إذا ترك الصلاة يكون فعل الصوم منه عبادة صحيحة ~~هو مطيع فيه وإن كان عاصيا في ترك الصلاة وهنا يكون مطيعا في الصلاة وإن ~~كان عاصيا في شغل ملك الغير بنفسه ومباشرا للوطء المملوك بالنكاح وإن كان ~~عاصيا مرتكبا للحرام باستعمال الأذى ولهذا قلنا يثبت الحل للزوج الأول ~~بالوطء الثاني إياها في حالة الحيض ويثبت به إحصان الواطىء أيضا # وأما النوع الثالث فبيانه في الزنا فإنه وطء غير مملوك فكان قبيحا شرعا ~~لأن الشرع قصر ابتغاء النسل بالوطء على محل مملوك فقال الله تعالى @QB@ إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم @QE@ ونظيره من العقود الربا فإنه قبيح ~~لمعنى اتصل بالبيع وصفا وهو انعدام المساواة التي هي شرط جواز البيع في هذه ~~الأموال شرعا ومن العبادات النهي عن صوم يوم العيد وأيام التشريق فإنه قبيح ~~لمعنى اتصل بالوقت الذي هو محل الأداء وصفا وهو أنه يوم عيد ويوم ضيافة # ثم لا خلاف فيما يكون من الأفعال التي يتحقق حسا من هذا النوع أنه في صفة ~~القبح ملحق بالقسم الأول فإن الزنا وشرب الخمر حرام لعينه غير مشروع أصلا ~~ولهذا تتعلق بهما العقوبة التي تندرىء بالشبهات وما كان مشروعا من وجه ~~وحراما لغيره لا يخلو عن شبهة فإيجاب العقوبة فيهما دليل ظاهر على أن ~~حرمتهما لعينهما وذلك دليل على قبح المنهي عنه لعينه # PageV01P081 واختلفوا فيما يكون من هذا النوع من العقود والعبادات # قال علماؤنا رحمهم الله موجب مطلق النهي فيها تقرير المشروع مشروعا وجعل ms075 ~~أداء العبد إذا باشرها فاسدا إلا بدليل # وقال الشافعي موجب مطلق النهي في هذا النوع انتساخ المنهي عنه وخروجه من ~~أن يكون مشروعا أصلا إلا بدليل # وحجته في ذلك أن النهي ضد الأمر # ثم مقتضى مطلق الأمر شرع المأمور به فمقتضى مطلق النهي ضده وهو انعدام ~~كون المنهي عنه مشروعا وهذا لأن الحقيقة هو المراد من كل نوع حتى يقوم دليل ~~المجاز ثم الحقيقة في مطلق الأمر إثبات صفة الحسن في المأمور به شرعا لعينه ~~لا لغيره # وكذلك الحقيقة في مطلق النهي إثبات صفة القبح في المنهي عنه لعينه لا ~~لغيره وهذا لأن المطلق ينصرف إلى الكامل دون الناقص فإن الناقص موجود من ~~وجه دون وجه ومع شبهة العدم فيه لا يثبت ما هو الحقيقة فيه فبهذا تبين أن ~~المطلق يتناول الكامل والكمال في الأمر الذي هو طلب الإيجاد بأن يحسن ~~المأمور به لعينه فكذلك الكمال فيما هو طلب الإعدام إثبات صفة القبح في ~~إيجاده لعينه # وإذا تقرر هذا خرج المنهي عنه من أن يكون مشروعا لمقتضى النهي وحكمه أما ~~مقتضاه فلأن أدنى درجات المشروع أن يكون مباحا والقبيح لعينه لا يجوز أن ~~يكون مباحا فكذلك لا يجوز أن يكون مشروعا وبهذا تبين أن النهي بمعنى النسخ ~~في إخراج المنهي عنه من أن يكون مشروعا # وأما حكمه فوجوب الانتهاء ليكون معظما مطيعا للناهي في الانتهاء ويكون ~~عاصيا لا محالة في ترك الانتهاء وإنما يكون عاصيا بمباشرة ما هو خلاف ~~المشروع فعرفنا أن بالنهي يخرج من أن يكون مشروعا # يقرره أن المنهي عنه لا يكون مرضيا به أصلا وإن كان لا تنعدم به الإرادة ~~والقضاء والمشيئة بمنزلة الكفر والمعاصي فإنها تكون من العباد بالإرادة ~~والمشيئة والقضاء ولا يكون مرضيا به قال الله تعالى @QB@ ولا يرضى لعباده ~~الكفر @QE@ والمشروع ما يكون مرضيا به قال الله تعالى @QB@ شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا @QE@ الآية فبهذا تبين أن المنهي عنه غير مشروع أصلا ~~ثم صفة القبح في المنهي عنه وإن كان لمعنى ms076 اتصل به وصفا فذلك دليل على أنه ~~لم يبق مشروعا لأن ذلك الوصف لا يفارق PageV01P082 المنهي عنه ومع وجوده لا ~~يكون مشروعا فبه يخرج من أن يكون مشروعا أصلا بمنزلة نكاح المعتدة والنكاح ~~بغير شهود فإن النهي عنهما كان لمعنى زائد على ما به يتم العقد من فقد شرط ~~أو زيادة صفة في المحل ثم يخرج به من أن يكون مشروعا أصلا مقيدا بما هو ~~الحكم المطلوب من النكاح # إذا تقرر هذا فالمسائل تخرج له على هذا الأصل منها أن الزنا لا يوجب حرمة ~~المصاهرة لأن ثبوتها بطريق النعمة والكرامة حتى تكون أمهاتها وبناتها في ~~حقه كأمهاته وبناته في المحرمية فيستدعي سببا مشروعا والزنا قبيح لعينه غير ~~مشروع أصلا فلا يصلح سببا لهذه الكرامة # ومنها أن البيع الفاسد نحو الربا والبيع بأجل مجهول وبيع المال بالخمر لا ~~يكون موجبا للملك بحال لأن الملك نعمة وكرامة ألا ترى أن صفة المالكية إذا ~~قوبلت بالمملوكية كان معنى النعمة بالمالكية فيستدعي سببا مشروعا والقبيح ~~لعينه لا يكون مشروعا أصلا # يقرره أن النعمة تستدعي سببا مرغوبا فيه شرعا ليرغب العاقل في مباشرته ~~لتحصيل النعمة والمنهي عنه شرعا لا يجوز أن يكون مرغوبا فيه شرعا # ومنها أن الغصب لا يكون موجبا للملك عند تقرر الضمان لهذا المعنى # ومنها أن استيلاء الكفار على مال المسلم لا يكون موجبا للملك لهم شرعا ~~لأن ذلك عدوان محض فلا يكون ذلك مشروعا في نفسه ولا يصلح سببا لحكم مشروع ~~مرغوب فيه # ومنها أن صوم يوم العيد لم يبق بعد النهي صوما مشروعا حتى لا يصح التزامه ~~بالنذر لأن الصوم المشروع عبادة والعبادة اسم لما يكون المرء بمباشرته ~~مطيعا لربه فما يكون هو بمباشرته عاصيا مرتكبا للحرام لا يكون صوما مشروعا # ومنها أن العاصي في سفره كالعبد الآبق وقاطع الطريق لا يترخص برخص ~~المسافرين لأن ثبوت ذلك بطريق النعمة لدفع الحرج عنه عند السير المديد فإذا ~~كان سيره معصية لم يصلح سببا لما هو نعمة في حقه إذ النعمة تستدعي ms077 سببا ~~مشروعا وما يكون المرء عاصيا بمباشرته فإنه لا يكون مشروعا # ومنها بيع الدهن النجس فإنه لا يكون مشروعا مفيدا لحكمه لأن النجاسة لما ~~اتصلت بالدهن وصفا فصارت بحيث لا تفارقه خرج الدهن من أن يكون محلا للبيع ~~المشروع PageV01P083 والتحق بودك الميتة فخرج من أن يكون محلا للبيع مفيدا ~~لحكمه وهو الملك كما بينا في بيع الملاقيح والمضامين # قال ولا يدخل على ما ذكرنا الظهار فإنه موجب للكفارة التي هي مشروعة وإن ~~كان هو في نفسه قبيحا حراما لأنه منكر من القول وزور هذا لأن الكفارة ~~مشروعة جزاء على ارتكاب المحظور بمنزلة الحدود لا أصلا بنفسه على سبيل ~~الكرامة والنعمة والجزاء يستدعي سببا محظورا فيكون الظهار محظورا يحقق معنى ~~السببية لما هو في معنى الجزاء ولا تعدم الصلاحية لذلك # ولا يدخل عليه استيلاد أحد الشريكين الجارية المشتركة فإنه يثبت النسب ~~والملك للمستولد في نصيب شريكه وذلك حكم مشروع يثبت بسبب وطء محظور لأن ~~ثبوت النسب باعتبار وطئه ملك نفسه والنهي باعتبار أن وطأه يصادف ملك الشريك ~~أيضا وملك الشريك مجاور لملكه جمعا غير متصل بملكه وصفا وكان في الصلاحية ~~لثبوت النسب به بمنزلة الوطء في حالة الحيض # ثم إنما يملك نصيب الشريك حكما لثبوت أمية الولد في نصيبه وكون الاستيلاد ~~مما لا يحتمل الوصف بالتجزي وذلك غير محظور # ولا يدخل على هذا الطلاق في حالة الحيض أو الطهر الذي جامعها فيه فإنه ~~منهي عنه ومع ذلك كان واقعا موجبا لحكم مشروع وهو الفرقة لأن هذا النهي ~~لأجل الحيض وهو صفة المرأة غير متصل بالطلاق وصفا ولكنه مجاور له جمعا حين ~~أوقعه في وقته # وكان النهي لمعنى الإضرار بها من حيث تطويل العدة عليها أو تلبيس أمر ~~العدة عليها إذا أوقع في الطهر الذي جامعها فيه وذلك غير متصل بالطلاق الذي ~~هو سبب الفرقة أصلا ولا وصفا # ولا يدخل على ما ذكرنا إحرام المجامع لأهله فإنه ينعقد موجبا أداء ~~الأعمال وإن كان منهيا عنه لأن النهي عن الجماع مع عقد الإحرام ms078 والجماع غير ~~متصل بالإحرام أصلا ولا وصفا ولهذا كان موجبا للقضاء والشروع بصفة الفساد ~~غير موجب للقضاء بالاتفاق فتبين به أنه ينعقد صحيحا ثم فسد لارتكاب المحظور ~~به PageV01P084 ولكن الإحرام مشروع على أنه لا يخرج منه المرء بعدما شرع ~~فيه إلا بالطريق الذي عينه الشرع للخروج منه وهو أداء الأعمال أو الدم عند ~~الإحصار فيلزمه أداء الأعمال ليكتسب به طريق الخروج من الإحرام شرعا وذلك ~~مشروع فيجوز أن يلزمه أداء الأعمال أيضا # وكذلك لو جامعها بعدما أحرم فإنه لا يخرج إلا بأداء الأعمال لهذا المعنى ~~ولأن الجماع في الإحرام محظور شرعا فيجوز أن يقال ما يلزمه من أداء الأعمال ~~بعده على وجه لا يكون معتدا به في إسقاط الواجب عنه جزاء على ارتكاب ما هو ~~محظور وكلامنا فيما هو مشروع ابتداء لا جزاء وقبل الجماع لزمه أداء الأعمال ~~بسبب مشروع وليس إلى العبد ولاية تغيير المشروع وإن كان الأداء يفسد بفعل ~~منه كما تفسد الصلاة بالتكلم فيها ولا يتغير به المشروع وإذا لم يصلح فعله ~~مغيرا بقي طريق الخروج بأداء الأفعال مشروعا كما كان قبل الجماع وللشرع ~~ولاية نفي المشروع وإخراجه من أن يكون مشروعا كما له ولاية الشرع بمطلق ~~نهيه الذي هو دليل القبح في المنهي عنه فصلح أن يكون مخرجا للمنهي عنه من ~~أن يكون مشروعا فلهذا لم يبق مشروعا بعد النهي # وحجتنا ما ذكره محمد رحمه الله في كتاب الطلاق فإنه قال نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم العيد وأيام التشريق فنهانا عما يتكون وعما ~~لا يتكون والنهي عما لا يتكون لغو حتى لا يستقيم أن يقال للأعمى لا تبصر ~~وللآدمي لا تطر ومعلوم أنه إنما نهى عن صوم شرعي فالإمساك الذي يسمى صوما ~~لغة غير منهي عنه ومن أتى به لحمية أو مرض أو قلة اشتهاء لا يكون مرتكبا ~~للمنهي عنه فهذا دليل على أن الصوم الذي هو عبادة مشروع في الوقت بعد النهي ~~كما كان قبله # وتقرير هذا الكلام من وجهين ms079 أحدهما أن موجب النهي هو الانتهاء وإنما ~~يتحقق الانتهاء عن شيء والمعدوم ليس بشيء فكان من ضرورة صحة النهي موجبا ~~للانتهاء كون المنهي عنه مشروعا في الوقت فكيف يستقيم أن يجعل المنهي عنه ~~غير مشروع بحكم النهي بعدما كان مشروعا وبه تبين أن النهي ضد النسخ فالنسخ ~~PageV01P085 تصرف في المشروع بالرفع ثم ينعدم أداء العبد باعتبار أنه لم ~~يبق مشروعا وليس للعبد ولاية الشرع والنهي تصرف في منع المخاطب من أداء ما ~~هو مشروع في الوقت فيكون انعدام الأداء منه انتهاء عما نهي عنه ومقتضى ~~النهي حرمة الفعل الذي هو أداء لوجوب الانتهاء فبقي المشروع مشروعا كما كان ~~ويصير الأداء فاسدا حراما لأن فيه ترك الانتهاء الواجب بالنهي # وبيان هذا في قوله تعالى @QB@ ولا تقربا هذه الشجرة @QE@ فإنه كان تحريما ~~لفعل القربان ولم يكن تحريما لعين الشجرة وكما لا يتصور تحريم قربان الشجرة ~~بدون الشجرة لا يتحقق تحريم أداء الصوم في وقت ليس فيه صوم مشروع # وبهذا الحرف يتبين الفرق بين الأفعال الحسية والعقود الحكمية والعبادات ~~الشرعية فإنه ليس من ضرورة حرمة الأفعال الحسية انعدام التكون فقلنا تأثير ~~التحريم في إخراجها من أن تكون مشروعة أصلا وإلحاقها بما هو قبيح لعينه ومن ~~ضرورة تحريم العقود الشرعية بقاء أصلها مشروعا إذ لا تكون لها إذا لم تبق ~~مشروعة وبدون التكون لا يتحقق تحريم فعل الأداء وكذلك في العبادات فكان في ~~إبقاء المشروع مشروعا مراعاة حقيقة النهي لا أن يكون تركا للحقيقة كما قرره ~~الخصم # يوضحه أن صفة الفساد للعقد لا يكون إلا عند وجود العقد فإن الصفة لا تسبق ~~الموصوف وكذلك فساد المؤدى من الصوم لا يسبق الأداء ولا أداء إذا لم يبق ~~مشروعا فبه تبين أنه بقي مشروعا والمشروعات لا تكون قبيحا لعينه فعرفنا أن ~~القبح لوصف اتصل به فصار به الأداء قبيحا فاسدا إلا في موضع يتعذر الجمع ~~بين صفة الحرمة وبقاء الأصل فحينئذ ينعدم ضرورة ويكون ذلك نسخا من طريق ~~المعنى في صورة النهي لا أن يكون نهيا ms080 حقيقة ولا ضرورة هنا # فالصوم والصلاة يستقيم أن يكون أصله مشروعا مع كون الأداء حراما كصوم يوم ~~الشك والصلاة في وقت مكروه وكذلك العقود الشرعية يتصور بقاء أصلها مشروعا ~~مع حرمة مباشرة التصرف وفساده كالطلاق في حالة الحيض وفي الطهر الذي جامع ~~فيه امرأته # وتقرير آخر أن النهي يوجب إعدام المنهي عنه بفعل مضاف إلى كسب العبد ~~PageV01P086 واختياره لأنه ابتلاء كالأمر وإنما يتحقق الابتلاء إذا بقي ~~للعبد فيه اختيار حتى إذا انتهى معظما لحرمة الناهي كان مثابا عليه وإذا ~~أقدم عليه تاركا تعظيم حرمة الناهي كان معاقبا على إيجاده ولا يتحقق ذلك ~~إلا فيما هو مشروع فبهذا تبين أن موجب النهي إنما يتحقق في العقود الشرعية ~~والعبادات إذا كانت مشروعة بعد النهي فأما صفة القبح فهو ثابت بمقتضى النهي ~~ولكن ثبوت المقتضى لتصحيح المقتضى لا لإبطاله وإذا انعدم المشروع بمقتضى ~~صفة القبح ينعدم موجب النهي وبانعدامه يبطل النهي فلا يجوز إثبات المقتضى ~~على وجه يكون مبطلا للمقتضي # و الشافعي رحمه الله فعل ذلك فكان قوله فاسدا ونحن أثبتنا أصل النهي ~~موجبا للانتهاء ثم أثبتنا المقتضى بحسب الإمكان على وجه لا يبطل به الأصل ~~ولكن يثبت القبح والحرمة صفة لأداء العبد المشروع في الوقت فإن القبح إذا ~~كان في وصف الشيء لا يعدم أصله كالإحرام بعد الفساد فإنه يبقى أصله وإن كان ~~قبيحا لمعنى اتصل بوصفه وهو الفساد والعذر الذي ذكره يرجع إلى تحقيق ما ~~ذكرنا فإن فساد الإحرام بالجماع حكم ثابت شرعا وإلى الشرع ولاية إعدام أصل ~~الإحرام فلو كان من ضرورة صفة الفساد انعدام الأصل في المشروعات لكان الحكم ~~بفساده شرعا معدما لأصله ألا ترى أن بسبب الردة ينعدم أصل الإحرام وإن كان ~~ذلك من أعظم الجنايات لأن حبوط العمل بالردة حكم شرعي وبسبب الإحصار يتمكن ~~من الخروج من الإحرام قبل أداء الأعمال وذلك جناية من العبد ولكن جواز دفع ~~ضرر استدامة الإحرام عن نفسه حكم شرعي فيتمكن به من الخروج قبل أداء ~~الأعمال وكان ما بيناه نهاية في ms081 التحقيق ومراعاة لحقيقة موجب النهي وإثباتا ~~بمقتضاه بحسب الإمكان وبهذا يتبين الفرق بين الأمر والنهي على ما استدل به ~~الخصم فإن مطلق الأمر يوجب حسن المأمور به لعينه لأنه طلب الإيجاد بأبلغ ~~الجهات فتمام ذلك بالوجود حقيقة فكان في إثبات صفة الحسن بمقتضى الأمر على ~~هذا الوجه تحقيق المأمور به فأما النهي فطلب الإعدام بأبلغ الجهات ولكن مع ~~بقاء اختيار العبد فيه ليكون مبتلى كما في الأمر وحقيقة ذلك إنما يتكون به ~~فيما هو مشروع ويبقى بعد النهي مشروعا PageV01P087 فيثبت مقتضاه على الوجه ~~الذي يوجبه ما هو الموجب الأصلي فيه حقيقة وكما أن المأمور به لا يصير ~~موجودا بمقتضى الأمر لأنه ينعدم به معنى الابتلاء فكذلك المنهي عنه لا ~~ينعدم بمجرد النهي لتحقيق معنى الانتهاء وإذا لم ينعدم بقي مشروعا لا محالة # وبيان تخريج المسائل على هذا الأصل أن نقول الصوم مشروع في كل يوم ~~باعتبار أنه وقت اقتضاء الشهوة عادة والصوم منع النفس عن اقتضاء الشهوة ~~لابتغاء مرضاة الله تعالى ويوم العيد كسائر الأيام في هذا فكان الصوم ~~مشروعا فيه وبالنهي لم ينعدم هذا المعنى ثم النهي ليس لأنه صوم شرعي ولكن ~~لما فيه من معنى رد الضيافة وإليه وقعت الإشارة في قوله عليه السلام فإنها ~~أيام أكل وشرب وهذا المعنى باعتبار صفة اليوم وهو أنه يوم عيد فيثبت القبح ~~في الصفة دون الأصل وهو أنه يكون حرام الأداء والمؤدى يكون عاصيا بارتكابه ~~ما هو حرام ويبقى أصل الصوم مشروعا في الوقت لأنه مشروع باعتبار أصل اليوم ~~ولا قبح فيه ولهذا قلنا يصح التزامه بالنذر لأنه بالنذر يصير ملتزما في ~~ذمته ما هو عبادة مشروعة في الوقت ولا فساد في المشروع وذكر اليوم لبيان ~~مقدار ما التزمه على ما بينا أن الوقت معيار للصوم ولهذا قال أبو حنيفة ~~رحمه الله ( إنه ) لا يلزمه بالشروع وإن أفسده بعد الشروع لا يلزمه القضاء ~~لأن الشروع أداء منه فيكون حراما فاسدا فيكون هذا مطالبا بالكف عنه شرعا لا ~~بإتمامه فلا يكون الإفطار ms082 جناية منه على حق الشرع ولا يبقى في عهدته حتى ~~يحتاج إلى القضاء فأما بالنذر فلا يصير مرتكبا للحرام فيصح نذره ويؤمر ~~بالخروج عنه بصوم يوم آخر وبه يتم التحرز عن ارتكاب المحرم ولكن لو صام فيه ~~خرج عن موجب نذره لأنه التزم المشروع في الوقت ونتيقن أنه أدى المشروع في ~~الوقت إذا صام فيسقط عنه الواجب وإن كان الأداء فاسدا منه كمن نذر أن يعتق ~~عبدا بعينه فعمى ذلك العبد أو كان أعمى يتأدى المنذور بإعتاقه ولا فرق ~~بينهما فالعبد مستهلك باعتبار PageV01P088 وصفه ( قائم باعتبار أصله والصوم ~~في هذا الوقت مشروع باعتبار أصله فاسد الأداء باعتبار وصفه ) ولهذا لا ~~يتأدى واجب آخر بصوم هذا اليوم لأن ذلك وجب في ذمته كاملا وبصفة الفساد ~~والحرمة في الأداء ينعدم الكمال ضرورة وعلى هذا الصلاة في الأوقات المكروهة ~~فالأداء منهي لمعنى هو صفة الوقت وهو أنه وقت مقارنة الشيطان الشمس على ما ~~ورد به الأثر فلا ينعدم أصل العبادة مشروعا فيه ولكن يحرم الأداء ويلزم ~~بالشروع كما يلزم بالنذر لأن الصلاة عبادة معلومة بأركانها والوقت ظرف لها ~~لا معيار فلا يصير مؤديا بمجرد الشروع والمحرم هو الأداء ويتصور بهذا ~~الشروع الأداء بدون صفة الحرمة بأن يصير حتى تبيض الشمس فلم يكن الشروع ~~فاسدا كما لم يكن النذر فاسدا فيلزمه القضاء لهذا ولكن لا يتأدى به واجب ~~آخر لأن النهي باعتبار وصف الوقت الذي هو ظرف للأداء يمكن نقصانا في الأداء ~~والواجب في ذمته بصفة الكمال فلا يتأدى بالناقص إلا عصر يومه فإن الوجوب ~~باعتبار ذلك الجزء الذي هو سبب وإنما يثبت الوجوب بصفة النقصان وقد أدى ~~بتلك الصفة فسقط عنه الواجب وعلى هذا قلنا البيع الفاسد يكون مشروعا بأصله ~~موجبا لحكمه وهو الملك إذا تأيد بالقبض لأن المشروع إيجاب وقبول من أهله في ~~محله وبالشرط الفاسد لا يختل شيء من ذلك ألا ترى أن الشرط لو كان جائزا لم ~~يكن مبدلا لأصله بل يكون مغيرا لوصفه والشرط الفاسد لا يكون معدما لأصله ms083 ~~أيضا بل يكون مغيرا لوصفه فصار فاسدا وليس من ضرورة صفة الفساد فيه انعدام ~~أصله لأن بالفساد يثبت صفة الحرمة وهذا السبب مشروع لإثبات الملك وملك ~~اليمين مع صفة الحرمة يجتمع ألا ترى أن من اشترى أمة مجوسية أو مرتدة يثبت ~~الملك له مع الحرمة وأن العصير إذا تخمر يبقى مملوكا له مع الحرمة فلهذا ~~أثبتنا في البيع الفاسد ملكا حراما مستحق الدفع لفساد السبب ولم ينعدم به ~~أصل المشروع بخلاف النكاح الفاسد فإنه ليس في النكاح إلا ملكا ضروريا يثبت ~~به حل الاستمتاع ولهذا سمي ذلك الملك حلالا في نفسه ومن ضرورة فساد السبب ~~ثبوت صفة الحرمة وبين الحرمة PageV01P089 وبين ملك النكاح منافاة فينعدم ~~الملك ومن ضرورة انعدامه خروج السبب من أن يكون مشروعا لأن الأسباب الشرعية ~~تراد لأحكامها وثبوت النسب ووجوب المهر والعدة من حكم الشبهة لا من حكم أصل ~~العقد شرعا وهذا الكلام يتضح في النكاح بغير شهود فإن قوله عليه السلام لا ~~نكاح إلا بشهود إخبار عن عدمه بدون هذا الشرط فيكون نفيا لا نهيا بمنزلة ~~قول الرجل لا رجل في الدار وكذلك في نكاح المحارم فإن النص الوارد فيه ~~تحريم العين بقوله تعالى @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم @QE@ إلى آخر ~~الآية ولا يجتمع الحل والحرمة في محل واحد فكان ذلك نفيا للحل بالنكاح لا ~~نهيا وكذلك نكاح المعتدة فإن قوله تعالى @QB@ والمحصنات من النساء @QE@ ~~معطوف على قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ معناه وحرمت المحصنات ~~من النساء وذلك عبارة عن منكوحة الغير ومعتدته فيكون نفيا لا نهيا وكذلك ~~قوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء @QE@ فقد ظهر بالدليل ~~أن الحرمة الثابتة بالمصاهرة هي الثابتة بالنسب على أن تقوم المصاهرة مقام ~~النسب في ذلك فكان تقديره وحرمت عليكم ما نكح آباؤكم وتصير صورة النهي ~~عبارة عنه مجازا باعتبار هذا المعنى فكان نفيا كما هو موجب النسخ لا نهيا ~~وكذلك قوله عليه السلام لا تنكح الأمة على الحرة فإنه إخبار فيكون نفيا ~~للنكاح مع أن الدلالة قد ms084 قامت على أن الأمة من جملة المحرمات مضمومة إلى ~~الحرة فإن الحل فيه على النصف من حل الحرة على ما نبينه في موضعه إن شاء ~~الله تعالى ومن ضرورة حرمة المحل انتفاء النكاح المشروع فيه كما قررناه ~~وعلى هذا عقد الربا فإنه نوع بيع ولكنه فاسد لا بخلل في ركنه بل لانعدام ~~شرط الجواز وهو المساواة في القدر فكما أن بوجود شرط مفسد لا ينعدم أصل ~~المشروع فكذلك بانعدام شرط مجوز لا ينعدم أصل المشروع وثبوت ملك حرام به ~~كما اقتضاه مثل هذا السبب # فإن قيل قوله تعالى @QB@ وحرم الربا @QE@ PageV01P090 يوجب نفي أصله ~~مشروعا كقوله تعالى @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ بل أولى لأنه أضاف هذا ~~التحريم إلى نفسه وهناك الحرمة مضافة إلى الأم # قلنا الربا عبارة عن الفضل فمعنى قوله تعالى @QB@ وحرم الربا @QE@ أي حرم ~~اكتساب الفضل الخالي عن العوض بسبب التجارة ونحن نثبت هذه الحرمة ولكن بينا ~~أنه ليس من ضرورة الحرمة في ملك اليمين انتفاء أصل الملك وعلى هذا قلنا بيع ~~العبد بالخمر فإن الخمر فاسد التقوم شرعا ولم تنعدم به أصل المالية الثابتة ~~فيه بالتمول فإن تموله ما فسد شرعا لما فيه من عرضية التخلل إذ التمول ~~للشيء عبارة عن صيانته وادخاره لوقت الحاجة وإمساك الخمر إلى أن يتخلل لا ~~يكون حراما شرعا بمنزلة من أحرم وله صيد فإن الصيد لا يكون متقوما في حق ~~تصرفه حتى لا يتمكن من التصرف فيه ويكون محرم العين في حقه ولكن لا ينعدم ~~أصل المالية فيه باعتبار ماله وهو ما بعد التحلل من الإحرام ولهذا اختلف ~~العلماء في جواز هذا البيع فمنهم من يقول هو جائز بالقيمة ولو قضى القاضي ~~بهذا نفذ قضاؤه فإذا تبين أنه لم ينعدم ما هو ركن العقد قلنا ينعقد العقد ~~موجبا حكمه في محل يقبله وهو العبد ولا ينعقد موجبا للحكم في محل لا يقبله ~~وهو الخمر حتى لا يملك الخمر وإن قبضه بحكم العقد بخلاف البيع بالميتة ~~والدم فإنه لا مالية في الميتة والدم باعتبار ms085 الحال ولا باعتبار المآل ~~وكذلك جلد الميتة لا مالية فيه باعتبار الحال فإنه لو ترك كذلك فإنه يفسد ~~وإنما تحدث فيه المالية بصنع مكتسب وهو الدباغة ولهذا اتفق العلماء على ~~بطلان هذا العقد ولو قضى قاض بجوازه لم ينفذ قضاؤه فلانعدام ما هو ركن ~~العقد لم ينعقد العقد لأن انعقاده شرعا لا يكون بدون ركنه وعلى هذا جوزنا ~~بيع الدهن الذي وقع فيه نجاسة لأن الدهن مال متقوم وبوقوع النجاسة فيه ما ~~انعدم أصله ولا تغير وصفه إنما جاوره أجزاء النجاسة ولأجله حرم تناوله ~~فيكون بمنزلة النهي الذي ورد لمعنى في غير المنهي عنه وهو غير متصل به وصفا ~~ومثل هذا النهي لا يمنع جواز العقد كما لا يمنع كمال العبادة ولهذا يتأدى ~~الفرض بأداء الصلاة في الأرض المغصوبة PageV01P091 ويتأدى صوم الفرض في ~~أيام الوصال إذا نواه لأن النهي بالمجاورة لا لمعنى اتصل بالوقت الذي يؤدى ~~فيه الصوم إلا أن الوصال لا يتحقق لأن الشرع أخرج زمان الليل من أن يكون ~~وقتا لركن الصوم وهو الإمساك باعتبار أن الإمساك فيه عادة فكان ذلك نسخا ~~استعير لفظ النهي له مجازا ولا كلام في جواز ذلك إنما الكلام في موجب النهي ~~حقيقة # ثم في البيع يمكن تمييز الدهن مما جاوره حكما فيكون البيع متناولا للدهن ~~دون النجاسة وفي التناول لا يمكن تمييز الدهن مما جاوره فلا يحل تناوله ~~فلهذا جاز بيع الثوب النجس ولا تجوز الصلاة فيه وعلى هذا قلنا العاصي في ~~سفره يترخص بالرخص لأن سبب الرخصة السير المديد وهو موجود بصفة الكمال لا ~~قبح في أصله ولا في صفته وإنما القبح في معنى جاوره وهو قصده إلى قطع ~~الطريق أو تمرد العبد على مولاه ألا ترى أنه إذا ترك قصده بقصد الحج خرج من ~~أن يكون عاصيا ولم يتغير سفره وإنما تبدل قصده وكذلك العبد إذا لحقه إذن ~~مولاه لم يتغير سفره وخرج من أن يكون عاصيا وعلى هذا قلنا في قوله تعالى ~~@QB@ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا @QE@ إن هذا ms086 النهي لا يعدم أصل الشهادة ~~للقاذف حتى ينعقد النكاح بشهادته ولكن يفسد أداؤه حتى يخرج من أن يكون أهلا ~~للعان لأن اللعان أداء وأداؤه فاسد بعد هذا النهي المطلق وعلى هذا قلنا ~~الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأن الزنا قبيح لعينه وحرمة المصاهرة ليست ~~تثبت بالزنا ولا بالوطء الحلال بعينه إنما الأصل فيه الولد المخلوق من ~~الماءين وهو محترم مخلوق بخلق الله تعالى على أي وجه اجتمع الماءان في ~~الرحم كما قال تعالى @QB@ ثم أنشأناه خلقا آخر @QE@ فلا يتمكن فيه صفة ~~القبح وتثبت الحرمة بطريق الكرامة له ثم تتعدى الحرمة إلى أطرافه وإلى ~~أسباب خلقه فيقام السبب وهو الوطء في المحل الصالح لحدوث الولد فيه مقام ~~نفس الولد في إثبات الحرمة وما قام مقام غيره في إثبات حكم فإنما تراعى ~~صلاحية السبب للحكم في الأصل لا فيما قام مقامه بمنزلة التراب فإنه قائم ~~مقام الماء في الطهارة وصلاحية PageV01P092 السبب لهذا الحكم في استعمال ~~الماء الذي هو الأصل لا في استعمال التراب فإنه تلويث ولهذا لم يكن وطء ~~الميتة والإتيان في غير المأتى ووطء الصغيرة موجبا الحرمة لأن قيام الوطء ~~مقام الولد في هذا الحكم باعتبار كون المحل محلا يخلق فيه الولد وذلك لا ~~يوجد في هذه المواضع وعلى هذا قلنا في استيلاء الكفار على أموالنا إذا تم ~~بالإحراز فهو موجب للملك لأن صفة الحرمة والقبح لهذا الفعل بواسطة العصمة ~~في المحل وهذه الواسطة ثابتة من طريق الحكم في حقنا لا في حقهم فإنهم لا ~~يعتقدون ذلك وولاية الإلزام منقطعة بانعدام ولايتنا عنهم في دار الحرب لأن ~~هذه الواسطة هي العصمة الثابتة بالإحراز بدار الإسلام عندنا وقد انتهت هذه ~~العصمة بانتهاء سببها حين أحرزوها بدارهم حتى إن في زمان الإحراز لما كانت ~~العصمة عن الاسترقاق بالحرية المتأكدة بالإسلام ولم تنته بالإحراز الموجود ~~منهم قلنا لا يملكون رقابنا وعلى هذا قلنا الغصب سبب موجب للملك عند تقرر ~~الضمان لأنه قبيح بأنه غصب والملك لا يثبت به وإنما يثبت الملك للغاصب ~~بتملك المغصوب ms087 منه بدله وهو القيمة عليه وهذا حكم شرعي لا قبح فيه بل فيه ~~حكمة بالغة وهو التحرز عن فضل خال عن العوض سالم للمغصوب منه شرعا فإنه إذا ~~اجتمع الأصل والبدل في ملكه يتحقق هذا المعنى فيه مع أن الملك إنما لا يبقى ~~للمغصوب منه ليتم به شرط سلامة الضمان له فإن الضمان ضمان جبر وإنما يجبر ~~الفائت لا القائم فكان انعدام ملكه في العين شرطا لسلامة الضمان له وشرط ~~الشيء تبعه فإنما تراعى صلاحية السبب في الأصل لا في التبع وفي المدبر على ~~هذا الطريق نقول لما سلم الضمان للمغصوب منه بجعل الأصل زائلا عن ملكه حكما ~~لأن المدبر محتمل لذلك ولهذا لو اكتسب هو كسبا ثم لم يرجع من إباقه حتى مات ~~كان ذلك الكسب للغاصب وإنما لم يثبت الملك للغاصب فيه صيانة لحق المدبر ~~والتدبير موجب حق العتق له عند الموت ولهذا امتنع بيعه وفي القن بعد ما زال ~~ملك المغصوب منه لا مانع PageV01P093 من دخوله في ملك الغاصب الضامن وهذا ~~أحق الناس به لأنه ملك عليه بدله أو نقول في المدبر لا يمكن أن يجعل الضمان ~~بدلا عن العين لأن من شرطه انعدام ملكه في العين وهذا الشرط لا يمكن إيجاده ~~بحق المدبر فجعلنا الضمان ضمان الجناية واجبا باعتبار الجناية على يده وهذا ~~جائز عند الضرورة ولا ضرورة في القن فيجعل بدلا عن العين ولهذا قلنا لو أخذ ~~القيمة بطريق الصلح بغير قضاء القاضي لا يملك عليه المدبر ويملك عليه القن # وهذا طريق في تخريج جنس هذه المسائل # # | فصل في بيان حكم الأمر والنهي في أضدادهما # قال رضي الله عنه اعلم أن العلماء يختلفون فيهما جميعا فنبين كل واحد ~~منهما على الانفراد ليكون أوضح # أما بيان حكم الأمر فقد قال بعض المتكلمين لا حكم للأمر في ضده # وقال الجصاص رحمه الله الأمر بالشيء يوجب النهي عن ضده سواء كان له ضد ~~واحد أو أضداد # وقال بعضهم يوجب كراهة ضده والمختار عندنا أنه يقتضي كراهة ضده ولا ms088 نقول ~~إنه يوجبه أو يدل عليه مطلقا # وحجة الفريق الأول أن الضد مسكوت عنه والسكوت عنه لا يكون موجبا شيئا ألا ~~ترى أن التعليق بشرط لا يوجب نفي المعلق قبل وجود الشرط لأنه مسكوت عنه ~~فيبقى على ما كان قبل التعليق فهنا أيضا الضد مسكوت عنه فيبقى على ما كان ~~قبل الأمر # يقرره أن الأمر فيما وضع له لا يوجب حكما فيما لم يتناوله النص إلا بطريق ~~التعدية إليه بعد التعليل فلأن لا يوجب حكما في ضد ما وضع له كان أولى وعلى ~~قول هؤلاء الذم والإثم على من ترك الائتمار باعتبار أنه لم يأت بما أمر به # قال الجصاص رحمه الله وهو قول قبيح فإن فيه قولا باستحقاق العبد العقوبة ~~على ما لم يفعله واستحقاق العقوبة إنما هو باعتبار فعل فعله العبد ثم إنه ~~بنى مذهبه على أن الأمر المطلق يوجب الائتمار على الفور فقال من ضرورة وجوب ~~الائتمار على الفور حرمة الترك الذي هو ضده والحرمة حكم النهي فكان موجبا ~~للنهي عن ضده بحكمه # يوضحه أن الأمر طلب الإيجاد للمأمور به على PageV01P094 أبلغ الجهات ~~والاشتغال بضده يعدم ما وجب بالأمر وهو الإيجاد فكان حراما منهيا عنه ~~لمقتضى حكم الأمر ولهذا يستوي فيه ما يكون ضد واحد أو أضداد فبأي ضد اشتغل ~~ينعدم ما هو المطلوب ألا ترى أنه إذا قال لغيره اخرج من هذه الدار سواء ~~اشتغل بالقعود فيها أو الاضطجاع أو القيام ينعدم ما أمر به وهو الخروج # وهذا هو الحجة للفريق الثالث إلا أنهم يقولون حرمة الضد بهذا الطريق تثبت ~~بواسطة حكم الأمر فإنما ثبت أدنى الحرمة فيه لأن ما ثبت بطريق الدلالة لا ~~يكون مثل الثابت بالنص والثابت بالنص ثابت من كل وجه وهذا ثابت من وجه دون ~~وجه لتحقيق حكم الأمر ويكفي لذلك أدنى الحرمة بمنزلة حرمة تثبت بالنهي ~~لمعنى في غير المنهي عنه غير متصل بالنهي عنه فتثبت به الكراهة فقط # ووجه القول المختار هذا الكلام أيضا إلا أنا نقول ثبوت الحرمة بطريق ms089 ~~الاقتضاء هنا لأن طلب الوجود بالأمر يقتضي حرمة الضد ولا يثبت بدلالة النص ~~إلا مثل ما هو ثابت بالنص أو أقوى منه كالتنصيص على حرمة التأفيف بدليل ~~حرمة الشتم لأن فيه ذلك الأذى وزيادة فأما ما ثبت بطريق الاقتضاء فهو ثابت ~~لأجل الضرورة وإنما يثبت بقدر ما ترتفع به الضرورة ووجود أحد الضدين يقتضي ~~انتفاء الضد الآخر كالليل مع النهار فكان وجوب الأداء بالأمر مقتضيا نفي ~~الضد وإنما حرم الضد بهذا الاقتضاء فلهذا قلنا إن الأمر بالشيء يقتضي كراهة ~~ضده لا أن يكون موجبا له أو دليلا عليه # وما ذكره الجصاص أن مطلق الأمر يوجب الائتمار على الفور دعوى منه وقد ~~ذكرنا أن الرواية بخلاف ذلك # والجواب عما قاله الفريق الأول أن الضد مسكوت عنه يتضح بالتقرير الذي ~~قلنا في وجه المختار وهو أن ثبوت كراهة ضده بطريق الاقتضاء والمقتضى مسكوت ~~عنه فإن ما يكون منصوصا عليه لا يكون ثبوته بطريق الاقتضاء ولا خلاف بيننا ~~وبينهم أن الاقتضاء طريق صحيح لإثبات المقتضى وإن كان مسكوتا عنه بعد أن ~~يكون محتاجا إليه وليس هذا نظير التعليق بالشرط فإن ذلك يوجب وجود الحكم ~~ابتداء عند وجود الشرط ومن ضرورة وجود الحكم عند وجود الشرط ابتداء أن لا ~~يكون موجودا قبله ولكن انعدامه قبل وجود الشرط عدم أصلي فلا يصير مضافا إلى ~~الوجود عند وجود الشرط نصا ولا اقتضاء لأن العدم الأصلي لا يستدعي دليلا ~~معدما يضاف إليه وأما ههنا وجوب الإقدام على الإيجاد PageV01P095 يقتضي ~~حرمة الترك والحرمة الثابتة بمقتضى الشيء تكون مضافا إليه فجعلنا قدر ما ~~يثبت من الحرمة وهو الموجب للكراهة مضافا إلى الأمر اقتضاء # وإذا تبين حكم الأمر فكذلك حكم النهي في ضده على هذه الأقاويل الأربعة # فالفريق الأول يقولون لا حكم له في ضده لأنه مسكوت عنه ويستدلون على ذلك ~~بقوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا أنفسكم @QE@ فإنه لا يكون أمرا بضده وهو ترك ~~قتل النفس إذ لو كان أمرا به لكان تارك قتل النفس مباشرا لفعل الطاعة وهو ~~الائتمار بالأمر ms090 فإنه يكون مستحق الثواب الموعود للمطيعين وهذا فاسد # وقال الجصاص رحمه الله النهي عن الشيء يوجب ضده إن كان له ضد واحد وإن ~~كان له أضداد فلا موجب له في شيء من أضداده وبين ذلك في الحركة والسكون فإن ~~قول القائل لا تتحرك يكون أمرا بضده وهو السكون لأن للمنهي عنه ضدا واحدا ~~وقوله لا تسكن لا موجب له في ضده لأن له أضدادا وهي الحركة من الجهات الست ~~فإن السكون ينعدم من أي جانب كانت الحركة فلا يتعين واحد من الأضداد مأمورا ~~به بموجب النهي وإذا قال لغيره لا تقم فللمنهي عنه أضداد من القعود ~~والاضطجاع فلا موجب لهذا النهي في شيء من أضداده # قال لأن موجب النهي إعدام المنهي عنه بأبلغ الوجوه وإذا كان له ضد واحد ~~فمن ضرورة وجوب الإعدام الكف عن الإيجاد فيكون النهي موجبا الأمر بالضد ~~بحكمه # واستدل على ذلك بقوله تعالى @QB@ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن @QE@ فإنه نهى عن الكتمان وهو موجب الأمر بالإظهار ولهذا وجب قبول ~~قولها فيما تخبره لأنها مأمورة بالإظهار ونهى المحرم عن لبس المخيط لا يكون ~~أمرا بلبس شيء عين من غير المخيط لأن للمنهي عنه أضدادا هنا وبحكم النهي لا ~~يثبت الأمر بجميع الأضداد وليس بعضها بأولى من البعض # يوضح الفرق بينهما أن مع التصريح بالنهي فيما له ضد واحد لا يستقيم ~~التصريح بالإباحة في الضد فإنه لو قال نهيتك عن التحرك وأبحت لك السكون أو ~~أنت بالخيار في السكون كان كلاما مختلا لأن موجب النهي تحريم المنهي عنه ~~ومع تحريمه لا يتصور التخيير في ضده لاستحالة انعدامهما جميعا وصفة الإباحة ~~تقتضي PageV01P096 التخيير وبهذا يتبين فساد ما ذهب إليه الفريق الأول من ~~أن الضد مسكوت عنه ولا تعويل على استدلالهم بالنهي عن قتل النفس لأنا نجعل ~~ذلك بمنزلة التصريح بالكف عن قتل النفس لتحقيق موجب النهي والناس تكلموا في ~~أن الأمر بالكف عن قتل النفس ما حكمه منهم من قال معنى الابتلاء لا يتحقق ms091 ~~في مثل هذا لأن طبع كل واحد يحمله على ذلك ونيل الثواب في العمل بخلاف هوى ~~النفس ليتحقق فيه الابتلاء # قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه ينال به ثواب المطيعين عند قصد امتثال ~~الأمر وإظهار الطاعة وهكذا نقول إذا ثبت ذلك بحكم النهي فأما إذا كان ~~للمنهي عنه أضداد يستقيم التصريح بالإباحة في جميع الأضداد بأن تقول لا ~~تسكن وأبحت لك التحرك من أي جهة شئت فعرفنا أنه لا موجب لهذا النهي في شيء ~~من الأضداد وقول من يقول بأن مثل هذا النهي يكون أمرا بأضداده يؤدي إلى ~~القول بأنه لا يتصور من العبد فعل مباح أو مندوب إليه فإن المنهي عنه محرم ~~وأضداده واجب بالأمر الثابت بمقتضى النهي فكيف يتصور منه فعل مباح أو مندوب ~~إليه وفي اتفاق العلماء على أن أقسام الأفعال التي يأتي بها العبد عن قصد ~~أربعة واجب ومندوب إليه ومباح ومحظور دليل على فساد قول هذا القائل # وأما الفريق الثالث فيقولون موجب النهي في ضده إثبات سنة تكون في القوة ~~كالواجب لأن هذا أمر ثبت بطريق الدلالة فيكون موجبه دون موجب الثابت بالنص ~~وعلى القول المختار يحتمل أن يكون مقتضيا هذا المقدار على قياس ما بينا في ~~الأمر وكذلك إذا كان للمنهي عنه أضداد فإنه يثبت هذا القدر من المقتضي في ~~أي أضداده يأتي به المخاطب ولهذا قلنا بأن النهي عن لبس المخيط في حالة ~~الإحرام يثبت أن السنة لبس الإزار والرداء وذلك أدنى ما يقع به الكفاية من ~~غير المخيط # فأما قوله @QB@ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن @QE@ فهو ~~نسخ وليس بنهي بمنزلة قوله تعالى @QB@ لا يحل لك النساء من بعد @QE@ وإنما ~~كان هذا أمرا بالإظهار بواسطة أن الكتمان لم يبق مشروعا وهو نظير قوله لا ~~نكاح إلا بشهود وقد PageV01P097 بينا تحقيق هذا المعنى فيما سبق فأما بيان ~~فائدة الأصل المذكور في هذا الفصل من مسائل الفقه أن نقول لما كان الأمر ~~مقتضيا كراهة الضد لم يكن ضده مفسدا ms092 للعبادة إلا أن يكون مفوتا لما هو واجب ~~بصيغة الأمر ولكن يكون مكروها في نفسه فإن المأمور بالقيام في الصلاة إذا ~~قعد لا تفسد صلاته لأنه لم يفت بهذا الضد ما هو الواجب بالأمر وهو القيام ~~إذا أتى به بعد القعود ولكن القعود مكروه في نفسه ولكون النهي مقتضيا في ~~ضده ما بينا من صفة السنة قلنا لا ينعدم بالضد ما هو موجب صيغة النهي فإن ~~ركن العدة الامتناع من الخروج والتزوج ثبت ذلك بصيغة النهي قال تعالى @QB@ ~~ولا يخرجن @QE@ وقال @QB@ ولا تعزموا عقدة النكاح @QE@ فإن فعلت ذلك لم ~~ينعدم به مأمور ما هو ركن الاعتداد حتى تنقضي العدة بخلاف الكف في باب ~~الصوم فإنه واجب بصيغة الأمر نصا قال تعالى @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل ~~@QE@ فينعدم الأداء بمباشرة الضد وهو الأكل وعلى هذا قلنا العدتان تنقضيان ~~بمضي مدة واحدة لأن الكف في العدة ثابت بمقتضى النهي ولا تضايق فيما هو ~~موجب النهي نصا وهو التحريم ولا يتحقق أداء الصومين في يوم واحد لتضايق ~~الوقت في ركن كل صوم وهو الكف إلى وقت فإنه ثابت بالأمر نصا ولا يتحقق ~~اجتماع الكفين في وقت واحد وعلى هذا قال أبو يوسف رحمه الله من سجد في ~~صلاته على مكان نجس ثم سجد على مكان طاهر جازت صلاته لأن المأمور به السجود ~~على مكان طاهر ومباشرة الضد بالسجود على مكان نجس لا يفوت المأمور به فيكون ~~مكروها في نفسه ولا يكون مفسدا للصلاة وعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما ~~الله تفسد به الصلاة لأن تأدي المأمور به لما كان باعتبار المكان فما يكون ~~صفة للمكان الذي يؤدى الفرض عليه يجعل بمنزلة الصفة له حكما فيصير هو ~~كالحامل للنجاسة إذا سجد على مكان نجس والكف عن حمل النجاسة مأمور به في ~~جميع الصلاة فيفوت ذلك بالسجود على مكان نجس كما أن الكف عن اقتضاء الشهوة ~~لما كان مأمورا به في جميع وقت الصوم يتحقق الفوات بالأكل في جزء من الوقت ~~فيه وعلى هذا قال ms093 أبو يوسف بترك القراءة في شفع من التطوع لا يخرج عن حرمة ~~الصلاة لأنه مأمور بالقراءة في الصلاة وذلك نهي عن ضده اقتضاء فترك القراءة ~~ما لم يكن مفوتا للفرض لا PageV01P098 يكون مفسدا ومع احتمال أداء شفع آخر ~~بهذه التحريمة لا يتحقق فوات هذا الفرض فتبقى التحريمة صحيحة قابلة لبناء ~~شفع آخر عليها وإن فسد أداء الشفع الأول بترك القراءة # وقال محمد رحمه الله القراءة فرض من أول الصلاة إلى آخرها حكما ولهذا لا ~~يصلح الأمي خليفة للقارىء وإن كان قد رفع رأسه من السجدة الأخيرة وأتى بفرض ~~القراءة في محلها وإذا كان مستديما حكما يتحقق فوات ما هو الفرض بترك ~~القراءة في ركعة فيخرج به من تحريمة الصلاة # وقال أبو حنيفة رحمه الله كل شفع من التطوع صلاة على حدة ولهذا تفترض ~~القراءة في كل ركعة من الشفع عندنا كما تفترض في كل ركعة من الفجر إلا أن ~~بترك القراءة في ركعة من التطوع لا يفوت ما هو المأمور به من القراءة في ~~الصلاة نصا فلا تنقطع التحريمة وبترك القراءة في الركعتين يفوت ما هو الفرض ~~قطعا فيكون ذلك قطعا للتحريمة وهكذا نقول في الفجر فإن بترك القراءة في ~~ركعة يفسد الفرض ولكن لا تنحل التحريمة بل تنقلب تطوعا في إحدى الروايتين ~~عن أبي حنيفة رحمه الله وفي الرواية الأخرى يقول في التطوع احتمال بناء شفع ~~آخر عليه قائم فإذا فعل ذلك كان الكل في حكم صلاة واحدة ولا تنقطع التحريمة ~~بترك القراءة في ركعة منها ومثل هذا الاحتمال غير موجود في الفجر حتى إن في ~~ظهر المسافر لبقاء هذا الاحتمال بنية الإقامة قال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~رحمهما الله لا تفسد بترك القراءة في ركعة منها حتى إذا نوى الإقامة أتم ~~صلاته وقضى ما ترك من القراءة في الشفع الثاني فيجزيه ذلك وعلى هذا نقول إن ~~بترك القراءة في التطوع في الركعتين جميعا لا تنحل التحريمة عنده لاحتمال ~~بناء شفع آخر عليه كما في فصل المسافر ولكنه يفسد ms094 لتحقق فوات ما هو فرض في ~~هذه الصلاة فإنه وإن بنى الشفع الثاني على تحريمته لا يخرج به من أن يكون ~~الشفع الأول صلاة على حدة حقيقة وحكما ولهذا لا يفسد الشفع الأول بمفسد ~~يعترض في الشفع الثاني والمسائل التي تخرج على هذا الأصل يكثر تعدادها ~~والله أعلم # PageV01P099 # | فصل في بيان أسباب الشرائع # قال رضي الله عنه اعلم بأن الأمر والنهي على الأقسام التي بيناها لطلب ~~أداء المشروعات ففيها معنى الخطاب بالأداء بعد الوجوب بأسباب جعلها الشرع ~~سببا لوجوب المشروعات والموجب هو الله تعالى حقيقة لا تأثير للأسباب في ~~الإيجاب بأنفسها والخطاب يستقيم أن يكون سببا موجبا للمشروعات إلا أن الله ~~تعالى جعل أسبابا أخر سوى الخطاب سبب الوجوب تيسيرا للأمر على العباد حتى ~~يتوصل إلى معرفة الواجبات بمعرفة الأسباب الظاهرة وقد دل على ما بينا قوله ~~تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ فإن الألف واللام دليل على أن ~~المراد أقيموا الصلاة التي أوجبتها عليكم بالسبب الذي جعلته سببا لها وأدوا ~~الزكاة الواجبة عليكم بسببها كقول القائل أد الثمن فإنما يفهم منه الخطاب ~~بأداء الثمن الواجب بسببه وهو البيع # ثم أصل الوجوب في المشروعات جبر لا صنع للعبد فيه ولا اختيار فإن الموجب ~~هو الله تعالى تعبد العباد بما أوجبها عليهم فكما لا صنع لهم في صفة ~~العبودية الثابتة عليهم لا صنع لهم في أصل الوجوب وباعتبار الأسباب التي ~~جعلها الشرع سببا لا اختيار لهم في أصل الوجوب أيضا كما أنه لا اختيار لهم ~~في السبب فأما وجوب الأداء الثابت بالخطاب لا ينفك عن اختيار يكون فيه ~~للعبد عند الأداء وبه يتحقق معنى العبادة والابتلاء في المؤدي وهذا لأن ~~التكليف بقدر الوسع شرعا وأصل الوجوب يثبت بتقرر السبب مع انعدام الخطاب ~~بالأداء الثابت بالأمر والنهي فإن من مضى عليه وقت الصلاة وهو نائم تجب ~~عليه الصلاة حتى يؤدى الفرض إذا انتبه فالخطاب موضوع عن النائم وكذلك ~~المغمى عليه إذا لم يبق لتلك الصفة أكثر من يوم وليلة أو المجنون إذا لم ms095 ~~يزدد جنونه على يوم وليلة يثبت حكم وجوب الصلاة PageV01P100 في حقه حتى ~~يلزمه القضاء والخطاب موضوع عنه ألا ترى أن المجنون أو المغمى عليه لو كان ~~كافرا فكما أفاق أسلم لم تلزمه قضاء الصلوات لما لم يثبت الوجوب في تلك ~~الحالة في حقه لانعدام الأهلية فإن الأسباب إنما توجب على من يكون أهلا ~~للوجوب عليه وكذلك المغمى عليه في جميع شهر رمضان أو المجنون في بعض الشهر ~~يثبت الوجوب في حقهما حتى يجب القضاء بعد الإفاقة والخطاب موضوع عنهما ~~وكذلك الزكاة على أصل الخصم تجب على الصبي والمجنون والخطاب موضوع عنهما ~~وبالاتفاق يجب عليهما العشر وصدقة الفطر وكذلك يجب عليهما حقوق العباد عند ~~تحقق الأسباب منهما أو من الولي على سبيل النيابة عنهما كالصداق الذي ~~يلزمهما بتزويج الولي إياهما والعتق الذي يستحقه القريب عليهما عند دخوله ~~في ملكهما بالإرث وإن كان الخطاب موضوعا عنهما # إذا تقرر هذا فنقول الأسباب التي جعلها الشرع موجبا للمشروعات هي الأسباب ~~التي تضاف المشروعات إليها وتتعلق بها شرعا لأن إضافة الشيء إلى الشيء في ~~الحقيقة تدل على أنه حادث به كما يقال كسب فلان أي حدث له باكتسابه وقد ~~يضاف إلى الشرط مجازا أيضا على معنى أن وجوده يكون عند وجود الشرط ولكن ~~المعتبر هو الحقيقة حتى يقوم دليل المجاز وتعلق الشيء بالشيء يدل على نحو ~~ذلك فحين رأينا إضافة الصلاة إلى الوقت شرعا وتعلقها بالوقت شرعا أيضا حتى ~~تتكرر بتكررها مع أن مطلق الأمر لا يوجب التكرار وإن كان معلقا بشرط ألا ~~ترى أن الرجل إذا قال ( لغيره ) تصدق بدرهم من مالي لدلوك الشمس لا يقتضي ~~هذا الخطاب التكرار ورأينا أن وجوب الأداء الثابت بقوله تعالى @QB@ أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس @QE@ غير مقصور على المرة الواحدة ثبت أن تكرار الوجوب ~~باعتبار تجدد السبب بدلوك الشمس في كل يوم ثم وجوب الأداء مرتب عليه بحكم ~~هذا الخطاب وحرف اللام في قوله تعالى @QB@ لدلوك الشمس @QE@ دليل على ~~تعلقها بذلك الوقت كما يقال تأهب للشتاء وتطهر للصلاة ولم ms096 يتعلق بها وجودا ~~PageV01P101 عندها فعرفنا أن تعلق الوجوب بها بجعل الشرع ذلك الوقت سببا ~~لوجوبها فنقول وجوب الإيمان بالله تعالى كما هو بأسمائه وصفاته بإيجاب الله ~~وسببه في الظاهر الآيات الدالة على حدث العالم لمن وجب عليه وهذه الآيات ~~غير موجبة لذاتها وعقل من وجب عليه غير موجب عليه أيضا ولكن الله تعالى هو ~~الموجب بأن أعطاه آلة يستدل بتلك الآلة على معرفة الواجب كمن يقول لغيره ~~هاك السراج فإن أضاء لك الطريق فاسلكه كان الموجب للسلوك في الطريق هو ~~الأمر بذلك لا الطريق بنفسه ولا السراج فالعقل بمنزلة السراج والآيات ~~الدالة على حدث العالم بمنزلة الطريق والتصديق من العبد والإقرار بمنزلة ~~السلوك في الطريق فهو واجب بإيجاب الله تعالى حقيقة وسببه الظاهر الآيات ~~الدالة على حدث العالم ولهذا تسمى علامات فإن العلم للشيء لا يكون موجبا ~~لنفسه ولا نعني أن هذه الآيات توجب وحدانية الله تعالى ظاهرا أو حقيقة ~~وإنما نعني أنها في الظاهر سبب لوجوب التصديق والإقرار على العبد ولكون هذه ~~الآيات دائمة لا تحتمل التغير بحال إذ لا يتصور للمحدث أن يكون غير محدث في ~~شيء من الأوقات فكان فرضية الإيمان بالله تعالى دائما بدوام سببه غير محتمل ~~للنسخ والتبديل بحال ولهذا صححنا إيمان الصبي العاقل لأن السبب متقرر في ~~حقه والخطاب بالأداء موضوع عنه بسبب الصبا لأن الخطاب بالأداء يحتمل السقوط ~~في بعض الأحوال ولكن صحة الأداء باعتبار تقرر السبب الموجب لا باعتبار وجوب ~~الأداء كالبيع بثمن مؤجل سبب لجواز أداء الثمن قبل حلول الأجل وإن لم يكن ~~الخطاب بالأداء متوجها حتى يحل الأجل والمسافر إذا صام في شهر رمضان كان ~~صحيحا منه فرضا لتقرر السبب في حقه وإن كان الخطاب بالأداء موضوعا عنه قبل ~~إدراك عدة من أيام أخر وهذا لأن صحة الأداء تكون بوجود ما هو الركن ممن هو ~~أهل والركن هو التصديق والإقرار والأهلية لذلك لا تنعدم بالصبا فبعد ذلك ~~بامتناع صحة الأداء لا يكون إلا بحجر شرعي والقول بالحجر لأحد عن الإيمان ms097 ~~بالله تعالى محال فأما الصلاة فواجبة بإيجاب الله تعالى بلا شبهة وسبب ~~وجوبها PageV01P102 في الظاهر هو الوقت في حقنا وأمرنا بأدائها بقوله تعالى ~~@QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس @QE@ أي لوجوبها بدلوك الشمس والدليل عليه ~~أنها تنسب إلى الوقت شرعا فيقال فرض الوقت وصلاة الفجر والظهر وإنما يضاف ~~الواجب إلى سببه وكذلك يتكرر الوجوب بتكرر الوقت والخطاب لا يوجب التكرار ~~وهي لا تضاف إلى الخطاب شرعا وليس هنا سوى الوقت والخطاب فتبين بهذا أن ~~الوقت هو السبب ولهذا لا يجوز تعجيلها قبل الوقت ويجوز بعد دخول الوقت مع ~~تأخير لزوم الأداء بالخطاب إلى آخر الوقت # فإن قيل لا يفهم من وجوب العبادة شيء سوى وجوب الأداء ولا خلاف أن وجوب ~~الأداء بالخطاب فما الذي يكون واجبا بسبب الوقت قلنا الواجب بسبب الوقت ما ~~هو المشروع نفلا في غير الوقت الذي هو سبب للوجوب وبيان هذا في الصوم فإنه ~~مشروع نفلا في كل يوم وجد الأداء أو لم يوجد وفي رمضان يكون مشروعا واجبا ~~بسبب الوقت سواء وجد خطاب الأداء بوجود شرطه وهو التمكن من الأداء أو لم ~~يوجد ألا ترى أن من كان مغمى عليه أو نائما في وقت الصلاة ثم أفاق بعد مضي ~~الوقت يصير مخاطبا بالأداء لوجوبها عليه لوجود السبب وهو الوقت ولو كان هذا ~~المغمى عليه أو النائم غير بالغ ثم بلغ بعد مضي الوقت ثم أفاق وانتبه لم ~~يكن عليه قضاؤها وقد صار مخاطبا عند الإفاقة في الموضعين بصفة واحدة ولكن ~~لما انعدمت الأهلية عند وجود السبب لم يثبت الوجوب في حقه فلما وجدت ~~الأهلية في الفصل الأول ثبت الوجوب ومن باع بثمن مؤجل فالثمن يجب بنفس ~~العقد والخطاب بالأداء متأخر إلى مضي الأجل فهذا مثله # وسبب وجوب الصوم شهود الشهر في حال قيام الأهلية ولهذا أضيف إلى الشهر ~~شرعا ويتكرر بتكرر الشهر ولم يجب الأداء قبل وجود الشهر وجاز بعد وإن كان ~~الأداء متأخرا كما في حق المريض والمسافر فإن الأمر بالأداء في حقهما بعد ~~إدراك عدة ms098 من أيام أخر والوجوب ثابت في الشهر بتقرر سببه حتى لو صاما كان ~~ذلك فرضا ألا ترى أن من كان مسافرا الصوم ولو كان بالغا في رمضان مسافرا ~~لزمه الأداء إذا صار مقيما وحالهما عند الإقامة بصفة واحدة فعرفنا أن ~~الوجوب ثبت في حق أحدهما بتقرر سببه دون الآخر # وبيان ما قلنا في قوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ معناه ~~في رمضان غير بالغ ثم صار مقيما بعدما بلغ PageV01P103 خارج رمضان لا يلزمه ~~فليصم فيه لأن الوقت ظرف للصوم وإنما يفهم من هذا فليصم فيه الصوم الواجب ~~بشهوده ولهذا ظن بعض المتأخرين ممن صنف في هذا الباب أن سبب الوجوب أيام ~~الشهر دون الليالي لأن صلاحية الأداء مختص بالأيام # قال رضي الله عنه وهذا غلط عندي بل في السببية للوجوب الأيام والليالي ~~سواء فإن الشهر اسم لجزء من الزمان يشتمل على الأيام والليالي وإنما جعله ~~الشرع سببا لإظهار فضيلة هذا الوقت وهذه الفضيلة ثابتة لليالي والأيام ~~جميعا والرواية محفوظة في أن من كان مفيقا في أول ليلة من الشهر ثم جن قبل ~~أن يصبح ومضى الشهر وهو مجنون ثم أفاق يلزمه القضاء ولو لم يتقرر السبب في ~~حقه بما شهد من الشهر في حالة الإفاقة لم يلزمه القضاء ( وكذلك المجنون إذا ~~أفاق في ليلة من الشهر ثم جن قبل أن يصبح ثم أفاق بعد مضي الشهر يلزمه ~~القضاء ) والدليل عليه أن نية أداء الفرض تصح بعد دخول الليلة الأولى بغروب ~~الشمس قبل أن يصبح ومعلوم أن نية أداء الفرض قبل تقرر سبب الوجوب لا يصح ~~ألا ترى أنه لو نوى قبل غروب الشمس لم تصح نيته وأيد ما قلنا قوله صلى الله ~~عليه وسلم صوموا لرؤيته فإنه نظير قوله تعالى @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس ~~@QE@ وقد بينا في الصلاة أن في تقرر الوجوب بتقرر السبب لا يعتبر التمكن ~~بالأداء فإن من أسلم في آخر الوقت بحيث لا يتمكن من أداء الصلاة في الوقت ~~يلزمه فرض الوقت فهنا وإن لم يثبت ms099 التمكن من الأداء بشهود الليل يتقرر سبب ~~الوجوب ولكن بشرط احتمال الأداء في الوقت ولهذا لو أسلم في آخر يوم من ~~رمضان قبل الزوال أو بعده لم يلزمه الصوم وإن أدرك جزءا من الشهر لأنه ليس ~~هنا معنى احتمال الأداء في الوقت وقد قررنا هذا فيما سبق # وسبب وجوب الحج البيت ولهذا يضاف إليه شرعا قال الله تعالى @QB@ ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا @QE@ PageV01P104 ولهذا لا يتكرر ~~بتكرر وقت الأداء لأن ما هو السبب غير متجدد فأما الوقت فهو شرط جواز ~~الأداء وليس بسبب للوجوب ولا يقال بدخول شوال يدخل الوقت ويتأخر الأداء إلى ~~يوم عرفة فعرفنا أن الوقت سبب للوجوب إذ لو لم يكن سببا له لم يكن إضافة ~~الوقت إليه مفيدا ويقال أشهر الحج كما يقال وقت الصلاة فعرفنا أنه سبب فيه ~~وهذا لأن عندنا يجوز الأداء كما دخل شوال ولكن هذه عبادة تشتمل على أركان ~~بعضها مختص بوقت ومكان وبعضها لا يختص فما كان مختصا بوقت أو مكان لا يجوز ~~في غير ذلك الوقت كما لا يجوز في غير ذلك المكان وما لم يكن مختصا بوقت فهو ~~جائز في جميع وقت الحج حتى إن من أحرم في رمضان وطاف وسعى لم يكن سعيه ~~معتدا به من سعى الحج حتى إذا طاف للزيارة يوم النحر تلزمه إعادة السعي ولو ~~كان طاف وسعى في شوال كان سعيه معتدا به حتى لا يلزمه إعادته يوم النحر لأن ~~السعي غير مؤقت فجاز أداؤه في أشهر الحج وأما الوقوف موقت فلم يجز أداؤه ~~قبل وقته كما لا يجوز أداء طواف الزيارة يوم عرفة لأنه موقت بيوم النحر ~~وكما لا يجوز رمي اليوم الثاني في اليوم الأول وهو نظير أركان الصلاة فإن ~~السجود ترتب على الركوع فلا يعتد به قبل الركوع ولا يدل ذلك على أن الوقت ~~ليس بوقت الأداء وبهذا تبين أن الوقت ليس بسبب للوجوب ولكنه شرط جواز ~~الأداء ووجوب الأداء فيه وكذلك الاستطاعة بالمال ليس بسبب للوجوب ms100 فإن هذه ~~عبادة بدنية وإنما كان البيت سببا لوجوبها لأنها عبادة هجرة وزيارة تعظيما ~~لتلك البقعة فلا يصلح المال سببا لوجوبها ولا هو شرط لجواز الأداء أيضا ~~فالأداء من الفقير صحيح وإن كان لا يملك شيئا وإنما المال شرط وجوب الأداء ~~فإن السفر الذي يوصله إلى الأداء لا يتهيأ له بدون الزاد والراحلة إلا بحرج ~~عظيم والحرج مدفوع فعرفنا أن المال شرط وجوب الأداء وهو نظير عدة من أيام ~~أخر في باب الصوم ( في حق المسافر ) الاداء بتجدد هذه الأيام وهنا أيضا لا ~~يتكرر وجوب الأداء بتجدد ملك الزاد والراحلة فعرفنا أنه شرط لوجوب الأداء # وسبب وجوب الطهارة الصلاة فإنها تضاف إليها شرعا فيقال تطهر للصلاة فأما ~~الحدث فهو شرط وجوب الأداء بالأمر وهو قوله تعالى @QB@ فاغسلوا @QE@ فإنه ~~شرط PageV01P105 وجوب الأداء حتى كان الأداء جائزا قبله ولا يتكرر وجوب ~~@QB@ وجوهكم @QE@ الآية لا أن يكون سببا للوجوب وكيف يكون سببا ( للوجوب ) ~~وهو ناقض للطهارة فما كان مزيلا للشيء رافعا له لا يصلح سببا لوجوبه ولهذا ~~جاز الأداء بدونه وكان الوضوء على وضوء نورا على نور ولا يجب الأداء مع ~~تحقق الحدث بدون وجوب الصلاة فإن الجنب إذا حاضت لا يجب عليها الاغتسال ما ~~لم تطهر لأنه ليس عليها وجوب الصلاة وبهذا تبين أن الطهارة ليست بعبادة ~~مقصودة ولكنها شرط الصلاة وما يكون شرطا للشيء يتعلق به صحته ووجوبه بوجوب ~~الأصل بمنزلة استقبال القبلة فإن وجوبه بوجوب الصلاة والشهود في باب النكاح ~~ثبوتها بثبوت النكاح لكون الشهود شرطا في النكاح # وسبب وجوب الزكاة المال بصفة أن يكون نصابا ناميا ألا ترى أنه يضاف إلى ~~المال وأنه يتضاعف بتضاعف النصب في وقت واحد ولكن الوجوب بواسطة غنى المالك ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صدقة إلا عن ظهر غنى والغنى لا يحصل ~~بأصل المال ما لم يبلغ مقدارا وذلك في النصاب شرعا والوجوب بصفة اليسر ولا ~~يتم ذلك إلا إذا كان المال ناميا ولهذا يضاف إلى سبب النماء أيضا فيقال ~~زكاة ms101 السائمة وزكاة التجارة فأما مضي الحول فهو شرط لوجوب الأداء من حيث إن ~~النماء لا يحصل إلا بمضي الزمان ولهذا جاز الأداء بعد كمال النصاب قبل ~~حولان الحول وجواز الأداء لا يكون قبل تقرر سبب الوجوب حتى لو أدى قبل كمال ~~النصاب لم يجز # فإن قيل الزكاة يتكرر وجوبها في مال واحد باعتبار الأحوال وبتكرر الشرط ~~لا يتجدد الواجب قلنا ليس كذلك بل يتكرر الوجوب بتجدد النماء الذي هو وصف ~~PageV01P106 للمال وباعتباره يكون المال سببا للوجوب فإن لمضي كل حول ~~تأثيرا في حصول النماء المطلوب من عين السائمة بالدر والنسل والمطلوب من ~~ربح عروض التجارة زيادة القيمة # وسبب وجوب صدقة الفطر على المسلم الغني رأس يموله بولايته عليه ولهذا ~~يضاف إليه فيقال صدقة الرأس ويتضاعف الواجب بتعدد الرؤوس من الأولاد الصغار ~~والمماليك وإنما عرفنا هذا بقوله عليه السلام أدوا عن كل حر وعبد وقال عليه ~~السلام أدوا عمن تمونون وحرف عن للانتزاع فأما أن يكون المراد طريق ~~الانتزاع بالوجوب على الرأس ثم أداء الغير عنه وهذا باطل فإنه لا يجب على ~~الكافر والرقيق والفقير والصغير فعرفنا أن المراد انتزاع الحكم عن سببه ~~وفيه تنصيص على أن الرأس بالصفة التي قلنا هو السبب الموجب للوجوب وأما ~~الفطر فهو شرط وجوب الأداء والإضافة إليه بطريق المجاز على معنى أن الوجوب ~~عنده يكون وإنما جعلنا الفطر شرطا والرأس سببا مع وجود الإضافة إليهما لأن ~~تضاعف الواجب بتعدد الرؤوس دليل محكم على أنه سبب والإضافة دليل محتمل فقد ~~بينا أن الإضافة قد تكون إلى الشرط مجازا ولأن التنصيص على المئونة دليل ~~على أن سبب الوجوب الرأس دون الفطر فالمئونة إنما تجب عن الرؤوس ولهذا ~~اشتمل هذا الواجب على معنى المئونة وعلى معنى العبادة لأن صفة الغنى فيمن ~~يجب عليه الأداء يعتبر لوجوب الأداء وذلك دليل كونه عبادة وصفة المئونة في ~~المؤدي دليل على أنه بمنزلة النفقة وجواز الأداء قبل الفطر دليل على أن ~~الفطر ليس بسبب في وجوب الأداء بشهود وقت الفطر في حق ms102 من لا يؤدي الصوم ~~أصلا دليل على أن الفطر شرط وجوب الأداء فإن الكافر إذا أسلم ليلة العيد أو ~~الصبي بلغ أو العبد عتق يلزمه الأداء بطلوع الفجر من يوم الفطر ولهذا لو ~~أسلم بعد طلوع الفجر لم يلزمه وإن أدرك اليوم لأن وقت الفطر عن رمضان في حق ~~وجوب الصدقة عند طلوع الفجر فإذا انعدمت الأهلية عند ذلك لم يجب الأداء ~~وتكرر الوجوب PageV01P107 بتكرر الفطر في كل سنة بمنزلة تكرر وجوب الزكاة ~~بتكرر الحول فإن الوصف الذي لأجله كان الرأس موجبا وهو المئونة يتجدد بمضي ~~الزمان كما أن النماء الذي لأجله كان المال سببا للوجوب يتجدد بتجدد الحول # وسبب وجوب العشر الأرض النامية باعتبار حقيقة النماء وسبب وجوب الخراج ~~الأرض النامية باعتبار التمكن من طلب النماء بالزراعة ولهذا لو اصطلم الزرع ~~آفة لم يجب العشر ولا الخراج ولهذا لم يجتمع العشر والخراج بسبب أرض واحدة ~~بحال لأن كل واحد منهما مئونة الأرض النامية إلا أن العشر الواجب جزء من ~~النماء فلا بد من حصول النماء ليثبت حكم الوجوب في محله بسببه ولهذا كان في ~~العشر معنى المئونة ومعنى العبادة فباعتبار أصل الأرض هو مئونة لأن تملك ~~الأرض سبب لوجوب مئونة شرعا وباعتبار كون الواجب جزءا من النماء فيه معنى ~~العبادة بمنزلة الزكاة وفي الخراج معنى المئونة باعتبار أصل الأرض ومعنى ~~المذلة باعتبار التمكن من طلب النماء بالزراعة فالاشتغال بالزراعة مع ~~الإعراض عن الجهاد سبب للمذلة على ما روي أن النبي عليه السلام رأى شيئا من ~~آلات الزراعة في دار فقال ما دخل ( هذا ) بيت قوم إلا ذلوا ولهذا يتكرر ~~وجوب العشر بتجدد الخارج لتجدد الوصف وهو النماء ولا يتكرر وجوب الخراج في ~~حول واحد بحال ولهذا جاز تعجيل الخراج قبل الزراعة ولم يجز تعجيل العشر لأن ~~الأرض باعتبار حقيقة النماء توجب العشر وذلك لا يتحقق قبل الزراعة ولهذا ~~أوجب أبو حنيفة رحمه الله العشر في قليل الخارج وكثيره وفي كل ما يستنبت في ~~الأرض مما له ثمرة باقية وما ms103 ليست له ثمرة باقية سواء لأن الوجوب باعتبار ~~صفة النماء ولا معتبر بصفة الغنى فيمن يجب عليه باعتبار النصاب لأجله # وسبب وجوب الجزية الرأس باعتبار صفة معلومة وهو أن يكون كافرا حرا له ~~بنية صالحة للقتال ولهذا يضاف إليه فيقال جزية الرأس ويتكرر الوجوب ~~PageV01P108 بتكرر الحول بمنزلة تكرر وجوب الزكاة فإن المعنى الذي كان ~~الرأس سببا موجبا باعتبار نصرة القتال وهذا لأن أهل الذمة يصيرون منا دارا ~~والقتال بنصرة الدار واجب على أهلها ولا تصلح أبدانهم لهذه النصرة لميلهم ~~إلى أهل الدار المعادية لدارنا اعتقادا فأوجب عليهم في أموالهم جزية عقوبة ~~لهم على كفرهم وخلفا عن النصرة التي قامت بإصرارهم على الكفر في حقنا ولهذا ~~تصرف إلى المجاهدين الذين يقومون بنصرة الدار وهذه النصرة يتجدد وجوبها ~~بتجدد الحاجة في كل وقت فكذلك ما كان خلفا عنها بتجدد وجوبها إلا أنه لا ~~نهاية للحاجة إلى المال فيعتبر الوقت لتجدد الوجوب كما يعتبر في الزكاة # وسبب وجوب العقوبات ما يضاف إليه نحو الزنا للرجم والجلد والسرقة للقطع ~~وشرب الخمر والقذف للحد والقتل العمد للقصاص # وسبب وجوب الكفارات التي هي دائرة بين العقوبة والعبادة ما يضاف إليه من ~~سبب متردد بين الحظر والإباحة نحو اليمين المعقودة على أمر في المستقبل إذا ~~حنث فيها والظهار عند العود والفطر في رمضان بصفة الجناية والقتل بصفة ~~الخطأ # فأما سبب المشروع من المعاملات فهو تعلق البقاء المقدور بتعاطيها وبيان ~~ذلك أن الله تعالى حكم ببقاء العالم إلى قيام الساعة وهذا البقاء إنما يكون ~~ببقاء الجنس وبقاء النفس فبقاء الجنس بالتناسل والتناسل بإتيان الذكور ~~الإناث في موضع الحرث والإنسان هو المقصود بذلك فشرع لذلك التناسل طريقا لا ~~فساد فيه ولا ضياع وهو طريق الازدواج بلا شركة ففي التغالب فساد العالم وفي ~~الشركة ضياع الولد لأن الأب إذا اشتبه يتعذر إيجاب مئونة الولد عليه ~~وبالأمهات عجز عن اكتساب ذلك بأصل الجبلة فيضيع الولد وبقاء النفس إلى أجله ~~إنما يقوم بما تقوم PageV01P109 به المصالح للمعيشة وذلك بالمال وما يحتاج ~~إليه ms104 كل واحد لكفايته لا يكون حاصلا في يده وإنما يتمكن من تحصيله بالمال ~~فشرع سبب اكتساب المال وسبب اكتساب ما فيه كفاية لكل واحد وهو التجارة عن ~~تراض لما في التغالب من الفساد والله لا يحب الفساد ولأن الله تعالى جعل ~~الدنيا دار محنة وابتلاء كما قال تعالى @QB@ إنا خلقنا الإنسان من نطفة ~~أمشاج نبتليه @QE@ والإنسان الذي هو مقصود غير مخلوق في الدنيا لنيل اللذات ~~وقضاء الشهوات بل للعبادة التي هي عمل بخلاف هوى النفس قال الله تعالى @QB@ ~~وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ فعرفنا أن ما جعل لنا في الدنيا من ~~اقتضاء الشهوات بالأكل وغير ذلك ليس لعين اقتضاء الشهوة بل لحكم آخر وهو ~~تعلق البقاء المقدور بتعاطيها إلا أن في الناس مطيعا وعاصيا فالمطيع يرغب ~~فيه لا لقضاء الشهوة بل لاتباع الأمر والعاصي يرغب فيه لقضاء شهوة النفس ~~فيتحقق البقاء المقدور بفعل الفريقين وللمطيع الثواب باعتبار قصده إلى ~~الإقدام عليه والعاصي مستوجب للعقاب باعتبار قصده في اتباع هوى النفس ~~الأمارة بالسوء تبارك الله الحكيم الخبير القدير هو مولانا فنعم المولى ~~ونعم النصير # # | فصل في بيان المشروعات من العبادات وأحكامها # قال رحمه الله هذه المشروعات تنقسم على أربعة أقسام فرض وواجب وسنة ونفل # فالفرض اسم لمقدر شرعا لا يحتمل الزيادة والنقصان وهو مقطوع به لكونه ~~ثابتا بدليل موجب للعلم قطعا من الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع وفي ~~الاسم ما يدل على ذلك كله فإن الفرض لغة التقدير قال الله تعالى @QB@ فنصف ~~ما فرضتم @QE@ أي قدرتم بالتسمية وقال تعالى @QB@ سورة أنزلناها وفرضناها ~~@QE@ أي قطعنا الأحكام قطعا وفي هذا الاسم ما ينبىء عن شدة الرعاية في ~~الحفظ لأنه مقطوع به وما ينبىء عن التخفيف لأنه مقدر متناه كيلا يصعب علينا ~~أداؤه ويسمى مكتوبة أيضا لأنها كتبت علينا في اللوح المحفوظ # وبيان هذا القسم في الإيمان بالله تعالى والصلاة والزكاة والصوم والحج ~~فإن التصديق بالقلب PageV01P110 والإقرار باللسان بعد المعرفة فرض مقطوع به ~~إلا أن التصديق مستدام في جميع العمر لا يجوز ms105 تبديله بغيره بحال والإقرار ~~لا يكون واجبا في جميع الأحوال وإن كان لا يجوز تبديله بغيره من غير عذر ~~بحال والعبادات التي هي أركان الدين مقدرة متناهية مقطوع بها # وحكم هذا القسم شرعا أنه موجب للعلم اعتقادا باعتبار أنه ثابت بدليل ~~مقطوع به ولهذا يكفر جاحده وموجب للعمل بالبدن للزوم الأداء بدليله فيكون ~~المؤدي مطيعا لربه والتارك للأداء عاصيا لأنه بترك الأداء مبدل للعمل لا ~~للاعتقاد وضد الطاعة العصيان ولهذا لا يكفر بالامتناع عن الأداء فيما هو من ~~أركان الدين لا من أصل الدين إلا أن يكون تاركا على وجه الاستخفاف فإن ~~استخفاف أمر الشارع كفر فأما بدون الاستخفاف فهو عاص بالترك من غير عذر ~~فاسق لخروجه من طاعة ربه فالفسق هو الخروج يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من ~~قشرها وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها ولهذا كان الفاسق مؤمنا لأنه ~~غير خارج من أصل الدين وأركانه اعتقادا ولكنه خارج من الطاعة عملا والكافر ~~رأس الفساق في الحقيقة إلا أنه اختص باسم هو أعظم في الذم فاسم الفاسق عند ~~الإطلاق يتنازل المؤمن العاصي باعتبار أعماله # فأما الواجب فهو ما يكون لازم الأداء شرعا ولازم الترك فيما يرجع إلى ~~الحل والحرمة والاسم مأخوذ من الوجوب وهو السقوط قال الله تعالى @QB@ فإذا ~~وجبت جنوبها @QE@ أي سقطت على الأرض فما يكون ساقطا على المرء عملا بلزومه ~~إياه من غير أن يكون دليله موجبا للعلم قطعا يسمى واجبا أو هو ساقط في حق ~~الإعتقاد قطعا وإن كان ثابتا في حق لزوم الأداء عملا والفرض والواجب كل ~~واحد منهما لازم إلا أن تأثير الفرضية أكثر ومنه سمي الحز في الخشبة فرضا ~~لبقاء أثره على كل حال ويسمى السقوط على الأرض وجوبا لأنه قد لا يبقى أثره ~~في الباقي فما كان ثابتا بدليل موجب للعمل والعلم قطعا يسمى فرضا لبقاء ~~أثره وهو العلم به أدى أو لم يؤد وما كان ثابتا بدليل موجب للعمل غير موجب ~~للعلم يقينا باعتبار شبهة في طريقه يسمى واجبا وقيل الاسم ms106 مشتق من الوجبة ~~وهي الاضطراب قال القائل PageV01P111 وللفؤاد وجيب تحت أبهره لدم الغلام ~~وراء الغيب بالحجر أي اضطراب فلنوع شبهة في دليله يتمكن فيه اضطراب فسمي ~~واجبا وهذا نحو تعيين قراءة الفاتحة في الصلاة وتعديل الأركان والطهارة في ~~الطواف والسعي في الحج وأصل العمرة والوتر # والشافعي ينكر هذا القسم ويلحقه بالفرض فإن كان إنكاره ذلك للاسم فقد ~~بينا معنى الاسم وإن كان للحكم فهو إنكار فاسد لأن ثبوت الحكم بحسب الدليل ~~ولا خلاف بيننا وبينه أن هذا التفاوت يتحقق في الدليل فإن خبر الواحد لا ~~يوجب علم اليقين لاحتمال الغلط من الراوي وهو دليل موجب للعمل بحسن الظن ~~بالراوي وترجح جانب الصدق بظهور عدالته فيثبت حكم هذا القسم بحسب دليله وهو ~~أنه لا يكفر جاحده لأن دليله لا يوجب علم اليقين ويجب العمل به لأن دليله ~~موجب للعمل ويضلل جاحده إذا لم يكن متأولا بل كان رادا لخبر الواحد فإن كان ~~متأولا في ذلك مع القول بوجوب العمل بخبر الواحد فحينئذ لا يضلل ولوجوب ~~العمل به يكون المؤدي مطيعا والتارك من غير تأويل عاصيا معاقبا وهذا لأن ~~الدلالة قامت لنا على أن الزيادة على النص نسخ فلا يثبت إلا بما يثبت النسخ ~~به والنسخ لا يثبت بخبر الواحد فكذلك لا نثبت الزيادة فلا يكون موجبا للعلم ~~بهذا المعنى ولكن يجب العمل به لأن في العمل تقرير الثابت بالنص لا نسخ له ~~إلا أن هذا يشكل على بعض الناس قبل التأمل على ما حكي عن يوسف بن خالد ~~السمتي رحمه الله قدمت على أبي حنيفة رضي الله عنه فسألته عن الصلاة ~~المفروضة كم هي فقال خمس فسألته عن الوتر فقال واجب فقلت لقلة تأملي كفرت ~~فتبسم في وجهي ثم تأملت فعرفت أن بين الواجب والفريضة فرق كما بين السماء ~~والأرض فيرحم الله أبا حنيفة ويجازيه خيرا على ما هداني إليه # وبيان هذا أن فرضية القراءة في الصلوات ثابتة بدليل مقطوع به وهو قوله ~~تعالى @QB@ فاقرؤوا ما تيسر من القرآن @QE@ وتعيين الفاتحة ms107 ثابت بخبر ~~الواحد PageV01P112 فمن جعل ذلك فرضا كان زائدا على النص ومن قال يجب العمل ~~به من غير أن يكون فرضا كان مقررا للثابت بالنص على حاله وعاملا بالدليل ~~الآخر بحسب موجبه وفي القول بفرضية ما ثبت بخبر الواحد رفع للدليل الذي فيه ~~شبهة عن درجته أو حط للدليل الذي لا شبهة فيه عن درجته وكل واحد منهما ~~تقصير لا يجوز المصير إليه بعد الوقوف عليه بالتأمل # وكذلك أصل الركوع والسجود ثابت بالنص وتعديل الأركان ثابت بخبر الواحد ~~فلو أفسدنا الصلاة بترك التعديل كما نفسدها بترك الفريضة كنا رفعنا خبر ~~الواحد عما هو درجته في الحجة ولو لم ندخل نقصانا في الصلاة بترك التعديل ~~كنا حططناه عن درجته من حيث إنه موجب للعمل # وكذلك الوتر فإنه ثابت بخبر الواحد فلو لم نثبت صفة الوجوب فيه عملا كان ~~فيه إخراج خبر الواحد من أن يكون موجبا للعمل ولو جعلناه فرضا كنا قد ~~ألحقنا خبر الواحد بالنص الذي هو مقطوع به # وكذلك شرط الطهارة في الطواف فإن فرضية الطواف بدليل مقطوع به واشتراط ~~الطهارة فيه بخبر الواحد حيث شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة ~~فالقول بفساد أصل الطواف عند ترك الطهارة يكون إلحاقا لدليله بالنص المقطوع ~~به والقول بأنه يتمكن نقصان في الطواف حتى يعيد ما دام بمكة وإذا رجع إلى ~~أهله يجبر النقصان بالدم يكون عملا بدليله كما هو موجبه # وكذلك ترك الطواف بالحطيم فإن كون الحطيم من البيت ثبت بخبر الواحد # وكذلك السعي فإن ثبوته بخبر الواحد لأن المنصوص عليه في الكتاب @QB@ فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما @QE@ وهذا لا يوجب الفرضية # وكذلك العمرة ثبوتها بخبر الواحد فأما الثابت بالنص @QB@ ولله على الناس ~~حج البيت @QE@ وهذا لا يوجب نوعين من الزيارة قطعا والأضحية وصدقة الفطر ~~على هذا أيضا تخرج # وأما السنة فهي الطريقة المسلوكة في الدين مأخوذة من سنن الطريق ومن قول ~~القائل سن الماء إذا صبه حتى جرى في طريقه وهو اشتقاق معروف والمراد به ~~شرعا ما ms108 سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة بعده عندنا # PageV01P113 وقال الشافعي مطلق السنة يتناول سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقط وهذا لأنه لا يرى تقليد الصحابي ويقول القياس مقدم على قول ~~الصحابي فإنما يتبع حجته لا فعله وقوله بمنزلة من بعد الصحابة فإنه يتبع ~~حجتهم لا مجرد فعلهم وقولهم إذا لم يبلغوا حد الإجماع ولهذا قال في قول ~~سعيد بن المسيب رضي الله عنه إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية السنة ~~تنصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك قوله في استحقاق الفرقة ~~بسبب العجز عن النفقة السنة أنها تنصرف إلى طريقة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( وكذلك قوله في أن الحر لا يقتل بالعبد السنة تنصرف إلى سنة رسول ~~الله عليه السلام ) فأما عندنا إطلاق هذا اللفظ لا يوجب الاختصاص بسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر ~~من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ~~إلى يوم القيامة والسلف كانوا يطلقون اسم السنة على طريقة أبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما وكانوا يأخذون البيعة على سنة العمرين وقال عليه السلام عليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ إذا ثبت هذا ~~فنقول حكم السنة هو الاتباع فقد ثبت بالدليل أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم متبع فيما سلك من طريق الدين قولا وفعلا وكذلك الصحابة بعده وهذا ~~الاتباع الثابت بمطلق السنة خال عن صفة الفرضية والوجوب إلا أن يكون من ~~أعلام الدين فإن ذلك بمنزلة الواجب في حكم العمل على ما قال مكحول رحمه ~~الله السنة سنتان سنة أخذها هدى وتركها ضلالة وسنة أخذها حسن وتركها لا بأس ~~به فالأول نحو صلاة العيد والأذان والإقامة والصلاة بالجماعة ولهذا لو ~~تركها قوم استوجبوا اللوم والعتاب ولو تركها أهل بلدة وأصروا على ذلك ~~قوتلوا عليها ليأتوا بها والثاني نحو ما نقل من طريقة ms109 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في قيامه وقعوده ولباسه وركوبه وسننه في العبادات متبوعة أيضا ~~فمنها ما يكره تركها ومنها ما يكون التارك مسيئا ومنها ما يكون PageV01P114 ~~المتبع لها محسنا ولا يكون التارك مسيئا وعلى هذا تخرج الألفاظ المذكورة في ~~باب الأذان من قوله يكره وقد أساء ولا بأس به وحيث قيل يعيد فهو دليل ~~الوجوب وعلى هذا الخلاف قول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا عندنا لا ~~يقتضي مطلقه أن يكون الآمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند الشافعي ~~مطلقه يقتضي ذلك وقد كانوا يطلقون لفظ الأمر على ما أمر به أبو بكر وعمر ~~رضي الله عنهما كما كانوا يطلقون لفظ السنة على سنة العمرين وتمام بيان هذا ~~يتأتى في موضعه إن شاء الله تعالى # وأما النافلة فهي الزيادة ومنه تسمى الغنيمة نفلا لأنه زيادة على ما هو ~~المقصود بالجهاد شرعا ومنه سمي ولد الولد نافلة لأنه زيادة على ما حصل ~~للمرء بكسبه فالنوافل من العبادات زوائد مشروعة لنا لا علينا والتطوعات ~~كذلك فإن التطوع اسم لما يتبرع به المرء من عنده ويكون محسنا في ذلك ولا ~~يكون ملوما على تركه فهو والنفل سواء وحكمه شرعا أنه يثاب على فعله ولا ~~يعاقب على تركه ولهذا قلنا إن الشفع الثاني من ذوات الأربع في حق المسافر ~~نفل لأنه يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه ولهذا جوزنا صلاة النفل قاعدا ~~مع القدرة على القيام وراكبا مع القدرة على النزول بالإيماء في حق الراكب ~~وإن لم يكن متوجها إلى القبلة لأنه مشروع زيادة لنا وهو مستدام غير مقيد ~~بوقت وفي مراعاة تمام الأركان والشرائط في جميع الأوقات حرج ظاهر فلدفع ~~الحرج جوزنا الأداء على أي وصف يشرع فيه لتحقيق كونه زيادة لنا # وقال الشافعي آخره من جنس أوله نفل فكما أنه مخير في الابتداء بين أن ~~يشرع وبين أن لا يشرع لكونه نفلا فكذلك يكون مخيرا في الانتهاء وإذا ترك ~~الإتمام فإنما ترك أداء النفل وذلك لا يلزمه شيئا ms110 كما في المظنون # وقلنا نحن المؤدي موصوف بأنه لله تعالى وقد صار مسلما بالأداء ولهذا لو ~~مات كان مثابا على ذلك فيجب التحرز عن إبطاله مراعاة لحق صاحب الحق وهذا ~~التحرز PageV01P115 لا يتحقق إلا بالإتمام فيما لا يحتمل الوصف بالتجزي ~~عبادة فيجب الإتمام لهذا وإن كان في نفسه نفلا ويجب القضاء إذا أفسده لوجود ~~التعدي فيما هو حق الغير بمنزلة المنذور فالمنذور في الأصل مشروع نفلا ~~ولهذا يكون مستداما كالنوافل إلا أن لمراعاة التسمية بالنذر يلزمه أداء ~~المشروع نفلا فإذا وجب الابتداء لمراعاة التسمية فلأن يجب الإتمام لمراعاة ~~ما وجد منه الابتداء ابتداء كان أولى وهو نظير الحج فإن المشروع منه نفلا ~~يصير واجب الأداء لمراعاة التسمية حقا للشرع فكذلك الإتمام بعد الشروع في ~~الأداء يجب حقا للشرع وهذا هو الطريق في بيان الأنواع الأربعة # ومما هو ثابت بخبر الواحد أيضا تأخير المغرب للحاج إلى أن يجمع بينه وبين ~~العشاء في وقت العشاء بالمزدلفة فإنه ثابت بقوله عليه السلام لأسامة بن زيد ~~رضي الله عنهما الصلاة أمامك ولهذا قال أبو حنيفة و محمد رحمهما الله لو ~~صلى المغرب في الطريق في وقت المغرب يلزمه الإعادة بالمزدلفة ما لم يطلع ~~الفجر فإذا طلع الفجر يسقط عنه الإعادة لأن الوجوب بدليل موجب للعمل وذلك ~~الدليل يوجب الجمع بينهما في وقت العشاء وقد تحقق فوات هذا العمل بطلوع ~~الفجر فلو ألزمناه القضاء مطلقا كنا قد أفسدنا ما أداه أصلا وذلك حكم ترك ~~الفريضة فكذلك الترتيب بين الفوائت وفرض الوقت ثابت بخبر الواحد فيكون ~~موجبا للعمل ما لم يتضيق الوقت لأن عند التضيق تتحقق المعارضة بتعين هذا ~~الوقت لأداء فرض الوقت وكذلك عند كثرة الفوائت لأن الثابت بخبر الواحد ~~الترتيب عملا وبعد التكرار في الفوائت يتحقق فوات ذلك وعلى هذا قال أبو ~~حنيفة رحمه الله إذا ترك صلاة ثم صلى شهرا وهو ذاكر لها فليس عليه إلا قضاء ~~الفائتة لأن فساد الخمس بعدها لم يكن بدليل مقطوع به ليجب قضاؤها مطلقا ~~وإنما كان لوجوب ms111 الترتيب بخبر الواحد وقد سقط وجوب الترتيب عملا عند كثرة ~~الصلوات فلا يلزمه إلا قضاء المتروكة والله أعلم # PageV01P116 # | فصل في بيان العزيمة والرخصة # قال رحمه الله العزيمة في أحكام الشرع ما هو مشروع منها ابتداء من غير أن ~~يكون متصلا بعارض # سميت عزيمة لأنها من حيث كونها أصلا مشروعا في نهاية من الوكادة والقوة ~~حقا لله تعالى علينا بحكم أنه إلهنا ونحن عبيده وله الأمر يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد وعلينا الإسلام والانقياد # والرخصة ما كان بناء على عذر يكون للعباد وهو ما استبيح للعذر مع بقاء ~~الدليل المحرم وللتفاوت فيما هو أعذار العباد يتفاوت حكم ما هو رخصة # والاسمان من حيث اللغة يدلان على ما ذكرنا لأن العزم في اللغة هو القصد ~~المؤكد قال الله تعالى @QB@ فنسي ولم نجد له عزما @QE@ أي قصدا متأكدا في ~~العصيان وقال تعالى @QB@ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل @QE@ ومنه جعل ~~العزم يمينا حتى إذا قال القائل أعزم كان حالفا لأن العباد إنما يؤكدون ~~قصدهم باليمين # والرخصة في اللغة عبارة عن اليسر والسهولة يقال رخص السعر إذا تيسرت ~~الإصابة لكثرة وجود الأشكال وقلة الرغائب فيها وفي عرف اللسان تستعمل ~~الرخصة في الإباحة على طريق التيسير يقول الرجل لغيره رخصت لك في كذا أي ~~أبحته لك تيسيرا عليك وقد بينا ما هو العزيمة في الفصل المتقدم فإن النوافل ~~لكونها مشروعة ابتداء عزيمة ولهذا لا تحتمل التغيير بعذر يكون للعباد حتى ~~لا تصير مشروعة # وزعم بعض أصحابنا أنها ليست بعزيمة لأنها شرعت جبرا للنقصان في أداء ما ~~هو عزيمة من الفرائض أو قطعا لطمع الشيطان في منع العباد من أداء الفرائض ~~من حيث إنهم لما رغبوا في أداء النوافل مع أنها ليست عليهم فذلك دليل ~~رغبتهم في أداء الفرائض بطريق الأولى والأول أوجه فهذا الذي قالوا مقصود ~~الأداء فأما النوافل فمشروع ابتداء مستدام لا يحتمل التغير بعارض يكون من ~~العباد # وأما الرخصة قسمان أحدهما حقيقة والآخر مجاز فالحقيقة نوعان أحدهما أحق ~~من الآخر والمجاز ms112 نوعان أيضا أحدهما أتم من الآخر في كونه مجازا # PageV01P117 فأما النوع الأول فهو ما استبيح مع قيام السبب المحرم وقيام ~~حكمه ففي ذلك الرخصة الكاملة بالإباحة لعذر العبد مع قيام سبب الحرمة ~~وحكمها وذلك نحو إجراء كلمة الشرك على اللسان بعذر الإكراه فإن حرمة الشرك ~~باتة لا ينكسف عنه لضرورة وجوب حق الله تعالى في الإيمان به قائم أيضا ومع ~~هذا أبيح لمن خاف التلف على نفسه عند الإكراه إجراء الكلمة رخصة له لأن في ~~الامتناع حتى يقتل تلف نفسه صورة ومعنى وبإجراء الكلمة لا يفوت ما هو ~~الواجب معنى فإن التصديق بالقلب باق والإقرار الذي سبق منه مع التصديق صح ~~إيمانه واستدامة الإقرار في كل وقت ليس بركن إلا أن في إجراء كلمة الشرك ~~هتك حرمة حق الله تعالى صورة وفي الامتناع مراعاة حقه صورة ومعنى فكان ~~الامتناع عزيمة لأن الممتنع مطيع ربه مظهر للصلابة في الدين وما ينقطع عنه ~~طمع المشركين وهو جهاد فيكون أفضل والمترخص بإجراء الكلمة يعمل لنفسه من ~~حيث السعي في دفع سبب الهلاك عنها فهذه رخصة له إن أقدم عليها لم يأثم ~~والأول عزيمة حتى إذا صبر حتى قتل كان مأجورا وعلى هذا الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر عند خوف الهلاك فإن السبب الموجب لذلك وحكم السبب وهو ~~الوجوب حقا لله تعالى قائم ولكن يرخص له في الترك والتأخير بعذر كان من ~~جهته وهو خوف الهلاك وعجزه عن شد المعاضد عنه ولهذا لو أقدم على الأمر ~~بالمعروف حتى يقتل كان مأجورا لأنه مطيع ربه فيما صنع وفي هذا الفصل يباح ~~له الإقدام عليه وإن كان يعلم أنه لا يتمكن من منعهم عن المنكر بخلاف ما ~~إذا أراد المسلم أن يحمل على جماعة من المشركين وهو يعلم أنه لا ينكأ فيهم ~~حتى يقتل فإنه لا يسعه الإقدام لأن الفسقة معتقدون لما يأمرهم به وإن كانوا ~~يعملون بخلافه ففعله يكون مؤثرا في باطنهم لا محالة وإن لم يكن مؤثرا في ~~ظاهرهم ويتفرق جمعهم عند إقدامه على ms113 الأمر بالمعروف وإن قتلوه والمقصود ~~تفريق جمعهم وأما المشركون غير معتقدين لما يأمرهم به المسلم فلا يتفرق ~~جمعهم بصنيعه فإذا كان فعله لا ينكأ فيهم كان مضيعا نفسه في الحملة عليهم ~~ملقيا بيده إلى التهلكة لا أن يكون عاملا لربه في إعزاز الدين # وكذلك تناول مال الغير بغير إذنه للمضطر عند خوف الهلاك فإنه رخصة مع ~~قيام سبب الحرمة وحكمها وهو حق المالك ولهذا وجب الضمان حقا PageV01P118 له ~~وكذلك إباحة إتلاف مال الغير عند تحقق الإكراه فإنه رخصة مع قيام سبب ~~الحرمة وحكمها وكذلك إباحة الإفطار في رمضان للمكره وإباحة الإقدام على ~~الجناية على الصيد للمحرم # ولهذا النوع أمثلة كثيرة والحكم في الكل واحد له أن يرخص بالإقدام على ما ~~فيه رفع الهلاك عن نفسه فذلك واسع له تيسيرا من الشرع عليه وإن امتنع فهو ~~أفضل له ولم يكن في الامتناع عاملا في إتلاف نفسه بل يكون متمسكا بما هو ~~العزيمة # والنوع الثاني ما استبيح مع قيام السبب المحرم موجبا لحكمه إلا أن الحكم ~~متراخ عن السبب ( فلكون السبب القائم موجبا للحكم كانت الاستباحة ترخصا ~~للمعذور ولكون الحكم متراخيا عن السبب ) كان هذا النوع دون الأول فإن كمال ~~الرخصة يبتنى على كمال العزيمة فإذا كان الحكم ثابتا في السبب فذلك في ~~العزيمة أقوى منه إذا كان الحكم متراخيا عن السبب بمنزلة البيع بشرط الخيار ~~مع البيع البات والبيع بثمن مؤجل مع البيع بثمن حال فالحكم وهو الملك في ~~المبيع والمطالبة بالثمن ثابت في البات المطلق متراخ عن السبب في المقرون ~~بشرط الخيار أو الأجل وبيان هذا النوع في الصوم في شهر رمضان للمسافر ~~والمريض فإن السبب الموجب شرعا وهو شهود الشهر قائم ولهذا لو أديا كان ~~المؤدى فرضا ولكن الحكم متراخ إلى إدراك عدة من أيام أخر ولهذا لو ماتا قبل ~~الإدراك لم يلزمهما شيء ولو كان الوجوب ثابتا للزمهما الأمر بالفدية عنهما ~~لأن ترك الواجب بعذر يرفع الإثم ولكن لا يسقط الخلف وهو القضاء أو الفدية ~~والتعجيل بعد تمام ms114 السبب مع تراخي الحكم صحيح كتعجيل الدين المؤجل # ثم قال الشافعي رحمه الله لما كان حكم الوجوب متأخرا إلى إدراك عدة من ~~أيام أخر كان الفطر أفضل ليكون إقدامه على الأداء متراخيا بعد ثبوت الحكم ~~بإدراك عدة من أيام أخر وقلنا نحن الصوم أفضل لأن مع إباحة الترخص بالفطر ~~للمشقة التي تلحقه بالصوم في المرض أو السفر السبب الموجب قائم فكان المؤدى ~~للصوم عاملا لله تعالى في إدراك الفرائض والمترخص بالفطر عاملا لنفسه فيما ~~يرجع إلى الترفة فالأول عزيمة والتمسك بالعزيمة أفضل مع أن PageV01P119 في ~~معنى الرخصة يشترك الصوم والفطر فمن وجه الصوم مع الجماعة في شهر رمضان ~~يكون أيسر من التفرد به بعد مضي الشهر وإن كان أشق على بدنه ومن وجه الترخص ~~بالفطر مع أداء الصوم بعد الإقامة أيسر عليه لكيلا تجتمع عليه مشقتان في ~~وقت واحد مشقة السفر ومشقة أداء الصوم وإذا كان في كل جانب نوع ترفه يخير ~~بينهما للتيسير عليه وبعد تحقق المعارضة بينهما يترجح جانب أداء الصوم ~~لكونه مطيعا فيه عاملا لله تعالى إلا أن يخاف الهلاك على نفسه إن صام ~~فحينئذ يلزمه أن يفطر لأنه إن صام فمات كان قتيل الصوم وهو المباشر لفعل ~~الصوم فيكون قاتلا نفسه وعلى المرء أن يتحرز عن قتل نفسه بخلاف ما إذا ~~أكرهه ظالم على الفطر فلم يفطر حتى قتله لأن القتل هنا مضاف إلى فعل الظالم ~~فأما هو في الامتناع عن الفطر عند الإكراه مستديم للعبادة مظهر للطاعة عن ~~نفسه في العمل لله تعالى وذلك عمل المجاهدين # وبيان النوع الثالث في الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا وقد وضعها ~~الله تعالى عنا كما قال تعالى @QB@ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم @QE@ وقال تعالى @QB@ ربنا ولا تحمل علينا إصرا @QE@ الآية فهذا ~~النوع غير مشروع في حقنا أصلا لا بناء على عذر موجود في حقنا بل تيسيرا ~~وتخفيفا علينا فكانت رخصة من حيث الاسم مجازا وإن لم تكن رخصة حقيقة ~~لانعدام السبب الموجب للحرمة مع الحكم ms115 بالرفع والنسخ أصلا في حقنا فإن ~~حقيقة الرخصة في الاستباحة مع قيام السبب المحرم ولكن لما كان الرفع ~~للتخفيف علينا والتسهيل سميت رخصة مجازا # وأما بيان النوع الرابع فما يستباح تيسيرا لخروج السبب من أن يكون موجبا ~~للحكم مع بقائه مشروعا في الجملة فإنه من حيث انعدام السبب الموجب للحكم ~~يشبه هذا النوع الثالث فكان مجازا ومن حيث إنه بقي السبب مشروعا في الجملة ~~يشبه PageV01P120 النوع الثاني وهو أن الترخص باعتبار عذر للعباد فكان معنى ~~الرخصة فيه حقيقة من وجه دون وجه # وبيان هذا النوع في فصول منها السلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم والسلم نوع بيع واشتراط العينية في ~~المبيع المشروع قائم في الجملة ثم سقط هذا الشرط في السلم أصلا حتى كانت ~~العينية في المسلم فيه مفسدة للعقد لا مصححة وكان سقوط هذا الشرط للتيسير ~~على المحتاجين حتى يتوصلوا إلى مقصودهم من الأثمان قبل إدراك غلاتهم ويتوصل ~~صاحب الدراهم إلى مقصوده من الربح فكانت رخصة من حيث إخراج السبب من أن ~~يكون موجبا اعتبار العينية فيه مع بقاء هذا النوع من السبب موجبا له في ~~الجملة # وكذلك المسح على الخفين رخصة مشروعة لليسر على معنى أن استتار القدم ~~بالخف يمنع سراية الحدث إلى القدم لا على معنى أن الواجب من غسل الرجل ~~يتأدى بالمسح ولهذا يشترط أن يكون اللبس على طهارة في الرجلين وأن يكون أول ~~الحدث بعد اللبس طارئا على طهارة كاملة ولو نزع الخف بعد المسح يلزمه غسل ~~رجليه فعرفنا أن التيسير من حيث إخراج السبب الموجب للحدث من أن يكون عاملا ~~في الرجل ما دام مستترا بالخف وتقدم الخف على الرجل في قبول حكم الحدث ما ~~لم يخلعهما مع بقاء أصل السبب في الجملة # وكذلك الزيادة في مدة المسح للمسافر فإنه رخصة من حيث إن السبب لم يبق في ~~حقه موجبا غسل الرجل بعد مضي يوم وليلة ما لم ينزع الخف وعلى هذا ما ms116 ذكر في ~~كتاب الإكراه أن من اضطر إلى تناول الميتة أو شرب الخمر لخوف الهلاك على ~~نفسه من الجوع أو العطش أو للإكراه فإنه لا يسعه الامتناع من ذلك ولو امتنع ~~حتى مات كان آثما لأن السبب غير موجب للحكم عند الضرورة للاستثناء المذكور ~~في قوله تعالى @QB@ إلا ما اضطررتم إليه @QE@ فالمستثنى لا يتناوله الكلام ~~موجبا لحكمه ولكن السبب بهذا الاستثناء لم ينعدم أصلا فكانت الرخصة ثابتة ~~باعتبار عذر العبد خرج به السبب من أن يكون موجبا للحكم في حقه ويلتحق ~~الحرام في هذه الحالة في حقه بالحلال لما انعدم سبب الحرمة في حقه ومن ~~امتنع من تناول الحلال حتى يتلف نفسه يكون آثما يوضحه أن سبب الحرمة ~~PageV01P121 وجوب صيانة عقله عن الاختلاط أو الفساد بشرب الخمر وصيانة بدنه ~~عن ضرر تناول الميتة وصيانة البعض لا يتحقق في إتلاف الكل فكان الامتناع في ~~هذه الحالة إتلافا للنفس من غير أن يكون فيه تحصيل ما هو المقصود بالحرمة ~~فلا يكون مطيعا لربه بل يكون متلفا نفسه بترك الترخص فيكون آثما # ومن هذا النوع ما قال علماؤنا رحمهم الله إنه لا يجوز للمسافر أن يصلي ~~الظهر أربعا في سفره وإن ذلك بمنزلة ما لو صلى المقيم الفجر أربعا لأن ~~السبب لم يبق في حقه موجبا إلا ركعتين فكانت الأخريان نفلا في حقه ولهذا ~~يباح له تركهما لا إلى بدل وخلط النفل بالفرض قصدا لا يحل وأداء النفل قبل ~~إكمال الفرض يكون مفسدا للفرض فإذا لم يقعد القعدة الأولى فسدت صلاته # و الشافعي رحمه الله يقول السبب الموجب للظهر أربع ركعات إلا أنه رخص له ~~في الاكتفاء بالركعتين لدفع مشقة السفر فإن أكمل الصلاة كان مؤديا للفرض ~~بعد وجود سببه فيستوي هو والمقيم في ذلك كما إذا صام المسافر في شهر رمضان ~~وجعل معنى الرخصة في تخييره بين أن يؤدي فرض الوقت بأربع ركعات وبين أن ~~يؤدي ركعتين بمنزلة العبد يأذن له مولاه في أداء الجمعة فإنه يتخير بين أن ~~يؤدي فرض الوقت ms117 بالجمعة ركعتين وبين أن يؤدي بالظهر أربعا # وهذا غلط منه يتبين عند التأمل في مورد الشرع على ما روي أن عمر رضي الله ~~عنه قال يا رسول الله ما بالنا نصلي في السفر ركعتين ونحن آمنون فقال هذه ~~صدقة تصدق الله عليكم فاقبلوا صدقته ونحن نعلم أن المراد التصدق بالإسقاط ~~عنا وما يكون واجبا في الذمة فالتصدق ممن له الحق بإسقاطه يكون كالتصدق ~~بالدين على من عليه الدين ومثل هذا الإسقاط إذا لم يتضمن معنى التمليك لا ~~يرتد بالرد كالعفو عن القصاص وكذلك إذا لم يكن فيه معنى المالية لا يرتد ~~بالرد ولا يتوقف على القبول كالطلاق وإسقاط الشفعة فبهذا يتبين أن السبب لم ~~يبق موجبا للزيادة على الركعتين بعد هذا التصدق فإن معنى الترخص في إخراج ~~السبب من أن يكون موجبا للزيادة على الركعتين في حقه لا في التخيير فإن ~~التخيير عبارة عن تفويض المشيئة إلى المخير وتمليكه منه وذلك لا يتحقق هنا ~~فالعبادات إنما تلزمنا بطريق الابتلاء قال الله تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا @QE@ وتفويض المشيئة إلى العبد بهذه الصفة في أصل الوجوب أو في ~~مقدار الواجب يعدم معنى PageV01P122 الابتلاء وبهذا تبين أن المراد من قوله ~~صلى الله عليه وسلم فاقبلوا صدقته بالوقوف على أداء الواجب من غير خلط ~~النفل به وهكذا نقول في الصوم إلا أن الرخصة هناك في تأخير الحكم عن السبب ~~وليس للعباد اختيار في رد ذلك إلا أن أصل السبب موجب في حقه ولهذا يلزمه ~~القضاء إذا أدرك عدة من أيام أخر # وبيان هذا في قوله صلى الله عليه وسلم إن الله وضع المسافر شطر الصلاة ~~وأداء الصوم يحقق ما ذكرنا أن المشيئة التامة والاختيار الكامل لا يثبت ~~للعبد أصلا فإن ذلك بربوبته وذلك معنى قوله تعالى @QB@ وربك يخلق ما يشاء ~~ويختار @QE@ أي يتعالى أن يكون له رفيق فيما يختار ويتعالى أن يكون له ~~اختيار لدفع ضرر عنه وهذا هو الاختيار الكامل فأما الاختيار للعبد لا ينفك ~~عن معنى الرفق به وذلك في أن ms118 يجر إلى نفسه منفعة باختياره أو يدفع عن نفسه ~~ضررا # ألا ترى أن الله تعالى خير الحالف بين الأنواع الثلاثة في الكفارة ليحصل ~~للمكفر الرفق لنفسه باختياره الأيسر عليه وهذا لا يتحقق في التخيير بين ~~القليل والكثير في الجنس الواحد بوجه وسواء صلى ركعتين أو أربعا فهو ظهر ~~وببداهة العقول يعلم أن الرفق متعين في أداء الركعتين فمن قال بأنه يتخير ~~بين الأقل والأكثر من غير رفق له في ذلك فإنه لا يثبت له خيارا يليق ~~بالعبودية والعجز وخطأ هذا غير مشكل ومن يقول بأن للعبد أن يرد ما أسقط ~~الله تعالى عنه بطريق التصدق عليه فخطؤه لا يشكل أيضا لأن عفو الله تعالى ~~عن العباد في الآخرة لا يقول فيه أحد من العقلاء إنه يرتد برد العبد وإنه ~~تخيير للعبد وهذا بخلاف العبد المأذون في أداء الجمعة لأن الجمعة غير الظهر ~~ولهذا لا يجوز بناء أحدهما على الآخر وعند المغايرة لا يتعين الرفق في ~~الأقل عددا فأما ظهر المقيم وظهر المسافر فواحد في الحكم فبالتخيير بين ~~القليل والكثير فيه لا يتحقق شيء من معنى الرفق فيه # ونظير هذا العبد الجاني إذا جنى جناية يخير المولى بين الدفع والفداء فإن ~~أعتقه المولى وهو لا يعلم بالجناية أو كان الجاني مدبرا تكون على المولى ~~قيمته ولا خيار له في ذلك لأن الجنس لما كان واحدا فالرفق كله متعين في ~~الأقل # وكذلك من اشترى شيئا لم يره يثبت له خيار الرؤية لتحقيق معنى الرفق ~~باسترداد الثمن عند فسخ PageV01P123 البيع وفي السلم لا يثبت خيار الرؤية ~~لأن برد المقبوض لا يتوصل إلى الرفق باسترداد الثمن ولكنه يرجع بمثل ~~المقبوض فلا يظهر فيه معنى الرفق # فإن قيل معنى الرفق هنا يتحقق من حيث إن ثوابه في أداء الأربع أكثر وأداء ~~الركعتين على بدنه أيسر فالتخيير لهذا المعنى # قلنا أحكام الدنيا لا تبنى على ما هو من أحكام الآخرة وهو نيل الثواب مع ~~أن الثواب كله في امتثال الأمر بأداء الواجب لا في عدد الركعات ms119 فإن جمعة ~~الحر في الثواب لا يكون دون ظهر العبد وفجر المقيم في الثواب لا يكون دون ~~ظهره فعرفنا أن هذا المعنى لا يتحقق في ثواب الصلاة أيضا وإنما يتحقق معنى ~~الرفق في الصوم من الوجه الذي قررنا أن في الفطر نوع رفق له وفي الصوم نوع ~~رفق آخر فكان التخيير بينهما مستقيما # ويخرج على هذا من نذر صوم سنة إن فعل كذا ففعل وهو معسر فإنه يتخير بين ~~صوم ثلاثة أيام وبين صوم سنة على قول محمد رحمه الله وهو رواية عن أبي ~~حنيفة رحمه الله أنه رجع إليه قبل موته بأيام لأنهما مختلفان حكما ففي صوم ~~سنة وفاء بالمنذور وأداء ما هو قربة ابتداء وصوم ثلاثة أيام كفارة لما لحقه ~~بخلف الوعد المؤكد باليمين وقد بينا أن التخيير عند المغايرة يتحقق فيه ~~معنى الرفق ولا يدخل على ما ذكرنا التخيير المذكور في حق موسى عليه السلام ~~أنه فيما التزمه من الصداق بين الأقل والأكثر في جنس واحد كما قال تعالى ~~@QB@ على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك @QE@ لأن الزيادة ~~على الثماني كان فضلا من عنده متبرعا به فأما الواجب من الصداق وهو الأقل ~~عندنا # هكذا في مسألة الخلاف فالفرض ركعتان عندنا والزيادة عليه نفل مشروع للعبد ~~يتبرع به من عنده ولكن الاشتغال بأداء النفل قبل إكمال الفرض مفسد للفرض ~~والله أعلم # & باب أسماء صيغة الخطاب في تناوله المسميات وأحكامها & قال رضي الله عنه ~~اعلم بأن هذه الأسماء أربعة الخاص والعام والمشترك والمؤول # فالخاص كل لفظ موضوع لمعنى معلوم على الانفراد وكل اسم لمسمى معلوم ~~PageV01P124 على الانفراد ومنه يقال اختص فلان بملك كذا أي انفرد به ولا ~~شركة للغير معه وخصني فلان بكذا أي أفرده لي وفلان خاص فلان ومنه سميت ~~الخصاصة للانفراد عن المال وعن نيل أسباب المال مع الحاجة ومعنى الخصوص في ~~الحاصل الانفراد وقطع الاشتراك فإذا أريد به خصوص الجنس قيل إنسان وإذا ~~أريد به خصوص النوع قيل رجل وإذا أريد به خصوص ms120 العين قيل زيد # وأما العام كل لفظ ينتظم جمعا من الأسماء لفظا أو معنى ونعني بالأسماء ~~هنا المسميات وقولنا لفظا أو معنى تفسير للانتظام أي ينتظم جمعا من الأسماء ~~لفظا مرة كقولنا زيدون ومعنى تارة كقولنا من وما وما أشبههما # ومعنى العموم لغة الشمول تقول العرب عمهم الصلاح والعدل أي شملهم وعم ~~الخصب أي شمل البلدان أو الأعيان ومنه سميت النخلة الطويلة عميمة والقرابة ~~إذا اتسعت انتهت إلى العمومة فكل لفظ ينتظم جمعا من الأسماء سمي عاما لمعنى ~~الشمول وذلك نحو اسم الشيء فإنه يعم الموجودات كلها عندنا # وذكر أبو بكر الجصاص رحمه الله أن العام ما ينتظم جمعا من الأسامي أو ~~المعاني وهذا غلط منه فإن تعدد المعاني لا يكون إلا بعد التغاير والاختلاف ~~وعند ذلك اللفظ الواحد لا ينتظمهما وإنما يحتمل أن يكون كل واحد منهما ~~مرادا باللفظ وهذا يكون مشتركا لا عاما ولا عموم للمشترك عندنا وقد نص ~~الجصاص في كتابه على أن المذهب في المشترك أنه لا عموم له فعرفنا أن هذا ~~سهو منه في العبارة أو هو مؤول ومراده أن المعنى الواحد باعتبار أنه يعم ~~المحال يسمى معاني مجازا فإنه يقال مطر عام لأنه عم الأمكنة وهو في الحقيقة ~~معنى واحد ولكن لتعدد المحال الذي تناوله سماه معاني ولكن هذا إنما يستقيم ~~إذا قال ما ينتظم جمعا من الأسامي والمعاني # قال رضي الله عنه وهكذا رأيته في بعض النسخ من كتابه فأما قوله أو ~~المعاني فهو سهو منه وذكر أن إطلاق لفظ العموم حقيقة في المعاني والأحكام ~~كما هو في الأسماء والألفاظ # ويقال عمهم الخوف وعمهم الخصب باعتبار المعنى من غير أن يكون هناك لفظ ~~وهذا غلط أيضا فإن المذهب أنه لا عموم للمعاني حقيقة وإن كان PageV01P125 ~~يوصف به مجازا وسيأتيك بيان هذا الفصل في باب بيان إبطال القول بتخصيص ~~العلل الشرعية # وأما المشترك فكل لفظ يشترك فيه معان أو أسام لا على سبيل الانتظام بل ~~على احتمال أن يكون كل واحد هو المراد به ms121 على الانفراد وإذا تعين الواحد ~~مرادا به انتفى الآخر مثل اسم العين فإنه للناظر ولعين الماء وللشمس ~~وللميزان وللنقد من المال وللشيء المعين لا على أن جميع ذلك مراد بمطلق ~~اللفظ ولكن على احتمال كون كل واحد مرادا بانفراده عند الإطلاق وهذا لأن ~~الاسم يتناول كل واحد من هذه الأشياء باعتبار معنى غير المعنى الآخر وقد ~~بينا أن لفظ الواحد لا ينتظم المعاني المختلفة # وبيان هذا في لفظ البينونة فإنه يحتمل معنى الإبانة ومعنى البين ومعنى ~~البيان يقول الرجل بان فلان عني أي هجرني وبان العضو من الجسم أي انفصل ~~وبان لي كذا أي ظهر فيعلم أن مطلق اللفظ لا ينتظم هذه المعاني ولكن يحتمل ~~كل واحد منها أن يكون مرادا ولهذا سميناه مشتركا فالاشتراك عبارة عن ~~المساواة وفي الاحتمال وجدت المساواة بينهما فبقي المراد به مجهولا لا يمكن ~~العمل بمطلقه في الابتداء بمنزلة المجمل إلا أن الفرق بين المشترك والمجمل ~~أنه قد يتوصل إلى العمل بالمشترك عند التأمل في صيغة اللفظ فيرجح بعض ~~المحتملات ويعرف أنه هو المراد بدليل في اللفظ من غير بيان آخر والمجمل ما ~~لا يستدرك به المراد بمجرد التأمل في صيغة اللفظ ما لم يرجع في بيانه إلى ~~المجمل ليصير المراد بذلك البيان معلوما لا بدليل في لفظ المجمل # وبيان المشترك في لفظ القرء فبين العلماء اتفاق أنه يحتمل الأطهار ويحتمل ~~الحيض وأنه غير منتظم لهما بل إذا حملناه على الحيض لدليل في اللفظ وهو أن ~~المرأة لا تسمى ذات القرء إلا باعتبار الحيض فينتفي كون الأطهار مرادا ~~عندنا وإذا حمله الخصم على الأطهار لدليل في اللفظ وهو الاجتماع أخرج الحيض ~~من أن يكون مرادا باللفظ # وعلى هذا قال علماؤنا رحمهم الله لو أوصى بثلث ماله لمواليه وله موال ~~أعتقوه وموال أعتقهم لا تصح الوصية لأن الاسم مشترك يحتمل أن يكون المراد ~~به هو المولى الأعلى ويحتمل الأسفل وفي PageV01P126 المعنى تغاير فالوصية ~~للأعلى بمعنى المجازاة وشكرا للنعم وللأسفل للزيادة في الإنعام والترحم ~~عليه ولا ينتظم ms122 اللفظ المعنيين جميعا للمغايرة بينهما فبقي الموصى له ~~مجهولا # ولو حلف لا يكلم مواليه يتناول يمينه الأعلى والأسفل جميعا باعتبار أن ~~المعنى الذي دعاه إلى اليمين غير مختلف في الأعلى والأسفل فلإيجاد المعنى ~~لا يتحقق فيه الاشتراك بل اللفظ في هذا الحكم بمنزلة العام فإن اسم الشيء ~~يتناول الموجودات كلها باعتبار معنى واحد وهو صفة الوجود فكان منتظما للكل ~~والمشترك احتماله الجمع من الأشياء باعتبار معان مختلفة فعرفنا به أن ~~المراد واحد منها فاسم المولى إذا استعمله فيما يختلف فيه المعنى والمقصود ~~كان مشتركا وفيما لا يختلف فيه المعنى كان بمنزلة العام # وأما المؤول فهو تبين بعض ما يحتمل المشترك بغالب الرأي والاجتهاد ومن ~~قولك آل يؤول أي رجع وأوليته بكذا إذا رجعته وصرفته إليه ومآل هذا الأمر ~~كذا أي تصير عاقبته إليه فالمؤول ما تصير إليه عاقبة المراد بالمشترك ~~بواسطة الأمر قال تعالى @QB@ هل ينظرون إلا تأويله @QE@ أي عاقبته وما يؤول ~~إليه الأمر وهو خلاف المجمل فالمراد بالمجمل إنما يعرف ببيان من المجمل ~~وذلك البيان يكون تفسيرا يعلم به المراد بلا شبهة مأخوذ من قولك أسفر الصبح ~~إذا أضاء وظهر ظهورا منتشرا وأسفرت المرأة عن وجهها أي كشفت وجهها وهذا ~~اللفظ مقلوب من التفسير فالمعنى فيهما واحد وهو الانكشاف والظهور على وجه ~~لا شبهة فيه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم من فسر القرآن برأيه فليتبوأ ~~مقعده من النار يعني قطع القول بأن المراد هذا برأيه فإن من فعل ذلك فكأنه ~~نصب نفسه صاحب الوحي فليتبوأ مقعده من النار وبهذا تبين خطأ المعتزلة أن كل ~~مجتهد مصيب لما هو الحق حقيقة فالاجتهاد عبارة عن غالب الرأي فمن يقول إنه ~~يستدرك به الحق قطعا بلا شبهة فإنه داخل في جملة من تناولهم هذا الحديث # وصار الحاصل أن العام أكثر انتظاما للمسميات من الخاص والخاص في معرفة ~~المراد به أثبت من المشترك ففي المشترك احتمال غير المراد ومع الاحتمال لا ~~يتحقق الثبوت والمشترك في إمكان معرفة المراد عند PageV01P127 التأمل في ~~لفظه ms123 أقوى من المجمل فليس في المجمل إمكان ذلك بدون البيان على ما نذكره في ~~بابه إن شاء الله تعالى # # | فصل في بيان حكم الخاص # قال رضي الله عنه حكم الخاص معرفة المراد باللفظ ووجوب العمل به فيما هو ~~موضوع له لغة لا يخلو خاص عن ذلك وإن كان يحتمل أن تغير اللفظ عن موضوعه ~~عند قيام الدليل فيصير عبارة عنه مجازا ولكنه غير محتمل للتصرف فيه بيانا ~~فإنه مبين في نفسه عامل فيما هو موضوع له بلا شبهة وعلى هذا قال علماؤنا ~~رحمهم الله في قوله تعالى @QB@ ثلاثة قروء @QE@ إن المراد الحيض لأنا لو ~~حملناه على الأطهار كان الاعتداد بقرأين وبعض الثالث ولو حملناه على الحيض ~~كان التربص بثلاثة قروء كوامل واسم الثلاث موضوع لعدد معلوم لغة لا يحتمل ~~النقصان عنه بمنزلة اسم الفرد فإنه لا يحتمل العدد واسم الواحد ليس فيه ~~احتمال المثنى ففي حمله على الأطهار ترك العمل بلفظ الثلاث فيما هو موضوع ~~له لغة ولا وجه للمصير إليه وقلنا في قوله @QB@ اركعوا واسجدوا @QE@ إن فرض ~~الركوع يتأدى بأدنى الانحطاط لأن اللفظ لغة موضوع للميل عن الاستواء يقال ~~ركعت النخلة إذا مالت وركع البعير إذا طأطأ رأسه فإلحاق صفة الاعتدال به ~~ليكون فرضا ثابتا بهذا النص لا يكون عملا بما وضع له هذا الخاص لغة ولكن ~~إنما يكون وفي العثمانية إنما يثبت بصفة الاعتدال بخبر الواحد فيكون موجبا ~~للعمل ممكنا للنقصان في الصلاة إذا تركه ولا يكون مفسدا للصلاة لأن ذلك حكم ~~ترك الثابت بالنص ومن ذلك قوله تعالى @QB@ وليطوفوا بالبيت العتيق @QE@ ~~فالطواف موضوع لغة لمعنى معلوم لا شبهة فيه وهو الدوران حول البيت ثم إلحاق ~~شرط الطهارة بالدوران ليكون فرضا لا يعتد الطواف بدونه لا يكون عملا بهذا ~~الخاص بل يكون نسخا له وجعل الطهارة واجبا فيه حتى يتمكن النقصان بتركه ~~يكون عملا بموجب كل دليل فإن ثبوت شرط الطهارة بخبر الواحد وهو موجب للعمل ~~فبتركه يتمكن النقصان في العمل شرعا فيؤمر بالإعادة أو الجبر بالدم ليرتفع ms124 ~~به النقصان ومن ذلك قوله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم @QE@ PageV01P128 الآية ~~فإن اللفظ موضوع لغة لغسل هذه الأعضاء ففرضية الغسل في المغسولات والمسح في ~~الممسوحات ثابت بهذا النص واشتراط النية والموالاة والترتيب والتسمية ليكون ~~فرضا لا يزول الحدث بدونها مع وجود الغسل والمسح لا يكون عملا بهذا الخاص ~~بل يكون نسخا له وجعل ذلك واجبا أو سنة للإكمال كما هو موجب خبر الواحد ~~يكون عملا بكل دليل ومراعاة لمرتبة كل دليل # فتبين أن فيما ذهب إليه الخصم حط درجة النص عن مرتبته أو رفع درجة خبر ~~الواحد فوق مرتبته فلا يكون القول به صحيحا # وقال الشافعي في قوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ ~~فإن القطع لفظ خاص لمعنى معلوم فإبطال عصمة المال والتقوم الذي كان ثابتا ~~قبل فعل السرقة أو بعده قبل القطع لا يكون عملا بهذا الخاص بل يكون زيادة ~~أثبتموه بالرأي أو بخبر الواحد فقد دخلتم فيما أبيتم # ولكنا نقول ما أثبتنا ذلك إلا بلفظ خاص في الآية وهو قوله تعالى @QB@ ~~جزاء بما كسبا نكالا من الله @QE@ فاسم الجزاء يطلق على ما يجب حقا لله ~~تعالى بمقابلة أفعال العباد فثبت بهذا اللفظ الخاص أن القطع حق الله تعالى ~~خالصا وتبين به أن سببه جناية على حق الله تعالى ولا يجب القطع إلا باعتبار ~~العصمة والتقوم في المسروق فبه يتبين أن العصمة والتقوم عند فعل السرقة صار ~~حقا لله تعالى حيث وجب القطع باعتباره حقا له ويتم ذلك بالاستيفاء لأن ما ~~يجب حقا لله تعالى فتمامه يكون بالاستيفاء إذ المقصود به الزجر وذلك يحصل ~~بالاستيفاء وبهذا التحقيق تبين أن العصمة والتقوم لم يبق حقا للعبد فلا يجب ~~الضمان به أو عرفنا ذلك من قوله تعالى @QB@ جزاء بما كسبا @QE@ فإن الجزاء ~~لغة يستدعي الكمال من قولهم جزى أي قضى أو جزأ بالهمزة أي كفى وكمال الجزاء ~~باعتبار كمال السبب وهو أن يكون PageV01P129 الفعل حراما لعينه فمع بقاء ~~التقوم والعصمة حقا للمالك لا يكون الفعل حراما لعينه بل لغيره وهو حق ~~المالك فعرفنا ms125 أنه لم يبق العصمة والتقوم في المحل حقا للعبد عندنا باعتبار ~~خاص منصوص عليه ولا يدخل عليه الملك فإنه يبقى للمالك حتى يسترده إن كان ~~قائما بعينه لأن مع بقاء الملك له لا تنعدم صفة الكمال في السبب وهو كون ~~الفعل حراما لعينه ألا ترى أن العصير إذا تخمر يبقى مملوكا ويكون الفعل فيه ~~حراما لعينه حتى يجب الحد بشربه ولكن لم يبق معصوما متقوما لأنه حينئذ يكون ~~بمنزلة عصير الغير فلا يكون شربه حراما لعينه # ثم وجوب القطع باعتبار العصمة والتقوم في محل مملوك فأما المالك فهو غير ~~معتبر فيه لعينه بل ليظهر السبب بخصومته عند الإمام ولهذا لو ظهر بخصومة ~~غير المالك نقيم الحد بخصومة المكاتب والعبد المأذون المستغرق بالدين في ~~كسبه والمتولي في مال الوقف ونحن إنما جعلنا ما وجب القطع باعتباره حقا لله ~~تعالى لضرورة كون الواجب محض حق الله تعالى وذلك في العصمة والتقوم دون أصل ~~الملك # ومن هذه الجملة قوله تعالى @QB@ أن تبتغوا بأموالكم @QE@ فالابتغاء موضوع ~~لمعنى معلوم وهو الطلب بالعقد والباء للإلصاق فثبت له اشتراط كون المال ~~ملصقا به بالابتغاء تسمية أو وجوبا والقول بتراخيه عن الابتغاء إلى وجود ~~حقيقة المطلوب كما قاله الخصم في المفوضة أنه لا يجب المهر لها إلا بالوطء ~~يكون ترك العمل بالخاص فيكون في معنى النسخ له ولا يجوز المصير إليه بالرأي # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم @QE@ فالفرض ~~لمعنى معلوم لغة وهو التقدير والكتابة في قوله تعالى @QB@ فرضنا @QE@ لمعنى ~~معلوم لغة وهو إرادة المتكلم نفسه فالقول بأن المهر غير مقدر شرعا بل يكون ~~إيجاب أصله بالعقد وبيان مقداره مفوضا إلى رأي الزوجين يكون ترك العمل بهذا ~~الخاص فإنما العمل به فيما قلنا إن وجوب أصله وأدنى المقدار فيه ثابت شرعا ~~لا خيار له فيه للزوجين # ومن هذا النوع ما قال محمد والشافعي في قوله تعالى @QB@ فإن طلقها فلا ~~تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره @QE@ إن كلمة حتى موضوع لمعنى لغة ms126 وهو ~~الغاية والنهاية فجعله لمعنى موجب حلا حادثا يكون ترك العمل بهذا الخاص ~~وإنما العمل به في أن يجعل غاية للحرمة الحاصلة في المحل ولا حرمة قبل ~~استيفاء عدد الطلاق ولا تصور للغاية قبل وجود أصل الشيء فإن المنتهى ~~بالغاية بعض الشيء فكيف يتحقق قبل وجود أصله بل يكون وجود الزوج الثاني في ~~هذه الحالة كعدمه # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله ما تناوله هذا الخاص فهو غاية لما ~~وضع PageV01P130 اللفظ له وهو عقد الزوج الثاني فإن النكاح وإن كان حقيقة ~~للوطء فقد يطلق بمعنى العقد والمراد العقد هنا بدليل الإضافة إلى المرأة ~~وإنما يضاف إليها العقد لتحقق مباشرته منها ولا يضاف إليها الوطء حقيقة ~~لأنها محل الفعل لا مباشرة للوطء فأما شرط الدخول فأثبتناه بحديث مشهور وهو ~~ما روي أن امرأة رفاعة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن ~~رفاعة طلقني فبت طلاقي فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير فلم أجد معه إلا مثل ~~هذه وأشارت إلى هدبة ثوبها كانت تتهمه بالعنة فقال أتريدين أن ترجعي إلى ~~رفاعة فقالت نعم فقال لا حتى تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك ففي اشتراط ~~الوطء للعود إشارة إلى السبب الموجب للحل # وقال عليه السلام لعن الله المحلل والمحلل له ولا خلاف بين العلماء أن ~~الوطء من الزوج الثاني شرط لحل العود إلى الأول بهذه الآثار فنحن عملنا بما ~~هو موجب أصل هذا الدليل بصفته فجعلناه موجبا للحل وهم أسقطوا اعتبار هذا ~~الوصف من هذا الدليل استدلالا بنص ليس فيه بيان أصل هذا الشرط ولا صفته ~~فيكون هذا ترك العمل بالدليل الموجب له لا عملا بكل خاص فيما هو موضوع له ~~لغة # ومن ذلك قولنا في قوله تعالى @QB@ فإن طلقها فلا تحل له @QE@ لأن الفاء ~~موضوع لغة للوصل والتعقيب فذكره بعد الخلع المذكور في قوله تعالى @QB@ فيما ~~افتدت به @QE@ يكون بيانا خاصا أن إيقاع التطليقتين بعد الخلع متصلا به ~~يكون عاملا موجبا حرمة المحل بخلاف ما يقوله الخصم إن المختلعة ms127 لا يلحقها ~~الطلاق # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ الطلاق مرتان @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به @QE@ ففي الإضافة إليها ثم تخصيص جانبها بالذكر بيان ~~أن الذي يكون من جانب الزوج في الخلع عين ما تناوله أول الآية وهو الطلاق ~~لا غيره وهو الفسخ فجعل الخلع فسخا يكون ترك العمل بهذا الخاص وجعله طلاقا ~~كما هو موجب هذا الخاص يكون عملا بالمنصوص هذا بيان الطريق فيما يكون من ~~هذا الجنس # PageV01P131 # | فصل في بيان حكم العام # قال بعض المتأخرين ممن لا سلف لهم في القرون الثلاثة حكمه الوقف فيه حتى ~~يتبين المراد منه بمنزلة المشترك أو المجمل ويسمى هؤلاء الواقفية إلا أن ~~طائفة منهم يقولون يثبت به أخص الخصوص وفيما وراء ذلك الحكم هو الوقف حتى ~~يتبين المراد بالدليل # وقال الشافعي هو مجرى على عمومه موجب للحكم فيما تناوله مع ضرب شبهة فيه ~~لاحتمال أن يكون المراد به الخصوص فلا يوجب الحكم قطعا بل على تجوز أن يظهر ~~معنى الخصوص فيه لقيام الدليل بمنزلة القياس فإنه يجب العمل به في الأحكام ~~الشرعية لا على أن يكون مقطوعا به بل مع تجوز احتمال الخطأ فيه أو الغلط ~~ولهذا جوز تخصيص العام بالقياس ابتداء وبخبر الواحد فقد جعل القياس وخبر ~~الواحد الذي لا يوجب العلم قطعا مقدما على موجب العام حتى جوز التخصيص بهما ~~وجعل الخاص أولى بالمصير إليه من العام على هذا دلت مسائله فإنه رجح خبر ~~العرايا على عموم قوله عليه السلام التمر بالتمر كيلا بكيل في حكم العمل به ~~وجعل هذا قولا واحدا له فيما يحتمل العموم وفيما لا يحتمل العموم لانعدام ~~محله فقال يجب العمل فيهما بقدر الإمكان حتى يقوم دليل التخصيص على الوجه ~~الذي ذكرنا # والمذهب عندنا أن العام موجب للحكم فيما يتناوله قطعا بمنزلة الخاص موجب ~~للحكم فيما تناوله يستوي في ذلك الأمر والنهي والخبر إلا فيما لا يمكن ~~اعتبار العموم فيه لانعدام محله فحينئذ يجب التوقف إلى أن يتبين ما هو ~~المراد به ببيان ظاهر ms128 بمنزلة المجمل فعلى هذا دلت مسائل علمائنا رحمهم الله # قال محمد رحمه الله في الزيادات إذا أوصى بخاتم لرجل ثم أوصى بفصه لآخر ~~بعد ذلك في كلام مقطوع فالحلقة للموصى له بالخاتم والفص بينهما نصفان لأن ~~الإيجاب الثاني في عين ما أوجبه للأول لا يكون رجوعا PageV01P132 عن الأول ~~فيجتمع في الفص وصيتان إحداهما بإيجاب عام والأخرى بإيجاب خاص ثم إذا ثبت ~~المساواة بينهما في الحكم يجعل الفص بينهما نصفين # وقال في الوصايا لو كانت الوصيتان بهذه الصفة في كلام موصول كان الفص ~~للموصى له خاصة لأنه إذا كان الكلام موصولا كان آخره بيانا لأوله فيظهر به ~~أن مراده بالإيجاب العام الحلقة دون الفص # وقال في المضاربة إذا اختلف المضارب ورب المال في العموم والخصوص فالقول ~~قول من يدعي العموم أيهما كان فلولا المساواة بين الخاص والعام حكما فيما ~~يتناوله لم يصر إلى الترجيح بمقتضى العقد # قال وإذا أقاما جميعا البينة وأرخ كل منهما آخرهما تاريخا أولى سواء كان ~~مبينا للعموم أو الخصوص فقد جعل العام المتأخر رافعا للخاص المتقدم كما جعل ~~الخاص المتأخر مخصصا للعام المتقدم ولا يكون ذلك إلا بعد المساواة وظهر من ~~مذهب أبي حنيفة رحمه الله ترجيح العام على الخاص في العمل به نحو حفر بئر ~~الناضح فإنه رجح قوله عليه السلام من حفر بئرا فله مما حولها أربعون ذراعا ~~على الخاص الوارد في بئر الناضح أنه ستون ذراعا فرجح قوله عليه السلام ما ~~أخرجت الأرض ففيه العشر على الخاص الوارد بقوله عليه السلام ليس في ~~الخضراوات صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ونسخ الخاص بالعام أيضا كما ~~فعله في بول ما يؤكل لحمه فإنه جعل الخاص من حديث العرنيين فيه منسوخا ~~بالعام وهو قوله عليه السلام استنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه ~~وأكثر مشايخنا رحمهم الله يقولون أيضا إن العام الذي لم يثبت خصوصه بدليل ~~لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس فزعموا أن المذهب هذا فإن قوله ~~عليه الصلاة والسلام لا صلاة ms129 إلا بفاتحة الكتاب لا يكون موجبا تخصيص العموم ~~في قوله تعالى @QB@ فاقرؤوا ما تيسر من القرآن @QE@ حتى لا تتعين قراءة ~~الفاتحة فرضا # وكذلك قوله تعالى @QB@ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه @QE@ عام لم ~~تخفيفا عليه فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس ( وكذلك قوله @QB@ ~~ومن دخله كان آمنا @QE@ عام لم يثبت تخصيصه ولا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ~~يثبت خصومه فإن الناسي جعل PageV01P133 ذاكرا حكما بطريقة إقامة ملته مقام ~~التسمية ولا بالقياس ) حتى يثبت الأمن بسبب الحرم المباح الدم باعتبار ~~العموم ومتى ثبت التخصيص في العام بدليله فحينئذ يجوز تخصيصه بخبر الواحد ~~والقياس على ما نبينه إن شاء الله تعالى # أما الواقفون استدلوا بالاشتراك في الاستعمال فقد يستعمل لفظ العام ~~والمراد به الخاص قال تعالى @QB@ الذين قال لهم الناس @QE@ والمراد به رجل ~~واحد وقد يستعمل لفظة الجماعة للفرد قال تعالى @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون @QE@ وقال @QB@ رب ارجعون @QE@ وهذا في كلام الخطباء ونظم ~~الشعراء معروف فعند الإطلاق يشترك فيه احتمال العموم واحتمال الخصوص فيكون ~~بمنزلة المشترك يجب الوقف فيه حتى يتبين المراد أو نقول لفظ العام مجمل في ~~معرفة المراد به حقيقة لاحتمال أن يكون المراد بعض ما تناوله وذلك البعض لا ~~يمكن معرفته بالتأمل في صيغة اللفظ ألا ترى أنه يستقيم أن يقرن به على وجه ~~البيان والتفسير ( مطلق هذا اللفظ ) ما هو المراد به من العموم بأن نقول ~~جاءني القوم كلهم أو أجمعون ولو كان العموم موجب مطلق هذا اللفظ لم يستقم ~~تفسيره بلفظ آخر كالخاص فإنه لا يستقيم أن يقرن به ما يكون ثابتا بموجبه ~~بأن يقول جاءني زيد كله أو جميعه ولما استقام ذلك في العام عرفنا أنه غير ~~موجب للإحاطة بنفسه والبعض الذي هو مراد منه غير معلوم فيكون بمنزلة المجمل # والذين قالوا بأخص الخصوص قالوا ذلك القدر يتيقن بأنه مراد سواء كان ~~المراد الخصوص أو العموم فللتيقن به جعلناه مرادا وإنما الوقف فيما وراء ~~ذلك وبيانه أن إرادة الثلاث من لفظ ms130 الجماعة وإرادة الواحد من لفظ الجنس ~~متيقن به فمطلق اللفظ في ذلك بمنزلة الإحاطة عند اقتران البيان باللفظ وذلك ~~موجب الكلام فكذلك أخص الخصوص موجب مطلق لفظ العام # @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم @QE@ والاتباع لفظ خاص في اللغة بمعنى ~~PageV01P134 والدليل لعامة الفقهاء على أن العام موجب العمل بعمومه قوله ~~تعالى معلوم وفي المنزل عام وخاص فيجب بهذا الخاص اتباع جميع المنزل ~~والاتباع إنما يكون بالاعتقاد والعمل به وليس في التوقف اتباع للمنزل ~~فعرفنا أن العمل واجب بجميع ما أنزل على ما أوجبه صيغة الكلام إلا ما يظهر ~~نسخه بدليل فقد ظهر الاستدلال بالعموم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن ~~الصحابة رضي الله عنهم على وجه لا يمكن إنكاره فإن النبي عليه السلام حين ~~دعا أبي بن كعب رضي الله عنه وهو في الصلاة فلم يجبه بين له خطأه فيما صنع ~~بالاستدلال بقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~@QE@ وهذا عام فلو كان موجبه التوقف على ما زعموا لم يكن لاستدلاله عليه به ~~معنى والصحابة رضي الله عنهم في زمن الصديق حين خالفوه في الابتداء في قتال ~~مانعي الزكاة استدلوا عليه بقوله عليه السلام أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله وهو عام ثم استدل عليهم بقوله تعالى @QB@ فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم @QE@ فرجعوا إلى قوله وهذا عام # وحين أراد عمر رضي الله عنه أن يوظف الجزية والخراج على أهل السواد استدل ~~على من خالفه في ذلك بقوله تعالى @QB@ والذين جاؤوا من بعدهم @QE@ وقال أرى ~~لمن بعدكم في هذا الفيء نصيبا ولو قسمته بينكم لم يبق لمن بعدكم فيه نصيب ~~وهذه الآية في هذا الحكم نهاية في العموم # ولما هم عثمان رضي الله عنه برجم المرأة التي ولدت لستة أشهر استدل عليه ~~ابن عباس فقال أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله لخصمتكم قال الله تعالى @QB@ ~~وحمله وفصاله ثلاثون شهرا @QE@ وقال @QB@ وفصاله في عامين @QE@ فإذا ذهب ~~للفصال عامان بقي للحمل ستة ms131 أشهر وهذا استدلال بالعام # وحين اختلف عثمان وعلي رضي الله عنهما في الجمع بين الأختين وطئا بملك ~~اليمين قال علي رضي الله عنه أحلتهما قوله تعالى @QB@ أو ما ملكت أيمانكم ~~@QE@ وحرمتهما قوله تعالى @QB@ وأن تجمعوا بين الأختين @QE@ فالأخذ بما ~~يحرم أولى احتياطا فوافقه عثمان في هذا إلا أنه قال عند تعارض الدليلين ~~أرجح الموجب للحل باعتبار الأصل # وحين اختلف علي وابن مسعود رضي الله عنهما في المتوفى عنها زوجها إذا ~~كانت حاملا فقال علي رضي الله عنه تعتد بأبعد الأجلين واستدل بالآيتين قوله ~~تعالى @QB@ أربعة أشهر وعشرا @QE@ وقوله تعالى @QB@ وأولات الأحمال أجلهن ~~أن يضعن حملهن @QE@ PageV01P135 قال ابن مسعود رضي الله عنه من شاء باهلته ~~أن سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة النساء الطولى يعني قوله تعالى @QB@ ~~وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن @QE@ نزلت بعد قوله تعالى @QB@ يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا @QE@ فاستدل بهذا العام على أن عدتها بوضع الحمل ~~لا غير وجعل الخاص في عدة المتوفى عنها زوجها منسوخا بهذا العام في حق ~~الحامل # واحتج ابن عمر على ابن الزبير في التحريم بالمصة والمصتين بقوله تعالى ~~@QB@ وأخواتكم من الرضاعة @QE@ واحتج ابن عباس على الصحابة رضي الله عنهم ~~في الصرف بعموم قوله صلى الله عليه وسلم لا ربا إلا في النسيئة واحتجوا ~~عليه بالعموم الموجب لحرمة الربا من الكتاب والسنة فرجع إلى قولهم # فبهذا تبين أنهم اعتقدوا وجوب العمل بالعام وإجراءه على عمومه # ولا معنى لقول من يقول إنهم عرفوا ذلك بدليل آخر من حال شاهدوه أو ببيان ~~سمعوه لأن المنقول احتجاج بعضهم على بعض بصيغة العموم فقط وفي القول بما ~~قال هذا القائل تعطيل المنقول والإحالة على سبب آخر لم يعرف # ثم لزوم العمل بالمنزل حكم ثابت إلى يوم القيامة فلو كان ذلك في حقهم ~~باعتبار دليل آخر ما وسعهم ترك النقل فيه ولو نقلوا ذلك لظهر وانتشر # يؤيد ما قلنا حديث أبي بكر رضي الله عنه حين بلغه اختلاف الصحابة في نقل ~~الأخبار جمعهم فقال إنكم إذا اختلفتم فمن ms132 بعدكم يكون أشد اختلافا الحديث ~~إلى أن قال فيكم كتاب الله تعالى فأحلوا حلاله وحرموا حرامه # ولم يخالف أحد منهم في ذلك فعرفنا أنهم عرفوا المراد بعين ما هو المنقول ~~إلينا لا بدليل آخر غير منقول إلينا # ثم العموم معنى مقصود من الكلام عام بمنزلة الخصوص فلا بد أن يكون له لفظ ~~موضوع يعرف المقصود بذلك اللفظ لأن الألفاظ لا تقصر عن المعاني وبيان هذا ~~أن المتكلم باللفظ الخاص له في ذلك مراد لا يحصل باللفظ العام وهو تخصيص ~~الفرد بشيء فكان لتحصيل مراده لفظ موضوع وهو الخاص والمتكلم باللفظ العام ~~بمعنى العام له مراد في العموم لا يحصل ذلك باللفظ الخاص ولا يتيسر عليه ~~التنصيص على كل فرد بما هو مراد باللفظ فإن من أراد عتق جميع عبيده فإنما ~~يتمكن من تحصيل هذا المقصود بقوله عبيدي أحرار وهذا لفظ عام فمن جعل موجبه ~~الوقف فإنه يشق على المتكلم بأن يحصل مقصوده في العموم باستعمال صيغته وما ~~قالوا إنه قد استعمل العام بمعنى الخاص قلنا ويستعمل أيضا بمعنى الإحاطة ~~على وجه لا يحتمل غيره قال تعالى @QB@ أن الله بكل شيء عليم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إن الله @QE@ العام فلا بد من أن يكون PageV01P136 لمراده لفظ ~~موضوع لغة وذلك صيغة العموم @QB@ لا يظلم مثقال ذرة @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها @QE@ فهذا الاستعمال يمنعهم عن ~~القول بالتوقف في موجب العموم # ثم العموم بهذه الصيغة حقيقة واحتمال إرادة المجاز لا يخرج الحقيقة من أن ~~تكون موجب مطلق الكلام ألا ترى أن بعد تعين الإحاطة فيه بقوله تعالى أجمعون ~~أو كلهم لا ينتفي هذا الاحتمال من كل وجه حتى يستقيم أن يقرن به الاستثناء ~~قال تعالى @QB@ فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس @QE@ ويقول الرجل ~~جاءني القوم كلهم أجمعون إلا فلانا وفلانا # ثم هذا لا يمنع القول بأن موجبه الإحاطة فيما تناوله فكذلك في مطلق اللفظ ~~مع أنا لا نقول إن ما يقرن به يكون تفسيرا ولكن نقول وإن كان موجبه ms133 العموم ~~قطعا فهو غير محكم لاحتمال إرادة الخصوص فيه فيصير بما يقرن به محكما إذا ~~أطلق ذلك كما في قوله جاءني القوم كلهم فإنه لا ينفي احتمال الخصوص بعد هذا ~~إذا لم يقرن به استثناء يكون مغيرا له ومثله في الخاص موجود فإن قوله جاءني ~~فلان خاص موجب لما تناوله ولكنه غير محكم فيه لاحتمال المجاز فإذا قال ~~جاءني فلان نفسه يصير محكما وينتفي احتمال المجاز في أن الذي جاءه رسوله أو ~~عبده أو كتابه # ثم قال الشافعي رحمه الله أجعل مطلق العام موجبا للعمل فيما تناوله ولكن ~~احتمال الخصوص فيه قائم ومع الاحتمال لا يصير مقطوعا به فلا أجعله موجبا ~~للعمل فيما تناوله قطعا # ولكنا نقول المراد بمطلق الكلام ما هو الحقيقة فيه والحقيقة ما كانت ~~الصيغة موضوعة له لغة وهذه الصيغة موضوعة لمقصود العموم فكانت حقيقة فيها ~~وحقيقة الشيء ثابت بثبوته قطعا ما لم يقم الدليل على مجازه كما في لفظ ~~الخاص فإن ما هو حقيقة فيه يكون ثابتا به قطعا حتى يقوم الدليل على صرفه ~~إلى المجاز # PageV01P137 فإن قال قائل إن الخاص أيضا لا يوجب موجبه قطعا لاحتمال ~~إرادة المجاز منه وإنما يوجب موجبه ظاهرا ما لم يتبين أنه ليس المراد به ~~المجاز بدليل آخر بمنزلة النص في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ~~بقاء الحكم الثابت بالنص يكون ظاهرا لا مقطوعا به لاحتمال النسخ وإن لم ~~يظهر الناسخ بعد # قلنا هذا فاسد لأن مراد المتكلم بالكلام ما هو موضوع له حقيقة هذا معلوم ~~وإرادة المجاز موهوم والموهوم لا يعارض المعلوم ولا يؤثر في حكمه وكذلك ~~المجاز لا يعارض الحقيقة بل ثبوت المجاز بإرادة المتكلم لا بصيغة الكلام ~~وهي إرادة ناقلة للكلام عن حقيقته فما لم يظهر الناقل بدليله يثبت حكم ~~الكلام مقطوعا به بمنزلة النص المطلق يوجب الحكم قطعا وإن احتمل التغيير ~~بشرط تعلقه به أو قيد بقيده ولكن ذلك ناقل للكلام عن حقيقته فما لم يظهر ~~كان حكم الكلام ثابتا قطعا بخلاف النص ms134 في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإن النص يوجب الحكم فأما بقاء الحكم ليس من موجبات النص ولكن ما ثبت ~~فالأصل فيه البقاء حتى يظهر الدليل المزيل فكان بقاؤه لنوع من استصحاب ~~الحال وعدم الناسخ وهذا المعدوم غير مقطوع به فلهذا لا يكون بقاء الحكم ~~مقطوعا به في ذلك الوقت حتى إن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~انقطع احتمال النسخ كان الحكم الذي لم يظهر ناسخه باقيا قطعا # فإن قيل فكذلك عدم إرادة المتكلم للمجاز ليس بمعلوم قطعا بل هو ثابت بنوع ~~من الظاهر بمنزلة عدم الناسخ في ذلك الوقت بخلاف الشرط والاستثناء ~~فانعدامهما ثابت بالنص لأن الشرط والاستثناء يكون مقارنا للنص فالإطلاق فيه ~~على وجه يكون ساكتا عن ذكر الشرط والاستثناء تنصيص على عدم الشرط ~~والاستثناء قلنا نعم ولكن الإرادة المغيرة للخاص عن حقيقته يكون في باطن ~~المتكلم وهو غيب عنا وليس في وسعنا الوقوف على ذلك وإنما يثبت التكليف شرعا ~~بحسب الوسع فما ليس في وسعنا الوقوف عليه لا يكون معتبرا أصلا إلى أن يظهر ~~بدليله وعند ظهوره بدليله يجعل ثابتا ابتداء فقبل الظهور يكون حكم الخاص ~~ثابتا قطعا وهو بمنزلة خطاب الشرع لا يوجب الحكم في حق المخاطب ما لم يسمع ~~به لأنه ليس في وسعه العمل به قبل PageV01P138 السماع وعند السماع يثبت ~~الحكم في حقه ابتداء كأن الخطاب نزل الآن وعلى هذا قلنا إذا قال لامرأته إن ~~كنت تحبينني فأنت طالق أو قال إن كنت تحبين النار فأنت طالق فقالت أنا أحب ~~ذلك يقع الطلاق لأن حقيقة المحبة والبغض في باطنها ولا طريق لنا إلى معرفته ~~فلا يتعلق الطلاق بحقيقته ولكن طريق معرفتنا في الظاهر إخبارها فيجعل الزوج ~~معلقا الطلاق بإخبارها حكما فإذا قالت أحب يقع الطلاق لوجود ما هو الشرط ~~حقيقة وهو الخبر فإن الخبر يحتمل الصدق والكذب وإذا ثبت هذا في الخاص فكذلك ~~في العام فإن احتمال الخصوص باطن وهو غيب عنا ما لم يظهر بدليله فقبل ظهوره ms135 ~~يكون موجبا الحكم فيما تناوله قطعا إلا أن الشافعي يقول مع هذا احتمال ~~إرادة الخصوص لم ينعدم ولكن ليس في وسعنا الوقوف عليه عند الخطاب فنجعل ~~العام موجبا الحكم فيما تناوله عملا ولا نجعله موجبا للحكم قطعا فيما يرجع ~~إلى العلم به لبقاء احتمال الخصوص # وهكذا أقول في الخاص الإرادة المغيرة فيها احتمال إلا أن ذلك مانع عن ~~ثبوت حكم الحقيقة عملا به فيكون في معنى الناسخ الذي هو مبدل للحكم أصلا ~~والناسخ لا يكون مقترنا بالنص الموجب للحكم بل إنما يرد النسخ على البقاء ~~فكذلك في الخاص أجعل ظهور إرادة المجاز بدليله عاملا ابتداء فقبل ظهوره ~~يكون حكم الخاص ثابتا قطعا وأما إرادة الخصوص لا يكون رافعا للحكم أصلا ~~فيبقى معتبرا مع وجود العمل بالعام فلا يثبت العلم بموجبه قطعا وعلى هذا ~~نقول في قوله إن كنت تحبينني إنه يقع الطلاق إذا أخبرت به لأن ما ليس في ~~وسعه الوقوف عليه وهو حقيقة المحبة والبغض بحال فيسقط اعتباره في حكم العمل ~~ولو قال إن كنت تحبين النار فأنت طالق فقالت أحب لا يقع الطلاق لأن كذبها ~~ههنا معلوم قطعا فإن أحدا ممن له طبع سليم لا يحب النار ويكون هذا بمنزلة ~~العام الذي ليس فيه احتمال الخصوص كقوله تعالى @QB@ أن الله بكل شيء عليم ~~@QE@ فإن حقيقة الموجب بمثل هذا العام معلوم قطعا بخلاف العام الذي هو ~~محتمل الخصوص # ولكن الجواب عنه أن نقول كما أن الله تعالى لم يكلفنا ما ليس في وسعنا ~~فقد أسقط عنا ما فيه حرج علينا كما قال تعالى @QB@ ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج @QE@ وفي اعتبار الإرادة الباطنة في العام الذي هو محتمل لها ~~نوع حرج PageV01P139 فالتمييز بين ما هو مراد المتكلم وبين ما ليس بمراد له ~~قبل أن يظهر دليله فيه حرج عظيم وسقط اعتباره شرعا ويقام السبب الظاهر ~~الدال على مراده وهو صيغة العموم مقام حقيقة الباطن الذي لا يتوصل إليه إلا ~~بحرج ألا ترى أن خطاب الشرع يتوجه على المرء ms136 إذا اعتدل حاله ولكن اعتدال ~~الحال أمر باطن وله سبب ظاهر من حيث العادة وهو البلوغ عن عقل فأقام الشرع ~~هذا السبب الظاهر مقام ذلك المعنى الباطن للتيسير ثم دار الحكم معه وجودا ~~وعدما حتى إنه وإن اعتدل حاله قبل البلوغ يجعل ذلك كالمعدوم حكما في ( حق ) ~~توجه الخطاب عليه ولو لم يعتدل حاله بعد البلوغ عن عقل كان الخطاب متوجها ~~أيضا لهذا المعنى ومن نظر عن إنصاف لا يشكل عليه أن الحرج في التأمل في ~~إرادة المتكلم ليتميز به ما هو مراد له مما ليس بمراد فوق الحرج بالتأمل في ~~أحوال الصبيان ليتوقف على اعتدال حالهم وهذا أصل كبير في الفقه فإن الرخصة ~~بسبب السفر تثبت لدفع المشقة كما قال الله تعالى @QB@ يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر @QE@ ثم حقيقة المشقة باطن تختلف فيه أحوال الناس وله ~~سبب ظاهر وهو السير المديد فأقام الشرع هذا السبب مقام حقيقة ذلك المعنى ~~وأسقط وجود حقيقة المشقة في حق المقيم لانعدام السبب الظاهر إلا إذا تحققت ~~الضرورة عند خوف الهلاك على نفسه فذلك أمر وراء المشقة وأثبت الحكم عند ~~وجود السبب الظاهر وإن لم تلحقه المشقة حقيقة # وكذلك الاستبراء فإنه يجب التحرز عن خلط المياه المحترمة إلا أن ذلك باطن ~~وله سبب ظاهر وهو استحداث ملك الوطء بملك اليمين لأن زوال ملك اليمين لا ~~يوجب ما يستدل به على براءة الرحم من عدة أو استبراء فأقام الشرع استحداث ~~ملك الوطء بملك اليمين مقام المعنى الباطن وهو اشتغال الرحم بالماء في حق ~~وجوب التحرز عن الخلط بالاستبراء ولهذا قلنا لو اشتراها من صبي أو امرأة أو ~~اشتراها وهي بكر أو حاضت عند البائع بعد الوطء قبل أن يبيعها يجب الاستبراء ~~لاعتبار السبب الظاهر ولهذا قلنا في النكاح لا يجب الاستبراء وإن علم أنها ~~وطئت قبل أن يتزوجها وطئا محرما بأن تزوج أمة كان قد وطئها قبل أن يتزوجها ~~لأن الأصل في النكاح الحرة فإن الرق عارض والازدواج بين الشخصين ~~PageV01P140 باعتبار الأصل ms137 وباعتبار صفة الحرمة زوال ملك الوطء عن الحرة ~~يعقب عدة موجبة براءة الرحم فلا تقع الحاجة إلى إقامة استحداث ملك الوطء ~~بالنكاح مقام حقيقة اشتغال الرحم في إيجاب الاستبراء للتحرز عن الخلط وعلى ~~هذا قلنا إذا قال لامرأته أنت طالق الساعة إن كان في علم الله أن فلانا ~~يقدم إلى شهر فقدم فلان بعد تمام الشهر يقع الطلاق عليها عند القدوم ابتداء ~~بمنزلة ما لو قال أنت طالق الساعة إن قدم فلان إلى شهر ومعلوم أن بعد قدومه ~~قد تبين أنه كان في علم الله قدومه إلى شهر وأن التعليق كان بشرط موجود ~~حقيقة ولكن لما لم يكن لنا طريق الوقوف عليه إلا بعد القدوم صار القدوم ~~الذي به يتبين لنا شرطا لوقوع الطلاق ( فيقع الطلاق ) عنده ابتداء بخلاف ما ~~لو قال أنت طالق الساعة إن كان زيد في الدار ثم علم بعد شهر أن زيدا في ~~الدار يومئذ فإنه يكون الطلاق واقعا من حين تكلم به لأنه كان لنا طريق إلى ~~الوقوف على ما جعله شرطا حقيقة فلا يقام ظهوره عندنا مقام حقيقته ولكن تبين ~~عند ظهوره أن الطلاق كان واقعا لأنه علقه بشرط موجود والذي تحقق ما ذكرنا ~~أن صاحب الشرع خاطبنا بلسان العرب فإنما يفهم من خطاب الشرع ما يفهم من ~~مخاطبات الناس فيما بينهم ومن يقول لعبده أعط هذه المائة الدرهم هؤلاء ~~بالسوية وهم مائة نفر نعلم قطعا أن مراده إعطاء كل واحد منهم درهما بمنزلة ~~ما لو قال أعط كل واحد منهم درهما وكذلك يفهم من الخاص والعام في مخاطبات ~~الشرع الحكم قطعا فيما تناوله كل واحد منهما # ومن قال لغيره لا تعتق عبدي سالما ثم قال أعتق البيض من عبيدي وسالم بهذه ~~الصفة فإنه يكون له أن يعتقه وبإعتاقه يكون ممتثلا للأمر لا مرتكبا للنهي ~~فكذلك نقول في العام المتأخر في خطاب الشرع إنه يكون قاضيا فيما تناوله على ~~الخاص فإذا كان حكم الخاص ثابتا قطعا فيما تناوله فلا بد من أن يكون العام ms138 ~~كذلك ليكون قاضيا عليه # فإن قيل أليس أن تخصيص العام بالقياس وخبر الواحد جائز ومعلوم أن القياس ~~وخبر الواحد لا يوجب العلم قطعا فكيف يكون رافعا للحكم الثابت قطعا بصيغة ~~PageV01P141 العموم إذا كانت هذه الصيغة توجب موجبها قطعا قلنا مثل هذا ~~يلزمك في الخاص فإن صرفه عن الحقيقة إلى المجاز بالقياس وخبر الواحد جائز # ثم الجواب على ما اختاره أكثر مشايخنا رحمهم الله أن تخصيص العام الذي لم ~~يثبت خصوصه ابتداء لا يجوز بالقياس ( وخبر الواحد ) وإنما يجوز ذلك في ~~العام الذي ثبت خصوصه بدليل موجب من الحكم مثل ما يوجبه العام وهو خبر ~~متأيد بالاستفاضة أو مشهور فيما بين السلف أو إجماع فعند وجود ذلك يتبين ~~بالقياس وخبر الواحد ما هو المراد بصيغة العام بعد أن خرج من أن يكون موجبا ~~للحكم فيما يتناوله قطعا على ما نبينه في فصل العام إذا دخله خصوص وهذا لأن ~~ما أوجبه القياس أو خبر الواحد يحتمل أن يكون في جملة ما تناوله دليل ~~الخصوص ويحتمل أن يكون في جملة ما تناوله صيغة العام فإنما يرجح بالقياس ~~وخبر الواحد أحد الاحتمالين # فإن قيل ما ذهبت إليه أولى فإن الأصل هو وجوب العمل بالأدلة الشرعية ما ~~أمكن وذلك في ترتيب العام على الخاص كما قلت لا في رفع الخاص بالعام كما ~~قلتم فإن من أثبت التعارض بين الخاص والعام ترك العمل بالخاص أصلا وببعض ما ~~تناوله العام ومن قال بترتيب العام على الخاص هو عامل بحقيقة الخاص وبالعام ~~أيضا فيما تناوله بحسب الإمكان فيكون هذا أولى بالمصير إليه # قلنا هذا إنما يستقيم بعد ثبوت الإمكان وبعد ما قررنا أن كل واحد منهما ~~موجب فيما تناوله الحكم قطعا لا إمكان أرأيت لو قال قائل أنا أعمل بالعام ~~في كل ما تناوله وأحمل الخاص على المجاز فأعمل به وبهذا الطريق يكون هذا ~~عملا منه بالدليلين لا فكذلك قولك أنا أعمل بالخاص وأترك موجب العام فيما ~~تناوله ( لا يكون ) عملا بهما مع أن موجب الدليل ليس كله ms139 العمل به بل العمل ~~به والمدافعة به عند PageV01P142 التعارض بمنزلة الشهادات في الخصومات بين ~~العباد فإثبات المدافعة عند المعارضة بين الخاص والعام على ما اقتضاه موجب ~~كل واحد منهما لا يكون تركا للعمل بأحدهما ثم سوى الشافعي رحمه الله فيما ~~أثبته من حكم العموم بين ما يحتمل العموم وبين ما لا يحتمله لعدم محله فيما ~~هو المحتمل فجعل كل واحد منهما حجة لإثبات الحكم مع ضرب شبهة # وبيان هذا في قوله تعالى @QB@ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون @QE@ فإن نفي المساواة ~~بينهما على العموم غير محتمل لعلمنا بالمساواة بينهما في حكم الوجود ~~والإنسانية والبشرية والصورة فقال مع هذا العلم يكون هذا العام حجة فيما هو ~~الممكن حتى لا يسوى بين الكافر والمؤمن في حكم القصاص وفي حكم شراء العبد ~~المسلم ولا يشاكله لأن العمل بالدليل الشرعي واجب بحسب الإمكان وانعدام ~~الإمكان فيما لا يحتمله بمنزلة دليل الخصوص شرعا فكما أن دليل الخصوص فيما ~~يحتمل العموم لا يخرج العام بصيغة العام من الحكم فيما يثبت من أن يكون حجة ~~فيما وراء ذلك فكذلك عدم احتمال العموم حسا لا يخرج العام من أن يكون حجة ~~فيما يحتمله # وحاصل مذهبه أنه يسوي بين محتمل الحال وبين محتمل اللفظ فيما يثبت بصيغة ~~العام من الحكم وفيما يثبت من الشبهة المانعة من العلم به قطعا ونحن نقول ~~فيما ذهب إليه تحقق الحرج الذي هو مدفوع وهو الوقوف على مراد المتكلم ليعمل ~~به فيما يحتمل العموم واعتبار الإرادة المغيرة للعموم عن حقيقتها فيما ~~يحتمل العموم حتى لا يكون موجبا قطعا فيما تناوله وقد بينا أن ذلك لا يجوز ~~شرعا وبه تبين فساد التسوية بين محتمل الحال وبين محتمل اللفظ وتبين أن ~~موجب العموم لا يثبت فيما لا يمكن العمل بعمومه لانعدام محل العموم وسنقرر ~~هذا في الفصل الذي يأتي وهو العام إذا خصص منه شيء وإنما ms140 سوينا في موجب ~~العام بين الخبر والأمر والنهي لأن ذلك حكم صيغة العموم وهذه الصيغة متحققة ~~في الأخبار كما في الأمر والنهي والله أعلم بالصواب # PageV01P143 # | فصل في بيان حكم العام إذا خصص منه شيء # قال رضي الله عنه ( وعن والديه كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول من ~~عند نفسه لا على سبيل الحكاية عن السلف العام إذا لحقه خصوص لا يبقى حجة بل ~~يجب التوقف فيه إلى البيان سواء كان دليل الخصوص معلوما أو مجهولا إلا أنه ~~يجب به أخص الخصوص إذا كان معلوما # وقال بعضهم إذا خص منه شيء مجهول فكذلك الجواب وإن خص منه شيء معلوم فإنه ~~يبقى موجبا الحكم فيما وراء المخصوص قطعا # وقال بعضهم هكذا فيما إذا خص شيء معلوم وإن خص منه شيء مجهول يسقط دليل ~~الخصوص ويبقى العام موجبا حكمه كما كان قبل دليل الخصوص # قال رضي الله عنه والصحيح عندي أن المذهب عند علمائنا رحمهم الله في ~~العام إذا لحقه خصوص يبقى حجة فيما وراء المخصوص سواء كان المخصوص مجهولا ~~أو معلوما إلا أن فيه شبهة حتى لا يكون موجبا قطعا ويقينا بمنزلة ما قال ~~الشافعي رحمه الله في موجب العام قبل الخصوص والدليل على أن المذهب هذا أن ~~أبا حنيفة رضي الله عنه استدل على فساد البيع بالشرط بنهي النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن بيع وشرط وهذا عام دخله خصوص واحتج على استحقاق الشفعة ~~بالجوار إذا كان عن ملاصقة بقول النبي عليه السلام الجار أحق بصقبه وهذا ~~عام قد دخله خصوص واستدل محمد على فساد بيع العقار قبل القبض بنهيه عليه ~~السلام عن بيع ما لم يقبض وهو عام لحقه خصوص وأبو حنيفة رحمه الله خص هذا ~~العام بالقياس فعرفنا أنه حجة للعمل من غير أن يكون موجبا قطعا لأن القياس ~~لا يكون موجبا قطعا فكيف يصلح أن يكون معارضا لما يكون موجبا قطعا وتبين أن ~~هذا العام دون الخبر الواحد لأن القياس لا يصلح معارضا للخبر الواحد عندنا ~~ولهذا ms141 أخذنا بالخبر الواحد الموجب للوضوء عند القهقهة في الصلاة وتركنا ~~القياس به وأبو حنيفة أخذ PageV01P144 بخبر الواحد في الوضوء بنبيذ التمر ~~وترك القياس به ثم إن خبر الواحد لا يوجب العلم قطعا فما هو دونه أولى # وأما الكرخي احتج وقال الخصوص الذي يلحق العام يسلب حقيقته فيصير مجازا ~~ومجازه في مراد المتكلم وذلك لا يتبين إلا ببيان من جهته فصار مجملا يجب ~~التوقف فيه إلى البيان بمنزلة صيغة العموم فيما لا يحتمل العموم نحو قوله ~~تعالى @QB@ وما يستوي الأعمى والبصير @QE@ فإنه لما انتفى حقيقة العموم فيه ~~لم يكن حجة بدون البيان فكذلك هذا وهذا لأنه لو بقي حجة فيما وراء المخصوص ~~كان حقيقة ولا وجه للجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد إلا أن يكون أخص ~~الخصوص منه معلوما فيكون ثابتا به لكونه متيقنا كالذي يقوم فيه دليل البيان ~~فيما لا يمكن العمل فيه بحقيقة العموم ولأن دليل الخصوص بمنزلة الاستثناء ~~فإنه يتبين به أن المخصوص لم يكن داخلا فيما هو المراد بالكلام كما يتبين ~~بالاستثناء أن الكلام عبارة عما وراءه ولهذا لا يكون دليل الخصوص إلا ~~مقارنا فأما ما يكون طارئا فهو دليل النسخ لا دليل الخصوص وإن كان المستثنى ~~مجهولا يصير ما وراءه بجهالته مجهولا كما أن المستثنى إذا تمكن فيه شك يصير ~~ما وراءه مشكوكا فيه حتى إذا قال مماليكي أحرار إلا سالما وبزيغا لم يعتق ~~واحد منهما وإن كان المستثنى أحدهما لأنه مشكوك فيه فيثبت حكم الشك فيهما ~~وإذا صار ما بقي مجهولا لم يصلح حجة بنفسه بل يجب الوقف فيه كما في قوله ~~تعالى @QB@ وما يستوي الأعمى والبصير @QE@ وكذلك إن كان دليل الخصوص معلوما ~~لأنه يجوز أن يكون معلولا وهو الظاهر فإن دليل الخصوص نص على حدة فيكون ~~قابلا للتعليل ما لم يمنع مانع من ذلك وبالتعليل لا ندري أن حكم الخصوص إلى ~~أي مقدار يتعدى فيبقى ما وراءه مجهولا أيضا وعلى ما قاله الكرخي يسقط ~~الاحتجاج بأكثر العمومات لأن أكثر العمومات قد خص منها ms142 شيء وهذا خلاف ما ~~حكينا من مذهب السلف في الصدر الأول فإنهم احتجوا بالعمومات التي يلحقها ( ~~خصوص كما احتجوا بالعمومات التي لم يلحقها خصوص ودعواه أنه PageV01P145 ~~يصير به مجازا كلام لا ) معنى له فإن الحقيقة ما يكون مستعملا في موضوعه ~~والمجاز ما يكون معدولا به عن موضوعه وإذا كان صيغة العموم يتناول الثلاثة ~~حقيقة كما يتناول المائة والألف وأكثر من ذلك فإذا خص البعض من هذه الصيغة ~~كيف يكون مجازا فيما وراءه وهو حقيقة فيه فإن قيل البعض غير الكل من هذه ~~الصيغة وإذا كان حقيقة هذه الصيغة للكل فإذا أريد به البعض كان مجازا فيه ~~ثم هذا إنما يستقيم على ما يقوله بعض أصحاب الشافعي رحمه الله أنه لا يجوز ~~التخصيص من العموم إلى أن يبقى منه ما دون الثلاث فأما على أصلكم فيجوز ~~التخصيص إلى أن لا يبقى منه أكثر من واحد ولا شك أن صيغة الجمع لا تتناول ~~الواحد حقيقة قلنا نعم ولكن ما وراء المخصوص يتناوله موجب الكلام على أنه ~~كل لا بعض بمنزلة الاستثناء فإن الكلام يصير عبارة عما وراء المستثنى بطريق ~~أنه كل لا بعض ولهذا إذا لم يبق شيء بعد دليل الخصوص كان نسخا لا تخصيصا ~~كما في الاستثناء فإنه إذا لم يبق شيء بعد الاستثناء بحال لا يكون ذلك ~~استثناء صحيحا وإذا كان الباقي منه دون الثلاث فهو كل أيضا وإن كانا بصيغة ~~العموم لأنه لا يحتمل أن يكون الباقي أكثر من ذلك على وجه يكون الباقي جمعا ~~حقيقة فبهذا الطريق صححنا التخصيص كما يصح استثناء الكل بهذا الطريق فإنه ~~لو قال مماليكي أحرار إلا فلانا وفلانا وليس له سواهما كان الاستثناء صحيحا ~~لاحتمال أن يكون المستثنى بعضا إذا كان له سواهما بخلاف ما لو قال مماليكي ~~أحرار إلا مماليكي وأما وجه القول الثاني ما بينا أن دليل الخصوص بمنزلة ~~الاستثناء فإذا كان المخصوص مجهولا كان ما وراءه مجهولا أيضا والمجهول لا ~~يكون دليلا موجبا وأما إذا كان معلوما فما وراءه يكون ms143 معلوما أيضا وكما أن ~~الكلام المقيد بالاستثناء يصير عبارة عما وراء المستثنى ويكون مقطوعا به ~~إذا PageV01P146 كان المستثنى معلوما فكذلك العام إذا لحقه خصوص معلوم يصير ~~عبارة عما وراءه ويكون موجبا فيه ما هو حكم العام لأن دليل الخصوص لا يتعرض ~~لما وراءه فيبقى العام فيما وراءه حجة موجبة قطعا ولا معنى لما قال الكرخي ~~رحمه الله إنه يحتمل التعليل لأنه إذا كان بمنزلة الاستثناء لا يحتمل ~~التعليل فإن المستثنى معدوم على معنى أنه لم يكن مرادا بالكلام أصلا والعدم ~~لا يعلل وعلى هذا القول يسقط الاحتجاج بآية السرقة لأنه لحقها خصوص مجهول ~~وهو ثمن المجن على ما روي كانت اليد لا تقطع على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيما دون ثمن المجن وكذلك بآية البيع فإنه لحقها خصوص مجهول وهو ~~حرمة الربا وكذلك بالعمومات الموجبة للعقوبة وقد لحقها خصوص مجهول وهو ~~السقوط باعتبار تمكن الشبهة على ما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام ~~ادرؤوا الحدود بالشبهات # ووجه القول الثالث أن التخصيص إنما يكون بكلام مبتدأ بصيغة على حدة ~~تتناول بعض ما تناوله العام على خلاف موجبه مما لو كان طارئا كان رافعا على ~~وجه النسخ فإذا كان مقارنا كان ثابتا ومثل هذا لا يصلح مغيرا صفة الكلام ~~الأول فكيف يصلح مغيرا له وهو غير متصل بتلك الصيغة فبقي الكلام الأول ~~صادرا من أهله في محله فيكون موجبا حكمه وحكم العام أنه كان موجبا قطعا ~~فإذا كان المخصوص معلوما بقي العام فيما وراءه موجبا قطعا ولا يكون موجبا ~~في موضع الخصوص لتحقق المعارضة بين دليل الخصوص والعموم فيه فإذا كان ~~مجهولا في نفسه فالمجهول لا يصلح معارضا للمعلوم وقد بينا أن العام موجب ~~للحكم فيما تناوله قطعا بمنزلة الخاص فيما تناوله فإذا لم تستقم المعارضة ~~بكون المعارض مجهولا سقط دليل الخصوص وبقي حكم العام على ما كان في جميع ما ~~تناوله وهذا بخلاف الاستثناء فإنه داخل على صيغة الكلام ألا ترى أنه لا ~~يستقيم بدون أصل الكلام فإن ms144 قول القائل إلا زيدا لا يكون مفيدا شيئا فإذا ~~دخل على صيغة الكلام كان مغيرا لها فيكون أصل الكلام عبارة عما وراء ~~المستثنى وذلك مجهول عند جهالة المستثنى والجهالة PageV01P147 في المستثنى ~~لا تمنع صحة الاستثناء لأنه يبين أن صيغة الكلام لم تتناول المستثنى أصلا ~~وما لم يتناوله الكلام فلا أثر للجهالة فيه وهذا بخلاف صيغة العام فيما لا ~~يحتمله العموم لأن الكلام إنما يكون مفيدا حكمه إذا صدر من أهله في محله ~~فإن البيع كما لا يصح من المجنون لانعدام الأهلية لا يصح في الحر لانعدام ~~المحلية فكذلك صيغة العموم في محل لا يقبل العموم بمنزلة الصادر من غير ~~أهله فلا يكون موجبا حكم العموم وإذا لم ينعقد موجبا حكم العام وليس وراءه ~~شيء معلوم يمكن أن يجعل الكلام عبارة عنه بقي مجملا فيما هو المراد فأما ~~إذا صدر من أهله في محله كان موجبا حكمه إلا أن يمنع منه مانع والمجهول لا ~~يصلح أن يكون مانعا فبقي أصل الكلام معتبرا في موجبه ألا ترى أن البائع بعد ~~تمام البيع إذا أجل المشتري في الثمن أجلا مجهولا من غير أن يشترط ذلك في ~~أصل البيع يبقى البيع موجبا حالا للثمن لأنه انعقد موجبا لذلك وهذا المانع ~~وهو الأجل لا يصلح أن يكون مؤخرا للمطالبة فيبقى الحكم الأول على حاله # وأما وجه القول الرابع وهو الصحيح أن دليل الخصوص بمنزلة الاستثناء في حق ~~الحكم وبمنزلة الناسخ باعتبار الصيغة لأن بدليل الخصوص يتبين بأن المراد ~~إثبات الحكم فيما وراء المخصوص لا أن يكون المراد رفع الحكم عن الموضع ~~المخصوص بعد أن كان ثابتا ولهذا لا يكون إلا مقارنا حتى لو كان طارئا يجعل ~~نسخا لا خصوصا لأنه لا يمكن أن يجعل مبينا أن المراد ما وراءه ومن حيث ~~الصيغة هو كلام مبتدأ مفهوم بنفسه مفيد للحكم وإن لم تتقدمه صيغة العام ~~فعرفنا أنه من حيث الصيغة معتبر بدليل النسخ لأنه منفصل عن العام ومن حيث ~~الحكم هو بمنزلة الاستثناء لأنه متصل به ms145 حكما حتى لا يجوز إلا مقارنا له ~~فلم يجز إلحاقه بأحدهما خاصة بل يعتبر في كل حكم بنظيره كما هو الأصل فيما ~~تردد بين شيئين وأخذ حظا معتبرا من كل واحد منهما فإنه يعتبر بهما فنقول ~~إذا كان المستثنى مجهولا فاعتبار جانب الصيغة فيه يسقط دليل الخصوص ويبقى ~~حكم العام في جميع ما تناوله واعتبار جانب الحكم فيه وهو أنه بمنزلة ~~الاستثناء يمنع ثبوت الحكم فيما وراء المخصوص لكونه مجهولا فلا PageV01P148 ~~نبطل واحدا منهما بالشك ومعنى هذا أنا لا نسقط دليل الخصوص لكونه مجهولا ~~بالشك ولا نخرج ما وراءه من أن يكون صيغة العام حجة فيه بالشك وكذلك إذا ~~كان المخصوص معلوما فإنه من حيث الصيغة هو نص على حدة قابل للتعليل ~~وبالتعليل ما ندري ما يتعدى إليه حكم الخصوص مما تناوله صيغة العام ~~وباعتبار الحكم لا يقبل التعليل لأنه موجب للحكم على أنه تبين به أن المراد ~~ما وراءه كالاستثناء وهذا لا يقبل التعليل فاعتبار الصيغة يخرج العام من أن ~~يكون حجة فيما وراء المخصوص وباعتبار الحكم يوجب أن يكون العام موجبا للحكم ~~قطعا فيما وراء المخصوص فلا يبطل معنى الحجة بالشك ولكن يتمكن فيه ضرب شبهة ~~فإن ما يكون ثابتا من وجه دون وجه لا يكون مقطوعا به والحكم إنما نثبت بحسب ~~الدليل ولهذا كان حجة موجبة العمل بها ولا يكون موجبه العلم قطعا وهذا ~~بخلاف دليل النسخ فإن عمله في رفع الحكم باعتبار المعارضة وذلك لا يكون إلا ~~فيما تناوله النص بعينه فإن التعليل فيه يؤدي إلى إثبات المعارضة بين النص ~~والعلة المستنبطة بالرأي والرأي لا يكون معارضا للنص ولهذا لا نشتغل ~~بالتعليل في إثبات النسخ فأما دليل الخصوص وإن كان نصا على حدة فإنما يوجب ~~الحكم على الوجه الذي يوجبه الاستثناء لأنه في معنى الحكم بمنزلة الاستثناء ~~كما قررنا فلا يخرج من أن يكون محتملا للتعليل وبطريق التعليل تتمكن الشبهة ~~فيما يبقى وراء المخصوص مما يكون العام موجبا للحكم فيه ولهذا جوزنا تخصيص ~~هذا العام بالقياس ms146 لأن ثبوت الحكم به فيما وراء المخصوص مع شك في أصله ~~واحتمال فيجوز أن يكون القياس معارضا له بخلاف خبر الواحد فإنه لا شك في ~~أصله وإنما الاحتمال في طريقه باعتبار توهم غلط الراوي أو ميله عن الصدق ~~إلى الكذب فمن حيث إنه لا شك فيه متى ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان أقوى من القياس فلا يصلح أن يكون القياس معارضا له # وبيان هذه الأصول من الفروع أن من جمع بين حر وعبد فباعهما بثمن واحد أو ~~بين ميتة وذكية أو بين خل وخمر لم يجز البيع أصلا لأن الحر والميتة والخمر ~~لا يتناولها العقد PageV01P149 أصلا فيكون بائعا لما هو مال متقوم منهما ~~بحصته من الألف إذا قسم عليهما والبيع بالحصة لا ينعقد صحيحا ابتداء كما لو ~~قال بعت منك هذا العبد بما يخصه من الألف إذا قسم على قيمته وعلى قيمة هذا ~~العبد الآخر فبهذا الفصل يتبين ما يكون بمنزلة الاستثناء أنه يجعل الكلام ~~عبارة عما وراء المستثنى حكما ولو باع منه عبدين فهلك أحدهما قبل القبض أو ~~استحق أحدهما أو كان أحدهما مدبرا أو مكاتبا يبقى العقد صحيحا في الآخر لأن ~~العقد يتناولهما باعتبار صفة المالية والتقوم فيهما وهو المعتبر في المحل ~~لتناول العقد إياه ثم خرج أحدهما لصيانة حق مستحق إما للعبد في نفسه أو ~~للغير أو لتعذر التسليم بهلاكه فيبقى العقد في الآخر صحيحا بحصته وهذا نظير ~~دليل النسخ فإنه يرفع الحكم الثابت في مقدار ما تناوله النص الذي هو ناسخ ~~ويبقى ما وراء ذلك من حكم العام على ما كان قبل ورود الناسخ # ونظير دليل الخصوص البيع بشرط الخيار فإنه ينعقد صحيحا بمنزلة ما لو لم ~~يكن فيه خيار وفي حق الحكم كان غير منعقد على معنى أن الحكم متعلق بسقوط ~~الخيار على ما يأتيك بيانه في موضعه أن شرط الخيار لا يدخل في أصل السبب ~~وإنما يدخل على الحكم فيجب اعتباره في كل جانب بنظيره حتى إن باعتبار السبب ~~إذا ms147 سقط الخيار استحق المشتري بزوائده المتصلة أو المنفصلة وباعتبار الحكم ~~إذا أعتق المشتري والخيار مشروط البائع ثم سقط الخيار لم ينفذ العتق وعلى ~~هذا قال في الزيادات لو باع من رجل عبدين وشرط الخيار في أحدهما دون الآخر ~~للبائع أو المشتري فإن لم يكن ثمن كل واحد منهما مسمى لم يجز العقد في واحد ~~منهما وإن كان ثمن كل واحد منهما مسمى جاز في واحد منهما فإن لم يعين ~~المشروط فيه الخيار منهما لم يجز العقد أيضا وإن عينا ذلك جاز العقد في ~~الآخر ولزم بالثمن المسمى له لأن اشتراط الخيار باعتبار الحكم يعدم العقد ~~في المشروط فيه الخيار فإذا كان مجهولا كان العقد في الآخر ابتداء في ~~المجهول وإن كان معلوما ولم يكن ثمن كل واحد منهما مسمى كان العقد في الآخر ~~ابتداء بالحصة فلا ينعقد صحيحا وباعتبار السبب كان متناولا لهما بصفة الصحة ~~فإذا كان الذي لا خيار فيه منهما معلوما وكان ثمنه مسمى لزم العقد فيه ولم ~~يجعل العقد في الآخر بمنزلة شرط فاسد في الذي لا خيار فيه بخلاف ما قاله ~~أبو حنيفة رحمه الله فيما إذا باع حرا وعبدا وسمى ثمن كل واحد منهما لم ~~ينعقد البيع في العبد صحيحا PageV01P150 لأن اشتراط قبول العقد في الحر شرط ~~فاسد فقد جعله مشروطا في قبوله العقد في القن حين جمع بينهما في الإيجاب ~~والبيع يبطل بالشروط الفاسدة وأما اشتراط قبول العقد في الذي فيه الخيار لا ~~يكون شرطا فاسدا لأن البيع بشرط الخيار منعقد شرطا صحيحا من حيث السبب فكان ~~العقد في الآخر لازما والله أعلم # # | فصل في بيان ألفاظ العموم # ألفاظ العموم قسمان عام بصيغته ومعناه وقسم فرد بصيغته عام بمعناه # فأما ما هو عام بصيغته ومعناه فكل لفظ هو للجمع نحو الرجال والنساء ~~والمسلمين والمشركين والمنافقين فإنها عام صيغة لأن واضع اللغة وضع هذه ~~الصيغة للجماعة قال رجل ورجلان ورجال وامرأة وامرأتان ونساء وهو عام بمعناه ~~لأنه شامل لكل ما تناوله عند الإطلاق فأدنى ما ms148 يطلق عليه هذا اللفظ الثلاثة ~~لأن أدنى الجمع الصحيح ثلاثة نص عليه محمد رحمه الله في السير الكبير في ~~الأنفال وغيرها ومن قال لفلان على دراهم يلزمه الثلاثة والمرأة إذا اختلعت ~~من زوجها بما في يدها من دراهم فإذا ليس في يدها شيء يلزمها ثلاثة دراهم ~~لأن أدنى الجمع متيقن به عند ذكر الصيغة وفيما زاد عليه شك واحتمال فلا يجب ~~إلا المتيقن فظن بعض أصحابنا رحمهم الله أن على قول أبي يوسف أدنى الجمع ~~اثنان على قياس مسألة الجمعة وليس كذلك فإن عنده الجمع الصحيح ثلاثة إلا ~~أنه يجعل الإمام من جملة الجمع الذي تتأدى بهم الجمعة على قياس سائر ~~الصلوات فإن الإمام من جملة الجماعة ولهذا يقدم الإمام إذا كان خلفه رجلان ~~فصاعدا # وقال أبو حنيفة و محمد رحمهما الله الشرط في الجمعة الجماعة والإمام ~~جميعا فلا يكون الإمام محسوبا من عدد الجماعة فيشترط ثلاثة سواه وفي سائر ~~الصلوات الإمام ليس بشرط لأدائها فيمكن أن يجعل الإمام من جملة الجماعة ~~فإذا كان مع الإمام رجلان اصطفا خلفه # وبعض أصحاب الشافعي رحمهم الله يقولون الجماعة هي المثنى فصاعدا واستدلوا ~~بقوله عليه السلام الاثنان فما فوقهما جماعة ولأن اسم الجماعة PageV01P151 ~~حقيقة فيما فيه معنى الاجتماع وذلك موجود في الاثنين ألا ترى أن في الوصايا ~~والمواريث جعل للمثنى حكم الجماعة حتى لو أوصى لأقرباء فلان يتناول المثنى ~~فصاعدا وللاثنين من الميراث ما للثلاث فصاعدا والأخوان يحجبان الأم من ~~الثلث إلى السدس بقوله تعالى @QB@ فإن كان له إخوة @QE@ وفي كتاب الله ~~تعالى إطلاق عبارة الجمع على المثنى لقوله تعالى @QB@ هذان خصمان اختصموا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وداود وسليمان @QE@ إلى قوله @QB@ وكنا لحكمهم شاهدين ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ إذ تسوروا المحراب @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ خصمان ~~بغى بعضنا على بعض @QE@ وكذلك في استعمال الناس فإن الاثنين يقولان نحن ~~فعلنا كذا بمنزلة الثلاثة # وحجتنا في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم الواحد شيطان والاثنان ~~شيطانان والثلاثة ركب ثم يستقيم نفي صيغة الجماعة عن المثنى بأن يقول ما في ms149 ~~الدار رجال إنما فيها رجلان وقد بينا أن اللفظ إذا كان حقيقة في الشيء لا ~~يستقيم نفيه عنه وإجماع أهل اللغة يشهد بذلك فإنهم يقولون الكلام ثلاثة ~~أقسام وحدان وتثنية وجمع ثم للوحدان أبنية مختلفة وكذلك للجمع وليس ذلك ~~للتثنية إنما لها علامة مخصوصة فعرفنا أن المثنى غير الجماعة ولما وضعوا ~~للمثنى لفظا على حدة فلو قلنا بأن للمثنى حكم الجماعة لكان اللفظ الموضوع ~~للثلاثة على خلاف الموضوع للمثنى تكرارا محضا وكل لفظ موضوع لفائدة جديدة ~~ألا ترى أن بعد الثلاث لم يوضع لما زاد عليها لفظ على حدة لما كانت صيغة ~~الجماعة تجمعها وكذلك اللفظ المفرد والتثنية يذكر من غير عدد يقال رجل ~~ورجلان ( ثم يذكر مقرونا بالعدد بعد ذلك فيقال ثلاثة رجال وأربعة رجال ) ~~ولا يقال واحد رجل ولا اثنان رجلان وتسمية الثلاثة جماعة بمعنى الاجتماع ~~كما قالوا ولكن اجتماع بصفة وهو اجتماع لا يتحقق أحد الجانبين يقابله ~~المثنى من جانب آخر فأما في الاثنين يتعارض الإفراد على التساوي من حيث إن ~~كل واحد من الجانبين فرد فعند الانضمام يكون اسم المثنى حقيقة فيهما لا اسم ~~الجماعة وتأويل الحديث أن في حكم الاصطفاف خلف الإمام الاثنان فما فوقهما ~~جماعة فقد بينا المعنى فيه فأما في المواريث فاستحقاق الاثنين الثلثين ليس ~~بالنص الوارد بعبارة الجماعة وهو قوله تعالى @QB@ فلهن ثلثا ما ترك @QE@ ~~إنما ذلك للثلاث فيه معنى يعارض الإفراد على PageV01P152 التساوي كما في ~~الثلاثة فإن الفرد من فصاعدا وإنما استحقاق الاثنين الثلثين بإشارة النص في ~~قوله @QB@ للذكر مثل حظ الأنثيين @QE@ فإن نصيب الابن مع الابنة الثلثان ~~فيثبت به أن ذلك حظ الأنثيين وما بعده لبيان أنهن وإن كن أكثر من اثنتين لا ~~يكون لهن إلا الثلثان عند الانفراد والحجب بالأخوين عرفناه باتفاق الصحابة ~~رضي الله عنهم على ما روي أن ابن عباس رضي الله عنهما قال لعثمان رضي الله ~~عنه الإخوة في لسان قومك لا يتناول الاثنين فقال نعم ولكن لاستحي أن ~~أخالفهم فيما رأوا # ألا ترى أن الحجب ms150 ثبت بالأخوات المفردات بهذا الطريق فإن اسم الإخوة لا ~~يتناول الأخوات المفردات على أن الاسم قد يتناول المثنى مجازا لاعتبار معنى ~~الاجتماع مطلقا فبهذا الطريق أثبتنا حكم الحجب والتوريث للمثنى والوصية أخت ~~الميراث فيكون ملحقا به # وقول المثنى نحن فعلنا كذا إخبار عن كل واحد منهما عن نفسه وعن غيره على ~~أن جعله تبعا لنفسه مجازا ومثل هذا قد يكون من الواحد أيضا يقول قد فعلنا ~~كذا وأمرنا بكذا وهذا لا يدل على أن اسم الجماعة يتناول الفرد حقيقة # وفيما تلونا من الآيات بيان أن المتخاصمين كانا اثنين ويحتمل أن يكون ~~الحضور معهما جماعة وصيغة الجماعة تنصرف إليهم جميعا وعلى هذا قوله تعالى ~~@QB@ فقد صغت قلوبكما @QE@ فإن أكثر الأعضاء المنتفع بها في البدن زوج فما ~~يكون فردا لعظم المنفعة فيه يجعل بمنزلة ما هو زوج فتستقيم العبارة عن ~~تثنيته بالجمع ويبين أن أدنى الجمع الصحيح ثلاثة صورة أو معنى وعلى هذا لو ~~قال إن اشتريت عبيدا فعلي كذا أو إن تزوجت نساء فإنه لا يحنث إلا بالثلاثة ~~فصاعدا إلا أنه إذا دخل الألف واللام في هذه الصيغة نجعلها للجنس مجازا لأن ~~اللام لتعريف الرجل بعينه وقال تعالى @QB@ كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى ~~فرعون @QE@ المعهود PageV01P153 في الأصل فإن الرجل يقول رأيت رجلا ثم كلمت ~~الرجل أي ذلك الرسول @QB@ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة @QE@ إنه الواحد ~~فصاعدا وقال قتادة في قوله تعالى @QB@ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ~~@QE@ إنه الواحد فصاعدا وهذا لاعتبار صيغة الفرد وجعلوه بمنزلة الجنس بغير ~~حرف اللام كما يكون مع حرف اللام الذي هو للعهد وعلى هذا قلنا لو حلف لا ~~يشرب ماء يحنث بشرب القليل كما PageV01P154 لو قال الماء لأن صيغته صيغة ~~الفرد والمراد به الجنس فيتناول القليل والكثير سواء قرن به اللام أو لم ~~يقرن لأنه لما خلا عن معنى الجماعة صيغة إذ ليس له وحدان كان جنسا فإدخال ~~الألف واللام فيه يكون للتأكيد كالرجل يقول رأيت قوما وافدين ورأيت القوم ~~الوافدين على فلان ms151 كان ذلك كتأكيد معنى الجنس # ثم اسم الجنس يتناول الأدنى حقيقة من الوجه الذي قررنا أنه لو تصور أن لا ~~يبقى من الماء إلا ذلك القليل كان اسم الماء له حقيقة ولا يتغير ذلك بكثرة ~~الجنس # وقد قال بعض مشايخنا رحمهم الله إن الحالف إنما يمنع نفسه بيمينه عما في ~~وسعه وفي وسعه شرب القليل من الجنس وليس في وسعه شرب الجميع فلعلمنا بأنه ~~لم يرد جميع الجنس صرفناه إلى أقل ما يتناوله اسم الجنس على احتمال أن يكون ~~مراده الكل حتى إذا نواه لم يحنث قط # ومن هذا القسم كلمة من فإنها كلمة مبهمة وهي عبارة عن ذات من يعقل وهي ~~تحتمل الخصوص والعموم ألا ترى أنه إذا قيل من في الدار يستقيم في جوابه ~~فيها فلان وفلان وفلان وإذا قال من أنت يستقيم في جوابه أنا فلان فمتى وصلت ~~هذه الكلمة بمعهود كانت للخصوص وإذا وصلت بغير المعهود تحتمل العموم ~~والخصوص والأصل فيها العموم قال الله تعالى @QB@ ومنهم من يستمع إليك @QE@ ~~وقال @QB@ ومنهم من ينظر إليك @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ ولو كانوا لا ~~يبصرون @QE@ وقال تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ والمراد ~~العموم وقال صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه و من دخل دار أبي ~~سفيان فهو آمن وعلى هذا الأصل قلنا إذا قال من شاء من عبيدي العتق فهو حر ~~فشاؤوا جميعا عتقوا لأن كلمة من تقتضي العموم وإنما أضاف المشيئة إلى من ~~دخل تحت كلمة من فيتعمم بعمومه # وقال أبو يوسف ومحمد إذا قال من شئت من عبيدي عتقه فهو حر فشاء عتقهم ~~جميعا عتقوا أيضا لأن كلمة من تعم العبيد ومن لتمييز هذا الجنس من سائر ~~الأجناس بمنزلة قوله تعالى @QB@ فاجتنبوا الرجس من الأوثان @QE@ وإضافة ~~المشيئة إلى خاص لا يغير العموم الثابت بكلمة من كما في قوله تعالى @QB@ ~~فأذن لمن شئت منهم @QE@ وقال تعالى @QB@ ترجي من تشاء منهن @QE@ ولكن أبو ~~حنيفة رحمه الله قال له أن يعتقهم جميعا إلا واحدا منهم لأن كلمة ms152 من ~~للتعميم ومن للتبعيض وهو الحقيقة فإذا أضاف المشيئة إلى خاص يبقى معنى ~~الخصوص معتبرا فيه مع العموم فيتناول بعضا عاما وذلك في أن يتناولهم إلا ~~واحدا منهم # وإنما رجحنا معنى العموم فيما تلونا من الآيتين بالقرينة المذكورة فيها ~~وهو قوله تعالى @QB@ واستغفر لهم الله @QE@ وقال تعالى @QB@ ذلك أدنى أن ~~@QE@ PageV01P155 إلى العام الداخل تحت كلمة من يرجح جانب العموم فيه فإذا ~~أضافها @QB@ تقر أعينهن @QE@ وعلى احتمال الخصوص في هذه الكلمة قال في ~~السير الكبير إذا قال من دخل منكم هذا الحصن أولا فله من النفل كذا فدخل ~~رجلان معا لم يستحق واحد منهما شيئا لأن الأول اسم لفرد سابق فإذا وصله ~~بكلمة من وهو تصريح بالخصوص يرجح معنى الخصوص فيه فلا يستحق النفل إلا واحد ~~دخل سابقا على الجماعة # ونظيرها كلمة ما فإنها تستعمل في ذات ما لا يعقل وفي صفات ما يعقل حتى ~~إذا قيل ما زيد يستقيم في جوابه عالم أو عاقل وإذا قيل ما في الدار يستقيم ~~في جوابه فرس وكلب وحمار ولا يستقيم في الجواب رجل وامرأة فعرفنا أنه ~~يستعمل في ذات ما لا يعقل بمنزلة كلمة من في ذات من يعقل ألا ترى أن فرعون ~~عليه اللعنة حين قال لموسى عليه السلام وما رب العالمين وقال موسى رب ~~السموات والأرض أظهر التعجب من جوابه حتى نسبه إلى الجنون يعني أنا أسأله ~~عن الماهية وهو السؤال عن ذات الشيء أجوهر هو أم عرض وهو يجيبني عن المنية ~~ألا إن الله تعالى يتعالى عما سأل اللعين ومن شأن الحكيم إذا سمع لغوا أن ~~يعرض عنه ويشتغل بما هو مفيد قال تعالى @QB@ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ~~وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم @QE@ وهذا ليس جوابا عن اللغو ولكن إعراض ~~عنه وإتمام لذلك الإعراض بالاشتغال بما هو مفيد وكذلك فعل موسى عليه السلام ~~فإنه أظهر الإعراض عن اللغو بالاشتغال بما هو مفيد وهو أن الصانع جل وعلا ~~إنما يعرف بالتأمل في مصنوعاته وبمعرفة أسمائه وصفاته وفي هذا بيان أن ms153 ~~اللعين أخطأ في طلب طريق المعرفة بالسؤال عن الماهية # وقد تأتي كلمة ما بمعنى من قال تعالى @QB@ وما بناها @QE@ PageV01P156 ~~معناه ومن بناها إلا أن الحقيقة في كل كلمة ما بينا وعلى هذا الأصل كان ~~الاختلاف في قوله لامرأته اختاري من الثلاث ما شئت فاختارت الثلاث فإن ~~عندهما تطلق ثلاثا وعند أبي حنيفة رحمه الله ثنتين بمنزلة قوله أعتق من ~~عبيدي من شئت ولاحتمال معنى العموم في كلمة ما قلنا إذا قال لأمته إن كان ~~ما في بطنك غلاما فأنت حرة فولدت غلاما وجارية إنها لا تعتق لأن الشرط أن ~~يكون جميع ما في بطنها غلاما # ونظير هاتين الكلمتين كلمة الذي فإنها مبهمة مستعملة فيما يعقل وفيما لا ~~يعقل وفيها معنى العموم على نحو ما في الكلمتين حتى إذا قال إن كان الذي في ~~بطنك غلاما كان بمنزلة قوله إن كان في بطنك غلاما # وكلمة أين وحيث للتعميم في الأمكنة قال الله تعالى @QB@ وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره @QE@ وقال تعالى @QB@ أينما تكونوا يدرككم الموت @QE@ ~~ولهذا لو قال لامرأته أنت طالق أين شئت وحيث شئت يقتصر على المجلس لأنه ليس ~~في لفظه ما يوجب تعميم الأوقات # وأما متى كلمة مبهمة لتعميم الأوقات ولهذا لو قال أنت طالق متى شئت لم ~~يتوقف ذلك على المجلس # وأما كلمة كل فإنها توجب الإحاطة على وجه الإفراد قال الله تعالى @QB@ ~~إنا كل شيء خلقناه بقدر @QE@ ومعنى الإفراد أن كل واحد من المسميات التي ~~توصل بها كلمة كل يصير مذكورا على سبيل الانفراد كأنه ليس معه غيره لأن هذه ~~الكلمة صلة في الاستعمال حتى لا تستعمل وحدها لخلوها عن الفائدة وهي تحتمل ~~الخصوص نحو كلمة من إلا أن معنى العموم فيها يخالف معنى العموم في كلمة من ~~ولهذا استقام وصلها بكلمة من قال الله تعالى @QB@ كل من عليها فان @QE@ حتى ~~لو وصلت باسم نكرة تقتضي العموم في ذلك الاسم فأما إذا قال لعبده أعط كل ~~رجل من هؤلاء درهما كانت موجبة للعموم فيهم ولهذا لو قال ms154 كل امرأة أتزوجها ~~فهي طالق في المرة الثانية لأنها توجب العموم فيما وصلت به من الاسم دون ~~الفعل إلا أن توصل بما فحينئذ ما يتعقبها الفعل دون الاسم لأنه يقال كلما ~~ضرب ولا يقال كلما رجل فيقتضي التعميم فيما يوصل به قال الله تعالى @QB@ ~~كلما نضجت جلودهم @QE@ فإذا قال كلما تزوجت امرأة فتزوج تطلق كل امرأة ~~يتزوجها على العموم ولو تزوج امرأة PageV01P157 مرتين لم تطلق امرأة مرارا ~~تطلق في كل مرة # وبيان الفرق بين كلمة من وبين كلمة كل فيما يرجع إلى الخصوص بما ذكره ~~محمد في السير الكبير إذا قال من دخل هذا الحصن أولا فله كذا فدخل رجلان ~~معا لم يكن لواحد منهما شيء ولو قال كل من دخل هذا الحصن أولا فله كذا فدخل ~~عشرة معا استحق كل واحد منهم النفل تاما لأجل الإحاطة في كلمة كل على وجه ~~الإفراد وكل واحد من الداخلين كأنه فرد ليس معه غيره وهو أول من الناس من ~~الذين لم يدخلوا فاستحق النفل كاملا ولو دخل العشرة على التعاقب كان النفل ~~للأول خاصة في الفصلين لاحتمال الخصوص في كلمة كل فإن الأول اسم لفرد سابق ~~وهذا الوصف تحقق فيه دون من دخل بعده # وكلمة الجميع بمنزلة كلمة كل في أنها توجب الإحاطة ولكن على وجه الاجتماع ~~لا على وجه الإفراد حتى لو قال جميع من دخل منكم الحصن أولا فله كذا فدخل ~~عشرة معا استحقوا نفلا واحدا بخلاف قوله كل من دخل لأن لفظ الجميع للإحاطة ~~على وجه الاجتماع وهم سابقون بالدخول على سائر الناس وكلمة كل للإحاطة على ~~وجه الإفراد فكل واحد منهم كالمنفرد بالدخول سابقا على سائر الناس ممن لم ~~يدخل ولو قال جماعة من أهل الحرب آمنونا على بنينا ولأحدهم ابن وبنات ~~وللباقين بنات فقط ثبت الأمان لهم جميعا ولو قال آمنوا كل واحد منا على ~~بنيه فإنما الأمان لأولاد الرجل الذي له ابن خاصة دون الآخرين لأن الإحاطة ~~في الأول على وجه الاجتماع وباختلاط الذكر الواحد بجماعتهم ms155 بتناولهم اسم ~~البنين وفي الثاني الإحاطة على سبيل الإفراد فإنما يتناول لفظ البنين أولاد ~~الرجل الذي له ابن دون أولاد الذين لهم بنات فقط وهذه الكلمات موضوعة لمعنى ~~العموم لغة غير معلولة # ونوع آخر منها النكرة فإن النكرة من الاسم للخصوص في أصل الوضع # قال الله تعالى @QB@ إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا @QE@ ~~لأن PageV01P158 المقصود به تسمية فرد من الأفراد @QB@ إلى فرعون رسولا ~~@QE@ والمراد رسول واحد قال صلى الله عليه وسلم في خمس من الإبل شاة وفي ~~العادة يقال عبد من العبيد ورجل من الرجال ولا يقال رجال من الرجال # ثم هذه النكرة عند الإطلاق لا تعم عندنا وعند الشافعي رحمه الله تكون ~~عامة وبيانه في قوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة @QE@ فهو يقول هذه رقبة عامة ~~يدخل فيها الصغيرة والكبيرة والذكر والأنثى والكافرة والمؤمنة والصحيحة ~~والزمنة وقد خص منها الزمنة والمدبرة بالإجماع فيجوز تخصيص الكافرة منها ~~بالقياس على كفارة القتل ونحن نقول هذه رقبة مطلقة غير مقيدة بوصف فالتقييد ~~بالوصف يكون زيادة ولا يكون تخصيصا فيكون نسخا ورفعا لحكم الإطلاق إذ ~~المقيد غير المطلق وبهذا النص وجب عتق رقبة لا عتق رقاب # ثم جواز العتق في جميع ما ذكره باعتبار صلاحية المحل لما وجب بالأمر وهذه ~~الصلاحية ما ثبتت بهذا النص فقد كانت صالحة للتحرير قبل وجوب العتق بهذا ~~النص وإنما الثابت بهذا النص الوجوب فقط وليس فيه معنى العموم كمن نذر أن ~~يتصدق بدرهم فأي درهم تصدق به خرج عن نذره لأن صلاحية المحل للتصدق لم تكن ~~بنذره إنما الوجوب بالنذر وليس في الوجوب معنى العموم واشتراط الملك في ~~الرقبة لضرورة التحرير المنصوص عليه فإن التحرير لا يصح من المرء إلا في ~~ملكه واشتراط صفة السلامة لإطلاق الرقبة لأن الإطلاق يقتضي الكمال والزمنة ~~قائمة من وجه مستهلكة من وجه فلا تكون قائمة مطلقا حتى تتناولها اسم الرقبة ~~مطلقا ولهذا شرط كمال الرق أيضا لأن التحرير منصوص عليه مطلقا وذلك إعتاق ~~كامل ابتداء وفي المدبر وأم الولد هذا من ms156 وجه تعجيل لما صار مستحقا لهما ~~مؤجلا فلا يكون إعتاقا مبتدأ مطلقا وعلى هذا قلنا المنكر إذا أعيد منكرا ~~فالثاني غير الأول لأن اسم النكرة يتناول فردا غير معين وفي صرف الثاني إلى ~~ما يتناوله الأول نوع تعيين فلا يكون نكرة مطلقا وهو معنى قول ابن عباس رضي ~~الله عنهما لن يغلب عسر يسرين فإن الله تعالى ذكر اليسر منكرا وأعاده منكرا ~~وذكر العسر معرفا بالألف واللام ولو كان إطلاق اسم النكرة يوجب العموم لم ~~يكن الثاني غير الأول بمنزلة اسم الجنس وعلى هذا قال أبو حنيفة إذا أقر ~~بمائة درهم في موطن وأشهد شاهدين ثم أقر بمائة في موطن آخر وأشهد شاهدين ~~كان الثاني غير الأول ولو كتب صكا فيه إقرار بمائة وأشهد شاهدين في مجلس ثم ~~شاهدين في مجلس آخر كان المال واحدا لأنه حين أضاف الإقرار إلى ما في الصك ~~صار الثاني معرفا فيتناول ما يتناوله الأول فقط كما في قوله تعالى @QB@ ~~فعصى فرعون الرسول @QE@ ولو كان في مجلس واحد أقر مرتين فإن العام إذا أعيد ~~بصيغته فالثاني PageV01P159 لا يتناول إلا ما يتناوله الأول فالمال واحد ~~استحسانا لأن للمجلس تأثيرا في جمع الكلمات المتفرقة وجعلها ككلمة واحدة ~~فباعتباره يكون الثاني معرفا من وجه وقال أبو يوسف ومحمد في المجلسين كذلك ~~باعتبار العادة لأن الإنسان يكرر الإقرار الواحد بين يدي كل فريق من الشهود ~~لمعنى الاستيثاق والمال مع الشك لا يجب فلاحتمال الإعادة بطريق العادة لم ~~يلزمه إلا مال واحد # ثم هذه النكرة تحتمل معنى العموم إذا اتصل بها دليل العموم وذلك أنواع ~~منها النكرة في موضع النفي فإنها تعم قال تعالى @QB@ فلا تدعوا مع الله ~~أحدا @QE@ والرجل يقول ما رأيت رجلا اليوم فإنما يفهم منه نفي هذا الجنس ~~على العموم وهذا التعميم ليس بصيغة النكرة بل لمقتضاها وبه تبين معنى الفرق ~~بين النكرة في الإثبات والنكرة في النفي لأن في موضع الإثبات المقصود إثبات ~~المنكر وفي موضع النفي المقصود نفي المنكر فالصيغة في الموضعين تعمل فيما ~~هو ms157 المقصود إلا أن من ضرورة نفي رؤية رجل منكر نفي رؤية جنس الرجال فإنه ~~بعد رؤية رجل واحد لو قال ما رأيت اليوم رجلا كان كاذبا ألا ترى أنه لو ~~أخبر بضده فقال رأيت اليوم رجلا كان صادقا وليس من ضرورة إثبات رؤية رجل ~~واحد إثبات رؤية غيره فهذا معنى قولنا النكرة في النفي تعم وفي الإثبات تخص # ومما يدل على العموم في النكرة الألف واللام إذا اتصلا بنكرة ليس في ~~جنسها معهود قال تعالى @QB@ إن الإنسان لفي خسر @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~والسارق والسارقة @QE@ PageV01P160 وقال تعالى @QB@ الزانية والزاني @QE@ ~~لما اتصل الألف واللام بنكرة ليس في جنسها معهود أوجب العموم ولهذا قلنا لو ~~قال المرأة التي أتزوجها طالق تطلق كل امرأة يتزوجها ولو قال العبد الذي ~~يدخل الدار من عبيدي حر يعتق كل عبد يدخل الدار وهذا لأن الألف واللام ~~للمعهود وليس هنا معهود فيكون بمعنى الجنس مجازا كالرجل يقول فلان يحب ~~الدينار ومراده الجنس وفي الجنس معنى العموم كما بينا وعلى هذا لو قال ~~لامرأته أنت الطلاق أو أنت طالق الطلاق يحتمل معنى العموم فيه حتى إذا نوى ~~الثلاث تقع الثلاث ولكن بدون النية يتناول الواحدة لأنها أدنى الجنس وهي ~~المتيقن بها وعلى هذا قال في الزيادات لو وكل وكيلا بشراء الثياب يصح ~~التوكيل بدون بيان الجنس لأن عند ذكر الألف واللام يصير هذا بمعنى الجنس ~~فيتناول الأدنى بخلاف ما لو قال ثيابا أو أثوابا فإن التوكيل لا يكون صحيحا ~~لجهالة الجنس فيما يتناوله التوكيل # ومن الدليل على التعميم في النكرة إلحاق وصف عام بها حتى إذا قال والله ~~لا أكلم إلا رجلا عالما كان له أن يكلم كل عالم لأن المستثنى نكرة في ~~الإثبات ولكنها موصوفة بصفة عامة بخلاف ما لو قال إلا رجلا فكلم رجلين فإنه ~~يحنث ولو قال لامرأتين له والله لا أقربكما إلا يوما فالمستثنى يوم واحد ~~ولو قال إلا يوم أقربكما فيه فكل يوم يقربهما فيه يكون مستثنى لا يحنث به ~~لأنه وصف النكرة بصفة عامة ms158 # ومن جنس النكرة كلمة أي فإنها للخصوص باعتبار أصل الوضع يقول أي رجل أتاك ~~وأي دار تريدها والمراد الفرد فقط وقال تعالى @QB@ أيكم يأتيني بعرشها @QE@ ~~والمراد الفرد من المخاطبين بدليل قوله تعالى @QB@ يأتيني @QE@ فإنه لم يقل ~~يأتوني وعلى هذا لو قال لرجل أي عبيدي ضربته فهو حر فضربهم لم يعتق إلا ~~واحد منهم لأن كلمة أي يتناول الفرد منهم # فإن قيل أليس أنه لو قال أي عبيدي ضربك فهو حر فضربوه عتقوا جميعا قلنا ~~نعم ولكن كلمة أي تتناول الفرد مما يقرن به من النكرة فإذا قال ضربك فإنما ~~يتناول نكرة موصوفة بفعل الضرب وهذه الصفة عامة إلى المخاطب لا إلى النكرة ~~التي تتناولها كلمة أي فبقيت نكرة غير موصوفة فلهذا لا تتناول إلا الواحد ~~منهم ونظيره قوله تعالى أي فيتعمم بتعميم PageV01P161 الصفة فيعتقون جميعا ~~وإذا قال ضربته فإنما أضاف الضرب الفريقين أحق بالأمن والمراد أحدهما بدليل ~~قوله @QB@ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ والمراد به العموم لأنه وصف النكرة بحسن العمل ~~وهي صفة عامة # فإن قيل أليس أنه لو قال لعبيده أيكم حمل هذه الخشبة فهو حر فحملوها ~~جميعا معا والخشبة يطيق حملها واحد لم يعتق واحد منهم وقد وصف النكرة هنا ~~بصفة عامة وهو الحمل قلنا ما وصف النكرة بصفة الحمل مطلقا بل بحمل الخشبة ~~وإذا حملوها معا فكل واحد منهم إنما حمل بعضها وبوجود بعض الشرط لا ينزل ~~شيء من الجزاء حتى لو حملوها على التعاقب عتقوا جميعا لأن كل واحد منهم حمل ~~الخشبة والنكرة الموصوفة تكون عامة # فإن قيل إذا كانت الخشبة بحيث لا يطيق حملها واحد منهم عتقوا جميعا إذا ~~حملوها وإنما حمل كل واحد منهم بعضها قلنا إذا كانت لا يطيق حملها واحد فقط ~~علمنا أنه وصف النكرة بأصل الحمل لا بحمل الخشبة وإنما علمنا هذا من وجهين ~~أحدهما أنه إنما يحث العبيد على ما يتحقق منهم دون ما لا يتحقق والثاني أن ~~مقصوده إذا كانت بحيث يحملها ms159 واحد معرفة جلادتهم وإنما يحصل ذلك بحمل ~~الواحد الخشبة لا بمطلق الحمل وإذا كانت بحيث لا يحملها واحد فمقصوده أن ~~تصير الخشبة محمولة إلى موضع حاجته وإنما يحصل هذا بمطلق فعل الحمل من كل ~~واحد منهم فهذا وجه الفرق بين هذه الفصول # # | فصل # وأما حكم المشترك فالتوقف فيه إلى أن يظهر المراد بالبيان على اعتقاد أن ~~ما هو المراد حق ويشترط أن لا يترك طلب المراد به إما بالتأمل في الصيغة أو ~~الوقوف على دليل آخر به يتبين المراد لأن كلام الحكيم لا يخلو عن فائدة ~~وإذا كان المشترك PageV01P162 ما يحتمل معاني على وجه التساوي في الاحتمال ~~مع علمنا أن المراد واحد منها لا جميعها فإن الاشتراك عبارة عن التساوي ~~وذلك إما في الاجتماع في التناول أو في احتمال التناول وقد انتفى معنى ~~التساوي في التناول فتعين معنى التساوي في الاحتمال ووجب اعتقاد الحقية ~~فيما هو المراد لأن ذلك فائدة كلام الحكيم ثم يجب الاشتغال بطلبه ولطلبه ~~طريقان إما التأمل بالصيغة ليتبين به المراد أو طلب دليل آخر يعرف به ~~المراد وبالوقوف على المراد يزول معنى الاحتمال على التساوي فلهذا يجب ذلك ~~بحكم الصيغة المشتركة وبيان هذا في قوله غصبت من فلان شيئا فإن أصل الإقرار ~~يصح ويجب به حق للمقر له على المقر إلا أن في اسم الشيء احتمالا في كل ~~موجود على التساوي ولكن بالتأمل في صيغة الكلام يعلم أن مراده المال لأنه ~~قال غصبت وحكم الغصب لا يثبت شرعا إلا فيما هو مال ولكن لا يعرف جنس ذلك ~~المال ولا مقداره بالتأمل في صيغة الكلام فيرجع فيه إلى بيان المقر حتى ~~يجبر على البيان ويقبل قوله إذا بين ما هو محتمل # وأما حكم المؤول فوجوب العمل به على حسب وجوب العمل بالظاهر إلا أن وجوب ~~العمل بالظاهر ثابت قطعا ووجوب العمل بالمؤول ثابت مع احتمال السهو والغلط ~~فيه فلا يكون قطعا بمنزلة العمل بخبر الواحد لأن طريقه غالب الرأي وذلك لا ~~ينفك عن احتمال السهو والغلط وبيان ms160 هذا فيمن أخذ ماء المطر في إناء فإنه ~~يلزمه التوضؤ به ويحكم بزوال الحدث به قطعا ولو وجد ماء في موضع فغلب على ~~ظنه أنه طاهر يلزمه التوضؤ به على احتمال السهو والغلط حتى إذا تبين أن ~~الماء نجس يلزمه إعادة الوضوء والصلاة وأكثر مسائل التحري على هذا # & باب أسماء صيغة الخطاب في استعمال الفقهاء وأحكامها & هذه الأسماء ~~أربعة الظاهر والنص والمفسر والمحكم ولها أضداد أربعة الخفي والمشكل ~~والمجمل والمتشابه # أما الظاهر فهو ما يعرف المراد منه بنفس السماع من غير تأمل وهو الذي ~~يسبق PageV01P163 إلى العقول والأوهام لظهوره موضوعا فيما هو المراد مثاله ~~قوله تعالى @QB@ يا أيها الناس اتقوا ربكم @QE@ وقال تعالى @QB@ وأحل الله ~~البيع @QE@ وقال تعالى @QB@ فاقطعوا أيديهما @QE@ فهذا ونحوه ظاهر يوقف على ~~المراد منه بسماع الصيغة وحكمه لزوم موجبه قطعا عاما كان أو خاصا # وأما النص فما يزداد وضوحا بقرينة تقترن باللفظ من المتكلم ليس في اللفظ ~~ما يوجب ذلك ظاهرا بدون تلك القرينة وزعم بعض الفقهاء أن اسم النص لا ~~يتناول إلا الخاص وليس كذلك فإن اشتقاق هذه الكلمة من قولك نصصت الدابة إذا ~~حملتها على سير فوق السير المعتاد منها بسبب باشرته ومنه المنصة فإنه اسم ~~للعرش الذي يحمل عليه العروس فيزداد ظهورا بنوع تكلف فعرفنا أن النص ما ~~يزداد وضوحا لمعنى من المتكلم يظهر ذلك عند المقابلة بالظاهر عاما كان أو ~~خاصا إلا أن تلك القرينة لما اختصت بالنص دون الظاهر جعل بعضهم الاسم للخاص ~~فقط # وقال بعضهم النص يكون مختصا بالسبب الذي كان السياق له فلا يثبت به ما هو ~~موجب الظاهر وليس كذلك عندنا فإن العبرة لعموم الخطاب لا لخصوص السبب عندنا ~~على ما نبينه فيكون النص ظاهرا لصيغة الخطاب نصا باعتبار القرينة التي كان ~~السياق لأجلها وبيان هذا في قوله تعالى @QB@ وأحل الله البيع وحرم الربا ~~@QE@ فإنه ظاهر في إطلاق البيع نص في الفرق بين البيع والربا بمعنى الحل ~~والحرمة لأن السياق كان لأجله لأنها نزلت ردا على الكفرة في دعواهم ms161 ~~المساواة بين البيع والربا كما قال تعالى @QB@ ذلك بأنهم قالوا إنما البيع ~~مثل الربا @QE@ وقوله تعالى @QB@ فانكحوا ما طاب لكم من النساء @QE@ ظاهر ~~في تجويز نكاح ما يستطيبه المرء من النساء نص في بيان العدد لأن سياق الآية ~~لذلك بدليل قوله تعالى @QB@ مثنى وثلاث ورباع @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~فطلقوهن لعدتهن @QE@ نص في الأمر بمراعاة وقت السنة عند إرادة الإيقاع لأن ~~السياق كان لأجل ذلك ظاهر في الأمر بأن لا يزيد على تطليقة واحدة ( فإن ~~امتثال هذه الصيغة يكون بقوله طلقت وبهذا اللفظ لا يقع الطلاق إلا واحدة ~~والأمر موجب ) PageV01P164 الامتثال ظاهرا فتبين بهذا أن موجب النص ما هو ~~موجب الظاهر ولكنه يزداد على الظاهر فيما يرجع إلى الوضوح والبيان بمعنى ~~عرف من مراد المتكلم وإنما يظهر ذلك عند المقابلة ويكون النص أولى من ~~الظاهر # وأما المفسر فهو اسم للمكشوف الذي يعرف المراد به مكشوفا على وجه لا يبقى ~~معه احتمال التأويل فيكون فوق الظاهر والنص لأن احتمال التأويل قائم فيهما ~~منقطع في المفسر سواء كان ذلك مما يرجع إلى صيغة الكلام بأن لا يكون محتملا ~~إلا وجها واحدا ولكنه لغة عربية أو استعارة دقيقة فيكون مكشوفا ببيان ~~الصيغة أو يكون بقرينة من غير الصيغة فيتبين به المراد بالصيغة لا لمعنى من ~~المتكلم فينقطع به احتمال التأويل إن كان خاصا واحتمال التخصيص إن كان عاما ~~مثاله قوله تعالى @QB@ فسجد الملائكة كلهم أجمعون @QE@ فإن اسم الملائكة ~~عام فيه احتمال الخصوص فبقوله @QB@ كلهم @QE@ ينقطع هذا الاحتمال ويبقى ~~احتمال الجمع والافتراق فبقوله @QB@ أجمعون @QE@ ينقطع احتمال تأويل ~~الافتراق وتبين أن المفسر حكمه زائد على حكم النص والظاهر فكان ملزما موجبه ~~قطعا على وجه لا يبقى فيه احتمال التأويل ولكن يبقى احتمال النسخ # وأما المحكم فهو زائد على ما قلنا باعتبار أنه ليس فيه احتمال النسخ ~~والتبديل وهو مأخوذ من قولك بناء محكم أي مأمون الانتقاض وأحكمت الصيغة أي ~~أمنت نقضها وتبديلها وقيل بل هو مأخوذ من قول القائل أحكمت فلانا عن كذا أي ~~رددته قال القائل ms162 أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا أي ~~امنعوا ومنه حكمة الفرس لأنها تمنعه من العثار والفساد فالمحكم ممتنع من ~~احتمال التأويل ومن أن يرد عليه النسخ والتبديل ولهذا سمى الله تعالى ~~المحكمات أم الكتاب أي الأصل الذي يكون المرجع إليه بمنزلة الأم للولد فإنه ~~يرجع إليها وسميت مكة أم القرى لأن الناس يرجعون إليها للحج وفي آخر الأمر ~~نحو قوله تعالى @QB@ أن الله بكل شيء عليم @QE@ فقد علم أن هذا ( وصف ) ~~دائم PageV01P165 والمرجع ما ليس فيه احتمال التأويل ولا احتمال النسخ ~~والتبديل وذلك لا يحتمل السقوط بحال وإنما يظهر التفاوت في موجب هذه ~~الأسامي عند التعارض وفائدته ترك الأدنى بالأعلى وترجيح الأقوى على الأضعف ~~ولهذا أمثلة في الآثار إذا تعارضت نذكرها في بيان أقسام الأخبار إن شاء ~~الله تعالى # وأمثاله من مسائل الفقه ما قال علماؤنا رحمهم الله فيمن تزوج امرأة شهرا ~~فإنه يكون ذلك متعة لا نكاحا لأن قوله تزوجت نص للنكاح ولكن احتمال المتعة ~~قائم فيه وقوله شهرا مفسر في المتعة ليس فيه احتمال النكاح فإن النكاح لا ~~يحتمل التوقيت بحال فإذا اجتمعا في الكلام رجحنا المفسر وحملنا النص على ~~ذلك المفسر فكان متعة لا نكاحا # وقال في الجامع إذا قال الرجل لآخر لي عليك ألف درهم فقال الحق أو الصدق ~~أو اليقين كان إقرارا ولو قال البر أو الصلاح لا يكون إقرارا فإن قال البر ~~الحق أو البر الصدق أو البر اليقين كان إقرارا ولو قال الصلاح الحق أو ~~الصلاح الصدق أو الصلاح اليقين يكون ردا لكلامه ولا يكون إقرارا لأن الحق ~~والصدق واليقين صفة للخبر ظاهرا فإذا ذكره في موضع الجواب كان محمولا على ~~الخبر الذي هو تصديق باعتبار الظاهر مع احتمال فيه وهو إرادة ابتداء الكلام ~~أي الصدق أولى بك أو الحق أو اليقين أولى بالاشتغال من دعوى الباطل فأما ~~البر فهو اسم لجميع أنواع الإحسان لا يختص بالخبر فهو وإن ذكر في موضع ~~الجواب يكون بمنزلة المجمل لا يفهم منه الجواب ms163 عند الانفراد فإن قرن به ما ~~يكون ظاهره للجواب وذلك الصدق أو الحق أو اليقين حمل ذلك المجمل على هذا ~~البيان الظاهر فيكون إقرارا فأما الصلاح ليس فيه احتمال الخبر بل هو محكم ~~في أنه ابتداء كلام لا جواب فيحمل ما يقرن به من الظاهر على هذا المحكم ~~ويجعل ذلك ردا لكلامه وابتداء أمر له باتباع الصلاح وترك دعوى الباطل # PageV01P166 وأما الخفي فهو اسم لما اشتبه معناه وخفي المراد منه بعارض ~~في الصيغة يمنع نيل المراد بها إلا بالطلب مأخوذ من قولهم اختفى فلان إذا ~~استتر في وطنه وصار بحيث لا يوقف عليه بعارض حيلة أحدثه إلا بالمبالغة في ~~الطلب من غير أن يبدل نفسه أو موضعه وهو ضد الظاهر وقد جعل بعضهم ضد الظاهر ~~المبهم وفسره بهذا المعنى أيضا مأخوذ من قول القائل ليل بهيم إذا عم الظلام ~~فيه كل شيء حتى لا يهتدى فيه إلا بحد التأمل # قال رضي الله عنه ولكني اخترت الأول لأن اسم المبهم يتناول المطلق لغة ~~تقول العرب فرس بهيم أي مطلق اللون # وقال ابن عباس رضي الله عنهما أبهموا ما أبهم الله تعالى أي أطلقوا ما ~~أطلق الله تعالى ولا تقيدوا الحرمة في أمهات النساء بالدخول بالبنات # وبيان ما ذكرنا من معنى الخفي في قوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما @QE@ فإنه ظاهر في السارق الذي لم يختص باسم آخر سوى ~~السرقة يعرف به خفي في الطرار والنباش فقد اختصا باسم آخر هو سبب سرقتهما ~~يعرفان به فاشتبه الأمر أن اختصاصهما بهذا الاسم لنقصان في معنى السرقة أو ~~زيادة فيها ولأجل ذلك اختلف العلماء # قال أبو يوسف اختصاص النباش باسم هو سبب سرقته لا يدل على نقصان في سرقته ~~كالطرار وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله السرقة اسم لأخذ المال على وجه ~~مسارقة عين حافظه مع كونه قاصدا إلى حفظه باعتراض غفلة له من نوم أو غيره ~~والنباش يسارق عين من عسى يهجم عليه ممن ليس بحافظ للكفن ولا قاصد إلى حفظه ~~فهو يبين ms164 أن اختصاصه بهذا الاسم لنقصان في معنى السرقة وكذلك في اسم السرقة ~~ما ينبىء عن خطر المسروق بكونه محرزا محفوظا وفي اسم النباش ما ينفي هذا ~~المعنى بل ينبىء عن ضده من الهوان وترك الإحراز والتعدية في مثل هذا لإيجاب ~~العقوبة التي تدرأ بالشبهات باطلة فأما الطرار فاختصاصه بذلك الاسم لزيادة ~~حذق ولطف منه في جنايته فإنه يسارق عين من يكون مقبلا على الحفظ قاصدا لذلك ~~بفترة تعتريه في لحظة فذلك ينبىء عن مبالغة في جناية السرقة وتعدية الحكم ~~بمثله مستقيم في الحدود لأنه إثبات حكم النص بطريق الأولى بمنزلة حرمة ~~الشتم والضرب بالنص المحرم للتأفيف # PageV01P167 ثم حكم الخفي اعتقاد الحقية في المراد ووجوب الطلب إلى أن ~~يتبين المراد وفوقه المشكل وهو ضد النص مأخوذ من قول القائل أشكل على كذا ~~أي دخل في أشكاله وأمثاله كما يقال أحرم أي دخل في الحرم وأشتى أي دخل في ~~الشتاء وأشأم أي دخل الشام وهو اسم لما يشتبه المراد منه بدخوله في أشكاله ~~على وجه لا يعرف المراد إلا بدليل يتميز به من بين سائر الأشكال والمشكل ~~قريب من المجمل ولهذا خفي على بعضهم فقالوا المشكل والمجمل سواء ولكن ~~بينهما فرق فالتمييز بين الأشكال ليوقف على المراد قد يكون بدليل آخر وقد ~~يكون بالمبالغة في التأمل حتى يظهر به الراجح فيتبين به المراد فهو من هذا ~~الوجه قريب من الخفي ولكنه فوقه فهناك الحاجة إلى التأمل في الصيغة وفي ~~أشكالها وحكمه اعتقاد الحقية فيما هو المراد ثم الإقبال على الطلب والتأمل ~~فيه إلى أن يتبين المراد فيعمل به # وأما المجمل فهو ضد المفسر مأخوذ من الجملة وهو لفظ لا يفهم المراد منه ~~إلا باستفسار من المجمل وبيان من جهته يعرف به المراد وذلك إما لتوحش في ~~معنى الاستعارة أو في صيغة عربية مما يسميه أهل الأدب لغة غريبة والغريب ~~اسم لمن فارق وطنه ودخل في جملة الناس فصار بحيث لا يوقف على أثره إلا ~~بالاستفسار عن وطنه ممن يعلم به وموجبه اعتقاد ms165 الحقية فيما هو المراد ~~والتوقف فيه إلى أن يتبين ببيان المجمل ثم استفساره ليبينه بمنزلة من ضل عن ~~الطريق وهو يرجو أن يدركه بالسؤال ممن له معرفة بالطريق أو بالتأمل فيما ~~ظهر له منه فيحتمل أن يدرك به الطريق # وتبين أن المجمل فوق المشكل فإن المراد في المشكل قائم والحاجة إلى ~~تمييزه من أشكاله والمراد في المجمل غير قائم ولكن فيه توهم معرفة المراد ~~بالبيان والتفسير وذلك البيان دليل آخر غير متصل بهذه الصيغة إلا أن يكون ~~لفظ المجمل فيه غلبة الاستعمال لمعنى فحينئذ يوقف على المراد بذلك الطريق ~~بمنزلة الغريب الذي تأهل في غير بلدته وصار معروفا فيها فإنه يوقف على أثره ~~بالطلب في ذلك الموضع # وبيان ما ذكرنا من المجمل في قوله تعالى @QB@ وحرم الربا @QE@ فإنه مجمل ~~لأن الربا عبارة عن الزيادة في أصل الوضع وقد علمنا أنه ليس المراد ذلك فإن ~~البيع ما شرع إلا للاسترباح وطلب الزيادة PageV01P168 ولكن المراد حرمة ~~البيع بسبب فضل خال عن العوض مشروط في العقد وذلك فضل مال أو فضل حال على ~~ما يعرف في موضعه ومعلوم أن بالتأمل في الصيغة لا يعرف هذا بل بدليل آخر ~~فكان مجملا فيما هو المراد وكذلك الصلاة والزكاة فهما مجملان لأن الصيغة في ~~أصل الوضع للدعاء والنماء ولكن بكثرة الاستعمال شرعا في أعمال مخصوصة يوقف ~~على المراد بالتأمل فيه # وأما المتشابه فهو اسم لما انقطع رجاء معرفة المراد منه لمن اشتبه فيه ~~عليه والحكم فيه اعتقاد الحقية والتسليم بترك الطلب والاشتغال بالوقوف على ~~المراد منه سمي متشابها عند بعضهم لاشتباه الصيغة بها وتعارض المعاني فيها ~~وهذا غير صحيح فالحروف المقطعة في أوائل السور من المتشابهات عند أهل ~~التفسير وليس فيها هذا المعنى ولكن معرفة المراد فيه ما يشبه لفظه وما يجوز ~~أن يوقف على المراد فيه وهو بخلاف ذلك لانقطاع احتمال معرفة المراد فيه ~~وأنه ليس له موجب سوى اعتقاد الحقية فيه والتسليم كما قال تعالى @QB@ وما ~~يعلم تأويله إلا الله @QE@ فالوقف عندنا في هذا ms166 الموضع ثم قوله تعالى @QB@ ~~والراسخون في العلم @QE@ ابتداء بحرف الواو لحسن نظم الكلام وبيان أن ~~الراسخ في العلم من يؤمن بالمتشابه ولا يشتغل بطلب المراد فيه بل يقف فيه ~~مسلما هو معنى قوله تعالى @QB@ يقولون آمنا به كل من عند ربنا @QE@ وهذا ~~لأن المؤمنين فريقان مبتلي بالإمعان في الطلب لضرب من الجهل فيه ومبتلي عن ~~الوقوف في الطلب لكونه مكرما بنوع من العلم # ومعنى الابتلاء من هذا الوجه ربما يزيد على معنى الابتلاء في الوجه الأول ~~فإن في الابتلاء بمجرد الإعتقاد مع التوقف في الطلب بيان أن مجرد العقل لا ~~يوجب شيئا ولا يدفع شيئا فإنه يلزمه اعتقاد الحقية فيما لا مجال لعقله فيه ~~ليعرف أن الحكم لله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهذا هو المعنى في الابتلاء ~~بهذه الأسامي التي فيها تفاوت يعني المجمل والمشكل والخفي فإن الكل لو كان ~~ظاهرا جليا بطل معنى الامتحان ونيل الثواب بالجهد بالطلب ولو كان الكل ~~مشكلا خفيا لم يعلم منه شيء حقيقة فأثبت الشرع هذا التفاوت في صيغة الخطاب ~~لتحقيق القلوب إلى محبتهم لحاجتهم إلى الرجوع إليهم والأخذ بقولهم ~~والاقتداء بهم # وبيان ما ذكرنا من معنى المتشابه من مسائل الأصول أن رؤية الله تعالى ~~بالأبصار في الآخرة حق معلوم ثابت بالنص وهو قوله تعالى @QB@ وجوه @QE@ ~~PageV01P169 معنى الامتحان وإظهار فضيلة الراسخين في العلم وتعظيم حرمتهم ~~وصرف @QB@ يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ ثم هو موجود بصفة الكمال وفي ~~كونه مرئيا لنفسه ولغيره معنى الكمال إلا أن الجهة ممتنع فإن الله تعالى لا ~~جهة له فكان متشابها فيما يرجع إلى كيفية الرؤية والجهة مع كون أصل الرؤية ~~ثابتا بالنص معلوما كرامة للمؤمنين فإنهم أهل لهذه الكرامة والتشابه فيما ~~يرجع إلى الوصف لا يقدح في العلم بالأصل ولا يبطل وكذلك الوجه واليد على ما ~~نص الله تعالى في القرآن معلوم وكيفية ذلك من المتشابه فلا يبطل به الأصل ~~المعلوم # والمعتزلة خذلهم الله لاشتباه الكيفية عليهم أنكروا الأصل فكانوا معطلة ~~بإنكارهم صفات الله تعالى وأهل السنة ms167 والجماعة نصرهم الله أثبتوا ما هو ~~الأصل المعلوم بالنص وتوقفوا فيما هو المتشابه وهو الكيفية فلم يجوزوا ~~الاشتغال بطلب ذلك كما وصف الله تعالى به الراسخين في العلم فقال @QB@ ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب @QE@ # # | فصل في بيان الحقيقة والمجاز # الحقيقة اسم لكل لفظ هو موضوع في الأصل لشيء معلوم مأخوذ من قولك حق يحق ~~فهو حق وحاق وحقيق ولهذا يسمى أصلا أيضا لأنه أصل فيما هو موضوع له # والمجاز اسم لكل لفظ هو مستعار لشيء غير ما وضع له مفعل من جاز يجوز سمي ~~مجازا لتعديه عن الموضع الذي وضع في الأصل له إلى غيره ومنه قول الرجل ~~لغيره حبك إياي مجاز أي هو باللسان دون القلب الذي هو موضع الحب في الأصل ~~وهذا الوعد منك مجاز أي القصد منه الترويج دون التحقيق على ما عليه وضع ~~الوعد في الأصل ولهذا يسمى مستعارا لأن المتكلم به استعاره وبالاستعمال ~~فيما هو مراده بمنزلة من استعار ثوبا للبس ولبسه وكل واحد من النوعين موجود ~~في كلام الله تعالى وكلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الناس في الخطب ~~والأشعار وغير ذلك PageV01P170 حتى كاد المجاز يغلب الحقيقة لكثرة ~~الاستعمال وبه اتسع اللسان وحسن مخاطبات الناس بينهم # وحكم الحقيقة وجود ما وضع له أمرا كان أو نهيا خاصا كان أو عاما وحكم ~~المجاز وجود ما استعير لأجله كما هو حكم الحقيقة خاصا كان أو عاما # ومن أصحاب الشافعي رحمه الله من قال لا عموم للمجاز ولهذا قالوا إن قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء لا ~~يعارضه حديث ابن عمر رضي الله عنهما لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع ~~بالصاعين فإن المراد بالصاع ما يكال به وهو مجاز لا عموم له وبالإجماع ~~المطعوم مراد به فيخرج ما سواه من أن يكون مرادا ويترجح قوله عليه السلام ~~لا تبيعوا الطعام بالطعام لأنه حقيقة في موضعه فيثبت الحكم به عاما ~~واستدلوا لإثبات ms168 هذه القاعدة بأن المصير إلى المجاز لأجل الحاجة والضرورة ~~فأما الأصل هو الحقيقة في كل لفظ لأنه موضوع له في الأصل ولهذا لا يعارض ~~المجاز الحقيقة بالاتفاق حتى لا يصير اللفظ في المتردد بين الحقيقة والمجاز ~~في حكم المشترك وهذه الضرورة ترتفع بدون إثبات حكم العموم للمجاز فكان ~~المجاز في هذا المعنى بمنزلة ما ثبت بطريق الاقتضاء فكما لا تثبت هناك صفة ~~العموم لأن الضرورة ترتفع بدونه فكذلك ها هنا # ولكنا نقول المجاز أحد نوعي الكلام فيكون بمنزلة نوع آخر في احتمال ~~العموم والخصوص لأن العموم للحقيقة ليس باعتبار معنى الحقيقة بل باعتبار ~~دليل آخر دل عليه فإن قولنا رجل اسم لخاص فإذا قرن به الألف واللام وليس ~~هناك معهود ينصرف إليه بعينه كان للجنس فيكون عاما بهذا الدليل وكذا كل ~~نكرة إذا قرن بها الألف واللام فيما لا معهود فيه يكون عاما بهذا الدليل ~~وقد وجد هذا الدليل في المجاز والمحل الذي استعمل فيه المجاز قابل للعموم ~~فتثبت به صفة العموم بدليله كما ثبت في الحقيقة ولهذا جعلنا قوله ( ولا ~~الصاع بالصاعين ) عاما لأن الصاع نكرة قرن بها الألف واللام وما يحويه ~~الصاع محل لصفة العموم وهذا PageV01P171 لأن المجاز مستعار ليكون قائما ~~مقام الحقيقة عاملا عمله ولا يتحقق ذلك إلا بإثبات صفة العموم فيه ألا ترى ~~أن الثوب الملبوس بطريق العارية يعمل عمل الملبوس بطريق الملك فيما هو ~~المقصود وهو دفع الحر والبرد ولو لم يجعل كذلك لكان المتكلم بالمجاز عن ~~اختيار مخلا بالغرض فيكون مقصرا وذلك غير مستحسن في الأصل وقد ظهر استحسان ~~الناس للمجازات والاستعارات فوق استحسانهم للفظ الذي هو حقيقة عرفنا أنه ~~ليس في هذه الاستعارة تقصير فيما هو المقصود وأن للمجاز من العمل ما ~~للحقيقة وقولهم إن المجاز يكون للضرورة باطل فإن المجاز موجود في كتاب الله ~~تعالى والله تعالى يتعالى عن أن يلحقه العجز أو الضرورة إلا أن التفاوت بين ~~الحقيقة والمجاز في اللزوم والدوام من حيث إن الحقيقة لا تحتمل النفي عن ~~موضعها ms169 والمجاز يحتمل ذلك وهو العلامة في معرفة الفرق بينهما فإن اسم الأب ~~حقيقة للأب الأدنى فلا يجوز نفيه عنه بحال وهو مجاز للجد حتى يجوز نفيه عنه ~~بأن يقال إنه جد وليس بأب ولهذا تترجح الحقيقة عند التعارض لأنها ألزم ~~وأدوم والمطلوب بكل كلمة عند الإطلاق ما هي موضوعة له في الأصل فيترجح ذلك ~~حتى يقوم دليل المجاز بمنزلة الملبوس يترجح جهة الملك للابس فيه حتى يقوم ~~دليل العارية إلا إذا كانت الحقيقة مهجورة فحينئذ يتعين المجاز لمعرفة ~~القصد إلى تصحيح الكلام وينزل ذلك منزلة دليل الاستثناء ولهذا قلنا لو حلف ~~أن لا يأكل من هذه الشجرة أو من هذا القدر لا ينصرف يمينه إلى عينها وإنما ~~ينصرف إلى ثمرة الشجرة وما يطبخ في القدر لأن الحقيقة مهجورة فيتعين المجاز # ولو حلف لا يأكل من هذه الشاة ينصرف يمينه إلى لحمها لا إلى لبنها وسمنها ~~لأن الحقيقة هنا غير مهجورة فإن عين الشاة تؤكل فتترجح الحقيقة على المجاز ~~عند إطلاق اللفظ # ولو حلف لا يأكل من هذا الدقيق فقد قال بعض مشايخنا يحنث إذا أكل الدقيق ~~بعينه لأنه مأكول والأصح أنه لا يحنث لأن أكل عين الدقيق مهجور فينصرف ~~يمينه إلى المجاز وهو ما يتخذ منه الخبز وصار دليل الاستثناء بهذا الدليل ~~نحو دليل الاستثناء فيمن حلف أن لا يسكن هذه الدار وهو ساكنها فأخذ في ~~النقلة في الحال فإنه لا يحنث ويصير PageV01P172 ذلك القدر من السكنى ~~مستثنى لمعرفة مقصوده وهو أن يمنع نفسه بيمينه عما في وسعه دون ما ليس في ~~وسعه وعلى هذا لو حلف لا يطلق وقد كان علق الطلاق بشرط قبل هذه اليمين فوجد ~~الشرط لم يحنث أو كان حلف بعد الجرح أن لا يقتل فمات المجروح لم يحنث ويجعل ~~ذلك بمنزلة دليل الاستثناء بمعرفة مقصوده # ومن أحكام الحقيقة والمجاز أنهما لا يجتمعان في لفظ واحد في حالة واحدة ~~على أن يكون كل واحد منهما مرادا بحال لأن الحقيقة أصل والمجاز مستعار ولا ~~تصور لكون اللفظ ms170 الواحد مستعملا في موضوعه مستعارا في موضع آخر سوى موضوعه ~~في حالة واحدة كما لا تصور لكون الثوب الواحد على اللابس ملكا وعارية في ~~وقت واحد ولهذا قلنا في قوله تعالى @QB@ أو لامستم النساء @QE@ المراد ~~الجماع دون اللمس باليد لأن الجماع مراد بالاتفاق حتى يجوز التيمم للجنب ~~بهذا النص ولا تجتمع الحقيقة والمجاز مرادا باللفظ فإذا كان المجاز مرادا ~~تتنحى الحقيقة ولهذا قلنا النص الوارد في تحريم الخمر وإيجاب الحد بشربه ~~بعينه لا يتناول سائر الأشربة المسكرة حتى لا يجب الحد بها ما لم تسكر لأن ~~الاسم للنيء من ماء العنب المشتد حقيقة ولسائر الأشربة المسكرة مجازا فإذا ~~كانت الحقيقة مرادا يتنحى المجاز وعلى هذا الأصل قال أبو حنيفة رحمه الله ~~فيمن أوصى لبني فلان أو لأولاد فلان وله بنون لصلبه وأولاد البنين فإن ~~أولاد البنين لا يستحقون شيئا لأن الحقيقة مرادة فيتنحى المجاز # وقال في السير إذا استأمنوا على آبائهم لا يدخل أجدادهم في ذلك وإذا ~~استأمنوا على أمهاتهم لا تدخل الجدات في ذلك لأن الحقيقة مرادة فيتنحى ~~المجاز وعلى هذا قال في الجامع لو أن عربيا لا ولاء عليه أوصى لمواليه وله ~~معتقون ومعتق المعتقين فإن الوصية لمعتقه وليس لمعتق المعتق شيء لأن الاسم ~~للمعتقين حقيقة باعتبار أنه باشر سبب إحيائهم بإحداث قوة المالكية فيهم ~~بالإعتاق لأن الحرية حياة والرق تلف حكما فكانوا منسوبين PageV01P173 إليه ~~بالولاء حقيقة كنسبة الولد إلى أبيه وأما معتق المعتق يسمى مولى له مجازا ~~لأنه بالإعتاق الأول جعله بحيث يملك اكتساب سبب الولاء وهو الإعتاق فيكون ~~متسببا في الولاء الثاني من هذا الوجه ويسمى مولى له مجازا بطريق الاتصال ~~من حيث السببية فإذا صارت الحقيقة مرادا يتنحى المجاز حتى لو لم يكن له ~~معتقون فالوصية لموالي الموالي لأن الحقيقة هنا غير مرادة فيتعين المجاز ~~ولو كان له معتق واحد والوصية بلفظ الجماعة فاستحق هو نصف الثلث كان الباقي ~~مردودا على الورثة ولا يكون لموالي الموالي من ذلك شيء لأن الحقيقة هنا ~~مرادة ولو كان ms171 للموصي موال أعلى وأسفل لم تصح الوصية لأن الاسم مشترك وكل ~~واحد من الفريقين يحتمل أن يكون مرادا إلا أنه لا وجه للجمع بينهما وإثبات ~~العموم لاختلاف المعنى والمقصود فيبطل أصل الوصية ومعلوم أن التغاير بين ~~الحقيقة والمجاز باعتبار أصل الوضع وفي الاسم المشترك لا تغاير باعتبار أصل ~~الوضع ثم لم يجز هناك أن يكون كل واحد منهما مرادا باللفظ في حالة واحدة ~~فلأن لا يجوز ذلك في الحقيقة والمجاز أولى # فإن قيل هذا الأصل لا يستمر في المسائل فإن من حلف أن لا يضع قدمه في دار ~~فلان يحنث إذا دخلها ماشيا كان أو راكبا حافيا كان أو منتعلا وحقيقة وضع ~~القدم فيها إذا كان حافيا # وكذلك لو قال يوم يقدم فلان فامرأته كذا فقدم ليلا أو نهارا يقع الطلاق ~~والاسم للنهار حقيقة ولليل مجاز # ولو حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارا يسكنها فلان عارية أو بأجر يحنث كما ~~لو دخل دارا مملوكة له # وفي السير قال لو استأمن على بنيه يدخل بنوه وبنو بنيه ولو استأمن على ~~مواليه وهو ممن لا ولاء عليه يدخل في الأمان مواليه وموالي مواليه فقد ~~جمعتم بين الحقيقة والمجاز في هذه الفصول # وقال أبو حنيفة و محمد إذا قال لله علي أن أصوم رجب ونوى به اليمين كان ~~نذرا ويمينا واللفظ للنذر حقيقة ولليمين مجاز # وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا حلف أن لا يشرب من الفرات فأخذ ~~الماء من الفرات في كوز فشربه يحنث كما لو كرع في الفرات ولو حلف ~~PageV01P174 لا يأكل من هذه الحنطة فأكل من خبزها يحنث كما لو أكل عينها ~~وفي هذا جمع بين الحقيقة والمجاز في اللفظ في حالة واحدة # قلنا جميع هذه المسائل تخرج مستقيما على ما ذكرنا من الأصل عند التأمل ~~فقد ذكرنا أن المقصود معتبر وأنه ينزل ذلك منزلة دليل الاستثناء # ففي مسألة وضع القدم مقصود الحالف الامتناع من الدخول فيصير باعتبار ~~مقصوده كأنه حلف لا يدخل والدخول قد يكون حافيا وقد ms172 يكون منتعلا وقد يكون ~~راكبا فعند الدخول حافيا يحنث لا باعتبار حقيقة وضع القدم بل باعتبار ~~الدخول الذي هو المقصود فعرفنا أنه إنما يحنث في المواضع كلها لعموم المجاز ~~لا لعموم الحقيقة # وكذلك قوله يوم يقدم فلان فالمقصود بذكر اليوم هنا الوقت لأنه قرن به ما ~~هو غير ممتد ولا يختص ببياض النهار واليوم إنما يكون عبارة عن بياض النهار ~~إذا قرن بما يمتد ليصير معيارا له حتى إذا قال أمرك بيدك يوم يقدم فلان ~~فقدم ليلا لا يصير الأمر بيدها وكذلك إذا قرن بما يختص بالنهار كقوله لله ~~علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان فأما إذا قرن بما لا يمتد ولا يختص ~~بأحد الوقتين يكون عبارة عن الوقت كما في قوله تعالى @QB@ ومن يولهم يومئذ ~~دبره @QE@ واسم الوقت يعم الليل والنهار فلعموم المجاز قلنا بأنها تطلق في ~~الوجهين جميعا حتى إذا قال ليلة يقدم فلان فقدم نهارا لم تطلق لأن الحقيقة ~~هنا مرادة فيتنحى المجاز # وفي مسألة دخول دار فلان المقصود إضافة السكنى وذلك يعم السكنى بطريق ~~الملك والعارية وإذا دخل دارا يسكنها فلان بالملك إنما يحنث لعموم المجاز ~~لا للملك حتى لو كان الساكن فيها غير فلان لم يحنث وإن كانت مملوكة لفلان # وفي مسألتي السير قياس واستحسان في القياس يتنحى المجاز في الأمان كما في ~~الوصية وفي الاستحسان قال المقصود من الأمان حقن الدم وهو مبني على التوسع ~~واسم الأبناء والموالي من حيث الظاهر يتناول الفروع إلا أن الحقيقة تتقدم ~~على المجاز في كونه مرادا ولكن مجرد الصورة تبقى شبهته في حقن الدم كما ثبت ~~الأمان بمجرد الإشارة من الفارس إذا دعا الكافر بها إلى نفسه لصورة ~~المسالمة وإن لم يكن ذلك حقيقة # فإن قيل لماذا لم تعتبر هذه الصورة في إثبات الأمان للأجداد والجدات عند ~~PageV01P175 الاستئمان على الآباء والأمهات قلنا لأن الحقيقة إذا صارت ~~مرادا فاعتبار هذه الصورة لثبوت الحكم في محل آخر يكون بطريق التبعية لا ~~محالة وبنو البنين وموالي الموالي تليق صفة ms173 التبعية بحالهم فأما الأجداد ~~والجدات لا يكونون تبعا للآباء والأمهات وهم الأصول فلهذا ترك اعتبار ~~الصورة هناك في إثبات الأمان لهم فأما مسألة النذر فقد قيل معنى النذر هناك ~~يثبت بلفظ ومعنى اليمين بلفظ آخر فإن قوله لله عند إرادة اليمين كقوله ~~بالله إذ الباء واللام تتعاقبان قال ابن عباس رضي الله عنهما دخل آدم الجنة ~~فلله ما غربت الشمس حتى خرج وقوله علي نذر ونحن إنما أنكرنا اجتماع الحقيقة ~~والمجاز في لفظ واحد مع أن تلك الكلمة نذر بصيغتها يمين بموجبها إذا أراد ~~اليمين لأن موجبها وجوب المنذور به وإيجاب المباح يمين كتحريم الحلال ~~المباح وهو نظير شراء القريب تملك بصيغته وإعتاق بموجبه # وأما مسألة الشرب من الفرات فالحنث عندها باعتبار عموم المجاز لأن ~~المقصود شرب ماء الفرات ولا تنقطع هذه النسبة بجعل الماء في الإناء وعند ~~الكرع إنما يحنث لأنه شرب ماء الفرات حتى لو تحول من الفرات إلى نهر آخر لم ~~يحنث إن شرب منه لأن النسبة قد انقطعت عن الفرات بالتحول إلى نهر آخر # و أبو حنيفة رحمه الله اعتبر الحقيقة قال الشرب من الفرات حقيقة معتادة ~~غير مهجورة وإنما يتناول هذا اللفظ الماء بطريق المجاز عن قولهم جرى النهر ~~أي الماء فيها وإذا صارت الحقيقة مرادا يتنحى المجاز وكذلك في مسألة الحنطة ~~أبو حنيفة اعتبر الظاهر فقال عين الحنطة مأكول وهو مراد مقصود فيتنحى ~~المجاز وهما جعلا ذكر الحنطة عبارة عما في باطنها مجازا للعرف فإنه يقال ~~أهل بلدة كذا يأكلون الحنطة والمراد ما فيها من عين الحنطة وإنما يحنث ~~لعموم المجاز وهو أنه تناول ما فيها وهذا موجود فيما إذا أكل من خبزها ~~فخرجت المسائل على هذا الحرف وهو اعتبار عموم المجاز بمعرفة المقصود لا ~~باعتبار الجمع بين الحقيقة والمجاز # PageV01P176 قال رضي الله عنه وقد رأيت بعض العراقيين من أصحابنا رحمهم ~~الله قالوا إن الحقيقة والمجاز لا يجتمعان في لفظ واحد في محل واحد ولكن في ~~محلين مختلفين يجوز أن يجتمعا وهذا قريب بشرط ms174 أن لا يكون المجاز مزاحما ~~للحقيقة مدخلا للجنس على صاحب الحقيقة فإن الثوب الواحد على اللابس يجوز أن ~~يكون نصفه ملكا ونصفه عارية وقد قلنا في قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم ~~أمهاتكم وبناتكم @QE@ إنه يتناول الجدات وبنات البنات والاسم للأم حقيقة ~~وللجدات مجاز وكذلك اسم البنات لبنات الصلب حقيقة ولأولاد البنات مجاز ~~وكذلك في قوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم @QE@ فإنه موجب حرمة ~~منكوحة الجد كما يوجب حرمة منكوحة الأب فعرفنا أنه يجوز الجمع بينهما في ~~لفظ واحد ولكن في محلين مختلفين حتى يكون حقيقة في أحدهما مجازا في المحل ~~الآخر وهذا بخلاف المشترك فالاحتمال هناك باعتبار معاني مختلفة ولا تصور ~~لاجتماع تلك المعاني في كلمة واحدة وهنا تجمع الحقيقة والمجاز في احتمال ~~الصيغة لكل واحد منهما معنى واحدا وهو الأصالة في الآباء والأجداد والأمهات ~~والجدات والولاد في حق الأولاد ولكن بعضها بواسطة وبعضها بغير واسطة فيكون ~~هذا نظير ما قال أبو حنيفة رحمه الله في قوله تعالى @QB@ فتيمموا صعيدا ~~طيبا @QE@ إنه يتناول جميع أجناس الأرض باعتبار معنى يجمع الكل وهو التصاعد ~~من الأرض وإن كان الاسم للتراب حقيقة # وبيان الفرق بين المشترك وبين المجاز مع الحقيقة في المعنى الذي ذكرنا ~~فيما قال في السير لو استأمن لمواليه وله موال أعلى وأسفل فالأمان لأحد ~~الفريقين وهو ما أراده الذي آمنه وإن لم يرد شيئا يأمن الفريقان باعتبار أن ~~الأمان يتناول أحدهما لا باعتبار أنه يتناولهما لأن الاسم مشترك وبمثله لو ~~كان له موال وموالي موال ثبت الأمان للفريقين جميعا باعتبار أنه يجوز أن ~~يكون اللفظ الواحد عاملا بحقيقته في موضع وبمجازه في موضع آخر # ثم طريق معرفة الحقيقة السماع لأن الأصل فيه الوضع ولا يصير ذلك معلوما ~~إلا بالسماع بمنزلة المنصوص في أحكام الشرع وطريق الوقوف عليها السماع فقط # PageV01P177 وإنما طريق معرفة المجاز الوقوف على مذهب العرب في الاستعارة ~~دون السماع بمنزلة القياس في أحكام الشرع فإن طريق تعدية حكم النص إلى ~~الفروع معلوم وهو التأمل في معاني النص واختيار ms175 الوصف المؤثر منها لتعدية ~~الحكم بها إلى الفروع فإذا وقف مجتهد على ذلك وأصاب طريقه كان ذلك مسموعا ~~منه وإن لم يسبق به فكذلك في الاستعارة إذا وقف إنسان على معنى تجوز ~~الاستعارة به عند العرب فاستعار بذلك المعنى واستعمل لفظا في موضع كان ~~مسموعا منه وإن لم يسبق به وعلى هذا يجري كلام البلغاء من الخطباء والشعراء ~~في كل وقت # فنقول طريق الاستعارة عند العرب الاتصال والاتصال بين الشيئين يكون صورة ~~أو معنى فإن كل موجود متصور تكون له صورة ومعنى فالاتصال لا يكون إلا ~~باعتبار الصورة أو باعتبار المعنى # فأما الاستعارة للاتصال معنى فنحو تسمية العرب الشجاع أسدا للاتصال ~~بينهما في معنى الشجاعة والقوة والبليد حمارا لاتصال بينهما في معنى ~~البلادة والاستعارة للاتصال صورة نحو تسمية العرب المطر سماء فإنهم يقولون ~~ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم يعنون المطر لأنها تنزل من السحاب والعرب ~~تسمي كل ما علا فوقك سماء ويكون نزول المطر من علو فسموه سماء مجازا ~~للاتصال صورة وقال تعالى @QB@ أو جاء أحد منكم من الغائط @QE@ والغائط اسم ~~للمطمئن من الأرض وسمي الحدث به مجازا لأن يكون في المطمئن من الأرض عادة ~~وهذا اتصال من حيث الصورة وقال تعالى @QB@ أو لامستم النساء @QE@ والمراد ~~الجماع لأن اللمس سببه صورة فسماه به مجازا وقال تعالى @QB@ إني أراني أعصر ~~خمرا @QE@ وإنما يعصر العنب وهو مشتمل على السفل والماء والقشر إلا أنه ~~بالعصر يصير خمرا في أوانه فسماه به مجازا لاتصال بينهما في الذات صورة ~~فسلكنا في الأسباب الشرعية والعلل هذين الطريقين في الاستعارة وقلنا يصح ~~الاستعارة للاتصال سببا فإنه نظير الاستعارة للاتصال صورة في المحسوسات ~~وللاتصال في المعنى المشروع الذي جاء لأجله شرع يصلح الاستعارة وهو نظير ~~الاتصال معنى في المحسوسات فإنه لا خلاف بين العلماء PageV01P178 أن صلاحية ~~الاستعارة غير مختص بطريق اللغة وأن الاتصال في المعاني والأحكام الشرعية ~~يصلح للاستعارة وهذا لأن الاستعارة للقرب والاتصال وذلك يتحقق في المحسوس ~~وغير المحسوس فالأحكام الشرعية قائمة بمعناها متعلقة بأسبابها فتكون ms176 موجودة ~~حكما بمنزلة الموجود حسا فيتحقق معنى القرب والاتصال فيها ولأن المشروعات ~~إذا تأملت في أسبابها وجدتها دالة على الحكم المطلوب بها باعتبار أصل اللغة ~~فيما تكون معقولة المعنى والكلام فيه ولا استعارة فيما لا يعقل معناه ألا ~~ترى أن البيع مشروع لإيجاب الملك وموضوع له أيضا في اللغة وقد اتفق العلماء ~~في جواز استعارة لفظ التحرير لإيقاع الطلاق به وجوز الشافعي رحمه الله ~~استعارة لفظ الطلاق لإيقاع العتق به والأئمة من السلف استعملوا الاستعارة ~~بهذا الطريق أيضا وكتاب الله تعالى ناطق بذلك يعني قوله تعالى @QB@ وامرأة ~~مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها @QE@ فإن الله تعالى ~~جعل هبتها نفسها جوابا للاستنكاح وهو طلب النكاح ولا خلاف أن نكاح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان ينعقد بلفظ الهبة على سبيل الاستعارة لا على ~~سبيل حقيقة الهبة فإن الهبة لتمليك المال فلا يكون عاملا بحقيقتها فيما ليس ~~بمال ولأنها لا توجب الملك إلا بالقبض فيما كانت حقيقة فيه فكيف فيما ليست ~~بحقيقة فيه فعرفنا أنها استعارة قامت مقام النكاح بطريق المجاز وكذلك كان ~~يتعلق بنكاحه حكم القسم والطلاق والعدة وإن كان معقودا بلفظ الهبة فعرفنا ~~أنه كان بطريق الاستعارة على معنى أن اللفظ متى صار مجازا عن غيره سقط ~~اعتبار حقيقته وصار التكلم به كالتكلم بما هو مجاز عنه # ثم ليس للرسالة أثر في معنى الخصوصية بوجوه الكلام فإن معنى الخصوصية هو ~~التخفيف والتوسعة وما كان يلحقه حرج في استعمال لفظ النكاح فقد كان أفصح ~~الناس وهذه جملة لا خلاف فيها إلا أن الشافعي رحمه الله قال نكاح غيره لا ~~ينعقد بهذا اللفظ لأنه عقد مشروع لمقاصد لا تحصى مما يرجع إلى مصالح الدين ~~والدنيا ولفظ النكاح والتزويج يدل على ذلك باعتبار أنها تبتنى على الاتحاد ~~فالتزويج تلفيق بين الشيئين على وجه يثبت به الاتحاد بينهما في المقصود ~~كزوجي الخف ومصراعي بمصالح المعيشة وليس في هذين اللفظين ما يدل على ~~التمليك باعتبار أصل الوضع ولهذا لا يثبت ms177 ملك العين بهما فالألفاظ الموضوعة ~~لإيجاب ملك العين فيها قصور فيما هو المقصود بالنكاح إلا أن في حق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان ينعقد نكاحه بهذا اللفظ مع قصور فيه تخفيفا ~~عليه وتوسعة للغات عليه كما قال تعالى @QB@ خالصة لك @QE@ وفي حق الباب ~~والنكاح PageV01P179 بمعنى الضم الذي ينبىء عن الاتحاد بينهما في القيام ~~غيره لا يصلح هذا اللفظ لانعقاد النكاح به لما فيه من القصور وهو معنى ما ~~يقولون إنه عقد خاص شرع بلفظ خاص # ونظيره الشهادة فإنها مشروعة بلفظ خاص فلا تصلح بلفظ آخر لقصور فيه حتى ~~إذا قال الشاهد أحلف لا يكون شهادة لأن لفظ الحلف موجب بغيره ولفظ الشهادة ~~موجب بنفسه قال تعالى @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو @QE@ وكذلك لفظ ~~الهبة لا تنعقد به المعاوضة المحضة وهي البيع ابتداء وكأن ذلك لقصور فيها ~~وفي صفة المعاوضة النكاح أبلغ من البيع وعلى هذا الأصل لم يجوزوا نقل ~~الأخبار بالمعنى من غير مراعاة اللفظ ولكنا نقول النكاح موجب ملك المتعة ~~وهذه الألفاظ في محل ملك المتعة توجب ملك المتعة تبعا لملك الرقبة فإنها ~~توجب ملك الرقبة وملك الرقبة يوجب ملك المتعة في محله فكان بينهما اتصالا ~~من حيث السببية وهو طريق صالح للاستعارة ولا حاجة إلى النية لأن هذا المحل ~~الذي أضيف إليه متعين لهذا المجاز وهو النكاح والحاجة إلى النية عند ~~الاشتباه للتعيين وما ذكروا من مقاصد النكاح فهي لكونها غير محصورة بمنزلة ~~الثمرة كما هو المطلوب من هذا العقد فأما المقصود فإثبات الملك عليها ولهذا ~~وجب البدل لها عليه فلو كان المقصود ما سواها من المقاصد لم يجب البدل لها ~~عليه لأن تلك المقاصد مشتركة بينهما وكذلك جعل الطلاق بيد الزوج لأنه هو ~~المالك فإليه إزالة الملك وإذا ثبت أن المقصود هو الملك وهذه الألفاظ ~~موضوعة لإيجاب الملك ثم لما انعقد هذا العقد بلفظ غير موضوع لإيجاب ما هو ~~المقصود وهو الملك فلأن PageV01P180 ينعقد بلفظ موضوع لإيجاب ما هو المقصود ~~وهو الملك كان ms178 أولى وإنما انعقد هذا العقد بلفظ النكاح والتزويج وإن لم ~~يوضعا لإيجاب الملك بهما في الأصل لأنهما جعلا علما في إثبات هذا الملك ~~بهما وما يكون علما لشيء بعينه فهو بمنزلة النص فيه فيثبت الحكم به بعينه ~~ولهذا لم ينعقد بهما الأسباب الموجبة لملك العين فأما الألفاظ الموضوعة ~~لإيجاب الملك لا ينتفي باسم العلم عن هذا المحل وقد تقرر صلاحية الاستعارة ~~بالاتصال من حيث السببية فيثبت هذا الملك بها بطريق الاستعارة # فإن قيل الاتصال من حيث السببية لا يختص بأحد الجانبين بل يكون من ~~الجانبين جميعا ثم لم يعتبر هذا الاتصال والقرب في إثبات ملك الرقبة باللفظ ~~الذي هو موضوع لإيجاب ملك المتعة فكذلك لا يعتبر هذا الاتصال لإثبات ملك ~~المتعة باللفظ الموضوع لإثبات ملك الرقبة # قلنا الاتصال من حيث السببية نوعان أحدهما اتصال الحكم بالعلة وذلك معتبر ~~في صلاحية الاستعارة من الجانبين لأن العلة غير مطلوبة لعينها بل لثبوت ~~الحكم بها والحكم لا يثبت بدون العلة فيتحقق معنى القرب والاتصال لافتقار ~~كل واحد منهما إلى الآخر # وبيان هذا فيما قال في الجامع إذا قال إن ملكت عبدا فهو حر فاشترى نصف ~~عبد ثم باعه ثم اشترى النصف الثاني لا يعتق فإن قال عنيت الملك متفرقا كان ~~أو مجتمعا يدين في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى ويعتق النصف الباقي ~~في ملكه # ولو قال إن اشتريت عبدا فهو حر فاشترى نصفه فباعه ثم اشترى النصف الباقي ~~يعتق هذا النصف فإن قال عنيت الشراء مجتمعا يدين فيما بينه وبين الله تعالى ~~فلا يعتق هذا النصف وقيل الشراء موجب للملك والملك حكم الشراء فيصلح أن ~~يكون ذكر الملك مستعارا عن ذكر الشراء إذا نوى التفرق فيه ويصلح أن يكون ~~ذكر الشراء مستعارا عن ذكر الملك إذا نوى الاجتماع فيه حتى يعمل بنيته من ~~حيث الديانة في الموضعين ولكن فيما فيه تخفيف عليه لا يدين في القضاء ~~للتهمة وفيما فيه تشديد عليه يدين لانتفاء التهمة # والنوع الآخر اتصال الفرع بالأصل والحكم بالسبب فإن ms179 بهذا الاتصال تصلح ~~استعارة الأصل للفرع والسبب للحكم ولا تصلح استعارة الفرع للأصل ~~PageV01P181 والحكم للسبب لأن الأصل مستغن عن الفرع والفرع محتاج إلى الأصل ~~لأنه تابع له فيصير معنى الاتصال معتبرا فيما هو محتاج إليه دون ما هو ~~مستغنى عنه # وهو نظير الجملة الناقصة إذا عطفت على الجملة الكاملة فإنه يعتبر اتصال ~~الجملة الناقصة بالكاملة فيما يرجع إلى إكمال الناقصة لحاجتها إلى ذلك حتى ~~يتوقف أول الكلام على آخره ولا يعتبر اتصال الناقص بالكامل في حكم الكامل ~~لأنه مستغنى عنه فملك الرقبة سبب ملك المتعة بينهما اتصال من هذا الوجه ~~فلهذا جاز استعارة السبب للحكم ولا يجوز استعارة الحكم للسبب واللفظ ~~الموضوع لإيجاب ملك الرقبة يجوز أن يستعار لإيجاب ملك المتعة والموضوع ~~لإيجاب ملك المتعة لا يصلح مستعارا لإيجاب ملك الرقبة ولهذا الطريق قلنا إن ~~لفظ التحرير عامل في إيقاع الطلاق به مجازا لأنها موضوعة لإزالة ملك الرقبة ~~وزوالها سبب لزوال ملك المتعة إلا أنه لا يعمل بدون النية لأن المحل المضاف ~~إليه غير متعين لهذا المجاز بل هو محل لحقيقة الوصف بالحرية فيحتاج إلى ~~النية ليتعين فيها الاستعمال بطريق المجاز ولفظ الطلاق لا يحصل به العتق ~~لأنه موضوع لإزالة ملك المتعة وزوال ملك المتعة ليس بسبب لزوال ملك الرقبة ~~بل هو حكم ذلك السبب فلا يصلح استعارة الحكم للسبب كما لا يصلح استعارة ~~الفرع للأصل لكونه مستغنى عنه ولكن الشافعي رحمه الله جوز هذه الاستعارة ~~أيضا للقرب بينهما من حيث المشابهة في المعنى وكل واحد منهما إزالة بطريق ~~الإبطال مبني على الغلبة والسراية غير محتمل للفسخ محتمل للتعليق بالشرط ~~والإيجاب في المجهول فللمناسبة بينهما في هذا المعنى جوز استعارة كل واحد ~~منهما للآخر ولكنا نقول المناسبة في المعنى صالح للاستعارة لكن لا بكل وصف ~~بل بالوصف الذي يختص بكل واحد منهما ألا ترى أنه لا يسمى الجبان أسدا ولا ~~الشجاع حمارا للمناسبة بينهما من حيث الحيوانية والوجود وما أشبه ذلك ويسمى ~~الشجاع أسدا للمناسبة بينهما في الوصف الخاص وهو ms180 الشجاعة وهذا لأن اعتبار ~~هذه المناسبة بينهما للاستعارة بمنزلة اعتبار المعنى في المنصوص لتعدية ~~الحكم به إلى الفروع ثم لا يستقيم تعليل النص بكل PageV01P182 وصف بل بوصف ~~له أثر في ذلك الحكم لأنه لو جوز التعليل بكل وصف انعدم معنى الابتلاء أصلا ~~فكذلك ههنا لو صححنا الاستعارة للمناسبة في أي معنى كان ارتفع معنى ~~الامتحان واستوى العالم والجاهل فعرفنا أنه إنما تعتبر المناسبة في الوصف ~~الخاص ولا مناسبة هنا في الوصف الذي لأجله وضع كل واحد منهما في الأصل ~~فالطلاق موضوع للإطلاق برفع المانع من الانطلاق لا بإحداث قوة الانطلاق في ~~الذات ومنه إطلاق الإبل وإطلاق الأسير والعتاق لإحداث معنى في الذات يوجب ~~القوة من قول القائل عتق الفرخ إذا قوي حتى طار وفي ملك اليمين المملوك ~~عاجز عن الانطلاق لضعف في ذاته وهو أنه صار رقيقا مملوكا مقهورا محتاجا إلى ~~إحداث قوة فيه يصير بها مالكا مستوليا مستبدا بالتصرف والمنكوحة مالكة أمر ~~نفسها ولكنها محبوسة عند الزوج بالملك الذي له عليها فحاجتها إلى رفع ~~المانع وذلك يكون بالطلاق كما يكون برفع القيد عن الأسير وبحل العقال عن ~~البعير ولا مناسبة بين رفع المانع وبين إحداث القوة كما لا مناسبة بين رفع ~~القيد وبين البرء من المرض فعرفنا أنه لا وجه للاستعارة بطريق المناسبة ~~بينهما في المعنى ولكن بالاتصال من حيث السببية والحكم وقد بينا أن ذلك ~~صالح من أحد الجانبين دون الجانب الآخر # فإن قيل عندكم الإجازة لا تنعقد بلفظ البيع نص عليه في كتاب الصلح حيث ~~قال بيع السكنى باطل فالبيع سبب لملك الرقبة وملك الرقبة سبب لملك المنفعة # ثم لم تصح الاستعارة بهذا الطريق عندكم مجازا وعلى عكس هذا إذا قال لغيره ~~أعتق عبدك عني على ألف درهم فقال أعتقت يثبت التملك شراء بهذا الكلام ~~والعتق ليس بسبب للشراء ثم كان عبارة عنه مجازا وكذلك شراء القريب إعتاق ~~عندكم والشراء ليس بسبب العتق ثم كان عبارة عنه # قلنا أما استعمال لفظ البيع في الإجارة فإنما لا يجوز ms181 عندنا لانعدام ~~المحل لا لانعدام الصلاحية للاستعارة لأنه إن أضيف لفظ البيع إلى رقبة ~~الدار والعبد فهو عامل بحقيقته في تمليك العين وإن أضيف إلى PageV01P183 ~~منفعتهما فالمنفعة معدومة والمعدوم لا يكون محلا للتمليك واللفظ متى صار ~~مجازا عن غيره يجعل كأنه وجد التصريح باللفظ الذي هو مجاز عنه # ولو قال أجرتك منافع هذه الدار لا يصح أيضا وإنما يصح إذا قال أجرتك ~~الدار باعتبار إقامة العين المضاف إليه العقد مقام المنفعة ولفظ البيع متى ~~أضيف إلى العين كان عاملا في حقيقته حتى لو قال الحر لغيره بعتك نفسي شهرا ~~بعشرة يجوز ذلك على وجه الاستعارة عن الإجارة لأن عين الحر ليس بمحل لما ~~وضع له البيع حقيقة وأهل المدينة يسمون الإجارة بيعا فتجوز ههنا الاستعارة ~~للاتصال من حيث السببية وأما قوله أعتق عبدك عني فمن يقول إن ذلك مجاز عن ~~الشراء فقد أخطأ خطأ فاحشا وكيف يكون ذلك مجازا عنه وهو عامل بحقيقته ~~واللفظ متى صار مجازا عن غيره يسقط اعتبار حقيقته وفي الموضع الذي لا يثبت ~~حقيقة العتق بأن يكون القائل صبيا أو عبدا مأذونا لا يثبت الشراء فعرفنا أن ~~ثبوت الشراء هناك بطريق الاقتضاء للحاجة إلى تحصيل المقصود الذي صرحنا به ~~وهو الإعتاق عنه فإن من شرطه ثبوت الملك له في المحل والمقتضى ليس من ~~المجاز في شيء وكذلك شراء القريب عندنا ليس بإعتاق مجازا وكيف يكون ذلك وهو ~~عامل بحقيقته وهو ثبوت الملك به ولا يجمع بين الحقيقة والمجاز في محل واحد ~~بل بطريق أن الشراء موجب ملك الرقبة وملك الرقبة متمم علة العتق في هذا ~~المحل فيصير الحكم وهو العتق مضافا إلى السبب الموجب لما تتم به العلة ~~بطريق أنه بمنزلة علة العلة فأما أن يكون بطريق المجاز فلا # ومن أحكام هذا الفصل أن اللفظ متى كان له حقيقة مستعملة ومجاز متعارف ~~فعلى قول أبي حنيفة مطلقه يتناول الحقيقة المستعملة دون المجاز وعلى قولهما ~~مطلقه يتناولهما باعتبار عموم المجاز # وبيانه فيما قلنا إذا حلف لا يشرب ms182 من الفرات أو لا يأكل من هذه الحنطة ~~وهذا في الحقيقة يبتني على أصل وهو أن المجاز عندهما خلف عن الحقيقة في ~~إيجاب الحكم فهو المقصود لا نفس العبارة وباعتبار الحكم يترجح عموم المجاز ~~على الحقيقة فإن الحكم به يثبت في الموضعين وعند أبي حنيفة المجاز خلف عن ~~الحقيقة في التكلم به لا في الحكم لأنه تصرف من المتكلم في عبارته من حيث ~~إنه يجعل عبارته قائمة مقام عبارة ثم الحكم يثبت به أصلا بطريق أنه ~~PageV01P184 يجعل كالمتكلم بما كان المجاز عبارة عنه لا أنه خلف عن الحكم ~~وإذا كان المجاز خلفا في التكلم لا يثبت المزاحمة بين الأصل والخلف فيجعل ~~اللفظ عاملا في حقيقته عند الإمكان وإنما يصار إلى إعماله بطريق المجاز في ~~الموضع الذي يتعذر إعماله في حقيقته # وعلى هذا الأصل قال أبو حنيفة رضي الله عنه إذا قال لعبده وهو أكبر سنا ~~منه هذا ابني يعتق عليه وعلى قول أبي يوسف و محمد رحمهما الله لا يعتق لأن ~~صريح كلامه محال والمجاز عندهما خلف عن الحقيقة في إيجاب الحكم ففي كل موضع ~~يصلح أن يكون السبب منعقدا لإيجاب الحكم الأصلي يصلح أن يكون منعقدا لإيجاب ~~ما هو خلف عن الأصل وفي كل موضع لا يوجد في السبب صلاحية الانعقاد للحكم ~~الأصلي لا ينعقد موجبا لما هو خلف عنه فإن قوله لامس السماء يصلح منعقدا ~~لإيجاب ما هو الأصل وهو البر من حيث إن السماء غير ممسوسة فيصلح أن يكون ~~منعقدا لإيجاب الخلف عنه وهو الكفارة واليمين الغموس لا تصلح سببا لإيجاب ~~ما هو الأصل وهو البر فلا يكون موجبا لما هو خلف عنه وهو الكفارة فهنا أيضا ~~هذا اللفظ في معروف النسب الذي يولد مثله لمثله يصلح سببا لإيجاب ما هو ~~الأصل وهو ثبوت النسب إلا أنه امتنع إعماله ( للحكم ) لثبوت نسبه من الغير ~~فيكون موجبا لما هو خلف عنه وهو العتق وفيمن هو أكبر سنا منه لا يصلح سببا ~~لإيجاب ما هو الأصل فلا يكون موجبا ms183 لما هو خلف عنه ولهذا لا تصير أم الغلام ~~أم الولد له هنا وفي معروف النسب تصير أم ولد له على ما نص في كتاب الدعوى ~~وعلى هذا جعلنا بيع الحرة نكاحا لأن هناك المانع من الحكم الذي هو أصل في ~~هذا المحل شرعي وهو تأكد الحرية على وجه لا يحتمل الإبطال لا باعتبار أن ~~السبب ليس بصالح لإثبات الحكم الأصلي به في هذا المحل فيكون منعقدا لإثبات ~~ما هو خلف عنه وهو ملك المتعة ولكن أبو حنيفة يقول المجاز خلف عن الحقيقة ~~في التكلم لا في الحكم كما قررنا فالشرط فيه أن يكون الكلام صالحا وصلاحيته ~~بكونه مبتدأ وخبرا بصيغة الإيجاب وهو موجود هنا فيكون عاملا في إيجاب الحكم ~~الذي يقبله هذا المحل بطريق المجاز على معنى أنه سبب للتحرير فإن من ملك ~~ولده يعتق عليه PageV01P185 ويصير معتقا له إذا اكتسب سبب تملكه فاللفظ متى ~~صار عبارة عن غيره مجازا للاتصال من حيث السببية يسقط اعتبار حقيقته ~~وباعتبار مجازه ما صادف إلا محلا صالحا ولما تبين أنه خلف في التكلم لا في ~~الحكم كان عمله كعمل الاستثناء والاستثناء صحيح على أن يكون عبارة عما وراء ~~المستثنى وإن لم يصادف أصل الكلام محلا صالحا له باعتبار أنه تصرف من ~~المتكلم في كلامه حتى لو قال لامرأته أنت طالق ألفا إلا تسعمائة وتسعة ~~وتسعين لم تقع إلا واحدة نص عليه في المنتقى ومعلوم أن المحل غير صالح لما ~~صرح به ومع ذلك كان الاستثناء صحيحا لأنه تصرف من المتكلم في كلامه فهنا ~~كذلك # ثم فيه طريقان لأبي حنيفة أحدهما أنه بمنزلة التحرير ابتداء باعتبار أنه ~~ذكر كلاما هو سبب للتحرير في ملكه وهو البنوة فيصير محررا ( به ) ابتداء ~~مجازا ولهذا لا تصير الأم أم ولد له لأنه ليس لتحرير الغلام ابتداء تأثير ~~في إيجاب أمية الولد ( لأمه ) ولأنه لا يملك إيجاب ذلك الحق لها بعبارته ~~على الحقيقة ابتداء بل بفعل هو استيلاد ولهذا قال في كتاب الدعوى لو ورث ~~رجلان مملوكا ms184 ثم ادعى أحدهما أنه ابنه يصير ضامنا لشريكه قيمة نصيبه إذا ~~كان موسرا باعتبار أن ذلك كالتحرير المبتدأ منه وعلى الطريق الآخر يجعل هذا ~~إقرارا منه بالحرية مجازا كأنه قال عتق علي من حين ملكته فإن ما صرح به وهو ~~البنوة سبب لذلك وهنا هو الأصح فقد قال في كتاب الإكراه إذا أكره على أن ~~يقول هذا ابني لا يعتق عليه والإكراه إنما يمنع صحة الإقرار بالعتق لا صحة ~~التحرير ابتداء ووجوب الضمان في مسألة الدعوى بهذا الطريق أيضا فإنه لو قال ~~عتق علي من حين ملكته كان ضامنا لشريكه أيضا وعلى هذا الطريق نقول الجارية ~~تصير أم ولد له لأن كلامه كما جعل إقرارا بالحرية للولد جعل إقرارا بأمية ~~الولد للأم فإن ما تكلم به سبب موجب هذا الحق لها في ملكه كما هو موجب ~~حقيقة الحرية للولد وبهذا الطريق في معروف النسب يثبت العتق لا بالطريق ~~PageV01P186 الذي قالا فإنه مكذب شرعا في الحكم الأصلي والمكذب في كلامه ~~شرعا كالمكذب حقيقة في إهدار كلامه ألا ترى أنه لو أكره على أن يقول لعبده ~~هذا ابني لا يعتق عليه لأنه مكذب شرعا بدليل الإكراه إلا أن دليل التكذيب ~~هناك عامل في الحقيقة والمجاز جميعا وهنا دليل التكذيب وهو ثبوت نسبه من ~~الغير عامل في الحقيقة دون المجاز وهو الإقرار بحريته من حين ملكه ولهذا ~~قلنا لو قال لزوجته وهي معروفة النسب من غيره هذه ابنتي لا تقع الفرقة ~~بينهما لأنه ليس بكلام موجب بطريق الإقرار في ملكه إنما موجبه إثبات النسب ~~وقد صار مكذبا فيه شرعا فصار أصل كلامه لغوا # وبيان هذا أن التبعية لا توجب الفرقة ولكنها تنافي النكاح أصلا واللفظ ~~متى صار مجازا عن غيره يجعل قائما مقام ذلك اللفظ فكأنه قال ما تزوجتها أو ~~ما كان بيني وبينها نكاح قط وذلك لا يوجب الفرقة وكذلك لا يثبت به حرمتها ~~عليه على وجه ينتفي به النكاح لأن في حكم الحرمة هذا الإقرار عليها لا على ~~نفسه والعين هي ms185 التي تتصف بالحرمة وهو مكذب شرعا في إقراره على غيره # ولا يدخل على هذا ما إذا قال لعبده يا ابني لأن النداء لاستحضار المنادي ~~بصورته لا بمعناه وإنما صار هذا اللفظ مجازا باعتبار معناه كما بينا فأما ~~إذا قال يا حر أو يا عتيق فإعمال ذلك اللفظ باعتبار أنه علم لإسقاط الرق به ~~لا باعتبار المعنى فيه فكان عاملا على أي وجه أضافه إلى المملوك والله أعلم # # | فصل في بيان الصريح والكناية # الصريح هو كل لفظ مكشوف المعنى والمراد حقيقة كان أو مجازا يقال فلان صرح ~~بكذا أي أظهر ما في قلبه لغيره من محبوب أو مكروه بأبلغ ما أمكنه من ~~العبارة ومنه سمي القصر صرحا قال تعالى @QB@ وقال فرعون يا هامان ابن لي ~~صرحا @QE@ والكناية بخلاف ذلك وهو ما يكون المراد به مستورا إلى أن يتبين ~~بالدليل مأخوذ من قولهم كنيت وكنوت ولهذا كان الصريح ما يكون مفهوم المعنى ~~بنفسه وقد تكون الكناية ما لا يكون مفهوم المعنى بنفسه فإن الحرف الواحد ~~يجوز أن PageV01P187 يكون كناية نحو هاء الغائبة وكاف المخاطبة يقول الرجل ~~هو يفعل كذا وهذا الهاء لا يميز اسما من اسم فتكون هذه الكناية من الصريح ~~بمنزلة المشترك من المفسر وكذلك كل اسم هو ضمير نحو أنا وأنت ونحن فهو ~~كناية وكل ما يكون متردد المعنى في نفسه فهو كناية والمجاز قبل أن يصير ~~متعارفا بمنزلة الكناية أيضا لما فيه من التردد ومنه أخذت الكنية فإنها غير ~~الاسم # والاسم الصريح لكل شخص ما جعل علما له ثم يكنى بالنسبة إلى ولده فيكون ~~ذلك تعريفا له بالولد الذي هو معروف بالنسب إليه وهذا ليس من المجاز في شيء ~~ولكن لما كان معرفة المراد منه بغيره سمي كنية وعلى هذا الاستعارات ~~والتعريضات في الكلام بمنزلة الكناية فإن العرب تكني الحبشي بأبي البيضاء ~~والضرير بأبي العيناء وليس بينهما اتصال بل بينهما مضادة وقد ذكرنا أن ~~المجاز حده الاتصال بينه وبين ما جعل مجازا عنه # عرفنا أن الكناية غير المجاز ولكنهم ms186 يكنون بالشيء عن الشيء على وجه ~~السخرية أو على وجه التفاؤل فيكنون عما يذم بما يمدح به على سبيل التفاؤل ~~كما يذكرون صيغة الأمر على وجه الزجر والتهديد ويقولن تربت يداك على وجه ~~التعطف فبهذا يتبين أن حد الكناية غير حد المجاز # ثم حكم الصريح ثبوت موجبه بنفسه من غير حاجة إلى عزيمة وذلك نحو لفظ ~~الطلاق والعتاق فإنه صريح فعلى أي وجه أضيف إلى المحل من نداء أو وصف أو ~~خبر كان موجبا للحكم حتى إذا قال يا حر أو يا طالق أو أنت حر أو أنت طالق ~~أو قد حررتك أو قد طلقتك يكون إيقاعا نوى أو لم ينو لأن عينه قائم مقام ~~معناه في إيجاب الحكم لكونه صريحا فيه # وحكم الكناية أن الحكم بها لا يثبت PageV01P188 إلا بالنية أو ما يقوم ~~مقامها من دلالة الحال لأن في المراد بها معنى التردد فلا تكون موجبة للحكم ~~ما لم يزل ذلك التردد بدليل يقترن بها وعلى هذا سمى الفقهاء لفظ التحريم ~~والبينونة من كنايات الطلاق وهو مجاز عن التسمية باعتبار معنى التردد فيما ~~يتصل به هذا اللفظ حتى لا يكون عاملا إلا بالنية فسمي كناية من هذا الوجه ~~مجازا فأما إذا انعدم التردد بنية الطلاق فاللفظ عامل في حقيقة موجبه حتى ~~يحصل به الحرمة والبينونة ومعلوم أن ما يكون كناية عن غيره فإن عمله كعمل ~~ما جعل كناية عنه ولفظ الطلاق لا يوجب الحرمة والبينونة بنفسه فعرفنا أنه ~~عامل بحقيقته وإنما سمي كناية مجازا إلا قوله اعتدي فإنه كناية لاحتماله ~~وجوها متغايرة وعند إرادة الطلاق لا يكون اللفظ عاملا في حقيقته فإن حقيقته ~~من باب العد والحساب وذلك محتمل عدد الأقراء وغير ذلك فإذا نوى الطلاق وكان ~~بعد الدخول وقع الطلاق بمقتضاه من حيث إن الاحتساب بعدد الأقراء من العدة ~~لا يكون إلا بعد الطلاق فكأنه صرح بالطلاق ولهذا كان الواقع رجعيا ولا يقع ~~به أكثر من واحدة وإن نوى وإن كان قبل الدخول يقع الطلاق به عند النية ms187 على ~~أنه لفظ مستعار للطلاق شرعا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسودة اعتدي ~~ثم راجعها وقال لحفصة اعتدي ثم راجعها وكذلك قوله استبرئي رحمك وكذلك قوله ~~أنت واحدة فإن في قوله واحدة احتمال كونه نعتا لها أو للتطليقة فلا يتعين ~~بدون النية وعند النية يقع الطلاق به بطريق الإضمار أي أنت طالق تطليقة ~~واحدة ولهذا كان الواقع به رجعيا # ثم الأصل في الكلام الصريح لأنه موضوع للإفهام والصريح هو التام في هذا ~~المراد فإن الكناية فيها قصور باعتبار الاشتباه فيما هو المراد ولهذا قلنا ~~إن ما يندرىء بالشبهات لا يثبت بالكناية حتى إن المقر على نفسه ببعض ~~الأسباب الموجبة للعقوبة ما لم يذكر اللفظ الصريح كالزنا والسرقة لا يصير ~~مستوجبا للعقوبة وإن ذكر لفظا هو كناية ولهذا لا تقام هذه العقوبات على ~~الأخرس عند إقراره به بإشارته لأنه لم يوجد التصريح بلفظه وعند إقامة ~~البينة عليه لأنه ربما يكون عنده شبهة لا يتمكن من إظهارها في إشارته وعلى ~~هذا لو قذف رجل رجلا بالزنا فقال له رجل آخر صدقت فإن الثاني لا يستوجب ~~الحد لأن ما يلفظ به كناية عن القذف لاحتمال مطلق التصديق وجوها مختلفة ~~وكذلك لو قال لغيره أما أنا فلست بزان لا يلزمه حد القذف لأنه تعريض وليس ~~بتصريح بنسبته إلى الزنا فيكون قاصرا في نفسه # PageV01P189 فإن قيل أليس أنه لو قذف رجل رجلا بالزنا فقال آخر هو كما ~~قلت فإن الثاني يستوجب الحد وهذا تعريض محتمل أيضا قلنا نعم ولكن كاف ~~التشبيه توجب العموم عندنا في المحل الذي يحتمله ولهذا قلنا في قول علي رضي ~~الله عنه إنما أعطيناهم الذمة وبدلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم ~~كأموالنا إنه مجرى على العموم فيما يندرىء بالشبهات وما يثبت مع الشبهات ~~فهذا الكاف أيضا موجبه العموم لأنه حصل في محل يحتمله فيكون نسبته إلى ~~الزنا قطعا بمنزلة كلام الأول على ما هو موجب العام عندنا # # | فصل في بيان جملة ما تترك به الحقيقة # وهي خمسة أنواع أحدها ms188 دلالة الاستعمال عرفا والثاني دلالة اللفظ # والثالث سياق النظم والرابع دلالة من وصف المتكلم والخامس من محل الكلام # فأما الأول فنقول تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال عرفا لأن الكلام موضوع ~~للإفهام والمطلوب به ما تسبق إليه الأوهام فإذا تعارف الناس استعماله لشيء ~~عينا كان ذلك بحكم الاستعمال كالحقيقة فيه وما سوى ذلك لانعدام العرف ~~كالمهجور لا يتناوله إلا بقرينة ألا ترى أن اسم الدراهم عند الإطلاق يتناول ~~نقد البلد لوجود العرف الظاهر في التعامل به ولا يتناول غيره إلا بقرينة ~~لترك التعامل به ظاهرا في ذلك الموضع وإن لم يكن بين النوعين فرق فيما وضع ~~الاسم له حقيقة # وبيان هذا في اسم الصلاة فإنها للدعاء حقيقة قال القائل وصلي على دنها ~~وارتسم وهي مجاز للعبادة المشروعة بأركانها سميت به لأنها شرعت للذكر قال ~~تعالى @QB@ وأقم الصلاة لذكري @QE@ وفي الدعاء ذكر وإن كان يشوبه سؤال ثم ~~عند الإطلاق ينصرف إلى العبادة المعلومة بأركانها سواء كان فيها دعاء أو لم ~~يكن كصلاة الأخرس وإنما تركت الحقيقة للاستعمال عرفا # وكذلك الحج فإن اللفظ للقصد PageV01P190 حقيقة ثم سميت العبادة بها لما ~~فيها من العزيمة والقصد للزيارة فعند الإطلاق الاسم يتناول العبادة ~~للاستعمال عرفا والعمرة والصوم والزكاة وغيرها على هذا فإن نظائر هذا أكثر ~~من أن تحصى ولهذا قلنا من نذر صلاة أو حجا أو مشيا إلى بيت الله يلزمه ~~العبادة وإن لم ينو ذلك فالمشي إلى بيت الله تعالى غير الحج حقيقة ولكن ~~للاستعمال عرفا ينصرف مطلق اللفظ إليه # وكذلك لو قال لله علي أن أضرب بثوبي حطيم الكعبة يلزمه التصدق بالثوب ~~للاستعمال عرفا فاللفظ حقيقة في غير ذلك # ومن حلف أن لا يشتري رأسا ينصرف يمينه إلى ما يتعارف بيعه في الأسواق من ~~الرؤوس على حسب ما اختلفوا فيه وكان ذلك للاستعمال عرفا فأما من حيث ~~الحقيقة الاسم يتناول كل رأس # ومن حلف أن لا يأكل بيضا يتناول يمينه بيض الدجاج والأوز خاصة لاستعمال ~~ذلك عند الأكل عرفا ولا يتناول بيض الحمام والعصفور وما ms189 أشبه ذلك وقد بينا ~~أن العام إذا خص منه شيء يصير شبيه المجاز # وبيان النوع الثاني وهو دلالة اللفظ فيما إذا حلف أن لا يأكل لحما فأكل ~~لحم السمك أو الجراد لم يحنث في يمينه لأنه أطلق اللحم في لفظه ولحم السمك ~~( أو الجراد ) لا يذكر إلا بقرينة فكان قاصرا فيما يتناوله اسم مطلق اللحم ~~بمنزلة الصلاة على الجنازة فإنه قاصر فيما يتناوله مطلق اسم الصلاة من حيث ~~إنه لا يذكر إلا بالقرينة فلا يتناوله الاسم بدون القرينة # فإن قيل أليس أنه لو أكل لحم خنزير أو لحم إنسان فإنه يحنث في يمينه وهذا ~~لا يذكر إلا بقرينة قلنا نعم ولكن ذكر القرينة هنا ليس لقصور معنى اللحمية ~~فيهما فإن اللحم اسم معنوي موضوع لما يتولد من الدم ولا قصور في ذلك في لحم ~~الخنزير والآدمي فأما لحم السمك والجراد فإنه قاصر في ذلك المعنى لأنه لا ~~دم للسمك ولا للجراد فكذلك معنى الغذاء المطلوب باللحم لا يتم بالسمك ~~والجراد # فعرفنا أن القرينة فيها للقصور ومعنى الغذاء المطلوب باللحم يتم في لحم ~~PageV01P191 الخنزير والآدمي فعرفنا أن القرينة لبيان الحرمة لا لقصور في ~~معنى اللحمية وليس للحرمة تأثير في المنع من إتمام شرط الحنث وعلى هذا قلنا ~~في قوله كل مملوك لي حر لا يدخل المكاتب بدون النية لأنه تلفظ بالمملوك ~~والمكاتب متردد بين كونه مالكا وبين كونه مملوكا فإنه مالك يدا وتصرفا ~~مملوك رقا وكذلك صرح بالإضافة إليه والمكاتب مضاف إليه من وجه دون وجه ~~فللدلالة في لفظه لا يتناوله الكلام بدون النية ولكن يتناوله مطلق اسم ~~الرقبة المذكورة في قوله @QB@ أو تحرير رقبة @QE@ لأنه يتناول الذات ~~المرقوق والرق لا ينتقض بعقد الكتابة بدليل احتمالها الفسخ واشتراط الملك ~~بقدر ما يصح به التحرير وذلك موجود في المكاتب فيتأدى به الكفارة # وكذلك قوله كل امرأة له طالق لا يتناول المختلعة بغير نية وإن كانت في ~~العدة من غير النية لبقاء ملك اليد وزوال أصل ملك النكاح وعلى عكس ما ذكرنا ~~من ms190 معنى القصور معنى الزيادة أيضا فإن أبا حنيفة رحمه الله قال من حلف لا ~~يأكل فاكهة فأكل عنبا أو رطبا أو رمانا لم يحنث وقال أبو يوسف و محمد ~~رحمهما الله يحنث لأن اسم الفاكهة يتناولها عند الإطلاق من غير قرينة فتكون ~~كاملة في المعنى المطلوب بهذا الاسم وأبو حنيفة رحمه الله يقول هي زيادة ~~على ما هو المطلوب بالاسم لأن اشتقاق اللفظ من التفكه وهو التنعم قال تعالى ~~@QB@ انقلبوا فكهين @QE@ أي منعمين والتنعم زائد على ما به القوام والرطب ~~والعنب قوت يقع به القوام والرمان في معنى الدواء وقد يقع به القوام أيضا ~~وهو قوت في جملة التوابل وما يقع به القوام فهو زائد على التنعم ولهذا عطف ~~الله تعالى الفاكهة عليها وقال @QB@ وعنبا @QE@ إلى قوله @QB@ وفاكهة وأبا ~~@QE@ فللزيادة لا يتناولها مطلق الاسم كما أن للنقصان لا يتناول مطلق الاسم ~~للسمك والجراد # وكذلك لو حلف لا يأكل إداما عند أبي حنيفة رحمه الله الإدام ما يصطبغ به ~~لأنه تبع فلا يتناول ما يتأتى أكله مقصودا من الجبن والبيض واللحم وعلى قول ~~محمد رحمه الله يتناول ذلك لكمال معنى المؤادمة وهي الموافقة فيها كما في ~~المسألة الأولى وعن أبي يوسف رحمه الله روايتان في هذه المسألة # وبيان النوع الثالث وهو سياق النظم في قوله تعالى @QB@ فمن شاء فليؤمن ~~ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا @QE@ PageV01P192 فإن بسياق النظم ~~يتبين أن المراد هو الزجر والتوبيخ دون الأمر والتخيير وكذلك قوله تعالى ~~@QB@ اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير @QE@ فإن بسياق النظم يتبين أنه ~~ليس المراد ما هو موجب صيغة الأمر بهذه الصفة # وعلى هذا لو أقر وقال لفلان علي ألف درهم إن شاء الله لم يلزمه شيء ولو ~~قال لفلان علي ألف درهم ليس له علي شيء إن شاء الله تلزمه الألف لأن قوله ~~ليس رجوع وصيغة قوله إن شاء الله صيغة التعليق والإرسال والتعليق كل واحد ~~منهما متعارف بين أهل اللسان فكان ذلك من باب البيان لا من باب الرجوع ms191 ~~ووجوب المال عليه من حكم إرسال الكلام فمع صيغة التعليق لا يلزمه حكم ~~الإرسال باعتبار سياق النظم # وقال في السير الكبير لو قال مسلم لحربي محصور انزل فنزل كان آمنا ولو ~~قال انزل إن كنت رجلا فنزل كان فيئا ولو قال له الحربي المأسور في يده ~~الأمان الأمان وقال المسلم في جوابه الأمان الأمان كان آمنا حتى لو أراد ~~قتله بعد هذا فعلى أمراء الجيش أن يمنعوه من ذلك ولا يصدقونه في قوله أردت ~~رد كلامه ولو قال الأمان الأمان ستعلم ما تلقى أو قال الأمان الأمان تطلب ~~أو قال لا تعجل حتى ترى لم يكن ذلك أمانا بدلالة سياق النظم # وكذلك لو قال لغيره اصنع في مالي ما شئت إن كنت رجلا أو قال طلق زوجتي إن ~~كنت رجلا لم يكن توكيلا # ولو قال لغيره لي عليك ألف درهم فقال الآخر لك علي ألف درهم ما أبعدك من ~~ذلك لم يكن إقرارا # فعرفنا أن بدليل سياق النظم تترك الحقيقة # وبيان النوع الرابع في قوله تعالى @QB@ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ~~@QE@ فإن كل واحد يعلم بأنه ليس بأمر لأنه لا يجوز أن يظن ظان بأن الله ~~تعالى يأمر بالكفر بحال فتبين بأن المراد الإقدار والإمكان لعلمنا أن ما ~~يأتي به اللعين يكون بإقدار الله تعالى عليه إياه وكذلك قول القائل اللهم ~~اغفر لي يعلم أنه سؤال لا أمر لوصف المتكلم وهو أن العبد المحتاج إلى نعمة ~~مولاه لا يطلب منه النعمة إلزاما وإنما يسأله ذلك سؤالا وعلى هذا قلنا إذا ~~قال لغيره تعال PageV01P193 تغد عندي فقال والله لا أتغدى ثم رجع إلى بيته ~~فتغدى لا يحنث لأن المتكلم دعاه إلى الغداء الذي بين يديه وقد أخرج كلامه ~~مخرج الجواب فإذا تقيد الخطاب بالمعلوم من إرادة المتكلم يتقيد الجواب أيضا ~~به # وكذلك لو قامت امرأة لتخرج فقال لها إن خرجت فأنت طالق فرجعت ثم خرجت بعد ~~ذلك اليوم لم تطلق وعلى هذا لو قالت له زوجته إنك تغتسل في هذه الدار ms192 ~~الليلة من الجنابة فقال إن اغتسلت فعبدي حر ثم اغتسل فيها في ( غير ) تلك ~~الليلة أو في تلك الليلة من غير الجنابة لم يحنث # وبيان النوع الخامس في قوله تعالى @QB@ وما يستوي الأعمى والبصير @QE@ ~~فإن بدلالة محل الكلام يعلم أنه ليس المراد نفي المساواة بينهما على العموم ~~بل فيما يرجع إلى البصر فقط وقد قلنا إن لفظ العموم في غير المحل القابل ~~للعموم يكون بمعنى المجمل فلا يثبت به إلا ما يتيقن أنه مراد به ويكون ذلك ~~شبه المجاز لدلالة محل الكلام وعلى هذا قال علماؤنا رحمهم الله في قوله ~~عليه السلام الأعمال بالنيات وفي قوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان وما استكرهوا عليه إنه لا يقتضي العموم وارتفاع الحكم لأن بمحل ~~الكلام يتبين أنه ليس المراد أصل العمل فإن ذلك يتحقق بغير النية ومع الخطأ ~~والنسيان والإكراه فإما أن يكون المراد الحكم أو الإثم ولا يجوز أن يقال كل ~~واحد منهما مراد لأنهما يبتنيان على معنيين متغايرين فإن الثواب على العمل ~~الذي هو عبادة والإثم بالعمل الذي هو محرم يبتني على العزيمة والقصد ~~والجواز والفساد الذي هو حكم يبتني على الأداء بالأركان والشرائط ألا ترى ~~أن من توضأ بالماء النجس وهو لا يعلم به فصلى لم تجز صلاته مطلقا حتى لو ~~علم لزمه الإعادة ومع ذلك إذا لم يعلم ولم يكن منه التقصير كان مطيعا ~~باعتبار قصده وعزيمته فيكون هذا بمنزلة المشترك الذي لا عموم له لتغاير ~~المعنى فيما يحتمله فلا يجوز الاحتجاج به في حكم الجواز والفساد إلا بدليل ~~يقترن به فيصير كالمؤول حينئذ فأما ما يعترض من الدليل PageV01P194 الموجب ~~للنسخ أو التخصيص فليس من هذا الباب في شيء وإنما هذا الباب لمعرفة الوجوه ~~فيما يقترن بالكلام فيصير حقيقة ودليل النسخ والتخصيص كلام معارض إلا أن ~~النسخ معارض صورة وحقيقة والتخصيص معارض صورة وبيان معنى حتى لا يكون إلا ~~بالمقارن ولكن ذلك المقارن إنما يتبين بما هو نسخ مبتدأ صيغة فعرفنا أنه ~~ليس من هذا الباب ms193 في شيء # قال رضي الله عنه والعراقيون من مشايخنا رحمهم الله يزعمون أنه لا عموم ~~للنصوص الموجبة لتحريم الأعيان نحو قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ وقوله عليه السلام حرمت الخمر ~~لعينها وقالوا امتنع ثبوت حكم العموم في هذه الصورة معنى لدلالة محل الكلام ~~وهو أن الحل والحرمة لا تكون وصفا للمحل وإنما تكون وصفا لأفعالنا في المحل ~~حقيقة فإنما يصير المحل موصوفا به مجازا وهذا غلط فاحش فإن الحرمة بهذه ~~النصوص ثابتة للأعيان الموصوفة بها حقيقة لأن إضافة الحرمة إلى العين تنصيص ~~على لزومه وتحققه فيه فلو جعلنا الحرمة صفة للفعل لم تكن العين حراما ألا ~~ترى أن شرب عصير الغير وأكل مال الغير فعل حرام ولم يكن ذلك دليلا على حرمة ~~العين ولزوم هذا الوصف للعين ولكن عمل هذه النصوص في إخراج هذه المحال من ~~أن تكون قابلة للفعل الحلال وإثبات صفة الحرمة لازمة لأعيانها فيكون ذلك ~~بمنزلة النسخ الذي هو رفع حكم وإثبات حكم آخر مكانه فبهذا الطريق تقوم ~~العين مقام الفعل في إثبات صفة الحرمة والحل له حقيقة وهذا إذا تأملت في ~~غاية التحقيق فمع إمكان العمل بهذه الصيغة جعل هذه الحرمات مجازا باعتبار ~~أنها صفة للفعل لا للمحل يكون خطأ فاحشا # PageV01P195 # | فصل في إبانة طريق المراد بمطلق الكلام # قد بينا أن الكلام ضربان حقيقة ومجاز وأنه لا يحمل على المجاز إلا عند ~~تعذر حمله على الحقيقة فتمس الحاجة إلى معرفة الحقيقة والمجاز والطريق في ~~ذلك هو النظر في السبب الداعي إلى تعريف ذلك الاسم في الأسماء الموضوعة لا ~~لمعنى وإلى تعريف المعنى في المعنويات فما كان أقرب في ذلك فهو أحق وما كان ~~أكثر إفادة فهو أولى بأن يجعل حقيقة وذلك يكون بطريقين التأمل في محل ~~الكلام والتأمل في صيغة الكلام # أما بيان التأمل في المحل في اختلاف العلماء في موجب العام فعند بعضهم ~~موجبه عند الإطلاق أخص الخصوص وعندنا موجبه العموم وما قلناه أحق لأنه إذا ~~حمل على أخص الخصوص ms194 يبقى بعض ما تناوله مطلق الكلام غير مراد به والمراد ~~بالكلام تعريف ما وضع الاسم له فإذا كان صيغة العام موضوعا لمعنى العموم ~~كان حمله عليه عند الإطلاق أحق ولأن الخاص اسم آخر وهو ما وضع له صيغة ~~الخاص فلو جعلنا صيغة العام تناولا للخاص أيضا فقط كان ذلك تكرارا محصنا ~~وإذا كان المقصود بوضع الأسماء في الأصل إعلام المراد فحمل لفظين على شيء ~~واحد يكون تكرارا وإخراجا لأحد اللفظين من أن يكون مفيدا # فإن قيل فائدته التأكيد وتوسيع الكلام قلنا نعم ولكن هذا في الفائدة دون ~~الفائدة المطلوبة بأصل الوضع والإطلاق يوجب الكمال فإذا حمل كل واحد من ~~اللفظين على فائدة جديدة باعتبار أصل الوضع كان ذلك أولى من أن يحمل على ~~التكرار لتوسعة الكلام فهذان الدليلان من محل الكلام قبل التأمل في صيغة ~~اللفظ ولهذا حملنا قوله تعالى @QB@ أو لامستم النساء @QE@ على المجامعة دون ~~المس باليد لأنه إذا حمل على المس باليد كان تكرارا لنوع حدث واحد وإذا حمل ~~على المجامعة كان بيانا لنوعي الحدث وأمرا بالتيمم لهما فيكون أكثر فائدة ~~مع أنه معطوف على ما سبق والسابق ذكر نوعي الحدث فإن قوله @QB@ إذا قمتم ~~إلى الصلاة @QE@ PageV01P196 أي وأنتم محدثون ثم قال تعالى @QB@ وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا @QE@ ثم قال تعالى @QB@ وإن كنتم مرضى @QE@ إلى قوله @QB@ فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا @QE@ فبدلالة محل الكلام يتبين أن المراد الجماع دون ~~المس باليد # وبيان الدلالة من صيغة الكلام في قوله تعالى @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو ~~في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان @QE@ قال علماؤنا رحمهم الله ~~اللغو ما يكون خاليا عن فائدة اليمين شرعا ووضعا فإن فائدة اليمين إظهار ~~الصدق من الخبر فإذا أضيف إلى خبر ليس فيه احتمال الصدق كان خاليا عن فائدة ~~اليمين فكان لغوا # وقال الشافعي رحمه الله اللغو ما يجري على اللسان من غير قصد ولا خلاف في ~~جواز إطلاق اللفظ على كل واحد منهما # ولكن ما قلناه أحق لأن ما يجري على لسانه من غير قصد له ms195 اسم آخر موضوع ~~وهو الخطأ الذي هو ضد العمد أو السهو الذي هو ضد التحفظ فأما ما يكون خاليا ~~عن الفائدة لمعنى في نفسه لا بحال المتكلم فليس له اسم موضوع سوى أنه لغو ~~فحمله عليه أولى ألا ترى إلى قوله @QB@ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه @QE@ ~~يعني الكلام الفاحش الذي هو خال عن فائدة الكلام بطريق الحكمة دون ما يجري ~~من غير قصد فإن ذلك لا عتب فيه وقال تعالى @QB@ لا يسمعون فيها لغوا إلا ~~سلاما @QE@ وقال تعالى @QB@ والغوا فيه لعلكم تغلبون @QE@ ومعلوم أن مراد ~~المشركين التعنت أي إن لم تقدروا على المغالبة بالحجة فاشتغلوا بما هو خال ~~عن الفائدة من الكلام ليحصل مقصودكم بطريق المغالبة دون المحاجة ولم يكن ~~مقصودهم التكلم بغير قصد وقال تعالى @QB@ وإذا مروا باللغو مروا كراما @QE@ ~~أي صبروا عن الجواب وذلك في الكلام الخالي عن الفائدة دون ما يجري من غير ~~قصد ولأن فساد ما يجري من غير قصد باعتبار معنى في المحل وهو القلب الذي هو ~~السبب الباعث على التكلم وفساد ما لا فائدة فيه باعتبار معنى في نفس الكلام ~~فكان هو أقرب إلى الحقيقة فيحمل اللفظ عليه عند الإطلاق # وكذا اختلفوا في العقد فقال الخصم العقد عبارة PageV01P197 عن القصد فإن ~~العزيمة سميت عقيدة # وقلنا العقد اسم لربط كلام بكلام نحو ربط لفظ اليمين بالخبر الذي فيه ~~رجاء الصدق لإيجاب حكم ( بكلام ) وهو الصدق منه وكذلك ربط البيع بالشراء ~~لإيجاب حكمه وهو الملك فكان ما قلناه أقرب إلى الحقيقة لأن الكلمة باعتبار ~~الوضع من عقد الحبل وهو شد بعضه ببعض وضده الحل منه تقول العرب يا عاقدا ~~ذكر حلا وقال القائل ولقلب المحب حل وعقد ثم يستعار ( لربط الإيجاب بالقبول ~~على وجه ينعقد أحدهما بالآخر حكما فيسمى عقدا ثم يستعار ) لما يكون سببا ~~لهذا الربط وهو عزيمة القلب فكان ذلك دون العقد الذي هو ضد الحل فيما وضع ~~الاسم له فحمله عليه يكون أحق # ومن ذلك ما قلنا في قوله تعالى @QB@ ثلاثة قروء @QE@ إنها ms196 الحيض دون ~~الأطهار لأن اللفظ إما أن يكون مأخوذا من القرء الذي هو الاجتماع قال تعالى ~~@QB@ فإذا قرأناه فاتبع قرآنه @QE@ وقال القائل هجان اللون لم يقر أجنبيا ~~وهذا المعنى في الحيض أحق لأن معنى الاجتماع في قطرات الدم على وجه لا بد ~~منه ليكون حيضا فإنه ما لم تمتد رؤية الدم لا يكون حيضا وإن كان الدم يجتمع ~~في حالة الطهر في رحمها فالاسم حقيقة للدم المجتمع ثم زمانه يسمى به مجازا ~~وإن كان مأخوذا من الوقت المعلوم كما قال القائل إذا هبت لقارئها الرياح ~~وقال آخر له قرء كقرء الحائض فذلك بزمان الحيض أليق لأنه هو الوقت المعلوم ~~الذي يحتاج إلى إعلامه لمعرفة ما تعلق به من الأحكام وإن كان مأخوذا من ~~معنى الانتقال كما يقال قرأ النجم إذا انتقل فحقيقة الانتقال تكون بالحيض ~~لا بالطهر إذ الطهر أصل فباعتبار صيغة اللفظ يتبين أن حمله على الحيض أحق ~~PageV01P198 وكذلك لفظ النكاح فإنما نحمله على الوطء والخصم على العقد وما ~~قلناه أحق لأن الاسم في أصل الوضع لمعنى الضم والالتزام يقول القائل أنكح ~~الصبر أي التزمه وضمه إليك ومعنى الضم في الوطء يتحقق بما يحصل من معنى ~~الاتحاد بين الواطئين عند ذلك الفعل ولهذا يسمى جماعا ثم العقد يسمى نكاحا ~~باعتبار أنه سبب يتوصل به إلى ذلك الضم فبالتأمل في صيغة اللفظ يتبين أن ~~الوطء أحق به إلا في الموضع الذي يتعذر حمله عليه فحينئذ يحمل على ما هو ~~مجاز عنه وهو العقد وهذا هو الحكم في كل لفظ محتمل للحقيقة والمجاز أنه إذا ~~تعذر حمله على الحقيقة يحمل على المجاز لتصحيح الكلام وهذا التعذر إما لعدم ~~الإمكان أو لكونه مهجورا عرفا أو لكونه مهجورا شرعا فالذي هو متعذر نحو ما ~~إذا حلف أن لا يأكل من هذه النخلة أو من هذه الكرمة فإن يمينه تنصرف إلى ~~الثمرة لأن ما هو الحقيقة في كلامه متعذر وأما المهجور عرفا فنحو ما إذا ~~حلف أن لا يشرب من هذه البئر فإنه ينصرف ms197 يمينه إلى الشرب من ماء البئر لأن ~~الحقيقة وهو الكرع في البئر مهجورة واختلف مشايخنا أنه إذا كرع هل يحنث أم ~~لا فمنهم من يقول يحنث أيضا لأن الحقيقة لا تتعطل وإن حمل اللفظ على المجاز ~~وسواء أخذ الماء في كوز وشربه أو كرع في البئر فقد شرب ماء البئر فيحنث ~~ومنهم من يقول لا يحنث لأنه لما صار المجاز مرادا سقط اعتبار الحقيقة على ~~ما قال في الجامع لو قال لأجنبية إن نكحتك فعبدي حر ينصرف يمينه إلى العقد ~~دون الوطء # ولو قال لزوجته إن نكحتك ينصرف إلى الوطء دون العقد حتى لو أبانها ثم ~~تزوجها لم يحنث ما لم يطأها # ولو قال للمطلقة الرجعية إن راجعتك ينصرف إلى الرجعة دون ابتداء العقد ~~ولو قال للمبانة إن راجعتك ينصرف إلى ابتداء العقد ولكن الأول أوجه لا ~~باعتبار الجمع بين الحقيقة والمجاز في كونه مرادا باللفظ بل باعتبار عموم ~~المجاز وهو شرب ماء البئر بأي طريق شربه وعلى هذا قلنا مطلق التوكيل ~~بالخصومة ينصرف إلى الجواب وإن كان ذلك مجازا لأن الحقيقة مهجورة شرعا فإن ~~المدعي إذا كان محقا فالمدعي عليه لا يملك الإنكار شرعا ولا يجوز له ~~التوكيل بذلك فيحمل اللفظ على المجاز عند الإطلاق ثم يصح منه الإنكار ~~والإقرار باعتبار معنى عموم المجاز وهو أنه جواب للخصم # ومن حلف أن لا يكلم هذا الصبي فكلمه بعدما صار شيخا يحنث باعتبار أن ~~الحقيقة مهجورة PageV01P199 شرعا فإن الصبي سبب للترحم شرعا لا للهجران ~~فيتعين المجاز لهذا # وأمثلة هذا أكثر من أن تحصى والله أعلم # # | باب بيان معاني الحروف المستعملة في الفقه # قال رضي الله عنه اعلم بأن الكلام عند العرب اسم وفعل وحرف وكما يتحقق ~~معنى الحقيقة والمجاز في الأسماء والأفعال فكذلك يتحقق في الحروف فمنه ما ~~يكون مستعملا في حقيقته ومنه ما يكون مجازا عن غيره وكثير من مسائل الفقه ~~تترتب على ذلك فلا بد من بيان هذه الحروف وذكر الطريق في تخريج المسائل ~~عليها # فأولى ما يبدأ به ms198 من ذلك حروف العطف # الأصل فيه الواو فلا خلاف أنه للعطف ( ولكن عندنا هو للعطف ) مطلقا فيكون ~~موجبه الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الخبر من غير أن يقتضي مقارنة ~~أو ترتيبا وهو قول أكثر أهل اللغة # وقال بعض أصحاب الشافعي رحمه الله إنه موجب للترتيب وقد ذكر ذلك الشافعي ~~في أحكام القرآن وكذلك جعل الترتيب ركنا في الوضوء لأن في الآية عطف اليد ~~على الوجه بحرف الواو فيجب الترتيب بهذا النص ألا ترى أن الصحابة رضي الله ~~عنهم لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند السعي بأيهما نبدأ قال ~~ابدؤوا بما بدأ الله تعالى يريد به قوله تعالى @QB@ إن الصفا والمروة @QE@ ~~ففي هذا تنصيص على أن موجب الواو الترتيب وما وجب ترتيب السجود على الركوع ~~إلا بقوله تعالى @QB@ اركعوا واسجدوا @QE@ ولكنا نقول هذا من باب اللسان ~~فطريق معرفته التأمل في كلام العرب وفي الأصول الموضوعة عند أهل اللغة ~~بمنزلة ما لو وقعت الحاجة إلى معرفة حكم الشرع يكون طريقه التأمل في النصوص ~~من الكتاب والسنة والرجوع إلى أصول الشرع وعند التأمل في كلام العرب وأصول ~~اللغة يتبين أن الواو لا توجب الترتيب فإن القائل يقول جاءني زيد وعمرو ~~يفهم من هذا الإخبار مجيئهما من غير PageV01P200 مقارنة ولا ترتيب حتى يكون ~~صادقا في خبره سواء جاءه عمرو أولا ثم زيد أو زيد ثم عمرو أو جاءا معا # وكذلك وضعوا الواو للجمع مع النون يقولون جاءني الزيدون أي زيد وزيد وزيد ~~والقائل يقول لا تأكل السمك وتشرب اللبن فيفهم منه المنع من الجمع بينهما ~~دون الترتيب على ما قال القائل لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت ~~عظيم ولو وضع مكان الواو هنا الفاء لم يكن الكلام مستقيما فالفاء توجب ~~ترتيبا من حيث إنه للتعقيب مع الوصل فلو كان موجب الواو الترتيب لم يختل ~~الكلام بذكر الفاء مكانه وكذلك يتبدل الحكم أيضا إذا ذكر الواو مكان الفاء ~~فإن من يقول لامرأته إن دخلت الدار وأنت طالق ms199 تطلق في الحال فلو كان موجب ~~الواو الترتيب لكان هو بمنزلة الفاء فينبغي أن يتأخر الطلاق إلى وجود الشرط # وأما من حيث الوضع لغة فلأنهم وضعوا كل حرف ليكون دليلا على معنى مخصوص ~~كما فعلوا في الأسماء والأفعال فالاشتراك لا يكون إلا لغفلة من الواضع أو ~~لعذر وتكرار اللفظ لمعنى واحد يوجب إخلاءه عن الفائدة كما قررنا فلا يليق ~~ذلك بالحكمة # ثم إنهم وضعوا الفاء للوصل مع التعقيب وثم للتعقيب مع التراخي ومع للقران # فلو قلنا بأن الواو توجب القران أو الترتيب كان تكرارا باعتبار أصل الوضع ~~ولو قلنا إنه يوجب العطف مطلقا لكان لفائدة جديدة باعتبار أصل الوضع ثم ~~يتنوع هذا العطف أنواعا لكل نوع منه حرف خاص # ونظيره من الأسماء الإنسان فإنه للآدمي مطلقا ثم يتنوع أنواعا لكل نوع ~~منه اسم خاص بأصل الوضع والتمر كذلك # وهو نظير ما قلنا في اسم الرقبة إنه للذات مطلقا من غير أن يكون دالا على ~~معنى التقييد بوصف فكذلك الواو للعطف ( مطلقا ) باعتبار أصل الوضع ولهذا ~~قلنا المنصوص عليه في آية الوضوء الغسل والمسح من غير ترتيب ولا قران ثم ~~كان الترتيب باعتبار فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك للإكمال فيتأدى ~~الركن بما هو المنصوص وتتعلق صفة الكمال بمراعاة الترتيب فيه # PageV01P201 وكذلك في قوله تعالى @QB@ اركعوا واسجدوا @QE@ فإنا ما عرفنا ~~الترتيب بهذا النص إذ النصوص فيه متعارضة فإنه تعالى قال @QB@ واسجدي ~~واركعي مع الراكعين @QE@ ولكن مراعاة ذلك الترتيب بكون الركوع مقدمة السجود ~~والقيام مقدمة الركوع على ما نبينه في موضعه إن شاء الله تعالى # وكذلك قوله تعالى @QB@ إن الصفا والمروة @QE@ فإن مراعاة الترتيب بينهما ~~ليس باعتبار هذا النص ففي النص بيان أنهما من شعائر الله ولا ترتيب في هذا ~~وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابدؤوا بما بدأ الله تعالى على وجه ~~التقريب إلى الأفهام لا لبيان أن الواو توجب الترتيب فإن الذي يسبق إلى ~~الأفهام في مخاطبات العباد أن البدائية تدل على زيادة العناية فيظهر بها ms200 ~~نوع قوة صالحة للترجيح ولهذا قال علماؤنا رحمهم الله فيمن أوصى بقرب لا تسع ~~الثلث لها فإنه يبدأ بما بدأ به الموصي إذا استوت في صفة اللزوم لأن ~~البداية تدل على زيادة الاهتمام وقد زعم بعض مشايخنا أن معنى الترتيب يترجح ~~في العطف الثابت بحرف الواو في قول أبي حنيفة وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهم ~~الله يترجح معنى القران وخرجوا على هذا ما إذا قال لامرأته ولم يدخل بها إن ~~دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق فدخلت فإنها تطلق واحدة عند أبي حنيفة ~~باعتبار أنه مترتب وقوع الثانية على الأولى وهي تبين في الأولى لا إلى عدة ~~وعندهما تقع الثلاث عليها باعتبار أنهن يقعن جملة عند الدخول معا وهذا غلط ~~فلا خلاف بين أصحابنا أن الواو للعطف مطلقا إلا أنهما يقولان موجبه ~~الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الخبر # وقوله إن دخلت الدار فأنت طالق جملة تامة وقوله وطالق جملة ناقصة لأنه ~~ليس فيها ذكر الشرط فباعتبار العطف يصير الخبر المذكور في الجملة التامة ~~كالمعاد في الجملة الناقصة فيتعلق كل تطليقة بالدخول بلا واسطة وعند الدخول ~~ينزلن جملة كما لو كرر ذكر الشرط مع كل تطليقة ألا ترى أنه إذا قال جاءني ~~زيد وعمرو كان المفهوم من هذا ما هو المفهوم من قوله جاءني زيد جاءني عمرو # و أبو حنيفة رحمه الله يقول الواو للعطف وإنما يتعلق الطلاق بالشرط كما ~~علقه وهو علق الثانية بالشرط بواسطة الأولى فإن من ضرورة العطف هذه الواسطة ~~فالأولى تتعلق بالشرط بلا واسطة والثاني بواسطة الأولى بمنزلة القنديل ~~المعلق بالحبل بواسطة الحلق ثم عند وجود الشرط ينزل ما تعلق فينزل كما تعلق ~~ولكنهما PageV01P202 يقولان هذا أن لو كان المتعلق بالشرط طلاقا وليس كذلك ~~بل المتعلق ما سيصير طلاقا عند وجود الشرط إذا وصل إلى المحل فإنه لا يكون ~~طلاقا بدون المحل # ثم هذه الواسطة في الذكر فتتفرق به أزمنة التعليق وذلك لا يوجب التفرق في ~~الوقوع كما لو كرر الشرط في كل تطليقة وبينهما ms201 أيام # وما قاله أبو حنيفة رحمه الله أقرب إلى مراعاة حقيقة اللفظ ومعلوم أنه ~~عند وجود الشرط ذلك الملفوظ به يصير طلاقا فإذا كان من ضرورة العطف إثبات ~~هذه الواسطة ذكرا فإن عند وجود الشرط يصير ذلك طلاقا واقعا ومن ضرورة تفرق ~~الوقوع أن لا يقع إلا واحدة فإن هذا تبين به لا إلى عدة كما لو نجز فقال ~~أنت طالق وطالق وطالق # وقال مالك في التنجيز أيضا تطلق ثلاثا لأن الواو توجب المقارنة ألا ترى ~~أنه لو قال أنت طالق وطالق وطالق إن دخلت الدار تطلق ثلاثا عند الدخول جملة # وهذا غلط فإن للقران حرفا موضوعا وهو مع فلو حملنا الواو عليه كان تكرارا ~~وإذا أخر الشرط في التعليق إنما تطلق ثلاثا لا بهذا المعنى بل لأن الأصل في ~~الكلام المعطوف أنه متى كان في آخره ما يغير موجب أوله توقف أوله على آخره ~~ولهذا لو ذكر استثناء في آخر الكلام بطل الكل به فكذلك إذا ذكر شرطا لأن ~~بالتعليق بالشرط تبين أن المذكور أولا ليس بطلاق وإذا توقف أوله على آخره ~~تعلق الكل بالشرط جملة وإذا كان الشرط سابقا فليس في آخر الكلام ما يغير ~~موجب أوله # وكذلك في التنجيز فإن الأول طلاق سواء ذكر الثاني أو لم يذكر فإذا لم ~~يتوقف أوله على آخره بانت بالأولى فلغت الثانية والثالثة لانعدام محل ~~الوقوع لا لفساد في التكلم أو العطف # ثم على قول أبي يوسف رحمه الله تقع الأولى قبل أن يفرغ من التكلم ~~بالثانية وعند محمد عند الفراغ من التكلم بالثانية تقع الأولى لجواز أن ~~يلحق بكلامه شرطا أو استثناء مغيرا # وما قاله أبو يوسف أحق فإنه ما لم يقع الطلاق لا يفوت المحل فلو كان وقوع ~~الأولى بعد الفراغ من التكلم بالثانية لوقعا جميعا لوجود المحل مع صحة ~~التكلم بالثانية # وعلى هذا قال زفر رحمه الله لو قال لغير PageV01P203 المدخول بها أنت ~~طالق واحدة وعشرين تطلق واحدة لأن الواو للعطف فتبين بالواحدة قبل ذكر ~~العشرين # ولكنا نقول ms202 تلك كلمة واحدة حكما لأنه لا يمكنه أن يعبر عن هذا العدد ~~بعبارة أوجز من هذا وعطف البعض على البعض يتحقق في كلمتين لا في كلمة واحدة ~~فإنما يقع هنا عند تمام الكلام فتطلق ثلاثا كما لو قال واحدة ونصفا تطلق ~~اثنتين لأنه ليس لما صرح به عبارة أوجز من ذلك فكانت كلمة واحدة حكما وعند ~~زفر تطلق واحدة # وعلى هذا الأصل ما قال في الجامع لو تزوج أمتين بغير إذن مولاهما ثم ~~أعتقهما المولى معا جاز نكاحهما # ولو قال أعتقت هذه وهذه جاز نكاح الأولى وبطل نكاح الثانية لأنه ليس في ~~آخر كلامه ما يغير موجب أوله فنكاح الأولى صحيح أعتق الثانية أو لم يعتق ~~وبنفوذ العتق في الأولى تنعدم محلية النكاح في حق الثانية لأن الأمة ليست ~~من المحللات مضمومة إلى الحرة # ومثله لو زوج منه رضيعتين في عقدين بغير رضاه فأرضعتهما امرأة ثم أجاز ~~الزوج نكاحهما معا بطل نكاحهما # ولو قال أجزت نكاح هذه وهذه بطل نكاحهما أيضا لأن في آخر كلامه ما يغير ~~موجب أوله فإن بآخر الكلام يثبت الجمع بين الأختين نكاحا وذلك مبطل ~~لنكاحهما فيتوقف أول الكلام على آخره # وكان الفراء يقول الواو للجمع والمجموع بحرف الواو كالمجموع بكناية الجمع ~~وعندنا الواو للعطف والاشتراك على أن يصير كل واحد من المذكورين كأنه مذكور ~~وحده لا على وجه الجمع بينهما ذكرا # وبيان هذا فيما إذا كان لرجل ثلاثة أعبد فقال هذا حر أو هذا وهذا فإنه ~~يخير في الأولين ويعتق الثالث عينا كأنه قال هذا حر أو هذا حر وعند الفراء ~~يخير فإن شاء أوقع العتق على ( الأول وإن شاء على ) الثاني والثالث لأنه ~~جمع بينهما بحرف الواو فكأنه جمع بكناية الجمع فقال هذا حر وهذان # واستدل بما قال في الجامع رجل مات وترك ثلاثة أعبد قيمتهم سواء وترك ابنا ~~فقال الابن أعتق والدي هذا في مرضه وهذا وهذا يعتق من كل واحد منهم ثلثه ~~بمنزلة ما لو قال أعتقهم # ولو قال أعتق هذا وسكت ms203 ثم قال وهذا PageV01P204 ثم سكت ثم قال هذا يعتق ~~الأول كله ومن الثاني نصفه ومن الثالث ثلثه # ولكنا نقول لا وجه لتصحيح كلامه على ما قاله الفراء لأن خبر المثنى غير ~~خبر الواحد يقال للواحد حر وللاثنين حران والمذكور في كلامه من الخبر قوله ~~حر فإذا لم يجعل كان كل واحد من الآخرين منفردا بالذكر لا يصلح أن يكون ~~الخبر المذكور خبرا لهما والعطف للاشتراك في الخبر لا لإثبات خبر آخر وإذا ~~جعلنا الثالث كالمنفرد بالذكر صار كأنه قال أحد هذين حر وهذا فيكون فيه ضم ~~الثالث إلى المعتق من الأولين لا إلى غير المعتق فلهذا عتق الثالث # ومسألة الجامع إنما تخرج على الأصل الذي بينا فإن في آخر كلامه ما يغير ~~موجب أوله لأن موجب أول الكلام عتق الأول مجانا بغير سعاية ويتغير ذلك بآخر ~~كلامه عند أبي حنيفة رحمه الله لأن المستسعي بمنزلة المكاتب ( عنده ) ~~فيتغير حكم أصل العتق وعندهما يتغير حكم البراءة عن السعاية فلهذا توقف ~~أوله على آخره # واختلفوا في عطف الجملة التامة على الجملة التامة بحرف الواو نحو ما إذا ~~قال زينب طالق ثلاثا وعمرة طالق فإنما تطلق عمرة واحدة وكل واحد من ~~الكلامين جملة تامة لأنه ابتداء وخبر فالواو بينهما عند بعض مشايخنا لمعنى ~~الابتداء يحسن نظم الكلام كما في قوله تعالى @QB@ والراسخون في العلم @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ ويمح الله الباطل @QE@ وقوله تعالى في حكم القذف @QB@ ~~وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا @QE@ فإنه ابتداء عندنا # قال رضي الله عنه والأصح أن هذا الواو للعطف أيضا عندي إلا أن الاشتراك ~~في الخبر ليس من حكم بمجرد العطف بل باعتبار حاجة المعطوف إليه إذا لم يذكر ~~خبرا ولا حاجة إذا ذكر له خبرا ولهذا عند الحاجة جعلنا خبر المعطوف عين ما ~~هو خبر المعطوف عليه إذا أمكن لا غيره لأن الحاجة ترتفع بعين ذلك حتى إذا ~~قال لامرأته أنت طالق إن دخلت هذه الدار وإن دخلت هذه الدار الأخرى فإنما ~~يتعلق بدخول الدار الثانية تلك التطليقة لا ms204 غيرها حتى لو دخلت الدارين لم ~~تطلق إلا واحدة فأما إذا تعذر ذلك بأن يقول فلانة طالق وفلانة فإنه يقع على ~~الثانية غير ما وقع على الأولى لأن الاشتراك بينهما في تطليقة واحدة لا ~~يتحقق بمنزلة قوله جاءني زيد PageV01P205 وعمرو فإنه إخبار عن مجيء كل واحد ~~منهما بفعل على حدة لأن مجيئهما بفعل واحد لا يتحقق # وعلى هذا الأصل الذي بينا أن الواو لا توجب الترتيب يخرج ما قال في كتاب ~~الصلاة وينوي بالتسليمة الأولى من عن يمينه من الحفظة والرجال والنساء فإن ~~مراده العطف لا الترتيب # وكذلك مراده مما قال في الجامع الصغير من الرجال والنساء والحفظة فإن ~~الترتيب ( في النية ) لا يتحقق فعرفنا أن المراد يجمعهم في نيته # وقد تكون الواو بمعنى الحال لمعنى الجمع أيضا فإن الحال يجامع ذا الحال ~~ومنه قوله تعالى @QB@ حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها @QE@ أي جاؤوها حال ما ~~تكون أبوابها مفتوحة # وعلى هذا قال في المأذون إذا قال لعبده أد إلي ألفا وأنت حر إنه لا يعتق ~~ما لم يؤد لأن الواو بمعنى الحال فإنما جعله حرا عند الأداء وقال في السير ~~إذا قال افتحوا الباب وأنتم آمنون لا يأمنون ما لم يفتحوا لأنه آمنهم حال ~~فتح الباب وإذا قال لامرأته أنت طالق وأنت مريضة تطلق في الحال لأن الواو ~~للعطف في الأصل فلا يكون شرطا فإن قال عنيت إذا مرضت يدين فيما بينه وبين ~~الله تعالى لأنه عني بالواو الحال وذلك محتمل فكأنه قال في حال مرضها # وكذلك لو قال أنت طالق وأنت تصلين أو وأنت مصلية # وقال في المضاربة إذا قال خذ هذه الألف واعمل بها مضاربة في البز فإنه لا ~~يتقيد بصرفه في البز وله أن يتجر فيها ما بدا له من وجوه التجارات لأن ~~الواو للعطف فالإطلاق الثابت بأول الكلام لا يتغير بهذا العطف # وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا قالت المرأة لزوجها طلقني ولك ألف ~~درهم فطلقها تجب الألف عليها وكذلك لو قال الزوج أنت طالق وعليك ms205 ألف درهم ~~فقبلت تجب الألف # وفيه طريقان لهما أحدهما أنه استعمل الواو بمعنى الباء مجازا فإن ذلك ~~معروف في القسم إذ لا فرق بين قوله والله وبين قوله بالله وإنما حملنا على ~~هذا المجاز بدلالة المعاوضة فإن الخلع عقد معاوضة فكان هذا بمنزلة ما لو ~~قال احمل هذا المتاع إلى منزلي ولك درهم والثاني أن هذا الواو للحال فكأنها ~~قالت طلقني في حال ما يكون لك علي ألف درهم وإنما حملنا على هذا لدلالة ~~المعاوضة كما في قوله أد إلي ألفا وأنت PageV01P206 طالق بخلاف المضاربة ~~فلا معنى لحرف الباء هناك حتى يجعل الواو عبارة عنه ولا يمكن حمله على معنى ~~الحال لانعدام دلالة المعاوضة فيه و أبو حنيفة رحمه الله يقول تطلق ولا شيء ~~عليها لأن الواو للعطف حقيقة وباعتبار هذه الحقيقة لا يمكن أن يجعل الألف ~~بدلا عن الطلاق فلو جعل بدلا إنما يجعل بدلالة المعاوضة وذلك في الطلاق ~~زائد فإن الطلاق في الغالب يكون بغير عوض ألا ترى أن بذكر العوض يصير كلام ~~الزوج بمعنى اليمين حتى لا يمكنه أن يرجع عنه قبل قبولها ولا يجوز ترك ~~الحقيقة باعتبار دليل زائد على ما وضع له في الأصل بخلاف الإجارة فإنه عقد ~~مشروع بالبدل لا يصح بدونه فأمكن حمل اللفظ على المجاز باعتبار معنى ~~المعاوضة فيه لأنه أصل وإنما يجعل الواو للحال إذا كان بصيغة تحتمل ذلك كما ~~في قوله أد وأنت حر انزل وأنت آمن فإن صيغة كلامه للحال لأنه خاطبه بالأول ~~والآخر بصيغة واحدة ويتحقق عتقه في حالة الأداء ويتحقق أمانه في حالة ~~النزول لأن المقصود أن يعلم بمحاسن الشريعة فعسى يؤمن وذلك حالة النزول # فأما قوله خذ هذه الألف واعمل بها في البز فليس في هذه الصيغة احتمال ~~الحال لأن البز لا يكون حالا لعمله وقوله أنت طالق وأنت مريضة للعطف حقيقة ~~ولكن فيه احتمال الحال إذ الطلاق يتحقق في حال المرض فلاعتبار الظاهر لا ~~يدين في القضاء ولاحتمال كونه محتملا تعمل نيته # # | فصل # وأما الفاء ms206 فهو للعطف وموجبه التعقيب بصفة الوصل فيثبت به ترتيب وإن لطف ~~ذلك لما بينا أن كل حرف يختص بمعنى في أصل الوضع إذ لو لم يجعل كذلك خرج من ~~أن يكون مفيدا فالمعنى الذي اختص به الفاء ما بينا ألا ترى أن أهل اللسان ~~وصلوا حرف الفاء بالجزاء وسموه حرف الجزاء لأن الجزاء يتصل بالشرط على أن ~~يتعقب نزوله وجود الشرط بلا فصل وكذلك يستعمل حرف الفاء لعطف الحكم ~~PageV01P207 على العلة يقال جاء الشتاء فتأهب ويقال ضرب فأوجع أي بذلك ~~الضرب وأطعم فأشبع أي بذلك الطعام وعلى هذا قوله عليه السلام لن يجزي ولد ~~والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه أي بذلك الشراء ولهذا جعلنا ~~الشراء إعتاقا في القريب بواسطة الملك # ويقول خذ من مالي ألف درهم فصاعدا أي فما يزداد عليه فصاعدا وارتفاعا # وعلى هذا الأصل قال علماؤنا رحمهم الله فيمن قال لغيره بعت منك هذا العبد ~~بألف درهم وقال المشتري فهو حر فإنه يعتق ويجعل قابلا ثم معتقا بخلاف ما لو ~~قال هو حر أو وهو حر فإنه يكون ردا للإيجاب لا قبولا فلا يعتق # ولو قال لخياط انظر إلى هذا الثوب أيكفيني قميصا فقال نعم قال فاقطعه ~~فقطعه فإذا هو لا يكفيه قميصا كان الخياط ضامنا لأن الفاء للوصل والتعقيب ~~فكأنه قال فإن كفاني قميصا فاقطعه بخلاف ما لو قال اقطعه فقطعه فإذا هو لا ~~يكفيه قميصا فإنه لا يكون ضامنا لوجود الإذن مطلقا # وقد قال بعض مشايخنا إذا قال لغير المدخول بها إن دخلت الدار فأنت طالق ~~فطالق فطالق فدخلت إنها تطلق واحدة عند أبي حنيفة رحمه الله باعتبار أن ~~الفاء يجعل مستعارا عن الواو مجازا لقرب أحدهما من الآخر # قال رضي الله عنه والأصح عندي أن هاهنا تطلق واحدة عندهم جميعا # لأن الفاء للتعقيب فيثبت به ترتيب بين الثانية والأولى في الوقوع ومع ~~الترتيب لا يمكن إيقاع الثانية لأنها تبين بالأولى ومع إمكان اعتبار ~~الحقيقة لا معنى للمصير إلى المجاز # والدليل على أن الصحيح ms207 هذا ما قال في الجامع إن دخلت هذه الدار فدخلت هذه ~~الدار الأخرى فأنت طالق فإن الشرط أن تدخل الثانية بعد دخول الدار الأولى ~~حتى لو دخلت في الثانية قبل الأولى ثم دخلت في الأولى لم تطلق بخلاف ما لو ~~قال ودخلت هذه الدار # وقد توصل الفاء بما هو علة إذا كان محتمل الامتداد يقول الرجل لغيره أبشر ~~فقد أتاك الغوث وهذا على سبيل بيان العلة للخطاب بالبشارة ولكن لما كان ذلك ~~ممتدا صح ذكر حرف الفاء مقرونا به وعلى هذا الأصل لو قال لعبده أد إلي ألفا ~~فأنت حر فإنه يعتق وإن لم يؤد لأنه لبيان العلة أي لأنك قد صرت حرا وصفة ~~الحرية تمتد # وكذلك لو قال لحربي انزل فأنت آمن كان آمنا PageV01P208 نزل أو لم ينزل ~~لأن معنى كلامه انزل لأنك آمن والأمان ممتد فأما ما قال علماؤنا رحمهم الله ~~فيمن يقول لفلان علي درهم فدرهم إنه يلزمه درهمان فذلك لتحقيق معنى العطف ~~إذ المعطوف غير المعطوف عليه واعتبار معنى الوصل والترتيب في الوجوب لا في ~~الواجب أو لما تعذر اعتبار حقيقة معنى حرف الفاء جعل عبارة عن الواو مجازا ~~فكأنه قال درهم ودرهم # والشافعي يقول يلزمه درهم واحد لأن ما هو موجب حرف الفاء لا يتحقق هاهنا ~~فيكون صلة للتأكيد كأنه قال درهم فهو درهم # ولكن ما قلناه أحق لأنه يضمر ليسقط به اعتبار حرف الفاء والإضمار لتصحيح ~~ما وقع التنصيص عليه لا لإلغائه ثم معنى العطف محكم في هذا الحرف فلا بد من ~~اعتباره بحسب الإمكان والمعطوف غير المعطوف عليه فيلزمه درهمان لهذا # # | فصل # وأما حرف ثم فهو للعطف على وجه التعقيب مع التراخي هو المعنى الذي اختص ~~به هذا الحرف بأصل الوضع # يقول الرجل ( جاءني زيد ثم عمرو فإنما يفهم منه ما يفهم من قوله ) جاءني ~~زيد وبعده عمرو إلا أن عند أبي حنيفة رحمه الله صفة هذا التراخي أن يكون ~~بمنزلة ما لو سكت ثم استأنف قولا بعد الأول لإتمام القول بالتراخي وعندهما ms208 ~~التراخي بهذا الحرف في الحكم مع الوصل في التكلم لمراعاة معنى العطف فيه # وبيان هذا فيما إذا قال لغير المدخول بها إن دخلت الدار فأنت طالق ثم ~~طالق ثم طالق عند أبي حنيفة رحمه الله تتعلق الأولى بالدخول وتقع الثانية ~~في الحال وتلغو الثالثة بمنزلة قوله أنت طالق طالق طالق من غير حرف العطف ~~حتى ينقطع بعض الكلام عن البعض وعندهما يتعلق الكل بالدخول ثم عند الدخول ~~يظهر الترتيب في الوقوع فلا تقع إلا واحدة لاعتبار التراخي بحرف ثم # ولو أخر الشرط ذكرا فعند أبي حنيفة رحمه الله تطلق واحدة في الحال ويلغو ~~ما سواها وعندهما لا تطلق ما لم تدخل الدار فإذا دخلت طلقت واحدة ولو كانت ~~مدخولا بها فإن أخر الشرط فعند أبي حنيفة رحمه الله تطلق اثنتين في الحال ~~وتتعلق PageV01P209 الثالثة بالدخول وعندهما ما لم تدخل لا يقع شيء فإذا ~~دخلت طلقت ثلاثا # ولو قدم الشرط فعند أبي حنيفة رحمه الله تقع الثانية والثالثة في الحال ~~وتتعلق الأولى بالدخول وعندهما لا يقع شيء ما لم تدخل فإذا دخلت طلقت ثلاثا ~~هكذا ذكر مفسرا في النوادر # وقد يستعمل حرف ثم بمعنى الواو مجازا قال الله تعالى @QB@ ثم كان من ~~الذين آمنوا @QE@ وقال تعالى @QB@ ثم الله شهيد على ما يفعلون @QE@ وعلى ~~هذا قلنا في قوله عليه السلام من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليأت ~~الذي هو خير ثم ليكفر يمينه إن حرف ثم في هذه الرواية محمول على الحقيقة ~~وفي الرواية التي قال فليكفر يمينه ثم ليأت بالذي هو خير حرف ثم بمعنى ~~الواو مجازا لأن صيغة الأمر للإيجاب وإنما التكفير بعد الحنث لا قبله ~~فحملنا هذا الحرف على المجاز لمراعاة حقيقة الصيغة فيما هو المقصود إذ لو ~~حملنا حرف ثم على الحقيقة كان الأمر بالتكفير محمولا على المجاز فإنه لا ~~يجب تقديم التكفير على الحنث بالاتفاق فكان الأولى على هذا أن يجعل حرف ثم ~~بمعنى حرف الفاء فإنه أقرب إليه من حرف الواو وإنما لم نفعل ms209 ذلك لأن حرف ~~الفاء يوجب ترتيبا أيضا والحنث غير مرتب على التكفير بوجه فلهذا جعلناه ~~بمعنى الواو # # | فصل # وأما حرف بل هو لتدارك الغلط بإقامة الثاني مقام الأول وإظهار أن الأول ~~كان غلطا فإن الرجل يقول جاءني زيد بل عمرو أو لا بل عمرو فإنما يفهم منه ~~الإخبار بمجيء عمرو خاصة وهو معنى قوله تعالى @QB@ بل كنتم مجرمين @QE@ # @QB@ بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله @QE@ وعلى هذا قال ~~زفر رحمه الله إن من قال لفلان علي ألف درهم بل ألفان يلزمه ثلاثة آلاف لأن ~~بل لتدارك الغلط فيكون إقرارا بألفين ورجوعا عن الألف وبيان أنه كان غلطا ~~ولكن الإقرار صحيح والرجوع PageV01P210 باطل كما لو قال لامرأته أنت طالق ~~واحدة بل اثنتين تطلق ثلاثا ولكنا نقول يلزمه ألفان لأنه ما كان مقصوده ~~تدارك الغلط بنفي ما أقر به أولا بل تدارك الغلط بإثبات الزيادة التي نفاها ~~في الكلام الأول بطريق الاقتضاء فكأنه قال بل مع تلك الألف ألف أخرى فهما ~~ألفان علي ألا ترى أن الرجل يقول أتى علي خمسون سنة بل ستون فإنه يفهم هذا ~~من كلامه بل ستون لعشرة زائدة على الخمسين التي أخبرت بها أولا ولكن هذا ~~يتحقق في الإخبارات لأنها تحتمل الغلط ولا يتحقق في الإنشاءات فلهذا جعلناه ~~موقعا اثنتين راجعا عن الأولى ورجوعه لا يصح فتطلق ثلاثا حتى لو قال كنت ~~طلقتك أمس واحدة لا بل اثنتين تطلق اثنتين لأن الغلط في الإخبار يتمكن ولو ~~قال لغير المدخول بها أنت طالق واحدة لا بل اثنتين تطلق واحدة لأنه بقوله ~~بل اثنتين أولا بل اثنتين يروم الرجوع عن الأولى وذلك باطل وبعدما بانت ~~بالأولى لم يبق المحل ليصح إيقاع الثنتين عليها ولو قال إن دخلت الدار فأنت ~~طالق واحدة لا بل اثنتين فدخلت تطلق ثلاثا بالاتفاق لأن مع تعلق الأولى ~~بالشرط بقي المحل على حاله وهو بهذا الحرف تبين أنه تعلق الثنتين بالشرط ~~ابتداء لا بواسطة الأولى لأنه راجع عن الأولى فكأنه أعاد ذكر الشرط ms210 وصار ~~كلامه في حكم يمينين فعند وجود الشرط تقع الثلاث جملة لتعلق الكل بالشرط ~~بلا واسطة بخلاف ما قاله أبو حنيفة رحمه الله في حرف الواو فإنه للعطف ~~فيكون هو مقررا للأولى ومعلقا الثانية بالشرط بواسطة الأولى فعند وجود ~~الشرط يقعن متفرقا أيضا فتبين بالأولى قبل وقوع الثانية والثالثة والله ~~أعلم # # | فصل # وأما لكن فهو كلمة موضوعة للاستدراك بعد النفي تقول ما رأيت زيدا لكن ~~عمرا فالمعنى الذي تختص به هذه الكلمة باعتبار أصل الوضع إثبات ما بعدها ~~فأما نفي ما قبلها فثابت بدليله بخلاف بل قال تعالى @QB@ فلم تقتلوهم ولكن ~~الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى @QE@ ثم العطف بها إنما يكون ~~عند اتساق الكلام فإن وجد ذلك كان لتعليق النفي بالإثبات الذي بعدها وإلا ~~كانت للاستئناف # وبيان هذا في مسائل مذكورة في الجامع منها إذا قال رجل هذا العبد في يدي ~~لفلان PageV01P211 فقال المقر له ما كان لي قط ولكنه لفلان فإن وصل كلامه ~~فهو للمقر له الثاني وإن فصل فهو للمقر لأن قوله ما كان لي قط تصريح بنفي ~~ملكه فيه فإذا وصل به قوله لكن لفلان كان بيانا أنه نفي ملكه إلى الثاني ~~بإثبات الملك له بقوله لكن فإن قطع كلامه كان محمولا على نفي ملكه أصلا كما ~~هو الظاهر وهو رد للإقرار ثم قوله ولكنه لفلان شهادة بالملك للثاني على ~~المقر وبشهادة الفرد لا يثبت الملك # ولو أن المقضي له بالعبد بالبينة قال ما كان لي قط ولكنه لفلان فقال ~~المقر له قد كان له فباعه أو وهبه مني بعد القضاء له فإنه يكون للثاني لأنه ~~حين وصل الكلام فقد تبين أنه نفي ملكه بإثباته للثاني وذلك يحتمل الإنشاء ~~بسبب كان بعد القضاء فيحمل على ذلك في حق المقر له إلا أن المقر يصير ضامنا ~~قيمته للمقضي عليه لأن ظاهر كلامه تكذيب لشهوده وإقرار بأن القضاء باطل ~~وهذا حجة عليه ولكن إنما يقرر هذا الحكم بعد ما تحول الملك إلى المقر له ~~فيضمن ms211 قيمته للمقضي عليه # ولو أن أمة زوجت نفسها من رجل بمائة درهم بغير إذن مولاها فقال المولى لا ~~أجيزه لكن أجيزه بمائة وخمسين أو قال لكن أجيزه إن زدتني خمسين فالعقد باطل ~~لأن الكلام غير متسق فإن نفي الإجازة وإثباتها بعينها لا يتحقق فيه معنى ~~العطف فيرتد العقد بقوله لا أجيزه ويكون قوله لكن أجيزه ابتداء بعد ~~الانفساخ # ولو قال لفلان علي ألف درهم قرض فقال فلان لا ولكنه غصب فإنه يلزمه المال ~~لأن الكلام متسق فيتبين بآخره أنه نفي السبب لا أصل المال وأنه قد صدقه في ~~الإقرار بأصل المال ولا تفاوت في الحكم بين السببين والأسباب مطلوبة ~~للأحكام فعند انعدام التفاوت يتم تصديقه له فيما أقر به فيلزمه المال وعلى ~~هذا لو قال لك علي ألف درهم ثمن هذه الجارية التي اشتريتها منك فقال ~~الجارية جاريتك ما بعتها منك ولكن لي عليك ألف درهم يلزمه المال لأن الكلام ~~متسق وفي آخره بيان أنه مصدق له في أصل المال مكذب في السبب ولا تفاوت عند ~~سلامة الجارية للمقر فيلزمه المال # PageV01P212 # | فصل # وأما أو فهي كلمة تدخل بين اسمين أو فعلين وموجبها باعتبار أصل الوضع ~~يتناول أحد المذكورين # بيانه في قوله تعالى @QB@ من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة @QE@ فإن الواجب في الكفارة أحد الأشياء المذكورة مع إباحة التكفير ~~بكل نوع منها على الانفراد ولهذا لو كفر بالأنواع كلها كان مؤديا للواجب ~~بأحد الأنواع في الصحيح من المذهب بخلاف ما يقوله بعض الناس وقد بينا هذه # وكذلك في قوله تعالى في كفارة الحلق @QB@ ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ~~@QE@ وفي جزاء الصيد @QB@ هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ~~ذلك صياما @QE@ وقد ظن بعض مشايخنا أنها في أصل الوضع للتشكيك فإن الرجل ~~إذا قال رأيت زيدا وعمرا يكون مخبرا برؤية كل واحد منهما عينا ولو قال بل ~~عمرا يكون مخبرا برؤية عمرو عينا # ولو قال أو عمرا يكون مخبرا برؤية أحدهما غير عين على ms212 أنه شاك في كل واحد ~~منهما يجوز أن يكون قد رآه ويجوز أن يكون لم يره إلا أن في الابتداءات ~~والأمر والنهي يتعذر حمله على التشكيك فإن ذلك لا يكون إلا عند التباس ~~العلم بالشيء فيحمل على التخيير وقرر هذا الكلام في تصنيفه # قال رضي الله عنه وعندي أن هذا غير صحيح لأن الشك ليس بأمر مقصود حتى ~~يوضع له كلمة في أصل الوضع ولكن هذه الكلمة لبيان أن المتناول أحد ~~المذكورين كما ذكرنا إلا أن في الإخبار يفضي إلى الشك باعتبار محل الكلام ~~لا باعتبار هذه الكلمة كما في قوله رأيت زيدا أو عمرا فأما في الإنشاءات ~~لما تبدل المحل وانعدم المعنى الذي لأجله كان معنى الشك فالثابت بهذه ~~الكلمة التخيير باعتبار أصل الوضع وهو أنها تتناول أحد المذكورين على إثبات ~~صفة الإباحة في كل واحد منهما ولهذا قلنا لو قال هذا العبد حر أو هذا فهو ~~وقوله أحدهما حر سواء يتناول الإيجاب أحدهما ويتخير المولى في البيان على ~~أن يكون بيانه من وجه كابتداء الإيقاع حتى يشترط لصحة البيان صلاحية المحل ~~للإيقاع ومن وجه هو تعيين للواقع ولهذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله لو ~~جمع بين عبده ودابته وقال هذا حر أو هذا لغا كلامه PageV01P213 بمنزلة ما ~~لو قال أحدهما حر لأن محل الإيجاب أحدهما بغير عينه وإذا لم يكن أحد ~~العبدين محلا صالحا للإيجاب فغير المعين منهما لا يكون صالحا وبدون صلاحية ~~المحل لا يصح الإيجاب أصلا # و أبو حنيفة رحمه الله يقول هذا الإيجاب يتناول أحدهما بغير عينه على ~~احتمال التعيين ألا ترى أنهما لو كانا عبدين تناول أحدهما على احتمال ~~التعيين إما ببيانه أو بانعدام المزاحمة بموت أحدهما فيصح الإيجاب هنا ~~باعتبار هذا المجاز كما هو أصل أبي حنيفة رحمه الله في العمل بالمجاز وإن ~~تعذر العمل بالحقيقة لعدم صلاحية المحل له وعندهما المجاز خلف عن الحقيقة ~~في الحكم فإذا لم يكن المحل صالحا للحكم حقيقة يسقط اعتبار العمل بالمجاز ~~وقد بينا هذا # وعلى ms213 هذا لو قال لثلاث نسوة له هذه طالق أو هذه وهذه تطلق الثالثة ويتخير ~~في الأوليين بمنزلة ما لو جمع بين الأوليين فقال إحداكما طالق وهذه ولهذا ~~قال زفر رحمه الله في قوله والله لا أكلم فلانا أو فلانا وفلانا إنه لا ~~يحنث إن كلم الأول وحده ما لم يكلم الثالث معه بمنزلة قوله لا أكلم أحد ~~هذين وهذا # ولكنا نقول هناك إن كلم الأول وحده يحنث وإن كلم أحد الآخرين لا يحنث ما ~~لم يكلمهما لأنه أشرك بينهما بحرف الواو والخبر المذكور يصلح للمثنى كما ~~يصلح للواحد فإنه يقول لا أكلم هذا لا أكلم هذين فيصير كأنه قال لا أكلم ~~هذا أو هذين بخلاف الطلاق فهناك الخبر المذكور غير صالح للمثنى إذا جمعت ~~بينهما لأنه يقال للمثنى طالقان مع أن هناك يمكن أن تجعل الثالثة كالمذكورة ~~وحدها فإن الحكم فيها لا يختلف سواء ضمت إلى الأولى أو إلى الثانية وهنا ~~الحكم في الثالث يختلف بالانضمام إلى الأول أو الثاني فكان ضمه إلى ما يليه ~~أولى # وعلى هذا لو قال وكلت ببيع هذا العبد هذا الرجل أو هذا فإنه يصح التوكيل ~~استحسانا بمنزلة ما لو قال وكلت أحدهما ببيعه حتى لا يشترط اجتماعهما على ~~البيع بخلاف ما لو قال وهذا وإذا باع أحدهما نفذ البيع ولم يكن للآخر بعد ~~ذلك أن يبيعه وإن عاد إلى ملكه وقبل البيع يباح لكل واحد منهما أن يبيعه # وكذلك لو قال لواحد بع هذا العبد أو هذا يثبت له الخيار على أن يبيع ~~أحدهما أيهما شاء بمنزلة ما لو قال بع أحدهما فأما في البيع إذا أدخل كلمة ~~PageV01P214 أو في المبيع أو الثمن فالبيع فاسد للجهالة لأن موجب الكلمة ~~التخيير ومن له الخيار منهما غير معلوم فإن كان معلوما جاز في الاثنين ~~والثلاثة استحسانا ولم يجز في الزيادة على ذلك لبقاء الحظر بعد تعين من له ~~الخيار ولكن اليسير من الحظر لا يمنع جواز العقد والفاحش منه يمنع جواز ~~العقد # فأما في النكاح ف ms214 أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يقولان يثبت التخيير ~~بهذه الكلمة إذا كان مفيدا بأن يقول لامرأة تزوجتك على ألف درهم حالا أو ~~على ألفين إلى سنة أو تزوجتك على ألف درهم أو مائة دينار ولا يثبت الخيار ~~إذا لم يكن مفيدا بأن يقول تزوجتك على ألف درهم أو ألفين بل يجب الأقل عينا ~~لأنه لا فائدة في التخيير بين القليل والكثير في جنس واحد وصحة النكاح لا ~~تتوقف على تسمية البدل فوجوب المال عند التسمية في معنى الابتداء بمنزلة ~~الإقرار بالمال أو الوصية أو الخلع أو الصلح عن دم العمد على مال فإنما ~~يثبت الأقل لكونه متيقنا به ولهذا كل ما يصلح أن يكون مسمى في الصلح عن دم ~~العمد يصلح أن يكون مسمى في النكاح # و أبو حنيفة رضي الله عنه يقول يصار إلى تحكيم مهر المثل لأن التخيير ~~الذي هو حكم هذه الكلمة يمنع كون المسمى معلوما قطعا والموجب الأصلي في ~~النكاح مهر المثل وإنما ينتفي ذلك الموجب عند تسمية معلومة قطعا فإذا انعدم ~~ذلك بحرف أو وجب المصير إلى الموجب الأصلي بخلاف الخلع والصلح فليس في ذلك ~~العقد موجب أصلي في البدل بل هو صحيح من غير بدل يجب به فلهذا أوجبنا القدر ~~الميتقن به وما زاد على ذلك لكونه مشكوكا فيه يبطل # وعلى هذا قال مالك رحمه الله في حد قطاع الطريق إن الإمام يتخير في ظاهر ~~قوله تعالى @QB@ أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف @QE@ ~~فإن موجب الكلمة التخيير والكلام محمول على حقيقته حتى يقوم دليل المجاز # ولكنا نقول في أول الآية تنصيص على أن المذكور جزاء على المحاربة ~~والمحاربة أنواع كل نوع منها معلوم من تخويف أو أخذ مال أو قتل نفس أو جمع ~~بين القتل وأخذ المال وهذه الأنواع تتفاوت في صفة الجناية والمذكور أجزية ~~متفاوتة في معنى التشديد فوقع PageV01P215 الاستغناء بتلك المقدمة عن بيان ~~تقسيم الأجزية على أنواع الجناية نصا ولكن هذا التقسيم ثابت بأصل معلوم وهو ~~أن ms215 الجملة إذا قوبلت بالجملة ينقسم البعض على البعض فلهذا كان الجزاء على ~~كل نوع عينا كيف وقد نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم ~~بهذا التقسيم في أصحاب أبي بردة ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله إذا جمع بين ~~القتل وأخذ المال فللإمام الخيار إن شاء قطع يده ثم قتله وصلبه وإن شاء ~~قتله وصلبه ولم يقطعه لأن نوع المحاربة متعدد صورة متحد معنى فيتخير لهذا # وقيل أو هنا بمعنى بل كما قال الله تعالى @QB@ فهي كالحجارة أو أشد قسوة ~~@QE@ أي بل أشد قسوة فيكون المراد بل يصلبوا إذا اتفقت المحاربة بقتل النفس ~~وأخذ المال بل تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا المال فقط بل ينفوا ~~من الأرض إذا خوفوا الطريق # وقد تستعار كلمة أو للعطف فتكون بمعنى الواو قال تعالى @QB@ وأرسلناه إلى ~~مائة ألف أو يزيدون @QE@ أي ويزيدون # قال القائل فلو كان البكاء يرد شيئا بكيت على زياد أو عناق على المرأين ~~إذ مضيا جميعا لشأنهما بحزن واحتراق ( أي وعناق ) بدليل قوله على المرأين ~~إذ مضيا جميعا # إذا عرفنا هذا فنقول إنما يحمل على هذه الاستعارة عند اقتران الدليل ~~بالكلام ومن الدليل ( على ذلك ) أن تكون مذكورة في موضع النفي قال الله ~~تعالى @QB@ ولا تطع منهم آثما أو كفورا @QE@ معناه ولا كفورا والدليل فيه ~~ما قدمنا أن النكرة في ( موضع ) النفي تعم ولا يمكن إثبات التعميم إلا أن ~~يجعل بمعنى واو العطف ولكن على أن يتناول كل واحد منهما على الانفراد لا ~~على الاجتماع كما هو موجب حرف الواو ولهذا قلنا لو قال والله أكلم فلانا أو ~~فلانا فإنه يحنث إذا كلم أحدهما بخلاف قوله فلانا وفلانا فإنه لا يحنث ما ~~لم يكلمهما ولكن يتناول كل واحد ( منهما ) على الانفراد حتى لا يثبت له ~~الخيار ولو كان في الإيلاء بأن قال لا أقرب PageV01P216 هذه أو هذه فمضت ~~المدة بانتا جميعا # ومن ذلك أن يستعمل الكلمة في موضع الإباحة فتكون بمعنى الواو حتى يتناول ~~معنى الإباحة ms216 كل واحد من المذكورين فإن الرجل يقول جالس الفقهاء أو ~~المتكلمين فيفهم ( منه ) الإذن بالمجالسة مع كل واحد من الفريقين والطبيب ~~يقول للمريض كل هذا أو هذا فإنما يفهم منه أن كل واحد منهما صالح لك # وبيان هذا في قوله تعالى @QB@ إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما ~~اختلط بعظم @QE@ فالاستثناء من التحريم إباحة ثم تثبت الإباحة في جميع هذه ~~الأشياء فعرفنا أن موجب هذه الكلمة في الإباحة العموم وأنه بمعنى واو العطف # وبيان الفرق بين الإباحة والإيجاب أن في الإيجاب الامتثال بالإقدام على ~~أحدهما وفي الإباحة تتحقق الموافقة في الإقدام على كل واحد منهما # وعلى هذا قلنا إذا قال لا أكلم أحدا إلا فلانا أو فلانا فإن له أن ~~يكلمهما من غير حنث # ولو قال لأربع نسوة له والله لا أقربكن إلا فلانة أو فلانة فإنه لا يكون ~~موليا منهما جميعا حتى لا يحنث إن قربهما ولا تقع الفرقة بينه وبينهما بمضي ~~المدة قبل القربان # وقد تستعار أو بمعنى حتى قال تعالى @QB@ ليس لك من الأمر شيء أو يتوب ~~عليهم @QE@ أي حتى يتوب عليهم # وفي هذه الاستعارة معنى العطف فإن غاية الشيء تتصل به كما يتصل المعطوف ~~بالمعطوف عليه ولهذا قال في الجامع لو قال والله لأدخلن هذه الدار اليوم أو ~~لأدخلن هذه الدار فأي الدارين دخل بر في يمينه لأنه ذكر الكلمة في موضع ~~الإثبات فيقتضي التخيير في شرط البر # ولو قال لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار ( فأي الدارين دخل حنث ~~في يمينه لأنه ذكرها في موضع النفي فكانت بمعنى ولا # ولو قال والله لا أدخل هذه الدار أو أدخل هذه الدار ) الأخرى فإن دخل ~~الأولى حنث في يمينه وإن دخل الثانية أولا بر في يمينه حتى إذا دخل الأولى ~~بعد ذلك لا يحنث بمنزلة قوله لا أدخل هذه الدار حتى أدخل هذه الدار فكأن ~~الدخول في الأخرى غاية ليمينه فإذا دخلها انتهت اليمين وإن لم يدخلها حتى ~~دخل الأولى حنث لوجود الشرط ms217 في فيه للنفي في أحد الجانبين ويتعذر إثبات ~~معنى العطف لعدم المجانسة بين المذكورين فيجعل بمعنى الغاية لأن حرمة ~~الدخول الثابت باليمين يحتمل الامتداد فيليق به ذكر الغاية كما في قوله ~~تعالى ليس لك حال بقاء اليمين وإنما PageV01P217 جعلناه هكذا لأنه يتعذر ~~اعتبار معنى التخيير @QB@ من الأمر شيء أو يتوب عليهم @QE@ فإنه لا يمكن ~~حمل الكلمة على العطف إذ الفعل لا يعطف على الاسم والمستقبل لا يعطف على ~~الماضي ونفي الأمر يحتمل الامتداد فيجعل قوله @QB@ أو يتوب @QE@ بمعنى ~~الغاية ولأنه نفي الدخول في الدار الأولى فإذا دخل فيها أولا يجعل كأن ~~المذكور آخرا من جنسه نفي فيحنث بالدخول فيها لهذا وأثبت الدخول في الدار ~~الثانية فإذا دخلها أولا يجعل كأن الأخير من جنسه إثبات كما في قوله لأدخلن ~~هذه الدار أو لأدخلن هذه الدار # # | فصل # وأما حتى فهي للغاية باعتبار أصل الوضع بمنزلة إلى هو المعنى الخاص الذي ~~لأجله وضعت الكلمة قال تعالى @QB@ هي حتى مطلع الفجر @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~حتى يعطوا الجزية عن يد @QE@ وقال تعالى @QB@ حتى يأذن لي أبي @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ حتى يأتيك اليقين @QE@ فمتى كان ما قبلها بحيث يحتمل الامتداد ~~وما بعدها يصلح للانتهاء به كانت عاملة في حقيقة الغاية ولهذا قلنا إذا حلف ~~أن يلازم غريمه حتى يقضيه ثم فارقه قبل أن يقضيه دينه حنث لأن الملازمة ~~تحتمل الامتداد وقضاء الدين يصلح منهيا للملازمة # وقال في الزيادات لو قال عبده حر إن لم أضربك حتى تشتكي يدي أو حتى الليل ~~أو حتى تصبح أو حتى يشفع فلان ثم ترك ضربه قبل هذه الأشياء حنث لأن الضرب ~~بطريق التكرار يحتمل الامتداد والمذكور بعد الكلمة صالح للانتهاء فيجعل ~~غاية حقيقة وإذا أقلع عن الضرب قبل الغاية حنث إلا في موضع يغلب على ~~الحقيقة عرف فيعتبر ذلك لأن الثابت بالعرف ظاهرا بمنزلة الحقيقة حتى لو قال ~~إن لم أضربك حتى أقتلك أو حتى تموت فهذا على الضرب الشديد باعتبار العرف ~~فإنه متى كان قصده القتل لا يذكر لفظ الضرب وإنما ms218 يذكر ذلك إذا لم يكن قصده ~~القتل وجعل القتل PageV01P218 غاية لبيان شدة الضرب عادة # ولو قال حتى يغشى عليك أو حتى تبكي فهذا على حقيقة الغاية لأن الضرب إلى ~~هذه الغاية معتاد # وقد تستعمل الكلمة للعطف فإن بين العطف والغاية مناسبة بمعنى التعاقب ~~ولكن مع وجود معنى الغاية فيها # يقول الرجل جاءني القوم حتى زيد ورأيت القوم حتى زيدا فيكون للعطف مع ~~اعتبار معنى الغاية لأنه يفهم بهذا أن زيدا أفضل القوم أو أرذلهم # وقد يدخل بمعنى العطف على جملة فإن ذكر له خبرا فهو خبره وإلا فخبره من ~~جنس ما سبق # يقول الرجل مررت بالقوم حتى زيد غضبان وتقول أكلت السمكة حتى رأسها فهذا ~~مما لم يذكر خبره وهو من جنس ما سبق على احتمال أن يكون هو الأكل أو غيره ~~ولكنه إخبار بأن رأسها مأكول أيضا # ولو قال حتى رأسها بالنصب كان هذا عطفا أي وأكلت رأسها أيضا ولكن باعتبار ~~معنى الغاية # ومثل هذا في الأفعال تكون للجزاء إذا كان ما قبلها يصلح سببا لذلك وما ~~بعدها يصلح أن يكون جزاء فيكون بمعنى لام كي قال تعالى @QB@ وقاتلوهم حتى ~~لا تكون فتنة @QE@ أي لكيلا تكون فتنة وقال تعالى @QB@ وزلزلوا حتى يقول ~~الرسول @QE@ والقراءة بالنصب تحتمل الغاية معناه إلى أن يقول الرسول فيكون ~~قول الرسول نهاية من غير أن يكون بناء على ما سبق كما هو موجب الغاية أنه ~~لا أثر له فيما جعل غاية له ويحتمل لكي يقول الرسول والقراءة بالرفع تكون ~~بمعنى العطف أي ويقول الرسول # وعلى هذا قال في الزيادات إذا قال إن لم آتك غدا حتى تغديني فعبدي حر ~~فأتاه فلم يغده لا يحنث لأن الإتيان ليس بمستدام فلا يحتمل الكلمة بمعنى ~~حقيقة الغاية وما بعده يصلح جزاء فيكون المعنى لكي تغديني فقد جعل شرط بره ~~الإتيان على هذا القصد وقد وجد وكذلك لو قال إن لم تأتني حتى أغديك فأتاه ~~ولم يغده لم يحنث # وقد يستعار للعطف المحض كما أشرنا إليه في القراءة بالرفع ms219 ولكن هذا إذا ~~كان المذكور بعده لا يصلح للجزاء فيعتبر مجرد المناسبة بين العطف والغاية ~~في الاستعارة # وعلى هذا قال في الزيادات إذا قال إن لم آتك حتى أتغدى عندك اليوم أو إن ~~لم تأتني حتى تتغدى عندي اليوم فأتاه ثم لم يتغد عنده في ذلك اليوم حنث لأن ~~الكلمة بمعنى العطف فإن الفعلين من واحد فلا يصلح الثاني أن يكون جزاء ~~للأول فحمل على العطف المحض لتصحيح الكلام وشرط البر وجود الأمرين في اليوم ~~فإذا لم يوجدا حنث # PageV01P219 فإن قيل أهل النحو لا يعرفون هذا فإنهم لا يقولون رأيت زيدا ~~حتى عمرا باعتبار العطف قلنا قد بينا أن في الاستعارات لا يعتبر السماع ~~وإنما يعتبر المعنى الصالح للاستعارة وما أشرنا إليه من المناسبة معنى صالح ~~لذلك فهي استعارة بديعة بنى علماؤنا رحمهم الله جواب المسألة عليها مع أن ~~قول محمد رحمه الله حجة في اللغة فإن أبا عبيد وغيره احتج بقوله وذكر ابن ~~السراج أن المبرد سئل عن معنى الغزالة فقال هي الشمس قاله محمد بن الحسن ~~رحمه الله وكان فصيحا فإنه قال لخادم له يوما انظر هل دلكت الغزالة فخرج ثم ~~دخل فقال لم أر الغزالة # وإنما أراد محمد هل زالت الشمس فعلى هذا يجوز أن يقول الرجل رأيت زيدا ~~حتى عمرا بمعنى العطف إلا أن الأولى أن يجعل هذا بمعنى الفاء دون الواو لأن ~~كل واحد منهما للعطف ولكن في الفاء معنى التعقيب فهو أقرب إلى معنى ~~المناسبة كما بينا # # | فصل # وأما إلى فهي لانتهاء الغاية ولهذا تستعمل الكلمة في الآجال والديون قال ~~تعالى @QB@ إلى أجل مسمى @QE@ وعلى هذا لو قال لامرأته أنت طالق إلى شهر ~~فإن نوى التنجيز في الحال تطلق ويلغو آخر كلامه وإن نوى التأخير يتأخر ~~الوقوع إلى مضي الشهر وإن لم يكن له نية فعلى قول زفر رحمه الله يقع في ~~الحال لأن تأخير الشيء لا يمنع ثبوت أصله ( فيكون بمنزلة التأجيل في الدين ~~لا يمنع ثبوت أصله ) وعندنا لا يقع لأن الكلمة ms220 للتأخير فيما يقرن به ~~باعتبار أصل الوضع وقد قرنها بأصل الطلاق وأصلها يحتمل التأخير في التعليق ~~بمضي شهر أو بالإضافة إلى ما بعد شهر فأما أصل اليمين لا يحتمل التأخير في ~~التعليق والإضافة فلهذا حملنا الكلمة هناك على تأخير المطالبة # ثم من الغايات بهذه الكلمة ما لا يدخل كقوله تعالى @QB@ ثم أتموا الصيام ~~إلى الليل @QE@ ومنها ما يدخل كقوله @QB@ وأيديكم إلى المرافق @QE@ والحاصل ~~فيه أن ما يكون من الغايات قائما بنفسه فإنه لا يدخل لأنه حد ولا يدخل الحد ~~في المحدود ولهذا لو قال لفلان من هذا الحائط إلى هذا كان أصل الكلام ~~متناولا للغاية كان ذكر الغاية لإخراج ما وراءها فيبقى موضع الغاية داخلا ~~كما في قوله تعالى @QB@ وأيديكم إلى المرافق @QE@ الحائط لا يدخل الحائطان ~~في الإقرار PageV01P220 وما لا يكون قائما بنفسه فإن فإن الاسم عند الإطلاق ~~يتناول الجارحة إلى الإبط فذكر الغاية لإخراج ما وراءها وإن كان أصل الكلام ~~لا يتناول موضع الغاية أو فيه شك فذكر الغاية لمد الحكم إلى موضعها فلا ~~تدخل الغاية كما في قوله تعالى @QB@ إلى الليل @QE@ فإن الصوم عبارة عن ~~الإمساك ومطلقه لا يتناول إلا ساعة فذكر الغاية لمد الحكم إلى موضع الغاية ~~ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله الغاية تدخل في الخيار لأن مطلقه يقتضي ~~التأبيد ولأن في لزوم البيع في موضع الغاية شكا وفي الآجال والإجارات لا ~~تدخل الغايات لأن المطلق لا يقتضي التأبيد وفي تأخير المطالبة وتمليك ~~المنفعة في موضع الغاية شك وفي اليمين إذا حلف لا يكلم فلانا إلى وقت كذا ~~تدخل الغاية في رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله لأن مطلقه يقتضي ~~التأبيد فذكر الغاية لإخراج ما وراءها ولا تدخل في ظاهر الرواية لأن في ~~حرمة الكلام ووجوب الكفارة في الكلام في موضع الغاية شكا # وعلى هذا قال زفر رحمه الله إذا قال لفلان علي من درهم إلى عشرة أو قال ~~لامرأته أنت طالق من واحدة إلى ثلاث لا تدخل الغايتان لأن الغاية حد ~~والمحدود غير الحد ms221 # وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تدخل الغايتان لأن هذه الغاية لا تقوم ~~بنفسها فلا تكون غاية ما لم تكن ثانية # وقال أبو حنيفة رحمه الله الغاية الثانية لا تدخل لأن مطلق الكلام لا ~~يتناوله وفي ثبوته شك ولكن الغاية الأولى تدخل للضرورة لأن الثانية داخلة ~~في الكلام ولا تكون ثانية قبل دخول الأولى # # | فصل # وأما على فهو للإلزام باعتبار أصل الوضع لأن معنى حقيقة الكلمة من علو ~~الشيء على الشيء وارتفاعه فوقه وذلك قضية الوجوب واللزوم ولهذا لو قال ~~لفلان علي ألف درهم أن مطلقه محمول على الدين إلا # ثم تستعمل الكلمة للشرط باعتبار أن الجزاء يتعلق بالشرط ويكون لازما عند ~~وجوده # وبيان هذا في قوله تعالى @QB@ يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا @QE@ ~~أن يصل بكلامه وديعة لأن PageV01P221 حقيقته اللزوم في الدين وقال تعالى ~~@QB@ حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق @QE@ وعلى هذا قال في السير ~~إذا قال رأس الحصن آمنوني على عشرة من أهل الحصن إن العشرة سواه والخيار في ~~تعيينهم إليه لأنه شرط ذلك لنفسه بكلمة على بخلاف ما لو قال آمنوني وعشرة ~~أو فعشرة أو ثم عشرة فالخيار في تعيين العشرة إلى من آمنهم لأن المتكلم عطف ~~أمانهم على أمان نفسه من غير أن شرط لنفسه في أمانهم شيئا # وقد تستعار الكلمة بمعنى الباء الذي يصحب الأعواض لما بين العوض والمعوض ~~من اللزوم والاتصال في الوجوب حتى إذا قال بعت منك هذا الشيء على ألف درهم ~~أو آجرتك شهرا على درهم يكون بمعنى الباء لأن البيع والإجارة لا تحتمل ~~التعليق بالشرط فيحمل على هذا المستعار لتصحيح الكلام ولهذا قال أبو يوسف ~~ومحمد رحمهما الله إذا قالت المرأة لزوجها طلقني ثلاثا على ألف درهم فطلقها ~~واحدة يجب ثلث الألف بمنزلة ما لو قالت بألف درهم لأن الخلع عقد معاوضة # و أبو حنيفة رحمه الله يقول لا يجب عليها شيء من الألف ويكون الواقع ~~رجعيا لأن الطلاق يحتمل التعليق بالشرط وإن كان مع ذكر العوض ms222 ولهذا كان ~~بمنزلة اليمين من الزوج حتى لا يملك الرجوع عنه قبل قبولها وحقيقة الكلمة ~~للشرط فإذا كانت مذكورة فيما يحتمل معنى الشرط يحمل عليه دون المجاز وعلى ~~اعتبار الشرط لا يلزمها شيء من المال لأنها شرطت إيقاع الثلاث ليتم رضاها ~~بالتزام المال والشرط يقابل المشروط جملة ولا يقابله أجزاء وقد يكون على ~~بمعنى من قال تعالى @QB@ إذا اكتالوا على الناس يستوفون @QE@ أي من الناس # # | فصل # وكلمة من للتبعيض باعتبار أصل الوضع وقد تكون لابتداء الغاية يقول الرجل ~~خرجت من الكوفة وقد تكون للتمييز يقال باب من حديد وثوب من قطن وقد تكون ~~بمعنى الباء قال تعالى @QB@ يحفظونه من أمر الله @QE@ أي بأمر الله وقد ~~تكون صلة قال تعالى @QB@ يغفر لكم من ذنوبكم @QE@ وقال تعالى @QB@ فاجتنبوا ~~الرجس من الأوثان @QE@ PageV01P222 وفي حمله على الصلة يعتبر تعذر حمله على ~~معنى وضع له باعتبار الحقيقة أو يستعار له مجازا وتعتبر الحاجة إلى إتمام ~~الكلام به لئلا يخرج من أن يكون مفيدا # وعلى هذا قال في الجامع إن كان ما في يدي من الدراهم إلا ثلاثة فإذا في ~~يده أربعة فهو حانث لأن الدرهم الرابع بعض الدراهم وكلمة من للتبعيض # ولو قالت المرأة لزوجها اخلعني على ما في يدي من الدراهم فإذا في يدها ~~درهم أو درهمان تلزمها ثلاثة دراهم لأن من هنا صلة لتصحيح الكلام فإن ~~الكلام لا يصح إلا بها حتى إذا قالت اخلعني على ما في يدي دراهم كان الكلام ~~مختلا وفي الأول لو قال إن كان في يدي دراهم كان الكلام صحيحا فعمل الكلمة ~~في التبعيض لا في تصحيح الكلام # وقد بينا المسائل على هذه الكلمة فيما سبق # # | فصل # وأما في فهي للظرف باعتبار أصل الوضع يقال دراهم في صرة # وعلى اعتبار هذه الحقيقة قلنا إذا قال لغيره غصبتك ثوبا في منديل أو تمرا ~~في قوصرة يلزمه رد كليهما لأنه أقر ( بغصب مظروف في ظرف فلا يتحقق ذلك إلا ~~) بغصبه لهما # ثم الظرف أنواع ثلاثة ظرف الزمان وظرف المكان وظرف ms223 الفعل # فأما ظرف الزمان فبيانه فيما إذا قال لامرأته أنت طالق في غد فإنها تطلق ~~غدا باعتبار أنه جعل الغد ظرفا وصلاحية الزمان ظرفا للطلاق من حيث إنه يقع ~~فيه فتصير موصوفة في ذلك الزمان بأنها طالق فعند الإطلاق كما طلع الفجر ~~تطلق فتتصف بالطلاق في جميع الغد بمنزلة ما لو قال أنت طالق غدا وإن قال ~~نويت آخر النهار لم يصدق عندهما في القضاء كما في قوله غدا لأنه نوى ~~التخصيص فيما يكون موجبه العموم # وعند أبي حنيفة رضي الله عنه يدين في القضاء لأن ذكر حرف الظرف دليل على ~~أن المراد جزء من الغد فالوقوع إنما يكون في جزء ولكن ذلك الجزء مبهم في ~~كلامه فعند عدم النية قلنا كما وجد جزء من الغد تطلق فإذا نوى آخر النهار ~~كان هذا بيانا للمبهم وهو مصدق في بيان مبهم كلامه في القضاء بخلاف قوله ~~غدا فاللفظ هناك PageV01P223 متناول لجميع الغد فنية آخر النهار تكون ~~تخصيصا وعلى هذا لو قال إن صمت الشهر فهو على صوم جميع الشهر ولو قال إن ~~صمت في الشهر فهو على صوم ساعة باعتبار المعنى الذي قلنا # وأما ظرف المكان فبيانه في قوله أنت طالق في الدار أو في الكوفة فإنه يقع ~~الطلاق عليها حيثما تكون لأن المكان لا يصلح ظرفا ( للطلاق ) فإن الطلاق ~~إذا وقع في مكان فهو واقع في الأمكنة كلها وهي إذا اتصفت بالطلاق في مكان ~~تتصف به في الأمكنة كلها إلا أن يقول عنيت إذا دخلت فحينئذ لا يقع الطلاق ~~ما لم تدخل باعتبار أنه كنى بالمكان عن الفعل الموجود فيه أو أضمر الفعل في ~~كلامه فكأنه قال أنت طالق في دخولك الدار وهذا هو ظرف الفعل على معنى أن ~~الفعل لا يصلح ظرفا للطلاق حقيقة ولكن بين الظرف والشرط مناسبة من حيث ~~المقارنة أو من حيث تعلق الجزاء بالشرط بمنزلة قوام المظروف بالظرف فتصير ~~الكلمة بمعنى الشرط مجازا # ثم إن كان الفعل سابقا أو موجودا في الحال يكون تنجيزا وإن ms224 كان منتظرا ~~يتعلق الوقوع بوجوده كما هو حكم الشرط # وعلى هذا لو قال أنت طالق في حيضتك وهي حائض تطلق في الحال وإن قال أنت ~~طالق في مجيء حيضتك فإنها لا تطلق حتى تحيض # وقال في الجامع إذا قال أنت طالق في مجيء يوم لم تطلق حتى يطلع الفجر من ~~الغد ولو قال في مضي يوم فإن قال ذلك بالليل فهي طالق كما غربت الشمس من ~~الغد وإن قال ذلك بالنهار لم تطلق حتى يجيء مثل هذه الساعة من الغد # وعلى هذا قال في السير الكبير إذا قال رأس الحصن آمنوني في عشرة فهو أحد ~~العشرة لأن معنى الظرف في العدد بهذا يتحقق والخيار في التسعة إلى الذي ~~آمنهم لا إليه لأنه ما شرط لنفسه شيئا في أمان من ضمهم إلى نفسه ليكونوا ~~عشرة # ولو قال لفلان علي عشرة دراهم في عشرة تلزمه عشرة لأن العدد لا يصلح ظرفا ~~لمثله بلا شبهة إلا أن يعني حرف مع فإن في يأتي بمعنى مع قال تعالى @QB@ ~~فادخلي في عبادي @QE@ أي مع عبادي فإذا قال ذلك فحينئذ # وكما أن في يكون بمعنى مع يكون بمعنى من قال تعالى @QB@ وارزقوهم فيها ~~@QE@ يلزمه عشرون ولكن PageV01P224 بدون هذه النية لا يلزمه لأن المال ~~بالشك لا يجب أي منها # وكذلك لو قال لامرأته أنت طالق واحدة في واحدة فهي طالق واحدة إلا أن ~~يقول نويت مع فحينئذ تطلق اثنتين دخل بها أم لم يدخل بها وإن قال عنيت ~~الواو فذلك صحيح أيضا على ما هو مذهب أهل النحو أن أكثر حروف الصلات يقام ~~بعضها مقام بعض فعند هذه النية تطلق اثنتين إن كان دخل بها وواحدة إن لم ~~يدخل بها بمنزلة قوله واحدة وواحدة # وقال في الزيادات إذا قال أنت طالق في مشيئة الله أو في إرادته لم تطلق ~~بمنزلة قوله إن شاء الله كما جعل قوله في دخولك الدار بمنزلة قوله إن دخلت ~~الدار إلا في قوله في علم الله فإنها تطلق لأن العلم يستعمل عادة ms225 بمعنى ~~المعلوم يقال علم أبي حنيفة ويقول الرجل اللهم اغفر لنا علمك فينا أي ~~معلومك وعلى هذا المعنى يستحيل جعله بمعنى الشرط # فإن قيل لو قال في قدرة الله لم تطلق وقد تستعمل القدرة بمعنى المقدور ~~فقد يقول من يستعظم شيئا هذه قدرة الله تعالى # قلنا معنى هذا الاستعمال أنه أثر قدرة الله تعالى إلا أنه قد يقام المضاف ~~إليه مقام المضاف ومثله لا يتحقق في العلم # ومن هذا الجنس أسماء الظروف وهي مع وقبل وبعد وعند # فأما مع فهي للمقارنة حقيقة وإن كان قد تستعمل بمعنى بعد قال تعالى @QB@ ~~إن مع العسر يسرا @QE@ وعلى اعتبار حقيقة الوضع قلنا إذا قال لامرأته أنت ~~طالق واحدة مع واحدة تطلق اثنتين سواء دخل بها أو لم يدخل بها وكذلك لو قال ~~معها واحدة لأنهما تقترنان في الوقوع في الوجهين # ولو قال لفلان علي مع كل درهم من هذه الدراهم العشرة درهم فعليه عشرون ~~درهما # وأما قبل فهي للتقديم قال تعالى @QB@ من قبل أن نطمس وجوها @QE@ ولهذا لو ~~قال لامرأته وقت الضحوة أنت طالق قبل غروب الشمس تطلق للحال بخلاف ~~PageV01P225 الملك الذي كان للمورث فإن الوارثة خلافة وقد بينا أن عنده ~~استصحاب الحال فيما يرجع إلى الإبقاء حجة على الغير ولكنا نقول هذا البقاء ~~حق المورث فأما في حق الوارث فصفة المالكية تثبت له ابتداء واستصحاب الحال ~~لا يكون حجة فيه بوجه وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إذا ادعى ~~عينا في يد إنسان أنه له ميراث من أبيه وأقام الشاهدين فشهدا أن هذا كان ~~لأبيه لم تقبل هذه الشهادة وفي قول أبي يوسف الآخر تقبل لأن الوارثة خلافة ~~فإنما يبقى للوارث الملك الذي كان للمورث ولهذا يرد بالعيب ويصير مغرورا ~~فيما اشتراه المورث وما ثبت فهو باق لاستغناء البقاء عن دليل وهما يقولان ~~في حق الوارث هذا في معنى ابتداء التملك لأن صفة المالكية تثبت له في هذا ~~المال بعد أن لم يكن مالكا وإنما يكون البقاء في حق المورث ms226 أن لو حضر بنفسه ~~يدعى أن العين ملكه فلا جرم إذا شهد الشاهدان أنه كان له كانت شهادة مقبولة ~~كما إذا شهدا أنه له فأما إذا كان المدعى هو الوارث وصفة المالكية للوارث ~~تثبت ابتداء بعد موت المورث فهذه الشهادة لا تكون حجة للقضاء بالملك له لأن ~~طريق القضاء بها استصحاب الحال وذلك غير صحيح # | فصل # ومن هذه الجملة الإستدلال بتعارض الأشباه وذلك نحو احتجاج زفر رحمه الله ~~في أنه لا يجب غسل المرافق في الوضوء لأن من الغايات ما يدخل ومنها ما لا ~~يدخل فمع الشك لا تثبت فرضية الغسل فيما هو غاية بالنص لأن هذا في الحقيقة ~~احتجاج بلا دليل لإثبات حكم فإن الشك الذي يدعيه أمر حادث فلا يثبت حدوثه ~~إلا بدليل فإن قال دليله تعارض الأشباه قلنا وتعارض الأشباه أيضا حادث فلا ~~يثبت إلا بالدليل فإن قال الدليل عليه ما أعده من الغايات مما يدخل ~~بالإجماع وما لا يدخل بالإجماع قلنا وهل تعلم أن هذا المتنازع فيه من أحد ~~النوعين بدليل فإن قال أعلم ذلك قلنا فإذن عليك أن لا تشك فيه بل ~~PageV01P226 تلحقه بما هو من نوعه بدليله وإن قال لا أعلم ذلك قلنا قد ~~اعترفت بالجهل فإن كان هذا مما يمكن الوقوف عليه بالطلب فإنما جهلته عن ~~تقصير منك في طلبه وذلك لا يكون حجة أصلا وإن كان مما لا يمكن الوقوف عليه ~~بعد الطلب كنت معذورا في الوقوف فيه ولكن هذا العذر لا يصير حجة لك على ~~غيرك ممن يزعم أنه قد ظهر عنده دليل إلحاقه بأحد النوعين فعرفنا أن حاصل ~~كلامه احتجاج بلا دليل # | فصل # ومن هذه الجملة الاحتجاج بالاطراد على صحة العلة إما وجودا أو وجودا ~~وعدما فإنه احتجاج بلا دليل في الحقيقة ومن حيث الظاهر هو احتجاج بكثرة ~~أداء الشهادة وقد بينا أن كثرة أداء الشهادة وتكرارها من الشاهد لا يكون ~~دليل صحة شهادته ثم الاطراد عبارة عن سلامة الوصف عن النقوض والعوارض ~~والناظر وإن بالغ في الإجتهاد بالعرض على ms227 الأصول المعلومة عنده فالخصم لا ~~يعجز من أن يقول عندي أصل آخر هو مناقض لهذا الوصف أو معارض فجهلك به لا ~~يكون حجة لك على فتبين من هذا الوجه أنه احتجاج بلا دليل ولكنه فوق من تقدم ~~في الإحتجاج به من حيث الظاهر لأن من حيث الظاهر الوصف صالح ويحتمل أن يكون ~~حجة للحكم إذا ظهر أثره عند التأمل ولكن لكونه في الحقيقة استدلالا على ~~صحته بعدم النقوض والعوارض لم يصلح أن يكون حجة لإثبات الحكم # فإن قيل أليس أن النصوص بعد ثبوتها يجب العمل بها واحتمال ورود الناسخ لا ~~يمكن شبهة في الإحتجاج بها قبل أن يظهر الناسخ فكذلك ما تقدم قلنا أما بعد ~~وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا احتمال للنسخ في كل نص كان حكمه ~~ثابتا عند وفاته فأما في حال حياته فهكذا نقول إن الاحتجاج لا يكون صحيحا ~~لأن احتمال بقاء الحكم واحتمال قيام دليل النسخ فيه كان بصفة واحدة وقد ~~قررنا هذا في باب النسخ PageV01P227 مبيعا والمبيع الدين لا يكون إلا سلما ~~وعلى هذا لو قال لعبده إن أخبرتني بقدوم فلان فأنت حر فهذا على الخبر الحق ~~الذي يكون بعد القدوم لأن مفعول الخبر محذوف هنا وقد دل عليه حرف الباء ~~الذي هو للإلصاق كقول القائل بسم الله أي بدأت بسم الله فيكون معنى كلامه ~~إن أخبرتني خبرا ملصقا بقدوم فلان والقدوم اسم لفعل موجود فلا يتناول الخبر ~~بالباطل # ولو قال إن أخبرتني أن فلانا قد قدم فهذا على الخبر حقا كان أو باطلا ~~لأنه لما لم يذكر حرف الباء فالمذكور صالح لأن يكون مفعول الخبر وأن وما ~~بعده مصدر والخبر إنما يكون بكلام لا يفعل فكأنه قال إن أخبرتني بخبر قدوم ~~فلان والخبر اسم لكلام يدل على القدوم ولا يوجد عنده القدوم لا محالة # وعلى هذا قال في الزيادات إذا قال أنت طالق بمشيئة الله أو بإرادته أو ~~بحكمه لم تطلق وكذلك سائر أخواتها لأن الباء للإلصاق فيكون دليلا على معنى ~~الشرط ms228 مفضيا إليه # وعلى هذا قال في الجامع إذا قال لامرأته إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني ~~تحتاج إلى الإذن في كل مرة لأن الباء للإلصاق فإنما جعل المستثنى خروجا ~~ملصقا بالإذن وذلك لا يكون إلا بتجديد الإذن في كل مرة قال تعالى @QB@ وما ~~نتنزل إلا بأمر ربك @QE@ أي مأمورين بذلك # ولو قال إن خرجت إلا أن آذن لك فهذا على الإذن مرة ( واحدة ) لأنه يتعذر ~~الحمل ههنا على الاستثناء لمخالفة الجنس في صيغة الكلام فيحمل على معنى ~~الغاية مجازا لما بينهما من المناسبة وعليه دل قوله تعالى @QB@ إلا أن يحاط ~~بكم @QE@ # @QB@ إلا أن تقطع قلوبهم @QE@ أي حتى # ثم قال الشافعي في قوله تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ إن الباء ~~للتبعيض فإنما يلزمه مسح بعض الرأس وذلك أدنى ما يتناوله الاسم # وقال مالك الباء صلة للتأكيد بمنزلة قوله تعالى @QB@ تنبت بالدهن @QE@ ~~كأنه قال وامسحوا رؤوسكم فيلزمه مسح جميع الرأس # وقلنا أما التبعيض فلا وجه له لأن الموضوع للتبعيض حرف من والتكرار ~~والاشتراك لا يثبت بأصل الوضع ولا وجه لحمله على الصلة لما فيه من معنى ~~الإلغاء أو الحمل على غير فائدة مقصودة PageV01P228 وهي التوكيد # ولكنا نقول الباء للإلصاق باعتبار أصل الوضع فإذا قرنت بآلة المسح يتعدى ~~الفعل بها إلى محل المسح فيتناول جميعه كما يقول الرجل مسحت الحائط بيدي ~~ومسحت رأس اليتيم بيدي فيتناول كله وإذا قرنت بمحل المسح يتعدى الفعل بها ~~إلى الآلة فلا تقتضي الاستيعاب وإنما تقتضي إلصاق الآلة بالمحل وذلك لا ~~يستوعب الكل عادة ثم أكثر الآلة ينزل منزلة الكمال فيتأدى المسح بإلصاق ~~ثلاثة أصابع بمحل المسح ومعنى التبعيض إنما يثبت بهذا الطريق لا بحرف الباء # فإن قيل أليس أن في التيمم حكم المسح ثبت بقوله تعالى @QB@ فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه @QE@ ثم الاستيعاب فيه شرط قلنا أما على رواية الحسن ~~عن أبي حنيفة رحمه الله فإنه لا يشترط فيه الاستيعاب لهذا المعنى وأما على ~~ظاهر الرواية فإنما عرفنا الاستيعاب هناك إما بإشارة الكتاب وهو أن الله ~~تعالى أقام التيمم ms229 في هذين العضوين مقام الغسل عند تعذر الغسل والاستيعاب ~~في الغسل فرض بالنص فكذلك فيما قام مقامه أو عرفنا ذلك بالسنة وهو قوله ~~عليه السلام لعمار رضي الله عنه يكفيك ضربتان ضربة للوجه وضربة للذراعين # ومن هذا الفصل حروف القسم والأصل فيها باعتبار الوضع الباء حتى يستقيم ~~استعمالها مع إظهار الفعل ومع إضماره فإن الباء للإلصاق وهي تدل على محذوف ~~كما بينا وقول الرجل بالله بمعنى أقسم ( أو أحلف ) بالله كما قال تعالى ~~@QB@ يحلفون بالله ما قالوا @QE@ وكذلك يستقيم وصلها بسائر الأسماء والصفات ~~وبغير الله إذا حلف به مع التصريح بالاسم أو الكناية عنه بأن يقول بأبي أو ~~بك لأفعلن أو به لأفعلن فيصح استعماله في جميع هذه الوجوه لمقصود القسم ~~باعتبار أصل الوضع # ثم قد تستعار الواو مكان الباء في صلة القسم لما بينهما من المناسبة صورة ~~ومعنى # أما الصورة فلأن خروج كل واحد منهما من المخرج الصحيح بضم الشفتين وأما ~~المعنى فلأن في العطف إلصاق المعطوف بالمعطوف عليه وحرف الباء للإلصاق إلا ~~أن الواو تستعمل في المضمر ( دون المظهر لا يقال أحلف والله لأنه يشبه ~~قسمين PageV01P229 لأن قوله والله وحده قسم ظاهرا وكذا أحلف أو أقسم بخلاف ~~قوله أحلف بالله فالباء لصلة الفعل دون المضمر لأن هذا الإستعمال لتوسعة ~~صلة القسم لا لمعنى الإلصاق فلو استعمل فيهما كان مستعارا عاما ولا حاجة ~~إلى ذلك وإنما الحاجة إلى الإستعارة لصلة القسم حتى يشبه قسمين ولهذا لا ~~يستعمل مع الكناية نحو الكاف والهاء ومع الأسم الصريح يستعمل في جميع ~~الأسماء والصفات نحو قوله والرحمن والرب # ثم التاء تستعمل أيضا في صلة القسم قال تعالى @QB@ وتالله لأكيدن أصنامكم ~~@QE@ وهذا لما بين حرف التاء والواو من المناسبة فإنهما من حروف الزوائد في ~~كلام العرب يقام أحدهما مقام الآخر في التراث مع الوراث والتورية والوورية ~~وما أشبه ذلك ولما كان المقصود بهذا الإستعمال توسعة صلة القسم لشدة الحاجة ~~إلى ذلك خاصة كان التاء أخص من الواو لمكان أن الواو مستعار ليس بأصل في ms230 ~~صلة القسم ولهذا يختص باسم الله حتى لا يستقيم أن يقول تالرحمن كما يستقيم ~~والرحمن ومع حذف هذه الصلات يستقيم القسم أيضا لاعتبار معنى التخفيف ~~والتوسعه حتى إذا قال الله يكون يمينا ولكن المذهب عند نحويى البصرة الذكر ~~بالنصب وعند نحويى الكوفة بالخفض وهو الأظهر عند الفقهاء # ومما هو موضوع بمعنى القسم قوله وأيم الله إلا أن المذهب عند نحويى ~~الكوفة أن معناه أيمن وهو جمع يمين ومنه قول القائل : % فقالت يمين الله ~~مالك حيلة % وما إن أرى عنك الغواية تنجلى % $ وعند نحويى البصرة هذه كلمة ~~موضوعة في صلات القسم لا اشتقاق لها نحو صه ومه والهمزة فيها للوصل ألا ترى ~~أنها تسقط إذا نقدمها حرف بمنزلة سائر حروف الوصل ولو كانت لبناء صيغة ~~الجمع لم تسقط إذا تقدمها حرف ومما يؤدى إلى معنى القسم قوله لعمر الله قال ~~تعالى @QB@ لعمرك @QE@ واللام PageV01P230 للإبتداء وعمر بمعنى البقاء ~~فيكون المعنى لبقاء الله والبقاء من صفات الله تعالى فيكون هو بهذا اللفظ ~~مصرحا بما هو مقصود القسم فيجعل قسما بمنزلة قوله والله الباقى ألا ترى أنه ~~لو قال لغيره جعلت لك هذت العبد ملكا بألف درهم كان بيما لتصريحه بما هو ~~مقصود البيع ويجعل ذلك بمنزلة التصريح بلفظ البيع # ومن ذلك حروف الشرط وهى إن وإذا وإذا ما ومتى ومتى ما وكلما ومن وما ~~وباعتبار أصل الوضع حرف الشرط على الخلوص إن فإنه ليس فيها معنى الوقت ~~وإنما يتعقبها الفعل دون الأسم وهى علامة الشرط فالشرط فعل منتظر في ~~المستقبل هو على خطر الوجود يقصد نفيه أو إثباته ألا ترى أنه يستقيم أن ~~يقول إن زرتنى أكرمتك وإن أعطيتنى كافيتك ولا يستقيم أن يقول إن جاء غدا ~~أكرمتك لأنه ليس في مجىء الغد معنى الخطر ولا يتعقب الكلمة اسم لأن معنى ~~الخطر في الأسماء لا يتحقق # فإن قيل لا كذلك فقد قال الله تعالى @QB@ إن امرؤ هلك ليس له ولد @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا @QE@ قلنا ذلك على معنى ~~التقديم ms231 والتأخير أى إن هلك امرؤ وإن خافت امرأة فإن أهل اللغة مجمعون على ~~أن الذى يتعقب حرف الشرط الفعل دون الأسم وعلى هذا قلنا إذا قال لامرأته إن ~~لم أطلقك فأنت طالق إنها لا تطلق حتى يموت الزوج لأنه جعل الشرط انعدام فعل ~~التطليق منه وذلك لا يتيقن به ما دام حيا وإن ماتت المرأة في إحدى ~~الروايتين تطلق أيضا قبل أن تموت بلا فصل لأن فعل التطليق لا يتحقق بدون ~~المحل وبفوات المحل يتحقق الشرط وفي الرواية الأخرى لا تطلق لأنها ما لم ~~تمت بفعل التطليق يتحقق من الزوج وبعد موتها لا يقع الطلاق عليها بخلاف ~~الزوج فإنه كما أشرف على الهلاك فقد وقع اليأس عن فعل التطليق منه ثم حكم ~~الشرط امتناع ثبوت الحكم بالعلة أصلا مالم يبطل التعليق بوجود الشرط وأمثله ~~هذا في مسائل الفقه كثيرة # وأما إذا فعلى قول نحويى الكوفة تستعمل هى للوقت تارة وللشرط تارة ~~PageV01P231 فيجازي بها مرة إذا أريد بها الشرط ولا يجازي بها مرة إذا أريد ~~بها الوقت وإذا استعملت للشرط لم يكن فيها معنى الوقت وهذا قول أبي حنيفة ~~وعلى قول نحويي البصرة هي للوقت باعتبار أصل الوضع وإن استعملت للشرط فهي ~~لا تخلو عن معنى الوقت بمنزلة متى فإنها للوقت وإن كان قد يجازي بها فإن ~~المجازاة بها لازمة في غير موضع الاستفهام والمجازاة بإذا جائزة غير لازمة ~~وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله # وبيان المسألة ما إذا قال إذا لم أطلقك فأنت طالق أو إذا ما لم أطلقك فإن ~~عنى بها الوقت تطلق في الحال وإن عنى الشرط لم تطلق حتى تموت وإن لم تكن له ~~نية فعلى قول أبي حنيفة لا تطلق حتى يموت وعلى قولهما تطلق في الحال قالا ~~إن إذا تستعمل للوقت غالبا وتقرن بما ليس فيه معنى الخطر فإنه يقال الرطب ~~إذا اشتد الحر والبرد إذا جاء الشتاء ولا يستقيم مكانها إن قال تعالى @QB@ ~~إذا الشمس كورت @QE@ و @QB@ إذا السماء انفطرت @QE@ وذلك كائن لا ms232 محالة ~~فعرفنا أنه لا ينفك عن معنى الوقت استعمالا # وتستعمل في جواب الشرط قال تعالى @QB@ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~إذا هم يقنطون @QE@ وما يستعمل في المجازاة لا يكون محض الشرط فعرفنا أنها ~~بمعنى متى فإنها لا تنفك عن معنى الوقت وإن كان المجازاة بها ألزم من ~~المجازاة بإذا # وإذا ثبت هذا قلنا قد أضاف الطلاق إلى وقت في المستقبل هو خال عن إيقاع ~~الطلاق فيه عليها وكما سكت فقد وجد ذلك الوقت فتطلق ألا ترى أنه لو قال ~~لامرأته إذا شئت فأنت طالق لم تتوقت المشيئة بالمجلس بمنزلة قوله متى شئت ~~بخلاف قوله إن شئت وأبو حنيفة رحمه الله اعتمد ما قال أهل الكوفة إن إذا قد ~~تستعمل بمحض الشرط واستدل عليه الفراء بقول القائل استغن ما أغناك ربك ~~بالغنى وإذا تصبك خصاصة فتحمل معناه إن تصبك خصاصة فإن حمل على معنى الشرط ~~لم يقع الطلاق حتى يموت PageV01P232 وإن حمل على معنى الوقت وقع الطلاق في ~~الحال والطلاق بالشك لا يقع # وعلى هذا قلنا في قوله إذا شئت إنه لا يتوقت بالمجلس لأن المشيئة صارت ~~إليها بيقين فلو جعلنا الكلمة بمنزلة إن خرج الأمر من يدها بالقيام ولو ~~جعلناها بمنزلة متى لم يخرج الأمر من يدها بالشك # وأما متى فهي للوقت باعتبار أصل الوضع ولكن لما كان الفعل يليها دون ~~الاسم جعلناها في معنى الشرط ولهذا صح المجازاة بها غير أنها لا تنفك عن ~~معنى الوقت بحال فإذا قال لامرأته متى لم أطلقك فأنت طالق أو متى ما لم ~~أطلقك فأنت طالق طلقت كما سكت لوجود وقت بعد كلامه لم يطلقها فيه ولهذا لم ~~نذكر في حروف الشرط كلمة كل لأن الاسم يليها دون الفعل فإنها تجمع الأسماء ~~ويستقيم أن يقال كل رجل ولا يستقيم أن يقال كل دخل وفيها معنى الشرط ~~باعتبار أن الاسم الذي يتعقبها يوصف بفعل لا محالة ليتم كل الكلام وذلك ~~الفعل يصير في معنى الشرط حتى لا ينزل الجزاء إلا بوجوده # بيانه فيما ms233 إذا قال كل امرأة أتزوجها وكل عبد أشتريه وذكرنا في حروف ~~الشرط كلمة كلما لأن الفعل يتعقبها دون الاسم # يقال كلما دخل وكلما خرج ولا يقال كلما زيد # وقد قدمنا الكلام في بيان كلما ومن وما # ومما هو في معنى الشرط لو على ما يروى عن أبي يوسف أنه إذا قال لامرأته ~~أنت طالق لو دخلت الدار لم تطلق ما لم تدخل كقوله إن دخلت لأن لو تفيد معنى ~~الترقب فيما يقرن به مما يكون في المستقبل فكان بمعنى الشرط من هذا الوجه # ولو قال أنت طالق لو حسن خلقك عسى أن أراجعك تطلق في الحال لأن لو هنا ~~إنما تقرن بالمراجعة التي تترقب في المستقبل فتخلو كلمة الإيقاع عن معنى ~~الشرط # وأما لولا فهي بمعنى الاستثناء لأنها تستعمل لنفي شيء بوجود غيره قال ~~تعالى @QB@ ولولا رهطك لرجمناك @QE@ وعلى هذا قال محمد رحمه الله في قوله ~~أنت طالق لولا دخولك الدار إنها لا تطلق وتجعل هذه الكلمة بمعنى الاستثناء ~~ذكره الكرخي رحمه الله في المختصر PageV01P233 وبالأخرى إلى فروع أخر فلا ~~يكون انعدام العلة مع بقاء الحكم في موضع ثابتا بالعلة الأخرى دليل فساد ~~العلة # فأما المفارقة فمن الناس من ظن أنها مفاقهة ولعمري المفارقة مفاقهة ولكن ~~في غير هذا الموضع فأما على وجه الاعتراض على العلل المؤثرة تكون مجادلة لا ~~فائدة فيها في موضع النزاع # وبيان هذا من وجوه ثلاثة أحدها أن شرط صحة القياس لتعدية الحكم إلى ~~الفروع تعليل الأصل ببعض أوصافه لا بجميع أوصافه وقد بينا أنه متى كان ~~التعليل بجميع أوصاف الأصل لا يكون مقايسة فبيان المفارقة بين الأصل والفرع ~~بذكر وصف آخر لا يوجد ذلك في الفرع ويرجع إلى بيان صحة المقايسة فأما أن ~~يكون ذلك اعتراضا على العلة فلا # ثم ذكر وصف آخر في الأصل يكون ابتداء دعوى والسائل جاهل مسترشد في موقف ~~المنكر إلى أن تتبين له الحجة لا في موضع الدعوى وإن اشتغل بإثبات دعواه ~~فذلك لا يكون سعيا في إثبات الحكم المقصود ms234 وإنما يكون سعيا في إثبات الحكم ~~في الأصل وهو مفروغ عنه ولا يتصل ما يثبته بالفرع إلا من حيث إنه ينعدم ذلك ~~المعنى في الفرع وبالعدم لا يثبت الاتصال وقد بينا أن العدم لا يصلح أن ~~يكون موجبا شيئا فكان هذا منه اشتغالا بما لا فائدة فيه # والثالث ما بينا أن الحكم في الأصل يجوز أن يكون معلولا بعلتين ثم يتعدى ~~الحكم إلى بعض الفروع بإحدى العلتين دون الأخرى فبان انعدام في الفرع الوصف ~~الذي يروم به السائل الفرق وإن سلم له أنه علة لإثبات الحكم في الأصل فذلك ~~لا يمنع المجيب من أن يعدي حكم الأصل إلى الفرع بالوصف الذي يدعيه أنه علة ~~للحكم وما لا يكون قدحا في كلام المجيب فاشتغال السائل به يكون اشتغالا بما ~~لا يفيد وإنما المفاقهة في الممانعة حتى يبين المجيب تأثير علته فالفقه ~~حكمة باطنة وما يكون مؤثرا في إثبات الحكم شرعا فهو الحكمة الباطنة ~~والمطالبة به تكون مفاقهة PageV01P234 فأما الإعراض عنه والاشتغال بالفرق ~~يكون قبولا لما فيه احتمال أن لا يكون حجة لإثبات الحكم واشتغالا بإثبات ~~الحكم بما ليس بحجة أصلا في موضع النزاع وهو عدم العلة فتبين أن هذا ليس من ~~المفاقهة في شيء والله أعلم # # | فصل الممانعة # قال رضي الله عنه اعلم بأن الممانعة أصل الاعتراض على العلة المؤثرة من ~~حيث إن الخصم المجيب يدعي أن حكم الحادثة ما أجاب به فإذا لم يسلم له ذلك ~~يذكر وصفا يدعي أنه علة موجبة للحكم في الأصل المجمع عليه وأن هذا الفرع ~~نظير ذلك الأصل فيتعدى ذلك الحكم بهذا الوصف إلى الفرع وفي هذا الحكم ~~دعويان فهو أظهر في الدعوى من الأول أي حكم الحادثة وإن كانت المناظرة لا ~~تتحقق إلا بمنع دعوى السابق عرفنا أنها لا تتحقق إلا بمنع هذه الدعاوى أيضا ~~فيكون هو محتاجا إلى إثبات دعاويه بالحجة والسائل منكر فليس عليه سوى ~~المطالبة لإقامة الحجة بمنزلة المنكر في باب الدعاوى والخصومات وإليه أشار ~~صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم ms235 حيث قال للمدعي ( ألك بينة ) وبالممانعة ~~يتبين العوارض ويظهر المدعي من المنكر والملزم من الدافع بعدما ثبت شرعا أن ~~حجة أحدهما غير حجة الآخر # ثم الممانعة على أربعة أوجه ممانعة في نفس العلة وممانعة في الوصف الذي ~~يذكر العلل أنه علة وممانعة في شرط صحة العلة أنه موجود في ذلك الوصف ~~وممانعة في المعنى الذي به صار ذلك الوصف علة للحكم # أما الممانعة في نفس العلة فكما بينا أن كثيرا من العلل إذا تأملت فيها ~~تكون احتجاجا بلا دليل وذلك لا يكون حجة على الخصم الإثبات + + + + + + + + ~~+ + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + ~~+ + + + + + + + + + + + + + + + + + + + PageV01P235 # & باب بيان الأحكام الثابتة بظاهر النص دون القياس والرأي & قال رضي الله ~~عنه هذه الأحكام تنقسم أربعة أقسام الثابت بعبارة النص والثابت بإشارته ~~والثابت بدلالته والثابت بمقتضاه # فأما الثابت بالعبارة فهو ما كان السياق لأجله ويعلم قبل التأمل أن ظاهر ~~النص متناول له والثابت بالإشارة ما لم يكن السياق لأجله لكنه يعلم بالتأمل ~~في معنى اللفظ من غير زيادة فيه ولا نقصان وبه تتم البلاغة ويظهر الإعجاز # ونظير ذلك من المحسوس أن ينظر الإنسان إلى شخص هو مقبل عليه ويدرك آخرين ~~بلحظات بصره يمنة ويسرة وإن كان قصده رؤية المقبل إليه فقط ومن رمى سهما ~~إلى صيد فربما يصيب الصيدين بزيادة حذقه في ذلك للعمل فإصابته الذي قصد ~~منهما موافق للعادة وإصابة الآخر فضل على ما هو العادة حصل بزيادة حذقه ~~ومعلوم أنه يكون مباشرا فعل الاصطياد فيهما فكذلك هنا الحكم الثابت ~~بالإشارة والعبارة كل واحد منهما يكون ثابتا بالنص وإن كان عند التعارض قد ~~يظهر بين الحكمين تفاوت كما نبينه # وبيان هذين النوعين في قوله تعالى @QB@ للفقراء المهاجرين @QE@ فالثابت ~~بالعبارة في هذه الآية نصيب من الفيء لهم لأن سياق الآية لذلك كما قال ~~تعالى في أول الآية @QB@ ما أفاء الله على رسوله @QE@ الآية والثابت ~~بالإشارة أن الذين هاجروا من مكة قد زالت أملاكهم عما خلفوا بمكة لاستيلاء ~~الكفار عليها فإن الله تعالى سماهم فقراء والفقير حقيقة من لا يملك المال ~~لا من بعدت ms236 يده عن المال لأن الفقر ضد الغنى والغني من يملك حقيقة المال لا ~~من قربت يده من المال حتى لا يكون المكاتب غنيا حقيقة وإن كان في يده أموال ~~وابن السبيل غني حقيقة وإن بعدت يده عن المال لقيام ملكه ومطلق الكلام ~~محمول على حقيقته وهذا حكم ثابت بصيغة الكلام من غير زيادة ولا نقصان ~~فعرفنا أنه ثابت بإشارة النص ولكن لما كان لا يتبين ذلك إلا بالتأمل اختلف ~~العلماء فيه لاختلافهم في التأمل ولهذا قيل الإشارة من العبارة بمنزلة ~~الكناية للعلم قطعا بمنزلة الثابت بالعبارة ومنه ما لا يكون موجبا للعلم ~~وذلك عند اشتراك معنى الحقيقة والمجاز في الاحتمال مرادا بالكلام # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا @QE@ فالثابت بالعبارة ~~والتعريض من التصريح أو بمنزلة المشكل من الواضح فمنه ما يكون PageV01P236 ~~موجبا ظهور المنة للوالدة على الولد لأن السياق يدل على ذلك والثابت ~~بالإشارة أن أدنى مدة الحمل ستة أشهر فقد ثبت بنص آخر أن مدة الفصال حولان ~~كما قال تعالى @QB@ وفصاله في عامين @QE@ فإنما يبقى للحمل ستة أشهر ولهذا ~~خفي ذلك على أكثر الصحابة رضي الله عنهم واختص بفهمه ابن عباس رضي الله ~~عنهما فلما ذكر لهم ذلك قبلوا منه واستحسنوا قوله # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف @QE@ ~~فالثابت بالعبارة وجوب نفقتها على الوالد فإن السياق لذلك والثابت بالإشارة ~~أحكام منها أن نسبة الولد إلى الأب لأنه أضاف الولد إليه بحرف اللام فقال ~~@QB@ وعلى المولود له @QE@ فيكون دليلا على أنه هو المختص بالنسبة إليه وهو ~~دليل على أن للأب تأويلا في نفس الولد وماله فإن الإضافة بحرف اللام دليل ~~الملك كما يضاف العبد إلى سيده فيقال هذا العبد لفلان وإلى ذلك أشار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بقوله أنت ومالك لأبيك ولثبوت التأويل له في نفسه ~~وماله قلنا لا يستوجب العقوبة بإتلاف نفسه ولا يحد بوطء جاريته وإن علم ~~حرمتها عليه والمسائل على هذا كثيرة وهو دليل أيضا على أن الأب لا ms237 يشاركه ~~في النفقة على الولد غيره لأنه هو المختص بالإضافة إليه والنفقة تبتني على ~~هذه الإضافة كما وقعت الإشارة إليه في الآية بمنزلة نفقة العبد فهي إنما ~~تجب على سيده لا يشاركه غيره فيها وفيه دليل أيضا على أن استئجار الأم على ~~الإرضاع في حال قيام النكاح بينهما لا يجوز لأنه جعل النفقة لها عليه ~~باعتبار عمل الإرضاع بقوله تعالى @QB@ والوالدات يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين @QE@ فلا يستوجب بدلين باعتبار عمل واحد وهو دليل أيضا على ما يستحق ~~بعمل الإرضاع من النفقة والكسوة لا يشترط فيه إعلام الجنس والقدر وإنما ~~يعتبر فيه المعروف فيكون دليلا لأبي حنيفة رحمه الله في جواز استئجار الظئر ~~بطعامها وكسوتها + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + ~~+ + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + ~~+ + # PageV01P237 # | فصل القلب والعكس # قال رضي الله عنه تفسير القلب لغة جعل أعلى الشيء أسفله وأسفله أعلاه # من قول القائل قلبت الإناء إذا نكسه أو هو جعل بطن الشيء ظهرا والظهر ~~بطنا # من قول القائل قلبت الجراب إذا جعل باطنه ظاهرا وظاهره باطنا وقلبت الأمر ~~إذا جعله ظهرا لبطن # وقلب العلة على هذين الوجهين # وهو نوعان أحدهما جعل المعلول علة والعلة معلولا وهذا مبطل للعلة لأن ~~العلة هي الموجبة شرعا والمعلول هو الحكم الواجب به فيكون فرعا وتبعا للعلة ~~وإذا جعل التبع أصلا والأصل تبعا كان ذلك دليل بطلان العلة # وبيانه فيما قال الشافعي في الذمي إنه يجب عليه الرجم لأنه من جنس من ~~يجلد بكره مائة فيرجم ثيبه كالمسلم # فيقلب عليه فنقول في الأصل إنما يجلد بكره لأنه يرجم ثيبه فيكون ذلك قلبا ~~مبطلا لعلته باعتبار أن ما جعل فرعا صار أصلا وما جعله أصلا صار تبعا # وكذلك قوله القراءة ركن يتكرر فرضا في الأوليين فيتكرر أيضا فرضا في ~~الأخريين كالركوع # وهذا النوع من القلب إنما يتأتى عند التعليل بحكم لحكم فأما إذا كان ~~التعليل بوصف لا يرد عليه هذا القلب إذ الوصف لا يكون حكما شرعيا يثبت بحكم ~~آخر # وطريق المخلص عن هذا القلب أن لا يذكر هذا على سبيل التعليل بل على سبيل ~~الاستدلال ms238 بأحد الحكمين على الآخر فإن الاستدلال بحكم على حكم طريق السلف ~~في الحوادث روينا ذلك عن النبي عليه السلام وعن الصحابة رضي الله عنهم ولكن ~~شرط هذا الاستدلال أن يثبت أنهما نظيران متساويان فيدل كل واحد منهما على ~~صاحبه هذا على ذاك في حال وذاك على هذا في حال بمنزلة التوأم فإنه يثبت ~~حرية الأصل لأحدهما أيهما كان بثبوته للآخر ويثبت الرق في أيهما كان بثبوته ~~للآخر وذلك نحو ما يقوله علماؤنا رحمهم الله # وبيانه فيما قال علماؤنا إن الصوم عبادة تلزم بالنذر فتلزم بالشروع كالحج ~~فلا يستقيم قلبهم علينا لأن الحج إنما يلزم بالنذر لأنه يلزم بالشروع ~~PageV01P238 لأنا نستدل بأحد الحكمين على الآخر بعد ثبوت المساواة بينهما ~~من حيث إن المقصود بكل واحد منهما تحصيل عبادة زائدة هي محض حق الله تعالى ~~على وجه يكون المعنى فيها لازما والرجوع عنها بعد الأداء حرام وإبطالها بعد ~~الصحة جناية فبعد ثبوت المساواة بينهما يجعل هذا دليلا على ذاك تارة وذاك ~~على هذا تارة # وكذلك قولنا في الثيب الصغيرة من يكون موليا عليه في ماله تصرفا يكون ~~موليا عليه في نفسه تصرفا كالبكر وفي البكر البالغة من لا يكون موليا عليه ~~في ماله تصرفا لا يكون موليا عليه في نفسه تصرفا كالرجل يكون استدلالا ~~صحيحا بأحد الحكمين على الآخر إذ المساواة قد تثبت بين التصرفين من حيث إن ~~ثبوت الولاية في كل واحد منهما باعتبار حاجة المولى عليه وعجزه عن التصرف ~~بنفسه فلا يستقيم قلبهم إذا ذكرنا هذا على وجه الاستدلال لأن جواز ~~الاستدلال بكل واحد منهما على الآخر يدل على قوة المشابهة والمساواة وهو ~~المقصود بالاستدلال بخلاف ما علل به الشافعي فإنه لا مساواة بين الجلد ~~والرجم أما من حيث الذات فالرجم عقوبة غليظة تأتي على النفس والجلد لا ومن ~~حيث الشرط الرجم يستدعي من الشرائط ما لا يستدعي عليه الجلد كالثيوبة # وكذلك لا مساواة بين ركن القراءة وبين الركوع فإن الركوع فعل هو أصل في ~~الركعة والقراءة ذكر هو زائد ms239 حتى إن العاجز عن الأذكار القادر على الأفعال ~~يؤدي الصلاة والعاجز عن الأفعال القادر على الأذكار لا يؤديها ويسقط ركن ~~القراءة بالاقتداء عندنا وعند خوف فوت الركعة بالاتفاق ولا يسقط ركن الركوع # وكذلك لا مساواة بين الشفع الثاني والشفع الأول في القراءة فإنه يسقط في ~~الشفع الثاني شطر ما كان مشروعا في الشفع الأول وهو قراءة السورة والوصف ~~المشروع فيه في الشفع الأول وهو الجهر بالقراءة ومع انعدام المساواة لا ~~يمكن الاستدلال بأحدهما على الآخر والقلب يبطل التعليل على وجه المقايسة # والنوع الثاني من القلب هو جعل الظاهر باطنا بأن يجعل الوصف الذي + + + + ~~+ + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + ~~+ + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + + PageV01P239 في المصروف إليه ~~وهي المسكنة وجعل الواجب فعل الإطعام فيكون ذلك دليلا على أنه مشروع ~~لاعتبار حاجة المحل ثم هذه الحاجة تتجدد بتجدد الأيام فجعلنا المسكين ~~الواحد في عشرة أيام بمنزلة عشرة مساكين في جواز الصرف إليه ولهذا لم نجوز ~~صرف جميع الكفارة إلى مسكين واحد دفعة واحدة # فإن قيل فقد جوزتم صرف الكسوة أيضا إلى مسكين واحد في عشرة أيام والحاجة ~~إلى الكسوة لا تتجدد ( في ) كل يوم وإنما ذلك في كل ستة أشهر أو أكثر # قلنا قد بينا أن التكفير في الكسوة يحصل بالتمليك والحاجة التي تكون ~~باعتبار التمليك لا نهاية لها فتجعل متجددة حكما بتجدد الأيام ولهذا قال ~~بعض مشايخنا إذا فرق الإطعام في يوم واحد يجوز أيضا وإن أدى الكل مسكينا ~~واحدا لأن تجدد الحاجة بتجدد الوقت معلوم وحقيقتها يتعذر الوقوف عليه فيجعل ~~باعتبار كل ساعة كأن الحاجة متجددة حكما ولكن هذا في التمليك فأما في ~~التمكين لا يتحقق هذا وأكثرهم على أن في الكسوة يعتبر هذا المعنى الحكمي ~~فأما في الطعام يعتبر بتجدد الأيام لأن المنصوص عليه الإطعام وحقيقته في ~~التمكين من الطعام ومعنى تجدد الحاجة إلى ذلك لا يتحقق إلا بتجدد الأيام # ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم ~~فالثابت بالعبارة وجوب أداء صدقة الفطر في يوم العيد إلى الفقير والسياق ~~لذلك والثابت بالإشارة ms240 أحكام منها أنها لا تجب إلا على الغني لأن الإغناء ~~إنما يتحقق من الغني ومنها أن الواجب الصرف إلى المحتاج لأن إغناء الغني لا ~~يتحقق وإنما يتحقق إغناء المحتاج ومنها أنه ينبغي أن يعجل أداءها قبل ~~الخروج إلى المصلى ليستغني عن المسألة ويحضر المصلي فارغ القلب من قوت ~~العيال فلا يحتاج إلى السؤال ولهذا قال أبو يوسف لا يجوز صرفها إلا إلى ~~فقراء المسلمين ففي قوله ( في مثل هذا اليوم ) إشارة إلى ذلك يعني أنه يوم ~~عيد للفقراء والأغنياء جميعا وإنما يتم ذلك للفقراء إذا استغنوا عن السؤال ~~فيه # وقال أبو حنيفة ومحمد رضي الله عنهما هو كذلك ولكن في هذا إشارة إلى ~~الندب أن الأولى أن يصرفه إلى فقراء المسلمين كما أن PageV01P240 الأولى أن ~~يعجل أداءها قبل الصلاة وإن كان التأخير جائزا ومنها أن وجوب الأداء يتعلق ~~بطلوع الفجر لأن اليوم اسم للوقت من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وإنما يغنيه ~~عن المسألة في ذلك اليوم أداء فيه ومنها أنه يتأدى الواجب بمطلق المال لأنه ~~اعتبر الإغناء وذلك يحصل بالمال المطلق وربما يكون حصوله بالنقد أتم من ~~حصوله بالحنطة والشعير والتمر ومنها أن الأولى أن يصرف صدقته إلى مسكين ~~واحد لأن الإغناء بذلك يحصل وإذا فرقها على المساكين كان هذا في الإغناء ~~دون الأول وما كان أكمل فيما هو المنصوص عليه فهو أفضل فهذه أحكام عرفناها ~~بإشارة النص وهو معنى جوامع الكلم الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارا هذا مثال بيان الثابت بعبارة النص ~~وإشارته من الكتاب والسنة # فأما الثابت بدلالة النص فهو ما ثبت بمعنى النظم لغة لا استنباطا بالرأي ~~لأن للنظم صورة معلومة ومعنى هو المقصود به فالألفاظ مطلوبة للمعاني وثبوت ~~الحكم بالمعنى المطلوب باللفظ بمنزلة الضرب له صورة معلومة ومعنى هو ~~المطلوب به وهو الإيلام ثم ثبوت الحكم بوجود الموجب له فكما أن في المسمى ~~الخاص ثبوت الحكم باعتبار المعنى المعلوم بالنظم لغة فكذلك في المسمى الخاص ~~الذي ms241 هو غير منصوص عليه يثبت الحكم بذلك المعنى ويسمى ذلك دلالة النص فمن ~~حيث إن الحكم غير ثابت فيه بتناول صورة النص إياه لم يكن ثابتا بعبارة النص ~~ومن حيث إنه ثابت بالمعنى المعلوم بالنص لغة كان دلالة النص ولم يكن قياسا ~~فالقياس معنى يستنبطه بالرأي مما ظهر له أثر في الشرع ليتعدى به الحكم إلى ~~ما لا نص فيه لا استنباط باعتبار معنى النظم لغة كما في قوله صلى الله عليه ~~وسلم الحنطة بالحنطة مثل بمثل جعلنا الغلة هي الكيل والوزن بالرأي فإن ذلك ~~لا تتناوله صورة النظم ولا معناها لغة ولهذا اختص العلماء بمعرفة الاستنباط ~~بالرأي ويشترك في معرفة دلالة النص كل من له بصر في معنى الكلام لغة فقيها ~~أو غير فقيه # ومثال ما قلنا في قوله تعالى @QB@ فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما @QE@ فإن ~~للتأفيف صورة معلومة ومعنى PageV01P241 لأجله ثبتت الحرمة وهو الأذى حتى إن ~~من لا يعرف هذا المعنى من هذا اللفظ أو كان من قوم هذا في لغتهم إكرام لم ~~تثبت الحرمة في حقه ثم باعتبار هذا المعنى المعلوم لغة تثبت الحرمة في سائر ~~أنواع الكلام التي فيها هذا المعنى كالشتم وغيره وفي الأفعال كالضرب ونحوه ~~وكان ذلك معلوما بدلالة النص لا بالقياس لأن قدر ما في التأفيف من الأذى ~~موجود فيه وزيادة # ومثال هذا ما روي أن ماعزا زنى وهو محصن فرجم وقد علمنا أنه ما رجم لأنه ~~ماعز بل لأنه زنى في حالة الإحصان فإذا ثبت هذا الحكم في غيره كان ثابتا ~~بدلالة النص لا بالقياس # وكذلك أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الكفارة على الأعرابي باعتبار ~~جنايته لا لكونه أعرابيا فمن وجدت منه مثل تلك الجناية يكون الحكم في حقه ~~ثابتا بدلالة النص لا بالقياس وهذا لأن المعنى المعلوم بالنص لغة بمنزلة ~~العلة المنصوص عليها شرعا على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الهرة إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات ثم هذا الحكم يثبت ~~في ms242 الفأرة والحية بهذه العلة فلا يكون ثابتا بالقياس بل بدلالة النص # وقال عليه السلام للمستحاضة إنه دم عرق انفجر فتوضئي لكل صلاة ثم ثبت ذلك ~~الحكم في سائر الدماء التي تسيل من العروق فيكون ثابتا بدلالة النص لا ~~بالقياس ولهذا جعلنا الثابت بدلالة النص كالثابت بإشارة النص وإن كان يظهر ~~بينهما التفاوت عند المقابلة وكل واحد منهما ضرب من البلاغة أحدهما من حيث ~~اللفظ والآخر من حيث المعنى ولهذا جوزنا إثبات العقوبات والكفارات بدلالة ~~النص وإن كنا لا نجوز ذلك بالقياس فأوجبنا حد قطاع الطريق على الردء بدلالة ~~النص لأن عبارة النص المحاربة وصورة ذلك بمباشرة القتال ومعناها لغة قهر ~~العدو والتخويف على وجه ينقطع به الطريق وهذا معنى معلوم بالمحاربة لغة ~~والردء مباشر لذلك كالمقاتل ولهذا اشتركوا في الغنيمة فيقام الحد على الردء ~~بدلالة النص من هذه الوجوه # وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يجب الحد في اللواطة على الفاعل ~~والمفعول به بدلالة نص الزنا فالزنا اسم لفعل معنوي له غرض وهو اقتضاء ~~الشهوة على قصد سفح الماء بطريق حرام لا شبهة فيه وقد وجد هذا كله في ~~اللواطة فاقتضاء الشهوة بالمحل المشتهي وذلك بمعنى الحرارة واللين ألا ترى ~~أن الذين لا يعرفون الشرع لا يفصلون بينهما والقصد منه السفاح PageV01P242 ~~لأن النسل لا تصور له في هذا المحل والحرمة هنا أبلغ من الحرمة في الفعل ~~الذي يكون في القبل فإنها حرمة لا تنكشف بحال وإنما يبدل اسم المحل فقط ~~فيكون الحكم ثابتا بدلالة النص لا بطريق القياس # و أبو حنيفة رضي الله عنه يقول هو قاصر في المعنى الذي وجب الحد باعتباره ~~فإن الحد مشروع زجرا وذلك عند دعاء الطبع إليه ودعاء الطبع إلى مباشرة هذا ~~الفعل في القبل من الجانبين فأما في الدبر دعاء الطبع إليه من جانب الفاعل ~~لا من جانب المفعول به وفي باب العقوبات تعتبر صفة الكمال لما في النقصان ~~من شبهة العدم ثم في الزنا إفساد الفراش وإتلاف الولد حكما فإن الولد الذي ~~يتخلق ms243 من الماء في ذلك المحل لا يعرف له والد لينفق عليه وبالنساء عجز عن ~~الاكتساب والإنفاق ولا يوجد هذا المعنى في الدبر فإنما فيه مجرد تضييع ~~الماء بالصب في غير محل منبت وذلك قد يكون مباحا بطريق العزل فعرفنا أنه ~~دون الزنا في المعنى الذي لأجله أوجب الحد ولا معتبر بتأكد الحرمة في حكم ~~العقوبة ألا ترى أن حرمة الدم والبول آكد من حرمة الخمر ثم الحد يجب بشرب ~~الخمر ولا يجب بشرب الدم والبول للتفاوت في معنى دعاء الطبع من الوجه الذي ~~قررنا ولهذا قلنا في قوله عليه السلام لا قود إلا بالسيف إن القصاص يجب إذا ~~حصل القتل بالرمح أو النشابة لأن لعبارة النص معنى معلوما في اللغة وذلك ~~المعنى كامل في القتل بالرمح والنشابة وقد عرفنا أن المراد بذكر السيف ~~القتل به لا قبضه وإنما السيف آلة يحصل به القتل فإذا حصل بآلة أخرى مثل ~~ذلك القتل تعلق حكم القصاص به بدلالة النص لا بالقياس # ثم قال أبو حنيفة رحمه الله المعنى المعلوم بذكر السيف لغة أنه ناقض ~~للبنية بالجرح وظهور أثره في الظاهر والباطن فلا يثبت هذا الحكم فيما لا ~~يماثله في هذا المعنى وهو الحجر والعصا # وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله المعنى المعلوم به لغة أن النفس لا تطيق ~~احتماله ودفع أثره فيثبت الحكم بهذا المعنى في القتل بالمثقل ويكون ثابتا ~~بدلالة النص قالا لأن القتل نقض البنية وذلك بفعله لا تحتمله البنية مع صفة ~~السلامة وهذا المعنى في المثقل أظهر فإن إلقاء حجر الرحى والاسطوانة على ~~إنسان لا تحتمله البنية بنفسها والقتل بالجرح لا تحتمله البنية بواسطة ~~السراية وإذا كان هذا أتم في المعنى المعتبر كان ثبوت الحكم فيه ~~PageV01P243 بدلالة النص كما في الضرب مع التأفيف # و أبو حنيفة رحمه الله يقول المعتبر في باب العقوبات صفة الكمال في السبب ~~لما في النقصان من شبهة العدم والكمال في نقض البنية بما يكون عاملا في ~~الظاهر والباطن جميعا فاعتبار مجرد عدم احتمال البنية إياه ms244 مع صفة السلامة ~~ظاهرا لتعدية الحكم غير مستقيم فيما يندرىء بالشبهات وإنما يستقيم ذلك فيما ~~يثبت بالشبهات كالدية والكفارة فأما ما يندرىء بالشبهات ويعتبر فيه ~~المماثلة في الاستيفاء بالنص لا بد من اعتبار صفة الكمال فيه ودليل النقصان ~~حكم الذكاة فإنه يختص بما ينقض البنية ظاهرا وباطنا ولا يعتبر فيه مجرد عدم ~~احتمال البنية إياه وما قاله إن الجرح وسيلة كلام لا معنى له فإننا لا نعني ~~بفعل القتل الجناية على الجسم ولا على الروح إذ لا تتصور بالجناية على ~~الروح من العباد والجسم تبع والمقصود هو النفس الذي هو عبارة عن الطبائع ~~فالجناية عليها إنما تتم بإراقة الدم وذلك بعمل يكون جارحا مؤثرا في الظاهر ~~والباطن جميعا ولهذا كان الغرز بالإبرة موجبا للقصاص لأنه مسيل للدم مؤثر ~~في الظاهر والباطن إلا أنه لا يكون موجبا الحل في الذكاة لأن المعتبر هنا ~~تسييل جميع الدم المسفوح ليتميز به الطاهر من النجس ولهذا اختص بقطع ~~الحلقوم والأوداج عند التيسر ولم يثبت حكم الحل بالنار أيضا لأنها تؤثر في ~~الظاهر حسما فلا يتميز به الطاهر من النجس بل يمتنع به من سيلان الدم # ومن ذلك أن النبي عليه السلام لما أوجب الكفارة على الأعرابي بجنايته ~~المعلومة بالنص لغة أوجبنا على المرأة أيضا مثل ذلك بدلالة النص لا بالقياس ~~فإن الأعرابي سأل عن جنايته بقوله هلكت وأهلكت # وقد علمنا أنه لم يرد الجناية على البضع لأن فعل الجماع حصل منه في محل ~~مملوك له فلا يكون جناية لعينه ألا ترى أنه لو كان ناسيا لصومه لم يكن ذلك ~~منه جناية أصلا فعرفنا أن جنايته كان على الصوم باعتبار تفويت ركنه الذي ~~يتأدى به وقد علم أن ركن الصوم الكف PageV01P244 عن اقتضاء شهوة البطن و ( ~~شهوة ) الفرج ووجوب الكفارة للزجر عن الجناية على الصوم ثم دعاء الطبع إلى ~~اقتضاء شهوة البطن أظهر منه إلى اقتضاء شهوة الفرج ووقت الصوم وقت اقتضاء ~~شهوة البطن عادة يعني النهر فأما اقتضاء شهوة الفرج يكون بالليالي عادة ~~فكان ms245 الحكم ثابتا بدلالة النص من هذا الوجه فإن الجماع آلة لهذه الجناية ~~كالأكل وقد بينا أنه لا معتبر بالآلة في المعنى الذي يترتب الحكم عليه وهو ~~نظير قوله عليه السلام لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه ~~فيعتقه وكما يصير معتقا بالشراء يصير معتقا بقبول الهبة والصدقة فيه لأن ~~الشراء سبب لما يتم به علة العتق وهو الملك وقبول الهبة مثل الشراء في ذلك ~~ثم الجناية على الصوم بهذه الصفة تتم منها بالتمكين كما تتم به من الرجل ~~بالإيلاج ومعنى دعاء الطبع في جانبها كهو في جانب الرجل فالكفارة تلزمها ~~بدلالة النص لا بالقياس # ومن ذلك قوله عليه السلام للذي أكل ناسيا في شهر رمضان إن الله أطعمك ~~وسقاك فتم على صومك ثم أثبتنا هذا الحكم في الذي جامع ناسيا بدلالة النص ~~فإن تفويت ركن الصوم حقيقة لا يختلف بالنسيان والعمد ولكن النسيان معنى ~~معلوم لغة وهو أنه محمول عليه طبعا على وجه لا صنع له فيه ولا لأحد من ~~العباد فكان مضافا إلى من له الحق والجماع في حالة النسيان مثل الأكل في ~~هذا المعنى فيثبت الحكم فيه بدلالة النص لا بالقياس إذ المخصوص من القياس ~~لا يقاس عليه غيره # فإن قيل الجماع ليس نظير الأكل من كل وجه فإن وقت أداء الصوم وقت الأكل ~~عادة ووقت الأسباب المفضية إلى الأكل من التصرف في الطعام وغير ذلك فيبتلى ~~فيه بالنسيان غالبا وهو ليس بوقت الجماع عادة والصوم أيضا يضعفه عن الجماع ~~ولا يزيد في شهوته كما يزيد في شهوة الأكل فينبغي أن يجعل الجماع من الناسي ~~في الصوم بمنزلة الأكل من الناسي في الصلاة لأن كل واحد منهما نادر ~~PageV01P245 # قلنا نعم في الجماع هذا النوع من التقصير ولكن فيه زيادة في دعاء الطبع ~~إليه من حيث إن الشبق قد يغلب على المرء على وجه لا يصبر عن الجماع وعند ~~غلبة الشبق يذهب من قلبه كل شيء سوى ذلك المقصود ولا يوجد مثل هذا الشبق في ~~الأكل فتكون ms246 هذه الزيادة بمقابلة ذلك القصور حتى تتحقق المساواة بينهما ~~ولكن لا تعتبر هذه الزيادة عند ذكر الصوم في حق الكفارة لأن غلبة الشبق ~~بهذه الصفة تنعدم بإباحة الجماع ليلا ولأنه لا يكون إلا نادرا وصفة الكمال ~~لا تبتنى على ما هو نادر وإنما تبتنى على ما هو المعتاد وإنما طريق القياس ~~في هذا ما سلكه الشافعي رحمه الله حيث جعل المكره والخاطىء بمنزلة الناسي ~~باعتبار وصف العذر فإن الكره والخطأ غير النسيان صورة ومعنى فالحكم الثابت ~~بالنسيان لا يكون ثابتا بالخطأ والكره بدلالة النص بل يكون بطريق القياس ~~وهو قياس فاسد فإن الكره مضاف إلى غير من له الحق وهو المكره والخطأ مضاف ~~إلى المخطىء أيضا وهو مما يتأتى عنه التحرز في الجملة فلم يكن في معنى ما ~~لا صنع للعباد فيه أصلا ألا ترى أن المريض يصلي قاعدا ثم لا تلزمه الإعادة ~~إذا برأ بخلاف المقيد # ث ومن ذلك أن الله تعالى لما أوجب القضاء على المفطر في رمضان بعذر وهو ~~المريض والمسافر أوجبنا على المفطر بغير عذر بدلالة النص لا بالقياس فإن في ~~الموضعين ينعدم أداء الصوم الواجب في الوقت والمرض والسفر عذر في الإسقاط ~~لا في الإيجاب فعرفنا أن وجوب القضاء عليهما لانعدام الأداء في الوقت ~~بالفطر لغة وقد وجد هذا المعنى بعينه إذا أفطر من غير عذر فيلزمه القضاء ~~بدلالة النص # ثم قال الشافعي رحمه الله بهذا الطريق أوجبت الكفارة في قتل العمد لأن ~~النص جاء بإيجاب الكفارة في قتل الخطأ ولكن الخطأ عذر مسقط فعرفنا أن وجوب ~~الكفارة باعتبار أصل القتل دون صفة الخطأ وذلك موجود في العمد وزيادة فتجب ~~الكفارة في العمد بدلالة النص وبهذا الطريق أوجبت الكفارة في الغموس لأن في ~~المعقود على أمر في المستقبل وجبت الكفارة باعتبار جنايته لما في الإقدام ~~على الحنث من هتك حرمة اسم الله تعالى وذلك موجود في الغموس وزيادة فإنها ~~محظورة لأجل الاستشهاد بالله تعالى كاذبا وهذا هو صفة الحظر في المعقودة ~~على أمر في المستقبل ms247 بعد الحنث # و لكنا نقول هذا الاستدلال PageV01P246 فاسد لأن الواجب بالنص الكفارة ~~وهي اسم لعبادة فيها معنى العقوبة تبعا من حيث إنها أوجبت جزاء ولكنها ~~تتأدى بفعل هو عبادة والمقصود بها نيل الثواب ليكون مكفرا للذنب وإنما يحصل ~~ذلك بما هو عبادة كما قال تعالى @QB@ إن الحسنات يذهبن السيئات @QE@ ~~فيستدعي سببا مترددا بين الحظر والإباحة لأن العقوبات المحضة سببها محظور ~~محض والعبادات المحضة سببها ما لا حظر فيه فالمتردد يستدعي سببا مترددا ~~وذلك في قتل الخطأ فإنه من حيث الصورة رمى إلى الصيد أو إلى الكافر وهو ~~المباح وباعتبار المحل يكون محظورا لأنه أصاب آدميا محترما فأما العمد فهو ~~محظور محض فلا يصلح سببا للكفارة وكذلك المعقودة على أمر في المستقبل فيها ~~تردد فإن تعظيم المقسم به في الابتداء وذلك مندوب إليه ولهذا شرعت في بيعة ~~نصرة الحق وفيها معنى الحظر أيضا قال تعالى @QB@ ولا تجعلوا الله عرضة ~~لأيمانكم @QE@ وقال تعالى @QB@ واحفظوا أيمانكم @QE@ والمراد الحفظ ~~بالامتناع عن اليمين فلكونها دائرة بين الحظر والإباحة تصلح سببا للكفارة ~~فأما الغموس محظور محض لأن الكذب بدون الاستشهاد بالله تعالى حرام ليس فيه ~~شبهة الإباحة فمع الاستشهاد بالله تعالى أولى فكان الغموس باعتبار هذا ~~المعنى كالزنا والردة فلا يصلح سببا لوجوب الكفارة # ولا يدخل عليه القتل بالمثقل على قول أبي حنيفة فإنه موجب لكفارة وإن كان ~~محظورا محضا لأن المثقل ليس بآلة للقتل بأصل الخلقة وإنما هو آلة للتأديب ~~ألا ترى أن إجراءه للتأديب به والمحل قابل للتأديب مباح فلتمكن الشبهة من ~~حيث الآلة يصير الفعل في معنى الدائر ولهذا لم يجعله موجبا للعقوبة فجعله ~~موجبا للكفارة ولا يدخل على هذا قتل الحربي المستأمن ( عمدا ) فإنه غير ~~موجب للكفارة وإن لم تمكن فيه شبهة حتى لم يكن موجبا للقصاص لأن امتناع ~~وجوب القصاص هناك لانعدام المماثلة بين المحلين لا لشبهة ولهذا يجب القصاص ~~على المستأمن بقتل المستأمن # نص عليه في السير الكبير # وإن كان امتناع وجوب القصاص لأجل الشبهة فتلك الشبهة في المحل لا ms248 في ~~الفعل وفي القصاص مقابلة المحل بالمحل ولهذا لا تجب الدية مع وجوب القصاص ~~فأما الكفارة جزاء الفعل ولا شبهة في الفعل هناك بل هو محظور PageV01P247 ~~محض فلم يكن موجبا للكفارة فأما في المثقل الشبهة في الفعل باعتبار أن ~~الآلة ليست بآلة القتل والفعل لا يتأتى بدون الآلة فاعتبرنا هذه الشبهة في ~~القصاص والكفارة جميعا # وقال الشافعي رحمه الله أيضا يجب سجود السهو على من زاد أو نقص في صلاته ~~عمدا لأن وجوب السجود عليه عند السهو باعتبار تمكن النقصان في صلاته وذلك ~~موجود في العمد وزيادة فيثبت الحكم فيه بدلالة النص # وقلنا هذا الاستدلال فاسد لأن السبب الموجب بالنص شرعا هو السهو على ما ~~قال عليه الصلاة والسلام لكل سهو سجدتان بعد السلام والسهو ينعدم إذا كان ~~عامدا # فهذا هو المثال في بيان الثابت بدلالة النص # والنوع الرابع وهو المقتضى وهو عبارة عن زيادة على المنصوص عليه يشترط ~~تقديمه ليصير المنظوم مفيدا أو موجبا للحكم وبدونه لا يمكن إعمال المنظوم ~~فكان المقتضى مع الحكم مضافين إلى النص ثابتين به الحكم بواسطة المقتضى ~~بمنزلة شراء القريب يثبت به الملك والعتق على أن يكونا مضافين إلى الشراء ~~العتق بواسطة الملك فعرفنا أن الثابت بطريق الاقتضاء بمنزلة الثابت بدلالة ~~النص لا بمنزلة الثابت بطريق القياس إلا أن عند المعارضة الثابت بدلالة ~~النص أقوى لأن النص يوجبه باعتبار المعنى لغة والمقتضى ليس من موجباته لغة ~~وإنما ثبت شرعا للحاجة إلى إثبات الحكم به ولا عموم للمقتضى عندنا # وقال الشافعي للمقتضى عموم لأن المقتضى بمنزلة المنصوص في ثبوت الحكم به ~~حتى كان الحكم الثابت به كالثابت بالنص لا بالقياس فكذلك في إثبات صفة ~~العموم فيه فيجعل كالمنصوص # و لكنا نقول ثبوت المقتضى للحاجة والضرورة حتى إذا كان المنصوص مفيدا ~~للحكم بدون المقتضى لا يثبت المقتضى لغة ولا شرعا والثابت بالحاجة يتقدر ~~بقدرها ولا حاجة إلى إثبات صفة العموم للمقتضى فإن الكلام مفيد بدونه وهو ~~نظير تناول الميتة لما أبيح للحاجة تتقدر بقدرها وهو سد ms249 الرمق وفيما وراء ~~ذلك من الحمل والتمول والتناول إلى الشبع لا يثبت حكم الإباحة فيه بخلاف ~~المنصوص فإنه عامل بنفسه فيكون بمنزلة حل الذكية يظهر في حكم التناول وغيره ~~مطلقا يوضحه أن المقتضى تبع للمقتضي PageV01P248 فإنه شرطه ليكون مفيدا ~~وشرط الشيء يكون تبعه ولهذا يكون ثبوته بشرائط المنصوص فلو جعل هو كالمنصوص ~~خرج من أن يكون تبعا والعموم حكم صيغة النص خاصة فلا يجوز إثباته في ~~المقتضى # وعلى هذا الأصل قلنا إذا قال لغيره أعتق عبدك عني على ألف درهم فأعتقه ~~وقع العتق عن الآمر وعليه الألف لأن الأمر بالإعتاق عنه يقتضي تمليك العين ~~منه بالبيع ليتحقق الإعتاق عنه وهذا المقتضى يثبت متقدما ويكون بمنزلة ~~الشرط لأنه وصف في المحل والمحل للتصرف كالشرط فكذا ما يكون وصفا للمحل ~~وإنما يثبت بشرط العتق لا بشرط البيع مقصودا حتى يسقط اعتبار القبول فيه ~~ولو كان الآمر ممن لا يملك الإعتاق لم يثبت البيع بهذا الكلام ولو صرح ~~المأمور بالبيع بأن قال بعته منك بألف درهم وأعتقته لم يجز عن الآمر وبهذا ~~تبين أن المقتضى ليس كالمنصوص عليه فيما وراء موضع الحاجة # وعلى هذا قال أبو يوسف إذا قال أعتق عبدك عني بغير شيء فأعتقه يقع العتق ~~عن الآمر لأن الملك بطريق الهبة يثبت هنا بمقتضى العتق فيثبت على شرائط ~~العتق ويسقط اعتبار شرطه مقصودا وهو القبض كما يسقط اعتبار القبول في البيع ~~بل أولى لأن القبول ركن في البيع والقبض شرط في الهبة فلما سقط اعتبار ما ~~هو الركن لكونه ثابتا بمقتضى العتق فلأن يسقط اعتبار ما هو شرط أولى ولهذا ~~لو قال أعتق عبدك عني على ألف ( درهم ) ورطل من خمر يقع العتق عن الآمر ولو ~~أكره المأمور على أن يعتق عبده عنه بألف درهم يقع العتق عن الآمر وبيع ~~المكره فاسد والقبض شرط لوقوع الملك في البيع الفاسد ثم سقط اعتباره إذا ~~كان بمقتضى العتق # وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا المقتضى تبع للمقتضي والقبض فعل ليس ~~من جنس القول ms250 ولا هو دونه حتى يمكن إثباته تبعا له وبدون القبض الملك لا ~~يحصل بالهبة فلا يمكن تنفيذ العتق عن الآمر ولا وجه لجعل العبد قابضا نفسه ~~للآمر لأنه لا يسلم له بالعتق شيء من ملك المولى وإنما يبطل ملك المولى ~~ويتلاشى بالإعتاق ولا وجه لإسقاط القبض هنا بطريق الاقتضاء لأن العمل ~~بالمقتضى شرعي PageV01P249 فإنما يعمل في إسقاط ما يحتمل السقوط دون ما لا ~~يحتمل وشرط القبض لوقوع الملك في الهبة لا يحتمل السقوط بحال بخلاف القبول ~~في البيع فقد يحتمل السقوط ألا ترى أن الإيجاب والقبول جميعا يحتمل السقوط ~~حتى ينعقد البيع بالتعاطي من غير قول فلأن يحتمل مجرد القبول السقوط كان ~~أولى # ولو قال بعت منك هذا الثوب بعشرة فاقطعه فقطعه ولم يقل شيئا كان البيع ~~بينهما تاما والفاسد من البيع معتبر بالجائز في الحكم لأن الفاسد لا يمكن ~~أن يجعل أصلا يتعرف حكمه من نفسه وإذا كان ما ثبت الملك به في البيع الجائز ~~يحتمل السقوط إذا كان ضمنا للعتق فكذلك ما يثبت به الملك في البيع الفاسد # وبيان ما ذكرنا من الخلاف بيننا وبين الشافعي فيما إذا قال إن أكلت فعبدي ~~حر ونوى طعاما دون طعام عنده تعمل نيته لأن الأكل يقتضي مأكولا وذلك ~~كالمنصوص عليه فكأنه قال إن أكلت طعاما ولما كان للمقتضي عموم على قوله عمل ~~فيه نيته التخصيص وعندنا لا تعمل لأنه لا عموم للمقتضى ونية التخصيص فيما ~~لا عموم له لغو بخلاف ما لو قال إن أكلت طعاما وعلى هذا لو قال إن شربت أو ~~قال إن لبست أو قال إن ركبت # وعلى هذا قلنا لو قال إن اغتسلت الليلة ونوى الاغتسال من الجنابة لم تعمل ~~نيته بخلاف ما لو قال إن اغتسلت غسلا فإن هناك نيته تعمل فيما بينه وبين ~~الله تعالى # وكذلك لو قال إن اغتسل الليلة في هذه الدار وقال عنيت فلانا لم تعمل نيته ~~لأن الفاعل ليس في لفظه وإنما يثبت بطريق الاقتضاء بخلاف ما لو قال إن ~~اغتسل ms251 أحد في هذه الدار الليلة # وعلى هذا لو قال لامرأته اعتدي ونوى الطلاق فإن وقوع الطلاق بطريق ~~الاقتضاء لأنها لا تعتد قبل تقدم الطلاق فيصير كأنه قال طلقتك فاعتدي ولكن ~~ثبوته بطريق الاقتضاء ولهذا كان الواقع رجعيا ولا تعمل نيته الثلاث فيه ~~وبعد البينونة والشروع في العدة يقع الطلاق بهذا اللفظ # وربما يستدل الشافعي رحمه الله بهذا في أن المقتضى كالمنصوص عليه وهو ~~خارج على ما ذكرنا فإنا نجعله كالمنصوص عليه بقدر الحاجة وهو أن يصير ~~المنصوص مفيدا موجبا للحكم فأما فيما وراء ذلك فلا PageV01P250 # قال رضي الله عنه وقد رأيت لبعض من صنف في هذا الباب أنه ألحق المحذوف ~~بالمقتضى وسوى بينهما فخرج على هذا الأصل قوله تعالى @QB@ واسأل القرية ~~@QE@ وقال المراد الأهل يثبت ذلك بمقتضى الكلام لأن السؤال للتبيين فإنما ~~ينصرف إلى من يتحقق منه البيان ليكون مفيدا دون من لا يتحقق منه وقال عليه ~~السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولم يرد به العين ~~لأنه يتحقق مع هذه الأعذار فلو حمل عليه كان كذبا ولا إشكال أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان معصوما عن ذلك فعرفنا بمقتضى الكلام أن المراد ~~الحكم # ثم حمله الشافعي على الحكم في الدنيا والآخرة قولا بالعموم في المقتضى ~~وجعل ذلك كالمنصوص عليه ولو قال رفع عن أمتي حكم الخطأ كان ذلك عاما ولهذا ~~الأصل قال لا يقع طلاق الخاطىء والمكره ولا يفسد الصوم بالأكل مكرها # وقلنا لا عموم للمقتضي وحكم الآخرة وهو الإثم مراد بالإجماع وبه ترتفع ~~الحاجة ويصير الكلام مفيدا فيبقى معتبرا في حكم الدنيا # كذلك قوله عليه الصلاة والسلام الأعمال بالنيات ليس المراد عين العمل فإن ~~ذلك متحقق بدون النية وإنما المراد الحكم ثبت ذلك بمقتضى الكلام # فقال الشافعي يعم ذلك حكم الدنيا والآخرة فيما يستدعي القصد والعزيمة من ~~الأعمال قولا بعموم المقتضى # وقلنا المراد حكم الآخرة وهو أن ثواب العمل بحسب النية لأن ثبوته بطريق ~~الاقتضاء ولا عموم للمقتضى # وعندي أن هذا سهو من ms252 قائله فإن المحذوف غير المقتضى لأن من عادة أهل ~~اللسان حذف بعض الكلام للاختصار إذا كان فيما بقي منه دليل على المحذوف ثم ~~ثبوت هذا المحذوف من هذا الوجه يكون لغة وثبوت المقتضى يكون شرعا لا لغة ~~وعلامة الفرق بينهما أن المقتضى تبع يصح باعتباره المقتضي إذا صار كالمصرح ~~به والمحذوف ليس بتبع بل عند التصريح به ينتقل الحكم إليه لا أن يثبت ما هو ~~المنصوص ولا شك أن ما ينقل غير ما يصحح المنصوص # وبيان هذا أن في قوله أعتق عبدك عني محذوفا ويثبت التمليك بطريق الاقتضاء ~~ليصح المنصوص وفي قوله @QB@ واسأل القرية @QE@ الأهل محذوف للاختصار ~~PageV01P251 فإن فيما بقي من الكلام دليل عليه وعند التصريح بهذا المحذوف ~~يتحول السؤال عن القرية إلى الأهل لا أن يتحقق به المنصوص # وكذلك في قوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ فإن عند التصريح ~~بالحكم يتحول الرفع إلى الحكم لا إلى ما وقع التنصيص عليه مع المحذوف # وكذلك قوله عليه السلام الأعمال بالنيات وإنما لم يثبت العموم هنا لأن ~~المحذوف بمنزلة المشترك في أنه يحتمل كل واحد من الأمرين على الانفراد ولا ~~عموم للمشترك فأما أن يجعل المحذوف ثابتا بمقتضى الكلام فلا # ويتبين من هذا أن ما كان محذوفا ليس بطريق الاقتضاء فإنه بمنزلة الثابت ~~لغة فإن كان بحيث يحتمل العموم يثبت فيه صفة العموم # وعلى هذا ما إذا قال لامرأته أنت طالق أو طلقتك ونوى ثلاثا فإن على قول ~~الشافعي تعمل نيته لأن قوله طالق يقتضي طلاقا وذلك كالمنصوص عليه فتعمل ~~نيته الثلاث فيه قولا بالعموم في المقتضى # و قلنا نحن إن قوله طالق نعت فرد ونعت الفرد لا يحتمل العدد والنية إنما ~~تعمل إذا كان المنوي من محتملات اللفظ ولا يمكن إعمال نية العدد باعتبار ~~المقتضى لأنه لا عموم للمقتضي ولأن المقتضى لا يجعل كالمصرح به في أصل ~~الطلاق فكيف يجعل كالمصرح به في عدد الطلاق وبيانه أنه إذا قال لامرأته ~~زوري أباك أو حجي ونوى به الطلاق لم تعمل ms253 نيته ومعلوم أن ما صرح به يقتضي ~~ذهابا لا محالة ثم لم يجعل بمنزلة قوله اذهبي حتى تعمل نيته الطلاق فيه ~~يقرره أن قوله طالق نعت للمرأة فإنما يعتبر فيه من المقتضى ما يكون قائما ~~بالموصوف والطلاق من هذا اللفظ مقتضى هو ثابت بالواصف شرعا فإنه لا يكون ~~صادقا في هذا الوصف بدون طلاق يقع عليها فيجعل موقعا ليتحقق هذا الوصف منه ~~صدقا ومثل هذا المقتضى لا يكون كالمصرح به شرعا بمنزلة الحال الذي هو قائم ~~بالمخاطب وهو بعده عن موضع الحج وعن الزيارة فإن اقتضاء الذهاب لما كان ~~لذلك المعنى لا لما هو قائم بالمنصوص لا يجعل كالمصرح به بخلاف قوله أنت ~~بائن فإن ذلك نعت فرد نصا حتى لا يسع نية العدد فيه لو نوى اثنتين ولكن ~~البينونة تتصل بالمحل في الحال وهي نوعان قاطعة للملك وقاطعة للحل ~~PageV01P252 الذي هو وصف المحل فنية الثلاث إنما تميز أحد نوعي ما تناوله ~~نص كلامه فأما الطلاق لا يتصل بالمحل موجبا حكمه في الحال بل حكم انقطاع ~~الملك به يتأخر إلى انقضاء العدة وحكم انقطاع الحل به يتأخر إلى تمام العدة ~~وإنما يوصف المحل للحال به لانعقاد العلة ( فيه ) موجبا للحكم في أوانه ~~وانعقاد العلة لا يتنوع فلم يكن المنوي من محتملات لفظه أصلا # وعلى هذا قوله طلقتك فإن صيغة الخبر عن فعل ماض بمنزلة قوله ضربتك ~~فالمصدر القائم بهذه الصيغة يكون ماضيا أيضا فلا يسع فيه معنى العموم بوجه ~~بخلاف قوله طلقي نفسك فإن صيغته أمر بفعل في المستقبل لطلب ذلك الفعل منها ~~فالمصدر القائم بهذه الصيغة يكون مستقبلا أيضا وذلك الطلاق فيكون بمنزلة ~~غيره من أسماء الأجناس في احتمال العموم والخصوص فبدون النية يثبت به أخص ~~الخصوص على احتمال الكل فإذا نوى الثلاث عملت نيته لأنه من محتملات كلامه ~~وإذا نوى اثنتين لم تعمل لأنه لا احتمال للعدد في صيغة كلامه وعلى هذا لو ~~قال إن خرجت ونوى الخروج إلى مكان بعينه لم تعمل نيته ولو نوى السفر تعمل ms254 ~~نيته لأن السفر نوع من أنواع الخروج وهو ثابت باعتبار صيغة كلامه ألا ترى ~~أن الخروج لغير السفر بخلاف الخروج للسفر في الحكم فأما المكان فليس من ~~صيغة كلامه في شيء وإن كان الخروج يكون إلى مكان لا محالة فلم تعمل نية ~~التخصيص فيه لما لم يكن من مقتضى صيغة الكلام بخلاف الأول # وكذلك لو قال إن ساكنت فلانا ونوى المساكنة في مكان بعينه لم تعمل نيته ~~أصلا ولو نوى المساكنة في بيت واحد تعمل نيته باعتبار أنه نوى أتم ما يكون ~~من المساكنة فإن أعم ما يكون من المساكنة في بلدة والمطلق من المساكنة في ~~عرف الناس في دار واحدة وأتم ما يكون من المساكنة في بيت واحد فهذه النية ~~ترجع إلى بيان نوع المساكنة الثابتة بصيغة كلامه بخلاف تعين المكان # فإن قيل أليس أنه لو قال لولد له أم معروفة وهو في يده هذا ابني ثم جاءت ~~أمه بعد موت المدعي فصدقته وادعت ميراثها منه بالنكاح فإنه يقضى لها ~~بالميراث PageV01P253 ومعلوم أن النكاح بينهما بمقتضى دعوى النسب ثم يجعل ~~كالتصريح به حتى يثبت النكاح صحيحا ويجعل قائما إلى موت الزوج فيكون لها ~~الميراث فلو كان ثبوت المقتضى باعتبار الحاجة فقط لما ثبتت هذه الأحكام ~~لانعدام الحاجة فيها قلنا ثبوت النكاح هنا بدلالة النص لا بمقتضاه فإن ~~الولد اسم مشترك إذ لا يتصور ولد فينا إلا بوالد ووالدة فالتنصيص على الولد ~~يكون تنصيصا على الوالد والوالدة دلالة بمنزلة التنصيص على الأخ يكون ~~كالتنصيص على أخيه إذ الأخوة لا تتصور إلا بين شخصين وقد بينا أن الثابت ~~بدلالة النص يكون ثابتا بمعنى النص لغة لا أن يكون ثابتا بطريق الاقتضاء مع ~~أن اقتضاء النكاح هنا كاقتضاء الملك في قوله أعتق عبدك عني على ألف ( درهم ~~) وبعدما ثبت العقد بطريق الاقتضاء يكون باقيا لا باعتبار دليل يبقى بل ~~لانعدام دليل المزيل فعرفنا أنه منته بينهما بالوفاة وانتهاء النكاح بالموت ~~سبب لاستحقاق الميراث # وبعدما بينا هذه الحدود نقول الثابت بمقتضى النص لا ms255 يحتمل التخصيص لأنه ~~لا عموم له والتخصيص فيما فيه احتمال العموم والثابت بدلالة النص لا يحتمل ~~التخصيص أيضا لأن التخصيص بيان أن أصل الكلام غير متناول له وقد بينا أن ~~الحكم الثابت بالدلالة ثابت بمعنى النص لغة وبعدما كان معنى النص متناولا ~~له لغة لا يبقى احتمال كونه غير متناول له وإنما يحتمل إخراجه من أن يكون ~~موبجا للحكم فيه بدليل يعترض وذلك يكون نسخا لا تخصيصا # وأما الثابت بإشارة النص فعند بعض مشايخنا رحمهم الله لا يحتمل الخصوص ~~أيضا لأن معنى العموم فيما يكون سياق الكلام لأجله فأما ما تقع الإشارة ~~إليه من غير أن يكون سياق الكلام له فهو زيادة على المطلوب بالنص ومثل هذا ~~لا يسع فيه معنى العموم حتى يكون محتملا للتخصيص # قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه يحتمل ذلك لأن الثابت بالإشارة كالثابت ~~بالعبارة من حيث إنه ثابت بصيغة الكلام والعموم باعتبار الصيغة فكما أن ~~الثابت بعبارة النص يحتمل التخصيص فكذلك الثابت بإشارته PageV01P254 # # | فصل # وقد عمل قوم في النصوص بوجوه هي فاسدة عندنا # فمنها ما قال بعضهم إن التنصيص على الشيء باسم العلم يوجب التخصيص وقطع ~~الشركة بين المنصوص وغيره من جنسه في الحكم لأنه لو لم يوجب ذلك لم يظهر ~~للتخصيص فائدة وحاشا أن يكون شيء من كلام صاحب الشرع غير مفيد وأيد هذا ~~قوله صلى الله عليه وسلم الماء من الماء فالأنصار فهموا التخصيص من ذلك حتى ~~استدلوا به على نفي وجوب الاغتسال بالإكسال وهم كانوا أهل اللسان # وهذا فاسد عندنا بالكتاب والسنة فإن الله تعالى قال @QB@ منها أربعة حرم ~~ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم @QE@ ولا يدل ذلك على إباحة الظلم ~~في غير الأشهر الحرم وقال تعالى @QB@ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا ~~أن يشاء الله @QE@ ثم لا يدل ذلك على تخصيص الاستثناء بالغد دون غيره من ~~الأوقات في المستقبل # وقال صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه ~~من الجنابة ثم لا ms256 يدل ذلك على التخصيص بالجنابة دون غيرها من أسباب ~~الاغتسال والأمثلة لهذا تكثر # ثم إن عنوا بقولهم إن التخصيص يدل على قطع المشاركة وهو أن الحكم يثبت ~~بالنص في المنصوص خاصة فأحد لا يخالفهم في هذا فإن عندنا فيما هو من جنس ~~المنصوص الحكم يثبت بعلة النص لا بعينه وإن عنوا أن هذا التخصيص يوجب نفي ~~الحكم في غير المنصوص فهو باطل لأنه غير متناول له أصلا فكيف يوجب نفيا أو ~~إثباتا للحكم فيما لم يتناوله ثم سياق النص لإيجاب الحكم ونفي الحكم ضده ~~فلا يجوز أن يكون من واجبات نص الإيجاب ولأن المذهب عند فقهاء الأمصار جواز ~~تعليل النصوص لتعدية الحكم بها إلى الفروع فلو كان التخصيص موجبا نفي الحكم ~~في غير المنصوص لكان التعليل باطلا لأنه يكون ذلك قياسا في مقابلة النص ومن ~~لا يجوز PageV01P255 العمل بالقياس فإنما لا يجوزه لاحتمال فيه بين أن يكون ~~صوابا أو خطأ لا لنص يمنع منه بمنزلة العمل بخبر الفاسق فإنه لا يعمل بخبره ~~لضعف في سنده لا لنص في خبره مانع من العمل به والأنصار إنما استدلوا بلام ~~التعريف التي هي مستغرقة للجنس أو المعهود في قوله عليه الصلاة والسلام ~~الماء من الماء ونحن نقول به في الحكم الثابت لعين الماء وفائدة التخصيص ~~عندنا أن يتأمل المستنبطون في علة النص فيثبتون الحكم بها في غير المنصوص ~~عليه من المواضع لينالوا به درجة المستنبطين وثوابهم وهذا لا يحصل إذا ورد ~~النص عاما متناولا للجنس # ويحكى عن الثلجي رحمه الله أنه كان يقول هذا إذا لم يكن المنصوص عليه ~~باسم العلم محصورا بعدد نصا نحو خبر الربا فإن كان محصورا بعدد فذلك يدل ~~على نفي الحكم فيما سواها لأن في إثبات الحكم فيما سواها إبطال العدد ~~المنصوص وذلك لا يجوز فبهذه الواسطة يكون موجبا للنفي # واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم وبقوله ~~أحلت لنا ميتتان ودمان فإن ذلك يدل على نفي الحكم فيما عدا المذكور # والصحيح أن ms257 التنصيص لا يدل على ذلك في شيء من المواضع لما بينا من ~~المعاني # ثم ذكر العدد لبيان الحكم بالنص ثابت في العدد المذكور فقط وقد بينا أن ~~في غير المذكور إنما يثبت الحكم بعلة النص لا بالنص فلا يوجب ذلك إبطال ~~العدد المنصوص # ومنها ما قاله الشافعي رحمه الله إن التنصيص على وصف في المسمى لإيجاب ~~الحكم يوجب نفي ذلك الحكم عند عدم ذلك الوصف بمنزلة ما لو نص على نفي الحكم ~~عند عدم الوصف # وعندنا النص موجب للحكم عند وجود ذلك الوصف ولا يوجب نفي ذلك الحكم عند ~~انعدامه أصلا # وبيان هذا في قوله تعالى @QB@ من فتياتكم المؤمنات @QE@ فإن عنده إباحة ~~نكاح الأمة ( لما كان مقيدا بصفة الإيمان بالنص أوجب النفي بدون هذا الوصف ~~فلا يجوز نكاح الأمة الكتابية وعندنا لا يوجب ذلك ولهذا جوزنا نكاح الأمة ) ~~الكتابية وقال تعالى @QB@ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن @QE@ فقال الشافعي ~~رحمه الله لما ورد حرمة الربيبة بسبب الدخول بامرأة مقيدة بوصف وهي أن تكون ~~من نسائه أوجب ذلك نفي الحرمة عند عدم PageV01P256 ذلك الوصف فلا تثبت ~~الحرمة بالزنا # وعندنا لا يوجب النص نفي الحكم عند انعدام الوصف فتثبت الحرمة بالزنا وفي ~~الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر على كل حر وعبد من ~~المسلمين فعلى مذهبه أوجب هذا النص نفي الحكم عند عدم الوصف فلا تجب الصدقة ~~عن العبد الكافر # وعندنا لا يوجب ذلك ولكن النص المختتم بهذا الوصف لا يتناول الكفار والنص ~~المطلق وهو قوله أدوا عن كل حر وعبد يتناولهم لأنه غير مختتم بهذا التقييد ~~فيجب الأداء عن العبد الكافر بذلك النص وهو بمنزلة من يقول لغيره أعتق ~~عبيدي ثم يقول أعتق البيض من عبيدي فلا يوجب ذلك النهي عن إعتاق غير البيض ~~بعدما كان ثابتا باللفظ المطلق # واستدل الشافعي رحمه الله لإثبات مذهبه عليه السلام في خمس من الإبل ~~السائمة شاة فإن ذلك يوجب نفي الزكاة في غير السائمة فكأنه قال ولا زكاة في ~~غير السائمة ms258 إذ لو لم يجعل كذلك فلا بد من إيجاب الزكاة في العوامل بخبر ~~المطلق وهو قوله عليه السلام في خمس من الإبل شاة وبالإجماع بيننا وبينكم ~~لا تجب الزكاة في غير السائمة ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~ربح ما لم يضمن أفهمنا ذلك إباحة ربح ما قد ضمن كأنه نص عليه ولأن النص لما ~~أوجب الحكم في المسمى المشتمل على أوصاف مقيدا بوصف من تلك الأوصاف صار ذلك ~~الوصف بمنزلة الشرط لإيجاب الحكم على معنى أنه لا يثبت الحكم بالنص بعد ~~وجود المسمى ما لم يوجد ذلك الوصف فلولا ذكر الوصف لكان الحكم ثابتا قبل ~~وجوده وهذا أمارة الشرط فإن قوله لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار لا يكون ~~موجبا وقوع الطلاق ما لم تدخل وبدون هذا الشرط كان موجبا للطلاق قبل الدخول # وقد يكون الوصف بمنزلة الشرط حتى لو قال لها إن دخلت الدار راكبة فأنت ~~طالق كان الركوب شرطا وإن كان مذكورا على سبيل الوصف لها # قال وقد ثبت من أصلي أن التقييد بالشرط يفهمنا نفي الحكم عند عدم الشرط ~~PageV01P257 فكذلك التقييد بالوصف وهذا بخلاف الاسم فإنه مذكور للتعريف لا ~~لتعليق الحكم به ( فأما الوصف الذي هو ذكر للحال وهو معنوي يصلح أن يكون ~~لتعليق الحكم به ) فيكون موجبا نفي الحكم عند عدمه دلالة ولأن بالاسم يثبت ~~الحكم ابتداء كما ثبت بالعلة بخلاف الوصف الذي هو في معنى الشرط # وسنقرر هذا الفرق في الفصل الثاني # واستدل علماؤنا بقوله تعالى @QB@ وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن ~~معك @QE@ ثم التقييد بهذا الوصف لا يوجب نفي الحل في اللاتي لم يهاجرن معه ~~بالاتفاق وقال تعالى @QB@ ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا @QE@ ثم ~~التقييد بهذا الوصف لا يفيد إباحة الأكل بدون هذا الوصف وقال تعالى @QB@ ~~إنما أنت منذر من يخشاها @QE@ # @QB@ إنما تنذر من اتبع الذكر @QE@ وهو نذير للبشر فعرفنا أن التقييد ~~بالوصف لا يفهمنا نفي المنصوص عليه عند عدم ذلك الوصف ثم أكثر ما فيه أن ~~الوصف المؤثر ms259 بمنزلة العلة للحكم ولا خلاف أن الحكم يثبت بالعلة إذا وجدت ~~فإن العلة لا توجب نفي الحكم عند انعدامها فكذلك الوصف المذكور في النص ~~يوجب ثبوت الحكم عند وجوده ولا يوجب نفي الحكم عند عدمه ولهذا جعلنا الوصف ~~المؤثر إذا كان منصوصا عليه بمنزلة العلة للحكم الثابت بالنص فقلنا صفة ~~السوم بمنزلة العلة لإيجاب الزكاة في خمس من الإبل ولهذا يضاف الزكاة إليها ~~فيقال زكاة السائمة والواجبات تضاف إلى أسبابها حقيقة بمنزلة من يقول لغيره ~~أعتق عبدي الصالح أو طلق امرأتي البذيئة فإن ذكر هذا الوصف دليل على أنه هو ~~المؤثر للحكم # وبهذا يتبين أن الوصف ليس في معنى الشرط كما زعم وقوله إن دخلت راكبة ~~إنما جعلنا الركوب شرطا لكونه معطوفا على الشرط فإن حكم المعطوف حكم ~~المعطوف عليه فأما الوصف المقرون بالاسم يكون بمنزلته والاسم ليس في معنى ~~الشرط لإثبات الحكم فكذلك الوصف المقرون به # ولو كان شرطا فعندنا تعليق الحكم بالشرط يوجب وجود الحكم PageV01P258 عند ~~وجود الشرط ولا يوجب النفي عند عدم الشرط بل ذلك باق على ما كان قبل ~~التعليق على ما نبينه وإنما لا نوجب الزكاة في الحوامل باعتبار نص آخر وهو ~~قوله عليه السلام لا زكاة في العوامل والحوامل أو باعتبار أن صفة السوم صار ~~بمنزلة العلة في حكم الزكاة على ما قررنا # وعلى هذا قال زفر رحمه الله فيمن له أمة ولدت ثلاثة أولاد في بطون مختلفة ~~فقال الأكبر ابني يثبت نسب الآخرين منه لأن التنصيص على الدعوة مقيدا ~~بالأكبر لا موجب له في نفي نسب الآخرين وقد تبين ثبوت نسب الأكبر منه أنها ~~كانت أم ولد له من ذلك الوقت وأم الولد فراش للمولى يثبت نسب ولدها منه ~~بغير دعوة # وعندنا لا يثبت نسب الآخرين منه لا للتقييد بالوصف فإنه لو أشار إلى ~~الأكبر وقال هذا ابني لا يثبت نسب الآخرين منه أيضا ومعلوم أن التنصيص ~~بالاسم لا يوجب نفي الحكم في غير المسمى بذلك الاسم ولكن إنما لا يثبت ~~نسبهما منه ms260 لأن السكوت عن البيان بعد تحقق الحاجة دليل النفي ويفترض على ~~المرأة دعوة النسب فيما هو مخلوق من مائه لأنه كما لا يحل له أن يدعي نسب ( ~~ما هو غير مخلوق من مائه لا يحل له أن ينفي نسب ) المخلوق من مائه وقبل ~~الدعوة النسب يثبت منه على سبيل الاحتمال حتى يملك نفيه وإنما يصير مقطوعا ~~به على وجه لا يملك نفيه بالدعوة فكان ذلك فرضا عليه # وإذا تقرر بهذا تحقق الحاجة إلى البيان كان سكوته عن دعوة نسب الآخرين ~~دليل النفي لا تخصيصه الأكبر بالدعوة فلهذا لا يثبت نسبهما منه # وعلى هذا قال أبو حنيفة رحمه الله إذا قال شهود الوارث لا نعلم له وارثا ~~غيره في أرض كذا إن الشهادة تقبل لأن هذه الزيادة لا توجب عليهم توارث آخر ~~في غير ذلك الموضع فكأنهم سكتوا عن ذكر هذه الزيادة وقالوا لا نعلم له ~~وارثا غيره # و أبو يوسف ومحمد قالا لا تقبل هذه الشهادة لا لأنها توجب ذلك ولكن لتمكن ~~التهمة فإنه يحتمل أنهما خصا ذلك المكان للتحرز عن الكذب وعلمهما بوارث آخر ~~له في غير ذلك المكان ولكن الشهادة ترد بالتهمة فأما الحكم PageV01P259 لا ~~يثبت نفيا ولا إيجابا بالتهمة بل بالحجة المعلومة # و أبو حنيفة رحمه الله يقول كما تحتمل هذه الزيادة ما قالا تحتمل ~~المبالغة في التحرز عن الكذب باعتبار أنهما تفحصا في ذلك الموضع دون سائر ~~المواضع ويحتمل تحقيق المبالغة في نفي وارث آخر أي لا نعلم له وارثا آخر في ~~موضع كذا مع أنه مولده ومنشؤه فأحرى أن لا يكون له وارث آخر في موضع آخر ~~وبمثل هذا المحتمل لا تتمكن التهمة ولا يمنع العمل بشهادتهما # ومنها أن الحكم متى تعلق بشرط بالنص فعند الشافعي رحمه الله ذلك النص ~~يوجب انعدام الحكم عند انعدام الشرط كما يوجب وجود الحكم عند وجود الشرط ~~وعندنا لا يوجب النص ذلك بل يوجب ثبوت الحكم عند وجود الشرط فأما انعدام ~~الحكم عند عدم الشرط فهو باق على ما ms261 كان قبل التعليق # وبيان هذا في قوله تعالى @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات @QE@ الآية فإن النص لما ورد بحل نكاح الأمة معلقا بشرط عدم طول ~~الحرة جعل الشافعي ذلك كالتنصيص على حرمة نكاح الأمة عند وجود طول الحرة # وعندنا النص لا يوجب ذلك ولكن الحكم بعد هذا النص عند وجود طول الحرة على ~~ما كان عليه أن لو لم يرد هذا النص وقال تعالى @QB@ ويدرأ عنها العذاب أن ~~تشهد أربع شهادات بالله @QE@ قال الشافعي لما تعلق بالنص درء العذاب عنها ~~بشرط أن تأتي بكلمات اللعان كان ذلك تنصيصا على إقامة الحد عليها إذا لم ~~تأت بكلمات اللعان # وعندنا لا يوجب ذلك حتى لا يقام عليها الحد وإن امتنعت من كلمات اللعان # وجه قول الشافعي أن التعليق بالشرط يؤثر في الحكم دون السبب على اعتبار ~~أنه لولا التعليق لكان الحكم ثابتا فإن قوله لعبده أنت حر موجب عتقه في ~~الحال لولا قوله إن دخلت الدار فبالتعليق يتأخر نزول العتق ولا ينعدم أصل ~~السبب # وبهذا تبين أن التعليق كما يوجب الحكم عند وجود الشرط يوجب نفي الحكم قبل ~~وجود الشرط بمنزلة التأجيل وبمنزلة خيار الشرط في البيع فإنه يدخل على ~~الحكم دون السبب حتى يتأخر الحكم إلى سقوط الخيار مع قيام السبب وهو نظير ~~التعليق الحسي فإن تعليق القنديل بحبل من PageV01P260 سماء البيت يمنع ~~وصوله إلى موضع من الأرض لولا التعليق ولا يعدم أصله وبهذا فارق الشرط ~~العلة فإن الحكم يثبت ابتداء بوجود العلة فلا يكون انعدام الحكم قبل وجود ~~العلة مضافا إلى العلة باعتبار أنها نفت الحكم قبل وجودها بل انعدم لانعدام ~~سببه فأما الشرط فمغير للحكم بعد وجود سببه فكان مانعا من ثبوت الحكم قبل ~~وجوده كما كان مثبتا وجود الحكم عند وجوده وعلى هذا الأصل لم يجوز تعليق ~~الطلاق والعتاق بالملك لأن تأثير الشروط في منع حكم لولاه كان موجودا بسببه ~~ولولا التعليق هنا كان لغوا وشرط قيام الملك في المحل عند التعليق لأن ~~السبب ms262 لا يتحقق بدون الملك وتأثير الشرط في تأخير الحكم إلى وجوده بعد تقرر ~~السبب بمنزلة الأجل فيشترط قيام الملك في المحل عند التعليق ليتقرر السبب ~~ثم يتأخر الحكم إلى وجود الشرط بالتعليق ولهذا لم يجوز نكاح الأمة لمن قدر ~~على نكاح الحرة لأن الحل معلق بشرط عدم طول الحرة بالنص وذلك يوجب نفي ~~الحكم عند وجود طول الحرة كما يوجب إثباته عند عدم طول الحرة # هذا هو المفهوم من الكلام فإن من يقول لغيره إن دخل عبدي الدار فأعتقه ~~يفهم منه ولا تعتقه إن لم يدخل الدار والعمل بالنصوص واجب بمنظومها ~~ومفهومها ولهذا جوز تعجيل الكفارة بعد اليمين قبل الحنث لأن السبب هو ~~اليمين ولهذا تضاف الكفارة إليها والأصل أن الواجبات تضاف إلى أسبابها فأما ~~الحنث شرط يتعلق وجوب الأداء به ويتضح هذا فيما إذا قال إن فعلت كذا فعلي ~~كفارة يمين والتعليق بالشرط بمنزلة التأجيل عنده فلا يمنع جواز التعجيل ~~قبله بمنزلة الدين المؤجل إلا أن هذا في المالي دون البدني لأن تأثير ~~التعليق بالشرط في تأخير وجوب الأداء في الحقوق المالية الوجوب ينفصل عن ~~الأداء من حيث إن الواجب قبل الأداء مال معلوم كما في حقوق العباد فأما في ~~البدني الواجب فعل يتأدى به فلا يتحقق انفصاله عن الأداء وبالتعليق بالشرط ~~يتأخر وجوب الأداء فيتأخر تقرر السبب أيضا ضرورة لأن أحدهما لا ينفصل عن ~~الآخر # ونظيره من حقوق العباد الشراء مع الاستئجار فإن بشراء العين يثبت الملك ~~ويتم السبب قبل فعل التسليم وبالاستئجار لا يثبت الملك في المنفعة قبل ~~الاستيفاء لأنها لا تبقى وقتين ولا يتصور تسليمها بعد وجودها بل يقترن ~~التسليم بالوجود فإنما تصير معقودا عليها مملوكا بالعقد عند الاستيفاء ~~PageV01P261 فكذلك في حقوق الله تعالى يفصل بين المالي والبدني من هذا ~~الوجه ألا ترى أن من قال لله علي أن أتصدق بدرهم رأس الشهر فتصدق به في ~~الحال جاز لهذا المعنى # ودليلنا على أن التعليق بالشرط لا يوجب نفي الحكم قبله من الكتاب قوله ~~تعالى @QB@ فإذا أحصن ms263 فإن أتين بفاحشة @QE@ الآية ولا خلاف أنه يلزمها الحد ~~المذكور جزاء على الفاحشة وإن لم تحصن وقال تعالى @QB@ فكاتبوهم إن علمتم ~~فيهم خيرا @QE@ وحكم الكتابة لا ينتفي قبل هذا الشرط # ثم حقيقة الكلام تبتنى على معرفة عمل الشرط فنقول التعليق بالشرط تصرف في ~~أصل العلة لا في حكمها من حيث إنه يتبين بالتعليق أن المذكور ليس بسبب قبل ~~وجود الشرط ولكن بعرض أن يصير سببا عند وجوده فأوان وجود الحكم ابتداء حال ~~وجود الشرط بمنزلة ما ذكره الخصم في العلة إلا أن فرق ما بينهما أن الحكم ~~يوجد عند وجود الشرط ابتداء ولكنه يضاف إلى العلة ثبوتا به وإلى الشرط ~~وجودا عنده فكما أن قبل وجود العلة انعدام الحكم أصل غير مضاف إلى العلة ~~فكذلك قبل وجود الشرط # وبيان هذا الكلام من وجهين أحدهما أن السبب هو الإيقاع والمعلق بالشرط ~~يمين وهي غير الإيقاع وينتقض اليمين إذا صار إيقاعا بوجود الشرط والثاني أن ~~صحة الإيجاب باعتبار ركنه ومحله ألا ترى أن شطر البيع كما لا يكون سببا ~~لانعدام تمام الركن فكذلك بيع الحر لا يكون سببا لأنه غير مضاف إلى محله ~~فكذلك في الطلاق والعتاق شطر الكلام الذي هو إيجاب ( كما لا يكون سببا ~~فالكلام الذي هو إيجاب ) ما لم يتصل بالمحل لا يكون سببا والتعليق بالشرط ~~يمنع وصوله إلى المحل بالاتفاق ولكنه بعرض أن يتصل بالمحل إذا وجد الشرط ~~كما أن شرط البيع بعرض أن يصير سببا إذا وجد الشطر الثاني # وكذلك شطر النصاب ليس بسبب للزكاة بمنزلة النصاب الكامل في ملك من ليس ~~بأهل لوجوب الزكاة عليه وهو الكافر ولكن بعرض أن يصير سببا # ونظيره من الحسيات الرمي فإن نفسه ليس بقتل ولكنه بعرض أن يصير قتلا إذا ~~اتصل بالمحل وإذا كان هناك مجن منع وصوله إلى المحل فأحد لا يقول بأن المجن ~~مانع لما هو قتل ولكن لما كان يصير قتلا لو اتصل بالمحل عند PageV01P262 ~~عدم المجن فكذلك التعليق بالشرط في الحكميات # وبهذا تبين أنه وهم حيث ms264 جعل التعليق كالتأجيل فإن التأجيل لا يمنع وصول ~~السبب بالمحل لأن سبب وجوب التسليم في الدين والعين جميعا العقد ومحل الدين ~~الذمة والتأجيل لا يمنع ثبوت الدين في الذمة ولا ثبوت الملك في المبيع ~~وإنما يؤخر المطالبة وهو محتمل السقوط فيسقط الأجل بالتعجيل ويتحقق أداء ~~الواجب وهنا التعليق يمنع الوصول إلى المحل وقبل الوصول ( إلى المحل ) لا ~~يتم السبب ولا يتصور أداء الواجب قبل تمام السبب ولهذا لم نجوز التكفير قبل ~~الحنث لأن أدنى درجات السبب أن يكون طريقا إلى الحكم واليمين مانع من الحنث ~~الذي تعلق به وجوب الكفارة على ما قرره فإنها موجبة للبر والبر يفوت بالحنث ~~وفي الحنث نقض اليمين كما قال تعالى @QB@ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ~~@QE@ ويستحيل أن يقال في شيء إنه سبب لحكم لا يثبت ذلك الحكم إلا بعد ~~انتقاضه فعرفنا أنه بعرض أن يصير سببا عند وجود الشرط فلهذا كان مضافا إليه ~~وقبل أن يصير سببا لا يتحقق الأداء وفرقه بين المالي والبدني باطل فإن بعد ~~تمام السبب الأداء جائز في البدني والمالي جميعا وإن تأخر وجوب الأداء ~~كالمسافر إذا صام في شهر رمضان وهذا لأن الواجب لله على العبد فعل هو عبادة ~~فأما المال ومنافع البدن فإنه يتأدى الواجب بهما فكما أن في البدن مع تملق ~~وجوب الأداء بالشرط لا يكون السبب تاما فكذلك في المالي بخلاف حقوق العباد ~~فإن الواجب للعباد مال لا فعل لأن المقصود ما ينتفع منه العبد أو يندفع عنه ~~الخسران به وذلك بالمال دون الفعل ولهذا إذا ظفر بجنس حقه فاستوفى تم ~~الاستيفاء وإن لم يوجد فعل هو أداء ممن عليه # فأما حقوق الله تعالى واجبة بطريق العبادة ونفس المال ليس بعبادة إنما ~~العبادة اسم لعمل يباشره العبد بخلاف هوى النفس لابتغاء مرضاة الله تعالى ~~وفي هذا المالي والبدني سواء وهذا التعليق لا يشبه بتعليق القنديل بالحبل ~~لأن القنديل كان موجودا بذاته قبل التعليق فعرفنا أن عمل التعليق في تفريغ ~~المكان الذي كان مشغولا به من الأرض ms265 قبل التعليق وهنا قبل التعليق ما كان ~~الحكم موجودا فكان تأثير التعليق في تأخير السببية للحكم إلى وجود ~~PageV01P263 الشرط ولهذا جوزنا تعليق الطلاق والإعتاق بالملك لأن المتعلق ~~قبل وجود الشرط يمين ومحل الالتزام باليمين الذمة فأما الملك في المحل إنما ~~يشترط لإيجاب الطلاق والإعتاق وهذا الكلام للحال ليس بإيجاب ولكنه بعرض أن ~~يصير إيجابا فإن تيقنا بوجود الملك في المحل حين يصير إيجابا بوصوله إلى ~~المحل صححنا التعليق باعتباره وإن لم نتيقن بذلك بأن كان الشرط مما لا أثر ~~له في إثبات الملك في المحل شرطنا الملك في الحال ليصير كلامه إيجابا عند ~~وجود الشرط باعتبار الظاهر وهو أن ما علم ثبوته فالأصل بقاؤه ولكن بهذا ~~الظاهر دون الملك الذي يتيقن به عند وجود الشرط فصحة التعليق باعتبار ذلك ~~النوع دليل على صحة التعليق باعتبار هذا الملك بطريق أولى وليس التعليق ~~كاشتراط الخيار في البيع فإن ذلك لا يدخل على أصل السبب لأن البيع لا يحتمل ~~الحظر وفي جعله متعلقا بشرط لا ندري أن يكون أو لا يكون حظر تام ولهذا كان ~~القياس أن لا يجوز البيع مع خيار الشرط ولكن السنة جوزت ذلك لحاجة الناس ~~باعتبار أن الخيار دخل على الحكم دون السبب فإن الحكم يحتمل التأخير عن ~~السبب فجعل الحكم متعلقا بشرط إسقاط الخيار مع ثبوت السبب لأن السبب محتمل ~~للفسخ فيما هو المقصود وهو دفع الضرر يحصل بهذا الطريق وهو أقل غررا فأما ~~الطلاق والعتاق فأصل السبب فيهما يحتمل التعليق بالشرط فإذا وجد التعليق ~~نصا يثبت الحظر الكامل فيهما بأن تعلق صيرورتهما سببا بوجود الشرط # والدليل على الفرق من جهة الحكم أنه لو حلف أن لا يبيع فباع بشرط الخيار ~~حنث في يمينه # ولو حلف أن لا يطلق امرأته فعلق طلاقها بالشرط لم يحنث ما لم يوجد الشرط ~~وعلى هذا جوزنا نكاح الأمة لمن له طول الحرة لأن التعليق بالشرط لا يوجب ~~نفي الحكم قبله فيجعل الحل ثابتا قبل وجود هذا الشرط بالآيات الموجبة لحل ~~الإناث للذكور ms266 # وهكذا نقول في قوله إن دخل عبدي الدار PageV01P264 فأعتقه فإن ذلك لا ~~يوجب نفي الحكم قبله حتى إنه لو كان قال أولا أعتق عبدي ثم قال أعتقه إن ~~دخل الدار جاز له أن يعتقه قبل الدخول بالأمر الأول ولا يجعل هذا الثاني ~~نهيا عن الأول # ( فإن قيل لا خلاف أن الحكم المتعلق بالشرط يثبت عند وجود الشرط وإذا كان ~~الحكم ثابتا هنا قبل وجود الشرط فكيف يتصور ثبوته عند وجود الشرط إذ لا ~~يجوز أن يكون الحكم الواحد ثابتا في الحال ومتعلقا بشرط منتظر قلنا حل ~~الوطء ليس بثابت قبل النكاح ولكنه متعلق بشرط النكاح في الآيات التي ليس ~~فيها هذا الشرط الزائد ومتعلق بها وبهذا الشرط في هذه الآية وإنما يتحقق ما ~~ادعى من التضاد فيما هو موجود فأما فيما هو متعلق فلا لأنه يجوز أن يكون ~~الحكم متعلقا بشرط وذلك الحكم بعينه متعلقا بشرط آخر قبله أو بعده ألا ترى ~~أن من قال لعبده إذا جاء يوم الخميس فأنت حر ثم قال إذا جاء يوم الجمعة ~~فأنت حر كان الثاني صحيحا وإن كان مجيء يوم الجمعة لا يكون إلا بعد مجيء ~~يوم الخميس حتى لو أخرجه من ملكه فجاء يوم الخميس ثم أعاده إلى ملكه فجاء ~~يوم الجمعة يعتق باعتبار التعليق الثاني ) # فإن قيل مع هذا لا يجوز أن يكون الشيء الواحد كمال الشرط لإثبات حكم وهو ~~بعض الشرط لإثبات ذلك الحكم أيضا وما قلتم يؤدي إلى هذا فإن عقد النكاح ~~كمال الشرط في سائر الآيات سوى قوله تعالى @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا ~~@QE@ وهو بعض الشرط في هذه الآية إذا قلتم بأن الحكم يثبت ابتداء عند وجود ~~هذا الشرط # قلنا إنما لا يجوز هذا بنص واحد فأما بنصين فهو جائز ألا ترى أنه لو قال ~~لعبده أنت حر إن أكلت ثم قال أنت حر إن أكلت وشربت صح كل واحد منهما ويكون ~~الأكل كمال الشرط بالتعليق الأول وبعض الشرط في التعليق الثاني حتى لو باعه ~~فأكل في ms267 غير ملكه ثم اشتراه فشرب فإنه يعتق لتمام الشرط في التعليق الثاني ~~وهو في ملكه # وعلى هذا الأصل قال زفر رحمه الله إن التعليق لا يبطل بفوات المحل حتى لو ~~قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم طلقها ثلاثا لم يبطل التعليق ~~PageV01P265 ولو قال لأمته إن دخلت الدار فأنت حرة ثم أعتقها لم يبطل ~~التعليق حتى إذا ارتدت ولحقت بدار الحرب فسبيت وملكها ثم دخلت الدار عتقت ~~قال لأن التعليق بالشرط يمنع الوصول إلى المحل والمتعلق بالشرط لا يكون ~~طلاقا ولا سببا للطلاق قبل وجود الشرط واشتراط المحلية لتمام السبب وثبوت ~~الحكم عند الوصول إليه بمنزلة اشتراط الملك فكما لا يبطل التعليق بعد صحته ~~بانعدام الملك في المحل بأن باع العبد أو أبان المرأة وانقضت عدتها فكذلك ~~لا يبطل بانعدام المحلية وهذا لأن توهم المحلية عند وجود الشرط قائم كتوهم ~~الملك وإذا كان يصح ابتداء التعليق باعتبار توهم الملك عند وجود الشرط في ~~هذه اليمين لأن الملك الموجود عند التعليق متوهم البقاء عند وجود الشرط لا ~~متيقن البقاء فلأن يبقى التعليق صحيحا باعتبار هذا التوهم كان أولى ألا ترى ~~أن التعليق بالملك يبقى باعتبار هذا المعنى حتى إذا قال لأجنبية كلما ~~تزوجتك فأنت طالق ثلاثا فتزوجها وطلقت ثلاثا ثم تزوجها ثانيا بعد زوج تطلق ~~أيضا # ولكنا نقول بانعدام المحل يبطل التعليق لأن صحة التعليق باعتبار المحلوف ~~به وهو ما يصير طلاقا عند وجود الشرط ولا تصور لذلك بدون المحل وبالتطليقات ~~الثلاث تحقق فوات المحل لأن الحكم الأصلي للطلاق زوال صفة الحل عن المحل ~~ولا تصور لذلك بعد حرمة المحل بالتطليقات الثلاث فلانعدام المحلوف به من ~~هذا الوجه يبطل التعليق لا لأن المتعلق بالشرط تطليقات ذلك الملك # وتحقيق هذا أنه لا بد لصحة التعليق من المحل ( أيضا ) حتى لا يصح التعليق ~~بالعتق مضافا إلى البهيمة إلا أن قيام الملك في المحل لا يشترط لأن التعليق ~~بالشرط ليس هو الطلاق المملوك وإذا كانت صحة التعليق تستدعي المحل لم يبق ~~صحيحا ms268 بعد فوات المحل لأن فيما يرجع إلى المحل البقاء بمنزلة الابتداء ~~وتوهم المحلية على الوجه الذي قال لا يعتبر لصحة التعليق في الابتداء فإنه ~~لو قال لأجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق أو قال ذلك للمطلقة ثلاثا لم يصح ~~التعليق وإن كان يتوهم الملك والمحلية عند وجود الشرط فإذا لم يعتبر ذلك ~~لصحة التعليق في الابتداء لا يعتبر لبقائه صحيحا بخلاف ما إذا صرح بالإضافة ~~إلى الملك فإن اعتبار ذلك التعليق بالتيقن بالملك والمحلية عند PageV01P266 ~~وجود الشرط # يوضحه أن المتعلق وإن لم تكن التطليقات المملوكة له ولكن في التعليق شبهة ~~ذلك على معنى أنه ما صح إلا باعتباره بمنزلة الغصب فإن موجبه رد العين ولكن ~~فيه شبهة وجوب ضمان القيمة به وقد اعتبرنا الشبهة حتى أثبتنا الملك عند ~~تقرر الضمان من وقت الغصب فهنا أيضا لا بد من اعتبار هذه الشبهة وبعدما ~~أوقع الثلاث قد ذهبت التطليقات المملوكة كلها فلهذا لا يبقى التعليق # ومن هذه الجملة ما قال الشافعي رحمه الله إن المطلق محمول على المقيد ~~سواء كان في حادثة واحدة أو في حادثتين لأن الشيء الواحد لا يجوز أن يكون ~~مطلقا ومقيدا والمطلق ساكت والمقيد ناطق فكان هو أولى بأن يجعل أصلا ويبني ~~المطلق عليه فيثبت الحكم مقيدا بهما كما في نصوص الزكاة فإن المطلق عن صفة ~~السوم محمول على المقيد بصفة السوم في حكم الزكاة بالاتفاق # وكذلك نصوص الشهادة فإن المطلق عن صفة العدالة محمول على المقيد بها في ~~اشتراط العدالة في الشهادات كلها وكذلك نصوص الهدايا فإن المطلق عن التبليغ ~~وهو هدي المتعة والقران محمول على المقيد بالتبليغ وهو جزاء الصيد يعني ~~قوله @QB@ هديا بالغ الكعبة @QE@ حتى يجب التبليغ في الهدايا كلها # وكذلك إذا كان في حادثتين لأن التقييد بالوصف بمنزلة التعليق بالشرط على ~~ما قررنا وكما أوجب نفي الحكم فيه قبل وجود الشرط أوجب في نظيره استدلالا ~~به ولهذا شرط الإيمان في الرقبة في كفارة اليمين والظهار استدلالا بكفارة ~~القتل لأن الكل كفارة بالتحرير فيكون بعضها ms269 نظير بعض بمنزلة الطهارة فإن ~~تقييد الأيدي بالمرافق في الوضوء جعل تقييدا في نظيره وهو التيمم لأن كل ~~واحد منهما طهارة وهذا بخلاف مقادير الكفارات والعبادات من الصلوات وغيرها ~~لأن ثبوتها بالنصوص باسم العلم لا بالصفة التي تجري مجرى الشرط وقد بينا أن ~~اسم العلم لا يوجب نفي الحكم قبل وجوده في المسمى به فكيف يوجب ذلك في غيره ~~ولا يلزمني على هذا التتابع في صوم كفارة اليمين فإني لا أوجبه استدلالا ~~بالمقيد بالتتابع في صوم الظهار والقتل لأن هذا المطلق يعارض فيه نظائره من ~~النصوص فمنها مقيد بصفة التتابع ومنها مقيد بصفة التفرق يعني صوم المتعة ~~قال تعالى @QB@ وسبعة إذا رجعتم @QE@ حتى لو لم يفرق الصوم فيها لم يجز فلا ~~يكون حملها على أحدهما بأولى من الآخر ولأجل هذا التعارض أثبتنا فيها حكم ~~الإطلاق # بالصوم المقيد بالتتابع في باب الكفارات فذلك يلزمكم اشتراط صفة الإيمان ~~في الرقبة في كفارة اليمين اعتبارا بنظيرها في كفارة القتل # وعندنا هذا أبعد من الأول لأن العلة واحدة هناك والحكم مختلف وهنا الحكم ~~والعلة جميعا مختلف فكيف يمكن تعرف حكم من حكم آخر أو تعرف علة من علة أخرى ~~ثم الدليل لنا من الكتاب قوله تعالى @QB@ لا تسألوا @QE@ ثم هذا يلزمكم ~~فإنكم أثبتم صفة التتابع PageV01P267 في صوم كفارة اليمين اعتبارا @QB@ عن ~~أشياء إن تبد لكم تسؤكم @QE@ وفي الرجوع إلى المقيد ليعرف منه حكم المطلق ~~إقدام على هذا المنهي عنه لما فيه من ترك الإبهام فيما أبهم الله تعالى ~~وإليه أشار ابن عباس رضي الله عنهما قال أبهموا ما أبهم الله واتبعوا ما ~~بين # وقال عمر رضي الله عنه أم المرأة مبهمة فأبهموها # وإنما أراد قوله @QB@ وأمهات نسائكم @QE@ فإن حرمتها مطلقة وحرمة الربيبة ~~مقيدة بقوله تعالى @QB@ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن @QE@ وهذا غير مذكور ~~على وجه الشرط بل على وجه الزيادة في تعريف النساء فإن النساء المذكورة في ~~قوله @QB@ وأمهات نسائكم @QE@ معرف بالإضافة إلينا وفي قوله تعالى @QB@ من ~~نسائكم اللاتي دخلتم بهن @QE@ زيادة تعريف أيضا ms270 بمنزلة قول الرجل عبد ~~امرأتي وعبد امرأتي البيضاء فلا يكون ذلك في معنى الشرط حتى يكون دليلا على ~~نفي الحكم قبل وجوده كما توهمه الخصم # وكذلك في كفارة القتل ذكر صفة الإيمان في الرقبة لتعريف الرقبة المشروعة ~~كفارة لا على وجه الشرط # وإنما لا يجزىء الكافر لأنها غير مشروعة لا لانعدام شرط الجواز فيما هو ~~مشروع كما لا تجزىء إراقة الدم وتحرير نصف الرقبة لأن الكفارة ما عرفت إلا ~~شرعا فما ليس بمشروع لا يحصل به التكفير وفي الموضع الذي هو مشروع يحصل به ~~التكفير ولا شك أن انعدام كونه مشروعا في موضع لا يوجب نفي كونه مشروعا في ~~موضع آخر ولو كان موجبا لذلك لم يجز العمل به مع النص المطلق الذي هو دليل ~~كونه مشروعا # وبهذا تبين أن فيما ذهب إليه قولا بتناقض الأدلة الشرعية أو ترك العمل ~~ببعضها # ثم للمطلق حكم وهو الإطلاق فإن للإطلاق معنى معلوما وله حكم معلوم ~~وللمقيد كذلك فكما لا يجوز حمل المقيد على المطلق لإثبات حكم الإطلاق فيه ~~لا يجوز حمل المطلق على المقيد لإثبات حكم التقييد فيه ولئن سلمنا ~~PageV01P268 أن القيد المذكور بمنزلة الشرط وأنه يوجب نفي الحكم قبله فيه ~~فلا يوجب ذلك في غيره ما لم تثبت المماثلة ( بينهما ولا مماثلة ) في المعنى ~~بين أم المرأة وابنتها لأن أم المرأة تبرز إلى زوج ابنتها قبل الزفاف عادة ~~والربيبة تمنع من ذلك بعد الزفاف فضلا عما قبله # وكذلك لا مماثلة بين سبب كفارة القتل وبين سائر أسباب الكفارة فإن القتل ~~بغير حق لا يكون في معنى الجناية كالظهار أو اليمين ولا مماثلة في الحكم ~~أيضا فالرقبة عين في كفارة القتل ولا مدخل للإطعام فيها والصوم مقدر بشهرين ~~متتابعين وفي الظهار للإطعام مدخل عند العجز عن الصوم وفي اليمين يتخير بين ~~ثلاثة أشياء ويكفي إطعام عشرة مساكين وعند العجز يتأدى بصوم ثلاثة أيام فمع ~~انعدام المماثلة في السبب والحكم كيف يجعل ما يدل على نفي الحكم في كفارة ~~القتل دليلا على النفي ms271 في كفارة اليمين والظهار وإذا كان هو لا يعتبر الصوم ~~في كفارة اليمين بالصوم في سائر الكفارات في صفة التتابع لانعدام المماثلة ~~فكيف يستقيم منه اعتبار الرقبة في كفارة اليمين بالرقبة في كفارة القتل وما ~~ذكره من العذر باطل فالمطلق في كفارة إنما يحمل على المقيد في الكفارة أيضا ~~وليس في صوم الكفارة مقيد بالتفرق فإن صوم المتعة ليس بكفارة بل هو نسك ~~بمنزلة إراقة الدم الذي كان الصوم خلفا عنه ثم هو غير مقيد بالتفرق فإنه ~~وإن فرقه قبل الرجوع لا يجوز ولكنه مضاف إلى وقت بحرف إذا كما قال تعالى ~~@QB@ وسبعة إذا رجعتم @QE@ والمضاف إلى وقت لا يجوز قبل ذلك الوقت كصوم ~~رمضان قبل شهود الشهر وصلاة الظهر قبل زوال الشمس # وعندنا شرط التتابع فيه ليس بحمل المطلق على المقيد بل بقراءة ابن مسعود ~~رضي الله عنه ( فصيام ثلاثة أيام متتابعات ) وقراءته لا تكون دون خبر يرويه ~~وقد كان مشهور إلى عهد أبي حنيفة رحمه الله وبالخبر المشهور تثبت الزيادة ~~على النص على ما نبينه # فإن قيل لماذا لم تجعلوا قراءته كنص آخر ثم عملتم بهما جميعا كما فعلتم ~~في صدقة الفطر حيث أوجبتم الصدقة عن العبد الكافر بالنص المطلق وعن العبد ~~المسلم بالنص المقيد قلنا لأن الحكم هنا واحد وهو تأدي الكفارة بالصوم ~~فبعدما صار مقيدا PageV01P269 بنص لا يبقى ذلك الحكم بعينه مطلقا # فأما في صدقة الفطر النصان في بيان السبب دون الحكم وأحد السببين لا ينفي ~~السبب الآخر فيجوز أن يكون ملك العبد المطلق سببا لوجوب صدقة الفطر بأحد ~~النصين وملك العبد المسلم سببا بالنص الآخر # وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله يجوز التيمم بكل ما هو من جنس ~~الأرض باعتبار النص المطلق وهو قوله عليه السلام جعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا وبالتراب باعتبار النص المقيد وهو قوله عليه السلام التراب طهور ~~المسلم لأن المحل مختلف وإن كان الحكم واحدا فيستقيم إثبات المحلية باعتبار ~~كل نص في شيء آخر فأما التيمم إلى المرافق فلم ms272 نشترطه بحمل المطلق على ~~المقيد إذ لو جاز ذلك لكان الأولى إثبات التيمم في الرأس والرجل اعتبارا ~~بالوضوء وإنما عرفنا ذلك بنص فيه وهو حديث الأسلع أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم علمه التيمم ضربتين ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين وهو مشهور ~~يثبت بمثله التقييد فإذا صار مقيدا لا يبقى ذلك الحكم بعينه مطلقا # فأما صفة السائمة في الزكاة فهو ثابت بالنص المقيد وإنما لا نوجب الزكاة ~~في غير السائمة لنص موجب للنفي وهو قوله عليه السلام لا زكاة في العوامل لا ~~باعتبار حمل المطلق على المقيد # واشتراط العدالة في الشهادات باعتبار وجوب التوقف ( وهو قوله تعالى @QB@ ~~إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ أي توقفوا ) في خبر الفاسق بالنص وباعتبار ~~قوله تعالى @QB@ ممن ترضون من الشهداء @QE@ والفاسق لا يكون مرضيا لا بحمل ~~المطلق على المقيد # واشتراط التبليغ في الهدايا باعتبار النص الوارد فيه وهو أن الله تعالى ~~بعد ذكر الهدايا قال @QB@ ثم محلها إلى البيت العتيق @QE@ أو بمقتضى اسم ~~الهدي فإنه اسم لما يهدي إلى موضع # وبمجرد اسم الكفارة لا تثبت المماثلة بين واجبات متفاوتة في أنفسها ~~ليتعرف حكم بعضها من بعض كما لا تثبت المماثلة بين الصلوات في مقدار ~~الركعات والشرائط نحو الخطبة والجماعة في صلاة الجمعة حتى يعتبر بعضها ببعض ~~وإن جمعها اسم الصلاة # وصار حاصل الكلام أن النفي ضد الإثبات فالنص الموجب لإثبات حكم لا يوجب ~~ضد ذلك الحكم بعبارته PageV01P270 ولا بإشارته ولا بدلالته ولا بمقتضاه ~~لأنه ليس من جملة ما لا يستغنى عنه حتى يكون مقتضيا إياه فإثبات النفي به ~~بعد هذا لا يكون إلا إثبات الحكم بلا دليل والاحتجاج بلا حجة وذلك باطل على ~~ما نثبته في بابه إن شاء الله تعالى # ونحن إذا قلنا يثبت بالمطلق حكم الإطلاق وبالمقيد حكم التقييد فقد عملنا ~~بكل دليل بحسب الإمكان والتفاوت بين العمل بالدليل وبين العمل بلا دليل لا ~~يخفى على كل متأمل # ومن هذا الجنس ما قاله الشافعي رحمه الله إن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ms273 ~~ضده والنهي عن الشيء يكون أمرا بضده وقد بينا فساد هذا الكلام فيما سبق # ومن هذه الجملة قول بعض العلماء إن العام يختص بسببه وعندنا هذا على ~~أربعة أوجه أحدها أن يكون السبب منقولا مع الحكم نحو ما روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سها فسجد وأن ماعزا زنى فرجم ونحو قوله تعالى @QB@ إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه @QE@ وهذا يوجب تخصيص الحكم بالسبب ~~المنقول لأنه لما نقل معه فذلك تنصيص على أنه بمنزلة العلة للحكم المنصوص ~~وكما لا يثبت الحكم بدون علية لا يبقى بدون العلة مضافا إليها بل البقاء ~~بدونها يكون مضافا إلى علة أخرى # والثاني أن لا يكون السبب منقولا ولكن المذكور مما لا يستقل بنفسه ولا ~~يكون مفهوما بدون السبب المعلوم به فهذا يتقيد به أيضا نحو قول الرجل أليس ~~لي عندك كذا فيقول بلى أو يقول أكان من الأمر كذا فيقول نعم أو أجل # فهذه الألفاظ لا تستقل بنفسها مفهومة المعنى فتتقيد بالسؤال المذكور الذي ~~كان سببا لهذا الجواب حتى جعل إقرارا بذلك وباعتبار أصل اللغة بلى موضوع ~~للجواب عن صيغة نفي فيه معنى الاستفهام كما قال تعالى @QB@ ألست بربكم ~~قالوا بلى @QE@ ونعم جواب لما هو محض الاستفهام قال تعالى @QB@ فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا قالوا نعم @QE@ وأجل تصلح لهما # وقد تستعمل بلى ونعم في جواب ما ليس باستفهام على أن يقدر فيه معنى ~~الاستفهام أو يكون مستعارا عنه # هذا مذهب أهل اللغة # PageV01P271 فأما محمد رحمه الله فقد ذكر في كتاب الإقرار مسائل بناها ~~على هذه الكلمات من غير استفهام في السؤال أو احتمال استفهام وجعلها إقرارا ~~صحيحا بطريق الجواب وكأنه ترك اعتبار حقيقة اللغة فيها لعرف الاستعمال # والثالث أن يكون مستقلا بنفسه مفهوم المعنى ولكنه خرج جوابا للسؤال وهو ~~غير زائد على مقدار الجواب فبهذا يتقيد بما سبق ويصير ما ذكر في السؤال ~~كالمعاد في الجواب لأنه بناء عليه # وبيان هذا فيما إذا قال لغيره تعال تغد معي فقال إن تغديت ms274 فعبدي حر فهذا ~~يختص بذلك الغداء ولو قالت له امرأته إنك تغتسل في هذه الدار الليلة من ~~جنابة فقال إن اغتسلت فعبدي حر فإنه يختص بذلك الاغتسال المذكور في السؤال # والرابع أن يكون مستقلا بنفسه زائدا على ما يتم به الجواب بأن يقول إن ~~تغديت اليوم أو إن اغتسلت الليلة فموضع الخلاف هذا الفصل # فعندنا لا يختص مثل هذا العام بسببه لأن في تخصيصه به إلغاء الزيادة وفي ~~جعله نصا مبتدأ اعتبار الزيادة التي تكلم بها وإلغاء الحال والعمل بالكلام ~~لا بالحال فإعمال كلامه مع إلغاء الحال أولى من إلغاء بعض كلامه وفيما لا ~~يستقل بنفسه قيدناه بالسبب باعتبار أن الكل صار بمنزلة المذكور وبمنزلة ~~كلام واحد فلا يجوز إعمال بعضه دون البعض ففي هذا الموضع لأن لا يجوز إعمال ~~بعض كلامه وإلغاء البعض كان أولى إلا أن يقول نويت الجواب فحينئذ يدين فيما ~~بينه وبين الله تعالى وتجعل تلك الزيادة للتوكيد # وعلى قول بعض العلماء هذا يحمل على الجواب أيضا باعتبار الحال فيكون ذلك ~~عملا بالمسكوت وتركا للعمل بالدليل لأن الحال مسكوت عنه والاستدلال ~~بالمسكوت يكون استدلالا بلا دليل فكيف يجوز باعتباره ترك العمل بالدليل وهو ~~المنصوص والدليل على صحة ما قلنا إن بين أهل التفسير اتفاقا أن نزول آية ~~الظهار كان بسبب خولة ثم لم يختص الحكم بها ونزول آية القذف كان بسبب قصة ~~عائشة رضي الله عنها ثم لم يختص بها ونزول آية اللعان كان بسبب ما قال سعد ~~بن عبادة ثم لم يختص به ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~PageV01P272 فوجدهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال من أسلم فليسلم ~~في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم فقد كان سبب هذا النص إسلامهم إلى ~~أجل مجهول ثم لم يختص هذا النص بذلك السبب # وأمثلة هذا كثير فعرفنا أن العام لا يختص بسببه # ومن هذه الجملة تخصيص العام بغرض المتكلم فإن من الناس من يقول يختص ~~الكلام بما يعلم من غرض المتكلم لأنه يظهر ms275 بكلامه غرضه فيجب بناء كلامه في ~~العموم والخصوص والحقيقة والمجاز على ما يعلم من غرضه ويجعل ذلك الغرض ~~كالمذكور # وعلى هذا قالوا الكلام المذكور للمدح والذم والثناء والاستثناء لا يكون ~~له عموم لأنا نعلم أنه لم يكن غرض المتكلم به العموم # وعندنا هذا فاسد لأنه ترك موجب الصيغة بمجرد التشهي وعمل بالمسكوت فإن ~~الغرض مسكوت عنه فكيف يجوز العمل بالمسكوت وترك العمل بالمنصوص باعتباره ~~ولكن العام يعرف بصيغته فإذا وجدت تلك الصيغة وأمكن العمل بحقيقتها يجب ~~العمل والإمكان قائم مع استعمال الصيغة للمدح والذم ( فإن المدح العام ~~والثناء العام من عادة أهل اللسان وكذلك الاستثناء والذم ) واعتبار الغرض ~~اعتبار نوع احتمال ولأجله لا يجوز ترك العمل بحقيقة الكلام # ومن ذلك ما قاله بعض الأحداث من الفقهاء إن القرآن في النظم يوجب ~~المساواة في الحكم وبيان هذا في قوله تعالى @QB@ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ~~في الحج @QE@ فإن هذه جمل قرن بعضها ببعض بحرف النظم وهو الواو وقالوا ~~يستوي حكمها في الحج # وقال بعض أصحابنا في قوله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ ~~إن ذلك يوجب سقوط الزكاة عن الصبي لأن القران في النظم دليل المساواة في ~~الحكم فلا تجب الزكاة على من لا تجب عليه الصلاة # وعندنا هذا فاسد وهو من جنس العمل بالمسكوت وترك العمل بالدليل لأجله فإن ~~كلا من الجمل معلوم بنفسه وليس في واو النظم دليل المشاركة بينهما في الحكم ~~إنما ذلك في واو العطف وفرق ما بينهما أن واو النظم تدخل بين جملتين كل ~~واحدة منهما تامة بنفسها مستغنية عن خبر الآخر كقول الرجل جاءني زيد وتكلم ~~عمرو فذكر الواو بينهما لحسن النظم # وبيان هذا في قوله تعالى @QB@ لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء @QE@ ~~وقال به PageV01P273 لا للعطف تعالى @QB@ فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح ~~الله الباطل @QE@ وأما واو العطف فإنه يدخل بين جملتين أحدهما ناقص والآخر ~~تام بأن لا يكون خبر الناقص مذكورا فلا يكون مفيدا بنفسه ولا بد من جعل ~~الخبر المذكور ms276 للأول خبرا للثانية حتى يصير مفيدا كقول الرجل جاءني زيد ~~وعمرو فهذا الواو للعطف لأنه لم يذكر لعمرو خبرا ولا يمكن جعل ( هذا ) ~~الخبر الأول خبرا له إلا بأن يجعل الواو للعطف حتى يصير ذلك الخبر كالمعاد ~~لأن موجب العطف الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الخبر فمن قال ~~بالقول الأول فقد ذهب إلى التسوية بين واو العطف وواو النظم باعتبار أن ~~الواو في أصل اللغة للعطف وموجب العطف الاشتراك ومطلق الاشتراك يقتضي ~~التسوية فذلك دليل على أن القران في النظم يوجب المساواة في الحكم # ثم الأصل أنا نفهم من خطاب صاحب الشرع ما يتفاهم من المخاطبات بيننا ومن ~~يقول امرأته طالق وعبده حر إن دخل الدار فإنه يقصد الاشتراك بين المذكورين ~~في التعليق بالشرط وذلك يفهم من كلامه حتى يجعل الكل متعلقا بالشرط وإن كان ~~كل واحد من الكلامين تاما لكونه مبتدأ وخبرا مفهوم المعنى بنفسه فعليه يحمل ~~أيضا مطلق كلام صاحب الشرع # ولكنا نقول المشاركة في الخبر عند واو العطف لحاجة الجملة الناقصة إلى ~~الخبر لا لعين الواو وهذه الحاجة تنعدم في واو النظم لأن كل واحد من ~~الكلامين تام بما ذكر له من الخبر فكان هذا الواو ساكتا عما يوجب المشاركة ~~فإثبات المشاركة به يكون استدلالا بالمسكوت يوضحه أنه لو كانت المشاركة ~~تثبت باعتبار هذا الواو لثبتت في خبر كل جملة إذ ليس خبر إحدى الجملتين ~~بذلك بأولى من الآخر وهذا خلاف ما عليه إجماع أهل اللسان فأما إذا قال ~~امرأته طالق وعبده حر إن دخل الدار فكل واحد منهما تام في نفسه إيقاعا لا ~~تعليقا بالشرط والتعليق تصرف سوى الإيقاع ففيما يرجع إلى التعليق إحدى ~~الجملتين ناقصة فأثبتنا المشاركة بينهما في حكم التعليق بواو العطف حتى إذا ~~لم يذكر الشرط وكان كلامه إيقاعا لم تثبت المشاركة بينهما في الخبر وجعل ~~واو النظم مائة دينار ولفلان ألف درهم إلا عشرة يجعل الاستثناء من آخر ~~المالين ذكرا لأن بالاستثناء لا يخرج الكلام من أن يكون إقرارا وباعتبار ~~الإقرار ms277 كل واحد من الجملتين تامة فيكون الواو للنظم وينصرف الاستثناء إلى ~~ما يليه خاصة # وعلى هذا قلنا في قوله تعالى @QB@ وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا ~~@QE@ PageV01P274 لتحسين الكلام به فإنه مستعمل كما بينا ولهذا لو قال ~~لفلان علي إن هذا الواو للنظم حتى ينصرف الاستثناء إلى سمة الفسق دون ما ~~تقدمه # والشافعي يجعل هذا الواو للعطف والواو الذي في قوله @QB@ ولا تقبلوا لهم ~~@QE@ للنظم حتى يكون الاستثناء منصرفا إليهما دون الجلد فلا يسقط الجلد ~~بالتوبة # والصحيح ما قلنا فإن من حيث الصيغة معنى العطف يتحقق في قوله تعالى @QB@ ~~ولا تقبلوا @QE@ ولا يتحقق في قوله تعالى @QB@ وأولئك هم الفاسقون @QE@ لأن ~~قول القائل اجلس ولا تتكلم يكون عطفا صحيحا فكذلك قوله تعالى @QB@ فاجلدوا ~~@QE@ # @QB@ ولا تقبلوا @QE@ لأن كل واحد منهما خطاب للأئمة فأما قوله تعالى ~~@QB@ وأولئك هم الفاسقون @QE@ ليس بخطاب للأئمة ولكن إخبار عن وصف القاذفين ~~فلا يصلح معطوفا على ما هو خطاب فجعلناه للنظم وكذلك من حيث المعنى قوله ~~تعالى @QB@ ولا تقبلوا @QE@ صالح لأن يكون متمما للحد معطوفا على الجلد فإن ~~إهدار قوله في الشهادات شرعا مؤلم كالجلد وهذا الألم عند العقلاء يزداد على ~~ألم الجلد فيصلح متمما للحد زاجرا عن سببه ولهذا خوطب به الأئمة فإن إقامة ~~الحد إليهم فأما قوله تعالى @QB@ وأولئك هم الفاسقون @QE@ فمعناه العاصون ~~وذلك بيان لجريمة القاذف فلا يصلح جزاء على القذف حتى يكون متمما للحد بل ~~المقصود به إزالة إشكال كان يقع عسى وهو أن القذف خبر متميل وربما يكون ~~حسبة إذا كان الرامي صادقا وله أربعة من الشهود والزاني مصر فكان يقع ~~الإشكال أنه لما كان سببا لوجوب عقوبة تندرىء بالشبهات فأزال الله هذا ~~الإشكال بقوله @QB@ وأولئك هم الفاسقون @QE@ أي العاصون بهتك ستر العفة من ~~غير فائدة حين عجزوا عن إقامة أربعة من الشهداء وإليه أشار في قوله تعالى ~~@QB@ فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون @QE@ ويتبين بهذا ~~التحقيق أن العمل بالنص كما يوجبه فيما قلنا فإنا جعلنا العجز عن إقامة ~~أربعة كما ms278 هو موجب حرف ثم فإنه للتعقيب مع التراخي وجعلنا الواو في قوله ~~تعالى @QB@ ولا تقبلوا @QE@ للعطف فكان رد الشهادة متمما للحد كما هو موجب ~~من الشهداء PageV01P275 مضموما إلى القذف ليتحقق بهما السبب الموجب للعقوبة ~~واو العطف وجعلنا الواو في قوله تعالى @QB@ وأولئك @QE@ للنظم كما هو مقتضى ~~صيغة الكلام # والشافعي ترك العمل بحرف ثم وجعل نفس القذف موجبا للحد وجعل الواو في ~~قوله تعالى @QB@ ولا تقبلوا @QE@ للنظم وفي قوله @QB@ وأولئك @QE@ للعطف ~~وكل ذلك مخالف لمقتضى صيغة الكلام فكان الصحيح ما قلناه # ومن هذه الجملة حكم الجمع المضاف إلى جماعة نحو قوله تعالى @QB@ خذ من ~~أموالهم صدقة @QE@ وقوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم @QE@ فإن من ~~الناس من يقول حكمة حقيقة الجماعة في حق كل واحد ممن أضيف إليهم وزعموا أن ~~حقيقة الكلام هذا فإن المضاف إلى جماعة يكون مضافا إلى كل واحد منهم وإذا ~~كانت الصيغة التي بها حصلت الإضافة صيغة الجماعة وبها يثبت الحكم في كل ~~واحد منهم ما هو مقتضى هذه الصيغة قولا بحقيقة الكلام ألا ترى أن الإضافة ~~لو حصلت بصيغة الفرد تثبت في كل واحد منهم الحكم الذي هو موجب تلك الصيغة # وعندنا هذا فاسد وهو من جنس القول بالمسكوت ولكن مقتضى هذه الصيغة مقابلة ~~الآحاد بالآحاد على ما قال في الجامع إذا قال لامرأتين له إذا ولدتما ولدين ~~فأنتما طالقان فولدت كل واحدة منهما ولدا طلقتا وكذلك إذا قال إذا حضتما ~~حيضتين أو قال إذا دخلتما هاتين الدارين فدخلت كل واحدة منهما دارا فهما ~~طالقان ولا يشترط دخول كل واحدة منهما في الدارين جميعا وما قلناه هو ~~المعلوم من مخاطبات الناس فإن الرجل يقول لبس القوم ثيابهم وحلقوا رؤوسهم ~~وركبوا دوابهم وإنما يفهم من ذلك أن كل واحد منهم لبس ثوبه وركب دابته وحلق ~~رأسه والدليل عليه قول الشاعر وإنا نرى أقدامنا في نعالهم وآنفنا بين اللحى ~~والحواجب والمراد ما قلنا وكتاب الله يشهد به قال تعالى @QB@ جعلوا أصابعهم ~~في آذانهم واستغشوا ثيابهم @QE@ والمراد أن كل ms279 واحد منهم جعل أصبعه في أذنه ~~لا في آذان الجماعة واستغشى ثوبه وقال تعالى @QB@ فقد صغت قلوبكما @QE@ ~~والمراد في حق كل واحدة منهما قلبها وقال تعالى @QB@ فاقطعوا أيديهما @QE@ ~~PageV01P276 والمراد قطع يد واحدة من كل واحد منهما لا قطع جميع ما يسمى ~~يدا من كل واحد منهما لاتفاقنا على أن بالسرقة الواحدة لا تقطع إلا يد ~~واحدة من السارق وقد بينا أن مطلق الكلام محمول على ما يتفاهمه الناس في ~~مخاطباتهم فهو اعتبار الصيغة بدون الإضافة والمنصوص عليه الصيغة مع الإضافة ~~إلى الجماعة ومع الإضافة إلى الجماعة موجب الصيغة حقيقة ليس ما ادعوا بل ~~موجبه ما قلنا لأن ما ادعوا يثبت بدون الإضافة إلى الجماعة ( وما قلنا لا ~~يثبت بدون الإضافة إلى الجماعة ) فعرفنا أن حقيقة العمل بالمنصوص فيما قلنا ~~وفيما قالوا ترك العمل بالدليل المنصوص وعمل بالمسكوت فيكون فاسدا # هذا بيان الطريق فيما هو فاسد من وجوه العمل بالمنصوص كما ذهب إليه بعض ~~الناس وقد بينا الطريق الصحيح من ذلك في أول الباب فمن فهم الطريقين يتيسر ~~عليه تمييز الصحيح من الاستدلال بجميع النصوص والفاسد وإن خفي عليه شيء فهو ~~يخرج بالتأمل على ما بينا من كل طريق والله أعلم # & باب بيان الحجة الشرعية وأحكامها & قال رضي الله عنه اعلم بأن الحجة ~~لغة اسم من قول القائل حج أي غلب ومنه يقال لج فحج ويقول الرجل حاججته ~~فحججته أي ألزمته بالحجة فصار مغلوبا ثم سميت الحجة في الشريعة لأنه يلزمنا ~~حق الله تعالى بها على وجه ينقطع بها العذر ويجوز أن يكون مأخوذا من معنى ~~الرجوع إليه كما قال القائل يحجون بيت الزبرقان المزعفرا أي يرجعون إليه ~~ومنه حج البيت فإن الناس يرجعون إليه معظمين له قال تعالى @QB@ وإذ جعلنا ~~البيت مثابة للناس وأمنا @QE@ والمثابة المرجع فسميت الحجة لوجوب الرجوع ~~إليها من حيث العمل بها شرعا ويستوي إن الرجوع إليها بالعمل بها واجب شرعا ~~في الوجهين على ما نبينه في باب خبر الواحد والقياس إن شاء الله تعالى # والبينة كالحجة ms280 فإنها مشتقة من البيان وهو أن يظهر للقلب وجه الإلزام بها ~~سواء كان ظهورا موجبا للعلم أو دون ذلك لأن العمل يجب في الوجهين ومنه قوله ~~تعالى @QB@ فيه آيات بينات @QE@ أي علامات ظاهرات كانت موجبة PageV01P277 ~~للعلم قطعا أو كانت موجبة للعمل دون العلم قطعا لأن # والبرهان كذلك فإنه مستعمل استعمال الحجة في لسان الفقهاء # وأما الآية فمعناها لغة العلامة قال الله تعالى @QB@ فيه آيات بينات @QE@ ~~وقال القائل وغير آيها العصر ومطلقها في الشريعة ينصرف إلى ما يوجب العلم ~~قطعا ولهذا سميت معجزات الرسل آيات قال الله تعالى @QB@ ولقد آتينا موسى ~~تسع آيات بينات @QE@ وقال تعالى @QB@ فاذهبا بآياتنا @QE@ # فإن قيل من الناس من جحد رسالة الرسل بعد رؤية المعجزات والوقوف عليها ~~ولو كانت موجبة للعلم قطعا لما أنكرها أحد بعد المعاينة قلنا هذه الآيات لا ~~توجب العلم خبرا فإنها لو أوجبت ذلك انعدم الثواب والعقاب بها أصلا وإنما ~~توجب العلم باعتبار التأمل فيها عن إنصاف لا عن تعنت ومع هذا التأمل يثبت ~~العلم بها قطعا وإنما جحدها من جحدها للإعراض عن هذا التأمل كما ذكر الله ~~تعالى في قوله @QB@ وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه @QE@ وفي قوله ~~@QB@ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه @QE@ وقد كان فيهم من جحد تعنتا ~~بعدما علم يقينا كما قال تعالى @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ~~وعلوا @QE@ وأما الدليل فهو فعيل من فاعل الدلالة بمنزلة عليم من عالم ومنه ~~قولهم يا دليل المتحيرين أي هاديهم إلى ما يزيل الحيرة عنهم ومنه سمي دليل ~~القافلة أي هاديهم إلى الطريق فسمي باسم فعله وفي الشريعة هو اسم لحجة منطق ~~يظهر به ما كان خفيا فإن ما قدمناه يكون موجبا تارة ومظهرا تارة والدليل ~~خاص لما هو مظهر # فإن قيل أليس أن الدخان دليل على النار والبناء دليل على الباني عنده كما ~~قال تعالى @QB@ قالتا أتينا طائعين @QE@ وقال تعالى @QB@ فوجدا فيها @QE@ ~~ولا نطق PageV01P278 هناك قلنا إنما يطلق الاسم على ذلك مجازا بحصول معنى ~~الظهور @QB@ جدارا يريد أن ينقض فأقامه ms281 @QE@ وقال القائل وعظتك أحداث صمت ~~وكل ذلك مجاز # ثم الدليل مجازا كان أو حقيقة يكون مظهرا ظهورا موجبا للعلم به أو دون ~~ذلك # والشاهد كالدليل سواء كان مظهرا على وجه يثبت العلم به أو لا يثبت به علم ~~اليقين بمنزلة الشهادات على الحقوق في مجالس الحكام # قال رضي الله عنه ثم اعلم بأن الأصول في الحجج الشرعية ثلاثة الكتاب ~~والسنة والإجماع والأصل الرابع وهو القياس هو المعنى المستنبط من هذه ~~الأصول الثلاثة # وهي تنقسم قسمين قسم موجب للعلم قطعا ومجوز غير موجب للعلم وإنما سميناه ~~مجوزا لأنه يجب العمل به والأصل أن العمل بغير علم لا يجوز قال تعالى @QB@ ~~ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ فسميناه مجوزا باعتبار أنه يجب العمل به وإن ~~لم يكن موجبا للعلم قطعا # فأما الموجب للعلم من الحجج الشرعية أنواع أربعة كتاب الله وسنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المسموع منه والمنقول عنه بالتواتر والإجماع # والأصل في كل ذلك لنا السماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه هو ~~الذي أسمعنا ما أوحي إليه من القرآن بقراءته علينا والمنقول عنه بطريق ~~متواتر بمنزلة المسموع عنه في وقوع العلم به على ما نبينه وكذلك الإجماع ~~فإن إجماع هذه الأمة إنما كانت حجة موجبة للعلم بالسماع من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن الله تعالى لا يجمع أمته على الضلالة والسماع منه موجب ~~للعلم لقيام الدلالة على أن الرسول عليه السلام يكون معصوما عن الكذب ~~والقول بالباطل # فهذا بيان قولنا إن الأصل في ذلك كله السماع من رسول صلى الله عليه وسلم # # | فصل في بيان الكتاب وكونه حجة # قال رضي الله عنه اعلم بأن الكتاب هو القرآن المنزل على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المكتوب في دفات المصاحف المنقول إلينا على الأحرف السبعة ~~المشهورة نقلا متواترا لأن ما دون المتواتر لا يبلغ درجة العيان ولا يثبت ~~بمثله القرآن مطلقا ولهذا قالت الأمة لو صلى بكلمات تفرد بها ابن مسعود لم ~~تجز صلاته ms282 لأنه لم يوجد PageV01P279 فيه النقل المتواتر وباب القرآن باب ~~يقين وإحاطة فلا يثبت بدون النقل المتواتر كونه قرآنا وما لم يثبت أنه قرآن ~~فتلاوته في الصلاة كتلاوة خبر فيكون مفسدا للصلاة # فإن قيل بكونه معجزا يثبت أنه قرآن بدون النقل المتواتر # قلنا لا خلاف أن ما دون الآية غير معجز وكذلك الآية القصيرة ولهذا لم ~~يجوز أبو يوسف ومحمد رحمهما الله الصلاة إلا بقراءة ثلاث آيات قصار أو آية ~~طويلة لأن المعجز السورة وأقصر السور ثلاث آيات يعني الكوثر # وأبو حنيفة رحمه الله قال الواجب بالنص قراءة ما تيسر من القرآن وبالآية ~~القصيرة يحصل ذلك فيتأدى فرض القراءة وإن كان يكره الاكتفاء بذلك وجاء فيما ~~ذكرنا أن ما دون الآية والآية القصيرة ليس بمعجز وهو قرآن يثبت به العلم ~~قطعا فظهر أن الطريق فيه النقل المتواتر مع أن كونه معجزا دليل على صدق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به وليس بدليل في نفسه على أنه كلام ~~الله لجواز أن يقدر الله تعالى رسوله على كلام يعجز البشر عن مثله كما أقدر ~~عيسى على إحياء الموتى وعلى أن يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون ~~طيرا بإذن الله # فعرفنا أن الطريق فيه النقل المتواتر # وإنما اعتبرنا الإثبات في دفات المصاحف لأن الصحابة رضي الله عنهم إنما ~~أثبتوا القرآن في دفات المصاحف لتحقيق النقل المتواتر فيه ولهذا أمروا ~~بتجريد القرآن في المصاحف وكرهوا التعاشير وأثبتوا في المصاحف ما اتفقوا ~~عليه ثم نقل إلينا نقلا متواترا فثبت به العلم قطعا ولما ثبت بهذا الطريق ~~أنه كلام الله تعالى ثبت أنه حجة موجبة للعلم قطعا لعلمنا يقينا أن كلام ~~الله لا يكون إلا حقا # فإن قيل فالتسمية نقلت إلينا مكتوبة في المصاحف بقلم الوحي لمبدأ الفاتحة ~~ومبدأ كل سورة سوى سورة براءة ثم لم تجعلوها آية من الفاتحة ولا من أول كل ~~سورة مع النقل المتواتر من الوجه الذي قررتم قلنا قد ذكر أبو بكر الرازي ~~رحمه الله أن الصحيح من ms283 المذهب عندنا أن التسمية آية منزلة من القرآن لا من ~~أول السورة ولا من آخرها ولهذا كتبت للفصل بين السور في المصحف بخط على حدة ~~لتكون PageV01P280 الكتابة بقلم الوحي دليلا على أنها منزلة للفصل والكتابة ~~بخط على حدة دليلا على أنها ليست من أول السورة وظاهر ما ذكر في الكتاب ~~علماؤنا يشهد به فإنهم قالوا ثم يفتتح القراءة ويخفي بسم الله الرحمن ~~الرحيم فقد قطعوا التسمية عن التعوذ وأدخلوها في القراءة ولكن قالوا لا ~~يجهر بها لأنه ليس من ضرورة كونها آية من القرآن الجهر بها بمنزلة الفاتحة ~~في الأخريين وإنما قالوا يخفي بها ليعلم أنها ليست بآية من أول الفاتحة فإن ~~المتعين في حق الإمام الجهر بالفاتحة والسورة في الأوليين وعلى هذا نقول ~~يكره للجنب والحائض قراءة التسمية على قصد قراءة القرآن لأن من ضرورة كونها ~~آية من القرآن حرمة القراءة على الجنب والحائض ولكن لا يتأدى بها فرض ~~القراءة في الركعة عند أبي حنيفة رحمه الله لاشتباه الآثار واختلاف العلماء ~~وأدنى درجات الاختلاف المعتبر إيراث الشبهة به وما كان فرضا مقطوعا به لا ~~يتأدى بما فيه شبهة ولسنا نعني الشبهة في كونها من القرآن بل في كونها آية ~~تامة فإنه لا خلاف في أنها من القرآن في قوله تعالى @QB@ وإنه بسم الله ~~الرحمن الرحيم @QE@ # فإن قيل فقد أثبتم بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه فصيام ثلاثة أيام ~~متتابعات كونه قرآنا في حق العمل به ولم يوجد فيه النقل المتواتر ولم ~~تثبتوا في التسمية مع النقل المتواتر كونها آية من القرآن في حكم العمل وهو ~~وجوب الجهر بها في الصلاة وتأدي القراءة بها # قلنا نحن ما أثبتنا بقراءة ابن مسعود كون تلك الزيادة قرآنا وإنما جعلنا ~~ذلك بمنزلة خبر رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلمنا أنه ما قرأ ~~بها إلا سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وخبره مقبول في وجوب العمل ~~به وبمثل هذا الطريق لا يمكن إثبات هذا الحكم في التسمية لأن برواية ms284 الخبر ~~وإن علم صحته لا يثبت حكم جواز الصلاة ولأنه ليس من ضرورة كونها آية من ~~القرآن وجوب الجهر بها على ما بينا أن الفاتحة لا يجهر بها في الأخريين وما ~~كان ثبوته بطريق الاقتضاء يتقدر الحكم فيه بقدر الضرورة لأنه لا عموم ~~للمقتضى # ثم قال كثير من مشايخنا إن إعجاز القرآن في النظم وفي المعنى جميعا خصوصا ~~على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله حيث قالا بالقراءة بالفارسية في الصلاة ~~لا يتأدى فرض القراءة وإن كان مقطوعا به أنه هو المراد لأن الفرض قراءة ~~المعجز وذلك في النظم والمعنى جميعا # قال رضي الله عنه والذي يتضح لي أنه ليس مرادهم من هذا أن PageV01P281 ~~المعنى بدون النظم غير معجز فالأدلة على كون المعنى معجزا ظاهرة منها أن ~~المعجز كلام الله ( وكلام الله تعالى ) غير محدث ولا مخلوق والألسنة كلها ~~محدثة العربية والفارسية وغيرهما فمن يقول الإعجاز لا يتحقق إلا بالنظم فهو ~~لا يجد بدا من أن يقول بأن المعجز محدث وهذا مما لا يجوز القول به والثاني ~~أن النبي عليه السلام بعث إلى الناس كافة ( وآية نبوته القرآن الذي هو معجز ~~فلا بد من القول بأنه حجة له على الناس كافة ) ومعلوم أن عجز العجمي عن ~~الإتيان بمثل القرآن بلغة العرب لا يكون حجة عليه فإنه يعجز أيضا عن ~~الإتيان بمثل شعر امرىء القيس وغيره بلغة العرب وإنما يتحقق عجزه عن ~~الإتيان بمثل القرآن بلغته فهذا دليل واضح على أن معنى الإعجاز في المعنى ~~تام ولهذا جوز أبو حنيفة رحمه الله القراءة بالفارسية في الصلاة ولكنهما ~~قالا في حق من لا يقدر على القراءة بالعربية الجواب هكذا وهو دليل على أن ~~المعنى عندهما معجز فإن فرض القراءة ساقط عمن لا يقدر على قراءة المعجز ~~أصلا ولم يسقط عنه الفرض أصلا بل يتأدى بالقراءة بالفارسية فأما إذا كان ~~قادرا على القراءة بالعربية لم يتأد الفرض في حقه بالقراءة بالفارسية ~~عندهما لا لأنه غير معجز ولكن لأن متابعة رسول الله صلى الله ms285 عليه وسلم ~~والسلف في أداء هذا الركن فرض في حق من يقدر عليه وهذه المتابعة في القراءة ~~بالعربية إلا أن أبا حنيفة اعتبر هذا في كراهة القراءة بالفارسية فأما في ~~تأدي أصل الركن بقراءة القرآن فإنه اعتبر ما قررناه # # | فصل في بيان حد المتواتر من الأخبار وموجبها # المتواتر ما اتصل بنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنقل المتواتر # مأخوذ من قول القائل تواترت الكتب إذا اتصلت بعضها ببعض في الورود ~~متتابعا وحد ذلك أن ينقله قوم لا يتوهم اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب لكثرة ~~عددهم وتباين أمكنتهم عن قوم مثلهم هكذا إلى أن يتصل برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيكون أوله كآخره وأوسطه كطرفيه وذلك نحو نقل أعداد الركعات ~~وأعداد الصلوات PageV01P282 ومقادير الزكاة والديات وما أشبه ذلك وهذا لأن ~~الاتصال لا يتحقق إلا بعد انقطاع شبهة الانفصال وإذا انقطعت شبهة الانفصال ~~ضاهى ذلك المسموع من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الناس على همم شتى ~~وذلك يبعثهم على التباين في الأهواء والمرادات فلا يردهم عن ذلك إلى شيء ~~واحد إلا جامع أو مانع وليس ذلك إلا اتفاق صنعوه أو سماع اتبعوه فإذا ~~انقطعت تهمة الاختراع لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم تعين جهة السماع ولهذا ~~كان موجبا علم اليقين عند جمهور الفقهاء # ومن الناس من يقول الخبر لا يكون حجة أصلا # ولا يقع العلم به بوجه وكيف يقع العلم به والمخبرون هم الذين تولوا نقله ~~وإنما وقوع العلم بما ليس من صنع البشر ويكون خارجا عن مقدورهم فأما ما ~~يكون من صنع البشر ويتحقق منهم الاجتماع على اختراعه قلوا أو كثروا فذلك لا ~~يكون موجبا للعلم أصلا هذا قول فريق ممن ينكر رسالة المرسلين وهذا القائل ~~سفيه يزعم أنه لا يعرف نفسه ولا دينه ولا دنياه ولا أمه ولا أباه بمنزلة من ~~ينكر العيان من السوفسطائية فلا يكون الكلام معه على سبيل الاحتجاج ~~والاستدلال فكيف يكون ذلك وما يثبت بالاستدلال من العلم دون ما ثبت بالخبر ~~المتواتر فإن هذا ms286 يوجب علما ضروريا والاستدلال لا يوجب ذلك وإنما الكلام ~~معه من حيث التقرير عند العقلاء بما لا يشك هو ولا أحد من الناس في أنه ~~مكابرة وجحد لما يعلم اضطرارا بمنزلة الكلام مع من يزعم أنه لا حقيقة ~~للأشياء المحسوسة # فنقول إذا رجع الإنسان إلى نفسه علم أنه مولود اضطرارا بالخبر كما علم أن ~~ولده مولود بالمعاينة وعلم أن أبويه كانا من جنسه بالخبر كما علم أن أولاده ~~من جنسه بالعيان وعلم أنه كان صغيرا ثم شابا بالخبر كما علم ذلك من ولده ~~بالعيان وعلم أن السماء والأرض كانتا قبله على هذه الصفة بالخبر كما يعلم ~~أنهما على هذه الصفة للحال بالعيان وعلم أن آدم أبو البشر على وجه لا يتمكن ~~فيه شبهة فمن أنكر شيئا من هذه الأشياء فهو مكابر جاحد لما هو معلوم ضرورة ~~بمنزلة من أنكر العيان # ولا نقول إن هذا العلم يحصل بفعل المخبرين بل بما هو من صنع الله تعالى ~~وهو أنه خلق الخلق أطوارا على طباع مختلفة وهمم متباينة يبعثهم على ذلك ~~الاختلاف والتباين فالاتفاق بعد ذلك مع الأسباب الموجبة للاختلاف لا يكون ~~إلا بجامع يجمعهم على ذلك كما قررنا وفيه حكمة PageV01P283 بالغة وهو بقاء ~~الأحكام بعد وفاة المرسلين على ما كانت عليه في حياتهم فإن النبوة ختمت ~~برسولنا صلى الله عليه وسلم وقد كان مبعوثا إلى الناس كافة وقد أمرنا ~~بالرجوع إليه والتيقن بما يخبر به قال تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله والرسول @QE@ وهذا الخطاب يتناول الموجودين في عصره والذين يؤمنون ~~به إلى قيام الساعة ومعلوم أن الطريق في الرجوع إليه ليس إلا الرجوع إلى ما ~~نقل عنه بالتواتر فبهذا يتبين أن هذا كالمسموع منه في حياته وقد قامت ~~الدلالة على أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلم إلا بالحق ~~خصوصا فيما يرجع إلى بيان الدين فيثبت منه بالسماع علم اليقين # ومن الناس من يقول إن ما يثبت بالتواتر علم طمأنينة القلب لا علم اليقين ~~ومعنى هذا ms287 أنه يثبت العلم به مع بقاء توهم الغلط أو الكذب ولكن لرجحان جانب ~~الصدق تطمئن القلوب إليه فيكون ذلك علم طمأنينة مثل ما يثبت بالظاهر لا علم ~~اليقين # قالوا لأن التواتر إنما يثبت بمجموع آحاد ومعنى احتمال الكذب ثابت في خبر ~~كل واحد من تلك الآحاد فبالاجتماع لا ينعدم هذا الاحتمال بمنزلة اجتماع ~~السودان على شيء لا يعدم صفة السواد الموجود في كل واحد منهم قبل الاجتماع ~~وهذا لأنه كما يتوهم أن يجتمعوا على الصدق فيما ينقلون يتوهم أن يجتمعوا ~~على الكذب إذ الخبر يحتمل كل واحد من الوصفين على السواء ألا ترى أن ~~النصارى واليهود اتفقوا على قتل عيسى عليه السلام وصلبه ونقلوا ذلك فيما ~~بينهم نقلا متواترا وقد كانوا أكثر منا عددا ثم كان ذلك كذبا لا أصل له ~~والمجوس اتفقوا على نقل معجزات زرادشت وقد كانوا أكثر منا عددا ثم كان ذلك ~~كذبا لا أصل له # فعرفنا أن احتمال التواطؤ على الكذب لا ينتفي بالنقل المتواتر ومع بقائه ~~لا يثبت علم اليقين فإنما الثابت به علم طمأنينة بمنزلة من يعلم حياة رجل ~~ثم يمر بداره فيسمع النوح ويرى آثار التهيؤ لغسل الميت ودفنه فيخبرونه أنه ~~قد مات ويعزونه ويعزيهم فيتبدل بهذا الحادث العلم الذي كان ( له ) حقيقة ~~ويعلمه ميتا على وجه طمأنينة القلب مع احتمال أن ذلك PageV01P284 كله حيلة ~~منهم وتلبيس لغرض كان لأهله في ذلك فهذا مثله # وهذا قول رذل أيضا فإن هذا القائل إنه لا يعلم الرسل عليهم السلام حقيقة ~~ولا يصح إيمانه ما لم يعرف الرسل حقيقة فهو بمنزلة من يزعم أنه لا يعرف ~~الصانع حقيقة فعرفنا أنه مفسد لدينه باختيار هذا القول ثم هو جاحد لما ~~يعلمه كل عاقل ضرورة فإنا إذا رجعنا إلى موضع المعرفة وهو القلب ووجدنا أن ~~المعرفة بالمتواتر من الأخبار يثبت على الوجه الذي يثبت بالعيان لأنا نعلم ~~أن في الدنيا مكة وبغداد بالخبر على وجه ليس فيه احتمال الشك كما نعلم ~~بلدتنا بالمعاينة ونعرف الجهة إلى مكة يقينا ms288 بالخبر كما نعرف الجهة إلى ~~منازلنا يقينا بالمعاينة ومن أراد الخروج من هذه البلدة إلى بخارى يأخذ في ~~السير إلى ناحية المغرب كما أن من أراد أن يخرج إلى كاشغر يأخذ في السير ~~إلى ناحية المشرق ولا يشك في ذلك أحد ولا يخطئه بوجه وإنما عرف ذلك بالخبر ~~فلو لم يكن ذلك موجبا علم اليقين لكان هو مخاطرا بنفسه وماله خصوصا في زمان ~~الخوف فينبغي أن يكون فعله ذلك خطأ وفي اتفاق الناس كلهم على خلافه ما يدفع ~~زعم هذا الزاعم # وما استدلوا به من نقل النصارى واليهود قتل المسيح وصلبه فهو وهم لأن ~~النقل المتواتر لم يوجد في ذلك فإن النصارى إنما نقلوا ذلك عن أربعة نفر ~~كانوا مع المسيح في بيت إذ الحواريون كانوا قد اختفوا أو تفرقوا حين هم ~~اليهود بقتلهم وإنما بقي مع المسيح أربعة نفر يوحنا ويوقنا ومتن ومارقيش ~~ويتحقق من هذه الأربعة التواطؤ على ما هو كذب لا أصل له وقد بينا أن حد ~~التواتر ما يستوي طرفاه ووسطه واليهود إنما نقلوا ذلك عن سبعة نفر كانوا ~~دخلوا البيت الذي كان فيه المسيح وأولئك يتحقق منهم التواطؤ على الكذب وقد ~~روي أنهم كانوا لا يعرفون المسيح حقيقة حتى دلهم عليه رجل يقال له يهوذا ~~وكان يصحبه قبل ذلك فاجتعل منهم ثلاثين درهما وقال إذا رأيتموني أقبل رجلا ~~فاعلموا أنه صاحبكم وبمثل هذا لا يحصل ما هو حد التواتر # فإن قيل الصلب قد شاهده الجماعة التي لا يتصور منهم التواطؤ على الكذب ~~عادة فيتحقق ما هو حد التواتر في الإخبار بصلبه # قلنا لا كذلك فإن فعل الصلب PageV01P285 إنما تناوشوه عدد قليل من الناس ~~ثم سائر الناس يعتمدون خبرهم أن المصلوب فلان وينظرون إليه من بعد من غير ~~تأمل فيه ففي الطباع نفرة عن التأمل في المصلوب والحلي تتغير به أيضا ~~فيتمكن فيه الاشتباه باعتبار هذه الوجوه فعرفنا أنه كما لا يتحقق النقل ~~المتواتر في قتله لا يتحقق في صلبه والثاني أن النقل المتواتر منهم في ms289 قتل ~~رجل علموه عيسى وصلبه وهذا النقل موجب علم اليقين فيما نقلوه ولكن لم يكن ~~الرجل عيسى وإنما كان مشبها به كما قال تعالى @QB@ ولكن شبه لهم @QE@ وقد ~~جاء في الخبر أن عيسى عليه السلام قال لمن كان معه من يريد منكم أن يلقي ~~الله شبهي عليه فيقتل وله الجنة فقال رجل أنا فألقى الله تعالى شبه عيسى ~~عليه فقتل ورفع عيسى إلى السماء # فإن قيل هذا القول في نهاية من الفساد لأن فيه قولا بإبطال المعارف أصلا ~~وبتكذيب العيان وإذا جوزتم هذا فما يؤمنكم من مثله فيما ينقل بالتواتر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السامعين إنما سمعوا ذلك من رجل كان عندهم ~~أنه محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن إياه وإنما ألقى الله شبهه على غيره ~~ومع هذا القول لا يتحقق الإيمان بالرسل لمن يعانيهم لجواز أن يكون شبه ~~الرسل ملقى على غيرهم كيف والإيمان بالمسيح كان واجبا عليهم في ذلك الوقت ~~فمن ألقي عليه شبه المسيح فقد كان الإيمان به واجبا بزعمكم وفي هذا قول بأن ~~الله تعالى أوجب على عباده الكفر بالحجة فأي قول أقبح من هذا قلنا # الأمر ليس كما توهمتم فإن إلقاء شبه المسيح على غيره غير مستبعد في ~~القدرة ولا في الحكمة بل فيه حكمة بالغة وهو دفع شر الأعداء عن المسيح فقد ~~كانوا عزموا على قتله وفي هذا دفع عنه مكروه القتل بوجه لطيف ولله لطائف في ~~دفع الأذى عن الرسل عليهم السلام والذين قصدوه بالقتل قد علم الله منهم ~~أنهم لا يؤمنون به فألقى شبهه على غيره على سبيل الاستدراج لهم ليزدادوا ~~طغيانا ومرضا إلى مرضهم ومثل ذلك لا يتوهم في حق قوم يأتون الرسل ليؤمنوا ~~به ويتعظوا بوعظه فظهر أن الفاسد قول من يقول بأن هذا يؤدي إلى إبطال ~~المعارف والتكذيب بالرسل ويرد ظاهر قوله تعالى @QB@ ولكن شبه لهم @QE@ ~~وبيان أن هذا غير مستبعد ظهر إبليس عليه اللعنة مرة في صورة شيخ من أهل نجد ~~ومرة في ms290 صورة سراقة بن مالك وكلم المشركين فيما كانوا هموا به في باب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وفيه نزل قوله تعالى @QB@ وإذ يمكر بك الذين كفروا ~~@QE@ PageV01P286 في القدرة غير مشكل فإن إلقاء الشبه دون إيجاد الأصل لا ~~محالة وقد الآية ورأت عائشة رضي الله عنها دحية الكلبي مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما أخبرته بذلك قال كان معي جبريل عليه السلام ورأى ابن ~~عباس رضي الله عنهما جبريل أيضا في صورة دحية الكلبي ورأته الصحابة حين أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي ثائر الرأس يسأله معالم الدين ~~فعرفنا أن مثل هذا غير مستبعد في زمن الرسل وأرى الله تعالى المشركين في ~~أعين المسلمين قليلا يوم بدر مع كثرة عددهم لأنه لو أراهم كثرتهم وعدتهم ~~لامتنعوا من قتالهم فأراهم بصفة القلة حتى رغبوا في قتالهم وقتلوهم كما قال ~~تعالى @QB@ ليقضي الله أمرا كان مفعولا @QE@ فعرفنا أن مثله غير مستبعد # فأما نقل المجوس ما نقلوه عن زرادشت فذلك كله تخييلات بمنزلة فعل ~~المشعوذين أو لعب النساء والصبيان إلا ما ينقل أنه أدخل قوائم فرس الملك ~~كشتاسب في بطنه ثم أخرجه وهذا إنما ينقل أنه فعله في مجلس الملك بين يدي ~~خواصه وأولئك يتصور منهم الاجتماع على الكذب فلا يثبت ( به ) النقل ~~المتواتر كيف وقد روي أن الملك لما اختبره وعلم خبثه ودهاءه وواطأه على أن ~~يؤمن به ويجعل هو أحد أركان دينه دعاه الناس إلى تعظيم الملوك وتحسين ~~أفعالهم ومراعاة حقوقهم في كل حق وباطل ويكون هو من ورائه بالسيف يجبر ~~الناس على الدخول في دينه وحملهم على هذه المواطأة حاجتهم إلى ذلك فإنه لم ~~يكن لذلك الملك بيت قديم في الملك فكان الناس لا يعظمونه فاحتالوا بهذه ~~الحيلة ثم نقلوا عنه أمورا بعد ذلك بين يدي الملك وخاصته وكل ذلك كذب لا ~~أصل له # فإن قيل مثل هذه المواطأة لا تنكتم عادة فكيف انكتم في ذلك الوقت حتى ~~اتفقوا على الإيمان به وكذلك من ms291 بعدهم إلى زمان طويل وجعلوا ينقلون ذلك ~~نقلا PageV01P287 متواترا قلنا إنما لا تنكتم المواطأة التي تكون بين جمع ~~عظيم فأما ما يكون بين الملك وخواصه تنكتم فإنهم رصد لحفظ الأسرار وإنما ~~يخصهم الملك بهذا الشرط لأن تدبير الملك لا يتم مستويا إلا بحفظ الأسرار ~~وهذا معروف في عادة أهل كل زمان أن المواطأة التي تكون بين الملك وخواصه لا ~~تظهر للعوام فعرفنا أنه لا يوجد النقل الموجب لعلم اليقين في شيء من هذه ~~الأخبار # فأما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم فقد كانوا من قبائل ~~مختلفة وكانوا عددا لا يتوهم اجتماعهم وتواطؤهم على الاختراع عادة لكثرتهم ~~فعرفنا أن ما نقلوه عنه بمنزلة المسموع منه في كونه موجبا علم اليقين لأنه ~~لما انتفى تهمة احتمال المواطأة تعين جهة السماع # فإن قيل مع هذا توهم الاتفاق على الكذب غير منقطع لأنه ليس شرط التواتر ~~اجتماع أهل الدنيا وإذا اجتمع أهل بلدة أو عامتهم على شيء يثبت به التواتر ~~كيف وقد نقل الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وهم كانوا ~~عسكره لما تحقق منهم الاجتماع على صحبته مع تباين أمكنتهم فذلك يوهم ~~الاتفاق منهم على نقل ما لا أصل له قلنا مثل هذا الاتفاق من الجمع العظيم ~~خلاف العادة وهو نادر غاية وعادة والبناء على ما هو معتاد البشر ألا ترى أن ~~المعجزات توجب العلم بالنبوة قطعا لكونها خارجة عن حد معتاد البشر ولو أن ~~واحدا قال في زماننا صعدت السماء وكلمت الملائكة نقطع القول بأنه كاذب لكون ~~ما يخبر به خارجا عما هو المعتاد والتوهم بعد ذلك غير معتبر ولهذا قلنا لو ~~شهد شاهدان على رجل أنه طلق امرأته يوم النحر بمكة وآخران أنه أعتق عبده في ~~ذلك اليوم بعينه بكوفة لا تقبل الشهادة لأن كون الإنسان في يوم واحد بمكة ~~وكوفة مستحيل عادة فيسقط ما وراءه من التوهم يوضحه أنه لو كان هنا توهم ~~الاتفاق على الكذب لظهر ذلك في عصرهم أو بعد ذلك إذا ms292 تطاول الزمان فقد ~~كانوا ثلاثين ألفا أو أكثر والمواطأة فيما بين مثل هذا الجمع العظيم لا ~~ينكتم عادة بل يظهر كيف وقد اختلط بهم المنافقون وجواسيس الكفرة كما قال ~~تعالى @QB@ وفيكم سماعون لهم @QE@ وقد كان في المسلمين أيضا من يلقي إلى ~~الكفار PageV01P288 بالمودة ويظهر لهم سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الحرب وغيره والإنسان يضيق صدره عن سره حتى يفشيه إلى غيره ويستكتمه ثم ~~السامع يفشيه إلى غيره حتى يصير ظاهرا عن قريب فلو كان هنا توهم المواطأة ~~لظهر ذلك فالقول بأنه كان بينهم مواطأة وانكتم أصلا شبه المحال وهو بمنزلة ~~قول من يزعم أن الكفار عارضوا القرآن بمثله ثم انكتم ذلك فإن هذا الكلام ~~بالاتفاق بين المسلمين شبه المحال لأن النبي عليه السلام تحداهم في محافلهم ~~أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو سورة منه فلو قدروا على ذلك لما أعرضوا عنه ~~إلى بذل النفوس والأموال والحرم في غزواته ولو عارضوه به لما خفي ذلك فقد ~~كان المشركون يومئذ أكثر من المسلمين ولو لم يظهر الآن فيما بين المسلمين ~~لظهر في ديار الشرك إذ لا خوف لهم وتلك المعارضة حجة لهم لو كانت والإنسان ~~على نقل الحجة يكون أحرص منه على نقل الشبهة كيف وقد نقلت كلام مسليمة ~~ومخاريق المتنبئين من غير أن يكون لشيء من ذلك أصل فكما تبين بهذا التقرير ~~انقطاع توهم المعارضة وكون القرآن حجة موجبة للعلم قطعا فكذلك ينقطع هذا ~~التوهم في المتواتر من الأخبار # فإن قيل لكونه خلاف العادة أثبتنا علم طمأنينة القلب به ولكون الاتفاق ~~متوهما لم نثبت به علم اليقين كما ذكرنا من حال من رأى آثار الموت في دار ~~إنسان وأخبر بموته # قلنا طمأنينة القلب في الأصل إنما تكون بمعرفة حقيقة الشيء فإن امتنع ~~ثبوت ذلك في موضع فذلك لغفلة من الناظر حيث اكتفى بالظاهر ولو تأمل وجد في ~~طلب الباطن لظهر عنده التلبيس والفساد كما يكون في حق المخبر بموت الميت ~~وإنما تتحقق هذه الغفلة في موضع يكون وراء ms293 ما غايته حد آخر بمنزلة ما يراه ~~النائم في منامه فإن عنده أن ما يراه هو الحقيقة في ذلك الوقت ولكن لما كان ~~وراء هذا الحد حد آخر للمعرفة فوقه وهو ما يكون في حالة اليقظة فباعتبار ~~هذه المقابلة يظهر أن ما يراه في النوم لم يكن موجبا للمعرفة حقيقة فأما ~~هنا ليس وراء الطمأنينة الثابتة بخبر التواتر حد آخر للعلم فوقه على ما ~~بينا أن الثابت بخبر التواتر والثابت بالمعاينة في وقوع العلم به سواء ~~فالموجب للعلم هنا معنى في قوة الدليل وهو انقطاع PageV01P289 توهم ~~المواطأة ومثل هذا كلما ازداد المرء التأمل فيه ازداد يقينا فالتشكيك فيه ~~يكون دليل نقصان العقل بمنزلة التشكيك في حقائق الأشياء المحسوسة ~~والطمأنينة التي تكون باعتبار كمال العقل تكون عبارة عن معرفة الشيء حقيقة ~~لا محالة # وبهذا يتبين فساد قولهم إنه ليس في الجماعة إلا اجتماع الأفراد لأن مثل ~~هذه الطمأنينة لا تثبت بخبر الفرد وتوهم الكذب في ذلك الخبر غير خارج عن حد ~~المعتاد # ثم هذا باطل فإن الواحد منا يمكنه أن يتكلم بحروف الهجاء كلها وهل لقائل ~~أن يقول لقدرته على ذلك يتوهم منه أن يأتي بمثل القرآن ففيه تلك الحروف ~~بعينها وكذلك الغبي منا يمكنه أن يتكلم بكل حكمة من شعر امرىء القيس وغيره ~~ثم لا يقول أحد إنه لقدرته على ذلك يقدر على ( إنشاء ) قصيدة مثل تلك ~~القصيدة وقد يتكلم الإنسان عن ظن وفراسة فيصيب مرة ثم لا يقول أحد إنه يصيب ~~في كل ما يتكلم ( به ) بهذا الطريق اعتبارا للجملة بالفرد واتفاق مثل هذا ~~الجمع على الصدق كان بجامع جمعهم عليه وهو دعاء الدين والمروءة على الصدق ~~وإنما تدعي انقطاع توهم اتفاقهم مع اختلاف الطبائع والأهواء من غير جامع ~~يجمعهم على ذلك فأما عند وجود الجامع فهو موافق للمعتاد # فإن قيل لو تواتر الخبر عند القاضي بأن الذي في يد زيد ملك عمرو لم يقض ~~له بالملك بدون إقامة البينة ولو ثبت له علم اليقين بذلك لتمكن من القضاء ms294 ~~به # قلنا هذا أولا يلزم الخصم فإنه يثبت علم طمأنينة القلب بخبر التواتر وبه ~~يتمكن من القضاء لأن بشهادة الشاهدين لا يثبت فوق ذلك # فأما عندنا فيحتمل أن يقال بأنه يقضي لأنه مأمور شرعا بأن يقضي بالعلم ~~ويحتمل أن لا يقضي بمنزلة ما لو صار معلوما له بمعاينة السبب قبل أن يقلد ~~القضاء فيما ثبت مع الشبهات وفيما يندرىء بالشبهات من الحدود التي هي لله ~~تعالى وإن صار معلوما له بعدما قلد القضاء لم يقض به ما لم تشهد ~~PageV01P290 الشهود وعلم اليقين يثبت له بمعاينة السبب لا محالة ألا ترى أن ~~الشاهد لو قال أخبر لم يجز للقاضي أن يقضي بقوله وفيما يرجع إلى العلم لا ~~فرق بين قوله أشهد وبين قوله أخبر فعرفنا أن في باب القضاء تعتبر الشرائط ~~سوى العلم بالشيء ليتمكن القاضي من القضاء به # ثم المذهب عند علمائنا أن الثابت بالمتواتر من الأخبار علم ضروري كالثابت ~~بالمعاينة # وأصحاب الشافعي يقولون الثابت به علم يقين ولكنه مكتسب لا ضروري بمنزلة ~~ما يثبت من العلم بالنبوة عند معرفة المعجزات فإنه علم يقين ولكنه مكتسب لا ~~ضروري وهذا لأن فيما يكون ضروريا لا يتحقق الاختلاف فيما بين الناس وإذا ~~وجدنا الناس مختلفين في ثبوت علم اليقين بالخبر المتواتر عرفنا أنه مكتسب # ولكنا نقول هذا فاسد فإنه لو كان طريق هذا العلم الاكتساب لاختص به من ~~يكون من أهل الاكتساب ورأينا أنه لا يختص هذا العلم بمن يكون من أهل ~~الاكتساب فكل واحد منا في صغره كان يعلم أباه وأمه بالخبر كما يعلمه بعد ~~البلوغ ولو كان طريقه الاكتساب لتمكن المرء من أن يترك هذا الاكتساب فلا ~~يقع له العلم وبالاتفاق العلم الذي يحصل بخبر التواتر لا يتمكن المرء من ~~دفعه بكسب يباشره أو بالامتناع من اكتسابه فعرفنا أنه ثابت ضرورة # فأما المعجزة فهناك يحتاج إلى ( أن ) تميز المعجزة من المخرقة وتمييز ما ~~يكون في حد مقدور البشر مما يكون خارجا من ذلك ولا طريق إلى هذا التمييز ~~إلا بالاستدلال ms295 فعرفنا أن العلم الثابت به طريقه طريق الاستدلال وقد بينا ~~أنه لا خلاف بين من لهم عقول كاملة في العلم الواقع بخبر المتواتر وإنما ~~الاختلاف ناشىء من نقصان العقل لبعض الناس وترك التأمل وذلك دليل وسواس ~~يعتري بعض الناس كما يكون في المعلوم بالحواس وبالاتفاق لا يعتبر هذا ~~الاختلاف في المعلوم بالحواس ويكون العلم الواقع به ضروريا فكذلك في ~~المعلوم بخبر التواتر # ثم اختلف مشايخنا فيما هو متواتر الفرع آحاد الأصل من الأخبار وهو الذي ~~تسميه الفقهاء في حيز التواتر والمشهور من الأخبار فكان أبو بكر ~~PageV01P291 الرازي رحمه الله يقول هذا أحد قسمي المتواتر على معنى أنه ~~يثبت به علم اليقين ولكنه علم اكتساب كما قال أصحاب الشافعي في القسم الآخر ~~وكان عيسى بن أبان رحمه الله يقول لا يكون المتواتر إلا ما يوجب العلم ~~ضروريا فأما النوع الثاني فهو مشهور وليس بمتواتر وهو الصحيح عندنا # وبيان هذا النوع في كل حديث نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد ~~يتوهم اجتماعهم على الكذب ولكن تلقته العلماء بالقبول والعمل به فباعتبار ~~الأصل هو من الآحاد وباعتبار الفرع هو متواتر وذلك نحو خبر المسح على ~~الخفين وخبر تحريم المتعة بعد الإباحة وخبر تحريم نكاح المرأة على عمتها ~~وعلى خالتها وخبر حرمة التفاضل في الأشياء الستة وما أشبه ذلك # أما أبو بكر الرازي كان يقول لما تواتر نقل هذا الخبر إلينا من قوم لا ~~يتوهم اجتماعهم على الكذب فقد أوجب لنا ذلك علم اليقين وانقطع به توهم ~~الاتفاق في الصدر الأول لأن الذين تلقوه بالقبول والعمل به لا يتوهم ~~اتفاقهم على القبول إلا بجامع جمعهم على ذلك وليس ذلك إلا تعين جانب الصدق ~~في الذين كانوا أهلا من رواته ولكن إنما عرفنا هذا بالاستدلال فلهذا سمينا ~~العلم الثابت به مكتسبا وإن كان مقطوعا به بمنزلة العلم بمعرفة الصانع ألا ~~ترى أن النسخ يثبت بمثل هذه الأخبار فإنه يثبت بها الزيادة على كتاب الله ~~تعالى والزيادة على النص نسخ ولا يثبت نسخ ms296 ما يوجب علم اليقين إلا بمثل ما ~~يوجب علم اليقين # وجه قول عيسى أن ما يكون موجبا علم اليقين فإنه يكفر جاحده كما في ~~المتواتر الذي يوجب العلم ضرورة وبالاتفاق لا يكفر جاحد المشهور من الأخبار ~~فعرفنا أن الثابت به علم طمأنينة القلب لا علم اليقين وهذا لأنه وإن تواتر ~~نقله من الفريق الثاني والثالث فقد بقي فيه شبهة توهم الكذب عادة باعتبار ~~الأصل فإن رواته عدد يسير وعلم اليقين إنما يثبت إذا اتصل بمن هو معصوم عن ~~الكذب على وجه لا يبقى فيه شبهة الانفصال وقد بقي هنا شبهة الانفصال ~~باعتبار الأصل فيمنع ثبوت علم اليقين به يقرره أن العلم الواقع لنا بمثل ~~هذا النقل إنما يكون قبل التأمل في شبهة الانفصال فأما عند التأمل في هذه ~~الشبهة يتمكن نقصان فيه فعرفنا أنه علم طمأنينة فأما العلم الواقع بما هو ~~متواتر بأصله وفرعه فهو يزداد قوة بالتأمل فيه PageV01P292 ثم قد بينا أن ~~التفاوت يظهر عند المقابلة فإذا لم يكن وراء القسم الأول حد آخر عرفنا أن ~~الثابت به علم ضرورة ولما كان وراء القسم الثاني حد آخر عرفنا أن الثابت به ~~علم طمأنينة # ولكن مع هذا تجوز الزيادة على النص بهذا النوع من الأخبار لأن العلماء ~~لما تلقته بالقبول والعمل به كان دليلا موجبا فإن الإجماع من العصر الثاني ~~والثالث دليل موجب شرعا فلهذا جوزنا به الزيادة على النص ولكن مع هذا بقي ~~فيه شبهة توهم الانفصال فلا يكفر جاحده وما هذا إلا نظير ما تقدم بيانه فإن ~~العلم بكون المسيح عليه السلام مبعوثا إلى بني إسرائيل ثابت بالنقل ~~المتواتر أصلا وفرعا على وجه لم يبق فيه توهم الشبهة لأحد ثم بنقلهم ~~المتواتر أنه قتل أو صلب لا يثبت العلم لأن ذلك آحاد الأصل متواتر الفرع ~~كما قررنا # فإن قيل ( فكان ينبغي ) أن يثبت به طمأنينة القلب كما أثبتم هنا # قلنا إنما لم نثبت لأنه اعترض ما هو أقوى منه فيما يرجع إلى العلم وهو ~~إخبار علام الغيوب بأنهم ms297 ما قتلوه يقينا والحجج التي تثبت بها طمأنينة ~~القلب إذا اعترض عليها ما هو أقوى لم يبق علم طمأنينة القلب بها # ثم ذكر عيسى رحمه الله أن هذا النوع من الأخبار ينقسم إلى ثلاثة أقسام ~~قسم يضلل جاحده ولا يكفر وذلك نحو خبر الرجم وقسم لا يضلل جاحده ولكن يخطأ ~~ويخشى عليه المأثم وذلك نحو خبر المسح بالخف وخبر حرمة التفاضل وقسم لا ~~يخشى على جاحده المأثم ولكن يخطأ في ذلك وهو الأخبار التي اختلف فيها ~~الفقهاء في باب الأحكام # وهذا الذي قاله صحيح بناؤه على تلقي العلماء إياه بالقبول ثم العمل ~~بموجبه فإن خبر الرجم اتفق عليه العلماء من الصدر الأول والثاني وإنما خالف ~~فيه الخوارج وخلافهم لا يكون قدحا في الإجماع ولهذا قال يضلل جاحده # فأما خبر المسح ففيه شبهة الاختلاف في الصدر الأول فإن عائشة وابن عباس ~~رضي الله عنهم كانا يقولان سلوا هؤلاء الذين يرون المسح هل مسح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعد سورة المائدة والله ما مسح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد سورة المائدة وقد PageV01P293 نقل رجوعهما عن ذلك أيضا وكذلك خبر ~~الصرف فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يجوز التفاضل مستدلا ~~بقوله صلى الله عليه وسلم لا ربا إلا في النسيئة وقد نقل رجوعه عن ذلك ~~فلشبهة الاختلاف في الصدر الأول قلنا بأنه لا يضلل جاحده ولكن يخشى عليه ~~المأثم ولأن باعتبار رجوعهم يثبت الإجماع ( وقد ثبت الإجماع ) على قبوله من ~~الصدر الثاني والثالث ولا يسع مخالفة الإجماع فلهذا يخشى على جاحده المأثم # وأما النوع الثالث فقد ظهر فيه الاختلاف في كل قرن فكل من ترجح عنده جانب ~~الصدق فيه بدليل عمل به وكان له أن يخطىء صاحبه ولكن لا يخشى عليه المأثم ~~في ذلك لأنه صار إليه عن اجتهاد والإثم في الخطأ موضوع عن المجتهد على ما ~~نبينه إن شاء الله تعالى # وأما الغريب المستنكر فإنه يخشى المأثم على العامل به وذلك نحو خبر القتل ms298 ~~في القسامة وخبر القضاء بالشاهد واليمين لأنه مخالف لظاهر القرآن وقد ترك ~~العلماء في القرن الأول والثاني العمل به فبه يقرب من الكذب كما أن المشهور ~~يقرب من الصدق بتلقيهم إياه بالقبول والعمل به فكما يخشى المأثم هناك على ~~ترك العمل به لقربه من الصدق فكذلك يخشى على من يعمل بالغريب المستنكر ~~لقربه من الكذب والثابت بمثله مجرد الظن ومن الظن ما يأثم المرء باتباعه ~~قال تعالى @QB@ وظننتم ظن السوء @QE@ وقال تعالى @QB@ إن بعض الظن إثم @QE@ ~~وهو نظير من يصير إلى التحري عند اشتباه القبلة فيعمل به مع وجود الدليل ~~ويترك العمل بالدليل ولا شك في تأثيم من يدع العمل بالدليل ويعمل بالظن ~~فهذا مثله والله أعلم # ذكر عيسى رحمه الله أنه ليس لما ينعقد به التواتر حد معلوم من حيث العدد ~~وهو الصحيح لأن خبر التواتر يثبت علم اليقين ولا يوجد حد من حيث العدد يثبت ~~به علم اليقين وإذا انتقص منه بفرد لا يثبت علم اليقين # ولكنا نعلم أن بالعدد اليسير لا يثبت ذلك لتوهم المواطأة بينهم وبالجمع ~~العظيم يثبت ذلك لانعدام توهم PageV01P294 المواطأة فإنما يبني على هذا أنه ~~متى كان المخبرون بحيث يؤمن تواطؤهم عادة يكون خبرهم متواترا # والحدود نوعان منه ما يكون متميز الأطراف والوسط كالمقادير في الحدود ~~الشرعية ومنه ما يكون متميز الأطراف مشكل الوسط كالسير بالأميال والأكل ~~بالأرطال # فهذا مما هو متميز الأطراف مشكل الوسط والطريق فيه ما بينا # # | فصل في بيان أن إجماع هذه الأمة موجب للعلم # قال رضي الله عنه اعلم أن إجماع هذه الأمة موجب للعلم قطعا كرامة لهم على ~~الدين لا لانقطاع توهم اجتماعهم على الضلال بمعنى معقول فاليهود والنصارى ~~والمجوس أكثر منا عددا وقد وجد منهم الإجماع على الضلالة ولأن الاتفاق قد ~~يتحقق من الخلف على وجه المتابعة للآباء من غير حجة كما أخبر الله تعالى عن ~~الكفرة بقوله تعالى @QB@ إنا وجدنا آباءنا على أمة @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله @QE@ فعرفنا أنه إنما جعل ~~اجتماع ms299 هذه الأمة حجة شرعا كرامة لهم على الدين # فهذا مذهب الفقهاء وأكثر المتكلمين # وقال النظام وقوم من الإمامية لا يكون الإجماع حجة موجبة للعلم بحال لأنه ~~ليس فيه إلا اجتماع الأفراد وإذا كان قول كل فرد غير موجب للعلم لكونه غير ~~معصوم عن الخطأ فكذلك أقاويلهم بعدما اجتمعوا لأن توهم الخطأ لا ينعدم ~~بالاجتماع ألا ترى أن كل واحد منهم لما كان إنسانا قبل الاجتماع فبعد ~~الاجتماع هم ناس وكل واحد من القادرين حالة الانفراد لا يصير عاجزا بعد ~~الاجتماع وكل واحد من العميان عند الانفراد لا يصير بصيرا بالاجتماع ولا ~~تصير جملتهم أيضا بهذه الصفة بعد الاجتماع # وهذا الكلام ظاهر التناقض والفساد فقد ثبت بالاجتماع ما لا يكون ثابتا ~~عند الانفراد في المحسوسات والمشروعات فإن الأفراد لا يقدرون على حمل خشبة ~~ثقيلة وإذا اجتمعوا قدروا على ذلك واللقمة الواحدة من الطعام والقطرة من ~~الماء لا تكون مشبعة ولا مروية ثم عند الاجتماع تصير مشبعة ومروية وهذا لأن ~~بالاجتماع يحدث ما لم يكن عند الانفراد وهو الدليل الجامع لهم على ~~PageV01P295 ما اتفقوا عليه وقد قررنا هذا في الخبر المتواتر ومن أنكر كون ~~الإجماع حجة موجبة للعلم فقد أبطل أصل الدين فإن مدار أصول الدين ومرجع ~~المسلمين إلى إجماعهم فالمنكر لذلك يسعى في هدم أصل الدين # وسنقرر هذا في آخر الفصل # ثم الدليل على أن الإجماع من هذه الأمة حجة موجبة شرعا وأنهم إذا اجتمعوا ~~على شيء فالحق فيما اجتمعوا عليه قطعا وإذا اختلفوا في شيء فالحق لا يعدوهم ~~أصلا الكتاب والسنة # أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر @QE@ وكلمة خير بمعنى أفعل فيدل على النهاية في الخيرية ~~وذلك دليل ظاهر على أن النهاية في الخيرية فيما يجتمعون عليه ثم فسر ذلك ~~بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وإنما جعلهم خير أمة بهذا والمعروف ~~المطلق ما هو حق عند الله تعالى فأما ما يؤدي إليه اجتهاد المجتهدين فإنه ~~غير معروف مطلقا إذ المجتهد يخطىء ms300 ويصيب ولكنه معروف في حقه على معنى أنه ~~يلزمه العمل به ما لم يتبين خطؤه ففي هذا بيان أن المعروف المطلق ما ~~يجتمعون عليه # فإن قيل هذا يقتضي كون كل واحد منهم آمرا بالمعروف كما ذكرنا في موجب ~~الجمع المضاف إلى جماعة وبالإجماع اجتهاد كل واحد منهم بانفراده لا يكون ~~موجبا للعلم قطعا # قلنا لا بل المراد هنا أن جميع الأمة أو أكثرهم بهذه الصفة ونظيره قوله ~~تعالى @QB@ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك @QE@ # @QB@ وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها @QE@ وكان ذلك من بعضهم # ويقال في بذلة الكلام بنو هاشم حكماء وأهل الكوفة فقهاء وإنما يراد بعضهم ~~فيتبين بهذا التحقيق أن المراد بيان أن الأكثر من هذه الأمة إذا اجتمعوا ~~على شيء فهو المعروف مطلقا وأنهم إذا اختلفوا في شيء فالمعروف المطلق لا ~~يعدو أقوالهم وقال تعالى @QB@ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين @QE@ الآية فقد جعل الله اتباع غير سبيل المؤمنين ~~بمنزلة مشاقة الرسول في استيجاب النار # ثم قول الرسول موجب للعلم قطعا فكذلك ما اجتمع عليه المؤمنون ولا يجوز أن ~~يقال المراد اجتماع الخصلتين لأن في ذكرهما دليلا على أن تأثير أحدهما ~~كتأثير الآخر بمنزلة قوله تعالى @QB@ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ~~@QE@ PageV01P296 إلى قوله @QB@ ومن يفعل ذلك يلق أثاما @QE@ وأيد هذا قوله ~~تعالى @QB@ ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة @QE@ ففي ~~هذا تنصيص على أن من اتخذ وليجة من دون المؤمنين فهو بمنزلة من اتخذ وليجة ~~من دون الرسول # وقال تعالى @QB@ وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم @QE@ وفيه تنصيص على ~~أن المرضي عند الله ما هم عليه حقيقة ومعلوم أن الارتضاء مطلقا لا يكون ~~بالخطأ وإن كان المخطىء معذورا وإنما يكون بما هو الصواب فعرفنا أن الحق ~~مطلقا فيما اجتمعوا عليه # وقال تعالى @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس @QE@ ~~والوسط العدل المرضي قال تعالى @QB@ أوسطهم @QE@ أي أعدلهم وأرضاهم قولا ~~وقال القائل هم وسط يرضى الأنام ms301 بحكمهم أي عدل ففي الوصف لهم بالعدالة ~~تنصيص على أن الحق ما يجتمعون عليه ثم جعلهم شهداء على الناس والشاهد مطلقا ~~من يكون قوله حجة ففي هذا بيان أن إجماعهم حجة على الناس وأنه موجب للعلم ~~قطعا ولا معنى لقول من يقول الشهود في الحقوق عند القاضي وإن جعلت شهادتهم ~~حجة فإنها لا تكون موجبة للعلم قطعا وهذا لأن شهادتهم حجة في حق القاضي ~~باعتبار أنه مأمور بالقضاء بالظاهر فإن ما وراءه غيب عنه ولا طريق له إلى ~~معرفته فيكون حجة بحسب ذلك وأما هنا فقد جعل الله تعالى هذه الأمة شهداء ~~على الناس بما هو حق الله تعالى ( على الناس وهو علام الغيوب لا تخفى عليه ~~خافية فإن ما يكون حجة لحق الله تعالى ) على الناس ما يكون موصوفا بأنه حق ~~قطعا كيف وقد جعل الله شهادتهم على الناس كشهادة الرسول عليهم فقال تعالى ~~@QB@ ويكون الرسول عليكم شهيدا @QE@ وشهادة الرسول حجة موجبة للعلم قطعا ~~لأنه معصوم عن القول بالباطل فتبين بهذه المقابلة أن شهادة الأمة في حق ~~الناس بهذه الصفة ولا يجوز أن يقال هذا في حكم الآخرة لأنه لا تفصيل في ~~الآية ولأن ما في الآخرة يكون أداء الشهادة في مجلس القضاء والقاضي علام ~~الغيوب عالم بحقائق الأمور فما لم يكونوا عالمين بما هو الحق في الدنيا لا ~~يصلحون للأداء بهذه الصفة في الآخرة في قوله تعالى @QB@ فكيف إذا جئنا من ~~كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء @QE@ مع أن الشهادة في الآخرة مذكورة ~~PageV01P297 في الآيتين من كتاب الله تعالى @QB@ شهيدا @QE@ وفي قوله تعالى ~~@QB@ ويوم نبعث من كل أمة شهيدا @QE@ الآية فتبين أن المراد بما تلونا ~~الشهادة بحقوق الله تعالى على الناس في الدنيا # ولا يقال كما وصف الله هذه الأمة بأنهم شهداء فقد وصف به أهل الكتاب قال ~~تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم ~~شهداء @QE@ وقال تعالى @QB@ بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ~~@QE@ ثم لم يدل ذلك ms302 على أن إجماعهم موجب للعلم وهذا لأن الله تعالى إنما ~~جعلهم شهداء بما أخذ الميثاق به عليهم وهو بيان نعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من كتابهم للناس كما قال تعالى @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق الذين ~~أوتوا الكتاب لتبيننه @QE@ الآية ولو بينوا كان بيانهم حجة إلا أنهم لما ~~تعنتوا واشتغلوا بالحسد وطلب الرياسة كفروا بذلك وإنما سماهم أهل الكتاب ~~باعتبار ما كانوا عليه من قبل ولذلك جعلهم شهداء على حفظ الكتاب فما لم ~~يبدلوا كان قولهم حجة ولكنهم حرفوا وغيروا ذلك فلهذا لا يكون قولهم حجة ~~فأما هنا فقد جعل الله هذه الأمة شهداء على الناس فعرفنا أن قولهم حجة في ~~إلزام حقوق الله على الناس إلى قيام الساعة # ولا يقال فقد ثبت حق الله بما لا يوجب العلم قطعا نحو خبر الواحد والقياس ~~وهذا لأن خبر الواحد حجة باعتبار أنه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقوله حجة موجبة للعلم قطعا ولكن امتنع ثبوت العلم به لشبهة في النقل ~~واحتمل ذلك لضرورة فقدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والقياس لا يكون حجة ~~لإثبات الحكم ابتداء بل بتعدية الحكم الثابت بالنص إلى محل لا نص فيه ~~واحتمل ذلك لضرورة حاجتنا إلى ذلك فأما هنا فقد جعل الله تعالى الأمة شهداء ~~على الناس مطلقا وذلك لا يكون إلا إذا كان الحق مطلقا فيما يشهدون به # فإن قيل وصف الله تعالى إياهم بهذا لا يكون دليلا على أنه لا يتوهم ~~اجتماعهم على ما هو ضلالة كما في قوله تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون @QE@ ففيه بيان أنه خلقهم للعبادة ثم لا يمنع ذلك توهم اجتماعهم ~~على ترك العبادة # قلنا اللام المذكور في قوله تعالى @QB@ ليكونوا @QE@ PageV01P298 @QB@ ~~ليكونوا @QE@ يدل على أنه جعلهم بهذه الصفة كرامة لهم ليكون قولهم حجة على ~~الناس في حق الله كما يقول إنه جعل الناس أحرارا ليكونوا أهلا للملك فإنما ~~يفهم منه أن الأهلية للملك ثابت لهم باعتبار الحرية فهاهنا أيضا يفهم من ~~الآية أن قولهم ms303 حجة على الناس باعتبار صفة الوساطة لهم وهكذا كان يقتضي ~~ظاهر قوله تعالى @QB@ إلا ليعبدون @QE@ غير أنا لو حملنا على هذا الظاهر ~~خرجت العبادة من أن ينالها ثواب أو عقاب بتركها لأن ذلك يثبت باختيار يكون ~~من العبد عند الإقدام عليه فعرفنا أن المراد من قوله @QB@ إلا ليعبدون @QE@ ~~إلا وعليهم العبادة لي # وبأن بترك الظاهر في موضع لقيام الدليل لا يمنع العمل بالظاهر فيما سواه ~~وتبين أن ما نحن فيه نظير شهادة الرسول علينا كما ذكره الله معطوفا على هذه ~~الصفة لا نظير ما استشهدوا به # وأما السنة فقد جاءت مستفيضة مشهورة في ذلك فمنها حديث عمر رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ~~فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ومنها حديث معاذ رضي الله عنه ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل ~~لله تعالى ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمينومنها قوله صلى الله ~~عليه وسلم يد الله مع الجماعة فمن شذ شذ في النار وقال عليه السلام من خالف ~~الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وقال عليه السلام إن الله لا ~~يجمع أمتي على الضلالة ولما سئل عن الخميرة التي يتعاطاها الناس قال ما رآه ~~المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح ~~والآثار في هذا الباب كثيرة تبلغ حد التواتر لأن كل واحد منهم إذا روي ~~حديثا في هذا الباب سمعه في جمع ولم ينكر عليه أحد من ذلك الجمع فذلك ~~بمنزلة المتواتر كالإنسان إذا رأى القافلة بعد انصرافها من مكة وسمع من كل ~~فريق واحدا يقول قد حججنا فإنه يثبت له علم اليقين بأنهم حجوا في تلك السنة ~~PageV01P299 # وشيء من المعقول يشهد به فإن الله تعالى جعل الرسول خاتم النبيين وحكم ~~ببقاء شريعته إلى يوم القيامة وأنه لا نبي بعده وإلى ذلك أشار رسول الله ~~صلى الله عليه ms304 وسلم في قوله لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا ~~يضرهم من ناوأهم فلا بد من أن تكون شريعته ظاهرة في الناس إلى قيام الساعة ~~وقد انقطع الوحي بوفاته فعرفنا ضرورة أن طريق بقاء شريعته عصمة الله أمته ~~من أن يجتمعوا على الضلالة فإن في الاجتماع على الضلالة رفع الشريعة وذلك ~~يضاد الموعود من البقاء وإذا ثبت عصمة جميع الأمة من الاجتماع على الضلالة ~~ضاهى ما أجمعوا عليه المسموع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك موجب ~~للعلم قطعا فهذا مثله # وهذا معنى ما قلنا إن عند الاجتماع يحدث ما لم يكن ثابتا بالأفراد وهو ~~نظير القاضي إذا نفذ قضاء باجتهاد فإنه يلزم ذلك على وجه لا يحتمل النقض ~~وإن كان ذلك فوق الاجتهاد وكان ذلك لصيانة القضاء الذي هو من أسباب الدين ~~فلأن يثبت هنا ما ادعينا صيانة لأصل الذين كان أولى # فإن قيل كيف يستقيم هذا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم ~~الساعة إلا على شرار الناس وقال لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله ~~قلنا في صحة هذا الحديث نظر هو في الظاهر مخالف لكتاب الله @QB@ الله ولي ~~الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور @QE@ ومن كان الله وليه فهو ظاهر ~~أبدا ومعنى قوله يخرجهم من الظلمات إلى النور أي من ظلمات الكفر والباطل ~~إلى نور الإيمان والحق فذلك دليل على أن الحق ما يتفقون عليه في كل وقت ~~وقال تعالى @QB@ هو الذي يصلي عليكم وملائكته @QE@ الآية ولو ثبت الحديث ~~فالمراد بيان أن أهل الشر يغلبون في آخر الزمان مع بقاء الصالحين المتمسكين ~~بالحق فيهم والمراد بالحديث الآخر بيان الحال بين نفخة الفزع ونفخة البعث ~~فإن قيام الساعة عند نفخة البعث وعند ذلك لم يبق في الأرض من بني آدم أحد ~~حيا # ثم الكلام بعد هذا في سبب الإجماع وركنه وأهلية من ينعقد به الإجماع ~~وشرطه وحكمه # من الكتاب والسنة # أما الكتاب فنحو الإجماع على حرمة الأمهات والبنات ms305 سببه قوله تعالى @QB@ ~~حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم @QE@ وأما من حيث السنة فنحو الإجماع على ~~PageV01P300 # | فصل السبب # قال رضي الله عنه اعلم بأن سبب الإجماع قد يكون توقيفا أن في اليدين ~~الدية وفي إحداهما نصف الدية والإجماع على أنه لا يجوز بيع الطعام المشتري ~~قبل القبض وما أشبه ذلك فإن سببه السنة المروية في الباب # ومن ذلك ما يكون مستنبطا بالاجتهاد على ما هو المنصوص عليه من الكتاب أو ~~السنة وذلك نحو إجماعهم على توظيف الخراج على أهل السواد فإن عمر رضي الله ~~عنه حين أراد ذلك خالفه بلال مع جماعة من أصحابه حتى تلا عليهم قوله تعالى ~~@QB@ والذين جاؤوا من بعدهم @QE@ قال أرى لمن بعدكم في هذا الفيء نصيبا فلو ~~قسمتها بينكم لم يبق لمن بعدكم فيها نصيب # فأجمعوا على قوله وسبب إجماعهم هذا الاستنباط # ولما اختلفوا في الخليفة بعد رسول الله عليه السلام قال عمر إن رسول الله ~~اختار أبا بكر لأمر دينكم فيكون أرضني به لأمر دنياكم # فأجمعوا على خلافته وسبب إجماعهم هذا الاستنباط # ومنها ما يكون عن رأي نحو إجماعهم على أجل العنين وإجماعهم على الحد على ~~شارب الخمر على ما روي أن عمر رضي الله عنه لما شاورهم في ذلك قال علي إنه ~~إذا شرب هذي وإذا هذي افترى وحد المفترين في كتاب الله ثمانون جلدة # وهكذا قاله ابن عوف # وكان علي يقول ما من أحد أقيم عليه حدا فيموت فأجد من ذلك في نفسي شيئا ~~إلا حد الخمر فإنه ثبت بآرائنا # فإن قيل كيف يستقيم هذا وإثبات الحد بالرأي لا يكون قلنا لا نقول إثبات ~~أصل الحد كان بالرأي بل بالسنة وهو ما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمر بالضرب بالجريد والنعال في شرب الخمر إلا أنهم بالتفحص عرفوا مقدار ما ~~ضرب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن الذين كانوا عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يومئذ أربعون نفرا وضرب كل واحد بنعليه فنقلوا بالرأي ~~من النعال إلى ms306 الجلدات استدلالا بحد القذف وأثبتوا المقدار بالنص فأجمعوا ~~أن حد الخمر ثمانون جلدة PageV01P301 # وكان ابن جرير رحمه الله يقول الإجماع الموجب للعلم قطعا لا يصدر عن خبر ~~الواحد ولا عن قياس لأن خبر الواحد والقياس لا يوجب العلم قطعا فما يصدر ~~عنه كيف يكون موجبا لذلك ولأن الناس يختلفون في القياس هل هو حجة أم لا ~~فكيف يصدر الإجماع عن نفس الخلاف وهذا غلط بين فقد بينا أن إجماع هذه الأمة ~~حجة شرعا باعتبار عينه لا باعتبار دليله فمن يقول بأنه لا يكون إلا صادرا ~~عن دليل موجب للعلم فإنه يجعل الإجماع لغوا وإنما يثبت العلم بذلك الدليل ~~فهو ومن ينكر كون الإجماع حجة أصلا سواء وخبر الواحد والقياس وإن لم يكن ~~موجبا للعلم بنفسه فإذا تأيد بالإجماع فذلك يضاهي ما لو تأيد بآية من كتاب ~~الله أو بالعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم والتقرير منه على ذلك ~~فيصير موجبا للعلم من هذا الطريق قطعا وقد كان في الصدر الأول اتفاق على ~~استعمال القياس وكونه حجة على ما نبينه وإنما أظهر الخلاف بعض أهل الكلام ~~ممن لا نظر له في الفقه وبعض المتأخرين ممن لا علم له بحقيقة الأحكام ~~وأولئك لا يعتد بخلافهم ولا يؤنس بوفاقهم # ثم الإجماع الثابت بهذه الأسباب يثبت انتقاله إلينا بالطريق الذي يثبت به ~~انتقال السنة المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ( تارة ) يكون ~~بالتواتر وتارة بالاشتهار وتارة بالآحاد وذلك نحو ما يروى عن عبيدة ~~السلماني قال ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء ~~كاجتماعهم على المحافظة على الأربع قبل الظهر وعلى الإسفار بالفجر وعلى ~~تحريم نكاح الأخت في عدة الأخت # وقال ابن مسعود رضي الله عنه في تكبيرات الجنازة كل ذلك قد كان وقد رأيت ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكبرون عليها أربعا # ومن الناس من أنكر ثبوت الإجماع بخبر الواحد لأن الإجماع يوجب العلم قطعا ~~وخبر الواحد لا يوجب ذلك وهذا خطأ بين فإن ms307 قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم موجب للعلم أيضا ثم يجوز أن يثبت ذلك بالنقل PageV01P302 بطريق الآحاد ~~على أن يكون موجبا للعمل دون العلم فكذلك الإجماع يجوز أن يثبت بالنقل ~~بطريق الآحاد على أن يكون موجبا العمل # وسنقرر هذا في بيان الحكم إن شاء الله تعالى # # | فصل الركن # ركن الإجماع نوعان العزيمة والرخصة فالعزيمة هو اتفاق الكل على الحكم ~~بقول سمع منهم أو مباشرة الفعل فيما يكون من بابه على وجه يكون ذلك موجودا ~~من العام والخاص فيما يستوي الكل في الحاجة إلى معرفته لعموم البلوى فيه ~~كتحريم الزنا والربا وتحريم الأمهات وأشباه ذلك ويشترك فيه جميع علماء ~~العصر وفيما لا يحتاج العام إلى معرفته لعدم البلوى العام بهم فيه كحرمة ~~المرأة على عمتها وخالتها وفرائض الصدقات وما يجب في الزروع والثمار وما ~~أشبه ذلك وهذا لأن ركن الشيء ما يقوم به أصله فإنما يقوم أصل الإجماع في ~~النوعين بهذا # وأما الرخصة وهو أن ينتشر القول من بعض علماء أهل العصر ويسكت الباقون عن ~~إظهار الخلاف وعن الرد على القائلين بعد عرض الفتوى عليهم أو صيرورته ~~معلوما لهم بالانتشار والظهور فالإجماع يثبت به عندنا # ومن العلماء من يقول بهذا الطريق لا يثبت الإجماع # ويحكى عن الشافعي رحمه الله أنه كان يقول إن ظهر القول من أكثر العلماء ~~والساكتون نفر يسير منهم يثبت به الإجماع وإن انتشر القول من واحد أو اثنين ~~والساكتون أكثر علماء العصر لا يثبت به الإجماع # وجه قولهم إن السكوت محتمل قد يكون للموافقة وقد يكون للمهابة والتقية مع ~~إضمار الخلاف والمحتمل لا يكون حجة خصوصا فيما يوجب العلم قطعا ألا ترى أن ~~فيما هو مختلف فيه السكوت لا يكون دليلا على شيء لكونه محتملا # ويستدلون على صحة هذه القاعدة بما روي أن عمر رضي الله عنه لما شاور ~~الصحابة في مال فضل PageV01P303 عنده للمسلمين فأشاروا عليه بتأخير القسمة ~~والإمساك إلى وقت الحاجة وعلي رضي الله عنه في القوم ساكت فقال له ما تقول ~~يا أبا ms308 الحسن فقال لم تجعل يقينك شكا وعلمك جهلا أرى أن تقسم ذلك بين ~~المسلمين وروى فيه حديثا فهو لم يجعل سكوته دليل الموافقة لهم حتى سأله ~~واستخار علي رضي الله عنه السكوت مع كون الحق عنده في خلافهم # ولما شاور عمر الصحابة في إملاص المغيبة التي بعث بها ففزعت فقالوا إنما ~~أنت مؤدب وما أردت إلا الخير فلا شيء عليك وعلي رضي الله عنه في القوم ساكت ~~فقال ما تقول يا أبا الحسن فقال إن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطؤوا وإن ~~قاربوك فقد غشوك أرى عليك الغرة # فقال أنت صدقتني # فقد استخار السكوت مع إضمار الخلاف ولم يجعل عمر سكوته دليل الموافقة حتى ~~استنطقه # ولما بين ابن عباس حجته في مسألة العول للصحابة قالوا له هلا قلت هذا ~~لعمر فقال كان رجلا مهيبا فهبته وفي رواية منعني درته من ذلك # وكان عيسى بن أبان يقول ترك النكير لا يكون دليل الموافقة بدليل حديث ذي ~~اليدين فإنه حين قال أقصرت الصلاة أم نسيتها يا رسول الله فنظر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وعمر وقال أحق ما يقول ذو اليدين ولو كان ~~PageV01P304 ترك النكير دليل الموافقة لاكتفى به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم منهم ولما استنطقهم في الصلاة من غير حاجة # وكان الكرخي رحمه الله يقول السكوت على النكير فيما يكون مجتهدا فيه لا ~~يكون دليل الموافقة لأنه ليس لأحد المجتهدين أن ينكر على صاحبه باجتهاده ~~وليس عليه أن يبين له ما أدى إليه اجتهاده فالسكوت في مثله لا يكون دليل ~~الموافقة # وجه قولنا إنه لو شرط لانعقاد الإجماع التنصيص من كل واحد منهم على قوله ~~وإظهار الموافقة مع الآخرين قولا أدى إلى أن لا ينعقد الإجماع أبدا لأنه لا ~~يتصور اجتماع أهل العصر كلهم على قول يسمع ذلك منهم إلا نادرا وفي العادة ~~إنما يكون ذلك بانتشار الفتوى من البعض وسكوت الباقين وفي اتفاقنا على كون ~~الإجماع حجة وطريقا لمعرفة الحكم دليل على بطلان قول ms309 هذا القائل وهذا لأن ~~المتعذر كالممتنع ثم تعليق الشيء بشرط هو ممتنع يكون نفيا لا صلة فكذا ~~تعليقه بشرط هو متعذر وهذا لأن الله تعالى رفع عنا الحرج كما لم يكلفنا ما ~~ليس في وسعنا وليس في وسع علماء العصر السماع من الذين كانوا قبلهم يقرون ~~فكان ذلك ساقطا عنهم فكذلك يتعذر السماع من جميع علماء العصر والوقوف على ~~قول كل واحد منهم في حكم حادثة حقيقة لما فيه من الحرج البين فينبغي أن ~~يجعل اشتهار الفتوى من البعض والسكوت من الباقين كافيا في انعقاد الإجماع ~~لأن السامعين من العلماء المجتهدين لا يحل لهم السكوت عن إظهار الخلاف إذا ~~كان الحكم عندهم خلاف ما ظهر وسكوتهم محمول على الوجه الذي يحل فبهذا ~~الطريق ينقطع معنى التساوي في الاحتمال ويترجح جانب إظهار الموافقة ومثل ~~هذا السكوت لا يرجح أحد الجانبين فيما يكون مختلفا فيه فيبقى محتملا على ~~ظاهره ولهذا قال الشافعي رحمه الله إنما يثبت الإجماع إذا اشتهر القول من ~~أكثرهم لأن هذا القدر مما يتأتى وإقامة السكوت مقام إظهار الموافقة لدفع ~~الحرج فيتقدر بقدره ولا حرج في اعتبار ظهور القول من الأكثر ولأن الأقل ~~يجعل تبعا للأكثر فإذا كان الأكثر سكوتا يجعل ذلك كسكوت الكل وإذا ظهر ~~القول من الأكثر يجعل كظهوره من الكل # ولكنا نقول المعنى الذي لأجله PageV01P305 جعل سكوت الأقل بمنزلة إظهار ~~الموافقة أنه لا يحل لهم ترك إظهار الخلاف إذا كان الحكم عندهم خلاف ذلك ~~وهذا المعنى فيما يشتهر من واحد أو اثنين أظهر لأن تمكن الأكثر من إظهار ~~الخلاف يكون أبين فلأن يجعل سكوتهم عن إظهار الخلاف بعد ما اشتهر القول ~~دليل الموافقة كان أولى # وأما حديث القسمة فإنما سكت علي رضي الله عنه لأن ما أشاروا به على عمر ~~كان حسنا فإن للإمام أن يؤخر القسمة فيما يفضل عنده من المال ليكون معدا ~~لنائبة تنوب المسلمين ولكن كان القسمة أحسن عند علي لأنه أقرب إلى أداء ~~الأمانة والخروج عما يحمل من العهدة وفي مثل هذا ms310 الموضع لا يجب إظهار ~~الخلاف ولكن إذا سئل يجب بيان الأحسن فلهذا سكت علي في الابتداء وحين سأله ~~بين الوجه الأحسن عنده # وكذا حديث الإملاص فإن ما أشاروا به من الحكم كان صوابا لأنه لم يوجد من ~~عمر رضي الله عنه مباشرة صنع بها ولا تسبب هو جناية ولكن إلزام الغرة مع ~~هذا يكون أبعد من القيل والقال ويكون أقرب إلى بسط العدل وحسن الرعاية ~~فلهذا سكت في الابتداء ولما استنطقه بين أولى الوجهين عنده يوضحه أن مجرد ~~السكوت عن إظهار الخلاف لا يكون دليل الموافقة عندنا ما بقي مجلس المشاورة ~~ولم يفصل الحكم بعد فإنما يكون هذا حجة أن لو فصل عمر الحكم بقولهم أو ظهر ~~منه توقف في الجواب ويكون علي رضي الله عنه ساكتا بعد ذلك ولم ينقل هذا ~~فإنما يحمل سكوته في الابتداء على أنه لتجربة أفهامهم أو لتعظيم الفتوى ~~الذي يريد إظهاره باجتهاده حتى لا يزدري به أحد من السامعين أو ليروي النظر ~~في الحادثة ويميزه من الأشباه حتى يتبين له ما هو الصواب فيظهره والظاهر ~~أنه لو لم يستنطقه عمر رضي الله عنه لكان هو بين ما يستقر عليه رأيه من ~~الجواب قبل إبرام الحكم وانقضاء مجلس المشاورة # فأما حديث ابن عباس فقد قيل إنه لا يكاد يصح لأن عمر رضي الله عنه كان ~~يقدم ابن عباس رضي الله عنهما وكان يدعوه في مجلس الشورى مع الكبار من ~~PageV01P306 الصحابة لما عرف من فطنته وحسن ذهنه وبصيرته وقد أشار عليه ~~بأشياء فقبل ذلك واستحسنه وكان يقول له غص يا غواص شنشنة أعرفها من أخزم ~~يعني أنه شبه العباس في رأيه ودهائه فكيف يستقيم مع هذا أن يقال إنه امتنع ~~من بيان قوله وحجته لعمر مهابة له وإن صح فهذه المهابة إنما كان باعتبار ما ~~عرف من فضل رأي عمر وفقهه فمنعه ذلك من الاستقصاء في المحاجة معه كما يكون ~~من حال الشبان مع ذوي الأسنان من المجتهدين في كل عصر فإنهم يهابون الكبار ~~فلا يستقصون ms311 في المحاجة معهم حسب ما يفعلون مع الأقران ومتى كان ( الناس ) ~~في تقية من عمر في إظهار الحق مع قوله عليه الصلاة والسلام أينما دار الحق ~~فعمر معه وكان ألين وأسرع قبولا للحق من غيره حتى كان يشاورهم ويقول لهم لا ~~خير فيكم إذا لم تقولوا لنا ولا خير فينا إذا لم نسمع منكم رحم الله امرأ ~~أهدى إلى أخيه عيوبه # فمع طلب البيان منه بهذه الصفة لا يتوهم أن يهابه أحد فلا يظهر عنده حكم ~~الشرع مهابة له # وحديث ذي اليدين رضي الله عنه قلنا مجرد السكوت عن النكير لا يكون دليل ~~الموافقة عندنا ولكن مع ترك إظهار ما هو الحق عنده بعد مضي مدة المهلة ولم ~~توجد هذه الصفة في حديث ذي اليدين فإنه كما أظهر مقالته سأل رسول الله أبا ~~بكر وعمر رضي الله عنهما وكان الكلام في الصلاة يومئذ مباحا فما كان هناك ~~ما يمنعهم من الكلام وأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعرف ما عندهم ~~من خلاف له أو وفاق وذلك مستقيم قبل أن يحصل المقصود بالسكوت وإن كان يحصل ~~ذلك بسكوتهم عن إظهار الخلاف أن لو قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لإتمام الصلاة ولم يستنطقهم PageV01P307 # وكذلك ما قاله الكرخي رحمه الله فهو خارج على هذا الحرف لأنا لا نجعل ~~مجرد السكوت عن النكير دليل الموافقة بل ترك إظهار ما عنده مما هو مخالف ~~لما انتشر وهذا واجب على كل مجتهد من علماء العصر لا يباح له السكوت عنه ~~بعد ما انتشر قول بخلاف قوله وبلغه ذلك فإنما يحمل السكوت على الوجه الذي ~~يحل له شرعا ولهذا اعتبرنا في ثبوت الإجماع بهذا الطريق أن يسكت بعد عرض ~~الفتوى عليه لأنه ما لم يبلغه قول هو مخالف لما عنده وما لم يسأل عنه لا ~~يلزمه البيان وإنما يكون ذلك بعد عرض الفتوى عليه وبعد مضي مدة المهلة أيضا ~~لأنه يحتاج إلى التروي وإلى رد الحادثة إلى الأشباه ليميز الأشبه بالحادثة ~~من بين ms312 الأشباه برأيه ولا يتأتى ذلك إلا بمدة فإذا مضت المدة ولم يظهر خلاف ~~ما بلغه كان ذلك دليلا على الوفاق باعتبار العادة # فإن قيل كان ينبغي أن لا تنتهي هذه المدة إلا بموته لأن الإنسان قد يكون ~~متفكرا في شيء مدة عمره فلا يستقر فيه رأيه على شيء وقد يرى رأيا في شيء ثم ~~يظهر له رأي آخر فيرجع عن الأول فعلى هذا مدة التروي لا تنتهي إلا بموته # قلنا لا كذلك بل إذا مضى من المدة ما يتمكن فيه من النظر والاجتهاد فعليه ~~إظهار ما تبين له باجتهاده من توقف في الجواب أو خلاف أو وفاق لا يحل له ~~السكوت عن الإظهار إلا عند الموافقة وبعدما ثبت الإجماع بهذا الطريق فليس ~~له أن يرجع عنه برأي يعرض له لأن الإجماع موجب للعلم قطعا بمنزلة النص فكما ~~لا يجوز ترك العمل بالنص باعتبار رأي يعترض له لا يجوز مخالفة الإجماع برأي ~~يعترض له بعدما انعقد الإجماع بدليله # وكذلك إن لم يعرض عليه الفتوى ولكن اشتهر الفتوى في الناس على وجه يعلم ~~أنه بلغ ذلك الساكتين من علماء العصر فإن ذلك يقوم مقام العرض عليهم لأنه ~~يجب عليهم إظهار الخلاف الذي عندهم إن كانوا يعتقدون خلاف ذلك على وجه ~~ينتشر هذا الخلاف منهم كما انتشر القول الأول ليكون الثاني معارضا للأول ~~ولو أظهروا ذلك لانتشر فسكوتهم عن الإظهار الثابت بدليل عدم الانتشار ~~PageV01P308 دليل على الموافقة # بهذا الطريق أثبتنا كون القرآن معجزا لأن العرب ما عارضوا بمثله ولو ~~فعلوا لانتشر ذلك وعجزهم عن المعارضة بعد التحدي دليل على أنه معجز # فإن قيل فقد اشتهر فتوى الناس بجواز المزارعة بعد أبي حنيفة قولا وفعلا ~~مع سكوت أصحاب أبي حنيفة عن النكير ولم يكن ذلك دليل الموافقة # قلنا كما انتشر ذلك فقد انتشر أيضا الخلاف من أصحاب أبي حنيفة لمن أجاز ~~المزارعة محاجة ومناظرة وإنما تركوا التشنيع على من يباشر ذلك لأنه ظهر عند ~~الناس نوع رجحان لقول من أجازها فأخذوا بذلك وذلك يمنع ms313 القائلين بفسادها من ~~أن يظهروا منع الناس من ذلك لعلمهم أن الناس لا يمتنعون باعتبار ما ظهر لهم ~~بمنزلة القاضي إذا قضى في فصل مجتهد فيه فإنه لا يجب على المجتهد الذي ~~يعتقد خلافه أن يظهر للناس خطأ القاضي لعلمه أن الناس لا يأخذون بقوله ~~ولاعتقاده أن قضاء القاضي بما قضى به نافذ وأن ذلك الجانب ترجح بالقضاء ~~فترك النكير على من يباشر المزارعة بهذه المثابة # يحقق ما قلنا إن من عادة المتشاورين من العوام في شيء يهمهم من أمر ~~الدنيا ويتعلق به بعض مصالحهم أن البعض إذا أظهر فيه رأيا وعند البعض خلاف ~~ذلك فإنهم لا يمتنعون من إظهار ما عندهم إلا نادرا ولا يبنى الحكم على ~~النادر فإذا كان هذا في أمر الدنيا مع أن السكوت عن الإظهار يحل فيه شرعا ~~فلأن يكون أمر الدين وما يرجع إلى إظهار حكم الله تعالى بهذه الصفة حتى ~~يكون السكوت فيه دليل الوفاق كان أولى فكذلك العادة من حال من يسمع ما هو ~~مستبعد عنه أن لا يمتنع من إظهار النكير عنده بل يكون ذلك جل همه ألا ترى ~~أنه لو أخبر مخبر أن الخطيب يوم الجمعة لما صعد المنبر رماه إنسان بسهم ~~فقتله وسمع ذلك منه قوم شهدوا الجمعة ولم يعرفوا من ذلك شيئا فإنه لا يكون ~~في همتهم شيء أسبق من إظهار الإنكار عليه وقد بينا أن ما عليه العادة ~~الظاهرة لا يجوز تركه في الأحكام فتبين باعتبار هذه العادة أن السكوت دليل ~~الموافقة ونحن نعلم أنه قد كان عند الصحابة أن إجماعهم PageV01P309 حجة ~~موجبة للعلم قطعا فإذا علم الساكت هذا يفترض عليه بيان ما عنده ليتحقق ~~الخلاف ويخرج ما اشتهر من أن يكون حكم الحادثة قطعا والسكوت إن لم يدل على ~~الموافقة فلا إشكال أنه لا يدل على الخلاف # ومن هذا الجنس ما إذا اختلفوا في حادثة على أقاويل محصورة فإن المذهب ~~عندنا أن هذا يكون دليل الإجماع منهم على أنه لا قول في هذه الحادثة سوى ~~هذه ms314 الأقاويل حتى ليس لأحد أن يحدث فيه قولا آخر برأيه # وعند بعضهم هذا من باب السكوت الذي هو محتمل أيضا فكما لا يدل على نفي ~~الخلاف لا يدل على نفي قول آخر في الحادثة فإن ذلك نوع تعيين ولا يثبت ~~بالمحتمل # ولكنا نقول قد بينا أنهم إذا اختلفوا على أقاويل فنحن نعلم أن الحق لا ~~يعدو أقاويلهم وهذا بمنزلة التنصيص منهم على أن ما هو الحق حقيقة في هذه ~~الأقاويل وماذا بعد الحق إلا الضلال # وكذلك هذا الحكم في اختلاف بين أهل كل عصر إلا على قول بعض مشايخنا فإنهم ~~يقولون هذا في أقاويل الصحابة خاصة لما لهم من الفضل والسابقة ولكن المعنى ~~الذي أشرنا إليه يوجب المساواة وعلى هذا قالوا فيما ظهر من بعض الخلفاء عن ~~الصحابة أنه قال في خطبته على المنبر ولم يظهر من أحد منهم خلاف لذلك فإن ~~ذلك إجماع منهم بهذا الطريق # وقد قال بعض من لا يعبأ بقوله الإجماع الموجب للعلم قطعا لا يكون إلا في ~~مثل ما اتفق عليه الناس من موضع الكعبة وموضع الصفا والمروة وما أشبه ذلك ~~وهذا ضعيف جدا فإنه يقال لهذا القائل بأي طريق عرفت إجماع المسلمين على هذا ~~بطريق سماعك نصا من كل واحد من آحادهم فإن قال نعم ظهر للناس كذبه وإن قال ~~لا ولكن بتنصيص البعض وسكوت الباقين عن إظهار الخلاف فنقول كما ثبت بهذا ~~الطريق الإجماع منهم على هذه الأشياء التي لا يشك فيها أحد فكذلك ثبت ~~الإجماع منهم بهذا الطريق في الأحكام الشرعية # # | فصل الأهلية # زعم بعض الناس أن الإجماع الموجب للعلم لا يكون إلا باتفاق فرق الأمة أهل ~~الحق وأهل الضلالة جميعا لأن الحجة إجماع الأمة ومطلق اسم الأمة يتناول ~~الكل PageV01P310 # فأما المذهب عندنا أن الحجة اتفاق كل عالم مجتهد ممن هو غير منسوب إلى ~~هوى ولا معلن بفسق في كل عصر لأن حكم الإجماع إنما يثبت باعتبار وصف لا ~~يثبت إلا بهذه المعاني وذلك صفة الوساطة كما قال تعالى @QB@ وكذلك جعلناكم ~~أمة ms315 وسطا @QE@ وهو عبارة عن الخيار العدول المرضيين وصفة الشهادة بقوله ~~@QB@ لتكونوا شهداء على الناس @QE@ فلا بد من اعتبار الأهلية لأداء الشهادة ~~وصفة الأمر بالمعروف وذلك يشير إلى فرضية الاتباع فيما يأمرون به وينهون ~~عنه وإنما يفترض اتباع العدل المرضي فيما يأمر به وثبوته بطريق الكرامة على ~~الدين والمستحق للكرامات مطلقا من كان بهذه الصفة # فأما أهل الأهواء فمن يكفر في هواه فاسم الأمة لا يتناوله مطلقا ولا هو ~~مستحق للكرامة الثابتة للمؤمنين ومن يضلل في هواه إذا كان يدعو الناس إلى ~~ما يعتقده فهو يتعصب لذلك على وجه يخرج به إلى صفة السفه والمجون فيكون ~~متهما في أمر الدين لا معتبر بقوله في إجماع الأمة ولهذا لم يعتبر خلاف ~~الروافض في إمامة أبي بكر ولا خلاف الخوارج في خلافة علي # فإن كان لا يدعو الناس إلى هواه ولكنه مشهور به فقد قال بعض مشايخنا فيما ~~يضلل هو فيه لا معتبر بقوله لأنه إنما يضلل لمخالفته نصا موجبا للعلم فكل ~~قول كان بخلاف النص فهو باطل وفيما سوى ذلك يعتبر قوله ولا يثبت الإجماع مع ~~مخالفته لأنه من أهل الشهادة ولهذا كان مقبول الشهادة في الأحكام # قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه إن كان متهما بالهوى ولكنه غير مظهر له ~~فالجواب هكذا فأما إذا كان مظهرا لهواه فإنه لا يعتد بقوله في الإجماع لأن ~~المعنى الذي لأجله قبلت شهادته لا يوجد هنا فإنها تقبل لانتفاء تهمة الكذب ~~على ما قال محمد رحمه الله قوم عظموا الذنوب حتى جعلوها كفرا لا يتهمون ~~بالكذب في الشهادة # وهذا يدل على أنهم لا يؤتمنون في أحكام الشرع ولا يعتبر قولهم فيه فإن ~~الخوارج هم الذين يقولون إن الذنب نفسه كفر وقد أكفروا أكثر الصحابة الذين ~~عليهم مدار أحكام الشرع وإنما عرفناها بنقلهم فكيف يعتمد قول هؤلاء في ~~أحكام الشرع وأدنى ما فيه أنهم لا يتعلمون ذلك إذا كانوا يعتقدون كفر ~~الناقلين # ولا معتبر بقول الجهال في الأحكام فأما من كان محقا في اعتقاده ~~PageV01P311 ولكنه ms316 فاسق في تعاطيه فالعراقيون يقولون لا يعتد بقوله في ~~الإجماع أيضا لأنه ليس بأهل لأداء الشهادة ولأن التوقف في قوله واجب بالنص ~~وذلك ينفي وجوب الاتباع # قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه إذا كان معلنا لفسقه فكذلك الجواب لأنه ~~لما لم يتحرز من إعلان ما يعتقده باطلا فكذلك لا يتحرز من إعلان قول يعتقد ~~بطلانه باطنا فأما إذا لم يكن مظهرا للفسق فإنه يعتد بقوله في الإجماع وإن ~~علم فسقه حتى ترد شهادته لأنه لا يخرج بهذا من الأهلية للشهادة أصلا ولا من ~~الأهلية للكرامة بسبب الدين ألا ترى أنا نقطع القول لمن يموت مؤمنا مصرا ~~على فسقه أنه لا يخلد في النار فإذا كان هو أهلا للكرامة بالجنة في الآخرة ~~فكذلك في الدنيا باعتبار قوله في الإجماع # فأما كونه عالما مجتهدا فهو معتبر في الحكم الذي يختص بمعرفته والحاجة ~~إليه العلماء وعلى هذا قلنا من يكون متكلما غير عالم بأصول الفقه والأدلة ~~الشرعية في الأحكام لا يعتد بقوله في الإجماع # هكذا نقل عن الكرخي # وكذلك من يكون محدثا لا بصر له في وجوه الرأي وطرق المقاييس الشرعية لا ~~يعتد بقوله في الإجماع لأن هذا فيما يبني عليه حكم الشرع بمنزلة العامي ولا ~~يعتد بقول العامي في إجماع علماء العصر لأنه لا هداية له في الحكم المحتاج ~~إلى معرفته فهو بمنزلة المجنون حتى لا يعتد بمخالفته # ثم قال بعض العلماء الذين هم بالصفة التي قلنا من أهل العصر ما لم يبلغوا ~~حدا لا يتوهم عليهم التواطؤ على الباطل لا يثبت الإجماع الموجب للعلم ~~باتفاقهم ألا ترى أن حكم التواتر لا يثبت بخبرهم ما لم يبلغوا هذا الحد ~~فكذلك حكم الإجماع بقولهم لأن بكل واحد منهما يثبت علم اليقين # والأصح عندنا أنهم إذا كانوا جماعة واتفقوا قولا أو فتوى من البعض مع ~~سكوت الباقين فإنه ينعقد الإجماع به وإن لم يبلغوا حد التواتر بخلاف الخبر ~~فإن ذلك محتمل للصدق والكذب فلا بد من مراعاة معنى ينتفي به تهمة الكذب ~~بكثرتهم ms317 ألا ترى أن صفة العدالة لا تعتبر هناك وهذا إظهار حكم ابتداء ليس ~~فيه من معنى احتمال تهمة الكذب شيء إنما فيه توهم الخطأ فإذا كانوا جماعة ~~فالأمن عن ذلك ثابت شرعا كرامة لهم بسبب الدين وصفة العدالة على ما قررنا ~~PageV01P312 # فإن قيل لا يؤمن على هؤلاء إعلان الفسق أو الضلالة أو الردة مثلا بعدما ~~انعقد الإجماع منهم فكيف يؤمن الخطأ باعتبار اجتماعهم وعن هذا الكلام ~~جوابان لمشايخنا رحمهم الله أحدهما أنا لا نجوز هذا على جماعتهم بعدما كان ~~إجماعهم موجبا للعلم في حكم الشرع فإن الله تعالى يعصمهم من ذلك لأن ~~إجماعهم صار بمنزلة النص عن صاحب الشريعة فكما أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم كان معصوما عن هذا نقطع القول به لأن قوله موجب للعلم فكذلك جماعة ~~العلماء إذا ثبت لهم هذه الدرجة وهو أن قولهم موجب للعلم كرامة بسبب الدين # والثاني أنه وإن تحقق هذا منهم فإن الله تعالى يقيم آخرين مقامهم ليكون ~~الحكم ثابتا بإجماعهم لأن الدين محفوظ إلى قيام الساعة على ما قال رسول ~~الله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله ~~فما يعترض على الأولين لا يؤثر في حكم الإجماع لقيام أمثالهم مقامهم بمنزلة ~~موتهم # وقال بعض العلماء الإجماع الموجب للعلم لا يكون إلا بإجماع الصحابة الذين ~~كانوا خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم صحبوه وسمعوا منه ~~علم التنزيل والتأويل وأثنى عليهم في آثار معروفة فهم المختصون بهذه ~~الكرامة # وهذا ضعيف عندنا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما أثنى عليهم فقد أثنى ~~على من بعدهم فقال خير الناس قرني الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم ففي هذا بيان أن أهل كل عصر يقومون مقامهم في صفة الخيرية إذا كانوا ~~على مثل اعتقادهم والمعاني التي بيناها لإثبات هذا الحكم بها من صفة ~~الوساطة والشهادة والأمر بالمعروف لا يختص بزمان ولا بقوم وثبوت هذا الحكم ~~بالإجماع لتحقيق بقاء حكم الشرع إلى ms318 قيام الساعة وذلك لا يتم ما لم يجعل ~~إجماع أهل كل عصر حجة كإجماع الصحابة رضي الله عنهم # فإن قيل ف أبو حنيفة رحمه الله قال بخلاف هذا لأنه قال ما جاءنا عن ~~الصحابة اتبعناهم وما جاءنا عن التابعين زاحمناهم # قلنا إنما قال ذلك لأنه كان من جملة التابعين PageV01P313 فإنه رأى أربعة ~~من الصحابة أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى وأبو الطفيل وعبد الله بن ~~حارث بن جزء الزبيدي رضي الله عنهم وقد كان ممن يجتهد في عهد التابعين ~~ويعلم الناس حتى ناظر الشعبي في مسألة النذر بالمعصية فما كان ينعقد ~~إجماعهم بدون قوله فلهذا قال ذلك لا لأنه كان لا يرى إجماع من بعد الصحابة ~~حجة # ومن الناس من يقول الإجماع الذي هو حجة إجماع أهل المدينة خاصة لأنهم أهل ~~حضرة الرسول وقد بين رسول الله عليه السلام خصوصية تلك البقعة في آثار فقال ~~إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها وقال عليه السلام ~~إن الدجال لا يدخلها وقال عليه السلام من أراد أهلها بسوء أذابه الله كما ~~يذوب الملح في الماء وقال عليه السلام إن المدينة تنفي الخبث كما ينفي ~~الكير خبث الحديد ولكن ما قررنا من المعاني لا يختص بمكان دون مكان # ثم إن كان مراد القائل أهلها الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فهذا لا ينازع فيه أحد وإن كان المراد أهلها في كل عصر فهو قول باطل ~~لأنه ليس في بقعة من البقاع اليوم في دار الإسلام قوم هم أقل علما وأظهر ~~جهلا وأبعد عن أسباب الخير من الذين هم بالمدينة فكيف يستجاز القول بأنه لا ~~إجماع في أحكام الدين إلا إجماعهم والمراد بالآثار حال المدينة في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين كانت الهجرة فريضة كان المسلمون يجتمعون فيها ~~وأهل الخبث والردة لا يقرون فيها وقد تكون البقعة محروسة وإن كان من يسكنها ~~على غير الحق ألا ترى أن مكة كانت محروسة عام ms319 الفيل مع أن أهلها كانوا ~~مشركين يومئذ # ومن الناس من يقول لا إجماع إلا لعترة الرسول لأنهم المخصوصون بقرابة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسباب العز قال عليه السلام إني تارك فيكم ~~الثقلين كتاب الله وعترتي إن تمسكتم بهما لم تضلوا بعدي وقال تعالى @QB@ ~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا @QE@ # الموجب للعلم باعتبار نصوص ومعاني لا يختص ذلك بأهل البيت والنسب ليس من ~~ذلك في شيء فالتخصيص به يكون زيادة كيف وقد قال تعالى @QB@ واتبع @QE@ ~~PageV01P314 ولكنا نقول أنواع الكرامة لأهل البيت متفق عليه ولكن حكم ~~الإجماع سبيل من أناب إلي فكل من كان منيبا إلى ربه فهو داخل في هذه الآية ~~وهو مراد بقوله تعالى @QB@ ويتبع غير سبيل المؤمنين @QE@ كما ذكرنا من ~~الاستدلال به # # | فصل الشرط # زعم بعض الناس أن انقراض العصر شرط لثبوت حكم الإجماع # وهو قول الشافعي رحمه الله أيضا لأن قبل انقراض العصر إذا بدا لبعضهم رأي ~~خلاف رأي الجماعة فإن ما ظهر له في الانتهاء بمنزلة الموجود في الابتداء ~~ولو كان موجودا لم ينعقد إجماعهم بدون قوله فكذلك إذا اعترض له ذلك ولا يقع ~~الأمن عن هذا إلا بانقراض العصر على ذلك الإجماع ألا ترى أن أبا بكر رضي ~~الله عنه كان يسوي بين الناس في العطايا وكانوا لا يخالفونه في ذلك ثم فضل ~~علي رضي الله عنه في العطايا في خلافته ولا يظن به مخالفة الجماعة فعرفنا ~~أن بدون انقراض العصر لا يثبت حكم الإجماع وقال علي رضي الله عنه اتفق رأيي ~~ورأي عمر على أن أمهات الأولاد لا يبعن وأنهن أحرار عن دبر من الموالي ثم ~~رأيت أن أرقهن # فلو ثبت الإجماع قبل انقراض العصر لما استجاز خلاف الإجماع برأيه # وأما عندنا انقراض العصر ليس بشرط لأن الإجماع لما انعقد باعتبار اجتماع ~~معاني الذي قلنا كان الثابت به كالثابت بالنص وكما أن الثابت بالنص لا يختص ~~بوقت دون وقت فكذلك الثابت بالإجماع ولو شرطنا انقراض العصر لم يثبت ~~الإجماع ms320 أبدا لأن بعض التابعين في عصر الصحابة كان يزاحمهم في الفتوى ~~فيتوهم أن يبدو له رأي بعد أن لم يبق أحد من الصحابة وهكذا في القرن الثاني ~~والثالث فيؤدي إلى سد باب حكم الإجماع ( أصلا ) وهذا باطل # ولكنا نقول بعد ما ثبت الإجماع موجبا للعلم باتفاقهم فليس لأحد أن يظهر ~~خلاف ذلك برأيه لا من PageV01P315 أهل ذلك العصر ولا من غيرهم كما لا يكون ~~له أن يخالف النص برأيه وهذا بخلاف رأيه قبل انعقاد الإجماع لأن الدليل ~~الموجب للعلم لم يتقرر هناك فكان قوله معتبرا في منع انعقاد الإجماع # وأما حديث التسوية في العطاء فقد كان مختلفا في الابتداء على ما روي عن ~~عمر رضي الله عنه قال لأبي بكر لا تجعل من لا سابقة له في الإسلام كمن له ~~سابقة # فقال أبو بكر هم إنما عملوا لله فأجرهم على الله # فتبين أن هذا الفصل كان مختلفا في الابتداء فلهذا مال علي رضي الله عنه ~~إلى التفضيل # وحديث أمهات الأولاد فالمروي أن عليا رضي الله عنه قال ثم رأيت أن أرقهن # يعني أن لا أعتقهن بموت المولى حتى يكون الوارث أو الوصي هو المعتق لها ~~كما دل عليه ظاهر بعض الآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس ~~المراد جواز بيعهن إذ ليس من ضرورة الرق جواز البيع لا محالة # وكان الكرخي رحمه الله يقول شرط الإجماع أن يجتمع علماء العصر كلهم على ~~حكم واحد فأما إذا اجتمع أكثرهم على شيء وخالفهم واحد أو اثنان لم يثبت حكم ~~الإجماع # وهذا قول الشافعي رحمه الله أيضا لأن النبي عليه السلام قال أصحابي ~~كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ولأنه لا معتبر بالقلة والكثرة في المعنى ~~الذي يبتنى عليه حكم الإجماع وبالاتفاق لو كان فريق منهم على قول وفريق ~~مثلهم على قول آخر فإنه لا يثبت حكم الإجماع فكذلك إذا كان أكثرهم على قول ~~ونفر يسير منهم على خلاف ذلك لا يثبت حكم الإجماع # قال رضي الله عنه والأصح عندي ما أشار ms321 إليه أبو بكر الرازي رحمه الله أن ~~الواحد إذا خالف الجماعة فإن سوغوا له ذلك الاجتهاد لا يثبت حكم الإجماع ~~بدون قوله بمنزلة خلاف ابن عباس للصحابة في زوج وأبوين وامرأة وأبوين أن ~~للأم ثلث جميع المال وإن لم يسوغوا له الاجتهاد وأنكروا ( عليه ) قوله فإنه ~~يثبت حكم الإجماع بدون قوله بمنزلة قول ابن عباس في حل التفاضل في أموال ~~الربا فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يسوغوا له هذا الاجتهاد حتى روي أنه ~~رجع إلى قولهم فكان الإجماع ثابتا بدون قوله ولهذا قال محمد رحمه الله في ~~الإملاء لو قضى القاضي PageV01P316 بجواز بيع الدرهم بالدرهمين لم ينفذ ~~قضاؤه لأنه مخالف للإجماع # والدليل على صحة هذا القول قوله عليه السلام يد الله مع الجماعة فمن شذ ~~شذ في النار # وقال عليه السلام عليكم بالسواد الأعظم يعني ما عليه عامة المؤمنين ففي ~~هذا إشارة إلى أن قول الواحد لا يعارض قول الجماعة ولأنا لو شرطنا هذا أدى ~~إلى أن لا ينعقد الإجماع أبدا لأنه لا بد أن يكون في علماء العصر واحد أو ~~اثنان ممن لم يسمع ذلك الفتوى أصلا وممن يرى خلاف ذلك # وإنما كان الإجماع حجة باعتبار ظهور وجه الصواب فيه بالاجتماع عليه وإنما ~~يظهر هذا في قول الجماعة لا في قول الواحد ألا ترى أن قول الواحد لا يكون ~~موجبا للعلم وإن لم يكن بمقابلته جماعة يخالفونه وقول الجماعة موجب للعلم ~~إذا لم يكن هناك واحد يخالفهم فكذلك مع وجود هذا الواحد لأن قوله لا يعارض ~~قولهم بخلاف ما إذا كان على كل قول جماعة فهناك المعارضة تتحقق والمراد من ~~قوله عليه السلام بأيهم اقتديتم اهتديتم إذا لم يكن هناك دليل موجبا للعلم ~~بخلاف قول من يهتدي به ألا ترى أنه إذا كان هناك نص بخلاف قول الواحد لم ~~يجز اتباعه ولم يكن هذا الحديث متناولا له # وحكي عن أبي حازم القاضي رحمه الله أن الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا على ~~شيء فذلك إجماع موجب للعلم ولا يعتد بخلاف ms322 من خالفهم في ذلك لقوله عليه ~~السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ~~ولهذا لم يعتبر خلاف زيد للخلفاء في توريث ذوي الأرحام وأمر المعتصم برد ~~الأموال التي اجتمعت في بيت المال مما أخذت من تركات فيها ذوو الأرحام ~~فأنكر ذلك عليه أبو سعيد البردعي رحمه الله وقال هذا شيء أمضى على قول زيد ~~فقال لا أعتد خلاف زيد في مقابلة قول الخلفاء الراشدين وقد قضيت بذلك فليس ~~لأحد أن يبطله بعدي PageV01P317 # # | فصل الحكم # ذكر هشام عن محمد رحمهما الله الفقه أربعة ما في القرآن وما أشبهه وما ~~جاءت به السنة وما أشبهها وما جاء عن الصحابة وما أشبهه وما رآه المسلمون ~~حسنا وما أشبهه # ففي هذا بيان أن ما أجمع عليه الصحابة فهو بمنزلة الثابت بالكتاب والسنة ~~في كونه مقطوعا به حتى يكفر جاحده # وهذا أقوى ما يكون من الإجماع ففي الصحابة أهل المدينة وعترة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا خلاف بين من يعتد بقولهم إن هذا الإجماع حجة موجبة ~~للعلم قطعا فيكفر جاحده كما يكفر جاحد ما ثبت بالكتاب أو بخبر متواتر # فإن قيل كيف يستقيم هذا وتوهم الخطأ لم ينعدم بإجماعهم أصلا فإن رأيهم لا ~~يكون فوق رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى @QB@ عفا الله ~~عنك لم أذنت لهم @QE@ وقال تعالى @QB@ ما كان لنبي أن يكون له أسرى @QE@ ~~الآية ففي هذا إشارة إلى أنه قد كان وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الخطأ في بعض ما فعل به برأيه فعرفنا أنه لا يؤمن الخطأ في رأي دون رأيه ~~أصلا قلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معصوما عن التقرير على الخطأ ~~خصوصا في إظهار أحكام الدين ولهذا كان قوله موجبا علم اليقين واتباعه فرض ~~على الأمة قال تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ~~@QE@ وسنقرر هذا الكلام في موضعه ( إن شاء الله تعالى ) فإذا ثبت هذا فيما ~~ثبت بتنصيص رسول الله صلى الله ms323 عليه وسلم فكذلك فيما يثبت بإجماع الصحابة ~~فإنه لا يبقى فيه توهم الخطأ بعد إجماعهم حتى يكفر جاحده # وقوله وما أشبهه المراد منه أن الصحابة إذا اختلفوا في حادثة على أقاويل ~~فإن ذلك اتفاق PageV01P318 منهم على أنه لا قول سوى ما ذكروا فيها وأن الحق ~~لا يعدو أقاويلهم حتى ليس لأحد بعدهم أن يخترع قولا آخر برأيه ولهذا قلنا ~~إن الصحابة لما اختلفوا في مقدار جعل الآبق على أقاويل كان ذلك اتفاقا منهم ~~على أن الحق لا يعدو أقاويلهم فليس لأحد بعدهم أن يخترع فيه قولا آخر برأيه ~~إلا أن هذا الإجماع دون الأول في الحكم لأن ثبوته بطريق الاستدلال وأصله ~~مسكوت عنه فلا يكفر جاحده مثل هذا الإجماع # فإن قيل أليس أنكم قلتم فيمن قال لامرأته اختاري فإن اختارت نفسها وقعت ~~تطليقة بائنة وإن اختارت زوجها لم يقع شيء وقد كانت الصحابة فيها على قولين ~~سوى هذا ثم اخترعتم قولا ثالثا برأيكم قلنا ما فعلنا ذلك فإن الكرخي رحمه ~~الله ذكر مذهبنا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه فليس ذلك بخروج عن أقاويلهم ~~وفي قوله ما رآه المسلمون حسنا بيان أن إجماع أهل كل عصر حجة ولكن هذا في ~~الحكم دون ما سبق وهو بمنزلة خبر مشهور حتى لا يكفر جاحده ولكن يجوز النسخ ~~به لأن بين من يعتد بقولهم من العلماء اختلافا فيه ودون هذا بدرجة أيضا ~~الإجماع بعد الاختلاف في الحادثة إذا كانت مختلفا فيها في عصر ثم اتفق أهل ~~عصر آخر بعدهم على أحد القولين فقد قال بعض العلماء هذا لا يكون إجماعا ~~وعندنا هو إجماع ولكنه بمنزلة خبر الواحد في كونه موجبا للعمل غير موجب ~~للعلم # قال رضي الله عنه وكان شيخنا ( الإمام الحلواني رحمه الله ) يقول هذا على ~~قول محمد رحمه الله يكون إجماعا فأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما ~~الله لا يكون إجماعا فإن الرواية محفوظة عن محمد رحمه الله أن قضاء القاضي ~~بجواز بيع أم الولد باطل وقد كان ms324 هذا مختلفا فيه بين الصحابة ثم اتفق من ~~بعدهم على أنه لا يجوز بيعها فكان هذا قضاء بخلاف الإجماع عند محمد وعلى ~~قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ينفذ قضاء القاضي به لشبهة الاختلاف ~~في الصدر الأول ولا يثبت الإجماع مع وجود الاختلاف في الصدر الأول # قال رضي الله عنه PageV01P319 والأوجه عندي أن هذا إجماع عند أصحابنا ~~جميعا للدليل الذي دل على أن إجماع أهل كل عصر إجماع معتبر وإنما ينفذ قضاء ~~القاضي بجواز بيعها لشبهة الاختلاف في أن مثل هذا هل يكون إجماعا فعلى ~~اعتبار هذه الشبهة يكون قضاؤه في مجتهد فيه فلهذا نفذه أبو حنيفة رحمه الله # وجه قول الفريق الأول أن الحجة إجماع الأمة والذي كان مخالفا في الصدر ~~الأول من الأمة وبموته لا يبطل قوله فلا يثبت الإجماع بدون قوله ألا ترى ~~أنه لو بقي حيا إلى هذا الوقت لم ينعقد الإجماع بدون قوله فكذلك إذا كان ~~ميتا لأن اعتبار قوله لدليله لا لحياته ولأنه لو ثبت الإجماع بعده لوجب ~~القول بتضليله ولا نظن أحدا يقول هذا لابن عباس رضي الله عنهما في زوج ~~وأبوين وإن أجمعوا بعده على خلاف قوله ولا لابن مسعود رضي الله عنه في ~~تقديم ذوي الأرحام على مولى العتاقة وإن أجمعوا بعده على خلاف قوله وقد ~~قلتم إذا قال لامرأته أنت خلية ونوى ثلاثا ثم وطئها في العدة وقال علمت ~~أنها علي حرام لا يلزمه الحد لأن عمر رضي الله عنه كان يراها تطليقة رجعية ~~وقد أجمعوا بعده على خلاف ذلك ولهذا صح نية الثلاث فيه فدل أن الإجماع لا ~~يثبت بمثل هذا # وجه قولنا إن المعتبر إجماع أهل كل عصر لما بينا أن المقصود كون أحكام ~~الشرع محفوظة وأن ثبوت هذا الحكم باعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وذلك يختص به الأحياء من أهل العصر دون من مات قبلهم فكما أن لا يعتبر توهم ~~قول ممن يأتي بعدهم بخلاف قولهم في منع ثبوت حكم الإجماع فكذلك لا يعتبر ~~قول ms325 واحد كان قبلهم إذا اجتمعوا في عصرهم على خلافه ويجعل هذا الإجماع ~~بمنزلة التقدير من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لو عرض عليه الفتوى ~~ومعلوم أنه لو عرض عليه فقال الصواب هذا فإنه تثبت الحجة به ولا يضلل ~~القائل بخلافه قبل هذا التنصيص فكذلك هنا لا يضلل القائل بخلافه قبل هذا ~~الإجماع ألا ترى أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعدما نزلت فرضية ~~التوجه إلى الكعبة حتى أتاهم آت فأخبرهم واستداروا PageV01P320 كهيئتهم ~~وجوز رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاتهم لأن ذلك كان قبل العلم بالنص ~~الناسخ وابن عباس رضي الله عنهما كان يقول بإباحة المتعة ثم رجع إلى قول ~~الصحابة ويثبت الإجماع برجوعه لا محالة ولم يكن ذلك موجبا تضليله فيما كان ~~يفتي به قبل هذا # فأما ما إذا قال لامرأته أنت خلية فإنما أسقطنا الحد هناك بالوطء لا لأن ~~اتفاق أهل العصر بعد الخلاف ليس بإجماع ولكن للشبهة المتمكنة في هذا ~~الإجماع بسبب اختلاف العلماء فإن الحد يسقط بأدنى شبهة والله أعلم بالحقيقة # & باب الكلام في قبول أخبار الآحاد والعمل بها & قال فقهاء الأمصار رحمهم ~~الله خبر الواحد العدل حجة للعمل به في أمر الدين ولا يثبت به علم اليقين # وقال بعض من لا يعتد بقوله خبر الواحد لا يكون حجة في الدين أصلا # وقال بعض أهل الحديث يثبت بخبر الواحد علم اليقين منهم من اعتبر فيه عدد ~~الشهادة ليكون حجة ومنهم من اعتبر أقصى عدد الشهادة وهو الأربعة # فأما الفريق الأول استدلوا بقوله تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم ~~@QE@ وإذا كان خبر الواحد لا يوجب العلم لم يجز اتباعه والعمل به بهذا ~~الظاهر وقال تعالى @QB@ ولا تقولوا على الله إلا الحق @QE@ وخبر الواحد إذا ~~لم يكن معصوما عن الكذب ( محتمل للكذب ) والغلط فلا يكون حقا على الإطلاق ~~ولا يجوز القول بإيجاب العمل به في الدين وقال تعالى @QB@ إلا من شهد بالحق ~~وهم يعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن الظن لا يغني من الحق ms326 شيئا @QE@ ومعنى ~~الصدق في خبر الواحد غير ثابت إلا بطريق الظن ولأن خبر الواحد محتمل للصدق ~~والكذب والنص الذي هو محتمل لا يكون موجبا للعمل بنفسه مع أن كل واحد من ~~المحتملين فيه يجوز أن يكون شرعا فلأن لا يجوز العمل بما هو محتمل للكذب ~~والكذب باطل أصلا كان أولى # ولا يدخل على ما ذكرنا أمور المعاملات لأن الذي يترتب عليها حقوق العباد ~~PageV01P321 والعباد يعجزون عن إظهار كل حق لهم بطريق لا يبقى فيه شك وشبهة ~~فلأجل الضرورة جوزنا الاعتماد فيها على خبر الواحد ولهذا سقط اعتبار اشتراط ~~العدالة فيه أيضا فأما هنا الثابت ما هو حق لله والله موصوف بكمال القدرة ~~يتعالى عن أن يلحقه ضرورة أو عجز عن إظهار حقوقه بما لا يبقى فيه شك وشبهة ~~فلهذا لا يجعل المحتمل للصدق والكذب حجة فيه # وعلى هذا تخرج الشهادات أيضا فإن القياس فيها أن لا يكون حجة مع بقاء ~~احتمال الكذب تركناه بالنصوص وبالمعنى الذي أشرنا إليه أنها مشروعة لإثبات ~~حقوق العباد والحاجة إليها تتجدد للعباد في كل وقت وهم يعجزون عن إثبات كل ~~حق لهم بما لا يكون محتملا ولأن القول بما قلتم يؤدي إلى أن يزداد درجة ~~المخبر الذي هو غير معصوم عن الكذب على المخبر المعصوم عن الكذب يعني من ~~ينزل عليه الوحي فإن خبره في أول أمره إنما كان واجب القبول باقتران ~~المعجزات به فمن يقول بأن خبر غيره يكون مقبولا من غير دليل يقترن به فقد ~~زاد درجة هذا المخبر على درجة الرسول وأي قول أظهر فسادا من هذا ولا خلاف ~~أن أصل الدين كالتوحيد وصفات الله وإثبات النبوة لا يكون إلا بطريق يوجب ~~العلم قطعا ولا يكون فيه شك ولا شبهة فكذلك فيما يكون من أمر الدين # وحجتنا في ذلك قوله تعالى @QB@ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ~~@QE@ الآية وقال تعالى @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه ~~للناس @QE@ الآية ففي هاتين الآيتين نهى لكل واحد عن الكتمان وأمر بالبيان ~~على ms327 ما هو الحكم في الجمع المضاف إلى جماعة أنه يتناول كل واحد منهم ولأن ~~أخذ الميثاق من أصل الدين والخطاب للجماعة بما هو أصل الدين يتناول كل واحد ~~من الآحاد ومن ضرورة توجه الأمر بالإظهار على كل واحد أمر السامع بالقبول ~~منه والعمل به إذ أمر الشرع لا يخلو عن فائدة حميدة ولا فائدة في النهي عن ~~الكتمان والأمر بالبيان سوى هذا # ولا يدخل عليه الفاسق فإنه داخل في عموم الأمر بالبيان ثم لا يقبل بيانه ~~في الدين لأنه مخصوص من هذا النص بنص آخر وهو ما فيه أمر بالتوقف في خبر ~~الفاسق ثم هو مزجور عن اكتساب سبب الفسق مأمور بالتوبة عنه ثم يترتب البيان ~~عليه فعلى هذا الوجه بيانه يفيد وجوب القول والعمل به وقال تعالى @QB@ ~~فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة @QE@ الآية والفرقة اسم للثلاثة فصاعدا ~~فالطائفة من الفرقة PageV01P322 بعضها وهو الواحد أو الاثنان ففي أمر ~~الطائفة بالتفقه والرجوع إلى قومهم للإنذار كي يحذروا تنصيص على أن القبول ~~واجب على السامعين من الطائفة وأنه يلزمهم الحذر بإنذار الطائفة وذلك لا ~~يكون إلا بالحجة ولا يقال الطائفة اسم للجماعة لأن المتقدمين اختلفوا في ~~تفسير الطائفة # قال محمد بن كعب هو اسم للواحد # وقال عطاء اسم للاثنين # وقال الزهري لثلاثة # وقال الحسن لعشرة فيكون هذا اتفاقا منهم أن الاسم يحتمل أن يتناول كل ~~واحد من هذه الأعداد ولم يقل أحد بالزيادة على العشرة ومعلوم أن بخبر ~~العشرة لا ينتفي توهم الكذب ولا يخرج من أن يكون محتملا فعرفنا أنه لا ~~يشترط لوجوب العمل كون المخبر بحيث لا يبقى في خبره تهمة الكذب # ثم الأصح ما قاله محمد بن كعب فقد قال قتادة في قوله تعالى @QB@ وليشهد ~~عذابهما طائفة @QE@ الواحد فصاعدا وقال تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا @QE@ نقل في سبب النزول أنهما كانا رجلين وفي سياق الآية ما يدل ~~عليه فإنه قال تعالى @QB@ فأصلحوا بينهما @QE@ ولم يقل بينهم وقال @QB@ ~~فأصلحوا بين أخويكم @QE@ فقد سمي الرجلين طائفتين # فإن قيل ms328 هذا بعيد فإن هاء التأنيث لا تلحق بنعت الواحد من الذكور # قلنا هذا عند ذكر الرجل فأما عند ذكر النعت يصلح للفرد من الذكور والإناث ~~فللعرب عادة في إلحاق هاء التأنيث به وكتاب الله يشهد به قال تعالى @QB@ ~~وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء @QE@ والمراد الواحد لا من الإناث ~~خاصة بدليل قوله تعالى @QB@ ولو كان ذا قربى @QE@ # فإن قيل هذا خطاب لجميع الطوائف بالإنذار وهم يبلغون حد التواتر ويكون ~~خبرهم مستفيضا مشتهرا # قلنا لا كذلك فالجمع المضاف إلى جماعة يتناول كل واحد منهم كقول القائل ~~لبس القوم ثيابهم وفي قوله تعالى @QB@ إذا رجعوا إليهم @QE@ ما يدل على ما ~~قلنا لأن الرجوع إنما يتحقق ممن كان خارجا من القوم ثم صار قادما عليهم ~~وإتيان جميع الطوائف إلى كل قوم للإنذار لا يكون رجوعا إليهم مع أن هذا لو ~~كان شرطا لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم وكلفهم أن يفعلوه ولو ~~فعلوه PageV01P323 لاشتهر ولم ينقل شيء من ذلك في الآثار والذي يتحقق بهم ~~الإجماع للدوران للإنذار لا ينقطع توهم الكذب عن خبرهم لبقاء احتمال ~~التواطؤ بينهم فكان الاستدلال قائما وإن ساعدناهم على هذا التأويل # فإن قيل عندنا الراجع إلى كل فريق مأمور بالإنذار بما سمعه لقومه وإن لم ~~يكن عليهم أن يقبلوا ذلك منه بل المقصود أن يشتهر ذلك وعند الاشتهار تنتفي ~~تهمة الكذب فتصير حجة حينئذ بمنزلة الشاهد الواحد فإنه مأمور بأداء الشهادة ~~وإن كان العمل بشهادته لا يجب ما لم يتم العدد بشاهد آخر وتظهر العدالة ~~بالتزكية # قلنا الشاهد إذا كان وحده فليس عليه أداء الشهادة لأن ذلك لا ينفع المدعي ~~وربما يضر بالشاهد فلو لم يكن خبر الواحد حجة لوجوب العمل لما وجب الإنذار ~~بما سمع ثم لما ثبت بالنص أنه مأمور بالإنذار ثبت أنه يجب القبول منه لأنه ~~في هذا بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان مأمورا بالإنذار ثم ~~كان قوله ملزما للسامعين كيف وقد بين الله تعالى حكم القبول ms329 والعمل به في ~~إشارة بقوله @QB@ لعلهم يحذرون @QE@ أي لكي يحذروا عن الرد والامتناع عن ~~العمل بعد لزوم الحجة إياهم كما قال تعالى @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره @QE@ والأمر بالحذر لا يكون إلا بعد توجه الحجة # فدل أن خبر الواحد موجب للعمل ولأن النبي عليه السلام كان مبعوثا إلى ~~الناس كافة قال تعالى @QB@ وما أرسلناك إلا كافة للناس @QE@ وقد بلغ ~~الرسالة بلا خلاف ومعلوم يقينا أنه ما أتى كل أحد فبلغه مشافهة ولكنه بلغ ~~قوما بنفسه وآخرين برسول أرسل إليهم وآخرين بكتاب وكتابه إلى ملوك الآفاق ~~مشهور لا يمكن إنكاره فلو لم يكن خبر الواحد حجة لما كان مبلغا رسالات ربه ~~بهذا الطريق إلى الناس كافة وقد فتحت البلدان النائية على عهده كاليمن ~~والبحرين وهو ما أتاهم بنفسه ولكنه بعث عاملا إلى كل ناحية ليعلمهم الأحكام ~~على ما هو سير الملوك اليوم في بعث العمال إلى البلدان لأجل أمور الدنيا ~~فلو لم يكن خبر الواحد حجة في أمور الدين لما اكتفى به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في حق الذين آمنوا وكانوا بالبعد من PageV01P324 حضرته وكذلك ~~المخدرات في بيوتهن لم يحضرن مجلسه في كل حادثة ولكن أزواجهن كانوا يسمعون ~~أحكام الدين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرجعون إليهن ويعلمونهن فلو ~~لم يكن خبر الواحد حجة لكلفهن رسول الله صلى الله عليه وسلم الإتيان إليه ~~للسماع منه ولو فعل ذلك لاشتهر ولا يقال إنما اكتفى بذلك لأن من بعثه رسول ~~الله معلما إلى قوم لا يقول لهم إلا ما هو حق صدق فكان ذلك كرامة لرسول ~~الله ولا يوجد مثل ذلك في حق غيرهم من المخبرين لأنه لو كان بهذه الصفة ~~لنقل هذا السبب كرامة لهم ولأعقابهم ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين خص واحدا من الصحابة بشيء اشتهر ذلك بالنقل نحو قوله في حنظلة رضي ~~الله عنه إن الملائكة غسلته وفي جعفر رضي الله عنه إن له جناحين يطير بهما ~~في الجنة # ثم كما ms330 أن من بعثه رسول الله عليه السلام خليفته في التبليغ فكل من سمع ~~شيئا في أمر الدين فهو خليفته في التبليغ مأمور من جهته بالبيان كالمبعوث ~~لقوله عليه الصلاة والسلام ألا فليبلغ الشاهد الغائب ولقوله عليه السلام ~~نضر الله امرأ سمع منا مقالة فوعاها كما سمعها ثم أداها إلى من يسمعها فرب ~~حامل فقه إلى غير فقيه ورب حامل فقه إلى ما هو أفقه منه فينبغي أن يثبت ~~ترجح جانب الصدق في خبر كل عدل أيضا كرامة لرسول الله عليه السلام # وفي قوله ( فرب حامل فقه ) بيان أن ما يخبر به الواحد فقه والفقه في ~~الدين ما يكون حجة ولأنا نعلم أنه عليه السلام كان يأكل الطعام وما كان ~~يزرع بنفسه ليتيقن بصفة الحل فيما يأكله وقد كان مأمورا بأكل الطيب قال ~~تعالى @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات @QE@ وربما كان يهدي إليه على ما ~~روي أن سلمان رضي الله عنه أهدي إليه طبقا من رطب وأن بريرة رضي الله عنها ~~كانت تهدي إليه وكان يدعى إلى طعام فلو لم يكن خبر الواحد حجة للعمل به في ~~حق الله تعالى لما اعتمد ذلك فيما يأكله ولا يقال كان يعلم من طريق الوحي ~~حل ما يتناوله لأنه ما كان منتظر الوحي عند أكله ألا ترى أنه تناول لقمة من ~~الشاة المصلية PageV01P325 فلما لم يسغها سأل عن شأنها فأخبر بذلك فأمر ~~بالتصدق بها وتناول لقمة من الشاة المسمومة فعرفنا أنه ما كان ينتظر الوحي ~~عند كل أكلة # والذي يؤيد ما قلنا حكم الشهادات فإن الله تعالى أمر القاضي بالقضاء ~~بالشهادة ومعلوم أن الاحتمال يبقى بعد شهادة شاهدين فلو كان شرط وجوب العمل ~~بالخبر انتفاء تهمة الكذب من كل وجه لما وجب على القاضي القضاء بالشهادة مع ~~بقاء هذا الاحتمال # فإن قيل الشهادات لإظهار حقوق العباد وقد بينا أن هذا الشرط غير معتبر ~~فيما هو من حقوق العباد # قلنا كما يجب القضاء بما هو من حقوق العباد عند أداء الشهادة يجب القضاء ~~بما ms331 هو من حقوق الله تعالى كحد الشرب والسرقة والزنا ثم وجوب القضاء ~~بالشهادة من حقوق الله تعالى حتى إذا امتنع من غير عذر يفسق وإذا لم ير ذلك ~~أصلا يكفر إلا أن سببه حق العبد وبه لا يخرج من أن يكون حقا لله تعالى ~~كالزكاة فإنها تجب حقا لله تعالى بسبب مال هو حق العبد # وقد يترتب على خبر الواحد في المعاملات ما هو حق الله تعالى نحو الإخبار ~~بطهارة الماء ونجاسته والإخبار بأن هذا الشيء أهداه إليك فلان وأن فلانا ~~وكلني ببيع هذا الشيء فإنه يترتب على هذا كله ما هو حق الله تعالى وهو ~~إباحة التناول فإن الحل والحرمة من حق الله ولا يظن بأحد أنه لا يرى ~~الاعتماد في مثل هذا على خبر الواحد فإنه يتعذر به على الناس الوصول إلى ~~حوائجهم ألا ترى أنه وإن أخبره أن العين ملكه ببيعه فمن الجائز أنه غاصب ~~وإذا ألجأته الضرورة إلى التسليم في هذا يقاس عليه ما سواه # ويتبين به فساد اشتراط انتفاء تهمة الكذب عن الخبر للعمل به فيما هو من ~~حق الله تعالى وبهذا يتبين خطأ من زعم أن هذا عمل بغير علم فإنه عندنا عمل ~~بعلم هو ثابت من حيث الظاهر ولكنه غير مقطوع به وقد سمى الله تعالى مثله ~~علما فقال @QB@ وما شهدنا إلا بما علمنا @QE@ وإنما قالوا ذلك سماعا من ~~مخبر أخبرهم به وقال @QB@ فإن علمتموهن مؤمنات @QE@ وإنما قال ذلك باعتبار ~~غالب الرأي واعتماد نوع من الظاهر فدل على أن مثله علم لا ظن إنما الظن عند ~~خبر الفاسق ولهذا أمر الله بالتوقف في خبره وبين المعنى فيه بقوله @QB@ أن ~~تصيبوا قوما بجهالة @QE@ PageV01P326 فيكون ذلك بيانا أن من اعتمد خبر ~~العدل في العمل به يكون مصيبا بعلم لا بجهالة إلا أن ذلك ( علم ) باعتبار ~~الظاهر لأن عدالته ترجح جانب الصدق في خبره وإذا كان هذا النوع من الظاهر ~~يصلح حجة للقضاء به فلأن يصلح حجة للعمل به في أمر الدين كان أولى لأن هذا ms332 ~~الحكم أسرع ثبوتا ألا ترى أن بالقياس يثبت ومعلوم أن هذا الاحتمال في ~~القياس أظهر والقياس دون خبر الواحد ومن لا يجوز العمل بخبر الواحد هنا ~~يفزع إلى القياس فكيف يستقيم ترك العمل بما هو أقوى لبقاء احتمال فيه ~~والفزع إلى ما هو دونه وهذا الاحتمال فيه أظهر فإن قيل هذا سهو فإن الكلام ~~في إثبات الحكم ابتداء والقياس لا يصلح لنصب الحكم ابتداء وإنما ذلك ~~بالسماع ممن ينزل عليه الوحي وقد كان معصوما عن مثل هذا الاحتمال في خبره ~~فعرفنا أنه لا يثبت الحكم ابتداء إلا بخبر يضاهي السماع منه وذلك بأن يبلغ ~~حد التواتر إلا أن في القضاء تركنا هذا الشرط لضرورة بالناس فإنهم يحتاجون ~~إلى إظهار حقوقهم بالحجة عند القاضي ولا يتمكنون من مثل هذا الخبر في كل حق ~~يجب لبعضهم على بعض # قلنا رضينا بهذا الكلام ونقول حاجتنا إلى معرفة أحكام الدين وحقوق الله ~~تعالى علينا لنعمل به مثل حاجة من كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بحضرته وكانوا يسمعون منه ومعلوم أن بعد تطاول الزمان لا يوجد مثل هذا ~~الخبر في كل حكم من أحكام الشرع فوجب أن يجعل خبر الواحد فيه حجة للعمل ~~باعتبار الظاهر لتحقق الحاجة إليه كما جعل مثل هذه الحاجة معتبرا في وجوب ~~القضاء على القاضي بالشهادة مع بقاء الاحتمال مع أنه ليس الطريق ما قالوا ~~في باب القضاء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسمع الخصومة في حقوق ~~العباد ويقضي بالشهادات والأيمان وكان يقول إنما أنا بشر مثلكم أقضي بما ~~أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فكأنما أقطع له قطعة من النار ومعلوم أن ~~مثل هذه الضرورة ما كان يتحقق في حقه فقد كان الوحي ينزل عليه ولو كان توهم ~~الكذب PageV01P327 في شهادة الشهود يمنع بثبوت العلم في ( حق ) العمل ~~بشهادتهم لما قضى رسول الله بالشهادة قط فإنه كان متمكنا من القضاء بعلم ~~وذلك بأن ينتظر نزول الوحي عليه فما كان يجوز له ms333 أن يقضي بغير علم وقد نقل ~~قضاياه مشهورا بالشهادات والأيمان فهو دليل على صحة ما قلنا # والآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم في ~~العمل بخبر الواحد أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تخفى ذكر محمد رحمه الله ~~بعضها في الاستحسان وأورد أكثرها عيسى بن أبان رحمه الله مستدلا بجواز ~~العمل بخبر الواحد ولكنا لم نشتغل بها لشهرتها ولعلمنا أن الخصوم يتعنتون ~~فيقولون كيف يحتجون على وجوب العمل بخبر الواحد بالآحاد من الأخبار وهو نفس ~~الخلاف فلهذا اشتغلنا بالاستدلال بما هو شبه المحسوس فكأن عيسى ابن أبان ~~إنما استدل بها لكونها مشهورة في حيز التواتر ولأن العمل بالقياس جائز فيما ~~لا نص فيه ثبت ذلك باتفاق الصحابة وخبر الواحد أقوى من القياس لأن المعمول ~~به وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شبهة فيه وإنما الشبهة في طريق ~~الاتصال به وفي القياس الشبهة والاحتمال في المعنى المعمول به والطريق ~~فيهما غالب الرأي فكان جواز العمل بالقياس دليلا على جواز العمل بخبر ~~الواحد بالطريق الأولى # يقرره أن العامي إذا سأل المفتي حادثته فأفتى بشيء يلزمه العمل به ولو ~~سأله عن اعتقاده في ذلك فأخبر أنه معتقد لما يفتيه به كان عليه أن يعتمد ~~قوله وفيه احتمال السهو والكذب ولكن باعتبار فقهه يترجح جانب الإصابة ~~وباعتبار عدالته يترجح جانب الصدق فيه فيجب العمل به فكذلك فيما يخبر به ~~العدل لأن جانب الصدق يترجح بظهور عدالته وما قالوا إن في هذا إثبات زيادة ~~درجة لخبر غير المعصوم على خبر المعصوم غلط بين فإن الحاجة إلى ظهور ~~المعجزات لثبوت علم اليقين بنبوته وليكون خبره موجبا علم اليقين ولا يثبت ~~مثل ذلك بخبر مثل هذا المخبر ألا ترى أن العمل بخبر المخبر في المعاملات ~~جائز عدلا كان أو فاسقا إذا وقع في قلب السامع أنه صادق ولا يكون في ~~PageV01P328 هذا قولا بزيادة خبره على خبر المعصوم عن الكذب # وأما من قال بأن خبر الواحد يوجب العلم ms334 فقد استدل بما روي أن النبي عليه ~~السلام قال لمعاذ حين وجهه إلى اليمن ثم أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم ~~صدقة في أموالهم ومراده الإعلام بالإخبار وأما إذا لم يكن خبر الواحد موجبا ~~للعلم للسامع لا يكون ذلك إعلاما ولأن العمل يجب بخبر الواحد ولا يجب العمل ~~إلا بعلم قال تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ ولأن الله تعالى ~~قال في نبأ الفاسق @QB@ أن تصيبوا قوما بجهالة @QE@ وضد الجهالة العلم وضد ~~الفسق العدالة ففي هذا بيان أن العلم إنما لا يقع بخبر الفاسق وأنه يثبت ~~بخبر العدل # ثم قد يثبت بالآحاد من الأخبار ما يكون الحكم فيه العلم فقط نحو عذاب ~~القبر وسؤال منكر ونكير ورؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة فبهذا ونحوه ~~يتبين أن خبر الواحد موجب للعلم # ولكنا نقول هذا القائل كأنه خفي عليه الفرق بين سكون النفس وطمأنينة ~~القلب وبين علم اليقين فإن بقاء احتمال الكذب في خبر غير المعصوم معاين لا ~~يمكن إنكاره ومع الشبهة والاحتمال لا يثبت اليقين وإنما يثبت سكون النفس ~~وطمأنينة القلب بترجح جانب الصدق ببعض الأسباب وقد بينا فيما سبق أن علم ~~اليقين لا يثبت بالمشهور من الأخبار بهذا المعنى فكيف يثبت بخبر الواحد ~~وطمأنينة القلب نوع علم من حيث الظاهر فهو المراد بقوله ( ثم أعلمهم ) ~~ويجوز العمل باعتباره كما يجوز العمل بمثله في باب القبلة عند الاشتباه ~~وينتفي باعتبار مطلق الجهالة لأنه يترجح جانب الصدق بظهور العدالة بخلاف ~~خبر الفاسق فإنه يتحقق فيه المعارضة من غير أن يترجح أحد الجانبين # فأما الآثار المروية في عذاب القبر ونحوها فبعضها مشهورة وبعضها آحاد وهي ~~توجب عقد القلب عليه والابتلاء بعقد القلب على الشيء بمنزلة الابتلاء ~~بالعمل به أو أهم فإن ذلك ليس من ضرورات العلم قال تعالى @QB@ وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم @QE@ وقال تعالى @QB@ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم @QE@ ~~فتبين أنهم تركوا عقد القلب على ثبوته بعد العلم به وفي هذا بيان أن هذه ~~الآثار لا تنفك عن معنى وجوب PageV01P329 العمل بها ms335 # ويحكى عن النظام أن خبر الواحد عند اقتران بعض الأسباب به موجب للعلم ~~ضرورة # قال ألا ترى أن من مر بباب فرأى آثار غسل الميت وسمع عجوزا تخرج من الدار ~~وهي تقول مات فلان فإنه يعلم موته ضرورة بهذا الخبر لاقتران هذا السبب به # قال وهو علم يحدثه الله تعالى في قلب السامع بمنزلة العلم للسامع بخبر ~~التواتر إذ ليس في التواتر إلا مجموع الآحاد ويجوز القول بأن الله تعالى ~~يحدثه في قلب بعض السامعين دون البعض كما أنه يحدث الولد ببعض الوطء دون ~~البعض # وهذا قول باطل فإن ما يكون ثابتا ضرورة لا يختلف الناس فيه بمنزلة العلم ~~الواقع بالمعاينة والعلم الواقع بخبر التواتر # ثم في هذا إبطال أحكام الشرع من الرجوع إلى البينات والأيمان عند تعارض ~~الدعوة والإنكار والمصير إلى اللعان عند قذف الزوج زوجته فإن القرائن من ~~أبين الأسباب وكان ينبغي أن يكون خبر الزوج موجبا العلم ضرورة فلا يجوز ~~للقاضي عند ذلك أن يصير إلى اللعان وكذلك في سائر الخصومات ينبغي أن ينتظر ~~إلى أن يحصل له علم الضرورة بخبر المخبرين فيعمل به واقتران المعجزات ~~بأخبار الرسل من أقوى الأسباب # ثم العلم الحاصل بالنبوة يكون كسبيا لا ضروريا فكيف يستقيم مع هذا لأحد ~~أن يقول إن بخبر الواحد يثبت العلم الضروري بحال من الأحوال # فإن قيل فقد قلتم الآن إن من جحد الرسالة فإنما جحد بعد العلم بها فدل أن ~~العلم الضروري كان ثابتا بالخبر # قلنا إنما كان ذلك من قوم متعنتين عرفوا نعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونبوته من كتابهم ثم جحدوا عنادا كما قال تعالى @QB@ وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون @QE@ ولا يظن أحد أن جميع الكفار كانوا عالمين ~~بذلك ضرورة ثم تواطؤا على الجحود على ذلك لأن في هذا القول نفي العلم بخبر ~~التواتر فإن ثبوت العلم به باعتبار انتفاء تهمة التواطؤ فكيف يجوز إثبات ~~علم الضروري عند خبر الواحد بطريق يدل على نفي العلم بخبر التواتر وبمثله ~~PageV01P330 يتبين عوار ms336 المبطلين والله ولي المتقين # فأما خبر المخبر بالموت إنما يوجب سكون النفس وطمأنينة القلب ألا ترى أنه ~~إذا شككه آخر بقوله اختفى صاحب الدار من السلطان فأظهر هذا تشكك فيه ولو ~~كان الثابت له علما ضروريا لما تشكك فيه بخبر الواحد # وأما من شرط عدد الشهادة استدل فيه بالنصوص الواردة في باب الشهادات فإن ~~الشرع اعتبر ذلك لثبوت العلم على وجه يجب العمل به فعرفنا أن بدون ذلك لا ~~يثبت العلم على وجه يجب العمل به في خبر متميل بين الصدق والكذب # والدليل عليه أن أبا بكر رضي الله عنه حين شهد عنده المغيرة بن شعبة رضي ~~الله عنه أن النبي عليه السلام أطعم الجدة السدس قال ائت بشاهد آخر فشهد ~~معه محمد بن مسلمة رضي الله عنه ولما روى أبو موسى لعمر خبر الاستئذان فقال ~~ائت بشاهد آخر فشهد معه أبو سعيد الخدري رضي الله عنهم # وقال عمر رضي الله عنه في حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها لا ندع كتاب ~~ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت # وقال علي رضي الله عنه في حديث أبي سنان الأشجعي رضي الله عنه في مهر ~~المثل ماذا نصنع بقول أعرابي بوال على عقبه في هذا بيان أنهم كانوا لا ~~يقبلون خبر الواحد وكانوا يعتبرون لطمأنينة القلب عدد الشهادة كما كانوا ~~يعتبرون لذلك صفة العدالة ومن بالغ في الاحتياط فقد اعتبر أقصى عدد الشهادة ~~لأن ما دون ذلك محتمل وتمام الرجحان عند انقطاع الاحتمال بحسب الإمكان # ولكنا نستدل بقوله تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر @QE@ ومعلوم أن هذا النعت لكل مؤمن فهو تنصيص على أن قول ~~كل مؤمن في باب الدين يكون أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر وإنما يكون كذلك ~~إذا كان يجب العمل بما يأمر به من المعروف فاشتراط العدد في الأمرين يكون ~~زيادة # وجميع ما ذكرنا حجة على هؤلاء ولا حجة لهم في شيء مما ذكروا فإن هذه ~~الآثار إنما ms337 تكون حجة لهم إذا أثبتوا النقل فيها من اثنين عن اثنين حتى ~~اتصل بهم لأن PageV01P331 بدون ذلك لا تقوم الحجة عندهم ولا يتمكن أحد من ~~إثبات هذا في شيء من أخبار الآحاد # ثم إنما طلب أبو بكر رضي الله عنه شاهدا آخر من المغيرة لأنه شك في خبره ~~باعتبار معنى وقف عليه أو باعتبار أنه أخبر أن هذا القضاء من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان بمحضر من الجماعة فأحب أن يستثبت لذلك # وكذلك عمر رضي الله عنه إنما أمر أبا موسى أن يأتي بشاهد آخر لأنه أخبر ~~بما تعم به البلوى فيحتاج الخاص والعام إلى معرفته فأحب أن يستثبته ولو لم ~~يأت بشاهد آخر لكان يقبل حديثه أيضا # وذكر بعض المتأخرين من مشايخنا رحمهم الله أنه لا يقبل حديثه لو لم يأت ~~بشاهد آخر في ذلك الوقت لأن في الرواة يومئذ كثرة فكان لا تتحقق الضرورة في ~~العمل بخبر الواحد ومثله لا يوجد بعد تطاول الزمان # ولكن الأصح هو الأول وعليه نص محمد رحمه الله في كتاب الاستحسان فقال لو ~~لم يأت بشاهد آخر لكان يقبل حديثه أيضا ألا ترى أنه قبل حديث ضحاك بن سفيان ~~رضي الله عنه في توريث المرأة من دية زوجها وقبل حديث عبد الرحمن بن عوف ~~رضي الله عنه في الطاعون حين رجع من الشام وقبل حديثه أيضا في أخذ الجزية ~~من المجوس ولم يطلب منه شاهدا آخر وإنما لم يقبل حديث فاطمة بنت قيس لكونه ~~مخالفا للكتاب والسنة فإن السكنى لها منصوص عليه في قوله @QB@ أسكنوهن من ~~حيث سكنتم @QE@ وهي قالت ولم يجعل لي رسول الله عليه السلام نفقة ولا سكنى ~~وإنما لم يقبل علي رضي الله عنه حديث أبي سنان لمذهب له كان ينفرد به وهو ~~أنه كان لا يقبل رواية الأعراب وكان يحلف الراوي إذا روى له حديثا إلا أبا ~~بكر الصديق رضي الله عنه ألا ترى أن ابن مسعود رضي الله عنه لما لم يكن هذا ~~من مذهبه قبل ms338 حديث أبي سنان وسر به وباب الشهادات ليس نظير باب الأخبار ~~بالاتفاق ففي الشهادة كل امرأتين تقومان مقام رجل واحد وفي الأخبار الرجال ~~والنساء سواء # ولكن نقول اشتراط العدد في الشهادات عرفناه بالنص من غير أن يعقل فيه ~~معنى فإن العلم الحاصل بخبر الواحد العدل لا يزداد بانضمام مثله إليه ~~وانتفاء تهمة الكذب لا يحصل أيضا بنصاب الشهادة فعرفنا أن ذلك مما استأثر ~~الله بعلمه والواجب علينا فيه اتباع النص وباب PageV01P332 الأخبار ليس في ~~معناه ألا ترى أنه لا اختصاص في باب الأخبار بلفظ الشهادة ولا بمجلس القضاء ~~وأن الشهادات الموجبة للقضاء تختص بذلك # وكذلك حكم الأخبار لا يختلف باختلاف المخبر به من أحكام الدين وتختلف ~~باختلاف المشهود به فيثبت بعض الأحكام بشهادة النساء مع الرجال ولا يثبت ~~البعض ويثبت البعض بشهادة امرأة واحدة وقد جعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شهادة خزيمة رضي الله عنه حجة تامة # وسنقرر هذا الكلام في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى # # | فصل في بيان أقسام ما يكون خبر الواحد فيه حجة # قال رضي الله عنه هذه أربعة أقسام أحدها أحكام الشرع التي هي فروع الدين ~~فيما يحتمل النسخ والتبديل فإنها واجبة لله تعالى علينا يلزمنا أن ندين بها # وهي نوعان ما لا يندرىء بالشبهات كالعبادات وغيرها وخبر الواحد العدل حجة ~~فيها لإيجاب العمل من غير اشتراط عدد ولا لفظ بل بأوصاف تشترط في المخبر ~~على ما نبينه وهذا لأن المعتبر فيه رجحان جانب الصدق لا انتفاء احتمال ~~الكذب وذلك حاصل من غير عدد ولا تعيين لفظ وليس لزيادة العدد وتعيين اللفظ ~~تأثير في انتفاء تهمة الكذب والصحابة رضي الله عنهم كانوا يقبلون مثل هذه ~~الأخبار من الواحد لإيجاب العمل من غير اشتراط زيادة العدد إلا على سبيل ~~الاحتياط من بعضهم نحو ما روي أن عليا رضي الله عنه كان يحلف الراوي على ما ~~قال كنت إذا لم أسمع حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثني به غيره ~~حلفته وحدثني أبو ms339 بكر وصدق أبو بكر رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال ~~ما أذنب عبد ذنبا ثم توضأ فأحسن الوضوء وصلى ثم استغفر ربه إلا غفر له ففي ~~هذا بيان أنه كان يحتاط فيحلف الراوي وما كان يشترط زيادة العدد ولا تعيين ~~لفظ الشهادة فلو كان ذلك شرطا لاستوى فيه المتقدمون والمتأخرون كما في ~~الشهادات في الأحكام # وأما ما يندرىء بالشبهات فقد روي عن أبي يوسف رحمه الله في الأمالي أن ~~خبر الواحد فيه حجة أيضا وهو اختيار الجصاص رحمه الله وكان الكرخي رحمه ~~PageV01P333 الله يقول خبر الواحد فيه لا يكون حجة # وجه القول الأول أن المعتبر في خبر الواحد ليكون حجة ترجح جانب الصدق ~~وعند ذلك يكون العمل به واجبا فيما يندرىء بالشبهات وفيما يثبت بالشبهات ~~كما في البينات ولو كان مجرد الاحتمال مانعا للعمل فيما يندرىء بالشبهات لم ~~يجز العمل فيها بالبينة # وكذلك يجوز العمل فيها بدلالة النص مع بقاء الاحتمال # ووجه القول الآخر أن في اتصال خبر الواحد بمن يكون قوله حجة موجبة للعلم ~~شبهة وما يندرىء بالشبهات لا يجوز إثباته بما فيه شبهة ألا ترى أنه لا يجوز ~~إثباته بالقياس وإنما جوزنا إثباته بالشهادات بالنص وهو قوله تعالى @QB@ ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم @QE@ وما كان ثابتا بالنص بخلاف القياس لا يلحق ~~به ما ليس في معناه من كل وجه وخبر الواحد ليس في معنى الشهادة من كل وجه # والقسم الثاني حقوق العباد التي فيها إلزام محض ويشترك فيها أهل الملل ~~وهذا لا يثبت بخبر الواحد إلا بشرط العدد وتعيين لفظ الشهادة والأهلية ~~والولاية لأنها تبتنى على منازعات متحققة بين الناس بعد التعارض بين الدعوى ~~والإنكار وإنما شرعت مرجحة لأحد الجانبين فلا يصلح نفس الخبر مرجحا للخبر ~~إلا باعتبار زيادة توكيد من لفظ شهادة أو يمين فهما للتوكيد ألا ترى أن ~~كلمات اللعان شرع فيها لفظ الشهادة واليمين للتوكيد وزيادة العدد أيضا ~~للتوكيد وطمأنينة القلب إلى قول المثنى أظهر إذ الواحد يميل إلى الواحد ~~عادة قلما يتفق الاثنان ms340 على الميل إلى الواحد في حادثة واحدة ولأن الخصومات ~~إنما تقع باعتبار الهمم المختلفة للناس والمصير إلى التزوير والاشتغال ~~بالحيل والأباطيل فيها ظاهر فجعلها الشرع حجة بشرط زيادة العدد وتعيين لفظ ~~الشهادة تقليلا لمعنى الحيل والتزوير فيها بحسب وسع القضاة # وليس هذا نظير القسم الأول فإن السامع هناك حاجته إلى الدليل للعمل به لا ~~إلى رفع دليل مانع وخبر الواحد باعتبار حسن الظن بالراوي دليل صالح لذلك ~~فأما PageV01P334 في المنازعات فالحاجة إلى رفع ما معه من الدليل وهو ~~الإنكار الذي هو معارض لدعوى المدعي فاشتراط الزيادة في الخبر هنا لهذا ~~المعنى # ومن القسم الأول الشهادة على رؤية هلال رمضان إذا كان بالسماء علة ~~فالثابت به حق الله تعالى على عباده وهو أداء الصوم # ومن القسم الثاني الشهادة على هلال الفطر فالثابت به حق العباد لأن في ~~الفطر منفعة لهم وهو ملزم إياهم # ومن ذلك أيضا الإخبار بالحرمة بسبب الرضاع في ملك النكاح أو ملك اليمين ~~فإنه يبتني على زوال الملك لأن ثبوت الحل لا يكون بدون الملك فانتفاؤه يوجب ~~انتفاء الملك والملك من حقوق العباد فإن كان الحل والحرمة من حقوق الله ~~تعالى وكذلك الإخبار بالحرمة في الأمة فإن حرمة الفرج وإن كان من حق الله ~~تعالى فثبوتها يبتني على زوال الملك الذي هو حق العباد فلا يكون خبر الواحد ~~حجة فيها بدون شرائط الشهادة بخلاف الخبر بطهارة الماء ونجاسته والخبر بحل ~~الطعام والشراب وحرمته فإن ذلك من القسم الأول لأن ثبوت الملك ليس من ضرورة ~~ثبوت الحل فيه وزوال الحل لا يبتنى على زوال الملك فيه ضرورة # ومما اختلفوا فيه التزكية فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله عنهما هي من ~~القسم الأول لا يعتبر فيها العدد ولا لفظ الشهادة لأن الثابت بها تقرر ~~الحجة وجواز القضاء وذلك حق الشرع وعند محمد رحمه الله هو نظير القسم ~~الثاني في اشتراط العدد فيها لأنه يتعلق بها ما هو حق العباد وهو استحقاق ~~القضاء للمدعي بحقه # والقسم الثالث المعاملات التي تجري ms341 بين العباد مما لا يتعلق بها اللزوم ~~أصلا وخبر الواحد فيها حجة إذا كان المخبر مميزا عدلا كان أو غير عدل صبيا ~~كان أو بالغا كافرا كان أو مسلما وذلك نحو الوكالات والمضاربات والإذن ~~للعبيد في التجارة والشراء من الوكلاء والملاك حتى إذا أخبره صبي مميز أو ~~كافر أو فاسق أن فلانا وكله أو أن مولاه أذن له فوقع في قلبه أنه صادق يجوز ~~له أن يشتغل بالتصرف بناء على خبره فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يقبل هدية الطعام من البر التقي وغيره وكان يشتري من الكافر أيضا ~~والمعاملات بين الناس في الأسواق من PageV01P335 لدن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى يومنا هذا ظاهر لا يخفى على واحد منهم لا يشترطون العدالة ~~فيمن يعاملونه وأنهم يعتمدون خبر كل مميز يخبرهم بذلك لما في اشتراط ~~العدالة فيه من الحرج البين # والفرق بين هذا وبين ما سبق من وجهين أحدهما أن الضرورة ( هنا ) تتحقق ~~بالحاجة إلى قبول خبر كل مميز لأن الإنسان قلما يجد العدل ليبعثه إلى غلامه ~~أو وكيله ولا دليل مع السامع سوى هذا الخبر ولا يتمكن من الرجوع إليه للعمل ~~وكذلك المتصرف مع الوكيل فإن أقصى ما يمكنه أن يرجع إلى الموكل ولعله غاصب ~~غير مالك أيضا وللضرورة تأثير في التخفيف ولا يتحقق مثل هذه الضرورة في ~~الأخبار فيما يرجع إلى أحكام الشرع لأن في العدول من الرواة كثرة ويتمكن ~~السامع من الرجوع إلى دليل آخر يعمل به إذا لم يصح الخبر عنده وهو القياس ~~الصحيح # والثاني وهو أن هذه الأخبار غير ملزمة لأن العبد والوكيل يباح لهما ~~الإقدام على التصرف من غير أن يلزمهما ذلك واشتراط العدالة ليترجح جانب ~~الصدق من الخبر فيصلح أن يكون ملزما وذلك فيما يتعلق به اللزوم من أحكام ~~الشرع دون ما لا يتعلق به اللزوم من المعاملات # ثم هذه الحالة حالة المسالمة واشتراط زيادة العدد واللفظ في الشهادة إنما ~~كان باعتبار المنازعة والخصومة فيسقط اعتبار ذلك عند المسالمة # وعلى ms342 هذا بنى المسائل في آخر الاستحسان فقال إذا قال كان هذا العين لي في ~~يد فلان غصبا فأخذتها منه لم يجز للسامع أن يعتمد خبره لأنه في خبره يشير ~~إلى المنازعة # ولو قال تاب من غصبه فرده على جاز أن يعتمد خبره إذا وقع في قلبه أنه ~~صادق لأنه يشير إلى المسالمة # وكذلك لو تزوج امرأة فأخبره مخبر بأنها حرمت عليه بسبب عارض من رضاع أو ~~غيره يجوز له أن يعتمد خبره ويتزوج أختها # ولو أخبره أنها كانت محرمة عليه عند العقد لم يقبل خبره لأنه ليس في ~~الحرمة الطارئة معنى المنازعة وفي المقارنة للعقد يتحقق ذلك فإقدامه على ~~مباشرة العقد تصريح منه بأنها حلال له # وكذلك المرأة إذا أخبرت بأن الزوج طلقها وهو غائب يجوز لها أن تعتمد خبر ~~المخبر وتتزوج بعد انقضاء العدة بخلاف ما إذا أخبرت أن العقد كان بينهما ~~باطلا في الأصل بمعنى من المعاني # والمسائل على هذا الأصل كثيرة # PageV01P336 والقسم الرابع ما يتعلق به اللزوم من وجه دون وجه من ~~المعاملات وذلك نحو الحجر على العبد المأذون وعزل الوكيل فإن الحجر نظير ~~الإطلاق فمن هذا الوجه هو غير ملزم إياه شيئا ولكنه لو تصرف بعد ثبوت الحجر ~~كان ذلك ملزما إياه العهدة ففي هذا الخبر معنى اللزوم من هذا الوجه # ثم على قول أبي حنيفة رضي الله عنه يشترط في هذا الخبر أحد شرطي الشهادة ~~إما العدد أو العدالة وعند أبي يوسف ومحمد هذا نظير ما سبق والشرط فيه أن ~~يكون المخبر مميزا عدلا كان أو غير عدل حتى إذا أخبر فاسق العبد بأن مولاه ~~قد حجر عليه يصير محجورا عندهما اعتبارا للحجر بالإطلاق فالمعنى الذي ذكرنا ~~فيه موجود هنا وقياسا للمخبر الفضولي على ما إذا كان رسول المولى # وكذلك إذا أخبر الوكيل بأن الموكل عزله أو أخبرت البكر بأن وليها زوجها ~~فسكتت أو أخبر الشفيع ببيع الدار فسكت عن طلب الشفعة أو أخبر المولى بأن ~~عبده جنى فأعتقه ف أبو حنيفة يقول في هذه ms343 الفصول كلها خبر الفاسق غير معتبر ~~إذا نشأ الخبر من عنده لأن فيه معنى اللزوم فإنه يلزمه الكف عن التصرف إذا ~~أخبره بالحجر والعزل ويلزمها النكاح إذا سكتت بعد العلم والكف عن طلب ~~الشفعة إذا سكت بعد العلم والدية إذا أعتق بعد العلم بالجناية # وخبر الفاسق لا يكون ملزما لأن التوقف في خبر الفاسق ثابت بالنص ومن ~~ضرورته أن لا يكون ملزما بخلاف الرسول فإن عبارته كعبارة المرسل ثم بالمرسل ~~حاجة إلى تبليغ ذلك وقلما يجد عدلا يستعمله في الإرسال إلى عبده ووكيله # فأما الفضولي فمتكلف لا حاجة به إلى هذا التبليغ والسامع غير محتاج إليه ~~أيضا لأنه معه دليل يعتمده للتصرف إلى أن يبلغه ما يرفعه فلهذا شرطنا ~~العدالة في الخبر في هذا القسم ولا يشترط العدد لأن اشتراطها لأجل منازعة ~~متحققة وذلك غير موجود هنا فإن كان المخبر هنا فاسقين فقد قال بعضهم يثبت ~~بخبرهما لوجود أحد الشرطين # وقال بعضهم لا يثبت لأن خبر الفاسقين لا يصلح للإلزام PageV01P337 كخبر ~~الفاسق الواحد # ولفظ الكتاب مشتبه فإنه قال حتى يخبره رجلان أو رجل عدل فقيل معناه رجلان ~~عدل أو رجل عدل لأن صيغة هذا النعت للفرد والجماعة واحد ألا ترى أنه يقال ~~شاهدا عدل # ومن اعتمد القول الأول قال اشتراط زيادة العدد للتوكيد هنا بمنزلة اشتراط ~~العدد في إخبار العدول في الشهادات فإنها للتوكيد واستدل عليه بما قال في ~~الاستحسان لو أخبر أحد المخبرين بطهارة الماء والآخر بنجاسته وأحدهما عدل ~~والآخر غير عدل فإنه يعتمد خبر العدل منهما # ولو كان في أحد الجانبين مخبران وفي الجانب الآخر واحد واستووا في صفة ~~العدالة فإنه يأخذ بقول الاثنين # وكذلك في الجرح والتعديل كما يرجح خبر العدل على خبر غير العدل يترجح خبر ~~المثنى من العدول على خبر الواحد فعرفنا أن في زيادة العدد معنى التوكيد # والذي أسلم في دار الحرب إذا لم يعلم بوجوب العبادات عليه حتى مضى زمان ~~لم يلزمه القضاء فإن أخبره بذلك فاسق فقد قال مشايخنا هو على الخلاف ms344 أيضا ~~عند أبي حنيفة لا يعتبر هذا الخبر في إيجاب القضاء عليه وعندهما يعتبر # قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه يعتبر الخبر هنا في إيجاب القضاء عندهم ~~جميعا لأن هذا المخبر نائب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمور من جهته ~~بالتبليغ كما قال ألا فليبلغ الشاهد الغائب فهو بمنزلة رسول المالك إلى ~~عبده ثم هو غير متكلف في هذا الخبر ولكنه مسقط عن نفسه ما لزمه من الأمر ~~بالمعروف فلهذا يعتبر خبره # # | فصل في أقسام الرواة الذين يكون خبرهم حجة # قال رضي الله عنه اعلم بأن الرواة قسمان معروف ومجهول # فالمعروف نوعان من كان معروفا بالفقه والرأي في الاجتهاد ومن كان معروفا ~~بالعدالة وحسن الضبط والحفظ ولكنه قليل الفقه # فالنوع الأول كالخلفاء الراشدين والعبادلة وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل ~~وأبي موسى الأشعري وعائشة وغيرهم من المشهورين بالفقه من الصحابة رضي الله ~~عنهم وخبرهم حجة موجبة PageV01P338 للعلم الذي هو غالب الرأي ويبتنى عليه ~~وجوب العمل سواء كان الخبر موافقا للقياس أو مخالفا له فإن كان موافقا ~~للقياس تأيد به وإن كان مخالفا للقياس يترك القياس ويعمل بالخبر # وكان مالك بن أنس يقول يقدم القياس على خبر الواحد في العمل به لأن ~~القياس حجة بإجماع السلف من الصحابة ودليل الكتاب والسنة والإجماع أقوى من ~~خبر الواحد فكذلك ما يكون ثابتا بالإجماع # ولكنا نقول ترك القياس بالخبر الواحد في العمل به أمر مشهور في الصحابة ~~ومن بعدهم من السلف لا يمكن إنكاره حتى يسمون ذلك معدولا به عن القياس ~~وعليه دل حديث عمر رضي الله عنه فإن حمل ابن مالك رضي الله عنه حين روى له ~~حديث الغرة في الجنين قال كدنا أن نقضي فيه برأينا فيما فيه قضاء عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما قضى به # وفي رواية لولا ما رويت لرأينا خلاف ذلك # وقال ابن عمر رضي الله عنه كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسا حتى أخبرنا رافع ~~بن خديج رضي الله عنه أن ms345 النبي عليه السلام نهى عن إكراء المزارع فتركناه ~~لأجل قوله ولأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم موجب للعلم باعتبار أصله ~~وإنما الشبهة في النقل عنه # فأما الوصف الذي به القياس فالشبهة والاحتمال في أصله لأنا لا نعلم يقينا ~~أن ثبوت الحكم المنصوص باعتبار هذا الوصف من بين سائر الأوصاف وما يكون ~~الشبهة في أصله دون ما تكون الشبهة في طريقه بعد التيقن بأصله يوضحه أن ~~الشبهة هنا باعتبار توهم الغلط والنسيان في الراوي وذلك عارض وهناك باعتبار ~~التردد بين هذا الوصف وسائر الأوصاف وهو أصل ثم الوصف الذي هو معنى من ~~المنصوص كالخبر والرأي والنظر فيه كالسماع والقياس كالعمل به ولا شك أن ~~الوصف ساكت عن البيان والخبر بيان في نفسه فيكون الخبر أقوى من الوصف في ~~الإبانة والسماع أقوى من الرأي في الإصابة ولا يجوز ترك القوي بالضعيف # فأما المعروف بالعدالة والضبط والحفظ كأبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله ~~عنهما وغيرهما ممن اشتهر بالصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والسماع ~~منه مدة PageV01P339 طويلة في الحضر والسفر فإن أبا هريرة ممن لا يشك أحد ~~في عدالته وطول صحبته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال له ( زر غبا ~~تزدد حبا ) وكذلك في حسن حفظه وضبطه فقد دعا له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بذلك على ما روي عنه أنه قال يزعمون أن أبا هريرة يكثر الرواية وإني ~~كنت أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني والأنصار يشتغلون ~~بالقيام على أموالهم والمهاجرون بتجاراتهم فكنت أحضر إذا غابوا وقد حضرت ~~مجلسا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ( من يبسط منكم رداءه حتى أفيض ~~فيه مقالتي فيضمها إليه ثم لا ينساها ) فبسطت بردة كانت علي فأفاض فيها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ثم ضممتها إلى صدري فما نسيت بعد ذلك ~~شيئا # ولكن مع هذا قد اشتهر من الصحابة رضي الله عنه ومن بعدهم معارضة بعض ~~رواياته بالقياس هذا ابن عباس ms346 رضي الله عنهما لما سمعه يروي ( توضؤوا مما ~~مسته النار ) قال أرأيت لو توضأت بماء سخن أكنت تتوضأ منه أرأيت لو ادهن ~~أهلك بدهن فادهنت به شاربك أكنت تتوضأ منه فقد رد خبره بالقياس حتى روي أن ~~أبا هريرة قال ( له ) يا ابن أخي إذا أتاك الحديث فلا تضرب له الأمثال # ولا يقال إنما رده باعتبار نص آخر عنده وهو ما روي أن النبي عليه السلام ~~أتى بكتف مؤربة فأكلها وصلى ولم يتوضأ لأنه لو كان عنده نص لما تكلم ~~بالقياس ولا أعرض عن أقوى الحجتين أو كان سبيله أن يطلب التاريخ بينهما ~~ليعرف الناسخ من المنسوخ أو أن يخصص اللحم من ذلك الخبر بهذا الحديث فحيث ~~اشتغل بالقياس وهو معروف بالفقه والرأي من بين الصحابة على وجه لا يبلغ ~~درجة أبي هريرة في الفقه ودرجته عرفنا أنه استخار التأمل في روايته إذا كان ~~مخالفا للقياس # ولما سمعه يروي من حمل جنازة فليتوضأ قال أيلزمنا الوضوء في حمل عيدان ~~يابسة ولما سمعت عائشة رضي الله عنها أن أبا هريرة يروي أن ولد الزنا شر ~~الثلاثة # قالت كيف يصح هذا وقد قال الله تعالى @QB@ ولا تزر وازرة وزر أخرى @QE@ ~~PageV01P340 وهذا عام دخله خصوص # وروي أن عائشة قالت لابن أخيها ألا تعجب من كثرة رواية هذا الرجل ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حدث بأحاديث لو عدها عاد لأحصاها وقال إبراهيم ~~النخعي رضي الله عنه كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون # وقال لو كان ولد الزنا شر الثلاثة لما انتظر بأمه أن تضع # وهذا نوع قياس # ولما بلغ عمر رضي الله عنه أن أبا هريرة يروي ما لا يعرف قال لتكفن عن ~~هذا أو لألحقنك بجبال دوس # فلمكان ما اشتهر من السلف في هذا الباب قلنا ما وافق القياس من روايته ~~فهو معمول به وما خالف القياس فإن تلقته الأمة بالقبول فهو معمول به وإلا ~~فالقياس الصحيح شرعا مقدم على روايته فيما ينسد باب الرأي فيه # ولعل ظانا يظن أن في ms347 مقالتنا ازدراء به ومعاذ الله من ذلك فهو مقدم في ~~العدالة والحفظ والضبط كما قررنا ولكن نقل الخبر بالمعنى كان مستفيضا فيهم ~~والوقوف على كل معنى أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلامه أمر عظيم ~~فقد أوتي جوامع الكلم على ما قال أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصارا ~~ومعلوم أن الناقل بالمعنى لا ينقل إلا بقدر ما فهمه من العبارة وعند قصور ~~فهم السامع ربما يذهب عليه بعض المراد وهذا القصور لا يشكل عند المقابلة ~~بما هو فقه ( لفظ ) رسول الله صلى الله عليه وسلم فلتوهم هذا القصور قلنا ~~إذا انسد باب الرأي فيما روي وتحققت الضرورة بكونه مخالفا للقياس الصحيح ~~فلا بد من تركه لأن كون القياس الصحيح حجة ثابت بالكتاب والسنة والإجماع ~~فما خالف القياس الصحيح من كل وجه فهو في المعنى مخالف للكتاب والسنة ~~المشهورة والإجماع # وبيان هذا في حديث المصراة فإن الأمر برد صاع من تمر مكان اللبن قل أو ~~كثر مخالف للقياس الصحيح من كل وجه لأن تقدير الضمان في العدوانات بالمثل ~~أو القيمة حكم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع # وكذلك فيما يرويه سلمة بن المحبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P341 قال فيمن وطىء جارية امرأته فإن طاوعته فهي له وعليه مثلها وإن ~~استكرهها فهي حرة وعليه مثلها فإن القياس الصحيح يرد هذا الحديث ويتبين أنه ~~كالمخالف للكتاب والسنة المشهورة والإجماع # ثم هذا النوع من القصور لا يتوهم في الراوي إذا كان فقيها لأن ذلك لا ~~يخفى عليه لقوة فقهه فالظاهر أنه إنما روى الحديث بالمعنى عن بصيرة فإنه ~~علم سماعه ( من رسول الله كذلك مخالفا للقياس ولا تهمة في روايته فكأنا ~~سمعنا ذلك ) من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلزمنا ترك كل قياس بمقابلته ~~ولهذا قلت رواية الكبار من فقهاء الصحابة رضي الله عنهم ألا ترى إلى ما روي ~~عن عمرو بن ميمون قال صحبت ابن مسعود سنين فما سمعته يروي حديثا إلا مرة ~~واحدة فإنه قال سمعت رسول الله صلى ms348 الله عليه وسلم ثم أخذه البهر والفرق ~~وجعلت فرائصه ترتعد فقال نحو هذا أو قريبا منه أو كلاما هذا معناه سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا # فبهذا يتبين أن الوقوف على ما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~معاني كلامه كان عظيما عندهم فلهذا قلت رواية الفقهاء منهم فإذا صحت ~~الرواية عنهم فهو مقدم على القياس # ومع هذا كله فالكبار من أصحابنا يعظمون رواية هذا النوع منهم ويعتمدون ~~قولهم فإن محمدا رحمه الله ذكر عن أبي حنيفة رحمه الله أنه أخذ بقول أنس بن ~~مالك رضي الله عنه في مقدار الحيض وغيره وكان درجة أبي هريرة فوق درجته ~~فعرفنا بهذا أنهم ما تركوا العمل بروايتهم إلا عند الضرورة لانسداد باب ~~الرأي من الوجه الذي قررنا # فأما المجهول فإنما نعني بهذا اللفظ من لم يشتهر بطول الصحبة مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إنما عرف بما روي من حديث أو حديثين نحو وابصة بن ~~معبد وسلمة بن المحبق ومعقل بن سنان الأشجعي رضي الله عنهم وغيرهم # ورواية هذا النوع على خمسة أوجه أحدها أن يشتهر لقبول الفقهاء روايته ~~والرواية عنه والثاني أن يسكتوا عن الطعن فيه بعدما يشتهر والثالث أن ~~يختلفوا في الطعن في روايته والرابع أن يطعنوا في روايته من غير خلاف بينهم ~~في ذلك والخامس أن لا تظهر روايته ولا الطعن فيه فيما بينهم # أما من قبل السلف منه روايته وجوزوا النقل عنه PageV01P342 فهو بمنزلة ~~المشهورين في الرواية لأنهم ما كانوا متهمين بالتقصير في أمر الدين وما ~~كانوا يقبلون الحديث حتى يصح عندهم أنه يروي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإما أن يكون قبولهم لعلمهم بعدالته وحسن ضبطه أو لأنه موافق لما ~~عندهم مما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من بعض المشهورين يروي ~~عنه # وكذلك إن سكتوا عن الرد بعدما اشتهر روايته عندهم لأن السكوت بعد تحقق ~~الحاجة لا يحل إلا على وجه الرضا بالمسموع فكان سكوتهم ms349 عن الرد دليل ~~التقرير بمنزلة ما لو قبلوه وردوا عنه # وكذلك ما اختلفوا في قبوله وروايته عنه عندنا لأنه حين قبله بعض الفقهاء ~~المشهورين منهم فكأنه روى ذلك بنفسه # وبيان هذا في حديث معقل بن سنان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى ~~لبروع بنت واشق الأشجعية بمهر مثلها حين مات عنها زوجها ولم يسم لها صداقا ~~فإن ابن مسعود رضي الله عنه قبل روايته وسر به لما وافق قضاءه قضاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه رده فقال ماذا نصنع بقول أعرابي ~~بوال على عقبه حسبها الميراث لا مهر لها # فلما اختلفوا فيه في الصدر الأول أخذنا بروايته لأن الفقهاء من القرن ~~الثاني كعلقمة ومسروق والحسن ونافع بن جبير قبلوا روايته فصار معدلا بقبول ~~الفقهاء روايته # وكذلك أبو الجراح صاحب راية الأشجعيين صدقه في هذه الرواية # وكأن عليا رضي الله عنه إنما لم يقبل روايته لأنه كان مخالفا للقياس عنده ~~وابن مسعود رضي الله عنه قبل روايته لأنه كان موافقا للقياس عنده # فتبين بهذا أن رواية مثل هذا فيما يوافق القياس يكون مقبولا ثم العمل ~~يكون بالرواية # وأما إذا ردوا عليه روايته ولم يختلفوا في ذلك فإنه لا يجوز العمل ~~بروايته لأنهم كانوا لا يتهمون برد الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا بترك العمل به وترجيح الرأي بخلافه عليه فاتفاقهم على الرد ~~دليل على أنهم كذبوه في هذه الرواية وعلموا أن ذلك وهم منه # ولو قال الراوي أوهمت لم يعمل بروايته فإذا ظهر دليل ذلك ممن هو فوقه ~~أولى # وبيان هذا في حديث فاطمة بنت قيس فإن عمر رضي الله عنه قال لا ندع كتاب ~~ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت # قال عيسى PageV01P343 بن أبان رحمه الله مراده من الكتاب والسنة القياس ~~الصحيح فإن ثبوته بالكتاب والسنة وهو قياس الشبه في اعتبار النفقة بالسكنى ~~من حيث إن كل واحد منهما حق مالي مستحق بالنكاح # فإن ms350 قيل هذا إشارة إلى غير ما أشار إليه عمر فإنه لم يقل لا نقبل حديثها ~~لعلمنا أنها أوهمت ولكن قال لا ندع كتاب ربنا لأنا لا ندري أصدقت أم كذبت # قلنا في قوله لا ندري إشارة إلى هذا المعنى فإن قبول الرواية والعمل به ~~يبتني على ظهور رجحان جانب الصدق وهو بين أنه لم يظهر رجحان جانب الصدق في ~~روايتها والرأي يدل على خلاف روايتها فنترك روايتها ونعمل بالقياس الصحيح ~~وفي المعنى لا فرق بين هذا وبين قوله لا نقبل روايتها بمنزلة القاضي يرد ~~شهادة الفاسق بقوله ائت بشاهد آخر ائت بحجة # ومن هذا النحو حديث سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه في القسامة أتحلفون ~~وتستحقون دم صاحبكم وحديث بسرة رضي الله عنها من مس ذكره فليتوضأ وحديث أبي ~~هريرة من أصبح جنبا فلا صوم له وأما ما لم يشتهر عندهم ولم يعارضوه بالرد ~~فإن العمل به لا يجب ولكن يجوز العمل به إذا وافق القياس لأن من كل من ~~الصدر الأول فالعدالة ثابتة له باعتبار الظاهر لأنه في زمان الغالب من أهله ~~العدول على ما قال عليه السلام خير الناس قرني الذي أنا فيهم ثم الذين ~~يلونهم ثم الذين يلونهم فباعتبار الظاهر يترجح جانب الصدق في خبره وباعتبار ~~أنه لم تشتهر روايته في السلف يتمكن تهمة الوهم فيه فيجوز العمل به إذا ~~وافق القياس على وجه حسن الظن به ولكن لا يجب العمل به لأن الوجوب شرعا لا ~~يثبت بمثل هذا الطريق الضعيف ولهذا جوز أبو حنيفة القضاء بشهادة المستور ~~ولم يوجب على القاضي القضاء لأنه كان في القرن الثالث والغالب على أهله ~~الصدق فأما في زماننا رواية مثل هذا لا يكون مقبولا ولا يصح العمل به ما لم ~~يتأيد بقبول العدول روايته لأن الفسق PageV01P344 غلب على أهل هذا الزمان ~~ولهذا لم يجوز أبو يوسف ومحمد القضاء بشهادة المستور قبل ظهور عدالته # فصار الحاصل أن الحكم في رواية المشهور الذي لم يعرف بالفقه وجوب العمل ~~وحمل روايته على ms351 الصدق إلا أن يمنع منه مانع وهو أن يكون مخالفا للقياس وأن ~~الحكم في رواية المجهول أنه لا يكون حجة للعمل إلا أن يتأيد بمؤيد وهو قبول ~~السلف أو بعضهم روايته والله أعلم # # | فصل في بيان شرائط الراوي حدا وتفسيرا وحكما # قال رضي الله عنه اعلم بأن هذه الشرائط أربعة العقل والضبط والعدالة ~~والإسلام # أما اشتراط العقل فلأن الخبر الذي يرويه كلام منظوم له معنى معلوم ولا بد ~~من اشتراط العقل في المتكلم من العباد ليكون قوله كلاما معتبرا فالكلام ~~المعتبر شرعا ما يكون عن تمييز وبيان لا عن تلقين وهذيان ألا ترى أن من ~~الطيور من يسمع منه حروف منظومة ويسمى ذلك لحنا لا كلاما وكذلك إذا سمع من ~~إنسان صوته بحروف منظومة لا يدل على معنى معلوم لا يسمى ذلك كلاما فعرفنا ~~أن معنى الكلام في الشاهد ما يكون مميزا بين أسماء الأعلام فما لا يكون ~~بهذه الصفة يكون كلاما صورة لا معنى بمنزلة ما لو صنع من خشب صورة آدمي لا ~~يكون آدميا لانعدام معنى الآدمي فيه # ثم التمييز الذي به يتم الكلام بصورته ومعناه لا يكون إلا بعد وجود العقل ~~فكان العقل شرطا في المخبر لأن خبره أحد أنواع الكلام فلا يكون معتبرا إلا ~~باعتبار عقله # وأما الضبط فلأن قبول الخبر باعتبار معنى الصدق فيه ولا يتحقق ذلك إلا ~~بحسن ضبط الراوي من حين يسمع إلى حين يروي # فكان الضبط لما هو معنى هذا النوع من الكلام بمنزلة العقل الذي به يصح ~~أصل الكلام شرعا # وأما العدالة فلأن الكلام في خبر من هو غير معصوم عن الكذب فلا تكون جهة ~~الصدق متعينا في خبره لعينه وإنما يترجح جانب الصدق بظهور عدالته لأن ~~PageV01P345 الكذب محظور عقله فنستدل بانزجاره عن سائر ما نعتقده محظورا ~~على انزجاره عن الكذب الذي نعتقده محظورا أو لما كان منزجرا عن الكذب في ~~أمور الدنيا فذلك دليل انزجاره عن الكذب في أمور الدين وأحكام الشرع ~~بالطريق الأولى فأما إذا لم يكن عدلا في ms352 تعاطيه فاعتبار جانب تعاطيه يرجح ~~معنى الكذب في خبره لأنه لما لم يبال من ارتكاب سائر المحظورات مع اعتقاده ~~حرمته فالظاهر أنه لا يبالي من الكذب مع اعتقاده حرمته واعتبار جانب ~~اعتقاده يدل على الصدق في خبره فتقع المعارضة ويجب التوقف وإذا كان ترجيح ~~جانب الصدق باعتبار عدالته وبه يصير الخبر حجة للعمل شرعا فعرفنا أن ~~العدالة في الراوي شرط لكون خبره حجة # فأما اشتراط الإسلام لانتفاء تهمة الكذب لا باعتبار نقصان حال المخبر بل ~~باعتبار زيادة شيء فيه يدل على كذبه في خبره وذلك لأن الكلام في الأخبار ~~التي يثبت بها أحكام الشرع وهم يعادوننا في أصل الدين بغير حق على وجه هو ~~نهاية في العداوة فيحملهم ذلك على السعي في هدم أركان الدين بإدخال ما ليس ~~منه فيه وإليه أشار الله تعالى في قوله @QB@ لا يألونكم خبالا @QE@ أي لا ~~يقصرون في الإفساد عليكم وقد ظهر منهم هذا بطريق الكتمان فإنهم كتموا نعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبوته من كتابه بعدما أخذ عليهم الميثاق ~~بإظهار ذلك فلا يؤمنون من أن يقصدوا مثل ذلك بزيادة هي كذب لا أصل له بطريق ~~الرواية بل هذا هو الظاهر فلأجل هذا شرطنا الإسلام في الراوي لكون خبره حجة ~~ولهذا لم تجوز شهادتهم على المسلمين لأن العداوة ربما تحملهم على القصد ~~للإضرار بالمسلمين بشهادة الزور كما لا تقبل شهادة ذي الضغن لظهور عداوته ~~بسبب الباطن وقبلنا شهادة بعضهم على بعض لانعدام هذا المعنى الباعث على ~~الكذب فيما بينهم # وبهذا تبين أن رد خبره ليس لعين الكفر بل لمعنى زائد يمكن تهمة الكذب في ~~خبره بمنزلة شهادة الأب للولد فإنها لا تكون مقبولة لمعنى زائد يمكن تهمة ~~الكذب في شهادته وهو شفقة الأبوة وميله إلى ولده طبعا # وأما بيان حد هذه الشروط وتفسيرها فنقول العقل نور في الصدر به يبصر ~~PageV01P346 القلب عند النظر في الحجج بمنزلة السراج فإنه نور تبصر العين ~~به عند النظر فترى ما يدرك بالحواس لا أن السراج يوجب رؤية ms353 ذلك ولكنه يدل ~~العين عند النظر عليه فكذلك نور الصدر الذي هو العقل يدل القلب على معرفة ~~ما هو غائب عن الحواس من غير أن يكون موجبا لذلك بل القلب يدرك ( بالعقل ) ~~ذلك بتوفيق الله تعالى وهو في الحاصل عبارة عن الاختيار الذي يبتنى عليه ~~المرء ما يأتي به وما يذر مما لا ينتهي إلى إدراكه سائر الحواس فإن الفعل ~~أو الترك لا يعتبر إلا لحكمة وعاقبة حميدة ولهذا لا يعتبر من البهائم لخلوه ~~عن هذا المعنى والعاقبة الحميدة لا تتحقق فيما يأتي به الإنسان من فعل أو ~~ترك له إلا بعد التأمل فيه بعقله فمتى ظهرت أفعاله على سنن أفعال العقلاء ~~كان ذلك دليلا لنا على أنه عاقل مميز وأن فعله وقوله ليس يخلو عن حكمة ~~وعاقبة حميدة وهذا لأن العقل لا يكون موجودا في الآدمي باعتبار أصله ولكنه ~~خلق من خلق الله تعالى يحدث شيئا فشيئا ثم يتعذر الوقوف على وجود كل جزء ~~منه بحسب ما يمضي من الزمان على الصبي إلى أن يبلغ صفة الكمال فجعل الشرع ~~الحد لمعرفة كمال العقل هو البلوغ تيسيرا للأمر علينا لأن اعتدال الحال عند ~~ذلك يكون عادة والله تعالى هو العالم حقيقة بما يحدثه من ذلك في كل أحد من ~~عباده من نقصان أو كمال ولكن لا طريق لنا إلى الوقوف على حد ذلك فقام السبب ~~الظاهر في حقنا مقام المطلوب حقيقة تيسيرا وهو البلوغ مع انعدام الآفة ثم ~~يسقط اعتبار ما يوجد من العقل للصبي قبل هذا الحد شرعا لدفع الضرر عنه لا ~~للإضرار به فإن الصبا سبب للنظر له ولهذا لم يعتبر فيما يتردد بين المنفعة ~~والمضرة ويعتبر فيما يتمخض منفعة له # ثم خبره في أحكام الشرع لا يكون حجة للإلزام دفعا لضرر العهدة عنه كما لا ~~يجعل وليا في تصرفاته في أمور الدنيا دفعا لضرر العهدة عنه ولهذا صح سماعه ~~وتحمله للشهادة قبل البلوغ إذا كان مميزا فقد كان في الصحابة من سمع في ~~حالة الصغر وروى بعد ms354 البلوغ وكانت روايته مقبولة لأنه ليس في ذلك من معنى ~~ضرر لزوم العهدة شيء وإنما يكون ذلك في الأداء فيشترط لفسخه أدائه على وجه ~~يكون حجة كونه عاقلا مطلقا # ولا يحصل ذلك إلا PageV01P347 باعتدال حاله ظاهرا كما بينا # وصار الحاصل أن العاقل نوعان من يصيب بعض العقل على وجه يتمكن من التمييز ~~به بين ما يضره وما ينفعه ولكنه ناقص في نفسه كالصبي قبل البلوغ والمعتوه ~~الذي يعقل وعاقل هو كامل العقل وهو البالغ الذي لا آفة به فإن بالآفة يستدل ~~تارة على انعدام العقل بعد البلوغ كالمجنون وتارة على نقصان العقل كما في ~~حق المعتوه فإذا انعدمت الآفة كان اعتدال الظاهر بالبلوغ دليلا على كمال ~~العقل الذي هو الباطن والمطلق من كل شيء يتناول الكامل منه فاشتراط العقل ~~لصحة خبره على وجه يكون حجة دليل على أنه يشترط كمال العقل في ذلك # فأما الضبط فهو عبارة عن الأخذ بالجزم وتمامه في الأخبار أن يسمع حق ~~السماع ثم يفهم المعنى الذي أريد به ثم يحفظ ذلك ( بجهده ثم يثبت على ذلك ) ~~بمحافظة حدوده ومراعاة حقوقه بتكراره إلى أن يؤدي إلى غيره لأن بدون السماع ~~لا يتصور الفهم وبعد السماع إذا لم يفهم معنى الكلام لم يكن ذلك سماعا ~~مطلقا بل يكون ذلك سماع صوت لا سماع كلام هو خبر وبعد فهم المعنى يتم ~~التحمل وذلك يلزمه الأداء كما تحمل ولا يتأتى ذلك إلا بحفظه والثبات على ~~ذلك إلى أن يؤدي # ثم الأداء إنما يكون مقبولا منه باعتبار معنى الصدق فيه وذلك لا يتأتى ~~إلا بهذا ولهذا لم يجوز أبو حنيفة رضي الله عنه أداء الشهادة لمن عرف خطه ~~في الصك ولا يتذكر الحادثة لأنه غير ضابط لما تحمل وبدون الضبط لا يجوز له ~~أداء الشهادة # ثم الضبط نوعان ظاهر وباطن # فالظاهر منه بمعرفة صيغة المسموع والوقوف على معناه لغة والباطن منه ~~بالوقوف على معنى الصيغة فيما يبتنى عليه أحكام الشرع وهو الفقه وذلك لا ~~يتأتى إلا بالتجربة والتأمل بعد معرفة ms355 معاني اللغة وأصول أحكام الشرع ولهذا ~~لم تقبل رواية من اشتدت غفلته إما خلقة أو مسامحة ومجازفة لأن الضبط ظاهرا ~~لا يتم منه عادة وما يكون شرطا يراعي وجوده بصفة الكمال ولهذا لم يثبت ~~السلف المعارضة بين رواية من لم يعرف بالفقه ورواية من عرف بالفقه لانعدام ~~الضبط باطنا ممن لم يعرف بالفقه على ما يروى عن عمرو بن دينار أن جابر بن ~~زيد أبا الشعثاء روى له عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P348 تزوج ميمونة وهو محرم قال عمرو فقلت لجابر إن ابن شهاب ~~أخبرني عن يزيد بن الأصم أن النبي عليه السلام تزوجها وهو حلال # فقال إنها كانت خالة ابن عباس وهو أعلم بحالها # فقلت وقد كانت خالة يزيد بن الأصم أيضا # فقال أنى يجعل يزيد بن الأصم بوال على عقبه إلى ابن عباس فدل أن رواية ~~غير الفقيه لا تكون معارضة لرواية الفقيه وهذا الترجيح ليس إلا باعتبار ~~تمام الضبط من الفقيه وكأن المعنى فيه أن نقل الخبر بالمعنى كان مشهورا ~~فيهم فمن لا يكون معروفا بالفقه ربما يقصر في أداء المعنى بلفظه بناء على ~~فهمه ويؤمن مثل ذلك من الفقيه ولهذا قلنا إن المحافظة على اللفظ في زماننا ~~أولى من الرواية بالمعنى لتفاوت ظاهر بين الناس في فهم المعنى # فإن قيل كيف يستقيم هذا ونقل القرآن صحيح ممن لا يفهم معناه قلنا أصل ~~النقل في القرآن من أئمة الهدى الذين كانوا خير الورى بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإنما نقلوا بعد تمام الضبط ثم من بعدهم إنما ينقل بعد جهد ~~شديد يكون منه في التعلم والحفظ واستدامة القراءة ولو وجد مثل ذلك في الخبر ~~لكنا نجوز نقله أيضا مع أن الله تعالى وعد حفظ القرآن عن تحريف المبطلين ~~بقوله تعالى @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ وبهذا النص ~~عرفنا انقطاع طمع الملحدين عن القرآن فصححنا النقل فيه ممن يكون ضابطا له ~~ظاهرا وإن كان لا يعرف معناه ms356 ومثل ذلك لا يوجد في الأخبار فكان تمام الضبط ~~فيها بما قلنا # مع أن هناك يتعلق بالنظم أحكام منها حرمة القراءة على الجنب والحائض ~~وجواز الصلاة بها في قول بعض العلماء وكون النظم معجزا # فأما في الأخبار المعتبر هو المعنى المراد بالكلام فتمام الضبط إنما يكون ~~بالوقوف على ما هو المراد ولهذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله لا تجوز ~~الشهادة على الكتاب والختم إذا لم يعرف الشاهد ما في باطن الكتاب لأن الضبط ~~في الشهادة شرط للأداء PageV01P349 والمقصود ما في باطن الكتاب لا عين ~~الكتاب فلا يتم ضبطه إلا بمعرفة ذلك ولهذا استحب المتقدمون من السلف تقليل ~~الرواية ومن كان أكرمهم وأدوم صحبة وهو الصديق رضي الله عنه كان أقلهم ~~رواية حتى روي عنه أنه قال إذا سئلتم عن شيء فلا ترووا ولكن ردوا الناس إلى ~~كتاب الله تعالى # وقال عمر رضي الله عنه أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأنا شريككم # ولما قيل ل زيد بن أرقم ألا تروي لنا عن رسول الله عليه السلام شيئا فقال ~~قد كبرنا ونسينا والرواية عن رسول الله شديد # وقال ابن عباس رضي الله عنهما كنا نحفظ الحديث والحديث يحفظ عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأما إذا ركبتم الصعب والذلول فهيهات فقد جمع أهل ~~الحديث في هذا الباب آثارا كثيرة ولأجلها قلت رواية أبي حنيفة رضي الله عنه ~~حتى قال بعض الطاعنين إنه كان لا يعرف الحديث # ولم يكن على ما ظن بل كان أعلم أهل عصره بالحديث ولكن لمراعاة شرط كمال ~~الضبط قلت روايته # وبيان هذا أن الإنسان قد ينتهي إلى مجلس وقد مضى صدر من الكلام فيخفي على ~~المتكلم حاله لتوقفه على ما مضى من كلامه مما يكون بعده بناء عليه فقلما ~~يتم ضبط هذا السامع لمعنى ما يسمع بعد ما فاته أول الكلام ولا يجد في تأمل ~~ذلك أيضا لأنه لا يرى نفسه أهلا بأن يؤخذ الدين عنه ثم يكون من قضاء الله ~~تعالى ms357 أن يصير صدرا يرجع إليه في معرفة أحكام الدين فإذا لم يتم ضبطه في ~~الابتداء لم ينبغ له أن يجازف في الرواية وإنما ينبغي أن يشتغل بما وجد منه ~~الجهد التام في ضبطه فيستدل بكثرة الرواية ممن كان حاله في الابتداء بهذه ~~الصفة على قلة المبالاة ولهذا ذم السلف الصالح كثرة الرواية وهذا معنى ~~معتبر في الروايات والشهادات جميعا ألا ترى أن من اشتهر في الناس بخصلة ~~دالة على قلة المبالاة من قضاء الحاجة بمرأى العين من الناس أو الأكل في ~~الأسواق يتوقف في شهادته # فهذا بيان تفسير الضبط # وأما العدالة فهي الاستقامة # يقال فلان عادل إذا كان مستقيم السيرة في الإنصاف والحكم بالحق # وطريق عادل سمي به الجادة وضده الجور # ومنه يقال طريق جائر إذا كان من البنيات # ثم العدالة نوعان ظاهرة وباطنة # فالظاهرة PageV01P350 تثبت بالدين والعقل على معنى أن من أصابها فهو عدل ~~ظاهرا لأنهما يحملانه على الاستقامة ويدعوانه إلى ذلك # والباطنة لا تعرف إلا بالنظر في معاملات المرء ولا يمكن الوقوف على نهاية ~~ذلك لتفاوت بين الناس فيهما ولكن كل من كان ممتنعا من ارتكاب ما يعتقد ~~الحرمة فيه فهو على طريق الاستقامة في حدود الدين # وعلى هذه العدالة نبني حكم رواية الخبر في كونه حجة لأن ما تثبت به ~~العدالة الظاهرة بعارضة هوى النفس والشهوة الذي تصده عن الثبات على طريق ~~الاستقامة فإن الهوى أصل فيه سابق على إصابة العقل ولا يزايله بعدما رزق ~~العقل وبعدما اجتمعا فيه يكون عدلا من وجه دون وجه فيكون حاله كحال الصبي ~~العاقل والمعتوه الذي يعقل من جملة العقلاء وقد بينا أن المطلق يقتضي ~~الكامل فعرفنا أن العدل مطلقا من يترجح أمر دينه على هواه ويكون ممتنعا ~~بقوة الدين عما يعتقد الحرمة فيه من الشهوات ولهذا قال في كتاب الشهادات إن ~~من ارتكب كبيرة فإنه لا يكون عدلا في الشهادة وفيما دون الكبيرة من المعاصي ~~إن أصر على ارتكاب شيء لم يكن مقبول الشهادة # وكان ينبغي أن لا يكون مقبول ms358 الشهادة أصر أو لم يصر لأنه فاسق بخروجه عن ~~الحد المحدود له شرعا والفاسق لا يكون عدلا في الشهادة إلا أن في القول ~~بهذا سد الباب أصلا فغير المعصوم لا يتحقق منه التحرز عن الزلات أجمع لأن ~~لله تعالى على العباد في كل لحظة أمرا ونهيا يتعذر عليهم القيام بحقهما ~~ولكن التحرز عن الإصرار بالندم والرجوع عنه غير متعذر والحرج مدفوع وليس في ~~التحرز عن ارتكاب الكبائر الموجبة للحد معنى الحرج فلهذا بنينا حكم العدالة ~~على التحرز المتأتي عما يعتقد الحرمة فيه ولهذا قلنا صاحب الهوى إذا كان ~~ممتنعا عما يعتقد الحرمة فيه فهو مقبول الشهادة وإن كان فاسقا في اعتقاده ~~ضالا لأنه بسبب الغلو في طلب الحجة والتعمق في اتباعه أخطأ الطريق فضل عن ~~سواء السبيل وشدة اتباع الحجة لا تمكن تهمة الكذب في شهادته وإن أخطأ ~~الطريق وكذلك الكافر من أهل الشهادة إذا كان عدلا في تعاطيه بأن كان منزجرا ~~عما يعتقد الحرمة فيه إلا أنه غير مقبول الشهادة على المسلمين PageV01P351 ~~لأجل عداوة ظاهرة تحمله على التقول عليه وهي عداوة بسبب باطل فتكون مبطلة ~~للشهادة ولهذا قلنا الرق والأنوثة والعمى لا تقدح في العدالة أصلا وإن كانت ~~تمنع من قبول الشهادة أو تمكن نقصانا فيها لأنه لا تأثير لهذه المعاني في ~~الحمل على ارتكاب ما يعتقد الحرمة فيه والعدالة تبتنى على ذلك ولهذا لم ~~يجعل الفاسق والمستور عدلا مطلقا في حكم الشهادة حتى لا يجوز القضاء بشهادة ~~الفاسق وإن كان لو قضى به القاضي نفذ ولا يجب القضاء بشهادة المستور قبل ~~ظهور حاله # وقال الشافعي رحمه الله ولما لم يكن خبر الفاسق والمستور حجة فخبر ~~المجهول أحرى أن لا يكون حجة # و قلنا نحن المجهول من القرون الثلاثة عدل بتعديل صاحب الشرع إياه ما لم ~~يتبين منه ما يزيل عدالته فيكون خبره حجة على الوجه الذي قررنا # وأما الإسلام فهو عبارة عن شريعتنا وهو نوعان أيضا ظاهر وباطن فالظاهر ~~يكون بالميلاد بين المسلمين والنشوء على طريقتها شهادة وعبادة ms359 # والباطن يكون بالتصديق والإقرار بالله كما هو بصفاته وأسمائه والإقرار ~~بملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره من الله تعالى ~~وقبول أحكامه وشرائعه # فمن استوصف فوصف ذلك كله فهو مسلم حقيقة وكذلك إن كان معتقدا لذلك كله # فقبل أن يستوصف هو مؤمن فيما بينه وبين ربه حقيقة # وقال في الجامع الكبير إذا بلغت المرأة فاستوصفت الإسلام فلم تصف فإنها ~~تبين من زوجها # وقد كنا حكمنا بصحة النكاح بظاهر إسلامها ثم يحكم بفساد النكاح حين لم ~~تحسن أن تصف وجعل ذلك ردة منها # وقد استقصى بعض مشايخنا في هذا فقالوا ذكر الوصف على سبيل الإجمال لا ~~يكفي ما لم يكن عالما بحقيقة ما يذكر لأن حفظ الفقه غير حفظ المعنى ألا ترى ~~أن من يذكر أن محمدا رسول الله ولا يعرف من هو لا يكون مؤمنا به فإن ~~النصارى يزعمون أنهم يؤمنون بعيسى وعندهم أنه ولد الله فلا يكون ذلك منهم ~~معرفة لعيسى الذي هو عبد الله ورسوله # ولكنا نقول في المصير إلى هذا الاستقصاء حرج بين فالناس يتفاوتون في ذلك ~~تفاوتا ظاهرا وأكثرهم لا يقدرون على بيان تفسير صفات الله تعالى وأسمائه ~~على الحقيقة ولكن ذكر الأوصاف على الإجمال يكفي PageV01P352 لثبوت الإيمان ~~حقيقة ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن الناس بذلك حتى ~~قال للأعرابي الذي شهد برؤية الهلال أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول ~~الله فقال نعم # فقال الله أكبر يكفي المسلمين أحدهم ولما سأله جبريل عن الإيمان والإسلام ~~لأجل تعليم الناس معالم الدين بين ذلك على سبيل الإجمال # وكتاب الله يشهد بذلك قال تعالى @QB@ فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن ~~علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن @QE@ وقد كان هذا الامتحان من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمين بالاستيصاف على الإجمال وهذا لأن المطلق عند ~~الاستيصاف يكون محمولا على الكامل كما هو الأصل وقد يعجز المرء عن إظهار ما ~~يعتقده بعبارته فينبغي أن يكون الاستيصاف بذكر ذلك على وجه استفهام المخاطب ~~أنه هل ms360 يعتقد كذا وكذا فإذا قال نعم كان مؤمنا حقيقة وإن كان قال لا أعرف ~~ما تقول أو لا أعتقد ذلك فحينئذ يحكم بكفره وكذلك من ظهر منه أمارات ~~المعرفة نحو أداء الصلاة بالجماعة مع المسلمين فإن ذلك يقوم مقام الوصف في ~~الحكم بإيمانه مطلقا قال عليه السلام إذا رأيتم الرجل يعتاد الجماعات ~~فاشهدوا له بالإيمان ولا يختلف ما ذكرنا بالرق والحرية والذكورة والأنوثة ~~والعمى والبصر فلهذا جعلنا خبر هؤلاء في كونه حجة في الأحكام الشرعية بصفة ~~واحدة لأن الشرائط التي يبتنى عليها وجوب قبول الخبر يتحقق في الكل # أما العبد فلا شك في استجماع هذه الشرائط فيه وإن لم يكن من أهل الشهادة ~~لأن الأهلية للشهادة تبتنى على الأهلية للولاية على الغير والرق ينفي هذه ~~الولاية وهذا لأن الشهادة تنفيذ القول على الغير وذلك ينعدم في الخبر من ~~وجهين أحدهما أن المخبر لا يلزم أحدا شيئا ولكن السامع إنما يلتزم باعتقاده ~~أن المخبر عنه مفترض الطاعة ( فإذا ترجح جانب الصدق في خبر المخبر ضاهى ذلك ~~المسموع ممن هو مفترض الطاعة ) في اعتقاده فيلزمه العمل باعتبار اعتقاده ~~كالقاضي يلزمه القضاء بالشهادة بتقلده هذه الأمانة لا بإلزام الشاهد إياه ~~فإن كلام الشاهد يلزم المشهود عليه دون القاضي # وبيان هذا أن قوله عليه السلام لا صلاة إلا بقراءة ليس في ظاهره إلزام ~~أحد شيئا بل بيان صفة تتأدى به الصلاة إذا أرادها بمنزلة قول PageV01P353 ~~القائل لا خياطة إلا بالإبرة # والثاني أن المخبر يلتزم أولا ثم يتعدى حكم اللزوم إلى غيره من السامعين ~~فأما الشاهد فإنه يلزم غيره ابتداء ولهذا جعلنا العبد بمنزلة الحر في ~~الشهادة التي يكون فيها التزام على الوجه الذي يكون في الخبر وهو الشهادة ~~على رؤية هلال رمضان # ثم قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجيب دعوة المملوك فدل أنه ~~كان يعتمد خبره بأن مولاه أذن له # وسلمان رضي الله عنه حين كان عبدا أتاه بصدقة فاعتمد خبره وأمر أصحابه ~~بالأكل ثم أتاه بهدية فاعتمد خبره ms361 وأكل منه # وكان يعتمد خبر بريرة رضي الله عنها قبل أن تعتق وبعد عتقها فدل أن ~~المملوك في حكم قبول الخبر كالحر وأن الأنثى في ذلك كالذكر وإن تفاوتا في ~~حكم الشهادة لأنه يشترط العدد في النساء لثبوت معنى الشهادة وفي باب الخبر ~~العدد ليس بشرط فكما فارق الشهادة الخبر في اشتراط أصل العدد فكذلك في ~~اشتراط العدد في النساء ألا ترى أن الصحابة كانوا يرجعون إلى أزواج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيما يشكل عليهم من أمر الدين فيعتمدون خبرهن # وقال رسول الله عليه السلام تأخذون ثلثي دينكم من عائشة وأما العمى فإنه ~~لا يؤثر في الخبر لأنه لا يقدح في العدالة ألا ترى أنه قد كان في الرسل من ~~ابتلي بذلك كشعيب ويعقوب وكان في الصحابة من ابتلي به كابن أم مكتوم وعتبان ~~بن مالك رضي الله عنهما وفيهم من كف بصره كابن عباس وابن عمر وجابر وواثلة ~~بن الأسقع رضي الله عنهم والأخبار المروية عنهم مقبولة ولم يشتغل أحد بطلب ~~التاريخ في ذلك أنهم رووا في حالة البصر أم بعد العمى وهذا بخلاف الشهادة ~~فإن شهادتهم إنما لا تقبل لحاجة الشاهد إلى تمييز بين المشهود له والمشهود ~~عليه عند الأداء وهذا التمييز من البصير يكون بالمعاينة ومن الأعمى ~~بالاستدلال وبينهما تفاوت يمكن التحرز عنه في جنس الشهود وفي رواية الخبر ~~لا حاجة إلى هذا التمييز فكان الأعمى والبصير فيه سواء والمحدود في القذف ~~بعد التوبة في رواية الخبر كغيره في ظاهر المذهب فإن أبا بكرة رضي الله عنه ~~مقبول الخبر ولم يشتغل أحد بطلب التاريخ في خبره أنه روى بعدما أقيم عليه ~~الحد أم قبله بخلاف PageV01P354 الشهادة فإن رد شهادته من تمام حده ثبت ذلك ~~بالنص ورواية الخبر ليست في معنى الشهادة ألا ترى أنه لا شهادة للنساء في ~~الحدود أصلا وروايتهن في باب الحدود كرواية الرجال وفي رواية الحسن عن أبي ~~حنيفة رضي الله عنهما أنه لا يكون المحدود في القذف مقبول الرواية لأنه ~~محكوم ms362 بكذبه بالنص قال تعالى @QB@ فأولئك عند الله هم الكاذبون @QE@ ~~والمحكوم بالكذب فيما يرجع إلى التعاطي لا يكون عدلا ومن شرط كون الخبر حجة ~~العدالة مطلقا كما بينا # # | فصل في بيان ضبط المتن والنقل بالمعنى # قال بعض أهل الحديث مراعاة اللفظ في الرواية واجب على وجه لا يجوز النقل ~~بالمعنى من غير مراعاة اللفظ بحال وذلك منقول عن ابن سيرين # قال بعض أهل النظر قول الصحابي على سبيل الحكاية عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في أقواله وأفعاله لا يكون حجة بل يجب طلب لفظ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك الباب حتى يصح الاحتجاج به وهذا قول مهجور # وقال جمهور العلماء مراعاة اللفظ في النقل أولى ويجوز النقل بالمعنى بعد ~~حسن الضبط على تفصيل نذكره في آخر الفصل # وقد نقل ذلك عن الحسن والشعبي والنخعي # فأما من لم يجوز ذلك استدل بقوله عليه السلام نضر الله امرأ سمع مقالتي ~~فوعاها وأداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو ~~أفقه منه فقد أمر بمراعاة اللفظ في النقل وبين المعنى فيه وهو تفاوت الناس ~~في الفقه والفهم واعتبار هذا المعنى يوجب الحجر عاما عن تبديل اللفظ بلفظ ~~آخر وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي من جوامع الكلم والفصاحة في ~~البيان ما هو نهاية لا يدركه فيه غيره ففي التبديل بعبارة أخرى لا يؤمن ~~التحريف أو الزيادة والنقصان فيما كان مرادا له # وحجتنا في ذلك ما اشتهر من قول الصحابة أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بكذا ونهانا عن كذا ولا يمتنع أحد من قبول ذلك إلا من هو متعنت # وروينا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان إذا روى حديثا قال نحو هذا أو ~~قريبا منه PageV01P355 أو كلاما هذا معناه وكان أنس رضي الله عنه إذا روى ~~حديثا قال في آخره أو كما قال رسول الله عليه السلام فدل أن النقل بالمعنى ~~كان مشهورا فيهم وكذلك العلماء بعدهم ms363 يذكرون في تصانيفهم بلغنا نحوا من ذلك # وهذا لأن نظم الحديث ليس بمعجز والمطلوب منه ما يتعلق بمعناه وهو الحكم ~~من غير أن يكون له تعلق بصورة النظم وقد علمنا أن الأمر بالتبليغ لما هو ~~المقصود به فإذا كمل ذلك بالنقل بالمعنى كان ممتثلا لما أمر به من النقل لا ~~مرتكبا للحرام وإنما يعتبر النظم في نقل القرآن لأنه معجز مع أنه قد ثبت ~~أيضا فيه نوع رخصة ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أشار ~~إليه في قوله أنزل القرآن على سبعة أحرف إلا أن في ذلك رخصة من حيث الإسقاط ~~وهذا من حيث التخفيف والتيسير ومعنى الرخصة يتحقق بالطريقين كما تقدم بيانه # إذا عرفنا هذا فنقول الخبر إما أن يكون محكما له معنى واحد معلوم بظاهر ~~المتن أو يكون ظاهرا معلوم المعنى بظاهره على احتمال شيء آخر كالعام الذي ~~يحتمل الخصوص والحقيقة التي تحتمل المجاز أو يكون مشكلا أو يكون مشتركا ~~يعرف المراد بالتأويل أو يكون مجملا لا يعرف المراد به إلا ببيان أو يكون ~~متشابها أو يكون من جوامع الكلم # فأما المحكم يجوز نقله بالمعنى لكل من كان عالما بوجوه اللغة لأن المراد ~~به معلوم حقيقة وإذا كساه العالم باللغة عبارة أخرى لا يتمكن فيه تهمة ~~الزيادة والنقصان # فأما الظاهر فلا يجوز نقله بالمعنى إلا لمن جمع إلى العلم باللغة العلم ~~بفقه الشريعة لأنه إذا لم يكن عالما بذلك لم يؤمن إذا كساه عبارة أخرى أن ~~لا تكون تلك العبارة في احتمال الخصوص والمجاز مثل العبارة الأولى وإن كان ~~ذلك هو المراد به ولعل العبارة التي يروي بها تكون أعم من تلك العبارة ~~لجهله بالفرق بين الخاص والعام فإذا كان عالما بفقه الشريعة يقع الأمن عن ~~هذا التقصير منه عند تغيير العبارة فيجوز له النقل بالمعنى كما كان يفعله ~~الحسن والنخعي والشعبي رحمهم الله # PageV01P356 فأما المشكل والمشترك لا يجوز فيهما النقل بالمعنى أصلا لأن ~~المراد بهما لا يعرف إلا بالتأويل والتأويل يكون بنوع من ms364 الرأي كالقياس فلا ~~يكون حجة على غيره # وأما المجمل فلا يتصور فيه النقل بالمعنى لأنه لا يوقف على المعنى فيه ~~إلا بدليل آخر والمتشابه كذلك لأنا ابتلينا بالكف عن طلب المعنى فيه فكيف ~~يتصور نقله بالمعنى # وأما ما يكون من جوامع الكلم كقوله عليه السلام الخراج بالضمان وقوله ~~عليه السلام العجماء جبار وما أشبه ذلك فقد جوز بعض مشايخنا نقله بالمعنى ~~على الشرط الذي ذكرنا في الظاهر # قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه لا يجوز ذلك لأن النبي عليه السلام كان ~~مخصوصا بهذا النظم على ما روي أنه قال أوتيت جوامع الكلم أي خصصت بذلك فلا ~~يقدر أحد بعده على ما كان هو مخصوصا به ولكن كل مكلف بما في وسعه وفي وسعه ~~نقل ذلك اللفظ ليكون مؤديا إلى غيره ما سمعه منه بيقين وإذا نقله إلى ~~عبارته لم يؤمن القصور في المعنى المطلوب به ويتيقن بالقصور في النظم الذي ~~هو من جوامع الكلم وكان هذا النوع هو مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بقوله ثم أداها كما سمعها # # | فصل في بيان الضبط بالكتابة والخط # قال رضي الله عنه اعلم بأن الكتابة نوعان تذكرة وإمام # فالتذكرة هو أن ينظر في المكتوب فيتذكر به ما كان مسموعا له والنقل بهذا ~~الطريق جائز سواء كان مكتوبا بخطه أو بخط غيره وذلك الخط معروف أو مجهول ~~لأنه إنما ينقل ما يحفظ غير أن النظر في الكتاب كان مذكرا له فلا يكون دون ~~التفكر ولو تفكر فتذكر جاز له أن يروي ويكون خبره حجة فكذلك إذا نظر في ~~الكتاب فتذكر ولهذا المقصود ندب إلى الكتاب على ما جاء في الحديث قيدوا ~~العلم بالكتاب وقال إبراهيم كانوا يأخذون العلم حفظا ثم أبيح لهم الكتابة ~~لما حدث بهم من الكسل ولأن النسيان مركب في الإنسان لا يمكنه أن يحفظ نفسه ~~منه إلا ما كان خاصا لرسول الله عليه السلام بقوله سنقرئك فلا تنسى إلا ما ~~شاء PageV01P357 الله ولهذا الاستثناء وقع لرسول الله عليه السلام ms365 تردد في ~~قراءته سورة المؤمنين في صلاة الفجر حتى قال لأبي رضي الله عنه ( هلا ~~ذكرتني ) فثبت أن النسيان مما لا يستطاع الامتناع منه إلا بحرج بين والحرج ~~مدفوع وبعد النسيان النظر في الكتاب طريق للتذكر والعود إلى ما كان عليه من ~~الحفظ وإذا عاد كما كان فالرواية تكون عن ضبط تام # وأما النوع الثاني فهو أن لا يتذكر عند النظر ولكنه يعتمد الخط وذلك يكون ~~في فصول ثلاثة رواية الحديث والقاضي يجد في خريطته سجلا مخطوطا بخطه من غير ~~أن يتذكر الحادثة والشاهد يرى خطه في الصك ولا يتذكر الحادثة # ف أبو حنيفة رحمه الله أخذ في الفصول الثلاثة بما هو العزيمة وقال لا ~~يجوز له أن يعتمد الكتاب ما لم يتذكر لأن النظر في الكتاب لمعرفة القلب ~~كالنظر في المرآة للرؤية بالعين ثم النظر في المرآة إذا لم تفده إدراكا لا ~~يكون معتبرا فالنظر في الكتاب إذا لم يفده تذكرا يكون هدرا وهذا لأن ~~الرواية والشهادة وتنفيذ القضاء لا يكون إلا بعلم والخط يشبه الخط فبصورة ~~الخط لا يستفيد علما من غير التذكر وما كان الفساد في سائر الأديان إلا ~~بالاعتماد على الصور بدون المعنى # وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف رحمهما الله أن في السجل ورواية الأثر ~~يجوز له أن يعتمد الخط وإن لم يتذكر به وفي الصك لا يجوز له ذلك # وروى ابن رستم عن محمد رحمهما الله أن ذلك جائز في الفصول كلها وما ذهبنا ~~إليه رخصة للتيسير على الناس # ثم هذه الرخصة تتنوع أنواعا إما أن يكون الكتاب بخطه أو بخط رجل معروف ~~ثقة موقع بتوقيعه أو بخط رجل معروف غير ثقة أو غير موقع أو بخط مجهول أما ~~أبو يوسف رحمه الله فقال السجل يكون في خريطة القاضي مختوما بختمه وكان في ~~يده أيضا فباعتبار الظاهر يؤمن فيه التزوير والتبديل بالزيادة والنقصان ~~والقاضي مأمور باتباع الظاهر في القضاء فله أن يعتمد السجل في ذلك وكذلك ~~كتاب المحدث إذا كان في يده وإن ms366 لم يكن السجل في يد القاضي فليس له أن ~~يعتمده لأن التزوير والتغيير فيه عادة لما يبتنى عليه من المظالم والخصومات ~~ومثله في كتاب PageV01P358 الحديث ليس بعادة فلا فرق فيه بين أن يكون في ~~يده أو في يد أمين آخر لم يظهر منه خيانة في مثله وأما الصك فيكون بيد ~~الخصم فلا يقع الأمن فيه عن التغيير والتزوير حتى إذا كان في يد الشاهد كان ~~الجواب فيه مثل الجواب في السجل # والحاصل أنه بنى هذه الرخصة على ما يوقع الأمن عن التغيير والتعديل عادة ~~و محمد رحمه الله أثبت الرخصة في الصك أيضا وإن لم يكن في يده إذا علم أن ~~المكتوب خطه على وجه لا يبقى فيه شبهة له لأن الباقي بعد ذلك توهم التغيير ~~وله أثر بين يوقف عليه فإذا لم يظهر ذلك فيه جاز اعتماده فأما إذا وجد ~~الكتاب بخط بين وهو معلوم عنده أو بخط رجل معروف موثق به فإنه يجوز له أن ~~يقول وجدت بخط فلان كذا لا يزيد على ذلك ثم إن كان ذلك الخط منفردا ليس معه ~~شيء آخر فإنه لا يكون حجة وإن كان معه غيره فذلك يوقع الأمن عن التزوير ~~بطريق العادة فيجوز اعتماده على وجه الرخصة ( وهذا في الأخبار خاصة ) فأما ~~في الشهادة والقضاء فلا لأن ذلك من مظالم العباد يعتبر فيه من الاستقصاء ما ~~لا يعتبر في رواية الأخبار واشتراط العلم فيه منصوص عليه قال تعالى @QB@ ~~إلا من شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ وقال عليه السلام للشاهد إذا رأيت مثل ~~هذا الشمس فاشهد وإلا فدع # # | فصل في بيان وجوه الانقطاع # قال رضي الله عنه اعلم بأن الانقطاع نوعان انقطاع صورة وانقطاع معنى # أما صورة الانقطاع صورة ففي المراسيل من الأخبار ولا خلاف بين العلماء في ~~مراسيل الصحابة رضي الله عنهم أنها حجة لأنهم صحبوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فما يروونه عن رسول الله عليه السلام مطلقا يحمل على أنهم سمعوه ~~منه أو من أمثالهم وهم كانوا أهل الصدق ms367 والعدالة وإلى هذا أشار البراء بن ~~عازب رضي الله عنهما بقوله ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإنما كان يحدث بعضنا بعضا ولكنا لا نكذب # PageV01P359 فأما مراسيل القرن الثاني والثالث حجة في قول علمائنا رحمهم ~~الله # وقال الشافعي لا يكون حجة إلا إذا تأيد بآية أو سنة مشهورة أو اشتهر ~~العمل به من السلف أو اتصل من وجه آخر # قال ولهذا جعلت مراسيل سعيد بن المسيب حجة لأني اتبعتها فوجدتها مسانيد # احتج في ذلك فقال الخبر إنما يكون حجة باعتبار أوصاف في الراوي ولا طريق ~~لمعرفة تلك الأوصاف في الراوي إذا كان غير معلوم الأصل فلا تقوم الحجة بمثل ~~هذه الرواية وإعلامه بالإشارة إليه في حياته وبذكر اسمه ونسبه بعد وفاته ~~فإذا لم يذكره أصلا فقد تحقق انقطاع هذا الخبر عن رسول الله والحجة في ~~الخبر باتصاله برسول الله عليه السلام فبعد الانقطاع لا يكون حجة # ولا يقال إن رواية العدل عنه تكون تعديلا له وإن لم يذكر اسمه لأن طريق ~~معرفة الجرح والعدالة الاجتهاد وقد يكون الواحد عدلا عند إنسان مجروحا عند ~~غيره بأن يقف منه على ما كان الآخر لا يقف عليه ألا ترى أن شهود الفرع إذا ~~شهدوا على شهادة الأصول من غير ذكرهم في شهادتهم لا تكون شهادتهم حجة لهذا ~~المعنى يوضحه أنه قد كان فيهم من يروي عمن هو مجروح عنده على ما قال الشعبي ~~رحمه الله حدثني الحارث وكان والله كذابا # فعرفنا أن بروايته عنه لا يثبت فيه ما يشترط في الراوي فيكون خبره حجة ~~ولأن الناس تكلفوا بحفظ الأسانيد في باب الأخبار فلو كانت الحجة تقوم ~~بالمراسيل لكان تكلفهم اشتغالا بما لا يفيد فيبعد أن يقال اجتمع الناس على ~~ما ليس بمفيد # ولكنا نقول الدلائل التي دلت على كون خبر الواحد حجة من الكتاب والسنة ~~كلها تدل على كون المرسل من الأخبار حجة # ثم قد ظهر الإرسال من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم ظهورا لا ms368 ينكره ~~إلا متعنت # أما من الصحابة فبيانه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال من أصبح جنبا فلا صوم له ولما أنكرت ذلك عائشة رضي الله عنها ~~قال هي أعلم حدثني به الفضل بن عباس رضي الله عنهما فقد أرسل الرواية عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من غير سماع منه وقيل إن ابن عباس ما سمع من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا بضعة عشر حديثا وقد كثرت روايته مرسلا وإنما ~~كان ذلك سماعا من غير PageV01P360 رسول الله عليه السلام حتى روي أن النبي ~~عليه السلام كان يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر وإنما سمع ذلك من أخيه ~~الفضل ونعمان بن بشير رضي الله عنهم ما سمع من رسول الله عليه السلام إلا ~~حديثا واحدا وهو قوله عليه السلام إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر جسده ~~وإذا فسدت فسد سائر جسده ألا وهي القلب ثم كثرت روايته عن رسول الله عليه ~~السلام مرسلا والحسن وسعيد بن المسيب رضي الله عنهما وغيرهما من أئمة ~~التابعين كان كثيرا ما يروون مرسلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~قيل أكثر ما رواه سعيد بن المسيب مرسلا إنما سمعه من عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه # وقال الحسن كنت إذا اجتمع لي أربعة من الصحابة على حديث أرسلته إرسالا # وقال ابن سيرين رضي الله عنه ما كنا نسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة فقال ~~الأعمش قلت لإبراهيم إذا رويت لي حديثا عن عبد الله فأسنده لي فقال إذا قلت ~~لك حدثني فلان عن عبد الله فهو ذاك وإذا قلت لك قال عبد الله فهو غير واحد ~~ولهذا قال عيسى بن أبان المرسل أقوى من المسند فإن من اشتهر عنده حديث ( ~~بأن سمعه ) بطرق طوى الإسناد لوضوح الطريق عنده وقطع الشهادة بقوله قال ~~رسول الله عليه السلام وإذا سمعه بطريق واحد لا يتضح الأمر عنده على وجه لا ~~يبقى له فيه ms369 شبهة فيذكره مسندا على قصد أن يحمله من يحمل عنه # فإن قيل فعلى هذا ينبغي أن يجوز النسخ بالمرسل كما يجوز بين الأخبار ~~بالمشهور عندكم # قلنا إنما لم يجز ذلك لأن قوة المرسل من هذا الوجه بنوع من الاجتهاد ~~فيكون نظير قوة تثبت بطريق القياس والنسخ بمثله لا يجوز # ثم رواية هؤلاء الكبار مرسلا أما إن كان باعتبار سماعهم ممن ليس بعدل ~~عندهم أو باعتبار سماعهم من عدل مع اعتقادهم أن ذلك ليس بحجة أو على ~~اعتقادهم أن المرسل حجة كالمسند والأول باطل فإن من يستجيز الرواية عمن ~~يعرفه غير عدل بهذه الصفة لا يعتمد روايته مرسلا ولا مسندا ولا يجوز أن يظن ~~بهم هذا والثاني باطل لأنه قول بأنهم كتموا موضع PageV01P361 الحجة بترك ~~الإسناد مع علمهم أن الحجة لا تقوم بدونه فتعين الثالث وهو أنهم اعتقدوا أن ~~المرسل حجة كالمسند وكفى باتفاقهم حجة # وقال الشافعي في بعض كتبه إنما أرسلوا ليطلب ذلك في المسند وهذا كلام ~~فاسد لأنه إما أن يقال لم يكن عندهم إسناد ذلك أو كان ولم يذكروا والأول ~~باطل لأن فيه قولا بأنهم تخرصوا ما لم يسمعوا ليطلب ذلك في المسموعات ولا ~~يجوز ذلك لمن هو دونهم فكيف بهم والثاني باطل لأنه إذا كان عندهم الإسناد ~~وقد علموا أن الحجة لا تقوم بدونه فليس في تركه إلا القصد إلى إتعاب النفس ~~بالطلب # ولو قال من أنكر الاحتجاج بخبر الواحد إنهم إنما رووا ذلك ليطلب ذلك في ~~المتواتر لا يكون هذا الكلام مقبولا منه بالاتفاق فكذلك هذا يقرره أن ~~المفتي إذا قال للمستفتي قضى رسول الله في هذه الحادثة بكذا كان عليه أن ~~يعمل به وإن لم يذكر له إسنادا فكذلك إذا قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كذا # ولو قال روى فلان عن فلان قبل ذلك منه وإن لم يقل حدثني ولا سمعته منه ~~وهذا في معنى الإرسال # فإن قال إنما نجيزه على هذا الوجه عمن لقي فيحمل مطلق كلامه على المسموع ~~منه # قلنا ms370 لما جاز حمل كلامه على هذا وإن لم ينص عليه لتحسين الظن به فكذلك ~~يجوز حمل كلامه عند الإرسال على السماع ممن هو عدل باعتبار الظاهر لتحسين ~~الظن به وهذا لأنه لا طريق لنا إلى معرفة الشرائط للرواية فيمن لم يدركه ~~إلا بالسماع ممن أدركه وإذا كان من أدركه عدلا ثقة فإنه لا يروي عنه مطلقا ~~ما لم يعرف استجماع الشرائط فيه فبروايته عنه يثبت لنا استجماع الشرائط ألا ~~ترى أنه لو أسند الرواية إليه يثبت استجماع الشرائط فيه بروايته عنه فكذلك ~~إذا أرسله بل أولى لأنه إذا أسند إليه فإنما شهد عليه بأنه روى ذلك فإذا ~~أرسل فإنما يشهد على رسول الله أنه قال ذلك ومن علم أنه لا يستجيز الشهادة ~~على غير رسول الله بالباطل فكيف يظن أن يستجيز الشهادة على رسول الله ~~بالباطل مع قوله عليه السلام من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ~~يوضحه أن القاضي إذا كتب سجلا فيه قضاؤه في حادثة وأشهد على ذلك كان ذلك ~~حجة وإن لم يبين اسم الشهود في المسجل وما كان ذلك إلا بهذا الطريق وهذا ~~بخلاف الشهود على شهادة الغير لأن العلماء PageV01P362 مختلفون في أن عند ~~الرجوع هل يجب الضمان على شهود الأصل أم لا فلعل القاضي ممن يرى تضمينهم ~~فلا يتمكن من القضاء به إذا لم يكونوا معلومين عنده ومثل هذا لا يتحقق في ~~باب الأخبار مع أن شاهد الفرع ينوب عن شاهد الأصل في نقل شهادته ألا ترى ~~أنه لو أشهد قوما على شهادته فسمعه آخرون لم يكن لهم أن يشهدوا على شهادته ~~بخلاف رواية الأخبار وإذا كان الفرعي يعبر عن الأصل بشهادته لم يجد بدا من ~~ذكره ليكون معبرا ألا ترى أنه لو قال أشهد عن فلان لم يكن ذلك مقبولا # وهنا لو قال أروي عن فلان كان مقبولا منه # ثم اشتغال الناس بالإسناد كاشتغالهم بالتكلف لسماع الحديث من وجوه وذلك ~~لا يدل على أن خبر الواحد لا يكون حجة فكذلك اشتغالهم بالإسناد لا ms371 يكون ~~دليلا على أن المرسل لا يكون حجة # فأما مراسيل من بعد القرون الثلاثة فقد كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله ~~لا يفرق بين مراسيل أهل الأعصار وكان يقول من تقبل روايته مسندا تقبل ~~روايته مرسلا # للمعنى الذي ذكرنا # وكان عيسى بن أبان رحمه الله يقول من اشتهر في الناس بحمل العلم منه تقبل ~~روايته مرسلا ومسندا # وإنما يعني به محمد بن الحسن رحمه الله وأمثاله من المشهورين بالعلم ومن ~~لم يشتهر بحمل الناس العلم منه مطلقا وإنما اشتهر بالرواية عنه فإن مسنده ~~يكون حجة ومرسله يكون موقوفا إلى أن يعرض على من اشتهر بحمل العلم عنه # وأصح الأقاويل في هذا ما قاله أبو بكر الرازي رضي الله عنه أن مرسل من ~~كان من القرون الثلاثة حجة ما لم يعرف منه الرواية مطلقا عمن ليس بعدل ثقة ~~ومرسل من كان بعدهم لا يكون حجة إلا من اشتهر بأنه لا يروي إلا عمن هو عدل ~~ثقة لأن النبي عليه السلام شهد للقرون الثلاثة بالصدق والخيرية فكانت ~~عدالتهم ثابتة بتلك الشهادة ما لم يتبين خلافهم وشهد على من بعدهم بالكذب ~~بقوله ثم يفشو الكذب فلا تثبت عدالة من كان في زمن شهد على أهله بالكذب إلا ~~برواية من كان معلوم العدالة يعلم أنه لا يروي إلا عن عدل # وإلى نحو هذا أشار عروة بن الزبير رضي الله عنهما حين روى لعمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحيا أرضا ميتة ~~فهي له فقال أتشهد به على رسول الله عليه السلام قال نعم فما يمنعني من ذلك ~~وقد أخبرني به العدل الرضا # فقبل عمر بن عبد العزيز روايته # PageV01P363 واختلف أصحاب الحديث في منقطع من وجه متصل من وجه آخر # فمنهم من قال سقط اعتبار الاتصال فيه بالانقطاع من وجه وكأن هذا القائل ~~جعل الانقطاع بسكوت راوي الفرع عن تسمية راوي الأصل دليل الجرح فيه وإذا ~~استوى الموجب للعدالة والموجب للجرح يغلب الجرح وأكثرهم على أن ms372 هذا يكون ~~حجة لوجود الاتصال فيه بطريق واحد والطريق الآخر الذي هو منقطع يجعل كأن ~~لبس لأن ذلك الطريق ساكت عن الراوي وحاله أصلا وفي الطريق المتصل بيان له ~~ولا معارضة بين الساكت والناطق # فأما النوع الثاني وهو الانقطاع معنى ينقسم قسمين إما أن يكون ذلك المعنى ~~بدليل معارض أو نقصان في حال الراوي يثبت به الانقطاع # فأما القسم الأول وهو ثبوت الانقطاع بدليل معارض فعلى أربعة أوجه إما أن ~~يكون مخالفا لكتاب الله تعالى أو لسنة مشهورة عن رسول الله أو يكون حديثا ~~شاذا لم يشتهر فيما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته أو يكون ~~حديثا قد أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول بأن ظهر منهم الاختلاف في تلك ~~الحادثة ولم تجر بينهم المحاجة بذلك الحديث # فأما الوجه الأول وهو ما إذا كان الحديث مخالفا لكتاب الله تعالى فإنه لا ~~يكون مقبولا ولا حجة للعمل به عاما كانت الآية أو خاصا نصا أو ظاهرا عندنا ~~على ما بينا أن تخصيص العام بخبر الواحد لا يجوز ابتداء وكذلك ترك الظاهر ~~فيه والحمل على نوع من المجاز لا يجوز بخبر الواحد عندنا خلافا للشافعي وقد ~~بينا هذا ودليلنا في ذلك قوله عليه السلام كل شرط ليس في كتاب الله تعالى ~~فهو باطل وكتاب الله أحق والمراد كل شرط هو مخالف لكتاب الله تعالى لا أن ~~يكون المراد ما لا يوجد عينه في كتاب الله تعالى فإن عين هذا الحديث لا ~~يوجد في كتاب الله تعالى وبالإجماع من الأحكام ما هو ثابت بخبر الواحد ~~والقياس وإن كان لا يوجد ذلك في كتاب الله تعالى فعرفنا أن المراد ما يكون ~~مخالفا لكتاب الله تعالى وذلك PageV01P364 تنصيص على أن كل حديث هو مخالف ~~لكتاب الله تعالى فهو مردود # وقال عليه السلام تكثر الأحاديث لكم بعدي فإذا روي لكم عني حديث فاعرضوه ~~على كتاب الله تعالى فما وافقه فاقبلوه واعلموا أنه مني وما خالفه فردوه ~~واعلموا أني منه بريء ولأن الكتاب متيقن به ms373 وفي اتصال الخبر الواحد برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم شبهة فعند تعذر الأخذ بهما لا بد من أن يؤخذ ~~بالمتيقن ويترك ما فيه شبهة والعام والخاص في هذا سواء لما بينا أن العام ~~موجب للحكم فيما يتناوله قطعا كالخاص وكذلك النص والظاهر سواء لأن المتن من ~~الكتاب متيقن به ومتن الحديث لا ينفك عن شبهة لاحتمال النقل بالمعنى ثم ~~قوام المعنى بالمتن فإنما يشتغل بالترجيح من حيث المتن أولا إلى أن يجيء ~~إلى المعنى ولا شك أن الكتاب يترجح باعتبار النقل المتواتر في المتن على ~~خبر الواحد فكانت مخالفة الخبر للكتاب دليلا ظاهرا على الزيافة فيه ولهذا ~~لم يقبل علماؤنا خبر الوضوء من مس الذكر لأنه مخالف للكتاب فإن الله تعالى ~~قال @QB@ فيه رجال يحبون أن يتطهروا @QE@ يعني الاستنجاء بالماء فقد مدحهم ~~بذلك وسمى فعلهم تطهرا ومعلوم أن الاستنجاء بالماء لا يكون إلا بمس الذكر ~~فالحديث الذي يجعل مسه حدثا بمنزلة البول يكون مخالفا لما في الكتاب لأن ~~الفعل الذي هو حدث لا يكون تطهرا # وكذلك لم يقبل حديث فاطمة بنت قيس في أن لا نفقة للمبتوتة لأنه مخالف ~~للكتاب وهو قوله تعالى @QB@ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم @QE@ ولا خلاف ~~أن المراد وأنفقوا عليهن من وجدكم فالمراد الحائل فإنه عطف عليه قوله تعالى ~~@QB@ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن @QE@ وكذلك لم يقبل ~~خبر القضاء بالشاهد واليمين لأنه مخالف للكتاب من أوجه فإن الله تعالى قال ~~@QB@ واستشهدوا شهيدين من رجالكم @QE@ الآية وقوله واستشهدوا أمر بفعل هو ~~مجمل فيما يرجع إلى عدد الشهود كقول القائل كل يكون مجملا فيما يرجع إلى ~~بيان المأكول فيكون ما بعده تفسيرا لذلك المجمل وبيانا لجميع ما هو المراد ~~بالأمر وهو استشهاد رجلين فكذا أو أذنت لك أن تعامل فلانا فإن لم يكن ~~ففلانا يكون ذلك بيانا لجميع ما هو المراد بالأمر والإذن وإذا ثبت أن جميع ~~ما هو المذكور في الآية كان خبر القضاء بالشاهد واليمين زائدا عليه ~~والزيادة على النص ms374 كالنسخ عندنا يقرره قوله تعالى @QB@ وأدنى ألا ترتابوا ~~@QE@ فقد فإن لم يكونا فرجل وامرأتان كقول القائل كل طعام كذا PageV01P365 ~~فإن لم يكن نص على أن أدنى ما تنتفي به الريبة شهادة شاهدين بهذه الصفة ~~وليس دون الأدنى شيء آخر تنتفي به الريبة ولأنه نقل الحكم من استشهاد الرجل ~~الثاني بعد شهادة الشاهد الواحد إلى استشهاد امرأتين مع أن حضور النساء ~~مجالس القضاء لأداء الشهادة خلاف العادة وقد أمرن بالقرار في البيوت شرعا ~~فلو كان يمين المدعي مع الشاهد الواحد حجة لما نقل الحكم إلى استشهاد ~~امرأتين وهو خلاف المعتاد مع تمكن المدعي من إتمام حجته بيمينه # وبمثل هذا الطريق جعلنا شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض حجة لأن الله ~~تعالى نقل الحكم عن استشهاد مسلمين على وصية المسلم إلى استشهاد ذميين ~~بقوله تعالى @QB@ أو آخران من غيركم @QE@ مع أن حضور أهل الذمة مجالس ~~القضاة لأداء الشهادة خلاف المعتاد فذلك دليل ظاهر على أن الحجة تقوم ~~بشهادتهم في الجملة # وهو دليل أيضا على رد خبر القضاء بالشاهد واليمين لأنه نقل الحكم إلى ~~استشهاد ذميين عند عدم شاهدين مسلمين فلو كان الشاهد الواحد مع يمين المدعي ~~حجة لكان الأولى بيان ذلك عند الحاجة وذكر في الآية يمين الشاهدين ظاهرا ~~عند الريبة مع أن ذلك ليس بحجة اليوم ( لأجل النسخ ) فلو كان بيمين المدعي ~~تنتفي الريبة أو تتم الحجة لكان الأولى ذكر يمينه عند الحاجة # فبهذه الوجوه يتبين أن خبر القضاء بالشاهد واليمين مخالف للكتاب فتركنا ~~العمل به لهذا وكذلك الغريب من أخبار الآحاد إذا خالف السنة المشهورة فهو ~~منقطع في حكم العمل به لأن ما يكون متواترا من السنة أو مستفيضا أو مجمعا ~~عليه فهو بمنزلة الكتاب في ثبوت علم اليقين به وما فيه شبهة فهو مردود في ~~مقابلة اليقين وكذلك المشهور من السنة فإنه أقوى من الغريب لكونه أبعد عن ~~موضع الشبهة ولهذا جاز النسخ بالمشهور دون الغريب فالضعيف لا يظهر في ~~مقابلة القوي PageV01P366 ولهذا لم يعمل بخبر القضاء بالشاهد واليمين ms375 لأنه ~~مخالف للسنة المشهورة وهو قوله عليه السلام البينة على المدعي واليمين على ~~من أنكر من وجهين أحدهما أن في هذا الحديث بيان أن اليمين في جانب المنكر ~~دون المدعي والثاني أن فيه بيان أنه لا يجمع بين اليمين والبينة فلا تصلح ~~اليمين متممة للبينة بحال ولهذا الأصل لم يعمل أبو حنيفة بخبر سعد بن أبي ~~وقاص رضي الله عنه في بيع الرطب بالتمر أن النبي عليه السلام قال أينتقص ~~إذا جف قالوا نعم # قال فلا إذا لأنه مخالف للسنة المشهورة وهو قوله عليه السلام التمر ~~بالتمر مثل بمثل من وجهين أحدهما أن فيها اشتراط المماثلة في الكيل مطلقا ~~لجواز العقد فالتقييد باشتراط المماثلة في أعدل الأحوال وهو بعد الجفوف ~~يكون زيادة والثاني أنه جعل فضلا يظهر بالكيل هو الحرام في السنة المشهورة ~~فجعل فضل يظهر عند فوات وصف مرغوب فيه ربا حراما يكون مخالفا لذلك الحكم ~~إلا أن أبا يوسف ومحمدا قالا السنة المشهورة لا تتناول الرطب لأن مطلق اسم ~~التمر لا يتناوله بدليل أن من حلف لا يأكل تمرا فأكل رطبا لم يحنث ولو حلف ~~لا يأكل هذا الرطب فأكله بعد ما صار تمرا لم يحنث فإذا لم تتناوله السنة ~~المشهورة وجب إثبات الحكم فيه بالخبر الآخر # و أبو حنيفة قال التمر اسم للثمرة الخارجة من النخل من حين تنعقد صورتها ~~إلى أن تدرك وما يختلف عليه أحوال وأوصاف حسب ما يكون على الآدمي لا يتبدل ~~به اسم العين وفي الأيمان تترك الحقائق لدلالة العرف واليمين تتقيد بوصف في ~~العين إذا كان داعيا إلى اليمين # ففي هذين النوعين من الانتقاد للحديث علم كثير وصيانة للدين بليغة فإن ~~أصل البدع والأهواء إنما ظهر من قبل ترك عرض أخبار الآحاد على الكتاب ~~والسنة المشهورة فإن قوما جعلوها أصلا مع الشبهة في اتصالها برسول الله ~~عليه السلام ومع أنها لا توجب علم اليقين ثم تأولوا عليها الكتاب والسنة ~~المشهورة فجعلوا التبع متبوعا وجعلوا الأساس ما هو غير متيقن به فوقعوا في ms376 ~~الأهواء والبدع بمنزلة من أنكر خبر الواحد فإنه لما لم يجوز العمل به احتاج ~~إلى القياس ليعمل به وفيه أنواع من الشبهة أو إلى استصحاب الحال وهو ليس ~~PageV01P367 بحجة أصلا وترك العمل بالحجة إلى ما ليس بحجة يكون فتحا لباب ~~الآحاد وجعل ما هو غير متيقن به أصلا ثم تخريج ما فيه التيقن عليه يكون ~~فتحا لباب الأهواء والبدع وكل واحد منهما زيف مردود وإنما سواء السبيل ما ~~ذهب إليه علماؤنا رحمهم الله من إنزال كل حجة منزلتها فإنهم جعلوا الكتاب ~~والسنة المشهورة أصلا ثم خرجوا عليهما ما فيه بعض الشبهة وهو المروي بطريق ~~الآحاد مما لم يشتهر فما كان منه موافقا للمشهور قبلوه وما لم يجدوا في ~~الكتاب ولا في السنة المشهورة له ذكرا قبلوه أيضا وأوجبوا العمل به وما كان ~~مخالفا لهما ردوه على أن العمل بالكتاب والسنة أوجب من العمل بالغريب ~~بخلافه وما لم يجدوه في شيء من الأخبار وصاروا حينئذ إلى القياس في معرفة ~~حكمه لتحقق الحاجة إليه # وأما القسم الثالث وهو الغريب فيما يعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام ~~إلى معرفته للعمل به فإنه زيف لأن صاحب الشرع كان مأمورا بأن يبين للناس ما ~~يحتاجون إليه وقد أمرهم بأن ينقلوا عنه ما يحتاج إليه من بعدهم فإذا كانت ~~الحادثة مما تعم به البلوى فالظاهر أن صاحب الشرع لم يترك بيان ذلك للكافة ~~وتعليمهم وأنهم لم يتركوا نقله على وجه الاستفاضة فحين لم يشتهر النقل عنهم ~~عرفنا أنه سهو أو منسوخ ألا ترى أن المتأخرين لما نقلوه اشتهر فيهم فلو كان ~~ثابتا في المتقدمين لاشتهر أيضا وما تفرد الواحد بنقله مع حاجة العامة إلى ~~معرفته ولهذا لم تقبل شهادة الواحد من أهل المصر على رؤية هلال رمضان إذا ~~لم يكن بالسماء علة ولم يقبل قول الوصي فيما يدعي من إنفاق مال عظيم على ~~اليتيم في مدة يسيرة وإن كان ذلك محتملا لأن الظاهر يكذبه في ذلك وعلى هذا ~~الأصل لم نعمل بحديث الوضوء من مس الذكر ms377 لأن بسرة تفردت بروايته مع عموم ~~الحاجة لهم إلى معرفته # فالقول بأن النبي عليه السلام خصها بتعليم هذا الحكم مع أنها لا تحتاج ~~إليه ولم يعلم سائر الصحابة مع شدة حاجتهم إليه شبه المحال وكذلك خبر ~~الوضوء مما مسته النار وخبر PageV01P368 الوضوء من حمل الجنازة وعلى هذا لم ~~يعمل علماؤنا رحمهم الله بخبر الجهر بالتسمية وخبر رفع اليدين عند الركوع ~~وعند رفع الرأس من الركوع لأنه لم يشتهر النقل فيها مع حاجة الخاص والعام ~~إلى معرفته # فإن قيل فقد قبلتم الخبر الدال على وجوب الوتر وعلى وجوب المضمضة ~~والاستنشاق في الجنابة وهو خبر الواحد فيما تعم به البلوى # قلنا لأنه قد اشتهر أن النبي عليه السلام فعله وأمر بفعله فأما الوجوب ~~حكم آخر سوى الفعل وذلك مما يجوز أن يوقف عليه بعض الخواص لينقلوه إلى ~~غيرهم فإنما قبلنا خبر الواحد في هذا الحكم فأما أصل الفعل فإنما أثبتناه ~~بالنقل المستفيض # وأما القسم الرابع وهو ما لم تجر المحاجة به بين الصحابة مع ظهور ~~الاختلاف بينهم في الحكم فإنه زيف لأنهم الأصول في نقل الدين لا يتهمون ~~بالكتمان ولا يترك الاحتجاج بما هو الحجة والاشتغال بما ليس بحجة فإذا ظهر ~~منهم الاختلاف في الحكم وجرت المحاجة بينهم فيه بالرأي والرأي ليس بحجة مع ~~ثبوت الخبر فلو كان الخبر صحيحا لاحتج به بعضهم على بعض حتى يرتفع به ~~الخلاف الثابت بينهم بناء على الرأي فكان إعراض الكل عن الاحتجاج به دليلا ~~ظاهرا على أنه سهو ممن رواه بعدهم أو هو منسوخ وذلك نحو ما يروى الطلاق ~~بالرجال والعدة بالنساء فإن الكبار من الصحابة اختلفوا في هذا وأعرضوا عن ~~الاحتجاج بهذا الحديث أصلا فعرفنا أنه غير ثابت أو مؤول والمراد به أن ~~إيقاع الطلاق إلى الرجال # وكذلك ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابتغوا في أموال اليتامى ~~خيرا كيلا تأكلها الصدقة فإن الصحابة اختلفوا في وجوب الزكاة في مال الصبي ~~وأعرضوا عن الاحتجاج بهذا الحديث أصلا فعرفنا أنه غير ثابت ms378 إذ لو كان ثابتا ~~لاشتهر فيهم وجرت المحاجة به بعد تحقق الحاجة إليه بظهور الاختلاف ففي ~~الانتقاد بالوجهين الأولين تظهر الزيافة معنى للمقابلة بمنزلة نقد البلد ~~إذا قوبل بنقد أجود منه تظهر الزيافة فيه وفي الانتقاد بالوجهين الآخرين ~~إظهار الزيافة معنى من حيث إنه تقوي فيه شبهة الانقطاع بمنزلة نقد تبين فيه ~~زيادة غش على ما هو في PageV01P369 النقد المعهود فيصير زيفا مردودا من هذا ~~الوجه # والشافعي أعرض عن طلب الانقطاع معنى واشتغل ببناء الحكم على ظاهر ~~الانقطاع في المرسل فترك العمل به مع قوة المعنى فيه كما هو دأبه ودأبنا ~~فإنه يبني على الظاهر أكثر الأحكام وعلماؤنا يبنون الفقه على المعاني ~~المؤثرة التي يتضح الحكم عند التأمل فيها # وأما النوع الثاني وهو ما يبتنى على نقصان حال الراوي فبيان ذلك في فصول ~~منها خبر المستور والفاسق والكافر والصبي والمعتوه والمغفل والمساهل وصاحب ~~الهوى # أما المستور فقد نص محمد رحمه الله في كتاب الاستحسان على أن خبره كخبر ~~الفاسق وروى الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنهما أنه بمنزلة العدل في رواية ~~الأخبار لثبوت العدالة له ظاهرا بالحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( وعن عمر رضي الله عنه ) المسلمون عدول بعضهم على بعض # ولهذا جوز أبو حنيفة القضاء بشهادة المستورد فيما يثبت مع الشبهات إذا لم ~~يطعن الخصم ولكن ما ذكره في الاستحسان أصح في زماننا فإن الفسق غالب في أهل ~~هذا الزمان فلا تعتمد رواية المستورد ما لم تتبين عدالته كما لم تعتمد ~~شهادته في القضاء قبل أن تظهر عدالته وهذا بحديث عباد بن كثير أن النبي ~~عليه السلام قال لا تحدثوا عمن لا تعلمون بشهادته ولأن في رواية الحديث ~~معنى الإلزام فلا بد من أن يعتمد فيه دليل ملزم وهو العدالة التي تظهر ~~بالتفحص عن أحوال الراوي # وأما الفاسق فقد ذكر في كتاب الاستحسان أنه إذا أخبر بطهارة الماء أو ~~بنجاسته أو بحل الطعام والشراب وحرمته فإن السامع يحكم رأيه في ذلك فإن وقع ~~عنده ms379 أنه صادق فعليه أن يعمل بخبره وإلا لم يعمل به وعلى هذا قال بعض ~~مشايخنا رحمهم الله الجواب كذلك فيما يرويه الفاسق # قال رضي الله عنه والأصح عندي أن خبره لا يكون حجة لأنه غير مقبول ~~الشهادة وفي حل الطعام وحرمته وطهارة الماء ونجاسته إنما اعتبر خبره إذا ~~تأيد PageV01P370 بأكثر الرأي لأجل الضرورة لأن ذلك حكم خاص ربما يتعذر ~~الوقوف عليه من جهة غيره ومثل هذه الضرورة لا يتحقق في رواية الخبر فإن في ~~العدول كثرة يمكن الوقوف على معرفة الحديث بالسماع منهم فلا حاجة إلى ~~الاعتماد على رواية الفاسق فيه # ثم في المعاملات جعل خبر الفاسق مقبولا لأجل الضرورة أيضا فإن المعاملة ~~تكثر بين الناس ولا يوجد عدل يرجع إليه في كل خبر من ذلك النوع إلا أن ذلك ~~ينفك عن معنى الإلزام فجوز الاعتماد فيه على خبر الفاسق مطلقا والحل ~~والحرمة فيه معنى الإلزام من وجه فلهذا لم نجعل خبر الفاسق فيه معتمدا على ~~الإطلاق حتى ينضم إليه غالب الرأي # ومن الناس من لم يجعل خبر الفاسق مقبولا في المعاملة أيضا لظاهر قوله ~~تعالى @QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ وروي أن الآية نزلت في الوليد ~~بن عقبة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا إلى قوم فرجع إليه ~~وقال إنهم هموا بقتلي فأراد رسول الله أن يعتمد خبره ويبعث إليهم خيلا لأنه ~~ما كان ظاهر الفسق عنده فأنزل الله تعالى هذه الآية وما أخبر به كان من ~~المعاملات خاليا عن الإلزام ومع ذلك أمر الله تعالى بالتوقف في هذا النبأ ~~من الفاسق # ولكنا نقول كان ذلك خبرا مستنكرا فإنه أخبر أنهم ارتدوا بمنع الزكاة ~~وجحودها وهموا بقتله وفيه إلزام الجهاد معهم ونحن نقول إن من ثبت فسقه لا ~~يعتبر خبره في مثل هذا فأما في المعاملات التي تنفك عن معنى الإلزام فيجوز ~~اعتماد خبره لأجل الضرورة إذ الفسق يرجح معنى الكذب في خبره من غير أن يكون ~~موجبا الحكم بأنه كاذب في خبره لا محالة ولهذا ms380 جعلناه مع الفسق من أهل ~~الشهادة # فأما الكافر فإنه لا تعتمد روايته في باب الأخبار أصلا # وكذلك في طهارة الماء ونجاسته إلا أنه إذا وقع في قلب السامع أنه صادق ~~فيما يخبر به من نجاسة الماء فالأفضل له أن يريق الماء ثم يتيمم ولا تجوز ~~صلاته بالتيمم قبل إراقة الماء لأنه لا يعتمد خبره في باب الدين أصلا فيبقى ~~مجرد غلبة الظن وذلك لا يجوز له الصلاة بالتيمم مع وجود الماء بخلاف الفاسق ~~فهناك يلزمه أن يتوضأ بذلك الماء إذا وقع في قلبه أنه صادق في الإخبار ~~بطهارة PageV01P371 الماء وإن أخبر بنجاسة الماء ووقع في قلبه أنه صادق ~~فالأولى له أن يريق الماء ويتيمم فإن تيمم ولم يرق الماء جازت صلاته # وأما خبر الصبي فقد ذكر في الاستحسان بعد ذكر الفاسق والكافر وكذلك الصبي ~~والمعتوه إذا عقلا ما يقولان # فزعم بعض مشايخنا أن المراد العطف على الفاسق وأن خبره بمنزلة خبر الفاسق ~~في طهارة الماء ونجاسته والأصح أن المراد عطفه على الكافر فإن الصبي ليس من ~~أهل الشهادة أصلا كما أن الكافر ليس من أهل الشهادة على المسلمين بخلاف ~~الفاسق فهو من أهل الشهادة وإن لم يكن مقبول الشهادة لفسقه ( و ) لأن الصبي ~~بخبره يلزم الغير ابتداء من غير أن يلتزم شيئا لأنه غير مخاطب كالكافر يلزم ~~غيره من غير أن يلتزم لأنه غير معتقد للحكم الذي يخبر به فأما الفاسق ~~فيلتزم أولا ثم يلزم غيره ولأن الولاية المتعدية تبتنى على الولاية القائمة ~~للمرء على نفسه والفاسق من أهل هذه الولاية فيكون أهلا للولاية المتعدية ~~أيضا بخلاف الصبي والمعتوه بمنزلة الصبي فقد سوى علماؤنا بينهما في الأحكام ~~في الكتب لنقصان عقلهما # ومن الناس من يقول رواية الصبي في باب الدين مقبولة وإن لم يكن هو مقبول ~~الشهادة لانعدام الأهلية للولاية بمنزلة رواية العبد واستدل فيه بحديث أهل ~~قباء فإن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أتاهم وأخبرهم بتحويل القبلة إلى ~~الكعبة وهم كانوا في الصلاة فاستداروا كهيئتهم وكان ابن ms381 عمر يومئذ صغيرا ~~على ما روي أنه عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر أو يوم أحد ~~على حسب ما اختلف الرواة فيه وهو ابن أربع عشرة سنة فرده وتحويل القبلة كان ~~قبل بدر بشهرين فقد اعتمدوا خبره فيما لا يجوز العمل به إلا بعلم وهو ~~الصلاة إلى الكعبة ولم ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم # ولكنا نقول قد روي أن الذي أتاهم أنس بن مالك وقد روى عبد الله ~~PageV01P372 بن عمر فإنا نحمل على أنهما جاء أحدهما بعد الآخر وأخبرا بذلك ~~وإنما تحولوا معتمدين على خبر البالغ وهو أنس بن مالك أو كان ابن عمر بالغا ~~يومئذ وإنما رده رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال لضعف بنيته يومئذ ~~لا لأنه كان صغيرا فإن ابن أربع عشرة سنة يجوز أن يكون بالغا # فأما المغفل فإن كان أغلب أحواله التيقظ فهو بمنزلة من لا غفلة به في ~~الرواية والشهادة لأن ما به من الغفلة يسير قلما يخلو العدل عن مثله إلا من ~~عصمه الله تعالى وإن تفاحش ما به من الغفلة حتى ظهر ذلك في أغلب أموره فهو ~~بمنزلة المعتوه لأن ما يلزم من النقصان في المرء بطريق العادة يجعل بمنزلة ~~الثابت بأصل الخلقة ألا ترى أنه يترجح معنى السهو والغلط في الرواية ~~باعتبارهما جميعا كما يترجح جانب الكذب باعتبار فسق الراوي # وأما المساهل فهو كالمغفل فإنه اسم لمن يجازف في الأمور ولا يبالي بما ~~يقع له من السهو والغلط ولا يشتغل فيه بالتدارك بعد أن يعلم به فيكون ~~بمنزلة المغفل إذا ظهر ذلك في أكثر أموره # وأما صاحب الهوى فقد بينا أن الصحيح أنه لا تعتمد روايته في أحكام الدين ~~وإن كانت شهادتهم مقبولة إلا الخطابية فإن الهوى لا يكون مرجحا جانب الكذب ~~في شهادته على ما قررنا إلا الخطابية وهم ضرب من الروافض يجوزون أداء ~~الشهادة إذا حلف المدعي بين أيديهم أنه محق في دعواه ويقولون المسلم لا ~~يحلف كاذبا ففي هذا ms382 الإعتقاد ما يرجح جانب الكذب في شهادتهم لتوهم أنهم ~~اعتمدوا ذلك # وكذلك قالوا فيمن يعتقد أن الإلهام حجة موجبة للعلم لا تقبل شهادته لتوهم ~~أن يكون اعتمد ذلك في أداء PageV01P373 الشهادة بناء على اعتقاده # فأما من سواهم من أهل الأهواء ليس فيما يعتقدون من الهوى ما يمكن تهمة ~~الكذب في شهادتهم لأن الشهادة من باب المظالم والخصومات ولا يتعصب صاحب ~~الهوى بهذا الطريق مع من هو محق في اعتقاده حتى يشهد عليه كاذبا فأما في ~~أخبار الدين فيتوهم بهذا التعصب لإفساد طريق الحق على من هو محق حتى يجيبه ~~إلى ما يدعو إليه من الباطل فلهذا لا تعتمد روايته ولا تجعل حجة في باب ~~الدين والله أعلم # # | فصل في بيان أقسام الأخبار # قال رضي الله عنه هذه الأقسام أربعة خبر يحيط العلم بصدقه وخبر يحيط ~~العلم بكذبه وخبر يحتملهما على السواء وخبر يترجح فيه أحد الجانبين # فالأول أخبار الرسل المسموعة منهم فإن جهة الصدق متعين فيها لقيام ~~الدلالة على أنهم معصومون عن الكذب وثبوت رسالتهم بالمعجزات الخارجة عن ~~مقدور البشر عادة وحكم هذا النوع اعتقاد الحقية فيه والائتمار به بحسب ~~الطاقة قال تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا @QE@ # والنوع الثاني نحو دعوى فرعون الربوبية مع قيام آيات الحدث فيه ظاهرا ~~ودعوى الكفار أن الأصنام آلهة أو أنها شفعاؤهم عند الله أو أنها تقربهم إلى ~~الله زلفى مع التيقن بأنها جمادات ونحو دعوى زرادشت وماني ومسيلمة وغيرهم ~~من المتنبئين النبوة مع ظهور أفعال تدل على السفه منهم وأنهم لم يبرهنوا ~~على ذلك إلا بما هو مخرفة من جنس أفعال المشعوذين فالعلم يحيط بكذب هذا ~~النوع وحكمه اعتقاد البطلان فيه ثم الاشتغال برده باللسان واليد بحسب ما ~~تقع الحاجة إليه في دفع الفتنة # والنوع الثالث نحو خبر الفاسق في أمر الدين ففيه احتمال الصدق باعتبار ~~فالحكم فيه التوقف إلى أن يظهر ما يترجح به أحد الجانبين عملا بقوله تعالى ~~@QB@ فتبينوا @QE@ PageV01P374 دينه وعقله واحتمال الكذب باعتبار تعاطيه ~~واستوى الجانبان في ms383 الاحتمال # والنوع الرابع نحو شهادة الفاسق إذا ردها القاضي فإن بقضائه يترجح جانب ~~الكذب فيه وخبر المحدود في القذف عند إقامة الحد عليه وحكمه أنه لا يجوز ~~العمل به بعد ذلك لتعين جانب الكذب فيه فيما يوجب العمل # ومن هذا النوع خبر العدل المستجمع لشرائط الرواية في باب الدين فإنه ~~يترجح جانب الصدق فيه بوجود دليل شرعي موجب للعمل به وهو صالح للترجيح ~~والمقصود هذا النوع # ولهذا النوع أطراف ثلاثة طرف السماع وطرف الحفظ وطرف الأداء # فطرف السماع نوعان عزيمة ورخصة # فالعزيمة ما تكون بحسب الاستماع # وهو أربعة أوجه وجهان من ذلك حقيقة وأحدهما أحق من الآخر ووجهان من ذلك ~~عزيمة فيهما شبهة الرخصة # فالوجهان الأولان قراءة المحدث عليك وأنت تسمع وقراءتك على المحدث وهو ~~يسمع ثم استفهامك إياه بقولك أهو كما قرأت عليك فيقول نعم وأهل الحديث ~~يقولون الوجه الأول أحق لأنه طريق رسول الله عليه السلام وهو الذي كان يحدث ~~أصحابه ثم نقلوه عنه وهو أبعد من الخطأ والسهو فيكون أحق فيما هو المقصود ~~وهو تحمل الأمانة بصفة تامة # وروي عن أبي حنيفة رحمه الله أن قراءتك على المحدث أقوى من قراءة المحدث ~~عليك وإنما كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة لكونه مأمون السهو ~~والغلط ولأنه كان يذكر ما يذكره حفظا وكان لا يكتب ولا يقرأ المكتوب أيضا ~~وإنما كلامنا فيمن يخبر عن كتاب لا عن ( حفظه حتى إذا كان يروي عن حفظ لا ~~عن كتاب فقراءته أقوى لأنه يتحدث به ) حقيقة فأما إذا كان يروي عن كتاب ~~فالجانبان PageV01P375 سواء في معنى التحدث بما في الكتاب ألا ترى أن في ~~الشهادات لا فرق بين أن يقرأ من عليه الحق ذكر إقراره عليك وبين أن تقرأه ~~عليه ثم تستفهمه هل تقر بجميع ما قرأته عليك فيقول نعم وبكل واحد من ~~الطريقين يجوز أداء الشهادة وباب الشهادة أضيق من باب رواية الخبر فكان ~~المعنى فيه أن نعم جواب مختصر ولا فرق في الجواب بين المختصر والمشبع فيصير ms384 ~~ما تقدم كالمعاد في الجواب كله ثم للطالب من الرعاية عند القراءة عادة ما ~~ليس للمحدث فعند قراءة المحدث لا يؤمن من الخطأ في بعض ما يقرأ لقلة رعايته ~~ويؤمن ذلك إذا قرأ الطالب لشدة رعايته # فإن قيل عند قراءة الطالب يتوهم أن يسهو المحدث عن بعض ما يسمع وينتفي ~~هذا التوهم إذا قرأه المحدث لشدة رعاية الطالب في ضبط ما يسمع منه # قلنا هو كذلك ولكن السهو عن سماع البعض مما لا يمكن التحرز عنه عادة وهو ~~أيسر مما يقع بسبب الخطأ في القراءة فمراعاة ذلك الجانب أولى # والوجهان الآخران الكتابة والرسالة فإن المحدث إذا كتب إلى غيره على رسم ~~الكتب وذكر في كتابه حدثني فلان عن فلان إلى آخره ثم قال وإذا جاءك كتابي ~~هذا وفهمت ما فيه فحدث به عني فهذا صحيح # وكذلك لو أرسل إليه رسولا فبلغه على هذه الصفة فإن رسول الله عليه السلام ~~كان مأمورا بتبليغ الرسالة وبلغ إلى قوم مشافهة وإلى آخرين بالكتاب والرسول ~~وكان ذلك تبليغا تاما # وكذلك في زماننا يثبت من الخلفاء تقليد السلطنة والقضاء بالكتاب والرسول ~~بهذا الطريق كما يثبت بالمشافهة إلا أن المختار في الوجهين الأولين للراوي ~~أن يقول حدثني فلان وفي الوجهين الآخرين أن يقول أخبرني لأن في الوجهين ~~الأولين شافهه المحدث بالإسماع فيكون محدثا له وفي الوجهين الآخرين لم ~~يشافهه ولكنه مخبر له بكتابه فإن الكتاب ممن بعد كالخطاب ممن حضر والرسول ~~كالكتاب أو أقوى لأن معنى الضبط يوجد فيهما ثم الرسول ناطق والكتاب غير ~~ناطق # وعلى هذا ذكر في الزيادات إذا حلف أن لا يتحدث بسر فلان أو لا يتكلم ~~PageV01P376 به فكتب به أو أرسل رسولا لم يحنث ولو تكلم به مشافهة يحنث ولو ~~حلف لا يخبر به فكتب أو أرسل يحنث بمنزلة ما لو تكلم به # والدليل عليه أن الله تعالى أكرمنا بكتابه ورسوله ثم لا يجوز لأحد أن ~~يقول حدثني الله ولا كلمني الله إنما ذلك لموسى عليه الصلاة والسلام خاصة ~~كما قال تعالى ms385 @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ ويجوز أن يقول أخبرنا الله ~~بكذا أو أنبأنا ونبأنا فلهذا كان المختار في الوجهين الأولين حدثني وفي ~~الوجهين الآخرين أخبرني # وأما الرخصة فيه فمما لا تكون فيه إسماع وذلك الإجازة والمناولة وشرط ~~الصحة في ذلك أن يكون ما في الكتاب معلوما للمجاز له مفهوما له وأن يكون ~~المجيز من أهل الضبط والإتقان قد علم جميع ما في الكتاب وإذا قال حينئذ ~~أجزت لك أن تروي عني ما في هذا الكتاب كان صحيحا لأن الشهادة تصح بهذه ~~الصفة فإن الشاهد إذا وقف على جميع ما في الصك وكان ذلك معلوما لمن عليه ~~الحق فقال أجزت لك أن تشهد علي بجميع ما في هذا الكتاب كان صحيحا فكذلك ~~رواية الخبر والأحوط للمجاز له أن يقول عند الرواية أجاز لي فلان فإن قال ~~أخبرني فهو جائز أيضا وليس ينبغي له أن يقول حدثني فإن ذلك مختص بالإسماع ~~ولم يوجد # والمناولة لتأكيد الإجازة فيستوى الحكم فيما إذا وجدا جميعا أو وجدت ~~الإجازة وحدها # فأما إذا كان المستجيز غير عالم بما في الكتاب فقد قال بعض مشايخنا إن ~~على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا تصح هذه الإجازة وعلى قول أبي يوسف ~~رحمه الله تصح على قياس اختلافهم في كتاب القاضي إلى القاضي وكتاب الشهادة ~~فإن علم الشاهد بما في الكتاب شرط في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ولا ~~يكون شرطا في قول أبي يوسف رحمه الله لصحة أداء الشهادة # قال رضي الله عنه والأصح عندي أن هذه الإجازة لا تصح في قولهم جميعا إلا ~~أن أبا يوسف استحسن هناك لأجل الضرورة فالكتب تشتمل على أسرار لا يريد ~~الكاتب والمكتوب إليه أن يقف عليها غيرهما وذلك لا يوجد في كتب الأخبار # PageV01P377 ثم الخبر أصل الدين أمره عظيم وخطبه جسيم فلا وجه للحكم بصحة ~~تحمل الأمانة فيه قبل أن يصير معلوما مفهوما له ألا ترى أنه لو قرأ عليه ~~المحدث فلم يسمع ولم يفهم لم يجز له أن يروي والإجازة ms386 إذا لم يكن ما في ~~الكتاب معلوما له دون ذلك كيف تجوز الرواية بهذا القدر وإسماع الصبيان ~~الذين لا يميزون ولا يفهمون نوع تبرك استحسنه الناس فأما أن يثبت بمثله نقل ~~الدين فلا # وكذلك من حضر مجلس السماع واشتغل بقراءة كتاب آخر غير ما يقرؤه القارىء ~~أو اشتغل بالكتابة لشيء آخر أو اشتغل بتحدث أو لغو أو لهو أو اشتغل عن ~~السماع لغفلة أو نوم فإن سماعه لا يكون صحيحا مطلقا له الرواية إلا أن ~~مقدار ما لا يمكن التحرز عنه من السهو والغفلة يجعل عفوا للضرورة فأما عند ~~القصد فهو غير معذور ولا يأمن أن يحرم بسبب ذلك حظه ونعوذ بالله فأما إذا ~~قال المحدث أجزت لك أن تروي عني مسموعاتي فإن ذلك غير صحيح بالاتفاق بمنزلة ~~ما لو قال رجل لآخر اشهد علي بكل صك تجد فيه إقراري فقد أجزت لك ذلك فإن ~~ذلك باطل # وقد نقل عن بعض أئمة التابعين أن سائلا سأله الإجازة بهذه الصفة فتعجب ~~وقال لأصحابه هذا يطلب مني أن أجيز له أن يكذب علي وبعض المتأخرين جوزوا ~~ذلك على وجه الرخصة لضرورة المستعجلين ولكن في هذه الرخصة سد باب الجهد في ~~الدين وفتح باب الكسل فلا وجه للمصير إليه # فأما الكتب المصنفة التي هي مشهورة في أيدي الناس فلا بأس لمن نظر فيها ~~وفهم شيئا منها وكان متقنا في ذلك أن يقول قال فلان كذا أو مذهب فلان كذا ~~من غير أن يقول حدثني أو أخبرني لأنها مستفيضة بمنزلة الخبر المشهور وبعض ~~الجهال من المحدثين استبعدوا ذلك حتى طعنوا على محمد رحمه الله في كتبه ~~المصنفة # وحكي أن بعضهم قال لمحمد بن الحسن رحمه الله أسمعت هذا كله من أبي حنيفة ~~فقال لا # فقال أسمعته من PageV01P378 أبي يوسف فقال لا وإنما أخذنا ذلك مذاكرة # فقال كيف يجوز إطلاق القول بأن مذهب فلان كذا أو قال فلان كذا بهذا ~~الطريق وهذا جهل لأن تصنيف كل صاحب مذهب معروف في أيدي الناس مشهور كموطأ ~~مالك ms387 رحمه الله وغير ذلك فيكون بمنزلة الخبر المشهور يوقف به على مذهب ~~المصنف وإن لم نسمع منه فلا بأس بذكره على الوجه الذي ذكرنا بعد أن يكون ~~أصلا معتمدا يؤمن فيه التصحيف والزيادة والنقصان # فأما بيان طرق الحفظ فهو نوعان عزيمة ورخصة # فالعزيمة فيه أن يحفظ المسموع من وقت السماع والفهم إلى وقت الأداء وكان ~~هذا مذهب أبي حنيفة في الأخبار والشهادات جميعا ولهذا قلت روايته وهو طريق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينه للناس # وأما الرخصة فيه أن يعتمد الكتاب إلا أنه إذا نظر في الكتاب فتذكر فهو ~~عزيمة أيضا ولكنه مشبه بالرخصة وإذا لم يتذكر فهو محض الرخصة على قول من ~~يجوز ذلك وقد بينا فيما سبق # والأداء أيضا نوعان عزيمة ورخصة # فالعزيمة أن يؤدي على الوجه الذي سمعه بلفظه ومعناه والرخصة فيه أن يؤدي ~~بعبارته معنى ما فهمه عند سماعه وقد بينا ذلك # ومن نوع الرخصة التدليس وهو أن يقول قال فلان كذا لمن لقيه ولكن لم يسمع ~~منه فيوهم السامعين أنه قد سمع ذلك منه وكان الأعمش والثوري يفعلان ذلك ~~وكان شعبة يأبى ذلك ويستبعده غاية الاستبعاد حتى كان يقول لأن أزني أحب إلي ~~من أن أدلس # والصحيح القول الأول وقد بينا أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك فيقول الواحد ~~منهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا فإذا روجع فيه قال سمعته من ~~فلان يرويه عن رسول الله عليه السلام وما كان ينكر بعضهم على بعض ذلك ~~فعرفنا أنه لا بأس به وأن هذا النوع لا يكون تدليسا مطلقا فإنه لا يجوز ~~لأحد أن يسمي أحدا من الصحابة مدلسا وإنما التدليس المطلق أن يسقط اسم من ~~PageV01P379 رواه له ويروى عن راوي الأصل على قصد الترويج بعلو الإسناد فإن ~~هذا القصد غير محمود فأما إذا لم يكن على هذا القصد وإنما كان على قصد ~~التيسير على السامعين بإسقاط تطويل الإسناد عنهم أو على قصد التأكيد بالعزم ~~على أنه قول رسول الله عليه السلام قطعا ms388 فهذا لا بأس به وما نقل عن الصحابة ~~والتابعين محمول على هذا النوع # وتجوز الرواية عمن اشتهر بهذا الفعل إذا علم أنه لا يدلس إلا فيما سمعه ~~عن ثقة فأما إذا كان يروي عمن ليس بثقة ويدلس بهذه الصفة لا تجوز الرواية ~~عنه بعدما اشتهر بالتدليس # واختلف العلماء في فصل من هذا الجنس وهو أن الصحابي إذا قال أمرنا بكذا ~~أو نهينا عن كذا أو السنة كذا فالمذهب عندنا أنه لا يفهم من هذا المطلق ~~الإخبار بأمر رسول الله عليه السلام أو أنه سنة رسول الله # وقال الشافعي في القديم ينصرف إلى ذلك عند الإطلاق وفي الجديد قال لا ~~ينصرف إلى ذلك بدون البيان لاحتمال أن يكون المراد سنة البلدان أو الرؤساء ~~حتى قال في كل موضع قال مالك رحمه الله السنة ببلدنا كذا فإنما أراد سنة ~~سليمان بن بلال وهو كان عريفا بالمدينة وعلى قوله القديم أخذ بقول سعيد بن ~~المسيب رضي الله عنه في العاجز عن النفقة إنه يفرق بينه وبين امرأته لأنه ~~حمل قول سعيد السنة على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم # وكذلك أخذ بقوله في أن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية بقول سعيد فيه ~~السنة فحمل ذلك على سنة رسول الله عليه السلام # ولم نأخذ نحن بذلك لأنا علمنا أن مراده سنة زيد ورجحنا قول علي وعبد الله ~~رضي الله عنهما على قول زيد رضي الله عنه بالقياس الصحيح # وحجتنا في ذلك أن الأمر والنهي يتحقق من غير رسول الله عليه السلام كما ~~يتحقق منه قال تعالى @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~@QE@ وعند الإطلاق لا يثبت إلا أدنى الكمال ألا ترى أن مطلق قول العالم ~~أمرنا بكذا لا يحمل على أنه أمر الله أنزله في كتابه نصا فكذلك لا يحمل على ~~أنه أمر رسول الله عليه السلام نصا لاحتمال أن يكون الآمر غيره ممن يجب ~~متابعته # وكذلك السنة فقد قال عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي وقال ~~عليه السلام ms389 من سن سنة حسنة فله PageV01P380 أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة وقد ~~ظهر من عادة الصحابة التقييد عند إرادة سنة رسول الله عليه السلام بالإضافة ~~إليه على ما قال عمر لصبي بن معبد هديت لسنة نبيك # وقال عقبة بن عامر رضي الله عنه ثلاث ساعات نهانا رسول الله عليه السلام ~~أن نصلي فيهن # وقال صفوان بن عسال رضي الله عنه ( أمرنا رسول الله عليه السلام إذا كنا ~~سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها ) الحديث # فبهذا يتبين أنهم إذا أطلقوا هذا اللفظ فإنه لا يكون مرادهم الإضافة إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نصا ومع الاحتمال لا يثبت التعيين بغير دليل # PageV01P381 # | فصل في الخبر يلحقه التكذيب من جهة الراوي أو من جهة غيره # أما ما يلحقه من جهة الراوي فأربعة أقسام أحدها أن ينكر الرواية أصلا ~~والثاني أن يظهر منه مخالفة للحديث قولا أو عملا قبل الرواية أو بعدها أو ~~لم يعلم التاريخ والثالث أن يظهر منه تعيين شيء مما هو من محتملات الخبر ~~تأويلا أو تخصيصا والرابع أن يترك العمل بالحديث أصلا # فأما الوجه الأول فقد اختلف فيه أهل الحديث من السلف فقال بعضهم بإنكار ~~الراوي يخرج الحديث من أن يكون حجة # وقال بعضهم لا يخرج ( من أن يكون حجة ) وبيان هذا فيما رواه ربيعة عن ~~سهيل بن أبي صالح من حديث القضاء بالشاهد واليمين ثم قيل لسهيل إن ربيعة ~~يروي عنك هذا الحديث فلم يذكره وجعل يروي ويقول حدثني ربيعة عني وهو ثقة # وقد عمل الشافعي بالحديث مع إنكار الراوي ولم يعمل به علماؤنا رحمهم الله # وذكر سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ~~عليه السلام قال أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل الحديث ثم ~~روى أن ابن جريج سأل الزهري عن هذا الحديث فلم يعرفه ثم عمل به محمد ~~والشافعي مع ms390 إنكار الراوي ولم يعمل به أبو حنيفة وأبو يوسف لإنكار الراوي ~~إياه وقالوا ينبغي أن يكون هذا الفصل على الاختلاف بين علمائنا رحمهم الله ~~بهذه الصفة واستدلوا عليه بما لو ادعى رجل عند قاض أنه قضى له بحق على هذا ~~الخصم ولم يعرف القاضي قضاءه فأقام المدعي شاهدين على قضائه بهذه الصفة فإن ~~على قول أبي يوسف لا يقبل القاضي هذه البينة ولا ينفذ قضاءه بها وعلى قول ~~محمد يقبلها وينفذ قضاءه فإذا ثبت هذا الخلاف بينهما في قضاء ينكره القاضي ~~فكذلك في حديث ينكره الراوي الأصل # وعلى هذا ما يحكي من المحاورة التي جرت بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ~~في الرواية عن أبي حنيفة في ثلاث مسائل من PageV02P003 الجامع الصغير وقد ~~بيناها في شرح الجامع الصغير فإن محمدا ثبت على ما رواه عن أبي يوسف عنه ~~بعد إنكار أبي يوسف وأبو يوسف لم يعتمد رواية محمد عنه حين لم يتذكر # وزعم بعض مشايخنا أن على قياس قول علمائنا ينبغي أن لا يبطل الخبر بإنكار ~~راوي الأصل إلا على قول زفر رحمه الله وردوا هذا إلى قول زوج المعتدة ~~أخبرتني أن عدتها قد انقضت وهي تنكر فإن على قول زفر لا يبقى الخبر معمولا ~~به بعد إنكارها وعندنا يبقى معمولا به إلا في حقها والأول أصح فإن جواز ~~نكاح الأخت والأربع له هنا عندنا باعتبار ظهور انقضاء العدة في حقه ( بقوله ~~) لكونه أمينا في الإخبار عن أمر بينه وبين ربه لا لاتصال الخبر بها ولهذا ~~لو قال انقضت عدتها ولم يضف الخبر إليها كان الحكم كذلك في الصحيح من ~~الجواب # فأما الفريق الأول فقد احتجوا بحديث ذي اليدين رضي الله عنه فإن النبي ~~عليه السلام لما قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ( أحق ما يقول ذو اليدين ~~) فقالا نعم فقام فأتم صلاته وقبل خبرهما عنه وإن لم يذكره وعمر قبل خبر ~~أنس بن مالك عنه في أمان الهرمزان بقوله له أتكلم كلام حي وإن لم يذكر ذلك ~~ولأن ms391 النسيان غالب على الإنسان فقد يحفظ الإنسان شيئا ويرويه لغيره ثم ينسى ~~بعد مدة فلا يتذكره أصلا والراوي عنه عدل ثقة فبه يترجح جانب الصدق في خبره ~~ثم لا يبطل ذلك بنسيانه # وهذا بخلاف الشهادة على الشهادة فإن شاهد الأصل إذا أنكره لم يكن للقاضي ~~أن يقضي بشهادته لأن الفرعي هناك ليس بشاهد على الحق ليقضي بشهادته وإنما ~~هو ثابت في نقل شهادة الأصلي ولهذا لو قال أشهد على فلان لا يكون صحيحا ما ~~لم يقل أشهدنى على شهادته وأمرني بالأداء فأنا أشهد على شهادته ثم القضاء ~~يكون بشهادة الأصلي ومع إنكار لا تثبت شهادته في مجلس القضاء فأما هنا ~~الفرعي إنما يروي الحديث باعتبار سماع صحيح له من الأصلي ولا يبطل ذلك ~~بإنكار الأصلي بناء على نسيانه # وأما الفريق الثاني استدلوا بحديث عمار رضي الله عنه حين قال لعمر أما ~~تذكر إذ كنا في الإبل فأجنبت فتمعكت في التراب ثم سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك فقال أما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض فتمسح بهما وجهك ~~وذراعيك فلم PageV02P004 يرفع عمر رضي الله عنه رأسه ولم يعتمد روايته مع ~~أنه كان عدلا ثقة لأنه روى عنه ولم يتذكر هو ما رواه فكان لا يرى التيمم ~~للجنب بعد ذلك ولأن باعتبار تكذيب العادة يخرج الحديث من أن يكون حجة موجبة ~~للعمل كما قررنا فيما سبق وتكذيب الراوي أدل على الوهن من تكذيب العادة ~~وهذا لأن الخبر إنما يكون معمولا به إذا اتصل برسول الله عليه السلام وقد ~~انقطع هذا الاتصال بإنكار راوي الأصل لأن إنكاره حجة في حقه فتنتفي به ~~روايته الحديث أو يصير هو مناقضا بإنكاره ومع التناقض لا تثبت روايته وبدون ~~روايته لا يثبت الاتصال فلا يكون حجة كما في الشهادة على الشهادة وكما ~~يتوهم نسيان راوي الأصل يتوهم غلط راوي الفرع فقد يسمع الإنسان حديثا ~~فيحفظه ولا يحفظ من سمع منه فيظن أنه سمعه من فلان وإنما سمعه من غيره ~~فأدنى الدرجات فيه أن ms392 يقع التعارض فيما هو متوهم فلا يثبت الاتصال من جهته ~~ولا من جهة غيره لأنه مجهول وبالمجهول لا يثبت الاتصال # وأما حديث ذي اليدين فإنما يحمل على أن النبي عليه السلام تذكر ذلك عند ~~خبرهما وهذا هو الظاهر فإنه كان معصوما عن التقرير على الخطأ وحديث عمر ~~محتمل لذلك أيضا فربما تذكر حين شهد به غيره فلهذا عمل به أو تذكر غفلة من ~~نفسه وشغل القلب بشيء في ذلك الوقت وقد يكون هذا للمرء بحيث يوجد شيء منه ~~ثم لا يذكره فأخذه بالاحتياط وجعله آمنا من هذا الوجه # ونحن لا نمنع من مثل هذا الاحتياط وإنما ندعي أنه لا يبقى موجبا للعمل مع ~~إنكار راوي الأصل وكما أن راوي الفرع عدل ثقة فراوي الأصل كذلك وذلك يرجح ~~جانب الصدق في إنكاره أيضا فتتحقق المعارضة من هذا الوجه وأدنى ما فيه أن ~~يتعارض قولاه في الرواية والإنكار فيبقى الأمر على ما كان قبل روايته # وأما الوجه الثاني وهو ما إذا ظهر منه المخالفة قولا أو عملا فإن كان ذلك ~~بتاريخ قبل الرواية فإنه لا يقدح في الخبر ويحمل على أنه كان ذلك مذهبه قبل ~~أن يسمع الحديث فلما سمع الحديث رجع إليه وكذلك إن لم يعلم التاريخ لأن ~~الحمل على أحسن الوجهين واجب ما لم يتبين خلافه وهو أن يكون ذلك منه قبل أن ~~يبلغه الحديث PageV02P005 ثم رجع إلى الحديث # وأما إذا علم ذلك منه بتاريخ بعد الحديث فإن الحديث يخرج به من أن يكون ~~حجة لأن فتواه بخلاف الحديث أو عمله من أبين الدلائل على الانقطاع وأنه ~~الأصل للحديث فإن الحالات لا تخلو إما إن كانت الرواية تقولا منه لا عن ~~سماع فيكون واجب الرد أو تكون فتواه وعمله بخلاف الحديث على وجه قلة ~~المبالاة والتهاون بالحديث فيصير به فاسقا لا تقبل روايته أصلا أو يكون ذلك ~~منه عن غفلة ونسيان وشهادة المغفل لا تكون حجة فكذلك خبره أو يكون ذلك منه ~~على أنه علم انتساخ حكم الحديث وهذا أحسن ms393 الوجوه فيجب الحمل عليه تحسينا ~~للظن بروايته وعمله فإنه روى على طريق إبقاء الإسناد وعلم أنه منسوخ فأفتى ~~بخلافه أو عمل بالناسخ دون المنسوخ وكما يتوهم أن يكون فتواه أو عمله بناء ~~على غفلة أو نسيان يتوهم أن تكون روايته بناء على غلط وقع له وباعتبار ~~التعارض بينهما ينقطع الاتصال # وبيان هذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال يغسل ~~الإناء من ولوغ الكلب سبعا ثم صح من فتواه أنه يطهر بالغسل ثلاثا فحملنا ~~على أنه كان علم انتساخ هذا الحكم أو علم بدلالة الحال أن مراد رسول الله ~~عليه السلام الندب فيما وراء الثلاثة # وقال عمر رضي الله عنه متعتان كانتا على عهد رسول الله عليه السلام وأنا ~~أنهي عنهما وأعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج # فإنما يحمل هذا على علمه بالانتساخ ولهذا قال ابن سيرين هم الذين رووا ~~الرخصة في المتعة وهم الذين نهوا عنها وليس في رأيهم ما يرغب عنه ولا في ~~نصيحتهم ما يوجب التهمة # وأما في العمل فبيان هذا في حديث عائشة رضي الله عنها ( أيما امرأة نكحت ~~بغير إذن وليها ) ثم صح أنها زوجت ابنة أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي ~~الله عنهما فبعملها بخلاف الحديث يتبين النسخ وحديث ابن عمر رضي الله عنهما ~~أن النبي عليه السلام كان يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الرجوع ~~ثم قد صح عن مجاهد قال صحبت ابن عمر سنين وكان لا يرفع يديه إلا عند تكبيرة ~~الافتتاح فيثبت بعمله بخلاف الحديث نسخ الحكم # وأما الوجه الثالث وهو تعيينه بعض محتملات الحديث فإن ذلك لا يمنع كون ~~الحديث معمولا به على ظاهره من قبل أنه إنما فعل ذلك بتأويل وتأويله لا ~~يكون PageV02P006 حجة على غيره وإنما الحجة الحديث وبتأويله لا يتغير ظاهر ~~الحديث فيبقى معمولا به على ظاهره وهو وغيره في التأويل والتخصيص سواء # وبيان هذا في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام قال ~~المتبايعان بالخيار ms394 ما لم يتفرقا وهذا يحتمل التفرق بالأقوال ويحتمل التفرق ~~بالأبدان ثم حمله ابن عمر على التفرق بالأبدان حتى روى عنه أنه كان إذا ~~أوجب البيع مشى هنيهة ولم نأخذ بتأويله لأن الحديث في احتمال كل واحد من ~~الأمرين كالمشترك فتعيين أحد المحتملين فيه يكون تأويلا لا تصرفا في الحديث # وكذلك قال الشافعي رحمه الله في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ~~عليه السلام قال من بدل دينه فاقتلوه ثم قد ظهر من فتوى ابن عباس أن ~~المرتدة لا تقتل فقال هذا تخصيص لحق الحديث من الراوي وذلك بمنزلة التأويل ~~لا يكون حجة على غيره فأنا آخذ بظاهر الحديث وأوجب القتل على المرتدة # وأما ترك العمل بالحديث أصلا فهو بمنزلة العمل بخلاف الحديث حتى يخرج به ~~من أن يكون حجة لأن ترك العمل بالحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حرام كما أن العمل بخلافه حرام ومن هذا النوع ترك ابن عمر العمل بحديث ~~رفع اليدين عند الركوع كما بينا # وأما ما يكون من جهة غير الراوي فهو قسمان أحدهما ما يكون من جهة الصحابة ~~والثاني ما يكون من جهة أئمة الحديث # فأما ما يكون من الصحابة فهو نوعان على ما ذكره عيسى بن أبان رحمه الله ~~أحدهما أن يعمل بخلاف الحديث بعض الأئمة من الصحابة وهو ممن يعلم أنه لا ~~يخفى عليه مثل ذلك الحديث فيخرج الحديث به من أن يكون حجة لأنه لما انقطع ~~توهم أنه لم يبلغه ولا يظن به مخالفة حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سواء رواه هو أو غيره فأحسن الوجوه فيه أنه علم انتساخه أو أن ذلك ~~الحكم لم يكن حتما فيجب حمله على هذا # وبيانه فيما روى البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد ~~مائة ورجم بالحجارة ثم صح عن الخلفاء أنهم أبوا الجمع بين الجلد والرجم بعد ~~علمنا أنه لم يخف عليهم الحديث لشهرته فعرفنا به انتساخ هذا الحكم وكذلك صح ~~عن عمر ms395 رضي الله عنه قوله والله لا أنفي أحدا أبدا # وقول علي رضي الله عنه كفى بالنفي فتنة مع علمنا أنه لم يخف عليهما ~~الحديث فاستدللنا به على انتساخ حكم الجمع بين الجلد والتغريب # PageV02P007 وكذلك ما يروى أن عمر رضي الله عنه حين فتح السواد من بها ~~على أهلها وأبى أن يقسمها بين الغانمين مع علمنا أنه لم يخف عليه قسمة رسول ~~الله عليه السلام خيبر بين أصحابه حين افتتحها فاستدللنا به على أنه علم أن ~~ذلك لم يكن حكما حتما من رسول الله عليه السلام على وجه لا يجوز غيره في ~~الغنائم # فإن قيل أليس أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يطبق في الصلاة بعد ما ثبت ~~انتساخه بحديث مشهور فيه أمر بالأخذ بالركب ثم خفي عليه ذلك حتى لم يجعل ~~عمله دليلا على أن الحديث الذي فيه أمر بالأخذ بالركب منسوخ أو أن الأخذ ~~بالركب لا يكون عينا في الصلاة قلنا ما خفي على ابن مسعود حديث الأمر ~~بالأخذ بالركب وإنما وقع عنده أنه على سبيل الرخصة فكان تلحقهم المشقة في ~~التطبيق مع طول الركوع لأنهم كانوا يخافون السقوط على الأرض فأمروا بالأخذ ~~بالركب تيسيرا عليهم لا تعيينا عليهم فلأجل هذا التأويل لم يترك العمل ~~بظاهر الحديث الذي فيه أمر بالأخذ بالركب # والوجه الثاني أن يظهر منه العمل بخلاف الحديث وهو ممن يجوز أن يخفى عليه ~~ذلك الحديث فلا يخرج الحديث من أن يكون حجة بعمله بخلافه # وبيان هذا فيما روي أن النبي عليه السلام رخص للحائض في أن تترك طواف ~~الصدر ثم صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنها تقيم حتى تطهر فتطوف ولا تترك ~~بهذا العمل بالحديث الذي فيه رخصة لجواز أن يكون ذلك خفي عليه # وكذلك ما يروى عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه كان لا يوجب إعادة ~~الوضوء على من قهقه في الصلاة ولا يترك به العمل بالحديث الموجب للوضوء من ~~القهقهة في الصلاة لجواز أن يكون ذلك خفي عليه # وكذلك ms396 قول ابن عمر لا يحج أحد عن أحد لا يمنع العمل بالحديث الوارد في ~~الإحجاج عن الشيخ الكبير لجواز أن يكون ذلك خفي عليه وهذا لأن الحديث معمول ~~به إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يترك العمل به باعتبار عمل ~~ممن هو دونه بخلافه وإنما تحمل فتواه بخلاف الحديث على أحسن الوجهين وهو ~~أنه إنما أفتى به برأيه لأنه خفي عليه النص ولو بلغه لرجع إليه فعلى من ~~يبلغه الحديث بطريق صحيح أن يأخذ به # PageV02P008 وأما ما يكون من أئمة الحديث فهو الطعن في الرواة وذلك نوعان ~~مبهم ومفسر # ثم المفسر نوعان ما لا يصلح أن يكون طعنا وما يصلح أن يكون # والذي يصلح نوعان مجتهد فيه أو متفق عليه # والمتفق عليه نوعان أن يكون ممن هو مشهور بالنصيحة والإتقان أو ممن هو ~~معروف بالتعصب والعداوة # فأما الطعن المبهم فهو عند الفقهاء لا يكون جرحا لأن العدالة باعتبار ~~ظاهر الدين ثابت لكل مسلم خصوصا من كان من القرون الثلاثة فلا يترك ذلك ~~بطعن مبهم ألا ترى أن الشهادة أضيق من رواية الخبر في هذا # ثم الطعن المبهم من المدعى عليه لا يكون جرحا فكذلك من المزكي ولا يمتنع ~~العمل بالشهادة لأجل الطعن المبهم فلأن لا يخرج الحديث بالطعن المبهم من أن ~~يكون حجة أولى # وهذا للعادة الظاهرة أن الإنسان إذا لحقه من غير ما يسوءه فإنه يعجز عن ~~إمساك لسانه في ذلك الوقت حتى يطعن فيه طعنا مبهما إلا من عصمه الله تعالى ~~ثم إذا طلب منه تفسير ذلك لا يكون له أصل # والمفسر الذي لا يصلح أن يكون طعنا لا يوجب الجرح أيضا وذلك مثل طعن بعض ~~المتعنتين في أبي حنيفة أنه دس ابنه ليأخذ كتب أستاذه حماد فكان يروي من ~~ذلك # وهذا إن صح فهو لا يصلح طعنا بل هو دليل الإتقان فقد كان هو لا يستجيز ~~الرواية إلا عن حفظ والإنسان لا يقوى اعتماده على جميع ما يحفظه ففعل ذلك ~~ليقابل حفظه بكتب ms397 أستاذه فيزداد به معنى الإتقان # وكذلك الطعن بالتدليس على من يقول حدثني فلان عن فلان ولا يقول قال حدثني ~~فلان فإن هذا لا يصلح أن يكون طعنا لأن هذا يوهم الإرسال وإذا كان حقيقة ~~الإرسال دليل زيادة الإتقان على ما بينا فما يوهم الإرسال كيف يكون طعنا # ومنه الطعن بالتلبيس على من يكنى عن الراوي ولا يذكر اسمه ولا نسبه نحو ~~رواية سفيان الثوري بقوله حدثنا أبو سعيد من غير بيان يعلم به أن هذا ثقة ~~أو غير ثقة ونحو رواية محمد بقوله أخبرنا الثقة من غير تفسير فإن هذا محمول ~~على أحسن الوجوه وهو صيانة الراوي من أن يطعن فيه ( بعض ) من لا يبالي ~~وصيانة السامع من أن PageV02P009 يبتلى بالطعن في أحد من غير حجة على أن من ~~يكون مطعونا في بعض رواياته بسبب لا يوجب عموم الطعن فيه فذلك لا يمنع قبول ~~روايته والعمل به فيما سوى ذلك نحو الكلبي وأمثاله # ثم سفيان الثوري ممن لا يخفى حاله في الفقه والعدالة ولا يظن به إلا أحسن ~~الوجوه # وكذلك محمد بن الحسن فتحمل الكناية منهما عن الراوي على أنهما قصدا ~~صيانته وكيف يجعل ذلك طعنا والقول بأنه ثقة شهادة بالعدالة له # ومن ذلك أيضا طعن بعض الجهال في محمد بن الحسن بأنه سأل عبد الله بن ~~المبارك رحمه الله أن يروي له أحاديث ليسمعها منه فأبى فلما قيل له في ذلك ~~فقال لا تعجبني أخلاقه # فإن هذا إن صح لم يصلح أن يكون طعنا لأن أخلاق الفقهاء لا توافق أخلاق ~~الزهاد في كل وجع فهم بمحل القدوة والزهاد بمحل العزلة وقد يحسن في مقام ~~العزلة ما يقبح في مقام القدوة أو على عكس ذلك فكيف يصلح أن يكون هذا طعنا ~~لو صح مع أنه غير صحيح فقد روي عن ابن المبارك أنه قال لا بد أن يكون في كل ~~زمان من يحيي به الله للناس دينهم ودنياهم # فقيل له من بهذه الصفة في هذا الزمان فقال محمد بن الحسن ms398 # فهذا يتبين أنه لا أصل لذلك الطعن # ومن ذلك الطعن بركض الدواب فإن ذلك من عمل الجهاد لأن السباق على الأفراس ~~والأقدام مشروع ليتقوى به المرء على الجهاد فما يكون من جنسه مشروع لا يصلح ~~أن يكون طعنا # ومن ذلك الطعن بكثرة المزاح فإن ذلك مباح شرعا إذا لم يتكلم بما ليس بحق ~~على ما روي أن النبي عليه السلام كان يمازح ولا يقول إلا حقا # ولكن هذا بشرط أن لا يكون متخبطا مجازفا يعتاد القصد إلى رفع الحجة ~~والتلبيس به ألا ترى إلى ما روي أن عليا رضي الله عنه كان به دعابة # وقد ذكر ذلك عمر حين ذكر اسمه في الشورى ولم يذكره على وجه الطعن فعرفنا ~~أن عينه لا يكون طعنا # ومن ذلك الطعن بحداثة سن الراوي فإن كثيرا من الصحابة كانوا يروون في ~~حداثة سنهم منهم ابن عباس وابن عمر ولكن هذا بشرط الإتقان عند التحمل ~~PageV02P010 في الصغر وعند الرواية بعد البلوغ ولهذا أخذنا بحديث عبد الله ~~بن ثعلبة بن صعير رضي الله عنه في صدقة الفطر أنه نصف صاع من بر ورجحنا ~~حديثه على حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في التقدير بصاع من بر لأن ~~حديثه أحسن متنا فذلك دليل الإتقان ووافقه رواية ابن عباس أيضا # والشافعي أخذ بحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما في إثبات حق الرجوع ~~للوالد فيما يهب لولده وقد روي أنه نحله أبوه غلاما وهو ابن سبع سنين ~~فعرفنا أن مثل هذا لا يكون طعنا عند الفقهاء # ومن ذلك الطعن بأن رواية الأخبار ليست بعادة له فإن أبا بكر الصديق رضي ~~الله عنه ما اعتاد الرواية ولا يظن بأحد أنه يطعن في حديثه بهذا السبب وقبل ~~رسول الله شهادة الأعرابي على رؤية هلال رمضان والأعرابي ما كان اعتاد ~~الرواية وقد كان في الصحابة من يمتنع من الرواية في عامة الأوقات وفيهم من ~~يشتغل بالرواية في عامة الأوقات ثم لم يرجح أحد رواية من اعتاد ذلك على من ~~لم ms399 يعتد الرواية وهذا لأن المعتبر هو الإتقان وربما يكون إتقان من لم تصر ~~الرواية عادة له فيما يروي أكثر من إتقان من اعتاد الرواية # ومن ذلك الطعن بالاستكثار من تفريع مسائل الفقه فإن ذلك دليل الاجتهاد ~~وقوة الخاطر فيستدل به على حسن الضبط والاتقان فكيف يصلح أن يكون طعنا وما ~~يكون مجتهدا فيه الطعن بالإرسال وقد بينا أنه ليس بطعن عندنا لأنه دليل ~~تأكد الخبر وإتقان الراوي في السماع من غير واحد # وأما الطعن المفسر بما يكون موجبا للجرح فإن حصل ممن هو معروف بالتعصب أو ~~متهم به لظهور سبب باعث له على العداوة فإنه لا يوجب الجرح وذلك نحو طعن ~~الملحدين والمتهمين ببعض الأهواء المضلة في أهل السنة وطعن بعض من ينتحل ~~مذهب الشافعي رحمه الله في بعض المتقدمين من كبار أصحابنا فإنه لا يوجب ~~الجرح لعلمنا أنه كان عن تعصب وعداوة # فأما وجوه الطعن الموجب للجرح فربما ينتهي إلى أربعين وجها يطول الكتاب ~~بذكر تلك الوجوه ومن طلبها في كتاب الجرح والتعديل وقف عليها إن شاء الله ~~تعالى # PageV02P011 # | فصل في بيان المعارضة بين النصوص وتفسير المعارضة وركنها وحكمها وشرطها # قال رضي الله عنه اعلم بأن الحجج الشرعية من الكتاب والسنة لا يقع بينهما ~~التعارض والتناقض وضعا لأن ذلك من أمارات العجز والله يتعالى عن أن يوصف به ~~وإنما يقع التعارض لجهلنا بالتاريخ فإنه يتعذر به علينا التمييز بين الناسخ ~~والمنسوخ ألا ترى أن عند العلم بالتاريخ لا تقع المعارضة بوجه ولكن المتأخر ~~ناسخ للمتقدم فعرفنا أن الواجب في الأصل طلب التاريخ ليعلم به الناسخ من ~~المنسوخ وإذا لم يوجد ذلك يقع التعارض بينهما في حقنا من غير أن يتمكن ~~التعارض فيما هو حكم الله تعالى في الحادثة ولأجل هذا يحتاج إلى معرفة ~~تفسير المعارضة وركنها وشرطها وحكمها # فأما التفسير فهي الممانعة على سبيل المقابلة # يقال عرض لي كذا أي استقبلني فمنعني مما قصدته ومنه سميت الموانع عوارض ~~فإذا تقابل الحجتان على سبيل المدافعة والممانعة سميت معارضة # وأما الركن ms400 فهو تقابل الحجتين المتساويتين على وجه يوجب كل واحد منهما ضد ~~ما توجبه الأخرى كالحل والحرمة والنفي والإثبات لأن ركن الشيء ما يقوم به ~~ذلك الشيء وبالحجتين المتساويتين تقوم المقابلة إذا لا مقابلة للضعيف مع ~~القوي # وأما الشرط فهو أن يكون تقابل الدليلين في وقت واحد وفي محل واحد لأن ~~المضادة والتنافي لا يتحقق بين الشيئين في وقتين ولا في محلين حسا وحكما # ومن الحسيات الليل والنهار لا يتصور اجتماعهما في وقت واحد ويجوز أن يكون ~~بعض الزمان نهارا والبعض ليلا وكذلك السواد مع البياض مجتمعان في العين في ~~محلين ولا تصور لاجتماعهما في محل واحد # ومن الحكميات النكاح فإنه يوجب الحل في المنكوحة والحرمة في أمها وبنتها ~~ولا يتحقق التضاد بينهما في محلين حتى صح إثباتهما بسبب واحد # والصوم يجب في وقت والفطر في وقت آخر ولا يتحقق PageV02P012 معنى التضاد ~~بينهما باختلاف الوقت فعرفنا أن شرط التضاد والتمانع اتحاد المحل والوقت # ومن الشرط أن يكون كل واحد منهما موجبا على وجه يجوز أن يكون ناسخا للآخر ~~إذا عرف التاريخ بينهما ولهذا قلنا يقع التعارض بين الآيتين وبين القراءتين ~~وبين السنتين وبين الآية والسنة المشهورة لأن كل واحد منهما يجوز أن يكون ~~ناسخا إذا علم التاريخ بينهما على ما نبينه في باب النسخ # ولا يقع التعارض بين القياسين لأن أحدهما لا يجوز أن يكون ناسخا للآخر ~~فإن النسخ لا يكون إلا فيما هو موجب للعلم والقياس لا يوجب ذلك ولا يكون ~~ذلك إلا عن تاريخ وذلك لا يتحقق في القياسين # وكذلك لا يقع التعارض في أقاويل الصحابة لأن كل واحد منهما ( إنما ) قال ~~ذلك عن رأيه والرواية لا تثبت بالاحتمال وكما أن الرأيين من واحد لا يصلح ~~أن يكون أحدهما ناسخا للآخر فكذلك من اثنين # وأما الحكم فنقول متى وقع التعارض بين الآيتين فالسبيل الرجوع إلى سبب ~~النزول ليعلم التاريخ بينهما فإذا علم ذلك كان المتأخر ناسخا للمتقدم فيجب ~~العمل بالناسخ ولا يجوز العمل بالمنسوخ فإن لم يعلم ذلك فحينئذ ms401 يجب المصير ~~إلى السنة لمعرفة حكم الحادثة ويجب العمل بذلك إن وجد في السنة لأن ~~المعارضة لما تحققت في حقنا فقد تعذر علينا العمل بالآيتين إذ ليست إحداهما ~~بالعمل بها أولى من الأخرى والتحقق بما لو لم يوجد حكم الحادثة في الكتاب ~~فيجب المصير إلى السنة في معرفة الحكم # وكذلك إن وقع التعارض بين السنتين ولم يعرف التاريخ فإنه يصار إلى ما بعد ~~السنة فيما يكون حجة في حكم الحادثة وذلك قول الصحابي أو القياس الصحيح على ~~ما بينا من قبل في الترتيب في الحجج الشرعية لأن عند المعارضة يتعذر العمل ~~بالمتعارضين ففي حكم العمل يجعل ذلك كالمعدوم أصلا # وعلى هذا قلنا إذا ادعى رجلان نكاح امرأة وأقام كل واحد منهما البينة ~~وتعذر ترجيح إحدى البينتين بوجه من الوجوه فإنه تبطل الحجتان ويصير كأنه لم ~~يقم كل واحد منهما البينة # PageV02P013 فأما إذا وقع التعارض بين القياسين فإن أمكن ترجيح أحدهما ~~على الآخر بدليل شرعي وذلك قوة في أحدهما لا يوجد مثله في الآخر يجب العمل ~~بالراجح ويكون ذلك بمنزلة معرفة التاريخ في النصوص وإن لم يوجد ذلك فإن ~~المجتهد يعمل بأيهما شاء لا باعتبار أن كل واحد منهما حق أو صواب فالحق ~~أحدهما والآخر خطأ على ما هو المذهب عندنا في المجتهد أنه يصيب تارة ويخطىء ~~أخرى ولكنه معذور في العمل به في الظاهر ما لم يتبين له الخطأ بدليل أقوى ~~من ذلك وهذا لأنه في طريق الاجتهاد مصيب وإن لم يقف على الصواب باجتهاده ~~وطمأنينة القلب إلى ما أدى إليه اجتهاده يصلح أن يكون دليلا في حكم العمل ~~شرعا عند تحقق الضرورة بانقطاع الأدلة # قال عليه السلام المؤمن ينظر بنور الله وقال فراسة المؤمن لا تخطىء ولهذا ~~جوزنا التحري في باب القبلة عند انقطاع الأدلة الدالة على الجهة وحكمنا ~~بجواز الصلاة سواء تبين أنه أصاب جهة الكعبة أو أخطأ لأنه اعتمد في عمله ~~دليلا شرعيا وإليه أشار علي رضي الله عنه بقوله قبلة المتحري جهة قصده # وإنما جعلناه مخيرا ms402 عند تعارض القياسين لأجل الضرورة لأنه إن ترك العمل ~~بهما للتعارض احتاج إلى اعتبار الحال لبناء حكم الحادثة عليه إذ ليس بعد ~~القياس دليل شرعي يرجع إليه في معرفة حكم الحادثة والعمل بالحال عمل بلا ~~دليل ولا إشكال أن العمل بدليل شرعي فيه احتمال الخطأ والصواب يكون أولى من ~~العمل بلا دليل ولكن هذه الضرورة إنما تتحقق في القياسين ولا تتحقق في ~~النصين لأنه يترتب عليهما دليل شرعي يرجع إليه في معرفة حكم الحادثة لهذا ~~لا يتخير هناك في العمل بأي النصين شاء # وعلى هذا الأصل قلنا إذا كان في السفر ومعه إناءان في أحدهما ماء طاهر ~~وفي الآخر ماء نجس ولا يعرف الطاهر من النجس فإنه يتحرى للشرب ولا يتحرى ~~للوضوء بل يتيمم لأن في حق الشرب لا يجد بدلا يصير إليه في تحصيل مقصوده ~~فله أن يصير إلى التحري لتحقق الضرورة وفي حكم الطهارة يجد شيئا آخر يطهر ~~به عند العجز عن استعمال الماء الطاهر وهو التيمم فلا يتحقق فيه الضرورة ~~وبسبب المعارضة يجعل لعادم الماء فيصير إلى التيمم وقلنا في المساليخ إذا ~~استوت الذكية والميتة ففي حالة الضرورة بأن لم يجد حلالا سوى ذلك جاز له ~~التحري وعند عدم الضرورة بوجود طعام حلال لا يكون له أن يصير إلى التحري ~~ولهذا PageV02P014 لم يجوز التحري في الفروج أصلا عند اختلاط المعتقة عينا ~~بغير المعتقة لأن جواز ذلك باعتبار الضرورة ولا مدخل للضرورة في إباحة ~~الفرج بدون الملك بخلاف الطعام والشراب # ثم إذا عمل بأحد القياسين وحكم بصحة عمله باعتبار الظاهر يصير ذلك لازما ~~له حتى لا يجوز له أن يتركه ويعمل بالآخر من غير دليل موجب لذلك # وعلى هذا قلنا في الثوبين إذا كان أحدهما طاهرا والآخر نجسا وهو لا يجد ~~ثوبا آخر فإنه يصير إلى التحري لتحقق الضرورة فإنه لو ترك لبسهما لا يجد ~~شيئا آخر يقيم به فرض الستر الذي هو شرط جواز الصلاة وبعدما صلى في أحد ~~الثوبين بالتحري لا يكون له أن يصلي في ms403 الثوب الآخر لأنا حين حكمنا بجواز ~~الصلاة في ذلك الثوب فذلك دليل شرعي موجب طهارة ذلك الثوب والحكم بنجاسة ~~الثوب الآخر فلا تجوز الصلاة فيه بعد ذلك إلا بدليل أقوى منه # فإن قيل أليس أنه لو تحرى عند اشتباه القبلة وصلى صلاة إلى جهة ثم وقع ~~تحريه على جهة أخرى يجوز له أن يصلي في المستقبل إلى الجهة الثانية ولم ~~يجعل ذلك دليلا على أن جهة القبلة ما أدى إليه اجتهاده في الابتداء قلنا ~~لأن هناك الحكم بجواز الصلاة إلى تلك الجهة لا يتضمن الحكم بكونها جهة ~~الكعبة لا محالة ألا ترى أنه وإن تبين له الخطأ بيقين بأن استدبر الكعبة ~~جازت صلاته وفي الثوب من ضرورة الحكم بجواز الصلاة في ثوب الحكم بطهارة ذلك ~~الثوب حتى إذا تبين أنه كان نجسا تلزمه إعادة الصلاة والعمل بالقياس من هذا ~~القبيل فإن صحة العمل بأحد القياسين يتضمن الحكم بكونه حجة للعمل به ظاهرا ~~ولهذا لو تبين نص بخلافه بطل حكم العمل به فلهذا كان العمل بأحد القياسين ~~مانعا له من العمل بالقياس الآخر بعد ما لم يتبين دليل أقوى منه # ووجه آخر أن التعارض بين النصين إنما يقع لجهلنا بالتاريخ بينهما والجهل ~~لا يصلح دليلا على حكم شرعي من حيث العلم لا من حيث العمل والاختيار حكم ~~شرعي لا يجوز أن يثبت باعتبار هذا الجهل # فأما التعارض بين القياسين باعتبار كون كل واحد منهما صالحا للعمل به في ~~أصل الوضع وإن كان أحدهما صوابا حقيقة والآخر خطأ ولكن من حيث الظاهر هو ~~معمول PageV02P015 به شرعا ما لم يتبين وجه الخطأ فيه فإثبات الخيار بينهما ~~في حكم العمل إذا رجح أحدهما بنوع فراسة يكون إثبات الحكم بدليل شرعي ثم ~~إذا عمل بأحدهما صح ذلك بالإجماع فلا يكون له أن ينقض ما نفذ من القضاء منه ~~بالإجماع ولا يصير إلى العمل بالآخر إلا بدليل هو أقوى من الأول # فإن قيل لو ثبت الخيار له في العمل بالقياسين لكان يبقى خياره بعدما عمل ~~بأحدهما ms404 في حادثة حتى يكون له أن يعمل بالآخر في حادثة أخرى كما في كفارة ~~اليمين فإنه لو عين أحد الأنواع في تكفير يمين به يبقى خياره في تعيين نوع ~~آخر في كفارة يمين أخرى # قلنا هناك التخيير ثبت على أن كل واحد من الأنواع صالح للتكفير به بدليل ~~موجب للعلم وهنا الخيار ما ثبت بمثل هذا الدليل بل باعتبار أن كل واحد ~~منهما صالح للعمل به ظاهرا مع علمنا بأن الحق أحدهما والآخر خطأ فبعد ما ~~تأيد أحدهما بنفوذ القضاء به لا يكون له أن يصير إلى الآخر إلا بدليل هو ~~أقوى من الأول وهذا لأن جهة الصواب تترجح بعمله فيما عمل به ومن ضرورته ~~ترجح جانب الخطأ في الآخر ظاهرا فما لم يرتفع ذلك بدليل سوى ما كان موجودا ~~عند العمل بأحدهما لا يكون له أن يصير إلى العمل بالآخر # والحاصل أن فيما ليس فيه احتمال الانتقال من محل إلى محل إذا تعين المحل ~~بعمله لا يبقى له خيار بعد ذلك كالنجاسة في الثوب فإنها لا تحتمل الانتقال ~~من ثوب إلى ثوب فإذا تعين بصلاته في أحد الثوبين صفة الطهارة فيه والنجاسة ~~في الآخر لا يبقى له رأي في الصلاة في الثوب الآخر ما لم يثبت طهارته بدليل ~~موجب للعلم # وفي باب القبلة فرض التوجه يحتمل الانتقال ألا ترى أنه انتقل من بيت ~~المقدس إلى الكعبة ومن عين الكعبة إلى الجهة إذا بعد من مكة ومن جهة الكعبة ~~إلى سائر الجهات إذا كان راكبا فإنه يصلي حيثما توجهت به راحلته فبعد ما ~~صلى بالتحري إلى جهة إذا تحول رأيه ينتقل فرض التوجه إلى تلك الجهة أيضا ~~لأن الشرط أن يكون مبتلى في التوجه عند القيام إلى الصلاة وإنما يتحقق هذا ~~إذا صلى إلى الجهة التي وقع عليها تحريه # وكذلك حكم العمل بالقياس في المجتهدات فإن القضاء الذي نفذ بالقياس في ~~محل لا يحتمل الانتقال إلى محل آخر فيلزم ذلك # فأما PageV02P016 فيما وراء ذلك الحكم محتمل للانتقال فإن الكلام في ms405 حكم ~~يحتمل النسخ وشرط العمل بالقياس أن يكون مبتلى بطلب الطريق باعتبار أصل ~~الوضع شرعا فإذا استقر رأيه على أن الصواب هو الآخر كان عليه أن يعمل في ~~المستقبل # وعلى هذا الأصل قلنا إذا طلق إحدى امرأتيه بعينها ثم نسي أو أعتق أحد ~~المملوكين بعينه ثم نسي لا يثبت له خيار البيان لأن الواقع من الطلاق ~~والعتاق لا يحتمل الانتقال من محل إلى محل آخر وإنما ثبتت المعارضة بين ~~المحلين في حقه لجهله بالمحل الذي عينه عند الإيقاع وجهله لا يثبت الخيار ~~له شرعا وبمثله لو أوجب في أحدهما بغير عينه ابتداء كان له الخيار في ~~البيان لأن تعيين المحل كان مملوكا له شرعا كابتداء الإيقاع ولكنه بمباشرة ~~الإيقاع أسقط ما كان له من الخيار في أصل الإيقاع ولم يسقط ما كان له من ~~الخيار في التعيين فيبقى ذلك الخيار ثابتا له شرعا ومما يثبت فيه حكم ~~التعارض سؤر الحمار والبغل فقد تعارضت الأدلة في الحكم بطهارته ونجاسته وقد ~~بينا هذا في فروع الفقه ولكن لا يمكن المصير إلى القياس بعد هذا التعارض ~~لأن القياس لا يصلح لنصب الحكم به ابتداء فوجب العمل بدليل فيه بحسب ~~الإمكان وهو المصير إلى الحال فإن الماء كان طاهرا في الأصل فيبقى طاهرا # نص عليه في غير موضع من النوادر حتى قال لو غمس الثوب في سؤر الحمار تجوز ~~الصلاة فيه ولا يتنجس العضو أيضا باستعماله لأنه عرق طاهر في الأصل # وهذا الدليل لا يصلح أن يكون مطلقا أداء الصلاة به وحده لأن الحدث كان ~~ثابتا قبل استعماله فلا يزول باستعماله بيقين فشرطنا ضم التيمم إليه حتى ~~يحصل التيقن بالطهارة المطلقة لأداء الصلاة # وكذلك الخنثى إذا لم يظهر فيه دليل يترجح به صفة الذكورة أو الأنوثة فإنه ~~يكون مشكل الحال يجعل بمنزلة الذكور في بعض الأحكام وبمنزلة الإناث في ~~البعض على حسب ما يدل عليه الحال في كل حكم # وكذلك المفقود فإنه يجعل بمنزله الحي في مال نفسه حتى لا يورث عنه ~~وبمنزلة الميت ms406 في الإرث من الغير لأن أمره مشكل فوجب المصير إلى الحال لأجل ~~الضرورة والحكم بما يدل عليه الحال في كل حادثة # PageV02P017 وأما بيان المخلص عن المعارضات فنقول يطلب هذا المخلص أولا ~~من نفس الحجة فإن لم يوجد فمن الحكم فإن لم يوجد فباعتبار الحال فإن لم ~~يوجد فبمعرفة التاريخ نصا فإن لم يوجد فبدلالة التاريخ # فأما الوجه الأول وهو الطلب المخلص من نفس الحجة فبيانه من أوجه أحدها أن ~~يكون أحد النصين محكما والآخر مجملا أو مشكلا فإن بهذا يتبين أن التعارض ~~حقيقة غير موجود بين النصين وإن كان موجودا ظاهرا فيصار إلى العمل بالحكم ~~دون المجمل والمشكل # وكذلك إن كان أحدهما نصا من الكتاب أو السنة المشهورة والآخر خبر الواحد # وكذلك إن كان أحدهما محتملا للخصوص فإنه ينتفي معنى التعارض بتخصيصه ~~بالنص الآخر # وبيانه من الكتاب في قوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ~~@QE@ وقوله تعالى في المستأمن @QB@ ثم أبلغه مأمنه @QE@ فإن التعارض يقع ~~بين النصين ظاهرا ولكن قوله @QB@ فاقطعوا أيديهما @QE@ عام يحتمل الخصوص ~~فجعلنا قوله تعالى @QB@ ثم أبلغه مأمنه @QE@ دليل تخصيص المستأمن من ذلك # ومن السنة قوله عليه السلام من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ~~فإن ذلك وقتها ونهيه عن الصلاة في ثلاث ساعات فالتعارض بين النصين ثبت ~~ظاهرا ولكن قوله عليه السلام فليصلها إذا ذكرها بعرض التخصيص فيجعل النص ~~الآخر دليل التخصيص حتى ينتفي به التعارض # وكذلك إن ظهر عمل الناس بأحد النصين دون الآخر لأن الذي ظهر العمل به بين ~~الناس ترجح بدليل الإجماع فينتفي به معنى التعارض بينهما مع أن الظاهر أن ~~اتفاقهم على العمل به لكونه متأخرا ناسخا لما كان قبله وبالعلم بالتاريخ ~~ينتفي التعارض فكذلك بالإجماع الدال عليه وإن كان المعمول به سابقا فذلك ~~دليل على أن الآخر مؤول أو سهو من بعض الرواة إن كان في الأخبار لأن ~~المنسوخ إذا اشتهر فناسخه يشتهر بعده أيضا كما اشتهر تحريم المتعة بعد ~~الإباحة واشتهر إباحة زيارة القبور وإمساك لحوم الأضاحي والشرب في ms407 الأواني ~~بعد النهي PageV02P018 ولو اشتهر الناسخ لما أجمعوا على العمل بخلافه فبهذا ~~الطريق تنتفي المعارضة وكما ينتفي التعارض بدليل الإجماع يثبت التعارض ~~بدليل الإجماع فإن النبي عليه السلام سئل عن ميراث العمة والخالة فقال لا ~~شيء لهما وقال الخال وارث من لا وارث له فمن حيث الظاهر لا تعارض بين ~~الحديثين لأن كل واحد منهما في محل آخر ولكن ثبت بإجماع الناس أنه لا فرق ~~بين الخال والخالة والعمة في صفة الوراثة فباعتبار هذا الإجماع يقع التعارض ~~بين النصين ثم رجح علماؤنا المثبت منهما ورجح الشافعي ما كان معلوما ~~باعتبار الأصل وهو عدم استحقاق الميراث # وبيان الطلب المخلص من حيث الحكم أن التعارض إنما يقع للمدافعة بين ~~الحكمين فإن كان الحكم الثابت بأحد النصين مدفوعا بالآخر لا محالة فهو ~~التعارض حقيقة وإن أمكن إثبات حكم بكل واحد من النصين سوى الحكم الآخر لا ~~تتحقق المدافعة فينتفي التعارض # وبيان ذلك في قوله تعالى @QB@ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان @QE@ مع ~~قوله تعالى @QB@ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم @QE@ فبين النصين تعارض من ~~حيث الظاهر في يمين الغموس فإنها من كسب القلوب ولكنها غير معقودة لأنها لم ~~تصادف محل عقد اليمين وهو الخبر الذي فيه رجاء الصدق ولكن انتفى هذا ~~التعارض باعتبار الحكم فإن المؤاخذة المذكورة في قوله تعالى @QB@ بما عقدتم ~~الأيمان @QE@ هي المؤاخذة بالكفارة في الدنيا وفي قوله تعالى @QB@ بما كسبت ~~قلوبكم @QE@ المؤاخذة بالعقوبة في الآخرة لأنه أطلق المؤاخذة فيها ~~والمؤاخذة المطلقة تكون في دار الجزاء فإن الجزاء بوفاق العمل فأما في ~~الدنيا فقد يبتلى المطيع ليكون تمحيصا لذنوبه وينعم على العاصي استدراجا ~~فبهذا الطريق تبين أن الحكم الثابت في أحد النصين غير الحكم الثابت في ~~الآخر وإذا انتفت المدافعة بين الحكمين ظهر المخلص عن التعارض # فأما المخلص بطريق الحال فبيانه في قوله تعالى @QB@ ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن @QE@ بالتخفيف في إحدى القراءتين وبالتشديد في الأخرى فبينهما تعارض ~~في الظاهر لأن حتى للغاية وبين امتداد الشيء إلى غاية وبين قصوره دونها ~~منافاة والإطهار هو ms408 الاغتسال والطهر يكون بانقطاع الدم فبين امتداد حرمة ~~القربان إلى الاغتسال وبين ثبوت حل القربان عند انقطاع الدم منافاة ولكن ~~باعتبار الحال ينتفي هذا التعارض وهو أن بالتخفيف على حال ما إذا كان ~~أيامها عشرة لأن الطهر بالانقطاع إنما يتيقن به في تلك الحالة فإن الحيض لا ~~يكون أكثر من عشرة أيام فأما فيما دون العشرة لا يثبت الطهر بالانقطاع ~~بيقين لتوهم أن يعاودها الدم ويكون ذلك حيضا فتمتد حرمة القربان إلى ~~الإطهار بالاغتسال # وكذلك قوله تعالى @QB@ وأرجلكم إلى الكعبين @QE@ فالتعارض يقع في الظاهر ~~تحمل القراءة PageV02P019 بالتشديد على حال ما إذا كان أيامها دون العشرة ~~والقراءة بين القراءة بالنصب الذي يجعل الرجل عطفا على المغسول والقراءة ~~بالخفض الذي يجعل الرجل عطفا على الممسوح ( ثم ) تنتفي هذه المعارضة بأن ~~تحمل القراءة بالخفض على حال ما إذا كان لابسا للخف بطريق أن الجلد الذي ~~استتر به الرجل يجعل قائما مقام بشرة الرجل فإنما ذكر الرجل عبارة عنه بهذا ~~الطريق والقراءة بالنصب على حال ظهور القدم فإن الفرض في هذه الحالة غسل ~~الرجلين عينا # فأما طلب المخلص من حيث التاريخ فهو أن يعلم بالدليل التاريخ فيما بين ~~النصين فيكون المتأخر منهما ناسخا للمتقدم # وبيان هذا فيما قال ابن مسعود رضي الله عنه في عدة المتوفى عنها زوجها ~~إذا كانت حاملا محتجا به على من يقول إنها تعتد بأبعد الأجلين فإنه قال من ~~شاء باهلته أن سورة النساء القصرى @QB@ وأولات الأحمال أجلهن @QE@ نزلت بعد ~~سورة النساء الطولى @QB@ يتربصن بأنفسهن @QE@ فجعل التأخر دليل النسخ ~~فعرفنا أنه كان معروفا فيما بينهم أن المتأخر من النصين ناسخ للمتقدم # فأما طلب المخلص بدلالة التاريخ وهو أن يكون أحد النصين موجبا للحظر ~~والآخر موجبا للإباحة نحو ما روي أن النبي عليه السلام نهى عن أكل الضب ~~وروي أنه رخص فيه وما روي أنه عليه السلام نهى عن أكل الضبع وروي أنه عليه ~~السلام رخص فيه فإن التعارض بين النصين ثابت من حيث الظاهر ثم ينتفي ذلك ~~بالمصير إلى دلالة ms409 التاريخ وهو أن النص الموجب للحظر يكون متأخرا عن الموجب ~~للإباحة فكان الأخذ به أولى # وبيان ذلك وهو أن الموجب للإباحة يبقى ما كان على ما كان على طريقة بعض ~~مشايخنا لكون الإباحة أصلا في الأشياء كما أشار إليه محمد في كتاب الإكراه ~~وعلى أقوى الطريقين باعتبار أن قبل مبعث PageV02P020 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كانت الإباحة ظاهرة في هذه الأشياء فإن الناس لم يتركوا سدى في ~~شيء من الأوقات ولكن في زمان الفترة الإباحة كانت ظاهرة في الناس وذلك باق ~~إلى أن ثبت الدليل الموجب للحرمة في شريعتنا فبهذا الوجه يتبين أن الموجب ~~للحظر متأخر وهذا لأنا لو جعلنا الموجب للإباحة متأخرا احتجنا إلى إثبات ~~نسخين نسخ الإباحة الثابتة في الابتداء بالنص الموجب للحظر ثم نسخ الحظر ~~بالنص الموجب للإباحة وإذا جعلنا نص الحظر متأخرا احتجنا إلى إثبات النسخ ~~في أحدهما خاصة فكان هذا الجانب أولى ولأنه قد ثبت بالاتفاق نسخ حكم ~~الإباحة بالحظر # وأما نسخ حكم الحظر بالإباحة فمحتمل فبالاحتمال لا يثبت النسخ ولأن النص ~~الموجب للحظر فيه زيادة حكم وهو نيل الثواب بالانتهاء عنه واستحقاق العقاب ~~بالإقدام عليه وذلك ينعدم في النص الموجب للإباحة فكان تمام الاحتياط في ~~إثبات التاريخ بينهما على أن يكون الموجب للحظر متأخرا والأخذ بالاحتياط ~~أصل في الشرع # واختلف مشايخنا فيما إذا كان أحد النصين موجبا للنفي والآخر موجبا ~~للإثبات فكان الشيخ أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول المثبت أولى من النافي ~~لأن المثبت أقرب إلى الصدق من النافي ولهذا قبلت الشهادة على الإثبات دون ~~النفي # وكان عيسى بن أبان رحمه الله يقول تتحقق المعارضة بينهما لأن الخبر ~~الموجب للنفي معمول به كالموجب للإثبات وما يستدل به على صدق الراوي في ~~الخبر الموجب للإثبات فإنه يستدل بعينه على صدق الراوي في الخبر الموجب ~~للنفي # واختلف عمل المتقدمين من مشايخنا في مثل هذين النصين فإنه روي أن رسول ~~الله عليه السلام تزوج ميمونة رضي الله عنها وهو محرم وروي أنه تزوجها وهو ~~حلال ms410 ثم أخذنا برواية من روى أنه تزوجها وهو محرم والإثبات في الرواية ~~الأخرى لأنهم اتفقوا أن العقد كان بعد إحرامه فمن روى أنه تزوجها وهو حلال ~~فهو المثبت للتحلل من الإحرام قبل العقد ثم لم يرجح المثبت على النافي هنا # وروي أن بريرة أعتقت وزوجها كان حرا فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وروي أنها أعتقت وزوجها عبد ولا خلاف أن زوجها كان عبدا في الأصل فكان ~~الإثبات في رواية من روى أن زوجها كان حرا حين أعتقت فأخذنا بذلك فهذا يدل ~~على أن الترجيح PageV02P021 يحصل بالإثبات # وروي أن النبي عليه السلام رد ابنته زينب على أبي العاص رضي الله عنهما ~~بنكاح جديد وروي أنه ردها عليه بالنكاح الأول والإثبات في رواية من روى أنه ~~ردها عليه بعقد جديد وبذلك أخذنا فهو دليل على أن الترجيح يحصل بالإثبات # وذكر في كتاب الاستحسان إذا أخبر عدل بطهارة الماء وعدل آخر بنجاسته فإنه ~~يتعارض الخبران والإثبات في خبر من أخبر بنجاسته ثم لم يرجح الخبر به # وقال في التزكية الشاهد إذا عدله واحد وجرحه آخر فإن الجرح يكون أولى لأن ~~في خبره إثباتا # فإذا تبين من أصول علمائنا هذا كله فلا بد من طلب وجه يحصل به التوفيق ~~بين هذه الفصول ويستمر المذهب عليه مستقيما # وذلك الوجه أن خبر النفي إما أن يكون لدليل يوجب العلم به أو لعدم الدليل ~~المثبت أو يكون مشتبها فإن كان لدليل يوجب العلم به فهو مساو للمثبت وتتحقق ~~المعارضة بينهما وعلى هذا قال في السير الكبير إذا قالت المرأة سمعت زوجي ~~يقول المسيح ابن الله فبنت منه وقال الزوج إنما قلت المسيح ابن الله قول ~~النصارى أو وقالت النصارى المسيح ابن الله فالقول قوله فإن شهد للمرأة ~~شاهدان # وقالا لم نسمع من الزوج هذه الزيادة # فالقول قوله أيضا وإن قالا لم يقل هذه الزيادة قبلت الشهادة وفرق بينهما # وكذا لو ادعى الاستثناء في الطلاق وشهد الشهود أنه لم يستثن قبلت الشهادة ~~وهذه شهادة على النفي ms411 ولكنها عن دليل موجب للعلم به وهو أن ما يكون من باب ~~الكلام فهو مسموع من المتكلم لمن كان بالقرب منه وما لم يسمع منه يكون ~~دندنة لا كلاما فإذا قبلت الشهادة على النفي إذا كان عن دليل كما تقبل على ~~الإثبات قلنا في الخبر أيضا يقع التعارض بين النفي والإثبات # فأما إذا كان خبر النفي لعدم العلم بالإثبات فإنه لا يكون معارضا للمثبت ~~لأنه خبر لا عن دليل موجب بل عن استصحاب حال وخبر المثبت عن دليل موجب له ~~ولأن السامع والمخبر في هذا النوع سواء فإن السامع غير عالم بالدليل المثبت ~~كالمخبر بالنفي فلو جاز أن يكون هذا PageV02P022 الخبر معارضا لخبر المثبت ~~لجاز أن يكون علم السامع معارضا لخبر المثبت # وإن كان الحال مشتبها فإنه يجب الرجوع إلى الخبر بالنفي واستفساره عما ~~يخبر به ثم التأمل في كلامه فإن ظهر أنه اعتمد في خبره دليلا موجبا العلم ~~به فهو نظير القسم الأول وإلا فهو نظير القسم الثاني # ففي مسألة التزكية من يزكي الشاهد فقد عرفنا أنه إنما يزكيه لعدم العلم ~~بسبب الجرح منه إذ لا طريق لأحد إلى الوقوف على جميع أحوال غيره حتى يكون ~~إخباره عن تزكيته عن دليل موجب العلم به والذي جرحه فخبره مثبت الجرح ~~العارض لوقوفه على دليل موجب له فلهذا جعل خبره أولى # وفي طهارة الماء ونجاسته المخبر بالطهارة يعتمد دليلا لأنه توقف على ~~طهارة الماء حقيقة فإن الماء الذي نزل من السماء إذا أخذه الإنسان في إناء ~~طاهر وكان بمرأى العين منه إلى وقت الاستعمال فإنه يعلم طهارته بدليل موجب ~~له كما أن المخبر بنجاسته يعتمد الدليل فتتحقق المعارضة بين الخبرين # وعلى هذا أثبتنا المعارضة في حديث نكاح ميمونة لأن المخبر بأنه كان محرما ~~اعتمد دليلا والمخبر بأنه كان حلالا اعتمد أيضا في خبره الدليل الموجب له ~~فإن هيئة المحرم ظاهرا يخالف هيئة الحلال فتتحقق المعارضة من هذا الوجه ~~ويجب المصير إلى طلب الترجيح من جهة إتقان الراوي لما تعذر الترجيح من ms412 نفس ~~الحجة فأخذنا برواية ابن عباس رضي الله عنهما لأنه روى القصة على وجهها ~~وذلك دليل إتقانه ولأن يزيد بن الأصم لا يعادله في الضبط والاتقان # وحديث رد رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب على أبي العاص رجحنا فيه ~~المثبت للنكاح الجديد لأن من نفى ذلك فهو لم يعتمد في نفيه دليلا موجبا ~~العلم به بل عدم الدليل للإثبات وهو مشاهدة النكاح الجديد فتبنى روايته على ~~استصحاب الحال وهو أنه عرف النكاح بينهما فيما مضى وشاهد ردها عليه فروى ~~أنه ردها بالنكاح الأول # وفي حديث بريرة رجحنا الخبر المثبت لحرية الزوج عند عتقها لأن من يروي ~~أنه كان عبدا فهو لم يعتمد في خبره دليلا موجبا لنفي الحرية ولكن بنى خبره ~~على استصحاب الحال لعدم علمه بدليل المثبت للحرية فلهذا رجحنا المثبت # ومن هذا النوع رواية أنس رضي الله عنه أن النبي عليه السلام كان قارنا في ~~حجة الوداع ورواية جابر رضي الله عنه أنه كان مفردا بالحج فإنا رجحنا خبر ~~المثبت للقران لأن من روى الإفراد PageV02P023 فهو ما اعتمد دليلا موجبا ~~نفى القران ولكنه عدم الدليل الموجب للعلم به وهو أنه لم يسمع تلبيته ~~بالعمرة وسمع التلبية بالحج وروي أنه كان مفردا # ومن ذلك حديث بلال رضي الله عنه أن النبي عليه السلام لم يصل في الكعبة ~~مع حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى فيها عام الفتح فإنهم اتفقوا أنه ~~ما دخلها يومئذ إلا مرة ومن أخبر أنه لم يصل فيها ( فإنه ) لم يعتمد دليلا ~~موجبا للعلم به ولكنه لم يعاين صلاته فيها والآخر عاين ذلك فكان المثبت ~~أولى من النافي # ومن أهل النظر من يقول يتخلص عن التعارض بكثرة عدد الرواة حتى إذا كان ~~أحد الخبرين يرويه واحد والآخر يرويه اثنان فالذي يرويه اثنان أولى بالعمل ~~به # واستدلوا بمسألة كتاب الاستحسان في الخبر بطهارة الماء ونجاسته وحل ~~الطعام وحرمته أنه إذا كان المخبر بأحد الأمرين اثنين وبالآخر واحدا فإنه ~~يؤخذ بخبر الاثنين وهذا لأن خبر ms413 المثنى حجة تامة في الشهادات بخلاف خبر ~~الواحد فطمأنينة القلب إلى خبر المثنى أكثر وقد اشتهر عن الصحابة الاعتماد ~~على خبر المثنى دون الواحد على ما سبق بيانه # وكذلك يتخلص عن التعارض أيضا بحرية الراوي استدلالا بما ذكر في الاستحسان ~~أنه متى كان المخبر بأحد الأمرين حرين وبالآخر عبدين فإنه يؤخذ بخبر الحرين # قال رضي الله عنه والذي يصح عندي أن هذا النوع من الترجيح قول محمد رحمه ~~الله خاصة فقد ذكر نظيره في السير الكبير قال أهل العلم بالسير ثلاث فرق ~~أهل الشام وأهل الحجاز وأهل العراق فكل ما اتفق فيه الفريقان ( منهم ) على ~~قول أخذت بذلك وتركت ما انفرد به فريق واحد # وهذا ترجيح بكثرة القائلين صار إليه محمد وأبى ذلك أبو حنيفة وأبو يوسف # والصحيح ما قالا فإن كثرة العدد لا يكون دليل قوة الحجة قال تعالى @QB@ ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أكثر الناس ولو حرصت ~~بمؤمنين @QE@ وقال تعالى @QB@ ما يعلمهم إلا قليل @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وقليل ما هم @QE@ ثم السلف من الصحابة وغيرهم لم يرجحوا بكثرة العدد في باب ~~العمل بأخبار الآحاد فالقول به يكون PageV02P024 قولا بخلاف إجماعهم ولما ~~اتفقنا أن خبر الواحد موجب للعمل كخبر المثنى فيتحقق التعارض بين الخبرين ~~بناء على هذا الإجماع أرأيت لو وصل إلى السامع أحد الخبرين بطرق والآخر ~~بطريق واحد أكان يرجح ما وصل إليه بطرق إذا كان راوي الأصل واحدا فهذا لا ~~يقول به أحد ولا يؤخذ حكم رواية الأخبار من حكم الشهادات ألا ترى أن في ~~رواية الأخبار يقع التعارض بين خبر المرأة وخبر الرجل وبين خبر المحدود في ~~القذف بعد التوبة وخبر غير المحدود وبين خبر المثنى وخبر الأربعة وإن كان ~~يظهر التفاوت بينهما في الشهادات حتى يثبت بشهادة الأربعة ما لا يثبت ~~بشهادة الاثنين وهو الزنا # وكذلك طمأنينة القلب إلى قول الأربعة أكثر ومع ذلك تتحقق المعارضة بين ~~شهادة الاثنين وشهادة الأربعة في الأموال ليعلم أنه لا يؤخذ حكم الحادثة من ~~حادثة أخرى ما ms414 لم تعلم المساواة بينهما من كل وجه # وإنما رجح خبر المثنى على خبر الواحد وخبر الحرين على خبر العبدين في ~~مسألة الاستحسان لظهور الترجيح في العمل به فيما يرجع إلى حقوق العباد فأما ~~في أحكام الشرع فخبر الواحد وخبر المثنى في وجوب العمل به سواء # ومن هذه الجملة إذا كان في أحد الخبرين زيادة لم تذكر تلك الزيادة في ~~الخبر الثاني فمذهبنا فيه أنه إذا كان الراوي واحدا يؤخذ بالمثبت للزيادة ~~ويجعل حذف تلك الزيادة في بعض الطرق محالا على قلة ضبط الراوي وغفلته عن ~~السماع وذلك مثل ما يرويه ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال ~~إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة بعينها تحالفا وترادا وفي رواية أخرى ~~لم تذكر هذه الزيادة فأخذنا بما فيه إثبات هذه الزيادة وقلنا لا يجري ~~التحالف إلا عند قيام السلعة # و محمد والشافعي يقولان نعمل بالحديثين لأن العمل بهما ممكن فلا نشتغل ~~بترجيح أحدهما في العمل به # والصحيح ما قلنا لوجهين أحدهما أن أصل الخبر واحد وذلك متيقن به وكونهما ~~خبرين محتمل وبالاحتمال لا يثبت الخبر وإذا كان الخبر واحدا فحذف الزيادة ~~من بعض الرواة ليس له طريق سوى ما قلنا # والثاني أنا لو جعلناهما خبرين لم يكن للزيادة المذكورة في أحدهما فائدة ~~فيما يرجع إلى بيان الحكم لأن الحكم واحد في الخبرين ولا يجوز حمل كلام ~~رسول الله على ما فيه إخلاؤه عن الفائدة # فأما إذا اختلف الراوي فقد علم أنهما خبران وأن النبي PageV02P025 عليه ~~السلام إنما قال كل واحد منهما في وقت آخر فيجب العمل بهما عند الإمكان كما ~~هو مذهبنا في أن المطلق لا يحمل على المقيد في حكمين # وبيان هذا فيما روي أن النبي عليه السلام نهى عن بيع الطعام قبل القبض ~~وقال لعتاب بن أسيد رضي الله عنه انههم عن أربعة عن بيع ما لم يقبضوا فإنا ~~نعمل بالحديثين ولا نجعل المطلق منهما محمولا على المقيد بالطعام حتى لا ~~يجوز بيع سائر العروض قبل القبض كما ms415 لا يجوز بيع الطعام # وأهل الحديث يجعلون الرواة في هذا طبقات فيقولون إذا كانت الزيادة يرويها ~~من هو في الطبقة العليا يجب الأخذ بذلك وإن كانت الزيادة إنما يرويها من ~~ليس في الطبقة العليا ويروي الخبر بدون الزيادة من هو في الطبقة العليا ~~فإنه يثبت التعارض بينهما # وكذلك قالوا في خبر يروى موقوفا على بعض الصحابة بطريق ومرفوعا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بطريق فإن كان يرويه عن رسول الله عليه السلام من ~~هو في الطبقة العليا فإنه يثبت مرفوعا وإن كان إنما يرويه عن رسول الله ~~عليه السلام من ليس في الطبقة العليا ويرويه موقوفا من هو في الطبقة العليا ~~فإنه يثبت موقوفا # وكذلك قالوا في المسند والمرسل ولكن الفقهاء لم يأخذوا بهذا القول لأن ~~الترجيح عند أهل الفقه يكون بالحجة لا بأعيان الرجال والله أعلم # # | باب البيان # قال رضي الله عنه اختلفت عبارة أصحابنا في معنى البيان # قال أكثرهم هو إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب منفصلا عما تستر به # وقال بعضهم هو ظهور المراد للمخاطب والعلم بالأمر الذي حصل له عند الخطاب ~~وهو اختيار أصحاب الشافعي لأن الرجل يقول بان لي هذا المعنى بيانا أي ظهر ~~وبانت المرأة من زوجها بينونة أي حرمت وبان الحبيب بينا أي بعد وكل ذلك ~~عبارة عن الانفصال والظهور ولكنها بمعان مختلفة فاختلفت المصادر بحسبها # والأصح هو الأول أن المراد هو الإظهار فإن أحدا من العرب لا يفهم من ~~إطلاق لفظ البيان العلم الواقع للمبين له ولكن إذا قال الرجل بين فلان كذا ~~بيانا واضحا فإنما يفهم PageV02P026 منه أنه أظهره إظهارا لا يبقى معه شك ~~وإذا قيل فلان ذو بيان فإنما يراد به الإظهار أيضا وقول رسول الله إن من ~~البيان لسحرا يشهد لما قلنا إنه عبارة عن الإظهار وقال تعالى @QB@ هذا بيان ~~للناس @QE@ وقال تعالى @QB@ علمه البيان @QE@ والمراد الإظهار وقد كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مأمورا بالبيان للناس قال تعالى @QB@ لتبين للناس ~~ما نزل إليهم @QE@ وقد علمنا أنه بين ms416 للكل # ومن وقع له العلم ببيانه أقر ومن لم يقع له العلم أصر # ولو كان البيان عبارة عن العلم الواقع للمبين لما كان هو متمما للبيان في ~~حق الناس كلهم # وقول من يقول من أصحابنا حد البيان هو الإخراج عن حد الإشكال إلى التجلي ~~ليس بقوي فإن هذا الحد أشكل من البيان والمقصود بذكر الحد زيادة كشف الشيء ~~لا زيادة الإشكال فيه ثم هذا الحد لبيان المجمل خاصة والبيان يكون فيه وفي ~~غيره # ثم المذهب عند الفقهاء وأكثر المتكلمين أن البيان يحصل بالفعل من رسول ~~الله عليه السلام كما يحصل بالقول # وقال بعض المتكلمين لا يكون البيان إلا بالقول بناء على أصلهم أن بيان ~~المجمل لا يكون إلا متصلا به والفعل لا يكون متصلا بالقول # فأما عندنا بيان المجمل قد يكون متصلا به وقد يكون منفصلا عنه على ما ~~نبينه إن شاء الله تعالى # ثم الدليل على أن البيان قد يحصل بالفعل أن جبريل عليه السلام بين مواقيت ~~الصلاة للنبي عليه السلام بالفعل حيث أمه في البيت في اليومين ولما سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مواقيت الصلاة قال للسائل صل معنا ثم صلى ~~في اليومين في وقتين فبين له المواقيت بالفعل وقال لأصحابه خذوا عني ~~مناسككم وقال صلوا كما رأيتموني أصلي ففي هذا تنصيص على أن فعله مبين لهم ~~ولأن البيان عبارة عن إظهار المراد فربما يكون ذلك بالفعل أبلغ منه بالقول ~~ألا ترى أنه أمر أصحابه بالحلق عام الحديبية فلم يفعلوا ثم لما رأوه حلق ~~بنفسه حلقوا في الحال فعرفنا أن إظهار المراد يحصل بالفعل كما يحصل بالقول # ثم البيان على خمسة أوجه بيان تقرير وبيان تفسير وبيان تغيير وبيان تبديل ~~وبيان ضرورة # للخصوص فيكون البيان قاطعا للاحتمال مقررا للحكم على ما اقتضاه الظاهر ~~وذلك نحو قوله تعالى @QB@ فسجد الملائكة كلهم أجمعون @QE@ فصيغة ~~PageV02P027 فأما بيان التقرير فهو في الحقيقة الذي يحتمل المجاز والعام ~~المحتمل الجمع تعم الملائكة على احتمال أن يكون المراد بعضهم وقوله تعالى ~~@QB@ كلهم ms417 أجمعون @QE@ بيان قاطع لهذا الاحتمال فهو بيان التقرير # وكذلك قوله تعالى @QB@ ولا طائر يطير بجناحيه @QE@ يحتمل المجاز لأن ~~البريد يسمى طائرا فإذا قال يطير بجناحيه بين أنه أراد الحقيقة # وهذا البيان صحيح موصولا كان أو مفصولا لأنه مقرر للحكم الثابت بالظاهر # وعلى هذا قلنا إذا قال لامرأته أنت طالق ثم قال نويت به الطلاق عن النكاح ~~أو قال لعبده أنت حر ثم قال نويت به الحرية عن الرق والملك فإنه يكون ذلك ~~بيانا صحيحا لأنه تقرير للحكم الثابت بظاهر الكلام لا تغيير له # وأما بيان التفسير فهو بيان المجمل والمشترك فإن العمل بظاهره غير ممكن ~~وإنما يوقف على المراد للعمل به بالبيان فيكون البيان تفسيرا له وذلك نحو ~~قوله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ ونظيره من مسائل الفقه إذا قال ~~لامرأته أنت بائن أو أنت علي حرام فإن البينونة والحرمة مشتركة فإذا قال ~~عنيت به الطلاق كان هذا بيان تفسير ثم بعد التفسير العمل بأصل الكلام ولهذا ~~أثبتنا به البينونة والحرمة # وكذلك إذا قال لفلان علي ألف درهم وفي البلد نقود مختلفة ثم قال عنيت به ~~نقد كذا فإنه يكون ذلك بيان تفسير # وسائر الكنايات في الطلاق والعتاق على هذا أيضا # ثم هذا النوع يصح عند الفقهاء موصولا ومفصولا وتأخير البيان عن أصل ~~الكلام لا يخرجه من أن يكون بيانا وعلى قول بعض المتكلمين لا يجوز تأخير ~~بيان المجمل والمشترك عن أصل الكلام لأن بدون البيان لا يمكن العمل به ~~والمقصود بالخطاب فهمه والعمل به فإذا كان ذلك لا يحصل بدون البيان فلو ~~جوزنا PageV02P028 تأخير البيان أدى إلى تكليف ما ليس في الوسع يوضحه أنه ~~لا يحسن خطاب العربي بلغة التركية ولا خطاب التركي بلغة العرب إذا علم أنه ~~لا يفهم ذلك إلا أن يكون هناك ترجمان يبين له وإنما لا يحسن ذلك لأن ~~المقصود بالخطاب إفهام السامع وهو لا يفهم فكذلك الخطاب بلفظ مجمل بدون ~~بيان يقترن به لا يكون حسنا شرعا لأن ms418 المخاطب لا يفهم المراد به وإنما يصح ~~مع البيان لأن المخاطب يفهم المراد به # ولكنا نقول الخطاب بالمجمل قبل البيان مفيد وهو الابتلاء باعتقاد الحقية ~~فيما هو المراد به مع انتظار البيان للعمل به وإنما يكون هذا تكليف ما ليس ~~في الوسع أن لو أوجبنا العمل به قبل البيان ولا نوجب ذلك ولكن الابتلاء ~~باعتقاد الحقية فيه أهم من الابتلاء بالعمل به فكان حسنا صحيحا من هذا ~~الوجه ألا ترى أن الابتلاء بالمتشابه كان باعتقاد الحقية فيما هو المراد به ~~من غير انتظار البيان فلأن يكون الابتلاء باعتقاد الحقية في المجمل مع ~~انتظار البيان صحيحا كان أولى # ومخاطبة العربي بلغ التركية تخلو عن هذه الفائدة وإليه أشار الله في قوله ~~تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم @QE@ وبيان ما ~~قلنا في قصة موسى عليه السلام مع معلمه فإنه كان مبتلى باعتقاد الحقية فيما ~~فعله معلمه مع انتظار البيان وما كان سؤاله في كل مرة إلا استعجالا منه ~~للبيان الذي كان منتظرا له ولهذا قال بعدما بينه له ما أخبر الله عن معلمه ~~@QB@ ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا @QE@ # ثم اختلف العلماء في جواز تأخير دليل الخصوص في العموم فقال علماؤنا ~~رحمهم الله دليل الخصوص إذا اقترن بالعموم يكون بيانا وإذا تأخر لم يكن ~~بيانا بل يكون نسخا # وقال الشافعي يكون بيانا سواء كان متصلا بالعموم أو منفصلا عنه # وإنما يبتنى هذا الخلاف على الأصل الذي قلنا إن مطلق العام عندنا يوجب ~~الحكم فيما يتناوله قطعا كالخاص وعند الشافعي يوجب الحكم على احتمال الخصوص ~~بمنزلة العام الذي ثبت خصوصه بالدليل فيكون دليل الخصوص على مذهبه فيهما ~~بيان التفسير لا بيان التغيير فيصح موصولا ومفصولا # وعندنا لما PageV02P029 كان العام المطلق موجبا للحكم قطعا فدليل الخصوص ~~فيه يكون مغيرا لهذا الحكم فإن العام الذي دخله خصوص لا يكون حكمه عندنا ~~مثل حكم العام الذي لم يدخله خصوص وبيان التغيير إنما يكون موصولا لا ~~مفصولا على ما يأتيك بيانه إن ms419 شاء الله تعالى # وعلى هذا قال علماؤنا إذا أوصى لرجل بخاتم ولآخر بفصه فإن كان في كلام ~~موصول فهو بيان وتكون الحلقة لأحدهما والفص للآخر وإن كان في كلام مفصول ~~فإنه لا يكون بيانا ولكن يكون إيجاب الفص للآخر ابتداء حتى يقع التعارض ~~بينهما في الفص فتكون الحلقة للموصى له بالخاتم والفص بينهما نصفان # وأما بيان المجمل فليس بهذه الصفة بل هو بيان محض لوجود شرطه وهو كون ~~اللفظ محتملا غير موجب للعمل به بنفسه واحتمال كون البيان الملحق به تفسيرا ~~وإعلاما لما هو المراد به فيكون بيانا من كل وجه ولا يكون معارضا فيصح ~~موصولا ومفصولا ودليل الخصوص في العام ليس ببيان من كل وجه بل هو بيان من ~~حيث احتمال صيغة العموم للخصوص وهو ابتداء دليل معارض من حيث كون العام ~~موجبا العمل بنفسه فيما تناوله فيكون بمنزلة الاستثناء والشرط فيصح موصولا ~~على أنه بيان ويكون معارضا ناسخا للحكم الأول إذا كان مفصولا # وقد بينا أدلة هذا الأصل الذي نشأ منه الخلاف وإنما أعدناه هنا للحاجة ~~إلى الجواب عن نصوص وشبه يحتج بها الخصم # فمن ذلك قوله تعالى @QB@ فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه @QE@ ~~وثم للتعقيب مع التراخي فقد ضمن البيان بعد إلزام الاتباع وإلزام الاتباع ~~إنما يكون بالعام دون المجمل إذ المراد بالاتباع العمل به فعرفنا أن البيان ~~الذي هو خصوص قد يتأخر عن العموم # وقال تعالى في قصة نوح عليه الصلاة والسلام @QB@ قلنا احمل فيها من كل ~~زوجين اثنين وأهلك @QE@ وعموم اسم الأهل يتناول ابنه ولأجله كان سؤال نوح ~~بقوله @QB@ إن ابني من أهلي @QE@ ثم بين الله تعالى له بقوله تعالى @QB@ ~~إنه ليس من أهلك @QE@ وقال تعالى في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع ~~ضيفه المكرمين @QB@ إنا مهلكو أهل هذه القرية @QE@ وعموم هذا اللفظ يتناول ~~لوطا ولهذا قال الخليل عليه السلام إن فيها لوطا ثم بينوا له فقالوا @QB@ ~~لننجينه وأهله @QE@ فدل أن دليل الخصوص يجوز أن ينفصل عن العموم # وقال تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون ms420 من دون الله حصب جهنم @QE@ PageV02P030 ~~ثم لما عارضه ابن الزبعري بعيسى والملائكة عليهم السلام نزل دليل الخصوص ~~@QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون @QE@ والدليل عليه ~~قصة بني إسرائيل فإنهم أمروا بذبح بقرة كما قال تعالى @QB@ إن الله يأمركم ~~أن تذبحوا بقرة @QE@ ثم لما استوصفوها بين لهم صفتها وكان ذلك دليل الخصوص ~~على وجه البيان منفصلا عن أصل الخطاب # والدليل عليه أن آية المواريث عامة في إيجاب الميراث للأقارب كفارا كانوا ~~أو مسلمين ثم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإرث يكون عند الموافقة ~~في الدين لا عند المخالفة فيكون هذا تخصيصا منفصلا عن دليل العموم وقوله ~~تعالى @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو دين @QE@ عام في تأخير الميراث عن ~~الوصية في جميع المال ثم بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوصية تختص ~~بالثلث تخصيص منفصل عن دليل العموم فدل على أن ذلك جائز ولا يخرج به من أن ~~يكون بيانا واستدلوا بقوله تعالى @QB@ ولذي القربى @QE@ فإنه عام تأخر بيان ~~خصوصه إلى أن كلم عثمان وجبير بن مطعم رضي الله عنهما رسول الله في ذلك ~~فقال إنما بنو هاشم وبنو المطلب كشيء واحد وقال إنهم لم يفارقوني في ~~الجاهلية ولا في الإسلام # ثم قالوا تأخير البيان في الأعيان معتبر بتأخير البيان في الأزمان ~~وبالاتفاق يجوز أن يرد لفظ مطلقه يقتضي عموم الأزمان ثم يتأخر عنه بيان أن ~~المراد بعض الأزمان دون البعض بالنسخ فكذلك يجوز أن يرد لفظ ظاهره يقتضي ~~عموم الأعيان ثم يتأخر عنه دليل الخصوص الذي يتبين به أن المراد بعض ~~الأعيان دون البعض # وحجتنا فيه أن الخصم يوافقنا بالقول في العموم وبطلان مذهب من يقول ~~بالوقف في العموم وقد أوضحنا ذلك بالدليل # ثم من ضرورة القول بالعموم لزوم اعتقاد العموم فيه والقول بجواز تأخير ~~دليل الخصوص يؤدي إلى أن يقال يلزمنا اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه ~~وهذا في غاية الفساد # وكما يجب اعتقاد العموم عند وجود صيغة العموم يجوز ms421 الإخبار به أيضا فيقال ~~إنه عام # وفي جواز تأخير البيان بدليل الخصوص يؤدي إلى القول بجواز الكذب في الحجج ~~الشرعية وذلك باطل PageV02P031 وهذا بخلاف النسخ فإن الواجب اعتقاد الحقية ~~في الحكم النازل فأما في حياة رسول الله عليه السلام فما كان يجب اعتقاد ~~التأبيد في ذلك الحكم ولا إطلاق القول بأنه مؤبد لأن الوحي كان ينزل ساعة ~~فساعة ويتبدل الحكم كالصلاة إلى بيت المقدس وتحريم شرب الخمر وما أشبه ذلك ~~وإنما اعتقاد التأبيد فيه وإطلاق القول به بعد رسول الله لقيام الدليل على ~~أن شريعته لا تنسخ بعده بشريعة أخرى # فأما قوله تعالى @QB@ ثم إن علينا بيانه @QE@ فنقول بالاتفاق ليس المراد ~~جميع ما في القرآن فإن البيان من القرآن أيضا فيؤدي هذا القول بأن لذلك ~~البيان بيانا إلى ما لا يتناهى وإنما المراد بعض ما في القرآن وهو المجمل ~~الذي يكون بيانه تفسيرا له ونحن نجوز تأخير البيان في مثله فأما فيما يكون ~~مغيرا أو مبدلا للحكم إذا اتصل به فإذا تأخر عنه يكون نسخا ولا يكون بيانا ~~محضا ودليل الخصوص في العام بهذه الصفة # ونظيره المحكمات التي هن أم الكتاب فإن فيها ما لا يحتمل النسخ ويحتمل ~~بيان التقرير كصفات الله جل جلاله فكذلك ما ورد من العام مطلقا قلنا إنه ~~يحتمل البيان الذي هو نسخ ولكنه لا يحتمل البيان المحض وهو ما يكون تفسيرا ~~له إذا كان منفصلا عنه # فأما قوله تعالى @QB@ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك @QE@ قلنا ~~البيان هنا موصول فإنه قال @QB@ إلا من سبق عليه القول @QE@ والمراد ما سبق ~~من وعد إهلاك الكفار بقوله تعالى @QB@ إنهم مغرقون @QE@ # فإن قيل ففي ذلك الوعد نهي لنوح عليه الصلاة والسلام عن الكلام فيهم كما ~~قال تعالى @QB@ ولا تخاطبني في الذين ظلموا @QE@ فلو كان قوله @QB@ إلا من ~~سبق عليه القول @QE@ منصرفا إلى ذلك لما استجاز نوح عليه الصلاة والسلام ~~سؤال ابنه بقوله @QB@ إن ابني من أهلي @QE@ قلنا إنما سأل لأنه كان دعاه ~~إلى الإيمان وكان يظن فيه ms422 أنه يؤمن حين تنزل الآية الكبرى وامتد رجاؤه لذلك ~~إلى أن آيسه الله تعالى من ذلك بقوله تعالى @QB@ إنه عمل غير صالح @QE@ ~~فأعرض عنه عند ذلك وقال @QB@ رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ~~@QE@ ونظيره استغفار إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه ( بناء على رجاء أن ~~يؤمن كما وعد وإليه أشار في قوله تعالى @QB@ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ~~إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه @QE@ ~~PageV02P032 ثم قوله تعالى @QB@ وأهلك @QE@ ما تناول ابنه الكافر لأن أهل ~~المرسلين من يتابعهم على دينهم وعلى هذا لفظ الأهل كان مشتركا فيه لاحتمال ~~أن يكون المراد الأهل من حيث النسب واحتمال أن يكون المراد الأهل من حيث ~~المتابعة في الدين فلهذا سأل الله فبين الله له أن المراد أهله من حيث ~~المتابعة في الدين وأن ابنه الكافر ليس من أهله وتأخير البيان في المشترك ~~صحيح عندنا # فأما قوله تعالى @QB@ إنا مهلكو أهل هذه القرية @QE@ فالبيان هنا موصول ~~في هذه الآية بقوله @QB@ إن أهلها كانوا ظالمين @QE@ وفي موضع آخر بقوله ~~@QB@ إلا آل لوط @QE@ # فإن قيل فما معنى سؤال إبراهيم عليه الصلاة والسلام الرسل بقوله @QB@ إن ~~فيها لوطا @QE@ قلنا فيه معنيان أحدهما أن العذاب النازل قد يخص الظالمين ~~كما في قصة أصحاب السبت وقد يصيب الكل فيكون عذابا في حق الظالمين ابتلاء ~~في حق المطيعين كما قال تعالى @QB@ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة @QE@ فأراد الخليل عليه السلام أن يبين له أن عذاب أهل تلك القرية من ~~أي الطريقين وأن يعلم أن لوطا عليه السلام هل ينجو من ذلك أم يبتلى به ~~والثاني أنه علم يقينا أن لوطا ليس من المهلكين معهم ولكنه خصه في سؤاله ~~ليزداد طمأنينة وليكون فيه زيادة تخصيص للوط # وهو نظير قوله تعالى @QB@ رب أرني كيف تحيي الموتى @QE@ وقد كان عالما ~~متيقنا بإحياء الموتى ولكن سأله لينضم العيان إلى ما كان له من علم اليقين ~~فيزداد به طمأنينة قلبه # فأما قوله ms423 تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم @QE@ فقد قيل ~~إن هذا الخطاب كان لأهل مكة وهم كانوا عبدة الأوثان وما كان فيهم من يعبد ~~عيسى عليه الصلاة والسلام والملائكة فلم يكن أصل الكلام متناولا لهم # والأوجه أن يقول إن في صيغة الكلام ما هو دليل ظاهر على أنه غير متناول ~~لهم فإن كلمة ما يعبر بها عن ذات ما لا يعقل وإنما يعبر عن ذات من يعقل ~~بكلمة من إلا أن القوم كانوا متعنتين يجادلون بالباطل بعد ما تبين لهم فحين ~~عارضوا بعيسى والملائكة عليه السلام على رسول لمن عارضوا به وقد كانوا أهل ~~اللسان فأعرض عن جوابهم امتثالا بقوله تعالى @QB@ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا ~~عنه @QE@ ثم بين الله تعالى تعنتهم الله عليه السلام تعنتهم في ذلك وأنهم ~~يعلمون أن الكلام غير PageV02P033 متناول فيما عارضوا به بقوله @QB@ إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون @QE@ ومثل هذا الكلام يكون ~~ابتداء كلام هو حسن وإن لم يكن محتاجا إليه في حق من لا يتعنت وإنما كلامنا ~~فيما يكون محتاجا إليه من البيان ليوقف به على ما هو المراد # والذي يوضح تعنت القوم أنهم كانوا يسمونه مرة ساحرا ومرة مجنونا وبين ~~الوصفين تناقض بين فالساحر من يكون حاذقا في عمله حتى يلبس على العقلاء ~~والمجنون من لا يكون مهتديا إلى الأعمال والأقوال على ما عليه أصل الوضع ~~ولكنهم لشدة الحسد كانوا يتعنتون وينسبونه إلى ما يدعو إلى تنفير الناس عنه ~~من غير تأمل في التحرز عن التناقض واللغو # فأما قصة بقرة بني إسرائيل فنقول كان ذلك بيانا بالزيادة على النص وهو ~~يعدل النسخ عندنا والنسخ إنما يكون متأخرا عن أصل الخطاب وإلى هذا أشار ابن ~~عباس رضي الله عنهما فقال لو أنهم عمدوا إلى أي بقرة كانت فذبحوها لأجزأت ~~عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم # فدل أن الأمر الأول قد كان فيه تخفيف وأنه قد انتسخ ذلك بأمر فيه تشديد ~~عليهم # فأما قوله @QB@ ولذي القربى @QE@ فقد قيل إنه مشترك ms424 يحتمل أن يكون المراد ~~قربى النصرة ويحتمل أن يكون المراد قربى القرابة فلهذا سأل عثمان وجبير بن ~~مطعم رضي الله عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وبين لهما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن المراد قربى النصرة # أو نقول قد علمنا أنه ليس المراد من يناسبه إلى أقصى أب فإن ذلك يوجب ~~دخول جميع بني آدم فيه ولكن فيه إشكال أن المراد من يناسبه بأبيه خاصة أو ~~بجده أو أعلى من ذلك فبين رسول الله عليه السلام أن المراد من يناسبه إلى ~~هاشم ثم ألحق بهم بني المطلب لانضمامهم إلى بني هاشم في القيام بنصرته في ~~الجاهلية والإسلام فلم يكن هذا البيان من تخصيص العام في شيء بل هذا بيان ~~المراد في العام الذي يتعذر فيه القول بالعموم وقد بينا أن مثل هذا العام ~~في حكم العمل به كالمجمل كما في قوله @QB@ وما يستوي الأعمى والبصير @QE@ ~~فيكون البيان تفسيرا له فلهذا صح متأخرا # فأما تقييد حكم الميراث بالموافقة في الدين PageV02P034 فهو زيادة على ~~النص وهو يعدل النسخ عندنا فلا يكون بيانا محضا # فأما قصر حكم تنفيذ الوصية على الثلث وجوبا قبل الميراث فيحتمل أن السنة ~~المبينة له كانت قبل نزول آية الميراث فيكون ذلك بيانا مقارنا لما نزل في ~~حقنا باعتبار المعنى فإنه لما سبق علمنا بما نزل كان من ضرورته أن يكون ~~مقارنا له # فأما البيان المتأخر في الأزمان فهو نسخ ونحن لا ندعي إلا هذا فإنا نقول ~~إنما يكون دليل الخصوص بيانا محضا إذا كان متصلا بالعام فأما إذا كان ~~متأخرا عنه يكون نسخا # فتبين أن ما استدل به من الحجة هو لنا عليه # وسنقرره في باب النسخ إن شاء الله تعالى # # | فصل في بيان التغيير والتبديل # أما بيان التغيير هو الاستثناء كما قال تعالى @QB@ فلبث فيهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما @QE@ فإن الألف اسم موضوع لعدد معلوم فما يكون دون ذلك العدد ~~يكون غيره لا محالة فلولا الاستثناء لكان العلم يقع لنا بأنه ms425 لبث فيهم ألف ~~سنة ومع الاستثناء إنما يقع العلم لنا بأنه لبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما ~~فيكون هذا تغييرا لما كان مقتضى مطلق تسمية الألف # وبيان التبديل هو التعليق بالشرط كما قال الله تعالى @QB@ فإن أرضعن لكم ~~فآتوهن أجورهن @QE@ فإنه يتبين به أنه لا يجب إيتاء الأجر بعد العقد إذا لم ~~يوجد الإرضاع وإنما يجب ابتداء عند وجود الإرضاع فيكون تبديلا لحكم وجوب ~~أداء البدل بنفس العقد # وإنما سمينا كل واحد منهما بهذا الاسم لما ظهر من أثر كل واحد منهما فإن ~~حد البيان غير حد النسخ لأن البيان إظهار حكم الحادثة عند وجوده ابتداء ~~والنسخ رفع للحكم بعد الثبوت وعند وجود الشرط يثبت الحكم ابتداء ولكن بكلام ~~كان سابقا على وجود الشرط تكلما به إلا أنه لم يكن موجبا حكمه إلا عند وجود ~~الشرط فكان بيانا من حيث إن الحكم ثبت عند وجوده ابتداء ولم يكن نسخا صورة ~~من حيث إن النسخ هو رفع الحكم بعد ثبوته في محله فكان تبديلا من حيث إن ~~مقتضى قوله لعبده أنت حر نزول العتق PageV02P035 في المحل واستقراره فيه ~~وأن يكون علة للحكم بنفسه وبذكر الشرط يتبدل ذلك كله لأنه يتبين به أنه ليس ~~بعلة تامة للحكم قبل الشرط وأنه ليس بإيجاب للعتق بل هو يمين وأن محله ~~الذمة حتى لا يصل إلى العبد إلا بعد خروجه من أن يكون يمينا بوجود الشرط ~~فعرفنا أنه تبديل # وكذلك الاستثناء فإن قوله لفلان علي ألف درهم مقتضاه وجوب العدد المسمى ~~في ذمته ويتغير ذلك بقوله إلا مائة لا على طريق أنه يرتفع بعض ما كان واجبا ~~ليكون نسخا فإن هذا في الإخبار غير محتمل ولكن على طريق أنه يصير عبارة عما ~~وراء المستثنى فيكون إخبارا عن وجوب تسعمائة فقط فعرفنا أنه تغيير لمقتضى ~~صيغة الكلام الأول وليس بتبديل إنما التبديل أن يخرج كلامه من أن يكون ~~إخبارا بالواجب أصلا فلهذا سميناه بيان التغيير # ثم لا خلاف بين العلماء في هذين النوعين من البيان أنه يصح ms426 موصولا ~~بالكلام ولا يصح مفصولا ممن لا يملك النسخ وإنما يختلفون في كيفية إعمال ~~الاستثناء والشرط # فقال علماؤنا موجب الاستثناء أن الكلام به يصير عبارة عما وراء المستثنى ~~وأنه ينعدم ثبوت الحكم في المستثنى لانعدام الدليل الموجب له مع صورة ~~التكلم به بمنزلة الغاية فيما يقبل التوقيت فإنه ينعدم الحكم فيما وراء ~~الغاية لانعدام الدليل الموجب له لا لأن الغاية توجب نفي الحكم فيما وراءه # وعلى قول الشافعي الحكم لا يثبت في المستثنى لوجود المعارض كما أن دليل ~~الخصوص يمنع ثبوت حكم العام فيما يتناوله دليل الخصوص لوجود المعارض # وكذلك الشرط عندنا فإنه يمنع ثبوت الحكم في المحل لانعدام العلة الموجبة ~~له حكما مع صورة التكلم به لا لأن الشرط مانع من وجود العلة وعلى قوله ~~الشرط مانع للحكم مع وجود علته # والكلام في فصل الشرط قد تقدم بيانه إنما الكلام هنا في الاستثناء فإنهم ~~احتجوا باتفاق أهل اللسان أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي ~~فهذا تنصيص على أن الاستثناء موجب ما هو ضد موجب أصل الكلام على وجه ~~المعارضة له في المستثنى وعليه دل قوله تعالى @QB@ قالوا إنا أرسلنا إلى ~~قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته @QE@ PageV02P036 ~~فالاستثناء الأول كان من المهلكين ثم فهم منه الإنجاء والاستثناء الثاني من ~~المنجين فإنما فهم منه أنهم من المهلكين # وعلى هذا قالوا إذا قال لفلان علي عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهمين يلزمه ~~تسعة لأن الاستثناء الأول من الإثبات فكان نفيا والاستثناء الثاني من النفي ~~فكان إثباتا والدليل عليه قوله تعالى @QB@ فشربوا منه إلا قليلا منهم @QE@ ~~أي إلا قليلا منهم لم يشربوا فقد نص على هذا في قوله تعالى @QB@ إلا إبليس ~~لم يكن من الساجدين @QE@ وإذا ثبت أن المراد بالكلام هذا كان في موجبه ~~كالمنصوص عليه والدليل عليه كلمة الشهادة فإنها كلمة التوحيد لاشتمالها على ~~النفي والإثبات وإنما يتحقق ذلك إذا جعل كأنه قال إلا الله فإنه هو الإله ~~والدليل عليه أن صيغة الإيجاب إذا صح من ms427 المتكلم فهو مفيد حكمه إلا أن يمنع ~~منه مانع وبالاستثناء لا ينتفي التكلم بكلام صحيح في جميع ما تناوله أصل ~~الكلام ولو لم يكن الاستثناء موجبا هو معارض مانع لما امتنع ثبوت الحكم فيه ~~لأن بالاستثناء لا يخرج من أن يكون متكلما به فيه لاستحالة أن يكون متكلما ~~به غير متكلم في كلام واحد ولكن يجوز أن يكون متكلما به ويمتنع ثبوت الحكم ~~فيه لمانع منع منه كما في البيع بشرط الخيار فعرفنا أن الطريق الصحيح في ~~الاستثناء هذا وعليه خرج مذهبه فقال في قوله تعالى @QB@ إلا الذين تابوا ~~@QE@ في آية القذف إن المراد إلا الذين تابوا فأولئك هم الصالحون وتقبل ~~شهادتهم إلا أنه لا يتناول هذا الاستثناء الجلد على وجه المعارضة لأنه ~~استثناء لبعض الأحوال بإيجاب حكم فيه سوى الحكم الأول وهو حال ما بعد ~~التوبة فيختص بما يحتمل التوقيت دون ما لا يحتمل التوقيت وإقامة الجلد لا ~~يحتمل ذلك فأما رد الشهادة والتفسيق يحتمل ذلك # وقال في قوله عليه السلام لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء إن ~~المراد لكن إن جعلتموه سواء بسواء فبيعوا أحدهما بالآخر حتى أثبت بالحديث ~~حكمين حكم الحرمة لمطلق الطعام ( بالطعام ) فأثبته في القليل والكثير وحكم ~~الحل بوجود المساواة كما هو موجب الاستثناء فيختص بالكثير الذي يقبل ~~المساواة # وهو نظير قوله تعالى @QB@ فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون @QE@ PageV02P037 ~~في أن الثابت به حكمان حكم بنصف المفروض بالطلاق فيكون عاما فيمن يصح منه ~~العفو ومن لا يصح العفو منه نحو الصغيرة والمجنونة وحكم سقوط الكل بالعفو ~~كما هو موجب الاستثناء فيختص بالكبيرة العاقلة التي يصح منها العفو # وعلى هذا إذا قال لفلان علي ألف درهم إلا ثوبا فإنه يلزمه الألف إلا قدر ~~قيمة الثوب لأن موجب الاستثناء نفي الحكم في المستثنى بدليل المعارض ~~والدليل المعارض يجب العمل به بحسب الإمكان والإمكان هنا أن يجعل موجبه نفي ~~مقدار قيمة ثوب لا نفي عين الثوب ولهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف فيما إذا ~~قال له علي ms428 ألف درهم إلا كر حنطة إنه ينقص من الألف قدر قيمة كر حنطة وإن ~~الاستثناء يصحح بحسب الإمكان على الوجه الذي قلنا بخلاف ما يقوله محمد رحمه ~~الله إنه لا يصح الاستثناء # قال ولو كان الكلام عبارة عما وراء المستثنى من الوجه الذي قلتم لكان ~~يلزمه الألف هنا كاملا لأن مع وجوب الألف عليه نحن نعلم أنه لا كر عليه ~~فكيف يجعل هذا عبارة عما وراء المستثنى والكلام لم يتناول المستثنى أصلا ~~فظهر أن الطريق فيه ما قلنا # وحجتنا في إبطال طريقة الخصم الاستثناء المذكور في القرآن فيما هو خبر ~~نحو قوله تعالى @QB@ فشربوا منه إلا قليلا منهم @QE@ # @QB@ فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما @QE@ فإن دليل المعارضة في الحكم ~~إنما يتحقق في الإيجاب دون الخبر لأن ذلك يوهم الكذب باعتبار صدر الكلام ~~ومع بقاء أصل الكلام للحكم لا يتصور امتناع الحكم فيه بمانع فلو كان الطريق ~~ما قاله الخصم لاختص الاستثناء بالإيجاب كدليل الخصوص ودليل الخصوص يختص ~~بالإيجاب # والثاني أن الاستثناء إنما يصح إذا كان المستنثى بعض ما تناوله الكلام # ولا يصح إذا كان جميع ما تناوله الكلام ودليل الخصوص الذي هو رفع للحكم ~~كالنسخ كما يعمل في البعض PageV02P038 يعمل في الكل فعرفنا أنه ليس الطريق ~~في الاستثناء ما ذهب إليه ولكن الطريق فيه أنه عبارة عما وراء المستثنى حتى ~~إذا كان يتوهم بعد الاستثناء بقاء شيء دون الخبر يجعل الكلام عبارة عنه صح ~~وإن لم يبق من الحكم شيء # وبيان هذا أنه لو قال عبيدي أحرار إلا عبيدي لم يصح الاستثناء ولو قال ~~إلا هؤلاء وليس له سواهم صح الاستثناء لأنه يتوهم بقاء شيء وراء المستثنى ~~يجعل الكلام عبارة عنه هنا ولا توهم لمثله في الأول وكذلك الطلاق على هذا # ولا يجوز أن يقال إن استثناء الكل إنما لا يصح لأنه رجوع فإن فيما يصح ~~الرجوع عنه لا يصح استثناء الكل أيضا حتى إذا قال أوصيت لفلان بثلث مالي ~~إلا ثلث مالي كان الاستثناء باطلا والرجوع عن الوصية ms429 يصح وإنما بطل ~~الاستثناء هنا لأنه لا يتوهم وراء المستثنى شيء يكون الكلام عبارة عنه ~~فعرفنا أنه تصرف في الكلام لا في الحكم وأنه عبارة عما وراء المستثنى بأطول ~~الطريقين تارة وأقصرهما تارة والدليل عليه أن الدليل المعارض يستقل بنفسه ~~والاستثناء لا يستقل بنفسه فإنه ما لم يسبق صدر الكلام لا يتحقق الاستثناء ~~مفيدا شيئا بمنزلة الغاية التي لا تستقل بنفسها # فأما دليل الخصوص يصير مستقلا بنفسه وإن لم يسبقه الكلام ويكون مفيدا ~~لحكمه # ثم الدليل على صحة ما قال علماؤنا أن الاستثناء يبين أن صدر الكلام لم ~~يتناول المستثنى أصلا فإنه تصرف في الكلام كما أن دليل الخصوص تصرف في حكم ~~الكلام ثم يتبين بدليل الخصوص أن العام لم يكن موجبا الحكم في موضع الخصوص ~~فكذلك بالاستثناء يتبين أن أصل الكلام لم يكن متناولا للمستثنى # والدليل على تصحيح هذه القاعدة قوله تعالى @QB@ فلبث فيهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما @QE@ فإن معناه لبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما لأن الألف اسم ~~لعدد معلوم ليس فيه احتمال ما دونه بوجه فلو لم يجعل أصل الكلام هكذا لم ~~يمكن تصحيح ذكر الألف بوجه لأن اسم الألف لا ينطلق على تسعمائة وخمسين أصلا ~~وإذا قال الرجل لفلان علي ألف درهم إلا مائة فإنه يجعل كأنه قال له علي ~~تسعمائة فإن مع بقاء صدر الكلام على حاله وهو الألف لا يمكن إيجاب ~~PageV02P039 تسعمائة عليه ابتداء لأن القدر الذي يجب حكم صدر الكلام وإذا ~~لم يكن في صدر الكلام احتمال هذا المقدار لا يمكن إيجابه حقيقة فعرفنا به ~~أنه يصير صدر الكلام عبارة عما وراء المستثنى وهو تسعمائة وكان لهذا العدد ~~عبارتان الأقصر وهو تسعمائة والأطول هو الألف إلا مائة # وهذا معنى قول أهل اللغة إن الاستثناء استخراج يعني استخراج بعض الكلام ~~على أن يجعل الكلام عبارة عما وراء المستثنى ألا ترى أن بعد دليل الخصوص ~~الحكم الثابت بالعام ما يتناوله لفظ العموم حقيقة حتى إذا كان العام بعبارة ~~الفرد يجوز فيه الخصوص إلى أن لا ms430 يبقى منه إلا واحد وإذا كان بلفظ الجمع ~~يجوز فيه الخصوص إلى أن لا يبقى منه إلا ثلاثة فإن أدنى ما تناوله اسم ~~الجمع ثلاثة وإذا كان الباقي دون ذلك كان رفعا للحكم بطريق النسخ # ثم كما يجوز أن يكون الكلام معتبرا في الحكم ويمتنع ثبوت الحكم به لمانع ~~فكذلك يجوز أن تبقى صورة الكلام ولا يكون معتبرا في حق الحكم أصلا كطلاق ~~الصبي والمجنون فإذا جعلنا طريق الاستثناء ما ذهبنا إليه بقي صورة التكلم ~~في المستثنى غير موجب بحكمه وذلك جائز وإذا جعلنا الطريق ما قاله الخصم ~~احتجنا إلى أن نثبت بالكلام ما ليس من محتملاته وذلك لا يجوز فعرفنا أن ~~انعدام وجوب المائة عليه لانعدام العلة الموجبة لا لمعارض يمنع الوجوب بعد ~~وجود العلة الموجبة وكذلك في التعليق بالشرط فإن امتناع ثبوت الحكم في ~~المحل لانعدام علته بطريق أن التعليق بالشرط لما منع الوصول إلى المحل ~~وصورة التكلم بدون المحل لا يكون علة للإيجاب فانعدام الحكم لانعدام العلة ~~في الفصلين لا لمانع كما توهمه الخصم إلا أن الوصول إلى المحل في التعليق ~~متوهم لوجود الشرط فلم يبطل الكلام في حق الحكم أصلا ولكن نجعله تصرفا آخر ~~وهو اليمين على أنه متى وصل إلى المحل ولم يبق يمينا كان إيجابا فسميناه ~~بيان التبديل لهذا وانتفاء المستثنى من أصل الكلام ليس فيه توهم الارتفاع ~~حتى تكون صورة الكلام عاملا فيه فجعلناه بيان التغيير بطريق أنه عبارة عما ~~وراء المستثنى لأنه لم يصر تصرفا آخر PageV02P040 بالاستثناء وهذا لأن ~~الكلمة كما لا تكون مفهمة قبل انضمام بعض حروفها إلى البعض لا تكون مفهمة ~~قبل انضمام بعض الكلمات إلى البعض حتى تكون دالة على المراد فتوقف أول ~~الكلام على آخره في الفصلين ويكون الكل في حكم كلام واحد فإن ظهر باعتبار ~~آخره لصدر الكلام محل آخر وهو الذمة كما في الشرط جعل بيانا فيه تبديل وإن ~~لم يظهر لصدر الكلام محل آخر بآخره جعل آخره مغيرا لصدره بطريق البيان وذلك ~~بالاستثناء على أن ms431 يجعل عبارة عما وراء المستثنى ويجعل بمنزلة الغاية على ~~معنى أنه ينتهي به صدر الكلام ولولاه لكان مجاوزا إليه كما أن بالغاية ~~ينتهي أصل الكلام على معنى أنه لولا الغاية لكان الكلام متناولا له ثم ~~انعدام الحكم بعد الغاية لعدم الدليل المثبت لا لمانع بعد وجود المثبت ~~فكذلك انعدام الحكم في المستثنى لعدم دليل الموجب لا لمعارض مانع # فأما قول أهل اللغة الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي فإطلاق ذلك ~~باعتبار نوع من المجاز فإنهم كما قالوا هذا فقد قالوا إنه استخراج وإنه ~~عبارة عما وراء المستثنى ولا بد من الجمع بين الكلمتين ولا طريق للجمع سوى ~~ما بينا وهو أنه باعتبار حقيقته في أصل الوضع عبارة عما وراء المستثنى وهو ~~نفي من الإثبات وإثبات من النفي باعتبار إشارته على معنى أن حكم الإثبات ~~يتوقت به كما يتوقت بالغاية فإذا لم يبق بعده ظهر النفي لانعدام علة ~~الإثبات فسمي نفيا مجازا # فإن قيل هذا فاسد فإن قول القائل لا عالم إلا زيد يفهم منه الإخبار بأن ~~زيدا عالم وكذلك كلمة الشهادة تكون إقرارا بالتوحيد حقيقة كيف يستقيم حمل ~~ذلك على نوع من المجاز قلنا قول القائل لا عالم نفي لوصف العلم وقوله إلا ~~زيد توقيت للوصف به ومقتضى التوقيت انعدام ذلك الوصف بعد الوقت فمقتضى ~~كلامه هنا نفي صفة العلم لغير زيد ثم ثبت به العلم لزيد بإشارة كلامه لا ~~بنص كلامه كما أن نفي النهار يتوقت إلى طلوع الفجر فبوجوده يثبت ما هو ضده ~~وهو صفة النهار ونفي السكون يتوقت بالحركة فبعد انعدام الحركة يثبت السكون ~~يقرره أن الآدمي لا يخلو عن أحد الوصفين إما العلم وإما نفي العلم عنه فلما ~~توقت النفي في صفة كلامه بزيد PageV02P041 ثبت صفة العلم فيه لانعدام ضده # وفي كلمة الشهادة كذلك نقول فإن كلامه نفي الألوهية عن غير الله تعالى ~~ونفي الشركة في صفة الألوهية لغير الله معه ثم يثبت التوحيد بطريق الإشارة ~~إليه وكان المقصود بهذه العبارة إظهار التصديق بالقلب فإنه ms432 هو الأصل ~~والإقرار باللسان يبتنى عليه ومعنى التصديق بالقلب بهذا الطريق يكون أظهر # وعلى هذا الأصل قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إذا قال إن خرجت من هذه ~~الدار إلا أن يأذن لي فلان فمات فلان قبل أن يأذن له بطلت اليمين كما لو ~~قال إن خرجت من هذه الدار حتى يأذن لي فلان لأن في الموضعين يثبت باليمين ~~حظر الخروج موقتا بإذن فلان ولا تصور لذلك إلا في حال حياة فلان فأما بعد ~~موته وانقطاع إذنه لو بقيت اليمين كان موجبها حظرا مطلقا والموقت غير ~~المطلق # فإن قيل أليس أنه لو قال لامرأته إن خرجت إلا بإذني فإنه يحتاج إلى تجديد ~~الإذن في كل مرة ولو كان الاستثناء بمنزلة الغاية لكانت اليمين ترتفع ~~بالإذن مرة كما لو قال إن خرجت من هذه الدار حتى آذن لك # قلنا إنما اختلفا في هذا الوجه لأن كل واحد من الكلامين يتناول محلا آخر ~~فإن قوله حتى آذن محله الحظر الثابت باليمين فإنه توقيت له وقوله إلا بإذني ~~محله الخروج الذي هو مصدر كلامه ومعناه إلا خروجا بإذني والخروج غير الحظر ~~الثابت باليمين فعرفنا أن كل واحد منهما دخل في محل آخر هنا فلهذا كان حكم ~~الاستثناء مخالفا لحكم التصريح بالغاية وبالاستثناء يظهر معنى التوقيت في ~~كل خروج يكون بصفة الإذن وكل خروج لا يكون بتلك الصفة فهو موجب للحنث # قال رضي الله عنه اعلم بأن الاستثناء نوعان حقيقة ومجاز # فمعنى الاستثناء حقيقة ما بينا وما هو مجاز منه فهو الاستثناء المنقطع ~~وهي بمعنى لكن أو بمعنى العطف # وبيانه في قوله تعالى @QB@ لا يعلمون الكتاب إلا أماني @QE@ أي لكن ~~أباطيل # قال تعالى @QB@ فإنهم عدو لي إلا رب العالمين @QE@ أي لكن رب العالمين ~~الذي خلقني # وقال @QB@ لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما @QE@ أي لكن سلاما # وقيل في قوله تعالى @QB@ إلا الذين ظلموا منهم @QE@ إنه بمعنى العطف ولا ~~الذين ظلموا وقيل لكن أي لكن الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني # وقيل في قوله @QB@ إلا خطأ ms433 @QE@ إنه بمعنى لكن أي لكن إن قتله خطأ # وزعم بعض مشايخنا أنه بمعنى ولا # قال رضي عنه وهذا غلط عندي لأنه حينئذ يكون عطفا على النهي فيكون نهيا ~~والخطأ لا يكون منهيا عنه ولا مأمورا به بل هو موضوع قال تعالى @QB@ وليس ~~عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم @QE@ PageV02P042 # ثم الكلام لحقيقته لا يحمل على المجاز إلا إذا تعذر حمله على الحقيقة كما ~~في قوله تعالى @QB@ إلا أن يعفون @QE@ فإنه يتعذر حمله على حقيقة الاستثناء ~~لأنه إذا حمل عليه كان في معنى التوقيت فيتقرر به حكم التنصيف الثابت بصدر ~~الكلام فعرفنا أنه بمعنى لكن وأنه ابتداء حكم أي لكن إن عفا الزوج بإيفاء ~~الكل أو المرأة بالإسقاط فهو أقرب للتقوى # وكذلك قوله تعالى @QB@ إلا الذين تابوا @QE@ في آية القذف فإنه استثناء ~~منقطع أي لكن إن تابوا من قبل أن التائبين هم القاذفون # فتعذر حمل اللفظ على حقيقة الاستثناء فإن الثابت لا يخرج من أن يكون ~~قاذفا وإن كان محمولا على حقيقة الاستثناء هو استثناء بعض الأحوال أي ~~وأولئك هم الفاسقون في جميع الأحوال إلا أن يتوبوا فيكون هذا الاستثناء ~~توقيتا بحال ما قبل التوبة فلا تبقى صفة الفسق بعد التوبة لانعدام الدليل ~~الموجب لا لمعارض مانع كما توهمه الخصم # وقوله لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء استثناء لبعض الأحوال ~~أيضا أي لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا حالة التساوي في الكيل # فيكون توقيتا للنهي بمنزلة الغاية ويثبت بهذا النص أن حكم الربا الحرمة ~~الموقتة في المحل دون المطلقة # وإنما تتحقق الحرمة الموقتة في المحل الذي يقبل المساواة في الكيل فأما ~~في المحل الذي لا يقبل المساواة لو ثبت إنما يثبت حرمة مطلقة وذلك ليس من ~~حكم هذا النص فلهذا لا يثبت حكم الربا في القليل وفي المطعوم الذي لا يكون ~~مكيلا أصلا # وعلى هذا قلنا إذا قال لفلان علي ألف درهم إلا ثوبا فإنه تلزمه الألف لأن ~~هذا ليس PageV02P043 باستثناء حقيقة إذ حقيقة الاستثناء في أصل الوضع أن ms434 ~~يكون الكلام عبارة عما وراء المستثنى والمستثنى هنا لم يتناوله صدر الكلام ~~صورة ومعنى حتى يجعل الكلام عبارة عما وراءه فيكون استثناء منقطعا ومعناه ~~لكن لا ثوب له علي # والتصريح بهذا الكلام لا يسقط عنه شيئا من الألف ولا يمنع إعمال أصل ~~الكلام في إيجاب جميع الألف عليه فكذلك اللفظ الذي يدل عليه ولهذا قال محمد ~~في قوله إلا كر حنطة إنه تلزمه الألف كاملة # فأما أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما استحسنا هنا فقالا كلامه ~~استثناء حقيقة باعتبار المعنى لأن صورة صدر الكلام الإخبار بوجوب المسمى ~~عليه ومعناه إظهار ما هو لازم في ذمته والمكيل والموزون كشيء واحد في حكم ~~الثبوت في الذمة على معنى أن كل واحد منهما يثبت في الذمة ثبوتا صحيحا ~~بمنزلة الأثمان فهذا الاستثناء باعتبار صورة صدر الكلام لا يكون استخراجا ~~وباعتبار معناه يكون استخراجا على أنه استخرج هذا القدر مما هو واجب في ~~ذمته والمعنى يترجح على الصورة لأنه هو المطلوب فلهذا جعلنا استثناءه ~~استخراجا على أن يكون كلامه عبارة عما وراء مالية كر حنطة من الألف فأما ~~الثوب لا يكون مثل المكيل والموزون في الصورة ولا في المعنى وهو الثبوت في ~~الذمة فإنه لا يثبت في الذمة إلا مبيعا والألف تثبت في الذمة ثمنا فلا يمكن ~~جعل كلامه استخراجا باعتبار الصورة ولا باعتبار المعنى فلهذا جعلناه ~~استثناء منقطعا # ثم قال الشافعي بناء على أصله الاستثناء متى تعقب كلمات معطوفة بعضها على ~~بعض ينصرف إلى جميع ما تقدم ذكره لأنه معارض مانع للحكم بمنزلة الشرط ثم ~~الشرط ينصرف إلى جميع ما سبق حتى يتعلق الكل به فكذلك الاستثناء # واستدل عليه بقوله تعالى في آية قطاع الطريق @QB@ إلا الذين تابوا من قبل ~~أن تقدروا عليهم @QE@ فإنه ينصرف إلى جميع ما تقدم ذكره # وقال علماؤنا الاستثناء تغيير وتصرف في الكلام فيقتصر على ما يليه خاصة ~~PageV02P044 لوجهين أحدهما أن إعمال الاستثناء باعتبار أن الكل في حكم كلام ~~واحد وذلك لا يتحقق في الكلمات المعطوفة بعضها على ms435 بعض # والثاني أن أصل الكلام عامل باعتبار أصل الوضع وإنما انعدم هذا الوصف منه ~~بطريق الضرورة فيقتصر على ما تحقق فيه الضرورة وهذه الضرورة ترتفع بصرفه ~~إلى ما يليه بخلاف الشرط فإنه تبديل ولا يخرج به أصل الكلام من أن يكون ~~عاملا إنما يتبدل به الحكم كما بينا ومطلق العطف يقتضي الاشتراك فلهذا ~~أثبتنا حكم التبديل بالتعليق بالشرط في جميع ما سبق ذكره مع أن فيه كلاما ~~في الفرق بين ما إذا عطفت جملة تامة على جملة تامة وبين ما إذا عطفت جملة ~~ناقصة على جملة تامة ثم تعقبها شرط ولكن ليس هذا موضع بيان ذلك # فأما قوله تعالى @QB@ إلا الذين تابوا @QE@ فلأجل دليل في نص الكلام ~~صرفناه إلى جميع ما تقدم وذلك التقييد بقوله تعالى @QB@ من قبل أن تقدروا ~~عليهم @QE@ فإن التوبة في محو الإثم ورجاء المغفرة والرحمة به في الآخرة لا ~~تختلف بوجودها بعد قدرة الإمام على التائب أو قبل ذلك وإنما تختلف في حكم ~~إقامة الحد الذي يكون مفوضا إلى الإمام فعرفنا بهذا التقييد أن المراد ما ~~سبق من الحد وقد يتغير حكم مقتضى الكلام لدليل فيه ألا ترى أن مقتضى مطلق ~~الكلام الترتيب على أن يجعل المتقدم في الذكر متقدما في الحكم ثم يتغير ذلك ~~بدليل مغير كما في قوله تعالى @QB@ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ~~ولم يجعل له عوجا قيما @QE@ فإن المراد أنزله قيما ولم يجعل له عوجا # وكذلك في قوله تعالى @QB@ ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ~~@QE@ فإن معناه ولولا سبقت من ربك كلمة وأجل مسمى لكان لزاما وضمة اللام ~~دلنا على ذلك فهذا نظيره # وإذا تقرر هذا الأصل قلنا البيان المغير والمبدل يصح موصولا ولا يصح ~~مفصولا لأنه متى كان بيانا كان مقررا للحكم الثابت بصدر الكلام كبيان ~~التقرير وبيان التفسير وإنما يتحقق ذلك إذا كان موصولا فأما إذا كان مفصولا ~~فإنه يكون رفعا للحكم الثابت بمطلق الكلام # أما في الاستثناء فإن الكلام يتم موجبا لحكمه بآخره وذلك ms436 بالسكوت عنه أو ~~الانتقال إلى كلام آخر PageV02P045 والاستثناء الموصول ليس بكلام آخر فإنه ~~غير مستقل بنفسه فأما إذا سكت فقد تم الكلام موجبا لحكمه ثم الاستثناء بعد ~~ذلك يكون نسخا بطريق رفع الحكم الثابت فلا يكون بيانا مغيرا وأما الشرط فهو ~~مبدل باعتبار أنه يمتنع الوصول إلى المحل وهو العبد في كلمة الإعتاق ويجعل ~~محله الذمة وإنما يتحقق هذا إذا كان موصولا فأما المفصول يكون رفعا عن ~~المحل يعتبر هذا في المحسوسات فإن تعليق القنديل بالحبل في الابتداء يكون ~~مانعا من الوصول إلى مقره من الأرض مبينا أن إزالة اليد عنه لم يكن كسرا ~~فأما بعد ما وصل إلى مقره من الأرض تعليقه بالقنديل يكون رفعا عن محله # فتبين بهذا أن الشرط إذا كان مفصولا فإنه يكون رفعا للحكم عن محله بمنزلة ~~النسخ وهو لا يملك رفع الطلاق والعتاق عن المحل بعدما استقر فيه فلهذا لا ~~يعمل الاستثناء والشرط مفصولا # وعلى هذا قلنا إذا قال لفلان علي ألف درهم وديعة فإنه يصدق موصولا ولا ~~يصدق إذا قاله مفصولا لأن قوله وديعة بيان فيه تغيير أو تبديل فإن مقتضى ~~قوله علي ألف درهم الإخبار بوجوب الألف في ذمته وقوله وديعة فيه بيان أن ~~الواجب في ذمته حفظها وإمساكها إلى أن يؤديها إلى صاحبها لا أصل المال فإما ~~أن يكون تبديلا للمحل الذي أخبر بصدر الكلام أنه التزمه لصاحبه أو تغييرا ~~لما اقتضاه أول الكلام لأنه لازم عليه للمقر له من أصل المال إلى الحفظ ~~فإذا كان موصولا كان بيانا صحيحا وإذا كان مفصولا كان نسخا فيكون بمنزلة ~~الرجوع عما أقر به # وعلى هذا لو قال لغيره أقرضتني عشرة دراهم أو اسلفتني أو أسلمت إلي أو ~~أعطيتني إلا أني لم أقبض فإن قال ذلك مفصولا لم يصدق وإن قال موصولا صدق ~~استحسانا لأن هذا بيان تغيير فإن حقيقة هذه الألفاظ تقتضي تسليم المال إليه ~~ولا يكون ذلك إلا بقبضه إلا أنه يحتمل أن يكون المراد به العقد مجازا فقد ~~تستعمل هذه الألفاظ ms437 للعقد فكان قوله لم أقبض تغييرا للكلام عن الحقيقة إلى ~~المجاز فيصح موصولا ولا يصح مفصولا # وإذا قال دفعت إلي ألف درهم أو نقدتني إلا أني لم أقبض فكذلك الجواب عند ~~محمد لأن الدفع والنقد والإعطاء PageV02P046 في المعنى سواء فتجعل هاتان ~~الكلمتان كقوله أعطيتني ويصدق فيهما إذا كان موصولا لا إذا كان مفصولا ~~بطريق أنه بيان تغيير # و أبو يوسف قال فيهما لا يصدق موصولا ولا مفصولا لأن الدفع والنقد اسم ~~للفعل لا يتناول العقد مجازا ولا حقيقة فكان قوله إلا أني لم أقبض رجوعا ~~والرجوع لا يعمل موصولا ولا مفصولا فأما الإعطاء قد سمي به العقد مجازا ~~يقال عقد الهبة وعقد العطية # وقال أبو حنيفة رضي الله عنه إذا قال لفلان علي ألف درهم إلا أنها زيوف ~~لم يصدق موصولا ولا مفصولا # وقال أبو يوسف ومحمد يصدق موصولا لأن قوله إلا أنها زيوف بيان تغيير فإن ~~مطلق تسمية الألف في البيع ينصرف إلى الجياد لأنه هو النقد الغالب وبه ~~المعاملة بين الناس وفيه احتمال الزيوف بدون هذه العادة فكان كلامه بيان ~~تغيير فيصح موصولا لا مفصولا كما في قوله إلا أنها وزن خمسة وكما في الفصول ~~المتقدمة بل أولى فإن ذلك نوع من المجاز وهذا حقيقة لأن إسم الدراهم للزيوف ~~حقيقة كما أنها للجياد حقيقة # و أبو حنيفة يقول مقتضى عقد المعاوضة وجوب المال بصفة السلامة والزيافة ~~في الدراهم عيب لأن الزيافة إنما تكون بغش في الدراهم والغش عيب فكان هذا ~~رجوعا عن مقتضى أول كلامه والرجوع لا يعمل موصولا ولا مفصولا وصار دعوى ~~العيب في الثمن كدعوى العيب في البيع بأن قال بعتك هذه الجارية معيبا بعيب ~~كذا وقال المشتري بل اشتريتها سليمة فإن البائع لا يصدق سواء قاله موصولا ~~أو مفصولا بخلاف قوله إلا أنها وزن خمسة فإن ذلك استثناء لبعض المقدار ~~بمنزلة قوله إلا مائتين وبخلاف قوله لفلان علي كر حنطة من ثمن بيع إلا أنها ~~ردية لأن الرداءة ليست بعيب في الحنطة فالعيب ما يخلو ms438 عنه أصل الفطرة ~~والرداءة في الحنطة تكون بأصل الخلقة فكان هذا بيان النوع لا بيان العيب ~~فيصح موصولا كان أو مفصولا # وعلى هذا لو قال لفلان علي ألف درهم من ثمن خمر فإن عند أبي يوسف ومحمد ~~هذا بيان تغيير من حقيقة وجوب المال إلى ( بيان ) مباشرة سبب الالتزام صورة ~~وهو شراء الخمر فيصح موصولا لا مفصولا # و أبو حنيفة يقول هذا رجوع لأن PageV02P047 أول كلامه تنصيص على وجوب ~~المال في ذمته وثمن الخمر لا يكون واجبا في ذمة المسلم بالشراء فيكون رجوعا # وعلى هذا لو قال لفلان علي ألف درهم من ثمن جارية باعنيها إلا أني لم ~~أقبضها فإن على قول أبي يوسف ومحمد يصدق إذا كان موصولا وإذا كان مفصولا ~~يسأل المقر له عن الجهة فإن قال الألف لي عليه بجهة أخرى سوى البيع فالقول ~~قوله والمال لازم على المقر وإن قال بجهة البيع ولكنه قبضها فالقول حينئذ ~~قول المقر أنه لم يقبضها لأن هذا بيان تغيير فإنه يتأخر به حق المقر له في ~~المطالبة بالألف إلى أن يحضر الجارية ليسلمها بمنزلة شرط الخيار أو الأجل ~~في العقد يكون مغير لمقتضى مطلق العقد ولا يكون ناسخا لأصله فيصح هذا ~~البيان منه موصولا وإذا كان مفصولا فإن صدقه في الجهة فقد ثبتت الجهة ~~بتصادقهما عليه ثم ليس في إقراره بالشراء ووجوب المال عليه بالعقد إقرار ~~بالقبض فكان المقر له مدعيا عليه ابتداء تسليم المبيع وهو منكر ليس براجع ~~عما أقر به فجعلنا القول قول المنكر وإذا كذبه في الجهة لم تثبت الجهة التي ~~ادعاها وقد صح تصديقه له في وجوب المال عليه وبيانه الذي قال إنه من ثمن ~~جارية لم يقبضها بيان تغيير فلا يصح مفصولا # وأبو حنيفة يقول هذا رجوع عما أقر به لأنه أقر بأول كلامه أن المال واجب ~~له دينا في ذمته وثمن جارية لا يوقف على أثرها لا تكون واجبة عليه إلا بعد ~~القبض فإن المبيعة قبل التسليم إذا صارت بحيث لا يوقف على عينها ms439 بحال بطل ~~العقد ولا يكون ثمنها واجبا # وقوله من ثمن جارية باعنيها ولكني لم أقبضها إشارة إلى هذا فإن الجارية ~~التي هي غير معينة لا يوقف على أثرها وما من جارية يحضرها البائع إلا ~~وللمشتري أن يقول المبيعة غيرها فعرفنا أن آخر كلامه رجوع عما أقر به من ~~وجوب المال دينا في ذمته والرجوع لا يصح موصولا ولا مفصولا # وعلى هذا قال أصحابنا في كتاب الشركة إذا قال لغيره بعت منك هذا العبد ~~بألف درهم إلا نصفه فإنه يجعل هذا بيعا لنصف العبد بجميع الألف ولو قال علي ~~أن لي نصفه يكون بائعا نصف العبد بخمسمائة لأنه إذا قيد كلامه بالاستثناء ~~يصير عبارة عما وراء المستثنى وإنما أدخله على المبيع PageV02P048 دون ~~الثمن وما وراء المستثنى من المبيع نصف العبد فيصير بائعا لذلك بجميع الألف # فأما قوله على أن لي نصفه فهو معارض بحكمه لصدر الكلام ويصير بائعا جميع ~~العبد من نفسه ومن المشتري بالألف وبيعه من نفسه معتبر إذا كان مفيدا ألا ~~ترى أن المضارب يبيع مال المضاربة من رب المال فيجوز لكونه مفيدا وإذا كان ~~كل واحد من البدلين مملوكا له فهنا أيضا إيجابه لنفسه مفيد في حق تقسيم ~~الثمن فيعتبر ويتبين به أنه صار بائعا نصفه من المشتري بنصف الألف كما لو ~~باع منه عبدين بألف درهم وأحدهما مملوك له يصير بائعا عبد نفسه منه بحصته ~~من الثمن إذا قسم على قيمته وقيمة العبد الذي هو ملك المشتري # وعلى هذا الأصل قال أبو يوسف فيمن أودع صبيا محجورا عليه مالا فاستهلكه ~~إنه يكون ضامنا لأن تسليطه إياه على المال بإثبات يده عليه يتنوع نوعين ~~استحفاظ وغير استحفاظ فيكون قوله أحفظه بيانا منه لنوع ما كان من جهته وهو ~~التمكين وبيانه تصرف منه في حق نفسه مقصورا عليه غير متناول لحق الغير ~~فينعدم ما سوى الاستحفاظ لانعدام علته وينعدم نفوذ الاستحفاظ لانعدام ~~ولايته على المحل وكون الصبي ممن لا يحفظ وبعد انعدام النوعين يصير كأنه لم ~~يوجد تمكينه من ms440 المال أصلا فإذا استهلكه كان ضامنا كما لو كان المال في يد ~~صاحبه على حاله فجاء الصبي واستهلكه # و أبو حنيفة ومحمد رضي الله عنهما قالا التسليط فعل مطلق وليس بعام حتى ~~يصار فيه إلى التنويع وقوله احفظ كلام ليس من جنس الفعل ليشتغل بتصحيحه ~~بطريق الاستثناء ولكنه معارض لأن الدفع إليه تسليط مطلقا وقوله احفظ معارض ~~بمنزلة دليل الخصوص أو بمنزلة ما قاله الخصم في الاستثناء وإنما يكون ~~معارضا إذا صح منه هذا القول شرعا كدليل الخصوص إنما يكون معارضا إذا صح ~~شرعا ولا خلاف أن قوله احفظ غير صحيح في حكم الاستحفاظ شرعا فيبقى التسليط ~~مطلقا فالاستهلاك بعد تسليط من له الحق مطلقا لا يكون موجبا للضمان على ~~الصبي ولا على البالغ # وما يخرج من المسائل على هذا الأصل يكثر تعدادها فمن فهم ما أشرنا إليه ~~فهو يهديه إلى ما سواها والله أعلم # PageV02P049 # | فصل # وأما بيان الضرورة فهو نوع من البيان يحصل بغير ما وضع له في الأصل # وهو على أربعة أوجه منه ما ينزل منزلة المنصوص عليه في البيان ومنه ما ~~يكون بيانا بدلالة حال المتكلم ومنه ما يكون بيانا بضرورة دفع الغرور ومنه ~~ما يكون بيانا بدلالة الكلام # فأما الأول فنحو قوله @QB@ وورثه أبواه فلأمه الثلث @QE@ فإنه لما أضاف ~~الميراث إليهما في صدر الكلام ثم بين نصيب الأم كان ذلك بيانا أن للأب ما ~~بقي فلا يحصل هذا البيان بترك التنصيص على نصيب الأب بل بدلالة صدر الكلام ~~يصير نصيب الأب كالمنصوص عليه # وعلى هذا قال أصحابنا في المضاربة إذا بين رب المال حصة المضارب من الربح ~~ولم يبين حصة نفسه جاز العقد قياسا واستحسانا لأن المضارب هو الذي يستحق ~~بالشرط وإنما الحاجة إلى بيان نصيبه خاصة وقد وجد ولو بين نصيب نفسه من ~~الربح ولم يبين نصيب المضارب جاز العقد استحسانا لأن مقتضى المضاربة الشركة ~~بينهما في الربح فببيان نصيب أحدهما يصير نصيب الآخر معلوما ويجعل ذلك ~~كالمنطوق به فكأنه قال ولك ما بقي # وكذلك ms441 في المزارعة إذا بين نصيب من البذر من قبله ولم يبين نصيب الآخر ~~جاز العقد استحسانا لهذا المعنى # وكذلك لو قال في وصيته أوصيت لفلان وفلان بألف درهم لفلان منها أربعمائة ~~فإن ذلك بيان أن للآخر ستمائة بمنزلة ما لو نص عليه # وكذلك لو قال أوصيت بثلث مالي لزيد وعمرو لزيد من ذلك ألف درهم فإنه يجعل ~~هذا بيانا منه أن ما يبقى من الثلث لعمرو كما لو نص عليه # وأما النوع الثاني فنحو سكوت صاحب الشرع عن معاينة شيء عن تغييره يكون ~~بيانا منه لحقيته باعتبار حاله فإن البيان واجب عند الحاجة إلى البيان فلو ~~كان الحكم بخلافه لبين ذلك لا محالة ولو بينه لظهر وكذلك سكوت الصحابة عن ~~بيان قيمة الخدمة للمستحق على المغرور يكون دليلا على نفيه بدلالة حالهم ~~PageV02P050 لأن المستحق جاء يطلب حكم الحادثة وهو جاهل بما هو واجب له ~~وكانت هذه أول حادثة وقعت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم يسمعوا ~~فيه نصا عنه فكان يجب عليهم البيان بصفة الكمال والسكوت بعد وجوب البيان ~~دليل النفي # وعلى هذا قلنا إذا ولدت أمة الرجل ثلاثة أولاد في بطون مختلفة فقال ~~الأكبر ابني فإنه يكون ذلك بيانا منه أن الآخرين ليسا بولدين له لأن نفي ~~نسب ولد ليس منه واجب ودعوى نسب ولد هو منه ليتأكد به على وجه لا ينتفي ~~واجب أيضا فالسكوت عن البيان بعد تحقق الوجوب دليل النفي فيجعل ذلك ~~كالتصريح بالنفي # وعلى هذا قلنا البكر إذا بلغها نكاح الولي فسكتت يجعل ذلك إجازة منها ~~باعتبار حالها فإنها تستحي فيجعل سكوتها دليلا على جواب يحول الحياء بينها ~~وبين التكلم به وهو الإجازة التي يكون فيها إظهار الرغبة في الرجال فإنها ~~إنما تستحي من ذلك # وأما النوع الثالث فنحو سكوت المولى عن النهي عند رؤية العبد يبيع ويشتري ~~فإنه يجعل إذنا له في التجارة لضرورة دفع الغرور عمن يعامل العبد فإن في ~~هذا الغرور إضرارا بهم والضرر مدفوع ولهذا لم يصح الحجر ms442 الخاص بعد الإذن ~~العام المنتشر والناس لا يتمكنون من استطلاع رأي المولى في كل معاملة ~~يعاملونه مع العبد وإنما يتمكنون من التصرف بمرأى العين منه ويستدلون ~~بسكوته على رضاه فجعلنا سكوته كالتصريح بالإذن لضرورة دفع الغرور # وكذلك سكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد العلم بالبيع يجعل بمنزلة إسقاط ~~الشفعة لضرورة دفع الغرور عن المشتري فإنه يحتاج إلى التصرف في المشتري ~~فإذا لم يجعل سكوت الشفيع عن طلب الشفعة إسقاطا للشفعة فإما أن يمتنع ~~المشتري من التصرف أو ينقض الشفيع عليه تصرفه فلدفع الضرر والغرور جعلنا ~~ذلك كالتنصيص منه على إسقاط الشفعة وإن كان السكوت في أصله غير موضوع ~~للبيان بل هو ضده # وكذلك نكول المدعى عليه عن اليمين يجعل بمنزلة الإقرار منه إما لدفع ~~الضرر عن المدعي فيكون من النوع الثالث أو لحال الناكل وهو امتناعه من ~~اليمين المستحقة عليه بعد تمكنه من إيفائه # PageV02P051 وأما النوع الرابع فبيانه فيما إذا قال لفلان علي مائة ودرهم ~~أو مائة ودينار فإن ذلك بيان للمائة أنها من جنس المعطوف عندنا # وعند الشافعي يلزمه المعطوف والقول في بيان جنس المائة قوله وكذلك لو قال ~~مائة وقفيز حنطة أو ذكر مكيلا أو موزونا آخر # واحتج فقال إنه أقر بمائة مجملا ثم عطف ما هو مفسر فيلزمه المفسر ويرجع ~~إليه في بيان المجمل كما لو قال مائة وثوب أو مائة وشاة أو مائة وعبد وهذا ~~لأن المعطوف غير المعطوف عليه فلا يكون العطف تفسيرا للمعطوف عليه بعينه ~~وكيف يكون تفسيرا وهو في نفسه مقر به لازم إياه ولو كان تفسيرا له لم يجب ~~به شيء لأن الوجوب بالكلام المفسر لا بالتفسير # ولكنا نقول قوله ودرهم بيان للمائة عادة ودلالة # أما من حيث العادة فلأن الناس اعتادوا حذف ما هو تفسير عن المعطوف عليه ~~في العدد إذا كان المعطوف مفسرا بنفسه كما اعتادوا حذف التفسير عن المعطوف ~~عليه والاكتفاء بذكر التفسير للمعطوف فإنهم يقولون مائة وعشرة دراهم على أن ~~يكون الكل من الدراهم وإنما اعتادوا ذلك لضرورة ms443 طول الكلام وكثرة العدد ~~والإيجاز عند ذلك طريق معلوم عادة وإنما اعتادوا هذا فيما يثبت في الذمة في ~~عامة المعاملات كالمكيل والموزون دون ما لا يثبت في الذمة إلا في معاملة ~~خاصة كالثياب فإنها لا تثبت في الذمة قرضا ولا بيعا مطلقا وإنما يثبت في ~~السلم أو فيما هو في معنى السلم كالبيع بالثياب الموصوفة مؤجلا # وأما من حيث الدلالة فلأن المعطوف مع المعطوف عليه كشيء واحد من حيث ~~الحكم والإعراب بمنزلة المضاف مع المضاف إليه ثم الإضافة للتعريف حتى يصير ~~المضاف معرفا بالمضاف إليه فكذلك العطف متى كان صالحا للتعريف يصير المعطوف ~~عليه معرفا بالمعطوف باعتبار أنهما كشيء واحد ولكن هذا فيما يجوز أن يثبت ~~في الذمة عند مباشرة السبب بذكر المعطوف بالمعطوف عليه كالمكيل والموزون # فأما ما ليس بمقدر لا يثبت دينا في الذمة بذكر المعطوف ( والمعطوف ) عليه ~~مع إلحاق التفسير بالمعطوف عليه ولكن يحتاج إلى ذكر شرائط أخر فلهذا لم ~~نجعل المعطوف عليه مفسرا بالمعطوف هناك PageV02P052 # واتفقوا أنه لو قال لفلان علي مائة وثلاثة دراهم أنه تلزمه الكل من ~~الدراهم # وكذلك لو قال مائة وثلاثة أثواب أو ثلاثة أفراس أو ثلاثة أعبد لأنه عطف ~~إحدى الجملتين على الأخرى ثم عقبهما بتفسير والعطف للاشتراك بين المعطوف ~~والمعطوف عليه فالتفسير المذكور يكون تفسيرا لهما # وكذلك لو قال له علي أحد وعشرون درهما فالكل دراهم لأنه عطف العدد المبهم ~~على ما هو واحد مذكور على وجه الإبهام وقوله درهما مذكور على وجه التفسير ~~فيكون تفسيرا لهما والاختلاف في قوله له مائة ودرهمان كالاختلاف في قوله ~~ودرهم # وقد روي عن أبي يوسف أنه إذا قال له علي مائة وثوب أو مائة وشاة فالمعطوف ~~يكون تفسيرا للمعطوف عليه بخلاف ما إذا قال مائة وعبد لأن في قوله مائة ~~ودرهم إنما جعلناه تفسيرا باعتبار أن المعطوف والمعطوف عليه كشيء واحد وهذا ~~يتحقق في كل ما يحتمل القسمة فإن معنى الاتحاد بالعطف في مثله يتحقق فأما ~~ما لا يحتمل القسمة مطلقا كالعبد لا يتحقق ms444 فيه معنى الاتحاد بسبب العطف فلا ~~يصير المجمل بالمعطوف فيه مفسرا والله أعلم # # | باب النسخ جوازا وتفسيرا # قال رضي الله عنه اعلم بأن الناس تكلموا في معنى النسخ لغة فقال بعضهم هو ~~عبارة عن النقل من قول القائل نسخت الكتاب إذا نقله من موضع إلى موضع # وقال بعضهم هو عبارة عن الإبطال من قولهم نسخت الشمس الظل أي أبطلته # وقال بعضهم هو عبارة عن الإزالة من قولهم نسخت الرياح الآثار أي أزالتها # وكل ذلك مجاز لا حقيقة فإن حقيقة النقل أن تحول عين الشيء من موضع إلى ~~موضع آخر ونسخ الكتاب لا يكون بهذه الصفة إذ لا يتصور نقل عين المكتوب من ~~موضع إلى موضع آخر وإنما يتصور إثبات مثله في المحل الآخر # وكذلك في الأحكام فإنه لا يتصور نقل الحكم الذي هو منسوخ إلى ناسخه وإنما ~~المراد إثبات مثله مشروعا في المستقبل أو نقل المتعبد من الحكم الأول إلى ~~الحكم الثاني # وكذلك معنى الإزالة فإن إزالة الحجر عن مكانه لا يعدم عينه ولكن عينه باق ~~في المكان الثاني وبعد النسخ لا يبقى الحكم الأول ولو كان حقيقة النسخ ~~الإزالة لكان يطلق هذا PageV02P053 الاسم على كل ما توجد فيه الإزالة وأحد ~~لا يقول بذلك # وكذلك لفظ الإبطال فإن بالنص لا تبطل الآية وكيف تكون حقيقة النسخ ~~الإبطال وقد أطلق الله تعالى ذلك في الإثبات بقوله تعالى @QB@ إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون @QE@ فعرفنا أن الاسم شرعي عرفناه بقوله تعالى @QB@ ~~ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ وأوجه ما قيل فيه إنه ~~عبارة عن التبديل من قول القائل نسخت الرسوم أي بدلت برسوم أخر # وقد استبعد هذا المعنى بعض من صنف في هذا الباب من مشايخنا وقال في إطلاق ~~لفظ التبديل إشارة إلى أنه رفع الحكم المنسوخ وإقامة الناسخ مقامه وفي ذلك ~~إيهام البداء والله تعالى يتعالى عن ذلك # قال رضي الله عنه وعندي أن هذا سهو منه وعبارة التبديل منصوص عليه في ~~القرآن قال تعالى @QB@ وإذا ms445 بدلنا آية مكان آية @QE@ وإذا كان اسم النسخ ~~شرعيا معلوما بالنص فجعله عبارة عما يكون معلوما بالنص أيضا يكون أولى ~~الوجوه # ثم هو في حق الشارع بيان محض فإن الله تعالى عالم بحقائق الأمور لا يعزب ~~عنه مثقال ذرة ثم إطلاق الأمر بشيء يوهمنا بقاء ذلك على التأبيد من غير أن ~~نقطع القول به في زمن من ينزل عليه الوحي فكان النسخ بيانا لمدة الحكم ~~المنسوخ في حق الشارع وتبديلا لذلك الحكم بحكم آخر في حقنا على ما كان ~~معلوما عندنا لو لم ينزل الناسخ بمنزلة القتل فإنه انتهاء الأجل في حق من ~~هو عالم بعواقب الأمور # لأن المقتول ميت بأجله بلا شبهة ولكن في حق القاتل جعل فعله جناية على ~~معنى أنه يعتبر في حقه حتى يستوجب به القصاص وإن كان ذلك موتا بالأجل ~~المنصوص عليه في قوله تعالى @QB@ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون @QE@ ومن فهم معنى التبديل بهذه الصفة عرف أنه ليس فيه من إيهام ~~البداء شيء # ثم المذهب عند المسلمين أن النسخ جائز في الأمر والنهي الذي يجوز أن يكون ~~ثابتا ويجوز أن لا يكون على ما نبينه في فصل محل النسخ وعلى قول اليهود ~~النسخ لا يجوز أصلا # وهم في ذلك فريقان فريق منهم يأبى النسخ عقلا وفريق يأبى جوازه سمعا ~~وتوقيفا # وقد قال بعض من لا يعتد بقوله من المسلمين إنه لا يجوز النسخ أيضا وربما ~~قالوا لم يرد النسخ في شيء أصلا # ولا وجه للقول الأول إذا كان القائل ممن يعتقد الإسلام فإن شريعة هذا ~~القول منه مع اعتقاده لهذه الشريعة # والثاني باطل نصا فإن قوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت @QE@ ~~محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة لما قبلها PageV02P054 من الشرائع فكيف ~~يتحقق @QB@ بخير منها @QE@ وقوله @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية @QE@ نص ~~قاطع على جواز النسخ وانتساخ التوجه إلى بيت المقدس بفرضية التوجه إلى ~~الكعبة أمر ظاهر لا ينكره عاقل فقول من يقول لم يوجد باطل من هذا ms446 الوجه # فأما من قال من اليهود إنه لا يجوز بطريق التوقيف استدل بما يروى عن موسى ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض # وزعموا أن هذا مكتوب في التوراة عندهم وقالوا قد ثبت عندنا بالطريق ~~الموجب للعلم وهو خبر التواتر عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه قال إن ~~شريعتي لا تنسخ كما تزعمون أنتم أن ذلك ثبت عندكم بالنقل المتواتر عمن ~~تزعمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم # وبهذا الطريق طعنوا في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا من أجل ~~العمل في السبت لا يجوز تصديقه ولا يجوز أن يأتي بمعجزة تدل على صدقه # ومن أنكر منهم ذلك عقلا قال الأمر بالشيء دليل على حسن المأمور به والنهي ~~عن الشيء دليل على قبح المنهي عنه والشيء الواحد لا يجوز أن يكون حسنا ~~وقبيحا فالقول بجواز النسخ قول بجواز البداء وذلك إنما يتصور ممن يجهل ~~عواقب الأمور والله تعالى يتعالى عن ذلك يوضحه أن مطلق الأمر يقتضي التأبيد ~~في الحكم وكذلك مطلق النهي ولهذا حسن منا اعتقاد التأبيد فيه فيكون ذلك ~~بمنزلة التصريح بالتأبيد ولو ورد نص بأن العمل في السبت حرام عليكم أبدا لم ~~يجز نسخه بعد ذلك بحال فكذلك إذا ثبت التأبيد بمقتضى مطلق الأمر إذ لو كان ~~ذلك موقتا كما قلتم لكان تمام البيان فيه بالتنصيص على التوقيت فما كان ~~يحسن إطلاقه عن ذكر التوقيت وفي ذلك إيهام الخلل فيما بينه الله تعالى فلا ~~يجوز القول به أصلا # وحجتنا فيه من طريق التوقيف اتفاق الكل على أن جواز النكاح بين الإخوة ~~والأخوات قد كان في شريعة آدم عليه الصلاة والسلام وبه حصل المرء قد كان في ~~شريعته فإن حواء رضي الله عنها خلقت منه وكان يستمتع بها ثم انتسخ ذلك ~~الحكم حتى لا يجوز لأحد أن يستمتع بمن هو بعض منه بالنكاح نحو ابنته ولأن ~~اليهود مقرون بأن يعقوب عليه السلام حرم شيئا من المطعومات على نفسه وأن ~~ذلك صار ms447 حراما عليهم كما أخبرنا الله تعالى به في قوله @QB@ كل الطعام كان ~~حلا لبني إسرائيل إلا @QE@ ما التناسل PageV02P055 وقد انتسخ ذلك بعده ~~وكذلك جواز الاستمتاع بمن هو بعض من @QB@ حرم إسرائيل على نفسه @QE@ الآية ~~والنسخ ليس إلا تحريم المباح أو إباحة الحرام وكذلك العمل في السبت كان ~~مباحا قبل زمن موسى عليه السلام فإنهم يوافقوننا على أن حرمة العمل في ~~السبت من شريعة موسى وإنما يكون من شريعته إذا كان ثبوته بنزول الوحي عليه ~~فأما إذا كان ذلك قبل شريعته على هذا الوجه أيضا فلا فائدة في تخصيصه أنه ~~شريعته فإذا جاز ثبوت الحرمة في شريعته بعد ما كان مباحا جاز ثبوت الحل في ~~شريعة نبي آخر قامت الدلالة على صحة نبوته # ومن حيث المعقول الكلام من وجهين أحدهما أن النسخ في المشروعات التي يجوز ~~أن تكون مشروعا ويجوز أن لا تكون ومعلوم أن هذه المشروعات شرعها الله تعالى ~~على سبيل الابتلاء لعباده حتى يميز المطيع من العاصي # ومعنى الابتلاء يختلف باختلاف أحوال الناس وباختلاف الأوقات فإن في هذا ~~الابتلاء حكمة بالغة وليس ذلك إلا منفعة للعباد في ذلك عاجلا أو آجلا لأن ~~الله تعالى يتعالى عن أن يلحقه المضار والمنافع وما لا منفعة فيه أصلا يكون ~~عبثا ضدا للحكمة ثم قد تكون المنفعة في إثبات شيء في وقت وفي نفيه في وقت ~~آخر كإيجاب الصوم في النهار إلى غروب الشمس أو طلوع النجوم كما هو مذهبهم ~~ونفي الصوم بعد ذلك ويختلف ذلك باختلاف أحوال الناس كوجوب اعتزال المرأة في ~~حالة الحيض وانتفاء ذلك بعدما طهرت ألا ترى أنه لو نص على ذكر الوقت فيه ~~بأن قال حرمت عليكم العمل في السبت ألف سنة ثم هو مباح بعد ذلك كان مستقيما ~~وكان معنى الابتلاء فيه متحققا ولم يكن فيه من معنى البداء شيء فكذلك عند ~~إطلاق اللفظ في التحريم # حين شرعه لا يكون فيه من معنى البداء شيء بل يكون امتحانا للمخاطبين في ~~الوقتين جميعا وهو بمنزلة تبديل الصحة بالمرض ms448 والمرض بالصحة وتبديل الغنى ~~بالفقر والفقر بالغنى فإن ذلك ابتلاء بالطريق الذي قلنا إليه أشار الله ~~تعالى فيما أنزله على نبينا صلى الله عليه وسلم وقال @QB@ إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه @QE@ والثاني أن ثم النسخ بعد ذلك إذا انتهت ~~مدة التحريم الذي كان معلوما عند PageV02P056 الشارع النسخ بيان مدة بقاء ~~الحكم وذلك غيب عنا لو بينه لنا في وقت الأمر كان حسنا لا يشوبه من معنى ~~القبح شيء فكذلك إذا بينه بعد ذلك بالنسخ # وإنما قلنا ذلك لأن النسخ إنما يكون فيما يجوز أن يكون مشروعا ويجوز أن ~~لا يكون مشروعا ومع الشرع مطلقا يحتمل أن يكون موقتا ويحتمل أن يكون مؤبدا ~~احتمالا على السواء لأن الأمر يقتضي كونه مشروعا من غير أن يكون موجبا ~~بقاءه مشروعا وإنما البقاء بعد الثبوت بدليل آخر سبق أو بعدم الدليل المزيل ~~فأما أن يكون ذلك واجبا بالأمر فلا لأن إحياء الشريعة بالأمر به كإحياء ~~الشخص وذلك لا يوجب بقاءه وإنما يوجب وجوده ثم البقاء بعد ذلك بإبقاء الله ~~تعالى إياه أو بانعدام سبب الفناء فكما أن الإماتة بعد الإحياء لا يكون فيه ~~شيء من معنى القبح ولا يكون دليل البداء والجهل بعواقب الأمور بل يكون ذلك ~~بيانا لمدة بقاء الحياة الذي كان معلوما عند الخالق حين خلقه وإن كان ذلك ~~غيبا عنا فكذلك النسخ في حكم الشرع # فإن قيل فعلى هذا بقاء الحكم قبل أن يظهر ناسخه لا يكون مقطوعا به لأنه ~~ما لم يكن هناك دليل موجب له لا يكون مقطوعا به ولا دليل سوى الأمر به # قلنا أما في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذلك نقول بقاءه بعد ~~الأمر إنما يكون باستصحاب الحال لجواز نزول الوحي بما ينسخه ويبين به مدة ~~بقائه إلا أن الواجب علينا التمسك بما ظهر عندنا لا بما هو غيب عنا فما لم ~~تظهر لنا مدة البقاء بنزول الناسخ يلزمنا العمل به وكذلك بعد نزول الناسخ ~~قبل أن يعلم المخاطب به # وهو نظير ms449 حياة المفقود بعدما غاب عنا فإنه يكون ثابتا باستصحاب الحال لا ~~بدليل موجب لبقائه حيا ولكنا نجعله في حكم الأحياء بناء على ما ظهر لنا حتى ~~يتبين انتهاء مدة حياته بظهور موته فأما بعد وفاة الرسول عليه السلام ~~PageV02P057 فلم يبق احتمال النسخ وصار البقاء ثابتا بدليل مقطوع به وهو أن ~~النسخ لا يكون إلا على لسان من ينزل عليه الوحي ولا توهم لذلك بعدما قبض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # فإن قيل فعلى هذا لا يكون النسخ في أصل الأمر لأن الحكم الثابت بالأمر ~~غير الأمر فببيان مدته لا يثبت تبديل الأمر بالنهي # قلنا وهكذا نقول فإنه ليس في النسخ تعرض للأمر بوجه من الوجوه بل للحكم ~~الثابت به ظاهرا بناء على ما هو معلوم لنا فإنه كان يجوز البقاء بعد هذه ~~المدة باعتبار الإطلاق الذي كان عندنا # فأما في حق الشارع فهو بيان مدة الحكم كما كان معلوما له حقيقة ولا يتحقق ~~منه توهم التعرض للأمر ولا لحكمه كالإماتة بعد الإحياء فإنه بيان المدة من ~~غير أن يكون فيه تعرض لأصل الإحياء ولا لما يبتنى عليه من مدة البقاء ~~فاعتبار ما هو ظاهر لنا يكون فيه تبديل صفة الحياة بصفة الوفاة وإنما تتحقق ~~المنافاة بين القبح والحسن في محل واحد في وقت واحد فأما في وقتين ومحلين ~~فلا يتحقق ذلك ألا ترى أنه لا يتوجه الخطاب على من لا يعقل من صبي أو مجنون ~~ثم يتوجه عليه الخطاب بعدما عقل ويكون كل واحد منهما حسنا لاختلاف الوقت أو ~~لاختلاف المحل # وهذا لأن أحوالنا تتبدل فيكون النسخ تبديلا بناء على ما يتبدل من أحوالنا ~~من العلم مدة البقاء والجهل به لا يكون مؤديا إلى الجمع بين صفة القبح ~~والحسن والله يتعالى عن ذلك فكان في حقه بيانا محضا لمدة بقاء المشروع ~~بمنزلة المنصوص عليه حين شرعه # وما استدلوا به من السمع لا يكاد يصح عندنا بعدما ثبت رسالة رسل بعد موسى ~~عليه السلام بالآيات المعجزة والدلائل القاطعة # ودعواهم أن ms450 ذلك في التوراة غير مسموعة منهم لأنه ثبت عندنا على لسان من ~~ثبتت رسالته أنهم حرفوا التوراة وزادوا فيها ونقصوا ولأن كلام الله تعالى ~~لا يثبت إلا بالنقل المتواتر وذلك لا يوجد في التوراة بعدما فعل بختنصر ~~ببني إسرائيل ما فعل من القتل الذريع وإحراق أسفار التوراة # وفي المسألة كلام كثير بين أهل الأصول ولكنا اقتصرنا هنا على قدر ما يتصل ~~بأصول الفقه والمقصود من بيان هذه المسألة هنا ما يترتب عليها من أصول ~~الفقه والله الموفق للإتمام # PageV02P058 # | فصل في بيان محل النسخ # قد بينا أن جواز النسخ مختص بما يجوز أن يكون مشروعا ويجوز أن لا يكون ~~مشروعا وهو مما يحتمل التوقيت نصا مع كونه مشروعا لأنه بيان مدة بقاء الحكم ~~وبعد انتهاء المدة لا يبقى مشروعا فلا بد من أن يكون فيه احتمال الوصفين # وبهذا البيان يظهر أنه إذا كان موقتا فلا بد من أن يكون محتملا للتوقيت ~~نصا وفي هذا بيان أنه ليس في أصل التوحيد احتمال النسخ بوجه من الوجوه لأن ~~الله تعالى بأسمائه وصفاته لم يزل كان ولا يزال يكون ومن صفاته أنه صادق ~~حكيم عالم بحقائق الأمور فلا احتمال للنسخ في هذا بوجه من الوجوه ألا ترى ~~أن الأمر بالإيمان بالله وكتبه ورسله لا يحتمل التوقيت بالنص وأنه لا يجوز ~~أن يكون غير مشروع بحال من الأحوال # وعلى هذا قال جمهور العلماء لا نسخ في الأخبار أيضا يعنون في معاني ~~الأخبار واعتقاد كون المخبر به على ما أخبر به الصادق الحكيم بخلاف ما ~~يقوله بعض أهل الزيغ من احتمال النسخ في الأخبار التي تكون في المستقبل ~~لظاهر قوله تعالى @QB@ يمحو الله ما يشاء ويثبت @QE@ ولكنا نقول الأخبار ~~ثلاثة خبر عن وجود ما هو ماض وذلك ليس فيه احتمال التوقيت ولا احتمال أن لا ~~يكون موجودا وخبر عما هو موجود في الحال وليس فيه هذا الاحتمال أيضا وخبر ~~عما هو كائن في المستقبل نحو الإخبار بقيام الساعة وليس فيه احتمال ما بينا ~~من التردد فتجويز ms451 النسخ في شيء من ذلك يكون قولا بتجويز الكذب والغلط على ~~المخبر به ألا ترى أنه لا يستقيم أن يقال اعتقدوا الصدق في هذا الخبر إلى ~~وقت كذا ثم اعتقدوا فيه الكذب بعد ذلك # والقول بجواز النسخ في معاني الأخبار يؤدي إلى هذا لا محالة وهو البداء ~~والجهل الذي تدعيه اليهود في أصل النسخ # فأما قوله تعالى @QB@ يمحو الله ما يشاء ويثبت @QE@ فقد فسره الحسن رضي ~~الله عنه بالإحياء والإماتة # وفسره زيد بن أسلم رضي الله عنه قال @QB@ يمحو الله ما يشاء @QE@ مما ~~أنزله من الوحي @QB@ ويثبت @QE@ بإنزال الوحي فيه # فعلى هذا يتبين أن المراد ما يجوز أن يكون مؤقتا أو أن المراد التلاوة ~~ونحن نجوز ذلك في الأخبار أيضا بأن تترك التلاوة فيه حتى يندرس وينعدم حفظه ~~من قلوب العباد كما في الكتب المتقدمة وإنما PageV02P059 لا يجوز ذلك في ~~معاني الأخبار على ما قررنا # وإنما محل النسخ الأحكام المشروعة بالأمر والنهي مما يجوز أن لا يكون ~~مشروعا ويجوز أن يكون مشروعا موقتا # وذلك ينقسم أربعة أقسام قسم منه ما هو مؤبد بالنص وقسم منه ما يثبت ~~التأبيد فيه بدلالة النص وقسم منه ما هو موقت بالنص # فهذه الأقسام الثلاثة ليس فيها احتمال النسخ أيضا وإنما احتمال النسخ في ~~القسم الرابع وهو المطلق الذي يحتمل أن يكون موقتا ويحتمل أن يكون مؤبدا ~~احتمالا على السواء # فأما بيان القسم الأول في قوله تعالى @QB@ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين ~~كفروا إلى يوم القيامة @QE@ ففيه تنصيص على التأبيد وكذلك في قوله تعالى ~~@QB@ خالدين فيها أبدا @QE@ لأن بعد التنصيص على التأبيد بيان التوقيت فيه ~~بالنسخ لا يكون إلا على وجه البداء وظهور الغلط والله تعالى يتعالى عن ذلك # وما ثبت التأبيد فيه بدلالة النص فبيانه في الشرائع بعدما قبض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مستقرا عليها فإنه ليس فيها احتمال النسخ لأن النسخ لا ~~يكون إلا على لسان من ينزل عليه الوحي وقد ثبت بدليل مقطوع به أن رسول الله ~~خاتم النبيين وأنه ms452 لا نسخ لشريعته فلا يبقى احتمال النسخ بعد هذه الدلالة ~~فيما كان شريعة له حين قبض # ونظيره من المخلوقات الدار الآخرة فقد ثبت بدليل مقطوع به أنه لا فناء ~~لها # وأما القسم الثالث فبيانه في قول القائل أذنت لك في أن تفعل كذا إلى مائة ~~سنة فإن النهي قبل مضي تلك المدة يكون من باب البداء ويتبين به أن الإذن ~~الأول كان غلطا منه لجهله بعاقبة الأمر والنسخ الذي يكون مؤديا إلى هذا لا ~~يجوز القول به في أحكام الشرع ولم يرد شرع بهذه الصفة # فأما القسم الرابع فبيانه في العبادات المفروضة شرعا عند أسباب جعلها ~~الشرع سببا لذلك فإنها تحتمل التوقيت نصا يعني في الأداء اللازم باعتبار ~~الأمر وفي الأسباب التي جعلها الله تعالى سببا لذلك فإنه لو قال جعلت زوال ~~الشمس سببا لوجوب صلاة الظهر عليكم إلى وقت كذا كان مستقيما ولو قال جعلت ~~شهود الشهر سببا لوجوب الصوم عليكم إلى وقت كذا كان مستقيما # وهذا كله في الأصل مما يجوز أن يكون PageV02P060 مشروعا ويجوز أن لا يكون ~~فكان النسخ فيه بيانا لمدة بقاء الحكم وذلك جائز باعتبار ما بينا من ~~المعنيين أحدهما أن معنى الابتلاء والمنفعة للعباد في شيء يختلف باختلاف ~~الأوقات واختلاف الناس في أحوالهم # والثاني أن دليل الإيجاب غير موجب للبقاء بمنزلة البيع يوجب الملك في ~~المبيع للمشتري ولا يوجب بقاء الملك بل بقاؤه بدليل آخر مبق أو بعدم دليل ~~المزيل وهو موجب الثمن في ذمة المشتري ولا يوجب بقاء الثمن في ذمته لا ~~محالة ولا يكون في النسخ تعرضا للأمر ولا للحكم الذي هو موجبه وامتناع جواز ~~النسخ فيما تقدم من الأقسام كان لاجتماع معنى القبح والحسن وإنما يتحقق ذلك ~~في وقت واحد لا في وقتين حتى إن ما يكون حسنا لعينه لا يجوز أن يكون قبيحا ~~لعينه بوجه من الوجوه # فإن قيل أليس أن الخليل صلى الله عليه وسلم أمر بذبح ولده وكان الأمر ~~دليلا على حسن ذبحه ثم انتسخ ذلك فكان منهيا ms453 عن ذبحه مع قيام الأمر حتى وجب ~~ذبح الشاة فداء عنه ولا شك أن النهي عن ذبح الولد الذي به يثبت الانتساخ ~~كان دليلا على قبحه وقد قلتم باجتماعهما في وقت واحد # قلنا لا كذلك فإنا لا نقول بأنه انتسخ الحكم الذي كان ثابتا بالأمر وكيف ~~يقال به وقد سماه الله محققا رؤياه بقوله تعالى @QB@ وناديناه أن يا ~~إبراهيم قد صدقت الرؤيا @QE@ أي حققت ما أمرت به # وبعد النسخ لا يكون هو محققا ما أمر به ولكنا نقول الشاة كانت فداء كما ~~نص الله عليه في قوله @QB@ وفديناه بذبح عظيم @QE@ على معنى أنه يقدم على ~~الولد في قبول حكم الوجوب بعد أن كان الإيجاب بالأمر مضافا إلى الولد حقيقة ~~كمن يرمي سهما إلى غيره فيفديه آخر بنفسه بأن يتقدم عليه حتى ينفذ فيه بعد ~~أن يكون خروج السهم من الرامي إلى المحل الذي قصده وإذا كان فداء من هذا ~~الوجه كان هو ممتثلا للحكم الثابت بالأمر فلا يستقيم القول بالنسخ فيه لأن ~~ذلك يبتنى على النهي الذي هو ضد الأمر فلا يتصور اجتماعهما في وقت واحد # فإن قيل فإيش الحكمة في إضافة الإيجاب إلى الولد إذا لم يجب به ذبح الولد ~~قلنا فيه تحقيق معنى الابتلاء في حق الخليل عليه السلام حتى يظهر منه ~~الانقياد والاستسلام والصبر على ما به من حرقة القلب على ولده وفي حق الولد ~~بالصبر والمجاهدة على معرة الذبح إلى حال المكاشفة # لرب العالمين وللولد بأن يكون قربانا لله وإليه أشار الله تعالى في قوله ~~@QB@ فلما أسلما @QE@ ثم استقر حكم الوجوب في الشاة بطريق الفداء وفيه ~~إظهار معنى الكرامة والفضيلة PageV02P061 للخليل عليه السلام بالإسلام ~~للولد كما قال @QB@ وفديناه بذبح عظيم @QE@ والفداء اسم لما يكون واجبا ~~بالسبب الموجب للأصل فبه يتبين انعدام النسخ هنا لانعدام ركنه فإنه بيان ~~مدة بقاء الواجب وحين وجبت الشاة فداء كان الواجب قائما والولد حرام الذبح ~~فعرفنا أنه لا وجه للقول بأنه كان نسخا # ثم على مذهب علمائنا يجوز نسخ الأخف بالأثقل ms454 كما يجوز نسخ الأثقل بالأخف # وذكر الشافعي في كتاب الرسالة أن الله تعالى فرض فرائض أثبتها وأخرى ~~نسخها رحمة وتخفيفا لعباده فزعم بعض أصحابه أنه أشار بهذا إلى وجه الحكمة ~~في النسخ # وقال بعضهم بل أراد به أن الناسخ أخف من المنسوخ وكان لا يجوز نسخ الأخف ~~بالأثقل واستدلوا فيه بقوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها @QE@ وبالاتفاق ليس المراد أن الناسخ أفضل من المنسوخ فعرفنا أن ~~المراد أنه خير من حيث إنه أخف وعليه نص في موضع آخر فقال @QB@ الآن خفف ~~الله عنكم @QE@ الآية # ولكنا نستدل بقوله @QB@ يمحو الله ما يشاء ويثبت @QE@ فالتقييد بكون ~~الناسخ أخف من المنسوخ يكون زيادة على هذا النص من غير دليل ثم المعنى الذي ~~دل على جواز النسخ وهو ما أشرنا إليه من الابتلاء والنقل إلى ما فيه منفعة ~~لنا عاجلا أو آجلا لا يفصل بينهما فقد يكون المنفعة تارة في النقل إلى ما ~~هو أخف على البدن وتارة في النقل إلى ما هو أشق على البدن ألا ترى أن ~~الطبيب ينقل المريض من الغذاء إلى الدواء تارة ومن الدواء إلى الغذاء تارة ~~بحسب ما يعلم من منفعته فيه # ثم هو بيان مدة بقاء الحكم على وجه لو كان مقرونا بالأمر لكان صحيحا ~~مستقيما وفي هذا لا فرق بين الأثقل والأخف ولا حجة لهم في قوله @QB@ الآن ~~خفف الله عنكم @QE@ فإن النسخ في ذلك الحكم بعينه كان نقلا من الأثقل إلى ~~الأخف وهذا يدل على أن كل نسخ يكون بهذه الصفة ألا ترى أن حد الزنا كان في ~~الابتداء هو الحبس والأذى باللسان ثم انتسخ ذلك بالجلد والرجم # ولا شك أن الناسخ أثقل على البدن # وجاء عن معاذ وابن عمر رضي الله عنهم في قوله تعالى @QB@ وأن تصوموا خير ~~لكم @QE@ أن حكمه كان هو التخيير للصحيح بين الصوم والفدية ثم انتسخ ذلك ~~بفرضية الصوم عزما بقوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ # ثم لا شك أنه قد افترض على العباد ms455 بعض ما كان مشروعا لا بصفة الفرضية ~~وإلزام ما كان مباحا يكون أشق لا محالة # وبهذا يتبين أنه ليس المراد من قوله @QB@ نأت بخير منها @QE@ الأخف على ~~وانتسخ حكم إباحة الخمر بالتحريم وهو أشق على PageV02P062 البدن البدن فإن ~~الحج ما كان لازما قبل نزول قوله تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت @QE@ ~~وكان كل مسلم مندوبا إلى أدائه ثم صار الأداء لازما بهذه الآية وهذا أشق ~~على البدن يوضحه أن ترك الخروج للحج يكون أخف على البدن من الخروج ولا ~~إشكال أن الخروج إلى أداء الحج بعد التمكن خير من الترك # فبهذا يتبين ضعف استدلالهم # # | فصل في بيان شرط النسخ # قال رضي الله عنه اعلم بأن شرط جواز النسخ عندنا هو التمكن من عقد القلب ~~فأما الفعل أو التمكن من الفعل فليس بشرط وعلى قول المعتزلة التمكن من ~~الفعل شرط # وحاصل المسألة أن النسخ بيان لمدة عقد القلب والعمل بالبدن تارة ولأحدهما ~~وهو عقد القلب على الحكم تارة فكان عقد القلب هو الحكم الأصلي فيه والعمل ~~بالبدن زيادة يجوز أن يكون النسخ بيانا للمدة فيه ويجوز أن لا يكون عندنا # وعلى قولهم النسخ يكون بيانا لمدة الحكم في حق العمل به وذلك لا يتحقق ~~إلا بعد الفعل أو التمكن منه حكما لأن الترك بعد التمكن فيه تفريط من العبد ~~فلا ينعدم به معنى بيان مدة العمل بالنسخ # قالوا لأن العمل هو المقصود بالأمر والنهي ألا ترى أن ورودهما بذكر الفعل ~~معنى قول القائل افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا # وتحقيق معنى الابتلاء في الفعل أيضا فعرفنا أنه هو المقصود والنسخ قبل ~~التمكن من الفعل لا يكون إلا بطريق البداء ألا ترى أن الإنسان يقول قد أمرت ~~عبدي أن يفعل غدا كذا ثم بدا لي فنهيته عنه # وهذا لأنه إنما ينتهي عما أمر بفعله قبل التمكن من الفعل بأن يظهر له من ~~حال المأمور به ما لم يكن معلوما حين يأمره به لعلمنا أنه بالأمر إنما طلب ~~من المأمور إيجاد الفعل بعد التمكن ms456 منه لا قبله إذ التكليف لا يكون إلا ~~بحسب الوسع والبداء على الله تعالى لا يجوز يقرره أن القول بجواز النسخ قبل ~~التمكن يؤدي إلى أن يكون الشيء الواحد حسنا وقبيحا في وقت واحد لأن الأمر ~~دليل على حسن فعل المأمور به عند الإمكان والنهي قبل التمكن PageV02P063 ~~دليل على قبح فعله في ذلك الوقت بعينه يوضحه أن النسخ بيان مدة بقاء الحكم ~~على وجه يجوز أن يكون مقرونا بالأمر ولهذا جاز النسخ في الأمر والنهي دون ~~الخبر والنسخ قبل التمكن لا يصح مقرونا بالأمر فإنه لا يستقيم أن يقول افعل ~~كذا إلى أن لا يكون متمكنا منه ثم لا يفعله بعد ذلك فعرفنا أن النسخ قبل ~~التمكن لا يجوز # وحجتنا في ذلك الحديث المشهور إن الله تعالى فرض على عباده خمسين صلاة في ~~ليلة المعراج ثم انتسخ ما زاد على الخمس لسؤال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكان ذلك نسخا قبل التمكن من الفعل إلا أنه كان بعد عقد القلب عليه ~~فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصل لهذه الأمة ولا شك أنه عقد قلبه ~~على ذلك ولا معنى لقولهم إن الله تعالى ما فرض ذلك عزما وإنما جعل ذلك إلى ~~رأي رسوله ومشيئته لأن في الحديث أن رسول الله عليه السلام سأل التخفيف عن ~~أمته غير مرة وما زال يسأل ذلك ويجيبه ربه إليه حتى انتهى إلى الخمس فقيل ~~له لو سألت التخفيف أيضا فقال أنا أستحي من ربي وفي هذا بيان أنه لم يكن ~~ذلك مفوضا إلى اختياره بل كان نسخا على وجه التخفيف بسؤاله بعد الفرضية # ومنهم من استدل بقوله @QB@ فقدموا بين يدي نجواكم صدقة @QE@ إلى قوله ~~@QB@ فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم @QE@ فإن هذا نسخ الأمر قبل الفعل ~~ولكنهم يقولون كان هذا النسخ بعد التمكن من الفعل وإن كان قبل مباشرة الفعل ~~ولا خلاف في جواز ذلك والأصح هو الأول ولأن النسخ جائز بعد وجود جزء مما ~~تناوله الأمر بالفعل فإن قول القائل افعلوا ms457 كذا في مستقبل أعماركم يجوز ~~نسخه بالنهي عنه بعد مضي جزء من العمر ولولا النسخ لكان أصل الكلام متناولا ~~لجميع العمر فبالنسخ يتبين أنه كان المراد الابتلاء بالعمل في ذلك الجزء ~~خاصة ولا يتوهم فيه معنى البداء أو الجهل بعاقبة الأمر فكذلك النسخ بعد عقد ~~القلب على الحكم واعتقاد الحقية فيه قبل التمكن من العمل يكون بيانا أن ~~المراد كان عقد القلب عليه إلى هذا الوقت واعتقاده الفرضية فيه دون مباشرة ~~العمل وإنما يكون مباشرة العمل مقصودا لمن ينتفع به والله يتعالى عن ذلك ~~وإنما المقصود فيما يأمر الله به عباده الابتلاء والابتلاء بعزيمة القلب ~~PageV02P064 واعتقاد الحقية لا يكون دون الابتلاء بالعمل وربما يكون ذلك ~~أهم ألا ترى أن في المتشابه ما كان الابتلاء إلا بعقد القلب عليه واعتقاد ~~الحقية فيه # وكذلك في المجمل الذي لا يمكن العمل به إلا بعد البيان يكون الابتلاء قبل ~~البيان بعقد القلب عليه واعتقاد الحقية فيه ويكون ذلك حسنا لا يشوبه من ~~معنى القبح شيء فكذلك الأمر الذي يرد النسخ عقيبه قبل التمكن من الفعل ~~ويعتبر هذا بإحياء الشخص فقد تبين انتهاء مدة حياته بالموت قبل أن يصير ~~منتفعا بحياته إما في بطن أمه بأن ينفصل ميتا أو بعد الانفصال قبل أن ينتفع ~~بحياته وأحد لا يقول إنه يتمكن فيه معنى البداء أو إنه يجتمع فيه معنى ~~الحسن والقبح يوضحه أن الواحد منا قد يأمر عبده ومقصوده من ذلك أن يظهر عند ~~الناس حسن طاعته وانقياده له ثم ينهاه عن ذلك بعد حصول هذا المقصود قبل أن ~~يتمكن من مباشرة الفعل ولا يجعل ذلك دليل البداء منه وإن كان ممن يجوز عليه ~~البداء فلأن لا يجعل النسخ قبل التمكن من الفعل بعد عزم القلب واعتقاد ~~الحقية موهما للبداء في حق من لا يجوز عليه البداء أولى وإنما يجتمع الحسن ~~والقبح في شيء واحد إذا كان مأمورا به ومنهيا عنه في وقت واحد وذلك لا يكون ~~مع أن الحسن مطلقا ما حسنه الشرع والقبيح ما ms458 قبحه الشرع يقرره أن تمام ~~الحسن على ما يزعمون إنما يظهر عند مباشرة العمل والإطلاق يقتضي صفة الكمال ~~ثم بالاتفاق يجوز النسخ بعد التمكن من الفعل قبل حقيقة الفعل لأن معنى ~~الحسن فيه كامل من حيث عقد القلب واعتقاد الحقية فيه فكذلك قبل التمكن ولا ~~نقول بأن مثل هذا البيان لا يجوز مقرونا بالأمر فإنه لو قال افعل كذا في ~~وقت كذا ( إن لم أنسخه عنك كان ذلك أمرا مستقيما بمنزلة قوله افعل كذا في ~~وقت كذا ) إن تمكنت منه وتكون الفائدة في الحال هو القبول بالقلب واعتقاد ~~الحقية فيه فكذلك يجوز مثله بعد الأمر بطريق النسخ والله الموفق # # | فصل في بيان الناسخ # قال رضي الله عنه اعلم بأن الحجج أربعة الكتاب والسنة والإجماع ~~PageV02P065 والقياس # ولا خلاف بين جمهور العلماء في أنه لا يجوز نسخ الكتاب والسنة بالقياس ~~وكان ابن سريج من أصحاب الشافعي يجوز ذلك و الأنماطي من أصحابه كان يقول لا ~~يجوز ذلك بقياس الشبه ويجوز بقياس مستخرج من الأصول وكل قياس هو مستخرج من ~~القرآن يجوز نسخ الكتاب به وكل قياس هو مستخرج من السنة يجوز نسخ السنة به ~~لأن هذا في الحقيقة نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالسنة فثبوت الحكم بمثل ~~هذا القياس في الحقيقة يكون محالا به على الكتاب والسنة # وهذا قول باطل باتفاق الصحابة فقد كانوا مجمعين على ترك الرأي بالكتاب ~~والسنة حتى قال عمر رضي الله عنه في حديث الجنين كدنا أن نقضي فيه برأينا ~~وفيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # وقال علي رضي الله عنه لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح ~~من ظاهره ولكني رأيت رسول الله يمسح على ظاهر الخف دون باطنه # ولأن القياس كيفما كان لا يوجب العلم فكيف ينسخ به ما هو موجب للعلم قطعا ~~وقد بينا أن النسخ بيان مدة بقاء الحكم وكونه حسنا إلى ذلك الوقت ولا مجال ~~للرأي في معرفة انتهاء وقت الحسن وما ادعاه من أن هذا الحكم يكون ms459 ثابتا ~~بالكتاب فكلام ضعيف فإن الوصف الذي به يرد الفرع إلى الأصل المنصوص عليه في ~~الكتاب والسنة غير مقطوع بأنه هو المعنى في الحكم الثابت بالنص وأحد من ~~القائسين لا يقول بأن حكم الربا فيما عدا الأشياء الستة يكون ثابتا بالنص ~~الذي فيه ذكر الأشياء الستة # وأما النسخ بالإجماع فقد جوزه بعض مشايخنا بطريق أن الإجماع موجب علم ~~اليقين كالنص فيجوز أن يثبت النسخ به والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر ~~المشهور وإذا كان يجوز النسخ بالخبر المشهور كما أشرنا إليه في الزيادة على ~~النص فجوازه بالإجماع أولى # وأكثرهم على أنه لا يجوز ذلك لأن الإجماع عبارة عن اجتماع الآراء على شيء ~~وقد بينا أنه لا مجال للرأي في معرفة نهاية وقت الحسن والقبح في الشيء عند ~~الله تعالى ثم أوان النسخ حال حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتفاقنا ~~على أنه لا نسخ بعده وفي حال حياته ما كان ينعقد الإجماع بدون رأيه وكان ~~الرجوع إليه فرضا وإذا وجد البيان منه فالموجب للعلم قطعا هو البيان ~~المسموع PageV02P066 منه وإنما يكون الإجماع موجبا للعلم بعده ولا نسخ بعده ~~فعرفنا أن النسخ بدليل الإجماع لا يجوز # ثم الأقسام بعد هذا أربعة نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالسنة ونسخ ~~الكتاب بالسنة ونسخ السنة بالكتاب # ولا خلاف بين العلماء في جواز القسمين الأولين ويختلفون في القسمين ~~الآخرين # فعندنا يجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة أو المشهورة على ما ذكره الكرخي ~~عن أبي يوسف أنه يجوز نسخ الكتاب بمثل خبر المسح على الخفين وهو مشهور ~~وكذلك يجوز نسخ السنة بالكتاب # وعلى قول الشافعي لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة ولا نسخ السنة بالكتاب فإنه ~~قال في كتاب الرسالة وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسخها إلا سنة ~~كما لا ينسخ الكتاب إلا الكتاب # فمن أصحابه من يقول مراده نفي الجواز ومنهم من يقول مراده نفي الوجود أي ~~لم يوجد في الشريعة نسخ الكتاب بالسنة ولا نسخ السنة بالكتاب # فيحتاج إلى إثبات الفصلين ms460 بالحجة # فأما هو احتج بقوله تعالى @QB@ قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي @QE@ وفي هذا تنصيص على أنه كان متبعا لكل ما يوحى ~~إليه ولم يكن مبدلا لشيء منه والنسخ تبديل قال تعالى @QB@ لتبين للناس ما ~~نزل إليهم ولعلهم يتفكرون @QE@ فأخبر أنه مبين لما هو المنزل حتى يعمل ~~الناس بالمنزل بعدما تبين لهم ببيانه وفي تجويز نسخ الكتاب بالسنة رفع هذا ~~الحكم لأن العمل بالناسخ يكون فإذا كان الناسخ من السنة لا يكون العمل به ~~عملا بالمنزل # وقوله تعالى @QB@ ولعلهم يتفكرون @QE@ أي يتفكرون في المنزل ليعملوا به ~~بعد بيانه وفي الناسخ في المنسوخ التفكر في التاريخ بينهما ليجعل المتقدم ~~منسوخا بالمتأخر لا في المنزل ليعمل به وقال تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ~~ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ ولا شك أن السنة لا تكون مثلا للقرآن ~~ولا خيرا منه والقرآن كلام الله غير محدث ولا مخلوق وهو معجز والسنة كلام ~~مخلوق وهو غير معجز # فعرفنا أن نسخ الكتاب لا يجوز بالسنة وقال عليه السلام إذا روي لكم ~~PageV02P067 عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فاقبلوه ~~وما خالف كتاب الله فردوه ومع هذا البيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كيف يجوز نسخ الكتاب بالسنة ولأن ما قلته أقرب إلى صيانة رسول الله عن طعن ~~الطاعنين فيه وبالاتفاق يجب المصير في باب بيان أحكام الشرع إلى طريق يكون ~~أبعد عن الطعن فيه # وبيان ذلك أنه إذا جاز منه أن يقول ما هو مخالف للمنزل في الظاهر على وجه ~~النسخ له فالطاعن يقول هو أول قائل وأول عامل بخلاف ما يزعم أنه أنزل إليه ~~فكيف يعتمد قوله فيه وإذا ظهر منه قول ثم قرأ ما هو مخالف لما ظهر منه من ~~القول فالطاعن يقول قد كذبه ربه فيما قال فكيف نصدقه وإلى هذا أشار الله ~~تعالى في قوله @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا ~~إنما ms461 أنت مفتر @QE@ ثم نفى عنه هذا الطعن بقوله @QB@ قل نزله روح القدس من ~~ربك بالحق @QE@ ففي هذا بيان أنه ليس في نسخ الكتاب بالكتاب تعريضه للطعن ~~وفي نسخ الكتاب بالسنة تعريضه للطعن من الوجه الذي قاله الطاعنون فيجب سد ~~هذا الباب لعلمنا أنه مصون عما يوهم الطعن فيه # واستدل على نفي جواز نسخ ( السنة ) بالكتاب بقوله @QB@ ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء @QE@ والسنة شيء فيكون الكتاب تبيانا لحكمه لا رافعا ~~له وذلك في أن يكون مؤيدا إن كان موافقا ومبينا للغلط فيها إن كان مخالفا ~~ولهذا لا يجوز إلا عند وروده ليكون بيانا محضا فإن رسول الله كان لا يقر ~~على الخطأ والبيان المحض ما يكون مقارنا ولأن النبي عليه السلام إذا أمر ~~بشيء وتقرر ذلك فقد توجه علينا الأمر من الله تعالى بتصديقه في ذلك واتباعه ~~فلا يجوز القول بأن ينزل في القرآن بعد ذلك ما يكون مخالفا له حقيقة أو ~~ظاهرا فإن ذلك يؤدي إلى القول بأنه لا يفترض تصديقه فيما يخبر به لجواز أن ~~ينزل القرآن بخلافه وذلك خلاف النص وخلاف قول المسلمين أجمع يقرره أن السنة ~~نوع حجة لإثبات حكم الشرع والكتاب كذلك وحجج الشرع لا تتناقض وإنما يتأيد ~~وما يستدل به على أنه من عند غير الله قال تعالى @QB@ ولو كان من عند @QE@ ~~نوع منها بنوع PageV02P068 آخر لأن في التناقض ما يؤدي إلى تنفير الناس عن ~~قبوله @QB@ غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ فبهذا يتبين أن أحد ~~النوعين يتأيد بالآخر ولا يتمكن فيما بين النوعين تناقض والقول بجواز نسخ ~~السنة بالكتاب والكتاب بالسنة يؤدي إلى هذا # وحجتنا في ذلك من أصحابنا من استدل بقوله تعالى @QB@ كتب عليكم إذا حضر ~~أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين @QE@ ففي هذا تنصيص على ~~أن الوصية للوالدين والأقربين فرض ثم انتسخ ذلك بقوله عليه السلام لا وصية ~~لوارث وهذه سنة مشهورة # ولا يجوز أن يقال إنما انتسخ ذلك بآية المواريث لأن فيها إيجاب حق آخر ~~لهم بطريق الإرث ms462 وإيجاب حق بطريق الإرث لا ينافي حقا آخر ثابتا بطريق آخر ~~وبدون المنافاة لا يثبت النسخ # ولا يجوز أن يقال لعل ناسخه مما أنزل في القرآن ولكن لم يبلغنا لانتساخ ~~تلاوته مع بقاء حكمه لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى القول بالوقف في جميع ~~أحكام الشرع فإنه يقال ما من حكم إلا ويتوهم فيه أن يكون ناسخه قد نزل ثم ~~لم يبلغنا لانتساخ تلاوته ومع ذلك يؤدي هذا إلى مذهب الروافض فإنهم يقولون ~~قد نزلت آيات كثيرة فيها تنصيص على إمامة علي ولم يبلغنا ذلك ويقولون إن ~~لظاهر ما نزل من القرآن باطنا لا نعقله وقد كان يعقله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأهل بيته فيزعمون أن كثيرا من الأحكام قد خفي علينا ويجب الرجوع ~~فيها إلى أهل البيت للوقوف على ذلك وقد أجمع المسلمون على بطلان القول بهذا ~~فكل سؤال يؤدي إلى القول بذلك فهو ساقط # ولكن هذا الاستدلال مع هذا ليس بقوي من وجهين أحدهما أن في آية المواريث ~~تنصيصا على ترتيب الإرث على وصية منكرة فإنه قال @QB@ من بعد وصية يوصي بها ~~أو دين @QE@ والتي كانت مفروضة من الوصية هي الوصية المعهودة المعرفة ~~بالألف واللام فإنه قال @QB@ الوصية للوالدين @QE@ فلو كانت تلك الوصية ~~باقية عند نزول آية المواريث لكان فيها ترتيب الميراث على الوصية المعهودة ~~وفي التنصيص على ترتيب الإرث على PageV02P069 وصية مطلقة دليل نسخ الوصية ~~المعهودة لأن الإطلاق بعد التقييد نسخ كما أن التقييد بعد الإطلاق نسخ # والثاني أن النسخ في الشرع نوعان أحدهما إثبات الحكم مبتدأ على وجه يكون ~~دليلا على انتهاء الوقت في حكم كان قبله # والثاني نسخ بطريق التحويل للحكم من شيء إلى شيء بمنزلة تحويل فرض التوجه ~~عند أداء الصلاة من بيت المقدس إلى الكعبة وانتساخ الوصية للوالدين ~~والأقربين بآية الميراث من النوع الثاني فإن الله تعالى فوض بيان نصيب كل ~~فريق إلى من حضره الموت على أن يراعى الحدود في ذلك ويبين حصة كل واحد منهم ~~بحسب قرابته ثم تولى ms463 بيان ذلك بنفسه في آية المواريث وإليه أشار في قوله ~~تعالى @QB@ يوصيكم الله @QE@ وإنما تولى بيانه بنفسه لأن الموصي ربما كان ~~يقصد إلى المضارة في ذلك وإلى ذلك أشار في قوله تعالى @QB@ غير مضار وصية ~~من الله @QE@ وربما كان لا يحسن التدبير في مقدار ما يوصى لكل واحد منهم ~~بجهله فبين الله تعالى نصيب كل واحد منهم على وجه يتيقن بأنه هو الصواب وأن ~~فيه الحكمة البالغة وإلى ذلك أشار في قوله تعالى @QB@ لا تدرون أيهم أقرب ~~لكم نفعا @QE@ وما هذا إلا نظير من أمر غيره بإعتاق عبده ثم يعتقه بنفسه ~~فينتهي به حكم الوكالة لما باشره الموكل بنفسه فهنا حين بين الله تعالى ~~نصيب كل قريب لم يبق حكم الوصية إلى الوالدين والأقربين لحصول المقصود ~~بأقوى الطرق وإليه أشار النبي عليه السلام بقوله إن الله تعالى أعطى كل ذي ~~حق حقه ألا لا وصية لوارث وكان النسخ بهذا الطريق بمنزلة الحوالة فإن الدين ~~إذا تحول من ذمة إلى ذمة حتى اشتغلت الذمة الثانية به فرغ منه الذمة الأولى ~~وإن لم يكن بين وجوب الدين في الذمتين معنى المنافاة كما يكون بطريق ~~الكفالة # ولكنا نقول بهذا الطريق يجوز أن يثبت انتهاء حكم وجوب الوصية للوالدين ~~والأقربين فأما انتهاء حكم جواز الوصية لهم لا يثبت بهذا الطريق ألا ترى أن ~~بالحوالة وإن لم يبق الدين واجبا في الذمة الأولى فقد بقيت الذمة محلا ~~صالحا لوجوب الدين فيها وليس من ضرورة انتفاء وجوب الوصية لهم PageV02P070 ~~انتفاء الجواز كالوصية للأجانب # فعرفنا أنه إنما انتسخ انتفاء وجوب الوصية لهم لضرورة نفي أصل الوصية لهم ~~وذلك ثابت بالسنة وهو قوله عليه السلام لا وصية لوارث فمن هذا الوجه يتقرر ~~الاستدلال بهذه الآية # ومنهم من استدل بحكم الحبس في البيوت والأذى باللسان في حق الزاني فإنه ~~كان بالكتاب ثم انتسخ بالسنة وهو قوله عليه السلام البكر بالبكر جلد مائة ~~وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة وهذا ليس بقوي أيضا فقد ~~ثبت برواية عمر رضي ms464 الله عنه أن الرجم مما كان يتلى في القرآن على ما قال ~~لولا أن الناس يقولون إن عمر زاد في كتاب الله لكتبت على حاشية المصحف ~~الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة # الحديث فإنما كان هذا نسخ الكتاب بالكتاب # ثم الآية التي فيها بيان حكم الحبس والأذى باللسان فيها بيان توقيت ذلك ~~الحكم بما هو مجمل وهو قوله تعالى @QB@ أو يجعل الله لهن سبيلا @QE@ فإنما ~~بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك المجمل وإليه أشار في قوله عليه ~~السلام خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ولا خلاف أن بيان المجمل في كتاب ~~الله تعالى بالسنة يجوز # ومنهم من استدل بقوله تعالى @QB@ فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ~~@QE@ فإن هذا حكم منصوص في القرآن فقد انتسخ وناسخه لا يتلى في القرآن ~~فعرفنا أنه ثابت بالسنة # وهذا ضعيف أيضا # وبين أهل التفسير كلام فيما هو المراد بهذه الآية وأثبت ما قيل فيه أن من ~~ارتدت زوجته وهربت إلى دار الحرب فقد كان على المسلمين أن يعينوه من ~~الغنيمة بما يندفع به الخسران عنه وذلك بأن يعطوه مثل ما ساق إليها من ~~الصداق وإلى ذلك وقعت الإشارة في قوله تعالى @QB@ فعاقبتم @QE@ أي عاقبتم ~~المشركين بالسبي والاسترقاق واغتنام أموالهم # وكان ذلك بطريق الندب على سبيل المساواة ولم ينتسخ هذا الحكم # فبهذا تبين أنه لا يؤخذ نسخ حكم ثابت بالكتاب بحكم هو ثابت بالسنة ابتداء ~~وإنما يؤخذ من ذلك الزيادة بالسنة على الحكم الثابت بالكتاب نحو ما ذهب ~~إليه الشافعي في ضم التغريب إلى الجلد PageV02P071 في حد البكر فإنه أثبته ~~بقوله ( البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ) ومثل هذه الزيادة عندنا نسخ ~~وعنده بيان بطريق التخصيص ولا يكون نسخا # فعلى هذا الكلام يبتنى على ذلك الأصل # وسنقرر هذا بعد هذا # ثم الحجة لإثبات جواز نسخ الكتاب بالسنة قوله تعالى @QB@ وأنزلنا إليك ~~الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ فإن المراد بيان حكم غير متلو في ~~الكتاب مكان حكم آخر وهو متلو على وجه ms465 يتبين به مدة بقاء الحكم الأول وثبوت ~~حكم الثاني والنسخ ليس إلا هذا # والدليل على أن المراد هذا لا ما توهمه الخصم في بيان الحكم المنزل في ~~الكتاب أنه قال تعالى @QB@ ما نزل إليهم @QE@ ولو كان المراد الكتاب لقال ~~ما نزل إليك كما قال تعالى @QB@ بلغ ما أنزل إليك من ربك @QE@ والمنزل إلى ~~الناس الحكم الذي أمروا باعتقاده والعمل به وذلك يكون تارة بوحي متلو وتارة ~~بوحي غير متلو وهو ما يكون مسموعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ~~يقال إنه سنته فقد ثبت بالنص أنه كان لا يقول ذلك إلا بالوحي قال تعالى ~~@QB@ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ ومعنى قوله @QB@ لعلهم ~~يتفكرون @QE@ أي يتفكرون في حجج الشرع ليقفوا بتفكرهم على الحكمة البالغة ~~في كل حجة أو ليعرفوا الناسخ من المنسوخ # ووجه الحكمة في تبديل المنسوخ بالناسخ ما يترتب عليه من المنافع ~~للمخاطبين في الدنيا والآخرة أو يتبين لهم إرادة اليسر والتوسعة للأمر ~~عليهم أو ما يكون لهم فيه من عظيم الثواب وفي هذا كله لا فرق بين ما يكون ~~ثبوته بوحي متلو وبين ما يكون ثبوته بوحي غير متلو وفيما تلا من الآية ~~إشارة إلى ما قلنا فإنه قال تعالى @QB@ قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء ~~نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي @QE@ فعرفنا أن المراد بيان أنه لا يبدل شيئا ~~من تلقاء نفسه بناء على متابعة الهوى وإنما يوحى إليه فيتبع ما يوحى إليه ~~ويبينه للناس فيما ليس بمنزل في القرآن ولكن العبارة فيه مفوض إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيبينه بعبارته وهو حكم ثابت من الله تعالى بدليل ~~مقطوع به بمنزلة الحكم المتلو في القرآن ودليل كونه مقطوعا به ما قال إن ~~تصديقنا إياه فرض علينا من الله تعالى وكذلك أتباعه لازم بقوله تعالى @QB@ ~~وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا @QE@ PageV02P072 وقال تعالى ~~@QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ فبهذا التقرير يتبين ~~أن بالوحي ms466 الذي هو غير متلو ( يجوز أن يتبين مدة بقاء الحكم المتلو كما ~~يجوز أن يتبين ذلك بالوحي الذي هو متلو ) والنسخ ليس إلا هذا ألا ترى أنا ~~لو سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحكم هو ثابت بوحي متلو قد كان ~~هذا الحكم ثابتا إلى الآن وقد انتهى وقته فلا تعملوا به بعده يلزمنا تصديقه ~~في ذلك والكف عن العمل به وتكفير من يكذبه في ذلك # فكذلك إذا ثبت ذلك عندنا بالنقل المتواتر عنه # فإن قيل مع هذا في الآية إشارة إلى ( أن رسول الله مبين للحكم وفي النسخ ~~بيان حكم ورفع حكم مشروع وليس في الآية إشارة إلى ) أنه رافع لحكم ثابت ~~بوحي متلو # قلنا نحن نقول هو مبين ولكن في حق الحكم الأول مبين تأويلا وتبليغا وفي ~~حق الحكم الثاني تبليغا وتأويلا # وبيان هذا أنا قد ذكرنا أن الدليل الموجب لثبوت الحكم وهو الوحي المتلو ~~لا يكون موجبا بقاء الحكم وبالنسخ إنما يرتفع بقاء الحكم الأول ولم يكن ذلك ~~ثابتا بوحي متلو حتى يكون في بيانه رفع الحكم المتلو مع أنه ليس في النسخ ~~رفع الحكم ولكنه بيان مدة بقاء الحكم ثم الوقت لا يبقى بعد مضي وقته كما لو ~~كان التوقيت فيه مذكورا في النص المثبت فعلى هذا التقرير يكون هو مبينا ~~للوقت فيما هو منزل # فإن قيل فعلى هذا اختلاط البيان بالنسخ وبالاتفاق بين البيان والنسخ فرق # قلنا لا كذلك فإن كلا واحد منهما في الحقيقة بيان إلا أن البيان المحض ~~يجوز أن يكون مقترنا بأصل الكلام كدليل الخصوص في العموم فإنه لا يكون إلا ~~مقارنا وبيان المجمل فإنه يجوز أن يكون مقارنا # فأما النسخ ( بيان ) لا يكون PageV02P073 إلا متأخرا # وبهذه العلامة يظهر الفرق بينهما فأما أن يكون النسخ غير البيان فلا # فإن قيل الحكم الثابت بالسنة يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيقال إنه سنته وما يكون طريقه الوحي فهو مضاف إلى الله تعالى كالثابت ~~بالوحي المتلو ففي إضافته إلى رسول ms467 الله دليل على أنه ليس ببيان لما هو ~~المنزل بطريق الوحي # وإذا تقرر هذا فنقول في النسخ بيان انتهاء مدة كون الحكم حسنا عند الله ~~تعالى وذلك مما لا يمكن معرفته إلا بوحي من الله فكيف يجوز إثبات نسخ ~~الكتاب بالسنة قلنا قد بينا أن ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما ~~يبينه عن وحي والإضافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن العبارة في ~~ذلك له فمن هذا الوجه يقال إنه سنته # فأما حقيقة الحكم من الله تعالى وقف عليه رسول الله بطريق الوحي ثم بينه ~~للناس # وبهذا يتبين أنه ما عرف انتهاء مدة الحسن في ذلك الحكم إلا بوحي من الله ~~تعالى وما هو إلا نظير بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة الحياة لحي ~~قد أحياه الله تعالى فإن أحدا لا يظن أنه بين ذلك من غير طريق الوحي وما ~~كانت الإضافة إليه إلا نظير قوله تعالى @QB@ أفرأيتم ما تمنون أأنتم ~~تخلقونه أم نحن الخالقون @QE@ فإن إضافة الإمناء إلى العباد لا يمنع القول ~~بأن الشخص مخلوق خلقه الله تعالى فكذلك إضافة السنة إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بطريق أنه ظهر لنا بعبارته لا يكون دليلا على أن الحكم غير ثابت ~~بطريق الوحي من الله تعالى وكما أن الكتاب والسنة كل واحد منهما حجة موجبة ~~للعلم فآيات الكتاب كلها حجة موجبة للعلم # ثم القول بجواز نسخ الكتاب بالكتاب لا يؤدي إلى القول بالتناقض في الحجة ~~فكذلك في السنن فإن جواز نسخ السنة بالسنة لا يؤدي إلى التناقض وتطرق ~~الطاعنين إلى الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذلك جواز نسخ الكتاب ~~بالسنة لا يؤدي إلى ذلك بل يؤدي ذلك إلى تعظيم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإلى قرب منزلته من حيث إن الله تعالى فوض بيان الحكم الذي هو وحي في ~~الأصل إليه ليبينه بعبارته وجعل لعبارته من الدرجة ما يثبت به مدة الحكم ~~الذي هو ثابت بوحي متلو حتى ms468 PageV02P074 يتبين به انتساخه # والدليل عليه أنه لا خلاف بيننا وبين الخصم على جواز نسخ التلاوة دون ~~الحكم ونسخ تلاوة الكتاب إنما يكون بغير الكتاب إما بأن يرفع حفظه من ~~القلوب أو لا يبقى أحد ممن كان يحفظه نحو صحف إبراهيم ومن تقدمه من ~~الأنبياء عليهم السلام وهذا نسخ الكتاب بغير الكتاب وقد جاء في الحديث أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاته سورة المؤمنين فأسقط منها آية ~~ثم قال بعد الفراغ ألم يكن فيكم أبي فقال نعم يا رسول الله # فقال هلا ذكرتنيها فقال ظننت أنها نسخت # فقال لو نسخت لأنبأتكم بها فقد اعتقد نسخ الكتاب بغير الكتاب ولم ينكر ~~ذلك عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ثبت جواز نسخ التلاوة بغير ~~الكتاب فكذلك جواز نسخ الحكم لأن وجوب التلاوة والعمل بحكمه كل واحد منهما ~~حكم ثابت بالكتاب # والدليل على جواز نسخ الحكم الثابت بالكتاب بغيره أن قوله تعالى @QB@ لا ~~يحل لك النساء من بعد @QE@ قد انتسخ باتفاق الصحابة على ما روي عن ابن عمر ~~وعائشة رضي الله عنهما أنهما قالا ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الدنيا حتى أبيح له النساء # وناسخ هذا لا يتلى في الكتاب فعرفنا أنهم اعتقدوا جواز نسخ الكتاب بغير ~~الكتاب # فأما قوله تعالى @QB@ نأت بخير منها أو مثلها @QE@ فهو يخرج على ما ذكرنا ~~من التقرير فإن كل واحد من الحكمين ثابت بطريق الوحي وشارعه علام الغيوب ~~وإن كانت العبارة في أحدهما من حيث الظاهر لرسول الله فيستقيم إطلاق القول ~~بأن الحكم الثاني مثل الأول أو خير منه على معنى زيادة الثواب والدرجة فيه ~~أو كونه أيسر على العباد أو أجمع لمصالحهم عاجلا وآجلا إلا أن الوحي المتلو ~~نظمه معجز والذي هو غير متلو نظمه ليس بمعجز لأنه عبارة مخلوق وهو عليه ~~السلام وإن كان أفصح العرب فكلامه ليس بمعجز ألا ترى أنه ما تحدى الناس إلى ~~الإتيان بمثل كلامه كما تحداهم إلى الأتيان بمثل سورة من ms469 القرآن # ولكن حكم النسخ لا يختص بالمعجز ألا ترى أن النسخ يثبت بما دون الآية ~~وبآية واحدة واتفاق العلماء على صفة الإعجاز في سورة وإن تكلموا فيما دون ~~PageV02P075 السورة # فعرفنا أن حكم النسخ لا يختص بالمعجز # وما روي من قوله عليه السلام فاعرضوه على كتاب الله تعالى فقد قيل هذا ~~الحديث لا يكاد يصح لأن هذا الحديث بعينه مخالف لكتاب الله تعالى فإن في ~~الكتاب فرضية اتباعه مطلقا وفي هذا الحديث فرضية اتباعه مقيدا بأن لا يكون ~~مخالفا لما يتلى في الكتاب ظاهرا # ثم ولئن ثبت فالمراد أخبار الآحاد لا المسموع منه بعينه أو الثابت عنه ~~بالنقل المتواتر وفي اللفظ ما دل عليه وهو قوله عليه السلام إذا روي لكم ~~عني حديث ولم يقل إذا سمعتم مني وبه نقول إن بخبر الواحد لا يثبت نسخ ~~الكتاب لأنه لا يثبت كونه مسموعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعا ~~ولهذا لا يثبت به علم اليقين على أن المراد بقوله وما خالف فردوه عند ~~التعارض إذا جعل التاريخ بينهما حتى لا يوقف على الناسخ والمنسوخ منهما ~~فإنه يعمل بما في كتاب الله تعالى ولا يجوز ترك ما هو ثابت في كتاب الله ~~نصا عند التعارض ونحن هكذا نقول وإنما الكلام فيما إذا عرف التاريخ بينهما # والدليل على جواز نسخ السنة بالكتاب قوله تعالى @QB@ ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شيء @QE@ فإن السنة شيء ومطلقها يحتمل التوقيت والتأبيد فناسخها ~~يكون مبينا معنى التوقيت فيها والله تعالى بين أن القرآن تبيان لكل شيء فبه ~~يظهر جواز نسخ السنة بالكتاب # والدليل عليه جواز نسخ السنة بالسنة فإن كل واحد منهما ثابت بوحي غير ~~متلو فإذا جاز نسخ السنة بوحي غير متلو فلأن يجوز نسخها بوحي متلو كان أولى # والدليل على وجود ذلك أن النبي عليه السلام بعدما قدم المدنية كان يصلي ~~إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا وهذا الحكم ليس يتلى في القرآن وإنما يثبت ~~بالسنة ثم انتسخ بقوله تعالى @QB@ فول وجهك شطر المسجد الحرام ms470 @QE@ # فإن قيل لا كذلك بل ثبوت هذا الحكم بالكتاب فإنه كان في شريعة من قبلنا ~~وعندي شريعة من قبلنا تلزمنا حتى يقوم الدليل على انتساخه وهذا حكم ثابت ~~بالكتاب وهو قوله تعالى @QB@ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده @QE@ قلنا ~~عندك شريعة من قبلنا تلزمنا بطريق أنه تصير شريعة لنا بسنة رسول الله قولا ~~أو عملا PageV02P076 فلا يخرج بهذا من أن يكون نسخ السنة بالكتاب مع أن ~~الناسخ ما كان في شريعة من قبلنا قد ثبت بفعل رسول الله حين كان بمكة فإنه ~~كان يصلي إلى الكعبة ثم بعدما قدم المدينة لما صلى إلى بيت المقدس انتسخت ~~السنة بالسنة ثم لما نزلت فرضية التوجه إلى الكعبة انتسخت السنة بالكتاب ~~ولا خلاف أن ما كان في شريعة من قبلنا ثبت انتساخه في حقنا بقول أو فعل من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافه وهذا نسخ الكتاب بالسنة # والدليل عليه أن النبي عليه السلام صالح قريشا عام الحديبية على أن يرد ~~عليهم من جاءه منهم مسلما ثم انتسخ بقوله @QB@ فلا ترجعوهن إلى الكفار @QE@ ~~الآية وهذا نسخ السنة بالكتاب # وكذلك حكم إباحة الخمر في الابتداء فإن كان ثابتا بالسنة ثم انتسخ ~~بالكتاب وهو قوله تعالى @QB@ فاجتنبوه @QE@ وحكم حرمة الأكل والشرب والجماع ~~بعد النوم في زمان الصوم كان ثابتا بالسنة ثم انتسخ بقوله تعالى @QB@ فالآن ~~باشروهن @QE@ الآية # ولهذا أمثلة كثيرة # وأما نسخ الكتاب بالكتاب فنحو وجوب الصفح والإعراض عن المشركين فإنه كان ~~ثابتا بالكتاب وهو قوله تعالى @QB@ فاصفح الصفح الجميل @QE@ ثم انتسخ ذلك ~~بالكتاب بقوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ وحرمة فرار الواحد مما دون ~~العشرة من المشركين حكما ثابتا بالكتاب وهو قوله @QB@ وإن يكن منكم مائة ~~يغلبوا ألفا @QE@ ثم انتسخ بالكتاب وهو قوله @QB@ الآن خفف الله عنكم @QE@ # وأما نسخ السنة بالسنة فبيانه فيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فقد أذن لمحمد في زيارة قبر ~~أمه # وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تمسكوها فوق ثلاثة ms471 أيام فأمسكوا وادخروا ~~ما بدا لكم # وكنت نهيتكم عن الشرب في الدباء والحنتم والمزفت فاشربوا في الظروف فإن ~~الظروف لا تحل شيئا ولا تحرمه ولا تشربوا مسكرا ثم إنما يجوز نسخ الكتاب ~~بالسنة المتواترة أو المشهورة على وجه لو جهل التاريخ بينهما يثبت حكم ~~التعارض # فأما بخبر الواحد لا يجوز النسخ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ~~التعارض به لا يثبت بينه وبين الكتاب فإنه لا يعلم بأنه كلام رسول الله ~~عليه السلام لتمكن الشبهة في طريق النقل ولهذا لا يوجب العلم فلا يتبين به ~~أيضا مدة بقاء الحكم الثابت بما يوجب علم اليقين # فأما في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P077 فقد كان يجوز أن ~~يثبت نسخ الكتاب بخبر الواحد ألا ترى أن أهل قباء تحولوا في خلال الصلاة من ~~جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة بخبر الواحد ولم ينكر عليهم ذلك رسول الله # وهذا لأن في حياته كان احتمال النسخ والتوقيت قائما في كل حكم لأن الوحي ~~كان ينزل حالا فحالا فأما بعده فلا احتمال للنسخ ابتداء # ولا بد من أن يكون ما يثبت به النسخ مستندا إلى حال حياته بطريق لا شبهة ~~فيه وهو النقل المتواتر أو ما يكون في حيز التواتر على الوجه الذي قررنا ~~فيما سبق والله أعلم # # | فصل في بيان وجوه النسخ # وهذه وجوه أربعة نسخ التلاوة والحكم جميعا ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة ~~ونسخ رسم التلاوة مع بقاء الحكم والنسخ بطريق الزيادة على النص # فأما الوجه الأول فنحو صحف إبراهيم ومن تقدمه من الرسل عليهم السلام فقد ~~علمنا بما يوجب العلم حقيقة أنها قد كانت نازلة تقرأ ويعمل بها قال تعالى ~~@QB@ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى @QE@ وقال تعالى @QB@ وإنه ~~لفي زبر الأولين @QE@ ثم لم يبق شيء من ذلك في أيدينا تلاوة ولا عملا به ~~فلا طريق لذلك سوى القول بانتساخ التلاوة والحكم فيما يحتمل ذلك # وله طريقان إما صرف الله تعالى عنها القلوب وإما موت من يحفظها ms472 من ~~العلماء لا إلى خلف # ثم هذا النوع من النسخ في القرآن كان جائزا في حياة رسول الله عليه ~~السلام بقوله تعالى @QB@ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله @QE@ فالاستثناء ~~دليل على جواز ذلك # وقال تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها @QE@ وقال @QB@ ولئن شئنا ~~لنذهبن بالذي أوحينا إليك @QE@ فأما بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ~~لا يجوز هذا النوع من النسخ في القرآن عند المسلمين # وقال بعض الملحدين ممن يتستر بإظهار الإسلام وهو قاصد إلى إفساده هذا ~~جائز بعد وفاته أيضا واستدل في ذلك بما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ~~كان يقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم # و أنس رضي الله عنه كان يقول PageV02P078 قرأنا في القرآن بلغوا عنا ~~قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا # وقال عمر رضي الله عنه قرأنا آية الرجم في كتاب الله ووعيناها # وقال أبي بن كعب إن سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة أو أطول منها # والشافعي لا يظن به موافقة هؤلاء في هذا القول ولكنه استدل بما هو قريب ~~من هذا في عدد الرضعات فإنه صحح ما يروى عن عائشة رضي الله عنها وإن مما ~~أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس رضعات معلومات وكان ذلك ~~مما يتلى في القرآن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث # والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا ~~له لحافظون @QE@ ومعلوم أنه ليس المراد الحفظ لديه فإن الله تعالى يتعالى ~~من أن يوصف بالنسيان والغفلة فعرفنا أن المراد الحفظ لدينا فالغفلة ~~والنسيان متوهم منا وبه ينعدم الحفظ إلا أن يحفظه الله عز وجل ولأنه لا ~~يخلو شيء من أوقات بقاء الخلق في الدنيا عن أن يكون فيما بينهم ما هو ثابت ~~بطريق الوحي فيما ابتلوا به من أداء الأمانة التي حملوها إذ العقل لا يوجب ~~ذلك وليس به كفاية بوجه من الوجوه وقد ثبت أنه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ~~ينزل بعد ms473 وفاة رسول الله عليه السلام ولو جوزنا هذا في بعض ما أوحي إليه ~~لوجب القول بتجويز ذلك في جميعه فيؤدي إلى القول بأن لا يبقى شيء مما ثبت ~~بالوحي بين الناس في ( حال ) بقاء التكليف وأي قول أقبح من هذا ومن فتح هذا ~~الباب لم يأمن أن يكون بعض ما في أيدينا اليوم أو كله مخالف لشريعة رسول ~~الله بأن نسخ الله ذلك بعده وألف بين قلوب الناس على أن ألهمهم ما هو خلاف ~~شريعته فلصيانة الدين إلى آخر الدهر أخبر الله تعالى أنه هو الحافظ لما ~~أنزله على رسوله وبه يتبين أنه لا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته بطريق ~~الاندراس وذهاب حفظه من قلوب العباد وما ينقل من أخبار الآحاد شاذ لا يكاد ~~يصح شيء منها ويحمل قول من قال في آية الرجم إنه في كتاب الله أي في حكم ~~الله تعالى كما قال تعالى @QB@ كتاب الله عليكم @QE@ أي حكم الله عليكم ~~وحديث عائشة لا يكاد يصح PageV02P079 لأنه قال في ذلك الحديث وكانت الصحيفة ~~تحت السرير فاشتغلنا بدفن رسول الله فدخل داجن البيت فأكله ومعلوم أن بهذا ~~لا ينعدم حفظه من القلوب ولا يتعذر عليهم إثباته في صحيفة أخرى فعرفنا أنه ~~لا أصل هذا الحديث # فأما الوجهان الآخران فهما جائزان في قول الجمهور من العلماء ومن الناس ~~من يأبى ذلك # قالوا لأن المقصود بيان الحكم وإنزال المتلو كان لأجله فلا يجوز رفع ~~الحكم مع بقاء التلاوة لخلوه عما هو المقصود ولا يجوز نسخ التلاوة مع بقاء ~~الحكم لأن الحكم لا يثبت بدون السبب ولا يبقى بدون بقاء السبب أيضا # ومنهم من يقول يجوز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة ولا يجوز نسخ التلاوة مع ~~بقاء الحكم فإنه لا شك في وجوب الإعتقاد في المتلو أنه قرآن وأنه كلام الله ~~تعالى كيف يصح أن يعتقد فيه خلاف هذا في شيء من الأوقات والقول بنسخ ~~التلاوة يؤدي إلى هذا فكان هذا نوعا من الأخبار التي لا يجوز فيها النسخ # فأما دليلنا ms474 على وجود نسخ الحكم مع بقاء التلاوة قوله تعالى @QB@ ~~فأمسكوهن في البيوت @QE@ فإن الحبس في البيوت والأذى باللسان كان حد الزنا ~~وقد انتسخ هذا الحكم مع بقاء التلاوة # وكذلك قوله تعالى @QB@ متاعا إلى الحول غير إخراج @QE@ فإن تقدير عدة ~~الوفاة بحول كان منزلا وانتسخ هذا الحكم مع بقاء التلاوة # وقوله تعالى @QB@ فقدموا بين يدي نجواكم صدقة @QE@ فإن حكم هذا قد انتسخ ~~بقوله @QB@ فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم @QE@ وبقيت التلاوة # وحكم التخيير بين الصوم والفدية قد انتسخ بقوله @QB@ فليصمه @QE@ وبقيت ~~التلاوة وهو قوله @QB@ وأن تصوموا خير لكم @QE@ والدليل على جواز ذلك أنه ~~يتعلق بصيغة التلاوة حكمان مقصودان أحدهما جواز الصلاة والثاني النظم ~~المعجز وبعد انتساخ الحكم الذي هو العمل به يبقى هذان الحكمان وهما مقصودان ~~ألا ترى أن بالمتشابه في القرآن إنما يثبت هذان الحكمان فقط وإذا حسن ~~ابتداء رسم التلاوة لهذين الحكمين فالبقاء أولى # وقد بينا أن PageV02P080 الدليل الموجب لثبوت الحكم لا يكون موجبا للبقاء ~~وبالانتساخ إنما ينعدم بقاء الحكم وذلك ما كان مضافا إلى ما كان موجبا ثبوت ~~الحكم فانتهاء الحكم لا يمنع بقاء التلاوة من هذا الوجه # وأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فبيانه فيما قال علماؤنا إن صوم كفارة ~~اليمين ثلاثة أيام متتابعة بقراءة ابن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعات # وقد كانت هذه قراءة مشهورة إلى زمن أبي حنيفة # ولكن لم يوجد فيه النقل المتواتر الذي يثبت بمثله القرآن وابن مسعود لا ~~يشك في عدالته وإتقانه فلا وجه لذلك إلا أن نقول كان ذلك مما يتلى في ~~القرآن كما حفظه ابن مسعود رضي الله عنه ثم انتسخت تلاوته في حياة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بصرف الله القلوب عن حفظها إلا قلب ابن مسعود ~~ليكون الحكم باقيا بنقله فإن خبر الواحد موجب للعمل به وقراءته لا تكون دون ~~روايته فكان بقاء هذا الحكم بعد نسخ التلاوة بهذا الطريق # والدليل على جوازه ما بينا أن بقاء الحكم لا يكون ببقاء السبب الموجب له ~~فانتساخ التلاوة لا ms475 يمنع بقاء الحكم ألا ترى أن البيع موجب للملك ثم لو قطع ~~المشتري ملكه بالبيع من غيره أو أزاله بالإعتاق لم ينعدم ذلك البيع لأن ~~البقاء لم يكن مضافا إليه # ثم قد بينا أن حكم تعلق جواز الصلاة بتلاوته وحرمة قراءته على الجنب ~~والحائض مقصود وهو مما يجوز أن يكون موقتا ينتهي بمضي مدته فيكون نسخ ~~التلاوة بيان مدة ذلك الحكم كما أن نسخ الحكم بيان المدة فيه وما توهمه ~~بعضهم فهو غلط بين فإن بعدما اعتقدنا في المتلو أنه قرآن وأنه كلام الله ~~تعالى لا نعتقد فيه أنه ليس بقرآن وأنه ليس بكلام الله تعالى بحال من ~~الأحوال ولكن بانتساخ التلاوة ينتهي حكم تعلق جواز الصلاة به وحرمة قرآءته ~~على الجنب والحائض لضرورة أن الله تعالى رفع عنا تلاوته وحفظه وهو نظير ما ~~يقول فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما قبض نعتقد فيه أنه رسول الله ~~وأنه خاتم الأنبياء عليهم السلام على ما كان في حال حياته وإن أخرجه الله ~~من بيننا بانتهاء مدة حياته في الدنيا # وأيد جميع ما ذكرنا قوله تعالى @QB@ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ~~@QE@ ثم قد بينا أنه يجوز إثبات الحكم ابتداء بوحي غير متلو فلأن يجوز بقاء ~~الحكم بعدما انتسخ حكم التلاوة من الوحي المتلو كان أولى # PageV02P081 وأما الوجه الرابع وهو الزيادة على النص فإنه بيان صورة ونسخ ~~معنى عندنا سواء كانت الزيادة في السبب أو الحكم وعلى قول الشافعي هو ~~بمنزلة تخصيص العام ولا يكون فيه معنى النسخ حتى جوز ذلك بخبر الواحد ~~والقياس # وبيان هذا في النفي مع الجلد وقيد صفة الإيمان في الرقبة في كفارة الظهار ~~واليمين # وجه قوله إن الرقبة اسم عام يتناول المؤمنة والكافرة فإخراج الكافرة منها ~~يكون تخصيصا لا نسخا بمنزلة إخراج بعض الأعيان من الاسم العام ألا ترى أن ~~بني إسرائيل استوصفوا البقرة وكان ذلك منهم طلب البيان المحض دون النسخ ~~وبعدما بينها الله لهم امتثلوا الأمر المذكور في قوله @QB@ إن الله يأمركم ms476 ~~أن تذبحوا بقرة @QE@ وهذا لأن النسخ يكون برفع الحكم المشروع وفي الزيادة ~~تقرير الحكم المشروع وإلحاق شيء آخر به بطريق المحاورة فإن إلحاق النفي ~~بالجلد لا يخرج الجلد من أن يكون مشروعا وإلحاق صفة الإيمان بالرقبة لا ~~يخرج الرقبة من أن تكون مستحقة الإعتاق في الكفارة # وهذا نظير حقوق العباد فإن من ادعى على غيره ألفا وخمسائة وشهد له شاهدان ~~بألف وآخران بألف وخمسائة حتى قضى له بالمال كله كان مقدار الألف مقضيا به ~~بشهادتهم جميعا وإلحاق الزيادة بالألف في شهادة الآخر يوجب تقرير الأصل في ~~كونه مشهودا به لا رفعه # فتبين بهذا أن الزيادة لا تتعرض لأصل الحكم المشروع فلا يكون فيها معنى ~~النسخ بوجه من الوجوه # ثم قد يكون بطريق التخصيص وقد لا يكون ولهذا لا يشترط فيها أن تكون ~~مقرونة بالأصل كما يشترط ذلك في دليل الخصوص وحاجتنا إلى إثبات أن ذلك ليس ~~بنسخ وقد أثبتناه بما قررنا # وحجتنا في ذلك أن أكثر ما ذكره الخصم دليل على أن الزيادة بيان صورة ونحن ~~نسلم ذلك ولكنا ندعي أنه نسخ معنى والدليل على إثبات ذلك أن ما يجب حقا لله ~~تعالى من عبادة أو عقوبة أو كفارة لا يحتمل الوصف بالتجزي وليس للبعض منه ~~حكم الجملة بوجه فإن الركعة من صلاة الفجر لا تكون فجرا والركعتين من صلاة ~~الظهر في حق المقيم لا تكون ظهرا وكذلك المظاهر إذا صام شهرا ثم عجز فأطعم ~~ثلاثين مسكينا لا يكون مكفرا به بالإطعام PageV02P082 ولا بالصوم ولهذا ~~قلنا القاذف إذا جلد تسعة وسبعين سوطا لا تسقط شهادته لأن الحد ثمانون سوطا ~~فبعضه لا يكون حدا # إذا تقرر هذا فنقول الثابت بآية الزنا جلد وهو حد فإذا التحق النفي به ~~يخرج الجلد من أن يكون حدا لأنه يكون بعض الحد حينئذ وبعض الحد ليس بحد ~~بمنزلة بعض العلة فإنه لا يوجب شيئا من الحكم الثابت بالعلة فكان نسخا من ~~هذا الوجه وكذلك في الرقبة فإن مع الإطلاق التكفير بتحرير رقبة وبعد القيد ~~تحرير ms477 رقبة بعض ما يتأدى به الكفارة # فعرفنا أنه نسخ وبه فارق حقوق العباد فإنه مما يحتمل الوصف بالتجزي فيمكن ~~أن يجعل إلحاق الزيادة به تقريرا للمزيد عليه حتى إن فيما لا يحتمل التجزي ~~من حقوق العباد الحكم كذلك أيضا فإن البيع لما كان عبارة عن الإيجاب ~~والقبول لم يكن الإيجاب المحض بيعا ونكاح أربع نسوة لما كان موجبا حرمة ~~النكاح عليه لا يثبت شيء من ذلك بنكاح امرأة أو امرأتين لأن ليس بنكاح أربع ~~نسوة وقد بينا في قصة بني إسرائيل أن ذلك كان بيانا صورة وكان نسخا معنى ~~كما أشار إليه ابن عباس رضي الله عنهما بقوله شددوا فشدد الله عليهم # يدل عليه أن النسخ لبيان مدة بقاء الحكم وإثبات حكم آخر ثم الإطلاق ضد ~~التقييد فكان من ضرورة ثبوت التقييد انعدام صفة الإطلاق وذلك لا يكون إلا ~~بعد انتهاء مدة حكم الإطلاق وإثبات حكم هو ضده وهو التقييد وإذا كان إثبات ~~حكم غير الأول على وجه يعلم أنه لم يبق معه الأول نسخا فإثبات حكم هو ضد ~~الأول أولى أن يكون نسخا بطريق المعنى وبه فارق التخصيص فإن التخصيص لا ~~يوجب حكما فيما تناوله العام غير الحكم الأول ولكن يبين أن العام لم يكن ~~متناولا لما صار مخصوصا منه ولهذا لا يكون التخصيص إلا مقارنا يقرره أن ~~التخصيص للإخراج والتقييد للإثبات وأي مشابهة تكون بين الإخراج من الحكم ~~وبين إثبات الحكم # وهذا لأن الإطلاق يعدم صفة التقييد والتقييد إيجاد لذلك الوصف فبعد ما ~~ثبت التقييد لا يتصور بقاء صفة الإطلاق ولا يكون الحكم ثابتا لما تناوله ~~صيغة الإطلاق وإنما يكون ثابتا بالمقيد من اللفظ فأما العام إذا خص منه شيء ~~يبقى الحكم ثابتا فيما وراءه بمقتضى لفظ العموم فقط PageV02P083 وإذا كان ~~بقاء الحكم بما كان النص العام متناولا له عرفنا أن التخصيص لا يكون تعرضا ~~لما وراء المخصوص بشيء # وبيان هذا أن قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ وإن خص منه أهل ~~الذمة وغيرهم فمن لا أمان له يجب قتله ms478 لأنه مشرك # وفي قوله @QB@ فتحرير رقبة @QE@ إذا قيدنا بصفة الإيمان لا تتأدى الكفارة ~~بما يتناوله اسم الرقبة بل بما يتناوله اسم الرقبة المؤمنة # فعرفنا أنه في معنى النسخ وليس بتخصيص ولأن التخصيص يصرف فيما كان اللفظ ~~متناولا له باعتبار دليل الظاهر لولا دليل الخصوص والتقييد تصرف فيما لم ~~يكن اللفظ متناولا له أصلا لولا التقييد فإن اسم الرقبة لا يتناول صفتها من ~~حيث الإيمان والكفر فعرفنا أنه نسخ والنسخ في الحكم الثابت بالنص لا يكون ~~بخبر الواحد ولا بالقياس # وعلى هذا قلنا لا تتعين الفاتحة للقراءة في الصلاة ركنا لأنه زيادة على ~~ما ثبت بالنص ولا تثبت الطهارة عن الحدث شرطا في ركن الطواف لأنه زيادة على ~~النص ولا يثبت النفي حدا مع الجلد في زنا البكر لأنه زيادة ولا يثبت اشتراط ~~صفة الإيمان في كفارة اليمين والظهار لأنه زيادة # وعلى هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله شرب القليل من الطلاء ~~المثلث لا يكون حراما لأن المحرم السكر بالنص وشرب القليل بعض العلة فيما ~~يحصل به السكر فلا يكون مسكرا # وعلى هذا قال أصحابنا إذا وجد المحدث من الماء ما لا يكفيه لوضوئه أو ~~الجنب ما لا يكفيه لاغتساله فإنه يتيمم ولا يستعمل ذلك الماء لأن الواجب ~~استعمال الماء الذي هو طهور وهذا بمنزلة بعض العلة في حكم الطهارة فلا يكون ~~طهورا فوجوده لا يمنع التيمم # وعلى هذا قلنا إذا شهد أحد الشاهدين بالبيع بألف والآخر بالبيع بألف ~~وخمسمائة لا تقبل الشهادة في إثبات العقد بألف وإن اتفق عليه الشاهدان ~~ظاهرا لأن الذي شهد بألف وخمسمائة قد جعل الألف بعض الثمن وانعقاد البيع ~~بجميع الثمن المسمى لا ببعضه فمن هذا الوجه كل واحد منهما في المعنى شاهد ~~لعقد آخر والألف المذكور في شهادة الثاني كان بحيث يثبت به العقد لولا وصل ~~شيء آخر به بمنزلة التخيير في الطلاق والعتاق يصير شيئا آخر إذا اتصل به ~~التعليق بالشرط فحكم الزيادة يكون بهذه الصفة أيضا # والذي يقرر جميع ما ذكرنا ms479 أن النسخ إنما يثبت بما لو جهل التاريخ فيه كان ~~معارضا وهذا يتحقق في الإطلاق والتقييد فإنه لو جهل التاريخ بين النص ~~المطلق والمقيد يثبت التعارض بينهما فعرفنا أنه عند معرفة ويجوز أن يرد ~~النسخ على ما هو ناسخ كما يجوز أن يرد النسخ على ما كان مشروعا ابتداء إذ ~~المعنى لا يوجب الفرق بينهما # وبيان هذا فيما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن حرمة مفاداة الأسير ~~الثابت بقوله تعالى @QB@ ما كان لنبي أن يكون له أسرى @QE@ قد انتسخ ~~التاريخ بينهما يكون PageV02P084 التقييد في النص المطلق نسخا من حيث ~~المعنى بقوله تعالى @QB@ فإما منا بعد وإما فداء @QE@ ثم قال السدي هذا قد ~~انتسخ بقوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم @QE@ لأن سورة براءة ~~من آخر ما نزل فكان ناسخا للحكم الذي كان قبله # وكذلك حكم الحبس في البيوت والأذى باللسان في كونه حدا قد انتسخ بقوله ~~عليه السلام ( خذوا عني ) الحديث # ثم هذا الحكم انتسخ بنزول قوله تعالى @QB@ فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة @QE@ وبرجم النبي عليه السلام ماعز بن مالك رضي الله عنه واستقر الحكم ~~على أن الحد الكامل في حق غير المحصن مائة جلدة وفي حق المحصن الرجم # ومما اختلفوا في أنه نسخ أم لا حكم الميراث فقد كان التوريث بالحلف ~~والهجرة ثابتا في الابتداء قال تعالى @QB@ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين آمنوا وهاجروا @QE@ إلى قوله @QB@ ~~أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا @QE@ الآية ثم انتسخ هذا ~~عند بعض العلماء بنزول قوله تعالى @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين @QE@ الآية # ومنهم من قال هذا ليس بنسخ ولكن هذا تقديم وارث على وارث فلا يكون نسخا ~~كتقديم الابن على الأخ في الميراث لا يكون نسخ التوريث بالأخوة وتقديم ~~الشريك على الجار في استحقاق الشفعة لا يكون نسخ حكم الشفعة بالجوار # والأصح أن نقول هذا نسخ بعض الأحوال دون البعض فإن قوله تعالى @QB@ ~~فآتوهم نصيبهم @QE@ تنصيص على أن بالحلف ms480 يستحق النصيب من الميراث مع وجود ~~القريب ثم انتسخ هذا الحكم بقوله تعالى @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ~~في كتاب الله @QE@ حتى لا يستحق بالحلف شيئا مع وجود القريب أصلا # فعرفنا أن هذا الحكم قد انتهى في هذه الحالة فكان نسخا وإن كان ~~PageV02P085 الإرث بهذا السبب باقيا في غير هذه الحالة وإلى ذلك أشار ابن ~~مسعود رضي الله عنه في قوله يا معشر همدان إنه ليس حي من أحياء العرب أحرى ~~أن يموت الرجل فيهم ولا يعرف له نسب منكم فإذا كان ذلك فليضع ماله حيث أحب # والله أعلم # # | باب الكلام في أفعال النبي عليه السلام # اعلم بأن أفعاله التي تكون عن قصد تنقسم أربعة أقسام مباح ومستحب وواجب ~~وفرض # وهنا نوع خامس وهو الزلة ولكنه غير داخل في هذا الباب لأنه لا يصلح ~~للاقتداء به في ذلك وعقد الباب لبيان حكم الاقتداء به في أفعاله ولهذا لم ~~يذكر في الجملة ما يحصل في حالة النوم والإغماء لأن القصد لا يتحقق فيه فلا ~~يكون داخلا فيما هو حد الخطاب # وأما الزلة فإنه لا يوجد فيها القصد إلى عينها أيضا ولكن يوجد القصد إلى ~~أصل الفعل # وبيان هذا أن الزلة أخذت من قول القائل زل الرجل في الطين إذا لم يوجد ~~القصد إلى الوقوع ولا إلى الثبات بعد الوقوع ولكن وجد القصد إلى المشي في ~~الطريق فعرفنا بهذا أن الزلة ما تتصل بالفاعل عند فعله ما لم يكن قصده ~~بعينه ولكنه زل فاشتغل به عما قصد بعينه والمعصية عند الإطلاق إنما يتناول ~~ما يقصده المباشر بعينه وإن كان قد أطلق الشرع ذلك على الزلة مجازا # ثم لا بد أن يقترن بالزلة بيان من جهة الفاعل أو من الله تعالى كما قال ~~تعالى مخبرا عن موسى عليه السلام عند قتل القبطي @QB@ هذا من عمل الشيطان ~~@QE@ الآية وكما قال تعالى @QB@ وعصى آدم ربه فغوى @QE@ الآية وإذا كان ~~البيان يقترن به لا محالة علم أنه غير صالح للاقتداء به # ثم اختلف الناس في أفعاله ms481 التي لا تكون عن سهو ولا من نتيجة الطبع على ما ~~جبل عليه الإنسان ما هو موجب ذلك في حق أمته # فقال بعضهم الواجب هو الوقف في ذلك حتى يقوم الدليل # وقال بعضهم بل يجب اتباعه والاقتداء به في جميع ذلك إلا ما يقوم عليه ~~دليل # وكان أبو الحسن الكرخي PageV02P086 رحمه الله يقول إن علم صفة فعله أنه ~~فعله واجبا أو ندبا أو مباحا فإنه يتبع فيه بتلك الصفة وإن لم يعلم فإنه ~~يثبت فيه صفة الإباحة ثم لا يكون الاتباع فيه ثابتا إلا بقيام الدليل # وكان الجصاص رحمه الله يقول بقول الكرخي رحمه الله إلا أنه يقول إذا لم ~~يعلم فالاتباع له في ذلك ثابت حتى يقوم الدليل على كونه مخصوصا # وهذا هو الصحيح # فأما الواقفون احتجوا فقالوا لما أشكل صفة فعله فقد تعذر اتباعه في ذلك ~~على وجه الموافقة لأن ذلك لا يكون بالموافقة في أصل الفعل دون الصفة فإنه ~~إذا كان هو فعل فعلا نفلا ونحن نفعله فرضا يكون ذلك منازعة لا موافقة ~~واعتبر هذا بفعل السحرة مع ما رأوه من الكليم ظاهرا فإنه كان منازعة منهم ~~في الابتداء لأن فعلهم لم يكن بصفة فعله فعرفنا أن الوصف إذا كان مشكلا لا ~~تتحقق الموافقة في الفعل لا محالة ولا وجه للمخالفة فيجب الوقف فيه حتى ~~يقوم الدليل # وهذا الكلام عند التأمل باطل فإن هذا القائل إن كان يمنع الأمة من أن ~~يفعلوا مثل فعله بهذا الطريق ويلومهم على ذلك فقد أثبت صفة الحظر في ~~الاتباع وإن كان لا يمنعهم من ذلك ولا يلومهم عليه فقد أثبت صفة الإباحة ~~فعرفنا أن القول بالوقف لا يتحقق في هذا الفصل # وأما الفريق الثاني فقد استدلوا بالنصوص الموجبة للاقتداء برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله نحو قوله تعالى @QB@ لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة @QE@ وقوله تعالى @QB@ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ فاتبعوني يحببكم الله @QE@ وقوله تعالى @QB@ الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي @QE@ إلى قوله @QB@ واتبعوه لعلكم ms482 تهتدون @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره @QE@ أي عن سمته وطريقته # وقال تعالى @QB@ وما أمر فرعون برشيد @QE@ ففي هذه النصوص دليل على وجوب ~~الاتباع علينا إلى أن يقوم الدليل يمنع من ذلك # فأما الدليل لنا في هذا الفصل أن نقول صح في الحديث أن النبي عليه ~~PageV02P087 السلام خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما فرغ قال ما ~~لكم خلعتم نعالكم الحديث # فلو كان مطلق فعله موجبا للمتابعة لم يكن لقوله ما لكم خلعتم نعالكم معنى # وخرج للتراويح ليلة أو ليلتين فلما قيل له في ذلك قال خشيت أن تكتب عليكم ~~ولو كتبت عليكم ما قمتم بها فو كان مطلق فعله يلزمنا الاتباع له في ذلك لم ~~يكن لقوله خشيت أن تكتب عليكم معنى # ثم قد بينا أن الموافقة حقيقتها في أصل الفعل وصفته فعند الإطلاق إنما ~~يثبت القدر المتيقن به وهو صفة الإباحة فإنه يترتب عليه التمكن من إيجاد ~~الفعل شرعا فيثبت القدر المتيقن به ( وهو صفة الإباحة ) من الوصف ويتوقف ما ~~وراء ذلك على قيام الدليل بمنزلة رجل يقول لغيره وكلتك بمالي فإنه يملك ~~الحفظ لأنه متيقن لكونه مراد الموكل ولا يثبت ما سوى ذلك من التصرفات حتى ~~يقوم الدليل يقرر ما ذكرنا أن الفعل قسمان أخذ وترك # ثم أحد قسمي أفعاله وهو الترك لا يوجب الاتباع علينا إلا بدليل فكذلك ~~القسم الآخر # وبيان هذا أنه حين كان الخمر مباحا قد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شربها أصلا ثم ذلك لا يوجب علينا ترك الشرب فيما هو مباح يوضحه أن مطلق ~~فعله لو كان موجبا للاتباع لكان ذلك عاما في جميع أفعاله ولا وجه للقول ~~بذلك لأن ذلك يوجب على كل أحد أن لا يفارقه آناء الليل والنهار ليقف على ~~جميع أفعاله فيقتدي به لأنه لا يخرج عن الواجب إلا بذلك ومعلوم أن هذا مما ~~لا يتحقق ولا يقول به أحد # فعرفنا أن مطلق الفعل لا يلزمنا اتباعه في ذلك # فأما الآيات ففي قوله @QB@ لقد ms483 كان لكم في رسول الله أسوة حسنة @QE@ دليل ~~على أن التأسي به في أفعاله ليس بواجب لأنه لو كان واجبا لكان من حق الكلام ~~أن يقول عليكم ففي قوله @QB@ لكم @QE@ دليل على أن ذلك مباح لنا لا أن يكون ~~لازما علينا # والمراد بالأمر بالاتباع التصديق والإقرار بما جاء به فإن الخطاب بذلك ~~لأهل الكتاب وذلك بين في سياق الآية والمراد بالأمر ما يفهم من مطلق لفظ ~~الأمر عند PageV02P088 الإطلاق وقد تقدم بيان هذا في أول الكتاب # ثم قال الكرخي قد ظهر خصوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بأشياء ~~لاختصاصه بما لا شركة لأحد من أمته معه في ذلك فكل فعل يكون منه فهو محتمل ~~للوصف لجواز أن يكون هذا مما اختص هو به ويجوز أن يكون مما هو غير مخصوص به ~~وعند احتمال الجانبين على السواء يجب الوقف حتى يقوم الدليل لتحقق المعارضة # ولكن الصحيح ما ذهب إليه الجصاص لأن في قوله تعالى @QB@ لقد كان لكم في ~~رسول الله أسوة حسنة @QE@ تنصيص على جواز التأسي به في أفعاله فيكون هذا ~~النص معمولا به حتى يقوم الدليل المانع وهو ما يوجب تخصيصه بذلك وقد دل ~~عليه قوله تعالى @QB@ فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم @QE@ وفي هذا بيان أن ثبوت الحل في حقه ~~مطلقا دليل ثبوته في حق الأمة ألا ترى أنه نص على تخصيصه فيما كان هو ~~مخصوصا به بقوله تعالى @QB@ خالصة لك من دون المؤمنين @QE@ وهو النكاح بغير ~~مهر فلو لم يكن مطلق فعله دليلا للأمة في الإقدام على مثله لم يكن لقوله ~~@QB@ خالصة لك @QE@ فائدة فإن الخصوصية تكون ثابتة بدون هذه الكلمة والدليل ~~عليه أنه عليه السلام لما قال لعبد الله بن رواحة حين صلى على الأرض في يوم ~~قد مطروا في السفر ألم يكن لك في أسوة فقال أنت تسعى في رقبة قد فكت وأنا ~~أسعى في رقبة لم يعرف فكاكها # فقال إني مع هذا أرجو أن أكون ms484 أخشاكم لله ولما سألت امرأة أم سلمة عن ~~القبلة للصائم فقالت إن رسول الله عليه السلام يقبل وهو صائم # فقالت لسنا كرسول الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ثم سألت أم ~~سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤالها فقال هلا أخبرتها أني أقبل ~~وأنا صائم فقالت قد أخبرتها بذلك فقالت كذا # فقال إني أرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم بحدوده ففي هذا بيان أن اتباعه ~~فيما يثبت من أفعاله أصل حتى يقوم الدليل على كونه مخصوصا بفعله وهذا لأن ~~الرسل أئمة يقتدى بهم كما قال تعالى @QB@ إني جاعلك للناس إماما @QE@ ~~PageV02P089 فالأصل في كل فعل يكون منهم جواز الاقتداء بهم إلا ما يثبت فيه ~~دليل الخصوصية باعتبار أحوالهم وعلو منازلهم وإذا كان الأصل هذا ففي كل فعل ~~يكون مبهم بصفة الخصوص يجب بيان الخصوصية مقارنا به إذ الحاجة إلى ذلك ماسة ~~عند كل فعل يكون ( منهم ) حكمه بخلاف هذا الأصل والسكوت عن البيان بعد تحقق ~~الحاجة دليل النفي فترك بيان الخصوصية يكون دليلا على أنه من جملة الأفعال ~~التي هو فيها قدوة أمته # # | فصل في بيان طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إظهار أحكام الشرع # قد بينا أنه كان يعتمد الوحي فيما بينه من أحكام الشرع # والوحي نوعان ظاهر وباطن # فالظاهر منه قسمان ( أحدهما ) ما يكون على لسان الملك بما يقع في سمعه ~~بعد علمه بالمبلغ بأنه قاطعة وهو المراد بقوله تعالى @QB@ قل نزله روح ~~القدس من ربك بالحق @QE@ وبقوله تعالى @QB@ إنه لقول رسول كريم @QE@ الآية ~~والآخر ما يتضح له بإشارة الملك من غير بيان بكلام وإليه أشار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في قوله إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى ~~تستوفي رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب والوحي الباطن هو تأييد القلب ~~على وجه لا يبقى فيه شبهة ولا معارض ولا مزاحم وذلك بأن يظهر له الحق بنور ~~في قلبه من ربه يتضح له حكم الحادثة ms485 به وإليه أشار الله تعالى بقوله @QB@ ~~لتحكم بين الناس بما أراك الله @QE@ وهذا كله مقرونا بالابتلاء ومعنى ~~الابتلاء هو التأمل بقلبه في حقيقته حتى يظهر له ما هو المقصود وكل ذلك خاص ~~لرسول الله تثبت به الحجة القاطعة ولا شركة للأمة في ذلك إلا أن يكرم الله ~~به من شاء من أمته لحقه وذلك الكرامة للأولياء # وأما ما يشبه الوحي في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو استنباط ~~الأحكام من النصوص بالرأي PageV02P090 والاجتهاد فإنما يكون من رسول الله ~~بهذا الطريق فهو بمنزلة الثابت بالوحي لقيام الدليل على أنه يكون ثوابا لا ~~محالة فإنه كان لا يقر على الخطأ فكان ذلك منه حجة قاطعة ومثل هذا من الأمة ~~لا يجعل بمنزلة الوحي لأن المجتهد يخطىء ويصيب فقد علم أنه كان لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من صفة الكمال ما لا يحيط به إلا الله فلا شك أن غيره ~~لا يساويه في إعمال الرأي والاجتهاد في الأحكام # وهذا يبتنى على اختلاف العلماء في أنه عليه السلام هل كان يجتهد في ~~الأحكام ويعمل بالرأي فيما لا نص فيه فأبى ذلك بعض العلماء وقال هذا الطريق ~~حظ الأمة فأما حظ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العمل بالوحي من الوجوه ~~التي ذكرنا # وقال بعضهم قد كان يعمل بطريق الوحي تارة وبالرأي تارة وبكل واحد من ~~الطريقين كان يبين الأحكام # وأصح الأقاويل عندنا أنه عليه السلام فيما كان يبتلى به من الحوادث التي ~~ليس فيها وحي منزل كان ينتظر الوحي إلى أن تمضي مدة الانتظار ثم كان يعمل ~~بالرأي والاجتهاد ويبين الحكم به فإذا أقر عليه كان ذلك حجة قاطعة للحكم # فأما الفريق الأول فاحتجوا بقوله تعالى @QB@ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا ~~وحي يوحى @QE@ وقال تعالى @QB@ قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي @QE@ ولأنه لا خلاف أنه كان لا يجوز لأحد مخالفة رسول ~~الله عليه السلام فيما بينه من أحكام الشرع ms486 والرأي قد يقع فيه الغلط في حقه ~~وفي حق غيره فلو كان يبين الحكم بالرأي لكان يجوز مخالفته في ذلك كما في ~~أمر الحرب فقد ظهر أنهم خالفوه في ذلك غير مرة واستصوبهم في ذلك ألا ترى ~~أنه لما أراد النزول يوم بدر دون الماء قال له الخباب بن المنذر رضي الله ~~عنه إن كان عن وحي فسمعا وطاعة وإن كان عن رأي فإني أرى الصواب أن ننزل على ~~الماء ونتخذ الحياض فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه ونزل على ~~الماء # ولما أراد يوم الأحزاب أن يعطي المشركين شطر ثمار المدينة لينصرفوا قام ~~سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله عنهما وقالا إن كان هذا عن وحي فسمعا ~~وطاعة وإن كان عن رأي فلا نعطيهم إلا السيف قد كنا نحن وهم في الجاهلية لم ~~يكن لنا ولا لهم دين فكانوا لا يطمعون PageV02P091 في ثمار المدينة إلا ~~بشري أو بقري فإذا أعزنا الله تعالى بالدين نعطيهم الدنية لا نعطيم إلا ~~السيف # وقال عليه السلام إني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أصرفهم ~~عنكم فإذا أبيتم أنتم وذاك ثم قال للذين جاءوا للصلح اذهبوا فلا نعطيكم إلا ~~السيف ولما قدم المدينة استقبح ما كانوا يصنعونه من تلقيح النخيل فنهاهم عن ~~ذلك فأحشفت وقال عهدي بثماركم بخلاف هذا فقالوا نهيتنا عن التلقيح وإنما ~~كانت جودة الثمر من ذلك # قال أنتم أعلم بأمر دنياكم وأنا أعلم بأمر دينكم فتبين أن الرأي منه ~~كالرأي من غيره في احتمال الغلط وبالاتفاق لا تجوز مخالفته فيما ينص عليه ~~من أحكام الشرع فعرفنا أن طريق وقوفه على ذلك ما ليس فيه توهم الغلط أصلا ~~وذلك الوحي ثم الرأي الذي فيه توهم الغلط إنما يجوز المصير إليه عند ~~الضرورة وهذه الضرورة تثبت في حق الأمة لا في حقه فقد كان الوحي يأتيه في ~~كل وقت وما هذا إلا نظير التحري في أمر القبلة فإنه لا يجوز المصير إليه ~~لمن كان بمكة معاينا للكعبة ms487 ويجوز المصير إليه لمن كان نائيا عن الكعبة لأن ~~من كان معاينا فالضرورة المحوجة إلى التحري لا تتحقق في حقه لوجود الطريق ~~الذي لا يتمكن فيه تهمة الغلط وهو المعاينة وكذلك حال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في العمل بالرأي في الأحكام ولأنه عليه السلام كان ينصب أحكام ~~الشرع ابتداء والرأي لا يصلح لنصب الحكم به ابتداء وإنما هو لتعدية حكم ~~النص إلى نظيره مما لا نص فيه كما في حق الأمة لأنه لا يجوز لأحد استعمال ~~الرأي في نصب حكم ابتداء فعرفنا أنه إنما كان ينصب الحكم ابتداء بطريق ~~الوحي دون الرأي وهذا لأن الحق في أحكام الشرع لله تعالى فإنما يثبت حق ~~الله تعالى بما يكون موجبا للعلم قطعا والرأي لا يوجب ذلك وبه فارق أمر ~~الحرب والشورى في المعاملات لأن ذلك من حقوق العباد فالمطلوب به الدفع عنهم ~~أو الجر إليهم فيما تقوم به مصالحهم واستعمال الرأي جائز في مثله لحاجة ~~العباد إلى ذلك فإنه ليس في وسعهم فوق ذلك والله تعالى يتعالى عما يوصف به ~~العباد من العجز أو الحاجة فما هو حق الله تعالى لا يثبت ابتداء إلا بما ~~يكون موجبا علم اليقين # PageV02P092 والحجة للقول الثاني قوله تعالى @QB@ فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار @QE@ ورسول الله صلى الله عليه وسلم أولي الناس بهذا الوصف الذي ~~ذكره عند الأمر بالاعتبار فعرفنا أنه داخل في هذا الخطاب قال تعالى @QB@ ~~ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم @QE@ ~~وقد دخل في جملة المستنبطين من تقدم ذكره فعرفنا أن الرسول من جملة الذين ~~أخبر الله أنهم يعلمون بالاستنباط وقال تعالى @QB@ ففهمناها سليمان @QE@ ~~والمراد أنه وقف على الحكم بطريق الرأي لا بطريق الوحي لأن ما كان بطريق ~~الوحي فداود وسليمان عليهما السلام فيه سواء وحيث خص سليمان عليه السلام ~~بالفهم عرفنا أن المراد به بطريق الرأي وقد حكم داود بين الخصمين حين ~~تسوروا المحراب بالرأي فإنه قال @QB@ لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه @QE@ ~~وهذا بيان بالقياس الظاهر ms488 # وقال النبي عليه السلام للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيت أكان ~~يقبل منك وهذا بيان بطريق القياس # وقال لعمر رضي الله عنه حين سأله عن القبلة للصائم أرأيت لو تمضمضت بماء ~~ثم مججته أكان يضرك وقال في حرمة الصدقة على بني هاشم أرأيت لو تمضمضت ~~بالماء أكنت شاربه وهذا بيان بطريق القياس في حرمة الأوساخ واستعمال ~~المستعمل # وقال إن الرجل ليؤجر في كل شيء حتى في مباضعة أهله فقيل له يقضي أحدنا ~~شهوته ثم يؤجر على ذلك قال أرأيتم لو وضع ذلك فيما لا يحل هل كان يأثم به ~~قالوا نعم # قال فكذلك يؤجر إذا وضعه فيما يحل وهذا بيان بطريق الرأي والاجتهاد # والدليل عليه أنه كان مأمورا بالمشاورة مع أصحابه قال تعالى @QB@ وشاورهم ~~في الأمر @QE@ وقد صح أنه كان يشاورهم في أمر الحرب وغير ذلك حتى روي أنه ~~شاور أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في مفاداة الأسارى يوم بدر فأشار عليه ~~أبو بكر بأن يفادي بهم ومال رأيه إلى ذلك حتى نزل قوله تعالى @QB@ لولا ~~كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم @QE@ ومفاداة الأسير بالمال ~~جوازه وفساده من أحكام الشرع ومما هو حق الله تعالى وقد شاور فيه أصحابه ~~وعمل فيه بالرأي إلى أن نزل الوحي بخلاف ما رآه فعرفنا أنه كان يشاورهم في ~~الأحكام كما في الحروب وقد شاورهم فيما يكون جامعا لهم في أوقات الصلاة ~~ليؤدوها بالجماعة ثم لما جاء عبد الله بن زيد رضي الله عنه وذكر ما رأى في ~~المنام من أمر الأذان PageV02P093 فأخذ به وقال ( ألقها على بلال ) ومعلوم ~~أنه أخذ بذلك بطريق الرأي دون طريق الوحي ألا ترى أنه لما أتى عمر وأخبره ~~أنه رأى مثل ذلك قال الله أكبر هذا أثبت ولو كان قد نزل عليه الوحي به لم ~~يكن لهذا الكلام معنى ولا شك أن حكم الأذان مما هو ( من ) حق الله ثم قد ~~جوز العمل فيه بالرأي فعرفنا أن ذلك جائز ولا معنى لقول من ms489 يقول إنه إنما ~~كان يستشيرهم في الأحكام لتطييب نفوسهم وهذا لأن فيما كان الوحي فيه ظاهرا ~~معلوما ما كان يستشيرهم وفيما كان يستشيرهم الحال لا يخلو إما أن كان يعمل ~~برأيهم أو لا يعمل فإن كان لا يعمل برأيهم وكان ذلك معلوما لهم فليس في هذه ~~الاستشارة تطييب النفس ولكنها من نوع الاستهز وظن ذلك برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم محال وإن كان يستشيرهم ليعمل برأيهم فلا شك أن رأيه يكون أقوى من ~~رأيهم وإذا جاز له العمل برأيهم فيما لا نص فيه فجواز ذلك برأيه أولى # ويتبين بهذا أنه إنما كان يستشيرهم لتقريب الوجوه وتحميس الرأي على ما ~~كان يقول المشورة تلقيح العقول وقال من الحزم أن تستشير ذا رأي ثم تطيعه ثم ~~الاستنباط بالرأي إنما يبتنى على العلم بمعاني النصوص ولا شك أن درجته في ~~ذلك أعلى من درجة غيره وقد كان يعلم بالمتشابه الذي لا يقف أحد من الأمة ~~بعده على معناه فعرفنا بهذا أن له من هذه الدرجة أعلى النهاية وبعد العلم ~~بالطريق الذي يوقف به على الحكم المنع من استعمال ذلك نوع من الحجر وتجويز ~~استعمال ذلك نوع إطلاق وإنما يليق بعلو درجته الإطلاق دون الحجر # وكذلك ما يعلم بطريق الوحي فهو محصور متناه وما يعلم بالاستنباط من معاني ~~الوحي غير متناه # وقيل أفضل درجات العلم للعباد طريق الاستنباط ألا ترى أن من يكون مستنبطا ~~من الأمة فهو على درجة ممن يكون حافظا غير مستنبط فالقول بما يوجب سد باب ~~ما هو أعلى الدرجات في العلم عليه شبه المحال ولولا طعن المتعنتين لكان ~~الأولى بنا الكف عن الاشتغال بإظهار هذا بالحجة فقد كان درجته في العلم ما ~~لا PageV02P094 يحيط به إلا الله وتمام معنى التعظيم في حق من هو دونه أن ~~لا يشتغل بمثل هذا التقسيم في حقه وإنما ذكرنا ذلك لدفع طعن المتعنتين # ثم ما بينه بالرأي إذا أقر عليه كان صوابا لا محالة فيثبت به علم اليقين ~~بخلاف ما يكون من غيره ms490 من البيان بالرأي وهو نظير الإلهام على ما أشرنا ~~إليه في بيان الوحي الباطن وأنه حجة قاطعة في حقه وإن كان الإلهام في حق ~~غيره لا يكون بهذه الصفة على ما نبينه في بابه # والدليل على هذه القاعدة ما روي أن خولة رضي الله عنها لما جاءت إليه ~~تسأله عن ظهار زوجها منها قال ما أراك إلا قد حرمت عليه فقالت إني أشتكي ~~إلى الله فأنزل الله تعالى قوله @QB@ قد سمع الله قول التي تجادلك @QE@ ~~الآية فعرفنا أنه كان يفتي بالرأي في أحكام الشرع وكان لا يقر على الخطأ ~~وهذا لأنا أمرنا باتباعه قال تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه @QE@ وحين ~~بين بالرأي وأقر على ذلك كان اتباع ذلك فرضا علينا لا محالة فعرفنا أن ذلك ~~هو الحق المتيقن به ومثل ذلك لا يوجد في حق الأمة فالمجتهد قد يخطىء ويقر ~~على ذلك فلهذا لم يكن الرأي في حق غيره موجبا علم اليقين ولا صالحا لنصب ~~الحكم به ابتداء بل لتعدية حكم النص إلى غير المنصوص عليه # والدليل عليه أنه قد ثبت بالنص عمله بالرأي فيما لم يقر عليه وربما عوتب ~~على ذلك وربما لم يعاتب # فمما عوتب عليه ما وقعت الإشارة إليه في قوله تعالى @QB@ عفا الله عنك لم ~~أذنت لهم @QE@ وفي قوله تعالى @QB@ عبس وتولى أن جاءه الأعمى @QE@ ومما لم ~~يعاتب عليه ما يروى أنه لما دخل بيته ووضع السلاح حين فرغ من حرب الأحزاب ~~أتاه جبريل عليه السلام وقال وضعت السلاح ولم تضعه الملائكة # وأمره بأن يذهب إلى بني قريظة # ومن ذلك أنه أمر أبا بكر رضي الله عنه بتبليغ سورة براءة إلى المشركين في ~~العام الذي أمره فيه أن يحج بالناس فأتاه جبريل عليه السلام فقال لا يبلغها ~~إليهم إلا رجل منك # فبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أثره ليكون هو المبلغ للسورة إليهم ~~والقصة في ذلك معروفة فبهذا يتبين أنه كان يعمل برأيه وكان لا يقر إلا على ~~ما هو الصواب ولهذا كان ms491 لا تجوز مخالفته في ذلك لأنه حين أقر عليه فقد حصل ~~التيقن بكون الصواب فيه فلا يسع لأحد أن يخالفه في ذلك # فأما قوله @QB@ وما ينطق عن الهوى @QE@ PageV02P095 فقد قيل هذا فيما ~~يتلو عليه من القرآن بدليل أول السورة قوله تعالى @QB@ والنجم إذا هوى @QE@ ~~أي والقرآن إذا أنزل # وقيل المراد بالهوى هوى النفس الأمارة بالسوء وأحد لا يجوز على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم اتباع هوى النفس أو القول به ولكن طريق الاستنباط ~~والرأي غير هوى النفس # وهذا أيضا تأويل قوله تعالى @QB@ قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ~~@QE@ ثم في قوله @QB@ إن أتبع إلا ما يوحى إلي @QE@ ما يوضح جميع ما قلنا ~~لأن اتباع الوحي إنما يتم في العمل بما فيه الوحي بعينه واستنباط المعنى ~~فيه لإثبات الحكم في نظيره وذلك بالرأي يكون # ثم قد بينا أنه ما كان يقر إلا على الصواب فإذا أقر على ذلك كان ذلك وحيا ~~في المعنى وهو يشبه الوحي في الابتداء على ما بينا إلا أنا شرطنا في ذلك أن ~~ينقطع طمعه عن الوحي وهو نظير ما يشترط في حق الأمة للعمل بالرأي العرض على ~~الكتاب والسنة فإذا لم يوجد في ذلك فحينئذ يصار إلى اجتهاد الرأي # ونظيره من الأحكام من كان في السفر ولا ماء معه وهو يرجو وجود الماء ~~فعليه أن يطلب الماء ولا يعجل بالتيمم وإن كان لا يرجو وجود الماء فحينئذ ~~يتيمم ولا يشتغل بالطلب فحال غير رسول الله ممن يبتلى بحادثة كحال من لا ~~يرجو وجود الماء لأنه لا طمع له في الوحي فلا يؤخر العمل بالرأي والاجتهاد ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتيه الوحي في كل ساعة عادة فكان حاله ~~فيما يبتلى به من الحوادث كحال من يرجو وجود الماء فلهذا كان ينتظر ولا ~~يعجل بالعمل بالرأي وكان هذا الانتظار في حقه بمنزلة التأمل في النص المؤول ~~أو الخفي في حق غيره ومدة الانتظار في ذلك أن ينقطع طمعه عن نزول الوحي ms492 فيه ~~بأن كان يخاف الفوت فحينئذ يعمل فيه بالرأي ويبينه للناس فإذا أقر على ذلك ~~كانت حجة قاطعة بمنزلة الثابت بالوحي # وافقا لما هو في القرآن يجعل صادرا عن القرآن وبيانا لما فيه # وأصحاب الشافعي يقولون يجعل ذلك بيان حكم مبتدأ حتى يقوم الدليل على ~~خلافه # وعلى هذا قلنا بيان النبي عليه السلام للتيمم في حق الجنب صادر عما في ~~القرآن وبه يتبين أن المراد من قوله تعالى @QB@ أو لامستم النساء @QE@ ~~PageV02P096 # | فصل # قال علماؤنا رحمهم الله فعل النبي عليه السلام وقوله متى ورده الجماع دون ~~المس باليد وهم يجعلون ذلك بيان حكم مبتدأ ويحملون قوله @QB@ أو لامستم ~~النساء @QE@ على المس باليد قالوا لأنه يحتمل أن يكون ذلك صادرا عما في ~~القرآن ويحتمل أن يكون شرع الحكم ابتداء وهو في الظاهر غير متصل بالآية ~~فيحمل على أنه بيان حكم مبتدأ باعتبار الظاهر ولأن في حمله على هذا زيادة ~~فائدة وفي حمله على ما قلتم تأكيد ما صار معلوما بالآية ببيانه فحمله على ~~ما يفيد فائدة جديدة كان أولى # وحجتنا فيه قوله تعالى @QB@ إن هو إلا وحي يوحى @QE@ ففي هذا تنصيص على ~~أن قوله وفعله في حكم الشرع يكون عن وحي فإذا كان ذلك ظاهرا معلوما في ~~الوحي المتلو عرفنا أنه صادر عن ذلك إذ لو لم نجعله صادرا عن ذلك احتجنا ~~إلى إثبات وحي غير متلو فيه وإثبات الوحي من غير الحاجة ومع الشك لا يجوز # وقال تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ أي ردوه ~~إلى كتاب الله وقال تعالى @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله @QE@ فإذا ظهر ~~منه حكم في حادثة وذلك الحكم موجود فيما أنزل الله عرفنا أنه حكم فيه بما ~~أنزل الله لأنه ما كان يخالف ما أمر به ولأن الصحابة رضي الله عنهم فهموا ~~ذلك من أفعاله فإنهم حملوا قطعه يد السارق على الوجوب وأداءه الصلاة في ~~مواقيتها على الوجوب وقد بينا أن مطلق فعله لا يدل على ذلك فلولا أنهم ~~علموا أن فعله ms493 ذلك صادر عن الآيات الدالة على الوجوب نحو قوله تعالى @QB@ ~~حافظوا على الصلوات @QE@ وقوله تعالى @QB@ فاقطعوا أيديهما @QE@ لاستفسروه ~~وطلبوا منه بيان صفة فعله وحيث لم يشتغلوا بذلك عرفنا أنهم علموا أن فعله ~~ذلك منه صادر عن الآية فأما مأمور باتباع ما في القرآن كغيره # وقال تعالى @QB@ واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون @QE@ ~~فسقط دعواهم الاحتمال PageV02P097 ساقط فإن الظاهر أن ذلك منه صادر عن ~~القرآن لأنه اعتبار الاحتمال مع هذا الظاهر # وقولهم فيه زيادة فائدة ساقط فإن إثبات هذه الزيادة لا يمكن إلا بعد ~~إثبات وحي بالشك ومن غير حاجة إليه وقد بينا أن ذلك لا يجوز # # | فصل # قال علماؤنا رحمهم الله فعل النبي عليه السلام متى كان على وجه البيان ~~لما في القرآن وحصل ذلك منه في مكان أو زمان فالبيان يكون واقعا بفعله وبما ~~هو من صفاته عند الفعل فأما المكان والزمان لا يكون شرطا فيه # وأصحاب الشافعي يقولون البيان منه بالمداومة على فعل مندوب إليه في مكان ~~أو على فعل واجب في مكان أو زمان يدل على أن ذلك المكان والزمان شرط فيه # وعلى هذا قلنا إحرام النبي صلى الله عليه وسلم بالحج في أشهر الحج لا ~~يكون بيانا في أن الإحرام تختص صحته بالوجود في أشهر الحج حتى يجوز الإحرام ~~بالحج قبل أشهر الحج # وكذلك فعله ركعتي الطواف في مقام إبراهيم لا يكون بيانا أن ركعتي الطواف ~~تختص بالأداء في ذلك المكان # وعلى قول الشافعي رحمه الله ينتصب الزمان شرطا ببيانه والمكان في أحد ~~الوجهين أيضا قال لأن مداومته على ذلك في مكان بعينه أو زمان بعينه لو لم ~~يحمل على وجه البيان لم يبق له فائدة أخرى وقد علمنا أنه ما داوم على ذلك ~~إلا لفائدة ثم قاس هذا بمداومته على فعل الصلوات المفروضة في الأوقات ~~المخصوصة والأمكنة الطاهرة فإن ذلك بيان منه لوجوب مراعاة ذلك الزمان ~~والمكان في أداء الفرائض فكذلك في سائر أفعاله # ولكنا نقول البيان إنما يحصل بفعله والمكان والزمان ليس ms494 من فعله في شيء ~~فما كان المكان والزمان إلا بمنزلة فعل غيره وغيره وإن ساعده المكان الذي ~~يوجد فيه الفعل أو الزمان الذي يوجد فيه الفعل لا يكون له حظ في حصول ~~البيان به بل بجعل البيان حاصلا بفعله فقط إلا أن يكون هناك أمر مجمل في حق ~~الزمان محتاجا إلى البيان أو في حق المكان كما في باب الصلاة فإنا نعلم ~~فرضيتها في بعض الأوقات ( المخصوصة ) واختصاص جواز أدائها ببعض الأمكنة ~~بالنص فيكون فعله في الأوقات المخصوصة والأمكنة الطاهرة بيانا للمجمل في ~~ذلك كله فأما فعله في باب الحج بيان لقوله تعالى @QB@ ولله على الناس حج ~~البيت @QE@ وذلك حاصل على ذلك الفعل فإن البيان يكون حاصلا بفعله لا بفعل ~~غيره PageV02P098 فكذلك بالفعل لا بالوقت لأنه ليس فيه أمر مجمل لاختصاص ~~عقد الإحرام بالحج ببعض الأوقات دون البعض وما كان ذلك إلا نظير مباشرة ~~الطهارة بالماء في الوقت فإن ذلك كان بيانا منه لأصل الطهارة المأمور بها ~~في الكتاب ولم يكن بيانا في التخصيص في الوقت حتى تجوز الطهارة بالماء قبل ~~دخول الوقت بلا خلاف # # | فصل في بيان شرائع من قبلنا # اختلف العلماء في هذا الفصل على أقاويل # فمنهم من قال ما كان شريعة لنبي فهو باق أبدا حتى يقوم دليل النسخ فيه ~~وكل من يأتي فعليه أن يعمل به على أنه شريعة ذلك النبي عليه السلام ما لم ~~يظهر ناسخه # وقال بعضهم شريعة كل نبي تنتهي ببعث نبي آخر بعده حتى لا يعمل به إلا أن ~~يقوم الدليل على بقائه وذلك ببيان من النبي المبعوث بعده # وقال بعضهم شرائع من قبلنا يلزمنا العمل به على أن ذلك شريعة لنبينا عليه ~~السلام فيما لم يظهر دليل النسخ فيه ولا يفصلون بين ما يصير معلوما من ~~شرائع من قبلنا بنقل أهل الكتاب أو برواية المسلمين عما في أيديهم من ~~الكتاب وبين ما ثبت من ذلك ببيان في القرآن أو السنة # وأصح الأقاويل عندنا أن ما ثبت بكتاب الله أنه كان شريعة ms495 من قبلنا أو ~~ببيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن علينا العمل به على أنه شريعة ~~لنبينا عليه السلام ما لم يظهر ناسخه فأما ما علم بنقل دليل موجب للعلم على ~~أنهم حرفوا الكتب فلا يعتبر نقلهم في ذلك لتوهم أن المنقول من جملة ما ~~حرفوا ولا يعتبر فهم المسلمين ذلك مما في أيديهم من الكتب لجواز أن يكون ~~ذلك من جملة ما غيروا وبدلوا # والدليل على أن المذهب هذا أن محمدا قد استدل في كتاب الشرب على جواز ~~القسمة بطريق المهايأة في الشرب بقوله تعالى @QB@ ونبئهم أن الماء @QE@ أهل ~~الكتاب أو بفهم المسلمين PageV02P099 من كتبهم فإنه لا يجب اتباعه لقيام ~~@QB@ قسمة بينهم @QE@ وبقوله تعالى @QB@ هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم ~~معلوم @QE@ وإنما أخبر الله تعالى ذلك عن صالح عليه السلام ومعلوم أنه ما ~~استدل به إلا بعد اعتقاده بقاء ذلك الحكم شريعة لنبينا عليه السلام # واستدل أبو يوسف على جريان القصاص بين الذكر والأنثى بقوله تعالى @QB@ ~~وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس @QE@ وبه كان يستدل الكرخي على جريان ~~القصاص بين الحر والعبد والمسلم والذمي و الشافعي في هذا لا يخالفنا وقد ~~استدل برجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين بحكم التوراة كما نص عليه ~~بقوله أنا أحق من أحيا سنة أماتوها على وجوب الرجم على أهل الكتاب وعلى أن ~~ذلك صار شريعة لنبينا # ونحن لا ننكر ذلك أيضا ولكنا ندعي انتساخ ذلك بطريق زيادة شرط الإحصان ~~لإيجاب الرجم في شريعتنا ولمثل هذه الزيادة حكم النسخ عندنا # وبين المتكلمين اختلاف في أن النبي عليه السلام قبل نزول الوحي ( عليه ) ~~هل كان متعبدا بشريعة من قبله فمنهم من أبى ذلك ومنهم من توقف فيه ومنهم من ~~قال كان متعبدا بذلك ولكن موضع بيان هذا الفصل أصول التوحيد فإنا نذكر ههنا ~~ما يتصل بأصول الفقه # فأما الفريق الأول قالوا صفة الإطلاق في الشيء يقتضي التأبيد فيه إذا كان ~~محتملا للتأبيد فالتوقيت يكون زيادة فيه لا يجوز إثباته إلا بالدليل ms496 ثم ~~الرسول الذي كان الحكم شريعة له لم يخرج من أن يكون رسولا برسول آخر بعث ~~بعده فكذلك شريعته لا تخرج من أن تكون معمولا بها وإن بعث بعده رسول آخر ما ~~لم يقم دليل النسخ فيه ألا ترى أن علينا الإقرار بالرسل كلهم وإلى ذلك وقعت ~~الإشارة في قوله تعالى @QB@ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~لا نفرق بين أحد من رسله @QE@ PageV02P100 فكذلك ما ثبت شريعة لرسول فما لم ~~يظهر ناسخه فهو بمنزلة ما ليس فيه احتمال النسخ في كونه باقيا معمولا به ~~يوضحه أن ما ثبت شريعة لرسول فقد ثبتت الحقية فيه وكونه مرضيا عند الله ~~وبعث الرسل لبيان ما هو مرضي عند الله فما علم كونه مرضيا قبل بعث رسول آخر ~~لا يخرج من أن يكون مرضيا ببعث رسول آخر وإذا بقي مرضيا كان معمولا به كما ~~كان قبل بعث الرسول الثاني وبهذا تبين الفرق أن الأصل هو الموافقة في شرائع ~~الرسل إلا أذا تبين تغيير حكم بدليل النسخ # فأما الفريق الثاني فقد استدلوا بقوله تعالى @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا @QE@ وبقوله @QB@ وجعلناه هدى لبني إسرائيل @QE@ فتخصيص بني ~~إسرائيل يكون التوراة هدى لهم يكون دليلا على أنه لا يلزمنا العمل بما فيه ~~إلا أن يقوم دليل يوجب العمل به في شريعتنا ولأن بعث الرسل لبيان ما بالناس ~~حاجة إلى بيانه وإذا لم تجعل شريعة رسول منتهية ببعث رسول آخر لم يكن ~~بالناس حاجة إلى البيان عند بعث الثاني لأن ذلك مبين عندهم بالطريق الموجب ~~للعلم فمن هذا الوجه يتبين أن بعث رسول آخر دليل النسخ لشريعة كانت قبله ~~ولهذا جعلنا هذا كالنسخ فيما يحتمل النسخ دون ما لا يحتمل النسخ أصلا ~~كالتوحيد وأصل الدين ألا ترى أن الرسل عليهم السلام ما اختلفوا في شيء من ~~ذلك أصلا ولا وصفا ولا يجوز أن يكون بينهم فيه خلاف ولهذا انقطع القول ~~ببقاء شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة لعلمنا بدليل ~~مقطوع به أنه لا ms497 نبي بعده حتى يكون ناسخا لشريعته يوضحه أن الأنبياء عليهم ~~السلام قبل نبينا أكثرهم إنما بعثوا إلى قوم مخصوصين ورسولنا هو المبعوث ~~إلى الناس كافة على ما قال عليه السلام أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي بعثت ~~إلى الأحمر والأسود وقد كان النبي قبلي يبعث إلى قومه الحديث فإذا ثبت أنه ~~قد كان في المرسلين من يكون وجوب العمل بشريعته على أهل مكان دون أهل مكان ~~آخر وإن كان ذلك مرضيا عند الله تعالى علمنا أنه يجوز أن يكون وجوب العمل ~~به على أهل زمان دون أهل نبيين في ذلك الوقت في مكانين على أن يدعو كل واحد ~~منهما إلى شريعته فعرفنا أنه يجوز مثل ذلك في زمانين وأن المبعوث آخرا يدعو ~~إلى العمل بشريعته ويأمر الناس باتباعه ولا يدعو إلى العمل بشريعة من قبله ~~فتعين الكلام في نبينا فإنه كان يدعو الناس إلى اتباعه كما قال تعالى @QB@ ~~فاتبعوني يحببكم الله @QE@ وإنما يأمر بالعمل بشريعته فلو بقيت زمان آخر ~~PageV02P101 وإن كان ( ذلك ) منتهيا ببعث نبي آخر وقد كان يجوز اجتماع ~~شرائع من قبلنا معمولا بها بعد مبعثه لدعا الناس إلى العمل بذلك ولكان يجب ~~عليه أن يعلم ذلك أصحابه ليتمكنوا من العمل به ولو فعل ذلك لنقل إلينا نقلا ~~مستفيضا والمنقول إلينا منعه إياهم عن ذلك فإنه روي أنه ( عليه الصلاة ~~والسلام ( لما رأى صحيفة في يد عمر سأله عنها فقال هي التوراة # فغضب حتى احمرت وجنتاه وقال أمتهوكون كما تهوكت اليهود والنصارى والله لو ~~كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي وبهذا اللفظ يتبين أن الرسول المتقدم ببعث ~~رسول آخر يكون كالواحد من أمته في لزوم اتباع شريعته لو كان حيا وعليه دل ~~كتاب الله كما قال تعالى @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به @QE@ فأخذ الميثاق عليهم ~~بذلك من أبين الدلائل على أنهم بمنزلة أمة من بعث آخرا في وجوب اتباعه ~~وبهذا ظهر شرف نبينا عليه السلام ms498 فإنه لا نبي بعده فكان الكل ممن تقدم وممن ~~تأخر في حكم المتبع له وهو بمنزلة القلب يطيعه الرأس ويتبعه الرجل # والفريق الثالث استدلوا بهذا الكلام أيضا ولكن بطريق أن ما كان شريعة لمن ~~قبلنا يصير شريعة لنبينا صلى الله عليه وسلم ومن تقدم في العمل به يكون ~~متبعا له وفي حكم العامل بشريعته من هذا الوجه فإن الله تعالى قال @QB@ ملة ~~أبيكم إبراهيم @QE@ وقال تعالى @QB@ قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا @QE@ وما يكون منتهيا ~~منسوخا لا يكون متبعا فبهذه النصوص يتبين أنه متبع عليه السلام ويجب على ~~الناس العمل به بطريق أنه شريعة له حتى يقوم دليل نسخه في شريعته ألا ترى ~~أنه قد اجتمع نبيان في وقت واحد وفي مكان واحد فيمن قبلنا على أن كان ~~أحدهما تبعا للآخر نحو هارون مع موسى ولوط مع إبراهيم كما قال تعالى @QB@ ~~فآمن له لوط @QE@ فكانت الشريعة وأنه ملة إبراهيم فلم يبق PageV02P102 طريق ~~سوى أن نقول قد صار ذلك شريعة لنبينا لأحدهما والآخر نبي مرسل وهو مأمور ~~باتباعه والعمل بشريعته ولا يجوز القول باجتماع نبيين في وقت واحد ومكان ~~واحد على أن يكون لكل واحد منهما شريعة تخالف شريعة الآخر في وقت من ~~الأوقات # واستدلوا على ذلك بقوله تعالى @QB@ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ~~@QE@ ومعلوم أن الهدى في أصل الدين وأحكام الشرع جميعا # فإن قيل المراد به الأمر بالاقتداء بهم في أصل الدين فإنه مبني على ما ~~تقدم من قوله تعالى @QB@ فلما جن عليه الليل @QE@ إلى قوله @QB@ وتلك حجتنا ~~آتيناها إبراهيم @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ أولئك الذين هدى الله @QE@ ~~والدليل عليه أنه قد كان في المذكورين من لم يكن نبيا فإنه قال @QB@ ومن ~~آبائهم وذرياتهم وإخوانهم @QE@ ومعلوم أن الأمر بالاقتداء في أحكام الشرع ~~لا يكون في غير الأنبياء وإنما يكون ذلك في أصل الدين ولأنه قد كان في ~~شرائعهم الناسخ والمنسوخ فالأمر باللاقتداء بهم في الأحكام على الإطلاق ~~يكون آمرا بالعمل بشيئين مختلفين ms499 متضادين وذلك غير جائز # قلنا في الآية تنصيص على الاقتداء بهداهم وذلك يعم أصل الدين وأحكام ~~الشرع ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ~~@QE@ أنه يدلنا على أن الهدى كل ما يجب الاتقاء فيه وما يكون المهتدي فيه ~~متقيا وقال تعالى @QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ~~@QE@ والحكم إنما يكون بالشرائع ولما سئل مجاهد عن سجدة ص قال سجدها داود ~~وهو ممن أمر نبيكم بأن يقتدي به وتلا قوله تعالى @QB@ فبهداهم اقتده @QE@ ~~فبهذا تبين أن هذا أمر مبتدأ غير مبني على ما سبق فعمومه يتناول أصل الدين ~~والشرائع جميعا # وقوله فيها ناسخ ومنسوخ قلنا وفي شريعتنا أيضا ناسخ ومنسوخ ثم لم يمنع ~~ذلك إطلاق القول بوجوب الاقتداء علينا برسول الله صلى الله # وقوله قد كان فيهم من ليس بنبي لا كذلك فقد ألحق به من البيان ما يعلم به ~~أن المراد الأنبياء وهو قوله تعالى @QB@ واجتبيناهم وهديناهم @QE@ ~~PageV02P103 عليه وسلم في شريعته @QB@ إلى صراط مستقيم @QE@ @QB@ أولئك ~~الذين آتيناهم الكتاب @QE@ مع أن الأمر بالاقتداء يعلم أنه لا يتناول إلا ~~من يعلم أنه مرضي الطريقة مقتدي به من نبي أو ولي والأولياء على طريقة ~~الأنبياء عليهم السلام في العمل بشرائعهم فبهذا يتبين أن المراد هو الأمر ~~بالاقتداء بالأنبياء عليهم السلام ومعلوم أنه ما أمر بالاقتداء بهم في دعاء ~~الناس إلى شريعتهم وإنما أمر بذلك على أن يدعو الناس إلى شريعته فعرفنا ~~بهذا أن ذلك كله صار شريعة له بمنزلة الملك ينتقل من المورث إلى الوارث ~~فيكون ذلك الملك بعينه مضافا إلى الوارث بعدما كان مضافا إلى المورث في ~~حياته وإلى ذلك وقعت الإشارة في قوله تعالى @QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا @QE@ فأما قوله @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ ~~قد عرفنا يقينا أنه ليس المراد به المخالفة في المنهاج في الكل بل ذلك مراد ~~في البعض وهو ما قام الدليل فيه على انتساخه # وقوله @QB@ هدى لبني إسرائيل @QE@ لا يدل على أنه ليس بهدى ms500 لغيرهم كقوله ~~تعالى @QB@ هدى للمتقين @QE@ والقرآن هدى للناس أجمع وأيد هذا دعاء رسول ~~الله عليه الصلاة والسلام بالتوراة وطلب حكم الرجم منه للعمل به وقوله أنا ~~أحق من أحيا سنة أماتوها فإن إحياء سنة أميتت إنما يكون بالعمل بها فعرفنا ~~أن التوراة هدى لبني إسرائيل ولغيرهم وأيد جميع ما ذكرنا قوله تعالى @QB@ ~~مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه @QE@ ولا معنى لذلك سوى أن ما ~~فيه يصير شريعة لنبينا بما أنزل عليه من الكتاب إلا ما ثبت نسخه وهذا هو ~~القول الصحيح عندنا إلا أنه قد ظهر من أهل الكتاب الحسد وإظهار العداوة مع ~~المسلمين فلا يعتمد قولهم فيما يزعمون أنه من شريعتهم وأن ذلك قد انتقل ~~إليهم بالتواتر ولا تقبل شهادتهم في ذلك لثبوت كفرهم وضلالهم فلم يبق لثبوت ~~ذلك طريق سوى نزول القرآن به أو بيان الرسول له فما وجد فيه هذا الطريق ~~فعلينا تعالى @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون @QE@ فيه ~~الاتباع والعمل به حتى يقوم دليل PageV02P104 النسخ وأيد ما ذكرنا قوله # @QB@ فأولئك هم الظالمون @QE@ ومعلوم أنهم ما كانوا يمتنعون من العمل ~~بأحكام التوراة وإنما كانوا يمتنعون من العمل به على طريق أنه شريعة رسولنا ~~فإنهم كانوا لا يقرون برسالته وقد سماهم الله كافرين ظالمين ممتنعين من ~~الحكم بما أنزل الله # وكذلك قال تعالى @QB@ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون @QE@ وإنما سماهم فاسقين لتركهم العمل ~~بما في الإنجيل على أنه شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فبهذا يتبين أن ذلك ~~كله قد صار شريعة لنبينا عليه السلام وأنه يجب اتباعه والعمل به على أنه ~~شريعة نبينا # وفي قوله تعالى @QB@ وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله @QE@ ~~تنصيص على أنه معمول به # وقال تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا @QE@ إلى قوله @QB@ أن ~~أقيموا الدين @QE@ والدين اسم لكل ما يدان الله به فتدخل الأحكام في ذلك ~~ويظهر أن ذلك كله قد صار ms501 شريعة لنبينا فيجب اتباعه والعمل به إلا ما قام ~~دليل النسخ فيه # # | فصل في تقليد الصحابي إذا قال قولا ولا يعرف له مخالف # حكى أبو عمرو بن دانيكا الطبري عن أبي سعيد البردعي رحمه الله أنه كان ~~يقول قول الواحد من الصحابة مقدم على القياس يترك القياس بقوله وعلى هذا ~~أدركنا مشايخنا # وذكر أبو بكر الرازي عن أبي الحسن الكرخي رحمه الله أنه كان يقول أرى أبا ~~يوسف يقول في بعض مسائله القياس كذا إلا أني تركته للأثر وذلك الأثر قول ~~واحد من الصحابة # فهذه دلالة بينة من مذهبه على تقديم قول الصحابي على القياس # قال وأما أنا فلا يعجبني هذا المذهب # وهذا الذي ذكره الكرخي عن أبي يوسف موجود في كثير من المسائل عن أصحابنا ~~فقد قالوا في المضمضة والاستنشاق إنهما سنتان في القياس في الجنابة والوضوء ~~جميعا تركنا PageV02P105 القياس لقول ابن عباس وقالوا في الدم إذا ظهر على ~~رأس الجرح ولم يسل فهو ناقض للطهارة في القياس تركناه لقول ابن عباس وقالوا ~~في الإغماء إذا كان يوما وليلة أو أقل فإنه يمنع قضاء الصلوات في القياس ~~تركناه لفعل عمار بن ياسر رضي الله عنهما وقالوا في إقرار المريض لوارثه ~~إنه جائز في القياس تركناه لقول ابن عمر رضي الله عنهما # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله فيمن اشترى شيئا على أنه ( إن ) لم ~~ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما فالعقد فاسد في القياس تركناه ~~لأثر يروى عن ابن عمر # وقال أبو حنيفة إعلام قدر رأس المال فيما يتعلق العقد على قدره شرط لجواز ~~السلم بلغنا نحو ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما وخالفه أبو يوسف و محمد ~~بالرأي # وقال أبو يوسف ومحمد إذا ضاع العين في يد الأجير المشترك بما يمكن التحرز ~~عنه فهو ضامن لأثر روي فيه عن علي رضي الله عنه # وقال أبو حنيفة لا ضمان عليه فأخذ بالرأي مع الرواية بخلافه عن علي # وقال محمد لا تطلق الحامل أكثر من واحدة ms502 للسنة بلغنا ذلك عن ابن مسعود ~~وجابر رضي الله عنهما # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف بالرأي إنها تطلق ثلاثا للسنة # فعرفنا أن عمل علمائنا بهذا في مسائلهم مختلف # ول لشافعي في المسألة قولان كان يقول في القديم يقدم قول الصحابي على ~~القياس وهو قول مالك وفي الجديد كان يقول يقدم القياس في العمل به على قول ~~الواحد والاثنين من الصحابة كما ذهب إليه الكرخي # وبعض أهل الحديث يخصون بترك القياس في مقابلة قولهم الخلفاء الراشدين ~~ويستدلون بقوله عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ~~وبقوله عليه السلام اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر فظاهر الحديثين ~~يقتضي وجوب اتباعهما وإن خالفهما غيرهما من الصحابة ولكن يترك هذا الظاهر ~~عند ظهور الخلاف بقيام الدليل فبقي حال ظهور قولهما من غير مخالف لها على ~~ما يقتضيه الظاهر # وأما الكرخي فقد احتج بقوله تعالى @QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ ~~والاعتبار هو العمل بالقياس والرأي فيما لا نص فيه وقال تعالى @QB@ فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ يعني إلى الكتاب والسنة وقد دل ~~عليه PageV02P106 حديث معاذ حين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بم ~~تقضي قال بكتاب الله # قال فإن لم تجد في كتاب الله قال بسنة رسول الله # قال فإن لم تجد في سنة رسول الله قال اجتهد رأيي # فقال الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله فهذا دليل على أنه ~~ليس بعد الكتاب والسنة شيء يعمل به سوى الرأي # قال ولا حجة لكم في قوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم لأن المراد الاقتداء بهم في الجري على طريقهم في طلب الصواب في ~~الأحكام لا في تقليدهم وقد كانت طريقتهم العمل بالرأي والاجتهاد ألا ترى ~~أنه شبههم بالنجوم وإنما يهتدي بالنجم من حيث الاستدلال به على الطريق بما ~~يدل عليه لا أن نفس النجم يوجب ذلك وهو تأويل قوله اقتدوا بالذين من بعدي و ~~عليكم بسنة الخلفاء من بعدي فإنه إنما يعني سلوك ms503 طريقهم في اعتبار الرأي ~~والاجتهاد فيما لا نص فيه وهذا هو المعنى فقد ظهر من الصحابة الفتوى بالرأي ~~ظهورا لا يمكن إنكاره والرأي قد يخطىء فكان فتوى الواحد منهم محتملا مترددا ~~بين الصواب والخطأ ولا يجوز ترك الرأي بمثله كما لا يترك بقول التابعي وكما ~~لا يترك أحد المجتهدين في عصر رأيه بقول مجتهد آخر # والدليل على أن الخطأ محتمل في فتواهم ما روي أن عمر سئل عن مسألة فأجاب ~~فقال رجل هذا هو الصواب # فقال والله ما يدري عمر أن هذا هو الصواب أو الخطأ ولكني لم آل عن الحق # وقال ابن مسعود رضي الله عنه فيما أجاب به في المفوضة وإن كان خطأ فمني ~~ومن الشيطان # فعرفنا أنه قد كان جهة الخطأ محتملا في فتواهم ولا يقال هذا في إجماعهم ~~موجود إذا صدر عن رأي ثم كان حجة لأن الرأي إذا تأيد بالإجماع تتعين جهة ~~الصواب فيه بالنص قال عليه السلام إن الله لا يجمع أمتي على الضلالة ألا ~~ترى أن إجماع أهل كل عصر يجعل حجة بهذا الطريق وإن لم يكن قول الواحد منهم ~~مقدما على الرأي في العمل به ولأنه لم يظهر منهم دعاء الناس إلى أقاويلهم ~~ولو كان قول الواحد منهم مقدما على الرأي لدعا الناس إلى قوله كما كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى العمل بقوله وكما كانت الصحابة ~~تدعو الناس إلى العمل بالكتاب والسنة وإلى العمل PageV02P107 بإجماعهم فيما ~~أجمعوا عليه إذ الدعاء إلى الحجة واجب ولأن قول الواحد منهم لو كان حجة لم ~~يجز لغيره مخالفته بالرأي كالكتاب والسنة وقد رأينا أن بعضهم يخالف بعضا ~~برأيه فكان ذلك شبه الاتفاق منهم على أن قول الواحد منهم لا يكون مقدما على ~~الرأي # ولا يدخل على هذا إجماعهم فإن مع بقاء الواحد منهم مخالفا لا ينعقد ~~الإجماع وبعد ما ثبت الإجماع باتفاقهم لو بدا لأحدهم فخالف لم يعتد بخلافه ~~أيضا على ما بينا أن انقراض العصر ليس بشرط لثبوت حكم الإجماع ms504 وأن مخالفة ~~الإجماع بعد انعقاده كمخالفة النص # وجه ما ذهب إليه أبو سعيد البردعي وهو الأصح أن فتوى الصحابي فيه احتمال ~~الرواية عمن ينزل عليه الوحي فقد ظهر من عادتهم أن من كان عنده نص فربما ~~روى وربما أفتى على موافقة النص مطلقا من غير الرواية ولا شك أن ما فيه ~~احتمال السماع من صاحب الوحي فهو مقدم على محض الرأي فمن هذا الوجه تقديم ~~قول الصحابي على الرأي بمنزلة تقديم خبر الواحد على القياس ولئن كان قوله ~~صادرا عن الرأي فرأيهم أقوى من رأي غيرهم لأنهم شاهدوا طريق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في بيان أحكام الحوادث وشاهدوا الأحوال التي نزلت فيها ~~النصوص والمحال التي تتغير باعتبارها الأحكام فبهذه المعاني يترجح رأيهم ~~على رأي من لم يشاهد شيئا من ذلك وعند تعارض الرأيين إذا ظهر لأحدهما نوع ~~ترجيح وجب الأخذ بذلك فكذلك إذا وقع التعارض بين رأي الواحد منا ورأي ~~الواحد منهم يجب تقديم رأيه على رأينا لزيادة قوة في رأيه وهكذا نقول في ~~المجتهدين في زماننا فإن على أصل أبي حنيفة إذا كان عند مجتهد أن من يخالفه ~~في الرأي أعلم بطريق الاجتهاد وأنه مقدم عليه في العلم فإنه يدع رأيه لرأي ~~من عرف زيادة قوة في اجتهاده كما أن العامي يدع رأيه لرأي المفتي المجتهد ~~لعلمه بأنه متقدم عليه فيما يفصل به بين الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه ~~وعلى قول أبي يوسف ومحمد لا يدع المجتهد في زماننا رأيه لرأي من هو مقدم ~~عليه في الاجتهاد من أهل عصره لوجود المساواة بينهما في الحال وفي معرفة ~~طريق الاجتهاد ولكن هذا لا يوجد فيما بين المجتهد منا والمجتهد من الصحابة ~~فالتفاوت بينهما في الحال لا يخفى PageV02P108 وفي طريق العلم كذلك فهم قد ~~شاهدوا أحوال من ينزل عليه الوحي وسمعوا منه وإنما انتقل إلينا ذلك بخبرهم ~~وليس الخبر كالمعاينة # فإن قيل أليس أن تأويل الصحابي للنص لا يكون مقدما على تأويل غيره ولم ~~يعتبر فيه هذه الأحوال فكذلك في ms505 الفتوى بالرأي قلنا لأن التأويل يكون ~~بالتأمل في وجوه اللغة ومعاني الكلام ولا مزية لهم في ذلك الباب على غيرهم ~~ممن يعرف من معاني اللسان مثل ذلك # فأما الاجتهاد في الأحكام إنما يكون بالتأمل في النصوص التي هي أصل في ~~أحكام الشرع وذلك يختلف باختلاف الأحوال ولأجله تظهر لهم المزية بمشاهدة ~~أحوال الخطاب على غيرهم ممن لم يشاهد ولا يقال هذه أمور باطنة وإنما أمرنا ~~ببناء الحكم على ما هو الظاهر لأن بناء الحكم على الظاهر مستقيم عندنا ولكن ~~في موضع يتعذر اعتبارهما جميعا فأما عند المقابلة لا إشكال أن اعتبار ~~الظاهر والباطن جميعا يتقدم على مجرد اعتبار الظاهر ( وفي الأخذ بقول ~~الصحابي اعتبارهما وفي العمل بالرأي اعتبار الظاهر ) فقط هذا مع ما لهم من ~~الفضيلة بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتفقه في الدين سماعا منه ~~وشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالخيرية بعده وتقديمهم في ذلك ~~على من بعدهم بقوله خير الناس قرني الحديث وقال لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ~~ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه فعرفنا أنهم يوفقون لإصابة الرأي ما لا يوفق ~~غيرهم لمثله فيكون رأيهم أبعد عن احتمال الخطأ من رأي من بعدهم ولا حجة في ~~قوله تعالى @QB@ فاعتبروا @QE@ لأن تقديم قولهم بهذا الطريق نوع من ~~الاعتبار فالاعتبار يكون بترجيح أحد الدليلين بزيادة قوة فيه وكذلك قوله ~~تعالى @QB@ فردوه إلى الله والرسول @QE@ لأن في تقديم فتوى الصحابي رد ~~الحكم إلى أمر الرسول عليه السلام لأن الرسول عليه السلام قد دعا الناس إلى ~~الاقتداء بأصحابه بقوله بأيهم اقتديتم اهتديتم وإنما كان لا يدعو الواحد ~~منهم غيره إلى قوله لأن ذلك الغير إن أظهر قولا بخلاف قوله فعند تعارض ~~القولين منهما تتحقق المساواة بينهما وليس أحدهما بأن يدعو صاحبه إلى قوله ~~بأولى من الآخر وإن لم يظهر منه قول بخلاف ذلك فهو لا يدري PageV02P109 ~~لعله إذا دعاه إلى قوله أظهر خلافه فلا يكون قوله حجة عليه فأما بعدما ظهر ~~القول عن واحد منهم ms506 وانقرض عصرهم قبل أن يظهر قول بخلافه من غيره فقد انقطع ~~احتمال ما ثبت به المساواة من الوجه الذي قررنا فيكون قوله حجة وإنما ساغ ~~لبعضهم مخالفة البعض لوجود المساواة بينهم فيما يتقوى به الرأي وهو مشاهدة ~~أحوال التنزيل ومعرفة أسبابه # ولا خلاف بين أصحابنا المتقدمين والمتأخرين أن قول الواحد من الصحابة حجة ~~فيما لا مدخل للقياس في معرفة الحكم فيه وذلك نحو المقادير التي لا تعرف ~~بالرأي فإنا أخذنا بقول علي رضي الله عنه في تقدير المهر بعشرة دراهم ~~وأخذنا بقول أنس في تقدير أقل الحيض بثلاثة أيام وأكثره بعشرة أيام وبقول ~~عثمان بن أبي العاص في تقدير أكثر النفاس بأربعين يوما وبقول عائشة رضي ~~الله عنها في أن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين وهذا لأن أحدا لا ~~يظن بهم المجازفة في القول ولا يجوز أن يحمل قولهم في حكم الشرع على الكذب ~~فإن طريق الدين من النصوص إنما انتقل إلينا بروايتهم وفي حمل قولهم على ~~الكذب والباطل قول بفسقهم وذلك يبطل روايتهم فلم يبق إلا الرأي أو السماع ~~ممن ينزل عليه الوحي ولا مدخل للرأي في هذا الباب فتعين السماع وصار فتواه ~~مطلقا كروايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شك أنه لو ذكر سماعه من ~~رسول الله لكان ذلك حجة لإثبات الحكم به فكذلك إذا أفتى به ولا طريق لفتواه ~~إلا السماع ولهذا قلنا إن قول الواحد منهم فيما لا يوافقه القياس يكون حجة ~~في العمل به كالنص يترك القياس به حتى إن في شراء ما باع بأقل مما باع قبل ~~نقد الثمن أخذنا بقول عائشة رضي الله عنها في قصة زيد بن أرقم رضي الله عنه ~~وتركنا القياس لأن القياس لما كان مخالفا لقولها تعين جهة السماع في فتواها ~~وكذلك أخذنا بقول ابن عباس رضي الله عنهما في النذر بذبح الولد إنه يوجب ~~ذبح شاة لأنه قول يخالف القياس فتتعين فيه جهة السماع وأخذنا بقول ابن ~~PageV02P110 مسعود رضي الله عنه في ms507 تقدير الجعل لراد الآبق من مسيرة سفر ~~بأربعين درهما لأنه قول بخلاف القياس وهو إطلاق الفتوى منه فيما لا يعرف ~~بالقياس فتتعين جهة السماع # فإن قيل هذا المعنى يوجد في قول التابعي فإنه لا يظن المجازفة في القول ~~بالمجتهد في كل عصر ولا يجوز حمل كلامه على الكذب قصدا ومع ذلك لا تتعين ~~جهة السماع لفتواه عند الإطلاق حتى لا يكون حجة فيما لا يستدرك بالقياس كما ~~لا يكون حجة فيما يعرف بالقياس # قلنا قد بينا أن قول الصحابي يكون أبعد عن احتمال الغلط وقلة التأمل فيه ~~من قول غيره ثم احتمال اتصال قولهم بالسماع يكون بغير واسطة فقد صحبوا من ~~كان ينزل عليه الوحي وسمعوا منه واحتمال اتصال قول من بعدهم بالسماع يكون ~~بواسطة النقل وتلك الواسطة لا يمكن إثباتها بغير دليل وبدونها لا يثبت ~~اتصال قوله بالسماع بوجه من الوجوه فمن هذا الوجه يقع الفرق بين قول ~~الصحابي وبين قول من هو دونه فيما لا مدخل للقياس فيه # فإن قيل قد قلتم في المقادير بالرأي من غير أثر فيه فإن أبا حنيفة قدر ~~مدة البلوغ بالسن بثماني عشرة سنة أو سبع عشرة سنة بالرأي وقدر مدة وجوب ~~دفع المال إلى السفيه الذي لم يؤنس منه الرشد بخمس وعشرين سنة بالرأي وقدر ~~أبو يوسف ومحمد مدة تمكن الرجل من نفي الولد بأربعين يوما بالرأي وقدر ~~أصحابنا جميعا ما يطهر به البئر من النزح عند وقوع الفأرة فيه بعشرين دلوا ~~فهذا يتبين فساد قول من يقول إنه لا مدخل للرأي في معرفة المقادير وأنه ~~تتعين جهة السماع في ذلك إذا قاله صحابي # قلنا إنما أردنا بما قلنا المقادير التي تثبت لحق الله ابتداء دون مقدار ~~يكون فيما يتردد بين القليل والكثير والصغير والكبير فإن المقادير في ~~الحدود والعبادات نحو أعداد الركعات في الصلوات مما لا يشكل على أحد أنه لا ~~مدخل PageV02P111 للرأي في معرفة ذلك فكذلك ما يكون بتلك الصفة مما أشرنا ~~إليه فأما ما استدللتم به فهو من باب ms508 الفرق بين القليل والكثير فيما يحتاج ~~إليه فإنا نعلم أن ابن عشر سنين لا يكون بالغا وأن ابن عشرين سنة يكون ~~بالغا ثم التردد فيما بين ذلك فيكون هذا استعمال الرأي في إزالة التردد وهو ~~نظير معرفة القيمة في المغصوب والمستهلك ومعرفة مهر المثل والتقدير في ~~النفقة فإن للرأي مدخلا في معرفة ذلك من الوجه الذي قلنا وكذلك حكم دفع ~~المال إلى السفيه فإن الله تعالى قال @QB@ فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا ~~إليهم أموالهم @QE@ وقال @QB@ ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا @QE@ # فوقعت الحاجة إلى معرفة الكبير على وجه يتيقن معه بنوع من الرشد وذلك مما ~~يعرف بالرأي فقدر أبو حنيفة ذلك بخمس وعشرين سنة لأنه يتوهم أن يصير جدا في ~~هذه المدة ومن صار فرعه أصلا فقد تناهى في الأصلية فيتيقن له بصفة الكبر ~~ويعلم إيناس الرشد منه باعتبار أنه بلغ أشده فإنه قيل في تفسير الأشد ~~المذكور في سورة يوسف عليه السلام إنه هذه المدة وكذلك ما قال أبو يوسف ~~ومحمد فإنه يتمكن من النفي بعد الولادة بساعة أو ساعتين لا محالة ولا يتمكن ~~من النفي بعد سنة أو أكثر فإنما وقع التردد فيما بين القليل والكثير من ~~المدة فاعتبر الرأي فيه بالبناء على أكثر مدة النفاس # فأما حكم طهارة البئر بالنزح فإنما عرفناه بآثار الصحابة فإن فتوى علي ~~وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما في ذلك معروفة مع أن ذلك من باب الفرق بين ~~القليل من النزح والكثير وقد بينا أن للرأي مدخلا في معرفة هذا كله في قول ~~ظهر عن صحابي ولم يشتهر ذلك في أقرانه فإنه بعدما اشتهر إذا لم يظهر النكير ~~عن أحد منهم كان ذلك بمنزلة الإجماع وقد بينا الكلام فيه وما اختلف فيه ~~الصحابة فقد بينا أن الحق لا يعدو أقاويلهم حتى لا يتمكن أحد من أن يقول ~~بالرأي قولا خارجا عن أقاويلهم وكذلك لا يشتغل بطلب التاريخ بين أقاويلهم ~~ليجعل المتأخر ناسخا للمتقدم كما يفعل في الآيتين والخبرين لأنه لما ظهر ~~الخلاف ms509 بينهم ولم نجز المحاجة بسماع من صاحب الوحي فقد انقطع احتمال ~~التوقيف فيه وبقي مجرد القول بالرأي والرأي PageV02P112 لا يكون ناسخا ~~للرأي ولهذا لم يجز نسخ أحد القياسين بالآخر ولكن طريق العمل طلب الترجيح ~~بزيادة قوة لأحد الأقاويل فإن ظهر ذلك وجب العمل بالراجح وإن لم يظهر يتخير ~~المبتلي بالحادثة في الأخذ بقول أيهما شاء بعد أن يقع في أكثر رأيه أنه هو ~~الصواب وبعد ما عمل بأحد القولين لا يكون له أن يعمل بالقول الآخر إلا ~~بدليل وقد بينا ( لك ) هذا في باب المعارضة # هذا الذي بينا هو النهاية في الأخذ بالسنة حقيقتها وشبهتها ثم العمل ~~بالرأي بعده وبذلك يتم الفقه على ما أشار إليه محمد بن الحسن في أدب القاضي ~~فقال لا يستقيم العمل بالحديث إلا بالرأي ولا يستقيم العمل بالرأي إلا ~~بالحديث # وأصحابنا هم المتمسكون بالسنة والرأي في الحقيقة فقد ظهر منهم من تعظيم ~~السنة ما لم يظهر من غيرهم ممن يدعي أنه صاحب الحديث لأنهم جوزوا نسخ ~~الكتاب بالسنة لقوة درجتها وجوزوا العمل بالمراسيل وقدموا خبر المجهول على ~~القياس وقدموا قول الصحابي على القياس لأن فيه شبهة السماع من الوجه الذي ~~قررنا ثم بعد ذلك كله عملوا بالقياس الصحيح وهو المعنى الذي ظهر أثره بقوته # فأما الشافعي رحمه الله حين لم يجوز العمل بالمراسيل فقد ترك كثيرا من ~~السنن وحين لم يقبل رواية المجهول فقد عطل بعض السنة أيضا وحين لم ير تقليد ~~الواحد من الصحابة فقد جوز الإعراض عما فيه شبهة السماع ثم جوز العمل بقياس ~~الشبه وهو مما لا يجوز أن يضاف إليه الوجوب بحال فما حاله إلا كحال من لم ~~يجوز العمل بالقياس أصلا ثم يعمل باستصحاب الحال فحمله ما صار إليه من ~~الاحتياط على العمل بلا دليل وترك العمل بالدليل # وتبين أن أصحابنا هم القدوة في أحكام الشرع أصولها وفروعها وأن بفتواهم ~~اتضح الطريق للناس إلا أنه بحر عميق لا يسلكه كل سابح ولا يستجمع شرائطه كل ~~طالب والله الموفق # PageV02P113 # | فصل في ms510 خلاف التابعي هل يعتد به مع إجماع الصحابة # لا خلاف أن قول التابعي لا يكون حجة على وجه يترك القياس بقوله فقد روينا ~~عن أبي حنيفة أنه كان يقول ما جاءنا عن التابعين زاحمناهم # ولا خلاف أن من لم يدرك عصر الصحابة من التابعين أنه لا يعتد بخلافه في ~~إجماعهم فأما من أدرك عصر الصحابة من التابعين كالحسن وسعيد بن المسيب ~~والنخعي والشعبي رضي الله عنهم فإنه يعتد بقوله في إجماعهم عندنا حتى لا ~~يتم إجماعهم مع خلافه وعلى قول الشافعي لا يعتد بقوله مع إجماعهم # وعلى هذا قال أبو حنيفة لا يثبت إجماع الصحابة في الإشعار لأن إبراهيم ~~النخعي كان يكرهه وهو ممن أدرك عصر الصحابة فلا يثبت إجماعهم دون قوله # وجه قول الشافعي أن إجماع الصحابة حجة بطريق الكرامة لهم ولا مشاركة ~~للتابعي معهم في السبب الذي استحقوا به زيادة الكرامة وذلك صحبة رسول الله ~~عليه السلام ومشاهدة أحوال الوحي ولهذا لم نجعل التابعي الذي أدرك عصرهم ~~بمنزلتهم في الاحتجاج بقوله فكذلك لا يقدح قوله في إجماعهم كما لا يقدح قول ~~من لم يدرك عصر الصحابة في إجماعهم ولأن صاحب الشرع أمرنا بالاقتداء بهم ~~وندب إلى ذلك بقوله عليه السلام بأيهم اقتديتم اهتديتم وهذا لا يوجد في حق ~~التابعي وإن أدرك عصرهم فلا يكون مزاحما لهم وإنما ينعدم انعقاد الإجماع ~~بالمزاحم # وحجتنا في ذلك أنه لما أدرك عصرهم وسوغوا له اجتهاد الرأي والمزاحمة معهم ~~في الفتوى والحكم بخلاف رأيهم قد صار هو كواحد منهم فيما يبتني على اجتهاد ~~الرأي ثم الإجماع لا ينعقد مع خلاف واحد منهم فكذلك لا ينعقد مع خلاف ~~التابعي الذي أدرك عصرهم لأنه من علماء ذلك العصر فشرط انعقاد الإجماع أن ~~لا يكون أحد من أهل العصر مخالفا لهم # وبيان هذا أن عمر وعليا رضي الله عنهما قلدا شريحا القضاء بعدما ظهر منه ~~مخالفتهما في الرأي وإنما قلداه القضاء ليحكم برأيه # فإن قيل لا كذلك بل قلداه القضاء ليحكم بقولهما أو بقول بعض الصحابة ms511 ~~PageV02P114 سواهما # قلنا قد روي أن عمر كتب إلى شريح اقض بما في كتاب الله فإن لم تجد فبسنة ~~رسول الله فإن لم تجد فاجتهد برأيك # فإن قيل معنى قوله ( فاجتهد برأيك ) في آرائنا وأقاويلنا # قلنا هذه زيادة على النص وهي تنزل منزلة النسخ فلا يكون تأويلا وقد صح أن ~~عليا رضي الله عنه تحاكم إلى شريح وقضى عليه بخلاف رأيه في شهادة الولد ~~لوالده ثم قلده القضاء في خلافته وابن عباس رضي الله عنهما رجع إلى قول ~~مسروق في النذر بذبح الولد فأوجب عليه شاة بعدما كان يوجب عليه مائة من ~~الإبل وعمر رضي الله عنه أمر كعب بن سور أن يحكم برأيه بين الزوجين فجعل ~~لها ليلة من أربع ليال وكان ذلك خلاف رأي عمر # قال أبو سلمة بن عبد الرحمن تذاكرنا مع ابن عباس وأبي هريرة عدة مرات عدة ~~الحامل المتوفى عنها زوجها فقال ابن عباس تعتد بأبعد الأجلين وقلت تعتد ~~بوضع الحمل فقال أبو هريرة أنا مع ابن أخي وعن مسروق أن ابن عباس رضي الله ~~عنهما صنع طعاما لأصحاب عبد الله بن مسعود فجرت المسائل وكان ابن عباس ~~يخطىء في بعض فتاويه فما منعهم من أن يردوا عليه إلا كونهم على طعامه # وسئل ابن عمر عن مسألة فقال سلوا عنها سعيد بن جبير فهو أعلم بها مني # وكان أنس بن مالك إذا سئل عن مسألة فقال سلوا عنها مولانا الحسن # فظهر أنهم سوغوا اجتهاد الرأي لمن أدرك عصرهم ولا معتبر بالصحبة في هذا ~~الباب ألا ترى أن إجماع أهل كل عصر حجة وإن انعدمت الصحبة لهم وأنه قد كان ~~في الصحابة الأعراب الذين لم يكونوا من أهل الاجتهاد في الأحكام فكان لا ~~يعتبر قولهم في الإجماع مع وجود الصحبة فعرفنا أن هذا الحكم إنما يبتنى على ~~كونه من علماء العصر وممن يجتهد في الأحكام ويعتد بقوله # ثم الصحابة فيما بينهم كانوا متفاضلين في الدرجة PageV02P115 فإن درجة ~~الخلفاء الراشدين فوق درجة غيرهم في الفضيلة ولم يدل ذلك ms512 على أن الإجماع ~~الذي هو حجة يثبت بدون قولهم وكما أمر رسول الله بالاقتداء بالصحابة فقد ~~أمر بالاقتداء بالخلفاء الراشدين لسائر الصحابة بقوله عليه السلام عليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي وأمر بالاقتداء بأبي بكر وعمر بقوله عليه ~~السلام اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ثم هذا لا يدل على أن إجماعهم ~~يكون حجة قاطعة مع خلاف سائر الصحابة # # | فصل في حدوث الخلاف بعد الإجماع باعتبار معنى حادث # فمذهب علمائنا أن الاتفاق متى حصل في شيء على حكم ثم حدث فيه معنى ~~اختلفوا لأجله في حكمه فالإجماع المتقدم لا يكون حجة فيه # وقال بعض العلماء ذلك الإجماع حجة فيه يجب التمسك به حتى يوجد إجماع آخر ~~بخلافه # وبيان هذا في الماء الذي وقع فيه نجاسة ولم يتغير أحد أوصافه فإن الإجماع ~~الذي كان على طهارته قبل وقوع النجاسة فيه لا يكون حجة لإثبات صفة الطهارة ~~فيه بعد وقوع النجاسة فيه لا يكون حجة لإثبات صفة الطهارة فيه بعد وقوع ~~النجاسة فيه وعند بعضهم يكون حجة # وكذلك المتيمم إذا أبصر الماء في خلال الصلاة فالإجماع المنعقد على صحة ~~شروعه في الصلاة قبل أن يبصر الماء لا يكون حجة لبقاء صلاته بعدما أبصر ~~الماء وعند بعضهم يكون حجة # وكذلك بيع أم الولد فالإجماع المنعقد على جواز بيعها قبل الاستيلاد لا ~~يكون حجة لجواز بيعها بعد الاستيلاد عندنا وعند بعضهم يكون حجة # ويقولون قد انعقد الإجماع على حكم في هذا العين فنحن على ما كنا عليه من ~~الإجماع حتى ينعقد إجماع آخر له لأن الشيء لا يرفعه ما هو دونه ولا شك أن ~~الخلاف دون الإجماع يوضحه أن التمسك باليقين وترك المشكوك فيه أصل في الشرع ~~فإن النبي عليه السلام أمر الشاك في الحدث بأن لا ينصرف من صلاته حتى ~~يستيقن بالحدث لأنه على يقين من الطهارة وهو في شك من الحدث # وكذلك أمر الشاك في الصلاة بأن يأخذ بالأقل لكونه متيقنا به # وكذلك في الأحكام نقول اليقين لا يزال بالشك حتى ms513 إذا شك في طلاق امرأته ~~لم يقع الطلاق عليها # وكذلك الإقرار بالمال لا يثبت مع الشك لأن براءة الذمة يقين باعتبار ~~الأصل PageV02P116 فلا يزول المتيقن بالشك وهذا لأن اليقين كان معلوما في ~~نفسه ومع الشك لا يثبت للعلم فلا يجوز ترك العمل بالعلم لأجل ما ليس بعلم # وأصحابنا قالوا هذا مذهب باطل فإن الإجماع كان ثابتا في عين على حكم لا ~~لأنه عين وإنما كان ذلك لمعنى وقد حدث معنى آخر خلاف ذلك ومع هذا المعنى ~~الحادث لم يكن الإجماع قط فكيف يستقيم استصحابه وبه نبطل نحن على ما كنا ~~عليه فإنا لم نكن على الإجماع مع هذا المعنى قط # ثم لا يخلو إما أن تكون الحجة نفس الإجماع أو الدليل الذي نشأ منه ~~الإجماع قبل حدوث هذا المعنى فيه فإن كان نفس الإجماع فبعد الخلاف الإجماع ~~وفي الموضع الذي لا إجماع لا يتحقق الاحتجاج بنفس الإجماع وإن كان الدليل ~~الذي نشأ منه الإجماع فما لم يثبت بقاء ذلك الدليل بعد اعتراض المعنى ~~الحادث لا يتحقق الاستدلال بالإجماع # ثم يحتج عليهم بعين ما احتجوا به فنقول قد تيقنا بالحدث المانع من جواز ~~أداء الصلاة في أعضاء المحدث قبل استعمال هذا الماء الذي وقعت فيه النجاسة ~~فنحن على ما كنا عليه من اليقين والإجماع لا يترك بالخلاف عند استعمال هذا ~~الماء واتفقنا على أن أداء الصلاة واجب على من أدرك الوقت فنحن على ذلك ~~الاتفاق لا نتركه بأداء يكون منه بالتيمم بعدما أبصر الماء لأن سقوط الفرض ~~بهذا الأداء مشكوك فيه واتفقنا على أن الأمة بعد ما حبلت من مولاها قد ~~امتنع بيعها فنحن على ذلك الاتفاق لا نتركه بالخلاف في جواز بيعها بعدما ~~انفصل الولد عنها وكل كلام يمكن أن يحتج به على الخصم بعينه في إثبات ما ~~رام إبطاله به فهو باطل في نفسه وهو نظير احتجاجنا على من يقول لا دليل على ~~النافي في أحكام الشرع وإنما الدليل على المثبت كما في الدعاوى فإن البينة ~~تكون على المثبت ms514 دون النافي فنقول من قال لا حكم فهو يثبت صحة اعتقاد نفي ~~الحكم وهذا منه إثبات حكم شرعي وخصمه ينفي صحة هذا الإعتقاد فينبغي أن تكون ~~الحجة عليه للإثبات لا على خصمه فإنه ينفي وسنقرر هذا الكلام في موضعه ثم ~~نستدل بقوله تعالى @QB@ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار @QE@ ~~وفي هذا تنصيص على ترك العمل بما كان متيقنا به عند حدوث معنى PageV02P117 ~~آخر وإن لم يكن ذلك المعنى متيقنا به فإن كفرها قبل الهجرة كان متيقنا به ~~وزوال ذلك بعد الهجرة إنما نعرفه بغالب الرأي لا باليقين وليس هذا نظير ما ~~استشهدوا به لأن هناك عند الشك في الطلاق لا نجد دليلا نعتمده في حكم ~~الطلاق سوى ما تقدم وكذلك عند الشك في وجوب المال لا نجد دليلا نعتمده سوى ~~ما تقدم وكذلك عند الشك في الحدث وعند الشك في أداء بعض الصلاة حتى إذا ~~وجدنا فيه دليلا وهو التحري نقول بأنه يجب العمل بذلك الدليل وهنا قد وجدنا ~~دليلا نستدل به على الحكم بعد حدوث المعنى الحادث في العين فيجب العمل بذلك ~~الدليل ولا يجوز المصير إلى استصحاب ما كان قبل حدوث هذا المعنى فاليقين ~~إنما كان قبل وجود الدليل المغير ومثله لا يكون يقينا بعد وجود الدليل ~~المغير وعلى هذا الأصل استصحاب العموم بعد حدوث الدليل المغير للحكم فإنه ~~لا يجوز لأحد أن يستدل على إباحة قتل المستأمن بقوله تعالى @QB@ فاقتلوا ~~المشركين @QE@ لأن حكم هذا العام كان ثابتا قبل وجود الدليل المغير فلا ~~يجوز الاستدلال به بعد ذلك في موضع فيه خلاف وهو أن المستأمن إذا جعل نفسه ~~طليعة للمشركين يخبرهم بعورات المسلمين فإنه لا يباح قتله استدلالا بقوله ~~تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ عندنا وعند بعضهم يجوز قتله باعتبار هذه ~~الحجة والكلام في هذا مثل الكلام في الفصل الأول والله أعلم # & باب القياس & قال رضي الله عنه مذهب الصحابة ومن بعدهم من التابعين ~~والصالحين والماضين من أئمة الدين رضوان الله عليهم جواز القياس بالرأي على ~~الأصول التي تثبت ms515 أحكامها بالنص لتعدية حكم النص إلى الفروع جائز مستقيم ~~يدان الله به وهو مدرك من مدارك أحكام الشرع ولكنه غير صالح لإثبات الحكم ~~به ابتداء وعلى قول أصحاب الظواهر هو غير صالح لتعدية حكم النص به إلى ما ~~لا نص فيه والعمل باطل أصلا في أحكام الشرع # وأول من أحدث هذا القول إبراهيم النظام وطعن في السلف لاحتجاجهم بالقياس ~~ونسبهم بتهوره إلى خلاف ما وصفهم الله به فخلع به ربقة الإسلام من عنقه ~~وكان ذلك منه إما للقصد إلى إفساد طريق المسلمين عليهم PageV02P118 أو ~~للجهل منه بفقه الشريعة ثم تبعه على هذا القول بعض المتكلمين ببغداد ولكنه ~~تحرز عن الطعن في السلف فرارا من الشنعة التي لحقت النظام فذكر طريقا آخر ~~لاحتجاج الصحابة بالقياس هو دليل على جهله وهو أنه قال ما جرى بين الصحابة ~~لم يكن على وجه الاحتجاج بالقياس وإنما كان على وجه الصلح والتوسط بين ~~الخصوم وذكر المسائل لتقريب ما قصدوه من الصلح إلى الأفهام # وهذا مما لا يخفى فساده على من تأمل أدنى تأمل فيما نقل عن الصحابة في ~~هذا الباب # ثم نشأ بعده رجل متجاهل يقال له داود الأصبهاني فأبطل العمل بالقياس من ~~غير أن وقف على ما هو مراد كل فريق ممن كان قبله ولكنه أخذ طرفا من كل كلام ~~ولم يشتغل بالتأمل فيه ليتبين له وجه فساده قال القياس لا يكون حجة ولا ~~يجوز العمل به في أحكام الشرع وتابعه على ذلك أصحاب الظواهر الذين كانوا ~~مثله في ترك التأمل وروى بعضهم هذا المذهب عن قتادة ومسروق وابن سيرين وهو ~~افتراء عليهم فقد كانوا أجل من أن ينسب إليهم القصد إلى مخالفة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما هو طريق أحكام الشرع بعد ما ثبت نقله عنهم # ثم قال بعض نفاة القياس دلائل العقل لا تصلح لمعرفة شيء من أمور الدين ~~بها والقياس يشبه ذلك # وقال بعضهم لا يعمل بالدلائل العقلية في أحكام الشرع أصلا وإن كان يعمل ~~بها في العقليات ms516 # وقال بعضهم لا يعمل بها إلا عند الضرورة ولا ضرورة في أحكام الشرع لإمكان ~~العمل بالأصل الذي هو استصحاب الحال # وهذا أقرب أقاويلهم إلى القصد فيحتاج في تبين وجه الفساد فيه إلى إثبات ~~أن القياس حجة أصلية في تعدية الأحكام لا حجة ضرورية وإلى أنه مقدم في ~~الاحتجاج به على استصحاب الحال # ولكن نبدأ ببيان شبهتهم فإنهم استدلوا بظاهر آيات من الكتاب منها قوله ~~تعالى @QB@ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم @QE@ وفي المصير ~~إلى الرأي لإثبات حكم في محل قول بأن الكتاب غير كاف # وقال تعالى @QB@ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء @QE@ PageV02P119 ~~وقال تعالى @QB@ ما فرطنا في الكتاب من شيء @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا رطب ~~ولا يابس إلا في كتاب مبين @QE@ ففيها بيان أن الأشياء كلها في الكتاب إما ~~في إشارته أو دلالته أو في اقتضائه أو في نصه فإن لم يوجد في شيء من ذلك ~~فبالإبقاء على الأصل الذي علم ثبوته بالكتاب وهو دليل مستقيم قال تعالى ~~@QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه @QE@ الآية فقد أمره ~~بالاحتجاج بأصل الإباحة فيما لا يجد فيه دليل الحرمة في الكتاب وهذا مستمر ~~على أصل من يقول الإباحة في الأشياء أصل وعلى أصلنا الذي نقول إنما نعرف كل ~~شيء بالكتاب وهذا معلوم بقوله تعالى @QB@ هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا @QE@ فإن الإضافة بلام التمليك تكون أدل على إثبات صفة الحل من ~~التنصيص على الإباحة فلم يبق الرأي بعد هذا إلا لتعرف الحكمة والوقوف على ~~المصلحة فيه عاقبة وذلك مما لا مجال للرأي في معرفته فإن المصلحة في ~~العاقبة عبارة عن الفوز والنجاة وما به الفوز والنجاة في الآخرة لا يمكن ~~الوقوف عليه بالرأي وإنما الرأي لمعرفة المصالح العاجلة التي يعلم جنسها ~~بالحواس ثم نستدرك نظائرها بالرأي وهذا مثل ما قلتم إن تعليل النصوص بعلة ~~لا يتعدى إلى الفروع باطل لأنها خالية عن إثبات الحكم بها فالحكم في ~~المنصوص ثابت بالنص فلا يكون في هذا التعليل ms517 إلا تعرف وجه الحكمة والوقوف ~~على المصلحة في العاقبة والرأي لا يهتدي إلى ذلك # ومنها قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ~~@QE@ @QB@ الظالمون @QE@ @QB@ الفاسقون @QE@ والعمل بالرأي فيه تقدم بين ~~يدي الله ورسوله وهو حكم بغير ما أنزل الله فإن طريقة الاستنباط بآرائنا ~~وما يبدو لنا من آرائنا لا يكون مما أنزل الله في شيء إنما المنزل كتاب ~~الله وسنة رسوله فقد ثبت أنه ما كان ينطق إلا عن وحي كما قال تعالى @QB@ إن ~~هو إلا وحي يوحى @QE@ وقال تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ وإنما ~~الحكم بالرأي من جملة ما قال الله تعالى @QB@ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ~~الكذب هذا حلال وهذا حرام @QE@ الآية واستدلوا بآثار فمن ذلك حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال لم يزل بنو إسرائيل على طريقة مستقيمة ~~حتى كثر فيهم أولاد السبايا فقاسوا ما لم يكن بما PageV02P120 قد كان فضلوا ~~وأضلوا وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعمل هذه ~~الأمة برهة بالكتاب ثم برهة بالسنة ثم برهة بالرأي فإذا فعلوا ذلك ضلوا ~~وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء الدين ~~أعيتهم السنة أن يحفظوها فقالوا برأيهم فضلوا وأضلوا # وقال ابن مسعود رضي الله عنه إياكم وأرأيت وأرأيت فإنما هلك من كان قبلكم ~~في أرأيت وأرأيت # وقال النبي عليه السلام من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ~~وإنما أراد به إعمال الرأي للعمل به في الأحكام فإن إعمال الرأي للوقوف على ~~معنى النص من حيث اللسان فقه مستقيم ويكون العمل به عملا بالنص لا بالرأي # وبيان هذا فيما اختلف فيه ابن عباس وزيد رضي الله عنهم في زوج وأبوين ~~فقال ابن عباس للأم ثلث جميع المال فإن الله تعالى قال @QB@ فلأمه الثلث ~~@QE@ والمفهوم من إطلاق هذه العبارة ثلث جميع المال # وقال زيد للأم ثلث ما ms518 بقي لأن في الآية بيان أن للأم ثلث ما ورثه الأبوان ~~فإنه قال @QB@ وورثه أبواه فلأمه الثلث @QE@ وميراث الأبوين هو الباقي بعد ~~نصيب الزوج فللأم ثلث ذلك # هذا ونحوه عمل بالكتاب لا بالرأي فيكون مستقيما # ومن حيث المعقول يستدلون بأنواع من الكلام أحدها من حيث الدليل وهو أن في ~~القياس شبهة في أصله لأن الوصف الذي تعدى به الحكم غير منصوص عليه ولا هو ~~ثابت بإشارة النص ولا بدلالته ولا بمقتضاه فتعيينه من بين سائر الأوصاف ~~بالرأي لا ينفك عن شبهة والحكم الثابت به من إيجاب أو إسقاط أو تحليل أو ~~تحريم محض حق الله تعالى ولا وجه لإثبات ما هو حق الله بطريق فيه شبهة لأن ~~من له الحق موصوف بكمال القدرة يتعالى عن أن ينتسب إليه العجز أو الحاجة ~~إلى إثبات حقه بما فيه شبهة ولا وجه لإنكار هذه الشبهة فيه فإن القياس لا ~~يوجب العلم قطعا بالاتفاق وكان ذلك باعتبار أصله وعلى هذا التقرير يكون هذا ~~استدلالا بقوله تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ وبقوله تعالى ~~@QB@ ولا تقولوا على الله إلا الحق @QE@ PageV02P121 ولا يدخل على هذا ~~أخبار الآحاد فإن أصله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موجب للعلم ~~قطعا وإنما تتمكن الشبهة في طريق الانتقال إلينا وقد كان قول رسول الله حجة ~~قبل الانتقال إلينا بهذا الطريق فلشبهة تتمكن في الطريق لا يخرج الحديث من ~~أن يكون حجة موجبة للعلم وهو كالنص المؤول فإن الشبهة تتمكن في تأويلنا فلا ~~يخرج النص من أن يكون حجة موجبة للعلم # ومنهم من قرر هذا الكلام من وجه آخر وقال تعيين وصف في المنصوص بالرأي ~~لإضافة الحكم إليه يشبه قياس إبليس لعنه الله على ما أخبر الله تعالى عنه ~~@QB@ أأسجد لمن خلقت طينا @QE@ وكذلك التمييز بين هذا الوصف وسائر الأوصاف ~~في إثبات حكم الشرع أو الترجيح بالرأي يشبه ما فعله إبليس كما أخبر الله ~~تعالى عنه @QB@ خلقتني من نار وخلقته من طين @QE@ فلا يشك أحد في أن ms519 ذلك ~~كان باطلا ولم يكن حجة فالعمل بالرأي في أحكام الشرع لا يكون عملا بالحجة ~~أيضا # ونوع آخر من حيث المدلول فإنه طاعة لله تعالى ولا مدخل للرأي في معرفة ما ~~هو طاعة لله ولهذا لا يجوز إثبات أصل العبادة بالرأي وهذا لأن الطاعة في ~~إظهار العبودية والانقياد وما كان التعبد مبنيا على قضية الرأي بل طريقه ~~طريق الابتلاء ألا ترى أن من المشروعات ما لا يستدرك بالرأي ( أصلا ) ~~كالمقادير في العقوبات والعبادات ومنه ما هو خلاف ما يقتضيه الرأي وما هذه ~~صفته فإنه لا يمكن معرفته بالرأي فيكون العمل بالرأي فيه عملا بالجهالة لا ~~بالعلم وكيف يمكن إعمال الرأي فيه والمشروعات متباينة في أنفسها يظهر ذلك ~~عند التأمل في جميعها والقياس عبارة عن رد الشيء إلى نظيره يقال قس النعل ~~بالنعل أي احذه به # فكيف يتأتى هذا مع التباين يوضحه أن العلل التي تعدى الحكم بها من ~~المنصوص عليه إلى غيره متعددة مختلفة ولأجلها اختلف العلماء في طريق ~~التعدية وما يكون بهذه الصفة فإنه يتعذر تعيين واحد منها للعمل إلا بما ~~يوجب العلم قطعا وهو النص ولهذا جوزنا العمل بالعلة المنصوص عليها كما في ~~قوله عليه السلام الهرة ليست بنجسة إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات ~~فأثبتنا هذا الحكم في غيرها من حشرات هو العلة عينا فيكون العمل به باطلا # ولا يدخل عليه الأخبار فإنه لا اختلاف فيها في الأصل لأنه كلام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقد بينا أنه قال ذلك عن وحي وقد علمنا بالنص أنه لا ~~اختلاف فيما هو من عند الله قال تعالى @QB@ ولو @QE@ البيت لأن العلة ~~PageV02P122 منصوص عليها فأما بالرأي فلا يمكن الوقوف على ما @QB@ كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ وإنما الاختلاف في الأخبار من ~~جهة الرواة والحجة هو الخبر لا الراوي # وما كان الاختلاف فيما بين الرواة إلا نظير اشتباه الناسخ من المنسوخ في ~~كتاب الله فإن ذلك متى ارتفع بما هو الطريق في معرفته يكون العمل بالناسخ ms520 ~~واجبا # ويكون ذلك عملا بالنص لا بالتاريخ فكذلك في الأخبار # وتحت ما قررنا فائدتان بهما قوام الدين ونجاة المؤمنين إحداهما المحافظة ~~على نصوص الشريعة فإنها قوالب الأحكام # والثاني التبحر في معاني اللسان فإن معانيه جمة غائرة لا يفضل عمر المرء ~~عن التأمل فيها إذا أراد الوقوف عليها ولا يتفرغ للعمل بالهوى الذي ينشأ ~~منه الزيغ عن الحق والوقوع في البدعة وما يحصل به التحرز عن البدع واجبا ~~أحكام الشرع فلا شك أن قوام الدين ونجاة المؤمنين يكون فيه # ولا يدخل على شيء مما ذكرنا إعمال الرأي في أمر الحرب وقيم المتلفات ومهر ~~النساء والوقوف على جهة الكعبة # أما على الوجه الأول فلأن هذا كله من حقوق العباد ويليق بحالهم العجز ~~والاشتباه فيما يعود إلى مصالحهم العاجلة فيعتبر فيه الوسع ليتيسر عليهم ~~الوصول إلى مقاصدهم وهذا في غير أمر القبلة ظاهر وكذلك في أمر القبلة فإن ~~الأصل فيه معرفة جهات أقاليم الأرض وذلك من حقوق العباد # وعلى الثاني فلأن الأصل فيما هو من حقوق العباد ما يكون مستدركا بالحواس ~~وبه يثبت علم اليقين كما ثبت بالكتاب والسنة ألا ترى أن الكعبة جهتها تكون ~~محسوسة في حق من عاينها وبعد البعد منها بإعمال الرأي يمكن تصييرها ~~كالمحسوسة # وكذلك أمر الحرب فالمقصود صيانة النفس عما يتلفها أو قهر الخصم وأصل ذلك ~~محسوس وما هو إلا نظير التوقي عن تناول سم الزعاف لعلمه أنه متلف والتوقي ~~عن الوقوع على السيف PageV02P123 والسكين لعلمه أنه ناقض للبنية فعرفنا أن ~~أصل ذلك محسوس فإعمال الرأي فيه للعمل يكون في معنى العمل بما لا شبهة في ~~أصله # ثم في هذه المواضع الضرورة تتحقق إلى إعمال الرأي فإنه عند الإعراض عنه ~~لا نجد طريقا آخر وهو دليل العمل به فلأجل الضرورة جوزنا به العمل بالرأي ~~فيه وهنا الضرورة لا تدعو إلى ذلك لوجود دليل في أحكام الشرع للعمل به على ~~وجه يغنيه عن إعمال الرأي فيه وهو اعتبار الأصل الذي قررنا # ولا يدخل على شيء مما ذكرنا إعمال الرأي ms521 والتفكر في أحوال القرون الماضية ~~وما لحقهم من المثلات والكرامات لأن ذلك من حقوق العباد فالمقصود أن ~~يمتنعوا مما كان مهلكا لمن قبلهم حتى لا يهلكوا أو أن يباشروا ما كان سببا ~~لاستحقاق الكرامة لمن قبلهم حتى ينالوا مثل ذلك وهو في الأصل من حقوق ~~العباد بمنزلة الأكل الذي يكتسب به المرء سبب إبقاء نفسه وإتيان الإناث في ~~محل الحرث بطريقه ليكتسب به سبب إبقاء النسل # ثم طريق ذلك الاعتبار بالتأمل في معاني اللسان فإن أصله الخبر وذلك مما ~~يعلم بحاسة السمع ثم بالتأمل فيه يدرك المقصود وليس ذلك من حكم الشريعة في ~~شيء فقد كان الوقوف على معاني اللغة في الجاهلية وهو باق اليوم بين الكفرة ~~الذين لا يعلمون حكم الشريعة # وعلى هذا يخرج أيضا ما أمر به رسول الله عليه السلام من المشورة مع ~~أصحابه فإن المراد أمر الحرب وما هو من حقوق العباد ألا ترى أن المروي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شاورهم في ذلك ولم ينقل أنه شاورهم قط في ~~حقيقة ما هم عليه ولا فيما أمرهم به من أحكام الشرع وإلى هذا المعنى أشار ~~بقوله عليه السلام إذا أتيتكم بشيء من أمر دينكم فاعملوا به وإذا أتيتكم ~~بشيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم بأمر دنياكم أو كلاما هذا معناه # وهذا بيان شبه الخصوم في المسألة # والحجة لجمهور العلماء دلائل الكتاب والسنة والمعقول وهي كثيرة جدا قد ~~أورد أكثرها المتقدمون من مشايخنا ولكنا نذكر من كل نوع طرفا مما هو أقوى ~~في الاعتماد عليه PageV02P124 # فمن دلائل الكتاب قوله تعالى @QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ حكي عن ~~ثعلب قال الاعتبار في اللغة هو رد حكم الشيء إلى نظيره ومنه يسمى الأصل ~~الذي يرد إليه النظائر عبرة ومن ذلك قوله تعالى @QB@ إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار @QE@ والرجل يقول اعتبرت هذا الثوب بهذا الثوب أي سويته به في ~~التقدير وهذا هو حد القياس فظهر أنه مأمور به بهذا النص # وقيل الاعتبار التبيين ومنه قوله تعالى @QB@ إن ms522 كنتم للرؤيا تعبرون @QE@ ~~أي تبينون والتبيين الذي يكون مضافا إلينا هو إعمال الرأي في معنى المنصوص ~~ليتبين به الحكم في نظيره # فإن قيل الاعتبار هو التأمل والتفكر فيما أخبر الله تعالى مما صنعه ~~بالقرون الماضية # قلنا هذا مثله ولكنه غير مأمور به لعينه بل ليعتبر حاله بحالهم فيزجروا ~~عما استوجبوا به ما استوجبوا من العقاب إذ المقصود من الاعتبار هو أن يتعظ ~~بالعبرة ومنه يقال السعيد من وعظ بغيره # وبيان ما قلنا في القصاص فإن الله تعالى يقول @QB@ ولكم في القصاص حياة ~~@QE@ وهو في العيان ضد الحياة ولكن فيه حياة بطريق الاعتبار في شرعه ~~واستبقائه أما الحياة في شرعه وهو أن من قصد قتل غيره فإذا تفكر في نفسه ~~أنه متى قتله قتل به انزجر عن قتله فتكون حياة لهما والحياة في استبقائه أن ~~القاتل عمدا يصير حربا لأولياء القتيل لخوفه على نفسه منهم فالظاهر أنه ~~يقصد قتلهم ويستعين على ذلك بأمثاله من السفهاء ليزيل الخوف عن نفسه فإذا ~~استوفى الولي القصاص منه اندفع شره عنه وعن عشيرته فيكون حياة لهم من هذا ~~الوجه لأن إحياء الحي في دفع سبب الهلاك عنه قال تعالى @QB@ ومن أحياها ~~فكأنما أحيا الناس جميعا @QE@ وإذا تبين هذا المعنى فنقول لا فرق بين حكم ~~هو هلاك في محل باعتبار معنى هو كفر وبين حكم هو تحريم أو تحليل في محل ~~باعتبار معنى هو قدر وجنس فالتنصيص على الأمر بالاعتبار في أحد الموضعين ~~يكون تنصيصا على الأمر به في الموضع الآخر # فإن قيل الكفر في كونه علة لما استوجبوه منصوص عليه وكذلك القتل في كونه ~~علة للقصاص ونحن لا ننكر هذا الاعتبار في العلة التي هي منصوصة PageV02P125 ~~فذلك نحو ما روي أن ماعزا رضي الله عنه زنا وهو محصن فرجم فإنا نثبت هذا ~~الحكم بالزنا بعد الإحصان في حق غير ماعز وإنما ننكر هذا في علة مستنبطة ~~بالرأي نحو الكيل والجنس فإنكم تجعلونه علة الربا في الحنطة بالرأي إذ ليس ~~في نص الربا ما يوجب تعيين ms523 هذا الوصف من بين سائر أوصاف المحل دلالة ولا ~~إشارة # قلنا نحن لا نثبت حكم الربا في الفروع بعلة القدر والجنس إلا من الوجه ~~الذي ثبت حكم الرجم في حق غير ماعز بعلة الزنا بعد الإحصان فإن ماعزا ~~إحصانه كان موجودا قبل الزنا ثم لما ظهر منه الزنا سأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن إحصانه فلما ظهر إحصانه عنده أمر برجمه فعرفنا يقينا أن علة ~~ما أمر به هو ما ظهر عنده والزنا يصلح أن يكون علة لذلك لأن المأمور به ~~عقوبة والزنا جريمة يستوجب بها العقوبة والإحصان لا يصلح أن يكون علة لأنها ~~خصال حميدة وبها يستفيد المرء كمال الحال وتتم عليه النعمة فلا يصلح علة ~~للعقوبة ولكن تتغلظ الجناية بالزنا بعد وجودها لأن بحسب زيادة النعمة يزداد ~~غلظ الجريمة ألا ترى أن الله تعالى هدد نساء رسوله بضعف ما هدد به سائر ~~النساء فقال تعالى @QB@ من يأت منكن بفاحشة @QE@ الآية وكان ذلك لزيادة ~~النعمة عليهن وبتغلظ الجريمة تتغلظ العقوبة فيصير رجما بعد أن كان جلدا في ~~حق غير المحصن فعرفنا أن الإحصان حال في الزاني يصير الزنا باعتباره موجبا ~~للرجم فكان شرطا وبمثل هذا الطريق تثبت علة الربا في موضع النص ثم تعدى ~~الحكم به إلى الفروع فإن النص قوله عليه السلام الحنطة بالحنطة أي بيعها ~~وقوله مثل بمثل تفسير على معنى أنه إنما يكون بيعا في حال ما يكون مثلا ~~بمثل ( والفضل ربا ) أي حراما بسبب الربا فيثبت بالنص أن الفضل محرم وقد ~~علمنا أنه ليس المراد كل فصل فالبيع ما شرع إلا للاستفضال والاسترباح وإنما ~~المراد الفضل الخالي عن العوض لأن البيع المشروع المعاوضة فلا يجوز أن ~~يستحق به فضلا خاليا عن العوض ثم خلو الفضل عن العوض لا يظهر يقينا بعدد ~~الحبات والحفنات ولا يظهر إلا بعد ثبوت المساواة قطعا في الوصف الذي صار به ~~محلا للبيع وهو المالية وهذه المساواة إنما يتوصل إلى معرفتها شرعا وعرفا ~~والشرع إنما أثبت هذه المساواة PageV02P126 بالكيل ms524 لا بالحبات والحفنات ~~فإنه قال ( كيلا بكيل ) وكذلك في عرف التجار إنما يطلب المساواة بين الحنطة ~~والحنطة بالكيل وعند الإتلاف يجب ضمان المثل بالنص ويعتبر ذلك بالكيل فثبت ~~بهذا الطريق أن العلة الموجبة للحرمة ما يكون مؤثرا في المساواة حتى يظهر ~~بعده الفضل الخالي عن المقابلة فيكون حراما بمنزلة سائر الأشياء التي لها ~~طول وعرض إذا قوبل واحد بآخر وبقي فضل في أحد الجانبين يكون خاليا عن ~~المقابلة # ثم المساواة من حيث الذات لا تعرف إلا بالجنس ومن حيث القدر على الوجه ~~الذي هو معتبر شرعا وعرفا # لا يعرف إلا بالكيل وهذه المساواة لا يتيقن إلا بعد سقوط قيمة الجودة ~~فأسقطنا قيمة الجودة منها عند المقابلة بجنسها بالنص وهو قوله عليه الصلاة ~~والسلام ( جيدها ورديئها سواء ) وبدليل شرعي وهو حرمة الاعتياض عنها بالنص ~~فإنه لو باع قفيز حنطة جيدة بقفيز حنطة رديئة ودرهم على أن يكون الدرهم ~~بمقابلة الجودة لا يجوز وما يكون مالا متقوما يجوز الاعتياض عنه شرعا إلا ~~أن إسقاط قيمة الجودة يكون شرطا لا علة لأنه لا تأثير لها في إحداث ~~المساواة في المحل والحكم الثابت بالنص وجوب المساواة فكان بمنزلة الإحصان ~~لإيجاب الرجم والمساواة التي هي الحكم لما كان يثبت بالقدر والجنس عرفنا أن ~~هذين الوصفين هما العلة وقد وجد التنصيص عليها في حديث الربا بمنزلة الزنا ~~فإنه منصوص عليه في حديث ماعز وهو مؤثر في إيجاب الحكم فعرفنا أنه علة فيه ~~ثم بعد ما ثبت المساواة قطعا في صفة المالية باعتبار القدر إذا كان في أحد ~~الجانبين فضل فهو خال عن العوض فيكون ربا حراما لا يجوز أن يكون مستحقا ~~بالبيع وإذا جعل مشروطا في البيع يفسد به البيع وهذا فضل ظهر شرعا ولو ظهر ~~شرطا بأن باع من آخر عبدا بعبد على أن يسلم إليه مع ذلك ثوبا قد عينه من ~~غير أن يكون بمقابلة الثوب عوض فإنه لا يجوز ذلك البيع فكذلك إذا ثبت شرعا ~~ألا ترى أنه لما ثبت شرعا استحقاق صفة ms525 السلامة عن العيب بمطلق البيع فإذا ~~فات ذلك يثبت حق الرد بمنزلة ما هو ثابت شرطا بأن يشتري عبدا على ~~PageV02P127 أنه كاتب فيجده غير كاتب وبهذا تبين أن ما صرنا إليه هو ~~الاعتبار المأمور به فإنه تأمل في معنى النصوص لإضافة الحكم إلى الوصف الذي ~~هو مؤثر فيه بمنزلة إضافة الهلاك إلى الكفر الذي هو مؤثر فيه والرجم إلى ~~الزنا الذي هو مؤثر فيه وكل عاقل يعرف أن قوام أموره بمثل هذا الرأي ~~فالآدمي ما سخر غيره ممن في الأرض إلا بهذا الرأي وما ظهر التفاوت بينهم في ~~الأمور العاجلة إلا بالتفاوت في هذا الرأي فالمنكر له يكون متعنتا # ومنها قوله تعالى @QB@ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم @QE@ والاستنباط ليس إلا استخراج المعنى من المنصوص ~~بالرأي # وقيل المراد بأولي الأمر أمراء السرايا وقيل المراد العلماء وهو الأظهر ~~فإن أمراء السرايا إنما يستنبطون بالرأي إذا كانوا علماء واستنباط المعنى ~~من المنصوص بالرأي إما أن يكون مطلوبا لتعدية حكمه إلى نظائره وهو عين ~~القياس أو ليحصل به طمأنينة القلب وطمأنينة القلب إنما تحصل بالوقوف على ~~المعنى الذي لأجله ثبت الحكم في المنصوص وهذا لأن الله تعالى جعل هذه ~~الشريعة نورا وشرحا للصدور فقال @QB@ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على ~~نور من ربه @QE@ والقلب يرى الغائب بالتأمل فيه كما أن العين ترى الحاضر ~~بالنظر إليه ألا ترى أن الله تعالى قال في بيان حال من ترك التأمل @QB@ ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ ثم في رؤية ~~العين لا إشكال أنه يحصل به من الطمأنينة فوق ما يحصل بالخبر وإليه أشار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ليس الخبر كالمعاينة ونحن نعلم أن ~~الضال عن الطريق ( العادل ) يكون ضيق الصدر فإذا أخبره مخبر بالطريق واعتقد ~~الصدق في خبره يتبين في صدره بعض الانشراح وإنما يتم انشراح صدره إذا عاين ~~أعلام الطريق العادل فكذلك في رؤية القلب فإنه إذا تأمل في المعنى ms526 المنصوص ~~حتى وقف عليه يتم به انشراح صدره وتتحقق طمأنينة قلبه وذلك بالنور الذي ~~جعله الله في قلب كل مسلم فالمنع من هذا التأمل والأمر بالوقوف على مواضع ~~النص من غير طلب المعنى فيه يكون بقوله تعالى @QB@ لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم @QE@ نوع حجر ورفعا PageV02P128 لتحقيق معنى انشراح الصدر وطمأنينة ~~القلب الثابت # فإن قيل كيف يستقيم هذا وعندكم القياس لا يوجب العلم والمجتهد قد يخطىء ~~وقد يصيب قلنا نعم ولكن يحصل له بالاجتهاد العلم من طريق الظاهر على وجه ~~يطمئن قلبه وإن كان لا يدرك ما هو الحق باجتهاده لا محالة فهو نظير قوله ~~تعالى @QB@ فإن علمتموهن مؤمنات @QE@ فإن المراد به العلم من حيث الظاهر # فإن قيل كيف يستقيم هذا وأكثر المشروعات بخلاف المعهود المعتاد بين الناس ~~قلنا نعم هو بخلاف المعهود المعتاد عند اتباع هوى النفس وإشارتها وأما إذا ~~ترك ذلك ورجع إلى ما ينبغي للعاقل أن يرجع إليه فإن يكون ذلك موافقا لما هو ~~المعهود المعتاد عند العقلاء فباعتبار هذا التأمل يحصل البيان على وجه ~~يطمئن القلب إليه في الانتهاء واعتقاد الحقية في النصوص فرض حق وطلب ~~طمأنينة القلب فيه حسن كما أخبر الله تعالى عن الخليل صلوات الله عليه @QB@ ~~قال بلى ولكن ليطمئن قلبي @QE@ # ومنها قوله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ ~~فقد بينا أن المراد به القياس الصحيح والرجوع إليه عند المنازعة وفيه بيان ~~أن الرجوع إليه يكون بأمر الله وأمر الرسول # ولا يجوز أن يقال المراد هو الرجوع إلى الكتاب والسنة لأنه علق ذلك ~~بالمنازعة والأمر بالعمل بالكتاب والسنة غير متعلق بشرط المنازعة ولأن ~~المنازعة بين المؤمنين في أحكام الشرع قلما تقع فيما فيه نص من كتاب أو سنة ~~فعرفنا أن المراد به المنازعة فيما ليس في عينه نص وأن المراد هو الأمر ~~بالرد إلى الكتاب والسنة بطريق التأمل فيما هو مثل ذلك الشيء من المنصوص ~~وإنما تعرف هذه المماثلة بإعمال الرأي وطلب المعنى فيه # ثم الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه ms527 وسلم وعن الصحابة في هذا الباب ~~أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تخفى # PageV02P129 فوجه من ذلك ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق ~~المقايسة على ما روي أنه قال لعمر حين سأله عن القبلة في حالة الصوم أرأيت ~~لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك وهذا تعليم المقايسة فإن بالقبلة يفتتح ~~طريق اقتضاء الشهوة ولا يحصل بعينه اقتضاء الشهوة كما أن بإدخال الماء في ~~الفم يفتتح طريق الشرب ولا يحصل به الشرب # وقال للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضينه فقالت نعم قال فدين ~~الله أحق وهذا تعليم المقايسة وبيان بطريق إعمال الرأي # وقال للذي سأله عن قضاء رمضان متفرقا أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم ~~والدرهمين أكان يقبل منك قال نعم فقال الله أحق بالتجاوز وقال للمستحاضة ~~إنه دم عرق انفجر فتوضئي لكل صلاة فهذا تعليم للمقايسة بطريق أن النجس لما ~~سال حتى صار ظاهرا ووجب غسل ذلك الموضع للتطهير وجب تطهير أعضاء الوضوء به # وقال عليه السلام الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين عليكم والطوافات ~~وهذا تعليم للمقايسة باعتبار الوصف الذي هو مؤثر في الحكم فإن الطوف مؤثر ~~في معنى التخفيف ودفع صفة النجاسة لأجل عموم البلوى والضرورة فظهر أنه ~~علمنا القياس والعمل بالرأي كما علمنا أحكام الشرع ومعلوم أنه ما علمنا ذلك ~~لنعمل به في معارضة النصوص فعرفنا أنه علمنا ذلك لنعمل به فيما لا نص فيه # ووجه آخر أنه عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه بذلك فإنه قال لمعاذ رضي ~~الله عنه حين وجهه إلى اليمن بم تقضي قال بكتاب الله قال فإن لم تجد في ~~كتاب الله قال بسنة رسول الله # قال فإن لم تجد في سنة رسول الله قال اجتهد رأيي # قال الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله وقال لأبي موسى رضي ~~الله عنه حين وجهه إلى اليمين اقض بكتاب الله فإن لم تجد فبسنة رسول الله ~~فإن لم تجد فاجتهد رأيك وقال لعمرو ms528 بن العاص رضي الله عنه اقض بين هذين قال ~~على ماذا أقضي فقال على أنك إن اجتهدت فأصبت PageV02P130 فلك عشر حسنات وإن ~~أخطأت فلك حسنة واحدة فلو لم يكن اجتهاد الرأي فيما لا نص فيه مدركا من ~~مدارك أحكام الشرع لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرته # ووجه آخر أنه عليه السلام كان يشاور أصحابه في أمور الحرب تارة وفي أحكام ~~الشرع تارة ألا ترى أنه شاورهم في أمر الأذان والقصة فيه معروفة وشاورهم في ~~مفاداة الأسارى يوم بدر حتى أشار أبو بكر رضي الله عنه عليه بالفداء وأشار ~~عمر رضي الله عنه بالقتل فاستحسن ما أشار به كل واحد منهما برأيه حتى شبه ~~أبا بكر في ذلك بإبراهيم من الأنبياء حيث قال @QB@ ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم @QE@ وبميكائيل من الملائكة فإنه ينزل بالرحمة وشبه عمر بنوح من ~~الأنبياء عليهم السلام حيث قال @QB@ لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ~~@QE@ وبجبريل من الملائكة فإنه ينزل بالعذاب ثم مال إلى رأي أبي بكر # فإن قيل ففي ذلك نزل قوله @QB@ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ~~@QE@ الآية ولو كان مستحسنا لما عوتبوا عليه # قلنا العتاب ما كان في المشورة بل فيما نص الله عليه بقوله @QB@ لمسكم ~~فيما أخذتم @QE@ ثم هذا إنما يلزم من يقول إن كل مجتهد مصيب ونحن لا نقول ~~بهذا ولكن نقول إعمال الرأي والمشورة مستحسن ثم المجتهد قد يخطىء وقد يصيب ~~كما في هذه الحادثة فقد شاورهما رسول الله واجتهد كل واحد منهم رأيه ثم ~~أصاب أحدهما دون الآخر وبهذا تبين أن قوله @QB@ وشاورهم في الأمر @QE@ ليس ~~في الحرب خاصة ولكن يتناول كل ما يتأتى فيه إعمال الرأي وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما يوما وقد شاورهما في شيء قولا ~~فإني فيما لم يوح إلي مثلكما وقد تركهم رسول الله على المشاورة بعده في أمر ~~الخلافة حين لم ينص على أحد بعينه مع علمه أنه لا بد ms529 لهم من ذلك ولما ~~شاوروا فيه تكلم كل واحد برأيه إلى أن استقر الأمر على ما قاله عمر بطريق ~~المقايسة والرأي فإنه قال ألا ترضون لأمر PageV02P131 دنياكم بمن رضي به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر دينكم # يعني الإمامة للصلاة واتفقوا على رأيه وأمر الخلافة من أهم ما يترتب عليه ~~أحكام الشرع وقد اتفقوا على جواز العمل فيه بطريق القياس ولا معنى لقول من ~~يقول إن كان هذا قياسا فهو منتقض فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~استخلف عبد الرحمن بن عوف ليصلي بالناس ولم يكن ذلك دليل كونه خليفة بعده ~~وذلك لأن عمر رضي الله عنه أشار إلى الاستدلال على وجه لا يرد هذا النقض ~~وهو أنه في حال توفر الصحابة وحضور جماعتهم ووقوع الحاجة إلى الاستخلاف خص ~~أبا بكر بأن يصلي بالناس بعدما راجعوه في ذلك وسموا له غيره كل هذا قد صار ~~معلوما بإشارة كلامه وإن لم ينص عليه ولم يوجد ذلك في حق عبد الرحمن ولا في ~~حق غيره # ثم عمر جعل الأمر شورى بعده بين ستة نفر فاتفقوا بالرأي على أن يجعلوا ~~الأمر في التعيين إلى عبد الرحمن بعدما أخرج نفسه منها فعرض على علي أن ~~يعمل برأي أبى بكر وعمر فقال أعمل بكتاب الله وبسنة رسول الله ثم أجتهد ~~رأيي وعرض على عثمان هذا الشرط أيضا فرضي به فقلده وإنما كان ذلك منه عملا ~~بالرأي لأنه علم أن الناس قد استحسنوا سيرة العمرين فتبين بهذا أن العمل ~~بالرأي كان مشهورا متفقا عليه بين الصحابة ثم محاجتهم بالرأي في المسائل لا ~~تخفى على أحد فإنهم تكلموا في مسألة الجد مع الإخوة وشبهه بعضهم بواد يتشعب ~~منه نهر وبعضهم بشجرة تنبت غصنا وقد بينا ذلك في فروع الفقه # وكذلك اختلفوا في العول وفي التشريك فقال كل واحد منهم فيه بالرأي ~~وبالرأي اعترضوا على قول عمر رضي الله عنه في عدم التشريك حين قالوا هب أن ~~أبانا كان حمارا حتى رجع عمر إلى التشريك ms530 فعرفنا أنهم كانوا مجمعين على ~~جواز العمل بالرأي فيما لا نص فيه وكفى بإجماعهم حجة # فإن قيل كيف يستقيم هذا وقد قال أبو بكر رضي الله عنه أي سماء تظلني وأي ~~أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله تعالى برأيي # وقال عمر رضي الله عنه إياكم وأصحاب الرأي # وقال علي رضي الله عنه لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح ~~من ظاهره # وقال ابن مسعود رضي الله عنه إياكم وأرأيت PageV02P132 وأرأيت # قلنا أما القول بالرأي عن أبي بكر رضي الله عنه فهو أشهر من أن يمكن ~~إنكاره لأنه قال في الكلالة أقول قولا برأيي فإن يك صوابا فمن الله وإن يك ~~خطأ فمني ومن الشيطان # وما رووا عنه قد اختلفت فيه الرواية فقال في بعضها إذا قلت في كتاب الله ~~تعالى بخلاف ما أراد الله # ولئن ثبت ما رووا فإنما استبعد قوله بالرأي فيما فيه نص بخلاف النص وهذا ~~لا يجوز منه ولا من غيره ولا يظن به # وأما عمر رضي الله عنه فالقول عنه بالرأي أشهر من الشمس وبه يتبين أن ~~مراده بذم الرأي عند مخالفة النص أو الإعراض عن النص فيما فيه نص والاشتغال ~~بالرأي الذي فيه موافقة هوى النفس وإلى ذلك أشار في قوله أعيتهم السنة أن ~~يحفظوها # والقول بالرأي عن علي رضي الله عنه مشهور فإنه قال اجتمع رأيي ورأي عمر ~~على حرمة بيع أمهات الأولاد ثم رأيت أن أرقهن # وبهذا يتبين أن مراده بقوله لو كان الدين بالرأي أصل موضوع الشرع وبه ~~نقول فإن أصل أحكام الشرع غير مبني على الرأي ولهذا لا يجوز إثبات الحكم به ~~ابتداء # وقد اشتهر القول بالرأي عن ابن مسعود حيث قال في المفوضة أجتهد رأيي # فعرفنا أن مراده ذم السؤال على وجه التعنت بعدما يتبين الحق أو التكلف ~~فيما لا يحتاج المرء إليه وهو نظير قوله عليه السلام ذروني ما تركتكم فإنما ~~هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم والآثار التي ذكرها ~~محمد في أول ms531 أدب القاضي كلها دليل على أنهم ( كانوا ) مجمعين على العمل ~~بالرأي فإنه بدأ بحديث عمر حين كتب إلى أبي موسى اعرف الأمثال والأشباه وقس ~~الأمور عند ذلك # وذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لقد أتى علينا زمان لسنا نسأل ~~ولسنا هنالك # الحديث # فاتضح بما ذكرنا اتفاقهم على العمل بالرأي في أحكام الشرع # فأما من طعن في السلف من نفاة القياس لاحتجاجهم بالرأي في الأحكام فكلامه ~~كما قال الله تعالى @QB@ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ~~@QE@ PageV02P133 لأن الله تعالى أثنى عليهم في غير موضع من كتابه كما قال ~~تعالى @QB@ محمد رسول الله والذين معه @QE@ الآية ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وصفهم بأنهم خير الناس فقال خير الناس قرني الذين أنا فيهم والشريعة ~~إنما بلغتنا بنقلهم فمن طعن فيهم فهو ملحد منابذ للإسلام دواؤه السيف إن لم ~~يتب # ومن قال منهم إن القول بالرأي كان من الصحابة على طريق التوسط والصلح دون ~~إلزام الحكم فهو مكابر جاحد لما هو معلوم ضرورة لأن الذين نقلوا إلينا ما ~~احتجوا به من الرأي في الأحكام قوم عالمون عارفون بالفرق بين القضاء والصلح ~~فلا يظن بهم أنهم أطلقوا لفظ القضاء فيما كان طريقه طريق الصلح بأن لم ~~يعرفوا الفرق بينهما أو قصدوا التلبيس ولا ينكر أنه كان في ذلك ما هو بطريق ~~الصلح كما قال ابن مسعود حين تحاكم إليه الأعرابي مع عثمان أرى أن يأتي هذا ~~واديه فيعطي به ثم إبلا مثل إبله وفصلانا مثل فصلانه # فرضي بذلك عثمان # وفي قوله فرضي به بيان أن هذا كان بطريق الصلح فعرفنا أن فيما لم يذكر ~~مثل هذا اللفظ أو ذكر لفظ القضاء والحكم فالمراد به الإلزام وقد كان بعض ~~ذلك على سبيل الفتوى والمفتي في زماننا يبين الحكم للمستفتي ولا يدعوه إلى ~~الصلح إلا نادرا فكذلك في ذلك الوقت وقد كان بعض ذلك بيانا فيما لم يكن فيه ~~خصومة أولا تجري فيه الخصومة كالعبادات والطلاق والعتاق نحو اختلافهم في ms532 ~~ألفاظ الكنايات واعتبار عدد الطلاق بالرجال والنساء وما أشبه ذلك فعرفنا أن ~~قول من قال لم يكن ذلك منهم إلا بطريق الصلح والتوسط منكر من القول وزور # ومنهم من قال كانوا مخصوصين بجواز العمل والفتوى بالرأي كرامة لهم كما ~~كان رسول الله مخصوصا بأن قوله موجب للعلم قطعا ألا ترى أنه قد ظهر منهم ~~العمل فيما فيه نص بخلاف النص بالرأي وبالاتفاق ذلك غير جائز لأحد بعدهم ~~فعرفنا أنهم كانوا مخصوصين بذلك # وبيان هذا فيما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لصلح بين ~~الأنصار فأذن بلال وأقام فتقدم أبو بكر رضي الله عنه للصلاة فجاء رسول الله ~~وهو في الصلاة الحديث إلى أن قال PageV02P134 فأشار على أبي بكر أن أثبت في ~~مكانك ورفع أبو بكر رضي الله عنه يديه وحمد الله ثم استأخر وتقدم رسول الله ~~وكانت سنة الإمامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم معلوما بالنص ثم تقدم أبو ~~بكر بالرأي وقد أمره أن يثبت في مكانه نصا ثم استأخر بالرأي # ولما أراد رسول الله أن يتقدم للصلاة على ابن أبي المنافق جذب عمر رضي ~~الله عنه رداءه وفي رواية استقبله وجعل يمنعه من الصلاة عليه والاستغفار له ~~وكان ذلك منه بالرأي ثم نزل القرآن على موافقة رأيه يعني قوله تعالى @QB@ ~~ولا تصل على أحد منهم مات أبدا @QE@ ولما أراد علي أن يكتب كتاب الصلح عام ~~الحديبية كتب هذا ما صالح محمد رسول الله وسهيل بن عمرو على أهل مكة # قال سهيل لو عرفناك رسولا ما حاربناك اكتب محمد بن عبد الله فأمر رسول ~~الله عليا أن يمحو رسول الله فأبى علي رضي الله عنه ذلك حتى أمره أن يريه ~~موضعه فمحاه رسول الله بيده وكان هذا الإباء من علي بالرأي في مقابلة النص # وقد كان الحكم للمسبوق أن يبدأ بقضاء ما سبق به ثم يتابع الإمام حتى جاء ~~معاذ يوما وقد سبقه رسول الله ببعض الصلاة فتابعه فيما بقي ثم قضى ما فاته ~~فقال له ms533 رسول الله ما حملك على ما صنعت قال وجدتك على شيء فكرهت أن أخالفك ~~عليه # فقال سن لكم معاذ سنة حسنة فاستنوا بها وكان هذا منه عملا بالرأي في موضع ~~النص ثم استصوبه رسول الله في ذلك # وأبو ذر حين بعثه رسول الله مع إبل الصدقة إلى البادية أصابته جنابة فصلى ~~صلوات بغير طهارة إلى أن جاء إلى رسول الله الحديث إلى أن قال له التراب ~~كافيك ولو إلى عشر حجج ما لم تجد الماء وكان ذلك منه عملا بالرأي في موضع ~~النص # وكذلك عمرو بن العاص أصابته جنابة في ليلة باردة فتيمم وأم أصحابه مع ~~وجود الماء وكان ذلك منه عملا بالرأي في موضع النص ثم لم ينكر عليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذلك فعرفنا أنهم كانوا مخصوصين بذلك # وكذلك ظهر منهم الفتوى بالرأي فيما لا يعرف بالرأي من المقادير نحو حد ~~الشرب كما قال علي رضي الله عنه فإنه ثبت بآرائنا # ولا وجه لذلك إلى الحمل على معنى الخصوصية # لا بيان الكرامة لهم لأن كرامتهم إنما تكون بطاعة الله وطاعة رسوله ~~فالسعي لإظهار مخالفة منهم في أمر الله وأمر الرسول يكون طعنا فيهم ومعلوم ~~أن رسول الله ما وصفهم بأنهم خير الناس إلا بعد علمه بأنهم أطوع الناس له ~~وأظهر الناس انقيادا لأمره وتعظيما لأحكام الشرع ولو جاز إثبات مخالفة ~~الأمر بالرأي لهم بطريق الكرامة والاختصاص بناء على الخيرية التي وصفهم بها ~~رسول الله لجاز مثل ذلك لمن بعدهم بناء على ما وصفهم الله به بقوله تعالى ~~@QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس @QE@ PageV02P135 والجواب أن نقول هذا ~~الكلام عند التأمل فيه من جنس الطعن عليهم الآية ولو جاز ذلك في فتاويهم ~~لجاز فيما نقلوا إلينا من أحكام الشرع فتبين أن هذا من جنس الطعن وأنه لا ~~بد من طلب التأويل فيما كان منهم في صورة الخلاف ظاهرا بما هو تعظيم ~~وموافقة في الحقيقة # ووجه ذلك بطريق الفقه أن نقول قد كان من الأمور ما فيه احتمال معنى ms534 ~~الرخصة والإكرام أو معنى العزيمة والإلزام ففهموا أن ما اقترن به من دلالة ~~الحال أو غيره مما يتبين به أحد المحتملين ثم رأوا التمسك بما هو العزيمة ~~أولى لهم من الترخص بالرخصة وهذا أصل في أحكام الشرع # وبيان هذا في حديث الصديق فإن إشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم له بأن ~~يثبت في مكانه كان محتملا معنى الإكرام له ومعنى الإلزام وعلم بدلالة الحال ~~أنه على سبيل الترخص والإكرام له فحمد الله تعالى على ذلك ثم تأخر تمسكا ~~بالعزيمة الثابتة بقوله تعالى @QB@ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله @QE@ ~~وإليه أشار بقوله ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # وكذلك كان تقدمه للإمامة قبل أن يحضر رسول الله فإن التأخير إلى أن يحضر ~~كان رخصة ومراعاة حق الله في أداء الصلاة في الوقت المعهود كان عزيمة فإنما ~~قصد التمسك بما هو العزيمة لعلمه أن رسول الله عليه السلام كان يستحسن ذلك ~~منه فعرفنا أنه ما قصد إلا تعظيم أمر الله وتعظيم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيما باشره PageV02P136 بالرأي # وكذلك فعل عمر رضي الله عنه بالامتناع من الصلاة على من شهد الله بكفره ~~وهو العزيمة لأن الصلاة على الميت المسلم يكون إكراما له وذلك لا يشك فيه ~~إذا كان المصلي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن التقدم للصلاة ~~عليه كان بطريق حسن العشرة ومراعاة قلوب المؤمنين من قراباته فجذب عمر ~~رداءه تمسكا بما هو العزيمة وتعظيما لرسول الله لا قصدا منه إلى مخالفته # وكذلك حديث علي فإنه أبى أن يمحو ذلك تعظيما لرسول الله وهو العزيمة وقد ~~علم أن رسول الله ما قصد بما أمر به إلا تتميم الصلح لما رأى فيه من الحظ ~~للمسلمين بفراغ قلوبهم ولو علم علي أن ذلك كان أمرا بطريق الإلزام لمحاه من ~~ساعته ألا ترى أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك ستبعثني في أمر ~~أفأكون فيه كالسكة المحماة أم ms535 الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فقال بل الشاهد ~~يرى ما لا يرى الغائب فبهذا تبين أنه عرف بأن ذلك الأمر منه لم يكن إلزاما ~~ورأى إظهار الصلابة في الدين بمحضر من المشركين عزيمة فتمسك به ثم الرغبة ~~في الصلح مندوب إليه الإمام بشرط أن يكون فيه منفعة للمسلمين وتمام هذه ~~المنفعة في أن يظهر الإمام المسامحة والمساهلة معهم فيما يطلبون ويظهر ~~المسلمون القوة والشدة في ذلك ليعلم العدو أنهم لا يرغبون في الصلح لضعفهم ~~فلأجل هذا فعل علي رضي الله عنه ما فعله وكأنه تأويل قوله تعالى @QB@ ولا ~~تهنوا ولا تحزنوا @QE@ وكذلك حديث معاذ رضي الله عنه فإن السنة التي كانت ~~في حق المسبوق من البداية بما فاته فيها احتمال معنى الرخصة ليكون الأداء ~~عليه أيسر فوقف معاذ على ذلك وعرف أن العزيمة متابعة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم واعتقاد الغنيمة فيما أدركه معه فاشتغل بإحراز ذلك أولا تمسكا ~~بالعزيمة لا مخالفة للنص # وكذلك حديث أبي ذر إن صح أنه أدى صلاته في تلك الحالة بغير طهارة فإن في ~~حكم التيمم للجنب بعض الاشتباه في النص باعتبار القراءتين @QB@ أو لامستم ~~@QE@ PageV02P137 @QB@ أو لامستم النساء @QE@ فلعله كان عنده أن المراد ~~المس بالي وأنه لا يجوز التيمم للجنب كما هو مذهب عمر وابن مسعود رضي الله ~~عنهما ثم رأى أن بسبب العجز يسقط عنه فرض الطهارة في الوقت وأن أداء الصلاة ~~في الوقت عزيمة فاشتغل بالأداء تعظيما لأمر الله وتمسكا بالعزيمة # وكذلك حديث عمرو بن العاص فإنه رأى أن فرض الاغتسال ساقط عنه لما يلحقه ~~من الحرج بسبب البرد أو لخوفه الهلاك على نفسه وقد ثبت بالنص أن التيمم ~~مشروع لدفع الحرج فعرفنا أنه ليس في شيء من هذه الآثار معنى يوهم مخالفة ~~النص من أحد منهم وأنهم في تعظيم رسول الله كما وصفهم الله به # وأما حد الشرب فإنما أثبتوه استدلالا بحد القذف على ما روي أن عبد الرحمن ~~بن عوف قال لعمر يا أمير المؤمنين إذا شرب هذي وإذا ms536 هذي افترى وحد المفترين ~~في كتاب الله ثمانون جلدة # ثم الحكم الثابت بالإجماع لا يكون محالا به على الرأي وقد بينا أن ~~الإجماع يوجب علم اليقين والرأي لا يوجب ذلك ثم هذا دعوى الخصوصية من غير ~~دليل ومن لا يرى إثبات شيء بالقياس فكيف يرى إثبات مجرد الدعوى من غير دليل ~~والكتاب يشهد بخلاف ذلك فالناس في تكليف الاعتبار المذكور في قوله تعالى ~~@QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ سواء وهم كانوا أحق بهذا الوصف وهذا ~~أقوى ما نعتمده من الدليل المعقول في هذه المسألة فإنه لا فرق بين التأمل ~~في إشارات النصف فيما أخبر الله به عن الذين لحقهم المثلات بسبب كفرهم كما ~~قال تعالى @QB@ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب @QE@ الآية لنعتبر ~~بذلك وننزجر عن مثل ذلك السبب وبين التأمل في إشارات النص في حديث الربا ~~ليعرف به أن المحرم هو الفضل الخالي عن العوض فثبت ذلك الحكم بعينه في كل ~~محل يتحقق فيه الفضل الخالي عن العوض مشروطا في البيع كالأرز والسمسم والجص ~~وما أشبه ذلك وقد قررنا هذا يوضحه أن التأمل في معنى النص الثابت بإشارة ثم ~~التأمل في ذلك للوقوف على طريق الاستعارة حتى يجعل ذلك اللفظ مستعارا في ~~محل آخر بطريقه جائز مستقيم من عمل الراسخين في العلم فكذلك التأمل في ~~معاني النص لإثبات حكم النص في كل موضع علم أنه مثل المنصوص عليه وهذا ~~لنوعين من الكلام أحدهما أن الله تعالى نص على أن القرآن تبيان لكل شيء ~~بقوله تعالى @QB@ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا @QE@ صاحب الشرع بمنزلة التأمل ~~في معنى اللسان PageV02P138 الثابت بوضع واضع اللغة @QB@ لكل شيء @QE@ ولا ~~يتمكن أحد من أن يقول كل شيء في القرآن باسمه الموضوع له في اللغة فعرفنا ~~أنه تبيان لكل شيء بمعناه الذي يستدرك به حكمه وما ثبت بالنص فإما أن يقال ~~هو ثابت بصورة النص لا غير أو بالمعنى الذي صار معلوما بإشارة النص والأول ~~باطل فإن الله تعالى قال @QB@ فلا تقل لهما أف @QE@ ثم أحد ms537 لا يقول إن هذا ~~نهي عن صورة التأفيف دون الشتم والضرب # وكذلك قوله تعالى @QB@ ولا يظلمون نقيرا @QE@ وقوله تعالى @QB@ من إن ~~تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار @QE@ فعرفنا أن ثبوت ~~الحكم باعتبار المعنى الذي وقعت الإشارة إليه في النص # ثم ذلك المعنى نوعان جلي وخفي ويوقف على الجلي باعتبار الظاهر ولا يوقف ~~على الخفي إلا بزيادة التأمل وهو المراد بقوله @QB@ فاعتبروا @QE@ وبعدما ~~ثبت لزوم اعتبار ذلك المعنى بالنص وإثبات الحكم في كل محل قد وجد فيه ذلك ~~المعنى يكون إثباتا بالنص لا بالرأي وإن لم يكن صيغة النص متناولا إلا ترى ~~أن الحكم بالرجم على ماعز لم يكن حكما على غيره باعتبار صورته ولكن باعتبار ~~المعنى الذي لأجله توجه الحكم عليه بالرجم كان ذلك بيانا في حق سائر ~~الأشخاص بالنص # والثاني أنه ما من حادثة إلا وفيها حكم لله تعالى من تحليل أو تحريم أو ~~إيجاب أو إسقاط ومعلوم أن كل حادثة لا يوجد فيها نص فالنصوص معدودة متناهية ~~ولا نهاية لما يقع من الحوادث إلى قيام الساعة وفي تسميته حادثة إشارة إلى ~~أنه لا نص فيها فإن ما فيه النص يكون أصلا معهودا # وكذلك الصحابة ما اشتغلوا باعتماد نص في كل حادثة ( طلبا أو رواية فعرفنا ~~أنه لا يوجد نص في كل حادثة ) PageV02P139 وقد لزمنا معرفة حكم الحادثة ~~بالحجة بحسب الوسع فإما أن يكون الحجة استنباط المعنى من النصوص أو استصحاب ~~الحال كما قالوا ومعلوم أنه ليس في استصحاب الحال إلا عمل بلا دليل ولا ~~دليل جهل والجهل لا يصلح أن يكون حجة باعتبار الأصل وهو أيضا مما لا يوقف ~~عليه فمن المحتمل أن لا يكون عند بعض الناس فيه دليل ويكون عند بعضهم ~~والقياس من الوجه الذي قررنا حجة وإن كان لا يوجب علم اليقين ألا ترى أن ~~الشرع جوز لنا الإقدام على المباحات لقصد تحصيل المنفعة يعني المسافرة ~~للتجارة والمحاربة للعدو والغلبة على الأعداء بغالب الرأي والاجتهاد في أمر ~~القبلة والاشتغال بالمعالجة لتحصيل صفة ms538 البرء وكل ذلك إقدام من غير بناء ~~على ما يوجب علم اليقين ثم هو حسن في بعض المواضع واجب في بعض المواضع # وكذلك تقويم المتلفات واعتقاد المعروف في النفقات والمتعة فإن ذلك منصوص ~~عليه ثم الإقدام عليه بالرأي جائز فكان ذلك عملا بالحجة فتبين أن القياس من ~~نوع العمل بما هو حجة في الأصل ولكنه دون الثابت من الحكم بالنص فلا يصار ~~إليه إلا في وضع لا يوجد فيه نظر # فأما استصحاب الحال فهو عمل بالجهل فلا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة ~~المحضة بمنزلة تناول الميتة # وسنقرر هذا في بابه إن شاء الله تعالى # فبهم التقرير يتبين أن نفاة القياس يتمسكون بالجهل وأن فقهاء الأمصار ~~يعلمون بما هو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال # وأما استدلالهم بقوله تعالى @QB@ أو لم يكفهم @QE@ قلنا نحن نقول بأن ما ~~أنزل من الكتاب كذلك ولكن الاحتجاج بالقياس مما أنزل في الكتاب إشارة وإن ~~كان لا يوجد فيه نصا فإنه الاعتبار المأمور به من قوله تعالى @QB@ فاعتبروا ~~@QE@ وبهذا يتبين أن الحكم به حكم بما أنزل الله فيضعف به استدلالهم بقوله ~~تعالى @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله @QE@ وبه يتبين أنه من جملة ما ~~تناوله قوله تعالى @QB@ تبيانا لكل شيء @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين @QE@ وقد قيل المراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ ~~وبهذا يتبين أن العمل بالقياس PageV02P140 لا يكون تقدما بين يدي الله ~~ورسوله بل هو ائتمار بأمر الله وأمر رسوله وسلوك طريق قد علم رسول الله ~~أمته بالوقوف به على أحكام الشرع وهذا لأنا إنما نثبت الحكم في الفروع ~~بالعلة المؤثرة والعلة ما صارت مؤثرة بآرائنا بل بجعل الله إياها مؤثرة ~~وإنما إعمال الرأي في تمييز الوصف المؤثر من سائر أوصاف الأصل وإظهار ~~التأثير فيه فلا يكون العمل فيه عملا بالرأي إنما التقدم بين يدي الله ~~ورسوله فيما ذهب إليه الخصم من القول بأن العمل بالقياس باطل لأنه لا يجد ~~ذلك في كتاب الله نصا وهو لا يجوز الاستنباط ms539 ليقف به على إشارة النص فيكون ~~ذلك قولا بغير حجة ثم يكون عاملا في الأحكام بلا دليل وقد بينا أن هذا لا ~~يصلح أن يكون حجة أصلية # وأما قوله @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ فالمذكور هو علم منكر في ~~موضع النفي والنكرة في موضع النفي تعم فاستعمال الرأي يثبت نوع علم من طريق ~~الظاهر وإن كان لا يثبت علم اليقين وبالاتفاق علم اليقين ليس بشرط لوجوب ~~العمل ولا لجوازه فإن العمل بخبر الواحد واجب ولا يثبت به علم اليقين ~~والعمل بالرأي في الحرب جائز وفي باب القبلة عند الاشتباه واجب وفي ~~المعالجة بالأدوية جائز وإن كان شيء من ذلك لا يوجب علم اليقين وهذا لأن ~~التكليف بحسب الوسع وليس في وسعنا تحصيل علم اليقين في حكم كل حادثة والحرج ~~مدفوع ففي إثبات الحجر عن إعمال الرأي في الحوادث التي لا نص فيها من الحرج ~~ما لا يخفى # ثم لا إشكال أن ما يثبت من العلم بطريق القياس فوق ما يثبت باستصحاب ~~الحال لأن استصحاب الحال إنما يكون دليلا عندهم لعدم الدليل المغير وذلك ~~مما لا يعلم يقينا قد يجوز أن يكون الدليل المغير ثابتا وإن لم يبلغ ~~المبتلى به ولهذا لا تقبل البينة على النفي في باب الخصومات وتقبل على ~~الإثبات باعتبار طريق لا يوجب علم اليقين فإن الشهادة بالملك لظاهر اليد أو ~~اليد مع التصرف تكون مقبولة وإن كانت لا توجب علم اليقين # فأما قوله تعالى @QB@ ولا تقولوا على الله إلا الحق @QE@ قلنا ما يظهر ~~عند استعمال الرأي بالوصف المؤثر حق في حقنا وإن كنا لا نعلم أنه هو الحق ~~عند الله تعالى ألا ترى أن المتحري في باب القبلة يلزمه التوجه إلى الجهة ~~التي يستقر عليها الرأي ومعلوم أنه لا يلزمه مباشرة ما ليس بحق أصلا ~~PageV02P141 فعرفنا أنه حق عندنا وإن كنا لا نقطع القول بأنه الحق عند الله ~~تعالى فقد يصيب المجتهد ذلك باجتهاده وقد يخطىء ثم التكليف بحسب الوسع وليس ~~في وضعنا الوقوف على ms540 ما هو حق عند الله لا محالة وإنما الذي في وسعنا طلبه ~~بطريق الاعتبار الذي أمرنا به وبعد إصابة ذلك الطريق يلزمنا العمل به فكذلك ~~في الأحكام وما أشاروا إليه من الفرق بين ما هو محض حق الله تعالى وبين ما ~~فيه حق العباد ليس بقوي لأن المطلوب هنا جهة القبلة لأداء ما هو محض حق ~~الله تعالى والله تعالى موصوف بكمال القدرة ومع ذلك أطلق لنا العمل بالرأي ~~فيه إما لتحقيق معنى الابتلاء أو لأنه ليس في وسعنا ما هو أقوى من ذلك بعد ~~انقطاع الأدلة الظاهرة وهذا المعنى بعينه موجود في الأحكام ثم الاحتمال ~~الذي يبقى بعد استعمال الرأي بمنزلة الاحتمال في خبر الواحد فإن قول صاحب ~~الشرع موجب علم اليقين وإنما يثبت في حقنا العلم والعمل به إذا بلغنا ذلك ~~وفي البلوغ والاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم احتمال فكذلك الحكم في ~~المنصوص ثابت بالنص على وجه يوجب علم اليقين وفيه معنى هو مؤثر في الحكم ~~شرعا ولكن في بلوغ الآراء وإدراك ذلك المعنى نوع احتمال فلا يمنع ذلك وجوب ~~العمل به عند انعدام دليل هو أقوى منه ولهذا شرطنا للعمل بالرأي أن تكون ~~الحادثة لا نص فيها من كتاب ولا سنة فتبين أن فيما قلنا مبالغة في المحافظة ~~على النصوص بظواهرها ومعانيها فإنه ما لم يقف على النصوص لا يعرف أن ~~الحادثة لا نص فيها وما لم يقف على معاني النصوص لا يمكنه أن يرد الحادثة ~~إلى ما يكون مثلها من النصوص ثم مع ذلك فيه تعميم المعنى في الفروع وتعظيم ~~ما هو حق الله تعالى فإن اعتقاد الحقية في الحكم المنصوص ثابت بالنص ومعنى ~~شرح الصدر وطمأنينة القلب ثابت بالوقوف على المعنى # ولا معنى لاستدلالهم باختلاف أحكام النصوص لأنا إنما نجوز استعمال الرأي ~~عند معرفة معاني النصوص وإنما يكون هذا فيما يكون معقول المعنى فأما فيما ~~لا يعقل المعنى فيه فنحن لا نجوز إعمال الرأي لتعدية الحكم إلى ما لا نص ~~فيه وسيأتيك بيان ms541 هذا في شرط القياس ويتبين بهذا أن مراد رسول الله صلى ~~PageV02P142 الله عليه وسلم بذم الرأي فيما رووا من الآثار الرأي الذي ينشأ ~~عن متابعة هوى النفس أو الرأي الذي يكون المقصود منه رد المنصوص نحو ما ~~فعله إبليس فأما الرأي الذي يكون المقصود به إظهار الحق من الوجه الذي قلنا ~~لا يكون مذموما ألا ترى أن الله تعالى أمر به في إظهار قيمة الصيد بقوله ~~@QB@ يحكم به ذوا عدل منكم @QE@ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم ~~ذلك أصحابه والصحابة عن آخرهم أجمعوا على استعماله من غير نكير من أحد منهم ~~على من استعمله فكيف يظن بهم الاتفاق على ما ذمه رسول الله أو جعله مدرجة ~~الضلال هذا شيء لا يظنه إلا ضال والله أعلم # # | فصل في بيان ما لا بد للقياس من معرفته # قال رضي الله عنه وذلك معنى القياس لغة فالصورة بلا معنى يكون فاسدا من ~~الدعوى ثم شرطه فإن وجود الشيء على وجه يكون معتبرا شرعا لا يكون إلا بوجود ~~شرطه ثم ركنه فقوام الشيء يكون بركنه ثم حكمه فإن الشيء إنما يخرج من حد ~~العبث والسفه إلى حد الحكمة بكونه مفيدا وذلك إنما يكون بحكمه ثم بالدفع ~~بعد ذلك فإن تمام الإلزام إنما يتبين بالعجز عن الدفع # فأما الأول فهو معرفة القياس لغة فنقول للقياس تفسير هو المراد بصيغته ~~ومعنى هو المراد بدلالته بمنزله فعل الضرب فإن له تفسيرا هو المعلوم بصورته ~~وهو إيقاع الخشبة على جسم ومعنى هو المراد بدلالته وهو الإيلام # فأما تفسير صيغة القياس فهو التقدير يقال قس النعل بالنعل أي قدره به ~~وقاس الطبيب الجرح إذا سبره بالمسبار ليعرف مقدار غوره وبهذا يتبين أن ~~معناه لغة في الأحكام رد الشيء إلى نظيره ليكون مثلا له في الحكم الذي وقعت ~~الحاجة إلى إثباته ولهذا يسمى ما يجري بين المناظرين مقايسة لأن كل واحد ~~منهما يسعى ليجعل جوابه في الحادثة مثلا لما اتفقا على كونه أصلا بينهما ~~يقال قايسته مقايسة وقياسا ms542 ويسمى ذلك نظرا أيضا إذ لا يصاب إلا بالنظر عن ~~إنصاف ويسمى ذلك اجتهادا مجازا أيضا لأن ببذل المجهود يحصل هذا المقصود # PageV02P143 وأما المعنى الذي هو المراد بدلالته وهو أنه مدرك من مدارك ~~أحكام الشرع ومفصل من مفاصله وإنما يتبين هنا ببسط الكلام فنقول إن الله ~~تعالى ابتلانا باستعمال الرأي والاعتبار وجعل ذلك موضوعا على مثال ما يكون ~~بين العباد مما شرعه من الدعوى والبينات فالنصوص شهود على حقوق الله تعالى ~~وأحكامه بمنزلة الشهود في الدعاوى ومعنى النصوص ( شهادته بمنزلة ) شهادة ~~الشاهد ثم لا بد من صلاحية الشاهد بكونه حرا عاقلا بالغا فكذلك لا بد من ~~صلاحية النص لكونه شاهدا بكونه معقول المعنى ولا بد من صلاحية الشهادة ~~بوجود لفظها فكذلك لا بد من صلاحية الوصف الذي هو بمنزلة الشهادة وذلك بأن ~~يكون ملائما للحكم أو مؤثرا فيه على ما نبين الاختلاف فيه ولا بد مما هو ~~قائم مقام الطالب فيه وهو القائس ولا بد من مطلوب وهو الحكم الشرعي ~~فالمقصود تعدية الحكم إلى الفروع ولا بد من مقضي عليه وهو عقد القلب ليترتب ~~عليه العمل بالبدن إن كان يحاج نفسه وإن كان يحاج غيره فلا بد من خصم هو ~~كالمقضي عليه من حيث إنه يلزمه الانقياد له ولا بد من قاض فيه وهو القلب ~~بمنزلة القاضي في الخصومات ثم بعد اجتماع هذه المعاني يتمكن المشهود عليه ~~من الدفع كما في الدعوى المشهود عليه يتمكن من الدفع بعد ظهور الحجة فإن ~~تمام الإلزام إنما يتبين بالعجز عن الدفع وربما يخالفنا في بعض هذا الشافعي ~~وغيره من العلماء أيضا # # | فصل في تعليل الأصول # قال فريق من العلماء الأصول غير معلولة في الأصل ما لم يقم الدليل على ~~كونه معلولا في كل أصل # وقال فريق آخر هي معلولة إلا بدليل مانع والأشبه بمذهب الشافعي رحمه الله ~~أنها معلولة في الأصل إلا أنه لا بد لجواز التعليل في كل أصل من دليل مميز ~~والمذهب عند علمائنا أنه لا بد مع هذا من قيام ms543 دليل يدل على كونه معلولا في ~~الحال وإنما يتبين هذا في مسألة PageV02P144 الذهب والفضة فإن استدلال من ~~يستدل من أصحابنا على كون الحكم الثابت فيهما معلولا بأن الأصول في الأصل ~~معلولة لا يكون صحيحا حتى يثبت بالدليل أن النص الذي فيهما معلول في الحال # وحجة الفريق الأول أن الحكم في المنصوص قبل التعليل ثابت بصيغة النص وفي ~~التعليل تغيير لذلك الحكم حتى يكون ثابتا بالوصف الذي هو المعنى في المنصوص ~~فيكون ذلك بمنزلة المجاز من الحقيقة ولا يجوز العدول عن الحقيقة إلى المجاز ~~إلا بدليل بل أولى فالمجاز أحد نوعي اللسان والمعنى الذي يستنبط من المنصوص ~~ليس من نوع اللسان في شيء يوضحه أن المعاني تتعارض في المنصوص وباعتبار ~~المعارضة لا يتعين وصف منها بل كل وصف يحتمل أن يكون هو المعنى الموجب ~~للحكم فيه والمحتمل لا يكون حجة ولا بد من ترجيح بعض الأوصاف عند الاشتغال ~~بالتعليل والترجيح بعد المعارضة لا يكون إلا بالدليل على أنا نفهم من خطاب ~~الشرع ما نفهم من مخاطباتنا ومن يقول لغيره أعتق عبدي هذا لم يكن له أن ~~يصير إلى التعليل في هذا الأمر فكذلك في مخاطبات الشرع لا يجوز المصير إلى ~~التعليل حتى يقوم الدليل # وحجة الفريق الثاني أن الدليل الذي دل على صحة القياس وجواز العمل به ~~يكون دليلا على جواز التعليل في كل أصل فإن ما هو طريق التعليل وهو الوقوف ~~على معنى النص والوصف الذي هو صالح لأن يكون علة للحكم موجود في كل نص ~~فيكون جواز التعليل أصلا في كل نص وتكون صفة الصلاحية أصلا في كل وصف فيكون ~~التعليل به أصلا ما لم يظهر المانع بمنزلة العمل بالأخبار فإن وجوب العمل ~~بكل خبر ثبت عن صاحب الشرع هو الأصل حتى يمنع منه مانع ولا تتحقق المعارضة ~~الموجبة للتوقف بمجرد اختلاف الآثار عند إمكان العمل بالكل فكذلك لا تثبت ~~المعارضة الموجبة للتوقف عند كثرة أوصاف الأصل مع إمكان العمل بالكل إلا أن ~~يمنع من ذلك مانع وليس هذا ms544 نظير خطاب العباد في معاملاتهم فإن ذلك مما لا ~~نشتغل فيه PageV02P145 بطلب المعنى لجواز أن يكون خاليا عن معنى مؤثر وعن ~~حكمة حميدة بخلاف خطاب الشرع ألا ترى أن هناك وإن كان التعليل فيه منصوصا ~~لا يصار إلى التعدية فإنه لو قال أعتق عبدي هذا فإنه أسود لم يكن له أن ~~يعدي الحكم بهذا التعليل إلى غيره وفي خطاب الشرع فيما يكون التعليل منصوصا ~~يثبت حكم التعدية بالاتفاق كقوله عليه السلام الهرة ليست بنجسة لأنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات ودعواهم أن في التعليل تغيير الحكم كلام باطل فإن ~~الحكم في المنصوص بعد التعليل ثابت بالنص كما كان قبل التعليل وإنما ~~التعليل لتعدية الحكم إلى محل آخر لا نص فيه على ما نبينه في فصل الشرط ~~فعرفنا أن أثر التعليل في المنصوص من حيث شرح الصدر وطمأنينة القلب وذلك ~~تقرير للحكم لا تغيير كالوقوف على معنى اللسان # وقولهم إن في كل وصف احتمالا قلنا لا كذلك بل الأصل في النصوص وجوب ~~التعليل لتعميم الحكم على ما قررنا فبعد هذا في كل وصف احتمال أنه ليس ~~بمراد بعد قيام الدليل على كونه حجة ( وما ثبت حجة بالدليل فإنه لا يخرج ~~بالاحتمال من أن يكون حجة ) وإنما يثبت ذلك بالدليل المانع # وأما الشافعي فإنه يقول قد علمنا بالدليل أن علة النص أحد أوصافه لا كل ~~وصف منه فإن الصحابة اختلفوا في الفروع باختلافهم في الوصف الذي هو علة في ~~النص فكل واحد منهم ادعى أن العلة ما قاله وذلك اتفاق منهم أن أحد الأوصاف ~~هو العلة ثم ذلك الوصف مجهول والمجهول لا يصلح استعماله مع الجهالة لتعدية ~~الحكم فلا بد من دليل التمييز بينه وبين سائر الأوصاف حتى يجوز التعليل به ~~فإنه لا يجوز التعليل بسائر الأوصاف لاتفاق الصحابة على ذلك وعلمنا ببطلان ~~التعليل في مخالفة الإجماع # ثم على أصله التعليل تارة يكون للمنع من التعدية وتارة يكون لإثبات ~~التعدية ولا شك أن الوصف الذي به يثبت الحجر عن التعدية غير الوصف الذي ms545 ~~يثبت به حكم التعدية فما لم يتميز أحد الوصفين من الآخر بالدليل لا يجوز ~~تعليل النص PageV02P146 # وأما علماؤنا فقد شرطوا الدليل المميز ولكن بطريق آخر سوى ما ذكره ~~الشافعي على ما نذكره في بابه ( إن شاء الله ) وشرطوا قبل ذلك أن يقوم ~~الدليل في الأصل على كونه معلولا في الحال لأن النصوص نوعان معلول وغير ~~معلول والمصير إلى التعليل في كل نص بعد زوال هذا الاحتمال وذلك لا يكون ~~إلا بدليل يقوم في النص على كونه معلولا في الحال # وإنما نظيره مجهول الحال إذا شهد فإنه ما لم نثبت حريته بقيام الدليل ~~عليه لا تكون شهادته حجة في الإلزام وقبل ثبوت ذلك بالدليل الحرية ثابتة ~~بطريق الظاهر ولكن هذا يصلح للدفع لا للإلزام فكذلك الدليل الذي دل في كل ~~نص على أنه معلول ثابت من طريق الظاهر وفيه احتمال فما لم يثبت بالدليل ~~الموجب لكون هذا النص معلولا لا يجوز المصير إلى تعليله لتعدية الحكم إلى ~~الفروع ففيه معنى الإلزام وهو نظير استصحاب الحال فإنه يصلح حجة للدفع لا ~~للإلزام لبقاء الاحتمال فيه # فإن قيل أليس أن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في أفعاله جائز ~~ما لم يقم الدليل المانع وقد ظهرت خصوصيته في بعض الأفعال ثم لم يوجب ذلك ~~الاحتمال في كل فعل حتى يقال لا يجوز الاقتداء به إلا بعد قيام الدليل قلنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام مقتدى به ما بعث إلا ليأخذ الناس بهديه ~~وهداه فيكون الاقتداء به هو الأصل وإن كان قد يجوز أن يكون هو مخصوصا ببعض ~~الأشياء ولكن الخصوصية في حقه بمنزلة دليل التخصيص في العموم والعمل بالعام ~~مستقيم حتى يقوم دليل التخصيص فكذلك الاقتداء به في أفعاله # فأما هنا فاحتمال كون النص غير معلول ثابت في كل أصل مثل احتمال كونه ~~معلولا فيكون هذا بمنزلة المجمل فيما يرجع إلى الاحتمال والعمل بالمجمل لا ~~يكون إلا بعد قيام دليل هو بيان فكذلك تعليل الأصول يوضحه أن هناك ~~PageV02P147 قد قام ms546 الدليل الموجب لعلم اليقين على جواز الاقتداء به مطلقا ~~وهو قوله تعالى @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة @QE@ وههنا الدليل ~~هو صلاحية الوصف الموجود في النص وذلك إنما يعلم بالرأي فلا ينعدم به ~~احتمال كون النص غير معلول لأنا قد بينا أن في تعليل النص معنى الابتلاء ~~والابتلاء بما يكون غير معلول من النصوص أظهر وبعدما تحققت المساواة في ~~معنى الابتلاء لا بد من قيام الدليل في المنصوص على أنه معلول للحال # وبيان هذا في الذهب والفضة فإن حكم الربا ثابت فيهما بالنص وهو معلول ~~عندنا بعلة الوزن # وأنكر الشافعي هذا فيحتاج إلى أن يثبت بالدليل أنه معلول # وفيه نوعان من الدليل أحدها قوله عليه السلام يد بيد ففيه إيجاب التعيين ~~وهو متعد إلى الفروع لأنه لا بد من تعيين أحد البدلين في كل عقد فإن الدين ~~بالدين حرام بالنص وذلك ربا كما قال عليه السلام إنما الربا في النسيئة ثم ~~وجوب التعيين في البدل الآخر هنا لاشتراط المساواة فالمساواة في البدلين ~~عند اتفاق الجنس شرط بقوله عليه السلام مثل بمثل وعند اختلاف الجنس ~~المساواة في العينية شرط بقوله عليه الصلاة والسلام وإذا اختلف النوعان ~~فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد وهذا حكم متعد إلى الفروع فإن الشافعي ~~يشترط التقايض في بيع الطعام بالطعام مع اختلاف الجنس بهذا النص ونحن لا ~~نجوز بيع قفيز من حنطة بعينها بقفيز من شعير بغير عينه غير مقبوض في المجلس ~~وإن كان موصوفا وحل التفاضل بينهما لأن بترك التعيين في المجلس ينعدم ~~المساواة في اليد باليد وشرطنا القبض في رأس مال السلم في المجلس لتحقيق ~~معنى التعيين فعرفنا أنه معلول والتعليل بالثمنية يمنع التعدية فباعتبار ~~كونه معلولا يكون متعديا إلى الفروع فالوصف الذي يمنع التعدية لا يقدح فيه ~~ولا يخرجه من أن يكون شاهدا بمنزلة صفة الجهل في الشاهد فإنه لا يكون طعنا ~~في شهادته لأنه لا يخرج به من أن يكون أهلا للولاية والشهادة تبتنى على ذلك ~~بخلاف صفة ms547 الرق فإن الطعن به يمنع العمل بشهادته حتى تثبت حريته بالحجة ~~لأنه يخرج به من أن يكون أهل الولاية والصلاحية للشهادة تبتنى على ~~PageV02P148 ذلك # ومثال هذا أيضا ما قاله الشافعي في تحريم الخمر إنه معلول من غير قيام ~~الدليل فيه على كونه معلولا بل الدليل من النص دال على أنه غير معلول وهو ~~قوله عليه السلام حرمت الخمر لعينها و السكر من كل شراب وإثبات الحرمة وصفة ~~النجاسة في بعض الأشربة المسكرة لا يكون تعدية للحكم الثابت في الخمر ألا ~~ترى أنه لا يثبت على ذلك الوجه حتى لا يكفر مستحله ولا يكون التقدير في ~~النجاسة فيه كالتقدير في الخمر وإنما تلك حرمة ثابتة باعتبار نوع من ~~الاحتياط فلا يتبين به كون النص معلولا # ثم تعليل النص قد يكون تارة بالنص نحو قوله تعالى @QB@ لا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم @QE@ وقول النبي عليه السلام لبريرة ملكت بضعك فاختاري وقد ~~يكون بفحوى النص كقول النبي عليه السلام في السمن الذي وقعت فيه فأرة إن ~~كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوا ما بقي وإن مائعا فأريقوه فإن في هذا ~~إشارة إلى أنه معلول بعلة مجاورة النجاسة إياه # وكذلك خبر الربا من هذا النوع كما بينا وقد يكون بالاستدلال بحكم النص ~~كقوله عليه السلام في دم الاستحاضة إنه دم عرق انفجر فتوضئي لكل صلاة # وقد يكون على اتفاق القائلين بالقياس على كونه معلولا فعند وجود شيء من ~~هذه الأدلة في النص سقط اعتبار احتمال كونه غير معلول # # | فصل في ذكر شرط القياس # وإنما قدمنا الشرط لأن الشرعيات لا تصير موجودة بركنها قبل وجود الشرط ~~ألا ترى أن من أراد النكاح فلا بد له من أن يبدأ بإحضار الشهود ومن أراد ~~الصلاة لم يجد بدا من البداية بالطهارة وستر العورة # وهذه الشروط خمسة أحدها أن لا يكون حكم الأصل مخصوصا به بنص آخر والثاني ~~أن لا يكون معدولا به عن القياس والثالث أن لا يكون التعليل للحكم الشرعي ~~الثابت بالنص بعينه حتى يتعدى به ms548 إلى فرع هو نظيره ولا نص PageV02P149 فيه ~~والرابع أن يبقى الحكم في المنصوص بعد التعليل على ما كان قبله والخامس أن ~~لا يكون التعليل متضمنا إبطال شيء من ألفاظ المنصوص # أما الأول فلأن التعليل لتعدية الحكم وذلك يبطل التخصيص الثابت بالنص ~~فكان هذا تعليلا في معارضة النص لدفع حكمه والقياس في معارضة النص باطل # وأما الثاني فلأن التعليل يكون مقايسة والحكم المعدول به عن القياس ~~الثابت بالنص لا مدخل للقياس فيه على موافقة النص ولا معتبر بالقياس فيه ~~على مخالفة النص لأن المقصود بالتعليل إثبات الحكم به في الفرع والقياس ~~ينفي هذا الحكم ولا يتحقق الإثبات بحجة النفي كما لا يتحقق التحليل بما هو ~~حجة التحريم # وأما الثالث فلأن المقايسة إنما تكون بين شيئين ليعلم به أنهما مثلان فلا ~~تصور له في شيء واحد ولا في شيئين مختلفين لا تتحقق المماثلة بينهما فإذا ~~لم يتعد الحكم بالتعليل عن المنصوص عليه يكون شيئا واحدا لا تتحقق فيه ~~المقايسة وإذا كانا مختلفين لا يصيران بالتعليل مثلين ومحل الانفعال شرط كل ~~فعل وقول كمحل هو حي فإنه شرط ليكون صدمه ضربا وقطعه قتلا واشتراط كونه ~~حكما شرعيا لأن الكلام في القياس على الأصول الثابتة شرعا وبمثل هذا القياس ~~لا يعرف إلا حكم الشرع فإن الطب واللغة لا يعرف بمثل هذا القياس # وأما الرابع فلأن العمل بالقياس يكون بعد النص وفي الحكم الثابت بالنص لا ~~مدخل للقياس في التغيير كما لا مدخل له في الإبطال فإذا لم يبق حكم النص ~~بعد التعليل في المنصوص على ما كان قبله كان هذا بيانا مغيرا لحكم النص أو ~~مبطلا له ولا معتبر بالقياس في معارضة النص # وأما الخامس فلأن النص مقدم على القياس بلفظه ومعناه فكما لا يعتبر ~~PageV02P150 القياس في معارضة النص بإبطال حكمه لا يعتبر في ممارسته بإبطال ~~لفظه # وفي بعض هذه الفصول يخالفنا الشافعي رحمه الله على ما نبينه # فأما المثال الأول وهو أن العدد معتبر في الشهادات المطلقة بالنص وقد فسر ~~الله تعالى الشاهدين ms549 برجلين أو رجل وامرأتين وذلك تنصيص على أدنى ما يكون ~~من الحجة لإثبات الحق ثم خص رسول الله صلى الله عليه وسلم خزيمة رضي الله ~~عنه بقبول شهادته وحده فكان ذلك حكما ثبت بالنص اختصاصه به كرامة له فلم ~~يجز تعليله أصلا حتى لا يثبت ذلك الحكم في شهادة غير خزيمة ممن هو مثله أو ~~دونه أو فوقه في الفضيلة لأن التعليل يبطل خصوصيته # وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا بأن حل له تسع نسوة فقد ~~ثبت بالنص أن الحل بالنكاح يقتصر على الأربعة ثم ظهرت خصوصية رسول الله ~~عليه الصلاة والسلام بالزيادة بنص آخر فلم يكن ذلك قابلا للتعليل # وكذلك ظهرت خصوصيته بالنكاح ( بغير مهر بالنص فلم يكن ذلك قابلا للتعليل # وقال الشافعي قد ظهرت خصوصيته بالنكاح ) بلفظ الهبة بالنص وهو قوله تعالى ~~@QB@ خالصة لك من دون المؤمنين @QE@ فلم يجز التعليل فيه لتعدية الحكم إلى ~~نكاح غيره # ولكنا نقول المراد بالنص الموجب للتخصيص ملك البضع نكاحا بغير مهر فإنه ~~ذكر فعل الهبة وذلك يقتضي مصدرا ثم قوله تعالى @QB@ خالصة لك @QE@ نعت ذلك ~~المصدر أي إن وهبت نفسها للنبي هبة خالصة بدليل قوله تعالى @QB@ قد علمنا ~~ما فرضنا عليهم في أزواجهم @QE@ أي من الابتغاء بالمال المقدر فالفرض عبارة ~~عن التقدير وذلك في المال يكون لا في لفظ النكاح والتزويج أو المراد ~~اختصاصه بالمرأة حتى لا تحل لأحد بعده فيتأدى هو بكون الغير شريكا له في ~~فراشها من حيث الزمان وعليه دل قوله تعالى @QB@ وما كان لكم أن تؤذوا رسول ~~الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا @QE@ ألا ترى أن معنى الكرامة ~~بالاختصاص إنما تظهر فيما يتوهم فيه الحرج بإلزامه إياه وذلك PageV02P151 ~~لا يتحقق في اللفظ فقد كان أفصح العرب لا يلحقه الحرج في لفظ النكاح ~~والتزويج # ومن هذه الجملة اشتراط الأجل في السلم فإنه حكم ثابت بالنص في هذا العقد ~~خاصا وهو قوله عليه السلام من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل ~~معلوم ms550 # فلا يجوز المصير فيه إلى التعليل حتى يجوز السلم حالا بالقياس على البيع ~~بعلة أنه نوع بيع لأن الأصل في جواز البيع اشتراط قيام المعقود عليه في تلك ~~العاقد والقدرة على التسليم حتى لو باع ما لا يملكه ثم اشتراه فسلمه لا ~~يجوز ثم ترك هذا الأصل في السلم رخصة بالنص وهو ما روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم وهذا لأن المسلم ~~فيه غير مقدور التسليم للعاقد عند العقد ولا يصير مقدور التسليم له بنفس ~~العقد لأن العقد سبب للوجوب عليه وقدرته على التسليم يكون بما له لا بما ~~عليه ولكنه محتاج إلى مباشرة هذا العقد لتحصيل البدل مع عجزه عن تسليم ~~المعقود عليه في الحال وقدرته على ذلك بعد مضي مدة معلومة بطريق العادة إما ~~بأن يكتسب أو يدرك غلاته بمجيء أوانه فجوز الشرع هذا العقد مع عدم المعقود ~~عليه في ملكه رخصة لحاجته ولكن بطريق يقدر على التسليم عند وجوب التسليم ~~عادة وذلك بأن يكون مؤجلا فلم يجز التعليل فيه لكونه حكما خاصا ثبت ~~الخصوصية فيه بالنص كما بينا # وكذلك قلنا المنافع لا تضمن بالإتلاف والغصب لأن وجوب الضمان يستدعي ~~المالية والتقوم في المتلف وذلك لا يسبق الإحراز ولا تصور للإحراز في ~~المنافع ثم ثبوت المالية والتقوم فيها بالعقد حكم خاص ثبت بالنص فلم يكن ~~قابلا للتعليل # وكذلك إثبات المعادلة بينهما وبين الأعيان في موجب العقد الفاسد والصحيح ~~حكم خاص فيها لأنه لا مماثلة بين المنافع وبين الأعيان باعتبار الأصل ~~فالعين جوهر يقوم به العرض والمنفعة عرض يقوم بالجوهر PageV02P152 والمنافع ~~لا تبقى وقتين والعين تبقى وبين ما يبقى وبين ما لا يبقى تفاوت فعرفنا أن ~~ثبوت المساواة بينهما في مقتضى العقد حكم خاص ثابت بالنص فلا يقبل التعليل # وكذلك إلزام العقد على المنافع قبل وجودها حكم خاص ثبت للحاجة أو للضرورة ~~من حيث إنه لا يتصور العقد عليها بعد الوجود لأن الموجود لا يبقى إلى وقت ~~التسليم ms551 وما لا يتأتى فيه التسليم بحكم العقد لا يكون محلا للعقد فلا يجوز ~~تعدية هذا الحكم بالتعليل إلى المحل الذي يتصور العقد عليه بعد الوجود وهو ~~نظير حل الميتة عند المخمصة فإن ثبوته لما كان بطريق الضرورة لم يجز تعليله ~~لتعدية ذلك الحكم إلى محل آخر # ومثال الفصل الثاني ما قال أبو حنيفة رحمه الله في جواز التوضي بنبيذ ~~التمر فإنه حكم معدول به عن القياس بالنص فلم يكن قابلا للتعليل حتى لا ~~يتعدى ذلك الحكم ( إلى سائر الأنبذة ووجوب الطهارة بالقهقهة في الصلاة حكم ~~معدول به عن القياس بالنص فلم يكن قابلا للتعليل حتى لا يتعدى الحكم ) إلى ~~صلاة الجنازة وسجدة التلاوة لأن النص ورد في صلاة مطلقة وهي ما تشتمل على ~~جميع أركان الصلاة # وكذلك بقاء الصوم مع الأكل والشرب ناسيا فإنه معدول به عن القياس بالنص ~~لأن ركن الصوم ينعدم بالأكل مع النسيان والركن هو الكف عن اقتضاء الشهوات ~~وأداء العبادة بعد فوات ركنها لا يتحقق فعرفنا أنه عن معدول به عن القياس ~~فلم يجز تعدية الحكم فيه إلى المخطىء والمكره والنائم يصب في حلقه بطريق ~~التعليل # فإن قيل قد عديتم حكم النص إلى الجماع وقد ورد في الأكل والشرب وكان ذلك ~~بطريق التعليل # قلنا لا كذلك بل قد ثبت بالنص المساواة بين الأكل والشرب والجماع في حكم ~~الصوم وإن ركن الصوم هو الكف عن اقتضاء الشهوتين جميعا فيكون الحكم الثابت ~~( بالنص ) PageV02P153 في أحدهما ثابتا في الآخر بالنص أيضا لا بالمقايس ~~لأنه ليس بينهما فرق في حكم الصوم الشرعي سوى اختلاف الاسم فإن الإقدام على ~~كل واحد منهما فيه تفويت ركن الصوم لأنه جناية على محل الفعل من بضع أو ~~طعام وهو نظير جزء الرقبة مع شق البطن فإنهما فعلان مختلفان في الاسم وكل ~~واحد منهما قتل موجب للقود بالنص لا بالقياس # وكذلك من به سلس البول يتوضأ لوقت كل صلاة كالمستحاضة وكان الحكم في كل ~~واحد منهما ثابتا بالنص لا بالقياس لأن النص ورد عند استدامة ms552 العذر # وعلى هذا قلنا من سبقه الحدث في خلال الصلاة بأي وجه سبقه فإنه يتوضأ ~~ويبني على صلاته بالنص وذلك حكم معدول به عن القياس وإنما ورد النص في ~~القيء والرعاف ثم جعل ذلك ورودا في سائر الأحداث الموجبة للوضوء ولم يجعل ~~ورودا في الحدث الموجب للاغتسال لتحقق المغايرة فيما بينهما # فإن قيل فكذلك نقول في المكره والخاطىء فالمساواة بينهما وبين الناسي ~~ثابت من حيث إن كل واحد منهما غير قاصد إلى الجناية على الصوم # قلنا نعم ولكن هذا إنما يستقيم إذا ثبت أن القصد معتبر في تفويت ركن ~~الصوم وإذا كان القصد لا يعتبر في تحقق ركن الصوم حتى إن من كان مغمى عليه ~~في جميع النهار يتأدى ركن الصوم منه فكذلك ترك القصد لا يمنع تحقق فوات ركن ~~الصوم وكذلك مع عدم القصد قد يتحقق فوات ركن الصوم وانعدام الأداء به فإن ~~من أغمى قبل غروب الشمس وبقي كذلك إلى آخر الغد فإنه لا يكون صائما وإن ~~انعدم منه القصد إلى ترك الصوم ثم لا مساواة أيضا بين الخاطىء والمكره وبين ~~الناسي فيما يرجع إلى عدم القصد فإن الخاطىء إنما انعدام القصد منه باعتبار ~~قصده إلى المضمضة وإنما ابتلي بالشرب خطأ بطريق يمكن التحرز عنه # وأما الناسي فانعدم القصد منه لعدم علمه بالصوم أصلا وذلك بنسيان لا صنع ~~له فيه وإليه أشار عليه السلام في قوله إن الله أطعمك وسقاك ولما كان سبب ~~العذر ممن له الحق على وجه لا صنع للعباد فيه استقام أن يجعل الركن ~~باعتباره PageV02P154 قائما حكما فأما في المكره والنائم سبب العذر جاء من ~~جهة العباد والحق في أداء الصوم لله فلم يكن هذا في ( معنى ) سبب كان ممن ~~له الحق ألا ترى أن المريض يصلي قاعدا ثم لا تلزمه الإعادة إذا برأ والمقيد ~~يصلي قاعدا ثم تلزمه الإعادة إذا رفع القيد عنه # وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله الذي شج في صلاته لا يبني بعد ~~الوضوء والذي ابتلي بقيء أو رعاف ms553 يبني على صلاته بعد الوضوء لما أن ذلك حكم ~~معدول به عن القياس بالنص فلم يجز التعليل فيه وما يبتنى على صنع العباد ~~ليس نظير ما لا صنع للعباد من كل وجه # ومن هذه الجملة قلنا حل الذبيحة مع ترك التسمية ناسيا حكم معدول به عن ~~القياس بالنص فلم يجز تعليله لتعدية الحكم إلى العامد ولا مساواة بينهما ~~فالناسي معذور غير معرض عن ذكر اسم الله تعالى والعامد جان معرض عن ذكر اسم ~~الله تعالى على الذبيحة # ومن أصحابنا من ظن أن المستحسنات كلها بهذه الصفة وليس كما ظن فالمستحسن ~~قد يكون معدولا به عن القياس وقد يكون ثابتا بنوع من القياس إلا أنه قياس ~~خفي على ما نبينه في بابه إن شاء الله تعالى # ومن أصحابنا من ظن أن في الحكم الذي يكون ثابتا بالنص فيه معنى معقول إلا ~~أنه يعارض ذلك المعنى معان أخر تخالفه فالجواب فيه كذلك إلا أنه لا يجوز ~~التعليل فيه وليس كذلك فإن الأصل بمنزلة الراوي والوصف الذي به تعلل بمنزلة ~~الحديث وفي رواية الأخبار قد يقع الترجيح باعتبار كثرة الرواة على ما بينا ~~ولكن به لا يخرج من أن تكون رواية الواحد معتبرا فعرفنا أنه متى كان النص ~~معقول المعنى فإنه يجوز تعليله بذلك المعنى ليتعدى الحكم به إلى فرع وإن ~~عارض ذلك المعنى معان أخر في الأصل فإنه ليس من شرط التعليل للتعدية اعتبار ~~جميع معاني الأصل # وأما الفصل الثالث فهو أعظم هذه الوجوه فقها وأعمها نفعا وهو شرط واحد ~~اسما ولكن يدخل تحته أصول # PageV02P155 فمنها أن الكلام متى كان من معنى اللغة فإنه لا يجوز المصير ~~فيه إلى الإثبات بالقياس الشرعي # وبيان هذا في اليمين الغموس فإن علماءنا قالوا إنها لا تنعقد موجبة ~~للكفارة لأنها ليست بيمين معقودة ووجوب الكفارة بالنص في اليمين المعقودة ~~وكان الاشتغال في الحكم بالتعليل بقوله يمين بالله مقصودة باطلا من الكلام ~~لأن الكلام في إثبات الاسم حقيقة فعندنا هذه ليست بيمين حقيقة وإنما سميت ~~يمينا مجازا ms554 لأن ارتكاب هذه الكبيرة كان باستعمال صورة اليمين كبيع الحر ~~يسمى بيعا مجازا وإن لم يكن بيعا على الحقيقة وإذا كان الكلام في إثبات اسم ~~اليمين حقيقة وذلك لا يمكن معرفته بالقياس الشرعي كان الاشتغال به فضلا من ~~الكلام ولكن طريق معرفته التأمل في أصول أهل اللغة وهم إنما وضعوا اليمين ~~لتحقيق معنى الصدق من الخبر فعرفنا أن ما ليس فيه توهم الصدق بوجه لا يكون ~~محلا لليمين لخلوه عن فائدة وبدون المحل لا يتصور انعقاد اليمين ولذلك قال ~~أبو حنيفة في اللواطة إنها لا توجب الحد لأنها ليست بزنا واشتغال الخصوم ~~بتعليل نص الزنا لتعدية الحكم أو إثبات المساواة بينه وبين اللواطة يكون ~~فاسدا لأن طريق معرفة الاسم النظر في موضوعات أهل اللغة لا الأقيسة الشرعية # وكذلك سائر الأشربة سوى الخمر لا يجب الحد بشرب القليل ما لم يسكر ~~واشتغال الخصم بتعليل نص الخمر لتعدية الحكم أو لإثبات المساواة فاسد لأن ~~الكلام في إثبات هذا الاسم كسائر الأشربة # فإن قيل اعتبار المعنى لإثبات المساواة في الاسم لغة لا شرعا فالزنا عند ~~أهل اللغة اسم لفعل فيه اقتضاء الشهوة على قصد سفح الماء دون النسل ولهذا ~~سموه سفاحا وسموا النكاح إحصانا واللواطة مثل الزنا في هذا المعنى من كل ~~وجه # وكذلك الخمر اسم لعين تحصل مخامرة العقل PageV02P156 بشربه ولهذا لا يسمى ~~العصير به قبل التخمر ولا بعد التخلل وهذه الأشربة مساوية للخمر في هذا ~~المعنى # قلنا هذا فاسد لأن الأسماء الموضوعة للأعيان أو للأشخاص عند أهل اللغة ~~المقصود بها تعريف المسمى وإحضاره بذلك الاسم لا تحقق ذلك الوصف في المسمى ~~بمنزلة الأسماء الموضوعة للرجال والنساء كزيد وعمر وبكر وما أشبهه فكذلك ~~أسماء الأفعال كالزنا واللواطة وأسماء الأعيان كالخمر وما هذه الدعوى إلا ~~نظير ما يحكى عن بعض الموسوسين أنه كان يقول أنا أبين المعنى في كل اسم لغة ~~أنه لماذا وضع ذلك الاسم لغة لما يسمى به # فقيل له لماذا يسمى الجرجير جرجيرا فقال لأنه يتجرجر إذا ظهر على وجه ms555 ~~الأرض أي يتحرك # فقيل له فلحيتك تتحرك أيضا ولا تسمى جرجيرا فقيل له لماذا سميت القارورة ~~قارورة قال لأنه يستقر فيها المائع # فقيل له فجوفك أيضا يستقر فيه المائع ولا يسمى قارورة # ولا شك أن الاشتغال بمثل هذا في الأسماء الموضوعة يكون من نوع الجنون # فإن قيل الأحكام الشرعية إنما تبتنى على الأسامي الثابتة شرعا وذلك نوع ~~من الأسامي لا يعرفه أهل اللغة كاسم الصلاة للأركان المعلومة واسم المنافق ~~لبعض الأشخاص # وما أشبه ذلك # قلنا الأسماء الثابتة شرعا تكون ثابتة بطريق معلوم شرعا كالأسماء ~~الموضوعة لغة تكون ثابتة بطريق يعرفه أهل اللغة ثم ذلك الاسم لا يختص بعلمه ~~واحد من أهل اللغة بل يشترك فيه جميع أهل اللغة لاشتراكهم في طريق معرفته ~~فكذلك هذا الاسم يشترك في معرفته جميع من يعرف أحكام الشرع وما يكون بطريق ~~الاستنباط والرأي فإنما يعرفه القايس فبهذا يتبين أنه لا يجوز إثبات الاسم ~~بالقياس على أي وجه كان وعلى هذا لا يجوز استعمال القياس في إلحاق النباش ~~بالسارق في حكم القطع لأن القطع بالنص واجب على السارق فالكلام في إثبات ~~اسم السرقة حقيقة وقد قدمنا البيان في نفي التسوية PageV02P157 بين النباش ~~والسارق في فعل السرقة وهذا لأن الأسماء نوعان حقيقة ومجاز # فطريق معرفة الحقيقة هو السماع من أهل اللغة وطريق معرفة المجاز منه ~~الوقوف على استعارة أهل اللغة ونحن نعلم أن طريق الاستعارة فيما بين أهل ~~اللغة غير طريق التعدية في أحكام الشرع فلا يمكن معرفة هذا النوع بالتعليل ~~الذي هو لتعدية حكم الشرع # وعلى هذا قلنا الاشتغال بالقياس لتصحيح استعارة ألفاظ الطلاق للعتق يكون ~~باطلا وإنما نشتغل فيه بالتأمل فيما هو طريق الاستعارة عند أهل اللغة # وكذلك الاشتغال بالقياس لإثبات الاستعارة في ألفاظ التمليك للنكاح يكون ~~اشتغالا بما لا معنى له # وكذلك في إثبات استعارة لفظ النسب للعتق # وكذلك الاشتغال بالقياس في تصحيح إرادة العدد من لفظ الطلاق # والاشتغال بالقياس لإثبات الموافقة بين الشاهدين إذا شهد أحدهما بمائة ~~والآخر بمائتين أو شهد أحدهما بتطليقة ms556 والآخر بنصف تطليقة فإنما يكون من ~~نوع هذا ( فالحاجة فيه إلى إثبات الاسم وطريق الوقوف عليه التأمل في طريقه ~~عند أهل اللغة ) فكان الاشتغال بالقياس الشرعي فيه اشتغالا بما لا يفيد # وكذلك الإطعام في الكفارات فإن اشتراط التمليك فيه بالقياس على الكسوة ~~باطل لأن الكلام في معنى الإطعام المنصوص عليه ولا مدخل للقياس الشرعي في ~~معرفة معنى الاسم لغة وإنما الطريق فيه التأمل في معنى اللفظ لغة وهو فعل ~~متعد فلازمه طعم وحقيقته فيما يصير المسكين به طاعما وذلك بالتمكين من ~~الإطعام بمنزلة الإيكال ثم يجوز التمليك فيه بدلالة النص فأما الكسوة فهو ~~عبارة عن الملبوس دون فعل اللبس ودون منفعة الثوب وعين الملبوس لا يصير ~~كفارة إلا بالتمليك من المسكين فأما الإلباس فهو تمكين من الانتفاع ~~بالملبوس # ومن هذه الجملة الاختلاف في شرط التعدية والمذهب عندنا أن تعليل النص بما ~~لا يتعدى لا يجوز أصلا # وعند الشافعي هذا التعليل جائز ولكنه لا يكون مقايسة وعلى هذا جوز هو ~~تعليل نص الربا في الذهب والفضة PageV02P158 بالثمينة وإن كانت لا تتعدى ~~فنحن لا نجوز ذلك # والمذهب عندنا أن حكم التعليل هو تعدية حكم الأصل إلى الفروع وكل تعليل ~~لا يفيد ذلك فهو خال عن حكمه وعلى قوله حكم التعليل ثبوت الحكم في المنصوص ~~بالعلة ثم تتعدى تلك العلة إلى الفروع تارة فيثبت بها الحكم في الفروع كما ~~في الأصل وتارة لا تتعدى فيبقى الحكم في الأصل ثابتا وبه يكون ذلك تعليلا ~~مستقيما بمنزلة النص الذي هو عام مع النص الذي هو خاص # احتج وقال لأن التعليل بالرأي حجة لإثبات حكم الشرع فيكون بمنزلة سائر ~~أنواع الحجج وسائر الحجج من الكتاب والسنة أينما وجدت يثبت الحكم بها فكذلك ~~التعليل بالرأي إلا أن سائر الحجج تكون ثابت بغير صنع منا والتعليل بالرأي ~~إنما يحصل بصنعنا ومتى وجد ذلك كان ثبوت الحكم مضافا إليه سواء تعدى إلى ~~الفروع أو لم يتعد وهذا لأن الشرط في الوصف الذي يتعلل الأصل به قيام دلالة ~~التمييز بينه ms557 وبين سائر الأوصاف وهذا المعنى يتحقق في الوصف الذي يقتصر على ~~موضع النص وفي الوصف الذي يتعدى إلى محل آخر وبعد ما وجد فيه شرط صحة ~~التعليل به لا يثبت الحجر عن التعليل به إلا بمانع فكونه غير متعد لا يصلح ~~أن يكون مانعا إنما المانع ما يخرجه من أن يكون حجة وانعدام وصف التعدي فيه ~~لا يخرجه من أن يكون حجة كالنص # والجواب عن هذا الكلام بما هو الحجة لنا وهو أن الحجج الشرعية لا بد أن ~~تكون موجبة علما أو عملا والتعليل بالرأي لا يوجب العلم بالاتفاق فعرفنا ~~أنه موجب للعمل وأنه باعتباره يصير حجة والموجب للعمل ما يكون متعديا إلى ~~الفروع لأن وجوب العمل بالعلة إنما يظهر في الفرع فأما الأصل فقد كان موجبا ~~للعمل في المحل الذي تناوله قبل التعليل فإذا خلا عن التعليل لم يكن موجبا ~~شيئا فلا يكون حجة شرعا # PageV02P159 فإن قيل وجوب العمل في الأصل بعد أن التعليل يصير مضافا إلى ~~العلة كما أن في الفرع بعد التعدية يصير وجوب العمل مضافا إلى العلة # قلنا هذا فاسد لأن قبل التعليل كان وجوب العمل بالنص والتعليل لا يجوز ~~على وجه يكون مغيرا حكم الأصل فكيف يجوز على وجه يكون مبطلا حكم الأصل وهو ~~إضافة وجوب العمل إليه ألا ترى أن وجوب العمل به لما كان مضافا إلى النص ~~قبل التعليل بقي مضافا إليه بعد التعليل وبه يتبين أن النص أقوى والضعيف لا ~~يظهر في مقابلة القوي فيكون الحكم وهو وجوب العمل في الأصل مضافا إلى أقوى ~~الحجتين وهو النص بعد التعليل كما كان قبله # واعتباره الأصل بالفرع في أن الحكم فيه يكون مضافا إلى العلة في نهاية ~~الفساد لأن الفرع يعتبر الأصل فأما الأصل لا يعتبر بالفرع في معرفة حكمه ~~بحال # فإن قيل مع هذا التعليل صحيح ليثبت به تخصيص الأصل بذلك الحكم # قلنا وهذا ثابت قبل التعليل بالنص ثم تعليل الأصل بوصف لا يتعدى لا يمنع ~~تعليله بوصف آخر يتعدى إذا وجد فيه ms558 ما هو شرط العلة لأنه كما يجوز أن يجتمع ~~في الأصل وصفان كل واحد منهما يتعدى إلى فروع وأحدهما أكثر تعدية من الآخر ~~يجوز أن يجتمع وصفان يتعدى أحدهما ولا يتعدى الآخر فبهذا تبين أن هذا ~~التعليل لا يوجب تخصيص الأصل أيضا # وكيف يقال هذا وبالإجماع بيننا وبينه انعدام العلة لا يوجب انعدام الحكم ~~على ما نبينه في بابه إن شاء الله تعالى وإنما يكون التعليل بما لا يتعدى ~~موجبا تخصيص الأصل إذا كان الحكم ينعدم بانعدام العلة كما يوجد بوجودها # ومن هذه الجملة تعليل الأصل لتعدية الحكم إلى موضع منصوص فإن ذلك لا يجوز ~~عندنا نص عليه محمد السير الكبير وقال النص الوارد في هدي المتعة لا يجوز ~~تعليله لتعدية حكم الصوم فيه إلى هدي الإحصار لأن ذلك منصوص عليه وإنما ~~يقاس بالرأي على المنصوص ولا يقاس المنصوص PageV02P160 على المنصوص # و الشافعي يجوز هذا التعليل لإثبات زيادة في حكم النص الآخر بالتعليل ~~ولهذا قال يجوز تعليله على وجه يوجب زيادة في حكم النص الآخر لا على وجه ~~يوجب ما هو خلاف حكم النص الآخر لأن وجوب الزيادة به إذا كان النص الآخر ~~ساكتا عنه يكون بيانا والكلام وإن كان ظاهرا فهو يحتمل زيادة البيان ولكنه ~~لا يحتمل من الحكم ما هو خلاف موجبه والتعليل ليحصل به زيادة البيان فلهذا ~~جوزنا تعليل النص بوصف يتعدى إلى ما فيه نص آخر لإثبات الزيادة فيه ولكنا ~~نقول الحكم الثابت بالتعليل في المحل الذي فيه نص إما أن يكون موافقا للحكم ~~الثابت فيه بذلك النص أو مخالفا له وعند الموافقة لا يفيد هذا التعليل شيئا ~~لأن الحكم في ذلك الموضع مضاف إلى النص الوارد فيه فلا يصير بتعليل نص آخر ~~مضافا إلى العلة كما لا يصير الحكم في النص المعلول مضافا إلى العلة بعد ~~التعليل كما قررنا وإن كان مخالفا له فهو باطل لأن التعليل في معارضة النص ~~أو فيما يبطل حكم النص باطل بالاتفاق وإن كان زائدا فيه فهو مغير أيضا بحكم ms559 ~~ذلك النص لأن جميع الحكم قبل التعليل في ذلك الموضع ما أوجبه النص الوارد ~~فيه وبعد التعليل يصير بعضه والبعض غير الكل فعرفنا أنه لا يخلو هذا ~~التعليل من أن يكون مغيرا حكم النص وتبين بهذا أن الكلام في هذا الفصل بناء ~~على ما قدمنا أن الزيادة على النص عندنا بمنزلة النسخ فكما لا يجوز إثبات ~~نسخ المنصوص بالتعليل بالرأي فكذلك لا يجوز إثبات الزيادة فيه # ثم بيان قولنا إن شرط التعليل تعدية حكم النص بعينه في مواضيع منها أنا ~~لا نجوز تعليل نص الربا في الأشياء الأربعة بالطعم لأن الحكم في النصوص ~~كلها إثبات حرمة متناهية بالتساوي وصفة الطعم توجب تعدية الحكم إلى محال ~~تكون الحرمة فيها مطلقة غير متناهية وهي المطعومات التي لا تدخل تحت ~~المعيار فعرفنا أن هذا الوصف لا يوجب تعدية حكم النص بعينه إذ الحرمة ~~المتناهية غير الحرمة المؤبدة ألا ترى أن الحرمة الثابتة بالرضاع والمصاهرة ~~غير الحرمة الثابتة بالتطليقات الثلاث ولهذا قلنا PageV02P161 إن النقود لا ~~تتعين في العقود بالتعيين بخلاف ما يقوله الشافعي إنها متعينة في الملك ~~وتعيينها في العقد مفيد فتتعين بالتعيين كالسلع # وهذا لأن هذا التعليل لا يوجب تعدية حكم الأصل بعينه فحكم البيع في السلع ~~وجوب الملك به فيها لا وجودها في نفسها ولهذا لا بد من قيامها في ملك ~~البائع عند العقد ليصح العقد وحكم العقد في الثمن وجوبها ووجودها بالعقد ~~ولهذا لا يشترط قيام الثمن في ملك المشتري عند العقد لصحة العقد ويجوز ~~العقد بدون تعيينه لا على اعتبار أنه بمنزلة السلع ولكن يسقط اعتبار وجوده ~~بطريق الرخصة فإن هذا الحكم فيما وراء موضع الرخصة ثابت حتى يجوز الاستبدال ~~به قبل القبض ولا يجب جبر النقص المتمكن فيه عند عدم التعيين بذكر الأجل ~~ولا بقبض ما يقابله في المجلس بخلاف السلم فعرفنا أن الحكم الأصلي في الثمن ~~ما بينا وفي التعيين تغيير لذلك الحكم وجعل ما هو الركن شرطا وأي التغيير ~~أبلغ من هذا # فتبين بهذا أنه ليس في ms560 هذا التعليل تعدية حكم النص بعينه بل إثبات حكم ~~آخر في الفرع ولهذا قلنا إن إظهار الذمي باطل لأن حكم الظهار في حق المسلم ~~أنه يثبت به حرمة متناهية بالكفارة فتعليل هذا الأصل بما يوجب تعدية الحكم ~~إلى الذمي يكون باطلا لأنه لا يثبت به حكم الأصل بعينه وهو الحرمة ~~المتناهية فإن الذمي ليس من أهل الكفارة مطلقا # وبيان قولنا إلى فرع هو نظيره في فصول منها ما بينا أنه لا يجوز تعليل ~~النص الوارد في الناسي بالعذر ليتعدى الحكم به إلى الخاطىء والمكره لأن ~~الفرع ليس بنظير للأصل فعذرهما دون عذر الناسي فيما هو المقصود بالحكم لأن ~~عذر الخاطىء لا ينفك عن تقصير من جهته بترك المبالغة في التحرز وعذر المكره ~~باعتبار صنع هو مضاف إلى العباد فلا تجوز تعدية الحكم للتعليل إلى ما ليس ~~بنظير به # وكذلك قلنا شرط النية في التيمم لا يجوز تعليله بأنه طهارة حكمية ليتعدى ~~الحكم به إلى الوضوء فإن الفرع ليس بنظير الأصل في كونه طهارة لأن التيمم ~~باعتبار الأصل تلويث وهو لا يكون رافعا للحدث بيقين بخلاف الطهارة بالماء ~~ولهذا أمثلة كثيرة PageV02P162 # فإن قيل فقد أوجبتم الكفارة بالأكل والشرب في رمضان على طريق تعدية حكم ~~النص الوارد في الجماع إليه مع أن الأكل والشرب ليس بنظير للجماع لما في ~~الجماع من الجناية على محل الفعل ولهذا يتعلق به الحد رجما في غير الملك ~~وذلك لا يوجد في الأكل والشرب وأثبتم حرمة المصاهرة بالزنا بطريق تعدية ~~الحكم من الوطء الحلال إليه وهو ليس بنظير له فلأن الأصل حلال يثبت به ~~النسب والزنا حرام لا يثبت به النسب وكذلك أثبتم الملك الذي هو حكم البيع ~~بالغصب وهو ليس بنظير له فالبيع مشروع والغصب عدوان محض وهو ضد المشروع # قلنا أما في مسألة الكفارة فنحن ما أوجبنا الكفارة بطريق التعليل بالرأي ~~فكيف يقال هذا ومن أصلنا أن إثبات الكفارات بالقياس لا يجوز خصوصا في كفارة ~~الفطر فإنها تنزع إلى العقوبات كالحد ولكن إنما أوجبنا الكفارة ms561 بالنص ~~الوارد بلفظ الفطر وهو قوله عليه السلام من أفطر في رمضان فعليه ما على ~~المظاهر ثم قد بينا أنهما نظيران في حكم الصوم فإن ركن الصوم هو الكف عن ~~اقتضاء الشهوتين ووجوب الكفارة باعتبار الجناية على الصوم بتفويت ركنه على ~~أبلغ الوجوه لا باعتبار الجناية على المحل وفي الجناية على الصوم هما سواء ~~ووجوب الكفارة باعتبار الفطر ( المفوت ) لركن الصوم صورة ومعنى والجماع آلة ~~لذلك كالأكل والشرب # وما هذا إلا نظير إيجاب القصاص في القتل بالسهم والسيف فإن القصاص يجب ~~بالقتل العمد والسيف آلة لذلك الفعل كالسهم فلا يكون ذلك بطريق تعدية الحكم ~~من محل إلى محل إنما التعدية فيما قاله الخصم إن الكفارة تجب بجماع الميتة ~~والبهيمة # وعندنا هذا التعليل باطل لأن جماع الميتة والبهيمة ليس نظير جماع الأهل ~~في تفويت ركن الصوم فإن فوات الركن معنى بما تميل إليه الطباع السليمة لقصد ~~قضاء الشهوة وذلك يختص بمحل مشتهى وفرج الميتة والبهيمة ليس بهذه الصفة ~~فكان هذا تعليلا لتعدية الحكم إلى ما ليس PageV02P163 بنظير للأصل فكان ~~باطلا # فأما مسألة الزنا فالأصل في ثبوت الحرمة ليس هو الوطء بالولد الذي يتخلق ~~من الماءين إذا اجتمعا في الرحم لأنه من جملة البشر له من الحرمات ما لغيره ~~من بني آدم ثم تتعدى تلك الحرمة إلى الزوجين باعتبار أن انخلاق الولد كان ~~من مائهما فيثبت معنى الاتحاد بينهما بواسطة الولد فيصير أمهاتها وبناتها ~~في الحرمة عليه كأمهاته وبناته ويصير آباؤه وأبناؤه في كونها محرمة عليهم ~~كآبائها وأبنائها ثم يقام ما هو السبب لاجتماع الماءين في الرحم وهو الوطء ~~مقام حقيقة الاجتماع لإثبات هذه الحرمة وذلك بوطء يختص بمحل الحرث ولا ~~معتبر بصفة الحل في هذا المعنى ولا أثر لحرمة الوطء في منع هذا المعنى الذي ~~لأجله أقيم هذا السبب مقام ما هو الأصل في إثبات الحرمة إلا أن إقامة السبب ~~مقام ما هو الأصل فيما يكون مبنيا على الاحتياط وهو الحرمة والنسب ليس ~~بنظيره في معنى الاحتياط فلهذا لا يقام الوطء ms562 مطلقا مقام ما هو الأصل حقيقة ~~في إثبات النسب ولا يدخل على هذا أن هذه الحرمة لا تتعدى إلى الأخوات ~~والعمات على أن يجعل أخواتها كأخواته في حقه لأن أصل الحرمة لا يمكن إثباته ~~بالتعليل بالرأي وإنما يثبت بالنص والنص ما ورد بامتداد هذه الحرمة إلى ~~الأخوات والعمات فتعدية الحرمة إليهما تكون تغييرا لحكم النص وقد بينا أن ~~ذلك لا يجوز بالتعليل # وعلى هذا فصل الغصب فإنا لا نوجب الملك به حكما للغصب كما نوجبه بالبيع ~~وإنما نثبت الملك به شرطا للضمان الذي هو حكم الغصب وذلك الضمان حكم مشروع ~~كالبيع وكون الأصل مشروعا يقتضي أن يكون شرطه مشروعا # وبيان قولنا ولا نص فيه في فصول منها أنا لا نجوز القول بوجوب الكفارة في ~~القتل العمد بالقياس على القتل الخطأ لأنه تعليل الأصل لتعدية الحكم إلى ~~فرع فيه نص على حدة # ولا نجوز القول بوجوب الدية في العمد المحض بالقياس على الخطأ لهذا ~~المعنى # ولا نوجب الكفارة في اليمين الغموس بالقياس على اليمين المعقودة على أمر ~~في المستقبل لهذا المعنى أيضا # ولا نشترط صفة الإيمان فيمن تصرف إليه الصدقات سوى الزكاة بالقياس على ~~الزكاة PageV02P164 لما فيه من تعليل الأصل لتعدية الحكم إلى ما فيه نص آخر # ولا نشترط الإيمان في الرقبة في كفارة الظهار واليمين بالقياس على كفارة ~~القتل لأن فيه تعليل الأصل لتعدية الحكم به إلى محل فيه نص آخر وفيه تعرض ~~لحكم النص الآخر بالتغيير فإن الإطلاق غير التقييد وبعد ما ثبتت الرقبة ~~مطلقا في كفارة اليمين والظهار فإثبات التقييد فيه بالإيمان يكون تغييرا ~~كما أن إثبات صفة الإطلاق في المقيد يكون تغييرا فإن الحرمة في الربائب لما ~~تقيدت بالدخول كان تعليل أمهات النساء لإثبات صفة الإطلاق في حرمة الربائب ~~يكون تغييرا لا يجوز المصير إليه بالرأي فكذلك إثبات التقييد فيما كان ~~مطلقا بالنص # وبيان الفصل الرابع وهو ما قلنا إن الشرط أن يبقى حكم النص بعد التعليل ~~في الأصل على ما كان قبله فلأنه لما ثبت أن ms563 التعليل لا يجوز أن يكون مغيرا ~~حكم النص في الفروع ثبت بالطريق الأولى أنه لا يجوز أن يكون مغيرا حكم ~~الأصل في نفسه ففي كل موضع لا يبقى الحكم في المنصوص بعد التعليل على ما ~~كان قبله فذلك التعليل يكون باطلا لكونه مغيرا لحكم الأصل ولهذا لم نجوز ~~التعليل في قبول شهادة المحدود في القذف بعد التوبة بالقياس على المحدود في ~~سائر الجرائم بعلة أنه محدود في كبيرة لأن بعد هذا التعليل لا يبقى حكم ~~النص الوارد فيه على ما كان قبله # فإن قيل هذا التعليل يكون هو ساقط الشهادة بالنص أبدا ويكون ذلك متمما ~~لحده وبعد التعليل يتغير هذا الحكم فإن الجلد قبل هذا التعليل يكون بعض ~~الحد في حقه وبعده يكون تمام الحد فيكون تغييرا على نحو ما قلنا في التغريب ~~إن الجلد إذا لم يضم إليه التغريب في زنا البكر يكون حدا كاملا وإذا ضم ~~إليه التغريب يكون بعض الحد # وكذلك تعليل الشافعي في إبطال شهادته بنفس القذف بالقياس على سائر ~~الجرائم باطل لأنه تغيير للحكم بالنص فإن مدة العجز عن إقامة أربعة من ~~الشهداء بعد القذف ثابت بالنص لإقامة PageV02P165 الجلد وإسقاط الشهادة ~~فكان إثباته بنفس القذف بدون اعتبار تلك المدة بطريق التعليل باطلا لأن حكم ~~النص لا يبقى بعد التعليل على ما كان قبله # وكذلك القول بسقوط شهادة الفاسق أصلا بالقياس على المحدود في القذف أو ~~على العبد والصبي باطل لأن الحكم الثابت بالنص في حق الفاسق التوقف في ~~شهادته وبعد تعيين جهة البطلان فيه لا يبقى التوقف فحكم النص بعد هذا ~~التعليل لا يبقى على ما كان قبله # وكذلك قلنا الفرقة بين الزوجين لا تقع بلعان الزوج لأن الحكم الثابت ~~بالنص اللعان من الجانبين وهي شهادات مؤكدة بالأيمان وليس فيه ما يوجب ~~الفرقة بينهما وقد ثبت بالنص أنهما لا يجتمعان أبدا وذلك أيضا لا يقتضي ~~زوال الملك به كما بعد إسلام المرأة قبل إسلام الزوج فإثبات حكم الفرقة ~~بقذف الزوج عند لعانه لا يجوز بطريق ms564 التعليل لأنه لا يبقى حكم النص بعد هذا ~~التعليل على ما كان قبله فقبله المذكور جميع الحكم وبعده يكون بعض الحكم ~~إلا أن بعد ما فرغا من اللعان يتحقق فوات الإمساك بالمعروف ما داما مصرين ~~على ذلك واستحقاق الفرقة عند فوات الإمساك بالمعروف يثبت موقوفا على قضاء ~~القاضي به كما بعد إسلام أحد الزوجين إذا أبى الآخر الإسلام # وكذلك قلنا إذا كذب الملاعن نفسه وضرب الحد جاز له أن يتزوجها لأن الثابت ~~بالنص أن المتلاعنين لا يجتمعان أبدا وبعد الإكذاب لا يكون متلاعنا بدليل ~~أنه يقام عليه حد القذف فلا يجتمع اللعان والحد بقذف واحد فمن ضرورة القول ~~بإقامة الحد عليه أن لا يبقى ملاعنا ولهذا لو أكذب نفسه قبل اللعان فإنه ~~يقام الحد عليه ولا يلاعنها فإذا خرج من أن يكون ملاعنا بإكذابه نفسه قلنا ~~إن كان قبل قضاء قاضي بالفرقة لم يفرق بينهما وإن كان بعد القضاء جاز له أن ~~يتزوجها لأنا لو بقينا الحرمة بالقياس على الحرمة الثابتة بالرضاع ~~والمصاهرة لم يبق حكم النص بعد التعليل على ما كان قبله فإن قبل التعليل ~~كان الثابت بالنص PageV02P166 حرمة الاجتماع بين المتلاعنين وبعد التعليل ~~تكون حرمة الاجتماع بين غير المتلاعنين # فإن قيل فقد فعلتم ما أنكرتموه في فصول منها أن حكم نص الربا المساواة ~~بين القليل والكثير قبل التعليل ثم بعد التعليل خصصتم القليل من الحنطة فلم ~~يبق حكم النص بعد التعليل بالكيل في المنصوص على ما كان قبله # وكذلك الشاة بصورتها ومعناها صار مستحقا للفقير بالنص ثم بالتعليل ~~بالمالية أبطلتم حقه عن الصورة فلم يبق حكم النص بعد التعليل في المنصوص ~~على ما كان قبله وجوزتم هذا التعليل لإبطال حق المستحق مع أنه لا يجوز ~~استعمال القياس في إبطال حق المستحق عن الصورة أو المعنى كما في سائر حقوق ~~العباد # وقد ثبت بالنص حق الأصناف في الصدقات لوجود الإضافة إليهم بلام التمليك ~~ثم بالتعليل بالحاجة غيرتم هذا الحكم في المنصوص وجوزتم الصرف إلى صنف واحد # وثبت بالنص وجوب ms565 التكفير بإطعام عشرة مساكين ثم بالتعليل غيرتم هذا الحكم ~~في المنصوص فجوزتم الصرف إلى مسكين واحد في عشرة أيام # وبالنص ثبت لزوم التكبير عند الشروع في الصلاة ثم بالتعليل بالثناء وذكر ~~الله على سبيل التعظيم غيرتم هذا الحكم في المنصوص حتى جوزتم افتتاح الصلاة ~~بغير لفظ التكبير # وبالنص ثبت وجوب استعمال الماء لتطهير الثوب عن النجاسة ثم غيرتم ~~بالتعليل بكونه مزيلا للعين والأثر هذا الحكم في المنصوص حتى جوزتم تطهير ~~الثوب النجس باستعمال سائر المائعات سوى الماء # قلنا أما الأول فهو دعوى من غير تأمل وإنا ما خصصنا القليل من البر إلا ~~بالنص فإن النص قوله عليه السلام لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء ~~والأصل في الاستثناء من النفي أن المستثنى منه في معنى المستثني وعلى هذا ~~بنى علماؤنا مسائل في الجامع إذا قال إن كان في هذه الدار إلا رجل فعبده حر ~~فإذا في الدار سوى الرجل دابة أو ثوب لم يحنث وإن كان فيها سوى الرجل امرأة ~~أو صبي حنث # ولو كان قال إلا حمارا فإذا فيها حيوان آخر سوى الحمار يحنث وإن كان فيها ~~ثوب سوى الحمار لم PageV02P167 يحنث وإن كان قال إلا ثوب فأي شيء يكون في ~~الدار سوى الثوب مما هو مقصود بالإمساك في الدور يحنث فعرفنا أن المستثنى ~~منه في معنى المستثنى والمستثنى هنا حال التساوي في الكيل واستثناء الحال ~~من العين لا يكون فعرفنا بدلالة النص أن المستثنى من عموم الأحوال حال ~~التساوي وحال المجازفة وحالة التفاضل وهذا لا يتحقق إلا في الكثير وإلا ~~فيما يكون مقدرا شرعا فعرفنا أن اختصاص القليل كان بدلالة النص وأنه كان ~~مصاحبا للتعليل لا أن يكون ثابتا بالتعليل # وأما الزكاة فنحن لا نبطل بالتعليل شيئا من الحق المستحق لأنه تبين خطأ ~~من يقول بأن الزكاة حق الفقراء مستحقة لهم شرعا بل الزكاة محض حق الله ~~تعالى فإنها عبادة محضة وهي من أركان الدين وهذا الوصف لا يليق بما هو حق ~~العبد ومعنى العبادة فيها أن المؤدي ms566 يجعل ذلك القدر من ماله خالصا لله ~~تعالى حتى يكون مطهرا لنفسه وماله ثم يصرفه إلى الفقير ليكون كفاية له من ~~الله تعالى فإنه وعد الرزق لعباده وهو لا يخلف الميعاد ومعلوم أن حاجات ~~العباد تختلف فالأمر بإنجاز المواعيد لهم من مال مسمى يتضمن الإذن في ~~الاستبدال ضرورة ليكون المصروف إلى كل واحد منهم عين الموعود له بمنزلة ~~السلطان يجيز أولياءه بجوائز مختلفة يكتبها لهم ثم يأمر واحدا بإيفاء ذلك ~~كله من مال يسميه بعينه فإنه يكون ذلك إذنا له في الاستبدال ضرورة والثابت ~~بضرورة النص كالثابت بالنص فعرفنا أن ذلك كان ثابتا بالنص ولكنه كان مجامعا ~~للتعليل ثم التعليل بحكم شرعي لا بحق مستحق لأحد فإن المؤدى بعد ما صار لله ~~تعالى بابتداء يد الفقير يكون كفاية له من الله باستدامة اليد فيه وثبت ~~بهذا النص كونه محلا صالحا لكفاية الفقير وصلاحية المحل وعدم صلاحيته حكم ~~شرعي كالخمر لا يكون محلا صالحا للبيع والخل يكون محلا صالحا له وهذه ~~الصلاحية تثبت بالأمر بالصرف إلى الفقير لأن باعتبار كونه مطهرا يصير من ~~جملة الأوساخ وإليه أشار عليه السلام في قوله يا معشر PageV02P168 بني هاشم ~~إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس وعوضكم منها خمس الخمس فتبين أنه بمنزلة ~~الماء المستعمل ولهذا كان الحكم في شريعة من قبلنا أن الصدقات المقبولة ~~والقرابين كانت تأكلها النار ولا يجوز الانتفاع بها وفي شريعتنا لا يحل شيء ~~منها للغني ويحل للفقير لحاجته بمنزلة حل الميتة عند الضرورة فعرفنا أن حكم ~~النص صلاحية المحل للصرف إلى كفاية الفقير وبعد التعليل تبقى هذه الصلاحية ~~كما كانت قبلها ويتعدى حكم الصلاحية إلى سائر المحال كما هو حكم التعليل في ~~القياس الشرعي وبهذا يتبين أن اللام في قوله للفقراء لام العاقبة أي تصير ~~لهم باعتبار العاقبة ولكن بعد تمام أداء الصدقات يجعل المال لله بابتداء ~~التسليم إلى الفقراء أو يكون المراد بيان المصرف الذي يكون المال بقبضهم ~~لله تعالى خالصا هو لا بمنزلة الكعبة فإن الأركان باعتبار التوجه ms567 إليها ~~تصير صلاة لا أن تكون الصلاة حقا للكعبة ثم كل صنف من هذه الأصناف جزء من ~~المصارف بمنزلة جزء من الكعبة واستقبال جزء منها كاستقبال جميعها في حكم ~~الصلاة وهو ثابت بالنص لا بالتعليل فكذلك الصرف إلى صنف لما فيه من سد خلة ~~المحتاج بمنزلة الصرف إلى الأصناف لا بطريق التعليل # وحكم الإطعام كذلك فإن حكم النص أن المساكين العشرة محل لصرف طعام ~~الكفارة إليهم وهذا الحكم باق في المنصوص بعد التعليل كما قبله ولكن ثبت ~~بدلالة النص للتنصيص على صفة المسكنة في المصروف إليه أن المطلوب سد الخلة ~~وعلم يقينا تجدد الحاجة للمسكين بتجدد الأيام فصار بدلالة النص ما يقع به ~~التكفير سد عشر خلات وهو ثابت بالصرف إلى مسكين واحد في عشرة أيام كما يثبت ~~بالصرف إلى عشرة مساكين # وأما التكبير فلا نقول حكم النص وجوب التكبير بعينه عند الشروع في الصلاة ~~ولكن الواجب التعظيم باللسان لأن اللسان من الأعضاء الظاهرة من وجه والصلاة ~~تعظيم الله تعالى بجميع الأعضاء فتعلق بكل عضو ما يليق به من التعظيم ثم ~~التعظيم PageV02P169 باللسان يكون بالثناء والذكر فكان ذكر الله على سبيل ~~التعظيم لتحقيق أداء الفعل المتعلق باللسان ولا عمل لذلك الفعل في تعيين ~~التكبير بل التكبير آلة صالحة لذلك وقد بقيت بعد هذا التعليل آلة صالحة ~~لإقامة هذا الفعل بها كما قبل التعليل # وكذلك غسل النجاسة بالمائعات فالمستحق ليس هو الغسل بعينه بل إزالة ~~النجاسة عن الثوب حتى لا يكون مستعملا لها عند لبسه ألا ترى أنه لو قطع ~~موضع النجاسة بالمقراض أو ألقى ذلك الثوب أصلا لم يلزمه الغسل ثم الماء آلة ~~صالحة لإزالة النجاسة باستعماله وبعد التعليل يبقى كذلك آلة صالحة لإزالة ~~النجاسة لاستعماله وحكم الغسل طهارة المحل باعتبار أنه لم يبق فيه عين ~~النجاسة ولا أثرها فكل مائع ينعصر بالعصر فهو يعمل عمل الماء في المحل ثم ~~طهارة المحل في الأصل وانعدام ثبوت صفة النجاسة في المزيل بابتداء ملاقاة ~~النجاسة إلى أن يزايل الثوب بالعصر حكم شرعي ms568 ثبت بالنص وبالتعليل تعدى هذا ~~الحكم إلى الفروع وبقي في الأصل على ما كان قبل التعليل # ولا يدخل على هذا التطهير من الحدث بسائر المائعات سوى الماء لأن عمل ~~الماء في إزالة عين عن المحل الذي يلاقيه أو في إثبات صفة الطهارة للمحل ~~بواسطة الإزالة وليس في أعضاء المحدث عين تزول باستعمال الماء فإن أعضاءه ~~طاهرة وإنما فيها مانع حكمي من أداء الصلاة غير معقول المعنى وقد ثبت بالنص ~~رفع ذلك المانع بالماء وهو غير معقول المعنى وقد بينا أن مثل هذا الحكم لا ~~يمكن تعليله للتعدية إلى محل آخر # ولا يدخل على هذا الجواب تصحيح الوضوء بغير النية كغسل النجاسة لأن الذي ~~لا يعقل المعنى فيه ما هو مزال عن المحل عند استعمال الماء فأما الماء في ~~كونه مزيلا إذا استعمل في المحل معقول المعنى فلا حاجة إلى اشتراط النية ~~لحصول الإزالة به كما في غسل النجاسات فعلم أن هذه الحدود إنما يقف المرء ~~عليها عند التأمل عن إنصاف # وأما بيان القسم الخامس ففيما قاله علماؤنا إنه لا يجوز قياس السباع سوى ~~PageV02P170 الخمس المؤذيات على الخمس بطريق التعليل في إباحة قتلها للمحرم ~~وفي الحرم لأن في النص قال عليه الصلاة والسلام خمس يقتلن في الحل والحرم ~~وإذا تعدى الحكم إلى محل آخر يكون أكثر من خمس فكان في هذا التعليل إبطال ~~لفظ من ألفاظ النص بخلاف حكم الربا فإن النبي عليه السلام لم يقل الربا في ~~ستة أشياء ولكن ذكر حكم الربا في أشياء فلا يكون في تعليل ذلك النص إبطال ~~شيء من ألفاظ النص # ومن هذا النوع تعليل الشافعي حكم الربا في الأشياء الأربعة بالطعم فإن في ~~النص قال عليه الصلاة والسلام والفضل ربا أي الفضل حرام يفسد به العقد لأنه ~~ربا والتعليل بالطعم يبطل كون الفضل ربا لأنه يقول بعلة الطعم فساد البيع ~~في هذه الأموال أصل إلى أن يوجد المخلص وهو المساواة في المعيار الشرعي ~~فيكون هذا إبطالا لبعض ألفاظ النص # ومن ذلك تعليله لرد شهادة ms569 القاذف للفسق الثابت بالقذف فإنه إبطال لبعض ~~ألفاظ النص وهو قوله تعالى @QB@ أبدا @QE@ فإن رد الشهادة باعتبار الفسق لا ~~يتأبد فكيف يتأبد وسببه وهو الفسق بعرض أن ينعدم بالتوبة فكان هذا تعليلا ~~باطلا لتضمنه إبطال لفظ من ألفاظ النص # ومن جملة ما لا يكون استعمال القياس فيه طريقا لمعرفة الحكم النذر بصوم ~~يوم النحر وأداء الظهر يوم الجمعة في المصر بغير عذر قبل أداء الناس الجمعة ~~وفساد العقد لسبب الربا فإن الكلام في هذه الفصول في موجب النهي وأن عمله ~~بأي قدر يكون والنهي أحد أقسام الكلام كالأمر فيكون طريق معرفته موجبة عند ~~الإطلاق التأمل في معاني كلام أهل اللسان دون القياس الشرعي # ومن ذلك الكلام في الملك الثابت للزوج على المرأة بالنكاح أنه في حكم ملك ~~العين أو في حكم ملك المنفعة فإنه لا مدخل للقياس الشرعي فيه لأن بعد ~~النكاح نفسها وأعضاؤها ومنافعها مملوكة لها فيما سوى المستوفى منها بالوطء ~~على ما كان قبل النكاح فإثبات ملك عليها بدون تمكن الإشارة PageV02P171 إلى ~~شيء من عينها أنه مملوك عليها يكون حكما ثابتا بخلاف القياس وقد بينا أن ~~مثل هذا لا يقبل التعليل وأنه ملك ضروري ظهر شرعا لتحقق الحاجة إلى تحصيل ~~السكن والنسل بمنزلة حل الميتة عند الضرورة فلا يقبل التعليل ولأن التعليل ~~إنما يجوز بشرط أن يكون الفرع نظير الأصل في الحكم الذي يقع التعليل له ولا ~~نظير لملك النكاح من سائر أنواع الملك لأن سائر أنواع الملك يثبت في محل ~~مخلوق ليكون مملوكا للآدمي وهذا الملك في الأصل يثبت على حرة هي مخلوقة ~~لتكون مالكة وأي مباينة فوق المالكية والمملوكية فإذا ثبت أنه لا نظير لهذا ~~الملك من سائر الأملاك ثبت أنه لا يمكن المصير إلى التعليل فيه لمعرفة صفته # ومن ذلك الكلام في موجب الألفاظ حتى يصير في الرهن أنه يد الاستيفاء حقا ~~للمرتهن بمنزلة اليد التي تثبت في المحل بحقيقة الاستيفاء أم حق البيع في ~~الدين ثم اليد شرط لتتميم السبب كما في الهبة اليد ms570 شرط لتتميم السبب والحكم ~~ثبوت الملك في المحل بطريق العلة فهذا مما لا يمكن إثباته ( في القياس ) ~~بالقياس الشرعي لأن أحكام العقود مختلفة شرعا ووضعا وباعتبار الاختلاف يعلم ~~أنه ليس بعضها نظيرا للبعض ومن شرط صحة التعليل أن يكون الفرع نظيرا للأصل ~~بل طريق معرفة حكم الرهن التأمل فيما لأجله وضع هذا العقد وشرع فنقول إنه ~~مشروع ليكون وثيقة لجانب الاستيفاء لا مؤكدا للوجوب ألا ترى أنه يختص ~~بالمال الذي هو محل للاستيفاء فأما محل الوجوب فالذمة وإذا كان وثيقة لجانب ~~الاستيفاء علم أن موجبه من جنس ما يثبت بحقيقة الاستيفاء والثابت بحقيقة ~~الاستيفاء ملك العين وملك اليد ثم بالرهن لا يثبت ملك العين # فعرفنا أن موجبه ملك يد الاستيفاء بمنزلة الكفالة فإنها وثيقة لجانب ~~الوجوب ولهذا اختصت بالذمة ثم كان موجبها من جنس ما يثبت بحقيقة الوجوب وهو ~~ملك المطالبة لأن الثابت بالحقيقة ملك أصل الدين في ذمة من يجب عليه وثبوت ~~حق المطالبة بالأداء فالثابت بالوثيقة التي هي لجانب الوجوب من جنسه وهو حق ~~المطالبة PageV02P172 حتى يملك مطالبة الكفيل بالدين مع بقاء أصله في ذمة ~~المديون # ومن ذلك الكلام في المعتدة بعد البينونة أنه هل يقع عليها الطلاق فإن ~~تعليل الخصم بأنه ليس له عليها ملك متعة ولا رجعة لا يلحقها طلاقه كمنقضية ~~العدة تعليل باطل لأن الخلاف في أن العدة التي هي حق من حقوق النكاح هل ~~تكون بمنزلة أصل النكاح في بقائها محلا لوقوع الطلاق عليها باعتباره أم لا ~~وفي منقضية ( العدة ) لا عدة ففي أي وجه يستقيم هذا التعليل ليثبت به هذا ~~الحكم للخصم وكذلك هذا التعليل في نكاح الأخت في عدة الأخت بعد البينونة من ~~الخصم باطل لأن الكلام في أن العدة التي هي حق النكاح هل تقوم مقام النكاح ~~في بقاء المنع الثابت بسبب النكاح أم لا وفي منقضية العدة لا عدة وهذا لأن ~~النافي ينكر أن يكون الحكم مشروعا وما ليس بمشروع كيف يمكن إثباته بالقياس ~~الشرعي # ومن هذا النوع تعليله في ms571 إسلام المروي في المروي لأن العقد جمع بدلين لا ~~يجري فيهما ربا الفضل فكان بمنزلة الهروي مع المروي لأن الكلام في أن الجنس ~~هل هو علة لتحريم النساء وفي الهروي مع المروي لا جنس وبهذا تبين أن حجة ~~المدعي المثبت غير حجة المنكر النافي # ومن هذا النوع الكلام فيما إذا قال لامرأته أنت طالق تطليقة بائنة أن ~~الرجعة تنقطع بهذا اللفظ أم لا فإن تعليل الخصم بأنه ما اعتاض عن طلاقها ~~يكون تعليلا باطلا لأن الكلام في أن صفة البينونة هل هي مملوكة للزوج ~~بالنكاح كأصل الطلاق أم لا فالخصم ينكر كون ذلك مملوكا له ونحن نقول إن ذلك ~~مملوك له وإنما لم يثبت بصريح لفظ الطلاق لا لأنه غير مملوك له بل لأنه ~~ساكت عن هذه الصفة فإن وصفها بالطلاق يجامع النكاح ابتداء وبقاء فإنما طريق ~~معرفة هذا الحكم التأمل في موضوع هذا الملك وفيما صار له أصل الطلاق مملوكا ~~له فإذا ثبت باعتباره أن الوصف مملوك له كان التصريح به بذلك الوصف عملا ~~وعند عدم التصريح به لا يثبت لأن سببه لم يوجد كما لا يثبت أصل الطلاق إذا ~~لم يوجد منه التكلم بلفظ الطلاق أو بلفظ آخر قائما مقامه # PageV02P173 ومن هذا النوع تعليل الخصم في عقد الإجارة أنها توجب ملك ~~البدل في الحال بالقياس على عقد البيع فإن شرط صحة القياس أن يكون الأصل ~~والفرع نظيرين وفي باب البيع ما هو المعقود عليه قائم مملوك في الحال وفي ~~الإجارة ما هو المعقود عليه معدوم غير مملوك عند العقد فعلم أنهما متغايران ~~وإذا لم يكن أحدهما نظيرا للآخر في الحكم الذي وقع التعليل لأجله لا يستقيم ~~تعدية الحكم من أحدهما إلى الآخر بالقياس الشرعي # ومن نوع ما بدأنا به هذا الفصل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للأعرابي في حديث كفارة الفطر كلها أنت وعيالك فإن من الناس من اشتغل ~~بتعليل ذلك لتعدية الحكم إلى غير الأعرابي فيتطرق به ( إلى ) القول بانتساخ ~~حكم الكفارة وذلك لا يجوز ms572 عندنا لأن النبي عليه السلام خص الأعرابي بصحة ~~التكفير منه بالصرف إلى نفسه وعياله وكان ذلك بطريق الإكرام له وقد بينا أن ~~مثل هذا لا يقبل التعليل والله تعال أعلم # # | فصل في الركن # ركن القياس هو الوصف الذي جعل علما على حكم العين مع النص من بين الأوصاف ~~التي يشتمل عليها اسم النص ويكون الفرع به نظيرا للأصل في الحكم الثابت ~~باعتباره في الفرع لأن ركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء وإنما يقوم القياس ~~بهذا الوصف # ثم هذا الوصف قد يكون لازما للأصل وذلك نحو إيجاب الزكاة عندنا في الحلي ~~باعتبار صفة الثمنية في الأصل وعند الخصم إثبات حكم الربا في الذهب والفضة ~~بعلة الثمنية والثمنية صفة لازمة لهذين الجوهرين فإنهما خلقا جوهري الأثمان ~~لا يفارقهما هذا الوصف بحال وقد يكون عارضا أو اسما نحو قوله عليه السلام ~~للمستحاضة في بيان علة نقض الطهارة إنه دم عرق انفجر والدم اسم علم ~~والانفجار صفة عارضة # مثاله تعليل علمائنا نص PageV02P174 الربا بالكيل والوزن فإن ذلك وصف ~~عارض يختلف باختلاف عادات الناس في الأماكن والأوقات وقد يكون حكما نحو قول ~~رسول الله عليه السلام للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته الحديث ~~فإن الدين عبارة عن الوجوب في الذمة وذلك حكم قد بين لها حكما بالاستدلال ~~بحكم آخر وذلك دليل جواز التعليل بالحكم وقد يكون هذا الوصف فردا وقد يكون ~~مثنى وقد يكون عددا # فالفرد نحو تعليل ربا النساء بوصف واحد وهو الجنس أو الكيل أو الوزن عند ~~اتحاد المعنى والمثنى نحو علة ( حرمة ) التفاضل فإنه القدر مع الجنس والعدد ~~نحو تعليلنا في نجاسة سؤر السباع بأنه حيوان محرم الأكل لا للكرامة ولا ~~بلوى في سؤره وإنما يكون العدد من الأوصاف علة إذا كانت لا تعمل حتى ينضم ~~بعضها إلى بعض فإن كل وصف يعمل في الحكم بانفراده فإنه لا يكون التعليل ~~بالأوصاف كلها وقد يكون ذلك الوصف في النص وقد يكون في غيره # أما ما يكون في النص فغير مشكل ms573 فإنه إنما يعلل النص والتعليل بوصف فيه ~~يكون صحيحا لا محالة # وأما ما يكون في غيره فنحو ما روي أن النبي عليه السلام نهى عن بيع ما ~~ليس عند الإنسان ورخص في السلم فإن هذه الرخصة معلولة بإعدام العاقد وذلك ~~ليس في النص ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الآبق وعن بيع الغرر ~~وهو معلول يعجز البائع عن تسليم المبيع أو جهالة في المبيع في نفسه على وجه ~~يفضي إلى المنازعة وهذا ليس في النص قال عليه السلام لا تنكح الأمة على ~~الحرة ثم علل الشافعي هذه الحرمة بإرقاق الحر جزءا منه وهو الولد مع غنيته ~~عنه وهذا ليس في النص ولكن ذكر البيع يقتضي بائعا وذكر السلم يقتضي عاقدا ~~وذكر النكاح يقتضي ناكحا وما يثبت بمقتضى النص فهو كالمنصوص # وكذلك عللنا نحن نهي رسول الله عليه السلام عن صوم يوم النحر بعلة رد ~~الضيافة التي للناس في هذا اليوم من الله تعالى بالقرابين وذلك ليس في النص # وكل نهي جاء لا لمعنى في عين المنهي عنه فهو من هذا النوع # PageV02P175 ومن التعليل بالحكم ما يقوله علماؤنا في بيع المدبر ( إنه ~~تعلق عتقه بمطلق الموت فإن التعلق حكم ثابت بالتعليق فيكون ذلك استدلالا ) ~~بحكم على حكم وإنما جاز هذا كله لأن الدليل الذي يثبت به كون الوصف حجة في ~~الحكم قد ثبت بالدليل أنه علة الحكم شرعا # ثم لا خلاف أن جميع الأوصاف التي يشتمل عليها اسم النص لا تكون علة لأن ~~جميع الأوصاف لا توجد إلا في المنصوص والحكم في المنصوص ثابت بالنص لا ~~بالعلة ولا خلاف أن كل وصف من أوصاف المنصوص لا يكون علة للحكم بل العلة ~~للحكم بعضها فإن الحنطة تشتمل على أوصاف فإنها مكيلة موزونة مطعومة مقتات ~~مدخر حب شيء جسم ولا يقول أحد إن كل وصف من هذه الأوصاف علة لحكم الربا ~~فيها بل العلة أحد هذه الأوصاف # واتفقوا أنه لا يتخير المعلل حتى يجعل أي هذه الأوصاف شاغلة من غير ms574 دليل ~~لأن دعواه لوصف من بين الأوصاف أنه علة بمنزلة دعواه الحكم أنه كذا فكما لا ~~يسمع منه دعوى الحكم إلا بدليل فكذلك لا تسمع منه الدعوى في وصف أنه هو ~~العلة إلا بدليل # ثم اختلف العلماء في الدليل الذي به يكون الوصف علة للحكم # قال أهل الطرد هو الاطراد فقط من غير أن يعتبر فيه معنى معقول # وتفسير الاطراد عند بعضهم وجود الحكم عند وجود ذلك الوصف # وعند بعضهم يشترط أن يوجد الحكم عند وجوده وينعدم عند عدمه وأن يكون ~~المنصوص عليه قائما في الحالين ولا حكم له # وعند بعضهم يعتبر الدوران وجودا وعدما # فأما قيام الحكم في المنصوص ( عليه في الحالين ) ولا حكم له فهو مفسد ~~للقياس لا أن يكون مصححا له # وقال جمهور الفقهاء انعدام الحكم عند عدم العلة لا يكون دليل صحة العلة ~~ووجود الحكم عند عدم العلة لا يكون دليل PageV02P176 فساد العلة ولكن دليل ~~صحة العلة أن يكون الوصف صالحا للحكم ثم يكون معدلا بمنزلة الشاهد فإنه لا ~~بد من أن يكون صالحا للشهادة لوجود ما به يعتبر أهلا للشهادة فيه ثم يكون ~~معدلا بظهور عدالته عند التعديل ثم يأتي بلفظ الشهادة من بين سائر الألفاظ ~~حتى تصير شهادته موجبة العمل بها # ثم لا خلاف بيننا وبين الشافعي رحمه الله أن صفة الصلاحية للعلة ~~بالملاءمة ومعناها أن تكون موافقة العلل المنقولة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعن الصحابة غير نائية عن طريقهم في التعليل لأن الكلام في العلة ~~الشرعية والمقصود إثبات حكم الشرع بها فلا تكون صالحة إلا أن تكون موافقة ~~لما نقل عن الذين بنيانهم عرف أحكام الشرع # ثم الخلاف وراء ذلك في العدالة فقال علماؤنا عدالة العلة تعرف بأثرها ~~ومتى كانت مؤثرة في الحكم المعلل فهي علة عادلة وإن كان يجوز العمل بها قبل ~~ظهور التأثير ولكن إنما يجب العمل بها إذا علم تأثيرها ولا يجوز العمل بها ~~عند عدم الصلاحية بالملاءمة بمنزلة الشهادة فإن الشاهد قبل أن تثبت ~~الصلاحية للشهادة ms575 فيه لا يجوز العمل بشهادته وبعد ظهور الصلاحية قبل العلم ~~بالعدالة كالمستور لا يجب العمل بشهادته ولكن يجوز العمل حتى إن قضى القاضي ~~بشهادة المستور قبل أن تظهر عدالته يكون نافذا # وقال بعض أصحاب الشافعي عدالة الوصف بكونه مخيلا أي موقعا في القلب خيال ~~الصحة للعلة ثم العرض على الأصول بعد ذلك احتياط # وقال بعضهم بل العدالة بالعرض على الأصول فإذا لم يعارضه أصل من الأصول ~~لا ناقضا ولا معارضا فحينئذ يصير معدلا وأدنى ما يكفي لذلك أصلان بمنزلة ~~عدالة الشاهد فإن معرفة ذلك بعرض حالهم على المزكين وأدنى ما يكفي لذلك ~~عنده اثنان فعلى قول هذا الفريق من أصحابه لا يجوز العمل به وإن كان مخيلا ~~قبل العرض على الأصول وعلى قول الفريق الأول يجوز العمل به لأنه صار معدلا ~~بكونه مخيلا # ثم العرض على الأصول احتياط والنقض جرح والمعارضة دفع # PageV02P177 أما أهل الطرد احتجوا بالظواهر الموجبة للعمل بالقياس فإنها ~~لا تخص علة دون علة فيقتضي الظاهر جواز العمل بكل وصف والتعليل به إلا ما ~~قام عليه دليل وأن كل وصف يوجد الحكم عند وجوده فإنه وصف صالح لأن يكون علة ~~وهذا لأن علل الشرع أمارات للأحكام وليست على نهج العلل العقلية وأمارة ~~الشيء ما يكون موجودا عند وجوده وكما يجوز إثبات أحكام الشرع بعين النص من ~~غير أن يعقل فيه المعنى على أن يجعل اسم النص أمارة ذلك الحكم يجوز إثبات ~~الحكم بوصف ثابت باسم النص من غير أن يعقل فيه المعنى على أن يكون ذلك ~~الوصف علة للحكم فإن للشرع ولاية شرع الأحكام كيف يشاء ففي اشتراط كون ~~المعنى معقولا فيما هو أمارة حكم الشرع إثبات نوع حجر لا يجوز القول به ~~أصلا # والفريق الثاني منهم استدلوا بمثل هذا الكلام ولكنهم قالوا العلة ما ~~يتغير به حكم الحال على ما نبينه في موضعه ووجود الحكم مع وجود الوصف قد ~~يكون اتفاقا وقد يكون لكونه علة لا تتعين جهة كونه مغيرا إلا بانعدام الحكم ~~عند عدمه فبه يتبين ms576 أنه لم يكن اتفاقا # ثم الحكم الثابت بالعلة إذا كان بحيث يحتمل الرفع لا يبقى بعد انعدام ~~العلة كالحكم الثابت بالبيع وهو الملك لا يبقى بعد فسخ البيع ورفعه واشتراط ~~قيام المنصوص عليه في الحالين ولا حكم له ليعلم به أن ثبوت الحكم بوجود ~~علته لا بصورة النص وذلك نحو آية الوضوء ففي النص ذكر القيام إلى الصلاة ~~والعلة الموجبة للطهارة الحدث فإن الحكم يدور مع الحدث وجودا وعدما ~~والمنصوص عليه وهو القيام إلى الصلاة قائم في الحالين ولا حكم له وقوله ~~عليه السلام لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان فيه تنصيص على الغضب والعلة ~~فيه شغل القلب حتى دار الحكم معه وجودا وعدما والمنصوص عليه قائم في ~~الحالين ولا حكم له وقال عليه السلام الحنطة بالحنطة مثلا بمثل ثم العلة ~~الموجبة للحرمة والفساد الفضل على الكيل PageV02P178 لأن الحكم يدور معه ~~وجودا وعدما والمنصوص عليه وهو ( الحنطة بالحنطة ) قائم في الحالين ولا حكم ~~له # وجواب أهل الفقه عن هذه الكلمات ظاهر فإن الظواهر الدالة على جواز العمل ~~بالقياس بالاتفاق لا تدل على أن كل وصف من أوصاف الأصل صالح لأن يكون علة ~~فإنه لو كان كذلك لتحير المعلل وارتفع معنى الابتلاء بطلب الحكم في الحوادث ~~أصلا وإذا اتفقنا على أن دلالة هذه النصوص لوصف من بين أوصاف الأصل قد ~~ابتلينا بطلبه حين أمرنا بالاعتبار فلا بد من أن يكون في ذلك الوصف معنى ~~معقول يمكن التمييز به بينه وبين سائر الأوصاف ليوقف عليه وما هذا إلا نظير ~~النصوص المثبتة لصفة الشهادة لهذه الأمة فإن ذلك لا يمنع القول باختصاص ~~الصلاحية ببعض الأوصاف واختصاص الأداء بلفظ الشهادة من بين سائر الألفاظ ~~وهذا لأن أوصاف النص تعلم بالحس أو السماع وذلك يشترك فيه أهل اللغة وغيرهم ~~ممن له حاسة صحيحة مع الفقهاء ثم التعليل بالقياس لإثبات الحكم قد اختص به ~~الفقهاء فعرفنا أن اختصاصهم بذلك لم يكن إلا لمعنى معقول في الوصف الذي هو ~~علة لا يمكن الوقوف عليه إلا بالتأمل ms577 من طريق الفقه # وقوله علل الشرع أمارات # قلنا هي أمارات من حيث إنها غير موجبة بذواتها ولكنها موجبة للحكم بجعل ~~الشرع إياها موجبة العمل بها ومعلوم أنه لا يمكن العمل بها إلا بعد معرفة ~~عينها وطريق ذلك التعيين بالنص أو الاستنباط بالرأي وقد انعدم التعيين ~~بالنص ولا يتأتى فيه الاستنباط بالرأي إذا لم يكن الحكم معقول المعنى لأن ~~العقل طريق يدرك به ما يعقل كما أن الحس طريق يدرك به ما يحس دون ما لا يحس ~~وليس هذا نظير الأحكام الثابتة بالنص غير معقول المعنى لأن النص موجب بنفسه ~~فإنه كلام من يثبت علم اليقين بقوله وقد حصل التعيين بالنص هناك فكونه غير ~~معقول المعنى لا يعجزنا عن العمل به فأما التعليل ببعض الأوصاف فهو غير ~~موجب بنفسه وإنما يجب العمل به بطريق أنه إعمال الرأي ليتوصل به إلى الحجة ~~في حكم شرعي وما لم يكن معقول المعنى لا يتأتى إعمال الرأي فيه # PageV02P179 ثم الدليل على أن الدوران لا يصلح أن يكون علة أن الحكم كما ~~يدور مع العلة وجودا وعدما يدور مع الشرط وجودا وعدما فإن من قال لعبده إن ~~دخلت الدار فأنت حر فالعتق بهذا الكلام يدور مع الدخول وجودا وعدما وأحد لا ~~يقول دخول الدار علة العتق بل هو شرط العتق # فإن قيل الأصل دوران الحكم مع العلة وجودا وعدما فأما الشرط عارض لا يكون ~~إلا بعد تعليق الحكم به نصا # قلنا فأين ذهب قولك إن علل الشرع أمارات فإنه لا يفهم من ذلك اللفظ إلا ~~أن الشرع جعلها أمارة للحكم بأن علق الحكم بها وأي فرق بين تعليق حكم العتق ~~من المولى بدخول الدار شرطا وبين التعليق الثابت شرعا ثم هناك دوران الحكم ~~بمجرده لا يدل على كونه علة فهنا كذلك ثم هب كان الأصل هو دوران الحكم مع ~~العلة ولكن مع هذا احتمال الدوران مع الشرط قائم وبالاحتمال لا تثبت العلة # فأما اشتراط قيام المنصوص عليه في الحالين ولا حكم له فقد جعل ذلك بعضهم ms578 ~~مفسدا للقياس باعتبار ما ذكرنا أن شرط صحة التعليل هو أن يبقى الحكم في ~~المنصوص عليه بعد التعليل على ما كان قبله فإذا جعل التعليل على وجه لا ~~يبقى للنص حكم بعده يكون ذلك آية فساد القياس لا دليل صحته فأما من شرط ذلك ~~مستدلا بما ذكرنا فالجواب عن كلامه أن هذا وهم ابتلي به لقلة تأمله لأن ~~المقصود بالتعليل تعدية حكم النص إلى محل لا نص فيه فكيف يجوز أن لا يبقى ~~للنص حكم بعد التعليل وإذا لم يبق له حكم فالتعدية بعد التعليل في أي شيء ~~يكون # فأما آية الوضوء فنحن لا نقول إن الحدث علة لوجوب الوضوء ولكن من شرط ~~القيام لأداء الصلاة الطهارة عن الحدث فكان تقدير الآية إذا قمتم إلى ~~الصلاة وأنتم محدثون ولكن سقط ذكر الحدث للإيجاز والاختصار على ما هو عادة ~~أهل اللسان في إسقاط بعض الألفاظ إيجازا إذا كان في الباقي PageV02P180 ~~دليل عليه ففي المذكور هنا دليل على المحذوف وهو قوله تعالى @QB@ ولكن يريد ~~ليطهركم @QE@ # @QB@ وإن كنتم جنبا فاطهروا @QE@ وقوله تعالى عند ذكر البدل @QB@ أو جاء ~~أحد منكم من الغائط @QE@ وقد علم أن البدل إنما يجب عند عدم الأصل بما يجب ~~به الأصل فظهر أنا إنما جعلنا الحدث شرطا لوجوب الوضوء عند القيام إلى ~~الصلاة بدلالة النص لا بطريق التعليل والاستنباط بالرأي # وكذلك قوله عليه السلام لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان إنما عرفنا أن ~~المراد النهي عن القضاء عند شغل القلب لمخافة الغلط بدليل الإجماع لا بطريق ~~الاستنباط بالرأي والإجماع حجة سوى الرأي فإن التعليل بالرأي يكون بعد ~~الإجماع بالاتفاق وكيف يستقيم أن لا يكون للنص حكم بعد التعليل والشرع ما ~~جعل التعليل بالرأي إلا بعد النص وإلا لإثبات الحكم فيما لا نص فيه # وبيان هذا في حديث معاذ حين قال له ( كيف تقضي ) وحديث نص الربا هكذا فإن ~~المساواة في الكيل إنما عرفناه بالنص لا بالرأي وهو قوله عليه السلام في ~~بعض الروايات مكان قوله ( مثل بمثل ) ( كيل بكيل ms579 ) أو بالإجماع فقد اتفقوا ~~أنه ليس المراد من قوله ( مثل بمثل ) إلا المماثلة في الكيل وكذلك ( في ) ~~قوله ( إلا سواء بسواء ) اتفاق أن المراد المساواة في الكيل فعرفنا أن من ~~قال في هذه المواضع بأن الحكم دار مع العلة وجودا وعدما والمنصوص عليه قائم ~~في الحالين ولا حكم له فهو مخطىء غير متأمل في مورد النص ولا فيما هو طريق ~~التعليل في الفقه # ثم الدليل على أن انعدام الحكم عند عدم الوصف لا يكون دليل صحة العلة ما ~~ذكرنا من الشرط ولأن ثبوت الحكم لما كان بورود الشرع به فانعدام الحكم عند ~~انعدام العلة الموجبة شرعا يكون بالعدم الذي هو أصل فيه لا أن يكون مضافا ~~إلى العلة حتى PageV02P181 يكون دليل صحة العلة # والدليل على أن وجود الحكم عند عدم العلة لا يكون دليل فساد العلة اتفاق ~~الكل على أن الحكم يجوز أن يكون ثابتا في محل بعلل ثم بانعدام بعضها لا ~~يمتنع بقاء الحكم بالبعض الذي هو باق كما لا يمتنع ثبوت الحكم ابتدا بتلك ~~العلة وبهذا يتبين أنه لا بد من القول بأنه لا ينعدم الحكم إلا بانعدام ~~جميع العلل التي كان الحكم ثابتا بكل واحد منها فعرفنا أن وجود الحكم عند ~~عدم العلة لا يكون دليل فسادها وفساد القول بأن دليل صحة العلة دوران الحكم ~~معه وجودا وعدما كالمتفق عليه فإن القائسين اتفقوا أن علة الربا أحد أوصاف ~~الأصل وادعى كل واحد منهم أن الصحيح ما ذهب إليه ومعلوم أن كل قائل يمكنه ~~أن يستدل على صحة علته بدوران الحكم معه وجودا وعدما # وكذلك لو قال إن العلة في تكفير المستحل للخمر معنى الشدة والمرارة كان ~~ذلك فاسدا بالاتفاق فإن أحدا لا يقول بتكفير مستحل سائر الأشربة مع وجود ~~الشدة والمرارة # ثم هذا القائل يتمكن من تصحيح قوله بدوران الحكم معه وجودا وعدما فإن ~~العصير قبل أن يتخمر لا يكفر مستحله وبعد التخمر يكفر مستحله لوجود الشدة ~~والمرارة ثم بعد التحلل لا يكفر مستحله لانعدام الشدة والمرارة ms580 إلا أن يقول ~~بتخصيصه وقد قامت الدلالة على فساد القول بتخصيص العلل الشرعية على ما ~~نبينه إن شاء الله تعالى فيفسد به أيضا القول بتخصيص ما هو دليل صحة العلة ~~لأن ذلك حجة شرعية ثابتة بطريق الرأي # فإن قيل مثل هذا يلزم القائلين بأن دليل صحة العلة الأثر فإن الحكم يدور ~~مع العلة المأثورة وجودا وعدما عند من لا يجوز تخصيص العلة وهو الصحيح # قلنا نعم ولكن لا نجعل الدوران دليل صحة العلة وإنما نجعل كونه مؤثرا في ~~الأصول دليل صحة العلة ولا يتحقق معنى دوران الحكم مع هذا الأثر في جميع ~~الأصول فأما دوران الحكم مع العلة وجودا وعدما يكون اتفاقا # فأما الذين قالوا من أصحاب الشافعي بأن الأثر الذي هو دليل صحة ~~PageV02P182 العلة أن يكون مخيلا حجتهم أن هذا الأثر مما لا يحس بطريق الحس ~~ولكنه يعقل فيكون طريق الوقوف عليه تحكيم القلب حتى إذا تخايل في القلب به ~~أثر القبول والصحة كان ذلك حجة للعمل به بمنزلة التحري في باب القبلة عند ~~انقطاع سائر الأدلة فإن تحكيم القلب فيه جائز ويجب العمل بما يقع في قلب من ~~ابتلي به من أنه جهة الكعبة وعليه دل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لوابصة بن معبد رضي الله عنه ضع يدك على صدرك واستفت قلبك فما حك في صدرك ~~فدعه وإن أفتاك الناس به فعرفنا أن العدالة تحصل بصفة الإخالة ثم العرض على ~~الأصول بعد ذلك احتياط والعمل به قبله جائز بمنزلة ما لو كان الشاهد معلوم ~~العدالة عند القاضي فإن العمل بشهادته جائز له والعرض على المزكين بعد ذلك ~~نوع احتياط فإن لم يعجل ورجع إلى المزكين فهو احتياط أخذ به لجواز أن يظهر ~~له بالرجوع إليهم ما لم يكن معلوما له قال وهذا بخلاف شهادة الشاهد فإن ~~بصفة الصلاحية هناك لا تثبت العدالة لأن الشاهد مبتلى بالأمر والنهي وهو ~~أمين فيما اؤتمن من حقوق الشرع ويتوهم منه أداء الأمانة فيكون عدلا به ~~والخيانة فلا يكون عدلا ms581 معه وإذا لم يكن أداء الأمانة منه معلوم القاضي لا ~~يصير عدلا عنده ما لم يعرض حاله على المزكين # فأما الوصف الذي هو علة بعدما علم صفة الصلاحية فيه تصير عدالته معلومة ~~إذ ليس فيه توهم الخيانة فلهذا كان العرض على الأصول هنا احتياطا فإن سلم ~~عما يناقضه ويعارضه بكونه مطردا في الأصول فحكم وجوب العمل به يزداد وكادة ~~وإن ورد عليه نقض فذلك النقض جرح بمنزلة الشاهد الذي هو معلوم العدالة إذا ~~ظهر فيه طعن من بعض المزكين فإن ذلك يكون جرحا في عدالته إلا أن يتبين له ~~أنه لم يكن عدلا والمعارضة دفع بمنزلة شاهد آخر يشهد بخلاف ما شهد به العدل # وأما الفريق الثاني فإنهم قالوا كونه مخيلا أمر باطن لا يمكن إثباته ~~PageV02P183 على الخصم وما لم تثبت صفة العدالة بما يكون حجة على الخصم لا ~~يمكن إلزام الخصم به وأثبتنا صفة العدالة فيه بما أثبتنا صفة الصلاحية وهو ~~الملاءمة فإن ذلك يكون بالعرض على العلل المنقولة عن السلف حتى إذا علم ~~الموافقة كان صالحا وبعد صفة الصلاحية يحتمل أن لا يكون حجة لأن العلل ~~الشرعية لا توجب الحكم بذواتها فلا بد من إثبات صفة العدالة فيه بالعرض على ~~الأصول حتى إذا كان مطردا سالما عن النقوض والمعارضات فحينئذ تثبت عدالته ~~من قبل أن الأصول شهادة لله على أحكامه كما كان الرسول في حال حياته فيكون ~~العرض على الأصول وامتناع الأصول من رده بمنزلة العرض على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في حياته وسكوته عن الرد وذلك دليل عدالته باعتبار أن ~~السكوت بعد تحقق الحاجة إلى البيان لا يحل فعرفنا أن بالعرض على الأصول ~~تثبت العدالة كما أن عدالة الشاهد تثبت بعرض حاله على المزكين # والفرق الثاني الذي قالوا ليس بقوي فإن بعد ثبوت صفة الصلاحية للشاهد ~~إنما بقي احتمال الكذب في أدائه وهنا بعد ثبوت صفة الصلاحية بقي الاحتمال ~~في أصله أن الشرع جعله علة للحكم أم لا فإنه إن ورد عليه نقض أو معارضة ms582 ~~يتبين به أن الشرع ما جعله علة للحكم لأن المناقضة اللازمة لا تكون في ~~الحجج الشرعية قال الله تعالى @QB@ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا @QE@ وكذلك المعارضة اللازمة لا تكون في الحجج الشرعية فإذا ~~كان هناك مع بقاء الاحتمال في الوصف لا يكون حجة للعمل به فهنا مع بقاء ~~الاحتمال في الأصل لأن لا يكون حجة كان أولى وكما أن طريق رفع ذلك الاحتمال ~~هناك العرض على المزكين والأدنى فيه اثنان فالطريق هنا العرض على الأصول ~~وأدنى ذلك أصلان إذ لا نهاية للأعلى وفي الوقوف على ذلك حرج بين وبهذا ~~التقرير يتبين أن العرض على جميع الأصول ليس بشرط عنده كما ذهب إليه بعض ~~شيوخنا استقصى في العرض فالخصم يقول وراء هذا أصل آخر ( هو ) معارض أو ناقض ~~لما يدعيه فلا يجد بدا من أن يقول لم يقم عندي دليل النقض والمعارضة ومثل ~~هذا لا يصلح حجة لإلزام الخصم على ما نبينه في بابه قالوا والذي يحقق ما ~~ذكرنا أن المعجزة التي أوجبت علم اليقين كان طريق ثبوتها السلامة عن النقوض ~~والمعارضات كما قال تعالى @QB@ قل لئن اجتمعت @QE@ وشيوخه فإن من شرط ذلك ~~لم يجد بدا من العمل بلا دليل PageV02P184 لأنه وإن @QB@ الإنس والجن على ~~أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله @QE@ قال تعالى @QB@ ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ فبهذا يتبين أن طريق إثبات ~~الحجة لما لا نحس هذا # وأما علماؤنا إنهم يقولون حاجتنا إلى إثبات دليل الحجة فيما لا يحس ولا ~~يعاين وطريق ذلك أثره الذي ظهر في موضع من المواضع ألا ترى أن الطريق في ~~معرفة عدالة الشاهد هذا وهو أن ينظر إلى أثر دينه في منعه عن ارتكاب ما ~~يعتقد فيه الحرمة فإذا ظهر أثر ذلك في سائر المواضع يترجح جانب الصدق في ~~شهادته بطريق الاستدلال بالأثر وهو أن الظاهر أنه ينزجر عن شهادة الزور ~~لاعتقاده الحرمة فيه # وكذلك الدلالة على إثبات الصانع تكون بآثار صنعته بطريق ms583 الوصف والبيان ~~على وجه مجمع عليه كما نبينه في موضعه # وكذلك في المحسوسات كالجرح ونحو ذلك فإنه يستدل عليه بأثره حسا ~~والاستدلال بالمحسوس لغير المحسوس يكون بالأثر أيضا فتبين أن ما به يصير ~~الوصف حجة بعد الصلاحية بالملاءمة على ما قرره الخصم وهو ظهور أثره في ~~الأصول فأما الإخالة فهو عبارة عن مجرد الظن إذ الخيال والظن واحد والظن لا ~~يغني من الحق شيئا # وأحسن العبارات فيه أن يجعل بمنزلة الإلهام وهو لا يصلح للإلزام على ~~الغير على ما نبينه ثم هذا شيء في الباطن لا يطلع عليه غير صاحبه ومثله لا ~~يكون حجة على الغير كالتحري الذي استشهد به فإن ما يؤدي إليه تحري الواحد ~~لا يكون حجة على أصحابه حتى لا يلزمهم اتباعه في تلك الجهة وكلامنا فيما ~~يكون حجة PageV02P185 لإلزام الغير العمل به ثم كل خصم يتمكن من أن يقول ~~يخايل في قلبي أثر القبول والصحة للوصف الذي دعاه بل للحكم الذي هو المقصود ~~وصفة التعارض لا يجوز أن يكون لازما في الحجج الشرعية كصفة المناقضة # وكذلك الاطراد لا يستقيم أن يجعل دليل كونه حجة لأنه عبارة عن عموم شهادة ~~هذا الوصف في الأصول فيكون نظير كثرة أداء الشهادة من الشاهدين في الحوادث ~~عند القاضي أو تكرار الأداء منه في حادثة واحدة وذلك لا يكون موجبا عدالته # قوله بأن الأصول مزكون كالرسول قلنا لا كذلك بل كل أصل شاهد فالأصول ~~كجماعة الشهود أو عدد الرواة للخبر ودليل صحة الخبر وكونه حجة إنما يطلب من ~~متن الحديث فالأثر للوصف بمنزلة دليل الصحة من متن الخبر والاطراد في ~~الأصول بمنزلة كثرة الرواة فكيف يستقيم أن يجعل الأصول مزكين ولا معرفة لهم ~~بهذا الوصف وحاله وأنى تكون التزكية ممن لا خبرة له ولا معرفة بحال الشاهد ~~وما قالوا إن المعجزة بمثل هذا صارت حجة فهو غلط وإنما صارت حجة بكونها ~~خارجة عن حد مقدور البشر فإن القرآن بهذه الصفة ولكن الكفار كانوا يتعنتون ~~فيقولون إنه من جنس كلام البشر كما ms584 أخبر الله تعالى عنهم @QB@ قالوا قد ~~سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا @QE@ فطولبوا بالإتيان بمثله ليظهر به تعنتهم ~~فإنهم لو قدروا على ذلك ما صبروا على الامتناع عنه إلى القتال وفيه ذهاب ~~نفوسهم وأموالهم # فإن قيل في اعتبار الأثر اعتبار ما لا يمكن الوقوف فيه على حد معلوم يعقل ~~أو يظهر للخصوم # قلنا لا كذلك فإن الأثر فيما يحس معلوم حسا كأثر المشي على الأرض وأثر ~~الجراحة على البدن وأثر الإسهال في الدواء المسهل وفيما يعقل معلوم بطريق ~~اللغة نحو عدالة الشاهد فإنه يعلم بأثر دينه في المنع كما بينا وهذا الأثر ~~الذي ادعيناه يظهر للخصم بالتأمل فإنه عبارة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعن الصحابة والسلف من الفقهاء رضوان الله عليهم أجمعين # فمن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهرة إنها من الطوافين ~~عليكم والطوافات لأنها علة مؤثرة فيما يرجع إلى التخفيف لأنه عبارة عن عموم ~~البلوى والضرورة في سؤره وقد ظهر تأثير الضرورة في إسقاط حكم الحرمة أصلا ~~بالنص وهو قوله تعالى @QB@ فمن اضطر غير باغ ولا عاد @QE@ عن أثر ظاهر في ~~بعض المواضع سوى المتنازع فيه وهو موافق PageV02P186 للعلل المنقولة @QB@ ~~فلا إثم عليه @QE@ والإشارة إليه لدفع نجاسة سؤره أو لإثبات حكم التخفيف في ~~سؤره يكون استدلالا له بعلة مؤثرة # وكذلك قوله عليه السلام إنها دم عرق انفجر فإنه استدلال بعلة مؤثرة في ~~نقض الطهارة وهو أن الدم في نفسه نجس وبالانفجار يصل إلى موضع يجب تطهير ~~ذلك الموضع منه ووجوب التطهير لا يكون إلا بعد وجود ما يعدم الطهارة # فإن قيل هذا ليس بتعليل منه لانتقاض الطهارة بدم الاستحاضة بل لبيان أنه ~~ليس بدم الحيض # قلنا قد قال أولا ليست بالحيضة وهذا اللفظ كاف لهذا المقصود فلا بد من أن ~~يحمل قوله ( ولكنها دم عرق انفجر ) على فائدة جديدة وليس ذلك إلا بيان علة ~~للحدث الموجب للطهارة # وقال عليه السلام لعمر رضي الله عنه في القبلة أرأيت لو تمضمضت بماء ثم ~~مججته ms585 أكان يضرك فهذا إشارة إلى علة مؤثرة أي الفطر ضد الصوم وإنما يتأدى ~~الصوم بالكف عن اقتضاء الشهوتين فكما أن اقتضاء شهوة البطن بما يصل إلى ~~الحلق لا بما يصل إلى الفم حتى لا تكون المضمضة موجبة للفطر فكذلك اقتضاء ~~شهوة الفرج يكون بالإيلاج أو الإنزال لا بمجرد القبلة التي هي المقدمة # وكذلك قوله للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين الحديث هو إشارة إلى ~~العلة المؤثرة وهو أن صاحب الحق يقبل من غير من عليه الحق إذا جاء بحقه ~~فأداه على سبيل الإحسان والمساهلة مع من عليه الحق والله هو المحسن المتفضل ~~على عباده فهو أحق من أن يقبل منك # وقال في حرمة الصدقة على بني هاشم أرأيت لو تضمضت بماء أكنت شاربه ففيه ~~إشارة إلى علة مؤثرة وهو PageV02P187 أن الصدقة من أوساخ الناس لكونها ~~مطهرة من الذنوب فهي كالغسالة المستعملة والامتناع من شرب ذلك يكون بطريق ~~الأخذ بمعالي الأمور فكذلك حرمة الصدقة على بني هاشم يكون على وجه التعظيم ~~والإكرام لهم ليكون لهم خصوصية بما هو من معالي الأمور # وكذلك الصحابة حين اختلفوا في الجد مع الإخوة اشتغلوا بالتعليل لإظهار ~~صفة القرب بالوادي الذي تتشعب منه الأنهار والشجرة التي ينبت منها الأغصان ~~وما ذلك إلا باعتبار المؤثر في العلم بتفاوت القرب بطريق محسوس و ابن عباس ~~علل في ذلك بقوله ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل ~~أب الأب أبا # فهو استدلال المؤثر من حيث اعتبار أحد الطرفين بالطرف الآخر في القرب # وقال عمر لعبادة بن الصامت حين قال ما أرى النار تحل شيئا في الطلاء أليس ~~يكون خمرا ثم يكون خلا فتشربه فهذا استدلال بمؤثر وهو التغيير بالطباع # وعلل محمد في كتاب الطلاق فيمن قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ~~ثلاثا ثم طلقها ثلاثا أن اليمين لا يبقى لأنه ذهب تطليقات ذلك الملك كله ~~وهذا تعليل بوصف مؤثر فإن اليمين لا تنعقد إلا في الملك باعتبار تطليقات ~~مملوكة أو مضافة إلى ms586 الملك والإضافة إلى الملك لم توجد هنا فعرفنا أنها ~~انعقدت على التطليقات المملوكة وقد أوقع كلها والكل من كل شيء لا يتصور فيه ~~تعدد فعرفنا أنه لم يبق شيء من الجزاء واليمين شرط وجزاء فكما لا يتصور ~~انعقادها بدون الجزاء لا يتصور بقاؤها إذا لم يبق شيء من الجزاء # وقال أبو حنيفة رحمه الله فيمن اشترى قريبه مع غيره حتى عتق نصيبه منه لا ~~يضمن لشريكه شيئا لأن شريكه رضي بالذي وقع به العتق بعينه يعني ملك القريب ~~الذي هو متمم لعلة العتق وهذا تعليل بوصف مؤثر فإن ضمان العتق إنما يجب ~~بالإفساد أو الإتلاف لملك الشريك فيكون واجبا بطريق الجبران له ورضاه ~~بالسبب يغني عن الحاجة إلى الجبران لأن الحاجة إلى ذلك لدفع الضرر عنه وقد ~~اندفع ذلك حكما حين رضي به كما لو أذن له نصا أن يعتقه # وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله فيمن أودع صبيا مالا فاستهلكه ~~PageV02P188 لا ضمان عليه لأنه سلطه على ما فعل أي حين مكنه من المال فقد ~~سلطه على إتلافه حسا والتسليط يخرج فعل المسلط من أن يكون جناية في حق ~~المسلط ثم بقوله احفظ جعل التسليط مقصورا على الحفظ بطريق العقد وهذا في حق ~~البالغ صحيح وفي حق الصبي لا يصح أصلا وفي حق العبد المحجور لا يصح في حالة ~~الرق # وعلل الشافعي في الزنا أنه لا يوجب حرمة المصاهرة وقال الزنا فعل رجمت ~~عليه والنكاح أمر حمدت عليه فهذا استدلال في الفرق بوصف مؤثر أي ثبوت حرمة ~~المصاهرة بطريق النعمة والكرامة فيجوز أن يكون سبب الكرامة ما يحمد المرء ~~عليه ولا يجوز أن يكون سببه ما يعاقب المرء عليه وهو الزنا الموجب للرجم # وقال النكاح لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال لأن النكاح ليس بمال # وهذا تعليل بوصف مؤثر يعني أن المال مبتذل وملك النكاح مصون عن الابتذال ~~وفي شهادة النساء مع الرجال ضرب شبهة أو هي حجة ضرورة فما يكون مبتذلا تجري ~~المساهلة فيه وتكثر البلوى والحاجة إليه فيمكن ms587 إثباته بحجة فيها شبهة أو ~~بما هو حجة ضرورة فأما ما يكون مصونا عن الابتذال فإن البلوى لا تكثر فيه ~~وهو عظيم الخطر أيضا فلا يثبت إلا بحجة أصلية خالية عن الشبهة فعرفنا أن ~~طريق تعليل السلف هو الإشارة إلى الوصف المؤثر فعلى هذا النمط يكون أكثر ما ~~عللنا به في الخلافيات # منها أن علماءنا قالوا في أنه لا يشترط التكرار في المسح بالرأس لإكمال ~~السنة إنه مسح فلا يسن تكراره ( كالمسح بالخف والتيمم # وقال الشافعي هو ركن أصلي في الطهارة فيسن فيه التكرار ) كالغسل في ~~المغسولات فكان المؤثر ما قلنا لأن في لفظ المسح ما يدل على التخفيف فإن ~~المسح يكون أيسر من الغسل لا محالة وتأدى الفرض في هذا المحل بفعل المسح ~~دليل التخفيف أيضا وكون الاستيعاب فيه ليس بشرط بخلاف المغسولات تخفيف آخر ~~والاكتفاء بالمرة الواحدة لإقامة الفرض والسنة من باب التخفيف ففي قولنا ~~مسح إشارة إلى ما هو مؤثر فيه وليس في قوله ركن إشارة إلى ما ينفيه ثم ~~المقصود بالسنة PageV02P189 الإكمال وفي الممسوح لما لم يكن الاستيعاب شرطا ~~فبالمرة الواحدة مع الاستيعاب يحصل الإكمال فعرفنا أنه يصير به مؤديا ~~الفريضة والسنة وفي المغسولات لما كان الاستيعاب شرطا لا يحصل بالمرة إلا ~~إقامة الفرض فلا بد من التكرار لإقامة السنة وليس في قوله ركن إشارة إلى ~~هذا الفرق وفي قولنا مسح إشارة إليه فكان المؤثر ما قلنا # وقلنا في صوم الشهر بمطلق النية إنه يتأدى لأنه صوم عين وهو يقول لا بد ~~من نية الفرض لأنه صوم فرض فكان المؤثر ما قلنا لأن المقصود بالنية في ~~الأصل التمييز ولا يراد بنية الجهة إلا التمييز بين تلك الجهة وغيرها وإذا ~~كان المشروع في هذا الزمان عينا ليس معه غيره يصاب بمطلق الاسم فارتفعت ~~الحاجة إلى الجهة للتمييز وليس في صفة الفرضية ما ينفي هذا التعيين حتى ~~يثبت به مساس الحاجة إلى نية الجهة للتمييز # وقلنا في الضرورة إذا حج بنية النفل لا يقع حجة عن الفرض لأنها ms588 عبادة ~~تتأدى بأركان معلومة بأسبابها كالصلاة وهذا إشارة إلى وصف مؤثر وهو أن ~~تتأدى هذه العبادة بمباشرة أركانها لا بوقتها فصحة أداء هذه الأركان في ~~الوقت فرضا لا ينفي صحة أدائها نفلا وإذا بقي الأداء بصفة النفلية مشروعا ~~من هذا الوجه فتعيينه جهة النفل بالنية صادق محله فيجب اعتباره لا محالة ~~بخلاف الصوم في الشهر # وعللنا في الثيب الصغيرة أن الأب يزوجها لأنها صغيرة ولا يزوج البكر ~~البالغة إلا برضاها لأنها بالغة والخصم قال في الثيب الصغيرة لا يزوجها ~~أبوها من غير رضاها لأنها ثيب وفي البكر البالغة يزوجها من غير رضاها لأنها ~~بكر فكان المؤثر ما قلنا لأن ثبوت ولاية الاستبداد بالعقد يكون على وجه ~~النظر للمولى عليه باعتبار عجزه عن مباشرة ذلك بنفسه مع حاجته إلى مقصوده ~~كالنفقة والمؤثر في ذلك الصغر والبلوغ دون الثيابة والبكارة # وكذلك في سائر المواضع إنما ظهر الأثر للصغر والبلوغ في الولاية لا ~~للثيابة والبكارة PageV02P190 يعني الولاية في المال والولاية على الذكر ~~فعرفنا أنا سلكنا طريق السلف في الاستدلال بالوصف ( المؤثر ) # فإن قيل كيف يستقيم هذا والقياس لا يكون إلا بفرع وأصل فإن المقايسة ~~تقدير الشيء بالشيء وبمجرد ذكر الوصف بدون الرد إلى الأصل لا يكون قياسا # قلنا قد قال بعض مشايخنا هذا النوع من التعليل عند ذكر الأصل يكون مقايسة ~~وبدون ذكر الأصل يكون استدلالا بعلة مستنبطة بالرأي بمنزلة ما قاله الخصم ~~إن تعليل النص بعلة تتعدى إلى الفرع يكون مقايسة وبعلة لا تتعدى لا يكون ~~مقايسة لكن يكون بيان علة شرعية للحكم قال رضي الله عنه والأصح عندي أن ~~نقول هو قياس على كل حال فإن مثل هذا الوصف يكون له أصل في الشرع لا محالة ~~ولكن يستغنى عن ذكره لوضوحه وربما لا يقع الاستغناء عنه فنذكره # فمما يقع الاستغناء عن ذكره ما قلنا في إيداع الصبي لأنه سلطه على ذلك ~~فإنه بهذا الوصف يكون مقيسا على أصل واضح وهو أن من أباح لصبي طعاما ~~فتناوله لم يضمن لأنه بالإباحة سلطه ms589 على تناوله وتركنا ذكر هذا الأصل ~~لوضوحه # ومما يذكر فيه الأصل ما قال علماؤنا في طول الحرة إنه لا يمنع نكاح الأمة ~~لأن كل نكاح يصح من العبد بإذن المولى فهو صحيح من الحر كنكاح حرة وهذا ~~إشارة إلى معنى مؤثر وهو أن الرق ينصف الحل الذي يبتنى عليه عقد النكاح ~~شرعا ولا يبدله بحل آخر فيكون الرقيق في النصف الباقي بمنزلة الحر في الكل ~~لأنه ذلك الحل بعينه ولكن في هذا المعنى بعض الغموض فتقع الحاجة إلى ذكر ~~الأصل # وكذلك عللنا في جواز نكاح الأمة الكتابية للمسلم قلنا كل امرأة يجوز ~~لمسلم نكاحها إذا كانت مسلمة يجوز له نكاحها إذا كانت كتابية كالحرة وهذا ~~إشارة إلى معنى مؤثر وهو أن تأثير الرق في تنصيف الحل وما يبتنى على الحل ~~الذي في جانب المرأة غير متعدد ليتحقق معنى التنصيف في عدد فإن المرأة لا ~~تحل إلا لرجل واحد فيظهر حكم التنصيف في الأحوال وهو PageV02P191 أن الأمة ~~من المحللات منفردة عن الحرة ومن المحرمات مضمومة إلى الحرة فلا يتزوجها ~~على حرة ويتزوجها إذا لم يكن تحته حرة ثم النصف الباقي في جانب الأمة هو ~~الثابت في حق الحرة فإذا كان بهذا الحل يتزوج الحرة مسلمة كانت أو كتابية ~~عرفنا أنه يتزوج الأمة مسلمة كانت أو كتابية ولكن في هذا الكلام بعض الغموض ~~فيذكر الأصل عند التعليل فعرفنا أن جميع ما ذكرنا استدلال بالقياس في ~~الحقيقة وأنه موافق لطريق السلف في تعليل الأحكام الشرعية # # | فصل الحكم # حكم العلة التي نسميها قياسا أو علة ثابتة بالرأي تعدية حكم النص بها إلى ~~فرع لا نص فيه عندنا # وعلى قول الشافعي حكمها تعلق الحكم في المنصوص بها فأما التعدية بها جائز ~~وليس بواجب حتى يكون التعليل بدونها صحيحا # وإنما يتبين هذا بفصلين سبق بيانهما أحدهما تعليل الأصل بما لا يتعدى ~~لمنع قياس غيره عليه عندنا لا يكون صحيحا وعنده يصح # والثاني التعدية بالتعليل إلى محل منصوص عليه لا يصح عندنا خلافا له # ثم حجته في ms590 هذه المسألة اعتبار العلل الشرعية بالعلل العقلية كما أن ~~الوجود هناك يتعلق بما هو علة له فالوجوب في العلل الشرعية يتعلق بالعلة ~~ويكون هو الحكم المطلوب بها دون التعدية وإنما نعني بالوجوب وجوب العمل على ~~وجه يبقى فيه احتمال الخطأ # واعتبر العلة المستنبطة من النص بالعلة المنصوص عليها في الشرع فكما أن ~~الحكم هناك يتعلق بالعلة وتكون علة صحيحة بدون التعدية فكذلك هنا ألا ترى ~~أن الأسباب الموجبة للحدود والكفارات جعلت سببا شرعا ليتعلق الحكم بها ~~بالنص من غير تعدية إلى محل آخر فكذلك العلل الشرعية يتعلق الحكم بها في ~~المنصوص تعدى بها إلى محل آخر أو لم يتعد # والجواب ما هو حجتنا # أن نقول ما ينازعنا فيه من العلة لا يكون حجة للحكم إلا بعد النص كما قال ~~عليه الصلاة والسلام في حديث معاذ فإن لم تجده في الكتاب والسنة ~~PageV02P192 قال اجتهد رأيي # وما يكون عاملا بعد النص كان شرط عمله انعدام النص في المحل الذي يعمل ~~فيه فعرفنا أنه لا عمل له في محل منصوص وإذا لم يجز أن يكون عاملا على وجه ~~المعارضة بحكم النص بخلافه عرفنا أنه لا عمل له في موضع النص فلا يمكن أن ~~يجعل حكمه تعلق حكم الشرع به في المنصوص يوضحه أن بالإجماع هذه العلة لا ~~يجوز أن يتغير بها حكم النص ومعلوم أن التغيير دون الإبطال فإذا كان الحكم ~~في المنصوص مضافا إلى النص قبل التعليل فلو قلنا بالتعليل يصير مضافا إلى ~~العلة كان إبطالا ولا شك أنه يكون تغييرا على معنى أن فيه إخراج سائر أوصاف ~~النص من أن يكون الحكم مضافا إليها وكما لا يجوز إخراج بعض المحال الذي ~~تناوله النص من حكم النص بالتعليل لا يجوز إخراج بعض الأوصاف عن ذلك ~~بالتعليل يوضحه أن العلة ما يتغير بها حكم الحال ومعلوم أن حكم النص لا ~~يتغير بالعلة في نفسه فعرفنا أنه يتغير بها الحال في محل آخر وهو المحل ~~الذي تعدى إليه الحكم فيثبت فيه بها بعد أن ms591 لم يكن ثابتا وهذا لا يتحقق في ~~علة لا توجب تعدية الحكم فهذا تبين أن حكم العلة على الخصوص تعدية الحكم لا ~~إيجاب الحكم بها ابتداء بمنزلة الحوالة فإنها لما كانت مشتقة من التحويل ~~كان حكمها الخاص تحول الدين الواجب بها من ذمة إلى ذمة من غير أن تكون ~~مؤثرة في إيجاب الدين بها ابتداء # ومن فهم هذا سقط عنه مؤنة الحفظ في ثلاثة أرباع ما يستعمل الناس القياس ~~فيه لأن جميع ما يتكلم الناس فيه على سبيل المقايسة أربعة أقسام الموجب ~~للحكم وصفته وما هو شرط في العلة وصفته والحكم الثابت في الشرع وصفته ~~والحكم المتفق على كونه مشروعا معلوما بصفته أهو مقصور على المحل الذي ورد ~~فيه النص أم تعدى إلى غيره من المحال الذي يماثله بالتعليل # وإنما يجوز استعمال القياس في القسم الرابع فأما الأقسام الثلاثة فلا ~~مدخل للقياس فيها في الإثبات ولا في النفي لأن الموجب ما جعله الشرع موجبا ~~على ما بينا أن العلل الشرعية لا تكون موجبة بذواتها بل بجعل الشرع إياها ~~موجبة فلا مجال للرأي في معرفة ذلك وإنما طريق معرفته السماع ممن ~~PageV02P193 ينزل عليه الوحي # وصفة الشيء معتبر بأصله وكما لا يكون موجبا بدون ركنه لا يكون موجبا بدون ~~شرطه ولا مدخل للرأي في معرفة شرطه ولا صفة شرطه كما لا مدخل للرأي في أصله ~~وكذلك نصب الحكم ابتداء إلى الشرع وكما ليس إلى العباد ولاية نصب الأسباب ~~فليس إليهم ولاية نصب الأحكام لأنها مشروعة بطريق الابتلاء فأنى يهتدى ~~بالرأي إليه كيف يتحقق معنى الابتلاء فيما يستنبط بالرأي ابتداء فعرفنا أن ~~التعليل في هذه الأقسام لا يصادف محلها والأسباب الشرعية لا تصح بدون المحل ~~كالبيع المضاف إلى الحر والنكاح المضاف إلى محرمة ولأن حكم التعليل التعدية ~~ففي هذه المواضع الثلاثة لا تتحقق التعدية فكان استعمال القياس في هذه ~~المواضع الثلاثة بمنزلة الحوالة قبل وجوب الدين وذلك باطل لخلوه عن حكمه ~~وهو التحويل # وكما لا يجوز استعمال القياس لإثبات الحكم في هذه المواضع ms592 لا يجوز للنفي ~~لأن المنكر لذلك يدعي أنه غير مشروع وما ليس بمشروع كيف يمكن إثباته بدليل ~~شرعي وإن كان يدعي رفعه بعد الثبوت وهو نسخ وإثبات النسخ بالتعليل بالرأي ~~لا يجوز فعرفنا أن ما يصنعه بعض الناس من استعمال القياس في مثل هذه ~~المواضع ليس بفقه وأنه يكون من قلة التأمل يتبين ذلك عند النظر # وأما بيان الموجب في مسائل # منها ( أن ) الجنس بانفراده هل يحرم النسأ فإن الكلام فيه بطريق القياس ~~للإثبات أو للنفي باطل وإنما طريق إثباته الرجوع إلى النص أو دلالته أو ~~إشارته أو مقتضاه لأن الثابت بهذه الوجوه كالثابت بالنص والموجب للحكم لا ~~يعرف إلا بالنص كالحكم الواجب فإنه إذا وقع الاختلاف في الوتر هل هي بمنزلة ~~الفريضة زيادة على الخمس كان الاشتغال بإثباته بطريق القياس خطأ وإنما أثبت ~~ذلك أبو حنيفة رحمه الله بالنص المروي فيه وهو قوله عليه السلام إن الله ~~تعالى زادكم صلاة ألا وهي الوتر فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر فكذلك ~~طريق PageV02P194 إثبات كون الجنس علة الرجوع إلى النص ودلالته وهو أنه قد ~~ثبت بالنص حرمة الفضل الخالي عن العوض إذا كان مشروطا في العقد وباشتراط ~~الأجل يتوهم فضل مال خال عن المقابلة باعتبار صفة الحلول في أحد الجانبين ~~ولم يسقط اعتباره بالنص لكونه حاصلا بصنع العباد والشبهة تعمل عمل الحقيقة ~~فيما بني أمره على الاحتياط فكما أن حقيقة الفضل تكون ربا فكذلك شبهة الفضل ~~وللجنسية أثر في إظهار ذلك وكما أن القياس لا يكون طريقا للإثبات هنا لا ~~يكون طريقا للنفي لأن من ينفي إنما يتمسك بالعدم الذي هو أصل فعليه ~~الاشتغال بإفساد دليل خصمه لأنه متى ثبت أن ما ادعاه الخصم دليل صحيح لا ~~يبقى له حق التمسك بعدم الدليل فأما الاشتغال بالقياس ليثبت العدم به يكون ~~ظاهر الفساد # ونظيره الاختلاف في أن السفر هل يكون مسقطا شطر الصلاة فإنه لا مدخل ~~للقياس هنا في الإثبات ولا في النفي وإنما يعرف ذلك بالنص ودلالته وهو قول ~~رسول ms593 الله صلى الله عليه وسلم هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ~~ولا معنى للتصدق هنا سوى الإسقاط ولا مرد لما أسقطه الله عن عباده بوجه # وكذلك الخلاف في أن استتار القدم بالخف هل يكون مانعا من سراية الحدث إلى ~~القدم لا مدخل للقياس فيه في النفي ولا في الإثبات وإنما يثبت ذلك بالنص ~~ودلالته وهو قوله عليه السلام إني أدخلتهما وهما طاهرتان ففي هذا إشارة إلى ~~أن الحدث ما سرى إلى القدمين لاستتارهما بالخف # وكذلك الخلاف في أن مجرد الإسلام بدون الإحراز بالدار هل يوجب تقوم النفس ~~والمال أم لا وأن خبر الواحد هل يكون موجبا للعلم وأن القياس هل يكون موجبا ~~للعمل به هذا كله لا مدخل للتعليل بالرأي في إثباته ولا في نفيه # وأما بيان صفته فنحو الاختلاف الواقع في النصاب أنه موجب للزكاة بصفة ~~النماء أم بدون هذا الوصف موجب وفي اليمين أنها موجبة للكفارة بصفة أنها ~~مقصودة أم بصفة أنها معقودة وفي القتل بغير حق أنه موجب PageV02P195 ~~للكفارة بصفة أنه حرام أم اشتماله على الوصفين الحظر والإباحة من وجهين ~~وكفارة الفطر أنها واجبة بفعل موصوف بأنه جماع أو هو فطر بجناية متكاملة ~~فإن هذا كله مما لا مدخل للرأي في إثبات الوصف المطلوب به ولا في نفيه # وبيان الشرط فنحو اختلاف العلماء في اشتراط الشهود في النكاح للحل ~~واختلافهم في اشتراط التسمية في الذكاة للحل فإنه لا مدخل للرأي في معرفة ~~ما هو شرط في السبب شرعا لا في الإثبات ولا في النفي كما لا مدخل له في أصل ~~السبب بأن بالشرط يرتفع الحكم قبل وجوده فإذا لم يكن للرأي مدخل فيما يثبته ~~عرفنا أنه لا مدخل للرأي فيما يرفعه أو يعدمه # وكذلك الخلاف في أن البلوغ عن عقل هل يكون شرطا لوجوب حقوق الله تعالى ~~المالية نحو الزكوات والكفارات ولإيجاب ما هو عقوبة مالية نحو حرمان ~~الميراث بالقتل أو دفع الاختلاف في أن البلوغ عن عقل هل يكون شرطا لصحة ~~الأداء فيما لا ms594 يحتمل النسخ والتبديل فإن هذا لا مدخل للقياس فيه في ~~الإثبات والنفي # وكذلك في أن بلوغ الدعوة هل تكون شرطا لإهدار النفوس والأموال بسبب الكفر ~~فإن هذا مما لا يمكن معرفته بالقياس والتعليل بالرأي فيه للإثبات أو النفي ~~يكون ساقطا # وكذلك الاختلاف في اشتراط الولي في النكاح فأما في ثبوت الولاية للمرأة ~~على نفسها يجوز استعمال القياس لأن المعنى الذي به تثبت الولاية للمرء على ~~نفسه معقول وهو متفق عليه في الأصل وهو الرجل فيستقيم تعدية الحكم به إلى ~~المرأة # فإن قيل فقد اختلفنا في التقابض في المجلس أنه هل يشترط في بيع الطعام ~~بالطعام وقد تكلمتم بالقياس وإليه أشار محمد فقال من قبل أنه حاضر ليس له ~~أجل # قلنا لأن هناك قد وجد أصل كان هذا الحكم وهو بقاء العقد بعد الافتراق عن ~~المجلس من غير قبض فيه ثابت بالاتفاق وهو بيع الطعام وسائر الأمتعة ~~بالدراهم فأمكن تعليل ذلك الأصل لتعدية الحكم به إلى الفرع والخصم وجد أصلا ~~للحكم الذي ادعاه وهو فساد PageV02P196 العقد بعد الافتراق من غير قبض كما ~~في الصرف استقام تعليله أيضا لتعدية الحكم به إلى الفرع ومثله لا يوجد في ~~اشتراط التسمية في الذكاة فإن الخصم لا يجد فيه أصلا يسقط فيه اشتراط ~~التسمية لحل الذبيحة فإن أصله الناسي ونحن لا نقول هناك سقط شرط التسمية ~~ولكن نجعل الناسي كالمسمى حكما بدلالة النص كما يجعل الناسي كالمباشر لركن ~~الصوم وهو الإمساك حكما بالنص وهذا معلول عن القياس وتعليل مثله لتعدية ~~الحكم لا يجوز # وكذلك في النكاح فإنه لا يجد أصلا يكون فيه اتفاق على صحة النكاح وثبوت ~~الحل به بغير شهود حتى لعلل ذلك الأصل فيتعدى الحكم فيه إلى هذا الفرع # فإن قيل لا كذلك فإن النكاح عقد معاملة حتى يصح من الكافر والمسلم وقد ~~وجدنا أصلا في عقود المعاملات يسقط اشتراط الشهود لصحته شرعا وهو البيع وإن ~~كان يترتب عليه حل الاستمتاع فنعلل ذلك الأصل لتعدية الحكم به إلى الفرع # قلنا من حيث إن ms595 النكاح معاملة أمد لا يشترط فيه الشهود فخصم هذا المعلل ~~يقول بموجب علته وإنما يدعي شرط الشهود فيه اعتبار أنه عقد مشروع للتناسل ~~وأنه يرد على محل له خطر وهو مصون عن الابتذال فلإظهار خطره يختص شرط ~~الشهود ولا نجد أصلا في المشروعات بهذه الصفة لتعليل ذلك الأصل فيعدى الحكم ~~به إلى الفرع # وأما بيان صفته فنحو الاختلاف في صفة العدالة في شهود النكاح وفي صفة ~~الذكورة وفي صفة الموالاة والترتيب والنية في الوضوء فإن الوضوء شرط الصلاة ~~فكما لا مدخل للرأي في إثبات أصل الشرط به فكذلك في إثبات الصفة فيما هو ~~شرط # وأما بيان الحكم فنحو الاختلاف في الركعة الواحدة أهي صلاة مشروعة أم لا ~~وفي القراءة المشروعة في الأخريين بالاتفاق أهي فريضة PageV02P197 أم لا ~~وفي القراءة المفروضة في الأوليين أتتعين الفاتحة ركنا أم لا فإنه لا مدخل ~~للرأي في إثبات هذا الحكم وفي المسح بالخف والمسح على الجرموق وعلى العمامة ~~أهو جائز أم لا وأمثلة هذا في الكتب تكثر فإن كل موضع يكون الكلام فيه في ~~الحكم ابتداء أهو ثابت شرعا أم لا لا مدخل للرأي في ذلك حتى يشتغل فيه ~~بالتعليل للإثبات أو للنفي # وأما بيان صفته فنحو الاختلاف في صفة صدقة الفطر والأضحية والوتر ~~والاختلاف في صفة الإبانة بالطلاق عند القصد إليه من غير جعل وفي صفة الملك ~~الثابت بالنكاح وهو الذي يقابله البدل أهو مشترك بين الزوجين أم يختص الرجل ~~به وفي صفة ملك النكاح أنه في حكم ملك المنفعة أو في حكم ملك العين وفي صفة ~~الطلاق المشروع أنه مباح بأصل الوضع أو مكروه والإباحة صفة عارضة فيه ~~للحاجة وفي صفة البيع المشروع حال بقاء المتعاقدين في المجلس ( أنه لازم ~~بنفس العقد أو متراخ إلى قطع المجلس ) وفي صفة الملك الثابت بعقد الرهن أنه ~~ملك اليد من جنس ما يثبت به حقيقة الاستيفاء أو ملك المطالبة بالبيع في ~~الدين من جنس ما يثبت بالكفالة وأمثلة هذه الفصول في الكتب أكثر من أن تحصى ms596 ~~ذكرنا من كل قسم طرفا لبيان الطريق للمتأمل فيه # وأما بيان القسم الرابع فنحو الاختلاف في المسح بالرأس أنه هل يسن تثليثه ~~فإنه يوجد في الطهارة ما هو مسح ولا يكون التكرار فيه مسنونا فيمكن تعليل ~~ذلك المتفق عليه لتعدية الحكم به إلى الفرع المختلف فيه ويوجد في أعضاء ~~الطهارة ما يكون التكرار فيه مسنونا بالاتفاق فيمكن تعليل ذلك لتعدية الحكم ~~به إلى الفرع فيكون القياس في موضعه من الجانبين ثم الكلام بعد ذلك يقع في ~~الترجيح # وكذلك إذا وقع الاختلاف في اشتراط تعيين النية في PageV02P198 الصوم فإن ~~هناك أصلا متفقا عليه يتأدى فيه الصوم بمطلق النية وهو النفل الذي هو عين ~~مشروعا في وقته فيمكن تعليل ذلك لتعدية الحكم به إلى الفرع وهناك أصل في ~~الصوم الذي هو فرض لا يتأدى إلا بتعيين النية وهو صوم القضاء فيمكن تعليل ~~ذلك لتعدية الحكم به إلى الفرع فيكون القياس في موضعه من الجانبين ثم ~~الكلام في الترجيح بعد ذلك # فإن قيل فقد تكلمتم بالقياس في العذر بصوم يوم النحر وكون الصوم فيه ~~مشروعا أم لا حكم لا مدخل للرأي فيه ثم اشتغلتم بالمقايسة فيه # قلنا لأنا وجدنا أصلا متفقا عليه في كون الصوم مشروعا فيه وهو سائر ~~الأيام فأمكن تعدية الحكم بتعليله إلى الفرع ثم يبقى وراء ذلك الكلام في أن ~~النهي الذي جاء لمعنى في صفة هذا اليوم وهو أنه يوم عيد عمله يكون في إفساد ~~المشروع مع بقائه في الأصل مشروعا أو في رفع المشروع وانتساخه وهذا لا ~~نثبته بالرأي وإنما نثبته بدليل النص وهو الرجوع إلى موجب النهي أنه ~~الانتهاء على وجه يبقى للمنتهي اختيار فيه كما قررنا # وقد تبين بما ذكرنا أن المجيب متى اشتغل بالتعليل بالرأي فالذي يحق على ~~السائل أن ينظر أولا أن المتنازع فيه هل هو محل له وأن ما نذكره من العلة ~~هل يتعدى الحكم به إلى الفرع فإن لم يكن بهذه الصفة لا يشتغل بالاعتراض على ~~علته ولكن يتبين له بطريق الفقه ms597 أن هذا التعليل في غير موضعه وأنه مما لا ~~يصلح أن يكون حجة حتى يتحول المجيب إلى شيء آخر أو يبين بطريق الفقه أنه ~~تعليل صحيح في محله موافق لطريق السلف في تعليلاتهم ليكون ما يجري بعد ذلك ~~بينهما على طريق الفقه # # | فصل في بيان القياس والاستحسان # قال رضي الله عنه اعلم بأن القسم الرابع الذي بيناه في الفصل المتقدم ~~يشتمل على هذين الوجهين وهو القياس والاستحسان عندنا وقد طعن بعض الفقهاء ~~في تصنيف له على عبارة علمائنا في الكتب إلا أنا تركنا القياس واستحسنا ~~وقال القائلون بالاستحسان يتركون العمل بالقياس الذي هو حجة شرعية ~~PageV02P199 ويزعمون أنهم يستحسنون ذلك وكيف يستحسن ترك الحجة والعمل بما ~~ليس بحجة لاتباع هوى أو شهوة نفس فإن كانوا يريدون ترك القياس الذي هو حجة ~~فالحجة الشرعية هو حق وماذا بعد الحق إلا الضلال وإن كانوا يريدون ترك ~~القياس الباطل شرعا فالباطل مما لا يشتغل بذكره # وقد ذكروا في كتبهم في بعض المواضع أنا نأخذ بالقياس فإن كان المراد هذا ~~فكيف يجوزون الأخذ بالباطل # وذكر من هذا الجنس ما يكون دليل قلة الحياء وقلة الورع وكثرة التهور ~~لقائله # فنقول وبالله التوفيق الاستحسان لغة وجود الشيء حسنا يقول الرجل استحسنت ~~كذا أي اعتقدته حسنا على ضد الاستقباح أو معناه طلب الأحسن للاتباع الذي هو ~~مأمور به كما قال تعالى @QB@ فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ~~@QE@ وهو في لسان الفقهاء نوعان العمل بالاجتهاد وغالب الرأي في تقدير ما ~~جعله الشرع موكولا إلى آرائنا نحو المتعة المذكورة في قوله تعالى @QB@ ~~متاعا بالمعروف حقا على المحسنين @QE@ أوجب ذلك بحسب اليسار والعسرة وشرط ~~أن يكون بالمعروف فعرفنا أن المراد ما يعرف استحسانه بغالب الرأي # وكذلك قوله تعالى @QB@ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف @QE@ ولا ~~يظن بأحد من الفقهاء أنه يخالف هذا النوع من الاستحسان # والنوع الآخر هو الدليل الذي يكون معارضا للقياس الظاهر الذي تسبق إليه ~~الأوهام قبل إنعام التأمل فيه وبعد إنعام التأمل في حكم الحادثة وأشباهها ~~من ms598 الأصول يظهر أن الدليل الذي عارضه فوقه في القوة فإن العمل به هو الواجب ~~فسموا ذلك استحسانا للتمييز بين هذا النوع من الدليل وبين الظاهر الذي تسبق ~~إليه الأوهام قبل التأمل على معنى أنه يمال بالحكم عن ذلك الظاهر لكونه ~~مستحسنا لقوة دليله وهو نظير عبارات أهل الصناعات في التمييز بين الطرق ~~لمعرفة المراد فإن أهل النحو يقولون هذا نصب على التفسير وهذا نصب على ~~المصدر وهذا نصب على الظرف وهذا نصب على التعجب PageV02P200 وما وضعوا هذه ~~العبارات إلا للتمييز بين الأدوات الناصبة # وأهل العروض يقولون هذا من البحر الطويل وهذا من البحر المتقارب وهذا من ~~البحر المديد فكذلك استعمال علمائنا عبارة القياس والاستحسان للتمييز بين ~~الدليلين المتعارضين وتخصيص أحدهما بالاستحسان لكون العمل به مستحسنا ~~ولكونه مائلا عن سنن القياس الظاهر فكان هذا الاسم مستعارا لوجود معنى ~~الاسم فيه بمنزلة الصلاة فإنها اسم للدعاء ثم أطلقت على العبادة المشتملة ~~على الأركان من الأفعال والأقوال لما فيها من الدعاء عادة # ثم استحسان العمل بأقوى الدليلين لا يكون من اتباع الهوى وشهوة النفس في ~~شيء # وقد قال الشافعي في نظائر هذا أستحب ذلك # وأي فرق بين من يقول أستحسن كذا وبين من يقول أستحبه بل الاستحسان أفصح ~~اللغتين وأقرب إلى موافقة عبارة الشرع في هذا المراد # وظن بعض المتأخرين من أصحابنا أن العمل بالاستحسان أولى مع جواز العمل ~~بالقياس في موضع الاستحسان وشبه ذلك بالطرد مع المؤثر فإن العمل بالمؤثر ~~أولى وإن كان العمل بالطرد جائزا # قال رضي الله عنه وهذا وهم عندي فإن اللفظ المذكور في الكتب في أكثر ~~المسائل إلا أنا تركنا هذا القياس والمتروك لا يجوز العمل به وتارة يقول ~~إلا أني أستقبح ذلك وما يجوز العمل به من الدليل شرعا فاستقباحه يكون كفرا ~~فعرفنا أن الصحيح ترك القياس أصلا في الموضع الذي نأخذ بالاستحسان وبه ~~يتبين أن العمل بالاستحسان لا يكون مع قيام المعارضة ولكن باعتبار سقوط ~~الأضعف بالأقوى أصلا # وقد قال في كتاب السرقة إذا دخل جماعة ms599 البيت وجمعوا المتاع فحملوه على ~~ظهر أحدهم فأخرجه وخرجوا معه في القياس القطع على الحمال خاصة وفي ~~الاستحسان يقطعون جميعا # وقال في كتاب الحدود إذا اختلف شهود الزنا في والزاويتين في بيت واحد في ~~القياس لا يحد المشهود عليه وفي الاستحسان يقام الحد # ومعلوم أن الحد يسقط بالشبهة وأدنى درجات المعارض ايراث الشبهة فكيف ~~يستحسن إقامة الحد في موضع الشبهة # وكذلك قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله PageV02P201 تصحح ردة الصبي ~~استحسانا # ومعلوم أن عند قيام دليل المعارضة يرجح الموجب للإسلام وإن كان هو أضعف ~~كالمولود بين كافر ومسلمة وكيف يستحسن الحكم بالردة مع بقاء دليل موجب ~~الإسلام فعرفنا أن القياس متروك أصلا في الموضع الذي يعمل فيه بالاستحسان ~~وإنما سميناهما تعارض الدليلين باعتبار أصل الوضع في كل واحد من النوعين لا ~~أن بينهما معارضة في موضع واحد # والدليل على أن المراد هذا ما قال في كتاب الطلاق إذا قال لامرأته إذا ~~حضت فأنت طالق فقالت قد حضت فكذبها الزوج فإنها لا تصدق في القياس باعتبار ~~الظاهر وهو أن الحيض شرط الطلاق كدخولها الدار وكلامها زيدا وفي الاستحسان ~~تطلق لأن الحيض شيء في باطنها لا يقف عليه غيرها فلا بد من قبول قولها فيه ~~بمنزلة المحبة والبغض # قال وقد يدخل في هذا الاستحسان بعض القياس يعني به أن في سائر الأحكام ~~المتعلقة بالحيض قبلنا قولها نحو حرمة الوطء وانقضاء العدة فاعتبار هذا ~~الحكم بسائر الأحكام نوع قياس ثم ترك القياس الأول أصلا لقوة دليل ~~الاستحسان وهو أنها مأمورة بالإخبار عما في رحمها منهية عن الكتمان قال ~~تعالى @QB@ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن @QE@ ومن ضرورة ~~النهي عن الكتمان كونها أمينة في الإظهار وإليه أشار أبي بن كعب رضي الله ~~عنه فقال من الأمانة أن تؤتمن المرأة على ما في رحمها # فصار ذلك القياس متروكا باعتراض هذا الدليل القوي الموجب للعمل به # فالحاصل أن ترك القياس يكون بالنص تارة وبالإجماع أخرى وبالضرورة أخرى # فأما تركه بالنص فهو فيما ms600 أشار إليه أبو حنيفة رحمه الله في أكل الناسي ~~للصوم لولا قول الناس لقلت يقضي # يعني به رواية الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نص يجب العمل ~~به بعد ثبوته واعتقاد البطلان في كل قياس يخالفه # وهذا اللفظ نظير ما قال عمر رضي الله عنه في قصة الجنين لقد كدنا أن نعمل ~~برأينا فيما فيه أثر # PageV02P202 وكذلك القياس يأبى جواز السلم باعتبار أن المعقود عليه معدوم ~~عند العقد تركناه بالنص وهو الرخصة الثابتة بقوله عليه السلام ( ورخص في ~~السلم ) وأما ترك القياس بدليل الإجماع فنحو الاستصناع فيما فيه للناس ~~تعامل فإن القياس يأبى جوازه تركنا القياس للإجماع على التعامل به فيما بين ~~الناس من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ( وهذا ) لأن ~~القياس فيه احتمال الخطأ والغلط فبالنص أو الإجماع يتعين فيه جهة الخطأ فيه ~~فيكون واجب الترك لا جائز العمل به في الموضع الذي تعين جهة الخطأ فيه # وأما الترك لأجل الضرورة فنحو الحكم بطهارة الآبار والحياض بعدما نجست ~~والحكم بطهارة الثوب النجس إذا غسل في الإجانات فإن القياس يأبى جوازه لأن ~~ما يرد عليه النجاسة يتنجس بملاقاته تركناه للضرورة المحوجة إلى ذلك لعامة ~~الناس فإن الحرج مدفوع بالنص وفي موضع الضرورة يتحقق معنى الحرج لو أخذ فيه ~~بالقياس فكان متروكا بالنص # وكذلك جواز عقد الإجارة فإنه ثابت بخلاف القياس لحاجة الناس إلى ذلك فإن ~~العقد على المنافع بعد وجودها لا يتحقق لأنها لا تبقى زمانين فلا بد من ~~إقامة العين المنتفع بها مقام الإجارة في حكم جواز العقد لحاجة الناس إلى ~~ذلك # ثم كل واحد منهما نوعان في الحاصل فأحد نوعي القياس ما ضعف أثره وهو ظاهر ~~جلي والنوع الآخر منه ما ظهر فساده واستتر وجه صحته وأثره # وأحد نوعي الاستحسان ما قوي أثره وإن كان خفيا والثاني ما ظهر أثره وخفي ~~وجه الفساد فيه # وإنما يكون الترجيح بقوة الأثر لا بالظهور ولا بالخفاء لما بينا أن العلة ~~الموجبة للعمل بها ms601 شرعا ما تكون مؤثرة وضعيف الأثر يكون ساقطا في مقابلة ~~قوي الأثر ظاهرا كان أو خفيا بمنزلة الدنيا مع العقبى # فالدنيا ظاهرة والعقبى باطنة ثم ترجح العقبى حتى وجب الاشتغال بطلبها ~~والإعراض عن طلب الدنيا لقوة الأثر من حيث البقاء PageV02P203 والخلود ~~والصفاء فكذلك القلب مع النفس والعقل مع البصر # وبيان ما يسقط اعتباره من القياس لقوة الأثر الاستحسان الذي هو القياس ~~المستحسن في سؤر سباع الطير فالقياس فيه النجاسة اعتبارا بسؤر سباع الوحش ~~بعلة حرمة التناول وفي الاستحسان لا يكون نجسا لأن السباع غير محرم ~~الانتفاع بها فعرفنا أن عينها ليست بنجسة وإنما كانت نجاسة سؤر سباع الوحش ~~باعتبار حرمة الأكل لأنها تشرب بلسانها وهو رطب من لعابها ولعابها يتجلب من ~~لحمها وهذا لا يوجد في سباع الطير لأنها تأخذ الماء بمنقارها ثم تبتلعه ~~ومنقارها عظم جاف والعظم لا يكون نجسا من الميت فكيف يكون نجسا من الحي # ثم تأيد هذا بالعلة المنصوص عليها في الهرة فإن معنى البلوى يتحقق في سؤر ~~سباع الطير لأنها تنقض من الهواء ولا يمكن صون الأواني عنها خصوصا في ~~الصحارى وبهذا يتبين أن من ادعى أن القول بالاستحسان قول بتخصيص العلة فقد ~~أخطأ لأن بما ذكرنا تبين أن المعنى الموجب لنجاسة سؤر سباع الوحش الرطوبة ~~النجسة في الآلة التي تشرب بها وقد انعدم ذلك في سباع الطير فانعدم الحكم ~~لانعدام العلة وذلك لا يكون من تخصيص العلة في شيء وعلى اعتبار الصورة ~~يتراءى ذلك ولكن يتبين عند التأمل انعدام العلة أيضا لأن العلة وجوب التحرز ~~عن الرطوبة النجسة التي يمكن التحرز عنها من غير حرج وقد صار هذا معلوما ~~بالتنصيص على هذا التعليل في الهرة ففي كل موضع ينعدم بعض أوصاف العلة كان ~~انعدام الحكم لانعدام العلة فلا يكون تخصيصا # وبيان الاستحسان الذي يظهر أثره ويخفى فساده مع القياس الذي يستتر أثره ~~ويكون قويا في نفسه حتى يؤخذ فيه بالقياس ويترك الاستحسان فيما يقول في ~~كتاب الصلاة إذا قرأ المصلي سورة في آخرها سجدة ms602 فركع بها في القياس تجزيه ~~وفي الاستحسان لا تجزيه عن السجود وبالقياس نأخذ فوجه الاستحسان أن الركوع ~~غير السجود وضعا ألا ترى أن الركوع في الصلاة PageV02P204 لا ينوب عن سجود ~~الصلاة فلا ينوب عن سجدة التلاوة بطريق الأولى لأن القرب بين ركوع الصلاة ~~وسجودها أظهر من حيث إن كل واحد منهما موجب التحريمة ولو تلا خارج الصلاة ~~فركع لها لم يجز عن السجدة ففي الصلاة أولى لأن الركوع هنا مستحق لجهة أخرى ~~وهناك لا وفي القياس قال الركوع والسجود يتشابهان قال تعالى @QB@ وخر راكعا ~~@QE@ أي ساجدا ولكن هذا من حيث الظاهر مجاز محض ووجه الاستحسان من حيث ~~الظاهر اعتبار شبه صحيح ولكن قوة الأثر للقياس مستتر ووجه الفساد في ~~الاستحسان خفي # وبيان ذلك أنه ليس المقصود من السجدة عند التلاوة عين السجدة ولهذا لا ~~تكون السجدة الواحدة قربة مقصودة بنفسها حتى لا تلزم بالنذر إنما المقصود ~~إظهار التواضع وإظهار المخالفة للذين امتنعوا من السجود استكبارا منهم كما ~~أخبر الله عنهم في مواضع السجدة # قلنا ومعنى التواضع يحصل بالركوع ولكن شرطه أن يكون بطريق هو عبادة وهذا ~~يوجد في الصلاة لأن الركوع فيها عبادة كالسجود ولا يوجد خارج الصلاة ولقوة ~~الأثر من هذا الوجه أخذنا بالقياس وإن كان مستترا وسقط اعتبار الجانب الآخر ~~في مقابلته # وكذلك قال في البيوع إذا وقع الاختلاف بين المسلم إليه ورب السلم في ~~ذرعان المسلم فيه في القياس يتحالفان وبالقياس نأخذ وفي الاستحسان القول ~~قول المسلم إليه # ووجه الاستحسان أن المسلم فيه مبيع فالاختلاف في ذرعانه لا يكون اختلافا ~~في أصله بل في صفته من حيث الطول والسعة وذلك لا يوجب التحالف كالاختلاف في ~~ذرعان الثوب المبيع بعينه # ووجه القياس أنهما اختلفا في المستحق بعقد السلم وذلك يوجب التحالف ثم ~~أثر القياس مستتر ولكنه قوي من حيث إن عند السلم إنما يعقد بالأوصاف ~~المذكورة لا بالإشارة إلى العين فكان الموصوف بأنه خمس في سبع غير الموصوف ~~بأنه أربع في ستة فبهذا يتبين أن الاختلاف PageV02P205 هنا في ms603 أصل المستحق ~~بالعقد فأخذنا بالقياس لهذا # وقال في الرهن إذا ادعى رجلان كل واحد منهما عينا في يد رجل أنه مرهون ~~عنده بدين له عليه وأقاما البينة ففي الاستحسان يقضي بأنه مرهون عندهما ~~بمنزلة ما لو رهن عينا من رجلين وهو قياس البيع في ذلك وفي القياس تبطل ~~البينتان لأنه تعذر القضاء بالرهن لكل واحد منهما في جميعه فإن المحل يضيق ~~عن ذلك وفي نصفه لأن الشيوع يمنع صحة الرهن وأخذنا بالقياس لقوة أثره ~~المستتر وهو أن كل واحد منهما هنا إنما يثبت الحق لنفسه بتسمية على حدة وكل ~~واحد منهما غير راض بمزاحمة الآخر معه في ملك اليد المستفاد بعقد الرهن ~~بخلاف الرهن من رجلين فهناك العقد واحد فيمكن إثبات موجب العقد به متحدا في ~~المحل وذلك لا يمكن هنا وهذا النوع يعز وجوده في الكتب لا يوجد إلا قليلا ~~فأما النوع المتقدم فهو في الكتب أكثر من أن يحصى # ثم فرق ما بين الاستحسان الذي يكون بالنص أو الإجماع وبين ما يكون ~~بالقياس الخفي المستحسن أن حكم هذا النوع يتعدى وحكم النوع الآخر لا يتعدى ~~لما بينا أن حكم القياس الشرعي التعدية فهذا الخفي وإن اختص باسم الاستحسان ~~لمعنى فهو لا يخرج من أن يكون قياسا شرعيا فيكون حكمه التعدية والأول معدول ~~به عن القياس بالنص وهو لا يحتمل التعدية كما بينا # وبيانه فيما إذا اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن والمبيع غير مقبوض ~~في القياس القول قول المشتري لأن البائع يدعي عليه زيادة في حقه وهو الثمن ~~والمشتري منكر واليمين بالشرع في جانب المنكر والمشتري لا يدعي على البائع ~~شيئا في الظاهر إذ المبيع صار مملوكا له بالعقد ولكن في الاستحسان يتخالفان ~~لأن المشتري يدعي على البائع وجوب تسليم المبيع إليه عند إحضار أقل الثمنين ~~والبائع منكر لذلك والبيع كما يوجب استحقاق الملك على البائع PageV02P206 ~~يوجب استحقاق اليد عليه عند وصول الثمن إليه ثم هذا الاستحسان لكونه قياسا ~~خفيا يتعدى حكمه إلى الإجازة وإلى النكاح في قول ms604 أبي حنيفة ومحمد رحمهما ~~الله وإلى ما لو وقع الاختلاف بين الورثة بعد موت المتبايعين وإلى ما بعد ~~هلاك السلعة إذا أخلف بدلا بأن قتل العبد المبيع قبل القبض ولو كان ~~الاختلاف في الثمن بينهما بعد قبض المبيع فإن حكم التخالف عند قيام السلعة ~~فيه يثبت بالنص بخلاف القياس فلا يحتمل التعدية حتى إذا كان بعد هلاك ~~السلعة لا يجري التخالف سواء أخلف بدلا أو لم يخلف # وفي الإجازة بعد استيفاء المعقود عليه لا يجري التخالف وإن كان الاختلاف ~~بين الورثة بعد قبض السلعة لا يجري التخالف # وقد يكون القياس الذي في مقابلة الاستحسان الذي قلنا أصله مستحسن ثابت ~~بالأثر نحو ما قال في الصلاة وإذا نام في صلاته فاحتلم في القياس يغتسل ~~ويبني كما إذا سبقه الحدث وذلك مستحسن بالأثر وفي الاستحسان لا يبني # وفي هذا النوع المأخوذ به هو الاستحسان على كل حال لأنه في الحقيقة رجوع ~~إلى القياس الأصلي ببيان يظهر به أن هذا ليس في معنى المعدول به من القياس ~~الأصلي بالأثر من كل وجه فلو ثبت الحكم فيه كان بطريق التعدية والمعدول به ~~عن القياس بالأثر لا يحتمل التعدية وذلك البيان أن الحدث الصغرى لا يحوجه ~~إلى كشف العورة ولا إلى عمل كثير وتكثر البلوى فيه من الصلاة بخلاف الحدث ~~الكبرى فإذا لم يكن في معناه من كل ما له كان إثبات الحكم فيه بطريق ~~التعدية لا بالنص بعينه وذلك لا وجه له # فتبين بجميع ما ذكرنا أن القول بالاستحسان لا يكون تخصيص العلة في شيء ~~ولكن في اعتبار حدة العبادة اتباع الكتاب والسنة والعلماء من السلف وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ~~وكثيرا ما كان يستعمل ابن مسعود هذه العبارة ومالك بن أنس في كتابه ذكر لفظ ~~الاستحسان في مواضع # وقال الشافعي رحمه الله أستحسن في المتعة ثلاثين درهما # فعرفنا أنه لا طعن في هذه العبارة ومن حيث المعنى PageV02P207 هو قول ~~بانعدام الحكم عند ms605 انعدام العلة وأحد لا يخالف هذا فإنا إذا جوزنا دخول ~~الحمام بأجر بطريق الاستحسان فإنما تركنا القول بالفساد الذي يوجبه القياس ~~لانعدام علة الفساد وهو أن فساد العقد بسبب جهالة المعقود عليه ليس لعين ~~الجهالة بل لأنها تفضي إلى منازعة مانعة عن التسليم والتسلم وهذا لا يوجد ~~هنا وفي نظائره فكان انعدام الحكم لانعدام العلة لا أن يكون بطريق تخصيص ~~العلة # # | فصل في بيان فساد القول بجواز التخصيص في العلل الشرعية # قال رضي الله عنه زعم أهل الطرد أن الذي يقولون بالعلل المؤثرة ويجعلون ~~التأثير مصححا للعلل الشرعية لا يجدون بدا من القول بتخصيص العلل الشرعية ~~وهو غلط عظيم كما نبينه # وزعم بعض أصحابنا أن التخصيص في العلل الشرعية جائز وأنه غير مخالف لطريق ~~السلف ولا لمذهب أهل السنة وذلك خطأ عظيم من قائله فإن مذهب من هو مرضي من ~~سلفنا أنه لا يجوز التخصيص في العلل الشرعية ومن جوز ذلك فهو مخالف لأهل ~~السنة مائل إلى أقاويل المعتزلة في أصولهم # وصورة التخصيص أن المعلل إذا أورد عليه فصل يكون الجواب فيه بخلاف ما ~~يروم إثباته بعلته يقول موجب علتي كذا إلا أنه ظهر مانع فصار مخصوصا ~~باعتبار ذلك المانع بمنزلة العام الذي يخص منه بعض ما يتناوله بالدليل ~~الموجب للتخصيص # ثم من جوز ذلك قال التخصيص غير المناقضة لغة وشرعا وفقها وإجماعا # أما اللغة فلأن النقض إبطال فعل قد سبق بفعل نشأه كنقض البنيان # والتخصيص بيان أن المخصوص لم يدخل في الجملة فكيف يكون نقضا ألا ترى أن ~~ضد النقض البناء والتأليف وضد الخصوص العموم # ومن حيث السنة التخصيص جائز في النصوص الشرعية من الكتاب والسنة والتناقض ~~لا يجوز فيهما بحال # ومن حيث الإجماع فالقياس الشرعي يترك العمل به في بعض المواضع بالنص أو ~~الإجماع أو الضرورة وذلك يكون تخصيصا لا مناقضة ولهذا بقي ذلك القياس موجبا ~~للعمل في غير ذلك الموضع PageV02P208 والقياس المنتقض فاسد لا يجوز العمل ~~به في موضع # ومن حيث المعقول إن المعلل متى ذكر وصفا ms606 صالحا وادعى أن الحكم متعلق بذلك ~~الوصف فيورد عليه فصل يوجد فيه ذلك الوصف ويكون الحكم بخلافه فإنه يحتمل أن ~~يكون ذلك لفساد في أصل علته ويحتمل أن يكون ذلك لمانع منع ثبوت الحكم ألا ~~ترى أن سبب وجوب الزكاة ملك النصاب النامي ثم يمتنع وجوب الزكاة بعد وجوده ~~لمانع وهو انعدام حصول النماء بمضي الحول ولم يكن ذلك دليل فساد السبب ~~والبيع بشرط الخيار يمنع ثبوت الملك به لمانع وهو الخيار المشروط لا لفساد ~~أصل السبب وهو البيع # فأما إذا قال هذا الموضع صار مخصوصا من علتي لمانع فقد ادعى شيئا محتملا ~~فيكون مطالبا بالحجة فإن أبرز مانعا صالحا فقد أثبت ما ادعاه بالحجة فيكون ~~ذلك مقبولا منه وإلا فقد سقط احتجاجه لأن المحتمل لا يكون حجة وبه فارق ~~المدعي التخصيص في النص فإنه لا يطالب بإقامة الدليل على ما يدعي أنه صار ~~مخصوصا مما استدل به من عموم الكتاب والسنة لأنه ليس فيما استدل به احتمال ~~الفساد فكان جهة التخصيص متعينا فيه بالإجماع وهنا في علته احتمال الفساد ~~فما لم يتبين دليل الخصوص فيما ادعى أنه مخصوص من علة لا ينتفي عنه معنى ~~الفساد فلهذا لا يقبل منه ما لم يتبين المانع # ثم جعل القائل الموانع خمسة أقسام ما يمنع أصل العلة وما يمنع تمام العلة ~~وما يمنع ابتداء الحكم وما يمنع تمام الحكم وما يمنع لزوم الحكم وذلك يتبين ~~كله حسا وحكما فمن حيث الحس يتبين هذا كله في الرمي فإن انقطاع الوتر أو ~~انكسار فوق السهم يمنع أصل الفعل الذي هو رمي بعد تمام قصد الرامي إلى ~~مباشرته وإصابة السهم حائطا أو شجرة ترده عن سننه يمنع تمام العلة بالوصول ~~إلى المرمى ودفع المرمي إليه عن نفسه بترس يجعله أمامه يمنع ابتداء الحكم ~~الذي يكون الرمي لأجله بعد تمام العلة بالوصول إلى المقصد وذلك الجرح ~~والقتل ومداواته الجراحة بعدما أصابه حتى اندمل وبرأ يمنع تمام الحكم وإذا ~~صار به صاحب فراش ثم تطاول حتى أمن الموت ms607 منه يمنع PageV02P209 لزوم الحكم ~~بمنزلة صاحب الفالج إذا تطاول ما به وأمن الموت منه كل بمنزلة الصحيح في ~~تصرفاته وفي الحكميات إضافة البيع إلى الحر يمنع انعقاد أصل العلة وإضافته ~~إلى مال الغير يمنع انعقاد تمام العلة في حق المالك حتى تيعين جهة البطلان ~~فيه بموته واشتراط الخيار من المالك لنفسه في البيع يمنع ابتداء الحكم ~~وثبوت خيار الرؤية للمشتري يمنع تمام الحكم حتى لا تتم الصفقة بالقبض معه ~~وثبوت خيار العيب يمنع لزوم الحكم حتى يتمكن من رده بعد تمام الصفقة بالقبض # والحجة لعلمائنا في إبطال القول بتخصيص العلة الإستدلال بالكتاب والمعقول ~~والبيان الذي لا يمكن إنكاره # أما الكتاب فقوله تعالى @QB@ قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه ~~أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين @QE@ ففيه مطالبة الكفار ببيان ~~العلة فيما ادعوا فيه الحرمة على وجه لا مدفع لهم فصاورا محجوجين به وذلك ~~الوجه أنهم إذا بينوا أحد هذهه المعانى أن الحرمة لأجله انتقض عليهم ~~بإقرارهم بالحل في الموضع الآخر مع وجود ذلك المعنى فيه ولو كان التخصيص في ~~علل الأحكام الشرعية جائزا ما كانوا محجوجين فإن أحدا لا يعجز من أن يقول ~~امتنع ثبوت حكم الحرمة في ذلك الموضع لمانع وقد كانوا عقلاء يعتقدون الحل ~~في الموضع الآخر لشبهة أو معنى تصور عندهم وفي قوله تعالى @QB@ نبئوني بعلم ~~@QE@ إشارة إلى أن المصير إلى تخصيص العلل الشرعية ليس من العلم في شيء ~~فيكون جهلا # وأما المعقول فلأن العلل الشرعية حكمها التعدية كما قررنا وبدون التعدية ~~لا تكون صحيحة أصلا لأنها خالية عن موجبها وإذا جاز قيام المانع في بعض ~~المواضع الذي يتعدى الحكم إليه بهذه العلة جاز قيامه في جميع المواضع فيؤدى ~~إلى القول بأنها علة صحيحة من غير أن يتعدى الحكم بها إلى شيء من الفروع ~~وقد أثبتنا فساد هذا القول بالدليل # ثم إن كان تعدية الحكم بها إلى فرع PageV02P210 دليل صحتها فانعدام الحكم ~~بها إلى فرع آخر توجد فيه تلك العلة دليل فسادها ومع مساواة دليل ms608 الصحة ~~والفساد لا تثبت الحجة الشرعية موجبة للعمل يقرره أن المانع الذى يدعى في ~~الموضع المخصوص لا بد أن يكون ثابتا بمثل ما ثبتت به العلة الموجبة للحكم ~~لأنه إذا كان دونه لا يصلح دافعا له ولا مانعا لحكمه وإذا كان مثلا له فذلك ~~المانع يمكن تعليله بعلة توجب تعدية حكم النفى إلى سائر الفروع مثل الأصل ~~الذي علله المعلل بما أشار إليه من الوصف لإثبات الحكم فيه فتحقق المعارضة ~~بينهما من هذا الوجه وأى مناقضة أبين من التعارض على وجه المضادة بصفة ~~التساوى # ثم قد بينا فيما سبق أن دليل الخصوص يشبه النسخ بصيغته والإستثناء بحكمه ~~فإنه مستقل بنفسه كدليل النسخ ولا يكون ذلك إلا مقارنا معنى كالإستثناء ~~وواحد من هذين الوجهين لا يتحقق في العلل فإن نسخ العلة بالعلة لا يجوز ~~والخصم يجوز أن يكون المانع علة مثل العلة التى يدعى تخصيصها وكيف يجوز ~~النسخ والعلة فيما احتمال الفساد لكونها مستنبطة بالرأى # فإذا ظهر ما يمنع العمل بها أصلا تتعين جهة الفساد فيها بخلاف النص فإنه ~~لا يحتمل جهة الفساد فالنسخ يكون بيانا لمدة العمل به # ولهذا نوع بيان آخر فإن الخصوص يتبين أنه معمول به في بعض المحال دون ~~البعض وذلك إنما يجوز فيما يجوز القول فيه بالنسخ مع صحته حتى يقال إنه ~~معمول به في بعض الأوقات دون البعض والإستثناء إنما يكون في العبارات ~~ليتبين به أن الكلام عبارة عما وراء المستثنى وذلك لا يتحقق في المعانى ~~الخالصة # فيتبين بما ذكرنا أن القول بالتخصيص مستقيم في النصوص من حيث إن بدليل ~~الخصوص لا تتمكن شبهة الفساد في النص بوجه بل يتبين أن اسم النص لم يكن ~~متناولا للموضع المخصوص مع كون العام صحيحا موجبا للعمل قطعا قبل قيام دليل ~~الخصوص فمن جوز تخصيص العلة لا يجد بدا من القول بتصويب المجتهدين أجمع ~~وعصمة الإجتهاد عن احتمال الخطأ والفساد كعصمة النص من ذلك PageV02P211 ~~وهذا تصريح بأن كل مجتهد مصيب لما هو الحق حقيقة وأن الاجتهاد يوجب علم ms609 ~~اليقين وفيه قول بوجوب الأصلح وفيه من وجه آخر قول بالمنزلة بين المنزلتين ~~وبالخلود في النار لأصحاب الكبائر إذا ماتوا قبل التوبة # فهذا معنى قولنا إن في القول بجواز تخصيص العلة ميلا إلى أصول المعتزلة ~~من وجوه # ولكنا نقول انعدام الحكم لا يكون إلا بعد نقصان وصف أو زيادة وصف وهو ~~الذي يسمونه مانعا مخصصا وبهذه الزيادة والنقصان تتغير العلة لا محالة ~~فيصير ما هو علة الحكم منعدما حكما وعدم الحكم عند انعدام العلة لا يكون من ~~تخصيص العلة في شيء # وبيان هذا أن الموجب للزكاة شرعا هو النصاب النامي الحولي عرف بقوله عليه ~~السلام ( لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ) والمراد نفي الوجوب والعلل ~~الشرعية لا توجب الحكم بذواتها بل بجعل الشرع إياها موجبة على ما بينا أن ~~الموجب هو الله تعالى والإضافة إلى العلة لبيان أن الشرع جعلها موجبة ~~تيسيرا علينا فإذا كانت بهذا الوصف موجبة شرعا عرفنا أن عند انعدام هذا ~~الوصف ينعدم الحكم لانعدام العلة الموجبة # ولا يلزمنا جواز الأداء لأن العلة الموجبة غير العلة المجوزة للأداء وقد ~~قررنا هذا فيما سبق أن الجزء الأول من الوقت مجوز أداء الصلاة فرضا وإن لم ~~يكن موجبا للأداء عينا مع أن هذا الوصف مؤثر فإن النماء الذي هو مقصود إنما ~~يحصل بمضي المدة ألا ترى أن الوجوب يتكرر بتكرر الحول لتجدد معنى النماء ~~بمضي كل حول وكذلك البيع بشرط الخيار فإن الموجب للملك شرعا البيع المطلق ~~ومع شرط الخيار لا يكون مطلقا بل بهذه الزيادة يصير البيع في حق الحكم ~~كالمتعلق بالشرط وقد بينا أن المتعلق بالشرط غير المطلق ولصفة الإطلاق ~~تأثير أيضا فإن الموجب للملك بالنص التجارة عن تراض وتمام الرضا يكون عند ~~إطلاق الإيجاب لا مع شرط الخيار فظهر أن العلة تنعدم بزيادة وصف أو نقصان ~~PageV02P212 وصف وهو الحاصل الذي يجب مراعاته فإنهم يسمون هذا المعنى ~~المغير مانعا مخصصا فيقولون انعدام الحكم مع بقاء العلة بوجود مانع وذلك ~~تخصيص كالنص العام يلحقه خصوص فيبقى ms610 نصا فيما وراء موضع الخصوص # ونحن نقول تنعدم العلة حين ثبت المغير فينعدم الحكم لانعدام العلة وهذا ~~في العلل مستقيم بخلاف النصوص فإن بالنص الخاص لا ينعدم النص العام وعلى ~~هذا الطريق ما استحسنه علماؤنا من القياس في كتبهم فإن الاستحسان قد يكون ~~بالنص وبوجود النص تنعدم العلة الثابتة بالرأي لأنه لا معتبر بالعلة أصلا ~~في موضع النص ولا في معارضة حكم النص # وكذلك الاستحسان إذا كان بسبب الإجماع لأن الإجماع كالنص من كتاب أو سنة ~~في كونه موجبا العلم # وكذلك ما يكون عن ضرورة فإن موضع الضرورة مجمع عليه أو منصوص عليه ولا ~~يعتبر بالعلة في موضع النص فكان انعدام الحكم في هذه المواضع لانعدام العلة ~~وكذلك إذا كان الاستحسان بقياس مستحسن ظهر قوة أثره لما بينا أن الضعيف في ~~معارضة القوي معدوم حكما # وبيان ما ذكرنا في أن النائم إذا صب في حلقه ماء وهو صائم لم يفسد صومه ~~على قول زفر لأنه معذور كالناسي أو أبلغ منه وفسد صومه عندنا لفوات ركن ~~الصوم والعبادة لا تتأدى بدون ركنها فيلزم على هذا الناسي # فمن يجوز تخصيص العلة يقول انعدم الحكم هناك لوجود مانع وهو الأثر فكان ~~مخصوصا من هذه العلة بهذا الطريق مع بقاء العلة # ونحن نقول انعدم الحكم في الناسي لانعدام العلة حكما فإن النسيان لا صنع ~~فيه لأحد من العباد وقد ثبت بالنص أن الله تعالى أطعمه وسقاه وصار فعله في ~~الأكل ساقط الاعتبار وتفويت الركن إنما يكون بفعل الأكل فإذا لم يبق فعله ~~في الأكل شرعا كان ركن الصوم قائما حكما وإنما لم يحصل الفطر هنا لانعدام ~~العلة الموجبة للفطر ثم النائم ليس في معناه لأن الفعل الذي يفوت به ركن ~~الصوم مضاف إلى العباد هنا فيبقى معتبرا مفوتا ركن PageV02P213 الصوم بخلاف ~~إذا كان مضافا إلى من له الحق # وكذلك قلنا إن المغصوب يصير مملوكا للغاصب عند تقرر الضمان عليه لأن بهذا ~~السبب لما تقرر الملك في ضمان القيمة وهو حكم شرعى فيقرر الملك فيما ms611 يقابله ~~فيلزم على هذا فصل المدبر من حيث إنه يتقرر الملك في قيمته للمغصوب منه ولا ~~يثبت الملك في المدبر للغاصب فمن يرى تخصيص العلة يقول امتنع ثبوت الحكم في ~~المدبر مع وجود العلة لمانع وهو أنه غير محتمل للنقل من ملك إلى ملك # ونحن نقول انعدمت العلة الموجبة للملك في المدبر فينعدم الحكم لانعدام ~~العلة وهذا لأن العلة تقرر الملك في قيمة هي بدل عن العين وقيمة المدبر ليس ~~ببدل عن عينها لأن شرط كون القيمة بدلا عن العين أن تكون العين محتملا ~~للتمليك وذلك لا يوجد في المدبر لأن المدبر جرى فيه عتق من وجه والعتق في ~~المحل يمنع وجوب قيمة العين بسبب الغصب ولكن الضمان واجب باعتبار الجناية ~~التى تمكنت من الغاصب بتفويت يده لأن مع جريان العتق فيه من وجه قد بقيت ~~اليد والمالية مستحقة للمالك فإن انعدام ذلك يعتمد ثبوت العتق في المحل من ~~كل وجه فعرفنا أنه إنما انعدم الحكم لانعدام العلة بوجود ما يغيرها # وكذلك إذا قلنا في الزنا إنه ثبتت به حرمة المصاهرة لأن ثبوت الحرمة في ~~الأصل باعتبار الولد الذي يتخلق من الماءين فيصير بواسطة الولد أمهاتها ~~وبناتها في حقه كأمهاته وبناته وأبناؤه وآباؤه في حقها كآبائها وأبنائها ثم ~~الوطء في محل الحرث سبب لحصول هذا الولد فيقام مقامه ويلزم على هذا أنه لا ~~يتعدى الحرمة إلى الأخوات والعمات والخالات من الجانبين فمن يقول بتخصيص ~~العلة يقول امتنع ثبوت الحكم مع قيام العلة في هذه المواضع للنص أو الإجماع ~~ونحن نقول إنما انعدم الحكم لانعدام العلة لأن في النص الموجب لحرمة ~~المصاهرة ذكر الأمهات والبنات والآباء والأبناء خاصة فامتداد الحرمة إلى ~~الأخوات والعمات والخالات يكون تغييرا PageV02P214 وإثباتا احرمة أخرى لأن ~~المقصود غير الممتد وإنما يعلل المنصوص ولا يجوز تبديل المنصوص بالتعليل ~~فكان انعدام الحكم في هذه المواضع لانعدام العلة لا لمانع مع قيام العلة # وكذلك إن ألزم أن الموطوءة لا تحرم على الواطىء بواسطة الولد والقرب ~~بينهما أمس فالتخريج هكذا أنه ms612 إنما انعدم الحكم هناك لانعدام العلة باعتبار ~~مورد النص كما قررنا وهذا أصل كبير وفقه عظيم # من ترك التعنت وتأمل عن إنصاف يخرج له جميع ما لم يذكر بما هو من نظائر ~~ما ذكرنا عليه # وعمدة هذا الفقه معرفة الخصوص فإن النصين إذا كان أحدهما عاما والآخر ~~خاصا فالعام لا ينعدم بالخاص حقيقة ولا حكما وليس في واحد من النصين توهم ~~الفساد فعرفنا أن الخاص كان مخصصا للموضع الذى تناوله من حكم العام مع بقاء ~~العام حجة فيما وراء ذلك وإن تمكن فيه نوع شبهة من حيث إنه صار كالمستعار ~~فيما هو حقيقة حكم العام فأما العلة وإن كانت مؤثرة ففيها احتمال الفساد ~~والخطأ وهي تحتمل الإعدام حكما فإذا جاء ما يغيرها جعلناها معدومة حكما في ~~ذلك الموضع ثم انعدم الحكم لانعدام العلة ولا يكون فيها شيء من معنى ~~التناقض ولا يكون من التخصيص في شيء والله أعلم # | باب وجوه الإحتجاج بما ليس بحجة مطلقا # قال رضى الله عنه فهذا الباب يشتمل على فصول # فالذي نبدأ به الإحتجاج بلا دليل فإن العلماء اختلفوا فيه على أقاويل قال ~~بعضهم لا دليل حجة للنافى على خصمه ولا يكون حجة للمثبت وقال بعضهم هي حجة ~~دافعة لا موجبة والذي دل عليه مسائل الشافعي رحمه الله أنها حجة دافعة ~~لإبقاء ما ثبت بدليله لا لإثبات ما لم يعلم ثبوته بدليله والذى دل عليه ~~مسائل أصحابنا أن هذا في حق الله تعالى فأما في حق PageV02P215 العباد لا ~~تكون هي حجة لأحد الخصمين على الآخر في الدفع ولا في الإيجاب لا في الإبقاء ~~ولا في الإثبات ابتداء # فأما الفريق الأول احتجوا وقالوا أقوى المناظرة ما يكون في إثبات التوحيد ~~وفي أمور النبوة فقد علمنا الله تعالى الاحتجاج بلا دليل على نفي الشرك ~~بقوله @QB@ ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به @QE@ ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يجادل المشركين في إثبات نبوته وكانوا ينفون ذلك وهو ~~يثبت ثم كانوا لا يطالبون على هذا ms613 النفي بشيء فوق قولهم لا دليل على نبوته ~~واشتغل بعد جحودهم بإثبات نبوته بالآيات المعجزة والبراهين القاطعة فعرفنا ~~بهذا أن لا دليل حجة للنافي على خصمه إلى أن يثبت الخصم ما يدعي ثبوته ~~بالدليل وهذا لأن النافي إنما لا يطالب بدليل لكونه متمسكا بالأصل وهو عدم ~~الدليل الموجب أو المانع والمحرم أو المبيح ووجوب التمسك بالأصل إلى أن ~~يظهر الدليل المغير له طريق في الشرع ولهذا جعل الشرع البينة في جانب ~~المدعي لا في جانب المنكر لأنه متمسك بالأصل وهو أنه لا حق للغير في ذمته ~~ولا في يده وذلك حجة له على خصمه في الكف عن التعرض له ما لم يقم الدليل ~~وأيد ما ذكرنا قوله تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما @QE@ الآية ~~فقد علم نبيه عليه السلام الاحتجاج بعدم الدليل الموجب للحرمة على الذين ~~كانوا يثبتون الحرمة في أشياء كالسائبة والوصيلة والحام والبحيرة فثبت بهذا ~~أن لا دليل حجة للنافي على خصمه # وهذا الذي ذهبوا إليه غير موافق لشيء من العلل المنقولة عن السلف في نفي ~~الحكم وإثباته وهو ينتهي إلى الجهل أيضا فإنا نقول لهذا القائل لا دليل على ~~الإثبات عندك أو عند غيرك فإن خصمك يدعي قيام الدليل عنده وكما أن دعواه ~~الدليل عنده لا يكون حجة عليك حتى تبرزه فدعواك عليه أن لا دليل عندي لا ~~يكون حجة عليه وإن قلت لا دليل عندي فهذا إقرار منك بالجهل والتقصير في ~~الطلب فكيف يكون حجة على غيرك وإن انعدم منك التقصير في الطلب فأنت معذور ~~إذا لم تقف على الدليل وعذرك لا يكون PageV02P216 حجة على الغير أصلا ألا ~~ترى أن في زمان النبي عليه السلام كان الناسخ ينزل فيبلغ ذلك بعض الناس دون ~~البعض ومن لم يبلغه يكون معذورا في العمل بالمنسوخ ولا يكون ذلك حجة له على ~~غيره # فإن قيل قولكم هذا غير موافق لتعليل السلف فاسد وقد قال أبو حنيفة رضي ~~الله عنه لا خمس في العنبر لأن الأثر لم يرد به ms614 # وهذا احتجاج بلا دليل # قلنا هذا أن لو ذكر هذا اللفظ على سبيل الاحتجاج على من يوجب فيه الخمس ~~وليس كذلك بل إنما ذكره على وجه بيان العذر لنفسه ثم علل فيه بعلة مؤثرة في ~~موضع الاحتجاج على الغير على ما ذكر محمد رحمه الله فإنه قال لا خمس في ~~اللؤلؤ والعنبر # قلت لم قال لأنه بمنزلة السمك # قلت وما بال السمك لا يجب فيه الخمس قال لأنه بمنزلة الماء # وهو إشارة إلى مؤثر فإن الأصل في الخمس الغنائم وإنما يوجب الخمس فيما ~~يصاب مما كان أصله في يد العدو ووقع في يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب ~~فيكون في معنى الغنيمة والمستخرج من البحار لم يكن في يد العدو قط لأن قهر ~~الماء مانع قهرا آخر على ذلك الموضع ثم القياس أن لا يجب الخمس في شيء ~~وإنما أوجب الخمس في بعض الأموال بالأثر فبين أن ما لم يرد فيه الأثر يؤخذ ~~فيه بأصل القياس وهذا لا يكون احتجاجا بلا دليل # ثم نقول لهذا القائل إنك بهذه المقالة تثبت شيئا لا محالة وهو صحة ~~اعتقادك أن لا دليل يوجب إثبات الحكم في هذه الحادثة فعليك الدليل لإثبات ~~ما تدعي صحته عندك ولا دليل على خصمك لأنه ينفي صحة اعتقادك هذا ولا دليل ~~على النافي بزعمك ثم قولك لا دليل شيء تقوله عن علم أو لا عن علم فإن زعمت ~~أنك تقوله عن علم فالعلم الذي يحدث للمرء لا يكون إلا بدليل وإن زعمت أنك ~~تقوله لا عن علم فقد نهيت عن ذلك قال تعالى @QB@ وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه @QE@ ~~PageV02P217 جعلناه هكذا لأنه يتعذر اعتبار معنى التخيير فيه للنفي في أحد ~~الجانبين ويتعذر إثبات معنى العطف لعدم المجانسة بين المذكورين فيجعل بمعنى ~~الغاية لأن حرمة الدخول الثابت باليمين يحتمل الامتداد فيليق به ذكر الغاية ~~كما في قوله تعالى @QB@ ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم @QE@ فإنه لا ~~يمكن حمل الكلمة ms615 على العطف إذ الفعل لا يعطف على الاسم والمستقبل لا يعطف ~~على الماضي ونفي الأمر يحتمل الامتداد فيجعل قوله أو يتوب بمعنى الغاية ~~ولأنه نفى الدخول في الدار الأولى فإذا دخل فيها أولا يجعل كأن المذكور ~~آخرا من جنسه نفى فيحنث بالدخول فيها لهذا وأثبت الدخول في الدار الثانية ~~فإذا دخلها أولا يجعل كأن الأخير من جنسه إثبات كما في قوله لأدخلن هذه ~~الدار أو لأدخلن هذه الدار # | فصل # وأما حتى فهي للغاية باعتبار أصل الوضع بمنزلة إلى هو المعنى الخاص الذي ~~لأجله وضعت الكلمة قال تعالى @QB@ هي حتى مطلع الفجر @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~حتى يعطوا الجزية عن يد @QE@ وقال تعالى @QB@ حتى يأذن لي أبي @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ حتى يأتيك اليقين @QE@ فمتى كان ما قبلها بحيث يحتمل الامتداد ~~وما بعدها يصلح للانتهاء به كانت عاملة في حقيقة الغاية ولهذا قلنا إذا حلف ~~أن يلازم غريمه حتى يقضيه ثم فارقه قبل أن يقضيه دينه حنث لأن الملازمة ~~تحتمل الامتداد وقضاء الدين يصلح منهيا للملازمة وقال في الزيادات لو قال ~~عبده حر إن لم أضربك حتى تشتكي يدي أو حتى الليل أو حتى تصبح أو حتى يشفع ~~فلان ثم ترك ضربه قبل هذه الأشياء حنث لأن الضرب بطريق التكرار يحتمل ~~الامتداد والمذكور بعد الكلمة صالح للانتهاء فيجعل غاية حقيقة وإذا أقلع عن ~~الضرب قبل الغاية حنث إلا في موضع يغلب على الحقيقة عرف فيعتبر ذلك لأن ~~الثابت بالعرف ظاهرا بمنزلة الحقيقة حتى لو قال إن لم أضربك حتى أقتلك أو ~~حتى تموت فهذا على الضرب الشديد باعتبار العرف فإنه متى كان قصده القتل لا ~~يذكر لفظ الضرب وإنما يذكر ذلك إذا لم يكن قصده القتل وجعل PageV02P218 ~~القتل غاية لبيان شدة الضرب عادة ولو قال حتى يغشى عليك أو حتى تبكي فهذا ~~على حقيقة الغاية لأن الضرب إلى هذه الغاية معتاد وقد تستعمل الكلمة للعطف ~~فإن بين العطف والغاية مناسبة بمعنى التعاقب ولكن مع وجود معنى الغاية فيها ~~يقول الرجل جاءني القوم حتى زيد ورأيت ms616 القوم حتى زيدا فيكون للعطف مع ~~اعتبار معنى الغاية لأنه يفهم بهذا أن زيدا أفضل القوم أو أرذلهم وقد يدخل ~~بمعنى العطف على جملة فإن ذكر له خبرا فهو خبره وإلا فخبره من جنس ما سبق ~~يقول الرجل مررت بالقوم حتى زيد غضبان وتقول أكلت السمكة حتى رأسها فهذا ~~مما لم يذكر خبره وهو من جنس ما سبق على احتمال أن يكون هو الأكل أو غيره ~~ولكنه إخبار بأن رأسها مأكول أيضا ولو قال حتى رأسها بالنصب كان هذا عطفا ~~أي وأكلت رأسها أيضا ولكن باعتبار معنى الغاية ومثل هذا في الأفعال تكون ~~للجزاء إذا كان ما قبلها يصلح سببا لذلك وما بعدها يصلح أن يكون جزاء فيكون ~~بمعنى لام كي قال تعالى @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة @QE@ أي لكيلا تكون ~~فتنة وقال تعالى @QB@ وزلزلوا حتى يقول الرسول @QE@ والقراءة بالنصب تحتمل ~~الغاية معناه إلى أن يقول الرسول فيكون قول الرسول نهاية من غير أن يكون ~~بناء على ما سبق كما هو موجب الغاية أنه لا أثر له فيما جعل غاية له ويحتمل ~~لكي يقول الرسول والقراءة بالرفع تكون بمعنى العطف أي ويقول الرسول وعلى ~~هذا قال في الزيادات إذا قال إن لم آتك غدا حتى تغديني فعبدي حر فأتاه فلم ~~يغده لا يحنث لأن الإتيان ليس بمستدام فلا يحتمل الكلمة بمعنى حقيقة الغاية ~~وما بعده يصلح جزاء فيكون المعنى لكي تغديني فقد جعل شرط بره الإتيان على ~~هذا القصد وقد وجد وكذلك لو قال إن لم تأتني حتى أغديك فأتاه ولم يغده لم ~~يحنث وقد يستعار للعطف المحض كما أشرنا إليه في القراءة بالرفع ولكن هذا ~~إذا كان المذكور بعده لا يصلح للجزاء فيعتبر مجرد المناسبة بين العطف ~~والغاية في الإستعارة وعلى هذا قال في الزيادات إذا قال إن لم آتك حتى ~~أتغدى عندك اليوم أو إن لم تأتني حتى تتغدى عندي اليوم فأتاه ثم لم يتغد ~~عنده في ذلك اليوم حنث لأن الكلمة بمعنى العطف فإن الفعلين من واحد ms617 فلا ~~يصلح الثاني أن يكون جزاء للأول فحمل على العطف المحض لتصحيح الكلام وشرط ~~البر وجود الأمرين في اليوم فإذا لم يوجدا حنث PageV02P219 ما يزيله فما ~~يمضي من الأزمنة بعد صحة الدليل المثبت للحكم يكون الحكم فيه باقيا بذلك ~~لدليل على احتمال أن يطرأ ما يزيله وقبل ظهور طريان ما يزيله يكون الحكم ~~ثابتا بذلك الدليل بمنزلة النص العام فإنه موجب للحكم في كل ما يتناوله على ~~احتمال قيام دليل الخصوص فما لم يقم دليل الخصوص كان الحكم ثابتا بالعام ~~وكان الاحتجاج به على الخصم صحيحا فكذلك قول القائل فيما هو منتف لا دليل ~~على إثباته أو فيما هو ثابت بدليله لا دليل على نفيه يكون احتجاجا بذلك ~~الدليل وذلك الدليل حجة على خصمه فأما ما لا يستند إلى دليل فلا يبقى فيه ~~إلا الاحتجاج بقوله لا دليل فذلك يكون حجة كما قلتم # وعلى هذا الأصل قال الصلح على الإنكار باطل لأن نفي المنكر دعوى المدعي ~~يستند إلى دليل وهو المعلوم من براءة ذمته في الأصل أو اليد التي هي دليل ~~لملك له في عين المدعي فيكون ذلك حجة له على خصمه في إبقاء ما ثبت عليه ~~وبعد ما ظهرت براءة ذمته في حق المدعي بهذا الدليل يكون أخذه المال رشوة ~~على الكف عن الدعوى ولا يكون ذلك اعتياضا عن حقه فيكون باطلا بخلاف ما إذا ~~شهد بحرية عبد إنسان ثم اشتراه بعد ذلك فإن الشراء يكون صحيحا ويلزمه الثمن ~~للبائع لأن نفي البائع حريته ودعواه بقاء الملك له مستند إلى دليل وهو ~~الدليل المثبت للملك له في العبد فيكون ذلك حجة له على خصمه في إبقاء ملكه ~~وباعتباره هو إنما يأخذ العضو على ملك له وباعتباره لا يثبت الاتفاق بينهما ~~على فساد ذلك السبب فبهذا تعين فيه وجه الصحة ووجب الثمن على المشتري ثم ~~يعتق عليه بعدما دخل في ملكه باعتبار زعمه # وعلماؤنا رحمهم الله قالوا الدليل المثبت للحكم لا يكون موجبا بقاء الحكم ~~بوجه من الوجوه ولكن بقاؤه ms618 بعد الوجود لاستغناء البقاء عن دليل لا لوجود ~~الدليل المنفي # فعرفنا أنه ليس للدليل الذي استند إليه الحكم عمل في البقاء أصلا وأن ~~دعوى البقاء فيما عرف ثبوته بدليله محتمل كدعوى PageV02P220 الإثبات فيما ~~لا يعلم ثبوته بدليله فكما أن هناك يستوي المثبت والنافي في أن قول كل واحد ~~منهما لا يكون حجة على خصمه بغير دليل فكذلك هنا وله فارق العام فإنه موجب ~~للحكم في كل ما تناوله قطعا على احتمال قيام دليل الخصوص فما لم يظهر دليل ~~الخصوص كان الحكم ثابتا بنص موجب له وهنا الدليل المثبت للحكم غير متعرض ~~للأزمنة أصلا فلا يكون ثبوته في الأزمنة بعد قيام الدليل بدليل مثبت له ~~ولهذا لا يكون قيام دليل النفي من دليل الخصوص في شيء بل يكون نسخا كما ~~بيناه في باب النسخ يوضحه أنه لما لم يكن ذلك الدليل عاملا الآن في شيء صار ~~قول المتمسك به لا دليل على ارتفاعه كلاما محتملا كما أن قول خصمه قام ~~الدليل على ارتفاعه كلام محتمل فتتحقق المعارضة بينهما على وجه لا يكون زعم ~~أحدهما حجة على الآخر ما لم يرجح قوله بدليل # وعلى هذا الأصل قلنا في الصلح على الإنكار إنه جائز لأن الدليل المثبت ~~لبراءة ذمة المنكر أو للملك له فيما في يده غير متعرض للبقاء أصلا فكان ~~دعوى المدعي أن المدعي حقي وملكي خبرا محتملا وإنكار المدعى عليه لذلك خبر ~~محتمل أيضا فكما لا يكون خبر المدعي حجة على المدعى عليه في إلزام التسليم ~~إليه لكونه محتملا فكذلك خبر المدعي عليه لا يكون حجة على المدعي في فساد ~~الاعتياض عنه بطريق الصلح ولهذا لو صالحه أجنبي على مال جاز بالاتفاق ولو ~~ثبت براءة ذمته في حق المدعي بدليل كما ذكره الخصم لم يجز صلحه مع الأجنبي ~~كما لو أقر أنه مبطل في دعواه ثم صالح مع أجنبي # والدليل عليه فصل الشهادة بعتق العبد على مولاه فإن الشاهد إذا اشتراه صح ~~الشراء ولزمه الثمن لهذا المعنى وهو أن ما أخبر ms619 به الشاهد لكونه محتملا لم ~~يصر حجة على مولى العبد حتى جاز له الاعتياض عنه بالبيع من غيره فيجوز له ~~الاعتياض عنه بالبيع من الشاهد وإن كان زعمه معتبرا في حقه حتى إنه يعتق ~~كما اشتراه لا من جهته حتى لا يكون ولاؤه له وما كان ذلك إلا بالطريق الذي ~~قلنا فإن الدليل الموجب للملك للمولى لا يكون دليل بقاء ملكه بل بقاء الملك ~~بعد ثبوته لاستغنائه عن الدليل المنفي # وعلى هذا الأصل قلنا مجهول الحال يكون حرا باعتبار الظاهر ولكن لو جنى ~~عليه جناية PageV02P221 فزعم الجانى أنه رقيق لا يلزمه أرش الجناية على ~~الأحرار حتى يقوم البينة على حريته لأن ثبوت الحرية للحال ليس بدليل موجب ~~لذلك بل باعتبار أصل الحرية لأولاد آدم وذلك لا يوجب البقاء فكان دعواه ~~الحرية لنفسه في الحال محتملا ودعوى الغير الرق عليه محتمل فبالمحتمل لا ~~يثبت الرق فيه لغيره ويجعل القول قوله في الحرية وبالمحتمل لا يثبت دعوى ~~استحقاق أرش الأحرار بسبب الجناية عليه غيره حتى يقيم البينة على حريته لأن ~~قبل إقامة البينة ليس معه إلا الإحتجاج بلا دليل وذلك دافع عنه ولا يكون ~~حجة له على غيره # وعلى هذا لو قذف إنسانا ثم زعم أنه عبد وقال المقذوف بل هو حر فإنه لا ~~يقام حد الأحرار عليه حتى تقوم البينة للمقذوف على حريته # وكذلك لو قطع يد إنسان ثم زعم أنه عبد وأنه لا قصاص عليه # وكذلك لو شهد في حادثه ثم زعم المشهود عليه أنه عبد فإن شهادته لا تكون ~~حجة حتى تقوم البينة على حريته والشافعي رحمه الله يخالفنا في جميع ذلك ~~للأصل الذى # وعلى هذا لو اشترى شقصا من دار فطلب الشفيع الشفعة وقال المشترى ما في ~~يدك مما تدعى به الشفعة ليس بملك لك بل هي ملكه فإنه يكون القول قول مدعى ~~الشفعة في دفع دعوى المشترى عما في يده ويكون القول قول المشترى في إنكاره ~~حق الشفعة له حتى إن الشفيع ما لم يقم البينة على ms620 أن العين الذى في يده ~~ملكه لا يستحق الشفعة عندنا لأن خبر كل واحد منهما محتمل فلا يكون حجة على ~~خصمه في استحقاق ما في يده # وعند الشافعي ملك الشفيع فيما في يده ثابت باعتبار أن قوله مستند إلى ~~دليل مثبت فيستحق به الشفعة # ونظير ما قاله علماؤنا قول المولى لعبده إن لم أدخل اليوم الدار فأنت حر ~~ثم قال المولى بعد مضى اليوم قد دخلت وقال العبد لم تدخل فإن القول قول ~~المولى حتى لا يعتق العبد ومعلوم أن قول العبد مستند إلى دليل من حيث ~~الظاهر وهو أن الأصل عدم الدخول ولكن لما كان قوله في الحال محتملا وقول ~~المولى كذلك لم يثبت استحقاقه على المولى بما هو محتمل # وكذلك المفقود فإنه لا يرث أحدا من أقاربه إذا مات قبل أن يظهر حاله ~~PageV02P222 ومعلوم أن بقاءه حيا مستند إلى دليل وهو ما علم من حياته ولكن ~~لما لم يكن ذلك دليلا للبقاء اعتبر في الحال الإحتمال فقيل لا يرثه أحد ~~لإحتمال بقائه حيا ولا يرث أحدا لإحتمال أنه ميت # فإن قيل عندى إذا استند قوله إلى دليل إنما يقبل قوله على خصمه في إبقاء ~~ما هو مقصود له ففى مسألة العتق لا مقصود للعبد في نفى دخول المولى الدار ~~وإنما مقصوده في العتق ودعواه العتق ليس بمستند إلى دليل مثبت له # وكذلك دعوى من يدعى حياة المفقود بعد ما مات قريب له ليس بمقصود للمدعى ~~حتى يعتبر فيه الإستناد إلى دليله فأما دعوى المنكر براءة ذمته أو كون ما ~~في يده ملكا له مقصود له وهو يستند إلى دليل كما بينا وكذلك دعوى مجهول ~~الحال الحرية لنفسه مقصود له ودعوى الشفيع الملك لنفسه فيما في يده مقصود ~~له فإذا كان هذا مستندا إلى دليله وهو مقصود له كان حجة له على خصمه قلنا ~~لا فرق فإن دعوى المنكر فساد الصلح غير مقصود له ولكن يترتب عليه ما هو ~~المقصود له وهو سقوط المطالبة عنه بستليم ما التزمه بالصلح ms621 كما أن دعوى ~~العبد أن المولى لم يدخل الدار غير مقصود له ولكن يترتب عليه ما هو مقصود ~~له وهو عتقه باعتبار وجود الشرط ثم هناك لكون ما أخبر به محتملا لم يجعل ~~حجة على خصمه ولا يعتبر استناده فصل # ومن الإحتجاج بلا دليل الإستدلال باستصحاب الحال وذلك نحو ما يقول بعض ~~أصحابنا في حكم الزكاة في مال الصبي إن الأصل عدم الوجوب فيستصحبه حتى يقوم ~~دليل الوجوب وفي الإستئناف أن وجوب الحقتين في مائة وعشرين ثابت بالنص ~~والإجماع فيجب استصحابه حتى يقوم الدليل المغير وهذا النوع من التعليل باطل ~~فإن ثبوت العدم وإن كان بدليل معدم فذلك لا يوجب PageV02P223 بقاء العدم ~~كما أن الدليل الموجد للشيء لا يكون دليل بقائه موجودا فكذلك الدليل المثبت ~~للحكم لا يكون دليل بقائه ثابتا ألا ترى أن عدم الشراء لا يمنع وجود الشراء ~~في المستقبل والشراء الموجب للملك لا يمنع انعدام الملك بدليله في المستقبل ~~ولكن البقاء بعد الوجود لاستغنائه عن الدليل لا لأن الدليل المثبت له موجب ~~لبقائه كما أن ثبوت الحياة بسببه لا يكون دليل بقاء الحياة يوضحه أن بعد ~~ثبوت حكم هو نفي إيجاده يستدعي دليلا فمن ادعى وجوده احتاج إلى إثباته على ~~خصمه بدليل # وكذلك من ادعى بقاءه منفيا فهو محتاج إلى إثباته بدليله على الخصم إذ ~~الدليل الأول غير موجب لذلك فليس أحدهما بالاحتجاج على صاحبه لعدم قيام ~~الدليل بأولى من الآخر وما كان البقاء فيما يحتمل البقاء بعد الوجود إلا ~~نظير الوجود في الأعراض التي لا تبقى وقتين فإن وجود شيء منه بدليل لا يكون ~~دليل وجود مثله في الوقت الثاني # وبيان هذا في البعير الزائد على المائة والعشرين فإن عند الخصم ينتهي به ~~عفو الحقتين فيتم به نصاب ثلاث بنات لبون # وعندنا هو ابتداء العفو لنصاب آخر وليس في إيجاب الحقتين في مائة وعشرين ~~ما يدل على واحد من الأمرين فكان الاحتجاج به لإيجاب الحقتين بعد هذه ~~الزيادة عند كمال الحول يكون احتجاجا بلا دليل # ثم ms622 استصحاب الحال ينقسم أربعة أقسام أحدها استصحاب حكم الحال مع العلم ~~يقينا بانعدام الدليل المغير وذلك بطريق الخبر عمن ينزل عليه الوحي أو ~~بطريق الحس فيما يعرف به وهذا صحيح قد علمنا الاستدلال به في قوله تعالى ~~@QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما @QE@ الآية وهذا لأنه لما علم يقينا ~~بانعدام الدليل المغير وقد كان الحكم ثابتا بدليله وبقاؤه يستغني عن الدليل ~~فقد علم بقاؤه ضرورة # والثاني استصحاب حكم الحال بعد دليل مغير ثابت بطريق النظر PageV02P224 ~~والاجتهاد بقدر الوسع وهذا يصلح لإبلاء العذر وللدفع ولا يصلح للاحتجاج به ~~على غيره لأن المتأمل وإن بالغ في النظر فالخصم يقول قام الدليل عندي ~~بخلافه وبالتأمل والاجتهاد لا يبلغ المرء درجة يعلم بها يقينا أنه لم يخف ~~عليه شيء من الأدلة بل يبقى له احتمال اشتباه بعض الأدلة عليه وما كان في ~~نفسه محتملا عنده لا يمكنه أن يحتج به على غيره # والثالث استصحاب حكم الحال قبل التأمل والاجتهاد في طلب الدليل المغير ~~وهذا جهل لأن قبل الطلب لا يحصل له شيء من العلم بانتفاء الدليل المغير ~~ظاهرا ولا باطنا ولكنه يجهل ذلك بتقصير منه في الطلب وجهله لا يكون حجة على ~~غيره ولا عذرا في حقه أيضا إذا كان متمكنا من الطلب إلا أن لا يكون متمكنا ~~منه # وعلى هذا قلنا إذا أسلم الذمي في دار الإسلام ولم يعلم بوجوب العبادات ~~عليه حتى مضى عليه زمان فعليه قضاء ما ترك بخلاف الحربي إذا أسلم في دار ~~الحرب ولم يعلم بوجوب العبادات عليه حتى مضى زمان # وعلى هذا قلنا من لم يجتهد بعد الاشتباه في أمر القبلة حتى صلى إلى جهة ~~فإنه لا تجزيه صلاته ما لم يعلم أنه أصاب بخلاف ما إذا اجتهد وصلى إلى جهة ~~فإنه تجزيه صلاته وإن تبين أنه أخطأ # والنوع الرابع استصحاب الحال ( لإثبات الحكم ابتداء وهذا خطأ محض وهو ~~ضلال محض ممن يتعمده لأن استصحاب الحال ) كاسمه وهو التمسك بالحكم الذي كان ~~ثابتا إلى أن يقوم الدليل ms623 المزيل وفي إثبات الحكم ابتداء لا يوجد هذا ~~المعنى ولا عمل لاستصحاب الحال فيه صورة ولا معنى وقد بينا في مسألة ~~المفقود أن الحياة المعلومة باستصحاب الحال يكون حجة في إبقاء ملكه في ماله ~~على ما كان ولا يكون حجة في إثبات الملك له ابتداء في مال قريبه إذا مات # وبعض أصحاب الشافعي يجعلونه حجة في ذلك لا باعتبار أنهم يجوزون إثبات ~~الحكم ابتداء باستصحاب الحال بل باعتبار أنه يبقى للوارث PageV02P225 الملك ~~الذي كان للمورث فإن الوراثة خلافة وقد بينا أن عنده استصحاب الحال فيما ~~يرجع إلى الإبقاء حجة على الغير # ولكنا نقول هذا البقاء في حق المورث فأما في حق الوارث فصفة المالكية ~~تثبت له ابتداء واستصحاب الحال لا يكون حجة فيه بوجه # وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إذا ادعى عينا في يد إنسان أنه ~~له ميراث من أبيه وأقام الشاهدين فشهدا أن هذا كان لأبيه لم تقبل هذه ~~الشهادة # وفي قول أبي يوسف الآخر تقبل لأن الوراثة خلافة فإنما يبقى للوارث الملك ~~الذي كان للمورث ولهذا يرد بالعيب ويصير مغرورا فيما اشتراه المورث وما ثبت ~~فهو باق لاستغناء البقاء عن دليل # وهما يقولان في حق الوارث هذا في معنى ابتداء التملك لأن صفة المالكية ~~تثبت له في هذا المال بعد أن لم يكن مالكا وإنما يكون البقاء في حق المورث ~~أن لو حضر بنفسه يدعي أن العين ملكه فلا جرم إذا شهد الشاهدان أنه كان له ~~كانت شهادة مقبولة كما إذا شهدا أنه له فأما إذا كان المدعي هو الوارث وصفة ~~المالكية للوارث تثبت ابتداء بعد موت المورث فهذه الشهادة لا تكون حجة ~~للقضاء بالملك له لأن طريق القضاء بها استصحاب الحال وذلك غير صحيح # # | فصل # ومن هذه الجملة الاستدلال بتعارض الأشباه وذلك نحو احتجاج زفر رحمه الله ~~في أنه لا يجب غسل المرافق في الوضوء لأن من الغايات ما يدخل ومنها ما لا ~~يدخل فمع الشك لا تثبت فرضية الغسل فيما هو غاية بالنص ms624 لأن هذا في الحقيقة ~~احتجاج بلا دليل لإثبات حكم فإن الشك الذي يدعيه أمر حادث فلا يثبت حدوثه ~~إلا بدليل # فإن قال دليله تعارض الأشباه # قلنا وتعارض الأشباه أيضا حادث فلا يثبت إلا بالدليل # فإن قال الدليل عليه ما أعده من الغايات مما يدخل بالإجماع وما لا يدخل ~~بالإجماع # قلنا وهل تعلم أن هذا المتنازع فيه من أحد النوعين بدليل فإن قال أعلم ~~ذلك # قلنا فإذن عليك أن لا تشك فيه بل PageV02P226 تلحقه بما هو من نوعه ~~بدليله # وإن قال لا أعلم ذلك # قلنا قد اعترفت بالجهل فإن كان هذا مما يمكن الوقوف عليه بالطلب فإنما ~~جهلته عن تقصير منك في طلبه وذلك لا يكون حجة أصلا وإن كان مما لا يمكن ~~الوقوف عليه بعد الطلب كنت معذورا في الوقوف فيه ولكن هذا العذر لا يصير ~~حجة لك على غيرك ممن يزعم أنه قد ظهر عنده دليل إلحاقه بأحد النوعين فعرفنا ~~أن حاصل كلامه احتجاج بلا دليل # # | فصل # ومن هذه الجملة الاحتجاج بالاطراد على صحة العلة إما وجودا أو وجودا ~~وعدما فإنه احتجاج بلا دليل في الحقيقة ومن حيث الظاهر هو احتجاج بكثرة ~~أداء الشهادة وقد بينا أن كثرة أداء الشهادة وتكرارها من الشاهد لا يكون ~~دليل صحة شهادته # ثم الاطراد عبارة عن سلامة الوصف عن النقوض والعوارض والناظر وإن بالغ في ~~الاجتهاد بالعرض على الأصول المعلومة عنده فالخصم لا يعجز من أن يقول عندي ~~أصل آخر هو مناقض لهذا الوصف أو معارض فجهلك به لا يكون حجة لك علي فتبين ~~من هذا الوجه أنه احتجاج بلا دليل ولكنه فوق ما تقدم في الاحتجاج به من حيث ~~الظاهر لأن من حيث الظاهر الوصف صالح ويحتمل أن يكون حجة للحكم إذا ظهر ~~أثره عند التأمل ولكن لكونه في الحقيقة استدلالا على صحته بعدم النقوض ~~والعوارض لم يصلح أن يكون حجة لإثبات الحكم # فإن قيل أليس أن النصوص بعد ثبوتها يجب العمل بها واحتمال ورود الناسخ لا ~~يمكن شبهة في الاحتجاج بها ms625 قبل أن يظهر الناسخ فكذلك ما تقدم قلنا أما بعد ~~وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا احتمال للنسخ في كل نص كان حكمه ~~ثابتا عند وفاته فأما في حال حياته فهكذا نقول إن الاحتجاج به لإثبات الحكم ~~ابتداء صحيح فأما لإبقاء الحكم أو لنفي الناسخ لا يكون صحيحا لأن احتمال ~~بقاء الحكم واحتمال قيام دليل النسخ فيه كان بصفة واحدة وقد قررنا هذا في ~~باب النسخ # PageV02P227 ثم الطرديات الفاسدة أنواع # منها ما لا يشكل فساده على أحد # ومنها ما يكون ( بزيادة وصف في الأصل به يقع الفرق # ومنها ما يكون ) بوصف مختلف فيه اختلافا ظاهرا # ومنها ما يكون استدلالا بالنفي والعدم # وبيان النوع الأول فيما علل به بعض أصحاب الشافعي لكون قراءة الفاتحة ~~ركنا في الصلاة لأنها عبادة ذات أركان لها تحليل وتحريم فكان من أركان ما ~~له عدد السبع كالحج في حق الطواف وربما يقولون الثلاث أحد عددي مدة المسح ~~فلا يتأدى به فرض القراءة في الصلاة كالواحد وما دون الثلاث قاصر عن السبع ~~فلا يتأدى به فرض القراءة كما دون الآية # ونحو ما يحكى عن بعضهم في أن الرجعة لا تحصل بالفعل لأن الوطء فعل ينطلق ~~مرة ويتعلق أخرى فلا تثبت به الرجعة كالقتل # ونحو ما يحكى عن بعض أصحابنا في الوضوء بغير النية أن هذا حكم متعلق ~~بأعضاء الطهارة فلا تشترط النية في إقامته كالقطع في السرقة والقصاص # هذا النوع مما لا يخفى فساده على أحد ولم ينقل من هذا الجنس شيء عن السلف ~~إنما أحدثه بعض الجهال ممن كان بعيدا من طريق الفقهاء فأما علل السلف ما ~~كانت تخلو عن الملاءمة أو التأثير ولهذا كان الواحد منهم يتأمل مدة فلا يقف ~~في حادثة إلا على قياس أو قياسين والواحد من المتأخرين ربما يتمكن في مجلس ~~واحد من أن يذكر في حادثة خمسين علة من هذا النحو أو أكثر ولا مشابهة بين ~~غسل الأعضاء في الطهارة وبين القطع في السرقة ولا بين مدة المسح والقراءة ms626 ~~في الصلاة ولا بين الطواف بالبيت وقراءة الفاتحة فعرفنا أن هذا النوع مما ~~لا يخفى فساده # وأما ما يكون بزيادة وصف فنحو تعليل بعض أصحاب الشافعي في مس الذكر إنه ~~حدث لأنه مس الفرج فينتقض الوضوء به كما لو مسه عند البول فإن هذا القياس ~~لا يستقيم إلا بزيادة وصف في الأصل وبذلك PageV02P228 الوصف يثبت الفرق بين ~~الفرع والأصل ويثبت الحكم به في الأصل # وكذلك قولهم في إعتاق المكاتب عن الكفارة إنه تكفير بتحرير المكاتب فلا ~~يجوز كما لو أدى بعض بدل الكتابة ثم أعتقه لأن استقامة هذا القياس بزيادة ~~وصف في الأصل به يقع الفرق وهو أن المستوفى من البدل يكون عوضا والتكفير لا ~~يجوز بالإعتاق بعوض # ونحو ما علل بعضهم في شراء الأب بنية الكفارة إنه تكفير بتحرير أبيه فلا ~~يجوز كما لو كان حلف بعتقه إن ملكه فإن استقامة هذا التعليل بزيادة وصف به ~~يقع الفرق من حيث إن المحلوف بعتقه إذا عتق عند وجود الشرط لا يصير مكفرا ~~به وإن نواه عند ذلك أبا كان أو أجنبيا # والنوع الثالث نحو ما يعلل به بعض أصحاب الشافعي في أن الأخ لا يعتق على ~~أخيه إذا ملكه # قال عتق الأخ تتأدى به الكفارة فلا يثبت بمجرد الملك كعتق ابن العم # وهذا تعليل بوصف مختلف فيه اختلافا ظاهرا فإن عندنا عتق القريب وإن كان ~~مستحقا عند وجود الملك تتأدى به الكفارة حتى قلنا إذا اشترى أباه بنية ~~الكفارة يجوز خلافا للشافعي رحمه الله # ونحو ما علل به بعضهم في الكتاب الحالة أنها لا تمنع جواز التكفير ~~بتحريره فتكون فاسدة كالكتابة على القيمة فإن هذا تعليل بوصف مختلف فيه ~~اختلافا ظاهرا لأن التكفير بإعتاق المكاتب كتابة صحيحة جائزة عندنا وربما ~~يكون هذا الاختلاف في الأصل نحو ما يعلل به بعض # أصحاب الشافعي في الإفطار بالأكل والشرب إنه إفطار بالمطعوم فلا يوجب ~~الكفارة كما لو كان في يوم أبصر الهلال وحده ورد الإمام شهادته # وأما النوع الرابع فنحو تعليل الشافعي في ms627 النكاح إنه لا يثبت بشهادة ~~النساء مع الرجال لأنه ليس بمال وفي الأخ لا يعتق على أخيه لأنه ليس ~~PageV02P229 بينهما بعضية وفي المبتوتة إنه لا يلحقها الطلاق لأنه ليس ~~بينهما نكاح وفي إسلام المروي بالمروي إنه يجوز لأنه لم يجمع البدلين الطعم ~~والثمنية وهذا فاسد لأنه استدلال بعدم وصف والعدم لا يصلح أن يكون موجبا ~~حكما وقد بينا أن العدم الثابت بدليل لا يكون بقاؤه ثابتا بدليل فكيف يستدل ~~به لإثبات حكم آخر # فإن قيل مثل هذا التعليل كثير في كتبكم # قال محمد رحمه الله ملك النكاح لا يضمن بالإتلاف لأنه ليس بمال والزوائد ~~لا تضمن بالغصب لأنه لم يغصب الولد # وقال أبو حنيفة رحمه الله العقار لا يضمن بالغصب لأنه لم ينقله ولم يحوله # وقال فيما لا يجب فيه الخمس لأنه لم يوجف عليه المسلمون # وقال في تناول الحصاة لا تجب الكفارة لأنه ليس بمطعوم # وقال في الجد لا يؤدي صدقة الفطر عن النافلة لأنه ليس عليه ذلك # فهذا استدلال بعدم وصف أو حكم # قلنا أولا هذا عندنا غير مذكور على وجه المقايسة بل على وجه الاستدلال ~~فيما كان سببه واحدا معينا بالإجماع نحو الغصب فإن ضمان الغصب سببه واحد ~~عين وهو الغصب فالاستدلال بانتفاء الغصب على انتفاء الضمان يكون استدلالا ~~بالإجماع # وكذلك وجوب ضمان المال بسبب يستدعي المماثلة بالنص وله سبب واحد عين وهو ~~إتلاف المال فيستقيم الاستدلال بانتفاء المالية في المحل على انتفاء هذا ~~النوع من الضمان وكذلك إذا كان دليل الحكم معلوما في الشرع بالإجماع نحو ~~الخمس فإنه واجب في الغنيمة لا غير وطريق الاغتنام الايجاف عليه بالخيل ~~والركاب فالاستدلال به لنفي الخمس يكون استدلالا صحيحا وقد بينا أنه إبلاء ~~العذر في بعض المواضع لا الاحتجاج به على الخصم # فأما تعليل النكاح بأنه ليس بمال فلا يثبت بشهادة PageV02P230 النساء مع ~~الرجال يكون تعليلا بعدم الوصف وعدم الوصف لا يعدم الحكم لجواز أن يكون ~~الحكم ثابتا باعتبار وصف آخر لأنه وإن لم يكن مالا فهو من جنس ms628 ما يثبت مع ~~الشبهات والأصل المتفق عليه الحدود والقصاص وبهذا الوصف لا يصير النكاح ~~بمنزلة الحدود والقصاص حتى يثبت مع الشبهات بخلاف الحدود والقصاص فعرفنا أن ~~بعدم هذا الوصف لا ينعدم وصف آخر يصلح التعليل به لإثباته بشهادة النساء مع ~~الرجال # وكذلك ما علل به من أخوات هذا الفصل فهو يخرج على هذا الحرف إذا تأملت # # | فصل # ومن هذا النوع الاحتجاج بأن الأوصاف محصورة عند القائسين # | فإذا قامت الدلالة على فساد سائر الأوصاف إلا وصفا واحدا تثبت به صحة ~~ذلك الوصف ويكون حجة # هذا طريق بعض أصحاب الطرد # وقد جوز الجصاص رحمه الله تصحيح الوصف للعلة بهذا الطريق # قال الشيخ رحمه الله وقد كان بعض أصدقائي عظيم الجد في تصحيح هذا الكلام ~~بعلة أن الأوصاف لما كانت محصورة وجميعها ليست بعلة للحكم بل العلة وصف ~~منها فإذا قام الدليل على فساد سائر الأوصاف سوى واحد منها ثبت صحة ذلك ~~الوصف بدليل الإجماع كأصل الحكم فإن العلماء إذا اختلفوا في حكم حادثة على ~~أقاويل فإذا ثبت بالدليل فساد سائر الأقاويل إلا واحدا ثبت صحة ذلك القول ~~وذلك نحو اختلاف العلماء في جارية بين رجلين جاءت بولد فادعياه فإنا إذا ~~أفسدنا قول من يقول بالرجوع إلى قول القائف وقول من يقول بالقرعة وقول من ~~يقول بالتوقف إنه لا يثبت النسب من واحد منهما يثبت به صحة قول من يقول ~~بأنه يثبت النسب منهما جميعا # وإذا قال لنسائه الأربعة إحداكن طالق ثلاثا ووطىء ثلاثا منهن حتى يكون ~~ذلك دليلا على انتفاء المحرمة عنهن تعين بها الرابعة محرمة فكان تقرب هذا ~~من الأدلة العقلية # قال الشيخ وعندي أن هذا غلط لا نجوز القول به وهو مع ذلك نوع من الاحتجاج ~~بالدليل # أما بيان الغلط فيه وهو أن ما يجعله هذا القائل دليل صحة علته هو الدليل ~~على فساده لأنه لا يمكنه سلوك هذا الطريق إلا بعد قوله بالمساواة بين ~~الأوصاف في أن كل وصف منها صالح أن يكون علة للحكم وبعد ثبوت هذه المساواة ms629 ~~فالدليل الذي يدل على فساد بعضها هو الدليل على فساد ما بقي منها لأنه متى ~~علم المساواة بين شيئين في الحكم ثم ظهر لأحدهما حكم بالدليل فذلك الدليل ~~يوجب مثل PageV02P231 ذلك الحكم في الآخر كمن يقول لغيره اجعل زيدا وعمرا ~~في العطية سواء ثم يقول أعط زيدا درهما يكون ذلك تنصيصا على أنه يعطي عمرا ~~أيضا درهما فعرفنا أنه لا وجه للتحرز عن هذا الفساد إلا ببيان تفاوت بين ~~هذا الوصف وبين سائر الأوصاف في كونه علة للحكم وذلك التفاوت لا يتبين إلا ~~ببيان التأثير أو الملاءمة فيضطر إلى بيانه شاء أو أبى ثم وإن قام الدليل ~~على فساد سائر الأوصاف على وجه لا عمل لذلك الدليل في إفساد هذا الوصف ~~الواحد فنحن نتيقن أن ذلك الدليل كما لا يوجب فساد هذا الوصف لا يوجب صحته ~~فلا يبقى على تصحيح هذا الوصف دليلا سوى أنه لم يقم الدليل على فساده ولو ~~جاز إثبات الوصف موجبا للحكم بهذا الطريق لجاز إثبات الحكم بدون هذا الوصف ~~بهذا الطريق وهو أن يقول حكم الحادثة كذا لأنه لم يقم الدليل على فساد هذا ~~الحكم وما قاله من الاستدلال بالحكم فهو وهم لأن بإفساد مذهب الخصم لا يثبت ~~صحة مذهب المدعي للحكم بوجه من الوجوه وكيف يثبت ذلك والمبطل دافع والمدعي ~~للحكم مثبت وحجة الدفع غير حجة الإثبات # ثم الدليل على أن بقيام دليل الفساد في سائر الأوصاف لا تثبت صحة الوصف ~~الذي ادعاه المعلل في الشرعيات أن من أحكام الشرع ما هو غير معلول أصلا بل ~~الحكم فيه ثابت بالنص فبقيام الدليل على فساد سائر الأوصاف لا ينعدم احتمال ~~قيام الدليل على فساد هذا الوصف حقيقة ولا حكما من هذا الوجه لجواز أن يكون ~~هذا النص غير معلول أصلا وبه فارق العقليات ثم احتمال الصحة والفساد في هذا ~~الوصف بالإجماع كان مانعا من جعله حجة لإثبات الحكم قبل قيام الدليل على ~~فساد سائر الأوصاف فكذلك بعده لأن احتمال تعينه قائم # # | باب وجوه الاعتراض على ms630 العلل # قال رضي الله عنه العلل نوعان طردية ومؤثرة # والاعتراض على كل نوع من وجهين فاسد وصحيح # فالاعتراضات الفاسدة على العلل المؤثرة أربعة المناقضة وفساد الوضع ووجود ~~الحكم مع عدم العلة والمفارقة بين PageV02P232 الأصل والفرع # والصحيحة أربعة الممانعة ثم القلب المبطل ثم العكس الكاسر ثم المعارضة ~~بعلة أخرى # فأما المناقضة فإنها لا ترد على العلل المؤثرة لأن التأثير لا يتبين إلا ~~بدليل الكتاب أو السنة أو الإجماع # وهذه الأدلة لا تتناقض فإن أحكام الشرع عليها تدور ولا تناقض في أحكام ~~الشرع وقد بينا أنه لا توجد العلة بدون الحكم على الوجه الذي ظهر أثرها في ~~الحكم بل لا بد أن ينعدم الحكم لتغير وصف بنقصان أو زيادة وبه تتبدل العلة ~~فتنعدم العلة المؤثرة التي أثبت المعلل الحكم بها وانعدام الحكم عند انعدام ~~العلة لا يكون دليل انتقاض العلة # وهو نظير الشاهد فإنه مع استجماع شرائط الأداء إذا ترك لفظة الشهادة أو ~~زاد عليها فقال فيما أعلم فإنه لا يجوز العمل بشهادته وكان ذلك باعتبار ~~انعدام العلة الموجبة للعمل بشهادته معنى # وبيان هذا أنا إذا عللنا في تكرار المسح بالرأس أنه مسح مشروع في الطهارة ~~فلا يستن تثليثه كالمسح بالخف لا يدخل الاستنجاء بالأحجار نقضا لأن المسح ~~هناك غير مشروع في الطهارة إنما المشروع إزالة النجاسة العينية حتى لو تصور ~~خروج الحدث من غير أن يتنجس شيء مما هو طاهر لم يجب المسح أصلا وإزالة ~~النجاسة غير المسح وهو لا يحصل بالمرة إلا نادرا فعرفنا أن انعدام الحكم ~~لانعدام العلة # وأما فساد الوضع فهو اعتراض فاسد على العلة المؤثرة لأنه دعوى لا يمكن ~~تصحيحها فإن تأثير العلة إنما يثبت بدليل موجب للحكم كما بينا ومعلوم أنه ~~لا يجوز دعوى فساد الوضع في الكتاب والسنة والإجماع # وأما وجود الحكم مع عدم العلة فإن الحكم يجوز أن يكون ثابتا بعلة أخرى ~~لأن ثبوته بعلة لا ينافي كونه ثابتا بعلة أخرى ألا ترى أن الحكم يجوز أن ~~يثبت بشهادة الشاهدين ويجوز أن يثبت بشهادة ms631 أربعة حتى إذا رجع اثنان قبل ~~القضاء يبقى القضاء واجبا بشهادة الباقيين # وكذلك يجوز أن يكون الأصل معلولا بعلتين يتعدى الحكم بإحداهما إلى فروع ~~PageV02P233 وبالأخرى إلى فروع أخر فلا يكون انعدام العلة مع بقاء الحكم في ~~موضع ثابتا بالعلة الأخرى دليل فساد العلة # فأما المفارقة فمن الناس من ظن أنها مفاقهة ولعمري المفارقة مفاقهة ولكن ~~في غير هذا الموضع فأما على وجه الاعتراض على العلل المؤثرة تكون مجادلة لا ~~فائدة فيها في موضع النزاع # وبيان هذا من وجوه ثلاثة أحدها أن شرط صحة القياس لتعدية الحكم إلى ~~الفروع تعليل الأصل ببعض أوصافه لا بجميع أوصافه وقد بينا أنه متى كان ~~التعليل بجميع أوصاف الأصل لا يكون مقايسة فبيان المفارقة بين الأصل والفرع ~~بذكر وصف آخر لا يوجد ذلك في الفرع ويرجع إلى بيان صحة المقايسة فأما أن ~~يكون ذلك اعتراضا على العلة فلا # ثم ذكر وصف آخر في الأصل يكون ابتداء دعوى والسائل جاهل مسترشد في موقف ~~المنكر إلى أن تتبين له الحجة لا في موضع الدعوى وإن اشتغل بإثبات دعواه ~~فذلك لا يكون سعيا في إثبات الحكم المقصود وإنما يكون سعيا في إثبات الحكم ~~في الأصل وهو مفروغ عنه ولا يتصل ما يثبته بالفرع إلا من حيث إنه ينعدم ذلك ~~المعنى في الفرع وبالعدم لا يثبت الاتصال وقد بينا أن العدم لا يصلح أن ~~يكون موجبا شيئا فكان هذا منه اشتغالا بما لا فائدة فيه # والثالث ما بينا أن الحكم في الأصل يجوز أن يكون معلولا بعلتين ثم يتعدى ~~الحكم إلى بعض الفروع بإحدى العلتين دون الأخرى فبان انعدام في الفرع الوصف ~~الذي يروم به السائل الفرق وإن سلم له أنه علة لإثبات الحكم في الأصل فذلك ~~لا يمنع المجيب من أن يعدي حكم الأصل إلى الفرع بالوصف الذي يدعيه أنه علة ~~للحكم وما لا يكون قدحا في كلام المجيب فاشتغال السائل به يكون اشتغالا بما ~~لا يفيد وإنما المفاقهة في الممانعة حتى يبين المجيب تأثير علته فالفقه ~~حكمة ms632 باطنة وما يكون مؤثرا في إثبات الحكم شرعا فهو الحكمة الباطنة ~~والمطالبة به تكون مفاقهة PageV02P234 فأما الإعراض عنه والاشتغال بالفرق ~~يكون قبولا لما فيه احتمال أن لا يكون حجة لإثبات الحكم واشتغالا بإثبات ~~الحكم بما ليس بحجة أصلا في موضع النزاع وهو عدم العلة فتبين أن هذا ليس من ~~المفاقهة في شيء والله أعلم # # | فصل الممانعة # قال رضي الله عنه اعلم بأن الممانعة أصل الاعتراض على العلة المؤثرة من ~~حيث إن الخصم المجيب يدعي أن حكم الحادثة ما أجاب به فإذا لم يسلم له ذلك ~~يذكر وصفا يدعي أنه علة موجبة للحكم في الأصل المجمع عليه وأن هذا الفرع ~~نظير ذلك الأصل فيتعدى ذلك الحكم بهذا الوصف إلى الفرع وفي هذا الحكم ~~دعويان فهو أظهر في الدعوى من الأول أي حكم الحادثة وإن كانت المناظرة لا ~~تتحقق إلا بمنع دعوى السابق عرفنا أنها لا تتحقق إلا بمنع هذه الدعاوى أيضا ~~فيكون هو محتاجا إلى إثبات دعاويه بالحجة والسائل منكر فليس عليه سوى ~~المطالبة لإقامة الحجة بمنزلة المنكر في باب الدعاوى والخصومات وإليه أشار ~~صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم حيث قال للمدعي ( ألك بينة ) وبالممانعة ~~يتبين العوار ويظهر المدعي من المنكر والملزم من الدافع بعدما ثبت شرعا أن ~~حجة أحدهما غير حجة الآخر # ثم الممانعة على أربعة أوجه ممانعة في نفس العلة وممانعة في الوصف الذي ~~يذكر المعلل أنه علة وممانعة في شرط صحة العلة أنه موجود في ذلك الوصف ~~وممانعة في المعنى الذي به صار ذلك الوصف علة للحكم # أما الممانعة في نفس العلة فكما بينا أن كثيرا من العلل إذا تأملت فيها ~~تكون احتجاجا بلا دليل وذلك لا يكون حجة على الخصم لإثبات PageV02P235 ~~الحكم # وبيان هذا فيما علل به الشافعي رحمه الله في النكاح أنه ليس بمال فلا ~~يثبت بشهادة النساء مع الرجال كالحدود والقصاص # وهذا النوع لا يصلح حجة لإيجاب الحكم عندنا على ما بينا فترك الممانعة ~~فيه تكون قبولا من الخصم ما لا يكون حجة أصلا ms633 وذلك دليل الجهل فكانت ~~الممانعة في هذا الموضع دليل المفاقهة # وأما ممانعة الوصف الذي هو العلة فبيانه فيما علل به أبو حنيفة ومحمد رضي ~~الله عنهما أن الإيداع من الصبي تسليط على الاستهلاك فإن مثل هذا الوصف لا ~~بد أن يكون ممنوعا عند الخصم لأن بعد ثبوته لا يبقى للمنازعة في الحكم معنى # ونحو ما علل به أبو حنيفة فيمن اشترى قريبه مع غيره أن الأجنبي رضي بالذي ~~وقع العتق به بعينه ونحو ما علل به علماؤنا في صوم يوم النحر أنه مشروع ~~لأنه منهي عنه والنهي يدل على تحقق المشروع ليتحقق الانتهاء عنه كما هو ~~موجب النهي فإن عند الخصم مطلق النهي بمنزلة النسخ حتى ينعدم به المشروع ~~أصلا # فلا بد من هذه الممانعة لمن يريد الكلام في المسألة على سبيل المفاقهة # وأما الممانعة في الشرط الذي لا بد منه ليصير الوصف علة بيانه فيما ذكرنا ~~أن من الأوصاف ما يكون مغيرا حكم الأصل ومن شرط صحة العلة أن لا يكون مغيرا ~~حكم النص وذلك نحو تعليل الأشياء الأربعة بالطعم فإنه يغير حكم النص لأن ~~الحكم في نصوص الربا حرمة الفضل على القدر وثبوت الحرمة إلى غاية وهو ~~المساواة والتعليل بالطعم يثبت في المنصوص حرمة فضل لا على القدر وحرمة ~~مطلقة لا إلى غاية المساواة يعني في الحفنة من الحنطة وفيما لا يدخل تحت ~~القدر من المطعومات التي هي فرع في هذا الحكم فلا بد من هذه الممانعة لأن ~~الحكم لا يثبت بوجود ركن الشيء مع انعدام شرطه # وأما الممانعة في المعنى الذي يكون به الوصف علة موجبة للحكم شرعا فهو ~~المطالبة ببيان التأثير لما بينا أن العلة به تصير موجبة للحكم شرعا وهي ~~الحكمة الباطنة التي يعبر عنها بالفقه # PageV02P236 والحاصل أن في الدعوى والإنكار يعتبر المعنى دون الصورة فقد ~~يكون المرء مدعيا صورة وهو منكر معنى ألا ترى أن المودع إذا ادعى رد ~~الوديعة يكون منكرا للضمان معنى ولهذا كان القول قوله مع اليمين وإنما جعل ~~الشرع اليمين ms634 في جانب المنكر # والبكر إذا قالت بلغني النكاح فرددت وقال الزوج بل سكتت فالقول قولها ~~عندنا وهي في الصورة تدعي الرد ولكنها تنكر ثبوت ملك النكاح عليها في ~~المعنى فكانت منكرة لا مدعية # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما إذا اختلف المتبايعان في الثمن ~~بعد هلاك السلعة فالقول قول المشتري مع يمينه وهو في الصورة يدعي بيعا بأقل ~~الثمنين ولكنه في المعنى منكر للزيادة التي يدعيها البائع فعرفنا أنه إنما ~~يعتبر المعنى في الدعوى والإنكار دون الصورة # إذا ثبت هذا فنقول هذه الوجوه من الممانعة تكون إنكارا من السائل فلا ~~حاجة به إلى إثبات إنكاره بالحجة واشتغاله بذلك يكون اشتغالا بما لا يفيد ~~وقوله إن الحكم في الأصل ما تعلق بهذا الوصف فقط بل به وبقرينة أخرى يكون ~~إنكارا صحيحا من حيث المعنى وإن كان دعوى من حيث الصورة لأن الحكم المتعلق ~~بعلة ذات وصفين لا يثبت بوجود أحد الوصفين # وذلك نحو ما يعلل به الشافعي رحمه الله في اليمين المعقودة على أمر في ~~المستقبل لأنها يمين بالله مقصودة فيتعدى الحكم بهذا الوصف إلى الغموس # فإنا نقول الحكم في الأصل ثبت بهذا الوصف مع قرينة وهو توهم البر فيها ~~فيكون هذا منعا لما ادعاه الخصم والخصم هو المحتاج إلى إثبات دعواه بالحجة # فأما قول السائل ليس المعنى في الأصل ما قلت وإنما المعنى فيه كذا هو ~~إنكار صورة ولكنه من حيث المعنى دعوى وهو دعوى غير مفيد في موضع النزاع ~~لأنه لا يمكنه أن يقول في موضع النزاع لتقرير ذلك المعنى سوى أن هذا المعنى ~~معدوم في موضع النزاع وعدم العلة لا يوجب عدم الحكم وإن كان هذا يصلح ~~للترجيح به من وجه على ما نبينه إن شاء الله تعالى # PageV02P237 # | فصل القلب والعكس # قال رضي الله عنه تفسير القلب لغة جعل أعلى الشيء أسفله وأسفله أعلاه # من قول القائل قلبت الإناء إذا نكسه أو هو جعل بطن الشيء ظهرا والظهر ~~بطنا # من قول القائل قلبت الجراب إذا جعل ms635 باطنه ظاهرا وظاهره باطنا وقلبت الأمر ~~إذا جعله ظهرا لبطن # وقلب العلة على هذين الوجهين # وهو نوعان أحدهما جعل المعلول علة والعلة معلولا وهذا مبطل للعلة لأن ~~العلة هي الموجبة شرعا والمعلول هو الحكم الواجب به فيكون فرعا وتبعا للعلة ~~وإذا جعل التبع أصلا والأصل تبعا كان ذلك دليل بطلان العلة # وبيانه فيما قال الشافعي في الذمي إنه يجب عليه الرجم لأنه من جنس من ~~يجلد بكره مائة فيرجم ثيبه كالمسلم # فيقلب عليه فنقول في الأصل إنما يجلد بكره لأنه يرجم ثيبه فيكون ذلك قلبا ~~مبطلا لعلته باعتبار أن ما جعل فرعا صار أصلا وما جعله أصلا صار تبعا # وكذلك قوله القراءة ركن يتكرر فرضا في الأوليين فيتكرر أيضا فرضا في ~~الأخريين كالركوع # وهذا النوع من القلب إنما يتأتى عند التعليل بحكم لحكم فأما إذا كان ~~التعليل بوصف لا يرد عليه هذا القلب إذ الوصف لا يكون حكما شرعيا يثبت بحكم ~~آخر # وطريق المخلص عن هذا القلب أن لا يذكر هذا على سبيل التعليل بل على سبيل ~~الاستدلال بأحد الحكمين على الآخر فإن الاستدلال بحكم على حكم طريق السلف ~~في الحوادث روينا ذلك عن النبي عليه السلام وعن الصحابة رضي الله عنهم ولكن ~~شرط هذا الاستدلال أن يثبت أنهما نظيران متساويان فيدل كل واحد منهما على ~~صاحبه هذا على ذاك في حال وذاك على هذا في حال بمنزلة التوأم فإنه يثبت ~~حرية الأصل لأحدهما أيهما كان بثبوته للآخر ويثبت الرق في أيهما كان بثبوته ~~للآخر وذلك نحو ما يقوله علماؤنا رحمهم الله # وبيانه فيما قال علماؤنا إن الصوم عبادة تلزم بالنذر فتلزم بالشروع كالحج ~~فلا يستقيم قلبهم علينا لأن الحج إنما يلزم بالنذر لأنه يلزم بالشروع ~~PageV02P238 لأنا نستدل بأحد الحكمين على الآخر بعد ثبوت المساواة بينهما ~~من حيث إن المقصود بكل واحد منهما تحصيل عبادة زائدة هي محض حق الله تعالى ~~على وجه يكون المعنى فيها لازما والرجوع عنها بعد الأداء حرام وإبطالها بعد ~~الصحة جناية فبعد ثبوت المساواة بينهما ms636 يجعل هذا دليلا على ذاك تارة وذاك ~~على هذا تارة # وكذلك قولنا في الثيب الصغيرة من يكون موليا عليه في ماله تصرفا يكون ~~موليا عليه في نفسه تصرفا كالبكر وفي البكر البالغة من لا يكون موليا عليه ~~في ماله تصرفا لا يكون موليا عليه في نفسه تصرفا كالرجل يكون استدلالا ~~صحيحا بأحد الحكمين على الآخر إذ المساواة قد تثبت بين التصرفين من حيث إن ~~ثبوت الولاية في كل واحد منهما باعتبار حاجة المولى عليه وعجزه عن التصرف ~~بنفسه فلا يستقيم قلبهم إذا ذكرنا هذا على وجه الاستدلال لأن جواز ~~الاستدلال بكل واحد منهما على الآخر يدل على قوة المشابهة والمساواة وهو ~~المقصود بالاستدلال بخلاف ما علل به الشافعي فإنه لا مساواة بين الجلد ~~والرجم أما من حيث الذات فالرجم عقوبة غليظة تأتي على النفس والجلد لا ومن ~~حيث الشرط الرجم يستدعي من الشرائط ما لا يستدعي عليه الجلد كالثيوبة # وكذلك لا مساواة بين ركن القراءة وبين الركوع فإن الركوع فعل هو أصل في ~~الركعة والقراءة ذكر هو زائد حتى إن العاجز عن الأذكار القادر على الأفعال ~~يؤدي الصلاة والعاجز عن الأفعال القادر على الأذكار لا يؤديها ويسقط ركن ~~القراءة بالاقتداء عندنا وعند خوف فوت الركعة بالاتفاق ولا يسقط ركن الركوع # وكذلك لا مساواة بين الشفع الثاني والشفع الأول في القراءة فإنه يسقط في ~~الشفع الثاني شطر ما كان مشروعا في الشفع الأول وهو قراءة السورة والوصف ~~المشروع فيه في الشفع الأول وهو الجهر بالقراءة ومع انعدام المساواة لا ~~يمكن الاستدلال بأحدهما على الآخر والقلب يبطل التعليل على وجه المقايسة # والنوع الثاني من القلب هو جعل الظاهر باطنا بأن يجعل الوصف الذي ~~PageV02P239 علل به الخصم شاهدا عليه لصاحبه في إثبات ذلك الحكم بعد أن كان ~~شاهدا له وهذه معارضة فيها مناقضة لأن المطلوب هو الحكم فالوصف الذي يشهد ~~بإثباته من وجه وينفيه من وجه آخر يكون متناقضا في نفسه بمنزلة الشاهد الذي ~~يشهد لأحد الخصمين على الآخر في حادثة ثم للخصم ms637 الآخر عليه في عين تلك ~~الحادثة فإنه يتناقض كلامه بخلاف المعارضة بعلة أخرى فإنه لا يكون فيها ~~معنى التناقض بل للاشتباه يتعذر العمل إلى أن يتبين الرجحان لأحدهما على ~~الآخر فأما ما يشهد لك على خصمك وبخصمك عليك في حادثة واحدة في وقت واحد ~~بأنه يتحقق فيه التعارض مع التناقض # وبيان ذلك فيما علل به الشافعي في صوم رمضان بمطلق النية إنه صوم فرض فلا ~~يتأدى إلا بتعيين النية كصوم القضاء # فإنما نقلب عليه فنقول إنه صوم فرض فبعد ما تعين مرة لا يشترط لأدائه ~~تعيين بنية أخرى كصوم القضاء # وعلل في سنة التكرار في المسح بالرأس فإنه ركن في الوضوء فيسن تثليثه ~~كغسل الوجه واليدين # فإنا نقلب عليه فنقول ركن في الوضوء فبعد إكماله بالزيادة على المفروض في ~~محل الفريضة لا يسن تثليثه كالمغسولات وإقامة الفرض هنا يحصل بمسح الربع ~~وبالاستيعاب يحصل الإكمال بالزيادة على الفريضة في محل الفريضة كما في ~~المغسولات بالغسل ثلاثا يحصل الإكمال بالزيادة على القدر المفروض وهو ~~الاستيعاب في محل المفروض # فإن قيل هذا القلب إنما يتأدى بزيادة وصف وبهذه الزيادة يتبدل الوصف ~~ويصير شيئا آخر فيكون هذا معارضة لا قلبا # قلنا نعم في هذا زيادة وصف ولكنها تفسير للحكم على وجه التقرير له لا على ~~وجه التغيير فإنا نبين بهذه الزيادة أن صوم رمضان لما تعين مشروعا في ~~الزمان وغيره ليس بمشروع كان قياسه من القضاء ما بعد التعيين بالشروع فيه ~~والاستيعاب في المسح بالرأس لما لم يكن ركنا كان قياسه من المغسولات بعد ~~حصول الاستيعاب ما إذا حصل الإكمال في المغسولات بالزيادة بعد الاستيعاب ~~فيكون تقريرا لذلك الوصف بهذا التفسير لا تغييرا # PageV02P240 وتفسير العكس لغة وهو رد الشيء على سننه وراءه مأخود من عكس ~~المرآة فإن نورها يرد نور بصر الناظر فيما وراءه على سننه حتى يرى وجهه كأن ~~له في المرآة وجها وعينا يبصر به # وكذلك عكس الماء نور الشمس فإنه يرد نورها حتى يقع على جدار بمقابلة ~~الماء كأن في الماء ms638 شمسا # ثم العكس في العلة على وجهين أحدهما رد الحكم على سننه بما يكون قلبا ~~لعلته حتى يثبت به ضد ما كان ثابتا بأصله نحو قولنا في الشروع في صوم النفل ~~إن ما يلتزم بالنذر يلتزم بالشروع كالحج وعكسه إن ما لا يلتزم بالنذر لا ~~يلتزم بالشروع كالوضوء فيكون العكس على هذا المعنى ضد الطرد وهذا لا يكون ~~قادحا في العلة أصلا بل يصلح مرجحا لهذا النوع من العلة على العلة التي ~~تطرد ولا تنعكس على ما نبينه في بابه # والنوع الآخر ما يكون عكسا يوجب الحكم لا على سنن حكم الأصل بل على ~~مخالفة حكم الأصل وذلك نحو ما يعلل به الشافعي في أن الصوم عبادة لا يمضي ~~في فاسدها فلا تصير لازمة بالشروع فيها كالوضوء وعكسه الحج فهذا التعليل له ~~نظير التعليل الأول لنا ونحن إذا قلنا بأن ما يلتزم بالنذر من العادة يلتزم ~~بالشروع كالحج فهو يقول ينبغي أن يستوي حكم الشروع فيه بنية النفل وحكم ~~الشروع فيه على ظن أنه عليه كالحج فيكون في هذا العكس نوع كسر للعلة حيث ~~تمكن الخصم به من إثبات حكم هو مخالف للحكم الأول ولكنه ليس بقوي فإن الحكم ~~الذي تعلقه مجمل غير مفسر وما علقنا به من الحكم مفسر فالمفسر أولى من ~~المجمل ثم هو تعلق به حكم التسوية والحكم المقصود شيء آخر يختلف فيه الفرع ~~والأصل على سبيل التضاد فإن في الأصل يستويان حتى يجب القضاء فيهما وفي ~~الفرع عنده يستويان حتى يسقط القضاء فيهما وإنما يستقيم هذا التعليل إذا ~~كان المقصود عين التسوية ولأنه في هذا PageV02P241 العكس ينص على حكم آخر ~~سوى ما ذكرناه في التعليل فلا يكون إبطالا بطريق النظر وإنما يكون العكس ~~دفعا لما فيه من الإبطال والمناقضة فإذا عرى عن ذلك لم يكن دفعا ولأنه علل ~~بحكم مجمل لا يتصل بالمتنازع فيه إلا بكلام هو ابتداء وليس للسائل دلك فظهر ~~أن العكس سؤال ضعيف # | فصل في المعارضة # وقد بينا تفسير المعارضة فيما مضى وهذا ms639 الفصل لبيان أقسامها وتمييز ~~الفاسد من الصحيح منها فيقول # المعارضة نوعان نوع في علة الأصل ونوع في حكم الفرع فالذى في حكم الفرع ~~على خمسة أوجه معارضة بالتنصيص على خلاف حكم العلة في ذلك المحل بعينه ~~ومعارضة بتغيير هو تفسير لذلك الحكم على وجه التقرير له ومعارضة بتغيير فيه ~~إجلال بموضع الخلاف ومعارضة فيها نفى ما لم يثبته المعلل أو إثبات ما لم ~~ينفه المعلل ولكنه يتصل بموضع التعليل ومعارضة بإثبات حكم في غير المحل ~~الذى أثبت المعلل الحكم فيه بعلته # والذى في علة الأصل أنواع ثلاثة معارضة بذكر علة في الأصل لا تتعدى إلى ~~فرع ومعارضة بذكر علة تتعدى إلى فرع الحكم فيه متفق عليه ومعارضة بعلة ~~تتعدى إلى فرع الحكم فيه مختلف فيه # وبيان الوجه الأول من الأوجه الخمسة في تكرار المسح بالرأس فإن الخصم ~~يقول ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالمغسول ونحن نعارضه بقولنا مسح في ~~الطهارة فلا يسن تثليثه كالمسح بالخف فهذه معارضة صحيحه لما فيها من ~~التنصيص على خلاف حكم علته في ذلك المحل بعينه # وبيان الوجه الثاني في هذا الموضع أيضا فإنا نقول ركن في الوضوء فبعد ~~الإكمال بالزيادة على القدر المفروض في محل الفريضة لا يسن تثليثه كما في ~~المغسولات # فهذه معارضة بتغيير هو تفسير للحكم في تقريره PageV02P242 وهذان وجهان ~~صحيحان في المعارضة المحوجة إلى الترجيح لأن عند صحة المعارضة يصار إلى ~~الترجيح # وبيان الوجه الثالث فيما يعلل به في غير الأب والجد هل تثبت لهم ولاية ~~التزويج على الصغيرة فنقول إنها صغيرة فتثبت عليها ولاية التزويج كالتى لها ~~أب وهم يعارضون ويقولون هذه صغيرة فلا تثبت عليها ولاية التزويج للأخ كالتى ~~لها أب فتكون هذه معارضة بتغيير فيه إخلال بموضع النزاع لأن موضع النزاع ~~ثبوت ولاية التزويج على اليتيمة لا تعيين الولى المزوج لها وهو في معارضته ~~علل لنفى الولاية بشخص بعينه ولكنه يقول إن موضع النزاع إثبات الولاية ~~للأقارب سوى الأب والجد على الصغيرة وأقربهم الأخ فنحن بهذه المعارضة ننفى ~~ولاية ms640 الأخ عنها ثم ولاية من وراء الأخ منتفية عنها بالأخ فمن هذا الوجه ~~يظهر معنى الصحة في هذه المعارضة وإن لم يكن قويا # وبيان الوجه الرابع فيما ذكرنا في النوع الثاني من العكس وذلك فيما يعلل ~~به في مسألة الكافر يشترى عبدا مسلما إنه مال يملك الكافر بيعه فيملك شراءه ~~كالعبد الكافر فيقولون وجب أن يستوى حكم شرائه ابتداء وحكم استدامه الملك ~~فيه كالعبد الكافر فنقول في هذه المعارضة إثبات ما لم ينفعه بالتعليل وهو ~~التسوية بين أصل الشراء وبين استدامة الملك فلا تكون متصلة بموضع النزاع ~~إلا بعد البناء بإثبات التسوية بين الإستدامة وابتداء الشراء وليس للسائل ~~هذا البناء فلم تكن هذه المعارضة صحيحه بطريق النظر وإن كان يظهر فيها معنى ~~الصحة عند إثبات التسوية بينهما # وبيان الوجه الخامس فيما يقوله أبو حنيفة رضى الله عنه في المرأة إذا نعى ~~إليها زوجها فاعتدت وتزوجت بزوج آخر وولدت منه أولادا ثم جاء الزوج الأول ~~حيا فإن نسب الأولاد يثبت من الأول لأنه صاحب فراش صحيح عليها وثبوت النسب ~~باعتبار الفراش وهما يعارضان بأن الثاني صاحب فراش حاضر ومع صفة الفساد ~~يثبت النسب من صاحب الفراش PageV02P243 الحاضر كما لو تزوج امرأة بغير شهود ~~ودخل بها فهذه معارضة بإثبات حكم في غير المحل الذي وقع التعليل إذ الفاسد ~~غير الصحيح والكلام في أن النسب بعدما صار مستحقا بثبوته لشخص هل هو يجوز ~~أن يثبت لغيره باعتبار فراشه فإن الأول بفراشه السابق يصير مستحقا نسب ~~أولادها ما بقي فراشها فيقع الكلام بعد هذا في الترجيح أن أصل الفراش ~~للثاني باعتبار كونه حاضرا وكونه صاحب الماء هل يترجح على الفراش الصحيح ~~الذي للغائب حتى ينتسخ به حكم الاستحقاق الثابت بفراشه أم لا وأبو حنيفة ~~يقول هذا لا يكون صالحا للترجيح لأن الشيء لا ينسخه إلا ما هو مثله أو فوقه ~~والفاسد من الفراش مع هذه القرائن لا يكون مثلا للصحيح فلا ينسخ به حكم ~~الاستحقاق الثابت بالصحيح وبعدما صار النسب مستحقا لزيد لا يمكن ms641 إثباته ~~لعمرو بوجه ما والنكاح بغير شهود ليس من هذا المحل في شيء فعرفنا أنه ~~معارضة في غير محل الحكم # فأما وجوه المعارضة في علة الأصل فهي فاسدة كلها لما بينا أن ذكر علة ~~أخرى في الأصل لا يبقى تعليله بما ذكره المعلل لجواز أن يكون في الأصل ~~وصفان فيتعدى الحكم بأحد الوصفين إلى الفروع دون الآخر ثم إن كان الوصف ~~الذي يذكره المعارض لا يتعدى إلى فرع فهو فاسد لما بينا أن حكم التعليل ~~التعدية فما لا يفيد حكمه أصلا يكون فاسدا من التعليل فإن كان يتعدى إلى ~~فرع فلا اتصال له بموضع النزاع إلا من حيث إنه تنعدم تلك العلة في هذا ~~الموضع وقد بينا أن عدم العلة لا يوجب عدم الحكم فعرفنا أنه لا اتصال لتلك ~~العلة بموضع النزاع في النفي ولا في الإثبات وكذلك إن كانت تتعدى إلى فرع ~~مختلف فيه فالمتعدية إلى فرع مجمع عليه تكون أقوى من المتعدية إلى فرع ~~مختلف فيه ولما تبين فساد تلك تبين فساد هذا بطريق الأولى # PageV02P244 ومن الناس من يزعم أن هذه معارضة حسنة فيها معنى الممانعة ~~لأن بالإجماع علة الحكم أحد الوصفين لا كلاهما فإذا ظهرت صحة علة السائل ~~بظهور حكمها وهو التعدية يتبين فساد العلة الأخرى # بيانه أنا نقول في تعليل الحنطة إنه باع مكيلا بمكيل من جنسه متفاضلا ثم ~~تعدى الحكم بها إلى الحص وغيره # والخصم يعارض فيقول باع مطعوما بمطعوم من جنسه متفاضلا لتعدي الحكم به ~~إلى المطعومات التي هي غير مقدرة كالتفاح ونحوها وقد ثبت باتفاق الخصمين أن ~~علة الحكم أحدهما فإذا ثبت صحة ما ادعاه أحدهما علة انتفى الآخر بالإجماع ~~فكانت في هذه المعارضة ممانعة من هذا الوجه # ولكنا نقول لا تنافي بين العلتين ذاتا لجواز أن يعلق الحكم بكل واحد ~~منهما فمن أنكر صحة ما ادعاه خصمه من العلة لا يفسد ذلك بمجرد تصحيح علته ~~بل بذكر معنى مفسد في علة خصمه كما أنه لا يثبت وجه صحة علته بإفساد علة ~~خصمه ms642 بل بمعنى هو دليل الصحة في علته فعرفنا أن هذه المعارضة فاسدة أيضا # ثم السبيل في كل كلام يذكره أهل الطرد على سبيل المفارقة إذا كان فقيها ~~أن يذكره على وجه الممانعة فيكون ذلك فقها صحيحا من السائل على حد الإنكار ~~لا بد من قبوله منه # وبيان ذلك أن الخصم يقول في عتق الرهن إن هذا تصرف من الراهن مبطل لحق ~~المرتهن عن المرهون فلا ينفذ بغير رضاه كالبيع والفرق لنا بين هذا وبين ~~البيع أن ذاك يحتمل الفسخ بعد وقوعه فيمكن القول بانعقاده على وجه يتمكن ~~المرتهن من فسخه والعتق لا يحتمل الفسخ بعد وقوعه وهو بهذا التعليل يلغي ~~أصل العتق ولا نسلم له هذا الحكم في الأصل ثم من شرط صحة العلة أن لا يكون ~~مغيرا حكم الأصل فإن كان هو بالتعليل يغير حكم الأصل فيجعل الحكم فيه ~~الإلغاء دون الانعقاد على وجه التوقف منعناه من التعليل لأنه ينعدم به شرط ~~صحة التعليل وإن أثبت به حكم الأصل وهو امتناع اللزوم بعد الانعقاد في محله ~~لمراعاة حق المرتهن فهذا لا تصور له فيما لا يحتمل الفسخ بعد وقوعه وكذلك ~~إن رده على إعتاق المريض فإن ذلك عندنا ليس يلغو PageV02P245 فإن كان يعلل ~~لإلغاء العتق من الراهن فهذا تعليل يتغير به حكم الأصل وذلك غير صحيح عندنا ~~فنمنعه بهذا الطريق وعلى الوجه الذى هو حكم الأصل وهو تأخير تنفيذ الوصية ~~عن قضاء الدين لا يمكنه إثباته بهذا التعليل في الفرع فكانت الممانعة صحيحة ~~بهذا الطريق # وكذلك تعليل الخصم في قتل العمد بأنه قتل آدمى مضمون فيكون موجبا للمال ~~كالخطأ فإن الفرق بين الفرع والأصل لأهل الطرد أن في الخطأ لا يمكن إيجاب ~~مثل المتلف من جنسه وهنا المثل من جنسه واجب والأولى أن يقول في الأصل ~~المال إنما يجب حلفا عما هو الأصل لفوات الأصل وهو بهذا التعليل يوجب المال ~~في الفرع أصلا فيكون في هذا التعليل يعرض بحكم الأصل بالتغيير وشرط صحة ~~التعليل أن لا يكون متعرضا لحكم ms643 الأصل فنمنعه من التعليل بهذا الطريق حتى ~~يكون كلاما من السائل على حد الإنكار صحيحا # | فصل في وجوه دفع المناقضة # قد ذكرنا أن المناقضة لا ترد على العلل المؤثرة لأن دليل الصحة فيها ~~بالتأثير الثابت بالإجماع وإنما يرد النقض على العلل الطردية لأن دليل ~~صحتها الإطراد وبالمناقضة ينعدم الإطراد ثم تقع الحاجة إلى معرفة وجه دفع ~~النقض صورة أو سؤالا معتبرا عن العلل # والحاصل فيه أن المجيب متى وفق بين ما ذكر من العلة وبين ما يورد نقضا ~~عليها بتوفيق بين فإنه يندفع النقض عنه وإذا لم يمكنه التوفيق بينهما يلزمه ~~سؤال النقض بمنزلة التناقض الذي يقع في مجلس القاضي من الدعوى والشهادة ~~وبين شهادة الشهود فإن ذلك ينتفى بتوفيق صحيح بين # ثم وجوه الدفع أربعة دفع بمعنى الوصف الذى جعله علة بما هو ثابت بصيغته ~~ظاهرا ودفع بمعنى الوصف الذى هو ثابت بدلالته وهى التى صارت بها حجة وهو ~~التأثير الذى قلنا ودفع بالحكم الذى هو المقصود ودفع بالغرض المطلوب ~~بالتعليل PageV02P246 فبيان الوجه الأول في تكرار المسح بالرأس فإنا يقول ~~مسح فلا يسن تثليثه كالمسح بالخف فيورد عليه الإستنجاء بالأحجار نقضا ~~فندفعه بمعنى الوصف الثابت بصيغته ظاهرا وهو قولنا مسح فإن في الإستنحاء ~~بالأحجار لا معتبر بالمسح بل المعتبر إزالة النجاسة حتى لو تصور خروج الحدث ~~من غير أن يتلوث شيء منه من ظاهر البدن لا يجب المسح والدليل عليه أن ~~الإستطابة بالماء بعد إزالة عين النجاسة بالحجر فيه أفضل ومعلوم أن في ~~العضو الممسوح لا يكون الغسل بعد المسح أفضل وكذلك إذا قلنا في الخارج من ~~غير السبيلين إنه حدث لأنه خارج نجس يورد عليه ما إذا لم يسل عن رأس الجرح ~~ودفع هذا النقض بمعنى الوصف ظاهرا وهو قولنا خارج فما لم يسل فهو طاهر ~~لتقشير الجلد عنه وليس بخارج إنما الخارج ما يفارق مكانه وتحت كل موضع من ~~الجلد كمن يكون في البيت إذا رفع البنيان الذي كان هو مستترا به يكون ظاهرا ~~ولا يكون خارجا ms644 وإنما يسمى خارجا من البيت إذا فارق مكانه ولهذا لا يجب ~~تطهير ذلك الموضع لأنه ما لم يصر خارجا من مكانه لا يعطى له حكم النجاسة # وبيان الوجه الثاني في هذين الفصلين أيضا فإن تأثير قولنا مسح أنه طهارة ~~حكمية غير معقولة المعنى وهى مبنية على التخفيف ألا ترى أنه لا تأثير للمسح ~~في إثبات صفة الطهارة بعد تنجس المحل حقيقة وأنه يتأدى ببعض المحل للتخفيف ~~فلا يرد عليه الإستنجاء لأن المطلوب هناك إزالة عين النجاسة ولهذا لا يتم ~~باستعمال الحجر في بعض المحل دون البعض فباعتبار الإستيعاب فيه والقصد إلى ~~تطهير المحل بإزالة حقيقة النجاسة عنه يشبه الإستنجاء الغسل في الأعضاء ~~المغسولة دون المسح لهت وكذلك قولنا الخارج النجس كان حجة التأثير لها هو ~~وجوب التطهير في ذلك الموضع فإن بالإجماع غسل ذلك الموضع للتطهير واجب ~~ووجوب التطهير في البدن باعتبار ما يكون منه لا يحتمل التجزى فيندفع ما إذا ~~لم تسل النجاسة لأنه لم يجب PageV02P247 هناك تطهير ذلك الموضع بالغسل # فعرفنا أنه انعدم الحكم لانعدام العلة وهذا يكون مرجحا للعلة فكيف يكون ~~نقضا وسنقرر هذا في بيان ترجيح العلة التي تنعكس على العلة التي لا تنعكس # وبيان الوجه الثالث فيما يعلل به في النذر بصوم يوم النحر أنه يوم فيصح ~~إضافة النذر إليه كسائر الأيام فيورد عليه يوم الحيض نقضا ووجه الدفع ~~بالحكم الذي هو المقصود بالتعليل وهو صحة إضافة النذر بالصوم إليه وذلك ~~اليوم يصح إضافة النذر بالصوم إليه فإنها لو قالت لله علي أن أصوم غدا يصح ~~نذرها وإن حاضت من الغد وإنما فسد نذرها بالإضافة إلى الحيض لا إلى اليوم # وكذلك يعلل في التكفير بالمكاتب فنقول عقد الكتابة يحتمل الفسخ فلا تخرج ~~الرقبة من جواز التكفير بعتقها كالبيع والإجارة فيورد عليه نقضا ما إذا أدى ~~بعض بدل الكتابة وطريق الدفع بالحكم وهو أن هذا العقد لا يخرج الرقبة من أن ~~تكون محلا للتكفير بها وهنا العقد لا يخرج الرقبة من ذلك ولكن معنى ~~المعاوضة هو ms645 الذي يمنع صحة التكفير بذلك التحرير وبعض أهل النظر يعبرون عن ~~هذا النوع من الدفع بأن التعليل للجملة فلا يرد عليه الإفراد نقضا وفقهه ما ~~ذكرنا # وبيان الوجه الرابع من الدفع فيما عللنا به الخارج من غير السبيلين فإنه ~~خارج نجس فيكون حدثا كالخارج من السبيلين فيورد عليه دم الاستحاضة مع بقاء ~~الوقت نقضا # وللدفع فيه وجهان أحدهما أن ذلك حدث عندنا ولكن يتأخر حكمه إلى ما بعد ~~خروج الوقت ولهذا تلزمها الطهارة بعد خروج الوقت وإن لم يكن خروج الوقت ~~حدثا والحكم تارة يتصل بالسبب وتارة يتأخر عنه فهذا الدفع من جملة الوجه ~~الثالث ببيان أنه حدث بالجملة والثاني أن المقصود بهذا التعليل التسوية بين ~~الفرع والأصل وقد سوينا فإن الخارج المعتاد من السبيل إذا كان دائما يكون ~~حدثا موجبا للطهارة بعد خروج الوقت لا في الوقت فكذلك الذي هو غير المعتاد ~~والذي هو خارج من غير سبيل # وكذا إذا عللنا في أن السنة في التأمين الإخفاء بقولنا إنه ذكر لا يدخل ~~عليه الأذان ولا التكبيرات التي يجهر بها الإمام لأن الغرض التسوية بين ~~التأمين PageV02P248 وبين سائر الأذكار في أن الأصل هو الإخفاء وذلك ثابت ~~إلا إن جهر الإمام بالتكبيرات لا لأنها ذكر بل لإعلام من خلفه بالانتقال من ~~ركن إلى ركن والجهر بالأذان والإقامة كذلك أيضا ولهذا لا يجهر المقتدي ~~بالتكبيرات ولا يجهر المنفرد بالتكبيرات ولا بالأذان والإقامة فيدفع النقض ~~ببيان الغرض المطلوب بالتعليل وهو التسوية بين هذا الذكر وبين سائر أذكار ~~الصلاة # وبعض أهل النظر يعبرون عن هذا فيقولون مقصودنا بهذا التعليل التسوية بين ~~الفرع والأصل وقد سوينا بينهما في موضع النقض كما سوينا في موضع التعليل ~~فيتبين به وجه التوفيق بطريق يندفع به التناقض والله أعلم # & باب الترجيح & قال رضي الله عنه الكلام في هذا الباب في فصول أحدها في ~~معنى الترجيح لغة وشريعة والثاني في بيان ما يقع به الترجيح والثالث في ~~بيان المخلص من تعارض يقع في الترجيح والرابع في بيان ما هو فاسد ms646 من وجوه ~~الترجيح # فأما الأول فنقول تفسير الترجيح لغة إظهار فضل في أحد جانبي المعادلة ~~وصفا لا أصلا فيكون عبارة عن مماثلة يتحقق بها التعارض ثم يظهر في أحد ~~الجانبين زيادة على وجه لا تقوم تلك الزيادة بنفسها فيما تحصل به المعارضة ~~أو تثبت به المماثلة بين الشيئين ومنه الرجحان في الوزن فإنه عبارة عن ~~زيادة بعد ثبوت المعادلة بين كفتي الميزان وتلك الزيادة على وجه لا تقوم ~~منها المماثلة ابتداء ولا يدخل تحت الوزن منفردا عن المزيد عليه مقصودا ~~بنفسه في العادة نحو الحبة في العشرة وهذا لأن ضد الترجيح التطفيف وإنما ~~يكون التطفيف بنقصان يظهر في الوزن أو الكيل بعد وجود المعارضة بالطريق ~~الذي تثبت به المماثلة على وجه لا تنعدم به المعارضة فكذلك الرجحان يكون ~~بزيادة وصف على وجه لا تقوم به المماثلة ولا ينعدم بظهوره أصل المعارضة ~~ولهذا لا تسمى زيادة درهم على العشرة في أحد PageV02P249 الجانبين رجحانا ~~لأن المماثلة تقوم به أصلا وتسمى زيادة الحبة ونحوها رجحانا لأن المماثلة ~~لا تقوم بها عادة # وكذلك في الشريعة هو عبارة عن زيادة تكون وصفا لا أصلا فإن النبي عليه ~~الصلاة والسلام قال للوازن زن وأرجح فإنا معشر الأنبياء هكذا نزن ولهذا لا ~~بثبت حكم الهبة في مقدار الرجحان لأنه زيادة تقوم وصفا لا مقصودا بسببه ~~بخلاف زيادة الدرهم على العشرة فإنه يثبت فيه الحكم الهبة حتى لو لم يكن ~~متميزا كان الحكم فيه كالحكم في هبة المشاع لأنه مما تقوم به المماثلة فإنه ~~يكون مقصودا بالوزن فلا بد من أن يجعل مقصودا في التمليك بسببه وليس ذلك ~~إلا الهبة فإن قضاء العشرة يكون بمثلها عشرة فيتبين أن بالرجحان لا ينعدم ~~أصل المماثلة لأنه زيادة وصف بمنزلة زيادة وصف الجودة وما يكون مقصودا ~~بالوزن تنعدم به المماثلة ولا يكون ذلك من الرجحان في شيء وعلى هذا قلنا في ~~العلل في الأحكام إن ما يصلح علة للحكم ابتداء لا يصلح للترجيح به وإنما ~~يكون الترجيح بما لا يصلح علة ms647 موجبة للحكم # وبيان ذلك في الشهادات فإن أحد المدعيين لو أقام شاهدين وأقام الآخر ~~أربعة من الشهود لم يترجح الذي شهد له أربعة لأن زيادة الشاهدين في حقه علة ~~تامة للحكم فلا يصلح مرجحا للحجة في جانبه وكذلك زيادة شاهد واحد لأحد ~~المدعيين لأنه من جنس ما تقوم به الحجة أصلا فلا يقع الترجيح به أصلا وإنما ~~يقع الترجيح بما يقوى ركن الحجة أو يقوى معنى الصدق في الشهادة وذلك في أن ~~تتعارض شهادة المستور مع شهادة العدل بأن أقام أحد المدعيين مستورين والآخر ~~عدلين فإنه يترجح الذي شهد به العدلان بظهور ما يؤكد معنى الصدق في شهادة ~~شهوده # وكذلك في النسب أو النكاح لو ترجح حجة أحد الخصمين باتصال القضاء بها لأن ~~ذلك مما يؤكد ركن الحجة فإن بقضاء القاضى يتم معنى الحجة في الشهادة ويتعين ~~جانب الصدق # وعلى هذا قلنا في العلتين إذا تعارضتا لا تترجح إحداهما بانضمام علة أخرى ~~إليها وإنما هذا تترجح بقوة الأثر فيها فبه يتأكد ما هو الركن في صحة العلة # وكذلك الخبران إذا تعارضا لا يترجح أحدهما على الآخر بخبر آخر بل بما به ~~يتأكد معنى الحجة PageV02P250 فيه وهو الإتصال برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى يرجح المشهور بكثرة رواته على الشاذ لظهور زيادة القوة فيه من حيث ~~الإتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم ويترجح بفقه الرواى وحسن ضبطه ~~وإتقانه لأنه يتقوى به معنى الإتصال برسول الله على الوجه الذى وصل إلينا ~~بالنقل # وكذلك الآيتان إذا وقعت المعارضة بينهما لا تترجح إحداهما بآية أخرى بل ~~تترجح بقوة في معنى الحجة وهو أنه نص مفسر والآخر مؤول وكذلك لا يترجح أحد ~~الخبرين بالقياس # فعرفنا أن ما يقع به الترجيح هو ما لا يصلح علة للحكم ابتداء بل ما يكون ~~مقويا لما به صارت العلة موجبة للحكم # وعلى هذا قلنا لو أن رجلا جرح رجلا جراحة وجرحه آخر عشر جراحات فمات من ~~ذلك فإن الدية عليهما نصفان لأن كل جراحة علة تامة ولا ms648 يترجح أحدهما بزيادة ~~عدد في العلة في جانبه حتى يصير القتل مضافا إليه دون صاحبه بل يصير مضافا ~~إلى فعلهما على وجه التساوى # ولو قطع أحدهما يده ثم جز الآخر رقبته فالقاتل هو الذى جز رقبته دون ~~الآخر لزيادة قوة فيما هو علة القتل من فعله وهو أنه لا يتوهم بقاؤه حيا ~~بعد فعله بخلاف فعل الآخر # وعلى هذا الأصل رجحنا سبب استحقاق الشفعة للشريك في نفس المبيع على السبب ~~في حق الشريك في حقوق المبيع ثم رجحنا الشريك في نفس المبيع على الجار ~~لزيادة وكادة في الإتصال الذى ثبت بالجوار فإن اتصال الملكين في حق الشريك ~~في نفس المبيع في كل جزء في حق الشريك في حقوق المبيع الإتصال فيما هو بيع ~~من المبيع وفي حق الجار لا اتصال من حيث الإختلاط فيما هو مقصود ولا فيما ~~هو تبع وإنما الإتصال من حيث المجاورة بين الملكين مع تميز أحدهما من الآخر ~~ثم من كان جواره من ثلاث جوانب لا يترجح على من كان جواره من جانب واحد لأن ~~الموجود في جانبه زيادة العلة من حيث العدد فلا يثبت به الترجيح # وعلى هذا قلنا صاحب القليل يساوى صاحب الكثير في استحقاق الشقص المبيع ~~بالشفعة لأن الشركة بكل جزء علة تامة لإستحقاق جميع الشقص المبيع بالشفعة ~~فإنما وجد في جانب صاحب الكثير كثرة العلة وبه لا يقع الترجيح # وهكذا يقول الشافعي في اعتبار أصل الترجيح فإنه لا يرجح PageV02P251 صابح ~~الكثير هنا حتى يكون لصاحب القليل حق المزاحمة معه مع الأخذ بالشفعة إلا ~~أنه يجعل الشفعة من جملة موافق الملك فتكون مقسومة بين الشفعاء على قدر ~~الملك كالولد والربح والثمار من الأشجار المشتركة أو يجعل هذا بمنزلة ملك ~~المبيع فيجعله مقسوما على مقدار ما يلتزم كل واحد من المشترين من بدله وهو ~~الثمن حتى إذا باع عبدا بثلاثة آلاف درهم من رجلين على أن يكون على أحدهما ~~ألف درهم على الآخر بعينه ألفا درهم فإن الملك بينهما في المبيع يكون ~~أثلاثا على ms649 قدر الملك # وهذا غلط منه لأنه جعل الحكم مقسوما على قدر العلة أو بنى العلة على ~~الحكم وذلك غير مستقيم # وعلى هذا اتفقت الصحابة في امرأة ماتت عن ابنى عم أحدهما زوجها فإن للزوج ~~النصف والباقى بينهما بالعصوبة ولا يترجح الزوج بسبب الزوجية لأن ذلك علة ~~أخرى لإستحقاق الميراث سوى ما يستحق به العصوبة فلا يترجح علته بعلة أخرى ~~ولكن يعتبر كل واحد من السببين في حق من اجتمع في حقه السببان بمنزلة ما لو ~~وجد كل واحد منهما في شخص آخر # وكذلك قال أكثر الصحابة في انبى عم أحدهما أخ لأم إنه لا يترجح بالأخوة ~~لأم على الآخر ولكن له السدس بالفرضية والباقى بينهما نصفان بالعصوبة # وقال ابن مسعود رضي الله عنه يترجح ابن العم الذى هو أخ لأم لأن الكل ~~قرابة فتقوى إحدى الجهتين بالجهة الأخرى بمنزلة أخوين أحدهما لأب وأم ~~والآخر لأب # وأخذنا بقول أكثر الصحابة لأن العصوبة المستحقة بكونه ابن عم مخالف ~~للمستحق بالأخوة ولهذا يكون استحقاق ابن العم العصوبة بعد استحقاق الأخ ~~بدرجات والترجيح بقرابة الأم في استحقاق العصوبة إنما يكون عند اتحاد جهة ~~العصوبة والإستواء في المنزلة كما في حق الأخوين فحينئذ يقع الترجيح بقرابة ~~الأم لأنه لا يستحق بها العصوبة ابتداء فيجوز أن تتقوى بها علة العصوبة في ~~جانب الأخ لأب وأم إذ الترجيح يكون بعد المعارضة والمساواة فأما قرابة ~~الأخوة فهى ليست من جنس قرابة ابن العم حتى تتقوى بها العصوبة الثابتة لابن ~~العم الذى هو أخ لأم بل يكون هذا السبب بمنزلة الزوجية فتعتبر حال اجتماعها ~~في شخص واحد بحال انفراد كل واحد من السببين في شخص آخر وكثير من المسائل ~~تخرج على ما ذكرنا من الأصل في هذا الفصل إذا تأملت PageV02P252 # | فصل # وما ينتهى إليه ما يقع به الترجيح في الحاصل أربعة أحدها قوة الأثر ~~والثاني قوة الثبات على الحكم المشهود به والثالث كثرة الأصول والرابع عدم ~~الحكم عند عدم العلة # أما الوجه الأول فلأن المعنى الذي به صار الوصف ms650 حجة الأثر فمهما كان ~~الأثر أقوى كان الاحتجاج به أولى لصفة الوكادة فيما به صار حجة # فذلك نحو دليل الاستحسان مع القياس ونحو الأخبار إذا تعارضت فإن الخبر ~~لما كان حجة لمعنى الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يزيد معنى ~~الاتصال وكادة من الاشتهار وفقه الراوي وحسن ضبطه واتقانه كان الاحتجاج به ~~أولى # فإن قيل أليس أن الشهادات متى تعارضت لم يترجح بعضها بقوة عدالة بعض ~~الشاهد وهي إنما صارت حجة باعتبار العدالة ثم بعد ظهور عادلة الفريقين لا ~~يقع الترجيح بزيادة معنى العدالة قلنا العدالة ليست بذي أنواع متفاوتة حتى ~~يظهر لبعضها قوة عند المقابلة بالبعض وهي عبارة عن التقوى والانزجار عن ~~ارتكاب ما يعتقد الحرمة فيه وذلك مما لا يمكن الوقوف فيه على حد أن يرجح ~~البعض بزيادة قوة عند الرجوع إلى حده بخلاف تأثير العلة فإن قوة الأثر عند ~~المقابلة تظهر على وجه لا يمكن إنكاره # وبيان هذا في مسائل # منها أن الشافعي علل في طول الحرة أنه يمنع نكاح الأمة لأن في هذا العقد ~~إرقاق جزء منه مع استغنائه عنه فلا يجوز كما لو كان تحته حرة وهذا الوصف ~~بين الأثر فإن الإرقاق نظير القتل من وجه ألا نرى أن الإمام في الأسارى ~~يتخير بين القتل والاسترقاق فكما يحرم عليه قتل ولده شرعا يحرم عليه إرقاقه ~~مع استغنائه عنه # وقلنا هذا النكاح يجوز لعبد المسلم فإن المولى إذا دفع إليه مالا وأذن له ~~في أن ينكح به ما شاء من حرة أو أمة جاز له أن ينكح الأمة فلما كان طول ~~الحرة لا يمنع نكاح الأمة للعبد المسلم لا يمنع للحر لوجود الحرة في الدنيا # وتأثير ما قلنا أن تأثير الرق PageV02P253 في تنصيف الحل الذى يترتب عليه ~~عقد النكاح وحقيقة التنصيف في أن يكون حكم العبد في النصف الباقى له وحكم ~~الحر في جميع ذلك سواء فما يكون شرطا في حق الحر يكون شرطا في حق العبد ~~كالمشهود وخلو المرأة عن العدة ومال لا ms651 يكون شرطا في حق العبد لا يكون شرطا ~~في حق الحر كالخطبة وتسمية المهر لا يكون في حق العبد # ثم تظهر قوة التأثير لما قلنا في الرجوع إلى الأصول فإن الرق من أوصاف ~~النقصان والحرية من أوصاف الكمال وهذا الحل كرامة يختص به البشر فكيف يجوز ~~القول بأنه يتسع الحل بسبب الرق حتى يحل للعبد ما لا يحل للحر # وبزداد قوة بالنظر في أحوال البشر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل ~~أمته بزيادة اتساع في حله حتى جاز له نكاح تسع نسوة أو إلى ما لا يتناهى ~~على حسب ما اختلفوا فيه # فتبين بهذا تحقيق معنى الكرامة في زيادة الحل وظهر أنه لا يجوز القول ~~بزيادة حل العبد على حل الحر # ويظهر ضعف أثر علته في الرجوع إلى الأصول فإن إرقاق الماء دون التضييع لا ~~محالة ويحل له أن يضيع ماءه بالعزل عن الحرة بإذنها فلأن يجوز تعريض ما به ~~الرق بنكاح الأمة كان أولى # ويزداد ضعفا بالرجوع إلى أحوال البشر فإنه من ملك نفسه على وجه يأمن أن ~~يقع في الحرام يجوز له نكاح الأمة ولا يحل له قتل ولده إذا أمن جانبه بحال ~~من الأحوال # وعلى هذا قلنا للحر أن يتزوج أمة على أمة لأن ذلك جائز للعبد فيجوز للحر ~~من الوجه الذى قررنا ولا يجوز للعبد أن ينكح أمة على حرة كما لا يجوز ذلك ~~للحر لأن العبد في النصف الباقى له مثل الحر في الحكم # وعلل في حرمة نكاح الأمة الكتابية على المسلم بأنها أمة كافرة فلا يجوز ~~نكاحها للمسلم كالمجوسية # وهذا بين الأثر من وجهين أحدهما أن الرق مؤثر في حرمة النكاح حتى لا يجوز ~~نكاح الأمة على الحرة والكفر كذلك فإذا اجتمع الوصفان في شخص تغلظ معنى ~~الحرمة فيها فيلتحق بالكفر المتغلظ بعدم الكتاب في المنع من النكاح # والثاني أن جواز نكاح الأمة بطريق الضرورة عند خشية العنت وهذه الضرورة ~~ترتفع بحل الأمة المسلمة فلا حاجة إلى حل الأمة الكتابية للمسلم بالنكاح ms652 # وقلنا نحن اليهودية PageV02P254 والنصرانية دين يجوز للمسلم نكاح الحرة ~~من أهلها فيجوز نكاح الأمة كدين الإسلام # وتأثيره فيما بينا أن الرق يؤثر في التنصيف من الجانبين فيما يبتنى على ~~الحل إلا أن ما يكون متعددا فالتنصيف يظهر في العدد كالطلاق والعدة والقسم ~~والنكاح الذى يبتنى على الحل في جانب الرجل متعدد فالتنصيف يظهر في العدد ~~وفي جانب المرأة غير متعدد فإنها لا تحل لرجلين بحال ولكن من حيث الأحوال ~~متعدد حال تقدم نكاحها على نكاح الحرة وحال التأخر وحال المقارنة فيظهر ~~التنصيف باعتبار الأحوال وفي الحال الواحد يجتمع معنى الحل ومعنى الحرمة ~~فيترجح معنى الحرمة بمنزلة الطلاق والعدة فإن طلاق الأمة تطليقتان وعدتها ~~حيضتان وفي الحقيقة هما حالتان حالة الإنفراد عن الحرة بالسبق وحالة ~~الإنضمام إلى الحرة بالمقارنة أو التأخر فتكون محللة في إحدى الحالتين دون ~~الأخرى # ثم تظهر قوة هذا الأثر بالتأمل في الأصول فإن الحل تارة يثبت بالنكاح ~~وتارة بملك اليمين ووجدنا أن الأمة الكتابية كالأمة المسلمة في الحل بملك ~~اليمين فكذلك في الحل بالنكاح ولسنا نسلم أنه يتغلظ كفر الكتابية برقها في ~~حكم النكاح فإنه لو كان كذلك لم يحل بملك اليمين كالمجوسية # ثم النقصان أو الخبث الثابت بكل واحد منهما من وجه سوى الوجه الآخر وإنما ~~يظهر التغليظ عند إمكان إثبات الاتحاد بينهما ومع اختلاف الجهة لا يتأتى ~~ذلك # وقد بينا أن انضمام علة إلى علة لا يوجب قوة في الحكم # ولا نسلم أن إباحة نكاح الأمة بطريق الضرورة لما بينا أن الرقيق في النصف ~~الباقى مساو للحر فكما أن نكاح الحرة يكون أصلا مشروعا لا بطريق الضرورة ~~فكذلك نكاح الأمة في النصف الباقى لها ونعتبرها بالعبد بل أولى لأن معنى ~~عدم الضرورة في حق الأمة أظهر منه في حق العبد فإنها تستمتع بمولاها بملك ~~اليمين والعبد لا طريق له سوى النكاح ثم لم نجعل بقاء ما بقى في حق العبد ~~بعد التنصيف بالرق ثابتا بطريق الضرورة # PageV02P255 ففي حق الأمة أولى وعلل الشافعي رحمه الله فيما ms653 إذا أسلم أحد ~~الزوجين في دار الإسلام أو في دار الحرب فإن كان قبل الدخول يتعجل الفرقة ~~وإن كان بعد الدخول يتوقف على انقضاء العدة فإن الحادث اختلاف الدين بين ~~الزوجين فيوجب الفرقة عند عدم العدة كالردة وسوى بينهما في الجواب فقال إذا ~~ارتد أحدهما قبل الدخول تتعجل الفرقة في الحال وبعد الدخول يتوقف على ~~انقضاء ثلاث حيض # وبيان أثر هذا الوصف في ابتداء النكاح فإن مع اختلاف الدين عند إسلام ~~المرأة وكفر الزوج لا ينعقد النكاح ابتداء كما أن عند ردة أحدهما لا ينعقد ~~النكاح ابتداء فكذلك في حالة البقاء تستوي ردة أحدهما وإسلام أحدهما إذا ~~كان على وجه يمنع ابتداء النكاح وفي الردة إنما يثبت هذا الحكم للاختلاف في ~~الدين لا لمنافاة الردة النكاح فإنهما لو ارتدا معا نعوذ بالله لا تقع ~~الفرقة بينهما وإنما انعدم الاختلاف في الدين هنا فأما الردة فمتحققة ومع ~~تحقق المنافي لا يتصور بقاء النكاح كالمحرمية بالرضاع والمصاهرة # وقلنا نحن الإسلام سبب لعصمة الملك فلا يجوز أن يستحق به زوال الملك بحال ~~وكفر الذي أصر منهما على الكفر كان موجودا وصح معه النكاح ابتداء وبقاء فلا ~~يجوز أن يكون سببا للفرقة أيضا # ولا يقال هذا الكفر إنما لم يكن سببا للفرقة في حال كفر الآخر لا بعد ~~إسلامه كما لا يكون سببا للمنع من ابتداء النكاح في حال كفر الآخر لا بعد ~~إسلامه لأن اعتبار البقاء بالابتداء في أصول الشرع ضعيف جدا فإن قيام العدة ~~وعدم الشهود يمنع ابتداء النكاح ولا يمنع البقاء والاستغناء عن نكاح الأمة ~~بنكاح الحرة يمنع نكاحها ابتداء ولا يمنع البقاء إذا تزوج الحرة بعد الأمة ~~فإن ظهر أن واحدا من هذين السببين لا يصلح سببا لاستحقاق الفرقة ولا بد من ~~دفع ضرر الظلم المتعلق عنها لأن ما هو المقصود بالنكاح وهو الاستمتاع فائت ~~شرعا جعلنا السبب تفريق القاضي بعد عرض الإسلام على الذي يأبى منهما وهو ~~قوي الأثر بالرجوع إلى الأصول فإن التفريق باللعان وبسبب الجب والعنة وبسبب ms654 ~~الإيلاء يكون ثابتا باعتبار هذا المعنى محالا به على من كان فوات الإمساك ~~بالمعروف من جهته PageV02P256 فهنا أيضا يحال به على من كان فوات الإمساك ~~بالمعروف بالإصرار على الكفر من جهته ولا يثبت إلا بقضاء القاضي # فأما الردة فهي غير موضوعة للفرقة بدليل صحتها حيث لا نكاح وبه فارق ~~الطلاق وإذا لم يكن موضوعا للفرقة عرفنا أن حصول الفرقة بها لكونها منافية ~~للنكاح حكما وذلك وصف مؤثر فإن النكاح يبتنى على الحل الذي هو كرامة وبعد ~~الردة لا يبقى الحل لأن الردة سبب لإسقاط ما هو كرامة ولإزالة الولاية ~~والمالكية الثابتة بطريق الكرامة فجعلها منافية للنكاح حكما يكون قوي الأثر ~~من هذا الوجه ومع وجود المنافي لا يبقى النكاح سواء دخل بها أو لم يدخل # فأما إذا ارتدا معا فحكم بقاء النكاح بينهما معلوم بإجماع الصحابة بخلاف ~~القياس وقد بينا أن المعدول به عن القياس بالنص أو بالإجماع لا يشتغل فيه ~~بالتعليل ولا بإثبات الحكم فيه بعلة وقد بينا فساد اعتبار حالة البقاء ~~بحالة الابتداء فلا يجوز أن يجعل امتناع صحة النكاح بينهما ابتداء بعد ~~الردة علة للمنع من بقاء النكاح وهذا لأن البقاء لا يستدعي دليلا مبقيا ~~وإنما يستدعي الفائدة في الإبقاء وبعد ردتهما نعوذ بالله يتوهم منهما ~~الرجوع إلى الإسلام وبه تظهر فائدة البقاء # فأما الثبوت ابتداء يستدعي الحل في المحل وذلك منعدم بعد الردة وعند ردة ~~أحدهما لا يظهر في الإبقاء فائدة مع ما هما عليه من الاختلاف # وعلى هذا علل الشافعي رحمه الله في عدد الطلاق فإنه معتبر بحال الزوج ~~لأنه هو المالك للطلاق وعدد الملك معتبر بحال المالك كعدد النكاح وهذا بين ~~الأثر لأن المالكية عبارة عن القدرة والتمكن من التصرف فإذا كان الزوج هو ~~المتمكن من التصرف في الطلاق بالإيقاع عرفنا أنه هو المالك له وإنما يتم ~~الملك باعتبار كمال حال المالك بالحرية كما أن ملك التصرف بالإعتاق وغيره ~~إنما يتم بكمال حال المالك بالحرية # وقلنا نحن الطلاق تصرف بملك بالنكاح فيتقدر بقدر ملك ms655 النكاح وذلك يختلف ~~باختلاف حال المرأة في الرق والحرية لأن الملك إنما يثبت في المحل ~~PageV02P257 باعتبار صفة الحل والحل الذي يبتنى عليه النكاح في حق الأمة ~~على النصف منه في حق الحرة فبقدر ذلك يثبت الملك ثم بقدر الملك يتمكن ~~المالك من الإبطال كما أن بقدر ملك اليمين يتمكن من إبطاله بالعتق حتى إنه ~~إذا كان له عبد واحد يملك إعتاقا واحدا فإن كان له عبدان يملك عتقين # ثم ظهر قوة الأثر لما قلنا بالرجوع إلى الأصل وهو أن ما يبتنى على ملك ~~النكاح ويختص به فإنه يختلف باختلاف حالها وذلك نحو القسم في حال قيام ~~النكاح والعدة وحق المراجعة باعتبارها بعد الطلاق فعرفنا أنه يتقدر ما ~~يبتنى على ملك النكاح بقدر الملك الثابت بحسب ما يسع المحل له # وعلى هذا علل في تكرار المسح بأنه ركن في الوضوء فيسن فيه التكرار كالغسل # وقلنا نحن إنه مسح فلا يسن فيه التكرار كالمسح بالخف ثم كان تأثير المسح ~~في إسقاط التكرار أقوى من تأثير الركنية في سنة التكرار فيه فإن التكرار ~~مشروع في المضمضة والاستنشاق وليسا بركن وتأثير المسح في التخفيف فإن ~~الاكتفاء بالمسح فيه مع إمكان الغسل ما كان إلا للتخفيف وعند الرجوع إلى ~~الأصول يظهر معنى التخفيف بترك التكرار بعد الإكمال مع ما فيه من دفع الضرر ~~الذي يلحقه بإفساد عمامته بكثرة ما يصيب رأسه من البلة # وعلى هذا علل في اشتراط تعيين النية في الصوم بأنه صوم فرض وهو بين الأثر ~~فإن اشتراط النية لمعنى التقرب وصفة الفرضية قربة كالأصل # وقلنا نحن صوم عين وتأثيره أن اشتراط النية في العبادة في الأصل للتمييز ~~بين أنواعها بتعين نوع منها وهذا متعين شرعا فلا معنى لاشتراط النية ~~للتعيين ومعنى القربة يتم بوجود أصل النية فباعتبار قوة الأثر من هذا الوجه ~~يظهر الترجيح # وما يخرج على هذا من المسائل لا يحصى وفيما ذكرنا كفاية لمن يحسن التأمل ~~في نظائرها # وأما الوجه الثاني وهو الترجيح بقوة ثبات الحكم المشهود به فلأن أصل ms656 ذلك ~~إنما يكون عن نص أو إجماع وما يكون ثبوته بالنص أو الإجماع يكون ثابتا ~~متأكدا فما يظهر فيه زيادة القوة في الثبات عند العرض على الأصول يكون ~~راجحا باعتبار ما به صار حجة # وبيان ذلك في مسألة PageV02P258 مسح الرأس أيضا فإن الوصف الذي عللنا به ~~له زيادة قوة الثبات على الحكم المشهود به ألا ترى أن سائر أنواع المسح ~~كالتيمم والمسح على الخف والمسح على الجورب عند من يجيزه والمسح على ~~الجبائر يظهر الخفة فيها بترك اعتبار التكرار وليس للوصف الذي علل به قوة ~~الثبات بهذه الصفة فإن في الصلاة أركانا كالقيام والقراءة والركوع والسجود ~~ثم تمامها يكون بالإكمال لا بالتكرار فعرفنا أن الركنية ليس بوصف قوي ثابت ~~في إثبات سنة التكرار به وكذلك في الصوم فإن صفة العينية قوي ثابت في إسقاط ~~اشتراط نية التعيين فيه حتى يتعدى إلى سائر العبادات كالزكاة إذا تصدق ~~بالنصاب على الفقير وهو لا ينوي الزكاة والحج إذا أطلق النية ولم يعين حجة ~~الإسلام والإيمان بالله تعالى # ويتعدى إلى غير العبادات نحو رد الودائع والغصوب ورد المبيع على البائع ~~لفساد البيع # وصفة الفرضية ليس بقوي ثابت في اشتراط نية التعيين بعدما صار متعينا في ~~الصوم لا في غير الصوم # وكذلك ما علل به علماؤنا في أن المنافع لا تضمن بالإتلاف لأن ضمان ~~المتلفات مقدر بالمثل بالنص وباعتبار ما هو المقصود وهو الجبران وبين العين ~~والمنفعة تفاوت في المالية من الوجه الذي ذكرنا فلا يجوز أن يوجب على ~~المتلف فوق ما أتلف في صفة المالية كما لا يوجب الجيد بإتلاف الرديء # وقال الشافعي رحمه الله المنافع تضمن بالعقد الجائز والفاسد بالدراهم ~~فتضمن بالإتلاف كالأعيان ثم تأثيره تحقق الحاجة إلى التحرر عن إهدار حق ~~المتلف عليه فإنه نظير تحقق الحاجة إلى ملك المنفعة بالعوض بالعقد # ثم هو يزعم أن علته أقوى في ثبات الحكم المشهود به عليه من وجهين أحدهما ~~أنه إذا لم يكن بد من الإضرار بأحدهما فمراعاة جانب المظلوم وإلحاق الخسران ~~بالظالم بإيجاب ms657 الزيادة عليه أولى من إهدار حق المظلوم # والثاني أن في إيجاب الضمان إهدار حق الظالم فيما هو وصف محض وهو صفة ~~البقاء وفي الأصل هما شيئان وهو كونهما منتفعا به غير أن في طرف الظالم فضل ~~صفة وهو البقاء فبهدر صيانة الأصل ( هدر ) حق المظلوم PageV02P259 # وإذا قلنا لا يجب الضمان كان فيه إهدار حق المتلف عليه في أصل المالية ~~ولا شك أن الوصف دون الأصل # ونحن نقول قوة ثبات الحكم فيما اعتبرناه لأن في إيجاب الزيادة معنى الجور ~~ولا يجوز نسبة ذلك إلى الشرع بغير واسطة من العباد بحال من الأحوال وإذا لم ~~نوجب الضمان فإنما لا نوجب لعجزنا عن إيجاب المثل في موضع ثبت اشتراط ~~المماثلة فيه بالنص وبه فارق ضمان العقد فإنه غير مبني على المماثلة بأصل ~~الوضع وكيف يكون مبنيا على ذلك والمبتغى به الربح والامتناع من الإقدام عند ~~تحقق العجز أصل مشروع لنا والثاني أن في إيجاب الزيادة إهدار حق المتلف في ~~هذه الزيادة في الدنيا والآخرة # وإذا قلنا لا يجب الضمان لا يهدر حق المتلف عليه أصلا بل يتأخر إلى ~~الآخرة وضرر التأخير دون ضرر الإهدار # ولا يدخل على هذا إتلاف ما لا مثل له من جنسه لأن الواجب هو مثل المتلف ~~في المالية شرعا إلا أنه آل الأمر إلى الاستيفاء وذلك يبتنى على الوسع # قلنا يتقدر بقدر الوسع ويسقط اعتبار أدنى تفاوت في القيمة لأنه لا يستطاع ~~التحرز عن ذلك ولكن لا يتحقق في هذا معنى نسبة الجور إلى الشرع فالواجب ~~شرعا هو المثل لا غير وما اعتبر من ترجيح جانب المظلوم فهو ضعيف جدا لأن ~~الظالم لا يظلم ولكن ينتصف منه مع قيام حقه في ملكه فلو لم نوجب الضمان ~~لسقط حق المظلوم لا بفعل مضاف إلينا وهو أنا نلزمه أداء ذلك بطريق الحكم به ~~عليه ومراعاة الوصف في الوجوب كمراعاة الأصل ألا ترى أن في القصاص الذي ~~يبتنى على المساواة التفاوت في الوصف كالصحيحة مع الشلاء يمنع جريان القصاص ~~ولا ينظر إلى ms658 ترجيح جانب المظلوم وإلى ترجيح جانب الأصل على الوصف فعرفنا ~~أن قوة الثبات فيما قلنا # وعلى هذا قلنا إن ملك النكاح لا يضمن بالإتلاف في الشهادة على الطلاق قبل ~~الدخول وملك القصاص لا يضمن بالإتلاف في الشهادة على العفو وقد بينا فيما ~~سبق أن وجوب الدية عند إتلاف النفس أو الأطراف على وجه لا يمكن إيجاب المثل ~~فيه حكم ثابت بالنص بخلاف القياس وهو لصيانة المحل عن PageV02P260 الإهدار ~~لا للماثلة على وجه الخبران لأن النفوس بأطرافها مصونة عن الابتذال وعن ~~الإهدار # وأما الوجه الثالث وهو الترجيح بكثرة الأصول فلأن كثرة الأصول في المعنى ~~الذي صار الوصف به حجة بمنزلة الاشتهار في المعنى الذي صار الخبر به حجة ~~وهذا يظهر إذا تأملت فيما ذكرنا من المسائل وغيرها وما من نوع من هذه ~~الأنواع الثلاثة إذا قررته في مسألة إلا وتبين به إمكان تقرير النوعين ~~الآخرين فيه أيضا # وأما الوجه الرابع وهو الترجيح بعدم الحكم عند عدم العلة فهو أضعف وجوه ~~الترجيح لما بينا أن العدم ( لا يوجب شيئا وأن العدم لا يكون متعلقا بعلة ~~ولكن انعدام الحكم عند انعدام العلة ) يصلح أن يكون دليلا على وكادة اتصال ~~الحكم بالعلة فمن هذا الوجه يصلح للترجيح # وبيانه في المسح بالرأس أيضا فإن التعليل بأنه ركن لا يكون في القوة ~~كالتعليل بأنه مسح لأن حكم ثبوت التكرار لا ينعدم بانعدام الركنية كما في ~~المضمضة والاستنشاق وحكم سقوط التكرار ينعدم بانعدام وصف المسح كما في ~~اغتسال الجنب والحائض فإنه يسن فيه صفة التكرار لأنه ليس بمسح # وكذلك في كل ما يعقل تطهيرا صفة التكرار فيه يكون مسنونا وفيما لا يعقل ~~تطهيرا لا يسن فيه صفة التكرار وقولنا مسح ينبىء عن ذلك # وكذلك قلنا في الأخ إذا ملك أخته إن بينهما قرابة محرمة للنكاح وينعدم ~~حكم العتق بالملك عند انعدام هذا المعنى كما في بني الأعمام وهو إذا قال ~~شخصان يجوز لأحدهما أن يضع زكاة ماله في صاحبه فلا يعتق أحدهما على صاحبه ~~إذا ملكه لانعدام ms659 هذا الحكم عند انعدام هذا المعنى فإن المسلم لا يجوز له ~~أن يضع زكاة ماله في الكافر وذلك لا يدل على أنه يعتق أحدهما على صاحبه إذا ~~ملكه # وكذلك قلنا في بيع الطعام بالطعام إنه لا يشترط قبضه في المجلس لأنه عين ~~بعين وينعدم هذا الحكم عند انعدام PageV02P261 هذا الوصف فإنه في باب الصرف ~~يشترط القبض من الجانبين لأن الأصل فيه النقود وهي لا تتعين في العقود فكان ~~دينا بدين وفي السلم يشترط القبض في رأس المال لأن المسلم فيه دين ورأس ~~المال في الغالب نقد فيكون دينا بدين فعرفنا أنه ينعدم الحكم عند انعدام ~~العلة # وهو يعلل فيقول مالان لو قوبل كل واحد منهما بجنسه يحرم التفاضل بينهما ~~فيشترط التقابض في بيع أحدهما بالآخر كالذهب والفضة # ثم الحكم لا ينعدم عند انعدام هذا المعنى في السلم فإنه يشترط قبض رأس ~~المال في المجلس وإن جمع العقد هناك بدلين لا يحرم التفاضل إذا قوبل كل ~~واحد منهما بجنسه # فهذا بيان الفصل الرابع # # | فصل # وأما المخلص من التعارض في دليل الترجيح فطريق بيانه أن نقول إن كل محدث ~~موجود بصورته ومعناه الذي هو حقيقة له ثم تقوم به أحوال تحدث عليه فإذا قام ~~دليل الترجيح لمعنى في ذات أحد المتعارضين وعارضه دليل الترجيح لمعنى في ~~حال الآخر على مخالفة الأول فإنه يرجح المعنى الذي هو في الذات على المعنى ~~الذي هو في الحال لوجهين أحدهما أن الذات أسبق وجودا من الحال فبعدما وقع ~~الترجيح لمعنى فيه لا يتغير بما حدث من معنى في حال الآخر بعد ذلك بمنزلة ~~ما لو اتصل الحكم باجتهاد فتأيد به ثم لم ينسخ بما يحدث من اجتهاد آخر بعد ~~ذلك وإذا اتصل الحكم بشهادة المستورين بالنسب أو النكاح لرجل لم يتغير بعد ~~ذلك بشهادة عدلين لآخر # والثاني أن الأحوال التي تحدث على الذات تقوم به فكان الذات بمنزلة الأصل ~~وما يقوم به من الحال بمنزلة التبع والأصل لا يتغير بالتبع على أي وجه كان # وبيان هذا ms660 فيما اتفقوا عليه أن ابن الأخ لأب وأم يكون مقدما في العصوبة ~~على العم لأن المرجح فيه معنى في ذات PageV02P262 القرابة وهو الأخوة التي ~~هي مقدمة على العمومة وفي العم المرجح هو زيادة القرب باعتبار الحال # وكذلك العمة لأم مع الخالة لأب وأم إذا اجتمعتا فللعمة الثلثان باعتبار ~~أن المرجح في حقها هو معنى في ذات القرابة وهو الإدلاء بالأب وفي الأخرى ~~معنى في حالها وهو اتصالها من الجانبين بأم الميت # ولو كانا أخوين أحدهما لأب وأم والآخر لأب فإنه يقدم في العصوبة الذي لأب ~~وأم لأنهما استويا في ذات القرابة فيصار إلى الترجيح باعتبار الحال وهو ~~زيادة الاتصال لأحدهما # ولو كان ابن الأخ لأب معه ابن ابن أخ لأب وأم فإن الأخ لأب يقدم في ~~العصوبة باعتبار الحال لما استويا في ذات القرابة وهو الأخوة # وربما خفي على الشافعي هذا الحد في بعض المسائل فهو معذور لكونه خفيا ومن ~~أصاب مركز الدليل فهو مأجور مشكور # وبيانه في مسائل الغصب فإن علماءنا أثبتوا الترجيح باعتبار الصناعة ~~والخياطة والطبخ والشي وقالوا فيمن غصب ساحة وأدخلها في بنائه ينقطع حق ~~المغصوب منه عن الساحة لأن الصنعة التي أحدثها الغاصب فيها قائمة من كل وجه ~~غير مضاف إلى صاحب العين وعين الساحة قائم من وجه مستهلك من وجه لأنه صار ~~مضافا إلى الحادث بعمل الغاصب وهو البناء فرجحنا ما هو قائم من كل وجه ~~باعتبار معنى في الذات وأسقطنا اعتبار معنى قوة الحال في الجانب الآخر وهو ~~أنه أصل وفي الساحة إذا بنى عليها لما استويا في أن كل واحد منهما قائم من ~~كل وجه فرجحنا باعتبار الحال حق صاحب الساحة على حق صاحب البناء ( لأن قوام ~~البناء ) للحال بالساحة وقوام الساحة ليس بالبناء # وكذلك الثوب إذا قطعه وخاطه واللحم إذا طبخه أو شواه لأن الوصف الحادث ~~بعمل الغاصب قائم من كل وجه وما هو حق المغصوب منه قائم من وجه مستهلك من ~~وجه باعتبار العمل المضاف إلى الغاصب فيترجح ما هو قائم ms661 من كل وجه # وكذلك قلنا صوم رمضان يتأدى بالنية الموجودة في أكثر النهار لأن الإمساك ~~PageV02P263 في جميع النهار ركن واحد وشرط كونه صوما شرعيا النية ليحصل بها ~~الإخلاص فإذا ترجح جانب الوجود باقتران النية بأكثر هذا الركن قلنا يحصل به ~~امتثال الأمر # ف الشافعي يقول يؤخذ في العبادات بالاحتياط فإذا انعدمت النية في جزء من ~~هذا الركن يترجح جانب العدم على جانب الوجود لأجل الاحتياط في أداء الفريضة ~~فكان ما اعتبره معنى في الحال وهو أنه فرض يؤخذ فيه بالاحتياط وما اعتبرناه ~~معنى في الذات والمرجح في الذات أولى بالاعتبار من المرجح في الحال # وقال أبو حنيفة إذا كان لرجل مائتا درهم وخمس من الإبل السائمة فسبق حول ~~السائمة فأدى عنها شاة ثم باعها بمائتي درهم فإنه لا يضم ثمنها إلى ما عنده ~~ولكن ينعقد على الثمن حول جديد فلو استفاد مائتي درهم بهبة أو ميراث فإنه ~~يضمها إلى أقرب المالين في الحول وإن كان المستفاد ربح أحد المالين أو ~~زيادة متولدة من عين أحد المالين يضم ذلك إلى الأصل وإن كان أبعد في الحول ~~لأن المرجح هنا معنى في الذات وهو كونه نماء أحد المالين فيسقط بمقابلته ~~اعتبار الحال في المال الآخر وهو القرب في الحول وفي الأول لما استوى ~~الجانبان فيما يرجع إلى الذات صرنا إلى الترجيح باعتبار الحال # والمسائل على هذا الأصل يكثر تعدادها والله أعلم # # | فصل # وأما الفاسد من الترجيح فأنواع أربعة أحدها ما بينا من ترجيح قياس بقياس ~~آخر لأن كل واحد منهما علة شرعية لثبوت الحكم بها فلا تكون إحداهما مرجحة ~~للأخرى بمنزلة زيادة العدد في الشهود # وكذلك ترجيح أحد القياسين بالخبر فاسد لأن القياس متروك بالخبر فلا يكون ~~حجة في مقابلته والمصير إلى الترجيح بعد وقوع التعارض باعتبار المماثلة كما ~~بينا # وكذلك ترجيح أحد الخبرين بنص الكتاب فاسد لأن الخبر لا يكون حجة في ~~معارضة النص # والنوع الثاني الترجيح بكثرة الأشباه فإنه فاسد عندنا # وبيانه فيما يقوله الخصم إن الأخ يشبه الأب من ms662 وجه وهو المحرمية ويشبه ~~ابن العم من وجوه نحو جريان القصاص من الطرفين وقبول شهادة كل واحد منهما ~~لصاحبه PageV02P264 وجواز وضع الزكاة لكل واحد منهما في صاحبه وحل حليلة كل ~~واحد منهما لصاحبه وغير ذلك من الأحكام # قالوا فيرجح باعتبار كثرة الأشباه وهو فاسد عندنا لأن الأصول شواهد وقد ~~بينا أن الترجيح بزيادة عدد الشهود في الخصومات فاسد وفي الأحكام الترجيح ~~بكثرة العلل فاسد فكذلك الترجيح بكثرة الأشباه # والنوع الثالث الترجيح بعموم العلة وذلك نحو ما يقوله الخصم إن تعليل حكم ~~الربا في الأشياء الأربعة بالطعم أولى لأنه يعم القليل والكثير والتعليل ~~بالقدر يخص الكثير وما يكون أعم فهو أولى # وعندنا هذا فاسد لأن إثبات الحكم بالعلة فرع لإثبات الحكم بالنص وعندنا ~~الترجيح في النصوص لا يقع بالعموم والخصوص وعنده الخاص يقضي على العام كيف ~~يقول في العلل إن ما يكون أعم فهو مرجح على ما يكون أخص ثم معنى العموم ~~والخصوص يبتنى على الصيغة وذلك إنما يكون في النصوص فأما العلل فالمعتبر ~~فيها التأثير أو الإحالة على حسب ما اختلفا فيه ولا مدخل للعموم والخصوص في ~~ذلك # والنوع الرابع الترجيح بقلة الأوصاف وذلك نحو ما يقوله الخصم في أن ما ~~جعلته علة في باب الربا وصف واحد وهو الطعم فأما الجنسية عندي شرط وأنتم ~~تجعلون علة الربا ذات وصفين فتترجح علتي باعتبار قلة الأوصاف # وهذا فاسد عندنا لما بينا أن ثبوت الحكم بالعلة فرع لثبوته بالنص والنص ~~الذي فيه بعض الإيجاز والاختصار لا يترجح على ما فيه بعض الإشباع في البيان ~~فكذلك العلة بل أولى لأن ثبوت الحكم هناك بصيغة النص الذي يتحقق فيه ~~الاختصار والإشباع وهنا باعتبار المعنى المؤثر ولا يتحقق فيه الإيجاز ~~والإشباع # PageV02P265 & باب وجوه الاعتراض على العلل الطردية التي يجوز الاحتجاج ~~بها & هذه الوجوه أربعة القول بموجب العلة ثم الممانعة ثم بيان فساد الوضع ~~ثم النقض # فنقدم بيان القول بموجب العلة لأن المصير إلى المنازعة عند تعذر إمكان ~~الموافقة وأما مع إمكان الموافقة وتحصيل المقصود به ms663 فلا معنى للمصير إلى ~~المنازعة # ثم تفسير القول بموجب العلة هو التزام ما رام المعلل التزامه بتعليله # وبيان ذلك فيما علل به الشافعي رحمه الله في تكرار المسح بالرأس أنه ركن ~~في الوضوء فيسن تثليثه كالغسل في المغسول لأنا نقول بموجب هذا # فنقول يسن تثليثه وتربيعه أيضا لأن المفروض هو المسح بربع الرأس عندنا ~~وعنده أدنى ما يتناوله الاسم ثم استيعاب جميع الرأس بالمسح سنة وبالاستيعاب ~~يحصل التثليث والتربيع ولكن في محل غير المحل الذي قام فيه الفرض لأنه لا ~~فرق بين أن يكون تثليث الفعل في محل أو محال فإن من دخل ثلاث أدور يقول ~~دخلت ثلاث دخلات كما أن من دخل دارا واحدة ثلاث مرات يقول دخلت ثلاث دخلات ~~فإن غير الحكم فقال وجب أن يسن تكراره # قلنا الآن هذا في الأصل ممنوع فإن المسنون في الغسل ليس هو التكرار ~~مقصودا عندنا بل الإكمال وذلك بالزيادة على الفريضة إلا أن هناك الاستيعاب ~~فرض فالزيادة بعد ذلك الإكمال لا يكون إلا بالتكرار فكان وقوع التكرار فيه ~~اتفاقا لا أن يكون مقصودا وهنا الاستيعاب ليس بفرض فيحصل الإكمال فيه ~~بالاستيعاب لوجود الزيادة على القدر المفروض والإكمال يحصل به في الأركان ~~نحو القراءة في الصلاة فالإكمال يكون فيه بالإطالة لا بالتكرار وكذلك ~~الإكمال في الركوع والسجود ولأن الإكمال فيما يعقل فيه المعنى وهو التطهير ~~بتسييل الماء على العضو إنما يكون بالتكرار كما في غسل النجاسة العينية عن ~~البدن أو الثوب يكون الإكمال فيه بالتكرار إلى طمأنينة القلب فأما في المسح ~~الذي لا يعقل فيه معنى التطهير لا يكون PageV02P266 للتكرار فيه تأثير في ~~الإكمال بل الإكمال فيه يكون بالاستيعاب الذي فيه زيادة على القدر المفروض ~~وعند ذلك يضطر المعلل إلى الرجوع إلى طلب التأثير بوصف الركنية ووصف المسح ~~الذي تدور عليه المسألة ثم يظهر تأثير المسح في التخفيف وتحقيق معنى ~~الإكمال فيه بالاستيعاب كما في المسح بالخف ويتبين أنه لا أثر للركنية في ~~اشتراط التكرار فإن التكرار مسنون في المضمضة والاستنشاق مع ms664 انعدام الركنية ~~ويتبين أن ما يكون ركنا وما يكون سنة وما يكون أصلا وما يكون رخصة في معنى ~~الإكمال بالزيادة على القدر المفروض سواء ثم في المسح الذي هو رخصة لما لم ~~يكن الاستيعاب ركنا كالمسح بالخف كان الإكمال فيه بالاستيعاب لا بالتكرار ~~وكذلك في المسح الذي هو أصل وفيما يكون مسنونا لما كان إقامة أصل السنة فيه ~~بالاستيعاب كان الإكمال فيه بالتكرار كالمضمضة وكذلك فيما هو ركن إذا كان ~~إقامة الفرض لا تحصل إلا بالاستيعاب كان الإكمال فيه بالتكرار فيظهر فقه ~~المسألة من هذا الوجه # ومن ذلك ما علل به الشافعي في صوم التطوع إنه باشر فعل قربة لا يمضي في ~~فاسدها فلا يلزمه القضاء بالإفساد لأنا نقول بموجب هذه العلة فإن عندنا ~~القضاء لا يجب بالإفساد وإنما يجب بما وجب به الأداء وهو الشروع فإن غير ~~العبارة وقال وجب أن لا يلزم بالشروع كالوضوء # قلنا الشروع في العبادة باعتبار كونها مما لا يمضي في فاسدها لا يكون ~~ملزما عندنا بل باعتبار كونها مما تلتزم بالنذر وعدم اللزوم باعتبار الوصف ~~الذي قاله لا يمنع اللزوم باعتبار الوصف الذي قلنا ولا بد من إضافة الحكم ~~إلى الوصف الذي هو ركن تعليله فإن لم يجب باعتبار وصف لا يدل على أنه لا ~~يجب باعتبار وصف آخر وعند ذلك يضطر إلى إقامة الدليل على أن الشروع غير ~~ملزم وأنه ليس نظير النذر في كونه ملزما فتبين فقه المسألة # ومن ذلك قولهم إسلام المروي في المروي جائز لأنه أسلم مذروعا في مذروع ~~فيجوز كإسلام الهروي بالمروي لأنا نقول بموجبه فإن كونه مذروعا في مذروع لا ~~يفسد العقد عندنا ولكن هذا الوصف لا يمنع فساد العقد باعتبار PageV02P267 ~~معنى آخر هو مفسد ألا ترى أنه يفسد بذكر شرط فاسد فيه وبترك قبض رأس المال ~~في المجلس مع أنه أسلم مذروعا في مذروع # فإذا جاز أن يفسد هذا العقد مع وجود هذا الوصف باعتبار معنى آخر بالاتفاق ~~فلماذا لا يجوز أن يفسد باعتبار الجنسية فيضطر عند ms665 ذلك إلى الشروع في فقه ~~المسألة والاشتغال بأن الجنسية لا تصلح علة لفساد هذا العقد بها إن أمكنه ~~ذلك # ومن ذلك تعليلهم في الطلاق الرجعي إنها مطلقة فتكون محرمة الوطء كالمبانة ~~لأنا نقول بموجبه فإنا لا نجعلها محللة الوطء لكونها مطلقة بل لكونها ~~منكوحة وبالاتفاق مع كونها مطلقة إذا كانت منكوحة تكون محللة الوطء كما بعد ~~المراجعة فإن الطلاق الواقع بالرجعة لا يرتفع ولا تخرج من أن تكون مطلقة ~~فيضطر حينئذ إلى الرجوع إلى فقه المسألة وهو أن وقوع الطلاق هل يمكن خللا ~~في النكاح أو هل يكون محرما للوطء مع قيام ملك النكاح وعلى هذا يدور فقه ~~المسألة # ومن ذلك ما قالوا في المختلعة لا يلحقها الطلاق لأنها ليست بمنكوحة فإن ~~عندنا باعتبار هذا الوصف لا يكون محلا لوقوع الطلاق عليها عند الإيقاع ولكن ~~هذا لا يبقى وصفا آخر فيها يكون به محلا لوقوع الطلاق عليها وهو ملك اليد ~~الباقي له عليها ببقاء العدة فيضطر بهذا إلى الرجوع إلى فقه المسألة # ومن ذلك تعليلهم في إعتاق الرقبة الكافرة عن كفارة الظهار فإنه تحرير في ~~تكفير فلا يتأدى بالرقبة الكافرة كما في كفارة القتل لأنا نقول بموجب هذا ~~فإن عندنا لا يتأدى الواجب من الكفارة بهذا الوصف الذي قال بل بوجود ~~الامتثال منه للأمر كما يتأدى بصوم شهرين متتابعين وبإطعام ستين مسكينا عند ~~العجز عن الصوم فيضطر عند ذلك إلى الرجوع إلى فقه المسألة وهو أن الامتثال ~~لا يحصل هنا بتحرير الرقبة الكافرة كما لا يحصل في كفارة القتل لأن المطلق ~~محمول على المقيد # ومن ذلك قولهم في الأخ إنه لا يعتق على أخيه إذا ملكه لأنه ليس ~~PageV02P268 بينهما جزئية فإنا نقول بموجبه فباعتبار انعدام الجزئية بينهما ~~لا يثبت العتق عندنا ولكن انعدام الجزئية لا ينفي وجود وصف آخر به تتم علة ~~العتق وهو القرابة المحرمة للنكاح فيضطر عند ذلك إلى الشروع في فقه المسألة ~~وهو أن القرابة المحرمة للنكاح هل تصلح متممة لعلة العتق مع الملك بدون ~~الولاد أم ms666 لا # وأكثر ما يذكر من العلل الطردية يأتي عليها هذا النوع من الاعتراض وهو ~~طريق حسن لإلجاء أصحاب الطرد إلى الشروع في فقه المسألة # # | فصل في الممانعة # قال رضي الله عنه الممانعة على هذا الطريق على أربعة أوجه إحداها في ~~الوصف والثانية في صلاحية الوصف للحكم والثالثة في الحكم والرابعة في إضافة ~~الحكم إلى الوصف وهذا لأن شرط صحة العلة عند أصحاب الطرد كون الوصف صالحا ~~للحكم ظاهرا وتعليق الحكم به وجودا وعدما # أما بيان النوع الأول فيما علل به الشافعي في الكفارة على من أفطر بالأكل ~~والشرب قال هذه عقوبة تتعلق بالجماع فلا تتعلق بغير الجماع كالرجم # لأنا لا نسلم أن الكفارة تتعلق بالجماع وإنما تتعلق بالإفطار على وجه ~~يكون جناية متكاملة وعند هذا المنع يضطر إلى بيان حرف المسألة وهو أن السبب ~~الموجب للكفارة الفطر على وجه تتكامل به الجناية أو الجماع المعدم للصوم ~~وإذا ثبت أن السبب هو الفطر بهذه الصفة ظهر تقرر السبب عند الأكل والشرب ~~وعند الجماع بصفة واحدة # وبيان النوع الثاني في تكرار المسح بالرأس فإن الخصم إذا علل فقال هذه ~~طهارة مسح فيسن فيها التثليث كالاستنجاء بالأحجار # قلنا لا نسلم هذا الوصف في الأصل فإن الاستنجاء إزالة النجاسة العينية ~~فأما أن يكون طهارة بالمسح فلا ولهذا لو لم يتلوث شيء من ظاهر بدنه لا يكون ~~عليه الاستنجاء ولهذا كان الغسل بالماء أفضل # ثم المسح الذي يدل على التخفيف لا يكون صالحا لتعليق حكم التثليث به ~~وبدون الصلاحية لا يصلح PageV02P269 التعليل فيضطر عند هذا المنع إلى ~~الرجوع إلى حرف المسألة وهو إثبات التسوية بين الممسوح والمغسول بوصف صالح ~~لتعلق حكم التكرار به أو التفرقة بينهما بوصف المسح والغسل فإن أحدهما يدل ~~على الاستيعاب والآخر يدل على التخفيف بعين المسح # وكذلك تعليلهم في بيع تفاحة بتفاحتين إنه باع مطعوما بمطعوم من جنسه ~~مجازفة فلا يجوز كبيع صبرة بصبرة من حنطة # لأنا نقول يعني بهذا المجازفة ذاتا أم قدرا فلا يجد بدا من أن يقول ذاتا ms667 ~~فنقول حينئذ يعني المجازفة في الذات صورة أم عيارا فلا يجد بدا من أن يقول ~~عيارا لأن المجازفة من حيث الصورة في الذات لا تمنع جواز البيع بالاتفاق ~~فإن بيع قفيز حنطة بقفيز حنطة جائز مع وجود المجازفة في الذات صورة فربما ~~يكون أحدهما أكثر في عدد الحبات من الآخر # وإذا ادعى المجازفة عيارا قلنا هذا الوصف إنما يستقيم فيما يكون داخلا ~~تحت المعيار والتفاح وما أشبهه لا يدخل تحت المعيار فلا يكون هذا الوصف ~~صالحا لهذا الحكم ولأن المساواة كيلا شرط جواز العقد في الأموال الربوية ~~بالإجماع ومن ضرورته أن يكون ضده وهو الفضل في المعيار مفسدا للعقد والفضل ~~في المعيار لا يتحقق فيما لا يدخل تحت المعيار كما أن المساواة في المعيار ~~الذي هو شرط الجواز عنده لا يتحقق فيما لا يدخل تحت المعيار فيضطر عند هذا ~~إلى بيان الحرف الذي تدور عليه المسألة وهو أن حرمة العقد في هذه الأموال ~~عند المقابلة بجنسها أصل والجواز يتعلق بشرطين المساواة في المعيار واليد ~~باليد # وعندنا جواز العقد فيها أصل كما في سائر الأموال والفساد باعتبار فضل هو ~~حرام وهو الفضل في المعيار وذلك لا يتحقق إلا فيما تتحقق فيه المساواة في ~~المعيار إذ الفضل يكون بعد تلك المساواة ولا تتحقق هذه المساواة فيما لا ~~يدخل تحت المعيار أصلا # ومن ذلك تعليلهم في الثيب الصغيرة لا يزوجها أبوها لأنها ثيب يرجى ~~مشورتها فلا ينفذ العقد عليها بدون رأيها كالنائمة والمغمى عليها ~~PageV02P270 # لأنا نقول ما تعنون بقولكم بدون رأيها رأي قائم في الحال أم رأي سيحدث أم ~~أيهما كان فإن قالوا أيهما كان فهو باطل من الكلام لأن الثيب المجنونة تزوج ~~في الحال ورأيها غير مأنوس عنها لتوهم الإفاقة فلا نجد بدا من أن نقول ~~المراد رأي قائم لها وهذا ممنوع في الفرع فإنه ليس لها رأي قائم في الحال ~~في المنع ولا في الإطلاق فإن من لم يجوز تزويجها لم يفصل في ذلك بين أن ~~يكون العقد برأيها ( وبدون رأيها ms668 ) ومن جوز العقد فكذلك لم يفصل فعرفنا أنه ~~ليس لها رأي قائم وما سيحدث من علة أو مانع لا يجوز أن يكون مؤثرا في الحكم ~~قبل حدوثه ومن جوز حدوثه في المنع لا في الإثبات إذ الحكم لا يسبق علته ~~فيضطر عند بيان المنع بهذه الصفة إلى الرجوع إلى حرف المسألة وهو أن رأي ~~الولي هل يقوم مقام رأيها لانعدام اعتبار رأيها في الحال شرعا فيما يرجع ~~إلى النظر لها كما في المال والبكر والغلام أم لا يقوم رأيه مقام رأيها لما ~~في ذلك من تفويت الرأي عليها إذا صارت من أهل الرأي بالبلوغ وبمثل هذا الحد ~~يتبين عوار من شرع في الكلام بناء على حسن الظن قبل أن يتميز له الصواب من ~~الخطأ بطريق الفقه # وبيان الممانعة في الحكم كثيرة # منها تعليلهم في تكرار المسح بأنه ركن في الوضوء فيسن تثليثه كغسل الوجه ~~لأنا لا نسلم هذا الحكم في الأصل فالمسنون هناك عندنا ليس التكرار بل ~~الإكمال بالزيادة على قدر المفروض في محله من جنسه كما في أركان الصلاة فإن ~~إكمال ركن القراءة بالزيادة على القدر المفروض في محله من جنسه وهو تلاوة ~~القرآن # وكذلك الركوع والسجود إلا أن في الغسل لما كان الاستيعاب فرضا لا يتحقق ~~فيه الإكمال بهذه الصفة إلا بالتكرار فكان التكرار مسنونا لغيره وهو تحصيل ~~صفة الإكمال به لا لعينه وفي الممسوح الاستيعاب ليس بركن فيقع الاستغناء عن ~~التكرار في إقامة سنة الكمال بل بالزيادة على القدر PageV02P271 المفروض ~~باستيعاب جميع الرأس بالمسح مرة واحدة يحصل الإكمال وما كان مشروعا لغيره ~~فإنما يشرع باعتباره في موضع تتحقق الحاجة إليه فأما إذا كان ما شرع لأجله ~~يحصل بدونه لا يفيد اعتباره ألا ترى أنه لو كرر المسح في ربع الرأس أو أدنى ~~ما يتناوله الاسم لا يحصل به كمال السنة ما لم يستوعب جميع الرأس بالمسح ~~فبهذا يتبين أن الإكمال هنا بالاستيعاب وأنه هو الأصل فيجب المصير إليه إلا ~~في موضع يتحقق العجز عنه بأن يكون الاستيعاب ms669 ركنا كما في المغسولات فحينئذ ~~يصار إلى الإكمال بالتكرار ولا يلزمنا المسح بالأذنين فإنه مسنون لإكمال ~~المسح بالرأس وإن لم يكن في محل المفروض حتى لا يتأدى مسح الرأس بمسح ~~الأذنين بحال لأن ذلك المسح لإكمال السنة في المسح بالرأس ولهذا لا يأخذ ~~لأذنيه ماء جديدا عندنا ولكن يمسح مقدمهما ومؤخرهما مع الرأس والمسح فيهما ~~أفضل من الغسل إلا أن كون الأذنين من الرأس لما كان ثابتا بالسنة دون نص ~~الكتاب يثبت اتحاد المحل فيما يرجع إلى إكمال السنة به ولا تثبت المحلية ~~فيما يتأدى به الفرض الثابت بالنص فقلنا لا ينوب مسح الأذنين عن المسح ~~بالرأس لهذا # ومن ذلك تعليلهم في صوم رمضان بمطلق النية أنه صوم فرض فلا يتأدى بدون ~~التعيين بالنية كصوم القضاء # فإنا نقول ما تعنون لهذا الحكم ألتعين بالنية بعد التعين أو قبل التعين ~~أم في الوجهين جميعا فلا يجدون بدا من أن يقولوا قبل التعين لأن بعد التعين ~~التعيين غير معتبر وهو ليس بشرط في تأدي صوم القضاء وإذا قالوا قبل التعين ~~قلنا هذا ممنوع في الفرع فإن التعين حاصل هنا بأصل الشرع إذ المشروع في هذا ~~الزمان صوم الفرض خاصة فغيره ليس بمشروع فلا نجد بدا حينئذ من الرجوع إلى ~~حرف المسألة وهو أن نية التعيين هل يسقط اشتراطه بكون المشروع متعينا في ~~ذلك الزمان أم لا يسقط اعتباره PageV02P272 # ومن ذلك تعليلهم في بيع المطعوم الذي لا يدخل تحت المعيار بجنسه أنه باع ~~مطعوما بمطعوم من جنسه لا تعرف المساواة بينهما في المعيار فيكون حراما ~~كبيع صبرة حنطة بصبرة حنطة # فإنا نقول إيش تعنون بهذا الحكم أهو حرمة مطلقة أم حرمة إلى غاية التساوي ~~فإن قالوا بنا غنية عن بيان هذا # قلنا لا كذلك فالحرمة الثابتة إلى غاية غير الحرمة المطلقة والحكم الذي ~~يقع التعليل له لا بد أن يكون معلوما # فإن قال أعني الحرمة المطلقة منعنا هذا الحكم في الأصل لأن الحرمة هناك ~~ثابتة إلى غاية وهي المساواة في القدر وإن عنى ms670 الحرمة إلى غاية فقد تعذر ~~إثبات هذه الحرمة بالتعليل في الفرع لأن إثبات الحرمة إلى غاية إنما يتحقق ~~في مال تتصور فيه تلك الغاية وما لا يدخل تحت المعيار لا يتصور فيه الغاية ~~وهي المساواة في المعيار فكيف يتحقق إثبات الحرمة فيه إلى غاية وعند هذا ~~المنع يضطر إلى الرجوع إلى حرف المسألة كما أشرنا إليه # ومن ذلك تعليلهم في السلم في الحيوان أنه مال يثبت دينا في الذمة مهرا ~~فيثبت دينا في الذمة سلما كالثياب # فإنا نقول ما معنى قولكم يثبت دينا في الذمة أتريدون به معلوم الوصف أم ~~معلوم المالية والقيمة فإن قال أعني معلوم الوصف منعنا ذلك في الأصل وهو ~~المهر فقد قامت الدلالة لنا على أنه لا يشترط فيما يثبت في الذمة مهرا أن ~~يكون معلوم الوصف # فإن قال نعني معلوم المالية والقيمة منعنا ذلك في الفرع فإن الحيوان بعد ~~ذكر الأوصاف يتفاوت في المالية تفاوتا فاحشا # وإن قالوا لا حاجة بنا إلى هذا التعيين قلنا لا كذلك فاعتبار أحد الدينين ~~بالآخر لا يصح ما لم يثبت أنهما نظيران ولا طريق لثبوت ذلك إلا الإيجاد في ~~الطريق الذي يثبت به كل واحد من الدينين في الذمة وعند ذلك يضطر إلى الرجوع ~~إلى حرف المسألة وهو أن إعلام المسلم فيه على وجه لا يبقى فيه تفاوت فاحش ~~فيما هو المقصود وهو المالية على وجه يلتحق بذوات الأمثال في صفة المالية ~~هل يكون شرطا لجواز عقد السلم أم لا PageV02P273 ومن ذلك تعليلهم في اشتراط ~~التقابض في المجلس في بيع الطعام بالطعام أن العقد جمع بدلين يجري فيهما ~~ربا الفضل فيشترط التقابض كالأثمان فإنا نقول إيش المراد بقولكم فيشترط ~~فيهما تقابض أهو التقابض لإزالة صفة الدينية أو لإثبات زيادة معنى الصيانة ~~وأحدهما يخالف الآخر فلا بد من بيان هذا # فإن قالوا لمعنى الصيانة منعنا هذا الحكم في الأثمان فاشتراط التقابض ~~هناك عندنا لإزالة صفة الدينية فإن النقود لا تتعين في العقود ما لم تقبض ~~والدين بالدين حرام شرعا # وإن ms671 قالوا لإزالة صفة الدينية لا يتمكنون من إثبات هذا الحكم في الفرع ~~فالطعام يتعين في العقد بالتعيين من غير قبض فلا يجدون بدا من الرجوع إلى ~~حرف المسألة وهو بيان أن اشتراط القبض في الصرف ليس لإزالة صفة الدينية بل ~~للصيانة عن معنى الربا بمنزلة المساواة في القدر # ومن ذلك قولهم في من اشترى أباه ناويا عن كفارة يمينه إنه عتق الأب فلا ~~تتأدى به الكفارة كما لو ورثه لأنا نقول إن عنيتم أنه لا تتأدى الكفارة ~~بالعتق فنحن نقول في الفرع لا تتأدى الكفارة بالعتق بل الكفارة تتأدى بفعل ~~منسوب إلى المكفر والعتق وصف في المحل ثابت شرعا وإن عنيتم الإعتاق فهذا ~~غير موجود في الأصل لأنه لا صنع للوارث في الإرث حتى يصير به معتقا وعند ~~هذا لا بد من الرجوع إلى حرف المسألة وهو أن شراء القريب هل هو إعتاق بطريق ~~أنه متمم علة العتق أم ليس بإعتاق وإنما يحصل العتق به حكما للملك ومن ذلك ~~قولهم في أن الكفارة لا تتأدى بطعام الإباحة إنه نوع تكفير يتأدى بالتمليك ~~( فلا يتأدى بدون التمليك ) كالكسوة لأنا نقول لا تتأدى بدون التمليك مع ~~امتثال الأمر ( أم بدون امتثال الأمر # فإن قال بي غنية عن بيان هذا قلنا لا كذلك لأن التكفير مأمور به شرعا فلا ~~يتأدى PageV02P274 المأمور به إلا بما فيه امتثال الأمر # فإن قال مع امتثال الأمر منعنا هذا الحكم في الأصل وهو إعارة الثوب من ~~المسكين # وإن قال بدون امتثال الأمر ) قلنا هذا مسلم ولكنا نمنع انعدام امتثال ~~الأمر في الفرع والمأمور به هو الإطعام وحقيقته التمكين من الطعام فيضطر ~~إلى الرجوع إلى حرف المسألة وهو أن حقيقة معنى الإطعام أهو التمكين ~~بالتغدية والتعشية أم التمليك ومنه قولهم في القطع والضمان إنهما يجتمعان ~~لأنه أخذ مال الغير بغير إذن مالكه فيكون موجبا للضمان كالأخذ غصبا # فإنا نقول ما معنى هذا الحكم أهو أن يكون موجبا للضمان مع وجود ما ينافيه ~~أم عند عدم ما ينافيه فإن قال ms672 مع وجود ما ينافيه منعنا ذلك في الأصل فإن ~~غصب الباغي مال العادل لا يكون موجبا للضمان وإن كان آخذا بغير حق وبغير ~~إذن المالك # وإن قال عند عدم ما ينافيه قلنا بموجبه ولكن لا نسلم انعدام ما ينافي ~~الضمان هنا فإن قطع اليد بسبب السرقة مناف للضمان عندنا أو مسقط له ~~كالإبراء فلا يجد بدا من الرجوع إلى حرف المسألة وهو أن استيفاء القطع هل ~~يكون منافيا للضمان أم لا وأما بيان إضافة الحكم إلى الوصف فهو على ما ~~ذكرنا في القول بموجب العلة فإن إضافة الحكم إلى العلل الطردية ليس بدليل ~~موجب إضافة الحكم إلى ذلك الوصف بل لكونه موجودا عند وجوده ومعدوما عند ~~عدمه وقد بينا أن العدم لا يصلح لإضافة الحكم إليه وكذلك كل تعليل يكون ~~بنفي وصف أو حكم فإنا نمنع صلاحية ذلك الوصف لإضافة الحكم إليه نحو تعليلهم ~~في الأخ أنه لا يعتق على أخيه إذا ملكه لأنه ليس بينهما بعضية كابن العم ~~فإنا نمنع في ابن العم أن يكون انتفاء العتق عند دخوله في ملكه لهذا الوصف ~~إذ العدم لا يجوز أن يكون موجبا شيئا # وكذلك قولهم في النكاح إنه لا يثبت بشهادة الرجال والنساء لأنه ليس بمال ~~كالحدود PageV02P275 # فإنا نمنع إضافة هذا الحكم في الحدود إلى هذا الوصف لأنه كون الحد ليس ~~بمال لا يصلح علة لامتناع ثبوته بشهادة النساء مع الرجال # وتعليلهم في الإحصار بالمرض أنه لا يفارقه ما حل به بالإحلال كالذي ضل ~~الطريق الممانعة في الأصل على هذا الوجه # وتعليلهم في المبتوتة أنها لا تستوجب النفقة ولا يلحقها الطلاق لأنها ~~ليست بمنكوحة كالمطلقة قبل الدخول فإنا نمنع إضافة هذا الحكم في الأصل إلى ~~هذا الوصف إذ العدم لا يصلح أن يكون موجبا شيئا # وعلى هذا فخرج ما شئت من المسائل # # | فصل في بيان فساد الوضع # قال رضي الله عنه اعلم بأن فساد الوضع في العلل بمنزلة فساد الأداء في ~~الشهادة وأنه مقدم على النقض لأن الاطراد إنما يطلب بعد ms673 صحة العلة كما أن ~~الشاهد إنما يشتغل بتعديله بعد صحة أداء الشهادة منه فأما مع فساد في ~~الأداء لا يصار إلى التعليل لكونه غير مفيد # ثم تأثير فساد الوضع أكثر من تأثير النقض لأن بعد ظهور فساد الوضع لا وجه ~~سوى الانتقال إلى علة أخرى فأما النقض فهو جحد مجلس يمكن الاحتراز عنه في ~~مجلس آخر # وبيانه فيما قال الشافعي في إسلام أحد الزوجين إن الحادث بينهما اختلاف ~~الدين فالفرقة به لا تتوقف على قضاء القاضي كالفرقة بردة أحد الزوجين # لأنا نقول هذا الاختلاف إنما حصل بإسلام من أسلم منهما فأما باعتبار بقاء ~~من بقي على الكفر الحال حال الموافقة فقد كان بينهما الموافقة وهذا على ~~دينه فعرفنا أن الاختلاف الحادث بإسلام المسلم منهما هو سبب لعصمة الملك ~~وزيادة معنى الصيانة فيه فالتعليل به لاستحقاق الفرقة يكون فاسدا وضعا في ~~الفرع وإن كان صحيحا في الأصل من حيث إن الاختلاف هناك حادث بالردة وهي سبب ~~لزوال الملك والعصمة # وكذلك قولهم في المسح بالرأس إنه ركن في الطهارة فيسن تثليثه كغسل الوجه ~~فاسد وضعا لأنه يرد المسح المبني PageV02P276 على التخفيف إلى الغسل المبني ~~على المبالغة ليثبت في المسح زيادة غلظ فوق ما في الغسل فإن في الغسل ~~الإكمال بالتثليث في محل الفرض خاصة وبهذا التعليل يجعل التثليث في الممسوح ~~مشروعا للإكمال في موضع الفرض وغير موضع الفرض فإن الفرض يتأدى بالربع وهو ~~يجعل التثليث مسنونا بالاستيعاب # ومن ذلك قولهم في الضرورة إذا حج بنية النفل يقع عن الفرض لأن فرض هذه ~~العبادة يتأدى بمطلق النية فيتأدى بنية النفل أيضا كالزكاة فإن التصدق ~~بالنصاب على الفقير بمطلق النية لما كان يتأدى به الزكاة فنية النفل كان ~~كذلك # ولكنا نقول هذا فاسد وضعا لأنه بهذا الطريق يرد المفسر إلى المجمل ويحمل ~~المقيد على المطلق وإنما المجمل يرد إلى المفسر ليصير به معلوم المراد ~~والمطلق يحمل على المقيد عنده في حادثتين أو في حكمين وعندنا في حادثة ~~واحدة في حكم واحد حتى رددنا مطلق ms674 القراءة في صوم ثلاثة أيام في اليمين إلى ~~المقيد بالتتابع في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه وأحد لا يقول المقيد يحمل ~~على المطلق وهو نظير مطلق النقد ينصرف إلى نقد البلد المعروف لدلالة العرف ~~فأما المقيد بنقد آخر فإنه لا يحمل على المطلق لينصرف إلى نقد البلد # ومن ذلك قولهم في علة الربا إن صفة الطعم معنى يتعلق به البقاء يعنون أن ~~بقاء النفس يكون بالطعم فيكون ذلك علة موجبة لزيادة شرطين في العقد على ~~المطعوم عند مقابلة الجنسية # ونحن نقول هذا فاسد وضعا لأن البيع في الأصل ما شرع إلا للحاجة ولهذا ~~اختص بالمال الذي بذله لحوائج الناس وصفة الطعم تكون عبارة عن أعظم أسباب ~~الحاجة إلى ذلك المال لأن ما يتعلق به البقاء يحتاج إليه كل واحد وذلك إنما ~~يصلح علة لصحة العقد وتوسعة الأمر فيه لا للحرمة لأن تأثير الحاجة في ~~PageV02P277 الإباحة بمنزلة إباحة الميتة عند الضرورة ولهذا حل لكل واحد من ~~الغانمين تناول مقدار الحاجة من الطعام والعلف الذي يكون في الغنيمة في دار ~~الحرب قبل القسمة بخلاف سائر الأموال فكانت العلة فاسدة وضعا مع أنه لا ~~تأثير لها في إثبات المماثلة بين العوضين الذي هو شرط جواز العقد بالنص # ومن ذلك قولهم في طول الحرة إن الحر لا يجوز له أن يرق ماءه مع غنيته عنه ~~كما لو كان تحته حرة فإن تأثير الحرية في أصل الشرع في استحقاق زيادة ~~النعمة والكرامة وفي إثبات صفة الكمال في الملك ولهذا حل للحر أربع نسوة ~~بالنكاح ولم يحل للعبد إلا اثنتان فالتعليل لإثبات الحجر عن العقد بصفة ~~الحرية فيما لا يثبت الحجر عنه بسبب الرق يكون فاسدا في الوضع مخالفا لأصول ~~الشرع # ومن ذلك قولهم فيمن جن في وقت صلاة كامل أو في يوم واحد في الصوم إنه لا ~~يلزمه القضاء لأن الخطاب عنه ساقط أصلا ووجوب القضاء يبتنى على وجوب الأداء ~~بمنزلة ما لو جن أكثر من يوم وليلة في الصلاة أو استوعب الجنون الشهر ms675 كله ~~في الصوم # ونحن نقول هذا فاسد وضعا لأن الحادث بالجنون عجز عن فهم الخطاب والائتمار ~~بالأمر ولا أثر للجنون في إخراجه من أن يكون أهلا للعبادة لأن ذلك يبتنى ~~على كونه أهلا لثوابها والأهلية لثواب العبادة بكونه مؤمنا والجنون لا يبطل ~~إيمانه ولهذا يرث المجنون قريبه المسلم ولا يفرق بين المجنونة وزوجها ~~المسلم # والدليل عليه أنه لا يبطل إحرامه بسبب الجنون فدل أنه لا يبطل به إيمانه ~~فكذلك لا يبطل صومه حتى لو جن بعد الشروع في الصوم بقي صائما ولا وجه ~~لإنكار هذا فإن بعد صحة الشروع في الصوم لا يشترط قيام الأهلية للبقاء فيها ~~سوى الكف عن اقتضاء الشهوات والجنون لا ينفي تحقق هذا الفعل وإذا بقي صائما ~~حتى تأدى منه عرفنا أنه تأدى فرضا كما شرع PageV02P278 فيه ولا يتحقق ذلك ~~إلا مع تقرر سبب الوجوب في حقه # والدليل عليه بقاء حجة الإسلام فرضا له بعد الجنون وبقاء ما أدى من ~~الصلاة في حالة الإفاقة فرضا في حقه فبهذا التحقيق يتبين أن سبب الوجوب ~~متحقق مع الجنون والخطاب بالأداء ساقط عنه لعجزه عن فهم الخطاب وذلك لا ~~ينفي صحة الأداء فرضا بمنزلة من لم يبلغه الخطاب فإنه تتأدى منه العبادة ~~بصفة الفرضية كمن أسلم في دار الحرب ولم تبلغه فرضية الخطاب لا يكون مخاطبا ~~بها ومع ذلك إذا أداها كانت فرضا له # وكذلك النائم والمغمى عليه فإن الخطاب بالأداء ساقط عنهما قبل الانتباه ~~والإفاقة ثم كان السبب متقررا في حقهما فكان التعليل بسقوط فعل الأداء عنه ~~لعجزه عن فهم الخطاب على نفي سبب الوجوب في حقه أصلا فيكون فاسدا وضعا ~~مخالفا للنص والإجماع ولأن الخطاب بالأداء يشترط لثبوت التمكن من الائتمار ~~وذلك لا يكون بدون العقل والتمييز فسقوطه لانعدام شرطه لا يجوز أن يكون ~~دليلا على نفي تقرر السبب وثبوت الوجوب الذي هو حكم السبب على وجه لا صنع ~~للعبد فيه بل هو أمر شرعي يختص بمحل صالح له وهو الذمة فإذا ثبت تقرر السبب ~~ثبت صحة ms676 الأداء ووجوب القضاء عند عدم الأداء بشرط أن لا يلحقه الحرج في ~~القضاء فإن الحرج عذر مسقط بالنص قال تعالى @QB@ وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج @QE@ وقال تعالى @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ فعند تطاول ~~الجنون حقيقة أو حكما بتكرار الفوائت من الصلوات وباستيعاب الجنون الشهر ~~كله أسقطنا القضاء لدفع الحرج وهو عذر مسقط # ومعنى الحرج فيه أنه تتضاعف عليه العبادة المشروعة في وقتها ولا يشتبه ~~معنى الحرج في الأداء عند تضاعف الواجب ولهذا أسقطنا بعذر الحيض قضاء ~~الصلوات لأنها تبتلى بالحيض في كل شهر عادة والصلاة يلزمها في اليوم ~~والليلة خمس مرات فلو أوجبنا القضاء تضاعف الواجب في زمان الطهر ولا يسقط ~~بالحيض قضاء الصوم لأن فرضية PageV02P279 الصوم في السنة في شهر واحد وأكثر ~~الحيض في ذلك الشهر عشرة فإيجاب قضاء عشرة أيام في أحد عشر شهرا لا يكون ~~فيه كثير حرج ولا يؤدي إلى تضاعف الواجب في وقته # وكذلك إذا لزمها صوم شهرين في كفارة القتل فأفطرت بعذر الحيض لم يلزمها ~~الاستقبال بخلاف ما إذا لزمها صوم عشرة أيام متتابعة بالنذر فأفطرت بعذر ~~الحيض في خلالها يلزمها الاستقبال لأنها قلما تجد شهرين خاليين عن الحيض ~~عادة ففي التحرز عن الفطر بعذر الحيض في شهرين معنى الحرج ولا يتحقق ذلك في ~~عشرة أيام ولهذا أسقطنا قضاء العبادات عن الصبي بعد البلوغ لأن الصبي لا ~~يكون إلا متطاولا عادة فيتحقق معنى الحرج في إيجاب القضاء # ولم يسقط القضاء عن النائم لأنه لا يكون متطاولا عادة فلا يلحقه الحرج في ~~إيجاب القضاء بعد الانتباه وألحقنا الإغماء بالجنون في حكم الصلاة لأن ذلك ~~يوجد عادة في مقدار ما يتكرر به الفائت من الصلاة وألحقناه بالنوم في حكم ~~الصوم لأنه لا يتطاول عادة بقدر ما يثبت به حكم تطاول الجنون في حكم الصوم ~~وهو أن يستوعب الشهر كله # ومن ذلك قولهم في النقود إنها تتعين في عقود المعاوضات لأنها تتعين في ~~التبرعات كالهبة والصدقة فتتعين في المعاوضات بمنزلة الحنطة وسائر السلع ms677 ~~لأنا نقول هذا التعليل فاسد وضعا فإن التبرعات مشروعة في الأصل للإيثار ~~بالعين لا لإيجاب شيء منها في الذمة والمعاوضات لإيجاب البدل بها في الذمة ~~ابتداء ألا ترى أن البيع في العرف الظاهر إنما يكون بثمن يجب في الذمة ~~ابتداء والنكاح يكون بصداق يجب في الذمة ابتداء فكان اعتبار ما هو مشروع ~~للإلزام في الذمة ابتداء إنما هو مشروع لنقل الملك واليد في العين من شخص ~~إلى شخص في حكم التعيين فاسدا وضعا ألا ترى أن البيع لما كان لنقل الملك ~~واليد في عين المعقود عليه لم يجز أن يكون موجبا المبيع في الذمة ابتداء لا ~~رخصة بسبب الحاجة إليه في السلم وذلك حكم ثابت بخلاف القياس PageV02P280 ~~ففيما يكون البيع موجبا له في الذمة ابتداء وهو الثمن لا يجوز أن يجعل ~~موجبه نقل الملك واليد فيه من شخص إلى شخص بالتعيين وقد عرفنا أنه لا يستحق ~~النقد بالعقد الذي هو معاوضة إلا ثمنا ومع التعيين لا يمكن إثبات موجبه ~~فظهر أن هذا التعيين لم يصادف محله وأنه بمنزلة هبة المال دينا في ذمته من ~~إنسان فإنه لا يكون صحيحا لأن موجب الهبة نقل الملك واليد في العين فلا ~~يجوز أن يجعل موجبه الإيجاب في الذمة ابتداء بالشك وما كان تعيين النقد في ~~عقد المعاوضة إلا نظير الإيجاب في الذمة ابتداء بعقد الهبة فكما أن ذلك ~~ينافي صحة العقد لأن موجبه نقل الملك في العين واليد فبدون موجبه لا يكون ~~صحيحا فهنا لو تعين بطل العقد لأنه ينعدم ما هو موجب هذا العقد في الثمن ~~وهو الالزام في الذمة ابتداء وفي الحنطة كذلك فإنه متى كان ثمنا كان واجبا ~~في الذمة ابتداء فأما بعد التعيين يصير مبيعا فيكون موجب العقد فيه تحويل ~~ملك العين واليد من شخص إلى شخص والسلع لا تكون إلا مبيعة ولهذا لا يجوز ~~ترك التعيين فيها في غير موضع الرخصة وهو السلم الذي هو ثابت بخلاف القياس ~~لأنه لو صح ذلك كان ثابتا بالعقد في الذمة ابتداء ms678 وهو خلاف موجب العقد فيها # ومن ذلك قولهم في المشتري إذا أفلس في الثمن قبل النقد إنه يثبت للبائع ~~حق نقض البيع واسترداد سلعته لأن الثمن أحد العوضين في البيع فالعجز عن ~~تسليمه بحكم العقد يثبت للمتملك حق فسخ العقد دفعا للضرر عن نفسه كالعوض ~~الآخر وهو المبيع إذا كان عينا فعجز البائع عن تسليمه بالإباق أو كان دينا ~~كالسلم فعجز البائع عن تسليمه بانقطاعه عن أيدي الناس # لأنا نقول هذا التعليل فاسد وضعا فإن موجب البيع في المبيع استحقاق ملك ~~العين واليد ولهذا لا نجوز بيع العين قبل وجود الملك واليد للبائع في ~~المبيع لأنه لا يتحقق منه اكتساب سبب استحقاق ذلك لغيره إذا لم يكن مستحقا ~~له وكذلك في المبيع الدين يشترط قدرته على التسليم باكتسابه حكما بكونه ~~موجودا في العالم وباشتراط الأجل الذي هو مؤثر PageV02P281 في قدرته على ~~التسليم باكتسابه في المدة أو إدراك غلاته فإنه موجب بالعقد في الثمن ~~التزامه في الذمة ابتداء والشرط فيه ذمة صالحة للالتزام فيها ولهذا لا ~~يشترط قيام ملك المشتري في الثمن وقدرته على تسليمه عند العقد حقيقة وحكما # فتبين بهذا أن بسبب العجز عن تسليم المعقود عليه يتمكن خلل فيما هو موجب ~~العقد فيه ( وهو ) مستحق به وبسبب العجز عن تسليم الثمن لا يتمكن الخلل ~~فيما هو موجب العقد فيه وهو التزام ( الثمن ) في الذمة وأي فساد أبين من ~~فساد قول من يقول إذا ثبت حق الفسخ عند تمكن الخلل في موجب العقد ينبغي أن ~~يثبت حق الفسخ بدون تمكن الخلل في موجب العقد # والدليل على ما قلنا جواز إسقاط حق قبض الثمن بالإبراء أصلا وعدم جواز ~~ذلك في المبيع المعين قبل القبض حتى إنه إذا وهبه من البائع وقبله كان فسخا ~~للبيع بينهما # ولا يدخل على ما ذكرنا الكتابة فإن عجز المكاتب عن أداء بدل الكتابة بعد ~~محل الأجل تمكن المولى من الفسخ والبدل هناك معقود به يثبت في الذمة ابتداء ~~ولا يتمكن الخلل فيما هو موجب العقد فيه ms679 بسبب العجز عن تسليمه لأن موجب ~~العقد لزوم بدل الكتابة على أن يصير ملكا للمولى بعد حل الأجل بالأداء فإن ~~المولى لا يستوجب على عبده دينا ولهذا لا تجب الزكاة في بدل الكتابة ولا ~~تصح الكفالة به # فعرفنا أن الملك هناك لا يسبق الأداء فإذا عجز عن الأداء فقد تمكن الخلل ~~في الملك الذي هو موجب العقد فيه فأما هنا موجب العقد ملك الثمن دينا في ~~الذمة ابتداء وذلك قد تم بنفس العقد وبسبب الإفلاس لا يتمكن الخلل فيما هو ~~موجب العقد ولهذا لو مات مفلسا لا يتمكن البائع من فسخ العقد أيضا وإن لم ~~تبق صلاحية المحل وهو الذمة بعد موته مفلسا لأن بنفس العقد قد تم موجب ~~العقد فيه فما كان فواته بعد ذلك إلا بمنزلة هلاك المبيع بعد القبض وذلك لا ~~يوجب انفساخ العقد ولا يثبت للمشتري به حق الفسخ فهذا مثله # وهذه المسائل فقههم فيها بطريق إحالة العلة أظهر وأنور للقلوب وقد بينا ~~فساد الوضع PageV02P282 في عللهم فيها ليتبين لك أن أكثر ما يعللون به في ~~المسائل بهذا الطريق فاسد إذا تأملت فيه وأن أعدل الطرق في تصحيح العلة ما ~~كان عليه السلف من اعتبار التأثير # # | فصل المناقضة # قد بينا تفسير النقض وحده فيما مضى وهذا الفصل لبيان الدفع بالمناقضة ~~يلجىء أصحاب الطرد إلى الاحتجاج بالتأثير # وبيانه فيما علل به الشافعي رحمه الله في اشتراط النية في الوضوء أن ~~التيمم والوضوء طهارتان كيف يفترقان لأن عند إطلاق إنكار التفرقة بينهما ~~ينتقض بكل وجه يفترقان فيه من اشتراط أصل الفعل في التيمم دون الوضوء ومن ~~اشتراط الأعضاء الأربعة في الوضوء دون التيمم ومن صفة كل واحد منهما وغير ~~ذلك مما يفترقان فيه # فإن قال عنيت إثبات التسوية بينهما في اشتراط النية خاصة بهذا الوصف قلنا ~~هو باطل بغسل النجاسة عن الثوب أو البدن فإنه طهارة ثم لا يشترط فيه النية ~~فيضطر عند ذلك إلى الرجوع إلى التأثير وهو أن كل واحد منهما طهارة حكمية ~~غير معقولة المعنى ms680 بل ثابتة شرعا بطريق التعبد إذ ليس على الأعضاء شيء يزول ~~بهذه الطهارة والعبادة لا تتأدى بدون النية بخلاف غسل النجاسة فإنه معقول ~~بما فيه من إزالة عين النجاسة عن الثوب أو البدن # ونحن نقول الماء بطبعه مطهر كما أنه بطبعه مزيل فإنه خلق لذلك قال الله ~~تعالى @QB@ وأنزلنا من السماء ماء طهورا @QE@ والطهور الطاهر بنفسه المطهر ~~لغيره يعمل في التطهير من غير النية كالنار لما كانت محرقة بطبعها تعمل في ~~الإحراق بغير النية ثم الحدث لا يختص بالأعضاء بل يثبت حكمه في جميع البدن ~~كالجنابة والحيض والنفاس لأنه لو اختص بموضع كان أولى المواضع به مخرج ~~الحدث ولا يثبت لزوم التطهير في ذلك الموضع فعرفنا أنه ثابت في جميع البدن ~~إلا أن الشرع أقام غسل الأعضاء التي هي ظاهرة وهي بمنزلة الأمهات في ~~تطهيرها بالماء مقام جميع البدن تيسيرا على العباد لأن إقامة الغسل فيها ~~تيسير على وجه PageV02P283 لا يتيسر في سائر أجزاء البدن وسبب الحدث تعم به ~~البلوى ويعتاد تكراره في كل وقت وبقي حكم تطهير جميع البدن بالغسل في ~~الجنابة والحيض والنفاس على أصل القياس فظهر أن ما لا يعقل فيه المعنى بل ~~هو ثابت شرعا إقامة المحال المخصوصة مقام جميع البدن لا فعل هو استعمال ~~الماء في حصول الطهارة به وكلامنا في اشتراط النية في الفعل الذي يحصل به ~~الطهارة دون المحل وفي هذه الطهارة من الحدث والجنابة بمنزلة غسل النجاسة # وكذلك المسح بالرأس فإنه قائم مقام فعل الغسل الذي هو تطهير في ذلك العضو ~~بمعنى التيسير بخلاف التيمم فإنه في الأصل تلويث وتغبير وهو ضد التطهير ~~ولهذا لا يرتفع به الحدث فعرفنا أنه جعل طهارة لضرورة الحاجة إلى أداء ~~الصلاة فإنما يكون طهارة بشرط إرادة الصلاة وهذا الشرط لا يتحقق إلا بالنية ~~وما يقول إن في الوضوء والاغتسال معنى العبادة فشرط العبادة النية فهو مسلم ~~عندنا ومتى لم توجد النية لا يكون وضوءه عبادة ولكن الطهارة التي هي شرط ~~صحة أداء الصلاة ما يكون مزيلا ms681 للحدث لا ما يكون عبادة واستعمال الماء في ~~محل الطهارة بدون النية مزيل للحدث فبهذا التقرير تبين أن الوضوء نوعان نوع ~~هو عبادة وهو لا يحصل بدون النية ونوع هو مزيل للحدث وهو حاصل بغير النية ~~بمنزلة الغسل الذي هو مزيل للنجاسة وهو مثبت شرط جواز الصلاة # ومن ذلك قولهم الطلاق ليس بمال فلا يثبت بشهادة النساء مع الرجال كالحدود # فإن مطلق هذه العبارة تنتقض بالبكارة والرضاع فلا بد من الرجوع إلى ~~التأثير وهو أن شهادة النساء مع الرجال ليس بحجة أصلية ولكنها حجة ضرورة ~~يجوز العمل بها شرعا فيما تكثر به البلوى والمعاملة فيه بين الناس في كل ~~وقت وذلك الأموال وما يتبع الأموال ففيما لا يكثر فيه البلوى لا تجعل فيه ~~شهادة النساء PageV02P284 حجة والنكاح والطلاق والوكالة وما أشبه ذلك لا ~~يوجد فيها من عموم البلوى مثل ما يكون في الأموال # ونحن نقول إنها حجة أصلية بمنزلة شهادة الرجال ولكن فيها ضرب شبهة ~~باعتبار نقصان عقل النساء لتوهم الضلال والنسيان لكثرة غفلتهن ولهذا ضمت ~~إحدى المرأتين إلى الأخرى ليكونا كرجل واحد في الشهادة فإنما لا يثبت بهذه ~~الشهادة ما يندرىء بالشبهات كالحدود فأما النكاح يثبت مع الشبهات ألا ترى ~~أنه أسرع ثبوتا من المال حتى يصح من الهازل والمكره والمخطىء عندنا وكذلك ~~الطلاق والوكالة فإنها تثبت مع الجهالة فتحتمل التعليق بالشرط فكانت أقرب ~~إلى الثبوت مع الشبهة من الأموال بخلاف الحدود # ومن ذلك قولهم الغصب عدوان محض فلا يكون سببا للملك في العين كالقتل لأن ~~هذا ينتقض باستيلاد الأب جارية ابنه واستيلاد أحد الشريكين الجارية ~~المشتركة فإنه عدوان من حيث إنه حرام ثم كان سببا للملك فيضطر المعلل عند ~~إيراد هذا النقض إلى الرجوع إلى التأثير وهو أن الفعل إنما يتمخض عدوانا ~~إذا خلا عن نوع شبهة واستيلاد أحد الشريكين لم يخل عن ذلك فإنه باعتبار ~~جانب ملكه يتمكن شبهة في هذا الفعل وكذلك ما للأب من الحق في مال ولده يمكن ~~شبهة # فنقول عند ذلك الغصب الذي ms682 هو عدوان محض لا يكون سببا لملك العين عندنا ~~ولكن ثبوت الملك في بدل العين وهو حكم مشروع غير موصوف بأنه عدوان هو الذي ~~ثبت به الملك في العين شرطا له على ما قررنا # ومن ذلك قوله في المنافع إن المتلف مال فيكون مضمونا على المتلف ضمانا ~~يستوفى كالعين لأن ظاهر هذا ينتقض بما إذا كان المتلف معسرا لا يجد شيئا # فإن قال هناك الضمان واجب عندي ولكن يتأخر الاستيفاء لعجز من عليه عن ~~المثل الذي يؤدي به الضمان # قلنا هكذا نقول في الفرع فإن عندنا يتأخر استيفاء الضمان إلى الآخرة ~~للعجز عن المثل الذي يوفي به هذا PageV02P285 الضمان فإن ضمان العدوان ~~يتقدر بالمثل بالنص وليس للمنفعة مثل في صفة المالية يمكن استيفاؤها في ~~الدنيا وعند ذلك يتبين فقه المسألة أن المانع من إلزام الضمان عندنا انعدام ~~المماثلة لظهور التفاوت بين المنافع والأعيان في صفة المالية وقد تقدم بيان ~~ذلك فيقرر بما ذكرنا أن الاعتماد على الاطراد من غير طلب التأثير ضعيف في ~~باب الاحتجاج وأنه بمنزلة الاحتجاج بلا دليل على ما أوضحنا فيه السبيل # # | فصل في بيان الانتقال # قال رضي الله عنه الانتقال على أربعة أوجه انتقال من علة إلى علة أخرى ~~لإثبات الأولى بها وانتقال من حكم إلى حكم لإثباته بالعلة الأولى وانتقال ~~من حكم إلى حكم ( آخر ) لإثباته بعلة أخرى # وهذه الأوجه الثلاثة مستقيمة على طريق النظر لا تعد من الانقطاع # أما الأول فلأن المعلل إنما التزم إثبات الحكم بما ذكره من العلة ويمكنه ~~من ذلك بإثبات العلة فما دام سعيه فيما يرجع إلى إثبات تلك العلة يكون ذلك ~~وفاء منه بما التزم لا أن يكون إعراضا عن ذلك واشتغالا بشيء آخر # وبيان هذا فيما إذا عللنا في نفي الضمان عن الصبي المستهلك للوديعة بأنه ~~استهلاك عن تسليط صحيح ثم نشتغل بإثبات هذه العلة فإنه يكون هذا انتقالا من ~~علة إلى أخرى لإثبات العلة الأولى بها ولا يشك أحد في أن ذلك مستقيم على ~~طريق النظر وعلى ms683 هذا إذا اشتغل بإثبات الأصل الذي يتفرع منه موضع الخلاف ~~حتى يرتفع الخلاف بإثبات الأصل فإن ذلك حسن صحيح نحو ما إذا وقع الاختلاف ~~في الجهر بالتسمية فإذا قال المعلل هذا يبتنى على أصل وهو أن التسمية ليست ~~بآية من الفاتحة ثم يشتغل بإثبات ذلك الأصل حتى يثبت الفرع بثبوت الأصل ~~يكون مستقيما # وكذلك إذا علل بقياس فقال خصمه القياس عندي ليس بحجة فاشتغل بإثبات كونه ~~حجة بقول صحابي فيقول خصمه قول الواحد PageV02P286 من الصحابة عندي ليس ~~بحجة فاشتغل بإثبات كونه حجة بخبر الواحد فيقول خصمه خبر الواحد عندي ليس ~~بحجة فيحتج بكتاب على أن خبر الواحد حجة فإنه يكون طريقا مستقيما ويكون هذا ~~كله سعيا في إثبات ما رام إثباته في الابتداء # وأما الثاني فلأن الانتقال من حكم إلى حكم إنما يكون عند موافقة الخصم في ~~الحكم الأول وما كان مقصود المعلل إلا طلب الموافقة في ذلك الحكم فإذا ~~وافقه خصمه فيه فقد تم مقصوده ثم الانتقال بعده إلى حكم آخر ليثبته بالعلة ~~الأولى يدل على قوة تلك العلة في إجرائها في المعلولات وعلى حذاقة المعلل ~~في إثبات الحكم بالعلة وذلك نحو ما إذا عللنا في تحرير المكاتب عن كفارة ~~اليمين لأن الكتابة عقد معاوضة يحتمل الفسخ فلا تخرج الرقبة من أن تكون ~~محلا للصرف إلى الكفارة كالبيع فإذا قال الخصم عندي عقد الكتابة لا يخرج ~~الرقبة من الصلاحية لذلك ولكن نقصان الرق هو الذي يخرج الرقبة من ذلك فنقول ~~بهذه العلة يجب أن لا يتمكن نقصان في الرق لأن ما يمكن نقصانا في الرق لا ~~يكون فيه احتمال الفسخ فهذا إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى أيضا وهو ~~نهاية في الحذاقة # وكذلك إن تعذر إثبات الحكم الثاني بالعلة الأولى فأراد إثباته بالعلة ~~بعلة أخرى لأنه ما ضمن بتعليله إثبات جميع الأحكام بالعلة الأولى وإنما ضمن ~~إثبات الحكم الذي زعم أن خصمه ينازعه فيه فإذا أظهر الخصم الموافقة فيه ~~واحتاج إلى إثبات حكم آخر يكون له أن يثبت ذلك بعلة ms684 أخرى ولا يكون هذا ~~انقطاعا منه # فأما الوجه الرابع وهو الانتقال من علة إلى علة أخرى لإثبات الحكم الأول ~~فمن أهل النظر من صحح ذلك أيضا ولم يجعله انقطاعا استدلالا بقصة الخليل ~~عليه السلام حين حاج اللعين بقوله تعالى @QB@ ربي الذي يحيي ويميت @QE@ ~~فلما قال اللعين @QB@ أنا أحيي وأميت @QE@ حاجه بقوله تعالى @QB@ فإن الله ~~يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب @QE@ وكان ذلك ( منه ) ~~PageV02P287 انتقالا من حجة إلى حجة لإثبات شيء واحد وقد ذكر الله تعالى ~~ذلك عنه على وجه المدح له به فعرفنا أنه مستقيم # وكذلك المدعي إذا أقام شاهدين فعورض بجرح فيهما كان له أن يقيم شاهدين ~~آخرين لإثبات حقه # والمذهب الصحيح عند عامة الفقهاء أن هذا النوع من الانقطاع لأنه رام ~~إثبات الحكم بالعلة الأولى فانتقاله عنها إلى علة أخرى قبل أن يثبت الحكم ~~بالعلة الأولى لا يكون إلا لعجز عن إثباته بالعلة الأولى وهذا انقطاع على ~~ما نبينه في فصله # ثم مجالس النظر للإبانة فلو جوزنا الانتقال فيها من علة إلى علة أدى ذلك ~~إلى أن يتطاول المجلس ولا يحصل ما هو المقصود وهو الإبانة وكان هذا نظير ~~نقض يتوجه على العلة فإنه لا يشتغل بالاحتراز عنه ولكن إذا تعذر دفعه بما ~~ذكره المعلل في الابتداء يظهر به انقطاعه في ذلك المجلس فهذا مثله # فأما قصة الخليل عليه الصلاة والسلام فهو ما انتقل قبل ظهور الحجة الأولى ~~له ولكن الأولى كانت حجة ظاهرة لم يطعن خصمه فيها إنما ادعى دعوى مبتدأة ~~بقوله @QB@ أنا أحيي وأميت @QE@ وكل ما صنعه معلوم الفساد عند المتأملين ~~إلا أنه كان في القوم من يتبع الظاهر ولا يتأمل في حقيقة المعنى فخاف ~~الخليل عليه الصلاة والسلام الاشتباه على أمثالهم فضم إلى الحجة الأولى حجة ~~ظاهرة لا يكاد يقع فيها الاشتباه فبهت الذي كفر # وهذا مستحسن في طريق النظر لا يشك فيه فإن المعلل إذا أثبت علته يقول ~~والذي يوضح ما ذكرت # فيأتي بكلام آخر هو أوضح من الأول في إثبات ما ms685 رام إثباته وهذا لأن حجج ~~الشرع أنوار فضم حجة إلى حجة كضم سراج إلى سراج وذلك لا يكون دليلا على ضعف ~~أحدهما أو بطلان أثره فكذلك ضم حجة إلى حجة وإنما جعلنا هذا انقطاعا في ~~موضع يكون الانتقال للعجز عن إثبات الحكم بالعلة الأولى # ثم كل هذه التصرفات للمجيب لا للسائل فإن المجيب بان والسائل هادم مانع ~~والحاجة إلى هذه الانتقالات للباني المثبت لا للمانع الدافع # على ما أخبر الله به عن اللعين عند إظهار الخليل صلى الله عليه وسلم حجته ~~بقوله @QB@ فبهت الذي كفر @QE@ PageV02P288 # | فصل بيان الانقطاع # ووجوه الانقطاع أربعة أحدها وهو أظهرها السكوت # والثاني جحد ما يعلم ضرورة بطريق المشاهدة لأن سعي المعلل ليجعل الغائب ~~كالشاهد والعلم بالمشاهدات يثبت ضرورة فإذا اشتغل الخصم بجحد مثله علم أنه ~~ما حمله على ذلك إلا عجزه عن دفع علة المعلل فكان انقطاعا # والثالث المنع بعد التسليم فإنه يعلم أنه لا شيء يحمله على المنع بعد ~~التسليم إلا عجزه عن الدفع لما استدل به خصمه # ولا يقال يحتمل أن يكون تسليمه عن سهو أو غفلة لأن عند ذلك يبين وجه ~~الدفع بطريق التسليم ثم يبنى عليه استدراك ما سها فيه فأما أن يرجع عن ~~التسليم إلى المنع من غير بيان الدفع بطريق التسليم فذلك لا يكون إلا للعجز # والرابع عجز المعلل عن تصحيح العلة التي قصد إثبات الحكم بها حتى انتقل ~~منها إلى علة أخرى لإثبات الحكم فإن ذلك انقطاع لأن حكم الانقطاع مقتضب من ~~لفظه وهو قصور المرء عن بلوغ مغزاه وعجزه عن إظهار مراده ومبتغاه # وهذا العجز نظير العجز ابتداء عن إقامة الحجة على الحكم الذي ادعاه والله ~~أعلم # & باب أقسام الأحكام وأسبابها وعللها وشروطها وعلاماتها & اعلم أن جملة ~~ما ثبت بالحجج الشرعية الموجبة للعلم بما تقدم ذكرها قسمان الأحكام ~~المشروعة وما يتعلق بها المشروعات # فنبدأ ببيان قسم الأحكام فنقول هذه الأحكام أربعة حقوق الله خالصا وحقوق ~~العباد خالصا أيضا وما يشتمل على الحقين وحق الله فيه أغلب وما يشتمل ms686 ~~عليهما وحق العباد فيه أغلب PageV02P289 # فأما حقوق الله خالصة فهي أنواع ثمانية عبادات محضة وعقوبات محضة وعقوبة ~~قاصرة ودائرة بين العبادة والعقوبة وعبادة فيها معنى المئونة ومئونة فيها ~~معنى العبادة ومئونة فيها معنى العقوبة وما يكون قائما بنفسه وهي على ثلاثة ~~أوجه ما يكون منه أصلا وما يكون زائدا على الأصل وما يكون ملحقا به # فأما العبادات المحضة فرأسها الإيمان بالله تعالى والأصل فيه التصديق ~~بالقلب فإنه لا يسقط بعذر ما من إكراه أو غيره وتبديله بغيره يوجب الكفر ~~على كل حال والإقرار باللسان ركن فيه مع التصديق بالقلب في أحكام الدنيا ~~والآخرة جميعا وقد يصير الإقرار أصلا في أحكام الدنيا بمنزلة التصديق حتى ~~إذا أكره على الإسلام فأسلم باللسان فهو مسلم في أحكام الدنيا لوجود ركن ~~الإقرار وقيام السيف على رأسه دليل على أنه غير مصدق بالقلب ولهذا لا يحكم ~~بالردة إذا أكره المرء عليها لأن التكلم باللسان هناك دليل محض على ما في ~~الضمير من غير أن يجعل أصلا بنفسه والإقرار باللسان وإن كان دليلا على ~~التصديق فعند الإكراه يجعل أصلا بنفسه يثبت به الإيمان في أحكام الدنيا ~~بمنزلة التصديق ويستوي إن أكره الحربي على ذلك أو الذمي عندنا لهذا المعنى # وعند الشافعي متى كان الإكراه بحق بأن كان المكره حربيا لا أمان له كذلك ~~الجواب ومتى كان بغير حق بأن أكره الذمي عليه فإنه لا يصير مسلما به # ثم الصلاة بعد الإيمان من أقوى الأركان فإنها عماد الدين ما خلت عنها ~~شريعة المرسلين # وهي تشمل الخدمة بظاهر البدن وباطنه ولكنها صارت قربة بواسطة البيت الذي ~~عظمه الله وأمرنا بتعظيمه لإضافته إلى نفسه فقال @QB@ أن طهرا بيتي ~~للطائفين @QE@ الآية حتى لا تتأدى هذه القربة إلا باستقبال القبلة في حالة ~~الإمكان وفي ذلك من معنى التعظيم ما أشار الله تعالى إليه في قوله @QB@ ~~فأينما تولوا فثم وجه الله @QE@ ليعلم به أن المطلوب وجه الله PageV02P290 ~~ووجه الله لا جهة له فجعل الشرع استقبال جهة الكعبة قائما مقام ما هو ~~المطلوب ms687 لأداء هذه القربة # وأصل الإيمان فيه تقرب إلى الله تعالى بلا واسطة وفي الصلاة تقرب بواسطة ~~البيت فكانت من شرائع الإيمان لا من نفس الإيمان # ثم الزكاة التي تؤدي بأحد نوعي النعمة وهو المال فالنعم الدنيوية نعمتان ~~نعمة البدن ونعمة المال والعبادات مشروعة لإظهار شكر النعمة بها في الدنيا ~~ونيل الثواب في الآخرة فكما أن شكر نعمة البدن بعبادة تؤدي بجميع البدن وهي ~~الصلاة فشكر نعمة المال بعبادة مؤداة بجنس تلك النعمة وإنما صار الأداء ~~قربة بواسطة المصروف إليه وهو المحتاج على معنى أن المؤدي يجعل ذلك المال ~~خالصا لله تعالى في ضمن صرفه إلى المحتاج ليكون كفاية له من الله تعالى ~~لهذا كان دون الصلاة بدرجة فإنها قربة بواسطة البيت الذي ليس من أهل ~~الاستحقاق بذاته وهذا قربة بواسطة الفقير الذي هو من أهل أن يكون مستحقا ~~بنفسه لحاجته # ثم الصوم الذي هو من جنس المشروع شكرا لنعمة البدن ولكنه دون الصلاة من ~~حيث إنه لا يشتمل على أعمال متفرقة على أعضاء البدن بل يتأدى بركن واحد وهو ~~الكف عن اقتضاء الشهوتين شهوة البطن وشهوة الفرج فإنما صارت قربة بواسطة ~~النفس المحتاجة إلى نيل اللذات والشهوات فهي أمارة بالسوء كما وصفها الله ~~تعالى به ففي قهرها بالكف عن اقتضاء شهواتها لابتغاء مرضاة الله تعالى معنى ~~القربة وبالتأمل في هذه الوسيلة يتبين أنه دون ما سبق # ثم الحج الذي هو زيارة البيت المعظم وعبادة بطريق الهجرة يشتمل على أركان ~~تختص بأوقات وأمكنة وفيها معنى القربة باعتبار معنى التعظيم لتلك الأوقات ~~والأمكنة # فأما العمرة فإنها سنة قوية باعتبار أن أركانها من جنس أركان الحج وما ~~بينا من الوسيلة لا يوجب عددا من القربة ولهذا لا تتكرر فرضية PageV02P291 ~~الحج في العمر فعرفنا أن العمرة زيارة وهي سنة قوية فعلها رسول الله عليه ~~السلام وأمر بها # والجهاد قربة باعتبار إعلاء كلمة الله وإعزاز الدين ولما فيه من توهين ~~المشركين ودفع شرهم عن المسلمين ولهذا سماه رسول الله عليه السلام سنام ~~الدين # وكان أصله ms688 فرضا لأن إعزاز الدين فرض ولكنه فرض كفاية لأن المقصود وهو كسر ~~شوكة المشركين ودفع شرهم وفتنتهم يحصل ببعض المسلمين فإذا قام به البعض سقط ~~عن الباقين # والاعتكاف قربة زائدة لما فيها من تعظيم المكان المعظم بالمقام فيه وهو ~~المسجد ولما في شرطها من منع النفس عن اقتضاء الشهوات يعني الصوم # والمقصود بها تكثير الصلاة إما حقيقة أو حكما بانتظار الصلاة في مكانها ~~على صفة الاستعداد لها بالطهارة # وأما صدقة الفطر فهي عبادة فيها معنى المئونة ولهذا لا تتأدى بدون نية ~~العبادة بحال ولا تجب إلا على المالك لما يؤدي به حقيقة بمنزلة الزكاة ولكن ~~لا يشترط لوجوبها صفة كمال الملك والولاية حتى تجب على الصبي في ماله بخلاف ~~الزكاة وتجب على الغير بسبب الغير فعرفنا أن فيها معنى المئونة كالنفقة # وأما العشر فهو مئونة فيه معنى العبادة # والخراج مئونة فيه معنى العقوبة من حيث إن وجوب كل واحد منهما باعتبار ~~حفظ الأراضي وإنزالها إلا أن في الخراج معنى الذل على ما أشار إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين رأى آلة الزراعة في دار قوم فقال ما دخل هذا ~~في دار قوم إلا ذلوا وكأن ذلك لما في الاشتغال بالزراعة من الإعراض عن ~~الجهاد وإنما يلتزم الخراج من يشتغل بعمل الزراعة ولهذا لا يبتدأ المسلم ~~بالخراج في أرضه ويبقى عليه الخراج بعد إسلامه لأنه يتردد بين المئونة ~~والعقوبة فلا يمكن إيجابه على المسلم ابتداء لمعنى المئونة لمعارضة معنى ~~العقوبة إياه ولا يمكن إسقاطه PageV02P292 بعد الوجوب إذا أسلم باعتبار ~~معنى العقوبة لمعارضة معنى المئونة إياه # وأما العشر ففيه معنى العبادة على معنى أنه مصروف إلى الفقير كالزكاة وقد ~~بينا أن بواسطة هذا المصروف يثبت فيه معنى القربة وإن كان وجوبه باعتبار ~~مئونة الأرض ولهذا يجب في الأراضي النامية من غير اشتراط المالك لها نحو ~~الأراضي الموقوفة وأرض المكاتب ولهذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه إذا تحولت ~~الأرض العشرية إلى ملك الذمي تصير خراجية لأن فيها معنى العبادة والكافر ms689 ~~ليس من أهل العبادة أصلا وكل واحد منهما واجب بطريق المئونة فعند تعذر ~~أحدهما يتعين الآخر والخراج يبقى وظيفة الأرض بعد انتقال الملك فيها إلى ~~المسلم لأن المسلم من أهل أن توجب عليه المئونة التي فيها معنى العقوبة ~~فإنه بعد الإسلام أهل لإلزام العقوبة عند تقرر سببها منه والكافر ليس بأهل ~~العبادة أصلا فالأهلية للعبادة تبتنى على الأهلية لثوابها # وقال أبو يوسف رحمه الله يتضاعف العشر على الكافر اعتبارا بالصدقات ~~المضاعفة في حق بني تغلب # وأبى هذا أبو حنيفة رحمه الله لأن التضعيف حكم ثابت بخلاف القياس بإجماع ~~الصحابة في قوم بأعيانهم وغيرهم من الكفار ليسوا بمنزلتهم فأولئك لا تؤخذ ~~منهم الجزية وغيرهم من الكفار تؤخذ منهم الجزية # و محمد رحمه الله يقول تبقى عشرية كما كانت لأن البقاء باعتبار معنى ~~المئونة كالخراج في حق المسلم # ثم عنه روايتان في مصرف هذا العشر في إحداهما يصرف إلى المقاتلة كالخراج ~~لاعتبار معنى المئونة الخالصة ( وفي الأخرى تكون مصروفة إلى الفقراء ~~والمساكين لأنها لما بقيت باعتبار معنى المئونة تبقى ) على ما كانت مصروفة ~~إلى من كانت مصروفة إليه قبل هذا كالخراج في حق المسلم # وأما الحق القائم بنفسه فنحو خمس الغنائم والمعادن والركاز فإنه لا يكون ~~واجبا ابتداء على أحد ولكن باعتبار الأصل الغنيمة كلها لله تعالى كما قال ~~تعالى @QB@ قل الأنفال لله @QE@ وهذا لأنها أصيبت لإعلاء كلمة الله تعالى ~~إلا أن الله تعالى جعل أربعة أخماسها للغانمين على سبيل المنة عليهم فبقي ~~الخمس له كما PageV02P293 كان في الأصل مصروفا إلى من أمر بالصرف إليه # وكذلك خمس المعادن فإن الموجود ما كان لأحد فيه حق فجعل الشرع أربعة ~~أخماسه للواجد وبقي الخمس لله مصروفا إلى من أمر بالصرف إليه ولهذا جاز وضع ~~خمس الغنيمة فيمن هو من جملة الغانمين عند حاجتهم وفي آبائهم وأولادهم وجاز ~~وضع خمس المعدن في الواجد عند الحاجة فعرفنا أنه ليس بواجب عليه بل هو حق ~~الله تعالى قائم كما كان ولهذا جاز صرفه إلى بني هاشم لأن ms690 باعتبار هذا ~~المعنى لا يتمكن فيه معنى الأوساخ بخلاف الصدقات وأمر الله بصرف البعض منه ~~إلى ذوي القربى وكان ذلك عندنا باعتبار النصرة المخصوصة التي تحققت منهم ~~بالانضمام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال ما هجره الناس ودخول ~~الشعب معه لمؤانسته والقيام بنصرته فإن ذلك كان فعلا من جنس القربة فيجوز ~~أن يتعلق به استحقاق ما هو صلة ومنة من الله تعالى كاستحقاق أربعة الأخماس ~~فأما القرابة خلقة لا تستحق بذاتها مال الله تعالى ثم صيانة قرابة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن استحقاق عوض مالي بمقابلتها أولى من إثبات ~~الاستحقاق بسبب القرابة # ولا يجوز جعل القرابة قرينة للنصرة أو النصرة قرينة للقرابة لما بينا أن ~~الترجيح إنما يكون بما لا يصلح علة بانفرادها للاستحقاق دون ما يصلح لذلك # وعلى هذا الأصل استحقاق المصاب من الغنيمة وتمامه يكون بالإحراز بالدار ~~بعد الأخذ # والمسائل على هذا الأصل يكثر تعدادها إذا تأملت وذلك معلوم فيما أملينا ~~من فروع الفقه # فأما العقوبات المحضة فهي الحدود التي شرعت زواجر عن ارتكاب أسبابها ~~المحصورة حقا لله تعالى خالصا نحو حد الزنا والسرقة وشرب الخمر # أما العقوبة القاصرة فنحو حرمان الميراث بسبب مباشرة القتل المحظور فإنها ~~عقوبة ولكنها قاصرة حتى تثبت في حق الخاطىء والنائم إذا انقلب PageV02P294 ~~على مورثه ولا تثبت في حق الصبي والمجنون عندنا أصلا لأنها عقوبة والأهلية ~~للعقوبة لا تسبق الخطاب بخلاف الخاطىء إذا كان بالغا عاقلا فالبالغ العاقل ~~مخاطب ولكنه بسبب الخطأ يعذر مع نوع تقصير منه في التحرز والصبي لا يوصف ~~بالتقصير الكامل والناقص فلا يثبت في حقه ما يكون عقوبة قاصرة كانت أو ~~كاملة ولهذا لا تثبت في حق القائد والسائق والشاهد إذا رجع عن شهادته وحافر ~~البئر وواضع الحجر لأنه جزاء على مباشرة القتل المحظور والموجود من هؤلاء ~~تسبب لا مباشرة # وعند الشافعي هذا ضمان يتعلق بهذا الفعل بمنزلة الدية فيثبت في حق المسبب ~~والمباشر جميعا وفي حق الصبي والبالغ وهذا غلط بين لأن الضمان ms691 ما يجب ~~جبرانا لحق المتلف عليه ويسقط باعتبار رضاه أو عفو من يقوم مقامه وحرمان ~~الميراث ليس من ذلك في شيء # فأما الدائر بين العبادة والعقوبة كالكفارات لأنها ما وجبت إلا جزاء على ~~أسباب توجد من العباد فسميت كفارة باعتبار أنها ستارة للذنب فمن هذا الوجه ~~عقوبة فإن العقوبة هي التي تجب جزاء على ارتكاب المحظور الذي يستحق المأثم ~~به وهي عبادة من حيث إنها تجب بطريق الفتوى ويؤمر من عليه بالأداء بنفسه من ~~غير أن تقام عليه كرها والشرع ما فوض إقامة شيء من العقوبات إلى المرء على ~~نفسه وتتأدى بما هو محض العبادة # فعرفنا أنها دائرة بين العبادة والعقوبة وأن سببها دائر بين الحظر ~~والإباحة كاليمين المعقودة على أمر في المستقبل والقتل بصفة الخطأ ولهذا لم ~~نجعل الغموس والعمد المحض سببا لوجوب الكفارة # وعند الشافعي رحمه الله هذه الكفارات وجوبها بطريق الضمان وقد بينا أن ~~هذا غلط ووجوب الضمان في الأصل بطريق الجبران وذلك لا يتحقق فيما يخلص لله ~~تعالى لأن الله تعالى يتعالى عن أن يلحقه خسران حتى تتحقق الحاجة إلى ~~الجبران وكان معنى العبادة في هذه الكفارات مرجحا على معنى العقوبة كما ~~أشرنا إليه وتكفير الإثم به باعتبار أنه طاعة وحسن في نفسه قال تعالى @QB@ ~~إن الحسنات يذهبن السيئات @QE@ PageV02P295 ولهذا أوجبنا الكفارة على ~~المخطىء والمكره والبار في اليمين والحنث جميعا بأن حلف لا يكلم هذا الكافر ~~فيسلم ثم يكلمه ولهذا لم نوجب شيئا من هذه الكفارات على الكافر # فأما كفارة الفطر في رمضان فمعنى العقوبة فيها مرجح على معنى العبادة حتى ~~إن وجوبها يستدعي جناية متكاملة عرفنا ذلك بخبر الأعرابي حيث قال هلكت ~~وأهلكت # وقال عليه السلام من أفطر في رمضان متعمدا فعليه ما على المظاهر فاتفق ~~العلماء على أنه يسقط بعذر الخطأ والاشتباه فلما ظهر رجحان معنى العقوبة ~~فيها من هذا الوجه جعلنا وجوبها بطريق العقوبة فقلنا إنها تندرىء بالشبهات ~~حتى لا تجب على من أفطر بعد ما أبصر هلال رمضان وحده للشبهة الثابتة بظاهر ms692 ~~قوله عليه السلام صومكم يوم تصومون أو بصورة قضاء القاضي يكون ( اليوم ) من ~~شعبان ولم يوجب على المفطر في يوم إذا اعترض مرض أو حيض في ذلك اليوم لتمكن ~~الشبهة ولم يوجب على من أفطر وهو مسافر وإن كان الأداء مستحقا عليه في ذلك ~~الوقت بعينه بكونه مقيما في أول النهار ولم يوجب على من نوى قبل انتصاف ~~النهار ثم أفطر للشبهة الثابتة بظاهر قوله عليه السلام لا صيام لمن لم يعزم ~~الصيام من الليل وقلنا بالتداخل في الكفارات والاكتفاء بكفارة واحدة إذا ~~أفطر في أيام من رمضان لأن التداخل من باب الإسقاط بطريق الشبهة وأثبتنا ~~معنى العبادة في الاستيفاء لأنها سميت كفارة فإنه يجوز أن يكون الوجوب ~~بطريق العقوبة والاستيفاء بطريق الطهرة كالحدود بعد التوبة ولا يجوز أن ~~يكون الوجوب بطريق العبادة والاستيفاء بطريق العقوبة بحال # وما يجتمع فيه الحقان وحق الله فيه أغلب فنحو حد القذف عندنا # فأما حد قطاع الطريق فهو خالص لله تعالى بمنزلة العقوبات المحضة ولهذا لا ~~نوجب على المستأمن إذا ارتكب سيئة في دارنا بمنزلة حد الزنا والسرقة بخلاف ~~حد القذف وأما ما يجتمع فيه الحقان وحق العباد أغلب فنحو القصاص فإن فيها ~~حق الله تعالى ولهذا يسقط بالشبهات وهي جزاء الفعل في الأصل وأجزية الأفعال ~~تجب لحق الله تعالى ولكن لما كان وجوبها بطريق المماثلة عرفنا أن معنى حق ~~العبد راجح فيها وأن وجوبها للجيران بحسب الإمكان كما وقعت الإشارة إليه في ~~قوله تعالى @QB@ ولكم في القصاص حياة @QE@ ولهذا جرى فيه PageV02P296 # الإرث والعفو والاعتياض بطريق الصلح بالمال كما في حقوق العباد # وأما ما يكون محض حق العباد فهو أكثر من أن يحصى نحو ضمان الدية وبدل ~~المتلف والمغصوب وما أشبه ذلك # وهذه الحقوق كلها تشتمل على أصل وخلف # فالأصل فيما ثبت به الإيمان التصديق والإقرار ثم قد يكون الإقرار مستندا ~~في حق المكره على أنه قائم مقام التصديق ثم التصديق والإقرار من الأبوين ~~يثبت الإيمان في حق الولد الصغير على أنه خلف عن ms693 التصديق والإقرار في حقه ~~ثم تبعية الدار في حق الذي سبى صغيرا وأخرج إلى دار الإسلام وحده حلف عن ~~تبعية الأبوين في ثبوت حكم الإيمان له ثم تبعية السابي إذا قسم أو بيع من ~~مسلم في دار الحرب خلف عن تبعية الدار في ثبوت حكم الإيمان له حتى إذا مات ~~يصلى عليه # وكذلك في شرائط الصلاة فإن من شرائطها الطهارة والأصل فيه الوضوء أو ~~الاغتسال ثم التيمم يكون خلفا عن الأصل في حصول الطهارة التي هي شرط الصلاة ~~به كما قال تعالى @QB@ ولكن يريد ليطهركم @QE@ وهو خلف مطلق في قول علمائنا ~~رحمهم الله # وعند الشافعي رحمه الله هو خلف ضروري ولهذا لم يعتبر التيمم قبل دخول ~~الوقت في حق أداء الفريضة ولم يجوز أداء الفريضتين بتيمم واحد لأنه خلف ~~ضروري فيشترط فيه تحقق الضرورة بالحاجة إلى إسقاط الفرض عن ذمته وباعتبار ~~كل فريضة تتجدد ضرورة أخرى ولم يجوز التيمم للمريض الذي لا يخاف الهلاك على ~~نفسه لأن تحقق الضرورة عند خوف الهلاك على نفسه وجوز التحري في إناءين ~~أحدهما طاهر PageV02P297 والآخر نجس لأن الضرورة لا تتحقق مع وجود الماء ~~الطاهر عنده ومع رجاء الوصول إليه بالتحري فلا تكون فرضية التيمم وشرط طلب ~~الماء لأن الضرورة قبل الطلب لا تتحقق # وعندنا هو بدل مطلق في حال العجز عن الأصل فثبت الحكم به على الوجه الذي ~~يثبت بالأصل ما بقي عجزه # ثم على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة الله عليهما التراب خلف عن الماء # وعند محمد رحمه الله التيمم خلف عن الوضوء # وتظهر المسألة في المتيمم عند محمد لا يؤم المتوضئين لأن التيمم خلف فكان ~~المتيمم صاحب الخلف وليس لصاحب الأصل القوي أن يبني صلاته على صلاة صاحب ~~الخلف كما لا يبني المصلي بركوع وسجود صلاته على صلاة المومي # وعندهما التراب كان خلفا عن الماء في حصول الطهارة به ثم بعد حصول ~~الطهارة كان شرط الصلاة موجودا في حق كل واحد منهما بكماله بمنزلة الماسح ~~يؤم الغاسلين لهذا المعنى وقد يكون ms694 التيمم خلفا ضرورة في حال وجود الماء ~~وهو أن يخاف فوات صلاة الجنازة أن لو اشتغل بالوضوء أو يخاف فوات صلاة ~~العيد أن لو اشتغل بالوضوء # ثم الخلافة هنا عند محمد بين التيمم والوضوء بطريق الضرورة حتى لو صلى ~~عليها بالتيمم ثم جيء بجنازة أخرى يلزمه تيمم آخر وإن لم يجد بين الجنازتين ~~من الوقت ما يمكنه أن يتوضأ فيه # وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله التراب خلف عن الماء فيجوز له أن ~~يصلي على الجنائز ما لم يدرك من الوقت مقدار ما يمكنه أن يتوضأ فيه على وجه ~~لا تفوته الصلاة على جنازة # وهذا الذي بينا يتأتى في كل حق مما سبق ذكره إلا أن ببيان ذلك يطول ~~الكتاب والحاجة إلى معرفة الأصل هنا وهو أن الخلف يجب بما به يجب الأصل ~~وشرط كونه خلفا أن ينعقد السبب موجبا للأصل بمصادفته محله ثم بالعجز عنه ~~يتحول الحكم إلى الخلف وإذا لم ينعقد السبب موجبا للأصل باعتبار أنه لم ~~يصادف محله لا يكون موجبا للخلف حتى إن الخارج من البدن إذا لم يكن موجبا ~~للوضوء كالدمع والبزاق والعرق لا يكون موجبا للتيمم والطلاق قبل الدخول لما ~~لم يكن موجبا لما هو الأصل وهو الاعتداد بالأقراء لا يكون موجبا لما هو خلف ~~عنه وهو الاعتداد بالأشهر واليمين الصادقة لما لم تكن موجبة للتكفير بالمال ~~لا تكون موجبة لما PageV02P298 هو خلف عنه وهو التكفير بالصوم واليمين ~~الغموس عندنا لما لم تنعقد موجبة للأصل وهو البر باعتبار أنها أضيفت إلى ~~محل ليس فيه تصور البر لا تنعقد موجبة لما هو خلف عنه وهو الكفارة واليمين ~~على مس السماء ونحوه لما انعقدت موجبة للبر لمصادفتها محلها كانت موجبة لما ~~هو خلف عن البر وهو الكفارة وقد تقدم بيان هذا فيمن أسلم في آخر الوقت ~~بعدما بقي منه مقدار ما لا يمكنه أن يصلي فيه فإن الجزء الآخر من الوقت لما ~~صلح أن يكون موجبا لأداء الصلاة صلح موجبا لما هو خلف عنه وهو ms695 القضاء # وعلى هذا الأصل قال أبو يوسف و محمد رحمهما الله إذا جاء المشهود بقتله ~~حيا أو رجع الشهود والولي جميعا بعد استيفاء القصاص فاختار ولي القتيل ~~تضمين الشهود فإنهم يرجعون على الولي بما يضمنون لأن السبب وهو الضمان الذي ~~لزمهم بطريق العدوان موجب للملك في المضمون والمضمون وهو الدم مما يحتمل أن ~~يكون مملوكا في الجملة ألا ترى أن نفس من عليه القصاص في حكم القصاص ~~كالمملوك لمن له القصاص فإذا انعقد السبب موجبا للأصل لمصادفة محله ينعقد ~~موجبا للخلف وهو الدية عند العجز عن إثبات ما هو الأصل وهو القصاص بمنزلة ~~من غصب مدبرا فغصبه منه آخر وأبق من يده ثم ضمن المولى الغاصب الأول فإنه ~~يرجع على الغاصب الثاني بالضمان وإن لم يملك المدبر ولكن لما انعقد السبب ~~موجبا للأصل بمصادفته محله يثبت الخلف قائما مقامه # وكذلك شهود الكتابة ببدل مؤجل إذا رجعوا فضمنهم المولى قيمة المكاتب كان ~~لهم أن يرجعوا على المكاتب ببدل الكتابة لأن السبب قد تقرر موجبا للأصل وهو ~~الملك في المضمون لمصادفته محله فثبت ( به الخلف ) وهو الرجوع ببدل الكتابة ~~لوجود العجز عما هو الأصل وهو ملك الرقبة باعتبار قيام الكتابة # و أبو حنيفة رضي الله عنه يقول قد وجد من الشهود التعدي بإتلاف النفس ~~حكما ومن الولي التعدي بإتلاف النفس حقيقة والمساواة ثابتة بين الحكمي ~~والحقيقي في حكم الضمان ثم إذا اختار تضمين المتلف حقيقة PageV02P299 وهو ~~الولي لم يرجع على الشهود بشيء لأنه ضمن بجنايته من حيث الإتلاف فكذلك إذا ~~اختار تضمين الشهود قلنا لا يرجعون على الولي لأنهم ضمنوا بجنايتهم بخلاف ~~ما إذا شهدوا بالقتل الخطأ وأخذ الولي الدية لأن وجوب الضمان هناك باعتبار ~~تملك المال على من ألزمه القاضي الدية فإذا ضمن الولي كان هو المتملك ~~والمملوك سالم له وإذا ضمن الشهود كانوا هم الذين تملكوا والمملوك في يد ~~المولى أو قد صرفه إلى حاجته فيرجعون عليه بما ملكوه لهذا المعنى # قولهما إن السبب هنا انعقد موجبا للأصل ممنوع لأن ms696 الدم لا يملك بالضمان ~~بحال وفي القصاص الذي قالا الولي لا يملك نفس من عليه القصاص وإنما يستوفيه ~~بطريق الإباحة ولهذا لم يكن له حق الاستيفاء في الحرم ولا يتحول حقه إلى ~~البدل إذا قتل من عليه القصاص ظلما وإذا لم يكن محلا للملك عرفنا أن السبب ~~ما انعقد موجبا للأصل ولو كان الدم بمحل أن يملك لم يكن إيجاب الضمان ~~للشهود على الولي أيضا لأنه صار متلفا عليهم ملك الدم وإتلاف ملك الدم لا ~~يوجب الضمان سواء أتلفه حقيقة أو حكما ألا ترى أن من قتل من عليه القصاص ~~فإنه لا يضمن لمن له القصاص شيئا # وكذلك شهود العفو إذا رجعوا أو المكره على العفو لا يضمن أحد منهم شيئا ~~وإن أتلف ملك الدم الثابت لمن له القصاص وبه فارق المدبر والمكاتب لأن هناك ~~ما هو الأصل وهو ملك الرقبة في الموضع الذي يكون ثابتا يكون موجبا ضمان ~~خلفه عند الإتلاف فكذلك إذا انعقد السبب موجبا للأصل ثم لم يعمل لعارض وهو ~~التدبير والكتابة قلنا يكون موجبا لما هو خلفه وهو القيمة وبدل الكتابة ~~فيرجع بهما PageV02P300 # # | فصل في بيان الكلام في القسم الثاني وهو السبب # أما الكلام في القسم الثاني فنقول تفسير السبب لغة الطريق إلى الشيء قال ~~تعالى @QB@ وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا @QE@ أي طريقا # وقيل هو بمعنى الباب قال تعالى @QB@ لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات ~~@QE@ أي أبوابها ومنه قول زهير ولو نال أسباب السماء بسلم أي أبوابها # وقيل هو بمعنى الحبل قال تعالى @QB@ فليمدد بسبب إلى السماء @QE@ الآية ~~يعني بحبل من سقف البيت فالكل يرجع إلى معنى ( واحد ) وهو طريق الوصول إلى ~~الشيء # وفي الأحكام السبب عبارة عما يكون طريقا للوصول إلى الحكم المطلوب من غير ~~أن يكون الوصول به ولكنه طريق الوصول إليه بمنزلة طريق الوصول إلى مكة فإن ~~الوصول إليها يكون بمشي الماشي وفي ذلك الطريق لا بالطريق ولكن يتوصل إليها ~~من ذلك الطريق عند قصد الوصول إليها # وكذلك الحبل فإنه طريق للوصول ms697 إلى قعر البئر أو إلى الماء الذي في البئر ~~ولكن لا بالحبل بل بنزول النازل أو استقاء النازح بالحبل # وأما تفسير العلة فهي المغيرة بحلولها حكم الحال ومنه سمي المرض علة لأن ~~بحلولها بالشخص يتغير حاله ومنه يسمى الجرح علة لأن بحلوله بالمجروح يتغير ~~حكم الحال # وقيل العلة حادث يظهر أثره فيما حل به لا عن اختبار منه ولهذا سمي الجرح ~~علة ولا يسمى الجارح علة لأنه يفعل عن اختيار ولأنه غير حال بالمجروح # وفي أحكام الشرع العلة معنى في النصوص وهو تغير حكم الحال بحلوله بالمحل ~~يوقف عليه بالاستنباط فإن قوله عليه السلام الحنطة بالحنطة مثلا بمثل غير ~~حال بالحنطة ولكن في الحنطة وصف هو حال بها وهو كونه مكيلا مؤثرا في ~~المماثلة ويتغير حكم الحال بحلوله فيكون علة لحكم الربا فيه حتى إنه لما لم ~~يحل PageV02P301 القليل الذي لا يدخل تحت الكيل لا يتغير حكم العقد فيه بل ~~يبقى بعد هذا النص على ما كان عليه قبله # وكذلك البيع علة للملك شرعا والنكاح علة للحل شرعا والقتل العمد علة ~~لوجوب القصاص شرعا باعتبار أن الشرع جعلها موجبة لهذه الأحكام وقد بينا أن ~~العلل الشرعية لا تكون موجبة بذواتها وأنه لا موجب إلا الله إلا أن ذلك ~~الإيجاب غيب في حقنا فجعل الشرع الأسباب التي يمكننا الوقوف عليها علة ~~لوجوب الحكم في حقنا للتيسير علينا فأما في حق الشرع فهذه العلل لا تكون ~~موجبة شيئا وهو نظير الإماتة فإن المميت والمحيي هو الله تعالى حقيقة ثم ~~جعله مضافا إلى القاتل بعلة القتل فيما ينبني عليه من الأحكام # وكذلك أجزية الأعمال فإن المعطي للجزاء هو الله تعالى بفضله ثم جعل ذلك ~~مضافا إلى عمل العامل بقوله تعالى @QB@ جزاء بما كانوا يعملون @QE@ فهذا هو ~~المذهب المرضي التوسط بين الطريقين لا كما ذهب إليه الجبرية من إلغاء العمل ~~أصلا ولا كما ذهب إليه القدرية من الإضافة إلى العمل حقيقة وجعل ( العامل ) ~~مستبدا بعمله # ثم هذه العلل الشرعية تسمى نظرا وتسمى قياسا وتسمى ms698 دليلا أيضا على معنى ~~أنه يوقف به على معرفة الحكم والدليل على الشيء ما يوقف به على معرفته ~~كالدخان دليل على النار والبناء دليل على الباني ولكن ما يكون علة يجوز أن ~~يسمى دليلا وما يكون دليلا محضا لا يجوز أن يسمى علة ألا ترى أن حدوث ~~الأعراض دليل على حدوث الأجسام ولا يجوز أن يقال إنها علة لحدوث الأجسام ~~والمصنوعات دليل على الصانع ولا يجوز أن يقال إنها علة للصانع تعالى فعرفنا ~~أن الدليل قط لا يكون علة وقد تكون العلة دليلا # وأما الشرط فمعناه لغة العلامة اللازمة ومنه يقال أشراط الساعة ~~PageV02P302 أي علاماتها اللازمة لكون الساعة آتية لا محالة ومنه الشرطي ~~لأنه نصب نفسه على زي وهيئة لا يفارقه ذلك في أغلب أحواله فكأنه لازم له ~~ومنه شرط الحجام لأنه يحصل بفعله في موضع المحاجم علامة لازمة ومنه الشروط ~~في الوثائق لأنها تكون لازمة فعرفنا أن الشرط في اللغة العلامة اللازمة ~~ومنه سمى أهل اللغة حرف إن حرف الشرط من قول القائل لغيره إن أكرمتني ~~أكرمتك فإن قوله أكرمتك بصيغة الفعل الماضي ولكن بقوله إن أكرمتني يصير ~~إكرام المخاطب علامة لازمة لإكرام المخاطب إياه فكان شرطا من هذا الوجه # وفي أحكام الشرع ( الشرط ) اسم لما يضاف الحكم إليه وجودا عنده لا وجوبا ~~به فإن قول القائل لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق يجعل دخول الدار شرطا ~~حتى لا يقع الطلاق بهذا اللفظ إلا عند الدخول ويصير الطلاق عند وجود الدخول ~~مضافا إلى الدخول موجودا عنده لا واجبا به بل الوقوع بقوله أنت طالق عند ~~الدخول ومن حيث إنه لا أثر للدخول في الطلاق من حيث الثبوت به ولا من حيث ~~الوصول إليه لم يكن الدخول سببا ولا علة ومن حيث إنه مضاف إليه وجودا عنده ~~كان الدخول شرطا فيه ولهذا لا نوجب الضمان على شهود الشرط بحال وإنما نوجب ~~الضمان على شهود التعليق بعد وجود الشرط إذا رجعوا # وقد يقام الشرط مقام السبب في حكم الضمان عند تعذر ms699 إضافة الإتلاف إلى ~~السبب نحو حافر البئر على الطريق يكون ضامنا لما يسقط فيه وهو صاحب الشرط ~~من حيث إنه أزال بفعله المسكة عن الأرض وهو محل يستقر فيه الثقيل والمحال ~~في حكم الشروط ولكن لما تعذر إضافة الإتلاف إلى ما هو السبب حقيقة وهو ثقل ~~الماشي ومشبه جعل مضافا إلى الشرط في حكم الضمان حتى لو دفع الواقع في ~~البئر إنسان فإن الضمان يكون على الدافع دون الحافر لأن السبب هنا صالح ~~لإضافة الإتلاف إليه # وسنقرر هذا في فصل الشرط إن شاء الله تعالى PageV02P303 # أما العلامة لغة فهي المعرف بمنزلة الميل والمنارة والميل علامة الطريق ~~لأنه معرف له والمنارة علامة الجامع لأنها معرفة له ومنه سمي المميز بين ~~الأرضين من المسناة منار الأرض قال عليه السلام لعن الله من غير منار الأرض ~~أي العلامة التي تعرف بها لتمييز بين الأرضين # وكذلك في أحكام الشرع العلامة ما يكون معرفا للحكم الثابت بعلته من غير ~~أن يكون الحكم مضافا إلى العلامة وجوبا لها لا وجودا عندها على ما نبينه في ~~فصل على حدة إن شاء الله تعالى # # | فصل في بيان تقسيم السبب # قال رضي الله عنه اعلم بأن أسباب الأحكام الشرعية أنواع أربعة سبب صورة ~~لا معنى وهو يسمى سببا مجازا وسبب صورة ومعنى وهو يسمى سببا محضا وسبب فيه ~~شبهة العلة وسبب هو بمعنى العلة # وقد بينا أن السبب ما هو طريق الوصول إلى الشيء # فأما الذي يسمى السبب مجازا فنحو اليمين بالله تعالى يسمى سببا للكفارة ~~مجازا باعتبار الصورة وهو ليس بسبب معنى فإن أدنى حد السبب أن يكون طريقا ~~للوصول إلى المقصود والكفارة باليمين إنما تجب بعد الحنث وهي مانعة من ~~الحنث موجبة لضده وهو البر فعرفنا أنه ليس بسبب للكفارة معنى قبل الحنث ~~ولكن يسمى سببا مجازا لأنه طريق الوصول إلى وجوب الكفارة بعد زوال المانع ~~وهو البر وكذلك النذر المعلق بالشرط الذي لا يريد كونه سبب لوجوب المنذور ~~صورة لا معنى لأنه يقصد به منع ما ms700 يجب المنذور عند وجوده وهو إيجاد الشرط ~~وإنما يكون سببا بعد زوال المانع حقيقة # وكذلك الطلاق والعتاق المعلق بالشرط فإن التعليق سبب صورة لا معنى لأنه ~~بالتعليق يمنع نفسه مما يقع الطلاق والعتاق عند وجوده PageV02P304 # وعلى هذا قلنا التعليق بالملك صحيح وإن لم يكن الملك موجودا في الحال لأن ~~المعلق ليس بطلاق ولا هو سبب الطلاق حقيقة ولكن يصير سببا عند وجود الشرط ~~وهذا لأن الطلاق والعتاق لا يكون بدون المحل والتعليق يمنع الوصول إلى ~~المحل # وكذلك النذر فإنه التزام في الذمة والتعليق يمنع وصول المنذور إلى الذمة ~~والتصرف بدون المحل لا يكون سببا كبيع الحر إلا أن هناك ينعقد تصرف آخر وهو ~~اليمين لأنه عقد مشروع لمقصود وفي ذلك المقصود التصرف صادف محله وهو ذمة ~~الحالف بخلاف بيع الحر فإنه لا ينعقد أصلا وعلى هذا لا يجوز التكفير بعد ~~اليمين قبل الحنث بالمال ولا بالصوم لأنها ليست بسبب للكفارة معنى والأداء ~~قبل تحقق السبب لا يجوز بخلاف تعجيل الكفارة بعد الجرح قبل زهوق الروح في ~~الآدمي والصيد لأنه سبب محض من حيث إنه طريق مفض إلى القتل عند زهوق الروح ~~بالسراية يوضحه أن اليمين لا تبقى بعد الحنث لأنها مشروعة لمقصود وهو البر ~~وذلك يفوت بالحنث أصلا والعقد لا يبقى بعد فوات مقصوده # ولما كانت الكفارة لا تجب إلا بعد الحنث الذي يرتفع به اليمين عرفنا أن ~~اليمين ليست بسبب لها معنى إذ العقد لا يكون سببا للحكم الذي يثبت ( بعد ~~فسخه # وكذلك اليمين بالطلاق فإن الطلاق إنما يكون واقعا بما يبقى بعد وجود ~~الشرط وهو قوله أنت طالق والنذر إنما يثبت ) باعتبار ما يبقى بعد وجود ~~الشرط وهو قوله على صوم أو صلاة فعرفنا أن الموجود قبل وجود الشرط لا يكون ~~سببا معنى بخلاف كفارة القتل فإنه جزاء الفعل والفعل بالسراية يتقرر ولا ~~يرتفع فكان قبل السراية سببا وملك النصاب قبل كمال الحول هكذا لأنه يتقرر ~~عنده ما لأجله كان النصاب سببا وهو معنى النمو إلا أن مع ms701 هذا التعليق ~~بالشرط لكونه سببا مجازا أثبتنا فيه معنى السببية بوجه بخلاف ما يقوله زفر ~~رحمه الله إنه لا يثبت فيه حكم السببية بوجه # وبيان هذا في تنجيز الثلاث بعد PageV02P305 صحة التعليق فإنه مبطل ~~للتعليق عندنا لأن التعليق يمين وموجبه البر فإذا كان هذا السبب مضمونا ( ~~بالبر ) كان له شبهة السببية في الحكم الذي يجب به بعد فوات البر على وجه ~~الخلف عنه كالغصب فإنه موجب ضمان الرد في العين ثم له شبهة السببية في حكم ~~ضمان القيمة الذي ثبت خلفا عن رد العين عند فوات العين فكما يشترط قيام ~~الملك وصفة الحل في المحل لبقاء ما هو سبب للحكم حقيقة فكذلك يشترط لبقاء ~~ما فيه شبهة السببية للحكم وتنجيز الثلاث يفوت ذلك كله # وزفر يقول ليس في التعليق شبهة السببية للحكم وهو الطلاق والعتاق وإنما ~~هو تصرف آخر وهو اليمين محلها الذمة واشتراط الملك في المحل عند انعقاده ~~ليترجح جانب الوجود على جانب العدم حتى يصح إيجاب اليمين به وهذا غير معتبر ~~في حال البقاء ألا ترى أن بعد التطليقات الثلاث لو علق الطلاق ابتداء ~~بالنكاح كان صحيحا وصفة الحل الذي به يصير المحل محلا للطلاق معدوم أصلا # ولكنا نقول الملك سبب هو في معنى العلة فإن النكاح علة لملك الطلاق ~~فالتطليق بمنزلة سبب هو في معنى العلة على ما نبينه إن شاء الله تعالى فأما ~~الإضافة إلى وقت لا تعدم السببية معنى كما يعدمه التعليق بالشرط ولهذا قلنا ~~في قوله تعالى @QB@ فعدة من أيام أخر @QE@ إنه لا يخرج شهود الشهر من أن ~~يكون سببا حقيقة في حق جواز الأداء # وقوله تعالى @QB@ وسبعة إذا رجعتم @QE@ يخرج المتمتع من أن يكون سببا ~~لصوم السبعة قبل الرجوع من منى حتى لو أداه لا يجوز لأنه لما تعلق بشرط ~~الرجوع فقبل وجود الشرط لا يتم سببه معنى وهناك إضافة الصوم إلى وقت فقبل ~~وجود الوقت يتم السبب فيه معنى حتى يجوز الأداء # وأما السبب المحض وهو ما يكون طريقا للوصول إلى الحكم ms702 ولكن PageV02P306 ~~لا يضاف الحكم إليه وجوبا به ولا وجودا عنده بل تتخلل بين السبب والحكم ~~العلة التي يضاف الحكم إليها وتلك العلة غير مضافة إلى السبب وذلك نحو حل ~~قيد العبد فإنه طريق لوصول العبد إلى الإباق الذي هو متو مالية المولى فيه ~~ولكن يتخلل بينه وبين الإباق الذي تتوى به المالية قصد وذهاب من العبد وهو ~~غير مضاف إلى السبب السابق فيبقى حل القيد سببا محضا # وعلى هذا قلنا لو فتح باب الاصطبل فندت الدابة أو باب القفص فطار الطير ~~لم يجب الضمان عليه لأن العلة قوة الدابة في نفسها على الذهاب وقوة الطير ~~على الطيران وهو غير مضاف إلى السبب الأول # وكذلك لو دل إنسانا على مال الغير فأتلفه أو على نفسه فقتله أو على قافلة ~~حتى قطع الطريق عليهم لم يكن ضامنا شيئا لأن الدلالة سبب محض من حيث إنه ~~طريق الوصول إلى المقصود ويتخلل بينه وبين حصول المقصود ما هو علة وهو غير ~~مضاف إلى السبب الأول وذلك الفعل الذي يباشره المدلول # وعلى هذا قلنا لو قال لرجل هذه المرأة حرة فتزوجها فذهب وتزوجها ~~واستولدها ثم ظهر أنها كانت أمة فإنه لا يرجع بضمان قيمة الأولاد على ~~المخبر بخلاف ما إذا زوجها منه على أنها حرة لأن إخباره سبب للوصول إلى ~~المقصود ولكن تخلل بينه وبين المقصود وهو الاستيلاد ما هو علة فهو غير مضاف ~~إلى السبب الأول وذلك عقد النكاح الذي باشرته المرأة على نفسها # وعلى هذا قلنا الموهوب له الجارية إذا استولدها ثم استحقت لم يرجع بقيمة ~~الأولاد على الواهب والمستعير إذا أتلف العين باستعماله ثم ظهر الاستحقاق ~~لم يرجع بالقيمة على المعير لأن الهبة والإعارة سبب ولكن تخلل بينه وبين ~~حصول الأولاد ما هو علة وهو الاستيلاد والاستعمال المفضي إلى التلف وذلك ~~غير مضاف إلى السبب الأول بخلاف المشتري إذا استولدها ثم ظهر الاستحقاق ~~فإنه يرجع بقيمة الأولاد لأن بمباشرة عقد الضمان قد التزم له صفة السلامة ~~عن العيب ولا عيب فوق الاستحقاق ms703 وبمباشرة عقد التبرع لا يصير ملتزما سلامة ~~المعقود عليه عن العيب ولهذا لا يرجع بالعقد في الوجهين لأنه لزمه بدلا عما ~~استوفاه ولا رجوع PageV02P307 له بسبب العيب فيما استوفاه لنفسه وإن كان ~~البائع ضمن له صفة السلامة عن العيب # وزعم بعض أصحابنا أن رجوع المغرور باعتبار الكفالة وذلك باشتراط البدل ~~فإن البائع يصير كأنه قال ضمنت لك سلامة الأولاد على أنه إن لم يسلم لك ~~فأنا ضامن لك ما يلزمك بسببه # وهذا الضمان لا يثبت في عقد التبرع وإنما يثبت في حق الضمان باشتراط ~~البدل إلا أن الأول أصح # وقد قال في كتاب العارية العبد المأذون إذا آجر دابة فتلفت باستعمال ~~المستأجر ثم ظهر الاستحقاق رجع المستأجر بما ضمن من قيمتها على العبد في ~~الحال والعبد لا يؤاخذ بضمان الكفالة ما لم يعتق وهو مؤاخذ بالضمان الذي ~~يكون سببه العيب بعدما التزم صفة السلامة عن العيب بعقد الضمان # ولا يدخل على ما قلنا دلالة المحرم على قتل الصيد فإنها توجب عليه ضمان ~~الجزاء وهي سبب محض لا يتخلل بينها وبين المقصود ما هو العلة وهو القتل من ~~المدلول وهذا لأن وجوب الضمان عليه بجنايته بإزالة الأمن عن الصيد فإن أمنه ~~في البعد عن أيدي الناس وأعينهم وقد التزم بعقد الإحرام الأمن للصيد عنه ~~فإذا صار بالدلالة جانيا من حيث إزالته الأمن كان ضامنا لذلك إلا أن قبل ~~القتل لا يجب عليه الضمان لبقاء التردد فقد يتوارى الصيد على وجه لا يقدر ~~المدلول عليه فيعود آمنا كما كان فبالقتل تستقر جنايته بإزالة الأمن # فهو نظير الجراحة التي يتوهم فيها الاندمال بالبرء على وجه لا يبقى لها ~~أثر فإنه يستأني فيها مع كون الجرح جناية ولكن لبقاء التردد يستأني حتى ~~يتقرر حكمها في حق الضمان بخلاف الدلالة على مال الغير فإن حفظ الأموال ~~بالأيدي لا بالبعد عن الأيدي والأعين فالدال لا يصير جانيا بإزالة الحفظ ~~بدلالته وهذا بخلاف المودع إذا دل سارقا على سرقة الوديعة فإنه يصير ضامنا ~~لأنه جان بترك ما ms704 التزمه من الحفظ بعقده وهو ترك التضييع وبالدلالة يصير ~~مضيعا فهو نظير المحرم يدل على قتل الصيد حتى يصير ضامنا لتركه ما التزمه ~~بالعقد وهو أمن الصيد عنه # وعلى هذا قلنا من أخرج ظبية من الحرم فولدت فهو ضامن للولد لأنها بالحرم ~~آمنة وثبوت يده عليها يفوت معنى الصيدية فيثبت به معنى إزالة الأمن في حق ~~الولد PageV02P308 بخلاف الغاصب فإنه لا يكون ضامنا للزوائد لأن الأموال ~~محفوظة بالأيدي فإنما يجب الضمان هنا بالغصب الذي هو موجب قصر يد المالك عن ~~ماله وذلك غير موجود في الزيادة مباشرة ولا تسبيبا ولا ينكر كونه متعديا في ~~إمساك الولد ولهذا نجعله آثما ونوجب عليه رده # ولكنا نقول هو ليس بغاصب للولد تسبيبا ولا مباشرة وبتعد آخر سوى الغصب لا ~~يوجب ضمان الغصب واليد الثابتة على الأم عند انفصال الولد عنها حكم الغصب ~~لا نفس الغصب فعرفنا أنه لم يثبت الغصب في الولد بطريق السراية ولا قصدا ~~بطريق المباشرة ولا بطريق التسبب بغصب الأم لأن قصر يد المالك تكون بإزالة ~~يده عما كان في يده أو بإزالة تمكنه من أخذ ما لم يكن في يده وذلك غير ~~موجود في الولد أصلا قبل أن يطالبه بالرد # ومن السبب المحض أن يدفع سكينا إلى صبي فيجأ الصبي به نفسه فإنه لا يجب ~~على الدافع ضمان وإن كان فعله بعلة طريق الوصول ولكن قد تخلل بينه وبين ~~المقصود ما هو علة وهو غير مضاف إلى السبب الأول وذلك قتل الصبي به نفسه ~~بخلاف ما إذا سقط من يده على رجله فعقره لأن السقوط من يده مضاف إلى السبب ~~الأول وهو مناولته إياه فكان هذا سببا في معنى العلة على ما نبينه إن شاء ~~الله تعالى # وكذلك لو أخذ صبيا حرا من يد وليه فمات في يده بمرض لم يضمن الآخذ شيئا ~~بخلاف ما إذا قربه إلى مسبعة حتى افترسه سبع فإن السبب هنا بمعنى العلة ~~باعتبار الإضافة إليه فإنه يقال لولا تقريبه إياه من هذه المسبعة ما ms705 افترسه ~~السبع ولا يقال لولا أخذه من يد وليه لم يمت من مرضه # ولو قتل الصبي في يد الآخذ رجلا فضمن عاقلته الدية لم يرجعوا به على ~~عاقلة الآخذ لأنه تخلل بين السبب ووجوب الضمان عليهم ما هو علة وهو غير ~~مضاف إلى ذلك التسبيب # وعلى هذا لو قال لصبي ارق هذه الشجرة فانفضها لي فسقط كان ضامنا بخلاف ما ~~لو قال كل ثمرتها أو فانفضها لنفسك لأن كلامه تسبيب قد تخلل بينه وبين ~~السقوط ما هو علة وهو صعود الصبي الشجرة لمنفعة نفسه وفي الأول لما كان ~~صعوده لمنفعة الآمر صار بسببه في معنى العلة بطريق PageV02P309 الإضافة ~~إليه # وكذلك لو حمل صبيا على الدابة فسقط ميتا كان الحامل ضامنا لديته ولو ~~سيرها الصبي فسقط منها فمات لم يضمن الذي حمله عليها شيئا # ليعلم أن السائل على هذا الأصل أكثر من أن تحصى # ومما هو في معنى السبب المحض ما هو أحد شطري علة الحكم نحو إيجاب البيع ~~وأحد وصفي علة الربا فإنه سبب محض على معنى أنه طريق الوصول إلى المقصود ~~عند غيره وذلك الغير ليس بمضاف إليه فيكون سببا محضا # فإن قيل قد جعلتم حد السبب ما يتخلل بينه وبين المقصود ما هو علة للحكم ~~وهنا الذي يتخلل هو الوصف الآخر وهو ليس بعلة للحكم بانفراده فكيف يستقيم ~~قولكم إن أحد الوصفين سبب محض قلنا هو مستقيم من حيث إن الحكم متى تعلق ~~بعلة ذات وصفين فإنه يضاف إلى آخر الوصفين على معنى أن تمام العلة به حصل ~~ولهذا قلنا إن الموجب للعتق القرابة القريبة مع الملك ثم يضاف العتق إلى ~~آخر الوصفين وجودا حتى إذا كان العبد مشتركا بين اثنين ادعى أحدهما نسبه ~~كان ضامنا لشريكه وإذا اشترى نصف قريبه من أحد الشريكين كان ضامنا لشريكه # وكذلك النسب مع الموت موجب للإرث فيضاف إلى آخر الوصفين ثبوتا حتى إن ~~شهود النسب بعد الوفاة إذا رجعوا ضمنوا بخلاف شهود النسب في حالة الحياة ~~فإذا ثبت أن إضافة الحكم ms706 إلى آخر الوصفين وهو يتخلل بين الوصف الأول وبين ~~الحكم عرفنا أن الوصف الأول في معنى السبب المحض # وهذا أصل مستمر في الشروط والعلل جميعا حتى قلنا إذا قال لامرأته إن دخلت ~~هاتين الدارين فأنت طالق فأبانها ودخلت إحدى الدارين في غير ملكه ثم تزوجها ~~فدخلت الأخرى في ملكه تطلق لأن الحكم يكون مضافا إلى تمام الشرط وجودا عنده ~~وذلك حصل بدخول الدار الأخرى فيشترط قيام الملك عنده لا عند دخول الأولى # ومن الأسباب السفينة إذا كانت تحتمل مائة من وقد جعل فيها ذلك القدر فوضع ~~إنسان آخر فيها منا فغرقت كان ضامنا PageV02P310 للجميع لأن تمام علة الغرق ~~حصل بفعله # وعلى هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما في المثلث إن السكر منه ~~حرام ثم السكر الذي هو حرام القدح الأخير لأن تمام علة الإسكار عندها فيكون ~~مضافا إليها خاصة # ومحمد رحمه الله ترك هذا الأصل في هذه المسألة احتياطا لإثبات الحرمة ~~فإنها تثبت باعتبار الصورة تارة وباعتبار المعنى أخرى # وأما السبب الذي هو في معنى العلة فنحو قود الدابة وسوقها فإنه طريق ~~الوصول إلى الإتلاف غير موضوع له ليكون علة وهو في معنى العلة من حيث إن ~~الإتلاف مضاف إليه يقال أتلفه بقود الدابة أو سوقها # وكذلك إذا أشرع جناحا في الطريق أو وضع حجرا أو ترك هدم الحائط المائل ~~بعد التقدم إليه فيه فهذا كله سبب في معنى العلة # وكذلك إذا أدخل دابته زرع إنسان حتى أكلت الدابة الزرع فهذا سبب في معنى ~~العلة للإتلاف ولهذا كان موجبا عليه ضمان المتلف ولا يكون شيء من هذا موجبا ~~لحرمان الميراث ولا الكفارة فإن ذلك جزاء مباشرة الفعل # وكذلك قطع حبل القنديل المعلق وشق الزق وفيه مائع سبب هو في معنى العلة # وكذلك شهادة الشهود بالقصاص يكون سببا للقتل من غير مباشرة لأن قضاء ~~القاضي بعد الشهادة يكون عن اختيار # وكذلك استيفاء الولي والشهادة غير موضوعة للقتل في الأصل ولهذا لا يوجب ~~الكفارة ولا يثبت حرمان الميراث في ms707 حق الشهود ولا يوجب عليهم القصاص # و الشافعي رحمه الله لا ينكر هذا ولكن يقول هو تسبيب قوي من حيث إنه قصد ~~به شخصا بعينه فيصلح أن يكون موجبا للقود عليه لأن فيه معنى العلة من حيث ~~إن قضاء القاضي من موجبات الشهادة والقتل مضاف إلى ذلك # إلا أنا نقول القاضي إنما يقضي عن اختيار منه وليس في وسع الشاهد ما ~~يظهره القاضي بقضائه أو يوجبه فبقيت شهادة الشهود تسبيبا في الحقيقة ولا ~~مماثلة بين التسبيب والمباشرة ووجوب القصاص يعتمد المباشرة # وعلى هذا قال في السير إذا قال للغزاة أدلكم على حصن في دار الحرب تجدون ~~فيه الغنائم فإن ذهب معهم حتى دلهم عليه كان شريكهم في المصاب لأن فعله ~~تسبيب PageV02P311 فيه معنى العلة وإن وصف لهم الطريق حتى وصلوا إليه بوصفه ~~ولم يذهب معهم لم يكن شريكهم في المصاب لأن ما صنعه تسبيب محض وليس فيه من ~~معنى العلة شيء # وأما السبب الذي له شبهة العلة كحفر البئر في الطريق فإنه سبب للقتل من ~~حيث إيجاد شرط الوقوع وهو زوال المسكة وليس بعلة في الحقيقة فالعلة ثقل ~~الماشي في نفسه والسبب المطلق مشيه في ذلك الموضع فأما الحفر فهو إيجاد شرط ~~الوقوع ولكن له شبهة العلة من حيث إن الحكم يضاف إليه وجودا عنده لا ثبوتا ~~به ولهذا لم يكن موجبا الكفارة ولا حرمان الميراث فإن ذلك جزاء الفعل وفعله ~~تم من غير اتصال بالمقتول وإنما اتصل بالمقتول عند الوقوع بسبب آخر وهو ~~مشيه إلا أنه يجب ضمان الدية عليه لأن ذلك بدل المتلف لا جزاء الفعل وقد ~~حصل التلف مضافا إلى حفره وجودا عنده فإذا كان ذلك تعديا منه وجب الضمان ~~عليه بمقابلة المتلف حتى لو اعترض على فعله ما يمكن إضافة الحكم إليه نحو ~~دفع دافع إياه في البئر فإنه يكون الضمان على الدافع دون الحافر # وعلى هذا قلنا إذا تزوج كبيرة ورضيعة فأرضعت الكبيرة الرضيعة فإن الزوج ~~يغرم نصف صادق الصغيرة ثم يرجع به على الكبيرة ms708 إن تعمدت الفساد وإن لم ~~تتعمد ذلك لم يرجع عليها بشيء لأن ثبوت الحرمة بالإرضاع وذلك موجود من ~~الصبية إلا أن إلقام الثدي إياها سبب من الكبيرة له شبهة العلة من حيث إن ~~الحكم يضاف إليه وجودا عنده # وهذا الضمان ليس بضمان إتلاف ملك النكاح فإنه لا يضمن بالإتلاف عندنا ~~ولكن ضمان تقرير نصف صداق على الزوج فإذا صار ذلك مضافا إلى فعلها وجودا ~~عنده كان لفعلها شبهة العلة وقد كانت متعدية في ذلك حين تعمدت الفساد ~~فيلزمها ضمان العدوان والله أعلم # # | فصل في تقسيم العلة # قال رضي الله عنه أنواع العلة ستة علة اسما ومعنى وحكما وهو حقيقة العلة ~~وعلة اسما لا معنى ولا حكما وهو يسمى علة مجازا وعلة PageV02P312 اسما ~~ومعنى لا حكما وعلة تشبه السبب وعلة معنى وحكما لا اسما وعلة اسما وحكما لا ~~معنى # فالأول نحو البيع للملك والنكاح للحل والإعتاق لزوال الرق وإثبات الحرية ~~وإيقاع الطلاق للوقوع فإن هذا كله علة اسما من حيث إنه موضوع لهذا الموجب ~~فإن هذا الموجب مضاف إليه لا بواسطة وهو علة معنى من حيث إنه مشروع لأجل ~~هذا الموجب وهو علة حكما من حيث إن هذا الحكم يثبت به ولا يجوز أن يتراخى ~~عنه # واختلف مشايخنا في أن مثل هذه العلة المطلقة هل يجوز أن تكون موجودة ~~والحكم متأخر عنه فمنهم من جوز ذلك وقال الذي لا يجوز كون العلة خالية عن ~~الحكم فأما يجوز أن لا يتصل الحكم بها ولكن يتأخر لمانع # والأصح عندنا أنه لا يجوز تأخر الحكم عن هذه العلة ولكن الحكم يتصل ثبوته ~~بوجود هذه العلة بعد صحتها لا محالة وهو عندنا بمنزلة الاستطاعة مع الفعل ~~لا يجوز القول بأنها تسبق الفعل # وأما العلة اسما لا معنى ولا حكما فبيانها فيما ذكرنا من تعليق الطلاق ~~والعتاق بالشرط واليمين قبل الحنث فإنها علة اسما لا معنى ولا حكما لأن ~~العلة معنى وحكما ما يكون ثبوت الحكم عند تقرره لا عند ارتفاعه وبعد الحنث ~~لا تبقى اليمين ms709 بل ترتفع وكذلك بعد وجود الشرط في اليمين بالطلاق والعتاق ~~لا يبقى اليمين # وأما العلة اسما ومعنى لا حكما فنحو البيع الموقوف فإنه علة للملك اسما ~~من حيث إنه بيع حقيقة موضوع لهذا الموجب ومعنى من حيث إنه منعقد شرعا بين ~~المتعاقدين لإفادة هذا الحكم فإن انعقاده وتمامه معنى بما هو من خالص حقها ~~وليس فيه تعدي الضرر إلى الغير وهو ليس بعلة حكما لما في ثبوت الملك به من ~~الإضرار بالمالك في خروج العين عن ملكه من غير رضاه ولهذا إذا وجد الإجازة ~~منه يستند الحكم إلى وقت العقد حتى يملكه المشتري بزوائده فيتبين به أن ~~العلة موجودة اسما ومعنى PageV02P313 # وكذلك إذا صرح بشرط الخيار للبائع فإنه علة اسما ومعنى لا حكما لأن خيار ~~الشرط داخل على الحكم لا على أصل البيع وكان القياس أن لا يجوز اشتراط ~~الخيار في البيع لمعنى الغرر إلا أنا لو أدخلنا الشرط على أصل السبب دخل ~~على الحكم ضرورة ولو أدخلناه على الحكم خاصة لم يكن داخلا على أصل السبب ~~فكان معنى الغرر والجهالة في هذا أقل وإذا ظهر أن الشرط دخل على الحكم خاصة ~~عرفنا أن البيع بهذا الشرط علة اسما ومعنى لموجبه لا حكما ولهذا لو سقط ~~الخيار يثبت الملك للمشتري من وقت العقد حتى يملك البيع بالزيادة المتصلة ~~والمنفصلة إلا أن أصل الملك لما صار متعلقا بالشرط لم يكن موجودا قبل الشرط ~~أصلا فالعتق الموجود في هذه الحالة من المشتري لا يتوقف على أن ينفذ ثبوت ~~الملك له إذا سقط الخيار وفي الأول إنما يثبت في الملك صفة التوقف لا ~~التعليق بالشرط وتوقف الشيء لا يعدم أصله فثبت إعتاقه بصفة التوقف أيضا على ~~أن ينفذ بنفوذ الملك له بالإجارة # ومن هذا النوع الإجارة فإنها علة للملك اسما ومعنى لا حكما لأنها تتناول ~~المعدوم حقيقة والمعدوم لا يكون محلا للملك ولهذا لم يثبت الملك في الأجر ~~لانعدام العلة حكما ويملك بشرط التعجيل لوجود العلة اسما ومعنى إلا أن هناك ~~وجود العلة ms710 اسما ومعنى من حيث إن المنتفع به جعل كالمنفعة التي هي المقصودة ~~بالعقد فأما العقد في حق الحكم حقيقة وهو ملك المنفعة صار مضافا إلى حالة ~~الوجود فيقتضي الملك في الأجر على حال استيفاء المنفعة لهذا ولا يثبت ~~مستندا إلى وقت العقد لأن إقامة العين مقام المنفعة في حكم صحة الإيجاب دون ~~الحكم وعلى هذا الطلاق الرجعي فإنه علة اسما ومعنى لا حكما لأن حكم زوال ~~الملك به متعلق بشرط انقضاء العدة قبل الرجعة وهو في حكم حرمة المحل ركن من ~~أركان العلة فعرفنا أنه PageV02P314 ليس بعلة حكما ولهذا لم يثبت زوال ملك ~~الحل به ولا حرمة الوطء أصلا # وأما العلة التي تشبه السبب فصورتها أن يكون ما يضاف إليه الحكم أصله ~~موجودا وصفته منتظرا متأخرا في وجوده خطر # فمن حيث وجود الأصل كان علة لأن الصفة تابعة للأصل وبانعدام الوصف لا ~~ينعدم الأصل ومن حيث إن كونه موجبا للحكم باعتبار الصفة وهو منتظر متأخر ~~فالأصل قبل وجود الوصف كان طريقا للوصول إليه فكان سببا # وبيان ذلك في النصاب للزكاة فإنه سبب لوجوب الزكاة بصفة النماء وحصول هذا ~~النماء منتظر لا يكون إلا بعد مدة قدر الشرع تلك المدة بالحول وبما ذكره لم ~~ينتصب الحول شرطا فإنه قال ( لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ) وحتى ~~كلمة غاية لا كلمة شرط وبانعدام صفة النماء للحال لا ينعدم أصل المال الذي ~~يضاف إليه هذا الحكم شرعا فجعلناه علة تشبه السبب حتى يجوز التعجيل بعد ~~كمال النصاب ولا يكون المؤدى زكاة للمال لانعدام صفة العلة بخلاف المسافر ~~إذا صام في شهر رمضان والمقيم إذا صلى في أول الوقت فالمؤدى يكون فرضا ~~لوجود العلة مطلقة بصفتها ثم إذا تم الحول حتى وجب الزكاة جاز المؤدى عن ~~الزكاة باعتبار أن الأداء وجد بعد وجود العلة ولو كان محض سبب لم يكن ~~المؤدى قبل وجود العلة محسوبا من الزكاة كالمؤدى قبل كمال النصاب # فبهذا يتبين أن حولان الحول ليس بتأجيل فيه لأن التأجيل مهلة ms711 لمن عليه ~~الحق بعد كمال العلة فإذا أسقط المهلة بالتعجيل كان في الحال مؤديا للواجب ~~وهنا لا يكون في الحال مؤديا للواجب وإذا تم الحول ونصابه غير كامل كان ~~المؤدى تطوعا فعرفنا أن النصاب قبل وجود صفة النماء يمضي المدة يكون علة في ~~معنى السبب حتى يثبت حكم الأداء بحسب هذه العلة ولا يثبت الوجوب أصلا بل ~~يكون المؤدى موقوف الصحة على أن يكون عن الواجب إذا تم ما هو صفة العلة ~~باستناد حكم الوجوب إليه وعلى أن يكون تطوعا إذا لم يتم ذلك الوصف # ولا يدخل على هذا إذا كانت الإبل علوفة فعجل عنها الزكاة ثم جعلها سائمة ~~لأن هناك أصل العلة لم يوجد PageV02P315 وهو المال النامي فإن الغناء مطلقا ~~لا يحصل شرعا إلا بالمال النامي وبما لا يحصل الغناء من المال لا تكون ~~العلة موجودة بمنزلة ما دون النصاب # وعلى هذا مرض الموت فإنه علة للحجر عن التبرعات فيما هو حق الوارث بعد ~~الموت بصفة إيصال الموت به وهذا منتظر فكان الموجود في الحال علة تشبه ~~السبب فإذا تم باتصال الموت به استند حكمه إلى أول المرض حتى يبطل تبرعه ~~بما زاد على الثلث وإذا برأ من مرضه كان تبرعه نافذا لأن العلة لم تتم ~~بصفتها # وكذلك الجرح علة لوجوب الكفارة في الصيد والآدمي بصفة السراية وهي صفة ~~منتظرة فكان الموجود قبل السراية علة تشبه السبب حتى يجوز أداء الكفارة ~~بالمال والصوم جميعا وإذا اتصل به الموت كان المؤدى جائزا عن الواجب وهذا ~~كله لأن الوصف لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بالموصوف فلا يمكن جعل الموصوف أحد ~~وصفي العلة ليكون سببا لا علة كما بينا في فصل السبب ولا يمكن جعل الوصف ~~علة معنى وحكما بمنزلة آخر الوصفين وجودا من علة هي ذات وصفين فلهذا ~~جعلناها علة تشبه السبب # ومن هذا النوع علة العلة وذلك أن تكون العلة موجبة للحكم بواسطة تلك ~~العلة من موجبات العلة الأولى فتكون بمنزلة علة توجب الحكم بوصف وذلك الوصف ~~قائم بالعلة فكما ms712 أن الحكم هناك يكون مضافا إلى العلة دون الصفة فهنا يكون ~~أيضا مضافا إلى العلة دون الواسطة وذلك نحو الرمي فإنه يوجب تحرك السهم ~~ومضيه في الهواء ونفوذه في المقصود حتى يبتنى عليه علة القتل ولكن هذه ~~الواسطات من موجبات الرمي فكان الرمي علة تامة لمباشرة القتل حتى يجب ~~القصاص على الرامي ولهذا قلنا في شراء القريب إنه إعتاق تتأدى به الكفارة ~~إذا نواه لأن الشراء موجب للملك والملك في القريب موجب للعتق فيصير الحكم ~~مضافا إلى السبب الأول لكون الواسطة من موجباته بخلاف ما إذا اشترى المحلوف ~~بعتقه بنية الكفارة لأن الواسطة وهي الشرط يضاف إليه العتق وجودا عنده لا ~~وجوبا به والعتق عند PageV02P316 وجوده مضاف إلى ما وجد من التعليق بما هو ~~باق بعد وجود الشرط وهو قوله أنت حر ولم تقترن به نية الكفارة # وعلى هذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه في المزكين لشهود الزنا إذا رجعوا ~~ضمنوا لأن التزكية في معنى علة العلة فإن الموجب للحكم بالرجم شهادة الشهود ~~والشهادة لا تكون موجبة بدون التزكية فمن هذا الوجه يصير الحكم مضافا إلى ~~التزكية ومن حيث إن التزكية صفة للشهادة بقي الحكم مضافا إلى الشهادة أيضا ~~فأي الفريقين رجع كان ضامنا # ومما هو نظير العلة التي تشبه السبب ما قال أبو حنيفة رضي الله عنه في ~~رجل قال آخر عبد أشتريه فهو حر فاشترى عبدا ثم عبدا ثم مات فإنه يعتق ~~الثاني من حين اشتراه # وكذلك لو قال آخر امرأة أتزوجها فهي طالق لأن الثاني موصوف بصفة الآخرية ~~باعتبار معنى منتظر وهو أن لا يشتري بعده غيره حتى يموت ولا يتزوج بعدها ~~غيرها فلم يكن الحكم ثابتا في الحال لمعنى الانتظار في هذا الوصف فإذا زال ~~الانتظار وتقرر الوصف كان الحكم ثابتا من حين وجدت العلة لا من حين زوال ~~الانتظار كما هو حكم العلة التي تشبه السبب # وقد جعل بعض مشايخنا الإيجاب المضاف إلى وقت من هذا القسم # قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه ms713 من القسم الثالث فإنه علة اسما ومعنى ~~لا حكما ولهذا لو نذر أن يتصدق بدرهم غدا فتصدق به اليوم جاز عن المنذور ~~للحال ولو كان هذا من نظير القسم الرابع لتأخر حكم جوازه عن المنذور إلى ~~مجيء ذلك الوقت كما بينا في تعجيل الزكاة # وكذلك قال أبو يوسف رحمه الله في النذر بالصوم والصلاة إذا أضافه إلى وقت ~~في المستقبل يجوز تعجيله قبل ذلك الوقت لوجود العلة اسما ومعنى وإن تأخر ~~حكم وجوب الأداء إلى مجيء ذلك الوقت بمنزلة الصوم في حق المسافر # وقال محمد رحمه الله لا يجوز اعتبارا لما يوجبه على نفسه في وقت بعينه ~~بما أوجب الله عليه في وقت بعينه حتى لا ينفك ذلك الوقت عن وجوب الأداء أو ~~وجود الأداء فيه وإذا جاز التعجيل خلا الوقت المضاف عن ذلك أصلا # فأما العلة التي هي معنى حكما لا اسما فهو آخر الوصفين من علة تشتمل ~~PageV02P317 على وصفين مؤثرين في العتق نحو ما بينا في القرابة المحرمة ~~للنكاح مع الملك فإنهما وصفان مؤثران في العتق ثم آخرهما وجودا يكون علة ~~معنى وحكما والمراد بالمعنى كونه مؤثرا فيه وبالحكم أنه يثبت الحكم عنده ~~وهذا لأن الوصف الثاني مع الأول استويا في الوجوب بهما وترجح الثاني ~~بالوجود عنده فكان علة معنى وحكما لا اسما فإن الحكم مضاف إلى الوصفين ~~جميعا فمن حيث الاسم الوصف الثاني شطر العلة # وعلى هذا قلنا أحد وصفي علة الربا يحرم النسأ بانفراده لأن كل واحد من ~~الوصفين علة معنى وحكما إذا تأخر وجوده عن الوصف الآخر وحرمة النسأ مبني ~~على الاحتياط وهو أسرع ثبوتا من حرمة الفضل لقوله عليه السلام إذا اختلف ~~النوعان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد فجعل ثابتا بوجود أحد الوصفين # ولا يدخل على هذا حكم الشهادة فإن شهادة الشاهد الثاني بعد الأول لا تجعل ~~علة للاستحقاق معنى وحكما وإن كان استحقاق الحكم عنده يكون لأن هناك ~~الاستحقاق لا يثبت بالشهادة بل بقضاء القاضي وقضاء القاضي يكون بشهادة ~~الشاهدين ms714 جميعا فلا يتصور فيه كون أحدهما سابقا والآخر متمما لعلة ~~الاستحقاق # فأما العلة اسما وحكما لا معنى فهو السفر والمرض في ثبوت الرخص بهما ~~فإنها في الشريعة مضافة إلى السفر والمرض فعرفنا أن كل واحد منهما علة اسما ~~وكذلك من حيث الحكم فحكم جواز الترخص بالفطر ونحوه يثبت عند وجود السفر ~~والمرض فأما المعنى المؤثر في هذه الرخصة فهو المشقة التي تلحقه بالصوم دون ~~السفر والمرض لما بينا أن المعنى ما يكون مؤثرا في الحكم وذلك المشقة وإليه ~~أشار الله تعالى في قوله @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ ~~إلا أن المشقة باطن تتفاوت أحوال الناس فيه ولا يمكن الوقوف على حقيقته ~~فأقام الشرع السفر بصفة مخصوصة مقام تلك المشقة لكونه دالا عليها غالبا ~~وكذلك أقام المرض بوصف مخصوص مقام تلك المشقة فعرفنا أنه علة اسما وحكما لا ~~معنى ولهذا لو أصبح مقيما صائما ثم سافر فأفطر لم تلزمه الكفارة لوجود علة ~~الإسقاط اسما وإن انعدم PageV02P318 معنى وحكما حتى لا يكون الفطر مباحا له ~~في هذا اليوم أصلا # وعلى هذا قلنا النوم في كونه حدثا علة اسما وحكما لا معنى إذ المعنى الذي ~~هو مؤثر في الحدث خروج نجس من البدن أو من أحد السبيلين على حسب ما اختلف ~~العلماء فيه وذلك غير موجود في النوم إلا أن النوم بصفة مخصوصة وهو أن يكون ~~مضطجعا أو متكئا لكونه دليل استرخاء المفاصل يقوم مقام خروج شيء من البدن ~~تيسيرا # وعلى هذا حكم النسب فإن ملك النكاح علة لثبوت النسب اسما وحكما لا معنى ~~لأن المعنى الذي هو مؤثر في النسب كون الولد مخلوقا من مائه ولكنه باطن ~~فقام النكاح الذي هو ظاهر مقامه تيسيرا # وكذلك المس عن شهوة والنكاح في حكم حرمة المصاهرة فإنه يكون اسما وحكما ~~لا معنى # وكذلك الاستبراء فإن استحداث ملك الوطء بملك اليمين علة لوجوب الاستبراء ~~اسما وحكما لا معنى لأن المؤثر في إيجاب الاستبراء اشتغال الرحم بماء الغير ~~لمقصود صيانة مائه عن الخلط بماء ms715 آخر وذلك باطن فقام السبب الظاهر الدال ~~عليه وهو استحداث ملك الوطء بملك اليمين مقام ذلك المعنى في وجوب الاستبراء ~~به # ولم يقم ملك النكاح مقام ذلك المعنى لأن زوال ملك النكاح بعد وجود السبب ~~الموجب لشغل الرحم يعقب عدة بها يحصل المقصود وهو براءة الرحم فلا حاجة إلى ~~إيجاب الاستبراء عند حدوث ملك وأما زوال ملك اليمين بعد الوطء لا يعقب وجوب ~~ما هو دليل براءة الرحم فتقع الحاجة إلى إيجاب الاستبراء عند حدوث ملك الحل ~~بملك اليمين لمقصود براءة الرحم # وأمثلة هذا النوع أكثر من أن تحصى # وهذا في الحاصل نوعان أحدهما إقامة الداعي مقام المدعو كالمس والنكاح ~~الداعي ( إلى ) ما يثبت به معنى البعضية # والثاني إقامة الدليل مقام المدلول كاسترخاء المفاصل بالنوم فإنه دليل ~~خروج شيء من البدن والتقاء الختانين في كونه موجبا للاغتسال لأنه دليل خروج ~~المني عن شهوة والمباشرة الفاحشة في كونه حدثا عند أبي حنيفة وأبى يوسف ~~رحمة الله عليهما لأنه دليل خروج شيء منه حين انتشرت الآلة بالمباشرة # وعلى PageV02P319 هذا قلنا إذا قال لامرأته إن كنت تحبيني أو تبغضيني ~~فأنت كذا فإن إخبارها به في المجلس يكون دليل وجود ما جعله شرطا فجعل قائما ~~مقام المدلول # وفيه ثلاثة أوجه من الفقه أحدها الضرورة والعجز عن الوقوف على ما هو ~~الحقيقة كما في المحبة والبغض وبه تعدى الحكم إلى قوله إن حضت فأنت كذا ~~فقالت حضت فإنه يقام خبرها به مقام حقيقة الشرط في وقوع الطلاق # والثاني الاحتياط في باب الحرمات والعبادات # والثالث دفع الحرج عن الناس فيما تتحقق فيه الحاجة لهم ولهذا جعل الشرع ~~في باب الإجارة ملك العين المنتفع به مقام ملك المعقود عليه وهو المنفعة في ~~جواز العقد وأقام سبب وجود المنفعة وهو كون العين منتفعا بها مقام حقيقة ~~وجودها لأنها بعد الوجود لا تبقى وقتين فلا يمكن إبراد العقد عليها ~~وتسليمها فلدفع الحرج فيما للناس حاجة إليه أقام الشرع غير المقصود بالعقد ~~مقام المقصود فيما ينبني عليه عقد المعاوضة وهو ms716 وجود المعقود عليه وكونه ~~مملوكا للعاقد # فهذه حدود يتم بمعرفتها فقه الرجل ولكن في ضبط حدودها بعض الحرج لما فيها ~~من الدقة فلا يطلبها فقيه بكسل ولا يقفن عن طلبها بفشل والله الهادي لمن ~~جاهد في سبيله # # | فصل في بيان تقسيم الشرط # وهي ستة أقسام شرط محض وشرط في حكم العلة وشرط فيه شبهة العلة وشرط في ~~معنى السبب وشرط اسما لا حكما وشرط بمعنى العلامة الخالصة # فأما الشرط المحض فهو ما يتوقف وجود العلة على وجوده ويمتنع وجود العلة ~~حقيقة بعد وجودها صورة حتى يوجد ذلك الشرط فتصير موجودة عندها حقيقة على ما ~~بينا في الفرق بين الشرط والعلة أن الحكم مضاف إلى الشرط وجودا عنده لا ~~وجوبا به وذلك نحو كلمات الشرط كلها كقوله لعبده إن دخلت الدار فأنت حر أو ~~إذا دخلت أو متى دخلت أو كلما دخلت فإن التحرير الذي هو علة يتوقف وجوده ~~على وجود الشرط حقيقة بعد PageV02P320 ما وجد صورته بكلماته من المولى وعند ~~وجود الشرط يوجد التحرير حقيقة فيثبت به حكم العتق # وعلى هذا حكم العبادات والمعاملات فإنها تعلقت بأسباب جعلها الشرع سببا ~~للوجوب كما بينا ثم وجود العلة حقيقة يتأخر إلى وجود ما هو شرط فيه وهو ~~العلم به أو ما يقوم مقام العلم به حتى إن النص النازل قبل علم المخاطب به ~~جعل في حقه كأنه غير نازل ولهذا قلنا من أسلم في دار الحرب ولم يعلم بوجوب ~~العبادات عليه حتى مضى زمان ثم علم بذلك فإنه لا يلزمه قضاء شيء باعتبار ~~السبب في الماضي وإذا أسلم في دار الإسلام يلزمه القضاء لا لأن العلم ليس ~~بشرط ولكن لأن شيوع الخطاب في دار الإسلام وتيسير الوصول إليه بأدنى طلب ~~يقوم مقام وجود العلم به فتصير العلة موجودة حقيقة بوجود الشرط حكما وعلى ~~هذا تؤدى العبادات بأداء أركانها نحو الصلاة فإن أركانها القيام والقراءة ~~والركوع والسجود ثم لا يوجد الأداء بها إلا بعد وجود الشرط وهو النية ~~والطهارة # وكذلك المعاملات فإن ركن ms717 النكاح وهو الإيجاب والقبول لا يوجد به انعقاد ~~العقد إلا عند وجود الشرط وهو الشهود ثم هذا النوع من الشرط إنما يعرف ~~بصيغته أو بدلالته فمتى وجد صيغة كلمة الشرط لم ينفك عن معنى الشرط # والذي قاله بعض المتأخرين من مشايخنا في قوله تعالى @QB@ فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا @QE@ إنه مذكور على سبيل العادة وإنه لا فائدة فيه سوى أن ~~الحاجة إلى الكتابة أمس في هذه الحالة قال رضي الله عنه هذا ليس بقوي عندي ~~لأن تحت هذا الكلام أنه ليس في ذكر هذا الشرط فائدة معنى الشرط وكلام الله ~~تعالى منزه عن هذا بل فيه فائدة الشرط # وبيانه أن الأمر للإيجاب تارة وللندب أخرى والمراد الندب هنا بدليل ما ~~بعده وهو قوله @QB@ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم @QE@ فإنه للندب دون ~~الإيجاب وعقد الكتابة وإن كان مباحا قبل أن يعلم فيه خيرا فإنما يصير ~~مندوبا إليه إذا علم أن فيه خيرا فظهر فائدة الشرط من هذا الوجه # وكذلك قوله تعالى @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا @QE@ فإنه غير مذكور على ~~وفاق العادة عندنا بل لبيان الندب فإن نكاح الأمة مع طول الحرة عدم طول ~~الحرة # وكذلك قوله تعالى @QB@ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم @QE@ ~~وإن كان مباحا PageV02P321 له إلا أنه غير مندوب إليه وإنما يندب إليه بشرط ~~غير مذكور على وفاق العادة بل هو بمعنى الشرط حقيقة لأن المراد هو القصر في ~~أحوال الصلاة كالأداء راكبا بالإيماء والإيجاز في القراءة وتخفيف الركوع ~~والسجود وذلك إنما يوجد عند وجود هذا الشرط وهو الخوف ألا ترى إلى قوله ~~تعالى @QB@ فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ~~ما لم تكونوا تعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ~~@QE@ فأما قوله تعالى @QB@ وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي ~~دخلتم بهن @QE@ فهو غير مذكور بصيغة الشرط فيه وقوله تعالى @QB@ فإن لم ~~تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم @QE@ وحكم الجواز لا يثبت إلا عند وجود ~~هذا الشرط # وبيان دلالة ms718 الشرط فيما قال علماؤنا إذا قال لنسوة المرأة التي أتزوجها ~~منكن طالق أو قال لأربع نسوة له المرأة التي تدخل الدار منكن طالق فإنه ~~يتوقف وجود العلة حقيقة على وجود التزوج والدخول لوجود دلالة الشرط فيه وهو ~~أنه مذكور على سبيل الوصف للنكرة بخلاف ما لو قال هذه المرأة التي أتزوجها ~~أو هذه المرأة التي تدخل الدار فإنه مذكور على سبيل الوصف للعين فلا يكون ~~شرطا ولا يتوقف وجود العلة على وجوده ولو أتى بصيغة الشرط في الوجهين يوقف ~~وجود العلة على وجوده بأن قال إن تزوجت امرأة منكن أو هذه المرأة إن ~~تزوجتها # وأما الشرط الذي هو حكم العلة فنحو شق الزق حتى يسيل ما فيه من الدهن ~~وقطع حبل القنديل حتى يسقط فينكسر فإن الشق في الصورة مباشرة إتلاف جزء من ~~الزق وفي حق الدهن هو إيجاد شرط السيلان ولكن جعل هذا الشرط في حكم العلة ~~حتى يجعل كأنه باشر إراقة الدهن لأن المائع لا يكون محفوظا إلا بوعاء ~~فإزالة ما به تماسكه يكون مباشرة تفويت ما كان محفوظا به وكذلك القنديل على ~~ما هو مصنوع له PageV02P322 عادة لا يكون محفوظا إلا بحبل يعلقه به فكان ~~قطع ذلك الحبل مباشرة تفويت ما كان محفوظا به فيكون إلقاء وكسرا # وعلى هذا جرح الإنسان إذا اتصل به السراية يكون مباشرة القتل حتى يجب ~~القصاص به إذا كان عمدا لأن الحياة لا يمكن إزهاقه حقيقة بالأخذ والإخراج ~~ولكنه محفوظ في البدن بسلامة البنية فنقض البنية بالجرح والقطع يكون تفويتا ~~لما كان به محفوظا فيجعل ذلك مباشرة علة القتل حكما بخلاف الطلاق والعتاق ~~فإنه محفوظ عند المالك بامتناعه عن التكلم بكلمة الإيقاع فبعد ما تكلم ~~بكلمة الإيقاع كان التعليق بالشرط للمنع من الوقوع ومن أن يكون ذلك التكلم ~~علة حقيقة وإذا صار عند وجود الشرط علة حقيقة كان الحكم مضافا إلى العلة ~~ثبوتا به وإلى الشرط وجودا عنده فلم يكن الشرط هناك في حكم العلة حتى كان ~~وجوب الضمان عند الرجوع على ms719 شهود التعليق دون شهود الشرط ولا ضمان على شهود ~~الشرط إذا رجعوا دون شهود التعليق # وعلى هذا قال أبو حنيفة فيمن قيد عبده ثم قال إن كان في قيدك عشرة أرطال ~~حديد فأنت حر وإن حل هذا القيد فأنت حر فشهد الشاهدان أن في القيد عشرة ~~أرطال حديد فأعتقه القاضي ثم حل القيد فإذا فيه خمسة أرطال فإن الشهود ~~يضمنون قيمة العبد لأن قضاء القاضي عنده بشهادة الزور ينفذ ظاهرا وباطنا ~~فكان العتق ثابتا بقضاء القاضي بعد شهادتهما قبل أن يحل القيد وهما في ~~الصورة شاهدا الشرط ولكنهما مثبتان علة العتق بشهادتهما لأنهما شهدا أن ~~المولى علق عتقه بشرط موجود والتعليق بشرط موجود يكون تنجيزا فكأنهما شهدا ~~بتنجيز العتق فضمنا لإثباتهما شرطا هو علة في الحكم # وأما الشرط الذي يشبه العلة فهو أن يعارضه ما لا يصلح أن يكون علة للحكم ~~بانفراده ومتى عارضه ما يصلح علة بانفراده فذلك الشرط لا يشبه العلة لمعنى ~~وهو أن الأصل في إضافة الحكم إليه ( العلة ) PageV02P323 وعلل الشرع فيما ~~يرجع إلى ثبوت الحكم بها كأنها شروط على معنى أنها أمارات غير موجبة للحكم ~~بذواتها بل بجعل الشرع إياها كذلك والشرط من وجه يشبهها على معنى أن الحكم ~~يصير مضافا إلى الشرط وجودا عنده فأمكن جعله خلفا عن العلة في الحكم فقلنا ~~متى عارض الشرط ما لا يصلح أن يكون علة في الحكم صار موجودا بعد وجود الشرط ~~فلا بد من أن يجعل الشرط خلفا عن العلة في إثبات الحكم به ومتى أمكن جعل ~~المعارض علة بانفراده فلا حاجة إلى إثبات هذه الخلافة فلم يجعل للشرط شبه ~~العلة # وبيانه فيما قلنا إن حفر البئر في الطريق إيجاد شرط الوقوع بإزالة المسكة ~~عن ذلك الموضع إلا أن ما عارضه من العلة وهو ثقل الماشي لا يصلح بانفراده ~~علة الإتلاف بطريق العدوان وما هو سببه وهو مشيه لا يصلح علة لذلك فإنه ~~مباح مطلقا فكان الشرط بمنزلة العلة في إضافة الحكم إليه حتى يجب الضمان ~~على الحافر ms720 ولكن لا يصير مباشرا للإتلاف حتى لا تلزمه الكفارة ولا يحرم عن ~~الميراث فكان لهذا الشرط شبه العلة لا أن يكون علة حكما # وقلنا في شهود التعليق وشهود الشرط إذا رجعوا فالضمان على شهود التعليق ~~خاصة لأنهم نقلوا قول المولى أنت حر وهذا بانفراده علة تامة لإضافة حكم ~~العتق إليه فلم يكن للشرط هناك شبه العلة فلهذا لا يضمن شهود الشرط شيئا ~~سواء رجع الفريقان أو رجع شهود الشرط خاصة # وكذلك إذا رجع شهود التخيير وشهود الاختيار فإن الضمان على شهود الاختيار ~~خاصة لأن التخيير سبب وما عارضه وهو الاختيار علة تامة للحكم فكان الحكم ~~مضافا إليه دون السبب فلم يضمن شهود السبب شيئا كما لا يضمن شهود الشرط # وعلى هذا قلنا إذا اختلف حافر البئر مع ولي الواقع فيها وقال الحافر أوقع ~~فيها نفسه وقال الولي لا بل وقع فيها فالقول قول الحافر استحسانا لأن الحفر ~~شرط جعل خلفا عن العلة لضرورة كون العلة غير صالحة فالحافر يتمسك بما هو ~~الأصل وهو صلاحية PageV02P324 العلة للحكم وينكر سبب الخلافة وذلك حكم ~~ضروري فكان القول قوله بخلاف الجارح إذا ادعى أن المجروح مات بسبب آخر وقال ~~الولي مات من تلك الجارحة فإن القول قول الولي لأن الجارح صاحب علة لا صاحب ~~شرط كما بينا والأصل في العلة الصلاحية للحكم فكان الولي هو المتمسك بالأصل ~~هنا # وعلى هذا قلنا إذا غصب من آخر حنطة فزرعها فإن الزرع يكون مملوكا للغاصب ~~لأن ما هو العلة لحصول الخارج وهو قوة الأرض والهواء والماء مسخر بتقدير ~~الله تعالى لا اختيار له فلا يصلح لإضافة الحكم إليه والإلقاء الذي هو شرط ~~جامع بين هذه الأشياء يجعل كالعلة خلفا عنها في الحكم فبهذا الطريق يصير ~~الزرع كسب الغاصب مضافا إلى عمله فيكون مملوكا له وإذا سقط الحب في الأرض ~~من غير صنع أحد بأن هبت به الريح فقد تعذر جعل هذا الشرط خلفا عن العلة ~~فجعل المحل الذي هو في حكم الشرط كالعلة خلفا حتى يكون الخارج ms721 لصاحب الحنطة ~~لكونها محلا لما حصل وهو الخارج # وأما الشرط الذي هو في معنى السبب فهو أن يعترض عليه فعل من مختار ويكون ~~سابقا عليه وذلك نحو ما إذا حل قيد عبد فأبق لم يضمن عند أصحابنا جميعا وحل ~~القيد إزالة المانع للعبد من الذهاب فكان شرطا فقد اعترض عليه فعل من مختار ~~وهو الذهاب من العبد الذي هو علة تلف المالية فيه فما هو الشرط كان سابقا ~~عليه وما هو العلة غير مضاف إلى السابق من الشرط فتبين به أنه بمنزلة السبب ~~المحض لأن سبب الشيء يتقدمه وشرطه يكون متأخرا عن صورته وجودا وإذا كان ~~بمعنى السبب كان تلف المالية مضافا إلى ما اعترض عليه من العلة دون ما سبق ~~من السبب # وعلى هذا لو أرسل دابة في الطريق فجالت يمنة أو يسرة عن سنن الطريق ثم ~~سارت فأصابت شيئا فلا ضمان PageV02P325 على المرسل لأن الإرسال هناك سبب ~~محض وقد اعترض عليه فعل من مختار وهو غير منسوب إلى السبب الأول حين لم ~~تذهب على سنن إرساله حتى يكون سابقا بذلك الإرسال فكان الأول المتقدم شرطا ~~بمعنى السبب ثم في الوجهين يضاف الهلاك إلى ما اعترض من الفعل دون ما سبق ~~وفعل الدابة لا يوجب الضمان على مالكها # وعلى هذا قلنا في الدابة المنفلتة إذا أتلفت زرع إنسان ليلا أو نهارا لم ~~يضمن صاحبها شيئا لأنه لم يوجد منه علة ولا سبب ولا شرط يصير به الإتلاف ~~مضافا إليه # وعلى هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما إذا فتح باب القفص فطار ~~الطير أو فتح باب الاسطبل فندت الدابة في فور ذلك فإن الفاتح للباب لم يضمن ~~شيئا لأن فعله شرط لأنه إزالة المانع من الانطلاق وذلك شرط الانطلاق ثم ~~اعترض عليه فعل من مختار غير منسوب إليه فكان الأول شرطا في معنى السبب فلا ~~يصير الهلاك مضافا إليه وقد اعترض عليه ما هو العلة بخلاف حفر البئر إذا ~~وقع فيه الماشي فإن ما اعترض هناك من ms722 مشيه لا يصلح أن يكون علة الإتلاف حين ~~لم يكن عالما بعمق ذلك المكان حتى لو أوقع نفسه في البئر لم يضمن الحافر ~~شيئا لأن ما اعترض علة صالحة للحكم وهو فعل حصل من مختار على وجه القصد ~~إليه ولهذا لو مشى على قنطرة واهية موضوعة بغير حق وهو عالم به فانخسفت به ~~لم يضمن الواضع شيئا وكذلك إذا مشى في موضع من الطريق قد صب فيه الماء وهو ~~عالم به فزلقت رجله # ولكن محمدا رضي الله عنه يقول فعل الدابة هدر شرعا وهو غير صالح لإضافة ~~الحكم إليه فيكون مضافا إلى الشرط السابق الذي هو في معنى السبب بخلاف فعل ~~العبد من الإباق فإنه صالح شرعا لإضافة الحكم إليه # والجواب لهما أن فعل الدابة لا يصلح لإيجاب حكم به ولكن يصلح لقطع الحكم ~~ألا ترى أن في الدابة التي أرسلها صاحبها في الطريق إذا جالت يمنة أو يسرة ~~اعتبر فعلها في قطع حكم إرسال صاحبها # وكذلك الصيد إذا خرج من الحرم يعتبر فعله في PageV02P326 قطع الحكم وهو ~~الحرمة الثابتة له بسبب الحرم # وإذا صال على إنسان فكذلك الجواب # وبظاهر هذا الكلام يقول الشافعي في الجمل إذا صال على إنسان فقتله إنه لا ~~يضمن شيئا لأن فعل الجمل صالح لقطع الحكم الثابت به وهو العصمة والتقوم ~~الثابت فيه لحق المالك # ولكنا نقول فعل الدابة غير صالح لإيجاب الشيء على مالكها وفي إسقاط حقه ~~في تضمين المتلف إيجاب حكم عليه وهو الكف عن الاعتداء على من اعتدى عليه ~~بإتلاف ماله ومثله لا يوجد في صيد الحرم # وعلى هذا قلنا لو أرسل كلبا على صيد مملوك لإنسان فقتله الكلب أو أشلاه ~~على بعير إنسان فقتله أو على ثوب إنسان فخرقه لم يضمن شيئا لأن ما وجد منه ~~من الإشلاء سبب قد اعترض عليه فعل من مختار غير منسوب إلى ذلك السبب فإن ~~بمجرد الإشلاء لا يكون سابقا له بخلاف ما إذا أرسل كلبه المعلم على صيد ~~فذبحه فإنه يجعل كأنه ذبحه بنفسه ms723 في حكم الحل لأن الاصطياد نوع كسب ينفي ~~عنه معنى الحرج ويبني الحكم فيه على قدر الإمكان فأما في ضمان العدوان يجب ~~الأخذ بمحض القياس لأن مع الشك في السبب الموجب للضمان لا يجب الضمان بحال # وعلى هذا قلنا لو أوقد نارا في ملكه فهبت الريح بها إلى أرض جاره حتى ~~أحرقت كدسه لم يضمن ولو ألقى شيئا من الهوام على الطريق فانقلبت من مكان ~~إلى مكان آخر ثم لدغت إنسانا لم يضمن الملقي شيئا # فما كان من هذا الجنس فتخريجه على الأصل الذي قلنا # وأما الشرط اسما لا حكما وهو المجاز في هذا الباب فنحو الشرط السابق ~~وجودا فيما علق بالشرطين نحو أن يقول لعبده إن دخلت هاتين الدارين فأنت حر ~~فإن دخوله في الدار الأولى شرط اسما لا حكما لأن الحكم غير مضاف إليه وجوبا ~~به ولا وجودا عنده ولهذا لم يعتبر علماؤنا قيام الملك عند وجود الشرط الأول ~~خلافا لزفر رضي الله عنه وهذا لأن الملك في المحل شرط PageV02P327 لنزول ~~الجزاء أو لصحة الإيجاب والحكم غير مضاف إلى الشرط وجوبا به فإنه لا تأثير ~~للشرط في ذلك ولا وجودا عنده فإنه لا يترك الطلاق في المحل ما لم يتم الشرط ~~فلو اعتبرنا الملك عند وجوده إنما يعتبر لبقاء اليمين ومحل اليمين الذمة ~~فكانت باقية ببقاء محلها من غير أن يشترط فيه الملك في المحل # وأما الشرط الذي هو علامة فنحو الإحصان لإيجاب الرجم فإنه علامة يعرف ~~بظهوره كون الزنا موجبا للرجم وهو في نفسه ليس بعلة ولا سبب ولا شرط محض في ~~إيجاب الرجم # وحد الشرط ما يمتنع ثبوت العلة حقيقة بعد وجودها صورة إلى وجوده كما في ~~تعليق الطلاق بدخول الدار والزنا موجب للعقوبة بنفسه ولا يمتنع ثبوت الحكم ~~به إلى وجود الإحصان كيف ولو وجد الإحصان بعد الزنا لا يثبت بوجوده حكم ~~الرجم فعرفنا أنه غير مضاف إليه وجوبا به ولا وجودا عند وجوده ولكنه يعرف ~~بظهوره أن الزنا حين وجد كان موجبا للرجم فكان ms724 علامة ولهذا لا يوجب الضمان ~~على شهود الإحصان إذا رجعوا بخلاف ما قال أبو حنيفة رضي الله عنه في ~~المزكين لشهود الزنا إذا رجعوا بعد الرجم فإن التزكية بمنزلة علة العلة ( ~~كما بينا ) ولهذا يثبت الإحصان بعد الزنا بشهادة رجل وامرأتين عندنا خلافا ~~لزفر لأنه لما كان معرفا ولم يكن الرجم مضافا إليه وجوبا ولا وجودا كانت ~~هذه الحالة كغيرها من الأحوال في حكم الشهادة فكما ثبت النكاح بشهادة رجل ~~وامرأتين في غير هذه الحالة فكذلك في هذه الحالة # فإن قيل أنا أثبت النكاح بهذه الشهادة ولكن لا يثبت التمكن للإمام من ~~إقامة الرجم لأنه كما لا مدخل لشهادة النساء في إيجاب الرجم فلا مدخل ~~لشهادتهن PageV02P328 في إثبات التمكن من إقامة الرجم بمنزلة ما لو كان ~~الزاني عبدا مسلما لنصراني فشهد عليه نصرانيان أن مولاه كان أعتقه قبل ~~الزنا فإنه تثبت الحرية بهذه الشهادة ولا يثبت تمكن الإمام من إقامة الرجم ~~عليه لأنه كما لا مدخل لشهادة الكفار في إيجاب الرجم على المسلم فلا مدخل ~~لشهادتهم في إثبات التمكن من إقامة الرجم على المسلم # قلنا هذا ليس بصحيح لأن شهادة النساء دخلها الخصوص في المشهود به لا في ~~المشهود عليه والمشهود به ليس يمس الرجم أصلا وشهادة الكفار دخلها الخصوص ~~في المشهود عليه لا في المشهود به فإن شهادتهم حجة في الحد على الكفار ~~ولكنها ليست بحجة على المسلم والإقامة عند الشهادة تكون على المسلم وهو ~~حادث فلا تجعل شهادتهم فيه حجة وهذا لأن في الموضعين جميعا في الشهادة معنى ~~تكثير محل الجناية من حيث الجناية على نعمة الحرية في أحد الموضعين وعلى ~~نعمة إصابة الحلال بطريقه في الموضع الآخر وهو الإحصان # ثم في تكثير محل الجناية يتضرر الجاني والجاني مسلم وشهادة الكفار فيما ~~يتضرر به المسلم لا تكون حجة أصلا فأما شهادة النساء فيما يتضرر به الرجل ~~تكون حجة وإنما لا تكون حجة فيما تضاف إليه العقوبة وجوبا به أو جودا عنده ~~وذلك لا يوجد في هذه الشهادة أصلا ms725 # وعلى هذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا علق طلاقا أو عتاقا بولادة ~~امرأة ولم يقر بأنها حبلى ثم شهدت القابلة على ولادتها يثبت بها وقوع ~~الطلاق والعتاق لأن هذا شرط بمنزلة العلامة من حيث إن الطلاق إنما يصير ~~مضافا إلى نفس الولادة وجودا عندها وأما ظهور الولادة فمعرف لا يضاف إليه ~~الطلاق وجوبا به ولا وجودا عنده والولادة تظهر بشهادة النساء في غير هذه ~~الحالة حتى يثبت النسب بشهادة القابلة وحدها فكذلك في هذه الحالة كما في ~~مسألة الإحصان # ولكن أبو حنيفة رضي الله عنه يقول الولادة شرط محض من حيث إنه يمنع ثبوت ~~علة الطلاق والعتاق حقيقة إلى وجوده ثم لا يكون الطلاق والعتاق من أحكام ~~الولادة وشهادة القابلة حجة ضرورية في الولادة لأنه لا يطلع عليها الرجال ~~فإنما تكون حجة فيما هو من أحكام الولادة أو مما لا تنفك الولادة عنه خاصة ~~فأما في الطلاق والعتاق هذا الشرط كغيره من الشرائط # وعلى هذا قال أبو يوسف ومحمد في المعتدة إذا جاءت بولد فشهدت القابلة على ~~الولادة يثبت النسب بشهادتها PageV02P329 وإن لم يكن هناك حبل ظاهر ولا ~~فراش قائم ولا إقرار من الزوج بالحبل لإن الولادة لثبوت النسب شرط بمنزلة ~~العلامة فإن بها يظهر ويعرف ما كان موجودا في الرحم قبل الولادة وكان ثابت ~~النسب من حين وجد فلم يكن النسب مضافا إلى الولادة وجوبا بها ولا وجودا ~~عندها والولادة في غير هذه الحالة تثبت بشهادة القابلة وحدها يعني إذا كان ~~هناك فراش قائم أو حبل ظاهر أو إقرار من الزوج بالحبل فكذلك في هذه الحالة # وأبو حنيفة رحمه الله يقول الولادة بمنزلة المعرف كما قالا ولكن في حق من ~~يعرف الباطن فأما في حقنا فالنسب مضاف إلى الولادة لأنا نبني الحكم على ~~الظاهر ولا نعرف الباطن فما كان باطنا يجعل في حقنا كالمعدوم إلى أن يظهر ~~بالولادة بمنزلة الخطاب النازل في حق من لم يعلم به فإنه يجعل كالمعدوم ما ~~لم يعلم به وإذا صار النسب ms726 مضافا إلى الولادة من هذا الوجه لا تثبت الولادة ~~في حقه إلا بما هو حجة لإثبات النسب بخلاف ما إذا كان الفراش قائما فالفراش ~~المعلوم هناك مثبت للنسب قبل الولادة فكانت الولادة علامة معرفة وكذلك إذا ~~كان الحبل ظاهرا أو أقر الزوج بالحبل فقد كان السبب هناك ثابتا بظهور ما ~~يثبته لنا قبل الولادة # وعلى هذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه استهلال المولود في حكم الإرث لا ~~يثبت بشهادة القابلة وحدها لأن حياة الولد كان غيبا عنا وإنما يظهر عند ~~استهلاله فيصير مضافا إليه في حقنا والإرث يبتنى عليه فلا يثبت بشهادة ~~القابلة كما لا يثبت حق الرد بالغيب بشهادة النساء في جارية اشتراها بشرط ~~البكارة إذا شهدت أنها ثيب قبل القبض ولا بعده ولكن يستحلف البائع فعلى قول ~~أبي يوسف ومحمد رحمهما الله الاستهلال ( معرف فإن حياة الولد لا تكون مضافا ~~إليه وجوبا به ولا وجودا عنده ونفس الاستهلال ) في غير حالة التوريث يثبت ~~بشهادة القابلة حتى يصلى على المولود فكذلك في حالة التوريث # PageV02P330 # | فصل في بيان تقسيم العلامة # العلامة أنواع أربعة علامة هي دلالة الوجود فيما كان موجودا قبله # ومنه علم الثوب ومنه علم العسكر وهذا حد العلامة المحضة # وعلامة هي بمعنى الشرط وذلك الإحصان في حكم الرجم كما بينا # وعلامة هي علة فقد بينا أن العلل الشرعية بمنزلة العلامات للأحكام فإنها ~~غير موجبة بذواتها شيئا بل بجعل الشرع إياها موجبة وعلامة تسمية ومجازا وهي ~~علل الحقائق المعتبرة بذواتها على ما نبينها في موضعها # وقد جعل الشافعي عجز القاذف عن إقامة أربعة من الشهداء علامة لبطلان ~~شهادة القاذف لا شرطا حتى قال القذف مبطل شهادته قبل ظهور عجزه عن إقامة ~~الشهود ثم ظهور العجز يعرف لنا هذا الحكم فكان علامة بخلاف الجلد فإنه فعل ~~يقام على القاذف فكان العجز فيه شرطا لأن إقامة الحد يصير مضافا إليه وجودا ~~عنده فأما سقوط شهادته أمر حكمي فيثبت بنفس القذف لأنه كبيرة لما فيه من ~~إشاعة الفاحشة وهتك ستر العفة ms727 على المسلم فالأصل في الناس هو العفة عن ~~الزنا والتمسك بالأصل واجب حتى يتبين خلافه وباعتبار هذا الأصل كان القذف ~~كبيرة فيكون بمنزلة سائر الكبائر في ثبوت سمة الفسق وسقوط الشهادة بنفسها # ولكنا نقول العجز عن إقامة أربعة من الشهداء شرط لإقامة الجلد ولإبطال ~~شهادة القاذف والحكم المعلق بالشرط لا يكون ثابتا قبل وجود الشرط وهذا لأن ~~كل واحد منهما فعل خوطب الإمام بإقامته على القاذف وأحدهما معطوف على الآخر ~~كما قال تعالى @QB@ فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا @QE@ ~~ثم هذا العجز الذي هو شرط يثبت بما ثبت به العجز عن دفع سائر الحجج في ~~إلزام الحكم بها وذلك بأن يمهله على قدر ما يرى إلى آخر المجلس أو إلى ~~المجلس الثاني والذي قال القذف كبيرة قلنا هذه الصفة للقذف غير ثابت بنفسه ~~مستحقا شرعا بدليل أنه يتمكن من إثباته بالبينة وهو في نفسه خبر متميل بين ~~الصدق PageV02P331 والكذب وقد يتعين فيه معنى الحسبة إذا كان الزاني مصرا ~~غير تائب وللقاذف شهود يشهدون عليه بالزنا ليقام عليه الحد وكيف يكون نفس ~~القذف كبيرة وقد تتم به الحجة موجبا للرجم فإن الشهود على الزنا قذفة في ~~الحقيقة ثم كانت شهادتهم حجة لإيجاب الرجم فعرفنا أن ما ادعاه الخصم من ~~المعنى الذي يجعل به نفس القذف مسقطا للشهادة بحث لا يمكن تحقيقة وبعدما ~~ظهر عجزه عن إقامة الشهود إنما تسقط شهادته بسبب ظهور عجزه وهو من حيث ~~الظاهر حتى إن بعد إقامة الحد عليه وبطلان شهادته لو أقام أربعة من الشهداء ~~على زنا المقذوف فإن الشهادة تكون مقبولة حتى يقام الحد على المشهود عليه ~~ويصير القاذف مقبول الشهادة إن لم يتقادم العهد وإن تقادم العهد يصير مقبول ~~الشهادة أيضا وإن كان لا يقام الحد على المشهود عليه # أورد ذلك في المنتقى رواية عن أبي يوسف أو محمد هذا قول أحدهما وفي قول ~~الآخر لا تقبل الشهادة بعد إقامة الحد عليه لأن إقامة الحد على القاذف حكم ~~يكذب الشهود في شهادتهم ms728 على المقذوف بالزنا وكل شهادة جرى الحكم بتعين جهة ~~الكذب فيها لا تكون مقبولة أصلا كالفاسق إذا شهد في حادثة فردت شهادته ثم ~~أعادها بعد التوبة والله المجزي لمن اتقى وأحسن # & باب أهلية الآدمي لوجوب الحقوق له وعليه وفي الأمانة التي حملها ~~الإنسان & قال رضي الله عنه فهذه الأهلية نوعان أهلية الوجوب وأهلية الأداء ~~فأما أهلية الوجوب وإن كان يدخل في فروعها تقسيم فأصلها واحد وهو الصلاحية ~~لحكم الوجوب فمن كان فيه هذه الصلاحية كان أهلا للوجوب عليه ومن لا فلا # وأهلية الأداء نوعان كامل وقاصر PageV02P332 # فالكامل ما يلحق به العهدة والتبعية # والقاصر ما لا يلحق به ذلك # فنبدأ ببيان أهلية الوجوب # فنقول أصل هذه الأهلية لا يكون إلا بعد ذمة صالحة لكونها محلا للوجوب فإن ~~المحل هو الذمة ولهذا يضاف إليها ولا يضاف إلى غيرها بحال ولهذا اختص به ~~الآدمي دون سائر الحيوانات التي ليست لها ذمة صالحة # ثم الذمة في اللغة هو العهد قال تعالى @QB@ لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ~~ذمة @QE@ وقال عليه السلام وإن أرادوكم أن تعطوهم ذمة الله فلا تعطوهم ومنه ~~يقال أهل الذمة للمعاهدين والمراد بهذا العهد ما أشار الله تعالى في قوله ~~@QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم @QE@ والجنين ما دام مجننا في البطن ليست له ~~ذمة صالحة لكونه في حكم جزء من الأم ولكنه منفرد بالحياة معد ليكون نفسا له ~~ذمة فباعتبار هذا الوجه يكون أهلا لوجوب الحق له من عتق أو إرث أو نسب أو ~~وصية ولاعتبار الوجه الأول لا يكون أهلا لوجوب الحق عليه فأما بعدما يولد ~~فله ذمة صالحة ولهذا لو انقلب على مال إنسان فأتلفه كان ضامنا له ويلزمه ~~مهر امرأته بعقد الولي عليه وهذه حقوق تثبت شرعا # ثم بعد هذا زعم بعض مشايخنا أن باعتبار صلاحية الذمة يثبت وجوب حقوق الله ~~تعالى في حقه من حين يولد # وإنما يسقط ما يسقط بعد ذلك بعذر الضمان لدفع الحرج # قال لأن الوجوب بأسباب هي الوجوب شرعا وقد تقدم بيانها ms729 وتلك الأسباب ~~متقررة في حقه والمحل صالح للوجوب فيه فيثبت الوجوب باعتبار السبب والمحل ~~وهذا لأن الوجوب خبر ليس للعبد فيه اختيار حتى يعتبر فيه عقله وتمييزه بل ~~هو ثابت عند وجود السبب علينا شرعا شئنا أو أبينا قال تعالى @QB@ وكل إنسان ~~ألزمناه طائره في عنقه @QE@ والمراد بالعنق الذمة وإنما يعتبر تمييزه أو ~~تمكنه من الأداء في وجوب الأداء وذلك حكم وراء أصل الوجوب ألا ترى أن ~~النائم والمغمى عليه يثبت حكم وجوب الصلاة في حقهما بوجود النسب مع عدم ~~التمييز والتمكن من الأداء للحال ثم يتأخر وجوب الأداء إلى الانتباه ~~والإفاقة وهذا PageV02P333 لأن الله تعالى لما خلق الإنسان لحمل أمانته ~~أكرمه بالعقل والذمة ليكون بها أهلا لوجوب حقوق الله تعالى عليه ثم أثبت له ~~العصمة والحرية والمالكية ليبقى فيتمكن من أداء ما حمل من الأمانة ثم هذه ~~الحرية والعصمة والمالكية ثابتة للمرء من حين يولد المميز وغير المميز فيه ~~سواء فكذلك الذمة الصالحة لوجوب الحقوق فيها ثابتا له من حين يولد يستوي ~~فيه المميز وغير المميز ثم كما يثبت الوجوب بوجود السبب شرعا في محله تثبت ~~الحرمة يعني الحرمة بالنسب والرضاع والمصاهرة وتلك الحرمة تثبت في حق ~~المميز وغير المميز لوجود السبب بعد صلاحية المحل وإن كان ذلك حكما شرعيا ~~فكذلك الوجوب ثم وجوب الأداء بعد هذا يكون بالأمر الثابت بالخطاب وذلك لا ~~يكون إلا بعد اعتدال الحال والعلم به وقد بينا أن المطالبة بأداء الواجب ~~غير أصل الوجوب وهو تأويل الحديث المروي ( رفع القلم عن ثلاث ) فالمراد ~~بالقلم الحساب وذلك ينبني على وجوب الأداء ( دون أصل الوجوب كما في الدين ~~المؤجل إنما تكون المحاسبة بعد وجوب الأداء ) بمضي الأجل وأصل الوجوب ثابت ~~لوجود سببه # وزعم بعض مشايخنا أن الوجوب لا يثبت إلا بعد اعتدال الحال بالبلوغ عن عقل ~~لأن الموجب هو الله تعالى لما خاطب به عباده من الأمر والنهي وحكم هذا ~~الخطاب لا يثبت في حق المخاطب ما لم يعلم به علما معتبرا في الإلزام شرعا ~~وذلك ms730 إنما يكون بعد اعتدال الحال # ومن جعل السبب موجبا فقد أخلى صيغة الأمر عن حكمه لأن حكم الأمر المطلق ~~الوجوب واللزوم وإذا كان الوجوب ثابتا بالسبب قبل ثبوت الخطاب في حقه لم ~~يبق للأمر حكم فيؤدي هذا إلى القول بأنه لا فائدة في أوامر الله تعالى ~~ونواهيه وأي قول أقبح من هذا ولأنه لا يفهم من الوجوب شيء سوى وجوب الأداء ~~وذلك لا يكون إلا بعد اعتدال الحال وهو حكم الأمر بالاتفاق فعرفنا أن ~~الوجوب كذلك فكانت الأسباب بمنزلة العلامات في حقنا لنعرف بظهورها الوجوب ~~بحكم PageV02P334 الأمر وقد بينا أن الحكم غير مضاف إلى العلامة وجوبا ولا ~~وجودا # والدليل عليه أن الوجوب لفائدة راجعة إلى العباد فإن الله يتعالى عن أن ~~تلحقه المنافع والمضار أي يوصف بالحاجة إلى إيجاب حق على عبده لنفسه ~~والفائدة للعباد ما يكون لهم به من الجزاء وذلك لا يكون إلا بالأداء الذي ~~يكون عن اختيار من العبد فإثبات الوجوب بدون أهلية وجوب الأداء وبدون تصور ~~الأداء يكون إثبات حكم شرعي هو خال من الفائدة والقول به لا يجوز # قال رضي الله عنه وكلا الطريقين عندي غير مرضي لما في الطريق الأول من ~~مجاوزة الحد في الغلو وفي الطريق الثاني من مجاوزة الحد في التقصير فإن ~~القول بأنه لا عبرة للأسباب التي جعلها الشرع سببا لوجوب حقوقه على سبيل ~~الابتلاء للعباد ولتعظيم بعض الأوقات أو الأمكنة وتفضيلها على بعض نوع ~~تقصير والقول بأن الوجوب ثابت بنفس السبب من غير اعتبار ما هو حكم الوجوب ~~نوع غلو ولكن الطريق الصحيح أن يقول بأن بعد وجوب السبب والمحل لا يثبت ~~الوجوب إلا بوجود الصلاحية لما هو حكم الوجوب لأن الوجوب غير مراد ذمة ~~لعينه بل لحكمه فكما لا يثبت الوجوب إذا وجد السبب بدون نفس المحل فكذلك لا ~~يثبت إذا وجد السبب والمحل بدون حكم وهذا لأن بدون الحكم لا يكون مفيدا في ~~الدنيا ولا في الآخرة فإن فائدة الحكم في الدنيا تحقيق معنى الابتلاء وفي ~~الآخرة الجزاء ms731 وذلك باعتبار الحكم ونعني بهذا الحكم وجوب الأداء ووجود ~~الأداء عند مباشرة العبد عن اختيار حتى يظهر به المطيع من العاصي فيتحقق ~~الابتلاء المذكور في قوله تعالى @QB@ ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ وكذلك ~~المجازاة في الآخرة ينبني على هذا كما قال تعالى @QB@ جزاء بما كانوا ~~يعملون @QE@ وهذا لأن الوجوب خبر لا اختيار فيه للعبد كما قالوا وإنما ينال ~~العبد الجزاء على ما له فيه اختيار فتبين أن PageV02P335 الوجوب بدون حكمه ~~غير مفيد فلا يجوز القول بثبوته شرعا ولهذا قلنا إن قتل الأب ابنه لا يكون ~~موجبا للقصاص والسبب هو العمد المحض موجود والمحل موجود ولكن لانعدام فائدة ~~الوجوب وهو التمكن من الاستيفاء فإن الولد لا يكون متمكنا من أن يقصد قتل ~~أبيه شرعا بحال # قلنا لا يثبت الوجوب أصلا وهذا أعدل الطرق ففيه اعتبار السبب في ثبوت ~~الوجوب به إذا كان موجبا حكمه وقد جعله الشرع كذلك وفيه اعتبار الأمر ~~لإثبات ما هو حكم الوجوب به وهو لزوم الأداء أو إسقاط الواجب به عن نفسه # ومن تأمل صيغة الأوامر ظهر له أن موجبها ما قلنا فإنه قال @QB@ وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ والإقامة والإيتاء هو إسقاط الواجب بالأداء # وكذلك قوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~وأتموا الحج @QE@ فإن مباشرة فعل الصوم وإتمام الحج يكون إسقاط الواجب ~~والأمر لإلزام ذلك # ثم على هذا الطريق يتبين التقسيم في الحقوق فنقول أما حقوق العباد فما ~~يكون فيه غرما أو عوضا كالثمن في البيع فالوجوب ثابت في حق الصبي الذي لا ~~يعقل لوجود سببه وثبوت حكمه وهو وجوب الأداء بوليه الذي هو نائب عنه لأن ~~المقصود المال هنا دون الفعل فإن المراد به رفع الخسران بما يكون جبرانا له ~~أو حصول الربح وذلك بالمال يكون وأداء وليه كأدائه في حصول هذا المقصود به # وما كان منه صلة له شبه المؤونة كنفقة الزوجات والأقارب فوجوبه ثابت في ~~حقه عند وجود سببه لأن في حق نفقة الزوجات معنى العوضية وفي نفقة الأقارب ~~معنى مؤونة اليسار ms732 والمقصود إزالة حاجة المنفق عليه بوصول كفايته إليه وذلك ~~بالمال يكون وأداء الولي فيه كأدائه فعرفنا أن الوجوب فيه غير خال عن ~~الحكمة PageV02P336 وما يكون صلة له شبه الجزاء لا يثبت وجوبه في حقه أصلا ~~وذلك كتحمل العقل فإنه صلة ولكنها شبه الجزاء على ترك حفظ السفيه والأخذ ~~على يد الظالم ولهذا يختص برجال العشيرة الذين هم من أهل هذا الحفظ دون ~~النساء فلا يثبت ذلك في حق الصبي أصلا # وكذلك ما يكون جزاء بطريق العقوبة كالقتل لأجل الردة بطريق الغرامة ~~كالعقل لا يثبت وجوبه في حقه أصلا لانعدام ما هو حكم الوجوب في حقه # فأما في حقوق الله تعالى فنقول وجوب الإيمان بالله تعالى في حق الصبي ~~الذي لا يعقل لا يمكن القول به لانعدام الأهلية لحكم الوجوب وذلك الأداء ~~وجوبا أو وجودا في حقه فما كان القول بالوجوب هنا إلا نظير القول بالوجوب ~~باعتبار السبب بدون المحل كما في حق البهائم وذلك لا يجوز القول به # وكذلك العبادات المحضة البدني والمالي في ذلك سواء لأن حكم الوجوب لا ~~يثبت في حقه بحال فلا يثبت الوجوب وبيانه أن الوجوب أفعال يتحقق في ~~مباشرتها معنى الابتلاء وتعظيم حق الله تعالى ولا تصور لذلك من الصبي الذي ~~لا يعقل بنفسه ولا يحصل ذلك بأداء وليه لأن ثبوت الولاية عليه يكون جبرا ~~بغير اختياره وبمثله لا يصير هو متقربا حقيقة ولا حكما فلو جعلنا أداء ~~الوالي كأدائه فيما هو مالي كان يتبين به أن المقصود هو المال لا الفعل ~~وذلك مما لا يجوز القول به فلهذا لا يثبت في حقه وجوب الصلاة والزكاة ~~والصوم والحج يقرره أنه لو كان الوجوب ثابتا ثم سقوط الحكم لدفع الحرج بعذر ~~الصبي لكان ينبغي أن يقال إذا أنفق الأداء منه كان مؤديا للواجب كصوم الشهر ~~في حق المريض والمسافر والجمعة في حق المسافر إنه إذا أدى كان موديا للواجب ~~وبالاتفاق لا يكون هو مؤديا للواجب وإن تصور منه ما هو ركن هذه العبارات ~~فعرفنا أن الوجوب ms733 غير ثابت أصلا # وكذلك فإن محمد رضي الله عنه في صدقة الفطر لرجحان معنى العبادة والقربة ~~فيها # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما فيها معنى المؤونة فيثبت الوجوب ~~PageV02P337 في حقه بحكمه وهو الأداء من ماله باعتبار الأهلية القاصر الذى ~~يكون بواسطة الولى مضافا إليه وإن كانت الولاية عليه ثابته لا باختياره # وكذلك العشر والخراج فإن وجوبهما عليه لما هو حكم الوجوب هو الأداء ~~بالولى الذى هو قائم مقامه في أداء المؤونات فإن معنى القربة في ذلك غير ~~مقصود وإذا خرج معنى القربة من أن يكون مقصودا ظهر أن المال هو المقصود فيه ~~وأداء الولى في ذلك كأدائه # وأما العقوبات فلا يثبت وجوبها في حقه أصلا ما كان لله خالصا وما كان ~~مختلطا بحق العباد على ما بينا في تقسيم فيما سبق وليس الوجوب نظير الحرمة ~~في حقه إلا بعد أهليته لحكم الحرمة والوجوب ينبغى أن يكون بمثابته # وهذا نظير ما قلنا إن الكافر لا يكون أهلا لوجوب حقوق الله تعالى الثابتة ~~بالخطاب عليه من العبادات لأنه ليس بأهل لأداء هذه الواجبات مع الإصرار على ~~الكفر ولا هو أهل لما هو فائدة الأداء وهو نيل الثواب به في الآخرة فلا ~~يثبت الوجوب في حقه أصلا بخلاف الحرمات ووجوب الإيمان ثابت في حقه لوجود ~~حكم وهو وجوب الأداء وتحقق الأداء منه ولا يجوز إثبات وجوب العبادات في حقه ~~بشرط تقديم الإيمان على الأداء الذى هو الحكم لأن الإيمان هو الأصل فيما ~~ينال به الفوز والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة فلا يجوز أن يجعل شرطا ~~مقتضيا لغيره # وعلى هذا قلنا إذا بلغ الصبى في بعض الشهر لا يلزمه قضاء ما مضى لأن ~~الوجوب لم يكن ثابتا في حقه لانعدام حكمه وهو وجوب الأداء في الحال أو في ~~الثاني باعتبار ما يلحقه من الحرج في ذلك فلم يثبت الوجوب أصلا حتى لو أدى ~~في الحال أو بعد البلوغ كان متنفلا ابتداء لا مؤديا للواجب # وكذلك الجنون إذا امتد حتى كان مستوعبا للشهر ms734 أو زائدا على اليوم والليلة ~~في حكم الصلاة فإنه لا يلزمه القضاء لأن الوجوب لم يكن في حقه لانعدام ~~أهليته لحكم الوجوب بسبب الحرج الذى يلحقه في ذلك وإن كان دون ذلك كان ~~الوجوب ثابتا لوجود PageV02P338 حكمه وهو الأداء في الحال إن تصور أو في ~~الثاني وهو بعد الإفاقة حتى إذا نوى الصوم بالليل ثم جن ولم يتناول شيئا ~~حتى مضى اليوم كان مؤديا للفرض ويلزمه القضاء إذا لم يستوعب الجنون الشهر ~~كله كما ثبت الوجوب في حقه باعتبار حكمه إذ ليس فيه كبير حرج # وكذلك الصوم في حق الحائض فإن الوجوب ثابت لوجود حكمه وهو الأداء في ~~الثاني من غير حرج ووجوب الصلاة في حقها غير ثابت لانعدام حكمه وهو الأداء ~~في الثاني لما يلحقها فيه من الحرج وكذلك في حق النائم الوجوب الثابت في حق ~~الصوم والصلاة لوجود حكمه وهو القضاء بعد الانتباه إذ ليس فيه كبير حرج # والمغمى عليه في حكم الصوم كذلك # وكذلك في حكم الصلاة إذا لم يرد على يوم وليلة فإن زاد على ذلك لم يثبت ~~الوجوب في حقه لانعدام حكمه فعرفت أنه تخرج الحقوق كلها مستقيما على الطريق ~~الذى اخترناه # بقى الكلام في وجوب الإيمان على الصبى العاقل الذى يصح منه الأداء قال ~~رضى الله عنه كان شيخنا الإمام شمي الدين الحلوانى رحمه الله يقول بالوجوب ~~في حقه لوجود الصلاحية لحكمه وهو الأداء والمؤدى مهه يكون فرضا والأداء ~~الذى هو فرض ما يكون فيه إسقاط الواجب ألا ترى أنه لو آمن في هذه الحالة لم ~~يلزمه تجديد الإقرار بعد بلوغه فعرفنا أن أداء الفرض قد تحقق منه في حالة ~~الصغر وهذا لأن ما هو حكم الوجوب في العبادات لا يثبت في حقه نظرا له وهو ~~أن لا يبقى عليه تبعة إذا امتنع من الأداء لما يلحقه فيه من المشقة وفي ~~الإيمان بعد ما صار بحال يصح منه الأداء لو أثبتنا الوجوب في حقه انتفع به ~~فإن الجزاء الذى ينال بأداء الواجب ضعف ما ms735 ينال بأداء ما ليس بواجب فمن هذا ~~الطريق يثبت حكم الوجوب في حقه # والدليل عليه أنه لو أسلمت امرأته وأبي هو الإسلام بعد ما عرض عليه ~~القاضى فإنه يفرق بينهما ولو لم يثبت حكم الوجوب في حقه لم يفرق بينهما إذا ~~امتنع منه # قال رضى الله عنه والأصح عندى أنه غير ثابت PageV02P339 في حقه وإن عقل ~~ما لم يعتدل حاله بالبلوغ فإن باعتبار عقله يصحح الأداء منه وصحة الأداء ~~تستدعي كون الحكم مشروعا ولا تستدعي كونه واجب الأداء فعرفنا بهذا أن حكم ~~الوجوب وهو وجوب الأداء معدوم في حقه ( وقد بينا أن الوجوب لا يثبت باعتبار ~~السبب والمحل بدون حكم الوجوب ) إلا أنه إذا أدى يكون المؤدي فرضا لأن ~~بوجود الأداء صار ما هو حكم الوجوب موجودا بمقتضى الأداء ( وإنما لم يكن ~~الوجوب ثابتا لانعدام الحكم فإذا صار موجودا بمقتضى الأداء ) كان المؤدى ~~فرضا بمنزلة العبد فإن وجوب الجمعة في حقه غير ثابت حتى إنه إن أذن له ~~المولى أو حضر الجامع مع المولى كان به أن لا يؤدي ولكن إذا أدى كان المؤدى ~~فرضا لأن ما هو حكم الوجوب صار موجودا بمقتضى الأداء وإنما لم يكن الوجوب ~~ثابتا لانعدام حكمه # وكذلك المسافر إذا أدى الجمعة كان مؤديا للغرض مع أن وجوب الجمعة لم يكن ~~ثابتا في حقه قبل الأداء بالطريق الذي ذكرنا والله أعلم # # | فصل في بيان أهلية الأداء # قال رضي الله عنه هذه الأهلية نوعان قاصرة وكاملة فالقاصرة باعتبار قوة ~~البدن وذلك ما يكون للصبي المميز قبل أن يبلغ أو المعتوه بعد البلوغ فإنه ~~بمنزلة الصبي من حيث إن له أصل العقل وقوة العمل بالبدن وليس له صفة الكمال ~~في ذلك حقيقة ولا حكما # والكاملة تبتنى على قدرتين قدرة فهم الخطاب وذلك يكون بالعقل وقدرة العمل ~~به وذلك بالبدن # ثم يبتنى على الأهلية القاصرة صحة الأداء وعلى الكاملة وجوب الأداء وتوجه ~~الخطاب به لأن الله تعالى قال @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ وقبل ~~التمييز والتمكن من الأداء ms736 لا وجه لإثبات التكليف بالأداء لأنه تكليف ما لا ~~يطاق وقد نفى الله تعالى ذلك بهذه الآية ولا تصور تعالى وبعد وجود أصل ~~العقل والتمكن من الأداء قبل كماله في إلزام الأداء حرج قال الله تعالى ~~@QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج @QE@ وقال للأداء على الوجه المشروع ~~وهو PageV02P340 أن يكون على قصد التقرب إلى الله تعالى @QB@ ويضع عنهم ~~إصرهم والأغلال التي كانت عليهم @QE@ وفي إلزام خطاب الأداء قبل إكمال ~~العقل من معنى الإضرار والحرج ما لا يخفى # ثم أصل العقل يعرف بالعيان وذلك نحو أن يختار المرء في أمر دنياه وأخراه ~~ما يكون أنفع لديه ويعرف به مستوى عاقبة الأمر فيما يأتيه ويذره ونقصانه ~~يعرف بالتجربة والامتحان وبعد الترقي عن درجة النقصان ظاهرا تتفاوت أحوال ~~البشر في صفة الكمال فيه على وجه يتعذر الوقوف عليه فأقام الشرع اعتدال ~~الحال بالبلوغ عن عقل مقام كمال العقل حقيقة في بناء إلزام الخطاب عليه ~~تيسيرا عل العباد ثم صار صفة الكمال الذي يتوهم وجوده قبل هذا الحد ساقط ~~الاعتبار وبقاء توهم النقصان بعد هذا الحد كذلك على ما بينا أن السبب ~~الظاهر متى قام مقام المعنى الباطن للتيسير دار الحكم معه وجودا وعدما وأيد ~~هذا كله قوله صلى الله عليه وسلم ( رفم القلم عن ثلاث ) والمراد بالقلم ~~الحساب والحساب إنما يكون بعد لزوم الأداء فدل أن ذلك لا يثبت إلا بالأهلية ~~الكاملة وهو اعتدال الحال بالبلوغ عن عقل # وعلى هذا قلنا ما يكون من حقوق الله تعالى فهو صحيح الأداء عند وجود ~~الأهلية القاصرة # وذلك أنواع فمنها ما يكون صفة الحسن متعينا فيه على وجه لا يحتمل غيره ~~وصفة كونه مشروعا متعين فيه على وجه لا يحتمل أن لا يكون مشروعا بحال وذلك ~~نحو الإيمان بالله تعالى فإنه صحيح من الصبي العاقل في أحكام الدنيا ~~والآخرة جميعا لوجود حقيقته بعد وجود الأهلية للأداء فإن حقيقته يكون ~~بالتصديق بالقلب والإقرار باللسان ومن رجع إلى نفسه علم أنه في مثل هذه ~~الحالة كان يعتقد ms737 وحدانية الله تعالى بقلبه والإقرار منه مسموع لا يشك فيه ~~ولا في كونه صادقا فيما يقر به والحكم بوجود الشيء يبتنى على وجود حقيقته ~~PageV02P341 قال فيمن وطيء جارية امرأته فإن طاوعته فهي له وعليه مثلها وإن ~~استكرهها فهي حرة وعليه مثلها فإن القياس الصحيح يرد هذا الحديث ويتبين أنه ~~كالمخالف للكتاب والسنة المشهورة والإجماع ثم هذا النوع من القصور لا يتوهم ~~في الراوي إذا كان فقيها لأن ذلك لا يخفى عليه لقوة فقهه فالظاهر أنه إنما ~~روى الحديث بالمعنى عن بصيرة فإنه علم سماعه من رسول الله كذلك مخالفا ~~للقياس ولا تهمة في روايته فكأنا سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيلزمنا ترك كل قياس بمقابلته ولهذا قلت رواية الكبار من فقهاء ~~الصحابة رضي الله عنهم ألا ترى إلى ما روى عن عمرو بن ميمون قال صحبت ابن ~~مسعود سنين فما سمعته يروي حديثا إلا مرة واحدة فإنه قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم أخذه البهر والفرق وجعلت فرائضه ترتعد فقال نحو هذا ~~أو قريبا منه أو كلاما هذا معناه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~كذا فبهذا يتبين أن الوقوف على ما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~معاني كلامه كان عظيما عندهم فلهذا قلت رواية الفقهاء منهم فإذا صحت ~~الرواية عنهم فهو مقدم على القياس ومع هذا كله فالكبار من أصحابنا يعظمون ~~رواية هذا النوع منهم ويعتمدون قولهم فإن محمدا رحمه الله ذكر عن أبي حنيفة ~~رحمه الله أنه أخذ بقول أنس بن مالك رضي الله عنه في مقدار الحيض وغيره ~~وكان درجة أبي هريرة فوق درجته فعرفنا بهذا أنهم ما تركوا العمل بروايتهم ~~إلا عند الضرورة لانسداد باب الرأي من الوجه الذي قررنا # فأما المجهول فإنما نعني بهذا اللفظ من لم يشتهر بطول الصحبة مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إنما عرف بما روى من حديث أو حديثين نحو وابصة بن ~~معبد وسلمة بن المحبق ومعقل ms738 بن سنان الأشجعي رضي الله عنهم وغيرهم ورواية ~~هذا النوع على خمسة أوجه أحدها أن يشتهر لقبول الفقهاء روايته والرواية عنه ~~والثاني أن يسكتوا عن الطعن فيه بعد ما يشتهر والثالث أن يختلفوا في الطعن ~~في روايته والرابع أن يطعنوا في روايته من غير خلاف بينهم في ذلك والخامس ~~أن لا تظهر روايته ولا الطعن فيه فيما بينهم أما من قبل السلف منه روايته ~~وجوزوا النقل عنه PageV02P342 فهو بمنزلة المشهورين في الرواية لأنهم ما ~~كانوا متهمين بالتقصير في أمر الدين وما كانوا يقبلون الحديث حتى يصح عندهم ~~أنه يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإما أن يكون قبولهم لعلمهم ~~بعدالته وحسن ضبطه أو لأنه موافق لما عندهم مما سمعوه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو من بعض المشهورين يروى عنه وكذلك إن سكتوا عن الرد بعد ~~ما اشتهر روايته عندهم لأن السكوت بعد تحقق الحاجة لا يحل إلا على وجه ~~الرضا بالمسموع فكان سكوتهم عن الرد دليل التقرير بمنزلة ما لو قبلوه وردوا ~~عنه وكذلك ما اختلفوا في قبوله وروايته عنه عندنا لأنه حين قبله بعض ~~الفقهاء المشهورين منهم فكأنه روى ذلك بنفسه وبيان هذا في حديث معقل بن ~~سنان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى لبروع بنت واشق الأشجعية بمهر ~~مثلها حين مات عنها زوجها ولم يسم لها صداقا فإن ابن مسعود رضي الله عنه ~~قبل روايته وسر به لما وافق قضاءه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ~~رضي الله عنه رده فقال ماذا نصنع بقول أعرابي بوال على عقبه حسبها الميراث ~~لا مهر لها فلما اختلفوا فيه في الصدر الأول أخذنا بروايته لأن الفقهاء من ~~القرن الثاني كعلقمة ومسروق والحسن ونافع بن جبير قبلوا روايته فصار معدلا ~~بقبول الفقهاء روايته وكذلك أبو الجراح صاحب راية الأشجعيين صدقه في هذه ~~الرواية وكأن عليا رضي الله عنه إنما لم يقبل روايته لأنه كان مخالفا ~~للقياس عنده وابن مسعود رضي الله عنه قبل ms739 روايته لأنه كان موافقا للقياس ~~عنده فتبين بهذا أن رواية مثل هذا فيما يوافق القياس يكون مقبولا ثم العمل ~~يكون بالرواية وأما إذا ردوا عليه روايته ولم يختلفوا في ذلك فإنه لا يجوز ~~العمل بروايته لأنهم كانوا لا يتهمون برد الحديث الثابت عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا بترك العمل به وترجيح الرأي بخلافه عليه فاتفاقهم على ~~الرد دليل على أنهم كذبوه في هذه الرواية وعلموا أن ذلك وهم منه ولو قال ~~الراوي أوهمت لم يعمل بروايته فإذا ظهر دليل ذلك ممن هو فوقه أولى وبيان ~~هذا في حديث فاطمة بنت قيس فإن عمر رضي الله عنه قال لا ندع كتاب ربنا ولا ~~سنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت قال عيسى PageV02P343 يسترق ~~والاسترقاق عقوبة على وجه الجزاء على الكفر فإن الكفار حين أنكروا وحدانية ~~الله تعالى جازاهم على ذلك فجعلهم عبيد عبيده وفي الاسترقاق إتلاف حكمي ~~بطريق الجزاء لم يثبت استحقاقه فكيف لا يثبت استحقاق الإتلاف الحقيقي إذا ~~صحت ردته شرعا قلنا أما الضرب إذا أساء الأدب فهو تأديب للرياضة في ~~المستقبل وليس بجزاء على الفعل الماضي منه بطريق العقوبة بمنزلة ضرب الدواب ~~للتأديب وقد ورد الشرع به فقال ( تضرب الدابة على النفار ولا تضرب على ~~العثار ) وأما الاسترقاق فليس بطريق الجزاء ولكن ما كان مباحا غير معصوم ~~وهو محل التملك كالصيود وذراري أهل الحرب بهذه الصفة # فإن قيل فقد قلتم العصمة للآدمي أصل ثم زوال هذه العصمة الثابتة كرامة ~~تكون بطريق الجزاء قلنا لا كذلك ولكن زوال هذه العصمة كزوال صفة الصحة التي ~~هي نعمة بالمرض وصفة الحياة بالموت وصفة الغنى بملك المال بالفقر بهلاك ~~المال وأحد لا يقول إن ذلك جزاء بطريق العقوبة # فأما ما يتردد من حقوق الله تعالى ويحتمل أن لا يكون مشروعا في بعض ~~الأوقات أو لا يكون حسنا في بعض الأوقات فإنه يثبت حكم صحة الأداء فيه قبل ~~البلوغ باعتبار الأهلية القاصرة ولا يثبت وجوب الأداء المالي والبدني فيه ms740 ~~سواء كالصلاة والصوم والزكاة والحج عندنا فإن في وجوب الأداء قبل اعتدال ~~الحال إلزام العهدة وفي صحة الأداء فيما كان منه بدنيا محض المنفعة لأنه ~~يعتاد أداءها فلا يشق ذلك عليه بعد البلوغ ولهذا صح منه التنفل بجنس هذه ~~العبادات بعد أداء ما هو مشروع بصفة الفرضية في حق البالغين وما كان منه ~~ماليا ففي صحة الأداء منه إضرار به في العاجل باعتبار نقصان ملكه فيبتنى ~~ذلك على الأهلية الكاملة ثم ليس من ضرورة صحة أداء البدني اللزوم فإن من ~~شرع في صوم أو صلاة على ظن أنها عليه ثم تبين أنها ليست عليه يصح منه ~~الإتمام مع انعدام صفة اللزوم حتى إذا فسد لا يجب القضاء وفي الحج إذا شرع ~~بالظن ثم تبين أنه ليس عليه تنعدم صفة اللزوم حتى إذا أحصر فتحلل لم يلزمه ~~القضاء ويصح الإتمام منه بعد انتفاء صفة اللزوم # والخصم PageV02P344 يفرق بين المالي والبدني في هذا النوع باعتبار أن ~~المالي يقبل النيابة في الأداء فيتوجه الخطاب بالأداء في حقه على أن ينوب ~~الولي عنه في الأداء والبدني لا يحتمل هذه النيابة فلو توجه عليه الخطاب به ~~لحقه العهدة بسببه فربما يعجز عن الأداء لصغره ثم يتضاعف عليه وجوب الأداء ~~بعد البلوغ فيلحقه الحرج فلدفع الحرج قلنا لا يثبت في حقه خطاب الأداء فيما ~~هو بدني وهذا لا معنى له لأن الواجب في الموضعين الفعل فالإقامة والإيتاء ~~كل واحد منهما فعل وقد بينا أن هذا الفعل لازم بطريق القربة وذلك لا يتحقق ~~بأداء الولي إذ الولاية ثابتة عليه شرعا بغير اختياره وبمثل هذه الولاية لا ~~تتأدى العبادة # ثم هو لا يلزمه الخطاب بالإيمان كما هو مذهبنا ولو كان المعنى فيه الحرج ~~الذي يلحقه بتضاعف الأداء بعد البلوغ لكان الخطاب بالإيمان يثبت في حقه ~~لأنه بدني ولا يتضاعف وجوب الأداء عليه بعد البلوغ لتوجه الخطاب في حالة ~~الصغر بل ينبني عليه صحة الأداء فرضا على مذهبه وقد جوز مثل هذا في ~~العبادات البدنية لتوفير المنفعة عليه حتى ms741 قال إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ ~~في آخره فإن المؤدى يجوز عن الفرض لأن سقوط الخطاب لمعنى النظر ومعنى النظر ~~هنا في توجه الخطاب عليه في أول الوقت حتى لا تلزمه الإعادة # وكذلك قال إذا أحرم بالحج ثم بلغ قبل الوقوف فإن حجه يكون عن الفرض لأن ~~معنى النظر هنا في إلزام الخطاب إياه سابقا على الإحرام فكان ينبغي أن يقول ~~مثل هذا في الإيمان # ونحن أثبتنا هذا في الصلاة والإحرام لأن توجه الخطاب لما كان لا يثبت إلا ~~بعد البلوغ مقصورا عليه فالمؤدي قبله إذا كان بحيث يتردد بين الفرض والنفل ~~لا يمكن أن يجعل فرضا بحال أرأيت لو صلى رجل بعد زوال الشمس أربع ركعات قبل ~~نزول فرضية الظهر ثم نزلت فرضية الظهر قبل مضي الوقت أكان ذلك جائزا عن ~~فرضه هذا شيء لا يقول به أحد # وعلى هذا قلنا إحرامه صحيح باعتبار الأهلية القاصرة ولكن لا تلزمه ~~الكفارات بارتكاب المحظورات PageV02P345 لأن في ذلك ضررا فيبتنى على ~~الأهلية الكاملة # والخصم يقول لما صح إحرامه لزمه الجزاء بارتكاب المحظورات # وكذلك سائر الكفارات على أصله إلا كفارة اليمين فإنه لا تلزمه لأن السبب ~~وهو اليمين لا يتحقق منه شرعا وأما القتل بتحقق منه وقد تقدم بيان هذا ~~النوع فيما يكون حقا لله تعالى بطريق الجزاء كحرمان الميراث وغيره # ثم على هذا الأصل تبتنى المعاملات التى يبتنى عليها حقوق العباد فإنها ~~تنقسم ثلاثة أقسام # ما يتمخض منفعة وما يتمخض ضررا وما يتردد بين النفعة والمضرة # فأما ما يتمحض منفعة فنحو الإصطياد والإكتساب والإحتطاب فإنه مشروع ~~باعتبار الأهلية القاصرة في حق الصبى مفيد لحكمه # وكذلك قبول الهبة والصدقة والقبض عندنا فإن ذلك يتمحض منفعة فيكون ثابتا ~~في حقه بالأهلية القاصرة # وكذلك لو آجر الصبى نفسه لعمل فإنه يصح هذا العقد منه لاستحقاق الأجر ~~المسمى بقدر ما يقيم من العمل من غير أن يتعلق بشرط السلامة من العمل بخلاف ~~العبد المحجور إذا آجر نفسه فوجوب الأجرة هناك تتعلق بشرط السلامة من ms742 العمل ~~وفي حكم لزوم تسليم النفس لا يجعل مباشرة العقد من الصبى معتبرا قبل إذن ~~الولى لأن في ذلك معنى الضرر وإنمات يبتنى على الأهلية القاصرة ما يتمحض ~~منفعة له كما في حقوق الله تعالى # وعلى هذا قلنا إذا توكل عن الغير بالطلاق والعتاق فإنه يصح ذلك منه لأنه ~~يتمحض منفعة في حقه لا يشوبه ضرر فإن حظه من ذلك صحة عبارته شرعا وصلاحيته ~~لبناء الحكم عليه وهذا أعظم وجوه المنفعة عند العقلاء خص الله تعالى به بنى ~~آدم ومن عليهم به فقال تعالى @QB@ خلق الإنسان علمه البيان @QE@ وقال عليه ~~السلامت المرء بأصغريه بقلبه ولسانه وقال القائل % لسان الفتى نصف ونصف ~~فؤاده % فلم يبق إلا صورة اللحم والدم % فعرفنا أن معرفة البيان وصحة ~~العبارة من أعظم وجوه الإنتفاع به ولهذا صححنا منه التوكل عن الغير بالبيع ~~والشراء له فإن ذلك محض منفعة في حقه لأنه يصير به مهتديا إلى التصرفات ~~عارفا بمواضع الغبن والخسران ليتحرز منه عند حاجته إليه وقد أشار الله ~~تعالى إلى ذلك بقوله @QB@ وابتلوا اليتامى @QE@ ولا تلزمه العهدة بهذا ~~التصرف إذ لم يكن PageV02P346 مأذونا لأن في إلزام العهدة معنى الضرر ~~وبالأهلية القاصرة إنما يثبت في حقه ما يتمحض منفعة # فإن قيل أليس أنه لا يصح منه أداء الشهادة وفي تصحيح عبارته في أداء ~~الشهادة تمحض المنفعة في حقه قلنا صحة أداء الشهادة ينبنى على أهلية ~~الشهادة وذلك ينبنى على الأهلية الكاملة لأنها إثبات الولاية على الغير في ~~الإلزام بغير رضاه وبدون الأهلية الكاملة لا يثبت هذه الولاية # وعلى هذا الأصل قال محمد رضي الله عنه يصح أمان الصبى المميز وإن لم يكن ~~مأذونا في القتال لأنه ينبنى على العبارة وفي تصحيح عبارته شرعا في هذا ~~الحكم محض المنفعة وليس فيه إلزام الغير شيئا فإن النبذ بعد الأمان صحيح ~~والإلزام بحكم عقد يتعلق به اللزوم وبهذا الطريق يصح من البالغ وإن لم يكن ~~له ولاية الإلزام على الغير بعقدة # ولكن أبو حنيفة وأبو يوسف رضى الله عنهما قالا ms743 في تصحيح الأمان معنى ~~الضرر من حيث إنه يلزمه الكف عن القتال والسبى إلى وقت النبذ والأهلية ~~القاصرة لا تكفى لذلك فأما البالغ فقد وجدت الأهلية الكاملة في حقه وهو ~~يلزم نفسه أولا لأنه من أهل القتال يملك مباشرته بنفسه فيلتزم الكف عن ذلك ~~بالأمان ثم يتعدى الحكم إلى غيره باعتبار أنه لا يحتمل التحرى وفي حق الصبى ~~لا يوجد هذا فإنه لا يملك مباشرة القتال بنفسه فهو بالأمان يلزم غيره الكف ~~عن القتال ولا يلتزم شيئا وعلى هذا قال في السير الكبير لو قاتل الصبى ~~المحجور أو العبد المحجور PageV02P347 استحق الرضخ لأن ذلك محض منفعة يثبت ~~بالأهلية القاصرة كالاحتطاب والاحتشاش وينبغي أن يكون هذا على أصل الخصم ~~أيضا فإنه يقول كل منفعة من هذا الجنس يصلح له بوليه فإنه لا يكون أهلا ~~لتحصيل ذلك لنفسه بنفسه وما لا يحصل له بوليه يكون هو أهلا لتحصيله ذلك ~~لنفسه # وفي قبول الهبة والصدقة له قولان في أحدهما لا يصح ذلك منه بنفسه ويصح من ~~الولي ذلك في حقه وفي القول الآخر على عكس هذا # ثم استحقاق الرضخ بسبب القتال محض منفعة لا يمكن تحصيله له من قبل الولي ~~بمباشرته سببه فينبغي أن يجعل هو أهلا لتحصيله لنفسه بمباشرته سببه # فأما ما هو ضرر محض فنحو إبطال الملك في الطلاق والعتاق ونقل الملك ~~بالهبة والصدقة فإنه محض ضرر في العاجل لا يشوبه منفعة ولهذا ينبني صحته ~~شرعا على الأهلية الكاملة فلا يثبت بالأهلية القاصرة حتى لا يملكه الصبي ~~بنفسه ولا بواسطة الولي إذا باشر ذلك في حقه # وزعم بعض مشايخنا أن هذا الحكم غير مشروع في حق الصبي أصلا حتى إن امرأته ~~لا تكون محلا للطلاق # قال رضي الله عنه وهذا عندي وهم فإن الطلاق يملك بملك النكاح إذ لا ضرر ~~في إثبات أصل الملك وإنما الضرر في الإيقاع حتى إذا تحققت الحاجة إلى صحة ~~إيقاع الطلاق من جهته لدفع الضرر كان صحيحا وبهذا يتبين فساد قول من يقول ~~إنا لو أثبتنا ms744 ملك الطلاق في حقه كان خاليا عن حكمه وهو ولاية الإيقاع ~~والسبب الخالي عن حكمه غير معتبر شرعا كبيع الحر وطلاق البهيمة فإن الحكم ~~ثابت في حقه عند الحاجة حتى إذا أسلمت امرأته وعرض عليه الإسلام فأبى فرق ~~بينهما وكان ذلك طلاقا في قول أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما وإذا ارتد ~~وقعت الفرقة بينه وبين امرأته وكان طلاقا في قول محمد وإذا وجدته امرأته ~~مجبوبا فخاصمت في ذلك فرق بينهما # ولم يبين في الجامع أن هذه الفرقة تكون بطلاق أم لا # وقال بعض مشايخنا إنها تكون بطلاق اكتفاء PageV02P348 بالأهلية القاصرة ~~عند تحقق الحاجة إلى دفع الضرر عنها # وقال بعضهم هذه تكون بغير طلاق لأن الصبي المميز والرضيع الذي لا يعقل في ~~هذا الحكم سواء وينعدم في حق الرضيع الأهلية القاصرة والكاملة جميعا # وإذا كاتب الأب أو الوصي نصيب الصغير من عبد مشترك بينه وبين غيره ~~واستوفى بدل الكتابة صار الصبي معتقا بنصيبه حتى يضمن قيمة نصيب شريكه إن ~~كان موسرا وهذا الضمان لا يجب إلا بالإعتاق فيكفي بالأهلية القاصرة في جعله ~~معتقا للحاجة إلى دفع الضرر عن الشريك فعرفنا أن الحكم ثابت في حقه عند ~~الحاجة فأما بدون الحاجة لا يجعل ثابتا لأن الاكتفاء بالأهلية القاصرة ~~لتوفير المنفعة على الصبي وهذا المعنى لا يتحقق فيما هو ضرر محض # فأما ما يتردد بين المنفعة والضرر فنحو المعاوضات كالبيع والشراء والنكاح ~~وهذا ثابت في حق الصبي عند مباشرة الولي أو عند المباشرة بإذن الولي لأن ~~معنى توفير المنفعة فيه متوهم وكذلك معنى الضرر ولا يندفع معنى الضرر إلا ~~بالرأي الكامل وذلك يحصل عند مباشرة الولي أو عند مباشرة الصبي بعد استطلاع ~~رأي الولي فإذا اندفع توهم الضرر التحق بما تتمخض فيه المنفعة فيكون للصبي ~~فيه عبارة صحيحة بالأهلية القاصرة وهذا لأن بهذه الأهلية اعتبرت عبارته في ~~تصحيح التصرف شرعا في حق الغير فلأن يعتبر في حق نفسه كان أولى # والمعنى فيه ما بينا أن في تصحيح عبارته نوع منفعة لا تحصل ms745 له تلك ~~المنفعة بمباشرة الولي ثم فيه فتح طريق يحصل المقصود عليه من وجهين أحدهما ~~بمباشرته بنفسه والآخر بمباشرة الولي فيكون ذلك أنفع منه إذا كان الطريق ~~واحدا وقد بينا أن بالأهلية القاصرة يثبت ما فيه توفير المنفعة عليه # ثم على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه لما صار الرأي القاصر في حقه مجبورا ~~بانضمام رأي الولي إليه التحقق بالبالغ حتى نفذ تصرفه بالغبن الفاحش مع ~~الأجانب كما ينفذ من البالغ ولما اندفع معنى توهم الضرر برأي الولي جعل ~~بمنزلة ما لو اندفع ذلك برأيه الكامل بعد البلوغ فينفذ تصرفه بالغبن الفاحش ~~PageV02P349 مع الأجانب وعندهما لما كان نفوذ هذا التصرف منه باعتبار رأى ~~الولى وجب اعتبار رأية العام برأية الخاص وهو ما إذا باشر التصرف بنفسه ~~فكمالا ينفذ التصرف بالغبن الفاحش من الولى بمباشرته فكذلك لا ينفذ بمباشرة ~~الصبى بعد إذن الولى له # وما قاله أبو حنيفة رحمه الله أوجه فإن إقرار الصبى بعد إذن الولى له ~~صحيح وإن كان الولى لا يملك الإقرار عليه بنفسه # وفي تصرفه بالغبن الفاحش مع الأقارب روايتان عن أبي حنيفة رحمه الله في ~~إحداهما يصح لما قلنا من الوجهين وفي الثانية لا يصح لأن شبهة النيابة ~~قائمة في تصرفه لبقاء ولاية الولى في الحجر عليه متى شاء ولأنه وجد أصل ~~الرأى له بنفسه ولم توجد صفة الكمال فكان هو باعتبار الأصل متصرفا لنفسه ~~كالبالغ وباعتبار الصفة هو كالثابت فقلنا بأنه يملك التصرف بالغبن مع ~~الأجانب باعتبار الأصل ولا يملك التصرف بالغبن مع الأقارب باعتبار الوصف ~~لأن التهمة تتمكن في حق الأقارب دون الأجانب ولهذا قلنا إن تدبيره ووصيته ~~لا تكون صحيحة لأنه إزالة الملك مضافا إلى ما بعد الموت فيعتبر بإزالة ~~الملك في حالة الحياة بطريق التبرع من حيث إنه ضرر محض # ولا يقال بأنه يزول الملك عنه بموته وإن لم يوص فيه ينعدم معنى الضرر في ~~وصيته لأن الزوال بالموت يكون إلى الوارث وكان ذلك لتوفير المنفعة على ~~المورث فإن نقل ملكه إلى ms746 أقاربه عند استغنائه عنه يكون أولى عنده من النقل ~~إلى الأجانب وهو بالإيصاء يترك هذا الأفضل ويبذله لغيره وهذا يكون فيه ضرر ~~لا محالة ولكن بالأهلية الكاملة يملك مثل هذا التصرف كما يملك الطلاق بعد ~~النكاح وبالأهلية القاصرة لا يملك وعلى هذا قلنا إذا وقعت الفرقة بين ~~الزوجين وبينهما صبى مميز فإنه لا يخير فيما بين الأبوين ولا تعتبر عبارته ~~في هذا الإختبار شرعا لأنه يتردد بين المنفعة والضرر فلا ينتفى معنى الضرر ~~بانضمام رأى الولى إلى رأيه في ذلك مع أنه يتعين فيه جانب الضرر باعتبار ~~PageV02P350 الظاهر لأنه إنما يختار من لا يثقفه ولا يؤاخذه بالآداب ولكن ~~يتركه خليع العذار لقلة نظرة في عواقب الأمور # وكما لا يعتبر اختياره في هذا لا يعتبر اختيار وليه في هذه الحالة أبوه ~~وأبوه في هذا الإختيار يعمل لنفسه فلا يصلح أن يكون ناظرا فيه لولده # وقد يجوز أن لا يعتبر قوله في ذلك ولا قول أبيه كما قال في السير الكبير ~~إذا كان في رهن المشركين عند المسلمين صبيان فأسلموا ثم رضوا بردهم على ~~المشركين لاسترداد رهن المسلمين منهم لا يعتبر رضاهم في ذلك ولا رضاء ~~آبائهم فلا يردون بخلاف رهن الرجال البالغين فهذا نوع اختيار منه ثم لا ~~يعتبر عبارته فيه ولا عبارة وليه لأنه ينبى على الأهلية الكاملة بمنزلة ~~التصرف الذى يتمحض ضررا # فإن قيل فقد ذكر في الإقرار والسير الكبير أن الصبى العاقل إذا كان مجهول ~~الحال فأقر على نفسه بالرق فإنه يصح إقراره # وفي هذا اعتبار عبارته فيما يتمحض ضررا في حقه وهو إبطال الحرية وتبدل ~~صفة المالكية بالمملوكية # قلنا ثبوت الرق هنا ليس بعبارته ولكن بدعوى ذى اليد أنه عبدلى لأن عند ~~معارضته إياه بدعوى الحرية لا تتقرر يده عليه الصبى الذى لا يعقل إذا كان ~~في يده فقال هو عبدى أو لأن الحرية إنما تثبت له إذا ادعى الحرية ولا يمكن ~~أن يجعل بإقراره الرق مدعيا للحرية بوجه فكان هذا نظير ما قلنا في صحة ردته ms747 ~~نعوذ بالله من حيث إنه مع جهله بالله لا يمكن أن يجعل عالما به حتى يكون ~~محكوما بإسلامه # ولا يستقر مذهب الشافعى رحمه الله في هذه PageV02P351 الفصول على شيء ~~معلوم فإنه يعتبر عبارته في الاختيار بين الأبوين لإلزام الحكم به ولا ~~يعتبر عبارته في الحكم بإسلامه إذا سمع منه الإقرار به ولا شك أن المنفعة ~~في هذا أظهر في الدنيا والآخرة وتعتبر عبارته في الوصية والتدبير ولا تعتبر ~~في صحة البيع والشراء ومعنى المنفعة فيه أظهر منه في الوصية وإنما له حرف ~~واحد يطرده في جميع هذه الفصول وهو أن كل منفعة يمكن تحصليها له بمباشرة ~~وليه لا تعتبر عبارته في ذلك وما لا يمكن تحصيله به بمباشرة وليه تعتبر ~~عبارته فيه فالمنفعة المقصودة من البيع والشراء يمكن تحصيلها به بمباشرة ~~الولي والمنفعة المطلوبة بالوصية لا يمكن تحصيلها به بمباشرة الولي وكذلك ~~المنفعة التي له باختيار أحد الأبوين لا يمكن تحصيلها له بمباشرة الولي ~~فتعتبر عبارته في ذلك والمنفعة المطلوبة بالإسلام يمكن تحصيلها به بمباشرة ~~الولي فإنه يصير مسلما بإسلام أحد الأبوين تبعا وإن كان عاقلا فلا تعتبر ~~عبارته في ذلك # وقرر الشافعي رحمه الله هذا من طريق الفقه فقال كونه موليا عليه سمة ~~العجز وكونه وليا دليل القدرة وبينهما مغايرة على سبيل المضادة فلا يجوز ~~اجتماعهما # قال الشافعي ولهذا لا أصحح ردته بنفسه لأن حكم الردة في حقه لما كان يثبت ~~بطريق التبعية للأبوين يسقط اعتبار مباشرته لذلك بنفسه # ثم قرر الشافعي رحمه الله هذا فقال إذا أسلم أحد أبويه يحكم بإسلامه مع ~~كونه معتقدا للكفر بنفسه فإذا كان لا يعتبر اعتقاده في استدامة ما كان ~~ثابتا في حقه فلأن لا يعتبر اعتقاده في إثبات ما لم يكن ثابتا كان أولى # ولكنا نقول هذا شيء نطرده من غير أن نتبين صحته بدليل شرعي فإنه لا ~~منافاة بين تحصيل منفعة له بواسطة الولي في حالة وبين تحصيل تلك المنفعة له ~~بمباشرته بنفسه في حالة أخرى ألا ترى أنه يصير مسلما ms748 بإسلام أبيه تارة ~~وبإسلام أمه أخرى وإنما تتحقق هذه ( المنافاة ) في حالة واحدة ونحن إذا ~~جعلناه مسلما بإسلام نفسه لا نجعله تبعا في تلك الحالة وفي الحال الذي يكون ~~تبعا لأبويه لا يكون مسلما بإسلام نفسه وما هذا إلا نظير العبد يكون تبعا ~~لمولاه في السفر والإقامة في حالة واحدة PageV02P352 ويكون أصلا بنفسه في ~~حالة وهو إذا خلى المولى بينه وبين ذلك وهذا لما في تصحيح عبارته من تحصيل ~~منفعة مقصودة له لا يحصل ذلك بمباشرة الولي بما في توسيع الطرق عليه من ~~المنفعة التي لا تحصل إذا كان جهة الإصابة واحدا عينا وإذا أسلم أحد أبويه ~~فإنما نجعله مسلما تبعا لأنه في نفسه غير معتقد شيئا ولا واصف لشيء سوى ذلك ~~حتى لو علم أنه معتقد للكفر بأن وصف ذلك نجعله مرتدا ونجعل حكمه كحكم من ~~أسلم بنفسه ثم ارتد ( نعود بالله تعالى ) بعد ذلك # فهذا تمام البيان فيما ينبني على الأهلية القاصرة والكاملة والله أعلم ~~بالحقيقة والصواب # وفي نهاية نسخة المكتبة الأحمدية تم الكتاب ونجز وهذا آخره ووافق الفراغ ~~من كتابته يوم الثلاثاء العشرين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين ~~وسبعمائة على يد العبد الفقير إلى ربه المعترف بذنبه الراجي عفو ربه عمر بن ~~أحمد بن محمد الجرهمي الحنفي عفا الله تعالى عنهم أجمعين تكرما بالمدرسة ~~المقدمية الجولينية الحنفية بدمشق المحروسة رحم الله واقفها ونور ضريحه ~~الحمد لله رب العالمين وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلامه # PageV02P353 ms749